######OpenITI# #META# Author: البغوي #META# Title: معالم التنزيل #META# Date: ت 516 ه #META# Tafsir_type: تفاسير أهل السنة #META# Source: altafsir.com #META#Header#End# ### | [1 - سورة الفاتحة] ### || [1.1-7] # { بسم الله الرحمن الرحيم } قوله: بسم الله الباء أداة ~~تخفض ما بعدها مثل: من وعن، والمتعلق به الباء محذوف لدلالة الكلام عليه، ~~تقديره: أبدأ بسم الله، أو قل: بسم الله. وأسقطت الألف من الاسم طلبا ~~للخفة وكثرة استعمالها وطولت الباء قال القتيبي ليكون افتتاح كلام كتاب ~~الله بحرف معظم، كان عمر بن عبد العزيز رحمه الله يقول لكتابه: طولوا ~~الباء وأظهروا السين وفرجوا بينهما، ودوروا الميم. تعظيما لكتاب الله ~~تعالى وقيل: لما أسقطوا الألف ردوا طول الألف على الباء ليكون دالا على ~~سقوط الألف، ألا ترى أنه لما كتبت الألف في: # اقرأ باسم ربك # [العلق: 1] ردت الباء إلى صيغتها ولا تحذف الألف إذا أضيف الاسم إلى غير ~~الله ولا مع غير الباء. # والاسم هو المسمى وعينه وذاته قال الله تعالى: # إنا نبشرك بغلم اسمه يحيى # [مريم: 7] أخبر أن اسمه يحيى ثم نادى الاسم فقال: «يا يحيى» وقال: # ما تعبدون من دونه إلا أسمآء سميتموهآ # [يوسف: 40] وأراد الأشخاص المعبودة لأنهم كانوا يعبدون المسميات وقال: # سبح اسم ربك # [الأعلى: 1] # تبرك اسم ربك # [الرحمن: 78] ثم يقال للتسمية أيضا اسم فاستعماله في التسمية أكثر من ~~المسمى فإن قيل: ما معنى التسمية من الله لنفسه؟ قيل هو تعليم للعباد كيف ~~يفتتحون القراءة. # واختلفوا في اشتقاقه قال المبرد في البصريين: هو مشتق من السمو وهو ~~العلو، فكأنه علا على معناه وظهر عليه، وصار معناه تحته، وقال ثعلب من ~~الكوفيين: هو من الوسم والسمة وهي العلامة وكأنه علامة لمعناه والأول أصح ~~لأنه يصغر على السمي ولو كان من السمة لكان يصغر على الوسيم ~~كما يقال في الوعد وعيد ويقال في تصريفه سميت ولو كان في الوسم لقيل: ~~وسمت. قوله تعالى:«الله» قال الخليل وجماعة: هو اسم علم خاص لله عز ~~وجل لا اشتقاق له كأسماء الأعلام للعباد مثل زيد وعمرو. وقال جماعة هو ~~مشتق ثم اختلفوا في اشتقاقه فقيل: من أله إلاهة أي عبد عبادة وقرأ ابن ~~عباس رضي الله عنهما # ويذرك وآلهتك # [الأعراف:127] ms0001 أي عبادتك - معناه أنه مستحق للعبادة دون غيره وقيل أصله ~~إله قال الله عز وجل: # وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما ~~خلق # [المؤمنون: 91] قال المبرد: هو من قول العرب ألهت إلى فلان أي سكنت إليه ~~قال الشاعر: # ألهت إليها والحوادث جمة # فكأن الخلق يسكنون إليه ويطمئنون بذكره، ويقال: ألهت إليه أي فزعت إليه ~~قال الشاعر: # ألهت إليها والركائب وقف # وقيل: أصل الإله «ولاه» فأبدلت الواو بالهمزة مثل وشاح واشاح، اشتقاقه ~~من الوله لأن العباد يولهون إليه أي يفزعون إليه في الشدائد، ~~ويلجؤون إليه في الحوائج كما يوله كل طفل إلى أمه، وقيل هو من الوله وهو ~~ذهاب العقل لفقد من يعز عليك. # قوله: { الرحمن الرحيم } قال ابن عباس رضي الله عنهما: هما ~~اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر. واختلفوا فيهما منهم من قال: هما ~~بمعنى واحد مثل ندمان ونديم ومعناهما ذو الرحمة، وذكر أحدهما بعد الآخر ~~(تطميعا) لقلوب الراغبين. وقال المبرد: هو إنعام بعد إنعام، وتفضل بعد ~~تفضل، ومنهم من فرق بينهما فقال: الرحمن بمعنى العموم والرحيم معنى ~~الخصوص. فالرحمن بمعنى الرزاق في الدنيا وهو على العموم لكافة الخلق. ~~والرحيم بمعنى المعافي في الآخرة والعفو في الآخرة للمؤمنين على الخصوص ~~ولذلك قيل في الدعاء: يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة، فالرحمن من تصل رحمته ~~إلى الخلق على العموم، والرحيم من تصل رحمته إليهم على الخصوص، ولذلك ~~يدعى غير الله رحيما ولا يدعى غير الله رحمن. فالرحمن عام المعنى خاص ~~اللفظ، والرحيم عام اللفظ خاص المعنى، والرحمة إرادة الله تعالى الخير ~~لأهله. وقيل هي ترك عقوبة من يستحقها وإسداء الخير إلى من لا يستحق، فهي ~~على الأول صفة ذات، وعلى الثاني صفة (فعل). # واختلفوا في آية التسمية فذهب قراء المدينة والبصرة وفقهاء الكوفة إلى ~~أنها ليست من فاتحة الكتاب، ولا من غيرها من السور والافتتاح بها للتيمن ~~والتبرك. وذهب قراء مكة والكوفة وأكثر فقهاء الحجاز إلى أنها من الفاتحة ~~وليست من سائر السور وإنها كتبت للفصل وذهب جماعة ms0002 إلى أنها من الفاتحة ~~ومن كل سورة إلا سورة التوبة وهو قول الثوري وابن المبارك والشافعي لأنها ~~كتبت في المصحف بخط سائر القرآن. # واتفقوا على أن الفاتحة سبع آيات فالآية الأولى عند من يعدها من الفاتحة ~~(بسم الله الرحمن الرحيم) وابتداء الآية الأخيرة (صراط الذين) ومن لم ~~يعدها من الفاتحة قال ابتداؤها (الحمد لله رب العالمين) وابتداء الآية ~~الأخيرة (غير المغضوب عليهم) واحتج من جعلها من الفاتحة ومن السور بأنها ~~كتبت في المصحف بخط القرآن، وبما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي أنا ~~أبو محمد عبد العزيز بن أحمد الخلال ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم ~~أنا الربيع بن سليمان أنا الشافعي أنا عبد المجيد عن ابن جريج قال: ~~أخبرني أبي عن سعيد بن جبير: (قال) # ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم # [الحجر: 87] هي أم القرآن قال أبي وقرأها علي سعيد بن جبير حتى ختمها ~~ثم قال: «بسم الله الرحمن الرحيم» الآية السابعة قال ~~سعيد: قرأتها على ابن عباس كما قرأتها عليك ثم قال: بسم الله الرحمن ~~الرحيم الآية السابعة، قال ابن عباس: فذخرها لكم فما أخرجها لأحد قبلكم. # ومن لم يجعلها من الفاتحة احتج بما ثنا أبو الحسن محمد بن محمد الشيرازي ~~أنا زاهر بن أحمد ثنا أبو عيسى اسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن ~~حميد الطويل عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: «قمت وراء أبي بكر ~~الصديق، وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهم فكلهم كان لا يقرأ ~~«بسم الله الرحمن الرحيم» إذا افتتح الصلاة» قال سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم / لا يعرف ختم سورة حتى نزلت بسم ~~الله الرحمن الرحيم. # وعن ابن مسعود قال: كنا لا نعلم فصل ما بين السورتين حتى ينزل بسم الله ~~الرحمن الرحيم. # وقال الشعبي: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب في بدء الأمر على ~~رسم قريش باسمك اللهم حتى نزلت # وقال اركبوا فيها ms0003 بسم الله مجريها # [هود: 41] فكتب باسم الله حتى نزلت # قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن # [الإسراء: 110] فكتب بسم الله الرحمن حتى نزلت # إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن ~~الرحيم # [النمل: 30] فكتب مثلها. # قوله: { الحمد لله } لفظه خبر كأنه يخبر أن المستحق للحمد هو ~~الله عز وجل وفيه تعليم الخلق تقديره قولوا الحمد لله والحمد يكون بمعنى ~~الشكر على النعمة، ويكون بمعنى الثناء عليه بما فيه من الخصال الحميدة. ~~يقال حمدت فلانا على ما أسدى إلي من النعمة وحمدته على علمه وشجاعته، ~~والشكر لا يكون إلا على النعمة، فالحمد أعم من الشكر إذ لا يقال: شكرت ~~فلانا على علمه فكل حامد شاكر وليس كل شاكر حامدا. وقيل: الحمد باللسان ~~قولا: والشكر بالأركان فعلا قال الله تعالى: # وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا # [الإسراء: 111] وقال: # اعملوا آل داوود شكرا # [سبأ: 13]. # قوله: { لله } اللام فيه للاستحقاق كما يقال الدار لزيد. # قوله: { رب العلمين الرحمن الرحيم } فالرب يكون ~~بمعنى المالك كما يقال لمالك الدار: رب الدار: ويقال: رب الشيء إذا ملكه، ~~ويكون بمعنى التربية والإصلاح، يقال: رب فلان الضيعة يربها إذا ~~أتمها وأصلحها فهو رب مثل طب، وبر. فالله تعالى مالك العالمين ~~ومربيهم، ولا يقال للمخلوق هو الرب معرفا إنما يقال رب كذا مضافا، ~~لأن الألف واللام للتعميم وهو لا يملك الكل. # «والعالمين» جمع عالم، لا واحد له من لفظه واختلفوا في العالمين قال ابن ~~عباس: هم الجن والإنس لأنهم المكلفون بالخطاب قال الله تعالى: # ليكون للعالمين نذيرا # [الفرقان: 1] وقال قتادة ومجاهد والحسن: هم جميع المخلوقات. قال الله ~~تعالى: # قال فرعون وما رب العلمين قال رب ~~السموت والأرض وما بينهمآ # [الشعراء:23-24] واشتقاقه من العلم والعلامة سموا به لظهور أثر الصنعة ~~فيهم قال أبو عبيدة: هم أربع أمم: الملائكة، والإنس، والجن، والشياطين، ~~مشتق من العلم، ولا يقال للبهائم عالم لأنها لا تعقل، واختلفوا في مبلغهم ~~قال سعيد بن المسيب لله ألف عالم ستمائة في البحر وأربعمائة في البر وقال ~~مقاتل بن حيان: لله ms0004 ثمانون ألف عالم أربعون ألفا في البحر وأربعون ألفا ~~في البر. # وقال وهب: لله ثمانية عشر ألف عالم الدنيا عالم منها، وما العمران في ~~الخراب إلا كفسطاط في صحراء. وقال كعب الأحبار: لا يحصي عدد العالمين أحد ~~إلا الله قال الله تعالى: # وما يعلم جنود ربك إلا هو # [المدثر: 31]. # قوله: { ملك يوم الدين } قرأ عاصم والكسائي ويعقوب: { مالك } ~~وقرأ الآخرون { ملك } قال قوم: معناهما واحد مثل فرهين وفارهين، ~~وحذرين وحاذرين ومعناهما الرب يقال رب الدار ومالكها. وقيل: المالك ~~والملك هو القادر على اختراع الأعيان من العدم إلى الوجود ولا يقدر عليه ~~أحد غير الله. # قال أبو عبيدة: مالك أجمع وأوسع لأنه يقال مالك العبد والطير والدواب ~~ولا يقال ملك هذه الأشياء. ولأنه لا يكون مالكا لشيء إلا وهو يملكه، ~~وقد يكون ملك الشيء ولا يملكه. # وقال قوم: ملك أولى لأن كل ملك مالك وليس كل مالك ملكا ولأنه أوفق ~~لسائر القرآن مثل قوله تعالى: # فتعالى الله الملك الحق # [طه: 114] و # الملك القدوس # [الحشر: 23] قال مجاهد: الدين الحساب، قال الله تعالى # ذلك الدين القيم # [التوبة: 36] أي الحساب المستقيم و # ملك الناس # [الناس: 2] قال ابن عباس ومقاتل والسدي: ملك يوم الدين قاضي يوم الحساب ~~وقال قتادة: الدين الجزاء. ويقع على الجزاء في الخير والشر جميعا كما ~~يقال: كما تدين تدان. # قال محمد بن كعب القرظي: ملك يوم لا ينفع فيه إلا الدين، وقال يمان بن ~~رباب: الدين القهر. يقال دنته فدان أي قهرته فذل. وقيل: الدين الطاعة أي ~~يوم الطاعة. وإنما خص يوم الدين بالذكر مع كونه مالكا للأيام كلها لأن ~~الأملاك يومئذ زائلة فلا ملك ولا أمر إلا له، قال الله تعالى: # الملك يومئذ الحق للرحمن # [الفرقان: 26] وقال: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16] وقال: # والأمر يومئذ لله # [الانفطار: 19]. # وقرأ أبو عمرو: «الرحيم ملك» بإدغام الميم في الميم وكذلك يدغم كل حرفين ~~من جنس واحد أو مخرج واحد أو قريبي المخرج سواء كان الحرف ساكنا أو ~~متحركا إلا أن يكون ms0005 الحرف الأول مشددا أو منونا أو منقوصا أو مفتوحا ~~أو تاء الخطاب قبله ساكن في غير المثلين فإنه لا يدغمهما، وإدغام المتحرك ~~يكون في الإدغام الكبير وافقه حمزة في إدغام المتحرك في قوله # بيت طآئفة # [النساء: 81] # والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا # [الصافات: 1 3] و # والذاريات ذروا # [الذاريات: 1] أدغم التاء فيما بعدها من الحروف، وافقه الكسائي وحمزة في ~~إدغام الصغير، وهو إدغام الساكن في المتحرك إلا في الراء عند اللام ~~والدال عند الجيم وكذلك لا يدغم حمزة - وبرواية خلاد وخلف - الدال عند ~~السين والصاد والزاي، ولا إدغام لسائر القراء إلا في أحرف معدودة. # قوله: { إياك نعبد } «إيا» كلمة ضمير خصت بالإضافة إلى ~~المضمر ويستعمل مقدما على الفعل فيقال: إياك أعني، وإياك أسأل ولا ~~يستعمل مؤخرا إلا منفصلا. # فيقال: ما عنيت إلا إياك. # قوله: { نعبد } أي نوحدك ونطيعك خاضعين، والعبادة الطاعة مع التذلل ~~والخضوع وسمي العبد عبدا لذلته وانقياده يقال: طريق معبد أي مذلل. # { وإياك نستعين } نطلب منك المعونة على عبادتك وعلى جميع ~~أمورنا فإن قيل: لم قدم ذكر العبادة على الاستعانة والاستعانة تكون قبل ~~العبادة؟ فلهذا يلزم من يجعل الاستطاعة قبل الفعل. ونحن بحمد الله نجعل ~~التوفيق والاستعانة مع الفعل، فلا فرق بين التقديم والتأخير ويقال: ~~الاستعانة نوع تعبد فكأنه ذكر جملة العبادة أولا ثم ذكر ما هو من ~~تفاصيلها. # قوله: { اهدنا الصراط المستقيم } اهدنا أرشدنا وقال علي ~~وأبي بن كعب: ثبتنا كما يقال للقائم قم حتى أعود إليك أي دم على ما أنت ~~عليه. وهذا الدعاء من المؤمنين مع كونهم على الهداية بمعنى التثبيت ~~وبمعنى طلب مزيد الهداية لأن الألطاف والهدايات من الله تعالى لا تتناهى ~~على مذهب أهل السنة. «الصراط» و سراط بالسين رواه أويس عن يعقوب وهو ~~الأصل، سمي سراطا لأنه يسرط السابلة، ويقرأ بالزاي، وقرأ حمزة باشمام ~~الزاي، وكلها لغات صحيحة، والاختيار: الصاد، عند أكثر القراء لموافقة ~~المصحف. # والصراط المستقيم قال ابن عباس وجابر رضي الله عنهما: هو الإسلام وهو ~~قول مقاتل. وقال ابن مسعود رضي ms0006 الله عنه: هو القرآن وروي عن علي رضي الله ~~عنه مرفوعا «الصراط المستقيم كتاب الله» وقال سعيد بن جبير رضي الله ~~عنه: طريق الجنة. وقال سهل بن عبد الله: طريق السنة والجماعة. وقال بكر ~~بن عبد الله المزني: طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال أبو ~~العالية والحسن: رسول الله وآله وصاحباه] وأصله في اللغة الطريق الواضح. # قوله { صراط الذين أنعمت عليهم } أي مننت عليهم ~~بالهداية والتوفيق قال عكرمة: مننت عليهم بالثبات على الإيمان ~~والاستقامة وهم الأنبياء عليهم السلام، وقيل: هم كل من ثبته الله على ~~الإيمان من النبيين والمؤمنين الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: # فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين # [النساء: 69] الآية وقال ابن عباس: هم قوم موسى وعيسى عليهما السلام قبل ~~أن غيروا دينهم. وقال عبد الرحمن ابن زيد هم النبي صلى الله عليه وسلم ~~ومن معه. وقال أبو العالية: هم آل الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ~~وعمر رضي الله عنهما وأهل بيته وقال شهر ابن حوشب: هم أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأهل بيته. # قرأ حمزة: عليهم ولديهم وإليهم بضم هاءاتها، ويضم يعقوب كل هاء قبلها ~~ياء ساكنة تثنية وجمعا إلا قوله: # بين أيديهن وأرجلهن # [الممتحنة: 12] وقرأ الآخرون بكسرهما، فمن ضم الهاء ردها إلى الأصل ~~لأنها مضمومة عند الانفراد، ومن كسرها فلأجل الياء الساكنة والكسرة أخت ~~الياء وضم ابن كثير وأبو جعفر كل ميم جمع مشبعا في الوصل إذا لم ~~يلقها ساكن فإن لقيها ساكن فلا يشبع، ونافع يخير، ويضم ورش عند ألف ~~القطع، فإذا تلقته ألف وصل - وقبل الهاء كسر أو ياء ساكنة - ضم الهاء ~~والميم حمزة والكسائي وكسرهما أبو عمرو وكذلك يعقوب إذا انكسر ما قبله ~~والآخرون يقرؤون بضم الميم وكسر الهاء في الكل لأجل الياء أو لكسر ما ~~قبلها وضم الميم على الأصل. # قوله تعالى: { غير المغضوب عليهم } يعني غير صراط الذين ~~غضبت عليهم، والغضب هو إرادة الانتقام من العصاة، وغضب الله تعالى لا ~~يلحق عصاة ms0007 المؤمنين إنما يلحق الكافرين. # { ولا الضآلين } أي وغير الضالين عن الهدى. وأصل الضلال الهلاك ~~والغيبوبة، يقال: ضل الماء في اللبن إذا هلك وغاب. وغير هاهنا بمعنى لا، ~~ولا بمعنى غير ولذلك جاز العطف كما يقال: فلان غير محسن ولا مجمل. فإذا ~~كان غير بمعنى سوى فلا يجوز العطف عليها بلا، ولا يجوز في الكلام: عندي ~~سوى عبد الله ولا زيد. # وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه: صراط من أنعمت عليهم غير المغضوب ~~عليهم وغير الضالين. وقيل: المغضوب عليهم هم اليهود والضالون: هم النصارى ~~لأن الله تعالى حكم على اليهود بالغضب فقال: # من لعنه الله وغضب عليه # [المائدة: 60] وحكم على النصارى بالضلال فقال: # ولا تتبعوا أهوآء قوم قد ضلوا من قبل # [المائدة: 77] وقال سهل بن عبد الله: غير المغضوب (عليهم) بالبدعة، ولا ~~الضالين عن السنة. # والسنة للقارىء أن يقول بعد فراغه من قراءة الفاتحة «آمين» بسكتة مفصولة ~~عن الفاتحة وهو مخفف ويجوز عند النحويين ممدودا ومقصورا ومعناه: اللهم ~~اسمع واستجب. وقال ابن عباس وقتادة: معناه كذلك يكون. وقال مجاهد هو اسم ~~من أسماء الله تعالى. وقيل: هو طابع الدعاء. وقيل هو خاتم الله على عباده ~~يدفع به الآفات عنهم كخاتم الكتاب يمنعه من الفساد وظهور ما فيه. # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد بن القاضي وأبو حامد أحمد بن عبد ~~الله الصالحي قالا: أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أنا أبو علي محمد ~~بن أحمد بن محمد بن معقل الميداني ثنا محمد بن يحيى ثنا عبد الرزاق أنا ~~معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " إذا قال الامام - غير المغضوب عليهم ولا الضالين - فقولوا آمين فإن ~~الملائكة تقول آمين، وإن الإمام يقول آمين فمن وافق تأمينه تأمين ~~الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه " # صحيح. # (فصل في فضل الفاتحة) # أنا أبو الحسين أحمد بن عبد الرحمن بن محمد الكيالي أنا أبو نصر محمد ~~بن علي بن ms0008 الفضل الخزاعي أنا أبو عثمان عمرو بن عبد الله البصري ثنا محمد ~~بن عبد الوهاب ثنا خالد مخلد القطواني حدثني محمد بن جعفر بن أبي كثير هو ~~أخو اسماعيل بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، عن أبي هريرة قال: # " مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي بن كعب وهو قائم يصلي ~~فصاح به فقال: تعال يا أبي فعجل أبي في صلاته، ثم جاء إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما منعك يا أبي أن تجيبني إذ دعوتك؟ أليس ~~الله يقول: { يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله ~~وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم } [الأنفال: 24] قال ~~أبي: لا جرم يا رسول الله لا تدعوني إلا أجبتك وإن كنت مصليا. قال: أتحب ~~أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور (ولا في ~~القرآن) مثلها؟ فقال أبي: نعم يا رسول الله فقال: لا تخرج في باب المسجد ~~حتى تعلمها والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي يريد أن يخرج من المسجد ~~فلما بلغ الباب ليخرج قال له أبي: السورة يا رسول الله. فوقف فقال: نعم ~~كيف تقرأ في صلاتك؟ فقرأ أبي أم القرآن فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: والذي نفسي بيده ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ~~ولا في القرآن مثلها وإنها لهي السبع من المثاني (التي) آتاني الله عز ~~وجل " # هذا حديث حسن صحيح. # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الصمد الترابي أنا الحاكم أبو الفضل محمد بن ~~الحسين الحدادي أنا أبو يزيد محمد بن يحيى بن خالد أنا إسحق بن إبراهيم ~~الحنظلي ثنا يحيى بن آدم ثنا أبو الأحوص عن عمار ابن رزيق عن عبد الله بن ~~عيسى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: # " بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنده جبريل إذ سمع نقيضا من فوقه ~~فرفع جبريل عليه السلام بصره إلى السماء فقال: هذا باب فتح من السماء ما ms0009 ~~فتح قط، قال: فنزل منه ملك فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبشر ~~بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك. فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة ~~ولن تقرأ حرفا منهما إلا أعطيته " # صحيح [أخرجه مسلم عن الحسن بن ربيع عن أبي الأحوص]. # أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد الشيرازي ثنا زاهر بن أحمد السرخسي أنا ~~أبو إسحاق ابراهيم بن عبد الصمد الهاشمي أنا أبو مصعب أحمد بن أبي بكر ~~الزهري عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن أنه سمع أبا السائب مولى هشام بن ~~زهرة يقول: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج غير تمام " # قال: قلت: يا أبا هريرة إني أحيانا أكون وراء الإمام فغمز ذراعي ~~وقال: اقرأ بها يا فارسي في نفسك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " قال الله عز وجل قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها ~~لعبدي ولعبدي ما سأل " # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " اقرؤوا يقول العبد: { الحمد لله رب العلمين } / ~~يقول الله حمدني عبدي، يقول العبد { الرحمن الرحيم } يقول الله ~~أثنى علي عبدي، يقول العبد { ملك يوم الدين } يقول الله تعالى ~~مجدني عبدي، يقول العبد: { إياك نعبد وإياك نستعين } ~~يقول الله تعالى: هذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، يقول العبد { ~~اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت ~~عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضآلين } يقول ~~الله فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل " # صحيح [أخرجه مسلم عن قتيبة عن مالك]. ### | [2 - سورة البقرة] ### || [2.1-5] # { بسم الله الرحمن الرحيم * الم } قال الشعبي وجماعة: ~~الم وسائر حروف الهجاء في أوائل السور من المتشابه الذي استأثر الله ~~بعلمه وهي سر القرآن. فنحن نؤمن بظاهرها ونكل العلم فيها إلى الله ~~تعالى. وفائدة ذكرها طلب الإيمان بها. قال أبو بكر الصديق: في كل كتاب ~~سر وسر الله تعالى في القرآن أوائل السور، وقال علي: لكل كتاب صفوة ms0010 وصفوة ~~هذا الكتاب حروف التهجي قال داود بن أبي هند: كنت أسأل الشعبي عن فواتح ~~السور فقال: يا داود إن لكل كتاب سرا وإن سر القرآن فواتح السور فدعها ~~وسل عما سوى ذلك. # وقال جماعة هي معلومة المعاني فقيل: كل حرف منها مفتاح اسم من أسمائه ~~كما قال ابن عباس في كهيعص: الكاف من كافي والهاء من هادي والياء من حكيم ~~والعين من عليم والصاد من صادق. وقيل في المص أنا الله الملك الصادق، ~~وقال الربيع بن أنس في الم: الألف مفتاح اسمه الله واللام مفتاح اسمه ~~اللطيف، والميم مفتاح اسمه المجيد. # وقال محمد بن كعب: الألف آلاء الله واللام لطفه، والميم ملكه، وروى سعيد ~~بن جبير عن ابن عباس أنه قال: معنى الم: أنا الله أعلم: ومعنى المص: ~~أنا الله أعلم وأفضل ومعنى الر: أنا الله أرى، ومعنى المر: أنا الله ~~أعلم وأرى. قال الزجاج: وهذا حسن فإن العرب تذكر حرفا من كلمة يريدها ~~كقولهم: # قلت لها: قفي لنا قالت: قاف # أي: وقفت، وعن سعيد بن جبير قال هي أسماء الله تعالى مقطعة لو علم الناس ~~تأليفها لعلموا اسم الله الأعظم. ألا ترى أنك تقول الر، وحم، ون، فتكون ~~الرحمن، وكذلك سائرها إلا أنا لا نقدر على وصلها، وقال قتادة: هذه ~~الحروف أسماء القرآن. وقال مجاهد وابن زيد: هي أسماء السور، وبيانه: أن ~~القائل إذا قال قرأت المص عرف السامع أنه قرأ السورة التي افتتحت ~~بالمص. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها أقسام، وقال الأخفش: إنما ~~أقسم الله بهذه الحروف لشرفها وفضلها لأنها مبادىء كتبه المنزلة ومباني ~~أسمائه الحسنى. # قوله تعالى: { ذلك الكتاب } أي هذا الكتاب وهو القرآن، وقيل: هذا ~~فيه مضمر أي هذا ذلك الكتاب. قال الفراء: كان الله قد وعد نبيه صلى الله ~~عليه وسلم أن ينزل عليه كتابا لا يمحوه الماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ~~فلما أنزل القرآن قال هذا ذلك الكتاب الذي وعدتك أن أنزله عليك في ~~التوراة والإنجيل وعلى لسان النبيين ms0011 من قبلك «وهذا» للتقريب «وذلك» ~~للتبعيد، وقال ابن كيسان: إن الله تعالى أنزل قبل سورة البقرة سورا كذب ~~بها المشركون ثم أنزل سورة البقرة فقال (ذلك الكتاب) يعني ما تقدم البقرة ~~من السور لا شك فيه. # والكتاب مصدر وهو بمعنى المكتوب كما يقال للمخلوق خلق، وهذا الدرهم ~~ضرب فلان أي مضروبه. وأصل الكتب: الضم والجمع، ويقال للجند: كتيبة ~~لاجتماعها، وسمي الكتاب كتابا لأنه جمع حرف إلى أحرف. # قوله تعالى: { لا ريب فيه } أي لا شك فيه أنه من عند الله عز وجل ~~وأنه الحق والصدق، وقيل هو خبر بمعنى النهي أي: لا ترتابوا فيه كقوله ~~تعالى: # فلا رفث ولا فسوق # [البقرة: 197] أي لا ترفثوا ولا تفسقوا. قرأ ابن كثير: فيه بالإشباع في ~~الوصل وكذلك كل هاء كناية قبلها ساكن يشبعها وصلا ما لم يلقها ساكن ثم ~~إن كان الساكن قبل الهاء ياء يشبعها بالكسرة ياء وإن كان غير ياء يشبعها ~~بالضم واوا ووافقه حفص في قوله: # فيه مهانا # [الفرقان: 69] (فيشبعه). # قوله تعالى: { هدى للمتقين } يدغم الغنة عند اللام والراء أبو ~~جعفر وابن كثير وحمزة والكسائي، زاد حمزة والكسائي عند الياء وزاد حمزة ~~عند الواو والآخرون لا يدغمونها ويخفي أبو جعفر النون والتنوين عند الخاء ~~والغين (هدى للمتقين) أي هو هدى أي رشد وبيان لأهل التقوى، وقيل هو نصب ~~على الحال أي هاديا تقديره لا ريب في هدايته للمتقين والهدى ما يهتدي به ~~الإنسان، للمتقين أي للمؤمنين. قال ابن عباس رضي الله عنهما: المتقي من ~~يتقي الشرك والكبائر والفواحش وهو مأخوذ من الاتقاء. وأصله الحجز بين ~~الشيئين ومنه يقال اتقى بترسه أي جعله حاجزا بين نفسه وبين ما يقصده. # وفي الحديث: # " كنا إذا أحمر البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم " # أي إذا اشتد الحرب جعلناه حاجزا بيننا وبين العدو، فكأن المتقي يجعل ~~امتثال أمر الله والاجتناب عما نهاه حاجزا بينه وبين العذاب. قال عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه لكعب الأحبار: حدثني عن التقوى فقال: هل أخذت طريقا ~~ذا ms0012 شوك قال: نعم. قال فما عملت فيه قال: حذرت وشمرت: قال كعب: ذلك ~~التقوى. وقال شهر بن حوشب: المتقي الذي يترك مالا بأس به حذرا لما به ~~بأس وقال عمر بن عبد العزيز: التقوى ترك ما حرم الله وأداء ما افترض الله ~~فما رزق الله بعد ذلك فهو خيرإلى خير. وقيل هو الاقتداء بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم وفي الحديث: # " جماع التقوى في قوله تعالى { إن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان } [النحل:90] الآية " # وقال ابن عمر: التقوى أن لا ترى نفسك خيرا من أحد. وتخصيص المتقين ~~بالذكر تشريف لهم أو لأنهم هم المتقون بالهدى. # قوله تعالى: { الذين يؤمنون } موضع الذين خفض نعتا ~~للمتقين. يؤمنون: يصدقون ويترك الهمزة أبو عمرو وورش، والآخرون يهمزونه ~~وكذلك يتركان كل همزة ساكنة هي فاء الفعل نحو يؤمن ومؤمن إلا أحرفا ~~معدودة. # وحقيقة الإيمان التصديق بالقلب، قال الله تعالى: # ومآ أنت بمؤمن لنا # [يوسف: 17] أي: بمصدق لنا وهو في الشريعة: الاعتقاد بالقلب والإقرار ~~باللسان والعمل بالأركان، فسمي الإقرار والعمل إيمانا؛ لوجه من ~~المناسبة، لأنه من شرائعه. # والإسلام: هو الخضوع والانقياد، فكل إيمان إسلام وليس كل إسلام ~~إيمانا، إذا لم يكن معه تصديق، قال الله تعالى: # قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا # [الحجرات: 14] وذلك لأن الرجل قد يكون مستسلما في الظاهر غير مصدق في ~~الباطن. ويكون مصدقا في الباطن غير منقاد في الظاهر. # وقد اختلف جواب النبي صلى الله عليه وسلم عنهما حين سأله جبريل عليه ~~السلام وهو ما أخبرنا أبو طاهر محمد ابن علي بن محمد بن علي بن بن بويه ~~الزراد البخاري: أنا أبو القاسم على بن أحمد الخزاعي ثنا أبو سعيد الهيثم ~~بن كليب الشاشي ثنا أبو أحمد عيسى بن أحمد العسقلاني أنا يزيد بن هارون ~~أنا كهمس بن الحسن عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر قال: كان أول من ~~تكلم في القدر، يعني بالبصرة، معبدا الجهني فخرجت أنا وحميد بن عبد ~~الرحمن نريد مكة فقلنا: لو لقينا أحدا ms0013 من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فسألناه عما يقوله هؤلاء فلقينا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ~~فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فعلمت أنه سيكل ~~الكلام إلي فقلت: يا أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر قبلنا ناس يتقفرون هذا ~~العلم ويطلبونه يزعمون أن لا قدر إنما الأمر أنف قال: فإذا لقيت أولئك ~~فأخبرهم أني منهم بريء وأنهم مني برآء والذي نفسي بيده لو أن لأحدهم ~~مثل أحد ذهبا فأنفقه في سبيل الله ما قبل الله منه شيئا حتى يؤمن ~~بالقدر خيره وشره ثم قال: # " حدثنا عمر بن الخطاب قال: «بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذ أقبل رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر ما يرى عليه أثر السفر ولا ~~يعرفه منا أحد فأقبل حتى جلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وركبته تمس ركبته فقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم ~~الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا ~~فقال: صدقت فتعجبنا من سؤاله وتصديقه. ثم قال: فما الإيمان قال: أن تؤمن ~~بالله وحده وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث بعد الموت والجنة والنار ~~وبالقدر خيره وشره فقال: صدقت. ثم قال: فما الإحسان قال:أن تعبد الله ~~كأنك تراه فإنك إن لم تكن تراه فإنه يراك قال: صدقت ثم قال: فأخبرني عن ~~الساعة فقال ما المسؤول عنها بأعلم بها من السائل قال: صدقت قال: فأخبرني ~~عن أماراتها قال: أن تلد الامة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء ~~الشاء يتطاولون في بنيان المدر قال: صدقت ثم انطلق فلما كان بعد ثالثة ~~قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عمر هل تدري من الرجل؟ قال: ~~قلت: الله ورسوله أعلم. قال: ذلك جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم وما ~~أتاني في صورة إلا عرفته فيها إلا في صورته هذه» ". # فالنبي صلى ms0014 الله عليه وسلم جعل الإسلام في هذا الحديث إسما لما ظهر من ~~الأعمال، والإيمان اسما لما بطن من الاعتقاد وليس ذلك لأن الأعمال ليست ~~من الإيمان أو التصديق بالقلب ليس من الإسلام بل ذلك تفصيل لجملة هي ~~كلها شيء واحد وجماعها الدين، ولذلك قال: # " ذاك جبرائيل أتاكم يعلمكم أمر دينكم ". # والدليل على أن الأعمال من الإيمان ما أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ~~أنا أبو القاسم ابراهيم بن محمد بن علي بن الشاه ثنا أبو أحمد محمد بن ~~قريش بن سليمان ثنا بشر بن موسى ثنا خلف بن الوليد عن جرير الرازي عن سهل ~~بن أبي صالح عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة ~~الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان ". # وقيل: الإيمان مأخوذ من الأمان، فسمي المؤمن مؤمنا لأنه يؤمن نفسه ~~من عذاب الله، والله تعالى مؤمن لأنه يؤمن العباد من عذابه. # قوله تعالى { بالغيب }: والغيب مصدر وضع موضع الاسم فقيل للغائب ~~غيب كما قيل للعادل عدل وللزائر زور. والغيب ما كان مغيبا عن العيون قال ~~ابن عباس: الغيب ههنا كل ما أمرت بالإيمان به فيما غاب عن بصرك مثل ~~الملائكة والبعث والجنة والنار والصراط والميزان. وقيل الغيب ههنا: هو ~~الله تعالى، وقيل: القرآن، وقال الحسن: بالآخرة وقال زر بن حبيش وابن ~~جريج: الوحي. نظيره: # أعنده علم الغيب # [النجم: 35] وقال ابن كيسان: بالقدر وقال عبد الرحمن بن يزيد: كنا عند ~~عبد الله بن مسعود فذكرنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وما سبقونا به ~~فقال عبد الله: إن أمر محمد كان بينا لمن رآه والذي لا إله غيره ما ~~آمن أحد قط إيمانا أفضل من إيمان بغيب ثم قرأ (ألم ذلك الكتاب) إلى قوله ~~(المفلحون). قرأ أبو جعفر وأبو عمرو وورش يؤمنون بترك الهمزة وكذلك أبو ~~جعفر بترك كل همزة ساكنة إلا في أنبئهم ونبئهم ms0015 ونبئنا ويترك أبو عمرو ~~كلها إلا أن تكون علامة للجزم نحو نبئهم وأنبئهم وتسؤهم وإن نشأ وننسأها ~~ونحوها أو يكون خروجا من لغة إلى أخرى نحو مؤصدة ورئيا. # ويترك ورش كل همزة ساكنة كانت فاء الفعل إلا تؤوي وتؤويه ولا يترك من ~~عين الفعل: إلا الرؤيا وبابه، إلا ما كان على وزن فعل. مثل: ذئب. # قوله تعالى: { ويقيمون الصلوة } أي يديمونها ويحافظون عليها ~~في مواقيتها بحدودها، وأركانها وهيئاتها يقال: قام بالأمر، وأقام الأمر ~~إذا أتى به معطى حقوقه، والمراد بها الصلوات الخمس ذكر بلفظ (الواحدان) ~~كقوله تعالى: # فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل ~~معهم الكتب بالحق # [البقرة: 213] يعني الكتب. # والصلاة في اللغة: الدعاء، قال الله تعالى: # وصل عليهم # [التوبة: 103] أي ادع لهم، وفي الشريعة اسم لأفعال مخصوصة من قيام وركوع ~~وسجود وقعود ودعاء وثناء. وقيل في قوله تعالى: # إن الله وملئكته يصلون على النبى # [الأحزاب: 56] الآية إن الصلاة من الله في هذه الآية الرحمة ومن ~~الملائكة الاستغفار، ومن المؤمنين: الدعاء. # قوله تعالى: { ومما رزقنهم } (أي) أعطيناهم والرزق اسم لكل ~~ما ينتفع به حتى الولد والعبد وأصله في اللغة الحظ والنصيب. # { ينفقون } يتصدقون قال قتادة: ينفقون في سبيل الله وطاعته. وأصل ~~الإنفاق: الإخراج عن اليد والملك، ومنه نفاق السوق؛ لأنه تخرج فيه ~~السلعة عن اليد، ومنه: نفقت الدابة إذا خرجت روحها. فهذه الآية في ~~المؤمنين من مشركي العرب. # قوله تعالى: { والذين يؤمنون بمآ أنزل إليك } يعني ~~القرآن { ومآ أنزل من قبلك } من التوراة والإنجيل وسائر الكتب ~~المنزلة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ويترك أبو جعفر وابن كثير ~~وقالون وأبو عمرو وأهل البصرة ويعقوب كل مدة تقع بين كل كلمتين. ~~والآخرون يمدونها. وهذه الآية في المؤمنين من أهل الكتاب. # قوله تعالى: { وبالأخرة } أي بالدار الآخرة سميت الدنيا دنيا ~~لدنوها من الآخرة وسميت الآخرة آخرة لتأخرها وكونها بعد الدنيا { هم ~~يوقنون } أي يستيقنون أنها كائنة، من الإيقان: وهو العلم. وقيل: ~~الإيقان واليقين: علم عن استدلال. ولذلك لا يسمى الله موقنا ولا علمه ~~يقينا ms0016 إذ ليس علمه عن استدلال. # قوله تعالى: { أولئك } أي أهل هذه الصفة وأولاء كلمة معناها ~~الكناية عن جماعة نحو: هم، والكاف للخطاب كما في حرف ذلك { على هدى ~~} أي رشد وبيان وبصيرة { من ربهم وأولئك هم ~~المفلحون } أي الناجون والفائزون فازوا بالجنة ونجوا من النار، ~~ويكون الفلاح بمعنى البقاء أي باقون في النعيم المقيم وأصل الفلاح القطع ~~والشق ومنه سمي الزراع فلاحا لأنه يشق الأرض وفي المثل: الحديد بالحديد ~~يفلح أي يشق فهم مقطوع لهم بالخير في الدنيا والآخرة. ### || [2.6-10] # قوله { إن الذين كفروا } يعني مشركي العرب قال الكلبي: يعني ~~اليهود. والكفر هو الجحود وأصله من الكفر وهو الستر ومنه: سمي الليل ~~كافرا لأنه يستر الأشياء بظلمته وسمي الزراع كافرا لأنه يستر الحب ~~بالتراب، والكافر يستر الحق بجحوده. # والكفر على أربعة أنحاء: كفر إنكار، وكفر جحود، وكفر عناد، وكفر نفاق، ~~فكفر الإنكار: أن لا يعرف الله أصلا ولا يعترف به، وكفر الجحود هو: أن ~~يعرف الله تعالى بقلبه ولا يقر بلسانه ككفر إبليس وكفر اليهود. قال الله ~~تعالى: # فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به # [البقرة: 89]، وكفر العناد هو: أن يعرف الله بقلبه ويعترف بلسانه ولا ~~يدين به ككفر أبي طالب حيث يقول: # ولقد علمت بأن دين محمد # من خير أديان البرية دينا # لولا الملامة أو حذار مسبة # لوجدتني سمحا بذاك مبينا # وأما كفر النفاق فهو أن يقر باللسان ولا يعتقد بالقلب، وجميع هذه ~~الأنواع سواء في أن من لقي الله تعالى بواحد منها لا يغفر له. # قوله: { سوآء عليهم }: أي متساو لديهم { ءأنذرتهم } ~~خوفتهم وحذرتهم، والإنذار إعلام مع تخويف وتحذير، فكل منذر معلم ~~وليس كل معلم منذرا، وحقق ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي الهمزتين في ~~{ ءأنذرتهم } ، وكذلك كل همزتين تقعان في أول الكلمة، والآخرون ~~يلينون الثانية { أم } حرف عطف على الاستفهام { لم } حرف جزم لا ~~يلي إلا الفعل، لأن الجزم يختص بالأفعال { تنذرهم لا يؤمنون } ~~وهذه الآية في أقوام حقت عليهم كلمة الشقاوة في سابق علم الله، ثم ذكر ~~سبب ms0017 تركهم الإيمان فقال: { ختم الله } طبع الله { على ~~قلوبهم } فلا تعي خيرا ولا تفهمه. # وحقيقة الختم الاستيثاق من الشيء كيلا يدخله ما خرج منه ولا يخرج عنه ما ~~فيه، ومنه الختم على الباب. قال أهل السنة: أي: حكم على قلوبهم بالكفر، ~~لما سبق من علمه الأزلي فيهم، وقال المعتزلة: جعل على قلوبهم علامة ~~تعرفهم الملائكة بها. { وعلى سمعهم }: أي: على موضع سمعهم فلا ~~يسمعون الحق ولا ينتفعون به، وأراد على أسماعهم كما قال: على قلوبهم، ~~وإنما وحده لأنه مصدر، والمصدر لا يثنى ولا يجمع. { وعلى ~~أبصرهم غشوة } هذا ابتداء كلام. غشاوة أي: غطاء، فلا يرون ~~الحق. وقرأ أبو عمرو الكسائي أبصارهم بالامالة وكذا كل ألف بعدها راء ~~مجرورة في الأسماء كانت لام الفعل يميلانها، ويميل حمزة منها ما يتكرر ~~فيه الراء كالقرار ونحوه. زاد الكسائي إمالة جبارين والجوار والجار ~~وبارئكم ومن أنصاري ونسارع وبابه. وكذلك يميل هؤلاء كل ألف بمنزلة لام ~~الفعل، أو كان علما للتأنيث، إذا كان قبلها راء، فعلم التأنيث مثل: ~~الكبرى والأخرى. ولام الفعل مثل: ترى، وافترى، يكسرون الراء فيها. # { ولهم عذاب عظيم } أي: في الآخرة، وقيل: القتل والأسر في ~~الدنيا والعذاب الدائم في العقبى. # والعذاب:كل ما يعني الإنسان ويشق عليه. قال الخليل: العذاب ما يمنع ~~الانسان عن مراده، ومنه الماء العذب، لأنه يمنع العطش. # قوله: { ومن الناس من يقول آمنا بالله } نزلت في ~~المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول، ومعتب بن قشير، وجد بن قيس ~~وأصحابهم حيث أظهروا كلمة الإسلام ليسلموا من النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه واعتقدوا خلافها وأكثرهم من اليهود، والناس جمع انسان سمي به ~~لأنه عهد إليه فنسي، كما قال الله تعالى: # ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل فنسي # [طه: 115]، وقيل: لظهوره من قولهم آنست أي أبصرت، وقيل: لأنه يستأنس به ~~{ وباليوم الأخر } ، أي بيوم القيامة. قال الله تعالى: { وما ~~هم بمؤمنين يخادعون الله } أي يخالفون الله وأصل الخدع في ~~اللغة الإخفاء، ومنه المخدع للبيت الذي يخفى فيه المتاع فالمخادع يظهر ms0018 ~~خلاف ما يضمر والخدع من الله في قوله # وهو خادعهم # [النساء: 142]، أي يظهر لهم ويعجل لهم من النعيم في الدنيا خلاف ما يغيب ~~عنهم من عذاب الآخرة. وقيل: أصل الخدع: الفساد، معناه يفسدون ما أظهروا ~~من الإيمان بما أضمروا من الكفر. # وقوله: (وهو خادعهم) أي: يفسد عليهم نعيمهم في الدنيا بما يصيرهم ~~إليه من عذاب الآخرة فإن قيل ما معنى قوله: { يخادعون الله } ~~والمفاعلة للمشاركة وقد جل الله تعالى عن المشاركة في المخادعة؟ قيل: ~~قد ترد المفاعلة لا على معنى المشاركة كقولك عافاك الله وعاقبت فلانا، ~~وطارقت النعل. وقال الحسن: معناه يخادعون رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كما قال الله تعالى: # إن الذين يؤذون الله # [الأحزاب: 57]، أي أولياء الله، وقيل: ذكر الله هاهنا تحسين والقصد ~~بالمخادعة الذين آمنوا كقوله تعالى: # فأن لله خمسه وللرسول # [الأنفال: 41] وقيل معناه يفعلون في دين الله ما هو خداع في دينهم { ~~والذين ءامنوا } أي ويخادعون المؤمنين بقولهم إذا رأوهم آمنا وهم ~~غير مؤمنين، { وما يخدعون } قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وما ~~يخادعون كالحرف الأول وجعلوه من المفاعلة التي تختص بالواحد. وقرأ ~~الباقون: وما يخدعون على الأصل. # { إلا أنفسهم } لأن وبال خداعهم راجع إليهم لأن الله تعالى يطلع ~~نبيه صلى الله عليه وسلم على نفاقهم فيفتضحون في الدنيا ويستوجبون العقاب ~~في العقبى { وما يشعرون } أي لا يعلمون أنهم يخدعون أنفسهم وأن ~~وبال خداعهم يعود عليهم { فى قلوبهم مرض } شك ونفاق وأصل المرض ~~الضعف. وسمي الشك في الدين مرضا لأنه يضعف الدين كالمرض يضعف البدن. # { فزادهم الله مرضا } لأن الآيات كانت تنزل تترى، آية بعد ~~آية، كلما كفروا بآية ازدادوا كفرا ونفاقا وذلك معنى قوله تعالى: # وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى ~~رجسهم # [التوبة: 125] وقرأ ابن عامر وحمزة فزادهم بالإمالة وزاد حمزة إمالة زاد ~~حيث وقع وزاغ وخاب وطاب وحاق وضاق، والآخرون لا يميلونها { ولهم ~~عذاب أليم } مؤلم يخلص وجعه إلى قلوبهم { بما كانوا ~~يكذبون } ما للمصدر أي بتكذيبهم الله ورسوله في السر. ms0019 قرأ الكوفيون ~~يكذبون بالتخفيف أي: بكذبهم (إذ) قالوا: آمنا وهم غير مؤمنين. ### || [2.11-13] # { وإذا قيل } قرأ الكسائي: «قيل» و«غيض» و«جيء» و«حيل» و«سيق» ~~و«سيئت» بروم أوائلهن الضم - ووافق ابن عامر في «سيق» و«حيل» و«سيىء» ~~و«سيئت» - ووافق أهل المدينة في: سيء وسيئت لأن أصلها قول بضم القاف وكسر ~~الواو، مثل قتل وكذل في أخواته، فأشير إلى الضمة لتكون دالة على الواو ~~المنقلبة وقرأ الباقون بكسر أوائلهن، استثقلوا الحركة على الواو فنقلوا ~~كسرتها إلى فاء الفعل وانقلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها { وإذا قيل ~~لهم } يعني للمنافقين، وقيل: لليهود أي: قال لهم المؤمنون { لا ~~تفسدوا فى الأرض } بالكفر وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم والقرآن. وقيل معناه لا تكفروا، والكفر أشد فسادا في ~~الدين { قالوا إنما نحن مصلحون } يقولون هذا القول كذبا ~~كقولهم آمنا وهم كاذبون { ألآ } كلمة تنبيه ينبه بها المخاطب { ~~إنهم هم المفسدون } أنفسهم بالكفر والناس بالتعويق عن ~~الإيمان { ولكن لا يشعرون } أي: لا يعلمون أنهم مفسدون لأنهم ~~يظنون أن الذي هم عليه من إبطان الكفر صلاح. وقيل: لا يعلمون ما أعد ~~الله لهم من العذاب. # { وإذا قيل لهم } أي للمنافققين وقيل لليهود { ءامنوا كمآ ~~ءامن الناس } عبد الله بن سلام وغيره من مؤمني أهل الكتاب، وقيل ~~كما آمن المهاجرون والأنصار { قالوا أنؤمن كمآ آمن ~~السفهآء } أي الجهال فإن قيل كيف يصح النفاق مع المجاهرة بقولهم: ~~أنؤمن كما آمن السفهاء قيل أنهم كانوا يظهرون هذا القول فيما بينهم لا ~~عند المؤمنين. فأخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بذلك فرد ~~الله عليهم فقال: { ألا إنهم هم السفهآء ولكن لا ~~يعلمون } أنهم كذلك فالسفيه خفيف العقل رقيق الحلم من قولهم: ثوب ~~سفيه أي رقيق وقيل السفيه الكذاب الذي يتعمد الكذب بخلاف ما يعلم. # قرأ أهل الكوفة والشام (السفهاء ألا) بتحقيق الهمزتين وكذلك كل همزتين ~~وقعتا في كلمتين اتفقتا أو اختلفتا والآخرون يحققون الأولى ويلينون ~~الثانية في المختلفتين طلبا للخفة فإن كانتا متفقتين مثل: هؤلاء، ~~وأولياء، وأولئك، وجاء أمر ms0020 ربك - قرأها أبو عمرو والبزي عن ابن كثير ~~بهمزة واحدة، وقرأ أبو جعفر وورش والقواش ويعقوب بتحقيق الأولى وتليين ~~الثانية، وقرأ قالون بتخفيف الأولى وتحقيق الثانية لأن ما يستأنف أولى ~~بالهمزة مما يسكت عليه. ### || [2.14-18] # { وإذا لقوا الذين آمنوا } يعني هؤلاء المنافقين إذا لقوا ~~المهاجرين والأنصار { قالوا ءامنا } كإيمانكم { وإذا خلوا ~~} رجعوا. ويجوز أن يكون من الخلوة { إلى } بمعنى الباء أي بشياطينهم ~~وقيل: إلى بمعنى مع كما قال الله تعالى # ولا تأكلوا أمولهم إلى أمولكم # [النساء: 2] أي مع أموالكم { شيطينهم } أي رؤسائهم وكهنتهم قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: وهم خمسة نفر من اليهود كعب بن الأشرف ~~بالمدينة، وأبو بردة في بني أسلم، وعبد الدار في جهينة، وعوف بن عامر في ~~بني أسد، وعبد الله بن السوداء بالشام، ولا يكون كاهن إلا ومعه شيطان ~~تابع له. # والشيطان: المتمرد العاتي من الجن والإنس ومن كل شيء وأصله البعد، يقال ~~بئر شطون أي: بعيدة العمق. سمي الشيطان شيطانا لامتداده في الشر وبعده ~~من الخير. وقال مجاهد: إلى أصحابهم من المنافقين والمشركين { قالوا ~~إنا معكم } أي: على دينكم { إنما نحن مستهزءون } ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه بما نظهر من الإسلام. # قرأ أبو جعفر مستهزون ويستهزون وقل استهزوا وليطفوا وليواطوا ويستنبونك ~~وخاطين وخاطون ومتكن ومتكون فمالون والمنشون بترك الهمزة فيهن { الله ~~يستهزىء بهم } أي: يجازيهم جزاء استهزائهم سمي الجزاء باسمه ~~لأنه في مقابلته كما قال الله تعالى: # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى:40]، قال ابن عباس: هو أن يفتح لهم باب من الجنة فإذا انتهوا ~~إليه سد عنهم، وردوا إلى النار وقيل هو أن يضرب للمؤمنين نور يمشون به ~~على الصراط فإذا وصل المنافقون إليه حيل بينهم وبين المؤمنين كما قال ~~الله تعالى: # وحيل بينهم وبين ما يشتهون # [سبأ: 54] قال الله تعالى: # فضرب بينهم بسور له باب # الآية [الحديد: 13] وقال الحسن معناه الله يظهر المؤمنين على نفاقهم ~~{ ويمدهم } يتركهم ويمهلهم والمد والإمداد واحد، وأصله الزيادة ~~إلا أن المد أكثر ما يأتي في الشر والإمداد ms0021 في الخير قال الله تعالى في ~~المد # ونمد له من العذاب مدا # [مريم: 79]، وقال في الإمداد # وأمددنكم بأمول وبنين # [الإسراء: 6] # وأمددنهم بفكهة # [الطور: 22] { في طغينهم } أي في ضلالتهم وأصله مجاوزة الحد. ~~ومنه طغى الماء { يعمهون } أي: يترددون في الضلالة متحيرين { ~~أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى } أي ~~استبدلوا الكفر بالإيمان، { فما ربحت تجرتهم } أي: ما ~~ربحوا في تجارتهم أضاف الربح إلى التجارة لأن الربح يكون فيها كما تقول ~~العرب: ربح بيعك وخسرت صفقتك { وما كانوا مهتدين } من الضلالة، ~~وقيل: مصيبين في تجارتهم { مثلهم } شبههم، وقيل: صفتهم. والمثل: قول ~~سائر في عرف الناس يعرف به معنى الشيء وهو أحد أقسام القرآن السبعة، { ~~كمثل الذى } يعني الذين بدليل سياق الآية. ونظيره: # والذى جآء بالصدق وصدق به أولئك هم ~~المتقون # [الزمر: 33] { استوقد } أوقد { نارا فلمآ أضاءت } النار ~~{ ما حوله } أي حول المستوقد. # وأضاء: لازم ومتعد يقال أضاء الشيء بنفسه وأضاءه غيره وهو هاهنا متعد { ~~ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمت لا ~~يبصرون } قال ابن عباس وقتادة ومقاتل والضحاك والسدي: نزلت في ~~المنافقين. # يقول: مثلهم في نفاقهم كمثل رجل أوقد نارا في ليلة مظلمة في مفازة ~~فاستدفأ ورأى ما حوله فاتقى مما يخاف فبينما هو كذلك إذ طفيت ناره فبقي ~~في ظلمة طائفا متحيرا فكذلك المنافقون بإظهار كلمة الإيمان أمنوا على ~~أموالهم وأولادهم وناكحوا المؤمنون ووارثوهم وقاسموهم الغنائم فذلك نورهم ~~فإذا ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف. وقيل: ذهاب نورهم في القبر. وقيل: ~~في القيامة حيث يقولون للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم. وقيل: ذهاب ~~نورهم بإظهار عقيدتهم على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، فضرب النار ~~مثلا ثم لم يقل أطفأ الله نارهم لكن عبر بإذهاب النور عنه لأن النار نور ~~وحرارة فيذهب نورهم وتبقى الحرارة عليهم. وقال مجاهد: إضاءة النار ~~إقبالهم إلى المسلمين والهدى وذهاب نورهم إقبالهم إلى المشركين والضلالة ~~وقال عطاء ومحمد بن كعب: نزلت في اليهود. وانتظارهم خروج النبي صلى الله ~~عليه وسلم واستفتاحهم به على مشركي العرب، فلما خرج كفروا به، ms0022 ثم وصفهم ~~الله فقال: { صم } أي: هم صم عن الحق لا يقبلونه وإذا لم يقبلوا ~~فكأنهم لم يسمعوا { بكم } خرس عن الحق لا يقولونه أو أنهم لما أبطنوا ~~خلاف ما أظهروا فكأنهم لم ينطقوا بالحق { عمى } أي لا بصائر لهم ومن ~~لا بصيرة له كمن لا بصر له { فهم لا يرجعون } عن الضلالة إلى ~~الحق. ### || [2.19-20] # { أو كصيب } أي كأصحاب صيب وهذا مثل آخر ضربه الله تعالى ~~للمنافقين بمعنى آخر إن شئت مثلهم بالمستوقد وإن شئت بأهل الصيب وقيل ~~أو بمعنى الواو يريد وكصيب كقوله تعالى: { أو يزيدون } ، بمعنى: ~~ويزيدون والصيب: المطر وكل ما نزل من الأعلى إلى الأسفل فهو صيب فيعل من ~~صاب يصوب أي نزل من السماء أي من السحاب قيل هي السماء بعينها، والسماء ~~كل ما علاك فأظلك، وهي من أسماء الأجناس يكون واحدا وجمعا { فيه } أي ~~في الصيب وقيل في السماء أي من السحاب ولذلك ذكره، وقيل السماء يذكر ~~ويؤنث، قال الله تعالى: # السمآء منفطر به # [المزمل: 18]، وقال: # إذا السمآء انفطرت # [الانفطار: 1]، { ظلمت } جمع ظلمة { ورعد } وهو الصوت الذي ~~يسمع من السحاب { وبرق } وهو النار التي تخرج منه. # قال علي وابن عباس وأكثر المفسرين رضي الله عنهم: الرعد اسم ملك يسوق ~~السحاب والبرق لمعان سوط من نور يزجر به الملك السحاب. وقيل الصوت زجر ~~السحاب وقيل تسبيح الملك. وقيل الرعد نطق الملك والبرق ضحكه. وقال مجاهد ~~الرعد اسم الملك ويقال لصوته أيضا رعد والبرق مصع ملك يسوق السحاب وقال ~~شهر بن حوشب: الرعد ملك يزجي السحاب فإذا تبددت ضمها فإذا اشتد غضبه طارت ~~من فيه النار فهي الصواعق، وقيل الرعد انحراف الريح بين السحاب والأول ~~أصح. # { يجعلون أصبعهم فى ءاذانهم من الصوعق } ~~جمع صاعقة وهي الصيحة التي يموت من يسمعها أو يغشى عليه. ويقال لكل عذاب ~~مهلك: صاعقة، وقال: الصاعقة قطعة عذاب ينزلها الله تعالى على من يشاء. # روي عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان ms0023 إذا سمع صوت الرعد والصواعق قال: # " اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك ". # قوله: { حذر الموت } أي مخافة الهلاك { والله محيط ~~بالكفرين } أي عالم بهم وقيل جامعهم. وقال مجاهد: يجمعهم فيعذبهم. ~~وقيل: مهلكهم، دليله قوله تعالى: # إلا أن يحاط بكم # [يوسف: 66] أي تهلكوا جميعا. ويميل أبو عمرو والكسائي الكافرين في محل ~~النصب والخفص ولا يميلان: # أول كافر به # [البقرة: 41]. # { يكاد البرق } أي يقرب، يقال: كاد يفعل إذا قرب ولم يفعل { ~~يخطف أبصرهم } يختلسها والخطف استلاب بسرعة { كلمآ } كل ~~حرف جملة ضم إلى ما الجزاء فصار أداة للتكرار ومعناهما متى ما { أضآء ~~لهم مشوا فيه وإذآ أظلم عليهم قاموا } أي وقفوا ~~متحيرين فالله تعالى شبههم في كفرهم ونفاقهم بقوم كانوا في مفازة في ~~ليلة مظلمة أصابهم مطر فيه ظلمات من صفتها أن الساري لا يمكنه المشي ~~فيها، ورعد من صفته أن يضم السامعون أصابعهم إلى آذانهم من هوله، وبرق من ~~صفته أن يقرب من أن يخطف أبصارهم ويعميها من شدة توقده، فهذا مثل ضربه ~~الله للقرآن وصنيع الكافرين والمنافقين معه، فالمطر القرآن لأنه حياة ~~الجنان كما ان المطر حياة الأبدان، والظلمات ما في القرآن من ذكر الكفر ~~والشرك، والرعد ما خوفوا به من الوعيد، وذكر النار والبرق ما فيه من ~~الهدى والبيان والوعد وذكر الجنة. # والكافرون يسدون آذانهم عند قراءة القرآن مخافة ميل القلب إليه لأن ~~الإيمان عندهم كفر والكفر موت { يكاد البرق يخطف ~~أبصرهم } أي القرآن يبهر قلوبهم. وقيل هذا مثل ضربه الله ~~للإسلام فالمطر الإسلام والظلمات ما فيه من البلاء والمحن، والرعد: ما ~~فيه من الوعيد والمخاوف في الآخرة، والبرق: ما فيه من الوعد والوعيد. # { يجعلون أصبعهم فى ءاذانهم } يعني أن المنافقين إذا ~~رأوا في الإسلام بلاء وشدة هربوا حذرا من الهلاك { والله محيط ~~بالكافرين } جامعهم يعني لا ينفعهم هربهم لأن الله تعالى من ~~ورائهم يجمعهم فيعذبهم. يكاد البرق يعني دلائل الإسلام تزعجهم إلى النظر ~~لولا ما سبق لهم من الشقاوة. # { كلمآ أضآء لهم مشوا فيه ms0024 } يعني أن المنافقين إذا ~~أظهروا كلمة الإيمان آمنوا فإذا ماتوا عادوا إلى الظلمة. وقيل: معناه ~~كلما نالوا غنيمة وراحة في الإسلام ثبتوا وقالوا إنا معكم { وإذآ ~~أظلم عليهم قاموا } يعني: رأوا شدة وبلاء تأخروا وقاموا أي ~~وقفوا كما قال الله تعالى: # ومن الناس من يعبد الله على حرف # [الحج: 11] { ولو شآء الله لذهب بسمعهم } أي بأسماعهم ~~{ وأبصرهم } الظاهرة كما ذهب بأسماعهم وأبصارهم الباطنة، وقيل ~~لذهب بما استفادوا من العز والأمان الذي لهم بمنزلة السمع والبصر. { ~~إن الله على كل شىء قدير } قادر. قرأ ابن عامر وحمزة ~~شاء وجاء حيث كان بالإمالة. ### || [2.21-24] # قوله تعالى: { يأيها الناس } قال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~ياأيها الناس خطاب أهل مكة، وياأيها الذين آمنوا خطاب أهل المدينة وهو ~~هاهنا عام إلا من حيث أنه لا يدخله الصغار والمجانين. # { اعبدوا } وحدوا. قال ابن عباس رضي الله عنهما: كل ما ورد في ~~القرآن من العبادة فمعناها التوحيد { ربكم الذى خلقكم } ~~الخلق: اختراع الشيء على غير مثال سبق { والذين من قبلكم } أي ~~وخلق الذين من قبلكم. # { لعلكم تتقون } لكي تنجوا من العذاب، وقيل معناه كونوا على ~~رجاء التقوى بأن تصيروا في ستر ووقاية من عذاب الله، وحكم الله من ورائكم ~~يفعل ما يشاء كما قال: # فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى # [طه: 44] أي ادعواه إلى الحق وكونا على رجاء التذكر، وحكم الله من ~~ورائه يفعل ما يشاء، قال سيبويه: لعل وعسى حرفا ترج وهما من الله واجب. { ~~الذي جعل لكم الأرض فراشا } أي بساطا وقيل مناما وقيل ~~وطاء أي: ذللها ولم يجعلها حزنة لا يمكن القرار عليها قال البخاري: حدثنا ~~عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن منصور عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل # " عن عبد الله رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي ~~ذنب أعظم عند الله؟ قال «أن تجعل لله ندا وهو خلقك» قلت: إن ذلك عظيم. ~~ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك». ms0025 قلت: ثم أي قال: «أن ~~تزاني حليلة جارك» " # والجعل ههنا بمعنى: الخلق { والسمآء بنآء } وسقفا مرفوعا. { ~~وأنزل من السمآء } أي من السحاب { مآء } وهو المطر { ~~فأخرج به من الثمرت } من ألوان الثمرات وأنواع النبات { ~~رزقا لكم } طعاما لكم وعلفا لدوابكم { فلا تجعلوا ~~لله أندادا } أي أمثالا تعبدونهم كعبادة الله. قال أبو عبيدة: ~~الند الضد وهو من الأضداد والله تعالى بريء من المثل والضد. { ~~وأنتم تعلمون } أنه واحد خلق هذه الأشياء. # { وإن كنتم في ريب } ، أي وإن كنتم في شك، لأن الله تعالى علم ~~أنهم شاكون { مما نزلنا } يعني: القرآن، { على عبدنا } ~~محمد { فأتوا } أمر تعجيز { بسورة } والسورة قطعة من القرآن ~~معلومة الأول والآخر من أسأرت أي أفضلت، حذفت الهمزة، وقيل: السورة اسم ~~للمنزلة الرفيعة ومنه سور البناء لارتفاعه، سميت سورة لأن القارىء ينال ~~بقراءتها منزلة رفيعة حتى يستكمل المنازل باستكماله سور القرآن { من ~~مثله } أي مثل القرآن «من»: صلة، كقوله تعالى: # قل للمؤمنين يغضوا من أبصرهم # [النور: 30]، وقيل: الهاء في مثله راجعة إلى محمد صلى الله عليه وسلم ~~يعني: من مثل محمد صلى الله عليه وسلم أمي لا يحسن الخط والكتابة قال ~~محمود هاهنا من مثله دون سائر السور، لأن من للتبعيض وهذه السورة أول ~~القرآن بعد الفاتحة فأدخل من ليعلم أن التحدي واقع على جميع سور القرآن، ~~ولو أدخل من في سائر السور كان التحدي واقعا على جميع سور القرآن، ولو ~~أدخل في سائر السور كان التحدي واقعا على بعض السور. # { وادعوا شهدآءكم } أي واستعينوا بآلهتكم التي تعبدونها { من ~~دون الله } وقال مجاهد: ناسا يشهدون لكم { إن كنتم صدقين ~~} أن محمدا صلى الله عليه وسلم يقوله من تلقاء نفسه فلما تحداهم عجزوا ~~فقال: # { فإن لم تفعلوا } ، فيما مضى { ولن تفعلوا } أبدا ~~فيما بقي. وإنما قال ذلك لبيان الإعجاز وأن القرآن كان معجزة النبي صلى ~~الله عليه وسلم حيث عجزوا عن الإتيان بمثله. { فاتقوا النار } ~~أي فآمنوا واتقوا بالإيمان النار. { التى وقودها الناس ~~والحجارة } ، قال ابن عباس وأكثر المفسرين يعني ms0026 حجارة الكبريت ~~لأنها أكثر التهابا، وقيل: جميع الحجارة وهو دليل على عظمة تلك النار ~~وقيل: أراد بها الأصنام لأن أكثر أصنامهم كانت منحوتة من الحجارة كما ~~قال: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # [الأنبياء: 98] { أعدت } هيئت { للكفرين }. ### || [2.25] # قوله تعالى: { وبشر الذين ءامنوا } أي أخبر والبشارة كل خبر ~~صدق تتغير به بشرة الوجه، ويستعمل في الخير والشر، وفي الخير أغلب { ~~وعملوا الصلحات } أي الفعلات الصالحات يعني المؤمنين الذين ~~من أهل الطاعات، قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: { وعملوا ~~الصلحات } أي: أخلصوا الأعمال كما قال: # فليعمل عملا صلحا # [الكهف: 110] أي خاليا عن الرياء. قال معاذ: العمل الصالح الذي فيه ~~أربعة أشياء. العلم، والنية، والصبر، والاخلاص. { أن لهم جنت ~~} جمع الجنة، والجنة البستان الذي فيه أشجار مثمرة، سميت بها لاجتنانها ~~وتسترها بالأشجار. وقال الفراء: الجنة ما فيه النخيل، والفردوس ما فيه ~~الكرم. # { تجرى من تحتها } أي: من تحت أشجارها ومساكنها { الأنهر ~~} أي المياه في الأنهار لأن النهر لا يجري، وقيل (من تحتها) أي: بأمرهم ~~لقوله تعالى حكاية عن فرعون: # وهذه الأنهر تجرى من تحتى # [الزخرف: 51] أي بأمري والأنهار جمع نهر سمي به لسعته وضيائه. ومنه ~~النهار. وفي الحديث: # " أنهار الجنة في غير أخدود " # { كلما } متى ما { رزقوا } أطعموا { منها } أي من الجنة { ~~من ثمرة } أي ثمرة و { من }: صلة، { رزقا } طعاما { قالوا ~~هذا الذى رزقنا من قبل } وقبل رفع على الغاية. قال الله ~~تعالى: # لله الأمر من قبل ومن بعد # [الروم: 4]، قيل: من قبل في الدنيا وقيل: الثمار في الجنة متشابهة في ~~اللون، مختلفة في الطعم، فإذا رزقوا ثمرة بعد أخرى ظنوا أنها الأولى { ~~وأتوا به } بالرزق { متشبها } قال ابن عباس ومجاهد والربيع: ~~متشابها في الألوان، مختلفا في الطعوم. وقال الحسن وقتادة: متشابها. ~~أي يشبه بعضها بعضا في الجودة، أي: كلها خيار لا رذالة فيها. وقال محمد ~~بن كعب: يشبه ثمر الدنيا غير أنها أطيب. وقيل: متشابها في الاسم مختلفا ~~في الطعم. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ms0027 ليس في الدنيا مما في ~~الجنة إلا الأسامي. # أنا أبو أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي ~~أنا أبو عبد الله محمد ابن عبد الله الصفار أنا أحمد بن محمد بن عيسى ~~البرتي أنا محمد بن كثير أنا سفيان الثوري عن الأعمش عن أبي سفيان عن ~~جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أهل الجنة يأكلون ويشربون ولا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون ولا ~~يبزقون، يلهمون الحمد والتسبيح، كما تلهمون النفس، طعامهم الجشاء، ~~ورشحهم المسك ". # قوله تعالى: { ولهم فيهآ } في الجنان { أزوج } نساء وجواري ~~يعني من الحور العين { مطهرة } من الغائط، والبول، والحيض، ~~والنفاس، والبصاق، والمخاط والمني، والولد، وكل قذر. قال إبراهيم النخعي: ~~في الجنة جماع ما شئت ولا ولد. # وقال الحسن: هن عجائزكم الغمص العمش طهرن من قذرات الدنيا. وقيل: مطهرة ~~من مساوىء الأخلاق { وهم فيها خلدون } دائمون لا يموتون فيها ~~ولا يخرجون منها. # أنا أبو عمرو عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أبو حامد أحمد بن عبد ~~الله النعيمي أنا محمد بن يوسف الفربري، أنا محمد بن إسماعيل البخاري ~~أنا قتيبة بن سعيد، أنا جرير عن عمارة عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم ~~على أشد كوكب دري في السماء إضاءة لا يبولون ولا يتغوطون، ولا يتفلون ولا ~~يمتخطون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك ومجامرهم الألوة وأزواجهم ~~الحور العين، على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم ستون ذراعا في ~~السماء ". # أنا عبد الواحد المليحي، أنا عبد الرحمن بن أبي شريح أنا أبو القاسم ~~البغوي أنا علي بن الجعد أنا فضيل هو ابن مرزوق عن عطية عن أبي سعيد ~~الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أول زمرة تدخل الجنة يوم القيامة صورة وجوههم مثل صورة القمر ليلة ~~البدر، والزمرة الثانية على لون أحسن الكواكب في السماء ms0028 لكل رجل منهم ~~زوجتان، على كل زوجة سبعون حلة، يرى مخ سوقهن دون لحومها ودمائها وحللها ~~". # أنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي المروزي أنا أبو الحسن علي بن ~~عبد الله الطيسفوني، أنا عبد الرحمن بن أبي شريح أنا عبد الله بن عمر ~~الجوهري أنا أحمد بن علي الكشميهني أنا علي بن حجر أنا اسماعيل بن جعفر ~~بن أبي كثير المدني عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " لو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت على الأرض لأضاءت ما بينهما، ~~ولملأت ما بينهما ريحا، ولتاجها على رأسها خير من الدنيا وما فيها " # صحيح أخرجه محمد عن عبد الله بن محمد عن معاوية بن عمر عن أبي إسحاق عن ~~حميد. # أنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني أنا أبو محمد محمد بن علي بن محمد بن ~~شريك الشافعي أنا عبد الله بن محمد بن مسلم أنا أبو بكر الجوربذي أنا ~~أحمد بن الفرج الحمصي أنا عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار أنا محمد بن ~~المهاجر عن الضحاك المعافري عن سليمان بن موسى حدثني كريب أنه سمع أسامة ~~بن زيد يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ألا هل من مشمر للجنة، وإن الجنة لا خطر لها وهي ورب الكعبة نور ~~يتلألأ وريحانة تهتز، وقصر مشيد ونهر مطرد، وثمرة نضيجة وزوجة حسناء ~~جميلة وحلل كثيرة ومقام أبد في دار سليمة وفاكهة خضرة، وحبرة، ونعمة في ~~محلة عالية بهية» قالوا: نعم يا رسول الله نحن المشمرون لها قال: «قولوا ~~إن شاء الله»قال القوم: إن شاء الله ". # وروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أهل الجنة جرد مرد كحل لا يفنى شبابهم، ولا تبلى ثيابهم ". # أنا أبو بكر محمد بن عبد الصمد الترابي، أنا الحاكم أبو الفضل الحدادي ~~أنا أبو يزيد محمد بن يحيى ابن خالد أنا إسحاق الحنظلي أنا أبو معاوية ~~أنا عبد الرحمن بن إسحاق ms0029 عن النعمان بن سعيد عن علي قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " إن في الجنة لسوقا ليس فيها بيع ولا شراء إلا الصور من الرجال ~~والنساء، فإذا اشتهى الرجل صورة دخل فيها، وإن فيها لمجتمع الحور العين ~~ينادين، بصوت لم يسمع الخلائق مثله: نحن الخالدات فلا نبيد أبدا، ونحن ~~الناعمات لا نبأس أبدا، ونحن الراضيات فلا نسخط أبدا، فطوبى لمن كان ~~لنا وكنا له أو نحن له " # ورواه أبو عيسى عن هناد وأحمد بن منيع عن أبي معاوية مرفوعا وقال: هذا ~~حديث غريب. # أنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني أنا عبد الغافر بن محمد الفارسي أنا ~~محمد بن عيسى الجلودي أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان أنا مسلم بن الحجاج ~~أنا أبو عثمان سعيد بن عبد الجبار البصري أنا حماد بن سلمة عن ثابت ~~البناني عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن في الجنة لسوقا يأتونها كل جمعة فتهب ريح الشمال فتحثو في وجوههم ~~وثيابهم فيزدادون حسنا وجمالا، فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنا ~~وجمالا فيقول لهم أهلهم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا فيقولون ~~وأنتم والله لقد زدتم بعدنا حسنا وجمالا ". ### || [2.26-29] # قوله تعالى { إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما ~~بعوضة فما فوقها } # سبب نزول هذه الآية أن الله تعالى لما ضرب المثل بالذباب والعنكبوت ~~فقال: # إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ~~ولو اجتمعوا له # [الحج: 73] وقال: # مثل الذين اتخذوا من دون الله أوليآء كمثل ~~العنكبوت اتخذت بيتا # [العنكبوت: 41] قالت اليهود: ما أراد الله بذكر هذه الأشياء الخسيسة؟ ~~وقيل: قال المشركون: إنا لا نعبد إلها يذكر مثل هذه الأشياء فأنزل الله ~~تعالى { إن الله لا يستحى } أي لا يترك ولا يمنعه الحياء { أن ~~يضرب مثلا } يذكر شبها، { ما بعوضة } ما: صلة، أي: مثلا ~~بالبعوضة، وبعوضة نصب بدل عن المثل. والبعوض صغار البق سميت بعوضة كأنها ~~بعض البق { فما فوقها } يعني الذباب والعنكبوت وقال أبو عبيدة أي: ms0030 ~~فما دونها كما يقال فلان جاهل فيقال: وفوق ذلك أي وأجهل { فأما ~~الذين ءامنوا } بمحمد والقرآن، { فيعلمون أنه } يعني: ~~المثل هو { الحق } الصدق { من ربهم وأما الذين ~~كفروا فيقولون ماذآ أراد الله بهذا مثلا }؟ أي ~~بهذا المثل فلما حذف الألف واللام نصبه على الحال والقطع، ثم أجابهم فقال ~~{ يضل به } أي بهذا المثل { كثيرا } من الكفار وذلك أنهم ~~يكذبونه فيزدادون ضلالا { ويهدي به } أي بهذا المثل { كثيرا } ~~من المؤمنين فيصدقونه، والإضلال: هو الصرف عن الحق إلى الباطل. وقيل: هو ~~الهلاك يقال ضل الماء في اللبن إذا هلك { وما يضل به إلا ~~الفاسقين } الكافرين وأصل الفسق الخروج يقال فسقت الرطبة إذا خرجت من ~~قشرها قال الله تعالى: # ففسق عن أمر ربه # [الكهف: 50] أي خرج ثم وصفهم فقال: # { الذين ينقضون } يخالفون ويتركون وأصل النقض الكسر { عهد ~~الله } أمر الله الذي عهد إليهم يوم الميثاق بقوله: # ألست بربكم قالوا بلى # [الأعراف: 172] وقيل: أراد به العهد الذي أخذه على النبيين وسائر الأمم ~~أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم في قوله: # وإذ أخذ الله ميثاق النبيين # [آل عمران: 81] الآية وقيل: أراد به العهد الذي عهد إليهم في التوراة أن ~~يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ويبينوا نعته { من بعد ميثقه ~~} توكيده. والميثاق: العهد المؤكد { ويقطعون مآ أمر الله ~~به أن يوصل } يعني الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبجميع الرسل ~~عليهم السلام لأنهم قالوا: نؤمن ببعض ونكفر ببعض وقال المؤمنون: # لا نفرق بين أحد من رسله # [البقرة: 285] وقيل: أراد به الأرحام { ويفسدون في الأرض } ~~بالمعاصي وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن { ~~أولئك هم الخسرون } المغبونون، ثم قال لمشركي العرب على ~~وجه التعجب { كيف تكفرون بالله } بعد نصب الدلائل ووضوح ~~البراهين ثم ذكر الدلائل فقال: { وكنتم أموتا } نطفا في أصلاب ~~آبائكم { فأحيكم } في الأرحام والدنيا { ثم يميتكم } عند ~~انقضاء آجالكم { ثم يحييكم } للبعث { ثم إليه ترجعون ~~} أي تردون في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم. # قرأ يعقوب «ترجعون» في كل القرآن بفتح الياء والتاء ms0031 على تسمية ~~الفاعل. # قوله تعالى { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا } ~~لكي تعتبروا وتستدلوا وقيل لكي تنتفعوا { ثم استوى إلى ~~السمآء } قال ابن عباس وأكثر مفسري السلف: أي ارتفع إلى السماء. وقال ~~ابن كيسان والفراء وجماعة من النحويين: أي أقبل على خلق السماء. وقيل: ~~قصد لأنه خلق الأرض أولا ثم عمد إلى خلق السماء { فسواهن سبع ~~سموات } خلقهن مستويات لا فطور فيها ولا صدع { وهو بكل ~~شىء عليم } قرأ أبو جعفر وأبو عمرو والكسائي وقالون وهو وهي بسكون ~~الهاء إذا كان قبل الهاء واو أو فاء أو لام، زاد الكسائي وقالون: ثم هو ~~وقالون # أن يمل هو # [البقرة: 282]. ### || [2.30] # قوله تعالى: { وإذ قال ربك } أي وقال ربك وإذ زائدة وقيل: ~~معناه واذكر إذ قال ربك وكذلك كل ماورد في القرآن من هذا النحو فهذا ~~سبيله وإذ وإذا حرفا توقيت إلا أن إذ للماضي وإذا للمستقبل وقد يوضع ~~أحدهما موضع الآخر قال المبرد: إذا جاء (إذ) مع المستقبل كان معناه ~~ماضيا كقوله تعالى # وإذ يمكر بك الذين # [الأنفال: 30]، يريد وإذ مكروا وإذا جاء (إذا) مع الماضي كانت معناه ~~مستقبلا كقوله: # فإذا جآءت الطآمة # [النازعات: 34] # إذا جآء نصر الله والفتح # [النصر: 1]، أي: يجيء { للملئكة } جمع ملك وأصله مألك من ~~المألكة والألوكة والألوك، وهي: الرسالة فقلبت فقيل ملأك، ثم ~~حذفت الهمزة طلبا للخفة لكثرة استعماله ونقلت حركتها إلى اللام فقيل: ~~ملك. وأراد بهم الملائكة الذين كانوا في الأرض وذلك أن الله تعالى خلق ~~السماء والأرض وخلق الملائكة والجن فأسكن الملائكة السماء وأسكن الجن ~~الأرض فغبروا فعبدوا دهرا طويلا في الأرض، ثم ظهر فيهم الحسد والبغي ~~فأفسدوا وقتلوا فبعث الله إليهم جندا من الملائكة يقال لهم: الجن، وهم ~~خزان الجنان اشتق لهم من الجنة رأسهم إبليس وكان رئيسهم ومرشدهم وأكثرهم ~~علما فهبطوا إلى الأرض فطردوا الجن إلى شعوب الجبال (وبطون الأودية) ~~وجزائر البحور وسكنوا الأرض وخفف الله عنهم العبادة وأعطى الله إبليس ملك ~~الأرض، وملك السماء الدنيا وخزانة الجنة فكان يعبد الله ms0032 تارة في الأرض ~~وتارة في السماء وتارة في الجنة فدخله العجب فقال في نفسه: ما أعطاني ~~الله هذا الملك إلا لأني أكرم الملائكة عليه فقال الله تعالى له ولجنده: ~~{ إني جاعل } خالق. { فى الأرض خليفة } أي بدلا منكم ~~ورافعكم إلي، فكرهوا ذلك لأنهم كانوا أهون الملائكة عبادة. # والمراد بالخليفة ههنا آدم سماه خليفة لأنه خلف الجن أي جاء بعدهم وقيل ~~لأنه يخلفه غيره والصحيح أنه خليفة الله في أرضه لإقامة أحكامه وتنفيذ ~~وصاياه { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها } بالمعاصي. { ~~ويسفك الدمآء } بغير حق أي كما فعل بنو الجان فقاسوا الشاهد على ~~الغائب وإلا فهم ما كانوا يعلمون الغيب { ونحن نسبح بحمدك ~~} قال الحسن: نقول سبحان الله وبحمده وهو صلاة الخلق وصلاة البهائم ~~وغيرهما سوى الآدميين، وعليها يرزقون. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد أنا محمد بن عيسى ~~أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان أنا مسلم بن الحجاج أنا زهير بن حرب أنا ~~حبان بن هلال أنا وهيب أنا سعيد الجريري عن أبي عبد الله الجسري عن عبادة ~~بن الصامت عن أبي ذر # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي الكلام أفضل قال: «ما اصطفى ~~الله لملائكته أو لعباده سبحان الله وبحمده» " # وقيل: ونحن نصلي بأمرك، قال ابن عباس: كل ما في القرآن من التسبيح ~~فالمراد منه الصلاة { ونقدس لك } أي نثني عليك بالقدس والطهارة ~~وقيل: ونطهر أنفسنا لطاعتك وقيل: وننزهك. واللام: صلة وقيل: لم يكن هذا ~~في الملائكة على طريق الاعتراض والعجب بالعمل بل على سبيل التعجب وطلب ~~وجه الحكمة فيه { قال } الله { إني أعلم ما لا تعلمون } ~~من المصلحة فيه، وقيل: إني أعلم أن في ذريته من يطيعني ويعبدني من ~~الأنبياء والأولياء والعلماء وقيل: إني أعلم أن فيكم من يعصيني وهو ~~إبليس، وقيل إني أعلم أنهم يذنبون وأنا أغفر لهم. قرأ أهل الحجاز ~~والبصرة إني أعلم بفتح الياء وكذلك كل ياء إضافة استقبلها ألف مفتوحة إلا ~~في مواضع معدودة ويفتحون في بعض ms0033 المواضع عند الألف المضمومة والمكسورة ~~(وعند غير الألف) وبين القراء في تفصيله اختلاف. ### || [2.31-33] # قوله تعالى: { وعلم آدم الأسماء كلها } سمي آدم لأنه ~~خلق من أديم الأرض، وقيل: لأنه كان آدم اللون وكنيته أبو محمد وأبو البشر ~~فلما خلقه الله تعالى علمه أسماء الأشياء وذلك أن الملائكة قالوا: لما ~~قال الله تعالى: { إني جاعل فى الأرض خليفة }: ليخلق ربنا ~~ما شاء فلن يخلق خلقا أكرم عليه منا وإن كان فنحن أعلم منه لأنا خلقنا ~~قبله ورأينا ما لم يره. فأظهر الله تعالى فضله عليهم بالعلم وفيه دليل ~~على أن الأنبياء أفضل من الملائكة وإن كانوا رسلا كما ذهب إليه أهل ~~السنة والجماعة قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: علمه اسم كل شيء حتى ~~القصعة والقصيعة وقيل: اسم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة. وقال الربيع ~~بن أنس: أسماء الملائكة وقيل: أسماء ذريته، وقيل: صنعة كل شيء قال أهل ~~التأويل: إن الله عز وجل علم آدم جميع اللغات ثم تكلم كل واحد من أولاده ~~بلغة فتفرقوا في البلاد واختص كل فرقة منهم بلغة. { ثم عرضهم ~~على الملئكة } إنما قال:عرضهم ولم يقل عرضها لأن المسميات إذا ~~جمعت من يعقل ومن لا يعقل يكنى عنها بلفظ من يعقل كما يكنى عن الذكور ~~والإناث بلفظ الذكور وقال مقاتل: خلق الله كل شيء الحيوان والجماد ثم ~~عرض تلك الشخوص على الملائكة فالكناية راجعة إلى الشخوص فلذلك قال عرضهم، ~~{ فقال أنبئونى } أخبروني { بأسمآء هؤلاء إن كنتم ~~صدقين } في أني لا أخلق خلقا إلا كنتم أفضل وأعلم منه فقالت ~~الملائكة إقرارا بالعجز: # { قالوا سبحنك } تنزيها لك { لا علم لنآ إلا ما ~~علمتنآ } معناه فإنك أجل من أن نحيط بشيء من علمك إلا ما علمتنا { ~~إنك أنت العليم } بخلقك { الحكيم } في أمرك والحكيم له ~~معنيان: أحدهما الحاكم وهو القاضي العدل والثاني المحكم للأمر كي لا ~~يتطرق إليه الفساد وأصل الحكمة في اللغة: المنع فهي تمنع صاحبها من ~~الباطل ومنه حكمة الدابة لأنها تمنعها من الاعوجاج فلما ظهر عجزهم ms0034 { ~~قال } الله تعالى: # { يا آدم أنبئهم بأسمائهم } أخبرهم بأسمائهم فسمى آدم كل ~~شيء باسمه وذكر الحكمة التي لأجلها خلق { فلمآ أنبأهم ~~بأسمآئهم قال } الله تعالى { ألم أقل لكم } يا ملائكتي ~~{ إني أعلم غيب السموات والأرض } ما كان منهما وما ~~يكون لأنه قد قال لهم: # إني أعلم ما لا تعلمون # [البقرة: 30] { وأعلم ما تبدون } قال الحسن وقتادة: يعني ~~قولهم أتجعل فيها من يفسد فيها { وما كنتم تكتمون } قولكم لن ~~يخلق الله خلقا أكرم عليه منا، قال ابن عباس رضي الله عنهما هو إن إبليس ~~مر على جسد آدم وهو ملقى بين مكة والطائف لا روح فيه فقال: لأمر ما خلق ~~هذا ثم دخل في فيه وخرج من دبره وقال: إنه خلق لا يتماسك لأنه أجوف ثم ~~قال للملائكة الذين معه أرأيتم إن فضل هذا عليكم وأمرتم بطاعته ماذا ~~تصنعون؟ قالوا: نطيع أمر ربنا، فقال إبليس في نفسه: والله لئن سلطت عليه ~~لأهلكنه ولئن سلط علي لأعصينه فقال الله تعالى: { وأعلم ما ~~تبدون } يعني ما تبديه الملائكة من الطاعة { وما كنتم ~~تكتمون } يعني إبليس من المعصية. ### || [2.34-37] # وقوله تعالى: { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } قرأ ~~أبو جعفر: «للملائكة اسجدوا» بضم التاء على جوار ألف اسجدوا وكذلك قرأ # قال رب أحكم بالحق # [الأنبياء: 112] بضم الباء وضعفه النحاة جدا ونسبوه إلى الغلط فيه ~~واختلفوا في أن هذا الخطاب مع أي الملائكة، فقال بعضهم: مع الذين كانوا ~~سكان الأرض. والأصح: أنه مع جميع الملائكة لقوله تعالى: # فسجد الملائكة كلهم أجمعون # [الحجر: 30] وقوله: { اسجدوا } فيه قولان: الأصح أن السجود كان لآدم ~~على الحقيقة، وتضمن معنى الطاعة لله عز وجل بامتثال أمره، وكان ذلك سجود ~~تعظيم وتحية لا سجود عبادة، كسجود إخوة يوسف له في قوله عز وجل: # وخروا له سجدا # [يوسف: 100] ولم يكن فيه وضع الوجه على الأرض، إنما كان الانحناء، فلما ~~جاء الإسلام أبطل ذلك بالسلام. # وقيل: معنى قوله { اسجدوا لأدم } أي إلى آدم فكان آدم قبلة، ~~والسجود لله تعالى، كما جعلت الكعبة قبلة للصلاة ms0035 والصلاة لله عز وجل. # { فسجدوا } يعني: الملائكة { إلا إبليس } وكان اسمه عزازيل ~~بالسريانية، وبالعربية: الحارث، فلما عصى غير اسمه وصورته فقيل: إبليس، ~~لأنه أبلس من رحمة الله تعالى، أي يئس. # واختلفوا فيه فقال ابن عباس رضي الله عنهما وأكثر المفسرين: كان إبليس ~~من الملائكة، وقال الحسن: كان من الجن ولم يكن من الملائكة؛ لقوله ~~تعالى: # إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه # [الكهف: 50] فهو أصل الجن كما أن آدم أصل الإنس، ولأنه خلق من النار ~~والملائكة خلقوا من النور، ولأن له ذرية ولا ذرية للملائكة، والأول أصح ~~لأن خطاب السجود كان مع الملائكة، وقوله: { كان من الجن } أي من ~~الملائكة الذين هم خزنة الجنة. وقال سعيد بن جبير: من الذين يعملون في ~~الجنة، وقال: قوم من الملائكة الذين يصوغون حلي أهل الجنة، وقيل: إن ~~فرقة من الملائكة خلقوا من النار سموا جنا لاستتارهم عن الأعين، وإبليس ~~كان منهم. والدليل عليه قوله تعالى: # وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا # [الصافات: 158] وهو قولهم الملائكة بنات الله، ولما أخرجه الله من ~~الملائكة جعل له ذرية. # قوله: { أبى } أي امتنع فلم يسجد { واستكبر } أي تكبر عن ~~السجود لآدم { وكان } أي: صار { من الكفرين } وقال أكثر ~~المفسرين: وكان في سابق علم الله من الكافرين الذين وجبت لهم الشقاوة. # أنا أبو بكر محمد بن عبد الصمد الترابي أنا الحاكم أبو الفضل محمد بن ~~الحسين الحدادي أنا أبو يزيد محمد بن يحيى بن خالد أنا اسحاق بن ابراهيم ~~الحنظلي أنا جرير ووكيع وأبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي ويقول: يا ويله أمر ~~ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار ". # قوله تعالى: { وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك ~~الجنة } وذلك أن آدم لم يكن له في الجنة من يجانسه فنام نومة فخلق ~~الله زوجته حواء من قصيراء من شقه الأيسر، وسميت حواء لأنها ms0036 خلقت من حي، ~~خلقها الله عز وجل من غير أن يحس به آدم ولا وجد له ألما، ولو وجد ألما ~~لما عطف الرجل على امرأة قط فلما هب من نومه رآها جالسة عند رأسه كأحسن ~~ما في خلق الله فقال لها: من أنت؟ قالت: زوجتك خلقني الله لك تسكن إلي ~~وأسكن إليك { وكلا منها رغدا } واسعا كثيرا { حيث ~~شئتما } كيف شئتما ومتى شئتما وأين شئتما { ولا تقربا هذه ~~الشجرة } يعني للأكل، وقال بعض العلماء: وقع النهي على جنس من ~~الشجر. وقال آخرون: على شجرة مخصوصة، واختلفوا في تلك الشجرة، فقال ابن ~~عباس ومحمد بن كعب ومقاتل: هي السنبلة وقال ابن مسعود: هي شجرة العنب. ~~وقال ابن جريج: شجرة التين، وقال قتادة: شجرة العلم وفيها من كل شيء، ~~وقال علي رضي الله عنه: شجرة الكافور { فتكونا }: فتصيرا { من ~~الظلمين } أي الضارين بأنفسكما بالمعصية، وأصل الظلم، وضع الشيء ~~في غير موضعه. # { فأزلهما } استزل { الشيطان } آدم وحواء أي دعاهما إلى ~~الزلة: وقرأ حمزة: فأزالهما، أي نحاهما «الشيطان» فيعال من شطن، ~~أي: بعد، سمي به لبعده عن الخير وعن الرحمة، { عنها } عن الجنة { ~~فأخرجهما مما كانا فيه } من النعيم، وذلك أن إبليس أراد أن ~~يدخل ليوسوس إلى آدم وحواء فمنعته الخزنة فأتى الحية وكانت صديقة ~~لإبليس وكانت من أحسن الدواب، لها أربع قوائم كقوائم البعير، وكانت من ~~خزان الجنة فسألها إبليس أن تدخله في فمها فأدخلته ومرت به على الخزنة ~~وهم لا يعلمون فأدخلته الجنة، وقال الحسن: إنما رآهما على باب الجنة ~~لأنهما كانا يخرجان منها وقد كان آدم حين دخل الجنة ورأى ما فيها من ~~النعيم قال: لو أن خلدا، فاغتنم ذلك منه الشيطان فأتاه الشيطان من ~~قبل الخلد فلما دخل الجنة وقف بين يدي آدم وحواء وهما لا يعلمان أنه ~~إبليس فبكى وناح نياحة أحزنتهما، وهو أول من ناح، فقالا له: ما يبكيك؟ ~~قال: أبكي عليكما تموتان فتفارقان ما أنتما فيه من النعمة. فوقع ذلك في ~~أنفسهما فاغتما ومضى إبليس ثم أتاهما ms0037 بعد ذلك وقال: يا آدم هل أدلك على ~~شجرة الخلد؟ فأبى أن يقبل منه، وقاسمهما بالله أنه لهما لمن الناصحين، ~~فاغترا وما ظنا أن أحدا يحلف بالله كاذبا، فبادرت حواء إلى أكل ~~الشجرة ثم ناولت آدم حتى أكلها. # وكان سعيد بن المسيب يحلف بالله ما أكل آدم من الشجرة وهو يعقل ولكن ~~حواء سقته الخمر حتى إذا سكر قادته إليها فأكل. # قال إبراهيم بن أدهم: أورثتنا تلك الأكلة حزنا طويلا. قال ابن عباس ~~وقتادة: قال الله عز وجل لآدم: ألم يكن فيما أبحتك من الجنة مندوحة عن ~~الشجرة؟ قال: بلى يا رب وعزتك، ولكن ما ظننت أن أحدا يحلف بك كاذبا، ~~قال: فبعزتي لأهبطنك إلى الأرض، ثم لا تنال العيش إلا كدا. فأهبطا من ~~الجنة وكانا يأكلان فيها رغدا فعلم صنعة الحديد، وأمر بالحرث فحرث ~~فيها وزرع ثم سقى حتى إذا بلغ حصد ثم داسه ثم ذراه ثم طحنه ثم عجنه ثم ~~خبزه ثم أكله فلم يبلغه حتى بلغ منه ما شاء. قال سعيد بن جبير: عن ابن ~~عباس: إن آدم لما أكل من الشجرة التي نهي عنها قال الله عز وجل: ما حملك ~~على ما صنعت قال: يا رب زينته لي حواء قال: فإني أعقبتها أن لا تحمل ~~إلا كرها ولا تضع إلا كرها ودميتها في الشهر مرتين، فرنت حواء عند ذلك ~~فقيل: عليك الرنة وعلى بناتك، فلما أكلا منها (تهافتت) عنهما ثيابهما ~~وبدت سوآتهما وأخرجا من الجنة، فذلك قوله تعالى: { وقلنا ~~اهبطوا } أي انزلوا إلى الأرض يعني آدم وحواء وإبليس والحية، فهبط ~~آدم بسرنديب من أرض الهند على جبل يقال له نود، وحواء بجدة، وإبليس ~~بالأيلة والحية بأصفهان { بعضكم لبعض عدو } أراد العداوة ~~التي بين ذرية آدم والحية وبين المؤمنين من ذرية آدم وبين إبليس؛ قال ~~الله تعالى: # إن الشيطن لكما عدو مبين # [الأعراف: 22]. # أنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو الحسن بن بشران أنا إسماعيل بن ~~محمد الصفار أنا أحمد بن محمد الصفار حدثنا منصور الرمادي ms0038 أنا عبد ~~الرزاق أنا معمر عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال ~~عكرمة: لا أعلمه إلا رفع الحديث، # " أنه كان يأمر بقتل الحيات وقال: «من تركهن خشية أو مخافة ثائر فليس ~~منا» " # وزاد موسى بن مسلم عن عكرمة في الحديث: # " ما سالمناهن منذ حاربناهن " # وروي أنه نهى عن ذوات البيوت، روى عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم # " إن بالمدينة جنا قد أسلموا فإن رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام ~~فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان ". # قوله تعالى: { ولكم فى الأرض مستقر } موضع قرار { ~~ومتع } بلغة ومستمتع { إلى حين } إلى انقضاء آجالكم { ~~فتلقى } تلقى والتلقي: هو قبول عن فطنة وفهم، وقيل: هو التعلم { ~~ءادم من ربه كلمات } قراءة العامة: آدم برفع الميم وكلمات ~~بخفض التاء. وقرأ ابن كثير: آدم بالنصب، كلمات برفع التاء يعني جاءت ~~الكلمات آدم من ربه، وكانت سبب توبته. # واختلفوا في تلك الكلمات فقال سعيد بن جبير ومجاهد والحسن: هي ~~قوله:«ربنا ظلمنآ أنفسنا» الآية. # وقال مجاهد ومحمد بن كعب القرظي: هو قوله لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك ~~رب عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت التواب الرحيم. لا إله ~~إلا أنت سبحانك وبحمدك رب عملت سوءا وظلمت نفسي فارحمني إنك أنت أرحم ~~الراحمين وقال عبيد بن عمير: هي أن آدم قال يا رب أرأيت ما أتيت أشيء ~~ابتدعته من تلقاء نفسي أم شيء قدرته علي قبل أن تخلقني؟ قال الله ~~تعالى: بل شيء قدرته عليك قبل أن أخلقك، قال: يا رب فكما قدرته قبل أن ~~تخلقني فاغفر لي. # وقيل: هي ثلاثة أشياء الحياء والدعاء والبكاء، قال ابن عباس بكى آدم ~~وحواء على ما فاتهما من نعيم الجنة مائتي سنة، ولم يأكلا ولم يشربا ~~أربعين يوما، ولم يقرب آدم حواء مائة سنة، وروى المسعودي عن يونس بن ~~خباب وعلقمة بن مرثد قالوا: لو أن دموع جميع أهل الأرض جمعت لكانت دموع ~~داود أكثر من حيث أصاب ms0039 الخطيئة ولو أن دموع داود ودموع أهل الأرض جمعت ~~لكانت دموع آدم أكثر حيث أخرجه الله من الجنة قال شهر بن حوشب: بلغني أن ~~آدم لما هبط إلى الأرض مكث ثلاثمائة سنة لا يرفع رأسه حياء من الله ~~تعالى. # قوله: { فتاب عليه } فتجاوز عنه { إنه هو التواب } ~~يقبل توبة عباده { الرحيم } بخلقه. ### || [2.38-43] # قوله تعالى: { قلنا اهبطوا منها جميعا } يعني هؤلاء ~~الأربعة. وقيل: الهبوط الأول من الجنة إلى السماء الدنيا والهبوط (الآخر) ~~من السماء الدنيا إلى الأرض { فإما يأتينكم } أي فإن يأتكم يا ~~ذرية آدم { منى هدى } أي رشد وبيان شريعة، وقيل: كتاب ورسول { ~~فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } ~~قرأ يعقوب: فلا خوف بالفتح في كل القرآن والآخرون بالضم والتنوين فلا خوف ~~عليهم فيما يستقبلون هم { ولا هم يحزنون } على ما خلفوا. وقيل: ~~لا خوف عليهم في الدنيا ولا هم يحزنون في الآخرة { والذين كفروا ~~} يعني جحدوا { وكذبوا بآيتنآ } بالقرآن { أولئك ~~أصحب النار } يوم القيامة { هم فيها خلدون } لا ~~يخرجون منها ولا يموتون فيها. # قوله تعالى: { يا بني إسرءيل } يا أولاد يعقوب. ومعنى ~~إسرائيل: عبد الله، «وإيل» هو الله تعالى، وقيل صفوة الله، وقرأ أبو ~~جعفر: إسرائيل بغير همز { اذكروا } احفظوا، والذكر: يكون بالقلب ~~ويكون باللسان وقيل: أراد به الشكر، وذكر بلفظ الذكر لأن في الشكر ذكرا ~~وفي الكفران نسيانا، قال الحسن: ذكر النعمة شكرها { نعمتي } أي: ~~نعمي، لفظها واحد ومعناها جمع كقوله تعالى: # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها # [إبراهيم: 34]، { التى أنعمت عليكم } أي على أجدادكم ~~وأسلافكم. قال قتادة: هي النعم التي خصت بها بنو إسرائيل: من فلق البحر ~~وإنجائهم من فرعون بإغراقه، وتظليل الغمام عليهم في التيه، وإنزال المن ~~والسلوى وإنزال التوراة، في نعم كثيرة لا تحصى، وقال غيره: هي جميع ~~النعم التي لله عز وجل على عباده { وأوفوا بعهدى } أي بامتثال ~~أمري { أوف بعهدكم } بالقبول والثواب. # قال قتادة ومجاهد: أراد بهذا العهد ما ذكر في سورة المائدة # ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرآئيل ms0040 وبعثنا ~~منهم اثني عشر نقيبا # [المائدة: 12] - إلى أن قال - # لأكفرن عنكم سيئاتكم # [المائدة: 12] فهذا قوله: { أوف بعهدكم }. وقال الحسن هو قوله: # وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما ~~آتيناكم بقوة # [البقرة: 63] فهو شريعة التوراة، وقال مقاتل هو قوله # وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا ~~الله # [البقرة: 83]. # وقال الكلبي: عهد الله إلى بني إسرائيل على لسان موسى: إني باعث من بني ~~إسماعيل نبيا أميا فمن اتبعه وصدق بالنور الذي يأتي معه غفرت له ~~ذنوبه وأدخلته الجنة وجعلت له أجرين اثنين: وهو قوله: # وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ~~لتبيننه للناس # [آل عمران: 187] يعني أمر محمد صلى الله عليه وسلم. # { وإيى فارهبون } فخافوني في نقض العهد. وأثبت يعقوب ~~الياءآت المحذوفة في الخط مثل فارهبوني، فاتقوني، واخشوني، والآخرون ~~يحذفونها على الخط. # { وآمنوا بما أنزلت } يعني القرآن، { مصدقا لما ~~معكم } أي موافقا لما معكم يعني: التوراة، في التوحيد والنبوة ~~والأخبار ونعت النبي صلى الله عليه وسلم، نزلت في كعب بن الأشرف وأصحابه ~~من علماء اليهود ورؤسائهم { ولا تكونوا أول كافر به } أي ~~بالقرآن، يريد من أهل الكتاب، لأن قريشا كفرت قبل اليهود بمكة، معناه: ~~ولا تكونوا أول من كفر بالقرآن فيتابعكم اليهود على ذلك فتبوؤا بآثامكم ~~وآثامهم { ولا تشتروا } أي: ولا تستبدلوا { بآيتي } ببيان ~~صفة محمد صلى الله عليه وسلم { ثمنا قليلا } أي عرضا يسيرا من ~~الدنيا وذلك أن رؤساء اليهود وعلماءهم كانت لهم مآكل يصيبونها من سفلتهم ~~وجهالهم يأخذون منهم كل عام شيئا معلوما من زروعهم وضروعهم ونقودهم ~~فخافوا إن بينوا صفة محمد صلى الله عليه وسلم وتابعوه أن تفوتهم تلك ~~المآكل، فغيروا نعته وكتموا اسمه فاختاروا الدنيا على الآخرة { ~~وإيى فاتقون } فاخشوني { ولا تلبسوا الحق ~~بالبطل } أي: لا تخلطوا، يقال: لبس الثوب يلبس لبسا، ولبس ~~عليه الأمر يلبس لبسا أي خلط. # يقول: لا تخلطوا الحق الذي، أنزلت عليكم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم ~~بالباطل الذي تكتبونه بأيديكم من تغيير صفة محمد صلى الله عليه وسلم. # والأكثرون ms0041 على أنه أراد: لا تلبسوا الإسلام باليهودية والنصرانية. # وقال مقاتل: إن اليهود أقروا ببعض صفة محمد صلى الله عليه وسلم وكتموا ~~بعضا ليصدقوا في ذلك فقال: ولا تلبسوا الحق الذي تقرون به بالباطل يعني ~~بما تكتمونه، فالحق: بيانهم، والباطل: كتمانهم وتكتموا الحق أي لا ~~تكتموه، يعني: نعت محمد صلى الله عليه وسلم. # { وأنتم تعلمون } أنه نبي مرسل. # { وأقيموا الصلوة } يعني الصلوات الخمس بمواقيتها وحدودها، { ~~وآتوا الزكوة } أدوا زكاة أموالكم المفروضة. والزكاة مأخوذة من ~~زكا الزرع إذا نما وكثر. وقيل: من تزكى أي تطهر، وكلا المعنيين موجود في ~~الزكاة، لأن فيها تطهيرا وتنمية للمال { واركعوا مع ~~الراكعين } أي: صلوا مع المصلين: محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ~~وذكر بلفظ الركوع لأنه ركن من أركان الصلاة، ولأن صلاة اليهود لم يكن ~~فيها ركوع، فكأنه قال: صلوا صلاة ذات ركوع، قيل: إعادته بعد قوله { ~~وأقيموا الصلوة } لهذا، أي صلوا مع الذين في صلاتهم ركوع، ~~فالأول مطلق في حق الكل، وهذا في حق أقوام مخصوصين. وقيل: هذا حث على ~~إقامة الصلاة جماعة كأنه قال لهم: صلوا مع المصلين الذين سبقوكم ~~بالإيمان. ### || [2.44-48] # { أتأمرون الناس بالبر } أي بالطاعة، نزلت في علماء ~~اليهود، وذلك أن الرجل منهم كان يقول لقريبه وحليفه من المسلمين إذا سأله ~~عن أمر محمد صلى الله عليه وسلم: اثبت على دينه فإن أمره حق وقوله صدق. ~~وقيل: هو خطاب لأحبارهم حيث أمروا أتباعهم بالتمسك بالتوراة، ثم خالفوا ~~وغيروا نعت محمد صلى الله عليه وسلم، { وتنسون أنفسكم } أي ~~تتركون أنفسكم فلا تتبعونه { وأنتم تتلون الكتب } تقرؤون ~~التوراة فيها نعته وصفته { أفلا تعقلون } أنه حق فتتبعونه؟. # والعقل مأخوذ من عقال الدابة، وهو ما يشد به ركبة البعير فيمنعه عن ~~الشرود، فكذلك العقل يمنع صاحبه من الكفر والجحود. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو عمرو بكر بن محمد المزني أنا ~~أبو بكر محمد بن عبد الله حفيد العباس بن حمزة أنا الحسين بن الفضل ~~البجلي أنا عفان أنا حماد بن سلمة أنا علي ms0042 بن زيد عن أنس بن مالك # أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " رأيت ليلة أسري بي رجالا تقرض شفاههم بمقاريض من نار قلت: من هؤلاء ~~يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطباء من أمتك يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم ~~وهم يتلون الكتاب ". # أخبرنا عبد الواحد / المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا علي بن عبد الله أنا سفيان عن الأعمش عن ~~أبي وائل قال: قال أسامة رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # " يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه (أي تنقطع ~~أمعاؤه) في النار فيدور كما يدور الحمار برحاه فيجتمع أهل النار عليه ~~فيقولون: أي فلان ما شأنك أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ ~~قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه " # وقال شعبة عن الأعمش: «فيطحن فيها كما يطحن الحمار برحاه». # { واستعينوا } على ما يستقبلكم من أنواع البلاء وقيل: على طلب ~~الآخرة { بالصبر والصلوة } أراد حبس النفس عن المعاصي. وقيل: ~~أراد: الصبر على أداء الفرائض، وقال مجاهد: الصبر الصوم، ومنه سمي شهر ~~رمضان شهر الصبر، وذلك لأن الصوم يزهده في الدنيا, والصلاة ترغبه في ~~الآخرة، وقيل: الواو بمعنى على، أي: واستعينوا بالصبر على الصلاة، كما ~~قال الله تعالى: # وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها # [طه: 132]، { وإنها } ولم يقل وانهما ردا الكناية إلى كل واحد ~~منهما أي وإن كل خصلة منهما. كما قال: # كلتا الجنتين آتت أكلها # [الكهف: 33] أي كل واحدة منهما. وقيل: معناه { واستعينوا بالصبر } وإنه ~~لكبير وبالصلاة وإنها لكبيرة، فحذف أحدهما اختصارا، وقال المؤرج: رد ~~الكناية إلى الصلاة لأنها أعم؛ كقوله تعالى: # والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها # [التوبة: 34] رد الكناية إلى الفضة لأنها أعم. وقيل: رد الكناية إلى ~~الصلاة لأن الصبر داخل فيها. كما قال الله تعالى: # والله ورسوله أحق أن يرضوه # [التوبة: 62] ولم يقل يرضوهما لأن رضا الرسول داخل في رضا الله تعالى. # وقال الحسين بن الفضل: رد ms0043 الكناية إلى الاستعانة { لكبيرة } أي: ~~لثقيلة { إلا على الخشعين } يعني: المؤمنين، وقال الحسن: ~~الخائفين وقيل: المطيعين وقال مقاتل بن حيان: المتواضعين، وأصل الخشوع ~~السكون قال الله تعالى: # وخشعت الأصوات للرحمن # [طه: 108] فالخاشع ساكن إلى طاعة الله تعالى. # { الذين يظنون } يستيقنون أنهم مبعثون وأنهم محاسبون وأنهم ~~راجعون إلى الله تعالى، أي: يصدقون بالبعث، وجعل رجوعهم بعد الموت إلى ~~المحشر رجوعا إليه. # والظن من الأضداد يكون شكا ويقينا وأملا، كالرجاء يكون خوفا وأملا ~~وأمنا { أنهم ملقوا } معاينوا { ربهم } في الآخرة وهو ~~رؤية الله تعالى، وقيل: المراد من اللقاء الصيرورة إليه { وأنهم ~~إليه رجعون } فيجزيهم بأعمالهم. # { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت ~~عليكم وأني فضلتكم على العالمين } أي عالمي ~~زمانكم، وذلك التفضيل وإن كان في حق الآباء، ولكن يحصل به الشرف للأبناء ~~{ واتقوا يوما } واخشوا عقاب يوم { لا تجزى نفس } لا تقضي ~~نفس { عن نفس شيئا } أي حقا لزمها وقيل: لا تغني، وقيل: لا تكفي ~~شيئا من الشدائد { ولا يقبل منها شفعة } قرأ ابن كثير ~~ويعقوب بالتاء لتأنيث الشفاعة، وقرأ الباقون بالياء لأن الشفع والشفاعة ~~بمعنى واحد كالوعظ والموعظة، فالتذكير على المعنى والتأنيث على اللفظ، ~~كقوله تعالى: # قد جآءتكم موعظة من ربكم # [يونس: 57] وقال في موضع آخر # فمن جآءه موعظة من ربه # [البقرة: 275] أي لا تقبل منها شفاعة إذا كانت كافرة { ولا يؤخذ ~~منها عدل } أي فداء وسمي به لأنه مثل المفدي. والعدل: المثل { ~~ولا هم ينصرون } يمنعون من عذاب الله. ### || [2.49-50] # { وإذ نجينكم } يعني: أسلافكم وأجدادكم فاعتدها منة عليهم ~~لأنهم نجوا بنجاتهم { من ءال فرعون }: أتباعه وأهل دينه، ~~وفرعون هو الوليد مصعب بن الريان، وكان من القبط العماليق وعمر أكثر من ~~اربعمائة سنة { يسومونكم } يكلفونكم ويذيقونكم، { سوء ~~العذاب } أشد العذاب وأسوأه وقيل: يصرفونكم في العذاب مرة هكذا ومرة ~~هكذا كالإبل السائمة في البرية، وذلك أن فرعون جعل بني إسرائيل خدما ~~وخولا، وصنفهم في الأعمال فصنف يبنون، وصنف يحرثون ويزرعون، وصنف ~~يخدمونه، ومن لم يكن منهم في عمل وضع عليه الجزية. # قال ms0044 وهب: كانوا أصنافا في أعمال فرعون، فذوو القوة ينحتون السواري من ~~الجبال حتى قرحت أعناقهم وأيديهم ودبرت ظهورهم من قطعها ونقلها، وطائفة ~~ينقلون الحجارة، وطائفة يبنون له القصور، وطائفة منهم يضربون اللبن ~~ويطبخون الآجر، وطائفة نجارون وحدادون، والضعفة منهم يضرب عليهم الخراج ~~ضريبة يؤدونها كل يوم، فمن غربت عليه الشمس قبل أن يؤدي ضريبته غلت ~~يمينه إلى عنقه شهرا، والنساء يغزلن الكتان وينسجن، وقيل: تفسيره ذكر ما ~~بعده: { يذبحون أبنآءكم } فهو مذكور على وجه البدل من قوله: ~~- يسومونكم سوء العذاب { ويستحيون نسآءكم } يتركونهن أحياء، ~~وذلك أن فرعون رأى في منامه كأن نارا أقبلت من بيت المقدس وأحاطت بمصر ~~وأحرقت كل قبطي بها ولم تتعرض لبني إسرائيل فهاله ذلك وسأل الكهنة عن ~~رؤياه؟ فقالوا: يولد في بني إسرائيل غلام يكون على يده هلاكك وزوال ملكك، ~~فأمر فرعون بقتل كل غلام يولد في بني إسرائيل وجمع القوابل فقال لهن: لا ~~يسقطن على أيديكن غلام من بني إسرائيل إلا قتل ولا جارية إلا تركت، ~~ووكل بالقوابل، فكن يفعلن ذلك حتى قيل: إنه قتل في بني إسرائيل اثنى ~~عشر ألف صبي في طلب موسى. وقال وهب: بلغني أنه ذبح في طلب موسى عليه ~~السلام تسعين ألف وليد. قالوا: وأسرع الموت في مشيخه بني إسرائيل فدخل ~~رؤوس القبط على فرعون وقالوا: إن الموت قد وقع في بني إسرائيل أفتذبح ~~صغارهم ويموت كبارهم فيوشك أن يقع العمل علينا؟ فأمر فرعون أن يذبحوا سنة ~~ويتركوا سنة، فولد هرون في السنة التي لا يذبحون فيها، وموسى في السنة ~~التي يذبحون فيها. # { وفى ذلكم بلاء من ربكم عظيم } قيل: البلاء ~~المحنة، أي في سومهم إياكم سوء العذاب محنة عظيمة، وقيل: البلاء النعمة، ~~أي في إنجائي إياكم منهم نعمة عظيمة، فالبلاء يكون بمعنى النعمة وبمعنى ~~الشدة، فالله تعالى قد يختبر على النعمة بالشكر، وعلى الشدة بالصبر وقال ~~الله تعالى: # ونبلوكم بالشر والخير فتنة # [الأنبياء: 35]. # { وإذ فرقنا بكم البحر } قيل: معناه فرقنا لكم وقيل: ~~فرقنا البحر بدخولكم إياه، وسمي البحر بحرا ms0045 لاتساعه، ومنه قيل للفرس: ~~بحر إذا اتسع في جريه، وذلك أنه لما دنا هلاك فرعون أمر الله تعالى موسى ~~عليه السلام أن يسري ببني إسرائيل من مصر ليلا فأمر موسى قومه أن يسرجوا ~~في بيوتهم إلى الصبح، وأخرج الله تعالى كل ولد زنا في القبط من بني ~~إسرائيل إليهم، وكل ولد زنا في بني إسرائيل من القبط إلى القبط حتى رجع ~~كل إلى أبيه، وألقى الله الموت على القبط فمات كل بكر لهم واشتغلوا ~~بدفنهم حتى أصبحوا وطلعت الشمس، وخرج موسى عليه السلام في ستمائة ألف ~~وعشرين ألف مقاتل، لا يعدون ابن العشرين لصغره، ولا ابن الستين لكبره، ~~وكانوا يوم دخلوا مصر مع يعقوب اثنين وسبعين إنسانا ما بين رجل وامرأة. # وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كان أصحاب موسى ستمائة ألف وسبعين ~~ألفا. # وعن عمرو بن ميمون قال: كانوا ستمائة ألف فلما أرادوا السير ضرب عليهم ~~التيه فلم يدروا أين يذهبون فدعا موسى مشيخه بني إسرائيل وسألهم عن ذلك ~~فقالوا: إن يوسف عليه السلام لما حضره الموت أخذ على إخوته عهدا أن لا ~~يخرجوا من مصر حتى يخرجوه معهم فلذلك انسد علينا الطريق، فسألهم عن ~~موضع قبره فلم يعلموا فقام موسى ينادي: أنشد الله كل من يعلم أين موضع ~~قبر يوسف عليه السلام إلا أخبرني به؟ ومن لم يعلم به فصمت أذناه ~~عن قولي! وكان يمر بين الرجلين ينادي فلا يسمعان صوته حتى سمعته عجوز لهم ~~فقالت: أرأيتك إن دللتك على قبره أتعطيني كل ما سألتك؟ فأبى عليها وقال: ~~حتى أسأل ربي فأمره الله تعالى بإيتائها سؤلها فقالت: إني عجوز كبيرة لا ~~أستطيع المشي فاحملني وأخرجني من مصر، هذا في الدنيا وأما في الآخرة ~~فأسألك أن لا تنزل غرفة من الجنة إلا نزلتها معك قال: نعم قالت: إنه في ~~جوف الماء في النيل، فادع الله حتى يحسر عنه الماء، فدعا الله تعالى ~~فحسر عنه الماء، ودعا أن يؤخر طلوع الفجر إلى أن يفرغ من أمر يوسف عليه ~~السلام، ms0046 فحفر موسى عليه السلام ذلك الموضع واستخرجه في صندوق من مرمر، ~~وحمله حتى دفنه بالشام، ففتح لهم الطريق فساروا وموسى عليه السلام على ~~ساقتهم وهرون على مقدمتهم، ونذر بهم فرعون فجمع قومه وأمرهم أن لا ~~يخرجوا في طلب بني إسرائيل حتى يصيح الديك، فوالله ما صاح ديك تلك ~~الليلة، فخرج فرعون في طلب بني إسرائيل وعلى مقدمته هامان في ألف ألف ~~وسبعمائة ألف، وكان فيهم سبعون ألفا من دهم الخيل سوى سائر الشيات. وقال ~~محمد بن كعب رضي الله عنه: كان في عسكر فرعون مائة ألف حصان أدهم سوى ~~سائر الشيات وكان فرعون يكون في الدهم وقيل: كان فرعون في سبعة آلاف ألف، ~~وكان بين يديه مائة ألف ناشب، ومائة ألف أصحاب حراب، ومائة ألف أصحاب ~~الأعمدة، فسارت بنو إسرائيل حتى وصلوا إلى البحر و الماء في غاية الزيادة ~~فنظروا فإذا هم بفرعون حين أشرقت الشمس فبقوا متحيرين فقالوا: يا موسى ~~كيف نصنع؟ وأين ما وعدتنا؟ هذا فرعون خلفنا إن أدركنا قتلنا! والبحر ~~أمامنا إن دخلناه غرقنا؟ قال الله تعالى: # فلما ترآءا الجمعان قال أصحاب موسى إنا ~~لمدركون * قال كلا إن معي ربي سيهدين # [الشعراء: 61 62]. # فأوحى الله إليه أن اضرب بعصاك البحر فضربه فلم يطعه فأوحى الله إليه ~~أن كنه فضربه وقال: انفلق يا أبا خالد بإذن الله تعالى، فانفلق ~~فكان كل فرق كالطود العظيم، وظهر فيه اثنا عشر طريقا لكل سبط طريق ~~وارتفع الماء بين كل طريقين كالجبل وأرسل الله الريح والشمس على قعر ~~البحر حتى صار يبسا فخاضت بنو إسرائيل البحر، كل سبط في طريق، وعن ~~جانبيهم الماء كالجبل الضخم ولا يرى بعضهم بعضا، فخافوا وقال كل سبط: ~~قد قتل إخواننا فأوحى الله تعالى إلى جبال الماء: أن تشبكي، فصار ~~الماء شبكات كالطبقات يرى بعضهم بعضا ويسمع بعضهم كلام بعض حتى عبروا ~~البحر سالمين فذلك قوله تعالى: «وإذ فرقنا بكم البحر». # { فأنجينكم } من آل فرعون والغرق. # { وأغرقنا ءال فرعون } وذلك أن فرعون لما وصل إلى البحر ~~فرآه ms0047 منغلقا قال لقومه: انظروا إلى البحر انفلق من هيبتي حتى أدرك عبيدي ~~الذين أبقوا ادخلوا البحر فهاب قومه أن يدخلوه وقيل: قالوا له إن كنت ~~ربا فادخل البحر كما دخل موسى، وكان فرعون على حصان أدهم ولم يكن في خيل ~~فرعون فرس أنثى فجاء جبريل على فرس أنثى وديق فتقدمهم وخاض البحر فلما شم ~~أدهم فرعون ريحها اقتحم البحر في أثرها وهم لا يرونه ولم يملك فرعون من ~~أمره شيئا وهو لا يرى فرس جبريل واقتحمت الخيول جملة خلفه في البحر، ~~وجاء ميكائيل على فرس خلف القوم يشحذهم ويسوقهم حتى لا يشذ رجل منهم ~~ويقول لهم: الحقوا بأصحابكم حتى خاضوا كلهم البحر، وخرج جبريل من البحر ~~وهم أولهم بالخروج فأمر الله تعالى البحر أن يأخذهم فالتطم عليهم ~~وغرقهم أجمعين، وكان بين طرفي البحر أربعة فراسخ وهو بحر قلزم، طرف من ~~بحر فارس، قال قتادة: بحر من وراء مصر يقال له إساف، وذلك بمرأى من بني ~~إسرائيل فذلك قوله تعالى: { وأنتم تنظرون } إلى مصارعهم وقيل: ~~إلى هلاكهم. ### || [2.51-54] # { وإذ وعدنا } هو من المفاعلة التي تكون من الواحد كقولهم: ~~عافاك الله، وعاقبت اللص، وطارقت النعل. وقال الزجاج: كان من الله الأمر ~~ومن موسى القبول، فلذلك ذكر بلفظ المواعدة، وقرأ أهل البصرة (وإذ وعدنا) ~~من الوعد { موسى } اسم عبري عرب «ومو» بالعبرانية الماء «وشى» ~~الشجرة، سمي به لأنه أخذ من بين الماء والشجر، ثم قلبت الشين المعجمة ~~سينا في العربية { أربعين ليلة } أي انقضاؤها: ثلاثين من ذي ~~القعدة وعشر من ذي الحجة، وقرن التاريخ بالليل دون النهار لأن شهور العرب ~~وضعت على سير القمر، والهلال إنما يهل بالليل وقيل: لأن الظلمة أقدم من ~~الضوء، وخلق الليل قبل النهار، قال الله تعالى: # وءاية لهم اليل نسلخ منه النهار # [يس: 37] وذلك أن بني إسرائيل لما أمنوا من عدوهم ودخلوا مصر لم يكن لهم ~~كتاب ولا شريعة ينتهون إليهما، فوعد الله موسى أن ينزل عليه التوراة فقال ~~موسى لقومه: إني ذاهب لميقات ربي آتيكم بكتاب فيه ms0048 بيان ما تأتون وما ~~تذرون، وواعدهم أربعين ليلة، ثلاثين من ذي القعدة وعشرا من ذي الحجة، ~~واستخلف عليهم أخاه هارون فلما أتى الوعد جاء جبريل على فرس يقال له فرس ~~الحياة لا يصيب شيئا إلا حيي ليذهب بموسى إلى ربه، فلما رآه السامري ~~وكان رجلا صائغا من أهل باجرمي واسمه ميخا - وقال سعيد بن جبير: كان من ~~أهل كرمان، وقال ابن عباس: اسمه موسى بن مظفر، وقال قتادة: كان من بني ~~إسرائيل من قبيلة يقال لها سامرة - وكان منافقا أظهر الإسلام، وكان من ~~قوم يعبدون البقر، فلما رأى جبرائيل على ذلك الفرس ورأى مواضع قدم الفرس ~~تخضر في الحال قال: إن لهذا شأنا فأخذ قبضة من تربة حافر فرس جبرائيل ~~عليه السلام. قال عكرمة: ألقي في روعه أنه إذا ألقي في شيء غيره، ~~وكانت بنو إسرائيل قد استعاروا حليا كثيرة من قوم فرعون حين أرادوا ~~الخروج من مصر بعلة عرس لهم، فأهلك الله فرعون وبقيت تلك الحلي في أيدي ~~بني إسرائيل، فلما فصل موسى قال السامري لبني إسرائيل: إن الحلي التي ~~استعرتموها من قوم فرعون غنيمة لا تحل لكم، فاحفروا حفرة فادفنوها فيها ~~حتى يرجع موسى فيرى فيها رأيه. # وقال السدي: إن هارون عليه السلام أمرهم أن يلقوها في حفيرة، حتى يرجع ~~موسى ففعلوا، فلما اجتمعت الحلي صاغها السامري عجلا في ثلاثة أيام ثم ~~ألقى فيها القبضة التي أخذها من تراب فرس جبرائيل عليه السلام، فخرج ~~عجلا من ذهب مرصعا بالجواهر كأحسن ما يكون، وخار خورة، وقال السدي: كان ~~يخور ويمشي فقال السامري: # هذآ إلهكم وإله موسى فنسي # [طه: 88]، أي: فتركه ههنا وخرج يطلبه. # وكانت بنو إسرائيل قد أخلفوا الوعد فعدوا اليوم مع الليلة يومين فلما ~~مضى عشرون يوما ولم يرجع موسى وقعوا في الفتنة. # وقيل: كان موسى قد وعدهم ثلاثين ليلة ثم زيدت العشرة فكانت فتنتهم في ~~تلك العشرة فلما مضت الثلاثون ولم يرجع موسى ظنوا أنه قد مات ورأوا العجل ~~وسمعوا قول السامري عكف ثمانية آلاف رجل منهم ms0049 على العجل يعبدونه وقيل: ~~كلهم عبدوه إلا هارون مع اثني عشر ألف رجل، وهذا أصح، وقال الحسن: كلهم ~~عبدوه إلا هارون وحده فذلك قوله تعالى { ثم اتخذتم العجل } ~~، أي إلها { من بعده } أظهر ابن كثير وحفص الذال من أخذت واتخذت ~~والآخرون يدغمونها { وأنتم ظلمون } ضارون لأنفسكم بالمعصية ~~واضعون العبادة في غير موضعها. # { ثم عفونا عنكم } محونا ذنوبكم { من بعد ذلك } من ~~بعد عبادتكم العجل { لعلكم تشكرون } لكي تشكروا عفوي عنكم ~~وصنيعي إليكم، قيل: الشكر هو الطاعة بجميع الجوارح في السر والعلانية قال ~~الحسن: شكر النعمة ذكرها قال الله تعالى: # وأما بنعمة ربك فحدث # [الضحى: 11] قال الفضيل: شكر كل نعمة أن لا يعصي الله بعد تلك النعمة. ~~وقيل: حقيقة الشكر العجز عن الشكر. # حكي أن موسى عليه السلام قال: إلهي أنعمت علي النعم السوابغ، وأمرتني ~~بالشكر وإنما شكري إياك نعمة منك، قال الله تعالى: يا موسى تعلمت العلم ~~الذي لا يفوقه شيء من علم، حسبي من عبدي أن يعلم أن ما به من نعمة فهو ~~مني، وقال داود عليه السلام: سبحان من جعل اعتراف العبد بالعجز عن شكره ~~شكرا، كما جعل اعترافه بالعجز عن معرفته معرفة. # قوله تعالى: { وإذ آتينا موسى الكتب } يعني التوراة { ~~والفرقان } قال مجاهد: هو التوراة أيضا ذكرها باسمين، وقال ~~الكسائي: الفرقان نعت الكتاب والواو زائدة، يعني: الكتاب المفرق بين ~~الحلال والحرام، وقال يمان بن رباب: أراد بالفرقان انفراق البحر كما قال ~~«وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم» { لعلكم تهتدون } بالتوراة. # { وإذ قال موسى لقومه } الذين عبدوا العجل { يقوم ~~إنكم ظلمتم أنفسكم } ضررتم بأنفسكم { باتخاذكم ~~العجل } إلها قالوا: فأي شيء نصنع؟ قال: { فتوبوا } فارجعوا { ~~إلى بارئكم } خالقكم قالوا: كيف نتوب؟ قال: { فاقتلوا ~~أنفسكم } يعني ليقتل البريء منكم المجرم { ذلكم } أي القتل { ~~خير لكم عند بارئكم } فلما أمرهم موسى بالقتل قالوا: نصبر ~~لأمر الله فجلسوا بالأفنية محتبين وقيل لهم: من مد حبوته أو مد طرفه ~~إلى قاتله أو اتقاه بيد أو رجل فهو ملعون مردودة توبته، وأصلت القوم ~~عليهم الخناجر، ms0050 فكان الرجل يرى ابنه وأباه وأخاه وقريبه وصديقه وجاره فلم ~~يمكنهم المضي لأمر الله تعالى، قالوا: يا موسى كيف نفعل؟ فأرسل الله ~~تعالى عليهم ضبابة وسحابة سوداء لا يبصر بعضهم بعضا فكانوا يقتلونهم ~~إلى المساء، فلما كثر القتل دعا موسى وهرون عليهما السلام وبكيا وتضرعا ~~وقالا: يا رب هلكت بنو إسرائيل، البقية البقية، فكشف الله تعالى السحابة ~~وأمرهم أن يكفوا عن القتل، فتكشفت عن ألوف من القتلى. # روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: كان عدد القتلى سبعين ألفا فاشتد ذلك ~~على موسى فأوحى الله تعالى إليه: أما يرضيك أن أدخل القاتل والمقتول في ~~الجنة، فكان من قتل منهم شهيدا، ومن بقي مكفرا عنه ذنوبه، فذلك قوله ~~تعالى: { فتاب عليكم } أي ففعلتم ما أمرتم به فتاب عليكم فتجاوز ~~عنكم { إنه هو التواب } القابل للتوبة { الرحيم } بخلقه. ### || [2.55-57] # قوله تعالى: { وإذ قلتم يموسى لن نؤمن لك حتى ~~نرى الله جهرة } وذلك أن الله تعالى أمر موسى عليه السلام أن ~~يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، فاختار موسى ~~سبعين رجلا من قومه من خيارهم، فقال لهم: صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم، ~~ففعلوا، فخرج بهم موسى إلى طور سيناء لميقات ربه، فقالوا لموسى: اطلب لنا ~~أن نسمع كلام ربنا، فقال لهم: أفعل، فلما دنا موسى إلى طور سيناء من ~~الجبل وقع عليه عمود الغمام وتغشى الجبل كله، فدخل في الغمام وقال للقوم: ~~ادنوا فدنوا القوم حتى دخلوا في الغمام وخروا سجدا، وكان موسى إذا كلمه ~~ربه وقع على وجهه نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه، فضرب ~~دونهم الحجاب وسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه وأسمعهم الله: أني أنا ~~الله لا إله إلا أنا ذو بكة أخرجتكم من أرض مصر بيد شديدة فاعبدوني ولا ~~تعبدوا غيري، فلما فرغ موسى وانكشف الغمام أقبل إليهم فقالوا: له «لن ~~نؤمن لك حتى نرى الله جهرة» معاينة وذلك أن العرب تجعل العلم بالقلب ~~رؤية، فقال: جهرة ليعلم أن ms0051 المراد منه العيان { فأخذتكم ~~الصعقة } أي الموت، وقيل: نار جاءت من السماء فأحرقتهم { ~~وأنتم تنظرون } أي ينظر بعضكم إلى بعض حين أخذكم الموت. وقيل: ~~تعلمون، والنظر يكون بمعنى العلم، فلما هلكوا جعل موسى يبكي ويتضرع ~~ويقول: ماذا أقول لبني اسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم؟ # لو شئت أهلكتهم من قبل وإيى أتهلكنا بما ~~فعل السفهآء منا # [الأعراف: 155]، فلم يزل يناشد ربه حتى أحياهم الله تعالى رجلا بعد ~~رجل بعدما ماتوا يوما وليلة، ينظر بعضهم إلى بعض، كيف يحيون فذلك قوله ~~تعالى: { ثم بعثنكم } أحييناكم، والبعث: إثارة الشيء عن محله ~~يقال: بعثت البعير وبعثت النائم فانبعث { من بعد موتكم } قال ~~قتادة: أحياهم ليستوفوا بقية آجالهم وأرزاقهم، ولو ماتوا بآجالهم لم ~~يبعثوا إلى يوم القيامة. # { لعلكم تشكرون * وظللنا عليكم الغمام } في ~~التيه يقيكم حر الشمس، والغمام من الغم وأصله التغطية والستر سمي السحاب ~~غماما لأنه يغطي وجه الشمس وذلك أنه لم يكن لهم في التيه كن يسترهم ~~فشكوا إلى موسى فأرسل الله تعالى غماما أبيض رقيقا أطيب من غمام ~~المطر، وجعل لهم عمودا من نور يضيء لهم الليل إذ لم يكن لهم قمر { ~~وأنزلنا عليكم المن والسلوى } أي في التيه، الأكثرون ~~على أن المن هو الترنجبين، وقال مجاهد: هو شيء كالصمغ كان يقع على ~~الأشجار طعمه كالشهد، وقال وهب: هو الخبز الرقاق، قال الزجاج: جملة المن ~~ما يمن الله به من غير تعب. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن اسماعيل أنا أبو نعيم أنا سفيان عن عبد الملك هو ابن ~~عمير عن عمرو بن حريث عن سعيد بن زيد رضي الله عنه قال: قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين ". # قالوا: فكان هذا المن كل ليلة يقع على أشجارهم مثل الثلج، لكل إنسان ~~منهم صاع، فقالوا: يا موسى قتلنا هذا المن بحلاوته فادع لنا ربك أن ~~يطعمنا اللحم فأنزل الله تعالى عليهم السلوى وهو طائر يشبه ms0052 السماني، ~~وقيل: هو السماني بعينه، بعث الله سحابة فمطرت السماني في عرض ميل وطول ~~رمح في السماء، بعضه على بعض والسلوى: العسل، فكان الله ينزل عليهم المن ~~والسلوى كل صباح من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فيأخذ كل واحد منهم ما ~~يكفيه يوما وليلة وإذا كان يوم الجمعة أخذ كل واحد منهم ما يكفيه ليومين ~~لأنه لم يكن ينزل يوم السبت. # { كلوا } ، أي: وقلنا لهم: كلوا { من طيبت } حلالات { ما ~~رزقنكم } ولا تدخروا لغد، ففعلوا، فقطع الله ذلك عنهم، ~~ودود وفسد ما ادخروا، فقال الله تعالى: { وما ظلمونا ولكن ~~كانوا أنفسهم يظلمون } أي وما بخسوا بحقنا، ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون باستيجابهم عذابي، وقطع مادة الرزق الذي كان ينزل عليهم ~~بلا مؤنة في الدنيا ولا حساب في العقبى. # أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي أنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي ~~أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان أنا أحمد بن يوسف السلمي أنا عبد ~~الرزاق أنا معمر عن همام بن منبه أنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " لولا بنو اسرائيل لم يخبث الطعام ولم يخنز اللحم، ولولا حواء لم ~~تخن أنثى زوجها الدهر ". ### || [2.58-59] # { وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية } سميت القرية قرية ~~لأنها تجمع أهلها، ومنه المقراة: للحوض، لأنها تجمع الماء، قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: هي أريحا وهي قرية الجبارين كان فيها قوم من بقية عاد ~~يقال لهم العمالقة ورأسهم عوج بن عنق، وقيل: بلقاء، وقال مجاهد: بيت ~~المقدس، وقال الضحاك: هي الرملة والأردن وفلسطين وتدمر، وقال مقاتل: ~~إيليا، وقال ابن كيسان: الشام { فكلوا منها حيث شئتم ~~رغدا } موسعا عليكم { وادخلوا الباب } يعني بابا من أبواب ~~القرية وكان لها سبعة أبواب { سجدا } أي ركعا خضعا منحنين، وقال ~~وهب: فإذا دخلتموه فاسجدوا شكرا لله تعالى { وقولوا حطة } قال ~~قتادة: حط عنا خطايانا، أمروا بالاستغفار، قال ابن عباس: لا إله إلا ~~الله، لأنه تحط الذنوب، ورفعها على تقدير: قولوا مسألتنا حطة { نغفر ~~لكم خطيكم ms0053 } من الغفر وهو الستر، فالمغفرة تستر الذنوب، وقرأ ~~أهل المدينة و(نافع) بالياء وضمها وفتح الفاء، وقرأها ابن عامر بالتاء ~~وضمها وفتح الفاء، وفي الأعراف قرأ جميعا ويعقوب بالتاء وضمها، وقرأ ~~الآخرون فيهما بنصب النون وكسر الفاء { وسنزيد المحسنين } ~~ثوابا من فضلنا. { فبدل } فغير { الذين ظلموا } أنفسهم ~~وقالوا { قولا غير الذي قيل لهم } وذلك أنهم بدلوا قول ~~الحطة بالحنطة، فقالوا بلسانهم: حطانا سمقاثا أي حنطة حمراء، استخفافا ~~بأمر الله تعالى وقال مجاهد: طؤطىء لهم الباب ليخفضوا رؤوسهم فأبوا ~~أن يدخلوها سجدا فدخلوا على أستاههم مخالفة في الفعل كما بدلوا القول ~~وقالوا قولا غير الذي قيل لهم. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا إسحاق بن نصر أنا عبد الرزاق عن معمر عن ~~همام بن منبه أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " قيل لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة فبدلوا فدخلوا يزحفون ~~على أستاههم وقالوا حبة في شعرة " # { فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السمآء } ~~قيل: أرسل الله عليهم طاعونا فهلك منهم في ساعة واحدة سبعون ألفا { ~~بما كانوا يفسقون } يعصون ويخرجون من أمر الله تعالى. ### || [2.60] # { وإذ استسقى موسى } طلب السقيا { لقومه } وذلك أنهم ~~عطشوا في التيه فسألوا موسى أن يستسقي لهم ففعل فأوحى الله إليه كما قال: ~~{ فقلنا اضرب بعصاك } وكانت من آس الجنة، طولها عشرة أذرع على ~~طول موسى عليه السلام ولها شعبتان تتقدان في الظلمة نورا، واسمها عليق ~~حملها، آدم عليه السلام من الجنة فتوارثها الأنبياء حتى وصلت إلى شعيب ~~عليه السلام فأعطاها موسى عليه السلام. # قال مقاتل: اسم العصا بنعته. قوله تعالى: { الحجر } اختلفوا فيه ~~قال وهب: لم يكن حجرا معينا بل كان موسى يضرب أي حجر كان من عرض ~~الحجارة فينفجر عيونا لكل سبط عين، وكانوا اثنى عشر سبطا ثم تسيل كل ~~عين في جدول إلى السبط الذي أمر أن يسقيهم، وقال الآخرون: كان حجرا ~~معينا بدليل ms0054 أنه عرف بالألف واللام، وقال ابن عباس: كان حجرا خفيفا ~~مربعا على قدر رأس الرجل كان يضعه في مخلاته فإذا احتاجوا إلى الماء ~~وضعه وضربه بعصاه، وقال عطاء: كان للحجر أربعة وجوه لكل وجه ثلاثة أعين ~~لكل سبط عين وقيل: كان الحجر رخاما، وقيل: كان من الكذان فيه اثنتا ~~عشرة حفرة، ينبع من كل حفرة عين ماء عذب، فإذا فرغوا وأراد موسى حمله ~~ضربه بعصاه فيذهب الماء، وكان يسقي كل يوم ستمائة ألف، وقال سعيد بن ~~جبير: هو الحجر الذي وضع موسى ثوبه عليه ليغتسل ففر بثوبه ومر به على ~~ملأ من بني إسرائيل حين رموه بالأدرة فلما وقف أتاه جبريل فقال: إن ~~الله تعالى يقول: ارفع هذا الحجر فلي فيه قدرة، ولك فيه معجزة، فرفعه ~~ووضعه في مخلاته. # قال عطاء: كان يضربه موسى اثنتي عشرة ضربة فيظهر على موضع كل ضربة مثل ~~ثدي المرأة فيعرق يتفجر الأنهار، ثم تسيل. وأكثر أهل التفسير يقولون: ~~انبجست وانفجرت واحد، وقال أبو عمرو بن العلاء: انبجست عرقت وانفجرت أي: ~~سالت، فذلك قوله تعالى: # { فانفجرت } ، أي: فضرب فانفجرت أي سالت منه { اثنتا عشرة ~~عينا } على عدد الأسباط { قد علم كل أناس مشربهم } ~~موضع شربهم لا يدخل سبط على غيره في شربه { كلوا واشربوا من ~~رزق الله } أي وقلنا لهم كلوا من المن والسلوى، واشربوا من الماء ~~فهذا كله من رزق الله الذي يأتيكم بلا مشقة { ولا تعثوا فى ~~الأرض مفسدين } والعيث: أشد الفساد يقال: عثى يعثي عيثا، وعثا ~~يعثو عثوا وعاث يعيث عيثا. ### || [2.61] # قوله تعالى: { وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام ~~واحد } وذلك أنهم أجمعوا وسئموا من أكل المن والسلوى، وإنما قال { ~~على طعام وحد } وهما اثنان لأن العرب تعبر عن الاثنين بلفظ ~~الواحد كما تعبر عن الواحد بلفظ الاثنين، كقوله تعالى # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان # [الرحمن: 22] وإنما يخرج من المالح دون العذب وقيل: كانوا يأكلون ~~أحدهما بالآخر فكانا كطعام واحد. # وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كانوا يعجنون المن ms0055 بالسلوى فيصيران ~~واحدا { فادع لنا } فاسأل لأجلنا { ربك يخرج لنا مما ~~تنبت الأرض من بقلها وقثآئها وفومها } قال ابن ~~عباس: الفوم الخبز، وقال عطاء، الحنطة وقال القتيبي رحمه الله تعالى: ~~الحبوب التي تؤكل كلها وقال الكلبي: { وعدسها وبصلها قال } ~~لهم موسى عليه السلام: { أتستبدلون الذى هو أدنى } ~~أخس وأردى { بالذى هو خير } أشرف وأفضل وجعل الحنطة أدنى في ~~القيمة وإن كان هو خيرا من المن والسلوى، أو أراد أنها أسهل وجودا على ~~العادة، ويجوز أن يكون الخير راجعا إلى اختيار الله لهم واختيارهم ~~لأنفسهم { اهبطوا مصرا } يعني: فإن أبيتم إلا ذلك فانزلوا مصرا ~~من الأمصار، وقال الضحاك: هو مصر موسى وفرعون، والأول أصح، لأنه لو أراده ~~لم يصرفه { فإن لكم ما سألتم } من نبات الأرض { وضربت ~~عليهم } جعلت عليهم وألزموا { الذلة } الذل والهوان قيل: ~~الجزية، وقال عطاء بن السائب: هو الكستيج والزنار وزي اليهودية { ~~والمسكنة } الفقر، سمي الفقير مسكينا لأن الفقر أسكنه وأقعده عن ~~الحركة، فترى اليهود وإن كانوا مياسير كأنهم فقراء، وقيل: الذلة هي فقر ~~القلب فلا ترى في أهل الملل أذل وأحرص على المال من اليهود. # { وبآءو بغضب من الله } رجعوا ولا يقال: «باؤوا إلا بشر» ~~وقال أبو عبيدة: احتملوا وأقروا به، ومنه الدعاء: أبوء (لك) بنعمتك علي ~~وأبوء بذنبي، أي: أقر { ذلك } أي الغضب { بأنهم كانوا ~~يكفرون بآيت الله } بصفة محمد صلى الله عليه وسلم وآية ~~الرجم في التوراة ويكفرون بالانجيل والقرآن { ويقتلون ~~النبيين } تفرد نافع بهمز النبي وبابه، فيكون معناه المخبر من أنبأ ~~ينبىء ونبأ ينبىء، والقراءة المعروفة ترك الهمزة، وله وجهان: أحدهما هو ~~أيضا من الإنباء، تركت الهمزة فيه تخفيفا لكثرة الاستعمال، والثاني هو ~~بمعنى الرفيع مأخوذ من النبوة وهي المكان المرتفع، فعلى هذا يكون ~~النبيين على الأصل { بغير الحق } أي: بلا جرم فإن قيل: فلم قال: ~~بغير الحق وقتل النبيين لا يكون إلا بغير الحق؟ قيل: ذكره وصفا للقتل، ~~والقتل تارة يوصف بالحق وهو مثل قوله تعالى: # قال رب احكم بالحق # [الأنبياء: 112] ذكر الحق ms0056 وصفا للحكم لا أن حكمه ينقسم إلى الجور ~~والحق، ويروى أن اليهود قتلت سبعين نبيا في أول النهار وقامت إلى سوق ~~بقتلهم في آخر النهار { ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } ~~يتجاوزون أمري ويرتكبون محارمي. ### || [2.62-64] # { إن الذين ءامنوا والذين هادوا } يعني اليهود سموا ~~به لقولهم: إنا هدنا إليك أي ملنا إليك، وقيل: لأنهم هادوا أي تابوا عن ~~عبادة العجل، وقيل: لأنهم مالوا عن دين الإسلام، وعن دين موسى عليه ~~السلام، وقال أبو عمرو بن العلاء: لأنهم يتهودون أي يتحركون عند قراءة ~~التوراة ويقولون: إن السموات والأرض تحركت حين أتى الله موسى التوراة { ~~والنصرى } سموا به لقول الحواريين: نحن أنصار الله، وقال مقاتل: ~~لأنهم نزلوا قرية يقال لها ناصرة، وقيل لاعتزائهم إلى نصرة وهي قرية ~~كان ينزلها عيسى عليه السلام. # { والصبئين } قرأ أهل المدينة: والصابين والصابون بترك الهمزة ~~والباقون بالهمزة، وأصله: الخروج، يقال: صبأ فلان أي خرج من دين إلى دين ~~آخر، وصبأت النجوم إذا خرجت من مطالعها، وصبأ ناب البعير إذا خرج، فهؤلاء ~~سموا به لخروجهم من دين إلى دين، قال عمر وابن عباس: هم قوم من أهل ~~الكتاب، قال عمر رضي الله عنه: ذبائحهم ذبائح أهل الكتاب، وقال ابن عباس: ~~لا تحل ذبائحهم ولا مناكحتهم، وقال مجاهد: هم قبيلة نحو الشام بين اليهود ~~والمجوس، وقال الكلبي: هم قوم بين اليهود والنصارى يحلقون أوساط رؤوسهم ~~ويجبون مذاكيرهم، وقال قتادة: قوم يقرؤون الزبور ويعبدون الملائكة، ~~ويصلون إلى الكعبة ويقرون بالله تعالى، أخذوا من كل دين شيئا، قال عبد ~~العزيز بن يحيى: انقرضوا. # { من ءامن بالله واليوم الأخر } فإن قيل: كيف يستقيم ~~قوله (من آمن بالله) وقد ذكر في ابتداء الآية (إن الذين آمنوا)؟ قيل: ~~اختلفوا في حكم الآية فقال بعضهم: أراد بقوله: (إن الذين آمنوا) على ~~التحقيق ثم اختلفوا في هؤلاء المؤمنين فقال قوم: هم الذين آمنوا قبل ~~المبعث وهم طلاب الدين مثل حبيب النجار، وقس بن ساعدة، وزيد بن عمرو بن ~~نفيل، وورقة بن نوفل، والبراء السني، وأبي ذر الغفاري، ms0057 وسلمان الفارسي، ~~وبحيرا الراهب، ووفد النجاشي، فمنهم من أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ~~وبايعه، ومنهم من لم يدركه. وقيل: هم المؤمنون من الأمم الماضية، وقيل: ~~هم المؤمنون من هذه الأمة (والذين هادوا) الذين كانوا على دين موسى عليه ~~السلام، ولم يبدلوا، والنصارى، الذين كانوا على دين عيسى عليه السلام ولم ~~يغيروا وماتوا على ذلك، قالوا: وهذان الاسمان لزماهم زمن موسى وعيسى ~~عليهما السلام حيث كانوا على الحق، كالإسلام لأمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم، والصابئون زمن استقامة أمرهم { من ءامن } أي من مات منهم وهو ~~مؤمن لأن حقيقة الإيمان بالموافاة، ويجوز أن يكون الواو مضمرا أي: ومن ~~آمن بعدك يا محمد إلى يوم القيامة، وقال بعضهم: إن المذكورين بالايمان في ~~أول الآية على طريق المجاز دون الحقيقة، ثم اختلفوا فيهم فقال بعضهم: ~~الذين آمنوا بالأنبياء الماضين ولم يؤمنوا بك وقيل: أراد بهم المنافقين ~~الذين آمنوا بألسنتهم ولم يؤمنوا بقلوبهم، واليهود والنصارى الذين ~~اعتقدوا اليهودية والنصرانية بعد التبديل والصابئون بعض أصناف الكفار { ~~من آمن بالله واليوم الأخر } من هذه الأصناف بالقلب ~~واللسان { وعمل صلحا فلهم أجرهم عند ربهم } ، ~~إنما ذكر بلفظ الجمع لأن (من) يصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكر ~~والمؤنث { ولا خوف عليهم } في الدنيا { ولا هم يحزنون ~~} في الآخرة. # قوله تعالى { وإذ أخذنا ميثقكم } عهدكم يا معشر اليهود { ~~ورفعنا فوقكم الطور } وهو الجبل بالسريانية في قول بعضهم، ~~وهو قول مجاهد، وقيل: ما من لغة في الدنيا إلا وهي في القرآن، وقال ~~الأكثرون: ليس في القرآن لغة غير لغة العرب لقوله تعالى: (قرآنا ~~عربيا) وإنما هذا وأشباهه وقع وفاقا بين اللغتين، وقال ابن عباس: أمر ~~الله تعالى جبلا من جبال فلسطين فانقلع من أصله حتى قام على رؤوسهم، ~~وذلك أن الله تعالى أنزل التوراة على موسى عليه السلام فأمر موسى قومه ~~أن يقبلوها ويعملوا بأحكامها فأبوا أن يقبلوها للآصار والأثقال التي هي ~~فيها، وكانت شريعة ثقيلة فأمر الله تعالى جبريل عليه السلام فقلع جبلا ~~على قدر عسكرهم، وكان فرسخا في ms0058 فرسخ، فرفعه فوق رؤوسهم مقدار قامة الرجل ~~كالظلة، وقال لهم: إن لم تقبلوا التوراة أرسلت هذا الجبل عليكم، وقال ~~عطاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: رفع الله فوق رؤوسهم الطور، ~~وبعث نارا من قبل وجوههم، وأتاهم البحر المالح من خلفهم { خذوا } أي ~~قلنا لهم خذوا { مآ ءاتينكم } أعطيناكم { بقوة } بجد ~~واجتهاد ومواظبة { واذكروا } وادرسوا { ما فيه } وقيل احفظوه ~~وعملوا به { لعلكم تتقون } لكي تنجوا من الهلاك في الدنيا ~~والعذاب في العقبى، فإن قبلتم وإلا رضختكم بهذا الجبل وأغرقتكم في هذا ~~البحر وأحرقتكم بهذه النار، فلما رأوا أن لا مهرب لهم عنها قبلوا وسجدوا ~~وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود، فصار سنة في اليهود، ولا يسجدون إلا على ~~أنصاف وجوههم، ويقولون: بهذا السجود رفع العذاب عنا. # { ثم توليتم } أعرضتم { من بعد ذلك } من بعد ما قبلتم ~~التوراة { فلولا فضل الله عليكم ورحمته } يعني ~~بالإمهال والإدراج وتأخير العذاب عنكم { لكنتم } لصرتم { من ~~الخسرين } من المغبونين بالعقوبة وذهاب الدنيا والآخرة وقيل: من ~~المعذبين في الحال لأنه رحمهم بالإمهال. ### || [2.65-69] # قوله تعالى: { ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في ~~السبت } أي جاوزوا الحد وأصل السبت: القطع، قيل: سمي يوم السبت بذلك ~~لأن الله تعالى قطع فيه الخلق، وقيل: لأن اليهود أمروا فيه بقطع ~~الأعمال، والقصة فيه: أنهم كانوا زمن داود عليه السلام بأرض يقال لها ~~أيلة حرم الله عليهم صيد السمك يوم السبت، فكان إذا دخل السبت لم يبق ~~حوت في البحر إلا اجتمع هناك حتى يخرجن خراطيمهن من الماء لأمنها، حتى لا ~~يرى الماء من كثرتها، فإذا مضى السبت تفرقن ولزمن مقل البحر، فلا يرى ~~شيء منها فذلك قوله تعالى # إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا ~~يسبتون لا تأتيهم # [الأعراف: 163]. # ثم إن الشيطان وسوس إليهم وقال: إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت، فعمد ~~رجال فحفروا الحياض حول البحر، وشرعوا منه إليها الأنهار، فإذا كانت ~~عشية الجمعة فتحوا تلك الأنهار، فأقبل الموج بالحيتان إلى الحياض، فلا ~~يقدرن على الخروج لبعد عمقها وقلة ms0059 مائها، فإذا كان يوم الأحد أخذوها، ~~وقيل: كانوا يسوقون الحيتان إلى الحياض يوم السبت ولا يأخذونها ثم ~~يأخذونها يوم الأحد، وقيل: كانوا ينصبون الحبائل والشخوص يوم الجمعة ~~ويخرجونها يوم الأحد ففعلوا ذلك زمانا ولم تنزل عليهم عقوبة فتجرؤوا على ~~الذنب وقالوا: ما نرى السبت إلا قد أحل لنا فأخذوا وأكلوا وملحوا وباعوا ~~واشتروا وكثر مالهم، فلما فعلوا ذلك صار أهل القرية، وكانوا نحوا من ~~سبعين ألفا، ثلاثة أصناف: صنف أمسك ونهى، وصنف أمسك ولم ينه، وصنف انتهك ~~الحرمة، وكان الناهون اثني عشر ألفا، فلما أبى المجرمون قبول نصحهم ~~قالوا: والله لا نساكنكم في قرية واحدة فقسموا القرية بجدار وعبروا بذلك ~~سنتين، فلعنهم داود عليه السلام، وغضب الله عليهم لإصرارهم على المعصية ~~فخرج الناهون ذات يوم من بابهم ولم يخرج من المجرمين أحد ولم يفتحوا ~~بابهم، فلما أبطؤوا تسوروا عليهم الحائط فإذا هم جميعا قردة لها أذناب ~~يتعاوون، قال قتادة: صار الشبان قردة والشيوخ خنازير فمكثوا ثلاثة أيام ~~ثم هلكوا ولم يمكث مسخ فوق ثلاثة أيام ولم يتوالدوا. # قال الله تعالى { فقلنا لهم كونوا قردة } أمر تحويل ~~وتكوين { خسئين } مبعدين مطرودين، وقيل: فيه تقديم وتأخير أي كونوا ~~خاسئين قردة ولذلك لم يقل خاسئات، والخسأ الطرد والإبعاد، وهو لازم ~~ومتعد يقال: خسأته خسأ فخسأ خسوءا مثل: رجعته رجعا فرجع ~~رجوعا { فجعلنها } أي جعلنا عقوبتهم بالمسخ { نكلا } ، أي ~~عقوبة وعبرة، والنكال اسم لكل عقوبة ينكل الناظر من فعل ما جعلت العقوبة ~~جزاء عليه، ومنه النكول عن اليمين وهو الامتناع، وأصله من النكل وهو ~~القيد يكون وجمعه: أنكالا { لما بين يديها } قال قتادة: أراد ~~بما بين يديها يعني ما سبقت من الذنوب، أي جعلنا تلك العقوبة جزاء لما ~~تقدم من ذنوبهم قبل نهيهم عن أخذ الصيد { وما خلفها } ما حضر من ~~الذنوب التي أخذوا بها، وهي العصيان بأخذ الحيتان، وقال أبو العالية ~~والربيع: عقوبة لما مضى من ذنوبهم وعبرة لمن بعدهم أن يستنوا بسنتهم، ~~و(ما) الثانية بمعنى من، وقيل: (جعلناها) أي جعلنا قرية أصحاب ms0060 السبت ~~عبرة لما بين يديها أي القرى التي كانت مبنية في الحال { وما خلفها ~~} ما يحدث من القرى من بعد ليتعظوا، وقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديره: ~~فجعلناها وما خلفها، أي ما أعد لهم من العذاب في الآخرة، نكالا وجزاء ~~لما بين يديها أي: لما تقدم من ذنوبهم باعتدائهم في السبت { وموعظة ~~للمتقين }: للمؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فلا يفعلون ~~مثل فعلهم. # قوله تعالى: { وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم ~~أن تذبحوا بقرة } البقرة هي الأنثى من البقر يقال: هي مأخوذة ~~من البقر وهي الشق، سميت به لأنها تشق الأرض للحراثة. # والقصة فيه أنه كان في بني إسرائيل رجل غني وله ابن عم فقير لا وارث له ~~سواه، فلما طال عليه موته قتله ليرثه، وحمله إلى قرية أخرى وألقاه ~~بفنائهم، ثم أصبح يطلب ثأره وجاء بناس إلى موسى يدعي عليهم القتل، ~~فسألهم موسى فجحدوا، واشتبه أمر القتيل على موسى، قال الكلبي: وذلك قبل ~~نزول القسامة في التوراة، فسألوا موسى أن يدعو الله ليبين لهم ~~بدعائه، فأمرهم الله بذبح بقرة فقال لهم موسى: إن الله يأمركم أن ~~تذبحوا بقرة { قالوا أتتخذنا هزوا } أي: تستهزىء بنا، نحن ~~نسألك عن أمر القتيل وتأمرنا بذبح البقرة!! وإنما قالوا ذلك لبعد ما بين ~~الأمرين في الظاهر، ولم يدروا ما الحكمة فيه، قرأ حمزة هزوا وكفوا ~~بالتخفيف وقرأ الآخرون بالتثقيل، وبترك الهمزة حفص { قال } موسى { ~~أعوذ بالله } أمتنع بالله { أن أكون من الجهلين } ~~أي من المستهزئين بالمؤمنين وقيل: من الجاهلين بالجواب لا على وفق السؤال ~~لأن الجواب لا على وفق السؤال جهل، فلما علم القوم أن ذبح البقرة عزم ~~من الله عز وجل استوصفوها، ولو أنهم عمدوا إلى أدنى بقرة فذبحوها لأجزأت ~~عنهم، ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم وكانت تحته حكمة، وذلك ~~أنه كان في بني اسرائيل رجل صالح له (ابن) طفل وله عجلة أتى بها إلى ~~غيضة وقال: اللهم إني أستودعك هذه العجلة لابني حتى تكبر، ومات الرجل ~~فصارت العجلة ms0061 في الغيضة عوانا، وكانت تهرب من كل من رآها فلما كبر الابن ~~وكان بارا بوالدته، وكان يقسم الليل ثلاثة أثلاث يصلي ثلثا وينام ~~ثلثا، ويجلس عند رأس أمه ثلثا، فإذا أصبح انطلق فاحتطب على ظهره فيأتي ~~به إلى السوق، فيبيعه بما شاء الله ثم يتصدق بثلثه، ويأكل ثلثه، ويعطي ~~والدته ثلثه، فقالت له أمه يوما: إن أباك ورثك عجلة استودعها الله في ~~غيضة كذا انطلق وادع إله ابراهيم واسماعيل واسحاق أن يردها عليك ~~وعلامتها أنك إذا نظرت إليها يخيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها، ~~وكانت تسمى المذهبة لحسنها وصفرتها، فأتى الفتى الغيضة فرآها ترعى فصاح ~~بها، وقال: أعزم بإله ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب أن تأتي إلي ~~فأقبلت تسعى حتى قامت بين يديه فقبض على عنقها يقودها، فتكلمت البقرة ~~بإذن الله تعالى فقالت: أيها الفتى البار بوالدتك اركبني فإن ذلك أهون ~~عليك، فقال الفتى: إن أمي لم تأمرني بذلك ولكن قالت: خذ بعنقها، فقالت ~~البقرة: بإله بني اسرائيل لو ركبتني ما كنت تقدر علي أبدا، فانطلق ~~فإنك لو أمرت الجبل أن ينقلع من أصله وينطلق معك لفعل لبرك بأمك، فسار ~~الفتى بها إلى أمه فقالت له: إنك فقير لا مال لك فيشق عليك الاحتطاب ~~بالنهار والقيام بالليل فانطلق فبع هذه البقرة، قال: بكم أبيعها؟ قالت: ~~بثلاثة دنانير ولا تبع بغير مشورتي وكان ثمن البقرة يومئذ ثلاثة دنانير، ~~فانطلق بها إلى السوق، وبعث الله ملكا ليرى خلقه قدرته ~~وليختبر الفتى كيف بر بوالدته، وكان الله به خبيرا فقال له الملك: ~~بكم تبيع هذه البقرة؟ قال: بثلاثة دنانير وأشترط عليك رضى والدتي فقال ~~الملك: لك ستة دنانير ولا تستأمر والدتك فقال الفتى: لو أعطيتني وزنها ~~ذهبا لم آخذه إلا برضى أمي فردها إلى أمه فأخبرها بالثمن فقالت: ارجع ~~فبعها بستة دنانير على رضى مني، فانطلق بها إلى السوق وأتى الملك فقال: ~~استأمرت أمك فقال الفتى: إنها أمرتني أن لا أنقصها عن ستة على أن ~~أستأمرها فقال الملك فإني أعطيك اثني عشر ms0062 على أن لا تستأمرها، فأبى ~~الفتى، فرجع إلى أمه فأخبرها، فقالت إن الذي يأتيك ملك في صورة آدمي ~~ليختبرك فإذا أتاك فقل له: أتأمرنا أن نبيع هذه البقرة أم لا؟ ففعل فقال ~~له الملك: اذهب إلى أمك وقل لها أمسكي هذه البقرة فإن موسى بن عمران عليه ~~السلام يشتريها منك لقتيل يقتل في بني إسرائيل فلا تبيعوها إلا بملء ~~مسكها دنانير، فأمسكوها، وقدر الله تعالى على بني إسرائيل ذبح تلك ~~البقرة بعينها فما زالوا يستوصفون موسى حتى وصف لهم تلك البقرة، مكافأة ~~له على بره بوالدته فضلا منه ورحمة فذلك: # قوله تعالى { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هى } ~~أي ما صفتها { قال } موسى { إنه يقول } يعني فسأل الله تعالى ~~فقال: إنه، يعني أن الله تعالى يقول { إنها بقرة لا فارض ~~ولا بكر } أي لا كبيرة ولا صغيرة، والفارض المسنة التي لا تلد، يقال ~~منه: فرضت تفرض فروضا، والبكر الفتاة الصغيرة التي لم تلد قط، وحذفت ~~الهاء منهما للاختصاص بالإناث كالحائض { عوان } وسط نصف { بين ~~ذلك } أي بين السنين، يقال عونت المرأة تعوينا: إذا زادت على ~~الثلاثين، قال الأخفش العوان: التي لم تلد قط، وقيل: العوان التي نتجت ~~مرارا وجمعها عون { فافعلوا ما تؤمرون } من ذبح البقرة ولا ~~تكثروا السؤال { قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما ~~لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفرآء فاقع ~~لونها } قال ابن عباس: شديد الصفرة، وقال قتادة: صاف، وقال الحسن: ~~الصفراء السوداء، والأول أصح لأنه لا يقال أسود فاقع، إنما يقال: أصفر ~~فاقع، وأسود حالك وأحمر قانىء، وأخضر ناضر، وأبيض بقق للمبالغة، { ~~تسر النظرين }: إليها يعجبهم حسنها وصفاء لونها. ### || [2.70-73] # { قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما هي } أسائمة أم ~~عاملة { إن البقر تشبه علينا } ولم يقل تشابهت لتذكير ~~لفظ البقر كقوله تعالى: # أعجاز نخل منقعر # [القمر:20]، وقال الزجاج: أي جنس البقر تشابه، أي التبس واشتبه أمره ~~علينا فلا نهتدي إليه { وإنآ إن شآء الله لمهتدون } إلى ~~وصفها، قال رسول الله صلى الله ms0063 عليه وسلم: # " والله لو لم يستثنوا لما بينت لهم إلى آخر الأبد " # { قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول } مذللة بالعمل ~~يقال: رجل ذلول بين الذل، ودابة ذلول بينة الذل { تثير ~~الأرض } تقبلها للزراعة { ولا تسقى الحرث } أي ليست بساقية { ~~مسلمة } بريئة من العيوب { لا شية فيها } لا لون فيها سوى ~~لون جميع جلدها قال عطاء: لا عيب فيها، قال مجاهد: لا بياض فيها ولا سواد ~~{ قالوا: الآن جئت بالحق } أي بالبيان التام الشافي الذي لا ~~إشكال فيه، وطلبوها فلم يجدوا بكمال وصفها إلا مع الفتى فاشتروها بملء ~~مسكها ذهبا، { فذبحوها وما كادوا يفعلون } من غلاء ~~ثمنها وقال محمد بن كعب: وما كادوا يجدونها باجتماع أوصافها، وقيل: { ~~وما كادوا يفعلون } من شدة اضطرابهم واختلافهم فيها. # قوله عز وجل: { وإذ قتلتم نفسا } هذا أول القصة وإن كان ~~مؤخرة في التلاوة، واسم القتيل عاميل { فادرأتم فيها } أصله ~~تدارأتم فأدغمت التاء في الدال وأدخلت الألف، مثل قوله: ~~«اثاقلتم»، قال ابن عباس ومجاهد: معناه فاختلفتم، وقال الربيع بن ~~أنس: تدافعتم، أي يحيل بعضكم على بعض من الدرء وهو الدفع، فكان كل واحد ~~يدفع عن نفسه، { والله مخرج } أي مظهر { ما كنتم ~~تكتمون } فإن القاتل كان يكتم القتل { فقلنا اضربوه } يعني ~~القتيل { ببعضها } أي ببعض البقرة، واختلفوا في ذلك البعض، فقال ابن ~~عباس رضي الله عنه وأكثر المفسرين: ضربوه بالعظم الذي يلي الغضروف وهو ~~المقتل، وقال مجاهد وسعيد بن جبير: بعجب الذنب لأنه أول ما يخلق وآخر ~~ما يبلى، ويركب عليه الخلق، وقال الضحاك: بلسانها، وقال الحسين بن ~~الفضل: هذا أدل بها لأنه آلة الكلام، وقال الكلبي وعكرمة: بفخذها ~~الأيمن، وقيل: بعضو منها لا بعينه، ففعلوا ذلك فقام القتيل حيا بإذن ~~الله تعالى وأوداجه، أي عروق العنق، تشخب دما وقال: قتلني فلان، ثم سقط ~~ومات مكانه فحرم قاتله الميراث، وفي الخبر: «ما ورث قاتل بعد صاحب ~~البقرة» وفيه إضمار تقديره: فضرب فحيي { كذلك يحى الله ~~الموتى } كما أحيا عاميل، { ويريكم آيته لعلكم ~~تعقلون } قيل تمنعون ms0064 أنفسكم من المعاصي. # أما حكم هذه المسألة في الإسلام: إذا وجد قتيل في موضع ولا يعرف قاتله ~~فإن كان ثم (لوث) على إنسان - واللوث: أن يغلب على القلب صدق ~~المدعي، بأن اجتمع جماعة في بيت أو صحراء فتفرقوا عن قتيل يغلب على القلب ~~أن القاتل فيهم، أو وجد قتيل في محلة أو قرية كلهم أعداء للقتيل لا ~~يخالطهم غيرهم، فيغلب على القلب أنهم قتلوه - فادعى الولي على بعضهم، ~~يحلف المدعي خمسين يمينا على من يدعي عليه، وإن كان الأولياء جماعة ~~توزع الأيمان عليهم، ثم بعدما حلفوا أخذوا الدية من عاقلة المدعى عليه ~~إن ادعوا قتل خطأ، وإن ادعوا قتل عمد فمن ماله، ولا قود على قول ~~الأكثرين وذهب بعضهم إلى وجوب القود، وهو قول عمر بن عبد العزيز وبه قال ~~مالك وأحمد، وإن لم يكن على المدعى عليه لوث فالقول قول المدعى عليه مع ~~يمينه ثم هل يحلف يمينا واحدة أم خمسين يمينا؟ فيه قولان: (أحدهما) ~~يمينا واحدة كما في سائر الدعاوى (والثاني) يحلف خمسين يمينا تغليظا ~~لأمر الدم، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه: لا حكم للوث ولا يزيد بيمين ~~المدعي وقال: إذا وجد قتيل في محلة يختار الإمام خمسين رجلا من صلحاء ~~أهلها فيحلفهم أنهم ما قتلوه ولا عرفوا له قاتلا، ثم يأخذ الدية من ~~سكانها، والدليل على أن البداية بيمين المدعي عند وجود اللوث: # ما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا ~~أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا عبد الوهاب ~~بن عبد المجيد الثقفي عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار # " عن سهل بن أبي حثمة أن عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود خرجا إلى ~~خيبر فتفرقا لحاجتهما فقتل عبد الله بن سهل فانطلق هو وعبد الرحمن ~~أخو المقتول وحويصة بن مسعود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا ~~له قتل عبد الله بن سهل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تحلفون ms0065 ~~خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم أو قاتلكم» فقالوا يا رسول الله لم نشهد ~~ولم نحضر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فتبرئكم يهود بخمسين ~~يمينا» فقالوا يا رسول الله فكيف نقبل أيمان قوم كفار؟ فعزم النبي صلى ~~الله عليه وسلم عقله من عنده وفي لفظ آخر فزعم أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم عقله من عنده " # قال بشير بن يسار: قال سهل لقد ركضتني فريضة من تلك الفرائض في مربد ~~لنا، وفي رواية: لقد ركضتني ناقة حمراء من تلك الفرائض في مربد لنا» ~~أخرجه مسلم عن محمد بن المثنى عن عبد الوهاب. # وجه الدليل من الخبر: أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بأيمان المدعين ~~لتقوي جانبهم باللوث، وهو أن عبد الله بن سهل وجد قتيلا في خيبر، ~~وكانت العداوة ظاهرة بين الأنصار وأهل خيبر، فكان يغلب على القلب أنهم ~~قتلوه، واليمين أبدا تكون حجة لمن يقوى جانبه وعند عدم اللوث يقوى جانب ~~المدعى عليه من حيث أن الأصل براءة ذمته وكان القول قوله مع يمينه. ### || [2.74] # قوله تعالى: { ثم قست قلوبكم } يبست وجفت، جفاف القلب: ~~خروج الرحمة واللين عنه، وقيل: غلظت، وقيل: اسودت، { من بعد ~~ذلك } من بعد ظهور الدلالات. قال الكلبي: قالوا بعد ذلك: نحن لم ~~نقتله، فلم يكونوا قط أعمى قلبا ولا أشد تكذيبا لنبيهم منهم عند ذلك { ~~فهى } أي في االغلظة والشدة { كالحجارة أو أشد قسوة } ~~قيل: أو بمعنى بل وقيل: بمعنى الواو كقوله تعالى: # مائة ألف أو يزيدون # [الصافات: 147] أي: بل يزيدون أو ويزيدون، وإنما لم يشبهها بالحديد مع ~~أنه أصلب من الحجارة، لأن الحديد قابل للين فإنه يلين بالنار، وقد ~~لان لداود عليه السلام، والحجارة لا تلين قط، ثم فضل الحجارة على ~~القلب القاسي فقال: { وإن من الحجارة لما يتفجر ~~منه الأنهر } قيل: أراد به جميع الحجارة، وقيل: أراد به الحجر ~~الذي كان يضرب عليه موسى للأسباط { وإن منها لما يشقق ~~فيخرج منه المآء } أراد به عيونا دون الأنهار { وإن ~~منها لما يهبط ms0066 } ينزل من أعلى الجبل إلى أسفله { من خشية ~~الله } وقلوبكم لا تلين ولا تخشع يا معشر اليهود. فإن قيل: الحجر جماد ~~لا يفهم، فكيف يخشى؟ قيل: الله يفهمه ويلهمه فيخشى بإلهامه. # ومذهب أهل السنة والجماعة أن الله تعالى خلق علما في الجمادات وسائر ~~الحيوانات سوى العقل، لا يقف عليه غيره، فلها صلاة وتسبيح وخشية كما قال ~~جل ذكره: # وإن من شىء إلا يسبح بحمده # [الإسراء: 44] وقال: # والطير صآفت كل قد علم صلاته وتسبيحه # [النور: 41]، وقال: # ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن ~~في الأرض والشمس والقمر # [الحج: 18] الآية، فيجب على المؤمن الإيمان به ويكل علمه إلى الله ~~سبحانه وتعالى، ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان على ثبير والكفار ~~يطلبونه فقال الجبل: انزل عني فإني أخاف أن تؤخذ علي فيعاقبني الله بذلك ~~فقال له جبل حراء: إلي يا رسول الله. # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ثنا السيد أبو الحسين محمد ~~بن الحسين العلوي أنا أحمد بن محمد بن عبد الوهاب النيسابوري أنا محمد بن ~~اسماعيل الصائغ أنا يحيى بن أبي بكر أنا إبراهيم ابن طهمان عن سماك بن ~~حرب عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث وإني لأعرفه الآن " # هذا حديث صحيح أخرجه مسلم عن أبي بكر ابن أبي شيبة عن يحيى بن أبي بكر. ~~وصح عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلع له أحد فقال: # " هذا جبل يحبنا ونحبه " # وروي عن أبي هريرة يقول، صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح ثم ~~أقبل على الناس بوجهه وقال: # " بينما رجل يسوق بقرة إذ عيي فركبها فضربها فقالت: إنا لم نخلق لهذا، ~~إنما خلقنا لحراثة الأرض» فقال الناس: سبحان الله بقرة تتكلم!؟ فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «فإني أومن به أنا وأبو بكر وعمر وما هما ~~ثم " # وقال: # " بينما رجل في غنم ms0067 له إذ عدا الذئب على شاة منها فأدركها صاحبها ~~فاستنقذها، فقال الذئب: فمن لها يوم السبع؟ أي يوم القيامة، يوم لا راعي ~~لها غيري» فقال الناس: سبحان الله ذئب يتكلم؟ فقال: «أومن به أنا وأبو ~~بكر وعمر وما هما ثم " # ، وصح عن أبي هريرة قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم على حراء وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي ~~وطلحة والزبير فتحركت الصخرة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اهدأ. أي: ~~اسكن. فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد» " # صحيح أخرجه مسلم. # أنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو سعيد يحيى بن أحمد بن علي الصائغ ~~أنا أبو الحسن علي بن إسحاق بن هشام الرازي أنا محمد أيوب بن ضريس البجلي ~~الرازي أنا محمد بن الصباح عن الوليد بن أبي ثور عن السدي عن عباد بن أبي ~~يزيد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «كنا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بمكة فخرجنا في نواحيها خارجا من مكة بين الجبال والشجر، فلم ~~يمر بشجرة ولا جبل إلا قال السلام عليك يا رسول الله». # أنا أبو الحسن عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ~~أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا عبد المجيد بن عبد ~~العزيز عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله رضي الله ~~عنه يقول: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب استند إلى جذع نخلة من ~~سواري المسجد، فلما صنع له المنبر فاستوى عليه اضطربت تلك السارية وحنت ~~كحنين الناقة حتى سمعها أهل المسجد، حتى نزل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فاعتنقها فسكنت». # قال مجاهد: لا ينزل حجر من أعلى إلى أسفل إلا من خشية الله، ويشهد لما ~~قلنا قوله تعالى: # لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته ~~خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال ~~نضربها للناس لعلهم يتفكرون # [الحشر: 21]. # قوله عز وجل { وما الله بغفل } بساه { عما تعملون ms0068 } ~~وعيد تهديد، وقيل: بتارك عقوبة ما تعملون، بل يجازيكم به، قرأ ابن كثير ~~يعملون بالياء والآخرون بالتاء. ### || [2.75-76] # قوله تعالى: { أفتطمعون } أفترجون؟ يريد محمدا وأصحابه { أن ~~يؤمنوا لكم } تصدقكم اليهود بما تخبرونهم به { وقد كان ~~فريق منهم يسمعون كلم الله } يعني التوراة { ثم ~~يحرفونه } يغيرون ما فيها من الأحكام { من بعد ما عقلوه ~~} علموه كما غيروا صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وآية الرجم { وهم ~~يعلمون } أنهم كاذبون، هذا قول مجاهد وقتادة وعكرمة والسدي وجماعة، ~~وقال ابن عباس ومقاتل: نزلت في السبعين الذين اختارهم موسى لميقات ربه، ~~وذلك أنهم لما رجعوا - بعد ما سمعوا كلام الله - إلى قومهم رجع الناس إلى ~~قولهم، وأما الصادقون منهم فأدوا كما سمعوا، وقالت طائفة منهم: سمعنا ~~الله يقول في آخر كلامه إن استطعتم أن تفعلوا فافعلوا، وإن شئتم فلا ~~تفعلوا، فهذا تحريفهم وهم يعلمون أنه الحق. # { وإذا لقوا الذين آمنوا } قال ابن عباس والحسن وقتادة: ~~يعني منافقي اليهود الذين آمنوا بألسنتهم إذا لقوا المؤمنين المخلصين { ~~قالوا ءامنا } كإيمانكم { وإذا خلا } رجع { بعضهم ~~إلى بعض } - كعب بن الأشرف وكعب بن أسد ووهب بن يهودا وغيرهم من ~~رؤساء اليهود - لأمرهم على ذلك { قالوا: أتحدثونهم بما ~~فتح الله عليكم } بما قص الله عليكم في كتابكم: أن محمدا حق ~~وقوله صدق. والفتاح القاضي. # وقال الكسائي: بما بينه لكم من العلم بصفة النبي صلى الله عليه السلام ~~ونعته، وقال: الواقدي: بما أنزل الله عليكم، ونظيره: # لفتحنا عليهم بركت من السمآء # [الأعراف: 96] أي أنزلنا، وقال أبو عبيدة: بما من الله عليكم وأعطاكم ~~{ ليحآجوكم به } ليخاصموكم، يعني أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ~~ويحتجوا بقولكم عليكم فيقولوا: قد أقررتم أنه نبي حق في كتابكم ثم لا ~~تتبعونه؟ وذلك أنهم قالوا لأهل المدينة حين شاوروهم في اتباع محمد صلى ~~الله عليه وسلم: آمنوا به فإنه حق ثم قال بعضهم لبعض: أتحدثونهم بما أنزل ~~الله عليكم لتكون لهم الحجة عليكم { عند ربكم } في الدنيا ~~والآخرة، وقيل: إنهم أخبروا المؤمنين بما عذبهم الله به ms0069 على الجنايات ~~فقال بعضهم لبعض: أتحدثونهم بما أنزل الله عليكم من العذاب ليحاجوكم به ~~عند ربكم، ليروا الكرامة لأنفسهم عليكم عند الله وقال مجاهد: هو قول يهود ~~قريظة قال بعضهم لبعض حين قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: # " يا إخوان القردة والخنازير " # فقالوا: من أخبر محمدا بهذا؟ ما خرج هذا إلا منكم { أفلا ~~تعقلون }. ### || [2.77-79] # قول الله تعالى: { أولا يعلمون أن الله يعلم ما ~~يسرون } يخفون { وما يعلنون } يبدون يعني اليهود. # وقوله تعالى: { ومنهم أميون } أي من اليهود أميون لا يحسنون ~~القراءة والكتابة، جمع أمي منسوب إلى الأم كأنه باق على ما انفصل من ~~الأم لم يتعلم كتابة ولا قراءة. # وروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب " # وقيل: هو منسوب إلى أم القرى وهي مكة { لا يعلمون الكتب ~~إلا أمانى } قرأ أبو جعفر: أماني بتخفيف الياء كل القرآن حذف ~~إحدى الياءين تخفيفا، وقراءة العامة بالتشديد، وهو جمع الأمنية وهي ~~التلاوة، وقال الله تعالى: # إلا إذا تمنى ألقى الشيطن فى أمنيته # [الحج: 52] أي في قراءته، قال أبو عبيدة: إلا تلاوته وقراءته عن ظهر ~~القلب لا يقرؤونه من كتاب، وقيل: يعلمونه حفظا وقراءة لا يعرفون معناه. ~~قال ابن عباس: يعني غير عارفين بمعاني الكتاب، وقال مجاهد وقتادة: إلا ~~كذبا وباطلا، قال الفراء: الأماني: الأحاديث المفتعلة، قال عثمان رضي ~~الله عنه: ما تمنيت منذ أسلمت أي ما كذبت، وأراد بها الأشياء التي كتبها ~~علماؤهم من عند أنفسهم ثم أضافوها إلى الله عز وجل من تغيير نعت النبي ~~صلى الله عليه وسلم وغيره، وقال الحسن وأبو العالية: هي من التمني، وهي ~~أمانيهم الباطلة التي تمنوها على الله عز وجل مثل قولهم: # لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصرى # [البقرة: 111] وقولهم: # لن تمسنا النار إلا أياما معدودة # [البقرة: 80]، وقولهم: # نحن أبناء الله وأحباؤه # [المائدة: 18] فعلى هذا تكون (إلا) بمعنى (لكن) أي لا يعلمون الكتاب لكن ~~يتمنون أشياء لا تحصل لهم { وإن هم } وما ms0070 هم { إلا يظنون } ~~وما هم إلا يظنون ظنا وتوهما لا يقينا، قاله قتادة والربيع، وقال ~~مجاهد: يكذبون. # قوله تعالى: { فويل } قال الزجاج: ويل كلمة يقولها كل واقع في هلكة، ~~وقيل: هو دعاء الكفار على أنفسهم بالويل والثبور، وقال ابن عباس: شدة ~~العذاب، وقال سعيد بن المسيب: ويل واد في جهنم لو سيرت فيه جبال الدنيا ~~لانماعت من شدة حره. # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة أنا أبو طاهر محمد بن أحمد ~~بن الحارث، أنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي أنا عبد الله بن محمود ~~أنا أبو اسحاق ابراهيم بن عبد الله الخلال أنا عبد الله بن المبارك عن ~~رشدين بن سعد عن عمرو بن الحارث أنه حدث عن أبي السمح عن أبي الهيثم ~~عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " الويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره، ~~والصعود جبل من نار يتصعد فيه سبعين خريفا ثم يهوي فهو كذلك " # { للذين يكتبون الكتب بأيديهم ثم يقولون ~~هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا } وذلك ~~أن أحبار اليهود خافوا ذهاب مأكلتهم وزوال رياستهم حين قدم النبي صلى ~~الله عليه وسلم المدينة، فاحتالوا في تعويق اليهود عن الايمان به فعمدوا ~~إلى صفته في التوراة، وكانت صفته فيها: حسن الوجه، حسن الشعر، أكحل ~~العينين، ربعة، فغيروها وكتبوا مكانها طوال أزرق سبط الشعر فإذا سألهم ~~سفلتهم عن صفته قرؤوا ما كتبوا فيجدونه مخالفا لصفته فيكذبونه وينكرونه، ~~قال الله تعالى: { فويل لهم مما كتبت أيديهم } يعني ~~ما كتبوا بأنفسهم اختراعا من تغيير نعت محمد صلى الله عليه وسلم { ~~وويل لهم مما يكسبون } من المآكل ويقال: من المعاصي. ### || [2.80-83] # { وقالوا } يعني اليهود { لن تمسنا النار } لن تصيبنا ~~النار { إلا أياما معدودة } قدرا مقدرا ثم يزول عنا ~~العذاب ويعقبه النعيم واختلفوا في هذه الأيام، فقال ابن عباس ومجاهد: ~~كانت اليهود يقولون: هذه الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذب بكل ms0071 ألف ~~سنة يوما واحدا ثم ينقطع العذاب بعد سبعة أيام. وقال قتادة وعطاء: ~~يعنون أربعين يوما التي عبد فيها آباؤهم العجل، وقال الحسن وأبو ~~العالية: قالت اليهود: إن ربنا عتب علينا في أمر، فأقسم ليعذبنا أربعين ~~يوما فلن تمسنا النار إلا أربعين يوما تحلة القسم، فقال الله عز وجل ~~تكذيبا لهم: { قل } يا محمد { أتخذتم عند الله } ألف ~~استفهام دخلت على ألف الوصل، عند الله { عهدا }؟ موثقا أن لا ~~يعذبكم إلا هذه المدة { فلن يخلف الله عهده } ووعده وقال ~~ابن مسعود: عهدا بالتوحيد، يدل عليه قوله تعالى: # إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا # [مريم: 87] يعني: قول لا إله إلا الله { أم تقولون على الله ~~ما لا تعلمون } ثم قال # { بلى } وبل وبلى: حرفا استدراك ومعناهما نفي الخبر الماضي وإثبات ~~الخبر المستقبل { من كسب سيئة } يعني الشرك { وأحاطت به ~~خطيئته } قرأ أهل المدينة خطيئاته بالجمع، والإحاطة الإحداق ~~بالشيء من جميع نواحيه، قال ابن عباس وعطاء والضحاك وأبو العالية والربيع ~~وجماعة: هو الشرك يموت عليه، وقيل: السيئة الكبيرة. والاحاطة به أن يصر ~~عليها فيموت غير تائب، قاله عكرمة والربيع بن خيثم وقال مجاهد: هي الذنوب ~~تحيط بالقلب، كلما أذنب ذنبا ارتفعت حتى تغشى القلب وهي الرين. قال ~~الكلبي: أوبقته ذنوبه، دليله قوله تعالى: # إلا أن يحاط بكم # [يوسف: 66] أي تهلكوا { فأولئك أصحب النار هم ~~فيها خلدون * والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون }. # قوله تعالى: { وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل } في ~~التوراة، والميثاق العهد الشديد { لا تعبدون إلا الله } قرأ ~~ابن كثير وحمزة والكسائي (لا يعبدون) بالياء وقرأ الآخرون بالتاء لقوله ~~تعالى: «وقولوا للناس حسنا» معناه أن ألا تعبدوا فلما حذف أن صار ~~الفعل مرفوعا، وقرأ أبي بن كعب: لا تعبدوا إلا الله على النهي { ~~وبالولدين إحسانا } أي ووصيناهم بالوالدين إحسانا، برا ~~بهما وعطفا عليهما ونزولا عند أمرهما، فيما لا يخالف أمر الله تعالى، ~~{ وذى القربى } أي وبذي القرابة والقربى مصدر كالحسنى { ~~واليتمى } جمع يتيم وهو الطفل الذي لا ms0072 أب له { والمسكين ~~} يعني الفقراء { وقولوا للناس حسنا } صدقا وحقا في شأن ~~محمد صلى الله عليه وسلم فمن سألكم عنه فاصدقوه وبينوا صفته لا ~~تكتموا أمره، هذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير ابن جريج ومقاتل، وقال ~~سفيان الثوري: مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر، وقيل: هو اللين في ~~القول والمعاشرة بحسن الخلق. وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب: حسنا بفتح ~~الحاء والسين أي قولا حسنا { وأقيموا الصلوة وءاتوا ~~الزكوة ثم توليتم } أعرضتم عن العهد والميثاق { إلا ~~قليلا منكم } وذلك أن قوما منهم آمنوا { وأنتم معرضون ~~} كإعراض آبائكم. ### || [2.84-86] # قوله عز وجل { وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دمآءكم ~~} أي لا تريقون دماءكم أي: لا يسفك بعضكم دم بعض، وقيل: لا تسفكوا دماء ~~غيركم فتسفك دماؤكم، فكأنكم سفكتم دماء أنفسكم، { ولا تخرجون ~~أنفسكم من ديركم } أي لا يخرج بعضكم بعضا من داره، ~~وقيل: لا تسيئوا جوار من جاوركم فتلجؤوهم إلى الخروج بسوء جواركم { ثم ~~أقررتم } بهذا العهد أنه حق وقبلتم { وأنتم تشهدون } ~~اليوم على ذلك يا معشر اليهود وتقرون بالقبول. # قوله عز وجل { ثم أنتم هؤلاء } يعني: يا هؤلاء، وهؤلاء ~~للتنبيه { تقتلون أنفسكم } أي يقتل بعضكم بعضا { ~~وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون ~~عليهم } بتشديد الظاء أي تتظاهرون، أدغمت التاء في الظاء، وقرأ عاصم ~~وحمزة والكسائي بتخفيف الظاء فحذفوا تاء التفاعل وأبقوا تاء الخطاب كقوله ~~تعالى: «ولا تعاونوا» معناهما جميعا: تتعاونون، والظهير: العون، ~~{ بالإثم والعدوان } المعصية والظلم { وإن يأتوكم ~~أسارى } ، وقرأ حمزة: أسرى، وهما جمع أسير، ومعناهما واحد { ~~تفدوهم } بالمال وتنقذوهم وقرأ أهل المدينة وعاصم والكسائي ويعقوب ~~(تفادوهم) أي تبادلوهم أراد: مفاداة الأسير بالأسير، وقيل: معنى ~~القراءتين واحد. # ومعنى الآية، قال السدي: إن الله تعالى أخذ على بني إسرائيل في التوراة ~~أن لا يقتل بعضهم بعضا، ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم، وأيما عبد أو ~~أمة وجدتموه من بني إسرائيل فاشتروه بما قام من ثمنه وأعتقوه، فكانت ~~قريظة حلفاء الأوس، والنضير حلفاء الخزرج، وكان يقتتلون في حرب سمير؟ ~~فيقاتل بنو قريظة وحلفاؤهم وبنو النضير ms0073 وحلفاؤهم وإذا غلبوا أخربوا ~~ديارهم وأخرجوهم منها، وإذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه وإن ~~كان الأسير من عدوهم، فتعيرهم العرب وتقول: كيف تقاتلونهم وتفدونهم ~~قالوا: إنا أمرنا أن نفديهم فيقولون: فلم تقاتلوهم؟ قالوا: إنا نستحي أن ~~يستذل حلفاؤنا، فعيرهم الله تعالى بذلك فقال: # { ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم } وفي الآية تقديم ~~وتأخير ونظمها (وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم ~~والعدوان) { وهو محرم عليكم إخراجهم } وإن يأتوكم ~~أسارى تفادوهم، فكأن الله تعالى أخذ عليهم أربعة عهود: ترك القتال، وترك ~~الاخراج، وترك المظاهرة عليهم مع أعدائهم، وفداء أسراهم، فأعرضوا عن الكل ~~إلا الفداء. # قال الله تعالى { أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ~~ببعض } قال مجاهد: يقول إن وجدته في يد غيرك فديته وأنت تقتله بيدك { ~~فما جزآء من يفعل ذلك منكم } يا معشر اليهود { إلا ~~خزى } عذاب وهوان { في الحياة الدنيا } فكان خزي قريظة القتل ~~والسبي وخزي النضير الجلاء والنفي من منازلهم إلى أذرعات وأريحاء من ~~الشام { ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب } ~~وهو عذاب النار { وما الله بغافل عما تعملون } قرأ ابن ~~كثير ونافع وأبو بكر بالياء، والباقون بالتاء قوله عز وجل: { ~~أولئك الذين اشتروا } استبدلوا { الحياة الدنيا ~~بالأخرة فلا يخفف } يهون { عنهم العذاب ولا هم ~~ينصرون } يمنعون من عذاب الله عز وجل. ### || [2.87-90] # قوله تعالى: { ولقد ءاتينا } أعطينا { موسى الكتاب } ~~التوراة، جملة واحدة { وقفينا } وأتبعنا { من بعده ~~بالرسل } رسولا بعد رسول { وآتينا عيسى ابن مريم ~~البينات } الدلالات الواضحات وهي ما ذكر الله في سورة آل عمران ~~والمائدة وقيل: أراد الإنجيل { وأيدناه } قويناه { بروح ~~القدس } قرأ ابن كثير القدس بسكون الدال والآخرون بضمها وهما لغتان ~~مثل الرعب والرعب، واختلفوا في روح القدس، قال الربيع وغيره: أراد ~~بالروح الروح الذي نفخ فيه، والقدس هو الله أضافه إلى نفسه تكريما ~~وتخصيصا نحو بيت الله، وناقة الله، كما قال: # فنفخنا فيه من روحنا # [التحريم: 12] # وروح منه # [النساء: 171] وقيل: أراد بالقدس الطهارة، يعني الروح الطاهرة، سمى ~~روحه قدسا، لأنه لم تتضمنه أصلاب ms0074 الفحولة ولم تشتمل عليه أرحام الطوامث، ~~إنما كان أمرا من الله تعالى، قال قتادة والسدي والضحاك: روح القدس ~~جبريل عليه السلام قيل: وصف جبريل بالقدس أي بالطهارة لأنه لم يقترف ~~ذنبا قال الحسن: القدس هو الله وروحه جبريل قال الله تعالى: # قل نزله روح القدس من ربك بالحق # [النحل: 102] وتأييد عيسى بجبريل عليهما السلام أنه أمر أن يسير معه حيث ~~سار حتى صعد به الله إلى السماء وقيل: سمي جبريل عليه السلام روحا ~~للطافته ولمكانته من الوحي الذي هو سبب حياة القلوب، وقال ابن عباس ~~وسعيد بن جبير: روح القدس هو اسم الله تعالى الأعظم به كان يحيي الموتى ~~ويري الناس به العجائب، وقيل: هو الانجيل جعل له روحا كما جعل القرآن ~~روحا لمحمد صلى الله عليه وسلم لأنه سبب لحياة القلوب قال تعالى: # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا # [الشورى: 52] فلما سمعت اليهود ذكر عيسى عليه السلام قالوا: يا محمد لا ~~مثل عيسى - كما تزعم - عملت، ولا كما تقص علينا من الأنبياء فعلت، ~~فأتنا بما أتى به عيسى إن كنت صادقا. # قال الله تعالى: { أفكلما جآءكم } يا معشر اليهود { رسول ~~بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم } تكبرتم وتعظمتم عن ~~الإيمان { ففريقا } طائفة { كذبتم } مثل عيسى ومحمد صلى الله ~~عليه وسلم { وفريقا تقتلون } أي قتلتم مثل زكريا ويحيى وشعيا ~~وسائر من قتلوه من الأنبياء عليهم السلام { وقالوا } يعني اليهود { ~~قلوبنا غلف } جمع الأغلف وهو الذي عليه غشاء، معناه عليها غشاوة ~~فلا تعي ولا تفقه ما يقول، قاله مجاهد وقتادة، نظيره قوله تعالى: # وقالوا قلوبنا فى أكنة # [فصلت: 5] وقرأ ابن عباس: غلف بضم اللام وهي قراءة الأعرج وهي جمع ~~غلاف أي قلوبنا أوعية لكل علم فلا تحتاج إلى علمك قاله ابن عباس وعطاء ~~وقال الكلبي: معناه أوعية لكل علم فلا تسمع حديثا إلا تعيه إلا حديثك لا ~~تعقله ولا تعيه ولو كان فيه خير لوعته وفهمته. # قال الله عز وجل { بل لعنهم الله } طردهم الله وأبعدهم عن كل ~~خير { بكفرهم فقليلا ما ms0075 يؤمنون } قال قتادة: معناه لن ~~يؤمن منهم إلا قليل لأن من آمن من المشركين أكثر ممن آمن من اليهود، أي ~~فقليلا يؤمنون، ونصب قليلا على الحال وقال معمر: لا يؤمنون إلا بقليل ~~مما في أيديهم ويكفرون بأكثره، أي فقليل يؤمنون ونصب قليلا بنزع الخافض، ~~و(ما) صلة على قولهما، وقال الواقدي: معناه لا يؤمنون قليلا ولا كثيرا ~~كقول الرجل للآخر: ما أقل ما تفعل كذا أي لا تفعله أصلا { ولما ~~جآءهم كتاب من عند الله } يعني: القرآن { مصدق } ~~موافق { لما معهم } يعني التوراة { وكانوا } يعني اليهود { ~~من قبل } من قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم، { يستفتحون } ~~يستنصرون { على الذين كفروا } على مشركي العرب، وذلك أنهم ~~كانوا يقولون إذا حزبهم أمر ودهمهم عدو: اللهم انصرنا عليهم بالنبي ~~المبعوث في آخر الزمان، الذي نجد صفته في التوراة، فكانوا ينصرون، ~~وكانوا يقولون لأعدائهم من المشركين قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا ~~فنقتلكم معه قتل عاد وثمود وإرم { فلما جآءهم ما عرفوا } ~~يعني محمدا صلى الله عليه وسلم من غير بني اسرائيل وعرفوا نعته وصفته { ~~كفروا به } بغيا وحسدا. # { فلعنة الله على الكافرين * بئسما اشتروا ~~به أنفسهم } بئس ونعم: فعلان ماضيان وضعا للمدح والذم، لا ~~يتصرفان تصرف الأفعال، معناه: بئس الذي اختاروا لأنفسهم حين استبدلوا ~~الباطل بالحق. وقيل: الاشتراء هاهنا بمعنى البيع والمعنى بئس ما باعوا به ~~حظ أنفسهم أي حين اختاروا الكفر وبذلوا أنفسهم للنار { أن يكفروا ~~بمآ أنزل الله } يعني القرآن { بغيا } أي حسدا وأصل البغي: ~~الفساد ويقال بغى الجرح إذا فسد والبغي: الظلم، وأصله الطلب، والباغي ~~طالب الظلم، والحاسد يظلم المحسود جهده، طلبا لإزالة نعمة الله تعالى ~~عنه { أن ينزل الله من فضله } أي النبوة والكتاب { على ~~من يشآء من عباده } محمد صلى الله عليه وسلم، قرأ أهل مكة ~~والبصرة ينزل بالتخفيف إلا (في سبحان الذي) في موضعين # وننزل من القرآن # [الإسراء: 82] و # حتى تنزل # [الإسراء: 93] فإن ابن كثير يشددهما، وشدد البصريون في الأنعام # على أن ينزل ءاية # [الأنعام: ms0076 37] زاد يعقوب تشديد (بما أنزل) في النحل وافق حمزة والكسائي ~~في تخفيف (وينزل الغيث) في سورة لقمان وحم عسق، والآخرون يشددون الكل، ~~ولم يختلفوا في تشديد # وما ننزله إلا بقدر # [الحجر: 21] { فبآءو بغضب } أي رجعوا بغضب { على غضب } قال ~~ابن عباس ومجاهد: الغضب الأول بتضييعهم التوراة وتبديلهم، والثاني بكفرهم ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، وقال قتادة: الأول بكفرهم بعيسى ~~والإنجيل، والثاني بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، وقال ~~السدي: الأول بعبادة العجل والثاني بالكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم { ~~وللكافرين }: الجاحدين بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم من الناس ~~كلهم { عذاب مهين } مخز يهانون فيه. ### || [2.91] # قوله تعالى: { وإذا قيل لهم آمنوا بمآ أنزل الله } ~~يعني القرآن { قالوا نؤمن بمآ أنزل علينا } يعني ~~التوراة، يكفينا ذلك { ويكفرون بما ورآءه } أي بما سواه من ~~الكتب كقوله عز وجل # فمن ابتغى ورآء ذلك # [المؤمنون: 7] أي سواه، وقال أبو عبيدة: [بما وراءه] أي: بما سواه من ~~الكتب { وهو الحق } يعني القرآن { مصدقا } نصب على الحال، { ~~لما معهم } من التوراة { قل } لهم يا محمد { فلم تقتلون ~~} أي قتلتم { أنبيآء الله من قبل } ، ولم: أصله لما ~~فحذفت الألف فرقا بين الجر والاستفهام كقولهم فيم وبم؟ { إن كنتم ~~مؤمنين } بالتوراة، وقد نهيتم فيها عن قتل الأنبياء عليهم السلام. ### || [2.92-94] # قوله عز وجل { ولقد جآءكم موسى بالبينات } بالدلالات ~~الواضحة والمعجزات الباهرة { ثم اتخذتم العجل من بعده ~~وأنتم ظالمون * وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا ~~فوقكم الطور خذوا مآ آتيناكم بقوة واسمعوا } ~~أي استجيبوا وأطيعوا سميت الطاعة والإجابة سمعا على المجاورة لأنه سبب ~~للطاعة والإجابة { قالوا سمعنا } قولك { وعصينا } أمرك، ~~وقيل: سمعنا بالآذان وعصينا بالقلوب، قال أهل المعاني: إنهم لم يقولوا ~~هذا بألسنتهم ولكن لما سمعوا وتلقوه بالعصيان فنسب ذلك إلى القول اتساعا ~~{ وأشربوا فى قلوبهم العجل بكفرهم } أي: حب العجل, ~~أي معناه: أدخل في قلوبهم حب العجل وخالطها، كإشراب اللون لشدة الملازمة ~~يقال: فلان مشرب اللون إذا اختلط بياضه بالحمرة، وفي القصص: أن موسى أمر ~~أن يبرد ms0077 العجل بالمبرد ثم يذره في النهر وأمرهم بالشرب منه فمن بقي ~~في قلبه شيء من حب العجل ظهرت سحالة الذهب على شاربه. # قوله عز وجل { قل بئسما يأمركم به إيمانكم } أن ~~تعبدوا العجل من دون الله أي بئس إيمان يأمركم بعبادة العجل { إن كنتم ~~مؤمنين } بزعمكم، وذلك أنهم قالوا: (نؤمن بما أنزل علينا) فكذبهم ~~الله عز وجل. # قوله تعالى { قل إن كانت لكم الدار الأخرة عند ~~الله } وذلك أن اليهود ادعوا دعاوى باطلة مثل قولهم # لن تمسنا النار إلا أياما معدودة # [البقرة: 80] # وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو ~~نصارى # [البقرة: 111] وقولهم: # نحن أبناء الله وأحباؤه # [المائدة: 18] فكذبهم الله عز وجل وألزمهم الحجة فقال: قل لهم يا محمد ~~(إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله) يعني الجنة عند الله { خالصة } ~~أي خاصة { من دون الناس فتمنوا الموت } أي فأريدوه أو ~~اسألوه لأن من علم أن الجنة مأواه حن إليها ولا سبيل إلى دخولها إلا ~~بعد الموت فاستعجلوه بالتمني { إن كنتم صادقين } في قولكم، ~~وقيل: فتمنوا الموت أي ادعوا بالموت على الفرقة الكاذبة. وروي عن ابن ~~عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لو تمنوا الموت لغص كل انسان منهم بريقه وما بقي على وجه الأرض ~~يهودي إلا مات ". ### || [2.95-96] # قال الله تعالى: { ولن يتمنوه أبدا بما قدمت ~~أيديهم } لعلمهم أنهم في دعواهم كاذبون وأراد (بما قدمت أيديهم) ما ~~قدموه من الأعمال وأضافها العمل إلى اليد دون سائر الأعضاء لأن أكثر ~~جنايات الانسان تكون باليد فأضيف إلى اليد أعماله وإن لم يكن لليد فيها ~~عمل { والله عليم بالظالمين * ولتجدنهم } اللام ~~لام القسم والنون تأكيد للقسم، تقديره: والله لتجدنهم يا محمد يعني ~~اليهود { أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا ~~} قيل هو متصل بالأول، وأحرص من الذين أشركوا، وقيل: تم الكلام بقوله: ~~(على حياة) ثم ابتدأ (من الذين أشركوا) وأراد بالذين أشركوا المجوس قاله ~~أبو العالية والربيع سموا مشركين لأنهم يقولون بالنور والظلمة. # { يود } يريد ويتمنى { أحدهم لو يعمر ms0078 ألف سنة } ~~يعني تعمير ألف سنة وهي تحية المجوس فيما بينهم يقولون عش ألف سنة وكل ~~ألف نيروز ومهرجان، يقول الله تعالى: اليهود أحرص على الحياة من المجوس ~~الذين يقولون ذلك { وما هو بمزحزحه } مباعده { من ~~العذاب } من النار { أن يعمر } أي طول عمره لا ينقذه. زحزحه ~~وتزحزح من العذاب، أو وزحزح: لازم ومتعد، ويقال زحزحته فتزحزح، { ~~والله بصير بما يعملون }. ### || [2.97-99] # قوله عز وجل: { قل من كان عدوا لجبريل } قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: إن حبرا من أحبار اليهود يقال له عبد الله بن صوريا قال ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: أي ملك نزل من السماء؟ قال (جبريل) قال: ذلك ~~عدونا من الملائكة ولو كان ميكائيل لآمنا بك، إن جبريل ينزل بالعذاب ~~والقتال والشدة وإنه عادانا مرارا وكان من أشد ذلك علينا، أن الله ~~تعالى أنزل على نبينا أن بيت المقدس سيخرب على يد رجل يقال له بختنصر، ~~وأخبرنا بالحين الذي يخرب فيه، فلما كان وقته بعثنا رجلا من أقوياء بني ~~إسرائيل في طلبه لقتله فانطلق حتى لقيه ببابل غلاما مسكينا فأخذه ~~ليقتله فدفع عنه جبريل وكبر بختنصر وقوي وغزانا وخرب بيت المقدس فلهذا ~~نتخذه عدوا فأنزل الله هذه الآية. # وقال مقاتل: قالت اليهود: إن جبريل عدونا لأنه أمر بجعل النبوة فينا ~~فجعلها في غيرنا، وقال قتادة وعكرمة والسدي: كان لعمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه أرض بأعلى المدينة وممرها على مدارس اليهود فكان إذا أتى أرضه ~~يأتيهم ويسمع منهم كلاما فقالوا له: ما في أصحاب محمد أحب إلينا منك، ~~إنهم يمرون علينا فيؤذوننا وأنت لا تؤذينا وإنا لنطمع فيك فقال عمر: ~~والله ما آتيكم لحبكم ولا أسألكم لأني شاك في ديني وإنما أدخل عليكم ~~لأزداد بصيرة في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأرى آثاره في كتابكم وأنتم ~~تكتمونها فقالوا: من صاحب محمد الذي يأتيه من الملائكة؟ قال: جبريل ~~فقالوا: ذلك عدونا يطلع محمدا على أسرارنا وهو صاحب كل عذاب وخسف وسنة ~~وشدة، وإن ميكائيل إذا جاء ms0079 جاء بالخصب والمغنم فقال لهم عمر: تعرفون ~~جبريل وتنكرون محمدا؟ قالوا: نعم قال: فأخبروني عن منزلة جبريل وميكائيل ~~من الله عز وجل؟ قالوا: جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره قال عمر: فإني ~~أشهد أن من كان عدوا لجبريل فهو عدو لميكائيل، ومن كان عدوا لميكائيل ~~فإنه عدو لجبريل، ومن كان عدوا لهما كان الله عدوا له، ثم رجع عمر إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد جبريل قد سبقه بالوحي فقرأ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم هذه الآية فقال # " لقد وافقك ربك يا عمر " # فقال عمر: لقد رأيتني بعد ذلك، في دين الله أصلب من الحجر. # قال الله تعالى { قل من كان عدوا لجبريل فإنه } ، ~~يعني: جبريل { نزله } ، يعني: القرآن، كناية عن غير مذكور { على ~~قلبك } يا محمد { بإذن الله } بأمر الله { مصدقا } ~~موافقا { لما بين يديه } لما قبله من الكتب، { وهدى ~~وبشرى للمؤمنين }. # قوله عز وجل: { من كان عدوا لله وملئكته ورسله ~~وجبريل وميكل } خصهما بالذكر من جملة الملائكة مع دخولهما في ~~قوله: { وملئكته } تفضيلا وتخصيصا، كقوله تعالى: # فيهما فكهة ونخل ورمان # [الرحمن: 68] خص النخل والرمان بالذكر مع دخولهما في ذكر الفاكهة، ~~والواو فيهما بمعنى: أو، يعني من كان عدوا لأحد هؤلاء فإنه عدو للكل، ~~لأن الكافر بالواحد كافر بالكل { فإن الله عدو ~~للكفرين } قال عكرمة: جبر و ميك واسراف هي العبد بالسريانية، ~~وايل هو الله تعالى، ومعناهما عبد الله وعبد الرحمن. وقرأ ابن كثير ~~جبريل بفتح الجيم غير مهموز بوزن فعليل قال حسان: # وجبريل رسول الله فينا # وروح القدس ليس له كفاء # وقرأ حمزة والكسائي بالهمز والاشباع بوزن سلسبيل، وقرأ أبو بكر ~~بالاختلاس، وقرأ الآخرون بكسر الجيم غير مهموز، وميكاييل قرأ أبو عمر ~~ويعقوب وحفص ميكال بغير همز قال جرير: # عبدوا الصليب وكذبوا بمحمد # وبجبرئيل وكذبوا ميكالا # وقال آخر: # ويوم بدر لقيناكم لنا مدد # فيه مع النصر جبريل وميكال # وقرأ نافع: بالهمزة والاختلاس، بوزن ميفاعل، وقرأ الآخرون: بالهمز ~~والاشباع بوزن ميكائيل، قال ابن صوريا: ما جئتنا ms0080 بشيء نعرفه، فأنزل الله ~~تعالى { ولقد أنزلنا إليك آيات بينت } واضحات ~~مفصلات بالحلال والحرام والحدود والأحكام { وما يكفر بهآ ~~إلا الفسقون } الخارجون عن أمر الله عز وجل. ### || [2.100-103] # قوله تعالى { أو كلما } واو العطف دخلت عليها ألف الاستفهام { ~~عهدوا عهدا } يعني اليهود عاهدوا لئن خرج محمد ليؤمنن به، ~~فلما خرج كفروا به. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما ذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ما أخذ الله عليهم من الميثاق وعهد إليهم في محمد أن يؤمنوا به، قال مالك ~~بن الصيف: والله ما عهد إلينا في محمد عهد، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية، يدل عليه قراءة أبي رجاء العطاردي «أو كلما عوهدوا» فجعلهم ~~مفعولين، وقال عطاء: هي العهود التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وبين اليهود أن لا يعاونوا المشركين على قتاله فنقضوها كفعل بني ~~قريظة والنضير، دليله قوله تعالى: # الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم # [الأنفال: 56] { نبذه } طرحه ونقضه { فريق } طوائف { منهم } ~~من اليهود { بل أكثرهم لا يؤمنون ولما جآءهم ~~رسول من عند الله } يعني محمدا { مصدق لما معهم ~~نبذ فريق من الذين أوتوا الكتب كتب الله ~~ورآء ظهورهم } يعني التوراة وقيل: القرآن { كأنهم لا ~~يعلمون } قال الشعبي: كانوا يقرؤون التوراة ولا يعملون بها، وقال ~~سفيان بن عيينة: أدرجوها في الحرير والديباج وحلوها بالذهب والفضة ولم ~~يعملوا بها فذلك نبذهم لها. # قوله تعالى: { واتبعوا } يعني اليهود { ما تتلوا ~~الشيطين } أي: ما تلت، والعرب تضع المستقبل موضع الماضي، ~~والماضي موضع المستقبل، وقيل: ما كانت تتلو أي تقرأ، قال ابن عباس رضي ~~الله عنه: تتبع وتعمل به، وقال عطاء تحدث وتكلم به { على ملك ~~سليمن } أي ملكه وعهده. # وقصة الآية: أن الشياطين كتبوا السحر والنيرنجيات على لسان آصف بن برخيا ~~هذا ما علم آصف بن برخيا سليمان الملك، ثم دفنوها تحت مصلاه حتى نزع ~~الله الملك عنه ولم يشعر بذلك سليمان فلما مات استخرجوها وقالوا للناس: ~~إنما ملكهم سليمان بها فتعلموه فأما علماء بني اسرائيل وصلحاؤهم ms0081 فقالوا: ~~معاذ الله أن يكون هذا من علم الله، وأما السفلة، فقالوا: هذا علم ~~سليمان، وأقبلوا على تعلمه، ورفضوا كتب أنبيائهم، وفشت الملامة على ~~سليمان فلم يزل هذا حالهم وفعلهم حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ~~وأنزل عليه براءة سليمان، هذا قول الكلبي. # وقال السدي: كانت الشياطين تصعد إلى السماء، فيسمعون كلام الملائكة فيما ~~يكون في الأرض من موت وغيره، فيأتون الكهنة ويخلطون بما يسمعون في كل ~~كلمة سبعين كذبة ويخبرونهم بها فكتب ذلك وفشا في بني إسرائيل أن الجن ~~يعلمون الغيب، فبعث سليمان في الناس وجمع تلك الكتب وجعلها في صندوق ~~ودفنه تحت كرسيه وقال: لا أسمع أحدا يقول إن الشيطان يعلم الغيب إلا ~~ضربت عنقه، فلما مات سليمان وذهب العلماء الذين كانوا يعرفون أمر سليمان ~~ودفنه الكتب، وخلف من بعدهم خلف، تمثل الشيطان على صورة إنسان فأتى نفرا ~~من بني إسرائيل فقال: أدلكم على كنز لا تأكلونه أبدا قالوا: نعم فذهب ~~معهم فأراهم المكان الذي تحت كرسيه، فحفروا فأقام ناحية فقالوا له: أدن ~~قال: لا أحضر، فإن لم تجدوه فاقتلوني، وذلك أنه لم يكن أحد من الشياطين ~~يدنو من الكرسي إلا احترق، فحفروا وأخرجوا تلك الكتب، فقال الشيطان لعنه ~~الله: إن سليمان كان يضبط الجن والإنس والشياطين والطير بهذا، ثم طار ~~الشيطان عنهم، وفشا في الناس أن سليمان كان ساحرا، وأخذوا تلك الكتب ~~(واستعملوها) فلذلك أكثر ما يوجد السحر في اليهود، فلما جاء محمد صلى ~~الله عليه وسلم برأ الله تعالى سليمان من ذلك، وأنزل في عذر سليمان: { ~~وما كفر سليمن } بالسحر، وقيل: لم يكن سليمان كافرا بالسحر ~~ويعمل به { ولكن الشياطين كفروا } قرأ ابن عباس رضي الله ~~عنه والكسائي وحمزة؛ «لكن»، خفيفة النون، «والشياطين»، رفع، وقرأ الآخرون ~~ولكن مشددة النون «والشياطين» نصب، وكذلك # ولكن الله قتلهم # [الأنفال: 17] # ولكن الله رمى # [الأنفال: 17] ومعنى ولكن: نفي الخبر الماضي وإثبات المستقبل. # { يعلمون الناس } قيل: معنى السحر العلم والحذق بالشيء قال ~~الله تعالى: # وقالوا يأيه الساحر ادع لنا ربك ms0082 # [الزخرف: 49] أي: العالم، والصحيح: أن السحر عبارة عن التمويه والتخييل، ~~والسحر وجوده حقيقة عند أهل السنة، وعليه أكثر الأمم، ولكن العمل به كفر، ~~حكي عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال: السحر يخيل ويمرض وقد يقتل، حتى ~~أوجب القصاص على من قتل به فهو من عمل الشيطان، يتلقاه الساحر منه ~~بتعليمه إياه، فإذا تلقاه منه استعمله في غيره، وقيل: إنه يؤثر في قلب ~~الأعيان فيجعل الآدمي على صورة الحمار ويجعل الحمار على صورة الكلب، ~~والأصح أن ذلك تخييل قال الله تعالى: # يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى # [طه: 66] لكنه يؤثر في الأبدان بالأمراض والموت والجنون، وللكلام تأثير ~~في الطباع والنفوس، وقد يسمع الإنسان ما يكره فيحمى ويغضب وربما يحم ~~منه، وقد مات قوم بكلام سمعوه فهو بمنزلة العوارض والعلل التي تؤثر في ~~الأبدان. # قوله عز وجل { ومآ أنزل على الملكين ببابل } أي ~~ويعملون الذي أنزل على الملكين أي إلهاما وعلما، فالإنزال بمعنى ~~الإلهام والتعليم، وقيل: واتبعوا ما أنزل على الملكين وقرأ ابن عباس ~~والحسن الملكين بكسر اللام، وقال ابن عباس: هما رجلان ساحران كانا ~~ببابل، وقال الحسن: علجان لأن الملائكة لا يعلمون السحر. # وبابل هي بابل العراق سميت بابل لتبلبل الألسنة بها عند سقوط صرح نمرود ~~أي تفرقها، قال ابن مسعود: بابل أرض الكوفة، وقيل: جبل دماوند، والقراءة ~~المعروفة على الملكين بالفتح. فإن قيل: كيف يجوز تعليم السحر من ~~الملائكة؟ قيل: له تأويلان: أحداهما، أنهما لا يتعمدان التعليم لكن يصفان ~~السحر ويذكران بطلانه ويأمران باجتنابه، والتعليم بمعنى الإعلام، فالشقي ~~يترك نصيحتهما ويتعلم السحر من صنعتهما. # والتأويل الثاني: وهو الأصح: أن الله تعالى امتحن الناس بالملكين في ~~ذلك الوقت فمن شقى يتعلم السحر منهما ويأخذه عنهما ويعمل به فيكفر به، ~~ومن سعد يتركه فيبقى على الإيمان، ويزداد المعلمان بالتعليم عذابا، ففيه ~~ابتلاء للمعلم والمتعلم ولله أن يمتحن عباده بما شاء، فله الأمر والحكم. # قوله عز وجل { هروت ومروت } اسمان سريانيان وهما في محل ~~الخفض على تفسير الملكين إلا أنهما نصبا لعجمتهما ms0083 ومعرفتهما، وكانت ~~قصتهما على ما ذكر ابن عباس والمفسرون: أن الملائكة رأوا ما يصعد إلى ~~السماء من أعمال بني آدم الخبيثة في زمن إدريس عليه السلام فعيروهم ~~وقالوا: هؤلاء الذين جعلتهم في الأرض خليفة واخترتهم فهم يعصونك فقال ~~الله تعالى: لو أنزلتكم إلى الأرض وركبت فيكم ما ركبت فيهم لركبتم ~~مثل ما ركبوا فقالوا: سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نعصيك قال لهم الله ~~تعالى: فاختاروا ملكين من خياركم أهبطهما إلى الأرض، فاختاروا هاروت ~~وماروت وكانا من أصلح الملائكة وأعبدهم، وقال الكلبي: قال الله تعالى ~~لهم: اختاروا ثلاثة فاختاروا عزا وهو هاروت وعزايا وهو ماروت - غير ~~إسمهما لما قارفا الذنب - وعزائيل، فركب الله فيهم الشهوة وأهبطهم إلى ~~الأرض وأمرهم أن يحكموا بين الناس بالحق، ونهاهم عن الشرك والقتل بغير ~~الحق والزنا وشرب الخمر، فأما عزائيل فإنه لما وقعت الشهوة في قلبه ~~استقبل ربه وسأله أن يرفعه إلى السماء، فأقاله فسجد أربعين سنة لم يرفع ~~رأسه، ولم يزل بعد ذلك مطأطئا رأسه حياء من الله تعالى. # وأما الآخران: فإنهما ثبتا على ذلك وكانا يقضيان بين الناس يومهما، فإذا ~~أمسيا ذكرا اسم الله الأعظم وصعدا إلى السماء، قال قتادة: فما مر عليهما ~~شهر حتى افتتنا. قالوا جميعا أنه اختصمت إليهما ذات يوم الزهرة وكانت ~~من أجمل النساء، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: وكانت من أهل فارس ~~وكانت ملكة في بلدها فلما رأياها أخذت بقلوبهما فراوداها عن نفسها فأبت ~~وانصرفت ثم عادت في اليوم الثاني ففعلا مثل ذلك فأبت وقالت: لا إلا أن ~~تعبدا ما أعبد وتصليا لهذا الصنم وتقتلا النفس وتشربا الخمر، فقالا: لا ~~سبيل إلى هذه الأشياء فإن الله تعالى قد نهانا عنها، فانصرفت ثم عادت في ~~اليوم الثالث ومعها قدح من خمر، وفي أنفسهما من الميل إليها ما فيها ~~فراوداها عن نفسها فعرضت عليهما ما قالت بالأمس فقالا: الصلاة لغير الله ~~عظيم، وقتل النفس عظيم، وأهون الثلاثة شرب الخمر، فشربا الخمر فانتشيا ~~ووقعا بالمرأة، فزنيا فلما فرغا ms0084 رآهما إنسان فقتلاه، قال الربيع بن أنس: ~~وسجدا للصنم، فمسخ الله الزهرة كوكبا - وقال بعضهم: جاءتهما امرأة من ~~أحسن الناس تخاصم زوجها فقال أحدهما للآخر: هل سقط في نفسك مثل الذي سقط ~~في نفسي (من حب هذه)؟ قال: نعم فقال: وهل لك أن تقضي لها على زوجها بما ~~تقول؟ فقال له صاحبه: أما تعلم ما عند الله من العقوبة والعذاب؟ فقال له ~~صاحبه: أما تعلم ما عند الله من العفو والرحمة فسألاها نفسها، فقالت: لا ~~إلا أن تقتلاه فقال أحدهما: أما تعلم ما عند الله من العقوبة والعذاب؟ ~~فقال صاحبه: أما تعلم ما عند الله من العفو والرحمة فقتلاه ثم سألاها ~~نفسها، فقالت: لا، إن لي صنما أعبده، إن انتما صليتما معي له: فعلت، ~~فقال أحدهما لصاحبه مثل القول الأول، فقال صاحبه مثله، فصليا معها له ~~فمسخت شهابا. # قال ابن أبي طالب رضي الله عنه والكلبي والسدي: إنها قالت لهما حين ~~سألاها نفسها: لن تدركاني حتى تخبراني بالذي تصعدان به إلى السماء فقالا: ~~باسم الله الأكبر، قالت: فما أنتم تدركاني حتى تعلمانيه، فقال أحدهما ~~لصاحبه: علمها فقال: إني أخاف الله رب العالمين، قال الآخر: فأين رحمة ~~الله تعالى؟ فعلماها ذلك فتكلمت به، فصعدت إلى السماء فمسخها الله ~~كوكبا، فذهب بعضهم إلى أنها هي الزهرة بعينها وأنكر الآخرون هذا وقالوا: ~~إن الزهرة من الكواكب السبعة السيارة التي أقسم الله بها فقال: # فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس # [التكوير: 15-16] والتي فتنت هاروت وماروت امرأة كانت تسمى الزهرة ~~لجمالها فلما بغت مسخها الله تعالى شهابا، قالوا: فلما أمسى هاروت ~~ومارت بعدما قارفا الذنب هما بالصعود إلى السماء فلم تطاوعهما ~~أجنحتهما، فعلما ما حل بهما (من الغضب) فقصدا إدريس النبي عليه السلام، ~~فأخبراه بأمرهما وسألاه أن يشفع لهما إلى الله عز وجل، وقالا له: إنا ~~رأيناك يصعد لك من العبادات مثل ما يصعد لجميع أهل الأرض فاستشفع لنا، ~~إلى ربك ففعل ذلك إدريس عليه السلام فخيرهما الله بين عذاب الدنيا وعذاب ~~الآخرة، فاختارا عذاب ms0085 الدنيا إذ علما أنه ينقطع فهما ببابل يعذبان. # واختلفوا في كيفية عذابهما فقال عبد الله بن مسعود: هما معلقان بشعورهما ~~إلى قيام الساعة، وقال عطاء بن أبي رباح: رؤوسهما مصوبة تحت أجنحتهما، ~~وقال قتادة (كبلا) من أقدامهما إلى أصول أفخاذهما، وقال مجاهد: جعلا في ~~جب ملئت نارا، وقال عمر بن سعد: منكوسان يضربان بسياط الحديد. # وروي أن رجلا قصد هاروت وماروت لتعلم السحر فوجدهما معلقين بأرجلهما، ~~مزرقة أعينهما، مسودة جلودهما، ليس بين ألسنتهما وبين الماء إلا أربع ~~أصابع وهما يعذبان بالعطش، فلما رأى ذلك هاله مكانهما فقال: لا إله إلا ~~الله، فلما سمعا كلامه قالا له: من أنت؟ قال: رجل من الناس، قالا: من أي ~~أمة أنت؟ قال: من أمة محمد صلى الله عليه وسلم قالا: أو قد بعث محمد صلى ~~الله عليه وسلم؟ قال: نعم قالا: الحمد لله، وأظهرا الاستبشار فقال الرجل: ~~ومم استبشاركما؟ قال: إنه نبي الساعة وقد دنا انقضاء عذابنا. # قوله تعالى: { وما يعلمان من أحد } أي أحدا، و «من» صلة ~~{ حتى } ينصحاه أولا { يقولا إنما نحن فتنة } ابتلاء ~~ومحنة { فلا تكفر } أي فلا تتعلم السحر فتعمل به فتكفر، وأصل ~~الفتنة: الاختبار والامتحان، من قولهم: فتنت الذهب والفضة إذ أذبتهما ~~بالنار، ليتميز الجيد من الرديء، وإنما وحد الفتنة وهما اثنان، لأن ~~الفتنة مصدر، والمصادر لا تثنى ولا تجمع، وقيل: إنهما يقولان «إنما نحن ~~فتنة فلا تكفر» سبع مرات. # قال عطاء والسدي: فإن أبى إلا التعلم قالا له: ائت هذا الرماد (وأقبل ~~عليه) فيخرج منه نور ساطع في السماء فذلك نور المعرفة، وينزل شيء أسود ~~شبه الدخان حتى يدخل مسامعه وذلك غضب الله تعالى، قال مجاهد: إن هاروت ~~وماروت لا يصل إليهما أحد ويختلف فيما بينهما شيطان في كل مسألة اختلافة ~~واحدة، { فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين ~~المرء وزوجه } وهو أن يؤخذ كل واحد عن صاحبه، ويبغض كل ~~واحد إلى صاحبه قال الله تعالى: { وما هم } قيل أي: السحرة وقيل: ~~الشياطين { بضآرين به } أي بالسحر { من أحد ms0086 } أي أحدا، { ~~إلا بإذن الله } أي: بعلمه وتكوينه، فالساحر يسحر والله ~~يكون. # قال سفيان الثوري: معناه إلا بقضائه وقدرته ومشيئته { ويتعلمون ~~ما يضرهم } يعني: أن السحر يضرهم { ولا ينفعهم ولقد ~~علموا } يعني اليهود { لمن اشتراه } أي اختار السحر { ما ~~له فى الأخرة من خلاق } أي في الجنة من نصيب { ولبئس ~~ما شروا به } باعوا به { أنفسهم } حظ أنفسهم، حيث اختاروا ~~السحر والكفر على الدين والحق { لو كانوا يعلمون } فإن قيل: ~~أليس قد قال «ولقد علموا لمن اشتراه» فما معنى قوله تعالى «لو كانوا ~~يعلمون» بعدما أخبر أنهم علموا؟ قيل: أراد بقوله: «ولقد علموا» يعني ~~الشياطين وقوله: «لو كانوا يعلمون» يعني اليهود وقيل: كلاهما في اليهود ~~يعني: لكنهم لما لم يعملوا بما علموا فكأنهم لم يعلموا { ولو ~~أنهم ءامنوا } بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن { واتقوا ~~} اليهودية والسحر { لمثوبة من عند الله خير } لكان ثواب ~~الله إياهم خيرا لهم { لو كانوا يعلمون }. ### || [2.104-105] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا رعنا } ~~وذلك أن المسلمين كانوا يقولون راعنا يا رسول الله، من المراعاة أي: ~~أرعنا سمعك، أي فرغ سمعك لكلامنا، يقال: أرعى إلى الشيء، ورعاه، ~~وراعاه، أي أصغى إليه واستمعه، وكانت هذه اللفظة شيئا قبيحا بلغة ~~اليهود، وقيل: كان معناها عندهم: اسمع لا سمعت، وقيل: هي من الرعونة، إذا ~~أرادوا ان يحمقوا إنسانا قالوا له: راعنا بمعنى: يا أحمق! فلما سمع ~~اليهود هذه اللفظة من المسلمين قالوا فيما بينهم: كنا نسب محمدا سرا، ~~فأعلنوا به الآن، فكانوا يأتونه ويقولون: راعنا يا محمد، ويضحكون فيما ~~بينهم، فسمعها سعد بن معاذ ففطن لها، وكان يعرف لغتهم، فقال لليهود: لئن ~~سمعتها من أحدكم يقولها لرسول صلى الله عليه وسلم لأضربن عنقه، فقالوا: ~~أو لستم تقولونها؟ فأنزل الله تعالى { لا تقولوا رعنا } لكيلا ~~يجد اليهود بذلك سبيلا إلى شتم رسول الله صلى الله عليه وسلم { ~~وقولوا انظرنا } أي انظر إلينا وقيل: انتظرنا وتأن بنا، يقال: ~~نظرت فلانا وانتظرته، ومنه قوله تعالى # انظرونا نقتبس من نوركم ms0087 # [الحديد: 13] قال مجاهد: معناها (فهمناه) { واسمعوا } ما ~~تؤمرون به وأطيعوا { وللكفرين } يعني اليهود { عذاب أليم ~~}. # قوله تعالى: { ما يود الذين كفروا من أهل ~~الكتب } وذلك أن المسلمين كانوا إذا قالوا لحلفائهم من اليهود: ~~آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم قالوا: ما هذا الذي تدعوننا إليه بخير ~~مما نحن فيه ولوددنا لو كان خيرا، فأنزل الله تكذيبا لهم { ما ~~يود الذين } ، أي ما يحب وما يتمنى الذين كفروا من أهل الكتاب ~~يعني اليهود { ولا المشركين } جره بالنسق على من { أن ينزل ~~عليكم من خير من ربكم } أي خير ونبوة، ومن صلة { ~~والله يختص برحمته } بنبوته { من يشآء والله ذو ~~الفضل العظيم } والفضل ابتداء إحسان بلا علة، وقيل: المراد ~~بالرحمة الإسلام والهداية وقيل: معنى الآية: إن الله تعالى بعث ~~الأنبياء من ولد إسحاق فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم من ولد إسماعيل ~~لم يقع ذلك بود اليهود ومحبتهم فنزلت الآية وأما المشركون فإنما لم يقع ~~بودهم لأنه جاء بتضليلهم وعيب آلهتهم. ### || [2.106-108] # قوله عز وجل { ما ننسخ من آية أو ننسها } وذلك أن المشركين ~~قالوا: إن محمدا ما يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلاف ما ~~يقوله إلا من تلقاء نفسه يقول اليوم قولا ويرجع عنه غدا كما أخبر الله: # وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ~~ينزل قالوا إنمآ أنت مفتر # [النحل: 101] وأنزل { ما ننسخ من آية أو ننسها } فبين وجه ~~الحكمة من النسخ بهذه الآية. # والنسخ في اللغة شيئان: # أحدهما: بمعنى التحويل والنقل ومنه نسخ الكتاب وهو أن يحول من كتاب إلى ~~كتاب فعلى هذا الوجه كل القرآن منسوخ لأنه نسخ من اللوح المحفوظ. # والثاني: يكون بمعنى الرفع يقال: نسخت الشمس الظل أي ذهبت به وأبطلته. ~~فعلى هذا يكون بعض القرآن ناسخا وبعضه منسوخا وهو المراد من الآية / ~~وهذا على وجوه، أحدها: أن يثبت الخط وينسخ الحكم مثل آية الوصية للأقارب. ~~وآية عدة الوفاء بالحول وآية التخفيف في القتال وآية الممتحنة ونحوها، ~~وقال ابن عباس رضي الله ms0088 عنهما في قوله تعالى { ما ننسخ من ءاية ~~} ما نثبت خطها ونبدل حكمها، ومنها أن ترفع تلاوتها ويبقى حكمها مثل آية ~~الرجم، ومنها أن ترفع تلاوته أصلا عن المصحف وعن القلوب كما روي عن أبي ~~أمامة بن سهل بن حنيف: أن قوما من الصحابة رضي الله عنهم قاموا ليلة ~~ليقرؤوا سورة فلم يذكروا منها إلا بسم الله الرحمن الرحيم فغدوا إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " تلك سورة رفعت تلاوتها وأحكامها " # ، وقيل: كانت سورة الأحزاب مثل سورة البقرة، فرفع أكثرها تلاوة وحكما، ~~ثم من نسخ الحكم ما يرفع ويقام غيره مقامه، كما أن القبلة نسخت من بيت ~~المقدس إلى الكعبة، والوصية للأقارب نسخت بالميراث وعدة الوفاء نسخت من ~~الحول إلى أربعة أشهر وعشر، ومصابرة الواحد العشر في القتال نسخت بمصابرة ~~الاثنين، ومنها ما يرفع ولا يقام غيره مقامه، كامتحان النساء. والنسخ ~~إنما يعترض على الأوامر والنواهي دون الأخبار. # أما معنى الآية فقوله { ما ننسخ من ءاية } ، قراءة العامة بفتح ~~النون وكسر السين من النسخ أي: نرفعها، وقرأ ابن عامر بضم النون وكسر ~~السين من الإنساخ وله وجهان. # أحدهما: ان نجعله كالمنسوخ. # والثاني: أن نجعله نسخة له يقال: نسخت الكتاب أي كتبته، وأنسخته غيري ~~إذا جعلته نسخة له { أو ننسها } أي ننسها عن قلبك. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: نتركها لا ننسخها، قال الله تعالى: # نسوا الله فنسيهم # [التوبة: 67] أي تركوه فتركهم وقيل { ننسها } أي: نأمر بتركها، يقال: ~~أنسيت الشيء إذا أمرت بتركه، فيكون النسخ الأول من رفع الحكم واقامة ~~غيره مقامه، والإنساء يكون ناسخا من غير اقامة غيره مقامه. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو أو ننسأها بفتح النون الأول والسين مهموزا أي ~~نؤخرها فلا نبدلها يقال: نسأ الله في أجله وأنسأ الله أجله، وفي معناه ~~قولان: أحدهما: نرفع تلاوتها ونؤخر حكمها كما فعل في آية الرجم فعلى هذا ~~يكون النسخ الأول بمعنى رفع التلاوة والحكم، والقول الثاني: قال سعيد بن ~~المسيب ms0089 وعطاء: أما ما نسخ من آية فهو ما قد نزل من القرآن جعلاه من ~~النسخة أو ننسأها أي نؤخرها ونتركها في اللوح المحفوظ فلا تنزل. # { نأت بخير منها } أي بما هو أنفع لكم وأسهل عليكم وأكثر ~~لأجركم، لا أن آية خير من آية، لأن كلام الله واحد وكله خير { أو ~~مثلها } في المنفعة والثواب فكل ما نسخ إلى الأيسر فهو أسهل في العمل ~~وما نسخ إلى الأشق فهو في الثواب أكثر { ألم تعلم أن الله ~~على كل شيء قدير }؟ من النسخ والتبديل، لفظة استفهام، ومعناه ~~تقرير، أي: إنك تعلم. # { ألم تعلم أن الله له ملك السموت والأرض ~~وما لكم } يا معشر الكفار عند نزول العذاب { من دون الله } ~~مما سوى الله { من ولي } قريب وصديق وقيل: من وال وهو القيم ~~بالأمور { ولا نصير } ناصر يمنعكم من العذاب. # قوله: { أم تريدون أن تسألوا رسولكم } نزلت في اليهود ~~حين قالوا: يا محمد ائتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى موسى بالتوراة ~~فقال تعالى: { أم تريدون } يعني أتريدون فالميم صلة وقيل: بل ~~تريدون أن تسألوا رسولكم محمدا صلى الله عليه وسلم، { كما سئل ~~موسى من قبل } سأله قومه: أرنا الله جهرة وقيل: إنهم سألوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة ~~قبيلا، كما أن موسى سأله قومه فقالوا: أرنا الله جهرة، ففيه منعهم عن ~~السؤالات المقبوحة بعد ظهور الدلائل والبراهين { ومن يتبدل ~~الكفر بالإيمن } يستبدل الكفر بالإيمان { فقد ضل ~~سوآء السبيل } أخطأ وسط الطريق وقيل: قصد السبيل. ### || [2.109] # قوله تعالى: { ود كثير من أهل الكتب } الآية نزلت في ~~نفر من اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر بعد وقعة أحد: لو ~~كنتم على الحق ما هزمتهم، فارجعا إلى ديننا فنحن أهدى سبيلا منكم فقال ~~لهم عمار: كيف نقض العهد فيكم؟ قالوا: شديد، قال فإني قد عاهدت أن لا ~~أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ما عشت. فقالت اليهود: أما هذا فقد صبأ ~~وقال حذيفة: أما ms0090 أنا فقد رضيت بالله ربا وبمحمد نبيا، وبالإسلام ~~دينا، وبالقرآن إماما، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخوانا، ثم أتيا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه بذلك فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " قد أصبتما الخير وأفلحتما " # فأنزل الله تعالى: «ود كثير من أهل الكتاب» أي تمنى وأراد كثير من أهل ~~الكتاب من اليهود { لو يردونكم } يا معشر المؤمنين { من بعد ~~إيمنكم كفارا حسدا } نصب على المصدر، أي يحسدونكم حسدا { ~~من عند أنفسهم } أي من تلقاء أنفسهم ولم يأمرهم الله بذلك، { ~~من بعد ما تبين لهم الحق } في التوراة أن قول محمد صلى ~~الله عليه وسلم صدق ودينه حق { فاعفوا } فاتركوا { واصفحوا } ~~وتجاوزوا، فالعفو: المحو، والصفح: الاعراض، وكان هذا قبل آية القتال { ~~حتى يأتى الله بأمره } بعذابه: القتل والسبي لبني قريظة، ~~والجلاء والنفي لبني النضير، قاله ابن عباس رضي الله عنهما. وقال قتادة: ~~هو أمره بقتالهم في قوله: # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الأخر ~~ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون ~~دين الحق من الذين أوتوا الكتب حتى يعطوا ~~الجزية عن يد وهم صغرون # [التوبة: 29] وقال ابن كيسان: بعلمه وحكمه فيهم حكم لبعضهم بالإسلام ~~ولبعضهم بالقتل والسبي والجزية { إن الله على كل شىء ~~قدير }. ### || [2.110] # { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا } ~~تسلفوا { لأنفسكم من خير } طاعة وعمل صالح { تجدوه عند ~~الله } وقيل: أراد بالخير المال كقوله تعالى: # إن ترك خيرا # [البقرة: 180] وأراد من زكاة أو صدقة { تجدوه عند الله } حتى ~~الثمرة واللقمة مثل أحد { إن الله بما تعملون بصير ~~}. ### || [2.111-113] # قوله: { وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا } ~~أي يهوديا، قال الفراء: حذف الياء الزائدة ورجع إلى الفعل من اليهودية، ~~وقال الأخفش: الهود: جمع هائد، مثل عائد وعود، وحائل وحول { أو ~~نصرى } وذلك أن اليهود قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا ~~ولا دين إلا دين اليهودية، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان ~~نصرانيا ولا دين إلا دين النصرانية. # وقيل: نزلت في وفد نجران ms0091 وكانوا نصارى اجتمعوا في مجلس رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مع اليهود فكذب بعضهم بعضا، قال الله تعالى { تلك ~~أمانيهم } أي شهواتهم الباطلة التي تمنوها على الله بغير الحق { ~~قل } يا محمد { هاتوا } أصله آتوا { برهنكم }: حجتكم على ما ~~زعمتم { إن كنتم صدقين } ثم قال ردا عليهم { بلى من ~~أسلم وجهه } أي ليس الأمر كما قالوا، بل الحكم للاسلام وانما ~~يدخل الجنة من أسلم وجهه { لله } أي أخلص دينه لله وقيل: أخلص عبادته ~~لله وقيل: خضع وتواضع لله، وأصل الإسلام: الاستسلام والخضوع، وخص الوجه ~~لأنه إذا جاء بوجهه في السجود لم يبخل بسائر جوارحه { وهو محسن } ~~في عمله، وقيل: مؤمن وقيل: مخلص { فله أجره عند ربه ولا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون }. # قوله { وقالت اليهود ليست النصرى على شىء } ~~نزلت في يهود المدينة ونصارى أهل نجران وذلك أن وفد نجران لما قدموا على ~~النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم أحبار اليهود: فتناظروا حتى ارتفعت ~~أصواتهم فقالت لهم اليهود، ما أنتم على شيء من الدين، وكفروا بعيسى ~~والإنجيل، وقالت لهم النصارى: ما أنتم على شيء من الدين، وكفروا بموسى ~~والتوراة فأنزل الله تعالى { وقالت النصرى ليست ~~اليهود على شىء وهم يتلون الكتب } وكلا الفريقين ~~يقرؤون الكتاب، وقيل: معناه ليس في كتبهم هذا الاختلاف فدل تلاوتهم ~~الكتاب ومخالفتهم ما فيه على كونهم على الباطل { كذلك قال ~~الذين لا يعلمون } يعني: آباءهم الذين مضوا { مثل ~~قولهم } قال مجاهد: يعني: عوام النصارى، وقال مقاتل: يعني مشركي ~~العرب، كذلك قالوا في نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه: أنهم ليسوا ~~على شيء من الدين. # وقال عطاء: أمم كانت قبل اليهود والنصارى مثل قوم نوح وهود وصالح ولوط ~~وشعيب عليهم السلام قالوا لنبيهم: إنه ليس على شيء { فالله يحكم ~~بينهم يوم القيمة } يقضي بين المحق والمبطل { فيما ~~كانوا فيه يختلفون } من الدين. ### || [2.114] # قوله { ومن أظلم ممن منع مسجد الله أن يذكر ~~} الآية نزلت في طيطوس بن اسبيسبانوس الرومي وأصحابه، وذلك أنهم غزوا بني ~~إسرائيل ms0092 فقتلوا مقاتلتهم وسبوا ذراريهم، وحرقوا التوراة وخربوا بيت ~~المقدس، وقذفوا فيه الجيف وذبحوا فيه الخنازير، فكان خرابا إلى أن بناه ~~المسلمون في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه. # وقال قتادة والسدي: هو بختنصر وأصحابه غزوا اليهود وخربوا بيت المقدس ~~وأعانهم على ذلك النصارى، طيطوس الرومي وأصحابه من أهل الروم، قال السدي: ~~من أجل أنهم قتلوا يحيى بن زكريا، وقال قتادة: حملهم بعض اليهود على ~~معاونة بختنصر البابلي (المجوسي) فأنزل الله تعالى (ومن أظلم) أي أكفر ~~وأعتى { ممن منع مسجد الله } ، يعني بيت المقدس ~~ومحاربيه. { أن يذكر فيها اسمه وسعى } عمل { فى ~~خرابهآ أولئك ما كان لهم أن يدخلوهآ إلا ~~خآئفين } وذلك أن بيت المقدس موضع حج النصارى ومحل زيارتهم، قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: لم يدخلها يعني بيت المقدس، بعد عمارتها رومي إلا ~~خائفا لو علم به لقتل. وقال قتادة ومقاتل: لا يدخل بيت المقدس أحد من ~~النصارى إلا متنكر لو قدر عليه لعوقب، قال السدي: أخيفوا بالجزية. وقيل: ~~هذا خبر بمعنى الأمر، أي أجهضوهم بالجهاد حتى لا يدخلها أحدا منهم إلا ~~خائفا من القتل والسبي أي ما ينبغي { لهم فى الدنيا خزى } ~~عذاب وهوان، قال قتادة: هو القتل للحربي والجزية للذمي، قال مقاتل ~~والكلبي تفتح مدائنهم الثلاثة قسطنطينية، ورومية، وعمورية { ولهم فى ~~الأخرة عذاب عظيم } وهو النار، وقال عطاء وعبد الرحمن بن زيد: ~~نزلت في مشركي مكة، وأراد بالمساجد المسجد الحرام منعوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه من حجه والصلاة فيه عام الحديبية، وإذا منعوا ~~من أن يعمره بذكر فقد سعوا في خرابه { أولئك ما كان لهم ~~أن يدخلوهآ إلا خآئفين } يعني أهل مكة يقول أفتحها عليكم ~~حتى تدخلوها وتكونوا أولى بها منهم، ففتحها عليهم و أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم مناديا ينادي: # " ألا لا يحجن بعد هذا العام مشرك " # فهذا خوفهم، وثبت في الشرع أن لا يمكن مشرك من دخول الحرم، { لهم ~~فى الدنيا خزى } الذل والهوان والقتل والسبي والنفي. ### || [2.115-116] # قوله عز ms0093 وجل { ولله المشرق والمغرب فأينما ~~تولوا فثم وجه الله } قال ابن عباس رضي الله عنهما: خرج ~~نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر قبل تحويل القبلة إلى ~~الكعبة، فأصابهم الضباب وحضرت الصلاة، فتحروا القبلة وصلوا فلما ذهب ~~الضباب استبان لهم أنهم لم يصيبوا وأنهم مخطئون في تحريهم فلما قدموا ~~سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فنزلت هذه الآية. # وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: نزلت في المسافر يصلي التطوع حيث ~~ما توجهت به راحلته. # أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي أنا زاهر بن أحمد الفقيه السرخسي ~~أنا أبو اسحاق ابراهيم ابن عبد الصمد الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن ~~عبد الله بن دينار عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: « كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته في السفر حيث ما توجهت به». # قال عكرمة: نزلت في تحويل القبلة، قال أبو العالية: لما صرفت القبلة إلى ~~الكعبة عيرت اليهود المؤمنين وقالوا: ليست لهم قبلة معلومة فتارة ~~يستقبلون هكذا وتارة هكذا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقال مجاهد ~~والحسن: لما نزلت # وقال ربكم ادعونى أستجب لكم # [غافر: 60] قالوا: أين ندعوه فأنزل الله عز وجل { ولله المشرق ~~والمغرب } ملكا وخلقا { فأينما تولوا فثم وجه ~~الله } ، يعني أينما تحولوا وجوهكم فثم أي: هناك رحمة الله، قال ~~الكلبي فثم الله يعلم ويرى والوجه صلة كقوله تعالى: # كل شىء هالك إلا وجهه # [القصص: 88] أي إلا هو، وقال الحسن ومجاهد وقتادة ومقاتل بن حبان: فثم ~~قبلة الله، والوجه والوجهة والجهة القبلة، وقيل: رضا الله تعالى. # { إن الله وسع } أي غني يعطي من السعة، قال الفراء: الواسع ~~الجواد الذي يسع عطاؤه كل شيء، قال الكلبي: واسع المغفرة { عليم } ~~بنياتهم حيث صلوا ودعوا. # قوله تعالى: { وقالوا اتخذ الله ولدا } قرأ ابن عامر قالوا ~~اتخذ الله بغير واو، وقرأ الآخرون بالواو [وقالوا اتخذ الله ولدا] نزلت ~~في يهود المدينة حيث قالوا «عزير ابن الله» ms0094 وفي نصارى نجران حيث قالوا: ~~«المسيح ابن الله»، وفي مشركي العرب حيث قالوا: الملائكة بنات الله { ~~سبحنه } نزه وعظم نفسه. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن اسماعيل أنا أبو اليمان أنا شعيب عن عبد الرحمن بن أبي ~~حسن عن نافع بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " قال الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ~~ذلك، فأما تكذيبه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه ~~إياي فقوله لي ولد، فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدا ". # قوله تعالى { بل له ما في السموت والأرض } عبيدا ~~وملكا { كل له قنتون } قال مجاهد وعطاء والسدي: مطيعون ~~وقال عكرمة ومقاتل: مقرون له بالعبودية، وقال ابن كيسان: قائمون ~~بالشهادة، وأصل القنوت القيام قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " أفضل الصلاة طول القنوت " # ، واختلفوا في حكم الآية فذهب جماعة إلى أن حكم الآية خاص، وقال مقاتل: ~~هو راجع إلى عزير والمسيح والملائكة، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه ~~قال: هو راجع إلى أهل طاعته دون سائر الناس، وذهب جماعة إلى أن حكم الآية ~~عام في جميع الخلق، لأن «كل» يقتضي الإحاطة بالشيء بحيث لا يشذ منه شيء، ~~ثم سلكوا في الكفار طريقين: فقال مجاهد: يسجد ظلالهم لله على كره منهم، ~~قال الله تعالى: # وظللهم بالغدو والأصال # [الرعد: 15] وقال السدي: هذا يوم القيامة دليله # وعنت الوجوه للحي القيوم # [طه: 111] وقيل: (قانتون) مذللون مسخرون لما خلقوا له. ### || [2.117-119] # قوله تعالى: { بديع السموت والأرض } أي مبدعها ومنشئها ~~من غير مثال سبق { وإذا قضى أمرا } أي قدره، وقيل: أحكمه ~~وقدره وأتقنه، وأصل القضاء: الفراغ، ومنه قيل لمن مات: قضي عليه لفراغه ~~من الدنيا، ومنه قضاء الله وقدره لأنه فرغ منه تقديرا وتدبيرا. # { فإنما يقول له كن فيكون } قرأ ابن عامر كن فيكون بنصب ~~النون في جميع المواضع إلا في آل ms0095 عمران «كن فيكون، الحق من ربك» وفي سورة ~~الأنعام «كن فيكون، قوله الحق» وإنما نصبها لأن جواب الأمر بالفاء يكون ~~منصوبا وافقه الكسائي في النحل ويس، وقرأ الآخرون بالرفع على معنى فهو ~~يكون، فإن قيل كيف قال (فإنما يقول له كن فيكون) والمعدوم لا يخاطب، قال ~~ابن الأنباري: معناه فإنما يقول له أي لأجل تكوينه، فعلى هذا ذهب معنى ~~الخطاب، وقيل: هو وإن كان معدوما ولكنه قدر وجوده وهو كائن لا محالة كان ~~كالموجود، فصح الخطاب. # قوله تعالى: { وقال الذين لا يعلمون } قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: اليهود، وقال مجاهد: النصارى، وقال قتادة: مشركو العرب { ~~لولا } هلا { يكلمنا الله } عيانا بأنك رسوله وكل ما في ~~القرآن «لولا» فهو بمعنى هلا، إلا واحدا، وهو قوله # فلولا أنه كان من المسبحين # [الصافات: 143] معناه فلو لم يكن { أو تأتينآ ءاية } دلالة ~~وعلامة على صدقك في ادعائك النبوة. # قال الله تعالى: { كذلك قال الذين من قبلهم } أي كفار ~~الأمم الخالية { مثل قولهم تشبهت قلوبهم } أي: أشبه ~~بعضها بعضا في الكفر والقسوة وطلب المحال { قد بينا الآيت ~~لقوم يوقنون إنآ أرسلناك بالحق } أي بالصدق كقوله # ويستنبئونك أحق هو # [يونس: 53] أي صدق، قال ابن عباس رضي الله عنهما: بالقرآن دليله # بل كذبوا بالحق لما جآءهم # [ق: 5] وقال ابن كيسان: بالإسلام وشرائعه، دليله: قوله عز وجل: # وقل جاء الحق # [الإسراء: 81] وقال مقاتل: معناه لم نرسلك عبثا، إنما أرسلناك بالحق، ~~كما قال: # وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهمآ إلا ~~بالحق # [الحجر: 85]. # وقوله عز وجل { بشيرا } أي مبشرا لأوليائي وأهل طاعتي بالثواب ~~الكريم { ونذيرا } أي منذرا مخوفا لأعدائي وأهل معصيتي بالعذاب ~~الأليم، قرأ نافع ويعقوب: { ولا تسأل } على النهي. # قال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال ذات يوم: # " ليت شعري ما فعل أبواي " # فنزلت هذه الآية، وقيل: هو على معنى قولهم: ولا تسأل عن شر فلان فإنه ~~فوق ما تحسب وليس على النهي، وقرأ الآخرون «ولا تسأل» بالرفع على ms0096 النفي ~~بمعنى ولست بمسؤول عنهم كما قال الله تعالى: # فإنما عليك البلغ وعلينا الحساب # [الرعد:40]، { عن أصحب الجحيم } والجحيم معظم النار. ### || [2.120-124] # قوله عز وجل { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصرى ~~حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ~~} وذلك أنهم كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم الهدنة ويطمعونه في ~~أنه إن أمهلهم اتبعوه فأنزل الله تعالى هذه الآية، معناه وأنك إن ~~هادنتهم فلا يرضون بها وإنما يطلبون ذلك تعللا ولا يرضون منك إلا باتباع ~~ملتهم، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: هذا في القبلة وذلك أن يهود ~~المدينة ونصارى نجران كانوا يرجون النبي صلى الله عليه وسلم حين كان يصلي ~~إلى قبلتهم فلما صرف الله القبلة إلى الكعبة أيسوا منه أن يوافقهم على ~~دينهم، فأنزل الله تعالى { ولن ترضى عنك اليهود } إلا ~~باليهودية { ولا النصرى } إلا بالنصرانية والملة الطريقة، { ~~ولئن اتبعت أهوآءهم } قيل الخطاب مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم والمراد به الأمة كقوله # لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر: 65] { بعد الذي جآءك من العلم } البيان بأن دين ~~الله هو الإسلام والقبلة قبلة إبراهيم عليه السلام وهي الكعبة { ما لك ~~من الله من ولي ولا نصير، الذين آتيناهم ~~الكتب } قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت في أهل السفينة الذين ~~قدموا مع جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وكانوا أربعين رجلا اثنان ~~وثلاثون من الحبشة وثمانية من رهبان الشام منهم بحيرا، وقال الضحاك: هم ~~من آمن من اليهود عبد الله بن سلام وسعية بن عمرو وتمام بن يهودا وأسد ~~وأسيد ابنا كعب وابن يامين وعبد الله بن صوريا، وقال قتادة وعكرمة: هم ~~أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: هم المؤمنون عامة { يتلونه ~~حق تلاوته } قال الكلبي: يصفونه في كتبهم حق صفته لمن سألهم من ~~الناس، والهاء راجعة إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وقال الآخرون: هي ~~عائدة إلى الكتاب، واختلفوا في معناه فقال ابن مسعود رضي الله عنه: ~~يقرؤونه كما أنزل ولا يحرفونه، ويحلون حلاله ويحرمون ms0097 حرامه، وقال الحسن: ~~يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويكلون علم ما أشكل عليهم إلى عالمه، ~~وقال مجاهد: يتبعونه حق اتباعه. # قوله: { أولئك يؤمنون به ومن يكفر به ~~فأولئك هم الخسرون * يبنى إسرءيل ~~اذكروا نعمتى التى أنعمت عليكم وأنى ~~فضلتكم على العلمين * واتقوا يوما لا تجزى ~~نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا ~~تنفعها شفعة ولا هم ينصرون }. # قوله تعالى: { وإذ ابتلى إبرهيم ربه بكلمت ~~فأتمهن } قرأ ابن عامر إبراهام بالألف في أكثر المواضع وهو اسم ~~أعجمي ولذلك لا يجر وهو إبراهيم بن تارخ بن ناخور وكان مولده بالسوس من ~~أرض الأهواز وقيل بابل وقيل: كوفي، وقيل: لشكر، وقيل حران، ولكن أباه ~~نقله إلى أرض بابل أرض نمرود ابن كنعان، ومعنى الابتلاء: الاختبار ~~والامتحان والأمر، وابتلاء الله العباد ليس ليعلم أحوالهم بالابتلاء، ~~لأنه عالم بهم، ولكن ليعلم العباد أحوالهم حتى يعرف بعضهم بعضا. # واختلفوا في الكلمات التي ابتلى الله بها إبراهيم عليه السلام، فقال ~~عكرمة وابن عباس رضي الله عنهما: هي ثلاثون سماهن شرائع الإسلام، لم ~~يبتل بها أحد فأقامها كلها إلا إبراهيم فكتب له البراءة، فقال تعالى: # وإبرهيم الذى وفى # [النجم: 37] عشر في براءة «التائبون العابدون» إلى آخرها، وعشر في ~~الأحزاب «إن المسلمين والمسلمات»، وعشر في سورة المؤمنين في قوله: «قد ~~أفلح المؤمنون» الآيات، وقوله: (إلا المصلين) في سأل سائل. # وقال طاووس عن ابن عباس رضي الله عنهما: ابتلاه الله بعشرة أشياء وهي: ~~الفطرة خمس في الرأس: قص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق ~~الرأس، وخمس في الجسد: تقليم الأظافر، ونتف الإبط، وحلق العانة، ~~والختان، والاستنجاء بالماء. # وفي الخبر: «أن إبراهيم عليه السلام أول من قص الشارب، وأول من اختتن، ~~وأول من قلم الأظافر، وأول من رأى الشيب، فلما رآه قال: يا رب ما هذا؟ ~~قال سمة: الوقار، قال: يا رب زدني وقارا» قال مجاهد: هي الآيات التي ~~بعدها في قوله عز وجل «إني جاعلك للناس إماما» إلى آخر القصة، وقال ~~الربيع وقتادة: مناسك الحج، وقال الحسن: ابتلاه الله بسبعة ms0098 أشياء: ~~بالكواكب والقمر والشمس، فأحسن فيها النظر وعلم أن ربه دائم لا يزول، ~~وبالنار فصبر عليها، وبالهجرة وبذبح ابنه وبالختان فصبر عليها، قال سعيد ~~بن جبير: هو قول إبراهيم وإسماعيل إذ يرفعان البيت # ربنا تقبل منآ # [البقرة: 127] الآية فرفعاها بسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ~~والله أكبر، وقال يمان بن رباب: هن محاجة قومه، قال الله تعالى: «وحاجه ~~قومه» إلى قوله تعالى - # وتلك حجتنآ آتيناهآ إبراهيم # [الأنعام: 83] وقيل هي قوله: # الذي خلقني فهو يهدين # [الشعراء: 78] إلى آخر الآيات. # { فأتمهن } قال قتادة: أداهن، قال الضحاك: قام بهن وقال ~~نعمان عمل بهن. # قال الله تعالى: { قال: إنى جعلك للناس إماما } ~~يقتدى بك في الخير { قال } إبراهيم { ومن ذريتى } أي ومن ~~أولادي أيضا فاجعل منهم أئمة يقتدى بهم في الخير { قال } الله تعالى ~~{ لا ينال } لا يصيب { عهدي الظلمين } قرأ حمزة وحفص ~~بإسكان الياء والباقون بفتحها أي من كان منهم ظالما لا يصيبه، قال عطاء ~~بن أبي رباح: عهدي رحمتي، وقال السدي: نبوتي، وقيل: الإمامة، قال مجاهد: ~~ليس لظالم أن يطاع في ظلمه، ومعنى الآية: لا ينال ما عهدت إليك من ~~النبوة والإمامة من كان ظالما من ولدك، وقيل: أراد بالعهد الأمان من ~~النار، وبالظالم المشرك كقوله تعالى: # الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ~~أولئك لهم الأمن # [الأنعام: 82]. ### || [2.125] # قال الله تعالى { وإذ جعلنا البيت } يعني الكعبة { مثابة ~~للناس } مرجعا لهم، قال مجاهد وسعيد بن جبير: يأتون إليه من كل ~~جانب ويحجون، قال ابن عباس رضي الله عنهما: معاذا وملجأ وقال قتادة ~~وعكرمة: مجمعا { وأمنا } أي مأمنا يأمنون فيه من إيذاء المشركين، ~~فإنهم كانوا يتعرضون لأهل مكة ويقولون: هم أهل الله ويتعرضون لمن حوله ~~كما قال الله تعالى: # أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف ~~الناس من حولهم # [العنكبوت: 67]. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا علي بن عبد الله أنا جرير عن منصور عن ~~مجاهد عن طاووس عن ms0099 ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يوم فتح مكة: # " «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة ~~الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده، ولا تلتقط لقطته ~~إلا من عرفها، ولا يختلى خلاه» فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر ~~فإنه لقينهم ولبيوتهم: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إلا الإذخر» ~~" # قوله تعالى { واتخذوا } قرأ نافع وابن عامر بفتح الخاء على الخبر، ~~وقرأ الباقون بكسر الخاء على الأمر { من مقام إبرهيم مصلى ~~} قال ابن يمان: المسجد كله مقام إبراهيم، وقال إبراهيم النخعي: الحرم ~~كله مقام إبراهيم، وقيل: أراد بمقام إبراهيم جميع مشاهد الحج، مثل عرفة ~~ومزدلفة وسائر المشاهد. # والصحيح: أن مقام إبراهيم هو الحجر الذي في المسجد يصلي إليه الأئمة، ~~وذلك الحجر الذي قام عليه إبراهيم عليه السلام عند بناء البيت، وقيل: كان ~~أثر أصابع رجليه بينا فيه فاندرس من كثرة المسح بالأيدي، قال قتادة ~~ومقاتل والسدي: أمروا بالصلاة عند مقام إبراهيم، ولم يؤمروا بمسحه ~~وتقبيله. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا مسدد عن يحيى عن حميد عن أنس قال: قال عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه: «وافقت الله في ثلاث، أو وافقني ربي في ثلاث - ~~قلت يا رسول الله لو اتخذت مقام إبراهيم مصلى؟ فأنزل الله تعالى: { ~~واتخذوا من مقام إبرهيم مصلى } وقلت: يا رسول الله: ~~يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب؟ فأنزل الله عز ~~وجل آية الحجاب، وقال وبلغني معاتبة النبي صلى الله عليه وسلم بعض نسائه ~~فدخلت عليهن فقلت لهن: إن انتهيتن، أو ليبدلنه الله خيرا منكن، فأنزل ~~الله تعالى: # عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزوجا خيرا ~~منكن # [التحريم: 5] الآية». # ورواه محمد بن إسماعيل أيضا عن عمرو بن عون أنا هشيم عن حميد عن أنس ~~رضي الله عنه قال: قال عمر رضي الله عنه: وافقت ms0100 ربي في ثلاث قلت يا رسول ~~الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فنزلت: { واتخذوا من مقام ~~إبرهيم مصلى }. # وأما بدء قصة المقام فقد روى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~قال: لما أتى إبراهيم عليه السلام بإسماعيل وهاجر ووضعهما بمكة، وأتت على ~~ذلك مدة، ونزلها الجرهميون وتزوج إسماعيل منهم امرأة وماتت هاجر، واستأذن ~~إبراهيم سارة أن يأتي هاجر، فأذنت له وشرطت عليه أن لا ينزل فقدم إبراهيم ~~مكة، وقد ماتت هاجر، فذهب إلى بيت إسماعيل فقال لامرأته: أين صاحبك؟ قالت ~~ذهب للصيد وكان إسماعيل عليه السلام يخرج من الحرم فيصيد، فقال لها ~~إبراهيم: هل عندك ضيافة؟ قالت ليس عندي ضيافة، وسألها عن عيشهم؟ فقالت: ~~نحن في ضيق وشدة، فشكت إليه فقال لها: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولي ~~له: فليغير عتبة بابه، فذهب إبراهيم فجاء إسماعيل فوجد ريح أبيه فقال ~~لامرأته: هل جاءك أحد؟ قالت: جاءني شيخ صفته كذا وكذا كالمستخفة بشأنه ~~قال فما قال لك؟ قالت: قال أقرئي زوجك السلام وقولي له فليغير عتبة بابه، ~~قال ذلك أبي وقد أمرني أن أفارقك الحقي بأهلك، فطلقها وتزوج منهم بأخرى، ~~فلبث إبراهيم ما شاء الله أن يلبث، ثم استأذن سارة أن يزور إسماعيل فأذنت ~~له وشرطت عليه أن لا ينزل، فجاء إبراهيم عليه السلام حتى انتهى إلى باب ~~إسماعيل فقال لامرأته: أين صاحبك؟ قالت ذهب يتصيد وهو يجيء الآن إن شاء ~~الله فانزل يرحمك الله، قال: هل عندك ضيافة؟ قالت: نعم فجاءت باللبن ~~واللحم، وسألها عن عيشهم؟ فقالت: نحن بخير وسعة، فدعا لهما بالبركة ولو ~~جاءت يومئذ بخبز بر أو شعير وتمر لكانت أكثر أرض الله برا أو شعيرا أو ~~تمرا، فقالت له: انزل حتى أغسل رأسك، فلم ينزل فجاءته بالمقام فوضعته عن ~~شقه الأيمن فوضع قدمه عليه فغسلت شق رأسه الأيمن ثم حولت إلى شقه الأيسر ~~فغسلت شق رأسه الأيسر فبقي أثر قدميه عليه، فقال لها: إذا جاء زوجك ~~فأقرئيه السلام وقولي له قد استقامت عتبة ms0101 بابك، فلما جاء إسماعيل، وجد ~~ريح أبيه فقال لامرأته: هل جاءك أحد؟ قالت: نعم شيخ أحسن الناس وجها ~~وأطيبهم ريحا، وقال لي كذا وكذا، وقلت له كذا وكذا، وغسلت رأسه وهذا ~~موضع قدميه فقال ذاك إبراهيم النبي أبي، وأنت العتبة أمرني أن أمسكك. # وروي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ثم لبث عنهم ما ~~شاء الله ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلا تحت دومة قريبة من زمزم، ~~فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الوالد بالولد، والولد بالوالد ثم قال: ~~يا إسماعيل إن الله تعالى أمرني بأمر تعينني عليه؟ قال: أعينك قال: إن ~~الله أمرني أن أبني ههنا بيتا، فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل ~~إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني فلما ارتفع البناء جاء بهذا الحجر ~~فوضعه له، فقام إبراهيم على حجر المقام وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة ~~وهما يقولان: (ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم) وفي الخبر: «الركن ~~والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة ولولا مامسته أيدي المشركين لأضاء ما ~~بين المشرق والمغرب». # قوله عز وجل { وعهدنآ إلى إبرهيم وإسمعيل } أي ~~أمرناهما وأوحينا إليهما، قيل: سمي إسماعيل لأن إبراهيم كان يدعو الله أن ~~يرزقه ولدا ويقول: إسمع يا إيل وإيل هو الله فلما رزق الولد سماه الله ~~به { أن طهرا بيتى } يعني الكعبة أضافه إليه تخصيصا وتفضيلا ~~أي: ابنياه على الطهارة والتوحيد، وقال سعيد بن جبير وعطاء: طهراه من ~~الأوثان والريب وقول الزور، وقيل: بخراه وخلقاه، قرأ أهل المدينة ~~وحفص (بيتي) بفتح الياء ههنا وفي سورة الحج، وزاد حفص في سورة نوح، { ~~للطآئفين } الدائرين حوله { والعكفين } المقيمين المجاورين ~~{ والركع } جمع راكع { السجود } جمع ساجد وهم المصلون قال ~~الكلبي ومقاتل الطائفين هم الغرباء والعاكفين أهل مكة، قال عطاء ومجاهد ~~وعكرمة: الطواف للغرباء أفضل، والصلاة لأهل مكة أفضل. ### || [2.126] # قوله تعالى: { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا } يعني مكة ~~وقيل: الحرم { بلدا آمنا } أي ذا أمن يأمن فيه أهله { وارزق ~~أهله من الثمرت } إنما ms0102 دعا بذلك لأنه كان بواد غير ذي زرع، ~~وفي القصص أن الطائف كانت من مداين الشام بأردن فلما دعا إبراهيم عليه ~~السلام هذا الدعاء أمر الله تعالى جبريل عليه السلام حتى قلعها من أصلها ~~وأدارها حول البيت سبعا ثم وضعها موضعها الذي هي الآن فيه، فمنها أكثر ~~ثمرات مكة { من ءامن منهم بالله واليوم الأخر } دعاء ~~للمؤمنين خاصة { قال } الله تعالى { ومن كفر فأمتعه ~~قليلا } قرأ ابن عامر فأمتعه خفيفا بضم الهمزة والباقون مشددا ~~ومعناهما واحد قليلا أي سأرزق الكافر أيضا قليلا إلى منتهى أجله وذلك ~~أن الله تعالى وعد الرزق للخلق كافة مؤمنهم وكافرهم، وإنما قيده بالقلة ~~لأن متاع الدنيا قليل { ثم أضطره } أي ألجئه في الآخرة { إلى ~~عذاب النار وبئس المصير } أي المرجع يصير إليه قال مجاهد: ~~وجد عند المقام كتاب فيه: أنا الله ذو بكة صنعتها يوم خلقت الشمس ~~والقمر، وحرمتها يوم خلقت السموات والأرض، وحففتها بسبعة أملاك حنفاء، ~~يأتيها رزقها من ثلاثة سبل، مبارك لها في اللحم والماء. ### || [2.127-129] # قوله عز وجل: { وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ~~وإسمعيل } قال الرواة: إن الله تعالى خلق موضع البيت قبل الأرض ~~بألفي عام، وكانت زبدة بيضاء على الماء فدحيت الأرض من تحتها فلما أهبط ~~الله آدم عليه السلام إلى الأرض استوحش، فشكا إلى الله تعالى فأنزل الله ~~البيت المعمور من ياقوته من يواقيت الجنة له بابان من زمرد أخضر، باب ~~شرقي وباب غربي فوضعه على موضع البيت وقال: يا آدم إني أهبط لك بيتا ~~تطوف به كما يطاف حول عرشي، تصلي عنده كما يصلى عند عرشي وأنزل الحجر ~~وكان أبيض فاسود من لمس الحيض في الجاهلية فتوجه آدم من أرض الهند ~~إلى مكة ماشيا وقيض الله له ملكا يدله على البيت فحج البيت وأقام ~~المناسك، فلما فرغ تلقته الملائكة وقالوا: بر حجك يا آدم لقد حججنا ~~هذا البيت قبلك بألفي عام، قال ابن عباس رضي الله عنهما: حج آدم أربعين ~~حجة من الهند إلى مكة على رجليه فكان ms0103 على ذلك إلى أيام الطوفان، فرفعه ~~الله تعالى إلى السماء الرابعة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون ~~إليه، وبعث جبريل عليه السلام حتى خبأ الحجر الأسود في جبل أبي قبيس ~~صيانة له من الغرق، فكان موضع البيت خاليا إلى زمن إبراهيم، ثم إن الله ~~تعالى أمر إبراهيم بعدما ولد له إسماعيل وإسحاق ببناء بيت يذكر فيه، ~~فسأل الله عز وجل أن يبين له موضعه، فبعث الله السكينة لتدله على موضع ~~البيت، وهي ريح خجوج لها رأسان شبه الحية فأمر إبراهيم أن يبني حيث تستقر ~~السكينة فتبعها إبراهيم حتى أتيا مكة فتطوت السكينة على موضع البيت كتطوي ~~الحجفة هذا قول علي والحسن. # وقال ابن عباس: بعث الله تعالى سحابة على قدر الكعبة فجعلت تسير ~~وإبراهيم يمشي في ظلها إلى أن وافق مكة ووقفت على موضع البيت فنودي منها ~~إبراهيم أن ابن على ظلها لا تزد ولا تنقص، وقيل: أرسل الله جبريل ليدله ~~على موضع البيت كقوله تعالى (وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت) فبنى ~~إبراهيم وإسماعيل البيت فكان إبراهيم يبنيه وإسماعيل يناوله الحجر، فذلك ~~قوله تعالى { وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ~~وإسمعيل } يعني أسسه واحدتها قاعدة. # وقال الكسائي: جدر البيت، قال ابن عباس: إنما بني البيت من خمسة أجبل، ~~طور سيناء وطور زيتا ولبنان وهو جبل بالشام، والجودي وهو جبل بالجزيرة ~~وبنيا قواعده من حراء وهو جبل بمكة فلما انتهى إبراهيم إلى موضع الحجر ~~الأسود، قال لإسماعيل ائتني بحجر حسن يكون للناس علما فأتاه بحجر فقال: ~~ائتني بأحسن من هذا فمضى إسماعيل يطلبه فصاح أبو قبيس: يا إبراهيم إن لك ~~عندي وديعة فخذها، فأخذ الحجر الأسود فوضعه مكانه وقيل: إن الله تعالى ~~بنى في السماء بيتا وهو البيت المعمور ويسمى الضراح وأمر الملائكة أن ~~يبنوا الكعبة في الأرض بحياله على قدره ومثاله، وقيل: أول من بنى الكعبة ~~آدم، واندرس زمن الطوفان ثم أظهره الله لإبراهيم حتى بناه. # قوله: { ربنا تقبل منآ } فيه إضمار أي ويقولان: ربنا تقبل ~~منا ms0104 بناءنا { إنك أنت السميع } لدعائنا { العليم } بنياتنا ~~{ ربنا واجعلنا مسلمين لك } موحدين مطيعين مخلصين ~~خاضعين لك. # { ومن ذريتنآ } أي أولادنا { أمة } جماعة والأمة أتباع ~~الأنبياء { مسلمة لك } خاضعة لك. # { وأرنا } علمنا وعرفنا، قرأ ابن كثير ساكنة الراء، وأبو عمرو ~~بالاختلاس والباقون بكسرها ووافق ابن عامر وأبو بكر في الاسكان في حم ~~السجدة، وأصله أرئنا فحذفت الهمزة طلبا للخفة ونقلت حركتها إلى الراء ~~ومن سكنها قال: ذهبت الهمزة فذهبت حركتها، { مناسكنا } شرائع ديننا ~~وأعلام حجنا. # وقيل: مواضع حجنا، وقال مجاهد: مذابحنا والنسك الذبيحة، وقيل: ~~متعبداتنا، وأصل النسك العبادة، والناسك العابد فأجاب الله تعالى ~~دعاءهما فبعث جبريل فأراهما المناسك في يوم عرفة فلما بلغ عرفات قال: ~~عرفت يا إبراهيم؟ قال: نعم، فسمي الوقت عرفة والموضع عرفات. # { وتب علينآ } تجاوز عنا { إنك أنت التواب الرحيم ~~* ربنا وابعث فيهم } أي في الأمة المسلمة من ذرية إبراهيم ~~وإسماعيل وقيل: في أهل مكة { رسولا منهم } أي مرسلا أراد به ~~محمدا صلى الله عليه وسلم. # حدثنا السيد أبو القاسم علي بن موسى الموسوي حدثني أبو بكر أحمد بن محمد ~~بن عباس البلخي أنا الإمام أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم ~~الخطابي أنا محمد بن المكي أنا إسحاق بن إبراهيم انا ابن أخي ابن وهب أنا ~~عمي أنا معاوية عن صالح عن سعيد بن سويد عن عبد الأعلى بن هلال السلمي عن ~~العرباض بن سارية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إني عند الله مكتوب خاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته وسأخبركم ~~بأول أمري، أنا دعوة إبراهيم وبشارة عيسى ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني ~~وقد خرج منها نور أضاءت لها منه قصور الشام " # وأراد بدعوة إبراهيم هذا فإنه دعا أن يبعث في بني إسماعيل رسولا منهم، ~~قال ابن عباس: كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: نوح وهود وصالح ~~وشعيب ولوط وإبراهيم وإسماعيل واسحاق ويعقوب ومحمد صلوات الله وسلامه ~~عليهم اجمعين. # { يتلوا } يقرأ { عليهم آيتك } كتابك يعني القرآن والآية ~~من القرآن كلام متصل ms0105 إلى انقطاعه وقيل هي جماعة حروف يقال خرج القوم ~~بآيتهم أي بجماعتهم { ويعلمهم الكتب } يعني القرآن { ~~والحكمة } قال مجاهد: فهم القرآن، وقال مقاتل: مواعظ القرآن وما ~~فيه من الأحكام، قال ابن قتيبة: هي العلم والعمل، ولا يكون الرجل حكيما ~~حتى يجمعهما، وقيل: هي السنة، وقيل: هي الأحكام والقضاء، وقيل: الحكمة ~~الفقه. # قال أبو بكر بن دريد: كل كلمة وعظتك أو دعتك إلى مكرمة أو نهتك ~~عن قبيح فهي حكمة. # { ويزكيهم } أي يطهرهم من الشرك والذنوب، وقيل: يأخذ الزكاة من ~~أموالهم، وقال ابن كيسان: يشهد لهم يوم القيامة بالعدالة إذا شهدوا ~~للأنبياء بالبلاغ من التزكية، وهي التعديل { إنك أنت العزيز ~~الحكيم } قال ابن عباس: العزيز: الذي لا يوجد مثله، وقال الكلبي: ~~المنتقم بيانه قوله تعالى: # والله عزيز ذو انتقام # [آل عمران: 4] وقيل: المنيع الذي لا تناله الأيدي ولا يصل إليه شيء ~~وقيل: القوي، والعزة القوة قال الله تعالى # فعززنا بثالث # [يس: 14] أي قوينا وقيل: الغالب قال الله تعالى إخبارا: # وعزنى فى الخطاب # [ص: 23] أي غلبني، ويقال في المثل: «من عز بز» أي: من غلب سلب. ### || [2.130-131] # قوله تعالى: { ومن يرغب عن ملة إبرهيم } وذلك أن عبد ~~الله بن سلام دعا ابني أخيه سلمة ومهاجرا إلى الإسلام فقال لهما: قد ~~علمتما أن الله عز وجل قال في التوراة: إني باعث من ولد إسماعيل نبيا ~~اسمه أحمد فمن آمن به فقد اهتدى ومن لم يؤمن به فهو ملعون، فأسلم سلمة ~~وأبى مهاجر أن يسلم، فأنزل الله عز وجل { ومن يرغب عن ملة ~~إبرهيم } أي يترك دينه وشريعته يقال رغب في الشيء إذا أراده، ورغب ~~عنه إذا تركه. # وقوله { من } لفظة استفهام معناه التقريع والتوبيخ يعني: ما يرغب عن ~~ملة إبراهيم { إلا من سفه نفسه } قال ابن عباس: خسر نفسه، ~~وقال الكلبي: ضل من قبل نفسه، وقال أبو عبيدة: أهلك نفسه، وقال ابن ~~كيسان والزجاج: معناه جهل نفسه والسفاهة: الجهل وضعف الرأي: وكل سفيه ~~جاهل، وذلك أن من عبد غير الله فقد جهل نفسه. ms0106 لأنه لم يعرف أن الله ~~خلقها، وقد جاء: «من عرف نفسه عرف ربه»، وفي الأخبار: «أن الله تعالى ~~أوحى إلى داود: اعرف نفسك واعرفني، فقال: يا رب كيف أعرف نفسي؟ وكيف ~~أعرفك؟ فأوحى الله تعالى اعرف نفسك بالضعف والعجز والفناء، واعرفني ~~بالقوة والقدرة والبقاء». # وقال الأخفش: معناه سفه في نفسه، ونفسه على هذا القول نصب بنزع حرف ~~الصفة وقال الفراء: نصب على التفسير، وكان الأصل سفهت نفسه فلما أضاف ~~الفعل إلى صاحبها خرجت النفس المفسرة ليعلم موضع السفه، كما يقال: ضقت به ~~ذرعا، أي ضاق ذرعي به. # { ولقد اصطفينه في الدنيا } اخترناه في الدنيا { ~~وإنه فى الأخرة لمن الصلحين } يعني مع الأنبياء في ~~الجنة، وقال الحسين بن الفضل: فيه تقديم وتأخير، تقديره ولقد اصطفيناه في ~~الدنيا والآخرة وإنه لمن الصالحين { إذ قال له ربه أسلم } ~~أي استقم على الإسلام واثبت عليه لأنه كان مسلما. # قال ابن عباس: قال له حين خرج من السرب، وقال الكلبي: أخلص دينك ~~وعبادتك لله، وقال عطاء أسلم نفسك إلى الله عز وجل وفوض أمورك إليه. # { قال أسلمت لرب العلمين } أي فوضت، قال ابن عباس: ~~وقد حقق ذلك حيث لم يستعن بأحد من الملائكة حين ألقي في النار. ### || [2.132] # { ووصى بهآ إبرهيم بنيه ويعقوب } قرأ أهل المدينة ~~والشام: «وأوصى» بالألف، وكذلك هو في مصاحفهم، وقرأ الباقون «ووصى» ~~مشددا، وهما لغتان مثل أنزل ونزل، معناه ووصى إبراهيم بنيه ووصى ~~يعقوب بنيه، قال الكلبي ومقاتل: يعني بكلمة الإخلاص: لا إله إلا الله، ~~قال أبو عبيدة: إن شئت رددت الكناية إلى الملة لأنه ذكر ملة إبراهيم، وإن ~~شئت رددتها إلى الوصية: أي وصى إبراهيم بنيه الثمانية إسماعيل وأمه هاجر ~~القبطية، وإسحاق وأمه سارة، وستة أمهم قنطورة بنت يقطن الكنعانية تزوجها ~~إبراهيم بعد وفاة سارة ويعقوب، سمي بذلك لأنه والعيص كانا توأمين فتقدم ~~عيص في الخروج من بطن أمه وخرج يعقوب على أثره آخذا بعقبه قاله ابن ~~عباس، وقيل: سمي يعقوب لكثرة عقبه يعني: ووصى أيضا يعقوب بنيه الاثنى ~~عشر ms0107 { يبنى } معناه أن يا بني { إن الله اصطفى }: اختار ~~{ لكم الدين } أي دين الإسلام { فلا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون } مؤمنون، وقيل: مخلصون وقيل: مفوضون والنهي في ظاهر الكلام ~~وقع على الموت، وإنما نهوا في الحقيقة عن ترك الإسلام، معناه: داوموا ~~على الإسلام حتى لا يصادفكم الموت إلا وأنتم مسلمون، وعن الفضيل بن عياض ~~رحمه الله أنه قال: (إلا وأنتم مسلمون) أي محسنون بربكم الظن. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي ~~شريح أنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي أنا علي بن ~~الجعد أنا أبو جعفر الرازي عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر بن عبد الله ~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاثة أيام يقول: # " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل ". ### || [2.133-134] # { أم كنتم شهدآء } يعني أكنتم شهداء، يريد ما كنتم شهداء حضورا ~~{ إذ حضر يعقوب الموت } أي حين قرب يعقوب من الموت، قيل: ~~نزلت في اليهود حين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ألست تعلم أن يعقوب ~~يوم مات أوصى بنيه باليهودية فعلى هذا القول يكون الخطاب لليهود، وقال ~~الكلبي: لما دخل يعقوب مصر رآهم يعبدون الأوثان والنيران، فجمع ولده وخاف ~~عليهم ذلك فقال عز وجل { إذ قال لبنيه ما تعبدون من ~~بعدى } قال عطاء إن الله تعالى لم يقبض نبيا حتى يخيره بين الحياة ~~والموت فلما خير يعقوب قال: أنظرني حتى أسأل ولدي وأوصيهم، ففعل الله ذلك ~~به فجمع ولده وولد ولده، وقال لهم: قد حضر أجلي فما تعبدون من بعدي { ~~قالوا نعبد إلهك وإله آبآئك إبرهيم ~~وإسمعيل وإسحق } وكان إسماعيل عما لهم والعرب تسمي العم ~~أبا كما تسمي الخالة أما قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " عم الرجل صنو أبيه " # وقال في عمه / العباس: # " ردوا علي أبي فإني أخشى أن تفعل به قريش ما فعلت ثقيف بعروة بن مسعود ~~" # وذلك انهم قتلوه. # { إلها واحدا } نصب على البدل من ms0108 قوله إلهك وقيل نعرفه إلها ~~واحدا { ونحن له مسلمون تلك أمة } جماعة { قد ~~خلت } مضت { لها ما كسبت } من العمل { ولكم ما كسبتم ~~ولا تسئلون عما كانوا يعملون } يعني: يسأل كل عن عمله ~~لا عن عمل غيره. ### || [2.135-136] # قوله تعالى: { وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا } ~~قال ابن عباس: نزلت في رؤساء يهود المدينة كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف ~~ووهب بن يهودا وأبي ياسر بن أخطب، وفي نصارى أهل نجران السيد والعاقب ~~وأصحابهما، وذلك أنهم خاصموا المسلمين في الدين كل فرقة تزعم أنها أحق ~~بدين الله، فقالت اليهود: نبينا موسى أفضل الأنبياء، وكتابنا التوراة ~~أفضل الكتب، وديننا أفضل الأديان، وكفرت بعيسى عليه السلام والإنجيل ~~وبمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، وقالت النصارى: نبينا أفضل الأنبياء ~~وكتابنا الإنجيل أفضل الكتب، وديننا أفضل الأديان وكفرت بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم والقرآن، وقال كل واحد من الفريقين للمؤمنين كونوا على ديننا ~~فلا دين إلا ذلك فقال تعالى { قل } يا محمد { بل ملة ~~إبرهيم } بل نتبع ملة إبراهيم، وقال الكسائي: هو نصب على الإغراء، ~~كأنه يقول: اتبعوا ملة إبراهيم، وقيل معناه بل نكون على ملة إبراهيم ~~فحذف «على» فصار منصوبا { حنيفا } نصب على الحال عند نحاة البصرة، ~~وعند نحاة الكوفة نصب على القطع أراد به ملة إبراهيم الحنيف فلما سقطت ~~الألف واللام لم يتبع المعرفة النكرة فانقطع منه فنصب. # قال مجاهد: الحنيفية اتباع إبراهيم فيما أتى به من الشريعة التي صار بها ~~إماما للناس قال ابن عباس: الحنيف المائل عن الأديان كلها إلا دين ~~الإسلام، وأصله من الحنف، وهو ميل وعوج يكون في القدم، وقال سعيد بن ~~جبير: الحنيف هو الحاج المختتن. # وقال الضحاك: إذا كان مع الحنيف المسلم فهو الحاج، وإذا لم يكن مع ~~المسلم فهو المسلم، قال قتادة: الحنفية: الختان وتحريم الأمهات والبنات ~~والأخوات والعمات والخالات وإقامة المناسك. # { وما كان من المشركين } ثم علم المؤمنين طريق الإيمان ~~فقال جل ذكره: { قولوا ءامنا بالله ومآ أنزل إلينا ~~} يعني القرآن { ومآ أنزل إلى ms0109 إبرهيم } وهو عشر صحف { ~~وإسمعيل وإسحق ويعقوب والأسباط } يعني أولاد ~~يعقوب وهم اثنا عشر سبطا واحدهم سبط سموا بذلك لأنه ولد لكل واحد منهم ~~جماعة وسبط الرجل حافده، ومنه قيل للحسن والحسين رضي الله عنهما سبطا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم والأسباط من بني إسرائيل كالقبائل من العرب ~~من بني إسماعيل والشعوب من العجم، وكان في الأسباط أنبياء، ولذلك قال: ~~وما أنزل إليهم وقيل هم بنو يعقوب من صلبه صاروا كلهم أنبياء { ومآ ~~أوتى موسى } يعني التوراة { وعيسى } يعني الإنجيل { ومآ ~~أوتى } أعطي { النبيون من ربهم لا نفرق بين ~~أحد منهم } أي نؤمن بالكل لا نفرق بين أحد منهم فنؤمن ببعض ونكفر ~~ببعض كما فعلت اليهود والنصارى { ونحن له مسلمون }. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا محمد بن بشار أنا عثمان بن عمر أنا علي بن ~~المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: كان أهل ~~الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله الآية ". ### || [2.137] # قوله تعالى: { فإن آمنوا بمثل مآ آمنتم به } أي بما ~~آمنتم به، وكذلك كان يقرؤها ابن عباس، والمثل صلة كقوله تعالى: «ليس ~~كمثله شيء» أي ليس هو كشيء، وقيل: معناه فإن آمنوا بجميع ما آمنتم به أي ~~أتوا بإيمان كإيمانكم وتوحيد كتوحيدكم، وقيل: معناه فإن آمنوا مثل ما ~~آمنتم به والباء زائدة كقوله تعالى: # وهزى إليك بجذع النخلة # [مريم: 25] وقال أبو معاذ النحوي: معناه فإن آمنوا بكتابكم كما آمنتم ~~بكتابهم { فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم فى ~~شقاق } أي في خلاف ومنازعة قاله: ابن عباس وعطاء ويقال: شاق ~~مشاقة إذا خالف كأن كل واحد آخذ في شق غير شق صاحبه، قال الله تعالى: # لا يجرمنكم شقاقى # [هود: 89] أي خلافي، وقيل: في عداوة، دليله: قوله تعالى: # ذلك بأنهم شآقوا الله ms0110 # [الأنفال: 13] أي عادوا الله { فسيكفيكهم الله } يا محمد أي ~~يكفيك شر اليهود والنصارى وقد كفى بإجلاء بني النضير، وقتل بني قريظة ~~وضرب الجزية على اليهود والنصارى { وهو السميع } لأقوالهم { ~~العليم } بأحوالهم. ### || [2.138-141] # قوله تعالى: { صبغة الله }: قال ابن عباس في رواية الكلبي وقتادة ~~والحسن: دين الله، وإنما سماه صبغة لأنه يظهر أثر الدين على المتدين كما ~~يظهر أثر الصبغ على الثوب، وقيل لأن المتدين يلزمه ولا يفارقه، كالصبغ ~~يلزم الثوب، وقال مجاهد: فطرة الله، وهو قريب من الأول، وقيل: سنة الله، ~~وقيل: أراد به الختان لأنه يصبغ صاحبه بالدم، قال ابن عباس: هي أن ~~النصارى إذا ولد لأحدهم ولد فأتى عليه سبعة أيام غمسوه في ماء لهم أصفر ~~يقال له المعمودي وصبغوه به ليطهروه بذلك الماء مكان الختان، فإذا فعلوا ~~به ذلك قالوا: الآن صار نصرانيا حقا فأخبر الله أن دينه الإسلام لا ما ~~يفعله النصارى، وهو نصب على الإغراء يعني الزموا دين الله، قال الأخفش ~~هي بدل من قوله ملة إبراهيم { ومن أحسن من الله صبغة } ~~دينا وقيل: تطهيرا { ونحن له عبدون } مطيعون { قل } يا ~~محمد لليهود والنصارى { أتحآجوننا فى الله } أي في دين الله ~~والمحاجة: المجادلة في الله لإظهار الحجة، وذلك بأنهم قالوا إن الأنبياء ~~كانوا منا وعلى ديننا، وديننا أقوم فنحن أولى بالله منكم فقال الله ~~تعالى: قل أتحاجوننا في الله { وهو ربنا وربكم } أي: نحن ~~وأنتم سواء في الله فإنه ربنا وربكم { ولنآ أعملنا ولكم ~~أعملكم } أي لكل واحد جزاء عمله فكيف تدعون أنكم أولى بالله { ~~ونحن له مخلصون } وأنتم به مشركون. # قال سعيد بن جبير: الإخلاص أن يخلص العبد دينه وعمله فلا يشرك به في ~~دينه ولا يرائي بعمله. قال الفضيل: ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل ~~من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما. # قوله تعالى: { أم تقولون } يعني: أتقولون، صيغة استفهام ومعناه ~~التوبيخ، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص بالتاء لقوله تعالى (قل ~~أتحاجوننا في الله) وقال بعده (قل أأنتم أعلم ms0111 أم الله) وقرأ الآخرون ~~بالياء يعني يقول اليهود والنصارى { إن إبرهيم وإسمعيل ~~وإسحق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى ~~قل } يا محمد { ءأنتم أعلم } بدينهم { أم الله } وقد أخبر ~~الله تعالى أن إبراهيم لم يكن / يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا ~~مسلما { ومن أظلم ممن كتم } أخفى { شهدة عنده ~~من الله } وهي علمهم بأن إبراهيم وبنيه كانوا مسلمين، وأن محمدا ~~صلى الله عليه وسلم حق ورسول أشهدهم الله عليه في كتبهم { وما الله ~~بغفل عما تعملون }. # { تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما ~~كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون } كرره ~~تأكيدا. ### || [2.142-143] # قوله تعالى: { سيقول السفهآء } الجهال { من الناس ~~ماولاهم } صرفهم وحولهم { عن قبلتهم التى كانوا ~~عليها } يعني بيت المقدس والقبلة فعلة من المقابلة نزلت في اليهود ~~ومشركي مكة طعنوا في تحويل القبلة من بيت المقدس إلى مكة، فقالوا لمشركي ~~مكة: قد تردد على محمد أمره فاشتاق إلى مولده وقد توجه نحو بلدكم وهو ~~راجع إلى دينكم فقال الله تعالى: { قل لله المشرق ~~والمغرب } ملك له والخلق عبيده { يهدى من يشآء إلى ~~صرط مستقيم وكذلك جعلناكم أمة وسطا } نزلت في ~~رؤساء اليهود، قالوا لمعاذ ابن جبل: ما ترك محمد قبلتنا إلا حسدا، وإن ~~قبلتنا قبلة الأنبياء، ولقد علم محمد أنا عدل بين الناس، فقال معاذ: ~~إنا على حق وعدل فأنزل الله تعالى: { وكذلك } أي وهكذا، وقيل: ~~الكاف للتشبيه أي كما اخترنا إبراهيم وذريته واصطفيناهم { وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا } مردودة على قوله: # ولقد اصطفينه في الدنيا # [البقرة: 130] أي عدلا خيارا قال الله تعالى: # قال أوسطهم # [القلم: 28] أي خيرهم وأعدلهم وخير الأشياء أوسطها، وقال الكلبي يعني ~~أهل دين وسط بين الغلو والتقصير لأنهما مذمومان في الدين. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أبو معشر إبراهيم بن محمد بن ~~الحسين الوراق أنا أبو عبد الله محمد بن زكريا بن يحيى أنا أبو الصلت أنا ~~حماد بن زيد أنا علي بن زيد عن أبي نضرة # " عن أبي سعيد الخدري رضي الله ms0112 عنه قال: قام فينا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يوما بعد العصر فما ترك شيئا إلى يوم القيامة إلا ذكره في ~~مقامه ذلك حتى إذا كانت الشمس على رؤوس النخل وأطراف الحيطان، قال: «أما ~~إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا، ألا وإن ~~هذه الأمة توفي سبعين أمة وهي آخرها وأخيرها وأكرمها على الله تعالى» ". # قوله تعالى: { لتكونوا شهدآء على الناس } يوم القيامة ~~أن الرسل قد بلغتهم، قال ابن جريج: قلت لعطاء: ما معنى قوله تعالى: ~~لتكونوا شهداء على الناس؟ قال: أمة محمد صلى الله عليه وسلم شهداء على من ~~يترك الحق من الناس أجمعين { ويكون الرسول } محمد صلى الله عليه ~~وسلم { عليكم شهيدا } معدلا مزكيا لكم، وذلك أن الله تعالى ~~يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، ثم يقول لكفار الأمم الماضية: # ألم يأتكم نذير # [الملك: 8] فينكرون ويقولون ما جاءنا من بشير ولا نذير فيسأل الله تعالى ~~الأنبياء عليهم السلام عن ذلك فيقولون: كذبوا قد بلغناهم فيسألهم البينة ~~ وهو أعلم بهم - إقامة للحجة، فيؤتى بأمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~فيشهدون لهم أنهم قد بلغوا، فتقول الأمم الماضية: من أين علموا وإنما ~~أتوا بعدنا؟ فيسأل هذه الأمة فيقولون أرسلت إلينا رسولا، وأنزلت عليه ~~كتابا، أخبرتنا فيه تبليغ الرسل وأنت صادق فيما أخبرت، ثم يؤتي بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بصدقهم. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ~~أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا إسحاق بن منصور ~~أخبرنا أبو أسامة قال الأعمش أخبرنا أبو صالح عن أبي سعيد الخدري قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يجاء بنوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم يا رب، فيسأل ~~أمته هل بلغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير، فيقال: من شهودك فيقول محمد ~~وأمته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجاء بكم فتشهدون» ثم قرأ رسول ~~الله صلى ms0113 الله عليه وسلم وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على ~~الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ". # قوله تعالى: { وما جعلنا القبلة التى كنت عليهآ } ~~أي تحويلها يعني بيت المقدس، فيكون من باب حذف المضاف، ويحتمل أن يكون ~~المفعول الثاني للجعل محذوفا، على تقدير وما جعلنا القبلة التي كنت ~~عليها منسوخة، وقيل معناه التي أنت عليها، وهي الكعبة كقوله تعالى: ~~«كنتم خير أمة» أي أنتم. # { إلا لنعلم من يتبع الرسول } فإن قيل ما معنى قوله ~~«إلا لنعلم» وهو عالم بالأشياء كلها قبل كونها قيل: أراد به العلم الذي ~~يتعلق به الثواب والعقاب، فإنه لا يتعلق بما هو عالم به في الغيب، إنما ~~يتعلق بما يوجد معناه ليعلم العلم الذي يستحق العامل عليه الثواب ~~والعقاب، وقيل: إلا لنعلم أي لنرى ونميز من يتبع الرسول في القبلة { ~~ممن ينقلب على عقبيه } ، فيرتد وفي الحديث: # " أن القبلة لما حولت ارتد قوم من المسلمين إلى اليهودية، وقالوا: رجع ~~محمد إلى دين آبائه " # ، وقال أهل المعاني: معناه إلا لعلمنا من يتبع الرسول ممن ينقلب على ~~عقبيه كأنه سبق في علمه أن تحويل القبلة سبب لهداية قوم وضلالة قوم، وقد ~~يأتي لفظ الاستقبال بمعنى الماضي كما قال الله تعالى: # فلم تقتلون أنبيآء الله # [البقرة: 91] أي فلم قتلتموهم { وإن كانت } أي قد كانت أي تولية ~~الكعبة وقيل: الكناية راجعة إلى القبلة، وقيل: إلى الكعبة قال الزجاج: ~~وإن كانت التحويلة { لكبيرة } ثقيلة شديدة { إلا على الذين ~~هدى الله } أي هداهم الله، قال سيبويه: «وإن» تأكيد يشبه اليمين ~~ولذلك دخلت اللام في جوابها { وما كان الله ليضيع ~~إيمنكم } وذلك أن حيي بن أخطب وأصحابه من اليهود قالوا للمسلمين: ~~أخبرونا عن صلاتكم نحو بيت المقدس، إن كانت هدى فقد تحولتم عنها وإن كانت ~~ضلالة فقد دنتم الله بها. ومن مات منكم عليها فقد مات على الضلالة، فقال ~~المسلمون إنما الهدى ما أمر الله به، والضلالة ما نهى الله عنه. # قالوا: فما شهادتكم على من مات منكم على قبلتنا؟ وكان قد مات قبل ms0114 أن ~~تحول القبلة من المسلمين أسعد بن زرارة من بني النجار، والبراء بن معرور ~~من بني سلمة، وكانا من النقباء ورجال آخرون فانطلق عشائرهم إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله قد صرفك الله إلى قبلة إبراهيم فكيف ~~بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله تعالى: { ~~وما كان الله ليضيع إيمنكم } يعني صلاتكم إلى بيت ~~المقدس { إن الله بالناس لرءوف رحيم } قرأ أهل الحجاز ~~وابن عامر وحفص لرؤوف مشبع على وزن فعول، لأن أكثر أسماء الله تعالى على ~~فعول وفعيل، كالغفور والشكور والرحيم والكريم وغيرها، وأبو جعفر يلين ~~الهمزة وقرأ الآخرون بالاختلاس على وزن فعل قال جرير: # ترى للمسلمين عليك حقا # كفعل الواحد الرؤف الرحيم # والرأفة: أشد الرحمة. ### || [2.144] # قوله تعالى: { قد نرى تقلب وجهك في السمآء } هذه ~~الآية وإن كانت متأخرة في التلاوة فهي متقدمة في المعنى فإنها رأس القصة، ~~وأمر القبلة أول ما نسخ من أمور الشرع، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه كانوا يصلون بمكة إلى الكعبة، فلما هاجر إلى المدينة أمره ~~أن يصلي نحو صخرة بيت المقدس ليكون أقرب إلى تصديق اليهود إياه إذا صلى ~~إلى قبلتهم مع ما يجدون من نعته في التوراة فصلى بعد الهجرة ستة عشر أو ~~سبعة عشر شهرا إلى بيت المقدس وكان يحب أن يوجه إلى الكعبة لأنها كانت ~~قبلة أبيه إبراهيم عليه السلام، وقال مجاهد: كان يحب ذلك لأجل اليهود ~~لأنهم كانوا يقولون يخالفنا محمد صلى الله عليه وسلم في ديننا ويتبع ~~قبلتنا، فقال لجبريل عليه السلام: # " وددت لو حولني الله إلى الكعبة فإنها قبلة أبي إبراهيم عليه السلام " # ، فقال جبريل: إنما أنا عبد مثلك وأنت كريم على ربك، فسل أنت ربك فإنك ~~عند الله عز وجل بمكان [فرجع] جبريل عليه السلام وجعل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يديم النظر إلى السماء رجاء أن ينزل جبريل بما يحب من أمر ~~القبلة فأنزل الله تعالى { قد نرى تقلب وجهك في ~~السمآء ms0115 فلنولينك قبلة } فلنحولنك إلى قبلة { ~~ترضاها } أي تحبها وتهواها { فول } أي: حول { وجهك شطر ~~المسجد الحرام } أي نحوه وأراد به الكعبة والحرام المحرم { ~~وحيث ماكنتم } من بر أو بحر شرق أو غرب { فولوا وجوهكم ~~شطره } عند الصلاة. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ~~أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا إسحاق بن نصر أخبرنا ~~عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج عن عطاء قال سمعت ابن عباس رضي الله عنهما ~~قال: لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت دعا في نواحيه كلهم ولم يصل ~~حتى خرج منه، فلما خرج ركع ركعتين في قبل الكعبة (وقال هذه القبلة). # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد ~~بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عمرو بن خالد أخبرنا زهير أخبرنا ~~أبو إسحاق عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول ما قدم المدينة ~~نزل على أجداده أو قال أخواله من الأنصار وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة ~~عشر أو سبعة عشر شهرا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى ~~أول صلاة صلاها صلاة العصر وصلى معه قوم فخرج رجل ممن صلى معه فمر على ~~أهل مسجد قباء وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قبل مكة فداروا كما هم قبل البيت، وكانت اليهود قد ~~أعجبهم إذ كان يصلي قبل المقدس لأنه قبلة أهل الكتاب، فلما ولى وجهه قبل ~~البيت أنكروا ذلك، وقال البراء في حديثه هذا: إنه مات على القبلة قبل أن ~~تحول رجال وقتلوا فلم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله تعالى (وما كان الله ~~ليضيع إيمانكم). # وكان تحويل القبلة في رجب بعد زوال الشمس قبل قتال بدر بشهرين، قال ~~مجاهد وغيره: نزلت هذه الآية ورسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد بني ~~سلمة وقد صلى بأصحابه ركعتين من صلاة الظهر فتحول في الصلاة واستقبل ~~الميزاب وحول الرجال ms0116 مكان النساء، والنساء مكان الرجال، فسمي ذلك المسجد ~~مسجد القبلتين. وقيل: كان التحويل خارج الصلاة بين الصلاتين، وأهل قباء ~~وصل إليهم الخبر في صلاة الصبح. # أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد ~~الفقيه السرخسي أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي السامري ~~أخبرنا أبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري عن مالك بن أنس عن عبد الله بن ~~دينار أن عبد الله بن عمر قال: بينا الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم ~~آت وقال لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن ~~وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا ~~إلى الكعبة. # فلما تحولت القبلة قالت اليهود: يا محمد ما هو إلا شيء تبتدعه من تلقاء ~~نفسك فتارة تصلي إلى بيت المقدس وتارة إلى الكعبة ولو ثبت على قبلتنا ~~لكنا نرجو أن تكون صاحبنا الذي ننتظره؟ فأنزل الله { وإن الذين ~~أوتوا الكتب ليعلمون أنه } يعني أمر الكعبة { ~~الحق من ربهم } ثم هددهم فقال { وما الله بغفل ~~عما يعملون } قرأ أبو جعفر وابن عامر وحمزة والكسائي بالتاء قال ~~ابن عباس يريد أنكم يا معشر المؤمنين تطلبون مرضاتي وما أنا بغافل عن ~~ثوابكم وجزائكم وقرأ الباقون بالياء يعني ما أنا بغافل عما يفعل اليهود ~~فأجازيهم في الدنيا وفي الآخرة. ### || [2.145] # قوله تعالى { ولئن أتيت الذين أوتوا الكتب } يعني ~~اليهود والنصارى قالوا: ائتنا بآية على ما تقول، فقال الله تعالى: { ~~ولئن أتيت الذين أوتوا الكتب } { بكل آية } ~~معجزة { ما تبعوا قبلتك } يعني الكعبة { ومآ أنت ~~بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض } لأن ~~اليهود تستقبل بيت المقدس وهو المغرب والنصارى تستقبل المشرق وقبلة ~~المسلمين الكعبة. # أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن ~~محمد الجراحي أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي أخبرنا أبو عيسى ~~محمد بن عيسى الترمذي أخبرنا الحسن بن بكر المروزي أخبرنا المعلى بن ~~منصور أخبرنا عبد الله بن ms0117 جعفر المخزومي عن عثمان الأخنسي عن سعيد ~~المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " القبلة ما بين المشرق والمغرب " # وأراد به في حق أهل المشرق، وأراد بالمشرق: مشرق الشتاء في أقصر يوم من ~~السنة، وبالمغرب: مغرب الصيف في أطول يوم من السنة، فمن جعل مغرب الصيف ~~في هذا الوقت على يمينه ومشرق الشتاء عن يساره كان وجهه إلى القبلة { ~~ولئن اتبعت أهوآءهم }: مرادهم الخطاب مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم، والمراد به الأمة، { من بعد ما جآءك من العلم ~~} ، من الحق في القبلة { إنك إذا لمن الظلمين }. ### || [2.146-149] # قوله تعالى: { الذين آتينهم الكتب } يعني مؤمني أهل ~~الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه { يعرفونه } يعني يعرفون محمدا ~~صلى الله عليه وسلم { كما يعرفون أبنآءهم } من بين الصبيان، ~~قال عمر بن الخطاب لعبد الله بن سلام إن الله قد أنزل على نبيه { ~~الذين آتينهم الكتب يعرفونه كما يعرفون ~~أبنآءهم } فكيف هذه المعرفة؟ قال عبد الله: يا عمر لقد عرفته حين ~~رأيته كما عرفت ابني ومعرفتي بمحمد صلى الله عليه وسلم أشد من معرفتي ~~بابني، فقال عمر: وكيف ذلك؟ فقال أشهد إنه رسول الله حق من الله تعالى، ~~وقد نعته الله في كتابنا ولا أدري ما تصنع النساء، فقال عمر وفقك الله يا ~~ابن سلام فقد صدقت { وإن فريقا منهم ليكتمون الحق ~~} يعني صفة محمد صلى الله عليه وسلم وأمر الكعبة { وهم يعلمون } ~~ثم قال: { الحق من ربك } أي هذا الحق خبر مبتدأ مضمر وقيل رفع ~~بإضمار فعل أي جاءك الحق من ربك { فلا تكونن من الممترين ~~} الشاكين. # قوله تعالى: { ولكل وجهة } أي لأهل كل ملة قبلة والوجهة اسم ~~للمتوجه إليه { هو موليها } أي مستقبلها ومقبل إليها يقال: وليته ~~ووليت إليه: إذا أقبلت إليه، ووليت عنه إذا أدبرت عنه. قال مجاهد: هو ~~موليها وجهه، وقال الأخفش، هو كناية عن الله عز وجل يعني الله مولي الأمم ~~إلى قبلتهم وقرأ ابن عامر: مولاها، أي: المستقبل مصروف إليها { ~~فاستبقوا الخيرت } أي ms0118 إلى الخيرات، يريد: بادروا بالطاعات، ~~والمراد المبادرة إلى القبول { أين ما تكونوا } أنتم وأهل الكتاب ~~{ يأت بكم الله جميعا } يوم القيامة فيجزيكم بأعمالكم { ~~إن الله على كل شىء قدير }. # قوله تعالى { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله ~~بغفل عما تعملون } قرأ أبو عمرو بالياء والباقون بالتاء. ### || [2.150] # { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام ~~وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره } وإنما كرر لتأكيد ~~النسخ { لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ~~ظلموا } اختلفوا في تأويل هذه الآية ووجه قوله { إلا } فقال ~~بعضهم: معناه حولت القبلة إلى الكعبة { لئلا يكون للناس ~~عليكم حجة } إذا توجهتم إلى غيرها فيقولون ليست لكم قبلة { ~~إلا الذين ظلموا } وهم قريش واليهود فأما قريش فتقول رجع محمد ~~إلى الكعبة، لأنه علم أنها الحق وأنها قبلة آبائه، فكذلك يرجع إلى ديننا، ~~وأما اليهود فتقول لم ينصرف عن بيت المقدس مع علمه بأنه حق إلا أنه يعمل ~~برأيه وقال قوم { لئلا يكون للناس عليكم حجة } يعني ~~اليهود وكانت حجتهم على طريق المخاصمة على المؤمنين في صلاتهم إلى بيت ~~المقدس أنهم كانوا يقولون ما درى محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه أين ~~قبلتهم حتى هديناهم نحن. # وقوله: { إلا الذين ظلموا } وهم مشركوا مكة، وحجتهم: أنهم ~~قالوا - لما صرفت القبلة إلى الكعبة إن محمدا قد تحير في دينه وسيعود ~~إلى ملتنا كما عاد إلى قبلتنا، وهذا معنى قول مجاهد وعطاء وقتادة، وعلى ~~هذين التأويلين يكون الاستثناء صحيحا، وقوله: { إلا الذين ~~ظلموا } يعني لا حجة لأحد عليكم إلا لمشركي قريش فإنهم يحاجونكم ~~فيجادلونكم ويخاصمونكم بالباطل والظلم والاحتجاج بالباطل يسمى حجة كما ~~قال الله تعالى # حجتهم داحضة عند ربهم # [الشورى: 16]، وموضع { الذين } خفض كأنه قال سوى الذين ظلموا قاله ~~الكسائي وقال الفراء نصب بالاستثناء. # قوله تعالى: { منهم } يعني من الناس وقيل هذا استثناء منقطع عن ~~الكلام الأول، معناه ولكن الذين ظلموا يجادلونكم بالباطل، كما قال الله ~~تعالى: # ما لهم به من علم إلا ms0119 اتباع الظن # [النساء: 157] يعني لكن يتبعون الظن فهو كقول الرجل ما لك عندي حق إلا ~~أن تظلم. # قال أبو روق { لئلا يكون للناس } يعني لليهود { عليكم ~~حجة } وذلك أنهم عرفوا أن الكعبة قبلة إبراهيم ووجدوا في التوراة أن ~~محمدا سيحول إليها فحوله الله تعالى إليها لئلا يكون لهم حجة فيقولون: ~~إن النبي الذي نجده في كتابنا سيحول إليها ولم تحول أنت، فلما حول إليها ~~ذهبت حجتهم { إلا الذين ظلموا } يعني إلا أن يظلموا فيكتموا ~~ما عرفوا من الحق. وقال أبو عبيدة قوله { إلا الذين ظلموا } ~~ليس باستثناء ولكن «إلا» في موضع واو العطف يعني: والذين ظلموا أيضا لا ~~يكون لهم حجة، كما قال الشاعر: # وكل أخ مفارقه أخوه # لعمر أبيك إلا الفرقدان # معناه والفرقدان أيضا يتفرقان، فمعنى الآية فتوجهوا إلى الكعبة { ~~لئلا يكون للناس } يعني لليهود { عليكم حجة } ~~فيقولوا لم تركتم الكعبة وهي قبلة إبراهيم وأنتم على دينه ولا الذين ~~ظلموا وهم مشركو مكة فيقولون لم ترك محمد قبلة جده وتحول عنها إلى قبلة ~~اليهود { فلا تخشوهم } في انصرافكم إلى الكعبة وفي تظاهرهم عليكم ~~بالمجادلة فإني وليكم أظهركم عليهم بالحجة والنصرة { واخشونى ~~ولأتم نعمتى عليكم } عطف على قوله { لئلا يكون ~~للناس عليكم حجة } ولكي أتم نعمتي عليكم بهدايتي إياكم إلى ~~قبلة إبراهيم فتتم به لكم الملة الحنيفية، وقال علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه تمام النعمة الموت على الإسلام. # قال سعيد بن جبير ولا يتم نعمة على المسلم إلا أن يدخله الجنة { ~~ولعلكم تهتدون } لكي تهتدوا من الضلالة و لعل وعسى من الله ~~واجب. ### || [2.151-152] # قوله تعالى: { كمآ أرسلنا فيكم } هذه الكاف للتشبيه وتحتاج ~~إلى شيء يرجع إليه فقال بعضهم: ترجع إلى ما قبلها معنا: ولأتم نعمتي ~~عليكم كما أرسلنا فيكم رسولا منكم قال محمد بن جرير: دعا إبراهيم عليه ~~السلام بدعوتين - إحداهما - قال: # ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنآ أمة ~~مسلمة لك # [البقرة: 128] والثانية قوله: # ربنا وابعث فيهم رسولا منهم # [البقرة: 129] فبعث الله الرسول وهو محمد صلى الله ms0120 عليه وسلم، ووعد ~~إجابة الدعوة الثانية بأن يجعل من ذريته أمة مسلمة، يعني كما أجبت دعوته ~~ببعث الرسول، كذلك أجبت دعوته بأن أهديكم لدينه وأجعلكم مسلمين وأتم ~~نعمتي عليكم ببيان شرائع الملة الحنيفية وقال مجاهد وعطاء والكلبي: هي ~~متعلقة بما بعدها وهو قوله: «فاذكروني أذكركم» معناه كما أرسلنا فيكم ~~رسولا منكم فاذكروني وهذه الآية خطاب لأهل مكة والعرب يعني كما أرسلنا ~~فيكم يا معشر العرب. # { رسولا منكم } ، يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم، { يتلوا ~~عليكم آيتنا } يعني القرآن { ويزكيكم ويعلمكم ~~الكتب والحكمة } قيل: الحكمة السنة، وقيل: مواعظ القرآن { ~~ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون } من الأحكام وشرائع ~~الإسلام { فاذكروني أذكركم } ، قال ابن عباس: اذكروني بطاعتي، ~~أذكركم بمغفرتي، وقال سعيد بن جبير اذكروني في النعمة والرخاء، أذكركم في ~~الشدة والبلاء، بيانه: # فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه ~~إلى يوم يبعثون # [الصافات:143-144]. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ~~أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عمر بن حفص أخبرنا ~~أبي أخبرنا الأعمش قال: سمعت أبا صالح عن أبي هريرة قال قال: النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " يقول الله تعالى: «أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني ~~في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن ~~تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه ~~باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة» ". # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي وثنا أبو بكر محمد بن عبد ~~الله بن أبي توبة الكشميهني قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سراج ~~الطحان أخبرنا أبو أحمد محمد بن قريش بن سليمان أخبرنا أبو عبد الملك ~~الدمشقي أخبرنا سليمان بن عبد الرحمن أخبرنا منذر بن زياد عن صخر ابن ~~جويرية عن الحسن عن أنس قال: إني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عدد أناملي هذه العشر، أن رسول الله صلى الله ms0121 عليه وسلم قال: # " إن الله تعالى يقول: يا ابن آدم إن ذكرتني في نفسك ذكرتك في نفسي، ~~وإن ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ خير منهم، وإن دنوت مني شبرا دنوت منك ~~ذراعا، وإن دنوت مني ذراعا دنوت منك باعا، وإن مشيت إلي هرولت إليك، ~~وإن هرولت إلي سعيت إليك، وإن سألتني أعطيتك، وإن لم تسألني غضبت عليك ~~". # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أبو منصور السمعاني أخبرنا أبو جعفر ~~الرياني أخبرنا حميد بن زنجويه أخبرنا يحيى بن عبد الله أخبرنا الأوزاعي ~~أخبرنا إسماعيل بن عبيد الله عن أبي الدرداء عن أبي هريرة قال: قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " يقول الله عز وجل: «أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه» ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح أنا أبو ~~القاسم البغوي أخبرنا علي بن الجعد أخبرنا إسماعيل بن عياش أخبرنا عمرو ~~بن قيس السكوني عن عبد الله بن بسر قال: # " جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله أي ~~الأعمال أفضل؟ قال: «أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله تعالى» ". # قوله تعالى: { واشكروا لي ولا تكفرون } يعني واشكروا لي ~~بالطاعة ولا تكفروني بالمعصية فإن من أطاع الله فقد شكره ومن عصاه فقد ~~كفره. ### || [2.153-154] # قوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا استعينوا ~~بالصبر والصلوة إن الله مع الصبرين } بالعون ~~والنصرة { ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات } ~~نزلت في قتلى بدر من المسلمين وكانوا أربعة عشر رجلا ستة من المهاجرين ~~وثمانية من الأنصار كان الناس يقولون لمن يقتل في سبيل الله مات فلان ~~وذهب عنه نعيم الدنيا ولذتها فأنزل الله تعالى: { ولا تقولوا لمن ~~يقتل في سبيل الله أموات } { بل أحياء ولكن لا ~~تشعرون } كما قال في شهداء أحد # ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ~~بل أحياء عند ربهم يرزقون # [آل عمران: 169] قال الحسن إن الشهداء أحياء عند الله تعالى تعرض ~~أرزاقهم على أرواحهم فيصل إليهم الروح والفرح كما ms0122 تعرض النار على ~~أرواح آل فرعون غدوة وعشية فيصل إليهم الوجع. ### || [2.155-156] # قوله تعالى: { ولنبلونكم } أي ولنختبرنكم يا أمة محمد، واللام ~~لجواب القسم تقديره والله لنبلونكم والابتلاء من الله لإظهار المطيع ~~من العاصي لا ليعلم شيئا لم يكن عالما به { بشيء من الخوف } ~~قال ابن عباس يعني خوف العدو { والجوع } يعني القحط { ونقص من ~~الأموال } بالخسران والهلاك { والأنفس } يعني بالقتل والموت وقيل ~~بالمرض والشيب { والثمرت } يعني الجوائح في الثمار وحكي عن ~~الشافعي أنه قال الخوف خوف الله تعالى، والجوع صيام رمضان، ونقص من ~~الأموال أداء الزكاة والصدقات، والأنفس الأمراض، والثمرات موت الأولاد ~~لأن ولد الرجل ثمرة قلبه. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن ~~سمعان أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني أخبرنا حميد ~~بن زنجويه أخبرنا الحسن بن موسى أخبرنا حماد بن سلمة عن أبي سنان قال ~~دفنت ابني سنانا وأبو طلحة الخولاني على شفير القبر فلما أردت الخروج ~~أخذ بيدي فأخرجني فقال: ألا أبشرك؟: حدثني الضحاك بن عرزب عن أبي موسى ~~الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته أقبضتم ولد عبدي؟ قالوا ~~نعم، قال: أقبضتم ثمرة فؤاده؟ قالوا نعم، قال: فماذا قال عبدي؟ قالوا ~~استرجع وحمدك قال: ابنوا له بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد ". # { وبشر الصبرين } على البلايا والرزايا، ثم وصفهم فقال: { ~~الذين إذآ أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله } ~~عبيدا وملكا، { وإنآ إليه راجعون } في الآخرة. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن ~~سمعان أخبرنا أبو جعفر الرياني أخبرنا حميد بن زنجويه أخبرنا محاضر بن ~~المورع أخبرنا سعد بن سعيد عن عمر بن كثير بن أفلح أخبرنا مولى أم سلمة ~~عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # " ما من مصيبة تصيب عبدا فيقول إنا الله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني ms0123 ~~في مصيبتي واخلف لي خيرا منها، إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيرا ~~منها " # ، قالت أم سلمة لما توفي أبو سلمة عزم الله لي فقلت: اللهم أجرني في ~~مصيبتي واخلف لي خيرا منها. فأخلف الله لي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. # وقال سعيد بن جبير: ما أعطي أحد في المصيبة ما أعطي هذه الأمة يعني ~~الاسترجاع ولو أعطيها أحد لأعطيها يعقوب عليه السلام ألا تسمع لقوله ~~تعالى في قصة يوسف عليه السلام # يأسفى على يوسف # [يوسف: 84]. ### || [2.157] # { أولئك } أهل هذه الصفة: { عليهم صلوات من ~~ربهم ورحمة } صلوات أي رحمة فإن الصلاة من الله رحمة ورحمة ~~ذكرها الله تأكيدا وجمع الصلوات، أي: رحمة بعد رحمة { وأولئك ~~هم المهتدون } إلى الاسترجاع وقيل إلى الحق والصواب وقيل إلى ~~الجنة والثواب، قال عمر رضي الله عنه: نعم العدلان ونعمت العلاوة، ~~فالعدلان الصلاة والرحمة، والعلاوة الهداية. # وقد وردت أخبار في ثواب أهل البلاء وأجر الصابرين منها ما أخبرنا أبو ~~الحسن محمد بن محمد السرخسي أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد السرخسي أخبرنا ~~أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن محمد ~~بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أنه قال: سمعت أبا الحباب سعيد ~~بن يسار يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من يرد الله به خيرا يصب منه ". # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ~~أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عبد الله بن محمد ~~أخبرنا عبد الملك بن عمرو أخبرنا زهير بن محمد عن محمد بن عمرو بن حلحلة ~~عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى ~~الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه ". # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أبو منصور ms0124 السمعاني أخبرنا ~~أبو جعفر الرياني أخبرنا حميد بن زنجويه أنا محمد بن عبيد أخبرنا محمد بن ~~عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: جاءت امرأة بها لمم إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله: ادع الله لي أن يشفيني قال: # " إن شئت دعوت الله أن يشفيك وإن شئت فاصبري ولا حساب عليك " # قالت: بل أصبر ولا حساب علي. # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أخبرنا أبو سعيد خلف بن ~~عبد الرحمن بن أبي نزار أخبرنا أبو منصور العباس بن الفضل النضروي ~~أخبرنا أحمد بن نجدة أخبرنا يحيى بن عبد الحميد الحماني أخبرنا حماد بن ~~زيد عن عاصم هو ابن أبي النجود عن مصعب بن سعد عن سعد قال: سئل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن أشد الناس بلاء قال: # " الأنبياء والأمثل فالأمثل يبتلي الله الرجل على حسب دينه فإن كان في ~~دينه صلبا ابتلي على قدر ذلك وإن كان في دينه رقة هون عليه فما يزال ~~كذلك حتى يمشي على الأرض وما له من ذنب " # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أبو منصور السمعاني أخبرنا أبو جعفر ~~الرياني أخبرنا حميد بن زنجويه أخبرنا عبد الله بن صالح قال: حدثني الليث ~~حدثني يزيد بن أبي حبيب عن سعد بن سنان عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # " إن عظم الجزاء عند الله مع عظم البلاء فإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم ~~فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط ". # أخبرنا أبو حامد أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن ~~الحيري أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي أخبرنا محمد بن يحيى أخبرنا يزيد بن ~~هارون أخبرنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وماله وولده حتى يلقى الله ~~وما عليه من خطيئة ". # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو ms0125 الحسين على بن محمد بن عبد ~~الله بن بشران أخبرنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار أخبرنا أحمد بن ~~منصور الرمادي أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن ~~أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " مثل المؤمن كمثل الزرع لا تزال الريح تفيئه ولا يزال المؤمن يصيبه ~~البلاء، ومثل المنافق / كمثل شجرة الأرزة لا تهتز حتى تستحصد ". # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو الحسين بن بشران أخبرنا ~~إسماعيل بن محمد الصفار أخبرنا أحمد بن منصور الرمادي أخبرنا عبد الرزاق ~~أخبرنا معمر عن أبي إسحاق عن العيزار بن حريث عن عمر بن سعد بن أبي وقاص ~~عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " عجب للمؤمن إن أصابه خير حمد الله وشكر، وإن أصابته مصيبة حمد الله ~~وصبر. فالمؤمن يؤجر في كل أمره حتى يؤجر في اللقمة يرفعها إلى في امرأته ~~". ### || [2.158] # قوله تعالى: { إن الصفا والمروة من شعآئر الله } الصفا ~~جمع صفاة وهي الصخرة الصلبة الملساء، يقال صفاة وصفا، مثل: حصاة وحصى ~~ونواة ونوى، والمروة: الحجر الرخو، وجمعها مروات، وجمع الكثير مرو، مثل ~~تمرة وتمرات وتمر. وإنما عنى بهما الجبلين المعروفين بمكة في طرفي ~~المسعى، ولذلك أدخل فيهما الألف واللام، وشعائر الله أعلام دينه، أصلها ~~من الإشعار وهو الإعلام واحدتها شعيرة وكل ما كان معلما لقربان ~~يتقرب به إلى الله تعالى من صلاة ودعاء وذبيحة فهو شعيرة فالمطاف والموقف ~~والنحر كلها شعائر لله ومثلها المشاعر، والمراد بالشعائر هاهنا: المناسك ~~التي جعلها الله أعلاما لطاعته، فالصفا والمروة منها حتى يطاف بهما ~~جميعا { فمن حج البيت أو اعتمر } فالحج في اللغة: ~~القصد، والعمرة: الزيارة، وفي الحج والعمرة المشروعين قصد وزيارة { فلا ~~جناح عليه } أي لا إثم عليه، وأصله من جنح أي مال عن القصد { أن ~~يطوف بهما } أي يدور بهما، وأصله يتطوف أدغمت التاء في الطاء. # وسبب نزول هذه الآية أنه كان على الصفا والمروة صنمان إساف ونائلة، وكان ~~إساف على ms0126 الصفا ونائلة على المروة، وكان أهل الجاهلية يطوفون بين الصفا ~~والمروة تعظيما للصنمين ويتمسحون بهما، فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام ~~كان المسلمون يتحرجون عن السعي بين الصفا والمروة لأجل الصنمين فأذن الله ~~فيه وأخبر أنه من شعائر الله. # واختلف أهل العلم في حكم هذه الآية ووجوب السعي بين الصفا والمروة في ~~الحج والعمرة فذهب جماعة إلى وجوبه وهو قول ابن عمر وجابر وعائشة وبه قال ~~الحسن وإليه ذهب مالك والشافعي وذهب قوم إلى أنه تطوع وهو قول ابن عباس ~~وبه قال ابن سيرين ومجاهد وإليه ذهب سفيان الثوري وأصحاب الرأي. وقال ~~الثوري وأصحاب الرأي على من تركه دم. # واحتج من أوجبه بما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي الخطيب أخبرنا ~~عبد العزيز بن أحمد الخلال أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم أخبرنا ~~الربيع بن سليمان أخبرنا الشافعي أخبرنا عبد الله بن مؤمل العائذي عن ~~عمرو بن عبد الرحمن بن محيصن عن عطاء بن أبي رباح عن صفية بنت شيبة ~~قالت: أخبرتني بنت أبي تجراة - اسمها حبيبة إحدى نساء بني عبد الدار - ~~قالت: دخلت مع نسوة من قريش دار آل أبي حسين ننظر إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو يسعى بين الصفا والمروة فرأيته يسعى وإن مئزره ليدور من ~~شدة السعي حتى لأقول إني لأرى ركبتيه، وسمعته يقول # " اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي ". # أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو ~~إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: ~~قلت لعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أرأيت قول الله تعالى { إن ~~الصفا والمروة من شعآئر الله فمن حج البيت ~~أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما } فما أرى ~~على أحد شيئا ألا يطوف بهما، قالت عائشة: كلا لو كانت كما تقول كانت ~~«فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما» إنما أنزلت هذه الآية في الأنصار كانوا ~~يهلون لمناة وكانت مناة حذو قديد وكانوا ms0127 يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا ~~والمروة. # فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأنزل ~~الله تعالى { إن الصفا والمروة من شعآئر الله } ~~الآية. # قال عاصم: قلت لأنس بن مالك: أكنتم تكرهون السعي بين الصفا والمروة؟ ~~قال: نعم، لأنها كانت من شعائر الجاهلية حتى أنزل الله تعالى: { إن ~~الصفا والمروة من شعآئر الله }. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ~~أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله ~~أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج من المسجد وهو يريد ~~الصفا يقول: # " «نبدأ بما بدأ الله تعالى به» فبدأ بالصفا " # وقال كان إذا وقف على الصفا يكبر ثلاثا ويقول: لا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. يصنع ذلك ثلاث مرات ~~ويدعو ويصنع على المروة مثل ذلك. وقال: كان إذا نزل من الصفا مشى حتى إذا ~~نصبت قدماه في بطن الوادي يسعى حتى يخرج منه. # قال مجاهد: - رحمه الله - حج موسى عليه السلام على جمل أحمر وعليه ~~عباءتان قطوانيتان، فطاف بالبيت ثم صعد الصفا ودعا ثم هبط إلى ~~السعي وهو يلبي فيقول لبيك اللهم لبيك. فقال الله تعالى: لبيك عبدي وأنا ~~معك فخر موسى عليه السلام ساجدا. # قوله تعالى: { ومن تطوع خيرا } قرأ حمزة والكسائي بالياء ~~وتشديد الطاء وجزم العين وكذلك الثانية # فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا # [البقرة: 184] بمعنى يتطوع ووافق يعقوب في الأولى وقرأ الباقون بالتاء ~~وفتح العين على الماضي وقال مجاهد: معناه ومن تطوع بالطوف بالصفا ~~والمروة. وقال مقاتل والكلبي: فمن تطوع: أي زاد في الطواف بعد الواجب. ~~وقيل من تطوع بالحج والعمرة بعد أداء الحجة الواجبة عليه وقال الحسن ~~وغيره: أراد سائر الأعمال يعني فعل غير المفترض عليه من زكاة وصلاة وطواف ~~وغيرها من أنواع الطاعات { فإن الله شاكر } مجاز لعبده بعمله ~~{ عليم } بنيته. والشكر ms0128 من الله تعالى أن يعطي لعبده فوق ما يستحق. ~~يشكر اليسير ويعطي الكثير. ### || [2.159-160] # قوله تعالى: { إن الذين يكتمون مآ أنزلنا من ~~البينت والهدى من بعد ما بينه للناس في ~~الكتاب } نزلت في علماء اليهود حين كتموا صفة محمد صلى الله عليه ~~وسلم وآية الرجم وغيرهما من الأحكام التي كانت في التوراة { أولئك ~~يلعنهم الله } وأصل اللعن الطرد والبعد { ويلعنهم ~~اللعنون } أي يسألون الله أن يلعنهم ويقولون: اللهم العنهم. ~~واختلفوا في هؤلاء اللاعنين، قال ابن عباس: جميع الخلائق إلا الجن ~~والإنس. وقال قتادة: هم الملائكة وقال عطاء: الجن والإنس وقال الحسن: ~~جميع عباد الله. وقال ابن مسعود: ما تلاعن اثنان من المسلمين إلا رجعت ~~تلك اللعنة على اليهود والنصارى الذين كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم ~~وصفته وقال مجاهد: اللاعنون البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا اشتدت السنة ~~وأمسك المطر وقالت هذا من شؤم ذنوب بني آدم ثم استثنى فقال: { إلا ~~الذين تابوا } من الكفر { وأصلحوا } أسلموا أو أصلحوا ~~الأعمال فيما بينهم وبين ربهم { وبينوا } ما كتموا { ~~فأولئك أتوب عليهم } أتجاوز عنهم وأقبل توبتهم { وأنا ~~التواب } الرجاع بقلوب عبادي المنصرفة عني إلي { الرحيم } بهم ~~بعد إقبالهم علي. ### || [2.161-162] # { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك ~~عليهم لعنة الله والملئكة } أي لعنة الملائكة { ~~والناس أجمعين } قال أبو العالية: هذا يوم القيامة يوقف الكافر ~~فيلعنه الله ثم تلعنه الملائكة ثم يلعنه الناس فإن قيل فقد قال { ~~والناس أجمعين } والملعون هو من جملة الناس فكيف يلعن نفسه؟ قيل ~~يلعن نفسه في القيامة قال الله تعالى: # ويلعن بعضكم بعضا # [العنكبوت: 25] وقيل إنهم يلعنون الظالمين والكافرين ومن يلعن الظالمين ~~والكافرين وهو منهم فقد لعن نفسه. # { خالدين فيها } مقيمين في اللعنة وقيل في النار { لا يخفف ~~عنهم العذاب ولا هم ينظرون } لا يمهلون ولا يؤجلون وقال ~~أبو العالية: لا ينظرون فيعتذروا كقوله تعالى: # ولا يؤذن لهم فيعتذرون # [المرسلات: 36]. ### || [2.163-164] # قوله تعالى: { وإلهكم إله واحد لا إله إلا ~~هو الرحمن الرحيم } سبب نزول هذه الآية أن ms0129 كفار قريش قالوا ~~يا محمد صف لنا ربك وانسبه فأنزل الله تعالى هذه الآية وسورة الإخلاص ~~والواحد الذي لا نظير له ولا شريك له. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أبو منصور السمعاني أخبرنا ~~أبو جعفر الرياني أخبرنا حميد بن زنجويه أخبرنا بكر بن إبراهيم وأبو عاصم ~~عن عبيد الله بن أبي زياد عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد أنها قالت: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " «إن في هاتين الآيتين اسم الله الأعظم» (وإلهكم إله واحد لا إله إلا ~~هو الرحمن الرحيم) و (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) " # قال أبو الضحى: لما نزلت هذه الآية قال المشركون: إن محمدا يقول إن ~~إلهكم إله واحد فليأتنا بآية إن كان من الصادقين فأنزل الله عز وجل { ~~إن في خلق السماوات والأرض } ذكر السماوات بلفظ الجمع ~~والأرض بلفظ الواحد لأن كل سماء ليست من جنس واحد بل من جنس آخر، ~~والأرضون كلها من جنس واحد وهو التراب، فالآية في السماوات سمكها ~~وارتفاعها من غير عمد ولا علاقة وما ترى فيها من الشمس والقمر والنجوم، ~~والآية في الأرض مدها وبسطها وسعتها وما ترى فيها من الأشجار والأنهار ~~والجبال والبحار والجواهر والنبات. # قوله تعالى: { واختلف الليل والنهار } أي تعاقبهما في ~~الذهاب والمجيء يخلف أحدهما صاحبه إذا ذهب أحدهما جاء الآخر خلفه أي بعده ~~نظيره قوله تعالى: # وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة # [الفرقان: 62] قال عطاء: أراد اختلافهما في النور والظلمة والزيادة ~~والنقصان. والليل جمع ليلة، والليالي جمع الجمع. والنهار جمعه نهر ~~وقدم الليل على النهار في الذكر لأنه أقدم منه قال الله تعالى # وءاية لهم اليل نسلخ منه النهار # [يس: 37]. # { والفلك التى تجرى فى البحر } يعني السفن واحده وجمعه ~~سواء فإذا أريد به الجمع يؤنث وفي الواحد يذكر قال الله تعالى: في ~~الواحد والتذكير # إذ أبق إلى الفلك المشحون # [الصافات: 140] وقال في الجمع والتأنيث # حتى إذا كنتم فى الفلك وجرين بهم بريح ~~طيبة # [يونس: 22]. # { والفلك التى تجرى ms0130 فى البحر } الآية في الفلك تسخيرها ~~وجريانها على وجه الماء وهي موقرة لا ترسب تحت الماء { بما ينفع ~~الناس } يعني ركوبها والحمل عليها في التجارات والمكاسب وأنواع ~~المطالب { ومآ أنزل الله من السمآء من مآء } يعني ~~المطر قيل: أراد بالسماء السحاب، يخلق الله الماء في السحاب ثم من السحاب ~~ينزل وقيل أراد به السماء المعروفة يخلق الله تعالى الماء في السماء ثم ~~ينزل من السماء إلى السحاب ثم من السحاب ينزل إلى الأرض { فأحيا به ~~} أي بالماء { الأرض بعد موتها } أي بعد يبوستها وجدوبتها { ~~وبث فيها } أي فرق فيها { من كل دآبة وتصريف ~~الريح }. # قرأ حمزة والكسائي الريح بغير ألف وقرأ الباقون بالألف وكل ريح في ~~القرآن ليس فيها ألف ولا لام اختلفوا في جمعها وتوحيدها إلا في الذاريات: # الريح العقيم # [الذاريات: 41] اتفقوا على توحيدها وفي الحرف الأول من سورة الروم: # الرياح مبشرات # [الروم: 46] اتفقوا على جمعها، وقرأ أبو جعفر سائرها على الجمع، والقراء ~~مختلفون فيها، والريح يذكر ويؤنث، وتصريفها أنها تتصرف إلى الجنوب ~~والشمال والقبول والدبور والنكباء. # وقيل: تصريفها أنها تارة تكون لينا وتارة تكون عاصفا وتارة تكون حارة ~~وتارة تكون باردة قال ابن عباس: أعظم جنود الله الريح والماء وسميت الريح ~~ريحا لأنها تريح النفوس قال شريح القاضي: ما هبت ريح إلا لشفاء سقيم أو ~~لسقم صحيح والبشارة في ثلاث من الرياح في الصبا والشمال والجنوب أما ~~الدبور فهي الريح العقيم لا بشارة فيها وقيل: الرياح ثمانية: أربعة ~~للرحمة وأربعة للعذاب. فأما التي للرحمة المبشرات والناشرات والذاريات ~~والمرسلات وأما التي للعذاب فالعقيم والصرصر في البر والعاصف والقاصف في ~~البحر { والسحاب المسخر } أي الغيم المذلل سمي سحابا لأنه ~~ينسحب أي يسير في سرعة كأنه يسحب أي يجر { بين السمآء والأرض ~~لأيت لقوم يعقلون } فيعلمون أن لهذه الأشياء خالقا ~~وصانعا قال وهب بن منبه: ثلاثة لا يدرى من أين تجيء الرعد والبرق ~~والسحاب. ### || [2.165-167] # قوله تعالى: { ومن الناس من يتخذ من دون الله ~~أندادا } أي أصناما يعبدونها { يحبونهم كحب الله ms0131 } أي ~~يحبون آلهتهم كحب المؤمنين الله، وقال الزجاج: يحبون الأصنام كما يحبون ~~الله لأنهم أشركوها مع الله فسووا بين الله وبين أوثانهم في المحبة { ~~والذين ءامنوا أشد حبا لله } أي أثبت وأدوم على حبه ~~لأنهم لا يختارون على الله ما سواه والمشركون إذا اتخذوا صنما ثم رأوا ~~أحسن منه طرحوا الأول واختاروا الثاني قال قتادة: إن الكافر يعرض عن ~~معبوده في وقت البلاء ويقبل على الله تعالى كما أخبر الله عز وجل عنهم ~~فقال: # فإذا ركبوا فى الفلك دعوا الله مخلصين له ~~الدين # [العنكبوت: 65] والمؤمن لا يعرض عن الله في السراء والضراء والشدة ~~والرخاء. # قال سعيد بن جبير: إن الله عز وجل يأمر يوم القيامة من أحرق نفسه في ~~الدنيا على رؤية الأصنام أن يدخلوا جهنم مع أصنامهم فلا يدخلون لعلمهم أن ~~عذاب جهنم على الدوام، ثم يقول للمؤمنين وهم بين أيدي الكفار: «إن كنتم ~~أحبائي فادخلوا جهنم» فيقتحمون فيها فينادي مناد من تحت العرش { ~~والذين ءامنوا أشد حبا لله } وقيل إنما قال { ~~والذين ءامنوا أشد حبا لله } لأن الله تعالى أحبهم ~~أولا ثم أحبوه ومن شهد له المعبود بالمحبة كانت محبته أتم قال الله ~~تعالى: # يحبهم ويحبونه # [المائدة: 54]. # قوله تعالى: { ولو يرى الذين ظلموا } قرأ نافع وابن عامر ~~ويعقوب ولو ترى بالتاء وقرأ الآخرون بالياء وجواب لو هاهنا محذوف ومثله ~~كثير في القرآن كقوله تعالى # ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به # [الرعد: 31] يعني لكان هذا القرآن فمن قرأ بالتاء معناه ولو ترى يا محمد ~~الذين ظلموا أنفسهم من شدة العذاب لرأيت أمرا عظيما، قيل: معناه قل يا ~~محمد: أيها الظالم لو ترى الذين ظلموا أو أشركوا في شدة العقاب لرأيت ~~أمرا فظيعا، ومن قرأ بالياء معناه ولو يرى الذين ظلموا أنفسهم عند رؤية ~~العذاب أو لو رأوا شدة عذاب الله وعقوبته حين يرون العذاب لعرفوا مضرة ~~الكفر وأن ما اتخذوا من الأصنام لا ينفعهم. # قوله تعالى: { إذ يرون } قرأ ابن عامر بضم الياء والباقون بفتحها ~~{ العذاب ms0132 أن القوة لله جميعا وأن الله شديد ~~العذاب } أي بأن القوة لله جميعا معناه لرأوا وأيقنوا أن القوة لله ~~جميعا. # وقرأ أبو جعفر ويعقوب إن القوة و إن الله بكسر الألف على الاستئناف ~~والكلام تام عند قوله { إذ يرون العذاب } مع إضمار الجواب { ~~إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ~~ورأوا العذاب } هذا في يوم القيامة / حين يجمع الله القادة ~~والأتباع فيتبرأ بعضهم من بعض، هذا قول أكثر المفسرين، وقال السدي: هم ~~الشياطين يتبرأون من الإنس { وتقطعت بهم } أي عنهم { ~~الأسباب } أي الوصلات التي كانت بينهم في الدنيا من القرابات ~~والصداقات وصارت مخالتهم عداوة، وقال ابن جريج: الأرحام كما قال ~~الله تعالى: # فلا أنساب بينهم يومئذ # [المؤمنون: 101] وقال السدي: يعني الأعمال التي كانوا يعملونها في ~~الدنيا كما قال الله تعالى: # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # [الفرقان: 23]. # وأصل السبب ما يوصل به إلى الشيء من ذريعة أو قرابة أو مودة ومنه يقال ~~للحبل سبب وللطريق سبب. # { وقال الذين اتبعوا } يعني الأتباع { لو أن لنا ~~كرة } أي رجعة إلى الدنيا { فنتبرأ منهم } أي من ~~المتبوعين { كما تبرءوا منا } اليوم { كذلك } أي كما ~~أراهم العذاب كذلك { يريهم الله } وقيل كتبرىء بعضهم من بعض يريهم ~~الله { أعملهم حسرت } ندامات { عليهم } جمع حسرة قيل ~~يريهم الله ما ارتكبوا من السيئات فيتحسرون لم عملوا، وقيل يريهم ما ~~تركوا من الحسنات فيندمون على تضييعها وقال ابن كيسان: إنهم أشركوا بالله ~~الأوثان رجاء أن تقربهم إلى الله عز وجل، فلما عذبوا على ما كانوا يرجون ~~ثوابه تحسروا وندموا. قال السدي: ترفع لهم الجنة فينظرون إليها وإلى ~~بيوتهم فيها لو أطاعوا الله فيقال لهم تلك مساكنكم لو أطعتم الله، ثم ~~تقسم بين المؤمنين فذلك حين يندمون ويتحسرون { وما هم بخرجين ~~من النار }. ### || [2.168-169] # قوله تعالى: { يأيها الناس كلوا مما فى الأرض ~~حللا طيبا } نزلت في ثقيف وخزاعه وعامر بن صعصعة وبني مدلج فيما ~~حرموا على أنفسهم من الحرث والأنعام والبحيرة والسائبة والوصيلة والحام، ~~فالحلال ما ms0133 أحله الشرع طيبا، قيل: ما يستطاب ويستلذ، والمسلم يستطيب ~~الحلال ويعاف الحرام، وقيل الطيب الطاهر { ولا تتبعوا خطوت ~~الشيطن } قرأ أبو جعفر وابن عامر والكسائي وحفص ويعقوب بضم الطاء ~~والباقون بسكونها وخطوات الشيطان آثاره وزلاته، وقيل هي النذر في ~~المعاصي. وقال أبو عبيدة: هي المحقرات من الذنوب. وقال الزجاج: طرقه { ~~إنه لكم عدو مبين } بين العداوة وقيل مظهر العداوة، وقد ~~أظهر عداوته بإبائه السجود لآدم وغروره إياه حين أخرجه من الجنة. # وأبان يكون لازما ومتعديا ثم ذكر عداوته فقال: # { إنما يأمركم بالسوء } أي بالإثم وأصل السوء ما يسوء ~~صاحبه وهو مصدر ساء يسوء سوأ ومساءة أي أحزنه، وسوأته فساء أي حزنته ~~فحزن { والفحشآء } المعاصي وما قبح من القول والفعل وهو مصدر ~~كالسراء والضراء. روى باذان عن ابن عباس قال: الفحشاء من المعاصي ما يجب ~~فيه الحد والسوء من الذنوب ما لا حد فيه. وقال السدي: هي الزنا وقيل هي ~~البخل { وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } من تحريم ~~الحرث والأنعام. ### || [2.170-171] # قوله تعالى: { وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله } ~~قيل هذه قصة مستأنفة والهاء والميم في لهم كناية عن غير مذكور. وروي عن ~~ابن عباس قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود إلى الإسلام، ~~فقال رافع بن خارجة ومالك بن عوف قالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، ~~أي ما وجدنا عليه آباءنا فهم كانوا خيرا وأعلم منا، فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية، وقيل الآية متصلة بما قبلها وهي نازلة في مشركي العرب وكفار ~~قريش والهاء والميم عائدة إلى قوله # ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا # [البقرة: 165] { قالوا بل نتبع مآ ألفينا } أي ما وجدنا ~~{ عليه ءابآءنآ } من عبادة الأصنام، وقيل معناه: وإذا قيل لهم ~~اتبعوا ما أنزل الله في تحليل ما حرموا على أنفسهم من الحرث والأنعام ~~والبحيرة والسائبة. والهاء والميم عائدة إلى الناس في قوله تعالى: { ~~ياأيها الناس كلوا } { قالوا بل نتبع } قرأ ~~الكسائي: بل نتبع بإدغام اللام في النون. وكذلك يدغم ms0134 لام هل وبل في التاء ~~والثاء والزاي والسين والصاد والطاء والظاء ووافق حمزة في التاء والثاء ~~والسين { مآ ألفينا } ما وجدنا { عليه آبآءنآ } من التحريم ~~والتحليل. # قال تعالى: { أولو كان ءاباؤهم } أي كيف يتبعون آباءهم ~~وآباؤهم { لا يعقلون شيئا } الواو في «أولو» واو العطف، ~~ويقال لها واو التعجب دخلت عليها ألف الاستفهام للتوبيخ والمعنى أيتبعون ~~آباءهم وإن كانوا جهالا لا يعقلون شيئا، لفظه عام ومعناه الخصوص. أي لا ~~يعقلون شيئا من أمور الدين لأنهم كانوا يعقلون أمر الدنيا { ولا ~~يهتدون } ثم ضرب الله مثلا فقال جل ذكره: # { ومثل الذين كفروا كمثل الذى ينعق بما لا ~~يسمع } والنعيق والنعق صوت الراعي بالغنم معناه مثلك يا محمد ومثل ~~الكفار في وعظهم ودعائهم إلى الله عز وجل كمثل الراعي الذي ينعق بالغنم، ~~وقيل: مثل واعظ الكفار وداعيهم معهم كمثل الراعي ينعق بالغنم وهي لا تسمع ~~{ إلا دعآء } صوتا { وندآء } فأضاف المثل إلى الذين كفروا ~~لدلالة الكلام عليه كما في قوله تعالى # وسئل القرية # [يوسف: 82] معناه كما أن البهائم تسمع صوت الراعي ولا تفهم ولا تعقل ما ~~يقال لها، كذلك الكافر لا ينتفع بوعظك إنما يسمع صوتك. وقيل: معناه: ومثل ~~الذين كفروا في قلة عقلهم وفهمهم عن الله وعن رسوله كمثل المنعوق به من ~~البهائم التي لا تفقه من الأمر والنهي إلا الصوت فيكون المعنى للمنعوق به ~~والكلام خارج عن الناعق وهو فاش في كلام العرب يفعلون ذلك و يقلبون ~~الكلام لايضاح المعنى عندهم، يقولون فلان يخافك خوف الأسد، أي كخوفه ~~الأسد. وقال تعالى # مآ إن مفاتحه لتنوأ بالعصبة # [القصص: 76] وإنما العصبة تنوء بالمفاتيح وقيل معناه مثل الذين كفروا في ~~دعاء الأصنام التي لا تفقه ولا تعقل كمثل الناعق بالغنم فلا ينتفع من ~~نعيقه بشيء غير أنه في عناء من الدعاء والنداء، كذلك الكافر ليس له من ~~دعاء الآلهة وعبادتها إلا العناء والبلاء كما قال تعالى # إن تدعوهم لا يسمعوا دعآءكم ولو سمعوا ما ~~استجابوا لكم # [فاطر: 14]. # وقيل معنى الآية ومثل الذين كفروا في ms0135 دعاء الأوثان كمثل الذي يصيح في ~~جوف الجبال فيسمع صوتا يقال له: الصدى لا يفهم منه شيئا، فمعنى الآية ~~كمثل الذي ينفق بما لا يسمع منه الناعق إلا دعاء ونداء { صم } تقول ~~العرب لمن لا يسمع ولا يعقل: كأنه أصم { بكم } عن الخير لا يقولونه { ~~عمى } عن الهدى لا يبصرونه { فهم لا يعقلون }. ### || [2.172-173] # قوله تعالى { يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات } ~~من حلالات { ما رزقناكم }. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي شريح ~~أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي أخبرنا علي بن ~~الجعد أخبرنا فضيل بن مرزوق عن عدي بن ثابت عن أبي حازم عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ياأيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب وإن الله أمر المؤمنين ~~بما أمر به المرسلين فقال:«يا أيها الرسل كلوا من ~~الطيبات واعملوا صلحا» [المؤمنون: 51] وقال { يا أيها ~~الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقنكم } ثم ذكر ~~الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ~~ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك ". # { واشكروا لله } على نعمه { إن كنتم إياه تعبدون ~~} ثم بين المحرمات فقال: { إنما حرم عليكم الميتة } ~~قرأ أبو جعفر الميتة في كل القرآن بالتشديد والباقون يشددون البعض. ~~والميتة كل ما لم تدرك ذكاته مما يذبح { والدم } أراد به الدم الجاري ~~يدل عليه قوله تعالى # أو دما مسفوحا # [الأنعام: 145] واستثنى الشرع من الميتة السمك والجراد ومن الدم الكبد ~~والطحال فأحلها. # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ~~أخبرنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع بن سليمان أخبرنا الشافعي أخبرنا ~~عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " أحلت لنا ميتتان ودمان، الميتتان الحوت والجراد، والدمان، أحسبه ~~قال: الكبد والطحال " # { ولحم الخنزير } أراد به جميع أجزائه فعبر عن ذلك باللحم ms0136 لأنه ~~معظمه { ومآ أهل به لغير الله } أي ما ذبح للأصنام ~~والطواغيت، وأصل الإهلال رفع الصوت. وكانوا إذا ذبحوا لآلهتهم يرفعون ~~أصواتهم بذكرها فجرى ذلك من أمرهم حتى قيل لكل ذابح وإن لم يجهر بالتسمية ~~مهل. وقال الربيع بن أنس وغيره { ومآ أهل به لغير الله } ~~قال ما ذكر عليه اسم غير الله. # { فمن اضطر } بكسر النون وأخواته قرأ عاصم وحمزة، ووافق أبو عمرو ~~إلا في اللام والواو مثل # قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن # [الإسراء: 110] ويعقوب إلا في الواو، ووافق ابن عامر في التنوين، ~~والباقون كلهم بالضم، فمن كسر قال: لأن الجزم يحرك إلى الكسر، ومن ضم ~~فلضمة أول الفعل نقل حركتها إلى ما قبلها، وأبو جعفر بكسر الطاء ومعناه ~~فمن اضطر إلى أكل ميتة أي أحوج وألجىء إليه { غير } نصب على الحال، ~~وقيل: على الاستثناء وإذا رأيت (غير) يصلح في موضعها (لا) فهي حال، وإذا ~~صلح في موضعها (إلا) فهي استثناء { باغ ولا عاد } أصل البغي قصد ~~الفساد، يقال: بغى الجرح يبغي بغيا إذا ترامى إلى الفساد، وأصل العدوان ~~الظلم ومجاوزة الحد يقال عدا عليه عدوا وعدوانا إذا ظلم واختلفوا في ~~معنى قوله { غير باغ ولا عاد } فقال بعضهم { غير باغ } أي: ~~غير خارج على السلطان، ولا عاد: متعد عاص بسفره، بأن خرج لقطع الطريق ~~أو الفساد في الأرض. # وهو قول ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير. وقالوا لا يجوز للعاصي بسفره أن ~~يأكل الميتة إذا اضطر إليها ولا أن يترخص المسافر حتى يتوب، وبه قال ~~الشافعي رحمه الله: لأن إباحته له إعانة له على فساده، وذهب جماعة إلى أن ~~البغي والعدوان راجعان إلى الأكل واختلفوا في تفصيله. فقال الحسن وقتادة ~~{ غير باغ } لا تأكله من غير اضطرار { ولا عاد } أي لا يعدو ~~لشبعه. وقيل: { غير باغ } أي غير طالبها وهو يجد غيرها، { ولا ~~عاد } أي غير متعد ما حد له فما يأكل حتى يشبع ولكن يأكل منها قوتا ~~مقدار ما يمسك رمقه. وقال مقاتل بن حيان { غير ms0137 باغ } أي مستحل لها { ~~ولا عاد } أي متزود منها. وقيل: { غير باغ } أي غير مجاوز للقدر ~~الذي أحل له { ولا عاد } أي لا يقصر فيما أبيح له فيدعه قال مسروق: ~~من اضطر إلى الميتة والدم ولحم الخنزير فلم يأكل ولم يشرب حتى مات دخل ~~النار. # واختلف العلماء في مقدار ما يحل للمضطر أكله من الميتة، فقال بعضهم ~~مقدار ما يسد رمقه. وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه وأحد قولي الشافعي ~~رضي الله عنه. والقول الآخر يجوز أن يأكل حتى يشبع وبه قال مالك رحمه ~~الله تعالى. وقال سهل بن عبد الله { غير باغ } مفارق للجماعة { ~~ولا عاد } مبتدع مخالف للسنة ولم يرخص للمبتدع في تناول المحرم عند ~~الضرورة { فلا إثم عليه } أي فلا حرج عليه في أكلها { إن ~~الله غفور } لمن أكل في حال الاضطرار { رحيم } حيث رخص للعباد ~~في ذلك. ### || [2.174-177] # قوله تعالى: { إن الذين يكتمون مآ أنزل الله من ~~الكتب } «نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم كانوا يصيبون من سفلتهم ~~الهدايا والمآكل وكانوا يرجون أن يكون النبي المبعوث منهم، فلما بعث محمد ~~صلى الله عليه وسلم من غيرهم خافوا ذهاب مأكلهم وزوال رياستهم، فعمدوا ~~إلى صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فغيروها ثم أخرجوها إليهم، فلما ~~نظرت السفلة إلى النعت المغير وجدوه مخالفا لصفة محمد صلى الله عليه ~~وسلم فلم يتبعوه» فأنزل الله تعالى { إن الذين يكتمون مآ ~~أنزل الله من الكتب } يعني صفة محمد صلى الله عليه وسلم ~~ونبوته { ويشترون به } أي بالمكتوم { ثمنا قليلا } أي ~~عوضا يسيرا يعني المآكل التي يصيبونها من سفلتهم { أولئك ما ~~يأكلون في بطونهم إلا النار } يعني إلا ما يؤديهم إلى ~~النار وهو الرشوة والحرام وثمن الدين، فلما كان يفضي ذلك بهم إلى النار ~~فكأنهم أكلوا النار وقيل معناه أنه يصير نارا في بطونهم { ولا ~~يكلمهم الله يوم القيمة } أي لا يكلمهم بالرحمة وبما ~~يسرهم إنما يكلمهم بالتوبيخ. وقيل: أراد به أنه يكون عليهم غضبان، كما ~~يقال: فلان لا يكلم فلانا ms0138 إذا كان عليه غضبان { ولا يزكيهم } أي ~~لا يطهرهم من دنس الذنوب { ولهم عذاب أليم * أولئك ~~الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب ~~بالمغفرة فمآ أصبرهم على النار } قال عطاء والسدي: ~~هو ما: استفهام معناه ما الذي صبرهم على النار وأي شيء يصبرهم على النار ~~حتى تركوا الحق واتبعوا الباطل وقال الحسن وقتادة: والله ما لهم عليها من ~~صبر، ولكن ما أجرأهم على العمل الذي يقربهم إلى النار قال الكسائي: فما ~~أصبرهم على عمل أهل النار أي ما أدومهم عليه { ذلك بأن الله ~~نزل الكتب بالحق } يعني ذلك العذاب بأن الله نزل الكتاب ~~بالحق فأنكروه وكفروا به وحينئذ يكون ذلك في محل الرفع وقال بعضهم محله ~~نصب معناه فعلنا ذلك بهم بأن الله أي لأن الله نزل الكتاب بالحق فاختلفوا ~~فيه وقيل معناه ذلك أي فعلهم الذي يفعلون من الكفر والاختلاف والاجتراء ~~على الله من أجل أن الله نزل الكتاب بالحق وهو قوله تعالى # إن الذين كفروا سوآء عليهم ءأنذرتهم أم لم ~~تنذرهم لا يؤمنون * ختم الله على قلوبهم # [البقرة: 6-7] { وإن الذين اختلفوا في الكتاب } فآمنوا ~~ببعض وكفروا ببعض { لفى شقاق بعيد } أي في خلاف وضلال بعيد. # قوله تعالى: { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل ~~المشرق والمغرب } قرأ حمزة وحفص: ليس البر بنصب الراء ~~والباقون برفعها، فمن رفعها جعل { البر } اسم ليس، وخبره قوله: أن ~~تولوا، تقديره: ليس البر توليتكم وجوهكم. ومن نصب جعل { أن تولوا } ~~في موضع الرفع على اسم ليس تقديره: ليس توليتكم وجوهكم البر كله، كقوله ~~تعالى # ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا # [الجاثية: 25]. # والبر كل عمل خير يفضي بصاحبه إلى الجنة، واختلفوا في المخاطبين بهذه ~~الآية، فقال قوم: عنى بها اليهود والنصارى، وذلك أن اليهود كانت تصلي قبل ~~المغرب إلى بيت المقدس والنصارى قبل المشرق، وزعم كل فريق منهم: أن ~~البر في ذلك، فأخبر الله تعالى أن البر غير دينهم وعملهم ولكنه ما بينه ~~في هذه الآية وعلى هذا القول قتادة ومقاتل بن حيان. وقال الآخرون: ms0139 المراد ~~بها المؤمنون وذلك أن الرجل كان في ابتداء الإسلام قبل نزول الفرائض إذا ~~أتى بالشهادتين وصلى الصلاة إلى أي جهة كانت ثم مات على ذلك وجبت له ~~الجنة. # فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلت الفرائض وحددت الحدود ~~وصرفت القبلة إلى الكعبة أنزل الله هذه الآية فقال: { ليس البر } ~~أي كله أن تصلوا قبل المشرق والمغرب ولا تعملوا على غير ذلك { ~~ولكن البر } ما ذكر في هذه الآية وعلى هذا القول ابن عباس ~~ومجاهد وعطاء والضحاك. { ولكن البر } قرأ نافع وابن عامر ولكن ~~خفيفة النون البر رفع وقرأ الباقون بتشديد النون ونصب البر. # قوله تعالى: { من ءامن بالله } جعل من وهي اسم خبر للبر هو ~~فعل ولا يقال البر زيد واختلفوا في وجهه قيل لما وقع من في موضع المصدر ~~جعله خبرا للبر كأنه قال ولكن البر الإيمان بالله والعرب تجعل اسم ~~خبرا للفعل وأنشد الفراء: # لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللحى # ولكنما الفتيان كل فتى ندي # فجعل نبات اللحى خبرا للفتى وقيل فيه إضمار معناه ولكن البر بر من آمن ~~بالله فاستغنى بذكر الأول عن الثاني كقولهم الجود حاتم أي الجود جود حاتم ~~وقيل معناه ولكن ذا البر من آمن بالله كقوله تعالى: # هم درجات عند الله # [آل عمران: 163] أي ذو درجات وقيل معناه ولكن البار من آمن بالله كقوله ~~تعالى # والعقبة للتقوى # [طه: 132] أي للمتقي والمراد من البر هاهنا الإيمان والتقوى. # { واليوم الأخر والملئكة } كلهم { والكتب } ~~يعني الكتب المنزلة { والنبيين } أجمع { وءاتى المال } أعطى ~~المال { على حبه } اختلفوا في هذه الكناية فقال أكثر أهل التفسير: ~~إنها راجعة إلى المال أي أعطى المال في حال صحته ومحبته المال قال ابن ~~مسعود: أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ~~أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا موسى بن إسماعيل ~~أخبرنا عبد الواحد ثنا عمارة بن القعقاع أنا أبو زرعة أخبرنا أبو ms0140 هريرة ~~قال: # " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أي الصدقة ~~أعظم أجرا؟ قال: «أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا ~~تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان» ". # وقيل: هي عائدة على الله عز وجل أي على حب الله تعالى. # { ذوى القربى } أهل القرابة. # أخبرنا أبو عثمان سعيد بن اسماعيل الضبي أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن ~~محمد الجراحي أخبرنا أبو العباس المحبوبي أخبرنا أبو عيسى الترمذي أخبرنا ~~قتيبة أخبرنا سفيان بن عيينة عن عاصم الأحول عن حفصة بنت سيرين عن الرباب ~~عن عمها سلمان بن عامر يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة ". # قوله تعالى: { واليتمى والمسكين وابن السبيل } ~~قال مجاهد: يعني المسافر المنقطع عن أهله يمر عليك ويقال للمسافر ابن ~~السبيل لملازمته الطريق، وقيل: هو الضيف ينزل بالرجل قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ". # { والسآئلين } يعني الطالبين. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ~~أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن زيد بن أسلم عن ابن بجيد الأنصاري وهو عبد ~~الرحمن بن بجيد عن جدته وهي أم بجيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " ردوا السائل ولو بظلف محرق " # وفي رواية قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن لم تجدي شيئا إلا ظلفا محرقا فادفعيه إليه " # قوله تعالى: { وفي الرقاب } يعني المكاتبين قاله أكثر المفسرين ~~وقيل: عتق النسمة وفك الرقبة وقيل: فداء الأسارى { وأقام الصلوة ~~وءاتى الزكوة } وأعطى الزكاة { والموفون بعهدهم } ~~فيما بينهم وبين الله عز وجل وفيما بينهم وبين الناس { إذا عهدوا ~~} يعني إذا وعدوا أنجزوا، وإذا حلفوا ونذروا أوفوا، وإذا عاهدوا أوفوا، ~~وإذا قالوا صدقوا، وإذا ائتمنوا أدوا، واختلفوا في رفع قوله والموفون قيل ~~هو عطف على خبر معناه ولكن ذا البر المؤمنون والموفون بعهدهم وقيل ms0141 ~~تقديره: وهم الموفون كأنه عد أصنافا ثم قال: هم والموفون كذا، وقيل رفع ~~على الابتداء والخبر يعني وهم الموفون ثم قال { والصابرين } وفي ~~نصبها أربعة أوجه: # قال أبو عبيدة: نصبها على تطاول الكلام ومن شأن العرب أن تغير الإعراب ~~إذا طال الكلام والنسق ومثله في سورة النساء # والمقيمين الصلوة # [النساء: 162] (والصابئون والنصارى)، وقيل معناه أعني الصابرين، وقيل: ~~نصبه نسقا على قوله ذوي القربى أي وأتي الصابرين. # وقال الخليل: نصب على المدح والعرب تنصب الكلام على المدح والذم [كأنهم ~~يريدون إفراد الممدوح والمذموم فلا يتبعونه أول الكلام وينصبونه فالمدح ~~كقوله تعالى: # والمقيمين الصلوة # [النساء: 162]. # والذم كقوله تعالى # ملعونين أينما ثقفوا # [الأحزاب: 61]. # قوله تعالى { فى البأسآء } أي الشدة والفقر { والضرآء } ~~المرض والزمانة { وحين البأس } أي القتال والحرب. # أخبرنا المطهر بن علي بن عبيد الله الفارسي أخبرنا أبو ذر محمد بن ~~إبراهيم الصالحاني أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حبان ~~أخبرنا عبد الله بن محمد البغوي أخبرنا علي بن الجعد أخبرنا زهير عن أبي ~~إسحاق عن حارثة بن مضرب عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كنا ~~إذا احمر البأس ولقي القوم القوم اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه. يعني: إذا اشتد الحرب { أولئك ~~الذين صدقوا } في إيمانهم { وأولئك هم المتقون ~~}. ### || [2.178] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم ~~القصاص } قال الشعبي والكلبي وقتادة: نزلت هذه الآية في حيين من ~~أحياء العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل وكانت بينهما قتلى ~~وجراحات لم يأخذها بعضهم من بعض حتى جاء الإسلام، قال ومقاتل بن حيان: ~~كانت بين بني قريظة والنضير، وقال سعيد بن جبير: كانت بين الأوس والخزرج، ~~قالوا جميعا وكان لأحد الحيين على الآخر طول في الكثرة والشرف وكانوا ~~ينكحون نساءهم بغير مهور فأقسموا: لنقتلن بالعبد منا الحر منهم وبالمرأة ~~منا الرجل منهم وبالرجل منا الرجلين منهم، وجعلوا جراحاتهم ضعفي جراحات ~~اولئك فرفعوا أمرهم إلى النبي صلى الله ms0142 عليه وسلم، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية وأمر بالمساواة فرضوا وأسلموا. # قوله: { كتب عليكم القصاص } أي فرض عليكم القصاص { في ~~القتلى } والقصاص المساواة والمماثلة في الجراحات والديات، وأصله من ~~قص الأثر إذا اتبعه فالمفعول به يتبع ما فعل به فيفعل مثله. # ثم بين المماثلة فقال: { الحر بالحر والعبد بالعبد ~~والأنثى بالأنثى } وجملة الحكم فيه أنه إذا تكافأ الدمان من ~~الأحرار المسلمين أو العبيد من المسلمين أو الأحرار من المعاهدين أو ~~العبيد منهم قتل من كل صنف منهم الذكر إذا قتل بالذكر وبالأنثى، وتقتل ~~الأنثى إذا قتلت بالأنثى وبالذكر، ولا يقتل مؤمن بكافر ولا حر بعبد، ولا ~~والد بولد، ولا مسلم بذمي، ويقتل الذمي بالمسلم، والعبد بالحر، والولد ~~بالوالد. هذا قول أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم. # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ~~أخبرنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع بن سليمان أنا الشافعي أخبرنا ~~سفيان بن عيينة عن مطرف عن الشعبي عن أبي جحيفة قال: «سألت عليا رضي ~~الله عنه هل عندكم عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء سوى القرآن؟ فقال: لا ~~والذي خلق الحبة وبرأ النسمة إلا أن يؤتي الله عبدا فهما في القرآن ~~وما في هذه الصحيفة قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير ~~ولا يقتل مؤمن بكافر». # وروي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تقام الحدود في المساجد، ولا يقاد بالولد الوالد ". # وذهب الشعبي والنخعي وأصحاب الرأي إلى أن المسلم يقتل بالذمي، وإلى أن ~~الحر يقتل بالعبد، والحديث حجة لمن لم يوجب القصاص على المسلم بقتل ~~الذمي، وتقتل الجماعة بالواحد. «روي عن سعيد بن المسيب أن عمر بن ~~الخطاب قتل سبعة أو خمسة برجل قتلوه غيلة، وقال لو تمالأ عليه أهل صنعاء ~~لقتلتهم به جميعا» ويجرى القصاص في الأطراف كما يجري في النفوس إلا في ~~شيء واحد وهو أن الصحيح السوي يقتل بالمريض الزمن، وفي الأطراف لو قطع ~~يدا شلاء أو ناقصة ms0143 بإصبع لا تقطع بها الصحيحة الكاملة، وذهب أصحاب الرأي ~~إلى أن القصاص في الأطراف لا يجري إلا بين حرين أو حرتين ولا يجري بين ~~الذكر والأنثى ولا بين العبيد ولا بين الحر والعبد، وعند الآخرين الطرف ~~في القصاص مقيس على النفس. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ~~أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عبد الله بن منير أنه ~~سمع عبد الله بن بكر السهمي أخبرنا حميد عن أنس ابن النضر أن الربيع ~~عمته كسرت ثنية جارية، فطلبوا إليها العفو، فأبوا فعرضوا الأرش ~~فأبوا فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبوا إلا القصاص، فأمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالقصاص، فقال أنس بن النضر: يا رسول الله أتكسر ~~ثنية الربيع لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " يا أنس كتاب الله القصاص» فرضي القوم فعفوا، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره ". # قوله تعالى: { فمن عفى له من أخيه شىء } أي ترك له ~~وصفح عنه من الواجب عليه وهو القصاص في قتل العمد ورضي بالدية هذا قول ~~أكثر المفسرين، قالوا: العفو أن تقبل الدية في قتل العمد وقوله (من أخيه) ~~أي من دم أخيه وأراد بالأخ المقتول والكنايتان في قوله { له } و { من ~~أخيه } ترجعان إلى من وهو القاتل، وقوله شىء دليل على أن بعض الأولياء ~~إذا عفا يسقط القود لأن شيئا من الدم قد بطل. # قوله تعالى: { فاتباع بالمعروف } أي على الطالب للدية أن ~~يتبع بالمعروف فلا يطالب بأكثر من حقه. # { وأدآء إليه بإحسن } أي على المطلوب منه أداء الدية ~~بالإحسان من غير مماطلة أمر كل واحد منهما بالإحسان فيما له وعليه ~~ومذهب أكثر العلماء من الصحابة والتابعين أن ولي الدم إذا عفا عن القصاص ~~على الدية فله أخذ الدية وإن لم يرض به القاتل، وقال قوم: لا دية له إلا ~~برضاء ms0144 القاتل، وهو قول الحسن والنخعي وأصحاب الرأي، وحجة المذهب الأول ما ~~أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ~~أخبرنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع أخبرنا الشافعي أخبرنا محمد بن ~~إسماعيل بن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي ~~شريح الكعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل وأنا والله عاقله فمن ~~قتل بعده قتيلا فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا العقل ~~". # قوله تعالى: { ذلك تخفيف من ربكم ورحمة } أي ذلك ~~الذي ذكرت من العفو عن القصاص وأخذ الدية تخفيف من ربكم ورحمة، وذلك أن ~~القصاص في النفس والجراح كان حتما في التوراة على اليهود ولم يكن لهم ~~أخذ الدية، وكان في شرع النصارى الدية ولم يكن لهم القصاص، فخير الله ~~تعالى هذه الأمة بين القصاص وبين العفو عن الدية تخفيفا منه ورحمة. # { فمن اعتدى بعد ذلك } فقتل الجاني بعد العفو وقبول الدية ~~{ فله عذاب أليم } وهو أن يقتل قصاصا، قال ابن جريج: يتحتم ~~قتله حتى لا يقبل العفو، وفي الآية دليل على أن القاتل لا يصير كافرا ~~بالقتل، لأن الله تعالى خاطبه بعد القتل بخطاب الإيمان فقال: { يا ~~أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص } وقال في آخر ~~الآية { فمن عفى له من أخيه شىء } وأراد به أخوة ~~الإيمان، فلم يقطع الأخوة بينهما بالقتل. ### || [2.179] # قوله تعالى: { ولكم في القصاص حيوة } أي بقاء وذلك أن ~~القاصد للقتل إذا علم أنه إذا قتل يقتل يمتنع عن القتل، فيكون فيه بقاؤه ~~وبقاء من هم بقتله، وقيل في المثل: «القتل قلل القتل» وقيل في المثل: ~~«القتل أنفى للقتل»، وقيل معنى الحياة سلامته من قصاص الآخرة، فإنه إذا ~~اقتص منه حيي في الآخرة، وإذا لم يقتص منه في الدنيا اقتص منه في الآخرة ~~{ يأولي الألبب لعلكم تتقون } أي تنتهون عن القتل ~~مخافة القود. ### || [2.180] # قوله تعالى: { كتب عليكم } أي ms0145 فرض عليكم { إذا حضر ~~أحدكم الموت } أي جاء أسباب الموت وآثاره من العلل والأمراض { ~~إن ترك خيرا } أي مالا نظيره قوله تعالى # وما تنفقوا من خير # [البقرة: 272] { الوصية للولدين والأقربين } كانت ~~الوصية فريضة في ابتداء الإسلام للوالدين والأقربين على من مات وله مال ~~ثم نسخت بآية الميراث. # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أخبرنا أبو طاهر محمد بن ~~محمد بن محمش الزيادي أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص التاجر أخبرنا ~~محمد بن أحمد بن الوليد أخبرنا الهيثم بن جميل أخبرنا حماد بن سلمة عن ~~قتادة عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن عمرو بن خارجة قال: كنت ~~آخذا بزمام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: # " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث " # فذهب جماعة إلى أن وجوبها صار منسوخا في حق الأقارب الذين يرثون وبقي ~~وجوبها في حق الذين لا يرثون من الوالدين والأقارب، وهو قول ابن عباس ~~وطاووس وقتادة والحسن قال طاووس: من أوصى لقوم سماهم وترك ذوي قرابته ~~محتاجين انتزعت منهم وردت إلى ذوي قرابته، وذهب الأكثرون إلى أن الوجوب ~~صار منسوخا في حق الكافة وهي حتمية في حق الذين لا يرثون. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا طاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ~~أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " ما حق امرىء مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند ~~رأسه " # قوله تعالى: { بالمعروف } يريد يوصي بالمعروف ولا يزيد على الثلث ~~ولا يوصي للغني ويدع الفقير، قال ابن مسعود: الوصية للأخل فالأخل أي ~~الأحوج فالأحوج. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري ~~أخبرنا أبو جعفر محمد بن علي بن رحيم الشيباني أخبرنا أحمد بن حازم بن ~~أبي غرزه أخبرنا عبيد الله بن موسى وأبو نعيم عن سفيان الثوري عن سعيد بن ~~إبراهيم عن عامر ms0146 بن سعيد # " عن سعد بن مالك قال: جاءني النبي صلى الله عليه وسلم يعودني فقلت يا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصي بمالي كله؟ قال لا قلت: فالشطر؟ قال ~~لا، قلت: فالثلث؟ قال: «الثلث والثلث كثير إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير ~~من أن تدعهم عالة يتكففون الناس بأيديهم» ". # وعن ابن أبي مليكة أن رجلا قال لعائشة رضي الله عنها: إني أريد أن ~~أوصي، قالت كم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف. قالت: كم عيالك؟ قال: أربعة، قالت: ~~إنما قال الله { إن ترك خيرا } وإن هذا شيء يسير فاترك لعيالك. # وقال علي رضي الله عنه: لأن أوصي بالخمس أحب إلي من أن أوصي بالربع ولأن ~~أوصي بالربع أحب إلي من أن أوصي بالثلث فمن أوصى بالثلث فلم يترك. وقال ~~الحسن البصري رضي الله عنه يوصي بالسدس أو الخمس أو الربع، وقال الشعبي ~~إنما كانوا يوصون بالخمس أو الربع. # قوله تعالى: { حقا } نصب على المصدر وقيل على المفعول أي جعل ~~الوصية حقا { على المتقين }: المؤمنين. ### || [2.181] # قوله تعالى: { فمن بدله } أي غير الوصية عن الأوصياء أو ~~الأولياء أو الشهود { بعدما سمعه } أي بعد ما سمع قول الموصي، ~~ولذلك ذكر الكناية مع كون الوصية مؤنثة، قيل الكناية راجعة إلى الإيصاء ~~كقوله تعالى: # فمن جآءه موعظة من ربه # [البقرة: 275] رد الكناية إلى الوعظ { فإنمآ إثمه على ~~الذين يبدلونه } والميت بريء منه { إن الله سميع } ~~لما أوصى به الموصي { عليم } بتبديل المبدل، أو سميع لوصيته عليم ~~بنيته. ### || [2.182-183] # قوله تعالى: { فمن خاف } أي علم، كقوله تعالى: # فإن خفتم ألا يقيما حدود الله # [البقرة: 229] أي علمتم { من موص } قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر ~~ويعقوب بفتح الواو وتشديد الصاد، كقوله تعالى: # ما وصى به نوحا # [الشورى: 13] # ووصينا الإنسان # [العنكبوت: 8] وقرأ الآخرون بسكون الواو وتخفيف الصاد، كقوله تعالى: # يوصيكم الله في أولدكم # [النساء: 11] # من بعد وصية يوصى بهآ أو دين # [النساء: 12] { جنفا } أي جورا وعدولا عن الحق، والجنف: الميل { ~~أو إثما } أي ظلما، وقال السدي وعكرمة والربيع: الجنف ms0147 الخطأ ~~والإثم العمد { فأصلح بينهم فلا إثم عليه } واختلفوا ~~في معنى الآية، قال مجاهد: معناها أن الرجل إذا حضر مريضا وهو يوصي فرآه ~~يميل إما بتقصير أو إسراف، أو وضع الوصية في غير موضعها فلا حرج على من ~~حضره أن يأمره بالعدل وينهاه عن الجنف فينظر للموصى وللورثة، وقال ~~الآخرون: إنه أراد به أنه إذا أخطأ الميت في وصيته أو جار متعمدا فلا ~~حرج على وليه أو وصيه أو والي أمور المسلمين أن يصلح بعد موته بين ورثته ~~وبين الموصى لهم، ويرد الوصية إلى العدل والحق، فلا إثم عليه أي فلا حرج ~~عليه { إن الله غفور رحيم } وقال طاووس: جنفه توليجه، وهو ~~أن يوصي لبني بنيه يريد ابنه ولولد ابنته ولزوج ابنته يريد بذلك ابنته. # قال الكلبي: كان الأولياء والأوصياء يمضون وصية الميت بعد نزول قوله ~~تعالى: «فمن بدله بعد ما سمعه» الآية وإن استغرق المال كله ولم يبق ~~للورثة شيء، ثم نسخها قوله تعالى: «فمن خاف من موص جنفا» الآية، قال ~~ابن زيد: فعجز الموصي أن يوصي للوالدين والأقربين كما أمر الله تعالى، ~~وعجز الموصي أن يصلح فانتزع الله تعالى ذلك منهم ففرض الفرائض. # روي عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الرجل ليعمل أو المرأة بطاعة الله ستين سنة، ثم يحضرهما الموت ~~فيضاران في الوصية فتجب لهما النار " # ثم قرأ أبو هريرة (من بعد وصية يوصي بها أو دين) إلى قوله (غير مضار). # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم ~~الصيام } أي فرض وأوجب، والصوم والصيام في اللغة الإمساك يقال صام ~~النهار إذا اعتدل وقام قائم الظهيرة لأن الشمس إذا بلغت كبد السماء وقفت ~~وأمسكت عن السير سويعة ومنه قوله تعالى: # فقولى إنى نذرت للرحمن صوما # [مريم: 26] أي صمتا لأنه إمساك عن الكلام، وفي الشريعة الصوم هو ~~الإمساك عن الأكل والشرب والجماع مع النية في وقت مخصوص { كما كتب ~~على الذين من قبلكم } من الأنبياء والأمم، واختلفوا في هذا ~~التشبيه قال سعيد ms0148 ابن جبير: كان صوم من قبلنا من العتمة إلى الليلة ~~القابلة كما كان في ابتداء الإسلام. # وقال جماعة من أهل العلم: أراد أن صيام رمضان كان واجبا على النصارى ~~كما فرض علينا فربما كان يقع في الحر الشديد والبرد الشديد، وكان يشق ~~عليهم في أسفارهم ويضرهم في معايشهم، فاجتمع رأي علمائهم ورؤسائهم على أن ~~يجعلوا صيامهم في فصل من السنة بين الشتاء والصيف، فجعلوه في الربيع ~~وزادوا فيه عشرة أيام كفارة لما صنعوا فصار أربعين، ثم إن ملكهم اشتكى ~~فمه فجعل لله عليه إن هو بريء من وجعه أن يزيد في صومهم. أسبوعا فبرىء ~~فزاد فيه أسبوعا ثم مات ذلك الملك ووليهم ملك آخر فقال: أتموه خمسين ~~يوما، وقال مجاهد: أصابهم موتان، فقالوا زيدوا في صيامكم فزادوا عشرا ~~قبل وعشرا بعد قال الشعبي: لو صمت السنة كلها لأفطرت اليوم الذي يشك ~~فيه، فيقال من شعبان ويقال من رمضان، وذلك أن النصارى فرض عليهم شهر ~~رمضان فصاموا قبل الثلاثين يوما وبعدها يوما، ثم لم يزل القرن الآخر ~~يستن بسنة القرن الذي قبله حتى صاروا إلى خمسين يوما، فذلك قوله تعالى: ~~{ كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون } ~~يعني بالصوم لأن الصوم وصلة إلى التقوى لما فيه من قهر النفس وكسر ~~الشهوات، وقيل:لعلكم تحذرون عن الشهوات من الأكل والشرب والجماع. ### || [2.184-185] # { أياما معدودت } قيل: كان في ابتداء الإسلام صوم ثلاثة ~~أيام من كل شهر واجبا، وصوم يوم عاشوراء فصاموا كذلك من الربيع إلى شهر ~~رمضان سبعة عشر شهرا، ثم نسخ بصوم رمضان قال ابن عباس: أول ما نسخ بعد ~~الهجرة أمر القبلة والصوم، ويقال: نزل صوم شهر رمضان قبل بدر بشهر وأيام، ~~قال محمد بن إسحاق كانت غزوة بدر يوم الجمعة لسبع عشر ليلة خلت من شهر ~~رمضان على رأس ثمانية عشر شهرا من الهجرة. # حدثنا أبو الحسن الشيرازي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحق الهاشمي ~~أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم ms0149 المؤمنين ~~أنها قالت: «كان يوم عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية، فلما قدم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة صامه وأمر الناس بصيامه، فلما فرض ~~رمضان كان هو الفريضة وترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تركه». # وقيل المراد من قوله { أياما معدودت } شهر رمضان وهي غير ~~منسوخة ونصب أياما على الظرف، أي: في أيام معدودات، وقيل: على التفسير، ~~وقيل: على هو خبر ما لم يسم فاعله { فمن كان منكم مريضا أو ~~على سفر فعدة } أي فأفطر فعدة { من أيام أخر } أي ~~فعليه عدة، والعدد والعدة واحد { من أيام أخر } أي غير أيام ~~مرضه وسفره، وأخر في موضع خفض لكنها لا تنصرف فلذلك نصب. # قوله تعالى: { وعلى الذين يطيقونه } اختلف العلماء في ~~تأويل هذه الآية وحكمها فذهب أكثرهم إلى أن الآية منسوخة، وهو قول ابن ~~عمر وسلمة بن الأكوع وغيرهما، وذلك أنهم كانوا في ابتداء الإسلام مخيرين ~~بين أن يصوموا وبين أن يفطروا ويفدوا، خيرهم الله تعالى لئلا يشق عليهم ~~لأنهم كانوا لم يتعودوا الصوم، ثم نسخ التخيير ونزلت العزيمة بقوله ~~تعالى: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } وقال قتادة: هي ~~خاصة في حق الشيخ الكبير الذي يطيق الصوم، ولكن يشق عليه رخص له في أن ~~يفطر ويفدي ثم نسخ. وقال الحسن: هذا في المريض الذي به ما يقع عليه اسم ~~المرض وهو مستطيع للصوم خير بين أن يصوم وبين أن يفطر أو يفدي، ثم نسخ ~~بقوله تعالى: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه }. # وثبتت الرخصة للذين لا يطيقون، وذهب جماعة إلى أن الآية محكمة غير ~~منسوخة، ومعناه: وعلى الذين كانوا يطيقونه في حال الشباب فعجزوا عنه بعد ~~الكبر فعليهم الفدية بدل الصوم، وقرأ ابن عباس: { وعلى الذين ~~يطوقونه } بضم الياء وفتح الطاء وتخفيفها وفتح الواو وتشديدها، أي ~~يكلفون الصوم وتأويله على الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان ~~الصوم، والمريض الذي لا يرجى زوال مرضه فهم يكلفون الصوم ولا يطيقونه، ~~فلهم أن يفطروا ويطعموا مكان كل يوم مسكينا وهو قول ms0150 سعيد بن جبير، وجعل ~~الآية محكمة. # قوله تعالى: { فدية طعام مسكين } قرأ أهل المدينة والشام ~~مضافا، وكذلك في المائدة: «كفارة طعام» أضاف الفدية إلى الطعام، وإن ~~كان واحدا لاختلاف اللفظين، كقوله تعالى # وحب الحصيد # [ق: 9] وقولهم مسجد الجامع وربيع الأول، وقرأ الآخرون: فدية وكفارة ~~منونة، و طعام رفع وقرأ مساكين بالجمع هنا أهل المدينة والشام، ~~والآخرون على التوحيد، فمن جمع نصب النون ومن وحد خفض النون ونونها، ~~والفدية: الجزاء، ويجب أن يطعم مكان كل يوم مسكينا مدا من الطعام ~~بمد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو رطل وثلث من غالب قوت البلد، هذا قول ~~فقهاء الحجاز، وقال بعض فقهاء أهل العراق: عليه لكل مسكين نصف صاع لكل ~~يوم يفطر، وقال بعضهم: نصف صاع من القمح أو صاع من غيره، وقال بعض ~~الفقهاء ما كان المفطر يتقوته يومه الذي أفطره، وقال ابن عباس: يعطي كل ~~مسكين عشاءه وسحوره. # { فمن تطوع خيرا فهو خير له } أي: زاد على مسكين ~~واحد فأطعم مكان كل يوم مسكينين فأكثر، قاله مجاهد وعطاء وطاووس، وقيل: ~~من زاد على القدر الواجب عليه فأعطى صاعا وعليه مد فهو خير له. # { وأن تصوموا خير لكم } فمن ذهب إلى النسخ قال معناه الصوم ~~خير له من الفدية، وقيل: هذا في الشيخ الكبير لو تكلف الصوم وإن شق عليه ~~خير له من أن يفطر ويفدي { إن كنتم تعلمون } واعلم أنه لا رخصة ~~لمؤمن مكلف في إفطار رمضان إلا لثلاثة: أحدهم يجب عليه القضاء والكفارة، ~~والثاني عليه القضاء دون الكفارة، والثالث: عليه الكفارة دون القضاء أما ~~الذي عليه القضاء والكفارة فالحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما فإنهما ~~تفطران وتقضيان وعليهما مع القضاء الفدية وهو قول ابن عمر وابن عباس، وبه ~~قال مجاهد وإليه ذهب الشافعي رحمه الله، وقال قوم لا فدية عليهما، وبه ~~قال الحسن وعطاء وإبراهيم النخعي والزهري وإليه ذهب الأوزاعي والثوري ~~وأصحاب الرأي، وأما الذي عليه القضاء دون الكفارة فالمريض والمسافر ~~والحائض والنفساء. # وأما الذي عليه الكفارة دون القضاء فالشيخ ms0151 الكبير والمريض الذي لا يرجى ~~زوال مرضه ثم بين الله تعالى أيام الصيام فقال: { شهر رمضان } ~~رفعه على معنى هو شهر رمضان، وقال الكسائي: كتب عليكم شهر رمضان وسمي ~~الشهر شهرا لشهرته، وأما رمضان فقد قال مجاهد: هو اسم من أسماء الله ~~تعالى، يقال شهر رمضان كما يقال شهر الله، والصحيح أنه اسم للشهر سمي به ~~من الرمضاء وهي الحجارة المحماة لأنهم كانوا يصومونه في الحر الشديد ~~فكانت ترمض فيه الحجارة في الحرارة. # قوله تعالى: { الذى أنزل فيه القرآن } سمي القرآن قرآنا ~~لأنه يجمع السور والآي والحروف وجمع فيه القصص والأمر والنهي والوعد ~~والوعيد. # وأصل القرء الجمع وقد يحذف الهمز منه فيقال، قريت الماء في الحوض إذا ~~جمعته، وقرأ ابن كثير: القرآن بفتح الراء غير مهموز، وكذلك كان يقرأ ~~الشافعي ويقول ليس هو من القراءة ولكنه اسم لهذا الكتاب كالتوراة ~~والإنجيل، وروي عن مقسم عن ابن عباس: أنه سئل عن قوله عز وجل { شهر ~~رمضان الذي أنزل فيه القرآن } وقوله: # إنا أنزلناه في ليلة القدر # [القدر: 1] وقوله: # إنآ أنزلنه في ليلة مباركة # [الدخان: 3] وقد نزل في سائر الشهور، وقال عز وجل: # وقرآنا فرقناه # [الإسراء: 106] فقال أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ في ليلة ~~القدر من شهر رمضان إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم نزل به جبريل ~~عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم نجوما في ثلاث وعشرين سنة ~~فذلك قوله تعالى: # فلا أقسم بموقع النجوم # [الواقعة: 75] قال داود بن أبي هند: قلت للشعبي: { شهر رمضان ~~الذي أنزل فيه القرآن } أما كان ينزل في سائر الشهور؟ قال: ~~بلى، ولكن جبرائيل كان يعارض محمدا صلى الله عليه وسلم في رمضان ما نزل ~~إليه فيحكم الله ما يشاء ويثبت ما يشاء، وينسيه ما يشاء. # وروي عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أنزلت صحف إبراهيم عليه السلام في ثلاث ليال مضين من رمضان، ويروى في ~~أول ليلة من رمضان، وأنزلت توراة موسى عليه السلام في ست ms0152 ليال مضين من ~~رمضان، وأنزل الإنجيل على عيسى عليه السلام في ثلاث عشرة ليلة مضت من ~~رمضان، وأنزل زبور داود في ثمان عشرة مضت من رمضان وأنزل الفرقان على ~~محمد صلى الله عليه وسلم في الرابعة والعشرين من شهر رمضان لست بقين ~~بعدها ". # قوله تعالى: { هدى للناس } من الضلالة، وهدى في محل نصب على ~~القطع لأن القرآن معرفة وهدى نكرة { وبينت من الهدى } أي ~~دلالات واضحات من الحلال والحرام والحدود والأحكام { والفرقان } أي ~~الفارق بين الحق والباطل. # قوله تعالى: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } أي فمن ~~كان مقيما في الحضر فأدركه الشهر واختلف أهل العلم فيمن أدركه الشهر وهو ~~مقيم ثم سافر، روي عن علي رضي الله عنه أنه قال:لا يجوز له الفطر، وبه ~~قال عبيدة السلماني لقوله تعالى: { فمن شهد منكم الشهر ~~فليصمه } أي الشهر كله وذهب أكثر الصحابة والفقهاء إلى أنه إذا ~~أنشأ السفر في شهر رمضان جاز له أن يفطر، ومعنى الآية: فمن شهد منكم ~~الشهر كله فليصمه أي الشهر كله، ومن لم يشهد منكم الشهر كله فليصم ما شهد ~~منه والدليل عليه ما أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد ~~أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن عبيد ~~الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ~~إلى مكة عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر وأفطر الناس ~~معه، فكانوا يأخذون بالأحدث فلأحدث من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: { ومن كان مريضا أو على سفر فعدة ~~من أيام أخر } أباح الفطر لعذر المرض والسفر، وأعاد هذا الكلام ~~ليعلم أن هذا الحكم ثابت في الناسخ ثبوته في المنسوخ، واختلفوا في المرض ~~الذي يبيح الفطر، فذهب أهل الظاهر إلى أن ما يطلق عليه اسم المرض يبيح ~~الفطر وهو قول ابن سيرين. قال طريف بن تمام العطاردي دخلت على محمد بن ~~سيرين. في رمضان، وهو يأكل فقال: إنه ms0153 وجعت أصبعي هذه، وقال الحسن ~~وإبراهيم النخعي هو المرض الذي تجوز به الصلاة قاعدا. وذهب الأكثرون إلى ~~أنه مرض يخاف معه من الصوم زيادة علة غير محتملة، وفي الجملة أنه إذا ~~أجهده الصوم أفطر وإن لم يجهده فهو كالصحيح. وأما السفر، فالفطر فيه مباح ~~والصوم جائز عند عامة أهل العلم إلا ما روي عن ابن عباس وأبي هريرة وعروة ~~بن الزبير وعلي بن الحسين أنهم قالوا لا يجوز الصوم في السفر ومن صام ~~فعليه القضاء، واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " ليس من البر الصوم في السفر " # وذلك عند الآخرين في حق من يجهده الصوم فالأولى له أن يفطر، والدليل ~~عليه ما: أخبرنا به عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد ابن عبد الله ~~النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا آدم أخبرنا ~~شعبة أخبرنا محمد بن عبد الرحمن الأنصاري قال سمعت محمد بن عمرو بن ~~الحسن بن علي عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في سفر فرأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه فقال ما هذا؟ قالوا صائم، فقال # " ليس من البر الصوم في السفر ". # والدليل على جواز الصوم ما حدثنا الأستاذ أبو القاسم عبد الكريم بن ~~هوازن القشيري أخبرنا أبو نعيم الاسفراييني أخبرنا أبو عوانة أخبرنا أبو ~~أمية أخبرنا عبد الله القواريري أخبرنا حماد بن زيد أخبرنا الجريري عن ~~أبي نضرة عن أبي سعيد قال: «كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في رمضان فمنا الصائم ومنا المفطر فلا يعيب الصائم على المفطر ولا المفطر ~~على الصائم». # واختلفوا في أفضل الأمرين، فقالت طائفة: الفطر في السفر أفضل من الصوم، ~~روي ذلك عن ابن عمر وإليه ذهب سعيد بن المسيب والشعبي، وذهب قوم إلى أن ~~الصوم أفضل وروي ذلك عن معاذ بن جبل وأنس وبه قال إبراهيم النخعي وسعيد ~~بن جبير، وقالت طائفة: أفضل الأمرين أيسرهما عليه لقوله تعالى: { ~~يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ms0154 } وهو ~~قول مجاهد وقتادة وعمر بن عبد العزيز، ومن أصبح مقيما صائما ثم سافر في ~~أثناء النهار لا يجوز له أن يفطر ذلك اليوم عند أكثر أهل العلم، وقالت ~~طائفة: له أن يفطر، وهو قول الشعبي وبه قال أحمد، أما المسافر إذا أصبح ~~صائما فيجوز له أن يفطر بالاتفاق، والدليل عليه ما أخبر عبد الوهاب بن ~~محمد الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أخبرنا أبو العباس الأصم ~~أخبرنا الربيع أخبرنا الشافعي أخبرنا عبد العزيز بن محمد عن جعفر بن محمد ~~عن أبيه عن جابر # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان، ~~فصام حتى بلغ كراع الغميم، فصام الناس معه، فقيل له يا رسول الله إن ~~الناس قد شق عليهم الصيام فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون ~~فأفطر بعض الناس وصام بعضهم فبلغه أن ناسا صاموا فقال: «أولئك العصاة» ~~". # واختلفوا في السفر الذي يبيح الفطر، فقال قوم: مسيرة يوم، وذهب جماعة ~~إلى مسيرة يومين، وهو قول الشافعي رحمه الله، وذهب جماعة إلى مسيرة ثلاثة ~~أيام، وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي. قوله تعالى: { يريد ~~الله بكم اليسر } بإباحة الفطر في المرض والسفر { ولا ~~يريد بكم العسر } قرأ أبو جعفر: العسر واليسر ونحوهما بضم ~~السين، وقرأ الآخرون بالسكون. وقال الشعبي: ما خير رجل بين أمرين ~~فاختار أيسرهما إلا كان ذلك أحبهما إلى الله عز وجل { ولتكملوا ~~العدة } قرأ أبو بكر بتشديد الميم وقرأ الآخرون بالتخفيف، وهو ~~الاختيار لقوله تعالى: # اليوم أكملت لكم دينكم # [المائدة: 3] والواو في قوله تعالى: ولتكملوا العدة واو النسق، واللام ~~لام كي، تقديره: ويريد لكي تكملوا العدة، أي: لتكملوا عدة أيام الشهر ~~بقضاء ما أفطرتم في مرضكم وسفركم، وقال عطاء: { ولتكملوا ~~العدة } أي عدد أيام الشهر. # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ~~أخبرنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع أخبرنا الشافعي أخبرنا مالك عن ~~عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن رسول ms0155 الله صلى الله عليه وسلم قال: # " الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه ~~فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين ". # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين الحيري ~~أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي أخبرنا محمد بن يحيى أخبرنا يزيد بن هارون ~~أخبرنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تقدموا الشهر بصوم يوم ولا يومين إلا أن يوافق ذلك صوما كان ~~يصومه أحدكم، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ثم ~~أفطروا ". # { ولتكبروا الله } ولتعظموا الله { على ما هداكم } ~~أرشدكم إلى ما رضي به من صوم شهر رمضان وخصكم به دون سائر أهل الملل. # قال ابن عباس: هو تكبيرات ليلة الفطر. وروي عن الشافعي عن ابن المسيب ~~وعروة وأبي سلمة أنهم كانوا يكبرون ليلة الفطر يجهرون بالتكبير، وشبه ~~ليلة النحر بها إلا من كان حاجا فذكره التلبية. # { ولعلكم تشكرون } الله على نعمه، وقد وردت أخبار في فضل ~~شهر رمضان وثواب الصائمين. # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الحسنى المروزي أخبرنا أبو العباس أحمد بن ~~محمد بن سراج الطحان أخبرنا أبو أحمد بن قريش بن سليمان أخبرنا علي بن ~~عبد العزيز المكي أخبرنا أبو عبيد القاسم بن سلام حدثني إسماعيل بن جعفر ~~عن أبي سهل نافع بن مالك عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " إذا دخل رمضان صفدت الشياطين، وفتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار ". # أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن ~~محمد بن الجراح أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي أخبرنا أبو عيسى ~~محمد بن عيسى الترمذي أخبرنا أبو كريب محمد بن العلاء أخبرنا أبو بكر بن ~~عياش عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت ms0156 الشياطين ومردة الجن وغلقت ~~أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، ~~وينادي مناد يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار ~~وذلك كل ليلة ". # أخبرنا أبو بكر أحمد بن أبي نصر بن أحمد الكوفاني الهروي بها أخبرنا أبو ~~محمد عبد الرحمن بن عمر ابن محمد التجيبي المصري بها المعروف بابن ~~النحاس قيل له أخبركم أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد العنزي البصري بمكة ~~المعروف بابن الأعرابي؟ أخبرنا الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني أخبرنا ~~سفيان ابن عيينة عن الزهري أخبرنا أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ~~رمضان إيمانا احتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر ~~إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ". # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أخبرنا أبو سعيد خلف بن ~~عبد الرحمن بن محمد بن أبي نزار حدثنا الحسين بن أحمد بن محمد بن عبد ~~الرحمن بن أسد الصفار أخبرنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن أبي إسحاق العنزي ~~أخبرنا علي بن حجر بن إياس السعدي أخبرنا يوسف بن زياد عن علي بن زيد بن ~~جدعان عن سعيد بن المسيب عن سلمان قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في آخر يوم من شعبان فقال: # " «يا أيها الناس إنه أظلكم شهر عظيم - وفي رواية قد أطلكم بالطاء - ~~أطل: أشرف، شهر عظيم، شهر مبارك، شهر فيه ليلة القدر خير من ألف شهر، شهر ~~جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعا، من تقرب فيه بخصلة من خصال ~~الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كمن أدى سبعين ~~فريضة فيما سواه وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة - أي ~~المساهمة -وشهر يزاد فيه الرزق ومن فطر فيه صائما كان له مغفرة لذنوبه ~~وعتق رقبته ms0157 من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء» ~~قالوا يا رسول الله ليس كلنا نجد ما نفطر به الصائم قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «يعطي الله هذا الثواب لمن فطر صائما على مذقة لبن أو ~~تمرة أو شربة من ماء، ومن أشبع صائما سقاه الله عز وجل من حوضي شربة لا ~~يظمأ بعدها حتى يدخل الجنة، ومن خفف عن مملوكه فيه غفر الله له وأعتقه من ~~النار حتى يدخل الجنة، وهو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من ~~النار، فاستكثروا فيه من أربع خصال، خصلتين ترضون بهما ربكم، وخصلتين لا ~~غنى بكم عنهما، أما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة أن لا إله ~~إلا الله وتستغفرونه، وأما اللتان لا غنى بكم عنهما فتسألون الله الجنة، ~~وتعوذون به من النار» ". # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أخبرنا أبو طاهر محمد بن ~~محمش الزيادي أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص التاجر أخبرنا إبراهيم ~~بن عبد الله بن عمر بن بكير الكوفي أخبرنا وكيع عن الأعمش عن أبي صالح عن ~~أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كل عمل ابن آدم يضاعف له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال ~~الله تعالى: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع الصائم طعامه وشرابه ~~وشهوته من أجلي، وللصائم فرحتان، فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه، ~~ولخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك، الصوم جنة، الصوم جنة ". # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ~~أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا سعيد بن أبي مريم ~~أخبرنا محمد بن مطرف حدثني أبو حازم عن سهل ابن سعد: عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " في الجنة ثمانية أبواب منها باب يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون ~~". # أخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي توبة أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن ~~الحارث ms0158 أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي أخبرنا عبد الله بن محمود أخبرنا ~~إبراهيم بن عبد الله الخلال أخبرنا عبد الله بن المبارك عن راشد بن سعد ~~عن يحيي بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو رضي ~~الله: عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الصيام والقرآن يشفعان للعبد يقول الصيام: أي رب إني منعته الطعام ~~والشراب والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن رب إني منعته النوم ~~بالليل فشفعني فيه فيشفعان ". ### || [2.186] # قوله تعالى: { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب } روى ~~الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال يهود أهل ~~المدينة: يا محمد كيف يسمع ربنا دعاءنا وأنت تزعم أن بيننا وبين السماء ~~مسيرة خمسمائة عام وإن غلظ كل سماء مثل ذلك، فنزلت هذه الآية، وقال ~~الضحاك: سأل بعض الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا أقريب ربنا ~~فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله تعالى: { وإذا سألك ~~عبادي عني فإني قريب } وفيه إضمار كأنه قال: فقل لهم إني ~~قريب منهم بالعلم لا يخفى علي شيء كما قال: # ونحن أقرب إليه من حبل الوريد # [ق: 16]. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد ~~بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عبد الواحد عن عاصم عن أبي عثمان ~~عن أبي موسى الأشعري قال: لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر أو ~~قال: لما توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر، أشرف الناس على ~~واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " اربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنكم تدعون سميعا ~~قريبا وهو معكم ". # قوله تعالى: { أجيب دعوة الداع إذا دعان } قرأ أهل ~~المدينة غير قالون وأبي عمرو بإثبات الياء فيهما في الوصل، والباقون ~~يحذفونها وصلا ووقفا، وكذلك اختلف القراء في إثبات الياءات المحذوفة من ~~الخط وحذفها في التلاوة، وأثبت ms0159 يعقوب جميعها وصلا ووقفا، واتفقوا على ~~إثبات ما هو مثبت في الخط وصلا ووقفا { فليستجيبوا لى } قيل: ~~الاستجابة بمعنى الإجابة، أي: فليجيبوا لي بالطاعة، والإجابة في اللغة: ~~الطاعة وإعطاء ما سئل فالإجابة من الله تعالى العطاء، ومن العبد الطاعة، ~~وقيل: فليستجيبوا لي أي ليستدعوا مني الإجابة، وحقيقته فليطيعوني { ~~وليؤمنوا بى لعلهم يرشدون } لكي يهتدوا، فإن قيل فما ~~وجه قوله تعالى: { أجيب دعوة الداع } وقوله (ادعوني أستجب ~~لكم)، وقد يدعى كثيرا فلا يجيب؟ قلنا: اختلفوا في معنى الآيتين قيل معنى ~~الدعاء ههنا الطاعة، ومعنى الاجابة الثواب، وقيل معنى الآيتين خاص وإن ~~كان لفظهما عاما، تقديرهما: { أجيب دعوة الداع } إن شئت، كما ~~قال: # فيكشف ما تدعون إليه إن شآء # [الأنعام: 41] وأجيب دعوة الداع إن وافق القضاء أو أجيبه إن كانت ~~الإجابة خيرا له أو أجيبه إن لم يسأل محالا. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن ~~سمعان أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني أخبرنا حميد ~~بن زنجويه أخبرنا عبد الله بن صالح حدثني معاوية بن صالح أن ربيعة بن ~~يزيد حدثه عن أبي إدريس عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " «يستجيب الله لأحدكم ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم أو يستعجل» قالوا ~~وما الاستعجال يا رسول الله؟ قال: «يقول قد دعوتك يا رب، قد دعوتك يا رب، ~~قد دعوتك يا رب فلا أراك تستجيب لي، فيستحسر عند ذلك فيدع الدعاء ". # وقيل هو عام، ومعنى قوله: { أجيب } أي اسمع، ويقال ليس في الآية أكثر ~~من إجابة الدعوة، فأما إعطاء المنية فليس بمذكور فيها، وقد يجيب السيد ~~عبده، والوالد ولده ثم لا يعطيه سؤله فالإجابة كائنة لا محالة عند حصول ~~الدعوة، وقيل معنى الآية أنه لا يخيب دعاءه، فإن قدر له ما سأل أعطاه، ~~وإن لم يقدره له ادخر له الثواب في الآخرة، أو كف عنه به سوءا والدليل ~~عليه ما أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أبو منصور السمعاني ms0160 أخبرنا أبو ~~جعفر الرياني أخبرنا حميد بن زنجويه أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا بن ثوبان ~~وهو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن جبير بن نفير عن ~~عبادة بن الصامت رضى الله عنه حدثهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما على الأرض رجل مسلم يدعو الله تعالى بدعوة إلا آتاه الله إياها، ~~أو كف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم " # وقيل: إن الله تعالى يجيب دعاء المؤمن في الوقت ويؤخر إعطاء مراده ~~ليدعوه فيسمع صوته ويعجل إعطاء من لا يحبه لأنه يبغض صوته، وقيل: إن ~~للدعاء آدابا وشرائط وهي أسباب الإجابة، فمن استكملها كان من أهل ~~الإجابة، ومن أخل بها فهو من أهل الاعتداء في الدعاء فلا يستحق ~~الإجابة. ### || [2.187] # قوله تعالى: { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى ~~نسآئكم } فالرفث كناية عن الجماع، قال ابن عباس: إن الله تعالى حيي ~~كريم يكنى كلما ذكر في القرآن من المباشرة والملامسة والإفضاء والدخول ~~والرفث فإنما عنى به الجماع وقال الزجاج: الرفث كلمة جامعة لكل ما يريده ~~الرجال من النساء، قال أهل التفسير: كان في ابتداء الأمر إذا أفطر الرجل ~~حل له الطعام والشراب والجماع إلى أن يصلي العشاء الآخرة أو يرقد قبلها، ~~فإذا صلى العشاء أو رقد قبلها حرم عليه الطعام والشراب والنساء إلى ~~الليلة القابلة، ثم إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه واقع أهله بعدما صلى ~~العشاء فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: يا رسول الله إني أعتذر إلى الله وإليك من نفسي هذه الخاطئة، إني ~~رجعت إلى أهلي بعدما صليت العشاء فوجدت رائحة طيبة فسولت لي نفسي فجامعت ~~أهلي فهل تجد لي من رخصة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " ما كنت جديرا بذلك يا عمر " # فقام رجال فاعترفوا بمثله فنزل في عمر وأصحابه: { أحل لكم } أي ~~أبيح لكم { ليلة الصيام } أي في ليلة الصيام { الرفث إلى ~~نسآئكم هن لباس لكم ms0161 } أي سكن لكم { وأنتم لباس ~~لهن } أي سكن لهن دليله. قوله تعالى: # وجعل منها زوجها ليسكن إليها # [الأعراف: 189] وقيل لا يسكن شيء كسكون أحد الزوجين إلى الآخر، وقيل: ~~سمي كل واحد من الزوجين لباسا لتجردهما عند النوم واجتماعهما في ثوب ~~واحد حتى يصير كل واحد منهما لصاحبه كالثوب الذي يلبسه، وقال الربيع بن ~~أنس: هن فراش لكم وأنتم لحاف لهن، وقال أبو عبيدة وغيره: يقال للمرأة ~~هي لباسك وفراشك وإزارك، وقيل: اللباس اسم لما يواري الشيء فيجوز أن يكون ~~كل واحد منهما سترا لصاحبه عما لا يحل كما جاء في الحديث: # " من تزوج فقد أحرز ثلثي دينه ". # { علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم } أي ~~تخونونها وتظلمونها بالمجامعة بعد العشاء، قال البراء: لما نزل صوم رمضان ~~كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله ~~تعالى: { علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم } { فتاب عليكم } ~~تجاوز عنكم { وعفا عنكم } محا ذنوبكم { فالآن باشروهن } ~~جامعوهن حلالا سميت المجامعة مباشرة لتلاصق بشرة كل واحد منهما صاحبه، { ~~وابتغوا ما كتب الله لكم } أي: فاطلبوا ما قضى الله لكم ~~وقيل ما كتب الله لكم في اللوح المحفوظ يعني الولد، قاله أكثر المفسرين، ~~قال مجاهد: ابتغوا الولد إن لم تلد هذه فهذه، وقال قتادة: وابتغوا الرخصة ~~التي كتب الله لكم بإباحة الأكل والشرب والجماع في اللوح المحفوظ، وقال ~~معاذ بن جبل: وابتغوا ما كتب الله لكم يعني ليلة القدر. # قوله: { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط ~~الأبيض } نزلت في رجل من الأنصار اسمه أبو صرمة بن قيس بن صرمة، ~~وقال عكرمة: أبو قيس بن صرمة، وقال الكلبي: أبو قيس صرمة بن أنس بن أبي ~~صرمة، وذلك أنه ظل نهاره يعمل في أرض له وهو صائم، فلما أمسى رجع إلى ~~أهله بتمر، وقال لأهله قدمي الطعام فأرادت المرأة أن تطعمه شيئا سخينا ~~فأخذت تعمل له سخينة، وكان في الابتداء من صلى العشاء ونام حرم عليه ~~الطعام والشراب، فلما فرغت من طعامه إذ هي به قد ms0162 نام وكان قد أعيا وكل، ~~فأيقظته فكره أن يعصي الله ورسوله، وأبى أن يأكل فأصبح صائما مجهودا، ~~فلم ينتصف النهار حتى غشي عليه، فلما أفاق أتى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: # " يا أبا قيس ما لك أمسيت طليحا " # فذكر له ماله فاغتم لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز ~~وجل: { وكلوا واشربوا } يعني في ليالي الصوم { حتى ~~يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود } ~~يعني بياض النهار من سواد الليل، سميا خيطين لأن كل واحد منهما يبدو في ~~الابتداء ممتدا كالخيط. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ~~أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا سعيد بن أبي مريم ~~أخبرنا أبو غسان محمد بن مطرف ثنا أبو حازم عن سهل بن سعد قال: أنزلت: { ~~وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض ~~من الخيط الأسود } ولم ينزل قوله: { من الفجر } فكان ~~رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود ولا ~~يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله تعالى بعده { من ~~الفجر } فعلموا إنما يعني بهما الليل والنهار. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد ~~بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا حجاج بن منهال أخبرنا هشيم ~~أخبرنا حصين بن عبد الرحمن، عن الشعبي عن عدي ابن حاتم قال: # " لما نزلت { حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من ~~الخيط الأسود } عمدت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض فجعلتهما تحت ~~وسادتي فجعلت أنظر إليهما في الليل لا يستبين لي فغدوت إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال: «إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار ". # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ~~أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ms0163 قال: # " إن بلالا ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكثوم " # قال " كان ابن أم مكتوم رجلا أعمى لا ينادي حتى يقال له أصبحت أصبحت " ~~واعلم أن الفجر فجران كاذب وصادق، فالكاذب يطلع أولا مستطيلا كذنب ~~السرحان يصعد إلى السماء فبطلوعه لا يخرج الليل ولا يحرم الطعام والشراب ~~على الصائم، ثم يغيب فيطلع بعده الفجر الصادق مستطيرا ينتشر سريعا في ~~الأفق، فبطلوعه يدخل النهار ويحرم الطعام والشراب على الصائم. # أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن ~~محمد الجراحي أخبرنا أبو العباس المحبوبي أخبرنا أبو عيسى الترمذي أخبرنا ~~هناد ويوسف بن عيسى قالا: أخبرنا وكيع عن أبي هلال عن سوادة بن حنظلة عن ~~سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يمنعكم من سحوركم آذان بلال ولا الفجر المستطيل ولكن الفجر ~~المستطير في الأفق ". # قوله تعالى: { ثم أتموا الصيام إلى اليل } فالصائم ~~يحرم عليه الطعام والشراب بطلوع الفجر الصادق ويمتد إلى غروب الشمس فإذا ~~غربت حصل الفطر. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ~~أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا الحميدي أخبرنا سفيان ~~أخبرنا هشام بن عروة قال: سمعت أبي يقول: سمعت عاصم بن عمر بن الخطاب عن ~~أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا وغربت الشمس فقد أفطر ~~الصائم ". # قوله تعالى: { ولا تبشروهن وأنتم عكفون في ~~المسجد } وقد نويتم الإعتكاف في المساجد وليس المراد عن مباشرتهن ~~في المساجد لأن ذلك ممنوع منه في غير الاعتكاف العكوف هو الإقامة على ~~الشيء والاعتكاف في الشرع هو الإقامة في المسجد على عبادة الله، وهو سنة ~~ولا يجوز في غير المسجد ويجوز في جميع المساجد. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد ~~بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عبد الله بن يوسف أخبرنا الليث عن ms0164 ~~عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان ~~حتى توفاه الله تعالى، ثم اعتكف أزواجه من بعده» والآية نزلت في نفر من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يعتكفون في المسجد، فإذا عرضت ~~للرجل منهم الحاجة إلى أهله خرج إليها فجامعها ثم اغتسل، فرجع إلى المسجد ~~فنهوا عن ذلك ليلا أو نهارا حتى يفرغوا من اعتكافهم، فالجماع حرام في ~~حال الاعتكاف ويفسد به الاعتكاف، أما ما دون الجماع من المباشرات كالقبلة ~~واللمس بالشهوة، فمكروه ولا يفسد به الاعتكاف عند أكثر أهل العلم وهو ~~أظهر قولي الشافعي، كما لا يبطل به الحج، وقالت طائفة يبطل بها اعتكافه ~~وهو قول مالك، وقيل إن أنزل بطل اعتكافه وإن لم ينزل فلا كالصوم، وأما ~~اللمس الذي لا يقصد به التلذذ فلا يفسد به الاعتكاف لما أخبرنا أبو الحسن ~~السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو اسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب ~~عن مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عمرة بنت عبد الرحمن # " عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا اعتكف أدنى إلي رأسه فأرجله وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان» ~~". # قوله تعالى: { تلك حدود الله } يعني: تلك الأحكام التي ذكرها ~~في الصيام والاعتكاف، حدود الله أي: ما منع الله عنها، قال السدي: شروط ~~الله، وقال شهر بن حوشب: فرائض الله، وأصل الحد في اللغة المنع، ومنه ~~يقال للبواب حداد، لأنه يمنع الناس من الدخول، وحدود الله ما منع الله ~~من مخالفتها { فلا تقربوها } فلا تأتوها { كذلك } هكذا { ~~يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون } لكي ~~يتقوها فينجوا من العذاب. ### || [2.188] # قوله تعالى: { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ~~} قيل نزلت هذه الآية في امرىء القيس بن عايش لكندي ادعى عليه ربيعة بن ~~عبدان الحضرمي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أرضا أنه غلبني ms0165 عليها، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي # " (ألك بينة)؟ قال لا قال: (فلك يمينه) فانطلق ليحلف فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «أما إن حلف على ماله ليأكله ظلما ليلقين الله وهو عنه ~~معرض» " # فأنزل الله هذه الآية { ولا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل } أي لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل أي من غير الوجه الذي ~~أباحه الله، وأصل الباطل الشيء الذاهب، والأكل بالباطل أنواع، قد يكون ~~بطريق الغصب والنهب وقد يكون بطريق اللهو كالقمار وأجرة المغني ونحوهما، ~~وقد يكون بطريق الرشوة والخيانة { وتدلوا بهآ إلى الحكام } ~~أي تلقوا أمور تلك الأموال بينكم وبين أربابها إلى الحكام، وأصل ~~الإدلاء: إرسال الدلو وإلقاؤه في البئر يقال أدلى دلوه إذا أرسله، ~~ودلاه يدلوه إذا أخرجه قال ابن عباس: هذا في الرجل يكون عليه مال وليس ~~عليه بينة فيجحد المال ويخاصم فيه إلى الحاكم، وهو يعرف أن الحق عليه ~~وأنه آثم بمنعه، قال مجاهد في هذه الآية: لا تخاصم وأنت ظالم، قال ~~الكلبي: هو أن يقيم شهادة الزور وقوله: { وتدلوا } في محل الجزم ~~بتكرير حرف النهي معناه ولا تدلوا بها إلى الحكام، وقيل معناه: لا تأكلوا ~~بالباطل وتنسبونه إلى الحكام، قال قتادة: لا تدل بمال أخيك إلى الحاكم ~~وأنت تعلم أنك ظالم فإن قضاءه لا يحل حراما، وكان شريح القاضي يقول: إني ~~لأقضي لك وإني لأظنك ظالما ولكن لا يسعني إلا أن أقضي بما يحضرني من ~~البينة وإن قضائي لا يحل لك حراما. # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ~~أخبرنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع أخبرنا الشافعي أخبرنا مالك بن ~~أنس عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة زوج النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من ~~بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه فمن قضيت له بشيء من حق ms0166 أخيه فلا ~~يأخذنه فإنما أقطع له قطعة من النار ". # قوله تعالى: { لتأكلوا فريقا } طائفة { من أموال ~~الناس بالإثم } بالظلم وقال ابن عباس باليمين الكاذبة يقطع بها ~~مال أخيه { وأنتم تعلمون } أنكم مبطلون. ### || [2.189] # قوله تعالى: { يسألونك عن الأهلة } نزلت في معاذ بن جبل ~~وثعلبة بن غنم الأنصاريين قالا: يا رسول الله ما بال الهلال يبدو دقيقا ~~ثم يزيد حتى يمتلىء نورا ثم يعود دقيقا كما بدأ ولا يكون على حالة ~~واحدة؟ فأنزل الله تعالى { يسألونك عن الأهلة } وهي جمع ~~هلال مثل رداء وأردية سمي هلالا لأن الناس يرفعون أصواتهم بالذكر عند ~~رؤيته من قولهم استهل الصبي إذا صرخ حين يولد وأهل القوم بالحج إذا ~~رفعوا أصواتهم بالتلبية { قل هى مواقيت للناس والحج } ~~جمع ميقات أي فعلنا ذلك ليعلم الناس أوقات الحج والعمرة والصوم والإفطار ~~وآجال الديون وعدد النساء وغيرها، فلذلك خالف بينه وبين الشمس التي هي ~~دائمة على حالة واحدة { وليس البر بأن تأتوا البيوت ~~من ظهورها }. # قال أهل التفسير: كان الناس في الجاهلية وفي أول الإسلام إذا أحرم ~~الرجل منهم بالحج أو العمرة لم يدخل حائطا ولا بيتا ولا دارا من بابه ~~فإن كان من أهل المدر نقب نقبا في ظهر بيته ليدخل منه ويخرج أو يتخذ ~~سلما فيصعد منه وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخيمة والفسطاط ولا ~~يدخل ولا يخرج من الباب حتى يحل من إحرامه ويرون ذلك برا إلا أن يكون ~~من الحمس وهم قريش وكنانة وخزاعة وثقيف وخثعم وبنو عامر بن صعصعة وبنو ~~نضر بن معاوية سموا حمسا لتشددهم في دينهم والحماسة الشدة والصلابة # " فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بيتا لبعض الأنصار، فدخل ~~رجل من الأنصار يقال له رفاعة بن التابوت على أثره من الباب وهو محرم ~~فأنكروا عليه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لم دخلت من الباب ~~وأنت محرم؟» قال رأيتك دخلت فدخلت على أثرك فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «إني أحمس» فقال الرجل ms0167 إن كنت أحمسيا فإني أحمسي رضيت بهديك وسمتك ~~ودينك فأنزل الله تعالى هذه الآية " # وقال الزهري: كان ناس من الأنصار إذا أهلوا بالعمرة لم يحل بينهم وبين ~~السماء شيء، فكان الرجل يخرج مهلا بالعمرة فتبدو له الحاجة بعد ما يخرج ~~من بيته فيرجع ولا يدخل من باب الحجرة من أجل سقف الباب أن يحول بينه ~~وبين السماء فيفتح الجدار من ورائه، ثم يقوم في حجرته فيأمر بحاجته حتى ~~بلغنا # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل زمن الحديبية بالعمرة فدخل ~~حجرة فدخل رجل على أثره من الأنصار من بني سلمة فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «لم فعلت ذلك؟» قال لأني رأيتك دخلت فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم:«إني أحمس» فقال الأنصاري وأنا أحمس يقول وأنا على دينك ~~فأنزل الله تعالى (وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها) " # قرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر: والغيوب والجيوب ~~والعيون وشيوخا بكسر أوائلهن لمكان الياء وقرأ الباقون بالضم على الأصل ~~وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي «جيوبهن» بكسر الجيم، وقرأ أبو بكر وحمزة ~~«الغيوب» بكسر الغين { ولكن البر من اتقى } أي: البر: ~~بر من اتقى. { وأتوا البيوت من أبوبها } في حال الإحرام ~~{ واتقوا الله لعلكم تفلحون }. ### || [2.190] # { وقاتلوا في سبيل الله } أي في طاعة الله { الذين ~~يقتلونكم } كان في ابتداء الإسلام أمر الله تعالى رسوله صلى ~~الله عليه وسلم بالكف عن قتال المشركين ثم لما هاجر إلى المدينة أمره ~~بقتال من قاتله منهم بهذه الآية، وقال الربيع بن أنس: هذه أول آية نزلت ~~في القتال ثم أمره بقتال المشركين كافة قاتلوا أو لم يقاتلوا بقوله ~~(فاقتلوا المشركين) فصارت هذه الآية منسوخة بها، وقيل: نسخ بقوله: ~~(فاقتلوا المشركين) قريب من سبعين آية وقوله { ولا تعتدوا } أي ~~لا تبدؤهم بالقتال وقيل: هذه الآية محكمة غير منسوخة أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم بقتال المقاتلين ومعنى قوله: { ولا تعتدوا } أي لا ~~تقتلوا النساء والصبيان والشيخ الكبير والرهبان ولا من ألقى إليكم السلام ms0168 ~~هذا قول ابن عباس ومجاهد. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو بكر بن سهل ~~القهستاني المعروف بأبي تراب أخبرنا محمد بن عيسى الطرسوسي أنا يحيى بن ~~بكير أنا الليث بن سعد عن جرير بن حازم عن شعبة عن علقمة بن يزيد عن ~~سليمان بن بريدة عن أبيه قال # " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيشا قال: «اغزوا بسم الله، ~~وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، لا تغلو ولا تقتلوا امرأة ولا ~~وليدا ولا شيخا كبيرا» " # وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس نزلت هذه الآية في صلح الحديبية، ~~وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج مع أصحابه للعمرة وكانوا ألفا ~~وأربعمائة فساروا حتى نزلوا الحديبية فصدهم المشركون عن البيت الحرام ~~فصالحهم على أن يرجع عامه ذلك على أن يخلوا له مكة عام قابل ثلاثة أيام ~~فيطوف بالبيت فلما كان العام القابل تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه لعمرة القضاء وخافوا أن لا تفي قريش بما قالوا وأن يصدوهم عن ~~البيت الحرام وكره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قتالهم في الشهر ~~الحرام وفي الحرم فأنزل الله تعالى { وقاتلوا في سبيل الله } ~~، يعني محرمين { الذين يقتلونكم } يعني قريشا { ولا ~~تعتدوا } فتبدؤوا بالقتال في الحرم محرمين { إن الله لا ~~يحب المعتدين }. ### || [2.191-193] # قوله تعالى { واقتلوهم حيث ثقفتموهم } قيل نسخت الآية ~~الأولى بهذه الآية، وأصل الثقافة الحذق والبصر بالأمور، ومعناه واقتلوهم ~~حيث بصرتم مقاتلتهم وتمكنتم من قتلهم { وأخرجوهم من حيث ~~أخرجوكم } وذلك أنهم أخرجوا المسلمين من مكة، فقال: أخرجوهم من ~~ديارهم كما أخرجوكم من دياركم { والفتنة أشد من القتل } ~~يعني شركهم بالله عز وجل أشد وأعظم من قتلكم إياهم في الحرم والإحرام { ~~ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى ~~يقتلوكم فيه فإن قتلوكم فاقتلوهم } قرأ حمزة ~~والكسائي: (ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم فإن قتلوكم) بغير ألف فيهن من القتل ~~على معنى ولا تقتلوا بعضهم، تقول العرب: قتلنا بني فلان وإنما قتلوا ~~بعضهم، ms0169 وقرأ الباقون بالألف من القتال وكان هذا في ابتداء الإسلام كان ~~لا يحل بدايتهم بالقتال في البلد الحرام، ثم صار منسوخا بقوله تعالى: { ~~وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } هذا قول قتادة، وقال مقاتل ~~بن حيان قوله { واقتلوهم حيث ثقفتموهم } أي حيث ~~أدركتموهم في الحل والحرم، وصارت هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: (ولا ~~تقاتلوهم عند المسجد الحرام) ثم نسختها آية السيف في براءة فهي ناسخة ~~منسوخة. # وقال مجاهد وجماعة: هذه الآية محكمة ولا يجوز الابتداء بالقتال في الحرم ~~{ كذلك جزآء الكفرين فإن انتهوا } عن القتال والكفر ~~{ فإن الله غفور رحيم } أي غفور لما سلف رحيم بالعباد { ~~وقتلوهم } يعني المشركين { حتى لا تكون فتنة } أي ~~شرك يعني قاتلوهم حتى يسلموا فلا يقبل من الوثني إلا الإسلام فإن أبى ~~قتل { ويكون الدين } أي الطاعة والعبادة (لله) وحده فلا يعبد شيء ~~دونه. # قال نافع: جاء رجل إلى ابن عمر في فتنة ابن الزبير فقال ما يمنعك أن ~~تخرج؟ قال: يمنعني أن الله حرم دم أخي، قال: ألا تسمع ما ذكره الله عز ~~وجل # وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا # [الحجرات: 9] قال يا ابن أخي: لأن أعير بهذه الآية ولا أقاتل أحب إلي ~~من أن أعير بالآية التي يقول الله عز وجل فيها # ومن يقتل مؤمنا متعمدا # [النساء: 93] قال ألم يقل الله (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) قال قد ~~فعلنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ كان الإسلام قليلا وكان ~~الرجل يفتن في دينه إما يقتلونه أو يعذبونه، حتى كثر الإسلام فلم تكن ~~فتنة وكان الدين كله لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون ~~الدين لغير الله، وعن سعيد بن جبير قال: قال رجل لابن عمر: كيف ترى في ~~قتال الفتنة؟ فقال: هل تدري ما الفتنة؟ كان محمد صلى الله عليه وسلم ~~يقاتل المشركين وكان الدخول عليهم فتنة وليس بقتالكم على الملك (فإن ~~انتهوا) عن الكفر وأسلموا { فلا عدون } فلا سبيل (إلا على ~~الظالمين) قاله ابن عباس. يدل عليه قوله تعالى: ms0170 # أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي # [القصص: 28] وقال أهل المعاني: العدوان الظلم، أي فإن أسلموا فلا نهب ~~ولا أسر ولا قتل { إلا على الظالمين } الذين بقوا على الشرك ~~وما يفعل بأهل الشرك من هذه الأشياء لا يكون ظلما، وسماه عدوانا على ~~طريق المجازاة والمقابلة، كما قال: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه) ~~وكقوله تعالى: # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40] وسمي الكافر ظالما لأنه يضع العبادة في غير موضعها. ### || [2.194] # قوله تعالى { الشهر الحرام بالشهر الحرام } نزلت هذه ~~الآية في عمرة القضاء وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج معتمرا في ~~ذي القعدة فصده المشركون عن البيت بالحديبية فصالح أهل مكة على أن ~~ينصرف عامه ذلك ويرجع العام القابل فيقضي عمرته، فانصرف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عامه ذلك ورجع في العام القابل في ذي القعدة وقضى عمرته ~~سنة سبع من الهجرة فذلك معنى قوله تعالى { الشهر الحرام } يعني: ~~ذا القعدة الذي دخلتم فيه مكة وقضيتم فيه عمرتكم سنة سبع { بالشهر ~~الحرام } يعني ذا القعدة الذي صددتم فيه عن البيت سنة ست { ~~والحرمت قصاص } جمع حرمة، وإنما جمعها لأنه أراد حرمة الشهر ~~الحرام والبلد الحرام وحرمة الإحرام، والقصاص المساواة والمماثلة وهو ~~أن يفعل بالفاعل مثل ما فعل، وقيل هذا في أمر القتال معناه: إن بدؤوكم ~~بالقتال في الشهر الحرام فقاتلوهم فيه فإنه قصاص بما فعلوا فيه { فمن ~~اعتدى عليكم فاعتدوا عليه } وقاتلوه { بمثل ما ~~اعتدى عليكم } سمي الجزاء باسم الابتداء على ازدواج الكلام ~~كقوله تعالى # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40] { واتقوا الله واعلموا أن الله مع ~~المتقين }. ### || [2.195] # قوله تعالى: { وأنفقوا في سبيل الله } أراد به الجهاد ~~وكل خير هو في سبيل الله، ولكن إطلاقه ينصرف إلى الجهاد { ولا ~~تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } قيل: الباء في قوله ~~تعالى { بأيديكم } زائدة، يريد: ولا تلقوا أيديكم، أي أنفسكم { ~~إلى التهلكة } عبر عن النفس بالأيدي كقوله تعالى # فبما كسبت أيديكم # [الشورى: 30] أي بما كسبتم، وقيل الباء في موضعها، وفيه حذف، أي ولا ~~تلقوا ms0171 أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة أي الهلاك، وقيل: التهلكة كل شيء يصير ~~عاقبته إلى الهلاك، أي ولا تأخذوا في ذلك، وقيل: التهلكة ما يمكن ~~الاحتراز عنه، والهلاك ما لا يمكن الاحتراز عنه، والعرب لا تقول للانسان ~~ألقى بيده إلا في الشرك، واختلفوا في تأويل هذه الآية فقال بعضهم: هذا في ~~البخل وترك الإنفاق. يقول: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) بترك ~~الإنفاق في سبيل الله وهو قول حذيفة والحسن وقتادة وعكرمة وعطاء. وقال ~~ابن عباس في هذه الآية: أنفق في سبيل الله وإن لم يكن لك إلا سهم أو ~~مشقص، ولا يقولن أحدكم إني لا أجد شيئا، وقال: السدي بها: أنفق في سبيل ~~الله ولو عقالا { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } ~~ولا تقل: ليس عندي شيء، وقال سعيد بن المسيب ومقاتل بن حيان: لما أمر ~~الله تعالى بالإنفاق قال رجل: أمرنا بالنفقة في سبيل الله، ولو أنفقنا ~~أموالنا بقينا فقراء، فأنزل الله هذه الآية، وقال مجاهد فيها: لا يمنعكم ~~نفقة في حق خيفة العيلة. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أحمد بن الحسن الحيري أخبرنا ~~أبو جعفر محمد بن علي ابن دحيم الشيباني أخبرنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة ~~أخبرنا أبو غسان أخبرنا خالد بن عبد الله الواسطي أخبرنا واصل مولى أبي ~~عيينة عن بشار بن أبي سيف عن الوليد بن عبد الرحمن عن عياض بن غضيف ~~قال: أتينا أبا عبيدة نعوده قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " من أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله فبسبعمائة، ومن أنفق نفقة على أهله ~~فالحسنة بعشر أمثالها ". # وقال زيد بن أسلم: كان رجال يخرجون في البعوث بغير نفقة فإما أن يقطع ~~بهم، وإما أن يكونوا عيالا فأمرهم الله تعالى بالإنفاق على أنفسهم في ~~سبيل الله، ومن لم يكن عنده شيء ينفقه فلا يخرج بغير نفقة ولا قوت فيلقي ~~بيده إلى التهلكة، فالتهلكة: أن يهلك من الجوع والعطش أو بالمشي، وقيل: ~~نزلت الآية في ترك الجهاد، قال أبو أيوب الأنصاري: نزلت ms0172 فينا معشر ~~الأنصار وذلك أن الله تعالى لما أعز دينه ونصر رسوله قلنا فيما بيننا: ~~إنا قد تركنا أهلنا وأموالنا حتى فشا الإسلام ونصر الله نبيه فلو ~~رجعنا إلى أهلينا وأموالنا فأقمنا فيها فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله ~~تعالى: { وأنفقوا فى سبيل الله ولا تلقوا ~~بأيديكم إلى التهلكة } فالتهلكة الإقامة في الأهل والمال ~~وترك الجهاد، فما زال أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى كان آخر غزوة ~~غزاها بقسطنطينية في زمن معاوية فتوفي هناك ودفن في أصل سور القسطنطينية ~~وهم يستسقون به. # وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق ". # وقال محمد بن سيرين وعبيدة السلماني: الإلقاء إلى التهلكة هو القنوط من ~~رحمة الله تعالى، قال أبو قلابة: هو الرجل يصيب الذنب فيقول: قد هلكت ~~ليس لي توبة فييأس من رحمة الله، وينهمك في المعاصي، فنهاهم الله تعالى ~~عن ذلك، قال الله تعالى: # إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم ~~الكفرون # [يوسف: 87]. # قوله تعالى: { وأحسنوا } أي أحسنوا أعمالكم وأخلاقكم وتفضلوا على ~~الفقراء { إن الله يحب المحسنين }. ### || [2.196] # قوله عز وجل { وأتموا الحج والعمرة لله } قرأ علقمة ~~وإبراهيم النخعي (وأقيموا الحج والعمرة لله) واختلفوا في إتمامهما فقال ~~بعضهم: هو أن يتمهما بمناسكهما وحدودهما وسننهما، وهو قول ابن عباس ~~وعلقمة وإبراهيم النخعي ومجاهد، وأركان الحج خمسة.. الإحرام والوقوف ~~بعرفة، وطواف الزيارة، والسعي بين الصفا والمروة، وحلق الرأس أو التقصير. ~~وللحج تحللان، وأسباب التحلل ثلاثة: رمي جمرة العقبة يوم النحر وطواف ~~الزيارة والحلق، فإذا وجد شيئان من هذه الأشياء الثلاثة حصل التحلل ~~الأول، وبالثلاث حصل التحلل الثاني، وبعد التحلل الأول يستبيح جميع ~~محظورات الإحرام إلا النساء، وبعد الثاني يستبيح الكل، وأركان العمرة ~~أربعة: الإحرام، والطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة والحلق، وقال ~~سعيد بن جبير وطاووس: تمام الحج والعمرة أن تحرم بهما مفردين مستأنفين من ~~دويرة أهلك، وسئل علي بن أبي ms0173 طالب عن قوله تعالى: { وأتموا ~~الحج والعمرة لله } قال أن تحرم بهما من دويرة أهلك ومثله ~~عن ابن مسعود، وقال قتادة: تمام العمرة أن تعمل في غير أشهر الحج، ~~فإن كانت في أشهر الحج ثم أقام حتى حج فهي متعة، وعليه فيها الهدي إن ~~وجده، أو الصيام إن لم يجد الهدي، وتمام الحج أن يؤتى بمناسكه كلها حتى ~~لا يلزم عامله دم بسبب قران لا متعة وقال الضحاك: إتمامهما أن تكون ~~النفقة حلالا وينتهي عما نهى الله عنه، وقال سفيان الثوري: إتمامها أن ~~تخرج من أهلك لهما، ولا تخرج لتجارة ولا لحاجة. # قال عمر بن الخطاب: الوفد كثير والحاج قليل، واتفقت الأمة على وجوب الحج ~~على من استطاع إليه سبيلا، واختلفوا في وجوب العمرة فذهب أكثر أهل العلم ~~إلى وجوبها وهو قول عمر وعلي وابن عمر وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: ~~والله إن العمرة لقرينة الحج في كتاب الله، قال الله تعالى: «وأتموا ~~الحج والعمرة لله» وبه قال عطاء ومجاهد وطاوس وقتادة وسعيد بن جبير، ~~وإليه ذهب الثوري والشافعي في أصح قوليه، وذهب قوم إلى أنها سنة وهو قول ~~جابر وبه قال (الشافعي) وإليه ذهب مالك وأهل العراق وتأولوا قوله تعالى: ~~{ وأتموا الحج والعمرة لله } على معنى أتموهما إذا ~~دخلتم فيهما، أما ابتداء الشروع فيها فتطوع، واحتج من لم يوجبهما بما روي ~~عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما # " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن العمرة أواجبة هي؟ فقال: «لا ~~وأن تعتمروا خير لكم» " # والقول الأول أصح ومعنى قوله: { وأتموا الحج والعمرة ~~لله } أي ابتدؤوهما، فإذا دخلتم فيهما فأتموهما فهو أمر بالإبتداء ~~والإتمام أي أقيموهما كقوله تعالى # ثم أتموا الصيام إلى اليل # [البقرة: 187] أي ابتدؤوه وأتموه. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أبو منصور السمعاني أخبرنا أبو جعفر ~~الرياني أخبرنا حميد بن زنجويه أخبرنا ابن أبي شيبة أخبرنا أبو خالد ~~الأحمر عن عمرو بن قيس عن عاصم عن شقيق عن عبد ms0174 الله قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير ~~خبث الحديد والذهب والفضة وليس للحج المبرور جزاء إلا الجنة " # وقال ابن عمر: ليس من خلق الله أحد إلا وعليه حجة وعمرة واجبتان إن ~~استطاع إلى ذلك سبيلا كما قال الله تعالى { وأتموا الحج ~~والعمرة لله } فمن زاد بعد ذلك فهو خير وتطوع، واتفقت الأمة ~~على أنه يجوز أداء الحج والعمرة على ثلاثة أوجه: # الإفراد والتمتع والقران فصورة الإفراد أن يفرد الحج، ثم بعد الفراغ ~~منه يعتمر وصورة التمتع أن يعتمر في أشهر الحج، ثم بعد الفراغ من أعمال ~~العمرة، يحرم بالحج من مكة فيحج في هذا العام، وصورة القران: أن يحرم ~~بالحج والعمرة معا أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج قبل أن يفتتح ~~الطواف فيصير قارنا، واختلفوا في الأفضل من هذه الوجوه: فذهب جماعة إلى ~~أن الإفراد أفضل ثم التمتع ثم القرآن وهو قول مالك والشافعي لما أخبرنا ~~أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا ~~أبو مصعب عن مالك عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل عن عروة بن ~~الزبير عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت: خرجنا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة، ومنا من ~~أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بحج, وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالحج، فأما من أهل بالعمرة فحل، وأما من أهل بالحج أو جمع بين الحج ~~والعمرة فلم يحلوا حتى كان يوم النحر. # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ~~أخبرنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع أخبرنا الشافعي أخبرنا مسلم عن ~~ابن جريج عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر رضي الله عنه وهو يحدث عن حجة ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ~~ننوي إلا الحج، ولا نعرف ms0175 غيره ولا نعرف العمرة، وروي عن ابن عمر أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أفرد الحج وذهب قوم إلى أن القران أفضل وهو قول ~~الثوري وأصحاب الرأي واحتجوا بما أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا ~~أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم ~~أخبرنا محمد بن هشام بن ملاس النميري أخبرنا مروان بن معاوية الفزاري ~~أخبرنا حميد قال: أنس بن مالك رضي الله عنه: # " أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «لبيك بحجة وعمرة» " # وذهب قوم إلى أن التمتع أفضل، وهو قول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ~~واحتجوا بما أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله ~~النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا يحيى بن بكير ~~أخبرنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله أن ابن عمر رضي ~~الله عنهما قال: # " تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج ~~وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج فتمتع الناس مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالعمرة إلى الحج فكان من الناس من أهدى فساق الهدي ومنهم من لم يهد، ~~فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس «من كان منكم أهدى فإنه ~~لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت، ~~ويسعى بين الصفا والمروة، وليقصر وليتحلل، ثم ليهل بالحج فمن لم يجد ~~هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله» " # فطاف حين قدم مكة، واستلم الركن أول شيء ثم خب ثلاثة أطواف ومشى ~~أربعا، فركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين، ثم سلم فانصرف، ~~فأتى الصفا فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف، ثم لم يتحلل من شيء حرم منه ~~حتى قضى حجه ونحر هدية يوم النحر وأفاض فطاف بالبيت، ثم حل من ms0176 كل شيء ~~حرم منه، وفعل مثل ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهدى وساق ~~الهدي من الناس. # وعن عروة عن عائشة رضي الله عنها أخبرته عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~تمتعه بالعمرة إلى الحج فتمتع الناس معه بمثل الذي أخبرني سالم عن ابن ~~عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال شيخنا الإمام رضي الله عنه، قد اختلفت الرواية في إحرام النبي صلى ~~الله عليه وسلم كما ذكرنا وذكر الشافعي في كتاب اختلاف الأحاديث كلاما ~~موجزا أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان منهم المفرد والقارن ~~والمتمتع وكل كان يأخذ منه أمر نسكه ويصدر عن تعليمه، فأضيف الكل إليه ~~على معنى أنه أمر بها وأذن فيها ويجوز في لغة العرب إضافة (الشيء) إلى ~~الآمر به، كما يجوز إضافته إلى الفاعل له كما يقال بنى فلان دارا، وأريد ~~أنه أمر ببنائها، وكما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا، ~~وإنما أمر برجمه واختار الشافعي الإفراد لرواية جابر وعائشة وابن عمر، ~~وقدمها على رواية غيرهم لتقدم صحبة جابر للنبي صلى الله عليه وسلم وحسن ~~سياقه لابتداء قصة حجة الوداع وآخرها، ولفضل حفظ عائشة رضي الله عنها، ~~وقرب ابن عمر من النبي صلى الله عليه وسلم. # ومال الشافعي في «اختلاف الأحاديث» إلى التمتع، وقال ليس شيء من ~~الاختلاف أيسر من هذا وإن كان الغلط فيه قبيحا من جهة أنه مباح لأن ~~الكتاب ثم السنة ثم مالا أعلم فيه خلافا يدل على أن التمتع بالعمرة إلى ~~الحج وإفراد الحج والقران، واسع كله وقال: من قال إنه أفرد الحج يشبه أن ~~يكون قاله على ما لا يعرف من أهل العلم الذين أدرك دون رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن أحدا لا يكون مقيما على الحج إلا وقد ابتدأ إحرامه ~~بالحج قال الشيخ الإمام رحمه الله: ومما يدل على أنه كان متمتعا أن ~~الرواية عن ابن عمر وعائشة متعارضة، وقد روينا عن ابن شهاب عن ms0177 سالم عن ~~ابن عمر رضي الله عنهما قال: «تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة ~~الوداع بالعمرة إلى الحج وقال ابن شهاب عن عروة أن عائشة أخبرته عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم في تمتعه بالعمرة إلى الحج، فتمتع الناس معه بمثل ~~الذي أخبرني سالم عن ابن عمر وقال ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " هذه عمرة استمتعنا بها " # وقال سعد بن أبي وقاص في المتعة: صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وصنعناها معه. # قال الشيخ الإمام: وما روي عن جابر أنه قال: خرجنا لا ننوي إلا الحج - ~~لا ينافي التمتع لأن خروجهم كان لقصد الحج، ثم منهم من قدم العمرة، ومنهم ~~من أهل بالحج إلى أن أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعله متعة قوله ~~تعالى: { فإن أحصرتم } اختلف العلماء في الإحصار الذي يبيح ~~للمحرم التحلل من إحرامه فذهب جماعة إلى أن كل مانع يمنعه عن الوصول إلى ~~البيت الحرام والمعنى في إحرامه من عدو أو مرض أو جرح أو ذهاب نفقة أو ~~ضلال راحلة، يبيح له التحلل، وبه قال ابن مسعود وهو قول إبراهيم النخعي ~~والحسن ومجاهد وعطاء وقتادة وعروة بن الزبير، وإليه ذهب سفيان الثوري ~~وأهل العراق، وقالوا: لأن الإحصار في كلام العرب هو حبس العلة أو المرض، ~~وقال الكسائي وأبو عبيدة ما كان من مرض أو ذهاب نفقة يقال: منه أحصر فهو ~~محصر وما كان من حبس عدو أو سجن يقال: منه حصر فهو محصور، وإنما جعل ~~ههنا حبس العدو إحصارا قياسا على المرض إذ كان في معناه، واحتجوا بما ~~روي عن عكرمة عن الحجاج بن عمرو الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل ". # قال عكرمة: فسألت ابن عباس وأبا هريرة فقالا صدق. وذهب جماعة إلى أنه لا ~~يباح له التحلل إلا بحبس العدو وهو قول ابن عباس وقال لا حصر إلا حصر ~~العدو، وروي معناه عن ms0178 ابن عمر وعبد الله بن الزبير وهو قول سعيد بن ~~المسيب وسعيد بن جبير وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق، وقالوا الحصر ~~والإحصار بمعنى واحد. # وقال ثعلب: تقول العرب حصرت الرجل عن حاجته فهو محصور، وأحصره العدو إذا ~~منعه عن السير فهو محصر، واحتجوا بأن نزول هذه الآية في قصة الحديبية ~~وكان ذلك حبسا من جهة العدو ويدل عليه قوله تعالى في سياق الآية { ~~فإذآ أمنتم } والأمن يكون من الخوف، وضعفوا حديث الحجاج بن عمرو ~~بما ثبت عن ابن عباس أنه قال: لا حصر إلا حصر العدو، وتأوله بعضهم على ~~أنه إنما يحل بالكسر والعرج إذا كان قد شرط ذلك في عقد الإحرام، كما روي # " أن ضباعة بنت الزبير كانت وجعة فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«حجي واشترطي وقولي اللهم محلي حيث حبستني» ". # ثم المحصر يتحلل بذبح الهدي وحلق الرأس، والهدي شاة وهو المراد من قوله ~~تعالى { فما استيسر من الهدى } ومحل ذبحة حيث أحصر عند ~~أكثر أهل العلم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذبح الهدي عام الحديبية ~~بها، وذهب قوم إلى أن المحصر يقيم على إحرامه ويبعث بهديه إلى الحرم، ~~ويواعد من يذبحه هناك ثم يحل، وهو قول أهل العراق. # واختلف القول في المحصر إذا لم يجد هديا ففي قول لا بد له فيتحلل ~~والهدي في ذمته إلى أن يجده، والقول الثاني: له بدل، فعلى هذا اختلف ~~القول فيه، ففي قول عليه صوم التمتع، وفي قول تقوم الشاة بدراهم ~~ويجعل الدراهم طعاما فيتصدق، به فإن عجز عن الإطعام صام عن كل مد من ~~الطعام يوما كما في فدية الطيب واللبس فإن المحرم إذا احتاج إلى ستر ~~رأسه لحر أو برد أو إلى لبس قميص، أو مرض فاحتاج إلى مداواته بدواء فيه ~~طيب فعل، وعليه الفدية، وفديته على الترتيب والتعديل فعليه ذبح شاة فإن ~~لم يجد يقوم الشاة بدراهم والدراهم يشتري بها طعاما فيتصدق به، فإن ~~عجز صام عن كل مد يوما. ثم المحصر إن كان إحرامه بغرض ms0179 قد استقر عليه ~~فذلك الغرض في ذمته وإن كان بحج تطوع فهل عليه القضاء؟ اختلفوا فيه فذهب ~~جماعة إلى أنه لا قضاء عليه وهو قول مالك والشافعي، وذهب قوم إلى أن عليه ~~القضاء، وهو قول مجاهد والشعبي والنخعي وأصحاب الرأي. # قوله تعالى: { فما استيسر من الهدى } أي فعليه ما تيسر من ~~الهدي ومحله رفع وقيل: ما في محل النصب أي فاهدي ما استيسر والهدي جمع ~~هدية وهي اسم لكل ما يهدى إلى بيت الله تقربا إليه، وما استيسر من الهدي ~~شاة، قاله علي بن أبي طالب وابن عباس، لأنه أقرب إلى اليسر، وقال الحسن ~~وقتادة أعلاه بدنة وأوسطه بقرة وأدناه شاة. # قوله تعالى: { ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ ~~الهدى محله } اختلفوا في المحل الذي يحل المحصر ببلوغ هديه إليه ~~فقال بعضهم: هو ذبحه بالموضع الذي أحصر سواء كان في الحل أو في الحرم، ~~ومعنى محله: حيث يحل ذبحه فيه وأكله. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد ~~بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عبد الله بن محمد أخبرنا عبد ~~الرزاق أخبرنا معمر أخبرني الزهري أخبرني عروة بن الزبير # " عن المسور بن مخرمة في قصة الحديبية قال: فلما فرغ من قضية الكتاب قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «قوموا فانحروا ثم احلقوا، فوالله ~~ما قام رجل منهم حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد، دخل على ~~أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك ~~فاخرج، ثم لا تكلم أحدا منهم بكلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك ~~فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه ودعا حالقه ~~فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم ~~يقتل بعضا غما» " # ، وقال بعضهم: محل هدي المحصر الحرم، فإن كان حاجا فمحله يوم النحر، ~~وإن كان معتمرا فمحله يوم يبلغ هديه الحرم قوله تعالى { فمن كان ~~منكم مريضا أو ms0180 به أذى من رأسه } معناه لا تحلقوا ~~رؤوسكم في حال الإحرام إلا أن تضطروا إلى حلقه لمرض أو لأذى في الرأس من ~~هوام أو صداع { ففدية } فيه إضمار، أي: فحلق فعليه فدية نزلت في كعب بن ~~عجرة. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد ~~بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا الحسن بن خلف أخبرنا إسحاق بن ~~يوسف عن أبي بشر ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: حدثني عبدالرحمن ~~بن أبي ليلى # " عن كعب بن عجرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه وقمله يسقط على ~~وجهه فقال: أيؤذيك هوامك؟ قال نعم فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يحلق وهو بالحديبية ولم يبين لهم أنهم يحلون بها وهم على طمع أن يدخلوا ~~مكة، فأنزل الله الفدية فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطعم فرقا ~~بين ستة مساكين أو يهدي شاة أو يصوم ثلاثة أيام ". # قوله تعالى: { ففدية من صيام } أي ثلاثة أيام { أو ~~صدقة } أي ثلاثة آصع على ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع { أو ~~نسك } واحدتها نسيكة أي ذبيحة أعلاها بدنة وأوسطها بقرة وأدناها شاة، ~~أيتها شاء ذبح، فهذه الفدية على التخيير والتقدير، ويتخير بين أن يذبح أو ~~يصوم أو يتصدق، وكل هدي أو طعام يلزم المحرم يكون بمكة ويتصدق به على ~~مساكين الحرم إلا هديا يلزم المحصر فإنه يذبحه حيث أحصر، وأما الصوم فله ~~أن يصوم حيث شاء قوله تعالى: { فإذآ أمنتم } أي من خوفكم وبرأتم ~~من مرضكم { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما ~~استيسر من الهدى } اختلفوا في هذه المتعة فذهب عبد الله ابن ~~الزبير إلى أن معناه: فمن أحصر حتى فاته الحج ولم يتحلل فقدم مكة يخرج من ~~إحرامه بعمل عمرة واستمتع بإحلاله ذلك بتلك العمرة إلى السنة المستقبلة ~~ثم حج فيكون متمتعا بذلك الإحلال إلى إحرامه الثاني في العام القابل، ~~وقال بعضهم معناه { فإذآ أمنتم } وقد حللتم من إحرامكم بعد ~~الإحصار ولم تقضوا ms0181 عمرة، وأخرتم العمرة إلى السنة القابلة، فاعتمرتم في ~~أشهر الحج ثم حللتم فاستمتعتم بإحلالكم إلى الحج ثم أحرمتم بالحج، فعليكم ~~ما استيسر من الهدي، وهو قول علقمة وإبراهيم النحعي وسعيد بن جبير، وقال ~~ابن عباس وعطاء وجماعة: هو الرجل يقدم معتمرا من أفق من الآفاق في أشهر ~~الحج فقضى عمرته وأقام حلالا بمكة حتى أنشأ منها الحج فحج من عامه ذلك ~~فيكون مستمتعا بالإحلال من العمرة إلى إحرامه بالحج، فمعنى التمتع هو ~~الاستمتاع بعد الخروج من العمرة بما كان محظورا عليه في الإحرام إلى ~~إحرامه بالحج. ولوجوب دم التمتع أربع شرائط: أحدهما أن يحرم بالعمرة في ~~أشهر الحج، والثاني أن يحج بعد الفراغ من العمرة في هذه السنة، والثالث ~~أن يحرم بالحج في مكة ولا يعود إلى الميقات لإحرامه، الرابع أن يكون من ~~حاضري المسجد الحرام، فمتى وجدت هذه الشرائط فعليه ما استيسر من الهدي، ~~وهو دم شاة يذبحه يوم النحر فلو ذبحها قبله بعد ما أحرم بالحج يجوز عند ~~بعض أهل العلم كدماء الجنايات، وذهب بعضهم إلى أنه لا يجوز قبل يوم النحر ~~كدم الأضحية. # قوله تعالى: { فمن لم يجد فصيام ثلثة أيام في ~~الحج } أي صوموا ثلاثة أيام، يصوم يوما قبل التروية ويوم التروية، ~~ويوم عرفة، ولو صام قبله بعدما أحرم بالحج يجوز ولا يجوز يوم النحر ولا ~~أيام التشريق عند أكثر أهل العلم، وذهب بعضهم إلى جواز صوم الثلاث في ~~أيام التشريق. # يروى ذلك عن عائشة وابن عمر وابن الزبير وهو قول مالك والأوزاعي وأحمد ~~وإسحاق. # قوله تعالى: { وسبعة إذا رجعتم } أي صوموا سبعة أيام إذا ~~رجعتم إلى أهليكم وبلدكم، فلو صام السبعة قبل الرجوع إلى أهله لا يجوز، ~~وهو قول أكثر أهل العلم، روي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وقيل يجوز أن ~~يصومها بعد الفراغ من أعمال الحج، وهو المراد من الرجوع المذكور في ~~الآية. # قوله تعالى { تلك عشرة كاملة } ذكرها على وجه التأكيد وهذا ~~لأن العرب ما كانوا يهتدون إلى الحساب فكانوا يحتاجون إلى ms0182 فضل شرح وزيادة ~~بيان، وقيل: فيه تقديم وتأخير يعني فصيام عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة ~~إذا رجعتم فهي عشرة كاملة وقيل: كاملة في الثواب والأجر، وقيل: كاملة ~~فيما أريد به من إقامة الصوم بدل الهدي وقيل: كاملة بشروطها وحدودها، ~~وقيل لفظه خبر ومعناه أمر أي فأكملوها ولا تنقصوها، { ذلك } أي هذا ~~الحكم { لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام } ~~واختلفوا في حاضري المسجد الحرام، فذهب قوم إلى أنهم أهل مكة وهو قول ~~مالك، وقيل: هم أهل الحرم وبه قال طاووس من التابعين وقال ابن جريج: أهل ~~عرفة والرجيع وضجنان ونخلتان، وقال الشافعي رحمه الله: كل من كان وطنه من ~~مكة على أقل من مسافة القصر فهو من حاضري المسجد الحرام، وقال عكرمة: هم ~~من دون الميقات، وقيل هم أهل الميقات فما دونه، وهو قول أصحاب الرأي، ودم ~~القران كدم التمتع والمكي إذا قرن أو تمتع فلا هدي عليه، قال عكرمة: سئل ~~ابن عباس عن متعة الحج، فقال: أهل المهاجرون والأنصار وأزواج النبي ~~صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وأهللنا فلما قدمنا مكة، قال رسول ~~الله: # " اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي " # فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وأتينا النساء ولبسنا الثياب ثم أمرنا ~~عشية التروية أن نهل بالحج، فإذا فرغنا فقد تم حجنا وعلينا الهدي، فجمعوا ~~بين نسكين في عام بين الحج والعمرة فإن الله أنزله في كتابه وسنة نبيه ~~وأباحه للناس من غير أهل مكة قال الله تعالى: { ذلك لمن لم ~~يكن أهله حاضرى المسجد الحرام }. # ومن فاته الحج، وفواته يكون بفوات الوقوف بعرفة حتى يطلع الفجر يوم ~~النحر، فإنه يتحلل بعمل العمرة، وعليه القضاء من قابل والفدية وهي على ~~الترتيب والتقدير كفدية التمتع والقران. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ~~أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن نافع عن سليمان بن يسار أن هبار بن الأسود ~~جاء يوم النحر وعمر بن الخطاب ينحر هديه فقال: يا أمير المؤمنين أخطأنا ~~العدد، كنا ms0183 نظن أن هذا اليوم يوم عرفة، فقال له عمر: اذهب إلى مكة فطف ~~أنت ومن معك بالبيت واسعوا بين الصفا والمروة وانحروا هديا إن كان معكم، ~~ثم احلقوا أوقصروا ثم ارجعوا، فإذا كان عام قابل فحجوا واهدوا فمن لم يجد ~~فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم. # { واتقوا الله } في أداء الأوامر { واعلموا أن الله ~~شديد العقاب } على ارتكاب المناهي. ### || [2.197] # قوله تعالى: { الحج أشهر معلومت } أي وقت الحج أشهر ~~معلومات وهي: شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة إلى طلوع الفجر من يوم ~~النحر، ويروى عن ابن عمر شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة وكل واحد من ~~اللفظين صحيح غير مختلف، فمن قال عشر عبر به عن الليالي ومن قال تسع عبر ~~به عن الأيام، فإن آخر أيامها يوم عرفة، وهو يوم التاسع وإنما قال أشهر ~~بلفظ الجمع وهي شهران وبعض الثالث لأنها وقت والعرب تسمي الوقت تاما ~~بقليله وكثيره فتقول العرب أتيتك يوم الخميس وإنما أتاه في ساعة منه، ~~ويقول زرتك العام، وإنما زاره في بعضه، وقيل الاثنان فما فوقهما جماعة ~~لأن معنى الجمع ضم الشيء إلى الشيء، فإذا جاز أن يسمى الاثنان جماعة ~~جاز أن يسمى الاثنان وبعض الثالث جماعة وقد ذكر الله تعالى الاثنين بلفظ ~~الجمع فقال: # فقد صغت قلوبكما # [التحريم: 4] أي قلباكما، وقال عروة بن الزبير وغيره: أراد بالأشهر ~~شوالا وذا القعدة وذا الحجة كملا لأنه يبقى على الحاج أمور بعد عرفة ~~يجب عليه فعلها، مثل الرمي والذبح والحلق وطواف الزيارة والبيتوتة بمنى ~~فكانت في حكم الحج، { فمن فرض فيهن الحج } أي فمن أوجب على ~~نفسه الحج بالإحرام والتلبية وفيه دليل على أن من أحرم بالحج في غير ~~أشهر الحج لا ينعقد إحرامه بالحج، وهو قول ابن عباس وجابر وبه قال عطاء ~~وطاووس ومجاهد وإليه ذهب الأوزاعي والشافعي وقال ينعقد إحرامه بالعمرة ~~لأن الله تعالى خص هذه الأشهر بغرض الحج فيها فلو انعقد في غيرها لم يكن ~~لهذا التخصيص فائدة، كما أنه علق ms0184 الصلوات بالمواقيت ثم من أحرم بفرض ~~الصلاة قبل دخول وقته لا ينعقد إحرامه عن الفرض وذهب جماعة إلى أنه ينعقد ~~إحرامه بالحج وهو قول مالك والثوري وأبي حنيفة رضي الله عنهم، وأما ~~العمرة: فجميع أيام السنة لها إلا أن يكون متلبسا بالحج، روي عن أنس أنه ~~كان بمكة فكان إذا حمم رأسه خرج فاعتمر. # قوله تعالى: { فلا رفث ولا فسوق } ، قرأ ابن كثير وأهل ~~البصرة { فلا رفث ولا فسوق } بالرفع والتنوين فيهما، وقرأ ~~الآخرون بالنصب من غير تنوين كقوله تعالى: { ولا جدال في الحج ~~} وقرأ أبو جعفر كلها بالرفع والتنوين، واختلفوا في الرفث: قال ابن مسعود ~~وابن عباس وابن عمر هو الجماع وهو قول الحسن ومجاهد وعمرو بن دينار ~~وقتادة وعكرمة والربيع وإبراهيم النخعي، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن ~~عباس: الرفث غشيان النساء والتقبيل والغمز، وأن يعرض لها بالفحش من ~~الكلام قال حصين بن قيس أخذ ابن عباس رضي الله عنه بذنب بعيره فجعل يلويه ~~وهو يحدو ويقول: # وهن يمشين بنا هميسا # إن تصدق الطير ننك لميسا # فقلت له أترفث وأنت محرم، فقال إنما الرفث ما قيل عند النساء، وقال ~~طاووس: الرفث التعريض للنساء بالجماع وذكره بين أيديهن، وقال عطاء: الرفث ~~قول الرجل للمرأة في حال الإحرام إذا حللت أصبتك، وقيل: الرفث الفحش ~~والقول القبيح، أما الفسوق: قال ابن عباس: هو المعاصي كلها وهو قول طاووس ~~والحسن وسعيد بن جبير وقتادة والزهري والربيع القرظي، وقال ابن عمر: هو ~~ما نهي عنه المحرم في حال الإحرام من قتل الصيد وتقليم الأظافر، وأخذ ~~الأشعار، وما أشبههما وقال إبراهيم وعطاء ومجاهد؛ هو السباب بدليل قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر " # وقال الضحاك هو التنابز بالألقاب بدليل قوله تعالى: # ولا تنابزوا بالألقب بئس الاسم الفسوق بعد ~~الإيمان # [الحجرات: 11]. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ~~أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا آدم أخبرنا سيار أبو ~~الحكم قال: سمعت أبا ms0185 حازم يقول: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه ". # قوله تعالى { ولا جدال في الحج } قال ابن مسعود وابن عباس: ~~الجدال أن يماري صاحبه ويخاصمه حتى يغضبه، وهو قول عمرو بن دينار وسعيد ~~بن جبير وعكرمة والزهري وعطاء وقتادة، وقال القاسم بن محمد: هو أن يقول ~~بعضهم الحج اليوم ويقول بعضهم الحج غدا، وقال القرظي: كانت قريش إذا ~~اجتمعت بمنى قال هؤلاء: حجنا أتم من حجكم، وقال هؤلاء: حجنا أتم من حجكم ~~وقال مقاتل: هو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم في حجة الوداع وقد ~~أحرموا بالحج: # " اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي " # قالوا كيف نجعله عمرة وقد سمينا الحج؟ فهذا جدالهم، وقال ابن زيد: كانوا ~~يقفون مواقف مختلفة كلهم يزعم أن موقفه موقف إبراهيم يتجادلون فيه، وقيل: ~~هو ما كان عليه أهل الجاهلية كان بعضهم يقف بعرفة وبعضهم بالمزدلفة، وكان ~~بعضهم يحج في ذي القعدة وبعضهم يحج في ذي الحجة فكل يقول ما فعلته هو ~~الصواب، فقال جل ذكره { ولا جدال في الحج } أي استقر أمر ~~الحج على ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا اختلاف فيه من بعد، ~~وذلك معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض " # قال مجاهد: معناه ولا شك في الحج أنه في ذي الحجة فأبطل النسيء قال أهل ~~المعاني: ظاهر الآية نفي، ومعناها نهى، أي لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا ~~تجادلوا، كقوله تعالى: { لا ريب فيه } أي لا ترتابوا { وما ~~تفعلوا من خير يعلمه الله } أي لا يخفى عليه فيجازيكم ~~به. # قوله تعالى: { وتزودوا فإن خير الزاد التقوى } ~~نزلت في ناس من أهل اليمن كانوا يخرجون إلى الحج بغير زاد ويقولون نحن ~~متوكلون، ويقولون: نحن نحج بيت الله فلا يطعمنا؟ فإذا قدموا مكة سألوا ~~الناس، وربما يفضي بهم الحال ms0186 إلى النهب والغصب، فقال الله عز وجل { ~~وتزودوا } أي ما تتبلغون به وتكفون به وجوهكم، قال أهل التفسير: ~~الكعك والزبيب والسويق والتمر ونحوها { فإن خير الزاد ~~التقوى } من السؤال والنهب { واتقون يأولي الألبب } ~~يا ذوي العقول. ### || [2.198] # قوله تعالى: { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ~~ربكم } أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد ~~الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا علي بن ~~عبد الله أخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ~~كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية فلما كان الإسلام ~~تأثموا من التجارة فيها فأنزل الله تعالى: { ليس عليكم جناح ~~أن تبتغوا فضلا من ربكم } في مواسم الحج، قرأ ابن عباس ~~كذا، وروى عن أبي أمامة التيمي قال: قلت لابن عمر: إنا قوم نكري في هذا ~~الوجه، يعني إلى مكة، فيزعمون أن لا حج لنا، فقال: ألستم تحرمون كما ~~يحرمون وتطوفون كما يطوفون وترمون كما يرمون؟ قلت بلى، قال: أنت حاج: ~~جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الذي سألتني عنه فلم يجبه ~~بشيء حتى نزل جبريل بهذه الآية { ليس عليكم جناح } أي حرج { ~~أن تبتغوا فضلا } أي رزقا { من ربكم } يعني بالتجارة ~~في مواسم الحج { فإذآ أفضتم } دفعتم، والإفاضة: دفع بكثرة وأصله ~~من قول العرب: أفاض الرجل ماء أي صبه { من عرفت } هي جمع ~~عرفة، جمع بما حولها وإن كانت بقعة واحدة كقولهم ثوب أخلاق. # واختلفوا في المعنى الذي لأجله سمي الموقف عرفات واليوم عرفة فقال عطاء: ~~كان جبريل عليه السلام يري إبراهيم عليه السلام المناسك ويقول عرفت؟ ~~فيقول عرفت فسمي ذلك المكان عرفات واليوم عرفة وقال الضحاك: إن آدم عليه ~~السلام لما أهبط إلى الأرض وقع بالهند وحواء بجدة فجعل كل واحد منهما ~~يطلب صاحبه فاجتمعا بعرفات يوم عرفة وتعارفا فسمي اليوم يوم عرفة والموضع ~~عرفات، وقال السدي لما أذن إبراهيم في الناس بالحج وأجابوا بالتلبية ~~وأتاه من أتاه ms0187 أمره الله أن يخرج إلى عرفات ونعتها له فخرج فلما بلغ ~~الجمرة عند العقبة استقبله الشيطان ليرده فرماه بسبع حصيات يكبر مع كل ~~حصاة فطار فوقع على الجمرة الثانية، فرماه وكبر فطار، فوقع على الجمرة ~~الثالثة فرماه وكبر فلما رأى الشيطان أنه لا يطيعه ذهب فانطلق إبراهيم ~~حتى أتى ذا المجاز، فلما نظر إليه لم يعرفه فجاز فسمي ذا المجاز، ثم ~~انطلق حتى وقف بعرفات فعرفها بالنعت فسمي الوقت عرفة والموضع عرفات حتى ~~إذا أمسى ازدلف إلى جمع، أي قرب إلى جمع، فسمي المزدلفة. # وروي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنه أن إبراهيم عليه السلام رأى ~~ليلة التروية في منامه أنه يؤمر بذبح ابنه فلما أصبح روى يومه أجمع أي ~~فكر، أمن الله تعالى هذه الرؤيا أم من الشيطان؟ فسمي اليوم يوم ~~التروية، ثم رأى ذلك ليلة عرفة ثانيا فلما أصبح عرف أن ذلك من الله ~~تعالى، فسمي اليوم يوم عرفة، وقيل سمي بذلك لأن الناس يعترفون في ذلك ~~اليوم بذنوبهم، وقيل سمي بذلك من العرف وهو الطيب، وسمي منى لأنه يمنى ~~فيه الدم أي يصب فيكون فيه الفروث والدماء ولا يكون الموضع طيبا وعرفات ~~طاهرة عنها فتكون طيبة. # قوله تعالى: { فاذكروا الله } بالدعاء والتلبية { عند ~~المشعر الحرام } وهو ما بين جبلي المزدلفة من مأزمي عرفة إلى ~~المحسر، وليس المأزمان ولا المحسر من المشعر، وسمي مشعرا من الشعار ~~وهي العلامة لأنه من معالم الحج، وأصل الحرام: من المنع فهو، ممنوع أن ~~يفعل فيه ما لم يؤذن فيه، وسمي المزدلفة جمعا: لأنه يجمع فيه بين ~~صلاتي المغرب والعشاء، والإفاضة من عرفات تكون بعد غروب الشمس، ومن ~~جمع قبل طلوعها من يوم النحر. # قال طاووس كان أهل الجاهلية يدفعون من عرفة قبل أن تغيب الشمس ومن ~~المزدلفة بعد أن تطلع الشمس ويقولون: أشرق ثبير كيما نغير فأخر الله ~~هذه وقدم هذه. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو اسحاق الهاشمي ~~أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن ms0188 موسى بن عقبة عن كريب مولى عبد الله بن عباس ~~عن أسامة بن زيد أنه سمعه يقول # " دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة حتى إذا كان بالشعب نزل ~~فبال، ثم توضأ فلم يسبغ الوضوء، فقلت له: الصلاة يا رسول الله قال: فقال ~~«الصلاة أمامك» فركب فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء ثم أقيمت ~~الصلاة فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء ~~فصلاها ولم يصل بينهما شيئا ". # وقال جابر: # " دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب ~~والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئا، ثم اضطجع حتى طلع ~~الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى ~~أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة، فدعاه وكبره وهلله ووحده، فلم يزل ~~واقفا حتى أسفر جدا فدفع قبل أن تطلع الشمس ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد ~~بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا زهير بن حرب أخبرنا وهب بن جرير ~~أخبرنا أبي عن يونس الأيلي عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما أن أسامة بن زيد كان ردف النبي صلى الله عليه وسلم ~~من عرفة إلى المزدلفة ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى، قال: فكلاهما ~~قال لم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يلبي حتى رمى جمرة العقبة». # قوله تعالى: { واذكروه كما هداكم } أي واذكروه بالتوحيد ~~والتعظيم كما ذكركم بالهداية فهداكم لدينه ومناسك حجه { وإن كنتم ~~من قبله لمن الضآلين } أي وقد كنتم، وقيل: وما كنتم من ~~قبله إلا من الضالين. كقوله تعالى: # وإن نظنك لمن الكذبين # [الشعراء: 186] أي: وما نظنك إلا من الكاذبين، والهاء في قوله: «من ~~قبله» راجعة إلى الهدى، وقيل: إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كناية ~~عن غير مذكور. ### || [2.199-200] # قوله تعالى: { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس } قال أهل ~~التفسير، كانت قريش وحلفاؤها ومن دان ms0189 بدينها، وهم الحمس، يقفون ~~بالمزدلفة ويقولون: نحن أهل الله وقطان حرمه، فلا نخلف الحرم ولا نخرج ~~منه، ويتعظمون أن يقفوا مع سائر العرب بعرفات، وسائر الناس كانوا يقفون ~~بعرفات، فإذا أفاض الناس من عرفات أفاض الحمس من المزدلفة، فأمرهم الله ~~أن يقفوا بعرفات ويفيضوا منها إلى جمع مع سائر الناس، وأخبرهم أنه سنة ~~إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وقال بعضهم خاطب به جميع المسلمين. # وقوله تعالى { من حيث أفاض الناس } من جمع أي ثم أفيضوا ~~من جمع إلى منى، وقالوا لأن الإفاضة من عرفات قبل الإفاضة من جمع، ~~فكيف يسوغ أن يقول فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام ~~ثم أفيضوا من عرفات؟ والأول قول أكثر أهل التفسير. # وفي الكلام تقديم وتأخير تقديره: فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ~~ولا جدال في الحج ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس فإذا أفضتم من عرفات ~~فاذكروا الله عند المشعر الحرام. # وقيل: ثم بمعنى الواو أي وأفيضوا، كقوله تعالى: # ثم كان من الذين آمنوا # [البلد: 17] وأما الناس فهم العرب كلهم غير الحمس. # وقال الكلبي: هم أهل اليمن وربيعة، وقال الضحاك: الناس ههنا إبراهيم ~~عليه السلام وحده كقوله تعالى: # أم يحسدون الناس # [النساء: 54] وأراد محمدا صلى الله عليه وسلم وحده ويقال هذا الذي ~~يقتدى به ويكون لسان قومه وقال الزهري: الناس ههنا آدم عليه السلام وحده ~~دليله قراءة سعيد بن جبير ثم أفيضوا من حيث أفاض الناسي بالياء وقال هو ~~آدم نسي عهد الله حين أكل من الشجرة. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد ~~بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن ~~هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: سئل أسامة وأنا جالس كيف كان يسير رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع حين دفع؟ قال: كان يسير العنق ~~فإذا وجد فجوة نص، قال هشام: والنص فوق العنق. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله ms0190 النعيمي أخبرنا محمد ~~بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا سعيد بن أبي مريم أخبرنا إبراهيم ~~بن سويد حدثني عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب قال أخبرني سعيد بن جبير ~~مولى والبة الكوفي حدثني ابن عباس أنه دفع مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~يوم عرفة فسمع النبي صلى الله عليه وسلم وراءه زجرا شديدا وضربا للابل ~~فأشار بسوطه إليهم وقال: # " أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر ليس بالإيضاع، { ~~واستغفروا الله إن الله غفور رحيم } " # قوله تعالى: { فإذا قضيتم مناسككم } ، أي فرغتم من حجكم ~~وذبحتم نسائككم، أي ذبائحكم، يقال: نسك الرجل ينسك نسكا إذا ذبح ~~نسيكته، وذلك بعد رمي جمرة العقبة والاستقرار بمنى. { فاذكروا ~~الله } بالتكبير والتحميد والثناء عليه { كذكركم ءابآءكم } ~~وذلك أن العرب كانت إذا فرغت من الحج وقفت عند البيت فذكرت مفاخر آبائها، ~~فأمرهم الله بذكره وقال: فاذكرونى فأنا الذي فعلت ذلك بكم وبآبائكم ~~وأحسنت إليكم وإليهم. # قال ابن عباس وعطاء: معناه فاذكروا الله كذكر الصبيان الصغار الآباء، ~~وذلك أن الصبي أول ما يتكلم يلهج بذكر أبيه لا بذكر غيره فيقول الله ~~فاذكروا الله لا غير كذكر الصبي أباه أو أشد، وسئل ابن عباس عن قوله: { ~~فاذكروا الله كذكركم ءابآءكم } فقيل قد يأتي على ~~الرجل اليوم لا يذكر فيه أباه، قال ابن عباس: ليس كذلك ولكن أن تغضب لله ~~إذا عصي أشد من غضبك لوالديك إذا شتما، وقوله تعالى { أو ~~أشد ذكرا } يعني: أشد ذكرا، وبل أشد، أي وأكثر ذكرا { فمن ~~الناس من يقول ربنآ ءاتنا فى الدنيا } أراد به ~~المشركين كانوا لا يسألون الله تعالى في الحج إلا الدنيا يقولون اللهم ~~أعطنا غنما وإبلا وبقرا وعبيدا، وكان الرجل يقوم فيقول يارب: إن ~~أبي كان عظيم القبة كبير الجفنة كثير المال فأعطني مثل ما أعطيته، قال ~~قتادة هذا عبد نيته الدنيا لها أنفق ولها عمل ونصب { وما له فى ~~الأخرة من خلق }: من حظ ونصيب. ### || [2.201-203] # { ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي ~~الآخرة حسنة وقنا ms0191 عذاب النار } يعني المؤمنين، واختلفوا ~~في معنى الحسنتين، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الدنيا حسنة: ~~امرأة صالحة، وفي الآخرة حسنة: الجنة. # أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد الحنيفي أنا أبو الحسن محمد بن ~~يعقوب الطوسي أخبرنا أبو بكر أحمد بن يوسف بن خلاد أنا الحارث بن أبي ~~أسامة أنا أبو عبد الرحمن المقري أخبرنا حيوة وابن لهيعة قالا أخبرنا ~~شرحبيل بن شريك أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي يحدث عن عبد الله بن عمرو ~~بن العاص رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " الدنيا كلها متاع وخير متاعها المرأة الصالحة " # وقال الحسن: في الدنيا حسنة: العلم والعبادة،وفي الآخرة حسنة، الجنة، ~~وقال السدي وابن حيان: { في الدنيا حسنة } رزقا حلالا وعملا ~~صالحا، { وفي الآخرة حسنة } المغفرة والثواب. # أخبرنا أبو بكر بن محمد بن عبد الله بن أبي توبة أخبرنا أبو طاهر محمد ~~بن أحمد بن الحارث أخبرنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي أخبرنا عبد ~~الله بن محمود أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال ثنا عبد الله بن ~~المبارك عن يحيى بن أيوب حدثني عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن ~~القاسم أبي عبد الرحمن عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أغبط أوليائي عندي مؤمن خفيف الحاذ ذو حظ من الصلاة أحسن عبادة ربه، ~~فأطاعه في السر، وكان غامضا في الناس لا يشار إليه بالأصابع، وكان رزقه ~~كفافا، فصبر على ذلك، ثم (نفض بيده) فقال: هكذا عجلت منيته قلت بواكيه ~~قل تراثه ". # وقال قتادة: في الدنيا عافية وفي الآخرة عافية. وقال عوف في هذه الآية: ~~من آتاه الله الإسلام والقرآن وأهلا ومالا فقد أوتي في الدنيا حسنة ~~وفي الآخرة حسنة. # أخبرنا الشيخ أبو القاسم عبد الله بن علي الكركاني الطوسي أخبرنا أبو ~~طاهر محمد بن محمش الزيادي أخبرنا أبو الفضل عبدوس بن الحسين بن منصور ~~السمسار أخبرنا أبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلي الرازي أخبرنا محمد ms0192 بن ~~عبد الله الأنصاري أخبرنا حميد الطويل عن ثابت البناني عن أنس بن مالك ~~رضي الله عنه قال: # " رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا قد صار مثل الفرخ فقال: هل ~~كنت تدعو الله بشيء أو تسأله إياه؟ فقال: يا رسول الله كنت أقول: اللهم ~~ما كنت معاقبني به في الآخرة فعجله لي في الدنيا فقال: سبحان الله إذن لا ~~تستطيعه ولا تطيقه فهلا قلت «اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة ~~حسنة وقنا عذاب النار» ". # أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد ~~بن أبي إسحاق الحجاجي أخبرنا أبو العباس محمد بن عبد الرحمن الدغولي ~~أخبرنا محمد بن مشكان أخبرنا أبو داود أخبرنا شعبة عن ثابت عن أنس قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: «ربنا آتنا في الدنيا ~~حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» ". # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ~~أخبرنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع بن سليمان أخبرنا الشافعي أخبرنا ~~سعيد بن سالم القداح عن ابن جريج عن يحيى بن عبيد مولى السائب عن أبيه عن ~~عبد الله بن السائب أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: فيما بين ركن ~~بني جمح والركن الأسود: # " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ". # قوله تعالى { أولئك لهم نصيب } حظ { مما كسبوا } ~~من الخير والدعاء بالثواب والجزاء { والله سريع الحساب } يعني ~~إذا حاسب فحسابه سريع لا يحتاج إلى عقد يد ولا وعي صدر ولا إلى رؤية ولا ~~فكر. # قال الحسن: أسرع من لمح البصر وقيل: معناه إتيان القيامة قريب لأن ما هو ~~كائن لا محالة فهو قريب، قال الله تعالى: # وما يدريك لعل الساعة قريب # [الشورى: 17]. # قوله تعالى { واذكروا الله } يعني التكبيرات أدبار الصلاة وعند ~~الجمرات يكبر مع كل حصاة وغيرها من الأوقات { فى أيام ~~معدودت } الأيام المعدودات: هي أيام التشريق، وهي أيام منى ورمي ~~الجمار، سميت ms0193 معدودات لقلتهن كقوله: # درهم معدودة # [يوسف: 20] والأيام المعلومات: عشر ذي الحجة آخرهن يوم النحر. هذا قول ~~أكثر أهل العلم وروي عن ابن عباس المعلومات: يوم النحر ويومان بعده ~~والمعدودات أيام التشريق، وعن علي قال: المعلومات يوم النحر وثلاثة أيام ~~بعده، وقال عطاء عن ابن عباس المعلومات يوم عرفة ويوم النحر وأيام ~~التشريق. وقال محمد بن كعب: هما شيء واحد وهي أيام التشريق، وروى عن ~~نبيشة الهذلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله ". # ومن الذكر في أيام التشريق: التكبير، واختلفوا فيه فروي عن عمر وعبد ~~الله بن عمر أنهما كانا يكبران بمنى تلك الأيام خلف الصلاة وفي المجالس ~~وعلى الفراش والفسطاط وفي الطريق ويكبر الناس بتكبيرهما ويتأولان هذه ~~الآية. والتكبير أدبار الصلوات مشروع في هذه الأيام في حق الحاج وغير ~~الحاج عند عامة العلماء واختلفوا في قدره فذهب قوم إلى أنه يبتدأ ~~التكبير عقيب صلاة الصبح من يوم عرفة ويختتم بعد العصر من آخر أيام ~~التشريق، يروى ذلك عن علي رضي الله عنه، وبه قال مكحول، وإليه ذهب أبو ~~يوسف رضي الله عنه، وذهب قوم إلى أنه يبتدأ التكبير عقيب صلاة الصبح من ~~يوم عرفة ويختتم بعد العصر من يوم النحر، يروى ذلك عن بن مسعود رضي الله ~~عنه وبه قال أبو حنيفة، وقال قوم يبتدأ عقيب صلاة الظهر من يوم النحر ~~ويختتم بعد الصبح من آخر أيام التشريق، يروى ذلك عن ابن عباس وبه قال ~~مالك والشافعي، قال الشافعي: لأن الناس فيه تبع للحاج وذكر الحاج قبل ~~هذا الوقت التلبية ويأخذون في التكبير يوم النحر من بعد صلاة الظهر، ولفظ ~~التكبير: كان سعيد بن جبير والحسن يقولان: الله أكبر الله أكبر الله أكبر ~~ثلاثا نسقا - وهو قول أهل المدينة، وإليه ذهب الشافعي، وقال: وما زاد ~~من ذكر الله فهو حسن، وعند أهل العراق يكبر اثنين يروى ذلك عن ابن مسعود. # قال تعالى: { فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه } ~~أراد أن ms0194 من نفر من الحاج في اليوم الثاني من أيام التشريق { فلا إثم ~~عليه } ، وذلك أن على الحاج أن يبيت بمنى الليلة الأولى والثانية من ~~أيام التشريق ويرمي كل يوم بعد الزوال إحدى وعشرين حصاة، عند كل جمرة سبع ~~حصيات، ورخص في ترك البيتوتة لرعاء الإبل وأهل سقاية الحاج، ثم كل من ~~رمى اليوم الثاني من أيام التشريق وأراد أن ينفر فيدع البيتوتة الليلة ~~الثالثة ورمى يومها فذلك له واسع لقوله تعالى { فمن تعجل فى ~~يومين فلا إثم عليه } ومن لم ينفر حتى غربت الشمس فعليه أن ~~يبيت حتى يرمي اليوم الثالث ثم ينفر، قوله تعالى { ومن تأخر فلا ~~إثم عليه } يعني لا إثم على من تعجل فنفر في اليوم الثاني في ~~تعجيله ومن تأخر حتى ينفر في اليوم الثالث { فلا إثم عليه } في ~~تأخره. وقيل: معناه { فمن تعجل } فقد ترخص { فلا إثم ~~عليه } بالترخص { ومن تأخر فلا إثم عليه } بترك ~~الترخص وقيل معناه رجع مغفورا له، لا ذنب عليه تعجل أو تأخر، كما روينا # " من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه " # وهو قول علي وابن مسعود. # قوله تعالى: { لمن اتقى } أي لمن اتقى أن يصيب في حجه شيئا ~~نهاه الله عنه كما قال: «من حج فلم يرفث ولم يفسق» قال ابن مسعود: إنما ~~جعلت مغفرة الذنوب لمن اتقى الله تعالى في حجه، وفي رواية الكلبي عن ابن ~~عباس معناه { لمن اتقى } الصيد لا يحل له أن يقتل صيدا حتى تخلو ~~أيام التشريق، وقال أبو العالية ذهب إثمه إن اتقى فيما بقي من عمره { ~~واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون } ~~تجمعون في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم. ### || [2.204-207] # قوله تعالى { ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة ~~الدنيا } قال الكلبي ومقاتل وعطاء نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي ~~حليف بني زهرة واسمه أبي وسمي الأخنس لأنه خنس يوم بدر بثلاثمائة رجل من ~~بني زهرة عن قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وكان رجلا حلو الكلام، ~~حلو المنظر، وكان يأتي ms0195 رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجالسه ويظهر ~~الإسلام، ويقول إني لأحبك، ويحلف بالله على ذلك، وكان منافقا، فكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يدنى مجلسه فنزل قوله تعالى { ومن ~~الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا } أي تستحسنه ~~ويعظم في قلبك. # ويقال في الاستحسان أعجبني كذا وفي الكراهية والإنكار عجبت من كذا { ~~ويشهد الله على ما فى قلبه } يعني قول المنافق: والله ~~إني بك مؤمن ولك محب { وهو ألد الخصام } أي شديد الخصومة، ~~يقال لددت يا هذا وأنت تلد لدا ولدادة، فإذا أردت أنه غلب على خصمه ~~قلت: لده يلده لدا، يقال: رجل ألد وامرأة لداء وقوم لد، قال الله ~~تعالى: # وتنذر به قوما لدا # [مريم: 97]. قال الزجاج: اشتقاقه من لديدي العنق وهما صفحتاه، وتأويله: ~~أنه في أي وجه أخذ من يمين أو شمال في أبواب الخصومة غلب، والخصام مصدر ~~خاصمه خصاما ومخاصمة قاله أبو عبيدة. وقال الزجاج: وهو جمع خصم يقال: ~~خصم وخصام وخصوم مثل بحر وبحار وبحور قال الحسن: ألد الخصام أي كاذب ~~القول، قال قتادة: شديد القسوة في المعصية، جدل بالباطل يتكلم بالحكمة ~~ويعمل بالخطيئة. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ~~أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا أبو عاصم عن ابن جريج ~~عن ابن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " إن أبغض الرجال إلى الله تعالى الألد الخصم " # { وإذا تولى } أي أدبر وأعرض عنك { سعى فى الأرض } أي عمل ~~فيها، وقيل: سار فيها ومشى { ليفسد فيها } قال ابن جريج قطع الرحم ~~وسفك دماء المسلمين { ويهلك الحرث والنسل } وذلك أن الأخنس ~~كان بينه وبين ثقيف خصومة فبيتهم ليلا فأحرق زروعهم وأهلك مواشيهم. # قال مقاتل: خرج إلى الطائف مقتضيا مالا له على غريم فأحرق له كدسا ~~وعقر له أتانا، والنسل: نسل كل دابة والناس منهم، وقال الضحاك: { وإذا ~~تولى } أي ملك الأمر وصار واليا { سعى فى الأرض } قال ~~مجاهد: في ms0196 قوله عز وجل { وإذا تولى سعى فى الأرض } قال ~~إذا ولي فعمل بالعدوان والظلم أمسك الله المطر وأهلك الحرث والنسل { ~~والله لا يحب الفساد } أي لا يرضى بالفساد، وقال سعيد بن ~~المسيب: قطع الدرهم من الفساد في الأرض. # قوله: { وإذا قيل له اتق الله } أي خف الله { أخذته ~~العزة بالإثم } أي حملته العزة وحمية الجاهلية على الفعل ~~بالإثم أي بالظلم، والعزة: والتكبر والمنعة، وقيل معناه { أخذته ~~العزة } للإثم الذي في قلبه، فأقام الباء مقام اللام. # قوله: { فحسبه جهنم } أي كافيه { ولبئس المهاد } أي ~~الفراش، قال عبد الله بن مسعود: إن من أكبر الذنب عند الله أن يقال ~~للعبد: اتق الله فيقول: عليك بنفسك. # وروي أنه قيل لعمر بن الخطاب: اتق الله، فوضع خده على الأرض تواضعا لله ~~عز وجل. # قوله تعالى: { ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء ~~مرضات الله } أي لطلب رضاء الله تعالى { والله رءوف ~~بالعباد } روي عن ابن عباس والضحاك: أن هذه الآية نزلت في سرية ~~الرجيع وذلك أن كفار قريش بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~بالمدينة: إنا قد أسلمنا فابعث إلينا نفرا من علماء أصحابك يعلموننا ~~دينك، وكان ذلك مكرا منهم، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خبيب بن ~~عدي الأنصاري ومرثد بن أبي مرثد الغنوي وخالد بن بكير وعبد الله بن ~~طارق بن شهاب البلوي وزيد بن الدثنة وأمر عليهم عاصم بن ثابت بن ~~أبي الأفلح الأنصاري، قال أبو هريرة: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عشرة عينا وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري فساروا فنزلوا ببطن الرجيع ~~بين مكة والمدينة ومعهم تمر عجوة فأكلوا فمرت عجوز فأبصرت النوى فرجعت ~~إلى قومها بمكة وقالت: قد سلك هذا الطريق أهل يثرب من أصحاب محمد صلى ~~الله عليه وسلم، فركب سبعون رجلا، منهم معهم الرماح حتى أحاطوا بهم، ~~وقال أبو هريرة رضي الله عنه: ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان ~~فنفروا لهم بقريب من مائة رجل رام فاقتفوا آثارهم حتى ms0197 وجدوا مأكلهم ~~التمر في منزل نزلوه فقالوا: تمر يثرب، فاتبعوا آثارهم، فلما أحس بهم ~~عاصم وأصحابه لجأوا إلى فدفد فأحاط بهم القوم فقتلوا مرثدا وخالدا وعبد ~~الله بن طارق، ونثر عاصم بن ثابت كنانته وفيها سبعة أسهم فقتل بكل سهم ~~رجلا من عظماء المشركين ثم قال: اللهم إني قد حميت دينك صدر النهار فاحم ~~لحمي آخر النهار، ثم أحاط به المشركون فقتلوه، فلما قتلوه أرادوا جز ~~رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن شهيد وكانت قد نذرت حين أصاب ابنها ~~يوم أحد لئن قدرت على رأس عاصم لتشربن في قحفه الخمر فأرسل الله رجلا ~~من الدبر - وهي الزنابير - فحمت عاصما فلم يقدروا عليه، فسمي حمي ~~الدبر فقالوا دعوه حتى تمسي فتذهب عنه فنأخذه فجاءت سحابة سوداء ~~وأمطرت مطرا كالعزالي فبعث الله الوادي غديرا فاحتمل عاصما به فذهب ~~به إلى الجنة وحمل خمسين من المشركين إلى النار وكان عاصم قد أعطى الله ~~تعالى عهدا أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركا أبدا. # وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول حين بلغه أن الدبر منعته يقول: ~~عجبا لحفظ الله العبد المؤمن كان عاصم نذر أن لا يمسه مشرك ولا يمس ~~مشركا أبدا فمنعه الله بعد وفاته كما امتنع عاصم في حياته. # وأسر المشركون خبيب بن عدي الأنصاري، وزيد بن الدثنة فذهبوا بهما إلى ~~مكة، فأما خبيب فابتاعه بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف ليقتلوه ~~بأبيهم، وكان خبيب هو الذي قتل الحارث يوم بدر، فلبث خبيب عندهم أسيرا ~~حتى أجمعوا على قتله فاستعار من بنات الحارث موسى ليستحد بها فأعارته ~~فدرج بني لها وهي غافلة فما راع المرأة إلا خبيب قد أجلس الصبي على ~~فخذه والموسى بيده، فصاحت المرأة فقال خبيب، أتخشين أن أقتله؟ ما كنت ~~لأفعل ذلك إن الغدر ليس من شأننا، فقالت المرأة بعد: والله ما رأيت ~~أسيرا خيرا من خبيب، والله لقد وجدته يوما يأكل قطفا من عنب في يده ~~وإنه لموثق بالحديد، وما بمكة من ms0198 ثمرة، إن كان إلا رزقا رزقه الله ~~خبيبا، ثم إنهم خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل وأرادوا أن يصلبوه ~~فقال لهم خبيب دعوني أصلي ركعتين، فتركوه فكان خبيب هو أول من سن لكل ~~مسلم قتل صبرا الصلاة، فركع ركعتين، ثم قال: لولا أن يحسبوا أن ما بي ~~جزع لزدت، اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تبق منهم أحدا ثم أنشأ ~~يقول: # فلست أبالي حين أقتل مسلما # على أي شق كان في الله مصرعي # وذلك في ذات الإله وإن يشأ # يبارك على أوصال شلو ممزع # فصلبوه حيا فقال اللهم: إنك تعلم أنه ليس أحد حولي يبلغ سلامي رسولك ~~فأبلغه سلامي، ثم قام أبو سروعة عقبة بن الحارث فقتله. # ويقال: كان رجل من المشركين يقال له سلامان، أبو ميسرة، معه رمح فوضعه ~~بين ثديي خبيب فقال له خبيب: اتق الله فما زاده ذلك إلا عتوا فطعنه ~~فأنفذه وذلك قوله عز وجل { وإذا قيل له اتق الله أخذته ~~العزة بالإثم } يعني سلامان. وأما زيد بن الدثنة فابتاعه ~~صفوان بن أمية ليقتله بأبيه أمية بن خلف فبعثه مع مولى له يسمى نسطاس إلى ~~التنعيم ليقتله بأبيه واجتمع معه رهط من قريش فيهم أبو سفيان بن حرب فقال ~~له أبو سفيان حين قدم ليقتل: أنشدك الله يا زيد أتحب أن محمدا ~~عندنا الآن بمكانك نضرب عنقه وأنت في أهلك؟ فقال: والله ما أحب أن محمدا ~~صلى الله عليه وسلم الآن في مكانه الذي هو فيه يصيبه شوكة تؤذيه وأنا ~~جالس في أهلي. # فقال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد ~~محمدا، ثم قتله النسطاس. فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم هذا الخبر ~~قال لأصحابه # " أيكم (ينزل) خبيبا عن خشبته وله الجنة؟ " # فقال الزبير: أنا يا رسول الله وصاحبي المقداد بن الأسود، فخرجا يمشيان ~~بالليل ويكمنان بالنهار حتى أتيا التنعيم ليلا وإذا حول الخشبة أربعون ~~رجلا من المشركين نائمون نشاوى فأنزلاه فإذا هو رطب ينثني لم يتغير منه ~~شيء ms0199 بعد أربعين يوما، ويده على جراحته وهي تبض دما اللون لون الدم ~~والريح ريح المسك، فحمله الزبير على فرسه وسارا فانتبه الكفار وقد فقوا ~~خبيبا فأخبروا قريشا فركب منهم سبعون، فلما لحقوهما قذف الزبير خبيبا ~~فابتلعته الأرض فسمي بليع الأرض. # فقال الزبير: ما جرأكم علينا يا معشر قريش، ثم رفع العمامة عن رأسه ~~وقال: أنا الزبير بن العوام وأمي صفية بنت عبد المطلب وصاحبي المقداد بن ~~الأسود أسدان رابضان يدفعان شبليهما فإن شئتم ناضلتكم وإن شئتم نازلتكم ~~وإن شئتم انصرفتم، فانصرفوا إلى مكة، وقدما على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وجبريل عنده فقال يا محمد إن الملائكة لتباهي بهذين من أصحابك فنزل ~~في الزبير والمقداد بن الأسود { ومن الناس من يشري نفسه ~~ابتغاء مرضات الله } حين شريا أنفسهما لإنزال خبيب عن خشبته. # وقال أكثر المفسرين: نزلت في صهيب بن سنان الرومي حين أخذه المشركون في ~~رهط من المؤمنين فعذبوهم، فقال لهم صهيب إني شيخ كبير لا يضركم أمنكم ~~كنت أم من غيركم فهل لكم أن تأخذوا مالي وتذروني وديني؟ ففعلوا، وكان ~~شرط عليهم راحلة ونفقة فأقام بمكة ما شاء الله ثم خرج إلى المدينة فتلقاه ~~أبو بكر وعمر في رجال، فقال له أبو بكر ربح بيعك يا أبا يحيى، فقال له ~~صهيب: وبيعك فلا تتحسر، قال صهيب: ما ذاك؟ فقال أنزل الله فيك، وقرأ عليه ~~هذه الآية. # وقال سعيد بن المسيب وعطاء: أقبل صهيب مهاجرا نحو النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فاتبعه نفر من مشركي قريش فنزل عن راحلته ونثل ما كان في كنانته، ~~ثم قال: يا معشر قريش لقد علمتم أني لمن أرماكم رجلا والله لا أضع سهما ~~مما في كنانتي إلا في قلب رجل منكم وايم الله لا تصلون إلي حتى أرمي بكل ~~سهم من كنانتي ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي ثم افعلوا ما شئتم، وإن شئتم ~~دللتكم على مالي بمكة وخليتم سبيلي قالوا: نعم. ففعل ذلك، فأنزل الله هذه ~~الآية. # وقال الحسن: أتدرون فيمن ms0200 نزلت هذه الآية؟ نزلت في المسلم يلقى الكافر ~~فيقول له قل لا إله إلاالله فيأبى أن يقولها، فقال المسلم والله لأشرين ~~نفسي لله. # فتقدم فقاتل وحده حتى قتل. # وقيل نزلت الآية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال ابن عباس: أرى ~~من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله يقوم فيأمر هذا بتقوى الله، فإذا لم يقبل ~~وأخذته العزة بالإثم، قال وأنا أشري نفسي لله فقاتله فاقتتل الرجلان ~~لذلك، وكان علي إذا قرأ هذه الآية يقول: اقتتلا ورب الكعبة، وسمع عمر بن ~~الخطاب إنسانا يقرأ هذه الآية { ومن الناس من يشري نفسه ~~ابتغاء مرضات الله } فقال عمر (إنا لله وإنا إليه راجعون) قام ~~رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقتل. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا عبد الرحمن بن شريح أخبرنا أبو ~~القاسم البغوي أخبرنا علي بن الجعد أخبرنا حماد بن سلمة عن أبي غالب # " عن أبي أمامة أن رجلا قال: يا رسول الله أي الجهاد أفضل؟ قال «أفضل ~~الجهاد من قال كلمة حق عند سلطان جائر» ". ### || [2.208-210] # قوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا ادخلوا في ~~السلم كآفة } قرأ أهل الحجاز والكسائي السلم ههنا بفتح السين ~~وقرأ الباقون بكسرها، وفي سورة الأنفال «وإن جنحوا للسلم» بالكسر، وقرأ ~~أبو بكر والباقون بالفتح، وفي سورة محمد صلى الله عليه وسلم بالكسر حمزة ~~وأبو بكر. # نزلت هذه الآية في مؤمني أهل الكتاب عبد الله بن سلام النضيري وأصحابه، ~~وذلك أنهم كانوا يعظمون السبت ويكرهون لحمان الإبل وألبانها بعدما ~~أسلموا وقالوا: يا رسول الله إن التوراة كتاب الله فدعنا فلنقم بها في ~~صلاتنا بالليل فأنزل الله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا ~~ادخلوا في السلم كآفة } أي في الإسلام، قال مجاهد في أحكام ~~أهل الإسلام وأعمالهم { كآفة } أي جميعا، وقيل: ادخلوا في الإسلام ~~إلى منتهى شرائعه كافين عن المجاوزة إلى غيره، وأصل السلم من الاستسلام ~~والانقياد، ولذلك قيل للصلح سلم، قال حذيفة بن اليمان في هذه الآية: ~~الإسلام ثمانية أسهم فعد الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والعمرة، ~~والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي ms0201 عن المنكر، وقال: قد خاب من لا سهم له. # { ولا تتبعوا خطوت الشيطان } أي آثاره فيما زين لكم من ~~تحريم السبت ولحوم الابل وغيره { إنه لكم عدو مبين }. # أخبرنا محمد بن الحسن المروزي أخبرنا أبو العباس الطحان أخبرنا أبو أحمد ~~محمد بن قريش أخبرنا علي بن عبد العزيز المكي أخبرنا أبو عبيد القاسم بن ~~سلام أخبرنا هشيم أخبرنا مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم حين أتاه عمر فقال: # " إنا نسمع أحاديث من يهود فتعجبنا، أفترى أن نكتب بعضها؟ فقال: ~~«أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية ولو ~~كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي» ". # { فإن زللتم } أي ضللتم وقيل: ملتم، يقال زلت قدمه تزل زلا ~~وزللا إذا دحضت، قال ابن عباس: يعني الشرك، قال قتادة: قد علم الله أنه ~~سيزل زالون من الناس فتقدم في ذلك وأوعد فيه ليكون له به الحجة عليهم { ~~من بعد ما جآءتكم البينت } أي الدلالات الواضحات { ~~فاعلموا أن الله عزيز } في نقمته { حكيم } في أمره، ~~فالعزيز: هو الغالب الذي لا يفوته شيء، والحكيم: ذو الإصابة في الأمر. # قوله تعالى: { هل ينظرون } أي هل ينظر التاركون الدخول في السلم ~~والمتبعون خطوات الشيطان يقال: نظرته وانتظرته بمعنىواحد، فإذا كان ~~النظر مقرونا بذكر الله أو بذكر الوجه أو إلى، لم يكن إلا بمعنى الرؤية ~~{ إلا أن يأتيهم الله في ظلل } جمع ظلة { من ~~الغمام } وهو السحاب الأبيض الرقيق سمي غماما لأنه يغم أي يستر، ~~وقال مجاهد: هو غير السحاب، ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم: قال ~~مقاتل: كهيئة الضباب أبيض، قال الحسن: في سترة من الغمام فلا ينظر إليه ~~أهل الأرض { والملئكة } قرأ أبو جعفر بالخفض عطفا على الغمام، ~~تقديره: مع الملائكة، تقول العرب: أقبل الأمير في العسكر، أي مع العسكر، ~~وقرأ الباقون بالرفع على معنى: إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من ~~الغمام، والأولى في هذه الآية وما شاكلها ان يؤمن الانسان بظاهرها ms0202 ويكل ~~علمها إلى الله تعالى، ويعتقد أن الله عز اسمه منزه عن سمات الحدث، على ~~ذلك مضت أئمة السف وعلماء السنة. # قال الكلبي: هذا هو المكتوم الذي لا يفسر، وكان مكحول والزهري والأوزاعي ~~ومالك وابن المبارك وسفيان الثوري والليث بن سعد وأحمد وإسحاق يقولون ~~فيها وفي أمثالها: أمروها كما جاءت بلا كيف، قال سفيان بن عيينه: كل ~~ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره قراءته، والسكوت عنه، ليس لأحد ~~أن يفسره إلا الله تعالى ورسوله. # قوله تعالى: { وقضى الأمر } أي وجب العذاب، وفرغ من الحساب، ~~وذلك فصل الله القضاء بالحق بين الخلق يوم القيامة { وإلى الله ~~ترجع الأمور } قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي ويعقوب بفتح التاء ~~وكسر الجيم وقرأ الباقون بضم التاء وفتح الجيم. ### || [2.211-213] # قوله تعالى { سل بني إسرءيل } أي سل يا محمد يهود المدينة { ~~كم آتينهم } أعطينا آباءهم وأسلافهم { من آية بينة } ~~دلالة واضحة على نبوة موسى عليه السلام، مثل العصا واليد البيضاء، وفلق ~~البحر وغيرها. وقيل: معناها الدلالات التي آتاهم الله في التوراة ~~والإنجيل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. # { ومن يبدل } يغير { نعمة الله } كتاب الله، وقيل: عهد ~~الله وقيل: من ينكر الدلالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم { من ~~بعد ما جآءته فإن الله شديد العقاب * زين ~~للذين كفروا الحياة الدنيا } الأكثرون على أن المزين هو ~~الله تعالى، والتزيين من الله تعالى هو أنه خلق الأشياء الحسنة ~~والمناظر العجيبة، فنظر الخلق إليها بأكثر من قدرها فأعجبتهم ففتنوا بها، ~~وقال الزجاج: زين لهم الشيطان، قيل نزلت هذه الآية في مشركي العرب أبي ~~جهل واصحابه كانوا يتنعمون بما بسط الله لهم في الدنيا من المال ويكذبون ~~بالمعاد { ويسخرون من الذين ءامنوا } أي يستهزؤون ~~بالفقراء من المؤمنين. # قال ابن عباس: أراد بالذين آمنوا عبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر ~~وصهيبا وبلالا وخبابا وأمثالهم، وقال مقاتل: نزلت في المنافقين عبد ~~الله بن أبي وأصحابه، وكانوا يتنعمون في الدنيا ويسخرون من ضعفاء ~~المؤمنين وفقراء المهاجرين ويقولون ms0203 انظروا إلى هؤلاء الذين يزعم محمد أنه ~~يغلب بهم، وقال عطاء: نزلت في رؤساء اليهود من بني قريظة والنضير وبني ~~قينقاع سخروا من فقراء المهاجرين فوعدهم الله أن يعطيهم أموال بني قريظة ~~والنضير بغير قتال { ويسخرون من الذين ءامنوا } لفقرهم { ~~والذين اتقوا } يعني هؤلاء الفقراء، { فوقهم يوم ~~القيمة } لأنهم في أعلى عليين وهم في أسفل السافلين. # أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري أخبرنا جدي عبد الصمد بن عبد ~~الرحمن البزاز أخبرنا أبو بكر محمد بن زكريا العذافري أخبرنا إسحاق ~~الدبري أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن سليمان التيمي عن أبي عثمان ~~النهدي عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " وقفت على باب الجنة فرأيت أكثر أهلها المساكين ووقفت على باب النار ~~فرأيت أكثر أهلها النساء وإذا أهل الجد محبوسون إلا من كان منهم من ~~أهل النار فقد أمر به إلى النار ". # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ~~أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل ثنا إسحاق بن ابراهيم حدثني ~~عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل بن سعد الساعدي أنه قال: # " مر رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لرجل عنده جالس ما رأيك ~~في هذا؟ فقال رجل من أشراف الناس: هذا والله حري إن خطب أن ينكح وإن شفع ~~أن يشفع، قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم مر رجل آخر فقال له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما رأيك في هذا؟ فقال: يا رسول الله إن ~~هذا رجل من فقراء المسلمين هذا حري إن خطب أن لا ينكح وإن شفع أن لا يشفع ~~وإن قال أن لا يسمع لقوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا خير ~~من ملء الأرض مثل هذا ". # { والله يرزق من يشآء بغير حساب } قال ابن عباس: ~~يعني كثيرا بغير مقدار، لأن كل ما دخل عليه الحساب فهو قليل، يريد: يوسع ~~على ms0204 من يشاء ويبسط لمن يشاء من عباده، وقال الضحاك: يعني من غير تبعة ~~يرزقه في الدنيا ولا يحاسبه في الآخرة، وقيل: هذا يرجع إلى الله تعالى، ~~معناه: يقتر على من يشاء ويبسط لمن يشاء ولا يعطي كل أحد بقدر حاجته بل ~~يعطي الكثير لمن لا يحتاج إليه ولا يعطي القليل من يحتاج إليه فلا يعترض ~~عليه، ولا يحاسب فيما يرزق ولا يقال لم أعطيت هذا وحرمت هذا؟ ولم أعطيت ~~هذا أكثر مما أعطيت ذاك؟ وقيل معناه لا يخاف نفاذ خزائنه فيحتاج إلى حساب ~~ما يخرج منها لأن الحساب من المعطي إنما يكون لما يخاف من نفاذ خزائنه. # قوله تعالى: { كان الناس أمة واحدة } على دين واحد، قال ~~مجاهد: أراد آدم وحده، كان أمة واحدة، قال: سمي الواحد بلفظ الجمع لأنه ~~أصل النسل وأبو البشر، ثم خلق الله تعالى حواء ونشر منهما الناس ~~فانتشروا وكانوا مسلمين إلى أن قتل قابيل هابيل فاختلفوا { فبعث ~~الله النبيين } قال الحسن وعطاء: كان الناس من وقت وفاة آدم إلى ~~مبعث نوح أمة واحدة على ملة الكفر أمثال البهائم، فبعث الله نوحا وغيره ~~من النبيين. وقال قتادة وعكرمة: كان الناس من وقت آدم إلى مبعث نوح وكان ~~بينهما عشرة قرون كلهم على شريعة واحدة من الحق والهدى, ثم اختلفوا في ~~زمن نوح فبعث الله إليهم نوحا، فكان أول نبي بعث، ثم بعث بعده النبيين. # وقال الكلبي هم أهل سفينة نوح كانوا مؤمنين ثم اختلفوا بعد وفاة نوح. # وروي عن ابن عباس قال: كان الناس على عهد إبراهيم عليه السلام أمة واحدة ~~كفارا كلهم فبعث الله إبراهيم وغيره من النبيين، وقيل: كان العرب على ~~دين ابراهيم إلى أن غيره عمرو بن لحي. وروي عن أبي العالية عن أبي بن كعب ~~قال: كان الناس حين عرضوا على آدم، وأخرجوا من ظهره وأقروا بالعبودية أمة ~~واحدة مسلمين كلهم، ولم يكونوا أمة واحدة قط غير ذلك اليوم، ثم اختلفوا ~~بعد آدم نظيره في سورة يونس: # وما كان الناس إلا أمة ms0205 واحدة فاختلفوا # [يونس:19] وجملتهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا والرسل منهم ثلثمائة ~~وثلاثة عشر، والمذكورون في القرآن باسم العلم ثمانية وعشرون نبيا { ~~مبشرين } بالثواب من آمن وأطاع { ومنذرين } محذرين بالعقاب ~~من كفر وعصى { وأنزل معهم الكتب } أي الكتب، تقديره وأنزل ~~مع كل واحد منهم الكتاب { بالحق } بالعدل والصدق { ليحكم ~~بين الناس } قرأ أبو جعفر { ليحكم } بضم الياء وفتح الكاف ~~ههنا وفي أول آل عمران وفي النور موضعين لأن الكتاب لا يحكم في الحقيقة ~~إنما (الحكم) به، وقراءة العامة بفتح الياء وضم الكاف، أي ليحكم الكتاب ~~ذكره على سعة الكلام كقوله تعالى # هذا كتبنا ينطق عليكم بالحق # [الجاثية: 29]. وقيل معناه ليحكم كل نبي بكتابة { فيما اختلفوا ~~فيه وما اختلف فيه } أي في الكتاب { إلا الذين أوتوه ~~} أي أعطوا الكتاب { من بعد ما جآءتهم البينت } يعني ~~أحكام التوراة والإنجيل، قال الفراء: ولاختلافهم معنيان: # أحدهما كفر بعضهم بكتاب بعض قال الله تعالى: # ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض # [النساء: 150] والآخر تحريفهم كتاب الله قال الله: # يحرفون الكلم عن مواضعه # [النساء: 46] وقيل الآية راجعة إلى محمد صلى الله عليه وسلم وكتابه ~~اختلف فيه أهل الكتاب { من بعد ما جآءتهم البينت } صفة ~~محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم { بغيا } وظلما وحسدا { ~~بينهم فهدى الله الذين ءامنوا لما اختلفوا ~~فيه } أي لما اختلفوا فيه { من الحق بإذنه } بعلمه وارادته ~~فيهم. قال ابن زيد في هذه الآية: اختلفوا في القبلة فمنهم من يصلي إلى ~~المشرق ومنهم من يصلي إلى المغرب ومنهم من يصلي إلى بيت المقدس، فهدانا ~~الله إلى الكعبة، واختلفوا في الصيام فهدانا الله لشهر رمضان، واختلفوا ~~في الأيام، فأخذت اليهود السبت والنصارى الأحد فهدانا الله للجمعة ~~واختلفوا في ابراهيم عليه السلام، فقالت اليهود كان يهوديا، وقالت ~~النصارى كان نصرانيا فهدانا الله للحق من ذلك، واختلفوا في عيسى فجعلته ~~اليهود لفرية وجعلته النصارى إلها وهدانا الله للحق فيه { ~~والله يهدى من يشآء إلى صراط مستقيم }. ### || [2.214] # قوله تعالى: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة } قال قتادة ~~والسدي: ms0206 نزلت هذه الآية في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من ~~الجهد وشدة الخوف والبرد وضيق العيش وأنواع الأذى كما قال الله تعالى: # وبلغت القلوب الحناجر # [الأحزاب: 10] وقيل نزلت في حرب أحد. # وقال عطاء: لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة اشتد ~~عليهم الضر، لأنهم خرجوا بلا مال وتركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين ~~وآثروا رضا الله ورسوله، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وأسر قوم النفاق فأنزل الله تعالى تطييبا لقلوبهم { أم ~~حسبتم } أي: أحسبتم، والميم صلة، قاله الفراء، وقال الزجاج: بل ~~حسبتم، ومعنى الآية: أظننتم أيها المؤمنون أن تدخلوا الجنة { ولما ~~يأتكم } وما صلة { مثل الذين خلوا } شبه الذين مضوا { ~~من قبلكم } من النبيين والمؤمنين { مستهم البأسآء } ~~الفقر والشدة والبلاء، { والضرآء } المرض والزمانة { وزلزلوا ~~} أي حركوا بأنواع البلايا والرزايا وخوفوا { حتى يقول الرسول ~~والذين ءامنوا معه متى نصر الله } ما زال البلاء بهم ~~حتى استبطؤوا النصر. # قال الله تعالى: { ألا إن نصر الله قريب } قرأ نافع حتى ~~يقول الرسول بالرفع معناه حتى قال الرسول، وإذا كان الفعل الذي يلي حتى ~~في معنى الماضي ولفظه (لفظ) المستقبل فلك فيه وجهان الرفع والنصب، فالنصب ~~على ظاهر الكلام، لأن حتى تنصب الفعل المستقبل، والرفع لأن معناه الماضي، ~~وحتى لا تعمل في الماضي. ### || [2.215-216] # قوله تعالى: { يسألونك ماذا ينفقون } نزلت في عمرو بن الجموح، وكان ~~شيخا كبيرا ذا مال فقال: يا رسول الله بماذا نتصدق وعلى من ننفق؟ فأنزل ~~الله تعالى { يسألونك ماذا ينفقون } وفي قوله { ماذا } ~~وجهان من الإعراب أحدهما أن يكون محله نصبا بقوله (ينفقون) تقديره أي ~~شيء ينفقون والآخر أن يكون رفعا بما، ومعناه ما الذي ينفقون { قل مآ ~~أنفقتم من خير } أي من مال { فللولدين ~~والأقربين واليتمى والمسكين وابن السبيل ~~وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم } يجازيكم ~~به قال أهل التفسير: كان هذا قبل فرض الزكاة فنسخت بالزكاة. # قوله تعالى: { كتب عليكم القتال } أي فرض عليكم الجهاد، ~~واختلف العلماء في ms0207 حكم هذه الآية فقال عطاء: الجهاد تطوع، والمراد من ~~الآية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيرهم، وإليه ذهب الثوري ~~واحتج من ذهب إلى هذا بقوله تعالى: # فضل الله المجهدين بأمولهم وأنفسهم على ~~القعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى # [النساء: 95] ولو كان القاعد تاركا فرضا لم يكن يعده الحسنى، وجرى ~~بعضهم على ظاهر الآية، وقال: الجهاد فرض على كافة المسلمين إلى قيام ~~الساعة. # أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي الخوارزمي أخبرنا أبو اسحاق ~~أحمد بن محمد بن ابراهيم الثعلبي أخبرنا أبو عمرو أحمد بن أبي ~~الفراتي أخبرنا أبو الهيثم بن كليب أخبرنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة ~~أخبرنا سعيد بن عثمان السعيدي عن عمر بن محمد بن المنكدر عن سمي عن ~~أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق ". # وقال قوم، وعليه الجمهور: إن الجهاد فرض على الكفاية إذا قام به البعض ~~سقط عن الباقين مثل صلاة الجنازة ورد السلام، قال الزهري والأوزاعي: كتب ~~الله الجهاد على الناس غزوا أو قعدوا، فمن غزا فبها ونعمت ومن قعد فهو ~~عدة إن استعين به أعان وإن استنفر نفر وإن استغني عنه قعد. # قوله تعالى: { وهو كره لكم } أي شاق عليكم قال بعض أهل ~~المعاني: هذا الكره من حيث نفور الطبع عنه لما فيه، من مؤنة المال ومشقة ~~النفس وخطر الروح، لا أنهم كرهوا أمر الله تعالى، وقال عكرمة، نسخها ~~قوله تعالى: (سمعنا وأطعنا) يعني أنهم كرهوه ثم أحبوه فقالوا: (سمعنا ~~وأطعنا). قال الله تعالى: { وعسى أن تكرهوا شيئا وهو ~~خير لكم } لأن في الغزو إحدى الحسنيين إما الظفر والغنيمة وإما ~~الشهادة والجنة { وعسى أن تحبوا شيئا } ، يعني: القعود عن ~~الغزو { وهو شر لكم } لما فيه من فوات الغنيمة والأجر { ~~والله يعلم وأنتم لا تعلمون }. ### || [2.217-218] # قوله تعالى { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه } ~~سبب نزول هذه الآية أن رسول الله ms0208 صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن ~~جحش، وهو ابن عمة النبي صلى الله عليه وسلم أخت أبيه في جمادى الآخرة، ~~قبل قتال بدر بشهرين على رأس سبعة عشر شهرا من مقدمه إلى المدينة، وبعث ~~معه ثمانية رهط من المهاجرين: سعد بن أبي وقاص الزهري وعكاشة بن محصن ~~الأسدي وعتبة بن غزوان السلمي وأبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة وسهيل بن ~~بيضاء وعامر بن ربيعة وواقد بن عبد الله وخالد بن بكير وكتب لأميرهم عبد ~~الله بن جحش كتابا وقال له: «سر على اسم الله ولا تنظر في الكتاب حتى ~~تسير يومين فإذا نزلت فافتح الكتاب واقرأه على أصحابك ثم امض لما أمرتك ~~ولا تستكرهن أحدا من أصحابك على السير معك» فسار عبد الله يومين ثم ~~نزل وفتح الكتاب فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد: فسر على بركة ~~الله بمن معك من أصحابك حتى تنزل بطن نخلة فترصد بها عير قريش لعلك ~~تأتينا منها بخبر، فلما نظر في الكتاب قال: سمعا وطاعة، ثم قال لأصحابه ~~ذلك، وقال إنه نهاني أن أستكره أحدا منكم، فمن كان يريد الشهادة ~~فلينطلق ومن كره فليرجع، ثم مضى ومضى معه أصحابه لم يتخلف عنه منهم أحد ~~حتى كان بمعدن فوق الفرع بموضع من الحجاز يقال له بحران أضل سعد بن ~~أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما يعتقبانه فتخلفا في طلبه ومضى ببقية ~~أصحابه حتى نزلوا بطن نخلة بين مكة والطائف. # فبينما هم كذلك إذ مرت عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة من تجارة ~~الطائف، فيهم عمرو بن الحضرمي والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة ~~وعثمان بن عبد الله بن المغيرة وأخوه نوفل بن عبد الله المخزوميان فلما ~~رأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هابوهم، فقال عبد الله بن جحش: ~~إن القوم قد ذعروا منكم فاحلقوا رأس رجل منكم وليتعرض لهم فحلقوا رأس ~~عكاشة ثم أشرف عليهم فقالوا: قوم عمار لا بأس عليكم، فأمنوهم، وكان ~~ذلك في آخر يوم ms0209 من جمادى الآخرة، وكانوا يرون أنه من جمادى وهو من رجب ~~فتشاور القوم وقالوا لئن تركتموهم الليلة ليدخلن الحرم وليمتنعن منكم ~~فأجمعوا أمرهم في مواقعة القوم، فرمى واقد بن عبد الله السهمي عمرو بن ~~الحضرمي بسهم فقتله فكان أول قتيل من المشركين وهو أول قتيل في الهجرة ~~وأدى النبي صلى الله عليه وسلم دية ابن الحضرمي إلى ورثته من قريش. قال ~~مجاهد وغيره لأنه كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش عهد، ~~وادع أهل مكة سنين أن لا يقاتلهم ولا يقاتلوه. # واستأسر الحكم وعثمان فكانا أول أسيرين في الإسلام وأفلت نوفل فأعجزهم، ~~واستاق المؤمنون العير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالمدينة، فقالت قريش: قد استحل محمد الشهر الحرام فسفك فيه الدماء ~~وأخذ الحرائب، وعير بذلك أهل مكة من كان فيها من المسلمين وقالوا: يا ~~معشر الصباة استحللتم الشهر الحرام وقاتلتم فيه! # وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لابن جحش وأصحابه: # " ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام " # ، ووقف العير والأسيرين، وأبى أن يأخذ شيئا من ذلك، فعظم ذلك على أصحاب ~~السرية، وظنوا أنهم قد هلكوا وسقط في أيديهم، وقالوا: يا رسول الله إنا ~~قد قتلنا ابن الحضرمي ثم أمسينا فنظرنا إلى هلال رجب فلا ندري أفي رجب ~~أصبناه أم في جمادى؟ وأكثر الناس في ذلك، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم العير فعزل منها الخمس، فكان ~~أول خمس في الإسلام، وقسم الباقي بين أصحاب السرية، وكان أول غنيمة في ~~الإسلام وبعث أهل مكة في فداء أسيريهم فقال: # " بل نقفهم حتى يقدم سعد وعقبة وإن لم يقدما قتلناهما بهما " # فلما قدما فاداهما، فأما الحكم بن كيسان فأسلم وأقام مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالمدينة، فقتل يوم بئر معونة شهيدا، وأما عثمان بن عبد ~~الله فرجع إلى مكة فمات بها كافرا وأما نوفل فضرب بطن فرسه يوم الأحزاب ~~ليدخل الخندق فوقع في الخندق مع ms0210 فرسه فتحطما جميعا فقتله الله، فطلب ~~المشركون جيفته بالثمن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " خذوه فإنه خبيث الجيفة خبيث الدية " # ، فهذا سبب نزول هذه الآية. # قوله تعالى: { يسألونك عن الشهر الحرام } يعني رجبا ~~سمي بذلك لتحريم القتال فيه. # قوله تعالى: { قتال فيه } أي عن قتال فيه { قل } يا محمد { ~~قتال فيه كبير } عظيم، تم الكلام ههنا ثم ابتدأ فقال: { وصد ~~عن سبيل الله } أي فصدكم المسلمين عن الإسلام { وكفر به ~~} أي كفركم بالله { والمسجد الحرام } أي المسجد الحرام وقيل ~~وصدكم عن المسجد الحرام { وإخراج أهله } أي اخراج أهل المسجد { ~~منه أكبر } وأعظم وزرا { عند الله والفتنة } أي الشرك ~~الذي أنتم عليه { أكبر من القتل } أي من قتل ابن الحضرمي في ~~الشهر الحرام، فلما نزلت هذه الآية كتب عبد الله بن أنيس إلى مؤمني مكة ~~إذا عيركم المشركون بالقتال في الشهر الحرام فعيروهم أنتم بالكفر ~~واخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة ومنعهم المسلمين عن البيت ~~الحرام، ثم قال: { ولا يزالون } يعني مشركي مكة، وهو فعل لا مصدر ~~له مثل عسى { يقتلونكم } يا معشر المؤمنين { حتى ~~يردوكم } يصرفوكم { عن دينكم إن استطاعوا ومن ~~يرتدد منكم عن دينه فيمت } جزم بالنسق { وهو كافر ~~فأولئك حبطت } بطلت { أعملهم } حسناتهم { في ~~الدنيا والأخرة وأولئك أصحب النار هم فيها ~~خلدون } فقال أصحاب السرية يا رسول الله هل نؤجر على وجهنا هذا، ~~وهل نطمع ان يكون سفرنا هذا غزوا؟ فأنزل الله تعالى { إن الذين ~~آمنوا والذين هاجروا } فارقوا عشائرهم ومنازلهم وأموالهم { ~~وجهدوا } المشركين { في سبيل الله } طاعة الله، فجعلها ~~جهادا، { أولئك يرجون رحمت الله } أخبر أنهم على رجاء ~~الرحمة { والله غفور رحيم }. ### || [2.219-220] # قوله تعالى: { يسألونك عن الخمر والميسر } الآية، ~~نزلت في عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما ونفر من الأنصار أتوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله أفتنا في الخمر ~~والميسر فإنهما مذهبة للعقل مسلبة للمال؟ فأنزل الله هذه الآية. # وجملة القول في تحريم ms0211 الخمر على ما قال المفسرون إن الله تعالى أنزل في ~~الخمر أربع آيات نزلت بمكة وهي: # ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ~~ورزقا حسنا # [النحل: 67] فكان المسلمون يشربونها وهي لهم حلال يومئذ، ثم نزلت في ~~مسألة عمر ومعاذ بن جبل: { يسألونك عن الخمر والميسر قل ~~فيهما إثم كبير } فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " إن الله تقدم في تحريم الخمر " # فتركها قوم لقوله (إثم كبير) وشربها قوم لقوله: (ومنافع للناس) إلى أن ~~صنع عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعا ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأتاهم بخمر فشربوا وسكروا، وحضرت صلاة المغرب فقدموا بعضهم ليصلي ~~بهم فقرأ «قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون» هكذا إلى آخر السورة بحذف ~~«لا» فأنزل الله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى حتى تعلموا ما تقولون # [النساء: 43] فحرم السكر في أوقات الصلاة، فلما نزلت هذه الآية تركها ~~قوم، وقالوا لا خير في شيء يحول بيننا وبين الصلاة، وتركها قوم في أوقات ~~الصلاة وشربوها في غير حين الصلاة، حتى كان الرجل يشرب بعد صلاة العشاء ~~فيصبح وقد زال عنه السكر، ويشرب بعد صلاة الصبح فيصحو إذا جاء وقت الظهر، ~~واتخذ عتبان بن مالك صنيعا ودعا رجالا من المسلمين فيهم سعد بن أبي ~~وقاص وكان قد شوى لهم رأس بعير، فأكلوا منه وشربوا الخمر حتى أخذت منهم، ~~ثم إنهم افتخروا عند ذلك وانتسبوا وتناشدوا الأشعار، فأنشد سعد قصيدة ~~فيها هجاء للأنصار وفخر لقومه فأخذ رجل من الأنصار لحي البعير فضرب به ~~رأس سعد فشجه شجة موضحه فانطلق سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وشكا إليه الأنصاري فقال عمر: اللهم بين لنا رأيك في الخمر بيانا ~~شافيا، فأنزل الله تعالى تحريم الخمر في سورة المائدة: إلى قوله (فهل ~~أنتم منتهون). # وذلك بعد غزوة الأحزاب بأيام فقال عمر رضي الله عنه انتهينا يا رب، قال ~~أنس حرمت الخمر ولم يكن يومئذ للعرب عيش أعجب ms0212 منها وما حرم عليهم شيئا ~~أشد من الخمر. # عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما نزلت الآية في سورة المائدة حرمت ~~الخمر فخرجنا بالحباب إلى الطريق فصببنا ما فيها فمنا من كسر صبه ومنا ~~من غسله بالماء والطين، ولقد غودرت أزقة المدينة بعد ذلك حينا فلما مطرت ~~استبان فيها لون الخمر وفاحت منها ريحها. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ~~أخبرنا محمد بن يوسف اخبرنا محمد بن اسماعيل أخبرنا يعقوب بن ابراهيم ~~اخبرنا ابن علية أخبرنا عبد العزيز بن صهيب قال: قال لي أنس بن مالك ما ~~كان لنا خمر غير فضيحتكم وإني لقائم أسقي أبا طلحة وفلانا وفلانا إذ ~~جاء رجل فقال: حرمت الخمر. فقالوا أهرق هذه القلال يا أنس قال فما سألوا ~~عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل. # وعن أنس: سميت خمرا لأنهم كانوا يدعونها في الدنان حتى تختمر وتتغير، ~~وعن ابن المسيب: لأنها تركت حتى صفا صفوها، ورسب كدرها، واختلف الفقهاء ~~في ماهية الخمر، فقال قوم: هي عصير العنب أو الرطب الذي اشتد وغلا من غير ~~عمل النار فيه، واتفقت الأئمة على أن هذا الخمر نجس يحد شاربه ويفسق ~~ويكفر مستحلها، وذهب سفيان الثوري وأبو حنيفة وجماعة إلى أن التحريم لا ~~يتعدى هذا ولا يحرم ما يتخذ من غيرها كالمتخذ من الحنطة والشعير والذرة ~~والعسل والفانيد إلا أن يسكر منه فيحرم، وقالوا إذا طبخ عصير العنب ~~والرطب حتى ذهب نصفه فهو حلال ولكنه يكره، وإن طبخ حتى ذهب ثلثاه قالوا ~~هو حلال مباح شربه إلا أن السكر منه حرام، ويحتجون بما روي عن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه كتب إلى بعض عماله أن أرزق المسلمين من الطلاء ما ~~ذهب ثلثاه وبقي ثلثه. # ورأى أبو عبيدة ومعاذ شرب الطلاء على الثلث. # وقال قوم: إذا طبخ العصير أدنى طبخ صار حلالا، وهو قول اسماعيل بن ~~علية. # وذهب أكثر أهل العلم إلى أن كل شراب أسكر كثيره فهو خمر فقليله حرام يحد ms0213 ~~شاربه. # واحتجوا بما أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو ~~إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد ~~الرحمن عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت سئل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن البتع فقال: # " كل شراب أسكر فهو حرام ". # أخبرنا أبو عبد الله بن محمد بن الفضل الخرقي أنا أبو الحسن علي بن عبد ~~الله الطيسفوني أنا عبد الله بن عمر الجوهري أخبرنا أحمد بن علي ~~الكشميهني أنا علي ابن حجر أنا اسماعيل بن جعفر عن داود ابن بكر بن أبي ~~الفرات عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ما أسكر كثيره فقليله حرام ". # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني أنا عبد الغفار بن محمد الفارسي ~~أنا محمد بن عيسى الجلودي أنا ابراهيم بن محمد بن سفيان أنا مسلم بن ~~الحجاج أنا أبو الربيع العتكي اخبرنا حماد بن زيد حدثنا أيوب بن نافع عن ~~ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كل مسكر خمر وكل مسكر حرام ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو مدمنها ~~ولم يتب لم يشربها في الآخرة ". # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا ~~محمد بن يوسف أنا محمد بن اسماعيل أنا أحمد بن أبي رجاء أنا يحيى، عن أبي ~~حيان التيمي عن الشعبي عن ابن عمر قال خطب عمر على منبر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال انه قد نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة أشياء: من ~~العنب والتمر، والحنطة والشعير والعسل، والخمر ما خامر العقل. # وروى الشعبي عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن من العنب خمرا، وإن من التمر خمرا، وإن من العسل خمرا، وإن من ~~البر خمرا وإن من الشعير خمرا ". # فثبت أن الخمر لا يختص بما يتخذ ms0214 من العنب أو الرطب. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو اسحاق الهاشمي ~~أنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد أنه أخبره أن عمر بن ~~الخطاب خرج عليهم فقال اني وجدت من فلان ريح شراب، وزعم أنه شرب الطلاء، ~~وأنا سائل عما شرب فإن كان يسكر جلدته، فجلده عمر الحد تاما، وما روى ~~عن عمر وأبي عبيده ومعاذ في الطلاء فهو فيما طبخ حتى خرج عن أن يكون ~~مسكرا. وسئل ابن عباس عن الباذق فقال: سبق محمد الباذق فما أسكر فهو ~~حرام. # قوله تعالى { والميسر } يعني القمار، قال ابن عباس: كان الرجل في ~~الجاهلية يخاطر الرجل على أهله وماله فأيهما قمر صاحبه ذهب بأهله وماله ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية، والميسر: مفعل من قولهم يسر لي الشيء ~~إذا وجب ييسر يسرا وميسرا، ثم قيل للقمار ميسر وللمقامر ياسر ~~ويسر، وكان أصل الميسر في الجزور وذلك أن أهل الثروة من العرب كانوا ~~يشترون جزورا فينحرونها ويجزؤونها عشرة أجزاء ثم يسهمون عليها بعشرة ~~أقداح يقال لها الأزلام والأقلام، لسبعة منها أنصباء وهي: الفذ وله ~~نصيب واحد، والتوأم وله نصيبان، والرقيب وله ثلاثة أسهم، والحلس وله ~~أربعة، والنافس وله خمسة، والمسبل وله ستة، والمعلى وله سبعة، وثلاثة ~~منها: لا أنصباء لها وهي المنيح والسفيح والوغد، ثم يجعلون القداح في ~~خريطة تسمى الربابة ويضعونها على يدي رجل عدل عندهم يسمى المجيل ~~والمفيض، ثم يجيلها ويخرج قدحا منها باسم رجل منهم، فأيهم خرج سهمه أخذ ~~نصيبه على قدر ما يخرج، فإن خرج له واحد من هذه الثلاثة التي لا أنصباء ~~لها كان لا يأخذ شيئا ويغرم ثمن الجزور كله. # وقال بعضهم كان لا يأخذ شيئا ولا يغرم ويكون ذلك القدح لغوا ثم يدفعون ~~ذلك الجزور إلى الفقراء ولا يأكلون منه شيئا، وكانوا يفتخرون بذلك ~~ويذمون من لم يفعل ذلك، ويسمونه البرم وهو أصل القمار الذي كانت تفعله ~~العرب. والمراد من الآية أنواع القمار كلها، قال طاووس وعطاء ms0215 ومجاهد: كل ~~شيء فيه قمار فهو من الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب، وروي عن علي ~~رضي الله عنه في النرد والشطرنج أنهما من الميسر. # قوله تعالى: { قل فيهمآ إثم كبير } وزر عظيم من المخاصمة ~~والمشاتمة وقول الفحش، قرأ حمزة والكسائي إثم كثير بالثاء المثلثة وقرأ ~~الباقون بالباء فالإثم في الخمر والميسر ما ذكره الله في سورة المائدة. # إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة ~~والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله ~~وعن الصلاة فهل أنتم منتهون # [المائدة: 91] { ومنفع للناس } فمنفعة الخمر اللذة عند شربها ~~والفرح واستمراء الطعام وما يصيبون من الربح بالتجارة فيها، ومنفعة ~~الميسر إصابة المال من غير كد ولا تعب وارتفاق الفقراء به. والإثم فيه ~~أنه إذا ذهب ماله من غير عوض ساءه ذلك فعادى صاحبه فقصده بالسوء. # { وإثمهمآ أكبر من نفعهما } قال. الضحاك وغيره: إثمهما ~~بعد التحريم أكبر من نفعهما قبل التحريم، وقيل: إثمهما أكبر من نفعهما ~~قبل التحريم وهو ما يحصل من العداوة والبغضاء. # قوله تعالى: { ويسألونك ماذا ينفقون } وذلك أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حثهم على الصدقة فقالوا ماذا ننفق؟ فقال: { قل ~~العفو } قرأ أبو عمرو العفو بالرفع، معناه: الذي ينفقون هو العفو. ~~وقرأ الآخرون بالنصب، على معنى قل: أنفقوا العفو. # واختلفوا في معنى العفو، فقال قتادة وعطاء والسدي: هو ما فضل عن الحاجة، ~~وكانت الصحابة يكتسبون المال ويمسكون قدر النفقة ويتصدقون بالفضل بحكم ~~هذه الآية، ثم نسخ بآية الزكاة. وقال مجاهد: معناه: التصدق عن ظهر غنى ~~حتى لا يبقى كلا على الناس. # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أنا أبو طاهر محمد بن ~~محمد بن محمش الزيادي أنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص التاجر أنا ابراهيم ~~بن عبد الله بن عمر الكوفي أنا وكيع عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ ~~بمن تعول ms0216 ". # وقال عمرو بن دينار: الوسط من غير إسراف ولا إقتار قال الله تعالى: # والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا # [الفرقان: 67] وقال طاووس: ما يسر، والعفو: اليسر من كل شيء (ومنه قوله ~~تعالى) # خذ العفو # [الأعراف: 199] أي الميسور من أخلاق الناس. # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز أحمد الخلال أنا أبو ~~العباس الأصم أنا الربيع بن سليمان أخبرنا الشافعي أنا سفيان عن محمد بن ~~عجلان عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة قال: # " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله عندي دينار، ~~قال: صلى الله عليه وسلم «أنفقه على نفسك» قال: عندي آخر قال:«أنفقه على ~~ولدك» قال: عندي آخر قال:«أنفقة على أهلك» قال: عندي آخر قال: «أنفقه على ~~خادمك» قال: عندي آخر، قال: «أنت أعلم» ". # قوله تعالى: { كذلك يبين الله لكم الآيت } قال ~~الزجاج: إنما قال كذلك على الواحد وهو يخاطب جماعة، لأن الجماعة معناها ~~القبيل كأنه قال: كذلك أيها القبيل، وقيل: هو خطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم لأن خطابه يشتمل على خطاب الأمة كقوله تعالى # يا أيها النبي إذا طلقتم النساء # [الطلاق: 1]. # قوله تعالى: { لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة } ~~قيل: معناه يبين الله لكم الآيات في أمر النفقة لعلكم تتفكرون في الدنيا ~~والآخرة، فتحبسون من أموالكم ما يصلحكم في معاش الدنيا وتنفقون الباقي ~~فيما ينفعكم في العقبى، وقال أكثر المفسرين: معناها هكذا: يبين الله لكم ~~الآيات في أمر الدنيا والآخرة، { لعلكم تتفكرون } في زوال ~~الدنيا وفنائها فتزهدوا فيها وفي إقبال الآخرة وبقائها فترغبوا فيها. # قوله تعالى: { ويسألونك عن اليتمى } قال ابن عباس ~~وقتادة: لما نزل قوله تعالى: # ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن # [الأنعام: 152] وقوله تعالى # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما # الآية [النساء: 10] تحرج المسلمون من أموال اليتامى تحرجا شديدا حتى ~~عزلوا أموال اليتامى عن أموالهم حتى كان يصنع لليتيم طعام فيفضل منه شيء ~~فيتركونه ولا يأكلونه حتى يفسد، فاشتد ذلك عليهم فسألوا رسول الله صلى ms0217 ~~الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية: { قل إصلاح لهم ~~خير } أي (الإصلاح لأموالهم) من غير أجرة ولا أخذ عوض خير لكم وأعظم ~~أجرا، لما لكم في ذلك من الثواب، وخير لهم، لما في ذلك من توفر أموالهم ~~عليهم، قال مجاهد: يوسع عليهم من طعام نفسه ولا يوسع من طعام اليتيم { ~~وإن تخالطوهم } هذه إباحة المخالطة أي وإن تشاركوهم في أموالهم ~~وتخلطوها بأموالكم في نفقاتكم ومساكنكم وخدمكم ودوابكم فتصيبوا من ~~أموالهم عوضا عن قيامكم بأمورهم أو تكافؤوهم على ما تصيبون من أموالهم { ~~فإخونكم } أي فهم إخوانكم، والاخوان يعين بعضهم بعضا ويصيب ~~بعضهم من أموال بعض على وجه الإصلاح والرضا { والله يعلم ~~المفسد } لأموالهم { من المصلح } لها يعني الذي يقصد ~~بالمخالطة الخيانة وإفساد أموال اليتيم وأكله بغير حق من الذي يقصد ~~الإصلاح { ولو شآء الله لأعنتكم } أي لضيق عليكم وما أباح ~~لكم مخالطتهم، وقال ابن عباس: ولو شاء الله لجعل ما أصبتم من أموال ~~اليتامى موبقا لكم، وأصل العنت الشدة والمشقة. ومعناه: كلفكم في كل شيء ~~ما يشق عليكم { إن الله عزيز } والعزيز الذي يأمر بعزة - سهل ~~على العباد أو شق عليهم { حكيم } فيما صنع من تدبيره وترك الإعنات. ### || [2.221] # قوله تعالى: { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } سبب ~~نزول هذه الآية أن أبا مرثد الغنوي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى مكة ليخرج منها ناسا من المسلمين سرا، فلما قدمها سمعت به امرأة ~~مشركة يقال لها عناق، وكانت خليلته في الجاهلية، فأتته وقالت: يا أبا ~~مرثد ألا تخلو؟ فقال لها ويحك يا عناق إن الإسلام قد حال بيننا وبين ~~ذلك، قالت: فهل لك أن تتزوج بي؟ قال نعم، ولكن أرجع إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأستأمره، فقالت أبي تتبرم؟ ثم استغاثت عليه فضربوه ضربا ~~شديدا، ثم خلوا سبيله، فلما قضى حاجته بمكة وانصرف إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أعلمه بالذي كان من أمره وأمر عناق وما لقي بسببها وقال: ~~يا رسول الله أيحل لي ms0218 أن أتزوجها؟ فأنزل الله تعالى { ولا تنكحوا ~~المشركت حتى يؤمن }. # وقيل: الآية منسوخة في حق الكتابيات بقوله تعالى # والمحصنت من الذين أوتوا الكتب من قبلكم # [المائدة: 5] فإن قيل: كيف أطلقتم اسم الشرك على من لم ينكر إلا نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم؟ قال أبو الحسن ابن فارس لأن من يقول القرآن ~~كلام غير الله فقد أشرك مع الله غيره، وقال قتادة وسعيد بن جبير: أراد ~~بالمشركات الوثنيات، فإن عثمان رضي الله عنه تزوج نائلة بنت فرافصة، ~~وكانت نصرانية فأسلمت تحته، وتزوج طلحة بن عبيد الله نصرانية، وتزوج ~~حذيفة يهودية فكتب إليه عمر رضي الله عنه خل سبيلها. فكتب إليه أتزعم ~~أنها حرام؟ فقال: لا أزعم أنها حرام، ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات ~~منهن. # قوله تعالى: { ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو ~~أعجبتكم } بجمالها ومالها، نزلت في خنساء وليدة سوداء، كانت ~~لحذيفة بن اليمان، قال حذيفة: يا خنساء قد ذكرت في الملأ الأعلى، على ~~سوادك ودمامتك فأعتقها وتزوجها. # وقال السدي: نزلت في عبد الله بن رواحة كانت له أمة سوداء فغضب عليها ~~ولطمها ثم فزع فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك فقال له صلى ~~الله عليه وسلم: # " وما هي يا عبد الله " # قال: هي تشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وتصوم رمضان وتحسن ~~الوضوء وتصلي، فقال «هذه مؤمنة» قال عبد الله: فوالذي بعثك بالحق نبيا ~~لأعتقنها ولأتزوجنها ففعل ذلك فطعن عليه ناس من المسلمين وقالوا: أتنكح ~~أمة؟ وعرضوا عليه حرة مشركة، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # قوله تعالى: { ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا } ~~هذا اجماع: لا يجوز للمسلمة أن تنكح المشرك { ولعبد مؤمن ~~خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك } يعني المشركين ~~{ يدعون إلى النار } أي إلى الأعمال الموجبة للنار { والله ~~يدعوا إلى الجنة والمغفرة بإذنه } أي بقضائه ~~وإرادته { ويبين آيته للناس } أي أوامره ونواهيه { ~~لعلهم يتذكرون } يتعظون. ### || [2.222-223] # قوله تعالى: { ويسألونك عن المحيض } أخبرنا أبو طاهر عمر ~~بن عبد العزيز القاشاني أنا أبو عمر القاسم ms0219 بن جعفر بن عبد الواحد ~~الهاشمي أنا أبو علي محمد بن أحمد بن عمر اللؤلؤي أنا أبو داود سليمان بن ~~الأشعث السجستاني أنا موسى بن اسماعيل أنا حماد بن سلمة أنا ثابت البناني ~~عن انس بن مالك # " أن اليهود كانت إذا حاضت منهم المرأة أخرجوها من البيت ولم يؤاكلوها ~~ولم يشاربوها ولم يجامعوها في البيت فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن ذلك فأنزل الله تعالى { ويسألونك عن المحيض قل هو ~~أذى فاعتزلوا النساء في المحيض } الآية فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم:« جامعوهن في البيوت واصنعوا كل شيء إلا النكاح» " # فقالت اليهود وما يريد هذا الرجل أن يدع شيئا من أمرنا إلا خالفنا فيه ~~فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشير إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ~~يا رسول الله ان اليهود تقول كذا وكذا أفلا ننكحهن في المحيض؟ فتمعر وجه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننا أن قد وجد عليهما فخرجا ~~فاستقبلتهما هدية من لبن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث في ~~آثارهما فسقاهما فظننا أنه لم يجد عليهما. # قوله تعالى: { ويسألونك عن المحيض } أي عن الحيض وهومصدر ~~حاضت المرأة تحيض حيضا ومحيضا كالسير والمسير وأصل الحيض الانفجار ~~والسيلان وقوله: { قل هو أذى } أي قذر، والأذى كل ما يكره من كل ~~شيء { فاعتزلوا النسآء في المحيض } أراد بالاعتزال ترك ~~الوطء { ولا تقربوهن } أي لا تجامعوهن، أما الملامسة ~~والمضاجعة معها فجائزة. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا ~~محمد بن يوسف أنا محمد بن اسماعيل أنا قبيصة أنا سفيان عن منصور عن ~~ابراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كنت اغتسل أنا والنبي ~~صلى الله عليه وسلم من إناء واحد كلانا جنب وكان يأمرني أن أتزر فيباشرني ~~وأنا حائض وكان يخرج رأسه إلي وهو معتكف فأغسله وأنا حائض». # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أبو أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد ~~بن يوسف أنا ms0220 محمد بن اسماعيل أنا سعد بن حفص أنا شيبان عن يحيى عن أبي ~~سلمة عن زينب بنت أبي سلمة حدثته عن أم سلمة قالت: # " حضت وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخميلة فانسللت ~~فخرجت منها فأخذت ثياب حيضي فلبستها فقال لي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أنفست؟ قلت: نعم، فدعاني فأدخلني معه الخميلة ". # أخبرنا أبو القاسم بن عبد الله بن محمد الحنيفي أنا أبو الحارث طاهر بن ~~محمد الطاهري أنا أبو محمد الحسن بن محمد بن حكيم أنا أبو الموجه محمد ~~بن عمرو أنا صدقة أنا وكيع أنا مسعر وسفيان عن المقدام بن شريح عن أبيه ~~عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كنت أشرب وأنا حائض فأناوله النبي صلى ~~الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع في وأتعرق والعرق فيتناوله ~~فيضع فاه في موضع في». # فوطء الحائض حرام، ومن فعله يعصي الله عز وجل ويعزره الإمام، إن علم ~~منه ذلك، واختلف أهل العلم في وجوب الكفارة عليه، فذهب أكثرهم إلى أنه لا ~~كفارة عليه فيستغفر الله ويتوب إليه. # وذهب قوم إلى وجوب الكفارة عليه منهم: قتادة والأوزاعي وأحمد واسحاق، ~~لما أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا عبد الرحمن بن أبي شريح أنا ~~أبو القاسم البغوي أنا علي بن الجعد أنا أبو جعفر الرازي عن عبد الكريم ~~بن أبي المخارق عن مقسم عن ابن عباس # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في رجل جامع امرأته وهي حائض قال: ~~«إن كان الدم عبيطا فليتصدق بدينار، وإن كان صفرة فبنصف دينار» " # ويروى هذا موقوفا على ابن عباس، ويمنع الحيض جواز الصلاة ووجوبها، ~~ويمنع جواز الصوم، ولا يمنع وجوبه، حتى إذا طهرت يجب عليها قضاء الصوم ~~ولا يجب قضاء الصلاة، وكذلك النفساء. # أخبرنا أبو عثمان سعيد بن اسماعيل الضبي أنا أبو محمد عبد الجبار بن ~~محمد الجراحي أنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي أنا أبو عيسى الترمذي ~~أنا علي بن حجر أنا علي بن مسهر عن عبيدة ms0221 بن معتب الضبي عن ابراهيم ~~النخعي عن الأسود عن عائشة قالت: «كنا نحيض عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ثم نطهر فيأمرنا بقضاء الصيام ولا يأمرنا بقضاء الصلاة». # ولا يجوز للحائض الطواف بالبيت ولا الاعتكاف في المسجد، ولا مس المصحف، ~~ولا قراءة القرآن، ولا يجوز للزوج غشيانها. # أخبرنا عمر بن عبد العزيز أنا القاسم بن جعفر أنا أبو علي اللؤلؤي أنا ~~أبو داود أنا مسدد أنا عبد الواحد بن زياد أنا أفلت بن خليفة قال: حدثني ~~جسرة بنت دجاجة قالت: سمعت عائشة تقول # " جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجوه بيوت اصحابه شارعة في المسجد ~~فقال: «وجهوا هذه البيوت عن المسجد فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب» ~~". # قوله تعالى: { حتى يطهرن } قرأ عاصم برواية أبي بكر وحمزة ~~والكسائي بتشديد الطاء والهاء يعني: يغتسلن، وقرأ الآخرون بسكون الطاء ~~وضم الهاء، فخفف، ومعناه حتى يطهرن من الحيض وينقطع دمهن { فإذا ~~تطهرن } يعني اغتسلن { فأتوهن } أي فجامعوهن { من حيث ~~أمركم الله } أي من حيث أمركم أن تعتزلوهن منه، وهو الفرج، قاله ~~مجاهد وقتادة وعكرمة، وقال ابن عباس: طؤوهن في الفرج ولا تعدوه إلى غيره ~~أي اتقوا الأدبار، وقيل: (من) بمعنى (في) أي في حيث أمركم الله تعالى ~~وهو الفرج، كقوله تعالى: # إذا نودى للصلوة من يوم الجمعة # [الجمعة: 9] أي في يوم الجمعة وقيل: { فأتوهن } من الوجه الذي ~~أمركم الله أن تأتوهن وهو الطهر، وقال ابن الحنفية: من قبل الحلال دون ~~الفجور، وقيل: لا تأتوهن صائمات ولا معتكفات ولا محرمات: وأتوهن ~~وغشيانهن لكم حلال، واعلم أنه لا يرتفع تحريم شيء مما منعه الحيض بانقطاع ~~الدم ما لم تغتسل أو تتيمم عند عدم الماء إلا تحريم الصوم، فإن الحائض ~~إذا انقطع دمها بالليل ونوت الصوم فوقع غسلها بالنهار صح صومها، والطلاق ~~في حال الحيض يكون بدعيا، وإذا طلقها بعد انقطاع الدم قبل الغسل لا يكون ~~بدعيا، وذهب أبو حنيفة رضي الله عنه إلى أنه إذا انقطع دمها لأكثر الحيض ~~وهي عدة عشرة ms0222 أيام يجوز للزوج غشيانها قبل الغسل، وقال مجاهد وطاووس: إذا ~~غسلت فرجها جاز للزوج غشيانها قبل الغسل. # وأكثر أهل العلم على التحريم ما لم تغتسل أو تتيمم عند عدم الماء، لأن ~~الله تعالى علق جواز وطئها بشرطين: بانقطاع الدم والغسل، (حتى يطهرن) ~~يعني من الحيض (فإذا تطهرن) يعني اغتسلن (فأتوهن) ومن قرأ يطهرن بالتشديد ~~فالمراد من ذلك: الغسل كقوله تعالى # وإن كنتم جنبا فاطهروا # [المائدة: 6] أي فاغتسلوا فدل على أن قبل الغسل لا يحل الوطء. # قوله تعالى: { إن الله يحب التوبين ويحب ~~المتطهرين } قال عطاء ومقاتل بن سليمان والكلبي: يحب التوابين من ~~الذنوب، ويحب المتطهرين بالماء من الأحداث والنجاسات، وقال مقاتل بن ~~حيان: يحب التوابين من الذنوب والمتطهرين من الشرك، وقال سعيد بن جبير: ~~التوابين من الشرك والمتطهرين من الذنوب، وقال مجاهد: التوابين من الذنوب ~~لا يعودون فيها والمتطهرين منها لم يصيبوها، والتواب: الذي كلما أذنب ~~تاب، نظيره قوله تعالى: # فإنه كان للأوابين غفورا # [الإسراء: 25]. # قوله تعالى: { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى ~~شئتم } أخبرنا أبو سعيد أحمد بن ابراهيم الشريحي أنا أبو اسحاق ~~الثعلبي أخبرنا عبد الله بن حامد الأصبهاني أخبرنا محمد بن يعقوب أنا ابن ~~المنادي أنا يونس أنا يعقوب القمي عن جعفر بن المغيرة عن سعيد بن جبير عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما قال: # " جاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله هلكت، ~~قال: وما الذي أهلكك؟ قال: حولت رحلي البارحة، فلم يرد عليه شيئا، فأوحى ~~الله إليه { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى ~~شئتم } يقول أدبر وأقبل واتق الدبر والحيضة ". # أخبرنا أحمد بن عبد لله الصالحي أخبرنا أحمد بن الحسين الحيري أنا حاجب ~~بن أحمد الطوسي أنا عبد الرحيم بن منيب أنا ابن عيينة عن ابن المنكدر أنه ~~سمع جابر بن عبد الله يقول: كانت اليهود تقول في الذي يأتي امرأته من ~~دبرها في قبلها: أن الولد يكون أحول، فنزلت { نسآؤكم حرث لكم ~~فأتوا حرثكم أنى شئتم }. # وروى مجاهد عن ms0223 ابن عباس قال كان من شأن أهل الكتاب أن لا يأتوا النساء ~~إلا على حرف وذلك أستر ما تكون المرأة، وكان هذا الحي من الأنصار قد ~~أخذوا بذلك من فعلهم، وكان هذا الحي من قريش يتلذذون منهن مقبلات ومدبرات ~~ومستلقيات، فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار، ~~فذهب يصنع بها ذلك فأنكرت عليه وقالت إنا كنا نؤتى على حرف فإن شئت فاصنع ~~ذلك وإلا فاجتنبني، حتى سرى أمرهما، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأنزل الله تعالى: { نساؤكم حرث لكم } الآية يعني موضع ~~الولد { فأتوا حرثكم أنى شئتم } مقبلات ومدبرات ~~ومستلقيات. # و أنى حرف استفهام يكون سؤالا عن الحال والمحل، معناه: كيف شئتم وحيث ~~شئتم، بعد أن يكون في صمام واحد، وقال عكرمة { أنى شئتم } إنما ~~هو الفرج، ومثله عن الحسن، وقيل: { حرث لكم } أي مزرع لكم ومنبت ~~للولد بمنزلة الأرض التي تزرع، وفيه دليل على تحريم الأدبار، لأن محل ~~الحرث والزرع هو القبل لا الدبر. # وقال سعيد بن المسيب هذا في العزل، يعني إن شئتم فاعزلوا، وإن شئتم فلا ~~تعزلوا وسئل ابن عباس عن العزل فقال: حرثك إن شئت فأعطش، وإن شئت فأرو، ~~وروي عنه أنه قال: تستأمر الحرة في العزل ولا تستأمر الجارية، وبه قال ~~أحمد، وكره جماعة العزل وقالوا: هو الوأد الخفي، وروى عن مالك عن نافع ~~قال كنت أمسك على ابن عمر المصحف فقرأ هذه الآية { نساؤكم حرث ~~لكم } فقال أتدري فيم نزلت هذه الآية؟ قلت لا قال: نزلت في رجل أتى ~~امرأته في دبرها، فشق ذلك عليه فنزلت هذه الآية. # ويحكى عن مالك إباحة ذلك، وانكر ذلك أصحابه، وروى عن عبد الله بن الحسن ~~أنه لقي سالم بن عبد الله فقال له: يا أبا عمر ما حديث يحدث نافع عن ~~عبد الله أنه لم يكن يرى بأسا بإتيان النساء في أدبارهن فقال: كذب ~~العبد وأخطأ، إنما قال عبد الله: يؤتون في فروجهن من أدبارهن، والدليل ~~على تحريم الأدبار ما أخبرنا ms0224 عبد الوهاب بن محمد بن الخطيب أنا عبد ~~العزيز بن أحمد الخلال أخبرنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أخبرنا ~~الشافعي أنا عمر محمد بن علي بن شافع أخبرنى عبد الله بن علي بن السائب ~~عن عمرو بن أحيحة الجلاح عن خزيمة بن ثابت # " أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن اتيان النساء في أدبارهن ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «في أي الخرمتين أو في أي الخرزتين أو في ~~أي الخصفتين أمن دبرها في قبلها فنعم أو من دبرها في دبرها فلا، فإن الله ~~لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهن» ". # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أنا عبد الله ~~الحسين بن محمد الحافظ أنا عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي أخبرنا محمد ~~بن عبد الله بن سليمان الحضرمي أنا عبد الله بن أبان أنا يحيى بن زكريا ~~بن أبي زائدة عن مسلم بن خالد عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ملعون من أتى امرأته في دبرها ". # قوله تعالى: { وقدموا لأنفسكم } قال عطاء: التسمية عند ~~الجماع قال مجاهد { وقدموا لأنفسكم } يعني إذا أتى أهله ~~فليدع. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~إسماعيل أنا عثمان بن أبي شيبة أنا جرير عن منصور عن سالم عن كريب عن ابن ~~عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان ~~وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان ~~أبدا ". # وقيل: قدموا لأنفسكم يعني: طلب الولد. # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي أنا أبو الحسن علي بن عبد ~~الله الطيسفوني أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري أنا أحمد بن علي ~~الكشميهني أنا علي بن حجر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ~~أن رسول الله صلى الله عليه ms0225 وسلم قال: # " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع ~~به، أو ولد صالح يدعو له " # ، وقيل: هو التزوج بالعفائف ليكون الولد صالحا. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن اسماعيل أنا مسدد أنا يحيى عن عبيد الله حدثني سعيد ابن ~~أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين ~~تربت يداك " # وقيل معنى الآية تقديم الأفراط. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحق الهاشمي ~~أنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم ~~" # وقال الكلبي والسدي: وقدموا لأنفسكم يعني الخير والعمل الصالح بدليل ~~سياق الآية { واتقوا الله واعلموا أنكم ملقوه } ~~صائرون إليه فيجزيكم بأعمالكم { وبشر المؤمنين }. ### || [2.224-225] # قوله تعالى: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمنكم } نزلت ~~في عبد الله بن رواحة، كان بينه وبين ختنه على أخته بشير بن النعمان ~~الأنصاري شيء، فحلف عبد الله أن لا يدخل عليه ولا يكلمه ولا يصلح بينه ~~وبين خصمه، وإذا قيل له فيه قال: قد حلفت بالله أن لا أفعل، فلا يحل لي ~~إلا أن تبر يميني، فأنزل الله هذه الآية. وقال ابن جريج: نزلت في أبي بكر ~~الصديق حين حلف أن لا ينفق على مسطح حين خاض في حديث الإفك، والعرضة: ~~أصلها الشدة والقوة ومنه قيل للدابة التي تتخذ للسفر عرضة، لقوتها ~~عليه، ثم قيل لكل ما يصلح لشيء هو عرضة له حتى قالوا للمرأة هي عرضة ~~النكاح إذا صلحت له والعرضة كل ما يعترض فيمنع عن الشيء ومعنى الآية (لا ~~تجعلوا) الحلف بالله سببا مانعا لكم من البر والتقوى يدعى أحدكم إلى ~~صلة رحم أو بر فيقول حلفت بالله أن ms0226 لا أفعله، فيعتل بيمينه في ترك البر ~~{ أن تبروا } معناه أن لا تبروا كقوله تعالى # يبين الله لكم أن تضلوا # [النساء: 176] أي لئلا تضلوا { وتتقوا وتصلحوا بين ~~الناس والله سميع عليم }. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا ~~أبو مصعب عن مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " من حلف بيمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه، وليفعل ~~الذي هو خير ". # قوله تعالى: { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمنكم ~~} اللغو كل مطرح من الكلام لا يعتد به، واختلف أهل العلم في اللغو في ~~اليمين المذكورة في الآية فقال قوم هو ما يسبق إلى اللسان على عجلة لصلة ~~الكلام، من غير عقد وقصد، كقول القائل: لا والله وبلى والله وكلا ~~والله. # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ~~أخبرنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا مالك عن هشام عن ~~عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت: لغو اليمين قول الانسان لا والله وبلى ~~والله، ورفعه بعضهم وإلى هذا ذهب الشعبي وعكرمة وبه قال الشافعي. # ويروى عن عائشة: أيمان اللغو ما كانت في الهزل والمراء والخصومة والحديث ~~الذي لا يعقد عليه القلب، وقال قوم: هو أن يحلف على شيء يرى أنه صادق ثم ~~يتبين له خلاف ذلك وهو قول الحسن والزهري وإبراهيم النخعي وقتادة ومكحول، ~~وبه قال أبو حنيفة رضي الله عنه، وقالوا لا كفارة فيه ولا إثم عليه، وقال ~~علي: هو اليمين على الغضب، وبه قال طاووس وقال سعيد بن جبير: هو اليمين ~~في المعصية لا يؤاخذه الله بالحنث فيها، بل يحنث ويكفر. # وقال مسروق: ليس عليه كفارة، أيكفر خطوات الشيطان؟ وقال الشعبي في الرجل ~~يحلف على المعصية كفارته أن يتوب منها وكل يمين لا يحل لك أن تفي بها ~~فليس فيها كفارة ولو أمرته بالكفارة لأمرته أن يتم على قوله وقال زيد بن ~~أسلم: ms0227 هو دعاء الرجل على نفسه تقول لإنسان أعمى الله بصري إن لم أفعل ~~كذا وكذا أخرجني الله من مالي إن لم آتك غدا، ويقول: هو كافر إن فعل ~~كذا. فهذا كله لغو لا يؤاخذه الله به ولو آخذهم لعجل لهم العقوبة # ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير ~~لقضي إليهم أجلهم # [يونس: 11]، وقال: # ويدع الإنسان بالشر دعآءه بالخير # [الإسراء: 11]. # قوله تعالى: { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } أي ~~عزمتم وقصدتم إلى اليمين، وكسب القلب العقد والنية { والله غفور ~~حليم } واعلم أن اليمين لا تنعقد إلا بالله أو باسم من أسمائه، أو ~~بصفة من صفاته: فاليمين بالله أن يقول: والذي أعبده، والذي أصلي له، ~~والذي نفسي بيده، ونحو ذلك، واليمين بأسمائه كقوله والله والرحمن ونحوه، ~~واليمين بصفاته كقوله: وعزة الله وعظمة الله وجلال الله وقدرة الله ~~ونحوها، فإذا حلف بشيء منها على أمر في المستقبل فحنث تجب عليه الكفارة ~~وإذا حلف على أمر ماض أنه كان ولم يكن، أو على أنه لم يكن وقد كان، إن ~~كان عالما به حالة ما حلف فهو اليمين الغموس، وهو من الكبائر، وتجب فيه ~~الكفارة عند بعض أهل العلم، عالما كان أو جاهلا، وبه قال الشافعي، ولا ~~تجب عند بعضهم وهو قول أصحاب الرأي وقالوا إن كان عالما فهو كبيرة ولا ~~كفارة لها كما في سائر الكبائر وإن كان جاهلا فهو يمين اللغو عندهم ومن ~~حلف بغير الله مثل أن قال: والكعبة وبيت الله ونبي الله، أو حلف بأبيه ~~ونحو ذلك، فلا يكون يمينا، فلا تجب عليه الكفارة إذا حلف، وهو يمين ~~مكروهة، قال الشافعي: وأخشى أن يكون معصية. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو اسحق الهاشمي أنا ~~أبو مصعب عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أدرك عمر بن الخطاب وهو يسير في ركب وهو يحلف بأبيه، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان ms0228 حالفا فليحلف بالله أو ~~ليصمت ". ### || [2.226-228] # قوله تعالى: { للذين يؤلون من نسآئهم تربص ~~أربعة أشهر } يؤلون أي يحلفون، والألية: اليمين والمراد من ~~الآية: اليمين على ترك وطء المرأة، قال قتادة: كان الإيلاء طلاقا لأهل ~~الجاهلية، وقال سعيد بن المسيب: كان ذلك من ضرار أهل الجاهلية، كان ~~الرجل لا يحب امرأته ولا يريد أن يتزوجها غيره، فيحلف أن لا يقربها ~~أبدا، فيتركها لا أيما ولا ذات بعل، وكانوا عليه في ابتداء الإسلام، ~~فضرب الله له أجلا في الإسلام، واختلف أهل العلم فيه: فذهب أكثرهم إلى ~~أنه إن حلف أن لا يقرب زوجته أبدا أو سمى مدة أكثر من أربعة أشهر، يكون ~~موليا، فلا يتعرض له قبل مضي أربعة أشهر، وبعد مضيها يوقف ويؤمر بالفىء ~~أو بالطلاق بعد مطالبة المرأة، والفىء: هو الرجوع عما قاله بالوطء، إن ~~قدر عليه، وإن لم يقدر فبالقول، فإن لم يفء ولم يطلق طلق عليه السلطان ~~واحدة، وذهب إلى الوقوف بعد مضي المدة عمر وعثمان وعلي وأبو الدرداء وابن ~~عمر، قال سليمان بن يسار: أدركت بضعة عشر من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم كلهم يقول بوقف المولي. وإليه ذهب سعيد بن جبير وسليمان بن يسار ~~ومجاهد، وبه قال مالك والشافعي وأحمد واسحق وقال بعض أهل العلم: إذا مضت ~~أربعة أشهر تقع عليها طلقة بائنة، وهو قول ابن عباس وابن مسعود وبه قال ~~سفيان الثوري وأصحاب الرأي. # وقال سعيد بن المسيب والزهري: تقع طلقة رجعية، ولو حلف أن لا يطأها ~~أقل من أربعة أشهر لا يكون موليا، بل هو حالف، فإذا وطئها قبل مضي تلك ~~المدة تجب عليه كفارة اليمين، ولو حلف أن لا يطأها أربعة أشهر لا يكون ~~موليا عند من يقول بالوقف بعد مضي المدة، لأن بقاء المدة شرط للوقف ~~وثبوت المطالبة بالفيء أو الطلاق، وقد مضت المدة. وعند من لا يقول بالوقف ~~يكون موليا، ويقع الطلاق بمضي المدة. # ومدة الإيلاء: أربعة أشهر في حق الحر والعبد جميعا عند الشافعي رحمه ~~الله، لأنها ضربت لمعنى ms0229 يرجع إلى الطبع، وهو قلة صبر المرأة عن الزوج، ~~فيستوي فيه الحر والعبد كمدة العنة. # وعند مالك رحمه الله وأبي حنيفة رحمه الله تتنصف مدة العنة بالرق، غير ~~أن عند أبي حنيفة تتنصف برق المرأة، وعند مالك برق الزوج، كما قالا في ~~الطلاق. # قوله تعالى: { تربص أربعة أشهر } أي انتظار أربعة أشهر، ~~والتربص: التثبت والتوقف. { فإن فآءو } رجعوا عن اليمين بالوطء { ~~فإن الله غفور رحيم } وإذا وطىء خرج عن الايلاء وتجب عليه ~~كفارة اليمين عند أكثر أهل العلم، وقال الحسن وإبراهيم النخعي وقتادة: لا ~~كفارة عليه لأن الله تعالى وعد بالمغفرة فقال { فإن الله غفور ~~رحيم } وذلك عند الأكثرين في اسقاط العقوبة لا في الكفارة، ولو قال ~~لزوجته: إن قربتك فعبدي حر أو صرت طالقا، أو لله علي عتق رقبة أو صوم أو ~~صلاة فهو مول لأن المولي من يلزمه أمر بالوطء، ويوقف بعد مضي المدة فإن ~~فاء يقع الطلاق أو العتق المعلق به، وإن التزم في الذمة تلزمه كفارة ~~اليمين في قول، وفي قول يلزمه ما التزم في ذمته من الاعتاق و الصلاة و ~~الصوم { وإن عزموا الطلق } أي حققوه بالإيقاع { فإن ~~الله سميع } لقولهم { عليم } بنياتهم، وفيه دليل على أنها لا ~~تطلق بعد مضي المدة ما لم يطلقها زوجها، لأنه شرط فيه العزم، وقال: { ~~فإن الله سميع عليم } فدل على أنه يقتضي مسموعا والقول هو ~~الذي يسمع. # قوله تعالى { والمطلقت } أي المخليات من حبال أزواجهن { ~~يتربصن } ينتظرن { بأنفسهن ثلثة قروء } فلا ~~يتزوجن، والقروء: جمع قرء، مثل فرع، وجمعه القليل أقرؤ والجمع الكثير ~~أقراء، واختلف أهل العلم في القروء فذهب جماعة إلى أنها الحيض وهو قول ~~عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وبه قال الحسن ومجاهد وإليه ذهب الأوزاعي ~~والثوري وأصحاب الرأي واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~للمستحاضة: # " دعي الصلاة أيام أقرائك " # وإنما تدع المرأة الصلاة أيام حيضها. وذهب جماعة إلى أنها الأطهار وهو ~~قول زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر وعائشة، وهو قول الفقهاء ms0230 السبعة ~~والزهري وبه قال ربيعة ومالك والشافعي، واحتجوا # " بأن ابن عمر رضي الله عنه لما طلق امرأته وهي حائض قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لعمر: «مره فليراجعها حتى تطهر ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق قبل ~~أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء» ". # فأخبر أن زمان العدة هو الطهر، ومن جهة اللغة قول الشاعر: # ففي كل عام أنت جاشم غزوة # تشد لأقصاها عزيم عزائكا # مورثة مالا، وفي الحي رفعة # لما ضاع فيها من قروء نسائكا # وأراد به أنه كان يخرج إلى الغزو ولم يغش نساءه فتضيع أقراؤهن وإنما ~~تضيع بالسفر زمان الطهر لا زمان الحيضة، وفائدة الخلاف تظهر في أن ~~المعتدة إذا شرعت في الحيضة الثالثة تنقضي عدتها على قول من يجعلها ~~أطهارا وتحسب بقية الطهر الذي وقع فيه الطلاق قرءا، قالت عائشة رضي ~~الله عنها: إذا طعنت المطلقة في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه ~~وبرىء منها. ومن ذهب إلى أن الأقراء هي الحيض يقول لا تنقضي عدتها ما لم ~~تطهر من الحيضة الثالثة، وهذا الاختلاف من حيث أن اسم القرء يقع على ~~الطهر والحيض جميعا، يقال: أقرأت المرأة: إذا حاضت وأقرأت: إذا طهرت، ~~فهي مقرىء، واختلفوا في أصله فقال أبو عمرو بن العلاء وأبو عبيدة: هو ~~الوقت لمجيء الشيء وذهابه، يقال: رجع فلان لقرئه ولقارئه أي لوقته الذي ~~يرجع فيه وهذا قارىء الرياح أي وقت هبوبها، قال مالك بن الحارث الهذلي: # كرهت العقر عقر بني شليل # إذا هبت لقارئها الرياح # أي لوقتها، والقرء يصلح للوجهين، لأن الحيض يأتي لوقت، والطهر مثله، ~~وقيل: هو من القرأ وهو الحبس والجمع، تقول العرب: ما قرأت الناقة سلا قط ~~أي لم تضم رحمها على ولد ومنه قريت الماء في المقراة وهي الحوض أي جمعته، ~~بترك همزها، فالقرء ههنا احتباس الدم واجتماعه، فعلى هذا يكون الترجيح ~~فيه للطهر لأنه يحبس الدم ويجمعه، والحيض يرخيه ويرسله، وجملة الحكم في ~~العدد: أن المرأة إذا كانت حاملا فعدتها بوضع ms0231 الحمل، سواء وقعت الفرقة ~~بينها وبين الزوج بالطلاق أو بالموت لقوله تعالى: # وأولت الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن # [الطلاق: 4] فإن لم تكن حاملا نظر: إن وقعت الفرقة بينهما بموت الزوج ~~فعليها أن تعتد بأربعة أشهر وعشر، سواء مات الزوج قبل الدخول أو بعده، ~~وسواء كانت المرأة ممن تحيض، أو لا تحيض لقول الله تعالى: # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ~~يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا # [البقرة: 234] وإن وقعت الفرقة بينهما في الحياة نظر فإن كان الطلاق قبل ~~الدخول بها، فلا عدة عليها، لقول الله تعالى: # ياأيها الذين ءامنوا إذا نكحتم المؤمنت ~~ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم ~~عليهن من عدة تعتدونها # [الأحزاب: 49]. # وإن كان بعد الدخول نظر: إن كانت المرأة ممن لم تحض قط أو بلغت في الكبر ~~سن الآيسات فعدتها ثلاثة أشهر لقول الله تعالى: # واللئي يئسن من المحيض من نسآئكم إن ~~ارتبتم فعدتهن ثلثة أشهر والئي لم ~~يحضن # [الطلاق: 4]. # وإن كانت ممن تحيض فعدتها ثلاثة أقراء لقوله تعالى: (والمطلقات يتربصن ~~بأنفسهن ثلاثة قروء) وقوله: (يتربصن بأنفسهن) لفظه خبر ومعناه أمر، وعدة ~~الأمة ان كانت حاملا بوضع الحمل كالحرة، وإن كانت حائلا ففي الوفاة ~~عدتها شهران وخمس ليال، وفي الطلاق، إن كانت ممن تحيض فعدتها قرءان، وإن ~~كانت ممن لا تحيض فشهر ونصف: وقيل شهران كالقرأين في حق من تحيض. قال ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ينكح العبد امرأتين ويطلق طلقتين وتعتد ~~الأمة بحيضتين، فإن لم تكن تحيض فشهرين أو شهرا ونصفا. # وقوله عز وجل { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق ~~الله فى أرحامهن } قال عكرمة: يعني الحيض وهو أن يريد الرجل ~~مراجعتها فتقول: قد حضت الثلاثة وقال ابن عباس وقتادة: يعني الحمل، ومعنى ~~الآية: لا يحل للمرأة كتمان ما خلق الله في رحمها من الحيض والحمل لتبطل ~~حق الزوج من الرجعة والولد { إن كن يؤمن بالله واليوم ~~الأخر } معناه أن هذا من فعل المؤمنات وإن كانت المؤمنة والكافرة في ~~هذا الحكم سواء كما تقول، أد ms0232 حقي إن كنت مؤمنا، يعني أداء الحقوق من ~~فعل المؤمنين. # { وبعولتهن } يعني أزواجهن جمع بعل، كالفحولة جمع فحل، سمي ~~الزوج بعلا لقيامه بأمر زوجته وأصل البعل السيد والمالك { أحق ~~بردهن } أولى برجعتهن إليهم { في ذلك } أي في حال العدة { ~~إن أرادوا إصلحا } أي إن أرادوا بالرجعة الصلاح وحسن العشرة ~~لا الإضرار كما كانوا يفعلونه في الجاهلية كان الرجل يطلق امرأته فإذا ~~قرب انقضاء عدتها، راجعها ثم تركها مدة، ثم طلقها ثم إذا قرب انقضاء ~~عدتها راجعها ثم بعد مدة طلقها يقصد بذلك تطويل العدة عليها { ولهن ~~} أي للنساء على الأزواج مثل الذى عليهن للأزواج بالمعروف قال ابن عباس ~~في معناه: اني أحب أن أتزين لامرأتي كما تحب امرأتي أن تتزين لي لأن الله ~~تعالى قال: { ولهن مثل الذى عليهن بالمعروف }. # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الحسن المروزي أخبرنا أبو سهل محمد بن عمر ~~بن طرفة السجزي أنا أبو سليمان الخطابي أخبرنا أبو بكر بن داسة أنا أبو ~~داود السجستاني أنا موسى بن إسماعيل أنا حماد أنا أبو قزعة سويد بن حجير ~~الباهلي # " عن حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه قال: قلت يا رسول الله ما حق زوجة ~~أحدنا عليه؟ قال: «أن تطعمها إذا طعمت، وأن تكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب ~~الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت» ". # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني أخبرنا عبد الغافر بن محمد ~~الفارسي أنا محمد بن عيسى الجلودي أنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن ~~سفيان أنا مسلم بن الحجاج أنا أبو بكر بن أبي شيبة أنا حاتم ابن اسماعيل ~~المدني عن جعفر بن محمد عن أبيه أنه قال: دخلنا على جابر بن عبد الله ~~فقلت: أخبرني عن حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم فسرد لي قصة حجة ~~الوداع إلى أن ذكر خطبته يوم عرفة قال: # " فاتقوا الله في النساء، فانهن عوان عندكم، فإنكم أخذتموهن بأمانة ~~الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا ~~تكرهونه فإن فعلن ms0233 ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن ~~بالمعروف، وقد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعده: كتاب الله، ~~وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، ~~فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس اللهم اشهد ~~اللهم اشهد ثلاث مرات ". # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أحمد بن الحسن الحيري أنا حاجب بن ~~أحمد الطوسي، أنا محمد بن يحيى أنا يعلى بن عبيد أنا محمد بن عمرو عن أبي ~~سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وخياركم خياركم لنسائكم ". # قوله تعالى: { وللرجال عليهن درجة } قال ابن عباس: بما ~~ساق إليها من المهر وأنفق عليها من المال، وقال قتادة: بالجهاد، وقيل ~~بالعقل، وقيل بالشهادة، وقيل بالميراث، وقيل: بالدية وقيل بالطلاق، لأن ~~الطلاق بيد الرجال، وقيل بالرجعة، وقال سفيان وزيد بن أسلم: بالإمارة ~~وقال القتيبي وللرجال عليهن درجة معناه فضيلة في الحق { والله ~~عزيز حكيم }. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي ~~أنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار أخبرنا أحمد بن محمد بن عيسى ~~البرتي أنا أبو حذيفة أنا سفيان عن الأعمش عن أبي ظبيان أن معاذ بن جبل ~~خرج في غزاة بعثه النبي صلى الله عليه وسلم فيها ثم رجع فرأى رجالا يسجد ~~بعضهم لبعض فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ". ### || [2.229-230] # قوله تعالى: { الطلاق مرتان } روي عن عروة بن الزبير قال: كان ~~الناس في الابتداء يطلقون من غير حصر ولا عدد، وكان الرجل يطلق امرأته، ~~فإذا قاربت انقضاء عدتها راجعها ثم طلقها كذلك ثم راجعها بقصد مضارتها ~~فنزلت هذه الآية { الطلاق مرتان } يعني الطلاق الذي يملك الرجعة ~~عقيبه مرتان، فإذا طلق ثلاثا فلا تحل له إلا بعد نكاح زوج آخر. # قوله ms0234 تعالى: { فإمساك بمعروف } قيل: أراد بالإمساك الرجعة ~~بعد الثانية، والصحيح أن المراد منه الإمساك بعد الرجعة، يعني إذا ~~راجعها بعد الرجعة الثانية فعليه أن يمسكها بالمعروف، والمعروف كل ما ~~يعرف في الشرع، من أداء حقوق النكاح وحسن الصحبة { أو تسريح ~~بإحسن } هو أن يتركها بعد الطلاق حتى تنقضي عدتها وقيل الطلقة ~~الثالثة. # قوله تعالى: { أو تسريح بإحسن } وصريح اللفظ الذي يقع به ~~الطلاق من غير نية ثلاثة: الطلاق والفراق والسراح، وعند أبي حنيفة الصريح ~~هو لفظ الطلاق فحسب، وجملة الحكم فيه أن الحر إذا طلق زوجته طلقة أو ~~طلقتين بعد الدخول بها يجوز له مراجعتها بغير رضاها ما دامت في العدة، ~~وإن لم يراجعها حتى انقضت عدتها، أو طلقها قبل الدخول بها أو خالعها فلا ~~تحل له إلا بنكاح جديد بإذنها، وإذن وليها فإن طلقها ثلاثا فلا تحل له، ~~ما لم تنكح زوجا غيره، وأما العبد إذا كانت تحته امرأة، فطلقها طلقتين، ~~فإنها لا تحل له إلا بعد نكاح زوج آخر. # واختلف أهل العلم فيما إذا كان أحد الزوجين رقيقا، فذهب أكثرهم إلى أنه ~~يعتبر عدد الطلاق بالزوج، فالحر يملك على زوجته الأمة ثلاث طلقات، والعبد ~~لا يملك على زوجته الحرة إلا طلقتين، قال عبد الله بن مسعود رضي الله ~~عنه: الطلاق بالرجال والعدة بالنساء، يعني يعتبر في عدد الطلاق في حال ~~الرجل وفي قدر العدة حال المرأة، وهو قول عثمان وزيد بن ثابت وابن عباس ~~رضي الله عنهم، وبه قال عطاء وسعيد بن المسيب وإليه ذهب مالك والشافعي ~~وأحمد وإسحاق، وذهب قوم إلى أن الاعتبار بالمرأة في عدد الطلاق فيملك ~~العبد على زوجته الحرة ثلاث طلقات ولا يملك الحر على زوجته الأمة إلا ~~طلقتين وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي. # قوله تعالى: { ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ ~~ءاتيتموهن } أعطيتموهن { شيئا } من المهور وغيرها ثم استثنى ~~الخلع فقال { إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود الله } ~~نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي أوفى ويقال: حبيبة بنت سهل كانت ms0235 تحت ~~ثابت بن قيس بن شماس وكانت تبغضه وهو يحبها فكان بينهما كلام فأتت أباها ~~فشكت إليه زوجها وقالت له: إنه يسيىء إلي ويضربني فقال: ارجعي إلى زوجك ~~فإني أكره للمرأة أن لا تزال رافعة يديها تشكو زوجها قال: فرجعت إليه ~~الثانية وبها أثر الضرب فقال لها: ارجعي إلى زوجك، فلما رأت أن أباها لا ~~يشكيها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت إليه زوجها وأرته آثارا ~~بها من ضربه وقالت يا رسول الله: لا أنا ولا هو، فأرسل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى ثابت فقال: «ما لك ولأهلك»؟ فقال: والذي بعثك بالحق ~~نبيا ما على وجه الأرض أحب إلى منها غيرك، فقال لها: «ما تقولين»؟ فكرهت ~~أن تكذب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سألها، فقالت: صدق يا رسول ~~الله ولكن قد خشيت أن يهلكني فأخرجني منه، وقالت: يا رسول الله ما كنت ~~لأحدثك حديثا ينزل الله عليك خلافه، هو من أكرم الناس محبة لزوجته، ~~ولكني أبغضه فلا أنا ولا هو، قال ثابت: قد أعطيتها حديقة فلتردها علي ~~وأخلي سبيلها فقال لها:« تردين عليه حديقته وتملكين أمرك»؟ قالت: نعم، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا ثابت خذ منها ما أعطيتها وخل ~~سبيلها» ففعل. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن اسماعيل أنا أزهر بن جميل أخبرنا عبد الوهاب الثقفي أنا ~~خالد عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما # " أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول ~~الله إن ثابت ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر بعد ~~الإسلام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتردين عليه حديقته»؟ ~~قالت: نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقبل الحديقة وطلقها ~~تطليقة» ". # قوله تعالى: { إلا أن يخافآ } أي يعلما { ألا يقيما ~~حدود الله } قرأ أبو جعفر وحمزة ويعقوب { إلا أن يخافآ } ~~بضم الياء أي ms0236 يعلم ذلك منهما، يعني: يعلم القاضي والولي ذلك من الزوجين، ~~بدليل قوله تعالى: { فإن خفتم } فجعل الخوف لغير الزوجين، ولم ~~يقل فإن خافا، وقرأ الآخرون { يخافا } بفتح الياء أي يعلم الزوجان من ~~أنفسهما { ألا يقيما حدود الله } تخاف المرأة أن تعصي الله ~~في أمر زوجها، ويخاف الزوج إذا لم تطعه امرأته أن يعتدي عليها، فنهى الله ~~الرجل أن يأخذ من امرأته شيئا مما آتاها، إلا أن يكون النشوز من قبلها، ~~فقالت: لا أطيع لك أمرا ولا أطأ لك مضجعا ونحو ذلك. # قال الله تعالى: { فإن خفتم ألا يقيما حدود الله ~~فلا جناح عليهما فيما افتدت به } أي فيما افتدت به ~~المرأة نفسها منه، قال الفراء: أراد بقوله { عليهما } الزوج دون ~~المرأة، فذكرهما جميعا لاقترانهما كقوله تعالى: # نسيا حوتهما # [الكهف: 61]، وإنما الناسي فتى موسى دون موسى وقيل: أراد أنه لا جناح ~~عليهما جميعا، لا جناح على المرأة في النشوز إذا خشيت الهلاك والمعصية، ~~ولا فيما افتدت به وأعطت من المال، لأنها ممنوعة من إتلاف المال بغير حق، ~~ولا على الزوج فيما أخذ منها من المال إذا أعطته طائعة، وذهب أكثر أهل ~~العلم إلى أن الخلع جائز على أكثر مما أعطاها وقال الزهري: لا يجوز ~~بأكثر مما أعطاها من المهر. # وقال سعيد بن المسيب: لا يأخذ منها جميع ما أعطاها بل يترك منه شيئا، ~~ويجوز الخلع على غير حال النشوز غير أنه يكره لما فيه من قطع الوصلة بلا ~~سبب. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أنا أبو عبد الله بن ~~فنجويه الدينوري أنا عبد الله بن محمد بن شيبة أنا أحمد بن جعفر المستملي ~~أنا أبو محمد يحيى بن اسحق بن شاكر بن أحمد بن خباب أنا عيسى بن يونس أنا ~~عبد الله بن الوليد الوصافي عن محارب بن دثار عن ابن عمر قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " إن من أبغض الحلال إلى الله الطلاق ". # أخبرنا أبو سعيد الشريحي أنا أبو اسحق الثعلبي أخبرني ابن فنجويه ms0237 أنا ~~ابن أبي أنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة أنا أبي أنا أسامة عن حماد بن ~~زيد عن أبي أيوب، عن أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان يرفعه إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة ~~". # وقال طاووس: الخلع يختص بحالة خوف النشوز لظاهر الآية، والآية خرجت على ~~وفق العادة أن الخلع لا يكون إلا في حال خوف النشوز غالبا، وإذا طلق ~~الرجل امرأته بلفظ الطلاق على مال فقبلت وقعت البينونة وانتقص به العدد. # واختلف أهل العلم في الخلع فذهب أكثرهم إلى أنه تطليقة بائنة ينتقص به ~~عدد الطلاق، وهو قول عمر وعثمان وعلي وابن مسعود، وبه قال سعيد بن المسيب ~~وعطاء والحسن والشعبي والنخعي، وإليه ذهب مالك والثوري والأوزاعي وأصحاب ~~الرأي وهو أظهر قولي الشافعي، وذهب قوم إلى أنه فسخ لا ينتقص به عدد ~~الطلاق وهو قول عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم، وبه ~~قال عكرمة وطاووس وإليه ذهب أحمد واسحق، واحتجوا بأن الله تعالى ذكر ~~الطلاق مرتين ثم ذكر بعده الخلع، ثم ذكر بعده الطلقة الثالثة فقال، { ~~فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا ~~غيره } ولو كان الخلع طلاقا لكان الطلاق أربعا، ومن قال بالأول جعل ~~الطلقة الثالثة: (أو تسريح بإحسان). # قوله تعالى: { تلك حدود الله } أي هذه أوامر الله ونواهيه، ~~وحدود الله: ما منع الشرع من المجاوزة عنه { فلا تعتدوها } فلا ~~تجاوزوها { ومن يتعد حدود الله فأولئك هم ~~الظلمون }. # قوله تعالى: { فإن طلقها } يعني الطلقة الثالثة { فلا تحل ~~له من بعد } أي من بعد الطلقة الثالثة { حتى تنكح زوجا ~~غيره } أي غير المطلق فيجامعها، والنكاح يتناول الوطء والعقد جميعا، ~~نزلت في تميمة وقيل: في عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك القرظي كانت تحت ~~ابن عمها رفاعة بن وهب بن عتيك القرظي فطلقها ثلاثا. # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد ms0238 الخلال أنا ~~أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أخبرنا سفيان عن الزهري عن عروة ~~عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنه سمعها تقول: # " جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إني ~~كنت عند رفاعة فطلقني فبت طلاقي، وتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير ~~وإنما معه مثل هدبة الثوب، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ~~«أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة» قالت نعم قال: «لا، حتى يذوق عسيلتك وتذوقي ~~عسيلته» ". # وروي أنها لبثت ما شاء الله ثم رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالت: إن زوجي قد مسني فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «كذبت بقولك ~~الأول فلن نصدقك في الآخر». فلبثت حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم فأتت ~~أبا بكر رضي الله عنه فقالت: يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أرجع ~~إلى زوجي الأول فإن زوجي الآخر قد مسني وطلقني فقال لها أبو بكر: قد شهدت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتيته وقال لك ما قال فلا ترجعي إليه، ~~فلما قبض أبو بكر رضي الله عنه، أتت عمر رضي الله عنه وقالت له: مثل ذلك ~~فقال لها عمر رضي الله عنه: لئن رجعت إليه لأرجمنك. # قوله تعالى: { فإن طلقها فلا جناح عليهمآ أن ~~يتراجعآ } يعني فإن طلقها الزوج الثاني بعدما جامعها { فلا ~~جناح عليهمآ } يعني على المرأة وعلى الزوج الأول { أن ~~يتراجعآ } يعني بنكاح جديد { إن ظنآ } أي علما وقيل رجوا، لأن ~~أحدا لا يعلم ما هو كائن إلا الله عز وجل { أن يقيما حدود ~~الله } أي يكون بينهما الصلاح وحسن الصحبة، وقال مجاهد: معناه إن علما ~~أن نكاحهما على غير الدلسة، وأراد بالدلسة التحليل، وهو مذهب ~~سفيان الثوري والأوزاعي ومالك وأحمد وإسحاق، قالوا: إذا تزوجت المطلقة ~~ثلاثا زوجا آخر ليحللها للزوج الأول: فإن النكاح فاسد، وذهب جماعة إلى ~~أنه إذا لم يشرط في النكاح مع الثاني أنه يفارقها فالنكاح صحيح ويحصل به ~~التحليل ms0239 ولها صداق مثلها، غير أنه يكره إذا كان في عزمها ذلك. # أخبرنا أبو الفرج المظفر بن اسماعيل التميمي أخبرنا أبو القاسم حمزة بن ~~يوسف السهمي أنا أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ أنا الحسن بن الفرج ~~أخبرنا عمرو بن خالد الحراني أنا عبيد الله بن عبد الكريم هو الجزري عن ~~أبي واصل عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~«لعن المحلل والمحلل له» وقال نافع أتى رجل ابن عمر فقال له: إن رجلا ~~طلق امرأته ثلاثا، فانطلق أخ له من غير مؤامرة فتزوجها ليحلها للأول ~~فقال: لا، إلا نكاح رغبة، كنا نعد هذا سفاحا على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لعن الله المحلل والمحلل له " # { وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون } يعني ~~يعلمون ما أمرهم الله تعالى به. ### || [2.231-232] # قوله تعالى: { وإذا طلقتم النسآء فبلغن أجلهن ~~} الآية، نزلت في رجل من الأنصار يدعى ثابت بن يسار طلق امرأته حتى إذا ~~قرب انقضاء عدتها راجعها ثم طلقها، يقصد بذلك مضارتها. # قوله تعالى: { فبلغن أجلهن } أي أشرفن على أن يبن بانقضاء ~~العدة، ولم يرد حقيقة انقضاء العدة، لأن العدة إذا انقضت لم يكن للزوج ~~إمساكها، فالبلوغ ههنا بلوغ مقاربة، وفي قوله تعالى بعد هذا: { ~~فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن } حقيقة انقضاء العدة، ~~والبلوغ يتناول المعنيين، يقال: بلغ المدينة إذا قرب منها وإذا دخلها { ~~فأمسكوهن } أي راجعوهن { بمعروف } قيل المراجعة بالمعروف أن ~~يشهد على رجعتها وأن يراجعها بالقول لا بالوطء. # { أو سرحوهن بمعروف } أي اتركوهن حتى تنقضي عدتهن فيكن أملك ~~بأنفسهن { ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا } أي لا تقصدوا ~~بالرجعة المضارة بتطويل الحبس { ومن يفعل ذلك فقد ظلم ~~نفسه } أي أضر بنفسه بمخالفة أمر الله تعالى، { ولا تتخذوا ~~آيت الله هزوا } قال الكلبي يعني قوله تعالى:«فإمساك بمعروف ~~أو تسريح بإحسان» وكل من خالف أمر الشرع فهو متخذ آيات الله هزوا، وقال ~~أبو الدرداء هو أن الرجل كان يطلق امرأته ms0240 ثم يقول: كنت لاعبا، ويعتق ~~ويقول: مثل ذلك وينكح ويقول مثل ذلك. # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي أنا أبو الحسن الطيسفوني ~~أخبرنا عبد الله بن عمرو الجوهري أخبرنا أحمد بن علي الكشميهني أخبرنا ~~على بن حجر أخبرنا اسماعيل بن جعفر عن ابن حبيب بن أردك عن عطاء بن أبي ~~رباح عن ابن ماهك عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: الطلاق والنكاح والرجعة ". # { واذكروا نعمت الله عليكم } بالإيمان { ومآ ~~أنزل عليكم من الكتب } يعني القرآن { والحكمة } ~~يعني السنة، وقيل: مواعظ القرآن { يعظكم به واتقوا الله ~~واعلموا أن الله بكل شىء عليم * وإذا ~~طلقتم النساء فبلغن أجلهن } نزلت في جميلة بنت يسار ~~أخت معقل بن يسار المزني، كانت تحت أبي البداح عاصم بن عدي بن عجلان ~~فطلقها. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن اسماعيل أخبرنا أحمد بن أبي عمرو حدثني أبي حدثني ~~إبراهيم عن يونس عن الحسن قال حدثني معقل بن يسار قال زوجت أختا لي من ~~رجل فطلقها حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها فقلت له: زوجتك وفرشتك ~~وأكرمتك فطلقتها ثم جئت تخطبها؟ لا والله لا تعود إليك أبدا، وكان رجلا ~~لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه فأنزل الله تعالى: { فلا ~~تعضلوهن أن ينكحن أزوجهن } فقلت: الآن أفعل يا رسول ~~الله، قال: فزوجتها إياه. # قوله تعالى: { فبلغن أجلهن } أي انقضت عدتهن { فلا ~~تعضلوهن أن ينكحن أزوجهن } أي لا تمنعوهن عن النكاح، ~~والعضل: المنع، وأصله الضيق والشدة، يقال: عضلت المرأة إذا نشب ولدها في ~~بطنها فضاق عليه الخروج، والداء العضال الذي لا يطاق، وفي الآية دليل على ~~أن المرأة لا تلي عقد النكاح إذ لو كانت تملك ذلك لم يكن هناك عضل ولا ~~لنهي الولي عن العضل معنى، وقيل الآية خطاب مع الأزواج لمنعهم من ~~الإضرار لأن ابتداء الآية خطاب معهم، والأول أصح. # { إذا ترضوا ms0241 بينهم بالمعروف } بعقد حلال ومهر جائز { ~~ذلك } أي ذلك الذي ذكر من النهي { يوعظ به من كان منكم ~~يؤمن بالله واليوم الأخر } ، وإنما قال ذلك موحدا، ~~والخطاب للأولياء لأن الأصل في مخاطبة الجمع: ذلكم، ثم كثر حتى توهموا أن ~~الكاف من نفس الحرف وليست بكاف خطاب فقالوا ذلك، فإذا قالوا هذا كانت ~~الكاف موحدة منصوبة في الاثنين والجمع والمؤنث والمذكر قيل هو خطاب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم فلذلك وحد ثم رجع إلى خطاب المؤمنين فقال { ذلكم ~~أزكى لكم } أي خير لكم { وأطهر } لقلوبكم من الريبة وذلك أنه ~~إذا كان في نفس كل واحد منهما علاقة حب لم يؤمن أن يتجاوز ذلك إلى غير ما ~~أحل الله لهما، ولم يؤمن من الأولياء أن يسبق إلى قلوبهم منهما ما لعلهما ~~أن يكونا بريئين من ذلك فيأثمون { والله يعلم وأنتم لا ~~تعلمون } أي يعلم من حب كل واحد منهما لصاحبه ما لا تعلمون أنتم. ### || [2.233] # قوله تعالى: { والوالدات يرضعن أولدهن } يعني: ~~المطلقات اللاتي لهن أولاد من أزواجهن يرضعن، خبر بمعنى الأمر، وهو أمر ~~استحباب لا أمر ايجاب، لأنه لا يجب عليهن الإرضاع إذا كان يوجد من ترضع ~~الولد لقوله تعالى في سورة الطلاق: # فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن # [الطلاق: 6]، فإن رغبت الأم في الإرضاع فهي أولى من غيرها { حولين ~~كاملين } أي سنتين، وذكر الكمال للتأكيد كقوله تعالى: # تلك عشرة كاملة # [البقرة: 196] وقيل إنما قال كاملين لأن العرب قد تسمي بعض الحول حولا ~~وبعض الشهر شهرا كما قال الله تعالى: # الحج أشهر معلومت # [البقرة: 197] وإنما هو شهران وبعض الثالث وقال: # فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه # [البقرة: 203]، وإنما يتعجل في يوم وبعض يوم، ويقال أقام فلان بموضع كذا ~~حولين وإنما أقام به حولا وبعض آخر، فبين الله تعالى أنهما حولان ~~كاملان، أربعة وعشرون شهرا، واختلف أهل العلم في هذا الحد، فمنهم من ~~قال هو حد لبعض المولودين، فروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها ~~إذا وضعت لستة أشهر فإنها ترضعه ms0242 حولين كاملين، وإن وضعته لسبعة أشهر ~~فإنها ترضعه ثلاثة وعشرين شهرا، وإن وضعت لتسعة أشهر فإنها ترضعه أحدا ~~وعشرين شهرا، وإن وضعت لعشرة أشهر فإنها ترضعه عشرين شهرا، كل ذلك تمام ~~ثلاثين شهرا لقوله تعالى: # وحمله وفصله ثلاثون # [الأحقاف: 15]. # وقال قوم: هو حد لكل مولود بأي وقت ولد لا ينقص رضاعه عن حولين إلا ~~باتفاق الأبوين فأيهما أراد الفطام قبل تمام الحولين ليس له ذلك إلا أن ~~يجتمعا عليه لقوله تعالى: { فإن أرادا فصالا عن تراض ~~منهما وتشاور } وهذا قول ابن جريج والثوري ورواية الوالبي عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما، وقيل: المراد من الآية: بيان أن الرضاع الذي ~~تثبت به الحرمة ما يكون في الحولين، فلا يحرم ما يكون بعد الحولين، قال ~~قتادة: فرض الله على الوالدات إرضاع حولين كاملين ثم أنزل التخفيف فقال: ~~{ لمن أراد أن يتم الرضاعة } أي هذا منتهى الرضاعة وليس ~~فيما دون ذلك حد محدود وإنما هو على مقدار صلاح الصبي وما يعيش به { ~~وعلى المولود له } يعني الأب { رزقهن } طعامهن { ~~وكسوتهن } لباسهن { بالمعروف } أي على قدر الميسرة { لا ~~تكلف نفس إلا وسعها } أي طاقتها { لا تضآر ولدة ~~بولدها } قرأ ابن كثير وأهل البصرة برفع الراء نسقا على قوله { لا ~~تكلف } وأصله تضارر فأدغمت الراء في الراء، وقرأ الآخرون تضار بنصب ~~الراء، قالوا: لما أدغمت الراء في الراء حركت إلى أخف الحركات وهو النصب ~~ومعنى الآية { لا تضار والدة بولدها } فينزع الولد منها ~~إلى غيرها بعد أن رضيت بإرضاعه { ولا مولود له بولده } أي ~~لا تلقيه المرأة إلى أبيه بعدما ألفها، تضاره بذلك، وقيل معناه { لا ~~تضار والدة } فتكره على إرضاعه إذا كرهت إرضاعه، وقبل الصبي من ~~غيرها، لأن ذلك ليس بواجب عليها { ولا مولود له بولده } ، ~~فيحتمل أن تعطى الأم أكثر مما يجب لها إذا لم يرتضع من غيرها. # فعلى هذين القولين أصل الكلمة لا تضارر بفتح الراء الأولى على الفعل ~~المجهول، والوالدة والمولود له مفعولان، ويحتمل أن يكون الفعل لهما وتكون ~~تضار بمعنى ms0243 تضارر بكسر الراء الأولى على تسمية الفاعل والمعنى { لا ~~تضار والدة } فتأبى أن ترضع ولدها ليشق على أبيه { ولا ~~مولود له } أي لا يضار الأب أم الصبي، فينزعه منها ويمنعها من ~~ارضاعه، وعلى هذه الأقوال يرجع الإضرار إلى الوالدين يضار كل واحد منهما ~~صاحبه بسبب الولد، ويجوز أن يكون الضرار راجعا إلى الصبي، أي لا يضار كل ~~واحد منهما الصبي، فلا ترضعه الأم حتى يموت أو لا ينفق الأب أو ينتزعه ~~من الأم حتى يضر بالصبي، فعلى هذا تكون الباء زائدة ومعناه: (لا تضار ~~والدة بولدها) ولا أب بولده وكل هذه الأقاويل مروية عن المفسرين. # قوله تعالى: { وعلى الوارث مثل ذلك } اختلفوا في هذا ~~الوارث، فقال قوم: هو وارث الصبي، معناه: وعلى وارث الصبي الذي لو مات ~~الصبي وله مال ورثه مثل الذي كان على أبيه في حال حياته، ثم اختلفوا في ~~أي وارث هو من ورثته فقال بعضهم: هم عصبة الصبي من الرجال مثل: الجد ~~والأخ وابن الأخ والعم وابن العم، وهو قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى ~~عنه، وبه قال إبراهيم والحسن ومجاهد وعطاء وهو مذهب سفيان قالوا: إذا لم ~~يكن للصبي ما ينفق عليه أجبرت عصبته الذين يرثونه على أن يسترضعوه، وقيل: ~~هو وارث الصبي من كان من الرجال والنساء: وهو قول قتادة وابن أبي ليلى ~~ومذهب أحمد وإسحاق وقالوا: يجبر على نفقته كل وارث على قدر ميراثه عصبة ~~كانوا أو غيرهم. # وقال بعضهم هو من كان ذا رحم محرم من ورثة المولود، فمن ليس بمحرم مثل ~~ابن العم والمولى فغير مراد بالآية، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله، وذهب ~~جماعة إلى أن المراد بالوارث هو الصبي نفسه، الذي هو وارث أبيه المتوفى ~~تكون أجرة رضاعه ونفقته في ماله، فإن لم يكن له مال فعلى الأم، ولا يجبر ~~على نفقة الصبي إلا الوالدان، وهو قول مالك والشافعي رحمهما الله، وقيل ~~هو الباقي من والدي المولود بعد وفاة الآخر عليه مثل ما كان على الأب من ~~أجرة ms0244 الرضاع والنفقة والكسوة. # وقيل: ليس المراد منه النفقة، بل معناه وعلى الوارث ترك المضارة، وبه ~~قال الشعبي والزهري { فإن أرادا } يعني الوالدين، { فصالا } ~~فطاما قيل الحولين { عن تراض منهما } أي اتفاق من الوالدين { ~~وتشاور } أي يشاورون أهل العلم به حتى يخبروا أن الفطام في ذلك ~~الوقت لا يضر بالولد، والمشاورة استخراج الرأي { فلا جناح ~~عليهما } أي لا حرج عليهما في الفطام قبل الحولين { وإن ~~أردتم أن تسترضعوا أولدكم } أي لأولادكم مراضع غير ~~أمهاتهم إذا أبت أمهاتهم أن يرضعنهم أو تعذر لعلة بهن، أي: انقطاع لبن أو ~~أردن النكاح { فلا جناح عليكم إذا سلمتم } إلى أمهاتهم ~~{ مآ ءاتيتم } ما سميتم لهن من أجرة الرضاع بقدر ما أرضعن، وقيل ~~إذا سلمتم أجور المراضع إليهن بالمعروف، قرأ ابن كثير { ما آتيتم } وفي ~~الروم: # ومآ ءاتيتم من ربا # [الروم: 39] بقصر الألف ومعناه ما فعلتم يقال: أتيت جميلا إذا فعلته، ~~فعلى هذه القراءة يكون التسليم بمعنى الطاعة والانقياد لا بمعنى تسليم ~~الأجرة يعني إذا سلمتم لأمره وانقدتم لحكمه، وقيل إذا سلمتم للاسترضاع عن ~~تراض واتفاق دون الضرار { واتقوا الله واعلموا أن ~~الله بما تعملون بصير }. ### || [2.234] # قوله تعالى: { والذين يتوفون منكم } أي: يموتون وتتوفى ~~آجالهم، وتوفى واستوفى بمعنى واحد، ومعنى التوفي أخذ الشيء وافيا { ~~ويذرون أزوجا } يتركون أزواجا { يتربصن } ينتظرن { ~~بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } أي يعتددن بترك الزينة ~~والطيب والنقلة على فراق أزواجهن هذه المدة إلا أن يكن حوامل فعدتهن ~~بوضع الحمل، وكانت عدة الوفاة في الابتداء حولا كاملا لقوله تعالى: # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية ~~لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج # [البقرة: 240] ثم نسخت بأربعة أشهر وعشرا، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: ~~كانت هذه العدة يعني أربعة أشهر وعشرا واجبة عند أهل زوجها، فأنزل الله ~~تعالى: { متعا إلى الحول } ، فجعل لها تمام السنة سبعة أشهر ~~وعشرين ليلة وصية إن شاءت سكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت وهو قول الله عز ~~وجل # غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما ~~فعلن # [البقرة: 240] فالعدة ms0245 كما هي واجبة عليها. # وقال: عطاء قال: ابن عباس رضي الله عنهما: نسخت هذه الآية عدتها عند ~~أهله وسكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت، قال عطاء: ثم جاء الميراث فنسخ ~~السكنى فتعتد حيث شاءت ولا سكنى لها ويجب عليها الإحداد في عدة الوفاة، ~~وهي أن تمتنع من الزينة والطيب فلا يجوز لها تدهين رأسها بأي دهن سواء ~~كان فيه طيب أو لم يكن، ولها تدهين جسدها بدهن لا طيب فيه، فإن كان فيه ~~طيب فلا يجوز، ولا يجوز لها أن تكتحل بكحل فيه طيب أو فيه زينة كالكحل ~~الأسود ولا بأس بالكحل الفارسي الذي لا زينة فيه فإن اضطرت إلى كحل فيه ~~زينة فرخص فيه كثير من أهل العلم ومنهم سالم بن عبد الله وسليمان بن يسار ~~وعطاء والنخعي وبه قال مالك وأصحاب الرأي، وقال الشافعي رحمه الله: تكتحل ~~به ليلا وتمسحه بالنهار. # قالت أم سلمة: # " دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفي أبو سلمة وقد جعلت ~~علي صبرا فقال: «إنه يشب الوجه فلا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه ~~بالنهار» ". # ولا يجوز لها الخضاب ولا لبس الوشي والديباج والحلي ويجوز لها لبس البيض ~~من الثياب ولبس الصوف والوبر، ولا تلبس الثوب المصبوغ للزينة كالأحمر ~~والأخضر الناضر والأصفر، ويجوز ما صبغ لغير زينة كالسواد والكحلي وقال ~~سفيان: لا تلبس المصبوغ بحال. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو اسحق الهاشمي أنا ~~أبو مصعب عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمر بن حزم عن حميد ~~بن نافع عن زينب بنت أبي سلمة أنها أخبرته بهذه الأحاديث الثلاثة قالت ~~زينب: دخلت على أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفى أبوها ~~أبو سفيان ابن حرب فدعت أم حبيبة بطيب فيه صفرة، خلوق أو غيره، فدهنت به ~~جارية ثم مست به بطنها ثم قالت: والله مالي بالطيب من حاجة غير أني سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: # " لا ms0246 يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال ~~إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا ". # وقالت زينب: ثم دخلت على زينب بنت جحش حين توفى أخوها عبد الله فدعت ~~بطيب فمست به ثم قالت: والله مالي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: # " لا يحل لامرأة أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر ~~وعشرا ". # قالت زينب: وسمعت أمي أم سلمة تقول: # " جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ان ~~ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفتكحلها؟ فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «لا»، ثم قال:«إنما هي أربعة أشهر وعشر وقد كانت إحداكن ~~في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول» " # ، قال حميد: فقلت لزينب: وما ترمي بالبعرة على رأس الحول؟ فقالت زينب: ~~كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشا أي بيتا صغيرا ولبست شر ~~ثيابها ولم تمس طيبا ولا شيئا حتى تمر بها سنة، ثم تؤتي بدابة، حمار أو ~~شاة أو طير فتفتض به، أي تمسح فقلما تفتض بشيء إلا مات، ثم تخرج فتعطي ~~بعرة فترمي بها، ثم تراجع بعد ذلك ما شاءت من طيب أو غيره، وقال مالك: ~~تفتض أي تمسح جلدها. # وقال سعيد بن المسيب: الحكمة في هذه المدة أن فيها ينفخ الروح في ~~الولد، ويقال إن الولد يرتكض أي يتحرك في البطن لنصف مدة الحمل أربعة ~~أشهر وعشرا قريبا من نصف مدة الحمل، وإنما قال عشرا بلفظ المؤنث لأنه ~~أراد الليالي لأن العرب إذا أبهمت العدد بين الليالي والأيام غلبت ~~عليها الليالي فيقولون: صمنا عشرا والصوم لا يكون إلا بالنهار. # وقال المبرد: إنما أنث العشر لأنه أراد المدد أي عشر مدد كل مدة يوم ~~وليلة، وإذا كانت المتوفى عنها زوجها حاملا فعدتها بوضع الحمل عند أكثر ~~أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم وروى عن علي وابن عباس رضي الله عنهم ~~أنها تنتظر ms0247 آخر الأجلين من وضع الحمل أو أربعة أشهر وعشرا، وقال عبد ~~الله بن مسعود رضي الله عنه: أنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى أراد ~~بالقصرى سورة الطلاق # وأولت الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن # [الطلاق: 4] نزلت بعد قوله تعالى: «يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا» ~~في سورة البقرة فحمله على النسخ، وعامة الفقهاء خصوا الآية بحديث سبيعة ~~وهو ما أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق ~~الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن المسور بن ~~مخرمة أن سبيعة نفست بعد وفاة زوجها بليال فجاءت إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فاستأذنته أن تنكح فأذن لها فنكحت. # قوله تعالى: { فإذا بلغن أجلهن } أي انقضت عدتهن { فلا ~~جناح عليكم } خطاب للأولياء { فيما فعلن فى أنفسهن ~~} أي من اختيار الأزواج دون العقد فإن العقد إلى الولي، وقيل فيما فعلن ~~من التزين للرجال زينة لا ينكرها الشرع { بالمعروف والله بما ~~تعملون خبير } والإحداد واجب على المرأة في عدة الوفاة، أما ~~المعتدة عن الطلاق ففيها نظر، فإن كانت رجعية لا إحداد عليها في العدة ~~لأن لها أن تصنع ما يشوق قلب الزوج إليها ليراجعها، وفي البائنة بالخلع ~~والطلقات الثلاث قولان: أحدهما: عليها الإحداد كالمتوفى عنها زوجها، وهو ~~قول سعيد بن المسيب، وبه قال أبو حنيفة، والثاني: لا إحداد عليها وهو قول ~~عطاء، وبه قال مالك. ### || [2.235] # قوله تعالى: { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من ~~خطبة النسآء } أي: النساء المعتدات وأصل التعريض هو التلويح ~~بالشيء، والتعريض في الكلام ما يفهم به السامع مراده من غير تصريح ~~والتعريض بالخطبة مباح في العدة وهو أن يقول: رب راغب فيك، من يجد ~~مثلك، إنك لجميلة، وإنك لصالحة، وإنك علي لكريمة، وإني فيك لراغب، وإن ~~من غرضي أن أتزوج وإن جمع الله بيني وبينك بالحلال أعجبني ولئن تزوجتك ~~لأحسنن إليك، ونحو ذلك من الكلام من غير أن يقول أنكحيني والمرأة تجيبه ~~بمثله إن رغبت فيه، وقال إبراهيم: لا بأس أن ms0248 يهدي لها ويقوم بشغلها في ~~العدة إذا كانت من شأنه. # روي أن سكينة بنت حنظلة بانت من زوجها فدخل عليها أبو جعفر محمد بن علي ~~الباقر في عدتها وقال: يا بنت حنظلة أنا من قد علمت قرابتي من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وحق جدي علي وقدمي في الإسلام فقالت سكينة أتخطبني ~~وأنا في العدة وأنت يؤخذ العلم عنك؟ فقال: إنما أخبرتك بقرابتي من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، قد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم ~~سلمة وهي في عدة زوجها أبي سلمة فذكر لها منزلته من الله عز وجل وهو ~~متحامل على يده حتى أثر الحصير في يده من شدة تحامله على يده. # والتعريض بالخطبة جائز في عدة الوفاة، أما المعتدة عن فرقة الحياة نظر: ~~إن كانت ممن لا يحل لمن بانت منه نكاحها كالمطلقة ثلاثا والمبانة ~~باللعان والرضاع: فإنه يجوز خطبتها تعريضا وإن كانت ممن يحل للزوج ~~نكاحها كالمختلعة والمفسوخ نكاحها يجوز لزوجها خطبتها تعريضا وتصريحا. # وهل يجوز للغير تعريضا؟ فيه قولان: أحدهما: يجوز كالمطلقة ثلاثا، ~~والثاني لا يجوز لأن المعاودة ثابتة لصاحب العدة كالرجعية لا يجوز للغير ~~تعريضها بالخطبة. # وقوله تعالى: { من خطبة النسآء } الخطبة التماس النكاح وهي ~~مصدر خطب الرجل المرأة يخطب خطبة، وقال الأخفش: الخطبة الذكر، والخطبة ~~التشهد فيكون معناه: فيما عرضتم به من ذكر النساء عندهن، { أو ~~أكننتم } أضمرتم { فى أنفسكم } من نكاحهن يقال: أكننت الشيء ~~وكننته لغتان، وقال ثعلب: أكننت الشيء أي أخفيته في نفسي وكننته سترته، ~~قال السدي: هو أن يدخل فيسلم ويهدي إن شاء ولا يتكلم بشيء { علم ~~الله أنكم ستذكرونهن } بقلوبكم { ولكن لا ~~تواعدوهن سرا } اختلفوا في السر المنهي عنه فقال قوم: هو الزنا ~~وكان الرجل يدخل على المرأة من أجل الزنية وهو يتعرض بالنكاح ويقول لها: ~~دعيني فإذا أوفيت عدتك أظهرت نكاحك، هذا قول الحسن وقتادة وإبراهيم وعطاء ~~ورواية عطية عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال زيد بن أسلم: أي لا ينكحها ~~سرا ms0249 فيمسكها فإذا حلت أظهر ذلك. # وقال مجاهد: هو قول الرجل لا تفوتيني بنفسك فإني ناكحك، وقال الشعبي ~~والسدي لا يأخذ ميثاقها أن لا تنكح غيره، وقال عكرمة: لا ينكحها ولا ~~يخطبها في العدة. # قال الشافعي: السر هو الجماع، وقال الكلبي: أي لا تصفوا أنفسكم لهن ~~بكثرة الجماع فيقول آتيك الأربعة والخمسة وأشباه ذلك، ويذكر السر ويراد ~~به الجماع قال امرىء القيس: # ألا زعمت بسباسة القوم أنني # كبرت وألا يحسن السر أمثالي # إنما قيل للزنا والجماع سر لأنه يكون في خفاء بين الرجل والمرأة. # قوله تعالى: { إلا أن تقولوا قولا معروفا } هو ما ~~ذكرنا من التعريض بالخطبة. # قوله تعالى: { ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ ~~الكتب أجله } أي لا تحققوا العزم على عقدة النكاح في العدة حتى ~~يبلغ الكتاب أجله أي: حتى تنقضي العدة وسماها الله كتابا لأنها فرض من ~~الله كقوله تعالى: { كتب عليكم } أي فرض عليكم { واعلموا أن ~~الله يعلم ما فى أنفسكم فاحذروه } أي فخافوا الله { ~~واعلموا أن الله غفور حليم } لا يعجل بالعقوبة. ### || [2.236] # وقوله تعالى: { لا جناح عليكم إن طلقتم النسآء ~~ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة } أي ولم ~~تمسوهن ولم تفرضوا، نزلت في رجل من الأنصار تزوج امرأة من بني حنيفة ولم ~~يسم لها مهرا ثم طلقها قبل أن يمسها فنزلت هذه الآية فقال له رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «متعها ولو بقلنسوتك». # قرأ حمزة والكسائي { ما لم تماسوهن } بالألف ههنا وفي الأحزاب على ~~المفاعلة لأن بدن كل واحد منهما يلاقي بدن صاحبه كما قال الله تعالى: # من قبل أن يتمآسا # [المجادلة: 3] وقرأ الباقون { تمسوهن } بلا ألف، لأن الغشيان يكون من ~~فعل الرجل دليله قوله تعالى: # ولم يمسسنى بشر # [آل عمران: 47]. # قوله تعالى: { أو تفرضوا لهن فريضة } أي توجبوا لهن ~~صداقا فإن قيل فما الوجه في نفي الجناح عن المطلق قيل: الطلاق قطع سبب ~~الوصلة وجاء في الحديث # " أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق ". # فنفى الجناح عنه إذا كان الفراق أروح من الإمساك، ms0250 وقيل معناه لا سبيل ~~للنساء عليكم إن طلقتموهن من قبل المسيس والفرض بصداق ولا نفقة، وقيل: لا ~~جناح عليكم في تطليقهن قبل المسيس في أي وقت شئتم حائضا كانت المرأة أو ~~طاهرا لأنه لا سنة ولا بدعة في طلاقهن قبل الدخول بها بخلاف المدخول بها ~~فإنه لا يجوز تطليقها في حال الحيض { ومتعوهن } أي أعطوهن من ~~مالكم ما يتمتعن به والمتعة والمتاع ما يتبلغ به من الزاد { على ~~الموسع } أي على الغني { قدره وعلى المقتر } أي الفقير { ~~قدره } أي إمكانه وطاقته قرأ أبو جعفر وابن عامر وحمزة والكسائي وحفص ~~قدره بفتح الدال فيهما وقرأ الآخرون بسكونهما وهما لغتان وقيل: القدر ~~بسكون الدال المصدر وبالفتح الاسم، متاعا: نصب على المصدر أي متعوهن { ~~متعا بالمعروف } ، أي بما أمركم الله به من غير ظلم { حقا ~~على المحسنين } ، وبيان حكم الآية أن من تزوج امرأة ولم يفرض لها ~~مهرا ثم طلقها قبل المسيس تجب لها المتعة بالاتفاق وإن طلقها بعد الفرض ~~قبل المسيس فلا متعة لها على قول الأكثرين ولها نصف المهر المفروض. # واختلفوا في المطلقة بعد الدخول بها فذهب جماعة إلى أنه لا متعة لها ~~لأنها تستحق المهر وهو قول أصحاب الرأي وذهب جماعة إلى أنها تستحق المتعة ~~لقوله تعالى: # وللمطلقات متاع بالمعروف # [البقرة: 241] وهو قول عبد الله بن عمر وبه قال عطاء ومجاهد والقاسم بن ~~محمد وإليه ذهب الشافعي لأن استحقاقها المهر بمقابلة ما أتلف عليها من ~~منفعة البضع فلها المتعة على وحشة الفراق، فعلى القول الأول لا متعة إلا ~~لواحدة وهي المطلقة قبل الفرض والمسيس، وعلى القول الثاني لكل مطلقة متعة ~~إلا لواحدة وهي المطلقة بعد الفرض قبل المسيس، وقال عبد الله بن عمر: لكل ~~مطلقة متعة إلا التي فرض لها ولم يمسها زوجها فحسبها نصف المهر. # قال الزهري: متعتان يقضي بإحداهما السلطان ولا يقضي بالأخرى بل تلزمه ~~فيما بينه وبين الله تعالى. # فأما التي يقضي بها السلطان فهي المطلقة قبل الفرض والمسيس وهو قوله ~~تعالى: { حقا على المحسنين } ، والتي تلزمه ms0251 فيما بينه وبين ~~الله تعالى ولا يقضي بها السلطان فهي المطلقة بعد المسيس وهو قوله ~~تعالى: { حقا على المتقين }. # وذهب الحسن وسعيد بن جبير إلى أن لكل مطلقة متعة سواء كان قبل الفرض ~~والمسيس أو بعد الفرض قبل المسيس لقوله تعالى: # وللمطلقات متاع بالمعروف # [البقرة: 241] ولقوله تعالى في سورة الأحزاب: # فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا # [الأحزاب: 49]، وقالا: معنى قوله تعالى: { لا جناح عليكم إن ~~طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن ~~فريضة } أي أو لم تفرضوا لهن فريضة، وقال بعضهم: المتعة غير واجبة ~~والأمر بها أمر ندب واستحباب. # وروي أن رجلا طلق امرأته وقد دخل بها فخاصمته إلى شريح في المتعة فقال ~~شريح: لا تأب أن تكون من المحسنين ولا تأب أن تكون من المتقين ولم يجبره ~~على ذلك. # واختلفوا في قدر المتعة فروي عن ابن عباس: أعلاها خادم وأوسطها ثلاثة ~~أثواب، درع وخمار وإزار، ودون ذلك وقاية أو شيء من الورق وبه قال ~~الشعبي والزهري وهذا مذهب الشافعي، وقال: أعلاها على الموسع خادم وأوسطها ~~ثوب وأقلها أقل ما له ثمن، وحسن ثلاثون درهما، وطلق عبد الرحمن بن عوف ~~امرأته وحممها جارية سوداء أي متعها ومتع الحسن بن علي رضي الله عنه ~~امرأة له بعشرة آلاف درهم فقالت: «متاع قليل من حبيب مفارق». # وقال أبو حنيفة رحمه الله: مبلغها إذا اختلف الزوجان قدر نصف مهر مثلها ~~لا يجاوز والآية تدل على أنه يعتبر حال الزوج في العسر واليسر، ومن حكم ~~الآية: أن من تزوج امرأة بالغة برضاها على غير مهر يصح النكاح، وللمرأة ~~مطالبته بأن يفرض لها صداقا، فإن دخل بها قبل الفرض فلها عليه مهر مثلها ~~وإن طلقها قبل الفرض والدخول فلها المتعة، وإن مات أحدهما قبل الفرض ~~والدخول اختلف أهل العلم في أنها هل تستحق المهر أم لا؟ فذهب جماعة إلى ~~أنه لا مهر لها وهو قول علي وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر وعبد الله بن ~~عباس كما لو طلقها قبل الفرض والدخول وذهب قوم إلى ms0252 أن لها المهر لأن ~~الموت كالدخول في تقرير المسمى فكذلك في ايجاب مهر المثل إذا لم يكن في ~~العقد مسمى وهو قول الثوري وأصحاب الرأي واحتجوا بما روي عن علقمة عن ابن ~~مسعود أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقا ولم يدخل بها حتى ~~مات فقال ابن مسعود: لها صداق نسائها ولا وكس ولا شطط وعليها العدة ولها ~~الميراث فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: قضى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في بروع بنت واشق امرأة منا مثل ما قضيت ففرح بها ابن مسعود رضي ~~الله عنه. # وقال الشافعي رحمه الله: فإن ثبت حديث بروع بنت واشق فلا حجة في قول ~~أحد دون قول النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم يثبت فلا مهر لها ولها ~~الميراث، وكان علي يقول: في حديث بروع لا يقبل قول أعرابي من أشجع على ~~كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ### || [2.237] # وقوله تعالى: { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ~~وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم } هذا في ~~المطلقة بعد الفرض قبل المسيس فلها نصف المفروض، وإن مات أحدهما قبل ~~المسيس فلها كمال المهر المفروض، والمراد بالمس المذكور في الآية: ~~الجماع، واختلف أهل العلم فيما لو خلا الرجل بامرأته ثم طلقها قبل أن ~~يدخل بها فذهب جماعة إلى أنه لا يجب لها إلا نصف الصداق، ولا عدة عليها ~~لأن الله تعالى أوجب بالطلاق قبل المسيس نصف المهر، ولم يوجب العدة، وهو ~~قول ابن عباس رضي الله عنه وابن مسعود وبه قال الشافعي رحمه الله. # وقال قوم: يجب لها كمال المهر، وعليها العدة، لما روي عن عمر رضي الله ~~عنه أنه قال: إذا أرخيت الستور فقد وجب الصداق، ومثله عن زيد بن ثابت، ~~وحمل بعضهم قول عمر على وجوب تسليم الصداق إليها إذا سلمت نفسها لا على ~~تقدير الصداق، وقيل هذه الآية ناسخة للآية التي في الأحزاب: # فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن # [الأحزاب: 49] فقد كان للمطلقة ms0253 قبل المسيس متاع فنسخت بهذه الآية، وأوجب ~~للمطلقة المفروض لها قبل المسيس نصف المفروض، ولا متاع لها. # وقوله تعالى: { وقد فرضتم لهن فريضة } أي سميتم لهن ~~مهرا { فنصف ما فرضتم } أي لها نصف المهر المسمى { إلا أن ~~يعفون } يعني النساء أي إلا أن تترك المرأة نصيبها فيعود جميع الصداق ~~إلى الزوج. # قوله تعالى: { أو يعفوا الذى بيده عقدة النكاح } ~~اختلفوا فيه: فذهب بعضهم إلى أن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي، وبه قال ~~ابن عباس رضي الله عنه، معناه: إلا أن تعفو المرأة بترك نصيبها إلى الزوج ~~إن كانت ثيبا من أهل العفو، أو يعفو وليها فيترك نصيبها إن كانت المرأة ~~بكرا أو غير جائزة الأمر فيجوز عفو وليها وهو قول علقمة وعطاء الحسن ~~والزهري وربيعة، وذهب بعضهم إلى أنه إنما يجوز عفو الولي إذا كانت المرأة ~~بكرا فإن كانت ثيبا فلا يجوز عفو وليها، وقال بعضهم: الذي بيده عقدة ~~النكاح هو الزوج، وهو قول علي، وبه قال سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير ~~والشعبي وشريح ومجاهد وقتادة، وقالوا: لا يجوز لوليها ترك شيء من الصداق، ~~بكرا كانت أو ثيبا كما لا يجوز له ذلك قبل الطلاق بالاتفاق وكما لا ~~يجوز له أن يهب شيئا من مالها، وقالوا: معنى الآية إلا أن تعفو المرأة ~~بترك نصيبها فيعود جميع الصداق إلى الزوج أو يعفو الزوج بترك نصيبه فيكون ~~لها جميع الصداق، فعلى هذا التأويل وجه الآية: الذي بيده عقدة النكاح ~~نكاح نفسه في كل حال قبل الطلاق أو بعده { وأن تعفوا أقرب ~~للتقوى } موضعه رفع بالابتداء أي فالعفو أقرب للتقوى، أي إلى ~~التقوى، والخطاب للرجال والنساء جميعا لأن المذكر والمؤنث إذا اجتمعا ~~كانت الغلبة للمذكر معناه: وعفو بعضكم عن بعض أقرب للتقوى { ولا ~~تنسوا الفضل بينكم } أي افضال بعضهم على بعض بإعطاء الرجل ~~تمام الصداق أو ترك المرأة نصيبها، حثهما جميعا على الإحسان، { إن ~~الله بما تعملون بصير }. ### || [2.238-239] # قوله تعالى: { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } ~~أي واظبوا وداوموا على الصلوات ms0254 المكتوبات بمواقيتها وحدودها وإتمام ~~أركانها، ثم خص من بينها الصلاة الوسطى بالمحافظة عليها دلالة على فضلها، ~~والوسطى تأنيث الأوسط، ووسط الشيء: خيره وأعدله واختلف العلماء من ~~الصحابة ومن بعدهم في الصلاة الوسطى فقال قوم: هي صلاة الفجر، وهو قول ~~عمر وابن عمر وابن عباس ومعاذ وجابر، وبه قال عطاء وعكرمة ومجاهد، وإليه ~~ذهب مالك والشافعي، لأن الله تعالى قال: { وقوموا لله ~~قنتين } والقنوت طول القيام، وصلاة الصبح مخصوصة بطول القيام ~~وبالقنوت لأن الله تعالى خصها في آية أخرى من بين الصلوات فقال الله: # وقرءان الفجر إن قرءان الفجر كان مشهودا # [الإسراء: 78]، يعني تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار، فهي مكتوبة في ~~ديوان الليل وديوان النهار، ولأنها بين صلاتي جمع وهي لا تقصر ولا تجمع ~~إلى غيرها، وذهب قوم إلى أنها صلاة الظهر، وهو قول زيد بن ثابت وأبي سعيد ~~الخدري وأسامة بن زيد، لأنها في وسط النهار وهي أوسط صلاة النهار في ~~الطول. # أخبرنا عمر بن عبد العزيز أخبرنا أبو القاسم بن جعفر الهاشمي أنا أبو ~~علي اللؤلؤي أنا أبو داود أنا محمد بن المثنى أنا محمد بن جعفر أنا شعبة ~~حدثني عمرو بن أبي حكيم قال: سمعت الزبرقان يحدث عن عروة بن الزبير عن ~~زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ~~الظهر بالهاجرة ولم يكن يصلي صلاة أشد على أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم منها، فنزلت: { حفظوا على الصلوت والصلوة ~~الوسطى }. # وذهب الأكثرون إلى أنها صلاة العصر رواه جماعة عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو قول علي وعبد الله بن مسعود وأبي أيوب وأبي هريرة وعائشة ~~رضوان الله عليهم وبه قال إبراهيم النخعي وقتادة والحسن. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ~~أنا أبو مصعب عن مالك عن زيد بن أسلم عن القعقاع بن حكيم عن أبي يونس ~~مولى عائشة أم المؤمنين رضي الله عنهما أنه قال: أمرتني عائشة أن أكتب ~~لها مصحفا وقالت: ms0255 إذا بلغت هذه الآية فآذني { حفظوا على ~~الصلوت والصلوة الوسطى } فلما بلغتها آذنتها فأملت علي ~~{ حفظوا على الصلوت والصلوة الوسطى } «صلاة ~~العصر» { وقوموا لله قنتين } قالت عائشة رضي الله عنها: ~~سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن حفصة مثل ذلك. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان ~~أنا أبو جعفر الرياني أنا حميد بن زنجويه أخبرنا أبو نعيم أنا سفيان ~~عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش قال: قلنا لعبيدة سل عليا عن ~~الصلاة الوسطى فسأله فقال: كنا نرى أنها صلاة الفجر حتى سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول يوم الخندق: # " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا ~~". # ولأنها بين صلاتي نهار وصلاتي ليل، وقد خصها النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالتغليظ. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا مسلم بن ابراهيم أنا هشام أنا يحيى بن أبي ~~كثير عن أبي قلابة عن أبي المليح قال: كنا مع بريدة في غزوة في يوم ذي ~~غيم فقال: بكروا بصلاة العصر فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله ". # وقال قبيصة بن ذؤيب: هي صلاة المغرب لأنها وسط ليس بأقلها ولا بأكثرها، ~~ولم ينقل عن أحد من السلف فيها أنها صلاة العشاء وإنما ذكرها بعض ~~المتأخرين لأنها بين صلاتين لا تقصران، وقال بعضهم هي احدى الصلوات الخمس ~~لا بعينها، أبهمها الله تعالى تحريضا للعباد على المحافظة على أداء ~~جميعها كما أخفى ليلة القدر في شهر رمضان وساعة إجابة الدعوة في يوم ~~الجمعة وأخفى الاسم الأعظم في الأسماء ليحافظوا على جميعها. # قوله تعالى: { وقوموا لله قنتين } أي مطيعين، قال الشعبي ~~وعطاء وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وطاووس؛ والقنوت: الطاعة، قال الله ~~تعالى # أمة قانتا # [النحل: 120] أي مطيعا، وقال الكلبي ومقاتل: لكل أهل دين صلاة يقومون ~~فيها عاصين فقوموا ms0256 أنتم لله في صلاتكم مطيعين، وقيل القنوت السكوت عما ~~لا يجوز التكلم به في الصلاة. # أخبرنا أبو عثمان سعيد بن اسماعيل الضبي، أنا أبو محمد عبد الجبار بن ~~محمد الجراحي أنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي أنا أبو عيسى الترمذي ~~أنا أحمد بن منيع أنا هشيم أنا اسماعيل بن أبي خالد عن الحارث بن شبيل ~~عن أبي عمرو الشيباني عن زيد بن أرقم قال: كنا نتكلم خلف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في الصلاة يكلم الرجل منا صاحبه إلى جنبه حتى نزلت { ~~وقوموا لله قنتين } فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام. # وقال مجاهد: خاشعين، وقال: من القنوت طول الركوع وغض البصر والركود وخفض ~~الجناح، وكان العلماء إذا كان أحدهم يصلي يهاب الرحمن أن يلتفت أو يقلب ~~الحصى أو يعبث بشيء أو يحدث نفسه بشيء من أمر الدنيا إلا ناسيا، وقيل: ~~المراد من القنوت طول القيام. # أخبرنا أبو عثمان الضبي أنا أبو محمد الجراحي أنا أبو العباس المحبوبي ~~أنا أبو عيسى الترمذي أنا ابن أبي عمر أنا سفيان بن عيينة عن أبي الزبير ~~عن جابر قال: # " قيل للنبي صلى الله عليه وسلم أي الصلاة أفضل؟ قال: «طول القنوت» " # وقيل: { قنتين } أي داعين، دليله ما روي عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما قال: قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا متتابعا يدعو على ~~أحياء من سليم على رعل وذكوان وعصية، وقيل: معناه مصلين لقوله تعالى: # أمن هو قانت ءانآء اليل # [الزمر: 9] أي مصل. # قوله تعالى: { فإن خفتم فرجالا } (فرجالا) أي رجالة يقال: ~~راجل ورجال مثل صاحب وصحاب وقائم وقيام ونائم ونيام { أو ركبانا } ~~على دوابهم وهو جمع راكب، معناه إن لم يمكنكم أن تصلوا قانتين موفين ~~للصلاة حقها لخوف فصلوا مشاة على أرجلكم أو ركبانا على ظهور دوابكم، ~~وهذا في حال المقاتلة والمسايفة يصلى حيث كان وجهه راجلا أو راكبا ~~مستقبل القبلة وغير مستقبلها ويومىء بالركوع والسجود ويجعل السجود أخفض ~~من الركوع، وكذلك إذا قصده سبع أو غشيه سيل يخاف ms0257 منه على نفسه فعدا أمامه ~~مصليا بالايماء يجوز. # والصلاة في حال الخوف على أقسام فهذه صلاة شدة الخوف وسائر الأقسام ~~سيأتي بيانها في سورة النساء إن شاء الله تعالى، ولا ينتقص عدد الركعات ~~بالخوف عند أكثر أهل العلم، وروى عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعا ~~وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة وهو قول عطاء وطاووس والحسن ومجاهد ~~وقتادة: أنه يصلي في حال شدة الخوف ركعة، وقال سعيد بن جبير: إذا كنت في ~~القتال وضرب الناس بعضهم بعضا فقل: «سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا ~~الله والله أكبر واذكر الله فتلك صلاتك» { فإذآ أمنتم ~~فاذكروا الله } أي فصلوا الصلوات الخمس تامة بحقوقها { كما ~~علمكم ما لم تكونوا تعلمون }. ### || [2.240-242] # قوله تعالى: { والذين يتوفون منكم } يا معشر الرجال { ~~ويذرون } أي يتركون { أزوجا } أي زوجات { وصية ~~لازواجهم } قرأ أهل البصرة وابن عامر وحمزة وحفص وصية بالنصب على ~~معنى فليوصوا وصية، وقرأ الباقون بالرفع أي كتب عليكم الوصية { ~~متعا إلى الحول } متاعا بنصب على المصدر أي متعوهن متاعا، ~~وقيل: جعل الله ذلك لهن متاعا، والمتاع نفقة سنة لطعامها وكسوتها وسكنها ~~وما تحتاج إليه { غير إخراج } نصب على الحال، وقيل: بنزع حرف على ~~الصفة أي من غير إخراج، نزلت هذه الآية في رجل من أهل الطائف يقال له ~~حكيم بن الحارث هاجر إلى المدينة وله أولاد ومعه أبواه وامرأته فمات، ~~فأنزل الله هذه الآية فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم والديه وأولاده من ~~ميراثه ولم يعط امرأته شيئا، وأمرهم أن ينفقوا عليها من تركة زوجها ~~حولا كاملا، وكانت عدة الوفاة في ابتداء الإسلام حولا وكان يحرم على ~~الوارث إخراجها من البيت قبل تمام الحول، وكانت نفقتها وسكنها واجبة في ~~مال زوجها تلك السنة ما لم تخرج، ولم يكن لها الميراث، فإن خرجت من بيت ~~زوجها سقطت نفقتها، وكان على الرجل أن يوصي بها فكان كذلك حتى نزلت آية ms0258 ~~الميراث، فنسخ الله تعالى نفقة الحول بالربع والثمن، ونسخ عدة الحول ~~بأربعة أشهر وعشرا. # قوله تعالى: { فإن خرجن } يعني من قبل أنفسهن قبل الحول من غير ~~إخراج الورثة { فلا جناح عليكم } يا أولياء الميت { في ما ~~فعلن في أنفسهن من معروف } يعني التزين للنكاح، ولرفع ~~الجناح عن الرجال وجهان: # أحدهما: لا جناح عليكم في قطع النفقة عنهن إذا خرجن قبل انقضاء الحول. # والآخر: لا جناح عليكم في ترك منعهن من الخروج لأن مقامها في بيت زوجها ~~حولا غير واجب عليها خيرها الله تعالى بين أن تقيم حولا ولها النفقة ~~والسكنى، وبين أن تخرج فلا نفقة ولا سكنى إلى أن نسخه بأربعة أشهر وعشر. # { والله عزيز حكيم * وللمطلقت متع ~~بالمعروف حقا على المتقين } إنما أعاد ذكر المتعة ههنا ~~لزيادة معنى، وذلك أن في غيرها بيان حكم غير الممسوسة، وفي هذه الآية ~~بيان حكم جميع المطلقات في المتعة، وقيل: إنه لما نزل قوله تعالى: ~~(ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره) إلى قوله: # حقا على المحسنين # [البقرة: 236] قال رجل من المسلمين: إن أحسنت فعلت، وإن لم أرد ذلك لم ~~أفعل، فقال الله تعالى: { وللمطلقات متع } جعل المتعة لهن ~~بلام التمليك فقال: { حقا على المتقين } يعني المؤمنين ~~المتقين الشرك، { كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم ~~تعقلون }. ### || [2.243-245] # قوله تعالى { ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم } ~~قال أكثر أهل التفسير: كانت قرية يقال لها: داوردان قبل واسط بها وقع ~~الطاعون، فخرجت طائفة منها وبقيت طائفة، فهلك أكثر من بقي في القرية وسلم ~~الذين خرجوا، فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين، فقال الذين بقوا: أصحابنا ~~كانوا أحزم منا، لو صنعنا كما صنعوا لبقينا، ولئن وقع الطاعون ثانية ~~لنخرجن إلى أرض لا وباء بها، فوقع الطاعون من قابل فهرب عامة أهلها، ~~وخرجوا حتى نزلوا واديا أفيح فلما نزلوا المكان الذي يبتغون فيه النجاة ~~ناداهم ملك من أسفل الوادي وآخر من أعلاه: أن موتوا فماتوا جميعا. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق ms0259 الهاشمي ~~أنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن عبد الله بن عامر بن ربيعة # " أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج إلى الشام فلما جاء سرع بلغه أن ~~الوباء قد وقع بالشام فأخبره عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: «إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم ~~بها فلا تخرجوا فرارا منه» " # فرجع عمر من سرغ، قال الكلبي ومقاتل والضحاك: إنما فروا من الجهاد وذلك ~~أن ملكا من ملوك بني إسرائيل أمرهم أن يخرجوا إلى قتال عدوهم، فعسكروا ~~ثم جبنوا وكرهوا الموت فاعتلوا وقالوا لملكهم: إن الأرض التي نأتيها بها ~~الوباء فلا نأتيها حتى ينقطع منها الوباء، فأرسل الله عليهم الموت فخرجوا ~~من ديارهم فرارا من الموت فلما رأى الملك ذلك قال: اللهم رب يعقوب وإله ~~موسى قد ترى معصية عبادك فأرهم آية في أنفسهم حتى يعلموا أنهم لا ~~يستطيعون الفرار منك، فلما خرجوا قال لهم الله تعالى: موتوا، عقوبة لهم، ~~فماتوا جميعا وماتت دوابهم كموت رجل واحد فأتى عليهم ثمانية أيام حتى ~~انتفخوا وأروحت أجسادهم فخرج إليهم الناس فعجزوا عن دفنهم، فحظروا عليهم ~~حظيرة دون السباع وتركوهم فيها. # واختلفوا في مبلغ عددهم، قال عطاء الخراساني: كانوا ثلاثة آلاف، وقال ~~وهب: أربعة آلاف وقال مقاتل والكلبي: ثمانية آلاف، وقال أبو روق: عشرة ~~آلاف، وقال السدي: بضعة وثلاثون ألفا، وقال ابن جريج: أربعون ألفا، ~~وقال عطاء بن أبي رباح: سبعون ألفا، وأولى الأقاويل: قول من قال كانوا ~~زيادة على عشرة آلاف، لأن الله تعالى قال «وهم ألوف» والألوف جمع الكثير ~~وجمعه القليل آلاف، ولا يقال لما دون عشرة آلاف ألوف، قالوا: فأتت على ~~ذلك مدة وقد بليت أجسادهم وعريت عظامهم فمر عليهم نبي يقال له: حزقيل بن ~~بودى ثالث خلفاء بني إسرائيل من بعد موسى عليه السلام، وذلك أن القيم ~~بأمر بني إسرائيل كان بعد موسى يوشع بن نون ثم كالب بن يوقنا ثم حزقيل ~~وكان يقال له ابن ms0260 العجوز لأن أمه كانت عجوزا فسألت الله الولد بعد ما ~~كبرت وعقمت فوهبه الله تعالى لها، قال الحسن ومقاتل: هو ذو الكفل وسمي ~~حزقيل ذا الكفل لأنه تكفل بسبعين نبيا وأنجاهم من القتل، فلما مر حزقيل ~~على أولئك الموتى وقف عليهم فجعل يتفكر فيهم متعجبا فأوحى الله تعالى ~~إليه تريد أن أريك آية؟ قال نعم: فأحياهم الله وقيل: دعا حزقيل ربه أن ~~يحييهم فأحياهم. # وقال مقاتل والكلبي: هم كانوا قوم حزقيل أحياهم الله بعد ثمانية أيام، ~~وذلك أنه لما أصابهم ذلك خرج حزقيل في طلبهم فوجدهم موتى فبكى وقال: يا ~~رب كنت في قوم يحمدونك ويسبحونك ويقدسونك ويكبرونك ويهللونك فبقيت وحيدا ~~لا قوم لي، فأوحى الله تعالى إليه: أني جعلت حياتهم إليك، قال حزقيل: ~~إحيوا بإذن الله فعاشوا. # قال مجاهد: إنهم قالوا حين أحيوا، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لا إله إلا ~~أنت فرجعوا إلى قومهم وعاشوا دهرا طويلا وسحنة الموت على وجوههم، لا ~~يلبسون ثوبا إلا عاد دسما مثل الكفن حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت لهم. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: وانها لتوجد اليوم في ذلك السبط من اليهود ~~تلك الريح، قال قتادة: مقتهم الله على فرارهم من الموت فأماتهم عقوبة ~~لهم ثم بعثوا ليستوفوا مدة آجالهم ولو جاءت آجالهم ما بعثوا فذلك قوله ~~تعالى: { ألم تر } أي ألم تعلم بإعلامي إياك، وهو من رؤية القلب. # وقال أهل المعاني: هو تعجيب يقول هل رأيت مثلهم؟ كما تقول: ألم تر إلى ~~ما يصنع فلان؟ وكل ما في القرآن أم تر ولم يعاينه النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فهذا وجهه { إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ~~ألوف } جمع ألف وقيل مؤتلفة قلوبهم جمع آلف مثل قاعد وقعود، والصحيح ~~أن المراد منه العدد { حذر الموت } أي خوف الموت { فقال لهم ~~الله موتوا } أمر تحويل كقوله تعالى: # كونوا قردة خسئين # [البقرة: 65] { ثم أحيهم } بعد موتهم { إن الله لذو ~~فضل على الناس } قيل هو على العموم في حق الكافة في الدنيا، وقيل ~~على الخصوص ms0261 في حق المؤمنين { ولكن أكثر الناس لا ~~يشكرون } أما الكفار فلا يشكروا وأما المؤمنون فلم يبلغوا غاية ~~الشكر. # { وقتلوا في سبيل الله } أي في طاعة الله أعداء الله { ~~واعلموا أن الله سميع عليم } قال أكثر أهل التفسير: ~~هذا خطاب للذين أحيوا أمروا بالقتال في سبيل الله فخرجوا من ديارهم ~~فرارا من الجهاد فأماتهم الله ثم أحياهم وأمرهم أن يجاهدوا، وقيل: ~~الخطاب لهذه الأمة، أمرهم بالجهاد. # قوله تعالى: { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } ~~القرض اسم لكل ما يعطيه الإنسان ليجازى عليه، فسمى الله تعالى عمل ~~المؤمنين له على رجاء ما وعدهم من الثواب قرضا، لأنهم يعملونه لطلب ~~ثوابه، قال الكسائي: القرض ما أسلفت من عمل صالح أو سيىء، وأصل القرض في ~~اللغة القطع، سمي به القرض لأنه يقطع من ماله شيئا يعطيه ليرجع إليه ~~مثله، وقيل في الآية اختصار مجازه: من ذا الذي يقرض عباد الله والمحتاجين ~~من خلقه، كقوله تعالى: # إن الذين يؤذون الله ورسوله # [الأحزاب: 57] أي: يؤذون عباد الله، كما جاء في الحديث الصحيح عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله تعالى يقول يوم القيامة يابن آدم استطعمتك فلم تطعمني ~~قال: يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: استطعمك عبدي فلان فلم ~~تطعمه أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي " # وقوله تعالى: { يقرض الله } أي ينفق في طاعة الله { قرضا ~~حسنا } قال الحسين بن علي الواقدي: يعني محتسبا، طيبة بها نفسه، وقال ~~ابن المبارك: من مال حلال وقيل لا يمن به ولا يؤذي { فيضاعفه له ~~} قرأ ابن كثير وأبو جعفر وابن عامر ويعقوب { فيضعفه } وبابه بالتشديد، ~~ووافق أبو عمرو في سورة الأحزاب وقرأ الآخرون { فيضاعفه } بالألف مخففا ~~وهما لغتان، ودليل التشديد قوله { أضعافا كثيرة } لأن التشديد ~~للتكثير، وقرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب بنصب الفاء، وكذلك في سورة الحديد ~~على جواب الاستفهام، وقيل: بإضمار أن، وقرأ الآخرون برفع الفاء نسقا على ~~قوله: يقرض { أضعافا كثيرة } قال السدي ms0262 وهذا التضعيف لا يعلمه ~~إلا الله عز وجل، وقيل سبعمائة ضعف { والله يقبض ويبصط } ~~قرأ أهل البصرة وحمزة يبسط، هاهنا وفي الأعراف، بسطة، بالسين كنظائرهما، ~~وقرأهما الآخرون بالصاد قيل يقبض بإمساك الرزق والنفس والتقتير ويبسط ~~بالتوسيع وقيل يقبض بقبول التوبة والصدقة ويبسط بالخلف والثواب، وقيل هو ~~الإحياء والإماتة فمن أماتة فقد قبضه ومن مد له في عمره فقد بسط له، ~~وقيل هذا في القلوب، لما أمرهم الله تعالى بالصدقة أخبر أنهم لا يمكنهم ~~ذلك إلا بتوفيقه، قال: يقبض بعض القلوب فلا ينشط بخير ويبسط بعضها فيقدم ~~لنفسه خيرا كما جاء في الحديث # " القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها الله كيف يشاء " # الحديث. # { وإليه ترجعون } أي إلى الله تعودون فيجزيكم بأعمالكم، وقال ~~قتادة: الهاء راجعة إلى التراب كناية عن غير مذكور، أي من التراب خلقهم ~~وإليه يعودون. ### || [2.246] # قوله تعالى: { ألم تر إلى الملأ من بنى إسرائيل } ، ~~والملأ من القوم وجوههم وأشرافهم، وأصل الملأ الجماعة من الناس ولا واحد ~~له من لفظه، كالقوم والرهط والإبل والخيل والجن وجمعه أملاء { من ~~بعد موسى } أي من بعد موت موسى { إذ قالوا لنبى لهم ~~} واختلفوا في ذلك النبي فقال قتادة هو يوشع بن نون بن افرائيم بن يوسف ~~عليه السلام وقال السدي: اسمه شمعون، وإنما سمي شمعون، لأن أمه دعت الله ~~أن يرزقها غلاما فاستجاب الله دعاءها فولدت غلاما فسمته سمعون تقول سمع ~~الله تعالى دعائي والسين تصير شينا بالعبرانية، وهو شمعون بن صفية بنت ~~علقمة من ولد لاوى بن يعقوب، وقال سائر المفسرين: هو اشمويل وهو ~~بالعبرانية اسماعيل بن يال بن علقمة، وقال مقاتل: هو من نسل هارون، وقال ~~مجاهد: هو اشمويل وهو بالعبرانية اسماعيل بن يال بن علقمة. # وقال وهب وابن إسحاق والكلبي وغيرهم: كان سبب مسألتهم إياه ذلك أنه لما ~~مات موسى عليه السلام خلف بعده في بني إسرائيل يوشع بن نون، يقيم فيهم ~~التوراة وأمر الله تعالى حتى قبضه الله تعالى، ثم خلف فيهم كالب كذلك ~~حتى قبضه الله ms0263 تعالى، ثم خلف حزقيل حتى قبضه الله، ثم عظمت الأحداث في ~~بني اسرائيل ونسوا عهد الله حتى عبدوا الأوثان، فبعث الله إليهم إلياس ~~نبيا فدعاهم إلى الله تعالى، وكانت الأنبياء من بني إسرائيل من بعد ~~موسى يبعثون إليهم بتجديد ما نسوا من التوراة، ثم خلف من بعد إلياس اليسع ~~فكان فيهم ما شاء الله ثم قبضه الله،وخلف فيهم الخلوف وعظمت الخطايا فظهر ~~لهم عدو يقال له البلشاثا، وهم قوم جالوت كانوا يسكنون بساحل بحر الروم ~~بين مصر وفلسطين وهم العمالقة فظهروا على بني إسرائيل وغلبوا على كثير من ~~أرضهم وسبوا كثيرا من ذراريهم وأسروا من أبناء ملوكهم أربعمين وأربعمائة ~~غلاما، فضربوا عليهم الجزية وأخذوا توراتهم، ولقي بنوا إسرائيل منهم ~~بلاء وشدة ولم يكن لهم نبي يدير أمرهم، وكان سبط النبوة قد هلكوا، فلم ~~يبق منهم إلا امرأة حبلى فحبسوها في بيت رهبة أن تلد جارية فتبدلها ~~بغلام لما ترى من رغبة بني اسرائيل في ولدها وجعلت المرأة تدعو الله أن ~~يرزقها غلاما فولدت غلاما، فسمته اشمويل تقول: سمع الله تعالى دعائي، ~~فكبر الغلام فأسلمته ليتعلم التوراة في بيت المقدس فكفله شيخ من علمائهم ~~وتبناه، فلما بلغ الغلام أتاه جبريل وهو نائم إلى جنب الشيخ وكان لا ~~يأتمن عليه أحدا فدعاه جبريل بلحن الشيخ يااشمويل، فقام الغلام فزعا ~~إلى الشيخ فقال: له ياأبتاه دعوتني؟ فكره الشيخ أن يقول لا فيفزع الغلام ~~فقال يابني ارجع فنم، فرجع الغلام فنام ثم دعاه الثانية فقال الغلام: ~~ياأبت دعوتني؟ فقال ارجع فنم فإن دعوتك الثالثة فلا تجبني، (فرجع الغلام ~~فنام) فلما كانت الثالثة ظهر له جبريل فقال له: اذهب إلى قومك فبلغهم ~~رسالة ربك، فإن الله عز وجل قد بعثك فيهم نبيا، فلما أتاهم كذبوه ~~وقالوا: استعجلت بالنبوة ولم تنلك، وقالوا له: إن كنت صادقا فابعث ~~لنا ملكا نقاتل في سبيل الله، آية من نبوتك، وإنما كان قوام أمر بني ~~اسرائيل بالاجتماع على الملوك وطاعة الملوك لأنبيائهم، فكان الملك هو ~~الذي يسير بالجموع، والنبي يقيم ms0264 له أمره ويشير عليه برشده ويأتيه بالخبر ~~من ربه، قال وهب بن منبه: بعث الله تعالى اشمويل نبيا فلبثوا أربعين ~~سنة بأحسن حال، ثم كان من أمر جالوت والعمالقة ما كان فقالوا لاشمويل: { ~~ابعث لنا ملكا نقتل فى سبيل الله } جزم على جواب ~~الأمر فلما قالوا له ذلك { قال هل عسيتم } استفهام شك. # قرأ نافع: عسيتم بكسر السين كل القرآن، وقرأ الباقون بالفتح وهي اللغة ~~الفصيحة بدليل قوله تعالى: (عسى ربكم) { إن كتب } فرض { عليكم ~~القتال } مع ذلك الملك { ألا تقتلوا } أن لا تفوا بما ~~تقولوا معه { قالوا وما لنآ ألا نقتل فى سبيل ~~الله } فإن قيل فما وجه دخول أن في هذا الموضع والعرب لا تقول مالك أن ~~لا تفعل وإنما يقال مالك لا تفعل؟ قيل: دخول أن وحذفها لغتان صحيحتان ~~فالإثبات كقوله تعالى: # ما لك ألا تكون مع السجدين # [الحجر: 32] والحذف كقوله تعالى: # وما لكم لا تؤمنون بالله # [الحديد: 8] وقال الكسائي: معناه وما لنا في أن لا نقاتل، فحذف «في»، ~~وقال الفراء: أي وما يمنعنا أن لا نقاتل في سبيل الله؛ كقوله تعالى: # ما منعك ألا تسجد # [الأعراف: 12] وقال الأخفش: «أن» ههنا زائدة معناه: وما لنا لا نقاتل ~~في سبيل الله { وقد أخرجنا من ديارنا وأبنآئنا } أي ~~أخرج من غلب عليهم من ديارهم، ظاهر الكلام العموم وباطنه الخصوص، لأن ~~الذين قالوا لنبيهم: ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله كانوا في ديارهم ~~وأوطانهم وإنما أخرج من أسر منهم، ومعنى الآية أنهم قالوا مجيبين لنبيهم: ~~إنما كنا نزهد في الجهاد إذ كنا ممنوعين في بلادنا لا يظهر علينا ~~عدونا، فأما إذا بلغ ذلك منا فنطيع ربنا في الجهاد ونمنع نساءنا ~~وأولادنا. # قال الله تعالى: { فلما كتب عليهم القتال تولوا ~~} أعرضوا عن الجهاد وضيعوا أمر الله { إلا قليلا منهم } وهم ~~الذين عبروا النهر مع طالوت واقتصروا على الغرفة على ما سيأتي إن شاء ~~الله تعالى، { والله عليم بالظلمين }. ### || [2.247-248] # { وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ~~ملكا } وذلك ms0265 أن اشمويل سأل الله تعالى أن يبعث لهم ملكا فأتى بعصا ~~وقرن فيه دهن القدس وقيل: له إن صاحبكم الذي يكون ملكا طوله طول هذه ~~العصا وانظر هذا القرن الذي فيه الدهن فإذا دخل عليك رجل فنش الدهن الذي ~~في القرن فهو ملك بني إسرائيل فادهن به رأسه وملكه عليهم، وكان طالوت ~~اسمه بالعبرانية شاول بن قيس من أولاد بنيامين ابن يعقوب سمي طالوت لطوله ~~وكان أطول من كل أحد برأسه ومنكبيه، وكان رجلا دباغا يعمل الأديم قاله ~~وهب، وقال السدي: كان رجلا سقاء يسقي على حمار له من النيل فضل حماره ~~فخرج في طلبه، وقيل كان خربندجا، وقال وهب: بل ضلت حمر لأبي طالوت ~~فأرسله وغلاما له في طلبها فمر ببيت إشمويل فقال الغلام لطالوت: لو ~~دخلنا على هذا النبي فسألناه عن أمر الحمر ليرشدنا ويدعو لنا، فدخلا عليه ~~فبينما هما عنده يذكران له شأن الحمر إذ نش الدهن الذي في القرن فقام ~~إشمويل عليه السلام فقاس طالوت بالعصا فكانت طوله، فقال لطالوت قرب رأسك ~~فقربه فدهنه بدهن القدس، ثم قال له: أنت ملك بني إسرائيل الذي أمرني الله ~~تعالى أن أملكك عليهم فقال طالوت: أما علمت أن سبطي أدنى أسباط بني ~~إسرائيل وبيتي أدنى بيوت بني إسرائيل؟ (قال بلى) قال: فبأي آية قال: بآية ~~أنك ترجع وقد وجد أبوك حمره فكان كذلك. # ثم قال لبني اسرائيل: إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا { قالوا ~~أنى يكون له الملك علينا } أي من أين يكون له الملك ~~علينا { ونحن أحق } أولى { بالملك منه } وإنما قالوا ذلك ~~لأنه كان في بني إسرائيل سبطان: سبط نبوة وسبط مملكة، فكان سبط النبوة ~~سبط لاوي بن يعقوب ومنه كان موسى وهارون وسبط المملكة سبط يهوذا بن يعقوب ~~ومنه كان داود وسليمان ولم يكن طالوت من أحدهما إنما كان من سبط بنيامين ~~بن يعقوب وكانوا عملوا ذنبا عظيما، كانوا ينكحون النساء على ظهر الطريق ~~نهارا فغضب الله تعالى عليهم ونزع الملك والنبوة عنهم وكانوا يسمونه ms0266 ~~سبط الإثم، فلما قال لهم نبيهم ذلك أنكروا عليه لأنه لم يكن من سبط ~~المملكة ومع ذلك قالوا هو فقير { ولم يؤت سعة من المال ~~قال إن الله اصطفه } اختاره { عليكم وزاده ~~بسطة } فضيلة وسعة { في العلم والجسم } وذلك أنه كان أعلم ~~بني إسرائيل في وقته وقيل: إنه أتاه الوحي حين أوتي الملك، وقال الكلبي ~~(وزاده بسطة في العلم) بالحرب وفي (الجسم) بالطول وقيل الجسم بالجمال ~~وكان طالوت أجمل رجل في بني إسرائيل وأعلمهم { والله يؤتى ~~ملكه من يشآء والله وسع عليم } قيل الواسع ذو السعة ~~وهو الذي يعطي عن غنى، والعليم العالم، وقيل العالم بما كان والعليم بما ~~يكون فقالوا له: فما آية ملكه؟ فقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم ~~التابوت فذلك قوله تعالى: { وقال لهم نبيهم إن آية ~~ملكه أن يأتيكم التابوت }. # وكانت قصة التابوت أن الله تعالى أنزل تابوتا على آدم فيه صورة ~~الأنبياء عليهم السلام، وكان من عود الشمشاذ نحوا من ثلاثة أذرع في ~~ذراعين، فكان عند آدم إلى أن مات ثم بعد ذلك عند شيث ثم توارثها أولاد ~~آدم إلى أن بلغ إبراهيم، ثم كان عند إسماعيل لأنه كان أكبر ولده ثم عند ~~يعقوب ثم كان في بني إسرائيل إلى أن وصل إلى موسى فكان موسى يضع فيه ~~التوراة ومتاعا من متاعه، فكان عنده إلى أن مات موسى عليه السلام، ثم ~~تداولته أنبياء بني اسرائيل إلى وقت إشمويل وكان فيه ما ذكر الله ~~تعالى: { فيه سكينة من ربكم } اختلفوا في السكينة ما هي ~~قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ريح خجوج هفافة لها رأسان ووجه ~~كوجه الإنسان، وعن مجاهد: شيء يشبه الهرة له رأس كرأس الهرة وذنب كذنب ~~الهرة وله جناحان، وقيل له عينان لهما شعاع وجناحان من زمرد وزبرجد ~~فكانوا إذا سمعوا صوته تيقنوا بالنصر وكانوا إذا خرجوا وضعوا التابوت ~~قدامهم فإذا سار ساروا وإذا وقف وقفوا. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: هي طست من ذهب من الجنة ms0267 كان يغسل فيه ~~قلوب الأنبياء، وعن وهب بن منبه قال: هي روح من الله يتكلم إذا اختلفوا ~~في شيء تخبرهم ببيان ما يريدون، وقال عطاء بن أبي رباح: هي ما يعرفون من ~~الآيات فيسكنون إليها، وقال قتادة والكلبي: السكينة فعيلة من السكون أي ~~طمأنينة من ربكم ففي أي مكان كان التابوت اطمأنوا إليه وسكنوا { ~~وبقية مما ترك ءال موسى وءال هرون } يعني موسى ~~وهرون أنفسهما كان فيه لوحان من التوراة ورضاض الألواح التي تكسرت وكان ~~فيه عصا موسى ونعلاه وعمامة هرون وعصاه وقفيز من المن الذي كان ينزل على ~~بني إسرائيل، فكان التابوت عند بني إسرائيل وكانوا إذا اختلفوا في شيء ~~تكلم وحكم بينهم وإذا حضروا القتال قدموه بين أيديهم فيستفتحون به على ~~عدوهم فلما عصوا وفسدوا سلط الله عليهم العمالقة فغلبوهم على التابوت. # وكان السبب في ذلك أنه كان لعيلى العالم الذي ربى إشمويل عليه السلام ~~ابنان شابان وكان عيلى حبرهم وصاحب قربانهم فأحدث ابناه في القربان شيئا ~~لم يكن فيه وذلك أنه كان لعيلى منوط القربان الذي كانوا ينوطونه به ~~كلابين، فما أخرجا كان للكاهن الذي ينوطه، فجعل ابناه كلاليب وكان النساء ~~يصلين في بيت المقدس فيتشبثان بهن فأوحى الله تعالى إلى إشمويل عليه ~~السلام انطلق إلى عيلى فقل له منعك حب الولد من أن تزجر ابنيك عن أن ~~يحدثا في قرباني وقدسي وأن يعصياني فلأنزعن الكهانة منك ومن ولدك ~~ولأهلكنك وإياهم، فأخبر إشمويل عيلى بذلك ففزع فزعا شديدا، فسار إليهم ~~عدو ممن حولهم فأمر ابنيه أن يخرجا بالناس فيقاتلا ذلك العدو فخرجا ~~وأخرجا معهما التابوت فلما تهيؤوا للقتال جعل عيلى يتوقع الخبر ماذا ~~صنعوا فجاءه رجل وهو قاعد على كرسيه وأخبره أن الناس قد انهزموا وأن ~~ابنيك قد قتلا، قال فما فعل التابوت؟ قال ذهب به العدو، فشهق ووقع على ~~قفاه من كرسيه ومات فمرج أمر بني إسرائيل وتفرقوا إلى أن بعث الله طالوت ~~ملكا فسألوه البينة فقال لهم نبيهم: إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت. # وكانت ms0268 قصة التابوت، أن الذين سبوا التابوت أتوا به قرية من قرى فلسطين ~~يقال لها ازدود وجعلوه في بيت صنم لهم، ووضعوه تحت الصنم الأعظم، فأصبحوا ~~من الغد والصنم تحته فأخذوه ووضعوه فوقه وسمروا قدمي الصنم على التابوت ~~فأصبحوا وقد قطعت يد الصنم ورجلاه وأصبح ملقى تحت التابوت وأصبحت أصنامهم ~~منكسة فأخرجوه من بيت الصنم ووضعوه في ناحية من مدينتهم فأخذ أهل تلك ~~الناحية وجع في أعناقهم حتى هلك أكثرهم فقال بعضهم لبعض: أليس قد علمتم ~~أن إله بني إسرائيل لا يقوم له شيء، فأخرجوه إلى قرية كذا فبعث الله على ~~أهل تلك القرية فأرا فكانت الفأرة تبيت مع الرجل فيصبح ميتا قد أكلت ما ~~في جوفه فأخرجوه إلى الصحراء فدفنوه في مخرأة لهم فكان كل من تبرز هناك ~~أخذه الباسور والقولنج فتحيروا، فقالت لهم امرأة كانت عندهم من سبي بني ~~إسرائيل من أولاد الأنبياء لا تزالون ترون ما تكرهون ما دام هذا التابوت ~~فيكم فأخرجوه عنكم، فأتوا بعجلة بإشارة تلك المرأة وحملوا عليها التابوت ~~ثم علقوها على ثورين وضربوا جنوبهما فأقبل الثوران يسيران ووكل الله ~~تعالى بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما فأقبلا حتى وقفا على أرض بني ~~إسرائيل فكسرا نيريهما وقطعا حبالهما ووضعا التابوت في أرض فيها حصاد ~~لبني إسرائيل ورجعا إلى أرضهما فلم يرع بني إسرائيل إلا بالتابوت فكبروا ~~وحمدوا الله فذلك قوله تعالى: { تحمله الملئكة } أي ~~تسوقه، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: جاءت الملائكة بالتابوت تحمله بين ~~السماء والأرض وهم ينظرون إليه حتى وضعته عند طالوت، وقال الحسن: كان ~~التابوت مع الملائكة في السماء فلما ولي طالوت الملك حملته الملائكة ~~ووضعته بينهم، وقال قتادة بل كان التابوت في التيه خلفه موسى عند يوشع بن ~~نون فبقي هناك فحملته الملائكة حتى وضعته في دار طالوت فأقروا بملكه { ~~إن في ذلك لأية } لعبرة { لكم إن كنتم مؤمنين } ~~، قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن التابوت وعصا موسى في بحيرة طبرية ~~وإنهما يخرجان قبل يوم القيامة. ### || [2.249] # { فلما فصل طالوت ms0269 بالجنود } أي خرج بهم، وأصل الفصل: ~~القطع، يعني قطع مستقره شاخصا إلى غيره فخرج طالوت من بيت المقدس ~~بالجنود، وهم يومئذ سبعون ألف مقاتل، وقيل: ثمانون ألفا لم يتخلف عنه ~~إلا كبير لهرمه أو مريض لمرضه أو معذور لعذره، وذلك أنهم لما رأوا ~~التابوت لم يشكوا في النصر، فتسارعوا إلى الجهاد، فقال طالوت: لا حاجة لي ~~في كل ما أرى، لا يخرج معي رجل بني بناء لم يفرغ منه ولا صاحب تجارة ~~يشتغل بها ولا رجل عليه دين ولا رجل تزوج امرأة ولم يبن بها ولا أبتغي ~~إلا الشباب النشيط الفارغ فاجتمع له ثمانون ألفا ممن شرطه وكان في حر ~~شديد فشكوا قلة الماء بينهم وبين عدوهم فقالوا: إن المياه قليلة لا ~~تحملنا فادع الله أن يجري لنا نهرا. # { قال } طالوت { إن الله مبتليكم } مختبركم ليرى طاعتكم - ~~وهو أعلم - { بنهر } قال ابن عباس والسدي: هو نهر فلسطين، وقال ~~قتادة: نهر بين الأردن وفلسطين عذب { فمن شرب منه فليس ~~مني } أي ليس من أهل ديني وطاعتي { ومن لم يطعمه } لم يشربه ~~{ فإنه منى إلا من اغترف غرفة بيده } قرأ أهل ~~الحجاز وأبو عمرو «غرفة» بفتح الغين وقرأ الآخرون بضم الغين وهما لغتان، ~~قال الكسائي: الغرفة بالضم الذي يحصل في الكف من الماء إذا غرف، والغرفة: ~~بالفتح الاغتراف فالضم اسم والفتح مصدر { فشربوا منه إلا ~~قليلا منهم } نصب على الاستثناء واختلفوا في القليل الذين لم ~~يشربوا، فقال السدي: كانوا أربعة آلاف وقال غيره: ثلاثمائة وبضعة عشر وهو ~~الصحيح. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا عبد الله بن رجاء أنا إسرائيل عن أبي إسحق ~~عن البراء قال: كنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نتحدث أن عدة أصحاب ~~بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ولم يجاوز معه إلا مؤمن ~~بضعة عشر وثلاثمائة. # ويروى ثلاثمائة وثلاثة عشر فلما وصلوا إلى النهر وقد ألقى عليهم العطش ~~فشرب منه الكل ms0270 إلا هذا العدد القليل فمن اغترف غرفة كما أمر الله قوي ~~قلبه وصح إيمانه وعبر النهر سالما وكفته تلك الغرفة الواحدة لشربه وحمله ~~ودوابه، والذين شربوا وخالفوا أمر الله اسودت شفاههم وغلبهم العطش فلم ~~يرووا وبقوا على شط النهر وجبنوا عن لقاء العدو فلم يجاوزوا ولم يشهدوا ~~الفتح. # وقيل كلهم جاوزوا ولكن لم يحضر القتال إلا الذين لم يشربوا { فلما ~~جاوزه } يعني النهر { هو } ، يعني: طالوت، { والذين ~~ءامنوا معه } يعني القليل { قالوا } يعني الذين شربوا وخالفوا ~~أمر الله، وكانوا أهل شك ونفاق { لا طاقة لنا اليوم بجالوت ~~وجنوده } قال ابن عباس رضي الله عنهما والسدي: فانحرفوا ولم يجاوزوا ~~{ قال الذين يظنون } يستيقنون { أنهم ملاقوا الله ~~} وهم الذين ثبتوا مع طالوت { كم من فئة } جماعة وهو جمع لا واحد ~~له من لفظه وجمعه فئات وفئون في الرفع وفئين في الخفض والنصب { قليلة ~~غلبت فئة كثيرة بإذن الله } بقضائه وإرادته { ~~والله مع الصبرين } بالنصر والمعونة. ### || [2.250-252] # { ولما برزوا } يعني طالوت وجنوده يعني المؤمنين { لجالوت ~~وجنوده } المشركين ومعنى برزوا صاروا بالبراز من الأرض وهو ما ظهر ~~واستوى { قالوا ربنآ أفرغ علينا } أنزل واصبب { ~~صبرا وثبت أقدامنا } قو قلوبنا { وانصرنا على ~~القوم الكفرين * فهزموهم بإذن الله } أي بعلم الله ~~تعالى { وقتل داوود جالوت } وصفة قتله: قال أهل التفسير: # عبر النهر مع طالوت فيمن عبر إيشا أبو داود في ثلاثة عشر ابنا له وكان ~~داود أصغرهم وكان يرمي بالقذافة فقال لأبيه يوما يا أبتاه ما أرمي ~~بقذافتي شيئا إلا صرعته فقال: أبشر يا بني فإن الله جعل رزقك في قذافتك، ~~ثم أتاه مرة أخرى فقال: يا أبتاه لقد دخلت بين الجبال فوجدت أسدا رابضا ~~فركبته فأخذت بأذنيه فلم يهجني، فقال: أبشر يا بني فإن هذا خير يريده ~~الله بك ثم أتاه يوما آخر فقال: يا أبتاه إني لأمشي بين الجبال فأسبح ~~فما يبقى جبل إلا سبح معي، فقال: أبشر يا بني فإن هذا خير أعطاكه الله ~~تعالى، فأرسل جالوت إلى طالوت أن ابرز لي أو ms0271 أبرز إلي من يقاتلني فإن ~~قتلني فلكم ملكي وإن قتلته فلي ملككم فشق ذلك على طالوت فنادى في عسكره ~~من قتل جالوت زوجته ابنتي وناصفته ملكي فهاب الناس جالوت فلم يجبه أحد ~~فسأل طالوت نبيهم أن يدعوا الله تعالى فدعا الله في ذلك، فأتى بقرن فيه ~~دهن القدس وتنور في حديد فقيل إن صاحبكم الذي يقتل جالوت هو الذي يوضع ~~هذا القرن على رأسه فيغلي الدهن حتى يدهن منه رأسه ولا يسيل على وجهه ~~ويكون على رأسه كهيئة الإكليل ويدخل في هذا التنور فيملؤه ولا يتقلقل ~~فيه، فدعا طالوت بني إسرائيل فجربهم فلم يوافقه منهم أحد فأوحى الله إلى ~~نبيهم أن في ولد إيشا من يقتل الله به جالوت فدعا طالوت إيشا فقال: اعرض ~~علي بنيك فأخرج له اثنى عشر رجلا أمثال السواري فجعل يعرضهم على القرن ~~فلا يرى شيئا فقال لإيشا هل بقي لك ولد غيرهم فقال لا، فقال النبي: يا ~~رب إنه زعم أن لا ولد له غيرهم، فقال كذب، فقال النبي: إن ربي كذبك ~~فقال: صدق الله يا نبي الله إن لي ابنا صغيرا يقال له داود استحييت أن ~~يراه الناس لقصر قامته وحقارته فخلفته في الغنم يرعاها وهو في شعب كذا ~~وكذا، وكان داود رجلا قصيرا مسقاما مصفارا أزرق أمعر، فدعاه طالوت، ~~ويقال: بل خرج طالوت إليه فوجد الوادي قد سال بينه وبين الزريبة التي كان ~~يريح إليها، فوجده يحمل شاتين يجيز بهما السيل ولا يخوض بهما الماء فلما ~~رآه قال: هذا هو لا شك فيه، هذا يرحم البهائم فهو بالناس أرحم فدعاه ووضع ~~القرن على رأسه ففاض فقال طالوت: هل لك أن تقتل جالوت وأزوجك ابنتي وأجري ~~خاتمك في ملكي قال: نعم قال: وهل آنست من نفسك شيئا تتقوى به على قتله؟ ~~قال: نعم، أنا أرعى الغنم فيجيء الأسد أو النمر أو الذئب فيأخذ شاة فأقوم ~~إليه فأفتح لحييه عنها وأضرقها من قفاه، فرده إلى عسكره، فمر داود عليه ~~السلام في طريقه بحجر فناداه الحجر ms0272 يا داود احملني فإني حجر هارون الذي ~~قتل بي ملك كذا، فحمله في مخلاته، ثم مر بحجر آخر فقال: احملني فإني حجر ~~موسى الذي قتل بي ملك كذا وكذا فحمله في مخلاته، ثم مر بحجر آخر فقال: ~~احملني فإني حجرك الذي تقتل بي جالوت فوضعه في مخلاته، فلما تصافوا ~~للقتال وبرز جالوت وسأل المبارزة انتدب له داود فأعطاه طالوت فرسا ~~ودرعا وسلاحا فلبس السلاح وركب الفرس وسار قريبا ثم انصرف إلى الملك ~~فقال: من حوله جبن الغلام فجاء فوقف على الملك فقال: ما شأنك؟ فقال: إن ~~الله إن لم ينصرني لم يغن عني هذا السلاح شيئا، فدعني أقاتل كما أريد، ~~قال: فافعل ما شئت قال: نعم، فأخذ داود مخلاته فتقلدها وأخذ المقلاع ومضى ~~نحو جالوت وكان جالوت من أشد الرجال وأقواهم، وكان يهزم الجيوش وحده وكان ~~له بيضة فيها ثلاثمائة رطل حديد فلما نظر إلى داود ألقي في قلبه الرعب ~~فقال له: أنت تبرز إلي؟ قال: نعم. # وكان جالوت على فرس أبلق عليه السلاح التام، قال: فأتيتني بالمقلاع ~~والحجر كما يؤتى الكلب؟ قال: نعم أنت شر من الكلب، قال لا جرم لأقسمن ~~لحمك بين سباع الأرض وطير السماء قال داود: أو يقسم الله لحمك، فقال ~~داود: باسم إله إبراهيم وأخرج حجرا ثم أخرج الآخر وقال: باسم إله ~~إسحاق ووضعه في مقلاعه ثم أخرج الثالث وقال: باسم إله يعقوب ووضعه في ~~مقلاعه فصارت كلها حجرا واحدا ودور داود المقلاع ورمى به فسخر الله ~~له الريح حتى أصاب الحجر أنف البيضة فخالط دماغه وخرج من قفاه وقتل من ~~ورائه ثلاثين رجلا، وهزم الله تعالى الجيش وخر جالوت قتيلا فأخذه ~~يجره حتى ألقاه بين يدي طالوت، ففرح المسلمون فرحا شديدا، وانصرفوا ~~إلى المدينة سالمين غانمين والناس يذكرون داود، فجاء داود طالوت وقال ~~أنجز لي ما وعدتني، فقال: أتريد ابنة الملك بغير صداق؟ فقال داود: ما ~~شرطت علي صداقا وليس لي شيء فقال: لا أكلفك إلا ما تطيق أنت رجل جريء ~~وفي حيالنا أعداء ms0273 لنا غلف فإذا قتلت منهم مائتي رجل وجئتني بغلفهم ~~زوجتك ابنتي فأتاهم فجعل كلما قتل واحدا منهم نظم غلفته في خيط حتى نظم ~~غلفهم فجاء بها إلى طالوت فألقى إليه وقال ادفع إلي امرأتي فزوجه ابنته ~~وأجرى خاتمه في ملكه، فمال الناس إلى داود وأحبوه وأكثروا ذكره، فحسده ~~طالوت وأراد قتله فأخبر بذلك ابنة طالوت رجل يقال له ذو العينين فقالت ~~لداود إنك مقتول في هذه الليلة قال: ومن يقتلني؟ قالت أبي قال وهل أجرمت ~~جرما قالت: حدثني من لا يكذب ولا عليك أن تغيب هذه الليلة حتى ننظر ~~مصداق ذلك، فقال: لئن كان أراد الله ذلك ما لا أستطيع خروجا ولكن ائتيني ~~بزق خمر فأتت به فوضعه في مضجعه على السرير وسجاه ودخل تحت السرير فدخل ~~طالوت نصف الليل فقال لها: أين بعلك؟ فقالت: هو نائم على السرير فضربه ~~بالسيف ضربة فسال الخمر فلما وجد ريح الشراب قال: يرحم الله داود ما كان ~~أكثر شربه للخمر، وخرج. # فلما أصبح علم أنه لم يفعل شيئا فقال: إن رجلا طلبت منه ما طلبت لخليق ~~أن لا يدعني حتى يدرك مني ثأره فاشتد حجابه وحراسه وأغلق دونه أبوابه، ثم ~~إن داود أتاه ليلة وقد هدأت العيون فأعمى الله سبحانه الحجبة وفتح له ~~الأبواب فدخل عليه وهو نائم على فراشه، فوضع سهما عند رأسه وسهما عن ~~رجليه وسهما عن يمينه وسهما عن شماله ثم خرج, فلما استيقظ طالوت بصر ~~بالسهام فعرفها فقال: يرحم الله تعالى داود هو خير مني ظفرت به فقصدت ~~قتله وظفر بي فكف عني ولو شاء لوضع هذا السهم في حلقي وما أنا بالذي ~~آمنه، فلما كانت القابلة أتاه ثانيا وأعمى الله الحجاب فدخل عليه وهو ~~نائم فأخذ إبريق طالوت الذي كان يتوضأ منه وكوزه الذي كان يشرب منه وقطع ~~شعرات من لحيته وشيئا من هدب ثيابه، ثم خرج وهرب وتوارى، فلما أصبح ~~طالوت ورأى ذلك سلط على داود العيون وطلبه أشد الطلب فلم يقدر عليه، ثم ~~إن طالوت ركب ms0274 يوما فوجد داود يمشي في البرية فقال: اليوم أقتله فركض على ~~أثره، فاشتد داود وكان إذا فزع لم يدرك، فدخل غارا فأوحى الله تعالى ~~إلى العنكبوت فنسج عليه بيتا فلما انتهى طالوت إلى الغار ونظر إلى بناء ~~العنكبوت قال: لو كان دخل ههنا لخرق بناء العنكبوت فتركه ومضى، فانطلق ~~داود وأتى الجبل مع المتعبدين فتعبد فيه فطعن العلماء والعباد على ~~طالوت في شأن داود فجعل طالوت لا ينهاه أحد عن قتل داود إلا قتله، وأغرى ~~بقتل العلماء فلم يكن يقدر علي عالم في بني إسرائيل يطيق قتله إلا قتله، ~~حتى أتي بامرأة تعلم اسم الله الأعظم فأمر خبازه بقتلها فرحمها الخباز ~~وقال: لعلنا نحتاج إلى عالم فتركها فوقع في قلب طالوت التوبة وندم على ما ~~فعل، وأقبل على البكاء حتى رحمه الناس. # وكان كل ليلة يخرج إلى القبور فيبكي وينادي: أنشد الله عبدا يعلم أن لي ~~توبة إلا أخبرني بها، فلما أكثر عليهم ناداه مناد من القبور يا طالوت أما ~~ترضى أن قتلتنا حتى تؤذينا أمواتا فازداد بكاء وحزنا فرحمه الخباز ~~فقال: مالك أيها الملك؟ قال: هل تعلم لي في الأرض عالما أسأله هل لي من ~~توبة فقال الخباز: إنما مثلك مثل ملك نزل قرية عشاء فصاح الديك فتطير منه ~~فقال: لا تتركوا في القرية ديكا إلا ذبحتموه، فلما أراد أن ينام قال ~~لأصحابه: إذا صاح الديك فأيقظونا حتى ندلج فقالوا له: وهل تركت ديكا ~~نسمع صوته؟ ولكن هل تركت عالما في الأرض؟ فازداد حزنا وبكاء فلما رأى ~~الخباز ذلك قال له: أرأيتك إن دللتك على عالم لعلك أن تقتله قال: لا ~~فتوثق عليه الخباز فأخبره أن المرأة العالمة عنده قال: انطلق بي إليها ~~أسألها هل لي من توبة؟ وكانت من أهل بيت يعلم الاسم الأعظم فإذا فنيت ~~رجالهم علمت نساؤهم فلما بلغ طالوت الباب قال الخباز إنها إذا رأتك فزعت ~~فخلفه خلفه ثم دخله عليها فقال لها: ألست أعظم الناس منة عليك أنجيتك ~~من القتل وآويتك، قالت: بلى، قال: ms0275 فإن لي إليك حاجة هذا طالوت يسأل هل لي ~~من توبة؟ فغشي عليها من الفرق فقال لها: إنه لا يريد قتلك ولكن يسألك ~~هل له من توبة؟ قالت: لا والله لا أعلم لطالوت توبة، ولكن هل تعلمون مكان ~~قبر نبي؟ فانطلق بهما إلى قبر إشمويل فصلت ودعت ثم نادت يا صاحب القبر ~~فخرج إشمويل من القبر ينفض رأسه من التراب فلما نظر إليهم ثلاثتهم قال: ~~ما لكم أقامت القيامة؟ قالت: لا ولكن طالوت يسألك هل له من توبة؟ قال ~~إشمويل: يا طالوت ما فعلت بعدي؟ قال: لم أدع من الشر شيئا إلا فعلته ~~وجئت أطلب التوبة قال: كم لك من الولد؟ قال: عشرة رجال، قال: ما أعلم لك ~~من توبة إلا أن تتخلى عن ملكك وتخرج أنت وولدك في سبيل الله، ثم تقدم ~~ولدك حتى يقتلوا بين يديك ثم تقاتل أنت حتى تقتل آخرهم، ثم رجع إشمويل ~~إلى القبر وسقط ميتا، ورجع طالوت أحزن ما كان رهبة أن لا يتابعه ولده ~~وقد بكى حتى سقطت أشفار عينيه ونحل جسمه فدخل عليه أولاده فقال لهم: ~~أرأيتم لو دفعت إلى النار هل كنتم تفدونني؟ قالوا: نعم نفديك بما قدرنا ~~عليه قال: فإنها النار إن لم تفعلوا ما أقول لكم قالوا: فاعرض علينا فذكر ~~لهم القصة، قالوا: وإنك لمقتول قال: نعم، قالوا: فلا خير لنا في الحياة ~~بعدك قد طابت أنفسنا بالذي سألت، فتجهز بماله وولده فتقدم ولده وكانوا ~~عشرة فقاتلوا بين يديه حتى قتلوا ثم شد هو بعدهم حتى قتل فجاء قاتله إلى ~~داود ليبشره وقال: قتلت عدوك فقال داود: ما أنت بالذي تحيا بعده، فضرب ~~عنقه، وكان ملك طالوت إلى أن قتل أربعين سنة وأتى بنو إسرائيل إلى داود ~~وأعطوه خزائن طالوت وملكوه على أنفسهم. # قال الكلبي والضحاك: ملك داود بعد قتل طالوت سبع سنين ولم يجتمع بنو ~~إسرائيل على ملك واحد إلا على داود فذلك قوله تعالى: { وآته ~~الله الملك والحكمة } يعني: النبوة؛ جمع الله لداود بين ~~الملك والنبوة ولم ms0276 يكن من قبل، بل كان الملك في سبط والنبوة في سبط، ~~وقيل: الملك والحكمة هو: العلم مع العمل. # قوله تعالى: { وعلمه مما يشآء } قال الكلبي وغيره يعني: ~~صنعة الدروع وكان يصنعها ويبيعها وكان لا يأكل إلا من عمل يده، وقيل منطق ~~الطير (وكلام الحكل) والنمل ( والكلام الحسن وقيل هو الزبور وقيل هو ~~الصوت الطيب والألحان، فلم يعط الله أحدا من خلقه مثل صوته، وكان إذا ~~قرأ الزبور تدنو الوحوش حتى يأخذ بأعناقها وتظله الطير مصيخة له ويركد ~~الماء (الجاري) ويسكن الريح. # وروى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما هو أن الله تعالى أعطاه سلسلة ~~موصولة بالمجرة ورأسها عند صومعته قوتها قوة الحديد ولونها لون النار ~~وحلقها مستديرة مفصلة بالجواهر مدسرة بقضبان اللؤلؤ الرطب فلا يحدث في ~~الهواء حدث إلا صلصلت السلسلة، فعلم داود ذلك الحدث، ولا يمسها ذو عاهة ~~إلا برىء، وكانوا يتحاكمون إليها بعد داود عليه السلام إلى أن رفعت، فمن ~~تعدى على صاحبه وأنكر له حقا أتى السلسلة فمن كان صادقا مد يده إلى ~~السلسلة فتناولها، ومن كان كاذبا لم ينلها، فكانت كذلك إلى أن ظهر بهم ~~المكر والخديعة فبلغنا أن بعض ملوكها أودع رجلا جوهرة ثمينة فلما ~~استردها أنكر فتحاكما إلى السلسلة، فعمد الذي عنده الجوهرة إلى عكازة ~~فنقرها وضمنها الجوهرة واعتمد عليها حتى حضر السلسلة فقال صاحب الجوهرة: ~~رد علي الوديعة فقال صاحبه: ما أعرف لك عندي من وديعة قال فإن كنت صادقا ~~فتناول السلسلة، فتناولها بيده فقيل للمنكر قم أنت فتناولها فقال لصاحب ~~الجوهرة: خذ عكازي هذه فاحفظها حتى أتناول السلسلة فأخذها عنده ثم قام ~~المنكر نحو السلسلة فأخذها فقال الرجل: اللهم إن كنت تعلم أن هذه الوديعة ~~التي يدعيها علي قد وصلت إليه فقرب مني السلسلة فمد يده فتناولها فتعجب ~~القوم وشكوا فيها فأصبحوا وقد رفع الله السلسلة. # قوله تعالى: { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض } ~~، قرأ أهل المدينة ويعقوب { دفاع الله } بالألف ههنا وفي سورة الحج، ~~وقرأ الآخرون بغير الألف لأن الله ms0277 تعالى لا يغالبه أحد وهو الدافع وحده، ~~ومن قرأ بالألف قال: قد يكون الدفاع من واحد مثل قول العرب: أحسن الله ~~عنك الدفاع، قال ابن عباس ومجاهد: ولولا دفع الله بجنود المسلمين لغلب ~~المشركون على الأرض، فقتلوا المؤمنين، وخربوا المساجد والبلاد، وقال سائر ~~المفسرين: لولا دفع الله بالمؤمنين والأبرار عن الكفار والفجار لهلكت ~~الأرض بمن فيها، ولكن الله يدفع بالمؤمن عن الكافر وبالصالح عن الفاجر. # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي أخبرنا أبو اسحق الثعلبي أنا أبو عبد ~~الله بن فنجويه أنا أبوبكر بن خرجة أنا عبد الله بن أحمد بن حنبل أنا أبو ~~حميد الحمصي أنا يحيى بن سعيد العطار أنا حفص بن سليمان عن محمد بن سوقة ~~عن وبرة بن عبد الرحمن عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله عز وجل ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه ~~البلاء " # ثم قرأ «ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض» { لفسدت الأرض ~~ولكن الله ذو فضل على العالمين تلك آيات ~~الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين ~~} ### || [2.253-254] # { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من ~~كلم الله } أي كلمه الله تعالى يعني موسى عليه السلام { ورفع ~~بعضهم درجت } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، قال الشيخ ~~الإمام رحمة الله عليه: ما أوتي نبي آية إلا وقد أوتي نبينا مثل تلك ~~الآية وفضل على غيره بآيات مثل: انشقاق القمر بإشارته، وحنين الجذع على ~~مفارقته، وتسليم الحجر والشجر عليه، وكلام البهائم والشهادة برسالته، ~~ونبع الماء من بين أصابعه، وغير ذلك من المعجزات والآيات التي لا تحصى، ~~وأظهرها القرآن الذي عجز أهل السماء وأهل الأرض عن الإتيان بمثله. # أخبرنا أبو بكر يعقوب بن أحمد بن محمد بن علي الصيرفي، أنا أبو الحسن ~~محمد بن أحمد المخلدي، أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق الثقفي، أنا ~~قتيبة بن سعيد، أنا الليث بن سعد عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي ~~هريرة رضي الله ms0278 عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أعطي من الآيات ما آمن على مثله البشر، ~~وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله تعالى إلي فأرجو أن أكون ~~أكثرهم تابعا يوم القيامة ". # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا ~~محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا محمد بن سنان، أخبرنا هشيم، أنا ~~سيار، أنا يزيد الفقير، أنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي ~~الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي ~~الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه ~~خاصة وبعثت إلى الناس عامة " # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي أنا أبو الحسن علي بن عبد ~~الله الطيسفوني، أنا عبد الله ابن عمر الجوهري، أنا أحمد بن علي ~~الكشميهني، أنا علي بن حجر أنا إسماعيل بن جعفر، أنا العلاء بن عبد ~~الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " فضلت على الأنبياء بست: أوتيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي ~~الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي ~~النبيون ". # قوله تعالى: { وءاتينا عيسى ابن مريم البينت ~~وأيدنه بروح القدس ولو شآء الله ما اقتتل ~~الذين من بعدهم } أي من بعد الرسل { من بعد ما ~~جآءتهم البينت ولكن اختلفوا فمنهم من ~~ءامن } ثبت على إيمانه بفضل الله { ومنهم من كفر } بخذلانه { ~~ولو شآء الله ما اقتتلوا } أعاده تأكيدا { ولكن ~~الله يفعل ما يريد } يوفق من يشاء فضلا، ويخذل من يشاء ~~عدلا. # سأل رجل علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني ~~عن القدر؟ فقال: طريق مظلم لا تسلكه، فأعاد السؤال فقال: بحر عميق فلا ~~تلجه، فأعاد السؤال، فقال: سر ms0279 الله في الأرض قد خفي عليك فلا تفتشه. # قوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا أنفقوا مما ~~رزقنكم } قال السدي: أراد به الزكاة المفروضة وقال غيره: أراد به ~~صدقة التطوع والنفقة في الخير { من قبل أن يأتى يوم لا ~~بيع فيه } أي لا فداء فيه، سماه بيعا لأن الفداء شراء نفسه { ولا ~~خلة } ولا صداقة { ولا شفعة } إلا بإذن الله، قرأ ابن كثير ~~ونافع وأهل البصرة كلها بالنصب، وكذلك في سورة إبراهيم [الآية:31] # لا بيع فيه ولا خلل # وفي سورة الطور [الآية: 23] # لا لغو فيها ولا تأثيم # وقرأ الآخرون كلها بالرفع والتنوين { والكفرون هم ~~الظلمون } لأنهم وضعوا العبادة في غير موضعها. ### || [2.255-256] # قوله عز وجل: { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } أخبرنا ~~عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان ~~أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني أنا حميد بن زنجويه ~~أنا ابن أبي شيبة أنا عبد الأعلى عن الجريري عن أبي السليل عن عبد الله ~~بن رباح الأنصاري عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " يا أبا ذر أي آية من كتاب الله أعظم» قلت: { الله لا إله إلا ~~هو الحي القيوم } قال فضرب في صدري ثم قال: «ليهنك العلم» ~~ثم قال: «والذي نفس محمد بيده إن لهذه الآية لسانا وشفتين تقدس ~~الملك عند ساق العرش ". # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أنا محمد بن يوسف عن محمد بن اسماعيل قال عثمان بن الهيثم أبو عمرو: ~~أخبرنا عوف عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: # " وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان فأتاني آت فجعل ~~يحثو من الطعام فأخذته وقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: إني محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة قال: فخليت سبيله فأصبحت ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا هريرة ما ms0280 فعل أسيرك ~~البارحة؟» قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا فرحمته فخليت سبيله ~~قال: «أما إنه قد كذبك وسيعود» فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إنه سيعود فرصدته فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنك ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: دعني فإني محتاج وعلي عيال ولا ~~أعود، فرحمته فخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«يا أبا هريرة ما فعل أسيرك» قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا ~~فرحمته وخليت سبيله قال: «أما إنه قد كذبك وسيعود»فرصدته الثالثة فجاء ~~يحثو من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهذا آخر ثلاث مرات أنك تزعم لا تعود ثم تعود قال: دعني أعلمك كلمات ~~ينفعك الله بها قلت: ما هي؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي { ~~الله لا إله إلا هو الحي القيوم } حتى تختم الآية فإنك لن ~~يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح فخليت سبيله، فأصبحت ~~فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما فعل أسيرك البارحة» قلت يا ~~رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله قال: وما ~~هي؟ قلت: قال لي إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم ~~الآية { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } وقال: لن يزال ~~عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، وكانوا أحرص الناس على ~~الخير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم ~~من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة» قلت: لا قال: «ذاك شيطان» ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أبو منصور السمعاني أخبرنا أبو جعفر ~~الرياني أخبرنا حميد بن زنجويه أخبرنا يحيى بن يحيى أخبرنا أبو معاوية عن ~~عبد الرحمن بن أبي بكر هو المليكي عن زرارة بن مصعب عن أبي سلمة بن عبد ~~الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال ms0281 رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من قرأ حين يصبح آية الكرسي وآيتين من أول { حم تنزيل الكتاب ~~من الله العزيز العليم } [غافر:1-2] حفظ في يومه ذلك حتى ~~يمسي ومن قرأهما حين يمسي حفظ في ليلته تلك حتى يصبح ". # قوله تعالى: { الله } رفع بالإبتداء وخبره في { لا إله إلا هو ~~الحي } الباقي الدائم على الأبد وهو من له الحياة، والحياة صفة الله ~~تعالى { القيوم } قرأ عمر وابن مسعود «القيام» وقرأ علقمة «القيم» ~~وكلها لغات بمعنى واحد، قال مجاهد: { القيوم } القائم على كل شيء ~~وقال الكلبي: القائم على كل نفس بما كسبت وقيل هو القائم بالأمور. وقال ~~أبو عبيدة: الذي لا يزول { لا تأخذه سنة ولا نوم } ~~السنة: النعاس وهو النوم الخفيف، والوسنان بين النائم واليقظان يقال ~~منه وسن يسن وسنا وسنة والنوم هو الثقيل المزيل للقوة والعقل، قال ~~المفضل الضبي: السنة في الرأس والنوم في القلب، فالسنة أول النوم وهو ~~النعاس، وقيل السنة في الرأس والنعاس في العين والنوم في القلب فهو ~~غشية ثقيلة تقع على القلب تمنع المعرفة بالأشياء، نفى الله تعالى عن ~~نفسه النوم لأنه آفة وهو منزه عن الآفات ولأنه تغير ولا يجوز عليه ~~التغير. # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن ~~إبراهيم الثعلبي أخبرنا عبد الله ابن حامد أخبرنا محمد بن جعفر أخبرنا ~~علي بن حرب أخبرنا أبو معاوية أخبرنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة ~~عن أبي موسى قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات ~~فقال: # " إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، ولكنه يخفض القسط، ويرفع إليه ~~عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور لو ~~كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه " # ورواه المسعودي عن عمرو بن مرة وقال: حجابه النار. # { له ما في السموات وما في الأرض } ملكا وخلقا ~~{ من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه } بأمره { ~~يعلم ما بين أيديهم وما ms0282 خلفهم } قال مجاهد وعطاء ~~والسدي: { ما بين أيديهم } من أمر الدنيا { وما خلفهم } ~~من أمر الآخرة، وقال الكلبي: { ما بين أيديهم } يعني الآخرة ~~لأنهم يقدمون عليها { وما خلفهم } الدنيا لأنهم يخلفونها وراء ~~ظهورهم، وقال ابن جريج: ما بين أيديهم ما مضى أمامهم وما خلفهم ما يكون ~~بعدهم، وقال مقاتل: ما بين أيديهم، ما كان قبل خلق الملائكة وما خلفهم أي ~~ما كان بعد خلقهم، وقيل: ما بين أيديهم أي ما قدموه من خير أو وشر وما ~~خلفهم ما هم فاعلوه، { ولا يحيطون بشيء من علمه } أي من ~~علم الله { إلا بما شآء } أن يطلعهم عليه يعني لا يحيطون بشيء من ~~علم الغيب إلا بما شاء مما أخبر به الرسل كما قال الله تعالى: # فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من ~~رسول # [الجن: 26-27] قوله تعالى: { وسع كرسيه السموات ~~والأرض } أي ملأ وأحاط به، واختلفوا في الكرسي فقال الحسن: هو العرش ~~نفسه وقال أبو هريرة رضي الله عنه: الكرسي موضوع أمام العرش ومعنى قوله: ~~«وسع كرسيه السموات والأرض» أي سعته مثل سعة السموات والأرض. # وفي الأخبار: أن السموات والأرض في جنب الكرسي كحلقة في فلاة، والكرسي ~~في جنب العرش كحلقة في فلاة. ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ~~السموات السبع والأرضين السبع في الكرسي كدراهم سبعة ألقيت في ترس. # وقال علي ومقاتل: كل قائمة من الكرسي طولها مثل السموات السبع والأرضين ~~السبع، وهو بين يدي العرش، ويحمل الكرسي أربعة أملاك، لكل ملك أربعة ~~وجوه، وأقدامهم في الصخرة التي تحت الأرض السابعة السفلى مسيرة خمسمائة ~~عام، ملك على صورة سيد البشر آدم عليه السلام، وهو يسأل للآدميين الرزق ~~والمطر من السنة إلى السنة، وملك على صورة سيد الأنعام وهو الثور وهو ~~يسأل للإنعام الرزق من السنة إلى السنة وعلى وجهه غضاضة منذ عبد العجل، ~~وملك على صورة سيد السباع وهو الأسد يسأل للسباع الرزق من السنة إلى ~~السنة، وملك على صورة سيد الطير وهو النسر يسأل الرزق للطير ms0283 من السنة إلى ~~السنة وفي بعض الأخبار أن ما بين حملة العرش وحملة الكرسي سبعين حجابا ~~من ظلمة وسبعين حجابا من نور غلظ كل حجاب مسيرة خمسمائة عام ولولا ذلك ~~لاحترق حملة الكرسي من نور حملة العرش. # وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أراد بالكرسي علمه ~~وهو قول مجاهد، ومنه قيل لصحيفة العلم كراسه، وقيل: كرسيه ملكه وسلطانه، ~~والعرب تسمى الملك القديم كرسيا، { ولا يؤوده } ، أي لا يثقله ولا ~~يشق عليه يقال: آدني الشي أي أثقلني { حفظهما } أي حفظ السموات ~~والأرض { وهو العلى } الرفيع فوق خلقه والمتعالي عن الأشياء ~~والأنداد، وقيل العلي بالملك والسلطنة { العظيم } الكبير الذي لا شيء ~~أعظم منه. # قوله تعالى: { لا إكراه في الدين } قال سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما: # " كانت المرأة من الأنصار تكون مقلاة - (المقلاة من النساء) التي لا ~~يعيش لها ولد - وكانت تنذر لئن عاش لها ولد لتهودنه فإذا عاش ~~ولدها جعلته في اليهود، فجاء الإسلام وفيهم منهم فلما أجليت بنو النضير ~~كان فيهم عدد من أولاد الأنصار فأرادت الأنصار استردادهم وقالوا: هم ~~أبناؤنا وإخواننا فنزلت هذه الآية { لا إكراه في الدين } فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خيروا أصحابكم فإن اختاروكم فهم منكم وإن ~~اختاروهم فأجلوهم معهم» ". # وقال مجاهد: كان ناس مسترضعين في اليهود من الأوس فلما أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بإجلاء بني النضير قال الذين كانوا مسترضعين فيهم: ~~لنذهبن معهم ولندينن بدينهم، فمنعهم أهلوهم، فنزلت { لا إكراه ~~فى الدين }. # وقال مسروق: كان لرجل من الأنصار من بن سالم بن عوف ابنان فتنصرا قبل ~~مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قدما المدينة في نفر من النصارى ~~يحملون الطعام فلزمهما أبوهما وقال: لا أدعكما حتى تسلما، فتخاصما إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أيدخل بعضي النار وأنا ~~انظر فأنزل الله تعالى { لا إكراه في الدين } فخلى سبيلهما. # وقال قتادة وعطاء: نزلت في أهل الكتاب إذا قبلوا ms0284 الجزية، وذلك أن العرب ~~كانت أمة أمية لم يكن لهم كتاب فلم يقبل منهم إلا الإسلام، فلما أسلموا ~~طوعا أو كرها أنزل الله تعالى: { لا إكراه في الدين } فأمر ~~بقتال أهل الكتاب إلى أن يسلموا أو يقروا بالجزية فمن أعطى منهم الجزية ~~لم يكره على الإسلام، وقيل كان هذا في الابتداء قبل أن يؤمر بالقتال ~~فصارت منسوخة بآية السيف، وهو قول ابن مسعود رضي الله عنهما، { قد ~~تبين الرشد من الغي } أي الإيمان من الكفر والحق من ~~الباطل { فمن يكفر بالطغوت } يعني الشيطان، وقيل: كل ما عبد ~~من دون الله تعالى فهو طاغوت، وقيل كل ما يطغي الإنسان، فاعول من ~~الطغيان، زيدت التاء فيه بدلا من لام الفعل، كقولهم حانوت وتابوت، ~~فالتاء فيها مبدلة من هاء التأنيث، { ويؤمن بالله فقد ~~استمسك بالعروة الوثقى } أي تمسك واعتصم بالعقد الوثيق ~~المحكم في الدين، والوثقى تأنيث الأوثق وقيل العروة الوثقى السبب الذي ~~يوصل إلى رضا الله تعالى: { لا انفصام لها } لا انقطاع لها { ~~والله سميع }: قيل: لدعائك إياهم إلى الإسلام { عليم } بحرصك ~~على إيمانهم. ### || [2.257] # قوله تعالى: { الله ولي الذين ءامنوا } ناصرهم ومعينهم، ~~وقيل: محبهم، وقيل: متولي أمورهم لا يكلهم إلى غيره، وقال الحسن: ولي ~~هدايتهم { يخرجهم من الظلمت إلى النور } أي من الكفر ~~إلى الإيمان، قال الواقدي: كل ما في القرآن من الظلمات والنور فالمراد ~~منه الكفر والإيمان غير التي في سورة الأنعام، «وجعل الظلمات والنور» ~~فالمراد منه الليل والنهار، سمي الكفر ظلمه لالتباس طريقه وسمي الإسلام ~~نورا لوضوح طريقه { والذين كفروا أوليآؤهم ~~الطغوت } قال مقاتل يعني: كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب وسائر رؤوس ~~الضلالة { يخرجونهم من النور إلى الظلمت } يدعونهم ~~من النور إلى الظلمات، والطاغوت يكون مذكرا ومؤنثا وواحدا وجمعا، ~~فقال تعالى في المذكر والواحد: # يريدون أن يتحاكموا إلى الطغوت وقد أمروا ~~أن يكفروا به # [النساء: 60] وقال في المؤنث: # والذين اجتنبوا الطغوت أن يعبدوها # [الزمر: 17] وقال في الجمع: { يخرجونهم من النور إلى ~~الظلمت } فإن قيل: قال يخرجونهم من النور وهم ms0285 كفار لم يكونوا في ~~نور قط؟ قيل: هم اليهود وكانوا مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن ~~يبعث لما يجدون في كتبهم من نعته، فلما بعث كفروا به، وقيل: هو على ~~العموم في حق جميع الكفار، قالوا: منعهم إياهم من الدخول فيه إخراج كما ~~يقول الرجل لأبيه أخرجتني من مالك ولم يكن فيه، كما قال الله تعالى ~~إخبارا عن يوسف عليه السلام: # إنى تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله # [يوسف: 37] ولم يكن قط في ملتهم { أولئك أصحب النار ~~هم فيها خلدون }. ### || [2.258] # قوله تعالى: { ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم في ~~ربه } معناه هل انتهى إليك يا محمد خبر الذي حاج إبراهيم أي خاصم ~~وجادل، وهو نمرود وهو أول من وضع التاج على رأسه، وتجبر في الأرض وادعى ~~الربوبية؟ { أن آته الله الملك } أي لأن آتاه الله الملك ~~فطغى أي كانت تلك المحاجة من بطر الملك وطغيانه، قال مجاهد: ملك الأرض ~~أربعة، مؤمنان وكافران فأما المؤمنان فسليمان وذو القرنين، وأما الكافران ~~فنمرود وبختنصر. # واختلفوا في وقت هذه المناظرة، قال مقاتل: لما كسر إبراهيم الأصنام سجنه ~~نمرود ثم أخرجه ليحرقه بالنار فقال له: من ربك الذي تدعونا إليه؟ فقال: ~~ربي الذي يحيى ويميت، وقال آخرون: كان هذا بعد إلقائه في النار، وذلك أن ~~الناس قحطوا على عهد نمرود وكان الناس يمتارون من عنده الطعام، فكان إذا ~~أتاه الرجل في طلب الطعام سأله من ربك؟ فإن قال أنت، باع منه الطعام، ~~فأتاه إبراهيم فيمن أتاه فقال له نمرود: من ربك؟ قال: ربي الذي يحيى ~~ويميت، فاشتغل بالمحاجة ولم يعطه شيئا فرجع إبراهيم فمر على كثيب من رمل ~~أعفر فأخذ منه تطييبا لقلوب أهله إذا دخل عليهم، فلما أتى أهله ووضع ~~متاعه نام، فقامت أمرأته إلى متاعه ففتحته فإذا هو أجود طعام ما رآه أحد، ~~فأخذت فصنعت له منه فقربته إليه فقال: من أين هذا؟ قالت من الطعام الذي ~~جئت به فعرف أن الله رزقه، فحمد الله. # قال الله تعالى: { إذ قال ms0286 إبرهيم ربي الذى يحيى ~~ويميت } وهذا جواب سؤال غير مذكور تقديره قال له: من ربك؟ فقال ~~إبراهيم { ربي الذى يحيى ويميت } قرأ حمزة { ربي الذي يحيي ~~ويميت } بإسكان الياء وكذلك # حرم ربي الفوحش # [الأعراف: 33] و # عن ءايتي الذين يتكبرون # [الأعراف: 146] و # قل لعبادى الذين # [إبراهيم: 31] و # ءاتانى الكتب # [مريم: 30] و # مسنى الضر # [الأنبياء: 83] و # عبادى الصلحون # [الأنبياء: 105] و # عبادي الشكور # [سبأ: 13] و # مسنى الشيطان # [ص: 41] و # إن أرادنى الله # [الزمر: 38] و # إن أهلكنى الله # [الملك: 28] أسكن الياء فيهن حمزة، ووافق ابن عامر والكسائي في «لعبادي ~~الذين آمنوا» وابن عامر «آياتي الذين» وفتحها الآخرون، { قال } نمرود { ~~أنا أحيى وأميت }. # قرأ أهل المدينة (أنا) بإثبات الألف والمد في الوصل إذا تلتها ألف ~~مفتوحة أو مضمومة والباقون بحذف الألف، ووقفوا جميعا بالألف، قال أكثر ~~المفسرين: دعا نمرود برجلين فقتل أحدهما واستحيا الآخر فجعل ترك القتل ~~إحياء له، فانتقل إبراهيم إلى حجة أخرى، لا عجزا، فإن حجته كانت لازمة ~~لأنه أراد بالإحياء إحياء الميت فكان له أن يقول فأحي من أمت إن كنت ~~صادقا فانتقل إلى حجة أخرى أوضح من الأولى. # { قال إبرهيم فإن الله يأتى بالشمس من ~~المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذى كفر } أي ~~تحير ودهش وانقطعت حجته. فإن قيل: كيف بهت وكان يمكنه أن يعارض إبراهيم ~~فيقول له: سل أنت ربك حتى يأتي بها من المغرب قيل: إنما لم يقله لأنه خاف ~~أن لو سأل ذلك دعا إبراهيم ربه فكان زيادة في فضيحته وانقطاعه، والصحيح ~~أن الله صرفه عن تلك المعارضة إظهارا للحجة عليه أو معجزة لإبراهيم ~~عليه السلام { والله لا يهدى القوم الظلمين }. ### || [2.259] # قوله تعالى: { أو كالذي مر على قرية } وهذه الآية منسوقة ~~على الآية الأولى، تقديره { ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم } وإلى الذي مر ~~على قرية، وقيل: تقديره هل رأيت الذي حاج إبراهيم في ربه، وهل رأيت الذي ~~مر على قرية؟ واختلفوا في ذلك المار، فقال قتادة وعكرمة والضحاك: هو ~~عزير بن شرخيا، وقال وهب بن ms0287 منبه: هو أرميا بن حلقيا، وكان من سبط هارون، ~~وهو الخضر وقال مجاهد: هو كافر شك في البعث، واختلفوا في تلك القرية فقال ~~وهب وعكرمة وقتادة: هي بيت المقدس، وقال الضحاك: هي الأرض المقدسة، وقال ~~الكلبي: هي دير سابر أباد، وقال السدي: سلما باذ، وقيل: ديرهرقل، وقيل: ~~هي الأرض التي أهلك الله فيها الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف، وقيل: هي ~~قرية العنب، وهي على فرسخين من بيت المقدس { وهى خاوية } ساقطة ~~يقال: خوي البيت بكسر الواو يخوي خوى، مقصورا، إذا سقط وخوى البيت ~~بالفتح خواء ممدودا إذا خلا { على عروشها } سقوفها، واحدها عرش ~~وقيل: وكل بناء عرش، ومعناه: أن السقوف سقطت ثم وقعت الحيطان عليها. # { قال أنى يحيى هذه الله بعد موتها } وكان ~~السبب في ذلك على ما روى محمد بن إسحاق منبه أن الله تعالى بعث إرمياء ~~إلى ناشية بن أموص ملك بني إسرائيل يسدده في ذلك ويأتيه بالخبر من الله ~~عز وجل، فعظمت الأحداث في بني إسرائيل وركبوا المعاصي فأوحى الله تعالى ~~إلى ارمياء أن ذكر قومك نعمي وعرفهم أحداثهم وادعهم إلي، فقال إرمياء ~~إني ضعيف إن لم تقوني، عاجز إن لم تبلغني، مخذول إن لم تنصرني، فقال ~~الله عز وجل: أنا ألهمك، فقام إرمياء فيهم ولم يدر ما يقول فألهمه الله ~~في الوقت خطبة بليغة طويلة بين لهم فيها ثواب الطاعة وعقاب المعصية، ~~وقال في آخرها عن الله تعالى: وإني أحلف بعزتي لأقيضن لهم فتنة يتحير ~~فيها الحكيم، ولأسلطن عليهم جبارا فارسيا ألبسه الهيبة وأنزع من صدره ~~الرحمة يتبعه عدد مثل سواد الليل المظلم، ثم أوحى الله تعالى إلى إرمياء ~~إني مهلك بني إسرائيل بيافث، ويافث من أهل بابل، وهم من ولد يافث بن نوح ~~عليه السلام، فلما سمع إرمياء ذلك صاح وبكى وشق ثيابه ونبذ الرماد على ~~رأسه فلما سمع الله تضرعه وبكاءه ناداه: ياإرمياء أشق عليك ما أوحيت إليك ~~قال: نعم يا رب أهلكني قبل أن أرى في بني إسرائيل ما لا أسر به ms0288 فقال ~~الله تعالى: وعزتي لا أهلك بني إسرائيل حتى يكون الأمر في ذلك من ~~قبلك، ففرح إرمياء بذلك وطابت نفسه، فقال: لا والذي بعث موسى بالحق ~~لا أرضى بهلاك بني إسرائيل، ثم أتى الملك فأخبره بذلك وكان ملكا صالحا ~~فاستبشر وفرح فقال: إن يعذبنا ربنا فبذنوب كثيرة وإن عفا عنا فبرحمته. # ثم إنهم لبثوا بعد الوحي ثلاث سنين لم يزدادوا إلا معصية وتماديا في ~~الشر وذلك حين اقترب هلاكهم فقل الوحي، ودعاهم الملك إلى التوبة، فلم ~~يفعلوا، فسلط الله عليهم بختنصر، فخرج في ست مائة ألف راية يريد أهل بيت ~~المقدس، فلما فصل سائرا أتى الملك الخبر، فقال لإرمياء: أين ما زعمت أن ~~الله أوحى إليك؟ فقال أرمياء: إن الله لا يخلف الميعاد وأنا به واثق فلما ~~قرب الأجل بعث الله إلى إرمياء ملكا قد تمثل له رجلا من بني إسرائيل ~~فقال له إرمياء: من أنت؟ قال: أنا رجل من بني إسرائيل أتيتك أستفتيك في ~~أهل رحمي وصلت أرحامهم ولم آت إليهم إلا حسنا ولا يزيدهم إكرامي إياهم ~~إلا إسخاطا لي فأفتني فيهم، قال: أحسن فيما بينك وبين الله وصلهم وأبشر ~~بخير. فانصرف الملك فمكث أياما ثم أقبل إليه في صورة ذلك الرجل فقعد ~~بين يديه فقال: أنا الذي أتيتك في شأن أهلي، فقال له إرمياء: ماطهرت ~~أخلاقهم لك بعد؟ فقال: يا نبي الله والذي بعثك بالحق ما أعلم كرامة ~~يأتيها أحد من الناس إلى رحمة إلا قدمتها إليهم وأفضل، فقال له النبي ~~إرمياء عليه السلام: ارجع فأحسن إليهم أسأل الله الذي يصلح عباده ~~الصالحين أن يصلحهم، فقام الملك، فمكث أياما وقد نزل بختنصر وجنوده حول ~~بيت المقدس بأكثر من الجراد ففزع منهم بنو إسرائيل فقال ملكهم لإرمياء: ~~يا نبي الله أين ما وعدك الله. قال: إني بربي واثق، ثم أقبل الملك إلى ~~إرمياء وهو قاعد على جدار بيت المقدس يضحك ويستبشر بنصر ربه عز وجل الذي ~~وعده، فقعد بين يديه، فقال: أنا الذي أتيتك في شأن أهلي مرتين، فقال ms0289 ~~النبي: ألم يأن لهم أن يفيقوا من الذي هم فيه؟ فقال الملك: يا نبي الله ~~كل شيء كان يصيبني منهم قبل اليوم كنت أصبر عليه، فاليوم رأيتهم في عمل ~~لا يرضي الله: فقال النبي: على أي عمل رأيتهم؟ قال: على عمل عظيم من سخط ~~الله فغضب الله وأتيتك لأخبرك، وإني أسألك بالله الذي بعثك بالحق نبيا ~~إلا ما دعوت الله عليهم ليهلكهم، فقال إرمياء: يا مالك السموات والأرض ~~إن كانوا على حق وصواب فأبقهم وإن كانوا على عمل لا ترضاه فأهلكهم، فلما ~~خرجت الكلمة من فم إرمياء، أرسل الله صاعقة من السماء في بيت المقدس ~~فالتهب مكان القربان وخسف بسبعة أبواب من أبوابها، فلما رأى ذلك إرمياء ~~صاح وشق ثيابه ونبذ الرماد على رأسه، وقال: يا مالك السموات والأرض أين ~~ميعادك الذي وعدتني؟ فنودي أنه لم يصبهم ما أصابهم إلا بفتياك ودعائك، ~~فاستيقن النبي عليه السلام أنها فتياه وأن ذلك السائل كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فطار إرمياء حتى خالط الوحوش. # ودخل بختنصر وجنوده بيت المقدس ووطىء الشام وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم ~~وخرب بيت المقدس، ثم أمر جنوده أن يملأ كل رجل منهم ترسه ترابا فيقذفه ~~في بيت المقدس، ففعلوا حتى ملؤوه، ثم أمرهم أن يجمعوا من كان في بلدان ~~بيت المقدس فاجتمع عندهم صغيرهم وكبيرهم من بني إسرائيل، فاختار منهم ~~سبعين ألف صبي فقسمهم بين الملوك الذين كانوا معه، فأصاب كل رجل منهم ~~أربعة غلمة، وكان من أولئك الغلمان دانيال وحنانيا، وفرق من بقي من بني ~~إسرائيل ثلاث فرق، فثلثا قتلهم، وثلثا سباهم، وثلثا أقرهم بالشام، ~~وكانت هذه الواقعة الأولى التي أنزلها الله في بني إسرائيل بظلمهم فلما ~~ولى عنهم بختنصر راجعا إلى بابل ومعه سبايا بني إسرائيل أقبل إرمياء ~~على حمار له ومعه عصير عنب في ركوة وسلة تين حتى غشي إيلياء، فلما وقف ~~عليها ورأى خرابها قال: { أنى يحيى هذه الله بعد ~~موتها }؟. # وقال الذي قال إن المار كان عزيرا: إن بختنصر لما خرب ms0290 بيت المقدس ~~وقدم بسبي بني إسرائيل ببابل كان فيهم عزير ودانيال وسبعة آلاف من أهل ~~بيت داود فلما نجا عزير من بابل ارتحل على حمار له حتى نزل دير هرقل على ~~شط دجلة فطاف في القرية فلم ير فيها أحدا، وعامة شجرها حامل فأكل من ~~الفاكهة، واعتصر من العنب فشرب منه، وجعل فضل الفاكهة في سلة وفضل العصير ~~في زق فلما رأى خراب القرية وهلاك أهلها قال: { أنى يحيى هذه ~~الله بعد موتها } قالها تعجبا لا شكا في البعث. # رجعنا إلى حديث وهب قال: ثم ربط إرمياء حماره بحبل جديد فألقى الله ~~تعالى عليه النوم فلما نام نزع الله منه الروح مائة عام وأمات حماره، ~~وعصيره وتينه عنده فأعمى الله عنه العيون فلم يره أحد، وذلك ضحى، ومنع ~~الله السباع والطير لحمه، فلما مضى من موته سبعون سنة أرسل الله ملكا ~~إلى ملك من ملوك فارس يقال له نوشك فقال: إن الله يأمرك أن تنفر بقومك ~~فتعمر بيت المقدس وإيلياء حتى يعود أعمر ما كان، فانتدب الملك بألف ~~قهرمان مع كل قهرمان ثلاثمائة ألف عامل وجعلوا يعمرونه، فأهلك الله ~~بختنصر ببعوضة دخلت دماغه، ونحى الله من بقي من بني إسرائيل، ولم يمت ~~ببابل وردهم جميعا إلى بيت المقدس ونواحيه وعمروها ثلاثين سنة وكثروا ~~حتى عادوا على أحسن ما كانوا عليه فلما مضت المائة أحيا الله منه عينيه، ~~وسائر جسده ميت، ثم أحيا جسده وهو ينظر إليه، ثم نظر إلى حماره فإذا ~~عظامه متفرقة بيض، تلوح فسمع صوتا من السماء: أيتها العظام البالية ~~إن الله يأمرك أن تجتمعي، فاجتمع بعضها إلى بعض، واتصل بعضها ببعض ثم ~~نودي: أن الله يأمرك أن تكتسي لحما وجلدا، فكانت كذلك ثم نودي: إن الله ~~يأمرك أن تحيا، فقام بإذن الله ونهق، وعمر الله إرمياء فهو الذي يرى ~~في الفلوات فذلك قوله تعالى: { فأماته الله مائة عام ~~ثم بعثه } أي أحياه { قال كم لبثت } أي: كم مكثت؟ يقال: ~~لما أحياه الله بعث إليه ملكا فسأله كم ms0291 لبثت؟ { قال لبثت يوما ~~} وذلك أن الله تعالى أماته ضحى في أول النهار وأحياه بعد مائة عام في ~~آخر النهار قبل غيبوبة الشمس، فقال: لبثت يوما وهو يرى أن الشمس قد ~~غربت، ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال: { أو بعض يوم } بل بعض ~~يوم { قال } له الملك { بل لبثت مائة عام فانظر إلى ~~طعامك } يعني التين { وشرابك } يعني العصير { لم يتسنه ~~} أي لم يتغير، فكان التين كأنه قطف من ساعته، والعصير كأنه عصر من ~~ساعته. # قال الكسائي: كأنه لم تأت عليه السنون. وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب لم ~~يتسن بحذف الهاء في الوصل وكذلك # فبهداهم اقتده # [الأنعام: 90] وقرأ الآخرون بالهاء فيهما وصلا ووقفا، فمن أسقط الهاء ~~في الوصل جعل الهاء صلة زائدة وقال: أصله يتسنى فحذف الياء بالجزم وابدل ~~منه هاء في الوقف وقال أبو عمرو: وهو من التسنن بنونين: وهو التغير كقوله ~~تعالى: # من حمإ مسنون # [الحجر: 26] أي متغير فعوضت من أحدى النونين ياء كقوله تعالى: # ثم ذهب إلى أهله يتمطى # [القيامة: 33] أي يتمطط وقوله # وقد خاب من دسها # [الشمس: 10] وأصله دسيتها، ومن أثبت الهاء في الحالين جعل الهاء أصلية ~~لام الفعل، وهذا على قول من جعل أصل السنة السنهة وتصغيرها سنيهة والفعل ~~من السانهة وإنما قال: لم يتسنه ولم يثنه مع أنه أخبر عن شيئين رد ~~للتغيير إلى أقرب اللفظين وهو الشراب واكتفى بذكر أحد المذكورين لأنه في ~~معنى الآخر { وانظر إلى حمارك } فنظر فإذا هو عظام بيض فركب ~~الله تعالى العظام بعضها على بعض فكساه اللحم والجلد وأحياه وهو ينظر { ~~ولنجعلك ءاية للناس } قيل الواو زائدة مقحمة. وقال الفراء ~~أدخلت الواو فيه دلالة على أنها شرط لفعل بعدها معناه ولنجعلك آية أي: ~~عبرة ودلالة على البعث بعد الموت قاله أكثر المفسرين، وقال الضحاك وغيره: ~~إنه عاد إلى قريته شابا وأولاده وأولاد أولاده شيوخ وعجائز وهو أسود ~~الرأس واللحية. # قوله تعالى: { وانظر إلى العظام كيف ننشزها } قرأ أهل ~~الحجاز والبصرة ننشرها بالراء معناه نحييها، يقال: أنشر الله الميت ms0292 ~~إنشارا ونشره نشورا، قال الله تعالى: # ثم إذا شآء أنشره # [عبس: 22] وقال في اللازم: # وإليه النشور # [الملك: 15] وقرأ الآخرون بالزاي أي نرفعها من الأرض ونردها إلى مكانها ~~من الجسد ونركب بعضها على بعض، وإنشاز الشيء رفعه وإزعاجه، يقال: أنشزته ~~فنشز أي رفعته فارتفع. # واختلفوا في معنى الآية، فقال الأكثرون: أراد به عظام حماره، وقال ~~السدي: إن الله تعالى أحيا عزيرا ثم قال له: انظر إلى حمارك قد هلك ~~وبليت عظامه فبعث الله تعالى ريحا فجاءت بعظام الحمار من كل سهل وجبل ~~وقد ذهبت بها الطير والسباع فاجتمعت فركب بعضها في بعض وهو ينظر، فصار ~~حمارا من عظام ليس فيه لحم ولا دم { ثم نكسوها لحما } ثم كسا ~~العظام لحما ودما فصار حمارا لا روح فيه، ثم أقبل ملك يمشي حتى أخذ ~~بمنخر الحمار فنفخ فيه فقام الحمار ونهق بإذن الله. # وقال قوم أراد به عظام هذا الرجل، ذلك أن الله تعالى لم يمت حماره بل ~~أماته هو فأحيا الله عينيه ورأسه، وسائر جسده ميت، ثم قال: انظر إلى ~~حمارك فنظر فرأى حماره قائما واقفا كهيئته يوم ربطه حيا لم يطعم ولم ~~يشرب مائة عام ونظر إلى الرمة في عنقه جديدة لم تتغير، وتقرير الآية: { ~~وانظر إلى حمارك } وانظر إلى عظامك كيف ننشزها وفي الآية تقديم وتأخير، ~~وتقديرهما: وانظر إلى حمارك، وانظر إلى العظام كيف ننشرها ولنجعلك آية ~~للناس. # وقال قتادة عن كعب والضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما، والسدي عن مجاهد ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما: لما أحيا الله تعالى عزيرا بعد ما أماته ~~مائة سنة ركب حماره حتى أتى محلته فأنكره الناس وأنكر الناس ومنازله ~~فانطلق على وهم حتى أتى منزله فإذا هو بعجوز عمياء مقعدة قد أتى عليها ~~مائة وعشرون سنة كانت عرفته وعقلته فقال لها عزير: يا هذه هذا منزل عزير؟ ~~قالت: نعم هذا منزل عزير وبكت وقالت: ما رأيت أحدا من كذا وكذا سنة يذكر ~~عزيرا قال: فإني أنا عزير، قالت: سبحان الله فإن ms0293 عزيرا قد فقدناه منذ ~~مائة سنة لم نسمع له بذكر قال: فإني أنا عزير إن الله أماتني مائة سنة ثم ~~بعثني، قالت: فإن عزيرا كان رجلا مستجاب الدعوة ويدعو للمريض ولصاحب ~~البلاء بالعافية، فادع الله أن يرد لي بصري حتى أراك فإن كنت عزيرا ~~عرفتك، فدعا ربه ومسح بيده على عينيها فصحتا وأخذ بيدها وقال: قومي ~~بإذن الله تعالى، فأطلق الله رجليها فقامت صحيحة، فنظرت إليه فقالت: ~~أشهد أنك عزير، فانطلقت إلى بني إسرائيل وهم في أنديتهم ومجالسهم وابن ~~لعزير شيخ كبير ابن مائة سنة وثمانية عشرة سنة وبنو بنيه شيوخ في المجلس، ~~فنادت هذا عزير قد جاءكم فكذبوها، فقالت: أنا فلانة مولاتكم دعا لي ربه ~~فرد علي بصري وأطلق رجلي وزعم أن الله كان أماته مائة سنة ثم بعثه، فنهض ~~الناس فأقبلوا إليه فقال ولده: كان لأبي شامة سوداء مثل الهلال بين ~~كتفيه، فكشف عن كتفيه فإذا هو عزير. # وقال السدي والكلبي: لما رجع عزير إلى قومه وقد أحرق بختنصر التوراة ولم ~~يكن من الله عهد بين الخلق، فبكى عزير على التوراة فأتاه ملك بإناء فيه ~~ماء فسقاه من ذلك الماء فمثلت التوراة في صدره فرجع إلى بني إسرائيل وقد ~~علمه الله التوراة وبعثه نبيا، فقال: أنا عزير فلم يصدقوه فقال: إني ~~عزير قد بعثني الله إليكم لأجدد لكم توراتكم قالوا: أملها علينا، ~~فأملاها عليهم من ظهر قلبه، فقالوا: ما جعل الله التوراة في صدر رجل ~~بعدما ذهبت إلا أنه ابنه، فقالوا: عزير ابن الله، وستأتي القصة في سورة ~~براءة إن شاء الله تعالى. # قوله تعالى: { فلما تبين له } ذلك عيانا { قال أعلم } ~~قرأ حمزة والكسائي مجزوما موصولا على الأمر على معنى قال الله تعالى ~~له اعلم، وقرأ الآخرون أعلم بقطع الألف ورفع الميم على الخبر عن عزير ~~أنه قال لما رأى ذلك أعلم { أن الله على كل شيء قدير ~~}. ### || [2.260] # قوله تعالى: { وإذ قال إبراهيم رب أرنى كيف تحيى ~~الموتى } قال الحسن وقتادة وعطاء الخراساني وابن جريج: كان ms0294 سبب هذا ~~السؤال من إبراهيم عليه السلام أنه مر على دابة ميتة، قال ابن جريج: كانت ~~جيفة حمار بساحل البحر، قال عطاء: بحيرة طبرية، قالوا: فرآها وقد توزعتها ~~دواب البحر والبر، فكان إذا مد البحر جاءت الحيتان ودواب البحر فأكلت ~~منها فما وقع منها يصير في البحر، فإذا جزر البحر ورجع جاءت السباع فأكلن ~~منها فما سقط منها يصير ترابا فإذا ذهبت السباع، جاءت الطير فأكلت منها ~~فما سقط منها قطعتها الريح في الهواء، فلما رأى ذلك إبراهيم عليه السلام ~~تعجب منها وقال: يارب قد علمت لتجمعنها من بطون السباع وحواصل الطير ~~وأجواف دواب البحر فأرني كيف تحييها لأعاين فأزداد يقينا، فعاتبه الله ~~تعالى: { قال أولم تؤمن قال بلى } يا رب علمت وآمنت { ~~ولكن ليطمئن قلبى } أي ليسكن قلبي إلى المعاينة ~~والمشاهدة، أراد أن يصير له علم اليقين عين اليقين، لأن الخبر ليس ~~كالمعاينة. # وقيل: كان سبب هذا السؤال من إبراهيم أنه لما احتج على نمرود فقال # ربي الذي يحيي ويميت # [البقرة:258] قال نمرود: أنا أحيي وأميت فقتل أحد الرجلين، وأطلق ~~الآخر، فقال إبراهيم: إن الله تبارك وتعالى يقصد إلى جسد ميت فيحييه، ~~فقال له نمرود: أنت عاينته، فلم يقدر أن يقول نعم فانتقل إلى حجة أخرى، ~~ثم سأل ربه أن يريه إحياء الموتى. { قال أولم تؤمن قال بلى ~~ولكن ليطمئن قلبى } بقوة حجتي فإذا قيل أنت عاينته فأقول ~~نعم قد عاينته. # وقال سعيد بن جبير لما اتخذ الله تعالى إبراهيم خليلا سأل ملك ~~الموت ربه أن يأذن له فيبشر إبراهيم بذلك فأذن له فأتى إبراهيم ولم يكن ~~في الدار، فدخل داره وكان إبراهيم عليه السلام أغير الناس إذا خرج أغلق ~~بابه، فلما جاء وجد في داره رجلا فثار عليه ليأخذه وقال له: من أذن لك ~~أن تدخل داري؟ فقال: أذن لي رب هذه الدار، فقال إبراهيم: صدقت وعرف أنه ~~ملك، فقال: من أنت؟ قالت: أنا ملك الموت جئت أبشرك بأن الله تعالى قد ~~اتخذك خليلا، فحمد الله عز وجل، ms0295 وقال: فما علامة ذلك؟ قال: أن يجيب الله ~~دعاءك ويحيي الموتى بسؤالك، فحينئذ قال إبراهيم: { رب أرنى كيف ~~تحيى الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ~~ليطمئن قلبى } أنك اتخذتني خليلا وتجيبني إذا دعوتك. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن اسماعيل، أخبرنا أحمد بن صالح، أنا ~~ابن وهب، أخبرني يونس عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن ~~المسيب، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال رب أرني كيف تحيى الموتى قال أو لم ~~تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي، ورحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن ~~شديد، ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي ". # وأخرج مسلم بن الحجاج هذا الحديث عن حرملة بن يحيى عن وهب بهذا الاسناد ~~مثله وقال: «نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال رب أرنى كيف تحيى الموتى». # حكي عن محمد بن إسحاق بن خزيمة عن أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني ~~أنه قال على هذا الحديث، لم يشك النبي صلى الله عليه وسلم ولا إبراهيم في ~~أن الله قادر على أن يحيي الموتى وإنما شكا في أنه هل يجيبهما إلى ما ~~سألا، وقال أبو سليمان الخطابي: ليس في قوله: نحن أحق بالشك من إبراهيم، ~~اعتراف بالشك على نفسه ولا على إبراهيم، لكن فيه نفي الشك عنهما، يقول: ~~إذا لم أشك أنا في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، فإبراهيم أولى بأن ~~لا يشك، وقال ذلك على سبيل التواضع والهضم من النفس، وكذلك قوله: «لو ~~لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي» وفيه الإعلام أن المسألة ~~من إبراهيم عليه السلام لم تعرض من جهة الشك، ولكن من قبل زيادة العلم ~~بالعيان، فإن العيان يفيد من المعرفة والطمأنينة مالا يفيده الاستدلال، ~~وقيل: لما نزلت هذه الآية قال قوم: شك ms0296 إبراهيم ولم يشك نبينا، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم هذا القول تواضعا منه وتقديما لإبراهيم على ~~نفسه. # قوله: { أولم تؤمن } معناه: قد آمنت فلم تسأل؟، شهد له بالإيمان ~~كقول جرير: # ألستم خير من ركب المطايا # وأندى العالمين بطون راح # يعني أنتم كذلك، ولكن ليطمئن قلبي بزيادة اليقين. # { قال فخذ أربعة من الطير } قال مجاهد وعطاء وابن ~~جريج: أخذ طاووسا وديكا وحمامة وغرابا، وحكي عن ابن عباس رضي الله ~~عنه: ونسرا بدل الحمامة. # وقال عطاء الخراساني: أوحى إليه أن خذ بطة خضراء وغرابا أسود وحمامة ~~بيضاء وديكا أحمر { فصرهن إليك } قرأ أبو جعفر وحمزة { فصرهن ~~إليك } بكسر الصاد أي قطعهن ومزقهن، يقال صار يصير صيرا إذا قطع، وانصار ~~الشيء انصيارا إذا انقطع. قال الفراء: هو مقلوب من صريت أصري صريا إذا ~~قطعت، وقرأ الآخرون { فصرهن } بضم الصاد ومعناه أملهن إليك ووجههن، ~~يقال: صرت الشيء أصوره إذا أملته، ورجل أصور إذا كان مائل العنق، وقال ~~عطاء: معناه اجمعهن واضممهن إليك يقال: صار يصور صورا إذا اجتمع ومنه ~~قيل لجماعة النحل صور، ومن فسره بالإمالة والضم قال فيه إضمار معناه ~~فصرهن إليك ثم قطعهن فحذفه اكتفاء بقوله: { ثم اجعل على كل ~~جبل منهن جزءا } لأنه يدل عليه، وقال أبو عبيدة: فصرهن معناه ~~قطعهن أيضا، والصور القطع. # قوله تعالى: { ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا } ~~قرأ عاصم برواية أبي بكر { جزءا } مثقلا مهموزا، والآخرون بالتخفيف ~~والهمز، وقرأ أبو جعفر مشددة الزاي بلا همز وأراد بعض الجبال. # قال بعض المفسرين: أمر الله إبراهيم أن يذبح تلك الطيور وينتف ريشها ~~ويقطعها ويخلط ريشها ودماءها ولحومها بعضها ببعض ففعل، ثم أمره أن يجعل ~~أجزاءها على الجبال. # واختلفوا في عدد الأجزاء والجبال فقال ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة: ~~أمر أن يجعل كل طائر أربعة أجزاء ويجعلها على أربعة أجبل على كل جبل ~~ربعا من كل طائر وقيل: جبل على جانب الشرق، وجبل على جانب الغرب، وجبل ~~على الشمال، وجبل على جانب الجنوب. # وقال ابن ms0297 جريج والسدي: جزأها سبعة أجزاء ووضعها على سبعة أجبل وأمسك ~~رؤوسهن ثم دعاهن: تعالين بإذن الله تعالى، فجعلت كل قطرة من دم طائر تطير ~~إلى القطرة الأخرى، وكل ريشة تطير إلى الريشة الأخرى، وكل عظم يصير إلى ~~العظم الآخر، وكل بضعة تصير إلى الأخرى، وإبراهيم ينظر، حتى لقيت كل جثة ~~بعضها بعضا في السماء بغير رأس ثم أقبلن إلى رؤوسهن سعيا فكلما جاء ~~طائر مال برأسه فإن كان رأسه دنا منه، وإن لم يكن تأخر، حتى التقى كل ~~طائر برأسه فذلك قوله تعالى { ثم ادعهن يأتينك سعيا } ~~قيل المراد بالسعي الإسراع والعدو، وقيل المراد به المشي دون الطيران ~~كما قال الله تعالى: # فاسعوا إلى ذكر الله # [الجمعة: 9] أي فامضوا، والحكمة في المشي دون الطيران كونه أبعد عن ~~الشبهة لأنها لو طارت لتوهم متوهم أنها غير تلك الطير وأن أرجلها غير ~~سليمة والله أعلم. وقيل السعي بمعنى الطيران { واعلم أن الله ~~عزيز حكيم }. ### || [2.261] # قوله تعالى: { مثل الذين ينفقون أمولهم في سبيل ~~الله } فيه إضمار تقديره مثل صدقات الذين ينفقون أموالهم { كمثل } ~~زارع { حبة } وأراد بسبيل الله الجهاد، وقيل: جميع أبواب الخير { ~~أنبتت } أخرجت { سبع سنابل } جمع سنبلة { في كل سنبلة ~~مائة حبة } فإن قيل فما رأينا سنبلة فيها مائة حبة فكيف ضرب ~~المثل به؟ قيل: ذلك متصور، غير مستحيل، ومالا يكون مستحيلا جاز ضرب ~~المثل به وإن لم يوجد، معناه { في كل سنبلة مائة حبة } ~~أن جعل الله فيها، وقيل هو موجود في الدخن، وقيل معناه أنها إن بذرت ~~أنبتت مائة حبة، فما حدث من البذر الذي كان فيها كان مضافا إليها وكذلك ~~تأوله الضحاك فقال: كل سنبلة أنبتت مائة حبة { والله يضعف ~~لمن يشآء } قيل معناه يضاعف هذه المضاعفة لمن يشاء، وقيل: معناه ~~يضاعف على هذا ويزيد لمن يشاء ما بين سبع إلى سبعين إلى سبعمائة إلى ما ~~شاء الله من الأضعاف مما لا يعلمه إلا الله تعالى { والله وسع } ~~غني يعطي عن سعة { عليم } بنية من ينفق ماله. ms0298 ### || [2.262-264] # قوله تعالى: { الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله ~~} قال الكلبي: نزلت هذه الآية في عثمان بن عفان رضي الله عنه وعبد ~~الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنهما، # " جاء عبد الرحمن بأربعة آلاف درهم صدقة إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: يا رسول الله كانت عندي ثمانية آلاف فأمسكت منها لنفسي وعيالي ~~أربعة آلاف درهم، وأربعة آلاف أقرضتها ربي، فقال له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «بارك الله فيما أمسكت لك وفيما أعطيت» " # وأما عثمان فجهز جيش المسلمين في غزوة تبوك بألف بعير بأقتابها وأحلاسها ~~فنزلت فيهما هذه الآية. # وقال عبد الرحمن بن سمرة: # " جاء عثمان رضي الله عنه بألف دينار في جيش العسرة فصبها في حجر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يدخل فيها يده ~~ويقلبها ويقول: «ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم» " # فأنزل الله تعالى: { الذين ينفقون أموالهم فى سبيل ~~الله } في طاعة الله { ثم لا يتبعون مآ أنفقوا منا } ~~وهو أن يمن عليه بعطائه فيقول أعطيتك كذا، ويعد نعمه عليه فيكدرها { ~~ولا أذى } وهو أن يعيره فيقول إلى كم تسأل وكم تؤذيني؟ وقيل من الأذى ~~هو أن يذكر إنفاقه عليه عند من لا يحب وقوفه عليه. # وقال سفيان: { منا ولا أذى } هو أن يقول قد أعطيتك وأعطيت فما ~~شكرت، قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كان أبي يقول: إذا أعطيت رجلا ~~شيئا ورأيت أن سلامك يثقل عليه فكف سلامك عنه، فحظر الله على عباده ~~المن بالصنيعة، واختص به صفة لنفسه، لأنه من العباد تعيير وتكدير، ومن ~~الله إفضال وتذكير { لهم أجرهم } أي ثوابهم { عند ربهم ~~ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون * قول معروف } ~~أي كلام حسن ورد على السائل جميل، وقيل عدة حسنة. وقال الكلبي: دعاء ~~صالح يدعو لأخيه بظهر الغيب، وقال الضحاك: نزلت في إصلاح ذات البين { ~~ومغفرة } أي تستر عليه خلته ولا تهتك عليه ستره، وقال الكلبي ~~والضحاك: يتجاوز عن ظالمه، وقيل: ms0299 يتجاوز عن الفقير إذا استطال عليه عند ~~رده { خير من صدقة } يدفعها إليه { يتبعهآ أذى } أي من ~~وتعيير للسائل أو قول يؤذيه { والله غنى } أي مستغن عن صدقة ~~العباد { حليم } لا يعجل بالعقوبة على من يمن ويؤذي بالصدقة. # قوله تعالى: { ياأيها الذين آمنوا لا تبطلوا ~~صدقاتكم } أي أجور صدقاتكم { بالمن } على السائل، وقال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: بالمن على الله تعالى { والأذى } لصاحبها ثم ~~ضرب لذلك مثلا فقال { كالذى ينفق ماله } أي كإبطال الذي ينفق ~~ماله { رئآء الناس } أي مراءاة وسمعة ليروا نفقته وليقولوا إنه ~~كريم سخي { ولا يؤمن بالله واليوم الأخر } يريد أن ~~الرياء يبطل الصدقة ولا تكون النفقة مع الرياء من فعل المؤمنين وهذا ~~للمنافقين لأن الكافر معلن بكفره غير مراء { فمثله } أي مثل هذا ~~المرائي { كمثل صفوان } وهو الحجر الأملس، وهو واحد وجمع، فمن ~~جعله جمعا فواحده صفوانة ومن جعله واحدا فجمعه صفي { عليه } أي على ~~الصفوان { تراب فأصابه وابل } وهو المطر الشديد العظيم القطر ~~{ فتركه صلدا } أي أملس، والصلد الحجر الصلب الأملس الذي لا شيء ~~عليه فهذا مثل ضربه الله تعالى لنفقة المنافق والمرائي والمؤمن الذي يمن ~~بصدقته ويؤذي ويري الناس في الظاهر أن لهؤلاء أعمالا كما يري التراب على ~~هذا الصفوان فإذا كان يوم القيامة بطل كله واضمحل لأنه لم يكن لله عز وجل ~~كما أذهب الوابل ما على الصفوان من التراب فتركه صلدا { لا ~~يقدرون على شىء مما كسبوا } أي على ثواب شيء مما ~~كسبوا وعملوا في الدنيا { والله لا يهدي القوم ~~الكفرين }. # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أخبرنا أبو الحسن الطيسفوني، ~~أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري، أخبرنا أحمد بن علي الكشميهني، أخبرنا ~~علي بن حجر، أخبرنا اسماعيل بن جعفر، أخبرنا عمرو بن أبي عمرو مولى ~~المطلب، عن عاصم بن عمر عن محمود بن لبيد أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» قالوا: يا رسول الله وما الشرك ~~الأصغر؟ قال: «الرياء يقول ms0300 الله لهم يوم يجازي العباد بأعمالهم: اذهبوا ~~إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء ". # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة أخبرنا أبو طاهر محمد بن ~~أحمد الحارثي أخبرنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي أخبرنا عبد الله بن ~~محمد بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، أخبرنا عبد الله بن ~~المبارك عن حيوة بن شريح، أخبرني الوليد بن أبي الوليد أبو عثمان ~~المدائني أن عقبة بن مسلم حدثه أن شفيا الأصبحي حدثه أنه دخل المدينة ~~فإذا هو برجل قد اجتمع عليه الناس فقال: من هذا؟ قالوا: أبو هريرة، فدنوت ~~منه حتى قعدت بين يديه وهو يحدث الناس فلما سكت وخلا قلت له: أنشدك الله ~~بحق، لما حدثتني حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن الله إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ليقضي بينهم، وكل أمة ~~جاثية، فأول من يدعو به رجل جمع القرآن، ورجل قتل في سبيل الله، ورجل ~~كثير المال، فيقول الله للقارىء: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ فقال: ~~بلى يا رب قال: فماذا عملت فيما علمت:؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل ~~وآناء النهار، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت ويقول الله ~~تعالى: بل أردت أن يقال فلان قاريء فقد قيل ذلك، ويؤتى بصاحب المال ~~فيقول الله له: ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ قال: بلى يا ~~رب، قال: فما عملت فيما آتيتك؟ قال: كنت أصل الرحم وأتصدق. فيقول الله ~~له: كذبت، وتقول الملائكة كذبت ويقول الله تعالى: بل أردت أن يقال فلان ~~جواد فقد قيل ذلك، ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله فيقول الله له: فبماذا ~~قتلت؟ فيقول: يا رب أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت، فيقول الله: ~~كذبت وتقول الملائكة: كذبت، ويقول الله تعالى: بل أردت أن يقال فلان ~~جريء فقد قيل ذلك، ثم ضرب رسول الله ms0301 صلى الله عليه وسلم على ركبتي فقال: ~~يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة ". ### || [2.265-267] # قوله تعالى: { ومثل الذين ينفقون أمولهم ابتغآء ~~مرضات الله } أي طلب رضا الله تعالى { وتثبيتا من ~~أنفسهم } قال قتادة: احتسابا، وقال الشعبي والكلبي: تصديقا من ~~أنفسهم، أي يخرجون الزكاة طيبة بها أنفسهم على يقين بالثواب وتصديق بوعد ~~الله، ويعلمون أن ما أخرجوا خير لهم مما تركوا، وقيل على يقين بإخلاف ~~الله عليهم. # وقال عطاء ومجاهد: يثبتون أي يضعون أموالهم، قال الحسن: كان الرجل إذا ~~هم بصدقة تثبت فإن كان لله أمضى وإن كان يخالطه شك أمسك، وعلى هذا ~~القول يكون التثبيت بمعنى التثبت، كقوله تعالى: # وتبتل إليه تبتيلا # [المزمل: 8] أي تبتلا، { كمثل جنة } أي بستان قال المبرد ~~والفراء: إذا كان في البستان نخل فهو جنة وإن كان فيه كرم فهو فردوس { ~~بربوة } قرأ ابن عامر وعاصم بربوة وإلى ربوة في سورة المؤمنون بفتح ~~الراء وقرأ الآخرون بضمها وهي المكان المرتفع المستوي الذي تجري فيه ~~الأنهار فلا يعلوه الماء ولا يعلو عن الماء، وإنما جعلها بربوة لأن ~~النبات عليها أحسن وأزكى { أصابها وابل } مطر شديد كثير { فآتت ~~أكلها } ثمرها، قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بالتخفيف، وقرأ الباقون ~~بالتثقيل، وزاد نافع وابن كثير تخفيف أكله والأكل، وخفف أبو عمرو رسلنا ~~ورسلكم ورسلهم وسبلنا. # { ضعفين } أي أضعفت في الحمل قال عطاء: حملت في سنة من الريع ما ~~يحمل غيرها في سنتين، وقال عكرمة: حملت في السنة مرتين { فإن لم ~~يصبها وابل فطل } أي فطش، وهو المطر الضعيف الخفيف ويكون ~~دائما. # قال السدي: هو الندى، وهذا مثل ضربه الله تعالى لعمل المؤمن المخلص ~~فيقول: كما أن هذه الجنة تريع في كل حال ولا تخلف سواء قل المطر أو كثر، ~~كذلك يضعف الله صدقة المؤمن المخلص الذي لا يمن ولا يؤذي سواء قلت نفقته ~~أو كثرت، وذلك أن الطل إذا كان يدوم يعمل عمل الوابل الشديد. { والله ~~بما تعملون بصير * أيود أحدكم أن ms0302 تكون له ~~جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار } ~~هذه الآية متصلة بقوله تعالى «ياأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم ~~بالمن والأذى» قوله أيود يعني: أيحب أحدكم أن تكون له جنة أي بستان من ~~نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار. # { له فيها من كل الثمرت وأصابه الكبر وله ~~ذرية ضعفآء } أولاد صغار ضعاف عجزة { فأصابهآ إعصار } ~~وهو الريح العاصف التي ترتفع إلى السماء كأنها عمود وجمعه أعاصير { فيه ~~نار فاحترقت } هذا مثل ضربه الله لعمل المنافق والمرائي يقول: ~~عمله في حسنه كحسن الجنة ينتفع به كما ينتفع صاحب الجنة بالجنة، فإذا ~~كبر أو ضعف وصار له أولاد ضعاف وأصاب جنته إعصار فيه نار فاحترقت فصار ~~أحوج ما يكون إليها وضعف عن إصلاحها لكبره وضعف أولاده عن إصلاحها لصغرهم ~~ولم يجد هو ما يعود به على أولاده ولا أولاده ما يعودون به عليه فبقوا ~~جميعا متحيرين عجزة لا حيلة بأيديهم، كذلك يبطل الله عمل هذا المنافق ~~والمرائي حين لا مغيث لهما ولا توبة ولا إقالة. # قال عبيد بن عمير: قال عمر رضي الله عنه يوما لأصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم: فيمن ترون هذه الآية نزلت: { أيود أحدكم أن تكون ~~له جنة من نخيل وأعناب }؟ قالوا: الله أعلم، فغضب عمر ~~رضي الله عنه فقال: قولوا نعلم أولا نعلم، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين، فقال عمر رضي الله عنه: ابن أخي قل ~~ولا تحقر نفسك، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ضربت مثلا لعمل، قال عمر ~~رضي الله عنه: أي عمل؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: لعمل المرائي قال ~~عمر رضي الله عنه لرجل غني يعمل بطاعة الله بعث الله له الشيطان فعمل ~~بالمعاصي حتى أغرق أعماله، { كذلك يبين الله لكم ~~الآيت لعلكم تتفكرون * يأيها الذين آمنوا ~~أنفقوا من طيبات } من خيار، قال ابن مسعود رضي الله عنه ومجاهد: ~~من حلالات { ما كسبتم } بالتجارة والصناعة وفيه دلالة على إباحة ~~الكسب وأنه ينقسم ms0303 إلى طيب وخبيث. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن ~~سمعان، أخبرنا أبو جعفر الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أخبرنا يعلى بن ~~عبيد، أخبرنا الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها قالت: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه ". # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا ~~أبو جعفر الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أخبرنا عبد الله بن صالح، ~~أخبرنا أبو معاوية بن صالح عن بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن المقدام ~~بن معد يكرب أنه حدثه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده، وكان داود لا يأكل ~~إلا من عمل يديه ". # أخبرنا أبو القاسم يحيى بن علي بن محمد الكشميهني، أخبرنا نجاح بن يزيد ~~المحاربي بالكوفة، أخبرنا أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم الشيباني، أخبرنا ~~أحمد بن حازم، أخبرنا يحيى بن عبيد، أخبرنا أبان بن اسحق عن الصباح بن ~~محمد عن مرة الهمداني عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يكتسب عبد مالا حراما فيتصدق منه فيقبل الله منه، ولا ينفق منه ~~فيبارك له فيه ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا ~~يمحو السيء بالسيء، ولكن يمحو السيء بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث ". # والزكاة واجبة في مال التجارة عند أكثر أهل العلم، فبعد الحول يقوم ~~العرض فيخرج من قيمتها ربع العشر إذا كان قيمتها عشرين دينارا أو مائتي ~~درهم، قال سمرة بن جندب: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن ~~نخرج الصدقة من الذي نعده للبيع. # وعن أبي عمرو بن حماس أن أباه قال: مررت بعمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~وعلى عنقي أدمة أحملها فقال عمر: ألا تؤدي زكاتك يا حماس؟ ms0304 فقلت: ما ~~لي غير هذا وأهب في القرظ، فقال ذاك مال، فضع، فوضعتها فحسبها فأخذ ~~منها الزكاة. # قوله تعالى: { وممآ أخرجنا لكم من الأرض } قيل هذا ~~بإخراج العشور من الثمار والحبوب واتفق أهل العلم على إيجاب العشر في ~~النخيل والكروم وفيما يقتات من الحبوب إن كان مسقيا بماء السماء أو من ~~نهر يجري الماء إليه من غير مؤنة، وإن كان مسقيا بساقية أو بنضح ففيه ~~نصف العشر. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا ~~عبد الله بن وهب، أخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله ~~عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر، وفيما سقي بالنضح نصف ~~العشر ". # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، ~~أخبرنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا عبد الله ~~بن نافع عن محمد بن صالح التمار عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن عتاب ~~بن أسيد # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في زكاة الكرم: «يخرص كما يخرص ~~النخل ثم تؤدى زكاته زبيبا كما يؤدى زكاة النخل تمرا» ". # واختلف أهل العلم فيما سوى النخل والكروم، وفيما سوى ما يقتات به من ~~الحبوب، فذهب قوم إلى أنه لا عشر في شيء منها، وهو قول ابن أبي ليلى ~~والشافعي رضي الله عنه. # وقال الزهري والأوزاعي ومالك رضي الله عنهم: يجب في الزيتون، وقال أبو ~~حنيفة رضي الله عنه: يجب في العشر في جميع البقول والخضروات كالثمار إلا ~~الحشيش والحطب، وكل ثمرة أوجبنا فيها الزكاة فإنما يجب ببدو الصلاح، ووقت ~~الإخراج بعد الاجتناء والجفاف، وكل حب أوجنبا فيه العشر فوقت وجوبه ~~اشتداد الحب ووقت الإخراج بعد الدياسة والتنقية، ولا يجب العشر في شيء ~~منها حتى تبلغ خمسة أوسق عند أكثر أهل العلم، وعند أبي حنيفة رحمه الله ~~يجب ms0305 في كل قليل وكثير منها، واحتج من شرط النصاب بما أخبرنا أبو الحسن ~~السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو ~~مصعب، عن مالك عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازني ~~عن أبيه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة، وليس فيما دون خمسة أواق من ~~الورق صدقة وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة ". # وروى يحيى بن عبادة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " ليس في حب ولا تمر صدقة حتى تبلغ خمس أوسق " # ، وقال قوم: الآية في صدقات التطوع. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني أخبرنا ~~أبو جعفر الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أخبرنا يحيى بن يحيى أخبرنا ~~أبو عوانة عن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " ما من مؤمن يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة ~~إلا كان له به صدقة ". # قوله تعالى: { ولا تيمموا } قرأ ابن كثير برواية البزي بتشديد ~~التاء في الوصل فيها وفي أخواتها وهي واحد وثلاثون موضعا في القرآن، ~~لأنه في الأصل تاءان أسقطت احداهما فرد هو الساقطة وأدغم وقرأ الآخرون ~~بالتخفيف ومعناه لا تقصدوا { الخبيث منه تنفقون }. # روي عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب قال: كانت الأنصار تخرج إذا كان ~~جذاذ النخل أقناء من التمر والبسر فيعلقونه على حبل بين الاسطوانتين في ~~مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأكل منه فقراء المهاجرين، فكان ~~الرجل منهم يعمد فيدخل قنو الحشف وهو يظن أنه جائز عنه في كثرة ما ~~يوضع من الأقناء، فنزل فيمن فعل ذلك { ولا تيمموا الخبيث } ~~أي الحشف والرديء، وقال الحسن ومجاهد والضحاك: كانوا يتصدقون بشرار ~~ثمارهم ورذالة أموالهم ويعزلون الجيد ناحية لأنفسهم، فأنزل الله تعالى: ms0306 ~~{ ولا تيمموا الخبيث } الرديء { منه تنفقون } { ~~ولستم بأخذيه } يعني الخبيث { إلا أن تغمضوا فيه } ~~الإغماض غض البصر، وأراد ههنا التجوز والمساهلة، معناه لو كان لأحدكم ~~على رجل حق فجاءه بهذا لم يأخذه إلا وهو يرى أنه قد أغمض له عن حقه ~~وتركه. قال الحسن وقتادة: لو وجدتموه يباع في السوق ما أخذتموه بسعر ~~الجيد. # وروي عن البراء قال: لو أهدي ذلك لكم ما أخذتموه إلا على استحياء من ~~صاحبه وغيظ، فكيف ترضون مالا ترضون لأنفسكم؟ هذا إذا كان المال كله جيدا ~~فليس له إعطاء الرديء، لأن أهل السهمان شركاؤه فيما عنده، فإن كان كل ~~ماله رديئا فلا بأس بإعطاء الرديء، { واعلموا أن الله ~~غني } عن صدقاتكم { حميد } محمود في أفعاله. ### || [2.268-269] # { الشيطن يعدكم الفقر } أي يخوفكم بالفقر، يقال وعدته ~~خيرا ووعدته شرا، قال الله تعالى في الخير: # وعدكم الله مغانم كثيرة # [الفتح: 20] وقال في الشر: # النار وعدها الله الذين كفروا # [الحج: 72] فإذا لم يذكر الخير والشر قلت في الخير: وعدته وفي الشر، ~~أوعدته، والفقر سوء الحال وقلة ذات اليد، وأصله من كسر الفقار، ومعنى ~~الآية: أن الشيطان يخوفكم بالفقر ويقول للرجل أمسك عليك مالك فإنك إذا ~~تصدقت به افتقرت { ويأمركم بالفحشآء } أي بالبخل ومنع ~~الزكاة، وقال الكلبي: كل الفحشاء في القرآن فهو الزنا إلا هذا { ~~والله يعدكم مغفرة منه } أي لذنوبكم { وفضلا } أي ~~رزقا وخلفا { والله وسع } غني { عليم }. # أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي، أخبرنا أبو طاهر الزيادي أخبرنا محمد بن ~~الحسين القطان أخبرنا أحمد بن يوسف السلمي، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا ~~معمر عن همام بن منبه قال: حدثنا أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله تعالى يقول: ابن آدم أنفق أنفق عليك " # وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يمين الله ملأى لا تغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما ~~أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم ينقص ما فيه يمينه (قال) وعرشه على ~~الماء وبيده الأخرى القسط يرفع ويخفض ms0307 ". # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن اسماعيل، أخبرنا عبيد الله بن سعيد ~~أخبرنا عبد الله بن نمير أخبرنا هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر # " عن أسماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: «أنفقي ولا تحصي ~~فيحصي الله عليك ولا توعي فيوعي الله عليك» ". # قوله تعالى: { يؤتى الحكمة من يشآء } قال السدي: هي النبوة، ~~وقال ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة: علم القرآن ناسخه ومنسوخه ومحكمه ~~ومتشابهه ومقدمه ومؤخره وحلاله وحرامه وأمثاله، وقال الضحاك: القرآن ~~والفهم فيه، وقال: في القرآن مائة وتسع آيات ناسخة ومنسوخة وألف آية حلال ~~وحرام، لا يسع المؤمنين تركهن حتى يتعلموهن، ولا تكونوا كأهل نهروان ~~تأولوا آيات من القرآن في أهل القبلة وإنما أنزلت في أهل الكتاب جهلوا ~~علمها فسفكوا بها الدماء وانتهبوا الأموال وشهدوا علينا بالضلالة، فعليكم ~~بعلم القرآن فإنه من علم فيم أنزل الله لم يختلف في شيء منه. # وقال مجاهد: هي القرآن والعلم والفقه، وروى ابن أبي نجيح عنه: الإصابة ~~في القول والفعل، وقال إبراهيم النخعي: معرفة معاني الأشياء وفهمها. # { ومن يؤت الحكمة } من في محل الرفع على ما لم يسم فاعله، ~~والحكمة خبره، وقرأ يعقوب - يؤت الحكمة - بكسر التاء أي من يؤته الله ~~الحكمة، دليله قراءة الأعمش، ومن يؤته الله، حكي عن الحسن { ومن يؤت ~~الحكمة } قال: الورع في دين الله { فقد أوتى خيرا كثيرا ~~وما يذكر } يتعظ { إلا أولوا الألبب } ذوو العقول. ### || [2.270-272] # قوله تعالى: { ومآ أنفقتم من نفقة } فيما فرض الله عليكم ~~{ أو نذرتم من نذر } أي: ما أوجبتموه أنتم على أنفسكم في ~~طاعة الله فوفيتم به { فإن الله يعلمه } يحفظه حتى يجازيكم ~~به، وإنما قال: يعلمه، ولم يقل يعلمها لأنه رده إلى الآخر منها كقوله ~~تعالى: # ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا # [النساء: 112]، وإن شئت حملته على «ما» كقوله: # ومآ أنزل عليكم من الكتب والحكمة يعظكم ~~به # [البقرة: 231] ولم يقل ms0308 بهما { وما للظلمين } الواضعين الصدقة ~~في غير موضعها بالرياء أو يتصدقون من الحرام { من أنصار } من أعوان ~~يدفعون عذاب الله عنهم، وهي جمع نصير، مثل شريف وأشراف. # قوله تعالى: { إن تبدوا الصدقت } أي تظهروها { فنعما ~~هى } أي نعمت الخصلة هي و «ما» في محل الرفع «وهي» في محل النصب كما ~~تقول نعم الرجل رجلا، فإذا عرفت رفعت، فقلت: نعم الرجل زيد، وأصله نعم ~~ما فوصلت، قرأ أهل المدينة غير ورش وأبو عمر وأبو بكر: فنعما بكسر النون ~~وسكون العين، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي: بفتح النون وكسر العين، وقرأ ~~ابن كثير ونافع برواية ورش ويعقوب وحفص بكسرهما، وكلها لغات صحيحة وكذلك ~~في سورة النساء. # { وإن تخفوها } تسروها { وتؤتوها الفقرآء } أي تؤتوها ~~الفقراء في السر { فهو خير لكم } وأفضل، وكل مقبول إذا كانت ~~النية صادقة، ولكن صدقة السر أفضل، وفي الحديث # " صدقة السر تطفيء غضب الرب ". # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو اسحق ~~الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن حبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم ~~عن أبي سعيد الخدري أو عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في ~~عبادة الله تعالى، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ~~ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه، ورجل ذكر الله خاليا ~~ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ~~ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ". # وقيل: الآية في صدقة التطوع، أما الزكاة المفروضة فالإظهار فيها أفضل ~~حتى يقتدي به الناس، كالصلاة المكتوبة في الجماعة أفضل، والنافلة في ~~البيت أفضل وقيل: الآية في الزكاة المفروضة كان الإخفاء فيها خيرا على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما في زماننا فالإظهار أفضل حتى لا ~~يساء به الظن. # قوله تعالى: { ويكفر عنكم من ms0309 سيئاتكم } قرأ ابن كثير ~~وأهل البصرة وأبو بكر بالنون ورفع الراء أي ونحن نكفر، وقرأ ابن عامر ~~وحفص بالياء ورفع الراء، أي ويكفر الله، وقرأ أهل المدينة وحمزة والكسائي ~~بالنون والجزم نسقا على الفاء التي في قوله «فهو خير لكم» لأن موضعها ~~جزم بالجزاء، وقوله من سيئاتكم قيل «من» صلة، تقديره نكفر عنكم سيئاتكم، ~~وقيل: هو للتحقيق والتبعيض، يعني: نكفر الصغائر من الذنوب، { والله ~~بما تعملون خبير }. # { ليس عليك هداهم } قال الكلبي سبب نزول هذه الآية أن ناسا ~~من المسلمين كانت لهم قرابة وأصهار في اليهود وكانوا ينفقون عليهم قبل أن ~~يسلموا فلما أسلموا كرهوا أن ينفقوا عليهم وأرادوهم على أن يسلموا، وقال ~~سعيد بن جبير: كانوا يتصدقون على فقراء أهل الذمة، فلما كثر فقراء ~~المسلمين، نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التصدق على المشركين كي ~~تحملهم الحاجة على الدخول في الإسلام فنزل قوله { ليس عليك ~~هداهم } فتمنعهم الصدقة ليدخلوا في الإسلام حاجة منهم إليها، { ~~ولكن الله يهدى من يشآء } وأراد به هداية التوفيق، أما ~~هدى البيان والدعوة فكان على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعطوهم بعد ~~نزول الآية. # { وما تنفقوا من خير } أي مال { فلأنفسكم } أي تعملونه ~~لأنفسكم { وما تنفقون إلا ابتغآء وجه الله } وما ~~جحد، لفظه نفي ومعناه نهي، أي لا تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله { وما ~~تنفقوا من خير } شرط كالأول ولذلك حذف النون منهما { يوف ~~إليكم } أي يوفر لكم جزاؤه، ومعناه: يؤدي إليكم، ولذلك أدخل فيه إلا ~~{ وأنتم لا تظلمون } لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئا، وهذا في ~~صدقة التطوع، أباح الله تعالى أن توضع في أهل الإسلام وأهل الذمة، فأما ~~الصدقة المفروضة فلا يجوز وضعها إلا في المسلمين وهم أهل السهمان ~~المذكورون في سورة التوبة. ### || [2.273-274] # قوله تعالى: { للفقراء الذين أحصروا فى سبيل الله } ~~اختلفوا في موضع هذه اللام: قيل هو مردودة على موضع اللام من قوله: ~~«فلأنفسكم» كأنه قال: وما تنفقوا من خير فللفقراء، وإنما تنفقون لأنفسكم، ~~وقيل: معناها الصدقات التي ms0310 سبق ذكرها، وقيل: خبره محذوف تقديره: للفقراء ~~الذين صفتهم كذا حق واجب، وهم فقراء المهاجرين، كانوا نحوا من أربعمائة ~~رجل، لم يكن لهم مساكن بالمدينة ولا عشائر، وكانوا في المسجد يتعلمون ~~القرآن ويرضخون النوى بالنهار، وكانوا يخرجون في كل سرية يبعثها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهم أصحاب الصفة، فحث الله تعالى عليهم ~~الناس فكان من عنده فضل أتاهم به إذا أمسى. # { الذين أحصروا فى سبيل الله } فيه أقاويل، قال قتادة - ~~وهو أؤلاها - حبسوا أنفسهم على الجهاد في سبيل الله { لا يستطيعون ~~ضربا فى الأرض } لا يتفرغون للتجارة وطلب المعاش وهم أهل الصفة ~~التي ذكرناهم، وقيل: حبسوا أنفسهم على طاعة الله، وقيل: معناه حبسهم ~~الفقر والعدم عن الجهاد في سبيل الله، وقال سعيد بن جبير: قوم أصابتهم ~~جراحات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجهاد في سبيل الله فصاروا ~~زمنى، أحصرهم المرض والزمانة عن الضرب في سبيل الله للجهاد، وقال ابن ~~زيد: معناه: من كثرة ما جاهدوا صارت الأرض كلها حربا عليهم فلا يستطيعون ~~ضربا في الأرض من كثرة أعدائهم، { يحسبهم } قرأ أبو جعفر وابن ~~عامر وعاصم وحمزة يحسبهم وبابه بفتح السين وقرأ الآخرون بالكسر { ~~الجاهل } بحالهم { أغنيآء من التعفف } أي من تعففهم عن ~~السؤال وقناعتهم يظن من لا يعرف حالهم أنهم أغنياء، والتعفف التفعل ~~من العفة وهي الترك يقال: عف عن الشيء إذا كف عنه وتعفف إذا تكلف في ~~الإمساك. # { تعرفهم بسيمهم } السيماء والسيمياء والسمة: العلامة التي ~~يعرف بها الشيء، واختلفوا في معناها ههنا، فقال مجاهد: هي التخشع ~~والتواضع، وقال السدي: أثر الجهد من الحاجة والفقر، وقال الضحاك: صفرة ~~ألوانهم من الجوع والضر وقيل رثاثة ثيابهم، { لا يسألون الناس ~~إلحافا } قال عطاء: إذا كان عندهم غداء لا يسألون عشاء، وإذا كان ~~عندهم عشاء لا يسألون غداء، وقيل: معناه لا يسألون الناس إلحافا أصلا ~~لأنه قال: من التعفف، والتعفف ترك السؤال، ولأنه قال: تعرفهم بسيماهم، ~~ولو كانت المسألة من شأنهم لما كانت إلى معرفتهم بالعلامة من حاجة، ms0311 فمعنى ~~الآية، ليس لهم سؤال فيقع فيه إلحاف، والإلحاف: الإلحاح واللجاج. # أخبرنا أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، أخبرنا أبو سعيد محمد ~~بن إبراهيم بن الإسماعيلي، أخبرنا محمد بن يعقوب، أخبرنا محمد بن عبد ~~الله بن عبد الحكم أخبرنا أنس بن عياض عن هشام بن عروة عن أبيه عن الزبير ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لأن يأخذ أحدكم حبله فيذهب فيأتي بحزمة حطب على ظهره فيكف الله بها ~~وجهه خير له من أن يسأل الناس أشياءهم أعطوه أو منعوه ". # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحق ~~الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ليس المسكين بهذا الطواف الذي يطوف على الناس، ترده اللقمة ~~واللقمتان والتمرة والتمرتان» قالوا: فمن المسكين يا رسول الله؟ قال: ~~«الذي لا يجد غنى فيغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس ~~". # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من سأل وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا ". # أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، أخبرنا جدي أبو سهل عبد ~~الصمد بن عبد الرحمن البزاز، أخبرنا محمد بن زكريا بن عدافر، أخبرنا ~~إسحاق بن إبراهيم بن عباد الدبري، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن ~~هارون بن رياب عن كنانة العدوي # " عن قبيصة بن مخارق قال: إني تحملت بحمالة في قومي فأتيت النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إني تحملت بحمالة في قومي وأتيتك ~~لتعينني فيها قال: «بل نتحملها عنك يا قبيصة ونؤديها إليهم من الصدقة» ثم ~~قال«يا قبيصة إن المسألة حرمت إلا في إحدى ثلاث: في رجل أصابته جائحة ~~فاجتاحت ماله فيسأل حتى يصيب قواما من عيشه ثم يمسك، وفي رجل أصابته ~~حاجة حتى يشهد له ثلاثة نفر من ذوي الحجا من قومه وأن المسألة قد حلت له ~~فيسأل حتى يصيب القوام ms0312 من العيش ثم يمسك، وفي رجل تحمل بحمالة فيسأل حتى ~~إذا بلغ أمسك، وما كان غير ذلك فإنه سحت يأكله صاحبه سحتا» ". # أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي، أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن ~~محمد الجراحي، أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي، أخبرنا أبو عيسى ~~محمد بن عيسى الترمذي، أخبرنا قتيبة، أخبرنا شريك عن حكيم بن جبير عن ~~محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش أو ~~خدوش أو كدوح» قيل يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: «خمسون درهما أو قيمتها ~~من ذهب ". # قوله تعالى: { وما تنفقوا من خير } من مال { فإن ~~الله به عليم } وعليه مجاز { الذين ينفقون أموالهم ~~بالليل والنهار سرا وعلانية } روي عن مجاهد عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما قال: نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه كانت عنده أربعة دراهم لا يملك غيرها فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم ~~نهارا وبدرهم سرا وبدرهم علانية. # وعن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهم قال لما نزلت { للفقراء ~~الذين أحصروا فى سبيل الله } بعث عبد الرحمن بن عوف ~~بدنانير كثيرة إلى أصحاب الصفة، وبعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه في ~~جوف الليل بوسق من تمر فأنزل الله تعالى فيهما { الذين ينفقون ~~أموالهم بالليل والنهار } الآية عنى بالنهار علانية: صدقة ~~عبد الرحمن بن عوف، وبالليل سرا: صدقة علي رضي الله عنه، وقال أبو ~~أمامة وأبو الدرداء ومكحول والأوزاعي: نزلت في الذين يرتبطون الخيل ~~للجهاد فإنها تعلف ليلا ونهارا سرا وعلانية. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا علي بن حفص، أخبرنا ~~ابن المبارك، أخبرنا طلحة بن أبي سعيد قال: سمعت سعيدا المقبري يحدث أنه ~~سمع أبا هريرة رضي الله ms0313 عنه يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " من احتبس فرسا في سبيل الله إيمانا بالله وتصديقا بوعده فإن شبعه ~~وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة ". # وقوله تعالى: { فلهم أجرهم عند ربهم } قال الأخفش: جعل ~~الخبر بالفاء، لأن «الذين» بمعنى «من» وجواب من بالفاء بالجزاء، ومعنى ~~الآية: من أنفق كذا فله أجره عند ربه { ولا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون }. ### || [2.275-276] # قوله تعالى: { الذين يأكلون الربا } أي يعاملون به، وإنما ~~خص الأكل لأنه معظم المقصود من المال { لا يقومون } يعني يوم ~~القيامة من قبورهم { إلا كما يقوم الذى يتخبطه } أي ~~يصرعه { الشيطن } أصل الخبط الضرب والوطء، وهو ضرب على غير استواء ~~يقال: ناقة خبوط للتي تطأ الناس وتضرب الأرض بقوائمها { من المس } ~~أي الجنون يقال: مس الرجل فهو ممسوس إذا كان مجنونا، ومعناه: أن آكل ~~الربا يبعث يوم القيامة وهو كمثل المصروع. # أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم السرخسي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، ~~أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف، أخبرنا عبد الله ~~بن يحيى، أخبرنا يعقوب بن سفيان أخبرنا إسماعيل بن سالم، أخبرنا عباد بن ~~عباد عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه # " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة الإسراء قال: «فانطلق بي ~~جبريل عليه السلام إلى رجال كثير كل رجل منهم بطنه مثل البيت الضخم ~~منضدين على سابلة آل فرعون - وآل فرعون يعرضون على النار غدوا وعشيا - ~~قال: فيقبلون مثل الإبل المنهومة يخبطون الحجارة والشجر لا يسمعون ولا ~~يعقلون، فإذا أحس بهم أصحاب تلك البطون قاموا، فتميل بهم بطونهم فيصرعون، ~~ثم يقوم أحدهم فيميل به بطنه فيصرع، فلا يستطيعون أن يبرحوا حتى يغشاهم ~~آل فرعون فيردوهم مقبلين ومدبرين، فذلك عذابهم في البرزخ بين الدنيا ~~والآخرة (قال) وآل فرعون يقولون: اللهم لا تقم الساعة أبدا، (قال) ويوم ~~القيامة يقال: { أدخلوا آل فرعون أشد العذاب } ~~[غافر:46] قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون الربا لا ~~يقومون ms0314 إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس» ". # قوله تعالى: { ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل ~~الربوا } ، أي ذلك الذي نزل بهم لقولهم هذا واستحلالهم إياه، وذلك ~~أن أهل الجاهلية كان أحدهم إذا حل ماله على غريمه فطالبه به فيقول ~~الغريم لصاحب الحق: زدني في الأجل حتى أزيدك في المال، فيفعلان ذلك، ~~ويقولون: سواء علينا الزيادة في أول البيع بالربح أو عند المحل لأجل ~~التأخير فكذبهم الله تعالى وقال: { وأحل الله البيع ~~وحرم الربوا } واعلم أن الربا في اللغة الزيادة قال الله ~~تعالى: { ومآ ءاتيتم من ربا ليربوا فى أموال ~~الناس } أي ليكثر # فلا يربوا عند الله # [الروم: 39] وطلب الزيادة بطريق التجارة غير حرام في الجملة، إنما ~~المحرم زيادة على صفة مخصوصة في مال مخصوص بينه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فيما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن ~~أحمد الخلال، أخبرنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، ~~أخبرنا عبد الوهاب عن أيوب بن أبي تميمة عن محمد بن سيرين عن مسلم بن ~~يسار ورجل آخر عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق، ولا البر بالبر، ولا ~~الشعير بالشعير ولا التمر بالتمر ولا الملح بالملح إلا سواء بسواء، عينا ~~بعين، يدا بيد، ولكن بيعوا الذهب بالورق، والورق بالذهب، والبر بالشعير، ~~والشعير بالبر، والتمر بالملح، والملح بالتمر يدا بيد كيف شئتم - ونقص ~~أحدهما الملح أو التمر وزاد أحدهما: من زاد وازداد فقد أربى ". # روي هذا الحديث من طرق عن محمد بن سيرين عن مسلم بن يسار وعبد الله بن ~~عتيك عن عبادة فالنبي صلى الله عليه وسلم نص على ستة أشياء. # وذهب عامة أهل العلم إلى أن حكم الربا يثبت في هذه الأشياء الست ~~بالأوصاف فيها فيتعدى إلى كل مال توجد فيه تلك الأوصاف، ثم اختلفوا في ~~تلك الأوصاف، فذهب قوم: إلى أن المعنى في جميعها واحد وهو النفع وأثبتوا ~~الربا ms0315 في جميع الأموال، وذهب الأكثرون إلى أن الربا يثبت في الدراهم ~~والدنانير بوصف وفي الأشياء المطعومة بوصف آخر، واختلفوا في ذلك الوصف ~~فقال قوم: ثبت في الدراهم والدنانير بوصف، النقدية، وهو قول مالك ~~والشافعي، وقال قوم: ثبت بعلة الوزن وهو قول أصحاب الرأي وأثبتوا الربا ~~في جميع الموزونات مثل الحديد والنحاس والقطن ونحوها. # وأما الأشياء الأربعة فذهب قوم إلى أن الربا ثبت فيها بعلة الكيل وهو ~~قول أصحاب الرأي، وأثبتوا الربا في جميع المكيلات مطعوما كان أو غير ~~مطعوم كالجص والنورة ونحوهما، وذهب جماعة إلى أن العلة فيها الطعم مع ~~الكيل والوزن، فكل مطعوم وهو مكيل أو موزون يثبت فيه الربا، ولا يثبت ~~فيما ليس بمكيل ولا موزون، وهو قول سعيد بن المسيب، وقاله الشافعي رحمه ~~الله في القديم، وقال في الجديد: يثبت فيها الربا بوصف الطعم، وأثبت ~~الربا في جميع الأشياء المطعومة من الثمار والفواكه والبقول والأدوية ~~مكيلة كانت أو موزونة لما روي عن معمر بن عبد الله قال: كنت أسمع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " الطعام بالطعام مثلا بمثل ". # فجملة مال الربا عند الشافعي ما كان ثمنا أو مطعوما، والربا نوعان: ~~ربا الفضل وربا النساء، فإذا باع مال الربا بجنسه مثلا بمثل بأن باع ~~أحد النقدين بجنسه أو باع مطعوما بجنسه كالحنطة بالحنطة ونحوها يثبت فيه ~~كلا نوعي الربا حتى لا يجوز إلا متساويين في معيار الشرع، فإن كان ~~موزونا كالدراهم والدنانير فيشترط المساواة في الوزن، وإن كان مكيلا ~~كالحنطة والشعير بيع بجنسه، فيشترط المساواة في الكيل ويشترط التقابض في ~~مجلس العقد، وإذا باع مال الربا بغير جنسه نظر: إن باع بما لا يوافقه في ~~وصف الربا مثل أن باع مطعوما بأحد النقدين فلا ربا فيه، كما لو باع بغير ~~مال الربا، وإن باعه بما يوافقه في الوصف مثل أن باع الدراهم بالدنانير ~~أو باع الحنطة بالشعير أو باع مطعوما بمطعوم آخر من غير جنسه فلا يثبت ~~فيه ربا الفضل حتى يجوز متفاضلا أو جزافا ويثبت ms0316 فيه ربا النساء حتى ~~يشترط التقابض في المجلس، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا تبيعوا الذهب بالذهب - إلى أن قال - إلا سواء بسواء " # فيه إيجاب المماثلة وتحريم الفضل عند اتفاق الجنس، وقوله: «عينا ~~بعين»فيه تحريم النساء، وقوله«يدا بيد كيف شئتم» فيه إطلاق التفاضل عند ~~اختلاف الجنس مع إيجاب التقابض في المجلس، هذا في ربا المبايعة. # ومن أقرض شيئا بشرط أن يرد عليه أفضل فهو قرض جر منفعة وكل قرض جر ~~منفعة فهو ربا. # قوله تعالى: { فمن جآءه موعظة من ربه } تذكير وتخويف، ~~وإنما ذكر الفعل ردا إلى الوعظ { فانتهى } عن أكل الربا { فله ~~ما سلف } أي ما مضى من ذنبه قبل النهي مغفور له { وأمره إلى ~~الله } بعد النهي إن شاء عصمه حيث يثبت على الانتهاء، وإن شاء خذله ~~حتى يعود، وقيل: { وأمره إلى الله } فيما يأمره وينهاه ويحل له ~~ويحرم عليه وليس إليه من أمر نفسه شيء { ومن عاد } بعد التحريم إلى ~~أكل الربا مستحلا له { فأولئك أصحب النار هم فيها ~~خلدون }. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمد بن المثنى ~~حدثني غندر، أخبرنا شعبة عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه أنه قال: إن النبي ~~صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الدم وثمن الكلب وكسب البغي، ولعن آكل ~~الربا وموكله والواشمة والمستوشمة والمصور. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني، أخبرنا عبد الغافر بن محمد ~~الفارسي، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، ~~أخبرنا مسلم بن الحجاج، أخبرنا زهير بن حرب، أخبرنا هشيم، أخبرنا أبو ~~الزبير عن جابر رضي الله عنه قال: # " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه، ~~وقال: «هم سواء» ". # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أنا أبو محمد ~~المخلدي أنا أبو حامد بن الشرقي أخبرنا أحمد بن يوسف السلمي، أخبرنا ~~النضر بن محمد، أخبرنا عكرمة بن عمار، أخبرنا ms0317 يحيى هو ابن أبي كثير قال: ~~حدثني أبو سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " الربا سبعون بابا أهونها عند الله عز وجل كالذي ينكح أمه ". # قوله تعالى: { يمحق الله الربا } أي ينقصه ويهلكه ويذهب ~~ببركته، وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما { يمحق الله ~~الربا } يعني لا يقبل منه صدقة ولا جهادا ولا حجا ولا صلة { ~~ويربى الصدقت } أي يثمرها ويبارك فيها في الدنيا، ويضاعف بها ~~الأجر والثواب في العقبى { والله لا يحب كل كفار } ~~بتحريم الربا { أثيم } فاجر بأكله. ### || [2.277-281] # { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ~~ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون }. # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وذروا ما بقي من الربا } قال عطاء وعكرمة نزلت في العباس بن ~~عبد المطلب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما وكانا قد أسلفا في التمر فلما ~~حضر الجذاذ قال لهما صاحب التمر: إن أنتما أخذتما حقكما لا يبقى لي ما ~~يكفي عيالي فهل لكما أن تأخذا النصف وتؤخرا النصف وأضعف لكما؟ ففعلا، ~~فلما حل الأجل طلبا الزيادة، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فنهاهما فأنزل الله تعالى هذه الآية فسمعا وأطاعا وأخذا رؤوس أموالهما. # وقال السدي: نزلت في العباس وخالد بن الوليد وكانا شريكين في الجاهلية ~~يسلفان في الربا إلى بني عمرو بن عمير، ناس من ثقيف، فجاء الإسلام ولهما ~~أموال عظيمة في الربا فأنزل تعالى هذه الآية فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم في حجة الوداع في خطبته يوم عرفة: # " ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة ~~وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعا في بني ~~سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوعة كلها، وأول ربا أضع ربا العباس بن ~~عبد المطلب فإنها موضوعة كلها ". # وقال مقاتل: نزلت في أربعة إخوة من ثقيف، مسعود وعبد ياليل وحبيب وربيعة ~~وهم بنو ms0318 عمرو بن عمير بن عوف الثقفي، كانوا يداينون بني المغيرة بن عبد ~~الله بن عميرة بن مخزوم وكانوا يربون فلما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم ~~على الطائف أسلم هؤلاء الإخوة فطلبوا رباهم من بني المغيرة، فقال بنو ~~المغيرة: والله ما نعطي الربا في الإسلام وقد وضعه الله تعالى عن ~~المؤمنين، فاختصموا إلى عتاب بن أسيد وكان عامل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على مكة فكتب عتاب بن أسيد إلى النبي صلى الله عليه وسلم بقصة ~~الفريقين وكان ذلك مالا عظيما فأنزل الله تعالى: { يأيها ~~الذين ءامنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من ~~الربوا }. # { إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا } أي إذا لم تذروا ~~ما بقي من الربا { فأذنوا بحرب من الله ورسوله } قرأ ~~حمزة وعاصم برواية أبي بكر فآذنوا بالمد على وزن آمنوا، أي فأعلموا غيركم ~~أنكم حرب لله ورسوله، وأصله من الأذن أي وقعوا في الآذان، وقرأ الآخرون ~~فأذنوا مقصورا بفتح الذال أي فاعلموا أنتم وأيقنوا بحرب من الله ورسوله، ~~وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما: يقال لآكل الربا يوم ~~القيامة: خذ سلاحك للحرب، قال أهل المعاني: حرب الله: النار وحرب رسول ~~الله: السيف. # { وإن تبتم } إن تركتم استحلال الربا ورجعتم عنه { فلكم ~~رءوس أمولكم لا تظلمون } بطلب الزيادة { ولا ~~تظلمون } بالنقصان عن رأس المال فلما نزلت الآية قال بنو عمرو ~~الثقفي ومن كان يعامل بالربا من غيرهم: بل نتوت إلى الله، فإنه لا ~~يدان لنا بحرب الله ورسوله، فرضوا برأس المال، فشكا بنو المغيرة ~~العسرة وقالوا: أخرونا إلى أن تدرك الغلات فأبوا أن يؤخروا فأنزل الله ~~تعالى { وإن كان ذو عسرة } يعني وإن كان الذي عليه الدين معسرا، ~~رفع الكلام باسم كان ولم يأت لها بخبر وذلك جائز في النكرة، تقول، إن كان ~~رجل صالح فأكرمه، وقيل «كان» بمعنى وقع، وحينئذ لا يحتاج إلى خبر، قرأ ~~أبو جعفر عسرة بضم السين، { فنظرة } أمر في صيغة الخبر تقديره فعليه ~~نظرة { إلى ميسرة } قرأ ms0319 نافع ميسرة بضم السين وقرأ الآخرون ~~بفتحها وقرأ مجاهد ميسرة بضم السين مضافا ومعناها اليسار والسعة { ~~وأن تصدقوا } أي تتركوا رؤوس أموالكم إلى المعسر { خير ~~لكم إن كنتم تعلمون } قرأ عاصم تصدقوا بتخفيف الصاد ~~والآخرون بتشديدها. # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو الطيب سهل بن ~~محمد بن سليمان، أخبرنا أبو العباس إسماعيل بن عبد الله الميكالي، أخبرنا ~~عبد الله بن أحمد بن موسى بن عبدان الحافظ، أخبرنا أبو طاهر أحمد بن عمرو ~~بن السرح، أخبرنا ابن وهب عن جرير بن حازم عن أيوب عن يحيى ابن أبي كثير ~~عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أنه كان يطلب رجلا بحق فاختبأ منه ~~فقال: ما حملك على ذلك قال: العسرة، فاستحلفه على ذلك فحلف فدعا بصكه ~~فأعطاه إياه وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " من أنظر معسرا أو وضع عنه أنجاه الله من كرب يوم القيامة ". # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد سمعان أخبرنا ~~أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، ~~أخبرنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل عن منصور عن ربعي عن أبي مسعود ~~رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الملائكة لتلقت روح رجل كان قبلكم فقالوا هل عملت خيرا قط؟ ~~قال: لا، قالوا: تذكر، قال: لا، إلا أني رجل كنت أداين الناس فكنت آمر ~~فتياني أن ينظروا الموسر ويتجاوزوا عن المعسر، قال الله تبارك وتعالى ~~«تجاوزوا عنه» ". # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني أخبرنا ~~أبو جعفر الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أخبرنا أحمد بن عبد الله، ~~أخبرنا زائدة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي عن أبي اليسر قال: سمعت النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقول: # " من أنظر معسرا أو وضع عنه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ". # فصل في الدين وحسن قضائه وتشديد أمره # أخبرنا عبد الواحد المليحي، ms0320 أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~أحمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن اسماعيل أخبرنا أبو الوليد، أخبرنا شعبة، ~~أخبرنا سلمة بن كهيل قال: سمعت أبا سلمة بمنى يحدث عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه # " أن رجلا تقاضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأغلظ له فهم به ~~أصحابه فقال: «دعوه فإن لصاحب الحق مقالا، واشتروا له بعيرا فأعطوه ~~إياه»، قالوا: لا نجد إلا أفضل من سنه، قال: «اشتروه فأعطوه إياه، فإن ~~خيركم أحسنكم قضاء» ". # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد السرخسي، أخبرنا أبو ~~إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي ~~هريرة رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " مطل الغني ظلم وإذا أتبع أحدكم على ملىء فليتبع ". # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، ~~أخبرنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا إبراهيم ~~بن سعيد بن إبراهيم عن أبيه عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه ". # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد السرخسي، أخبرنا أبو ~~إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن أبي ~~سعيد المقبري عن عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري عن أبيه أنه قال: # " جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت ~~إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا، مقبلا غير مدبر، يكفر الله ~~عني خطاياي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم» فلما أدبر ناداه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أمر به فنودي، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «كيف قلت؟» فأعاد عليه قوله، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «نعم إلا الدين كذلك قال جبريل» ". # قوله تعالى: { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله } قرأ ~~أهل ms0321 البصرة بفتح التاء أي تصيرون إلى الله، وقرأ الآخرون بضم التاء وفتح ~~الجيم، أي: تردون إلى الله تعالى، { ثم توفى كل نفس ما ~~كسبت وهم لا يظلمون } قال ابن عباس رضي الله عنهما: هذه آخر ~~آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له جبريل عليه السلام ~~ضعها على رأس مائتين وثمانين آية من سورة البقرة وعاش بعدها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم واحدا وعشرين يوما، وقال ابن جريج: تسع ليال، وقال ~~سعيد بن جبير: سبع ليال، ومات يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع ~~الأول حين زاغت الشمس سنة إحدى عشرة من الهجرة. # قال الشعبي عن ابن عباس رضي الله عنهما: آخر آية نزلت على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم آية الربا. ### || [2.282-283] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم ~~بدين إلى أجل مسمى } قال ابن عباس رضي الله عنهما لما حرم ~~الله الربا أباح السلم وقال: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد ~~أحله الله تعالى في كتابه وأذن فيه ثم قال { يا أيها الذين آمنوا إذا ~~تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه }. # قوله: { إذا تداينتم } أي تعاملتم بالدين، يقال: داينته إذا ~~عاملته بالدين وإنما قال { بدين } بعد قوله: تداينتم لأن المداينة قد ~~تكون مجازاة وتكون معاطاة فقيده بالدين ليعرف المراد من اللفظ، وقيل: ~~ذكره تأكيدا لقوله تعالى: # ولا طائر يطير بجناحيه # [الأنعام: 38] { إلى أجل مسمى } الأجل مدة معلومة الأول ~~والآخر، والأجل يلزم في الثمن والبيع وفي السلم حتى لا يكون لصاحب الحق ~~الطلب قبل محله، وفي القرض لا يلزم الأجل عند أكثر أهل العلم { ~~فاكتبوه } أي اكتبوا الذي تداينتم به، بيعا كان أو سلما أو قرضا. # واختلفوا في هذه الكتابة: فقال بعضهم: هي واجبة، والأكثرون على أنه أمر ~~استحباب فإن ترك فلا بأس كقوله تعالى: # فإذا قضيت الصلوة فانتشروا فى الأرض # [الجمعة: 10] وقال بعضهم كانت كتابة الدين والإشهاد والرهن فرضا ثم ~~نسخ الكل بقوله: «فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي ائتمن أمانته» ms0322 وهو ~~قول الشعبي ثم بين كيفية الكتابة فقال جل ذكره { وليكتب ~~بينكم } أي ليكتب كتاب الدين بين الطالب والمطلوب { كاتب ~~بالعدل } أي بالحق من غير زيادة ولا نقصان ولا تقديم أجل ولا تأخير ~~{ ولا يأب } أي لا يمتنع { كاتب أن يكتب } واختلفوا في وجوب ~~الكتابة على الكاتب وتحمل الشهادة على الشاهد، فذهب قوم إلى وجوبها إذا ~~طولب وهو قول مجاهد، وقال الحسن تجب إذا لم يكن كاتب غيره، وقال قوم هو ~~على الندب والاستحباب، وقال الضحاك كانت عزيمة واجبة على الكاتب والشاهد ~~فنسخها قوله تعالى «ولا يضار كاتب ولا شهيد» { كما علمه ~~الله } أي كما شرعه الله وأمره { فليكتب وليملل الذى ~~عليه الحق } يعني المطلوب يقر على نفسه بلسانه ليعلم ما عليه، ~~والإملال والإملاء لغتان فصيحتان معناهما واحد، جاء بهما القرآن، ~~فالإملال ههنا، والإملاء قوله تعالى: # فهى تملى عليه بكرة وأصيلا # [الفرقان: 5] { وليتق الله ربه } يعني الممل { ولا ~~يبخس منه شيئا } أي ولا ينقص منه، أي من الحق الذي عليه شيئا. # { فإن كان الذى عليه الحق سفيها } أي جاهلا ~~بالإملاء، قاله مجاهد، وقال الضحاك والسدي: طفلا صغيرا، وقال الشافعي ~~رحمه الله، السفيه: المبذر المفسد لماله أو في دينه. # قوله: { أو ضعيفا } أي شيخا كبيرا وقيل هو ضعيف العقل لعته ~~أو جنون { أو لا يستطيع أن يمل هو } لخرس أو عي أو عجمة ~~أو حبس أو غيبة لا يمكنه حضور الكاتب أو جهل بما له وعليه { ~~فليملل وليه } أي قيمه { بالعدل } أي بالصدق والحق، ~~وقال ابن عباس رضي الله عنه ومقاتل: أراد بالولي صاحب الحق، يعني إن عجز ~~من عليه الحق من الإملال فيملل ولي الحق وصاحب الدين بالعدل لأنه أعلم ~~بحقه، { واستشهدوا } أي وأشهدوا { شهيدين } أي شاهدين { من ~~رجالكم } يعني الأحرار المسلمين، دون العبيد والصبيان والكفار، وهو ~~قول أكثر أهل العلم، وأجاز شريح وابن سيرين شهادة العبيد { فإن لم ~~يكونا رجلين } أي لم يكن الشاهدان رجلين { فرجل ~~وامرأتان } أي فليشهد رجل وامرأتان. # وأجمع الفقهاء على أن شهادة النساء جائزة مع ms0323 الرجال في الأموال حتى تثبت ~~برجل وامرأتين واختلفوا في غير الأموال فذهب جماعة إلى أنه تجوز شهادتهن ~~مع الرجال في غير العقوبات، وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي، وذهب ~~جماعة إلى أن غير المال لا يثبت إلا برجلين عدلين وذهب الشافعي رحمه الله ~~إلى أن ما يطلع عليه النساء غالبا كالولادة والرضاع والثيوبة والبكارة ~~ونحوها يثبت بشهادة رجل وامرأتين، وشهادة أربع نسوة، واتفقوا على أن ~~شهادة النساء غير جائزة في العقوبات. # قوله تعالى: { ممن ترضون من الشهدآء } يعني من كان ~~مرضيا في ديانته وأمانته، وشرائط قبول الشهادة سبعة: الإسلام والحرية ~~والعقل والبلوغ والعدالة والمروءة وانتفاء التهمة، فشهادة الكافر مردودة ~~لأن المعروفين بالكذب على الناس لا تجوز شهادتهم، فالذي يكذب على الله ~~تعالى أولى أن يكون مردود الشهادة، وجوز أصحاب الرأي شهادة أهل الذمة ~~بعضهم على بعض، ولا تقبل شهادة العبيد، وأجازها شريح وابن سيرين وهو قول ~~أنس بن مالك رضي الله عنه، ولا قول للمجنون حتى يكون له شهادة، ولا تجوز ~~شهادة الصبيان سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن ذلك فقال: لا تجوز، لأن ~~الله تعالى يقول: { ممن ترضون من الشهداء } والعدالة شرط، وهي أن يكون ~~الشاهد مجتنبا للكبائر غير مصر على الصغائر، والمروءة شرط، وهي ما يتصل ~~بآداب النفس مما يعلم أن تاركه قليل الحياء، وهي حسن الهيئة والسيرة ~~والعشرة والصناعة، فإن كان الرجل يظهر من نفسه في شيء منها يستحي أمثاله ~~من إظهاره في الأغلب يعلم به قلة مروءته وترد شهادته، وانتفاء التهمة شرط ~~حتى لا تقبل شهادة العدو على العدو وإن كان مقبول الشهادة على غيره، لأنه ~~متهم في حق عدوه، ولا تقبل شهادة الرجل لولده ووالده وإن كان مقبول ~~الشهادة عليهما، ولا تقبل شهادة من يجر بشهادته إلى نفسه نفعا، كالوارث ~~يشهد على رجل بقتل مورثه، أو يدفع عن نفسه بشهادته ضررا كالمشهود عليه ~~يشهد بجرح من يشهد عليه لتمكن التهمة في شهادته. # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الحسن المروزي، أخبرنا أبو العباس أحمد ms0324 بن ~~محمد بن سراج الطحان أخبرنا أبو أحمد محمد بن قريش بن سليمان، أخبرنا علي ~~بن عبد العزيز المكي، أخبرنا أبو عبيد القاسم ابن سلام أخبرنا مروان ~~الفزاري عن شيخ من أهل الحيرة يقال له يزيد بن زياد عن الزهري عن عروة عن ~~عائشة رضي الله عنها ترفعه: # " لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي غمر على أخيه ولا ظنين في ~~ولاء ولا قرابة ولا القانع مع أهل البيت ". # قوله تعالى: { أن تضل إحداهما } قرأ حمزة إن تضل بكسر الألف ~~{ فتذكر } برفع الراء، ومعناه الجزاء والابتداء، وموضع تضل جزم ~~بالجزاء إلا أنه لا يتبين في التضعيف «فتذكر» رفع لأن ما بعد فاء الجزاء ~~مبتدأ، وقراءة العامة بفتح الألف ونصب الراء على الاتصال بالكلام الأول، ~~وتضل محله نصب بأن فتذكر منسوق عليه، ومعنى الآية: فرجل وامرأتان كي تذكر ~~{ إحداهما الأخرى } ومعنى «تضل» أي تنسى، يريد إذا نسيت إحداهما ~~شهادتها، تذكرها الأخرى فتقول ألسنا حضرنا مجلس كذا وسمعنا كذا؟ قرأ ابن ~~كثير وأهل البصرة: فتذكر مخففا، وقرأ الباقون مشددا، وذكر واذكر بمعنى ~~واحد، وهما متعديان من الذكر الذي هو ضد النسيان، وحكي عن سفيان بن ~~عيينة أنه قال: هو من الذكر أي تجعل إحداهما الأخرى ذكرا أي تصير ~~شهادتهما كشهادة ذكر، والأول أصح لأنه معطوف على النسيان. # قوله تعالى: { ولا يأب الشهدآء إذا ما دعوا } قيل أراد ~~به إذا ما دعوا لتحمل الشهادة، سماهم شهداء على معنى أنهم يكونون شهداء ~~وهو أمر إيجاب عند بعضهم، وقال قوم: تجب الإجابة إذا لم يكن غيره فإن ~~وجد غيره فهو مخير وهو قول الحسن، وقال قوم: هو أمر ندب وهو مخير في جميع ~~الأحوال، وقال بعضهم، هذا في إقامة الشهادة وأدائها فمعنى الآية «ولا يأب ~~الشهداء إذا ما دعوا» لأداء الشهادة التي تحملوها، وهو قول مجاهد وعطاء ~~وعكرمة وسعيد بن جبير، وقال الشعبي: الشاهد بالخيار ما لم يشهد، وقال ~~الحسن: الآية في الأمرين جميعا في التحمل والإقامة إذا كان فازعا. # { ولا تسأموا } أي ولا ms0325 تملوا { أن تكتبوه } والهاء راجعة ~~إلى الحق { صغيرا } كان الحق { أو كبيرا } قليلا كان أو كثيرا ~~{ إلى أجله } إلى محل الحق { ذلكم } أي الكتاب { ~~أقسط } أعدل { عند الله } لأنه أمر به، واتباع أمره أعدل من ~~تركه { وأقوم للشهدة } لأن الكتابة تذكر الشهود { ~~وأدنى } وأحرى وأقرب إلى { ألا ترتابوا } تشكوا في ~~الشهادة { إلا أن تكون تجرة حاضرة } قرأها عاصم بالنصب ~~على خبر كان وأضمر الاسم، مجازه: إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة أو ~~المبايعة تجارة، وقرأ الباقون بالرفع، وله وجهان: # أحدهما: أن تجعل الكون بمعنى الوقوع معناه إلا أن تقع تجارة. # والثاني: أن تجعل الاسم في التجارة والخبر في الفعل وهو قوله { ~~تديرونها بينكم } تقديره إلا أن تكون تجارة حاضرة دائرة بينكم، ~~ومعنى الآية إلا أن تكون تجارة حاضرة يدا بيد تديرونها بينكم ليس فيها ~~أجل { فليس عليكم جناح ألا تكتبوها } يعني التجارة { ~~وأشهدوا إذا تبايعتم } قال الضحاك: هو عزم من الله ~~تعالى، والإشهاد واجب في صغير الحق وكبيره ونقدا أو نسيئا، وقال أبو ~~سعيد الخدري رضي الله عنه: الأمر فيه إلى الأمانة كقوله تعالى: { فإن ~~أمن بعضكم بعضا } الآية، وقال الآخرون هو أمر ندب. # قوله تعالى: { ولا يضآر كاتب ولا شهيد } هذا نهي للغائب، ~~وأصله يضارر، فأدغمت إحدى الرائين في الأخرى ونصبت لحق التضعيف لاجتماع ~~الساكنين، واختلفوا فيه فمنهم من قال: أصله يضارر بكسر الراء الأولى، ~~وجعل الفعل للكاتب والشهيد، معناه ولا يضار الكاتب فيأبى أن يكتب ولا ~~الشهيد فيأبى أن يشهد، ولا يضار الكاتب فيزيد أو ينقص أو يحرف ما أملي ~~عليه ولا الشهيد فيشهد بما لم يستشهد عليه، وهذا قول طاووس والحسن ~~وقتادة، وقال قوم: أصله يضارر بفتح الراء على الفعل المجهول وجعلوا ~~الكاتب والشهيد مفعولين ومعناه أن يدعو الرجل الكاتب أو الشاهد وهما على ~~شغل مهم، فيقولان: نحن على شغل مهم فاطلب غيرنا فيقول الداعي إن الله ~~أمركما أن تجيبا ويلح عليهما فيشغلهما عن حاجتهما فنهى عن ذلك وأمر بطلب ~~غيرهما { وإن تفعلوا } ما نهيتكم عنه من ms0326 الضرر { فإنه ~~فسوق بكم }: أي معصية وخروج عن الأمر { واتقوا الله ~~ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم * وإن ~~كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة } ~~قرأ ابن كثير وأبو عمرو فرهن بضم الهاء والراء، وقرأ الباقون فرهان، ~~وهو جمع رهن مثل بغل وبغال وجبل وجبال، والرهن جمع الرهان جمع الجمع، ~~قاله الفراء والكسائي، وقال أبو عبيد وغيره: هو جمع الرهن أيضا مثل: سقف ~~وسقف وقال أبو عمرو وإنما قرأنا فرهن ليكون فرقا بينهما وبين رهان ~~الخيل، وقرأ عكرمة فرهن بضم الراء وسكون الهاء، والتخفيف والتثقيل في ~~الرهن لغتان مثل كتب وكتب ورسل ورسل ومعنى الآية: وإن كنتم على ~~سفر ولم تجدوا آلات الكتابة فارتهنوا ممن تداينونه رهونا لتكون وثيقة ~~لكم بأموالكم، واتفقوا على أن الرهن لا يتم إلا بالقبض، وقوله «فرهان ~~مقبوضة» أي ارتهنوا واقبضوا حتى لو رهن ولم يسلم فلا يجبر الراهن على ~~التسليم فإذا سلم لزم من جهة الراهن حتى لا يجوز له أن يسترجعه ما دام ~~شيء من الحق باقيا، ويجوز في الحضر الرهن مع وجود الكاتب، وقال مجاهد: ~~لا يجوز الرهن إلا في السفر عند عدم الكاتب لظاهر الآية، وعند الآخرين ~~خرج الكلام في الآية على الأعم الأغلب لا على سبيل الشرط. # والدليل عليه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رهن درعه عند أبي ~~الشحم اليهودي ولم يكن ذلك في السفر ولا عند عدم كاتب { فإن أمن ~~بعضكم بعضا } وفي حرف أبي «فإن ائتمن» يعني فإن كان الذي عليه ~~الحق أمينا عند صاحب الحق فلم يرتهن منه شيئا لحسن ظنه به. # { فليؤد الذى اؤتمن أمنته } أي فليقضه على الأمانة ~~{ وليتق الله ربه } في أداء الحق، ثم رجع إلى خطاب الشهود ~~وقال: { ولا تكتموا الشهدة } إذا دعيتم إلى إقامتها نهى ~~عن كتمان الشهادة وأوعد عليه فقال { ومن يكتمها فإنه ءاثم ~~قلبه } أي فاجر قلبه، قيل: ما أوعد الله على شيء كإيعاده على كتمان ~~الشهادة، قال: «فإنه آثم قلبه» وأراد به مسخ القلب، نعوذ بالله ms0327 من ذلك { ~~والله بما تعملون } من بيان الشهادة وكتمانها { عليم }. ### || [2.284] # { لله ما في السموات وما في الأرض } ملكا وأهلها له عبيد ~~وهو مالكهم { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ~~يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشآء ويعذب من ~~يشآء والله على كل شيء قدير } اختلف العلماء في هذه ~~الآية فقال قوم: هي خاصة ثم اختلفوا في وجه خصوصها فقال بعضهم: هي متصلة ~~بالآية الأولى نزلت في كتمان الشهادة أو تخفوا الكتمان يحاسبكم به الله ~~وهو قول الشعبي وعكرمة، وقال بعضهم: نزلت فيمن يتولى الكافرين من دون ~~المؤمنين، يعني وإن تعلنوا ما في أنفسكم من ولاية الكفار أو تسروا ~~يحاسبكم به الله، وهو قول مقاتل كم ذكر في سورة آل عمران: # لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون ~~المؤمنين # [آل عمران: 28] إلى أن قال: # قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله # [آل عمران: 29]. # وذهب الأكثرون إلى أن الآية عامة ثم اختلفوا فيها فقال قوم: هي منسوخة ~~بالآية التي بعدها. # والدليل عليه ما أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن ~~محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، أنا ~~مسلم بن الحجاج، حدثني محمد بن المنهال الضرير وأمية بن بسطام العيشي ~~واللفظ له قالا: أخبرنا يزيد بن زريع أنا روح وهو ابن القاسم عن العلاء ~~عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: # " لما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم { لله ما في السماوات وما ~~في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } الآية قال: ~~اشتد على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثم بركوا على الركب فقالوا: أي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ كلفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد ~~أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: ms0328 سمعنا وعصينا، بل ~~قولوا: { سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك ~~المصير } » " # فلما قرأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في إثرها { آمن ~~الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل ~~آمن بالله وملئكته وكتبه ورسله لا نفرق ~~بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا ~~غفرانك ربنا وإليك المصير } ، فلما فعلوا ذلك نسخها الله ~~تعالى: { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما ~~كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن ~~نسينا أو أخطأنا } قال نعم { ربنا ولا تحمل ~~علينآ إصرا كما حملته على الذين من قبلنا } قال ~~نعم { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } قال نعم { ~~واعف عنا واغفر لنا وارحمنآ أنت مولنا ~~فانصرنا على القوم الكفرين } قال نعم. # وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما بمعناه، وقال في كل ذلك: ~~قد فعلت، بدل قوله نعم، وهذا قول ابن مسعود وابن عباس وابن عمر رضي الله ~~عنهم وإليه ذهب محمد بن سيرين ومحمد ابن كعب وقتادة والكلبي. # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو محمد عبد ~~الله بن يوسف الأصفهاني، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه، أخبرنا ~~يعقوب بن يوسف القزويني، أخبرنا القاسم بن الحكم العرني، أخبرنا مسعر بن ~~كدام عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " إن الله عز وجل تجاوز عن أمتي ما وسوست به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل ~~به ". # وقال بعضهم الآية غير منسوخة لأن النسخ لا يرد على الأخبار إنما يرد على ~~الأمر والنهي وقوله: { يحاسبكم به الله } خبر لا يرد عليه ~~النسخ، ثم اختلفوا في تأويلها فقال قوم: قد أثبت الله تعالى للقلب كسبا ~~فقال: # بما كسبت قلوبكم # [البقرة: 225] فليس لله عبد أسر عملا أو أعلنه من حركة من جوارحه أو ~~همسة في قلبه إلا يخبره الله به ويحاسبه عليه ثم يغفر ما يشاء ويعذب بما ~~يشاء، وهذا معنى قول الحسن يدل عليه ms0329 قوله تعالى: # إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان ~~عنه مسئولا # [الإسراء: 36] وقال الآخرون: معنى الآية إن الله عز وجل يحاسب خلقه ~~بجميع ما أبدوا من أعمالهم أو أخفوه ويعاقبهم عليه، غير أن معاقبته على ~~ما أخفوه مما لم يعملوه بما يحدث لهم في الدنيا من النوائب والمصائب ~~والأمور التي يحزنون عليها وهذا قول عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فقال: # " يا عائشة هذه معاتبة الله العبد بما يصيبه من الحمى والنكبة حتى ~~الشوكة والبضاعة يضعها في كمه فيفقدها فيروع لها حتى إن المؤمن يخرج من ~~ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير ". # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحى، أخبرنا أبو منصور السمعاني أخبرنا ~~أبو جعفر الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أخبرنا عبد الله بن صالح، ~~حدثني الليث، حدثني يزيد بن أبي حبيب عن سعد بن سنان عن أنس بن مالك رضي ~~الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله ~~بعبده الشر أمسك عليه بذنبه حتى يوافيه به يوم القيامة ". # وقال بعضهم { وإن تبدوا ما في أنفسكم } يعني ما في قلوبكم ~~مما عزمتم عليه { أو تخفوه يحاسبكم به الله } ولا تبدوه ~~وأنتم عازمون عليه يحاسبكم به الله فأما ما حدثت به أنفسكم مما لم تعزموا ~~عليه فإن ذلك مما لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ولا يؤاخذكم به، دليله ~~قوله تعالى: # لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن ~~يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم # [البقرة: 225]. # وقال عبد الله بن المبارك: قلت لسفيان: أيؤاخذ الله العبد بالهمة قال: ~~إذا كان عزما أخذ بها، وقيل معنى المحاسبة الإخبار والتعريف، ومعنى ~~الآية: وإن تبدوا ما في أنفسكم فتعملوا به أو تخفوه مما أضمرتم ونويتم ~~يحاسبكم به الله ويجزيكم به ويعرفكم إياه، ثم يغفر للمؤمنين إظهارا ~~لفضله، ويعذب الكافرين إظهارا لعدله، وهذا معنى قول الضحاك، ويروى ذلك ~~عن ابن عباس رضي ms0330 الله عنهما، يدل عليه أنه قال: يحاسبكم به الله ولم يقل ~~يؤاخذكم به، والمحاسبة غير المؤاخذة والدليل عليه ما أخبرنا أبو طاهر ~~محمد بن علي الزراد، أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي، أنا أبو ~~سعيد الهيثم بن كليب، أنا عيسى بن أحمد العسقلاني، أنا يزيد بن هارون، ~~أنا همام بن يحيى عن قتادة عن صفوان بن محرز قال: كنت آخذا بيد عبد الله ~~بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما فأتاه رجل فقال: كيف سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول في النجوى؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " إن الله تعالى يدني المؤمن يوم القيامة حتى يضع عليه كنفه يستره من ~~الناس فيقول: أي عبدي أتعرف ذنب كذا وكذا؟ فيقول: نعم أي رب ثم يقول أي ~~عبدي تعرف ذنب كذا وكذا؟ فيقول: نعم أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في ~~نفسه أنه قد هلك، قال فإني سترتها عليك في الدنيا وقد غفرتها لك اليوم، ~~ثم يعطي كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون فيقول الأشهاد: { هؤلاء ~~الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين } [هود: 18] ". # قوله تعالى: { فيغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء } رفع ~~الراء والياء أبو جعفر وابن عامر وعاصم ويعقوب وجزمهما الآخرون، فالرفع ~~على الابتداء والجزم على النسق، روى طاووس عن ابن عباس رضي الله عنهما، ~~فيغفر لمن يشاء الذنب العظيم ويعذب من يشاء على الذنب الصغير، # لا يسأل عما يفعل وهم يسألون # [الأنبياء:23] { والله على كل شيء قدير }. ### || [2.285-286] # قوله تعالى: { آمن الرسول } أي صدق { بمآ أنزل إليه من ~~ربه والمؤمنون كل ءامن بالله } يعني كل واحد منهم، ~~ولذلك وحد الفعل { وملئكته وكتبه ورسله } قرأ حمزة ~~والكسائي: كتابه، على الواحد يعني القرآن، وقيل معناه الجمع وإن ذكر بلفظ ~~التوحيد كقوله تعالى: # فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل ~~معهم الكتب # [البقرة: 213] وقرأ الآخرون وكتبه بالجمع كقوله تعالى: # وملئكته وكتبه ورسله # [النساء: 136]، { لا نفرق بين أحد من رسله } فنؤمن ~~ببعض ونكفر ببعض كما ms0331 فعلت اليهود والنصارى، فيه إضمار تقديره يقولون لا ~~نفرق، وقرأ يعقوب: لا يفرق بالياء فيكون خبرا عن الرسول، أو معناه لا ~~يفرق الكل وإنما قال «بين أحد» ولم يقل بين آحاد لأن الأحد يكون للواحد ~~والجمع قال الله تعالى: # فما منكم من أحد عنه حجزين # [الحاقة: 47] { وقالوا سمعنا } قولك { وأطعنا } أمرك. # روي عن حكيم عن جابر رضي الله عنهما أن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى ~~الله عليه وسلم حين نزلت هذه الآية: إن الله قد أثنى عليك وعلى أمتك فسل ~~تعطه، فسأل بتلقين الله تعالى فقال: { غفرانك } وهو نصب على المصدر ~~أي اغفر غفرانك، أو نسألك غفرانك { ربنا وإليك المصير * لا ~~يكلف الله نفسا إلا وسعها } ظاهر الآية قضاء الحاجة، وفيها ~~إضمار السؤال كأنه قال: وقالوا لا تكلفنا إلا وسعنا، وأجاب أي لا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها أي طاقتها، والوسع: اسم لما يسع الإنسان ولا يضيق ~~عليه، واختلفوا في تأويله فذهب ابن عباس رضي الله عنه وعطاء وأكثر ~~المفسرين إلى أنه أراد به حديث النفس الذي ذكر في قوله تعالى: { وإن ~~تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } كما ذكرنا وروي عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما أنه قال: هم المؤمنون خاصة، وسع عليهم أمر دينهم ~~ولم يكلفهم فيه إلا ما يستطيعون كما قال الله تعالى: # يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر # [البقرة: 185] وقال الله تعالى: # وما جعل عليكم فى الدين من حرج # [الحج: 78] وسئل سفيان بن عيينة عن قوله عز وجل { لا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها } قال: إلا يسرها ولم يكلفها فوق طاقتها، وهذا ~~قول حسن لأن الوسع ما دون الطاقة. # قوله تعالى: { لها ما كسبت } أي للنفس ما عملت من الخير، لها ~~أجره وثوابه { وعليها ما اكتسبت } من الشر وعليها وزره { ~~ربنا لا تؤاخذنآ } أي لا تعاقبنا { إن نسينآ } جعله بعضهم ~~من النسيان الذي هو السهو، قال الكلبي: كانت بنو إسرائيل إذا نسوا شيئا ~~مما أمروا به أو أخطؤوا عجلت لهم العقوبة، فحرم عليهم ms0332 شيء من مطعم أو ~~مشرب على حسب ذلك الذنب، فأمر الله المؤمنين أن يسألوه ترك مؤاخذتهم ~~بذلك، وقيل هو من النسيان الذي هو الترك كقوله تعالى: # نسوا الله فنسيهم # [التوبة: 67]. # قوله تعالى: { أو أخطأنا } قيل معناه القصد والعمد يقال: أخطأ ~~فلان إذا تعمد، قال الله تعالى: # إن قتلهم كان خطئا كبيرا # [الإسراء: 31] قال عطاء: إن نسينا أو أخطأنا يعني: إن جهلنا أو تعمدنا، ~~وجعله الأكثرون من الخطأ الذي هو الجهل والسهو، لأن ما كان عمدا من ~~الذنب فغير معفو عنه بل هو في مشيئة الله، والخطأ معفو عنه قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ". # قوله تعالى: { ربنا ولا تحمل علينآ إصرا } أي عهدا ~~ثقيلا وميثاقا لا نستطيع القيام به فتعذبنا بنقضه وتركه { كما ~~حملته على الذين من قبلنا } يعني اليهود، فلم يقوموا به ~~فعذبتهم، هذا قول مجاهد وعطاء وقتادة والسدي والكلبي وجماعة يدل عليه ~~قوله تعالى: # وأخذتم على ذلكم إصرى # [آل عمران: 81] أي عهدي، وقيل: معناه: لا تشدد ولا تغلظ الأمر علينا كما ~~شددت على من قبلنا من اليهود، وذلك أن الله فرض عليهم خمسين صلاة وأمرهم ~~بأداء ربع أموالهم في الزكاة ومن أصاب ثوبه نجاسة قطعها ومن أصاب ذنبا ~~أصبح ذنبه مكتوب على بابه ونحوها من الأثقال والأغلال، وهذا معنى قول ~~عثمان وعطاء ومالك بن أنس وأبي عبيدة وجماعة يدل عليه قوله تعالى: # ويضع عنهم إصرهم والأغلل التى كانت ~~عليهم # [الأعراف: 157] وقيل: الإصر ذنب لا توبة له، معناه اعصمنا من مثله ~~والأصل فيه العقل والإحكام. # قوله تعالى: { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ~~} أي لا تكلفنا من الأعمال ما لا نطيقه وقيل هو حديث النفس والوسوسة حكي ~~عن مكحول أنه قال: هو الغلمة، قيل: الغلمة: شدة الشهوة، وعن إبراهيم ~~قال: هو الحب، وعن محمد بن عبد الوهاب قال: العشق وقال ابن جريج: هو مسخ ~~القردة والخنازير وقيل هو شماتة الأعداء، وقيل: هو الفرقة والقطيعة نعوذ ~~بالله منها. # قوله تعالى: ms0333 { واعف عنا } أي تجاوز وامح عنا ذنوبنا { ~~واغفر لنا } استر علينا ذنوبنا ولا تفضحنا { وارحمنآ } فإننا ~~لا ننال العمل إلا بطاعتك، ولا نترك معصيتك إلا برحمتك { أنت ~~مولنا } ناصرنا وحافظنا وولينا { فانصرنا على القوم ~~الكفرين }. # روى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل { ~~غفرانك ربنا } قال الله تعالى: «قد غفرت لكم» وفي قوله لا ~~تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا قال: «لا أوأخذكم» { ربنا ولا تحمل ~~علينآ إصرا } قال: «لا أحملكم» { واعف عنا } إلى آخره قال ~~«قد عفوت عنكم، وغفرت لكم، ورحمتكم ونصرتكم على القوم الكافرين». # وكان معاذ بن جبل إذا ختم سورة البقرة قال: آمين. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن ~~عيسى الجلودي، أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، أنا مسلم بن الحجاج، أنا ~~أبو بكر بن أبي شيبة أنا أبو أسامة حدثني مالك ابن مغول عن الزبير بن ~~عدي عن طلحة بن علي بن مصرف عن مرة عن عبد الله قال: لما أسري برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم انتهى به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء ~~السادسة، إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض فيقبض منها، وإليها ~~ينتهي ما يهبط به فوقها فيقبض منها قال: # إذ يغشى السدرة ما يغشى # [النجم: 16] قال: فراش من ذهب قال: وأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ثلاثا: الصلوات الخمس وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لا ~~يشرك بالله من أمته شيئا من المقحمات» كبائر الذنوب. # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أنا أبو نعيم عبد الملك ~~بن الحسين الإسفراييني أنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الحافظ، أنا يونس ~~وأحمد بن شيبان قالا: ثنا سفيان بن عيينة عن منصور عن إبراهيم عن عبد ~~الرحمن بن يزيد عن أبي مسعود رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأ بهما في ليلة كفتاه ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أبو ms0334 منصور السمعاني، أنا أبو جعفر ~~الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أنا العلاء بن عبد الجبار، أنا حماد بن ~~سلمة، أخبرنا الأشعث بن عبد الرحمن الجرمي، عن أبي قلابة عن أبي الأشعث ~~الصنعاني، عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " إن الله تعالى كتب كتابا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام ~~فأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة فلا تقرآن في دار ثلاث ليال ~~فيقربها شيطان ". ### | [3 - سورة آل عمران] ### || [3.1-3] # { بسم الله الرحمن الرحيم } قوله تعالى: { الم الله }. # قال الكلبي والربيع بن أنس وغيرهما: # " نزلت هذه الآيات في وفد نجران وكانوا ستين راكبا قدموا على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وفيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم، وفي الأربعة عشر ~~ثلاثة نفر يؤول إليهم أمرهم: العاقب: أمير القوم وصاحب مشورتهم، الذي لا ~~يصدرون إلا عن رأيه، واسمه عبد المسيح، والسيد: ثمالهم وصاحب رحلهم، ~~واسمه الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة وهو أسقفهم وحبرهم. # دخلوا مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صلى العصر، عليهم ثياب ~~الحبرات - جبب وأردية في [جمال] رجال بلحارث بن كعب، يقول من رآهم: ما ~~رأينا وفدا مثلهم، وقد حانت صلاتهم فقاموا للصلاة في مسجد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعوهم» فصلوا ~~إلى المشرق، [فسلم] السيد والعاقب، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «أسلما» قالا أسلمنا قبلك، قال «كذبتما يمنعكما من الإسلام ~~ادعاؤكما لله ولدا وعبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير»، قالا: إن لم يكن ~~عيسى ولدا لله فمن يكن أبوه؟ وخاصموه جميعا في عيسى، فقال لهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه؟» ~~قالوا بلى قال: «ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يحفظه ويرزقه» ~~قالوا: بلى، قال: «فهل يملك عيسى من ذلك شيئا؟» قالوا: لا، قال: «ألستم ~~تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟» ms0335 قالوا: بلى، ~~قال: «فهل يعلم عيسى عن ذلك شيئا إلا ما علم؟»، قالوا: لا، قال: «فإن ~~ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء [وربنا ليس بذي صورة وليس له مثل] ~~وربنا لا يأكل ولا يشرب»، قالوا: بلى، قال: «ألستم تعلمون أن عيسى حملته ~~أمه كما تحمل المرأة ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها، ثم غذي كما يغذى ~~الصبي ثم كان يطعم ويشرب ويحدث؟»، قالوا: بلى، قال: «فكيف يكون هذا كما ~~زعمتم؟»، فسكتوا " # ، فأنزل الله تعالى صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها. فقال ~~عز من قائل: { الم الله } مفتوح الميم، موصول عند العامة، وإنما فتح ~~الميم لالتقاء الساكنين، حرك إلى أخف الحركات، وقرأ أبو يوسف ويعقوب بن ~~خليفة الأعشى عن أبي بكر: { الم الله } مقطوعا سكن الميم على نية ~~الوقف ثم قطع الهمزة للابتداء وأجراه على لغة من يقطع ألف الوصل. قوله ~~تعالى { الله } ابتداء وما بعده خبر، والحي القيوم نعت له. # { نزل عليك الكتب } أي القرآن { بالحق } بالصدق { ~~مصدقا لما بين يديه } لما قبله من الكتب في التوحيد ~~والنبوات والأخبار وبعض الشرائع { وأنزل التوراة والإنجيل ~~من قبل } وإنما قال: وأنزل التوراة والإنجيل، لأن التوراة والإنجيل ~~أنزلا جملة واحدة، وقال في القرآن «نزل» لأنه نزل مفصلا، والتنزيل ~~للتكثير، والتوراة قال البصريون: أصلها وورية على وزن فوعلة مثل: دوحلة ~~وحوقلة، فحولت الواو الأولى تاء وجعلت الياء المفتوحة ألفا فصارت ~~توراة، ثم كتبت بالياء على أصل الكلمة، وقال الكوفيون: أصلها تفعلة مثل ~~توصية وتوفية، فقلبت الياء ألفا على لغة طيء فإنهم يقولون للجارية ~~جاراة، وللتوصية توصاة، وأصلها من قولهم: ورى الزند إذا خرجت ناره، ~~وأوريته أنا، قال الله تعالى: # أفرءيتم النار التى تورون # [الواقعة: 71] فسمي التوراة لأنها نور وضياء، قال الله تعالى: # وضيآء وذكرا للمتقين # [الأنبياء: 48] وقيل هي من التوراة وهي كتمان [السر] والتعريض بغيره، ~~وكان أكثر التوراة، معاريض من غير تصريح. والإنجيل: إفعيل من النجل وهو ~~الخروج ومنه سمي الولد نجلا لخروجه، فسمي الإنجيل به لأن الله تعالى ~~أخرج ms0336 به دارسا من الحق عافيا، ويقال: هو من النجل وهو سعة العين، ~~سمي به لأنه أنزل سعة لهم ونورا، وقيل: التوراة بالعبرانية تور، وتور ~~معناه الشريعة، والإنجيل بالسريانية أنقليون ومعناه الإكليل. ### || [3.4-6] # قوله تعالى: { هدى للناس } ، هاديا لمن تبعه ولم يثنه لأنه ~~مصدر { وأنزل الفرقان } المفرق بين الحق والباطل، وقال السدي: ~~في الآية تقديم وتأخير تقديرها وأنزل التوراة والإنجيل والفرقان هدى ~~للناس. قوله تعالى: { إن الذين كفروا بآيات الله لهم ~~عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام * إن الله لا ~~يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السمآء * هو ~~الذي يصوركم في الأرحام كيف يشآء }. # ذكرا أو أنثى، أبيض أو أسود، حسنا أو قبيحا، تاما أو ناقصا، { لا ~~إله إلا هو العزيز الحكيم } وهذا في الرد على وفد ~~نجران من النصارى، حيث قالوا: عيسى ولد الله، فكأنه يقول: كيف يكون لله ~~ولد وقد صوره الله تعالى في الرحم. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أحمد ~~بن محمد الأنصاري، أنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز ~~البغوي، أنا علي بن الجعد، أنا أبو خيثمة زهير بن معاوية، عن الأعمش، عن ~~زيد بن وهب، قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: # حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: # " إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ~~ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه الملك " # أو قال: # " «يبعث إليه الملك بأربع كلمات فيكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد»، ~~قال: «وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينها وبينه غير ذراع ~~فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل ~~أهل النار حتى ما يكون بينها وبينه غير ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل ~~بعمل أهل الجنة فيدخلها» ". # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني، أنا عبد الغافر بن محمد ~~الفارسي، أنا أبو أحمد بن عيسى الجلودي، أنا أبو إسحق ms0337 إبراهيم بن محمد بن ~~سفيان، أنا مسلم بن الحجاج، أنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا سفيان ~~بن عيينه، عن عمرو بن دينار، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسيد # يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ~~ليلة فيقول: يا رب أشقي أو سعيد؟ فيكتب ذلك، فيقول: يا رب أذكر أم أنثى؟ ~~فيكتبان، ويكتب عمله وأجله ورزقه ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص ~~". ### || [3.7] # قوله تعالى: { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات ~~محكمات } مبينات مفصلات، سميت محكمات من الإحكام، كأنه أحكمها ~~فمنع الخلق من التصرف فيها لظهورها ووضوح معناها { هن أم ~~الكتب } أي أصله الذي يعمل عليه في الإحكام، وإنما قال: (هن أم ~~الكتاب) ولم يقل أمهات الكتاب، لأن الآيات كلها في تكاملها واجتماعها ~~كالآية الواحدة، وكلام الله واحد، وقيل: معناه كل آية منهن أم الكتاب كما ~~قال: # وجعلنا ابن مريم وأمه آية # [المؤمنون: 50] أي كل واحد منهما آية { وأخر } جمع أخرى ولم يصرفه ~~لأنه معدول عن الآخر، مثل: عمر وزفر { متشبهت } فإن قيل كيف ~~فرق هاهنا بين المحكم والمتشابه وقد جعل الله كل القرآن محكما في موضع ~~أخر؟. فقال: # الر، كتاب أحكمت آياته # [هود: 1] وجعله كله متشابها [في موضع آخر] فقال: # الله نزل أحسن الحديث كتبا متشبها # [الزمر: 23]. قيل: حيث جعل الكل محكما، أراد أن الكل حق ليس فيه عبث ~~ولا هزل، وحيث جعل الكل متشابها أراد أن بعضه يشبه بعضا في الحق والصدق ~~وفي الحسن، وجعل هاهنا بعضه محكما وبعضه متشابها. # واختلف العلماء فيهما، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: المحكمات هن ~~الآيات الثلاث في سورة الأنعام: # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم # [الأنعام: 151] ونظيرها في بني إسرائيل، # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه # [الإسراء: 23] الآيات، وعنه أنه قال: المتشابهات حروف التهجي في أوائل ~~السور. وقال مجاهد وعكرمة: المحكم ما فيه من الحلال والحرام وما سوى ذلك ~~متشابه يشبه بعضه ms0338 بعضا في الحق ويصدق بعضه بعضا، كقوله تعالى: # وما يضل به إلا الفسقين # [البقرة: 26] # ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون # [يونس: 100]. وقال قتادة والضحاك والسدي: المحكم الناسخ الذي يعمل به، ~~والمتشابه المنسوخ الذي يؤمن به ولا يعمل به. وروى علي بن أبي طلحة عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما قال: محكمات القرآن ناسخه وحلاله وحرامه وحدوده ~~وفرائضه وما يؤمن به ويعمل به، والمتشابهات منسوخه ومقدمه ومؤخره وأمثاله ~~وأقسامه وما يؤمن به ولا يعمل به، وقيل: المحكمات ما أوقف الله الخلق على ~~معناه والمتشابه ما استأثر الله تعالى بعلمه لا سبيل لأحد إلى علمه، نحو ~~الخبر عن أشراط الساعة من خروج الدجال ونزول عيسى عليه السلام، وطلوع ~~الشمس من مغربها، وقيام الساعة، وفناء الدنيا. وقال محمد بن جعفر بن ~~الزبير: المحكم مالا يحتمل من التأويل غير وجه واحد، والمتشابه ما احتمل ~~أوجها. وقيل: المحكم ما يعرف معناه وتكون حججها واضحة ودلائلها لائحة لا ~~تشتبه، والمتشابه هو الذي يدرك علمه بالنظر، ولا يعرف العوام تفصيل الحق ~~فيه من الباطل. وقال بعضهم: المحكم ما يستقل بنفسه في المعنى، والمتشابه ~~ما لا يستقل بنفسه إلا برده إلى غيره. # قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية [باذان]: المتشابه حروف التهجي في ~~أوائل السور، # " وذلك أن رهطا من اليهود منهم حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف ونظراؤهما، ~~أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له حيي: بلغنا أنه أنزل عليك ~~(الم) فننشدك الله أنزلت عليك؟ قال: «نعم» قال: فإن كان ذلك حقا فإني ~~أعلم مدة ملك أمتك، هي إحدى وسبعون سنة فهل أنزل غيرها؟ قال: «نعم ~~(المص)» قال: فهذه أكثر هي إحدى وستون ومائة سنة، قال: فهل غيرها؟ قال: ~~«نعم (الر)». قال: هذه أكثر هي مائتان وإحدى وسبعون سنة ولقد خلطت علينا ~~فلا ندري أبكثيره نأخذ أم بقليله ونحن ممن لا يؤمن بهذا " # فأنزل الله تعالى: «هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم ~~الكتاب وأخر متشابهات». { فأما الذين في قلوبهم زيغ } أي ms0339 ~~ميل عن الحق وقيل شك { فيتبعون ما تشبه منه }. # واختلفوا في المعني بهذه الآية. قال الربيع: هم وفد نجران الذين ~~خاصموا النبي صلى الله عليه وسلم في عيسى عليه السلام، وقالوا له: ألست ~~تزعم أنه كلمة الله وروح منه؟ قال: «بلى»، قالوا: حسبنا ذلك، فأنزل الله ~~هذه الآية. وقال الكلبي: هم اليهود طلبوا علم أجل هذه الأمة واستخراجها ~~بحساب الجمل. وقال ابن جريج: هم المنافقون، وقال الحسن: هم الخوارج، ~~وكان قتادة إذا قرأ هذه الآية: { فأما الذين في قلوبهم ~~زيغ } قال: إن لم يكونوا الحرورية والسبأية فلا أدري من هم، وقيل: هم ~~جميع المبتدعة. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا ~~محمد بن يوسف، أنا محمد ابن إسماعيل، أنا عبد الله بن مسلمة، أنا يزيد بن ~~إبراهيم التستري، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة رضي ~~الله عنهما قالت: # تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية «هو الذي أنزل عليك الكتاب ~~منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات» - إلى قوله «أولو الألباب»، ~~قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله ~~فاحذروهم ". # قوله تعالى: { ابتغآء الفتنة } طلب الشرك قاله الربيع والسدي، ~~وقال مجاهد: ابتغاء الشبهات واللبس ليضلوا بها جهالهم { وابتغآء ~~تأويله } تفسيره وعلمه، دليله قوله تعالى: # سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا # [الكهف: 78] وقيل: ابتغاؤه عاقبته، وهو طلب أجل هذه الأمة من حساب ~~الجمل، دليله قوله تعالى: # ذلك خير وأحسن تأويلا # [الإسراء: 35] أي عاقبة. # قوله تعالى: { وما يعلم تأويله إلا الله ~~والرسخون في العلم } اختلف العلماء في نظم هذه الآية فقال ~~قوم: الواو في قوله والراسخون واو العطف يعني: أن تأويل المتشابه يعلمه ~~الله ويعلمه الراسخون في العلم وهم مع علمهم { يقولون ءامنا به ~~} وهذا قول مجاهد والربيع، وعلى هذا يكون قوله: «يقولون» حالا معناه: ~~والراسخون في العلم قائلين آمنا به، هذا كقوله تعالى: # مآ أفآء الله ms0340 على رسوله من أهل القرى فلله ~~وللرسول ولذى القربى # [الحشر: 7] ثم قال: # للفقرآء المهجرين الذين أخرجوا من ديرهم # [الحشر: 8] إلى أن قال: # والذين تبوءوا الدار والإيمن من قبلهم # [الحشر: 9] ثم قال: # والذين جآءوا من بعدهم # [الحشر: 10] وهذا عطف على ما سبق، ثم قال: # يقولون ربنا اغفر لنا # [الحشر: 10] يعني هم مع استحقاقهم الفيء يقولون ربنا اغفر لنا، أي ~~قائلين على الحال. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقول في هذه ~~الآية: أنا من الراسخين في العلم، وروي عن مجاهد: أنا ممن يعلم تأويله. ~~وذهب الأكثرون إلى أن الواو في قوله «والراسخون» واو الاستئناف، وتم ~~الكلام عند قوله: { وما يعلم تأويله إلا الله } وهو قول ~~أبي بن كعب وعائشة وعروة بن الزبير رضي الله عنهم ورواية طاووس عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما، وبه قال الحسن وأكثر التابعين واختاره الكسائي ~~والفراء والأخفش، وقالوا: لا يعلم تأويل المتشابه إلا الله ويجوز أن يكون ~~للقرآن تأويل استأثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحدا من خلقه، كما استأثر ~~بعلم الساعة، ووقت طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدجال، ونزول عيسى عليه ~~الصلاة والسلام، ونحوها، والخلق متعبدون في المتشابه بالايمان به، وفي ~~المحكم بالإيمان به والعمل، ومما يصدق ذلك قراءة عبد الله إن تأويله ~~إلا عند الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به، وفي حرف أبي: ويقول ~~الراسخون في العلم آمنا به. وقال عمر بن عبد العزيز: في هذه الآية انتهى ~~علم الراسخين في العلم بتأويل القرآن إلى أن قالوا آمنا به كل من عند ~~ربنا. وهذا قول أقيس في العربية وأشبه بظاهر الآية. قوله تعالى: { ~~والرسخون في العلم } أي الداخلون في العلم، هم الذين أتقنوا ~~علمهم بحيث لا يدخل في معرفتهم شك، وأصله من رسوخ الشيء في الشيء وهو ~~ثبوته يقال: رسخ الإيمان في قلب فلان يرسخ رسخا ورسوخا، وقيل: ~~الراسخون في العلم علماء مؤمني أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام وأصحابه، ~~دليله قوله تعالى: # لكن الراسخون في العلم منهم # [النساء: ms0341 162] يعني [المدارسين] علم التوراة وسئل مالك بن أنس رضي الله ~~عنه عن الراسخين في العلم قال العالم العامل بما علم المتبع له، وقيل: ~~الراسخ في العلم من وجد في علمه أربعة أشياء: التقوى بينه وبين الله، ~~والتواضع بينه وبين الخلق، والزهد بينه وبين الدنيا، والمجاهدة بينه وبين ~~نفسه. وقال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد والسدي: بقولهم آمنا به سماهم ~~الله تعالى راسخين في العلم، فرسوخهم في العلم قولهم: آمنا به، أي ~~بالمتشابه { كل من عند ربنا } المحكم والمتشابه والناسخ ~~والمنسوخ وما علمنا وما لم نعلم { وما يذكر } وما يتعظ بما في ~~القرآن { إلا أولوا الألبب } ذوو العقول. ### || [3.8] # قوله تعالى: { ربنا لا تزغ قلوبنا } أي ويقول الراسخون: ~~ربنا لا تزغ قلوبنا أي لا تملها عن الحق والهدى كما أزغت قلوب الذين في ~~قلوبهم زيغ { بعد إذ هديتنا } وفقتنا لدينك والإيمان بالمحكم ~~والمتشابه من كتابك { وهب لنا من لدنك } أعطنا من عندك { ~~رحمة } توفيقا وتثبيتا للذي نحن عليه من الإيمان والهدى، وقال ~~الضحاك: تجاوزا ومغفرة { إنك أنت الوهاب }. # أخبرنا أبو الفرج المظفر بن إسماعيل التميمي، أنا أبو القاسم حمزة بن ~~يوسف السهمي أنا أبو أحمد ابن عدي الحافظ، أنا أبو بكر عبد الرحمن بن ~~القاسم القرشي يعرف بابن الرواس الكبير بدمشق، أنا أبو مسهر عبد الأعلى ~~بن مسهر الغساني، أنا صدقة، أنا عبد الرحمن بن زيد بن جابر، حدثني بشر بن ~~عبيد الله قال: سمعت أبا إدريس الخولاني يقول: حدثني النواس بن سمعان ~~الكلابي قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن، إذا شاء أن يقيمه ~~أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه " # ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، والميزان بيد الرحمن يرفع ~~قوما ويضع آخرين إلى يوم القيامة ". # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، حدثنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، ~~أنا حاجب بن أحمد الطوسي، أنا عبد الرحيم بن ms0342 منيب، أنا يزيد بن هارون، ~~أنا سعيد بن إياس الجريري عن غنيم بن قيس عن أبي موسى الأشعري رضي الله ~~عنه قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " مثل القلب كريشة بأرض فلاة تقلبها الرياح ظهرا لبطن " ### || [3.9-12] # قوله تعالى: { ربنا إنك جامع الناس ليوم } أي لقضاء يوم، ~~وقيل: اللام بمعنى في، أي في يوم { لا ريب فيه } أي لا شك فيه، ~~وهو يوم القيامة { إن الله لا يخلف الميعاد } وهو مفعال ~~من الوعد. # قوله تعالى: { إن الذين كفروا لن تغني } لن تنفع ولن ~~تدفع { عنهم أمولهم ولا أولدهم من الله } قال ~~الكلبي: من عذاب الله، وقال أبو عبيدة: من بمعنى عند، أي عند الله { ~~شيئا وأولئك هم وقود النار، كدأب آل فرعون ~~}. # قال ابن عباس رضي الله عنهما وعكرمة ومجاهد: كفعل آل فرعون وصنيعهم في ~~الكفر والتكذيب، وقال عطاء والكسائي وأبو عبيدة: كسنة آل فرعون، وقال ~~الأخفش: كأمر آل فرعون وشأنهم، وقال النضر بن شميل: كعادة آل فرعون، يريد ~~عادة هؤلاء الكفار في تكذيب الرسول وجحود الحق كعادة آل فرعون، { ~~والذين من قبلهم } كفار الأمم الماضية، مثل عاد وثمود وغيرهم ~~{ كذبوا بآياتنا فأخذهم الله } فعاقبهم الله { ~~بذنوبهم } وقيل نظم الآية: { إن الذين كفروا لن ~~تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم } عند حلول النقمة ~~والعقوبة مثل آل فرعون وكفار الأمم الخالية أخذناهم فلن تغني عنهم ~~أموالهم ولا أولادهم { والله شديد العقاب }. # قوله تعالى: { قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون ~~إلى جهنم } قرأ حمزة والكسائي بالياء فيهما، أي أنهم يغلبون ~~ويحشرون، وقرأ الآخرون بالتاء فيهما، على الخطاب، أي: قل لهم: أنكم ~~ستغلبون وتحشرون. # قال مقاتل: أراد مشركي مكة، معناه: قل لكفار مكة: ستغلبون يوم بدر ~~وتحشرون إلى جهنم في الآخرة، فلما نزلت هذه الآية قال لهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم يوم بدر # " إن الله غالبكم وحاشركم إلى جهنم ". # وقال بعضهم: المراد بهذه الآية: اليهود. # وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما: إن يهود أهل ~~المدينة قالوا لما ms0343 هزم رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين يوم بدر: ~~هذا - والله - النبي الذي بشرنا به موسى لا ترد له راية، وأرادوا ~~اتباعه، ثم قال بعضهم لبعض: لا تعجلوا حتى تنظروا إلى وقعة له أخرى، فلما ~~كان يوم أحد ونكب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شكوا فغلب ~~عليهم الشقاء، فلم يسلموا، وقد كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عهد إلى مدة فنقضوا ذلك العهد، وانطلق كعب بن الأشرف في ستين راكبا ~~إلى مكة ليستفزهم، فأجمعوا أمرهم على قتال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية. # وقال محمد بن إسحاق عن رجاله ورواه سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أيضا: # " أنه لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا ببدر ورجع إلى ~~المدينة جمع اليهود في سوق بني قينقاع، وقال: # «يا معشر اليهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش يوم بدر وأسلموا قبل ~~أن ينزل بكم مثل ما نزل بهم فقد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في ~~كتابكم»، فقالوا: يا محمد، لا يغرنك أنك لقيت قوما أغمارا لا علم لهم ~~بالحرب، فأصبت منهم فرصة، وإنا والله لو قاتلناك لعرفت أنا نحن الناس " # ، فأنزل الله تعالى { قل للذين كفروا ستغلبون } ~~تهزمون { وتحشرون } في الآخرة { إلى جهنم } { وبئس ~~المهاد } الفراش، أي بئس ما مهد لهم، يعني: النار. ### || [3.13] # قوله تعالى: { قد كان لكم آية } ولم يقل قد كانت لكم، والآية ~~مؤنثة لأنه ردها إلى البيان أي قد كان لكم بيان، فذهب إلى المعنى. وقال ~~الفراء: إنما ذكر لأنه حالت الصفة بين الفعل والاسم المؤنث، فذكر ~~الفعل، وكل ما جاء من هذا النحو فهذا وجهه، فمعنى الآية: قد كان لكم آية ~~أي عبرة ودلالة على صدق ما أقول أنكم ستغلبون. { في فئتين } فرقتين ~~وأصلها فيء الحرب، لأن بعضهم يفيء إلى بعض { التقتا } يوم بدر { ~~فئة تقتل فى سبيل الله } طاعة الله، وهم رسول الله صلى ~~الله عليه ms0344 وسلم وأصحابه، وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، سبعة وسبعون ~~رجلا من المهاجرين، ومائتان وستة وثلاثون رجلا من الأنصار، وصاحب راية ~~المهاجرين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وصاحب راية الأنصار سعد بن ~~عبادة، وكان فيهم سبعون بعيرا وفرسان، فرس للمقداد بن عمرو، وفرس لمرثد ~~بن أبي مرثد، وأكثرهم رجاله، وكان معهم من السلاح ستة أدرع وثمانية ~~سيوف. قوله تعالى: { وأخرى كافرة } أي فرقة أخرى كافرة، هم ~~مشركوا مكة، وكانوا تسعمائة وخمسين رجلا من المقاتلة، رأسهم عتبة بن ~~ربيعة بن عبد شمس، وفيهم مائة فرس، وكانت حرب بدر أول مشهد شهده رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم { يرونهم مثليهم } قرأ أهل ~~المدينة ويعقوب بالتاء، يعني ترون يا معشر اليهود أهل مكة مثلي ~~المسلمين، وذلك أن جماعة من اليهود كانوا حضروا قتال بدر لينظروا على من ~~تكون الدائرة فرأوا المشركين مثلي عدد المسلمين ورأوا النصرة مع ذلك ~~للمسلمين فكان ذلك معجزة وآية، وقرأ الآخرون بالياء، واختلفوا في وجهه: ~~فجعل بعضهم الرؤية للمسلمين، ثم له تأويلان، أحدهما يرى المسلمون ~~المشركين مثليهم كما هم، فإن قيل: كيف قال: مثليهم وهم كانوا ثلاثة ~~أمثالهم؟ قيل: هذا مثل قول الرجل وعنده درهم أنا أحتاج إلى مثلي هذا ~~الدرهم يعني إلى مثليه سواه فيكون ثلاثة دراهم، والتأويل الثاني - وهو ~~الأصح - كان المسلمون يرون المشركين مثلي عدد أنفسهم، قللهم الله تعالى ~~في أعينهم حتى رأوهم ستمائة وستة وعشرين، ثم قللهم الله في أعينهم في ~~حالة أخرى حتى رأوهم مثل عدد أنفسهم. قال ابن مسعود رضي الله عنه: نظرنا ~~إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون ~~علينا رجلا واحدا. ثم قللهم الله تعالى أيضا في أعينهم حتى رأوهم ~~عددا يسيرا أقل من أنفسهم [قال ابن مسعود رضي الله عنه]: حتى قلت لرجل ~~إلى جنبي: تراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة، قال بعضهم: الرؤية راجعة إلى ~~المشركين، يعني يرى المشركون المسلمين مثليهم، قللهم الله قبل القتال في ~~أعين المشركين ليجتريء المشركون عليهم ولا ينصرفوا فلما أخذوا ms0345 في القتال ~~كثرهم الله في أعين المشركين، ليجبنوا وقللهم في أعين المؤمنين ليجترؤوا، ~~فذلك قوله تعالى: # وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ~~ويقللكم في أعينهم # [الأنفال: 44]. قوله تعالى: { رأى العين } أي في رأي العين نصب ~~بنزع حرف الصنعة { والله يؤيد بنصره من يشآء إن فى ~~ذلك } الذي ذكرت { لعبرة لاولى الأبصر } لذوي ~~العقول، وقيل لمن أبصر الجمعين. ### || [3.14] # قوله تعالى: { زين للناس حب الشهوات } جمع شهوة وهي ما ~~تدعو النفس إليه { من النساء }. # بدأ بهن لأنهن حبائل الشيطان { والبنين والقنطير } جمع ~~قنطار واختلفوا فيه فقال الربيع بن أنس: القنطار المال الكثير بعضه على ~~بعض، وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: القنطار ألف ومائتا أوقية، وقال ابن ~~عباس رضي الله عنهما [والضحاك]: ألف ومائتا مثقال. وعنهما رواية أخرى ~~اثنا عشر ألف درهم وألف [دينار] دية أحدكم، وعن الحسن القنطار دية أحدكم، ~~وقال سعيد بن جبير وعكرمة: هو مائة ألف ومائة من ومائة رطل ومائة ~~مثقال ومائة درهم، ولقد جاء الإسلام يوم جاء وبمكة مائة رجل قد قنطروا، ~~وقال سعيد بن المسيب وقتادة: ثمانون ألفا، وقال مجاهد سبعون ألفا، وعن ~~السدي قال: أربعة آلاف مثقال، وقال الحكم: القنطار ما بين السماء والأرض ~~من مال، وقال أبو نضرة: ملء مسك ثور ذهبا أو فضة. وسمي قنطارا من ~~الإحكام، يقال: قنطرت الشيء إذا أحكمته، ومنه سميت القنطرة. قوله تعالى: ~~{ المقنطرة } ، قال الضحاك: المحصنة المحكمة، وقال قتادة: هي ~~الكثيرة المنضدة بعضها فوق بعض، وقال يمان: [المدفونة]، وقال السدي ~~المضروبة المنقوشة حتى صارت دراهم ودنانير، وقال [الفراء]: المضعفة، ~~فالقناطير ثلاثة والمقنطرة تسعة { من الذهب والفضة } وقيل ~~سمي الذهب ذهبا لأنه يذهب ولا يبقى، والفضة لأنها تنفض أي تتفرق { ~~والخيل المسومة } الخيل جمع لا واحد له من لفظه، واحدها فرس، ~~كالقوم والنساء ونحوهما المسومة، قال مجاهد: هي المطهمة الحسان، وقال ~~عكرمة: تسويمها حسنها، وقال سعيد بن جبير: هي الراعية، يقال: أسام الخيل ~~وسومها، قال الحسن وأبو عبيدة: هي المعلمة من السيماء، والسيماء ~~العلامة، ثم منهم ms0346 من قال: سيماها الشبه واللون وهو قول قتادة وقيل: الكي. ~~{ والأنعم } جمع النعم، وهي الإبل والبقر والغنم جمع لا واحد له ~~من لفظه { والحرث } يعني الزرع { ذلك } الذي ذكرنا { متع ~~الحيوة الدنيا } يشير إلى أنها متاع يفنى { والله عنده ~~حسن المآب } أي المرجع، فيه تزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة. ### || [3.15-17] # قوله تعالى: { قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين ~~اتقوا عند ربهم جنت تجرى من تحتها ~~الأنهار، خالدين فيها وأزوج مطهرة ورضون ~~من الله } قرأه العامة بكسر الراء، وروى أبو بكر عن عاصم بضم ~~الراء، وهما لغتان كالعدوان والعدوان. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا ~~محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا يحيى بن سليمان، حدثني ابن وهب، ~~حدثني مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي الله ~~عنه قال: # قال النبي صلى الله عليه وسلم # " إن الله تبارك وتعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ~~ربنا وسعديك والخير كله في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون وما لنا لا ~~نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل ~~من ذلك؟ فيقولون: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني ~~فلا أسخط عليكم بعده أبدا ". # قوله تعالى: { والله بصير بالعباد الذين يقولون } ~~إن شئت جعلت محل الذين خفضا ردا على قوله { للذين اتقوا } ~~وإن شئت جعلته رفعا على الابتداء، ويحتمل أن يكون نصبا تقديره أعني ~~الذين يقولون { ربنآ إننآ ءامنا } صدقنا { فاغفر لنا ~~ذنوبنا } استرها علينا وتجاوز عنا { وقنا عذاب النار، ~~الصابرين والصدقين } إن شئت نصبتها على المدح، وإن شئت ~~خفضتها على النعت، يعني الصابرين في أداء الأمر وعن ارتكاب النهي، وعلى ~~البأساء والضراء وحين البأس، والصادقين في إيمانهم، قال قتادة: هم قوم ~~صدقت نياتهم واستقامت قلوبهم وألسنتهم فصدقوا في السر والعلانية { ~~والقنتين } المطيعين المصلين { والمنفقين } أموالهم في ~~طاعة الله { والمستغفرين بالأسحار } قال مجاهد وقتادة ~~والكلبي: ms0347 يعني المصلين بالأسحار وعن زيد بن أسلم أنه قال: هم الذين يصلون ~~الصبح، في الجماعة، وقيل بالسحر لقربه من الصبح، وقال الحسن: مدوا ~~الصلاة إلى السحر ثم استغفروا، وقال نافع كان ابن عمر رضي الله عنهما ~~يحيي الليل ثم يقول: يا نافع أسحرنا؟ فأقول: لا، فيعاود الصلاة فإذا ~~قلت: نعم قعد يستغفر الله ويدعو، حتى يصبح. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو محمد بن الحسن بن أحمد ~~المخلدي، حدثنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج، أنا قتيبة، [بن سعيد] ~~أنا يعقوب بن عبد الرحمن عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه: # أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ينزل الله إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل فيقول: أنا ~~الملك أنا الملك، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني ~~فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له ". # وحكي عن الحسن أن لقمان قال لابنه: يا بني لا تكن أعجز من هذا الديك ~~يصوت من الأسحار وأنت نائم على فراشك. ### || [3.18-19] # قوله تعالى: { شهد الله أنه لا إله إلا هو } قيل: ~~نزلت هذه الآية في نصارى نجران. # وقال الكلبي: # " قدم حبران من أحبار الشام على النبي صلى الله عليه وسلم فلما أبصرا ~~المدينة قال أحدهما لصاحبه ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي صلى ~~الله عليه وسلم الذي يخرج في آخر الزمان؟ فلما دخلا عليه عرفاه بالصفة، ~~فقالا له: أنت محمد؟ قال: نعم، قالا له: وأنت أحمد؟ قال: «أنا محمد ~~وأحمد» قالا له: فإنا نسألك عن شيء فإن أخبرتنا به آمنا بك وصدقناك، ~~فقال، اسألا فقالا أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله عز وجل، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية، فأسلم الرجلان ". # قوله { شهد الله } أي بين الله لأن الشهادة تبين، وقال مجاهد: حكم ~~الله [وقيل: علم الله] وقيل: أعلم الله أنه لا إله إلا هو. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: خلق الله الأرواح قبل الأجساد بأربعة ms0348 آلاف ~~سنة وخلق الأرزاق قبل الأرواح بأربعة آلاف سنة، فشهد بنفسه لنفسه قبل أن ~~خلق الخلق حين كان ولم تكن سماء ولا أرض ولا بر ولا بحر فقال: { شهد ~~الله أنه لا إله إلا هو }. وقوله: { والملئكة ~~} أي وشهدت الملائكة، قيل: معنى شهادة الله الإخبار والإعلام، ومعنى ~~شهادة الملائكة والمؤمنين الإقرار. قوله تعالى { وأولوا العلم ~~} يعني الأنبياء عليهم السلام. وقال ابن كيسان يعني: المهاجرين والأنصار، ~~وقال مقاتل: علماء مؤمني أهل الكتاب، عبد الله بن سلام وأصحابه. قال ~~السدي والكلبي: يعني جميع علماء المؤمنين. { قآئما بالقسط } أي ~~بالعدل. ونظم هذه الآية شهد الله قائما بالقسط، نصب على الحال، وقيل: ~~نصب على القطع، ومعنى قوله { قآئما بالقسط } أي قائما بتدبير ~~الخلق كما يقال: فلان قائم بأمر فلان، أي: مدبر له ومتعهد لأسبابه، وقائم ~~بحق فلان أي مجاز له فالله جل جلاله مدبر رازق مجاز بالأعمال. { لا ~~إله إلا هو العزيز الحكيم * إن الدين عند ~~الله الإسلام }. # يعني الدين المرضي الصحيح، كما قال تعالى: # ورضيت لكم الأسلام دينا # [المائدة: 3] وقال # ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه # [آل عمران: 85] وفتح الكسائي الألف من أن الدين ردا على أن الأولى ~~تقديره شهد الله أنه لا إله إلا هو وشهد أن الدين عند الله الإسلام، أو ~~شهد الله أن الدين عند الله الإسلام بأنه لا إله إلا هو، وكسر الباقون ~~الألف على الابتداء والإسلام هو الدخول في السلم وهو الانقياد والطاعة، ~~يقال: أسلم أي دخل في السلم واستسلم، قال قتادة في قوله تعالى { إن ~~الدين عند الله الإسلام } قال: شهادة أن لا إله إلا الله ~~والإقرار بما جاء من عند الله تعالى وهو دين الله الذي شرع لنفسه وبعث ~~به رسله ودل عليه أولياءه [ولا يقبل غيره ولا يجزي إلا به]. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أنا أبو إسحق الثعلبي، أنا أبو عمرو الفراتي، ~~أنا أبو موسى عمران بن موسى، أنا الحسن بن سفيان، أنا عمار بن عمر بن ~~المختار، حدثني أبي عن غالب القطان ms0349 قال: أتيت الكوفة في تجارة فنزلت ~~قريبا من الأعمش وكنت أختلف إليه فلما كنت ذات ليلة أردت أن أنحدر إلى ~~البصرة، فإذا الأعمش قائم من الليل يتهجد، فمر بهذه الآية { شهد ~~الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا ~~العلم قآئما بالقسط لا إله إلا هو العزيز ~~الحكيم } ثم قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد الله به وأستودع الله هذه ~~الشهادة وهي لي عند الله وديعة { إن الدين عند الله ~~الإسلام } قالها مرارا، قلت: لقد سمع فيها شيئا، فصليت معه وودعته، ~~ثم قلت: إني سمعتك تقرأ آية ترددها فما بلغك فيها؟ [قال لي: أوما بلغك ما ~~فيها؟ قلت: أنا عندك منذ سنتين لم تحدثني]، قال: والله لا أحدثك بها إلى ~~سنة، فكتبت على بابه ذلك اليوم وأقمت سنة، فلما مضت السنة قلت: يا أبا ~~محمد قد مضت السنة قال: حدثني أبو وائل عن عبد الله قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله: إن لعبدي هذا عندي عهدا، وأنا ~~أحق من وفى بالعهد، أدخلوا عبدي الجنة ". # قوله تعالى: { وما اختلف الذين أوتوا الكتب } قال ~~الكلبي: نزلت في اليهود والنصارى حين تركوا الإسلام، أي وما اختلف الذين ~~أوتوا الكتاب في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلا من بعد ما جاءهم ~~العلم، يعني بيان نعته في كتبهم، وقال الربيع: إن موسى عليه السلام لما ~~حضره الموت، دعا سبعين رجلا من أحبار بني إسرائيل فاستودعهم التوراة ~~واستخلف يوشع بن نون، فلما مضى القرن الأول والثاني والثالث وقعت الفرقة ~~بينهم وهم الذين أوتوا الكتاب من أبناء أولئك السبعين حتى أهرقوا بينهم ~~الدماء، ووقع الشر والاختلاف، وذلك من بعد ما جاءهم العلم يعني بيان ما ~~في التوراة { بغيا بينهم } أي طلبا للملك والرياسة، فسلط الله ~~عليهم الجبابرة وقال محمد بن جعفر بن الزبير: نزلت في نصارى نجران ~~ومعناها { وما اختلف الذين أوتوا الكتاب } يعني ~~الإنجيل في أمر عيسى عليه السلام، وفرقوا القول فيه إلا من بعد ما جاءهم ms0350 ~~العلم بأن الله واحد وأن عيسى عبده ورسوله { بغيا بينهم } أي ~~للمعاداة والمخالفة { ومن يكفر بآيت الله فإن الله ~~سريع الحساب }. ### || [3.20] # قوله تعالى: { فإن حآجوك } ، أي: خاصموك يا محمد في الدين، وذلك ~~أن اليهود والنصارى قالوا لسنا على ما سميتنا به يا محمد إنما اليهودية ~~والنصرانية نسب، والدين هو الإسلام ونحن عليه فقال الله تعالى: { فقل ~~أسلمت وجهى لله } ، أي انقدت لله وحده بقلبي ولساني وجميع ~~جوارحي، وإنما خص الوجه لأنه أكرم الجوارح من الإنسان وفيه بهاؤه، فإذا ~~خضع وجهه للشيء فقد خضع له جميع جوارحه، وقال الفراء: معناه أخلصت عملي ~~لله { ومن اتبعن } أي ومن اتبعني أسلم كما أسلمت، وأثبت نافع ~~وأبو عمرو الياء في قوله تعالى (اتبعني) على الأصل وحذفه الأخرون على ~~الخط لأنها في المصحف بغير ياء. # وقوله: { وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين } ~~يعني العرب { ءأسلمتم } لفظه استفهام ومعناه أمر، أي أسلموا كما ~~قال: # فهل أنتم منتهون # [المائدة: 91] أي انتهوا، { فإن أسلموا فقد اهتدوا } ~~فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية فقال أهل الكتاب: أسلمنا، ~~فقال لليهود: أتشهدون أن عيسى كلمة الله وعبده ورسوله فقالوا: معاذ الله، ~~وقال للنصارى: أتشهدون أن عيسى عبد الله ورسوله؟ قالوا: معاذ الله أن ~~يكون عيسى عبدا فقال الله عز وجل: { وإن تولوا فإنما ~~عليك البلغ } أي تبليغ الرسالة وليس عليك الهداية { والله ~~بصير بالعباد } عالم بمن يؤمن وبمن لا يؤمن. ### || [3.21] # قوله تعالى: { إن الذين يكفرون بآيت الله } يجحدون ~~بآيات الله يعني القرآن، وهم اليهود والنصارى { ويقتلون ~~النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون ~~بالقسط من الناس } ، قرأ حمزة: ويقاتلون الذين يأمرون، قال ابن ~~جريج: كان الوحي يأتي على [أنبياء] بني إسرائيل، ولم يكن يأتيهم كتاب، ~~فيذكرون قومهم فيقتلون، فيقوم رجال ممن اتبعهم وصدقهم فيذكرون قومهم ~~فيقتلون أيضا، فهم الذين يأمرون بالقسط من الناس. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أنا أبو إسحاق الثعلبي، أنا أبو عبد الله ~~الحسين بن محمد بن فنجويه الدينوري، أنا أبو نصر منصور بن جعفر ~~النهاوندي، ms0351 أنا أحمد بن يحيى بن الجارود، أنا محمد بن عمرو بن حيان، أنا ~~محمد بن (حمير)، أنا أبو الحسن مولى بني أسد عن مكحول عن قبيصة بن ذؤيب ~~الخزاعي عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قال: # " قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أي الناس أشد عذابا يوم ~~القيامة؟ قال: «رجل قتل نبيا أو رجلا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر» ثم ~~قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { ويقتلون النبيين ~~بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من ~~الناس } إلى أن انتهى إلى قوله { وما لهم من نصرين } ثم ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ~~ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة واثنا عشر ~~رجلا من عباد بني إسرائيل أمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر، ~~فقتلوهم جميعا في آخر النهار في ذلك اليوم فهم الذين ذكرهم الله في ~~كتابه وأنزل الآية فيهم ". # { فبشرهم } أخبرهم { بعذاب أليم } وجيع، وإنما أدخل الفاء ~~على خبر إن وتقديره الذين يكفرون ويقتلون فبشرهم، لأنه لا يقال: أن زيدا ~~فقائم ### || [3.22] # { أولئك الذين حبطت } بطلت { أعمالهم في ~~الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين } وبطلان العمل في ~~الدنيا أن لا يقبل، وفي الآخرة ألا يجازى عليه. ### || [3.23-24] # قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من ~~الكتاب } يعني اليهود { يدعون إلى كتب الله } ~~اختلفوا في هذا الكتاب، فقال قتادة: هم اليهود دعوا إلى حكم القرآن ~~فأعرضوا عنه. # وروى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية: # إن الله تعالى جعل القرآن حكما فيما بينهم وبين رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فحكم القرآن على اليهود والنصارى أنهم على غير الهدى فأعرضوا ~~عنه، وقال الآخرون: هو التوراة. # روى سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: # " دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المدارس على جماعة من اليهود، ~~فدعاهم إلى الله عز وجل. فقال له نعيم بن عمرو والحارث ms0352 بن زيد: على أي ~~دين أنت يا محمد؟ فقال: على ملة إبراهيم، قالا: إن إبراهيم كان يهوديا، ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فهلموا إلى التوراة فهي بيننا ~~وبينكم» " # فأبيا عليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما # " أن رجلا وامرأة من أهل خيبر زنيا وكان في كتابهم الرجم، فكرهوا ~~رجمهما لشرفهما فيهم، فرفعوا أمرهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ورجوا أن يكون عنده رخصة فحكم عليهما بالرجم فقال له النعمان بن أوفى ~~وبحري بن عمرو: جرت عليهما يا محمد ليس عليهما الرجم، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «بيني وبينكم التوراة» قالوا: قد أنصفتنا، قال «فمن ~~أعلمكم بالتوراة» قالوا رجل أعور يسكن فدك يقال له ابن صوريا، فأرسلوا ~~إليه فقدم المدينة، وكان جبريل قد وصفه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنت ابن صوريا؟» قال: نعم، قال: ~~«أنت أعلم اليهود»؟ قال: كذلك يزعمون قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بشيء من التوراة، فيها الرجم مكتوب، فقال له: «اقرأ» فلما أتى على ~~آية الرجم وضع كفه عليها وقرأ ما بعدها على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. فقال عبد الله ابن سلام، يا رسول الله قد جاوزها فقام فرفع كفه ~~عنها ثم قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى اليهود بأن المحصن ~~والمحصنة إذا زنيا وقامت عليهما البينة رجما، وإن كانت المرأة حبلى تربص ~~بها حتى تضع ما في بطنها، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم باليهوديين ~~فرجما، فغضب اليهود لذلك وانصرفوا ". # فأنزل الله عز وجل { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا ~~من الكتاب يدعون إلى كتاب الله } { ليحكم ~~بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون * ~~ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما ~~معدودت وغرهم فى دينهم } والغرور هو الإطماع فيما لا ~~يحصل منه شيء { ما كانوا يفترون } والافتراء اختلاق الكذب. ### || [3.25] # قوله ms0353 تعالى: { فكيف إذا جمعناهم } أي فكيف حالهم أو كيف ~~يصنعون إذا جمعناهم { ليوم لا ريب فيه } [وهو يوم القيامة] { ~~ووفيت } [وفرت] { كل نفس ما كسبت } أي جزاء ما ~~كسبت من خير أو شر { وهم لا يظلمون } أي لا ينقص من حسناتهم ولا ~~يزاد على سيئاتهم. # قوله تعالى: { قل اللهم مالك الملك } # قال قتادة ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل ربه أن يجعل ملك ~~فارس والروم في أمته فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما وأنس بن مالك رضي الله عنه لما افتتح رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مكة وعد أمته ملك فارس والروم قالت المنافقون ~~واليهود: هيهات هيهات من أين لمحمد صلى الله عليه وسلم ملك فارس والروم؟ ~~وهم أعز وأمنع من ذلك ألم يكف محمدا مكة والمدينة حتى طمع في ملك فارس ~~والروم؟ فأنزل الله هذه الآية { قل اللهم } قيل: معناه يا الله ~~فلما حذف حرف النداء زيد الميم في آخره، وقال قوم: للميم فيه معنى، ~~ومعناها يا الله أمنا بخير أي: اقصدنا، حذف منه حرف النداء كقولهم: ~~هلم إلينا، كان أصله هل أم إلينا، ثم كثرت في الكلام فحذفت الهمزة ~~استخفافا وربما خففوا أيضا فقالوا: لا هم، قوله: { ملك ~~الملك } [يعني يا مالك الملك] أي مالك العباد وما ملكوا، وقيل يا ~~مالك السموات والأرض، وقال الله تعالى في بعض الكتب: «أنا الله ملك ~~الملوك، ومالك الملوك وقلوب الملوك ونواصيهم بيدي فإن العباد أطاعوني ~~جعلتهم عليهم رحمة وإن عصوني جعلتهم عليهم عقوبة فلا تشتغلوا بسب الملوك ~~ولكن توبوا إلي أعطفهم عليكم». ### || [3.26] # قوله تعالى: { تؤتى الملك من تشآء } قال مجاهد وسعيد بن ~~جبير: يعني ملك النبوة، وقال الكلبي: تؤتي الملك من تشاء محمدا وأصحابه ~~{ وتنزع الملك ممن تشآء } أبي جهل وصناديد قريش وقيل: تؤتي ~~الملك من تشاء: العرب وتنزع الملك ممن تشاء: فارس والروم، وقال السدي، ~~تؤتي الملك من تشاء، آتى الله الأنبياء عليهم السلام وأمر العباد بطاعتهم ~~{ وتنزع الملك ممن ms0354 تشآء } نزعه من الجبارين وأمر العباد ~~بخلافهم، وقيل تؤتي من تشاء: آدم وولده وتنزع الملك ممن تشاء إبليس ~~وجنوده. وقوله تعالى: { وتعز من تشآء وتذل من تشآء } ~~قال عطاء تعز من تشاء: المهاجرين والأنصار وتذل من تشاء: فارس والروم، ~~وقيل تعز من تشاء محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى دخلوا مكة في ~~عشرة آلاف ظاهرين عليها، وتذل من تشاء: أبا جهل وأصحابه حتى حزت ~~رؤوسهم وألقوا في القليب، وقيل تعز من تشاء، بالإيمان والهداية، وتذل من ~~تشاء بالكفر والضلالة، وقيل تعز من تشاء بالطاعة وتذل من تشاء بالمعصية، ~~وقيل تعز من تشاء بالنصر وتذل من تشاء بالقهر، وقيل تعز من تشاء بالغنى ~~وتذل من تشاء بالفقر، وقيل تعز من تشاء بالقناعة والرضى، وتذل من تشاء ~~بالحرص والطمع { بيدك الخير } أي بيدك الخير والشر فاكتفى بذكر ~~أحدهما قال تعالى: # سرابيل تقيكم الحر # [النحل: 81] أي الحر والبرد فاكتفى بذكر أحدهما { إنك على كل ~~شىء قدير }. ### || [3.27] # قوله تعالى: { تولج الليل في النهار } أي تدخل الليل في ~~النهار حتى يكون النهار خمس عشرة ساعة والليل تسع ساعات { وتولج ~~النهار فى اليل } حتى يكون الليل خمس عشرة ساعة والنهار تسع ~~ساعات، فما نقص من أحدهما زاد في الآخر { وتخرج الحى من ~~الميت وتخرج الميت من الحى } قرأ أهل المدينة وحمزة ~~والكسائي وحفص عن عاصم «الميت» بتشديد الياء هاهنا وفي الأنعام ويونس ~~والروم وفي الأعراف «لبلد ميت»، وفي فاطر: { إلى بلد ميت } ~~زاد نافع # أو من كان ميتا فأحييناه # [الأنعام: 122]، و # لحم أخيه ميتا # [الحجرات: 12] و # الأرض الميتة أحيينها # [يس: 33] فشددها، والآخرون يخففونها، وشدد يعقوب { تخرج الحى ~~من الميت } و { لحم أخيه ميتا } ، قال ابن مسعود وسعيد ~~بن جبير ومجاهد وقتادة: معنى الآية: يخرج الحيوان من النطفة وهي ميتة، ~~ويخرج النطفة من الحيوان. وقال عكرمة والكلبي: يخرج الحي من الميت أي ~~الفرخ من البيضة ويخرج البيضة من الطير، وقال الحسن وعطاء. يخرج المؤمن ~~من الكافر ويخرج الكافر من المؤمن، فالمؤمن حي الفؤاد والكافر ميت ms0355 ~~الفؤاد، قال الله تعالى: # أو من كان ميتا فأحييناه # [الأنعام: 122] وقال الزجاج: يخرج النبات الغض الطري من الحب اليابس، ~~ويخرج الحب اليابس من النبات الحي النامي { وترزق من تشآء ~~بغير حساب } من غير تضييق [ولا تقتير]. # أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد الحنفي، أنا أبو بكر أحمد بن الحسن ~~الحيري، أنا أبو جعفر عبد الله بن إسماعيل بن إبراهيم الهاشمي، أنا محمد ~~بن علي بن زيد الصائغ، أنا محمد بن أبي الأزهر أنا الحارث بن عمير، أنا ~~جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن فاتحة الكتاب وآية الكرسي والآيتين من آل عمران (شهد الله - ~~إلى قوله - إن الدين عند الله الإسلام -و- قل ~~اللهم مالك الملك - إلى قوله - بغير حساب) معلقات، ما ~~بينهن وبين الله عز وجل حجاب، قلن: يا رب تهبطنا إلى أرضك وإلى من يعصيك؟ ~~قال الله عز وجل: بي حلفت لا يقرؤكن أحد من عبادي دبر كل صلاة إلا جعلت ~~الجنة مثواه على ما كان منه ولأسكنته في حظيرة القدس ولنظرت إليه بعيني ~~المكنونة كل يوم سبعين مرة ولقضيت له كل يوم سبعين حاجة أدناها المغفرة ~~ولأعذته من كل عدو وحاسد ونصرته منهم " # رواه الحارث عن عمرو وهو ضعيف. ### || [3.28-29] # قوله عز وجل: { لا يتخذ المؤمنون الكافرين ~~أوليآء من دون المؤمنين } قال ابن عباس رضي الله عنه: كان ~~الحجاج بن عمرو وابن أبي الحقيق وقيس بن زيد (يظنون) بنفر من الأنصار ~~ليفتنوهم عن دينهم، فقال رفاعة بن المنذر وعبد الله بن جبير وسعد بن ~~خيثمة لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء اليهود لا يفتنونكم عن دينكم، فأبى ~~أولئك النفر إلا مباطنتهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال مقاتل: نزلت ~~في حاطب بن أبي بلتعة وغيره وكانوا يظهرون المودة لكفار مكة. # وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما نزلت في المنافقين ~~عبد الله بن أبي وأصحابه كانوا يتولون اليهود ms0356 والمشركين ويأتونهم ~~بالأخبار ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأنزل الله عز وجل هذه الآية، ونهى المؤمنين عن مثل [فعلهم]. قوله تعالى: ~~{ ومن يفعل ذلك } أي موالاة الكفار في نقل الأخبار إليهم ~~وإظهارهم على عورة المسلمين { فليس من الله في شىء } [أي ~~ليس من دين الله في شيء] ثم استثنى فقال { إلا أن تتقوا ~~منهم تقاة } يعني: إلا أن تخافوا منهم مخافة، قرأ مجاهد ويعقوب ~~«تقية» على وزن بقية لأنهم كتبوها بالياء ولم يكتبوها بالألف، مثل ~~حصاة ونواة، وهي مصدر يقال تقيته تقاة وتقى تقية وتقوى فإذا قلت اتقيت ~~كان المصدر الاتقاء، وإنما قال تتقوا من الاتقاء ثم قال: تقاة ولم يقل ~~اتقاء لأن معنى اللفظين إذا كان واحدا يجوز إخراج مصدر أحدهما على لفظ ~~الآخر كقوله تعالى: # وتبتل إليه تبتيلا # [المزمل: 8] ومعنى الآية: أن الله تعالى نهى المؤمنين عن موالاة الكفار ~~ومداهنتهم ومباطنتهم إلا أن يكون الكفار غالبين ظاهرين، أو يكون المؤمن ~~في قوم كفار يخافهم فيداريهم باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان دفعا عن نفسه ~~من غير أن يستحل دما حراما أو مالا حراما، أو يظهر الكفار على عورة ~~المسلمين، والتقية لا تكون إلا مع خوف القتل وسلامة النية، قال الله ~~تعالى: # إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان # [النحل: 106] ثم هذا رخصة، فلو صبر حتى قتل فله أجر عظيم، وأنكر قوم ~~التقية [اليوم] قال معاذ بن جبل ومجاهد: كانت التقية في [بدو] ~~الإسلام قبل استحكام الدين وقوة المسلمين، وأما اليوم فقد أعز الله ~~الإسلام فليس ينبغي لأهل الإسلام أن يتقوا من عدوهم، وقال يحيى البكاء: ~~قلت لسعيد بن جبير في أيام الحجاج: إن الحسن كان يقول لكم التقية باللسان ~~والقلب مطمئن بالإيمان؟ فقال سعيد: ليس في الإسلام تقية إنما التقية في ~~أهل الحرب { ويحذركم الله نفسه } أي يخوفكم الله عقوبته ~~على موالاة الكفار وارتكاب المنهي ومخالفة المأمور { وإلى الله ~~المصير }. # { قل إن تخفوا ما فى صدوركم } أي قلوبكم من مودة الكفار { ~~أو تبدوه } من ms0357 موالاتهم قولا وفعلا { يعلمه الله } وقال ~~الكلبي: إن تسروا ما في قلوبكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~التكذيب أو تظهروه، بحربه وقتاله، يعلمه الله ويحفظه عليكم، حتى يجازيكم، ~~به ثم قال: { ويعلم } رفع على الاستئناف { ما في السماوات ~~وما في الأرض } يعني إذا كان لا يخفى عليه شيء في السموات ولا في ~~الأرض فكيف تخفى عليه موالاتكم الكفار وميلكم إليهم بالقلب؟ { والله ~~على كل شىء قدير }. ### || [3.30] # قوله تعالى: { يوم تجد كل نفس } نصب يوما بنزع حرف الصفة ~~أي في يوم، وقيل: بإضمار فعل أي: اذكروا واتقوا يوم تجد كل نفس { ما ~~عملت من خير محضرا } لم يبخس منه شيء، كما قال الله تعالى: # ووجدوا ما عملوا حاضرا # [الكهف: 49] { وما عملت من سوء } جعله بعضهم خبرا في موضع ~~النصب، أي تجد محضرا ما عملت من الخير [والشر فتسر بما عملت من الخير] ~~وجعله بعضهم خبرا مستأنفا، دليل هذا التأويل: قراءة ابن مسعود رضي الله ~~عنهما { وما عملت من سوء ودت لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا }. قوله ~~تعالى: { تود لو أن بينها } أي بين النفس { وبينه } ~~يعني وبين السوء { أمدا بعيدا } قال السدي: مكانا بعيدا، وقال ~~مقاتل: كما بين المشرق والمغرب، والأمد الأجل والغاية التي ينتهي إليها، ~~وقال الحسن: يسر أحدهم أن لا يلقى عمله أبدا، وقيل يود أنه لم يعمله ~~{ ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد }. ### || [3.31-32] # قوله تعالى: { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ~~يحببكم الله } نزلت في اليهود والنصارى حيث قالوا: نحن أبناء ~~الله وأحباؤه. # وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: وقف النبي صلى الله عليه وسلم ~~على قريش، وهم في المسجد الحرام وقد نصبوا أصنامهم وعلقوا عليها بيض ~~النعام وجعلوا في أذانها (الشنوف) وهم يسجدون لها، فقال: # " يا معشر قريش والله لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم وإسماعيل " # فقالت له قريش إنما نعبدها حبا لله ليقربونا إلى الله زلفى، فقال الله ~~تعالى: قل يا محمد إن كنتم تحبون الله وتعبدون الأصنام ليقربوكم إليه ms0358 ~~فاتبعوني يحببكم الله، فأنا رسوله إليكم وحجته عليكم، أي اتبعوا شريعتي ~~وسنتي يحببكم الله، فحب المؤمنين لله اتباعهم أمره وإيثار طاعته وابتغاء ~~مرضاته، وحب الله للمؤمنين ثناؤه عليهم وثوابه لهم وعفوه عنهم فذلك قوله ~~تعالى: { ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم }. # وقيل لما نزلت هذه الآية قال عبد الله بن أبي لأصحابه إن محمدا ~~يجعل طاعته كطاعة الله ويأمرنا أن نحبه كما أحبت النصارى عيسى بن مريم ~~فنزل قوله تعالى: { قل أطيعوا الله والرسول فإن ~~تولوا } أعرضوا عن طاعتهما { فإن الله لا يحب ~~الكفرين } لا يرضى فعلهم ولا يغفر لهم. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن ~~يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا محمد بن سنان، أنا فليح، أنا هلال بن علي ~~عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى» قالوا ومن يأبى؟ قال «من أطاعني ~~دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى» ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن ~~يوسف، أنا محمد بن إسماعيل أنا محمد بن عبادة، أنا يزيد، نا سليم بن ~~حيان [وأثنى عليه]، أنا سعيد بن ميناء قال: حدثنا أو سمعت جابر بن عبد ~~الله يقول: # جاءت ملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم. فقال بعضهم: إنه ~~نائم وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان فقالوا: إن لصاحبكم هذا ~~مثلا فاضربوا له مثلا، فقالوا: مثله كمثل رجل بنى دارا وجعل فيها ~~مأدبة وبعث داعيا، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم ~~يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة، فقالوا: أولوها له ~~يفقهها، فقالوا: أما الدار الجنة والداعي محمد صلى الله عليه وسلم، فمن ~~أطاع محمدا فقد أطاع الله ومن عصى محمدا فقد عصى الله، ومحمد صلى الله ~~عليه وسلم فرق بين الناس». ### || [3.33-34] # وقوله تعالى: { إن الله اصطفى آدم ونوحا } الآية، ms0359 قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: قالت اليهود نحن من أبناء إبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب، ونحن على دينهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية. يعني: إن الله ~~اصطفى هؤلاء بالإسلام وأنتم على غير دين الإسلام { اصطفى } اختار، ~~افتعل من الصفوة وهي الخالص من كل شيء { آدم } أبو البشر { ونوحا ~~وءال إبرهيم وءال عمرن } قيل: أراد بآل إبراهيم وآل ~~عمران إبراهيم عليه السلام وعمران أنفسهما، كقوله تعالى: # وبقية مما ترك ءال موسى وءال هرون # [البقرة: 248] يعني: موسى وهارون. وقال آخرون: آل إبراهيم: إسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب والأسباط، وكان محمد صلى الله عليه وسلم من آل إبراهيم ~~عليه السلام، وأما آل عمران فقد قال مقاتل: هو عمران بن يصهر بن فاهت بن ~~لاوي بن يعقوب عليه السلام (والد) موسى وهارون. وقال الحسن ووهب: هو ~~عمران بن أشهم بن أمون من ولد سليمان بن داود عليهما السلام [والد] مريم ~~وعيسى. وقيل: عمران بن ماثان، وإنما خص هؤلاء بالذكر لأن الأنبياء والرسل ~~كلهم من نسلهم { على العالمين ذرية } اشتقاقها من ذرأ بمعنى ~~خلق، وقيل: من الذر لأنه استخرجهم من صلب آدم كالذر، ويسمى الأولاد ~~والآباء ذرية، فالأبناء ذرية لأنه ذرأهم، والآباء ذرية لأنه ذرأ ~~الأبناء منهم، قال الله تعالى: # وءاية لهم أنا حملنا ذريتهم # [يس: 41] أي آباءهم (ذرية) نصب على معنى واصطفى ذرية { بعضها من ~~بعض } أي بعضها من ولد بعض، [وقيل بعضها من بعض في التناصر] وقيل: ~~بعضها على دين بعض { والله سميع عليم }. ### || [3.35] # قوله تعالى: { إذ قالت امرأت عمران } وهي حنة بنت قافوذا ~~أم مريم، وعمران هو عمران بن ماثان وليس بعمران أبي موسى عليه السلام، ~~وبينهما ألف وثمانون سنة، وكان بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم ~~وملوكهم، وقيل: عمران بن أشهم. قوله تعالى: { رب إني نذرت لك ~~ما في بطني محررا } أي جعلت الذي في بطني محررا نذرا مني لك ~~{ فتقبل مني إنك أنت السميع العليم } والنذر: ما ~~يوجبه الإنسان على نفسه { محررا } أي عتيقا خالصا لله مفرغا ~~لعبادة الله ولخدمة الكنيسة، لا ms0360 أشغله بشيء من الدنيا، وكل ما أخلص فهو ~~محرر، يقال: حررت العبد إذا أعتقته وخلصته من الرق. قال الكلبي ومحمد بن ~~إسحاق وغيرهما: كان المحرر إذا حرر جعل في الكنيسة يقوم عليها ويكنسها ~~ويخدمها ولا يبرحها حتى يبلغ الحلم، ثم يخير إن أحب أقام، وإن أحب ذهب ~~حيث شاء، وإن أراد أن يخرج بعد التخيير لم يكن له ذلك، ولم يكن أحد من ~~الأنبياء والعلماء إلا ومن نسله محررا لبيت المقدس، ولم يكن محررا إلا ~~الغلمان، ولا تصلح له الجارية لما يصيبها من الحيض والأذى، فحررت أم مريم ~~ما في بطنها، وكانت القصة في ذلك، أن زكريا وعمران تزوجا أختين، وكانت ~~أشياع بنت قافوذا أم يحيى عند زكريا، وكانت حنة بنت قافوذا أم مريم عند ~~عمران، وكان قد أمسك عن حنة الولد حتى أسنت وكانوا أهل بيت من الله ~~بمكان، فبينما هي في ظل شجرة بصرت بطائر يطعم فرخا فتحركت بذلك نفسها ~~للولد فدعت الله أن يهب لها ولدا وقالت: اللهم لك علي إن رزقتني ولدا ~~أن أتصدق به على بيت المقدس فيكون من سدنته وخدمه، فحملت بمريم فحررت ما ~~في بطنها، ولم تعلم ما هو، فقال لها زوجها: ويحك ما صنعت، أرأيت إن كان ~~ما في بطنك أنثى لا تصلح لذلك؟ فوقعا جميعا في هم من ذلك، فهلك عمران، ~~وحنة حامل بمريم. ### || [3.36] # { فلما وضعتها } أي ولدتها إذا هي جارية، والهاء في قوله: ~~«وضعتها» راجعة إلى النذير لا إلى ما ولد لذلك أنث { قالت } حنة وكانت ~~ترجو أن يكون غلاما { رب إنى وضعتهآ أنثى } اعتذارا إلى ~~الله عز وجل { والله أعلم بما وضعت } بجزم التاء إخبارا ~~عن الله عز وجل وهي قراءة العامة وقرأ ابن عامر وأبو بكر ويعقوب وضعت ~~برفع التاء جعلوها من كلام أم مريم { وليس الذكر كالأنثى } ~~في خدمة الكنيسة والعباد الذين فيها لعورتها وضعفها وما يعتريها من الحيض ~~والنفاس { وإنى سميتها مريم } ومريم بلغتهم العابدة ~~والخادمة، وكانت مريم أجمل النساء في وقتها وأفضلهن { وإنى ~~أعيذها ms0361 } أمنعها وأجيرها { بك وذريتها } أولادها { من ~~الشيطن الرجيم } فالشيطان الطريد اللعين، والرجيم المرمي ~~بالشهب. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن ~~يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا أبو اليمان، أنا شعيب عن الزهري، حدثني ~~سعيد بن المسيب، قال: قال أبو هريرة رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # " ما من بني آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد، فيستهل الصبي صارخا ~~من الشيطان، غير مريم وابنها " # ، ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه: «وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان ~~الرجيم». # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن ~~يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا أبو اليمان، أنا شعيب عن أبي الزناد عن ~~الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبه بأصبعه حين يولد غير عيسى بن مريم ~~ذهب يطعن فطعن في الحجاب ". ### || [3.37] # قوله { فتقبلها ربها بقبول حسن } أي تقبل الله مريم ~~من حنة مكان المحرر، وتقبل بمعنى قبل ورضي، والقبول مصدر قبل يقبل ~~قبولا مثل الولوع والوزوع، ولم يأت غير هذه الثلاثة. وقيل: معنى التقبل ~~التكفل في التربية والقيام بشأنها { وأنبتها نباتا حسنا } ~~معناه: وأنبتها فنبتت نباتا حسنا، وقيل هذا مصدر على غير [اللفظ] وكذلك ~~قوله { فتقبلها ربها بقبول حسن } [ومثله شائع كقولك ~~تكلمت كلاما، وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما { ~~فتقبلها ربها بقبول حسن } ] أي سلك بها طريق السعداء { ~~وأنبتها نباتا حسنا } يعني سوى خلقها من غير زيادة ولا ~~نقصان فكانت تنبت في اليوم ما ينبت المولود في العام { وكفلها ~~زكريا } قال أهل الأخبار: أخذت حنة مريم حين ولدتها فلفتها في خرقة ~~وحملتها إلى المسجد فوضعتها عند الأحبار، أبناء هارون، وهم يومئذ يلون من ~~بيت المقدس ما يلي الحجبة من الكعبة، فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة، ~~فتنافس فيها الأحبار لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم، ms0362 فقال لهم ~~زكريا: أنا أحقكم بها، عندي خالتها، فقالت له الأحبار: لا نفعل ذلك، ~~فإنها لو تركت لأحق الناس بها لتركت لأمها التي ولدتها، لكنا نقترع ~~عليها فتكون عند من خرج سهمه، فانطلقوا وكانوا [تسعة وعشرين] رجلا إلى ~~نهر جار، قال السدي: هو نهر الأردن فألقوا أقلامهم في الماء على أن من ~~ثبت قلمه في الماء فصعد فهو أولى بها. وقيل: كان على كل قلم اسم واحد ~~منهم. وقيل: كانوا يكتبون التوراة فألقوا أقلامهم التي كانت بأيديهم في ~~الماء [فارتز] قلم زكريا فارتفع فوق الماء وانحدرت أقلامهم ورسبت في ~~النهر، قاله محمد بن إسحاق وجماعة. وقيل: جرى قلم زكريا مصعدا إلى أعلى ~~الماء وجرت أقلامهم بجري الماء. وقال السدي وجماعة: بل ثبت قلم زكريا ~~وقام فوق الماء كأنه في طين، وجرت أقلامهم مع جرية الماء فذهب بها الماء، ~~فسهمهم وقرعهم زكريا، وكان زكريا رأس الأحبار ونبيهم فذلك قوله تعالى { ~~وكفلها زكريا } قرأ حمزة والكسائي وعاصم بتشديد الفاء فيكون ~~زكريا في محل النصب أي ضمنها الله زكريا وضمها إليه بالقرعة، وقرأ ~~الآخرون بالتخفيف فيكون زكريا في محل الرفع أي ضمها زكريا إلى نفسه وقام ~~بأمرها، وهو زكريا بن آذن بن مسلم بن صدوق، من أولاد سليمان بن داود ~~عليهما السلام. وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم: زكريا مقصورا، ~~والآخرون يمدونه. فلما ضم زكريا مريم إلى نفسه بنى لها بيتا واسترضع ~~لها، وقال محمد بن إسحاق ضمها إلى خالتها أم يحيى حتى إذا شبت وبلغت مبلغ ~~النساء بنى لها محرابا في المسجد، وجعل بابه في وسطها لا يرقى إليها إلا ~~بالسلم مثل باب الكعبة لا يصعد إليها غيره، وكان يأتيها بطعامها وشرابها ~~ودهنها كل يوم { كلما دخل عليها زكريا المحراب } ~~وأراد بالمحراب الغرفة، والمحراب أشرف المجالس ومقدمها، وكذلك هو من ~~المسجد، ويقال للمسجد أيضا محراب، قال المبرد: لا يكون المحراب إلا أن ~~يرتقى إليه بدرجة، وقال الربيع ابن أنس: كان زكريا إذا خرج يغلق عليها ~~سبعة أبواب فإذا دخل عليها غرفتها { وجد ms0363 عندها رزقا } أي فاكهة ~~في غير حينها، فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف { قال ~~يمريم أنى لك هذا } قال أبو عبيدة معناه: من أين لك هذا؟ ~~وأنكر بعضهم عليه، وقال: معناه من أي جهة لك هذا؟ لأن «أنى» للسؤال عن ~~الجهة وأين للسؤال عن المكان { قالت هو من عند الله } أي من ~~قطف الجنة، قال الحسن: حين ولدت مريم لم تلقم ثديا قط، كان يأتيها رزقها ~~من الجنة، فيقول لها زكريا: أنى لك هذا؟ قالت: هو من عند الله تكلمت وهي ~~صغيرة { إن الله يرزق من يشآء بغير حساب }. # وقال محمد بن إسحاق: ثم أصابت بني إسرائيل أزمة وهي على ذلك من حالها ~~حتى ضعف زكريا عن حملها فخرج على بني إسرائيل فقال يا بني إسرائيل: ~~تعلمون والله لقد كبرت سني وضعفت عن حمل مريم بنت عمران فأيكم يكفلها ~~بعدي؟ فقالوا: والله لقد جهدنا وأصابنا من السنة ما ترى، فتدافعوها بينهم ~~ثم لم يجدوا من حملها بدا، فتقارعوا عليها بالأقلام فخرج السهم على رجل ~~نجار من بني إسرائيل يقال له: يوسف بن يعقوب، وكان ابن عم مريم فحملها، ~~فعرفت مريم في وجهه شدة مؤنة ذلك عليه، فقالت له: يا يوسف أحسن بالله ~~الظن فإن الله سيرزقنا، فجعل يوسف يرزق بمكانها منه، فيأتيها كل يوم من ~~كسبه بما يصلحها فإذا أدخله عليها في الكنيسة أنماه الله، فيدخل عليها ~~زكريا فيرى عندها فضلا من الرزق، ليس بقدر ما يأتيها به يوسف، فيقول: يا ~~مريم أنى لك هذا قالت: هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب. ~~قال أهل الأخبار فلما رأى ذلك زكريا قال: إن الذي قدر على أن يأتي مريم ~~بالفاكهة في غير حينها من غير سبب لقادر على أن يصلح زوجتي ويهب لي ولدا ~~في غير حينه على الكبر فطمع في الولد، وذلك أن أهل بيته كانوا قد انقرضوا ~~وكان زكريا قد شاخ وآيس من الولد. ### || [3.38-39] # قال الله تعالى: { هنالك } أي عند ذلك { دعا ms0364 زكريا ربه } ~~فدخل المحراب [وأغلق الباب] وناجى ربه { قال رب } أي يا رب { هب ~~لى } أعطني { من لدنك } أي من عندك { ذرية طيبة } أي ~~ولدا مباركا تقيا صالحا رضيا، والذرية تكون واحدا وجمعا، ذكرا ~~وأنثى، وهو هاهنا واحد، بدليل قوله عز وجل: # فهب لى من لدنك وليا # [مريم: 5] وإنما قال: طيبة لتأنيث لفظ الذرية { إنك سميع ~~الدعآء } أي سامعه، وقيل مجيبه، كقوله تعالى: # إني آمنت بربكم فاسمعون # [يس: 25] أي فأجيبوني. # { فنادته الملائكة } قرأ حمزة والكسائي فناداه بالياء، ~~والآخرون بالتاء، فمن قرأ بالتاء فلتأنيث لفظ الملائكة وللجمع مع أن ~~الذكور إذا تقدم فعلهم وهم جماعة كان التأنيث فيهم أحسن كقوله تعالى: # قالت الأعراب # [الحجرات: 14] وعن إبراهيم قال: كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما ~~يذكر الملائكة في القرآن. قال أبو عبيدة: إنما نرى عبد الله اختار ذلك ~~خلافا للمشركين في قولهم الملائكة بنات الله تعالى، وروى الشعبي أن ابن ~~مسعود رضي الله عنه قال: إذا اختلفتم في التاء والياء فاجعلوها ياء ~~وذكروا القرآن. وأراد بالملائكة هاهنا: جبريل عليه السلام وحده، كقوله ~~تعالى في سورة النحل «ينزل الملائكة» يعني جبريل (بالروح) بالوحي، ويجوز ~~في العربية أن يخبر عن الواحد بلفظ الجمع كقولهم: سمعت هذا الخبر من ~~الناس، وإنما سمع من واحد، نظيره قوله تعالى: # الذين قال لهم الناس # [آل عمران: 173] يعني نعيم بن مسعود «إن الناس» يعني أبا سفيان بن حرب، ~~وقال المفضل بن سلمة: إذا كان القائل رئيسا يجوز الإخبار عنه بالجمع ~~لاجتماع أصحابه معه، وكان جبريل عليه السلام رئيس الملائكة وقل ما يبعث ~~إلا ومعه جمع، فجرى على ذلك. قوله تعالى: { وهو قائم يصلى فى ~~المحراب } أي في المسجد وذلك أن زكريا كان الحبر الكبير الذي يقرب ~~القربان، فيفتح باب المذبح فلا يدخلون حتى يأذن لهم في الدخول، فبينما هو ~~قائم يصلي في المحراب، يعني في المسجد عند المذبح يصلي، والناس ينتظرون ~~أن يأذن لهم في الدخول فإذا هو برجل شاب عليه ثياب بيض ففزع منه فناداه، ~~وهو جبريل ms0365 عليه السلام، يا زكريا { أن الله يبشرك } قرأ ابن ~~عامر وحمزة (إن الله) بكسر الألف على إضمار القول تقديره: فنادته ~~الملائكة فقالت { أن الله يبشرك } وقرأ الآخرون بالفتح ~~بإيقاع النداء عليه، كأنه قال: فنادته الملائكة بأن الله يبشرك، قرأ حمزة ~~يبشرك وبابه بالتخفيف كل القرآن إلا قوله: # فبم تبشرون # [الحجر: 54] فإنهم اتفقوا على تشديدها ووافقه الكسائي هاهنا في الموضعين ~~وفي سبحان والكهف وعسق ووافق ابن كثير وأبو عمرو في «عسق» والباقون ~~بالتشديد، فمن قرأ بالتشديد فهو من بشر يبشر تبشيرا، وهو أعرب اللغات ~~وأفصحها. # دليل التشديد قوله تعالى: # فبشر عباد # [الزمر: 17] و # وبشرناه بإسحاق # [الصافات: 112] # قالوا بشرناك بالحق # [الحجر: 55] وغيرها من الآيات، ومن خفف فهو من بشر يبشر وهي لغة تهامة، ~~وقرأه ابن مسعود رضي الله عنه { بيحيى } هو اسم لا يجر لمعرفته ~~وللزائد في أوله مثل يزيد ويعمر، وجمعه يحيون، مثل موسون وعيسون، ~~واختلفوا في أنه لم سمي يحيى؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: لأن الله ~~أحيا به عقر أمه، قال قتادة: لأن الله تعالى أحيا به قلبه بالإيمان ~~وقيل: لأن الله تعالى أحياه بالطاعة حتى لم يعص ولم يهم بمعصية { ~~مصدقا } نصب على الحال { بكلمة من الله } يعني عيسى عليه ~~السلام، سمي عيسى كلمة الله لأن الله تعالى قال له: كن من غير أب فكان، ~~فوقع عليه اسم الكلمة لأنه بها كان، وقيل: سمي كلمة لأنه يهتدى به كما ~~يهتدى بكلام الله تعالى، وقيل: هي بشارة الله تعالى مريم بعيسى عليه ~~السلام بكلامه على لسان جبريل عليه السلام. وقيل: لأن الله تعالى أخبر ~~الأنبياء بكلامه في كتبه أنه يخلق نبيا بلا أب، فسماه كلمة لحصوله بذلك ~~الوعد. وكان يحيى عليه السلام أول من آمن بعيسى عليه السلام وصدقه، وكان ~~يحيى عليه السلام أكبر من عيسى بستة أشهر، وكانا ابني الخالة، ثم قتل ~~يحيى قبل أن يرفع عيسى عليه السلام. وقال أبو عبيدة (بكلمة من الله) أي ~~بكتاب من الله وآياته، تقول العرب: أنشدني كلمة فلان أي قصيدته. ms0366 قوله ~~تعالى: { وسيدا } هو فعيل من ساد يسود وهو الرئيس الذي يتبع وينتهى ~~إلى قوله، قال المفضل: أراد سيدا في الدين. قال الضحاك: السيد الحسن ~~الخلق. قال سعيد بن جبير: السيد الذي يطيع ربه عز وجل. وقال سعيد بن ~~المسيب: السيد الفقيه العالم، وقال قتادة: سيد في العلم والعبادة والورع، ~~وقيل: الحليم الذي لا يغضبه شيء. قال مجاهد: الكريم على الله تعالى، وقال ~~الضحاك: السيد التقي، قال سفيان الثوري: الذي لا يحسد وقيل: الذي يفوق ~~قومه في جميع خصال الخير، وقيل: هو القانع بما قسم الله له. وقيل: السخي. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " «من سيدكم يا بني سلمة»؟ قالوا: جد بن قيس على أنا نبخله قال: ~~«وأي داء أدوأ من البخل، لكن سيدكم عمرو بن الجموح» ". # قوله تعالى: { وحصورا ونبيا من الصلحين } الحصور ~~أصله من الحصر وهو الحبس. والحصور في قول ابن مسعود رضي الله عنه وابن ~~عباس وسعيد بن جبير وقتادة رضي الله عنهم وعطاء والحسن: الذي لا يأتي ~~النساء ولا يقربهن، وهو على هذا القول فعول بمعنى فاعل يعني أنه يحصر ~~نفسه عن الشهوات [وقيل: هو الفقير الذي لا مال] له فيكون الحصور بمعنى ~~المحصور يعني الممنوع من النساء. قال سعيد بن المسيب: كان له مثل هدبة ~~الثوب وقد تزوج مع ذلك ليكون أغض لبصره. وفيه قول آخر: أن الحصور هو ~~الممتنع من الوطء مع القدرة عليه. واختار قوم هذا القول لوجهين (أحدهما): ~~لأن الكلام خرج مخرج الثناء، وهذا أقرب إلى استحقاق الثناء، و(الثاني): ~~أنه أبعد من إلحاق الآفة بالأنبياء. ### || [3.40] # قوله تعالى: { قال رب } أي يا سيدي، قال لجبريل عليه السلام، هذا ~~قول الكلبي وجماعة، وقيل: قاله لله عز وجل { أنى يكون } من أين ~~يكون { لي غلم } أي ابن { وقد بلغني الكبر } هذا من ~~المقلوب أي وقد بلغت الكبر وشخت كما يقال بلغني الجهد أي أنا في الجهد، ~~وقيل: معناه وقد نالني الكبر وأدركني وأضعفني. قال الكلبي: كان زكريا يوم ~~بشر بالولد ابن اثنتين ms0367 وتسعين سنة، وقيل: ابن تسع وتسعين سنة. وقال ~~الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: كان ابن عشرين ومائة سنة، وكانت ~~امرأته بنت ثمان وتسعين سنة فذلك قوله تعالى: { وامرأتى عاقر } ~~أي عقيم لا تلد يقال: رجل عاقر وامرأة عاقر، وقد عقر بضم القاف يعقر ~~عقرا وعقارة { قال: كذلك الله يفعل ما يشآء } فإن قيل ~~لم قال زكريا بعدما وعده الله تعالى: (أنى يكون لي غلام) أكان شاكا في ~~وعد الله وفي قدرته؟ قيل: إن زكريا لما سمع نداء الملائكة جاءه الشيطان ~~فقال: يا زكريا إن الصوت الذي سمعت ليس هو من الله، إنما هو من الشيطان، ~~ولو كان من الله لأوحاه إليك كما يوحى إليك في سائر الأمور، فقال ذلك ~~دفعا للوسوسة، قاله عكرمة والسدي، وجواب آخر: وهو أنه لم يشك في وعد ~~الله إنما شك في كيفيته، أي كيف ذلك؟ ### || [3.41-42] # قوله تعالى: { قال: رب اجعل لى ءاية } أي علامة أعلم بها ~~وقت حمل امرأتي فأزيد في العبادة شكرا لك { قال: ءايتك ألا ~~تكلم الناس } تكف عن الكلام { ثلثة أيام } وتقبل ~~بكليتك على عبادتي، لا أنه حبس لسانه عن الكلام، ولكنه نهي عن الكلام وهو ~~صحيح سوي، كما قال في سورة مريم الآية (10) # ألا تكلم الناس ثلث ليال سويا # يدل عليه قوله تعالى: { وسبح بالعشى والإبكر } فأمره ~~بالذكر ونهاه عن كلام الناس. وقال أكثر المفسرين: عقل لسانه عن الكلام مع ~~الناس ثلاثة أيام، وقال قتادة: أمسك لسانه عن الكلام عقوبة له لسؤاله ~~الآية بعد مشافهة الملائكة إياه فلم يقدر على الكلام ثلاثة أيام، وقوله { ~~إلا رمزا } أي إشارة، والإشارة قد تكون باللسان وبالعين وباليد، ~~وكانت إشارته بالإصبع المسبحة، وقال الفراء: قد يكون الرمز باللسان من ~~غير أن يبين، وهو الصوت الخفي أشبه الهمس، وقال عطاء: أراد به صوم ثلاثة ~~أيام لأنهم كانوا إذا صاموا لم يتكلموا إلا رمزا { واذكر ربك ~~كثيرا وسبح بالعشى والإبكر } قيل: المراد بالتسبيح ~~الصلاة والعشي ما بين زوال الشمس إلى غروب الشمس ومنه سمى ms0368 صلاة الظهر ~~والعصر صلاتي العشي، والإبكار ما بين صلاة الفجر إلى الضحى. # قوله تعالى: { وإذ قالت الملائكة } يعني جبريل { يمريم ~~إن الله اصطفك } اختارك { وطهرك } قيل من مسيس الرجال ~~وقيل من الحيض والنفاس، قال السدي: كانت مريم لا تحيض، وقيل: من الذنوب { ~~واصطفك على نسآء العلمين } قيل: على عالمي زمانها، ~~وقيل: على جميع نساء العالمين في أنها ولدت بلا أب، ولم يكن ذلك لأحد من ~~النساء، وقيل: بالتحرير في المسجد ولم تحرر أنثى. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا أحمد بن رجاء، أخبرنا ~~النضر عن هشام، أخبرنا أبي قال: سمعت عبد الله بن جعفر، قال: سمعت عليا ~~رضي الله عنه يقول: # سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " خير نسائها مريم بنت عمران وخير نسائها خديجة رضي الله عنهما ". # ورواه وكيع وأبو معاوية عن هشام بن عروة وأشار وكيع إلى السماء والأرض. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا آدم، أنا شعبة عن عمرو بن ~~مرة عن أبي موسى الأشعري قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية ~~امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ". # أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، أخبرنا جدي عبد الرحمن بن ~~عبد الصمد البزار، أخبرنا محمد بن زكريا العذافري، أخبرنا إسحاق الديري، ~~أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن أنس رضي الله عنهما: # أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت ~~محمد صلى الله عليه وسلم، وآسية امرأة فرعون " ### || [3.43] # قوله تعالى: { يمريم اقنتى لربك } قالت لها الملائكة ~~شفاها أي: أطيعي ربك، وقال مجاهد أطيلي القيام في الصلاة لربك، [والقنوت ~~الطاعة] وقيل: القنوت طول القيام قال الأوزاعي: لما ms0369 قالت لها الملائكة ~~ذلك، قامت في الصلاة حتى ورمت قدماها وسالت دما وقيحا { واسجدى ~~واركعى } قيل: إنما قدم السجود على الركوع لأنه كان كذلك في شريعتهم، ~~وقيل: بل كان الركوع قبل السجود في الشرائع كلها، وليس الواو للترتيب بل ~~للجمع، يجوز أن يقول الرجل: رأيت زيدا وعمرا، وإن كان قد رأى عمرا قبل ~~زيد { مع الركعين } ولم يقل مع الراكعات ليكون أعم وأشمل فإنه ~~يدخل فيه الرجال والنساء، وقيل: معناه مع المصلين في الجماعة. ### || [3.44-46] # قوله تعالى: { ذلك من أنبآء الغيب نوحيه إليك } يقول ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم (ذلك) الذي ذكرت من حديث زكريا ويحيى ومريم ~~وعيسى(من أنباء الغيب) أي من أخبار الغيب (نوحيه إليك) رد الكناية إلى ~~ذلك فلذلك ذكره { وما كنت } يا محمد { لديهم إذ يلقون ~~أقلمهم } سهامهم في الماء للاقتراع { أيهم يكفل ~~مريم } يحضنها ويربيها { وما كنت لديهم إذ يختصمون ~~} في كفالتها. # قوله تعالى: { إذ قالت الملائكة يمريم إن الله ~~يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن ~~مريم } إنما قال: اسمه رد الكناية إلى عيسى، واختلفوا في أنه لم سمي ~~مسيحا، منهم من قال: هو فعيل بمعنى المفعول يعني أنه مسح من الأقذار ~~وطهر من الذنوب، وقيل: لأنه مسح بالبركة، وقيل: لأنه خرج من بطن أمه ~~ممسوحا بالدهن، وقيل مسحه جبريل بجناحه حتى لم يكن للشيطان عليه سبيل، ~~وقيل: لأنه كان مسيح القدم لا أخمص له، وسمى الدجال مسيحا لأنه ممسوح ~~إحدى العينين، وقال بعضهم هو فعيل بمعنى الفاعل، مثل عليم وعالم. وقال ~~ابن عباس رضي الله عنهما سمي مسيحا لأنه ما مسح ذا عاهة إلا برأ، وقيل: ~~سمي بذلك لأنه كان يسيح في الأرض ولا يقيم في مكان، وعلى هذا القول تكون ~~الميم فيه زائدة. وقال إبراهيم النخعي: المسيح الصديق. ويكون المسيح ~~بمعنى الكذاب وبه سمي الدجال والحرف من الأضداد { وجيها } أي شريفا ~~رفيعا ذا جاه وقدر { في الدنيا والآخرة ومن ~~المقربين } عند الله. # { ويكلم الناس فى المهد } صغيرا قبل أوان الكلام كما ~~ذكره في ms0370 سورة مريم قال: # إني عبد الله آتاني الكتاب # [مريم: 30] وحكي عن مجاهد قال: قالت مريم: كنت إذا خلوت أنا وعيسى حدثني ~~وحدثته، فإذا شغلني عنه إنسان سبح في بطني وأنا أسمع قوله { وكهلا } ~~قال مقاتل: يعني إذا اجتمع قبل أن يرفع إلى السماء وقال الحسين بن الفضل: ~~(وكهلا) بعد نزوله من السماء. وقيل: أخبرها أنه يبقى حتى يكتهل، وكلامه ~~بعد الكهولة إخباره عن الأشياء المعجزة، وقيل: { وكهلا } نبيا بشرها ~~بنبوة عيسى عليه السلام وكلامه في المهد معجزة وفي الكهولة دعوة. وقال ~~مجاهد: { وكهلا } أي حليما. والعرب تمدح الكهولة لأنها الحالة ~~الوسطى في احتناك السن واستحكام العقل وجودة الرأي والتجربة { ومن ~~الصلحين } أي: هو من العباد الصالحين. ### || [3.47-49] # { قالت: رب } يا سيدي تقوله لجبريل. وقيل: تقول لله عز وجل { ~~أنى يكون لى ولد ولم يمسسنى بشر } ولم يصبني رجل، ~~قالت ذلك تعجبا إذ لم تكن جرت العادة بأن يولد ولد لا أب له { قال ~~كذلك الله يخلق ما يشآء، إذا قضى أمرا } أراد ~~كون الشيء { فإنما يقول له كن فيكون } كما يريد. # قوله تعالى: { ويعلمه الكتاب } قرأ أهل المدينة وعاصم ويعقوب ~~بالياء لقوله تعالى: (كذلك الله يخلق ما يشاء)، وقيل: رده على قوله: (إن ~~الله يبشرك) { ويعلمه } وقرأ الآخرون بالنون على التعظيم كقوله ~~تعالى: (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك) قوله: { الكتاب } أي الكتابة ~~والخط { والحكمة } العلم والفقه { والتوراة والإنجيل } ~~علمه الله التوارة والإنجيل # { ورسولا } أي ونجعله رسولا { إلى بنى إسرءيل } قيل: ~~كان رسولا في حال الصبا، وقيل: إنما كان رسولا بعد البلوغ، وكان أول ~~أنبياء بني إسرائيل يوسف وآخرهم عيسى عليهما السلام فلما بعث قال: { ~~أنى } قال الكسائي: إنما فتح لأنه أوقع الرسالة عليه، وقيل: معناه ~~بأني { قد جئتكم بآية } علامة { من ربكم } تصدق قولي ~~وإنما قال: بآية وقد أتى بآيات لأن الكل دل على شيء واحد وهو صدقه في ~~الرسالة، فلما قال ذلك عيسى عليه السلام لبني إسرائيل، قالوا: وما هي، ~~قال: { أنى } قرأ نافع بكسر الألف على الاستئناف، ms0371 وقرأ الباقون بالفتح ~~على معنى بأني { أخلق } أي أصور وأقدر { لكم من الطين ~~كهيئة الطير } قرأ أبو جعفر كهيئة الطير هاهنا وفي المائدة، ~~والهيئة الصورة المهيأة من قولهم: هيأت الشيء إذا قدرته وأصلحته { ~~فأنفخ فيه } أي في الطير { فيكون طيرا بإذن الله } ~~قراءة الأكثرين بالجمع لأنه خلق طيرا كثيرا، وقرأ أهل المدينة ويعقوب ~~فيكون طائرا على الواحد هاهنا. وفي سورة المائدة ذهبوا إلى نوع واحد من ~~الطير لأنه لم يخلق غير الخفاش، وإنما خص الخفاش لأنه أكمل الطير خلقا ~~لأن له ثديا وأسنانا وهي تحيض. قال وهب: كان يطير ما دام الناس ينظرون ~~إليه فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتا، ليتميز فعل الخلق من فعل الخالق، ~~وليعلم أن الكمال لله عز وجل { وأبرىء الأكمه والأبرص } أي ~~أشفيهما وأصححهما، واختلفوا في الأكمه، قال ابن عباس وقتادة: هو الذي ولد ~~أعمى، وقال الحسن والسدي: هو الأعمى. وقال عكرمة: هو الأعمش. وقال مجاهد: ~~هو يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل، { والأبرص } الذي به وضح، وإنما خص ~~هذين لأنهما داءان عياءان، وكان الغالب في زمن عيسى عليه السلام الطب، ~~فأراهم المعجزة من جنس ذلك. قال وهب: ربما اجتمع عند عيسى عليه السلام من ~~المرضى في اليوم الواحد خمسون ألفا من أطاق منهم أن يبلغه بلغه ومن لم ~~يطق مشى إليه عيسى عليه السلام وكان يداويهم بالدعاء على شرط الإيمان. # قوله تعالى: { وأحى الموتى بإذن الله } قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: قد أحيا أربعة أنفس، عازر وابن العجوز، وابنة العاشر، ~~وسام بن نوح، فأما عازر فكان صديقا له فأرسلت أخته إلى عيسى عليه ~~السلام: أن أخاك عازر يموت وكان بينه وبينه مسيرة ثلاثة أيام فأتاه هو ~~وأصحابه فوجدوه قد مات منذ ثلاثة أيام، فقال لأخته: انطلقي بنا إلى قبره، ~~فانطلقت معهم إلى قبره، فدعا الله تعالى فقام عازر وودكه يقطر فخرج من ~~قبره وبقي وولد له. وأما ابن العجوز فإنه مر به ميتا على عيسى عليه ~~السلام على سرير يحمل فدعا الله عيسى فجلس على ms0372 سريره، ونزل على أعناق ~~الرجال، ولبس ثيابه، وحمل السرير على عنقه ورجع إلى أهله فبقي وولد له. ~~وأما ابنة العاشر كان [أبوها] رجلا يأخذ العشور ماتت له بنت بالأمس، ~~فدعا الله عز وجل [باسمه الأعظم] فأحياها [الله تعالى] وبقيت [بعد ذلك ~~زمنا] وولد لها. وأما سام بن نوح عليه السلام، فإن عيسى عليه السلام جاء ~~إلى قبره فدعا باسم الله الأعظم فخرج من قبره وقد شاب نصف رأسه خوفا من ~~قيام الساعة، ولم يكونوا يشيبون في ذلك الزمان فقال: قد قامت القيامة؟ ~~قال: لا ولكن دعوتك باسم الله الأعظم، ثم قال له: مت قال: بشرط أن يعيذني ~~الله من سكرات الموت فدعا الله ففعل. قوله تعالى: { وأنبئكم } ~~وأخبركم { بما تأكلون } مما لم أعاينه { وما تدخرون } ~~ترفعونه { فى بيوتكم } حتى تأكلوه، وقيل: كان يخبر الرجل بما أكل ~~البارحة وبما يأكل اليوم وبما ادخره للعشاء. # وقال السدي: كان عيسى عليه السلام في الكتاب يحدث الغلمان بما يصنع ~~آباؤهم ويقول للغلام: انطلق فقد أكل أهلك كذا وكذا ورفعوا لك كذا وكذا، ~~فينطلق الصبي إلى أهله ويبكي عليهم حتى يعطوه ذلك الشيء، فيقولون: من ~~أخبرك بهذا؟. فيقول: عيسى فحبسوا صبيانهم عنه وقالوا: لا تلعبوا مع هذا ~~الساحر فجمعوهم في بيت فجاء عيسى عليه السلام يطلبهم فقالوا: ليسوا ~~هاهنا، فقال: فما في هذا البيت؟ قالوا: خنازير، قال عيسى، كذلك يكونون، ~~ففتحوا عنهم فإذا هم خنازير ففشا ذلك في بني إسرائيل، فهمت به بنو ~~إسرائيل فلما خافت عليه أمه حملته على [حمير] لها، وخرجت (هاربة منهم) ~~إلى أهل مصر، وقال قتادة: إنما هذا في المائدة وكان خوانا ينزل عليهم ~~أينما كانوا كالمن والسلوى، وأمروا أن لا يخونوا ولا يخبئوا للغد فخانوا ~~وخبؤا فجعل عيسى يخبرهم بما اكلوا من المائدة وبما أدخروا منها فمسخهم ~~الله خنازير. قوله تعالى: { إن في ذلك } الذي ذكرت { لأية ~~لكم إن كنتم مؤمنين }. ### || [3.50-52] # { ومصدقا } عطف على قوله ورسولا { لما بين يدي من ~~التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم } من ~~اللحوم ms0373 والشحوم، وقال أبو عبيدة: أراد بالبعض الكل يعني: كل الذي حرم ~~عليكم، وقد يذكر البعض ويراد به الكل كقول لبيد: # تراك أمكنة إذا لم أرضها # أو ترتبط بعض النفوس حمامها # يعني: كل النفوس. # قوله تعالى: { وجئتكم بآية من ربكم } يعني ما ذكر من ~~الآيات وإنما وحدها لأنها كلها جنس واحد في الدلالة على رسالته { ~~فاتقوا الله وأطيعون إن الله ربي وربكم ~~فاعبدوه هذا صراط مستقيم }. # قوله تعالى: { فلمآ أحس عيسى منهم الكفر } أي وجد ~~قاله الفراء، وقال أبو عبيدة: عرف، وقال مقاتل: رأى { منهم الكفر ~~} وأرادوا قتله استنصر عليهم و { قال من أنصارى إلى الله } ~~قال السدي: كان سبب ذلك أن عيسى عليه السلام لما بعثه الله عز وجل إلى ~~بني إسرائيل وأمره بالدعوة، نفته بنو إسرائيل وأخرجوه، فخرج هو وأمه ~~يسيحان في الأرض، فنزلا في قرية على رجل فأضافهما وأحسن إليهما، وكان ~~لتلك المدينة جبار متعد فجاء ذلك الرجل يوما مهتما حزينا، فدخل منزله ~~ومريم عند امرأته فقالت لها مريم: ما شأن زوجك أراه كئيبا، قالت: لا ~~تسأليني، قالت: أخبريني لعل الله يفرج كربته، قالت: إن لنا ملكا يجعل ~~على كل رجل منا يوما أن يطعمه وجنوده ويسقيهم الخمر فإن لم يفعل عاقبه، ~~واليوم نوبتنا وليس لذلك عندنا سعة، قالت: فقولي له لا يهتم فإني آمر ~~ابني فيدعو له فيكفي ذلك، فقالت مريم لعيسى عليه السلام في ذلك، فقال ~~عيسى: إن فعلت ذلك وقع شر، قالت: فلا تبال فإنه قد أحسن إلينا وأكرمنا، ~~قال عيسى عليه السلام، فقولي له إذا اقترب ذلك فاملأ قدورك وخوابيك ماء ~~ثم أعلمني ففعل ذلك، فدعا الله تعالى عيسى عليه السلام، فتحول ماء القدور ~~مرقا ولحما، وماء الخوابي خمرا لم ير الناس مثله قط فلما جاء الملك ~~أكل فلما شرب الخمر، قال: من أين هذا الخمر، قال: من أرض كذا، قال ~~[الملك]: فإن خمري من تلك الأرض وليست مثل هذه، قال: هي من أرض أخرى، ~~فلما خلط على الملك واشتد عليه قال: فأنا أخبرك ms0374 عندي غلام لا يسأل الله ~~شيئا إلا أعطاه إياه، وإنه دعا الله فجعل الماء خمرا، وكان للملك ابن ~~يريد أن يستخلفه فمات قبل ذلك بأيام، وكان أحب الخلق إليه، فقال: إن ~~رجلا دعا الله حتى جعل الماء خمرا [ليستجاب له] حتى يحيي ابني، فدعا ~~عيسى فكلمه في ذلك فقال عيسى: لا تفعل فإنه إن عاش وقع شر، فقال الملك: ~~لا أبالي أليس أراه، قال عيسى: إن أحييته تتركوني وأمي نذهب حيث نشاء، ~~قال: نعم، فدعا الله فعاش الغلام فلما رآه أهل مملكته قد عاش تبادروا ~~بالسلاح، وقالوا: أكلنا هذا حتى إذا دنا موته يريد أن يستخلف علينا ابنه ~~فيأكلنا كما أكل أبوه فاقتتلوا فذهب عيسى وأمه فمر بالحواريين وهم ~~يصطادون السمك، فقال: ما تصنعون؟ فقالوا: نصطاد السمك قال: أفلا تمشون ~~حتى نصطاد الناس، قالوا: ومن أنت، قال: أنا عيسى ابن مريم عبد الله ~~ورسوله من أنصاري إلى الله، فآمنوا وانطلقوا معه. # قوله تعالى: { من أنصارى إلى الله } قال السدي وابن جريج: مع ~~الله تعالى تقول العرب: الذود إلى الذود إبل أي مع الذود، وكما قال الله ~~تعالى: # ولا تأكلوا أمولهم إلى أمولكم # [النساء: 2] أي مع أموالكم. وقال الحسن وأبو عبيدة: إلى بمعنى في أي من ~~أعواني في الله أي في ذات الله وسبيله، وقيل إلى في موضعه معناه من يضم ~~نصرته إلى نصرة الله لي، واختلفوا في الحواريين قال مجاهد والسدي: كانوا ~~صيادين يصطادون السمك سموا حواريين لبياض ثيابهم، وقيل: كانوا ملاحين. ~~وقال الحسن: كانوا قصارين سموا بذلك لأنهم كانوا يحورون الثياب أي ~~يبيضونها. وقال عطاء: سلمت مريم عيسى عليه السلام إلى أعمال شتى فكان آخر ~~ما دفعته إلى الحواريين، وكانوا قصارين وصباغين فدفعته إلى رئيسهم ليتعلم ~~منه فاجتمع عنده ثياب وعرض له سفر، فقال لعيسى: إنك قد تعلمت هذه الحرفة ~~وأنا خارج في سفر لا أرجع إلى عشرة أيام وهذه ثياب الناس مختلفة الألوان، ~~وقد أعلمت كل واحد بخيط على اللون الذي يصبغ به، فيجب أن تكون فارغا ~~منها ms0375 وقت قدومي، وخرج فطبخ عيسى جبا واحدا على لون واحد وأدخل جميع ~~الثياب وقال: كوني بإذن الله على ما أريد منك، فقدم الحواري والثياب كلها ~~في الجب، فقال: ما فعلت؟ فقال: فرغت منها، قال: أين هي؟ قال: في الجب، ~~قال: كلها، قال: قال: لقد أفسدت تلك الثياب، فقال: قم فانظر، فأخرج عيسى ~~ثوبا أحمر، وثوبا أصفر وثوبا أخضر إلى أن أخرجها على الألوان التي ~~أرادها، فجعل الحواري يتعجب فعلم أن ذلك من الله، فقال للناس: تعالوا ~~فانظروا فآمن به هو وأصحابه فهم الحواريون، وقال الضحاك: سموا حواريين ~~لصفاء [قلوبهم] وقال ابن المبارك: سموا به لما عليهم من أثر العبادة ~~ونورها، وأصل الحور عند العرب شدة البياض، يقال: رجل أحور وامرأة حوراء ~~أي شديدة بياض العين، وقال الكلبي وعكرمة: الحواريون هم الأصفياء وهم ~~كانوا أصفياء عيسى عليه السلام، وكانوا اثني عشر رجلا، قال روح بن ~~القاسم: سألت قتادة عن الحواريين قال: هم الذين يصلح لهم الخلافة، وعنه ~~أنه قال: الحواريون هم الوزراء، وقال الحسن: الحواريون الأنصار، والحواري ~~الناصر، والحواري في كلام العرب خاصة الرجل الذي يستعين به فيما ينويه. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا الحميدي، أخبرنا ~~سفيان، أخبرنا محمد بن المنكدر قال: سمعت جابر ابن عبد الله رضي الله ~~عنهما يقول: # ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس يوم الخندق فانتدب الزبير ثم ~~ندبهم فانتدب الزبير، فقال النبي: # " إن لكل نبي حواريا وحواريي الزبير ". # قال سفيان: الحواري الناصر، # قال معمر: قال قتادة: إن الحواريين كلهم من قريش أبو بكر وعمر وعثمان ~~وعلي وحمزة وجعفر وأبو عبيدة بن الجراح وعثمان بن مظعون وعبد الرحمن بن ~~عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام رضي الله ~~عنهم أجمعين. { قال الحواريون: نحن أنصار الله } ~~أعوان دين الله ورسوله { ءامنا بالله واشهد } يا عيسى { ~~بأنا مسلمون }. ### || [3.53] # { ربنآ آمنا بمآ أنزلت } من كتابك { واتبعنا ms0376 ~~الرسول } عيسى { فاكتبنا مع الشهدين } الذين شهدوا ~~لأنبيائك بالصدق. وقال عطاء: مع النبيين لأن كل نبي شاهد أمته. قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما مع محمد صلى الله عليه وسلم وأمته لأنهم يشهدون ~~للرسل بالبلاغ. ### || [3.54] # قوله تعالى: { ومكروا } يعني كفار بني إسرائيل الذي أحس عيسى منهم ~~الكفر وبروا في قتل عيسى عليه السلام، وذلك أن عيسى عليه السلام بعد ~~إخراج قومه إياه وأمه عاد إليهم مع الحواريين، وصاح فيهم بالدعوة فهموا ~~بقتله وتواطئوا على الفتك به فذلك مكرهم، قال الله تعالى: { ومكر ~~الله والله خير المكرين } فالمكر من المخلوقين: الخبث ~~والخديعة والحيلة، والمكر من الله: استدراج العبد وأخذه بغتة من حيث لا ~~يعلم كما قال: # سنستدرجهم من حيث لا يعلمون # [الأعراف: 182] وقال الزجاج: مكر الله عز وجل مجازاتهم على مكرهم فسمي ~~الجزاء باسم الابتداء لأنه في مقابلته كقوله تعالى: # الله يستهزىء بهم # [البقرة: 15]، # وهو خادعهم # [النساء: 142] ومكر الله تعالى خاصة بهم في هذه الآية، وهو إلقاؤه الشبه ~~على صاحبهم الذي أراد قتل عيسى عليه السلام حتى قتل. قال الكلبي عن أبي ~~صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن عيسى استقبل رهطا من اليهود فلما ~~رأوه قالوا: قد جاء الساحر ابن الساحرة، والفاعل ابن الفاعلة، وقذفوه ~~وأمه فلما سمع ذلك عيسى عليه السلام دعا عليهم ولعنهم فمسخهم الله ~~خنازير. فلما رأى ذلك يهوذا رأس اليهود وأميرهم فزع لذلك وخاف دعوته ~~فاجتمعت كلمة اليهود على قتل عيسى عليه السلام، وثاروا إليه ليقتلوه فبعث ~~الله إليه جبريل فأدخله في خوخة في سقفها روزنة فرفعه إلى السماء من تلك ~~الروزنة، فأمر يهوذا رأس اليهود رجلا من أصحابه يقال له: ططيانوس أن ~~يدخل الخوخة ويقتله، فلما دخل لم ير عيسى، فأبطأ عليهم فظنوا أنه يقاتله ~~فيها، فألقى الله عليه شبه عيسى عليه السلام، فلما خرج ظنوا أنه عيسى ~~عليه السلام فقتلوه وصلبوه، قال وهب: طرقوا عيسى في بعض الليل، ونصبوا ~~خشبة ليصلبوه، فأظلمت الأرض، فأرسل الله الملائكة فحالت بينهم وبينه، ~~فجمع عيسى الحواريين ms0377 تلك الليلة وأوصاهم ثم قال: ليكفرن بي أحدكم قبل أن ~~يصيح الديك ويبيعني بدراهم يسيرة، فخرجوا وتفرقوا، وكانت اليهود تطلبه، ~~فأتى أحد الحواريين إلى اليهود فقال لهم: ما تجعلون لي إن دللتكم على ~~المسيح؟ فجعلوا له ثلاثين درهما فأخذها ودلهم عليه. ولما دخل البيت ألقى ~~الله عليه شبه عيسى، فرفع عيسى وأخذ الذي دلهم عليه فقال: أنا الذي ~~دللتكم عليه، فلم يلتفتوا إلى قوله وقتلوه وصلبوه، وهم يظنون أنه عيسى، ~~فلما صلب شبه عيسى، جاءت مريم أم عيسى وامرأة كان عيسى دعا لها فأبرأها ~~الله من الجنون تبكيان عند المصلوب، فجاءهما عيسى عليه السلام فقال لهما: ~~علام تبكيان؟ إن الله تعالى قد رفعني ولم يصبني إلا خير، وإن هذا شيء شبه ~~لهم، فلما كان بعد سبعة أيام قال الله عز وجل لعيسى عليه السلام: اهبط ~~على مريم المجدلانية اسم موضع في جبلها، فإنه لم يبك عليك أحد بكاءها، ~~ولم يحزن حزنها ثم ليجتمع لك الحواريون فبثهم في الأرض دعاة إلى الله عز ~~وجل، فأهبطه الله عليها فاشتعل الجبل حين هبط نورا، فجمعت له الحواريين ~~فبثهم في الأرض دعاة ثم رفعه الله عز وجل إليه وتلك الليلة هي التي تدخن ~~فيها النصارى، فلما أصبح الحواريون حدث كل واحد منهم بلغة من أرسله ~~عيسى إليهم فذلك قوله تعالى: { ومكروا ومكر الله والله ~~خير المكرين }. # وقال السدي: إن اليهود حبسوا عيسى في بيت وعشرة من الحواريين فدخل عليهم ~~رجل منهم فألقى الله عليه شبهه، وقال قتادة ذكر لنا أن نبي الله عيسى ~~عليه السلام قال لأصحابه أيكم يقذف عليه شبهي فإنه مقتول، فقال رجل من ~~القوم: أنا يا نبي الله، فقتل ذلك الرجل ومنع الله عيسى عليه السلام ~~ورفعه إليه وكساه الريش وألبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وطار ~~مع الملائكة فهو معهم حول العرش، وكان إنسيا ملكيا سمائيا أرضيا، قال ~~أهل التواريخ: حملت مريم بعيسى ولها ثلاث عشرة سنة، وولدت عيسى ببيت لحم ~~من أرض أوري شلم لمضي خمس وستين سنة ms0378 من غلبة الاسكندر على أرض بابل فأوحى ~~الله إليه على رأس ثلاثين سنة، ورفعه الله من بيت المقدس ليلة القدر من ~~شهر رمضان، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة فكانت نبوته ثلاث سنين، وعاشت أمه ~~مريم بعد رفعه ست سنين. ### || [3.55] # { إذ قال الله يعيسى إني متوفيك ورافعك ~~إلي } اختلفوا في معنى التوفي هاهنا، قال الحسن والكلبي، وابن جريج: ~~إني قابضك ورافعك من الدنيا إلي من غير موت، يدل عليه قوله تعالى: # فلما توفيتنى # [المائدة: 117] أي قبضتني إلى السماء وأنا حي، لأن قومه إنما تنصروا بعد ~~رفعه إلى السماء لا بعد موته، فعلى هذا للتوفي تأويلان، أحدهما: إني ~~رافعك إلي وافيا لم ينالوا منك شيئا، من قولهم توفيت كذا واستوفيته إذا ~~أخذته تاما، والآخر: إني [متسلمك] من قولهم توفيت منه كذا أي تسلمته، ~~وقال الربيع بن أنس: المراد بالتوفي النوم [وكل ذي عين نائم] وكان عيسى ~~قد نام فرفعه الله نائما إلى السماء، معناه: إني منومك ورافعك إلي كما ~~قال الله تعالى: # وهو الذي يتوفاكم بالليل # [الأنعام: 60] أي ينيمكم. وقال بعضهم: المراد بالتوفي الموت، وروى [عن] ~~علي بن طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن معناه: أني مميتك يدل عليه ~~قوله تعالى: # قل يتوفكم ملك الموت # [السجدة: 11] فعلى هذا له تأويلان: أحدهما ما قاله وهب: توفى الله عيسى ~~ثلاث ساعات من النهار ثم رفعه الله إليه، وقال محمد بن إسحاق: إن النصارى ~~يزعمون أن الله تعالى توفاه سبع ساعات من النهار ثم أحياه ورفعه، والآخر ~~ما قاله الضحاك وجماعة: إن في هذه الآية تقديما وتأخيرا معناه أني ~~رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا ومتوفيك بعد إنزالك من السماء. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح، ~~أخبرنا أبو القاسم عبد الله ابن محمد بن عبد العزيز البغوي، أخبرنا علي ~~بن الجعد، أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، عن ابن ~~شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضي الله عنه # عن النبي ms0379 صلى الله عليه وسلم قال: # " والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عادلا يكسر ~~الصليب، ويقتل الخنزير ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد ". # ويروى عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في نزول ~~عيسى عليه السلام قال: # " وتهلك في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك الدجال فيمكث في الأرض ~~أربعين سنة ثم يتوفى فيصلي عليه المسلمون ". # وقيل للحسين بن الفضل هل تجد نزول عيسى في القرآن؟ قال نعم: (وكهلا) ~~ولم يكتهل في الدنيا وإنما معناه وكهلا بعد نزوله من السماء. قوله ~~تعالى: { ومطهرك من الذين كفروا } أي مخرجك من بينهم ~~ومنجيك منهم { وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين ~~كفروا إلى يوم القيمة } قال قتادة والربيع والشعبي ~~ومقاتل والكلبي: هم أهل الإسلام الذين صدقوه واتبعوا دينه في التوحيد من ~~أمة محمد صلى الله عليه وسلم فهم فوق الذين كفروا ظاهرين قاهرين بالعزة ~~والمنعة والحجة، وقال الضحاك: يعني الحواريين فوق الذين كفروا، وقيل: هم ~~أهل الروم، وقيل: أراد بهم النصارى فهم فوق اليهود إلى يوم القيامة، فإن ~~اليهود قد ذهب ملكهم، وملك النصارى دائم إلى قريب من قيام الساعة، فعلى ~~هذا يكون الاتباع بمعنى الادعاء والمحبة لا اتباع الدين. { ثم إلي ~~مرجعكم } في الآخرة { فأحكم بينكم فيما كنتم فيه ~~تختلفون } من أمر الدين وأمر عيسى. ### || [3.56-60] # { فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في ~~الدنيا } بالقتل والسبي والجزية والذلة { والآخرة } أي وفي ~~الآخرة بالنار { وما لهم من نصرين }. # { وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم ~~أجورهم } قرأ الحسن وحفص بالياء، والباقون بالنون أي نوفي أجور ~~أعمالهم { والله لا يحب الظلمين } أي لا يرحم الكافرين ~~ولا يثني عليهم بالجميل. # قوله تعالى: { ذلك } أي هذا الذي ذكرته لك من الخبر عن عيسى ومريم ~~والحواريين { نتلوه عليك } [نخبرك به بتلاوة جبريل عليك] { من ~~الآيت والذكر الحكيم } يعني القرآن والذكر ذي الحكمة، وقال ~~مقاتل: الذكر الحكيم أي المحكم الممنوع من الباطل وقيل: الذكر الحكيم هو ~~اللوح المحفوظ، وهو معلق ms0380 بالعرش من درة بيضاء. وقيل من الآيات أي ~~العلامات الدالة على نبوتك لأنها أخبار لا يعلمها إلا قارىء كتاب أو من ~~يوحي إليه وأنت أمي لا تقرأ. # قوله تعالى: { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم } ~~الآية # " نزلت في وفد نجران وذلك أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~ما لك تشتم صاحبنا؟ قال: وما أقول، قالوا: تقول إنه عبد الله قال: أجل هو ~~عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول فغضبوا وقالوا هل ~~رأيت إنسانا قط من غير أب؟ " # فأنزل الله تعالى (إن مثل عيسى عند الله) في كونه خلقا من غير أب وأم { ~~خلقه من تراب ثم قال له } يعني لعيسى عليه السلام { كن ~~فيكون } يعني فكان فإن قيل ما معنى قوله (خلقه من تراب ثم قال له كن ~~فيكون) ولا تكوين بعد الخلق؟ قيل معناه خلقه ثم أخبركم أني قلت له: كن ~~فكان من غير ترتيب في الخلق كما يكون في الولادة وهو مثل قول الرجل: ~~أعطيتك اليوم درهما ثم أعطيتك أمس درهما، أي ثم أخبرك أني أعطيتك أمس ~~درهما. وفيما سبق من التمثيل دليل على جواز القياس، لأن القياس هو رد ~~فرع إلى أصل بنوع شبه، وقد رد الله تعالى خلق عيسى إلى آدم عليهم السلام ~~بنوع شبه. # قوله تعالى: { الحق من ربك } أي هو الحق وقيل جاءك الحق من ~~ربك { فلا تكن من الممترين } الشاكين، الخطاب مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم والمراد أمته. ### || [3.61] # قوله عز وجل: { فمن حآجك فيه } أي جادلك في أمر عيسى أو في ~~الحق { من بعد ما جآءك من العلم } بأن عيسى عبد الله ~~ورسوله { فقل تعالوا } وأصله تعاليوا تفاعلوا من العلو فاستثقلت ~~الضمة على الياء فحذفت، قال الفراء: بمعنى تعال كأنه يقول: ارتفع. قوله { ~~ندع } جزم لجواب الأمر وعلامة الجزم سقوط الواو { أبنآءنا ~~وأبنآءكم ونسآءنا ونسآءكم وأنفسنا وأنفسكم } ~~قيل: أبناءنا أراد الحسن والحسين، ونساءنا فاطمة. وأنفسنا عنى نفسه ~~وعليا رضي الله عنه والعرب تسمي ابن عم ms0381 الرجل نفسه، كما قال الله تعالى: # ولا تلمزوا أنفسكم # [الحجرات: 11] يريد إخوانكم وقيل هو على العموم الجماعة أهل الدين { ~~ثم نبتهل } قال ابن عباس رضي الله عنهما: أي نتضرع في الدعاء، ~~وقال الكلبي: نجتهد ونبالغ في الدعاء، وقال الكسائي وأبو عبيدة: نلتعن ~~والابتهال، الالتعان يقال: عليه بهلة الله أي لعنته: { فنجعل ~~لعنت الله على الكذبين } منا ومنكم في أمر عيسى، # " فلما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية على وفد نجران ~~ودعاهم إلى المباهلة، قالوا: حتى نرجع وننظر في أمرنا ثم نأتيك غدا، ~~فخلا بعضهم ببعض فقالوا للعاقب وكان ذا رأيهم: يا عبد المسيح ما ترى؟ ~~قال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمدا نبي مرسل، والله ما لاعن ~~قوم نبيا قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم ذلك لنهلكن فإن ~~أبيتم إلا الإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل ~~وانصرفوا إلى بلادكم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد غدا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم محتضنا للحسين آخذا بيد الحسن وفاطمة تمشي ~~خلفه وعلي خلفها وهو يقول لهم: «إذا أنا دعوت فأمنوا» فقال أسقف ~~نجران: يا معشر النصارى إني لأرى وجوها لو سألوا الله أن يزيل جبلا من ~~مكانه لأزاله فلا تبتهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض منكم نصراني ~~إلى يوم القيامة، فقالوا يا أبا القاسم: قد رأينا أن لا نلاعنك وأن نتركك ~~على دينك ونثبت على ديننا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإن ~~أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم» فأبوا ~~فقال: «فإني أنابذكم» فقالوا: ما لنا بحرب العرب طاقة، ولكنا نصالحك على ~~أن لا تغزونا ولا تخيفنا ولا تردنا عن ديننا على أن نؤدي إليك كل عام ~~ألفي حلة، ألفا في صفر وألفا في رجب، فصالحهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على ذلك وقال: «والذي نفسي بيده إن العذاب قد تدلى على أهل نجران ~~ولو تلاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ولاضطرم ms0382 عليهم الوادي نارا، ولاستأصل ~~الله نجران وأهله حتى الطير على الشجر، ولما حال الحول على النصارى كلهم ~~حتى هلكوا " ### || [3.62-64] # قال الله تعالى: { إن هذا لهو القصص الحق } النبأ ~~الحق { وما من إله إلا الله } و«من» صلة تقديره وما إله ~~إلا الله { وإن الله لهو العزيز الحكيم }. # { فإن تولوا } أعرضوا عن الإيمان { فإن الله عليم ~~بالمفسدين } الذين يعبدون غير الله، ويدعون الناس إلى عبادة غير ~~الله. # قوله تعالى: { قل يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة ~~سوآء بيننا وبينكم } الآية # قال المفسرون: قدم وفد نجران المدينة فالتقوا مع اليهود فاختصموا في ~~إبراهيم عليه السلام، فزعمت النصارى أنه كان نصرانيا وهم على دينه وأولى ~~الناس به، وقالت اليهود: بل كان يهوديا وهم على دينه وأولى الناس به، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كلا الفريقين بريء من إبراهيم ودينه بل كان إبراهيم حنيفا مسلما ~~وأنا على دينه فاتبعوا دينه دين الإسلام " # ، فقالت اليهود: يا محمد ما تريد إلا أن نتخذك ربا كما اتخذت النصارى ~~عيسى ربا، وقالت النصارى: يا محمد ما تريد إلا أن نقول فيك ما قالت ~~اليهود في عزير، فأنزل الله تعالى: { قل: يأهل الكتب ~~تعالوا إلى كلمة } # والعرب تسمي كل قصة لها شرح كلمة ومنه سميت القصيدة كلمة { سوآء } ~~عدل بيننا وبينكم مستوية، أي أمر مستو يقال: دعا فلان إلى السواء، أي إلى ~~النصفة، وسواء كل شيء وسطه، ومنه قوله تعالى: # فرآه في سوآء الجحيم # [الصافات: 55] وإنما قيل للنصف سواء لأن أعدل الأمور وأفضلها أوسطها ~~وسواء نعت لكلمة إلا أنه مصدر، والمصادر لا تثنى ولا تجمع ولا تؤنث، فإذا ~~فتحت السين مددت، وإذا كسرت أو ضممت قصرت كقوله تعالى: # مكانا سوى # [طه: 58] ثم فسر الكلمة فقال: { ألا نعبد إلا الله } ومحل ~~أن رفع على إضمار هي، وقال الزجاج: رفع بالابتداء، وقيل: محله نصب بنزع ~~حرف الصفة معناه بأن لا نعبد إلا الله وقيل: محله خفض بدلا من الكلمة أي ~~تعالوا إلى أن لا نعبد إلا الله { ولا نشرك به ms0383 شيئا ولا ~~يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله } كما فعلت ~~اليهود والنصارى، قال الله تعالى: # اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله # [التوبة: 31] وقال عكرمة: هو سجود بعضهم لبعض، أي لا تسجدوا لغير الله، ~~وقيل: معناه لا نطيع أحدا في معصية الله { فإن تولوا فقولوا ~~اشهدوا } فقولوا أنتم لهم اشهدوا { بأنا مسلمون } مخلصون ~~بالتوحيد. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا أبو اليمان الحكم ~~بن نافع، أخبرنا شعيب عن الزهري، أخبرنا عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة ~~بن مسعود أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أخبره # أن أبا سفيان بن حرب أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا ~~تجارا بالشام في المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عاهد ~~فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه وهو بإيلياء فدعاهم في مجلسه وحوله ~~عظماء الروم، ودعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعث به دحية ~~بن خليفة الكلبي إلى عظيم بصرى فدفعه إلى هرقل فقرأه فإذا هو: # " بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد بن عبد الله ورسوله، إلى هرقل عظيم ~~الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، ~~أسلم تسلم، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك إثم ~~الإريسيين { يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سوآء ~~بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك ~~به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون ~~الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون } ~~". ### || [3.65-66] # قوله تعالى: { يأهل الكتب لم تحآجون فى إبرهيم ~~ومآ أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده } تزعمون ~~أنه كان على دينكم، وإنما دينكم اليهودية والنصرانية، وقد حدثت اليهودية ~~بعد نزول التوراة، والنصرانية بعد نزول الإنجيل، وإنما أنزلت التوراة ~~والإنجيل من بعد إبراهيم بزمان طويل، وكان بين إبراهيم وموسى ألف سنة ~~وبين موسى وعيسى ألفا سنة { أفلا تعقلون } بطلان قولكم؟ # قوله تعالى: { هأنتم ms0384 } بتليين الهمزة حيث كان مدني، وأبو عمرو ~~والباقون بالهمز، واختلفوا في أصله فقال بعضهم: أصله: أنتم وها تنبيه، ~~وقال الأخفش: أصله أأنتم، فقلبت الهمزة الأولى هاء، كقولهم هرقت الماء ~~وأرقت { هؤلاء } أصله أولاء دخلت عليه هاء التنبيه وهي في موضع ~~النداء، يعني: يا هؤلاء أنتم { حججتم } جادلتم { فيما لكم ~~به علم } يعني في أمر موسى وعيسى وادعيتم أنكم على دينهما وقد أنزلت ~~التوراة والانجيل عليكم { فلم تحآجون فيما ليس لكم به ~~علم } وليس في كتابكم أنه كان يهوديا أو نصرانيا، وقيل حاججتم فيما ~~لكم به علم يعني في أمر محمد صلى الله عليه وسلم لأنهم وجدوا نعته في ~~كتابهم، فجادلوا فيه بالباطل، فلم تحاجون في إبراهيم، وليس في ~~كتابكم، ولا علم لكم به؟ { والله يعلم وأنتم لا تعلمون ~~} ثم برأ الله تعالى إبراهيم مما قالوا: فقال: { ما كان ~~إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا ~~مسلما وما كان من المشركين } ### || [3.67-68] # { ما كان إبرهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن ~~كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين } والحنيف ~~المائل عن الأديان كلها إلى الدين المستقيم، وقيل: الحنيف: الذي يوحد ~~ويحج ويضحي ويختن ويستقبل الكعبة. وهو أسهل الأديان وأحبها إلى الله عز ~~وجل. # قوله تعالى: { إن أولى الناس بإبراهيم للذين ~~اتبعوه } أي: من اتبعه في زمانه، { وهذا النبى } يعني: ~~محمدا صلى الله عليه وسلم { والذين ءامنوا } معه، يعني من هذه ~~الأمة { والله ولى المؤمنين }. # روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، ورواه محمد بن إسحاق عن ابن شهاب ~~بإسناده، حديث هجرة الحبشة، لما هاجر جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ~~وأناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحبشة واستقرت بهم ~~الدار وهاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وكان من أمر بدر ما ~~كان فاجتمعت قريش في دار الندوة وقالوا: إن لنا في الذين عند النجاشي من ~~أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ثأرا ممن قتل منكم ببدر، فاجمعوا مالا ~~وأهدوه إلى النجاشي لعله يدفع إليكم من ms0385 عنده من قومكم ولينتدب لذلك رجلان ~~من ذوي رأيكم، فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد مع الهدايا الأدم ~~وغيره، فركبا البحر، وأتيا الحبشة فلما دخلا على النجاشي سجدا له وسلما ~~عليه وقالا له: إن قومنا لك ناصحون شاكرون ولصلاحك محبون وإنهم بعثونا ~~إليك لنحذرك هؤلاء الذين قدموا عليك، لأنهم قوم رجل كذاب خرج فينا، ~~يزعم أنه رسول الله ولم يتابعه أحد منا إلا السفهاء، وإنا كنا قد ضيقنا ~~عليهم الأمر وألجأناهم إلى شعب بأرضنا لا يدخل عليهم أحد ولا يخرج منهم ~~أحد، قد قتلهم الجوع والعطش فلما اشتد عليهم الأمر بعث إليك ابن عمه ~~ليفسد عليك دينك وملكك ورعيتك فاحذرهم وادفعهم إلينا لنكفيكهم، وقالا: ~~وآية ذلك أنهم إذا دخلوا عليك لا يسجدون لك ولا يحيونك بالتحية التي ~~يحييك بها الناس رغبة عن دينك وسنتك، قال: فدعاهم النجاشي فلما حضروا، ~~صاح جعفر بالباب: يستأذن عليك حزب الله، فقال النجاشي: مروا هذا الصائح ~~فليعد كلامه، ففعل جعفر، فقال النجاشي: نعم فليدخلوا بأمان الله وذمته، ~~فنظر عمرو بن العاص إلى صاحبه فقال: ألا تسمع كيف يرطنون بحزب الله وما ~~أجابهم به النجاشي، فساءهما ذلك ثم دخلوا عليه فلم يسجدوا له، فقال عمرو ~~بن العاص: ألا ترى أنهم يستكبرون أن يسجدوا لك، فقال لهم النجاشي: ما ~~منعكم أن تسجدوا لي وتحيوني بالتحية التي يحييني بها من أتاني من الآفاق؟ ~~قالوا: نسجد لله الذي خلقك وملكك، وإنما كانت تلك التحية لنا ونحن نعبد ~~الأوثان، فبعث الله فينا نبيا صادقا فأمرنا بالتحية التي رضيها الله ~~وهي السلام تحية أهل الجنة، فعرف النجاشي أن ذلك حق وأنه في التوراة ~~والإنجيل، قال: أيكم الهاتف: يستأذن عليك حزب الله؟ قال جعفر: أنا، قال: ~~فتكلم، قال: إنك ملك من ملوك أهل الأرض ومن أهل الكتاب ولا يصلح عندك ~~كثرة الكلام ولا الظلم وأنا أحب أن أجيب عن أصحابي فمر هذين الرجلين ~~فليتكلم أحدهما ولينصت الآخر فتسمع محاورتنا. # فقال عمرو لجعفر: تكلم، فقال جعفر للنجاشي: سل هذين الرجلين أعبيد نحن ms0386 ~~أم أحرار؟ فإن كنا عبيدا أبقنا من أربابنا فارددنا إليهم، فقال ~~النجاشي: أعبيد هم أم أحرار؟ فقال عمرو: بل أحرار كرام، فقال النجاشي: ~~نجوا من العبودية. ثم قال جعفر: سلهما هل أهرقنا دما بغير حق فيقتص ~~منا؟، قال النجاشي: إن كان قنطارا فعلي قضاؤه، فقال عمرو: لا ولا ~~قيراطا، قال النجاشي: فما تطلبون منهم؟ قال عمرو: كنا وهم على دين واحد ~~وأمر واحد على دين آبائنا فتركوا ذلك وابتغوا غيره فبعثنا إليك قومهم ~~لتدفعهم إلينا، فقال النجاشي: ما هذا الدين الذي كنتم عليه والدين الذي ~~اتبعتموه، اصدقني، قال جعفر: أما الدين الذي كنا عليه فتركناه فهو دين ~~الشيطان، كنا نكفر بالله ونعبد الحجارة، وأما الدين الذي تحولنا إليه ~~فدين الله الإسلام جاءنا به من الله رسول وكتاب مثل كتاب عيسى بن مريم ~~موافقا له، فقال النجاشي: يا جعفر تكلمت بأمر عظيم فعلى رسلك، ثم أمر ~~النجاشي فضرب بالناقوس فاجتمع إليه كل قسيس وراهب، فلما اجتمعوا عنده قال ~~النجاشي: أنشدكم الله الذي أنزل الإنجيل على عيسى هل تجدون بين عيسى ~~وبين يوم القيامة نبيا مرسلا، فقالوا: اللهم نعم، قد بشرنا به عيسى ~~وقال: من آمن به فقد آمن بي ومن كفر به فقد كفر بي، فقال النجاشي لجعفر: ~~ماذا يقول لكم هذا الرجل وما يأمركم به وما ينهاكم عنه؟ فقال: يقرأ علينا ~~كتاب الله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويأمر بحسن الجوار وصلة الرحم ~~وبر اليتيم ويأمرنا بأن نعبد الله وحده لا شريك له، فقال: اقرأ علي مما ~~يقرأ عليكم، فقرأ عليهم سورة العنكبوت والروم ففاضت عينا النجاشي وأصحابه ~~من الدمع وقالوا: زدنا يا جعفر من هذا الحديث الطيب فقرأ عليهم سورة ~~الكهف فأراد عمرو أن يغضب النجاشي، فقال: إنهم يشتمون عيسى وأمه، فقال ~~النجاشي: ما تقولون في عيسى وأمه فقرأ عليهم سورة مريم فلما أتى جعفر على ~~ذكر مريم وعيسى عليهما السلام رفع النجاشي نفثه من سواكه قدر ما ~~تقذى العين فقال: والله ما زاد المسيح على ما تقولون هذا، ms0387 ثم أقبل على ~~جعفر وأصحابه فقال: اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي [يقول]: آمنون، من سبكم أو ~~آذاكم غرم، ثم قال: أبشروا ولا تخافوا فلا دهورة اليوم على حزب ~~إبراهيم، قال عمرو: يا نجاشي ومن حزب إبراهيم؟ قال: هؤلاء الرهط وصاحبهم ~~الذي جاؤوا من عنده ومن تبعهم. فأنكر ذلك المشركون وادعوا في دين ~~إبراهيم، ثم رد النجاشي على عمرو وصاحبه المال الذي حملوه وقال: إنما ~~هديتكم لي رشوة فاقبضوها فإن الله ملكني ولم يأخذ مني رشوة، قال جعفر: ~~فانصرفنا فكنا في خير دار وأكرم جوار، وأنزل الله تعالى ذلك اليوم على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في خصومتهم في إبراهيم وهو بالمدينة قوله ~~عز وجل (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا ~~والله ولي المؤمنين). ### || [3.69-72] # قوله عز وجل: { ودت طآئفة من أهل الكتب } نزلت في ~~معاذ بن جبل وحذيفة بن اليمان وعمار ابن ياسر حين دعاهم اليهود إلى ~~دينهم، فنزلت (ودت طائفة) [تمنت جماعة من أهل الكتاب] يعني اليهود { لو ~~يضلونكم } عن دينكم ويردونكم إلى الكفر { وما يضلون إلا ~~أنفسهم وما يشعرون }. # { يأهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله } يعني القرآن ~~وبيان نعت محمد صلى الله عليه وسلم { وأنتم تشهدون } أن نعته ~~في التوراة والإنجيل مذكور. # { يأهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل } تخلطون ~~الإسلام باليهودية والنصرانية، وقيل: لم تخلطون الإيمان بعيسى عليه ~~السلام وهو الحق بالكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم وهو الباطل؟ وقيل: ~~التوراة التي أنزلت على موسى بالباطل الذي حرفتموه وكتبتموه بأيديكم { ~~وتكتمون الحق وأنتم تعلمون } أن محمدا صلى الله ~~عليه وسلم ودينه حق. # قوله تعالى { وقالت طآئفة من أهل الكتاب آمنوا } ~~الآية. قال الحسن والسدي: تواطأ اثنا عشر حبرا من يهود خيبر وقرى عيينة ~~وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أول النهار باللسان دون الاعتقاد ثم ~~اكفروا آخر النهار وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا ~~محمدا ليس بذلك، وظهر لنا كذبه، فإذا فعلتم ذلك شك أصحابه في دينهم ~~واتهموه وقالوا: إنهم أهل ms0388 كتاب وهم أعلم منا به فيرجعون عن دينهم. # وقال مجاهد ومقاتل والكلبي: هذا في شأن القبلة لما صرفت إلى الكعبة شق ~~ذلك على اليهود، فقال كعب بن الأشرف لأصحابه: آمنوا بالذي أنزل على محمد ~~من أمر الكعبة وصلوا إليها أول النهار ثم اكفروا وارجعوا إلى قبلتكم آخر ~~النهار لعلهم يقولون هؤلاء أهل الكتاب وهم أعلم فيرجعون إلى قبلتنا، ~~فأطلع الله تعالى رسوله على سرهم وأنزل { وقالت طآئفة من ~~أهل الكتاب آمنوا } { بالذي أنزل على الذين ~~ءامنوا وجه النهار } أوله سمي وجها لأنه أحسنه وأول ما يواجه ~~الناظر فيراه { واكفروا ءاخره لعلهم يرجعون } ~~فيشكون ويرجعون عن دينهم. ### || [3.73] # قوله تعالى: { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } هذا ~~متصل بالأول من قول اليهود بعضهم لبعض { ولا تؤمنوا } أي لا ~~تصدقوا { إلا لمن تبع دينكم } وافق ملتكم، واللام في «لمن» ~~صلة، أي لا تصدقوا إلا من تبع دينكم اليهودية كقوله تعالى: # قل عسى أن يكون ردف لكم # [النحل: 72] أي: ردفكم. { قل إن الهدى هدى الله } هذا خبر ~~من الله عز وجل أن البيان بيانه، ثم اختلفوا: فمنهم من قال: هذا كلام ~~معترض بين كلامين، وما بعده متصل بالكلام الأول، إخبار عن قول اليهود ~~بعضهم لبعض، ومعناه: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، ولا تؤمنوا أن يؤتى ~~أحدكم مثل ما أوتيتم من العلم والكتاب والحكمة والآيات من المن والسلوى ~~وفلق البحر، وغيرها من الكرامات. ولا تؤمنوا أن يحاجوكم عند ربكم ~~لأنكم أصح دينا منهم. وهذا معنى قول مجاهد. وقيل: إن اليهود قالت ~~لسفلتهم «ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم» { أن يؤتى أحد مثل ~~مآ أوتيتم } من العلم، أي: لئلا يؤتى أحد، و«لا» فيه مضمرة، كقوله ~~تعالى: # يبين الله لكم أن تضلوا # [النساء: 176] أي: لئلا تضلوا، يقول: لا تصدقوهم لئلا يعلموا مثل ما ~~علمتم فيكون لكم الفضل عليهم في العلم، ولئلا يحاجوكم عند ربكم فيقولوا: ~~عرفتم أن ديننا حق، وهذا معنى قول ابن جريج. وقرأ الحسن والأعمش (إن ~~يؤتى) بكسر الألف، فيكون قول اليهود تاما ms0389 عند قوله: (إلا لمن تبع دينكم) ~~وما بعده من قول الله تعالى يقول: قل يا محمد (إن الهدى هدى الله إن ~~يؤتى) إن بمعنى الجحد، أي ما يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم { أو يحآجوكم عند ربكم } يعني: إلا أن ~~يجادلكم اليهود بالباطل فيقولوا: نحن أفضل منكم، فقوله عز وجل (عند ربكم) ~~أي عند فضل ربكم بكم ذلك، وهذا معنى قول سعيد بن جبير والحسن والكلبي ~~ومقاتل. وقال الفراء: ويجوز أن يكون أو بمعنى حتى كما يقال: تعلق به أو ~~يعطيك حقك أي حتى يعطيك حقك، ومعنى الآية: ما أعطي أحد مثل ما أعطيتم يا ~~أمة محمد من الدين والحجة حتى يحاجوكم عند ربكم. وقرأ ابن كثير (آن يؤتى) ~~بالمد على الاستفهام وحينئذ يكون فيه اختصار تقديره: أن يؤتى أحد مثل ما ~~أوتيتم يا معشر اليهود من الكتاب والحكمة تحسدونه ولا تؤمنون به، هذا قول ~~قتادة والربيع وقالا: هذا من قول الله تعالى يقول: قل لهم يا محمد (إن ~~الهدى هدى الله) بأن أنزل كتابا مثل كتابكم وبعث نبيا حسدتموه وكفرتم ~~به. { قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشآء ~~والله وسع عليم } ، قوله أو يحاجوكم على هذه القراءة رجوع إلى ~~خطاب المؤمنين وتكون «أو» بمعنى أن لأنهما حرفا شرط وجزاء يوضح أحدهما ~~موضع الآخر، أي وإن يحاجوكم يا معشر المؤمنين عند ربكم فقل يا محمد: إن ~~الهدى هدى الله ونحن عليه، ويجوز أن يكون الجميع خطابا للمؤمنين، ويكون ~~نظم الآية: أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا معشر المؤمنين حسدوكم فقل (إن ~~الفضل بيد الله) وإن حاجوكم (فقل إن الهدى هدى الله). # ويجوز أن يكون الخبر عن اليهود قد تم عند قوله (لعلهم يرجعون)، وقوله ~~تعالى: (ولا تؤمنوا) من كلام الله يثبت به قلوب المؤمنين لئلا يشكوا ~~عند تلبيس اليهود وتزويرهم في دينهم، يقول لا تصدقوا يا معشر المؤمنين ~~إلا من تبع دينكم، ولا تصدقوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الدين ms0390 ~~والفضل، ولا تصدقوا أن يحاجوكم في دينكم عند ربكم أو يقدروا على ذلك فإن ~~الهدى هدى الله، و(إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم) ~~فتكون الآية كلها خطاب الله للمؤمنين عند تلبيس اليهود لئلا يرتابوا. ### || [3.74-75] # قوله تعالى: { يختص برحمته } أي بنبوته { من يشآء ~~والله ذو الفضل العظيم }. # قوله تعالى: { ومن أهل الكتاب من إن تأمنه ~~بقنطار يؤده إليك } الآية، نزلت في اليهود أخبر الله تعالى ~~أن فيهم أمانة وخيانة، والقنطار عبارة عن المال الكثير، والدينار عبارة ~~عن المال القليل، يقول: منهم من يؤدي الأمانة وإن كثرت، ومنهم من لا ~~يؤديها وإن قلت، قال مقاتل: (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار ~~يؤده إليك) هم مؤمنوا أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام وأصحابه، { ~~ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك } ~~يعني: كفار اليهود، ككعب بن الأشرف وأصحابه، وقال جويبر عن الضحاك عن ابن ~~عباس في قوله عز وجل (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك) ~~يعني: عبد الله بن سلام، أودعه رجل ألفا ومائتي أوقية من ذهب فأداها ~~إليه، (ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك) يعني: فنحاص بن ~~عازوراء، استودعه رجل من قريش دينارا فخانه، قوله { يؤده ~~إليك } قرأ أبو عمرو وأبو بكر وحمزة (يؤده) و(لا يؤده) ~~و(نصله) و(نؤته) و(نوله) ساكنة الهاء، وقرأ أبو جعفر وقالون ~~ويعقوب بالاختلاس كسرا، والباقون بالإشباع كسرا، فمن سكن الهاء قال ~~لأنها وضعت في موضع الجزم وهو الياء الذاهبة، ومن اختلس فاكتفى بالكسرة ~~عن الياء، ومن أشبع فعلى الأصل، لأن الأصل في الهاء الإشباع، { إلا ~~ما دمت عليه قآئما } ، قال ابن عباس ملحا، يريد يقوم عليه ~~يطالبه بالإلحاح، وقال الضحاك: مواظبا أي تواظب عليه بالاقتضاء، وقيل: ~~أراد أودعته ثم استرجعته وأنت قائم على رأسه ولم تفارقه رده إليك، فإن ~~فارقته وأخرته أنكره ولم يؤده { ذلك } أي: ذلك الاستحلال والخيانة، ~~{ بأنهم قالوا ليس علينا فى الأميين سبيل } ~~أي: في مال العرب إثم وحرج، كقوله تعالى: (ما على المحسنين ms0391 من سبيل) ~~وذلك أن اليهود قالوا: أموال العرب حلال لنا، لأنهم ليسوا على ديننا ولا ~~حرمة لهم في كتابنا، وكانوا يستحلون ظلم من خالفهم في دينهم. وقال ~~الكلبي: قالت اليهود إن الأموال كلها كانت لنا فما في يد العرب منها فهو ~~لنا، وإنما ظلمونا وغصبونا فلا سبيل علينا في أخذنا إياه منهم. وقال ~~الحسن وابن جريج ومقاتل: بايع اليهود رجالا من المسلمين في الجاهلية ~~فلما أسلموا تقاضوهم بقية أموالهم فقالوا: ليس لكم علينا حق، ولا عندنا ~~قضاء لأنكم تركتم دينكم وانقطع العهد بيننا وبينكم، وادعوا أنهم وجدوا ~~ذلك في كتبهم، فكذبهم الله عز وجل، وقال عز من قائل: { ويقولون ~~على الله الكذب وهم يعلمون } ، ثم قال ردا عليهم: { ~~بلى من أوفى.... } ### || [3.76] # { بلى } أي: ليس كما قالوا بل عليهم سبيل، ثم ابتدأ فقال { من ~~أوفى } أي: ولكن من أوفى { بعهده } أي: بعهد الله الذي عهد إليه ~~في التوراة من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وأداء ~~الأمانة، وقيل: الهاء في عهده راجعة إلى الموفي { واتقى } الكفر ~~والخيانة ونقض العهد، { فإن الله يحب المتقين }. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا قبيصة بن عقبة أنا سفيان عن الأعمش عن عبد ~~الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله بن عمر. # أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت ~~فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان وإذا حدث كذب، وإذا عاهد ~~غدر، وإذا خاصم فجر ". ### || [3.77] # قوله تعالى: { إن الذين يشترون بعهد الله ~~وأيمانهم ثمنا قليلا } قال عكرمة: نزلت في رؤوس اليهود، ~~كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة في شأن محمد صلى الله عليه وسلم ~~وبدلوه وكتبوا بأيديهم غيره وحلفوا أنه من عند الله لئلا يفوتهم المآكل ~~والرشا التي كانت لهم من أتباعهم. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله ms0392 النعيمي، أنا ~~محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا موسى بن إسماعيل أنا أبو عوانة عن ~~الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من حلف علي يمين صبر يقتطع بها مال امرىء مسلم لقي الله ~~يوم القيامة وهو عليه غضبان " # ، فأنزل الله تعالى تصديق ذلك (إن الذي يشترون بعهد الله وأيمانهم ~~ثمنا قليلا) إلى آخر الآية، فدخل الأشعث بن قيس، فقال: ما يحدثكم أبو ~~عبد الرحمن؟ فقالوا: كذا وكذا، فقال: في أنزلت # " كانت لي بئر في أرض ابن عم لي فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فحدثته، فقال: «هات بينتك أو يمينه»، قلت: إذا يحلف عليها يا رسول ~~الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حلف على يمين صبر وهو ~~فيها فاجر يقتطع بها مال امرىء مسلم لقي الله يوم القيامة وهو عليه ~~غضبان» ". # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد الفارسي أنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان أنا مسلم بن الحجاج أنا ~~قتيبة بن سعيد أنا أبو الأحوص عن سماك بن حرب عن علقمة بن وائل بن حجر، ~~عن أبيه قال: # " جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي، فقال الحضرمي: يا رسول ~~الله إن هذا قد غلبني على أرض لي كانت لأبي، فقال الكندي: هي أرض في ~~يدي أزرعها، ليس له فيها حق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي: ~~«ألك بينة»؟ قال: لا، قال: «فلك يمينه» قال: يا رسول الله إن الرجل فاجر ~~لا يبالي على ما يحلف عليه، قال: «ليس لك منه إلا ذلك»، فانطلق ليحلف ~~له، فلما أدبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما لئن حلف على ~~ماله ليأكله ظلما ليلقين الله وهو عنه معرض» ". # ورواه عبد الملك بن عمير عن علقمة، وقال هو امرؤ القيس بن عابس الكندي ~~وخصمه ربيعة بن عبدان. وروي لما هم أن يحلف نزلت هذه الآية فامتنع ms0393 امرؤ ~~القيس أن يحلف، وأقر لخصمه بحقه ودفعه إليه. # أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد السرخسي، ~~أنا أبو مصعب عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن سعيد بن كعب عن أخيه ~~عبد الله بن كعب بن مالك عن أبي أمامة: # أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " «من اقتطع حق امرىء مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له ~~النار» قالوا: وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ قال: «وإن كان قضيبا ~~من أراك» " # قالها ثلاث مرات. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا ~~محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا عمرو بن محمد أنا هشيم بن محمد أنا ~~العوام بن حوشب عن إبراهيم بن عبد الرحمن عن عبد الله بن أبي أوفى: # أن رجلا أقام سلعة وهو في السوق فحلف بالله لقد أعطي بها ما لم يعط، ~~ليوقع فيها رجلا من المسلمين، فنزلت:(إن الذين يشترون بعهد الله ~~وأيمانهم ثمنا قليلا). # قوله تعالى: { إن الذين يشترون } أي: يستبدلون { بعهد ~~الله } وأراد الأمانة، { وأيمنهم } الكاذبة { ثمنا ~~قليلا } أي: شيئا قليلا من حطام الدنيا، { أولئك لا ~~خلق لهم } ، لا نصيب لهم { فى الآخرة } ، ونعيمها، { ولا ~~يكلمهم الله } كلاما ينفعهم ويسرهم، وقيل: هو بمعنى الغضب، ~~كما يقول الرجل: إني لا أكلم فلانا إذا كان غضب عليه، { ولا ينظر ~~إليهم يوم القيمة } أي: لا يرحمهم ولا يحسن إليهم ولا ~~ينيلهم خيرا، { ولا يزكيهم } أي: لا يثني عليهم بالجميل ولا ~~يطهرهم من الذنوب، { ولهم عذاب أليم }. # أخبرنا إسماعيل بن عبدالقاهر أنا عبد الغفار بن محمد الفارسي، أنا محمد ~~بن عيسى الجلودي أنا إبراهيم بن محمد أنا سفيان أنا مسلم بن الحجاج أنا ~~محمد بن جعفر عن شعبة عن علي بن مدرك عن أبي زرعة عن خرشة بن الحر عن ~~أبي ذر رضي الله عنه: # عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا ms0394 يزكيهم ولهم ~~عذاب أليم» قال: قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، فقال ~~أبو ذر: خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟ قال: «المسبل والمنان ~~والمنفق سلعته بالحلف الكاذب» " # ، في رواية: # " المسبل إزاره ". # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أنا أسيد أبو الحسن محمد ~~بن الحسين العلوي، أنا أبو نصر محمد بن حمدويه المروزي أنا سفيان بن ~~عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة: # عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم ~~عذاب أليم، رجل حلف يمينا على مال فاقتطعه، ورجل حلف على يمين كاذبة بعد ~~صلاة العصر أنه أعطي بسلعته أكثر مما أعطي وهو كاذب، ورجل منع فضل ~~ماله، فإن الله تعالى يقول: اليوم أمنعك فضل ما لم تعمل يداك ". ### || [3.78-79] # قوله تعالى: { وإن منهم لفريقا } يعني: من أهل الكتاب ~~لفريقا، أي: طائفة، وهم كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وحيي بن أخطب ~~وأبو ياسر وشعبة بن عمر الشاعر، { يلوون ألسنتهم بالكتب ~~} أي: يعطفون ألسنتهم بالتحريف والتغيير، وهو ما غيروا من صفة النبي ~~صلى الله عليه وسلم وآية الرجم وغير ذلك، يقال: لوى لسانه على كذا أي: ~~غيره، { لتحسبوه } أي: لتظنوا ما حرفوا { من الكتب } ، ~~الذي أنزله الله تعالى، { وما هو من الكتب ويقولون هو ~~من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على ~~الله الكذب } عمدا، { وهم يعلمون } ، أنهم كاذبون، وقال ~~الضحاك عن ابن عباس: إن الآية نزلت في اليهود والنصارى جميعا وذلك أنهم ~~حرفوا التوراة والإنجيل وألحقوا بكتاب الله ما ليس منه. # قوله تعالى: { ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب } ~~الآية، قال مقاتل والضحاك: ما كان لبشر يعني: عيسى عليه السلام، وذلك أن ~~نصارى نجران كانوا يقولون: إن عيسى أمرهم أن يتخذوه ربا فقال تعالى: ~~(ما كان لبشر) يعني: عيسى (أن يؤتيه الله الكتاب) الإنجيل. وقال ابن ~~عباس وعطاء: (ما كان لبشر) يعني محمدا (أن يؤتيه ms0395 الله الكتاب) أي ~~القرآن، # " وذلك أن أبا رافع القرظي من اليهود، والرئيس من نصارى أهل نجران قالا: ~~يا محمد تريد أن نعبدك ونتخذك ربا فقال: معاذ الله أن نأمر بعبادة غير ~~الله، ما بذلك أمرني الله، ولا بذلك أمرني " # ، فأنزل الله تعالى هذه الآية: (ما كان لبشر) أي ما ينبغي لبشر، كقوله ~~تعالى: # ما يكون لنآ أن نتكلم بهذا # [النور: 16] أي ما ينبغي لنا، والبشر: جميع بني آدم لا واحد له من ~~لفظه، كالقوم والجيش، يوضع موضع الواحد والجمع، { أن يؤتيه الله ~~الكتب والحكم } ، الفهم والعلم، وقيل: إمضاء الحكم عن الله ~~عز وجل، { والنبوة } ، المنزلة الرفيعة بالأنبياء، { يقول ~~للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ~~} أي: ولكن يقول كونوا، { ربنيين }. واختلفوا فيه، قال علي ~~وابن عباس والحسن: كونوا فقهاء علماء، وقال قتادة: حكماء علماء، وقال ~~سعيد بن جبير: العالم الذي يعمل بعلمه، وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس: ~~فقهاء معلمين. وقيل: الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره، ~~وقال عطاء: علماء حكماء نصحاء لله في خلقه، قال أبو عبيدة: سمعت رجلا ~~عالما يقول: الرباني العالم بالحلال والحرام والأمر والنهي، العالم ~~بأنباء الأمة ما كان وما يكون، وقيل: الربانيون فوق الأحبار، والأحبار: ~~العلماء، والربانيون: الذين جمعوا مع العلم البصارة بسياسة الناس. قال ~~المؤرج: # كونوا ربانيين تدينون لربكم. # من الربوبية، كان في الأصل ربي، فأدخلت الألف للتفخيم، ثم أدخلت ~~النون لسكون الألف، كما قيل: صنعاني وبهراني. # وقال المبرد: هم أرباب العلم سموا به لأنهم يربون العلم، ويقومون به ~~ويربون المتعلمين بصغار العلوم قبل كبارها، وكل من قام بإصلاح الشيء ~~وإتمامه فقد ربه يربه، واحدها: «ربان»(كما قالوا: ريان) وعطشان وشبعان ~~وعريان، ثم ضمت إليه ياء النسبة، كما قالوا: لحياني ورقباني. وحكي عن ~~علي رضي الله عنه أنه قال: هو الذي يرب علمه بعمله، قال محمد بن ~~الحنفية لما مات ابن عباس: اليوم مات رباني هذه الأمة. { بما كنتم ~~} ، أي: بما أنتم، كقوله تعالى: # من كان فى المهد صبيا # [مريم: ms0396 29]، أي: من هو في المهد { تعلمون الكتب } قرأ ابن ~~عامر وعاصم وحمزة والكسائي (تعلمون) بالتشديد من التعليم، وقرأ ~~الآخرون (تعلمون) بالتخفيف من العلم، كقوله: { وبما كنتم ~~تدرسون } أي: تقرؤن. ### || [3.80-81] # قوله: { ولا يأمركم } ، قرأ ابن عامر وحمزة ويعقوب بنصب الراء ~~عطفا على قوله: ثم يقول، فيكون مردودا على البشر، أي: ولا يأمر ذلك ~~البشر، وقيل: على إضمار «أن» أي: ولا أن يأمركم ذلك البشر، وقرأ الباقون ~~بالرفع على الاستئناف، معناه: ولا يأمركم الله، وقال ابن جريج وجماعة: ~~ولا يأمركم محمد، { أن تتخذوا الملئكة والنبيين ~~أربابا } ، كفعل قريش والصابئين حيث قالوا: الملائكة بنات الله، ~~واليهود والنصارى حيث قالوا في المسيح وعزير ما قالوا، { أيأمركم ~~بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون } ، قاله على طريق التعجب ~~والإنكار، يعني: لا يقول هذا. # قوله عز وجل: { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ ~~آتيتكم من كتاب وحكمة } قرأ حمزة { لمآ } بكسر اللام، ~~وقرأ الآخرون بفتحها، فمن كسر اللام فهي لام الإضافة دخلت على ما، ~~ومعناه الذي يريد للذي آتيتكم، أي: أخذ ميثاق النبيين لأجل الذي آتاهم من ~~الكتاب والحكمة يعني، أنهم أصحاب الشرائع، ومن فتح اللام فمعناه: للذي ~~آتيتكم، بمعنى الخبر، وقيل: بمعنى الجزاء، أي: لئن آتيتكم ومهما آتيتكم، ~~وجواب الجزاء قوله { لتؤمنن }. قوله: { لمآ ءاتيتكم } قرأ ~~نافع وأهل المدينة (آتيناكم) على التعظيم كما قال: # وآتينا داوود زبورا # [النساء: 163] # وآتيناه الحكم صبيا # [مريم: 12] وقرأ الآخرون بالتاء لموافقة الخط، ولقوله: { وأنا ~~معكم }. واختلفوا في المعني بهده الآية: فذهب قوم إلى أن الله ~~تعالى أخذ الميثاق على النبيين خاصة أن يبلغوا كتاب الله ورسالاته ~~إلى عباده، وأن يصدق بعضهم بعضا وأخذ العهد على كل نبي أن يؤمن بمن ~~يأتي بعده من الأنبياء، وينصره إن أدركه، وإن لم يدركه أن يأمر قومه ~~بنصرته إن أدركوه، فأخذ الميثاق من موسى أن يؤمن بعيسى، ومن عيسى أن يؤمن ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم. (وقال الآخرون: بما أخذ الله الميثاق منهم في ~~أمر محمد صلى الله عليه وسلم)، فعلى هذا اختلفوا: فمنهم من ms0397 قال: إنما ~~أخذ الميثاق على أهل الكتاب الذين أرسل منهم النبيين، وهذا قول مجاهد ~~والربيع، ألا ترى إلى قوله { ثم جآءكم رسول مصدق لما ~~معكم لتؤمنن به ولتنصرنه } ، وإنما كان محمد صلى ~~الله عليه وسلم مبعوثا إلى أهل الكتاب دون النبيين، يدل عليه أن في ~~قراءة عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا ~~الكتاب } ، وأما القراءة المعروفة (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين) فأراد: ~~أن الله أخذ ميثاق النبيين أن يأخذوا الميثاق على أممهم أن يؤمنوا بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم ويصدقوه وينصروه، إن أدركوه. وقال بعضهم: أراد أخذ ~~الله الميثاق على النبيين، وأممهم جميعا في أمر محمد صلى الله عليه ~~وسلم، فاكتفى بذكر الأنبياء لأن العهد مع المتبوع عهد على الأتباع، وهذا ~~معنى قول ابن عباس، وقال علي بن أبي طالب: لم يبعث الله نبيا، آدم ومن ~~بعده، إلا أخذ عليه العهد في أمر محمد، وأخذ العهد على قومه ليؤمنن ~~به، ولئن بعث وهم أحياء لينصرنه. # قوله: { ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم } ، يعني: ~~محمدا صلى الله عليه وسلم، { لتؤمنن به ولتنصرنه } ، ~~يقول الله تعالى للأنبياء حين استخرج الذرية من صلب آدم عليه السلام ~~والأنبياء فيهم كالمصابيح والسرج، وأخذ عليهم الميثاق في أمر محمد صلى ~~الله عليه وسلم، قال { ءأقررتم وأخذتم على ذلكم ~~إصرى } ، أي: قبلتم على ذلكم عهدي، والإصر: العهد الثقيل، { ~~قالوا أقررنا قال } ، الله تعالى: { فاشهدوا } أي: ~~فاشهدوا أنتم على أنفسكم وعلى أتباعكم، { وأنا معكم من ~~الشهدين } ، عليكم وعليهم، وقال ابن عباس: فاشهدوا، أي: فاعلموا، ~~وقال سعيد بن المسيب قال الله تعالى للملائكة فاشهدوا عليهم، كناية عن ~~غير مذكور. ### || [3.82] # قوله تعالى: { فمن تولى بعد ذلك } ، الإقرار، { ~~فأولئك هم الفسقون } ، العاصون الخارجون عن الإيمان. ### || [3.83-91] # قوله عز وجل: { أفغير دين الله يبغون } ، وذلك أن أهل ~~الكتاب اختلفوا فادعى كل واحد أنه على دين إبراهيم عليه السلام واختصموا ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى النبي صلى الله عليه وسلم: # " كلا الفريقين ms0398 بريء من دين إبراهيم عليه السلام " # ، فغضبوا وقالوا: لا نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك، فأنزل الله تعالى: { ~~أفغير دين الله يبغون } ، قرأ أبو جعفر وأهل البصرة وحفص ~~عن عاصم { يبغون } بالياء لقوله تعالى { فأولئك هم ~~الفسقون } وقرأ الآخرون بالتاء لقوله تعالى { لمآ ءاتيتكم ~~} ، { وله أسلم } ، خضع وانقاد، { من فى السموت ~~والأرض طوعا وكرها } ، فالطوع: الانقياد والاتباع بسهولة، ~~والكره: ما كان بمشقة وإباء من النفس. # واختلفوا في قوله: «طوعا وكرها» قال الحسن: أسلم أهل السموات طوعا ~~وأسلم من في الأرض بعضهم طوعا وبعضهم كرها، خوفا من السيف والسبي، ~~وقال مجاهد: طوعا المؤمن، وكرها ذلك الكافر، بدليل: # ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها ~~وظلالهم بالغدو والآصال # [الرعد: 15] وقيل: هذا يوم الميثاق حين قال لهم: # ألست بربكم قالوا بلى # [الأعراف: 172]، فقال بعضهم: طوعا وبعضهم: كرها، وقال قتادة: المؤمن ~~أسلم طوعا فنفعه، والكافر أسلم كرها في وقت اليأس فلم ينفعه، قال الله ~~تعالى: # فلم يك ينفعهم إيمنهم لما رأوا بأسنا # [غافر: 85] وقال الشعبي: هو استعاذتهم به عند اضطرارهم، كما قال الله ~~تعالى: # فإذا ركبوا فى الفلك دعوا الله مخلصين له ~~الدين # [العنكبوت: 65]. # وقال الكلبي: طوعا الذي (ولد) في الإسلام، وكرها الذين أجبروا على ~~الإسلام ممن يسبى منهم فيجاء بهم في السلاسل، { وإليه يرجعون ~~} ، قرأ بالياء حفص عن عاصم ويعقوب كما قرأ { يبغون } بالياء وقرأ ~~الباقون بالتاء فيهما إلا أبو عمرو فإنه قرأ { يبغون } بالياء و { ترجعون ~~} بالتاء، قال: لأن الأول خاص والثاني عام، لأن مرجع جميع الخلق إلى الله ~~عز وجل. # قوله تعالى: { قل ءامنا بالله ومآ أنزل علينا ومآ ~~أنزل على إبرهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب ~~والأسباط ومآ أوتى موسى وعيسى والنبيون من ~~ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له ~~مسلمون } ، ذكر الملل والأديان واضطراب الناس فيها، ثم أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: «آمنا بالله» الآية. # قوله: { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه } ~~، نزلت في اثني عشر رجلا ارتدوا عن الإسلام وخرجوا من المدينة وأتوا ms0399 ~~مكة كفارا، منهم الحارث بن سويد الأنصاري، فنزل فيهم { ومن يبتغ ~~غير الإسلم دينا فلن يقبل منه وهو فى الآخرة ~~من الخسرين }. # { كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم } لفظة ~~استفهام ومعناه جحد، أي: لا يهدي الله، وقيل معناه: كيف يهديهم الله في ~~الآخرة إلى الجنة والثواب { وشهدوا أن الرسول حق ~~وجآءهم البينت والله لا يهدى القوم ~~الظلمين }. # { أولئك جزآؤهم أن عليهم لعنة الله ~~والملائكة والناس أجمعين }. # { خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ~~ينظرون } وذلك: أن الحارث بن سويد لما لحق بالكفار ندم، فأرسل إلى ~~قومه: أن سلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل لي من توبة ففعلوا ~~ذلك، فأنزل الله تعالى: # { إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن ~~الله غفور رحيم } ، لما كان منه، فحملها إليه رجل من قومه ~~وقرأها عليه فقال الحارث: إنك - والله - ما علمت لصدوق وإن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لأصدق منك وإن الله عز وجل لأصدق الثلاثة، فرجع ~~الحارث إلى المدينة فأسلم وحسن إسلامه. # قوله عز وجل: { إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ~~ازدادوا كفرا } قال قتادة والحسن: نزلت في اليهود كفروا بعيسى ~~عليه السلام والإنجيل بعد إيمانهم بأنبيائهم، ثم ازدادوا كفرا بكفرهم ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. وقال أبو العالية: نزلت في اليهود ~~والنصارى كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم لما رأوه بعد إيمانهم بنعته ~~وصفته في كتبهم، ثم ازدادوا كفرا، يعني: ذنوبا في حال كفرهم. قال ~~مجاهد: نزلت في جميع الكفار أشركوا بعد إقرارهم بأن الله خالقهم، ثم ~~ازدادوا كفرا أي: أقاموا على كفرهم حتى هلكوا عليه. قال الحسن: ~~ازدادوا كفرا كلما نزلت آية كفروا بها، فازدادوا كفرا وقيل: ازدادوا ~~كفرا بقولهم: نتربص بمحمد ريب المنون. قال الكلبي: نزلت في الأحد عشر ~~من أصحاب الحارث بن سويد، لما رجع الحارث إلى الإسلام أقاموا هم على ~~الكفر بمكة وقالوا: نقيم على الكفر ما بدا لنا فمتى أردنا الرجعة ينزل ~~فينا ما نزل في الحارث، فلما افتتح رسول ms0400 الله صلى الله عليه وسلم مكة ~~فمن دخل منهم في الإسلام قبلت توبته، ونزل فيمن مات منهم كافرا { ~~إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار } الآية. # فإن قيل: قد وعد الله قبول توبة من تاب، فما معنى قوله: { لن تقبل ~~توبتهم وأولئك هم الضآلون }؟ قيل: لن تقبل توبتهم ~~إذا (رجعوا في حال المعاينة)، كما قال: # وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى ~~إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن # [النساء: 18]. وقيل: هذا في أصحاب الحارث بن سويد حيث أمسكوا عن ~~الإسلام، وقالوا: نتربص بمحمد فإن ساعده الزمان نرجع إلى دينه، فلن يقبل ~~منهم ذلك لأنهم متربصون غير محققين، وأولئك هم الضالون. # قوله عز وجل: { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار ~~فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض } ، أي: قدر ما يملأ ~~الأرض من شرقها إلى غربها، { ذهبا } ، نصب على التفسير، كقولهم: عشرون ~~درهما. { ولو افتدى به } ، قيل: معناه لو افتدى به، والواو ~~زائدة مقحمة، { أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ~~نصرين }. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا ~~محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا محمد بن بشار أخبرنا غندر أخبرنا ~~شعبة عن أبي عمران قال: سمعت أنس بن مالك: # عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يقول الله لأهون أهل النار عذابا يوم القيامة: لو أن لك ما في ~~الأرض من شيء أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم، فيقول: أردت منك أهون من ذلك ~~وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي ". ### || [3.92] # قوله تعالى: { لن تنالوا البر } يعني: الجنة، قاله ابن عباس ~~وابن مسعود ومجاهد، وقال مقاتل بن حيان: التقوى، وقيل: الطاعة، وقيل: ~~الخير، وقال الحسن: لن تكونوا أبرارا. # أخبرنا محمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، أنا ~~حاجب بن أحمد الطوسي أخبرنا محمد بن حماد قال: أخبرنا أبو معاوية عن ~~الأعمش عن شقيق عن عبد الله رضي الله عنه قال: # قال ms0401 رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى ~~الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله ~~صديقا، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي ~~إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله ~~كذابا ". # قوله تعالى: { حتى تنفقوا مما تحبون } أي: من أحب ~~أموالكم إليكم، روى الضحاك عن ابن عباس: أن المراد منه أداء الزكاة. ~~وقال مجاهد والكلبي: هذه الآية نسختها آية الزكاة، وقال الحسن: كل إنفاق ~~يبتغي به المسلم وجه الله حتى الثمرة ينال به هذا البر، وقال عطاء: ~~لن تنالوا البر أي: شرف الدين والتقوى حتى تتصدقوا وأنتم أصحاء ~~أشحاء. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا ~~أبو مصعب عن مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك ~~يقول: # " كان أبو طلحة الأنصاري أكثر أنصاري بالمدينة مالا وكان أحب أمواله ~~إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله يدخلها ويشرب من ~~ماء فيها طيب، قال أنس: فلما نزلت هذه الآية { لن تنالوا ~~البر حتى تنفقوا مما تحبون } قام أبو طلحة إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن الله تعالى يقول في ~~كتابه: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) وإن أحب أموالي ~~إلي بيرحاء، وإنها صدقة أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا ~~رسول الله حيث شئت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بخ بخ ذلك ~~مال رابح. أو قال: ذلك مال رابح وقد سمعت ما قلت فيها، وإني أرى أن ~~تجعلها في الأقربين، فقال أبو طلحة أفعل يا رسول الله فقسمها أبو طلحة ~~في أقاربه وبني عمه ". # وروي عن مجاهد قال: كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى ~~الأشعري أن يبتاع له جارية من سبي جلولاء يوم فتحت فدعا بها فأعجبته، ~~فقال عمر: إن الله عز وجل يقول: ms0402 { لن تنالوا البر حتى ~~تنفقوا مما تحبون } فأعتقها عمر. # وعن حمزة بن عبد الله بن عمر قال: خطرت على قلب عبد الله بن عمر هذه ~~الآية { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ~~} قال ابن عمر: فذكرت ما أعطاني الله عز وجل، فما كان شيء أعجب إلي ~~من فلانة، هي حرة لوجه الله تعالى، ولولا أنني لا أعود في شيء جعلته ~~لله لنكحتها. # { وما تنفقوا من شىء فإن الله به عليم } ، أي: ~~يعلمه ويجازي به. ### || [3.93] # قوله تعالى: { كل الطعام كان حلا لبنى إسرءيل ~~إلا ما حرم إسرءيل على نفسه من قبل أن ~~تنزل التوراة } سبب نزول هذه الآية: # " أن اليهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: تزعم أنك على ملة ~~إبراهيم؟ وكان إبراهيم لا يأكل لحوم الإبل وألبانها وأنت تأكلها، فلست ~~على ملته!، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان ذلك حلالا ~~لإبراهيم عليه السلام»، فقالوا: كل ما نحرمه اليوم كان ذلك حراما ~~على نوح وإبراهيم حتى انتهى إلينا " # ، فأنزل الله تعالى هذه الآية { كل الطعام كان حلا ~~لبنى إسرءيل } يريد: سوى الميتة والدم، فإنه لم يكن حلالا ~~قط. { إلا ما حرم إسرائيل على نفسه } وهو يعقوب عليه ~~السلام { من قبل أن تنزل التوراة } ، يعني: ليس الأمر على ~~ما قالوا من حرمة لحوم الإبل وألبانها على إبراهيم، بل كان الكل ~~حلالا له ولبني إسرائيل، وإنما حرمها إسرائيل على نفسه قبل نزول ~~التوراة، يعني: ليست في التوراة حرمتها. # واختلفوا في الطعام الذي حرمه يعقوب على نفسه وفي سببه، قال أبو ~~العالية وعطاء ومقاتل والكلبي: كان ذلك الطعام: لحمان الإبل وألبانها، # وروي أن يعقوب مرض مرضا شديدا فطال سقمه فنذر لئن عافاه الله من ~~سقمه ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام إليه لحمان ~~الإبل وأحب الشراب إليه ألبانها، فحرمهما. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة ~~والسدي والضحاك: هي العروق. وكان السبب في ذلك أنه اشتكى عرق النسا ~~وكان أصل وجعه، فيما روي جويبر ومقاتل عن الضحاك: أن يعقوب ms0403 كان نذر إن ~~وهبه الله اثني عشر ولدا وأتى بيت المقدس صحيحا أن يذبح آخرهم، فتلقاه ~~ملك [من الملائكة]، فقال: يا يعقوب إنك رجل قوي فهل لك في الصراع، ~~فعالجه فلم يصرع واحد منهما صاحبه، فغمزه الملك غمزة فعرض له عرق ~~النسا من ذلك، ثم قال له: أما إني لو شئت أن أصرعك لفعلت ولكن غمزتك هذه ~~الغمزة لأنك كنت نذرت إن أتيت بيت المقدس صحيحا ذبحت آخر ولدك، فجعل ~~الله لك بهذه الغمزة من ذلك مخرجا، فلما قدمها يعقوب أراد ذبح ولده ونسي ~~قول الملك، فأتاه الملك وقال: إنما غمزتك للمخرج وقد وفي نذرك فلا ~~سبيل لك إلى ولدك. # وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: أقبل يعقوب من حران يريد بيت ~~المقدس حين هرب من أخيه عيصو: وكان رجلا بطيشا قويا فلقيه ملك فظن ~~يعقوب أنه لص فعالجه أن يصرعه، فغمز الملك فخذ يعقوب، ثم صعد إلى السماء ~~ويعقوب عليه السلام ينظر إليه، فهاج به عرق النسا ولقي من ذلك بلاء ~~وشدة، وكان لا ينام بالليل من الوجع، ويبيت وله زقاء، أي: صياح، فحلف ~~يعقوب لئن شفاه الله أن لا يأكل عرقا ولا طعاما فيه عرق، فحرمه على ~~نفسه، فكان بنوه بعد ذلك يتبعون العروق، يخرجونها من اللحم. # وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: لما أصاب يعقوب عرق النسا وصف له ~~الأطباء أن يجتنب لحمان الإبل فحرمها يعقوب على نفسه. # وقال الحسن: حرم إسرائيل على نفسه لحم الجزور تعبدا لله تعالى: فسأل ~~ربه أن يجيز له ذلك فحرمه الله على ولده. # ثم اختلفوا في هذا الطعام المحرم على بني إسرائيل بعد نزول التوراة، ~~وقال السدي: حرم الله عليهم في التوراة ما كانوا يحرمونه قبل نزولها، ~~وقال عطية: إنما كان محرما عليهم بتحريم إسرائيل فإنه كان قد قال: لئن ~~عافاني الله لا يأكله لي ولد، ولم يكن محرما عليهم في التوراة، وقال ~~الكلبي: لم يحرمه الله (عليهم) في التوراة وإنما حرم عليهم بعد التوراة ~~بظلمهم، كما قال الله تعالى: ms0404 # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم # [النساء: 160] وقال الله تعالى: { وعلى الذين هادوا ~~حرمنا كل ذي ظفر } ، إلى أن قال: # ذلك جزينهم ببغيهم وإنا لصدقون # [الأنعام: 146]، وكانت بنو إسرائيل إذا أصابوا ذنبا عظيما حرم الله ~~عليهم طعاما طيبا أو صب عليهم رجزا وهو الموت. # وقال الضحاك: لم يكن شيء من ذلك حراما عليهم ولا حرمه الله في التوراة، ~~وإنما حرموه على أنفسهم اتباعا لأبيهم، ثم أضافوا تحريمه إلى الله، ~~فكذبهم الله عز وجل، فقال: { قل } يا محمد { فأتوا ~~بالتوراة فاتلوها } ، حتى يتبين أنه كما قلتم، { إن كنتم ~~صادقين } ، فلم يأتوا. ### || [3.94-97] # فقال الله عز وجل: { فمن افترى على الله الكذب من ~~بعد ذلك فأولئك هم الظلمون }. # { قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا ~~وما كان من المشركين } ، وإنما دعاهم إلى اتباع ملة ~~إبراهيم لأن في اتباع ملة إبراهيم اتباعه صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: { إن أول بيت وضع للناس للذي ~~ببكة مباركا } ، سبب [نزول هذه الآية] أن اليهود قالوا ~~للمسلمين: بيت المقدس قبلتنا، وهو أفضل من الكعبة، وأقدم وهو مهاجر ~~الأنبياء، وقال المسلمون: بل الكعبة أفضل، فأنزل الله تعالى { إن ~~أول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا وهدى ~~للعلمين }. # { فيه آيات بينات مقام إبراهيم، ومن دخله ~~كان آمنا } ، وليس شيء من هذه الفضائل لبيت المقدس. واختلف العلماء ~~في قوله تعالى: { إن أول بيت وضع للناس للذي ~~ببكة } ، فقال بعضهم: هو أول بيت ظهر على وجه الماء عند خلق ~~[السماء] والأرض، خلقه الله قبل الأرض بألفي عام، وكان زبدة بيضاء ~~على الماء فدحيت الأرض من تحته، هذا قول عبد الله بن عمر ومجاهد وقتادة ~~والسدي. وقال بعضهم: هو أول بيت بني في الأرض، روي عن علي بن الحسين: أن ~~الله تعالى وضع تحت العرش بيتا وهو البيت المعمور، وأمر الملائكة أن ~~يطوفوا به، ثم أمر الملائكة الذين هم سكان الأرض أن يبنوا في الأرض بيتا ~~على مثاله وقدره، فبنوه واسمه الضراح، وأمر من في الأرض أن يطوفوا ms0405 به ~~كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور. وروي أن الملائكة بنوه قبل خلق آدم ~~بألفي عام، وكانوا يحجونه، فلما حجه آدم قالت الملائكة: بر حجك يا ~~آدم، حججنا هذا البيت قبلك بألف عام، ويروى عن ابن عباس أنه قال: أراد ~~به أنه أول بيت بناه آدم في الأرض، وقيل: هو أول بيت مبارك وضع [في ~~الأرض] هدى للناس، يروى ذلك عن علي بن أبي طالب، قال الضحاك: أول بيت ~~وضع فيه البركة، وقيل: أول بيت وضع للناس يحج إليه. وقيل: أول بيت جعل ~~قبلة للناس. وقال الحسن والكلبي: معناه: أول مسجد ومتعبد وضع للناس ~~يعبد الله فيه كما قال الله تعالى: (في بيوت أذن الله أن ترفع) يعني ~~المساجد. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف، أنا محمد بن إسماعيل أخبرنا موسى بن إسماعيل أخبرنا عبد الواحد أنا ~~الأعمش أخبرنا إبراهيم بن يزيد التيمي عن أبيه قال سمعت أبا ذر يقول: # " قلت: يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أولا؟ قال: المسجد ~~الحرام، قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: كم كان بينهما؟ قال: ~~أربعون سنة، ثم أينما أدركتك الصلاة بعد فصل فإن الفضل فيه ". # قوله تعالى: { للذى ببكة } قال جماعة: هي مكة نفسها، وهو قول ~~الضحاك، والعرب تعاقب بين الباء والميم، فتقول: سبد رأسه وسمده، ~~وضربة لازب ولازم، وقال الآخرون: بكة موضع البيت ومكة اسم للبلد كله. ~~وقيل: بكة موضع البيت والمطاف، سميت بكة: لأن الناس يتباكون فيها، أي ~~يزدحمون يبك بعضهم بعضا ويصلي بعضهم بين يدي بعض ويمر بعضهم بين يدي ~~بعض. وقال عبد الله بن الزبير: سميت بكة لأنها تبك أعناق الجبابرة، أي ~~تدقها فلم يقصدها جبار بسوء إلا قصمه الله. وأما مكة سميت بذلك لقلة ~~مائها، من قول العرب: مك الفصيل ضرع أمه وأمتكه إذا امتص كل ما فيه ~~من اللبن، وتدعى أم رحم لأن الرحمة تنزل بها. { مباركا } نصب على ~~الحال، أي: ذا بركة { وهدى للعلمين } لأنه ms0406 قبلة للمؤمنين { ~~فيه آيات بينات } قرأ ابن عباس { آية بينة } على الوحدان، ~~وأراد مقام إبراهيم وحده، وقرأ الآخرون { آيات بينات } بالجمع، فذكر منها ~~مقام إبراهيم [وهو الحجر] الذي قام عليه إبراهيم، وكان أثر قدميه فيه ~~فاندرس من كثرة المسح بالأيدي، ومن تلك الآيات: الحجر الأسود والحطيم ~~وزمزم والمشاعر كلها، وقيل: مقام إبراهيم جميع الحرم، ومن الآيات في ~~البيت أن الطير تطير فلا تعلو فوقه، وأن الجارحة إذا قصدت صيدا فإذا دخل ~~الصيد الحرم كفت عنه، وإنه بلد صدر إليه الأنبياء والمرسلون والأولياء ~~والأبرار، وإن الطاعة والصدقة فيها تضاعف بمائة ألف. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أبو محمد الحسن بن أحمد المخلدي، أخبرنا ~~أبو العباس محمد بن إسحاق السراج، أخبرنا أبو مصعب أحمد بن أبي بكر ~~الزهري أنا مالك بن أنس عن زيد بن رباح وعبيد الله بن أبي عبد الله عن ~~أبي عبد الله الأغر عن أبي هريرة قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة، فيما سواه إلا المسجد الحرام ". # قوله عز وجل: { ومن دخله كان ءامنا } من أن يحاج فيه، وذلك ~~بدعاء إبراهيم عليه السلام حيث قال: رب اجعل هذا بلدا آمنا، وكانت ~~العرب في الجاهلية يقتل بعضهم بعضا ويغير بعضهم على بعض ومن دخل الحرم ~~أمن من القتل والغارة، وهو المراد من الآية على قول الحسن وقتادة وأكثر ~~المفسرين قال الله تعالى: # أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف ~~الناس من حولهم # [العنكبوت: 67]، وقيل: المراد به أن من دخله عام عمرة القضاء مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان آمنا، كما قال تعالى: # لتدخلن المسجد الحرام إن شآء الله آمنين # [الفتح: 27] وقيل: هو خبر بمعنى الأمر تقديره: ومن دخله فأمنوه، كقوله ~~تعالى: # فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج # [البقرة: 197]، أي: لا ترفثوا ولا تفسقوا، حتى ذهب بعض أهل العلم إلى أن ~~من وجب عليه القتل قصاصا أو حدا فالتجأ إلى الحرم فلا يستوفى منه ~~فيه، ولكنه ms0407 [لا يطعم] ولا يبايع ولا يشارى حتى يخرج منه، فيقتل، قاله ~~ابن عباس، وبه قال أبو حنيفة وذهب قوم إلى أن القتل الواجب بالشرع ~~يستوفى فيه أما إذا ارتكب الجريمة في الحرم يستوفي فيه عقوبته بالاتفاق. ~~وقيل: معناه من دخله معظما له متقربا إلى الله عز وجل كان آمنا ~~يوم القيامة من العذاب. قوله عز وجل: { ولله على الناس حج ~~البيت من استطع إليه سبيلا } ، أي: ولله فرض واجب ~~على الناس حج البيت، قرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي وحفص { حج ~~البيت } بكسر الحاء في هذا الحرف خاصة، وقرأ الآخرون بفتح الحاء، ~~وهي لغة أهل الحجاز، وهما لغتان فصيحتان ومعناهما واحد. والحج أحد أركان ~~الإسلام. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا ~~محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أنا عبد الله بن موسى أنا حنظلة بن ~~أبي سفيان عن عكرمة بن خالد عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان ". # قال أهل العلم: ولوجوب الحج خمس شرائط: الإسلام والعقل والبلوغ ~~والحرية والاستطاعة، فلا يجب على الكافر ولا على المجنون، ولو حجا ~~بأنفسهما لا يصح لأن الكافر ليس من أهل القربة ولا حكم [لفعل] المجنون، ~~ولا يجب على الصبي ولا على العبد، ولو حج صبي يعقل، أو عبد يصح حجهما ~~تطوعا لا يسقط به فرض الإسلام عنهما فلو بلغ الصبي، أو عتق العبد ~~بعدما حج واجتمع في حقه شرائط [وجوب] الحج، وجب عليه أن يحج ثانيا، ولا ~~يجب على غير المستطيع، لقوله تعالى: { من استطع إليه ~~سبيلا } غير أنه لو تكلف فحج يسقط عنه فرض الإسلام. والاستطاعة ~~نوعان، أحدهما: أن يكون قادرا مستطيعا [بنفسه]، والآخر: أن يكون ~~مستطيعا بغيره، أما الاستطاعة بنفسه أن يكون قادرا بنفسه على الذهاب ~~ووجد الزاد والراحلة، # أخبرنا عبد الواحد بن محمد الكسائي الخطيب ms0408 ثنا عبد العزيز بن أحمد ~~الخلال ثنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع بن سليمان أخبرنا الشافعي ~~أخبرنا سعيد بن سالم عن إبراهيم بن يزيد عن محمد بن عباد بن جعفر قال: ~~قعدنا إلى عبد الله ابن عمر فسمعته يقول: # " سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما الحاج؟ قال: «الشعث ~~التفل»، فقام رجل آخر فقال: يا رسول الله، أي الحج أفضل؟ قال: «العج ~~والثج»، فقام رجل آخر فقال: يا رسول الله ما السبيل؟ قال: «زاد وراحلة» ~~". # وتفصيله: أن يجد راحلة تصلح لمثله، ووجد الزاد للذهاب والرجوع، ~~فاضلا عن نفقة عياله ومن تلزمه نفقتهم وكسوتهم لذهابه ورجوعه، وعن ~~دين يكون عليه، ووجد رفقة يخرجون في وقت جرت عادة أهل بلده بالخروج ~~في ذلك الوقت، فإن خرجوا قبله أو أخروا الخروج إلى وقت لا يصلون إلا أن ~~يقطعوا كل يوم أكثر من مرحلة لا يلزمهم الخروج [في ذلك الوقت]، ويشترط أن ~~يكون الطريق آمنا، فإن كان فيه خوف من عدو مسلم أو كافر أو رصدي ~~يطلب شيئا لا يلزمه، ويشترط أن تكون المنازل المأهولة معمورة يجد فيها ~~الزاد والماء، فإن كان زمان جدوبة تفرق أهلها أو غارت مياهها، فلا ~~يلزمه ولو لم يجد الراحلة لكنه قادر على المشي، أو لم يجد الزاد ولكن ~~يمكنه أن يكتسب في الطريق لا يلزمه الحج، ويستحب لو فعل، وعند مالك ~~يلزمه. أما الاستطاعة بالغير هو: أن يكون الرجل عاجزا بنفسه، بأن كان ~~زمنا أو به مرض غير مرجو الزوال، لكن له مال يمكنه أن يستأجر من يحج ~~عنه، يجب عليه أن يستأجر، أو لم يكن له مال لكن بذل له ولده أو أجنبي ~~الطاعة في أن يحج عنه، يلزمه أن يأمره إذا كان يعتمد صدقه، لأن وجوب ~~الحج [يتعلق] بالاستطاعة، ويقال في العرف: فلان مستطيع لبناء دار وإن كان ~~لا يفعله بنفسه، إنما يفعله بماله أو بأعوانه. وعند أبي حنيفة لا يجب ~~الحج ببذل الطاعة، وعند مالك لا يجب على المغصوب في المال. وحجة ms0409 من ~~أوجبه ما # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق ~~الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن سليمان بن يسار عن عبد ~~الله بن عباس أنه قال: # كان الفضل بن عباس رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءته امرأة من ~~خثعم تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فقالت: يا رسول الله إن ~~فريضة الله على عباده في الحج، أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت ~~على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «نعم». # قوله تعالى: { ومن كفر فإن الله غنى عن العالمين ~~} ، قال ابن عباس والحسن وعطاء: جحد فرض الحج، وقال مجاهد: من كفر ~~بالله واليوم الآخر. وقال سعيد بن المسيب: نزلت في اليهود حيث قالوا: ~~الحج إلى مكة غير واجب. وقال السدي: هو من وجد ما يحج به ثم لم يحج حتى ~~مات فهو كفر به، # أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا ~~أبو الحسن الكلماتي أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر، أخبرنا سهل بن عمار ~~أخبرنا يزيد بن هرون أخبرنا شريك عن ليث عن عبد الرحمن بن سابط عن أبي ~~أمامة: # أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من لم تحبسه حاجة ظاهرة أو مرض حابس أو سلطان جائر، ولم يحج ~~فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا ". ### || [3.98-99] # قوله تعالى: { قل يأهل الكتاب لم تكفرون بآيات ~~الله والله شهيد على ما تعملون }. # { قل يأهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله } أي: ~~لم تصرفون عن دين الله، { من ءامن تبغونها } تطلبونها، { ~~عوجا } زيغا وميلا، يعني: لم تصدون عن سبيل الله باغين لها عوجا؟ ~~قال أبو عبيدة: العوج بالكسر في الدين والقول والعمل، والعوج ~~ بالفتح في الجدار، وكل شخص قائم، { وأنتم شهدآء وما ~~الله بغفل عما تعملون } [أن في التوراة مكتوبا] نعت ~~محمد صلى الله عليه وسلم وإن دين الله الذي لا يقبل ms0410 غيره هو الإسلام. ### || [3.100] # { يأيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من ~~الذين أوتوا الكتاب } ، # قال زيد بن أسلم: إن شاس بن قيس اليهودي وكان شيخا عظيم الكفر ~~شديد الطعن على المسلمين مر على نفر من الأوس والخزرج في مجلس جمعهم ~~يتحدثون، فغاظه ما رأى من ألفتهم وصلاح ذات بينهم في الإسلام بعد الذي ~~كان بينهم في الجاهلية من العداوة، قال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه ~~البلاد لا والله ما لنا معهم إذا اجتمعوا بها من قرار، فأمر شابا من ~~اليهود كان معه فقال: اعمد إليهم واجلس معهم ثم ذكرهم يوم بعاث وما ~~كان قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار، وكان بعاث ~~يوما اقتتلت فيه الأوس مع الخزرج، وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج، ~~ففعل وتكلم فتكلم القوم عند ذلك فتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من ~~الحيين على الركب، أوس بن قبطي أحد بني حارثة من الأوس وجبار بن صخر ~~أحد بني سلمة من الخزرج، فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم والله ~~رددتها الآن جذعة، وغضب الفريقان جميعا وقالا: قد فعلنا السلاح السلاح ~~موعدكم الظاهرة، وهي حرة فخرجوا إليها، وانضمت الأوس والخزرج بعضها إلى ~~بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية، فبلغ ذلك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فخرج إليهم فمن معه من المهاجرين حتى جاءهم، فقال صلى ~~الله عليه وسلم: يا معشر المسلمين أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد ~~إذ أكرمكم الله بالإسلام، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، وألف بينكم؟ ~~ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارا، الله الله!! فعرف القوم أنها نزغة من ~~الشيطان وكيد من عدوهم، فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا وعانق بعضهم ~~بعضا، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين، ~~فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية { يردوكم بعد إيمنكم ~~كفرين } قال جابر: فما رأيت قط يوما أقبح أولا، وأحسن آخرا من ~~ذلك اليوم. # ثم قال الله تعالى على وجه التعجب: { وكيف تكفرون }. ### || [3.101] # { وكيف تكفرون } يعني: ولم ms0411 تكفرون؟ { وأنتم تتلى ~~عليكم ءايت الله } ، القرآن، { وفيكم رسوله } ، ~~محمد صلى الله عليه وسلم. قال قتادة: في هذه الآية علمان بينان: كتاب ~~الله ونبي الله، أما نبي الله فقد مضى، وأما كتاب الله فأبقاه بين ~~أظهركم رحمة من الله ونعمة. # أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن العباس الحميدي أخبرنا أبو عبد الله ~~محمد بن عبد الله الحافظ أنا أبو الفضل الحسن بن يعقوب بن يوسف العدل ~~أخبرنا أبو أحمد محمد بن عبد الوهاب العبدي أنا أبو جعفر بن عوف أخبرنا ~~أبو حيان يحيى بن سعيد بن حيان [عن يزيد بن حيان] قال: سمعت زيد ابن أرقم ~~قال: «قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم خطيبا، فحمد الله ~~وأثنى عليه، ثم قال: # " أما بعد أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيبه، ~~وإني تارك فيكم الثقلين أولهما: كتاب الله فيه الهدى والنور، فتمسكوا ~~بكتاب الله وخذوا به، فحث عليه ورغب فيه، ثم قال: وأهل بيتي، ~~أذكركم الله في أهل بيتي ". # قوله تعالى: { ومن يعتصم بالله } ، أي: يمتنع بالله ويستمسك ~~بدينه وطاعته، { فقد هدى إلى صرط مستقيم } ، طريق ~~واضح، وقال ابن جريج ومن يعتصم بالله أي: يؤمن بالله، وأصل العصمة: ~~المنع، فكل مانع شيئا فهو عاصم له. ### || [3.102] # قوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق ~~تقاته } ، # قال مقاتل بن حيان: كان بين الأوس والخزرج عداوة في الجاهلية وقتال حتى ~~هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فأصلح بينهم فافتخر ~~بعده منهم رجلان: ثعلبة بن غنم من الأوس وأسعد بن زرارة من الخزرج، فقال ~~الأوسي: منا خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، ومنا حنظلة غسيل الملائكة، ~~ومنا عاصم بن ثابت بن أفلح حمي الدبر، ومنا سعد بن معاذ الذي اهتز ~~[لموته] عرش الرحمن له ورضي الله بحكمه في بني قريظة. وقال الخزرجي: ~~منا أربعة أحكموا القرآن: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، ~~وأبو زيد، ومنا سعد بن عبادة خطيب الأنصار ورئيسهم، ms0412 فجرى الحديث بينهما ~~فغضبا وأنشدا الأشعار وتفاخرا، فجاء الأوس والخزرج ومعهم السلاح، فأتاهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى هذه الآية: { يأيها ~~الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته }. # وقال عبد الله بن مسعود وابن عباس: هو أن يطاع فلا يعصى، قال مجاهد: ~~أن تجاهدوا في سبيل الله حق جهاده ولا تأخذكم في الله لومة لائم، ~~وتقوموا لله بالقسط ولو على أنفسكم وآبائكم وأبنائكم. وعن أنس أنه قال: ~~لا يتقي الله عبد حق تقاته حتى يخزن لسانه. قال أهل التفسير: لما نزلت ~~هذه الآية شق ذلك عليهم، فقالوا: يا رسول الله ومن يقوى على هذا؟ ~~فأنزل الله تعالى: # فاتقوا الله ما استطعتم # [التغابن: 16]، فنسخت هذه الآية، وقال مقاتل: ليس في آل عمران من ~~المنسوخ إلا هذا. { ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } ~~أي: مؤمنون، وقيل: مخلصون مفوضون أموركم إلى الله عز وجل، وقال الفضيل: ~~محسنون الظن بالله. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أبو بكر العبدوسي أخبرنا أبو بكر ~~محمد بن حمدون بن خالد بن يزيد أخبرنا سليمان بن سيف أخبرنا وهب بن جرير ~~أنا شعبة عن الأعمش عن مجاهد عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أيها الناس اتقوا الله حق تقاته فلو أن قطرة من الزقوم ~~قطرت على الأرض لأمرت على أهل الدنيا معيشتهم، فكيف بمن هو ~~طعامه وليس له طعام غيره؟ ". ### || [3.103] # قوله عز وجل: { واعتصموا بحبل الله جميعا } ، الحبل: ~~السبب الذي [يتوصل] به إلى البغية، وسمي الإيمان حبلا لأنه سبب ~~يتوصل به إلى زوال الخوف. واختلفوا في معناه هاهنا، قال ابن عباس: معناه ~~تمسكوا بدين الله، وقال ابن مسعود: هو الجماعة، وقال: عليكم بالجماعة ~~فإنها حبل الله الذي أمر الله به، وإن ما تكرهون في الجماعة والطاعة خير ~~مما تحبون في الفرقة. وقال مجاهد وعطاء: بعهد الله، وقال قتادة والسدي: ~~هو القرآن. # وروي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن هذا القرآن ms0413 هو حبل الله، وهوالنور المبين، والشفاء النافع، ~~وعصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن تبعه ". # وقال مقاتل بن حيان: بحبل الله: أي بأمر الله وطاعته، { ولا ~~تفرقوا } كما [افترقت] اليهود والنصارى. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ~~أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه: # أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله تعالى يرضى لكم ثلاثا، ويسخط لكم ثلاثا، يرضى لكم أن ~~تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا، وأن ~~تناصحوا من ولى الله أمركم، ويسخط لكم: قيل وقال، وإضاعة ~~المال، وكثرة السؤال ". # قوله تعالى: { واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم ~~أعدآء فألف بين قلوبكم }. # قال محمد بن إسحاق بن يسار وغيره من أهل الأخبار: كانت الأوس والخزرج ~~أخوين لأب وأم فوقعت بينهما عداوة بسبب قتيل، فتطاولت تلك العداوة ~~والحرب بينهم عشرين ومائة سنة إلى أن أطفأ الله عز وجل ذلك بالإسلام، ~~وألف [بينهم] برسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وكان سبب ألفتهم أن سويد ~~بن الصامت أخا بني عمرو بن عوف وكان شريفا يسميه قومه الكامل لجلده ~~ونسبه قدم مكة حاجا أو معتمرا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ~~بعث وأمر بالدعوة، فتصدى له حين سمع به ودعاه إلى الله عز وجل وإلى ~~الإسلام، فقال له سويد: فلعل الذي معك مثل الذي معي، فقال له رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: [وما الذي معك قال: مجلة لقمان، يعني: حكمته، فقال ~~له رسول الله صلى الله عليه وسلم]. اعرضها علي فعرضها، فقال: إن هذا ~~لكلام حسن، معي أفضل من هذا، قرآن أنزله الله علي نورا وهدى، فتلا ~~عليه القرآن ودعاه إلى الإسلام، فلم [يبعد] منه وقال: إن هذا [لقول] ~~حسن، ثم انصرف إلى المدينة فلم يلبث أن قتله الخزرج قبل يوم بعاث، فإن ~~قومه ليقولون: قد قتل وهو مسلم. # ثم قدم أبو الحيسر أنس بن رافع، ومعه ms0414 فئة من بني الأشهل فيهم إياس بن ~~معاذ يلتمسون الحلف من قريش على قوم من الخزرج، فلما سمع بهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أتاهم فجلس إليهم، فقال: هل لكم إلى خير مما ~~جئتم له؟ فقالوا: وما ذلك؟ قال: أنا رسول الله بعثني إلى العباد ~~أدعوهم إلى أن لا يشركوا بالله شيئا، وأنزل علي الكتاب، ثم ذكر لهم ~~الإسلام وتلا عليهم القرآن، فقال إياس بن معاذ وكان غلاما حدثا: أي ~~قوم هذا والله خير مما جئتم له، فأخذ أبو الحيسر حفنة من البطحاء فضرب ~~بها وجه إياس وقال: دعنا منك فلعمري لقد جئنا لغير هذا، فصمت إياس وقام ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم، وانصرفوا إلى المدينة، وكانت وقعة ~~بعاث بين الأوس والخزرج، ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك. فلما أراد ~~الله عز وجل إظهار دينه وإعزاز نبيه خرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في الموسم الذي لقي فيه النفر من الأنصار يعرض نفسه على قبائل العرب ~~كما كان يصنع في كل موسم، فلقي عند العقبة رهطا من الخزرج أراد الله بهم ~~خيرا، وهم ستة نفر: أسعد بن زرارة، وعوف بن الحارث وهو ابن عفراء، ورافع ~~بن مالك بن العجلان، وقطبة بن عامر بن حديدة، وعقبة بن عامر بن نابي، ~~وجابر بن عبد الله، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أنتم؟ ~~قالوا: نفر من الخزرج، قال: أمن موالي يهود؟ قالوا: نعم: قال: أفلا ~~تجلسون حتى أكلمكم؟ قالوا: بلى، فجلسوا معه فدعاهم إلى الله عز وجل ~~وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن. قالوا: وكان مما صنع الله لهم ~~به في الإسلام أن يهودا كان معهم ببلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وهم ~~كانوا أهل أوثان وشرك، وكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا: إن نبيا الآن ~~مبعوث قد أظل زمانه، نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما كلم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر ودعاهم إلى الله عز وجل قال ~~بعضهم لبعض: يا ms0415 قوم تعلمون والله إنه النبي الذي توعدكم به يهود، ~~فلا يسبقنكم إليه، فأجابوه وصدقوه وأسلموا، وقالوا: إنا قد تركنا ~~قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى الله أن يجمعهم بك، ~~وسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، فإن جمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك. ~~ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين إلى بلادهم قد آمنوا ~~به صلى الله عليه وسلم، فلما قدموا المدينة ذكروا لهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ودعوهم إلى الإسلام، حتى فشا فيهم فلم يبق دار من ~~دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا ~~كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا وهم: أسعد بن ~~زرارة، وعوف ومعاذ ابنا عفراء، ورافع بن مالك بن العجلان، وذكوان بن عبد ~~القيس، وعبادة بن الصامت، ويزيد بن ثعلبة، وعباس بن عبادة، وعقبة بن ~~عامر، وقطبة بن عامر، وهؤلاء خزرجيون، وأبو الهيثم بن التيهان وعويم بن ~~ساعدة من الأوس، فلقوه بالعقبة وهي العقبة الأولى، فبايعوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء، على أن لا يشركوا بالله شيئا ولا ~~يسرقوا ولا يزنوا، إلى آخر الآية، فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم شيئا ~~من ذلك فأخذتم بحده في الدنيا فهو كفارة له، وإن ستر عليكم فأمركم إلى ~~الله إن شاء عذبكم وإن شاء غفر لكم، قال: وذلك قبل أن يفرض عليهم الحرب. # قال: فلما انصرف القوم بعث معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب ~~بن عمير بن هاشم بن عبد مناف، وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم ~~الإسلام ويفقههم في الدين، وكان مصعب يسمى بالمدينة المقرىء، وكان ~~منزله على أسعد بن زرارة، ثم إن أسعد بن زرارة خرج بمصعب فدخل به حائطا ~~من حوائط بني ظفر، فجلسا في الحائط فاجتمع إليهما رجال ممن أسلم، فقال ~~سعد بن معاذ لأسيد بن حضير: انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا ~~دارنا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما، فإن أسعد بن ms0416 زرارة ابن خالتي ولولا ذاك ~~لكفيتكه، وكان سعد بن معاذ وأسيد بن حضير سيدي قومهما من بني ~~عبد الأشهل وهما مشركان، فأخذ أسيد بن حضير حربته ثم أقبل إلى مصعب وأسعد ~~وهما جالسان في الحائط، فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب: هذا سيد قومه ~~قد جاءك، فاصدق الله فيه، قال مصعب: إن يجلس أكلمه، قال: فوقف عليهما ~~متشتما، فقال: ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلا إن كانت لكما ~~في أنفسكما حاجة، فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع؟ فإن رضيت أمرا قبلته، ~~وإن كرهته كف عنك ما تكره، قال: أنصفت، ثم ركز حربته وجلس إليهما، ~~فكلمه مصعب بالإسلام وقرأ عليه القرآن، فقالا: والله لعرفنا في وجهه ~~الإسلام قبل أن يتكلم به، في إشراقه وتسهله، ثم قال: ما أحسن هذا الكلام ~~وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قالا له: تغتسل ~~وتطهر ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق، [ثم تصلي ركعتين، فقام واغتسل وطهر ~~ثوبيه، وشهد شهادة الحق] ثم قام وركع ركعتين، ثم قال لهما: إن ورائي ~~رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه وسأرسله إليكما الآن، سعد بن ~~معاذ، ثم أخذ حربته فانصرف إلى سعد وقومه، وهم جلوس في ناديهم، فلما نظر ~~إليه سعد بن معاذ مقبلا قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ~~ذهب من عندكم، فلما وقف على النادى قال له سعد: ما فعلت؟ قال: كلمت ~~الرجلين فوالله ما رأيت بهما بأسا وقد نهيتهما، فقالا: فافعل ما ~~أحببت، وقد حدثت أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه، وذلك ~~أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليحقروك فقام سعد [مغضبا] مبادرا للذي ذكره ~~له من بني حارثة، فأخذ الحربة، ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئا فلما ~~رآهما مطمئنين عرف أن أسيدا إنما أراد أن يسمع منهما فوقف عليهما ~~متشتما، ثم قال لأسعد بن زرارة: لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت ~~هذا مني، تغشانا في دارنا بما نكره وقد قال ms0417 أسعد لمصعب: جاءك والله سيد ~~قومه، إن يتبعك لم يخالفك منهم أحد، فقال له مصعب: أو تقعد فتسمع فإن ~~رضيت أمرا ورغبت فيه قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره، قال سعد: ~~أنصفت، ثم ركز الحربة فجلس، فعرض عليه الإسلام وقرأ عليه القرآن، ~~قالا: فعرفنا والله في وجهه الإسلام: قبل أن يتكلم به في إشراقه وتسهله، ~~ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين؟ قالا: ~~تغتسل وتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق ثم [تصلي] ركعتين، فقام واغتسل ~~وطهر ثوبيه وشهد شهادة الحق وركع ركعتين، ثم أخذ حربته فأقبل عامدا إلى ~~نادي قومه ومعه أسيد بن حضير، فلما رآه قومه مقبلا قالوا: نحلف ~~بالله لقد رجع سعد إليكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف ~~عليهم قال: يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا ~~وأفضلنا رأيا وأيمننا نقيبة قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام ~~حتى تؤمنوا بالله ورسوله، قال: فما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا ~~امرأة إلا مسلم أو مسلمة، ورجع أسعد ابن زرارة ومصعب إلى منزل أسعد بن ~~زرارة، فأقام عنده يدعو الناس إلى الإسلام حتى لم يبق دار من دور ~~الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمات إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد ~~وخطمة ووائل وواقف، وذلك أنه كان فيهم أبو قيس بن الأسلت الشاعر، وكانوا ~~يسمعون منه ويطيعونه فوقف بهم عن الإسلام حتى هاجر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى المدينة، ومضى بدر وأحد والخندق. # قالوا: ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة وخرج معه من الأنصار من المسلمين ~~سبعون رجلا مع حجاج قومهم من أهل الشرك حتى قدموا مكة فواعدوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق وهي بيعة العقبة ~~الثانية. قال كعب بن مالك - وكان قد شهد ذلك - فلما فرغنا من الحج، وكانت ~~الليلة التي واعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعنا عبد الله ms0418 بن ~~عمرو بن حرام أبو جابر أخبرناه وكنا نكتم عمن معنا من المشركين من قومنا ~~أمرنا فكلمناه، وقلنا له: يا أبا جابر إنك سيد من ساداتنا وشريف من ~~أشرافنا وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا، ودعوناه ~~إلى الإسلام فأسلم، وأخبرناه بميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهد ~~معنا العقبة، وكان نقيبا، فبتنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا ~~مضى ثلث الليل خرجنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم نتسلل مستخفين ~~تسلل القطا، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن سبعون رجلا ومعنا ~~امرأتان من نسائنا نسيبة بنت كعب أم عمارة إحدى نساء بني النجار، وأسماء ~~بنت عمرو بن عدي أم منيع إحدى نساء بني سلمة، فاجتمعنا بالشعب ننتظر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، حتى جاءنا ومعه عمه العباس بن عبد المطلب، وهو ~~يومئذ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه، ويتوثق له. # فلما جلسنا كان أول من تكلم العباس بن عبد المطلب، فقال: يا معشر الخزرج ~~- وكانت العرب يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج خزرجها وأوسها - إن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن ~~هو على مثل رأينا وهو في عز من قومه ومنعة في بلده، وأنه قد أبى إلا ~~الانقطاع إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه ~~إليه ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم ~~مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم فمن الآن فدعوه، فإنه في عز ~~ومنعة. قال: فقلنا قد سمعنا ما قلت: فتكلم يا رسول الله وخذ لنفسك ~~ولربك ما شئت. قال: فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا القرآن ~~ودعا إلى الله تعالى ورغب في الإسلام، ثم قال أبايعكم على أن تمنعوني ~~مما تمنعون منه [أنفسكم ونساءكم] وأبناءكم، قال: فأخذ البراء بن معرور ~~بيده ثم قال: والذي بعثك بالحق نبيا لنمنعك مما نمنع منه أزرنا ~~فبايعنا ms0419 يا رسول الله، فنحن أهل الحرب وأهل الحلقة ورثناها كابرا عن ~~كابر. قال: [فاعترض] القول - والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم - أبو الهيثم بن التيهان، فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين الناس ~~حبالا يعني العهود، وإنا قاطعوها فهل عسيت إن فعلنا نحن ذلك ثم أظهرك ~~الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ثم قال: الدم الدم والهدم الهدم، أنتم مني وأنا منكم أحارب من ~~حاربتم وأسالم من سالمتم. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا كفلاء على قومهم بما فيهم، ككفالة ~~الحواريين لعيسى ابن مريم " # ، فأخرجوا اثني عشر نقيبا تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس. # قال عاصم بن عمر بن قتادة: إن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري: يا معشر الخزرج ~~هل تدرون علاما تبايعون هذا الرجل؟ إنكم تبايعونه على حرب الأحمر ~~والأسود، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة واشرافكم قتلى ~~أسلمتموه، فمن الآن، فهو والله إن فعلتم خزي في الدنيا والآخرة، وإن ~~كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على تهلكة الأموال وقتل ~~الأشراف فخذوه فهو والله خير الدنيا والآخرة. قالوا: فإنا نأخذه على ~~مصيبة الأموال وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا؟ ~~قال: «الجنة»، قال: ابسط يدك فبسط يده فبايعوه، وأول من ضرب على يده ~~البراء بن معرور، ثم تتابع القوم، فلما بايعنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم صرخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت ما سمعته قط: يا أهل ~~الجباجب هل لكم في مذمم والصباة قد اجتمعوا على حربكم، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: هذا عدو الله، هذا أزب العقبة، اسمع أي عدو ~~الله أما والله لأفرغن لك، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~ارفضوا إلى رحالكم. فقال العباس بن عبادة بن نضلة: والذي بعثك بالحق لئن ~~شئت [لنميلن] ms0420 غدا على أهل منى بأسيافنا، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: لم نؤمر بذلك ولكن ارجعوا إلى رحالكم. قال: فرجعنا إلى مضاجعنا ~~فنمنا عليها حتى أصبحنا فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش حتى جاؤونا في ~~منازلنا، فقالوا: يا معشر الخزرج بلغنا أنكم جئتم صاحبنا هذا تستخرجونه ~~من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما حي من العرب أبغض ~~إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم [منكم]. قال: فانبعث من هناك من ~~مشركي قومنا يحلفون لهم بالله: ما كان من هذا شيء وما علمناه. وصدقوا، ~~ولم يعلموا، وبعضنا ينظر إلى بعض، وقام القوم وفيهم الحارث بن هشام بن ~~المغيرة [المخزومي] وعليه نعلان جديدان، قال فقلت له كلمة كأني أريد أن ~~أشرك القوم بها فيما قالوا يا جابر أما تستطيع أن تتخذ وأنت سيد من ~~سادتنا مثل نعلي هذا الفتى من قريش، قال فسمعها الحارث فخلعهما من رجليه ~~ثم رمى بهما إلي وقال: والله لتنتعلنهما قال يقول أبو جابر رضي الله عنه: ~~مه، والله أحفظت الفتى فاردد إليه نعليه، قال: لا أردهما، فأل - ~~والله - صالح، والله لئن صدق الفأل [لأسلبنه]. قال: ثم انصرف الأنصار ~~إلى المدينة وقد شددوا العقد، فلما قدموها أظهروا الإسلام بها وبلغ ذلك ~~قريشا فآذوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لأصحابه: # " إن الله تعالى قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون فيها " # فأمرهم بالهجرة إلى المدينة واللحوق بإخوانهم من الأنصار. فأول من هاجر ~~إلى المدينة أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي، ثم عامر بن ربيعة ثم عبد ~~الله بن جحش ثم تتابع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسالا إلى ~~المدينة فجمع الله أهل المدينة أوسها وخزرجها بالإسلام وأصلح ذات ~~بينهم بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم. قال الله تعالى: { واذكروا ~~نعمة الله عليكم } يا معشر الأنصار { إذ كنتم أعدآء ~~} قبل الإسلام { فألف بين قلوبكم } بالإسلام، { ~~فأصبحتم } ، أي فصرتم، { بنعمته } برحمته وبدينه الإسلام، { ~~إخوانا } في الدين والولاية بينكم. { وكنتم ms0421 } يا معشر الأوس ~~والخزرج { على شفا حفرة من النار } ، أي على طرف حفرة مثل ~~شفا البئر، معناه: كنتم على طرف حفرة من النار ليس بينكم وبين الوقوع ~~فيها إلا أن تموتوا على كفركم، { فأنقذكم } الله { منها } ~~بالإيمان، { كذلك يبين الله لكم ءايته لعلكم ~~تهتدون }. ### || [3.104] # { ولتكن منكم أمة } ، أي: كونوا أمة، { من } صلة ليست ~~للتبعيض، كقوله تعالى: # فاجتنبوا الرجس من الأوثن # [الحج: 30] لم يرد اجتناب بعض الأوثان بل أراد فاجتنبوا الأوثان، ~~واللام في قوله { ولتكن } لام الأمر، { يدعون إلى الخير } ~~، إلى الإسلام، { ويأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر وأولئك هم المفلحون }. # أخبرنا إسماعيل عبد القاهر قال أنا عبد الغافر بن محمد قال أخبرنا محمد ~~بن عيسى الجلودي أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ثنا مسلم بن الحجاج ~~حدثنا أبو بكر محمد بن أبي شيبة أخبرنا وكيع عن سفيان عن قيس بن مسلم عن ~~طارق بن شهاب قال قال أبو سعيد رضي الله عنهما: # سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم ~~يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ". # أخبرنا أبو عبد الله بن الفضل الخرقي قال أخبرنا أبو الحسن الطيسفوني ~~أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري أخبرنا أحمد بن علي الكشميهني أخبرنا علي ~~بن حجر أخبرنا إسماعيل بن جعفر أنا عمرو بن أبي عمرو عن عبد الله بن عبد ~~الرحمن الأشهلي عن حذيفة: # أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن ~~الله أن يبعث عليكم عذابا من عنده ثم لتدعنه فلا يستجاب لكم ". # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أخبرنا أبو طاهر محمد بن ~~محمد بن محمش الزيادي أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان أنا علي بن ~~الحسين الدراوردي أخبرنا أبو النعمان أخبرنا عبد العزيز بن مسلم ~~القسملي أنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: # سمعت أبا بكر الصديق رضي الله عنه يقول: يا أيها ms0422 الناس إنكم تقرؤون هذه ~~الآية: { يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا ~~يضركم من ضل إذا اهتديتم } ، فإني سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن الناس إذا رأوا منكرا فلم يغيروه يوشك أن يعمهم الله تعالى بعذابه ~~". # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا ~~محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا عمرو بن حفص بن غياث أخبرنا أبي ~~أنا الأعمش حدثني الشعبي أنه سمع النعمان بن بشير رضي الله عنه يقول: # قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " مثل المداهن في حدود الله تعالى والواقع فيها، كمثل قوم استهموا ~~على سفينة فصار بعضهم في أسفلها وصار بعضهم في أعلاها، فكان الذين في ~~أسفلها يمرون بالماء على الذين في أعلاها فتأذوا به فأخذ فأسا فجعل ينقر ~~أسفل السفينة، فأتوه فقالوا: ما لك؟ قال: تأذيتم بي ولا بد لي من الماء، ~~فإن أخذوا على يديه أنجوه ونجوا أنفسهم وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا ~~أنفسهم ". ### || [3.105] # قوله تعالى: { ولا تكونوا كالذين تفرقوا ~~واختلفوا من بعد ما جآءهم البينت } قال أكثر ~~المفسرين: هم اليهود والنصارى، وقال بعضهم: المبتدعة من هذه الأمة. # وقال أبو أمامة رضي الله عنه: هم الحرورية بالشام. قال عبد الله بن ~~شداد: وقف أبو أمامة وأنا معه على رأس الحرورية بالشام فقال: هم كلاب ~~النار، كانوا مؤمنين فكفروا بعد إيمانهم، ثم قرأ { ولا تكونوا ~~كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جآءهم ~~البينت } إلى قوله تعالى { أكفرتم بعد إيمنكم }. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو الحسين بن بشران أخبرنا ~~إسماعيل بن محمد الصفار حدثنا أحمد بن منصور الرمادي حدثنا عبد الرزاق ~~أخبرنا معمر عن عبد الملك بن عمير عن عبد الله بن الزبير أن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه قال: # إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من سره بحبوحة الجنة فعليه بالجماعة، فإن الشيطان مع الفذ، وهو من ~~الاثنين أبعد ". # قوله تعالى: { وأولئك لهم عذاب عظيم }. ### || [3.106] # { يوم تبيض وجوه وتسود ms0423 وجوه } ، { يوم } نصب على ~~الظرف، أي: في يوم، وانتصاب الظرف على التشبيه بالمفعول، يريد: تبيض وجوه ~~المؤمنين وتسود وجوه الكافرين، وقيل: تبيض وجوه المخلصين وتسود وجوه ~~المنافقين. وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ هذه ~~الآية قال تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة. قال الكلبي عن أبي ~~صالح عن ابن عباس إذا كان يوم القيامة رفع لكل قوم ما كانوا يعبدونه، ~~فيسعى كل قوم إلى ما كانوا يعبدون، وهو قوله تعالى: # نوله ما تولى # [النساء: 115] فإذا انتهوا إليه حزنوا فتسود وجوههم من الحزن، وبقي ~~أهل القبلة واليهود والنصارى لم يعرفوا شيئا مما رفع لهم، فيأتيهم الله ~~فيسجد له من كان يسجد في الدنيا مطيعا مؤمنا ويبقى أهل الكتاب ~~والمنافقون لا يستطيعون السجود، ثم يؤذن لهم فيرفعون رؤوسهم ووجوه ~~المؤمنين مثل الثلج بياضا والمنافقون وأهل الكتاب إذا نظروا إلى وجوه ~~المؤمنين حزنوا حزنا شديدا فاسودت وجوههم، فيقولون: ربنا ما لنا ~~مسودة وجوهنا فوالله ما كنا مشركين؟ فيقول الله للملائكة: # انظر كيف كذبوا على أنفسهم # [الأنعام: 24]. قال أهل المعاني: ابيضاض الوجوه إشراقها واستبشارها ~~وسرورها بعملها وبثواب الله، واسودادها: حزنها وكآبتها وكسوفها ~~بعملها وبعذاب الله، يدل عليه قوله تعالى: # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق ~~وجوههم قتر ولا ذلة # [يونس: 26] وقال تعالى: # والذين كسبوا السيئات جزآء سيئة بمثلها ~~وترهقهم ذلة # [يونس: 27] وقال: # وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ووجوه ~~يومئذ باسرة # [القيامة: 22 24] وقال # وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه ~~يومئذ عليها غبرة # [عبس: 38 40]. # { فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد ~~إيمانكم } ، معناه: يقال لهم: أكفرتم بعد إيمانكم؟ { فذوقوا ~~العذاب بما كنتم تكفرون }. فإن قيل: كيف قال: أكفرتم بعد ~~إيمانكم، وهم لم يكونوا مؤمنين؟ حكي عن أبي بن كعب أنه أراد به: ~~الإيمان يوم الميثاق، حين قال لهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، يقول: ~~أكفرتم بعد إيمانكم يوم الميثاق؟ وقال الحسن: هم المنافقون تكلموا ~~بالإيمان بألسنتهم، وأنكروا بقلوبهم. وعن عكرمة: أنهم أهل الكتاب، آمنوا ~~بأنبيائهم وبمحمد صلى ms0424 الله عليه وسلم قبل أن يبعث، فلما بعث كفروا به. ~~وقال قوم: هم من أهل قبلتنا، وقال أبو أمامة: هم الخوارج، وقال قتادة: ~~هم أهل البدع. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا ~~محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا سعيد بن أبي مريم عن نافع بن عمر ~~حدثني ابن أبي مليكة عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إني فرطكم على الحوض حتى أنظر من يرد علي منكم، وسيؤخذ ناس ~~دوني، فأقول: يا رب مني ومن أمتي، فيقال لي هل شعرت ما عملوا بعدك؟ ~~فوالله ما برحوا يرجعون على أعقابهم ". ### || [3.107] # قوله تعالى: { وأما الذين ابيضت وجوههم } ، هؤلاء أهل ~~الطاعة، { ففى رحمة الله } جنة الله، { هم فيها خلدون ~~}. ### || [3.108-110] # { تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وما الله ~~يريد ظلما للعالمين }. # { ولله ما في السماوات وما في الأرض وإلى الله ~~ترجع الأمور }. # { كنتم خير أمة أخرجت للناس } قال عكرمة ومقاتل: ~~نزلت في ابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ ابن جبل وسالم مولى أبي حذيفة، ~~رضي الله عنهم، وذلك أن مالك بن الصيف ووهب بن يهودا اليهوديين قالا ~~لهم: نحن أفضل منكم وديننا خير مما تدعوننا إليه، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما { كنتم ~~خير أمة أخرجت للناس } هم الذين هاجروا مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى المدينة، وقال جويبر عن الضحاك: هم أصحاب محمد صلى ~~الله عليه وسلم خاصة الرواة والدعاة الذين أمر الله المسلمين بطاعتهم. ~~وروي عن عمر بن الخطاب قال: كنتم خير أمة أخرجت للناس تكون لأولنا ~~ولا تكون لآخرنا. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا بو محمد عبد الرحمن بن أبي شريح ~~أنا أبو القاسم البغوي أنا علي بن الجعد أخبرنا شعبة عن أبي حمزة قال: ~~سمعت زهدم بن مضرب عن عمران بن حصين رضي الله عنه: # عن النبي صلى الله عليه وسلم ms0425 قال: # " خيركم قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم " # قال عمران: لا أدري أذكر النبي صلى الله عليه وسلم بعد قرنه مرتين أو ~~ثلاثا وقال: # " إن بعدكم قوما يخونون ولا يؤتمنون ويشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ~~ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن ". # وبهذا الإسناد عن علي بن الجعد أخبرنا شعبة وأبو معاوية عن الأعمش عن ~~ذكوان عن أبي سعيد: # عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ~~ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ". # وقال الآخرون: جميع المؤمنين من هذه الأمة. وقوله { كنتم } أي: أنتم، ~~كقوله تعالى: # واذكروا إذ كنتم قليلا # [الأعراف: 86]، وقال في موضع آخر: # واذكروا إذ أنتم قليل # [الأنفال: 26]، وقيل: معناه كنتم خير أمة عند الله في اللوح المحفوظ، ~~وقال قوم: قوله { للناس } «من» صلة قوله «خير أمة»، أي: أنتم خير ~~الناس للناس. # قال أبو هريرة معناه: كنتم خير الناس، تجيئون بهم في السلاسل ~~فتدخلونهم في الإسلام. قال قتادة: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم لم ~~يؤمر نبي قبله بالقتال، فهم يقاتلون الكفار فيدخلونهم في دينهم، فهم ~~خير أمة للناس. وقيل: «للناس» صلة قوله «أخرجت» معناه: ما أخرج ~~الله للناس أمة خيرا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أنا أبو عبد الله الحسين ~~بن محمد الحافظ أخبرنا أبو علي الحسين بن محمد بن حبيش المقري أنا علي بن ~~زنجويه أخبرنا سلمة بن شبيب أنا عبد الرزاق أنا معمر عن بهز بن حكيم عن ~~أبيه عن جده أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول في قوله تعالى: { ~~كنتم خير أمة أخرجت للناس } قال: # " إنكم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله عز وجل ". # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أبو معشر إبراهيم بن محمد ~~الفيركي أخبرنا أبو عبد الله محمد ابن زكريا بن يحيى أخبرنا أبو الصلت ~~أخبرنا حماد بن زيد أخبرنا علي بن زيد عن أبي ms0426 نضرة عن أبي سعيد الخدري: # عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ألا وإن هذه الأمة توفي سبعين أمة هي أخيرها وأكرمها على الله ~~عز وجل ". # أخبرنا أبو سعيد الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو عبد الله ~~الحسين بن محمد أنا الفضل بن الفضل أخبرنا أبو خليفة الفضل بن الحباب قال ~~عبد الرحمن يعني ابن المبارك أخبرنا حماد بن يحيى الأبح أنا ثابت ~~البناني عن أنس رضي الله عنه قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره ". # أخبرنا أبو سعيد الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أنا أبو محمد المخلدي ~~أخبرنا أبو نعيم، عبد الملك بن محمد بن عدي، أخبرنا أحمد بن عيسى ~~التنيسي، أخبرنا عمرو بن أبي سلمة أخبرنا صدقة بن عبد الله عن زهير بن ~~محمد عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه: # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الجنة حرمت على الأنبياء كلهم حتى أدخلها، وحرمت على الأمم ~~كلهم حتى تدخلها أمتي ". # أخبرنا أبو سعيد الشريحي قال: أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي أنا أبو عبد ~~الله الحسين بن محمد أخبرنا أبو القاسم عمر بن محمد بن عبد الله بن حاتم ~~الترمذي أخبرنا جدي لأمي محمد بن عبد الله بن مرزوق أنا عفان بن مسلم ~~أنا عبد العزيز بن مسلم أخبرنا أبو سنان يعني ضرار بن مرة عن محارب بن ~~دثار عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أهل الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون من هذه الأمة ". # قوله تعالى: { تأمرون بالمعروف وتنهون عن ~~المنكر وتؤمنون بالله ولو ءامن أهل الكتب ~~لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم ~~الفسقون } أي: الكافرون. ### || [3.111-113] # قوله تعالى: { لن يضروكم إلا أذى } ، قالا مقاتل: إن رؤوس ~~اليهود عمدوا إلى من آمن منهم عبد الله ابن سلام وأصحابه، فآوذهم ~~فأنزل الله تعالى: ms0427 «لن يضروكم إلا أذى» يعني لا يضروكم أيها المؤمنون ~~هؤلاء اليهود إلا أذى باللسان: وعيدا وطعنا، وقيل: كلمة كفر تتأذون ~~بها { وإن يقتلوكم يولوكم الأدبار } ، منهزمين، { ~~ثم لا ينصرون } ، بل يكون لكم النصر عليهم. # { ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا } ، حيث ما ~~وجدوا { إلا بحبل من الله } يعني: أينما وجدوا استضعفوا ~~وقتلوا وسبوا فلا يأمنون إلا بحبل من الله: عهد من الله تعالى بأن ~~يسلموا، { وحبل من الناس } من المؤمنين ببذل جزية أو أمان، ~~يعني: إلا أن يعصموا بحبل الله فيأمنوا. قوله تعالى: { وبآءو ~~بغضب من الله } ، رجعوا به، { وضربت عليهم ~~المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ~~ويقتلون الأنبيآء بغير حق ذلك بما عصوا ~~وكانوا يعتدون }. # قوله تعالى: { ليسوا سوآء من أهل الكتب أمة ~~قآئمة } قال ابن عباس رضي الله عنهما ومقاتل: لما أسلم عبد الله بن ~~سلام وأصحابه، قالت أحبار اليهود: ما آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم إلا ~~شرارنا ولولا ذلك ما تركوا دين آبائهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية. ~~واختلفوا في وجهها فقال قوم: فيه اختصار تقديره: ليسوا سواء من أهل ~~الكتاب أمة قائمة وأخرى غير قائمة، فترك الأخرى اكتفاء بذكر أحد ~~الفريقين، وقال الآخرون: تمام الكلام عند قوله { ليسوا سوآء } وهو ~~وقف لأنه قد جرى ذكر الفريقين من أهل الكتاب في قوله تعالى: { منهم ~~المؤمنون وأكثرهم الفسقون } [ثم قال: { ليسوا ~~سوآء } يعني: المؤمنين والفاسقين]، ثم وصف الفاسقين، فقال: { لن ~~يضروكم إلا أذى } ووصف المؤمنين بقوله { أمة قآئمة }. ~~وقيل: قوله { من أهل الكتب } ابتداء بكلام آخر، لأن ذكر ~~الفريقين قد جرى، ثم قال: ليس هذان الفريقان سواء، ثم ابتدأ فقال: من ~~أهل الكتاب. قال ابن مسعود رضي الله عنه معناه: لا يستوي اليهود وأمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم القائمة بأمر الله الثابتة على الحق، ~~المستقيمة، وقوله تعالى: { أمة قآئمة } قال ابن عباس: أي مهتدية ~~قائمة على أمر الله لم يضيعوه ولم يتركوه. وقال مجاهد: عادلة. وقال ~~السدي: مطيعة قائمة على كتاب الله وحدوده، وقيل: قائمة ms0428 في الصلاة. وقيل: ~~الأمة الطريقة. ومعنى الآية: أي ذو أمة، أي: ذو طريقة مستقيمة. { ~~يتلون ءايت الله } ، يقرؤون كتاب الله، وقال مجاهد: يتبعون ~~{ ءانآء الليل } ، ساعاته، واحدها: إني مثل نحى وأنحاء، وإنى ~~وآناء مثل: معى وأمعاء، وإنى مثل منا وأمناء. { وهم يسجدون } ~~أي: يصلون، لأن التلاوة لا تكون في السجود. واختلفوا في معناها، فقال ~~بعضهم: هي في قيام الليل، وقال ابن مسعود هي صلاة العتمة يصلونها ولا ~~يصليها من سواهم من أهل الكتاب. # وقال عطاء: «ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة» ليسوا سواء من ~~أهل الكتاب أمة قائمة الآية يريد: أربعين رجلا من أهل نجران من العرب ~~واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى وصدقوا ~~محمدا صلى الله عليه وسلم، وكان من الأنصار فيهم عدة قبل قدوم النبي ~~صلى الله عليه وسلم، منهم أسعد بن زرارة والبراء بن معرور ومحمد بن ~~سلمة ومحمود ابن مسلمة وأبو قيس صرمة بن أنس، كانوا موحدين يغتسلون من ~~الجنابة ويقومون بما عرفوا من شرائع الحنيفية حتى جاءهم الله تعالى ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم فصدقوه ونصروه. ### || [3.114-117] # قوله تعالى: { يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر ويسرعون فى ~~الخيرت وأولئك من الصلحين }. # { وما يفعلوا من خير فلن يكفروه } ، قرأ حمزة ~~والكسائي وحفص بالياء فيهما، إخبار عن الأمة القائمة، وقرأ الآخرون ~~بالتاء فيهما، لقوله { كنتم خير أمة } ، وأبو عمرو يرى ~~القراءتين جميعا، ومعنى الآية: وما تفعلوا من خير فلن تعدموا ثوابه، ~~بل يشكر لكم وتجازون عليه، { والله عليم بالمتقين } ، ~~بالمؤمنين. # { إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ~~ولا أولادهم من الله شيئا } ، أي: لا تدفع أموالهم ~~بالفدية وأولادهم بالنصرة شيئا من عذاب الله، وخصهما بالذكر لأن ~~الإنسان يدفع عن نفسه تارة بفداء المال وتارة بالاستعانة بالأولاد. { ~~وأولئك أصحب النار هم فيها خلدون } ، وإنما ~~جعلهم من أصحابها لأنهم أهلها لا يخرجون منها ولا يفارقونها، كصاحب ~~الرجل لا يفارقه. # { مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا } ، قيل: ~~أراد نفقات أبي ms0429 سفيان وأصحابه ببدر وأحد على عداوة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وقال مقاتل: نفقة اليهود على علمائهم، قال مجاهد: يعني جميع ~~نفقات الكفار [في الدنيا] وصدقاتهم، وقيل: أراد إنفاق المرائي الذي لا ~~يبتغي به وجه الله تعالى، { كمثل ريح فيها صر } ، [حكي عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما: أنها السموم الحارة التي تقتل، وقيل:] فيها ~~صر أي: صوت، وأكثر المفسرين قالوا: فيها برد شديد، { أصابت حرث ~~قوم } زرع قوم، { ظلموا أنفسهم } ، بالكفر والمعصية ومنع ~~حق الله تعالى، { فأهلكته }. فمعنى الآية: مثل نفقات الكفار في ~~ذهابها وقت الحاجة إليها كمثل زرع أصابته ريح باردة فأهلكته أو نار ~~فأحرقته فلم ينتفع أصحابه منه بشيء، { وما ظلمهم الله } ، ~~بذلك، { ولكن أنفسهم يظلمون } ، بالكفر والمعصية. ### || [3.118-119] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~بطانة من دونكم } الآية، قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان ~~رجال من المسلمين يواصلون اليهود لما بينهم من القرابة والصداقة والحلف ~~والجوار والرضاع، فأنزل الله تعالى هذه الآية ينهاهم عن مباطنتهم خوف ~~الفتنة عليهم. وقال مجاهد: نزلت في قوم من المؤمنين كانوا يصافون ~~المنافقين، فنهاهم الله تعالى عن ذلك، فقال: { يأيها الذين ~~آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم } أي: أولياء ~~وأصفياء من غير أهل ملتكم، وبطانة الرجل: خاصته، تشبيها ببطانة الثوب ~~التي تلي بطنه، لأنهم يستبطنون أمره ويطلعون منه على ما لا يطلع عليه ~~غيرهم. ثم بين العلة في النهي عن مباطنتهم فقال جل ذكره { لا ~~يألونكم خبالا } ، أي: لا يقصرون ولا يتركون جهدهم فيما يورثكم ~~الشر والفساد، والخبال: الشر والفساد، ونصب { خبالا } على ~~المفعول الثاني، لأن { يألو } يتعدى إلى مفعولين، وقيل: بنزع الخافض، ~~أي بالخبال، كما يقال: أوجعته ضربا، { ودوا ما عنتم } أي: ~~يودون ما يشق عليكم، من الضر والشر والهلاك. والعنت: المشقة { قد ~~بدت البغضآء } أي: البغض، معناه ظهرت أمارة العداوة، { من ~~أفوههم } ، بالشتيمة والوقيعة في المسلمين، وقيل: بإطلاع المشركين ~~على أسرار المؤمنين { وما تخفى صدورهم } ، من العداوة والغيظ، ~~{ أكبر } أعظم، { قد بينا لكم الآيت إن كنتم ms0430 ~~تعقلون }. # { هآأنتم } ها تنبيه وأنتم كناية للمخاطبين من الذكور، { أولاء ~~} اسم للمشار إليهم، يريد أنتم أيها المؤمنون، { تحبونهم } أي: ~~تحبون هؤلاء اليهود الذين نهيتكم عن مباطنتهم للأسباب التي بينكم من ~~القرابة والرضاع والمصاهرة، { ولا يحبونكم } هم، لما بينكم من ~~مخالفة الدين، قال مقاتل: هم المنافقون يحبهم المؤمنون لما أظهروا من ~~الإيمان، ولا يعلمون ما في قلوبهم، { وتؤمنون بالكتب ~~كله } ، يعني: بالكتب كلها وهم لا يؤمنون بكتابكم، { وإذا ~~لقوكم قالوا ءامنا، وإذا خلوا } ، وكان بعضهم مع بعض ~~{ عضوا عليكم الأنامل } ، يعني: أطراف الأصابع واحدتها ~~أنملة بضم الميم وفتحها، من الغيظ لما يرون من ائتلاف المؤمنين واجتماع ~~كلمتهم، وعض الأنامل عبارة عن شدة الغيظ وهذا من مجاز الأمثال، وإن لم ~~يكن ثم عض، { قل موتوا بغيظكم } ، أي: ابقوا إلى الممات ~~بغيظكم، { إن الله عليم بذات الصدور } ، أي: بما في ~~القلوب من خير وشر. ### || [3.120-121] # وقوله تعالى: { إن تمسسكم حسنة } أي: تصبكم أيها المؤمنون ~~بظهوركم على عدوكم وغنيمة تنالونها منهم، وتتابع الناس في الدخول في ~~دينكم، وخصب في معايشكم { تسؤهم } ، تحزنهم، { وإن تصبكم ~~سيئة } ، مساءة بإخفاق سرية لكم أو إصابة عدو منكم، أو اختلاف ~~يكون بينكم أو جدب أو نكبة تصبكم { يفرحوا بها وإن تصبروا ~~} ، على أذاهم { وتتقوا } ، وتخافوا ربكم { لا يضركم } ، ~~أي: لا ينقصكم، { كيدهم شيئا } ، قرأ ابن كثير ونافع وأهل البصرة ~~{ لا يضركم } بكسر الضاد خفيفة، يقال: ضار يضير ضيرا، وهو جزم ~~على جواب الجزاء، وقرأ الباقون بضم الضاد وتشديد الراء من ضر يضر ضرا، ~~مثل رد يرد ردا، وفي رفعه وجهان. أحدهما: أنه أراد الجزم، وأصله ~~يضرركم فأدغمت الراء في الراء، ونقلت ضمة الراء الأولى إلى الضاد وضمت ~~الثانية اتباعا، والثاني: أن يكون لا بمعنى ليس ويضمر فيه الفاء، ~~تقديره: وإن تصبروا وتتقوا فليس يضركم كيدهم شيئا، { إن الله ~~بما يعملون محيط }: عالم. # قوله تعالى: { وإذ غدوت من أهلك تبوىء المؤمنين ~~مقاعد للقتال } ، قال الحسن: هو يوم بدر، وقال مقاتل: يوم ~~الأحزاب، وقال سائر المفسرين: هو يوم أحد، لأن ما ms0431 بعده إلى قريب من آخر ~~السورة في حرب أحد. قال مجاهد والكلبي والواقدي: غدا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من منزل عائشة رضي الله عنها فمشى على رجليه إلى أحد فجعل ~~يصف أصحابه للقتال كما يقوم القدح. # قال محمد بن إسحاق والسدي عن رجالهما: # إن المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء فلما سمع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بنزولهم استشار أصحابه ودعا عبد الله بن أبي ابن سلول ولم ~~يدعه قط قبلها فاستشاره، فقال عبد الله بن أبي وأكثر الأنصار: يا رسول ~~الله أقم بالمدينة لا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدو قط إلا ~~أصاب منا ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فكيف وأنت فينا، فدعهم يا رسول ~~الله فإن أقاموا أقاموا بشر مجلس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم ~~ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين. ~~فأعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الرأي. وقال بعض أصحابه: يا ~~رسول الله اخرج بنا إلى هذه الأكلب، لا يرون أنا جبنا عنهم ~~وضعفنا، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إني رأيت في منامي بقرا تذبح، فأولتها خيرا، ورأيت في ذباب سيفي ~~ثلما فأولتها هزيمة، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها ~~المدينة، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة " # ، وكان يعجبه أن يدخلوا عليهم بالمدينة فيقاتلوا في الأزقة، فقال رجال ~~من المسلمين ممن فاتهم يوم بدر وأكرمهم الله بالشهادة يوم أحد: اخرج بنا ~~إلى أعدائنا. # فلم يزالوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، من حبهم للقاء القوم، حتى ~~دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلبس لأمته، فلما رأوه قد لبس ~~السلاح ندموا، وقالوا: بئس ما صنعنا، نشير على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والوحي يأتيه، فقاموا واعتذروا إليه وقالوا: اصنع ما رأيت، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل ". # وكان قد أقام المشركون بأحد يوم الأربعاء والخميس، فراح رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ms0432 يوم الجمعة بعدما صلى بأصحابه الجمعة، وقد مات في ذلك ~~اليوم رجل من الأنصار، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خرج ~~إليهم، فأصبح بالشعب من أحد يوم السبت للنصف من شوال سنة ثلاث من ~~الهجرة، فكان من حرب أحد ما كان، فذلك قوله تعالى: { وإذ غدوت ~~من أهلك } أي: واذكر إذا غدوت من أهلك { تبوىء المؤمنين ~~} أي: تنزل المؤمنين { مقاعد للقتال } أي: مواطن، ومواضع ~~للقتال، يقال: بوأت القوم إذا وطنتهم، وتبوؤا هم إذا تواطنوا، قال الله ~~تعالى: # ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق # [يونس: 93]، وقال: # >أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا # [يونس: 87] وقيل: تتخذ معسكرا، { والله سميع عليم }. ### || [3.122-124] # { إذ همت طآئفتان منكم أن تفشلا } أي: تجبنا ~~وتضعفا وتتخلفا، والطائفتان بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس، ~~وكانا جناحي العسكر، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد ~~في ألف رجل، وقيل: في تسعمائة وخمسين رجلا، فلما بلغوا الشوط انخذل ~~عبد الله بن أبي بثلث الناس ورجع في ثلاث مائة، وقال: علام نقتل ~~أنفسنا وأولادنا؟ فتبعهم أبو جابر السلمي فقال: أنشدكم بالله في نبيكم ~~وفي أنفسكم، فقال عبد الله بن أبي: لو نعلم قتالا لاتبعناكم، وهمت ~~بنو سلمة وبنو حارثة بالانصراف مع عبد الله بن أبي، فعصمهم الله فلم ~~ينصرفوا فذكرهم الله عظيم نعمته، فقال عز وجل: { إذ همت ~~طآئفتان منكم أن تفشلا والله وليهما } ناصرهما ~~وحافظهما. # { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } ، # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن ~~يوسف ثنا محمد بن إسماعيل أنا محمد بن يوسف عن ابن عيينة عن عمرو عن جابر ~~قال: نزلت هذه الآية فينا { إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله ~~وليهما } بنو سلمة وبنو حارثة، وما أحب أنها لم تنزل، والله يقول: ~~{ والله وليهما }. # قوله تعالى: { ولقد نصركم الله ببدر } ، وبدر موضع بين ~~مكة والمدينة وهو اسم لموضع، وعليه الأكثرون، وقيل: اسم لبئر هناك، وقيل: ~~كانت بدر بئرا لرجل يقال له بدر، ms0433 قاله الشعبي، وأنكر الآخرون عليه. يذكر ~~الله تعالى في هذه الآية منته عليهم بالنصرة يوم بدر، { وأنتم ~~أذلة } ، جمع: ذليل، وأراد به قلة العدد فإنهم كانوا ثلاثمائة ~~وثلاثة عشر رجلا، فنصرهم الله مع قلة عددهم، { فاتقوا الله ~~لعلكم تشكرون }. # { إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ~~ربكم } ، اختلفوا في هذه الآية فقال قتادة: كان هذا يوم بدر، أمدهم ~~الله تعالى بألف من الملائكة كما قال: # فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملئكة # [الأنفال: 9] ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا خمسة آلاف كما ذكر هاهنا { ~~بثلاثة ءالاف من الملئكة منزلين }. ### || [3.125] # { بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم ~~هذا يمددكم ربكم بخمسة ءالاف من ~~الملئكة مسومين } فصبروا يوم بدر فاتقوا فأمدهم الله بخمسة ~~آلاف كما وعد، قال الحسن: وهؤلاء الخمسة آلاف ردء المؤمنين إلى يوم ~~القيامة. قال ابن عباس ومجاهد: لم تقاتل الملائكة في المعركة إلا يوم ~~بدر، وفيما سوى ذلك يشهدون القتال ولا يقاتلون، إنما يكونون عددا ~~ومددا. # قال محمد بن إسحاق: لما كان يوم أحد انجلى القوم عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وبقي سعد بن مالك يرمي، وفتى شاب يتنبل له فلما فني ~~النبل أتاه به فنثره، فقال: ارم أبا إسحاق مرتين، فلما انجلت المعركة ~~سئل عن ذلك الرجل، فلم يعرف. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا ~~محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا عبد العزيز بن عبد الله أنا ~~إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده # " عن سعد بن أبي وقاص قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ~~ومعه رجلان يقاتلان عنه، عليهما ثياب بيض كأشد القتال، ما رأيتهما قبل ~~ولا بعد ". # ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، قال أخبرنا محمد بن بشر وأبو أسامة ~~عن مسعر عن سعد ابن إبراهيم عن أبيه عن سعد يعني ابن أبي وقاص قال: # " رأيت عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن شماله يوم أحد ms0434 رجلين ~~عليهما ثياب بيض ما رأيتهما قبل ولا بعد " # يعني: جبريل وميكائيل. # وقال الشعبي: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين يوم بدر: أن ~~كرز بن جابر المحاربي يريد أن يمد المشركين فشق ذلك عليهم، فأنزل الله ~~تعالى: { ألن يكفيكم أن يمدكم } إلى قوله { مسومين ~~} فبلغ كرزا الهزيمة فرجع فلم يأتهم ولم يمدهم، فلم يمدهم الله ~~أيضا بالخمسة آلاف، وكانوا قد أمدوا بألف. # وقال الآخرون: إنما وعد الله تعالى المسلمين يوم بدر إن صبروا على طاعته ~~واتقوا محارمه: أن يمدهم أيضا في حروبهم كلها، فلم يصبروا إلا يوم ~~الأحزاب، فأمدهم الله حتى حاصروا قريظة والنضير. # قال عبد الله بن أبي أوفى: كنا محاصري قريظة والنضير ما شاء الله فلم ~~يفتح علينا فرجعنا فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بغسل فهو يغسل ~~رأسه إذ جاءه جبريل عليه السلام، فقال: وضعتم أسلحتكم ولم تضع الملائكة ~~أوزارها؟ فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخرقة فلف بها رأسه ولم ~~يغسله، ثم نادى فينا فقمنا حتى أتينا قريظة والنضير فيومئذ أمدنا الله ~~تعالى بثلاثة آلاف من الملائكة، ففتح لنا فتحا يسيرا. # وقال الضحاك وعكرمة: كان هذا يوم أحد وعدهم الله المدد إن صبروا ~~فلم يصبروا فلم يمدوا به. # قوله تعالى: { أن يمدكم ربكم } والإمداد: إعانة الجيش ~~بالجيش، وقيل: ما كان على جهة القوة والإعانة، يقال فيه: أمده إمدادا، ~~وما كان على جهة الزيادة، يقال: مده مدا، ومنه قوله تعالى: # والبحر يمده # [لقمان: 27] وقيل: المد في الشر، والإمداد في الخير، يدل عليه قوله ~~تعالى: # ويمدهم في طغينهم يعمهون # [البقرة: 15] # ونمد له من العذاب مدا # [مريم: 79] وقال في الخير: { أني ممدكم بألف من ~~الملئكة مردفين } ، وقال: # وأمددنكم بأمول وبنين # [الإسراء: 6]. قوله تعالى: { بثلاثة ءالاف من ~~الملئكة منزلين } قرأ ابن عامر بتشديد الزاي على التكثير ~~لقوله تعالى: # ولو أننا نزلنآ إليهم الملائكة # [الأنعام: 111]، وقرأ الآخرون بالتخفيف دليله قوله تعالى: # لولا أنزل علينا الملائكة # [الفرقان: 21] وقوله: # وأنزل جنودا لم تروها # [التوبة: 26]. ثم قال: { بلى } نمدكم { إن ms0435 تصبروا } لعدوكم { ~~وتتقوا } أي: مخالفة نبيكم { ويأتوكم } يعني المشركين { من ~~فورهم هذا } قال ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة والحسن وأكثر ~~المفسرين: من وجههم هذا، وقال مجاهد والضحاك: من غضبهم هذا، لأنهم إنما ~~رجعوا للحرب يوم أحد من غضبهم ليوم بدر، { يمددكم ربكم ~~بخمسة ءالاف من الملئكة } لم يرد خمسة آلاف سوى ما ~~ذكر من ثلاثة آلاف، بل أراد معهم، وقوله { مسومين } أي: معلمين، ~~قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بكسر الواو، وقرأ الآخرون بفتحها، فمن كسر ~~الواو فأراد أنهم سوموا خيلهم، ومن فتحها أراد به أنفسهم، والتسويم: ~~الإعلام من السومة وهي العلامة. واختلفوا في تلك العلامة، فقال عروة ~~بن الزبير: كانت الملائكة على خيل بلق عليهم عمائم صفر، وقال علي وابن ~~عباس رضي الله عنهم: كانت عليهم عمائم بيض قد أرسلوها بين أكتافهم، (وقال ~~هشام بن عروة والكلبي: عليهم عمائم صفر مرخاة على أكتافهم)، وقال الضحاك ~~وقتادة: كانوا قد أعلموا بالعهن في نواصي الخيل وأذنابها، وروي # أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر: # " تسوموا فإن الملائكة قد تسومت بالصوف الأبيض في قلانسهم ~~ومغافرهم ". ### || [3.126-128] # قوله تعالى: { وما جعله الله } يعني هذا الوعد والمدد، { ~~إلا بشرى لكم } أي: بشارة لتستبشروا به { ولتطمئن } ~~ولتسكن { قلوبكم به } فلا تجزعوا من كثرة عدوكم وقلة عددكم، { ~~وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم } ~~يعني: لا تحيلوا بالنصر على الملائكة والجند، فإن النصر من الله تعالى ~~فاستعينوا به وتوكلوا عليه، لأن العز والحكم له. # قوله تعالى: { ليقطع طرفا من الذين كفروا } ، يقول ~~لقد نصركم الله ببدر ليقطع طرفا أي: لكي يهلك طائفة من الذين كفروا، ~~وقال السدي: معناه ليهدم ركنا من أركان الشرك بالقتل والأسر، فقتل من ~~قادتهم وسادتهم يوم بدر سبعون وأسر سبعون، ومن حمل الآية على حرب ~~أحد فقد قتل منهم يومئذ ستة عشر وكان النصر للمسلمين حتى خالفوا أمر ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فانقلب عليهم، { أو يكبتهم } قال ~~الكلبي: يهزمهم، وقال يمان: يصرعهم لوجوههم، قال السدي: يلعنهم، ms0436 وقال أبو ~~عبيدة: يهلكهم، وقيل: يحزنهم، والمكبوت: الحزين، وقيل أصله: يكبدهم أي: ~~يصيب الحزن والغيظ أكبادهم، والتاء والدال يتعاقبان كما يقال سبت ~~رأسه وسبده: إذا حلقه، وقيل: يكبتهم بالخيبة، { فينقلبوا ~~خآئبين } ، لم ينالوا شيئا مما كانوا يرجونه من الظفر بكم. # قوله تعالى: { ليس لك من الأمر شيء } الآية، اختلفوا في ~~سبب نزول هذه الآية. # فقال قوم: نزلت في أهل بئر معونة، وهم سبعون رجلا من القراء، بعثهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بئر معونة في صفر سنة أربع من الهجرة ~~على رأس أربعة أشهر من أحد ليعلموا الناس القرآن والعلم، أميرهم ~~المنذر بن عمرو، فقتلهم عامر بن الطفيل، فوجد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من ذلك وجدا شديدا، وقنت شهرا في الصلوات كلها يدعو على ~~جماعة من تلك القبائل باللعن والسنين، فنزلت: { ليس لك من ~~الأمر شيء }. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا ~~محمد بن يوسف أنا محمد ابن إسماعيل أخبرنا حبان بن موسى أخبرنا عبد الله، ~~يعني ابن المبارك، أخبرنا معمر عن الزهري حدثني سالم عن أبيه أنه سمع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة ~~من الفجر: # " اللهم العن فلانا وفلانا وفلانا، بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده ~~ربنا ولك الحمد " # ، فأنزل الله تعالى: { ليس لك من الأمر شيء أو يتوب ~~عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون }. # وقال قوم: نزلت يوم أحد. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد أخبرنا محمد ابن ~~عيسى الجلودي أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان أخبرنا مسلم بن الحجاج ~~أخبرنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس ~~رضي الله عنهما: # أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد وشج في ~~رأسه، فجعل يسلت الدم عنه ويقول: # " كيف يفلح قوم شجوا [رأس] نبيهم وكسروا رباعيته، وهو يدعوهم إلى ~~[الله عز وجل] " # ، فأنزل الله تعالى: ms0437 «ليس لك من الأمر شيء». # وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوم أحد: # " اللهم العن أبا سفيان، الله العن الحارث بن هشام، اللهم العن صفوان بن ~~أمية " # ، فنزلت: «ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم» فأسلموا وحسن إسلامهم. # وقال سعيد بن المسيب ومحمد بن إسحاق لما رأى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والمسلمون يوم أحد ما بأصحابهم من جدع الآذان والأنوف وقطع ~~المذاكير، قالوا: لئن أدالنا الله تعالى منهم لنفعلن بهم مثل ما ~~فعلوا، ولنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية. وقيل: أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو عليهم ~~بالاستئصال، فنزلت هذه الآية، وذلك لعلمه فيهم بأن كثيرا منهم يسلمون. ~~فقوله تعالى: { ليس لك من الأمر شيء } أي: ليس إليك، فاللام ~~بمعنى «إلى» كقوله تعالى: # ربنآ إننآ سمعنا مناديا ينادي للإيمان # [آل عمران: 193]، أي: إلى الإيمان: قوله تعالى: { أو يتوب ~~عليهم } ، (قال بعضهم: معناه حتى يتوب عليهم)، أو: إلى أن يتوب ~~عليهم، وقيل: هو نسق على قوله «ليقطع طرفا»، وقوله: «ليس لك من الأمر ~~شيء» اعتراض بين نظم الكلام ونظم الآية: ليقطع طرفا من الذين كفروا أو ~~يكبتهم أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون، ليس لك من الأمر شيء، ~~بل الأمر أمري في ذلك كله. ### || [3.129-133] # ثم قال: { ولله ما فى السموت وما فى الأرض يغفر ~~لمن يشآء ويعذب من يشآء والله غفور رحيم }. # { يآ أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا ~~مضاعفة } ، أراد به ما كانوا يفعلونه عند حلول أجل الدين من ~~زيادة المال وتأخير الطلب، { واتقوا الله } في أمر الربا فلا ~~تأكلوه، { لعلكم تفلحون }. # ثم خوفهم فقال: { واتقوا النار التى أعدت ~~للكفرين }. # { وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون } ، لكي ~~ترحموا. # { وسارعوا } قرأ أهل المدينة والشام سارعوا بلا واو، { إلى ~~مغفرة من ربكم } ، أي بادروا وسابقوا إلى الأعمال التي ~~توجب المغفرة. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: إلى ms0438 الإسلام، وروي عنه: إلى التوبة، وبه ~~قال عكرمة، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إلى أداء الفرائض، وقال ~~أبو العالية: إلى الهجرة، وقال الضحاك: إلى الجهاد، وقال مقاتل: إلى ~~الأعمال الصالحة. روي عن أنس بن مالك أنها التكبيرة الأولى. # { وجنة } أي وإلى جنة { عرضها السموت والأرض } ، ~~أي: عرضها كعرض السماوات والأرض، كما قال في سورة الحديد: # وجنة عرضها كعرض السمآء والأرض # [الحديد: 21] أي: سعتها، وإنما ذكر العرض على المبالغة لأن طول كل ~~شيء في الأغلب أكثر من عرضه، يقول: هذه صفة عرضها فكيف طولها؟ قال ~~الزهري: إنما وصف عرضها فأما طولها فلا يعلمه إلا الله، وهذا على ~~التمثيل لا أنها كالسموات والأرض لا غير، معناه: كعرض السموات السبع ~~والأرضين السبع عند ظنكم، كقوله تعالى: # خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض # [هود: 107] يعني: عند ظنكم وإلا فهما زائلتان، وروي عن طارق بن شهاب أن ~~ناسا من اليهود سألوا عمر بن الخطاب وعنده أصحابه رضي الله عنهم، ~~وقالوا: أرأيتم قوله { وجنة عرضها السموت والأرض } ~~فأين النار؟ فقال عمر: أرأيتم إذا جاء الليل أين يكون النهار، وإذا جاء ~~النهار فأين يكون الليل؟ فقالوا: إنه لمثلها في التوراة، ومعناه أنه حيث ~~يشاء الله. فإن قيل: قد قال الله تعالى: # وفي السمآء رزقكم وما توعدون # [الذاريات: 22] وأراد بالذي وعدنا: الجنة فإذا كانت الجنة في السماء ~~فكيف يكون عرضها السموات والأرض؟ وقيل: إن باب الجنة في السماء وعرضها ~~السموات والأرض، كما أخبر، وسئل أنس بن مالك رضي الله عنه عن الجنة: أفي ~~السماء هي أم في الأرض؟ فقال: وأي أرض وسماء تسع الجنة؟ فقيل: فأين هي؟ ~~قال: فوق السموات السبع تحت العرش. وقال قتادة: كانوا يرون أن الجنة ~~فوق السموات السبع، وأن جهنم تحت الأرضين السبع { أعدت ~~للمتقين }. ### || [3.134] # { الذين ينفقون في السرآء والضرآء } ، أي: في ~~اليسر والعسر، فأول ما ذكر من أخلاقهم الموجبة للجنة ذكر السخاوة ~~وقد جاء في الحديث. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي أخبرنا أبو عمرو ~~الفراتي أخبرنا ms0439 أبو العباس أحمد بن إسماعيل العنبري أخبرنا أبو عبد الله ~~بن حازم البغوي بمكة أخبرنا أبو صالح بن أيوب الهاشمي أخبرنا إبراهيم بن ~~سعد أخبرنا سعيد بن محمد عن يحيى بن سعيد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس، بعيد من ~~النار، والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب ~~من النار، والجاهل السخي أحب إلى الله من عابد بخيل ". # { والكظمين الغيظ } أي: الجارعين الغيظ عند امتلاء نفوسهم ~~منه، والكظم: حبس الشيء عند امتلائه، وكظم الغيظ أن يمتلىء غيظا فيرده ~~في جوفه ولا يظهره. ومنه قوله تعالى: # إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين # [غافر: 18]. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي أخبرنا أبو عمرو ~~الفراتي أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد الإسفرايني أخبرنا أبو عبد الله ~~بن محمد زكريا العلاني أخبرنا روح بن عبد المؤمن أخبرنا أبو عبد الرحمن ~~المقري أخبرنا سعيد بن أبي أيوب قال: حدثني أبو مرحوم عن سهل بن معاذ ~~بن أنس الجهني عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من كظم غيظا وهو يقدر على أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة ~~على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي الحور شاء ". # { والعفين عن الناس } ، قال الكلبي عن المملوكين سوء الأدب، ~~وقال زيد بن أسلم ومقاتل: عمن ظلمهم وأساء إليهم. { والله يحب ~~المحسنين }. ### || [3.135] # { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ~~} الآية قال ابن مسعود: قال المؤمنون: يا رسول الله كانت بنو إسرائيل ~~أكرم على الله منا، كان أحدهم إذا أذنب أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة في ~~عتبة بابه، اجدع أنفك وأذنك، افعل كذا، فسكت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وقال عطاء: نزلت في نبهان التمار، وكنيته أبو معبد، أتته أمرأة حسناء، ~~تبتاع منه تمرا فقال لها إن هذا التمر ليس بجيد، وفي البيت أجود منه، ~~فذهب بها ms0440 إلى بيته فضمها إلى نفسه وقبلها، فقالت له: اتق الله، ~~فتركها وندم على ذلك، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر ذلك، فنزلت ~~هذه الآية. # وقال مقاتل والكلبي: آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين رجلين ~~أحدهما من الأنصار والآخر من ثقيف فخرج الثقفي في غزاة واستخلف ~~الأنصاري على أهله فاشترى لهم اللحم ذات يوم، فلما أرادت المرأة أن ~~تأخذ منه دخل على أثرها وقبل يدها، ثم ندم وانصرف ووضع التراب على ~~رأسه وهام على وجهه، فلما رجع الثقفي لم يستقبله الأنصاري فسأل امرأته عن ~~حاله، فقالت: لا أكثر الله في الإخوان مثله ووصفت له الحال، والأنصاري ~~يسيح في الجبال تائبا مستغفرا، فطلبه الثقفي حتى وجده فأتى به أبا بكر ~~رجاء أن يجد عنده راحة وفرجا. فقال الأنصاري: هلكت: وذكر له القصة، ~~فقال أبو بكر: ويحك أما علمت أن الله تعالى يغار للغازي مالا يغار ~~للمقيم، ثم أتيا عمر رضي الله عنه فقال مثل ذلك، فأتيا النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال له مثل مقالتهما، فأنزل الله تعالى هذه الآية { ~~والذين إذا فعلوا فحشة } يعني: قبيحة خارجة عما أذن ~~الله تعالى له فيه، وأصل الفحش القبح والخروج عن الحد، قال جابر: ~~الفاحشة الزنا. { أو ظلموا أنفسهم } ، ما دون الزنا من ~~القبلة والمعانقة والنظر واللمس. وقال مقاتل والكلبي: الفاحشة ما دون ~~الزنا من قبلة أو لمسة أو نظرة فيما لا يحل، أو ظلموا أنفسهم بالمعصية. ~~وقيل: فعلوا فاحشة الكبائر، أو ظلموا أنفسهم بالصغائر. وقيل: فعلوا فاحشة ~~فعلا أو ظلموا أنفسهم قولا. { ذكروا الله } أي: ذكروا وعيد ~~الله، وأن الله سائلهم، وقال مقاتل بن حيان: ذكروا الله باللسان عند ~~الذنوب. { فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب ~~إلا الله } أي: وهل يغفر الذنوب إلا الله. { ولم يصروا ~~على ما فعلوا } أي: لم يقيموا ولم يثبتوا عليه، ولكن تابوا ~~وأنابوا واستغفروا، وأصل الإصرار: الثبات على الشيء، قال الحسن: إتيان ~~العبد ذنبا عمدا إصرار حتى يتوب. وقال السدي: الإصرار: السكوت وترك ~~الاستغفار. # أخبرنا عبد الواحد ms0441 المليحي أخبرنا أبو منصور السمعاني أخبرنا أبو جعفر ~~الرياني أخبرنا حميد بن زنجويه أنا يحيى بن يحيى أنا عبد الحميد بن عبد ~~الرحمن عن عثمان بن واقد العمري عن أبي نصيرة قال: لقيت مولى لأبي بكر ~~رضي الله عنه فقلت له: أسمعت من أبي بكر شيئا؟ قال: نعم سمعته ~~يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما أصر من استغفر، وإن عاد في اليوم سبعين مرة ". # { وهم يعلمون } ، قال ابن عباس والحسن ومقاتل والكلبي: وهم ~~يعلمون أنها معصية، وقيل: وهم يعلمون أن الإصرار ضار، وقال الضحاك: وهم ~~يعلمون أن الله يملك مغفرة الذنوب، وقال الحسين بن الفضل وهم يعلمون أن ~~لهم ربا يغفر الذنوب، وقيل: وهم يعلمون أن الله لا يتعاظمه العفو عن ~~الذنوب وإن كثرت، وقيل: وهم يعلمون أنهم إن استغفروا غفر لهم. ### || [3.136] # { أولئك جزآؤهم مغفرة من ربهم وجنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر ~~العاملين } ، ثواب المطيعين. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أبو منصور السمعاني أخبرنا أبو ~~جعفر الرياني أنا حميد بن زنجويه أنا عفان بن مسلم أنا أبو عوانة أنا ~~عثمان بن المغيرة عن علي بن ربيعة الأسدي عن أسماء بن الحكم الفزاري قال: ~~سمعت عليا رضي الله عنه يقول: إني كنت رجلا إذا سمعت من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حديثا ينفعني الله منه بما شاء أن ينفعني، وإذا ~~حدثني أحد من أصحابه استحلفته فإذا حلف لي صدقته، وإنه حدثني أبو بكر ~~وصدق أبو بكر أنه سمع رسول الله يقول: # " ما من عبد مؤمن يذنب ذنبا فيحسن الطهور ثم يقوم فيصلي ~~ثم يستغفر الله إلا غفر الله له " # ، ورواه أبو عيسى عن قتيبة عن أبي عوانة وزاد: ثم قرأ: { والذين ~~إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم } الآية. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أبو منصور السمعاني أنا أبو جعفر ~~الرياني أنا حميد بن زنجويه أنا هشام بن عبد الملك أخبرنا همام عن ~~إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة قال: ms0442 كان قاض بالمدينة يقال له عبد ~~الرحمن بن أبي عمرة فسمعته يقول: # سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن عبدا أذنب ذنبا فقال: أي رب أذنبت ذنبا فاغفره لي، قال: ~~فقال ربه عز وجل: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ ~~به، فغفر له، فمكث ما شاء الله، ثم أصاب ذنبا آخر فقال: رب أذنبت ~~ذنبا فاغفره لي، فقال ربه عز وجل: علم عبدي أن له ربا ~~يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي فليفعل ما شاء ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أبو منصور السمعاني أنا أبو جعفر ~~الرياني أنا حميد بن زنجويه أخبرنا النعمان السدوسي، أخبرنا المهدي بن ~~ميمون أخبرنا غيلان بن جرير عن شهر بن حوشب عن معدي كرب عن أبي ذر ~~رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك ~~وتعالى قال: # " قال يا بن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان ~~فيك، ابن آدم إنك إن تلقاني بقراب الأرض خطايا لقيتك ~~بقرابها مغفرة بعد أن لا تشرك بي شيئا، ابن آدم إنك إن ~~تذنب حتى تبلغ ذنوبك عنان السماء ثم تستغفرني أغفر لك ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسين الحسني ~~الشرفي أنا أبو الأزهر أحمد ابن الأزهر أخبرنا إبراهيم بن الحكم بن أبان ~~حدثني أبي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: قال الله تعالى: # " من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له ولا أبالي ما ~~لم يشرك بي شيئا ". # قال ثابت البناني: بلغني أن إبليس بكى حين نزلت هذه الآية { والذين ~~إذا فعلوا فاحشة } إلى آخرها. ### || [3.137-138] # قوله تعالى: { قد خلت من قبلكم سنن } ، قال عطاء: شرائع، ~~وقال الكلبي: مضت لكل أمة سنة ومنهاج إذا اتبعوها رضي الله عنهم، وقال ~~مجاهد: قد خلت من قبلكم سنن بالهلاك فيمن كذب قبلكم، وقيل: سنن ~~أي: أمم، والسنة: ms0443 الأمة، قال الشاعر: # ما عاين الناس من فضل كفضلكم # ولا رأوا مثلكم في سالف السنن # وقيل معناه: أهل السنن، والسنة هي: الطريقة المتبعة في الخير والشر، ~~يقال: سن فلان سنة حسنة، وسنة سيئة إذا عمل عملا اقتدي ~~به من خير وشر. ومعنى الآية: قد مضت وسلفت مني سنن فيمن كان قبلكم ~~من الأمم الماضية الكافرة، بإمهالي واستدراجي إياهم حتى يبلغ الكتاب ~~فيهم أجلي الذي أجلته لإهلاكهم، وإدالة أنبيائي عليهم. { فسيروا ~~فى الأرض فانظروا كيف كان عقبة المكذبين } ، ~~أي: آخر أمر المكذبين، وهذا في حرب أحد، يقول الله عز وجل: فأنا ~~أمهلهم وأستدرجهم حتى يبلغ أجلي الذي أجلت في نصرة النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأوليائه وإهلاك أعدائه. # { هذا } أي: هذا القرآن، { بيان للناس } ، عامة، { وهدى ~~} ، من الضلالة، { وموعظة للمتقين } ، خاصة. ### || [3.139-140] # قوله تعالى: { ولا تهنوا ولاتحزنوا } ، هذا حث لأصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم على الجهاد، زيادة على ما أصابهم من القتل ~~والجراح يوم أحد، يقول الله تعالى: ولا تهنوا أي: لا تضعفوا ولا ~~تجبنوا عن جهاد أعدائكم بما نالكم من القتل والجرح، وكان قد قتل يومئذ ~~من المهاجرين خمسة منهم: حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير، وقتل من ~~الأنصار سبعون رجلا. { ولا تحزنوا } فإنكم { أنتم الأعلون ~~} أي تكون لكم العاقبة بالنصرة والظفر، { إن كنتم مؤمنين } ~~يعني: إذ كنتم مؤمنين: أي: لأنكم مؤمنون. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما انهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في الشعب فأقبل خالد بن الوليد بخيل المشركين يريد أن يعلو عليهم ~~الجبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " اللهم لا يعلون علينا، اللهم لا قوة لنا إلا بك " # وثاب نفر من المسلمين رماة فصعدوا الجبل ورموا خيل المشركين حتى ~~هزموهم فذلك قوله تعالى: { وأنتم الأعلون }. # وقال الكلبي: نزلت هذه الآية بعد يوم أحد حين أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم أصحابه بطلب القوم ما أصابهم من الجراح، فاشتد ذلك على المسلمين ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية، دليله قوله تعالى: # ولا ms0444 تهنوا في ابتغآء القوم # [النساء: 104]. # { إن يمسسكم قرح } قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر { قرح } بضم ~~القاف حيث جاء، وقرأ الآخرون بالفتح وهما لغتان معناهما واحد كالجهد ~~والجهد، وقال الفراء القرح بالفتح: الجراحة، وبالضم: ألم الجراحة، هذا ~~خطاب مع المسلمين حيث انصرفوا من أحد مع الكآبة والحزن، يقول الله ~~تعالى: { إن يمسسكم قرح } يوم أحد، { فقد مس القوم ~~قرح مثله } ، يوم بدر، { وتلك الأيام نداولها بين ~~الناس } ، فيوم لهم ويوم عليهم، أديل المسلمون على المشركين يوم ~~بدر حتى قتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين، وأديل المشركون من المسلمين ~~يوم أحد حتى جرحوا منهم سبعين وقتلوا خمسا وسبعين. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا ~~محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عمرو بن خالد أنا زهير أخبرنا ~~أبو إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب قال: جعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~على الرجالة يوم أحد وكانوا خمسين رجلا عبد الله بن جبير، فقال: # " إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم ~~وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم " # ، فهزموهم، قال: فإنا والله رأيت النساء يشتددن قد بدت خلاخلهن ~~وأسوقهن رافعات ثيابهن، فقال أصحاب عبد الله بن جبير: الغنيمة، أي قوم ~~الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ فقال عبد الله ابن جبير: أنسيتم ما ~~قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: والله لنأتين الناس ~~فلنصيبن من الغنيمة، فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين. # فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم، فلم يبق مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم غير اثني عشر رجلا فأصابوا منا سبعين. وكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر مائة وأربعين، سبعين أسيرا ~~وسبعين قتيلا، فقال أبو سفيان: أفي القوم محمد ثلاث مرات، فنهاهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة ثلاث ~~مرات، ثم قال: أفي القوم ابن الخطاب ثلاث مرات ثم رجع إلى أصحابه، ms0445 فقال: ~~أما هؤلاء فقد قتلوا، فما ملك عمر نفسه، فقال: كذبت والله يا عدو ~~الله، إن الذين عددت لأحياء كلهم، وقد بقي لك ما يسوءك، قال: يوم بيوم ~~بدر، والحرب سجال، إنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني، ~~ثم أخذ يرتجز: اعل هبل اعل هبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " ألا تجيبوه " # ؟ قالوا: يارسول الله ما نقول؟ قال: # " قولوا الله أعلى وأجل " # ، قال: إن لنا العزى ولا عزى لكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " ألا تجيبوه " # ؟ قالوا: يارسول الله ما نقول؟ قال: # " قولوا الله مولانا ولا مولى لكم ". # وروي هذا المعنى عن ابن عباس رضي الله عنهما وفي حديثه قال أبو سفيان: ~~يوم بيوم وإن الأيام دول والحرب سجال، فقال عمر رضي الله عنه: لا ~~سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار». # قال الزجاج: الدولة تكون للمسلمين على الكفار، لقوله تعالى: (وإن جندنا ~~لهم الغالبون)، وكانت يوم أحد للكفار على المسلمين لمخالفتهم أمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: { وليعلم الله ~~الذين ءامنوا } يعني: إنما كانت هذه المداولة ليعلم الله (أي: ~~ليرى الله) الذين آمنوا فيميز المؤمن من المنافق، { ويتخذ منكم ~~شهدآء } ، يكرم أقواما بالشهادة، { والله لا يحب ~~الظلمين }. ### || [3.141-144] # { وليمحص الله الذين آمنوا } أي: يطهرهم من الذنوب، { ~~ويمحق الكفرين } ، يفنيهم ويهلكهم، معناه: أنهم إن قتلوكم ~~فهو تطهير لكم، وإن قتلتموهم فهو محقهم واستئصالهم. # { أم حسبتم } أحسبتم؟ { أن تدخلوا الجنة ولما ~~يعلم الله } [أي: ولم يعلم الله]، { الذين جهدوا ~~منكم ويعلم الصبرين }. # { ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه } ~~، وذلك أن قوما من المسلمين تمنوا يوما كيوم بدر ليقاتلوا ~~ويستشهدوا فأراهم الله يوم أحد، وقوله { تمنون الموت } أي: ~~سبب الموت وهو الجهاد من قبل أن تلقوه، { فقد رأيتموه }؟ يعني: ~~أسبابه. فإن قيل: ما معنى قوله { وأنتم تنظرون } ، بعد قوله: { ~~فقد رأيتموه }؟ قيل: ذكره تأكيدا، وقيل: الرؤية قد تكون بمعنى ~~العلم، فقال: { وأنتم تنظرون } ليعلم، أن المراد بالرؤية النظر، ~~وقيل: وأنتم تنظرون إلى ms0446 محمد صلى الله عليه وسلم. # قوله عز وجل: { وما محمد إلا رسول قد خلت من ~~قبله الرسل } قال أصحاب المغازي: # خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بالشعب من أحد في سبعمائة ~~رجل، وجعل عبدالله بن جبير وهو أخو خوات ابن جبير على الرجالة، وكانوا ~~خمسين رجلا، وقال: أقيموا بأصل الجبل وانضحوا عنا بالنبل لا يأتونا من ~~خلفنا، فإن كانت لنا أو علينا فلا تبرحوا مكانكم حتى أرسل إليكم فإنا ~~لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم فجاءت قريش وعلى ميمنتهم خالد بن الوليد ~~وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبي جهل ومعهم النساء يضربن بالدفوف ويقلن الأشعار ~~فقاتلوا حتى حميت الحرب # " فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفا فقال: «من يأخذ هذا السيف ~~بحقه ويضرب به العدو حتى يثخن» فأخذه أبو دجانة سماك بن خرشة الأنصاري، ~~فلما أخذه اعتم بعمامة حمراء وجعل يتبختر فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «إنها لمشية يبغضها الله تعالى إلا في هذا الموضع»، ففلق به ~~هام المشركين، وحمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على المشركين ~~فهزموهم ". # وروينا عن البراء بن عازب قال: فأنا والله رأيت النساء يشتددن قد بدت ~~خلاخلهن وأسوقهن رافعات ثيابهن فقال أصحاب عبد الله بن جبير: ~~الغنيمة والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة، فلما أتوهم صرفت ~~وجوههم. # وقال الزبير بن العوام: فرأيت هندا وصواحباتها هاربات مصعدات في ~~الجبل، باديات خدامهن ما دون أخذهن شيء فلما نظرت الرماة إلى القوم قد ~~انكشفوا ورأوا أصحابهم ينتهبون الغنيمة أقبلوا يريدون النهب. فلما رأى ~~خالد بن الوليد قلة الرماة واشتغال المسلمين بالغنيمة، ورأى ظهورهم خالية ~~صاح في خيله من المشركين، ثم حمل على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من ~~خلفهم فهزموهم وقتلوهم، ورمى عبد الله بن قمئة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بحجر فكسر أنفه ورباعيته وشجه في وجهه فأثقله وتفرق عنه أصحابه ~~ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صخرة يعلوها، وكان قد ظاهر بين ~~درعين، فلم يستطع فجلس ms0447 تحته طلحة فنهض حتى استوى عليها، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " أوجب طلحة " # ووقعت هند والنسوة معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يجدعن الآذان والأنوف حتى اتخذت هند من ذلك قلائد، وأعطتها ~~وحشيا وبقرت عن كبدة حمزة ولاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها، ~~وأقبل عبد الله بن قمئة يريد قتل النبي صلى الله عليه وسلم، فذب ~~مصعب بن عمير وهو صاحب راية رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقتله ابن قمئة، وهو يرى أنه قتل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فرجع إلى المشركين وقال: إني قتلت محمدا وصاح ~~صارخ ألا إن محمدا قد قتل، ويقال: إن ذلك الصارخ كان إبليس، فانكفأ ~~الناس، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس: # " إلي عباد الله (إلي عباد الله) " # ، فاجتمع إليه ثلاثون رجلا فحموه حتى كشفوا عنه المشركين، ورمى سعد بن ~~أبي وقاص حتى اندقت سية قوسه، ونثل له رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كنانته، وقال له: ارم فداك أبي وأمي، وكان أبو طلحة رجلا راميا شديدا ~~النزع كسر يومئذ قوسين أو ثلاثا، وكان الرجل يمر بجعبة من النبل ~~فيقول: انثرها لأبي طلحة، وكان إذا رمى أشرف النبي صلى الله عليه وسلم ~~فينظر إلى موضع نبله، وأصيبت يد طلحة بن عبيد الله فيبست حين وقى ~~بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصيبت عين قتادة بن النعمان ~~يومئذ حتى وقعت على وجنته، فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مكانها، فعادت كأحسن ما كانت. فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أدركه أبي بن خلف الجمحي، وهو يقول: لا نجوت إن نجوت، فقال القوم: ~~يارسول الله ألا يعطف عليه رجل منا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: # " دعوه " # حتى إذا دنا منه، وكان أبي قبل ذلك يلقى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فيقول: عندي رمكة أعلفها كل يوم فرق ذرة أقتلك عليها، فقال ~~رسول الله ms0448 صلى الله عليه وسلم: # " بل أنا أقتلك إن شاء الله " # ، فلما دنا منه تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث ~~بن الصمة ثم استقبله فطعنه في عنقه، فخدشه خدشة فتدهدأ عن فرسه وهو يخور ~~كما يخور الثور، ويقول: قتلني محمد، فأخذه أصحابه وقالوا: ليس عليك بأس، ~~قال: بلى لو كانت هذه الطعنة بربيعة ومضر لقتلتهم، أليس قال لي: أقتلك؟ ~~فلو بزق علي بعد تلك المقالة لقتلني، فلم يلبث إلا يوما حتى مات بموضع ~~يقال له سرف. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا عمرو بن علي أنا أبو عاصم عن ابن جريج عن ~~عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: اشتد غضب الله ~~على من قتله نبي واشتد غضب الله على من دمى وجه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # قالوا: وفشا في الناس أن محمدا قد قتل فقال بعض المسلمين: ليت لنا ~~رسولا إلى عبد الله بن أبي فيأخذ لنا أمانا من أبي سفيان، وبعض ~~الصحابة جلسوا وألقوا بأيديهم، وقال أناس من أهل النفاق: إن كان محمدا ~~قد قتل فالحقوا بدينكم الأول، فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك: ياقوم ~~إن كان قتل محمد فإن رب محمد لم يقتل وما تصعنون بالحياة بعد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وموتوا على ما مات عليه ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما ~~يقول هؤلاء يعني المسلمين، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء يعني المنافقين، ~~ثم شد بسفيه فقاتل حتى قتل. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق ~~إلى الصخرة وهو يدعو الناس، فأول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كعب ابن مالك، قال: عرفت عينيه تحت المغفر تزهران فناديت بأعلى صوتي: يا ~~معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشار إلي ms0449 أن ~~اسكت، فانحازت إليه طائفة من أصحابه، فلامهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~على الفرار، فقالوا: يا نبي الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا، أتانا ~~الخبر بأنك قد قتلت، فرعبت قلوبنا فولينا مدبرين، فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله ~~الرسل }. # ومحمد هو المستغرق لجميع المحامد، لأن الحمد لا يستوجبه إلا الكامل، ~~والتحميد فوق الحمد، فلا يستحقه إلا المستولي على الأمر في الكمال، وأكرم ~~الله نبيه وصفيه باسمين مشتقين من اسمه جل جلاله (محمد وأحمد)، وفيه ~~يقول حسان بن ثابت: # ألم تر أن الله أرسل عبده # ببرهانه والله أعلى وأمجد # وشق له من اسمه ليجله # فذو العرش محمود وهذا محمد # قوله تعالى: { أفإين مات أو قتل انقلبتم على ~~أعقبكم } رجعتم إلى دينكم الأول، { ومن ينقلب على ~~عقبيه } ، فيرتد عن دينه، { فلن يضر الله شيئا } ، ~~بارتداده وإنما يضر نفسه، { وسيجزى الله الشكرين }. ### || [3.145] # { وما كان لنفس أن تموت } ، قال الأخفش: اللام في { ~~لنفس } منقولة تقديره: وما كانت نفس لتموت، { إلا بإذن ~~الله } ، بقضائه الله وقدره، وقيل: بعلمه، وقيل: بأمره، { كتبا ~~مؤجلا } أي: كتب لكل نفس أجلا لا يقدر أحد على تغييره وتأخيره، ~~ونصب الكتاب على المصدر، أي: كتب كتابا، { ومن يرد ثواب ~~الدنيا نؤته منها } يعني: من يرد بطاعته الدنيا ويعمل لها ~~نؤته منها ما يكون جزاء لعمله، يريد نؤته منها ما نشاء بما قدرناه له، ~~كما قال: # من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشآء ~~لمن نريد # [الإسراء: 18]، نزلت في الذين تركوا المركز يوم أحد طلبا للغنيمة، ~~{ ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها } ، أي أراد بعمله ~~الآخرة، قيل: أراد الذين ثبتوا مع أميرهم عبد الله بن جبير حتى قتلوا. { ~~وسنجزى الشكرين } ، أي: المؤمنين المطيعين. # أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي أخبرنا أبو الحسن أحمد بن ~~موسى بن الصلت أنا أبو إسحاق إبراهيم عبد الصمد الهاشمي أنا أبو يحيى ~~محمد بن عبد الله بن يزيد بن عبد الرحمن المقرىء أنا أبي أنا الربيع بن ms0450 ~~صبيح عن يزيد الرقاشي. # عن أنس بن مالك رضي الله عنه: # أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من كانت نيته طلب الآخرة جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته ~~الدنيا وهي راغمة، ومن كانت نيته طلب الدنيا جعل الله الفقر بين عينيه ~~وشتت عليه أمره، ولا يأتيه منها إلا ما كتب له ". # أخبرنا أبو طاهر محمد بن علي بن توبة الزراد أخبرنا أبو بكر محمد بن ~~إدريس بن محمد الجرجاني وأبو أحمد محمد بن أحمد المعلم الهروي قالا ~~أخبرنا أبو الحسن علي بن عيسى الماليني أخبرنا أبو العباس الحسن بن سفيان ~~النسوي أخبرنا حيان بن موسى وعبد الله بن أسماء ابن أخي جويرية ابن أسماء ~~قال أخبرنا عبد الله بن المبارك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم ~~التيمي عن علقمة بن وقاص الليثي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى، فمن كانت هجرته ~~إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا ~~يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه ". ### || [3.146] # قوله تعالى: { وكأين من نبي قاتل معه ربيون ~~كثير } ، قرأ ابن كثير { وكائن } ، بالمد والهمزة على وزن فاعل، ~~وتليين الهمزة أبو جعفر، وقرأ الآخرون { وكأين } بالهمز والتشديد ~~على وزن كعين، ومعناه: وكم، وهي كاف التشبيه ضمت إلى أي الاستفهامية، ~~ولم يقع للتنوين صورة في الخط إلا في هذا الحرف خاصة، ويقف بعض القراء ~~على { وكأي } بلا نون، والأكثرون على الوقف بالنون، قوله { قاتل } ~~قرأ ابن كثير ونافع وأهل البصرة بضم القاف، وقرأ الآخرون { قاتل } فمن ~~قرأ { قاتل } فلقوله: { فما وهنوا } ويستحيل وصفهم بأنهم لم ~~يهنوا بعدما قتلوا، لقول سعيد بن جبير: ما سمعنا أن نبيا قتل في ~~القتال، ولأن { قاتل } أعم. قال أبو عبيدة: إن الله تعالى إذا حمد من ~~قاتل كان من قتل داخلا فيه، وإذا حمد من قتل لم يدخل فيه غيرهم، ms0451 فكان ~~{ قاتل } أعم. ومن قرأ { قتل } فله ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون القتل ~~راجعا إلى النبي وحده، فيكون تمام الكلام عند قوله { قتل } ، ويكون في ~~الآية إضمار معناه: ومعه ربيون كثير، كما يقال: قتل فلان معه جيش كثير، ~~أي: ومعه. والوجه الثاني: أن يكون القتل نال النبي ومن معه من الربيين، ~~ويكون المراد: بعض من معه، تقول العرب قتلنا بني فلان، وإنما قتلوا ~~بعضهم، ويكون قوله { فما وهنوا } راجعا إلى الباقين. والوجه ~~الثالث: أن يكون القتل للربيين لا غير. وقوله { ربيون كثير } ، ~~قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: جموع كثيرة، وقال ابن مسعود: الربيون ~~الألوف، وقال الكلبي الربية الواحدة: عشرة آلاف، وقال الضحاك: ~~الربية الواحدة: ألف، وقال الحسن: فقهاء علماء وقيل: هم الأتباع، ~~والربانيون الولاة، والربيون الرعية، وقيل: منسوب إلى الرب وهم الذين ~~يعبدون الرب، { فما وهنوا } أي: فما جبنوا، { لمآ أصابهم ~~فى سبيل الله وما ضعفوا } ، عن الجهاد بما نالهم من ألم ~~الجراح، وقتل الأصحاب. { وما استكانوا } قال مقاتل: وما ~~استسلموا وما خضعوا لعدوهم، وقال السدي: وما ذلوا، قال عطاء وما تضرعوا، ~~وقال أبو العالية: وما جبنوا ولكنهم صبروا على أمر ربهم وطاعة نبيهم ~~وجهاد عدوهم، { والله يحب الصبرين }. ### || [3.147-150] # قوله تعالى: { وما كان قولهم } ، نصب على خبر كان، والاسم في ~~أن قالوا، ومعناه: وما كان قولهم عند قتل نبيهم، { إلا أن قالوا ~~ربنا اغفر لنا ذنوبنا } أي: الصغائر، { وإسرافنا فى ~~أمرنا } ، أي: الكبائر، { وثبت أقدامنا } ، كي لا تزول، { ~~وانصرنا على القوم الكفرين } ، يقول فهلا فعلتم وقلتم ~~مثل ذلك بأصحاب محمد. { فآتاهم الله ثواب الدنيا } ، ~~النصرة والغنيمة، { وحسن ثواب الآخرة } ، الأجر والجنة، { ~~والله يحب المحسنين }. # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا ~~الذين كفروا } ، يعني: اليهود والنصارى، وقال علي رضي الله عنه، ~~يعني: المنافقين في قولهم للمؤمنين عند الهزيمة: ارجعوا إلى إخوانكم ~~وادخلوا في دينهم. { يردوكم على أعقبكم } ، يرجعوكم ~~إلى أول أمركم الشرك بالله، { فتنقلبوا خسرين } ، مغبونين. # ثم قال: { بل الله مولكم } ، ناصركم وحافظكم على دينكم، { ~~وهو خير النصرين ms0452 } ### || [3.151-152] # { سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب } وذلك أن أبا ~~سفيان والمشركين لما ارتحلوا يوم أحد متوجهين نحو مكة انطلقوا حتى إذا ~~بلغوا بعض الطريق، ندموا وقالوا: بئس ما صنعنا قتلناهم حتى إذا لم يبق ~~منهم إلا الشريد تركناهم، ارجعوا فاستأصلوهم، فلما عزموا على ذلك ~~قذف الله في قلوبهم الرعب، حتى رجعوا عما هموا به. سنلقي أي: سنقذف ~~في قلوب الذين كفروا الرعب، الخوف، وقرأ أبو جعفر وابن عامر والكسائي ~~ويعقوب { الرعب } بضم العين، وقرأ الآخرون بسكونها، { بمآ ~~أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطنا } حجة ~~وبرهانا، { ومأواهم النار وبئس مثوى الظلمين } ~~، مقام الكافرين. # قوله تعالى: { ولقد صدقكم الله وعده } قال محمد بن كعب ~~القرظي: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة من ~~أحد، وقد أصابهم ما أصابهم، قال ناس من أصحابه: من أين أصابنا هذا؟ وقد ~~وعدنا الله النصر، فأنزل الله تعالى: # { ولقد صدقكم الله وعده } بالنصر والظفر، وذلك أن النصر ~~والظفر كان للمسلمين في الابتداء، { إذ تحسونهم بإذنه } ، ~~وذلك # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل أحدا خلف ظهره واستقبل ~~المدينة وجعل عينين، وهو جبل، عن يساره وأقام عليه الرماة وأمر عليهم ~~عبد الله بن جبير، وقال لهم: احموا ظهورنا فإن رأيتمونا قد غنمنا ~~فلا تشركونا وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وأقبل المشركون ~~فأخذوا في القتال فجعل الرماة يرشقون خيل المشركين بالنبل، والمسلمون ~~يضربونهم بالسيوف، حتى ولوا هاربين ". # فذلك قوله تعالى: { إذ تحسونهم بإذنه } أي تقتلونهم قتلا ~~ذريعا بقضاء الله. قال أبو عبيدة: الحس: هو الاستئصال بالقتل. { ~~حتى إذا فشلتم } أي: إن جبنتم، وقيل: معناه فلما فشلتم، { ~~وتنزعتم فى الأمر وعصيتم } ، والواو زائدة في { ~~وتنزعتم } يعني: حتى إذا فشلتم تنازعتم، وقيل: فيه تقديم ~~وتأخير، تقديره: حتى إذا تنازعتم في الأمر وعصيتم فشلتم. # ومعنى التنازع الاختلاف. وكان اختلافهم أن الرماة اختلفوا حين انهزم ~~المشركون، فقال بعضهم: انهزم القوم فما مقامنا؟ وأقبلوا على الغنيمة، ~~وقال بعضهم: لا تجاوزوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ms0453 وثبت عبد ~~الله بن جبير في نفر يسير دون العشرة. فلما رأى خالد بن الوليد وعكرمة ~~بن أبي جهل ذلك حملوا على الرماة فقتلوا عبد الله بن جبير وأصحابه، ~~وأقبلوا على المسلمين وحالت الريح فصارت دبورا بعد ما كانت صبا، ~~وانتقضت صفوف المسلمين واختلطوا فجعلوا يقتلون على غير شعار يضرب بعضهم ~~بعضا ما يشعرون من الدهش، ونادى إبليس أن محمدا قد قتل، وكان ذلك سبب ~~الهزيمة المسلمين. # قوله تعالى: { وعصيتم } يعني: الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وخالفتم أمره، { من بعد مآ أراكم } ، الله { ما تحبون ~~} يا معشر المسلمين من الظفر والغنيمة، { منكم من يريد الدنيا ~~} ، يعني: الذين تركوا المركز وأقبلوا على النهب، { ومنكم من ~~يريد الآخرة } ، يعني: الذين ثبتوا مع عبد الله بن جبير حتى ~~قتلوا، قال عبد الله بن مسعود: ما شعرت أن أحدا من أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى كان يوم أحد، ونزلت هذه الآية { ثم ~~صرفكم عنهم } ، أي: ردكم عنهم بالهزيمة، { ليبتليكم } ~~، ليمتحنكم، وقيل: لينزل البلاء عليكم { ولقد عفا عنكم } ، ~~فلم يستأصلكم بعد المعصية والمخالفة، { والله ذو فضل على ~~المؤمنين }. ### || [3.153] # { إذ تصعدون } يعني: ولقد عفا عنكم إذ تصعدون هاربين، وقرأ ~~أبو عبد الرحمن السلمي والحسن وقتادة { تصعدون } بفتح التاء والعين، ~~والقراءة المعروفة بضم التاء وكسر العين. والإصعاد: السير في مستوى ~~الأرض، والصعود: الارتفاع على الجبال والسطوح، قال أبو حاتم: يقال ~~أصعدت إذا مضيت حيال وجهك، وصعدت إذا ارتقيت في جبل أو غيره، وقال ~~المبرد: أصعد إذ أبعد في الذهاب، وكلتا القراءتين صواب فقد كان يومئذ من ~~المنهزمين مصعد وصاعد، وقال المفضل: صعد وأصعد وصعد بمعنى واحد. { ~~ولا تلوون على أحد } أي: لا تعرجون ولا تقيمون على أحد، ولا ~~يلتفت بعضكم إلى بعض، { والرسول يدعوكم فى أخراكم } أي: ~~في آخركم ومن ورائكم إلي عباد الله فأنا رسول الله من يكر فله ~~الجنة، { فأثبكم } ، فجازاكم، جعل الإثابة بمعنى العقاب، وأصلها ~~في الحسنات لأنه وضعها موضع الثواب، كقوله تعالى: { فبشرهم ~~بعذاب أليم } جعل البشارة في ms0454 العذاب، ومعناه: جعل مكان الثواب ~~الذين كنتم ترجون { غما بغم } ، وقيل: الباء بمعنى على، أي: غما ~~على غم، وقيل: غما متصلا بغم، فالغم الأول: ما فاتهم من الظفر ~~والغنيمة، والغم الثاني: ما نالهم من القتل والهزيمة. وقيل: الغم الأول ~~ما أصابهم من القتل والجراح، والغم الثاني: ما سمعوا أن محمدا صلى الله ~~عليه وسلم قد قتل فأنساهم الغم الأول. وقيل: الغم الأول: إشراف خالد بن ~~الوليد عليهم بخيل المشركين، والغم الثاني: حين أشرف عليهم أبو سفيان، # " وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق يومئذ يدعو الناس حتى ~~انتهى إلى أصحاب الصخرة، فلما رأوه وضع رجل سهما في قوسه وأراد أن ~~يرميه، فقال: أنا رسول الله، ففرحوا حين وجدوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وفرح النبي صلى الله عليه وسلم حين رأى أن في أصحابه من يمتنع، ~~فأقبلوا يذكرون الفتح وما فاتهم منه، ويذكرون أصحابهم الذين قتلوا فأقبل ~~أبو سفيان وأصحابه، حتى وقفوا بباب الشعب، فلما نظر المسلمون إليهم ~~أهمهم ذلك وظنوا أنهم يميلون عليهم فيقتلونهم فأنساهم هذا ما نالهم، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس لهم أن يعلونا اللهم إن تقتل ~~هذه العصابة لا تعبد في الأرض، ثم ندب أصحابه فرموهم بالحجارة حتى ~~أنزلوهم ". # وقيل: إنهم غموا الرسول بمخالفة أمره، فجازاهم الله بذلك الغم غم ~~القتل والهزيمة. قوله تعالى: { لكيلا تحزنوا على ما ~~فاتكم } ، من الفتح والغنيمة، { ولا مآ أصبكم } أي: ولا ~~على ما أصابكم من القتل والهزيمة، { والله خبير بما تعملون ~~}. ### || [3.154] # { ثم أنزل عليكم } ، يا معشر المسلمين، { من بعد ~~الغم أمنة نعاسا } يعني: أمنا، والأمن والأمنة بمعنى ~~واحد، وقيل: الأمن يكون مع زوال سبب الخوف، والأمنة مع بقاء سبب ~~الخوف، وكان سبب الخوف هنا قائما، { نعاسا } ، بدل من الأمنة { ~~يغشى طآئفة منكم } قرأ حمزة والكسائي { تغشى } بالتاء ~~ردا إلى الأمنة، وقرأ الآخرون بالياء ردا إلى النعاس. قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: أمنهم يومئذ بنعاس يغشاهم، وإنما ينعس من يأمن، ~~والخائف لا ينام. ms0455 # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرحمن أنا ~~حسين بن محمد أخبرنا شيبان عن قتادة أخبرنا أنس أن أبا طلحة قال: # غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد، قال: فجعل سيفي يسقط من ~~يدي فآخذه ويسقط وآخذه. # وقال ثابت عن أنس عن أبي طلحة قال: رفعت رأسي يوم أحد فجعلت ما أرى ~~أحدا من القوم إلا وهو يميل تحت جحفته من النعاس. # وقال عبد الله بن الزبير عن أبيه الزبير بن العوام لقد رأيتني مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد علينا الحرب، أرسل الله علينا النوم، ~~والله إني لأسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشاني ما أسمعه إلا كالحلم، ~~يقول: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا. # فذلك قوله تعالى: { يغشى طآئفة منكم } يعني: المؤمنين، { ~~وطآئفة قد أهمتهم أنفسهم } ، يعني: المنافقين: قيل: ~~أراد الله به تمييز المنافقين من المؤمنين، فأوقع النعاس على المؤمنين ~~حتى أمنوا، ولم يوقع على المنافقين، فبقوا في الخوف وقد أهمتهم ~~أنفسهم، أي: حملتهم على الهم يقال: أمر مهم. { يظنون ~~بالله غير الحق } أي: لا ينصر محمدا، وقيل: ظنوا أن محمدا ~~صلى الله عليه وسلم قد قتل، { ظن الجهلية } أي: كظن أهل ~~الجاهلية والشرك، { يقولون هل لنا }: ما لنا، لفظه استفهام ~~ومعناه: حجد، { من الأمر من شىء } يعني: النصر، { قل إن ~~الأمر كله لله } قرأ أهل البصرة برفع اللام على الابتداء وخبره ~~في { لله } وقرأ الآخرون بالنصب على البدل، وقيل: على النعت. { يخفون ~~فى أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا ~~من الأمر شىء ما قتلنا ههنا } ، وذلك أن المنافقين، ~~قال بعضهم لبعض: لو كان لنا عقول لم نخرج مع محمد إلى قتال أهل مكة ولم ~~يقتل رؤساؤنا، وقيل: لو كنا على الحق ما قتلنا هاهنا. قال الضحاك عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما: يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية، يعني: ~~التكذيب ms0456 بالقدر، وهو قولهم: { لو كان لنا من الأمر شىء ~~ما قتلنا ههنا } ، { قل لو كنتم فى بيوتكم ~~لبرز الذين كتب } ، قضي، { عليهم القتل إلى ~~مضاجعهم } ، مصارعهم، { وليبتلى الله } ، وليمتحن الله، ~~{ ما فى صدوركم وليمحص } ، يخرج ويظهر { ما فى ~~قلوبكم، والله عليم بذات الصدور } ، بما في القلوب من ~~خير وشر. ### || [3.155] # { إن الذين تولوا منكم } أي انهزموا، { منكم } ، ~~يامعشر المسلمين، { يوم التقى الجمعان } ، جمع المسلمين وجمع ~~المشركين يوم أحد، وكان قد انهزم أكثر المسلمين ولم يبق مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلا ثلاثة عشر رجلا ستة من المهاجرين: وهم أبو بكر وعمر ~~وعلي وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم. قوله ~~تعالى: { إنما استزلهم الشيطن } أي: طلب زلتهم، كما ~~يقال: استعجلت فلانا إذا طلبت عجلته، وقيل: حملهم على الزلة وهي ~~الخطيئة، وقيل: أزل واستزل بمعنى واحد، { ببعض ما كسبوا } ، ~~أي: بشؤم ذنوبهم، قال بعضهم: بتركهم المركز، وقال الحسن: ما كسبوا هو ~~قبولهم من الشيطان ما وسوس إليهم من الهزيمة، { ولقد عفا الله ~~عنهم إن الله غفور حليم }. ### || [3.156-159] # { يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا ~~} ، يعني: المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه، { وقالوا ~~لإخونهم } ، في النفاق والكفر، وقيل: في النسب، { إذا ضربوا ~~فى الأرض } أي: سافروا فيها لتجارة أو غيرها، { أو كانوا ~~غزى } أي: غزاة جمع غاز فقتلوا، { لو كانوا عندنا ~~ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك } يعني: قولهم ~~وظنهم، { حسرة } غما { فى قلوبهم والله يحيى ~~ويميت والله بما تعملون بصير } قرأ ابن كثير وحمزة ~~والكسائي { يعملون } بالياء، وقرأ الآخرون بالتاء. # { ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم } قرأ نافع ~~وحمزة والكسائي { متم } بكسر الميم، وقرأ الآخرون بالضم، فمن ضمه فهو ~~من مات يموت، كقولك: من قال يقول قلت، بضم القاف، ومن كسره فهو من مات ~~يمات، كقولك من خاف يخاف: خفت، { لمغفرة من الله } ، في ~~العاقبة، { ورحمة خير مما يجمعون } ، من الغنائم، قراءة ~~العامة { تجمعون } بالتاء، لقوله { ولئن قتلتم } وقرأ حفص عن ~~عاصم ms0457 { يجمعون } بالياء، يعني: خير مما يجمع الناس. # { ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون } ، في ~~العاقبة. # قوله تعالى: { فبما رحمة من الله } أي: فبرحمة من الله، و ~~{ ما } صلة، كقوله (فبما نقضهم) { لنت لهم } أي: سهلت لهم ~~أخلاقك، وكثرة احتمالك، ولم تسرع إليهم فيما كان منهم يوم أحد، { ~~ولو كنت فظا } يعني: جافيا سيء الخلق قليل الاحتمال، { ~~غليظ القلب } ، قال الكلبي: فظا في القول غليظ القلب في الفعل، ~~{ لانفضوا من حولك } ، أي: لنفروا وتفرقوا عنك، يقال: ~~فضضتهم فانفضوا، أي فرقتهم فتفرقوا { فاعف عنهم } ، تجاوز ~~عنهم ما أتوا يوم أحد، { واستغفر لهم } حتى أشفعك فيهم، { ~~وشاورهم فى الأمر } أي: استخرج آراءهم واعلم ما عندهم، من قول ~~العرب: شرت الدابة، وشورتها، إذا استخرجت جريها، وشرت العسل ~~وأشرته إذا أخذته من موضعه، واستخرجته. واختلفوا في المعنى الذي لأجله ~~أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالمشاورة مع كمال عقله وجزالة رأيه ~~ونزول الوحي عليه، ووجوب طاعته على الخلق فيما أحبوا وكرهوا. فقال ~~بعضهم: هو خاص في المعنى، أي: وشاورهم فيما ليس عندك فيه من الله تعالى ~~عهد، قال الكلبي: يعني ناظرهم في لقاء العدو ومكايد الحرب عند الغزو. ~~وقال مقاتل وقتادة: أمر الله تعالى بمشاورتهم تطييبا لقلوبهم، فإن ذلك ~~أعطف لهم عليه وأذهب لأضغانهم، فإن سادات العرب كانوا إذا لم يشاوروا في ~~الأمر شق ذلك عليهم. وقال الحسن: قد علم الله عز وجل أنه ما به إلى ~~مشاورتهم حاجة ولكنه أراد أن يستن به من بعده. # أخبرنا أبو طاهر المطهر بن علي بن عبد الله الفارسي: أخبرنا أبو ذر محمد ~~بن إبراهيم بن علي الصالحاني أخبرنا عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان ~~أخبرنا علي بن العباس المقانعي أخبرنا أحمد بن ما هان أخبرني أبي أخبرنا ~~طلحة بن زيد عن عقيل عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: # " ما رأيت رجلا أكثر استشارة للرجال من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~". # قوله تعالى: { فإذا عزمت فتوكل على الله } لا ms0458 على ~~مشاورتهم، أي: قم بأمر الله وثق به واستعنه، { إن الله يحب ~~المتوكلين }. ### || [3.160] # { إن ينصركم الله } ، يعنكم الله ويمنعكم من عدوكم، { فلا ~~غالب لكم } ، مثل يوم بدر، { وإن يخذلكم } يترككم فلم ~~ينصركم كما كان بأحد، والخذلان: القعود عن النصرة والإسلام ~~للهلكة، { فمن ذا الذى ينصركم من بعده } أي: من بعد ~~خذلانه، { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } ، قيل: ~~التوكل أن لا تعصي الله من أجل رزقك، وقيل: أن لا تطلب لنفسك ناصرا غير ~~الله ولا لرزقك خازنا غيره ولا لعملك شاهدا غيره. # أخبرنا أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري أخبرنا أبو عبد الله ~~الحسين بن شجاع البزاز ببغداد أخبرنا أبو بكر محمد بن جعفر بن محمد ~~الهيثم الأنباري أخبرنا محمد بن أبي العوام أخبرنا وهب ابن جرير أخبرنا ~~هشام بن حسان عن الحسن عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " «يدخل سبعون ألفا من أمتي الجنة بغير حساب» قيل: يارسول الله من ~~هم؟ قال: «هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم ~~يتوكلون»، فقال عكاشة بن محصن: يارسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، ~~فقال: «أنت منهم» ثم قام آخر فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني ~~منهم، فقال: «سبقك بها عكاشة» ". # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة أخبرنا محمد بن أحمد بن ~~الحارث أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي أخبرنا عبد الله بن محمود أخبرنا ~~إبراهيم بن عبد الله الخلال أنا عبد الله بن المبارك عن حياة بن شريح ~~حدثني بكر بن عمرو عن عبد الله بن هبيرة أنه سمع أبا تميم الجيشاني يقول: ~~سمعت عمر ابن الخطاب رضي الله عنه يقول: # سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير ~~تغدو خماصا وتروح بطانا ". ### || [3.161] # قوله عز وجل: { وما كان لنبي أن يغل } الآية. # روى عكرمة ومقسم عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن ms0459 هذه الآية نزلت في ~~قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، فقال بعض الناس أخذها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # وقال الكلبي ومقاتل: # " نزلت في غنائم أحد حين ترك الرماة المركز للغنيمة، وقالوا: نخشى أن ~~يقول النبي صلى الله عليه وسلم من أخذ شيئا فهو له وأن لا يقسم الغنائم ~~كما لم يقسم يوم بدر، فتركوا المركز ووقعوا في الغنائم، فقال لهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «ألم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم ~~أمري»؟ قالوا: تركنا بقية إخواننا وقوفا، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «بل ظننتم أنا نغل ولا نقسم لكم» " # ، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وقال قتادة: ذكر لنا أنها نزلت في طائفة غلت من أصحابه. وقيل: إن ~~الأقوياء ألحوا عليه يسألونه من المغنم، فأنزل الله تعالى: { وما كان ~~لنبي أن يغل } فيعطي قوما ويمنع آخرين بل عليه أن يقسم ~~بينهم بالسوية. وقال محمد بن إسحاق بن يسار: هذا في الوحي، يقول: ما كان ~~لنبي أن يكتم شيئا من الوحي رغبة أو رهبة أو مداهنة. قوله تعالى: { ~~وما كان لنبي أن يغل } ، قرأ ابن كثير وأهل البصرة وعاصم ~~{ يغل } بفتح الياء وضم الغين، معناه: أن يخون، والمراد منه الأمة، ~~وقيل: اللام فيه منقولة، معناه: ما كان النبي ليغل، وقيل: معناه ما كان ~~يظن به ذلك ولا يليق به، وقرأ الآخرون بضم الياء وفتح الغين، وله وجهان، ~~أحدهما: أن يكون من الغلول أيضا، أي: ما كان لنبي أن يخان، يعني: أن ~~تخونه أمته، والوجه الآخر: أن يكون من الإغلال، معناه: ما كان لنبي ~~أن يخون، أي ينسب إلى الخيانة. { ومن يغلل يأت بما غل ~~يوم القيمة } ، قال الكلبي: يمثل له ذلك الشيء في النار ثم ~~يقال له: انزل فخذه فينزل فيحمله على ظهره فإذا بلغ موضعه وقع في ~~النار، ثم يكلف أن ينزل إليه، فيخرجه ففعل ذلك به. # أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد الفقيه ~~أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد ms0460 الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك ~~عن ثور بن زيد الديلي عن أبي الغيث مولى ابن مطيع عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه قال: # " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر فلم نغنم ذهبا ولا ~~فضة إلا الأموال والثياب والمتاع، قال فوجه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم نحو وادي القرى، وكان رفاعة بن زيد وهب لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عبدا أسود يقال له مدعم، قال فخرجنا حتى إذا كنا بوادي القرى ~~فبينما مدعم يحط رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه سهم عائر ~~فأصابه فقتله، فقال الناس: هنيئا له الجنة، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من ~~المغانم لم تصبها المقاسم، تشتعل عليه نارا»، فلما سمع ذلك الناس جاء ~~رجل بشراك أو شراكين إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «شراك من نار أو شراكان من نار» ". # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ~~أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حيان عن أبي ~~عمرة الأنصاري عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: # " توفي رجل يوم خيبر فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «صلوا ~~على صاحبكم» فتغيرت وجوه الناس لذلك فزعم زيد أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: قال: «إن صاحبكم قد غل في سبيل الله» قال: ففتحنا متاعه ~~فوجدنا خرزات من خرز اليهود يساوين درهمين ". # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب المروزي أنا عبد العزيز بن أحمد ~~الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع بن سليمان أخبرنا الشافعي أخبرنا ~~سفيان عن الزهري عن عروة بن الزبير عن أبي حميد الساعدي قال: # " استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من الأزد يقال له ابن ~~اللتبية على الصدقة فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي لي، فقام النبي ~~صلى الله عليه ms0461 وسلم على المنبر فقال: «ما بال العامل نبعثه على بعض ~~أعمالنا فيقول هذا لكم وهذا أهدي لي، فهلا جلس في بيت أمه أو في بيت ~~أبيه فينظر أيهدى إليه أم لا، فوالذي نفسي بيده لا يأخذ أحد منها شيئا ~~إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيرا له رغاء أو بقرة ~~لها خوار أو شاة تيعر»، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة إبطيه، ثم قال: ~~«اللهم هل بلغت» " # وروى قيس بن أبي حازم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقال: # " لا تصيبن شيئا بغير إذني فإنه غلول، ومن يغلل يأت بما غل يوم ~~القيامة ". # وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا وجدتم الرجل قد غل فاحرقوا متاعه واضربوه ". # وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه: «أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر حرقوا متاع الغال وضربوه». # قوله تعالى: { ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ~~ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون }. ### || [3.162-163] # { أفمن اتبع رضون الله } ، وترك الغلول، { كمن بآء ~~بسخط من الله } ، فعل، { ومأواه جهنم وبئس ~~المصير }. { هم درجات عند الله } يعني: ذو درجات عند ~~الله، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني من اتبع رضوان الله ومن ~~باء بسخط من الله مختلفو المنازل عند الله، فلمن اتبع رضوان ~~الله الثواب العظيم، ولمن باء بسخط من الله العذاب الأليم. { والله ~~بصير بما يعملون }. ### || [3.164-165] # { لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم ~~رسولا من أنفسهم } ، قيل: أراد به العرب لأنه ليس حي من ~~أحياء العرب إلا وله فيهم نسب إلا بني ثعلبة، دليله قوله تعالى: { هو ~~الذي بعث في الأميين رسولا منهم } وقال الآخرون: ~~أراد به جميع المؤمنين، ومعنى قوله تعالى: { من أنفسهم } أي: ~~بالإيمان والشفقة لا بالنسب، ودليله قوله تعالى: (لقد جاءكم رسول من ms0462 ~~أنفسكم)، { يتلوا عليهم ءايته ويزكيهم ~~ويعلمهم الكتب والحكمة وإن كانوا } ، وقد كانوا، ~~{ من قبل } أي: من قبل بعثه { لفي ضلال مبين }. # { أولما } أي: حين { أصبتكم مصيبة } ، بأحد، { قد ~~أصبتم مثليها } ، يوم بدر، وذلك أن المشركين قتلوا من ~~المسلمين يوم أحد سبعين وقتل المسلمون منهم ببدر سبعين وأسروا سبعين، { ~~قلتم أنى هذا } ، من أين لنا هذا القتل والهزيمة ونحن ~~مسلمون ورسول الله صلى الله عليه وسلم فينا؟ { قل هو من عند ~~أنفسكم } روى عبيدة السلماني عن علي رضي الله عنه، قال: جاء جبريل ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله قد كره ما صنع قومك في ~~أخذهم الفداء من الأسارى، وقد أمرك أن تخيرهم بين أن يقدموا فتضرب ~~أعناقهم، وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم فذكر ذلك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم للناس، فقالوا: يا رسول الله عشائرنا وإخواننا، ~~لا بل نأخذ منهم فداءهم فنقوى بها على قتال عدونا، ويستشهد منا عدتهم، ~~[فقتل منهم يوم أحد] سبعون من أسارى أهل بدر. # فهذا معنى قوله تعالى: { قل هو من عند أنفسكم } أي: ~~بأخذكم الفداء واختياركم القتل، { إن الله على كل شىء ~~قدير }. ### || [3.166-169] # { ومآ أصبكم يوم التقى الجمعان } ، بأحد من القتل ~~والجرح والهزيمة، { فبإذن الله } ، أي: بقضائه وقدره، { ~~وليعلم المؤمنين } ، أي: ليميز، وقيل: ليرى. # { وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا ~~قاتلوا في سبيل الله } ، أي: لأجل دين الله وطاعته، { أو ~~ادفعوا } ، عن أهلكم وحريمكم، وقال السدي: أي: كثروا سواد المسلمين ~~ورابطوا إن لم تقاتلوا يكون ذلك دفعا وقمعا للعدو، { قالوا لو ~~نعلم قتالا لاتبعنكم } ، وهو عبد الله بن أبي ~~وأصحابه الذين انصرفوا عن أحد وكانوا ثلاثمائة، قال الله تعالى: { هم ~~للكفر يومئذ أقرب } أي: إلى الكفر يومئذ أقرب { منهم ~~للإيمن } (أي: إلى الإيمان)، { يقولون بأفوههم } ، ~~يعني: كلمة الإيمان { ما ليس فى قلوبهم والله أعلم ~~بما يكتمون }. # { الذين قالوا لإخوانهم } ، في النسب لا في الدين وهم ~~شهداء أحد { وقعدوا } يعني: قعد هؤلاء القائلون عن الجهاد { لو ~~أطاعونا ms0463 } ، وانصرفوا عن محمد صلى الله عليه وسلم وقعدوا في بيوتهم ~~{ ما قتلوا قل } ، لهم يا محمد، { فادرءوا } ، فادفعوا، { عن ~~أنفسكم الموت إن كنتم صدقين } ، إن الحذر لا يغني ~~عن القدر. # قوله تعالى: { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل ~~الله أمواتا } الآية، قيل: نزلت في شهداء بدر وكانوا أربعة عشر ~~رجلا ثمانية من الأنصار وستة من المهاجرين. وقال آخرون: نزلت في شهداء ~~أحد وكانوا سبعين رجلا أربعة من المهاجرين حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن ~~عمير وعثمان بن شماس وعبد الله بن جحش وسائرهم من الأنصار. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري ~~أنا حاجب بن أحمد الطوسي أنا محمد بن حماد أنا أبو معاوية عن الأعمش عن ~~عبد الله بن مرة عن مسروق قال: # سألنا عبد الله (هو ابن مسعود) رضي الله عنهما عن هذه الآية: { ولا ~~تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل ~~أحياء عند ربهم يرزقون } الآية، قال: أما أنا قد سألنا ~~عن ذلك فقال: «أرواحهم كطير خضر» ويروى «في جوف طير خضر لها قناديل ~~معلقة بالعرش تسرح في أيها شاءت ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش ~~فبينما هم كذلك إذ اطلع عليهم ربك اطلاعة فقال: سلوني ما شئتم ~~فقالوا: يارب كيف نسألك ونحن نسرح في الجنة في أيها شئنا؟، فلما رأوا أن ~~لا يتركوا من أن يسألوا شيئا قالوا: إنا نسألك أن ترد أرواحنا إلى ~~أجسادنا نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أنهم لا يسألون إلا هذا ~~تركوا». # أخبرنا أبو سعيد الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أن عبد الله بن حامد ~~أخبرنا أحمد بن محمد بن شاذان أنا جيعوية أنا صالح بن محمد أنا سليمان بن ~~عمرو عن إسماعيل بن أمية عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~قال قال: # رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لما أصيب إخوانكم يوم أحد جعل الله عز وجل أرواحهم في أجواف ~~طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ms0464 ثمارها وتسرح في الجنة حيث ~~شاءت وتأوي إلى قناديل من ذهب تحت العرش، فلما رأوا طيب مقيلهم ومطعمهم ~~ومشربهم ورأوا ما أعد الله لهم من الكرامة، قالوا: يا ليت قومنا ~~يعلمون ما نحن فيه من النعيم وما صنع الله بنا كي يرغبوا في الجهاد، ~~ولا يتكلوا عنه، فقال الله عز وجل أنا مخبر عنكم ومبلغ إخوانكم ~~ففرحوا بذلك واستبشروا فأنزل الله تعالى: { ولا تحسبن الذين ~~قتلوا في سبيل الله أمواتا } إلى قوله: { لا يضيع ~~أجر المؤمنين } ". # سمعت عبد الواحد بن أحمد المليحي قال: سمعت الحسن بن أحمد القتيبي ~~قال: سمعت محمد ابن عبد الله بن يوسف قال: سمعت محمد بن إسماعيل البكري ~~قال: سمعت يحيى بن حبيب بن عربي قال: سمعت موسى بن إبراهيم قال: سمعت ~~طلحة بن خراش قال: سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول: # " لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: «يا جابر ما لي أراك ~~منكسرا»؟ قلت: يا رسول الله استشهد أبي وترك عيالا ودينا، قال: «أفلا ~~أبشرك بما لقي الله به أباك»؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: «ما كلم ~~الله تعالى أحدا قط إلا من وراء حجاب، وإنه أحيا أباك فكلمه كفاحا، ~~قال: يا عبدي تمن علي أعطك، قال: يا رب أحيني فأقتل فيك الثانية، ~~قال الرب تبارك وتعالى: إنه قد سبق مني أنهم لا يرجعون، فأنزلت فيهم { ~~ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا } ~~» ". # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي أنا أبو الحسن الطيسفوني أنا ~~عبد الله بن عمر الجوهري أنا أحمد بن علي الكشميهني أنا علي بن حجر أنا ~~إسماعيل بن جعفر أنا حميد عن أنس رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " ما من عبد يموت، له عند الله خير، يحب أن يرجع إلى الدنيا، ~~وأن له الدنيا وما فيها، إلا الشهيد لما يرى من فضل الشهادة، فإنه ~~يحب أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى ". # وقال قوم: نزلت هذه ms0465 الآية في شهداء بئر معونة. # وكان سبب ذلك على ما روى محمد بن إسحاق عن أبيه إسحاق بن يسار عن ~~المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعبد الله بن أبي بكر بن محمد ~~ابن عمرو بن حزم وعن حميد الطويل عن أنس بن مالك وغيرهم من أهل العلم ~~قال: قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر، ملاعب الأسنة، وكان سيد ~~بني عامر بن صعصعة، على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وأهدى ~~إليه هدية، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبلها، وقال لا أقبل ~~هدية مشرك، فأسلم إن أردت أن أقبل هديتك؟ ثم عرض عليه الإسلام، ~~وأخبره بما له فيه وما أعد الله للمؤمنين، وقرأ عليه القرآن فلم يسلم، ~~ولم يبعد وقال: يا محمد إن الذي تدعو إليه حسن جميل فلو بعثت رجالا من ~~أصحابك إلى أهل نجد فيدعونهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني أخشى عليهم أهل نجد». فقال ~~أبو البراء: أنا لهم جار فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك. فبعث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة في سبعين رجلا ~~من خيار المسلمين منهم الحارث بن الصمة وحرام بن ملحان وعروة بن ~~أسماء بن الصلت السلمي ونافع بن يزيد بن ورقاء الخزاعي وعامر بن فهيرة ~~مولى أبي بكر رضي الله عنه، وذلك في صفر سنة أربع من الهجرة على رأس ~~أربعة أشهر من أحد فساروا حتى نزلوا بئر معونة وهي أرض بين أرض بني عامر ~~وحرة بني سليم فلما نزلوها، قال بعضهم لبعض أيكم يبلغ رسالة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أهل هذا الماء؟ فقال حرام بن ملحان: أنا. فخرج بكتاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عامر بن الطفيل، وكان على ذلك الماء ~~فلما أتاهم حرام بن ملحان لم ينظر عامر بن الطفيل في كتاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فقال حرام بن ملحان: يا أهل ms0466 بئر معونة إني رسول رسول ~~الله إليكم إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، ~~فآمنوا بالله ورسوله، فخرج إليه رجل من كسر البيت برمح فضرب به في ~~جنبه حتى خرج من الشق الآخر، فقال: الله أكبر فزت ورب الكعبة. ثم ~~استصرخ عامر بن الطفيل بني عامر على المسلمين فأبوا أن يجيبوه إلى ما ~~دعاهم إليه وقالوا: لن نخفر أبا براء قد عقد لهم عقدا وجوارا ثم ~~استصرخ عليهم قبائل من بني سليم - عصية ورعلا وذكوان - فأجابوه ~~فخرجوا حتى غشوا القوم فأحاطوا بهم في رحالهم، فلما رأوهم أخذوا ~~السيوف فقاتلوهم حتى قتلوا من عند آخرهم إلا كعب بن زيد فإنهم تركوه ~~وبه رمق فارتث من بين القتلى، فضلوه فيهم فعاش حتى قتل يوم الخندق، ~~وكان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمري ورجل من الأنصار أحد بني عمرو بن ~~عوف فلم ينبههما بمصاب أصحابهما إلا الطير تحوم على المعسكر! فقالا: ~~والله إن لهذا الطير لشأنا فأقبلا لينظرا فإذا القوم في دمائهم وإذا ~~الخيل التي أصابتهم واقفة، فقال الأنصاري لعمرو ابن أمية الضمري: ماذا ~~ترى؟ قال: أرى أن نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره، فقال ~~الأنصاري الله أكبر لكني ما كنت لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن ~~عمرو، ثم قاتل القوم حتى قتل، وأخذوا عمرو ابن أمية الضمري، أسيرا ~~فلما أخبرهم أنه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل، وجز ناصيته وأعتقه عن ~~رقبة زعم أنها كانت على أمه، فقدم عمرو بن أمية على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأخبره الخبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " هذا عمل أبي براء قد كنت لهذا كارها متخوفا " # ، فبلغ ذلك أبا براء فشق عليه إخفار عامر إياه، وما أصاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بسببه وجواره. وكان فيمن أصيب عامر بن فهيرة. # فروى محمد بن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه أن عامر بن الطفيل كان ~~يقول: من الرجل منهم لما قتل رأيته ms0467 رفع بين السماء والأرض حتى رأيت ~~السماء من دونه؟ قالوا: هو عامر بن فهيرة، ثم بعد ذلك حمل ربيعة بن أبي ~~براء على عامر بن الطفيل فطعنه على فرسه فقتله. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا عبد الأعلى بن حماد أنا يزيد بن زريع أنا ~~سعيد عن قتادة عن أنس بن مالك: # «أن رعلا وذكوان وعصية وبني لحيان استمدوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على عدو لهم فأمدهم بسبعين من الأنصار كنا نسميهم القراء في ~~زمانهم، كانوا يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل، حتى كانوا ببئر معونة ~~قتلوهم وغدروا بهم، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقنت شهرا يدعو ~~في الصبح على أحياء من العرب على رعل وذكوان وعصية وبني لحيان. ~~قال أنس رضي الله عنه: فقرأنا فيهم قرآنا، ثم إن ذلك رفع: بلغوا ~~عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا» ثم نسخت (فرفع بعدما ~~قرأناه) زمانا وأنزل الله تعالى: { ولا تحسبن الذين ~~قتلوا في سبيل الله أمواتا } الآية. # وقيل: إن أولياء الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمة تحسروا على الشهداء، ~~وقالوا: نحن في النعمة وآباؤنا وأبناؤنا وإخواننا في القبور، فأنزل الله ~~تعالى تنفيسا عنهم وإخبارا عن حال قتلاهم { ولا تحسبن } ولا ~~تظنن { الذين قتلوا في سبيل الله } قرأ ابن عامر { ~~قتلوا } بالتشديد، والآخرون بالتخفيف { أمواتا } كأموات من لم ~~يقتل في سبيل الله { بل أحياء عند ربهم } ، قيل أحياء في ~~الدين، وقيل: في الذكر، وقيل: لأنهم يرزقون ويأكلون ويتمتعون كالأحياء، ~~وقيل: لأن أرواحهم تركع وتسجد كل ليلة تحت العرش إلى يوم القيامة، وقيل: ~~لأن الشهيد لا يبلى في القبر، ولا تأكله الأرض. # وقال عبيد بن عمير: # " مر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف من أحد على مصعب بن ~~عمير وهو مقتول فوقف عليه ودعا له ثم قرأ { من المؤمنين رجال ~~صدقوا ما عاهدوا الله عليه } ، ثم قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «أشهد أن هؤلاء ms0468 شهداء عند الله يوم القيامة، ألا ~~فاتوهم وزروهم وسلموا عليهم، فوالذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد ~~إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه» ". # { يرزقون } ، من ثمار الجنة وتحفها. ### || [3.170] # { فرحين بمآ آتاهم الله من فضله } ، رزقه وثوابه، { ~~ويستبشرون } ، ويفرحون، { بالذين لم يلحقوا بهم ~~من خلفهم } ، من إخوانهم الذين تركوهم أحياء في الدنيا على ~~مناهج الإيمان والجهاد لعلمهم أنهم إذا استشهدوا ولحقوا بهم ونالوا من ~~الكرامة ما نالوا، فهم لذلك مستبشرون، { ألا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون }. ### || [3.171-172] # { يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله } ~~أي: وبأن الله، وقرأ الكسائي بكسر الألف على الاستئناف. { لا يضيع ~~أجر المؤمنين }. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد حدثنا أبو إسحاق الهاشمي أنا ~~أبو مصعب عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه: # أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد ~~في سبيله وتصديق كلمته، أن يدخله الجنة أو يرجعه إلى مسكنه الذي ~~خرج منه مع ما نال من أجر وغنيمة ". # وقال: # " والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله - والله أعلم بمن ~~يكلم في سبيله - إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دما اللون لون ~~الدم والريح ريح المسك ". # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أنا أبو طاهر محمد بن ~~محمد بن محمش الزيادي أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان أنا علي بن ~~الحسن الداربجردي أنا عبد الله بن يزيد المقرئ أنا سعيد حدثني محمد بن ~~عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الشهيد لا يجد ألم القتل إلا كما يجد أحدكم ألم القرصة ". # قوله تعالى: { الذين استجابوا لله والرسول } الآية # وذلك أن أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا من أحد فبلغوا الروحاء ندموا ~~على انصرافهم وتلاوموا وقالوا: لا محمدا قتلتم ولا الكواعب أردفتم، ~~قتلتموهم حتى إذا لم ms0469 يبق إلا الشريد تركتموهم؟ ارجعوا فاستأصلوهم، فبلغ ~~ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يرهب العدو، ويريهم من ~~نفسه وأصحابه قوة فندب أصحابه للخروج في طلب أبي سفيان، فانتدب عصابة ~~منهم مع ما بهم من الجراح والقرح الذي أصابهم يوم أحد ونادى منادي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ألا لا يخرجن معنا أحد إلا من حضر يومنا ~~بالأمس، فكلمه جابر بن عبد الله، فقال: يا رسول الله إن أبي كان قد ~~خلفني على أخوات لي سبع، وقال لي: يا بني إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك ~~هؤلاء النسوة لا رجل فيهن، ولست بالذي أوثرك على نفسي في الجهاد مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتخلف على أخواتك، فتخلفت عليهن، ~~فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج معه. وإنما خرج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مرهبا للعدو، وليبلغهم أنه خرج في طلبهم فيظنوا ~~به قوة وأن الذي أصابهم لم يوهنهم فينصرفوا. # فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ~~وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود وحذيفة ~~بن اليمان وأبو عبيدة بن الجراح في سبعين رجلا رضي الله عنهم حتى بلغوا ~~حمراء الأسد، وهي من المدينة على ثمانية أميال. # وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لعبد الله بن الزبير: يا بن أختي ~~أما والله إن أباك وجدك - تعني أبا بكر والزبير - لمن الذين قال ~~الله عز وجل فيهم: { الذين استجابوا لله والرسول من ~~بعد مآ أصابهم القرح } ، فمر برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم معبد الخزاعي بحمراء الأسد وكانت خزاعة - مسلمهم وكافرهم - عيبة ~~نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم بتهامة، صفقتهم معه لا يخفون عنه ~~شيئا كان بها، وكان معبد يومئذ مشرك، فقال: يا محمد والله لقد عز ~~علينا ما أصابك في أصحابك، ولوددنا أن الله تعالى كان قد أعفاك منهم، ثم ~~خرج من عند رسول الله صلى الله ms0470 عليه وسلم، حتى لقي أبا سفيان ومن معه ~~بالروحاء قد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: ~~قد أصبنا جل أصحابه وقادتهم لنكرن على بقيتهم، فلنفرغن منهم، فلما ~~رأى أبو سفيان معبدا قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد خرج مع أصحابه ~~يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرقون عليكم تحرقا، قد اجتمع معه من ~~كان تخلف عنه في يومكم وندموا على صنيعهم، وفيهم من الحنق عليكم شيء ~~لم أر مثله قط، قال: ويلك ما تقول؟ قال: والله ما أراك ترتحل حتى ترى ~~نواصي الخيل، قال: فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم، لنستأصل بقيتهم، ~~قال: فإني والله أنهاك عن ذلك، فوالله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيه ~~أبياتا: # كادت تهد من الأصوات راحلتي # إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل # فذكر أبياتا فرد ذلك أبا سفيان ومن معه. ومر به ركب من عبد القيس، ~~فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة، قال: (ولم؟ قالوا: نريد ~~الميرة) قال: فهل أنتم مبلغون عني محمدا رسالة وأحمل لكم إبلكم هذه ~~زبيبا بعكاظ غدا إذا وافيتمونا؟ قالوا: نعم، قال: فإذا جئتموه فأخبروه ~~أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم، وانصرف أبو سفيان ~~إلى مكة، ومر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الأسد ~~فأخبروه بالذي قال أبو سفيان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه: «حسبنا الله ونعم الوكيل»، ثم انصرف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى المدينة بعد الثالثة. # هذا قول أكثر المفسرين. # وقال مجاهد وعكرمة: نزلت هذه الآية في غزوة بدر الصغرى، وذلك أن أبا ~~سفيان يوم أحد حين أراد أن ينصرف قال: يا محمد موعد ما بيننا وبينك موسم ~~بدر الصغرى لقابل إن شئت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذلك ~~بيننا وبينك إن شاء الله» فلما كان العام المقبل خرج أبو سفيان في أهل ~~مكة حتى نزل مجنة من ناحية مر الظهران، ثم ألقى الله الرعب في قلبه فبدا ~~له ms0471 الرجوع فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمرا فقال له أبو ~~سفيان: يا نعيم إني قد واعدت محمدا وأصحابه أن نلتقي بموسم بدر الصغرى، ~~وإن هذه عام جدب ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن، ~~وقد بدا لي أن لا أخرج إليها، وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج أنا فيزيدهم ~~ذلك جرأة ولأن يكون الخلف من قبلهم أحب إلي من أن يكون من قبلي، ~~فالحق بالمدينة فثبطهم وأعلمهم أني في جمع كثير لا طاقة لهم ~~بنا، ولك عندي عشرة من الإبل أضعها لك على يدي سهيل بن عمرو ويضمنها، ~~قال: فجاء سهيل فقال له نعيم يا أبا يزيد: أتضمن لي هذه القلائص وأنطلق ~~إلى محمد وأثبطه؟ قال: نعم، فخرج نعيم حتى أتى المدينة فوجد الناس ~~يتجهزون لميعاد أبي سفيان فقال: أين تريدون؟ فقالوا: واعدنا أبا سفيان أن ~~نلتقي بموسم بدر الصغرى أن نقتتل بها، فقال: بئس الرأي رأيتم أتوكم في ~~دياركم وقراركم فلم يفلت منكم إلا الشريد، فتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا ~~لكم عند الموسم، والله لا يفلت منكم أحد، فكره أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الخروج، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده ~~لأخرجن ولو وحدي»، فأما الجبان فإنه رجع، وأما الشجاع فإنه تأهب ~~للقتال، وقال: «حسبنا الله ونعم الوكيل». # فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه حتى وافوا بدرا الصغرى، ~~فجعلوا يلقون المشركين ويسألونهم عن قريش فيقولون قد جمعوا لكم يريدون أن ~~يرعبوا المسلمين فيقول المؤمنون: حسبنا الله ونعم الوكيل، حتى بلغوا ~~بدرا وكانت موضع سوق لهم في الجاهلية يجتمعون إليها في كل عام ثمانية ~~أيام، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر ينتظر أبا سفيان وقد ~~انصرف أبو سفيان من مجنة إلى مكة، فلم يلق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه أحدا من المشركين، ووافقوا السوق وكانت معهم تجارات ونفقات ~~فباعوا وأصابوا بالدرهم درهمين، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين، ~~فذلك قوله تعالى: { الذين استجابوا ms0472 لله والرسول } أي ~~أجابوا، ومحل { الذين } خفض على صفة المؤمنين تقديره: إن الله لا ~~يضيع أجر المؤمنين المستجيبين لله والرسول، { من بعد مآ ~~أصبهم القرح } ، أي: (نالتهم الجراح)، تم الكلام هاهنا ثم ~~ابتدأ فقال: { للذين أحسنوا منهم } بطاعة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وإجابته إلى الغزو، { واتقوا } ، معصيته { أجر ~~عظيم }. ### || [3.173-174] # { الذين قال لهم الناس } ومحل { الذين } خفض أيضا ~~مردود على الذين الأول وأراد بالناس: نعيم ابن مسعود، في قول مجاهد ~~وعكرمة فهو من العام الذي أريد به الخاص كقوله تعالى: { أم ~~يحسدون الناس } يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم وحده، وقال ~~محمد بن إسحاق وجماعة: أراد بالناس الركب من عبد القيس، { إن الناس ~~قد جمعوا لكم } ، يعني أبا سفيان وأصحابه، { فاخشوهم } ، ~~فخافوهم واحذروهم، فإنه لا طاقة لكم بهم، { فزادهم إيمنا } ~~تصديقا ويقينا وقوة { وقالوا حسبنا الله } أي: كافينا الله، ~~{ ونعم الوكيل } ، أي: الموكول إليه الأمور، فعيل بمعنى مفعول. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ~~أخبرنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أخبرنا أحمد بن يونس أخبرنا أبو ~~بكر عن أبي حصين عن أبي الضحى عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: { ~~حسبنا الله ونعم الوكيل } قالها إبراهيم حين ألقي في ~~النار وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا: { إن الناس قد ~~جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمنا وقالوا ~~حسبنا الله ونعم الوكيل }. # { فانقلبوا } ، فانصرفوا، { بنعمة من الله } بعافية لم ~~يلقوا عدوا { وفضل } تجارة وربح وهو ما أصابوا في السوق { لم ~~يمسسهم سوء } لم يصبهم أذى ولا مكروه، { واتبعوا ~~رضون الله } في طاعة الله وطاعة رسوله، وذلك أنهم قالوا: هل يكون ~~هذا غزوا فأعطاهم الله ثواب الغزو ورضي عنهم، { والله ذو فضل ~~عظيم }. ### || [3.175-178] # قوله تعالى: { إنما ذلكم الشيطان } ، يعني: الذي قال لكم: ~~{ إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم } ، من فعل ~~الشيطان ألقي في أفواههم ليرهبوهم ويجبنوا عنهم، { يخوف ~~أولياءه } ، أي يخوفكم بأوليائه، وكذلك هو في قراءة أبي بن كعب ~~يعني: يخوف ms0473 المؤمنين بالكافرين، قال السدي: يعظم أولياءه في صدورهم ~~ليخافوهم، يدل عليه قراءة عبد الله بن مسعود { يخوفكم أولياءه } ، { ~~فلا تخافوهم وخافون } ، في ترك أمري { إن كنتم ~~مؤمنين } ، مصدقين بوعدي فإني متكفل لكم بالنصرة والظفر. # قوله عز وجل: { ولا يحزنك } ، قرأ نافع { يحزنك } بضم الياء ~~وكسر الزاي، وكذلك جميع القرآن إلا قوله (لا يحزنهم الفزع الأكبر)، ~~ضده أبو جعفر، وهما لغتان: حزن يحزن وأحزن يحزن، إلا أن اللغة الغالبة ~~حزن يحزن، { الذين يسرعون فى الكفر } ، قال الضحاك: هم ~~كفار قريش، وقال غيره: هم المنافقون يسارعون في الكفر بمظاهرة الكفار. { ~~إنهم لن يضروا الله شيئا } ، بمسارعتهم في الكفر، { ~~يريد الله ألا يجعل لهم حظا فى الآخرة } ، نصيبا ~~في ثواب الآخرة، فلذلك خذلهم حتى سارعوا في الكفر، { ولهم عذاب ~~عظيم }. { إن الذين اشتروا } ، استبدلوا { الكفر ~~بالإيمن لن يضروا الله شيئا } وإنما يضرون أنفسهم، { ~~ولهم عذاب أليم }. # { ولا يحسبن الذين كفروا } ، قرأ حمزة هذا والذي بعده ~~بالتاء فيهما، وقرأ الآخرون بالياء، فمن قرأ بالياء { فالذين } في محل ~~الرفع على الفاعل تقديره ولا يحسبن الكفار إملاءنا لهم خيرا، ومن قرأ ~~بالتاء يعني: ولا تحسبن يا محمد الذين كفروا، وإنما نصب على البدل من ~~الذين، { أنما نملى لهم خير لأنفسهم } ، والإملاء ~~الإمهال والتأخير، يقال: عشت طويلا حميدا وتمليت حينا، ومنه قوله ~~تعالى: # واهجرنى مليا # [مريم: 46] أي: حينا طويلا، ثم ابتدأ فقال: { إنما نملى لهم ~~} ، نمهلهم { ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين }. قال ~~مقاتل: نزلت في مشركي مكة، وقال عطاء في قريظة والنضير. # أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله القفال أنا أبو منصور أحمد بن الفضل ~~البرونجردي أنا أبو أحمد بكر بن محمد بن حمدان الصيرفي أنا محمد ~~بن يونس أنا أبو داود الطيالسي أنا شعبة عن علي بن زيد عن عبد الرحمن بن ~~أبي بكرة عن أبيه قال: # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس خير؟ قال: «من طال ~~عمره وحسن عمله»، قيل: فأي الناس شر؟ قال: «من طال عمره وساء ~~عمله» ". ### || [3.179] # قوله تعالى: ms0474 { ما كان الله ليذر المؤمنين على مآ ~~أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب } ، ~~اختلفوا فيها، فقال الكلبي: قالت قريش: يا محمد تزعم أن من خالفك فهو في ~~النار والله عليه غضبان، وأن من اتبعك على دينك فهو في الجنة، والله ~~عنه راض، فأخبرنا بمن يؤمن بك وبمن لا يؤمن بك، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية. # وقال السدي: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عرضت علي أمتي في صورها في ~~الطين كما عرضت على آدم، وأعلمت من يؤمن بي ومن يكفر بي»، فبلغ ذلك ~~المنافقين، فقالوا استهزاء: زعم محمد أنه يعلم من يؤمن به ومن يكفر ممن ~~لم يخلق بعد، ونحن معه وما يعرفنا، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقام على المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «ما بال أقوام ~~طعنوا في علمي لا تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين الساعة إلا أنبأتكم ~~به»، فقام عبد الله بن حذافة السهمي، فقال: من أبي يارسول الله؟ قال: ~~حذافة، فقام عمر فقال: يا رسول الله رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا ~~وبالقرآن إماما وبك نبيا فاعف عنا عفا الله عنك، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «فهل أنتم منتهون»؟ ثم نزل عن المنبر " # ، فأنزل الله تعالى هذه الآية. واختلفوا في حكم الآية ونظمها، فقال ابن ~~عباس رضي الله عنهما والضحاك ومقاتل والكلبي وأكثر المفسرين: الخطاب ~~للكفار والمنافقين، يعني: { ما كان الله ليذر المؤمنين ~~على مآ أنتم عليه } يا معشر الكفار والمنافقين من الكفر ~~والنفاق { حتى يميز الخبيث من الطيب }. وقال قوم: ~~الخطاب للمؤمنين الذين أخبر عنهم، معناه: وما كان الله ليذركم يا معشر ~~المؤمنين على ما أنتم عليه من التباس المؤمن بالمنافق، فرجع من الخبر إلى ~~الخطاب. { حتى يميز } قرأ حمزة والكسائي ويعقوب بضم الياء ~~والتشديد وكذلك التي في الأنفال، وقرأ الباقون بالخفيف، يقال: ماز الشيء ~~يميزه ميزا وميزه تمييزا إذا فرقه فامتاز، وإنما هو بنفسه، قال أبو ~~معاذ: إذا فرقت بين شيئين، قلت: مزت ميزا فإذا كانت ms0475 أشياء، قلت: ميزتها ~~تمييزا، وكذلك إذا جعلت الشيء الواحد شيئين قلت: فرقت بالتخفيف، ومنه ~~فرق الشعر، فإن جعلته أشياء، قلت: فرقته تفريقا، ومعنى الآية حتى ~~يميز المنافق من المخلص، فميز الله المؤمنين من المنافقين يوم أحد حيث ~~أظهروا النفاق وتخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال قتادة: ~~حتى يميز الكافر من المؤمن بالهجرة والجهاد. وقال الضحاك: { ما كان ~~الله ليذر المؤمنين على مآ أنتم عليه } في ~~أصلاب الرجال وأرحام النساء يا معشر المنافقين والمشركين حتى يفرق بينكم ~~وبين من في أصلابكم وأرحام نسائكم من المؤمنين، وقيل: { حتى يميز ~~الخبيث } وهو المذنب { من الطيب } وهو المؤمن، يعني: حتى يحط ~~الأوزار عن المؤمن بما يصيبه من نكبة ومحنة ومصيبة، { وما كان ~~الله ليطلعكم على الغيب } ، لأنه لا يعلم الغيب أحد ~~غيره، { ولكن الله يجتبى من رسله من يشآء } ~~فيطلعه على بعض علم الغيب، نظيره قوله تعالى: # علم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ~~ارتضى من رسول # [الجن: 26 27]. وقال السدي: معناه وما كان الله ليطلع محمدا صلى ~~الله عليه وسلم على الغيب ولكن الله اجتباه، { فآمنوا بالله ~~ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم }. ### || [3.180] # { ولا يحسبن الذين يبخلون بمآ آتاهم الله من ~~فضله هو خيرا لهم } ، أي: ولا يحسبن الباخلون البخل خيرا ~~لهم، { بل هو } ، يعني: البخل، { شر لهم سيطوقون } ، ~~أي: سوف يطوقون { ما بخلوا به يوم القيمة } ، يعني: ~~يجعل ما منعه من الزكاة حية تطوق في عنقه يوم القيامة تنهشه من فوقه ~~إلى قدمه، وهذا قول ابن مسعود وابن عباس وأبي وائل والشعبي والسدي. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا علي بن عبد الله المديني أنا هاشم بن ~~القاسم أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه عن أبي صالح ~~السمان عن أبي هريرة قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له ms0476 ماله يوم القيامة ~~شجاعا أقرع له زبيبتان، يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه، يعني ~~شدقيه، ثم يقول: أنا مالك أنا كنزك، ثم تلا: { ولا يحسبن ~~الذين يبخلون } الآية ". # أخبرنا عبد الواحد الميلحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا عمرو بن حفص بن غياث أنا أبي أنا الأعمش عن ~~المعرور بن سويد عن أبي ذر رضي الله عنه قال: # انتهيت إليه، يعني النبي صلى الله عليه وسلم قال. # " والذي نفسي بيده أو والذي لا إله غيره أو كما حلف، ما من رجل يكون له ~~إبل أو بقر أو غنم لا يؤدي حقها إلا أتي بها يوم القيامة أعظم ما يكون ~~وأسمنه، تطؤه بأخفافها وتنطحه بقرونها كلما جازت أخراها ردت عليه ~~أولاها حتى يقضى بين الناس ". # قال إبراهيم النخعي: معنى الآية يجعل يوم القيامة في أعناقهم طوقا من ~~النار، قال مجاهد: يكلفون يوم القيامة أن يأتوا بما بخلوا به في الدنيا ~~من أموالهم. وروى عطية عن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في أحبار اليهود ~~الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته، وأراد بالبخل كتمان ~~العلم كما قال في سورة النساء # الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ~~ويكتمون مآ آتاهم الله من فضله # [النساء: 37]. ومعنى قوله: «سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة» أي: ~~يحملون وزره وإثمه، كقوله تعالى: # وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم # [الأنعام: 31]. { ولله ميراث السماوات والأرض } ، يعني: ~~أنه الباقي الدائم بعد فناء خلقه وزوال أملاكهم فيموتون ويرثهم، نظيره ~~قوله تعالى: # إنا نحن نرث الأرض ومن عليها # [مريم: 40] { والله بما تعملون خبير } قرأ أهل البصرة ~~ومكة يعملون بالياء، وقرأ الآخرون بالتاء. ### || [3.181] # قوله تعالى: { لقد سمع الله قول الذين قالوا إن ~~الله فقير ونحن أغنيآء } قال الحسن ومجاهد: لما نزلت: { ~~من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا } قالت اليهود: إن ~~الله فقير استقرض منا ونحن أغنياء، وذكر الحسن: أن قائل هذه المقالة حيي ~~بن أخطب. # وقال عكرمة والسدي ومقاتل ومحمد بن ms0477 إسحاق: كتب النبي صلى الله عليه ~~وسلم مع أبي بكر رضي الله عنه إلى يهود بني قينقاع يدعوهم إلى الإسلام ~~أو إلى إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن يقرضوا الله قرضا حسنا، فدخل أبو ~~بكر رضي الله عنه ذات يوم بيت مدارسهم فوجد ناسا كثيرا من اليهود قد ~~اجتمعوا إلى رجل منهم، يقال له فنحاص بن عازوراء وكان من علمائهم، ومعه ~~حبر آخر يقال له أشيع. فقال أبو بكر لفنحاص: اتق الله وأسلم فوالله إنك ~~لتعلم أن محمدا رسول الله قد جاءكم بالحق من عند الله تجدونه مكتوبا ~~عندكم في التوراة، فآمن وصدق وأقرض الله قرضا حسنا يدخلك ~~الجنة، ويضاعف لك الثواب. فقال فنحاص: يا أبا بكر تزعم أن ربنا ~~يستقرض أموالنا وما يستقرض إلا الفقير من الغني؟ فإن كان ما تقول حقا ~~فإن الله إذا لفقير ونحن أغنياء، وأنه ينهاكم عن الربا ويعطينا، ولو كان ~~غنيا ما أعطانا الربا. فغضب أبو بكر رضي الله عنه وضرب وجه فنحاص ضربة ~~شديدة، وقال: والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت ~~عنقك يا عدو الله، فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: يا محمد انظر ما صنع بي صاحبك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لأبي بكر رضي الله عنه: # " ما حملك على ما صنعت " # ؟ فقال: يا رسول الله إن عدوالله قال قولا عظيما زعم أن الله فقير ~~وأنهم أغنياء، فغضبت لله فضربت وجهه، فجحد ذلك فنحاص فأنزل الله تعالى ~~ردا على فنحاص وتصديقا لأبي بكر رضي الله عنه: { لقد سمع ~~الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن ~~أغنيآء }. # { سنكتب ما قالوا } ، من الإفك والفرية على الله (فنجازيهم ~~به)، وقال مقاتل: سيحفظ عليهم، وقال الواقدي: سنأمر الحفظة بالكتابة، ~~نظيره قوله تعالى: (وإنا له كاتبون)، { وقتلهم الأنبياء ~~بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق } ، قرأ حمزة { ~~سيكتب } بضم الياء، { وقتلهم } برفع اللام { ويقول } بالياء، و { ~~ذوقوا عذاب الحريق } أي: النار، وهو بمعنى المحرق، كما يقال: { ~~لهم عذاب أليم ms0478 } ، أي: مؤلم. ### || [3.182-183] # { ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس ~~بظلام للعبيد } ، فيعذب بغير ذنب. # قوله تعالى: { الذين قالوا إن الله عهد إلينا } ~~الآية، قال الكلبي: نزلت في كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف ووهب بن يهوذا ~~وزيد بن التابوت وفنحاص بن عازوراء وحيي بن أخطب أتوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقالوا: يا محمد تزعم أن الله تعالى بعثك إلينا رسولا وأنزل ~~عليك الكتاب وأن الله تعالى قد عهد إلينا في التوراة { ألا نؤمن ~~لرسول } ، يزعم أنه جاء من عند الله، { حتى يأتينا ~~بقربان تأكله النار } ، فإن جئتنا به صدقناك؛ قال فأنزل ~~الله تعالى: { الذين قالوا } أي: سمع الله قول الذين قالوا، ومحل ~~{ الذين } خفض ردا على { الذين } الأول، { إن الله ~~عهد إلينا } أي: أمرنا وأوصانا في كتبه أن لا نؤمن برسول، أي: لا ~~نصدق رسولا يزعم أنه جاء من عند الله حتى يأتينا بقربان تأكله النار ~~فيكون دليلا على صدقه، والقربان: كل ما يتقرب به العبد إلى الله تعالى ~~من نسيكة وصدقة وعمل صالح، فعلان من القربة، وكانت القرابين ~~والغنائم لا تحل لبني إسرائيل، وكانوا إذا قربوا قربانا أو غنموا غنيمة ~~جاءت نار بيضاء من السماء لا دخان لها، ولها دوي وحفيف، فتأكله وتحرق ~~ذلك القربان وتلك الغنيمة فيكون ذلك علامة القبول، وإذا لم يقبل بقيت ~~على حالها. # وقال السدي: إن الله تعالى أمر بني إسرائيل من جاءكم يزعم أنه رسول ~~الله فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار حتى يأتيكم المسيح ومحمد، ~~فإذا أتياكم فآمنوا بهما، فإنهما يأتيان بغير قربان، قال الله تعالى ~~إقامة للحجة عليهم، { قل } يا محمد { قد جآءكم } يا معشر اليهود ~~{ رسل من قبلى بالبينت وبالذى قلتم } ، من ~~القربان { فلم قتلتموهم }؟ يعني: زكريا ويحيى وسائر من قتلوا ~~من الأنبياء، وأراد بذلك أسلافهم فخاطبهم بذلك لأنهم رضوا بفعل أسلافهم { ~~إن كنتم صادقين } ، معناه تكذيبهم مع علمهم بصدقك، كقتل آبائهم ~~الأنبياء، مع الإتيان بالقربان والمعجزات، ثم قال معزيا لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم: { فإن كذبوك فقد ms0479 كذب رسل.... } ### || [3.184-185] # { فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جآءوا ~~بالبينات والزبر } ، قرأ ابن عامر { وبالزبر } أي: بالكتب ~~المزبورة، يعني: المكتوبة، واحدها زبور مثل: رسول ورسل، { والكتب ~~المنير } ، الواضح المضيء. # قوله عز وجل: { كل نفس } ، منفوسة، { ذآئقة الموت } ، # وفي الحديث: # " لما خلق الله تعالى آدم اشتكت الأرض إلى ربها لما أخذ منها، فوعدها ~~أن يرد فيها ما أخذ منها، فما من أحد إلا يدفن في التربة التي خلق منها ~~". # { وإنما توفون أجوركم } ، توفون جزاء أعمالكم، { يوم ~~القيمة } إن خيرا فخير وإن شرا فشر، { فمن زحزح } ، ~~نجي وأزيل، { عن النار وأدخل الجنة فقد فاز } ظفر ~~بالنجاة ونجا من الخوف، { وما الحيوة الدنيا إلا متع ~~الغرور } ، يعني منفعة ومتعة كالفأس والقدر والقصعة، ثم تزول ولا ~~تبقى. وقال الحسن: كخضرة النبات ولعب البنات لا حاصل له. قال قتادة: هي ~~متاع متروكة يوشك أن تضمحل بأهلها، فخذوا من هذا المتاع بطاعة الله ما ~~استطعتم، والغرور: الباطل. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري ~~أنا حاجب بن أحمد الطوسي أخبرنا محمد بن يحيى أخبرنا يزيد بن هارون ~~أخبرنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن ~~سمعت ولا خطر على قلب بشر، واقرؤوا إن شئتم { فلا تعلم نفس ~~مآ أخفي لهم من قرة أعين جزآء بما كانوا ~~يعملون } [السجدة: 17]، وإن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها ~~مائة عام لا يقطعها، واقرؤوا إن شئتم: { وظل ممدود } [الواقعة: ~~30] ولموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما عليها، واقرؤوا إن شئتم { ~~فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا ~~إلا متاع الغرور } ". ### || [3.186] # { لتبلون في أموالكم وأنفسكم } الآية. # قال عكرمة ومقاتل والكلبي وابن جريج: نزلت الآية في أبي بكر وفنحاص بن ~~عازوراء، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر إلى ms0480 فنحاص بن ~~عازوراء سيد بني قينقاع ليستمده، وكتب إليه كتابا وقال لأبي بكر رضي ~~الله عنه: # " لا تفتاتن علي بشيء حتى ترجع " # ، فجاء أبو بكر رضي الله عنه وهو متوشح بالسيف فأعطاه الكتاب، فلما قرأه ~~قال: قد احتاج ربك إلى أن نمده، فهم أبو بكر رضي الله عنه أن يضربه ~~بالسيف، ثم ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تفتاتن علي بشيء ~~حتى ترجع»، فكف فنزلت هذه الآية. # وقال الزهري: نزلت في كعب بن الأشرف فإنه كان يهجو رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ويسب المسلمين، ويحرض المشركين على النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه، في شعره ويشبب بنساء المسلمين، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «من لي بابن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله»؟. فقال محمد بن ~~مسلمة الأنصاري: أنا لك يا رسول الله، أنا أقتله، قال: «فافعل إن قدرت ~~على ذلك». فرجع محمد بن مسلمة فمكث ثلاثا لا يأكل ولا يشرب إلا ما تعلق ~~به نفسه، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاه، وقال له: لم ~~تركت الطعام والشراب؟ قال: يا رسول الله قلت قولا ولا أدري هل أفي به ~~أم لا، فقال: إنما عليك الجهد. فقال: يا رسول الله إنه لا بد لنا من أن ~~نقول، قال: قولوا ما بدا لكم فأنتم في حل من ذلك، فاجتمع في قتله محمد ~~بن مسلمة وسلكان بن سلام وأبو نائلة، وكان أخا كعب من الرضاعة، وعباد ~~بن بشر والحارث بن أوس وأبو عيسى بن جبير، فمشى معهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى بقيع الغرقد ثم وجههم، وقال: «انطلقوا على اسم الله ~~اللهم أعنهم»، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك في ليلة ~~مقمرة. فأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه فقدموا أبا نائلة فجاءه فتحدث معه ~~ساعة وتناشدا الشعر، وكان أبو نائلة يقول الشعر، ثم قال: ويحك يا بن ~~الأشرف إني قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك فاكتم علي، قال: أفعل، قال: ~~كان قدوم هذا ms0481 الرجل بلادنا بلاء، عادتنا العرب ورمونا عن قوس واحدة، ~~وانقطعت عنا السبل حتى ضاعت العيال وجهدت الأنفس، فقال كعب: أنا ابن ~~الأشرف أما والله لقد كنت أخبرتك يا بن سلامة أن الأمر سيصير إلى هذا، ~~فقال أبو نائلة: إن معي أصحابا أردنا أن تبيعنا طعامك ونرهنك ونوثق ~~لك وتحسن في ذلك، قال: أترهنوني أبناءكم، قال: إنا نستحي إن يعير ~~أبناؤنا فيقال هذا رهينة وسق، وهذا رهينة وسقين، قال: ترهنوني ~~نساءكم، قالوا: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب ولا نأمنك، وأية ~~امرأة تمتنع منك لجمالك؟ ولكنا نرهنك الحلقة، يعني: السلاح، وقد علمت ~~حاجتنا إلى السلاح، قال: نعم، وأراد أبو نائلة أن لا ينكر السلاح إذا رآه ~~فوعده أن يأتيه فرجع أبو نائلة إلى أصحابه فأخبرهم خبره. # فأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه ليلا، فهتف به أبو نائلة وكان حديث عهد ~~بعرس، فوثب من ملحفته، فقالت امرأته: أسمع صوتا يقطر منه الدم، وإنك رجل ~~محارب، وإن صاحب الحرب لا ينزل في مثل هذه الساعة فكلمهم من فوق ~~الحصن، فقال: إنما هو أخي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة وإن هؤلاء لو ~~وجدوني نائما ما أيقظوني، وإن الكريم إذا دعي إلى طعنة بليل أجاب، فنزل ~~إليهم فتحدث معهم ساعة ثم قالوا: يا بن الأشرف هل لك إلى أن نتماشى إلى ~~شعب العجوز نتحدث فيه بقية ليلتنا هذه؟ قال: إن شئتم؟ فخرجوا يتماشون، ~~وكان أبو نائلة قال: لأصحابه إني فاتل شعره فأشمه فإذا رأيتموني استمكنت ~~من رأسه فدونكم فاضربوه، ثم إنه شام يده في فود رأسه ثم شم يده، ~~فقال: ما رأيت كالليلة طيب عروس قط، قال: إنه طيب أم فلان يعني امرأته، ~~ثم مشى ساعة ثم عاد لمثلها حتى اطمأن ثم مشى ساعة فعاد لمثلها ثم أخذ ~~بفودي رأسه حتى استمكن ثم قال: اضربوا عدو الله فاختلفت عليه أسيافهم ~~فلم تغن شيئا، قال محمد بن مسلمة فذكرت مغولا في سيفي فأخذته، وقد صاح ~~عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن إلا أوقدت عليه نار، ms0482 قال فوضعته في ~~ثندوته ثم تحاملت عليه حتى بلغ عانته، ووقع عدو الله، وقد أصيب الحارث ~~بن أوس بجرح في رأسه أصابه بعض أسيافنا، قال: فخرجنا وقد أبطأ علينا ~~صاحبنا الحارث ونزفه الدم، فوقفنا له ساعة ثم أتانا يتبع آثارنا ~~فاحتملناه فجئنا به رسول الله آخر الليل وهو قائم يصلي فسلمنا عليه فخرج ~~إلينا فأخبرناه بقتل كعب وجئنا برأسه إليه، وتفل على جرح صاحبنا. فرجعنا ~~إلى أهلنا فأصبحنا وقد خافت يهود وقعتنا بعدو الله، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه»، فوثب محيصة ~~بن مسعود على سنينة رجل من تجار اليهود كان يلابسهم ويبايعهم فقتله، ~~وكان حويصة بن مسعود إذ ذاك لم يسلم وكان أسن من محيصة فلما ~~قتله، جعل حويصة يضربه ويقول: أي عدو الله قتلته أما والله لرب شحم ~~في بطنك من ماله. قال محيصة: والله لو أمرني بقتلك من أمرني بقتله لضربت ~~عنقك، قال: لو أمرك محمد بقتلي لقتلتني؟ قال: نعم، والله إن دينا بلغ ~~بك هذا لعجب؟! فأسلم حويصة، # وأنزل الله تعالى في شأن كعب: { لتبلون } لتختبرن، اللام ~~للتأكيد، وفيه معنى القسم، والنون لتأكيد القسم { فى أمولكم } ~~بالجوائح والعاهات والخسران { وأنفسكم } بالأمراض، وقيل: بمصائب ~~الأقارب والعشائر، قال عطاء: هم المهاجرون أخذ المشركون أموالهم ~~ورباعهم وعذبوهم، وقال الحسن: هو ما فرض عليهم في أموالهم وأنفسهم ~~من الحقوق، كالصلاة والصيام والحج والجهاد والزكاة، { ولتسمعن ~~من الذين أوتوا الكتب من قبلكم } يعني: اليهود ~~والنصارى، { ومن الذين أشركوا } ، يعني: مشركي العرب، { ~~أذى كثيرا وإن تصبروا } على أذاهم { وتتقوا } ، الله، ~~{ فإن ذلك من عزم الأمور } ، من حق الأمور وخيرها، وقال ~~عطاء: من حقيقة الإيمان. ### || [3.187] # { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ~~لتبيننه للناس ولا تكتمونه } ، قرأ ابن كثير وأهل ~~البصرة وأبو بكر بالياء فيهما، لقوله تعالى: { فنبذوه ورآء ~~ظهورهم } ، وقرأ الآخرون بالتاء فيها على إضمار القول، { ~~فنبذوه ورآء ظهورهم } ، أي: طرحوه وضيعوه وتركوا العمل به، ~~{ واشتروا به ثمنا قليلا } ، يعني: المآكل والرشا، { ~~فبئس ms0483 ما يشترون } ، قال قتادة: هذا ميثاق أخذه الله تعالى على ~~أهل العلم فمن علم شيئا فليعلمه، وإياكم وكتمان العلم فإنه هلكة. # وقال أبو هريرة رضي الله عنه: لولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ما ~~حدثتكم بشيء، ثم تلا هذه الآية { وإذ أخذ الله ميثق ~~الذين أوتوا الكتب } الآية. حدثنا أبو الفضل زياد بن محمد ~~الحنفي أخبرنا أبو معاذ الشاه بن عبد الرحمن أخبرنا أبو بكر عمر ابن سهل ~~بن إسماعيل الدينوري أخبرنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي أخبرنا أبو ~~حذيفة موسى بن مسعود أخبرنا إبراهيم بن طهمان عن سماك بن حرب عن عطاء بن ~~أبي رباح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار ~~". # وقال الحسن بن عمارة: أتيت الزهري بعد أن ترك الحديث فألفيته على بابه، ~~فقلت: إن رأيت أن تحدثني؟ فقال: أما علمت أني قد تركت الحديث؟ فقلت: ~~إما أن تحدثني وما أن أحدثك، فقال: حدثني، فقلت: حدثني الحكم بن عتيبة ~~عن يحيى بن الجزار قال: سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: ما ~~أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن ~~يعلموا، قال: فحدثني أربعين حديثا. ### || [3.188] # قوله: { لا تحسبن الذين يفرحون بمآ أتوا } الآية، ~~قرأ عاصم وحمزة والكسائي { لا تحسبن } بالتاء، أي: لا تحسبن يا ~~محمد الفارحين، وقرأ الآخرون بالياء { لا يحسبن } الفارحون فرحهم ~~منجيا لهم من العذاب (فلا يحسبنهم)، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: بالياء ~~وضم الباء خبرا عن الفارحين، أي فلا يحسبن أنفسهم، وقرأ الآخرون ~~بالتاء وفتح الباء، أي: فلا تحسبنهم يا محمد، وأعاد قوله { فلا ~~تحسبنهم } تأكيدا، وفي حرف عبد الله بن مسعود { ولا يحسبن ~~الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا بمفازة من ~~العذاب } من غير تكرار. واختلفوا فيمن نزلت هذه الآية. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد ms0484 الله النعيمي أنا ~~محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا سعيد بن أبي مريم أنا محمد بن جعفر ~~حدثني زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري: # أن رجالا من المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا ~~إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه وفرحوا ~~بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا قدم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، ~~فنزلت { لا تحسبن الذين يفرحون بمآ أتوا } الآية. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا إبراهيم بن موسى أنا هشام أن ابن جريج ~~أخبرهم: أخبرني ابن أبي مليكة أن علقمة بن وقاص أخبره أن مروان قال ~~لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقل له: لئن كان كل ~~امرىء فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعون، ~~فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه إنما دعا النبي صلى الله عليه وسلم يهود ~~فسألهم عن شيء فكتموه إياه فأخبروه بغيره فأروه أن قد استحمدوا إليه ~~بما أخبروه عنه فيما سألهم، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم، ثم قرأ ابن عباس ~~رضي الله عنهما { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا ~~الكتاب } كذلك حتى قوله: { يفرحون بمآ أتوا ~~ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا }. # قال عكرمة: نزلت في فنحاص وأشيع وغيرهما من الأحبار يفرحون بإضلالهم ~~الناس وبنسبة الناس إياهم إلى العلم وليسوا بأهل العلم. وقال مجاهد: هم ~~اليهود فرحوا بإعجاب الناس بتبديلهم الكتاب وحمدهم إياهم عليه. وقال ~~سعيد بن جبير: هم اليهود فرحوا بما أعطى الله آل إبراهيم وهم برآء من ~~ذلك. # وقال قتادة ومقاتل: أتت يهود خيبر نبي الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا: نحن نعرفك ونصدقك وإنا على رأيكم ونحن لكم ردء، وليس ذلك في ~~قلوبهم، فلما خرجوا قال لهم المسلمون: ما ms0485 صنعتم؟ قالوا: عرفناه وصدقناه، ~~فقال لهم المسلمون: أحسنتم هكذا فافعلوا، فحمدوهم ودعوا لهم، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية، # وقال: { يفرحون بمآ أتوا } قال الفراء بما فعلوا، كما قال ~~الله تعالى: # لقد جئت شيئا فريا # [مريم: 27] أي: فعلت، { ويحبون أن يحمدوا بما لم ~~يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة } ، بمنجاة، { من ~~العذاب ولهم عذاب أليم }. ### || [3.189-190] # { ولله ملك السموت والأرض } ، يصرفها كيف يشاء، { ~~والله على كل شىء قدير }. # { إن فى خلق السموت والأرض واختلف الليل ~~والنهار لآيت لأولى الألبب } ، أخبرنا الإمام أبو علي ~~الحسين بن محمد القاضي أنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسين الإسفرايني أنا ~~أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الحافظ أنا أحمد بن عبد الجبار أنا ابن فضيل عن ~~حصين بن عبد الرحمن عن حبيب بن أبي ثابت عن محمد بن علي بن عبد الله بن ~~عباس عن أبيه عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما # " أنه رقد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآه استيقظ فتسوك ثم ~~توضأ وهو يقول: { إن فى خلق السموت والأرض } حتى ختم ~~السورة، ثم قام فصلى ركعتين فأطال فيهما القيام والركوع والسجود، ثم ~~انصرف فنام حتى نفخ ثم فعل ذلك ثلاث مرات ست ركعات كل ذلك يستاك، ثم ~~يتوضأ ثم يقرأ هؤلاء الآيات، ثم أوتر بثلاث ركعات ثم أتاه المؤذن فخرج ~~إلى الصلاة وهو يقول: # «اللهم اجعل في بصري نورا وفي سمعي نورا وفي لساني نورا واجعل خلفي ~~نورا وأمامي نورا واجعل من فوقي نورا ومن تحتي نورا، اللهم أعطني ~~نورا» " # ورواه كريب عن ابن عباس رضي الله عنهما، وزاد: # " اللهم اجعل في قلبي نورا وفي بصري نورا وفي سمعي نورا وعن يميني ~~نورا وعن يساري نورا " # قوله تعالى: { لآيت لأولى الألبب } ذوي العقول، ثم وصفهم، ~~فقال: { الذين يذكرون الله قياما وقعودا... }. ### || [3.191-192] # { الذين يذكرون الله قيما وقعودا وعلى ~~جنوبهم } ، قال علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهم والنخعي ~~وقتادة: هذا في الصلاة يصلي قائما فإن لم يستطع فقاعدا فإن لم ms0486 يستطع ~~فعلى جنب. # أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن ~~محمد الجراحي أنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي أخبرنا أبو عيسى محمد ~~بن عيسى الترمذي أنا هناد أنا وكيع عن إبراهيم بن طهمان عن حسين المعلم ~~عن عبد الله بن بريدة عن عمران بن حصين قال # سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة المريض، فقال: # " صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب ". # وقال سائر المفسرين أراد به المداومة على الذكر في عموم الأحوال لأن ~~الإنسان قل ما يخلو من إحدى هذه الحالات الثلاث، نظيره في سورة النساء # فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما ~~وقعودا وعلى جنوبكم # [النساء: 103]، { ويتفكرون فى خلق السموت ~~والأرض } ، وما أبدع فيهما ليدلهم ذلك على قدرة الله ويعرفوا أن ~~لها صانعا قادرا مدبرا حكيما، قال ابن عون: الفكرة تذهب الغفلة وتحدث ~~للقلب الخشية كما يحدث الماء للزرع النبات، وما جليت القلوب بمثل ~~الأحزان، ولا استنارت بمثل الفكرة، { ربنا } أي: ويقولون ربنا { ما ~~خلقت هذا } رده إلى الخلق فلذلك لم يقل هذه، { بطلا } ، أي: ~~عبثا وهزلا بل خلقته لأمر عظيم، وانتصب الباطل بنزع الخافض، أي: ~~بالباطل، { سبحنك فقنا عذاب النار }. # { ربنآ إنك من تدخل النار فقد أخزيته } ، أي: ~~أهنته، وقيل: أهلكته، وقيل: فضحته، لقوله تعالى: # ولا تخزون في ضيفي # [هود: 78] فإن قيل: قد قال الله تعالى: # يوم لا يخزى الله النبي والذين آمنوا معه # [التحريم: 8]، ومن أهل الإيمان من يدخل النار، وقد قال: { إنك من ~~تدخل النار فقد أخزيته } ، قيل: قال أنس وقتادة معناه: ~~إنك من تخلد في النار فقد أخزيته، وقال سعيد بن المسيب هذه خاصة لمن لا ~~يخرج منها. # فقد روى أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " أن الله يدخل قوما النار ثم يخرجون منها ". # { وما للظلمين من أنصر }. ### || [3.193-195] # { ربنآ إننآ سمعنا مناديا } يعني: محمدا صلى الله ~~عليه وسلم، قاله ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما، وأكثر ms0487 الناس، وقال ~~القرظي: يعني القرآن، فليس كل أحد يلقى النبي صلى الله عليه وسلم، { ~~ينادى للإيمن } ، أي: إلى الإيمان، { أن ءامنوا ~~بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر ~~عنا سيئتنا وتوفنا مع الأبرار } ، أي: في جملة ~~الأبرار. # { ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك } ، أي: على ~~ألسنة رسلك، { ولا تخزنا } ، ولا تعذبنا ولا تفضحنا ولا ~~تهنا، { يوم القيمة إنك لا تخلف الميعاد }. فإن ~~قيل: ما وجه قولهم: { ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ~~} ، وقد علموا أن الله لا يخلف الميعاد؟ قيل: لفظه دعاء ومعناه خبر، أي: ~~لتؤتينا ما وعدتنا على رسلك، تقديره: { فاغفر لنا ذنوبنا ~~وكفر عنا سيئتنا } { ولا تخزنا يوم ~~القيمة } لتؤتينا ما وعدتنا على رسلك من الفضل والرحمة، ~~وقيل: معناه ربنا واجعلنا ممن يستحقون ثوابك وتؤتيهم ما وعدتهم على ~~ألسنة رسلك لأنهم لم يتيقنوا استحقاقهم لتلك الكرامة، فسألوه أن ~~يجعلهم مستحقين لها، وقيل: إنما سألوه تعجيل ما وعدهم من النصر على ~~الأعداء، قالوا: قد علمنا أنك لا تخلف، ولكن لا صبر لنا على حلمك ~~فعجل خزيهم وانصرنا عليهم. # قوله تعالى: { فاستجاب لهم ربهم أني } أي: بأني: { لا ~~أضيع } ، لا أحبط، { عمل عامل منكم } ، أيها المؤمنون { ~~من ذكر أو أنثى }. # قال مجاهد: قالت أم سلمة يا رسول الله إني أسمع الله يذكر الرجال في ~~الهجرة ولا يذكر النساء فأنزل صلى الله عليه وسلم تعالى هذه الآية، { ~~بعضكم من بعض }. # قال الكلبي: في الدين والنصرة والموالاة، وقيل: كلكم من آدم وحواء، وقال ~~الضحاك: رجالكم شكل نسائكم ونساؤكم شكل رجالكم في الطاعة، كما قال: # والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليآء بعض # [التوبة: 71]. { فالذين هجروا وأخرجوا من ~~ديرهم وأوذوا فى سبيلى } ، أي: في طاعتي وديني، وهم ~~المهاجرون الذين أخرجهم المشركون من مكة، { وقتلوا وقتلوا }. # قرأ ابن عامر وابن كثير { قتلوا } ، بالتشديد، وقال الحسن: يعني أنهم ~~قطعوا في المعركة، والآخرون بالتخفيف، وقرأ أكثر القراء: { وقتلوا ~~وقتلوا } يريد أنهم قاتلوا العدو ثم انهم قتلوا، وقرأ حمزة ~~والكسائي { قتلوا وقاتلوا } وله وجهان، أحدهما: معناه وقاتل من بقي منهم، ms0488 ~~ومعنى قوله { وقتلوا } أي: قتل بعضهم، تقول العرب قتلنا بني فلان ~~وإنما قتلوا بعضهم، والوجه الآخر { وقتلوا } وقد قاتلوا، { ~~لأكفرن عنهم سيئتهم ولأدخلنهم جنت ~~تجرى من تحتها الأنهر ثوابا من عند الله } ، نصب ~~على القطع قاله الكسائي، وقال المبرد: مصدر، أي: لأثيبنهم ثوابا، { ~~والله عنده حسن الثواب }. ### || [3.196-198] # قوله عز وجل: { لا يغرنك تقلب الذين كفروا في ~~البلاد } ، نزلت في المشركين، وذلك أنهم كانوا في رخاء ولين من العيش ~~يتجرون ويتنعمون، فقال بعض المؤمنين: إن أعداء الله تعالى فيما نرى من ~~الخير، ونحن في الجهد؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية { لا يغرنك ~~تقلب الذين كفروا في البلاد } ، وضربهم في الأرض ~~وتصرفهم في البلاد للتجارات وأنواع المكاسب، فالخطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم والمراد منه غيره. # { متاع قليل } ، أي: هو متاع قليل، وبلغة فانية ومتعة ~~زائلة، { ثم مأواهم } ، مصيرهم، { جهنم وبئس ~~المهاد } ، الفراش. # { لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا } ، جزاء وثوابا، { ~~من عند الله } ، نصب على التفسير، وقيل: جعل ذلك نزلا، { وما ~~عند الله خير للأبرار } ، من متاع الدنيا. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا عبد العزيز بن عبد الله أنا سليمان بن بلال ~~عن يحيى بن سعيد عن عبيد بن حنين أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما ~~قال: # " قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: # جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشربة وإنه لعلى حصير ~~ما بينه وبينه شيء، وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف، وإن عند رجليه ~~قرظا مصبورا وعند رأسه أهب معلقة فرأيت أثر الحصير في جنبه، فبكيت ~~فقال: ما يبكيك؟ فقلت: يا رسول الله إن كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت ~~رسول الله؟ فقال: «أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة»؟ ". ### || [3.199] # قوله عز وجل: { وإن من أهل الكتب لمن يؤمن ~~بالله } الآية. # قال ابن عباس وجابر وأنس وقتادة: # " نزلت في ms0489 النجاشي ملك الحبشة، واسمه أصحمة وهو بالعربية عطية، وذلك أنه ~~لما مات نعاه جبريل عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~اليوم الذي مات فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ~~«اخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم، النجاشي» فخرج إلى البقيع ~~وكشف له إلى أرض الحبشة فأبصر سرير النجاشي وصلى عليه وكبر أربع ~~تكبيرات، واستغفر له، فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على علج ~~حبشي نصراني لم يره قط، وليس على دينه " # ، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال عطاء: نزلت في أهل نجران أربعين ~~رجلا [من بني حارث بن كعب]، اثنين وثلاثين من أرض الحبشة وثمانية من ~~الروم، كانوا على دين عيسى عليه السلام، فآمنوا بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم، وقال ابن جريج: نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه. وقال مجاهد: ~~نزلت في مؤمني أهل الكتاب كلهم، { وإن من أهل الكتب لمن ~~يؤمن بالله } ، { ومآ أنزل إليكم } ، يعني: القرآن، { ~~ومآ أنزل إليهم } ، يعني: التوراة والإنجيل، { خشعين ~~لله } خاضعين متواضعين لله، { لا يشترون بآيت الله ~~ثمنا قليلا } ، يعني: لا يحرفون كتبهم ولا يكتمون صفة محمد ~~صلى الله عليه وسلم لأجل الرياسة والمأكلة، كفعل غيرهم من رؤساء اليهود، ~~{ أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع ~~الحساب }. ### || [3.200] # قوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا اصبروا ~~وصابروا ورابطوا } ، قال الحسن: اصبروا على دينكم ولا تدعوه ~~لشدة ولا رخاء، وقال قتادة: اصبروا على طاعة الله. وقال الضحاك ومقاتل ~~بن سليمان: على أمر الله. وقال مقاتل بن حيان: على أداء فرائض الله ~~تعالى، وقال زيد بن أسلم: على الجهاد. وقال الكلبي: على البلاء، وصابروا ~~يعني: الكفار، ورابطوا يعني: المشركين، قال أبو عبيدة، أي داوموا ~~واثبتوا، والربط الشد، وأصل الرباط أن يربط هؤلاء خيولهم، وهؤلاء ~~خيولهم، ثم قيل: ذلك لكل مقيم في ثغر يدفع عمن وراءه، وإن لم يكن له ~~مركب. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا ~~محمد بن يوسف أنا ms0490 محمد بن إسماعيل أنا عبد الله بن منير سمع أبا النضر ~~أنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبي حازم عن سهل ابن سعد ~~الساعدي: # أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط ~~أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل ~~الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها ". # أخبرنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني أخبرنا أبو محمد محمد بن علي بن ~~محمد بن شريك الشافعي أخبرنا عبد الله بن محمد بن مسلم أبو بكر ~~الجوربذي أنا يونس بن عبد الأعلى أنا ابن وهب أخبرني عبد الرحمن بن ~~شريح، عن عبد الكريم بن الحارث، عن أبي عبيدة بن عقبة عن شرحبيل بن ~~السمط عن سلمان الخير: # أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من رابط يوما وليلة في سبيل الله كان له أجر صيام شهر مقيم، ومن ~~مات مرابطا جرى له مثل ذلك الأجر، وأجري عليه الرزق، وأمن من ~~الفتان " # وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ~~غزو يرابط فيه، ولكنه انتظار الصلاة خلف الصلاة، ودليل هذا التأويل ما ~~أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي أنا زاهر بن أحمد الفقيه أنا أبو ~~إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن العلاء بن ~~عبد الرحمن، عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه: # أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ألا أخبركم بما يمحو الله الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء ~~على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، ~~فذلكم الرباط فذلكم الرباط " # { واتقوا الله لعلكم تفلحون } ، قال بعض أرباب ~~اللسان: اصبروا على النعماء وصابروا على البأساء والضراء ورابطوا في ~~دار الأعداء واتقوا إله الأرض والسماء لعلكم تفلحون في دار البقاء. ### | [4 - سورة النساء] ### || [4.1-2] # قوله تعالى: { يأيها الناس اتقوا ربكم الذي ~~خلقكم من ms0491 نفس واحدة } ، يعني: آدم عليه السلام، { ~~وخلق منها زوجها } ، يعني: حواء، { وبث منهما } ، نشر ~~وأظهر، { رجالا كثيرا ونسآء واتقوا الله الذى ~~تسآءلون به } ، أي: تتساءلون به، وقرأ أهل الكوفة بتخفيف السين ~~على حذف إحدى التاءين، كقوله تعالى: (ولا تعاونوا)، { والأرحام ~~} ، قراءة العامة بالنصب، أي: واتقوا الأرحام أن تقطعوها، وقرأ حمزة ~~بالخفض، أي: به وبالأرحام كما يقال: سألتك بالله والأرحام، والقراءة ~~الأولى أفصح لأن العرب لا تكاد تنسق بظاهر على مكنى إلا أن تعيد ~~الخافض فتقول: مررت به وبزيد، إلا أنه جائز مع قلته، { إن الله ~~كان عليكم رقيبا } ، أي: حافظا. # قوله تعالى: { وءاتوا اليتمى أمولهم } ، قال مقاتل ~~والكلبي: # " نزلت في رجل من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ ~~اليتيم طلب المال فمنعه عمه فترافعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فنزلت هذه الآية، فلما سمعها العم قال: أطعنا الله وأطعنا الرسول نعوذ ~~بالله من الحوب الكبير، فدفع إليه ماله فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «من يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا فإنه يحل داره» يعني: ~~جنته، فلما قبض الفتى ماله أنفق في سبيل الله، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «ثبت الأجر وبقي الوزر» فقالوا: كيف بقي الوزر؟ فقال: «ثبت ~~الأجر للغلام وبقي الوزر على والده» ". # وقوله: { وءاتوا } خطاب للأولياء والأوصياء، واليتامى: جمع يتيم، ~~واليتيم: اسم لصغير لا أب له ولا جد، وإنما يدفع المال إليهم بعد ~~البلوغ، وسماهم يتامى هاهنا على معنى أنهم كانوا يتامى. { ولا ~~تتبدلوا } أي: لا تستبدلوا، { الخبيث بالطيب } ، أي: ~~مالهم الذي هو حرام عليكم بالحلال من أموالكم، واختلفوا في هذا التبدل، ~~قال سعيد بن المسيب والنخعي والزهري والسدي: كان أولياء اليتامى يأخذون ~~الجيد من مال اليتيم ويجعلون مكانه الرديء، فربما كان أحدهم يأخذ الشاة ~~السمينة من مال اليتيم ويجعل مكانها المهزولة، ويأخذ الدرهم الجيد ويجعل ~~مكانه الزيف، ويقول: درهم بدرهم، فنهوا عن ذلك. وقيل: كان أهل الجاهلية ~~لا يورثون النساء والصبيان ويأخذ الأكبر الميراث، فنصيبه من الميراث ~~طيب، وهذا ms0492 الذي يأخذه خبيث، وقال مجاهد: لا تتعجل الرزق الحرام قبل أن ~~يأتيك الحلال. { ولا تأكلوا أمولهم إلى أمولكم ~~} ، أي: مع أموالكم، كقوله تعالى: (من أنصاري إلى الله) أي: مع الله، { ~~إنه كان حوبا كبيرا } أي: إثما عظيما. ### || [4.3] # وقوله تعالى: { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ~~فانكحوا ما طاب لكم من النسآء مثنى وثلاث ~~ورباع } الآية. اختلفوا في تأويلهم، فقال بعضهم: معناه إن خفتم يا ~~أولياء اليتامى أن لا تعدلوا فيهن إذا نكحتموهن فانكحوا غيرهن من ~~الغرائب مثنى وثلاث ورباع. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا ~~محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا أبو اليمان أنا شعيب عن الزهري ~~قال: كان عروة بن الزبير يحدث أنه سأل عائشة رضي الله عنها { وإن ~~خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب ~~لكم من النسآء } قالت: هي اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في ~~جمالها ومالها ويريد أن يتزوجها بأدنى من سنة نسائها، فنهوا عن نكاحهن ~~إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق، وأمروا بنكاح من سواهن من النساء، ~~قالت عائشة رضي الله عنها: ثم استفتى الناس رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فأنزل الله تعالى: { ويستفتونك في النسآء قل ~~الله يفتيكم فيهن } إلى قوله تعالى { وترغبون أن ~~تنكحوهن }. # فبين الله تعالى في هذه الآية أن اليتيمة إذا كانت ذات جمال أو مال، ~~رغبوا في نكاحها ولم يلحقوها بسنتها بإكمال الصداق، وإذا كانت مرغوبة ~~عنها في قلة المال والجمال تركوها والتمسوا غيرها من النساء، قال: فكما ~~يتركونها حين يرغبون عنها فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها إلا أن ~~يقسطوا لها الأوفى من الصداق ويعطوها حقها. # قال الحسن: كان الرجل من أهل المدينة يكون عنده الأيتام وفيهن من يحل له ~~نكاحها فيتزوجها لأجل مالها وهي لا تعجبه كراهية أن يدخله غريب ~~فيشاركه في مالها، ثم يسيء صحبتها ويتربص بها أن تموت ويرثها، فعاب الله ~~تعالى ذلك، وأنزل الله هذه الآية. # وقال عكرمة: كان الرجل ms0493 من قريش يتزوج العشر من النساء والأكثر فإذا صار ~~معدما من مؤن نسائه مال إلى مال يتيمه الذي في حجره فأنفقه، فقيل ~~لهم: لا تزيدوا على أربع حتى لا يحوجكم إلى أخذ أموال اليتامى، وهذه ~~رواية طاووس عن ابن عباس رضي الله عنهما. وقال بعضهم: كانوا يتحرجون عن ~~أموال اليتامى ويترخصون في النساء، فيتزوجون ما شاؤوا وربما عدلوا وربما ~~لم يعدلوا، فلما أنزل الله تعالى في أموال اليتامى { وآتوا ~~اليتامى أموالهم } أنزل هذه الآية { وإن خفتم ألا ~~تقسطوا في اليتامى } يقول كما خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى ~~فكذلك خافوا في النساء أن لا تعدلوا فيهن فلا تتزوجوا أكثر مما يمكنكم ~~القيام بحقهن، لأن النساء في الضعف كاليتامى، وهذا قول سعيد بن جبير ~~وقتادة والضحاك والسدي، ثم رخص في نكاح أربع فقال: { فانكحوا ما ~~طاب لكم من النسآء مثنى وثلث ورباع فإن ~~خفتم ألا تعدلوا } فيهن { فوحدة } ، وقال مجاهد: معناه ~~إن تحرجتم من ولاية اليتامى وأموالهم إيمانا فكذلك تحرجوا من الزنا ~~فانكحوا النساء الحلال نكاحا طيبا ثم بين لهم عددا، وكانوا يتزوجون ما ~~شاؤوا من غير عدد، قوله تعالى: { فانكحوا ما طاب لكم من ~~النسآء } أي: من طاب كقوله تعالى: # والسمآء وما بنها # [الشمس: 5] أي ومن بناها # قال فرعون وما رب العلمين # [الشعراء: 23] والعرب تضع «من» و«ما» كل واحدة موضع الأخرى، كقوله ~~تعالى: # فمنهم من يمشى على بطنه ومنهم من يمشى على ~~رجلين # [النور: 45]، وطاب أي: حل لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، معدولات عن ~~اثنين وثلاث، وأربع، ولذلك لا ينصرفن، والواو بمعنى أو للتخيير، كقوله ~~تعالى: # أن تقوموا لله مثنى وفرادى # [سبأ: 46]: # أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع # [فاطر: 1] وهذا إجماع أن أحدا من الأمة لا يجوز له أن يزيد على أربع ~~نسوة، وكانت الزيادة من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، لا مشاركة معه ~~لأحد من الأمة فيها،وروي # " أن قيس بن الحارث كان تحته ثمان نسوة فلما نزلت هذه الآية قال له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «طلق ms0494 أربعا وأمسك أربعا» قال فجعلت أقول ~~للمرأة التي لم تلد يا فلانة أدبري والتي قد ولدت يا فلانة أقبلي " # وروي # " أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وعنده عشر نسوة فقال له النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «أمسك أربعا وفارق سائرهن» ". # وإذا جمع الحر بين أربع نسوة حرائر فإنه يجوز، فأما العبد فلا يجوز ~~له أن ينكح أكثر من امرأتين عند أكثر أهل العلم. # أخبرنا عبد الوهاب بن أحمد الخطيب أنا عبد العزيز أحمد الخلال أنا أبو ~~العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا سفيان عن محمد بن عبد الرحمن ~~مولى أبي طلحة عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن عتبة عن عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه أنه قال: ينكح العبد امرأتين ويطلق طلقتين وتعتد الأمة ~~بحيضتين، فإن لم تكن تحيض فبشهرين أو شهر ونصف» وقال ربيعة: يجوز للعبد ~~أن ينكح أربع نسوة كالحر. { فإن خفتم } ، خشيتم، وقيل: علمتم، { ~~ألا تعدلوا } ، بين الأزواج الأربع، { فوحدة } أي: ~~فانكحوا واحدة. وقرأ أبو جعفر { فواحدة } بالرفع، { أو ما ملكت ~~أيمنكم } ، يعني السراري لأنه لا يلزم فيهن من الحقوق ما يلزم في ~~الحرائر، ولا قسم لهن، ولا وقف في عددهن، وذكر الأيمان بيان، تقديره: أو ~~ما ملكتم، وقال بعض أهل المعاني: أو ما ملكت أيمانكم أي: ما ينفذ فيه ~~إقسامكم، جعله من يمين الحلف، لا يمين الجارحة، { ذلك أدنى } ، ~~أقرب، { ألا تعولوا } أي: لا تجوروا ولا تميلوا، يقال: ميزان ~~عائل، أي: جائر مائل، هذا قول أكثر المفسرين، وقال مجاهد: أن لا تضلوا، ~~وقال الفراء: أن لا تجاوزوا ما فرض الله عليكم، وأصل العول: المجاوزة، ~~ومنه عول الفرائض، وقال الشافعي رحمه الله: أن لا تكثر عيالكم، ~~وما قاله أحد، إنما يقال من كثرة العيال: أعال يعيل إعالة، إذا كثر ~~عياله. وقال أبو حاتم: كان الشافعي رضي الله عنه أعلم بلسان العرب منا ~~ولعله لغة، ويقال: هي لغة حمير، وقرأ طلحة بن مصرف { أن لا تعيلوا } ~~وهي حجة لقول الشافعي رضوان الله عليه. ### || [4.4] # { وآتوا ms0495 النسآء صدقاتهن نحلة } ، قال الكلبي ومجاهد: ~~هذا الخطاب للأولياء، وذلك أن ولي المرأة كان إذا زوجها فإن كانت معهم ~~في العشيرة لم يعطها من مهرها قليلا ولا كثيرا، وإن كان زوجها غريبا ~~حملوها إليه على بعير ولم يعطوها من مهرها غير ذلك، فنهاهم الله عن ذلك ~~وأمرهم أن يدفعوا الحق إلى أهله. [قال الحضرمي: كان أولياء النساء يعطي ~~هذا أخته على أن يعطيه الآخر أخته، ولا مهر بينهما، فنهوا عن ذلك ~~وأمروا بتسمية المهر في العقد. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحق الهاشمي أنا ~~أبو مصعب عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " نهى عن الشغار. والشغار: أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه ~~الآخر ابنته، وليس بينهما صداق ". # وقال الآخرون: الخطاب للأزواج أمروا بإيتاء نسائهم الصداق، وهذا أصح، ~~لأن الخطاب فيما قبل مع الناكحين، والصدقات: المهور، واحدها صدقة { ~~نحلة } قال قتادة: فريضة، وقال ابن جريج: فريضة مسماة، قال أبو ~~عبيدة: ولا تكون النحلة إلا مسماة معلومة، وقال الكلبي: عطية وهبة، وقال ~~أبو عبيدة: عن طيب نفس]، وقال الزجاج: تدينا. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا ~~محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا عبد الله بن يوسف أخبرنا الليث ~~حدثني يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج ". # { فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا } ، يعني: فإن طابت ~~نفوسهن بشيء من ذلك فوهبن منكم، فنقل الفعل من النفوس إلى أصحابها ~~فخرجت النفس مفسرا، فلذلك وحد النفس، كما قال الله تعالى: # وضاق بهم ذرعا # [هود: 77][العنكبوت: 33] # وقري عينا # [مريم: 26] وقيل: لفظها واحد ومعناها جمع، { فكلوه هنيئا ~~مريئا } ، سائغا طيبا، يقال هنأ في الطعام يهنىء بفتح النون في ~~الماضي وكسرها في الباقي، وقيل: الهنيء: الطيب المساغ الذي ms0496 لا ينغصه شيء، ~~والمريء: المحمود العاقبة التام الهضم الذي لا يضر، قرأ أبو جعفر { ~~هنيا مريا } بتشديد الياء فيهما من غير همز، وكذلك «بري» «وبريون» ~~«وبريا» «وكهية» والآخرون يهمزونها. ### || [4.5] # قوله تعالى: { ولا تؤتوا السفهآء أموالكم التي ~~جعل الله لكم قياما } ، اختلفوا في هؤلاء السفهاء فقال قوم: ~~هم النساء، وقال الضحاك: النساء من أسفه السفهاء، وقال مجاهد: نهى الرجال ~~أن يؤتوا النساء أموالهم وهن سفهاء، من كن، أزواجا أو بنات أو ~~أمهات، وقال آخرون: هم الأولاد، قال الزهري: يقول لا تعط ولدك السفيه ~~مالك الذي هو قيامك بعد الله تعالى فيفسده، وقال بعضهم: هم النساء ~~والصبيان، وقال الحسن: هي امرأتك السفيهة وابنك السفيه، وقال ابن عباس: ~~لا تعمد إلى مالك الذي خولك الله وجعله لك معيشة فتعطيه امرأتك أو بنيك ~~فيكونوا هم الذين يقومون عليك، ثم تنظر إلى ما في أيديهم، ولكن أمسك مالك ~~وأصلحه وكن أنت الذي تنفق عليهم في رزقهم ومؤنتهم، قال الكلبي: إذا ~~علم الرجل أن امرأته سفيهة مفسدة وأن ولده سفيه مفسد فلا ينبغي له أن ~~يسلط واحدا منهما على ماله فيفسده. وقال سعيد بن جبير وعكرمة: هو مال ~~اليتيم يكون عندك، يقول لا تؤته إياه وأنفق عليه حتى يبلغ، وإنما أضاف ~~إلى الأولياء فقال: { أموالكم } لأنهم قوامها ومدبروها. والسفيه ~~الذي لا يجوز لوليه أن يؤتيه ماله هو المستحق للحجر عليه، وهو أن ~~يكون مبذرا في ماله أو مفسدا في دينه، فقال جل ذكره: { ولا تؤتوا ~~السفهآء } ، أي: الجهال بموضع الحق أموالكم التي جعل الله لكم ~~قياما. قرأ نافع وابن عامر { قيما } بلا ألف، وقرأ الآخرون { ~~قيما } وأصله: قواما، فانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، وهو ~~ملاك الأمر وما يقوم به الأمر. وأراد ههنا قوام عيشكم الذي تعيشون به. ~~قال الضحاك: به يقام الحج والجهاد وأعمال البر وبه فكاك الرقاب من ~~النار. { وارزقوهم فيها } أي: أطعموهم، { واكسوهم } ، لمن ~~يجب عليكم رزقه ومؤنته، وإنما قال { فيها } ولم يقل: منها، لأنه أراد: ~~اجعلوا لهم فيها رزقا فالرزق من ms0497 الله: العطية من غير حد، ومن العباد ~~إجراء موقت محدود. { وقولوا لهم قولا معروفا } عدة ~~جميلة، وقال عطاء: إذا ربحت أعطيتك وإن غنمت جعلت لك حظا، وقيل: هو ~~الدعاء، وقال ابن زيد: إن لم يكن ممن تجب عليكم نفقته، قل له: عافاك ~~الله وإيانا، بارك الله فيك، وقيل: قولا لينا تطيب به أنفسهم. ### || [4.6] # قوله تعالى: { وابتلوا اليتمى } ، الآية نزلت في ثابت بن ~~رفاعة وفي عمه، وذلك أن رفاعة توفي وترك ابنه ثابتا وهو صغير، فجاء عمه ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إن ابن أخي يتيم في حجري، فما يحل ~~لي من ماله ومتى أدفع إليه ماله؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية { ~~وابتلوا اليتمى } اختبروهم في عقولهم وأديانهم وحفظهم ~~أموالهم، { حتى إذا بلغوا النكاح } ، أي: مبلغ الرجال ~~والنساء، { فإن ءانستم } ، أبصرتم، { منهم رشدا } ، فقال ~~المفسرون يعني: عقلا وصلاحا في الدين وحفظا للمال وعلما بما يصلحه. ~~وقال سعيد بن جبير ومجاهد والشعبي: لا يدفع إليه ماله وإن كان شيخا حتى ~~يؤنس منه رشده. والابتلاء يختلف باختلاف أحوالهم فإن كان ممن يتصرف في ~~السوق فيدفع الولي إليه شيئا يسيرا من المال وينظر في تصرفه وإن كان ~~ممن لا يتصرف في السوق فيختبره في نفقة داره، والإنفاق على عبيده ~~وأجرائه، وتختبر المرأة في أمر بيتها وحفظ متاعها وغزلها واستغزالها، ~~فإذا رأى حسن تدبيره، وتصرفه في الأمور مرارا يغلب على القلب رشده، ~~دفع المال إليه. واعلم أن الله تعالى علق زوال الحجر عن الصغير ~~وجواز دفع المال إليه بشيئين: بالبلوغ والرشد، فالبلوغ يكون بأحد ~~(أشياء أربعة)، اثنان يشترك فيهما الرجال والنساء، واثنان تختصان ~~بالنساء: فما يشترك فيه الرجال والنساء أحدهما السن، والثاني الاحتلام، ~~أما السن فإذا استكمل المولود خمس عشرة سنة حكم ببلوغه غلاما كان أو ~~جارية، لما. # أخبرها عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز ابن أحمد الخلال أنا ~~أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أخبرنا سفيان بن عيينة عن عبد ~~الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ms0498 رضي الله عنهما قال: عرضت على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عام أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة، فردني، ثم ~~عرضت عليه عام الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني، قال نافع: فحدثت ~~بهذ الحديث عمر بن عبد العزيز، فقال: هذا فرق ما بين المقاتلة والذرية، ~~وكتب أن يفرض لابن خمس عشرة سنة في المقاتلة، ومن لم يبلغها في الذرية. # وهذا قول أكثر أهل العلم. وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: بلوغ الجارية ~~باستكمال سبع عشرة، وبلوغ الغلام باستكمال ثماني عشرة سنة. وأما ~~الاحتلام فنعني به نزول المني سواء كان بالاحتلام أو بالجماع، أو غيرهما، ~~فإذا وجد ذلك بعد استكمال تسع سنين من أيهما كان حكم ببلوغه، لقوله ~~تعالى: { وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم ~~فليستأذنوا } وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ في الجزية ~~حين بعثه إلى اليمن: # " خذ من كل حالم دينارا " # وأما الإنبات، وهو نبات الشعر الخشن حول الفرج: فهو بلوغ في أولاد ~~المشركين، لما روي عن عطية القرظي قال: كنت من سبي قريظة، فكانوا ~~ينظرون فمن أنبت الشعر قتل، ومن لم ينبت لم يقتل، فكنت ممن لم ينبت. # وهل يكون ذلك بلوغا في أولاد المسلمين؟ فيه قولان، أحدهما: يكون بلوغا ~~كما في أولاد الكفار، والثاني: لا يكون بلوغا لأنه يمكن الوقوف على ~~مواليد المسلمين بالرجوع إلى آبائهم، وفي الكفار لا يوقف على مواليدهم، ~~ولا يقبل قول آبائهم فيه لكفرهم، فجعل الإنبات الذي هو أمارة البلوغ ~~بلوغا في حقهم. وأما ما يختص بالنساء: فالحيض والحبل، فإذا حاضت ~~المرأة بعد استكمال تسع سنين يحكم ببلوغها، وكذلك إذا ولدت يحكم ببلوغها ~~قبل الوضع بستة أشهر لأنها أقل مدة الحمل. وأما الرشد: فهو أن يكون ~~مصلحا في دينه وماله، فالصلاح في الدين هو أن يكون مجتنبا عن الفواحش ~~والمعاصي التي تسقط العدالة، والصلاح في المال هو أن لا يكون مبذرا، ~~والتبذير: هو أن ينفق ماله فيما لا يكون فيه محمدة دنيوية ولا مثوبة ~~أخروية، أو لا يحسن التصرف فيها، فيغبن ms0499 في البيوع فإذا بلغ الصبي وهو ~~مفسد في دينه وغير مصلح لماله، دام الحجر عليه، ولا يدفع إليه ماله ولا ~~ينفذ تصرفه. وعند أبي حنيفة رضي الله عنه إذا كان مصلحا لماله زال الحجر ~~عنه وإن كان مفسدا في دينه، وإذا كان مفسدا لماله قال: لا يدفع إليه ~~المال حتى يبلغ خمسا وعشرين سنة، غير أن تصرفه يكون نافذا قبله. ~~والقرآن حجة لمن استدام الحجر عليه، لأن الله تعالى قال: { حتى ~~إذا بلغوا النكاح فإن ءانستم منهم رشدا ~~فادفعوا إليهم أمولهم } ، أمر بدفع المال إليهم بعد ~~البلوغ وإيناس الرشد، والفاسق لا يكون رشيدا وبعد بلوغه خمسا وعشرين ~~سنة، وهو مفسد لماله بالانفاق غير رشيد، فوجب أن لا يجوز دفع المال إليه ~~كما قبل بلوغ هذا السن. وإذا بلغ وأونس منه الرشد. زال الحجر عنه، ودفع ~~إليه المال رجلا كان أو امرأة تزوج أو لم يتزوج. وعند مالك رحمه الله ~~تعالى: إن كانت امرأة لا يدفع المال إليها ما لم تتزوج، فإذا تزوجت دفع ~~إليها، ولكن لا ينفذ تصرفها إلا بإذن الزوج، ما لم تكبر وتجرب. فإذا ~~بلغ الصبي رشيدا وزال الحجر عنه ثم عاد سفيها، نظر: فإن عاد مبذرا ~~لماله حجر عليه، وإن عاد مفسدا في دينه فعلى وجهين: أحدهما: يعاد الحجر ~~عليه كما يستدام الحجر عليه إذا بلغ بهذه الصفة، والثاني: لا يعاد لأن ~~حكم الدوام أقوى من حكم الابتداء. وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى: لا ~~حجر على الحر العاقل البالغ بحال، والدليل على إثبات الحجر من اتفاق ~~الصحابة رضي الله عنهم ما روي عن هشام بن عروة عن أبيه أن عبد الله بن ~~جعفر ابتاع أرضا سبخة بستين ألف درهم، فقال علي: لآتين عثمان فلأحجرن ~~عليك فأتى ابن جعفر الزبير فأعلمه بذلك [فقال الزبير: أنا شريكك في بيعك ~~فأتى علي عثمان وقال: أحجر على هذا]، فقال الزبير: أنا شريكه، فقال ~~عثمان: كيف أحجر على رجل في بيع شريكه فيه الزبير، فكان ذلك اتفاقا منهم ~~على جواز الحجر ms0500 حتى احتال الزبير في دفعه. # قوله تعالى: { ولا تأكلوهآ } يا معشر الأولياء { إسرافا } ~~بغير حق، { وبدارا } أي مبادرة { أن يكبروا } و { أن } في محل ~~النصب، يعني: لا تبادروا كبرهم ورشدهم حذرا من أن يبلغوا فيلزمكم ~~تسليمها إليهم، ثم بين ما يحل لهم من مالهم فقال: { ومن كان ~~غنيا فليستعفف } أي ليمتنع من مال اليتيم فلا يرزأه قليلا ~~ولا كثيرا، والعفة: الامتناع مما لا يحل { ومن كان فقيرا } ~~محتاجا إلى مال اليتيم وهو يحفظه ويتعهده فليأكل بالمعروف. # أخبرنا محمد بن الحسن المروزي أخبرنا أبو سهل محمد بن عمر السجزي ~~أخبرنا الإمام أبو سليمان الخطابي أخبرنا أبو بكر بن داسة التمار أخبرنا ~~أبو داؤد السجستاني أخبرنا حميد بن مسعدة أن خالد بن الحارث حدثهم أخبرنا ~~حسين يعني المعلم عن عمرو بن شعيب بن أبيه عن جده رضي الله عنه # " أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني فقير وليس لي ~~شيء ولي يتيم؟ فقال: «كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبادر ولا ~~متأثل» ". # واختلفوا في أنه هل يلزمه القضاء؟ فذهب قوم إلى أن يقضي إذا أيسر، وهو ~~المراد من قوله { فليأكل بالمعروف } فالمعروف القرض، أي: ~~يستقرض من مال اليتيم إذا احتاج إليه، فإذا أيسر قضاه، وهو قول مجاهد ~~وسعيد بن جبير. # قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إني أنزلت نفسي من مال الله تعالى ~~بمنزلة مال اليتيم: إن استغنيت استعففت وإن افتقرت أكلت بالمعروف، ~~فإذا أيسرت قضيت. وقال الشعبي: لا يأكله إلا أن يضطر إليه كما يضطر إلى ~~الميتة. وقال قوم: لا قضاء عليه. ثم اختلفوا في كيفية هذا الأكل ~~بالمعروف، فقال عطاء وعكرمة: يأكل بأطراف أصابعه، ولا يسرف ولا يكتسي ~~منه، ولا يلبس الكتان ولا الحلل، ولكن ما سد الجوعة ووارى العورة. ~~وقال الحسن وجماعة: يأكل من ثمر نخيله ولبن مواشيه بالمعروف ولا قضاء ~~عليه، فأما الذهب والفضة فلا؛ فإن أخذ شيئا منه رده. وقال الكلبي: ~~المعروف ركوب الدابة وخدمة الخادم، وليس له أن يأكل من ms0501 ماله شيئا. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحق الهاشمي، ~~أنا أبو مصعب عن مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال سمعت القاسم بن محمد يقول: ~~جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن لي يتيما وإن له إبلا ~~أفأشرب من لبن إبله؟ فقال: إن كنت تبغي ضالة إبله وتهنأ جرباها ~~وتليط حوضها وتسقيها يوم وردها فاشرب غير مضر بنسل ولا ناهك في ~~الحلب. # وقال بعضهم: المعروف أن يأخذ من جميع ماله بقدر قيامه وأجرة عمله، ولا ~~قضاء عليه، وهو قول عائشة وجماعة من أهل العلم. # قوله تعالى: { فإذا دفعتم إليهم أمولهم ~~فأشهدوا عليهم } ، هذا أمر إرشاد، ليس بواجب، أمر الولي ~~بالإشهاد على دفع المال إلى اليتيم بعدما بلغ لتزول عنه التهمة وتنقطع ~~الخصومة، { وكفى بالله حسيبا } محاسبا ومجازيا وشاهدا. ### || [4.7-8] # قوله تعالى: { للرجال نصيب مما ترك الوالدان ~~والأقربون } الآية، نزلت في أوس بن ثابت الأنصاري، توفي وترك ~~امرأة يقال لها أم كجة وثلاث بنات له منها، فقام رجلان هما ابنا عم ~~الميت ووصياه سويد وعرفجة، فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته ولا بناته ~~شيئا، وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغار، وإن كان ~~الصغير ذكرا وإنما كانوا يورثون الرجال، ويقولون: لا نعطي إلا من ~~قاتل وحاز الغنيمة، فجاءت أم كجة فقالت: يا رسول الله إن أوس بن ثابت ~~مات وترك علي بنات وأنا امرأته، وليس عندي ما أنفق عليهن، وقد ترك أبوهن ~~مالا حسنا، وهو عند سويد وعرفجة، ولم يعطياني ولا بناتي شيئا وهن في ~~حجري، لا يطعمن ولا يسقين، فدعاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقالا: يا رسول الله ولدها لا يركب فرسا ولا يحمل كلا ولا ينكأ ~~عدوا، فأنزل الله عز وجل، { للرجال } يعني: للذكور من أولاد ~~الميت وأقربائه { نصيب } حظ { مما ترك الوالدان ~~والأقربون } من الميراث، { وللنسآء } ، للإناث منهم، { ~~نصيب مما ترك الولدن والأقربون مما قل ~~منه } ، أي: من المال، { أو كثر } منه { نصيبا مفروضا } ~~، نصب على القطع، وقيل: ms0502 جعل ذلك نصيبا فأثبت لهن الميراث، ولم يبين كم ~~هو، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سويد وعرفجة لا تفرقا من ~~مال أوس بن ثابت شيئا، فإن الله تعالى جعل لبناته نصيبا مما ترك، ولم ~~يبين كم هو حتى أنظر ما ينزل فيهن، فأنزل الله تعالى { يوصيكم ~~الله في أولادكم } فلما نزلت أرسل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى سويد و«عرفجة أن ادفع إلى أم كجة الثمن مما ترك وإلى ~~بناته الثلثين، ولكما باقي المال». # قوله تعالى: { وإذا حضر القسمة } ، يعني: قسمة المواريث، { ~~أولوا القربى } ، الذين لا يرثون، { واليتمى ~~والمسكين فارزقوهم منه } ، أي: فارضخوا لهم من المال ~~قبل القسمة، { وقولوا لهم قولا معروفا }. اختلف العلماء ~~في حكم هذه الآية، فقال قوم: هي منسوخة، وقال سعيد بن المسيب والضحاك: ~~كانت هذه قبل آية الميراث، فلما نزلت آية الميراث جعلت المواريث لأهلها، ~~ونسخت هذه الآية. وقال آخرون: هي محكمة، وهو قول ابن عباس والشعبي ~~والنخعي والزهري، وقال مجاهد: هي واجبة على أهل الميراث ما طابت به ~~أنفسهم. وقال الحسن: كانوا يعطون التابوت والأواني ورث الثياب والمتاع ~~والشيء الذي يستحيا من قسمته. وإن كان بعض الورثة طفلا فقد اختلفوا فيه، ~~فقال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره: إن كانت الورثة كبارا رضخوا لهم، ~~وإن كانت صغارا اعتذروا إليهم، فيقول الولي والوصي: إني لا أملك هذا ~~المال إنما هو للصغار، ولو كان لي منه شيء لأعطيتكم، وإن يكبروا ~~فسيعرفون حقوقك، هذا هو القول بالمعروف. # وقال بعضهم: ذلك حق واجب في أموال الصغار والكبار، فإن كانوا كبارا ~~تولوا إعطاءهم، وإن كانوا صغارا أعطى وليهم. روى محمد بن سيرين أن ~~عبيدة السلماني قسم أموال أيتام فأمر بشاة فذبحت فصنع طعاما لأهل هذه ~~الآية، وقال: لولا هذه الآية لكان هذا من مالي. وقال قتادة عن يحيى بن ~~يعمر: ثلاث آيات محكمات مدنيات تركهن الناس، هذه الآية وآية الاستئذان: # يأيها الذين ءامنوا ليستأذنكم الذين ملكت ~~أيمنكم # [النور: 58] الآية، وقوله تعالى: # يأيها الناس إنا خلقنكم من ms0503 ذكر وأنثى # [الحجرات: 13] الآية. وقال بعضهم - وهو أولى الأقاويل -: إن هذا على ~~الندب والاستحباب، لا على الحتم والإيجاب. ### || [4.9] # قوله تعالى: { وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ~~ذرية ضعافا } ، أولادا صغارا، خافوا عليهم، الفقر، هذا في ~~الرجل يحضره الموت، فيقول من بحضرته: انظر لنفسك فإن أولادك ورثتك لا ~~يغنون عنك شيئا، قدم لنفسك، أعتق وتصدق وأعط فلانا كذا وفلانا ~~كذا، حتى يأتي على عامة ماله، فنهاهم الله تعالى عن ذلك، وأمرهم أن ~~يأمروه أن ينظر لولده ولا يزيد في وصيته على الثلث، ولا يجحف بورثته كما ~~لو كان هذا القائل هو الموصي يسره أن يحثه من بحضرته على حفظ ماله لولده، ~~ولا يدعهم عالة مع ضعفهم وعجزهم. # وقال الكلبي: هذا الخطاب لولاة اليتامى يقول: من كان في حجره يتيم ~~فليحسن إليه وليأت إليه في حقه ما يحب أن يفعل بذريته من بعده. # قوله تعالى: { فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا ~~} ، أي: عدلا، والسديد: العدل، والصواب من القول، وهو أن يأمره بأن ~~يتصدق بما دون الثلث ويخلف الباقي لولده. ### || [4.10] # قوله تعالى: { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ~~ظلما } ، قال مقاتل بن حيان: نزلت في رجل من غطفان، يقال له مرثد ~~بن زيد ولي مال ابن أخيه وهو يتيم صغير فأكله، فأنزل الله تعالى فيه ~~{ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما }: حراما ~~بغير حق، { إنما يأكلون فى بطونهم نارا } ، أخبر عن ~~مآله، أي عاقبته تكون كذلك، { وسيصلون سعيرا } ، قراءة العامة ~~بفتح الياء، أي: يدخلونها، يقال: صلي النار يصلاها صلا، قال الله ~~تعالى: # إلا من هو صال الجحيم # [الصافات: 163]، وقرأ ابن عامر وأبو بكر بضم الياء، أي: يدخلون النار ~~ويحرقون، نظيره قوله تعالى: # فسوف نصليه نارا # [النساء: 30] # سأصليه سقر # [المدثر: 26] وفي الحديث # قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " رأيت ليلة أسري بي قوما لهم مشافر كمشافر الإبل، إحداهما قالصة ~~على منخرية والأخرى على بطنه، وخزنة النار يلقمونهم جمر جهنم وصخرها، ~~فقلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما " ### || [4.11] # قوله تعالى: ms0504 { يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل ~~حظ الأنثيين } الآية، اعلم أن الوراثة كانت في الجاهلية ~~بالذكورة والقوة فكانوا يورثون الرجال دون النساء والصبيان، فأبطل ~~الله ذلك بقوله: { للرجال نصيب مما ترك الوالدان ~~والأقربون وللنسآء نصيب مما ترك الوالدان ~~والأقربون } الآية، وكانت أيضا في الجاهلية وابتداء الإسلام ~~بالمحالفة، قال الله تعالى: # والذين عقدت أيمنكم فآتوهم نصيبهم # [النساء: 33] ثم صارت الوراثة بالهجرة، قال الله تعالى # والذين ءامنوا ولم يهاجروا ما لكم من ~~وليتهم من شىء حتى يهاجروا # [الأنفال: 72] فنسخ ذلك كله وصارت الوراثة بأحد الأمور الثلاثة بالنسب ~~والنكاح أو الولاء، فالمعني بالنسب أن القرابة يرث بعضهم من بعض، لقوله ~~تعالى # وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتب ~~الله # [الأنفال: 75]، والمعني بالنكاح: أن أحد الزوجين يرث صاحبه، وبالولاء: ~~أن المعتق وعصباته يرثون المعتق، فنذكر بعون الله تعالى فصلا ~~وجيزا في بيان من يرث من الأقارب. وكيفية توريث الورثة فنقول: إذا مات ~~ميت وله مال فيبدأ بتجهيزه ثم بقضاء ديونه ثم بإنفاذ وصاياه فما ~~فضل يقسم بين الورثة. (ثم الورثة) على ثلاثة أقسام: منهم من يرث ~~بالفرض ومنهم من يرث بالتعصيب، ومنهم من يرث بهما جميعا، فمن يرث ~~بالنكاح لا يرث إلا بالفرض، ومن يرث بالولاء لا يرث إلا بالتعصيب، أما من ~~يرث بالقرابة فمنهم من يرث بالفرض كالبنات والأخوات والأمهات والجدات، ~~وأولاد الأم، ومنهم من يرث بالتعصيب كالبنين والأخوة وبني الأخوة ~~والأعمام وبنيهم، ومنهم من يرث بهما كالأب يرث بالتعصيب إذا لم يكن للميت ~~ولد، فإن كان للميت ابن: يرث الأب بالفرض السدس، وإن كان للميت بنت فيرث ~~الأب السدس بالفرض ويأخذ الباقي بعد نصيب البنت بالتعصيب، وكذلك الجد، ~~وصاحب التعصيب من يأخذ جميع المال عند الانفراد ويأخذ ما فضل عن أصحاب ~~الفرائض. وجملة الورثة سبعة عشر: عشرة من الرجال وسبع من النساء، فمن ~~الرجال: الابن وابن الابن وإن سفل والأب والجد أبو الأب وإن علا، والأخ ~~سواء كان لأب وأم أو لأب أو لأم، وابن الأخ للأب والأم أو للأب وإن سفل ms0505 ~~والعم للأب والأم أو للأب وأبناؤهما وإن سفلوا، والزوج ومولى العتاق، ومن ~~النساء البنت وبنت الابن وإن سفلت، والأم والجدة أم الأم وأم الأب، ~~والأخت سواء كانت لأب وأم أو لأب أو لأم، والزوجة ومولاة العتاق. وستة من ~~هؤلاء لا يلحقهم حجب الحرمان بالغير: الأبوان والولدان، والزوجان، لأنه ~~ليس بينهم وبين الميت واسطة. والأسباب التي توجب حرمان الميراث أربعة: ~~اختلاف الدين والرق والقتل وعمي الموت. ونعني باختلاف الدين أن الكافر لا ~~يرث المسلم والمسلم لا يرث الكافر، لما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد ~~الكسائي الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم ~~أخبرنا الربيع أخبرنا الشافعي أنا ابن عيينة عن الزهري عن علي بن حسين عن ~~عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم ". # فأما الكفار فيرث بعضهم من بعض مع اختلاف مللهم، لأن الكفر كله ملة ~~واحدة، لقوله تعالى: # والذين كفروا بعضهم أوليآء بعض # [الأنفال: 73]. وذهب بعضهم إلى أن اختلاف الملل في الكفر يمنع التوارث ~~حتى لا يرث اليهودي النصراني ولا النصراني المجوسي، وإليه ذهب الزهري ~~والأوزاعي وأحمد وإسحاق # لقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا يتوارث أهل ملتين شتى " # ، وتأوله الآخرون على الإسلام مع الكفر فكله ملة واحدة فتوريث بعضهم من ~~بعض لا يكون فيه إثبات التوارث بين أهل ملتين شتى. والرقيق لا يرث أحدا ~~ولا يرثه أحد لأنه لا ملك له، ولا فرق فيه بين القن والمدبر والمكاتب ~~وأم الولد. والقتل يمنع الميراث عمدا كان أو خطأ لما روي عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " القاتل لا يرث ". # ونعني بعمي الموت أن المتوارثين إذا عمي موتهما بأن غرقا في ماء أو ~~انهدم عليهما بناء فلم يدر أيهما سبق موته فلا يورث أحدهما من الآخر، ~~بل ميراث كل واحد منهما لمن كان حياته يقينا بعد موته من ورثته. والسهام ~~المحدودة في ms0506 الفرائض ستة: النصف والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس. ~~فالنصف فرض ثلاثة: فرض الزوج عند عدم الولد وفرض البنت الواحدة للصلب أو ~~بنت الابن عند عدم ولد الصلب، وفرض الأخت الواحدة للأب والأم أو للأب إذا ~~لم يكن ولد لأب وأم. والربع فرض الزوج إذا كان للميتة ولد وفرض الزوجة ~~إذا لم يكن للميت ولد. والثمن: فرض الزوجة إذا كان للميت ولد. والثلثان ~~فرض البنتين للصلب فصاعدا ولبنتي الابن فصاعدا عند عدم ولد الصلب، وفرض ~~الأختين لأب وأم أو للأب فصاعدا. والثلث فرض ثلاثة: فرض الأم إذا لم يكن ~~للميت ولد ولا اثنان من الأخوات والأخوة، إلا في مسألتين: إحداهما زوج ~~وأبوان، والثانية زوجة وأبوان، فإن للأم فيهما ثلث ما بقي بعد نصيب الزوج ~~أو الزوجة، وفرض الاثنين فصاعدا من أولاد الأم، ذكرهم وأنثاهم فيه ~~سواء، وفرض الجد مع الإخوة إذ لم يكن في المسألة صاحب فرض، وكان الثلث ~~خيرا للجد من المقاسمة مع الإخوة. وأما السدس ففرض سبعة: فرض الأب إذا ~~كان للميت ولد، وفرض الأم إذا كان للميت ولد أو اثنان من الإخوة ~~والأخوات، وفرض الجد إذا كان للميت ولد ومع الإخوة والأخوات إذا كان في ~~المسألة صاحب فرض، وكان السدس خيرا للجد من المقاسمة مع الإخوة، وفرض ~~الجدة والجدات وفرض الواحد من أولاد الأم ذكرا أو أنثى، وفرض بنات الابن ~~إذا كان للميت بنت واحدة للصلب تكملة الثلثين، وفرض الأخوات للأب إذا كان ~~للميت أخت واحدة لأب وأم تكملة الثلثين. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل أخبرنا مسلم بن إبراهيم أنا وهيب أنا ابن طاووس ~~عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر ". # وفي الحديث دليل على أن بعض الورثة يحجب البعض، والحجب نوعان حجب نقصان ~~وحجب حرمان: فأما حجب النقصان فهو أن الولد وولد الابن يحجب الزوج من ms0507 ~~النصف إلى الربع والزوجة من الربع إلى الثمن، والأم من الثلث إلى السدس، ~~وكذلك الاثنان فصاعدا من الإخوة يحجبون الأم من الثلث إلى السدس. وحجب ~~الحرمان هو أن الأم تسقط الجدات، وأولاد الأم - وهم الأخوة والأخوات ~~للأم - يسقطون بأربعة: بالأب والجد وإن علا، وبالولد وولد الابن وإن سفل، ~~وأولاد الأب والأم يسقطون بثلاثة بالأب والابن وابن الابن وإن سفلوا، ولا ~~يسقطون بالجد على مذهب زيد بن ثابت، وهو قول عمر وعثمان وعلي وابن مسعود ~~رضي الله عنهم، وبه قال مالك والشافعي والأوزاعي وأحمد رحمهم الله. ~~وأولاد الأب يسقطون بهؤلاء الثلاثة وبالأخ للأب والأم، وذهب قوم إلى أن ~~الأخوة جميعا يسقطون بالجد كما يسقطون بالأب، وهو قول أبي بكر الصديق ~~وابن عباس ومعاذ وأبي الدرداء وعائشة رضي الله عنهم، وبه قال الحسن وعطاء ~~وطاووس وأبو حنيفة رحمهم الله. وأقرب العصبات يسقط الأبعد من العصوبة، ~~وأقربهم الابن ثم ابن الابن وإن سفل، ثم الأب ثم الجد أبو الأب وإن علا، ~~فإن كان مع الجد أحد من الإخوة أو الأخوات للأب والأم أو للأب يشتركان ~~في الميراث، فإن لم يكن جد فالأخ للأب والأم ثم الأخ للأب ثم بنو الإخوة ~~يقدم أقربهم سواء كان لأب وأم أو لأب، فإن استويا في الدرجة فالذي هو لأب ~~وأم أولى ثم العم للأب والأم ثم العم للأب ثم بنوهم على ترتيب بني ~~الإخوة، ثم عم الأب ثم عم الجد على هذا الترتيب. فإن لم يكن أحد من ~~عصبات النسب وعلى الميت ولاء فالميراث للمعتق، فإن لم يكن حيا فلعصبات ~~المعتق. وأربعة من الذكور يعصبون الإناث، الابن وابن الابن والأخ للأب ~~والأم والأخ للأب حتى لو مات عن ابن وبنت أو عن أخ وأخت لأب وأم أو لأب ~~فإنه يكون المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، ولا يفرض للبنت والأخت. # وكذلك ابن الابن يعصب من في درجته من الإناث، ومن فوقه إذا لم يأخذ من ~~الثلثين شيئا حتى لو مات عن بنتين وبنت ابن فللبنتين الثلثان ولا ms0508 شيء ~~لبنت الابن، فإن كان في درجتها ابن ابن أو أسفل منها ابن ابن ابن كان ~~الباقي بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين. والأخت للأب والأم وللأب تكون عصبة ~~مع البنت حتى لو مات عن بنت وأخت كان النصف للبنت والباقي للأخت، لو مات ~~عن بنتين وأخت فللبنتين الثلثان والباقي للأخت. والدليل عليه ما أخبرنا ~~عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا ~~محمد بن إسماعيل أنا آدم أنا شعبة أنا أبو قيس قال: سمعت هذيل بن شرحبيل ~~قال: سئل أبو موسى عن ابنة وبنت ابن وأخت فقال: للبنت النصف وللأخت ~~النصف، وائت ابن مسعود فسيتابعني فسئل ابن مسعود وأخبر بقول أبي موسى ~~فقال: لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين أقضي فيها بما قضى به رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: للبنت النصف ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين وما ~~بقي فللأخت، فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود رضي الله عنه، ~~فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم. # رجعنا إلى تفسير الآية: واختلفوا في سبب نزولها. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسمعيل أخبرنا أبو الوليد أنا شعبة عن محمد بن المنكدر: # سمعت جابرا يقول جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني وأنا مريض ~~لا أعقل فتوضأ وصب علي من وضوئه فعقلت، فقلت: يا رسول الله لمن ~~الميراث إنما يرثني كلالة؟ فنزلت آية الفرائض. # وقال مقاتل والكلبي: نزلت في أم كجة امرأة أوس بن ثابت وبناته. # وقال عطاء: # " استشهد سعد بن الربيع النقيب يوم أحد وترك امرأة وبنتين وأخا، فأخذ ~~الأخ المال فأتت امرأة سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بابنتي سعد ~~[فقالت: يا رسول الله إن هاتين ابنتا سعد وإن سعد] قتل يوم أحد ~~شهيدا، وإن عمهما أخذ مالهما ولا تنكحان إلا ولهما مال، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «ارجعي فلعل الله سيقضي في ذلك»، فنزل ms0509 { ~~يوصيكم الله } إلى آخرها، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عمهما فقال له: «أعط ابنتي سعد الثلثين وأمهما الثمن وما بقي فهو لك» ~~" # ، فهذا أول ميراث قسم في الإسلام. # قوله عز وجل: { يوصيكم الله في أولدكم } أي: يعهد ~~إليكم ويفرض عليكم في أولادكم، أي: في أمر أولادكم إذا متم، للذكر مثل حظ ~~الأنثيين. { فإن كن } ، يعني: المتروكات من الأولاد، { نسآء ~~فوق اثنتين } ، أي: ابنتين فصاعدا { فوق } صلة، كقوله تعالى: # فاضربوا فوق الأعنق # [الأنفال: 12]، { فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت } ، يعني: ~~البنت، { وحدة } ، قراءة العامة بالنصب على خبر كان، ورفعها أهل ~~المدينة على معنى: إن وقعت واحدة، { فلها النصف ولأبويه } ، ~~يعني لأبوي الميت، كناية عن غير مذكور، { لكل وحد منهما ~~السدس مما ترك إن كان له ولد } ، أراد أن الأب والأم ~~يكون لكل واحد منهما سدس الميراث عند وجود الولد أو ولد الابن، والأب ~~يكون صاحب فرض { فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه ~~فلأمه الثلث } ، قرأ حمزة والكسائي { فلأمه } بكسر الهمزة ~~استثقالا للضمة بعد الكسرة، وقرأ الآخرون بالضم على الأصل { فإن كان ~~له إخوة } اثنان أو أكثر ذكورا أو إناثا { فلأمه السدس ~~} ، والباقي يكون للأب إن كان معها أب، والإخوة لا ميراث لهم مع الأب، ~~ولكنهم يحجبون الأم من الثلث إلى السدس. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~لا يحجب الإخوة الأم من الثلث إلى السدس إلا أن يكونوا ثلاثة، وقد تفرد ~~به، وقال: لأن الله تعالى قال: { فإن كان له إخوة فلأمه ~~السدس } ، ولا يقال للاثنين إخوة، فنقول اسم الجمع قد يقع على ~~التثنية لأن الجمع ضم شيء إلى شيء وهو موجود في الاثنين كما قال الله ~~تعالى: # فقد صغت قلوبكما # [التحريم: 4] ذكر القلب بلفظ الجمع، وأضافه إلى الاثنين. قوله تعالى: { ~~من بعد وصية يوصى بهآ أو دين } ، قرأ ابن كثير وابن ~~عامر وأبو بكر { يوصى } بفتح الصاد على ما لم يسم فاعله، وكذلك ~~الثانية، ووافق حفص في الثانية، وقرأ الآخرون بكسر الصاد لأنه جرى ذكر ~~الميت من ms0510 قبل، بدليل قوله تعالى: { من بعد وصية يوصين بهآ ~~} ، و { توصون }. # قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «إنكم تقرؤون الوصية قبل الدين، ~~وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدين قبل الوصية». # وهذا إجماع أن الدين مقدم على الوصية. ومعنى الآية الجمع لا الترتيب، ~~وبيان أن الميراث مؤخر عن الدين والوصية جميعا، معناه: من بعد وصية إن ~~كانت، أو دين إن كان، فالإرث مؤخر عن كل واحد منهما. { ءابآؤكم ~~وأبناؤكم } ، يعني: الذين يرثونكم آباؤكم وأبناؤكم، { لا تدرون ~~أيهم أقرب لكم نفعا } ، أي: لا تعلمون أيهم أنفع لكم في ~~الدين والدنيا فمنكم من يظن أن الأب أنفع له، فيكون الابن أنفع له، ومنكم ~~من يظن أن الابن أنفع له فيكون الأب أنفع له، وأنا العالم بمن هو أنفع ~~لكم، وقد دبرت أمركم على ما فيه المصلحة فاتبعوه، وقال عبد الله بن ~~عباس رضي الله عنهما: أطوعكم لله عز وجل من الآباء والأبناء أرفعكم ~~درجة يوم القيامة، والله تعالى يشفع المؤمنين بعضهم في بعض، فإن كان ~~الوالد أرفع درجة في الجنة رفع إليه ولده وإن كان الولد أرفع درجة رفع ~~إليه والده لتقر بذلك أعينهم، { فريضة من الله } ، أي: ما ~~قدرمن المواريث، { إن الله كان عليما } ، بأمور العباد، { ~~حكيما } ، بنصب الأحكام. ### || [4.12] # قوله تعالى: { ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم ~~يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع ~~مما تركن من بعد وصية يوصين بهآ أو دين } ، ~~وهذا في ميراث الأزواج، { ولهن الربع } ، يعني: للزوجات الربع، ~~{ مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ~~ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية ~~توصون بهآ أو دين } ، هذا في ميراث الزوجات وإذا كان للرجل ~~أربع نسوة فهن يشتركن في الربع والثمن. قوله تعالى: { وإن كان رجل ~~يورث كللة أو امرأة } تورث كلالة، ونظم الآية: وإن كان ~~رجل أو امرأة يورث كلالة وهو نصب على المصدر، وقيل: على خبر ما لم ~~يسم فاعله، تقديره: إن كان رجل يورث ms0511 ماله كلالة. واختلفوا في الكلالة ~~فذهب أكثر الصحابة إلى أن الكلالة من لا ولد له ولا والد له. ~~وروي عن الشعبي قال: سئل أبو بكر رضي الله عنه عن الكلالة فقال: إني ~~سأقول فيها قولا برأيي فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن ~~الشيطان، أراه ما خلا الوالد والولد، فلما استخلف عمر رضي الله عنهما ~~قال: إني لأستحيي من الله أن أرد شيئا قاله أبو بكر رضي الله عنه. ~~وذهب طاووس إلى أن الكلالة من لا ولد له، وهو إحدى الروايتين عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما، وأحد القولين عن عمر رضي الله عنه، واحتج من ذهب ~~إلى هذا بقول الله تعالى: { قل الله يفتيكم فى الكللة ~~إن امرؤ هلك ليس له ولد } ، وبيانه عند العامة مأخوذ من ~~حديث جابر بن عبد الله، لأن الآية نزلت فيه ولم يكن له يوم نزولها أب ولا ~~ابن، لأن أباه عبد الله بن حرام قتل يوم أحد، وآية الكلالة نزلت في ~~آخر عمر النبي صلى الله عليه وسلم، فصار شأن جابر بيانا لمراد الآية ~~لنزولها فيه. واختلفوا في أن الكلالة اسم لمن؟ فمنهم من قال: اسم للميت، ~~وهو قول علي وابن مسعود رضي الله عنهما، لأنه مات عن ذهاب طرفيه، فكل ~~عمود نسبه، ومنهم من قال: اسم للورثة، وهو قول سعيد بن جبير، لأنهم ~~يتكللون الميت من جوانبه، وليس في عمود نسبه أحد، كالإكليل يحيط بالرأس ~~ووسط الرأس منه خال، وعليه يدل حديث جابر رضي الله عنه حيث قال: إنما ~~يرثني كلالة، أي: يرثني ورثة ليسوا بولد ولا والد. وقال النضر بن شميل: ~~الكلالة اسم للمال، وقال أبو الخير: سأل رجل عقبة عن الكلالة فقال: ألا ~~تعجبون من هذا يسألني عن الكلالة، وما أعضل بأصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم شيء ما أعضلت بهم الكلالة. # وقال عمر رضي الله عنه «ثلاث لأن يكون النبي صلى الله عليه وسلم ~~بينهن لنا أحب إلينا من الدنيا وما فيها: الكلالة والخلافة وأبواب ~~الربا». ms0512 # وقال معدان بن أبي طلحة: # " خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: إني لا أدع بعدي شيئا أهم عندي ~~من الكلالة، ما راجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء ما راجعته ~~في الكلالة، وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي في الكلالة، حتى طعن بأصبعه ~~في صدري قال: «يا عمر ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء» ~~وإني إن أعش أقض فيها بقضية يقضي فيها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ ~~القرآن ". # وقوله: ألا تكفيك آية الصيف؟ أراد: أن الله عز وجل أنزل في الكلالة ~~آيتين إحداهما في الشتاء وهي التي في أول سورة النساء والأخرى في الصيف، ~~وهي التي في آخرها، وفيها من البيان ما ليس في آية الشتاء، فلذلك أحاله ~~عليها. قوله تعالى: { وله أخ أو أخت فلكل وحد ~~منهما السدس } ، أراد به الأخ والأخت من الأم بالاتفاق، قرأ ~~سعد بن أبي وقاص «وله أخ أو أخت من أم» ولم يقل لهما مع ذكر الرجل ~~والمرأة من قبل، على عادة العرب إذا ذكرت اسمين ثم أخبرت عنهما، وكانا في ~~الحكم سواء ربما أضافت إلى أحدهما، وربما أضافت إليهما، كقوله تعالى: # واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة # [البقرة: 153]، { فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركآء ~~فى الثلث } ، فيه إجماع أن أولاد الأم إذا كانوا اثنين فصاعدا ~~يشتركون في الثلث ذكرهم وأنثاهم، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في ~~خطبته: ألا إن الآية التي أنزل الله تعالى في أول سورة النساء في شأن ~~الفرائض أنزلها في الولد والوالد. والآية الثانية في الزوج والزوجة ~~والإخوة من الأم، والآية التي ختم بها سورة النساء في الإخوة والأخوات ~~من الأب والأم، والآية التي ختم بها سورة الأنفال أنزلها في أولي الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض في كتاب الله، { من بعد وصية يوصى بهآ ~~أو دين غير مضآر } أي: غير مدخل الضرر على الورثة بمجاوزة ~~الثلث في الوصية، قال الحسن هو أن يوصي بدين ليس عليه، { وصية من ~~الله ms0513 والله عليم حليم } ، قال قتادة: كره الله الضرار في ~~الحياة وعند الموت، ونهى عنه وقدم فيه. ### || [4.13-14] # { تلك حدود الله } ، يعني: ما ذكر من الفروض المحدودة، { ومن ~~يطع الله ورسوله يدخله جنت تجرى من تحتها ~~الأنهار خلدين فيها وذلك الفوز العظيم }. # { ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ~~نارا خالدا فيها وله عذاب مهين } ، قرأ أهل المدينة ~~وابن عامر «ندخله جنات، وندخله نارا»، وفي سورة الفتح (ندخله) ~~و(نعذبه) وفي سورة التغابن (نكفر) و(ندخله) وفي سورة الطلاق (ندخله) ~~بالنون فيهن، وقرأ الآخرون بالياء. ### || [4.15] # قوله عز وجل: { واللاتي يأتين الفحشة } ، يعني: الزنا، ~~{ من نسآئكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم } ~~، يعني: من المسلمين، وهذا خطاب للحكام، أي: فاطلبوا عليهن أربعة من ~~الشهود، وفيه بيان أن الزنا لا يثبت إلا بأربعة من الشهود. { فإن ~~شهدوا فأمسكوهن } ، فاحبسوهن، { في البيوت حتى ~~يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا } ، ~~وهذا كان في أول الإسلام قبل نزول الحدود، كانت المرأة إذا زنت حبست في ~~البيت حتى تموت، ثم نسخ ذلك في حق البكر بالجلد والتغريب، وفي حق الثيب ~~بالجلد والرجم. # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا ~~أبو العباس الأصم أنا الربيع أخبرنا الشافعي رضي الله عنه أخبرنا عبد ~~الوهاب عن يونس عن الحسن عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " خذوا عني خذوا عني: قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد ~~مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم ". # قال الشافعي رضي الله عنه: وقد حدثني الثقة أن الحسن كان يدخل بينه ~~وبين عبادة حطان الرقاشي، ولا أدري أدخله عبد الوهاب بينهما فنزل عن ~~كتابي أم لا. قال شيخنا الإمام: الحديث صحيح رواه مسلم بن الحجاج عن ~~محمد بن المثنى عن عبد الأعلى عن سعيد عن قتادة عن الحسن عن حطان بن عبد ~~الله عن عبادة، ثم نسخ الجلد في حق الثيب وبقي الرجم عند أكثر أهل ~~العلم. وذهب طائفة إلى أنه ms0514 يجمع بينهما. روي عن علي رضي الله عنه: أنه ~~جلد شراحة الهمدانية يوم الخميس مائة ثم رجمها يوم الجمعة، ~~وقال: «جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم». ~~وعامة العلماء على أن الثيب لا يجلد مع الرجم لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم رجم ماعزا والغامدية ولم يجلدهما. وعند أبي حنيفة رضي الله عنه: ~~التغريب أيضا منسوخ في حق البكر. وأكثر أهل العلم على أنه ثابت. # روى نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~ضرب وغرب، وأن أبا بكر رضي الله عنه ضرب وغرب، وأن عمر رضي ~~الله عنه ضرب وغرب. # واختلفوا في أن الإمساك في البيت كان حدا فنسخ أم كان حبسا ليظهر ~~الحد؟ على قولين. ### || [4.16] # قوله تعالى: { واللذان يأتيانها منكم } ، يعني: الرجل ~~والمرأة، والهاء راجعة إلى الفاحشة، قرأ ابن كثير «اللذان، واللذين، ~~وهاتان، وهذان» مشددة النون للتأكيد، ووافقه أهل البصرة في (فذانك) ~~والآخرون بالتخفيف، قال أبو عبيدة: خص أبو عمرو (فذانك) بالتشديد لقلة ~~الحروف في الاسم { فآذوهما } قال عطاء وقتادة: فعيروهما باللسان: ~~أما خفت الله؟ أما استحيت من الله حيث زنيت؟ قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: سبوهما واشتموهما، قال ابن عباس: هو باللسان واليد يؤذى ~~بالتعيير وضرب النعال. فإن قيل: ذكر الحبس في الآية الأولى وذكر في ~~هذه الآية الإيذاء، فكيف وجه الجمع؟. قيل: الآية الأولى في النساء وهذه ~~في الرجال، وهو قول مجاهد، وقيل: الآية الأولى في الثيب وهذه في البكر. { ~~فإن تابا } ، من الفاحشة { وأصلحا } ، العمل فيما بعد، { ~~فأعرضوا عنهمآ } ، فلا تؤذوهما، { إن الله كان ~~توابا رحيما }. وهذا كله كان قبل نزول الحدود، فنسخت بالجلد ~~والرجم، فالجلد في القرآن قال الله تعالى: # الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما ~~مائة جلدة # [النور: 2] والرجم في السنة. # أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد ~~السرخسي أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن ~~مالك عن ابن شهاب عن ms0515 عبيد الله بن عتبة بن مسعود عن أبي هريرة وزيد بن ~~خالد الجهني رضي الله عنهما أنهما أخبراه: # " أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما: ~~اقض يا رسول الله بيننا بكتاب الله، وقال الآخر وكان أفقههما: أجل يا ~~رسول الله فاقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي أن أتكلم، قال: تكلم، قال: ~~إن ابني كان عسيفا على هذا، فزنى بامرأته فأخبروني أن على ابني الرجم، ~~فافتديت منه بمائة شاة وبجارية لي، ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أنما ~~على ابني جلد مائة وتغريب سنة، وإنما الرجم على امرأته، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «أما والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، ~~أما غنمك وجاريتك فرد عليك، وجلد ابنه مائة وغربه عاما، وأمر ~~أنيس الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر فإن اعترفت رجمها» فاعترفت، فرجمها ~~". # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا ~~محمد بن يوسف، أنا محمد ابن إسماعيل، أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله، ~~حدثني إبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن ~~عتبة بن مسعود عن ابن عباس قال: قال عمر رضي الله عنه: # «إن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق وأنزل عليه ~~الكتاب، فكان مما أنزل الله تعالى آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعيناها، ~~رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس ~~زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله تعالى، فيضلوا ~~بترك فريضة أنزلها الله تعالى، والرجم في كتاب الله تعالى حق على من ~~زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة أو كان الحبل أو ~~الاعتراف». # وجملة حد الزنا: أن الزاني إذا كان محصنا - وهو الذي اجتمع فيه أربعة ~~أوصاف: العقل والبلوغ والحرية والإصابة بالنكاح الصحيح - فحده الرجم، ~~مسلما كان أو ذميا، وهو المراد من الثيب المذكور في الحديث، وذهب أصحاب ~~الرأي إلى أن الإسلام من ms0516 شرائط الإحصان، ولا يرجم الذمي. وقد صح عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رجم يهوديين زنيا، وكانا قد أحصنا. # وإن كان الزاني غير محصن بأن لم تجتمع فيه هذه الأوصاف نظر: إن كان ~~غير بالغ أو كان مجنونا فلا حد عليه، وإن كان حرا عاقلا بالغا، ~~غير أنه لم يصب بنكاح صحيح فعليه جلد مائة وتغريب عام، وإن كان عبدا ~~فعليه جلد خمسين، وفي تغريبه قولان، إن قلنا يغرب فيه قولان، أصحهما ~~نصف سنة كما يجلد خمسين على نصف حد الحر. ### || [4.17] # قوله تعالى: { إنما التوبة على الله } قال الحسن: يعني ~~التوبة التي يقبلها، فيكون على بمعنى عند، وقيل: من الله، { للذين ~~يعملون السوء بجهلة } ، قال قتادة: أجمع أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على أن كل ما عصي به الله فهو جهالة عمدا كان أو ~~لم يكن، وكل من عصى الله فهو جاهل. وقال مجاهد: المراد من الآية: ~~العمد، قال الكلبي: لم يجهل أنه ذنب لكنه جهل عقوبته، وقيل: معنى ~~الجهالة: اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية. { ثم يتوبون ~~من قريب } ، قيل: معناه قبل أن يحيط السوء بحسناته فيحبطها، وقال ~~السدي والكلبي: القريب: أن يتوب في صحته قبل مرض موته، وقال عكرمة: ~~قبل الموت، وقال الضحاك: قبل معاينة ملك الموت. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا عبد الرحمن بن أبي شريح أنا أبو ~~القاسم عبد الله بن محمد ابن عبد العزيز البغوي أنا علي بن الجعد أنا ابن ~~ثوبان وهو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن جبير بن نفير ~~عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: # عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ". # وأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أبا منصور محمد بن محمد بن ~~سمعان أنا أبو جعفر محمد ابن أحمد بن عبد الجبار الرياني أنا حميد بن ~~زنجويه أنا أبو الأسود أنا ابن لهيعة عن دراج عن ms0517 أبي الهيثم عن أبي ~~سعيد الخدري رضي الله عنهما: # أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الشيطان قال: وعزتك يارب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم ~~في أجسادهم، فقال الرب: وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لا أزال أغفر لهم ما ~~استغفروني ". # قوله تعالى: { فأولئك يتوب الله عليهم وكان ~~الله عليما حكيما }. ### || [4.18-19] # { وليست التوبة للذين يعملون السيئات } ، ~~يعني: المعاصي { حتى إذا حضر أحدهم الموت } ، ووقع في ~~النزع، { قال إني تبت الآن } ، وهي حال السوق حين تساق روحه، ~~لا يقبل من كافر إيمان ولا من عاص توبة، قال الله تعالى: # فلم يك ينفعهم إيمنهم لما رأوا بأسنا # [غافر: 85]، ولذلك لم ينفع إيمان فرعون حين أدركه الغرق. { ولا ~~الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا } ، أي: ~~هيأنا وأعددنا، { لهم عذابا أليما }. # { يأيها الذين ءامنوا لا يحل لكم أن ترثوا ~~النسآء كرها } نزلت في أهل المدينة كانوا في الجاهلية وفي أول ~~الإسلام، إذا مات الرجل وله امرأة جاء ابنه من غيرها أو قريبه من عصبته ~~فألقى ثوبه على تلك المرأة وعلى خبائها، فصار أحق بها من نفسها ومن ~~غيره، فإن شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداق الأول الذي أصدقها الميت، وإن ~~شاء زوجها غيره وأخذ صداقها، وإن شاء عضلها ومنعها من الأزواج يضارها ~~لتفتدي منه بما ورثته من الميت، أو تموت هي فيرثها، فإن ذهبت المرأة إلى ~~أهلها قبل أن يلقي عليها ولي زوجها ثوبه فهي أحق بنفسها، فكانوا على هذا ~~حتى توفي أبو قيس بن الأسلت الأنصاري وترك امرأته كبيشة بنت معن ~~الأنصارية، فقام ابن له من غيرها يقال له حصن، وقال مقاتل بن حيان: اسمه ~~قيس بن أبي قيس، فطرح ثوبه عليها فورث نكاحها، ثم تركها ولم ينفق عليها، ~~يضارها لتفتدي منه، فأتت كبيشة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ~~يا رسول الله إن أبا قيس توفي وورث نكاحي ابنه فلا هو ينفق علي ولا ~~يدخل بي ولا يخلي سبيلي، فقال: # " اقعدي في بيتك حتى يأتي فيك أمر الله ms0518 " # ، فأنزل الله تعالى هذه الآية: (يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ~~ترثوا النساء كرها). # قرأ حمزة والكسائي: كرها بضم الكاف، هاهنا وفي التوبة وقرأ الباقون ~~بالفتح، قال الكسائي: هما لغتان. قال الفراء: الكره بالفتح ما أكره ~~عليه، وبالضم ما كان من قبل نفسه من المشقة. { ولا تعضلوهن ~~لتذهبوا ببعض مآ ءاتيتموهن } ، أي: لا تمنعوهن من ~~الأزواج لتضجر فتفتدي ببعض مالها، قيل: هذا خطاب لأولياء الميت، والصحيح ~~أنه خطاب للأزواج. قال ابن عباس رضي الله عنهما: هذا في الرجل تكون له ~~المرأة وهو كاره لصحبتها ولها عليه مهر فيضارها لتفتدي وترد إليه ما ~~ساق إليها من المهر، فنهى الله تعالى عن ذلك، ثم قال: { إلا أن ~~يأتين بفاحشة مبينة } فحينئذ يحل لكم إضرارهن ليفتدين ~~منكم. واختلفوا في الفاحشة، فقال ابن مسعود وقتادة: هي النشوز، وقال ~~بعضهم وهو قول الحسن: هي الزنا، يعني: المرأة إذا نشزت، أو زنت حل ~~للزوج أن يسألها الخلع، وقال عطاء: كان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة ~~أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها فنسخ الله تعالى ذلك بالحدود. وقرأ ابن ~~كثير وأبو بكر { مبينة، ومبينات } بفتح الياء، وافق أهل المدينة ~~والبصرة في { مبينات } والباقون بكسرها. { وعاشروهن ~~بالمعروف } ، قال الحسن: رجع إلى أول الكلام، يعني { وآتوا ~~النسآء صدقاتهن نحلة } { وعاشروهن بالمعروف ~~} والمعاشرة بالمعروف: هي الإجمال في القول والمبيت والنفقة، وقيل: هو ~~أن يتصنع لها كما تتصنع له، { فإن كرهتموهن فعسى أن ~~تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا } ، قيل: ~~هو ولد صالح، أو يعطفه الله عليها. ### || [4.20] # { وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج } ، أراد ~~بالزوج الزوجة ولم يكن من قبلها نشوز ولا فاحشة، { وءاتيتم ~~إحداهن قنطارا } ، وهو المال الكثير، صداقا، { فلا ~~تأخذوا منه } ، من القنطار، { شيئا أتأخذونه } ، ~~استفهام بمعنى التوبيخ، { بهتنا وإثما مبينا } ، انتصابهما ~~من وجهين أحدهما بنزع الخافض، والثاني: بالاضمار تقديره: تصيبون في أخذه ~~بهتانا وإثما ثم قال: { وكيف تأخذونه }. ### || [4.21-22] # { وكيف تأخذونه } ، على طريق الاستعظام، { وقد أفضى ~~بعضكم إلى بعض } ، أراد به المجامعة، ولكن الله ms0519 حيي يكني، ~~وأصل الإفضاء: الوصول إلى الشيء من غير واسطة. { وأخذن منكم ~~ميثقا غليظا } ، قال الحسن وابن سيرين والضحاك وقتادة: هو قول ~~الولي عند العقد: زوجتكها على ما أخذ الله للنساء على الرجال من إمساك ~~بمعروف أو تسريح بإحسان. # وقال الشعبي وعكرمة: هو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله تعالى واستحللتم ~~فروجهن بكلمة الله تعالى ". # قوله عز وجل: { ولا تنكحوا ما نكح آبآؤكم من النسآء } ، ~~كان أهل الجاهلية ينكحون أزواج آبائهم، قال الأشعث بن سوار: توفي أبو ~~قيس وكان من صالحي الأنصار فخطب ابنه قيس امرأة أبيه فقالت: إني اتخذتك ~~ولدا وأنت من صالحي قومك، ولكني آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أستأمره، فأتته فأخبرته، فأنزل الله تعالى: { ولا تنكحوا ما ~~نكح آبآؤكم من النسآء إلا ما قد سلف } ، قيل: بعد ~~ما سلف، وقيل: معناه لكن ما سلف، أي: ما مضى في الجاهلية فهو معفو عنه، { ~~إنه كان فحشة } أي: إنه فاحشة، و«كان» فيه صلة، والفاحشة ~~أقبح المعاصي، { ومقتا } أي: يورث مقت الله، والمقت: أشد البغض، ~~{ وسآء سبيلا } وبئس ذلك طريقا وكانت العرب تقول لولد الرجل من ~~امرأة أبيه (مقيت) وكان منهم الأشعث بن قيس وأبو معيط بن أبي عمرو بن ~~أمية. # أخبرنا محمد بن الحسن المروزي أخبرنا أبو سهل محمد بن عمرو السجزي أنا ~~الإمام أبو سليمان الخطابي أنا أحمد بن هشام الحضرمي أنا أحمد بن عبد ~~الجبار العطاردي عن حفص بن غياث عن أشعث ابن سوار عن عدي بن ثابت # " عن البراء بن عازب قال: مر بي خالي ومعه لواء فقلت: أين تذهب؟ قال: ~~بعثني النبي صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه آتيه برأسه ". ### || [4.23] # قوله تعالى: { حرمت عليكم أمهاتكم } الآية، بين الله ~~تعالى في هذه الآية المحرمات بسبب الوصلة، وجملة المحرمات في كتاب ~~الله تعالى أربع عشرة: سبع بالنسب، وسبع بالسبب. فأما السبع بالسبب ~~فمنها اثنتان بالرضاع وأربع بالصهرية والسابعة المحصنات، ms0520 وهن ذوات ~~الأزواج. # وأما السبع بالنسب قوله تعالى: { حرمت عليكم أمهاتكم } ~~وهي جمع أم ويدخل فيه الجدات وإن علون من قبل الأم ومن قبل ~~الأب، { وبنتكم } ، جمع: البنت، فيدخل فيهن بنات الأولاد وإن ~~سفلن، { وأخوتكم } ، جمع الأخت سواء كانت من قبل الأب والأم ~~أو من قبل أحدهما، { وعمتكم } جمع العمة، ويدخل فيهن جميع ~~أخوات آبائك وأجدادك وإن علون، { وخلتكم } جمع خالة، ويدخل ~~فيهن جميع أخوات أمهاتك وجداتك، { وبنات الأخ وبنات الأخت } ~~، فيدخل فيهن بنات أولاد الأخ والأخت وإن سفلن، وجملته: أنه يحرم على ~~الرجل أصوله وفصوله وفصول أول أصوله وأول فصل من كل أصل بعده، والأصول ~~هي الأمهات والجدات، والفصول البنات وبنات الأولاد، وفصول أول أصوله هي ~~الأخوات وبنات الإخوة والأخوات، وأول فصل من كل أصل بعده هن العمات ~~والخالات وإن علون. وأما المحرمات بالرضاع فقوله تعالى: { ~~وأمهتكم اللاتى أرضعنكم وأخوتكم من ~~الرضاعة }. وجملته: أنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا ~~أبو مصعب عن مالك عن عبد الله بن دينار عن سليمان بن يسار عن عروة بن ~~الزبير عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: # أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة ". # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي قال: ~~أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة بنت عبد الرحمن ~~عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها أخبرتها: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عندها وأنها سمعت صوت رجل ~~يستأذن في بيت حفصة، فقالت عائشة رضي الله عنها فقلت: يا رسول الله لو ~~كان فلان حيا لعمها من الرضاعة أيدخل علي؟ فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «نعم إن الرضاعة تحرم ما يحرم من الولادة» ". # وإنما تثبت حرمة الرضاع بشرطين، أحدهما: أن يكون قبل استكمال المولود ~~حولين، لقوله تعالى: # والوالدات يرضعن ms0521 أولادهن حولين كاملين # [البقرة: 233]. # وروي عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء ". # وعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا رضاع إلا ما أنشز العظم وأنبت اللحم ". # وإنما يكون هذا في حال الصغر. وعند أبي حنيفة رضي الله عنه: مدة الرضاع ~~ثلاثون شهرا، لقوله تعالى: # وحمله وفصله ثلاثون شهرا # [الأحقاف: 15]، وهو عند الأكثرين لأقل مدة الحمل، وأكثر مدة الرضاع وأقل ~~مدة الحمل ستة أشهر. والشرط الثاني أن يوجد خمس رضعات متفرقات، يروى ذلك ~~عن عائشة رضي الله عنها، وبه قال عبد الله بن الزبير وإليه ذهب الشافعي ~~رحمه الله تعالى. وذهب أكثر أهل العلم إلى أن قليل الرضاع وكثيره يحرم، ~~وهو قول ابن عباس وابن عمر، وبه قال سعيد بن المسيب وإليه ذهب سفيان ~~الثوري، ومالك والأوزاعي وعبد الله بن المبارك وأصحاب الرأي. واحتج من ~~ذهب إلى أن القليل لا يحرم بما أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو ~~سعيد محمد بن موسى الصيرفي أنا أبو العباس الأصم أنا محمد بن عبد الله بن ~~عبد الحكم أنا أنس بن عياض عن هشام ابن عروة عن أبيه عن عبد الله بن ~~الزبير يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تحرم المصة من الرضاع والمصتان ". # هكذا روى بعضهم هذا الحديث. # ورواه عبد الله بن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير عن عائشة رضي الله ~~عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الصحيح. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا ~~أبو مصعب عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمر بن حزم عن عمرة ~~بنت عبد الرحمن عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت: كان فيما ~~أنزل في القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ms0522 وهن فيما يقرأ من القرآن. # وأما المحرمات بالصهرية فقوله: { وأمهت نسآئكم } ، وجملته ~~أن كل من عقد النكاح على امرأة فتحرم على الناكح أمهات المنكوحة وجداتها ~~وإن علون من الرضاعة والنسب بنفس العقد. { وربائبكم اللتى ~~فى حجوركم من نسآئكم اللتى دخلتم بهن } ، ~~والربائب جمع: ربيبة: وهي بنت المرأة، سميت ربيبة لتربيته إياها، ~~وقوله: { فى حجوركم } أي: في تربيتكم، يقال: فلان في حجر فلان إذا ~~كان في تربيته، { دخلتم بهن } أي: جامعتموهن. ويحرم عليه أيضا ~~بنات المنكوحة وبنات أولادها، وإن سفلن من الرضاع والنسب بعد الدخول ~~بالمنكوحة، حتى لو فارق المنكوحة قبل الدخول بها أو ماتت جاز له أن ~~ينكح بنتها، [ولا يجوز له أن ينكح أمها] لأن الله تعالى أطلق تحريم ~~الأمهات وقال في تحريم الربائب: { فإن لم تكونوا دخلتم ~~بهن فلا جناح عليكم } ، يعني: في نكاح بناتهن إذا ~~فارقتموهن أو متن. # وقال علي رضي الله عنه: أم المرأة لا تحرم إلا بالدخول بالبنت كالربيبة. ~~{ وحلئل أبنآئكم الذين من أصلبكم } ، يعني: ~~أزواج أبنائكم، واحدتها: حليلة، والذكر حليل، سميا بذلك لأن كل ~~واحد منها [حلال لصاحبه، وقيل: سميا بذلك لأن كل واحد منهما] يحل حيث ~~يحل صاحبه من الحلول وهو النزول، وقيل: إن كل واحد منهما يحل إزار ~~صاحبه من الحل وهو ضد العقل. وجملته: أنه يحرم على الرجل حلائل ~~أبنائه وأبناء أولاده وإن سفلوا من الرضاع والنسب بنفس العقد، وإنما ~~قال: «من أصلابكم» ليعلم أن حليلة المتبنى لا تحرم على الرجل الذي ~~تبناه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة زيد بن حارثة، وكان ~~زيد قد تبناه رسول الله صلى الله عليه وسلم. والرابع من المحرمات ~~بالصهرية: حليلة الأب والجد وإن علا، فيحرم على الولد وولد الولد ~~بنفس العقد سواء كان الأب من الرضاع أو من النسب، لقوله تعالى: { ولا ~~تنكحوا ما نكح آباؤكم من النسآء } ، وقد سبق ذكره. ~~وكل امرأة تحرم عليك بعقد النكاح تحرم بالوطء في ملك اليمين، والوطء ~~بشبهة النكاح، حتى لو وطىء امرأة بالشبهة أو جارية ms0523 بملك اليمين فتحرم على ~~الواطىء أم الموطوءة وابنتها وتحرم الموطوءة على أب الواطىء وعلى ابنه. ~~ولو زنى بامرأة فقد اختلف فيه أهل العلم: فذهبت جماعة إلى أنه لا تحرم ~~على الزاني أم المزني بها وابنتها، وتحرم الزانية على أب الزاني ~~وابنه، وهو قول علي وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما، وبه قال سعيد ~~بن المسيب وعروة والزهري، وإليه ذهب مالك والشافعي رحمهم الله تعالى. ~~وذهب قوم إلى التحريم، يروى ذلك عن عمران بن حصين وأبي هريرة رضي ~~الله عنهما، وبه قال جابر ابن زيد والحسن وهو قول أصحاب الرأي. ولو لمس ~~امرأة بشهوة أو قبلها، فهل يجعل ذلك كالدخول في إثبات حرمة المصاهرة؟ ~~وكذلك لو لمس امرأة بشهوة فهل يجعل كالوطء في تحريم الربيبة؟ فيه قولان، ~~أصحهما وهو قول أكثر أهل العلم أنه تثبت به الحرمة، والثاني: لا تثبت كما ~~لا تثبت بالنظر بالشهوة. قوله تعالى: { وأن تجمعوا بين ~~الأختين } ، لا يجوز للرجل أن يجمع بين الأختين في النكاح سواء كانت ~~الإخوة بينهما بالنسب أو بالرضاع، فإذا نكح امرأة ثم طلقها بائنا جاز ~~له نكاح أختها، وكذلك لو ملك أختين بملك اليمين لم يجز له أن يجمع بينهما ~~في الوطء، فإذا وطىء إحداهما لم يحل له وطء الأخرى حتى يحرم الأولى ~~على نفسه. وكذلك لا يجوز أن يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة ~~وخالتها لما أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق ~~الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي ~~الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها ". # قوله تعالى: { إلا ما قد سلف } يعني: لكن ما مضى فهو معفو ~~عنه، لأنهم كانوا يفعلونه قبل الإسلام، وقال عطاء والسدي: إلا ما كان من ~~يعقوب عليه السلام فإنه جمع بين ليا أم يهوذا وراحيل أم يوسف، وكانتا ~~أختين. { إن الله كان غفورا رحيما }. ### || [4.24] # قوله تعالى: { والمحصنات ms0524 من النسآء إلا ما ملكت ~~أيمانكم } ، يعني: ذوات الأزواج، لا يحل للغير نكاحهن قبل مفارقة ~~الأزواج، وهذه السابعة من النساء اللاتي حرمت بالسبب. # قال أبو سعيد الخدري: نزلت في نساء كن يهاجرن إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولهن أزواج فيتزوجهن بعض المسلمين، ثم يقدم أزواجهن ~~مهاجرين فنهى الله المسلمين عن نكاحهن. # ثم استثنى فقال: { إلا ما ملكت أيمانكم } ، يعني: السبايا ~~اللواتي سبين ولهن أزواج في دار الحرب فيحل لمالكهن وطؤهن بعد ~~الاستبراء، لأن بالسبي يرتفع النكاح بينها وبين زوجها. # قال أبو سعيد الخدري: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين ~~جيشا إلى أوطاس فأصابوا سبايا لهن أزواج من المشركين، فكرهوا غشيانهن، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وقال عطاء: أراد بقوله { إلا ما ملكت أيمانكم } أن تكون ~~أمته في نكاح عبده فيجوز أن ينزعها منه. وقيل: أراد بالمحصنات الحرائر ~~ومعناه: أن ما فوق الأربع حرام منهن إلا ما ملكت أيمانكم، فإنه لا عدد ~~عليكم في الجواري. قوله تعالى: { كتب الله عليكم } ، نصب ~~على المصدر، أي: كتب الله عليكم كتاب الله، وقيل: نصب على الإغراء، أي: ~~الزموا كتاب الله عليكم، أي: فرض الله تعالى. قوله تعالى: { وأحل ~~لكم ما وراء ذلكم } ، قرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي وحفص { ~~أحل } بضم الأول وكسر الحاء، لقوله { حرمت عليكم } ، وقرأ ~~الآخرون بالنصب، أي: أحل الله لكم ما وراء ذلكم، أي: ما سوى ذلكم الذي ~~ذكرت من المحرمات، { أن تبتغوا } ، تطلبوا، { بأمولكم } ~~، أي تنكحوا بصداق أو تشتروا بثمن، { محصنين } ، أي: متزوجين ~~متعففين، { غير مسفحين } ، أي: غير زانين، مأخوذ من ~~سفح الماء وصبه وهو المني، { فما استمتعتم به ~~منهن } ، اختلفوا في معناه، فقال الحسن ومجاهد: أراد ما انتفعتم ~~وتلذذتم بالجماع من النساء بالنكاح الصحيح، { فآتوهن أجورهن ~~} ، أي: مهورهن، وقال آخرون: هو نكاح المتعة وهو أن ينكح امرأة إلى ~~مدة فإذا انقضت تلك المدة بانت منه بلا طلاق، وتستبرىء رحمها وليس ~~بينهما ميراث، وكان ذلك مباحا في ابتداء الإسلام، ثم نهى عنه رسول ~~الله صلى ms0525 الله عليه وسلم. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد الفارسي أنا محمد ~~بن عيسى الجلودي أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان أنا مسلم بن الحجاج أنا ~~محمد بن عبد الله بن نمير أنا أبي أنا عبد العزيز بن عمر حدثني الربيع بن ~~سبرة الجهني أن أباه حدثه أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: # " يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن ~~الله تعالى قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل ~~سبيله ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا ". # وأخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا ~~أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي عن ~~أبيهما عن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية. # وإلى هذا ذهب عامة أهل العلم: أن نكاح المتعة حرام، والآية منسوخة. وكان ~~ابن عباس رضي الله عنهما يذهب إلى أن الآية محكمة، ويرخص في نكاح ~~المتعة. # وروي عن أبي نضرة قال سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن المتعة، فقال: ~~أما تقرأ في سورة النساء: { فما استمتعتم به منهن }؟ ~~إلى أجل مسمى قلت: لا أقرؤها هكذا، قال ابن عباس: هكذا أنزل الله، ~~ثلاث مرات. وقيل: إن ابن عباس رضي الله عنهما رجع عن ذلك. # وروى سالم عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب صعد المنبر فحمد الله ~~وأثنى عليه، وقال: ما بال رجال ينكحون هذه المتعة وقد نهى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عنها؟، لا أجد رجلا نكحها إلا رجمته بالحجارة، وقال: ~~هدم المتعة النكاح والطلاق والعدة والميراث. # قال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي رضي الله عنه يقول: لا أعلم في ~~الإسلام شيئا أحل ثم حرم ثم أحل ثم حرم غير المتعة. قوله ~~تعالى: { فآتوهن أجورهن } أي: ms0526 مهورهن، { فريضة ولا ~~جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة } ~~، فمن حل ما قبله على نكاح المتعة أراد أنهما [إذا عقد عقدا إلى أجل ~~بمال] فإذا تم الأجل فإن شاءت المرأة زادت في الأجل وزاد الرجل في ~~الأجر، وإن لم يتراضيا فارقها، ومن حمل الآية على الاستمتاع بالنكاح ~~الصحيح، قال المراد بقوله { ولا جناح عليكم فيما ~~تراضيتم به } من الإبراء عن المهر والافتداء والاعتياض { إن ~~الله كان عليما حكيما }. # [فصل في قدر الصداق وفيما يستحب منه] # أعلم أنه لا تقدير لأكثر الصداق لقوله تعالى: { وءاتيتم ~~إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا } والمستحب أن ~~لا يغالى فيه. # قال عمر بن الخطاب: ألا لا تغالوا صدقة النساء فإنها لو كانت مكرمة ~~في الدنيا وتقوى عند الله لكان أولاكم بها نبي الله صلى الله عليه ~~وسلم ما علمت رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح شيئا من نسائه ولا ~~أنكح شيئا من بناته على أكثر من اثنتي عشرة أوقية. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا جعفر بن محمد المفلس أنا ~~هارون بن إسحاق أنا يحيى بن محمد الحارثي أنا عبد العزيز بن محمد عن يزيد ~~بن عبد الله بن الهادي عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة قال: # سألت عائشة رضي الله عنها كم كان صداق النبي صلى الله عليه وسلم ~~لأزواجه؟ قالت: كان صداقه لأزواجه اثنتي عشرة أوقية ونشا، قالت: أتدري ~~ما النش؟ قلت: لا، قالت: نصف أوقية، فتلك خمسمائة درهم، هذا صداق النبي ~~صلى الله عليه وسلم لأزواجه. # أما أقل الصداق فقد اختلفوا فيه: فذهب جماعة إلى أنه لا تقدير لأقله، ~~بل ما جاز أن يكون مبيعا أو ثمنا جاز أن يكون صداقا، وهو قول ربيعة ~~وسفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق، قال عمر بن الخطاب: في ثلاث قبضات ~~زبيب مهر، وقال سعيد بن المسيب: لو أصدقها سوطا جاز. وقال قوم: يتقدر ~~بنصاب السرقة، وهو قول مالك وأبي حنيفة، غير أن نصاب السرقة عند مالك ~~ثلاثة دراهم وعند ms0527 أبي حنيفة عشرة دراهم. والدليل على أنه لا يتقدر: ما ~~أخبرنا أبو الحسن السرخسي قال: أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق ~~الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي رضي ~~الله عنه # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله ~~إني قد وهبت نفسي لك، فقامت قياما طويلا فقام رجل فقال: يا رسول الله ~~زوجنيها إن لم يكن لك فيها حاجة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«هل عندك من شيء تصدقها»؟ قال: ما عندي إلا إزاري هذا، قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «إن أعطيتها جلست لا إزار لك، فالتمس شيئا»، ~~فقال: ما أجد، فقال: «فالتمس ولو خاتما من حديد»، فالتمس فلم يجد ~~شيئا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل معك من القرآن شيء»؟ ~~قال: نعم سورة كذا وسورة كذا - لسور سماها -، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «قد زوجتكها بما معك من القرآن» ". # وفيه دليل على أن لا تقدير لأقل الصداق، لأنه قال: «التمس شيئا» فهذا ~~يدل على جواز أي شيء كان من المال، وقال: «ولو خاتما من حديد»، ولا ~~قيمة لخاتم الحديد إلا القليل التافه. وفي الحديث دليل على أنه يجوز ~~تعليم القرآن صداقا وهو قول الشافعي رحمه الله، وذهب بعض أهل العلم إلى ~~أنه لا يجوز، وهو قول أصحاب الرأي، وكل عمل جاز الاستئجار عليه مثل ~~البناء والخياطة وغير ذلك من الأعمال جاز أن يجعل صداقا، ولم يجوز أبو ~~حنيفة رضي الله عنه أن يجعل منفعة الحر صداقا، والحديث حجة لمن جوزه ~~بعدما أخبر الله تعالى عن شعيب عليه السلام حيث زوج ابنته من موسى ~~عليهما السلام على العمل، فقال: # إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على ~~أن تأجرني ثماني حجج # [القصص: 27]. ### || [4.25] # قوله تعالى: { ومن لم يستطع منكم طولا } ، أي: فضلا ~~وسعة، { أن ينكح المحصنت } ، الحرائر { المؤمنت } ، ~~قرأ الكسائي { المحصنات } بكسر الصاد حيث كان، إلا قوله في هذه ms0528 السورة ~~والمحصنات من النساء، وقرأ الآخرون بفتح جميعها، { فمن ما ملكت ~~أيمنكم من فتيتكم } ، إمائكم، { المؤمنت } ، ~~أي: من لم يقدر على مهر الحرة المؤمنة، فليتزوج الأمة المؤمنة. وفيه ~~دليل على أنه لا يجوز للحر نكاح الأمة إلا بشرطين، أحدهما: أن لا يجد ~~مهر حرة، والثاني أن يكون خائفا على نفسه من العنت، وهو الزنا، ~~لقوله تعالى في آخر الآية: { ذلك لمن خشى العنت منكم } ~~، وهو قول جابر رضي الله عنه، وبه قال طاووس وعمرو بن دينار، وإليه ذهب ~~مالك والشافعي. وجوز أصحاب الرأي للحر نكاح الأمة إلا أن تكون في ~~نكاحه حرة، أما العبد فيجوز له نكاح الأمة وإن كان في نكاحه حرة أو أمة، ~~وعند أبي حنيفة رضي الله عنه لا يجوز إذا كانت تحته حرة، كما يقول في ~~الحر. وفي الآية دليل على أنه لا يجوز للمسلم نكاح الأمة الكتابية لأنه ~~قال { فمن ما ملكت أيمنكم من فتيتكم ~~المؤمنت } ، جوز نكاح الأمة بشرط أن تكون مؤمنة، وقال في موضع ~~آخر: # وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم ~~حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات ~~من الذين أوتوا الكتاب # [المائدة: 5] أي: الحرائر، جوز نكاح الكتابية، بشرط أن تكون حرة، وجوز ~~أصحاب الرأي للمسلم نكاح الأمة الكتابية، وبالاتفاق يجوز وطؤها بملك ~~اليمين. [ { والله أعلم بإيمانكم } ، أي: لا تتعرضوا ~~للباطن في الإيمان وخذوا بالظاهر فإن الله أعلم بإيمانكم]. { ~~بعضكم من بعض } ، قيل: بعضكم إخوة لبعض، وقيل: كلكم من نفس ~~واحدة فلا تستنكفوا من نكاح الإماء، { فانكحوهن } ، يعني: ~~الإماء { بإذن أهلهن } ، أي: مواليهن، { وءاتوهن ~~أجورهن } ، مهورهن، { بالمعروف } من غير مطل وضرار، { ~~محصنت } ، عفائف بالنكاح، { غير مسفحت } ، أي: غير ~~زانيات، { ولا متخذات أخدان } ، أي: أحباب تزنون بهن في ~~السر، قال الحسن: المسافحة هي أن كل من دعاها تبعته، وذات أخدان أي: أن ~~تختص بواحد لا تزني إلا معه، والعرب كانت تحرم الأولى وتجوز الثانية، { ~~فإذآ أحصن } ، قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر بفتح الألف والصاد، ~~أي: حفظن فروجهن، وقال ابن مسعود: أسلمن، وقرأ الآخرون: { أحصن ms0529 ~~} بضم الألف وكسر الصاد، أي: زوجن { فإن أتين بفحشة } ~~، يعني: الزنا، { فعليهن نصف ما على المحصنت } ، ~~أي: ما على الحرائر الأبكار إذا زنين، { من العذاب } ، يعني: ~~الحد، فيجلد الرقيق إذا زنى خمسين جلدة، وهل يغرب؟ فيه قولان، فإن ~~قلنا يغرب فيغرب نصف سنة على القول الأصح ولا رجم على العبيد. روي عن ~~عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة قال: أمرني عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ~~فتية من قريش فجلدنا ولائد من ولائد الإمارة خمسين في الزنا. # ولا فرق في حد المملوك بين من تزوج أو لم يتزوج عند أكثر أهل العلم، ~~وذهب بعضهم إلى أنه لا حد على من لم يتزوج من المماليك إذا زنى، لأن ~~الله تعالى قال: { فإذآ أحصن فإن أتين بفحشة ~~فعليهن نصف ما على المحصنت } وروي ذلك عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما، وبه قال طاووس. ومعنى الإحصان عند الآخرين الإسلام، ~~وإن كان المراد منه التزويج فليس المراد منه أن التزويج شرط لوجوب الحد ~~عليه، بل المراد منه التنبيه على أن المملوك وإن كان محصنا بالتزويج فلا ~~رجم عليه، إنما حده الجلد بخلاف الحر، فحد الأمة ثابت بهذه الآية، ~~وبيان أنه بالجلد في الخبر وهو ما # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا ~~محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا عبد العزيز بن عبد الله حدثني ~~الليث عن سعيد يعني المقبري عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنهم قال: # سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب ~~عليها، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر ". # قوله تعالى: { ذلك } ، يعني: نكاح الأمة عند عدم الطول، { لمن ~~خشى العنت منكم } ، يعني: الزنا، يريد المشقة لغلبة الشهوة، ~~{ وأن تصبروا } ، عن نكاح الإماء متعففين، { خير لكم } ، ~~لئلا يخلق الولد رقيقا { والله غفور رحيم }. ### || [4.26] # قوله تعالى: { يريد الله ليبين لكم } ، أي: أن يبين لكم، ~~كقوله تعالى: ms0530 # وأمرت لأعدل بينكم # [الشورى: 15] أي: أن أعدل، وقوله: # وأمرنا لنسلم لرب العلمين # [الأنعام: 71]، وقال في موضع آخر # وأمرت أن أسلم # [غافر: 66]. ومعنى الآية: يريد الله أن يبين لكم، أي: يوضح لكم شرائع ~~دينكم ومصالح أموركم، قال عطاء: يبين لكم ما يقربكم منه، قال الكلبي: ~~يبين لكم أن الصبر عن نكاح الإماء خير لكم، { ويهديكم } ، ~~يرشدكم، { سنن } ، شرائع، { الذين من قبلكم } ، في تحريم ~~الأمهات والبنات والأخوات، فإنها كانت محرمة على من قبلكم. وقيل: ويهديكم ~~الملة الحنيفية وهي ملة إبراهيم عليه السلام، { ويتوب عليكم } ، ~~ويتجاوز عنكم ما أصبتم قبل أن يبين لكم، وقيل: يرجع بكم من المعصية التي ~~كنتم عليها إلى طاعته، وقيل: يوفقكم للتوبة { والله عليم } بمصالح ~~عباده في أمر دينهم ودنياهم، { حكيم } ، فيما دبر من أمورهم. ### || [4.27-29] # { والله يريد أن يتوب عليكم } ، إن وقع منكم تقصير في ~~أمر دينه { ويريد الذين يتبعون الشهوت أن ~~تميلوا } ، عن الحق، { ميلا عظيما } بإتيانكم ما حرم عليكم. # واختلفوا في الموصوفين باتباع الشهوات، قال السدي: هم اليهود والنصارى، ~~وقال بعضهم: هم المجوس لأنهم يحلون نكاح الأخوات وبنات الأخ والأخت، ~~وقال مجاهد: هم الزناة يريدون أن تميلوا عن الحق فتزنون كما يزنون، وقيل: ~~هم جميع أهل الباطل. # { يريد الله أن يخفف عنكم } ، يسهل عليكم في أحكام ~~الشرع، وقد سهل كما قال جل ذكره: # ويضع عنهم إصرهم # [الأعراف: 157] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " بعثت بالحنيفية السمحة السلهة ". # { وخلق الإنسن ضعيفا } ، قال طاووس والكلبي وغيرهما في أمر ~~النساء: لا يصبر عنهن، وقال ابن كيسان: { خلق الإنسن ضعيفا } ~~يستميله هواه وشهوته، وقال الحسن: هو أنه خلق من ماء مهين، بيانه قوله ~~تعالى: # الله الذى خلقكم من ضعف # [الروم: 54]. # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل } ، بالحرام، يعني: بالربا ~~والقمار والغصب والسرقة والخيانة ونحوها، وقيل: هو العقود الفاسدة { ~~إلا أن تكون تجارة } ، قرأ أهل الكوفة { تجرة } نصب على ~~خبر كان، أي: إلا أن تكون الأموال تجارة، وقر الآخرون بالرفع، أي: إلا ~~أن تقع تجارة، { عن ms0531 تراض منكم } ، أي بطيبة نفس كل واحد منكم. ~~وقيل: هو أن يجيز كل واحد من المتبايعين صاحبه بعد البيع، فيلزم، وإلا ~~فلهما الخيار ما لم يتفرقا لما # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي ~~أنا أبو مصعب عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر: # أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه، ما لم يتفرقا إلا بيع ~~الخيار ". # { ولا تقتلوا أنفسكم } ، قال أبو عبيدة: أي لا تهلكوها، ~~كما قال: # ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة # [البقرة: 195]، وقيل: لا تقتلوا أنفسكم بأكل المال بالباطل. وقيل: أراد ~~به قتل المسلم نفسه. # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا ~~أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا ابن عيينة عن أيوب عن أبي ~~قلابة عن ثابت بن الضحاك: # أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة ". # حدثنا أبو الفضل زياد بن محمد الحنفي أخبرنا أبو معاذ عبد الرحمن المزني ~~أنا أبو إسحاق إبراهيم بن حماد القاضي أنا أبو موسى الزمن أنا وهب بن ~~جرير أخبرنا أبي قال سمعت الحسن: أخبرنا جندب بن عبد الله رضي الله عنه ~~قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " خرج برجل فيمن كان قبلكم أراب فجزع منه، فأخرج سكينا فحز بها يده ~~فما رقأ الدم حتى مات، فقال الله عز وجل: بادرني عبدي بنفسه ~~فحرمت عليه الجنة ". # وقال الحسن: { لا تقتلوا أنفسكم } ، يعني: إخوانكم، أي: لا ~~يقتل بعضكم بعضا، { إن الله كان بكم رحيما } ، أخبرنا ~~عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا ~~محمد بن إسماعيل أنا سليمان بن حرب أنا شعبة عن علي بن مدرك قال: سمعت ~~أبا زرعة بن عمرو بن جرير عن جده قال: # " قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: «استنصت الناس» ~~ثم قال: ms0532 «لا ترجعن بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» ". ### || [4.30-31] # { ومن يفعل ذلك } ، يعني: ما سبق ذكره من المحرمات، { ~~عدونا وظلما } ، فالعدوان مجاوزة الحد، والظلم وضع الشيء في ~~غير موضعه، { فسوف نصليه } ، ندخله في الآخرة، { نارا } ، ~~يصلى فيها، { وكان ذلك على الله يسيرا } ، هينا. # قوله تعالى: { إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه } ، ~~اختلفوا في الكبائر التي جعل الله اجتنابها تكفيرا للصغائر: # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا ~~محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا محمد بن مقاتل أنا النضر أخبرنا ~~شعبة أنا فراس قال: سمعت الشعبي عن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما: # عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين ~~الغموس ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا مسدد أنا بشر بن المفضل أنا الجريري ~~عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟» ثلاثا قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ~~«الإشراك بالله عز وجل، وعقوق الوالدين، وجلس وكان متكئا فقال: ~~ألا وقول الزور، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت» ". # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي أنا ~~أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار أنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي ~~أنا محمد بن كثير أنا سفيان الثوري عن الأعمش ومنصور، وواصل الأحدب عن ~~أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل عن عبد الله رضي الله عنهما قال: # " قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: «أن تجعل لله ندا ~~وهو خلقك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قلت: ~~ثم أي؟ قال: أن تزني بحليلة جارك» " # ، فأنزل الله تعالى تصديق قول النبي صلى الله عليه وسلم: { والذين ~~لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس ms0533 ~~التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون } الآية. ~~أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا عبد العزيز بن عبد الله حدثني سليمان عن ~~ثور بن زيد عن أبي الغيث عن أبي هريرة رضي الله عنه: # عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " «اجتنبوا السبع الموبقات»، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: ~~«الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل ~~الربا وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات ~~الغافلات» ". # وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أكبر الكبائر: الإشراك بالله ~~والأمن من مكر الله والقنوط من رحمة الله واليأس من روح الله. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا عبد الرحمن بن أبي شريح أنا أبو القاسم ~~عبد الله بن محمد البغوي أنا علي بن الجعد أنا شعبة عن سعد بن إبراهيم ~~قال: سمعت حميد بن عبد الرحمن يحدث عن عبد الله بن عمرو. # عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من الكبائر أن يسب الرجل والديه، قالوا: وكيف يسب الرجل والديه؟ ~~قال: يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه ". # وعن سعيد بن جبير: أن رجلا سأل ابن عباس رضي الله عنهما عن الكبائر: ~~أسبع هي؟ قال: هن إلى السبعمائة أقرب إلا أنه لا كبيرة مع الاستغفار ~~ولا صغيرة مع الإصرار، وقال: كل شيء عصي الله به فهو كبيرة، فمن عمل ~~شيئا منها فليستغفر فإن الله لا يخلد في النار من هذه الأمة إلا ~~راجعا عن الإسلام أو جاحدا فريضة أو مكذبا بقدر. وقال عبد الله بن ~~مسعود: ما نهى الله تعالى عنه في هذه السورة إلى قوله تعالى: «إن تجتنبوا ~~كبائر ما تنهون عنه» فهو كبيرة. وقال علي بن أبي طلحة: هي كل ذنب ختمه ~~الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب. وقال الضحاك: ما أوعد الله عليه حدا ~~في الدنيا أو عذابا في الآخرة. وقال الحسن بن الفضل: ما سماه ms0534 الله في ~~القرآن كبيرا أو عظيما نحو قوله تعالى: # إنه كان حوبا كبيرا # [النساء: 2]، # إن قتلهم كان خطئا كبيرا # [الإسراء: 31]، # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]، # إن كيدكن عظيم # [يوسف: 28]، # سبحنك هذا بهتن عظيم # [النور: 16] # إن ذلكم كان عند الله عظيما # [الأحزاب: 53]. قال سفيان الثوري: الكبائر ما كان فيه المظالم بينك وبين ~~العباد، والصغائر ما كان بينك وبين الله تعالى، لأن الله كريم يعفو، ~~واحتج بما # أخبرنا الشيخ أبو القاسم عبد الله بن علي الكرماني أنا أبو طاهر محمد بن ~~محمد بن محمش الزيادي أنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن سعيد أنا الحسين بن ~~داؤد البلخي أنا يزيد بن هارون أنا حميد الطويل عن أنس بن مالك رضي الله ~~عنهما قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ينادي مناد من بطنان العرش يوم القيامة: يا أمة محمد إن الله عز ~~وجل قد عفا عنكم جميعا المؤمنين والمؤمنات، تواهبوا المظالم وادخلوا ~~الجنة برحمتي ". # وقال مالك بن مغول: الكبائر ذنوب أهل البدع، والسيئات ذنوب أهل السنة. ~~وقيل: الكبائر ذنوب العمد، والسيئات الخطأ والنسيان وما أكره عليه، وحديث ~~النفس المرفوع عن هذه الأمة. وقيل: الكبائر ذنوب المستحلين مثل ذنب ~~إبليس، والصغائر ذنوب المستغفرين مثل ذنب آدم عليه السلام. # وقال السدي: الكبائر ما نهى الله عنه من الذنوب الكبائر، والسيئات ~~مقدماتها وتوابعها ما يجتمع فيه الصالح والفاسق، مثل النظرة واللمسة ~~والقبلة وأشباهها. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " العينان تزنيان، واليدان تزنيان، والرجلان تزنيان، ويصدق ذلك ~~الفرج أو يكذبه " # وقيل: الكبائر ما يستحقره العباد، والصغائر ما يستعظمونه فيخافون ~~مواقعته، كما # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا أبو الوليد أنا مهدي بن غيلان عن أنس قال: ~~إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا نعدها على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات. # وقيل: الكبائر الشرك، وما يؤدي إليه، وما دون الشرك فهو من السيئات، قال ms0535 ~~الله تعالى: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء: 48، 116]. # وقوله تعالى: { إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه ~~نكفر عنكم سيئاتكم } أي: من الصلاة إلى الصلاة ومن ~~الجمعة إلى الجمعة ومن رمضان إلى رمضان. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد أنا محمد بن عيسى ~~الجلودي أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان أنا مسلم بن الحجاج حدثني هارون بن ~~سعيد الأيلي أنا ابن وهب عن أبي صخر أن عمر بن إسحاق مولى زائدة حدثه عن ~~أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه # أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: # " الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ~~ما بينهن إذا اجتنب الكبائر ". # قوله تعالى: { وندخلكم مدخلا كريما } ، أي: حسنا وهو ~~الجنة، قرأ أهل المدينة { مدخلا } بفتح الميم هاهنا وفي الحج، وهو ~~موضع الدخول، وقرأ الباقون بالضم على المصدر بمعنى الادخال. ### || [4.32] # قوله تعالى: { ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم ~~على بعض } الآية. # قال مجاهد: قالت أم سلمة: يا رسول الله إن الرجال يغزون ولا نغزوا ~~ولهم ضعف ما لنا من الميراث، فلو كنا رجالا غزونا كما غزوا وأخذنا ~~من الميراث مثل ما أخذوا. فنزلت هذه الآية. # وقيل: لما جعل الله عز وجل للذكر مثل حظ الأنثيين في الميراث، قالت ~~النساء: نحن أحق وأحوج إلى الزيادة من الرجال، لأنا ضعفاء وهم أقوى ~~وأقدر على طلب المعاش، فأنزل الله تعالى: { ولا تتمنوا ما ~~فضل الله به بعضكم على بعض }. # وقال قتادة والسدي لما نزل قوله: { للذكر مثل حظ ~~الأنثيين } ، قال الرجال إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا ~~في الآخرة فيكون أجرنا على الضعف من أجر النساء كما فضلنا عليهن في ~~الميراث فقال الله تعالى: { للرجال نصيب مما اكتسبوا } ~~من الأجر { وللنسآء نصيب مما اكتسبن }. معناه: أن ~~الرجال والنساء في الأجر في الآخرة سواء، وذلك أن الحسنة تكون بعشرة ~~أمثالها يستوي فيها الرجال والنساء، وإن فضل الرجال في الدنيا ms0536 على ~~النساء. وقيل: معناه للرجال نصيب مما اكتسبوا من أمر الجهاد وللنساء ~~نصيب مما اكتسبن من طاعة الأزواج وحفظ الفروج، يعني إن كان للرجال فضل ~~الجهاد فللنساء فضل طاعة الأزواج وحفظ الفروج. قوله تعالى: { ~~واسألوا الله من فضله } ، قرأ ابن كثير والكسائي وسلوا، ~~وسل، وفسل إذا كان قبل السين واو أو فاء بغير همز، ونقل حركة الهمزة إلى ~~السين، والباقون بسكون السين مهموزا. فنهى الله تعالى عن التمني لما ~~فيه من دواعي الحسد، والحسد أن يتمنى زوال النعمة عن صاحبه ويتمناها ~~لنفسه، وهو حرام، والغبطة أن يتمنى لنفسه مثل ما لصاحبه وهو جائز. قال ~~الكلبي: لا يتمنى الرجل مال أخيه ولا امرأته ولا خادمه، ولكن ليقل ~~اللهم ارزقني مثله، و هو كذلك في التوراة كذلك في القرآن. قوله: { ~~واسألوا الله من فضله } قال ابن عباس: واسألوا الله من ~~فضله: أي: من رزقه، قال سعيد بن جبير: من عبادته، فهو سؤال التوفيق ~~للعبادة، قال سفيان بن عيينة: لم يأمر بالمسألة إلا ليعطي. { إن ~~الله كان بكل شىء عليما }. ### || [4.33] # قوله تعالى: { ولكل جعلنا موالي } أي: ولكل واحد من الرجال ~~والنساء جعلنا موالي، أي: عصبة يعطون { مما ترك الولدن ~~والأقربون } ، والوالدان والأقربون هم المورثون، [وقيل: معناه ~~ولكل جعلنا موالي أي: ورثة، مما ترك أي: من الذين تركهم ويكون { ما } ~~بمعنى (من)، ثم فسر الموالي فقال: «الوالدان والأقربون»، هم ~~الوارثون]. { والذين عقدت أيمنكم } ، قرأ أهل الكوفة { ~~عقدت } بلا ألف، أي: عقدت لهم أيمانكم، وقرأ الآخرون: { عاقدت أيمانكم } ~~والمعاقدة: المحالفة والمعاهدة، والأيمان جمع يمين، من اليد والقسم، وذلك ~~أنهم كانوا عند المحالفة يأخذ بعضهم بيد بعض على الوفاء والتمسك ~~بالعهد. ومحالفتهم أن الرجل كان في الجاهلية يعاقد الرجل فيقول: دمي دمك ~~وهدمي هدمك وثأري ثأرك وحربي حربك وسلمي سلمك وترثني وأرثك وتطلب ~~بي وأطلب بك وتعقل عني وأعقل عنك، فيكون للحليف السدس من مال ~~الحليف، وكان ذلك ثابتا في ابتداء الإسلام فذلك قوله تعالى: { ~~فآتوهم نصيبهم } أي: أعطوهم حظهم من الميراث، ثم نسخ ذلك ms0537 ~~بقوله تعالى # وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتب ~~الله # [الأحزاب: 6]. وقال إبراهيم ومجاهد: أراد فآتوهم نصيبهم من النصر والرفد ~~ولا ميراث، وعلى هذا تكون هذه الآية غير منسوخة لقوله تعالى: # أوفوا بالعقود # [المائدة: 1]. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبة يوم فتح مكة: # " لا تحدثوا حلفا في الإسلام، وما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا ~~فيه فإنه لم يزده الإسلام إلا شدة ". # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: أنزلت هذه الآية في الذين آخى بينهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار حين قدموا المدينة ~~وكانوا يتوارثون بتلك المؤاخاة دون الرحم، فلما نزلت { ولكل ~~جعلنا موالي } نسخت، ثم قال: { والذين عقدت ~~أيمنكم فآتوهم نصيبهم } من النصر والرفادة والنصيحة، ~~وقد ذهب الميراث فيوصي له. وقال سعيد بن المسيب: كانوا يتوارثون بالتبني ~~وهذه الآية فيه ثم نسخ. { إن الله كان على كل شىء ~~شهيدا }. ### || [4.34] # قوله عز وجل: { الرجال قوامون على النسآء } ، الآية # " نزلت في سعد بن الربيع وكان من النقباء وفي امرأته حبيبة بنت زيد بن ~~أبي زهير، قاله مقاتل، وقال الكلبي: امرأته حبيبة بنت محمد بن مسلمة، ~~وذلك أنها نشزت عليه فلطمها، فانطلق أبوها معها إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم [فقال: أفرشته كريمتي فلطمها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«لتقتص من زوجها»، فانصرفت مع أبيها] لتقتص منه فجاء جبريل عليه السلام ~~[فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ارجعوا هذا جبريل أتاني بشيء»، فأنزل ~~الله هذه الآية]، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أردنا أمرا وأراد ~~الله أمرا، والذي أراد الله خير»، ورفع القصاص ". # قوله تعالى: { الرجال قوامون على النسآء } أي: مسلطون ~~على تأديبهن، والقوام والقيم بمعنى واحد، والقوام أبلغ وهو القائم ~~بالمصالح والتدبير والتأديب. { بما فضل الله بعضهم على ~~بعض } ، يعني: فضل الرجال على النساء بزيادة العقل والدين والولاية، ~~وقيل: بالشهادة لقوله تعالى: # فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان # [البقرة: 282] وقيل: بالجهاد، وقيل: بالعبادات من الجمعة والجماعة، ~~وقيل: هو أن الرجل ينكح أربعا ms0538 ولا يحل للمرأة إلا زوج واحد، وقيل: بأن ~~الطلاق بيده، وقيل: بالميراث، وقيل: بالدية، وقيل: بالنبوة. { وبمآ ~~أنفقوا من أمولهم } ، يعني: إعطاء المهر والنفقة. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى ~~الصيرفي، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار أنا أحمد بن ~~محمد بن عيسى البرتي أنا أبو حذيفة أنا سفيان عن الأعمش عن أبي ظبيان ~~أن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ". # قوله تعالى: { فالصلحت قنتت } ، أي: مطيعات { ~~حافظات للغيب } ، أي: حافظات للفروج في غيبة الأزواج، وقيل: ~~حافظات لسرهم { بما حفظ الله } ، قرأ أبو جعفر { بما حفظ ~~الله } بالنصب، أي: يحفظن الله في الطاعة، وقراءة العامة بالرفع، أي: ~~بما حفظهن الله بإيصاء الأزواج بحقهن وأمرهم بأداء المهر والنفقة. وقيل: ~~حافظات للغيب بحفظ الله. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أنا أبو عبد الله ابن ~~فنجوية أخبرنا عمر بن الخطاب أنا محمد بن إسحاق المسوحي أنا الحارث بن ~~عبد الله أنا أبو معشر عن سعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " خير النساء امرأة إن نظرت إليها سرتك وإن أمرتها أطاعتك ~~وإذا غبت عنها حفظتك في مالها ونفسها " # ، ثم تلا: { الرجال قوامون على النسآء } الآية. # { واللتى تخافون نشوزهن } ، عصيانهن، وأصل النشوز: ~~التكبر والارتفاع، ومنه النشز للموضع المرتفع، { فعظوهن } ، ~~بالتخويف من الله والوعظ بالقول، { واهجروهن } ، يعني: إن لم ~~ينزعن عن ذلك بالقول فاهجروهن { فى المضاجع } ، قال ابن ~~عباس: يوليها ظهره في الفراش ولا يكلمها، وقال غيره: يعتزل عنها إلى فراش ~~آخر، { واضربوهن } يعني: إن لم ينزعن من الهجران فاضربوهن ~~ضربا غير مبرح ولا شائن، وقال عطاء: ضربا بالسواك. # وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " حق المرأة أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب ~~الوجه ولا تقبح ms0539 ولا تهجر إلا في البيت ". # { فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا } ، أي: لا ~~تجنوا عليهن الذنوب، وقال ابن عيينة: لا تكلفوهن محبتكم فإن ~~القلب ليس بأيديهن. { إن الله كان عليا كبيرا } ، ~~متعاليا من أن يكلف العباد ما لا يطيقونه، وظاهر الآية يدل على ~~أن الزوج يجمع عليها بين الوعظ والهجران والضرب، فذهب بعضهم إلى ظاهرها ~~وقال: إذا ظهر منها النشوز جمع بين هذه الأفعال، وحمل الخوف في قوله { ~~واللتى تخافون نشوزهن } ، على العلم كقوله تعالى: # فمن خاف من موص جنفا # [البقرة: 182] أي: علم، ومنهم من حمل الخوف على الخشية لا على حقيقة ~~العلم، كقوله تعالى: # وإما تخافن من قوم خيانة # [الأنفال: 58]، وقال: هذه الأفعال على ترتيب الجرائم، فإن خاف نشوزها ~~بأن ظهرت أمارته منها من المخاشنة وسوء الخلق وعظها، فإن ~~أبدت النشوز هجرها، فإن أصرت على ذلك ضربها. ### || [4.35] # قوله تعالى: { وإن خفتم شقاق بينهما } ، يعني: شقاقا بين ~~الزوجين، [والخوف بمعنى اليقين، وقيل: هو بمعنى الظن يعني: إن ظننتم ~~شقاق بينهما. وجملته أنه إذا ظهر بين الزوجين] شقاق واشتبه حالهما فلم ~~يفعل الزوج الصفح ولا الفرقة ولا المرأة تأدية الحق ولا الفدية وخرجا إلى ~~مالا يحل قولا وفعلا بعث الإمام حكما من أهله إليه وحكما من أهلها ~~إليها، رجلين حرين عدلين، ليستطلع كل واحد من الحكمين رأي من بعث إليه ~~إن كانت رغبته في الوصلة أو في الفرقة، ثم يجتمع الحكمان فينفذان ما ~~يجتمع عليه رأيهما من الصلاح، فذلك قوله عز وجل: { فابعثوا حكما ~~من أهله وحكما من أهلهآ إن يريدآ إصلحا } ، ~~يعني: الحكمين، { يوفق الله بينهمآ } ، يعني: بين الزوجين، ~~وقيل: بين الحكمين، { إن الله كان عليما خبيرا }. # [أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكساتي أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا ~~أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا الثقفي عن أيوب عن ابن ~~سيرين عن] عبيدة أنه قال في هذه الآية { وإن خفتم شقاق ~~بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من ~~أهلهآ } ، قال: جاء رجل وامرأة إلى علي بن ms0540 أبي طالب رضي الله عنه ومع ~~كل واحد منهما فئام من الناس، فأمرهم علي رضي الله عنه فبعثوا حكما من ~~أهله وحكما من أهلها ثم قال للحكمين: أتدريان ما عليكما؟ إن رأيتما ~~أن تجمعا جمعتما وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما، قالت المرأة رضيت ~~بكتاب الله بما علي فيه ولي، فقال الرجل: أما الفرقة فلا، فقال ~~علي رضي الله عنه: كذبت والله حتى تقر بمثل الذي أقرت به. # واختلف القول في جواز بعث الحكمين من غير رضا الزوجين وأصح القولين أنه ~~لا يجوز إلا برضاهما، وليس لحكم الزوج أن يطلق دون رضاه، ولا ~~لحكم المرأة أن يخالع على مالها إلا بإذنها، وهو قول أصحاب الرأي ~~لأن عليا رضي الله عنه، حين قال الرجل: أما الفرقة فلا، قال: كذبت ~~حتى تقر بمثل الذي أقرت به. فثبت أن تنفيذ الأمر موقوف على إقراره ~~ورضاه. والقول الثاني: يجوز بعث الحكمين دون رضاهما، فيجوز لحكم ~~الزوج أن يطلق دون رضاه ولحكم المرأة أن يخلع دون رضاها، إذا رأيا ~~الصلاح، كالحاكم يحكم بين الخصمين وإن لم يكن على وفق مرادهما، وبه ~~قال مالك، ومن قال بهذا قال: ليس المراد من قول علي رضي الله عنه، للرجل ~~حتى تقر: أن رضاه شرط، بل معناه: أن المرأة رضيت بما في كتاب الله ~~[فقال الرجل: أما الفرقة فلا، يعني: الفرقة ليست في كتاب الله]، فقال ~~علي: كذبت، حيث أنكرت أن الفرقة في كتاب الله، بل هي في كتاب الله، ~~[فإن قوله تعالى: { يوفق الله بينهمآ } يشتمل على الفراق ~~وغيره] لأن التوفيق أن يخرج كل واحد منهما من الوزر وذلك تارة يكون ~~بالفرقة وتارة بصلاح حالهما في الوصلة. ### || [4.36] # قوله تعالى: { واعبدوا الله } أي: وحدوه وأطيعوه، { ولا ~~تشركوا به شيئا } [أخبرنا أبو حامد أحمد ابن عبد الله الصالحي ~~أنا أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الله بن بشران أنا علي أبو إسماعيل ~~محمد بن محمد الصفار أنا أحمد بن منصور الرمادي أنا عبد الرزاق أنا ~~معمر عن أبي إسحاق ms0541 عن عمرو بن ميمون الأودي] عن معاذ بن جبل رضي الله عنه ~~قال: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم فقال: # " هل تدري يا معاذ ما حق الله على الناس؟ قال قلت: الله ورسوله أعلم، ~~قال: حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، أتدري يا معاذ ما ~~حق الناس على الله إذا فعلوا ذلك؟ قال: قلت الله ورسوله أعلم، قال: ~~فإن حق الناس على الله أن لا يعذبهم، قال قلت: يا رسول الله ألا ~~أبشر الناس؟ قال: دعهم يعملون ". # قوله تعالى: { وبالولدين إحسنا } ، برا بهما وعطفا ~~عليهما، { وبذى القربى } أي: أحسنوا بذي القربى، { ~~واليتمى والمسكين }. # [أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا ~~محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا عمرو بن زرارة أنا عبد العزيز بن ~~أبي حازم عن أبيه عن سهل ابن سعد رضي الله عنه قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم] # " أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى وفرج ~~بينهما شيئا ". # [أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي أنا عبد الله بن محمود أنا إبراهيم بن ~~عبد الله الخلال أنا عبد الله ابن المبارك عن يحيى بن أيوب عن عبد الله ~~بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم] عن أبي أمامة رضي الله عنه: # عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من مسح رأس يتيم لم يمسحه إلا لله كان له بكل شعرة تمر ~~عليها يده حسنات، ومن أحسن إلى يتيمة أو يتيم عنده كنت أنا وهو في ~~الجنة كهاتين وقرن بين أصبعيه ". # قوله تعالى: { والجار ذى القربى } أي: ذي القرابة، { ~~والجار الجنب } ، أي: البعيد الذي ليس بينك وبينه قرابة. # [أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أبو عبد الرحمن بن أبي شريح أنا ~~أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي أنا علي بن الجعد أنا ~~شعبة عن أبي عمران الجوني قال: سمعت] طلحة قال: # " قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله إن ms0542 لي جارين فإلى أيهما ~~أهدي؟ قال: «إلى أقربهما منك بابا» ". # أخبرنا الأستاذ الإمام أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري أنا أبو ~~نعيم عبد الملك بن الحسن الاسفرايني أنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق أنا ~~يزيد بن سنان أخبرنا عثمان بن عمر أخبرنا أبو عامر الخزاز عن أبي عمران ~~الجوني عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر رضي الله عنه قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق، وإذا ~~طبخت مرقة فأكثر ماءها واغرف لجيرانك منها ". # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا ~~محمد بن يوسف أنا محمد ابن إسماعيل أنا محمد بن منهال أنا يزيد بن زريع ~~أنا عمر بن محمد عن أبيه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ". # قوله تعالى: { والصحب بالجنب } يعني: الرفيق في السفر، قاله ~~ابن عباس رضي الله عنهما وجماعة وعكرمة وقتادة، وقال علي وعبد الله ~~والنخعي: هو المرأة تكون معه إلى جنبه، وقال ابن جريج وابن زيد: هو الذي ~~يصحبك رجاء نفعك. { وابن السبيل } ، قيل: هو المسافر لأنه ~~ملازم للسبيل، والأكثرون: على أنه الضيف. # أخبرنا الأستاذ الإمام أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري أنا أبو ~~نعيم عبد الملك بن الحسن الاسفراييني أنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق أنا ~~شعيب بن عمرو الدمشقي أخبرنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار أنه سمع ~~نافع بن جبير عن أبي شريح الخزاعي: # أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره، ومن كان يؤمن ~~بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر ~~فليقل خيرا أو ليصمت ". # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحق الهاشمي أنا ~~أبو مصعب عن مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي ms0543 شريح الكعبي: # أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن ~~بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله ~~واليوم الآخر فليكرم ضيفه، جائزته يوم وليلة، والضيافة ثلاثة أيام، ~~وما كان بعد ذلك فهو صدقة، ولا يحل أن يثوي - أي: أن يقيم - عنده حتى ~~يحرجه ". # قوله تعالى: { وما ملكت أيمنكم } ، أي: المماليك أحسنوا ~~إليهم. # أخبرنا محمد بن الحسن المروزي أخبرنا أبو العباس الطحان أنا أبو أحمد ~~محمد بن قريش أنا علي بن عبد العزيز المكي أنا أبو عبيد القاسم ابن سلام ~~أنا يزيد عن همام عن قتادة عن صالح أبي الخليل عن سفينة عن أم سلمة رضي ~~الله عنها # عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في مرضه: # " الصلاة وما ملكت أيمانكم " # ، فجعل يتكلم وما يفيض بها لسانه. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا ~~محمد بن يوسف أنا محمد ابن إسماعيل أنا عمر بن حفص أنا أبي أنا الأعمش عن ~~المعرور عن أبي ذر رضي الله عنه قال: # رأيت عليه بردا وعلى غلامه برد، فقلت: لو أخذت هذا فلبسته كانت ~~حلة وأعطيته ثوبا آخر، فقال: # " كان بيني وبين رجل كلام وكانت أمه أعجمية فنلت منها فذكرني إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي أساببت فلانا؟ قلت: نعم، قال: ~~أفنلت أمه؟ قلت: نعم، قال: إنك امرؤ فيك جاهلية، قلت: على ساعتي هذه ~~من كبر السن؟ قال: نعم، هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن جعل الله ~~أخاه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا يكلفه من ~~العمل ما يغلبه، فإن كلفه ما يغلبه فليعنه عليه» ". # أخبرنا الإمام أبو الحسين بن محمد القاضي أنا أبو طاهر الزيادي أخبرنا ~~أبو بكر محمد بن عمر بن حفص التاجر أنا سهل بن عمار أنا يزيد بن هارون ~~أخبرنا صدقة بن موسى عن فرقد السبخي عن مرة الطيب عن أبي بكر ms0544 رضي الله ~~عنه: # عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يدخل الجنة سيء الملكة ". # { إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا } ، ~~المختال: المتكبر، والفخور: الذي يفتخر على الناس بغير الحق تكبرا، ~~ذكر هذا بعدما ذكر من الحقوق، لأن المتكبر يمنع الحق تكبرا. # أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي أنا أبو طاهر الزيادي أنا محمد بن الحسين ~~القطان أنا أحمد بن يوسف السلمي أنا عبد الرزاق أنا معمر عن همام بن منبه ~~قال: أنا أبو هريرة رضي الله عنه قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " بينما رجل يتبختر في بردين وقد أعجبته نفسه خسف الله به الأرض ~~فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة ". # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا ~~أبو مصعب عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: # أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر ثوبه خيلاء ". ### || [4.37] # { الذين يبخلون } ، البخل في كلام العرب: منع السائل من فضل ما ~~لديه، وفي الشرع: منع الواجب، { ويأمرون الناس بالبخل } ، ~~قرأ حمزة والكسائي { بالبخل } بفتح الباء والخاء، وكذلك في سورة الحديد، ~~وقرأ الآخرون بضم الباء وسكون الخاء، نزلت في اليهود بخلوا ببيان صفة ~~محمد صلى الله عليه وسلم وكتموها. قال سعيد بن جبير: هذا في كتمان ~~العلم. وقال ابن عباس رضي الله عنهما وابن زيد: نزلت في كردم بن زيد وحيي ~~بن أخطب ورفاعة بن زيد ابن التابوت وأسامة بن حبيب ونافع بن أبي نافع ~~وبحري بن عمرو كانوا يأتون رجالا من الأنصار ويخالطونهم فيقولون لا ~~تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر ولا تدرون ما يكون فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية: { ويكتمون مآ ءاتهم الله من فضله ~~} ، يعني: المال، وقيل: يعني يبخلون بالصدقة { وأعتدنا ~~للكفرين عذابا مهينا }. ### || [4.38-40] # { والذين ينفقون أموالهم رئآء الناس ولا ~~يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر } ، محل «الذين» نصب، ~~عطفا على الذين يبخلون، وقيل: خفض عطفا على ms0545 قوله: و { أعتدنا ~~للكافرين } نزلت في اليهود، وقال السدي: في المنافقين، وقيل: في ~~مشركي مكة المنفقين على عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم. { ومن ~~يكن الشيطن له قرينا } ، صاحبا وخليلا { فسآء ~~قرينا } ، أي: فبئس الشيطان قرينا وهو نصب على التفسير، وقيل: على ~~القطع بإلقاء الألف واللام كما تقول: نعم رجلا عبد الله، وكما قال ~~تعالى: # بئس للظلمين بدلا # [الكهف: 50] # سآء مثلا # [الأعراف: 177]. # { وماذا عليهم } ، أي: ما الذي عليهم وأي شيء عليهم؟ { لو ~~ءامنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما ~~رزقهم الله وكان الله بهم عليما }. # { إن الله لا يظلم مثقال ذرة } ، [أدخل ابن عباس يده ~~في التراب ثم نفخ فيها، وقال: كل واحد من هذه الأشياء ذرة، والمراد أنه ~~لا يظلم لا قليلا ولا كثيرا]. ونظمه: وماذا عليهم لو آمنوا بالله ~~واليوم الآخر وأنفقوا فإن الله لا يظلم أي: لا يبخس ولا ينقص أحدا من ~~ثواب عمله مثقال ذرة، وزن ذرة، والذرة: هي النملة الحمراء الصغيرة، ~~وقيل: الذر أجزاء الهباء في الكوة وكل جزء منها ذرة ولا يكون لها وزن، ~~وهذا مثل، يريد: إن الله لا يظلم شيئا، كما قال في آية أخرى # إن الله لا يظلم الناس شيئا # [يونس: 44]. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو عمر بكر بن محمد المزني أنا ~~أبو بكر محمد بن عبد الله الحفيد أنا الحسين بن الفضل البجلي أنا عفان ~~أنا همام أنا قتادة عن أنس رضي الله عنه: # أن رسول الله صلى اله عليه وسلم قال: # " إن الله لا يظلم المؤمن حسنة، يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى ~~بها في الآخرة " # ، قال: # " وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن ~~له حسنة يعطى بها خيرا ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أبو الطيب الربيع بن محمد بن أحمد بن ~~حاتم البزار الطوسي أنا أحمد ابن محمد بن الحسن أن محمد بن يحيى حدثهم، ~~أخبرنا عبد الرزاق. # وأخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري أخبرنا جدي أبو سهل ms0546 عبد ~~الصمد بن عبد الرحمن البزاز أنا أبو بكر محمد بن زكريا العذافري أخبرنا ~~إسحاق بن إبراهيم الدبري أنا عبد الرزاق أنا معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء ~~بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " «إذا خلص المؤمنون من النار وأمنوا، فما مجادلة أحدكم لصاحبه في ~~الحق يكون له في الدنيا بأشد مجادلة من المؤمنين لربهم في إخوانهم ~~الذين أدخلوا النار، قال: فيقولون ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا ~~ويصومون معنا ويحجون معنا فأدخلتهم النار، قال: فيقول اذهبوا ~~فأخرجوا من عرفتم منهم فيأتونهم فيعرفونهم بصورهم لا تأكل النار ~~صورهم فمنهم من أخذته النار إلى أنصاف ساقيه ومنهم من أخدته إلى ~~كعبيه فيخرجونهم، فيقولون: ربنا قد أخرجنا من أمرتنا، قال: ثم يقول: ~~أخرجوا من كان في قلبه وزن دينار من الإيمان، ثم من كان في قلبه ~~وزن نصف دينار، حتى يقول: من كان في قلبه مثقال ذرة»، قال أبو سعيد ~~رضي الله عنه: فمن لم يصدق هذا فليقرأ هذه الآية: «إن الله لا يظلم ~~مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه ~~أجرا عظيما»، قال: فيقولون ربنا قد أخرجنا من أمرتنا فلم يبق في ~~النار أحد فيه خير، ثم يقول الله عز وجل: شفعت الملائكة، وشفعت ~~الأنبياء، وشفع المؤمنون، وبقي أرحم الراحمين، قال: فيقبض قبضة من ~~النار، أو قال: قبضتين لم يعملوا لله خيرا قط قد احترقوا حتى صاروا ~~حمما فيؤتى بهم إلى ماء يقال له: ماء الحياة فيصب عليهم فينبتون ~~كما تنبت الحبة في حميل السيل، قال: فتخرج أجسادهم مثل اللؤلؤ في ~~أعناقهم الخاتم: عتقاء الله فيقال لهم: ادخلوا الجنة فما تمنيتم ~~أو رأيتم من شيء فهو لكم، قال فيقولون: ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدا ~~من العالمين، قال: فيقول فإن لكم عندي أفضل منه، فيقولون: ربنا وما ~~أفضل من ذلك؟ فيقول: «رضاي عنكم فلا أسخط عليكم أبدا» ". # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة أنا ms0547 محمد بن أحمد بن ~~الحارث أنا محمد بن يعقوب الكسائي أنا عبد الله بن محمود أنا إبراهيم بن ~~عبد الله بن الخلال أنا عبد الله بن المبارك عن ليث بن سعد حدثني عامر بن ~~يحيى عن أبي عبد الرحمن المعافري ثم الجيلي قال: سمعت عبد الله بن عمرو ~~بن العاص رضي الله عنهما يقول: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله يستخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر ~~له تسعة وتسعين سجلا كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول الله: أتنكر من ~~هذا شيئا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: أفلك ~~عذر أو حسنة؟ فبهت الرجل، قال: لا يا رب، فيقول: بلى إن لك عندنا ~~حسنة وإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا عبده ورسوله، فيقول: احضر وزنك، فيقول: يا رب ~~ما هذه البطاقة مع هذه السجلات، فيقول: إنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات ~~في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، قال: فلا يثقل ~~مع اسم الله شيء ". # وقال قوم: هذا في الخصوم. # وروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إذا كان يوم القيامة جمع الله ~~الأولين والآخرين ثم نادى مناد ألا من كان يطلب مظلمة فليجىء إلى حقه ~~فليأخذه، فيفرح المرء أن يذوب له الحق على والده أو ولده أو زوجته أو ~~أخيه، فيأخذ منه وإن كان صغيرا، ومصداق ذلك في كتاب الله تعالى: { ~~فإذا نفخ فى الصور فلا أنسب بينهم يومئذ ~~ولا يتسآءلون } ، ويؤتى بالعبد فينادي مناد على رؤوس ~~الأولين والآخرين: هذا فلان ابن فلان فمن كان له عليه حق فليأت إلى ~~حقه فيأخذه، ويقال آت هؤلاء حقوقهم، فيقول: يا رب من أين وقد ذهبت ~~الدنيا، فيقول الله عز وجل لملائكته انظروا في أعماله الصالحة فأعطوهم ~~منها فإن بقي مثقال ذرة من حسنة، قالت الملائكة: يا ربنا بقي له مثقال ~~ذرة من حسنة، فيقول: ضعفوها لعبدي وأدخلوه ms0548 بفضل رحمتي الجنة. ومصداق ~~ذلك في كتاب الله تعالى: { إن الله لا يظلم مثقال ~~ذرة، وإن تك حسنة يضاعفها } ، وإن كان عبدا شقيا ~~قالت الملائكة: إلهنا فنيت حسناته وبقي طالبون؟ فيقول الله عز وجل: ~~خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته، ثم صكوا له صكا إلى النار. # فمعنى الآية على هذا التأويل: أن الله لا يظلم مثقال ذرة للخصم على ~~الخصم بل أخذ له منه ولا يظلم مثقال ذرة تبقى له بل يثيبه عليها ~~ويضعفها له، فذاك قوله تعالى: { وإن تك حسنة يضعفها } ~~، قرأ أهل الحجاز { حسنة } بالرفع، أي: وإن توجد حسنة، وقرأ الآخرون ~~بالنصب على معنى: وإن تك زنة الذرة حسنة يضاعفها، أي: يجعلها ~~أضعافا كثيرة. { ويؤت من لدنه أجرا عظيما } ، قال أبو ~~هريرة رضي الله عنه: إذا قال الله تعالى أجرا عظيما فمن يقدر قدره؟. ### || [4.41-42] # قوله تعالى: { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد } ، ~~[أي: فكيف الحال وكيف يصنعون إذا جئنا من كل أمة بشهيد] يعني: نبيها ~~يشهد عليهم بما عملوا، { وجئنا بك } ، يا محمد، { على ~~هؤلاء شهيدا } شاهدا تشهد على جميع الأمم على من رآه ومن لم ~~يره. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا محمد بن يوسف أنا سفيان عن الأعمش عن ~~إبراهيم عن عبيدة # " عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «اقرأ علي»، قلت: يا رسول الله أأقرأ عليك وعليك أنزل؟ ~~قال: نعم فقرأت سورة النساء حتى إذا أتيت هذه الآية { فكيف إذا ~~جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء ~~شهيدا } قال: «حسبك الآن» فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان ". # قوله عز وجل: { يومئذ } ، أي يوم القيامة، { يود الذين ~~كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض } ، قرأ ~~أهل المدينة وابن عامر { تسوى } بفتح التاء وتشديد السين على معنى تتسوى، ~~فأدغمت التاء الثانية في السين، وقرأ حمزة والكسائي بفتح التاء وتخفيف ~~السين على حذف ms0549 تاء التفعل كقوله تعالى: # لا تكلم نفس إلا بإذنه # [هود: 105] وقرأ الباقون بضم التاء وتخفيف السين على المجهول، أي: لو ~~سويت بهم الأرض وصاروا هم والأرض شيئا واحدا. وقال قتادة وأبو ~~عبيدة: يعني لو تخرقت الأرض فساخوا فيها وعادوا إليها ثم تسوى بهم، أي: ~~عليهم الأرض. وقيل: ودوا لو أنهم لم يبعثوا لأنهم إنما نقلوا من ~~التراب، وكانت الأرض مستوية عليهم. وقال الكلبي: يقول الله عز وجل ~~للبهائم والوحوش والطيور والسباع: كونوا ترابا فتسوى بهن الأرض، ~~فعند ذلك يتمنى الكافر أن لو كان ترابا كما قال الله تعالى: # ويقول الكافر يليتنى كنت ترابا # [النبأ: 40]. # { ولا يكتمون الله حديثا } قال عطاء: ودوا لو تسوى ~~بهم الأرض وأنهم لم يكونوا كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم ~~ولا نعته. وقال الآخرون: بل هو كلام مستأنف، يعني: ولا يكتمون الله ~~حديثا لأن ما عملوا لا يخفى على الله ولا يقدرون على كتمانه. وقال ~~الكلبي وجماعة: { ولا يكتمون الله حديثا } لأن جوارحهم ~~تشهد عليهم. قال سعيد بن جبير: قال رجل لابن عباس رضي الله عنهما: إني ~~أجد في القرآن أشياء تختلف علي، قال: هات ما اختلف عليك، قال: # فلا أنسب بينهم يومئذ ولا يتسآءلون # [المؤمنون: 101]، # وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون # [الطور: 25] وقال: «ولا يكتمون الله حديثا»، وقال # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23] فقد كتموا، وقال: «أم السماء بناها»، إلى قوله ~~تعالى: «والأرض بعد ذلك دحاها»، فذكر خلق السماء قبل الأرض، ثم قال: # أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين # إلى قوله: # طآئعين # [فصلت: 9 11] فذكر في هذه الآية خلق الأرض قبل السماء، وقال: «وكان ~~الله غفورا رحيما» «وكان الله عزيزا حكيما» فكأنه كان ثم مضى؟. فقال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: فلا أنساب بينهم في النفخة الأولى قال الله ~~تعالى: # ونفخ فى الصور فصعق من فى السموت ومن فى ~~الأرض إلا من شآء الله # [الزمر: 68]، فلا أنساب عند ذلك ولا يتساءلون، ثم في النفخة الآخرة ~~(أقبل بعضهم على بعض يتساءلون)، وأما قوله: (ما ms0550 كنا مشركين) (ولا ~~يكتمون الله حديثا)، فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، فيقول ~~المشركون: تعالوا نقل لم نكن مشركين، فيختم على أفواهم وتنطق ~~أيديهم فعند ذلك عرف أن الله لا يكتم حديثا، وعنده (يود الذين ~~كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض)، و(خلق الأرض ~~في يومين)، ثم خلق السماء ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين ~~آخرين ثم دحا الأرض، ودحيها: أن أخرج منها الماء والمرعى وخلق ~~الجبال والآكام وما بينهما في يومين آخرين، فقال: خلق الأرض في ~~يومين فجعلت الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام، وخلقت السموات ~~في يومين، (وكان الله غفورا رحيما) أي: لم يزل كذلك، فلا يختلف ~~عليك القرآن فإن كلا من عند الله. وقال الحسن: إنها مواطن، ففي موطن ~~لا يتكلمون ولا تسمع إلا همسا، وفي موطن يتكلمون ويكذبون ويقولون: ما ~~كنا مشركين، وما كنا نعمل من سوء، وفي موضع يعترفون على أنفسهم وهو ~~قوله: (فاعترفوا بذنبهم) وفي موضع لا يتساءلون، وفي موطن يسألون ~~الرجعة، وآخر تلك المواطن أن يختم على أفواههم وتتكلم جوارحهم، وهو ~~قوله تعالى: { ولا يكتمون الله حديثا }. ### || [4.43] # قوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا ~~الصلاة وأنتم سكارى } الآية، والمراد من السكر: ~~السكر من الخمر، عند الأكثرين. # وذلك أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه صنع طعاما ودعا ناسا ~~من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأتاهم بخمر فشربوها قبل تحريم الخمر ~~وسكروا فحضرت صلاة المغرب فقدموا رجلا ليصلي بهم فقرأ (قل يا أيها ~~الكافرون) أعبد ما تعبدون، بحذف (لا) هكذا إلى آخر السورة، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية، فكانوا بعد نزول هذه الآية يجتنبون السكر أوقات الصلوات ~~حتى نزل تحريم الخمر. # وقال الضحاك بن مزاحم: أراد به سكر النوم، نهى عن الصلاة عند غلبة ~~النوم. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو القاسم جعفر بن محمد ~~بن المغلس أنا هارون بن إسحاق الهمذاني أخبرنا عبدة بن سليمان عن هشام ~~بن عروة عن أبيه ms0551 عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم فإن أحدكم ~~إذا صلى وهو ينعس لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه ". # قوله تعالى: { حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا } ، ~~نصب على الحال، يعني: ولا تقربوا الصلاة وأنتم جنب، يقال: رجل جنب ~~وامرأة جنب، ورجال جنب ونساء جنب. وأصل الجنابة: البعد، وسمي ~~جنبا لأنه يتجنب موضع الصلاة، أو لمجانبته الناس وبعده منهم، حتى ~~يغتسل. قوله تعالى: { إلا عابرى سبيل حتى تغتسلوا } ~~، اختلفوا في معناه، فقالوا: [إلا أن تكونوا مسافرين ولا تجدون الماء ~~فتيمموا، منع الجنب من الصلاة حتى يغتسل] إلا أن يكون في سفر ولا يجد ~~ماء فيصلي بالتيمم، وهذا قول علي وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد رضي ~~الله عنهم. وقال الآخرون: المراد من الصلاة موضع الصلاة، كقوله تعالى: # وبيع وصلوت # [الحج: 40]، ومعناه: لا تقربوا المسجد وأنتم جنب إلا مجتازين فيه ~~للخروج منه، مثل أن ينام في المسجد فيجنب أو يصيبه جنابة والماء في ~~المسجد أو يكون طريقه عليه، فيمر فيه ولا يقيم وهذا قول عبد الله بن ~~مسعود وسعيد بن المسيب والضحاك والحسن وعكرمة والنخعي والزهري، وذلك أن ~~قوما من الأنصار كانت أبوابهم من المسجد فتصيبهم الجنابة ولا ماء ~~عندهم ولا ممر لهم إلا في المسجد، فرخص لهم في العبور. واختلف أهل ~~العلم فيه: فأباح بعضهم المرور فيه على الإطلاق، وهو قول الحسن وبه قال ~~مالك والشافعي رحمهم الله، ومنع بعضهم على الإطلاق وهو قول أصحاب الرأي، ~~وقال بعضهم: يتيمم للمرور فيه. أما المكث فلا يجوز عند أكثر أهل العلم. # لما روينا عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " وجهوا هذه البيوت عن المسجد فإني لا أحل المسجد لحائض ولا ~~جنب ". # وجوز أحمد المكث فيه وضعف الحديث لأن راويه مجهول، وبه قال المزني. ~~ولا يجوز للجنب الطواف كما لا يجوز له الصلاة ولا يجوز له قراءة ~~القرآن. # أخبرنا عبد الواحد ms0552 بن أحمد المليحي أنا عبد الرحمن بن أبي شريح أنا أبو ~~القاسم البغوي أنا علي بن الجعد أنا شعبة أخبرني عمرو ابن مرة قال سمعت ~~عبد الله بن سلمة يقول: دخلت على علي رضي الله عنه فقال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي الحاجة ويأكل معنا اللحم ~~ويقرأ القرآن وكان لا يحجبه أو لا يحجزه عن قراءة القرآن شيء إلا ~~الجنابة ". # وغسل الجنابة يجب بأحد الأمرين: إما بنزول المني أو بالتقاء الختانين، ~~وهو تغييب الحشفة في الفرج وإن لم ينزل، وكان الحكم في الابتداء أن من ~~جامع امرأته فأكسل لا يجب عليه الغسل ثم صار منسوخا. # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا ~~أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا سفيان عن علي بن زيد عن ~~سعيد بن المسيب أن أبا موسى الأشعري سأل عائشة رضي الله عنها عن التقاء ~~الختانين فقالت عائشة: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا التقى الختانان، أو مس الختان الختان فقد وجب الغسل ". # قوله تعالى: { وإن كنتم مرضى } ، جمع مريض، وأراد به مرضا ~~يضره إمساس الماء مثل الجدرى ونحوه، أو كان على موضع طهارته جراحة يخاف ~~من استعمال الماء فيها التلف أو زيادة الوجع، فإنه يصلي بالتيمم وإن ~~كان الماء وحودا، وإن كان بعض أعضاء طهارته صحيحا والبعض جريحا غسل ~~الصحيح منها وتيمم للجريح، لما # أخبرنا أبو طاهر عمر بن عبد العزيز القاشاني أنا أبو عمر القاسم بن جعفر ~~الهاشمي أنا أبو علي محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي أنا أبو داود سليمان ~~بن الأشعث السجستاني أنا موسى بن عبد الرحمن الأنطاكي أنا محمد بن سلمة ~~عن الزبير بن خريق عن جابر بن عبد الله قال: # " خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه، فاحتلم فسأل ~~أصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر ~~على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم ms0553 أخبر ~~بذلك فقال: «قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي ~~السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب شك الراوي - على جرحه ~~خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده» ". # ولم يجوز أصحاب الرأي الجمع بين التيمم والغسل، وقالوا: إن كان أكثر ~~أعضائه صحيحا غسل الصحيح ولا يتيمم عليه، وإن كان الأكثر جريحا اقتصر ~~على التيمم. # والحديث حجة لمن أوجب الجمع بينهما. قوله تعالى: { أو على سفر ~~} ، أراد أنه إذا كان في سفر طويلا كان أو قصيرا، وعدم الماء فإنه ~~يصلي بالتيمم ولا إعادة عليه، لما # روي عن أبي ذر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، ~~فإذا وجد الماء فليمسه بشره " # أما إذا لم يكن الرجل مريضا ولا في سفر لكنه عدم الماء في موضع لا ~~يعدم فيه الماء غالبا بأن كان في قرية انقطع ماؤها فإنه يصلي بالتيمم ~~ثم يعيد إذا قدر على الماء عند الشافعي، وعند مالك والأوزاعي لا إعادة ~~عليه، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه يؤخر الصلاة حتى يجد الماء. قوله ~~تعالى: { أو جآء أحد منكم من الغآئط } ، أراد به إذا ~~أحدث، والغائط: اسم للمطمئن من الأرض، وكانت عادة العرب إتيان الغائط ~~للحدث فكني عن الحدث بالغائط، { أو لمستم النسآء } ، قرأ ~~حمزة والكسائي { لمستم } هاهنا وفي المائدة، وقرأ الباقون { ~~لمستم النسآء }. واختلفوا في معنى اللمس والملامسة، فقال ~~قوم: المجامعة، وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة، وكني باللمس ~~[عن الجماع لأن الجماع لا يحصل إلا باللمس]. وقال قوم: هما التقاء ~~البشرتين سواء كان بجماع أو غير جماع، وهو قول ابن مسعود وابن عمر، ~~والشعبي والنخعي. واختلف الفقهاء في حكم الآية فذهب جماعة إلى أنه إذا ~~أفضى الرجل بشيء من بدنه إلى شيء من بدن المرأة ولا حائل بينهما، ينتقض ~~وضوؤهما، وهو قول ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهما، وبه قال الزهري ~~والأوزاعي والشافعي رضي الله عنهم. وقال مالك والليث ms0554 بن سعد وأحمد ~~وإسحاق: إن كان اللمس بشهوة نقض الطهر، وإن لم يكن بشهوة فلا ينتقض. ~~وقال قوم: لا ينتقض الوضوء باللمس بحال، وهو قول ابن عباس وبه قال ~~الحسن و الثوري. وقال أبو حنيفة رضي الله عنه لا ينتقض إلا أن يحدث ~~الانتشار. واحتج من لم يوجب الوضوء باللمس بما # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا ~~أبو مصعب عن مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبد الله عن أبي سلمة بن عبد ~~الرحمن عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها ~~قالت: # " كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته ~~فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي وإذا قام بسطتهما " # ، قالت والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا ~~أبو مصعب عن مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي # أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: # " كنت نائمة إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم ففقدته من الليل ~~فلمسته بيدي فوضعت يدي على قدميه وهو ساجد وهو يقول: «أعوذ برضاك من ~~سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما ~~أثنيت على نفسك» ". # واختلف قول الشافعي رضي الله عنه فيما لو لمس امرأة من محارمه كالأم ~~والبنت والأخت أو لمس أجنبية صغيرة، أصح القولين أنه لا ينقض الوضوء ~~لأنها ليست بمحل الشهوة كما لو لمس رجلا. واختلف قوله في انتقاض وضوء ~~الملموس على قولين، أحدهما: ينتقض لاشتراكهما في الالتذاذ كما يجب الغسل ~~عليهما بالجماع، والثاني: لا ينتقض لحديث عائشة رضي الله عنها حيث قالت: ~~فوضعت يدي على قدميه وهو ساجد. ولو لمس شعر امرأة أو سنها أو ظفرها لا ~~ينتقض وضوءه عنده. واعلم أن المحدث لا تصح صلاته ما لم يتوضأ إذا وجد ~~الماء أو يتيمم إذا لم يجد ms0555 الماء. # أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي أخبرنا أبو طاهر الزيادي أنا أبو بكر محمد ~~بن الحسين القطان أنا أحمد بن يوسف السلمي أنا عبد الرزاق أنا معمر عن ~~همام بن منبه أنا أبو هريرة رضي الله عنه قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ ". # والحدث هو خروج الخارج من أحد الفرجين عينا كان أو أثرا، والغلبة ~~على العقل بجنون أو إغماء على أي حال كان، وأما النوم فمذهب الشافعي رضي ~~الله عنه أنه يوجب الوضوء إلا أن ينام قاعدا متمكنا فلا وضوء عليه، ~~لما # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبد العزيز الخلال أنا أبو ~~العباس الأصم أخبرنا الربيع أنا الشافعي أنا الثقة عن حميد الطويل عن أنس ~~رضي الله عنهما قال: # كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرون العشاء فينامون، ~~أحسبه قال قعودا حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون. # وذهب قوم إلى أن النوم يوجب الوضوء بكل حال وهو قول أبي هريرة رضي ~~الله عنه وعائشة رضي الله عنها، وبه قال الحسن وإسحاق والمزني، وذهب ~~قوم إلى أنه لو نام قائما أو قاعدا أو ساجدا فلا وضوء عليه حتى ينام ~~مضطجعا وبه قال الثوري وابن المبارك وأصحاب الرأي. # واختلفوا في مس الفرج من نفسه أو من غيره فذهب جماعة إلى أنه يوجب ~~الوضوء وهو قول عمر وابن عباس وسعد بن أبي وقاص وأبي هريرة وعائشة رضي ~~الله عنها، وبه قال سعيد بن المسيب وسليمان ابن يسار، وعروة بن الزبير، ~~وإليه ذهب الأوزاعي والشافعي، وأحمد وإسحاق، وكذلك المرأة تمس ~~فرجها، غير أن الشافعي رضي الله عنه يقول لا ينتقض إلا أن يمس ببطن الكف ~~أو بطون الأصابع. # واحتجوا بما # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ~~أنا أبو مصعب عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه ~~سمع عروة بن الزبير يقول: دخلت على مروان ms0556 بن الحكم فذكرنا ما يكون منه ~~الوضوء، فقال مروان: من مس الذكر الوضوء، فقال عروة: ما علمت ذلك، ~~فقال مروان: # أخبرتني بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ ". # وذهب جماعة إلى أنه لا يوجب الوضوء، روي ذلك عن علي وابن مسعود وأبي ~~الدرداء وحذيفة وبه قال الحسن، وإليه ذهب الثوري وابن المبارك وأصحاب ~~الرأي. واحتجوا بما # روي عن طلق بن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ~~مس الرجل ذكره، فقال: # " هل هو إلا بضعة منك " # ؟ ويروى # " هل هو إلا بضعة أو مضغة منه ". # ومن أوجب الوضوء منه قال: هذا منسوخ بحديث بسرة لأن أبا هريرة يروي ~~أيضا: أن الوضوء من مس الذكر، وهو متأخر الإسلام، وكان قدوم طلق بن ~~علي على رسول الله صلى الله عليه وسلم أول زمن الهجرة حين كان يبني ~~المسجد. # واختلفوا في خروج النجاسة من غير الفرجين بالفصد والحجامة وغيرهما من ~~القيء ونحوه، فذهب جماعة إلى أنه لا يوجب الوضوء، روي ذلك عن عبد الله ~~بن عمر وعبد الله بن عباس، وبه قال عطاء وطاووس والحسن وسعيد بن المسيب ~~وإليه ذهب مالك والشافعي. وذهبت جماعة إلى إيجاب الوضوء بالقيء والرعاف ~~والفصد والحجامة منهم سفيان الثوري وابن المبارك وأصحاب الرأي وأحمد ~~وإسحاق. واتفقوا على أن القليل منه وخروج الريح من غير السبيلين لا ~~يوجب الوضوء ولو أوجب الوضوء كثيره لأوجب قليله كالفرج. # { فلم تجدوا مآء فتيمموا } ، اعلم أن التيمم من خصائص ~~هذه الأمة. # روى حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت ~~لنا الأرض كلها مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء " # وكان بدء التيمم ما أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي أخبرنا أبو ~~علي زاهر بن أحمد السرخسي أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي ~~أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن عبد الرحمن ms0557 بن القاسم عن أبيه عن عائشة رضي ~~الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: # خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره حتى إذا كنا ~~بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي فأقام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على التماسه وأقام الناس معه، وليسوا على ماء وليس معهم ماء ~~فأتى الناس أبا بكر رضي الله عنه فقالوا ألا ترى ما صنعت عائشة أقامت ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالناس معه، وليسوا على ماء وليس معهم ~~ماء فجاء أبو بكر رضي الله عنه ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه ~~على فخذي قد نام فقال: أحبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس ~~وليسوا على ماء وليس معهم ماء، قالت: فعاتبني أبو بكر رضي الله عنه وقال ~~ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعن بيده في خاصرتي فلا يمنعني من التحرك إلا ~~مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي، فقام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حين أصبح على غير ماء، فأنزل الله تعالى آية التيمم { ~~فتيمموا } فقال أسيد بن حضير وهو أحد النقباء: ما هذه بأول ~~بركتكم يا آل أبي بكر، قالت عائشة رضي الله عنها: فبعثنا البعير الذي ~~كنت عليه فوجدنا العقد تحته. # وأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا ~~محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا عبيد بن إسمعيل أنا أبو أسامة عن ~~هشام عن أبيه: # عن عائشة رضي الله عنها: أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت: فأرسل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسا من أصحابه في طلبها فأدركتهم ~~الصلاة فصلوا بغير وضوء، فلما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم شكوا ذلك ~~إليه فنزلت آية التيمم. فقال أسيد بن حضير: جزاك الله خيرا فوالله ما ~~نزل بك أمر قط إلا جعل الله لك منه مخرجا وجعل للمسلمين فيه بركة. # { فتيمموا } ، أي: اقصدوا، { صعيدا طيبا } ، أي: ~~ترابا طاهرا نظيفا، قال ابن ms0558 عباس رضي الله عنهما: الصعيد هو التراب. # واختلف أهل العلم فيما يجوز به التيمم، فذهب الشافعي رحمه الله تعالى ~~إلى أنه يختص بما يقع عليه اسم التراب مما يعلق باليد منه غبار. # لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " وجعلت تربتها لنا طهورا ". # وجوز أصحاب الرأي التيمم بالزرنيخ والجص والنورة وغيرها من طبقات ~~الأرض، حتى قالوا: لو ضرب يديه على صخرة لا غبار عليها أو على التراب ثم ~~نفخ فيه حتى زال التراب كله فمسح به وجهه ويديه صح تيممه، وقالوا: ~~الصعيد وجه الأرض. # لما روي عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ". # وهذا مجمل، وحديث حذيفة في تخصيص التراب مفسر، والمفسر من الحديث ~~يقضي على المجمل. # وجوز بعضهم بكل ما هو متصل بالأرض من شجر ونبات، ونحوهما وقال: إن ~~الصعيد اسم لما تصاعد على وجه الأرض. والقصد إلى التراب شرط لصحة ~~التيمم، لأن الله تعالى قال: { فتيمموا } ، والتيمم: القصد، حتى ~~لو وقف في مهب الريح فأصاب الغبار وجهه ونوى لم يصح. قوله تعالى: { ~~فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا ~~غفورا } اعلم أن مسح الوجه واليدين واجب في التيمم. # واختلفوا في كيفيته: فذهب أكثر أهل العلم إلى أنه يمسح الوجه واليدين مع ~~المرفقين، بضربتين، يضرب كفيه على التراب فيمسح جميع وجهه، ولا يجب إيصال ~~التراب إلى ما تحت الشعور، ثم يضرب ضربة أخرى فيمسح يديه إلى المرفقين، ~~لما # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد بن الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا ~~أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا إبراهيم بن محمد عن أبي ~~الحويرث عن الأعرج عن أبي الصمة قال: # " مررت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلمت عليه فلم يرد ~~علي حتى قام إلى جدار فحته بعصا كانت معه، ثم وضع يديه على الجدار فمسح ~~وجهه وذراعيه ثم رد علي ". # ففيه دليل على وجوب مسح اليدين إلى المرفقين كما يجب غسلهما في الوضوء ~~إلى ms0559 المرفقين، ودليل على أن التيمم لا يصح ما لم يعلق باليد غبار ~~التراب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حت الجدار بالعصا، ولو كان ~~مجرد الضرب كافيا لما كان حته. وذهب الزهري إلى أنه يمسح اليدين إلى ~~المنكبين، لما روي عن عمار أنه قال: تيممنا إلى المناكب. وذلك حكاية ~~فعله لم ينقله عن النبي صلى الله عليه وسلم. # كما روي أنه قال: أجنبت فتمعكت في التراب، فلما سأل النبي صلى ~~الله عليه وسلم أمره بالوجه والكفين. # وذهب جماعة إلى أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين، وهو قول علي وابن ~~عباس رضي الله عنهم، وبه قال الشعبي وعطاء بن أبي رباح ومكحول، وإليه ذهب ~~الأوزاعي وأحمد وإسحاق، واحتجوا بما # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا آدم أنا شعبة أخبرنا الحكم عن ذر عن سعيد ~~بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه قال: # " جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: إني أجنبت فلم أصب ~~الماء، فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أما تذكر أنا كنا في سفر ~~أنا وأنت، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت فصليت فذكرت ذلك ~~للنبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما يكفيك ~~هكذا، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح ~~بهما وجهه وكفيه» ". # وقال محمد بن إسماعيل أنا محمد بن كثير عن شعبة بإسناده فقال عمار لعمر ~~رضي الله عنه: تمعكت فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: # " يكفيك الوجه والكفان ". # وفي الحديث دليل على أن الجنب إذا لم يجد الماء يصلي بالتيمم، وكذا ~~الحائض والنفساء إذا طهرتا وعدمتا الماء. وذهب عمر وابن مسعود رضي ~~الله عنهما إلى أن الجنب لا يصلي بالتيمم بل يؤخر الصلاة إلى أن يجد ~~الماء فيغتسل، وحملا قوله تعالى: { أو لمستم النسآء } على ~~اللمس باليد دون الجماع، وحديث عمار رضي الله عنه حجة، وكان عمر ms0560 نسي ما ~~ذكر له عمار فلم يقنع بقوله. وروي أن ابن مسعود رضي الله عنه رجع عن ~~قوله وجوز التيمم للجنب، والدليل عليه أيضا: ما # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا ~~أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا إبراهيم بن محمد عن عباد بن ~~منصور عن أبي رجاء العطاردي عن عمران بن حصين رضي الله عنهم أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أمر رجلا كان جنبا أن يتيمم ثم يصلي فإذا وجد ~~الماء اغتسل. # وأخبرنا عمر بن عبد العزيز أنا أبو القاسم بن جعفر الهاشمي أنا أبو علي ~~اللؤلؤي أنا أبو داود السجستاني أنا مسدد أنا خالد الواسطي عن خالد ~~الحذاء عن أبي عمرو بن بجدان عن أبي ذر رضي الله عنهم قال: # " اجتمعت غنيمة من الصدقة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ~~أبا ذر ابد فيها، فبدوت إلى الربذة وكانت تصيبني الجنابة فأمكث الخمس ~~والست، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «الصعيد الطيب ~~وضوء المسلم ولو إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك فإن ذلك ~~خير» ". # ومسح الوجه واليدين في التيمم، تارة يكون بدلا من غسل جميع البدن في ~~حق الجنب والحائض والنفساء والميت، وتارة يكون بدلا عن غسل الأعضاء ~~الأربع في حق المحدث، وتارة يكون بدلا عن غسل بعض أعضاء الطهارة، بأن ~~يكون على بعض أعضاء طهارته جراحة لا يمكنه غسل محلها، فعليه أن يتيمم ~~بدلا عن غسله. ولا يصح التيمم لصلاة الوقت إلا بعد دخول الوقت، ولا يجوز ~~أن يجمع بين فريضتين بتيمم واحد، لأن الله تعالى قال: { إذا قمتم ~~إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم } إلى أن قال: { فلم ~~تجدوا مآء فتيمموا صعيدا طيبا } ، ظاهر الآية يدل ~~على وجوب الوضوء أو التيمم إذا لم يجد الماء عند كل صلاة، إلا أن الدليل ~~قد قام في الوضوء # فإن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم فتح مكة الصلوات بوضوء واحد. # فبقي التيمم على ظاهره، وهذا ms0561 قول علي وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم، ~~وبه قال الشعبي والنخعي وقتادة، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق. ~~وذهب جماعة إلى أن التيمم كالطهارة بالماء يجوز تقديمه على وقت الصلاة، ~~ويجوز أن يصلي به ما شاء من الفرائض ما لم يحدث، وهو قول سعيد بن المسيب ~~والحسن والزهري والثوري وأصحاب الرأي. واتفقوا على أنه يجوز أن يصلي ~~بتيمم واحد مع الفريضة ما شاء من النوافل، قبل الفريضة وبعدها، وأن يقرأ ~~القرآن إن كان جنبا، وإن كان تيممه بعذر السفر وعدم الماء فيشترط طلب ~~الماء، وهو أن يطلبه من رحله ورفقائه. وإن كان في صحراء لا حائل دون نظره ~~ينظر حواليه، وإن كان دون نظره حائل قريب من تل أو جدار عدل عنه، ~~لأن الله تعالى قال: { فلم تجدوا مآء فتيمموا } ، ولا ~~يقال: لم يجد الماء: إلا لمن طلب. وعند أبي حنيفة رضي الله عنه: طلب ~~الماء ليس بشرط، فإن رأي الماء ولكن بينه وبين الماء حائل من عدو أو سبع ~~يمنعه من الذهاب إليه، أو كان الماء في البئر وليس معه آلة الاستقاء، فهو ~~كالمعدوم، يصلي بالتيمم ولا إعادة عليه. ### || [4.44-46] # قوله عز وجل { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من ~~الكتاب } ، يعني: يهود المدينة، قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت ~~في رفاعة بن زيد ومالك بن دخشم، كان إذا تكلم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لويا بألسنتهما وعاباه، فأنزل الله تعالى هذه الآية { ~~يشترون } يستبدلون، { الضللة } ، يعني: بالهدى، { ~~ويريدون أن تضلوا السبيل } أي: عن السبيل يا معشر ~~المؤمنين. # { والله أعلم بأعدائكم } ، منكم، فلا تستنصحوهم فإنهم ~~أعداؤكم، { وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا } ، ~~قال الزجاج: معناه اكتفوا بالله وليا واكتفوا بالله نصيرا. # { من الذين هادوا } ، قيل: هي متصلة بقوله { ألم تر ~~إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب } { من ~~الذين هادوا } وقيل: هي مستأنفة، معناه: من الذين هادوا من ~~يحرفون، كقوله تعالى: # وما منآ إلا له مقام معلوم # [الصافات: 164] أي: من له مقام معلوم، يريد: فريق، { يحرفون ms0562 ~~الكلم } ، يغيرون الكلم { عن مواضعه } ، يعني: صفة محمد ~~صلى الله عليه وسلم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: كانت اليهود يأتون ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسألونه عن الأمر، فيخبرهم، فيرى أنهم ~~يأخذون بقوله، فإذا انصرفوا من عنده حرفوا كلامه. # { ويقولون سمعنا } ، قولك، { وعصينا } ، أمرك، { ~~واسمع غير مسمع } ، أي: اسمع منا ولا نسمع منك، { غير ~~مسمع } أي: غير مقبول منك. # وقيل: كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: اسمع، ثم يقولون في ~~أنفسهم: لا سمعت، { ورعنا } أي: ويقولون راعنا يريدون به ~~النسبة إلى الرعونة، { ليا بألسنتهم } ، تحريفا، { ~~وطعنا } ، قدحا { فى الدين } ، أن قوله: «وراعنا» من ~~المراعاة، وهم يحرفونه، يريدون به الرعونة، { ولو أنهم ~~قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا } ، أي: انظر ~~إلينا مكان قولهم راعنا، { لكان خيرا لهم وأقوم } ، أي ~~أعدل وأصوب، { ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا ~~يؤمنون إلا قليلا } إلا نفرا قليلا منهم، وهو عبد الله بن ~~سلام ومن أسلم معه منهم. ### || [4.47] # قوله عز وجل: { يا أيهآ الذين أوتوا الكتاب } ، ~~يخاطب اليهود، { ءامنوا بما نزلنا } ، يعني: القرآن، { ~~مصدقا لما معكم } ، يعني: التوراة. # " وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كلم أحبار اليهود: عبد الله بن ~~صوريا وكعب بن الأشرف، فقال: «يا معشر اليهود اتقوا الله وأسلموا، ~~فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به لحق»، قالوا: ما نعرف ذلك، ~~وأصروا على الكفر، فنزلت هذه الآية " # { من قبل أن نطمس وجوها }. # قال ابن عباس: نجعلها كخف البعير، وقال قتادة والضحاك: نعميها، والمراد ~~بالوجه العين، { فنردها على أدبرهآ } ، أي: نطمس الوجوه ~~فنرده على القفا، وقيل: نجعل الوجوه منابت الشعر كوجوه القردة، لأن منابت ~~شعور الآدميين في أدبارهم دون وجوههم، وقيل: معناه نمحو آثارها وما فيها ~~من أنف وعين وفم وحاجب فنجعلها كالأقفاء، وقيل: نجعل عينيه على القفا ~~فيمشي قهقرى. # روي أن عبد الله بن سلام رضي الله عنه لما سمع هذه الآية جاء إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتي أهله، ويده على وجهه، وأسلم وقال: ~~يا رسول الله ms0563 ما كنت أرى أن أصل إليك حتى يتحول وجهي في قفاي. # وكذلك كعب الأحبار لما سمع هذه الآية أسلم في زمن عمر رضي الله عنه، ~~فقال: يا رب آمنت، يا رب أسلمت، مخافة أن يصيبه وعيد هذه الآية. # فإن قيل: قد أوعدهم الله بالطمس إن لم يؤمنوا ثم لم يؤمنوا ولم يفعل ~~بهم ذلك؟. قيل: هذا الوعيد باق، ويكون طمس ومسخ في اليهود قبل قيام ~~الساعة. وقيل: كان هذا وعيدا بشرط، فلما أسلم عبد الله بن سلام وأصحابه ~~رفع ذلك عن الباقين. وقيل: أراد به القيامة، وقال مجاهد أراد بقوله: { ~~نطمس وجوها } أي: نتركهم في الضلالة، فيكون المراد طمس وجه ~~القلب، والرد عن بصائر الهدى على أدبارها في الكفر والضلالة. وأصل ~~الطمس: المحو والإفساد والتحويل، وقال ابن زيد: نمحو آثارهم من وجوههم ~~ونواحيهم التي هم بها فنردها على أدبارهم حتى يعودوا إلى حيث جاؤوا منه ~~بدءا وهو الشام، وقال: قد مضى ذلك، وتأوله في إجلاء بني النضير إلى ~~أذرعات وأريحاء من الشام { أو نلعنهم كما لعنآ أصحب ~~السبت } ، فنجعلهم قردة وخنازير، { وكان أمر الله ~~مفعولا }. ### || [4.48] # { إن الله لا يغفر أن يشرك به }. # قال الكلبي: نزلت في وحشي بن حرب وأصحابه، وذلك أنه لما قتل حمزة كان ~~قد جعل له على قتله أن يعتق فلم يوف له بذلك، فلما قدم مكة ندم على ~~صنيعه هو وأصحابه فكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا قد ~~ندمنا على الذي صنعنا وأنه ليس يمنعنا عن الإسلام إلا أنا سمعناك تقول ~~وأنت بمكة: # والذين لا يدعون مع الله إلها آخر # الآيات [الفرقان: 68]، وقد دعونا مع الله إلها آخر وقتلنا النفس التي ~~حرم الله وزنينا، فلولا هذه الآيات لاتبعناك، فنزلت: # إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا # الآيتين، [الفرقان: 70 71] فبعث بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إليهم، فلما قرؤوا كتبوا إليه: إن هذا شرط شديد نخاف أن لا نعمل عملا ~~صالحا، فنزل: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما ms0564 دون ذلك ~~لمن يشاء)، فبعث بها إليهم فبعثوا إليه: إنا نخاف أن لا نكون من أهل ~~المشيئة فنزلت: # قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله # [الزمر: 53]، فبعث بها إليهم فدخلوا في الإسلام ورجعوا إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقبل منهم، ثم قال لوحشي: أخبرني كيف قتلت حمزة؟ فلما ~~أخبره قال: «ويحك غيب وجهك عني»، فلحق وحشي بالشام فكان بها إلى أن مات. # وقال أبو مجلز عن ابن عمر رضي الله عنه لما نزلت: «قل يا عبادي الذين ~~أسرفوا على أنفسهم»، الآية قام رجل فقال: والشرك يا رسول الله، فسكت ~~ثم قام إليه مرتين أو ثلاثا فنزلت { إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به }. وقال مطرف بن عبد الله بن الشخير: قال ابن عمر رضي ~~الله عنه: كنا على عهد محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مات ~~الرجل على كبيرة شهدنا أنه من أهل النار حتى نزلت هذه الآية { إن ~~الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك ~~لمن يشآء } فأمسكنا عن الشهادات. حكي عن علي رضي الله عنه أن هذه ~~الآية أرجى آية في القرآن «ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء». # { ومن يشرك بالله فقد افترى } ، اختلق، { إثما ~~عظيما }. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أحمد بن الحسن الحيري أخبرنا حاجب ~~بن أحمد الطوسي أنا محمد بن حماد أنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان ~~عن جابر قال: # " أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: يا رسول الله ما ~~الموجبتان؟ قال: «من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ومن مات ~~يشرك بالله شيئا دخل النار» ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل أخبرنا أبو معمر أنا عبد الوارث عن الحسين ~~يعني: المعلم عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر حدثه أن أبا ~~الأسود الدؤلي حدثه أن أبا ذر حدثه قال: # " أتيت النبي صلى الله ms0565 عليه وسلم وعليه ثوب أبيض وهو نائم، ثم أتيته ~~وقد استيقظ، فقال: «ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك ~~إلا دخل الجنة» قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق» ~~قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق» قلت: وإن زنى وإن سرق؟ ~~قال: «وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر» " # ، وكان أبو ذر إذا حدث بهذا قال: وإن رغم أنف أبي ذر. ### || [4.49] # قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم } ~~الآية، قال الكلبي: نزلت في رجال من اليهود منهم بحري بن عمرو والنعمان ~~بن أوفى ومرحب بن زيد، أتوا بأطفالهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا: يا محمد هل على هؤلاء من ذنب؟ فقال: لا، قالوا: ما نحن إلا ~~كهيئتهم، ما عملنا بالنهار يكفر عنا بالليل، وما عملنا بالليل ~~يكفر عنا بالنهار، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وقال مجاهد وعكرمة: كانوا يقدمون أطفالهم في الصلاة، يزعمون أنهم لا ~~ذنوب لهم فتلك التزكية. وقال الحسن والضحاك وقتادة ومقاتل: نزلت في ~~اليهود والنصارى حين قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه، # وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو ~~نصارى # [البقرة: 111] وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: هو تزكية بعضهم ~~لبعض. # روى طارق بن شهاب عن ابن مسعود قال: إن الرجل ليغدو من بيته ومعه دينه ~~فيأتي الرجل لا يملك له ولا لنفسه ضرا ولا نفعا فيقول: والله إنك كيت ~~وكيت!! ويرجع إلى بيته وما معه من دينه شيء، ثم قرأ: «ألم تر إلى ~~الذين يزكون أنفسهم»، الآية. قوله تعالى: { بل الله يزكى } ~~أي: يطهر ويبرئ من الذنوب ويصلح، { من يشآء ولا يظلمون ~~فتيلا } وهو اسم لما في شق النواة، والقطمير اسم للقشرة التي ~~على النواة، والنقير اسم للنقطة التي على ظهر النواة، وقيل: الفتيل ~~من الفتل وهو ما يجعل بين الأصبعين من الوسخ عند الفتل. ### || [4.50-52] # قوله تعالى: { انظر } يا محمد، { كيف يفترون على الله } ، ~~يختلقون ms0566 على الله، { الكذب } ، في تغييرهم كتابه، { وكفى به } ، ~~بالكذب { إثما مبينا }. # قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من ~~الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت } ، اختلفوا فيهما ~~فقال عكرمة: هما صنمان كان المشركون يعبدونهما من دون الله، وقال أبو ~~عبيدة: هما كل معبود يعبد من دون الله. قال الله تعالى # أن اعبدوا الله واجتنبوا الطغوت # [النحل: 36]، قال عمر: الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان. وهو قول ~~الشعبي ومجاهد. وقيل: الجبت: الأوثان، والطاغوت: شياطين الأوثان. ولكل ~~صنم شيطان، يعبر عنه، فيغتر به الناس. وقال محمد بن سيرين ومكحول: ~~الجبت: الكاهن، والطاغوت: الساحر. وقال سعيد بن جبير وأبو العالية: ~~الجبت: الساحر بلسان الحبشة، والطاغوت: الكاهن. وروي عن عكرمة: الجبت ~~بلسان الحبشة: شيطان. وقال الضحاك: الجبت: حيي بن أخطب، والطاغوت: ~~كعب بن الأشرف. دليله قوله تعالى: # يريدون أن يتحاكموا إلى الطغوت # [النساء: 60]. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو الحسين بن بشران أنا إسماعيل ~~بن محمد الصفار أنا أحمد بن منصور الرمادي أنا عبد الرزاق أنا معمر عن ~~عوف العبدي عن حيان عن قطن بن قبيصة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " العيافة والطرق والطيرة من الجبت ". # وقيل: الجبت كل ما حرم الله، والطاغوت كل ما يطغي الإنسان. { ~~ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين ~~ءامنوا سبيلا } ، قال المفسرون: خرج كعب بن الأشرف في سبعين ~~راكبا من اليهود إلى مكة بعد وقعة أحد ليحالفوا قريشا على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وينقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فنزل كعب على أبي سفيان فأحسن مثواه، ونزلت اليهود ~~في دور قريش، فقال أهل مكة: إنكم أهل كتاب ومحمد صاحب كتاب ولا نأمن ~~أن يكون هذا مكرا منكم فإن أردتم أن نخرج معكم فاسجدوا لهذين الصنمين ~~وآمنوا بهما ففعلوا ذلك، فذلك قوله تعالى: { يؤمنون بالجبت ~~والطغوت }. ثم قال كعب لأهل مكة: ليجيء منكم ثلاثون ومنا ثلاثون ~~فنلزق أكبادنا بالكعبة فنعاهد رب هذا البيت لنجهدن على قتال محمد، ~~ففعلوا. ms0567 ثم قال أبو سفيان لكعب: إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم ونحن ~~أميون لا نعلم، فأينا أهدى طريقة، نحن أم محمد؟ قال كعب: اعرضوا ~~علي دينكم. فقال أبو سفيان: نحن ننحر للحجيج الكوماء ونسقيهم الماء ~~ونقري الضيف ونفك العاني ونصل الرحم ونعمر بيت ربنا ونطوف به ونحن ~~أهل الحرم. ومحمد فارق دين آبائه وقطع الرحم وفارق الحرم، وديننا القديم ~~ودين محمد الحديث. فقال كعب: أنتم والله أهدى سبيلا مما عليه محمد ~~فأنزل الله تعالى: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا ~~من الكتاب } ، يعني: كعبا وأصحابه { يؤمنون بالجبت ~~والطغوت } ، يعني: الصنمين { ويقولون للذين كفروا } ~~أبي سفيان وأصحابه { هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا ~~} محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم (سبيلا) دينا. # { أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله ~~فلن تجد له نصيرا } ### || [4.53-55] # { أم لهم } يعني: ألهم؟ والميم صلة { نصيب } حظ { من ~~الملك } وهذا على جهة الإنكار، يعني: ليس لهم من الملك شيء ولو كان ~~لهم من الملك شيء، { فإذا لا يؤتون الناس نقيرا } ، ~~لحسدهم وبخلهم، والنقير: النقطة التي تكون في ظهر النواة ومنها تنبت ~~النخلة، وقال أبو العالية: هو نقر الرجل الشيء بطرف أصبعه كما ينقر ~~الدرهم. { أم يحسدون الناس } ، يعني: اليهود، ويحسدون الناس: ~~قال قتادة: المراد بالناس العرب، حسدهم اليهود على النبوة، وما ~~أكرمهم الله تعالى بمحمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: أراد محمدا صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه، وقال ابن عباس والحسن ومجاهد وجماعة: المراد ~~بالناس: رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده، حسدوه على ما أحل الله له ~~من النساء، وقالوا: ما له هم إلا النكاح، وهو المراد من قوله: { ~~على مآ ءاتهم الله من فضله } ، وقيل: حسدوه على ~~النبوة وهو المراد من الفضل المذكور في الآية، { فقد ءاتينآ ~~ءال إبرهيم الكتب والحكمة } ، أراد بآل إبراهيم: ~~داود وسليمان، وبالكتاب: ما أنزل الله عليهم وبالحكمة النبوة { ~~وءاتينهم ملكا عظيما } فمن فسر الفضل بكثرة النساء ~~فسر الملك العظيم في حق داود وسليمان عليهما السلام بكثرة النساء، ~~فإنه ms0568 كان لسليمان ألف امرأة ثلاثمائة حرة وسبعمائة سرية، وكان لداود مائة ~~امرأة، ولم يكن يومئذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تسع نسوة، فلما ~~قال لهم ذلك سكتوا. # قال الله تعالى: { فمنهم من آمن به } ، يعني: بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم، وهم عبد الله بن سلام وأصحابه، { ومنهم من صد ~~عنه } ، أعرض عنه ولم يؤمن به، { وكفى بجهنم سعيرا } ، ~~وقودا، وقيل: الملك العظيم: ملك سليمان. وقال السدي: الهاء في قوله { ~~من آمن به ومنهم من صد عنه } ، راجعة إلى إبراهيم، ~~وذلك أن إبراهيم زرع ذات سنة، وزرع الناس فهلك زرع الناس وزكا زرع ~~إبراهيم عليه السلام، فاحتاج إليه الناس فكان يقول: من آمن بي أعطيته، ~~فمن آمن منهم أعطاه، ومن لم يؤمن به منعه. ### || [4.56] # قوله تعالى: { إن الذين كفروا بآياتنا سوف ~~نصليهم نارا } ، ندخلهم نارا، { كلما نضجت } ، احترقت، ~~{ جلودهم بدلنهم جلودا غيرها } ، غير الجلود ~~المحترقة، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يبدلون جلودا بيضاء كأمثال ~~القراطيس. # وروي أن هذه الآية قرئت عند عمر رضي الله عنه، فقال عمر رضي الله ~~عنه للقارىء: أعدها فأعادها، وكان عنده معاذ بن جبل، فقال معاذ: عندي ~~تفسيرها: تبدل في ساعة مائة مرة، فقال عمر رضي الله عنه: هكذا سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الحسن: تأكلهم النار كل يوم سبعين ~~ألف مرة كلما أكلتهم قيل لهم عودوا فيعودون كما كانوا. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا ~~محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا معاذ بن أسيد أنا الفضل بن موسى ~~أنا الفضيل عن أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: # " ما بين منكبي الكافر مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع ". # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد أنا محمد بن عيسى ~~الجلودي أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان أنا مسلم بن الحجاج أنا شريح بن ~~يونس أنا حميد بن عبد الرحمن عن الحسن بن صالح عن هارون بن ms0569 سعد عن أبي ~~حازم عن أبي هريرة رضي الله عنهم قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ضرس الكافر أو ناب الكافر مثل أحد، وغلظ جلده مسيرة ثلاثة أيام ~~". # فإن قيل: كيف تعذب جلود لم تكن في الدنيا ولم تعصه؟ قيل يعاد الجلد ~~الأول في كل مرة. وإنما قال: { جلودا غيرها } لتبدل صفتها، ~~كما تقول صنعت من خاتمي خاتما غيره، فالخاتم الثاني هو الأول إلا أن ~~الصناعة والصفة تبدلت، وكمن يترك أخاه صحيحا ثم بعد مرة يراه مريضا ~~دنفا فيقول: أنا غير الذي عهدت، وهو عين الأول، إلا أن صفته تغيرت. ~~وقال السدي: يبدل الجلد جلدا غيره من لحم الكافر ثم يعيد الجلد لحما ~~ثم يخرج من اللحم جلدا آخر. وقيل: يعذب الشخص في الجلد لا الجلد، ~~بدليل أنه قال: { ليذوقوا العذاب } ولم يقل: لتذوق وقال عبد ~~العزيز بن يحيى: إن الله عز وجل يلبس أهل النار جلودا لا تألم، ~~فيكون زيادة عذاب عليهم، كلما احترق جلد بدلهم جلدا غيره، كما قال: # سرابيلهم من قطران # [إبراهيم: 50] فالسرابيل تؤلمهم وهي لا تألم. قوله تعالى: { ~~ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما }. ### || [4.57-58] # { والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم ~~جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيهآ أبدا ~~لهم فيهآ أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا ~~} ، كنينا لا تنسخه الشمس ولا يؤذيهم حر ولا برد. # قوله تعالى: { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات ~~إلى أهلها } ، نزلت في عثمان بن طلحة الحجبي من بني عبد الدار، ~~وكان سادن الكعبة، فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح ~~أغلق عثمان باب البيت وصعد السطح فطلب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم المفتاح، فقيل: إنه مع عثمان فطلبه منه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأبى، وقال: لو علمت أنه رسول الله لم أمنع المفتاح، فلوى ~~علي رضي الله عنه يده فأخذ منه المفتاح وفتح الباب فدخل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم البيت وصلى فيه ركعتين، فلما خرج سأله ~~العباس المفتاح، أن يعطيه ويجمع ms0570 له بين السقاية والسدانة، فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرد ~~المفتاح إلى عثمان ويعتذر إليه، ففعل ذلك علي رضي الله عنه، فقال له ~~عثمان: أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق، فقال علي: لقد أنزل الله تعالى في شأنك ~~قرآنا وقرأ عليه الآية، فقال عثمان: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن ~~محمدا رسول الله، وكان المفتاح معه، فلما مات دفعه إلى أخيه شيبة، ~~فالمفتاح والسدانة في أولادهم إلى يوم القيامة. # وقيل: المراد من الآية جميع الأمانات. # أخبرنا أبو طاهر محمد بن علي الزراد أنا أبو بكر محمد بن إدريس الجرجاني ~~وأبو أحمد بن محمد بن أحمد المعلم الهروي قال: أنا أبو الحسن علي بن عيسى ~~الماليني أنا الحسن بن سفيان النسوي أنا شيبان بن أبي شيبة أخبرنا أبو ~~هلال عن قتادة عن أنس رضي الله عنه قال: قلما خطبنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " ألا لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له ". # قوله تعالى: { وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا ~~بالعدل } أي: بالقسط، { إن الله نعما } أي نعم الشيء الذي ~~{ يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا }. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان ~~أنا أبو جعفر محمد بن حمد بن عبد الجبار الزيات أنا حميد بن زنجويه حدثنا ~~ابن عباد ثنا بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عمرو بن أوس أنه سمع عبد الله ~~بن عمرو بن العاص رضي الله عنه يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " المقسطون عند الله على منابر من نور على يمين الرحمن، وكلتا ~~يديه يمين، هم الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا ". # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا عبد الرحمن بن أبي شريح أنا ~~القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي أنا علي بن الجعد أنا فضيل ~~بن مرزوق عن عطية عن أبي سعيد رضي ms0571 الله عنه قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأقربهم منه مجلسا إمام ~~عادل، وإن أبغض وأشدهم عذابا إمام جائر ". ### || [4.59] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم } ، اختلفوا في { ~~أولي الأمر } ، قال ابن عباس وجابر رضي الله عنهم: هم الفقهاء ~~والعلماء الذين يعلمون الناس معالم دينهم، وهو قول الحسن والضحاك ~~ومجاهد، ودليله قوله تعالى: # ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم ~~لعلمه الذين يستنبطونه منهم # [النساء: 83]. وقال أبو هريرة: هم الأمراء والولاة. وقال علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه: حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله ويؤدي الأمانة ~~فإذا فعل ذلك فحق علي الرعية أن يسمعوا ويطيعوا. # أخبرنا أبو علي حسان بن سعد المنيعي أنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش ~~الزيادي أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان أنا أحمد بن يوسف السلمي أنا ~~عبد الرزاق أنا معمر عن همام بن منبه أنا أبو هريرة رضي الله عنه قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير ~~فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني ". # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا ~~محمد بن يوسف أنا محمد ابن إسماعيل أنا مسدد أنا يحيى بن سعيد عن عبيد ~~الله حدثني نافع عن عبد الله رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر ~~بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ". # [أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن محمد الدراوردي] أنا أبو الحسن أحمد بن ~~محمد بن موسى بن الصلت أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي أنا ~~أبو مصعب عن مالك بن أنس عن يحيى بن سعيد أخبرنا عبادة بن الوليد بن ~~عبادة أن أباه أخبره # " عن عبادة بن الصامت قال: «بايعنا ms0572 رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~السمع والطاعة في اليسر والعسر والمنشط والمكره، وعلى ~~أثرة علينا وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالحق ~~أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم» ". # أخبرنا أبو عبد الله عبد الرحمن بن عبيد الله بن أحمد القفال أنا أبو ~~منصور أحمد بن الفضل البروجردي أنا أبو بكر بن محمد بن همدان الصيرفي أنا ~~محمد بن يوسف الكديمي قال أخبرنا أبو داود الطيالسي عن شعبة عن أبي ~~التياح: # عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر: # " اسمع وأطع ولو لعبد حبشي كأن رأسه زبيبة ". # أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسمعيل الضبي أنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد ~~الجراحي أنا أبو العباس أنا محمد بن أحمد المحبوبي أنا أبو عيسى الترمذي ~~أنا موسى بن عبد الرحمن الكندي أنا زيد بن الحباب أنا معاوية بن صالح ~~حدثني سليم بن عامر قال: سمعت أبا أمامة رضي الله عنه يقول: # سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع فقال: # " اتقوا الله وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وأدوا زكاة أموالكم ~~وأطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنة ربكم ". # وقيل: المراد أمراء السرايا. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا ~~محمد ابن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا صدقة بن الفضل أنا حجاج بن محمد ~~عن يعلى بن مسلم عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: { ~~أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم ~~} ، قال: نزلت في عبيد الله بن حذافة بن قيس بن عدي إذ بعثه النبي ~~صلى الله عليه وسلم في سرية. # وقال عكرمة: أراد بأولي الأمر أبا بكر وعمر رضي الله عنهما. # حدثنا أبو المظفر محمد بن أحمد التميمي أنا أبو محمد عبد الرحمن بن ~~عثمان بن القاسم أخبرنا خيثمة بن سليمان بن حيدرة الأطرابلسي أنا عمرو ~~ابن أبي غرزة بالكوفة أخبرنا ثابت بن موسى العابد عن سفيان بن ms0573 عيينة عن ~~عبد الملك بن عمير عن ربعي عن حذيفة رضي الله عنه قال: # قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إني لا أدري ما بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر ~~وعمر " # ، رضي الله عنهما. # وقال عطاء: هم المهاجرون والأنصار والتابعون لهم بإحسان بدليل قوله ~~تعالى (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار) الآية. # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمود أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد ~~الله الخلال أنا عبد الله بن المبارك عن إسماعيل المكي عن الحسن عن أنس ~~بن مالك رضي الله قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " مثل أصحابي في أمتي كالملح في الطعام لا يصلح الطعام إلا ~~بالملح " # قال: قال الحسن: قد ذهب ملحنا فكيف نصلح. # قوله عز وجل: { فإن تنازعتم } ، أي: اختلفتم، { فى شىء } ~~من أمر دينكم، والتنازع، اختلاف الآراء وأصله من النزع فكأن المتنازعين ~~يتجاذبان ويتمانعان، { فردوه إلى الله والرسول } ، أي: ~~إلى كتاب الله وإلى رسوله ما دام حيا وبعد وفاته إلى سنته، والرد إلى ~~الكتاب والسنة واجب إن وجد فيهما، فإن لم يوجد فسبيله الاجتهاد. وقيل: ~~الرد إلى الله تعالى والرسول أن يقول لما لا يعلم: الله ورسوله ~~أعلم. { إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك } ~~، أي: الرد إلى الله والرسول، { خير وأحسن تأويلا } ، أي: ~~أحسن مآلا وعاقبة. ### || [4.60] # قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم ~~آمنوا بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك يريدون ~~أن يتحاكموا إلى الطاغوت } الآية. # قال الشعبي: كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة فقال ~~اليهودي: نتحاكم إلى محمد لأنه عرف أنه لا يأخذ الرشوة ولا يميل في ~~الحكم، وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود لعلمه أنهم يأخذون الرشوة ~~ويميلون في الحكم، فاتفقا على أن يأتيا كاهنا في جهينة فيتحاكما ~~إليه، فنزلت هذه الآية. # قال جابر: كانت الطواغيت التي يتحاكمون إليها واحد في جهينة وواحد في ~~أسلم، وفي كل حي كاهن. # وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: نزلت في ms0574 رجل من المنافقين يقال له ~~بشر، كان بينه وبين يهودي خصومة فقال اليهودي: ننطلق إلى محمد، وقال ~~المنافق: بل إلى كعب بن الأشرف، وهو الذي سماه الله الطاغوت، فأبى ~~اليهودي أن يخاصمه إلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى ~~المنافق ذلك أتى معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لليهودي، فلما خرجا من عنده لزمه المنافق، وقال: ~~انطلق بنا إلى عمر رضي الله عنه، فأتيا عمر، فقال اليهودي: اختصمت أنا ~~وهذا إلى محمد فقضى لي عليه فلم يرض بقضائه وزعم أنه يخاصم إليك، فقال ~~عمر رضي الله عنه للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم، قال لهما رويدكما حتى أخرج ~~إليكما فدخل عمر البيت وأخذ السيف واشتمل عليه ثم خرج فضرب به المنافق ~~حتى برد، وقال: هكذا أقضي بين من لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله. ~~فنزلت هذه الآية. وقال جبريل: إن عمر رضي الله عنه فرق بين الحق ~~والباطل، فسمي الفاروق. # وقال السدي: كان ناس من اليهود أسلموا ونافق بعضهم وكانت قريظة والنضير ~~في الجاهلية إذا قتل رجل من بني قريظة رجلا من بني النضير قتل به أو أخذ ~~ديته مائة وسق من تمر، وإذا قتل رجل من بني النضير رجلا من قريظة لم ~~يقتل به وأعطى ديته ستين وسقا، وكانت النضير وهم حلفاء الأوس أشرف وأكثر ~~من قريظة وهم حلفاء الخزرج، فلما جاء الله بالإسلام وهاجر النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى المدينة، قتل رجل من النضير رجلا من قريظة فاختصموا ~~في ذلك، فقالت بنو النضير: كنا وأنتم قد اصطلحنا على أن نقتل منكم ولا ~~تقتلون منا، وديتكم ستون وسقا وديتنا مائة وسق، فنحن نعطيكم ذلك، ~~فقال الخزرج: هذا شيء كنتم فعلتموه في الجاهلية لكثرتكم وقلتنا ~~فقهرتمونا، ونحن وأنتم اليوم إخوة وديننا ودينكم واحد فلا فضل لكم ~~علينا، فقال المنافقون منهم: انطلقوا إلى أبي بردة الكاهن الأسلمي، وقال ~~المسلمون من الفريقين: لا بل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأبى ms0575 ~~المنافقون وانطلقوا إلى أبي بردة ليحكم بينهم، فقال: أعظموا اللقمة، يعني ~~الحظ، فقالوا: لك عشرة أوسق، قال: لا بل مائة وسق ديتي، فأبوا أن يعطوه ~~فوق عشرة أوسق وأبى أن يحكم بينهم، فأنزل الله تعالى آية القصاص، وهذه ~~الآية: { ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا ~~بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك يريدون أن ~~يتحاكموا إلى الطاغوت } يعني الكاهن أو كعب بن الأشرف، { ~~وقد أمروا أن يكفروا به، ويريد الشيطن أن ~~يضلهم ضللا بعيدا }. ### || [4.61-62] # { وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل الله وإلى ~~الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا } أي: ~~يعرضون عنك إعراضا. # { فكيف إذآ أصابتهم مصيبة } ، هذا وعيد، أي: فكيف ~~يصنعون إذا أصابتهم مصيبة، { بما قدمت أيديهم } ، يعني: ~~عقوبة صدودهم، وقيل: هي كل مصيبة تصيب جميع المنافقين في الدنيا ~~والآخرة، تم الكلام هاهنا، ثم عاد الكلام إلى ما سبق، يخبر عن فعلهم ~~فقال: { ثم جآءوك } ، يعني: يتحاكمون إلى الطاغوت، { ثم ~~جآءوك } ،[يحيونك ويحلفون]. وقيل: أراد بالمصيبة قتل عمر رضي الله عنه ~~المنافق، ثم جاؤوا يطلبون ديته، { يحلفون بالله إن ~~أردنآ } ، ما أردنا بالعدول عنه في المحاكمة أو بالترافع إلى عمر، { ~~إلا إحسانا وتوفيقا } ، قال الكلبي: إلا إحسانا في القول، ~~وتوفيقا: صوابا، وقال ابن كيسان: حقا وعدلا، نظيره: «ليحلفن ~~إن أردنا إلا الحسنى»، وقيل: هو إحسان بعضهم إلى بعض، وقيل: هو ~~تقريب الأمر من الحق، لا القضاء على أمر الحكم، والتوفيق: هو موافقة ~~الحق، وقيل: هو التأليف والجمع بين الخصمين. ### || [4.63-65] # { أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم } ، من ~~النفاق، أي: علم أن ما في قلوبهم خلاف ما في ألسنتهم، { فأعرض ~~عنهم } ، أي: عن عقوبتهم وقيل: فأعرض عن قبول عذرهم وعظهم باللسان، ~~وقل لهم قولا بليغا، وقيل: هو التخويف بالله، وقيل: أن توعدهم بالقتل ~~إن لم يتوبوا، قال الحسن: القول البليغ أن يقول لهم: إن أظهرتم ما في ~~قلوبكم من النفاق قتلتم لأنه يبلغ في نفوسهم كل مبلغ، وقال الضحاك: { ~~فأعرض عنهم وعظهم } في الملأ { وقل لهم فى ms0576 ~~أنفسهم قولا بليغا } في السر والخلاء، وقال: قيل هذا منسوخ ~~بآية القتال. # قوله عز وجل { ومآ أرسلنا من رسول إلا ليطاع ~~بإذن الله } ، أي: بأمر الله لأن طاعة الرسول وجبت بأمر الله، ~~قال الزجاج: إلا ليطاع بإذن الله لأن الله قد أذن فيه وأمر به، وقيل: ~~إلا ليطاع كلام تام كاف، بإذن الله تعالى أي: بعلم الله وقضائه، أي: ~~وقوع طاعته يكون بإذن الله، { ولو أنهم إذ ظلموا ~~أنفسهم } ، بتحاكمهم إلى الطاغوت { جآءوك فاستغفروا ~~الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا ~~رحيما }. # قوله تعالى: { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك } ~~، الآية. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا أبو اليمان أنا شعيب عن الزهري أخبرني عروة ~~بن الزبير: # " أن الزبير رضي الله عنه كان يحدث أنه خاصم رجلا من الأنصار قد ~~شهد بدرا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج من الحرة كانا ~~يسقيان به. كلاهما، فقال رسول الله للزبير: «اسق يا زبير، ثم أرسل إلى ~~جارك»، فغضب الأنصاري، ثم قال: يا رسول الله أن كان ابن عمتك؟ فتلون ~~وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال للزبير: اسق ثم احبس ~~الماء حتى يبلغ الجدر، فاستوعى رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ ~~للزبير حقه " # ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك أشار على الزبير برأي ~~أراد به سعة له وللأنصاري، فلما أحفظ الأنصاري رسول الله استوعى ~~للزبير حقه في صريح الحكم. قال عروة: قال الزبير: والله ما أحسب هذه ~~الآية إلا نزلت في ذلك { فلا وربك لا يؤمنون حتى ~~يحكموك فيما شجر بينهم } الآية. # وروي أن الأنصاري الذي خاصم الزبير كان اسمه حاطب بن أبي بلتعة فلما ~~خرجا مر على المقداد فقال: لمن كان القضاء، فقال الأنصاري: قضى ~~لابن عمته ولوى شدقيه ففطن له يهودي كان مع المقداد، فقال: قاتل الله ~~هؤلاء يشهدون أنه رسول الله ثم يتهمونه في قضاء يقضي بينهم، ms0577 وايم الله ~~لقد أذنبنا ذنبا مرة في حياة موسى عليه السلام فدعا موسى إلى التوبة ~~منه، فقال: اقتلوا أنفسكم ففعلنا فبلغ قتلانا سبعين ألفا في طاعة ربنا ~~حتى رضي عنا، فقال ثابت بن قيس بن شماس: أما والله إن الله ليعلم مني ~~الصدق ولو أمرني محمد أن أقتل نفسي لفعلت، فأنزل الله في شأن حاطب بن ~~أبي بلتعة: { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك }. # وقال مجاهد والشعبي: نزلت في بشر المنافق واليهودي اللذين اختصما إلى ~~عمر رضي الله عنه. قوله تعالى { فلا } أي: ليس الأمر كما يزعمون أنهم ~~مؤمنون ثم لا يرضون بحكمك، ثم استأنف القسم { وربك لا ~~يؤمنون } ويجوز أن يكون { لا } في قوله { فلا } صلة، كما في قوله ~~{ فلا أقسم } ، حتى يحكموك: أي يجعلوك حكما، { فيما شجر ~~بينهم } ، أي: اختلف واختلط من أمورهم والتبس عليهم حكمه، ومنه ~~الشجر لالتفاف أغصانه بعضها ببعض، { ثم لا يجدوا فى ~~أنفسهم حرجا } ، قال مجاهد: شكا، وقال غيره: ضيقا، { مما ~~قضيت } ، قال الضحاك: إثما، أي: يأثمون بإنكارهم ما قضيت، { ~~ويسلموا تسليما } أي: وينقادوا لأمرك انقيادا. ### || [4.66-69] # قوله تعالى: { ولو أنا كتبنا } أي: فرضنا وأوجبنا، { ~~عليهم أن اقتلوا أنفسكم } ، كما أمرنا بني إسرائيل { ~~أو اخرجوا من ديركم } ، كما أمرنا بني إسرائيل بالخروج من ~~مصر، { ما فعلوه } ، معناه: أنا ما كتبنا عليهم إلا طاعة الرسول ~~والرضى بحكمه، ولو كتبنا عليهم القتل والخروج عن الدور ما كان ~~يفعله، { إلا قليل منهم } ، نزلت في ثابت بن قيس وهو من ~~القليل الذي استثنى الله. # قال الحسن ومقاتل لما نزلت هذه الآية قال عمر وعمار بن ياسر وعبد الله ~~بن مسعود وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم القليل، والله لو ~~أمرنا لفعلنا والحمد لله الذي عافانا، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: # " إن من أمتي لرجالا الإيمان في قلوبهم أثبت من الجبال الرواسي ". # قرأ ابن عامر وأهل الشام { إلا قليلا } بالنصب على الاستثناء، ~~وكذلك هو في مصحف أهل الشام، وقيل: فيه إضمار، تقديره: إلا ms0578 أن يكون ~~قليلا منهم، وقرأ الآخرون قليل بالرفع على ضمير الفاعل في قوله { ~~فعلوه } تقديره: إلا نفر قليل فعلوه، { ولو أنهم فعلوا ~~ما يوعظون به } ، من طاعة الرسول والرضى بحكمه، { لكان خيرا ~~لهم وأشد تثبيتا } ، تحقيقا وتصديقا لإيمانهم. # { وإذا لآتيناهم من لدنآ أجرا عظيما } ، ثوابا ~~وافرا. # { ولهديناهم صراطا مستقيما } ، أي: إلى الصراط ~~المستقيم. # قوله تعالى: { ومن يطع الله والرسول فأولئك مع ~~الذين أنعم الله عليهم من النبيين } الآية. # نزلت في ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان شديد الحب ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغير ~~لونه يعرف الحزن في وجهه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ~~غير لونك»؟ فقال: يا رسول الله ما بي مرض ولا وجع غير أني إن لم أرك ~~استوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة فأخاف أن لا أراك ~~لأنك ترفع مع النبيين، وأني إن دخلت الجنة كنت في منزلة أدنى من ~~منزلتك، وإن لم أدخل الجنة لا أراك أبدا، فنزلت هذه الآية. # وقال قتادة: قال بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: كيف يكون الحال ~~في الجنة وأنت في الدرجات العلى ونحن أسفل منك؟ فكيف نراك؟ فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية. { ومن يطع الله } في أداء الفرائض، { ~~والرسول } في السنن { فأولئك مع الذين أنعم ~~الله عليهم من النبيين } أي لا تفوتهم رؤية الأنبياء ~~ومجالستهم لا أنهم يرفعون إلى درجة الأنبياء، { والصديقين } ، وهم ~~أفاضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والصديق المبالغ في الصدق، { ~~والشهدآء } ، قيل: هم الذين استشهدوا في يوم أحد، وقيل: الذين ~~استشهدوا في سبيل الله، وقال عكرمة: النبيون ههنا: محمد صلى الله عليه ~~وسلم، والصديقون أبو بكر، والشهداء عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، { ~~والصلحين }: سائر الصحابة رضي الله عنهم، { وحسن أولئك ~~رفيقا } ، يعني: رفقاء في الجنة، والعرب تضع الواحد موضع الجمع، كقوله ~~تعالى: { ثم يخرجكم طفلا } [غافر: 67] أي: أطفالا (ويولون ~~الدبر) أي: الأدبار. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد ms0579 المليحي أنا أبو محمد الحسن بن أحمد المخلدي ~~أنا أبو العباس السراج أنا قتيبة بن سعيد أنا حماد بن زيد عن ثابت عن ~~أنس: # " أن رجلا قال: يا رسول الله الرجل يحب قوما ولما يلحق بهم؟ فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «المرء مع من أحب» ". # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي وأبو عمرو محمد بن عبد الرحمن النسوي ~~قالا: أخبرنا أحمد بن الحسن الحيري أنا أبو العباس السراج أنا أبو يحيى ~~زكريا بن يحيى المروزي أنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن أنس بن مالك رضي ~~الله عنه قال: # " قال رجل: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: «وما أعددت لها»؟ قال: فلم ~~يذكر كثيرا، إلا أنه يحب الله ورسوله قال: «فأنت مع من أحببت» ". ### || [4.70-72] # { ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما } أي: ~~بثواب الآخرة، وقيل: بمن أطاع رسول الله وأحبه، وفيه بيان أنهم لن ~~ينالوا تلك الدرجة بطاعتهم، وإنما نالوها بفضل الله عز وجل. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أنا ~~حاجب بن أحمد الطوسي أنا عبد الرحيم بن منيب أنا يعلى بن عبيد عن الأعمش ~~عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " «قاربوا وسددوا واعلموا أنه لا ينجو أحد منكم بعمله»، ~~قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة ~~منه وفضل» " # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم } ، ~~من عدوكم، أي: عدتكم وآلتكم من السلاح، والحذر والحذر واحد، ~~كالمثل والمثل والشبه والشبه، { فانفروا } اخرجوا { ~~ثبات } أي: سرايا متفرقين سرية بعد سرية، والثبات جماعات في تفرقة ~~واحدتها ثبة، { أو انفروا جميعا } أي: مجتمعين كلكم مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: { وإن منكم لمن ليبطئن } ، نزلت في ~~المنافين. وإنما قال { منكم } لاجتماعهم مع أهل الإيمان في الجنسية ~~والنسب وإظهار الإسلام، لا في حقيقة الإيمان، { ليبطئن } ~~أي: ليتأخرن، وليتثاقلن عن الجهاد، وهو عبد الله بن أبي المنافق، ms0580 ~~واللام في { ليبطئن } لام القسم، والتبطئة: التأخر عن الأمر، ~~يقال: ما أبطأ بك؟ أي: ما أخرك عنا؟ ويقال: أبطأ إبطاء وبطأ ~~يبطئ تبطئة. { فإن أصبتكم مصيبة } أي: قتل ~~وهزيمة، { قال قد أنعم الله على } بالقعود، { إذ لم ~~أكن معهم شهيدا } ، أي: حاضرا في تلك الغزاة فيصيبني ما ~~أصابهم. ### || [4.73-74] # { ولئن أصابكم فضل من الله } ، فتح وغنيمة { ~~ليقولن } هذا المنافق، وفيه تقديم وتأخير، وقوله { كأن لم ~~تكن بينكم وبينه مودة } متصل بقوله { فإن ~~أصبتكم مصيبة } تقديره: فإن أصابتكم مصيبة قال: قد أنعم ~~الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا، كأن لم تكن بينكم وبينه ~~مودة أي: معرفة. قرأ ابن كثير وحفص ويعقوب { تكن } بالتاء، ~~والباقون بالياء، أي: ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن: { ~~يليتنى كنت معهم } في تلك الغزاة، { فأفوز فوزا ~~عظيما } ، أي: آخذ نصيبا وافرا من الغنيمة، وقوله { فأفوز } نصب ~~على جواب التمني بالفاء، كما تقول: وددت أن أقوم فيتبعني الناس. # قوله تعالى: { فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون ~~الحياة الدنيا بالآخرة } ، قيل: نزلت في المنافقين، ومعنى ~~يشرون أي: يشترون، يعني الذين يختارون الدنيا على الآخرة، معناه: آمنوا ~~ثم قاتلوا، وقيل: نزلت في المؤمنين المخلصين، معناه فليقاتل في سبيل الله ~~الذين يشرون أي: يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة ويختارون الآخرة { ومن ~~يقتل فى سبيل الله فيقتل } ، يعني يستشهد، { أو ~~يغلب } ، يظفر، { فسوف نؤتيه } ، في كلا الوجهين { أجرا ~~عظيما } ، ويدغم أبو عمرو والكسائي الباء في الفاء حيث كان. # أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي أنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو ~~إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي ~~هريرة # أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد ~~في سبيله وتصديق كلمته أن يدخله الجنة أو يرجعه إلى مسكنه الذي ~~خرج منه مع ما نال من أجر وغنيمة ". # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي أنا أبو الحسن علي بن عبد ~~الله الطيسفوني ms0581 أنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر الجوهري أنا أحمد بن ~~علي الكشميهني أنا علي بن حجر أنا إسماعيل بن جعفر أنا محمد بن عمرو بن ~~علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " مثل المجاهد في سبيل الله كمثل القانت الصائم الذي لا يفتر ~~من صلاة ولا صيام حتى يرجعه الله إلى أهله بما يرجعه من غنيمة ~~وأجر، أو يتوفاه فيدخله الجنة ". ### || [4.75-77] # قوله تعالى: { وما لكم لا تقاتلون } لا تجاهدون { فى ~~سبيل الله } ، في طاعة الله، يعاتبهم على ترك الجهاد، { ~~والمستضعفين } أي: عن المستضعفين، وقال ابن شهاب: في سبيل ~~المستضعفين لتخليصهم، وقيل: في تخليص المستضعفين من أيدي المشركين، وكان ~~بمكة جماعة، { من الرجال والنسآء والولدان } ، يلقون ~~من المشركين أذى كثيرا، { الذين } يدعون و { يقولون ~~ربنآ أخرجنا من هذه القرية الظلم أهلها } ~~، يعني: مكة، الظالم أي: المشرك، أهلها يعني القرية التي من صفتها أن ~~أهلها مشركون، وإنما خفض { الظلم } لأنه نعت للأهل، فلما عاد ~~الأهل إلى القرية صار كأن الفعل لها، كما يقال مررت برجل حسنة عينه. { ~~واجعل لنا من لدنك وليا } ، أي: من يلي أمرنا، { ~~واجعل لنا من لدنك نصيرا } ، أي: من يمنع العدو عنا، ~~فاستجاب الله دعوتهم، فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ولى ~~عليهم عتاب بن أسيد وجعله الله لهم نصيرا ينصف المظلومين من الظالمين. # قوله تعالى: { الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله } ، ~~أي: في طاعته، { والذين كفروا يقتلون فى سبيل ~~الطغوت } أي: في طاعة الشيطان، { فقتلوا } أيها المؤمنون { ~~أولياء الشيطن } أي: حزبه وجنوده وهم الكفار، { إن ~~كيد الشيطن } ، مكره، { كان ضعيفا } ، كما فعل يوم بدر ~~لما رأى الملائكة خاف أن يأخذوه فهرب وخذلهم. # قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا ~~أيديكم } الآية. # قال الكلبي: # " نزلت في عبد الرحمن بن عوف الزهري، والمقداد بن الأسود الكندي، وقدامة ~~بن مظعون الجمحي، وسعد بن أبي وقاص، وجماعة كانوا يلقون من المشركين بمكة ~~أذى ms0582 كثيرا قبل أن يهاجروا، ويقولون: يا رسول الله ائذن لنا في قتالهم ~~فإنهم قد آذونا، فيقول لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كفوا ~~أيديكم فإني لم أومر بقتالهم» " # { وأقيموا الصلوة وءاتوا الزكوة } ، فلما هاجروا ~~إلى المدينة وأمرهم الله بقتال المشركين شق ذلك على بعضهم. # قال الله تعالى: { فلما كتب } فرض، { عليهم القتال ~~إذا فريق منهم يخشون الناس } ، يعني: يخشون مشركي مكة، ~~{ كخشية الله } أي: كخشيتهم من الله، { أو أشد } أكثر، { ~~خشية } ، وقيل: معناه وأشد خشية، { وقالوا ربنا لم ~~كتبت علينا القتال } ، الجهاد { لولا } ، هلا، { ~~أخرتنا إلى أجل قريب } ، يعني: الموت، أي: هلا تركتنا ~~حتى نموت بآجالنا؟. واختلفوا في هؤلاء الذين قالوا ذلك، قيل: قاله قوم ~~من المنافقين لأن قوله: { لم كتبت علينا القتال } ، لا ~~يليق بالمؤمنين. وقيل: قاله جماعة من المؤمنين لم يكونوا راسخين في العلم ~~قالوه خوفا وجبنا لا اعتقادا، ثم تابوا، وأهل الإيمان يتفاضلون في ~~الإيمان. وقيل: هم قوم كانوا مؤمنين فلما فرض عليهم القتال نافقوا من ~~الجبن وتخلفوا عن الجهاد، { قل }: يا محمد، { متع الدنيا } ~~أي: منفعتها والاستمتاع بها { قليل والآخرة } أي: وثواب الآخرة ~~خير وأفضل، { لمن اتقى } ، الشرك ومعصية الرسول، { ولا ~~تظلمون فتيلا } ، قرأ ابن كثير وأبو جعفر وحمزة والكسائي بالياء ~~والباقون تظلمون بالتاء. # أخبرنا أبو صالح أحمد بن عبد الملك المؤذن أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن ~~معاوية الصيدلاني أخبرنا الأصم أنا عبد الله بن محمد بن شاكر أنا محمد بن ~~بشر العبدي أنا مسعر بن كدام عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي ~~حازم حدثني المستورد بن شداد قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر ~~بم يرجع ". ### || [4.78-79] # قوله عز وجل: { أينما تكونوا يدرككم الموت } أي: ~~ينزل بكم الموت، نزلت في المنافقين الذين قالوا في قتلى أحد: لو كانوا ~~عندنا ما ماتوا وما قتلوا فرد الله عليهم بقوله: { أينما تكونوا ~~يدرككم الموت } ، { ولو كنتم فى بروج مشيدة } ~~، والبروج: ms0583 الحصون والقلاع، والمشيدة: المرفوعة المطولة، قال قتادة: ~~معناه في قصور محصنة، وقال عكرمة: مجصصة، والشيد: الجص، { وإن ~~تصبهم حسنة } ، نزلت في اليهود والمنافقين، وذلك أنهم قالوا ~~لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة: ما زلنا نعرف النقص ~~في ثمارنا ومزارعنا منذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه. قال الله تعالى: { ~~وإن تصبهم } يعني: اليهود { حسنة } أي خصب ورخص في السعر، { ~~يقولوا هذه من عند الله } ، لنا، { وإن تصبهم ~~سيئة } يعني: الجدب وغلاء الأسعار { يقولوا هذه من ~~عندك } أي: من شؤم محمد وأصحابه، وقيل: المراد بالحسنة الظفر والغنيمة ~~يوم بدر، وبالسيئة القتل والهزيمة يوم أحد، يقولوا هذه من عندك أي: أنت ~~الذي حملتنا عليه يا محمد، فعلى هذا يكون هذا من قول المنافقين، { قل } ~~، لهم يا محمد، { كل من عند الله } ، أي: الحسنة والسيئة كلها ~~من عند الله، ثم عيرهم بالجهل فقال: { فمال هؤلاء القوم } ~~يعني: المنافقين واليهود، { لا يكادون يفقهون حديثا } أي: ~~لا يفقهون قولا، وقيل: الحديث هاهنا هو القرآن أي: لا يفقهون معاني ~~القرآن. قوله: { فمال هؤلاء } قال الفراء: كثرت في الكلام هذه ~~الكلمة حتى توهموا أن اللام متصلة بها وأنهما حرف واحد، ففصلوا ~~اللام مما بعدها في بعضه، ووصلوها في بعضه، والاتصال القراءة، ولا ~~يجوز الوقف على اللام لأنها لام خافضة. قوله عز وجل: { مآ أصابك ~~من حسنة } ، خير ونعمة { فمن الله ومآ أصبك من ~~سيئة } ، بلية أو أمر تكرهه، { فمن نفسك } ، أي: بذنوبك، ~~والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره، نظيره قوله تعالى: # ومآ أصبكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم # [الشورى: 30] ويتعلق أهل القدر بظاهر هذه الآية، فقالوا: نفى الله ~~تعالى السيئة عن نفسه ونسبها إلى العبد، فقال: { ومآ أصبك من ~~سيئة فمن نفسك } ، ولا متعلق لهم فيه، لأنه ليس المراد من ~~الآية حسنات الكسب ولا سيآته من الطاعات والمعاصي، بل المراد منه ما ~~يصيبهم من النعم والمحن، وذلك ليس من فعلهم بدليل أنه نسبها إلى ~~غيرهم ولم ينسبها إليهم، فقال: { مآ أصابك } ولا يقال ms0584 في الطاعة ~~والمعصية أصابني، إنما يقال: أصبتها، ويقال في النعم: أصابني، بدليل ~~أنه لم يذكر عليه ثوابا ولا عقابا، فهو كقوله تعالى: # فإذا جآءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن ~~تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه # [الأعراف: 131]، ولما ذكر حسنات الكسب وسيئاته نسبها إليه، ووعد عليها ~~الثواب والعقاب، فقال # من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جآء ~~بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها # [الأنعام: 160]. # وقيل: معنى الآية: ما أصابك من حسنة من النصر والظفر يوم بدر فمن الله، ~~أي: من فضل الله، وما أصابك من سيئة من القتل والهزيمة يوم أحد فمن ~~نفسك، أي: بذنب نفسك من مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم. فإن قيل: كيف ~~وجه الجمع بين قوله { قل كل من عند الله } وبين قوله { ~~فمن نفسك }؟ قيل: قوله { قل كل من عند الله } أي: ~~الخصب والجدب والنصر والهزيمة كلها من عند الله، وقوله: { فمن ~~نفسك } أي: ما أصابك من سيئة من الله فبذنب نفسك عقوبة لك، كما ~~قال الله تعالى: # ومآ أصبكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم # [الشورى: 30] يدل عليها ما روى مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه ~~قرأ { ومآ أصابك من سيئة فمن نفسك } وأنا كتبتها ~~عليك. وقال بعضهم: هذه الآية متصلة بما قبلها، والقول فيه مضمر تقديره: ~~فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا، يقولون: { مآ أصابك ~~من حسنة فمن الله، ومآ أصابك من سيئة فمن ~~نفسك } ، { قل كل من عند الله }. { وأرسلنك } ~~، يا محمد { للناس رسولا وكفى بالله شهيدا } ، على ~~إرسالك وصدقك، وقيل: وكفى بالله شهيدا على أن الحسنة والسيئة كلها من ~~الله تعالى. ### || [4.80] # قوله تعالى: { من يطع الرسول فقد أطاع الله }. # وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: # " من أطاعني فقد أطاع الله ومن أحبني فقد أحب الله " # فقال بعض المنافقين: ما يريد هذا الرجل إلا أن نتخذه ربا كما اتخذت ~~النصارى عيسى بن مريم ربا، فأنزل الله تعالى: { من يطع ~~الرسول فقد أطاع الله } أي: من يطع الرسول فيما ms0585 أمر به ~~فقد أطاع الله، { ومن تولى } ، عن طاعته، { فمآ أرسلنك ~~} ، يا محمد، { عليهم حفيظا } ، أي: حافظا ورقيبا، بل كل ~~أمورهم إليه تعالى، وقيل: نسخ الله عز وجل هذا بآية السيف، وأمره بقتال ~~من خالف الله ورسوله. ### || [4.81-83] # { ويقولون طاعة } ، يعني: المنافقين يقول باللسان للرسول صلى ~~الله عليه وسلم: إنا آمنا بك فمرنا فأمرك طاعة، قال النحويون: أي ~~أمرنا وشأننا أن نطيعك، { فإذا برزوا } ، خرجوا، { من ~~عندك بيت طآئفة منهم غير الذى تقول } ، قال ~~قتادة والكلبي: بيت أي: غير وبدل الذي عهد إليهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ويكون التبييت بمعنى التبديل، وقال أبو عبيدة والقتيبي: معناه ~~قالوا وقدروا ليلا غير ما أعطوك نهارا، وكل ما قدر بليل فهو تبييت، ~~وقال أبو الحسن الأخفش: تقول العرب للشيء إذا قدر، قد بيت، ~~يشبهونه بتقدير بيوت الشعر، { والله يكتب } أي: يثبت ويحفظ، { ~~ما يبيتون } ، ما يزورون ويغيرون ويقدرون، وقال الضحاك، عن ~~ابن عباس: يعني ما يسرون من النفاق، { فأعرض عنهم } ، يا محمد ~~ولا تعاقبهم، وقيل: لا تخبر بأسمائهم، منع الرسول صلى الله عليه وسلم ~~من الإخبار بأسماء المنافقين، { وتوكل على الله وكفى ~~بالله وكيلا } ، أي: اتخذه وكيلا فكفى بالله وكيلا وناصرا. ~~قوله تعالى: { أفلا يتدبرون القرءان } ، يعني: أفلا ~~يتفكرون في القرآن، والتدبر هو النظر في آخر الأمر، ودبر كل شيء ~~آخره. { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه ~~اختلفا كثيرا } ، أي تفاوتا وتناقضا كثيرا، قاله ابن عباس، ~~وقيل: لوجدوا فيه أي: في الإخبار عن الغيب بما كان وبما يكون اختلافا ~~كثيرا، أفلا يتفكرون فيه فيعرفوا - بعدم التناقض فيه وصدق ما يخبر - أنه ~~كلام الله تعالى لأن مالا يكون من عند الله لا يخلو عن تناقض واختلاف. # قوله تعالى: { وإذا جآءهم أمر من الأمن أو الخوف ~~أذاعوا به } ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث ~~السرايا فإذا غلبوا أو غلبوا بادر المنافقون يستخبرون عن حالهم، ~~فيفشون ويحدثون به قبل أن يحدث به رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فيضعفون به ms0586 قلوب المؤمنين فأنزل الله تعالى { وإذا جآءهم } يعني: ~~المنافقين { أمر من الأمن } أي: الفتح والغنيمة { أو ~~الخوف } القتل والهزيمة { أذاعوا به } أشاعوه وأفشوه، { ولو ~~ردوه إلى الرسول } أي: لو لم يحدثوا به حتى يكون النبي صلى ~~الله عليه وسلم هو الذي يحدث به، { وإلى أولى الأمر منهم } ~~، أي: ذوي الرأي من الصحابة مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، ~~{ لعلمه الذين يستنبطونه منهم } ، أي: يستخرجونه ~~وهم العلماء، أي: علموا ما ينبغي أن يكتم وما ينبغي أن يفشي، ~~والاستنباط: الاستخراج، يقال: استنبط الماء إذا استخرجه، وقال عكرمة: ~~يستنبطونه أي: يحرصون عليه ويسألون عنه، وقال الضحاك: يتبعونه، يريد ~~الذين سمعوا تلك الأخبار من المؤمنين والمنافقين ولو ردوه إلى الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وإلى ذوي الرأي والعلم، لعلمه الذين يستنبطونه ~~منهم، أي: يحبون أن يعلموه على حقيقته كما هو. # { ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم ~~الشيطن } ، كلكم، { إلا قليلا } ، فإن قيل: كيف استثنى ~~القليل ولولا فضله لاتبع الكل الشيطان؟ قيل: هو راجع إلى ما قبله، ~~قيل: معناه أذاعوا به إلا قليلا لم يفشه، عنى بالقليل المؤمنين، وهذا ~~قول الكلبي واختيار الفراء، وقال: لأن علم السر إذا ظهر علمه ~~المستنبط وغيره، والإذاعة قد تكون في بعض دون بعض، وقيل: لعلمه الذين ~~يستنبطونه منهم إلا قليلا، ثم قوله: { ولولا فضل الله ~~عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطن } كلام تام. وقيل: ~~فضل الله: الإسلام، ورحمته: القرآن، يقول لولا ذلك لاتبعتم الشيطان ~~إلا قليلا، وهم قوم اهتدوا قبل مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم ونزول ~~القرآن، مثل زيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل وجماعة سواهما. وفي ~~الآية دليل على جواز القياس، فإن من العلم ما يدرك بالتلاوة والرواية ~~وهو النص، ومنه ما يدرك بالاستنباط وهو القياس على المعاني المودعة في ~~النصوص. ### || [4.84] # قوله تعالى: { فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا ~~نفسك } ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم واعد أبا سفيان بعد ~~حرب أحد موسم بدر الصغرى في ذي القعدة فلما بلغ الميعاد ms0587 دعا الناس إلى ~~الخروج فكرهه بعضهم، فأنزل الله عز وجل { فقاتل في سبيل ~~الله لا تكلف إلا نفسك } أي: لا تدع جهاد العدو ~~والانتصار للمستضعفين من المؤمنين ولو وحدك، فإن الله قد وعدك النصرة ~~وعاتبهم على ترك القتال، والفاء في قوله تعالى: { فقاتل } جواب عن ~~قوله { ومن يقتل فى سبيل الله فيقتل أو يغلب ~~فسوف نؤتيه أجرا عظيما } فقاتل، { وحرض ~~المؤمنين } ، على القتال أي حضهم على الجهاد ورغبهم في الثواب، ~~فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين راكبا فكفاهم الله القتال، ~~فقال جل ذكره { عسى الله } أي: لعل الله، { أن يكف بأس ~~الذين كفروا } ، أي: قتال المشركين و«عسى» من الله واجب، { ~~والله أشد بأسا } أي: أشد صولة وأعظم سلطانا، { وأشد ~~تنكيلا } أي: عقوبة. ### || [4.85] # قوله عز وجل: { من يشفع شفاعة حسنة يكن له ~~نصيب منها، ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له ~~كفل منها } ، أي: نصيب منها، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~الشفاعة الحسنة هي الإصلاح بين الناس، والشفاعة السيئة هي المشي ~~بالنميمة بين الناس. وقيل: الشفاعة الحسنة هي حسن القول في الناس ينال ~~به الثواب والخير، والسيئة هي: الغيبة وإساءة القول في الناس ينال به ~~الشر. وقوله { كفل منها } أي: من وزرها، وقال مجاهد: هي شفاعة ~~الناس بعضهم لبعض، ويؤجر الشفيع على شفاعته وإن لم يشفع. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا ~~محمد بن يوسف أنا محمد ابن إسماعيل أنا سفيان الثوري عن أبي بردة أخبرني ~~جدي أبو بردة عن أبيه عن أبي موسى رضي الله عنه قال: # " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءه رجل يسأل أو طالب حاجة أقبل ~~علينا بوجهه، فقال: «اشفعوا لتؤجروا ليقضي الله على لسان نبيه ما شاء» ~~". # قوله تعالى: { وكان الله على كل شىء مقيتا } ، قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: مقتدرا مجازيا، قال الشاعر: # وذي ضغن كففت النفس # عنه وكنت على مساءته مقيتا # وقال مجاهد: شاهدا: وقال قتادة: حافظا، وقيل: معناه على ms0588 كل حيوان ~~مقيتا أي: يوصل القوت إليه. # وجاء في الحديث: # " كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت ويقيت ". ### || [4.86] # قوله تعالى: { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن ~~منهآ أو ردوهآ } ، التحية: هي دعاء الحياة، والمراد بالتحية ~~هاهنا السلام، يقول: إذا سلم عليكم مسلم فأجيبوا بأحسن منها أو ~~ردوها كما سلم، فإذا قال: السلام عليكم، فقل: وعليكم السلام ورحمة ~~الله، وإذا قال: السلام عليكم ورحمة الله، فقل: وعليكم السلام ورحمة الله ~~وبركاته، فإذا قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد مثله، روي ~~أن رجلا سلم على ابن عباس رضي الله عنهما، قال: السلام عليكم ورحمة ~~الله وبركاته، ثم زاد شيئا، فقال ابن عباس: إن السلام ينتهي إلى ~~البركة. # وروي عن عمران بن حصين: # " أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليكم، ~~فرد عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «عشر» ثم جاء آخر فقال: ~~السلام عليكم ورحمة الله، فرد عليه فجلس، فقال: «عشرون» ثم جاء آخر ~~فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه، فقال: «ثلاثون» ". # واعلم أن السلام سنة ورد السلام فريضة، وهو فرض على الكفاية، وكذلك ~~السلام سنة على الكفاية فإذا سلم واحد من جماعة كان كافيا في السنة، ~~وإذا سلم واحد على جماعة ورد واحد منهم سقط الفرض عن جميعهم. # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أنا أبو طاهر محمد بن ~~محمد بن محمش الزيادي أنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص التاجر أنا ~~إبراهيم بن عبد الله بن بكير الكوفي أنا وكيع عن الأعمش عن أبي صالح عن ~~أبي هريرة رضي الله عنهم قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا ~~حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام ~~بينكم ". # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا ~~محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا قتيبة أنا الليث عن يزيد بن أبي ms0589 ~~حبيب عن أبي الخير عن عبد الله بن عمرو # " أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام خير؟ قال: ~~«أن تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» ". # ومعنى قوله: أي الإسلام خير، يريد أي خصال الإسلام خير. وقيل: { ~~فحيوا بأحسن منهآ } ، معناه أي إذا كان الذي سلم مسلما، { ~~أو ردوهآ } بمثلها إذا لم يكن مسلما. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا ~~أبو مصعب عن مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم ~~قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن اليهود إذا سلم عليكم أحدهم: فإنما يقول السام عليك، فقل: ~~عليك ". # قوله تعالى: { إن الله كان على كل شىء حسيبا } أي: ~~على كل شيء من رد السلام بمثله أو بأحسن منه، حسيبا أي: محاسبا ~~مجازيا، وقال مجاهد: حفيظا، وقال أبو عبيدة: كافيا، يقال: حسبي هذا أي ~~كفاني. ### || [4.87-88] # قوله تعالى: { الله لا إله إلا هو ليجمعنكم } ، ~~اللام، لام القسم تقديره: والله ليجمعنكم في الموت وفي القبور، { ~~إلى يوم القيمة } وسميت القيامة قيامة لأن الناس ~~يقومون من قبورهم، قال الله تعالى: # يوم يخرجون من الأجداث سراعا # [المعارج: 43] وقيل: لقيامهم إلى الحساب، قال الله تعالى: # يوم يقوم الناس لرب العالمين # [المطففين: 6] { ومن أصدق من الله حديثا } أي: قولا ~~ووعدا، وقرأ حمزة والكسائي { أصدق } ، وكل صاد ساكنة بعدها ~~دال بإشمام الزاي. { فما لكم في المنافقين فئتين } ~~اختلفوا في سبب نزولها فقال قوم: نزلت في الذين تخلفوا يوم أحد من ~~المنافقين، فلما رجعوا قال بعض الصحابة رضي الله عنهم لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: اقتلهم فإنهم منافقون، وقال بعضهم: اعف عنهم فإنهم ~~تكلموا بالإسلام. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا أبو الوليد أنا شعبة عن عدي بن ثابت قال: ~~سمعت عبد الله بن يزيد يحدث عن زيد بن ثابت قال: ms0590 # " لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى أحد رجع ناس ممن خرج معه ~~وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فرقتين، فرقة تقول نقاتلهم وفرقة ~~تقول لا نقاتلهم، فنزلت: { فما لكم في المنافقين فئتين ~~والله أركسهم بما كسبوا } ، وقال: «إنها طيبة تنفي ~~الذنوب كما تنفي النار خبث الفضة» ". # وقال مجاهد: قوم خرجوا إلى المدينة وأسلموا ثم ارتدوا وأستأذنوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها ~~فخرجوا وأقاموا بمكة، فاختلف المسلمون فيهم، فقائل يقول: هم منافقون، ~~وقائل يقول: هم مؤمنون. # وقال بعضهم: نزلت في ناس من قريش قدموا المدينة وأسلموا ثم ندموا ~~على ذلك فخرجوا كهيئة المتنزهين حتى باعدوا من المدينة فكتبوا إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: إنا على الذي فارقناك عليه من الإيمان ~~ولكنا اجتوينا المدينة واشتقنا إلى أرضنا، ثم إنهم خرجوا في تجارة ~~لهم نحو الشام فبلغ ذلك المسلمين، فقال بعضهم: نخرج إليهم فنقتلهم ونأخذ ~~ما معهم لأنهم رغبوا عن ديننا، وقالت طائفة: كيف تقتلون قوما على ~~دينكم إن لم يذروا ديارهم، وكان هذا بعين النبي صلى الله عليه وسلم ~~وهو ساكت لا ينهى واحدا من الفريقين، فنزلت هذه الآية. # وقال بعضهم: هم قوم أسلموا بمكة ثم لم يهاجروا وكانوا يظاهرون المشركين، ~~فنزلت { فما لكم } يا معشر المؤمنين { فى المنفقين ~~فئتين } أي: صرتم فيهم فئتين، أي: فرقتين، { والله أركسهم ~~} أي: نكسهم وردهم إلى الكفر، { بما كسبوا } بأعمالهم غير ~~الزاكية { أتريدون أن تهدوا } ، أي: أن ترشدوا { من ~~أضل الله } ، وقيل: معناه أتقولون أن هؤلاء مهتدون وقد أضلهم ~~الله، { ومن يضلل الله } أي: من يضلله الله عن الهدى، { فلن ~~تجد له سبيلا } أي: طريقا إلى الحق. ### || [4.89-90] # قوله تعالى: { ودوا } ، تمنوا، يعني أولئك الذين رجعوا عن الدين ~~تمنوا { لو تكفرون كما كفروا فتكونون سوآء } ، في ~~الكفر، وقوله { فتكونون } لم يرد به جواب التمني لأن جواب التمني ~~بالفاء منصوب، إنما أراد النسق، أي: ودوا لو تكفرون وودوا لو ~~تكونون سواء، مثل قوله: # ودوا ms0591 لو تدهن فيدهنون # [القلم: 9] أي: ودوا لو تدهن وودوا لو تدهنون، { فلا ~~تتخذوا منهم أوليآء } ، منع من موالاتهم، { حتى ~~يهاجروا فى سبيل الله } ، معكم. قال عكرمة: هي هجرة أخرى، ~~والهجرة على ثلاثة أوجه: هجرة المؤمنين في أول الإسلام، وهي قوله ~~تعالى: # للفقرآء المهجرين # [الحشر: 8] وقوله: # ومن يخرج من بيته مهجرا إلى الله ورسوله # [النساء: 100]، ونحوهما من الآيات، وهجرة المنافقين: وهي الخروج في سبيل ~~الله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صابرا محتسبا [كما حكي هاهنا] ~~منع من موالاتهم حتى يهاجروا في سبيل الله، وهجرة سائر المؤمنين وهي. # ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " المهاجر من هجر ما نهى الله عنه ". # قوله تعالى: { فإن تولوا } ، أعرضوا عن التوحيد والهجرة، { ~~فخذوهم } ، أي: خذوهم أسارى، ومنه يقال للأسير أخيذ، { ~~واقتلوهم حيث وجدتموهم } في الحل والحرم، { ولا ~~تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا } ، ثم استثنى طائفة ~~منهم فقال: # { إلا الذين يصلون إلى قوم } وهذا الاستثناء يرجع إلى ~~القتل لا إلى الموالاة، لأن موالاة الكفار والمنافقين لا تجوز بحال، ~~ومعنى { يصلون } أي: ينتسبون إليهم ويتصلون بهم ويدخلون فيهم ~~بالحلف والجوار، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد ويلجؤون إلى قوم، ~~{ بينكم وبينهم ميثق } أي: عهد، وهم الأسلميون، وذلك # أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وادع هلال بن عويمر الأسلمي قبل ~~خروجه إلى مكة على أن لا يعينه ولا يعين عليه، ومن وصل إلى هلال من قومه ~~وغيرهم ولجأ إليه فلهم من الجوار مثل ما لهلال. # وقال الضحاك عن ابن عباس: أراد بالقوم الذين بينكم وبينهم ميثاق بني ~~بكر بن زيد بن مناة كانوا في الصلح والهدنة، وقال مقاتل: هم خزاعة. ~~وقوله: { أو جآءوكم } أي: يتصلون بقوم جاؤوكم، { حصرت ~~صدورهم } أي: ضاقت صدورهم، قرأ الحسن ويعقوب { حصرة } منصوبة ~~منونة أي: ضيقة صدورهم، [يعني القوم الذين جاؤوكم وهم بنو مدلج، كانوا ~~عاهدوا أن لا يقاتلوا المسلمين وعاهدوا قريشا أن لا يقاتلوهم، حصرت: ~~ضاقت صدورهم]، { أن يقتلوكم } أي: عن قتالكم للعهد الذي بينكم، ~~{ أو يقتلوا قومهم ms0592 } ، يعني: من أمن منهم، ويجوز أن يكون ~~معناه أنهم لا يقاتلونكم مع قومهم ولا يقاتلون قومهم معكم، يعني قريشا ~~قد ضاقت صدورهم لذلك. وقال بعضهم: أو بمعنى الواو، كأنه يقول: إلى قوم ~~بينكم وبينهم ميثاق أو جاؤوكم حصرت صدورهم، أي حصرت صدورهم عن ~~قتالكم والقتال معكم، وهم قوم هلال الأسلميون وبنو بكر، نهى الله سبحانه ~~عن قتال هؤلاء المرتدين إذا اتصلوا بأهل عهد للمسلمين، لأن من انضم إلى ~~قوم ذوي عهد فله حكمهم في حقن الدم. # قوله تعالى: { ولو شآء الله لسلطهم عليكم ~~فلقتلوكم } ، يذكر منته على المسلمين بكف بأس المعاهدين، ~~يقول: إن ضيق صدورهم عن قتالكم لما ألقى الله في قلوبهم من الرعب وكفهم ~~عن قتالكم، ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم مع قومهم، { فإن ~~اعتزلوكم } أي: اعتزلوا قتالكم، { فلم يقتلوكم } ، ومن ~~اتصل بهم، ويقال: يوم فتح مكة يقاتلوكم مع قومهم، { وألقوا ~~إليكم السلم } ، أي: الصلح فانقادوا واستسلموا { فما جعل ~~الله لكم عليهم سبيلا } أي: طريقا بالقتل والقتال. ### || [4.91] # قوله تعالى: { ستجدون آخرين } قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما: هم أسد وغطفان كانوا حاضري المدينة تكلموا ~~بالإسلام رياء وهم غير مسلمين، وكان الرجل منهم يقول له قومه: بماذا ~~أسلمت؟ فيقول آمنت بهذا القرد وبهذا العقرب والخنفساء، وإذا لقوا أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: إنا على دينكم، يريدون بذلك الأمن في ~~الفريقين. وقال الضحاك عن ابن عباس: هم بنو عبد الدار كانوا بهذه الصفة، ~~{ يريدون أن يأمنوكم } ، فلا تتعرضوا لهم، { ويأمنوا ~~قومهم } ، فلا يتعرضوا لهم، { كل ما ردوا إلى ~~الفتنة } أي: دعوا إلى الشرك، { أركسوا فيها } أي: رجعوا ~~وعادوا إلى الشرك، { فإن لم يعتزلوكم } أي: فإن لم يكفوا ~~عن قتالكم حتى تسيروا إلى مكة، { ويلقوا إليكم السلم } ~~أي: المفاداة والصلح، { ويكفوا أيديهم } ، ولم يقبضوا ~~أيديهم عن قتالكم، { فخذوهم } ، أسراء، { واقتلوهم حيث ~~ثقفتموهم } أي: وجدتموهم، { وأولئكم } أي: أهل هذه ~~الصفة، { جعلنا لكم عليهم سلطنا مبينا } أي ~~[حجة بينة ظاهرة بالقتل والقتال]. ### || [4.92] # قوله تعالى: ms0593 { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا } ، الآية # نزلت في عياش بن (أبي ربيعة) المخزومي، وذلك أنه أتى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة فأسلم ثم خاف أن يظهر إسلامه لأهله ~~فخرج هاربا إلى المدينة، وتحصن في أطم من آطامها، فجزعت لذلك أمه ~~جزعا شديدا وقالت لابنيها الحارث وأبي جهل ابن هشام وهما أخواه لأمه: ~~والله لا يظلني سقف ولا أذوق طعاما ولا شرابا حتى تأتوني به، فخرجا في ~~طلبه، وخرج معهما الحارث بن زيد بن أبي أنيسة حتى أتوا المدينة، فأتوا ~~عياشا وهو في الأطم، قالا له: انزل فإن أمك لم يؤوها سقف بيت بعدك، ~~وقد حلفت ألا تأكل طعاما ولا تشرب شرابا حتى ترجع إليها (ولك عهد ~~الله) علينا أن لا نكرهك على شيء ولا نحول بينك وبين دينك، فلما ذكروا ~~له جزع أمه وأوثقوا له بالله نزل إليهم فأخرجوه من المدينة ثم أوثقوه ~~بنسعة فجلده كل واحد منهما مائة جلدة، ثم قدموا به على أمه فلما أتاها ~~قالت: والله لا أحلك من وثاقك حتى تكفر بالذي آمنت به، ثم تركوه ~~موثقا مطروحا في الشمس ما شاء الله، فأعطاهم الذي أرادوا فأتاه الحارث ~~بن زيد فقال: يا عياش أهذا الذي كنت عليه فوالله لئن كان هدى لقد تركت ~~الهدى، ولئن كان ضلالة لقد كنت عليها، فغضب عياش من مقالته، وقال: والله ~~لا ألقاك خاليا أبدا إلا قتلتك، ثم إن عياشا أسلم بعد ذلك وهاجر ثم ~~أسلم الحارث بن زيد بعده وهاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس ~~عياش حاضرا يومئذ ولم يشعر بإسلامه، فبينا عياش يسير بظهر قباء إذ لقي ~~الحارث فقتله، فقال الناس: ويحك أي شيء صنعت؟ إنه قد أسلم، فرجع عياش ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله قد كان من أمري ~~وأمر الحارث ما قد علمت، وإني لم أشعر بإسلامه حتى قتلته، فنزل: { وما ~~كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا }. # وهذا نهي عن قتل المؤمن كقوله ms0594 تعالى: # وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله # [الأحزاب: 53]. { إلا خطئا } استثناء منقطع معناه: لكن إن وقع ~~خطأ، { ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ~~} أي: فعليه إعتاق رقبة مؤمنة كفارة، { ودية مسلمة } ، كاملة، ~~{ إلى أهله } أي: إلى أهل القتيل الذين يرثونه، { إلا أن ~~يصدقوا } أي: يتصدقوا بالدية فيعفوا ويتركوا الدية، { فإن كان ~~من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة ~~مؤمنة } ، أراد به إذا كان الرجل مسلما في دار الحرب منفردا مع ~~الكفار فقتله من لم يعلم بإسلامه فلا دية فيه، وعليه الكفارة، وقيل: ~~المراد منه إذا كان المقتول مسلما في دار الإسلام وهو من نسب قوم ~~كفار، وقرابته في دار الحرب حرب للمسلمين ففيه الكفارة ولا دية ~~لأهله، وكان الحارث بن زيد من قوم كفار حرب للمسلمين وكان فيه تحرير رقبة ~~ولم يكن فيه دية لأنه لم يكن بين قومه وبين المسلمين عهد. # قوله تعالى: { وإن كان من قوم بينكم وبينهم ~~ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة ~~مؤمنة } أراد به إذا كان المقتول كافرا ذميا أو معاهدا فتجب فيه ~~الدية والكفارة، والكفارة تكون بإعتاق رقبة مؤمنة سواء كان المقتول ~~مسلما أو معاهدا، رجلا كان أو امرأة، حرا كان أو عبدا، وتكون في ~~مال القاتل، { فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ~~} ، والقاتل إن كان واجدا للرقبة أو قادرا على تحصيلها بوجود ثمنها ~~فاضلا عن نفقته ونفقة عياله وحاجته من مسكن ونحوه فعليه الإعتاق، ولا ~~يجوز أن ينتقل إلى الصوم فإن عجز عن تحصيلها فعليه صوم شهرين متتابعين، ~~فإن أفطر يوما متعمدا في خلال الشهرين أو نسي النية ونوى صوما آخر ~~وجب عليه استئناف الشهرين. وإن أفطر يوما بعذر مرض أو سفر فهل ينقطع ~~التتابع؟ اختلف أهل العلم فيه، فمنهم من قال: ينقطع وعليه استئناف ~~الشهرين، وهو قول النخعي وأظهر قولي الشافعي رضي الله عنه لأنه أفطر ~~مختارا، ومنهم من قال: لا ينقطع وعليه أن يبني، وهو قول سعيد بن المسيب ~~والحسن والشعبي. ولو حاضت المرأة في خلال الشهرين ms0595 أفطرت أيام الحيض ولا ~~ينقطع التتابع، فإذا طهرت بنت على ما صامت، لأنه أمر مكتوب على ~~النساء لا يمكنهن الاحتراز عنه. فإن عجز عن الصوم فهل يخرج عنه بإطعام ~~ستين مسكينا؟ فيه قولان، أحدهما: يخرج كما في كفارة الظهار، والثاني: لا ~~يخرج لأن الشرع لم يذكر له بدلا فقال: { فصيام شهرين ~~متتابعين }. { توبة من الله } أي: جعل الله ذلك توبة ~~لقاتل الخطأ { وكان الله عليما } بمن قتل خطأ { حكيما } ~~فيما حكم به عليكم. # أما الكلام في بيان الدية، فاعلم أن القتل على ثلاثة أنواع: عمد محض، ~~وشبه عمد، وخطأ محض. # أما العمد المحض فهو: أن يقصد قتل إنسان بما يقصد به القتل غالبا فقتله ~~ففيه القصاص عند وجود التكافؤ، أو دية مغلظة في مال القاتل حالة. ~~وشبه العمد: أن يقصد ضربه بما لا يموت مثله من مثل ذلك الضرب غالبا، بأن ~~ضربه بعصا خفيفة، أو حجر صغير ضربة أو ضربتين، فمات فلا قصاص فيه، بل ~~تجب فيه دية مغلظة على عاقلته مؤجلة إلى ثلاث سنين. # والخطأ المحض هو: أن لا يقصد ضربه بل قصد شيئا آخر فأصابه فمات منه فلا ~~قصاص فيه، بل تجب دية مخففة على عاقلته مؤجلة إلى ثلاث سنين. # وتجب الكفارة في ماله في الأنواع كلها، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه: ~~قتل العمد لا يوجب الكفارة، لأنه كبيرة كسائر الكبائر. # ودية الحر المسلم مائة من الإبل فإذا عدمت الإبل وجبت قيمتها من ~~الدراهم أو الدنانير في قول، وفي قول يجب بدل مقدر منها وهو ألف دينار، ~~أو اثنا عشر ألف درهم، لما روي عن عمر رضي الله عنه: فرض الدية على أهل ~~الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثنى عشر ألف درهم». وذهب قوم إلى أن ~~الواجب في الدية مائة من الإبل، أو ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم، وهو ~~قول عروة بن الزبير والحسن البصري رضي الله عنهما، وبه قال مالك. # وذهب قوم إلى أنها مائة من الإبل أو ألف دينار، أو عشرة آلاف ms0596 درهم، وهو ~~قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي. # ودية المرأة نصف دية الرجل، ودية أهل الذمة والعهد ثلث دية المسلم ~~إن كان كتابيا، وإن كان مجوسيا فخمس الدية، روي عن عمر رضي الله ~~عنه أنه قال: دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم، ودية المجوسي ~~ثمانمائة، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وإليه ذهب الشافعي رضي الله ~~عنه. # وذهب قوم إلى أن دية الذمي والمعاهد مثل دية المسلم، روي ذلك عن ابن ~~مسعود رضي الله عنه وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي. وقال قوم: دية ~~الذمي نصف دية المسلم وهو قول عمر بن عبد العزيز، وبه قال مالك وأحمد ~~رحمهما الله. # والدية في العمد المحض وشبه العمد مغلظة بالسن فيجب ثلاثون حقة ~~وثلاثون جذعة وأربعون خلفة في بطونها أولادها، وهو قول عمر بن ~~الخطاب وزيد بن ثابت رضي الله عنهما، وبه قال عطاء، وإليه ذهب الشافعي ~~رضي الله عنه، لما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن ~~أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي رضي الله عنه ~~أنا ابن عيينة عن علي بن زيد بن جدعان عن القاسم بن ربيعة عن عبد الله بن ~~عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ألا إن في قتل العمد الخطأ بالسوط أو العصا مائة من الإبل ~~مغلظة، منها أربعون خلفة في بطونها أولادها ". # وذهب قوم إلى أن الدية المغلظة أرباع: خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس ~~وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وهو قول ~~الزهري وربيعة وبه قال مالك وأحمد وأصحاب الرأي. # وأما دية الخطأ فمخففة، وهي أخماس بالاتفاق، غير أنهم اختلفوا في ~~تقسيمها، فذهب قوم إلى أنها عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ~~ابن لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة، وهو قول عمر بن عبد العزيز ~~وسليمان بن يسار والزهري وربيعة، وبه قال مالك والشافعي رحمهم الله، ~~وأبدل قوم بني اللبون ببنات المخاض، يروى ذلك عن ابن مسعود رضي الله ~~عنه، ms0597 وبه قال أحمد وأصحاب الرأي. # ودية الأطراف على هذا التقدير، ودية المرأة فيها على النصف من دية ~~الرجل، والدية في قتل الخطأ وشبه العمد على العاقلة، وهم عصبات القاتل من ~~الذكور، ولا يجب على الجاني منها شيء لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أوجبها على العاقلة. ### || [4.93] # قوله تعالى: { ومن يقتل مؤمنا متعمدا } الآية، نزلت في ~~مقيس بن صبابة الكناني، وكان قد أسلم هو وأخوه هشام، فوجد أخاه هشام ~~قتيلا في بني النجار فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك، ~~فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم معه رجلا من بني فهر إلى بني ~~النجار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم إن علمتم قاتل هشام ابن ~~صبابة أن تدفعوه إلى مقيس فيقتص منه، وإن لم تعلموا أن تدفعوا إليه ~~ديته، فأبلغهم الفهري ذلك فقالوا: سمعا وطاعة لله ولرسوله، والله ما ~~نعلم له قاتلا ولكنا نؤدي ديته، فأعطوه مائة من الإبل، ثم انصرفا ~~راجعين نحو المدينة فأتى الشيطان مقيسا فوسوس إليه، فقال: تقبل دية أخيك ~~فتكون عليك مسبة، اقتل الذي معك فتكون نفس مكان نفس وفضل الدية؛ فتغفل ~~الفهري فرماه بصخرة فشدخه، ثم ركب بعيرا وساق بقيتها راجعا إلى مكة ~~كافرا فنزل فيه: { ومن يقتل مؤمنا متعمدا } { ~~فجزآؤه جهنم خالدا فيها } ، بكفره وارتداده، وهو الذي ~~استثناه النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة، عمن آمنه فقتل وهو ~~متعلق بأستار الكعبة. قوله تعالى: { وغضب الله عليه ~~ولعنه } أي: طرده عن الرحمة، { وأعد له عذابا عظيما } ~~اختلفوا في حكم هذه الآية: فحكي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن قاتل ~~المؤمن عمدا لا توبة له، فقيل له: أليس قد قال الله في سورة الفرقان: ~~«ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق» إلى أن قال # ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضعف له العذاب ~~يوم القيمة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب # [الفرقان: 67 - 70]، فقال: كانت هذه في الجاهلية، وذلك أن أناسا من أهل ~~الشرك كانوا قد قتلوا ms0598 وزنوا فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا: إن الذي تدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، ~~فنزلت «والذين لا يدعون مع الله إلها آخر» إلى قوله «إلا من تاب ~~وآمن»، فهذه لأولئك. # وأما التي في النساء فالرجل إذا عرف الإسلام وشرائعه ثم قتل فجزاؤه ~~جهنم. # وقال زيد بن ثابت: لما نزلت التي في الفرقان «والذين لا يدعون مع ~~الله إلها آخر»، عجبنا من لينها فلبثنا سبعة أشهر ثم نزلت الغليظة بعد ~~اللينة فنسخت اللينة، وأراد بالغليظة هذه الآية، وباللينة آية ~~الفرقان. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: تلك آية مكية وهذه مدنية نزلت ولم ينسخها ~~شيء. والذي عليه الأكثرون، وهو مذهب أهل السنة: أن قاتل المسلم عمدا ~~توبته مقبولة لقوله تعالى: # وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا # [طه: 82] وقال: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء: 48] وما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما فهو تشديد ومبالغة في ~~الزجر عن القتل، كما روي عن سفيان بن عيينة أنه قال: إن لم يقتل ~~يقال له: لا توبة لك، وإن قتل ثم جاء يقال: لك توبة. ويروى مثله ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما. وليس في الآية متعلق لمن يقول بالتخليد في ~~النار بارتكاب الكبائر، لأن الآية نزلت في قاتل هو كافر، وهو مقيس بن ~~صبابة، وقيل: إنه وعيد لمن قتل مؤمنا مستحلا لقتله بسبب إيمانه، ومن ~~استحل قتل أهل الإيمان لإيمانهم كان كافرا مخلدا في النار، وقيل في ~~قوله تعالى: { فجزآؤه جهنم خالدا فيها } معناه: هي جزاؤه ~~إن جازاه، ولكنه إن شاء عذبه وإن شاء غفر له بكرمه، فإنه وعد أن يغفر ~~لمن يشاء. حكي أن عمرو بن عبيد جاء إلى أبي عمرو بن العلاء فقال له: هل ~~يخلف الله وعده؟ فقال: لا، فقال: أليس قد قال الله تعالى { ومن ~~يقتل مؤمنا متعمدا فجزآؤه جهنم خالدا }؟ ~~فقال أبو عمرو ابن العلاء: من العجمة أتيت يا أبا عثمان! إن العرب ms0599 لا ~~تعد الإخلاف في الوعيد خلفا وذما، وإنما تعد إخلاف الوعد خلفا وذما، ~~وأنشد: # وإني وإن أوعدته أو وعدته # لمخلف إيعادي ومنجز موعدي # والدليل على أن غير الشرك لا يوجب التخليد في النار ما روينا أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ". # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا ~~محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا أبو اليمان أنا شعيب عن الزهري قال ~~أخبرني أبو إدريس عائذ الله بن عبد الله أن عبادة بن الصامت رضي الله عنه ~~- وكان شهد بدرا وهو أحد النقباء ليلة العقبة - # وقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وحوله عصابة من أصحابه: # " بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ~~ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ~~ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ~~ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره ~~الله، فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه " # ، فبايعناه على ذلك. ### || [4.94] # قوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في ~~سبيل الله فتبينوا } الآية. # قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما: # " نزلت هذه الآية في رجل من بني مرة بن عوف يقال له مرداس بن نهيك، وكان ~~من أهل فدك وكان مسلما لم يسلم من قومه غيره، فسمعوا بسرية لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم تريدهم، وكان على السرية رجل يقال له غالب بن ~~فضالة الليثي، فهربوا وأقام الرجل لأنه كان على دين المسلمين، فلما رأى ~~الخيل خاف أن يكونوا من غير أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فألجأ غنمه ~~إلى عاقول من الجبل، وصعد هو إلى الجبل فلما تلاحقت الخيل سمعهم ~~يكبرون، فلما سمع التكبير عرف أنهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~فكبر ونزل وهو يقول: ms0600 لا إله إلا الله محمد رسول الله، السلام عليكم، ~~فتغشاه أسامة بن زيد فقتله واستاق غنمه ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأخبروه فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وجدا ~~شديدا، وكان قد سبقهم قبل ذلك الخبر، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «قتلتموه إرادة ما معه»؟ ثم قرأ هذه الآية على أسامة بن زيد، ~~فقال: يا رسول الله استغفر لي، فقال فكيف بلا إله إلا الله؟! قالها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، قال أسامة: فما زال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يعيدها حتى وددت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ، ثم ~~إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استغفر لي بعد ثلاث مرات، وقال: ~~«اعتق رقبة» ". # وروى أبو ظبيان عن أسامة رضي الله عنه قال # " قلت:يا رسول الله إنما قالها خوفا من السلاح، قال: «أفلا شققت عن ~~قلبه حتى تعلم أقالها خوفا أم لا»؟ ". # وقال عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مر رجل من بني سليم على ~~نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومعه غنم له فسلم عليهم، قالوا: ~~ما سلم عليكم إلا ليتعوذ منكم فقاموا فقتلوه وأخذوا غنمه فأتوا بها إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية: { ~~يأيها الذين ءامنوا إذا ضربتم فى سبيل الله ~~}. # يعني إذا سافرتم في سبيل الله، يعني: الجهاد. { فتبينوا } قرأ ~~حمزة والكسائي هاهنا في موضعين وفي سورة الحجرات بالتاء والثاء من ~~التثبيت، أي: قفوا حتى تعرفوا المؤمن من الكافر، وقرأ الآخرون بالياء ~~والنون من التبين، يقال: تبينت الأمر إذا تأملته، { ولا ~~تقولوا لمن ألقى إليكم السلام } هكذا قرأ أهل ~~المدينة وابن عامر وحمزة، أي: المقادة، وهو قول «لا إله إلا الله محمد ~~رسول الله»، وقرأ الآخرون السلام، وهو السلام الذي هو تحية المسلمين لأنه ~~كان قد سلم عليهم، وقيل: السلم والسلام واحد، أي: لا تقولوا لمن سلم ~~عليكم لست مؤمنا، { تبتغون عرض الحياة ms0601 الدنيا } ، ~~يعني: تطلبون الغنم والغنيمة، و«عرض الحياة الدنيا» منافعها ومتاعها، { ~~فعند الله مغانم } ، أي غنائم، { كثيرة } ، وقيل: ثواب ~~كثير لمن اتقى قتل المؤمن، { كذلك كنتم من قبل } ، قال ~~سعيد بن جبير: كذلك كنتم تكتمون إيمانكم من المشركين { فمن الله ~~عليكم } ، بإظهار الإسلام، وقال قتادة: كنتم ضلالا من قبل فمن ~~الله عليكم بالإسلام والهداية. # وقيل معناه: كذلك كنتم من قبل تأمنون في قومكم بلا إله إلا الله قبل ~~الهجرة فلا تخيفوا من قالها فمن الله عليكم بالهجرة، فتبينوا أن ~~تقتلوا مؤمنا. { إن الله كان بما تعملون خبيرا } ، ~~قلت: إذا رأى الغزاة في بلد أو قرية شعار الإسلام فعليهم أن يكفوا ~~عنهم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا قوما فإن سمع أذانا ~~كف عنهم، وإن لم يسمع أغار عليهم. # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا ~~أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا سفيان عن عبد الملك بن نوفل ~~بن مساحق عن ابن عصام عن أبيه # أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث سرية قال: # " إذا رأيتم مسجدا أو سمعتم أذانا فلا تقتلوا أحدا ". ### || [4.95] # قوله تعالى: { لا يستوي القاعدون من المؤمنين } ~~الآية. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا ~~محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل ثنا عبد العزيز بن عبد الله ثنا ~~إبراهيم ابن عبد الله حدثنا إبراهيم بن سعد الزهري حدثني صالح بن كيسان ~~عن ابن شهاب عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أنه قال: رأيت مروان بن ~~الحكم جالسا في المسجد فأقبلت حتى جلست إلى جنبه، فأخبرنا أن زيد بن ~~ثابت رضي الله عنه أخبره # أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى عليه { لا يستوي ~~القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل ~~الله } ، قال: فجاءه ابن أم مكتوم وهو يمليها علي، فقال: يا ~~رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت، وكان رجلا أعمى، فأنزل الله ~~تعالى عليه وفخذه على ms0602 فخذي، فثقلت علي حتى خفت أن ترض فخذي، ثم ~~سرى عنه فأنزل الله { غير أولى الضرر }. # فهذه الآية في الجهاد والحث عليه، فقال: { لا يستوي ~~القاعدون من المؤمنين } عن الجهاد { غير أولى ~~الضرر } ، قرأ أهل المدينة وابن عامر والكسائي بنصب الراء، أي: إلا ~~أولي الضرر، وقرأ الآخرون برفع الراء على نعت { القعدين } ~~يريد: لا يستوي القاعدون الذين هم غير أولي الضرر، أي: غير أولي ~~الزمانة والضعف في البدن والبصر، { والمجهدون فى سبيل ~~الله بأمولهم وأنفسهم } ، غير أولي الضرر فإنهم يساوون ~~المجاهدين، لأن العذر أقعدهم. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أنا ~~حاجب بن أحمد الطوسي أنا عبد الرحيم بن منيب أنا يزيد بن هرون أخبرنا ~~حميد الطويل عن أنس رضي الله عنه # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة تبوك، فدنا من ~~المدينة قال: «إن في المدينة لأقواما ما سرتم من مسير ولا قطعتم من ~~واد إلا كانوا معكم فيه»، قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة؟ قال: ~~«نعم وهم بالمدينة حبسهم العذر» ". # وروى القاسم عن ابن عباس قال: { لا يستوي القاعدون من ~~المؤمنين } عن بدر والخارجون إلى بدر. قوله تعالى: { فضل ~~الله المجهدين بأمولهم وأنفسهم على ~~القعدين درجة } ، أي: فضيلة، وقيل: أراد بالقاعد هاهنا أولي ~~الضرر، فضل الله المجاهدين عليهم درجة لأن المجاهد باشر الجهاد مع ~~النية وأولو الضرر كانت لهم نية ولكنهم لم يباشروا، فنزلوا عنهم ~~بدرجة، { وكلا } ، يعني المجاهد والقاعد { وعد الله ~~الحسنى } يعني: الجنة بإيمانهم، وقال مقاتل: يعني المجاهد والقاعد ~~المعذور، { وفضل الله المجهدين على القعدين ~~أجرا عظيما } ، يعني: على القاعدين من غير عذر. ### || [4.96] # { درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا ~~رحيما } ، قال ابن محيريز في هذه الآية: هي سبعون درجة ما بين كل ~~درجتين عدو الفرس الجواد المضمر، سبعين خريفا. وقيل: الدرجات هي ~~الإسلام والجهاد والهجرة والشهادة فاز بها المجاهدون. # أخبرنا أبو الحسن على بن يوسف الجويني أنا أبو محمد محمد بن علي بن ms0603 محمد ~~بن شريك الشافعي أنا عبد الله بن مسلم أبو بكر الجوربذي أنا يونس بن ~~عبد الأعلى أنا ابن وهب حدثني أبو هانئ الخولاني عن أبي عبد الرحمن ~~الجبلي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا أبا سعيد من رضي بالله ~~ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وجبت له الجنة» قال فعجب لها أبو ~~سعيد فقال: أعدها علي يا رسول الله، ففعل، قال: «وأخرى يرفع الله ~~بها العبد مائة درجة في الجنة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض» ~~قال: وما هي يا رسول الله؟ فقال: «الجهاد في سبيل الله الجهاد في سبيل ~~الله» ". # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أنا أبو القاسم إبراهيم ~~بن محمد بن علي بن الشاه أنا أبي أنا أبو الحسن علي بن أحمد بن صالح ~~المطرز أنا محمد بن يحيى أنا شريح بن النعمان أنا فليح عن هلال بن علي ~~عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " «من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقا ~~على الله عز وجل أن يدخله الجنة، جاهد في سبيل الله أو جلس في ~~أرضه التي ولد فيها»، قالوا: أفلا ننذر الناس بذلك؟ قال: «إن في ~~الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين كل من الدرجتين ~~كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط ~~الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة» ". # واعلم أن الجهاد في الجملة فرض، غير أنه ينقسم إلى فرض العين وفرض ~~الكفاية: ففرض العين: أن يدخل الكفار دار قوم من المؤمنين، فيجب على ~~كل مكلف من الرجال، ممن لا عذر له من أهل تلك البلدة الخروج إلى عدوهم، ~~حرا كان أو عبدا، غنيا كان أو فقيرا، دفعا عن أنفسهم وعن جيرانهم. ~~وهو في حق من بعد منهم من المسلمين فرض على الكفاية، فإن لم ms0604 تقع ~~الكفاية بمن نزل بهم يجب على من بعد منهم من المسلمين عونهم، وإن وقعت ~~الكفاية بالنازلين بهم فلا فرض على الأبعدين إلا على طريق الإختيار، ولا ~~يدخل في هذا القسم العبيد والفقراء، ومن هذا القبيل أن يكون الكفار ~~قارين في بلادهم، فعلى الإمام أن لا يخلي سنة عن غزوة يغزوها بنفسه أو ~~بسراياه حتى لا يكون الجهاد معطلا، والاختيار للمطيق الجهاد مع وقوع ~~الكفاية بغيره: أن لا يقعد عن الجهاد، ولكن لا يفترض، لأن الله تعالى ~~وعد المجاهد والقاعد الثواب في هذه الآية فقال: { وكلا وعد ~~الله الحسنى } ، ولو كان فرضا على الكافة لاستحق القاعد ~~العقاب لا الثواب. ### || [4.97] # قوله تعالى: { إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي ~~أنفسهم } الآية، نزلت في ناس من أهل مكة تكلموا بالإسلام ولم ~~يهاجروا، منهم: قيس بن الفاكه بن المغيرة وقيس بن الوليد بن المغيرة ~~وأشباههما، فلما خرج المشركون إلى بدر خرجوا معهم فقتلوا مع الكفار فقال ~~الله تعالى: { إن الذين توفاهم الملئكة } ، أراد به ~~ملك الموت وأعوانه، أو أراد ملك الموت وحده، كما قال تعالى: # قل يتوفكم ملك الموت الذى وكل بكم # [السجدة: 11]، والعرب قد تخاطب الواحد بلفظ الجمع { ظلمى ~~أنفسهم } ، بالشرك، وهو نصب على الحال أي: في حال ظلمهم، قيل: أي ~~بالمقام في دار الشرك لأن الله تعالى لم يقبل الإسلام بعد هجرة النبي ~~صلى الله عليه وسلم إلا بالهجرة. # ثم نسخ ذلك بعد فتح مكة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا هجرة بعد الفتح ". # وهؤلاء قتلوا يوم بدر وضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم، وقالوا ~~لهم: فيم كنتم؟ فذلك قوله تعالى: { قالوا فيم كنتم } أي: في ~~ماذا كنتم؟ أو في أي الفريقين كنتم؟ أفي المسلمين؟ أم في المشركين؟ سؤال ~~توبيخ وتعيير فاعتذروا بالضعف عن مقاومة أهل الشرك، و { قالوا كنا ~~مستضعفين } ، عاجزين، { فى الأرض } ، يعني: إلى المدينة ~~وتخرجوا من مكة، من بين أهل الشرك؟ يعني أرض مكة، { قالوا } يعني: ~~الملائكة { ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا ~~فيها } يعني: إلى المدينة وتخرجوا من مكة ms0605 من بين أهل الشرك؟ فأكذبهم ~~الله تعالى وأعلمنا بكذبهم، وقال: { فأولئك مأواهم } ، ~~منزلهم { جهنم وسآءت مصيرا } ، أي: بئس المصير إلى جهنم. ### || [4.98-100] # ثم استثنى أهل العذر منهم، فقال: { إلا المستضعفين من ~~الرجال والنسآء والولدان لا يستطيعون حيلة } لا ~~يقدرون على حيلة ولا على نفقة ولا قوة للخروج منها، { ولا يهتدون ~~سبيلا } ، أي: لا يعرفون طريقا إلى الخروج. وقال مجاهد: لا يعرفون ~~طريق المدينة. # { فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم } ، يتجاوز عنهم، ~~وعسى من الله واجب، لأنه للإطماع، والله تعالى إذا أطمع عبدا وصله ~~إليه، { وكان الله عفوا غفورا } ، قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: كنت أنا وأمي ممن عذر الله، يعني المستضعفين، وكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يدعو لهؤلاء المستضعفين في الصلاة. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا ~~محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا معاذ بن فضالة أنا هشام عن يحيى هو ~~ابن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قال: سمع الله لمن حمده ربنا ~~لك الحمد في الركعة الآخرة من صلاة العشاء قنت اللهم أنج عياش بن أبي ~~ربعية اللهم أنج الوليد اللهم انج سلمة بن هشام اللهم أنج ~~المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها ~~سنين كسني يوسف ". # قوله تعالى: { ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض ~~مراغما كثيرا وسعة } ، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما: { مراغما } أي: متحولا يتحول إليه، وقال مجاهد: ~~متزحزحا عما يكره، وقال أبو عبيدة: المراغم: يقال: راغمت قومي ~~وهاجرتهم، وهو المضطرب والمذهب. # روى أنه لما نزلت هذه الآية سمعها رجل من بني ليث شيخ كبير مريض يقال له ~~جندع بن ضمرة، فقال: والله لا أبيت الليلة بمكة، أخرجوني، فخرجوا به ~~يحملونه على سرير حتى أتوا به التنعيم فأدركه الموت، فصفق بيمينه على ~~شماله ثم قال: اللهم هذه لك وهذه لرسولك ms0606 أبايعك على ما بايعك عليه رسولك، ~~فمات فبلغ خبره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: لو وافى ~~المدينة لكان أتم وأوفى أجرا، وضحك المشركون وقالوا: ما أدرك هذا ما ~~طلب، فأنزل الله: { ومن يخرج من بيته مهجرا إلى ~~الله ورسوله ثم يدركه الموت }. # أي: قبل بلوغه إلى مهاجره، { فقد وقع } أي: وجب { أجره على ~~الله } ، بإيجابه على نفسه فضلا منه، { وكان الله غفورا ~~رحيما }. ### || [4.101] # قوله عز وجل: { وإذا ضربتم في الأرض } أي: سافرتم، { ~~فليس عليكم جناح } ، أي: حرج وإثم { أن تقصروا من ~~الصلوة } ، يعني من أربع ركعات إلى ركعتين، وذلك في صلاة الظهر ~~والعصر والعشاء { إن خفتم أن يفتنكم } أي: يغتالكم ويقتلكم ~~{ الذين كفروا } ، في الصلاة، نظيره قوله تعالى: # على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم # [يونس: 83] أي: يقتلهم. { إن الكفرين كانوا لكم ~~عدوا مبينا } أي: ظاهر العداوة. اعلم أن قصر الصلاة في السفر ~~جائز بإجماع الأمة، واختلفوا في جواز الإتمام: فذهب أكثرهم إلى أن القصر ~~واجب، وهو قول عمر وعلي وابن عمر وجابر وابن عباس رضي الله عنهما، وبه ~~قال الحسن وعمر ابن عبد العزيز وقتادة وهو قول مالك وأصحاب الرأي، لما # روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: # " الصلاة أول ما فرضت ركعتين فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر ". # وذهب قوم إلى جواز الإتمام، روي ذلك عن عثمان وسعد بن أبي وقاص رضي ~~الله عنهما، وبه قال الشافعي رضي الله عنه، إن شاء أتم وإن شاء ~~قصر، والقصر أفضل. # [أخبرنا الإمام عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد ~~الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا إبراهيم بن محمد ~~عن طلحة بن عمرو عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ~~قالت: # " كل ذلك قد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قصر الصلاة وأتم ". # وظاهر القرآن يدل على هذا، لأنه قال: { فليس عليكم جناح ~~أن تقصروا من الصلوة } ، ولفظ لا جناح إنما يستعمل في ms0607 ~~الرخص لا فيما يكون حتما، فظاهر الآية [يوجب أن القصر] لا يجوز إلا ~~عند الخوف، وليس الأمر على ذلك، إنما نزلت الآية على غالب أسفار النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وأكثرها لم يخل عن خوف العدو. # والقصر جائز في السفر في حال الأمن عند عامة أهل العلم، والدليل عليه ما ~~أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو ~~العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا مسلم بن خالد وعبد المجيد بن ~~عبد العزيز بن أبي رواد عن ابن جريج أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن ~~أبي عمار عن عبد الله بن باباه عن يعلى بن أمية، قال: # " قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنما قال الله تعالى { أن ~~تقصروا من الصلوة إن خفتم أن يفتنكم الذين ~~كفروا } ، وقد أمن الناس، فقال عمر رضي الله عنه: عجبت مما عجبت ~~منه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «صدقة تصدق الله بها ~~عليكم، فاقبلوا صدقته» ". # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا ~~أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا عبد الوهاب عن أيوب ~~السختياني عن محمد بن سيرين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: # " سافر رسول الله بين مكة والمدينة آمنا لا يخاف إلا الله فصلى ركعتين ~~". # وذهب قوم إلى أن ركعتي المسافر ليستا بقصر إنما القصر أن يصلي ركعة ~~واحدة في الخوف، يروى ذلك عن جابر رضي الله عنه وهو قول عطاء وطاووس ~~والحسن ومجاهد، وجعلوا شرط الخوف المذكور في الآية باقيا وذهب أكثر أهل ~~العلم إلى أن الاقتصار على ركعة واحدة لا يجوز خائفا كان أو آمنا. # واختلف أهل العلم في مسافة القصر، فقالت طائفة: يجوز القصر في السفر ~~الطويل والقصير، روي ذلك عن أنس رضي الله عنه، وقال عمرو بن دينار: قال ~~لي جابر بن زيد: أقصر بعرفة، أما عامة الفقهاء فلا يجوزون القصر في ~~السفر القصير. # واختلف في حد ما يجوز ms0608 به القصر، فقال الأوزاعي: مسيرة يوم، وكان ابن ~~عمر وابن عباس رضي الله عنهم يقصران ويفطران في أربعة برد، وهي ستة ~~عشر فرسخا، وإليه ذهب مالك وأحمد وإسحاق، وقول الحسن والزهري قريب من ~~ذلك، قالا: مسيرة يومين، وإليه ذهب الشافعي رضي الله عنه، قال: مسيرة ~~ليلتين قاصدتين، وقال في موضع: ستة وأربعون ميلا بالهاشمي، وقال سفيان ~~الثوري وأصحاب الرأي: مسيرة ثلاثة أيام. # وقيل: قوله { إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } ~~متصل بما بعده من صلاة الخوف منفصل عما قبله، روي عن أبي أيوب الأنصاري ~~أنه قال: نزل قوله { فليس عليكم جناح أن تقصروا من ~~الصلوة } هذا القدر، ثم بعد حول سألوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن صلاة الخوف فنزل: { إن خفتم أن يفتنكم الذين ~~كفروا، إن الكفرين كانوا لكم عدوا مبينا }. ### || [4.102] # { وإذا كنت فيهم } الآية. ومثله في القرآن كثير أن يجيء الخبر ~~بتمامه ثم ينسق عليه خبر آخر، وهو في الظاهر كالمتصل به، وهو منفصل ~~عنه، كقوله تعالى: # الآن حصحص الحق أنا رودته عن نفسه وإنه ~~لمن الصدقين # [يوسف: 51]، وهذه حكاية عن امرأة العزيز، وقوله: # ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب # [يوسف: 52] إخبار عن يوسف عليه السلام. # قوله تعالى { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة } ~~روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس وجابر رضي الله عنهم: أن المشركين ~~لما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قاموا إلى الظهر ~~يصلون جماعة ندموا أن لو كانوا كبوا عليهم، فقال بعضهم لبعض: دعوهم ~~فإن لهم بعدها صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم يعني صلاة العصر، ~~فإذا قاموا فيها فشدوا عليهم فاقتلوهم، فنزل جبريل عليه السلام فقال: ~~يا محمد إنها صلاة الخوف وإن الله عز وجل يقول: { وإذا كنت ~~فيهم فأقمت لهم الصلاة } فعلمه صلاة الخوف. # وجملته: أن العدو إذا كانوا في معسكرهم في غير ناحية القبلة فيجعل ~~الإمام القوم فرقتين فتقف طائفة وجاه العدو تحرسهم، ويشرع الإمام ~~مع طائفة في الصلاة، فإذا صلى بهم ركعة قام ms0609 وثبت قائما حتى أتموا ~~صلاتهم، ذهبوا إلى وجاه العدو ثم أتت الطائفة الثانية فصلى بهم ~~الركعة الثانية، وثبت جالسا حتى أتموا لأنفسهم الصلاة، ثم يسلم بهم. # وهذه رواية سهل بن أبي حثمة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~صلى كذلك بذات الرقاع، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق. # أنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا ~~أبو مصعب عن مالك عن يزيد بن رومان عن صالح بن خوات # " عمن صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلاة الخوف: ~~أن طائفة صفت معه وصفت طائفة وجاه العدو فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت ~~قائما فأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا وصفوا وجاه العدو وجاءت ~~الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من ثم ثبت جالسا وأتموا ~~لأنفسهم ثم سلم بهم ". # قال مالك: وذلك أحسن ما سمعت في صلاة الخوف. # وأخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا مسدد أنا يحيى عن شعبة عن عبد الرحمن بن ~~القاسم عن أبيه عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة رضي الله عنهم عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم بهذا. # وذهب قوم إلى أن الإمام إذا قام إلى الركعة الثانية تذهب الطائفة ~~الأولى في خلال الصلاة إلى وجاه العدو وتأتي الطائفة الثانية فيصلي ~~بهم الركعة الثانية ويسلم وهم لا يسلمون بل يذهبون إلى وجاه العدو، ~~وتعود الطائفة الأولى فتتم صلاتها، ثم تعود الطائفة الثانية فتتم ~~صلاتها، وهذه رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم صلى كذلك. # وهو قول أصحاب الرأي. # أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي أنا أبو محمد عبد الجبار بن ~~محمد الجراحي أنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي أنا أبو عيسى الترمذي ~~أنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب أنا يزيد بن زريع أنا معمر عن ~~الزهري عن سالم عن أبيه ms0610 أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الخوف ~~بإحدى الطائفتين ركعة والطائفة الأخرى مواجهة العدو، ثم انصرفوا فقاموا ~~في مقام أولئك وجاء أولئك فصلى بهم ركعة أخرى ثم سلم بهم، فقام هؤلاء ~~فقضوا ركعتهم. # وكلتا الروايتين صحيحة، فذهب قوم إلى أن هذا من الاختلاف المباح، وذهب ~~الشافعي رضي الله عنه إلى حديث سهل بن أبي حثمة لأنه أشد موافقة لظاهر ~~القرآن وأحوط للصلاة وأبلغ في حراسة العدو، وذلك لأن الله تعالى قال: { ~~فإذا سجدوا فليكونوا من ورآئكم } أي: إذا صلوا، ثم ~~قال: { ولتأت طآئفة أخرى لم يصلوا } ، وهذا يدل على ~~أن الطائفة الأولى قد صلوا، وقال: { فليصلوا معك } ، فمقتضاه ~~أن يصلوا تمام الصلاة، فظاهره يدل على أن كل طائفة تفارق الإمام بعد ~~تمام الصلاة، والاحتياط لأمر الصلاة من حيث أنه لا يكثر فيها العمل ~~والذهاب والمجيء، والاحتياط لأمر الحرب من حيث إنهم إذا لم يكونوا في ~~الصلاة كان أمكن للحرب والهرب إن احتاجوا إليه. ولو صلى الإمام أربع ~~ركعات بكل طائفة ركعتين جاز. # أنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أنا أبو نعيم عبد الملك بن ~~الحسين الاسفراييني أنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الحافظ قال أنا ~~الصنعاني أنا عفان بن مسلم ثنا أبان العطار عن يحيى بن أبي كثير عن أبي ~~سلمة عن جابر بن عبد الله قال: # " «أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بذات الرقاع ~~وكنا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال فجاء رجل من المشركين وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم معلق ~~بشجرة فأخذ سيف نبي الله صلى الله عليه وسلم فاخترطه فقال لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: أتخافني؟ قال: لا. قال: فمن يمنعك مني؟ قال: الله ~~يمنعني منك، قال فتهدده أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فأغمد ~~السيف وعلقه فنودي بالصلاة، قال فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا فصلى ~~بالطائفة الأخرى ركعتين، قال: فكانت لرسول الله صلى الله عليه ms0611 وسلم أربع ~~ركعات وللقوم ركعتان» ". # أخبرنا عبد الوهاب بن الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو ~~العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أخبرني الثقة ابن علية أو غيره عن ~~يونس عن الحسن عن جابر رضي الله عنهم # أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالناس صلاة الظهر في الخوف ببطن ~~نخل، فصلى بطائفة ركعتين ثم سلم، ثم جاءت طائفة أخرى فصلى بهم ركعتين ثم ~~سلم. # " وروي عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة ~~الخوف أنه صلى بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا. # ورواه زيد بن ثابت وقال: «كانت للقوم ركعة واحدة وللنبي صلى الله عليه ~~وسلم ركعتان» ". # وتأوله قوم على صلاة شدة الخوف، وقالوا: الفرض في هذه الحالة ركعة ~~واحدة. وأكثر أهل العلم على أن الخوف لا ينقص عدد الركعات، وإن كان العدو ~~في ناحية القبلة في مستوى إن حملوا عليهم رأوهم صلى الإمام بهم جميعا ~~وحرسوا في السجود، كما # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أنا أبو نعيم الاسفرايين ~~أنا بو عوانة الحافظ أنا عمار أنا يزيد بن هارون أخبرنا عبد الملك بن أبي ~~سليمان عن عطاء # " عن جابر رضي الله عنهما قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة ~~الخوف فصففنا خلفه صفين، والعدو بيننا وبين القبلة فكبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم وكبرنا جميعا ثم ركع وركعنا جميعا ثم رفع رأسه من الركوع ~~ورفعنا جميعا، ثم انحدر للسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر نحر ~~العدو فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم السجود وقام الصف الذي ~~يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود [ثم قاموا ثم] تقدم الصف المؤخر، وتأخر ~~المقدم ثم ركع النبي صلى الله عليه وسلم وركعنا جميعا، ثم رفع رأسه من ~~الركوع ورفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرا ~~في الركعة الأولى، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم السجود والصف ms0612 الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود ~~فسجدوا، ثم سلم النبي صلى الله عليه وسلم وسلمنا جميعا قال جابر رضي ~~الله عنه: كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائهم ". # واعلم أن صلاة الخوف جائزة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم. عند عامة ~~أهل العلم. ويحكى عن بعضهم عدم الجواز ولا وجه له. وقال الإمام أحمد بن ~~حنبل رحمة الله عليه: كل حديث روي في أبواب صلاة الخوف فالعمل به جائز، ~~روي فيها ستة أوجه أو سبعة أوجه. # وقال مجاهد في سبب نزول هذه الآية عن ابن عياش الزرقي قال: كنا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بعسفان وعلى المشركين خالد بن الوليد فصلينا ~~الظهر، فقال المشركون: لقد أصبنا غرة لو حملنا عليهم، وهم في الصلاة ~~فنزلت الآية بين الظهر والعصر. # قوله تعالى: { وإذا كنت فيهم } أي: شهيدا معهم فأقمت لهم ~~الصلاة، { فلتقم طآئفة منهم معك } ، أي: فلتقف، كقوله ~~تعالى: # وإذآ أظلم عليهم قاموا # [البقرة: 20] أي: وقفوا، { وليأخذوا أسلحتهم } ، ~~واختلفوا في الذين يأخذون أسلحتهم، فقال بعضهم: أراد هؤلاء الذين وقفوا ~~مع الإمام يصلون يأخذون الأسلحة في الصلاة، فعلى هذا إنما يأخذه إذا ~~كان لا يشغله عن الصلاة، ولا يؤذي من بجنبه [فإذا شغلته حركته ~~وثقلته عن الصلاة كالجعبة والترس الكبير أو كان يؤذي من جنبه] كالرمح ~~فلا يأخذه. وقيل: وليأخذوا أسلحتهم أي: الباقون الذين قاموا في وجه ~~العدو، { فإذا سجدوا } ، أي: صلوا، { فليكونوا من ~~ورآئكم } ، يريد مكان الذين هم وجاه العدو، { ولتأت ~~طآئفة أخرى لم يصلوا } ، وهم الذين كانوا في وجه العدو، { ~~فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم } ، ~~قيل: هؤلاء الذين أتوا، وقيل: هم الذين صلوا، { ود الذين ~~كفروا } ، يتمنى الكفار، { لو تغفلون } أي: لو وجدوكم ~~غافلين، { عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ~~ميلة وحدة } ، فيقصدونكم ويحملون عليكم حملة واحدة. { ولا ~~جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم ~~مرضى أن تضعوا أسلحتكم } ، رخص في وضع السلاح في حال ~~المطر والمرض، لأن السلاح يثقل حمله في هاتين الحالتين، { وخذوا ~~حذركم } ، أي: راقبوا العدو ms0613 كيلا يتغفلوكم، والحذر ما يتقى به ~~من العدو. # وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما: # " نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه غزا محاربا وبني ~~أنمار، فنزلوا ولا يرون من العدو أحدا، فوضع الناس أسلحتهم، وخرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لحاجة له قد وضع سلاحه حتى قطع الوادي والسماء ~~ترش، فحال الوادي بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أصحابه فجلس ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظل شجرة فبصر به غورث بن الحارث ~~المحاربي فقال: قتلني الله إن لم أقتله، ثم انحدر من الجبل ومعه السيف ~~فلم يشعر به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو قائم على رأسه ومعه ~~السيف قد سله من غمده فقال: يا محمد من يعصمك مني الآن؟ فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: الله، ثم قال: اللهم اكفني غورث بن الحارث ~~بما شئت، ثم أهوى بالسيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضربه ~~فأكب لوجهه من زلخة زلخها من بين كتفيه، وندر سيفه فقام رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأخذه ثم قال: يا غورث من يمنعك مني الآن؟ قال: ~~لا أحد، قال تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأعطيك ~~سيفك؟ قال: لا ولكن أشهد أن لا أقاتلك أبدا ولا أعين عليك عدوا، ~~فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه، فقال غورث: والله لأنت خير ~~مني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أجل أنا أحق بذلك منك، فرجع غورث ~~إلى أصحابه فقالوا: ويلك ما منعك منه؟ قال: لقد أهويت إليه بالسيف ~~لأضربه فوالله ما أدري من زلخني بين كتفي فخررت لوجهي، وذكر حاله قال: ~~وسكن الوادي فقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم الوادي إلى أصحابه ~~فأخبرهم الخبر وقرأ عليهم هذه الآية: { ولا جناح عليكم إن ~~كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا ~~أسلحتكم وخذوا حذركم } ". # أي: من عدوكم. وقال سعيد بن ms0614 جبير عن ابن عباس في هذه الآية كان عبد ~~الرحمن بن عوف جريحا. # { إن الله أعد للكفرين عذابا مهينا } ، ~~يهانون فيه، والجناح: الإثم، من جنحت: إذا عدلت عن القصد. ### || [4.103] # { فإذا قضيتم الصلاة } ، يعني: صلاة الخوف، أي: فرغتم منها، ~~{ فاذكروا الله } أي صلوا لله { قيما } في حال الصحة، { ~~وقعودا } ، في حال المرض، { وعلى جنوبكم } ، عند الحرج ~~والزمانة، وقيل: اذكروا الله بالتسبيح والتحميد والتهليل والتمجيد، ~~على كل حال. # أخبرنا عمرو بن عبد العزيز الكاشاني أنا القاسم بن جعفر الهاشمي أنا أبو ~~علي محمد بن أحمد اللؤلؤي أنا أبو داود السجستاني أنا محمد بن العلاء أنا ~~ابن أبي زائدة عن أبيه عن خالد بن سلمة عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي ~~الله عنها قالت: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه ". # { فإذا اطمأننتم } أي: سكنتم وأمنتم، { فأقيموا ~~الصلوة } أي: أتموها أربعا بأركانها، { إن الصلوة كانت ~~على المؤمنين كتبا موقوتا } ، قيل: واجبا مفروضا ~~مقدرا في الحضر أربع ركعات وفي السفر ركعتان، وقال مجاهد: أي فرضا ~~مؤقتا وقته الله عليهم. # وقد جاء بيان أوقات الصلاة في الحديث، أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ~~أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أنا حاجب بن أحمد الطوسي أنا أبو بكر ~~عبد الله بن هاشم حدثنا وكيع أنا سفيان عن عبد الرحمن بن الحارث عن عياش ~~بن أبي ربيعة الزرقي عن حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف عن نافع ابن ~~جبير بن مطعم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " أمني جبريل عند البيت مرتين فصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، ~~وصلى بي العشاء حين غاب الشفق، وصلى بي الفجر حين حرم الطعام ~~والشراب على الصائم، وصلى بي الغد الظهر حين كان ظل كل شيء ~~مثله، وصلى بي العصر حين كان ظل كل شيء مثليه، وصلى بي المغرب حين ~~أفطر الصائم، وصلى بي العشاء ثلث الليل الأول، وصلى بي الفجر ~~فأسفر، ثم التفت ms0615 إلي قال: يا محمد هذا وقت النبيين من قبلك، الوقت ما ~~بين هذين الوقتين ". # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو بكر بن الحسن الحيري أنا وكيع ~~أنا حاجب بن أحمد ثنا عبد الله بن هشام ثنا وكيع ثنا بدر بن عثمان ثنا ~~أبو بكر بن أبي موسى الأشعري عن أبيه رضي الله عنه: # " عن النبي صلى الله عليه وسلم أن سائلا أتاه فسأله عن مواقيت الصلاة، ~~قال: فلم يرد عليه شيئا ثم أمر بلالا فأذن ثم أمره فأقام الصلاة حين ~~انشق الفجر فصلى، ثم أمره فأقام الظهر، والقائل يقول: قد زالت الشمس ~~أو لم تزل، وهو كان أعلم منهم، ثم أمره فأقام العصر والشمس مرتفعة ~~بيضاء نقية، ثم أمره فأقام المغرب حين وقعت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء ~~حين سقوط الشفق، قال: وصلى الفجر من الغد، والقائل يقول: طلعت الشمس ~~أو لم تطلع، وصلى الظهر قريبا من وقت العصر بالأمس وصلى العصر والقائل ~~يقول قد احمرت الشمس وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق الأحمر، وصلى ~~العشاء ثلث الليل الأول، ثم قال: أين السائل، عن الوقت؟ فقال الرجل: ~~أنا يارسول الله، قال: «ما بين هذين الوقتين وقت» ". ### || [4.104] # قوله تعالى: { ولا تهنوا في ابتغآء القوم } الآية، سبب ~~نزولها أن أبا سفيان وأصحابه لما رجعوا يوم أحد بعث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم طائفة في آثارهم فشكوا ألم الجراحات، فقال الله تعالى: { ~~ولا تهنوا } أي: لا تضعفوا (في ابتغاء القوم) في طلب أبي ~~سفيان وأصحابه، { إن تكونوا تألمون } ، تتوجعون من الجراح، ~~{ فإنهم يألمون } ، أي: يتوجعون، يعني الكفار، { كما ~~تألمون وترجون من الله ما لا يرجون } ، أي: وأنتم مع ~~ذلك تأملون من الأجر والثواب في الآخرة والنصر في الدنيا مالا يرجون، ~~وقال بعض المفسرين: المراد بالرجاء الخوف، لأن كل راج خائف أن لا يدرك ~~مأموله. ومعنى الآية: وترجون من الله أي: تخافون من الله أي: تخافون من ~~عذاب الله مالا يخافون، قال الفراء رحمه الله: ولا يكون الرجاء بمعنى ~~الخوف ms0616 إلا مع الجحد، كقوله تعالى: # قل للذين ءامنوا يغفروا للذين لا يرجون ~~أيام الله # [الجاثية: 14] أي: لا يخافون، وقال تعالى: # ما لكم لا ترجون لله وقارا # [نوح: 13] أي: لا تخافون لله عظمته، ولا يجوز رجوتك بمعنى: ~~خفتك، ولا خفتك وأنت تريد رجوتك { وكان الله عليما ~~حكيما }. ### || [4.105] # قوله تعالى: { إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق ~~لتحكم بين الناس بمآ أراك الله } الآية. # روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في رجل من ~~الأنصار يقال له طعمة بن أبيرق من بني ظفر بن الحارث سرق درعا من جار ~~له يقال له قتادة بن النعمان، وكانت الدرع في جراب فيه دقيق فجعل الدقيق ~~ينتثر من خرق في الجراب حتى انتهى إلى الدار، ثم خبأها عند رجل من ~~اليهود، يقال له زيد ابن السمين، فالتمست الدرع عند طعمة فحلف: والله ~~ما أخذها وما له بها من علم، فقال أصحاب الدرع: لقد رأينا أثر الدقيق حتى ~~دخل داره، فلما حلف تركوه واتبعوا أثر الدقيق إلى منزل اليهودي فأخذوه ~~منه، فقال اليهودي دفعها إلي طعمة بن أبيرق، فجاء بنو ظفر وهم قوم طعمة ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألوه أن يجادل عن صاحبهم، وقالوا ~~له: إنك إن لم تفعل افتضح صاحبنا، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن يعاقب اليهودي. # ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما في رواية أخرى أن طعمة سرق الدرع في ~~جراب فيه نخالة فخرق الجراب حتى كان يتناثر منه النخالة طول الطريق فجاء ~~به إلى دار زيد السمين وتركه على بابه، وحمل الدرع إلى بيته، فلما أصبح ~~صاحب الدرع جاء على أثر النخالة إلى دار زيد السمين فأخذه وحمله إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع يد ~~زيد اليهودي. وقال مقاتل: إن زيدا السمين أودع درعا عند طعمة فجحدها ~~طعمة فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقال: { إنآ أنزلنا إليك ~~الكتاب بالحق } بالأمر والنهي والفصل، { لتحكم بين ms0617 ~~الناس بمآ أراك الله } بما علمك الله وأوحى إليك، { ولا ~~تكن للخآئنين } [طعمة] { خصيما } معينا مدافعا عنه. ### || [4.106-108] # { واستغفر الله } ، مما هممت به من معاقبة اليهودي، وقال ~~مقاتل: واستغفر الله من جدالك عن طعمة { إن الله كان ~~غفورا رحيما }. # { ولا تجادل } ، لا تخاصم، { عن الذين يختانون ~~أنفسهم } ، أي: يظلمون أنفسهم بالخيانة والسرقة، { إن الله ~~لا يحب من كان خوانا أثيما } يريد خوانا في الدرع، أثيما ~~في رميه اليهودي، قيل: إنه خطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد ~~به غيره، كقوله تعالى: «فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك»، والاستغفار ~~في حق الأنبياء بعد النبوة على أحد الوجوه الثلاثة: إما لذنب تقدم على ~~النبوة أو لذنوب أمته وقرابته، أو لمباح جاء الشرع بتحريه فيتركه ~~بالاستغفار، فالاستغفار يكون معناه: السمع والطاعة لحكم الشرع. # { يستخفون من الناس } ، أي: يستترون ويستحيون من الناس، يريد ~~بني ظفر بن الحارث، { ولا يستخفون من الله } أي: لا يستترون ~~ولا يستحيون من الله، { وهو معهم إذ يبيتون } ، يقولون ~~ويؤلفون، والتبييت: تدبير الفعل ليلا، { ما لا يرضى من ~~القول } ، وذلك أن قوم طعمة قالوا فيما بينهم: نرفع الأمر إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فإنه يسمع قوله ويمينه لأنه مسلم ولا يسمع من ~~اليهودي فإنه كافر، فلم يرض الله ذلك منهم، { وكان الله بما ~~يعملون محيطا } ، ثم يقول لقوم طعمة: { ها أنتم هؤلاء ~~جادلتم..... }. ### || [4.109-114] # { ها أنتم هؤلاء } ، أي: يا هؤلاء، { جدلتم } أي: ~~خاصمتم، { عنهم } يعني: عن طعمة، وفي قراءة أبي بن كعب: عنه { فى ~~الحيوة الدنيا } ، والجدال: شدة المخاصمة من الجدل، وهو شدة ~~الفتل، فهو يريد فتل الخصم عن مذهبه بطريق الحجاج، وقيل: الجدال من ~~الجدالة، وهي الأرض، فكأن كل واحد من الخصمين يروم قهر صاحبه وصرعه ~~على الجدالة، { فمن يجدل الله عنهم } ، يعني: عن طعمة، { ~~يوم القيمة } إذا أخذه الله بعذابه، { أم من يكون ~~عليهم وكيلا } ، كفيلا، أي: من الذي يذب عنهم، ويتولى أمرهم ~~يوم القيامة؟ ثم استأنف فقال: # { ومن يعمل سوءا } ، يعني السرقة، { أو يظلم ms0618 نفسه } ~~، برميه البريء، وقيل: ومن يعمل سوءا أي: شركا أو يظلم نفسه: ~~يعني: إثما دون الشرك، { ثم يستغفر الله } ، أي: يتب ~~إليه ويستغفره، { يجد الله غفورا رحيما } ، يعرض التوبة ~~على طعمة في هذه الآية. # { ومن يكسب إثما } ، يعني: يمين طعمة بالباطل، أي: ما ~~سرقته إنما سرقه اليهودي { فإنما يكسبه على نفسه } ~~، فإنما يضر به نفسه، { وكان الله عليما } ، بسارق الدرع { ~~حكيما } ، حكم بالقطع على السارق. # { ومن يكسب خطيئة } أي: سرقة الدرع، { أو إثما } يمينه ~~الكاذبة، { ثم يرم به } أي: يقذف بما جنى { بريئا } منه ~~وهو نسبة السرقة إلى اليهودي { فقد احتمل بهتنا } البهتان: ~~هو البهت، وهو الكذب الذي يتحير في عظمه، { وإثما مبينا } ~~أي: ذنبا بينا، وقوله { ثم يرم به } ولم يقل بهما بعد ذكر ~~الخطيئة والإثم، رد الكناية إلى الإثم أو جعل الخطيئة والإثم ~~كالشيء الواحد. # قوله تعالى: { ولولا فضل الله عليك ورحمته } ، يقول ~~للنبي صلى الله عليه وسلم { لهمت } ، لقد همت أي: أضمرت، { ~~طآئفة منهم } ، يعني: قوم طعمة، { أن يضلوك } يخطئوك في ~~الحكم ويلبسوا عليك الأمر حتى تدافع عن طعمة، { وما يضلون إلا ~~أنفسهم } ، يعني يرجع وباله عليهم، { وما يضرونك من ~~شىء } ، يريد أن ضرره يرجع إليهم، { وأنزل الله عليك ~~الكتب } ، يعني: القرآن، { والحكمة } ، يعني: القضاء بالوحي ~~{ وعلمك ما لم تكن تعلم } من الأحكام، وقيل: من علم ~~الغيب، { وكان فضل الله عليك عظيما }. # قوله تعالى: { لا خير في كثير من نجواهم } ، يعني: قوم ~~طعمة، وقال مجاهد: الآية عامة في حق جميع الناس، والنجوى: هي الإسرار ~~في التدبير، وقيل: النجوى ما ينفرد بتدبير قوم سرا كان أو جهرا فمعنى ~~الآية: لا خير في كثير مما يدبرونه بينهم، { إلا من أمر ~~بصدقة } أي: إلا في نجوى من أمر بصدقة، فالنجوى تكون فعلا. وقيل: ~~هذا استثناء منقطع، يعني: لكن أمر بصدقة. وقيل النجوى هاهنا: الرجال ~~المتناجون، كما قال تعالى: # وإذ هم نجوى # [الإسراء: 47]. (إلا من أمر بصدقة) أي: حث عليها، { أو معروف } ، ~~أي: بطاعة الله وما يعرفه الشرع، وأعمال البر كلها ms0619 معروف، لأن ~~العقول تعرفها. # { أو إصلح بين الناس } أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ~~أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أنا حاجب بن أحمد الطوسي أنا محمد بن ~~حماد أنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن سالم هو ابن أبي الجعد ~~عن أم الدرداء رضي الله عنها عن أبي الدرداء قال: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بأفضل من درجة ~~الصيام والصدقة والصلاة»؟ قال: قلنا بلى، قال: «إصلاح ذات البين. وفساد ~~ذات البين هي الحالقة» ". # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد ~~الله بن بشران أنا إسماعيل ابن محمد الصفار أنا أحمد بن منصور الرمادي ~~ثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أمه أم ~~كلثوم بنت عقبة، وكانت من المهاجرات الأول، قالت: # سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " ليس بالكذاب من أصلح بين الناس وقال خيرا أو نمى خيرا ". # قوله تعالى: { ومن يفعل ذلك } أي: هذه الأشياء التي ذكرها، { ~~ابتغآء مرضت الله } ، أي: طلب رضاه، { فسوف نؤتيه ~~} ، في الآخرة، { أجرا عظيما } ، قرأ أبو عمرو وحمزة { يؤتيه } ~~بالياء، يعني: يؤتيه الله وقرأ الآخرون بالنون. ### || [4.115-116] # قوله تعالى: { ومن يشاقق الرسول } ، نزلت في طعمة بن أبيرق ~~وذلك أنه لما ظهرت عليه السرقة خاف على نفسه من قطع اليد والفضيحة، ~~فهرب إلى مكة وارتد عن الدين، فقال تعالى: { ومن يشاقق الرسول ~~} ، أي: يخالفه، { من بعد ما تبين له الهدى } ، من ~~التوحيد والحدود { ويتبع غير سبيل المؤمنين } ، أي: ~~غير طريق المؤمنين { نوله ما تولى } أي: نكله في الآخرة] إلى ~~ما تولى في الدنيا، { ونصله جهنم وسآءت مصيرا }. # روي أن طعمة بن أبيرق نزل على رجل من بني سليم من أهل مكة يقال له ~~الحجاج بن علاط، فنقب بيته فسقط عليه حجر فلم يستطع أن يدخل ولا أن يخرج ~~حتى أصبح، فأخذ ليقتل، فقال بعضهم: دعوه فإنه قد لجأ إليكم فتركوه ~~فأخرجوه من ms0620 مكة، فخرج مع تجار من قضاعة نحو الشام، فنزلوا منزلا فسرق ~~بعض متاعهم وهرب، فطلبوه وأخذوه ورموه بالحجارة حتى قتلوه، فصار قبره تلك ~~الحجارة، وقيل: إنه ركب سفينة إلى جدة فسرق فيها كيسا فيه دنانير فأخذ، ~~فألقي في البحر، وقيل: إنه نزل في حرة بني سليم وكان يعبد صنما إلى أن ~~مات فأنزل الله تعالى فيه: # { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء ومن يشرك بالله فقد ضل ضللا ~~بعيدا } أي: ذهب عن الطريق وحرم الخير كله. # وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: إن هذه الآية نزلت في شيخ من ~~الأعراب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله إني ~~شيخ متهتك في الذنوب، إلا أني لم أشرك بالله شيئا منذ عرفته وآمنت به، ~~ولم أتخذ من دونه وليا ولم أواقع المعاصي جرأة على الله، وما توهمت ~~طرفة عين أني أعجز الله هربا، وإني لنادم تائب مستغفر فما حالي؟ ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية. ### || [4.117-118] # قوله تعالى: { إن يدعون من دونه إلا إنثا } ، نزلت في ~~أهل مكة، أي: ما يعبدون، كقوله تعالى # وقال ربكم ادعونى # [غافر: 60] أي: اعبدوني، بدليل قوله تعالى: # إن الذين يستكبرون عن عبادتي # [غافر: 60]، قوله: { من دونه } أي: من دون الله، { إلا إنثا ~~} أراد بالإناث الأوثان لأنهم كانوا يسمونها باسم الإناث، فيقولون: ~~اللات والعزى ومناة، وكانوا يقولون لصنم كل قبيلة: أنثى بني فلان فكان ~~في كل واحدة منهن شيطان يتراءى للسدنة والكهنة ويكلمهم، ولذلك قال: { ~~وإن يدعون إلا شيطنا } هذا قول أكثر المفسرين. يدل على ~~صحة هذا التأويل - أن المراد بالإناث الأوثان -: قراءة ابن عباس رضي ~~الله عنه { إن يدعون إلا إناثا } ، جمع جمع الوثن فصير الواو ~~همزة، وقال الحسن وقتادة إلا إناثا أي: مواتا لا روح فيه، لأن أصنامهم ~~كانت من الجمادات، سماها إناثا لأنه يخبر عن الموات، كما يخبر عن ~~الإناث، ولأن الإناث أدون الجنسين، كما أن الموات أرذل من الحيوان، ~~وقال الضحاك: ms0621 أراد بالإناث الملائكة، وكان بعضهم يعبدون الملائكة ~~ويقولون: الملائكة إناث، كما قال الله تعالى: { وجعلوا ~~الملئكة الذين هم عباد الرحمن إنثا } ~~[الزخرف: 19] { وإن يدعون إلا شيطانا مريدا } أي: وما ~~يعبدون إلا شيطانا مريدا لأنهم إذا عبدوا الأصنام فقد أطاعوا ~~الشيطان، والمريد: المارد، وهو المتمرد العاتي الخارج عن الطاعة، وأراد: ~~إبليس. # { لعنه الله } ، أي: أبعده من رحمته، { وقال } ، يعني: قال ~~إبليس، { لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا } ، أي: ~~حظا معلوما، فما أطيع فيه إبليس فهو مفروضه، وفي بعض التفاسير: من كل ~~ألف واحد لله تعالى وتسعمائة وتسعة وتسعون لإبليس، وأصل الفرض في ~~اللغة: القطع، ومنه الفرضة في النهر وهي الثلمة تكون فيه، وفرض القوس ~~والشراك: للشق الذي يكون فيه الوتر والخيط الذي يشد به الشراك. ### || [4.119-123] # { ولأضلنهم } يعني: عن الحق، أي: لأغوينهم، يقوله إبليس، وأراد ~~به التزيين، وإلا فليس إليه من الإضلال شيء، كما قال: # لأزينن لهم فى الأرض # [الحجر: 39] { ولأمنينهم } ، قيل: أمنينهم ركوب ~~الأهواء، وقيل: أمنينهم أن لا جنة ولا نار ولا بعث، وقيل: ~~أمنينهم إدراك الآخرة مع ركوب المعاصي، { ولأمرنهم ~~فليبتكن ءاذان الأنعم } أي: يقطعونها ويشقونها، وهي ~~البحيرة { ولأمرنهم فليغيرن خلق الله } ، قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما والحسن ومجاهد وسعيد بن المسيب والضحاك: يعني دين ~~الله، نظيره قوله تعالى: # لا تبديل لخلق الله # [الروم: 30] أي: لدين الله، يريد وضع الله في الدين بتحليل الحرام ~~وتحريم الحلال. وقال عكرمة وجماعة من المفسرين: فليغيرن خلق الله ~~بالخصاء والوشم وقطع الآذان حتى حرم بعضهم الخصاء وجوزه بعضهم في ~~البهائم، لأن فيه غرضا ظاهرا، وقيل: تغيير خلق الله هو أن الله تعالى ~~خلق الأنعام للركوب والأكل فحرموها، وخلق الشمس والقمر والأحجار ~~لمنفعة العباد فعبدوها من دون الله، { ومن يتخذ الشيطن ~~وليا من دون الله } أي: ربا يطيعه، { فقد خسر ~~خسرانا مبينا }. { يعدهم ويمنيهم } فوعده ~~وتمنيته ما يوقع في قلب الإنسان من طول العمر ونيل الدنيا، وقد يكون ~~بالتخويف بالفقر فيمنعه من الإنفاق وصلة الرحم كما قال الله تعالى: # الشيطان يعدكم الفقر # [البقرة: 268] ويمنيهم ms0622 بأن لا بعث ولا جنة ولا نار { وما ~~يعدهم الشيطن إلا غرورا } ، أي: باطلا. # { أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا ~~} ، أي: مفرا ومعدلا عنها. # قوله تعالى: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار } ، أي: من ~~تحت الغرف والمساكن، { خلدين فيهآ أبدا وعد الله ~~حقا ومن أصدق من الله قيلا }. # قوله تعالى: { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل ~~الكتاب } ، الآية. قال مسروق وقتادة والضحاك: أراد ليس بأمانيكم أيها ~~المسلمون ولا أماني أهل الكتاب يعني اليهود والنصارى، وذلك أنهم ~~افتخروا، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم فنحن ~~أولى بالله منكم، وقال المسلمون: نبينا خاتم الأنبياء وكتابنا يقضي ~~على الكتب، وقد آمنا بكتابكم ولم تؤمنوا بكتابنا فنحن أولى. وقال ~~مجاهد: { ليس بأمانيكم } يا مشركي أهل الكتاب، وذلك أنهم ~~قالوا: لا بعث ولا حساب، وقال أهل الكتاب: # لن تمسنا النار إلا أياما معدودة # [البقرة: 80] # لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصرى # [البقرة: 111]، فأنزل الله تعالى: { ليس بأمانيكم } أي: ليس ~~الأمر بالأماني وإنما الأمر بالعمل الصالح. { من يعمل سوءا ~~يجز به } وقال ابن عباس وسعيد بن جبير وجماعة: الآية عامة في حق كل ~~عامل. # وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما: # " لما نزلت هذه الآية شقت على المسلمين وقالوا: يا رسول الله وأينا ~~لم يعمل سوءا غيرك فكيف الجزاء؟ قال: «منه ما يكون في الدنيا، فمن ~~يعمل حسنة فله عشر حسنات، ومن جوزي بالسيئة نقصت واحدة من عشر، ~~وبقيت له تسع حسنات، فويل لمن غلب آحاده أعشاره، وأما ما يكون جزاء ~~في الآخرة فيقابل بين حسناته وسيئاته، فيلقى مكان كل سيئة حسنة وينظر في ~~الفضل، فيعطي الجزاء في الجنة فيؤتي كل ذي فضل فضله» ". # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ثنا أبو بكر محمد بن أحمد العبدوسي ~~ثنا أبو بكر أحمد بن سليمان الفقيه ببغداد ثنا يحيى بن جعفر بن الزبرقان ~~والحارث بن محمد قالا: ثنا روح هو ابن عبادة ثنا موسى بن ms0623 عبيدة أخبرني ~~مولى بن سباع: سمعت عبد الله بن عمر يحدث # " عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: كنت عند رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأنزلت عليه هذه الآية: { من يعمل سوءا يجز به ~~ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا } ، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا بكر ألا أقرئك آية أنزلت علي؟ ~~قال: قلت بلى، قال: فأقرأنيها، قال: ولا أعلم إلا أني وجدت انفصاما ~~في ظهري حتى تمطيت لها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لك يا ~~أبا بكر؟ فقلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي وأينا لم يعمل سوءا؟ إنا ~~لمجزيون بكل سوء عملناه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ~~أنت يا أبا بكر وأصحابك المؤمنون فتجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله، ~~وليست لكم ذنوب، وأما الآخرون فيجمع ذلك لهم حتى يجزوا يوم القيامة» ~~". ### || [4.124-125] # قوله تعالى: { ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو ~~أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا ~~يظلمون نقيرا } ، أي: مقدار النقير، وهو النقرة التي تكون في ظهر ~~النواة، قرأ ابن كثير وأبو جعفر وأهل البصرة وأبو بكر { يدخلون } ~~بضم الياء وفتح الخاء هاهنا وفي سورة مريم وحم المؤمن، زاد أبو عمرو: { ~~يدخلونها } في سورة فاطر، وقرأ الآخرون بفتح الياء وضم الخاء. روى ~~الأعمش عن أبي الضحى، عن مسروق قال: لما نزلت { ليس ~~بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل ~~سوءا يجز به } قال أهل الكتاب: نحن وأنتم سواء، فنزلت هذه ~~الآية: { ومن يعمل من الصلحت } الآية، ونزلت أيضا: { ~~ومن أحسن دينا } ، أحكم دينا { ممن أسلم وجهه ~~لله } ، أي: أخلص عمله لله، وقيل: فوض أمره إلى الله، { وهو ~~محسن } أي: موحد، { واتبع ملة إبرهيم } ، يعني: دين ~~إبراهيم عليه السلام، { حنيفا } أي: مسلما مخلصا، قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: ومن دين إبراهيم الصلاة إلى الكعبة والطواف بها ومناسك ~~الحج، وإنما خص إبراهيم لأنه كان مقبولا عند الأمم أجمع، وقيل: لأنه ~~بعث على ms0624 ملة إبراهيم وزيد له أشياء. { واتخذ الله ~~إبرهيم خليلا } ، صفيا، والخلة: صفاء المودة، وقال الكلبي عن ~~أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما: كان إبراهيم عليه السلام أبا ~~الضيفان، وكان منزله على ظهر الطريق يضيف من مر به من الناس، فأصاب ~~الناس سنة فحشروا إلى باب إبراهيم عليه السلام يطلبون الطعام وكانت ~~الميرة له كل سنة من صديق له بمصر، فبعث غلمانه بالإبل إلى الخليل الذي ~~بمصر، فقال لغلمانه: لو كان إبراهيم عليه السلام إنما يريده لنفسه ~~احتملنا ذلك له، فقد دخل علينا ما دخل على الناس من الشدة، فرجع رسل ~~إبراهيم عليه السلام، فمروا ببطحاء فقالوا: [إنا لو] حملنا من هذه ~~البطحاء ليرى الناس أنا قد جئنا بميرة، فإنا نستحي أن نمر بهم وإبلنا ~~فارغة، فملؤوا تلك الغرائر سهلة، ثم أتوا إبراهيم فأعلموه وسارة نائمة، ~~فاهتم إبراهيم لمكان الناس ببابه، فغلبته عيناه فنام واستيقظت سارة وقد ~~ارتفع النهار، فقالت: سبحان الله ما جاء الغلمان؟ قالوا: بلى، قالت: فما ~~جاؤوا بشيء؟ قالوا: بلى، فقامت إلى الغرائر ففتحتها فإذا هو أجود دقيق ~~حواري يكون، فأمرت الخبازين فخبزوا وأطعموا الناس فاستيقظ إبراهيم فوجد ~~ريح الطعام، فقال: يا سارة من أين هذا؟ قالت: من عند خليلك المصري، فقال: ~~هذا من عند خليلك الله، قال: فيومئذ اتخذه الله خليلا. # قال الزجاج: معنى الخليل الذي ليس في محبته خلل، والخلة: الصداقة، فسمي ~~خليلا لأن الله أحبه واصطفاه. وقيل: هو من الخلة وهي الحاجة، سمي ~~خليلا، أي: فقيرا إلى الله [لأنه لم يجعل فقره وفاقته إلا إلى الله ~~عز وجل] والأول أصح لأن قوله { واتخذ الله إبرهيم ~~خليلا } يقتضي الخلة من الجانبين، ولا تتصور الحاجة من الجانبين. # ثنا أبو المظفر بن أحمد التيمي ثنا أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان بن ~~القاسم ثنا خيثمة بن سليمان ابن حيدرة الاطرابلسي ثنا أبو قلابة الرقاشي ~~ثنا بشر بن عمر ثنا شعبة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله بن ~~مسعود رضي الله عنه قال: # قال ms0625 رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن أبا بكر أخي ~~وصاحبي، ولقد اتخذ الله صاحبكم خليلا ". ### || [4.126] # قوله عز وجل: { ولله ما في السماوات وما في الأرض ~~وكان الله بكل شيء محيطا } أي: أحاط علمه بجميع ~~الأشياء. ### || [4.127] # قوله تعالى: { ويستفتونك في النسآء قل الله ~~يفتيكم فيهن } ، الآية. قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما: نزلت هذه الآية في بنات أم كجة وميراثهن وقد مضت القصة في ~~أول السورة. # وقالت عائشة رضي الله عنها: هي اليتيمة تكون في حجر الرجل، وهو وليها ~~فيرغب في نكاحها إذا كانت ذات جمال ومال بأقل من سنة صداقها، وإذا ~~كانت مرغوبة عنها في قلة المال والجمال تركها، وفي رواية هي اليتيمة تكون ~~في حجر الرجل قد شركته في ماله فيرغب أن يتزوجها لدمامتها ويكره أن ~~يزوجها غيره فيدخل عليه في ماله فيحبسها حتى تموت فيرثها، فنهاهم الله عن ~~ذلك. # قوله عز وجل: { ويستفتونك } أي: يستخبرونك في النساء، { قل ~~الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم فى الكتب ~~} ، قيل معناه ويفتيكم في ما يتلى عليكم، وقيل معناه: ونفتيكم ما يتلى ~~عليكم، يريد: الله يفتيكم وكتابه يفتيكم فيهن، وهو قوله عز وجل: { ~~وآتوا اليتامى أموالهم } ، قوله: { فى يتمى ~~النسآء } ، هذا إضافة الشيء إلى نفسه لأنه أراد باليتامى النساء، { ~~اللتى لا تؤتونهن } ، أي: لا تعطونهن، { ما كتب ~~لهن } ، من صداقهن، { وترغبون أن تنكحوهن } ، أي في ~~نكاحهن لمالهن وجمالهن بأقل من صداقهن، وقال الحسن وجماعة: ~~أراد لا تؤتونهن حقهن من الميراث، لأنهم كانوا لا يورثون النساء، ~~وترغبون أن تنكحوهن، أي: عن نكاحهن لدمامتهن. { والمستضعفين ~~من الولدن } يريد: ويفتيكم في المستضعفين من الولدان وهم ~~الصغار، أن تعطوهم حقوقهم، لأنهم كانوا لا يورثون الصغار، يريد ما ~~يتلى عليكم في باب اليتامى من قوله { وآتوا اليتامى ~~أموالهم } يعني بإعطاء حقوق الصغار، { وأن تقوموا ~~لليتمى بالقسط } ، أي: ويفتيكم في أن تقوموا لليتامى ~~بالقسط بالعدل في مهورهن ومواريثهن، { وما تفعلوا من خير ms0626 ~~فإن الله كان به عليما } ، يجازيكم عليه. ### || [4.128] # قوله تعالى: { وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو ~~إعراضا } الآية، نزلت في عمرة ويقال خولة بنت محمد بن مسلمة، وفي ~~زوجها سعد بن الربيع - ويقال رافع بن خديج - تزوجها وهي شابة فلما علاها ~~الكبر تزوج عليها امرأة شابة، وآثرها عليها وجفا ابنة محمد بن مسلمة، ~~فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت إليه فنزلت فيها هذه الآية. # وقال سعيد بن جبير: كان رجل له امرأة قد كبرت وله منها أولاد فأراد أن ~~يطلقها ويتزوج عليها غيرها، فقالت: لا تطلقني ودعني أقوم على أولادي ~~واقسم لي من كل شهرين إن شئت، وإن شئت فلا تقسم لي. فقال: إن كان ~~يصلح ذلك فهو أحب إلي، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ~~ذلك، فأنزل الله تعالى: { وإن امرأة خافت } أي علمت { من ~~بعلها } ، أي: من زوجها { نشوزا } أي: بغضا، قال الكلبي: يعني ~~ترك مضاجعتها، { أو إعراضا } بوجهه عنها وقلة مجالستها، { فلا ~~جناح عليهمآ } ، أي: على الزوج والمرأة، أن يصالحا أي: ~~يتصالحا، وقرأ أهل الكوفة { أن يصلحا } من أصلح، { بينهما ~~صلحا } يعني: في القسمة والنفقة، وهو أن يقول الزوج لها: إنك قد ~~دخلت في السن وإني أريد أن أتزوج امرأة شابة جميلة أوثرها عليك في ~~القسمة ليلا ونهارا فإن رضيت بهذا فأقيمي وإن كرهت خليت سبيلك، ~~فإن رضيت كانت هي المحسنة ولا تجبر على ذلك، وإن لم ترض بدون حقها من ~~القسم كان على الزوج أن يوفيها حقها من القسم والنفقة أو يسرحها ~~بإحسان، فإن أمسكها ووفاها حقها مع كراهيته فهو محسن. # وقال سليمان بن يسار في هذه الآية عن ابن عباس رضي الله عنهما: فإن ~~صالحته عن بعض حقها من القسم والنفقة فذلك جائز ما رضيت، فإن أنكرت ~~بعد الصلح فذلك لها ولها حقها. # وقال مقاتل بن حيان في هذه الآية: هو أن الرجل يكون تحته المرأة الكبيرة ~~فيتزوج عليها الشابة، فيقول للكبيرة: [اعطيتك من] مالي نصيبا على أن ~~أقسم ms0627 لهذه الشابة أكثر مما أقسم لك فترضى بما اصطلحا عليه، فإن أبت ~~أن ترضى فعليه أن يعدل بينهما في القسم. # وعن علي رضي الله عنه في هذه الآية قال: تكون المرأة عند الرجل فتنبو ~~عينه عنها من دمامة أو كبر فتكره فرقته، فإن أعطته من مالها فهو له حل، ~~وإن أعطته من أيامها فهو له حل { والصلح خير } يعني: إقامتها ~~بعد تخييره إياها، والمصالحة على ترك بعض حقها من القسم والنفقة خير من ~~الفرقة. # كما يروى أن سودة رضي الله عنها كانت امرأة كبيرة وأراد النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن يفارقها، فقالت: لا تطلقني وإنما بي أن أبعث في ~~نسائك وقد جعلت نوبتي لعائشة رضي الله عنها فأمسكها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وكان يقسم لعائشة يومها ويوم سودة رضي الله عنها. # قوله تبارك وتعالى: { وأحضرت الأنفس الشح } ، يريد: شح ~~كل واحد من الزوجين بنصيبه من الآخر، والشح: أقبح البخل، وحقيقته. ~~الحرص على منع الخير، { وإن تحسنوا } ، أي: تصلحوا { وتتقوا ~~} ، الجور، وقيل: هذا خطاب مع الأزواج، أي: وإن تحسنوا بالإقامة معها ~~على الكراهة وتتقوا ظلمها { فإن الله كان بما تعملون ~~خبيرا } ، فيجزيكم بأعمالكم. ### || [4.129] # قوله تعالى: { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النسآء ~~} ، أي: لن تقدروا أن تسووا بين النساء في الحب وميل القلب، { ولو ~~حرصتم } على العدل، { فلا تميلوا } ، أي: إلى التي تحبونها، ~~{ كل الميل } في القسم والنفقة، أي: لا تتبعوا أهواءكم ~~أفعالكم، { فتذروها كالمعلقة } ، أي فتدعوا الأخرى ~~كالمنوطة لا أيما ولا ذات بعل. وقال قتادة: كالمحبوسة، وفي قراءة أبي ~~بن كعب: كأنها مسجونة. # وروي عن أبي قلابة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم بين ~~نسائه، فيعدل ويقول: # " اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك ~~" # ، ورواه بعضهم عن أبي قلابة عن عبد الله بن يزيد عن عائشة رضي الله عنها ~~متصلا. # وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما ms0628 جاء يوم القيامة وشقه ~~مائل ". # { وإن تصلحوا وتتقوا } ، الجور، { فإن الله كان ~~غفورا رحيما }. ### || [4.130] # { وإن يتفرقا } ، يعني: الزوج والمرأة بالطلاق، { يغن ~~الله كلا من سعته } ، من رزقه، يعني: المرأة بزوج آخر والزوج ~~بامرأة أخرى، { وكان الله وسعا حكيما } ، واسع الفضل ~~والرحمة حكيما فيما أمر به ونهى عنه. # وجملة حكم الآية: أن الرجل إذا كانت تحته امرأتان أو أكثر فإنه يجب ~~عليه التسوية بينهن في القسم، فإن ترك التسوية بينهن في فعل القسم عصى ~~الله تعالى، وعليه القضاء للمظلومة، والتسوية، شرط في البيتوتة، أما في ~~الجماع فلا، لأنه يدور على النشاط وليس ذلك إليه ولو كانت في نكاحه ~~حرة وأمة فإنه يبيت عند الحرة ليليتين وعند الأمة ليلة واحدة، ~~وإذا تزوج جديدة على قديمات عنده يخص الجديدة بأن يبيت عندها سبع ليال ~~على التوالي إن كانت بكرا، وإن كانت ثيبا فثلاث ليال ثم يسوي بعد ذلك ~~بين الكل، ولا يجب قضاء هذه الليالي للقديمات. # أخبرنا عبد الواحد المليحي ثنا أحمد بن عبد الله النعيمي ثنا محمد بن ~~يوسف ثنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ثنا يوسف بن راشد ثنا أبو ~~أسامة ثنا سفيان الثوري ثنا أيوب وخالد على أبي قلابة عن أنس رضي الله ~~عنه قال: من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعا، ثم ~~قسم، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثا، ثم قسم. قال أبو قلابة: ولو ~~شئت لقلت: إن أنسا رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. # وإذا أراد الرجل سفر حاجة فيجوز له أن يحمل بعض نسائه مع نفسه بعد أن ~~يقرع بينهن فيه، ثم لا يجب عليه أن يقضي للباقيات مدة سفره، وإن طالت ~~إذا لم يزد مقامه في بلده على مدة المسافرين، والدليل عليه ما أخبرنا عبد ~~الوهاب بن محمد الخطيب ثنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ثنا أبو العباس ~~الأصم ثنا الربيع ثنا الشافعي ثنا عمي محمد بن علي بن شافع عن ابن شهاب ~~عن عبيد الله بن عبد الله ms0629 عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها ~~قالت: # " كان رسول لله صلى الله عليه وسلم إذا أراد السفر أقرع بين نسائه ~~فأيتهن خرج سهمها خرج بها، أما إذا أراد سفر نقلة فليس له تخصيص بعضهن ~~لا بالقرعة ولا بغيرها ". ### || [4.131-132] # قوله تعالى: { ولله ما في السماوات وما في الأرض } ~~عبيدا وملكا { ولقد وصينا الذين أوتوا الكتب ~~من قبلكم } ، يعني: أهل التوراة والإنجيل وسائر الأمم المتقدمة في ~~كتبهم، { وإيكم } أهل القرآن في كتابكم، { أن اتقوا ~~الله } أي: وحدوا الله وأطيعوه، { وإن تكفروا } ، بما ~~أوصاكم الله به { فإن لله ما فى السموت وما فى ~~الأرض } ، قيل: فإن لله ملائكة في السموات والأرض هم أطوع له منكم، { ~~وكان الله غنيا } ، عن جميع خلقه غير محتاج إلى طاعتهم، { ~~حميدا } محمودا على نعمه. # { ولله ما فى السموت وما فى الأرض وكفى ~~بالله وكيلا } ، قال عكرمة عن ابن عباس: يعني شهيدا أن فيها ~~عبيدا، وقيل: دافعا ومجيرا. # فإن قيل: فأي فائدة في تكرار قوله تعالى { ولله ما في ~~السماوات وما في الأرض }؟ قيل: لكل واحد منهما وجه، أما ~~الأول: فمعناه لله ما في السموات وما في الأرض وهو يوصيكم بالتقوى ~~فاقبلوا وصيته، وأما الثاني فيقول: فإن لله ما في السموات وما في الأرض ~~وكان الله غنيا أي: هو الغني وله الملك فاطلبوا منه ما تطلبون، وأما ~~الثالث فيقول: { ولله ما فى السموت وما فى الأرض ~~وكفى بالله وكيلا } أي: له الملك فاتخذوه وكيلا ولا تتوكلوا ~~على غيره. ### || [4.133-135] # قوله تعالى: { إن يشأ يذهبكم } ، يهلككم { أيها الناس ~~} ، يعني: الكفار، { ويأت بآخرين } ، يقول بغيركم خير منكم ~~وأطوع، { وكان الله على ذلك قديرا } قادرا. # { من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب ~~الدنيا والآخرة } يريد من كان يريد بعمله عرضا من الدنيا ولا ~~يريد بها الله عز وجل آتاه الله من عرض الدنيا أو دفع عنه فيها ما ~~أراد الله، وليس له في الآخرة من ثواب، ومن أراد بعمله ثواب الآخرة آتاه ~~الله من الدنيا ما أحب ms0630 وجزاه الجنة في الآخرة: { وكان الله ~~سميعا بصيرا }. # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين ~~بالقسط شهدآء لله } ، يعني: كونوا قائمين بالشهادة بالقسط، ~~أي: بالعدل لله، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: كونوا قوامين بالعدل في ~~الشهادة على من كانت، { ولو على أنفسكم أو الولدين ~~والأقربين } في الرحم، أي: قولوا الحق ولو على أنفسكم ~~بالإقرار أو الوالدين والأقربين، فأقيموها عليهم لله، ولا تحابوا غنيا ~~لغناه ولا ترحموا فقيرا لفقره، فذلك قوله تعالى: { إن يكن غنيا ~~أو فقيرا فالله أولى بهما } ، منكم، أي أقيموا على ~~المشهود عليه وإن كان غنيا وللمشهود له وإن كان فقيرا فالله أولى بهما ~~منكم، أي كلوا أمرهما إلى الله. وقال الحسن: معناه الله أعلم بهما، { ~~فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا } ، أي تجوروا وتميلوا إلى ~~الباطل من الحق، وقيل: معناه لا تتبعوا الهوى لتعدلوا، أي: لتكونوا ~~عادلين كما يقال: لا تتبع الهوى لترضي ربك. # { وإن تلووا } أي: تحرفوا الشهادة لتبطلوا الحق { أو ~~تعرضوا } عنها فتكتموها ولا تقيموها، ويقال: تلووا أي تدافعوا في ~~إقامة الشهادة، يقال: لويته حقه إذا دفعته، ومطلته، وقيل: هذا ~~خطاب مع الحكام في ليهم الأشداق، يقول: وإن تلووا أي تميلوا إلى أحد ~~الخصمين أو تعرضوا عنه، قرأ ابن عامر وحمزة { تلوا } بضم اللام، قيل: ~~أصله تلووا، فحذفت إحدى الواوين تخفيفا، وقيل: معناه وإن تلوا القيام ~~بأداء الشهادة أو تعرضوا فتتركوا أداءها { فإن الله كان بما ~~تعملون خبيرا }. ### || [4.136] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ~~ورسوله } الآية، قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: # " نزلت هذه الآية في عبد الله بن سلام وأسد وأسيد ابني كعب، وثعلبة بن ~~قيس وسلام بن أخت عبد الله بن سلام، وسلمة بن أخيه ويامين بن يامين ~~فهؤلاء مؤمنوا أهل الكتاب أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقالوا: إنا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير ونكفر بما سواه من ~~الكتب والرسل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بل آمنوا بالله ورسوله ~~محمد صلى الله عليه ms0631 وسلم، والقرآن وبموسى والتوراة، وبكل كتاب قبله» " # ، فأنزل الله هذه الآية. # { يا أيها الذين آمنوا } بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~والقرآن وبموسى عليه السلام والتوراة { ءامنوا بالله ورسوله ~~} محمد صلى الله عليه وسلم، { والكتب الذى نزل على ~~رسوله } ، يعني القرآن، { والكتب الذى أنزل من قبل ~~} ، من التوراة والإنجيل والزبور وسائر الكتب. # قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو { نزل وأنزل } بضم النون والألف، ~~وقرأ الآخرون { نزل وأنزل } بالفتح أي أنزل الله. # { ومن يكفر بالله وملئكته وكتبه ورسله ~~واليوم الآخر فقد ضل ضللا بعيدا } ، فلما نزلت هذه ~~الآية قالوا: فإنا نؤمن بالله ورسوله والقرآن وبكل رسول وكتاب كان قبل ~~القرآن، والملائكة واليوم الآخر لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون. # وقال الضحاك: أراد به اليهود والنصارى، يقول: { يا أيها الذين ~~آمنوا } بموسى وعيسى { آمنوا } بمحمد والقرآن، وقال مجاهد: أراد ~~به المنافقين، يقول: يا أيها الذين آمنوا باللسان آمنوا بالقلب. قال أبو ~~العالية وجماعة: هذا خطاب للمؤمنين يقول: { يا أيها الذين ~~آمنوا آمنوا } أي أقيموا واثبتوا على الإيمان، كما يقال ~~للقائم: قم حتى أرجع إليك، أي اثبت قائما، وقيل: المراد به أهل الشرك، ~~يعني { يا أيها الذين آمنوا } باللات والعزى { آمنوا ~~} بالله ورسوله. ### || [4.137-139] # وقوله تعالى: { إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم ~~آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا } ، قال قتادة: هم ~~اليهود آمنوا بموسى ثم كفروا من بعد بعبادتهم العجل، ثم آمنوا ~~بالتوراة ثم كفروا بعيسى عليه السلام، ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم. # وقيل: هو في جميع أهل الكتاب آمنوا بنبيهم ثم كفروا به، وآمنوا ~~بالكتاب الذي نزل عليه ثم كفروا به، وكفرهم به: تركهم إياه ثم ~~ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم. # وقيل: هذا في قوم مرتدين آمنوا ثم ارتدوا ثم آمنوا ثم ارتدوا ثم آمنوا ~~ثم ارتدوا ثم آمنوا ثم ارتدوا. # ومثل هذا هل تقبل توبته؟ حكي عن علي رضي الله عنه: أنه لا تقبل توبته ~~بل يقتل، لقوله تعالى: { لم يكن الله ليغفر لهم ms0632 } ، ~~وأكثر أهل العلم على قبول توبته، وقال مجاهد: ثم ازدادوا كفرا أي ماتوا ~~عليه، { لم يكن الله ليغفر لهم } ، ما أقاموا على ذلك، ~~{ ولا ليهديهم سبيلا } ، أي طريقا إلى الحق، فإن قيل: ما ~~معنى قوله { لم يكن الله ليغفر لهم } ، ومعلوم أنه لا ~~يغفر الشرك إن كان أول مرة؟. # قيل: معناه أن الكافر إذا أسلم أول مرة ودام عليه يغفر له كفره ~~السابق، فإن أسلم ثم كفر ثم أسلم ثم كفر لا يغفر له كفره السابق، الذي ~~كان يغفر له لو دام على الإسلام. # { بشر المنفقين } ، أخبرهم يا محمد، { بأن لهم ~~عذابا أليما } ، والبشارة: كل خبر يتغير به بشرة الوجه سارا كان ~~أو غير سار، وقال الزجاج: معناه اجعل في موضع بشارتك لهم العذاب، كما ~~تقول العرب: تحيتك الضرب وعتابك السيف، أي: [بدلا لك] من التحية، ~~ثم وصف المنافقين فقال: # { الذين يتخذون الكافرين أوليآء } ، يعني: يتخذون ~~اليهود أولياء وأنصارا أو بطانة { من دون المؤمنين ~~أيبتغون عندهم العزة } ، أي: المعونة والظهور على محمد ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه: وقيل: أيطلبون عندهم القوة والغلبة، { ~~فإن العزة } أي: الغلبة والقوة والقدرة، { لله جميعا }. ### || [4.140-141] # { وقد نزل عليكم في الكتاب } ، قرأ عاصم ويعقوب { نزل ~~} بفتح النون والزاي، أي: نزل الله، وقرأ الآخرون { نزل } بضم النون وكسر ~~الزاي، أي: عليكم يا معشر المسلمين، { أن إذا سمعتم ءايت ~~الله } ، يعني القرآن، { يكفر بها ويستهزأ بها فلا ~~تقعدوا معهم } ، يعني: مع الذين يستهزؤون، { حتى يخوضوا ~~فى حديث غيره } ، أي: يأخذوا في حديث غير الاستهزاء بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم والقرآن، وهذا إشارة إلى ما أنزل الله في سورة الأنعام # وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض ~~عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره # [الأنعام: 68]. # وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: دخل في هذه الآية كل محدث ~~في الدين وكل مبتدع إلى يوم القيامة، { إنكم إذا مثلهم } ~~، أي: إن قعدتم عندهم وهم يخوضون ويستهزؤون ورضيتم به فأنتم كفار مثلهم، ~~وإن خاضوا في حديث غيره فلا بأس بالقعود ms0633 معهم مع الكراهة، وقال الحسن: لا ~~يجوز القعود معهم وإن خاضوا في حديث غيره، لقوله تعالى: { وإما ~~ينسينك الشيطن فلا تقعد بعد الذكرى مع ~~القوم الظلمين } ، والأكثرون على الأول. وآية الأنعام مكية ~~وهذه مدنية والمتأخر أولى: { إن الله جامع المنفقين ~~والكفرين فى جهنم جميعا }. # { الذين يتربصون بكم } ، [ينتظرون بكم الدوائر]، يعني: ~~المنافقين، { فإن كان لكم فتح من الله } ، يعني: ظفر ~~وغنيمة، { قالوا } ، لكم { ألم نكن معكم } ، على دينكم في ~~الجهاد، كنا معكم فاجعلوا لنا نصيبا من الغنيمة، { وإن كان ~~للكفرين نصيب } ، يعني دولة وظهور على المسلمين، { قالوا } ~~، يعني: المنافقين للكافرين، { ألم نستحوذ عليكم } ، ~~والاستحواذ: هو الاستيلاء والغلبة، قال تعالى: # استحوذ عليهم الشيطن # [المجادلة: 19] أي: استولى وغلب، يقول: ألم نخبركم بعورة محمد صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه ونطلعكم على سرهم؟ # قال المبرد: يقول المنافقون للكفار ألم نغلبكم على رأيكم { ~~ونمنعكم } ، ونصرفكم، { من المؤمنين } ، أي: عن الدخول ~~في جملتهم، وقيل: معناه ألم نستول عليكم بالنصرة لكم ونمنعكم من ~~المؤمنين؟ أي: ندفع عنكم صولة المؤمنين بتخذيلهم عنكم ومراسلتنا إياكم ~~بأخبارهم وأمورهم، ومراد المنافقين بهذا الكلام إظهار المنة على ~~الكافرين. # { فالله يحكم بينكم يوم القيمة } ، يعني: بين ~~أهل الإيمان وأهل النفاق، { ولن يجعل الله للكفرين ~~على المؤمنين سبيلا } ، قال علي: في الآخرة، وقال عكرمة عن ~~ابن عباس رضي الله عنهم: أي حجة، وقيل: ظهورا على أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم. ### || [4.142-143] # { إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم } ، ~~أي يعاملونه معاملة المخادعين وهو خادعهم، أي: مجازيهم على خداعهم وذلك ~~أنهم يعطون نورا يوم القيامة كما للمؤمنين، فيمضي المؤمنون بنورهم على ~~الصراط، ويطفأ نور المنافقين، { وإذا قاموا إلى الصلوة } ~~، يعني: المنافقين { قاموا كسالى } أي: متثاقلين لا يريدون بها ~~الله فإن رآهم أحد صلوا وإلا انصرفوا فلا يصلون، { يرآءون ~~الناس } أي: يفعلون ذلك مراءاة للناس لا اتباعا لأمر الله، { ولا ~~يذكرون الله إلا قليلا } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما ~~والحسن: إنما قال ذلك لأنهم يفعلونها رياء وسمعة، ولو أرادوا بذلك ~~القليل وجه الله تعالى لكان ms0634 كثيرا، وقال قتادة: إنما قل ذكر ~~المنافقين لأن الله تعالى لم يقبله، وكل ما قبل الله فهو كثير. # { مذبذبين بين ذلك } ، أي: مترددين متحيرين بين الكفر ~~والإيمان، { لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء } ، أي: ~~ليسوا من المؤمنين فيجب لهم ما يجب للمؤمنين، وليسوا من الكفار فيؤخذ ~~منهم ما يؤخذ من الكفار، { ومن يضلل الله فلن تجد له ~~سبيلا } ، أي: طريقا إلى الهدى. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني قال أخبرنا عبد الغافر بن محمد ~~الفارسي أنا محمد بن عيسى الجلودي أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان أنا مسلم ~~بن الحجاج أنا محمد بن المثنى أنا عبد الوهاب يعني الثقفي أنا عبد الله ~~بن عمر: # عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة وإلى ~~هذه مرة ". ### || [4.144-147] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~الكافرين أوليآء من دون المؤمنين } ، نهى الله ~~المؤمنين عن موالاة الكفار، وقال: { أتريدون أن تجعلوا لله ~~عليكم سلطانا مبينا } ، أي حجة بينة في عذابكم، ثم ذكر ~~منازل المنافقين، فقال جل ذكره: # { إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار } ، ~~قرأ أهل الكوفة { فى الدرك } بسكون الراء والباقون بفتحها وهما ~~لغتان كالظعن والظعن والنهر والنهر، وقال ابن مسعود رضي الله ~~عنه: { فى الدرك الأسفل } في توابيت من حديد مقفلة في النار، ~~وقال أبو هريرة: بيت مقفل عليهم تتوقد فيه النار من فوقهم ومن تحتهم، { ~~ولن تجد لهم نصيرا } مانعا من العذاب. # { إلا الذين تابوا } من النفاق وآمنوا { وأصلحوا } ، ~~عملهم { واعتصموا بالله } ، وثقوا بالله { وأخلصوا ~~دينهم لله } ، أراد الإخلاص بالقلب، لأن النفاق كفر القلب، ~~فزواله يكون بإخلاص القلب، { فأولئك مع المؤمنين } ~~قال الفراء: من المؤمنين، { وسوف يؤت الله المؤمنين } ، ~~في الآخرة { أجرا عظيما } يعني: الجنة، وحذفت الياء { من يؤت } ~~، في الخط لسقوطها في اللفظ، وسقوطها في اللفظ لسكون اللام في «الله». # قوله تعالى: { ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم } ، ~~أي: إن شكرتم نعماءه { وءامنتم } به، فيه تقديم وتأخير، وتقديره: ms0635 ~~إن آمنتم وشكرتم، لأن الشكر لا ينفع مع عدم الإيمان، وهذا استفهام بمعنى ~~التقرير، معناه: إنه لا يعذب المؤمن الشاكر، فإن تعذيبه عباده لا يزيد ~~في ملكه، وتركه عقوبتهم على فعلهم لا ينقص من سلطانه، والشكر: ضد ~~الكفر والكفر ستر النعمة، والشكر: إظهارها، { وكان الله شكرا ~~عليما } ، فالشكر من الله تعالى هو الرضى بالقليل من عباده وإضعاف ~~الثواب عليه، والشكر من العبد: الطاعة، ومن الله: الثواب. ### || [4.148-149] # قوله: { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول ~~إلا من ظلم } يعني: لا يحب الله الجهر بالقبح من القول إلا من ~~ظلم، فيجوز للمظلوم أن يخبر عن ظلم الظالم وأن يدعو عليه، قال الله ~~تعالى: # ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من ~~سبيل # [الشورى: 41]، قال الحسن: دعاؤه عليه أن يقول: اللهم أعني عليه اللهم ~~استخرج حقي منه، وقيل: إن شتم جاز أن يشتم بمثله لا يزيد عليه. # أخبرنا أبو عبد الله الخرقي أنا أبو الحسن الطيسفوني أنا عبد الله بن ~~عمر الجوهري أنا أحمد بن علي الكشميهني أنا علي بن حجر أخبرنا اسماعيل بن ~~جعفر أنا العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " المستبان ما قالا، فعلى البادىء ما لم يعتد المظلوم ". # وقال مجاهد هذا في الضيف إذا نزل بقوم فلم يقروه ولم يحسنوا ضيافته فله ~~أن يشكو ويذكر ما صنع به. أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد ~~بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسمعيل أنا قتيبة بن ~~سعيد أنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر أنه ~~قال: # " قلنا يا رسول الله إنك تبعثنا فننزل بقوم فلا يقروننا فما ترى؟ ~~فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن نزلتم بقوم فأمروا لكم ~~بما ينبغي للضيف فاقبلوا فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ~~ينبغي لهم» ". # وقرأ الضحاك بن مزاحم وزيد بن أسلم: { إلا ms0636 من ظلم } بفتح الظاء ~~واللام، معناه: لكن الظالم اجهروا له بالسوء من القول، وقيل معناه: لا ~~يحب الله الجهر بالسوء من القول لكن يجهر من ظلم، والقراءة الأولى هي ~~المعروفة، { وكان الله سميعا } ، لدعاء المظلوم، { عليما } ، ~~بعقاب الظالم. # قوله تعالى: { إن تبدوا خيرا } ، يعني: حسنة فيعمل بها ~~كتبت له عشرا. وإن هم بها ولم يعملها كتبت له حسنة واحدة، ~~وهو قوله { أو تخفوه } ، وقيل المراد من الخير: المال، يريد: إن ~~تبدوا صدقة تعطونها جهرا أو تخفوها فتعطونها سرا، { أو تعفوا ~~عن سوء } ، أي: عن مظلمة، { فإن الله كان عفوا ~~قديرا } ، فهو أولى بالتجاوز عنكم يوم القيامة. ### || [4.150-153] # قوله عز وجل: { إن الذين يكفرون بالله ورسله } ~~الآية، نزلت في اليهود، وذلك أنهم آمنوا بموسى عليه السلام والتوراة ~~وعزير، وكفروا بعيسى والإنجيل وبمحمد والقرآن، { ويريدون أن ~~يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ~~ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك ~~سبيلا } ، أي: دينا بين اليهودية والإسلام ومذهبا يذهبون إليه. # { أولئك هم الكافرون حقا } ، حقق كفرهم ليعلم أن الكفر ~~ببعضهم كالكفر بجميعهم { وأعتدنا للكفرين عذابا ~~مهينا }. # { والذين آمنوا بالله ورسله } ، كلهم { ولم ~~يفرقوا بين أحد منهم } ، يعني: بين الرسل وهم ~~المؤمنون، يقولون: لا نفرق بين أحد من رسله، { أولئك سوف ~~يؤتيهم أجورهم } ، بإيمانهم بالله وكتبه ورسله، قرأ حفص عن ~~عاصم { يؤتيهم } بالياء، أي: (يؤتيهم الله)، والباقون بالنون { ~~وكان الله غفورا رحيما }. # قوله تعالى: { يسألك أهل الكتاب } الآية، وذلك أن كعب بن ~~الأشرف وفنحاص بن عازوراء من اليهود قالا لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: إن كنت نبيا فأتنا بكتاب جملة من السماء، كما أتى به موسى ~~عليه السلام، فأنزل الله عليه: { يسألك أهل الكتاب أن ~~تنزل عليهم كتابا من السمآء }. # وكان هذا السؤال منهم سؤال تحكم واقتراح، لا سؤال انقياد، والله تعالى ~~لا ينزل الآيات على اقتراح العباد. قوله: { فقد سألوا موسى ~~أكبر من ذلك } أي: أعظم من ذلك، يعني: السبعين الذين خرج بهم ~~موسى عليه السلام إلى الجبل، { فقالوا أرنا الله جهرة ms0637 } ~~أي: عيانا، قال أبو عبيدة: معناه قالوا جهرة إرنا الله، { ~~فأخذتهم الصعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل ~~} ، يعني إلها، { من بعد ما جآءتهم البينت ~~فعفونا عن ذلك } ، ولم نستأصلهم، قيل: هذا استدعاء إلى التوبة، ~~معناه: أن أولئك الذين أجرموا تابوا فعفونا عنهم، فتوبوا أنتم حتى نعفو ~~عنكم، { وءاتينا موسى سلطنا مبينا } ، أي: حجة بينة ~~من المعجزات، وهي الآيات التسع. ### || [4.154-158] # قوله تعالى: { ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم ~~وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم لا ~~تعدوا في السبت } قرأ أهل المدينة بتشديد الدال وفتح العين نافع ~~برواية ورش ويجزمها الآخرون، ومعناه: لا تعتدوا ولا تظلموا باصطياد ~~الحيتان فيه، { وأخذنا منهم ميثقا غليظا }. # قوله تعالى: { فبما نقضهم ميثاقهم } ، أي: فبنقضهم، و«ما» ~~صلة كقوله تعالى: # فبما رحمة من الله # [آل عمران: 159]، ونحوها، { وكفرهم بآيات الله وقتلهم ~~الأنبيآء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل ~~طبع الله عليها بكفرهم } ، أي: ختم عليها، { فلا ~~يؤمنون إلا قليلا } ، يعني: ممن كذب الرسل لا ممن طبع ~~على قلبه، لأن من طبع الله على قلبه لا يؤمن أبدا، وأراد بالقليل: ~~عبد الله بن سلام وأصحابه، وقيل: معناه لا يؤمنون قليلا ولا كثيرا. # { وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما } ، ~~حين رموها بالزنا. # { وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم ~~رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه ~~لهم } وذلك أن الله تعالى ألقى شبه عيسى عليه السلام على الذي ~~دل اليهود عليه، وقيل: إنهم حبسوا عيسى عليه السلام في بيت وجعلوا عليه ~~رقيبا فألقى الله تعالى شبه عيسى عليه السلام على الرقيب فقتلوه، وقيل ~~غير ذلك، كما ذكرنا في سورة آل عمران. # قوله تبارك وتعالى: { وإن الذين اختلفوا فيه } ، في ~~قتله، { لفى شك منه } ، أي: في قتله، قال الكلبي: اختلافهم فيه ~~هو أن اليهود قالت نحن قتلناه، وقالت طائفة من النصارى نحن قتلناه، ~~وقالت طائفة منهم ما قتله هؤلاء ولا هؤلاء بل رفعه الله إلى السماء، ونحن ~~ننظر إليه، وقيل: كان الله تعالى ألقى شبه وجه عيسى عليه السلام على وجه ms0638 ~~صطيافوس ولم يلقه على جسده، فاختلفوا فيه فقال بعضهم قتلنا عيسى، فإن ~~الوجه وجه عيسى عليه السلام وقال بعضهم لم نقتله لأن جسده ليس جسد عيسى ~~عليه السلام، فاختلفوا. قال السدي: اختلافهم من حيث أنهم قالوا: إن كان ~~هذا عيسى فأين صاحبنا؟ وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟ قال الله تعالى: { ~~ما لهم به من علم } ، من حقيقة أنه قتل أو لم يقتل، { إلا ~~اتباع الظن } ، لكنهم يتبعون الظن في قتله. قال الله جل جلاله: ~~{ وما قتلوه يقينا } ، أي: (ما قتلوا عيسى يقينا) { بل ~~رفعه الله إليه }. # وقيل قوله «يقينا» يرجع إلى ما بعده وقوله «وما قتلوه» كلام تام ~~تقديره: بل رفعه الله إليه يقينا، والهاء في «ما قتلوه» كناية عن عيسى ~~عليه السلام، وقال الفراء رحمه الله: معناه وما قتلوا الذين ظنوا أنه ~~عيسى يقينا، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما معناه: ما قتلوا ظنهم ~~يقينا، { وكان الله عزيزا } منيعا بالنقمة من اليهود، { ~~حكيما } حكم باللعنة والغضب عليهم، فسلط عليهم ضيطوس بن اسبسيانوس ~~الرومي فقتل منهم مقتلة عظيمة. ### || [4.159] # قوله تعالى: { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به ~~قبل موته } ، أي: وما من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى عليه ~~السلام، هذا قول أكثر المفسرين وأهل العلم، وقوله «قبل موته» اختلفوا في ~~هذه الكناية: فقال عكرمة ومجاهد والضحاك والسدي: إنها كناية عن الكتابي، ~~ومعناه: وما من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن بعيسى عليه السلام قبل ~~موته، إذا وقع في البأس حين لا ينفعه إيمانه سواء احترق أو غرق أو ~~تردى في بئر أو سقط عليه جدار أو أكله سبع أو مات فجأة، وهذه رواية ~~عن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهم. قال: فقيل لابن عباس رضي الله ~~عنهما: أرأيت إن خر من فوق بيت؟ قال: يتكلم به في الهواء قال: فقيل ~~أرأيت إن ضرب عنق أحدهم؟ قال: يتلجلج به لسانه. # وذهب قوم إلى أن الهاء في «موته» كناية عن عيسى عليه السلام، معناه: ~~وإن من أهل الكتاب ms0639 إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى عليه السلام، ~~وذلك عند نزوله من السماء في آخر الزمان فلا يبقى أحد إلا آمن به حتى ~~تكون الملة واحدة، ملة الإسلام. # وروينا عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا يكسر الصليب، ~~ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، ويهلك ~~في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويقتل الدجال فيمكث في الأرض ~~أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون " # ، وقال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: { وإن من أهل الكتاب ~~إلا ليؤمنن به قبل موته } ، قبل موت عيسى ابن مريم، ~~ثم يعيدها أبو هريرة ثلاث مرات. # وروي عن عكرمة: أن الهاء في قوله { ليؤمنن به } كناية عن محمد ~~صلى الله عليه وسلم يقول لا يموت كتابي حتى يؤمن بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم. # وقيل: هي راجعة إلى الله عز وجل يقول: وإن من أهل الكتاب إلا ~~ليؤمنن بالله عز وجل، قبل موته عند المعاينة حين لا ينفعه إيمانه. # قوله تعالى: { ويوم القيمة يكون } ، يعني: عيسى عليه ~~السلام، { عليهم شهيدا } أنه قد بلغهم رسالة ربه، وأقر ~~بالعبودية على نفسه [كما قال تعالى خبرا عنه # وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم # [المائدة: 117] وكل نبي شاهد على أمته] قال الله تعالى: # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا # [النساء: 41]. ### || [4.160] # قوله عز وجل: { فبظلم من الذين هادوا } ، وهو ما تقدم ~~ذكره من نقضهم الميثاق وكفرهم بآيات الله وبهتانهم على مريم، وقولهم: ~~إنا قتلنا المسيح { حرمنا عليهم طيبت أحلت لهم ~~} ، وهي ما ذكر في سورة الأنعام، فقال: # وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر # [الأنعام: 146]. ونظم الآية: فبظلم من الذين هادوا وهو ما ذكرنا، { ~~وبصدهم } ، وبصرفهم أنفسهم وغيرهم، { عن سبيل الله ~~كثيرا } ، أي: عن دين الله صدا كثيرا. ### || [4.161-162] # { وأخذهم الربا وقد نهوا عنه } ، في التوراة { ~~وأكلهم أموال الناس بالباطل } ، من الرشا في الحكم، ~~والمآكل التي يصيبونها من ms0640 عوامهم، عاقبناهم بأن حرمنا عليهم طيبات، ~~فكانوا كلما ارتكبوا كبيرة حرم عليهم شيء من الطيبات التي كانت ~~حلالا لهم، قال الله تعالى: # ذلك جزينهم ببغيهم وإنا لصدقون # [الأنعام: 146]، { وأعتدنا للكفرين منهم عذابا ~~أليما }. # { لكن الراسخون في العلم منهم } ، يعني: ليس كل أهل ~~الكتاب بهذه الصفة، لكن الراسخون البالغون في العلم منهم أولوا البصائر ~~منهم، وأراد به الذين أسلموا من علماء اليهود مثل عبد الله بن سلام ~~وأصحابه، { والمؤمنون } ، يعني: المهاجرون والأنصار، { ~~يؤمنون بمآ أنزل إليك } ، يعني: القرآن، { ومآ أنزل ~~من قبلك } ، يعني: سائر الكتب المنزلة، { والمقيمين ~~الصلوة } ، اختلفوا في وجه انتصابه، فحكي عن عائشة رضي الله عنها ~~وأبان بن عثمان: أنه غلط من الكتاب ينبغي أن يكتب والمقيمون الصلاة وكذلك ~~قوله في سورة المائدة # إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون # [المائدة: 69]، وقوله # إن هذن لساحرن # [طه: 63] قالوا: ذلك خطأ من الكاتب. # وقال عثمان: إن في المصحف لحنا ستقيمه العرب بألسنتها، فقيل له: ألا ~~تغيره؟ فقال: دعوه فإنه لا يحل حراما ولا يحرم حلالا. # وعامة الصحابة وأهل العلم على أنه صحيح، واختلفوا فيه، قيل: هو نصب على ~~المدح، وقيل: نصب بإضمار فعل تقديره: أعني المقيمين الصلاة وهم المؤتون ~~الزكاة، وقيل: موضعه خفض. # واختلفوا في وجهه، فقال بعضهم: معناه لكن الراسخون في العلم منهم ومن ~~المقيمين الصلاة، وقيل: معناه يؤمنون بما أنزل إليك وإلى المقيمين ~~الصلاة، ثم قوله: { والمؤتون الزكوة } رجوع إلى النسق ~~الأول، { والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك ~~سنؤتيهم أجرا عظيما } ، قرأ حمزة سيؤتيهم بالياء والباقون ~~بالنون. ### || [4.163] # قوله تعالى: { إنآ أوحينآ إليك } هذا بناء على ما سبق من ~~قوله # يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من ~~السمآء # [النساء: 153]، فلما ذكر الله عيوبهم وذنوبهم غضبوا وجحدوا كل ما أنزل ~~الله عز وجل، وقالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء، فنزل: # وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا مآ أنزل ~~الله على بشر من شيء # [الأنعام: 91] وأنزل: { إنآ أوحينآ إليك كمآ أوحينآ ~~إلى نوح والنبيين من بعده } فذكر عدة من ms0641 الرسل الذين ~~أوحى إليهم، وبدأ بذكر نوح عليه السلام لأنه كان أبا البشر مثل آدم عليه ~~السلام، قال الله تعالى: # وجعلنا ذريته هم البقين # [الصافات: 77] ولأنه أول نبي من أنبياء الشريعة، وأول نذير على الشرك، ~~وأول من عذبت أمته لردهم دعوته، وأهلك أهل الأرض بدعائه وكان أطول ~~الأنبياء عمرا وجعلت معجزاته في نفسه، لأنه عمر ألف سنة فلم تسقط له سن ~~ولم تشب له شعرة ولم تنتقص له قوة، ولم يصبر نبي على أذى قومه ما صبر ~~هو على طول عمره. # قوله تعالى: { وأوحينآ إلى إبرهيم وإسمعيل ~~وإسحق ويعقوب والأسباط } ، وهم أولاد يعقوب، { ~~وعيسى وأيوب ويونس وهرون وسليمن وءاتينا ~~داوود زبورا } ، قرأ الأعمش وحمزة: { زبورا } والزبور بضم ~~الزاي حيث كان، بمعنى: جمع زبور، أي آتينا داود كتبا وصحفا مزبورة، ~~أي: مكتوبة، وقرأ الآخرون بفتح الزاي وهو اسم الكتاب الذي أنزل الله ~~تعالى على داود عليه السلام، وكان فيه التحميد والتمجيد والثناء على الله ~~عز وجل، وكان داود يبرز إلى البرية فيقوم ويقرأ الزبور ويقوم معه ~~علماء بني إسرائيل، فيقومون خلفه ويقوم الناس خلف العلماء، ويقوم الجن ~~خلف الناس، الأعظم فالأعظم، والشياطين خلف الجن وتجيء الدواب التي في ~~الجبال فيقمن بين يديه تعجبا لما يسمعن منه، والطير ترفرف على رؤوسهم، ~~فلما قارف الذنب لم ير ذلك، فقيل له ذاك أنس الطاعة، وهذا وحشة ~~المعصية. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي أنا أبو بكر الجوزقي ~~أنا أبو العباس أنا يحيى بن زكريا أنا الحسن بن حماد حدثنا يحيى بن سعيد ~~الأموي عن طلحة بن يحيى عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لو رأيتني البارحة وأنا أستمع لقراءتك لقد أعطيت مزمارا من ~~مزامير آل داود فقال: أما والله يا رسول الله لو علمت أنك ~~تستمع لحبرته لحبرته ". # وكان عمر رضي الله عنه إذا رآه يقول ذكرنا يا أبا موسى، فيقرأ عنده. ### || [4.164] # قوله تعالى: { ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل } ، ~~أي: ms0642 وكما أوحينا إلى نوح وإلى الرسل، { رسلا } نصب بنزع حرف الصفة، ~~وقيل: معناه وقصصنا عليك رسلا، وفي قراءة أبي { ورسل قد قصصناهم عليك ~~من قبل } ، { ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله ~~موسى تكليما } ، قال الفراء: العرب تسمي ما يوصل إلى الإنسان ~~كلاما بأي طريق وصل، ولكن لا تحققه بالمصدر فإذا حقق بالمصدر، ولم ~~يكن إلا حقيقة الكلام - كالإرادة - يقال: أراد فلان إرادة، يريد ~~حقيقة الإرادة، ويقال: أراد الجدار، ولا يقال أراد الجدار إرادة لأنه ~~مجاز غير حقيقة. ### || [4.165-167] # قوله تعالى: { رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون ~~للناس على الله حجة بعد الرسل } ، فيقولوا: ما ~~أرسلت إلينا رسولا وما أنزلت إلينا كتابا، وفيه دليل على أن الله ~~تعالى لا يعذب الخلق قبل بعثه الرسول، قال الله تعالى: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الاسراء: 15]، { وكان الله عزيزا حكيما } أخبرنا عبد ~~الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد ~~بن إسماعيل ثنا موسى بن إسماعيل أنا أبو عوانة أنا عبد الملك عن وراد ~~كاتب المغيرة عن المغيرة قال: # " قال سعد بن عبادة رضي الله عنه: لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته ~~بالسيف غير مصفح، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~«تعجبون من غيرة سعد؟ والله لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن ~~أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه ~~العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث المنذرين والمبشرين، ولا أحد أحب إليه ~~المدحة من الله، ومن أجل ذلك وعد الله الجنة» " # قوله تعالى: { لكن الله يشهد بمآ أنزل إليك } قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما إن رؤساء مكة أتوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقالوا: يا محمد سألنا عنك اليهود وعن صفتك في كتابهم فزعموا ~~أنهم لا يعرفونك، ودخل عليه جماعة من اليهود فقال لهم: إني - والله - ~~أعلم أنكم لتعلمون أني رسول الله، فقالوا: ما نعلم ذلك، فأنزل الله عز ~~وجل: { لكن الله يشهد بمآ أنزل ms0643 إليك } إن جحدوك ~~وكذبوك، { أنزله بعلمه والملئكة يشهدون وكفى ~~بالله شهيدا }. # { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله } ، ~~بكتمان نعت محمد صلى الله عليه وسلم، { قد ضلوا ضللا ~~بعيدا }. ### || [4.168-171] # { إن الذين كفروا وظلموا } قيل: إنما قال «وظلموا» - ~~مع أن ظلمهم بكفرهم - تأكيدا، وقيل: معناه كفروا بالله وظلموا محمدا ~~صلى الله عليه وسلم بكتمان نعته، { لم يكن الله ليغفر ~~لهم ولا ليهديهم طريقا } ، يعني: دين الإسلام. # { إلا طريق جهنم } ، يعني اليهودية، { خلدين فيهآ ~~أبدا وكان ذلك على الله يسيرا } ، وهذا في حق من سبق ~~حكمه فيهم أنهم لا يؤمنون. # { يأيها الناس قد جآءكم الرسول بالحق من ~~ربكم فآمنوا خيرا لكم } ، تقديره: فآمنوا يكن ~~الإيمان خيرا لكم، { وإن تكفروا فإن لله ما فى ~~السموت والأرض وكان الله عليما حكيما }. # { يأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم } ، نزلت في النصارى ~~وهم أصناف: الماريعقوبية والملكانية والنسطورية والمرقوسية فقالت ~~اليعقوبية: عيسى هو الله، وكذلك الملكانية، وقالت النسطورية: عيسى هو ابن ~~الله، وقالت: المرقوسية ثالث ثلاثة، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # ويقال الملكانية يقولون: عيسى هو الله، واليعقوبية يقولون: ابن الله، ~~والنسطورية يقولون: ثالث ثلاثة. علمهم رجل من اليهود يقال له بولس، ~~سيأتي في سورة التوبة إن شاء الله تعالى. # وقال الحسن: يجوز أن تكون نزلت في اليهود والنصارى، فإنهم جميعا غلوا ~~في أمر عيسى، فاليهود بالتقصير، والنصارى بمجاوزة الحد، وأصل الغلو: ~~مجاوزة الحد، وهو في الدين حرام. # قال الله تعالى: { لا تغلوا في دينكم } ، لا تشددوا في ~~دينكم فتفتروا على الله { ولا تقولوا على الله إلا ~~الحق } ، لا تقولوا إن له شريكا وولدا { إنما المسيح ~~عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته } ، وهي قوله «كن» ~~فكان بشرا من غير أب، [وقيل غيره]، { ألقها إلى مريم } أي ~~أعلمها وأخبرها بها، كما يقال: ألقيت إليك كلمة حسنة، { وروح منه ~~} ، قيل: هو روح كسائر الأرواح إلا أن الله تعالى أضافه إلى نفسه ~~[تشريفا]. # وقيل: الروح هو النفخ الذي نفخه جبريل عليه السلام في درع مريم فحملت ~~بإذن الله تعالى، ms0644 سمي النفخ روحا لأنه ريح يخرج من الروح وأضافه إلى ~~نفسه لأنه كان بأمره. # وقيل: «روح منه» أي ورحمة، فكان عيسى عليه السلام رحمة لمن تبعه وآمن ~~به. # وقيل: الروح: الوحي، أوحى إلى مريم بالبشارة، وإلى جبريل عليه السلام ~~بالنفخ، وإلى عيسى أن كن فكان، كما قال الله تعالى: # ينزل الملائكة بالروح من أمره # [النحل: 2] يعني: بالوحي، وقيل: أراد بالروح جبريل عليه السلام، معناه: ~~وكلمته ألقاها إلى مريم، وألقاها أيضا روح منه بأمره وهو جبريل عليه ~~السلام، كما قال: # تنزل الملئكة والروح # [القدر: 4] يعني: جبريل فيها، وقال: # فأرسلنآ إليها روحنا # [مريم: 17]، يعني: جبريل. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا ~~محمد بن يوسف أخبرنا محمد ابن إسماعيل أنا صدقة بن الفضل أنا الوليد عن ~~الأوزاعي حدثنا عمرو بن هاني حدثني جنادة بن أمية عن عبادة رضي الله ~~عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن ~~محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى ~~مريم وروح منه، وأن الجنة والنار حق أدخله الله الجنة على ما ~~كان من العمل " # { فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة } ، أي: ~~ولا تقولوا هم ثلاثة، وكانت النصارى تقول: أب وابن وروح قدس، { انتهوا ~~خيرا لكم } ، تقديره: انتهوا يكن الانتهاء خيرا لكم، { ~~إنما الله إله وحد سبحنه أن يكون له ولد ~~} ، واعلم أن التبني لا يجوز لله تعالى، لأن التبني إنما يجوز لمن ~~يتصور له ولد، { له ما في السماوات وما في الأرض ~~وكفى بالله وكيلا }. ### || [4.172] # قوله تعالى: { لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ~~} ، # " وذلك أن وفد نجران قالوا: يا محمد إنك تعيب صاحبنا فتقول: إنه عبد ~~الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنه ليس بعار لعيسى عليه السلام ~~أن يكون عبدا لله» " # ، فنزل: { لن يستنكف المسيح } لن يأنف ولن يتعظم، ~~والاستنكاف: التكبر مع الأنفة، { ولا الملئكة المقربون ~~} ، وهم حملة العرش، لا يأنفون ms0645 أن يكونوا عبيدا لله، ويستدل بهذه الآية ~~من يقول بتفضيل الملائكة على البشر، لأن الله تعالى ارتقى من عيسى إلى ~~الملائكة، ولا يرتقى إلا إلى الأعلى، لا يقال: لا يستنكف فلان من هذا ~~ولا عبده، إنما يقال: فلان لا يستنكف من هذا ولا مولاه، ولا حجة لهم فيه ~~لأنه لم يقل ذلك رفعا لمقامهم على مقام البشر، بل ردا على الذين ~~يقولون الملائكة آلهة، كما رد على النصارى قولهم المسيح ابن الله، وقال ~~ردا على النصارى بزعمهم، فإنهم يقولون بتفضيل الملائكة. قوله تعالى: { ~~ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم ~~إليه جميعا } ، قيل: الاستنكاف هو التكبر مع الأنفة، والاستكبار: ~~هو العلو والتكبر من غير أنفة. ### || [4.173-174] # { فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله } ، من التضعيف ~~ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، { وأما ~~الذين استنكفوا واستكبروا } ، عن عبادته، { ~~فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون ~~الله وليا ولا نصيرا }. # قوله عز وجل: { يا أيها الناس قد جآءكم برهان من ~~ربكم } ، يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم، هذا قول أكثر ~~المفسرين، وقيل: هو القرآن، والبرهان: الحجة، { وأنزلنآ ~~إليكم نورا مبينا } ، مبينا يعني القرآن. ### || [4.175-176] # { فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به } ، ~~امتنعوا به من زيغ الشيطان، { فسيدخلهم في رحمة منه ~~وفضل } ، يعني الجنة، { ويهديهم إليه صرطا ~~مستقيما }. # قوله تعالى: { يستفتونك قل الله يفتيكم فى ~~الكللة } نزلت في جابر بن عبد الله رضي الله عنه، قال: عادني رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريض لا أعقل فتوضأ وصب علي من وضوئه، ~~فعقلت فقلت: يا رسول الله لمن الميراث إنما يرثني الكلالة؟ فنزلت ~~«يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة»، وقد ذكرنا معنى ~~الكلالة وحكم الآية في أول السورة. # وفي هذه الآية بيان حكم ميراث الأخوة للأب والأم أو للأب. # قوله # { يستفتونك } أي: يستخبرونك ويسألونك، { قل الله ~~يفتيكم فى الكللة } ، { إن امرؤ هلك ليس له ~~ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثهآ } ، ~~يعني إذا ms0646 ماتت الأخت فجميع ميراثها للأخ، { إن لم يكن لهآ ~~ولد } فإن كان لها ابن فلا شيء للأخ، وإن كان ولدها أنثى فللأخ ما ~~فضل عن فرض البنات، { فإن كانتا اثنتين فلهما ~~الثلثان مما ترك } ، أراد اثنتين فصاعدا، وهو أن ما مات وله ~~أخوات فلهن الثلثان، { وإن كانوا إخوة رجالا ونسآء ~~فللذكر مثل حظ الأنثيين } ، { يبين الله لكم ~~أن تضلوا } ، قال الفراء رحمة الله عليه وأبو عبيدة: معناه أن لا ~~تضلوا، وقيل: معناه يبين الله لكم كراهة أن تضلوا، { والله ~~بكل شىء عليم }. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا ~~محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا عبد الله بن رجاء أنا إسرائيل عن ~~أبي إسحاق عن البراء رضي الله عنهم قال: آخر سورة نزلت كاملة براءة، ~~وآخر آية نزلت خاتمة سورة النساء (يستفتونك قل الله يفتيكم في ~~الكلالة). # وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن آخر آية نزلت آية الربا، ~~وآخر سورة نزلت (إذا جاء نصر الله والفتح). # وروي عنه أن آخر آية نزلت قوله تعالى: # واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله # [البقرة: 281]. # وروي بعدما نزلت سورة النصر عاش النبي صلى الله عليه وسلم عاما، ~~ونزلت بعدها سورة براءة وهي آخر سورة نزلت كاملة فعاش النبي صلى الله ~~عليه وسلم بعدها ستة أشهر، ثم نزلت في طريق حجة الوداع " يستفتونك قل ~~الله يفتيكم في الكلالة " فسميت آية الصيف، ثم نزلت وهو واقف ~~بعرفة: # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتى # [المائدة: 3] فعاش بعدها أحدا وثمانين يوما، ثم نزلت آيات الربا، ثم ~~نزلت " واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله " فعاش بعدها أحدا ~~وعشرين يوما. ### | [5 - سورة المائدة] ### || [5.1] # قوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا أوفوا ~~بالعقود } ، أي: بالعهود، قال الزجاج: هي أوكد العهود، يقال: عاقدت ~~فلانا وعقدت عليه أي: ألزمته ذلك باستيثاق، وأصله من عقد الشيء بغيره ~~ووصله به، كما يعقد الحبل بالحبل [إذا وصل]. # واختلفوا في هذه العقود، قال ابن جريج: هذا خطاب ms0647 لأهل الكتاب، يعني: يا ~~أيها الذين آمنوا بالكتب المتقدمة أوفوا بالعهود التي عهدتها إليكم ~~في شأن محمد صلى الله عليه وسلم، وهو قوله: # وإذ أخذ الله ميثق الذين أوتوا الكتب ~~لتبيننه للناس # [آل عمران: 187]. # وقال الآخرون: هو عام، قال قتادة: أراد بها الحلف الذي تعاقدوا عليه ~~في الجاهلية، قال ابن مسعود رضي الله عنه: هي عهود الإيمان والقرآن، ~~وقيل: هي العقود التي يتعاقدها الناس بينهم. # { أحلت لكم بهيمة الأنعام } ، قال الحسن وقتادة: هي ~~الأنعام كلها، وهي الإبل والبقر والغنم، وأراد تحليل ما حرم أهل ~~الجاهلية على أنفسهم من الأنعام. # وروى أبو ظبيان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بهيمة الأنعام هي ~~الأجنة، ومثله عن الشعبي قال: هي الأجنة التي توجد ميتة في بطون ~~أمهاتها إذا ذبحت أو نحرت، ذهب أكثر أهل العلم إلى تحليله. # [قال الشيخ الإمام]: قرأت على أبي عبدالله محمد بن الفضل الخرقي فقلت: ~~قرىء على أبي سهل محمد بن عمر بن طرفة وأنت حاضر، فقيل له: حدثكم أبو ~~سليمان الخطابي أنا أبو بكر بن داسة أنا أبو داود السجستاني أنا مسدد أنا ~~هشيم عن مجالد عن أبي الوداك # " عن أبي سعيد رضي الله عنهم قال قلنا: يا رسول الله، ننحر الناقة ونذبح ~~البقرة والشاة فنجد في بطنها الجنين، أنلقيه أم نأكله؟ فقال: «كلوه إن ~~شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه» " # وروى أبو الزبير عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ذكاة الجنين ذكاة أمه " # وشرط بعضهم الإشعار، قال ابن عمر: ذكاة ما في بطنها في ذكاتها إذا تم ~~خلقه ونبت شعره، ومثله عن سعيد بن المسيب. # وعند أبي حنيفة رضي الله عنه: لا يحل أكل الجنين إذا خرج ميتا بعد ~~ذكاة الأم. # وقال الكلبي: بهيمة الأنعام: وحشيها، وهي الظباء وبقر الوحش، سميت ~~بهيمة لأنها أبهمت عن التمييز، وقيل: لأنها لا نطق لها، { إلا ما ~~يتلى عليكم } ، أي: ما ذكر في قوله: " حرمت عليكم الميتة " ~~إلى قوله: " وما ذبح على النصب " ، { غير محلى الصيد } ~~، وهو ms0648 نصب على الحال، أي: لا محلي الصيد، ومعنى الآية: أحلت لكم ~~بهيمة الأنعام كلها إلا ما كان منها وحشيا، فإنه صيد لا يحل لكم في ~~حال الإحرام، فذلك قوله تعالى: { وأنتم حرم إن الله ~~يحكم ما يريد }. ### || [5.2] # " { يأيها الذين ءامنوا لا تحلوا شعآئر ~~الله } ، نزلت في الحطم واسمه شريح بن ضبيعة البكري، أتى ~~المدينة وخلف خيله [خارج] المدينة، ودخل وحده على النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال له: إلى ما تدعو الناس؟ فقال له: إلى شهادة أن لا إله إلا ~~الله، [وأن محمدا رسول الله]، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فقال: ~~[حسن]، إلا أن لي أمراء لا أقطع أمرا دونهم، ولعلي أسلم وآتي بهم، ~~وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: يدخل عليكم رجل من ربيعة ~~يتكلم [بلسان] شيطان، ثم خرج شريح من عنده، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: لقد دخل بوجه كافر وخرج بقفا غادر وما الرجل بمسلم، فمر بسرح ~~المدينة فاستاقه وانطلق، فاتبعوه فلم يدركوه، فلما كان العام القابل ~~خرج حاجا في حجاج بكر بن وائل من اليمامة ومعه تجارة عظيمة، وقد قلد ~~الهدي، فقال المسلمون للنبي صلى الله عليه وسلم: هذا الحطم قد خرج ~~حاجا فخل بيننا وبينه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه قلد ~~الهدي، فقالوا: يا رسول الله هذا شيء كنا نفعله في الجاهلية، فأبى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل: { يأيها ~~الذين ءامنوا لا تحلوا شعآئر الله } ". # قال ابن عباس ومجاهد: هي مناسك الحج، وكان المشركون يحجون ويهدون، ~~فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم فنهاهم الله عن ذلك. # وقال أبو عبيدة: شعائر الله هي الهدايا المشعرة، والإشعار من ~~الشعار، وهي العلامة، وإشعارها: إعلامها بما يعرف أنها هدي، والإشعار ~~هاهنا: أن يطعن في صفحة سنام البعير بحديدة حتى يسيل الدم، فيكون ذلك ~~علامة أنها هدي، وهي سنة في الهدايا إذا كانت من الإبل، لما أخبرنا ~~عبدالواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبدالله النعيمي أنا محمد بن يوسف ms0649 ~~ثنا محمد بن إسماعيل ثنا أبو نعيم أنا أفلح عن القاسم عن عائشة رضي الله ~~عنها أنها قالت: فتلت قلائد بدن النبي صلى الله عليه وسلم بيدي، ثم ~~قلدها وأشعرها وأهداها، فما حرم عليه شيء كان أحل له. # وقاس الشافعي البقر على الإبل في الإشعار، وأما الغنم فلا تشعر ~~بالجرح، فإنها لا تحتمل الجرح لضعفها، وعند أبي حنيفة: لا يشعر الهدي. # وقال عطية عن ابن عباس رضي الله عنهما: لا تحلوا شعائر الله هي أن ~~تصيد وأنت محرم، بدليل قوله تعالى: " وإذا حللتم فاصطادوا " ، ~~وقال السدي: أراد حرم الله، وقيل: المراد منه النهي عن القتل في الحرم، ~~وقال عطاء: شعائر الله حرمات الله واجتناب سخطه واتباع طاعته. # قوله: { ولا الشهر الحرام } ، أي: القتال فيه، وقال ابن زيد: ~~هو النسيء، وذلك أنهم كانوا يحلونه في الجاهلية عاما ويحرمونه ~~عاما، { ولا الهدى } ، وهو كل ما يهدى إلى بيت الله من بعير أو ~~بقرة أو شاة، { ولا القلئد } ، أي: الهدايا المقلدة، يريد ~~ذوات القلائد، وقال عطاء: أراد أصحاب القلائد، وذلك أنهم كانوا في ~~الجاهلية إذا أرادوا الخروج من الحرم قلدوا أنفسهم وإبلهم بشيء من ~~لحاء شحر الحرم كيلا يتعرض لهم، فنهى الشرع عن استحلال شيء منها. # وقال مطرف بن الشخير: هي القلائد نفسها وذلك أن المشركين كانوا يأخذون ~~من لحاء شجر مكة ويتقلدونها فنهوا عن نزع شجرها. # قوله تعالى: { ولا ءامين البيت الحرام } ، أي: قاصدين ~~البيت الحرام، يعني: الكعبة فلا تتعرضوا لهم، { يبتغون } يطلبون { ~~فضلا من ربهم } ، يعني: الرزق والتجارة، { ورضونا } ، ~~أي: على زعمهم، لأن الكافرين لا نصيب له في الرضوان، وقال قتادة: هو أن ~~يصلح معاشهم في الدنيا ولا يعجل لهم العقوبة فيها، وقيل: ابتغاء الفضل ~~للمؤمنين والمشركين عامة، وابتغاء الرضوان للمؤمنين خاصة، لأن المسلمين ~~والمشركين كانوا يحجون، وهذه الآية إلى هاهنا منسوخة بقوله: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5] وبقوله: # فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا # [التوبة: 28] فلا يجوز أن يحج مشرك ولا أن يأمن كافر بالهدي والقلائد. # قوله عز وجل: ms0650 { وإذا حللتم } من إحرامكم، { فاصطدوا } ~~، أمر إباحة، أباح للحلال أخذ الصيد، كقوله تعالى: # فإذا قضيت الصلوة فانتشروا فى الأرض # [الجمعة: 10]. # { ولا يجرمنكم } ، قال ابن عباس وقتادة: لا يحملنكم، يقال: ~~جرمني فلان على أن صنعت كذا، أي: حملني، وقال الفراء: لا يكسبنكم، ~~يقال: جرم أي: كسب، وفلان جريمة أهله، أي: كاسبهم، وقيل: لا ~~يدعونكم، { شنآن قوم } ، أي: بغضهم وعداوتهم، وهو مصدر شنئت، ~~قرأ ابن عامر وأبو بكر { شنآن قوم } بسكون النون الأولى، وقرأ ~~الآخرون بفتحها، وهما لغتان، والفتح أجود، لأن المصادر أكثرها فعلان، ~~بفتح العين مثل الضربان والسيلان والنسلان ونحوها، { أن صدوكم عن ~~المسجد الحرام } ، قرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر الألف على ~~الاستئناف، وقرأ الآخرون بفتح الألف، أي: لأن صدوكم، ومعنى الآية: لا ~~يحملنكم عداوة قوم على الاعتداء لأنهم صدوكم. قال محمد بن جرير: لأن ~~هذه السورة نزلت بعد قضية الحديبية، كان الصد قد تقدم، { أن ~~تعتدوا } عليهم بالقتل وأخذ الأموال، { وتعاونوا } ، أي: ~~ليعن بعضكم بعضا، { على البر والتقوى } ، قيل: البر ~~متابعة الأمر، والتقوى مجانبة النهي، وقيل: البر: الإسلام، والتقوى: ~~السنة، { ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } ، قيل: ~~الإثم: الكفر، والعدوان: الظلم، وقيل: الإثم: المعصية، والعدوان: البدعة. # أخبرنا أبو القاسم عبدالكريم بن هوازن القشيري أنا أبو عبدالله محمد بن ~~أحمد بن محمد بن أبي طاهر الدقاق ببغداد أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن ~~الزبير القرشي أنا الحسن بن علي بن عفان أنا زيد بن الحباب عن معاوية بن ~~صالح حدثني عبدالرحمن بن جبير بن نفير بن مالك الحضرمي عن أبيه عن النواس ~~بن سمعان الأنصاري قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر ~~والإثم، قال: # " البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن ~~يطلع عليه الناس ". # { واتقوا الله إن الله شديد العقاب }. ### || [5.3] # قوله عز وجل { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم ~~الخنزير ومآ أهل لغير الله به } ، أي: ما ذكر على ~~ذبحه غير اسم الله تعالى، { والمنخنقة } ، وهي التي تخنتق ~~فتموت، قال ابن عباس: كان أهل ms0651 الجاهلية يخنقون الشاة حتى إذا ماتت ~~أكلوها، { والموقوذة } هي المقتولة بالخشب، قال قتادة: كانوا ~~يضربونها بالعصا فإذا ماتت أكلوها، { والمتردية } ، هي التي ~~تتردى من مكان عال أو في بئر فتموت، { والنطيحة } ، هي التي ~~تنطحها أخرى فتموت، وهاء التأنيث تدخل في الفعيل إذا كان بمعنى الفاعل، ~~فإذا كان بمعنى المفعول استوى فيه المذكر والمؤنث، نحو عين كحيل وكف ~~خضيب، فإذا حذف الاسم وأفردت الصفة، أدخلوا الهاء فقالوا: رأينا ~~كحيلة وخضيبة، وهنا أدخل الهاء لأنه لم يتقدمها الاسم، فلو أسقط الهاء ~~لم يدر أنها صفة مؤنث أو مذكر، ومثله الذبيحة والنسيكة، وأكيلة السبع ~~{ وما أكل السبع } ، يريد ما بقي مما أكل السبع، وكان أهل ~~الجاهلية يأكلونه، { إلا ما ذكيتم } ، يعني: إلا ما أدركتم ~~ذكاته من هذه الأشياء. # وأصل التذكية الإتمام، يقال: ذكيت النار إذا أتممت إشعالها، والمراد ~~هنا: إتمام فري الأوداج وإنهار الدم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل ليس غير السن والظفر ~~" # وأقل الذكاة في الحيوان المقدور عليه قطع المري والحلقوم وكما له أن ~~يقطع الودجين معهما، ويجوز بكل محدد يقطع من حديد أو قصب أو زجاج أو ~~حجر إلا السن والظفر، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الذبح بهما، ~~وإنما يحل ما ذكيته بعدما جرحه السبع أو أكل شيئا منه إذا أدركته ~~والحياة فيه مستقرة فذبحته، فأما ما صار بجرح السبع إلى حالة ~~المذبوح، فهو في حكم الميتة، فلا يكون حلالا وإن ذبحته، وكذلك المتردية ~~والنطيحة إذا أدركتها حية قبل أن تصير إلى حالة المذبوح فذبحتها تكون ~~حلالا، ولو رمى إلى صيد في الهواء فأصابه فسقط على الأرض فمات كان ~~حلالا، لأن الوقوع على الأرض من ضرورته، فإن سقط على جبل أو شجر أو سطح ~~ثم تردى منه فمات فلا يحل، وهو من المتردية إلا أن يكون السهم أصاب ~~مذبحه في الهواء فيحل كيف ما وقع، لأن الذبح قد حصل بإصابة السهم ~~المذبح. # { وما ذبح على النصب } ، قيل: النصب جمع، واحده ms0652 نصاب، ~~وقيل: هو واحد وجمعه أنصاب مثل عنق وأعناق، وهو الشيء المنصوب. # واختلفوا فيه، فقال مجاهد وقتادة: كانت حول البيت ثلاثمائة وستون حجرا ~~منصوبة، كان أهل الجاهلية يعبدونها ويعظمونها ويذبحون لها، وليست هي ~~بأصنام، إنما الأصنام هي المصورة المنقوشة، وقال الآخرون: هي الأصنام ~~المنصوبة، ومعناه: ما ذبح على اسم النصب، قال ابن زيد: وما ذبح على ~~النصب وما أهل لغير الله به: هما واحد، قال قطرب: على بمعنى اللام أي: ~~وما ذبح لأجل النصب. # { وأن تستقسموا بالأزلام } ، أي: ويحرم عليكم الاستقسام ~~بالأزلام، والاستقسام هو طلب القسم والحكم من الأزلام، والأزلام هي: ~~القداح التي لا ريش لها ولا نصل، واحدها: زلم، وزلم، بفتح ~~الزاي وضمها وكانت أزلامهم سبعة قداح مستوية من شوحط، يكون عند سادن ~~الكعبة، مكتوب على واحد نعم، وعلى واحد لا، وعلى واحد منكم، وعلى ~~واحد من غيركم، وعلى واحد ملصق، وعلى واحد: العقل، وواحد غفل ~~ليس عليه شيء، وكانوا إذا أرادوا أمرا من سفر أو نكاح أو ختان أو غيره، ~~أو تدارؤوا في نسب أو اختلفوا في تحمل عقل جاؤوا إلى هبل وكان أعظم ~~أصنام قريش بمكة، وجاؤوا بمائة درهم فأعطوها صاحب القداح حتى يجيل ~~القداح، ويقولون: يا إلهنا أنا أردنا كذا وكذا، فإن خرج نعم، فعلوا، ~~وإن خرج لا، لم يفعلوا ذلك حولا، ثم عادوا إلى القداح ثانية، فإذا ~~أجالوا على نسب، فإن خرج منكم كان وسيطا بينهم، وإن خرج من غيركم كان ~~حليفا، وإن خرج ملصق كان على منزلته لا نسب له ولا حلف، وإذا اختلفوا في ~~عقل فمن خرج عليه قدح العقل حمله، وإن خرج الغفل أجالوا ثانيا حتى يخرج ~~المكتوب، فنهى الله عز وجل عن ذلك وحرمه، وقال: { ذلكم فسق } ~~قال سعيد بن جبير: الأزلام حصى بيض كانوا يضربون بها، وقال مجاهد: هي ~~كعاب فارس والروم التي يتقامرون بها، وقال الشعبي وغيره: الأزلام للعرب، ~~والكعاب للعجم، وقال سفيان بن وكيع: هي الشطرنج، وروينا أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " العيافة والطرق والطيرة من ms0653 الجبت " # ، والمراد من الطرق: الضرب بالحصى. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي أنا ابن فنجويه أنا ~~ابن الفضل الكندي أخبرنا الحسن بن داود الخشاب أنا سويد بن سعيد أنا [أبو ~~المختار] عن عبدالملك بن عمير عن رجاء بن حيوة عن أبي الدرداء قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من تكهن أو استقسم أو تطير طيرة ترده عن سفره لم ينظر ~~إلى الدرجات العلى من الجنة يوم القيامة " # قوله عز وجل { اليوم يئس الذين كفروا من دينكم } ، ~~يعني: أن ترجعوا إلى دينهم كفارا، وذلك أن الكفار كانوا يطمعون في ~~عود المسلمين إلى دينهم فلما قوي الإسلام يئسوا، ويئس وأيس بمعنى ~~واحد. # { فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم ~~دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم ~~الإسلام دينا } ، نزلت هذه الآية يوم الجمعة، يوم عرفة بعد العصر ~~في حجة الوداع، والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بعرفات على ناقته ~~العضباء، فكادت عضد الناقة تندق من ثقلها فبركت. # أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبدالله النعيمي أنا محمد ~~بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل حدثني الحسن بن الصباح سمع جعفر بن عون أنا ~~أبو العميس أنا قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه أن رجلا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين آية في كتابكم ~~تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، قال: ~~أية آية؟ قال: " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ~~ورضيت لكم الإسلام دينا " ، فقال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان ~~الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم بعرفة يوم الجمعة، ~~أشار عمر إلى أن ذلك اليوم كان عيدا لنا. # قال ابن عباس: كان في ذلك اليوم خمسة أعياد: جمعة وعرفة وعيد اليهود ~~والنصارى والمجوس، ولم تجتمع أعياد أهل الملل في يوم قبله ولا بعده. # وروى هارون بن عنترة عن أبيه قال: # " لما نزلت هذه الآية بكى عمر رضي الله عنه، فقال ms0654 له النبي صلى الله ~~عليه وسلم: ما يبكيك يا عمر؟قال: أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا، ~~فأما إذا كمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص، قال:صدقت " # وكانت هذه الآية نعي النبي صلى الله عليه وسلم وعاش بعدها إحدى وثمانين ~~يوما، ومات يوم الاثنين بعدما زاغت الشمس لليلتين خلتا من شهر ربيع ~~الأول [سنة إحدى عشرة من الهجرة. وقيل: توفي يوم الثاني عشر من شهر ربيع ~~الأول] وكانت هجرته في الثاني عشر من شهر ربيع الأول. # قوله عز وجل: { اليوم أكملت لكم دينكم } ، يعني: يوم ~~نزول هذه الآية أكملت لكم دينكم، يعني الفرائض والسنن والحدود والجهاد ~~والأحكام والحلال والحرام، فلم ينزل بعد هذه الآية حلال ولا حرام، ولا ~~شيء من الفرائض. هذا معنى قول ابن عباس رضي الله عنهما، وروي عنه أن آية ~~الربا نزلت بعدها. # وقال سعد بن جبير وقتادة: أكملت لكم دينكم فلم يحج معكم مشرك. # وقيل: أظهرت دينكم وأمنتكم من العدو. # قوله عز وجل: { وأتممت عليكم نعمتى } ، يعني: أنجزت ~~وعدي في قوله: # ولأتم نعمتى عليكم # [البقرة: 150]، فكان من تمام نعمته أن دخلوا مكة آمنين وعليها ظاهرين، ~~وحجوا مطمئنين لم يخالطهم أحد من المشركين، { ورضيت لكم ~~الإسلام دينا } ، سمعت عبدالواحد المليحي قال: سمعت أبا محمد بن ~~حاتم، قال: سمعت أبا بكر النيسابوري سمعت أبا بكر محمد بن الحسن بن ~~المسيب المروزي، سمعت أبا حاتم محمد بن إدريس الحنظلي، سمعت عبدالملك بن ~~مسلمة أبا مروان المصري سمعت إبراهيم بن أبي بكر بن المنكدر رضي الله ~~عنه، سمعت عمي محمد بن المنكدر سمعت جابر بن عبدالله يقول: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " قال جبريل عليه السلام قال الله تعالى: هذا دين ارتضيته لنفسي ولن ~~يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق، فأكرموه بهما ما صحبتموه " # قوله عز وجل: { فمن اضطر فى مخمصة } ، أي: أجهد في ~~مجاعة، والمخمصة خلو البطن من الغذاء، يقال: رجل خميص البطن إذا كان ~~طاويا خاويا، { غير متجانف لإثم } ، أي: مائل إلى إثم وهو ~~أن يأكل ms0655 فوق الشبع، وقال قتادة: غير متعرض لمعصية في مقصده، { فإن ~~الله غفور رحيم } ، وفيه إضمار، أي: فأكله فإن الله غفور ~~رحيم. # أخبرنا أبو عبدالله محمد بن الحسن المروزي أنا أبو العباس أحمد بن محمد ~~بن سراج الطحان أنا أبو أحمد محمد بن قريش بن سليمان أنا أبو الحسن علي ~~بن عبدالعزيز المكي أنا أبو عبيد القاسم بن سلام أنا محمد بن كثير عن ~~الأوزاعي عن حسان بن عطية عن أبي واقد الليثي # " قال رجل: يا رسول الله إنا نكون بالأرض فتصيبنا بها المخمصة فمتى ~~تحل لنا الميتة؟ فقال: «ما لم تصطحبوا أو تغتبقوا أو تحتفئوا بها ~~بقلا فشأنكم بها» " ### || [5.4] # قوله عز وجل: { يسألونك ماذآ أحل لهم } الآية، قال ~~سعيد بن جبير: نزلت هذه الآية في عدي بن حاتم وزيد بن المهلهل الطائيين ~~وهو زيد الخيل الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد الخير، قالا: ~~يا رسول الله إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة فماذا يحل لنا منها؟ فنزلت ~~هذه الآية. # وقيل: سبب نزولها أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر بقتل الكلاب ~~قالوا: يا رسول الله ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فنزلت ~~هذه الآية فلما نزلت أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في اقتناء ~~الكلاب التي ينتفع بها، ونهى عن إمساك ما لا نفع فيه منها. # أخبرنا أحمد بن عبدالله الصالحي أنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبدالله ~~بن بشران أنا إسماعيل بن محمد الصفار أنا أحمد بن منصور الرمادي ~~أنا عبدالرزاق أنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من اتخذ كلبا إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع انتقص من أجره كل يوم ~~قيراط ". # والأول أصح في سبب نزول الآية. # { قل أحل لكم الطيبت } ، يعني: الذبائح على اسم الله ~~تعالى، وقيل: كل ما تستطيبه العرب وتستلذه من غير أن يرد بتحريمه نص ~~من كتاب أو سنة { وما ms0656 علمتم من الجوارح } ، يعني: وأحل ~~لكم صيد ما علمتم من الجوارح. # واختلفوا في هذه الجوارح، فقال الضحاك والسدي: هي الكلاب دون غيرها، ولا ~~يحل ما صاده غير الكلب إلا أن يدرك ذكاته، وهذا غير معمول به، بل ~~عامة أهل العلم على أن المراد من الجوارح الكواسب من سباع البهائم ~~كالفهد والنمر والكلب، ومن سباع الطير كالبازي والعقاب والصقر ونحوها ~~مما يقبل التعليم، فيحل صيد جميعها، سميت جارحة: لجرحها لأربابها ~~أقواتهم من الصيد، أي: كسبها، يقال: فلان جارحة أهله، أي: كاسبهم، { ~~مكلبين } ، والمكلب الذي يغري الكلاب على الصيد، ويقال للذي ~~يعلمها أيضا: مكلب، والكلاب: صاحب الكلاب، ويقال للصائد بها أيضا ~~كلاب، ونصب مكلبين على الحال، أي: في حال تكليبكم هذه الجوارح أي ~~إغرائكم إياها على الصيد، وذكر الكلاب لأنها أكثر وأعم، والمراد جميع ~~جوارح الصيد، { تعلمونهن } ، تؤدبونهن آداب أخذ الصيد، { ~~مما علمكم الله } ، أي: من العلم الذي علمكم الله، قال ~~السدي: أي: كما علمكم الله، " من " بمعنى الكاف، { فكلوا ممآ ~~أمسكن عليكم }. أراد أن الجارحة المعلمة إذا خرجت بإرسال ~~صاحبها فأخذت الصيد وقتلته كان حلالا، والتعليم هو أن يوجد فيها ~~ثلاثة أشياء: إذا أشليت استشلت، وإذا زجرت انزجرت، وإذا ~~أخذت الصيد أمسكت ولم تأكل، وإذا وجد ذلك منه مرارا وأقله ثلاث ~~مرات كانت معلمة، يحل قتلها إذا خرجت بإرسال صاحبها. ### || [5.5] # قوله عز وجل: { اليوم أحل لكم الطيبت } ، يعني: ~~الذبائح على اسم الله عز وجل، { وطعام الذين أوتوا ~~الكتب حل لكم } ، يريد ذبائح اليهود والنصارى ومن دخل في ~~دينهم من سائر الأمم قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم حلال لكم، فأما ~~من دخل في دينهم بعد مبعث محمد فلا تحل ذبيحته، ولو ذبح يهودي أو ~~نصراني على اسم غير الله كالنصراني يذبح باسم المسيح فاختلفوا فيه، قال ~~ابن عمر: لا يحل وهو قول ربيعة، وذهب أكثر أهل العلم إلى أنه يحل وهو ~~قول الشعبي وعطاء والزهري ومكحول، سئل الشعبي ومكحول عن النصراني يذبح ~~باسم المسيح، قالا: يحل فإن الله تعالى ms0657 قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما ~~يقولون، وقال الحسن: إذا ذبح اليهودي أو النصراني فذكر اسم غير الله وأنت ~~تسمع فلا تأكله إذا غاب عنك فكل فقد أحل الله لك. # قوله عز وجل: { وطعامكم حل لهم } ، فإن قيل: كيف شرع لهم ~~حل طعامنا وهم كفار ليسوا من أهل الشرع؟ قال الزجاج: معناه حلال لكم أن ~~تطعموهم فيكون خطاب الحل مع المسلمين، وقيل: لأنه ذكر عقيبه حكم ~~النساء، ولم يذكر حل المسلمات لهم فكأنه قال حلال لكم أن تطعموهم ~~حرام عليكم أن تزوجوهم. # قول عز وجل: { والمحصنت من المؤمنت ~~والمحصنت من الذين أوتوا الكتب من قبلكم } ~~، هذا راجع إلى الأول منقطع عن قوله: { وطعامكم حل لهم }. # اختلفوا في معنى { المحصنت } ، فذهب أكثر العلماء إلى أن المراد ~~منهن الحرائر، وأجازوا نكاح كل حرة مؤمنة كانت أو كتابية، فاجرة كانت أو ~~عفيفة، وهو قول مجاهد. وقال هؤلاء: لا يجوز للمسلم نكاح الأمة الكتابية ~~لقوله تعالى: # فمن ما ملكت أيمنكم من فتيتكم المؤمنات # [النساء: 25] جوز نكاح الأمة بشرط أن تكون الأمة مؤمنة، وجوز أكثرهم ~~نكاح الأمة الكتابية الحربية، وقال ابن عباس: لا يجوز وقرأ # قتلوا الذين لا يؤمنون بالله # إلى قوله: # حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صغرون # [التوبة: 29] فمن أعطى الجزية حل لنا نساؤه ومن لم يعطها فلا يحل ~~لنا نساؤه. # وذهب قوم إلى أن المراد من المحصنات في الآية: العفائف من الفريقين ~~حرائر كن أو إماء وأجازوا نكاح الأمة الكتابية، وحرموا البغايا من ~~المؤمنات والكتابيات، وهو قول الحسن، وقال الشعبي: إحصان الكتابية أن ~~تستعف من الزنا وتغتسل من الجنابة. # { إذآ ءاتيتموهن أجورهن } مهورهن { محصنين غير ~~مسافحين } ، غير معالنين بالزنا، { ولا متخذى أخدان } ~~، أي: يسرون بالزنا، قال الزجاج: حرم الله الجماع على جهة السفاح وعلى ~~جهة اتخاذ الصديقة، وأحله على جهة الإحصان وهو التزوج. # { ومن يكفر بالإيمن فقد حبط عمله وهو فى ~~الآخرة من الخسرين } ، قال مقاتل بن حيان: يقول ليس إحصان ~~المسلمين إياهن بالذي يخرجهن من الكفر أو يغني عنهن شيئا وهي ms0658 للناس ~~عامة، { ومن يكفر بالإيمن فقد حبط عمله وهو فى ~~الاخرة من الخسرين }. # قال ابن عباس ومجاهد في معنى قوله تعالى: { ومن يكفر ~~بالإيمن } ، أي: بالله الذي يجب الإيمان به. # وقال الكلبي: بالإيمان أي: بكلمة التوحيد وهي شهادة أن لا إله إلا ~~الله. # وقال مقاتل: بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وهو القرآن، وقيل: ~~ومن يكفر بالإيمان، أي: يستحل الحرام ويحرم الحلال فقد حبط عمله، ~~وهو في الآخرة من الخاسرين، قال ابن عباس: خسر الثواب. ### || [5.6] # قوله عز وجل: { يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم ~~إلى الصلوة } ، أي: إذا أردتم القيام إلى الصلاة؛ كقوله تعالى: # فإذا قرأت القرءان فاستعذ بالله # [النحل: 98] أي: إذا أردت القراءة. # وظاهر الآية يقتضي وجوب الوضوء عند كل مرة يريد القيام إلى الصلاة، ~~لكن أعلمنا ببيان السنة وفعل النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد من ~~الآية: { إذا قمتم إلى الصلوة } وأنتم على غير طهر، قال ~~النبي: # " لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ " # وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق بين أربع صلوات بوضوء ~~واحد. أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد الحنيفي أنا أبو الحارث طاهر ~~بن محمد الظاهري أنا أبو محمد الحسن بن محمد بن حليم أنا أبو الموجه ~~محمد بن عمرو بن الموجه أنا عبدان أنا سفيان عن علقمة بن مرثد عن ~~سليمان بن بريدة عن أبيه. أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم فتح ~~مكة الصلوات بوضوء واحد، ومسح على خفيه. # وقال زيد بن أسلم: معنى الآية إذا قمتم إلى الصلاة من النوم. # وقال بعضهم: هو أمر على طريق الندب، ندب لمن قام إلى الصلاة أن يجدد ~~لها طهارته وإن كان على طهر، روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات " # وروي عن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء عند كل ms0659 صلاة طاهرا ~~أو غير طاهر، فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك لكل صلاة " # وقال بعضهم: هذا إعلام من الله سبحانه وتعالى لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن لا وضوء عليه إلا إذا قام إلى الصلاة دون غيرها من الأعمال، ~~فأذن له أن يفعل بعد الحدث ما بدا له من الأفعال غير الصلاة، أخبرنا ~~أبو القاسم الحنيفي أنا أبو الحارث الطاهري أنا الحسن بن محمد بن حليم ~~أنا أبو الموجه أنا صدقة أنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار سمع سعيد بن ~~الحويرث # " سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقول: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~فرجع من الغائط فأتي بطعام فقيل له: ألا تتوضأ؟ «فقال: لم؟ أأصل ~~فأتوضأ؟» " # قوله عز وجل: { فاغسلوا وجوهكم } ، وحد الوجه من منابت ~~شعر الرأس إلى منتهى الذقن طولا وما بين الأذنين عرضا يجب غسل جميعه ~~في الوضوء، ويجب أيضا إيصال الماء إلى ما تحت الحاجبين وأهداب العينين ~~والشارب والعذار أو العنفقة وإن كانت كثيفة وأما العارض واللحية فإن ~~كانت كثيفة لا ترى البشرة من تحتها لا يجب غسل باطنها في الوضوء، بل يجب ~~غسل ظاهرها. # وهل يجب إمرار الماء على ظاهر ما استرسل من اللحية عن الذقن؟ فيه ~~قولان: # أحدهما: لا يجب وبه قال أبو حنيفة رضي الله عنه، لأن الشعر النازل عن ~~حد الرأس لا يكون حكمه حكم الرأس في جواز المسح عليه، كذلك النازل عن ~~حد الوجه لا يكون حكمه حكم الوجه في وجوب غسله. # والقول الثاني: يجب إمرار الماء على ظاهره، لأن الله تعالى أمر بغسل ~~الوجه، والوجه ما يقع في المواجهة من هذا العضو، ويقال في اللغة بقل وجه ~~فلان وخرج وجهه: إذا نبتت لحيته. # قول تعالى: { وأيديكم إلى المرافق } ، أي: مع المرافق؛ ~~كما قال الله تعالى: # ولا تأكلوا أمولهم إلى أمولكم # [النساء: 2] أي: مع أموالكم، وقال: # من أنصارى إلى الله # [آل عمران: 52، الصف: 14] أي: مع الله. # وأكثر العلماء على أنه يجب غسل المرفقين، وفي الرجل يجب غسل الكعبين، ms0660 ~~وقال الشعبي ومحمد بن جرير: لا يجب غسل المرفقين والكعبين في غسل اليد ~~والرجل لأن حرف " إلى " للغاية والحد، فلا يدخل في المحدود. # قلنا: ليس هذا بحد ولكنه بمعنى مع كما ذكرنا، وقيل: الشيء إذا حد إلى ~~جنسه يدخل فيه الغاية، وإذا حد إلى غير جنسه لا يدخل؛ كقوله تعالى: # ثم أتموا الصيام إلى اليل # [البقرة: 187] لم يدخل الليل فيه لأنه ليس من جنس النهار. # قوله تعالى: { وامسحوا برءوسكم } ، اختلف العلماء في قدر ~~الواجب من مسح الرأس، فقال مالك: يجب مسح جميع الرأس كما يجب مسح جميع ~~الوجه في التيمم، وقال أبو حنيفة: يجب مسح ربع الرأس، وعند الشافعي رحمه ~~الله: يجب قدر ما يطلق عليه اسم المسح. # واحتج من أجاز مسح بعض الرأس بما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ~~أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا ~~الشافعي أنا يحيى بن حسان عن حماد بن زيد وابن علية عن أيوب السختياني عن ~~ابن سيرين عن عمرو بن وهب الثقفي عن المغيرة بن شعبة: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته وعلى عمامته وخفيه ~~". # فأجاز بعض أهل العلم المسح على العمامة بهذا الحديث، وبه قال الأوزاعي ~~وأحمد وإسحاق. # ولم يجوز أكثر أهل العلم المسح على العمامة بدلا من مسح الرأس، وقال ~~في حديث المغيرة إن فرض المسح سقط عنه بمسح الناصية، وفيه دليل على أن ~~مسح جميع الرأس غير واجب. # قوله عز وجل: { وأرجلكم إلى الكعبين } ، قرأ نافع وابن ~~عامر والكسائي ويعقوب وحفص { وأرجلكم } بنصب اللام، وقرأ الآخرون: ~~" وأرجلكم " بالخفض، فمن قرأ " وأرجلكم " بالنصب فيكون عطفا على ~~قوله: { فاغسلوا وجوهكم وأيديكم } ، أي: واغسلوا أرجلكم، ~~ومن قرأ بالخفض فقد ذهب قليل من أهل العلم إلى أنه يمسح على الرجلين، ~~وروي عن ابن عباس أنه قال: الوضوء غسلتان ومسحتان، ويروى ذلك عن عكرمة ~~وقتادة، وقال الشعبي: نزل جبريل بالمسح وقال: ألا ترى المتيمم يمسح ما ~~كان غسلا ويلغي ما كان مسحا. # وقال محمد بن ms0661 جرير الطبري: يتخير المتوضىء بين المسح على الخفين وبين ~~غسل الرجلين. # وذهب عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين وغيرهم إلى وجوب غسل ~~الرجلين. وقالوا: خفض اللام في الأرجل على مجاورة اللفظ لا على موافقة ~~الحكم، كما قال تبارك وتعالى: { عذاب يوم أليم } ، فالأليم صفة ~~العذاب، ولكنه أخذ إعراب اليوم للمجاورة، وكقولهم: جحر ضب خرب، ~~فالخراب نعت الجحر، وأخذ إعراب الضب للمجاورة. # والدليل على وجوب غسل الرجلين: ما أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن ~~العباس الحميدي الخطيب أنا أبو عبد الله الحافظ أنا أبو عبد الله محمد بن ~~يعقوب أنا يحيى بن محمد بن يحيى أنا الحجبي ومسدد قالا: أخبرنا أبو عوانة ~~عن أبي بشر عن يوسف بن ماهك # " عن عبد الله بن عمرو قال: تخلف عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~سفر سافرناه فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة صلاة العصر، ونحن نتوضأ فجعلنا ~~نمسح على أرجلنا فنادانا بأعلى صوته: «ويل للأعقاب من النار» " # أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي أنا ~~محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل حدثنا عبدان أنا عبدالله أنا معمر ~~حدثني الزهري عن عطاء بن يزيد عن حمران مولى عثمان قال: رأيت عثمان رضي ~~الله عنه توضأ فأفرغ على يديه ثلاثا ثم مضمض واستنشق واستنثر، ثم غسل ~~وجهه ثلاثا، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثا، ثم غسل يده اليسرى ~~إلى المرفق ثلاثا، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثا ثم اليسرى ~~ثلاثا، ثم قال:رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا، ~~ثم قال: # " من توضأ وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث نفسه فيهما بشيء غفر له ~~ما تقدم من ذنبه " # وقال بعضهم: أراد بقوله: { وأرجلكم } المسح على الخفين كما روي # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع وضع يديه على ركبتيه " # وليس المراد منه أنه لم يكن بينهما حائل، ويقال: قبل فلان رأس الأمير ~~ويده، وإن كانت العمامة على رأسه ويده في كمه. ms0662 # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا أبو نعيم حدثنا زكريا # " عن عامر عن عروة بن المغيرة عن أبيه رضي الله عنهما قال: كنت مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة في سفر فقال: «أمعك ماء»، قلت: نعم، ~~فنزل عن راحلته فمشى حتى توارى عني في سواد الليل، ثم جاء فأفرغت عليه ~~من الإداوة فغسل وجهه ويديه، وعليه جبة من صوف فلم يستطع أن يخرج ذراعيه ~~منها حتى أخرجهما من أسفل الجبة فغسل ذراعيه، ثم مسح برأسه، ثم أهويت ~~لأنزع خفيه فقال: «دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين فمسح عليهما ". # قوله تعالى: { إلى الكعبين } ، فالكعبان هما العظمان الناتئان ~~من جانبي القدمين، وهما مجتمع مفصل الساق والقدم، فيجب غسلهما مع القدمين ~~كما ذكرنا في المرفقين. # وفرائض الوضوء غسل الأعضاء الثلاثة كما ذكر الله تعالى، ومسح الرأس، ~~واختلف أهل العلم في وجوب النية، فذهب أكثرهم إلى وجوبها لأن الوضوء ~~عبادة فيفتقر إلى النية كسائر العبادات، وذهب بعضهم إلى أنها غير واجبة ~~وهو قول الثوري وأصحاب الرأي. # واختلفوا في وجوب الترتيب، وهو أن يغسل أعضاءه على الولاء كما ذكر الله ~~تبارك وتعالى: فذهب جماعة إلى وجوبه، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق ~~رحمهم الله، ويروى ذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه. # واحتج الشافعي بقول الله تعالى: # إن الصفا والمروة من شعآئر الله # [البقرة: 158] # " وبدأ النبي صلى الله عليه وسلم بالصفا، وقال: «نبدأ بما بدأ الله به» ~~" # وكذلك هاهنا بدأ الله تعالى بذكر غسل الوجه فيجب علينا أن نبدأ فعلا ~~بما بدأ الله تعالى به ذكرا. # وذهب جماعة إلى أن الترتيب سنة، وقالوا: الواوات المذكورة في الآية ~~للجمع لا للترتيب؛ كما قال الله تعالى: # إنما الصدقت للفقرآء والمسكين # [التوبة: 60] الآية، واتفقوا على أنه لا تجب مراعاة الترتيب في صرف ~~الصدقات إلى أهل السهمان، ومن أوجب الترتيب أجاب بأنه لم ينقل عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه راعى الترتيب بين أهل السهمان، ms0663 وفي الوضوء لم ~~ينقل أنه توضأ إلا مرتبا كما ذكر الله تعالى، وبيان الكتاب يؤخذ من ~~السنة؛ كما قال الله تعالى: # يأيها الذين ءامنوا اركعوا واسجدوا # [الحج: 77] لما قدم ذكر الركوع على السجود، ولم ينقل عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه فعل إلا كذلك فكان مراعاة الترتيب فيه واجبا، كذلك ~~الترتيب هاهنا. # قوله عز وجل: { وإن كنتم جنبا فاطهروا } ، أي: ~~اغتسلوا. أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق ~~الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله ~~عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل ~~يديه، ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها ~~أصول شعره، ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه، ثم يفيض الماء على جلده ~~كله. ### || [5.7-9] # قوله تعالى: { واذكروا نعمة الله عليكم } يعني: النعم ~~كلها، { وميثقه الذى واثقكم به } ، عهده الذي عاهدكم به ~~أيها المؤمنون، { إذ قلتم سمعنا وأطعنا } ، وذلك حين ~~بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة فيما أحبوا ~~وكرهوا، وهو قول أكثر المفسرين، وقال مجاهد ومقاتل: يعني الميثاق الذي ~~أخذ عليهم حين أخرجهم من صلب آدم عليه السلام، { واتقوا الله ~~إن الله عليم بذات الصدور } ، بما في القلوب من خير وشر. # قوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا كونوا قوامين ~~لله شهدآء بالقسط } ، أي: كونوا قائمين بالعدل [قوالين] ~~بالصدق، أمرهم بالعدل والصدق في أفعالهم وأقوالهم، { ولا ~~يجرمنكم } ، ولا يحملنكم، { شنآن قوم } ، بغض قوم، { ~~على ألا تعدلوا } ، أي: على ترك العدل فيهم لعداوتهم. ثم قال: ~~{ اعدلوا } ، يعني: في أوليائكم وأعدائكم، { هو أقرب ~~للتقوى } ، يعني: إلى التقوى، { واتقوا الله إن الله ~~خبير بما تعملون }. # { وعد الله الذين ءامنوا وعملوا الصلحت ~~لهم مغفرة وأجر عظيم } ، وهذا في موضع النصب، لأن فعل ~~الوعد واقع على المغفرة ورفعها على تقدير، أي: وقال لهم: مغفرة وأجر ~~عظيم. ### || [5.10-11] # { والذين كفروا وكذبوا بآياتنآ أولئك ~~أصحاب الجحيم }. # { يا أيها ms0664 الذين آمنوا اذكروا نعمت الله ~~عليكم } ، بالدفع عنكم، { إذ هم قوم أن يبسطوا ~~إليكم أيديهم } ، بالقتل. # قال قتادة: نزلت هذه الآية ورسول الله صلى الله عليه وسلم ببطن نخل ~~فأراد بنو ثعلبة وبنو محارب أن يفتكوا به وبأصحابه إذا اشتغلوا بالصلاة، ~~فأطلع الله تبارك وتعالى نبيه على ذلك، وأنزل الله صلاة الخوف. # وقال الحسن: # " كان النبي صلى الله عليه وسلم محاصرا غطفان بنخل، فقال رجل من ~~المشركين: هل لكم في أن أقتل محمدا؟ قالوا: وكيف تقتله؟ قال: أفتك به، ~~قالوا: وددنا أنك قد فعلت ذلك، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~والنبي صلى الله عليه وسلم متقلد سيفه، فقال: يا محمد أرني سيفك ~~فأعطاه إياه فجعل الرجل يهز السيف وينظر مرة إلى السيف ومرة إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وقال: من يمنعك مني يا محمد؟ قال: الله، فتهدده ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فشام السيف ومضى، فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية ". # وقال مجاهد وعكرمة والكلبي وابن يسار عن رجاله: بعث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم المنذر بن عمرو الساعدي، وهو أحد النقباء ليلة العقبة في ~~ثلاثين راكبا من المهاجرين والأنصار إلى بني عامر بن صعصعة فخرجوا فلقوا ~~عامر بن الطفيل على بئر معونة، وهي من مياه بني عامر، فاقتتلوا، فقتل ~~المنذر بن عمرو وأصحابه إلا ثلاثة نفر كانوا في طلب ضالة لهم، أحدهم ~~عمرو بن أمية الضمري، فلم يرعهم إلا الطير تحوم في السماء، تسقط من بين ~~خراطيمها علق الدم، فقال أحد النفر: قتل أصحابنا، ثم تولى يشتد حتى لقي ~~رجلا فاختلفا ضربتين فلما خالطته الضربة رفع [رأسه] إلى السماء وفتح ~~عينيه، وقال: الله أكبر الجنة ورب العالمين، فرجع صاحباه فلقيا رجلين ~~من بني سليم وكان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قومهما موادعة، ~~فانتسبا لهما إلى بني عامر فقتلاهما فقدم قومهما إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم يطلبون الدية فخرج ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة وعبدالرحمن ~~بن عوف رضي الله عنهم، حتى ms0665 دخلوا على كعب بن الأشرف وبني النضير يستعينهم ~~في عقلهما، وكانوا قد عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم على ترك القتال ~~وعلى أن يعينوه في الديات، قالوا: نعم يا أبا القاسم قد آن لك أن تأتينا ~~وتسألنا حاجة، اجلس حتى نطعمك ونعطيك الذي سألته، فجلس رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه، فخلا بعضهم ببعض وقالوا: إنكم لن تجدوا محمدا ~~أقرب منه الآن فمن يظهر على هذا البيت فيطرح عليه صخرة فيريحنا منه؟ فقال ~~عمر بن جحاش: أنا، فجاء إلى رحى عظيمة ليطرحها عليه فأمسك الله تعالى يده ~~وجاء جبريل وأخبره، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم راجعا إلى المدينة ثم ~~دعا عليا قال: لا تبرح مكانك فمن خرج عليك من أصحابي فسأل عني فقل: ~~توجه إلى المدينة، ففعل ذلك علي رضي الله عنه حتى تناهوا إليه ثم ~~تبعوه، فأنزل الله تعالى هذه الآية وقال: { فكف أيديهم عنكم ~~واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون }. ### || [5.12] # قوله عز وجل { ولقد أخذ الله ميثق بنى إسرءيل ~~وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا } ، وذلك أن الله عز ~~وجل وعد موسى عليه السلام أن يورثه وقومه الأرض المقدسة وهي الشام، وكان ~~يسكنها الكنعانيون الجبارون، فلما استقرت لبني إسرائيل الدار بمصر أمرهم ~~الله تعالى بالسير إلى أريحاء من أرض الشام وهي الأرض المقدسة، وكانت لها ~~ألف قرية في كل قرية ألف بستان، وقال: ياموسى إني كتبتها لكم دارا ~~وقرارا فاخرج إليها وجاهد من فيها من العدو فإني ناصرك عليهم، وخذ من ~~قومك اثني عشر نقيبا من كل سبط نقيبا، يكون كفيلا على قومه بالوفاء ~~منهم على ما أمروا به، فاختار موسى النقباء وسار موسى ببني إسرائيل حتى ~~قربوا من أريحاء، فبعث هؤلاء النقباء يتجسسون له الأخبار ويعلمون علمها، ~~فلقيهم رجل من الجبابرة يقال له عوج بن عنق، وكان طوله ثلاثة آلاف ~~وثلاثمائة وثلاث وثلاثين ذراعا وثلث ذراع، وكان يحتجز بالسحاب ويشرب منه ~~ويتناول الحوت من قرار البحر فيشويه بعين الشمس يرفعه إليها ثم يأكله. ~~ويروى أن ms0666 الماء طبق ما على الأرض من جبل وما جاوز ركبتي عوج وعاش ثلاثة ~~آلاف سنة حتى أهلكه الله على يدي موسى عليه السلام، وذلك أن جاء [وقلع] ~~صخرة من الجبل على قدر عسكر موسى عليه السلام، وكان فرسخا في فرسخ، ~~وحملها ليطبقها عليهم فبعث الله الهدهد فقور الصخرة بمنقاره فوقعت في ~~عنقه فصرعته، فأقبل موسى عليه السلام وهو مصروع فقتله، وكانت أمه [عنق] ~~إحدى بنات آدم وكان مجلسها [جريبا] من الأرض، فلما لقي عوج النقباء وعلى ~~رأسه حزمة حطب أخذ الاثني عشر وجعلهم في حجزته وانطلق بهم إلى امرأته، ~~وقال: انظري إلى هؤلاء الذين يزعمون أنهم يريدون قتالنا، وطرحهم بين ~~يديها وقال: ألا أطحنهم برجلي؟ فقالت امرأته: لا بل خل عنهم حتى يخبروا ~~قومهم بما رأوا، ففعل ذلك. # وروي أنه جعلهم في كمه وأتى بهم إلى الملك فطرحهم بين يديه، فقال ~~الملك: ارجعوا فأخبروهم بما رأيتم، وكان لا يحمل عنقودا من عنبهم إلا ~~خمسة أنفس منهم في خشبة، ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع منها حبها خمسة ~~أنفس، فرجع النقباء وجعلوا يتعرفون أحوالهم، وقال بعضهم لبعض: يا قوم، ~~إنكم إن أخبرتم بني إسرائيل خبر القوم ارتدوا عن نبي الله ولكن اكتموا، ~~وأخبروا موسى وهارون فيريان رأيهما وأخذ بعضهم على بعض الميثاق بذلك، ثم ~~أنهم نكثوا العهد وجعل كل واحد منهم ينهى سبطه عن قتالهم ويخبرهم بما رأى ~~إلا رجلان، فذلك قوله تعالى: { ولقد أخذ الله ميثق ~~بنى إسرءيل وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا }. # { وقال الله إنى معكم } ، ناصركم على عدوكم، ثم ابتدأ ~~الكلام فقال: { لئن أقمتم الصلوة } ، يا معشر بني إسرائيل، { ~~وءاتيتم الزكوة وءامنتم برسلى وعزرتموهم } ، ~~نصرتموهم، وقيل: ووقرتموهم وعظمتموهم، { وأقرضتم الله قرضا ~~حسنا } ، قيل: هو إخراج الزكاة، وقيل: هو النفقة على الأهل، { ~~لأكفرن عنكم سيئتكم } ، لأمحون عنكم سيئاتكم، { ~~ولأدخلنكم جنت تجرى من تحتها الأنهر فمن ~~كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سوآء السبيل } ، أي: ~~أخطأ قصد السبيل، يريد طريق [الحق]، وسواء كل شيء: وسطه. ### || [5.13-14] # { فبما نقضهم } أي: فبنقضهم، ms0667 و " ما " صلة، { ميثقهم } ~~، قال قتادة: نقضوه من وجوه لأنهم كذبوا الرسل الذين جاؤوا بعد موسى ~~وقتلوا الأنبياء ونبذوا كتابه وضيعوا فرائضه، { لعنهم } ، قال ~~[عطاء]: أبعدناهم من رحمتنا، قال الحسن ومقاتل: عذبناهم بالمسخ، { ~~وجعلنا قلوبهم قاسية } ، قرأ حمزة والكسائي قسية بتشديد ~~الياء من غير ألف، وهما لغتان مثل الذاكية والذكية، وقال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: قاسية أي يابسة، وقيل: غليظة لا تلين، وقيل معناه: إن قلوبهم ~~ليست بخالصة للإيمان بل إيمانهم مشوب بالكفر والنفاق، ومنه الدراهم ~~القاسية وهي الردية المغشوشة. # { يحرفون الكلم عن موضعه } ، قيل: هو تبديلهم نعت ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: تحريفهم بسوء التأويل، { ونسوا ~~حظا مما ذكروا به } ، أي: وتركوا نصيب أنفسهم مما أمروا ~~به من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبيان نعته، { ولا تزال } ، ~~[يا محمد]، { تطلع على خآئنة منهم } ، أي: على خيانة، ~~فاعلة بمعنى المصدر كالكاذبة واللاغية، وقيل: هو بمعنى الفاعل والهاء ~~للمبالغة مثل [رواية] ونسابة وعلامة وحسابة، وقيل: على فرقة خائنة، ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما: على خائنة، أي: على معصية، وكانت خيانتهم ~~نقضهم العهد ومظاهرتهم المشركين على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهمهم بقتله وسمه، ونحوهما من خياناتهم التي ظهرت منهم، { إلا ~~قليلا منهم } ، لم يخونوا ولم ينقضوا العهد وهم الذين أسلموا من ~~أهل الكتاب، { فاعف عنهم واصفح } ، أي: أعرض عنهم ولا تتعرض ~~لهم، { إن الله يحب المحسنين } ، وهذا منسوخ بآية السيف. # قوله عز وجل: { ومن الذين قالوا إنا نصرى ~~أخذنا ميثقهم } ، قيل: أراد بهم اليهود والنصارى فاكتفى بذكر ~~أحدهما، والصحيح أن الآية في النصارى خاصة لأنه قد تقدم ذكر اليهود، وقال ~~الحسن: فيه دليل على أنهم نصارى بتسميتهم لا بتسمية الله تعالى، أخذنا ~~ميثاقهم في التوحيد والنبوة، { فنسوا حظا مما ذكروا به ~~فأغرينا بينهم العداوة والبغضآء إلى يوم ~~القيامة } ، بالأهواء المختلفة والجدال في الدين، قال مجاهد وقتادة: ~~يعني بين اليهود والنصارى، وقال قوم: هم النصارى وحدهم صاروا فرقا منهم ~~اليعقوبية والنسطورية والملكانية، وكل فرقة تكفر الأخرى، ms0668 { وسوف ~~ينبئهم الله بما كانوا يصنعون } في الآخرة. ### || [5.15-17] # قوله عز وجل: { يأهل الكتب } ، يريد: يا أهل الكتابين، { ~~قد جآءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم ~~تخفون من الكتب } ، أي: من التوراة والإنجيل مثل صفة محمد ~~صلى الله عليه وسلم وآية الرجم وغير ذلك، { ويعفوا عن كثير } ، ~~أي: يعرض عن كثير مما أخفيتم ولا يتعرض له ولا يؤاخذكم به، { قد ~~جآءكم من الله نور } ، يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم، ~~وقيل: الإسلام، { وكتب مبين } ، أي: بين، وقيل: مبين وهو ~~القرآن. # { يهدى به الله من اتبع رضوانه } ، رضاه، { سبل ~~السلم } ، قيل: السلام هو الله عز وجل، وسبيله دينه الذي شرع ~~لعباده، وبعث به رسله، وقيل: السلام هو السلامة، كاللذاذ واللذاذة بمعنى ~~واحد، والمراد به طرق السلامة، { ويخرجهم من الظلمت ~~إلى النور } ، أي: من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، { بإذنه } ~~، بتوفيقه وهدايته، { ويهديهم إلى صرط مستقيم } ، وهو ~~الإسلام. # قوله عز وجل: { لقد كفر الذين قالوا إن الله ~~هو المسيح ابن مريم } ، وهم اليعقوبية من النصارى يقولون ~~المسيح هو الله تعالى، { قل فمن يملك من الله شيئا } ، ~~أي: من يقدر أن يدفع من أمر الله شيئا إذا قضاه؟ { إن أراد أن ~~يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن فى الأرض ~~جميعا ولله ملك السموت والأرض وما بينهما ~~يخلق ما يشآء والله على كل شىء قدير }. ### || [5.18] # قوله عز وجل: { وقالت اليهود والنصرى نحن ~~أبناء الله وأحباؤه } قيل: أرادوا أن الله تعالى كالأب لنا ~~في الحنو والعطف، ونحن كالأبناء له في القرب والمنزلة، وقال إبراهيم ~~النخعي: إن اليهود وجدوا في التوراة يا أبناء أحباري، فبدلوا يا أبناء ~~أبكاري، فمن ذلك قالوا: نحن أبناء الله، وقيل: معناه نحن أبناء الله يعني ~~أبناء رسل الله. # قوله تعالى: { قل فلم يعذبكم بذنوبكم } ، يريد إن كان ~~الأمر كما زعمتم أنكم أبناؤه وأحباؤه فإن الأب لا يعذب ولده، والحبيب لا ~~يعذب حبيبه، وأنتم مقرون بأنه معذبكم؟ وقيل: فلم يعذبكم، أي: لم عذب ~~من قبلكم بذنوبكم فمسخهم قردة وخنازير؟ { بل أنتم ms0669 بشر ممن ~~خلق } ، كسائر بني آدم مجزيون بالإساءة والإحسان، { يغفر لمن ~~يشآء } فضلا، { ويعذب من يشآء } عدلا، { ولله ملك ~~السموت والأرض وما بينهما وإليه المصير }. ### || [5.19-20] # قوله عز وجل: { يأهل الكتب قد جآءكم رسولنا } ، ~~محمد صلى الله عليه وسلم، { يبين لكم } أعلام الهدي وشرائع ~~الدين، { على فترة من الرسل } ، أي: انقطاع من الرسل. # واختلفوا في مدة الفترة بين عيسى عليه السلام وبين محمد صلى الله عليه ~~وسلم، قال أبو عثمان النهدي: ستمائة سنة، قال قتادة: خمسمائة وستون سنة، ~~وقال معمر والكلبي: خمسمائة وأربعون سنة، وسميت فترة لأن الرسل كانت ~~تترى بعد موسى عليه السلام من غير انقطاع إلى زمن عيسى عليه السلام، ولم ~~يكن بعد عيسى عليه السلام سوى رسولنا. { أن تقولوا } ، كيلا تقولوا، ~~{ ما جآءنا من بشير ولا نذير فقد جآءكم بشير ~~ونذير والله على كل شىء قدير }. # قوله عز وجل: { وإذ قال موسى لقومه يقوم ~~اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبيآء ~~} ، [أي: منكم أنبياء] { وجعلكم ملوكا } ، قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: يعني أصحاب خدم وحشم، قال قتادة: كانوا أول من ملك الخدم ولم ~~يكن لمن قبلهم خدم. وروي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم وامرأة ودابة يكتب ملكا " # وقال أبو عبدالرحمن الحبلي: سمعت عبدالله بن عمرو بن العاص، وسأله ~~رجل فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبدالله: ألك امرأة تأوي ~~إليها؟ قال: نعم. قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم، قال: فأنت من الأغنياء، ~~قال: فإن لي خادما، قال:فأنت من الملوك. # قال السدي: وجعلكم ملوكا أحرارا تملكون أمر أنفسكم بعدما كنتم في أيدي ~~القبط يستعبدونكم. قال الضحاك: كانت منازلهم واسعة فيها مياه جارية فمن ~~كان مسكنه واسعا وفيه ماء جار فهو ملك. { وءاتكم ما لم ~~يؤت أحدا من العلمين } ، يعني: عالمي زمانكم، قال مجاهد: ~~يعني المن والسلوى والحجر وتظليل الغمام. ### || [5.21-22] # قوله تعالى: { يقوم ادخلوا الأرض المقدسة التى ~~كتب الله ms0670 لكم } ، اختلفوا في الأرض المقدسة، قال مجاهد: هي ~~الطور وما حوله، وقال الضحاك: إيليا وبيت المقدس، وقال عكرمة والسدي: هي ~~أريحاء، وقال الكلبي: هي دمشق وفلسطين وبعض الأردن، وقال قتادة: هي الشام ~~كلها، قال كعب: وجدت في كتاب الله المنزل أن الشام كنز الله في أرضه ~~[وبها أكثر] عباده. قوله عز وجل: { كتب الله لكم } ، يعني: ~~كتب في اللوح المحفوظ أنها لكم مساكن، قال ابن إسحاق: وهب الله لكم، ~~وقيل: جعلها لكم، وقال السدي: أمركم بدخولها، [وقال قتادة]: أمروا بها ~~كما أمروا بالصلاة، أي: فرض عليكم. { ولا ترتدوا على ~~أدبركم } ، أعقابكم بخلاف أمر الله، { فتنقلبوا ~~خسرين } ، قال الكلبي: صعد إبراهيم عليه السلام جبل لبنان فقيل له: ~~انظر فما أدركه بصرك فهو مقدس وهو ميراث لذريتك. { قالوا ياموسى ~~إن فيها قوما جبارين } ، وذلك أن النقباء الذين خرجوا ~~يتجسسون الأخبار لما رجعوا إلى موسى وأخبروه بما عاينوا، قال لهم موسى: ~~اكتموا شأنهم ولا تخبروا به أحدا من أهل العسكر فيفشلوا، فأخبر كل رجل ~~منهم قريبه وابن عمه إلا رجلان وفيا بما قال لهم موسى، أحدهما يوشع بن ~~نون بن أفراثيم بن يوسف عليهم السلام فتى موسى، والآخر كالب بن يوفنا ختن ~~موسى عليه السلام على أخته مريم بنت عمران، وكان من سبط يهود وهما ~~النقباء فعلمت جماعة من بني إسرائيل ذلك ورفعوا أصواتهم بالبكاء وقالوا ~~يا ليتنا في أرض مصر، وليتنا نموت في هذه [البرية] ولا يدخلنا ~~الله أرضهم فتكون نساؤنا وأولادنا وأثقالنا غنيمة لهم، وجعل الرجل يقول ~~لصاحبه: تعال نجعل علينا رأسا وننصرف إلى مصر، فذلك قوله تعالى أخبارا ~~عنهم: { قالوا ياموسى إن فيها قوما جبارين وإنا ~~لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها ~~فإنا دخلون } وأصل الجبار: المتعظم الممتنع عن القهر، يقال: ~~نخلة جبارة إذا كانت طويلة ممتنعة عن وصول الأيدي إليها، وسمي أولئك ~~القوم جبارين لامتناعهم بطولهم وقوة أجسادهم، وكانوا من العمالقة وبقية ~~قوم عاد، فلما قال بنو إسرائيل ما قالوا وهموا بالانصراف إلى مصر خر ~~موسى وهارون ms0671 ساجدين، وخرق يوشع وكالب ثيابهما وهما اللذان أخبر الله ~~تعالى عنهما في قوله تعالى: { قال رجلان من الذين يخافون ~~} ### || [5.23] # { قال رجلان من الذين يخافون } ، أي: يخافون الله ~~تعالى، قرأ سعيد بن جبير " يخافون " بضم الياء، وقال: الرجلان كانا من ~~الجبارين فأسلما واتبعا موسى، { أنعم الله عليهما } ~~بالتوفيق والعصمة، قالا: { ادخلوا عليهم الباب } ، يعني: ~~قرية الجبارين، { فإذا دخلتموه فإنكم غلبون } ، لأن ~~الله منجز وعده، وإنا رأيناهم فكانت أجسادهم عظيمة وقلوبهم ضعيفة، فلا ~~تخشوهم، { وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين } ، ~~فأراد بنو إسرائيل أن يرجموهما بالحجارة وعصوهما. ### || [5.24-26] # { قالوا يموسى إنا لن ندخلهآ أبدا ما داموا ~~فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا ~~قعدون }. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا أبو نعيم أنا إسرائيل عن مخارق عن طارق بن ~~شهاب قال: سمعت ابن مسعود يقول: لقد شهدت من المقداد بن الأسود مشهدا ~~لأن أكون صاحبه أحب إلي مما عدل به، أتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~وهو يدعو على المشركين، فقال: لا نقول كما قال قوم موسى عليه السلام: { ~~فاذهب أنت وربك فقاتلا } ، ولكنا نقاتل عن يمينك وعن ~~شمالك وبين يديك ومن خلفك، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم أشرق وجهه ~~وسره ما قال. فلما فعلت بنو إسرائيل ما فعلت من مخالفتهم أمر ربهم ~~وهمهم بيوشع وكالب غضب موسى عليه السلام ودعا عليهم. # { قال رب إنى لا أملك إلا نفسى وأخى } [قيل: ~~معناه وأخي لا يملك إلا نفسه، وقيل: معناه لا يطيعني إلا نفسي وأخي] { ~~فافرق } ، فافصل، { بيننا } قيل: فاقض بيننا، { وبين ~~القوم الفسقين } ، العاصين. # { قال } ، الله تعالى { فإنها محرمة عليهم } ، قيل: ~~هاهنا تم الكلام ومعناه تلك البلدة محرمة عليهم أبدا لم يرد به تحريم ~~تعبد، وإنما أراد تحريم منع فأوحى الله تعالى إلى موسى [بي حلفت] ~~لأحرمن عليهم دخول الأرض المقدسة غير عبدي يوشع وكالب، ولآتيهنهم في ~~هذه البرية { أربعين سنة } ، [يتيهون] مكان كل يوم من الأيام ms0672 ~~التي تجسسوا فيها سنة، ولألقين جيفهم في هذه القفار، وأما بنوهم الذين ~~لم يعملوا الشر فيدخلونها، فذلك قوله تعالى: { فإنها محرمة ~~عليهم أربعين سنة } ، { يتيهون } ، يتحيرون، { فى ~~الأرض فلا تأس على القوم الفسقين } ، أي: لا تحزن ~~على مثل هؤلاء القوم، فلبثوا أربعين سنة في ستة فراسخ وهم ستمائة ألف ~~مقاتل، وكانوا يسيرون كل يوم جادين فإذا أمسوا كانوا في الموضع الذي ~~ارتحلوا عنه. # وقيل: إن موسى وهارون عليهما السلام لم يكونا فيهم، والأصح أنهما كانا ~~فيهم ولم يكن لهما عقوبة إنما كانت العقوبة لأولئك القوم، ومات في التيه ~~كل من دخلها ممن جاوز عشرين سنة غير يوشع وكالب، ولم يدخل أريحاء أحد ممن ~~قالوا إنا لن ندخلها أبدا فلما هلكوا وانقضت الأربعون سنة، ونشأت ~~النواشىء من ذراريهم ساروا إلى حرب الجبارين. # واختلفوا فيمن تولى تلك الحرب وعلى يدي من كان الفتح، فقال قوم: إنما ~~فتح موسى أريحاء وكان يوشع على مقدمته، فسار موسى عليه السلام إليهم بمن ~~بقي من بني إسرائيل، فدخلها يوشع فقاتل الجبابرة ثم دخلها موسى عليه ~~السلام فأقام فيها ماشاء الله تعالى، ثم قبضه الله تعالى إليه، ولا يعلم ~~قبره أحد، وهذا أصح الأقاويل لاتفاق العلماء أن عوج بن عنق قتله موسى ~~عليه السلام. # وقال الآخرون: إنما قاتل الجبارين يوشع ولم يسر إليهم إلا بعد موت موسى ~~عليه السلام، [وقالوا: مات موسى] وهارون جميعا في التيه. # قصة وفاة هارون # قال السدي: أوحى الله عز وجل إلى موسى أني متوفي هارون فأت به جبل كذا ~~وكذا، فانطلق موسى وهارون عليهما السلام نحو ذلك الجبل فإذا هما بشجرة لم ~~ير مثلها وإذا ببيت مبني وفيه سرير عليه فرش وإذا فيه ريح طيبة، فلما ~~نظر هارون إلى ذلك أعجبه، فقال: يا موسى إني أحب أن أنام على هذا السرير، ~~قال: فنم عليه، فقال: إني أخاف أن يأتي رب هذا البيت فيغضب علي، قال ~~له موسى: لا ترهب إني أكفيك أمر رب هذا البيت فنم، قال: ياموسى نم أنت ~~معي فإن ms0673 جاء رب البيت غضب علي وعليك جميعا فلما ناما أخذ هارون الموت ~~فلما وجد منيته قال: ياموسى خدعتني، فلما قبض رفع البيت وذهبت تلك الشجرة ~~ورفع السرير به إلى السماء، فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل وليس معه ~~هارون قالوا: إن موسى قتل هارون وحسده لحب بني إسرائيل له، فقال موسى ~~عليه السلام: ويحكم كان أخي فكيف أقتله، فلما أكثروا عليه قام فصلى ~~ركعتين، ثم دعا الله تعالى ونزل السرير حتى نظروا إليه بين السماء والأرض ~~فصدقوه. # وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: صعد موسى وهارون عليهما السلام ~~الجبل فمات هارون [وبقي موسى]، فقالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام: أنت ~~قتلته، فآذوه فأمر الله الملائكة فحملوه حتى مروا به على بني إسرائيل ~~وتكلمت الملائكة بموته حتى عرف بنو إسرائيل أنه قد مات، فبرأه الله ~~تعالى مما قالوا، ثم إن الملائكة حملوه ودفنوه فلم يطلع على موضع قبره ~~أحد إلا الرخم، فجعله الله أصم وأبكم. # وقال عمرو بن ميمون: مات هارون قبل موت موسى عليه السلام في التيه، ~~وكانا قد خرجا إلى بعض الكهوف فمات هارون ودفنه موسى وانصرف إلى بني ~~إسرائيل، فقالوا: قتلته لحبنا إياه، وكان محببا في بني إسرائيل، فتضرع ~~موسى عليه السلام إلى ربه عز وجل فأوحى الله إليه أن انطلق بهم إلى ~~قبره فإني باعثه، فانطلق بهم إلى قبره [فناداه موسى] فخرج من قبره ينفض ~~رأسه، فقال: أنا قتلتك؟ قال: لا ولكني مت، قال: فعد إلى مضجعك، ~~وانصرفوا. # وأما وفاة موسى عليه السلام، قال ابن إسحاق: كان موسى عليه الصلاة ~~والسلام قد كره الموت وأعظمه فأراد الله أن يحبب إليه الموت، فنبأ يوشع ~~بن نون وكان يغدو ويروح عليه، فيقول له موسى عليه السلام: يا نبي الله ~~ما أحدث الله إليك؟ [فيقول له يوشع: يا نبي الله ألم أصحبك كذا وكذا ~~سنة، فهل كنت أسألك عن شيء مما أحدث الله إليك] حتى تكون أنت الذي ~~تبتدىء به وتذكره؟ ولا يذكر له شيئا، فلما رأى ms0674 ذلك موسى كره الحياة وأحب ~~الموت. # أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي أنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش ~~الزيادي أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان أنا أحمد بن يوسف السلمي أنا ~~عبد الرزاق أنا معمر عن همام بن منبه قال: أخبرنا أبو هريرة رضي الله ~~عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " جاء ملك الموت إلى موسى بن عمران، فقال له: أجب ربك، قال: فلطم موسى ~~عليه السلام عين ملك الموت ففقأها، قال: فرجع ملك الموت إلى الله تعالى ~~فقال: إنك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت وقد فقأ عيني قال فرد الله ~~إليه عينه، وقال: ارجع إلى عبدي فقل له: الحياة تريد؟ فإن كنت تريد ~~الحياة فضع يدك على متن ثور، فما وارت يدك من شعرة فإنك تعيش بها سنة، ~~قال: ثم مه؟ قال: ثم تموت، قال: فالآن من قريب، رب أدنني من الأرض ~~المقدسة رمية بحجر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله لو أني عنده ~~لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر ". # وقال وهب: خرج موسى لبعض حاجته فمر برهط من الملائكة يحفرون قبرا لم ~~ير شيئا قط أحسن منه، ولا مثل ما فيه من الخضرة والنضرة والبهجة، فقال ~~لهم: يا ملائكة الله لم تحفرون هذا القبر؟ قالوا: لعبد كريم على ربه، ~~فقال: إن هذا العبد من الله لهو بمنزلة ما رأيت كاليوم مضجعا قط، فقالت ~~الملائكة: يا صفي الله تحب أن يكون لك؟ قال: وددت، قالوا: فانزل واضطجع ~~فيه وتوجه إلى ربك، قال: فاضطجع فيه وتوجه إلى ربه ثم تنفس أسهل تنفس ~~فقبض الله تبارك وتعالى روحه، ثم سوت عليه الملائكة. # وقيل: إن ملك الموت أتاه بتفاحة من الجنة فشمها فقبض روحه. # وكان عمر موسى مائة وعشرين سنة، فلما مات موسى عليه السلام وانقضت ~~الأربعون سنة، بعث الله يوشع نبيا فأخبرهم أن الله قد أمره بقتال ~~الجبابرة، فصدقوه وتابعوه فتوجه ببني إسرائيل إلى أريحاء ومعه تابوت ~~الميثاق، ms0675 فأحاط بمدينة أريحاء ستة أشهر، فلما كان في السابع نفخوا في ~~القران وضج الشعب ضجة واحدة فسقط سور المدينة، ودخلوا فقاتلوا الجبارين ~~وهزموهم وهجموا عليهم يقتلونهم، وكانت العصابة من بني إسرائيل يجتمعون ~~على عنق الرجل يضربونها حتى يقطعوها، وكان القتال يوم الجمعة فبقيت منهم ~~بقية وكادت الشمس تغرب وتدخل ليلة السبت، فقال: اللهم أردد الشمس ~~علي، وقال للشمس: إنك في طاعة الله سبحانه وتعالى وأنا في طاعته فسأل ~~الشمس أن تقف والقمر أن يقيم حتى ينتقم من أعداء الله تعالى قبل دخول ~~السبت، فردت عليه الشمس وزيد في النهار ساعة حتى قتلهم أجمعين، وتتبع ~~ملوك الشام فاستباح منهم احدا وثلاثين ملكا حتى غلب على جميع أرض ~~الشام، وصارت الشام كلها لبني إسرائيل وفرق عماله في نواحيها وجمع ~~الغنائم، فلم تنزل النار، فأوحى الله إلى يوشع أن فيها غلولا فمرهم ~~فليبايعوا فبايعوه فالتصقت يد رجل منهم بيده فقال: هلم عندك فأتاه برأس ~~ثور من ذهب مكلل بالياقوت والجواهر كان قد غله، فجعله في القربان وجعل ~~الرجل معه فجاءت النار فأكلت الرجل والقربان، ثم مات يوشع ودفن في جبل ~~أفراثيم، وكان عمره مائة وستا وعشرين سنة، وتدبيره أمر بني إسرائيل من ~~بعد موسى عليه السلام سبعا وعشرين سنة. ### || [5.27] # قوله تعالى: { واتل عليهم نبأ ابنى ءادم بالحق } ~~، وهما هابيل وقابيل، ويقال له قابين، { إذ قربا قربنا } ، ~~وكان سبب قربانهما على ما ذكره أهل العلم أن حواء كانت تلد لآدم عليه ~~السلام في كل بطن غلاما وجارية، وكان جميع ما ولدته أربعين ولدا في ~~عشرين بطنا أولهم قابيل وتوأمته أقليما، وآخرهم عبدالمغيث وتوأمته أمة ~~المغيث، ثم بارك الله عز وجل في نسل آدم عليه السلام، قال ابن عباس: لم ~~يمت آدم حتى بلغ ولده وولد ولده أربعين ألفا. # واختلفوا في مولد قابيل وهابيل، فقال بعضهم: غشي آدم حواء بعد مهبطهما ~~إلى الأرض بمائة سنة، فولدت له قابيل وتوأمته أقليما في بطن واحد، ثم ~~هابيل وتوأمته لبودا في بطن. # وقال محمد بن إسحاق عن ms0676 بعض أهل العلم بالكتاب الأول: أن آدم كان يغشى ~~حواء في الجنة قبل أن يصيب الخطيئة، فحملت فيها بقابيل وتوأمته أقليما، ~~فلم تجد عليهما وحما ولا وصبا ولا طلقا حتى ولدتهما، ولم تر معهما ~~دما فلما هبطا إلى الأرض تغشاها فحملت بهابيل وتوأمته، فوجدت عليهما ~~الوحم والوصب والطلق والدم، وكان آدم إذا شب أولاده يزوج غلام هذا ~~البطن جارية بطن أخرى، فكان الرجل منهم يتزوج أية أخواته شاء إلا توأمته ~~التي ولدت معه لأنه لم يكن يومئذ نساء إلا أخواتهم، فلما ولد قابيل ~~وتوأمته أقليما ثم هابيل وتوأمته لبودا، وكان بينهما سنتان في قول الكلبي ~~وأدركوا، أمر الله تعالى آدم عليه السلام أن ينكح قابيل لبودا أخت هابيل ~~وينكح هابيل أقليما أخت قابيل، وكانت أخت قابيل أحسن من أخت هابيل، فذكر ~~ذلك آدم لولده فرضي هابيل وسخط قابيل، وقال: هي أختي أنا أحق بها، ونحن ~~من [ولادة] الجنة وهما من [ولادة] الأرض، فقال له أبوه: إنها لا تحل لك ~~فأبى أن يقبل ذلك، وقال: إن الله لم يأمره بهذا وإنما هو من رأيه، فقال ~~لهما آدم عليه السلام: فقربا قربانا فأيكما يقبل قربانه فهو أحق بها، ~~وكانت القرابين إذا كانت مقبولة نزلت نار من السماء بيضاء فأكلتها، وإذا ~~لم تكن مقبولة لم تنزل النار وأكلته الطير والسباع، فخرجا ليقربا ~~[قربانا] وكان قابيل صاحب زرع فقرب صبرة من طعام من أردأ زرعه وأضمر في ~~نفسه ما أبالي يقبل مني أو لا، لا يتزوج أختي أبدا، وكان هابيل صاحب غنم ~~فعمد إلى أحسن كبش في غنمه فقرب به وأضمر في نفسه رضا الله عز وجل ~~فوضعا قربانهما على الجبل، ثم دعا آدم عليه السلام فنزلت نار من السماء ~~وأكلت قربان هابيل ولم تأكل قربان قابيل، فذلك قوله عز وجل: { ~~فتقبل من أحدهما } ، [يعني هابيل] { ولم يتقبل ~~من الأخر } ، يعني: قابيل فنزلوا عن الجبل وقد غضب قابيل لرد ~~قربانه وكان يضمر الحسد في نفسه إلى أن أتى آدم مكة لزيارة البيت، فلما ~~غاب ms0677 آدم أتى قابيل وهابيل وهو في غنمه، { قال لأقتلنك } ، قال: ~~ولم، قال: لأن الله تعالى قبل قربانك ورد قرباني، وتنكح أختي الحسناء ~~وأنكح أختك الدميمة، فيتحدث الناس أنك خير مني ويفتخر ولدك على ولدي، { ~~قال } هابيل: وما ذنبي؟ { إنما يتقبل الله من ~~المتقين }. ### || [5.28-30] # { لئن بسطت } أي: مددت، { إلى يدك لتقتلنى مآ ~~أنا بباسط يدى إليك لأقتلك إنى أخاف الله ~~رب العلمين } ، قال عبدالله بن عمر: وايم الله إن كان المقتول ~~لأشد الرجلين ولكن منعه التحرج أن يبسط إلى أخيه يده، وهذا في الشرع جائز ~~لمن أريد قتله أن ينقاد ويستسلم طلبا للأجر، كما فعل عثمان رضي الله ~~عنه، قال مجاهد: كتب عليهم في ذلك الوقت إذا أراد رجل قتل رجل أن لا ~~يمتنع ويصبر. # { إنى أريد أن تبوء } ، ترجع، وقيل: تحمل، { بإثمى ~~وإثمك } ، أي: بإثم قتلي إلى إثمك، أي: إثم معاصيك التي عملت من ~~قبل، هذا قول أكثر المفسرين. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: معناه إني ~~أريد أن تكون عليك خطيئتي التي عملتها أنا إذا قتلتني وإثمك فتبوء ~~بخطيئتي ودمي جميعا، وقيل: معناه أن ترجع بإثم قتلي وإثم معصيتك التي لم ~~يتقبل لأجلها قربانك، أو إثم حسدك. # فإن قيل: كيف قال إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك، وإرادة القتل والمعصية ~~لا تجوز؟ قيل ذلك ليس بحقيقة إرادة ولكنه لما علم أنه يقتله لا محالة ~~وطن نفسه على الاستسلام طلبا للثواب فكأنه صار مريدا لقتله مجازا، ~~وإن لم يكن مريدا حقيقة، وقيل: معناه إني أريد أن تبوء بعقاب قتلي فتكون ~~إرادة صحيحة، لأنها موافقة لحكم الله عز وجل، فلا يكون هذا إرادة ~~للقتل، بل لموجب القتل من الإثم والعقاب، { فتكون من أصحب ~~النار وذلك جزآء الظلمين }. # قوله عز وجل: { فطوعت له نفسه } ، أي: طاوعته وشايعته ~~وعاونته، { قتل أخيه } ، أي في قتل أخيه، [وقال مجاهد: فشجعته، ~~وقال قتادة: فزينت له نفسه، وقال يمان: سهلت له نفسه ذلك، أي: جعلته ~~سهلا] تقديره: صورت له نفسه أن قتل أخيه طوع له ms0678 أي سهل عليه، فقتله ~~فلما قصد قابيل قتل هابيل لم يدر كيف يقتله، قال ابن جريج: فتمثل له ~~إبليس وأخذ طيرا فوضع رأسه على حجر ثم شدخ رأسه بحجر آخر وقابيل ينظر ~~إليه فعلمه القتل، فرضخ قابيل رأس هابيل بين حجرين، قيل: قتل وهو ~~مستسلم، وقيل: اغتاله وهو في النوم فشدخ رأسه فقتله، وذلك قوله تعالى: { ~~فقتله فأصبح من الخسرين } ، وكان لهابيل يوم قتل ~~عشرون سنة. # واختلفوا في موضع قتله [قيل: بالبصرة في موضع المسجد الأعظم فاسود ~~جسم القاتل وسأله آدم عليه السلام عن أخيه فقال لم أكن عليه وكيلا فقال: ~~بل قتلته ولذلك اسود جسدك، مكث آدم مائة سنة لم يضحك قط منذ قتله]. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: على جبل [ثور]، وقيل: عند عقبة حراء، فلما ~~قتله تركه بالعراء ولم يدر ما يصنع به لأنه كان أول ميت على وجه الأرض من ~~بني آدم، وقصدته السباع، فحمله في جراب على ظهره أربعين يوما، وقال ابن ~~عباس: سنة، حتى أروح، وعكفت عليه الطير والسباع تنتظر متى يرمي به ~~فتأكله، فبعث الله غرابين فاقتتلا، فقتل أحدهما صاحبه ثم حفر له بمنقاره ~~وبرجله حتى مكن له ثم ألقاه في الحفرة وواراه، وقابيل ينظر إليه. ### || [5.31] # { فبعث الله غرابا يبحث فى الأرض ليريه كيف ~~يوارى سوءة أخيه } ، فلما رأى قابيل ذلك قال يا ويلتا كلمة ~~تحسر فقيل لما رأى الدفن من الغراب أنه أكبر علما منه وأن ما فعله كان ~~جهلا فندم وتحسر { قال يويلتى أعجزت أن أكون مثل ~~هذا الغراب فأوارى سوءة أخى } ، أي: جيفته، وقيل: ~~عورته لأنه كان قد سلب ثيابه، { فأصبح من الندمين } ، على ~~حمله على عاتقه لا على قتله، وقيل: على فراق أخيه، وقيل: ندم لقلة النفع ~~بقتله فإنه أسخط والديه، وما انتفع بقتله شيئا ولم يكن ندمه على القتل ~~وركوب الذنب. # قال عبدالمطلب بن عبدالله بن حنطب: لما قتل ابن آدم أخاه رجفت الأرض بما ~~عليها سبعة أيام ثم شربت الأرض دمه كما يشرب الماء، فناداه ms0679 آدم: أين أخوك ~~هابيل؟ قال: ما أدري ما كنت عليه رقيبا، فقال آدم: إن دم أخيك ليناديني ~~من الأرض، فلم قتلت أخاك؟ قال: فأين دمه إن كنت قتلته؟ فحرم الله عز ~~وجل على الأرض يومئذ أن تشرب دما بعده أبدا. # وقال مقاتل بن سليمان عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: لما قتل ~~قابيل هابيل وآدم عليه السلام بمكة اشتاك الشجر وتغيرت الأطعمة وحمضت ~~الفواكه، وأمر الماء وأغبرت الأرض، فقال آدم عليه السلام: قد حدث في ~~الأرض حدث، فأتى الهند فإذا قابيل قد قتل هابيل، فأنشأ يقول وهو أول من ~~قال الشعر: # تغيرت البلاد ومن عليها # فوجه الأرض مغبر قبيح # تغير كل ذي لون وطعم # وقل بشاشة الوجه الصبيح # وروي المليح. # وروي عن ميمون بن مهران عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: من قال إن آدم ~~عليه السلام قال شعرا فقد كذب، إن محمدا صلى الله عليه وسلم والأنبياء ~~كلهم عليهم السلام في النهي عن الشعر سواء. ولكن لما قتل قابيل هابيل ~~رثاه آدم وهو سرياني، فلما قال آدم مرثيته قال لشيث: يا بني إنك وصي احفظ ~~هذا الكلام ليتوارث فيرق الناس عليه، فلم يزل ينقل حتى وصل إلى يعرب بن ~~قحطان، وكان يتكلم بالعربية والسريانية وهو أول من خط بالعربية، وكان ~~يقول الشعر فنظر في المرثية فرد المقدم إلى المؤخر والمؤخر إلى المقدم، ~~فوزنه شعرا وزاد فيه أبيات منها: # ومالي لا أجود بسكب دمع # وهابيل تضمنه الضريح # أرى طول الحياة علي غما # فهل أنا من حياتي مستريح # فلما مضى من عمر آدم عليه السلام مائة وثلاثون سنة، وذلك بعد قتل هابيل ~~بخمس سنين ولدت له حواء شيثا وتفسيره: هبة الله، يعني إنه خلف من هابيل ~~علمه الله تعالى ساعات الليل والنهار، وعلمه عبادة الخلق في كل ساعة ~~منها، وأنزل عليه خمسين صحيفة فصار وصي آدم وولي عهده، وأما قابيل فقيل ~~له: اذهب طريدا شريدا فزعا مرعوبا لا تأمن من تراه، فأخذ بيد أخته ~~إقليما وهرب بها إلى ms0680 عدن من أرض اليمن، فأتاه إبليس فقال له إنما أكلت ~~النار قربان هابيل لأنه كان يعبد النار فانصب أنت نارا أيضا تكون لك ~~ولعقبك، فبنى بيتا للنار فهو أول من عبد النار، وكان لا يمر به أحد من ~~ولده إلا رماه، فأقبل ابن له أعمى ومعه ابن له، فقال ابنه: هذا أبوك ~~قابيل، فرمى الأعمى أباه فقتله، فقال ابن الأعمى: قتلت أباك؟ فرفع يده ~~فلطم ابنه، فمات فقال الأعمى: ويل لي قتلت أبي برميتي وقتلت ابني ~~بلطمتي. ### || [5.32] # قوله عز وجل: { من أجل ذلك } ، قرأ أبو جعفر من أجل ذلك بكسر ~~النون موصولا وقراءة العامة بجزم النون، وفتح الهمزة مقطوعا، أي: من ~~جراء ذلك القاتل وجنايته، يقال: أجل يأجل أجلا، إذا جنى، مثل أخذ يأخذ ~~أخذا، { كتبنا على بنى إسرءيل أنه من قتل ~~نفسا بغير نفس } ، قتلها فيقاد منه، { أو فساد فى ~~الأرض } ، يريد بغير نفس وبغير فساد في الأرض من كفر أو زنا أو قطع ~~طريق، أو نحو ذلك { فكأنمآ قتل الناس جميعا } ، اختلفوا ~~في تأويلها، فقال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عكرمة: من قتل نبيا ~~أو إماما عدلا فكأنما قتل الناس جميعا، ومن شد عضد نبي أو إمام ~~عدل فكأنما أحيا الناس جميعا. # قال مجاهد: من قتل نفسا محرمة يصلى النار بقتلها، كما يصلاها لو ~~قتل الناس جميعا. " ومن أحياها " من سلم من قتلها فقد سلم من قتل الناس ~~جميعا. # قال قتادة: أعظم الله أجرها وعظم وزرها، معناه: من استحل قتل مسلم بغير ~~حقه فكأنما قتل الناس جميعا في الإثم لأنهم لا يسلمون منه، { ومن ~~أحيها } ، وتورع عن قتلها، { فكأنمآ أحيا الناس ~~جميعا } ، [في الثواب لسلامتهم منه، قال الحسن: فكأنما قتل الناس ~~جميعا]، يعني: أنه يجب عليه من القصاص بقتلها مثل الذي يجب عليه لو قتل ~~الناس جميعا ومن أحياها: أي عفي عمن وجب عليه القصاص فلم يقتله ~~فكأنما أحيا الناس جميعا، قال سليمان بن علي قلت للحسن: يا أبا سعيد ~~هي لنا كما كانت لبني ms0681 إسرائيل؟ قال: إي والذي لا إله غيره ما كانت ~~دماء بني إسرائيل أكرم على الله من دمائنا، { ولقد جآءتهم ~~رسلنا بالبينت ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك ~~فى الأرض لمسرفون }. ### || [5.33] # { إنما جزآء الذين يحاربون الله ورسوله ~~ويسعون فى الأرض فسادا } ، الآية. قال الضحاك: نزلت في قوم ~~من أهل الكتاب كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، فنقضوا ~~العهد وقطعوا السبيل وأفسدوا في الأرض. # وقال الكلبي: نزلت في قوم هلال بن عويمر، وذلك أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وادع هلال بن عويمر وهو أبو بردة الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين ~~عليه، ومن مر بهلال بن عويمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو آمن ~~لا يهاج، فمر قوم من بني كنانة يريدون الإسلام بناس من أسلم من قوم هلال ~~بن عويمر، ولم يكن هلال شاهدا [فشدوا] عليهم فقتلوهم وأخذوا أموالهم ~~فنزل جبريل عليه السلام بالقضاء فيهم، وقال سعيد بن جبير: نزلت في ناس من ~~عرينة وعكل أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وبايعوه على الإسلام ~~وهم كذبة فبعثهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى إبل الصدقة، فارتدوا ~~وقتلوا الراعي واستاقوا الإبل. # [أخبرنا عبدالواحد المليحي أنا أحمد بن عبدالله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ثنا علي بن عبدالله ثنا الوليد بن مسلم ثنا ~~الأوزاعي حدثني يحيى بن أبي كثير حدثني أبو قلابة الجرمي] عن أنس بن مالك ~~رضي الله عنه قال: قدم على النبي صلى الله عليه وسلم نفر من عكل ~~فأسلموا واجتووا المدينة فأمرهم [النبي صلى الله عليه وسلم] أن يأتوا إبل ~~الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا فصحوا فارتدوا وقتلوا رعاتها ~~واستاقوا الإبل، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في آثارهم، فأتي بهم فقطع ~~أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم ثم لم يحسمهم حتى ماتوا. # ورواه أيوب عن أبي قلابة عن أنس رضي الله عنه قال: فقطع أيديهم وأرجلهم ~~ثم أمر بمسامير فكحلهم بها وطرحهم بالحرة يستسقون فما يسقون حتى ms0682 ماتوا، ~~قال أبو قلابة: قتلوا وسرقوا وحاربوا الله ورسوله وسعوا في الأرض ~~فسادا.[وهو المراد من قوله تعالى: { ويسعون في الأرض فسادا } ]. # واختلفوا في حكم هؤلاء العرنيين، فقال بعضهم: هي منسوخة لأن المثلة لا ~~تجوز، وقال بعضهم: حكمه ثابت إلا السمل [والمثلة]، وروى قتادة عن ابن ~~سيرين أن ذلك كان قبل أن [ينزل الحد] وقال أبو الزناد: فلما فعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ذلك بهم أنزل الله الحدود ونهاه عن المثلة فلم ~~يعد. # وعن قتادة قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك كان يحث ~~على الصدقة وينهى عن المثلة. وقال سليمان التيمي عن أنس: إنما سمل النبي ~~صلى الله عليه وسلم أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاة. وقال الليث بن ~~سعد: نزلت هذه الآية معاتبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعليما منه ~~إياه عقوبتهم، وقال: إنما جزاؤهم هذا لا المثلة، ولذلك ما قام النبي صلى ~~الله عليه وسلم خطيبا إلا نهى عن المثلة. # واختلفوا في المحاربين الذين يستحقون هذا الحد، فقال قوم: هم الذين ~~يقطعون الطريق ويحملون السلاح، والمكابرون في الأمصار، وهو قول الأوزاعي ~~ومالك والليث بن سعد والشافعي رحمهم الله. # وقال قوم: هم المكابرون في الأمصار ليس لهم حكم المحاربين في استحقاق ~~هذا الحد، وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه. # وعقوبة المحاربين ما ذكر الله سبحانه وتعالى: { أن يقتلوا أو ~~يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلف ~~أو ينفوا من الأرض } ، فذهب قوم إلى أن الإمام بالخيار في أمر ~~المحاربين بين القتل والقطع والصلب، [والنفي] كما هو ظاهر الآية، وهو قول ~~سعيد بن المسيب والحسن والنخعي ومجاهد. # وذهب الأكثرون إلى أن هذه العقوبات على ترتيب الجرائم لا على التخيير، ~~[لما أخبرنا عبدالوهاب بن محمد الخطيب أنا عبدالعزيز بن أحمد الخلال أنا ~~أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا إبراهيم بن محمد عن صالح ~~مولى التوأمة] عن ابن عباس رضي الله عنهما في قطاع الطريق إذا قتلوا ~~وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا ms0683 قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم ~~يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا ~~أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا نفوا في الأرض. # وهو قول قتادة والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي رحمهم الله تعالى. # [وإذا قتل قاطع الطريق يقتل] حتما حتى لا يسقط بعفو ولي الدم، وإذا ~~أخذ من المال نصابا وهو ربع دينار تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، وإذا ~~قتل وأخذ المال يقتل ويصلب. # واختلفوا في كيفيته: فظاهر مذهب الشافعي رضي الله عنه أنه يقتل ثم يصلب. ~~وقيل: يصلب حيا ثم يطعن حتى يموت مصلوبا، وهو قول الليث بن سعد، وقيل: ~~يصلب ثلاثة أيام حيا ثم ينزل فيقتل، وإذا أخاف السبيل ينفى. # واختلفوا في النفي: فذهب قوم إلى أن الإمام يطلبه ففي كل بلد يوجد ينفى ~~عنه، وهو قول سعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز، وقيل: يطلبون لتقام عليهم ~~الحدود، وهو قول ابن عباس والليث بن سعد، وبه قال الشافعي، وقال أهل ~~الكوفة: النفي هو الحبس، وهو نفي من الأرض، وقال محمد بن جرير: ينفى من ~~بلده إلى غيره ويحبس في السجن [في البلد الذي نفي إليه حتى تظهر توبته، ~~كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه أول من حبس في السجون]، وقال: أحبسه حتى ~~أعلم منه التوبة، ولا أنفيه إلى بلد فيؤذيهم، { ذلك } ، الذي ذكرت من ~~الحد، { لهم خزى } عذاب وهوان وفضيحة، { فى الدنيا ولهم ~~فى الأخرة عذاب عظيم }. ### || [5.34] # { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ~~فاعلموا أن الله غفور رحيم } فمن ذهب إلى أن الآية ~~نزلت في الكفار، قال معناه: إلا الذين تابوا من شركهم وأسلموا قبل القدرة ~~عليهم فلا سبيل عليهم بشيء من الحدود ولا تبعة عليهم فيما أصابوا في حال ~~الكفر من دم أو مال، وأما المسلمون المحاربون فمن [تاب] منهم قبل القدرة ~~عليه وهو قبل أن يظفر به الإمام يسقط عنه كل عقوبة وجبت حقا لله، ولا ~~يسقط ما كان من حقوق العبادة فإن كان قد قتل في قطع ms0684 الطريق يسقط عنه ~~بالتوبة قبل القدرة عليه تحتم القتل، ويبقى عليه القصاص لولي القتيل فإن ~~شاء عفا عنه وإن شاء استوفاه، وإن كان قد أخذ المال يسقط عنه [القطع]، ~~وإن كان قد جمع بينهما يسقط عنه تحتم القتل والصلب، ويجب ضمان المال وهو ~~قول الشافعي رضي الله عنه. # وقال بعضهم: إذا جاء تائبا قبل القدرة عليه لا يكون لأحد عليه تبعة في ~~دم ومال إلا أن يوجد معه مال بعينه فيرده إلى صاحبه. # وروي عن علي رضي الله عنه في حارثة بن يزيد كان قد خرج محاربا فسفك ~~الدماء وأخذ المال، ثم جاء تائبا قبل أن يقدر عليه فلم يجعل علي رضي ~~الله عنه عليه تبعة، [في دم ولا مال، إلا أن يوجد معه مال فيرد إلى ~~صاحبه] أما من تاب بعد القدرة عليه فلا يسقط عنه شيء منها. # وقيل: كل عقوبة تجب حقا لله عز وجل من عقوبات قطع الطريق وقطع السرقة ~~وحد الزنا والشرب تسقط بالتوبة بكل حال، والأكثرون على أنها لا تسقط. ### || [5.35-38] # { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا } ، ~~اطلبوا، { إليه الوسيلة } ، أي: القربة، فعيلة من توسل إلى ~~فلان بكذا، أي: تقرب إليه وجمعها وسائل، { وجهدوا فى سبيله ~~لعلكم تفلحون } [تلخيصه: امتثلوا أمر الله تنجوا]. # { إن الذين كفروا لو أن لهم ما فى الأرض ~~جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم ~~القيمة ما تقبل منهم } ، أخبر أن الكافر لو ملك الدنيا ~~كلها ومثلها معها ثم فدى بذلك نفسه من العذاب لم يقبل منه ذلك الفداء، { ~~ولهم عذاب أليم }. # { يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخرجين ~~منها } ، فيه وجهان، أحدهما: أنهم يقصدون ويطلبون المخرج منها؛ كما ~~قال الله تعالى: # كلمآ أرادوا أن يخرجوا منها # [الحج: 22] والثاني: أنهم يتمنون ذلك بقلوبهم؛ كما قال الله تعالى ~~إخبارا عنهم: # ربنآ أخرجنا منها # [المؤمنون: 107] { ولهم عذاب مقيم }. # قوله تعالى: { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ~~} ، أراد به أيمانهما، وكذلك هو في مصحف عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. # وحكمه أن ms0685 من سرق [نصابا] من المال من حرز لا شبهة له فيه تقطع يده ~~اليمنى من الرسغ، ولا يجب القطع في سرقة ما دون النصاب عند عامة أهل ~~العلم، حكي عن ابن الزبير أنه كان يقطع في الشيء القليل، وعامة العلماء ~~على خلافه. # واختلفوا في القدر الذي يقطع به: فذهب أكثرهم إلى أنه لا يقطع في أقل من ~~ربع دينار، فإن سرق ربع دينار أو متاعا قيمته ربع دينار يقطع، وهو قول ~~أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم، وبه قال عمر بن ~~عبدالعزيز والأوزاعي والشافعي رحمهم الله، لما أخبرنا عبدالوهاب بن محمد ~~الكسائي أنا عبدالعزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع ~~أنا الشافعي أنا ابن عيينة عن ابن شهاب عن عمرة عن عائشة رضي الله تعالى ~~عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " القطع في ربع دينار فصاعدا " # أخبرنا أبو الحسن الشيرزي أخبرنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي ~~أنا أبو مصعب عن مالك عن نافع عن عبدالله بن عمر رضي الله تعالى عنه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع سارقا في مجن [ثمنه] ثلاثة دراهم. # وروي عن عثمان أنه قطع سارقا في أترجة قومت بثلاثة دراهم من صرف ~~اثني عشر درهما بدينار. وهذا قول مالك رحمه الله تعالى أنه يقطع في ~~ثلاثة دراهم. # وذهب قوم إلى أنه لا يقطع في أقل من دينار أو عشرة دراهم، ويروى ذلك عن ~~ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، وإليه ذهب سفيان الثوري وأصحاب الرأي، ~~وقال قوم: لا يقطع إلا في خمسة دراهم ويروى ذلك عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه وبه قال ابن أبي ليلى. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبدالله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا عمر بن حفص بن غياث أخبرني أبي أنا الأعمش ~~قال: سمعت أبا صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع ms0686 يده، ويسرق الحبل فتقطع يده " # ، وقال الأعمش: كانوا يرون أنه بيض الحديد والحبل، يرون أن منها ما ~~يساوي ثلاثة دراهم. # ويحتج بهذا الحديث من يرى القطع في الشيء القليل، وهو عند الأكثرين ~~محمول على ما قاله الأعمش، لحديث عائشة رضي الله عنها وإذا سرق شيئا من ~~غير حرز كثمر في حائط لا حارس له أو حيوان في برية لا حافظ له، أو متاع ~~في بيت منقطع عن البيوت لا قطع عليه. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل، فإذا آواه المراح أو ~~الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن " # وروي عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع " # وإذا سرق مالا فيه شبهة كالعبد يسرق من مال سيده أو الولد يسرق من مال ~~والده أو الوالد يسرق من مال ولده أو أحد الشريكين يسرق من مال المشترك ~~شيئا لا قطع عليه، وإذا سرق السارق أول مرة تقطع يده اليمنى من الكوع، ~~ثم إذا سرق ثانيا تقطع رجله اليسرى من مفصل القدم. # واختلفوا فيما إذا سرق ثالثا فذهب أكثرهم إلى أنه تقطع يده اليسرى، ثم ~~إذا سرق رابعا تقطع رجله اليمنى، ثم إذا سرق بعده شيئا يعزر ويحبس حتى ~~تظهر توبته، وهو المروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وهو قول قتادة، ~~وبه قال مالك والشافعي. لما روي عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في السارق # " إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله، ثم إن سرق فاقطعوا يده، ~~ثم إن سرق فاقطعوا رجله " # وذهب قوم إلى أنه إن سرق ثالثا بعدما قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى لا ~~يقطع، بل يحبس، روي ذلك عن علي رضي الله عنه وقال: " إني لأستحي أن لا ~~أدع له يدا يستنجي بها ولا ms0687 رجلا يمشي بها " ، وهو قول الشعبي والنخعي، ~~وبه قال الأوزاعي وأحمد وأصحاب الرأي. قوله تعالى: { جزآء بما ~~كسبا } ، نصب على الحال والقطع، ومثله: { نكلا } ، أي: عقوبة، { ~~من الله والله عزيز حكيم }. ### || [5.39-41] # { فمن تاب من بعد ظلمه } أي: سرقته، { وأصلح } العمل، ~~{ فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم } ، ~~هذا فيما بينه وبين الله تعالى فأما القطع فلا يسقط عنه بالتوبة عند ~~الأكثرين، قال مجاهد: قطع السارق توبته فإذا قطع حصلت التوبة، والصحيح أن ~~القطع للجزاء على الجناية، كما قال: " جزاء بما كسبا " فلا بد من ~~التوبة بعد، وتوبته الندم على ما مضى والعزم على تركه في المستقبل، وإذا ~~قطع السارق يجب عليه غرم ما سرق من المال عند أكثر أهل العلم، وقال سفيان ~~الثوري وأصحاب الرأي: لا غرم عليه، وبالاتفاق إن كان المسروق باقيا عنده ~~يسترده وتقطع يده لأن القطع حق الله تعالى والغرم حق العبد، فلا يمنع ~~أحدهما الآخر، كاسترداد العين. # { ألم تعلم أن الله له ملك السموت والأرض ~~} ، الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد به الجميع، وقيل: معناه ~~ألم تعلم أيها الإنسان فيكون خطابا لكل واحد من الناس، { يعذب من ~~يشآء ويغفر لمن يشآء } ، قال السدي والكلبي: يعذب من يشاء: ~~من مات على كفره ويغفر لمن يشاء: [الكبيرة]، من تاب من كفره، وقال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: يعذب من يشاء على الصغيرة ويغفر لمن يشاء على ~~الكبيرة، { والله على كل شىء قدير }. # قوله تعالى: { يأيها الرسول لا يحزنك الذين ~~يسارعون فى الكفر } ، أي: في موالاة الكفار فإنهم لن يعجزوا ~~الله، { من الذين قالوا ءامنا بأفوههم ولم ~~تؤمن قلوبهم } ، وهم المنافقون، { ومن الذين هادوا } ، ~~يعني: اليهود، { سمعون } ، أي: قوم سماعون، { للكذب } ، أي: ~~قابلون للكذب، كقول المصلي: سمع الله لمن حمده، أي: قبل الله، وقيل: ~~معناه: سماعون لأجل الكذب، أي: يسمعون منك ليكذبوا عليك، وذلك أنهم كانوا ~~يسمعون من الرسول ثم يخرجون ويقولون سمعنا منه كذا ولم يسمعوا ذلك منه، { ~~سمعون لقوم ءاخرين لم يأتوك } ، أي: ms0688 هم جواسيس، ~~يعني: بني قريظة لقوم آخرين وهم أهل خيبر. # وذلك أن رجلا وامرأة من أشراف أهل خيبر زنيا وكانا محصنين، وكان ~~حدهما الرجم في التوراة، فكرهت اليهود رجمهما لشرفهما، فقالوا: إن هذا ~~الرجل الذي بيثرب ليس في كتابه الرجم ولكنه الضرب، فأرسلوا إلى إخوانكم ~~بني قريظة فإنهم جيرانه وصلح له فليسألوه عن ذلك. فبعثوا رهطا منهم ~~مستخفين وقالوا لهم: سلوا محمدا عن الزانيين إذا أحصنا ما حدهما؟ فإن ~~أمركم بالجلد فاقبلوا منه، وإن أمركم بالرجم فاحذروه ولا تقبلوا منه، ~~وأرسلوا معهم الزانيين فقدم الرهط حتى نزلوا على بني قريظة والنضير ~~فقالوا لهم: إنكم جيران هذا الرجل ومعه في بلده وقد حدث، فينا حدث فلان ~~وفلانة قد فجرا وقد أحصنا، فنحب أن تسألوا لنا محمدا عن قضائه فيه، ~~فقالت لهم قريظة والنضير: إذا والله يأمركم بما تكرهون. # ثم # " انطلق قوم منهم كعب بن الأشرف وكعب بن أسد وسعية بن عمرو ومالك بن ~~الصيف وكنانة بن أبي الحقيق وغيرهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقالوا: يا محمد أخبرنا عن الزاني والزانية إذا أحصنا ما حدهما في ~~كتابك؟ # فقال صلى الله عليه وسلم: هل ترضون بقضائي؟ قالوا: نعم، فنزل جبريل عليه ~~السلام بالرجم فأخبرهم بذلك فأبوا أن يأخذوا به. # فقال له جبريل عليه السلام: اجعل بينك وبينهم ابن صوريا ووصفه له. # فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل تعرفون شابا أمرد أعور ~~يسكن فدك يقال له ابن صوريا؟» قالوا: نعم، قال: «فأي رجل هو فيكم؟» ~~فقالوا: هو أعلم يهودي بقي على وجه الأرض بما أنزل الله سبحانه وتعالى ~~على موسى عليه السلام في التوراة. # قال: أرسلوا إليه، ففعلوا فأتاهم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«أنت ابن صوريا؟» قال: نعم، قال: «وأنت أعلم اليهود» قال: كذلك يزعمون، ~~قال: «أتجعلونه بيني وبينكم؟» قالوا: نعم. # فقال له النبي: «أنشدك بالله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل التوراة ~~على موسى عليه السلام وأخرجكم من مصر، وفلق لكم البحر وأنجاكم ms0689 وأغرق آل ~~فرعون، والذي ظلل عليكم الغمام وأنزل عليكم المن والسلوى، وأنزل عليكم ~~كتابه فيه حلاله وحرامه، هل تجدون في كتابكم الرجم على من أحصن؟». # قال ابن صوريا: نعم والذي ذكرتني به لولا خشية أن تحرقني التوراة إن ~~كذبت أو غيرت ما اعترفت لك، ولكن كيف هي في كتابك يا محمد؟ قال: «إذا ~~شهد أربعة رهط عدول أنه قد أدخله فيها كما يدخل الميل في المكحلة وجب ~~عليه الرجم،» فقال ابن صوريا: والذي أنزل التوراة على موسى هكذا أنزل ~~الله عز وجل في التوراة على موسى عليه السلام، فقال له النبي: «فما ~~كان أول ما ترخصتم به أمر الله؟» قال: كنا إذا أخذنا الشريف تركناه ~~وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فكثر الزنا في أشرافنا حتى زنا ابن ~~عم ملك لنا فلم نرجمه، ثم زنى رجل آخر في أثره من الناس فأراد ذلك الملك ~~رجمه فقام دونه قومه، وقالوا: والله لا ترجمه حتى يرجم فلان - لابن عم ~~الملك - فقلنا: تعالوا نجتمع فلنصنع شيئا دون الرجم يكون على الوضيع ~~والشريف، فوضعنا الجلد والتحميم، وهو أن يجلد أربعين جلدة بحبل مطلي ~~بالقار ثم تسود وجوههما، ثم يحملان على حمارين وجوههما من قبل دبر الحمار ~~ويطاف بهما، فجعلوا هذا مكان الرجم، فقال اليهود [لابن صوريا]: ما أسرع ~~ما أخبرته به، وما كنت لما أثنينا عليك بأهل ولكنك كنت غائبا فكرهنا أن ~~نغتابك، فقال لهم: إنه قد أنشدني بالتوراة ولولا خشية التوراة أن تهلكني ~~لما أخبرته به، فأمر بهما النبي صلى الله عليه وسلم فرجما عند باب مسجده، ~~وقال: اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه، " # فأنزل الله عز وجل: { يأيها الرسول لا يحزنك الذين ~~يسارعون فى الكفر }. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا ~~أبو مصعب عن مالك عن نافع عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهم قال: # " إن اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن ~~رجلا منهم وامرأة زنيا، فقال ms0690 لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ~~تجدون في التوراة في شأن الرجم؟» فقالوا: نفضحهم ويجلدون، قال عبدالله بن ~~سلام: كذبتم إن فيها لآية الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده ~~على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبدالله: ارفع يدك، فرفع ~~يده فإذا فيها آية الرجم، قالوا: صدق يامحمد فيها آية الرجم، وأمر بهما ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما، فقال عبدالله بن عمر: فرأيت الرجل ~~يحني على المرأة يقيها الحجارة ". # وقيل: سبب نزول هذه الآية القصاص، وذلك أن بني النضير كان لهم فضل على ~~بني قريظة، فقال بنو قريظة: يامحمد إخواننا بنو النضير وأبونا واحد ~~وديننا واحد ونبينا واحد، وإذا قتلوا منا قتيلا لم يقيدونا وأعطونا ~~ديته سبعين وسقا من تمر، وإذا قتلنا منهم قتلوا القاتل وأخذوا منا ~~الضعف مائة وأربعين وسقا من تمر، وإن كان القتيل امرأة قتلوا بها الرجل ~~منا وبالرجل منهم الرجلين منا، وبالعبد حرا منا، وجراحتنا على ~~التضعيف من جراحاتهم، فاقض بيننا وبينهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # والأول أصح لأن الآية في الرجم. # قوله: { ومن الذين هادوا سمعون للكذب } ، قيل: ~~اللام بمعنى إلى، وقيل: هي لام كي، أي: يسمعون لكي يكذبوا عليك، واللام ~~في قوله: { لقوم } ، أي: لأجل قوم { آخرين لم يأتوك } وهم ~~أهل خيبر، { يحرفون الكلم } ، [جمع كلمة]، { من بعد ~~موضعه } ، أي: من بعد وضعه مواضعه، وإنما ذكر الكناية ردا على ~~لفظ الكلم، { يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه } ، إي: [إن] ~~أفتاكم محمد صلى الله عليه وسلم بالجلد والتحميم فاقبلوه، { وإن لم ~~تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته } ، كفره ~~وضلالته، قال الضحاك: هلاكه، وقال قتادة: عذابه، { فلن تملك له ~~من الله شيئا } ، فلن تقدر على دفع أمر الله فيه، { أولئك ~~الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم } ، وفيه رد ~~على من ينكر القدر، { لهم فى الدنيا خزى } ، أي: للمنافقين ~~واليهود، فخزي المنافقين الفضيحة وهتك الستر بإظهار نفاقهم، وخزي اليهود ~~الجزية أو القتل والسبي والنفي، ورؤيتهم من محمد صلى ms0691 الله عليه وسلم ~~وأصحابه فيهم ما يكرهون، { ولهم فى الأخرة عذاب عظيم } ، ~~الخلود في النار. ### || [5.42] # قوله تعالى: { سمعون للكذب أكلون للسحت } ، قرأ ~~ابن كثير وأبو جعفر وأهل البصرة والكسائي " للسحت " بضم الحاء، ~~والآخرون بسكونها، وهو الحرام، وأصله الهلاك والشدة، قال الله تعالى: # فيسحتكم بعذاب # [طه: 61] نزلت في حكام اليهود كعب بن الأشرف وأمثاله، كانوا يرتشون ~~ويقضون لمن رشاهم. # قال الحسن: كان الحاكم منهم إذا أتاه أحد برشوة جعلها في كمه فيريها ~~إياه ويتكلم بحاجته فيسمع منه ولا ينظر إلى خصمه، فيسمع الكذب ويأكل ~~الرشوة. # وعنه أيضا قال: إنما ذلك في الحكم إذا رشوته ليحق لك باطلا أو يبطل ~~[عنك] حقا، فأما أن يعطي الرجل الوالي يخاف ظلمه ليدرأ به عن نفسه فلا ~~بأس، والسحت هو الرشوة في الحكم على قول الحسن ومقاتل وقتادة والضحاك، ~~وقال ابن مسعود: هو الرشوة في كل شيء، وقال ابن مسعود: من شفع شفاعة ~~ليرد بها حقا أو يدفع بها [ظلما] فأهدي له فقبل فهو سحت، فقيل له: يا ~~أبا عبد الرحمن ما كنا نرى ذلك إلا الأخذ على الحكم، فقال: الأخذ على ~~الحكم كفر، قال الله تعالى: # ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم ~~الكفرون # [المائدة: 44]. # أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي أنا عبدالرحمن بن أبي شريح أنا أبو ~~القاسم البغوي ثنا علي بن الجعد أنا ابن أبي ذئب عن الحارث بن عبدالرحمن ~~عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لعن الله الراشي والمرتشي " # والسحت كل كسب لا يحل. # قوله عز وجل: { فإن جآءوك فاحكم بينهم أو أعرض ~~عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا } ، خير ~~الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم في الحكم بينهم إن شاء حكم وإن شاء ~~ترك. # واختلفوا في حكم الآية اليوم هل للحاكم الخيار في الحكم بين أهل الذمة ~~إذا تحاكموا إلينا؟ فقال أكثر أهل العلم: هو حكم ثابت، وليس في سورة ~~المائدة حكم ms0692 منسوخ، وحكام المسلمين بالخيار في الحكم بين أهل الكتاب إن ~~شاؤوا حكموا وإن شاؤوا لم يحكموا، وإن حكموا حكموا بحكم الإسلام، وهو قول ~~النخعي والشعبي وعطاء وقتادة. # وقال قوم: يجب على حاكم المسلمين أن يحكم بينهم. والآية منسوخة نسخها ~~قوله تعالى: # وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله # [المائدة: 49] وهو قول مجاهد وعكرمة، وروي ذلك عن ابن عباس، وقال: لم ~~ينسخ من المائدة إلا آيتان، قوله تعالى: { لا تحلوا شعآئر ~~الله } ، نسخها قوله تعالى: # فاقتلوا المشركين # [التوبة: 5]، وقوله: { فإن جآءوك فاحكم بينهم أو ~~أعرض عنهم } ، نسخها قوله تعالى: { وأن احكم بينهم ~~بمآ أنزل الله } ، فأما إذا تحاكم إلينا مسلم وذمي فيجب علينا ~~الحكم بينهما لا يختلف القول فيه؛ لأنه لا يجوز للمسلم الانقياد لحكم أهل ~~الذمة. قوله: { وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط } ، أي: ~~بالعدل، { إن الله يحب المقسطين } ، أي: العادلين، ~~وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " المقسطون عند الله على منابر من نور " ### || [5.43-44] # قوله تعالى: { وكيف يحكمونك وعندهم التوراة } ، ~~هذا تعجيب للنبي صلى الله عليه وسلم، وفيه اختصار، أي: كيف يجعلونك حكما ~~بينهم فيرضون بحكمك وعندهم التوراة؟ { فيها حكم الله } ، وهو ~~الرجم، { ثم يتولون من بعد ذلك ومآ أولئك ~~بالمؤمنين } ، أي: بمصدقين لك. # قوله عز وجل: { إنآ أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ~~يحكم بها النبيون الذين أسلموا } ، أي: أسلموا ~~وانقادوا [لأمر] الله تعالى، كما أخبر عن إبراهيم عليه السلام: # إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب ~~العلمين # [البقرة: 131] وكما قال: # وله أسلم من فى السموت والأرض # [آل عمران: 83]، وأراد بهم النبيين الذين بعثوا من بعد موسى عليه السلام ~~ليحكموا بما في التوراة، وقد أسلموا لحكم التوراة وحكموا بها، فإن من ~~النبيين من لم يؤمر بحكم التوراة منهم عيسى عليه السلام، قال الله سبحانه ~~وتعالى: # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهجا # [المائدة: 48]. # وقال الحسن والسدي: أراد به محمدا صلى الله عليه وسلم حكم على اليهود ~~بالرجم، ذكر بلفظ الجمع كما قال: # إن إبرهيم كان أمة قنتا # [النحل: 120]. # وقوله ms0693 تعالى: { للذين هادوا } ، فيه تقديم وتأخير، تقديره: فيها ~~هدى ونور للذين هادوا ثم قال يحكم بها النبيون الذين أسلموا والربانيون، ~~وقيل: هو على موضعه، ومعناه: يحكم بها النبيون الذين أسلموا على الذين ~~هادوا؛ كما قال: # وإن أسأتم فلها # [الاسراء: 7] أي: فعليها، وكما قال: # أولئك لهم اللعنة # [الرعد: 25] أي: عليهم، وقيل: فيه حذف كأنه قال: للذين هادوا وعلى الذين ~~هادوا فحذف أحدهما اختصارا. # { والربانيون والأحبار } ، يعني: العلماء، واحدهم حبر، ~~وحبر بفتح الحاء وكسرها، والكسر أفصح، وهو العالم المحكم للشيء، قال ~~الكسائي وأبو عبيد: هو من الحبر الذي يكتب به، وقال قطرب: هو من الحبر ~~الذي هو بمعنى الجمال بفتح الحاء وكسرها، وفي الحديث: # " يخرج من النار رجل قد ذهب حبره وسبره " # أي: حسنه وهيئته، ومنه التحبير وهو التحسين، فسمى العالم حبرا لما ~~عليه من جمال العلم وبهائه، وقيل: الربانيون هاهنا من النصارى، والأحبار ~~من اليهود، وقيل: كلاهما من اليهود. # قوله عز وجل: { بما استحفظوا من كتب الله } ، أي: ~~استودعوا من كتاب الله، { وكانوا عليه شهدآء } ، أنه كذلك. # { فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآيتى ~~ثمنا قليلا ومن لم يحكم بمآ أنزل الله ~~فأولئك هم الكفرون } ، قال قتادة والضحاك: نزلت هذه ~~الآيات الثلاث في اليهود دون من أساء من هذه الأمة. روي عن البراء بن ~~عازب رضي الله عنه في قوله: { ومن لم يحكم بمآ أنزل الله ~~فأولئك هم الكفرون } ، والظالمون والفاسقون كلها في ~~الكافرين، وقيل: هي على الناس كلهم. # وقال ابن عباس وطاوس: ليس بكفر ينقل عن الملة، بل إذا فعله فهو به ~~[كافر]، وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر. # قال عطاء: هو كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق، وقال ~~عكرمة معناه: ومن لم يحكم بما أنزل الله جاحدا به فقد كفر، ومن أقر به ~~ولم يحكم به فهو ظالم فاسق. # وسئل عبد العزيز بن يحيى الكناني عن هذه الآيات، فقال: إنها تقع على ~~جميع ما أنزل الله لا على بعضه، فكل من لم يحكم بجميع ما أنزل ms0694 الله فهو ~~ظالم فاسق، فأما من حكم بما أنزل الله من التوحيد وترك الشرك، ثم لم ~~يحكم [بجميع] ما أنزل الله من الشرائع لم يستوجب حكم هذه الآيات. وقال ~~العلماء: هذا إذا رد نص حكم الله عيانا عمدا، فأما من خفي عليه أو ~~أخطأ في تأويل فلا. ### || [5.45] # قوله تعالى: { وكتبنا عليهم فيهآ } ، أي: أوجبنا على بني ~~إسرائيل في التوراة، { أن النفس بالنفس } ، يعني: من نفس ~~القاتل بنفس المقتول وفاء يقتل به، { والعين بالعين } ، تفقأ ~~بها، { والأنف بالأنف } ، يجدع به، { والأذن بالأذن } ، ~~تقطع بها، قال ابن عباس: أخبر الله تعالى بحكمه في التوراة وهو: أن ~~النفس بالنفس واحدة بواحدة إلى آخرها، فما بالهم يخالفون فيقتلون بالنفس ~~النفسين، ويفقؤون بالعين العينين، وخفف نافع الأذن في جميع القرآن ~~وثقلها الآخرون، { والسن بالسن } ، تقلع بها وسائر الجوارح ~~قياس عليها في القصاص، { والجروح قصاص } ، فهذا تعميم بعد تخصيص، ~~لأنه ذكر العين والأنف والأذن والسن، ثم قال: { والجروح قصاص } ، ~~أي: فيما يمكن الاقتصاص منه كاليد والرجل واللسان ونحوها، أما ما لا ~~يمكن الاقتصاص فيه من كسر عظم أو جرح لحم كالجائفة ونحوها فلا قصاص فيه، ~~لأنه لا يمكن الوقوف على نهايته، وقرأ الكسائي " والعين " وما بعدها ~~بالرفع، وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو جعفر وأبو عمرو " والجروح " بالرفع ~~فقط، وقرأ الآخرون كلها بالنصب كالنفس. # قوله تعالى: { فمن تصدق به } ، أي: بالقصاص { فهو ~~كفارة له } ، قيل: الهاء في " له " كناية عن المجروح وولي ~~القتيل، أي: كفارة للمتصدق وهو قول عبدالله بن عمرو بن العاص والحسن ~~والشعبي وقتادة. # أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي أنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن ~~إبراهيم الثعلبي أنا أبو عبدالله الحسين بن محمد الدينوري أنا عمر بن ~~الخطاب أنا عبدالله بن الفضل أخبرنا أبو خيثمة أنا جرير عن مغيرة عن ~~الشعبي عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من تصدق من جسده بشيء كفر الله عنه بقدره من ذنوبه " # وقال جماعة: هي ms0695 كناية عن الجارح والقاتل، يعني: إذا عفا المجني عليه من ~~الجاني فعفوه كفارة لذنب الجانب لا يؤاخذ به في الآخرة، كما أن القصاص ~~كفارة له، فأما أجر العافي فعلى الله عز وجل، قال الله تعالى: # فمن عفا وأصلح فأجره على الله # [الشورى: 40]، روي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهو قول إبراهيم ~~ومجاهد وزيد بن أسلم، { ومن لم يحكم بمآ أنزل الله ~~فأولئك هم الظلمون }. ### || [5.46-48] # قوله تعالى { وقفينا على آثارهم } أي: على آثار النبيين ~~الذين أسلموا، { بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين ~~يديه من التوراة وءاتينه الإنجيل فيه } ، أي: في ~~الإنجيل، { هدى ونور ومصدقا } ، يعني: الإنجيل، { لما ~~بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين ~~}. # { وليحكم أهل الإنجيل بمآ أنزل الله فيه } ، قرأ ~~الأعمش وحمزة { وليحكم } بكسر اللام وفتح الميم، أي: لكي يحكم، ~~وقرأ الآخرون: بسكون اللام وجزم الميم على الأمر، قال مقاتل بن حيان: أمر ~~الله الربانيين والأحبار أن يحكموا بما في التوراة، وأمر القسيسين ~~والرهبان أن يحكموا بما في الإنجيل، فكفروا وقالوا عزير ابن الله والمسيح ~~ابن الله، { ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك ~~هم الفسقون } ، الخارجون عن أمر الله تعالى. # قوله سبحانه وتعالى: { وأنزلنآ إليك } ، يا محمد { ~~الكتب } ، القرآن، { بالحق مصدقا لما بين يديه ~~من الكتب } ، أي: من الكتب المنزلة من قبل، { ومهيمنا ~~عليه } ، روى الوالبي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أي شاهدا عليه، ~~وهو قول مجاهد وقتادة والسدي والكسائي. قال حسان: # إن الكتاب مهيمن لنبينا # والحق يعرفه ذوو الألباب # يريد شاهدا ومصدقا. # وقال عكرمة: دالا، وقال سعيد بن جبير وأبو عبيدة: مؤتمنا عليه، وقال ~~الحسن: أمينا، وقيل: أصله مؤيمن مفيعل من أمين، كما قالوا: ~~مبيطر من البيطار، فقلبت الهمزة هاء؛ كما قالوا: أرقت الماء وهرقته، ~~وإيهات وهيهات، ونحوها. ومعنى أمانة القرآن ما قال ابن جريج: القرآن أمين ~~على ما قبله من الكتب، فما أخبر أهل الكتاب عن [كتابهم] فإن كان في ~~القرآن فصدقوا وإلا فكذبوا. # وقال سعيد بن المسيب والضحاك: قاضيا، وقال الخليل: ms0696 رقيبا وحافظا، ~~والمعاني متقاربة، ومعنى الكل: أن كل كتاب يشهد بصدقه القرآن فهو كتاب ~~الله تعالى وإلا فلا. { فاحكم } ، يا محمد، { بينهم } ، بين أهل ~~الكتاب إذا ترافعوا إليك، { بمآ أنزل الله } بالقرآن، { ولا ~~تتبع أهوآءهم عما جآءك من الحق } ، أي: لا تعرض ~~عما جاءك من الحق ولا تتبع أهواءهم، { لكل جعلنا منكم ~~شرعة ومنهجا } ، قال ابن عباس والحسن ومجاهد: أي سبيلا ~~وسنة، فالشرعة والمنهاج الطريق الواضح، وكل ما شرعت فيه فهو شريعة ~~وشرعة، ومنه شرائع الإسلام لشروع أهلها فيها، وأراد بهذا أن الشرائع ~~مختلفة، ولكل أهل ملة شريعة. # قال قتادة: الخطاب للأمم الثلاث: أمة موسى وأمة عيسى وأمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم وعليهم أجمعين، للتوراة شريعة وللإنجيل شريعة وللفرقان شريعة، ~~والدين واحد وهو التوحيد. { ولو شآء الله لجعلكم أمة ~~وحدة } ، أي: على ملة واحدة، { ولكن ليبلوكم } ، ~~ليختبركم، { فى مآ ءاتكم } ، من الكتب وبين لكم من الشرائع فيتبين ~~المطيع من العاصي والموافق من المخالف، { فاستبقوا الخيرات } ، ~~فبادروا إلى الأعمال الصالحة، { إلى الله مرجعكم جميعا ~~فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون }. ### || [5.49-50] # قوله عز وجل: { وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله ولا ~~تتبع أهوآءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض مآ ~~أنزل الله إليك } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال كعب بن ~~[أسد] وعبدالله بن صوريا وشاس بن قيس من رؤساء اليهود بعضهم لبعض: اذهبوا ~~بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه، فأتوه فقالوا: يا محمد قد عرفت أنا ~~أحبار اليهود وأشرافهم وإنا إن اتبعناك لم يخالفنا اليهود، وإن بيننا ~~وبين الناس خصومات فنحاكمهم إليك فاقض لنا عليهم نؤمن بك، ويتبعنا ~~غيرنا. ولم يكن قصدهم الإيمان، وإنما كان قصدهم التلبيس ودعوته إلى الميل ~~في الحكم فأنزل الله عز وجل الآية، { فإن تولوا } ، أي: أعرضوا ~~عن الإيمان والحكم بالقرآن، { فاعلم أنما يريد الله أن ~~يصيبهم ببعض ذنوبهم } ، أي: فاعلم أن إعراضهم من أجل أن ~~الله يريد أن يعجل لهم العقوبة في الدنيا ببعض ذنوبهم، { وإن ~~كثيرا من الناس } ، يعني: اليهود، { لفسقون }. # { أفحكم الجهلية ms0697 يبغون } ، قرأ ابن عامر " تبغون " ~~بالتاء وقرأ الآخرون بالياء، أي: يطلبون، { ومن أحسن من الله ~~حكما لقوم يوقنون }. ### || [5.51-52] # { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود ~~والنصارى أوليآء } ، اختلفوا في نزول هذه الآية وإن كان حكمها ~~عاما لجميع المؤمنين. # فقال قوم: نزلت في عبادة بن الصامت وعبدالله بن أبي ابن سلول، وذلك ~~أنهما اختصما، فقال عبادة: إن لي أولياء من اليهود كثير عددهم شديدة ~~شوكتهم، وإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله من ولايتهم وولاية اليهود، ولا ~~مولى لي إلا الله ورسوله، فقال عبدالله: لكني لا أبرأ من ولاية اليهود ~~لأني أخاف الدوائر ولا بد لي منهم، فقال النبي: # " يا أبا الحباب ما نفست به من ولاية اليهود على عبادة بن الصامت ~~فهو لك دونه " # ، قال: إذا أقبل، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # قال السدي: لما كانت وقعة أحد اشتدت على طائفة من الناس وتخوفوا أن يدال ~~عليهم الكفار، فقال رجل من المسلمين: أنا ألحق بفلان اليهودي وآخذ منه ~~أمانا إني أخاف أن يدال علينا اليهود، وقال رجل آخر: أما أنا ألحق بفلان ~~النصراني من أهل الشام وآخذ منه أمانا، فأنزل الله تعالى هذه الآية ~~ينهاهما. # وقال عكرمة: نزلت في [أبي لبابة] بن عبد المنذر بعثه النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى بني قريظة [حين حاصرهم]، فاستشاروه في النزول، وقالوا: ~~ماذا يصنع بنا إذا نزلنا، فجعل أصبعه على حلقه أنه الذبح، أي: يقتلكم ~~فنزلت هذه الآية. # { بعضهم أوليآء بعض } ، في العون والنصرة ويدهم واحدة على ~~المسلمين، { ومن يتولهم منكم } ، [فيوافقهم ويعينهم]، { ~~فإنه منهم إن الله لا يهدى القوم الظلمين ~~}. # قوله تعالى: { فترى الذين فى قلوبهم مرض } ، أي: نفاق ~~يعني عبدالله بن أبي وأصحابه من المنافقين الذين يوالون اليهود، { ~~يسرعون فيهم } ، في معونتهم وموالاتهم، { يقولون نخشى ~~أن تصيبنا دآئرة } ، دولة، يعني: أن يدول الدهر دولة فنحتاج ~~إلى نصرهم إيانا، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: معناه نخشى أن لا يتم ~~أمر محمد فيدور الأمر علينا، وقيل: نخشى أن يدور الدهر علينا بمكروه من ms0698 ~~جدب وقحط، ولا يعطونا الميرة والقرض، { فعسى الله أن يأتى ~~بالفتح } ، قال قتادة ومقاتل: بالقضاء الفصل من نصر محمد صلى الله ~~عليه وسلم على من خالفه، وقال الكلبي والسدي: فتح مكة، وقال الضحاك: فتح ~~قرى اليهود مثل خيبر وفدك، { أو أمر من عنده } ، قيل: بإتمام ~~أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: هذا عذاب لهم، وقيل: إجلاء بني ~~النضير، { فيصبحوا } ، يعني: هؤلاء المنافقين، { على مآ ~~أسروا فى أنفسهم } ، من موالاة اليهود ودس الأخبار إليهم، { ~~ندمين }. ### || [5.53-54] # { و } ، حينئذ، { يقول الذين آمنوا } [قرأ أهل الكوفة: " ~~ويقول " بالواو والرفع] وقرأ أهل البصرة بالواو ونصب اللام عطفا على { ~~أن يأتى } ، أي: وعسى أن يقول الذين آمنوا، وقرأ الآخرون بحذف الواو ~~ورفع اللام، وكذلك هو في مصاحف أهل [العالية]، استغناء عن حرف العطف ~~بملابسة هذه الآية بما قبلها، يعني: يقول الذين آمنوا في وقت إظهار الله ~~تعالى نفاق المنافقين، { أهؤلاء الذين أقسموا بالله ~~} ، حلفوا بالله، { جهد أيمنهم } ، أي: حلفوا بأغلظ الأيمان، ~~{ إنهم لمعكم } ، أي: إنهم مؤمنون، يريد: أن المؤمنين حينئذ ~~يتعجبون من كذبهم وحلفهم بالباطل. قال الله تعالى: { حبطت ~~أعملهم } ، بطل كل خير عملوه، { فأصبحوا خسرين } ، ~~خسروا الدنيا بافتضاحهم، والآخرة بالعذاب وفوات الثواب. # قوله عز وجل: { يأيها الذين ءامنوا من يرتد ~~منكم عن دينه فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ~~ويحبونه } ، قرأ أهل المدينة والشام " يرتدد " بدالين على إظهار ~~التضعيف { عن دينه } ، فيرجع إلى الكفر. # قال الحسن: علم الله تبارك وتعالى أن قوما يرجعون عن الإسلام بعد موت ~~نبيهم صلى الله عليه وسلم فأخبر أنه سيأتي بقوم يحبهم الله ويحبونه. # واختلفوا في أولئك القوم من هم؟ قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~والحسن وقتادة: هم أبو بكر وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة ومانعي ~~الزكاة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قبض ارتد عامة العرب إلا ~~أهل مكة والمدينة والبحرين من عبدالقيس، ومنع بعضهم الزكاة، وهم أبو بكر ~~رضي الله عنه بقتالهم فكره ذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقال عمر ms0699 ~~رضي الله عنه: كيف نقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قالها فقد ~~عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله عز وجل؟ " # فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق ~~المال، والله لو منعوني [عناقا] كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لقاتلتهم على منعها. # قال أنس بن مالك رضي الله عنه: كرهت الصحابة قتال مانعي الزكاة، وقالوا: ~~أهل القبلة، فتقلد أبو بكر سيفه وخرج وحده، فلم يجدوا بدا من الخروج ~~على أثره. # قال ابن مسعود: كرهنا ذلك في الابتداء ثم حمدناه عليه في الانتهاء. # قال أبو بكر بن عياش: سمعت أبا حصين يقول: ما ولد بعد النبيين مولود ~~أفضل من أبي بكر رضي الله عنه، لقد قام مقام نبي من الأنبياء في قتال أهل ~~الردة. # وقد كان قد ارتد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث فرق: # منهم: [بنو مذحج] ورئيسهم ذو الخمار عبهلة بن كعب العنسي، ويلقب ~~بالأسود، كان كاهنا مشعبذا فتنبأ باليمن واستولى على بلادها، فكتب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى معاذ بن جبل ومن معه من المسلمين، وأمرهم أن ~~يحثوا الناس على التمسك بدينهم، وعلى النهوض إلى حرب الأسود، فقتله ~~فيروز الديلمي على فراشه، قال ابن عمر رضي الله عنه: فأتى الخبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم من السماء الليلة التي قتل فيها، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " قتل الأسود البارحة قتله رجل مبارك»، قيل: ومن هو؟ قال: «فيروز» " # [فازفيروز] فبشر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بهلاك الأسود، وقبض ~~صلى الله عليه وسلم من الغد؛ وأتى [خبر] مقتل العنسي المدينة في آخر شهر ~~ربيع الأول بعدما خرج أسامة وكان ذلك أول فتح، جاء أبو بكر رضي الله عنه. # والفرقة الثانية: بنو حنيفة باليمامة، ورئيسهم مسيلمة الكذاب، [واسمه ~~ثمامة بن قيس]، وكان قد تنبأ في حياة رسول الله ms0700 صلى الله عليه وسلم في ~~آخر سنة عشر، وزعم أنه أشرك مع محمد صلى الله عليه وسلم في النبوة، ~~وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من مسيلمة رسول الله إلى محمد ~~رسول الله، أما بعد فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك، وبعث [بذلك] إليه مع ~~رجلين من أصحابه، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أتشهدان أن مسيلمة رسول الله؟ قالا: نعم. قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما»، ثم أجاب: «من محمد رسول ~~الله إلى مسيلمة الكذاب، أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء ~~من عباده، والعاقبة للمتقين» " # ، ومرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوفي، فبعث أبو بكر خالد بن ~~الوليد إلى مسيلمة الكذاب في جيش كثير حتى أهلكه الله على يدي وحشي، غلام ~~مطعم بن عدي الذي قتل حمزة بن عبدالمطلب، بعد حرب شديد، وكان وحشي يقول: ~~قتلت خير الناس في الجاهلية وشر الناس في الإسلام. # والفرقة الثالثة: بنو أسد ورئيسهم طليحة بن خويلد، وكان طليحة آخر من ~~ارتد، وادعى النبوة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وأول من قوتل ~~بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الردة، فبعث أبو بكر خالد بن ~~الوليد إليه، فهزمهم خالد بعد قتال شديد، وأفلت طليحة فمر على وجهه ~~هاربا نحو الشام، ثم إنه أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه. # وارتد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم [في خلافة أبي بكر رضي الله ~~عنه] خلق كثير، حتى كفى الله المسلمين أمرهم ونصر دينه على يدي أبي بكر ~~رضي الله عنه. # قالت عائشة: «توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتدت العرب واشرأب ~~النفاق، ونزل بأبي بكر ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها». # وقال قوم: المراد بقوله: { فسوف يأتى الله بقوم ~~يحبهم ويحبونه } هم الأشعريون. # " روي عن عياض بن غنم الأشعري قال: لما نزلت هذه الآية: { فسوف ~~يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه } ، قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ms0701 «هم قوم هذا, وأشار إلى أبي موسى الأشعري» وكانوا ~~من اليمن ". # أخبرنا أبو عبدالله محمد بن الفضل الخرقي أنا أبو الحسن الطيسفوني أنا ~~أبو عبدالله بن عمر الجوهري أنا أحمد بن [علي الكشميهني، حدثنا علي بن] ~~حجر أنا إسماعيل بن جعفر أنا محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " أتاكم أهل اليمن هم أضعف قلوبا وأرق أفئدة، الإيمان يمان ~~والحكمة يمانية " # وقال الكلبي: هم أحياء من اليمن ألفان من النخع وخمسة آلاف من كندة ~~وبجيلة، وثلاثة آلاف من أفناء الناس، فجاهدوا في سبيل الله يوم القادسية ~~في أيام عمر رضي الله عنه. # قوله عز وجل: { أذلة على المؤمنين } ، يعني: أرقاء ~~رحماء، لقوله عز وجل: { واخفض لهما جناح الذل من ~~الرحمة } ، ولم يرد به الهوان، بل أراد أن جانبهم لين على ~~المؤمنين. وقيل: هو من الذل من قولهم دابة ذلول، يعني أنهم متواضعون. ~~قال الله تعالى: { وعباد الرحمن الذين يمشون على ~~الأرض هونا } ، { أعزة على الكافرين } ، أي: أشداء ~~غلاظ على الكفار يعادونهم ويغالبونهم، من قولهم: عزه أي غلبه. قال ~~عطاء: أذلة على المؤمنين: كالولد لوالده والعبد لسيده، أعزة على ~~الكافرين: كالسبع على فريسته، نظيره قوله تعالى: { أشدآء على ~~الكفار رحمآء بينهم } ، { يجهدون فى سبيل ~~الله ولا يخفون لومة لائم } ، يعني: لا يخافون في الله ~~لوم الناس، وذلك أن المنافقين كانوا يراقبون الكفار ويخافون لومهم، ~~وروينا عن عبادة بن الصامت قال: " بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على السمع والطاعة وأن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله ~~لومة لائم ". # { ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء } ، أي: محبتهم لله ولين ~~جانبهم للمسلمين، وشدتهم على الكافرين، من فضل الله عليهم، { والله ~~وسع عليم }. ### || [5.55-56] # { إنما وليكم الله ورسوله والذين ءامنوا } ، ~~[روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها نزلت في عبادة بن الصامت وعبدالله ~~بن أبي بن سلول حين تبرأ عبادة من اليهود، وقال: ms0702 أتولى الله ورسوله ~~والذين آمنوا، فنزل فيهم من قوله: { يأيها الذين ءامنوا ~~لا تتخذوا اليهود والنصرى أوليآء } ، إلى قوله: ~~{ إنما وليكم الله ورسوله والذين ءامنوا } ، ~~يعني: عبادة بن الصامت وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال جابر ~~بن عبدالله: جاء عبدالله بن سلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~يارسول الله إن قومنا قريظة والنضير قد هجرونا وفارقونا وأقسموا أن لا ~~يجالسونا، فنزلت هذه الآية، فقرأها عليه رسول الله، فقال: " يا رسول الله ~~رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين أولياء ". وعلى هذا التأويل أراد بقوله: ~~{ وهم راكعون } ، صلاة التطوع بالليل والنهار، قاله ابن عباس رضي ~~الله عنهما. # وقال السدي: قوله: { والذين ءامنوا الذين يقيمون ~~الصلوة ويؤتون الزكوة وهم راكعون } ، أراد به علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه، مر به سائل وهو راكع في المسجد فأعطاه خاتمه. # وقال جويبر عن الضحاك في قوله: { إنما وليكم الله ~~ورسوله والذين ءامنوا } ، قال: هم المؤمنون بعضهم أولياء ~~بعض، وقال أبو جعفر محمد بن علي الباقر: { إنما وليكم الله ~~ورسوله والذين ءامنوا } ، نزلت في المؤمنين، فقيل له: إن ~~أناسا يقولون إنها نزلت في علي رضي الله عنه، فقال: هو من المؤمنين. # { ومن يتول الله ورسوله والذين ءامنوا } ، ~~يعني: يتولى القيام بطاعة الله ونصرة رسوله والمؤمنين، قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: يريد المهاجرين والأنصار، { فإن حزب الله } ، ~~يعني: أنصار دين الله، { هم الغلبون }. ### || [5.57-59] # قوله عز وجل: { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا } قال ابن عباس: كان ~~رفاعة بن زيد بن التابوت وسويد بن الحارث قد أظهرا الإسلام، ثم نافقا ~~وكان رجال من المسلمين يوادونهما، فأنزل الله عز وجل هذه الآية. { ~~يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا ~~دينكم هزوا ولعبا } ، بإظهار ذلك بألسنتهم قولا وهم مستبطنون ~~الكفر، { من الذين أوتوا الكتب من قبلكم } ، يعني: ~~اليهود، { والكفار } ، قرأ أهل البصرة والكسائي " الكفار " بخفض ~~الراء، [يعني: ومن الكفار]، وقرأ الآخرون بالنصب، أي: لا تتخذوا الكفار، ~~{ أوليآء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين ms0703 }. # قوله تعالى: { وإذا نديتم إلى الصلوة اتخذوها ~~هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون } ، قال ~~الكلبي: كان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نادى إلى الصلاة ~~وقام المسلمون إليها، قالت اليهود: قد قاموا لا قاموا، قاموا وصلوا لا ~~صلوا، على طريق الاستهزاء، وضحكوا، فأنزل الله عز وجل هذه الآية. # وقال السدي: نزلت في رجل من النصارى بالمدينة كان إذا سمع المؤذن يقول: ~~أشهد أن محمدا رسول الله، قال: حرق الكاذب، فدخل خادمه ذات ليلة ~~بنار [هو وأهله نيام]، فتطايرت منها شرارة فاحترق البيت واحترق هو ~~وأهله. # وقال الآخرون: إن الكفار لما سمعوا الأذان حسدوا المسلمين فدخلوا على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: يامحمد لقد أبدعت شيئا لم نسمع ~~به فيما مضى من الأمم فإن كنت تدعي النبوة فقد خالفت فيما أحدثت ~~الأنبياء قبلك ولو كان فيه خير لكان أولى الناس به الأنبياء، فمن أين لك ~~صياح كصياح [العنز]، فما أقبح من صوت وما أسمج من أمر، فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية، ونزل { ومن أحسن قولا ممن دعآ إلى الله ~~} الآية. # قوله عز وجل: { قل يأهل الكتب هل تنقمون منآ ~~} الآية، قرأ الكسائي: " هل تنقمون " ، بإدغام اللام في التاء، وكذلك ~~يدغم لام هل في التاء والثاء والنون، ووافقه حمزة في التاء والثاء وأبو ~~عمرو في " هل ترى " في موضعين. # قال ابن عباس: أتى النبي صلى الله عليه وسلم نفر من اليهود، أبو ياسر ~~بن أخطب ورافع بن أبي رافع وغيرهما، فسألوه عمن يؤمن به من الرسل، فقال: # " «أؤمن بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل» إلى قوله: ~~«ونحن له مسلمون» " # ، فلما ذكر عيسى عليه السلام جحدوا نبوته، وقالوا: والله ما نعلم أهل ~~دين أقل حظا في الدنيا والآخرة منكم، ولا دينا شرا من دينكم، فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية. { قل يأهل الكتب هل تنقمون ~~منآ } ، أي: هل تكرهون منا، { إلا أن ءامنا بالله ومآ ~~أنزل إلينا ومآ أنزل من قبل وأن أكثركم ~~فسقون } ، أي: هل ms0704 تكرهون منا إلا إيماننا وفسقكم، أي: إنما كرهتم ~~إيماننا وأنتم تعلمون أنا على حق، لأنكم فسقتم بأن أقمتم على دينكم لحب ~~الرياسة وحب الأموال. ### || [5.60-63] # ثم قال: { قل } يا محمد، { هل أنبئكم } ، أخبركم، { بشر ~~من ذلك } ، الذي ذكرتم، يعني: قولهم لم نر أهل دين أقل حظا في ~~الدنيا والآخرة منكم ولا دينا شرا من دينكم، فذكر الجواب بلفظ ~~الابتداء، وإن لم يكن الابتداء شرا؛ لقوله تعالى: # أفأنبئكم بشر من ذلكم النار # [الحج: 72]، { مثوبة } ثوابا وجزاء، نصب على التفسير، { عند ~~الله من لعنه الله } ، أي: هو من لعنه الله، { وغضب ~~عليه } ، يعني: اليهود، { وجعل منهم القردة ~~والخنازير } ، فالقردة أصحاب السبت، والخنازير كفار مائدة عيسى ~~عليه السلام. # وروي عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن الممسوخين ~~كلاهما من أصحاب السبت فشبانهم مسخوا قردة ومشايخهم مسخوا خنازير. { ~~وعبد الطغوت } ، أي: جعل منهم من عبد الطاغوت، أي: أطاع ~~الشيطان فيما سول له، وتصديقها، قراءة ابن مسعود: ومن عبدوا الطاغوت، ~~وقرأ حمزة: وعبد بضم الباء، " الطاغوت " بجر التاء، أراد العبد وهما ~~لغتان عبد بجزم الباء وعبد بضم الباء، مثل سبع وسبع، وقيل: جمع ~~العباد، وقرأ الحسن: وعبد الطاغوت على الواحد، { أولئك شر ~~مكانا وأضل عن سوآء السبيل } ، أي: عن طريق الحق. # { وإذا جآءوكم قالوا } ، يعني: هؤلاء المنافقين، وقيل: هم ~~الذين قالوا: " آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا ~~آخره " ، دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: آمنا بك وصدقناك ~~فيما قلت، وهم يسرون الكفر، { وقد دخلوا بالكفر وهم ~~قد خرجوا به } ، يعني: دخلوا كافرين وخرجوا كافرين، { والله ~~أعلم بما كانوا يكتمون }. # { وترى كثيرا منهم } ، يعني: من اليهود { يسرعون فى ~~الإثم والعدوان } ، قيل: الإثم المعاصي والعدوان الظلم، وقيل: ~~الإثم ما كتموا من التوراة، والعدوان ما زادوا فيها، { وأكلهم ~~السحت } ، الرشا، { لبئس ما كانوا يعملون }. # { لولا } هلا { ينههم الربنيون والأحبار } ، ~~يعني: العلماء، قيل: الربانيون علماء النصارى والأحبار علماء اليهود، { ~~عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا ~~يصنعون }. ### || [5.64] ms0705 # قوله تعالى: { وقالت اليهود يد الله مغلولة } ، قال ~~ابن عباس وعكرمة والضحاك وقتادة: إن الله تعالى كان قد بسط على اليهود ~~حتى كانوا من أكثر الناس مالا وأخصبهم ناحية فلما عصوا الله في محمد صلى ~~الله عليه وسلم وكذبوا به كف الله عنهم ما بسط عليهم من السعة، فعند ~~ذلك قال فنحاص بن عازوراء: يد الله مغلولة، أي: محبوسة مقبوضة عن الرزق، ~~نسبوه إلى البخل، تعالى الله عن ذلك. # قيل: إنما قال هذه المقالة فنحاص، فلما لم ينهه الآخرون ورضوا بقوله ~~أشركهم الله فيها. وقال الحسن: معناه يد الله مكفوفة عن عذابنا فليس ~~يعذبنا إلا ما يبر به قسمه قدر ما عبد آباؤنا العجل. والأول أولى؛ ~~لقوله: " ينفق كيف يشاء ". # { غلت أيديهم } ، أي: [أمسكت] أيديهم عن الخيرات. وقال ~~الزجاج: أجابهم الله تعالى فقال: أنا الجواد وهم البخلاء وأيديهم هي ~~المغلولة الممسكة. وقيل: هو من الغل في النار يوم القيامة؛ لقوله ~~تعالى: # إذ الأغلل فى أعنقهم والسلسل # [غافر: 71]. { ولعنوا } ، عذبوا، { بما قالوا } ، فمن ~~لعنهم أنهم مسخوا قردة وخنازير وضربت عليهم الذلة والمسكنة في الدنيا ~~وفي الآخرة بالنار، { بل يداه مبسوطتان } ، ويد الله صفة من ~~[صفاته] كالسمع، والبصر والوجه، وقال جل ذكره: # لما خلقت بيدي # [ص: 75]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " كلتا يديه يمين ". # والله أعلم بصفاته، فعلى العباد فيها الإيمان والتسليم. # وقال أئمة السلف من أهل السنة في هذه الصفات: " أمروها كما جاءت بلا ~~كيف ". # { ينفق } ، يرزق، { كيف يشآء وليزيدن كثيرا منهم ~~مآ أنزل إليك من ربك طغينا وكفرا } ، أي: كلما ~~نزلت آية كفروا بها وازدادوا طغيانا وكفرا، [كلما نزلت آية] { ~~وألقينا بينهم العداوة والبغضآء } ، يعني: بين ~~اليهود والنصارى، قاله الحسن ومجاهد. وقيل: بين طوائف اليهود جعلهم الله ~~مختلفين في دينهم متباغضين، { إلى يوم القيمة كلمآ ~~أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله } ، يعني: اليهود ~~أفسدوا وخالفوا حكم التوراة، فبعث الله عليهم بختنصر، ثم أفسدوا فبعث ~~الله عليهم طيطوس الرومي، ثم أفسدوا فسلط الله عليهم المجوس، ثم أفسدوا ~~فبعث الله عليهم المسلمين. ms0706 # وقيل: كلما أجمعوا أمرهم ليفسدوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأوقدوا ~~نار المحاربة أطفأها الله، فردهم وقهرهم ونصر نبيه ودينه، هذا معنى ~~قول الحسن، وقال قتادة: هذا عام في كل حرب طلبته اليهود فلا تلقى اليهود ~~في بلد إلا وجدتهم من أذل الناس، { ويسعون فى الأرض فسادا ~~والله لا يحب المفسدين }. ### || [5.65-67] # { ولو أن أهل الكتاب آمنوا } ، بمحمد صلى الله عليه وسلم، { ~~واتقوا } ، الكفر، { لكفرنا عنهم سيئتهم ~~ولأدخلنهم جنت النعيم }. # { ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل } ، يعني: ~~أقاموا أحكامهما وحدودهما وعملوا بما فيهما، { ومآ أنزل إليهم ~~من ربهم } ، يعني: القرآن، وقيل: كتب أنبياء بني إسرائيل، { ~~لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم } ، قيل: من فوقهم ~~هو المطر، ومن تحت أرجلهم نبات الأرض. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: لأنزلت عليهم القطر وأخرجت لهم من نبات ~~الأرض. وقال الفراء: أراد به التوسعة في الرزق كما يقال: فلان في الخير ~~من قرنه إلى قدمه، ونظيره قوله تعالى: # ولو أن أهل القرى ءامنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركت من السمآء والأرض # [الأعراف: 96]. # { منهم أمة مقتصدة } ، يعني: مؤمني أهل الكتاب، عبدالله ~~بن سلام وأصحابه، مقتصدة أي عادلة غير غالية، ولا مقصرة جافية. ومعنى ~~الاقتصاد في اللغة: الاعتدال في العمل من غير غلو ولا تقصير. # { وكثير منهم } ، كعب بن الأشرف وأصحابه، { سآء ما ~~يعملون } ، بئس شيئا عملهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: عملوا ~~القبيح مع التكذيب بالنبي صلى الله عليه وسلم. # قوله عز وجل: { يأيها الرسول بلغ مآ أنزل ~~إليك من ربك } ، روي عن مسروق قال: قالت عائشة رضي الله عنها: ~~من حدثك أن محمدا صلى الله عليه وسلم كتم شيئا مما أنزل الله فقد كذب، ~~وهو يقول: { يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ~~ربك } الآية. روى الحسن: أن الله تعالى لما بعث رسوله ضاق ذرعا ~~وعرف أن من الناس من يكذبه، فنزلت هذه الآية. # وقيل: نزلت في عيب اليهود، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى ~~الإسلام، فقالوا: أسلمنا قبلك وجعلوا يستهزؤون ms0707 به، فيقولون له: تريد أن ~~نتخذك حنانا كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم حنانا، فلما رأى النبي ~~صلى الله عليه وسلم ذلك سكت فنزلت هذه الآية، وأمره أن يقول لهم: " يا ~~أهل الكتاب لستم على شيء " الآية. # وقيل: بلغ ما أنزل إليك من الرجم والقصاص، نزلت في قصة اليهود. # وقيل: نزلت في أمر زينب بنت جحش ونكاحها. # وقيل: في الجهاد، وذلك أن المنافقين كرهوه؛ كما قال الله تعالى: # فإذآ أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال ~~رأيت الذين فى قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر ~~المغشى عليه من الموت # [محمد: 20]، وكرهه بعض المؤمنين قال الله تعالى: # ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم # [النساء: 77] الآية. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يمسك في بعض ~~الأحايين عن الحث على الجهاد لما يعلم من كراهة بعضهم، فأنزل الله هذه ~~الآية. # قوله تعالى: { وإن لم تفعل فما بلغت رسالته } قرأ ~~أهل المدينة " رسالاته " على الجمع والباقون رسالته على التوحيد. ### || [5.68-71] # قوله عز وجل: { قل يأهل الكتب لستم على شىء ~~حتى تقيموا التوراة والإنجيل ومآ أنزل إليكم ~~من ربكم } أي: تقيموا أحكامهما وما يجب عليكم فيهما، { ~~وليزيدن كثيرا منهم مآ أنزل إليك من ربك ~~طغينا وكفرا فلا تأس } ، فلا تحزن، { على القوم ~~الكفرين }. # { إن الذين ءامنوا والذين هادوا والصبئون ~~والنصرى } ، وكان حقه: { والصابئين } ، وقد ذكرنا في سورة ~~البقرة وجه ارتفاعه، وقال سيبويه: فيه تقديم وتأخير وتقديره: إن الذين ~~آمنوا والذين هادوا والنصارى من آمن بالله إلى آخر الآية، والصابئون ~~كذلك، قوله: { إن الذين ءامنوا } ، أي: باللسان، وقوله: { من ~~ءامن بالله } ، أي: بالقلب، وقيل: الذين آمنوا على حقيقة الإيمان ~~{ من ءامن بالله } ، أي: ثبت على الإيمان، { واليوم ~~الأخر وعمل صلحا فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون }. # قوله تعالى: { لقد أخذنا ميثاق بنى إسرءيل } في ~~التوحيد والنبوة، { وأرسلنآ إليهم رسلا كلما ~~جآءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا } ~~، عيسى ومحمدا صلوات الله وسلامه عليهما، { وفريقا يقتلون } ، ~~يحيى وزكريا. { وحسبوا } ، ظنوا، { ألا تكون فتنة } ، ~~أي: عذاب وقتل، ms0708 وقيل: ابتلاء واختبار، أي: ظنوا أن لا يبتلوا ولا ~~يعذبهم الله، قرأ أهل البصرة وحمزة والكسائي { تكون } برفع النون على ~~معنى أنها لا تكون، ونصبها الآخرون كما لو لم تكن قبله لا، { فعموا } ~~، عن الحق فلم يبصروه، { وصموا } ، عنه فلم يسمعوه، يعني: عموا ~~وصموا بعد موسى صلوات الله وسلامه عليه، { ثم تاب الله ~~عليهم } ، ببعث عيسى عليه السلام، { ثم عموا وصموا ~~كثير منهم } ، بالكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، { والله ~~بصير بما يعملون }. ### || [5.72-75] # قوله تعالى: { لقد كفر الذين قالوا إن الله هو ~~المسيح ابن مريم } ، وهم الملكانية واليعقوبية منهم، { وقال ~~المسيح يابنى إسرءيل اعبدوا الله ربى ~~وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله ~~عليه الجنة ومأواه النار وما للظلمين من ~~أنصار }. # { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ~~} يعني: المرقوسية، وفيه إضمار معناه: ثالث ثلاثة آلهة، لأنهم يقولون: ~~الإلهية مشتركة بين الله تعالى ومريم وعيسى، وكل واحد من هؤلاء إله فهم ~~ثلاثة آلهة، يبين هذا قوله عز وجل للمسيح: # أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله # [المائدة: 116]، ومن قال: إن الله ثالث ثلاثة ولم يرد به الإلهية لا ~~يكفر، فإن الله يقول: # ما يكون من نجوى ثلثة إلا هو رابعهم # [المجادلة: 7]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه: # " ما ظنك باثنين الله ثالثهما ". # ثم قال ردا عليهم: { وما من إله إلا إله وحد ~~وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن } ، [ليصيبين]، ~~{ الذين كفروا منهم عذاب أليم } ، خص الذين كفروا ~~لعلمه أن بعضم يؤمنون. # { أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه }؟ قال ~~الفراء: هذا أمر بلفظ الاستفهام؛ كقوله تعالى: # فهل أنتم منتهون # [المائدة:91]، أي: انتهوا، والمعنى: أن الله [يأمركم] بالتوبة ~~والاستغفار من هذا الذنب العظيم، { والله غفور رحيم }. # قوله تعالى: { ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد ~~خلت } ، [مضت]، { من قبله الرسل } ، أي: ليس هو بإله بل هو ~~كالرسل الذين مضوا لم يكونوا آلهة، { وأمه صديقة } ، أي: كثيرة ~~الصدق. # وقيل: سميت صديقة لأنها صدقت بآيات ms0709 الله، كما قال عز وجل في وصفها: # وصدقت بكلمت ربها # [التحريم: 12]، { كانا يأكلان الطعام } ، أي: كانا يعيشان ~~بالطعام والغذاء كسائر الآدميين، فكيف يكون إلها من لا يقيمه إلا أكل ~~الطعام؟ # وقيل: هذا كناية عن الحدث، وذلك أن من أكل وشرب لا بد له من البول ~~والغائط، ومن هذه صفته كيف يكون إلها؟ ثم قال: { انظر كيف ~~نبين لهم الأيت ثم انظر أنى يؤفكون } ، أي: ~~يصرفون عن الحق. ### || [5.76-79] # { قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ~~ولا نفعا والله هو السميع العليم }. # { قل يأهل الكتب لا تغلوا فى دينكم غير ~~الحق } ، أي: لا تتجاوزوا الحد والغلو والتقصير كل واحد منهما مذموم ~~في الدين، وقوله: { غير الحق } ، أي: في دينكم المخالف للحق، وذلك ~~أنهم خالفوا الحق في دينهم، ثم غلوا فيه بالإصرار عليه، { ولا ~~تتبعوا أهوآء قوم } ، والأهواء جمع الهوى وهو ما تدعو إليه ~~شهوة النفس، { قد ضلوا من قبل } ، يعني: رؤساء الضلالة من ~~فريقي اليهود والنصارى، والخطاب للذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه ~~وسلم نهوا عن اتباع أسلافهم فيما ابتدعوه بأهوائهم { وأضلوا ~~كثيرا } ، يعني: من اتبعهم [على أهوائهم]، { وضلوا عن سوآء ~~السبيل } ، عن قصد الطريق، أي: بالإضلال فالضلال الأول من الضلالة، ~~الثاني بإضلال من اتبعهم. # قوله تعالى: { لعن الذين كفروا من بنى إسرءيل ~~على لسان داوود } ، يعني: أهل أيلة لما اعتدوا في السبت، وقال ~~داود عليه السلام: اللهم العنهم واجعلهم آية فمسخوا قردة، { وعيسى ~~ابن مريم } ، أي: على لسان عيسى عليه السلام يعني كفارا أصحاب ~~المائدة، لما لم يؤمنوا، قال عيسى: اللهم العنهم واجعلهم آية فمسخوا ~~خنازير، { ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون }. # { كانوا لا يتنهون عن منكر فعلوه } ، [أي: لا ينهى ~~بعضهم بعضا] { لبئس ما كانوا يفعلون }. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أنا أبو الحسن محمد بن ~~الحسين أنا أحمد بن محمد بن إسحاق أنا أبو يعلى الموصلي أنا وهب بن بقية ~~أنا خالد - يعني ابن عبدالله الواسطي - عن العلاء بن المسيب عن ms0710 عمرو بن ~~مرة عن أبي عبيدة عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل إذا عمل العامل منهم الخطيئة نهاه ~~الناهي تعذيرا فإذا كان من الغد جالسه وآجله وشاربه كأنه لم يره على ~~الخطيئة بالأمس، فلما رأى الله تبارك وتعالى ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم ~~على بعض، وجعل منهم القردة والخنازير، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن ~~مريم عليهما السلام ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، والذي نفسي بيده ~~لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه ~~ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض، ~~ويلعنكم كما لعنهم ". ### || [5.80-82] # قوله تعالى: { ترى كثيرا منهم } ، قيل: من اليهود كعب بن ~~الأشرف وأصحابه، { يتولون الذين كفروا } ، مشركي مكة حين ~~خرجوا إليهم يجيشون على النبي صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عباس ومجاهد ~~والحسن: منهم يعني المنافقين يتولون اليهود، { لبئس ما قدمت ~~لهم أنفسهم } ، بئس ما قدموا من العمل لمعادهم في الآخرة، { أن ~~سخط الله عليهم } ، غضب الله عليهم، { وفى العذاب هم ~~خلدون }. # { ولو كانوا يؤمنون بالله والنبى } محمد صلى الله ~~عليه وسلم، { ومآ أنزل إليه } ، يعني: القرآن، { ما ~~اتخذوهم } ، يعني: الكفار، { أوليآء ولكن كثيرا ~~منهم فسقون } ، أي: خارجون عن أمر الله سبحانه وتعالى. # قوله عز وجل: { لتجدن أشد الناس عداوة للذين ~~ءامنوا اليهود والذين أشركوا } ، يعني: مشركي العرب، { ~~ولتجدن أقربهم مودة للذين ءامنوا الذين ~~قالوا إنا نصارى } ، لم يرد به جميع النصارى لأنهم في عداوتهم ~~المسلمين كاليهود في قتلهم المسلمين، وأسرهم وتخريب بلادهم وهدم مساجدهم ~~وإحراق مصاحفهم، لا ولاء، ولا كرامة لهم، بل الآية فيمن أسلم منهم مثل ~~النجاشي وأصحابه. [وقيل: نزلت في جميع اليهود وجميع النصارى، لأن اليهود ~~أقسى قلبا والنصارى ألين قلبا منهم، وكانوا أقل مظاهرة للمشركين من ~~اليهود.] # قال أهل التفسير: # " ائتمرت قريش أن يفتنوا المؤمنين عن دينهم، فوثبت كل قبيلة على من فيها ~~من المسلمين يؤذونهم ويعذبونهم، فافتتن من افتتن، وعصم ms0711 الله منهم من ~~شاء، ومنع الله تعالى رسوله بعمه أبي طالب، فلما رأى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ما بأصحابه ولم يقدر على منعهم ولم يؤمر بعد بالجهاد أمرهم ~~بالخروج إلى أرض الحبشة، وقال: «إن بها ملكا صالحا لا يظلم ولا يظلم ~~عنده أحد، فاخرجوا إليه حتى يجعل الله للمسلمين فرجا» ". # وأراد به النجاشي واسمه أصحمة وهو بالحبشة عطية، وإنما النجاشي اسم ~~الملك كقولهم قيصر وكسرى فخرج إليها سرا أحد عشر رجلا وأربع نسوة، ~~وهم عثمان بن عفان وامرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~والزبير بن العوام وعبدالله بن مسعود، [وعبد الرحمن بن عوف] وأبو حذيفة ~~بن عتبة وامرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو، ومصعب بن عمير وأبو سلمة بن ~~عبدالأسد وامرأته أم سلمة بنت أبي أمية، وعثمان بن مظعون وعامر بن ربيعة ~~وامرأته ليلى بنت أبي [حثمة]، وحاطب بن عمرو و[سهل] بن بيضاء رضي الله ~~عنهم، فخرجوا إلى البحر وآجروا سفينة إلى أرض الحبشة بنصف دينار وذلك في ~~رجب في السنة الخامسة من مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه الهجرة ~~الأولى ثم خرج جعفر بن أبي طالب، وتتابع المسلمون إليها، فكان جميع من ~~هاجر إلى الحبشة من المسلمين اثنين وثمانين رجلا سوى النساء والصبيان. # فلما علمت قريش بذلك وجهوا عمرو بن العاص وصاحبه بالهدايا إلى النجاشي ~~وبطارقته ليردوهم إليهم، فعصمهم الله وذكرت القصة في سورة آل عمران. # فلما انصرفا خائبين، أقام المسلمون هناك بخير دار وأحسن جوار إلى أن ~~هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلا أمره وذلك في سنة ست من الهجرة ~~كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي على يد عمرو بن أمية ~~الضمري ليزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان وكانت قد هاجرت إليه مع زوجها ~~فمات زوجها ويبعث إليه من عنده من المسلمين فأرسل النجاشي إلى أم حبيبة ~~جارية يقال لها: أبرهة تخبرها بخطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إياها، فأعطتها أوضاحا لها سرورا بذلك، فأذن ms0712 لخالد بن سعيد بن العاص ~~حتى أنكحها على صداق أربعمائة دينار، وكان الخاطب لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم النجاشي رحمه الله فأنفذ إليها النجاشي أربعمائة دينار على يد ~~أبرهة، فلما جاءتها بها أعطتها خمسين دينارا فردته وقالت: أمرني الملك ~~أن لا آخذ منك شيئا، وقالت: أنا صاحب دهن الملك وثيابه، وقد صدقت ~~محمدا صلى الله عليه وسلم وآمنت به، وحاجتي منك أن تقرئيه مني السلام، ~~قالت: نعم، قالت أبرهة: وقد أمر الملك نساءه أن يبعثن إليك بما عندهن من ~~عود وعنبر، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يراه عليها وعندها فلا ~~ينكر. # قالت أم حبيبة: فخرجنا إلى المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بخيبر، فخرج من خرج إليه وأقمت بالمدينة حتى قدم النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فدخلت عليه وكان يسألني عن النجاشي فقرأت عليه من أبرهة السلام ~~فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنزل الله عز وجل: " عسى الله أن ~~يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة " ، يعني: أبا سفيان مودة، ~~يعني: بتزويج أم حبيبة، ولما جاء أبا سفيان تزويج أم حبيبة، قال: ذلك ~~الفحل لا يقرع أنفه. # وبعث النجاشي بعد قدوم جعفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ابنه ~~أزهى بن أصحمة بن أبجر في ستين رجلا من الحبشة، وكتب إليه: يا رسول الله ~~أشهد أنك رسول الله صادقا مصدقا وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت ~~لله رب العالمين، وقد بعثت إليك ابني أزهى، وإن شئت آتيك بنفسي فعلت ~~والسلام عليك يا رسول الله، فركبوا سفينة في أثر جعفر وأصحابه حتى إذا ~~كانوا في وسط البحر غرقوا، ووافى جعفر وأصحابه رسول الله في سبعين رجلا ~~عليهم ثياب الصوف، منهم اثنان وستون من الحبشة وثمانية من [أهل] الشام، ~~فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة يس إلى آخرها، فبكوا حين ~~سمعوا القرآن وآمنوا، وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى عليه ~~السلام، فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآية: { ولتجدن ~~أقربهم ms0713 مودة للذين ءامنوا الذين قالوا ~~إنا نصارى } ، يعني: وفد النجاشي الذين قدموا مع جعفر وهم ~~السبعون، وكانوا أصحاب الصوامع. # وقال مقاتل والكلبي: كانوا أربعين رجلا اثنان وثلاثون من الحبشة، ~~وثمانية من أهل الشام. # [وقال عطاء: كانوا ثمانين رجلا أربعون من أهل نجران من بني الحرث بن ~~كعب، واثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية روميون من أهل الشام]. # وقال قتادة: نزلت في ناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق مما جاء ~~به عيسى عليه السلام، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم صدقوه ~~وآمنوا به فأثنى الله عز وجل بذلك عليهم. { ذلك بأن منهم ~~قسيسين } ، أي: علماء، قال قطرب: القس والقسيس العالم بلغة الروم، ~~{ ورهبانا } ، الرهبان العباد أصحاب الصوامع واحدهم راهب، مثل ~~فارس وفرسان، وراكب وركبان، وقد يكون واحدا وجمعه رهابين، مثل قربان ~~وقرابين، { وأنهم لا يستكبرون } ، لا يتعظمون عن الإيمان ~~والإذعان للحق. ### || [5.83-84] # { وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول } محمد صلى الله عليه ~~وسلم، { ترى أعينهم تفيض } ، تسيل، { من الدمع مما ~~عرفوا من الحق } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء: ~~يريد النجاشي وأصحابه قرأ عليهم جعفر بالحبشة كهيعص، فما زالوا يبكون ~~حتى فرغ جعفر من القراءة. { يقولون ربنآ ءامنا فاكتبنا ~~مع الشهدين } ، يعني: أمة محمد، دليله قوله تعالى: # لتكونوا شهدآء على الناس # [البقرة: 143]. # { وما لنا لا نؤمن بالله وما جآءنا من الحق } ، ~~وذلك أن اليهود عيروهم وقالوا لهم: لم آمنتم؟ فأجابوهم بهذا، { ~~ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصلحين } ، ~~أي: في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، بيانه # أن الأرض يرثها عبادي الصالحون # [الأنبياء: 105]. ### || [5.85-88] # { فأثابهم الله } ، أعطاهم الله، { بما قالوا جنت ~~تجرى من تحتها الأنهر خلدين فيها } ، وإنما أنجح ~~قولهم وعلق الثواب بالقول لاقترانه بالإخلاص، بدليل قوله: { وذلك ~~جزآء المحسنين } ، يعني: الموحدين المؤمنين، وقوله من قبل: { ~~ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من ~~الحق } ، يدل على أن الإخلاص والمعرفة بالقلب مع القول يكون إيمانا. # { والذين كفروا وكذبوا بايتنآ أولئك ~~أصحب الجحيم }. # قوله تعالى: ms0714 { يأيها الذين ءامنوا لا تحرموا ~~طيبت مآ أحل الله لكم } ، الآية قال أهل التفسير: # " ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الناس يوما ووصف القيامة فرق له ~~الناس وبكوا، فاجتمع عشرة من أصحابه في بيت عثمان بن مظعون الجمحي، وهم ~~أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وعبدالله ~~بن مسعود وعبدالله بن عمر، وأبو ذر الغفاري، وسالم مولى أبي حذيفة، ~~والمقداد بن الأسود، وسلمان الفارسي، ومعقل بن مقرن رضي الله عنهم، ~~وتشاوروا واتفقوا على أن يترهبوا ويلبسوا المسوح ويجبوا مذاكيرهم، ~~ويصوموا الدهر، ويقوموا الليل ولا يناموا على الفرش، ولا يأكلوا اللحم ~~والودك، ولا يقربوا النساء والطيب، ويسيحوا في الأرض، فبلغ ذلك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فأتى دار عثمان بن مظعون فلم يصادفه فقال لامرأته أم ~~حكيم بنت أبي أمية، واسمها الخولاء، وكانت عطارة: أحق ما بلغني عن زوجك ~~وأصحابه؟ فكرهت أن تكذب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكرهت أن تبدي على ~~زوجها، فقالت: يا رسول الله إن كان أخبرك عثمان فقد صدقك. فانصرف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فلما دخل عثمان أخبرته بذلك فأتى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم هو وأصحابه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألم ~~أنبأ أنكم اتفقتم على كذا وكذا)؟ قالوا: بلى يا رسول الله، وما أردنا إلا ~~الخير، فقال:(إني لم أؤمر بذلك)، ثم قال: (إن لأنفسكم عليكم حقا فصوموا ~~وأفطروا وقوموا وناموا، فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر، وآكل اللحم والدسم ~~وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)، ثم جمع الناس وخطبهم فقال: ما ~~بال أقوام حرموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا [النساء]؟ ~~أما إني فلست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهبانا فإنه ليس في ديني ترك ~~اللحم والنساء، ولا اتخاذ الصوامع، وإن سياحة أمتي الصوم ورهبانيتهم ~~الجهاد، اعبدو الله ولا تشركوا به شيئا، وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة، وصوموا رمضان واستقيموا يستقم لكم، فإنما هلك من كان ~~قبلكم بالتشديد، شددوا على ms0715 أنفسهم فشدد الله عليهم، فأولئك بقاياهم في ~~الديارات والصوامع، " # فأنزل الله عز وجل هذه الآية. # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبدالله بن أبي توبة الكشميهني أنا أبو طاهر ~~محمد بن أحمد بن الحارث أنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي أنا عبدالله ~~بن محمود أنا إبراهيم بن عبدالله الخلال أنا عبدالله بن المبارك عن ~~رشدين بن سعد حدثني ابن أنعم عن سعد بن مسعود. # أن عثمان بن مظعون رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~ائذن لنا في الاختصاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ليس منا من خصي ولا من اختصى، خصاء أمتي الصيام " # ، فقال: يا رسول الله ائذن لنا في السياحة، فقال: # " إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله " # فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ائذن لنا في الترهب، فقال: # " إن ترهب أمتي الجلوس في المساجد وانتظار الصلاة " # وروي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا قال: يا رسول الله ~~إني أصبت من اللحم فانتشرت وأخذتني شهوة، فحرمت اللحم، فأنزل الله ~~تعالى: { يأيها الذين ءامنوا لا تحرموا طيبت ~~مآ أحل الله لكم } ، يعني: اللذات التي تشتهيها النفوس، مما ~~أحل الله لكم من المطاعم الطيبة والمشارب اللذيدة، { ولا تعتدوا ~~} ، ولا تجاوزوا الحلال إلى الحرام، وقيل: هو جب المذاكير { إن ~~الله لا يحب المعتدين }. # { وكلوا مما رزقكم الله حللا طيبا } ، قال ~~عبدالله بن المبارك: الحلال ما أخذته من وجهه، والطيب ما غذى وأنمى، فأما ~~الجوامد كالطين والتراب وما لا يغذي فمكروه إلا على وجه التداوي. # { واتقوا الله الذى أنتم به مؤمنون }.أخبرنا أبو ~~محمد عبدالله بن عبد الصمد الجوزجاني أنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي ~~أنا أبو سعيد الهيثم بن كليب أنا أبو عيسى الترمذي أخبرنا أحمد بن ~~إبراهيم الدورقي وسلمة بن شبيب ومحمود بن غيلان قالوا: أخبرنا أبو أسامة ~~عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يحب الحلواء ms0716 والعسل). ### || [5.89] # قوله عز وجل: { لا يؤاخذكم الله باللغو فى ~~أيمنكم } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما نزلت: (لا تحرموا ~~طيبات ما أحل الله لكم)، قالوا: يا رسول الله كيف نصنع بأيماننا التي ~~حلفنا عليها؟ وكانوا حلفوا على ما اتفقوا عليه، فأنزل الله: { لا ~~يؤاخذكم الله باللغو فى أيمنكم } ، { ولكن ~~يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } , قرأ حمزة والكسائي [وأبو ~~بكر] (عقدتم) بالتخفيف، وقرأ ابن عامر (عاقدت) بالألف وقرأ الآخرون ~~(عقدتم) بالتشديد، أي: وكدتم، والمراد من الآية قصدتم وتعمدتم، ~~(فكفارته)، أي: كفارة ما عقدتم الأيمان إذا حنثتم، { إطعام عشرة ~~مسكين } ، واختلفوا في قدره: فذهب قوم إلى أنه يطعم كل مسكين ~~مدا من الطعام بمد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو رطل وثلث من غالب ~~قوت البلد، وكذلك في جميع الكفارات، وهو قول زيد بن ثابت وابن عباس وابن ~~عمر، وبه قال سعيد بن المسيب والقاسم وسليمان بن يسار وعطاء والحسن. # وقال أهل العراق: عليه لكل مسكين مدان، وهو نصف صاع، يروى ذلك عن عمر ~~وعلي رضي الله عنهما. # وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: إن أطعم من الحنطة فنصف صاع، وإن أطعم من ~~غيرها فصاع، وهو قول الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير ومجاهد والحكم. # ولو غداهم وعشاهم لا يجوز، وجوز أبو حنيفة، ويروى ذلك عن علي رضي ~~الله عنه. ولا تجوز الدراهم والدنانير ولا الخبز ولا الدقيق، بل يجب ~~إخراج الحب إليهم، وجوز أبو حنيفة رضي الله عنه كل ذلك. # ولو صرف الكل إلى مسكين واحد [لا يجوز]، وجوز أبو حنيفة أن يصرف طعام ~~عشرة إلى مسكين واحد في عشرة أيام، ولا يجوز أن يصرف إلا إلى مسلم حر ~~محتاج، فإن صرف إلى ذمي أو عبد أو غني لا يجوز، وجوز أبو حنيفة صرفها ~~إلى أهل الذمة. واتفقوا على أن صرف الزكاة إلى أهل الذمة لا يجوز. # قوله تعالى: { من أوسط ما تطعمون أهليكم } ، أي: من ~~خير قوت عيالكم، وقال عبيدة السلماني: الأوسط الخبز والخل، والأعلى الخبز ~~واللحم، والأدنى الخبز البحت ms0717 والكل [يجزيء]. # قوله تعالى: { أو كسوتهم } ، كل من لزمته كفارة اليمين فهو ~~فيها إن شاء أطعم عشرة من المساكين، وإن شاء كساهم، وإن شاء أعتق رقبة، ~~فإن اختار الكسوة، فاختلفوا في قدرها. # فذهب قوم إلى أنه يكسو كل مسكين ثوبا واحدا مما يقع عليه اسم الكسوة، ~~إزار أو رداء أو قميص أو سراويل أو عمامة أو كساء أو نحوها، وهو قول ~~ابن عباس والحسن ومجاهد وعطاء وطاوس، وإليه ذهب الشافعي رحمه الله تعالى. # وقال مالك: يجب لكل إنسان ما تجوز فيه صلاته، فيكسو الرجال ثوبا واحدا ~~والنساء ثوبين درعا وخمارا. # وقال سعيد بن المسيب: لكل مسكين ثوبان. # قوله عز وجل: { أو تحرير رقبة } ، وإذا اختار العتق يجب ~~إعتاق رقبة مؤمنة، وكذلك جميع الكفارات، مثل كفارة القتل والظهار والجماع ~~في نهار رمضان يجب فيها إعتاق رقبة مؤمنة، وأجاز أبو حنيفة رضي الله عنه ~~والثوري رضي الله عنه إعتاق الرقبة الكافرة في جميعها إلا في كفارة ~~القتل، لأن الله تعالى قيد الرقبة فيها بالإيمان، قلنا: المطلق يحمل ~~على المقيد [كما أن الله تعالى قيد الشهادة بالعدالة في موضع، فقال: # وأشهدوا ذوىعدل منكم # [الطلاق: 2]، وأطلق في موضع, فقال: # واستشهدوا شهيدين من رجالكم # [البقرة: 282]، ثم العدالة شرط في جميعها حملا للمطلق على المقيد، ~~كذلك هاهنا، ولا يجوز إعتاق المرتد بالاتفاق عن الكفارة. # ويشترط أن يكون سليم الرق حتى لو أعتق عن كفارته مكاتبا أو أم ولد أو ~~عبدا اشتراه بشرط العتق أو اشترى قريبه الذي يعتق عليه بنية الكفارة، ~~يعتق ولكن لا يجوز عن الكفارة، وجوز أصحاب الرأي عتق المكاتب إذا لم ~~يكن أدى شيئا من النجوم، وعتق القريب عن الكفارة ويشترط أن تكون الرقبة ~~سليمة من كل عيب يضر بالعمل ضررا بينا حتى لا يجوز مقطوع إحدى ~~اليدين، أو إحدى الرجلين، ولا الأعمى ولا الزمن ولا المجنون المطبق، ~~ويجوز الأعور والأصم ومقطوع الأذنين والأنف لأن هذه العيوب لا تضر ~~بالعمل ضررا بينا. # وعند أبي حنيفة رضي الله عنه كل عيب يفوت جنسا من ms0718 المنفعة [على ~~الكمال] يمنع الجواز، حتى جوز مقطوع إحدى اليدين، ولم يجوز مقطوع ~~الأذنين. # قوله عز وجل: { فمن لم يجد فصيام ثلثة أيام } ، ~~إذا عجز الذي لزمته كفارة اليمين عن الإطعام والكسوة وتحرير الرقبة، يجب ~~عليه صوم ثلاثة أيام، والعجز أن لا يفضل من ماله عن قوته وقوت عياله ~~وحاجته ما يطعم أو يكسو أو يعتق فإنه يصوم ثلاثة أيام. # وقال بعضهم: إذا ملك ما يمكنه الإطعام وإن لم يفضل عن كفايته فليس له ~~الصيام، وهو قول الحسن وسعيد بن جبير. # واختلفوا في وجوب التتابع في هذا الصوم، فذهب جماعة إلى أنه لا يجب فيه ~~التتابع بل إن شاء تابع وإن شاء فرق، والتتابع أفضل وهو أحد قولي ~~الشافعي، وذهب قوم إلى أنه يجب فيه التتابع قياسا على كفارة القتل ~~والظهار، وهو قول الثوري وأبي حنيفة، ويدل عليه قراءة ابن مسعود رضي ~~الله عنه: صيام ثلاثة أيام متتابعات. { ذلك } ، أي: ذلك الذي ذكرت، { ~~كفارة أيمنكم إذا حلفتم } ، وحنثتم، فإن الكفارة لا ~~تجب إلا بعد الحنث. # واختلفوا في تقديم الكفارة على الحنث: فذهب قوم إلى جوازه. لما روينا ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه، ~~وليفعل الذي هو خير ". # وهو قول عمر [وابن عمر] وابن عباس وعائشة رضي الله عنها وبه قال الحسن ~~وابن سيرين، وإليه ذهب مالك والأوزاعي والشافعي، إلا أن الشافعي يقول: إن ~~كفر بالصوم قبل الحنث لا يجوز لأنه بدني، إنما يجوز بالإطعام أو الكسوة ~~أو العتق كما يجوز تقديم الزكاة على الحول، ولا يجوز تعجيل صوم رمضان قبل ~~وقته، وذهب قوم إلى أنه لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث، وبه قال أبو ~~حنيفة رضي الله عنه. # قوله عز وجل: { واحفظوا أيمنكم } ، قيل: أراد به ترك ~~الحلف، أي: لا تحلفوا، وقيل: هو الأصح، أراد به: إذا حلفتم فلا تحنثوا، ~~فالمراد منه حفظ اليمين عن الحنث هذا إذا لم يكن يمينه على ترك مندوب أو ~~فعل مكروه، فإن ms0719 حلف على فعل مكروه أو ترك مندوب، فالأفضل أن يحنث نفسه ~~ويكفر، لما أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبدالله ~~النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل، أنا حجاج بن منهال أنا ~~جرير بن حازم عن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال النبي: # " يا عبدالرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة، فإنك إن أوتيتها عن مسألة ~~وكلت إليها، وإن أوتيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإذا حلفت على ~~يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير ". # قوله تعالى: { كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم ~~تشكرون }. ### || [5.90-92] # قوله عز وجل: { يأيها الذين آمنوا إنما الخمر ~~والميسر } أي: القمار، { والأنصاب } ، يعني: الأوثان، سميت ~~بذلك لأنهم كانوا ينصبونها، واحدها نصب بفتح النون وسكون الصاد، ونصب ~~بضم النون مخففا ومثقلا، { والأزلام } ، يعني: القداح التي ~~يستسقون بها واحدها زلم، { رجس } ، خبيث مستقذر، { من عمل ~~الشيطن } ، من تزينيه، { فاجتنبوه } ، رد الكناية إلى ~~الرجس، { لعلكم تفلحون }. # { إنما يريد الشيطن أن يوقع بينكم العداوة ~~والبغضآء فى الخمر والميسر } ، أما العداوة في الخمر ~~فإن الشاربين إذا سكروا عربدوا وتشاجروا، كما فعل الأنصاري الذي شج سعد ~~بن أبي وقاص بلحي الجمل، وأما العداوة في الميسر، قال قتادة: كان الرجل ~~يقامر على الأهل والمال ثم يبقى حزينا مسلوب الأهل والمال مغتاظا على ~~[حرفائه]، { ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلوة } ، ~~وذلك أن من اشتغل بشرب الخمر والقمار ألهاه ذلك عن ذكر الله، وشوش عليه ~~صلاته كما فعل بأضياف عبدالرحمن بن عوف، تقدم رجل ليصلي بهم صلاة المغرب ~~بعدما شربوا فقرأ " قل يا أيها الكافرون " ، أعبد ما تعبدون، بحذف لا، { ~~فهل أنتم منتهون }؟ أي: انتهوا لفظة استفهام ومعناه أمر؛ كقوله ~~تعالى: # فهل أنتم شاكرون # [الأنبياء: 80]. # { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا } المحارم ~~والمناهي، { فإن توليتم فاعلموا أنما على ~~رسولنا البلغ المبين }. # وفي وعيد شارب الخمر أخبرنا أبو القاسم عبدالرحمن بن محمد الفوراني أنا ~~أبو الحسن علي بن عبدالله الطيسفوني ثنا أبو الحسن محمد بن محمود ms0720 ~~المحمودي أنا أبو العباس الماسرجسي بنيسابور أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ~~الحنظلي أخبرنا صالح بن قدامة حدثنا أخي عبدالملك بن قدامة عن عبدالله بن ~~دينار عن ابن عمر: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كل مسكر حرام، وإن حتما على الله أن لا يشربه عبد في الدنيا إلا ~~سقاه الله تعالى يوم القيامة من طينة الخبال، هل تدرون ما طينة الخبال؟ ~~قال:عرق أهل النار ". # وأخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا ~~أبو مصعب عن مالك عن نافع عن عبدالله بن عمر أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة ". # وأخبرنا أبو سعيد الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أنا أحمد بن أبي ~~أخبرنا أبو العباس الأصم أنا محمد بن إسحاق الصنعاني حدثنا أبو نعيم ~~حدثنا عبدالعزيز بن عمر عن عبد الرحمن بن عبدالله الغافقي من أهل مصر عن ~~عبدالله بن عمر أنه قال: أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهو يقول: # " لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ~~ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها ". ### || [5.93-94] # قوله عز وجل: { ليس على الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت جناح فيما طعموا } ، سبب نزول هذه الآية أن ~~الصحابة رضوان الله عليهم قالوا لما نزل تحريم الخمر: يا رسول الله كيف ~~بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر [ويأكلون] من مال الميسر؟ فأنزل ~~الله تعالى: { ليس على الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت جناح فيما طعموا } ، وشربوا من الخمر ~~وأكلوا من مال الميسر، { إذا ما اتقوا } ، الشرك، { وءامنوا ~~} ، وصدقوا، { وعملوا الصلحت ثم اتقوا } ، الخمر ~~والميسر بعد تحريمهما، { وءامنوا ثم اتقوا } ، ما حرم الله ~~عليهم أكله وشربه، { وأحسنوا والله يحب المحسنين } ، ~~وقيل: معنى الأول إذا ما اتقوا الشرك، وآمنوا وصدقوا ثم اتقوا، أي: ~~داوموا على ذلك التقوى، { وآمنوا } وازدادوا إيمانا، ثم اتقوا المعاصي ~~كلها وأحسنوا، وقيل: أي: اتقوا بالإحسان، وكل محسن متق، { والله ~~يحب المحسنين }. # قوله عز وجل: { يأيها الذين ms0721 ءامنوا ليبلونكم ~~الله بشىء من الصيد } الآية، نزلت عام الحديبية وكانوا ~~محرمين ابتلاهم الله بالصيد، وكانت الوحوش تغشى رحالهم من كثرتها فهموا ~~بأخذها فنزلت: { يأيها الذين ءامنوا ليبلونكم ~~الله } ليختبرنكم الله، وفائدة البلوى إظهار المطيع من العاصي، وإلا ~~فلا حاجة له إلى البلوى بشيء من الصيد، وإنما بعض، فقال { بشىء } ~~لأنه ابتلاهم بصيد البر خاصة. { تناله أيديكم } ، يعني: ~~الفرخ والبيض وما لا يقدر أن يفر من صغار الصيد، { ورمحكم } ، ~~يعني: الكبار من الصيد، { ليعلم الله } ، ليرى الله، لأنه قد ~~علمه، { من يخافه بالغيب } ، أي: يخاف الله ولم يره؛ كقوله ~~تعالى: # الذين يخشون ربهم بالغيب # [الأنبياء: 49]، أي: يخافه فلا يصطاد في حال الإحرام، { فمن ~~اعتدى بعد ذلك } ، أي: صاد بعد تحريمه، { فله عذاب ~~أليم } ، روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال؛ [يوجع] ظهره وبطنه ~~جلدا، ويسلب ثيابه. ### || [5.95] # قوله عز وجل: { يأيها الذين ءامنوا لا تقتلوا ~~الصيد وأنتم حرم } ، أي: محرمون بالحج والعمرة، وهو جمع حرام، ~~يقال: رجل حرام وامرأة حرام، وقد يكون [من] دخول الحرم، يقال: أحرم الرجل ~~إذا عقد الإحرام، وأحرم إذا دخل الحرم. نزلت في رجل يقال له أبو اليسر ~~شد على حمار وحش وهو محرم فقتله. # قوله تعالى: { ومن قتله منكم متعمدا } ، اختلفوا في هذا ~~العمد، فقال قوم: هو العمد بقتل الصيد مع نسيان الإحرام، أما إذا قتله ~~عمدا وهو ذاكر لإحرامه فلا حكم عليه، وأمره إلى الله لأنه أعظم من أن ~~يكون له كفارة، هذا قول مجاهد والحسن. # وقال آخرون: هو أن يعمد المحرم قتل الصيد ذاكرا لإحرامه فعليه الكفارة. # واختلفوا فيما لو قتله خطأ، فذهب أكثر الفقهاء إلى أن العمد والخطأ سواء ~~في لزوم الكفارة، وقال الزهري: على المتعمد بالكتاب وعلى المخطىء بالسنة، ~~وقال سعيد بن [جبير]: لا تجب كفارة الصيد بقتل الخطأ، بل يختص بالعمد. # قوله عز وجل: { فجزآء مثل } ، قرأ أهل الكوفة ويعقوب { ~~فجزآء } منون، { مثل } ، رفع على البدل من الجزاء، والآخرون ~~بالإضافة { فجزاء مثل } ، { ما قتل من النعم } ، معناه: أنه ms0722 ~~يجب عليه مثل ذلك الصيد من النعم، وأراد به ما يقرب من الصيد المقتول ~~شبها من حيث الخلقة لا من حيث القيمة. # { يحكم به ذوا عدل منكم } ، أي: يحكم بالجزاء رجلان ~~عدلان، وينبغي أن يكونا فقيهين ينظران إلى أشبه الأشياء من النعم ~~فيحكمان به، وممن ذهب إلى إيجاب المثل من النعم عمر وعثمان وعلي ~~وعبدالرحمن بن عوف وابن عمر وابن عباس، وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم، ~~حكموا في بلدان مختلفة وأزمان شتى بالمثل من النعم، يحكم حاكم في ~~النعامة ببدنة وهي لا تساوي بدنة، وفي حمار الوحش ببقرة [وهي لا تساوي ~~بقرة]، وفي الضبع بكبش وهي لا تساوي كبشا، فدل أنهم نظروا إلى ما يقرب ~~من الصيد شبها من حيث الخلقة [لا من حيث القيمة]، وتجب في الحمام شاة، ~~وهو كل ما عب وهدر من الطير، كالفاختة والقمري. # وروي عن عمر وعثمان ابن عباس رضي الله عنهم أنهم قضوا في حمام مكة ~~بشاة، أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق ~~الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن أبي الزبير المكي عن جابر بن عبدالله ~~أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قضى في الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي ~~الأرنب بعناق، وفي اليربوع بجفرة. # قوله تعالى: { هديا بلغ الكعبة } ، أي: يهدي تلك الكفارة ~~إلى الكعبة، فيذبحها بمكة ويتصدق بلحمها على مساكين الحرم، { أو ~~كفارة طعام مسكين أو عدل ذلك صياما } ، قال ~~الفراء رحمه الله: العدل بالكسر: المثل من جنسه، والعدل بالفتح: ~~المثل من غير جنسه، وأراد به: أنه في جزاء الصيد مخير بين أن يذبح ~~المثل من النعم، فيتصدق بلحمه على مساكين الحرم، وبين أن يقوم المثل ~~دراهم، والدراهم طعاما فيتصدق بالطعام على مساكين الحرم، أو يصوم عن كل ~~مد من الطعام يوما وله أن يصوم حيث شاء لأنه لا نفع فيه للمساكين. # وقال مالك: إن لم يخرج المثل يقوم الصيد ثم يجعل القيمة طعاما فيتصدق ~~به، أو يصوم. # وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: ms0723 لا يجب المثل من النعم، بل يقوم الصيد ~~فإن شاء صرف تلك القيمة إلى شيء من النعم، وإن شاء إلى الطعام فيتصدق ~~به، وإن شاء صام عن كل نصف صاع من بر أو صاع من غيره يوما. # وقال الشعبي والنخعي جزاء الصيد على الترتيب والآية حجة لمن ذهب إلى ~~التخيير. # قوله تعالى: { ليذوق وبال أمره } ، أي: جزاء معصيته، { ~~عفا الله عما سلف } ، يعني: قبل التحريم، ونزول الآية، قال ~~السدي: عفا الله عما سلف في الجاهلية، { ومن عاد فينتقم ~~الله منه } ، في الآخرة. { والله عزيز ذو انتقام } ، ~~وإذا تكرر من المحرم قتل الصيد فيتعدد عليه الجزاء عند عامة أهل العلم، ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما: إذا قتل المحرم صيدا متعمدا يسأل هل ~~قتلت قبله شيئا من الصيد؟ فإن قال نعم لم يحكم عليه، وقيل له: اذهب ~~ينتقم الله منك، وإن قال لم أقتل قبله شيئا حكم عليه، فإن عاد بعد ذلك ~~لم يحكم عليه، ولكن يملأ ظهره وصدره ضربا وجيعا، وكذلك حكم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في وج وهو واد بالطائف. # واختلفوا في المحرم هل يجوز له أكل لحم الصيد؟ فذهب قوم إلى أنه لا يحل ~~بحال، ويروى ذلك عن ابن عباس، وهو قول طاوس وبه قال سفيان الثوري، ~~واحتجوا بما أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق ~~الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن عبيدالله بن عبدالله بن ~~عتبة بن مسعود # " عن عبدالله بن عباس عن الصعب بن جثامة الليثي أنه أهدى لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حمارا وحشيا وهو بالأبواء أو بودان فرده عليه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، قال: فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~في وجهي، قال: «إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم» ". # وذهب الأكثرون إلى أنه يجوز للمحرم أكله إذا لم يصطد بنفسه ولا اصطيد له ~~لأجله أو بإشارته، وهو قول عمر وعثمان وأبي هريرة، وبه قال عطاء ومجاهد ~~وسعيد ms0724 بن جبير، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي، وإنما ~~رد النبي صلى الله عليه وسلم على الصعب بن جثامة لأنه ظن أنه صيد من ~~أجله. # والدليل على جوازه ما أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا ~~أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن أبي النضر مولى عمر بن ~~عبيدالله التيمي عن نافع مولى أبي قتادة # " عن أبي قتادة بن ربعي الأنصاري رضي الله عنه أنه كان مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حتى إذا كان ببعض طريق مكة، تخلف مع أصحابه محرمين وهو ~~غير محرم فرأى حمارا وحشيا فاستوى على فرسه وسأل أصحابه أن يناولوه ~~سوطه فأبوا فسألهم رمحه فأبوا فأخذه ثم شد على الحمار فقتله، فأكل منه ~~بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبى بعضهم فلما أدركوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم سألوه عن ذلك، فقال: «إنما هي طعمة أطعمكموها ~~الله تعالى» ". # أخبرنا عبدالوهاب بن محمد الخطيب أنا عبدالعزيز بن أحمد الخلال أنا أبو ~~العباس الأصم أخبرنا الربيع أنا الشافعي أنا إبراهيم بن محمد عن عمرو بن ~~أبي عمرو عن المطلب بن حنطب عن جابر بن عبدالله أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " لحم الصيد لكم في الإحرام حلال، ما لم تصيدوه أو يصاد لكم " # قال أبو عيسى: المطلب لا نعرف له سماعا من جابر بن عبدالله رضي الله ~~عنه. # وإذا أتلف المحرم شيئا من الصيد لا مثل له من النعم مثل بيض أو طائر ~~دون الحمام ففيه قيمة يصرفها إلى الطعام، فيتصدق به أو يصوم عن كل مد ~~يوما، واختلفوا في الجراد فرخص فيه قوم للمحرم وقالوا: هو من صيد البحر، ~~روي ذلك عن كعب الأحبار، والأكثرون على أنها لا تحل، فإن أصابها فعليه ~~صدقة، قال عمر: في الجراد تمرة، وروي عنه وعن ابن عباس: قبضة من طعام. ### || [5.96] # قوله عز وجل: { أحل لكم صيد البحر وطعامه ~~متعا لكم وللسيارة } ، والمراد بالبحر جميع المياه، قال ~~عمر ms0725 رضي الله عنه: " صيده ما اصطيد وطعامه ما رمي به ". وعن ابن عباس ~~وابن عمر وأبي هريرة: طعامه ما قذفه الماء إلى الساحل ميتا. # وقال قوم: هو المالح منه، وهو قول سعيد بن جبير وعكرمة وسعيد بن المسيب ~~وقتادة والنخعي. # وقال مجاهد: صيده: طريه، وطعامه: مالحه، متاعا لكم أي: منفعة لكم، ~~وللسيارة: يعني المارة. # وجملة حيوانات الماء على قسمين: سمك وغيره، أما السمك فميتته حلال مع ~~اختلاف أنواعها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " أحلت لكم ميتتان: [ودمان: الميتتان] الحوت والجراد، والدمان: ~~[الكبد والطحال] ". # فلا فرق بين أن يموت بسبب أو بغير سبب، وعند أبي حنيفة لا يحل إلا أن ~~يموت بسبب من وقوع على حجر أو انحسار الماء منه ونحو ذلك. # أما غير السمك فقسمان: قسم يعيش في البر كالضفدع والسرطان، فلا يحل ~~أكله، وقسم يعيش في الماء ولا يعيش في البر إلا عيش المذبوح، فاختلف ~~القول فيه، فذهب قوم إلى أنه لا يحل شيء منها إلا السمك، وهو قول أبي ~~حنيفة رضي الله عنه وذهب قوم إلى أن [ميت الماء كلها حلال]، لأن كلها ~~سمك، وإن اختلفت صورها، [كالجريث] يقال له حية الماء، وهو على شكل الحية ~~وأكله مباح بالاتفاق، وهو قول عمر وأبي بكر وابن عمر وابن عباس وزيد بن ~~ثابت وأبي هريرة، وبه قال شريح والحسن وعطاء، وهو قول مالك وظاهر مذهب ~~الشافعي. # وذهب قوم إلى أن ما له نظير في البر يؤكل، فميتته من حيوانات البحر ~~حلال، مثل بقر الماء ونحوه، ومالا يؤكل نظيره في البر لا يحل ميتته من ~~حيوانات البحر، مثل كلب الماء والخنزير والحمار ونحوها. # وقال الأوزاعي: كل شيء عيشه في الماء فهو حلال، قيل: فالتمساح؟ قال: ~~نعم. # قال الشعبي: لو أن أهلي أكلوا الضفادع لأطعمتهم، وقال سفيان الثوري: ~~أرجو أن لا يكون بالسرطان بأسا. # وظاهر الآية حجة لمن أباح جميع حيوانات البحر، وكذلك الحديث. أخبرنا أبو ~~الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن ~~مالك ms0726 عن صفوان بن [سلمان] عن سعيد بن سلمة من آل بني الأزرق أن المغيرة ~~بن أبي بردة وهو من بني عبد الدار أخبره أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه ~~يقول: # " سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنا نركب في ~~البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء ~~البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هو الطهور ماؤه، الحل ~~ميتته» ". # أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبدالله النعيمي أنا محمد ~~بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا مسدد أنا يحيى عن ابن جريج # " أخبرني عمر أنه سمع جابرا رضي الله عنه يقول: غزوت جيش الخبط ~~وأمر أبو عبيدة، فجعنا جوعا شديدا فألقى البحر حوتا ميتا لم نر ~~مثله، يقال له العنبر، فأكلنا منه نصف شهر، فأخذ أبو عبيدة عظما من ~~عظامه، فمر الراكب تحته. وأخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرا يقول: قال ~~أبو عبيدة: كلوا فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقال: «كلوا رزقا أخرجه الله إليكم، أطعمونا إن كان معكم» " # ، فأتاه بعضهم بشيء منه فأكله. # قوله تعالى: { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم ~~حرما واتقوا الله الذى إليه تحشرون } ، صيد ~~البحر حلال للمحرم، كما هو حلال لغير المحرم، أما صيد البر فحرام على ~~المحرم وفي الحرم، والصيد: هو الحيوان الوحشي الذي يحل أكله، أما ما لا ~~يحل أكله فلا يحرم بسبب الإحرام، وللمحرم أخذه وقتله، ولا جزاء على من ~~قتله إلا المتولد بين مالا يؤكل لحمه وما يؤكل، كالمتولد بين الذئب ~~والظبي لا يحل أكله ويجب بقتله الجزاء على المحرم، لأن فيه جزاء من ~~الصيد. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا ~~أبو مصعب عن مالك عن نافع عن عبدالله بن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب والحدأة ~~والعقرب والفأرة والكلب ms0727 العقور ". # وروي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # " يقتل المحرم السبع العادي ". # وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " خمس قتلهن حلال في الحرم: الحية والعقرب والحدأة والفأرة والكلب ~~العقور ". # وقال سفيان بن عيينة: الكلب العقور كل سبع يعقر، ومثله عن مالك، وذهب ~~أصحاب الرأي إلى وجوب الجزاء في قتل مالا يؤكل لحمه، من الفهد والنمر ~~والخنزير ونحوها إلا الأعيان المذكورة في الخبر، وقاسوا عليها الذئب فلم ~~يوجبوا فيه الكفارة، وقاس الشافعي عليها جميع ما لا يؤكل لحمه لأن ~~الحديث يشتمل على أعيان بعضها سباع ضارية وبعضها هوام قاتلة وبعضها ~~طير لا يدخل في معنى السباع ولا هي من جملة [الهوام]، وإنما هي حيوان ~~مستخبث اللحم، وتحريم الأكل يجمع الكل فاعتبره ورتب الحكم عليه. ### || [5.97-98] # قوله عز وجل: { جعل الله الكعبة البيت الحرام } ، ~~قال مجاهد: سميت كعبة لتربيعها، والعرب تسمي كل بيت مربع كعبة، قال ~~مقاتل: سميت كعبة لانفرادها من البناء، وقيل: سميت كعبة لارتفاعها من ~~الأرض، وأصلها من الخروج والارتفاع، وسمي الكعب كعبا لنتوئه، وخروجه من ~~جانبي القدم، ومنه قيل للجارية إذا قاربت البلوغ وخرج ثديها: تكعبت. ~~وسمي البيت الحرام لأن الله تعالى حرمه وعظم حرمته. قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " إن الله تعالى حرم مكة يوم خلق السموات والأرض ". # { قياما للناس } ، قرأ ابن عامر { قيما } بلا ألف والآخرون " ~~قياما " بالألف، أي: قواما لهم في أمر دينهم ودنياهم، أما الدين لأن ~~به يقوم الحج والمناسك، وأما الدنيا فيما يجبى إليه من الثمرات، وكانوا ~~يأمنون فيه من النهب والغارة لا يتعرض لهم أحد في الحرم، قال الله تعالى: # أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف ~~الناس من حولهم # [العنكبوت: 67]، { والشهر الحرام } ، أراد به الأشهر الحرم، ~~وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، أراد أنه جعل الأشهر الحرم قياما ~~للناس يأمنون فيها القتال، { والهدى والقلئد } ، أراد أنهم ~~كانوا يأمنون بتقليد الهدي، فذلك القوام فيه. # { ذلك لتعلموا ms0728 أن الله يعلم ما فى السموت ~~وما فى الأرض وأن الله بكل شىء عليم } ، فإن قيل: ~~أي اتصال لهذا الكلام بما قبله، قيل: أراد أن الله عز وجل جعل الكعبة ~~قياما للناس لأنه يعلم صلاح العباد كما يعلم ما في السموات وما في ~~الأرض، وقال الزجاج: قد سبق في هذه السورة الإخبار عن الغيوب والكشف عن ~~الأسرار، مثل قوله: (سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين)، ومثل إخباره ~~بتحريفهم الكتب ونحو ذلك، فقوله { ذلك لتعلموا أن الله ~~يعلم ما فى السموت وما فى الأرض } راجع إليه. # وقوله عز وجل: { اعلموا أن الله شديد العقاب ~~وأن الله غفور رحيم }. ### || [5.99-101] # { ما على الرسول إلا البلاغ } [التبليغ]، { والله ~~يعلم ما تبدون وما تكتمون }. # { قل لا يستوى الخبيث والطيب } ، أي: الحلال والحرام، ~~{ ولو أعجبك } ، سرك، { كثرة الخبيث } ، نزلت في شريح ~~بن [ضبيعة] البكري، وحجاج بن بكر بن وائل، { فاتقوا الله } ، ~~ولا تتعرضوا للحجاج وإن كانوا مشركين، وقد مضت القصة في أول السورة، { ~~يأولى الألبب لعلكم تفلحون }. # قوله عز وجل: { يأيها الذين ءامنوا لا تسألوا عن ~~أشيآء إن تبد لكم تسؤكم } ، الآية أخبرنا عبدالواحد ~~المليحي أنا أحمد بن عبدالله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن ~~إسماعيل أنا حفص بن عمر أنا هشام عن قتادة عن أنس رضي الله عنه: سألوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه بالمسألة، فغضب فصعد المنبر ~~فقال: # " «لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بينته لكم»، فجعلت أنظر يمينا ~~وشمالا فإذا كل رجل لاف رأسه في ثوبه يبكي، فإذا رجل كان إذا لاحى ~~الرجال يدعى لغير أبيه، فقال: يا رسول الله من أبي؟ قال: " حذافة " ~~، ثم أنشأ عمر فقال: رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله ~~عليه وسلم رسولا، نعوذ بالله من الفتن، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «ما رأيت في الخير والشر كاليوم قط، إني صورت لي الجنة ~~والنار حتى رأيتهما وراء الحائط» " # ، وكان قتادة يذكر عند هذا الحديث هذه الآية { يأيها الذين ~~ءامنوا لا ms0729 تسألوا عن أشيآء إن تبد لكم تسؤكم ~~}. # قال يونس عن ابن شهاب: أخبرني عبيدالله بن عبدالله قال: قالت أم عبدالله ~~بن حذافة لعبدالله بن حذافة: ما سمعت بابن قط أعق منك، أأمنت أن ~~تكون أمك قد قارفت بعض ما تقارف نساء أهل الجاهلية فتفضحها على أعين ~~الناس؟ قال عبدالله بن حذافة: لو ألحقني بعبد أسود للحقته. وروي عن عمر ~~قال: يا رسول الله إنا حديثو عهد بجاهلية فاعف عنا يعف الله سبحانه ~~وتعالى عنك، فسكن غضبه. # أخبرنا عبدالواحد المليحي أنا أحمد بن عبدالله النعيمي أخبرنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا الفضل بن سهل أخبرنا أبو النضر أنا أبو ~~خيثمة أنا أبو جويرية عن ابن عباس قال: كان قوم يسألون رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم استهزاء، فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته ~~أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية: { يأيها الذين ~~ءامنوا لا تسألوا عن أشيآء إن تبد لكم تسؤكم ~~} ، حتى فرغ من الآية كلها. وروي عن علي رضي الله عنه قال: # " لما نزلت: { ولله على الناس حج البيت } قال رجل: يا رسول الله ~~أفي كل عام فأعرض عنه فعاد مرتين أو ثلاثا، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «ما يؤمنك أن أقول نعم؟ والله لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ما ~~استطعتم، فاتركوني ما تركتم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم ~~واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا ~~نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» " # ، فأنزل الله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا لا تسألوا ~~عن أشيآء إن تبد لكم تسؤكم }.أي: إن تظهر لكم تسؤكم، ~~أي: إن أمرتم بالعمل بها فإن من سأل عن الحج لم يأمن أن يؤمر به في كل ~~فيسوءه، ومن سأل عن نسبه لم يأمن من أن يلحقه بغيره فيفتضح. # وقال مجاهد: نزلت حين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحيرة ~~والسائبة والوصيلة والحام، ألا تراه ذكرها بعد ذلك؟ { وإن تسألوا ~~عنها حين ينزل القرءان تبد لكم ms0730 } ، معناه صبرتم حتى ~~ينزل القرآن بحكم من فرض أو نهى أو حكم، وليس في ظاهره شرح ما بكم إليه ~~حاجة ومست حاجتكم إليه، فإذا سألتم عنها حينئذ تبد لكم، { عفا الله ~~عنها والله غفور حليم }. ### || [5.102-103] # { قد سألها قوم من قبلكم } كما سألت ثمود صالحا الناقة ~~وسأل قوم عيسى المائدة، { ثم أصبحوا بها كفرين } ، ~~فأهلكوا، قال أبو ثعلبة الخشني: " إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ونهى ~~عن أشياء فلا تنتكوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وعفا عن أشياء من غير ~~نسيان فلا تبحثوا عنها ". # قوله عز وجل: { ما جعل الله من بحيرة } ، أي: ما أنزل الله ~~ولا أمر به، { ولا سآئبة ولا وصيلة ولا حام } ، قال ابن ~~عباس في بيان هذه [الأوضاع]: البحيرة هي الناقة التي كانت إذا ولدت خمسة ~~أبطن بحروا أذنها، أي: شقوها وتركوا الحمل عليها وركوبها، ولم يجزوا ~~وبرها ولم يمنعوها الماء والكلأ، ثم نظروا إلى خامس ولدها فإن كان ~~ذكرا نحروه وأكله الرجال والنساء، وإن كان أنثى بحروا أذنها، أي: شقوها ~~وتركوها، وحرم على النساء لبنها ومنافعها، وكانت منافعها خاصة للرجال، ~~فإذا ماتت حلت للرجال والنساء. # وقيل: كانت الناقة إذا تابعت اثنتي عشرة سنة إناثا سيبت فلم يركب ~~ظهرها ولم يجز وبرها ولم يشرب لبنها إلا ضيف، فما نتجت بعد ذلك من ~~أنثى شق أذنها ثم خلى سبيلها مع أمها في الإبل، فلم يركب ظهرها ولم ~~يجز وبرها ولم يشرب لبنها إلا ضيف، كما فعل بأمها، فهي البحيرة بنت ~~السائبة. # وقال أبو عبيد: السائبة البعير الذي يسيب، وذلك أن الرجل من أهل ~~الجاهلية كان إذا مرض وغاب له قريب نذر فقال: إن شفاني الله تعالى أو ~~شفي مريضي أو رد غائبي، فناقتي هذه سائبة، ثم يسيبها فلا تحبس عن رعي ~~ولا ماء ولا يركبها أحد فكانت بمنزلة البحيرة. # وقال علقمة: هي العبد يسيب على أن لا ولاء عليه ولا عقل ولا ميراث. ~~وقال صلى الله عليه وسلم: # " إنما الولاء لمن أعتق ". # والسائبة فاعلة بمعنى المفعولة، وهي المسيبة؛ ms0731 كقوله تعالى:(ماء دافق)، ~~أي: مدفوق، (وعيشة راضية). # وأما الوصيلة: فمن الغنم كانت الشاة إذا ولدت سبعة أبطن نظروا فإن كان ~~السابع ذكرا ذبحوه، فأكل منه الرجال والنساء، وإن كانت أنثى تركوها في ~~الغنم وإن كان ذكرا وأنثى استحيوا الذكر من أجل الأثنى، وقالوا: وصلت ~~أخاها فلم يذبحوه، وكان لبن الأنثى حراما على النساء، فإن مات منها شيء ~~أكله الرجال والنساء جميعا. # وأما الحام: فهو الفحل إذا ركب ولد ولده، ويقال: إذا نتج من صلبه عشرة ~~أبطن، قالوا: حمي ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من كلأ ولا ~~ماء، فإذا مات أكله الرجال والنساء. # أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبدالله النعيمي أنا محمد ~~بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان عن ابن ~~شهاب عن سعيد بن المسيب قال: البحيرة التي يمنح درها للطواغيت فلا ~~يحلبها أحد من الناس، والسائبة كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها ~~شيء. # قال أبو هريرة: [قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار، وكان أول من سيب ~~السوائب " # روى محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي صالح السمان عن ~~أبي هريرة] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأكثم بن جون الخزاعي: # " «يا أكثم رأيت عمرو بن لحي بن قمعة [بن خندق] يجر قصبه في النار، ~~فما رأيت من رجل أشبه برجل منك به ولا به منك»، وذلك أنه أول من غير ~~دين إسماعيل ونصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السائبة، ووصل الوصيلة ~~وحمى الحام، «فلقد رأيته في النار يؤذي أهل النار بريح قصبه»، فقال أكثم: ~~أيضرني شبهه يا رسول الله؟ فقال: «لا، إنك مؤمن وهو كافر ". # قوله عز وجل: { ولكن الذين كفروا يفترون على ~~الله الكذب } ، في قولهم الله أمرنا بها، { وأكثرهم لا ~~يعقلون }. ### || [5.104-105] # { وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل الله وإلى ~~الرسول } ، في تحليل الحرث والأنعام وبيان الشرائع والأحكام، { ~~قالوا ms0732 حسبنا ما وجدنا عليه ءابآءنآ } ، من الدين، ~~قال الله تعالى: { أولو كان ءابآؤهم لا يعلمون شيئا ~~ولا يهتدون }. # قوله عز وجل: { يأيها الذين ءامنوا عليكم ~~أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } روينا عن ~~أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه ~~الآية: { يأيها الذين ءامنوا عليكم أنفسكم لا ~~يضركم من ضل إذا اهتديتم } ، وتضعونها في غير موضعها ~~ولا تدرون ما هي، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن الناس إذا رأوا منكرا فلم يغيروه يوشك أن يعمهم الله تعالى ~~بعقابه ". # وفي رواية: # " لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليستعملن الله سبحانه ~~وتعالى عليكم شراركم فليسومونكم سوء العذاب، ثم ليدعون الله عز ~~وجل خياركم فلا يستجاب [لكم] ". # قال أبو عبيد: خاف الصديق أن يتأول الناس الآية غير متأولها فيدعوهم ~~إلى ترك الأمر بالمعروف [والنهي عن المنكر]، فأعلمهم أنها ليست كذلك وأن ~~الذي أذن في الإمساك عن تغييره من المنكر، هو الشرك الذي ينطق به ~~المعاهدون من أجل أنهم يتدينون به، وقد صولحوا عليه، فأما الفسوق ~~والعصيان والريب من أهل الإسلام فلا يدخل فيه. # وقال مجاهد وسعيد بن جبير: الآية في اليهود والنصارى، يعني: عليكم ~~أنفسكم لا يضركم من ضل من أهل الكتاب فخذوا منهم الجزية واتركوهم. # وعن ابن مسعود قال في هذه الآية: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ما ~~قبل منكم فإن رد عليكم فعليكم أنفسكم، ثم قال: إن القرآن نزل منه ~~آي: قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن، ومنه آي وقع تأويلهن على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ومنه آي وقع تأويلهن بعد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بيسير، ومنه آي يقع تأويلهن في آخر الزمان، ومنه آي: يقع ~~تأويلهن يوم القيامة ما ذكر من الحساب والجنة والنار، فما دامت قلوبكم ~~وأهواؤكم واحدة ولم تلبسوا شيعا ولم يذق بعضكم بأس بعض، فامرؤ ونفسه، ~~فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية. # أخبرنا عبدالواحد المليحي أنا أحمد بن عبدالله النعيمي ms0733 أنا أبو جعفر ~~أحمد بن محمد العنزي أخبرنا أبو عيسى بن نصر أنا عبدالله بن المبارك أنا ~~عتبة بن أبي حكيم حدثني عمرو بن جارية اللخمي # " أنا أبو أمية الشعباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت: يا أبا ~~ثعلبة كيف تصنع في هذه الآية؟ قال: أية آية؟ قلت: قول الله عز وجل: { ~~عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } ~~، فقال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: «بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا ~~رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، ~~ورأيت أمرا لا بد لك منه فعليك نفسك ودع أمر العوام، فإن من وراءكم ~~أيام الصبر، فمن صبر فيهن قبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين ~~رجلا يعملون مثل عمله», قال ابن المبارك: وزادني غيره قالوا: يا رسول ~~الله أجر خمسين منهم؟ قال: «أجر خمسين منكم ". # وقيل: نزلت في أهل الأهواء، قال أبو جعفر الرازي: دخل على صفوان بن محرز ~~شاب من أهل الأهواء فذكر شيئا من أمره، فقال صفوان: ألا أدلك على خاصة ~~الله التي خص بها أولياءه: { يأيها الذين ءامنوا عليكم ~~أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم }. # قوله عز وجل: { إلى الله مرجعكم جميعا } ، الضال ~~والمهتدي، { فينبئكم بما كنتم تعملون }. ### || [5.106] # قوله عز وجل: { يأيها الذين ءامنوا شهدة ~~بينكم } ، سبب نزول هذه الآية ما روي أن تميم بن أوس الداري وعدي ~~بن [بداء] قد خرجا من المدينة للتجارة إلى أرض الشام، وهما نصرانيان ~~ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص، وكان مسلما فلما اشتد وجعه أوصى ~~إلى تميم وعدي، وأمرهما أن يدفعا متاعه إذا رجعا إلى أهله، ومات بديل ~~ففتشا متاعه وأخذا منه إناء من فضة منقوشا بالذهب فيه ثلاثمائة مثقال ~~فضة فغيباه، ثم قضيا حاجتهما فانصرفا إلى المدينة، فدفعا المتاع إلى أهل ~~البيت، ففتشوا وأصابوا الصحيفة فيها تسمية ما كان معه فجاءوا تميما ~~وعديا فقال: هل باع صاحبنا شيئا من ms0734 متاعه؟ قالا: لا، قالوا: فهل اتجر ~~تجارة؟ قالا: لا، قالوا: هل طال مرضه فأنفق على نفسه قالا: لا، فقالوا: ~~إنا وجدنا في متاعه صحيفة فيها تسمية ما معه وإنا قد فقدنا منها إناء من ~~فضة مموها بالذهب فيه ثلاثمائة مثقال فضة، قالا: ما ندري إنما أوصى ~~لنا بشيء فأمرنا أن ندفعه إليكم فدفعناه وما لنا علم بالإناء، فاختصموا ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأصرا على الإنكار، وحلفا فأنزل الله عز ~~وجل هذه الآية: { يأيها الذين ءامنوا شهدة ~~بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية ~~اثنان } أي: ليشهد اثنان، لفظه خبر ومعناه أمر. # قيل: معناه: أن الشهادة فيما بينكم على الوصية عند الموت اثنان، ~~واختلفوا في هذين الاثنين، فقال قوم: هما الشاهدان اللذان يشهدان على ~~وصية الموصي. # وقال آخرون: هما الوصيان، لأن الآية نزلت فيهما ولأنه قال: { ~~تحبسونهما من بعد الصلوة فيقسمان } ، ولا يلزم ~~الشاهد يمين، وجعل الوصي اثنين تأكيدا، فعلى هذا تكون الشهادة بمعنى ~~الحضور؛ كقولك: شهدت وصية فلان، بمعنى حضرت، قال الله تعالى: # وليشهد عذابهما طآئفة من المؤمنين # [النور: 2]، يريد الحضور، { ذوا عدل } ، أي: أمانة وعقل، { ~~منكم } ، أي: من أهل دينكم يا معشر المؤمنين، { أو ءاخران من ~~غيركم } ، أي: من غير دينكم وملتكم في قول أكثر المفسرين، قاله ابن ~~عباس وأبو موسى الأشعري، وهو قول سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وسعيد ~~بن جبير ومجاهد وعبيدة. # ثم اختلف هؤلاء في حكم الآية فقال النخعي وجماعة: هي منسوخة وكانت شهادة ~~أهل الذمة مقبولة في الابتداء ثم نسخت. # وذهب قوم إلى أنها ثابتة، وقالوا: إذا لم نجد مسلمين فنشهد كافرين. # قال شريح: من كان بأرض غربة ولم يجد مسلما يشهده على وصيته فأشهد ~~كافرين على أي دين كانا من دين أهل الكتاب أو عبدة الأوثان، فشهادتهم ~~جائزة، ولا يجوز شهادة كافر على مسلم إلا على وصية في سفر. # وعن الشعبي أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا ولم يجد مسلما ~~يشهده على وصيته فأشهد رجلين من أهل الكتاب، فقدما الكوفة بتركته ms0735 وأتيا ~~الأشعري، فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد النبي صلى ~~الله عليه وسلم فأحلفهما، وأمضى شهادتهما. # وقال آخرون: قوله: { ذوا عدل منكم } ، أي: من حي الموصي أو ~~آخران من غير حيكم وعشيرتكم، وهو قول الحسن والزهري وعكرمة، وقالوا: لا ~~تجوز شهادة كافر في شيء من الأحكام، { إن أنتم ضربتم } ، سرتم ~~وسافرتم، { فى الأرض فأصابتكم مصيبة الموت } ، ~~فأوصيتم إليهما ودفعتم إليهما مالكم فاتهمهما بعض الورثة وادعوا ~~عليهما خيانة فالحكم فيه أن { تحبسونهما } ، أي: تستوقفونهما، { ~~من بعد الصلوة } ، أي: بعد الصلاة، و { من } صلة يريد بها بعد ~~صلاة العصر، هذا قول الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير وقتادة وعامة ~~المفسرين، لأن جميع أهل الأديان يعظمون ذلك الوقت، ويجتنبون فيه الحلف ~~الكاذب، وقال الحسن: أراد من بعد صلاة العصر، وقال السدي: من بعد صلاة ~~أهل دينهما وملتهما لأنهما لا يباليان بصلاة العصر، { فيقسمان } ، ~~فيحلفان، { بالله إن ارتبتم } ، أي: شككتم ووقعت لكم الريبة ~~في قول الشاهدين وصدقهما، أي: في قول اللذين ليسا من أهل ملتكم، فإن كانا ~~مسلمين فلا يمين عليهما، { لا نشترى به ثمنا } ، أي: لا نحلف ~~بالله كاذبين على عوض نأخذه أو مال نذهب به أو حق يجحده، { ولو كان ~~ذا قربى } ، ولو كان المشهود له ذا قرابة منا، { ولا نكتم ~~شهدة الله } ، أضاف الشهادة إلى الله لأنه أمر بإقامتها ونهى عن ~~كتمانها، وقرأ يعقوب { شهادة } ، بتنوين، { الله } ممدود، جعل الاستفهام ~~عوضا عن حرف القسم، ويروى عن أبي جعفر { شهادة } بتنوين، { الله } بقطع ~~الألف وكسر الهاء من غير استفهام على ابتداء اليمين، أي: والله، { إنآ ~~إذا لمن الأثمين } ، أي: إن كتمناها كنا من الآثمين. # فلما نزلت هذه الآية صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر ودعا ~~تميما وعديا فاستحلفهما عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو أنهما لم ~~يختانا شيئا مما دفع إليهما فحلفا على ذلك، وخلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم سبيلهما. # ثم ظهر الإناء واختلفوا في كيفية ظهوره، فروى سعيد بن جبير ms0736 عن ابن عباس ~~رضي الله عنهم أنه وجد بمكة، فقالوا: إنا اشتريناه من تميم وعدي، وقال ~~آخرون: لما طالت المدة أظهروه فبلغ ذلك بني سهم فأتوهما في ذلك، فقالا: ~~إنا كنا قد اشتريناه منه فقالوا، لهما: ألم تزعما أن صاحبنا لم يبع ~~شيئا من متاعه؟ قالا: لم يكن عندنا بينة فكرهنا أن نقر لكم به فكتمناه ~~لذلك، فرفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ### || [5.107-108] # فأنزل الله عز وجل: { فإن عثر } أي: اطلع على خيانتهما، وأصل ~~العثور: الوقوع على الشيء، { على أنهما } ، يعني: الوصيين { ~~استحقآ } ، استوجبا، { إثما } ، بخيانتهما وبأيمانهما الكاذبة، { ~~فآخران } ، من أولياء الميت، { يقومان مقامهما } ، بمعني: ~~مقام الوصيين، { من الذين استحق } ، بضم التاء على المجهول، ~~هذا قراءة العامة، يعني: الذين استحق، { عليهم } ، أي فيهم ولأجلهم ~~الإثم وهم ورثة الميت استحق الحالفان بسببهم الإثم و (على) بمعنى في؛ كما ~~قال الله: # على ملك سليمن # [البقرة: 102]، [أي: في ملك سليمان]، وقرأ حفص (استحق) بفتح التاء ~~والحاء، وهي قراءة علي والحسن، أي: حق ووجب عليهم الإثم، يقال: حق ~~واستحق بمعنى واحد، { الأوليان } ، نعت للآخران، أي: فآخران ~~الأوليان، وإنما جاز ذلك، و { الأوليان } ، معرفة والآخران نكرة لأنه ~~لما وصف ال " آخران " ، فقال { من الذين } صار كالمعرفة و { الأوليان } ~~تثنية الأولى، والأولى هو الأقرب، وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم ويعقوب { ~~الأولين } بالجمع فيكون بدلا من الذين، والمراد منهم أيضا أولياء ~~الميت. # ومعنى الآية: إذا ظهرت خيانة الحالفين يقوم اثنان آخران من أقارب ~~الميت، { فيقسمان بالله لشهدتنآ أحق من ~~شهدتهما } ، يعني: يميننا أحق من يمينهما، نظيره قوله تعالى في ~~اللعان: # فشهدة أحدهم أربع شهدات بالله # [النور: 6]، والمراد بها الأيمان، فهو كقول القائل: أشهد بالله، أي: ~~أقسم بالله، { وما اعتدينآ } , في أيماننا، وقولنا إن شهادتنا ~~أحق من شهادتهما، { إنآ إذا لمن الظلمين }. # فلما نزلت هذه الآية قام عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة السهميان، ~~فحلفا بالله بعد العصر فدفع الإناء إليهما وإلى أولياء الميت، فكان تميم ~~الداري بعدما أسلم يقول: صدق الله ورسوله ms0737 أنا أخذت الإناء، فأتوب إلى ~~الله وأستغفره. وإنما انتقل اليمين إلى الأولياء لأن الوصيين ادعيا أنهما ~~ابتاعاه. # والوصي إذا أخذ شيئا من مال الميت وقال: إنه أوصى لي به حلف الوارث، ~~إذا أنكر ذلك، وكذلك لو ادعى رجل سلعة في يد رجل فاعترف ثم ادعى أنه ~~اشتراها من المدعي، حلف المدعي أنه لم يبعها منه. # ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما عن تميم الداري قال: كنا بعنا ~~الإناء بألف درهم فقسمتها أنا وعدي، فلما أسلمت تأثمت فأتيت موالي الميت ~~فأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها فأتوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وحلف عمرو والمطلب فنزعت الخمسمائة من عدي، ورددت أنا الخمسمائة. # فذلك قوله تعالى: { ذلك أدنى أن يأتوا بالشهدة ~~على وجههآ } ، أي: ذلك الذي حكمنا به من رد اليمين أجدر وأحرى أن ~~يأتي الوصيان بالشهادة على وجهها وسائر الناس أمثالهم، أي: أقرب إلى ~~الإتيان بالشهادة على ما كانت، { أو يخفوا أن ترد ~~أيمن بعد أيمنهم } ، أي: أقرب إلى أن يخافوا رد اليمين ~~بعد يمينهم على [المدعي] فيحلفوا على خيانتهم وكذبهم فيفتضحوا ويغرموا، ~~فلا يحلفون كاذبين إذا خافوا هذا الحكم، { واتقوا الله } ، أن ~~تحلفوا أيمانا كاذبة أو تخونوا الأمانة، { واسمعوا } ، الموعظة، { ~~والله لا يهدى القوم الفسقين }. ### || [5.109-110] # قوله عز وجل { يوم يجمع الله الرسل } وهو يوم القيامة، ~~{ فيقول ماذآ أجبتم } ، أي: ماذا أجابتكم أمتكم؟ وما الذي ~~رد عليكم قومكم حين دعوتموهم إلى توحيدي وطاعتي؟ { قالوا } ، أي: ~~فيقولون، { لا علم لنآ } ، قال ابن عباس معناه: لا علم لنا إلا ~~العلم الذي أنت أعلم به منا، وقيل: لا علم لنا بوجه الحكمة عن سؤالك ~~إيانا عن أمر أنت أعلم به منا، وقال ابن جريج: لا علم بنا بعاقبة ~~أمرهم وبما أحدثوا من بعد، دليله أنه قال: { إنك أنت علم ~~الغيوب } ، أي: أنت الذي تعلم ما غاب ونحن لا نعلم إلا ما نشاهد. # أخبرنا عبدالواحد المليحي أنا أحمد بن عبدالله النعيمي أنا محمد بن يوسف ~~أنا محمد بن إسماعيل أنا مسلم ms0738 بن إبراهيم أنا وهيب أنا عبدالعزيز عن ~~أنس رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ليردن علي ناس من أصحابي الحوض حتى إذا عرفتهم اختلجوا ~~دوني، فأقول: أصحابي، فيقال: لا تدري ما أحدثوا بعدك ". # وقال ابن عباس والحسن ومجاهد والسدي: إن للقيامة أهوالا وزلازل تزول ~~فيها القلوب عن مواضعها، فيفزعون من هول ذلك اليوم ويذهلون عن الجواب، ثم ~~بعدما ثابت إليهم عقولهم يشهدون على أممهم. # قوله تعالى: { إذ قال الله يعيسى ابن مريم اذكر ~~نعمتى عليك } , قال الحسن: ذكر النعمة شكرها، وأراد بقوله: { ~~نعمتى } ، أي: نعمي، [قال الحسن]: لفظة واحد ومعناه جمع؛ كقوله ~~تعالى (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها)، { وعلى ~~ولدتك } ، مريم ثم ذكر النعم فقال: { إذ أيدتك } ، قويتك، ~~{ بروح القدس } ، يعني: جبريل عليه السلام، { تكلم الناس ~~} ، يعني: وتكلم الناس، { فى المهد } ، صبيا، { وكهلا } ، ~~نبيا قال ابن عباس: أرسله الله وهو ابن ثلاثين سنة، فمكث في رسالته ~~ثلاثين شهرا ثم رفعه الله إليه، { وإذ علمتك الكتب } ، ~~يعني: الخط، { والحكمة } ، يعني: العلم والفهم، { والتوراة ~~والإنجيل وإذ تخلق } ، تجعل وتصور، { من الطين ~~كهيئة الطير } ، كصورة الطير، { بإذنى فتنفخ فيها ~~فتكون طيرا } ، حيا يطير، { بإذنى وتبرىء } ، وتصحح، { ~~الأكمه والأبرص بإذنى وإذ تخرج الموتى } ، من ~~قبورهم أحياء، { بإذنى وإذ كففت } ، منعت وصرفت، { بنى ~~إسرءيل } ، يعني: اليهود، { عنك } ، حين هموا بقتلك، { إذ ~~جئتهم بالبينت } ، يعني: بالدلالات والمعجزات، وهي التي ~~ذكرنا. # { فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر ~~مبين } ، يعني: ما جاءهم به من البينات، قرأ حمزة والكسائي { ساحر ~~مبين } ها هنا وفي سورة هود والصف، فيكون راجعا إلى عيسى عليه السلام، ~~وفي هود يكون راجعا إلى محمد صلى الله عليه وسلم. ### || [5.111-112] # { وإذ أوحيت إلى الحواريين } ، ألهمتهم وقذفت في ~~قلوبهم، وقال أبو عبيدة يعني أمرت و { إلى } صلة، والحواريون خواص أصحاب ~~عيسى عليه السلام، { أن ءامنوا بى وبرسولى } ، [عيسى]، { ~~قالوا } حين وفقتهم { ءامنا واشهد بأننا مسلمون }. # { إذ قال الحواريون يعيسى ابن مريم هل ~~يستطيع ربك } ، قرأ الكسائي " هل تستطيع " بالتاء ms0739 " ربك " ~~بنصب الباء هي قراءة علي وعائشة وابن عباس ومجاهد، أي: هل تستطيع أن تدعو ~~وتسأل ربك، وقرأ الآخرون " هل يستطيع " بالياء، و " وربك " برفع الباء، ~~ولم يقولوه شاكين في قدرة الله عز وجل، ولكن معناه هل ينزل ربك أم لا؟ ~~كما يقول الرجل لصاحبه هل تستطيع أن تنهض معي وهو يعلم أنه يستطيع، وإنما ~~يريد هل يفعل ذلك أم لا، وقيل: يستطيع بمعنى يطيع، يقال: أطاع واستطاع ~~بمعنى واحد، كقوله: أجاب واستجاب، معناه: هل يطيعك ربك بإجابة سؤالك؟ وفي ~~الآثار من أطاع الله أطاعه الله، وأجرى بعضهم على الظاهر، فقالوا: غلط ~~القوم، وقالوه قبل استحكام المعرفة وكانوا بشرا، فقال لهم عيسى عليه ~~السلام: عند الغلط استعظاما لقولهم { اتقوا الله إن كنتم ~~مؤمنين } ، أي: لا تشكوا في قدرته. # { أن ينزل علينا مآئدة من السمآء } ، المائدة ~~الخوان الذي عليه الطعام، وهي فاعلة من: ماده يميده إذا أعطاه ~~وأطعمه، كقوله ماره يميره، وامتاد: افتعل منه، والمائدة هي الطعمة ~~للآكلين الطعام، وسمي الطعام أيضا مائدة على الجواز، لأنه يؤكل على ~~المائدة، وقال أهل الكوفة: سميت مائدة لأنها تميد بالآكلين، أي: تميل، ~~وقال أهل البصرة: فاعلة بمعنى المفعول، يعني: ميد بالآكلين إليها؛ كقوله ~~تعالى (عيشة راضية)، أي: مرضية، { قال } عيسى عليه السلام مجيبا لهم: { ~~اتقوا الله إن كنتم مؤمنين } ، فلا تشكوا في قدرته، ~~وقيل: اتقوا الله أن تسألوه شيئا لم يسأله الأمم قبلكم، فنهاهم عن ~~اقتراح الآيات بعد الإيمان. ### || [5.113-115] # { قالوا نريد } أي: إنما سألنا لأنا نريد، { أن نأكل ~~منها } ، أكل تبرك لا أكل حاجة فنستيقن قدرته، { وتطمئن } ، ~~تسكن، { قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا } ، بأنك رسول ~~الله، أي: نزداد إيمانا ويقينا، وقيل إن عيسى عليه السلام أمرهم أن ~~يصوموا ثلاثين يوما، فإذا أفطروا لا يسألون الله شيئا إلا أعطاهم، ~~ففعلوا وسألوا المائدة، وقالوا: " ونعلم أن قد صدقتنا " في قولك، إنا إذا ~~صمنا ثلاثين يوما لا نسأل الله تعالى شيئا إلا أعطانا، { ونكون ~~عليها من الشهدين } ، لله بالوحدانية والقدرة، ولك بالنبوة ~~والرسالة، وقيل: ونكون من ms0740 الشاهدين لك عند بني إسرائيل إذا رجعنا إليهم. # { قال عيسى ابن مريم } ، عند ذلك، { اللهم ربنآ ~~أنزل علينا مآئدة من السمآء } ، وقيل: إنه اغتسل ولبس ~~المسح وصلى ركعتين وطأطأ رأسه وغض بصره وبكى، ثم قال: اللهم ربنا ~~أنزل علينا مائدة من السماء، { تكون لنا عيدا لأولنا ~~وءاخرنا } ، أي: عائدة من الله علينا حجة وبرهانا، والعيد: يوم ~~السرور، وسمي به للعود من الترح إلى الفرح، وهو اسم لما اعتدته ويعود ~~إليك، وسمي يوم الفطر والأضحى عيدا لأنهما يعودان في كل سنة، قال السدي: ~~معناه نتخذ اليوم الذي أنزلت فيه عيدا لأولنا وآخرنا، أي: نعظمه نحن ~~ومن بعدنا، وقال سفيان: نصلي فيه، قوله: { لأولنا } ، أي: لأهل زماننا ~~{ وآخرنا } ، أي: لمن يجيء بعدنا، وقال ابن عباس: يأكل منها آخر الناس ~~كما أكل أولهم، { وءاية منك } ، دلالة وحجة، { وارزقنا ~~وأنت خير الرازقين }. # { وقال الله } تعالى مجيبا لعيسى عليه السلام، { إنى ~~منزلها عليكم } ، يعني: المائدة وقرأ أهل المدينة وابن عامر ~~وعاصم " منزلها " بالتشديد لأنها نزلت مرات، والتفعيل يدل على التكرير ~~مرة بعد أخرى وقرأ الآخرون بالتخفيف لقوله أنزل علينا، { فمن يكفر ~~بعد منكم } ، أي: بعد نزول المائدة { فإنى أعذبه ~~عذابا } ، أي: جنس عذاب، { لا أعذبه أحدا من ~~العلمين } ، يعني: عالمي زمانه، فجحد القوم وكفروا بعد نزول ~~المائدة فمسخوا قردة وخنازير، قال عبدالله بن عمرو: إن أشد الناس ~~عذابا يوم القيامة المنافقون ومن كفر من أصحاب المائدة وآل فرعون. # واختلف العلماء في المائدة هل نزلت أم لا؟ فقال مجاهد والحسن: لم تنزل ~~لأن الله عز وجل لما أوعدهم على كفرهم بعد نزول المائدة خافوا أن يكفر ~~بعضهم فاستعفوا، وقالوا: لا نريدها، فلم تنزل، وقوله: " إني منزلها عليكم ~~" ، يعني: إن سألتم. # والصحيح الذي عليه الأكثرون أنها نزلت؛ لقوله تعالى: " إني منزلها ~~عليكم " ، ولا خلف في خبره، لتواتر الأخبار فيه عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والصحابة والتابعين. # واختلفوا في صفتها فروى خلاس بن عمرو عن عمار بن ياسر عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنها ms0741 نزلت خبزا ولحما، وقيل لهم: إنها مقيمة لكم ما لم ~~تخونوا [وتخبؤوا] فما مضى يومهم حتى خانوا وخبؤوا فمسخوا قردة وخنازير. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إن عيسى عليه السلام قال لهم: صوموا ~~ثلاثين يوما ثم سلوا الله ما شئتم يعطكموه، فصاموا فلما فرغوا قالوا: ~~يا عيسى إنا لو عملنا لأحد فقضينا عمله لأطعمنا، وسألوا الله المائدة ~~فأقبلت الملائكة بمائدة يحملونها، عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات حتى ~~وضعتها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم. # قال كعب الأحبار: نزلت [مائدة] منكوسة تطير بها الملائكة بين السماء ~~والأرض، عليها كل الطعام إلا اللحم. # وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: أنزل على المائدة كل شيء إلا الخبز ~~واللحم، قال قتادة: كان عليها ثمر من ثمار الجنة. # وقال عطية العوفي: نزلت من السماء سمكة فيها طعم كل شيء. # وقال الكلبي: كان عليها خبز ورز وبقل. # وقال وهب بن منبه: أنزل الله أقرصة من شعير وحيتانا وكان قوم يأكلون ثم ~~يخرجون ويجيء آخرون فيأكلون حتى أكل جميعهم وفضل. # وعن الكلبي ومقاتل: أنزل الله خبزا وسمكا وخمسة أرغفة، فأكلوا ما شاء ~~الله تعالى، والناس ألف ونيف فلما رجعوا إلى قراهم، ونشروا الحديث ضحك ~~منهم من لم يشهد، وقالوا: ويحكم إنما سحر أعينكم، فمن أراد الله به الخير ~~ثبته على بصيرته، ومن أراد فتنته رجع إلى كفره، فمسخوا خنازير ليس فيهم ~~صبي ولا امرأة، فمكثوا بذلك ثلاثة أيام ثم هلكوا، ولم يتوالدوا ولم ~~يأكلوا ولم يشربوا، وكذلك كل ممسوخ. # وقال قتادة: كانت تنزل عليهم بكرة وعشيا حيث كانوا كالمن والسلوى ~~لبني إسرائيل، وقال عطاء بن أبي رباح عن سلمان الفارسي: لما سأل ~~الحواريون المائدة لبس عيسى عليه السلام صوفا وبكى، وقال: " اللهم أنزل ~~علينا مائدة من السماء " الآية فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين غمامة من ~~فوقها وغمامة من تحتها، وهم ينظرون إليها وهي تهوي منقضة حتى سقطت بين ~~أيديهم فبكى عيسى، وقال: اللهم اجعلني من الشاكرين اللهم اجعلها رحمة ولا ~~تجعلها عقوبة، ms0742 واليهود ينظرون إلى شيء لم يروا مثله قط ولم يجدوا ريحا ~~أطيب من ريحه، فقال عيسى عليه السلام: ليقم أحسنكم عملا فيكشف عنها ~~ويذكر اسم الله تعالى، فقال شمعون الصفار رأس الحواريين: أنت أولى بذلك ~~منا [فقام عيسى عليه السلام] فتوضأ وصلى صلاة طويلة وبكى كثيرا، ثم ~~كشف المنديل عنها، وقال: بسم الله خير الرازقين فإذا هو سمكة مشوية ليس ~~عليها فلوسها ولا شوك عليها تسيل من الدسم وعند رأسها ملح وعند ذنبها خل، ~~وحولها من ألوان البقول ما خلا الكراث، وإذا خمسة أرغفة على واحد زيتون، ~~وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد، ~~فقال شمعون: يا روح الله أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الآخرة؟ فقال: ~~ليس شيء مما ترون من طعام الدنيا ولا من طعام الآخرة، ولكنه شيء افتعله ~~الله تعالى بالقدرة الغالبة، كلوا مما سألتم يمددكم ويزدكم من فضله، ~~قالوا: يا روح الله كن أول من يأكل منها، فقال عيسى عليه السلام: معاذ ~~الله أن آكل منها ولكن يأكل منها من سألها فخافوا أن يأكلوا منها، فدعا ~~لها عيسى أهل الفاقة والمرضى وأهل البرص والجذام والمقعدين والمبتلين، ~~فقال: كلوا من رزق الله ولكم المهنأ ولغيركم البلاء، فأكلوا وصدر عنها ~~ألف وثلاثمائة رجل وامرأة من فقير ومريض وزمن ومبتلى كلهم شبعان، وإذ ~~السمكة بهيئتها حين نزلت، ثم طارت سفرة المائدة صعدا وهم ينظرون إليها ~~حتى توارت بالحجاب، فلم يأكل منها زمن ولا مريض ولا مبتلى إلا عوفي ~~ولا فقير إلا استغنى، وندم من لم يأكل منها فلبثت أربعين صباحا تنزل ~~ضحى، فإذا نزلت اجتمع الأغنياء والفقراء والصغار والكبار والرجال ~~والنساء، ولا تزال منصوبة يؤكل منها حتى إذا فاء الفيء طارت صعدا وهم ~~ينظرون في ظلها حتى توارت عنهم، وكانت تنزل غبا تنزل يوما ولا تنزل ~~يوما كناقة ثمود، فأوحى الله تعالى [إلى عيسى عليه السلام]: اجعل مائدتي ~~ورزقي للفقراء دون الأغنياء، فعظم ذلك على الأغنياء حتى شكوا وشككوا ~~الناس فيها، وقالوا: أترون ms0743 المائدة حقا تنزل من السماء؟ فأوحى الله ~~تعالى إلى عيسى عليه السلام: إني شرطت أن من كفر بعد نزولها عذبته ~~عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، فقال عيسى عليه السلام: (إن ~~تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم)، فمسخ منهم ~~ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون رجلا باتوا من ليلتهم على فرشهم مع نسائهم ~~فأصبحوا خنازير يسعون في الطرقات والكناسات، ويأكلون العذرة في الحشوش ~~فلما رأى الناس ذلك فزعوا إلى عيسى عليه السلام وبكوا، فلما أبصرت ~~الخنازير عيسى عليه السلام بكت وجعلت تطيف بعيسى عليه السلام وجعل عيسى ~~يدعوهم بأسمائهم فيشيرون برءوسهم ويبكون ولا يقدرون على الكلام، فعاشوا ~~ثلاثة أيام ثم هلكوا. ### || [5.116] # قوله عز وجل: { وإذ قال الله يعيسى ابن مريم ءأنت ~~قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون الله ~~} ، واختلفوا في أن هذا القول متى يكون، فقال السدي: قال الله تعالى هذا ~~القول لعيسى عليه السلام حين رفعه إلى السماء لأن حرف " إذ " يكون ~~للماضي، وقال سائر المفسرين: إنما يقول الله له هذا القول يوم القيامة، ~~بدليل قوله [من قبل]: # يوم يجمع الله الرسل # [المائدة: 109] وقال من بعد هذا: # هذا يوم ينفع الصدقين صدقهم # [المائدة: 119]، وأراد بهما يوم القيامة، وقد تجيء " إذ " بمعنى " إذا ~~"؛ كقوله عز وجل: (ولو ترى إذ فزعوا) أي: إذا فزعوا [يوم القيامة]، ~~والقيامة وإن لم تكن بعد ولكنها كالكائنة لأنها آتية لا محالة. # قوله: { ءأنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين ~~من دون الله }؟ فإن قيل: فما وجه هذا السؤال مع علم الله أن عيسى ~~لم يقله؟ # قيل هذا السؤال عنه لتوبيخ قومه وتعظيم أمر هذه المقالة كما يقول القائل ~~لآخر: أفعلت كذا وكذا؟ فيما يعلم أنه لم يفعله، إعلاما واستعظاما لا ~~استخبارا واستفهاما. # وأيضا أراد الله عز وجل أن يقر [عيسى عليه السلام عن] نفسه ~~بالعبودية، فيسمع قومه، ويظهر كذبهم عليه أنه أمرهم بذلك، قال أبو روق: ~~إذا سمع عيسى عليه السلام هذا الخطاب أرعدت مفاصله وانفجرت من أصل كل ~~شعرة على جسده عين ms0744 من دم، ثم يقول مجيبا لله عز وجل: { قال ~~سبحنك } ، تنزيها وتعظيما لك { ما يكون لى أن أقول ~~ما ليس لى بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ~~ما فى نفسى } ، قال ابن عباس: تعلم ما في غيبي ولا أعلم ما في غيبك، ~~وقيل معناه: تعلم سري ولا أعلم سرك، وقال أبو روق تعلم ما كان مني ~~في دار الدنيا ولا أعلم ما يكون منك في الآخرة، وقال الزجاج: النفس عبارة ~~عن جملة الشيء وحقيقته، يقول: تعلم جميع ما أعلم من حقيقة أمري ولا أعلم ~~حقيقة أمرك، { إنك أنت علم الغيوب } ، ما كان وما يكون. ### || [5.117-118] # { ما قلت لهم إلا مآ أمرتني به أن اعبدوا ~~الله ربي وربكم } ، [وحدوه] ولا تشركوا به شيئا، { ~~وكنت عليهم شهيدا ما دمت } ، أقمت، { فيهم فلما ~~توفيتنى } ، قبضتني ورفعتني إليك، { كنت أنت الرقيب ~~عليهم } والحفيظ عليهم، تحفظ أعمالهم، { وأنت على كل ~~شىء شهيد }. # قوله تعالى: { إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر ~~لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } ، فإن قيل: كيف طلب ~~المغفرة لهم وهم كفار، وكيف قال: وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم، ~~وهذا لا يليق بسؤال المغفرة، قيل: أما الأول فمعناه إن تعذبهم بإقامتهم ~~على كفرهم وإن تغفر لهم بعد الإيمان، وهذا يستقيم على قول السدي: إن هذا ~~السؤال قبل يوم القيامة لأن الإيمان لا ينفع في القيامة. # وقيل: هذا في فريقين منهم، معناه: إن تعذب من كفر منهم وإن تغفر لمن آمن ~~منهم. # وقيل: ليس هذا على وجه طلب المغفرة ولو كان كذلك لقال: فإنك أنت الغفور ~~الرحيم، ولكنه على تسليم الأمر وتفويضه إلى مراده. # وأما السؤال الثاني: فكان ابن مسعود رضي الله عنه يقرأ وإن تغفر لهم ~~فإنك أنت الغفور الرحيم، وكذلك هو في مصحفه، وأما على القراءة المعروفة ~~قيل: فيه تقديم وتأخير تقديره: وإن تغفر لهم فإنهم عبادك وإن تعذبهم فإنك ~~أنت العزيز الحكيم. # وقيل: معناه إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز في ~~الملك الحكيم في القضاء ms0745 لا ينقص من عزك شيء، ولا يخرج من حكمك شيء، ~~ويدخل في حكمته ومغفرته وسعة رحمته ومغفرته الكفار، لكنه أخبر أنه لا ~~يغفر وهو لا يخلف خبره. # أخبرنا إسماعيل بن عبدالقاهر أنا عبدالغافر بن محمد الفارسي ثنا محمد بن ~~عيسى الجلودي حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان حدثنا مسلم بن الحجاج حدثني ~~يونس بن عبدالأعلى الصدفي حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث أن بكر بن ~~سوادة حدثه عن عبدالرحمن بن جبير عن عبدالله بن عمرو بن العاص # " أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله تعالى في إبراهيم: { رب ~~إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني } ، الآية، وقول عيسى ~~عليه السلام: { إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز ~~الحكيم } فرفع يديه وقال: «اللهم أمتي وبكى» فقال الله عز وجل: يا ~~جبريل اذهب إلى محمد، وربك أعلم فسله ما يبكيه؟ فأتاه جبريل فسأله، ~~فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال، فقال الله تعالى: يا جبريل ~~اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك ". ### || [5.119-120] # { قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم } قرأ ~~نافع { يوم } بنصب الميم، يعني: تكون هذه الأشياء في يوم، فحذف في ~~فانتصب، وقرأ الآخرون بالرفع على أنه خبر { هذا } ، أي: ينفع الصادقين في ~~الدنيا صدقهم في الآخرة، ولو كذبوا ختم الله على أفواههم ونطقت به ~~جوارحهم فافتضحوا، وقيل: أراد بالصادقين النبيين. # وقال الكلبي: ينفع المؤمنين إيمانهم، قال قتادة: متكلمان يخطئان يوم ~~القيامة عيسى عليه السلام، وهو ما قص الله عز وجل، وعدو الله إبليس، وهو ~~قوله: " وقال الشيطان لما قضي الأمر " الآية، فصدق عدو الله يومئذ، ~~وكان قبل ذلك كاذبا فلم ينفعه صدقه، وأما عيسى عليه السلام فكان صادقا ~~في الدنيا والآخرة، فنفعه صدقه. # وقال عطاء: هذا يوم من أيام الدنيا لأن الدار الآخرة دار جزاء لا دار ~~عمل، ثم بين ثوابهم فقال: { لهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيهآ أبدا رضي الله عنهم ~~ورضوا عنه ms0746 ذلك الفوز العظيم } ، ثم عظم نفسه. فقال: { ~~لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على ~~كل شيء قدير } ### | [6 - سورة الأنعام] ### || [6.1] # { الحمد لله الذى خلق السموت والأرض } ، قال ~~كعب الأحبار: هذه الآية أول آية في التوراة، وآخر آية في التوراة، قوله: # وقل الحمد لله الذى لم يتخذ ولدا # [الإسراء: 111] الآية. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: افتتح الله الخلق بالحمد، فقال: { الحمد ~~لله الذي خلق السموات والأرض } ، وختمه بالحمد فقال: (وقضي بينهم ~~بالحق)، أي: بين الخلائق، # وقيل الحمد لله رب العالمين # [الزمر: 75]. # قوله: " الحمد لله " حمد الله نفسه تعليما لعباده، أي: احمدوا الله ~~الذي خلق السموات والأرض، خصهما بالذكر لأنهما أعظم المخلوقات فيما يرى ~~العباد، وفيهما العبر والمنافع للعباد، { وجعل الظلمت ~~والنور } ، والجعل بمعنى الخلق، وقال الواقدي: كل ما في القرآن من ~~الظلمات والنور فهو الكفر والإيمان، إلا في هذه الآية فإنه يريد بهما ~~الليل والنهار. # وقال الحسن: وجعل الظلمات والنور، يعني الكفر والإيمان، وقيل: أراد ~~بالظلمات الجهل والنور العلم. # وقال قتادة: يعني الجنة والنار. # وقيل: معناه خلق الله السموات والأرض، وقد جعل الظلمات والنور، لأنه خلق ~~الظلمة والنور قبل السموات والأرض. # قال قتادة: خلق الله السموات قبل الأرض، وخلق الظلمة قبل النور، والجنة ~~قبل النار، وروي عن عبدالله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " إن الله تعالى خلق الخلق في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه ~~من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل ". # { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } ، أي: ثم الذين ~~كفروا بعد هذا البيان بربهم يعدلون، أي: يشركون، وأصله من مساواة الشيء ~~بالشيء، ومنه العدل، أي: يعدلون بالله غير الله تعالى، يقال: عدلت هذا ~~بهذا إذا ساويته، وبه قال النضر بن شميل: الباء بمعنى عن، أي: عن ربهم ~~يعدلون، أي يميلون وينحرفون من العدول، قال الله تعالى (عينا يشرب بها ~~عباد الله) أي: منها. # وقيل: تحت قوله: " ثم الذين كفروا بربهم يعدلون " معنى لطيف: وهو مثل ~~قول القائل: أنعمت عليكم ms0747 بكذا وتفضلت عليكم بكذا، ثم تكفرون بنعمتي. ### || [6.2-3] # قوله عز وجل: { هو الذى خلقكم من طين } ، يعني: آدم ~~عليه السلام، خاطبهم به إذ كانوا من ولده، قال السدي: بعث الله تعالى ~~جبريل عليه السلام إلى الأرض ليأتيه بطائفة منها، فقالت الأرض: إني أعوذ ~~بالله منك أن تنقص مني، فرجع جبريل ولم يأخذ وقال: يا رب إنها عاذت بك، ~~فبعث ميكائيل، فاستعاذت فرجع، فبعث ملك الموت فعاذت منه بالله، فقال: ~~وأنا أعوذ بالله أن أخالف أمره، فأخذ من وجه الأرض فخلط الحمراء والسوداء ~~والبيضاء، فلذلك اختلفت ألوان بني آدم، ثم عجنها بالماء العذب والملح ~~والمر، فلذلك اختلفت أخلاقهم فقال الله تعالى لملك الموت: رحم جبريل ~~وميكائيل الأرض ولم ترحمها، لا جرم أجعل أرواح من أخلق من هذا الطين ~~بيدك. # وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: # " خلق الله آدم عليه السلام من تراب وجعله طينا، ثم تركه حتى كان حمأ ~~مسنونا ثم خلقه وصوره وتركه حتى كان صلصالا كالفخار، ثم نفخ فيه روحه ~~". # قوله عز وجل: { ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده } ، ~~قال الحسن وقتادة والضحاك: الأجل الأول من الولادة إلى الموت، والأجل ~~الثاني من الموت إلى البعث، وهو البرزخ، وروي ذلك عن ابن عباس، وقال: ~~لكل أحد أجلان أجل إلى الموت وأجل من الموت إلى البعث، فإن كان برا ~~تقيا وصولا للرحم زيد له من أجل البعث في أجل العمر، وإن كان فاجرا ~~قاطعا للرحم نقص من أجل العمر زيد في أجل البعث، وقال مجاهد وسعيد بن ~~جبير: الأجل الأول أجل الدنيا، والأجل الثاني أجل الآخرة، وقال عطية عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما: { ثم قضى أجلا } ، يعني: النوم تقبض ~~فيه الروح ثم ترجع عند اليقظة، { وأجل مسمى عنده } ، يعني: ~~أجل الموت، وقيل: هما واحد معناه: [ثم قضى أجلا] يعني جعل لأعماركم مدة ~~تنتهون إليها، " وأجل مسمى عنده " يعني وهو أجل مسمى عنده لا يعلمه غيره، ~~{ ثم أنتم تمترون } ، تشكون في البعث. # قوله عز وجل: { وهو الله في السماوات ms0748 وفي الأرض } ، ~~يعني: وهو إله السموات والأرض؛ كقوله: (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض ~~إله)، وقيل: هو المعبود في السموات والأرض، وقال محمد بن جرير: معناه وهو ~~الله في السموات يعلم سركم وجهركم في الأرض، [وقال الزجاج: فيه تقديم ~~وتأخير وتقدير: وهو الله، { يعلم سركم وجهركم } ، في ~~السموات والأرض]، { ويعلم ما تكسبون } ، تعملون من الخير ~~والشر. ### || [6.4-7] # { وما تأتيهم } يعني: أهل مكة، { من ءاية من ءايت ~~ربهم } ، مثل انشقاق القمر وغيره، وقال عطاء: يريد من آيات القرآن، ~~{ إلا كانوا عنها معرضين } ، لها تاركين بها مكذبين. # { فقد كذبوا بالحق } ، بالقرآن، وقيل: بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم، { لما جآءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا ~~به يستهزءون } ، أي: أخبار استهزائهم وجزاؤه، أي: سيعلمون عاقبة ~~استهزائهم إذا عذبوا. # قوله عز وجل: { ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من ~~قرن } ، يعني: الأمم الماضية، والقرن: الجماعة من الناس، وجمعه قرون، ~~وقيل: القرن مدة من الزمان، يقال: ثمانون سنة، وقيل: ستون سنة، وقيل: ~~أربعون سنة، وقيل: ثلاثون سنة، ويقال: مائة سنة، لما روي # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبدالله بن بسر المازني: «إنك ~~تعيش قرنا» " # ، فعاش مائة سنة. # فيكون معناه على هذه الأقاويل من أهل قرن، { مكنهم فى ~~الأرض ما لم نمكن لكم } ، أي: أعطيناهم مالم نعطكم، وقال ~~ابن عباس: أمهلناهم في العمر مثل قوم نوح وعاد وثمود، يقال: مكنته ~~ومكنت له، { وأرسلنا السمآء عليهم مدرارا } ، يعني: ~~المطر، مفعال، من الدر، قال ابن عباس: مدرارا أي: متتابعا في ~~أوقات الحاجات، وقوله: " مالم نمكن لكم " من خطاب التلوين، رجع من ~~الخبر من قوله: " ألم يروا " إلى الخطاب؛ كقوله: # حتى إذا كنتم فى الفلك وجرين بهم # [يونس: 22]. # وقال أهل البصرة: أخبر عنهم بقوله: " ألم يروا " وفيهم محمد صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه، ثم خاطبهم معهم، والعرب تقول: قلت لعبدالله ما أكرمه، ~~وقلت لعبدالله: ما أكرمك، { وجعلنا الأنهر تجرى من ~~تحتهم فأهلكنهم بذنوبهم وأنشأنا } ، خلقنا ~~وابتدأنا، { من بعدهم قرنا ءاخرين }. # قوله عز وجل: { ولو نزلنا عليك كتبا ms0749 فى قرطاس } ~~الآية، قال الكلبي ومقاتل: نزلت في النضر بن الحارث وعبدالله بن أبي ~~أمية ونوفل بن خويلد، قالوا: يا محمد لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من ~~عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون عليه أنه من عند الله وأنك ~~رسوله، فأنزل الله عز وجل: { ولو نزلنا عليك كتبا فى ~~قرطاس } مكتوبا من عندي، { فلمسوه بأيديهم } ، أي: ~~عاينوه ومسوه بأيديهم، وذكر اللمس ولم يذكر المعاينة لأن اللمس أبلغ في ~~إيقاع العلم من [الرؤية]، فإن السحر يجري على المرئي ولا يجري على ~~الملموس، { لقال الذين كفروا إن هذآ إلا سحر ~~مبين } ، معناه: أنه لا ينفع معهم شيء لما سبق فيهم من علمي. ### || [6.8-11] # { وقالوا لولا أنزل عليه } ، على محمد صلى الله عليه ~~وسلم، { ملك ولو أنزلنا ملكا لقضى الأمر } ، أي: ~~لوجب العذاب، وفرغ من الأمر، وهذا سنة الله في الكفار أنهم متى اقترحوا ~~آية فأنزلت ثم لم يؤمنوا استؤصلوا بالعذاب، { ثم لا ينظرون } ، ~~أي: لا يؤجلون ولا يمهلون، وقال قتادة: لو أنزلنا ملكا ثم لم يؤمنوا ~~لعجل لهم العذاب ولم يؤخروا طرفة عين، وقال مجاهد: لقضي الأمر أي ~~لقامت القيامة، وقال الضحاك: لو أتاهم ملك في صورته لماتوا. # { ولو جعلنه ملكا } ، [يعني: لو أرسلنا إليهم ملكا]، { ~~لجعلنه رجلا } ، يعني: في صورة [رجل] آدمي، لأنهم لا ~~يستطيعون النظر إلى الملائكة، وكان جبريل عليه السلام يأتي النبي صلى ~~الله عليه وسلم في صورة دحية الكلبي، وجاء الملكان إلى داود في صورة ~~رجلين. # قوله عز وجل: { وللبسنا عليهم ما يلبسون } ، أي: ~~خلطنا عليهم ما يخلطون وشبهنا عليهم فلا يدرون أملك هو أو آدمي، وقيل: ~~معناه شبهوا على ضعفائهم فشبه عليهم، وعن ابن عباس رضي الله عنهما ~~قال: هم أهل الكتاب فرقوا دينهم وحرفوا الكلم عن مواضعه، فلبس الله ~~عليهم ما لبسوا على أنفسهم وقرأ الزهري { للبسنا } بالتشديد على التكرير ~~والتأكيد. # { ولقد استهزىء برسل من قبلك } ، كما استهزىء بك يا ~~محمد، يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم، { فحاق } ، قال الربيع [بن ~~أنس]: فنزل، وقال ms0750 عطاء: حل، وقال الضحاك: أحاط، { بالذين ~~سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون } ، أي: جزاء ~~استهزائهم من العذاب والنقمة. # { قل } يا محمد لهؤلاء المكذبين المستهزئين، { سيروا فى الأرض ~~} ، معتبرين، يحتمل هذا: السير بالعقول والفكر، ويحتمل السير بالأقدام، { ~~ثم انظروا كيف كان عقبة المكذبين } ، أي: آخر ~~أمرهم وكيف أورثهم الكفر والتكذيب الهلاك، يحذر كفار مكة عذاب الأمم ~~الخالية. ### || [6.12-13] # قوله عز وجل: { قل لمن ما فى السموت والأرض } فإن ~~أجابوك وإلا و { قل } ، أنت، { لله } ، أمره بالجواب عقيب السؤال ~~ليكون أبلغ في التأثير وآكد في الحجة، { كتب } ، أي: قضى، { على ~~نفسه الرحمة } ، هذا استعطاف منه تعالى للمتولين عنه إلى ~~الإقبال عليه وإخباره بأنه رحيم بالعباد لا يعجل العقوبة، ويقبل الإنابة ~~والتوبة. # أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي أخبرنا أبو طاهر الزيادي أخبرنا ~~أبو بكر محمد بن الحسين القطان أنا أحمد بن يوسف السلمي أنا عبدالرزاق ~~أنا معمر عن همام بن منبه قال ثنا أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " لما قضى الله الخلق كتب كتابا فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي ~~غلبت غضبي ". # أخبرنا الشيخ أبو القاسم عبدالله بن علي الكركاني أنا أبو طاهر ~~الزيادي أنا حاجب بن أحمد الطوسي أنا عبدالرحمن المروزي أخبرنا عبدالله ~~بن المبارك أنا عبدالملك بن أبي سليمان عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن لله مائة رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها ~~يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تتعاطف الوحوش على أولادها، وأخر الله ~~تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة ". # أخبرنا عبدالواحد المليحي أنا أحمد بن عبدالله النعيمي أنا محمد بن يوسف ~~ثنا محمد بن إسماعيل ثنا ابن أبي مريم ثنا أبو غسان حدثني زيد بن أسلم عن ~~أبيه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: # " قدم على النبي صلى الله عليه وسلم سبي فإذا امرأة من السبي قد تحلب ~~ثديها، تسعى إذا وجدت صبيا في ms0751 السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال ~~لنا النبي صلى الله عليه وسلم: «أترون هذه طارحة ولدها في النار؟» ~~فقلنا: لا، وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال: «الله أرحم بعباده من ~~هذه بولدها ". # قوله عز وجل: { ليجمعنكم } ، اللام فيه لام القسم والنون نون ~~التأكيد مجازه: والله ليجمعنكم، { إلى يوم القيمة } ، أي: ~~في يوم القيامة، وقيل: معناه ليجمعنكم في قبوركم إلى يوم القيامة، { لا ~~ريب فيه الذين خسروا } ، غبنوا، { أنفسهم فهم لا ~~يؤمنون }. # { وله ما سكن فى اليل والنهار } ، أي: استقر، قيل: ~~أراد ما سكن وما تحرك؛ كقوله: (سرابيل تقيكم الحر)، أي: الحر والبرد، ~~وقيل: إنما خص السكون بالذكر لأن النعمة فيه أكثر، قال محمد بن جرير: كل ~~ما طلعت عليه الشمس وغربت فهو من ساكن الليل والنهار، والمراد منه جميع ~~ما في الأرض، وقيل معناه: ما يمر عليه الليل والنهار، { وهو ~~السميع } ، لأصواتهم، { العليم } بأسرارهم. ### || [6.14] # قوله تعالى: { قل أغير الله أتخذ وليا }؟ وهذا حين ~~دعا إلى دين آبائه، فقال تعالى: قل يا محمد أغير الله أتخذ وليا، [ربا ~~ومعبودا وناصرا ومعينا]؟ { فاطر السموت والأرض } ، ~~أي: خالقهما ومبدعهما ومبتديهما، { وهو يطعم ولا يطعم } ، ~~أي: وهو يرزق ولا يرزق؛ كما قال: (ما أريد منهم من رزق وما أريد ~~أن يطعمون). { قل إنى أمرت أن أكون أول من ~~أسلم } ، يعني: من هذه الأمة، والإسلام بمعنى الاستسلام لأمر الله، ~~وقيل: أسلم أخلص، { ولا تكونن } ، يعني: وقيل لي ولا تكونن، { ~~من المشركين }. ### || [6.15-17] # { قل إنى أخاف إن عصيت ربى } ، [فعبدت غيره] { ~~عذاب يوم عظيم } ، يعني: عذاب يوم القيامة. # { من يصرف عنه } ، يعني: من يصرف العذاب عنه، قرأ حمزة ~~والكسائي وأبو بكر عن عاصم ويعقوب { يصرف } بفتح الياء وكسر الراء، أي: ~~من يصرف الله عنه العذاب (لقوله) " فقد رحمه " ، وقرأ الآخرون بضم ~~الياء وفتح الراء، { يؤمئذ } ، يعني: يوم القيامة، { فقد رحمه ~~وذلك الفوز المبين } ، أي: النجاة البينة. # قوله عز وجل: { وإن يمسسك الله بضر } بشدة وبلية { ~~فلا كشف له } ، لا رافع، { إلا هو وإن يمسسك ms0752 ~~بخير } ، عافية ونعمة، { فهو على كل شىء قدير } ، من ~~الخير والضر. # أخبرنا عبدالواحد المليحي أنا أبو عبدالله السلمي أنا أبو العباس الأصم ~~أنا أحمد بن شيبان الرملي أنا عبدالله بن ميمون القداح أنا شهاب بن خراش، ~~[هو ابن عبدالله] عن عبدالملك بن عمير عن ابن عباس قال: أهدي للنبي صلى ~~الله عليه وسلم بغلة، أهداها له كسرى فركبها بحبل من شعر، ثم أردفني ~~خلفه، ثم سار بي مليا ثم التفت إلي فقال: يا غلام، قلت: لبيك يا رسول ~~الله، قال: # " احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في ~~الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن ~~بالله، وقد مضى القلم بما هو كائن، فلو جهد الخلائق أن ينفعوك بما لم ~~يقضه الله تعالى لك لم يقدروا عليه، ولو جهدوا أن يضروك بما لم يكتب ~~الله تعالى عليك ما قدروا عليه، فإن استطعت أن تعمل بالصبر مع اليقين، ~~فافعل فإن لم تستطع فاصبر فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا، ~~واعلم أن النصر مع الصبر، وأن مع الكرب الفرج، وأن مع العسر ~~يسرا ". ### || [6.18-21] # { وهو القاهر فوق عباده } ، القاهر الغالب، وفي القهر ~~زيادة معنى على القدرة، وهو منع غيره عن بلوغ المراد، وقيل: هو المنفرد ~~بالتدبير الذي يجبر الخلق على مراده فوق عباده هو صفة الاستعلاء ~~الذي تفرد به الله عز وجل. { وهو الحكيم } ، في أمره، { ~~الخبير } ، بأعمال عباده. # قوله عز وجل: { قل أى شىء أكبر شهدة }؟ الآية، قال ~~الكلبي: أتى أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أرنا من يشهد ~~أنك رسول الله فإنا لا نرى أحدا يصدقك، ولقد سألنا عنك اليهود ~~والنصارى فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر، فأنزل الله تعالى: { قل أى ~~شىء أكبر } ، أعظم، { شهادة }؟ فإن أجابوك، وإلا { قل الله ~~} هو { شهيد بينى وبينكم } ، على ما أقول، ويشهد لي بالحق ~~وعليكم بالباطل، { وأوحى إلى هذا القرءان لأنذركم ~~به } ، لأخوفكم به يا أهل مكة، { ومن بلغ } ، يعني: ومن بلغه ms0753 ~~القرآن من العجم وغيرهم من الأمم إلى يوم القيامة. # حدثنا أبو الفضل زياد بن محمد الحنفي أنا محمد بن بشر بن محمد المزني ~~أنا أبو بكر محمد بن الحسين بن بشر النقاش أنا أبو شعيب الحراني أنا يحيى ~~بن عبدالله بن الضحاك البابلي أنا الأوزاعي حدثني حسان بن عطية عن أبي ~~كبشة [السلولي] عن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب ~~علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ". # أخبرنا أبو الحسن عبدالوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبدالعزيز بن أحمد ~~الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا سفيان بن عيينة ~~عن عبدالملك بن عمير عن عبد الرحمن بن عبدالله بن مسعود عن أبيه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # " نضر الله عبدا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها. فرب حامل ~~فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل ~~عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة للمسلمين، ولزوم جماعتهم، ~~فإن دعوتهم تحيط من ورائهم ". # قال مقاتل: من بلغه القرآن من الجن والإنس فهو نذير له، وقال محمد بن ~~كعب القرظي: من بلغه القرآن فكأنما رأى محمدا صلى الله عليه وسلم وسمع ~~منه، { أئنكم لتشهدون أن مع الله ءالهة أخرى ~~}؟ ولم يقل أخر لأن الجمع يلحقه التأنيث؛ كقوله عز وجل: # ولله الأسمآء الحسنى فادعوه بها # [الأعراف: 180]، وقال: # فما بال القرون الأولى # [طه: 51]. { قل } ، يا محمد إن شهدتم أنتم، ف { لا أشهد } ، أنا ~~أن معه إلها، { قل إنما هو إله وحد وإننى ~~برىء مما تشركون }. # قوله عز وجل { الذين ءاتينهم الكتب } ، يعني: ~~التوراة والإنجيل، { يعرفونه } ، يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم ~~بنعته وصفته، { كما يعرفون أبنآءهم } ، من بين الصبيان، { ~~الذين خسروا أنفسهم } ، غبنوا، { فهم لا يؤمنون } ~~، وذلك أن الله جعل لكل آدمي منزلا في الجنة ومنزلا في النار، وإذا كان ~~يوم القيامة جعل الله للمؤمنين منازل أهل النار في ms0754 الجنة، ولأهل النار ~~منازل أهل الجنة في النار، وذلك الخسران. # قوله تعالى: { ومن أظلم } ، أكفر { ممن افترى } ، اختلق، ~~{ على الله كذبا } ، فأشرك به غيره، { أو كذب بآيته ~~} ، يعني: القرآن، { إنه لا يفلح الظلمون } ، الكافرون. ### || [6.22-24] # { ويوم نحشرهم جميعا } ، أي: العابدين والمعبودين، يعني: ~~يوم القيامة، قرأ يعقوب { يحشرهم } هاهنا، وفي سبأ بالياء، ووافق حفص في ~~سبأ، وقرأ الآخرون بالنون. { ثم نقول للذين أشركوا ~~أين شركآؤكم الذين كنتم تزعمون } ، أنها تشفع لكم ~~عند ربكم. # { ثم لم تكن فتنتهم } ، قرأ حمزة والكسائي ويعقوب " يكن " ~~بالياء لأن الفتنة بمعنى الافتتان، فجاز تذكيره، وقرأ الآخرون بالتاء ~~لتأنيث الفتنة، وقرأ ابن كثير وابن عامر حفص عن عاصم " فتنتهم " بالرفع ~~جعلوه اسم كان، وقرأ الآخرون بالنصب، فجعلوا الاسم قوله " أن قالوا " ~~وفتنتهم الخبر، ومعنى قوله " فتنتهم " أي: قولهم وجوابهم، وقال ابن عباس ~~وقتادة: معذرتهم والفتنة التجربة، فلما كان سؤالهم تجربة لإظهار ما في ~~قلوبهم قيل له فتنة. # قال الزجاج: في قوله: { ثم لم تكن فتنتهم } معنى لطيف، ~~وذلك مثل الرجل يفتتن بمحبوب ثم يصيبه فيه [محنة] فيتبرأ من محبوبه، ~~فيقال: لم تكن فتنته إلا هذا، كذلك الكفار فتنوا بمحبة الأصنام ولما ~~رأوا العذاب تبرأوا منها، يقول الله عز وجل: { ثم لم تكن ~~فتنتهم } ، في محبتهم للأصنام، { إلا أن قالوا والله ~~ربنا ما كنا مشركين } ، قرأ حمزة والكسائي { ربنا } بالنصب ~~على النداء المضاف، وقرأ الآخرون بالخفض على نعت والله، وقيل: إنهم إذا ~~رأوا يوم القيامة مغفرة الله تعالى وتجاوزوه عن أهل التوحيد، قال بعضهم ~~لبعض: تعالوا نكتم الشرك لعلنا ننجوا مع أهل التوحيد، فيقولون: والله ~~ربنا ما كنا مشركين، فيختم على أفواههم وتشهد عليهم جوارحهم بالكفر. # فقال عز وجل: { انظر كيف كذبوا على أنفسهم } ، ~~باعتذارهم الباطل وتبريهم عن الشرك، { وضل عنهم } أي: زال وذهب ~~عنهم { ما كانوا يفترون } ، من الأصنام، وذلك أنهم كانوا يرجون ~~شفاعتها ونصرتها، فبطل كله في ذلك اليوم. ### || [6.25-26] # قوله عز وجل: { ومنهم من يستمع إليك } الآية، قال ~~الكلبي: اجتمع أبو سفيان بن حرب وأبو ms0755 جهل بن هشام والوليد بن المغيرة ~~والنضر بن الحارث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية وأبي ابنا خلف والحارث ~~بن عامر، يستمعون القرآن فقالوا للنضر: يا أبا قتيلة ما يقول محمد؟ ~~قال: ما أدري ما يقول إلا أني أراه يحرك لسانه ويقول أساطير الأولين، مثل ~~ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية، وكان النضر كثير الحديث عن القرون ~~وأخبارها، فقال أبو سفيان: إني أرى بعض ما يقول حقا، فقال أبو جهل: كلا ~~لا نقر بشيء من هذا، وفي رواية: للموت أهون علينا من هذا، فأنزل ~~الله عز وجل: " ومنهم من يستمع إليك " وإلى كلامك، { وجعلنا ~~على قلوبهم أكنة } ، أغطية، جمع كنان، كالأعنة جمع عنان، { ~~أن يفقهوه } ، أن يعلموه، قيل: معناه أن لا يفقهوه، وقيل: كراهة أن ~~يفقهوه، { وفى ءاذانهم وقرا } ، صمما وثقلا، وهذا دليل على ~~أن الله تعالى يقلب القلوب فيشرح بعضها للهدى، ويجعل بعضها في أكنة فلا ~~تفقه كلام الله ولا تؤمن، { وإن يروا كل ءاية } ، من ~~المعجزات والدلالات، { لا يؤمنوا بها حتى إذا جآءوك ~~يجدلونك يقول الذين كفروا إن هذآ إلا ~~أسطير الأولين } ، يعني: أحاديثهم وأقاصيصهم، والأساطير جمع: ~~أسطورة، وإسطارة، وقيل: هي الترهات والأباطيل، وأصلها من سطرت، أي: ~~كتبت. # { وهم ينهون عنه } ، أي: ينهون الناس عن اتباع محمد صلى ~~الله عليه وسلم، { وينأون عنه } ، أي: يتباعدون عنه بأنفسهم، ~~نزلت في كفار مكة، قاله محمد بن الحنفية والسدي والضحاك، وقال قتادة: ~~ينهون عن القرآن وعن النبي صلى الله عليه وسلم ويتباعدون عنه. # وقال ابن عباس ومقاتل: نزلت في أبي طالب كان ينهى الناس عن أذى النبي ~~صلى الله عليه وسلم ويمنعهم وينأى عن الإيمان به، أي: يبعد، حتى روي أنه ~~اجتمع إليه رؤوس المشركين وقالوا: خذ شابا من أصبحنا وجها، وادفع ~~إلينا محمدا، فقال أبو طالب: ما أنصفتموني أدفع إليكم ولدي لتقتلوه ~~وأربي ولدكم؟ وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم دعاه إلى الإيمان، ~~فقال: لولا أن تعيرني قريش لأقررت بها عينك، ولكن أذب عنك ما حييت، وقال ~~فيه أبياتا: # والله ms0756 لن يصلوا إليك بجمعهم # حتى أوسد في التراب دفينا # فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة # وابشر بذاك وقر بذاك منك عيونا # ودعوتني وعرفت أنك ناصحي # ولقد صدقت وكنت ثم أمينا # وعرضت دينا قد علمت بأنه # من خير أديان البرية دينا # لولا الملامة أو حذار سبة # لوجدتني سمحا بذاك مبينا # { وإن يهلكون } ، ما يهلكون، { إلا أنفسهم } ، أي: لا ~~يرجع وبال فعلهم إلا إليهم، وأوزار الذين يصدونهم عليهم، { وما ~~يشعرون }. ### || [6.27-30] # قوله عز وجل: { ولو ترى إذ وقفوا على النار } يعني: ~~في النار؛ كقوله تعالى: (على ملك سليمان)، أي: في ملك سليمان، وقيل: ~~عرضوا على النار، وجواب " لو " محذوف معناه: لو تراهم في تلك الحالة ~~لرأيت عجبا، { فقالوا يليتنا نرد } ، يعني: إلى الدنيا، { ~~ولا نكذب بآيت ربنا ونكون من المؤمنين } ، ~~قراءة العامة كلها بالرفع على معنى: يا ليتنا نرد ونحن لا نكذب، ونكون ~~من المؤمنين، وقرأ حمزة وحفص ويعقوب " ولا نكذب ونكون " بنصب الباء ~~والنون على جواب التمني، أي: ليت ردنا وقع، وأن لا نكذب ونكون، والعرب ~~تنصب جواب التمني، أي: ليت ردنا وقع، وأن لا نكذب ونكون، والعرب تنصب ~~جواب التمني بالواو كما تنصب بالفاء، وقرأ ابن عامر " نكذب " بالرفع، و " ~~ونكون " بالنصب لأنهم تمنوا أن يكونوا من المؤمنين، وأخبروا عن أنفسهم ~~أنهم لا يكذبون بآيات ربهم إن ردوا إلى الدنيا. # { بل بدا لهم } ، قوله: " بل " تحته رد لقولهم، أي: ليس الأمر ~~على ما قالوا إنهم لو ردوا لآمنوا بل بدا لهم: ظهر لهم، { ما ~~كانوا يخفون } ، يسرون { من قبل } في الدنيا من كفرهم ~~ومعاصيهم، وقيل: ما كانوا يخفون، وهو كقولهم: # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23]، فأخفوا شركهم وكتموا حتى شهدت عليهم جوارحهم بما ~~كتموا وستروا، لأنهم كانوا لا يخفون كفرهم في الدنيا، إلا أن تجعل ~~الآية في المنافقين، وقال المبرد: بل بدا لهم جزاء ما كانوا يخفون، وقال ~~النضر بن شميل: بل بدا عنهم. # ثم قال: { ولو ردوا } إلى الدنيا { لعادوا لما } ، يعني: ~~إلى ما { نهوا عنه } من الكفر، { وإنهم ms0757 لكذبون } ، في ~~قولهم، لو رددنا إلى الدنيا لم نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين. # { وقالوا إن هى إلا حياتنا الدنيا وما نحن ~~بمبعوثين } ، هذا إخبار عن إنكارهم البعث، وقال عبد الرحمن بن زيد ~~بن أسلم: هذا من قولهم لو ردوا لقالوه. # قوله تعالى: { ولو ترى إذ وقفوا على ربهم } ، أي: ~~على حكمه وقضاءه ومسألته، وقيل: عرضوا على ربهم، { قال } لهم وقيل: تقول ~~لهم الخزنة بأمر الله، { أليس هذا بالحق }؟ يعني: أليس هذا ~~البعث والعذاب بالحق؟ { قالوا بلى وربنا } إنه حق، قال ابن ~~عباس: هذا في موقف، وقولهم: والله ربنا ما كنا مشركين في موقف آخر، ~~والقيامة مواقف، ففي موقف يقرون، وفي موقف ينكرون، { قال فذوقوا ~~العذاب بما كنتم تكفرون }. ### || [6.31-33] # { قد خسر الذين كذبوا بلقآء الله } ، أي: خسروا ~~أنفسهم بتكذيبهم المصير إلى الله بالبعث بعد الموت، { حتى إذا ~~جآءتهم الساعة } ، أي: القيامة { بغتة } ، أي: فجأة، { ~~قالوا يحسرتنا } ، ندامتنا، [ذكر] على وجه النداء للمبالغة، ~~وقال سيبويه: كأنه يقول: أيتها الحسرة هذا أوانك، { على ما ~~فرطنا } ، أي: قصرنا، { فيها } ، أي: في الطاعة، وقيل: تركنا في ~~الدنيا من عمل الآخرة. # وقال محمد بن جرير: الهاء راجعة إلى الصفقة، وذلك أنه لما تبين لهم ~~خسران صفقتهم ببيعهم الآخرة بالدنيا قالوا: يا حسرتنا على ما فرطنا ~~فيها، أي: في الصفقة، [فترك ذكر الصفقة] اكتفاء بقوله: { قد خسر } ~~، لأن الخسران إنما يكون في صفقة بيع، والحسرة شدة الندم، حتى يتحسر ~~النادم، كما يتحسر الذي تقوم به دابته في السفر البعيد، { وهم ~~يحملون أوزارهم } ، أثقالهم وآثامهم، { على ظهورهم } ~~، قال السدي وغيره: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله أحسن شيء صورة ~~وأطيبه ريحا، فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا، فيقول: أنا عملك الصالح ~~فاركبني، فقد طالما ركبتك في الدنيا، فذلك قوله عز وجل: # يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا # [مريم: 85]، أي: ركبانا، وأما الكافر فيستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ~~ريحا، فيقول: هل تعرفني؟ فيقول:لا فيقول أنا عملك الخبيث طالما ركبتني ~~في الدنيا فأنا اليوم أركبك، فهو معنى قوله: ms0758 { وهم يحملون ~~أوزارهم على ظهورهم } ، { ألا سآء ما يزرون } ، ~~يحملون، قال ابن عباس: أي بئس الحمل حملوا. # { وما الحيوة الدنيآ إلا لعب ولهو } ، باطل وغرور ~~لا بقاء لها، { وللدار الأخرة } ، قرأ ابن عامر { ولدار الآخرة ~~} مضافا أضاف الدار إلى الآخرة، ويضاف الشيء إلى نفسه عند اختلاف ~~اللفظين؛ كقوله: (وحب الحصيد)، وقولهم: ربيع الأول ومسجد الجامع، سميت ~~الدنيا لدنوها، وقيل: لدناءتها، وسميت الآخرة لأنها بعد الدنيا، { ~~خير للذين يتقون } الشرك، { أفلا تعقلون } ، أن ~~الآخرة أفضل من الدنيا، قرأ أهل المدينة وابن عامر ويعقوب (أفلا تعقلون)، ~~بالتاء ها هنا وفي الأعراف وسورة يوسف ويس، ووافق أبو بكر في سورة يوسف، ~~ووافق حفص إلا في سورة يس، وقرأ الآخرون بالياء فيهن. # قوله عز وجل: { قد نعلم إنه ليحزنك الذى ~~يقولون } قال السدي: التقى الأخنس بن شريق وأبو جهل بن ~~هشام، قال الأخنس لأبي جهل: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم ~~كاذب؟ فإنه ليس ها هنا أحد يسمع كلامك غيري، فقال أبو جهل: والله إن ~~محمدا لصادق وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية ~~والحجابة والندوة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش؟ فأنزل الله عز وجل ~~هذه الآية. # وقال ناجية بن كعب: قال أبو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم: لا نتهمك ولا ~~نكذبك، ولكنا نكذب الذي جئت به، فأنزل الله تعالى: { قد نعلم ~~إنه ليحزنك الذى يقولون } ، بأنك كاذب، { فإنهم ~~لا يكذبونك } ، قرأ نافع والكسائي بالتخفيف، وقرأ الآخرون ~~بالتشديد من التكذيب، فالتكذيب هو أن تنسبه إلى الكذب، وتقول له: كذبت، ~~والإكذاب هو أن تجده كاذبا، تقول العرب: أجدبت الأرض وأخصبتها إذا ~~وجدتها جدبة ومخصبة، { ولكن الظلمين بآيت الله ~~يجحدون } ، يقول: إنهم لا يكذبونك في السر لأنهم عرفوا صدقك فيما ~~مضى، وإنما يكذبون وحيي ويجحدون آياتي، كما قال: # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم # [النمل: 14]. ### || [6.34-35] # { ولقد كذبت رسل من قبلك } كذبهم قومهم كما كذبتك ~~قريش، { فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى ~~أتهم نصرنا } ، بتعذيب من كذبهم، { ولا مبدل ~~لكلمت ms0759 الله } ، لا ناقض لما حكم به، وقد حكم في كتابه بنصر ~~أنبيائه عليهم السلام، فقال: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم ~~لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 171-173]، وقال: # إنا لننصر رسلنا # [غافر: 51]، وقال: # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي # [المجادلة: 21]، وقال الحسن بن الفضل: لا خلف [لعداته]، { ولقد ~~جآءك من نبإ المرسلين } ، و { من } صلة كما تقول: أصابنا ~~من مطر. # { وإن كان كبر عليك إعراضهم } ، أي: عظم عليك وشق أن ~~أعرضوا عن الإيمان بك، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص على إيمان ~~قومه أشد الحرص، وكانوا إذا سألوا آية أحب أن يريهم الله تعالى ذلك ~~طمعا في إيمانهم، فقال الله عز وجل: { فإن استطعت أن ~~تبتغى نفقا } ، تطلب وتتخذ نفقا سربا { في الأرض } ، ومنه ~~نافقاء اليربوع، وهو أحد جحريه فيذهب فيه، { أو سلما } ، أي: ~~درجا ومصعدا، { فى السمآء } ، فتصعد فيه، { فتأتيهم ~~بآية } ، فافعل، { ولو شآء الله لجمعهم على ~~الهدى } ، فآمنوا كلهم، { فلا تكونن من الجهلين } ~~، أي: بهذا الحرف، وهو قوله: { ولو شآء الله لجمعهم على ~~الهدى } ، وأن من يكفر لسابق علم الله فيه. ### || [6.36-38] # { إنما يستجيب الذين يسمعون } يعني: المؤمنين الذين ~~يسمعون الذكر فيتبعونه وينتفعون به دون من ختم الله على سمعه، { ~~والموتى } ، يعني: الكفار، { يبعثهم الله ثم إليه ~~يرجعون } ، فيجازيهم بأعمالهم. # قوله عز وجل: { وقالوا } ، يعني: رؤساء قريش، { لولا } ، هلا، ~~{ نزل عليه ءاية من ربه قل إن الله قادر ~~على أن ينزل ءاية ولكن أكثرهم لا يعلمون } ~~، ما عليهم في إنزالها. # قوله عز وجل: { وما من دآبة فى الأرض ولا طائر ~~يطير بجناحيه } ، قيد الطيران بالجناح تأكيدا كما يقال: نظرت ~~بعيني وأخذت بيدي، { إلا أمم أمثلكم } ، قال مجاهد: أصناف ~~مصنفة تعرف بأسمائها يريد أن كل جنس من الحيوان أمة، فالطير أمة، والهوام ~~أمة، والدواب أمة، والسباع أمة، تعرف بأسمائها مثل بني آدم، يعرفون ~~بأسمائهم، يقال: الأنس والناس. # أخبرنا عبدالواحد المليحي أنا أبو عبد الرحمن بن أبي شريح أنا أبو ~~القاسم البغوي أنا علي بن الجعد أنا ms0760 المبارك هو ابن فضالة عن الحسن عن ~~عبدالله بن مغفل: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لولا أن الكلاب أمة لأمرت بقتلها، فاقتلوا منها كل أسود ~~بهيم ". # وقيل: أمم أمثالكم يفقه بعضهم عن بعض، وقيل: أمم أمثالكم في الخلق ~~والموت والبعث، وقال عطاء: أمم أمثالكم في التوحيد والمعرفة، وقال ابن ~~قتيبة: أمم أمثالكم في الغذاء وابتغاء الرزق وتوقي المهالك. # { ما فرطنا فى الكتب } ، أي: في اللوح المحفوظ، { من ~~شىء ثم إلى ربهم يحشرون } ، قال ابن عباس والضحاك: ~~حشرها موتها، وقال أبو هريرة: يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة البهائم ~~والدواب والطير، وكل شيء فيأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول: كوني ترابا ~~فحينئذ يتمنى الكافر ويقول: { يا ليتني كنت ترابا }. # أخبرنا أبو عبدالله محمد بن الفضل الخرقي أنا أبو الحسن الطيسفوني ~~أخبرنا عبدالله بن عمر الجوهري أنا أحمد بن علي الكشميهني أنا علي بن حجر ~~أنا إسماعيل بن جعفر عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " لتردن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من ~~القرناء ". ### || [6.39-43] # قوله عز وجل: { والذين كذبوا بآيتنا صم وبكم ~~} ، لا يسمعون الخير ولا يتكلمون به، { فى الظلمت } ، في ضلالات ~~الكفر، { من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على ~~صرط مستقيم } ، وهو الإسلام. # قوله تعالى: { قل أرأيتكم } ، هل رأيتم؟ والكاف فيه للتأكيد، ~~قال الفراء: العرب تقول أرأيتك، وهم يريدون أخبرنا، كما يقول: ~~أرأيتك إن فعلت كذا ماذا تفعل؟ أي: أخبرني، وقرأ أهل المدينة " أرايتكم، ~~وأرايتم، وأرايت " ، بتليين الهمزة الثانية، والكسائي بحذفها، قال ابن ~~عباس: قل يا محمد لهؤلاء المشركين أرأيتكم، { إن أتكم عذاب ~~الله } ، قبل الموت، { أو أتتكم الساعة } ، يعني: القيامة، ~~{ أغير الله تدعون } ، في صرف العذاب عنكم، { إن كنتم ~~صدقين } ، وأراد أن الكفار يدعون الله في أحوال الاضطرار كما أخبر ~~عنهم: # وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين ~~له الدين # [لقمان: 32]. # ثم قال: { بل إيه تدعون } ، أي: تدعون الله ولا تدعون غيره، ~~{ فيكشف ما ms0761 تدعون إليه إن شآء } ، قيد الإجابة ~~بالمشيئة [والأمور كلها بمشيئته]، { وتنسون } ، وتتركون، { ما ~~تشركون }. # { ولقد أرسلنآ إلى أمم من قبلك فأخذنهم ~~بالبأسآء } ، بالشدة والجوع، { والضرآء } ، المرض والزمانة، ~~{ لعلهم يتضرعون } ، أي: يتوبون ويخضعون، والتضرع السؤال ~~بالتذلل. # { فلولا } ، فهلا، { إذ جآءهم بأسنا } ، عذابنا، { ~~تضرعوا } ، فآمنوا فيكشف عنهم، أخبر الله عز وجل أنه قد أرسل إلى ~~قوم بلغوا من القسوة إلى أنهم أخذوا بالشدة في أنفسهم وأموالهم فلم ~~يخضعوا ولم يتضرعوا، فذلك قوله: { ولكن قست قلوبهم ~~وزين لهم الشيطن ما كانوا يعملون } ، من الكفر ~~والمعاصي. ### || [6.44-46] # { فلما نسوا ما ذكروا به } ، تركوا ما وعظوا وأمروا به، ~~{ فتحنا عليهم أبواب كل شىء } ، قرأ أبو جعفر " ~~فتحنا " بالتشديد في كل القرآن، وقرأ ابن عامر كذلك إذا كان عقيبه ~~جمعا، والباقون بالتخفيف وهذا فتح استدراج ومكر، أي: بدلنا مكان البلاء ~~والشدة الرخاء والصحة، { حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا } ، ~~وهذا فرح بطر مثل فرح قارون بما أصاب من الدنيا، { أخذنهم ~~بغتة } ، فجأة آمن ما كانوا، وأعجب ما كانت الدنيا إليهم، { ~~فإذا هم مبلسون } ، آيسون من كل خير، وقال أبو عبيدة: المبلس ~~النادم الحزين، وأصل الإبلاس الإطراق من الحزن والندم، روى عقبة بن عامر ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا رأيت الله يعطي العبد ما يحب وهو مقيم على معصيته، فإنما ~~ذلك استدراج " # ، ثم تلا: { فلما نسوا ما ذكروا به } الآية. # { فقطع دابر القوم الذين ظلموا } ، أي: آخرهم [الذين ~~بدبرهم، يقال: دبر فلان القوم يدبرهم دبرا ودبورا إذا كان آخرهم]، ~~ومعناه: أنهم استؤصلوا بالعذاب فلم يبق منهم باقية، { والحمد ~~لله رب العلمين } ، حمد الله نفسه على أن قطع دابرهم لأنه ~~نعمة على الرسل، فذكر الحمد لله تعليما لهم ولمن آمن بهم، أن يحمدوا ~~الله على كفايته شر الظالمين، وليحمد محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~ربهم إذا أهلك المكذبين. # قوله تعالى: { قل أرأيتم } ، أيها المشركون، { إن أخذ ~~الله سمعكم } ، حتى لا تسمعوا شيئا أصلا، { وأبصركم } ~~، حتى لا تبصروا شيئا أصلا، { وختم على قلوبكم } ، حتى لا ms0762 ~~تفقهوا شيئا ولا تعرفوا مما تعرفون من أمور الدنيا، { من إله ~~غير الله يأتيكم به } ، ولم يقل بها مع أنه ذكر أشياء، قيل: ~~معناه يأتيكم بما أخذ منكم، وقيل: الكناية ترجع إلى السمع الذي ذكر أولا ~~ولا يندرج غيره تحته، كقوله تعالى: # والله ورسوله أحق أن يرضوه # [التوبة: 62]، فالهاء راجعة إلى الله، ورضى الرسول يندرج في رضا الله ~~تعالى، { انظر كيف نصرف الأيت } ، أي: نبين لهم العلامات ~~الدالة على التوحيد والنبوة، { ثم هم يصدفون } ، يعرضون عنها ~~مكذبين. ### || [6.47-50] # { قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة } فجأة، ~~{ أو جهرة } ، معاينة ترونه عند نزوله، قال ابن عباس والحسن: ليلا ~~ونهارا، { هل يهلك إلا القوم الظلمون } ، المشركون. # قوله عز وجل: { وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ~~ومنذرين فمن ءامن وأصلح } ، العمل، { فلا خوف ~~عليهم } حين يخاف أهل النار، { ولا هم يحزنون } ، إذا ~~حزنوا. # { والذين كذبوا بآيتنا يمسهم } ، يصيبهم، { ~~العذاب بما كانوا يفسقون } ، يكفرون. # { قل لا أقول لكم عندى خزآئن الله } ، نزل حين ~~اقترحوا الآيات فأمره أن يقول لهم: { لا أقول لكم عندى ~~خزآئن الله } ، أي: خزائن رزقه فأعطيكم ما تريدون، { ولا ~~أعلم الغيب } ، فأخبركم بما غاب مما مضى ومما سيكون، { ولا ~~أقول لكم إنى ملك } ، قال ذلك لأن الملك يقدر على ما لا يقدر ~~عليه الآدمي ويشاهد ما لا يشاهده الآدمي، يريد لا أقول لكم شيئا من ذلك ~~فتنكرون قولي وتجحدون أمري، { إن أتبع إلا ما يوحى إلى ~~} ، أي: ما آتيكم به فمن وحي الله تعالى، وذلك غير مستحيل في العقل مع ~~قيام الدليل والحجج البالغة، { قل هل يستوى الأعمى ~~والبصير }؟ قال قتادة: الكافر والمؤمن، وقال مجاهد: الضال والمهتدي، ~~وقيل: الجاهل والعالم، { أفلا تتفكرون } ، أنهما لا يستويان. ### || [6.51-52] # قوله عز وجل: { وأنذر به } ، خوف به، أي: القرآن، { الذين ~~يخافون أن يحشروا } ، يجمعوا ويبعثوا، { إلى ربهم } ، ~~وقيل: يخافون أي يعلمون، لأن خوفهم إنما كان من علمهم، { ليس لهم ~~من دونه } ، من دون الله، { ولي } قريب ينفعهم، { ولا شفيع ~~} ، يشفع لهم، { لعلهم يتقون } ، فينتهون عما نهوا ms0763 عنه، ~~وإنما نفى الشفاعة لغيره - مع أن الأنبياء والأولياء يشفعون - لأنهم لا ~~يشفعون إلا بإذنه. # { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي } ، قرأ ابن عامر " بالغدوة " بضم الغين وسكون الدال ~~وواو بعدها، ها هنا وفي سورة الكهف، وقرأ الآخرون بفتح الغين والدال وألف ~~بعدها. # " قال سلمان وخباب بن الأرت: فينا نزلت هذه الآية، جاء الأقرع بن حابس ~~التميمي وعيينة بن حصن الفزاري وذووهم من المؤلفة قلوبهم، فوجدوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم قاعدا مع بلال وصهيب وعمار وخباب في ناس من ضعفاء ~~المؤمنين، فلما رأوهم حوله حقروهم، فأتوه فقالوا: يا رسول الله لو جلست ~~في صدر المجلس ونفيت عنا هؤلاء وأرواح جبابهم، وكان عليهم جباب صوف لها ~~رائحة لم يكن عليهم غيرها، لجالسناك وأخذنا عنك، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لهم: «ما أنا بطارد المؤمنين»، قالوا: فإنا نحب أن نجعل لنا ~~منك مجلسا تعرف العرب به فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا ~~العرب مع هؤلاء الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا ~~فاقعد معهم إن شئت، قال: نعم، قالوا: اكتب لنا عليك بذلك كتابا، قال: ~~فدعا بالصحيفة ودعا عليا ليكتب، قالوا ونحن قعود في ناحية إذ نزل جبريل ~~بقوله: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي يريدون وجهه } ، إلى قوله: { بالشاكرين } ، فألقى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيفة من يده، ثم دعانا فأتيناه وهو ~~يقول: (سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة)، فكنا نقعد معه فإذا ~~أراد أن يقوم قام وتركنا، فأنزل الله عز وجل: { واصبر نفسك ~~مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون ~~وجهه } [الكهف: 28]، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد معنا ~~بعد وندنو منه حتى كانت ركبنا تمس ركبته، فإذا بلغ الساعة التي يقوم ~~فيها قمنا وتركناه حتى يقوم، وقال لنا: «الحمد لله الذي لم يمتني حتى ~~أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي معكم المحيا ومعكم الممات» ". # وقال الكلبي: # " قالوا له: اجعل لنا يوما ولهم يوما، قال: « لا ms0764 أفعل»، قالوا: فاجعل ~~المجلس واحدا فاقبل علينا وول ظهرك عليهم، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي } " # قال مجاهد: قالت قريش: لولا بلال وابن أم عبد لبايعنا محمدا، فأنزل ~~الله هذه الآية: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم ~~بالغداة والعشي } ، قال ابن عباس: يعني: يعبدون ربهم بالغداة ~~والعشي، يعني: صلاة الصبح وصلاة العصر، ويروى عنه: أن المراد منه ~~الصلوات الخمس، وذلك أن ناسا من الفقراء كانوا مع النبي عليه السلام، ~~فقال ناس من الأشراف: إذا صلينا فأخر هؤلاء فليصلوا خلفنا، فنزلت هذه ~~الآية، وقال مجاهد: صليت الصبح مع سعيد بن المسيب: فلما سلم الإمام ~~ابتدر الناس القاص، فقال سعيد: ما أسرع الناس إلى هذا المجلس قال مجاهد: ~~فقلت يتأولون قوله: { يدعون ربهم بالغداة والعشي } ~~، قال: أفي هذا هو إنما ذلك في الصلاة التي انصرفنا عنها الآن، وقال ~~إبراهيم النخعي: يعني يذكرون ربهم، وقيل المراد منه: حقيقة الدعاء، { ~~يريدون وجهه } ، أي: يريدون الله بطاعتهم. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: يطلبون ثواب الله، فقال: { ما عليك ~~من حسابهم من شىء وما من حسابك عليهم من شىء ~~} ، أي: لا تكلف أمرهم ولا يتكلفون أمرك، وقيل: ليس رزقهم عليك فتملهم، ~~{ فتطردهم } ولا رزقك عليهم، قوله: { فتطردهم } ، جواب ~~لقوله: { ما عليك من حسابهم من شىء } ، وقوله: { ~~فتكون من الظلمين } ، جواب لقوله: { ولا تطرد } ، ~~أحدهما جواب النفي والآخر جواب النهي. ### || [6.53-54] # { وكذلك فتنا } أي: ابتلينا، { بعضهم ببعض } ، أراد ~~ابتلاء الغني بالفقير والشريف بالوضيع، وذلك أن الشريف إذا نظر إلى ~~الوضيع قد سبقه بالإيمان امتنع من الإسلام بسببه فكان فتنة له، فذلك ~~قوله: { ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من ~~بيننآ } ، فقال الله تعالى: { أليس الله بأعلم ~~بالشكرين } ، فهو جواب لقوله: { أهؤلاء من الله ~~عليهم من بيننآ } ، فهو استفهام بمعنى التقرير، أي: الله أعلم ~~بمن شكر الإسلام إذ هداه الله عز وجل. # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أنا أبو العباس عبدالله بن ~~محمد بن هارون الطيسفوني أنا أبو الحسن محمد ms0765 بن أحمد الترابي ثنا أبو بكر ~~أحمد بن محمد بن عمرو بن بسطام ثنا أبو الحسن أحمد بن سيار القرشي أنا ~~مسدد أنا جعفر بن سليمان عن المعلى بن زياد عن العلاء بن بشر المزني عن ~~أبي الصديق الناجي # " عن أبي سعيد الخدري قال: جلست في نفر من ضعفاء المهاجرين وإن بعضهم ~~ليستتر ببعض من العري، وقارىء يقرأ علينا إذ جاء رسول الله، فقام ~~علينا، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم سكت القارىء، فسلم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقال: " ما كنتم تصنعون "؟ قلنا: يا رسول الله ~~كان قارىء يقرأ علينا فكنا نستمع إلى كتاب الله تعالى، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرني أن أصبر نفسي ~~معهم " ، قال: ثم جلس وسطنا ليعدل نفسه فينا ثم قال بيده هكذا، ~~فتحلقوا، وبرزت وجوههم له، قال: فما رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عرف منهم أحدا غيري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبشروا ~~يا معشر صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة تدخلون الجنة ~~قبل أغنياء الناس بنصف يوم وذلك مقدار خمسمائة سنة ". # قوله عز وجل: { وإذا جآءك الذين يؤمنون بآيتنا ~~فقل سلم عليكم } ، قال عكرمة: نزلت في الذين نهى الله عز ~~وجل نبيه عن طردهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رآهم بدأهم ~~بالسلام. # وقال عطاء: نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وبلال وأبي عبيدة ومصعب ~~بن عمير وحمزة وجعفر وعثمان بن مظعون وعمار بن ياسر والأرقم بن أبي ~~الأرقم وأبي سلمة بن عبد الأسد رضي الله عنهم أجمعين. # { كتب ربكم على نفسه الرحمة } ، أي: قضى على نفسه ~~الرحمة، { أنه من عمل منكم سوءا بجهالة } ، قال ~~مجاهد: لا يعلم حلالا من حرام فمن جهالته ركب الذنب، وقيل: جاهل بما ~~يورثه ذلك الذنب، وقيل: جهالته من حيث أنه آثر المعصية على الطاعة، ~~والعاجل القليل على الآجل الكثير، { ثم تاب من بعده } ، رجع عن ~~ذنبه، { وأصلح } ، عمله، وقيل: ms0766 أخلص توبته، { فأنه غفور ~~رحيم } ، قرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب { أنه من عمل منكم... فأنه ~~غفور رحيم } بفتح الألف فيهما بدلا من الرحمة، أي: كتب على نفسه أنه من ~~عمل منكم، ثم جعل الثانية بدلا عن الأولى؛ كقوله تعالى: # أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظما ~~أنكم مخرجون # [المؤمنون: 35]، وفتح أهل المدينة الأولى منهما وكسروا الثانية على ~~الاستئناف وكسرهما الآخرون على الاستئناف. ### || [6.55-56] # { وكذلك نفصل الأيات } ، أي: وهكذا، وقيل: معناه وكما فصلنا ~~لك في هذه السورة دلائلنا وإعلامنا على المشركين كذلك نفصل الآيات، ~~أي: نميز ونبين لك حجتنا في كل حق ينكره أهل الباطل، { ولتستبين ~~سبيل المجرمين } ، أي: طريق المجرمين، وقرأ أهل المدينة " ~~ولتستبين " بالتاء، " سبيل " نصب على خطاب النبي صلى الله عليه وسلم، ~~أي: ولتعرف يا محمد سبيل المجرمين، يقال: استبنت الشيء وتبينته إذا ~~عرفته، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر " وليستبين " بالياء، " سبيل " ~~بالرفع، وقرأ الآخرون { ولتستبين } بالتاء " سبيل " رفع، أي: ليظهر ~~وليتضح والسبيل، يذكر ويؤنث، فدليل التذكير قوله تعالى: # وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا # [الأعراف: 146]، ودليل التأنيث قوله تعالى: # وتصدون عن سبيل الله من ءامن به وتبغونها ~~عوجا # [آل عمران: 99]. # قوله عز وجل: { قل إنى نهيت أن أعبد الذين ~~تدعون من دون الله قل لا أتبع أهوآءكم } ، في ~~عبادة الأوثان وطرد الفقراء، { قد ضللت إذا ومآ أنا من ~~المهتدين } ، يعني: إن فعلت ذلك فقد تركت سبيل الحق وسلكت غير ~~طريق الهدى. ### || [6.57-58] # { قل إنى على بينة } ، أي: على بيان وبصيرة وبرهان، { من ~~ربى وكذبتم به } ، أي: بما جئت به، { ما عندى ما ~~تستعجلون به } ، قيل: أراد به استعجالهم العذاب كانوا يقولون: # إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ~~حجارة # [الأنفال: 32] الآية، وقيل: أراد القيامة، قال الله: # يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها # [الشورى: 18]، { إن الحكم إلا لله يقص الحق } قرأ ~~أهل الحجاز وعاصم يقص بضم القاف والصاد مشددا أي يقول الحق، لأنه في ~~جميع المصاحف بغير ياء، ولأنه قال الحق ولم يقل بالحق، وقرأ ms0767 الآخرون ~~(يقضي) بسكون القاف والضاد مكسورة، من قضيت، أي: يحكم بالحق بدليل أنه ~~قال: { وهو خير الفصلين } ، والفصل يكون في القضاء وإنما ~~حذفوا الياء لاستثقال الألف واللام؛ كقوله تعالى: (صال الجحيم)، ونحوها، ~~ولم يقل بالحق لأن الحق صفة المصدر، كأنه قال: يقضي القضاء الحق. # { قل لو أن عندي } وبيدي، { ما تستعجلون به } ، من ~~العذاب، { لقضى الأمر بينى وبينكم } ، أي: فرغ من العذاب ~~[وأهلكتم]، أي: لعجلته حتى أتخلص منكم، { والله أعلم ~~بالظلمين }. ### || [6.59-60] # قوله تعالى: { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا ~~هو } ، مفاتح الغيب خزائنه، جمع مفتح. # واختلفوا في مفاتح الغيب، أخبرنا أبو عبدالله محمد بن الفضل الخرقي أنا ~~أبو الحسن الطيسفوني أنا عبدالله بن عمر الجوهري أنا أحمد بن علي ~~الكشميهني أنا علي بن حجر أنا إسماعيل بن جعفر أنا عبدالله بن دينار أنه ~~سمع ابن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، لا يعلم ما تغيض الأرحام ~~أحد إلا الله تعالى، [ولا يعلم ما في الغد إلا الله عز وجل]، ولا ~~يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت، ~~ولا يعلم متى تقوم الساعة أحد إلا الله ". # وقال الضحاك ومقاتل: مفاتح الغيب خزائن الأرض، وعلم نزول العذاب. # وقال عطاء: ما غاب عنكم من الثواب والعقاب. # وقيل: انقضاء الآجال، وقيل: أحوال العباد من السعادة والشقاوة وخواتيم ~~أعمالهم، وقيل: هي ما لم يكن بعد أنه يكون أم لا يكون، وما يكون كيف ~~يكون، وما لا يكون أن لو كان كيف يكون؟ وقال ابن مسعود: " أوتي نبيكم ~~علم كل شيء إلا علم مفاتيح الغيب ". # { ويعلم ما فى البر والبحر } ، قال مجاهد: البر: ~~المفاوز والقفار، والبحر: القرى والأمصار، لا يحدث فيهما شيء إلا يعلمه، ~~وقيل: هو البر والبحر المعروف، { وما تسقط من ورقة إلا ~~يعلمها } ، يريد ساقطة وثابتة، يعني: يعلم عدد ما يسقط من ورق الشجر ~~وما يبقى عليه، وقيل: يعلم كم انقلبت ظهرا لبطن إلى أن سقطت على ms0768 الأرض، ~~{ ولا حبة فى ظلمت الأرض } ، قيل: هو الحب المعروف في ~~بطون الأرض، وقيل: هو تحت الصخرة التي في أسفل الأرضين، { ولا رطب ~~ولا يابس } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: الرطب الماء، واليابس ~~البادية، وقال عطاء: يريد ما ينبت ومالا ينبت، وقيل: ولا حي ولا موات، ~~وقيل: هو عبارة عن كل شيء، { إلا فى كتب مبين } ، يعني: أن ~~الكل مكتوب في اللوح المحفوظ. # قوله تعالى: { وهو الذى يتوفكم باليل } ، أي: يقبض ~~أرواحكم إذا نمتم بالليل، { ويعلم ما جرحتم } ، كسبتم، { ~~بالنهار ثم يبعثكم فيه } ، أي: يوقظكم في النهار، { ~~ليقضى أجل مسمى } ، يعني: أجل الحياة إلى الممات، يريد ~~استيفاء العمر على التمام، { ثم إليه مرجعكم } ، في الآخرة، ~~{ ثم ينبئكم } ، يخبركم، { بما كنتم تعملون }. ### || [6.61-63] # { وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة } ~~يعني: الملائكة الذين يحفظون أعمال بني آدم، وهو جمع حافظ، نظيره: # وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين # [الانفطار: 10-11]، { حتى إذا جآء أحدكم الموت ~~توفته } ، قرأ حمزة " توفيه " و " استهويه " بالياء وأمالهما، { ~~رسلنا } ، يعني: أعوان ملك الموت يقبضونه فيدفعونه إلى ملك الموت فيقبض ~~روحه؛ كما قال: (قل يتوفاكم ملك الموت)، وقيل: الأعوان يتوفونه بأمر ~~ملك الموت، فكأن ملك الموت توفاه لأنهم يصدرون عن أمره، وقيل: أراد ~~بالرسل ملك الموت وحده، فذكر الواحد بلفظ الجمع، وجاء في الأخبار: إن ~~الله تعالى جعل الدنيا بين ملك الموت كالمائدة الصغيرة فيقبض من هاهنا ~~ومن هاهنا فإذا كثرت الأرواح يدعو الأرواح فتجيب له، { وهم لا ~~يفرطون } ، أي لا يقصرون. # { ثم ردوا إلى الله مولهم الحق } ، يعني: ~~الملائكة، وقيل: يعني العباد يردون بالموت إلى الله مولاهم الحق، فإن ~~قيل الآية في المؤمنين والكفار جميعا، وقد قال في آية أخرى: # وأن الكافرين لا مولى لهم # [محمد: 11]، فكيف وجه الجمع؟ قيل: المولى في تلك الآية بمعنى الناصر ولا ~~ناصر للكفار، والمولى هاهنا بمعنى المالك الذي يتولى أمورهم والله عز ~~وجل مالك الكل ومتولي الأمور، وقيل: أراد هنا المؤمنين خاصة يردون إلى ~~مولاهم، والكفار فيه تبع، { ألا له الحكم ms0769 } ، أي: القضاء دون ~~خلقه، { وهو أسرع الحسبين } ، أي: إذا حاسب فحسابه سريع ~~لأنه لا يحتاج إلى فكرة وروية وعقد يد. # قوله عز وجل: { قل من ينجيكم } ، قرأ يعقوب بالتخفيف، وقرأ ~~العامة بالتشديد، { من ظلمت البر والبحر } ، أي: من ~~شدائدهما وأهوالهما، كانوا إذا سافروا في البر والبحر فضلوا الطريق ~~وخافوا الهلاك، دعوا الله مخلصين له الدين فينجيهم، فذلك قوله ~~تعالى: { تدعونه تضرعا وخفية } ، أي: علانية وسرا، قرأ ~~أبو بكر عن عاصم { وخيفة } ، بكسر الخاء هاهنا وفي الأعراف، وقرأ الآخرون ~~بضمها وهما لغتان، { لئن أنجنا } ، أي: يقولون لئن أنجيتنا، ~~وقرأ أهل الكوفة: لئن أنجانا الله، { من هذه } ، يعني: من هذه ~~الظلمات، { لنكونن من الشكرين } ، والشكر: هو معرفة ~~النعمة مع القيام بحقها. ### || [6.64-65] # { قل الله ينجيكم منها } قرأ أهل الكوفة وأبو جعفر { ينجيكم ~~} بالتشديد، مثل قوله تعالى: " قل من ينجيكم " ، وقرأ الآخرون هذا ~~بالتخفيف، { ومن كل كرب } ، والكرب غاية الغم الذي يأخذ بالنفس، ~~{ ثم أنتم تشركون } ، يريد أنهم يقرون أن الذين يدعونه عند ~~الشدة هو الذي ينجيهم ثم يشركون معه الأصنام التي قد علموا أنها لا تضر ~~ولا تنفع. # قوله عز وجل: { قل هو القادر على أن يبعث عليكم ~~عذابا من فوقكم } ، قال الحسن وقتادة: نزلت الآية في أهل ~~الإيمان، وقال قوم: نزلت في المشركين. # قوله: { عذابا من فوقكم } ، يعني: الصيحة والحجارة والريح ~~والطوفان، كما فعل بعاد وثمود وقوم شعيب وقوم لوط وقوم نوح، { أو من ~~تحت أرجلكم } ، يعني: الرجفة والخسف كما فعل بقوم شعيب وقارون. # وعن ابن عباس ومجاهد: { عذابا من فوقكم } ، السلاطين الظلمة، ~~ومن تحت أرجلكم العبيد السوء، وقال الضحاك: من فوقكم من قبل كباركم أو من ~~تحت أرجلكم أي من أسفل منكم، { أو يلبسكم شيعا } ، أي: يخلطكم ~~فرقا ويبث فيكم الأهواء المختلفة، { ويذيق بعضكم بأس ~~بعض } ، يعني: السيوف المختلفة، يقتل بعضكم بعضا. # أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبدالله النعيمي أنا محمد ~~بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا أبو النعمان أنا حماد بن زيد عن عمرو بن ms0770 ~~دينار # " عن جابر قال: لما نزلت هذه الآية { قل هو القادر على أن ~~يبعث عليكم عذابا من فوقكم } ، قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «أعوذ بوجهك الكريم»، قال: { أو من تحت ~~أرجلكم } ، قال: «أعوذ بوجهك»، قال: { أو يلبسكم شيعا ~~ويذيق بعضكم بأس بعض } ، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «هذا أهون أو هذا أيسر» ". # أخبرنا أحمد بن عبدالله الصالحي أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أنا ~~أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم الشيباني أخبرنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة ~~أنا يعلى بن عبيد الطنافسي أنا عثمان بن حكيم عن عامر بن سعد بن أبي وقاص ~~عن أبيه، قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مررنا على ~~مسجد بني معاوية فدخل فصلى ركعتين وصلينا معه فناجى ربه طويلا ثم قال: # " سألت ربي ثلاثا: سألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، ~~وسألته أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل ~~بأسهم بينهم، فمنعنيها ". # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أنا السيد أبو الحسن محمد ~~بن الحسين بن داود العلوي أنا أبو بكر محمد بن أحمد بن دلوية الدقاق ثنا ~~محمد بن إسماعيل البخاري ثنا إسماعيل بن أبي أويس حدثني أخي عن سليمان بن ~~بلال عن عبيدالله بن عمر عن عبدالله بن عبدالرحمن الأنصاري أن عبدالله بن ~~عمر جاءهم ثم قال: # " إن النبي صلى الله عليه وسلم دعا في مسجد فسأل الله ثلاثا فأعطاه ~~اثنتين ومنعه واحدة، سأله أن لا يسلط على أمته عدوا من غيرهم يظهر ~~عليهم فأعطاه ذلك، وسأله أن لا يهلكهم بالسنين فأعطاه ذلك وسأله أن لا ~~يجعل بأس بعضهم على بعض، فمنعه ذلك ". # قوله تعالى: { انظر كيف نصرف الأيت لعلهم ~~يفقهون }. ### || [6.66-69] # { وكذب به قومك } أي: القرآن، وقيل: بالعذاب، { وهو ~~الحق قل لست عليكم بوكيل } ، برقيب، وقيل: بمسلط ~~ألزمكم الإسلام شئتم أو أبيتم، إنما أنا رسول. # { لكل نبإ } ، خبر من أخبار القرون، { مستقر } ، حقيقة ~~ومنتهى ينتهي إليه ms0771 فيتبين صدقه من كذبه وحقه من باطله، إما في الدنيا ~~وإما في الآخرة، { وسوف تعلمون } ، وقال مقاتل: لكل خبر يخبره ~~الله وقت [وقته] ومكان يقع فيه من غير خلف ولا تأخير، وقال الكلبي: ~~[لكل] قول وفعل حقيقة، إما في الدنيا وإما في الآخرة وسوف تعلمون ~~ما كان في الدنيا فستعرفونه، وما كان في الآخرة فسوف يبدو لكم. # قوله عز وجل: { وإذا رأيت الذين يخوضون فى ~~ءايتنا } ، يعني: في القرآن بالاستهزاء { فأعرض عنهم } ، ~~فاتركهم [ولا تجالسهم]، { حتى يخوضوا فى حديث غيره ~~وإما ينسينك } ، قرأ ابن عامر بفتح النون وتشديد السين، وقرأ ~~الآخرون بسكون النون وتخفيف السين، { الشيطن } نهينا، { فلا ~~تقعد بعد الذكرى مع القوم الظلمين } ، يعني: ~~إذا جالست معهم ناسيا فقم من عندهم بعدما تذكرت. # { وما على الذين يتقون من حسابهم من شىء } ، ~~روي عن ابن عباس أنه قال: لما نزلت هذه الآية: { وإذا رأيت ~~الذين يخوضون فى ءايتنا فأعرض عنهم } ، قال ~~المسلمون: كيف نقعد في المسجد الحرام ونطوف بالبيت وهم يخوضون أبدا؟ وفي ~~رواية: قال المسلمون: فإنا نخاف الإثم حين نتركهم ولا ننهاهم، فأنزل الله ~~عز وجل: { وما على الذين يتقون } ، الخوض { من ~~حسابهم } أي: من آثام الخائضين، { من شىء ولكن ذكرى } ~~، أي: ذكروهم وعظوهم بالقرآن، والذكر والذكرى واحد، يريد ذكروهم ذكري، ~~فتكون في محل النصب، { لعلهم يتقون } ، الخوض إذا وعظتموهم ~~فرخص في مجالستهم على الوعظ لعله يمنعهم ذلك من الخوض، وقيل: لعلهم ~~يستحيون. ### || [6.70-71] # قوله عز وجل: { وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ~~ولهوا } يعني: الكفار الذين إذا سمعوا آيات الله استهزؤوا بها ~~وتلاعبوا عند ذكرها، وقيل: إن الله تعالى جعل لكل قوم عيدا فاتخذ كل قوم ~~دينهم، أي: عيدهم لعبا ولهوا، وعيد المسلمين الصلاة والتكبير وفعل ~~الخير مثل الجمعة والفطر والنحر، { وغرتهم الحيوة الدنيا ~~وذكر به } ، أي: وعظ بالقرآن، { أن تبسل } ، أي: لأن لا ~~تبسل، أي: لا تسلم، { نفس } ، للهلاك، { بما كسبت } ، قاله ~~مجاهد وعكرمة والسدي، وقال ابن عباس: تهلك، وقال قتادة: أن تحبس، وقال ~~الضحاك: تحرق، وقال ابن ms0772 زيد: تؤخذ، ومعناه: ذكرهم ليؤمنوا، كيلا تهلك ~~نفس بما كسبت، وقال الأخفش: تبسل تجازى، وقيل: تفضح، وقال الفراء: ~~ترتهن، وأصل الإبسال التحريم، والبسل الحرام، ثم جعل نعتا لكل شدة ~~تتقى وتترك، { ليس لها } ، أي لتلك النفس، { من دون الله ~~ولى } ، قريب، { ولا شفيع } ، يشفع لها في الآخرة، { وإن ~~تعدل كل عدل } ، أي: تفد كل فداء، { لا يؤخذ منهآ ~~} ، { أولئك الذين أبسلوا } ، أسلموا للهلاك، { بما ~~كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما ~~كانوا يكفرون }. # { قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا } ، إن ~~عبدناه، { ولا يضرنا } ، إن تركناه، يعني: الأصنام ليس إليها نفع ~~ولا ضر، { ونرد على أعقبنا } ، إلى الشرك [مرتدين]، { ~~بعد إذ هدانا الله كالذى استهوته الشيطين } ~~، أي: يكون مثلنا كمثل الذين استهوته الشياطين، أي: أضلته، { ~~حيران } ، قال ابن عباس: كالذي استهوته الغيلان في المهامه فأضلوه ~~فهو حائر بائر، والحيران: المتردد في الأمر لا يهتدي إلى مخرج منه، { ~~له أصحب يدعونه إلى الهدى ائتنا } ، هذا مثل ضربه ~~الله تعالى لمن يدعو إلى الآلهة ولمن يدعو إلى الله تعالى، كمثل رجل في ~~رفقة ضل به الغول عن الطريق يدعوه أصحابه من أهل الرفقة هلم إلى ~~الطريق، ويدعوه الغول [هلم] فيبقى حيران لا يدري أين يذهب، فإن أجاب ~~الغول انطلق به حتى يلقيه إلى الهلكة، فإن أجاب من يدعوه إلى الطريق ~~اهتدى. # { قل إن هدى الله هو الهدى } ، يزجر عن عبادة الأصنام، ~~كأنه يقول: لا تفعل ذلك فإن الهدى هدى الله لا هدى غيره، { وأمرنا ~~لنسلم } ، أي: أن نسلم، { لرب العلمين } ، والعرب تقول: ~~أمرتك لتفعل وأن تفعل وبأن تفعل. ### || [6.72-73] # { وأن أقيموا الصلاة واتقوه } أي: وأمرنا بإقامة الصلاة ~~والتقوى، { وهو الذى إليه تحشرون } ، أي: تجمعون في ~~الموقف للحساب. # { وهو الذى خلق السموت والأرض بالحق } ، قيل: ~~الباء بمعنى اللام، أي: إظهارا للحق لأنه جعل صنعه دليلا على وحدانيته، ~~{ ويوم يقول كن فيكون } ، قيل: هو راجع إلى خلق السموات ~~والأرض والخلق، بمعنى: القضاء والتقدير، أي: كل شيء قضاه وقدره قال له: ~~كن، فيكون. ms0773 # وقيل: يرجع إلى القيامة يدل على سرعة أمر البعث والساعة، كأنه قال: ~~ويوم يقول للخلق موتوا فيموتون وقوموا فيقومون، { قوله الحق } ، ~~أي: الصدق الواقع لا محالة، يريد أن ما وعده حق كائن، { وله الملك ~~يوم ينفخ فى الصور } ، يعني: ملك الملوك يومئذ زائل؛ ~~كقوله: " مالك يوم الدين " ، وكما قال: " والأمر يومئذ لله " والأمر لله ~~في كل وقت، ولكن لا أمر في ذلك اليوم لأحد مع أمر الله، والصور: قرن ~~ينفخ فيه، قال مجاهد: كهيئة البوق، وقيل: هو بلغة أهل اليمن، وقال أبو ~~عبيدة: الصور هو الصور وهو جمع الصورة، وهو قول الحسن، والأول أصح. # والدليل عليه ما أخبرنا محمد بن عبدالله [بن أبي توبة أنا أبو طاهر ~~المحاربي أنا محمد بن يعقوب الكسائي أنا عبدالله] بن محمود أنا إبراهيم ~~بن عبدالله الخلال أنا عبدالله بن المبارك عن سليمان التيمي عن أسلم عن ~~بشر بن شغاف، عن عبدالله بن عمر بن العاص قال: # " جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما الصور؟ قال: ~~«قرن ينفخ فيه» ". # أخبرنا أحمد بن عبدالله الصالحي أنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي أنا ~~أبو عبدالله محمد بن عبدالله الصفار أنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي أنا ~~أبو حذيفة أنا سفيان عن الأعمش عن عطية بن سعد العوفي عن أبي سعيد الخدري ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " «كيف أنعم وصاحب الصور قد التقمه، وأصغى سمعه وحنى ~~جبهته ينتظر متى يؤمر»؟ فقالوا: يا رسول الله وما تأمرنا؟ قال: ~~قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل ". # وقال أبو العلاء عن عطية: # " متى يؤمر بالنفخ فينفخ ". # { علم الغيب والشهدة } ، يعني: يعلم ما غاب عن العباد ~~وما يشاهدونه لا يغيب عن علمه شيء، { وهو الحكيم الخبير }. ### || [6.74-76] # قوله عز وجل: { وإذ قال إبرهيم لأبيه ءازر } قرأ ~~يعقوب { آزر } بالرفع، يعني: { آزر } ، والقراءة المعروفة بالنصب، وهو ~~اسم أعجمي لا ينصرف فينصب في موضع الخفض. # قال محمد بن إسحاق والضحاك والكلبي: آزر اسم أبي إبراهيم وهو تارخ أيضا ~~مثل ms0774 إسرائيل ويعقوب وكان من كوثى قرية من سواد الكوفة، وقال مقاتل بن ~~حيان وغيره: آزر لقب لأبي إبراهيم، واسمه تارخ. # وقال سليمان التيمي: هو سب وعيب، ومعناه في كلامهم المعوج، وقيل: معناه ~~الشيخ الهم بالفارسية، وقال سعيد بن المسيب ومجاهد: آزر اسم صنم، ~~فعلى هذا يكون في محل النصب تقديره أتتخذ آزر إلها، قوله: { أصناما ~~ءالهة } ، دون الله، { إنى أراك وقومك فى ضلل ~~مبين }. # { وكذلك نرى إبرهيم } ، أي: كما أريناه البصيرة في دينه، ~~والحق في خلاف قومه كذلك نريه، { ملكوت السموت والأرض } ~~، والملكوت الملك زيدت فيه التاء للمبالغة، كالجبروت والرحموت والرهبوت، ~~قال ابن عباس: يعني خلق السموات والأرض، وقال مجاهد وسعيد بن جبير: يعني ~~آيات السموات والأرض، وذلك أنه أقيم على صخرة وكشف له عن ملكوت السموات ~~والأرض حتى العرش وأسفل الأرضين ونظر إلى مكانه في الجنة، فذلك قوله ~~تعالى: " وآتيناه أجره في الدنيا " ، يعني: أريناه مكانه في الجنة. # وروي عن سلمان رضي الله عنه، ورفعه بعضهم [عن علي رضي الله عنه] # " لما أري إبراهيم ملكوت السموات والأرض أبصر رجلا على فاحشة فدعا ~~عليه فهلك، ثم أبصر آخر فدعا عليه فهلك، ثم أبصر آخر فأراد أن يدعو عليه ~~فقال له الرب عز وجل: «يا إبراهيم إنك رجل مستجاب الدعوة، فلا تدعون ~~على عبادي فإنما أنا من عبدي على ثلاث خصال: إما أن يتوب إلي فأتوب ~~عليه، وإما أن أخرج منه نسمة تعبدني، وإما أن يبعث إلي فإن شئت عفوت ~~عنه، وإن شئت عاقبته»، وفي رواية: «وإما أن يتولى فإن جهنم من ورائه» ~~". # وقال قتادة: ملكوت السموات: الشمس والقمر والنجوم، وملكوت الأرض الجبال ~~والشجر والبحار. # { وليكون من الموقنين } ، عطف على المعنى، ومعناه: نريه ~~ملكوت السموات والأرض، ليستدل به وليكون من الموقنين. # { فلما جن عليه اليل رأى كوكبا } ، الآية، قال أهل ~~التفسير: ولد إبراهيم عليه السلام في زمن نمرود بن كنعان، وكان نمرود أول ~~من وضع التاج على رأسه دعا الناس إلى عبادته، وكان له كهان ومنجمون، ~~فقالوا له: إنه يولد في ms0775 بلدك هذه السنة غلام يغير دين أهل الأرض ويكون ~~هلاكك وزوال ملكك على يديه، ويقال: إنهم وجدوا ذلك في كتب الأنبياء عليهم ~~السلام. # وقال السدي: رأى نمرود في منامه كأن كوكبا طلع فذهب بضوء الشمس والقمر ~~حتى لم يبق لهما ضوء، ففزع من ذلك فزعا شديدا، فدعا السحرة والكهنة ~~فسألهم عن ذلك، فقالوا: هو مولود يولد في ناحيتك في هذه السنة، فيكون ~~هلاكك وهلاك ملكك وأهل بيتك على يديه، فأمر بذبح كل غلام يولد في ~~ناحيته في تلك السنة، وأمر بعزل الرجال عن النساء، وجعل على كل عشرة رجال ~~رجلا فإذا حاضت المرأة خلى بينها وبين زوجها، لأنهم كانوا لا يجامعون ~~في الحيض، فإذا طهرت حال بينهما، فرجع آزر فوجد امرأته قد طهرت من الحيض ~~فواقعها، فحملت بإبراهيم عليه السلام. # وقال محمد بن إسحاق: بعث نمرود إلى كل امرأة حبلى بقرية، فحبسها عنده ~~إلا ما كان من أم إبراهيم عليه السلام، فإنه لم يعلم بحبلها لأنها ~~كانت جارية حديثة السن، لم يعرف الحبل في بطنها. # وقال السدي: خرج نمرود بالرجال إلى معسكر ونحاهم عن النساء تخوفا من ~~ذلك المولود أن يكون، فمكث بذلك ما شاء الله ثم بدت له حاجة إلى المدينة، ~~فلم يأتمن عليها أحدا من قومه إلا آزر، فبعث إليه ودعاه وقال له: إن ~~لي حاجة أحببت أن أوصيك بها ولا أبعثك إلا لثقتي بك، فأقسمت عليك أن لا ~~تدنو من أهلك، فقال آزر: أنا أشح على ديني من ذلك، فأوصاه بحاجته، فدخل ~~المدينة وقضى حاجته، ثم قال: لو دخلت على أهلي فنظرت إليهم فلما نظر إلى ~~أم إبراهيم عليه السلام لم يتمالك حتى واقعها، فحملت بإبراهيم عليه ~~السلام. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لما حملت أم إبراهيم قال الكهان لنمرود: ~~إن الغلام الذي أخبرناك به قد حملته أمه الليلة، فأمر نمرود بقتل ~~الغلمان، فلما دنت ولادة أم إبراهيم عليه السلام وأخذها المخاض خرجت ~~هاربة مخافة أن يطلع عليها فيقتل ولدها، فوضعته في نهر يابس ثم لفته ms0776 في ~~خرقة ووضعته في حلفاء، فرجعت فأخبرت زوجها بأنها ولدت وأن الولد في موضع ~~كذا وكذا فانطلق أبوه فأخذه من ذلك المكان وحفر له سربا عند نهر، فواراه ~~فيه وسد عليه باب بصخرة مخافة السباع، وكانت أمه تختلف إليه فترضعه. # وقال محمد بن إسحاق: لما وجدت أم إبراهيم الطلق خرجت ليلا إلى مغارة ~~كانت قريبة منها فولدت فيها إبراهيم عليه السلام وأصلحت من شأنه ما يصنع ~~بالمولود، ثم سدت عليه المغارة ورجعت إلى بيتها ثم كانت تطالعه لتنظر ما ~~فعل فتجده حيا يمص إبهامه. # وقال أبو روق: قالت أم إبراهيم ذات يوم: لأنظرن إلى أصابعه، فوجدته يمص ~~من أصبع ماء، ومن أصبع لبنا ومن أصبع عسلا، ومن أصبع تمرا، ومن أصبع ~~سمنا. # وقال محمد بن إسحاق: كان آزر قد سأل أم إبراهيم عن حملها ما فعل؟ فقالت: ~~قد ولدت غلاما فمات، فصدقها فسكت عنها، وكان اليوم على إبراهيم في ~~الشباب كالشهر والشهر كالسنة، فلم يمكث إبراهيم في المغارة إلا خمسة عشر ~~شهرا حتى قال لأمه أخرجيني فأخرجته عشاء فنظر وتفكر في خلق السموات ~~والأرض، وقال: إن الذي خلقني ورزقني وأطعمني وسقاني لربي الذي ما لي إله ~~غيره، ثم نظر إلى السماء فرأى كوكبا قال: هذا ربي، ثم أتبعه بصره ينظر ~~إليه حتى غاب، فلما أفل، قال: لا أحب الآفلين. # فلما رأى القمر بازغا قال: هذا ربي ثم أتبعه ببصره حتى غاب، ثم طلعت ~~الشمس هكذا إلى آخره، ثم رجع إلى أبيه آزر وقد استقامت وجهته وعرف ربه ~~وبرىء من دين قومه إلا أنه لم ينادهم بذلك، فأخبره أنه ابنه وأخبرته أم ~~إبراهيم أنه ابنه، وأخبرته بما كانت صنعت في شأنه فسر آزر بذلك وفرح ~~فرحا شديدا. # وقيل: إنه كان في السرب سبع سنين، وقيل: ثلاث عشرة سنة، وقيل: سبع عشرة ~~سنة، قالوا: فلما شب إبراهيم عليه السلام، وهو في السرب قال لأمه: من ~~ربي؟ قالت: أنا، قال:فمن ربك؟ قالت: أبوك، قال: فمن رب أبي؟ قالت: ~~نمرود، قال: فمن ربه؟ قالت ms0777 له: اسكت فسكت، ثم رجعت إلى زوجها فقالت: ~~أرأيت الغلام الذي كنا نحدث أنه يغير دين أهل الأرض فإنه ابنك، ثم ~~أخبرته بما قال، فأتاه أبوه آزر، فقال له إبراهيم عليه السلام: يا أبتاه ~~من ربي؟ قال: أمك، قال: فمن رب أمي؟ قال: أنا، قال: فمن ربك؟ ~~قال: نمرود، قال: فمن رب نمرود؟ فلطمه لطمة وقال له: اسكت فلما جن ~~الليل دنا من باب السرب فنظر من خلال الصخرة فأبصر كوكبا قال: هذا ربي. # ويقال: إنه قال لأبويه أخرجاني فأخرجاه من السرب وانطلقا به حين غابت ~~الشمس، فنظر إبراهيم إلى الإبل والخيل والغنم، فسأل أباه ما هذه؟ فقال: ~~إبل وخيل وغنم، فقال: ما لهذه بد من أن يكون لها رب وخالق، ثم نظر ~~فإذا المشتري قد طلع، ويقال: الزهرة، وكان تلك الليلة في آخر الشهر ~~فتأخر طلوع القمر فيها، فرأى الكوكب قبل القمر، فذلك قوله عز وجل: { ~~فلما جن عليه اليل } ، أي: دخل، يقال: جن الليل وأجن ~~الليل، وجنه الليل، وأجن عليه الليل يجن جنونا وجنانا إذا أظلم ~~وغطى كل شيء، وجنون الليل سواده، { رأى كوكبا } قرأ أبو عمرو (رأى) ~~بفتح الراء وكسر الألف، ويكسرهما ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر، فإن ~~اتصل بكاف أو هاء فتحهما ابن عامر, وإن لقيها ساكن كسر الراء وفتح الهمزة ~~حمزة وأبو بكر, وفتحهما الآخرون. { قال هذا ربى }. # واختلفوا في قوله ذلك: فأجراه بعضهم على الظاهر، وقالوا: كان إبراهيم ~~مسترشدا طالبا للتوحيد حتى وفقه الله وآتاه رشده فلم يضره ذلك في حال ~~الاستدلال، وأيضا كان ذلك في حال طفوليته قبل قيام الحجة عليه، فلم يكن ~~كفرا. # وأنكر الآخرون هذا القول، وقالوا: لا يجوز أن يكون لله رسول يأتي عليه ~~وقت من الأوقات إلا وهو لله موحد وبه عارف، ومن كل معبود سواه بريء ~~وكيف يتوهم هذا على من عصمه الله وطهره وآتاه رشده من قبل وأخبره عنه؟ ~~وقال: # إذ جآء ربه بقلب سليم # [الصافات: 84]، وقال: { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض } ، ~~أفتراه أراه الملكوت ms0778 ليوقن فلما أيقن رأى كوكبا قال: هذا ربي معتقدا؟ ~~فهذا ما لا يكون أبدا. # ثم قالوا: فيه أربعة أوجه من التأويل: # أحدها: أن إبراهيم عليه السلام أراد أن يستدرج القوم بهذا القول ويعرفهم ~~خطأهم وجهلهم في تعظيم ما عظموه، وكانوا يعظمون النجوم ويعبدونها، ~~ويرون أن الأمور كلها إليها فأراهم أنه معظم ما عظموه وملتمس الهدى من ~~حيث التمسوه، فلما أفل أراهم النقص الداخل على النجوم ليثبت خطأ ما ~~يدعون، ومثل هذا مثل الحواري الذي ورد على قوم يعبدون الصنم، فأظهر ~~تعظيمه فأكرموه حتى صدروا في كثير من الأمور عن رأيه إلى أن دهمهم عدو ~~فشاوروه في أمره، فقال: الرأي أن ندعو هذا الصنم حتى يكشف عنا ما قد ~~أظلنا، فاجتمعوا حوله يتضرعون فلما تبين له أنه لا ينفع ولا يدفع دعاهم ~~إلى أن يدعوا الله فدعوه فصرف عنهم ما كانوا يحذرون، فأسلموا. # والوجه الثاني من التأويل: أنه قاله على وجه الاستفهام تقديره: أهذا ~~ربي؟ كقوله تعالى: # أفإن مت فهم الخالدون # [الأنبياء: 34]؟، أي: أفهم الخالدون؟ وذكره على وجه التوبيخ منكرا ~~لفعلهم، يعني: ومثل هذا يكون ربا، أي: ليس هذا ربي. # والوجه الثالث: أنه ذكره على وجه الاحتجاج عليهم، يقول: هذا ربي بزعمكم؟ ~~فلما غاب قال: لو كان إلها لما غاب، كما قال: # ذق إنك أنت العزيز الكريم # [الدخان: 49]، أي: عند نفسك وبزعمك، وكما أخبر عن موسى أنه قال: # وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا ~~لنحرقنه # [طه: 97]، يريد إلهك بزعمك. # والوجه الرابع: فيه إضمار وتقديره يقولون هذا ربي؛ كقوله تعالى: # وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ~~وإسماعيل ربنا تقبل منآ # [البقرة: 127]، أي: يقولون ربنا تقبل منا. { فلمآ أفل قال ~~لا أحب الأفلين } ، ومالا يدوم. ### || [6.77-79] # { فلمآ رأى القمر بازغا } ، طالعا، { قال هذا ~~ربى فلمآ أفل قال لئن لم يهدنى ربى } ، قيل: لئن ~~لم يثبتني ربي على الهدى، ليس أنه لم يكن مهتديا، والأنبياء لم يزالوا ~~يسألون الله تعالى الثبات على الإيمان، وكان إبراهيم يقول: # واجنبني وبني أن نعبد الأصنام # [إبراهيم: 35]، { لأكونن ms0779 من القوم الضآلين } ، أي: عن ~~الهدى. # { فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربى هذآ ~~أكبر } ، طالعة، أي: أكبر من الكوكب والقمر، ولم يقل هذه مع أن ~~الشمس مؤنثة لأنه أراد هذا الطالع، ورده إلى المعنى، وهو الضياء ~~والنور، لأنه رآه أضوأ من النجوم والقمر، { فلمآ أفلت } ، غربت، ~~{ قال يقوم إنى برىء مما تشركون }. # { إنى وجهت وجهى للذى فطر السموت والأرض ~~حنيفا ومآ أنا من المشركين }. ### || [6.80-81] # قوله عز وجل: { وحآجه قومه قال أتحاجونى فى ~~الله وقد هدانى } ، ولما رجع إبراهيم عليه السلام إلى أبيه، ~~وصار من الشباب بحالة سقط عنه طمع الذباحين، وضمه آزر إلى نفسه جعل آزر ~~يصنع الأصنام ويعطيها إبراهيم ليبيعها، فيذهب بها [إبراهيم عليه السلام] ~~وينادي من يشتري ما يضره ولا ينفعه، فلا يشتريها أحد، فإذا بارت عليه ~~ذهب بها إلى نهر [فضرب] فيه رؤوسها، وقال: اشربي استهزاء بقومه، وبما هم ~~فيه من الضلالة، حتى فشا استهزاؤه بها في قومه [وأهل] قريته، فحاجه ~~أي خاصمه وجادله قومه في دينه، { قال: أتحاجوني في الله } قرأ أهل ~~المدينة وابن عامر بتخفيف النون، وقرأ الآخرون بتشديدها إدغاما لإحدى ~~النونين في الأخرى، ومن خفف حذف إحدى النونين تخفيفا يقول: أتجادلونني ~~في توحيد الله، وقد هداني للتوحيد والحق؟ { ولآ أخاف ما تشركون ~~به } ، وذلك أنهم قالوا له: احذر الأصنام فإنا نخاف أن تمسك بسوء من ~~خبل أو جنون لعيبك إياها، فقال لهم: ولا أخاف ما تشركون به، { إلا ~~أن يشآء ربى شيئا } ، ليس هذا باستثناء من الأول بل هو استثناء ~~منقطع، معناه لكن إن يشأ ربي شيئا سوءا فيكون ما شاء، { وسع ربى ~~كل شىء علما } ، أي: أحاط علمه بكل شيء، { أفلا ~~تتذكرون }. # { وكيف أخاف مآ أشركتم } يعني: الأصنام وهي لا تبصر ولا ~~تسمع ولا تضر ولا تنفع، { ولا تخافون أنكم أشركتم ~~بالله ما لم ينزل به عليكم سلطنا } ، حجة ~~وبرهانا، وهو القادر على كل شيء، { فأى الفريقين أحق } ، ~~أولى، { بالأمن } ، أنا وأهل ديني أم أنتم، { إن كنتم ~~تعلمون }. ### || [6.82-84] # قال الله ms0780 تعالى قاضيا بينهما: { الذين ءامنوا ولم ~~يلبسوا إيمنهم بظلم } ، لم يخلطوا إيمانهم بشرك، { ~~أولئك لهم الأمن وهم مهتدون }. # أخبرنا عبدالواحد المليحي أنا أحمد بن عبدالله النعيمي أنا محمد بن يوسف ~~ثنا محمد بن إسماعيل ثنا إسحاق ثنا عيسى بن يونس أنا الأعمش أنا إبراهيم ~~عن علقمة عن عبدالله قال: # " لما نزلت: { الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمنهم ~~بظلم } ، شق ذلك على المسلمين، فقالوا: يا رسول الله فأينا لا ~~يظلم نفسه؟ فقال: ليس ذلك, إنما هو الشرك, ألم تسمعوا إلى ما قال لقمان ~~لابنه وهو يعظه: { يبنى لا تشرك بالله إن الشرك ~~لظلم عظيم }.؟ [لقمان: 13] ". # قوله عز وجل: { وتلك حجتنآ ءاتينهآ إبرهيم ~~على قومه } ، حتى خصمهم وغلبهم بالحجة، قال مجاهد: هي قوله: { ~~الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمنهم بظلم ~~أولئك لهم الأمن } ، وقيل: أراد به الحجاج الذي حاج به ~~نمرود على ما سبق في سورة البقرة. # { نرفع درجت من نشآء } ، بالعلم قرأ أهل الكوفة ~~(درجات)، بالتنوين هاهنا وفي سورة يوسف، أي: نرفع من نشاء درجات بالعلم ~~والفهم والفضيلة والعقل، كما رفعنا درجات إبراهيم حتى اهتدى وحاج قومه ~~في التوحيد، { إن ربك حكيم عليم }. # { ووهبنا له إسحق ويعقوب كلا هدينا } ، ووفقنا ~~وأرشدنا، { ونوحا هدينا من قبل } ، أي: من قبل إبراهيم، { ~~ومن ذريته } ، أي: ومن ذرية نوح عليه السلام، ولم يرد من ذرية ~~إبراهيم لأنه ذكر في جملتهم يونس ولوطا ولم يكونا من ذرية إبراهيم، { ~~داوود } ، هو داود بن أيشا، { وسليمن } ، يعني ابنه، { ~~وأيوب } ، وهو أيوب بن أموص بن رازح بن روم بن عيص بن إسحاق بن ~~إبراهيم، { ويوسف } ، هو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه ~~السلام، { وموسى } ، هو موسى بن عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوى بن ~~يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، { وهرون } ، هو أخو موسى أكبر منه ~~بسنة، { وكذلك } ، أي: وكما جزينا إبراهيم على توحيده بأن رفعنا ~~درجته ووهبنا له أولادا أنبياء أتقياء كذلك، { نجزى المحسنين } ~~، على إحسانهم، وليس ذكرهم على ترتيب أزمانهم. ### || [6.85-89] # { وزكريا } هو زكريا بن اذن، { ويحيى ms0781 } ، وهو ابنه، { ~~وعيسى } ، وهو ابن مريم بنت عمران، { وإلياس } ، اختلفوا فيه، ~~قال ابن مسعود: هو إدريس، وله اسمان مثل يعقوب وإسرائيل، والصحيح أنه ~~غيره لأن الله تعالى ذكره في ولد نوح، وإدريس جد أبي نوح وهو إلياس بن ~~ياسين بن فنحاص بن عيزار بن هارون بن عمران، { كل من ~~الصلحين }. # { وإسمعيل } وهو ولد إبراهيم، { واليسع } ، وهو ابن أخطوب ~~بن العجوز، وقرأ حمزة والكسائي { واليسع } بتشديد اللام وسكون الياء هنا ~~وفي ص، { ويونس } ، وهو يونس بن متى، { ولوطا } ، وهو لوط بن هاران ~~بن أخي إبراهيم، { وكلا فضلنا على العلمين } ، أي: ~~عالمي زمانهم. # { ومن ءابآئهم } ، من فيه للتبعيض، لأن آباء بعضهم كانوا مشركين، ~~{ وذريتهم } ، أي: ومن ذرياتهم وأراد ذرية بعضهم، لأن عيسى ~~ويحيى لم يكن لهما ولد وكان في ذرية بعضهم من كان كافرا، { ~~وإخونهم واجتبينهم } ، اخترناهم واصطفيناهم، { ~~وهدينهم } ، أرشدناهم، { إلى صرط مستقيم }. # { ذلك هدى الله } ، دين الله، { يهدى به } ، يرشد به، { ~~من يشآء من عباده ولو أشركوا } ، أي: هؤلاء الذين ~~سميناهم، { لحبط } ، لبطل وذهب، { عنهم ما كانوا ~~يعملون }. # { أولئك الذين ءاتينهم الكتب } ، أي: الكتب ~~المنزلة عليهم، { والحكم } ، يعني: العلم والفقه، { والنبوة ~~فإن يكفر بها هؤلاء } ، الكفار يعني: أهل مكة، { فقد ~~وكلنا بها قوما ليسوا بها بكفرين } ، يعني: ~~الأنصار وأهل المدينة، قاله ابن عباس ومجاهد، وقال قتادة: فإن يكفر بها ~~هؤلاء الكفار فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين، يعني: الأنبياء ~~الثمانية عشر الذين ذكرهم الله هاهنا، وقال أبو رجاء العطاردي: معناه إن ~~يكفر بها أهل الأرض فقد وكلنا بها أهل السماء وهم الملائكة ليسوا بها ~~بكافرين. ### || [6.90-91] # { أولئك الذين هدى الله } أي: هداهم الله، { ~~فبهداهم } ، فبسنتهم وسيرتهم، { اقتده } ، الهاء فيها هاء ~~الوقف، وحذف حمزة والكسائي ويعقوب الهاء في الوصل، والباقون بإثباتها ~~وصلا ووقفا، وقرأ ابن عامر: { اقتده } بإشباع الهاء كسرا، { قل لا ~~أسألكم عليه أجرا إن هو } ، ما هو، { إلا ذكرى } ~~، أي: تذكرة وعظة، { للعلمين }. # قوله تعالى: { وما قدروا الله حق قدره } ، أي: ما ~~عظموه حق عظمته، وقيل: ما وصفوه حق ms0782 وصفه، { إذ قالوا مآ أنزل ~~الله على بشر من شىء } ، قال سعيد بن جبير: جاء رجل من ~~اليهود يقال له مالك بن الصيف يخاصم النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، ~~فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: # " أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أما تجد في التوراة أن الله ~~يبغض الحبر السمين " # ، وكان حبرا سمينا فغضب، فقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء. # وقال السدي: نزلت في فنحاص بن عازوراء، وهو قائل هذه المقالة. # وفي القصة: أن مالك بن الصيف لما سمعت اليهود منه تلك المقالة عتبوا ~~عليه، وقالوا: أليس أن الله أنزل التوراة على موسى؟ فلم قلت ما أنزل ~~الله على بشر من شيء؟ فقال مالك بن الصيف: أغضبني محمد فقلت ذلك، فقالوا ~~له: وأنت إذا غضبت تقول [على الله] غير الحق فنزعوه من الحبرية، وجعلوا ~~مكانه كعب بن الأشرف. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: # " قالت اليهود: يا محمد أنزل الله عليك كتابا؟ قال: نعم، قالوا: والله ~~ما أنزل الله من السماء كتابا، فأنزل الله: { وما قدروا الله حق ~~قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء } " # ، فقال الله تعالى: { قل } ، لهم، { من أنزل الكتب ~~الذى جآء به موسى نورا وهدى للناس } ، يعني: ~~التوراة، { تجعلونه قرطيس تبدونها وتخفون كثيرا ~~} ، أي: تكتبون عنه دفاتر وكتبا مقطعة تبدونها، أي: تبدون ما تحبون ~~وتخفون كثيرا من نعت محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم. وقرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو { يجعلونه } { ويبدونها } { ويخفونها } بالياء جميعا؛ ~~لقوله تعالى: { وما قدروا الله حق قدره } ، وقرأ الآخرون ~~بالتاء؛ لقوله تعالى: { من أنزل الكتب الذى جآء به ~~موسى }. # وقوله: { وعلمتم ما لم تعلموا } ، [الأكثرون على أنها ~~خطاب لليهود، يقول: علمتم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ما لم ~~تعلموا]، { أنتم ولآ ءابآؤكم } ، قال الحسن: جعل لهم علم ما جاء ~~به محمد صلى الله عليه وسلم فضيعوه ولم ينتفعوا به. # وقال مجاهد: هذا خطاب للمسلمين يذكرهم النعمة فيما علمهم على لسان ms0783 ~~محمد صلى الله عليه وسلم. # { قل الله } ، هذا راجع إلى قوله: { قل من أنزل الكتب ~~الذى جآء به موسى } ، فإن أجابوك وإلا فقل أنت: الله، أي: قل ~~أنزله الله، { ثم ذرهم فى خوضهم يلعبون }. ### || [6.92-93] # { وهذا كتاب أنزلناه مبارك } ، أي: القرآن كتاب مبارك ~~أنزلناه { مصدق الذى بين يديه ولتنذر } ، يا محمد، ~~قرأ أبو بكر عن عاصم { ولينذر } بالياء، أي: ولينذر الكتاب، { أم ~~القرى } ، يعني: مكة سميت أم القرى لأن الأرض دحيت من تحتها، فهي ~~أصل الأرض كلها كالأم أصل النسل، وأراد أهل أم القرى { ومن ~~حولها } ، أي: أهل الأرض كلها شرقا وغربا، { والذين ~~يؤمنون بالأخرة يؤمنون به } ، بالكتاب، { وهم على ~~صلاتهم } ، يعني: الصلوات الخمس، { يحافظون } ، يداومون، يعني: ~~المؤمنين. # قوله عز وجل: { ومن أظلم ممن افترى } ، أي: اختلق { ~~على الله كذبا } ، فزعم أن الله تعالى بعثه نبيا، { أو قال ~~أوحى إلى ولم يوح إليه شىء } ، قال قتادة: # " نزلت في مسيلمة الكذاب الحنفي، فكان يسجع ويتكهن، فادعى النبوة وزعم ~~أن الله أوحى إليه، وكان قد أرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~رسولين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهما: أتشهدان أن مسيلمة نبي؟ ~~قالا: نعم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لولا أن الرسل لا تقتل ~~لضربت أعناقكما» ". # أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي أنا أبو طاهر الزيادي أنا أبو بكر محمد بن ~~الحسين القطان أنا أحمد بن يوسف السلمي أنا عبدالرزاق أنا معمر عن همام ~~بن منبه أنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " بينما أنا نائم إذ أوتيت خزائن الأرض فوضع في يدي سواران من ذهب، ~~فكبرا علي وأهماني فأوحي إلي أن أنفخهما فنفختهما فذهبا، ~~فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما: صاحب صنعاء، وصاحب ~~اليمامة " # ، أراد بصاحب صنعاء الأسود العنسي وبصاحب اليمامة مسيلمة الكذاب. # قوله تعالى: { ومن قال سأنزل مثل مآ أنزل الله } ، ~~قيل: نزلت في عبدالله بن سعد بن أبي سرح وكان قد أسلم وكان يكتب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم فكان إذا أملى عليه: ms0784 سميعا بصيرا، كتب عليما ~~حكيما، وإذا قال: عليما حكيما، كتب غفورا رحيما، فلما نزلت: # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين # [المؤمنون: 12]، أملاها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فعجب عبد ~~الله من تفصيل خلق الإنسان، فقال: تبارك الله أحسن الخالقين، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " اكتبها فهكذا نزلت، " # فشك عبدالله، وقال: لئن كان محمد صادقا فقد أوحي إلي كما أوحي إليه، ~~فارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين، ثم رجع عبدالله إلى الإسلام قبل فتح ~~مكة إذ نزل النبي صلى الله عليه وسلم بمر الظهران. # وقال ابن عباس: قوله: { ومن قال سأنزل مثل مآ أنزل ~~الله } ، يريد المستهزئين وهو جواب لقولهم: { لو نشاء لقلنا مثل ~~هذا }. # قوله عز وجل: { ولو ترى } ، يا محمد، { إذ الظلمون فى ~~غمرات الموت } ، سكراته وهي جمع غمرة، وغمرة كل شيء: معظمه، ~~وأصلها: الشيء الذي [يعم] الأشياء فيغطيها، ثم وضعت في موضع الشدائد ~~والمكاره، { والملئكة باسطوا أيديهم } ، بالعذاب ~~والضرب، يضربون وجوههم وأدبارهم، وقيل: بقبض الأرواح، { أخرجوا } ، ~~أي: يقولون أخرجوا، { أنفسكم } ، أي: أرواحكم كرها لأن نفس المؤمن ~~تنشط للقاء ربها، والجواب محذوف، يعني: لو تراهم في هذه الحال لرأيت ~~عجبا، { اليوم تجزون عذاب الهون } ، أي: الهوان، { بما ~~كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن ~~ءايته تستكبرون } ، تتعظمون عن الإيمان بالقرآن ولا ~~تصدقونه. ### || [6.94] # { ولقد جئتمونا فرادى } هذا خبر من الله أنه يقول للكفار ~~يوم القيامة: ولقد جئتمونا فرادى وحدانا، لا مال معكم ولا زوج ولا ولد ~~ولا خدم، وفرادى جمع فردان، مثل سكران وسكارى، كسلان وكسالى، وقرأ ~~الأعرج فردى بغير ألف مثل سكرى، { كما خلقنكم أول ~~مرة } ، عراة حفاة غرلا، { وتركتم } ، خلفتم { ما ~~خولنكم } ، أعطيناكم من الأموال والأولاد والخدم، { ورآء ~~ظهوركم } خلف ظهوركم في الدنيا، { وما نرى معكم ~~شفعآءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركآء } ، ~~وذلك أن المشركين زعموا أنهم يعبدون الأصنام لأنهم شركاء الله وشفعاؤهم ~~عنده، { لقد تقطع بينكم } ، قرأ أهل المدينة والكسائي وحفص ~~عن عاصم بنصب النون، أي: لقد تقطع ما بينكم من الوصل، ms0785 أو تقطع الأمر ~~بينكم، وقرأ الآخرون " بينكم " برفع النون، أي: لقد تقطع [وصلكم] وذلك ~~مثل قوله: # وتقطعت بهم الأسباب # [البقرة: 166]، أي: الوصلات والبين من الأضداد يكون وصلا ويكون هجرا، ~~{ وضل عنكم ما كنتم تزعمون }. ### || [6.95-98] # قوله عز وجل: { إن الله فالق الحب والنوى } الفلق ~~الشق، قال الحسن وقتادة والسدي: معناه يشق الحبة عن السنبلة والنواة عن ~~النخلة فيخرجها منها، والحب جمع الحبة، وهو اسم لجميع البزور والحبوب من ~~البر والشعير والذرة، وكل مالم يكن له نوى، [وقال الزجاج: يشق الحبة ~~اليابسة والنواة اليابسة فيخرج منهما أوراقا خضرا. # وقال مجاهد: يعني الشقين اللذين فيهما، أي: يشق الحب عن النبات ويخرجه ~~منه ويشق النوى عن النخل ويخرجها منه]. # والنوى جمع نواة، وهي كل ما لم يكن له حب، كالتمر والمشمش والخوخ ~~ونحوها. # وقال الضحاك: فالق الحب والنوى يعني: خالق الحب والنوى، { يخرج ~~الحى من الميت ومخرج الميت من الحى ذلكم ~~الله فأنى تؤفكون } ، تصرفون عن الحق. # { فالق الإصباح } ، شاق عمود الصبح عن ظلمة الليل وكاشفه [وهو ~~أول ما يبدو من النهار، يريد مبدئ الصبح وموضحه]. # وقال الضحاك: خالق النهار، والإصباح مصدر كالإقبال والإدبار وهو الإضاءة ~~وأراد به الصبح. # { وجعل اليل سكنا } ، يسكن فيه خلقه، وقرأ أهل الكوفة، { ~~وجعل } على الماضي، { اليل } ، نصب إتباعا للمصحف، وقرأ ~~إبراهيم النخعي { فلق الإصباح } ، { وجعل اليل سكنا } ، { ~~والشمس والقمر حسبانا } ، أي: جعل الشمس والقمر بحساب ~~معلوم لا يجاوزانه ذاته حتى ينتهيا إلى أقصى منازلهم، والحسبان مصدر ~~كالحساب، { ذلك تقدير العزيز العليم }. # قوله عز وجل: { وهو الذى جعل لكم النجوم } ، أي: ~~خلقها لكم،، { لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر }. # والله تعالى خلق النجوم لفوائد. # أحدها هذا: وهو أن [راكب البحر] والسائر في القفار يهتدي بها في الليالي ~~إلى مقاصده. والثاني أنها زينة للسماء كما قال: # ولقد زينا السمآء الدنيا بمصابيح # [الملك: 5]. # ومنها رمي الشياطين، كما قال: # وجعلناها رجوما للشياطين # [الملك: 5]. # { قد فصلنا الأيت لقوم يعلمون }. # { وهو الذى أنشأكم } ، خلقكم وابتدأكم، { من نفس ~~وحدة } ، يعني: آدم عليه السلام، { فمستقر ms0786 ومستودع } ~~، قرأ ابن كثير وأهل البصرة { فمستقر } بكسر القاف، يعني: فمنكم مستقر ~~ومنكم مستودع، وقرأ الآخرون بفتح القاف، أي: فلكم مستقر ومستودع. # واختلفوا في المستقر والمستودع، قال عبدالله بن مسعود: فمستقر في الرحم ~~إلى أن يولد، ومستودع في القبر إلى أن يبعث. # وقال سعيد بن جبير وعطاء: فمستقر في أرحام الأمهات ومستودع في أصلاب ~~الآباء، وهو رواية عكرمة عن ابن عباس قال سعيد بن جبير: قال لي ابن عباس ~~هل تزوجت قلت: لا، قال: أما إنه ما كان مستودع في ظهرك فسيخرجه الله عز ~~وجل. # وروي عن أبي أنه قال: مستقر في أصلاب الآباء، ومستودع في أرحام ~~الأمهات. # وقيل: مستقر في الرحم ومستودع فوق الأرض، قال الله تعالى: # ونقر في الأرحام ما نشآء # [الحج: 5]. # وقال مجاهد: مستقر على ظهر الأرض في الدنيا ومستودع عند الله في الآخرة، ~~ويدل عليه قوله تعالى: # ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين # [البقرة: 36]. # وقال الحسن: المستقر في القبر والمستودع في الدنيا، وكان يقول: يا ابن ~~آدم أنت وديعة في أهلك ويوشك أن تلحق بصاحبك. # وقيل: المستودع القبر والمستقر الجنة والنار؛ لقوله عز وجل في صفة ~~الجنة: # حسنت مستقرا # [الفرقان: 76]، و # سآءت مستقرا # [الفرقان: 66]، { قد فصلنا الأيت لقوم يفقهون }. ### || [6.99] # { وهو الذى أنزل من السمآء مآء فأخرجنا به } ~~، أي: بالماء، { نبات كل شىء فأخرجنا منه } ، أي من ~~الماء، وقيل: من النبات، { خضرا } ، يعني: أخضر، مثل العور والأعور، ~~يعني: ما كان رطبا أخضر مما ينبت من القمح والشعير ونحوهما، { نخرج ~~منه حبا متراكبا } ، أي: متراكما بعضه على بعض، مثل سنابل ~~البر والشعير والأرز وسائر الحبوب، { ومن النخل من طلعها ~~} ، والطلع أول ما يخرج من ثمر النخل، { قنون } جمع قنو وهو ~~العذق، مثل صنو وصنوان ولا نظير لهما في الكلام، { دانية } ، أي: ~~قريبة المتناول ينالها القائم والقاعد، قال مجاهد: متدلية، وقال الضحاك: ~~قصار ملتزمة بالأرض، وفيه اختصار معناه: ومن النخل ما قنوانها دانية ~~ومنها ما هي بعيدة، فاكتفى بذكر القريبة عن البعيدة لسبقها إلى الأفهام؛ ~~كقوله تعالى: ms0787 # سرابيل تقيكم الحر # [النمل: 81]، يعني: الحر والبرد فاكتفى بذكر أحدهما، { وجنت ~~من أعنب } ، أي: وأخرجنا منه جنات، وقرأ الأعمش عن عاصم { ~~وجنت } بالرفع نسقا على قوله: { قنون } ، وعامة القراء على ~~خلافه، { والزيتون والرمان } ، يعني: وشجر الزيتون [وشجر] ~~الرمان، { مشتبها وغير متشبه } ، قال قتادة: معناه ~~مشتبها ورقها مختلفا ثمرها، لأن ورق الزيتون يشبه ورق الرمان، وقيل: ~~مشتبه في المنظر مختلف في الطعم، { انظروا إلى ثمره } ، قرأ ~~حمزة والكسائي بضم الثاء والميم، هذا وما بعده وفي " يس " على جمع ~~الثمار، وقرأ الآخرون [بفتحهما] على جمع الثمرة مثل بقرة وبقر، { إذآ ~~أثمر وينعه } ، ونضجه وإدراكه، { إن فى ذلكم لأيت ~~لقوم يؤمنون }. ### || [6.100-102] # قوله عز وجل: { وجعلوا لله شركآء الجن } يعني: ~~الكافرين جعلوا لله الجن شركاء، { وخلقهم } ، يعني: وهو خلق الجن. # قال الكلبي: نزلت في الزنادقة أثبتوا الشركة لإبليس في الخلق، فقالوا: ~~[الله خالق] النور والناس والدواب والأنعام، وإبليس خالق الظلمة والسباع ~~والحيات والعقارب، وهذا كقوله: # وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا # [الصافات: 158]، وإبليس من الجن، { وخرقوا } قرأ أهل المدينة " ~~وخرقوا " بتشديد الراء على التكثير، وقرأ الآخرون بالتخفيف، أي: ~~اختلفوا، { له بنين وبنات بغير علم } ، وذلك مثل قول ~~اليهود عزير ابن الله، وقول النصارى المسيح ابن الله، وقول كفار العرب ~~الملائكة بنات الله، ثم نزه نفسه فقال: { سبحنه وتعلى ~~عما يصفون }. # { بديع السموت والأرض } ، أي: مبدعهما لا على مثال سبق، ~~{ أنى يكون له ولد } ، أي: كيف يكون له ولد؟ { ولم تكن ~~له صحبة } ، زوجة، { وخلق كل شىء وهو بكل ~~شىء عليم }. # { ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خلق كل ~~شىء فاعبدوه } ، فأطيعوه، { وهو على كل شىء وكيل ~~} ، بالحفظ له والتدبير فيه، { لا تدركه الأبصار وهو ~~يدرك الأبصار } ، الآية. يتمسك أهل الاعتزال بظاهر هذه الآية في ~~نفي رؤية الله عز وجل عيانا. # ومذهب أهل السنة: إثبات رؤية الله عز وجل عيانا، جاء به القرآن ~~والسنة، قال الله تعالى: # وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة # [القيامة: 23]، وقال: # كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون # [المطففين: 15] قال مالك ms0788 رضي الله عنه: لو لم ير المؤمنون ربهم يوم ~~القيامة لم يعير الله الكفار بالحجاب، وقرأ النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة # [يونس: 26]، وفسره بالنظر إلى وجه الله عز وجل. # أخبرنا عبدالواحد المليحي أنا أحمد بن عبدالله النعيمي أنا محمد بن يوسف ~~ثنا محمد بن إسماعيل ثنا يوسف بن موسى ثنا عاصم بن يوسف اليربوعي أنا أبو ~~شهاب عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبدالله قال: ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إنكم سترون ربكم عيانا ". ### || [6.103-105] # وأما قوله: { لا تدركه الأبصر } فاعلم أن الإدراك غير ~~الرؤية لأن الإدراك هو: الوقوف على كنه الشيء والإحاطة به والرؤية: ~~المعاينة، وقد تكون الرؤية بلا إدراك، قال الله تعالى في قصة موسى عليه ~~السلام: # فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا ~~لمدركون قال كلا # [الشعراء: 61 - 62]، وقال: # لا تخاف دركا ولا تخشى # [طه: 77]، فنفى الإدراك مع إثبات الرؤية، فالله عز وجل يجوز أن يرى ~~من غير إدراك وإحاطة كما يعرف في الدنيا ولا يحاط به، قال الله تعالى: # ولا يحيطون به علما # [طه: 110]، فنفى الإحاطة مع ثبوت العلم، قال سعيد بن المسيب: لا تحيط ~~به الأبصار، وقال عطاء: كلت أبصار المخلوقين عن الإحاطة به، وقال ابن ~~عباس ومقاتل: لا تدركه الأبصار في الدنيا، وهو يرى في الآخرة، قوله: { ~~وهو يدرك الأبصر } ، لا يخفى على الله شيء ولا يفوته، { ~~وهو اللطيف الخبير } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: اللطيف ~~بأوليائه [الخبير بهم، وقال الأزهري: معنى { اللطيف } ] الرفيق بعباده، ~~وقيل: اللطيف الموصل الشيء باللين والرفق، وقيل: اللطيف الذي ينسي ~~العباد ذنوبهم لئلا يخجلوا، وأصل اللطف دقة النظر في الأشياء. # قوله عز وجل: { قد جآءكم بصآئر من ربكم } ، يعني: ~~الحجج البينة التي تبصرون بها الهدى من الضلالة والحق من الباطل، { ~~فمن أبصر فلنفسه } ، أي: فمن عرفها وآمن بها فلنفسه ~~عمل، ونفعه له، { ومن عمى فعليها } ، أي: من عمي عنها فلم ~~يعرفها ولم يصدقها فعليها، أي: فبنفسه ms0789 ضر، ووبال العمى عليه، { ومآ ~~أنا عليكم بحفيظ } ، برقيب أحصي عليكم أعمالكم، إنما أنا ~~رسول أبلغكم رسالات ربي وهو الحفيظ عليكم الذي لا يخفى عليه شيء من ~~أفعالكم. # { وكذلك نصرف الأيت } ، نفصلها ونبينها في كل وجه، { ~~وليقولوا } ، قيل: معناه لئلا يقولوا، { درست } ، وقيل: هذه ~~اللام لام العاقبة أي عاقبة أمرهم أن يقولوا: { درست } ، أي: قرأت ~~على غيرك، وقيل: قرأت كتب أهل الكتاب؛ كقوله تعالى: # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا # [القصص: 8]، ومعلوم أنهم لم يلتقطوه لذلك، ولكن أراد أن عاقبة أمرهم أن ~~كان عدوا لهم. # قال ابن عباس: وليقولوا يعني: أهل مكة حين تقرأ عليهم القرآن درست، أي: ~~تعلمت من يسار وجبر, كانا عبدين من سبي الروم، ثم قرأت علينا تزعم أنه ~~من عند الله، من قولهم: درست الكتاب أدرس درسا ودراسة. # وقال الفراء: يقولون: تعلمت من يهود، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: " دارست ~~" ، بالألف [أي: قارأت أهل الكتاب من المدارسة بين اثنين تقول:] قرأت ~~عليهم وقرؤوا عليك، وقرأ ابن عامر ويعقوب: " درست " بفتح السين وسكون ~~التاء، أي: هذه الأخبار التي تتلوها علينا قديمة، قد درست وانمحت، من ~~قولهم: درس الأثر يدرس دروسا. { ولنبينه لقوم يعلمون } ~~، قال ابن عباس: يريد أولياءه الذين هداهم إلى سبيل الرشاد، وقيل: يعني ~~أن تصريف الآيات ليشقى به قوم ويسعد به آخرون، فمن قال درست فهو شقي، ومن ~~تبين له الحق فهو سعيد ### || [6.106-108] # { اتبع مآ أوحي إليك من ربك } ، يعني: القرآن اعمل ~~به، { لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين } ، فلا ~~تجادلهم. # { ولو شآء الله مآ أشركوا } ، أي: ولو شاء لجعلهم مؤمنين، ~~{ وما جعلنك عليهم حفيظا } ، رقيبا، قال عطاء: وما ~~جعلناك عليهم حفيظا تمنعهم مني، أي: لم تبعث لتحفظ المشركين من العذاب ~~إنما بعثت مبلغا. { ومآ أنت عليهم بوكيل }. # قوله عز وجل: { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله ~~} الآية، قال ابن عباس: لما نزلت: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # [الأنبياء: 98]، قال المشركون: يا محمد لتنتهين عن سب آلهتنا أو ms0790 ~~لنهجون ربك، فنهاهم الله تعالى أن يسبوا أوثانهم. # وقال قتادة: كان المسلمون يسبون أصنام الكفار، فنهاهم الله عز وجل عن ~~ذلك، لئلا يسبوا الله فإنهم قوم جهلة. # وقال السدي: # " لما حضرت أبا طالب الوفاة قالت قريش: انطلقوا فلندخل على هذا الرجل ~~فلنأمرنه أن ينهى عنا ابن أخيه فإنا نستحي أن نقتله بعد موته، فتقول ~~العرب: كان يمنعه عمه فلما مات قتلوه. فانطلق أبو سفيان وأبو جهل والنضر ~~بن الحارث وأمية وأبي ابنا خلف وعقبة [بن أبي معيط وعمرو بن العاص، ~~والأسود بن] البختري إلى أبي طالب، فقالوا: يا أبا طالب أنت كبيرنا ~~وسيدنا وإن محمدا قد آذانا وآلهتنا، فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذلك، وعن ~~ذكر آلهتنا، ولندعنه وإلهه، فدعاه فقال: هؤلاء قومك يقولون نريد أن ~~تدعنا وآلهتنا وندعك وإلهك، وقد أنصفك قومك فاقبل منهم، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «أرأيتم إن أعطيتكم هذا هل أنتم معطي كلمة إن تكلمتم ~~بها ملكتم العرب ودانت لكم بها العجم؟» قال أبو جهل: نعم وأبيك لنعطينكها ~~وعشرة أمثالها، قال: فما هي؟ قال: «قولوا لا إله إلا الله»، فأبوا ~~ونفروا، فقال أبو طالب: قل غيرها يا ابن أخي، فقال: يا عم ما أنا ~~الذي أقول غيرها ولو أتوني بالشمس فوضعوها في يدي، فقالوا: لتكفن عن ~~شتمك آلهتنا أو لنشتمنك ونشتمن من يأمرك، فأنزل الله عز وجل: { ولا ~~تسبوا الذين يدعون من دون الله } " # ، يعني: الأوثان، { فيسبوا الله عدوا } ، أي: اعتداء ~~وظلما، { بغير علم }. # وقرأ يعقوب { عدوا } بضم العين والدال وتشديد الواو، # " فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «لا ~~تسبوا ربكم» " # ، فأمسك المسلمون عن سب آلهتهم. # فظاهر الآية وإن كان نهيا عن سب الأصنام فحقيقته النهي عن سب الله ~~تعالى، لأنه سبب لذلك. # { كذلك زينا لكل أمة عملهم } ، [أي: كما زينا ~~لهؤلاء المشركين عبادة الأوثان وطاعة الشيطان بالحرمان والخذلان، كذلك ~~زينا لكل أمة عملهم] من الخير والشر والطاعة والمعصية، { ثم ~~إلى ربهم مرجعهم فينبئهم } ، ويجازيهم، { بما ~~كانوا يعملون ms0791 }. ### || [6.109] # قوله عز وجل: { وأقسموا بالله جهد أيمنهم } ~~الآية. قال محمد بن كعب القرظي والكلبي: # " قالت قريش يا محمد إنك تخبرنا أن موسى كان معه عصى يضرب بها الحجر ~~فينفجر منه اثنتا عشرة عينا، وتخبرنا أن عيسى عليه السلام كان يحيي ~~الموتى فأتنا من الآيات حتى نصدقك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أي شيء تحبون؟ قالوا: تجعل لنا الصفا ذهبا أو ابعث لنا بعض موتانا حتى ~~نسأله عنك أحق ما تقول أم باطل، وأرنا الملائكة يشهدون لك، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: فإن فعلت بعض ما تقولون أتصدقونني؟ قالوا: ~~نعم، والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعون، وسأل المسلمون رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن ينزلها عليهم حتى يؤمنوا، فقام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يدعو الله أن يجعل الصفا ذهبا فجاءه جبريل عليه السلام، فقال له: ~~اختر ما شئت إن شئت أصبح ذهبا ولكن إن لم يصدقوا عذبتهم، وإن شئت تركتهم ~~حتى يتوب تائبهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل يتوب تائبهم، ~~فأنزل الله عز وجل: { وأقسموا بالله جهد أيمنهم } ~~" # ، أي: حلفوا بالله جهد أيمانهم، أي: بجهد أيمانهم، يعني: أوكد ما قدروا ~~عليه من الأيمان وأشدها. # قال الكلبي ومقاتل: إذا حلف الرجل بالله، فهو جهد يمينه. # { لئن جآءتهم ءاية } ، كما جاءت من قبلهم من الأمم، { ~~ليؤمنن بها قل } يا محمد، { إنما الأيت عند ~~الله } ، والله قادر على إنزالها، { وما يشعركم } ، وما ~~يدريكم. # واختلفوا في المخاطبين بقوله: { وما يشعركم } ، فقال بعضهم: ~~الخطاب للمشركين الذين أقسموا. # وقال بعضهم: الخطاب للمؤمنين. # وقوله تعالى: { أنهآ إذا جآءت لا يؤمنون } ، قرأ ابن ~~كثير وأهل البصرة وأبو بكر عن عاصم { إنها } بكسر الألف على الابتداء، ~~وقالوا: تم الكلام عند قوله: { وما يشعركم } ، فمن جعل ~~الخطاب للمشركين قال معناه: وما يشعركم أيها [المشركون] أنها لو جاءت ~~آمنتم؟ ومن جعل الخطاب للمؤمنين قال معناه: وما يشعركم أيها المؤمنون ~~أنها لو جاءت آمنوا؟ لأن المسلمين كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه ms0792 ~~وسلم أن يدعو الله حى يريهم ما اقترحوا حتى يؤمنوا فخاطبهم بقوله: { ~~وما يشعركم } ، ثم ابتدأ فقال جل ذكره: { أنهآ إذا ~~جآءت لا يؤمنون } ، وهذا في قوم مخصوصين [حكم الله عليهم بأنهم ~~لا يؤمنون]، وقرأ الآخرون " أنها " بفتح الألف وجعلوا الخطاب للمؤمنين، ~~واختلفوا في قوله: { لا يؤمنون } ، فقال الكسائي: { لا } صلة، ~~ومعنى الآية: وما يشعركم أيها المؤمنون أن الآيات إذا جاءت المشركين ~~يؤمنون؟ كقوله: # وحرام على قرية أهلكناهآ أنهم لا يرجعون # [الأنبياء: 95]، أي: يرجعون وقيل: إنها بمعنى لعل، وكذلك هو في قراءة ~~أبي، تقول العرب: اذهب إلى السوق أنك تشتري شيئا، أي: لعلك، وقال عدي ~~بن زيد: # أعاذل ما يدريك أن منيتي # إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد # أي: لعل منيتي، وقيل: فيه حذف، وتقديره: وما يشعركم أنها إذا جاءت ~~[يؤمنون أو لا يؤمنون؟ وقرأ ابن عامر وحمزة: { لا تؤمنون } بالتاء على ~~الخطاب للكفار واعتبروا بقراءة أبي: إذا جاءتكم] لا تؤمنون، وقرأ ~~الآخرون بالياء على الخبر، دليلها قراءة الأعمش: أنها إذا جاءتهم لا ~~يؤمنون. ### || [6.110-111] # { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا ~~به أول مرة } قال ابن عباس: يعني ونحول بينهم وبين الإيمان، ~~فلو جئناهم بالآيات التي سألوا ما آمنوا بها كما لم يؤمنوا به أول مرة، ~~أي: كما لم يؤمنوا بما قبلها من الآيات من انشقاق القمر وغيره، وقيل: كما ~~لم يؤمنوا به أول مرة، يعني: معجزات موسى وغيره من الأنبياء عليهم ~~السلام؛ كقوله تعالى: # أولم يكفروا بمآ أوتي موسى من قبل # [القصص: 48]، وفي الآية محذوف تقديره: ولا يؤمنون كما لم يؤمنوا به أول ~~مرة، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: المرة الأولى دار الدنيا، ~~يعني: لو ردوا من الآخرة إلى الدنيا نقلب أفئدتهم وأبصارهم عن الإيمان ~~كما لم يؤمنوا في الدنيا قبل مماتهم، كما قال: # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه # [الأنعام: 28]، { ونذرهم فى طغيانهم يعمهون } ، قال ~~عطاء: نخذلهم وندعهم في ضلالهم يتمادون. # { ولو أننا نزلنآ إليهم الملئكة } ، فرأوهم ~~عيانا { وكلمهم الموتى } ، بإحيائنا إياهم فشهدوا ms0793 لك ~~بالنبوة كما سألوا، { وحشرنا } ، وجمعنا، { عليهم كل شىء ~~قبلا } ، قرأ أهل المدينة وابن عامر { قبلا } بكسر القاف وفتح ~~الباء، أي: معاينة، وقرأ الآخرون بضم القاف والباء، قيل: هو جمع قبيل، ~~وهو الكفيل، مثل رغيف ورغف، وقضيب وقضب، أي: ضمناء وكفلاء، وقيل: ~~هو جمع قبيل وهو القبيلة، أي: فوجا فوجا، وقيل: هو بمعنى المقابلة ~~والمواجهة، من قولهم: أتيتك قبلا لا دبرا إذا أتاه من قبل وجهه. { ما ~~كانوا ليؤمنوا إلا أن يشآء الله } ، ذلك، { ~~ولكن أكثرهم يجهلون }. ### || [6.112-113] # { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا } أي: أعداء فيه تعزية ~~النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: كما ابتليناك بهؤلاء القوم، فكذلك جعلنا ~~لكل نبي قبلك أعداء، ثم فسرهم فقال: { شيطين الإنس والجن } ~~، قال عكرمة والضحاك والسدي والكلبي: معناه شياطين الإنس التي مع الإنس، ~~وشياطين الجن التي مع الجن، وليس للإنس شياطين، وذلك أن إبليس قسم جنده ~~فريقين فبعث فريقا منهم إلى الإنس وفريقا منهم إلى الجن، وكلا الفريقين ~~أعداء للنبي صلى الله عليه وسلم ولأوليائه، وهم يلتقون في كل حين، فيقول ~~[شيطان] الإنس [لشيطان] الجن: أضللت صاحبي بكذا فأضل صاحبك بمثله، ويقول ~~شياطين الجن لشياطين الإنس كذلك، فذلك وحي بعضهم إلى بعض. # قال قتادة ومجاهد والحسن: إن من الإنس شياطين كما أن من الجن شياطين، ~~والشيطان: العاتي المتمرد من كل شيء، قالوا: إن الشيطان إذا أعياه المؤمن ~~وعجز عن إغوائه ذهب إلى متمرد من الإنس وهو شيطان الإنس فأغراه بالمؤمن ~~ليفتنه، يدل عليه ما روي عن أبي ذر قال: # " قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هل تعوذت بالله من شر ~~شياطين الجن والإنس "؟ قلت: يا رسول الله وهل للإنس من شياطين؟ قال: ~~نعم، هم شر من شياطين الجن ". # وقال مالك بن دينار: إن شياطين الإنس أشد علي من شياطين الجن، وذلك ~~أني إذا تعوذت بالله ذهب عني شياطين الجن، وشيطان الإنس يجيئني فيجرني ~~إلى المعاصي عيانا. # قوله تعالى: { يوحى بعضهم إلى بعض } ، أي: يلقي، { ~~زخرف القول } ، وهو قول مموه مزين مزخرف ms0794 بالباطل لا معنى تحته، ~~{ غرورا } ، يعني: هؤلاء الشياطين يزينون الأعمال القبيحة لبني آدم، ~~ويغرونهم غرورا، والغرور: القول الباطل، { ولو شآء ربك ما ~~فعلوه } ، أي: ما ألقوه من الوسوسة [في القلوب]، { فذرهم وما ~~يفترون }. # { ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون ~~بالأخرة } ، أي: تميل إليه، والصغو: الميل، يقال: صغو فلان معك، أي: ~~ميله، والفعل منه: صغى يصغي، صغا، وصغى يصغى، ويصغو صغو، والهاء في ~~" إليه " راجعة إلى زخرف القول، { وليرضوه وليقترفوا } ، ~~ليكتسبوا، { ما هم مقترفون } ، يقال: اقترف فلان مالا إذا ~~اكتسبه، وقال تعالى: # ومن يقترف حسنة # [الشورى: 23]، وقال الزجاج: أي ليعملوا من الذنوب ما هم عاملون. ### || [6.114-117] # قوله عز وجل: { أفغير الله } ، فيه إضمار أي: قل لهم يا محمد ~~أفغير الله، { أبتغى } ، أطلب { حكما } ، قاضيا بيني وبينكم، ~~وذلك أنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: اجعل بيننا وبينك ~~حكما فأجابهم به، { وهو الذى أنزل إليكم الكتب ~~مفصلا } ، مبينا فيه أمره ونهيه، يعني: القرآن، وقيل: مفصلا أي ~~خمسا خمسا وعشرا عشرا؛ كما قال: # لنثبت به فؤادك # [الفرقان: 32]، { والذين ءاتينهم الكتب } ، يعني: ~~علماء اليهود والنصارى الذين آتيناهم التوراة والإنجيل، وقيل: هم مؤمنو ~~أهل الكتاب، وقال عطاء: هم رؤوس أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد ~~بالكتاب هو القرآن، { يعلمون أنه منزل } ، يعني: القرآن، ~~قرأ ابن عامر [وحفص]: { منزل } ، بالتشديد من التنزيل لأنه أنزل نجوما ~~متفرقة، وقرأ الآخرون بالتخفيف من الإنزال؛ لقوله تعالى: " وهو الذي ~~أنزل إليكم الكتاب " ، { من ربك بالحق فلا تكونن من ~~الممترين } ، من الشاكين أنهم يعلمون ذلك. # قوله عز وجل: { وتمت كلمت ربك } ، قرأ أهل الكوفة ويعقوب ~~{ كلمة } على التوحيد، وقرأ الآخرون (كلمات) بالجمع، وأراد بالكلمات أمره ~~ونهيه ووعده ووعيده، { صدقا وعدلا } ، أي: صدقا في الوعد ~~والوعيد، وعدلا في الأمر والنهي، قال قتادة ومقاتل: صدقا فيما وعد ~~وعدلا فيما حكم. { لا مبدل لكلمته } ، قال ابن عباس: لا ~~راد لقضائه ولا مغير لحكمه ولا خلف لوعده، { وهو السميع ~~العليم } ، قيل: المراد بالكلمات القرآن لا مبدل له، لا يزيد فيه ~~المفترون ولا ينقصون. ms0795 # { وإن تطع أكثر من فى الأرض يضلوك عن سبيل ~~الله } ، عن دين الله، وذلك أن أكثر أهل الأرض كانوا على الضلالة، ~~وقيل: أراد أنهم جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في أكل ~~الميتة، وقالوا: أتأكلون ما تقتلون ولا تأكلون ما قتله الله عز وجل؟ ~~فقال: { وإن تطع أكثر من فى الأرض } أي: وإن تطعهم في أكل ~~الميتة يضلوك عن سبيل الله، { إن يتبعون إلا الظن } ، ~~يريد أن دينهم الذي هم عليه ظن [وهوى] لم يأخذوه عن بصيرة، { وإن ~~هم إلا يخرصون } ، يكذبون. # { إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله } ، قيل: موضع ~~" من " نصب بنزع حرف الصفة، أي: بمن يضل، وقال الزجاج: موضعه رفع ~~بالابتداء، ولفظها لفظ الاستفهام، المعنى: إن ربك هو أعلم أي الناس من ~~يضل عن سبيله، { وهو أعلم بالمهتدين } ، أخبر أنه أعلم ~~بالفريقين الضالين والمعتدين فيجازي كلا بما يستحقه. ### || [6.118-119] # قوله تعالى;: { فكلوا مما ذكر اسم الله عليه } أي: ~~كلوا مما ذبح على اسم الله، { إن كنتم بآيته مؤمنين } ، ~~وذلك أنهم كانوا يحرمون أصنافا من النعم ويحلون الأموات، فقيل لهم: ~~أحلوا ما أحل الله وحرموا ما حرم الله. # ثم قال: { وما لكم } ، يعني: أي شيء لكم، { ألا تأكلوا } ، ~~وما يمنعكم من أن تأكلوا، { مما ذكر اسم الله عليه } ، من ~~الذبائح، { وقد فصل لكم ما حرم عليكم } ، قرأ أهل ~~المدينة ويعقوب وحفص { فصل } و { حرم } بالفتح فيهما أي فصل الله ما ~~حرمه عليكم؛ لقوله: { اسم الله } ، وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو ~~عمرو بضم الفاء والحاء وكسر الصاد والراء على غير تسمية الفاعل؛ لقوله: { ~~ذكر } وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر { فصل } بالفتح و { حرم } بالضم، ~~وأراد بتفصيل المحرمات ما ذكر في قوله تعالى: # حرمت عليكم الميتة والدم # [المائدة: 3]. { إلا ما اضطررتم إليه } ، من هذه الأشياء ~~فإنه حلال لكم عند الإضطرار، { وإن كثيرا ليضلون } ، قرأ ~~أهل الكوفة بضم الياء وكذلك قوله: (ليضلوا) في سورة يونس؛ لقوله تعالى: ~~(يضلوك عن سبيل الله)، وقيل: أراد به عمرو بن لحي ms0796 فمن دونه من المشركين ~~الذين اتخذوا البحائر والسوائب، وقرأ الآخرون بالفتح لقوله: { من يضل } ~~، { بأهوآئهم بغير علم } ، حين امتنعوا من أكل ما ذكر اسم ~~الله عليه ودعوا إلى أكل الميتة. { إن ربك هو أعلم ~~بالمعتدين } ، الذين يجاوزون الحلال إلى الحرام. ### || [6.120-121] # { وذروا ظهر الإثم وباطنه } ، يعني: الذنوب كلها لأنها ~~لا تخلو من هذين الوجهين، قال قتادة: علانيته وسره، قال مجاهد: ظاهر ~~الإثم ما يعمله الإنسان بالجوارح من الذنوب، وباطنه ما ينويه ويقصده ~~بقلبه كالمصر على الذنب القاصد له. # وقال الكلبي: ظاهره الزنا وباطنه المخالة، وأكثر المفسرين على أن ظاهر ~~الإثم الإعلان بالزنا، وهم أصحاب الروايات، وباطنه الاستسرار به، وذلك أن ~~العرب كانوا يحبون الزنا وكان الشريف منهم يتشرف فيسر به، وغير ~~الشريف لا يبالي به فيظهره، فحرمهما الله عز وجل، وقال سعيد بن جبير: ~~ظاهر الإثم نكاح المحارم وباطنه الزنا. # وقال ابن زيد: إن ظاهر الإثم التجرد من الثياب والتعري في [الطواف] ~~والباطن الزنا، وروى حبان عن الكلبي: ظاهر الإثم طواف الرجال بالبيت ~~نهارا عراة، وباطنه طواف النساء بالليل عراة، { إن الذين ~~يكسبون الإثم سيجزون } ، في الآخرة، { بما كانوا ~~يقترفون } ، [يكتسبون في الدنيا]. # قوله عز وجل: { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله ~~عليه } قال ابن عباس رضي الله عنهما: الآية في تحريم الميتات وما في ~~معناها من المنخنقة وغيرها. # وقال عطاء: الآية في تحريم الذبائح التي كانوا يذبحونها على اسم ~~الأصنام. # واختلف أهل العلم في ذبيحة المسلم إذا لم يذكر اسم الله عليها: فذهب قوم ~~إلى تحريمها سواء ترك التسمية عامدا أو ناسيا، وهو قول ابن سيرين ~~والشعبي، واحتجوا بظاهر هذه الآية. # وذهب قوم إلى تحليلها، يروى ذلك عن ابن عباس وهو قول مالك والشافعي ~~وأحمد رضوان الله عليهم أجمعين. # وذهب قوم إلى أنه ترك التسمية عامدا لا يحل، وإن تركها ناسيا يحل، حكى ~~الخرقي من أصحاب أحمد: أن هذا مذهبه، وهو قول الثوري وأصحاب الرأي. # ومن أباحها قال: المراد من الآية الميتات أو ما ذبح على غير اسم ms0797 غير ~~الله بدليل أنه قال: { وإنه لفسق } ، والفسق في ذكر اسم غير ~~الله؛ كما قال في آخر السورة: { قل لا أجد في مآ أوحي ~~إلي محرما على طاعم } إلى قوله: { أو فسقا أهل ~~لغير الله به }. # واحتج من أباحها بما أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن ~~عبدالله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ثنا يوسف بن ~~موسى ثنا أبو خالد الأحمر قال: سمعت هشام بن عروة يحدث عن أبيه عن عائشة ~~رضي الله عنها، قالت: # " إن قوما قالوا: يا رسول الله إن هنا أقواما حديث عهدهم بشرك يأتون ~~بلحمان لا ندري يذكرون اسم الله عليها أم لا؟ قال: اذكرو أنتم اسم الله ~~وكلوا ". # ولو كانت التسمية شرطا للإباحة لكان الشك في وجودها مانعا من أكلها ~~كالشك في أصل [الذبح]. قوله: { وإن الشيطين ليوحون ~~إلى أوليآئهم ليجدلوكم } ، أراد أن الشياطين ~~ليوسوسون إلى أوليائهم من المشركين ليجادلوكم، وذلك أن المشركين قالوا: ~~يا محمد أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها؟ فقال: الله قتلها، ~~قالوا أفتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال، وما قتله الكلب والصقر ~~حلال، وما قتله الله حرام؟ فأنزل الله هذه الآية، { وإن ~~أطعتموهم } ، في أكل الميتة، { إنكم لمشركون } ، قال ~~الزجاج: وفيه دليل على أن من أحل شيئا مما حرم الله أو حرم ما أحل ~~الله فهو مشرك. ### || [6.122] # قوله عز وجل: { أومن كان ميتا فأحيينه } ، قرأ نافع { ~~ميتا } و # لحم أخيه ميتا # [الحجرات: 12] و # الأرض الميتة أحييناها # [يس: 33]، بالتشديد فيهن، والآخرون بالتخفيف { فأحييناه } ، أي: ~~كان ضالا فهديناه، كان ميتا بالكفر فأحييناه بالإيمان، { وجعلنا ~~له نورا } ، يستضيء به، { يمشى به فى الناس } ، على قصد ~~السبيل، قيل: النور هو الإسلام؛ لقوله تعالى: # يخرجهم من الظلمات إلى النور # [البقرة: 257]، وقال قتادة: هو كتاب الله بينة من الله مع المؤمنين، ~~بها يعمل وبها يأخذ وإليها ينتهي، { كمن مثله في الظلمت } ~~، المثل صلة، أي: كمن هو في الظلمات، { ليس بخارج منها } ، ~~يعني: من ظلمة الكفر. # قيل: نزلت هذه الآية ms0798 في رجلين بأعيانهما، ثم اختلفوا فيهما، قال ابن ~~عباس: جعلنا له نورا، يريد حمزة بن عبدالمطلب، كمن مثله في الظلمات يريد ~~أبا جهل بن هشام، وذلك أن أبا جهل رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بفرث، فأخبر حمزة بما فعل أبو جهل وهو راجع من قنصه وبيده قوس، ~~وحمزة لم يؤمن بعد، فأقبل غضبان حتى علا أبا جهل بالقوس وهو يتضرع إليه، ~~ويقال: يا أبا يعلى أما ترى ما جاء به؟ سفه عقولنا وسب آلهتنا وخالف ~~آباءنا، قال حمزة: ومن أسفه منكم؟ تعبدون الحجارة من دون الله أشهد أن لا ~~إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فأنزل الله هذه الآية. # وقال الضحاك: نزلت في عمر بن الخطاب وأبي جهل. # وقال عكرمة والكلبي: نزلت في عمار بن ياسر وأبي جهل. # { كذلك زين للكفرين ما كانوا يعملون } ، من ~~الكفر والمعصية. قال ابن عباس: يريد زين لهم الشيطان عبادة الأصنام. ### || [6.123-124] # قوله عز وجل: { وكذلك جعلنا في كل قرية أكبر ~~مجرميها } أي: كما أن فساق مكة أكابرها، كذلك جعلنا فساق كل ~~[قرية] أكابرها، أي: عظماءها، جمع أكبر، مثل أفضل وأفاضل، وأسود وأساود، ~~وذلك سنة الله تعالى أنه جعل في كل قرية أتباع الرسل ضعفاءهم، كما قال ~~في قصة نوح عليه السلام: # أنؤمن لك واتبعك الأرذلون # [الشعراء: 111]، وجعل فساقهم أكابرهم، { ليمكروا فيها } ، وذلك ~~أنهم أجلسوا على كل طريق من طرق مكة أربعة نفر ليصرفوا الناس عن الإيمان ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم، يقولون لكل من يقدم: إياك وهذا الرجل فإنه ~~كاهن ساحر كذاب. { وما يمكرون إلا بأنفسهم } ، لأن وبال ~~مكرهم يعود عليه. { وما يشعرون } ، أنه كذلك. # قوله تعالى: { وإذا جآءتهم ءاية قالوا لن نؤمن ~~حتى نؤتى مثل مآ أوتى رسل الله } ، يعني: مثل ما ~~أوتي رسل الله من النبوة، وذلك أن الوليد بن المغيرة قال: لو كانت ~~النبوة حقا لكنت أولى بها منك، لأني أكبر منك سنا وأكثر منك مالا، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل، ms0799 وذلك أنه قال: زاحمنا بنو عبد مناف في ~~الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يوحى إليه، والله لا ~~نؤمن به ولا نتبعه أبدا إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه، فأنزل الله عز ~~وجل: { وإذا جآءتهم ءاية } ، حجة على صدق محمد صلى الله ~~عليه وسلم قالوا: يعني أبا جهل، { لن نؤمن حتى نؤتى مثل ~~مآ أوتى رسل الله } ، يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم. # ثم قال الله تعالى: { الله أعلم حيث يجعل رسالته } ، ~~قرأ ابن كثير وحفص رسالته على التوحيد، وقرأ الآخرون رسالاته بالجمع، ~~يعني: الله أعلم بمن هو أحق بالرسالة. { سيصيب الذين أجرموا ~~صغار } ، ذل وهوان، { عند الله } ، أي: من عند الله، { ~~وعذاب شديد بما كانوا يمكرون } ، قيل: صغار في ~~الدنيا وعذاب شديد في الآخرة. ### || [6.125] # قوله عز وجل: { فمن يرد الله أن يهديه يشرح ~~صدره للإسلم } أي: يفتح قلبه وينوره حتى يقبل الإسلام، ولما ~~نزلت هذه الآية # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شرح الصدر، قال: «نور يقذفه ~~الله في قلب المؤمن فينشرح له وينفسح» قيل: فهل لذلك [أمارة] قال: «نعم، ~~الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل ~~نزول الموت» ". # قوله تعالى: { ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا } ~~، قرأ ابن كثير { ضيقا } بالتخفيف ههنا وفي الفرقان، الباقون بالتشديد، ~~وهما لغتان مثل: هين وهين ولين ولين، { حرجا } ، قرأ أهل المدينة ~~وأبو بكر بكسر الراء والباقون بفتحها، وهما لغتان أيضا مثل: الدنف ~~والدنف، وقال سيبويه: الحرج بالفتح، المصدر [كالطلب، ومعناه ذا حرج]، ~~وبالكسر الاسم، وهو أشد الضيق، يعني: يجعل قلبه ضيقا حتى لا يدخله ~~الإيمان. وقال الكلبي: ليس للخير فيه منفذ. وقال ابن عباس: إذا سمع ذكر ~~الله اشمأز قلبه، وإذا ذكر شيئا من عبادة الأصنام ارتاح إلى ذلك. # وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه الآية، فسأل أعرابيا من كنانة: ما ~~الحرجة فيكم؟ قال: الحرجة فينا الشجرة تكون بين الأشجار التي لا تصل ~~إليها راعية ولا وحشية ولا شيء، ms0800 فقال عمر رضي الله عنه: كذلك قلب المنافق ~~لا يصل إليه شيء من الخير. # { كأنما يصعد فى السمآء } ، قرأ ابن كثير: { يصعد } ~~بالتخفيف، وقرأ أبو بكر عن عاصم { يصاعد } بالألف، أي: يتصاعد، وقرأ ~~الآخرون { يصعد } بتشديد الصاد والعين، أي: يتصعد، يعني: يشق عليه ~~الإيمان كما يشق عليه صعود السماء. وأصل الصعود المشقة، ومنه قوله تعالى: ~~{ سأرهقه صعودا } ، أي: عقبة شاقة. { كذلك يجعل ~~الله الرجس على الذين لا يؤمنون } ، قال ابن عباس: ~~الرجس هو الشيطان، أي: يسلط عليه. وقال الكلبي: هو المأثم، وقال مجاهد: ~~الرجس ما لا خير فيه. وقال عطاء: الرجس العذاب مثل الرجز، وقيل: هو ~~النجس. روي # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء قال: «[اللهم ~~إني] أعوذ بك من الرجس النجس» " # وقال الزجاج: الرجس اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة. ### || [6.126-128] # قوله عز وجل: { وهذا صرط ربك مستقيما } ، [أي: هذا ~~الذي بينا. وقيل: هذا الذي أنت عليه يا محمد طريق ربك ودينه الذي ارتضاه ~~لنفسه مستقيما] لا عوج فيه وهو الإسلام. { قد فصلنا االأيت ~~لقوم يذكرون }. # { لهم دار السلم عند ربهم } ، يعني: الجنة، قال أكثر ~~المفسرين: السلام هو الله وداره الجنة. وقيل: السلام هو السلامة، [أي: ~~لهم دار السلامة] من الآفات، وهي الجنة. وسميت دار السلام لأن كل من ~~دخلها سلم من البلايا والرزايا. # وقيل: سميت بذلك لأن جميع حالاتها مقرونة بالسلام، فقال في الابتداء: # ادخلوها بسلام آمنين # [الحجر: 46]، # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام ~~عليكم # [الرعد: 23-24]، وقال: # لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا ~~سلاما سلاما # [الواقعة: 25-26]، وقال: # تحيتهم فيها سلام # [إبراهيم: 23] # سلام قولا من رب رحيم # [يس: 58]، { وهو وليهم بما كانوا يعملون } ، قال ~~[الحسين] بن الفضل: يتولاهم في الدنيا بالتوفيق وفي الآخرة بالجزاء. # قوله عز وجل: { ويوم يحشرهم } ، قرأ حفص: { يحشرهم } ~~بالياء، { جميعا } ، يعني: الجن والإنس يجمعهم في موقف القيامة ~~فيقول: { يمعشر الجن } ، والمراد بالجن: الشياطين، { قد ~~استكثرتم من الإنس } ، أي: استكثرتم من الإنس بالإضلال ~~والإغواء، أي: أضللتم ms0801 كثيرا، { وقال أوليآؤهم من الإنس } ~~، يعني: أولياء الشياطين الذين أطاعوهم من الإنس، { ربنا استمتع ~~بعضنا ببعض }. # قال الكلبي: استمتاع الإنس بالجن هو أن الرجل كان إذا سافر ونزل بأرض ~~قفر خاف على نفسه من الجن، قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، ~~فيبيت في جوارهم. # وأما استمتاع الجن بالإنس: هو أنهم قالوا قد سدنا الإنس مع الجن، حتى ~~عاذوا بنا فيزدادون شرفا في قومهم وعظما في أنفسهم؛ وهذا كقوله ~~تعالى: # وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من ~~الجن فزادوهم رهقا # [الجن: 6]. # وقيل: استمتاع الإنس بالجن ما كانوا يلقون إليهم من الأراجيف والسحر ~~والكهانة وتزيينهم لهم الأمور التي يهوونها، وتسهيل سبيلها عليهم، ~~واستمتاع الجن بالإنس طاعة الإنس لهم فيها يزينون لهم من الضلالة ~~والمعاصي. # قال محمد بن كعب: هو طاعة بعضهم بعضا وموافقة بعضهم [لبعض]. # { وبلغنآ أجلنا الذى أجلت لنا } ، يعني: القيامة ~~والبعث، { قال } الله تعالى: { النار مثواكم } ، مقامكم، { ~~خلدين فيهآ إلا ما شآء الله }. # اختلفوا في هذا الاستثناء كما اختلفوا في قوله: # خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما ~~شآء ربك # [هود: 107]. # قيل: أراد إلا قدر مدة ما بين بعثهم إلى دخولهم جهنم، يعني: هم خالدون ~~في النار إلا هذا المقدار. # وقيل: الاستثناء يرجع إلى العذاب.وهو قوله: { النار مثواكم } ، ~~أي: خالدين في النار سوى ما شاء الله من أنواع العذاب. # وقال ابن عباس: الاستثناء يرجع إلى قوم سبق فيهم علم الله أنهم يسلمون ~~فيخرجون من النار، و " ما " بمعنى " من " على هذا التأويل، { إن ~~ربك حكيم عليم } ، قيل: عليم بالذي استثناه وبما في قلوبهم من ~~البر والتقوى. ### || [6.129-130] # { وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا ~~يكسبون } [قيل: أي] كما خذلنا عصاة الجن والإنس حتى استمتع بعضهم ~~ببعض نولي بعض الظالمين بعضا، أي: نسلط بعض الظالمين على بعض، فنأخذ من ~~الظالم بالظالم، كما جاء: # " من أعان ظالما سلطه الله عليه ". # وقال قتادة: نجعل بعضهم أولياء بعض، فالمؤمن ولي المؤمن [أين كان]، ~~والكافر ولي الكافر حيث كان. وروي معمر ms0802 عن قتادة: يتبع بعضهم بعضا في ~~النار، من الموالاة. وقيل: معناه نولي ظلمة الإنس ظلمة الجن، ونولي ظلمة ~~الجن ظلمة الإنس، أي: نكل بعضهم إلى بعض؛ كقوله تعالى: # نوله ما تولى # [النساء: 115]، وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما في ~~تفسيرها هو: أن الله تعالى إذا أراد بقوم خيرا ولى أمرهم خيارهم، وإذا ~~أراد بقوم شرا ولى أمرهم شرارهم. # قوله عز وجل: { يمعشر الجن والإنس ألم يأتكم ~~رسل منكم } ، واختلفوا في الجن هل أرسل إليهم منهم [رسول]؟ ~~فسئل الضحاك عنه، فقال: بلى ألم تسمع الله يقول { ألم يأتكم ~~رسل منكم } ، يعني: بذلك رسلا من الإنس ورسلا من الجن. قال ~~الكلبي: كانت الرسل قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم يبعثون إلى ~~الإنس والجن جميعا. # قال مجاهد: الرسل من الإنس والنذر من الجن، ثم قرأ: # ولوا إلى قومهم منذرين # [الأحقاف: 29]، وهم قوم يسمعون كلام الرسل فيبلغون الجن ما سمعوا، وليس ~~للجن رسل، فعلى هذا قوله: " رسل منكم " ينصرف إلى أحد الصنفين وهم الإنس، ~~كما قال: # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان # [الرحمن: 22]، وإنما يخرج من الملح دون العذب، وقال: # وجعل القمر فيهن نورا # [نوح: 16]، وإنما هو في سماء واحدة. # { يقصون عليكم } ، أي: يقرؤون عليكم، { آيتي } ، كتبي { ~~وينذرونكم لقآء يومكم هذا } ، وهو يوم القيامة، { ~~قالوا شهدنا على أنفسنا } ، أنهم قد بلغوا، قال مقاتل: ~~وذلك حين شهدت عليهم جوارحهم بالشرك والكفر. قال الله عز وجل: { ~~وغرتهم الحيوة الدنيا } ، حتى لم يؤمنوا، { وشهدوا ~~على أنفسهم أنهم كانوا كفرين }. ### || [6.131-134] # { ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم } أي: ~~ذلك الذي قصصنا عليك من أمر الرسل وعذاب من كذبهم، لأنه لم يكن ربك ~~مهلك القرى بظلم، [أي: لم يكن مهلكهم بظلم]، أي: بشرك من أشرك، { ~~وأهلها غفلون } ، لم ينذروا حتى نبعث إليهم رسلا ينذرونهم. # وقال الكلبي: لم يهلكهم بذنوبهم من قبل أن يأتيهم الرسل. # وقيل: معناه ما لم يكن ليهلكهم دون التنبيه والتذكير بالرسل فيكون قد ~~ظلمهم، وذلك أن الله تعالى أجرى ms0803 السنة أن لا يأخذ أحدا إلا بعد وجود ~~الذنب، وإنما يكون مذنبا إذا أمر فلم يأتمر ونهي فلم ينته، يكون ذلك ~~يكون بعد إنذار الرسل. # { ولكل درجت مما عملوا } ، يعني: في الثواب والعقاب ~~على قدر أعمالهم في الدنيا، فمنهم من هو أشد عذابا ومنهم من هو أجزل ~~ثوابا، { وما ربك بغفل عما يعملون } ، قرأ ابن عامر ~~تعملون بالتاء والباقون بالياء. # { وربك الغنى } ، عن خلقه، { ذو الرحمة } ، قال ابن ~~عباس: [ذو الرحمة] بأوليائه وأهل طاعته، وقال الكلبي: بخلقه ذو التجاوز، ~~{ إن يشأ يذهبكم } ، يهلككم، وعيد لأهل مكة، { ويستخلف ~~} ، [يخلق] وينشيء، { من بعدكم ما يشآء } ، خلقا غيركم أمثل ~~وأطوع، { كمآ أنشأكم من ذرية قوم ءاخرين } ، أي: ~~آبائهم الماضين قرنا بعد قرن. # { إن ما توعدون } ، أي: ما توعدون من مجيء الساعة والحشر، { ~~لأت } ، كائن، { ومآ أنتم بمعجزين } ، أي: بفائتين، يعني: ~~يدرككم الموت حيث ما كنتم. ### || [6.135-137] # { قل } يا محمد { يقوم اعملوا على مكانتكم } ، قرأ ~~أبو بكر عن عاصم، { مكاناتكم } بالجمع حيث كان أي: على تمكنكم، قال عطاء: ~~على حالاتكم التي أنتم عليها. قال الزجاج: اعملوا على ما أنتم عليه. ~~يقال للرجل إذا أمر أن يثبت على حالة: على مكانتك يا فلان، أي: اثبت على ~~ما أنت عليه، وهذا أمر وعيد عن المبالغة يقول: قل لهم اعملوا ما أنتم ~~عاملون، { إنى عامل } ، ما أمرني به ربي عز وجل، { فسوف ~~تعلمون من تكون له عقبة الدار } ، أي: الجنة، قرأ ~~حمزة والكسائي: يكون بالياء هنا وفي القصص، وقرأ الآخرون بالتاء لتأنيث ~~العاقبة، { إنه لا يفلح الظلمون } ، قال ابن عباس: معناه ~~لا يسعد من كفر بي وأشرك. قال الضحاك: لا يفوز. # قوله عز وجل: { وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث ~~والأنعام نصيبا } الآية، كان المشركون يجعلون لله من حروثهم ~~وأنعامهم وثمارهم وسائر أموالهم نصيبا، وللأوثان نصيبا فما جعلوه لله ~~صرفوه إلى الضيفان والمساكين، وما جعلوه للأصنام أنفقوه على الأصنام ~~وخدمها، فإن سقط شيء مما جعلوه لله تعالى في نصيب الأوثان تركوه وقالوا: ~~إن الله غني عن هذا، ms0804 وإن سقط شيء من [نصيب] الأصنام فيما جعلوه لله ~~ردوه إلى الأوثان، وقالوا: إنها محتاجة، وكان إذا هلك أو انتقص شيء مما ~~جعلوه لله لم يبالوا به، وإذا هلك أو انتقص شيء مما جعلوا للأصنام جبروه ~~بما جعلوه لله، فذلك قوله تعالى: { وجعلوا لله مما ذرأ ~~من } خلق { من الحرث والأنعام نصيبا } ، وفيه اختصار ~~مجازه: وجعلوا لله نصيبا ولشركائهم نصيبا. # { فقالوا هذا لله بزعمهم } ، قرأ الكسائي (بزعمهم) ~~بضم الزاي، والباقون بفتحها، وهما لغتان، وهو القول من غير حقيقة، { ~~وهذا لشركآئنا } ، يعني: الأوثان، { فما كان ~~لشركآئهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو ~~يصل إلى شركآئهم } ، ومعناه: ما قلنا أنهم [كانوا يتمون ما ~~جعلوه للأوثان مما جعلوه لله، ولا] يتمون ما جعلوه لله مما جعلوه ~~للأوثان. وقال قتادة: كانوا إذا أصابتهم سنة استعانوا بما جزؤوا لله ~~وأكلوا منه فوفروا ما جزؤوا لشركائهم ولم يأكلوا منه [شيئا]، { سآء ~~ما يحكمون } ، أي: بئس ما [يصنعون]. # { وكذلك زين لكثير من المشركين } ، أي: وكما ~~زين لهم تحريم الحرث والأنعام كذلك زين لكثير من المشركين، { قتل ~~أولدهم شركآؤهم } ، قال مجاهد: شركاؤهم، أي: شياطينهم ~~زينوا وحسنوا لهم وأد البنات خيفة العيلة، سميت الشياطين شركاء ~~لأنهم أطاعوهم في معصية الله وأضيف الشركاء إليهم لأنهم اتخذوها. # وقال الكلبي: شركاؤهم سدنة آلهتهم الذين كانوا يزينون للكفار قتل ~~الأولاد، فكان الرجل منهم يحلف لئن ولد له كذا غلاما لينحرن أحدهم كما ~~حلف عبدالمطلب على ابنه عبدالله. # وقرأ ابن عامر: " زين " بضم الزاي وكسر الياء، " قتل " رفع " أولادهم " ~~نصب، " شركائهم " بالخفض على التقديم، كأنه قال: زين لكثير من المشركين ~~قتل شركائهم أولادهم، فصل بين الفعل وفاعله بالمفعول به وهو الأولاد، كما ~~قال الشاعر: # فزججته متمكنا # زج القلوص أبي مزاده # أي: زج أبي مزادة القلوص، فأضيف الفعل وهو القتل إلى الشركاء، وإن لم ~~يتولوا ذلك لأنهم هم الذين زينوا ذلك ودعوا إليه، فكأنهم فعلوه. قوله ~~عز وجل: { ليردوهم } ، ليهلكوهم، { وليلبسوا عليهم } ، ~~ليخلطوا عليهم، { دينهم } ، قال ابن عباس: ليدخلوا عليهم الشك في ~~دينهم، ms0805 وكانوا على دين إسماعيل فرجعوا عنه بلبس الشياطين. { ولو ~~شآء الله ما فعلوه } ، أي: لو شاء الله لعصمهم حتى ما فعلوا ~~ذلك من تحريم الحرث والأنعام وقتل الأولاد، { فذرهم } ، يا محمد، { ~~وما يفترون } ، يختلقون من الكذب، فإن الله تعالى لهم بالمرصاد. ### || [6.138-139] # { وقالوا } يعني: المشركين، { هذه أنعم وحرث حجر } ~~، أي: حرام، يعني: ما جعلوا لله ولآلهتهم من الحرث والأنعام على ما مضى ~~ذكره. وقال مجاهد: يعني بالأنعام: البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، { ~~لا يطعمهآ إلا من نشآء بزعمهم } ، يعنون الرجال دون ~~النساء { وأنعم حرمت ظهورها } ، هي: الحوامى كانوا لا ~~يركبونها، { وأنعم لا يذكرون اسم الله عليها } ، ~~أي: يذبحونها باسم الأصنام لا باسم الله، وقال أبو وائل: معناه لا يحجون ~~عليها ولا يركبونها لفعل الخير، لأنه لما جرت العادة بذكر اسم الله على ~~فعل الخير عبر بذكر الله تعالى عن فعل الخير. { افترآء عليه } ، ~~يعني: أنهم يفعلون ذلك ويزعمون أن الله أمرهم به افتراء عليه { ~~سيجزيهم بما كانوا يفترون }. # { وقالوا ما فى بطون هذه الأنعم خالصة ~~لذكورنا ومحرم على أزوجنا } ، أي: نسائنا. قال ابن ~~عباس وقتادة والشعبي: أراد أجنة البحائر والسوائب، فما ولد منها ~~حيا فهو خالص للرجال دون النساء، وما ولد ميتا أكله الرجال والنساء ~~جميعا. وأدخل الهاء في { الخالصة } للتأكيد كالخاصة والعامة، كقولهم: ~~نسابة وعلامة، وقال الفراء: أدخلت الهاء لتأنيث الأنعام لأن ما في ~~بطونها مثلها فأنثت بتأنيثها. وقال الكسائي: خالص وخالصة واحد، مثل وعظ ~~وموعظة. # { وإن يكن ميتة } ، قرأ ابن عامر [وأبو جعفر]: { تكن } بالتاء ~~{ ميتة } رفع، ذكر الفعل بعلامة التأنيث، لأن الميتة في اللفظ مؤنثة. ~~وقرأ أبو بكر عن عاصم { تكن } بالتاء { ميتة } نصب، أي: وإن تكن الأجنة ~~ميتة، وقرأ ابن كثير { وإن يكن } بالياء { ميتة } رفع، لأن المراد ~~بالميتة الميت، أي: وإن يقع ما في البطون ميتا، وقرأ الآخرون: { وإن ~~يكن } بالياء { ميتة } نصب، رده إلى { ما } ، أي: وإن يكن ما في البطون ~~ميتة، [يدل عليه أنه قال]: { فهم فيه شركآء } ، ولم يقل فيها، ~~وأراد أن الرجال ms0806 والنساء فيه شركاء. { سيجزيهم وصفهم } ، أي: ~~بوصفهم، أو على وصفهم الكذب على الله، { إنه حكيم عليم }. ### || [6.140-141] # { قد خسر الذين قتلوا أولادهم } قرأ ابن عامر وابن ~~كثير { قتلوا } بتشدد التاء على التكثير، وقرأ الآخرون بالتخفيف، { ~~سفها } ، جهلا، { بغير علم } ، نزلت في ربيعة ومضر وبعض من ~~العرب من غيرهم، كانوا يدفنون البنات أحياء مخافة السبي والفقر، وكان بنو ~~كنانة لا يفعلون ذلك. # { وحرموا ما رزقهم الله } ، يعني: البحيرة والسائبة ~~والوصيلة والحام، { افترآء على الله } ، حيث قالوا: إن الله ~~أمرهم بها، { قد ضلوا وما كانوا مهتدين }. # قوله تعالى: { وهو الذى أنشأ } ابتدع { جنت } ، بساتين، ~~{ معروشت وغير معروشت } ، أي: مسموكات مرفوعات وغير ~~مرفوعات. وقال ابن عباس: معروشات: ما انبسط على وجه الأرض، فانتشر مما ~~يعرش مثل: الكرم والقرع والبطيخ وغيرها، وغير معروشات: ما قام على ساق ~~وبسق، مثل النخل والزرع وسائر الأشجار. # وقال الضحاك: كلاهما من الكرم خاصة، منها ما عرش، ومنها ما لم يعرش. # { والنخل والزرع } ، أي: وأنشأ النخل والزرع، { مختلفا ~~أكله } ، ثمره وطعمه منها الحلو والحامض والجيد والرديء، { ~~والزيتون والرمان متشبها } ، في المنظر، { وغير ~~متشبه } ، في المطعم مثل الرمانتين لونهما واحد وطعمهما مختلف، { ~~كلوا من ثمره إذآ أثمر } ،هذا أمر إباحة. # { وءاتوا حقه يوم حصاده } ، قرأ أهل البصرة وابن عامر ~~وعاصم { حصاده } بفتح الحاء، وقرأ الآخرون بكسرها ومعناهما واحد، ~~كالصرام والصرام والجزاز والجزاز. # واختلفوا في هذا الحق فقال ابن عباس وطاووس والحسن وجابر بن زيد وسعيد ~~بن المسيب: إنها الزكاة المفروضة من العشر ونصف العشر. # وقال علي بن الحسين وعطاء ومجاهد وحماد والحكم: هو حق في المال سوى ~~الزكاة، أمر بإتيانه لأن الآية مكية وفرضت الزكاة بالمدينة. # قال إبراهيم: هو الضغث. وقال الربيع: لقاط السنبل. # وقال مجاهد: كانوا [يعلقون] العذق عند الصرام فيأكل منه من مر. # وقال يزيد بن الأصم: كان أهل المدينة إذا أصرموا يجيؤون بالعذق فيعلقونه ~~في جانب المسجد، فيجيء المسكين فيضربه بعصاه فيسقط منه فيأخذه. # وقال سعيد بن جبير: كان هذا حقا يؤمر بإتيانه في ابتداء الإسلام ~~منسوخا ms0807 بإيجاب العشر. # وقال مقسم عن ابن عباس: نسخت الزكاة كل نفقة في القرآن. # { ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين } ، وقيل: ~~أراد بالإسراف إعطاء الكل. قال ابن عباس في رواية الكلبي: إن ثابت بن ~~قيس بن شماس فصرم خمسمائة نخلة وقسمها في يوم واحد ولم يترك لأهله ~~شيء، فأنزل الله عز وجل هذه الآية. # قال السدي: لا تسرفوا أي: لا تعطوا أموالكم فتقعدوا فقراء. قال الزجاج: ~~على هذا إذا أعطى الإنسان كل ماله ولم يوصل إلى عياله شيئا فقد أسرف، ~~لأنه جاء في الخبر: # " ابدأ بمن تعول " # وقال سعيد بن المسيب: معناه لا تمنعوا الصدقة. فتأويل الآية على هذا: لا ~~تتجاوز الحد في البخل والإمساك حتى تمنعوا الواجب من الصدقة. # وقال مقاتل: لا تشركوا الإصنام في الحرث والأنعام. # وقال الزهري: لا تنفقوا في المعصية. وقال مجاهد: الإسراف ما قصرت به ~~عن حق الله عز وجل، وقال: لو كان أبو قبيس ذهبا لرجل فأنفقه في طاعة ~~الله لم يكن مسرفا ولو أنفق درهما أو مدا في معصية الله كان مسرفا. ~~وقال إياس بن معاوية: ما جاوزت به أمر الله فهو سرف وإسراف. وروى ابن وهب ~~عن أبي زيد، قال الخطاب للسلاطين: يقول لا تأخذوا فوق حقكم. ### || [6.142-143] # قوله عز وجل: { ومن الأنعم } أي: وأنشأ من الأنعام، { ~~حمولة } ، وهي كل ما يحمل عليها من الإبل، { وفرشا } ، وهي ~~الصغار من الإبل التي لا تحمل. { كلوا مما رزقكم الله ~~ولا تتبعوا خطوت الشيطن } ، لا تسلكوا طريقه آثاره ~~في تحريم الحرث والأنعام، { إنه لكم عدو مبين }. # ثم بين الحمولة والفرش فقال: { ثمنية أزوج } ، نصبها على ~~البدل من الحمولة والفرش، أي: وأنشأ من الأنعام ثمانية أزواج أصناف، { ~~من الضأن اثنين } ، أي: الذكر والأنثى، [فالذكر زوج والأنثى] ~~زوج، والعرب تسمي الواحد زوجا إذا كان لا ينفك عن الآخر، والضأن ~~النعاج، وهي ذوات الصوف من الغنم، والواحد ضأن والأنثى ضائنة، والجمع ~~ضوائن، { ومن المعز اثنين } ، قرأ ابن كثير وابن عامر وأهل ~~لبصرة " من المعز " بفتح العين والباقون بسكونها، والمعز ms0808 والمعزى جمع لا ~~واحد له من لفظه، وهي ذوات الشعر من الغنم، وجمع الماعز معيز، وجمع ~~الماعزة مواعز، { قل } يا محمد { ءآلذكرين حرم } ، الله ~~عليكم، يعني ذكر الضأن والمعز، { أم الأنثيين } ، يعني: أثنى ~~الضان والمعز، { أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين } ، ~~منهما، فإنها لا تشتمل إلا على ذكر أو أنثى، { نبئوني } ، أخبروني، ~~{ بعلم } ، قال الزجاج: فسروا ما حرمتم بعلم، { إن كنتم ~~صدقين } ، أن الله تعالى حرم ذلك. ### || [6.144-145] # { ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل ~~ءآلذكرين حرم أم الأنثيين }. وذلك أنهم كانوا يقولون: ~~هذه أنعام وحرث حجر، وقالوا: ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ~~ومحرم على أزواجنا، وحرموا البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، كانوا ~~يحرمون بعضها على الرجال والنساء، وبعضها على النساء دون الرجال، # " فلما قام الإسلام وثبتت الأحكام جادلوا النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وكان خطيبهم مالك بن عوف أبو الأحوص الجشمي، فقال: يا محمد بلغنا أنك ~~تحرم أشياء مما كان آباؤنا يفعلونه، فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «إنكم قد حرمتم أصنافا من الغنم على غير أصل، إنما خلق الله هذه ~~الأزواج الثمانية للأكل والانتفاع بها، فمن أين جاء هذا التحريم؟ من ~~قبل الذكر أم من قبل الأنثى»؟ فسكت مالك بن عوف وتحير فلم يتكلم " # فلو قال جاء هذا التحريم بسبب الذكور وجب أن يحرم جميع الذكور، وإن قال ~~بسبب الأنوثة وجب أن يحرم جميع الإناث، وإن كان باشتمال الرحم عليه ~~فينبغي أن يحرم الكل، لأن الرحم لا يشتمل إلا على ذكر وأنثى، فأما تخصيص ~~التحريم بالولد الخامس والسابع أو بالبعض دون البعض فمن أين؟. # ويروى # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمالك: «يا مالك: ما لك لا ~~تتكلم؟ قال له مالك: بل تكلم وأسمع منك» ". # { أم كنتم شهدآء } ، حضورا { إذ وصاكم الله ~~بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ~~ليضل الناس بغير علم } قيل: أراد به عمرو بن لحي ومن جاء ~~بعده على طريقه، { إن الله لا يهدي القوم الظلمين ~~}. # ثم بين أن التحريم ms0809 والتحليل يكون بالوحي والتنزيل، فقال: { قل لا ~~أجد فى مآ أوحى إلى محرما } ، وروي أنهم قالوا: فما ~~المحرم إذا فنزل: { قل } يا محمد { لا أجد فى مآ أوحى ~~إلى محرما } أي: شيئا محرما { على طاعم يطعمه } ، ~~آكل يأكله، { إلآ أن يكون ميتة } ، قرأ ابن عامر وأبو جعفر " ~~تكون " بالتاء، { ميتة } رفع أي: إلا أن تقع ميتة، وقرأ ابن كثير وحمزة { ~~تكون } بالتاء، { ميتة } نصب على تقدير اسم مؤنث، أي: إلا أن تكون النفس، ~~أي: الجثة ميتة.وقرأ الباقون " يكون " بالياء " ميتة " نصب، يعني: إلا أن ~~يكون المطعوم ميتة، { أو دما مسفوحا } ، أي: مهراقا سائلا، ~~قال ابن عباس: يريد ما خرج من الحيوان، وهن أحياء وما خرج من الأرواح ~~وما يخرج من الأوداج عند الذبح، ولا يدخل فيه الكبد والطحال، لأنهما ~~جامدان. وقد جاء الشرع بإباحتهما، ولا ما اختلط باللحم من الدم، لأنه غير ~~سائل. # قال عمران بن حدير: سألت أبا مجلز عما يختلط اللحم من الدم، وعن ~~القدر يرى فيها حمرة الدم؟ فقال: لا بأس به، إنما نهى عن الدم ~~المسفوح. # وقال إبراهيم: لا بأس بالدم في عرق أو مخ، إلا المسفوح الذي يعمد ذلك. ~~وقال عكرمة: لولا هذه الآية لاتبع المسلمون من العروق ما يتبع اليهود. # { أو لحم خنزير فإنه رجس } حرام، { أو فسقا أهل ~~لغير الله به } وهو ما ذبح على غير اسم الله تعالى. فذهب بعض ~~أهل العلم إلى أن التحريم مقصور على هذه الأشياء. يروى ذلك عن عائشة ~~وابن عباس، قالوا: ويدخل في الميتة: المنخنقة والموقوذة، وما ذكر في أول ~~سورة المائدة. # وأكثر العلماء على أن التحريم لا يختص بهذه الأشياء بل المحرم بنص ~~الكتاب ما ذكر هنا، وذلك معنى قوله تعالى: " قل لا أجد فيما أوحي إلي ~~محرما " ، وقد حرمت السنة أشياء يجب القول بها. # منها: ما أخبرنا إسماعيل بن عبدالقاهر ثنا عبدالغافر بن محمد بن عيس ~~الجلودي ثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ثنا مسلم بن الحجاج، قال: ثنا ~~عبيدالله بن معاذ العنبري أخبرنا أبي ms0810 أنا شعبة عن الحكم عن ميمون بن ~~مهران عن ابن عباس قال: # " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع، وكل ذي ~~مخلب من الطير ". # أخبرنا أبو الحسن السرخسي ثنا زاهر بن أحمد ثنا أبو إسحاق الهاشمي ثنا ~~أبو مصعب عن مالك عن إسماعيل بن أبي حكيم عن عبيدة بن سفيان الحضرمي عن ~~أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " أكل كل ذي ناب من السباع حرام ". # والأصل عند الشافعي: أن ما لم يرد فيه نص تحريم أو تحليل، فإن كان مما ~~أمر الشرع بقتله كما قال: # " خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم " # ، أو نهى عن قتله، كما روي أنه نهى عن النحلة والنملة فهو حرام، وما ~~سوى ذلك فالمرجع فيه إلى الأغلب من عادات العرب، فما يأكله الأغلب منهم ~~حلال، وما لا يأكله الأغلب منهم فهو حرام، لأن الله تعالى خاطبهم بقوله: ~~{ قل أحل لكم الطيبات } ، فثبت أن ما استطابوه فهو حلال. # { فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور ~~رحيم } ، أباح الله أكل هذه المحرمات عند الاضطرار في غير العدوان. ### || [6.146] # قوله عز وجل: { وعلى الذين هادوا } ، يعني: اليهود، { ~~حرمنا كل ذى ظفر } ، وهو مالم يكن مشقوق الأصابع من البهائم ~~والطير مثل: البعير والنعامة والأوز والبط، قال القتيبي: هو كل ذي مخلب ~~من الطير وكل ذي حافر من [الدواب] وحكاه عن بعض المفسرين، وقال: سمى ~~الحافر ظفرا على الاستعارة. # { ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهمآ } ، ~~يعني: شحوم الجوف، وهي الثروب، وشحم الكليتين، { إلا ما حملت ~~ظهورهمآ } ، أي: إلا ما علق بالظهر والجنب من داخل بطونهما، { أو ~~الحوايآ } ، وهي المباعر واحدتها: حاوية وحوية أي ما حملته ~~الحوايا من الشحم. { أو ما اختلط بعظم } ، يعني: شحم الإلية ~~هذا كله داخل في الاستثناء، والتحريم مختص بالثرب وشحم الكلية. ~~أخبرنا عبد الواحدالمليحي أنا أحمد بن عبدالله النعيمي أنا محمد بن يوسف ~~ثنا محمد بن إسماعيل ثنا قتيبة أنا الليث عن يزيد بن أبي ms0811 حبيب عن عطاء بن ~~أبي رباح عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول عام الفتح وهو بمكة # " «أن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام» فقيل: ~~يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ~~ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا، هو حرام. ثم قال رسول الله عند ذلك: «قاتل ~~الله اليهود إن الله عز وجل لما حرم شحومها جملوه ثم باعوه ~~فأكلوا ثمنه» ". # { ذلك جزينهم } ، أي: ذلك التحريم عقوبة لهم { ببغيهم ~~} ، أي: بظلمهم من قتلهم الأنبياء وصدهم عن سبيل الله وأخذهم الربا ~~واستحلال أموال الناس بالباطل، { وإنا لصدقون } ، في الإخبار ~~عما حرمنا عليهم وعن بغيهم. ### || [6.147-148] # { فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة } ، بتأخير ~~العذاب عنكم، { ولا يرد بأسه } ، [عذابه] { عن القوم ~~المجرمين } إذا جاء وقته. # { سيقول الذين أشركوا } ، لما لزمتهم الحجة وتيقنوا ~~بطلان ما كانوا عليه من الشرك بالله وتحريم ما لم يحرمه الله [قالوا]: { ~~لو شآء الله مآ أشركنا ولآ آبآؤنا } ، من قبل، { ولا ~~حرمنا من شىء } ، من البحائر والسوائب وغيرهما، أرادوا أن ~~يجعلوا قولهم: { لو شآء الله مآ أشركنا } ، حجة لهم على ~~إقامتهم على الشرك، وقالوا: إن الله تعالى قادر على أن يحول بيننا وبين ~~ما نحن عليه حتى لا نفعله، فلولا أنه رضي بما نحن عليه وأراده منا ~~وأمرنا به لحال بيننا وبين ذلك، فقال الله تعالى تكذيبا لهم: { ~~كذلك كذب الذين من قبلهم } ، من كفار الأمم الخالية، ~~{ حتى ذاقوا بأسنا } ، عذابنا. # ويستدل أهل القدر بهذه الآية، يقولون: إنهم لما قالوا: لو شاء الله ما ~~أشركنا كذبهم الله ورد عليهم، فقال: { كذلك كذب الذين من ~~قبلهم }. # قلنا: التكذيب ليس في قولهم " لو شاء الله ما أشركنا " ، بل ذلك القول ~~صدق ولكن في قولهم: إن الله تعالى أمرنا بها ورضي بما نحن عليه، كما أخبر ~~عنهم في سورة الأعراف: # وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليهآ آباءنا ~~والله أمرنا بها # [الأعراف: 28]، فالرد عليهم في ms0812 هذا كما قال: # قل إن الله لا يأمر بالفحشآء # [الأعراف: 28]. # والدليل على أن التكذيب ورد فيما قلنا لا في قولهم: " لو شاء الله ما ~~أشركنا " ، قوله: { كذلك كذب الذين من قبلهم } ، ~~بالتشديد ولو كان ذلك خبرا من الله عز وجل عن كذبهم في قولهم: { لو ~~شآء الله مآ أشركنا } ، لقال كذلك كذب الذين [من قبلهم] ~~بالتخفيف فكان ينسبهم إلى الكذب لا إلى التكذيب، وقال الحسن بن الفضل: لو ~~ذكروا هذه المقالة تعظيما وإجلالا لله عز وجل، ومعرفة منهم به لما ~~عابهم بذلك؛ لأن الله تعالى قال: { ولو شاء الله ما أشركوا } ، وقال: # ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشآء الله # [الأنعام: 111]، والمؤمنون يقولون ذلك، ولكنهم قالوه تكذيبا وتخرصا ~~وجدلا من غير معرفة بالله وبما يقولون، نظيره قوله عز وجل: # وقالوا لو شآء الرحمن ما عبدناهم # [الزخرف: 20]، قال الله تعالى: # ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون # [الزخرف: 20]. # وقيل في معنى الآية: إنهم كانوا يقولون الحق بهذه الكلمة إلا أنهم كانوا ~~يعدونه عذرا لأنفسهم ويجعلونه حجة لأنفسهم في ترك الإيمان، ورد عليهم ~~في هذا لأن أمر الله بمعزل عن مشيئته وإرادته، فإنه مريد لجميع ~~الكائنات غير آمر بجميع ما يريد، وعلى العبد أن يتبع أمره وليس له أن ~~يتعلق بمشيئته، فإن مشيئته لا تكون لا عذرا لأحد. # { قل هل عندكم من علم } ، أي: كتاب وحجة من الله، { ~~فتخرجوه لنآ } ، حتى يظهر ما تدعون على الله تعالى من الشرك أو ~~تحريم ما حرمتم، { إن تتبعون } ، ما تتبعون فيما أنتم عليه، { ~~إلا الظن } ، من غير علم ويقين، { وإن أنتم إلا ~~تخرصون } ، تكذبون. ### || [6.149-151] # { قل فلله الحجة البالغة } ، التامة على خلقه بالكتاب ~~والرسول والبيان، { فلو شآء لهداكم أجمعين } ، فهذا يدل ~~على أنه لم يشأ إيمان الكافر ولو شاء لهداه. # { قل هلم } ، يقال للواحد والاثنين والجمع، { شهدآءكم ~~الذين يشهدون } ، أي: ائتوا بشهدائكم الذين يشهدون، { أن ~~الله حرم هذا } ، هذا راجع إلى ما تقدم من تحريمهم الأشياء ~~على أنفسهم ودعواهم أن الله أمرهم به، { فإن ms0813 شهدوا } ، كاذبين، { ~~فلا تشهد } ، أنت، { معهم ولا تتبع أهوآء الذين ~~كذبوا بآيتنا والذين لا يؤمنون بالأخرة وهم ~~بربهم يعدلون } ، أي: يشركون. # قوله عز وجل: { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم ~~عليكم ألا تشركوا به شيئا } ، وذلك أنهم سألوا وقالوا: ~~أي شيء الذي حرم الله تعالى؟ فقال عز وجل: " قل تعالوا أتل " ، ~~أقرأ ما حرم ربكم عليكم حقا يقينا لا ظنا ولا كذبا كما تزعمون. # فإن قيل: ما معنى قوله: " حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا " ، ~~والمحرم هو الشرك لا ترك الشرك؟ # قيل: موضع { أن } رفع، معناه هو أن لا تشركوا، وقيل: محله نصب واختلفوا ~~في وجه انتصابه، قيل: معناه حرم عليكم أن تشركوا، و " لا " صلة؛ كقوله ~~تعالى: # ما منعك ألا تسجد # [الأعراف: 12]، أي: منعك أن تسجد. وقيل: تم الكلام عند قوله: " حرم ~~ربكم " ، ثم قال: عليكم أن لا تشركوا به شيئا، على وجه الإغراء. قال ~~الزجاج: يجوز أن يكون هذا محمولا على المعنى، أي: أتل عليكم تحريم ~~الشرك، وجائز أن يكون على معنى: أوصيكم ألا تشركوا، به شيئا. { ~~وبالولدين إحسانا ولا تقتلوا أولدكم من ~~إملق } ، فقر، { نحن نرزقكم وإياهم } ، أي: لا ~~تئدوا بناتكم خشية العيلة، فإني رازقكم وإياهم، { ولا تقربوا ~~الفوحش ما ظهر منها وما بطن } ، ما ظهر يعني: ~~العلانية، وما بطن يعني: السر. # وكان أهل الجاهلية يستقبحون الزنا في العلانية ولا يرون به بأسا في ~~السر، فحرم الله تعالى الزنا في العلانية والسر. # وقال الضحاك: ما ظهر: الخمر, وما بطن الزنا. # { ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا ~~بالحق } ، حرم الله تعالى قتل المؤمن والمعاهد إلا بالحق، إلا بما ~~يبيح قتله من ردة أو قصاص أو زنا يوجب الرجم. # أخبرنا أحمد بن عبدالله الصالحي ثنا أبو بكر أحمد بن الحسين الحيري ثنا ~~حاجب بن أحمد الطوسي ثنا محمد بن حماد ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن ~~عبدالله بن مرة عن مسروق عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا ms0814 يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ~~إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه ~~المفارق للجماعة ". # { ذلكم } الذي ذكرت، { وصكم به } ، أمركم به، { ~~لعلكم تعقلون }. ### || [6.152] # { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن } ~~، يعني: بما فيه صلاحه وتثميره. وقال مجاهد: هو التجارة فيه. وقال ~~الضحاك: هو أن يبتغي له فيه ولا يأخذ من ربحه شيئا، { حتى يبلغ ~~أشده } ، قال الشعبي ومالك: الأشد: الحلم، حتى يكتب له الحسنات ~~[وتكتب عليه] السيئات. قال أبو العالية: حتى يعقل وتجتمع قوته. وقال ~~الكلبي: الأشد ما بين الثمانية عشرة سنة إلى ثلاثين سنة. وقيل: إلى ~~أربعين سنة. وقيل: إلى ستين سنة. وقال الضحاك: عشرون سنة. قال السدي: ~~ثلاثون سنة. وقال مجاهد: الأشد ثلاث وثلاثون سنة. # والأشد جمع شد، مثل قد وأقد، وهو استحكام قوة شبابه وسنه، ~~ومنه شد النهار وهو ارتفاعه، وقيل: بلوغ الأشد أن يؤنس رشده بغد ~~البلوغ. # وتقدير الآية: ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن على الأبد حتى ~~يبلغ أشده، فادفعوا إليه ماله إن كان رشيدا. # { وأوفوا الكيل والميزان بالقسط } ، بالعدل، { لا ~~نكلف نفسا إلا وسعها } ، أي: طاقتها في إيفاء الكيل ~~والميزان، أي: لم يكلف المعطى أكثر مما وجب عليه، ولم يكف صاحب الحق ~~الرضا بأقل من حقه حتى لا تضيق نفسه عنه، بل أمر كل واحد منهما بما يسعه ~~مما لا حرج عليه فيه. # { وإذا قلتم فاعدلوا } ، فاصدقوا في الحكم والشهادة، { ~~ولو كان ذا قربى } ، ولو كان المحكوم والمشهود عليه ذا قرابة، ~~{ وبعهد الله أوفوا ذلكم وصكم به لعلكم ~~تذكرون } ، تتعظون، قرأ حمزة والكسائي وحفص تذكرون خفيفة الذال، كل ~~القرآن، والآخرون بتشديدها. # قال ابن عباس هذه: الآيات محكمات في جميع الكتب، لم ينسخهن شيء وهن ~~محرمات على بني آدم كلهم، وهن أم الكتاب من عمل بهن دخل الجنة، ومن ~~تركهن دخل النار. ### || [6.153-154] # { وأن هذا } أي: هذا الذي وصيتكم به في هاتين الآيتين، { ~~صرطي } ، طريقي وديني، { مستقيما } ، مستويا قائما، { ~~فاتبعوه } ، قرأ ms0815 حمزة والكسائي: " وإن " بكسر الألف على الاستئناف ~~وقرأ الآخرون بفتح الألف، قال الفراء: والمعنى وأتل عليكم أن هذا ~~صراطي مستقيما. وقرأ ابن عامر ويعقوب بسكون النون. { ولا تتبعوا ~~السبل } ، أي: الطرق المختلفة التي عدا هذا الطريق، مثل اليهودية ~~والنصرانية وسائر الملل، وقيل: الأهواء والبدع، { فتفرق } ، فتميل، ~~{ بكم } ، وتشتت، { عن سبيله } ، عن طريقه ودينه الذي ارتضى، ~~وبه أوصى، { ذلكم } ، الذي ذكرت، { وصكم به لعلكم ~~تتقون }. # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبدالصمد الترابي المعروف بأبي بكر بن أبي ~~الهيثم أنا الحاكم أبو الفضل محمد بن الحسين الحدادي ثنا أبو يزيد محمد ~~بن يحيى بن خالد ثنا أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ثنا عبدالرحمن ~~بن مهدي عن حماد بن زيد عن عاصم بن بهدلة عن أبي وائل # " عن عبدالله قال: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا ثم ~~قال: «هذا سبيل الله، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله، وقال: هذه ~~سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه», ثم قرأ: { وأن هذا صراطي ~~مستقيما فاتبعوه } الآية ". # قوله عز وجل: { ثم ءاتينا موسى الكتب } ، فإن قيل: لم ~~قال: " ثم آتينا " وحرف " ثم " للتعقيب وإيتاء موسى الكتاب كان قبل مجيء ~~القرآن؟ قيل: معناه ثم أخبركم أنا آتينا موسى الكتاب، فدخل " ثم " ~~لتأخير الخبر لا لتأخير النزول. # { تماما على الذى أحسن } ، اختلفوا فيه، قيل: تماما على ~~المحسنين من قومه، فيكون " الذي " بمعنى من، أي: على من أحسن من قومه، ~~وكان بينهم محسن ومسيء، يدل عليه قراءة ابن مسعود: " على الذين أحسنوا " ~~، وقال أبو عبيدة: معناه على كل من أحسن، أي: أتممنا فضيلة موسى بالكتاب ~~على المحسنين، يعني: أظهرنا فضله عليهم، والمحسنون هم الأنبياء ~~والمؤمنون، وقيل: " الذي أحسن " هو موسى، و " والذي " بمعنى ما، أي: على ~~ما أحسن موسى، تقديره: آتيناه الكتاب، يعني التوراة إتماما للنعمة عليه ~~لإحسانه في الطاعة والعبادة وتبليغ الرسالة وأداء الأمر. # وقيل: الإحسان بمعنى العلم، وأحسن بمعنى علم، ومعناه: تماما على الذي ~~أحسن موسى من العلم والحكمة، أي آتيناه ms0816 الكتاب زيادة على ذلك. # وقيل: معناه تماما مني على إحساني إلى موسى. # { وتفصيلا } ، بيانا { لكل شىء } ، يحتاج إليه من شرائع ~~الدين، { وهدى ورحمة } ، هذا في صفة التوراة، { لعلهم ~~بلقآء ربهم يؤمنون } ، قال ابن عباس: كي يؤمنوا بالبعث ~~ويصدقوا بالثواب والعقاب. ### || [6.155-157] # { وهذا } ، يعني: القرآن، { كتب أنزلنه مبارك ~~فاتبعوه } ، واعملوا بما فيه، { واتقوا } ، وأطيعوا، { ~~لعلكم ترحمون }. # { أن تقولوا } ، يعني: لئلا تقولوا؛ كقوله تعالى: # يبين الله لكم أن تضلوا # [النساء: 176]، أي: لئلا تضلوا، وقيل: معناه أنزلناه كراهة أن تضلوا { ~~أن تقولوا } ، قال الكسائي: معناه اتقوا أن تقولوا يا أهل مكة، { ~~إنمآ أنزل الكتب على طآئفتين من قبلنا } ، ~~يعني: اليهود والنصارى، { وإن كنا } ، وقد كنا، { عن ~~دراستهم } قراءتهم، { لغفلين } ، لا نعلم ما هي، معناه: ~~أنزلنا عليكم القرآن لئلا تقولوا إن الكتاب أنزل على من قبلنا بلسانهم ~~ولغتهم فلم نعرف ما فيه وغفلنا عن دراسته، فتجعلونه عذرا لأنفسكم. # { أو تقولوا لو أنآ أنزل علينا الكتب لكنآ ~~أهدى منهم } ، وقد كان جماعة من الكفار قالوا ذلك لو أنا أنزل ~~علينا ما أنزل على اليهود والنصارى لكنا خيرا منهم، قال الله تعالى: { ~~فقد جآءكم بينة من ربكم } ، حجة واضحة بلغة تعرفونها، ~~{ وهدى } بيان { ورحمة } ونعمة لمن اتبعه، { فمن أظلم ممن ~~كذب بآيت الله وصدف } ، أعرض، { عنها سنجزى ~~الذين يصدفون عن آيتنا سوء العذاب } ، أي: شدة ~~العذاب، { بما كانوا يصدفون } ، يعرضون. ### || [6.158] # قوله تعالى: { هل ينظرون } ، أي: هل ينتظرون بعد تكذيبهم الرسل ~~وإنكارهم القرآن، { إلآ أن تأتيهم الملئكة } ، لقبض ~~أرواحهم، وقيل: بالعذاب، قرأ حمزة والكسائي " يأتيهم " بالياء هنا وفي ~~النحل، والباقون بالتاء، { أو يأتى ربك } ، بلا كيف، لفصل ~~القضاء بين خلقه في موقف القيامة، { أو يأتى بعض ءايت ~~ربك } ، يعني: طلوع الشمس من مغربها، عليه أكثر المفسرين ورواه أبو ~~سعيد الخدري مرفوعا. { يوم يأتى بعض ءايت ربك لا ~~ينفع نفسا إيمانها لم تكن ءامنت من قبل } ، أي: ~~لا ينفعهم الإيمان عند ظهور الآية التي تضطرهم إلى الإيمان، { أو ~~كسبت فى إيمنها خيرا } ، يريد: لا يقبل إيمان كافر ms0817 ولا ~~توبة فاسق، { قل انتظروا } ، يا أهل مكة، { إنا منتظرون } ~~، بكم العذاب. # أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي ثنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش ~~الزيادي ثنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان ثنا أحمد بن يوسف السلمي ثنا ~~عبد الرزاق ثنا معمر عن همام بن منبه ثنا أبو هريرة رضي الله عنه قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها ~~الناس آمنوا أجمعين، وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت ~~من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا ". # أخبرنا أحمد بن عبدالله الصالحي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري ~~أنا حاجب بن أحمد الطوسي أنا محمد بن حماد ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن ~~عمرو بن مرة عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " يد الله بسطان لمسيء الليل ليتوب بالنهار، ولمسيء النهار ليتوب ~~بالليل حتى تطلع الشمس من مغربها ". # أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي ثنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان ~~أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبدالجبار الرياني أنا حميد بن زنجويه ~~أنا النضر بن شميل أنا هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه ". # أخبرنا عبدالواحد المليحي أنا أبو منصور السمعاني أنا أبو جعفر الرياني ~~أنا حميد بن زنجويه أنا أحمد بن عبدالله أنا حماد بن زيد أنا عاصم بن أبي ~~النجود عن زر بن حبيش قال: أتيت صفوان بن عسال المرادي فذكر عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " أن الله عز وجل جعل بالمغرب بابا مسيرة عرضه سبعون عاما للتوبة ~~لا يغلق ما لم تطلع الشمس من قبله " # وذلك قول الله تعالى: " يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا ~~إيمانها لم تكن آمنت من قبل ". # وروى أبو ms0818 حازم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو ~~كسبت في إيمانها خيرا: الدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها ". ### || [6.159] # { إن الذين فرقوا دينهم } ، قرأ حمزة والكسائي: { ~~فارقوا } ، بالألف هاهنا وفي سورة الروم، أي: خرجوا من دينهم وتركوه، ~~وقرأ الآخرون: " فرقوا " مشددا، أي: جعلوا دين الله وهو واحد - دين ~~إبراهيم عليه السلام الحنيفية - أديانا مختلفة، فتهود قوم وتنصر ~~قوم، يدل عليه قوله عز وجل: { وكانوا شيعا } ، أي: صاروا ~~فرقا مختلفة وهم اليهود والنصارى في قول مجاهد وقتادة والسدي. # وقيل: هم أصحاب البدع والشبهات من هذه الأمة. وروي عن عمر بن الخطاب أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: # " يا عائشة إن الذين فارقوا دينهم وكانوا شيعا هم أصحاب البدع، ~~والشبهات من هذه الأمة " # حدثنا أبو الفضل زياد بن محمد زياد الحنفي أنا أبو محمد عبدالرحمن بن ~~أحمد بن محمد الأنصاري أنا أبو عبدالله محمد بن عقيل الأزهري بن عقيل ~~الفقيه البلخي أنا الرمادي أحمد بن منصور أنا الضحاك بن مخلد أنا ثور ~~بن يزيد نا خالد بن معدان عن عبدالرحمن بن عمرو السلمي # " عن العرباض بن سارية قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الصبح فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال ~~قائل: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا، فقال: أوصيكم ~~بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبدا حبشيا، فإنه من يعش منكم ~~فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي: وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، ~~عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة ". # وروي عن عبدالله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " إن بني إسرائيل تفرقت على اثنين وسبعين فرقة، وتفرقت أمتي على ~~ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا واحدة " قالوا: من هي يا رسول ~~الله؟ قال: " ما أنا عليه وأصحابي ". # قال عبد الله بن مسعود: # " إن أحسن ms0819 الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله ~~عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها ". # ورواه جابر مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قوله عز وجل: { لست منهم فى شىء } ، قيل: لست من قتالهم ~~في شيء، نسختها آية القتال، وهذا على قول من قال: المراد من الآية اليهود ~~والنصارى، ومن قال: أراد بالآية أهل الأهواء قال: المراد من قوله: " لست ~~منهم في شيء " ، أي: أنت منهم بريء وهم منك براء، وتقول العرب: إن فعلت ~~كذا فلست مني ولست منك، أي: كل واحد منا بريء من صاحبه، { إنمآ ~~أمرهم إلى الله } ، يعني: في الجزاء والمكافآت، { ثم ~~ينبئهم بما كانوا يفعلون } ، إذا وردوا للقيامة. ### || [6.160-163] # قوله عز وجل: { من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها } ~~أي: له عشر حسنات أمثالها، وقرأ يعقوب " عشر " منون، " أمثالها " ~~بالرفع. { ومن جآء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها ~~وهم لا يظلمون }. # أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي ثنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي ~~ثنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان ثنا محمد بن يوسف القطان ثنا محمد بن ~~يوسف السلمي ثنا عبدالرزاق أنا معمر عن همام بن منبه ثنا أبو هريرة رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها ~~إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها حتى يلقى الله ~~عز وجل ". # وأخبرنا إسماعيل بن عبدالقاهر الجرجاني ثنا عبدالغافر بن محمد الفارسي ~~ثنا محمد بن عيسى الجلودي ثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ثنا مسلم بن ~~الحجاج ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا وكيع ثنا الأعمش عن المعرور بن سويد ~~عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يقول الله تبارك وتعالى: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ~~وأزيد، ومن جاء بالسيئة فجزاء سيئة مثلها أو أغفر، ومن تقرب ~~مني شبرا تقربت منه ذراعا ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه ~~باعا، ومن أتاني ms0820 يمشي أتيته هرولة، ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة ~~لا يشرك بي شيئا لقيته بمثلها مغفرة " # قال ابن عمر: الآية في غير الصدقات من الحسنات، فأما الصدقات تضاعف ~~سبعمائة ضعف. # قوله تعالى: { قل إننى هدانى ربى إلى صرط ~~مستقيم دينا قيما } ، قرأ أهل الكوفة والشام " قيما " بكسر ~~القاف وفتح الياء خفيفة، وقرأ الآخرون بفتح القاف وكسر الياء مشددا ~~ومعناهما واحد وهو القويم المستقيم، وانتصابه على معنى هداني دينا ~~قيما، { ملة إبراهيم حنيفا وما كان من ~~المشركين }. # { قل إن صلاتى ونسكى } ، قيل: أراد بالنسك الذبيحة في الحج ~~والعمرة، وقال مقاتل: نسكي: حجي، وقيل: ديني، { ومحياى ومماتى } ~~، أي: حياتي ووفاتي، { لله رب العلمين } ، أي: هو يحييني ~~ويميتني، وقيل: محياي بالعمل الصالح ومماتي إذا مت على الإيمان لله رب ~~العالمين، وقيل: طاعتي في حياتي لله وجزائي بعد مماتي من الله رب ~~العالمين. قرأ أهل المدينة: " ومحياي " بسكون الياء و " مماتي " بفتحها، ~~وقراءة العامة " محياي " بفتح الياء لئلا يجتمع ساكنان. # قوله تعالى: { لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول ~~المسلمين } قال قتادة: وأنا أول المسلمين من هذه الأمة. ### || [6.164-165] # { قل أغير الله أبغي ربا } قال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~سيدا وإلها { وهو رب كل شىء } ، وذلك أن الكفار كانوا ~~يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: ارجع إلى ديننا. قال ابن عباس: كان ~~الوليد بن المغيرة يقول: اتبعوا سبيلي أحمل عنكم أوزاركم، فقال الله ~~تعالى: { ولا تكسب كل نفس إلا عليها } ، لا تجني كل ~~نفس إلا ما كان من إثمه على الجاني، { ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى } ، أي لا تحمل نفس حمل أخرى، أي: لا يؤاخذ أحد بذنب غيره، { ~~ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم ~~فيه تختلفون }. # { وهو الذى جعلكم خلئف الأرض } ، يعني: أهلك أهل ~~القرون الماضية وأورثكم الأرض يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم من بعدهم، ~~فجعلكم خلائف منهم فيها تخلفونهم فيها وتعمرونها بعدهم، والخلائف جمع ~~خليفة كالوصائف جمع وصيفة، وكل من جاء بعد من مضى فهو خليفة لأنه ~~يخلفه. { ورفع بعضكم ms0821 فوق بعض درجت } ، أي: خالف بين ~~أحوالكم فجعل بعضكم فوق بعض في الخلق والرزق والمعاش والقوة والفضل، { ~~ليبلوكم فى مآ آتكم } ، ليختبركم فيما رزقكم، يعني: يبتلي ~~الغني والفقير والشريف والوضيع والحر والعبد، ليظهر منكم ما يكون عليه ~~من الثواب والعقاب، { إن ربك سريع العقاب } ، لأن ما هو آت ~~فهو سريع قريب، قيل: هو الهلاك في الدنيا، { وإنه لغفور ~~رحيم } ، قال عطاء سريع العقاب لأعدائه غفور لأوليائه رحيم بهم. ### | [7 - سورة الأعراف] ### || [7.1-4] # { آلمص }. { كتاب } أي: هذا كتاب، { أنزل إليك } ، وهو ~~القرآن، { فلا يكن فى صدرك حرج منه } ، قال مجاهد: شك، ~~فالخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد به الأمة. وقال أبو العالية: ~~حرج أي ضيق، معناه: لا يضيق ما أرسلت به، { لتنذر به } ، أي: ~~كتاب أنزل إليك لتنذر به، { وذكرى للمؤمنين } ، أي: ~~عظة لهم، وهو رفع، مردود على الكتاب. # { اتبعوا } ، أي: وقل لهم اتبعوا. { مآ أنزل إليكم من ~~ربكم ولا تتبعوا من دونه أوليآء } ، أي: لا ~~تتخذوا غيره أولياء تطيعونهم في معصية الله تعالى، { قليلا ما ~~تذكرون } ، تتعظون، وقرأ ابن عامر: { يتذكرون } ، بالياء ~~والتاء. # { وكم من قرية أهلكنها } ، بالعذاب، { وكم } للتكثير و ~~" رب " للتقليل { فجآءها بأسنا } ، عذابنا، { بيتا } ، ~~ليلا { أو هم قآئلون } ، من القيلولة، تقديره: فجاءها بأسنا ~~ليلا وهم نائمون أو نهارا وهم قائلون، أو نائمون ظهيرة، والقيلولة: ~~استراحة نصف النهار، وإن لم يكن معها نوم. ومعنى الآية: أنهم جاءهم ~~بأسنا وهم غير متوقعين إما ليلا أو نهارا. قال الزجاج: و " أو " ~~لتصريف العذاب، أي: مرة ليلا ومرة نهارا. وقيل: معناه من أهل القرى ~~من أهلكناهم ليلا، ومنهم من أهلكناهم نهارا. # فإن قيل: ما معنى أهلكناها فجاءها بأسنا؟ فكيف يكون مجيء البأس بعد ~~الهلاك؟ قيل: معنى " أهلكنا " أي: حكمنا بإهلاكها فجاءها بأسنا. ~~وقيل: فجاءها بأسنا وهو بيان قوله: " أهلكناها " ، مثل قول القائل: ~~أعطيتني فأحسنت إلي لا فرق بينه وبين قوله: أحسنت إلي فأعطيتني، فيكون ~~أحدهما بدلا من الآخر. ### || [7.5-8] # { فما كان دعواهم } ، أي: قولهم ودعاؤهم وتضرعهم، والدعوى ~~تكون بمعنى الادعاء ms0822 وبمعنى الدعاء، قال سيبويه: تقول العرب: اللهم ~~أشركنا في صالح دعوى المسلمين، أي في دعائهم، { إذ جآءهم بأسنآ ~~} ، عذابنا، { إلآ أن قالوا إنا كنا ظلمين } ، معناه ~~لم يقدروا على رد العذاب، وكان حاصل أمرهم الاعتراف بالجناية حين لا ~~ينفع الاعتراف. # { فلنسألن الذين أرسل إليهم } ، يعني: الأمم عن ~~إجابتهم الرسل، وهذا سؤال توبيخ لا سؤال استعلام، يعني: نسألهم عما ~~بلغتهم الرسل، { ولنسألن المرسلين } ، عن الإبلاغ. # { فلنقصن عليهم بعلم } أي: لنخبرهم عن علم. قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: ينطق عليهم كتاب أعمالهم؛ كقوله تعالى: # هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق # [الجاثية: 29]. { وما كنا غآئبين } ، عن الرسل فيما بلغوا، وعن ~~الأمم فيما أجابوا. # قوله تعالى: { والوزن يومئذ الحق } ، يعني: يوم السؤال. ~~قال مجاهد: معناه والقضاء يومئذ العدل. وقال الأكثرون: أراد به وزن ~~الأعمال بالميزان، وذاك أن الله تعالى ينصب ميزانا له لسان وكفتان كل ~~كفة بقدر ما بين المشرق والمغرب. # واختلفوا في كيفية الوزن، فقال بعضهم: توزن صحائف الأعمال: وروينا: # " أن رجلا ينشر عليه تسعة وتسعون سجلا، كل سجل مد البصر، فيخرج ~~له بطاقة فيها شهادة أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ~~فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت ~~البطاقة ". # وقيل: توزن الأشخاص. وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح ~~بعوضة ". # وقيل: توزن الأعمال، روي ذلك عن ابن عباس، فيؤتى بالأعمال الحسنة على ~~صورة حسنة وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة فتوضع في الميزان، والحكمة ~~في وزن الأعمال امتحان الله عباده بالإيمان في الدنيا وإقامة الحجة ~~عليهم في العقبى، { فمن ثقلت موزينه } ، قال مجاهد: حسناته، ~~{ فأولئك هم المفلحون }. ### || [7.9-12] # { ومن خفت موزينه فأولئك الذين خسروا ~~أنفسهم بما كانوا بآيتنا يظلمون } ، يجحدون، قال أبو ~~بكر الصديق رضي الله عنه حين حضره الموت في وصيته لعمر رضي الله عنه: ~~إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في ~~الدنيا، وثقله عليهم، وحق لميزان ms0823 يوضع فيه الحق غدا أن يكون ثقيلا، ~~وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في ~~الدنيا، وخفته عليهم حق لميزان يوضع فيه الباطل غدا أن يكون خفيفا. # فإن قيل: قد قال: " من ثقلت موازينه " ذكر بلفظ الجمع، والميزان واحد، ~~قيل: يجوز أن يكون لفظه جمعا ومعناه واحد؛ كقوله: " يا أيها الرسل " ، ~~وقيل: لكل عبد ميزان، وقيل: الأصل ميزان واحد عظيم ولكل عبد فيه ميزان ~~معلق به، وقيل: جمعه: لأن الميزان يشتمل على الكفتين والشاهدين ~~واللسان، ولا يتم الوزن إلا باجتماعهما. # قوله تعالى: { ولقد مكنكم فى الأرض } أي: مكناكم ~~والمراد من التمكين التمليك والقدرة، { وجعلنا لكم فيها ~~معيش } ، أي: أسبابا تعيشون بها أيام حياتكم من التجارات والمكاسب ~~والمآكل والمشارب والمعايش جمع المعيشة، { قليلا ما تشكرون } ، ~~فيما صنعت إليكم. # قوله عز وجل: { ولقد خلقنكم ثم صورنكم } ، ~~قال ابن عباس: خلقناكم، أي: أصولكم وآباءكم ثم صورناكم في أرحام ~~أمهاتكم، وقال قتادة والضحاك والسدي: أما " خلقناكم " فآدم، وأما " ~~صورناكم " فذريته. وقال مجاهد في خلقناكم آدم، ثم صورناكم في ظهر آدم ~~بلفظ الجمع، لأنه أبو البشر ففي خلقه خلق من يخرج من صلبه، وقيل: خلقناكم ~~في ظهر آدم ثم صورناكم يوم الميثاق حين أخرجكم كالذر. وقال عكرمة: ~~خلقناكم في أصلاب الرجال وصورناكم في أرحام النساء. وقال يمان: خلق ~~الإنسان في الرحم ثم صوره وشق سمعه وبصره وأصابعه. وقيل: الكل آدم ~~خلقه وصوره و " ثم " بمعنى الواو. # { ثم قلنا للملئكة اسجدوا لأدم } ، فإن قيل: ~~الأمر بسجود الملائكة كان قبل خلق بني آدم، فما وجه قوله: " ثم قلنا " ، ~~وثم للترتيب والتراخي؟ قيل: على قول من يصرف الخلق والتصوير إلى آدم وحده ~~يستقيم الكلام إما على قول من يصرفه إلى الذرية فعنه أجوبة: # أحدها " ثم " بمعنى الواو، أي: وقلنا للملائكة، فلا يكون للترتيب ~~والتعقيب. # وقيل: أراد " ثم " أخبركم أنا قلنا للملائكة اسجدوا. # وقيل: فيه تقديم وتأخير تقديره ولقد خلقناكم، يعني: آدم ثم قلنا ~~للملائكة اسجدوا ثم صورناكم. # قوله تعالى: { فسجدوا } ، يعني: الملائكة، { إلا إبليس لم ms0824 ~~يكن من السجدين } ، لآدم. # { قال } الله تعالى: يا إبليس { ما منعك ألا تسجد إذ ~~أمرتك } ، أي: ولم منعك أن تسجد و " لا " زائدة كقوله تعالى: # وحرام على قرية أهلكناهآ أنهم لا يرجعون # [الأنبياء: 95]. { قال } إبليس مجيبا { أنا خير منه } لأنك { ~~خلقتني من نار وخلقته من طين } ، والنار خير وأنور من ~~الطين. # قال ابن عباس: أول من قاس إبليس فأخطأ القياس، فمن قاس الدين بشيء من ~~رأيه قرنه الله مع إبليس. # قال ابن سيرين: ما عبدت الشمس إلا بالقياس. # قال محمد بن جرير: ظن الخبيث أن النار خير من الطين ولم يعلم أن الفضل ~~لمن جعل الله له الفضل، وقد فضل الله الطين على النار من وجوه منها: أن ~~من جوهر الطين الرزانة والوقار والحلم والصبر وهو الداعي لآدم بعد ~~السعادة التي سبقت له إلى التوبة والتواضع والتضرع فأورثه الاجتباء ~~والتوبة والهداية، ومن جوهر النار الخفة والطيش والجرأة والارتفاع وهو ~~الداعي لإبليس بعد الشقاوة التي سبقت له إلى الاستكبار والإصرار، فأورثه ~~اللعنة والشقاوة، ولأن الطين سبب جمع الأشياء والنار سبب تفرقها ولأن ~~التراب سبب الحياة، فإن حياة الأشجار والنبات به، والنار سبب الهلاك. ### || [7.13-17] # قوله تعالى: { قال فاهبط منها } أي: من الجنة، وقيل: من السماء ~~إلى الأرض وكان له ملك الأرض وأخرجه منها إلى جزائر البحر وعرشه في البحر ~~الأخضر، فلا يدخل الأرض إلا خائفا على هيئة السارق مثل شيخ عليه أطمار ~~يروع فيها حتى يخرج منها. # قوله تعالى: { فما يكون لك أن تتكبر } ، بمخالفة الأمر، { ~~فيها } ، أي: في الجنة، فلا ينبغي أن يسكن الجنة ولا السماء متكبر ~~مخالف لأمر الله، { فاخرج إنك من الصغرين } ، من ~~الأذلاء، والصغار: الذل والمهانة. # { قال } ، إبليس عند ذلك، { أنظرنى } ، أخرني وأمهلني فلا تمتني، ~~{ إلى يوم يبعثون } ، من قبورهم وهو النفخة الأخيرة عند قيام ~~الساعة، أراد الخبيث أن لا يذوق الموت. # { قال } الله تعالى: { إنك من المنظرين } ، المؤخرين، وبين ~~مدة النظرة والمهلة في موضع آخر، فقال: # إلى يوم الوقت المعلوم # [الحجر: 38]، وهي النفخة الأولى حين يموت ms0825 الخلق كلهم. # { قال فبمآ أغويتنى } ، اختلفوا في " ما " ، قيل: هو استفهام ~~يعني فبأي شيء أغويتني؟ ثم ابتدأ فقال: { لأقعدن لهم } ، وقيل: ~~" ما " الجزاء، أي: لأجل أنك أغويتني لأحقدن لهم، وقيل: هو " ما " ~~المصدر موضع القسم تقديره: فبإغوائك إياي لأقعدن لهم؛ كقوله: # بما غفر لي ربي # [يس: 27]، يعني: لغفران ربي. # والمعنى بقدرتك علي ونفاذ سلطانك في. وقال ابن الأنباري: أي فيما ~~أوقعت في قلبي من الغي الذي كان سبب هبوطي من السماء أغويتني، أي: ~~أضللتني عن الهدى. وقيل: أهلكتني. وقيل: خيبتني، { لأقعدن لهم ~~صرطك المستقيم } ، أي: لأجلسن لبني آدم على طريقك القويم وهو ~~الإسلام. # { ثم لآتينهم من بين أيديهم } ، قال علي بن أبي طلحة ~~عن ابن عباس: من بين أيديهم أي من قبل الآخرة فأشككهم فيها، { ~~ومن خلفهم } ، أرغبهم في دنياهم، { وعن أيمنهم } ، ~~أشبه عليهم أمر دينهم. { وعن شمآئلهم } ، أشهي لهم المعاصي. ~~وروى عطية عن ابن عباس: { من بين أيديهم } من قبل دنياهم، ~~يعني أزينها في قلوبهم، { ومن خلفهم } ، من قبل الآخرة فأقول: ~~لا بعث، ولا نشور، ولا جنة، ولا نار، { وعن أيمنهم } من ~~قبل حسناتهم، { وعن شمآئلهم } من قبل سيئاتهم. # وقال الحكم: من بين أيديهم: من قبل الدنيا يزينها لهم، ومن خلفهم: من ~~قبل الآخرة يثبطهم عنها، وعن أيمانهم: من قبل الحق يصدهم عنه، وعن ~~شمائلهم: من قبل الباطل يزينه لهم. وقال قتادة: أتاهم من بين أيديهم ~~فأخبرهم أنه لا بعث ولا جنة ولا نار، ومن خلفهم: من أمور الدنيا يزينها ~~لهم ودعاهم إليها، وعن أيمانهم: من قبل حسناتهم بطأهم عنها، وعن ~~شمائلهم: زين لهم السيئات والمعاصي ودعاهم إليها أتاك يا ابن آدم من كل ~~وجه غير أنه لم يأتك من فوقك لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله. وقال ~~مجاهد: من بين أيديهم وعن أيمانهم من حيث يبصرون، ومن خلفهم وعن شمائلهم ~~من حيث لا يبصرون. وقال ابن جريج: معنى قوله حيث لا يبصرون، أي لا يخطئون ~~وحيث لا يبصرون أي لا يعلمون أنهم يخطئون. # { ولا تجد أكثرهم ms0826 شكرين } ، مؤمنين، فإن قيل: كيف علم ~~الخبيث ذلك؟ قيل: قاله ظنا فأصاب. قال الله تعالى: # ولقد صدق عليهم إبليس ظنه # [سبأ: 20]. ### || [7.18-21] # { قال } الله تعالى لإبليس: { اخرج منها مذءوما مدحورا ~~} ، أي: معيبا، والذيم والذأم أشد العيب، يقال: ذأمه يذأمه ~~ذأما فهو مذؤوم وذامه يذيمه ذاما فهو مذيم، مثل سار يسير سيرا. ~~المدحور: المبعد المطرود، يقال: دحره يدحره دحرا إذا أبعده وطرده. قال ~~ابن عباس: مذؤوما أي ممقوتا، وقال قتادة: مذؤما مدحورا، أي: لعينا ~~شقيا. وقال الكلبي: مذؤما (ملوما) مدحورا مقصيا من الجنة ومن كل ~~خير. { لمن تبعك منهم } ، من بني آدم، { لأملأن ~~جهنم } ، اللام لام القسم، { منكم أجمعين } ، أي: منك ومن ~~ذريتك ومن كفار ذرية آدم أجمعين. # { ويآدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من ~~حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من ~~الظلمين }. # { فوسوس لهما الشيطن } ، أي: إليهما، والوسوسة: حديث ~~يلقيه الشيطان في قلب الإنسان، { ليبدي لهما ما ووري ~~عنهما من سوءتهما } ، أي: أظهر لهما ما غطي وستر عنهما من ~~عوراتهما، قيل: اللام فيه لام العاقبة وذلك أن إبليس لم يوسوس لهذا، ولكن ~~كان عاقبة أمرهم ذلك، وهو ظهور عورتهما؛ كقوله تعالى: # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا # [القصص: 8]، ثم بين الوسوسة فقال: { وقال } يعني إبليس لآدم وحواء، { ~~ما نهكما ربكما عن هذه الشجرة إلآ أن تكونا ~~ملكين } ، يعني: كراهية أن تكونا من ملكين من الملائكة يعلمان ~~الخير والشر، { أو تكونا من الخلدين } ، من الباقين الذين ~~لا يموتون؛ كما قال في موضع آخر: # هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى # [طه: 120]. # { وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين } أي: وأقسم وحلف ~~لهما وهذا من المفاعلة التي تختص بالواحد، وقال قتادة: حلف لهما بالله ~~حتى خدعهما، وقد يخدع المؤمن بالله، فقال: إني خلقت قبلكما وأنا أعلم ~~منكما فاتبعاني أرشدكما، وإبليس أول من حلف بالله كاذبا فلما حلف ظن ~~آدم أن أحدا لا يحلف بالله لا يحلف بالله كاذبا، فاغتر به. ### || [7.22] # { فدلهما بغرور } ، أي: خدعهما، يقال: ما زال فلان يدلي ~~لفلان ms0827 بغرور، يعني: ما زال يخدعه ويكلمه بزخرف من القول باطل. # وقيل: حطهما من منزلة الطاعة إلى حالة المعصية، ولا يكون التدلي إلا ~~من علو إلى أسفل، والتدلية إرسال الدلو في البئر، يقال: تدلى بنفسه ~~ودعا غيره، وقال الأزهري: أصله: تدلية العطشان البئر ليروى من الماء ولا ~~يجد الماء فيكون مدلى بغرور، والغرور إظهار النصح مع إبطان الغش. # { فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءتهما } ، قال ~~الكلبي: فلما أكلا منها. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قبل ~~أن ازدردا أخذتهما العقوبة، والعقوبة أن " بدت " ظهرت لهما " ~~سوآتهما " عوراتهما، وتهافت عنهما لباسهما حتى أبصر كل واحد منهما ما ~~ووري عنه من عورة صاحبه، وكانا لا يريان ذلك. قال وهب: كان لباسهما من ~~النور. وقال قتادة: كان ظفرا ألبسهما الله من الظفر لباسا فلما وقعا ~~في الذنب بدت لهما سوءاتهما فاستحييا، { وطفقا } ، أقبلا وجعلا { ~~يخصفان } ، يرقعان ويلزقان ويصلان، { عليهما من ورق ~~الجنة } ، وهو ورق التين حتى صار كهيئة الثوب. # قال الزجاج: يجعلان ورقة على ورقة ليسترا سوآتهما. وروي عن أبي بن كعب ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كان آدم رجلا طوالا كأنه نخلة سحوق كثير شعر الرأس، فلما وقع في ~~الخطيئة بدت له سوأته، وكان لا يراها فانطلق هاربا في الجنة، فعرضت ~~له شجرة من شجر الجنة فحبسته بشعره، فقال لها: أرسليني، قالت: لست ~~بمرسلتك، فناداه ربه يا آدم أمني تفر؟ قال: لا يارب ولكن ~~استحييتك ". # { وناداهما ربهمآ ألم أنهكما عن تلكما ~~الشجرة } ، يعني: عن الأكل منها، { وأقل لكمآ إن ~~الشيطن لكما عدو مبين } ، أي: بين العداوة، قال محمد ~~بن قيس: ناداه ربه يا آدم أكلت منها وقد نهيتك؟ قال: يا رب ~~أطعمتني حواء، قال لحواء: لم أطعمتيه؟ قالت: أمرتني الحية، قال: ~~للحية لم أمرتيها؟ قالت: أمرني إبليس، فقال الله: أما أنت يا حواء ~~فكما أدميت الشجرة فتدمين كل شهر، وأما أنت يا حية فأقطع قوائمك فتمشين ~~على بطنك ووجهك، وسيشدخ رأسك من لقيك، وأما أنت يا إبليس فملعون ms0828 مدحور. ### || [7.23-26] # { قالا ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا ~~وترحمنا لنكونن من الخاسرين } الهالكين # { قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض ~~مستقر ومتاع إلى حين }. # { قال فيها تحيون } ، يعني: في الأرض تعيشون، { وفيها ~~تموتون ومنها تخرجون } ، أي: من الأرض تخرجون من قبوركم ~~للبعث، قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي: { تخرجون } بفتح التاء هاهنا ~~وفي الزخرف، وافق يعقوب هاهنا وزاد حمزة والكسائي: " وكذلك تخرجون " في ~~أول الروم، والباقون بضم التاء وفتح الراء فيهن. # { يبنى آدم قد أنزلنا عليكم } ، أي: خلقنا لكم { ~~لباسا } ، وقيل: إنما قال: " أنزلنا " لأن اللباس يكون من نبات ~~الأرض، والنبات يكون بما ينزل من السماء، فمعنى قوله: { أنزلنا } أي: ~~أنزلنا أسبابه. وقيل: كل بركات الأرض منسوبة إلى السماء؛ كما قال تعالى: # وأنزلنا الحديد # [الحديد: 25]، وإنما يستخرج الحديد من الأرض. # وسبب نزول هذه الآية: أنهم كانوا في الجاهلية يطوفون بالبيت عراة ~~يقولون: لا نطوف في ثياب عصينا الله فيها، فكان الرجال يطوفون بالنهار ~~والنساء بالليل عراة. # وقال قتادة: كانت المرأة تطوف وتضع يدها على فرجها وتقول: # اليوم يبدو بعضه أو كله # وما بدا منه فلا أحله # فأمر الله سبحانه بالستر، فقال: { قد أنزلنا عليكم لباسا ~~يورى سوءتكم } ، يستر عوراتكم، واحدتها سوأة، سميت بها لأنه ~~يسوء صاحبها انكشافها فلا تطوفوا عراة، { وريشا } ، يعني: مالا في ~~قول ابن عباس ومجاهد والضحاك والسدي، يقال: تريش الرجل إذا تمول، وقيل: ~~الريش الجمال، أي: ما يتجملون به من الثياب، وقيل: هو اللباس. # { ولباس التقوى ذلك خير } ، قرأ أهل المدينة وابن عامر ~~والكسائي: { ولباس } بنصب السين عطفا على قوله: { لباسا } ، وقرأ ~~الآخرون بالرفع على الابتداء وخبره { خير } ، وجعلوا { ذلك } صلة في ~~الكلام، وكذلك قرأ ابن مسعود وأبي بن كعب: { ولباس التقوى خير }. # واختلفوا في { لباس التقوى } ، قال قتادة والسدي: لباس التقوى هو ~~الإيمان. وقال الحسن: هو الحياء لأنه يبعث على التقوى. # وقال عطية عن ابن عباس: هو العمل الصالح. وعن عثمان بن عفان أنه قال ~~السمت الحسن. # وقال عروة بن الزبير: لباس التقوى خشية ms0829 الله. وقال الكلبي: هو العفاف. ~~والمعنى: لباس التقوى خير لصاحبه إذا أخذ به مما خلق له من اللباس ~~للتجمل. # وقال ابن الأنباري: لباس التقوى هو اللباس الأول وإنما أعاده إخبارا أن ~~ستر العورة خير من التعري في الطواف. # قال زيد بن علي: لباس التقوى الآلات التي يتقى بها في الحرب كالدرع ~~والمغفر والساعد والساقين. # وقيل: لباس التقوى هو الصوف والثياب الخشنة التي يلبسها أهل الورع. { ~~ذلك من آيت الله لعلهم يذكرون }. ### || [7.27-29] # { يابني آدم لا يفتننكم الشيطان } أي: لا يضلنكم ~~الشيطان، { كمآ أخرج أبويكم } ، أي: كما فتن أبويكم آدم وحواء ~~فأخرجهما، { من الجنة ينزع عنهما لباسهما ~~ليريهما سوءتهمآ } ، أي: ليرى كل واحد سوأة الآخر. { ~~إنه يراكم } ، يعني أن الشيطان يراكم يا بني آدم، { هو ~~وقبيله } جنوده، قال ابن عباس: هو وولده. وقال قتادة: قبيلة الجن ~~والشياطين، { من حيث لا ترونهم } ، قال مالك بن دينار: إن ~~عدوا يراك ولا تراه لشديد الخصومة والمؤنة إلا من عصم الله، { إنا ~~جعلنا الشيطين أوليآء } قرناء وأعوانا، { للذين ~~لا يؤمنون } ، قال الزجاج: سلطناهم عليهم يزيدون في غيهم كما قال: # أنآ أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم ~~أزا # [مريم: 83]. # { وإذا فعلوا فحشة } ، قال ابن عباس ومجاهد: هي طوافهم ~~بالبيت عراة، وقال عطاء: الشرك. والفاحشة: اسم لكل فعل قبيح بلغ النهاية ~~في القبح. { قالوا وجدنا عليهآ ءاباءنا } ، وفيه إضمار ~~معناه: وإذا فعلوا فاحشة فنهوا عنها قالوا وجدنا عليها آباءنا. قيل: ~~ومن أين أخذ آباؤكم؟ قالوا: { والله أمرنا بها قل إن ~~الله لا يأمر بالفحشآء أتقولون على الله ما لا ~~تعلمون }. # { قل أمر ربي بالقسط } ، قال ابن عباس: بلا إله إلا ~~الله. وقال الضحاك: بالتوحيد. وقال مجاهد والسدي: بالعدل. { وأقيموا ~~وجوهكم عند كل مسجد } ، قال مجاهد والسدي: يعني وجهوا ~~وجوهكم حيث ما كنتم في الصلاة إلى الكعبة. وقال الضحاك: إذا حضرت الصلاة ~~وأنتم عند مسجد فصلوا فيه ولا يقولن أحدكم أصلي في مسجدي. وقيل: معناه ~~اجعلوا سجودكم لله خالصا. { وادعوه } ، واعبدوه، { مخلصين له ~~الدين } ، الطاعة والعبادة، { كما بدأكم تعودون ms0830 } ، قال ~~ابن عباس: إن الله بدأ خلق بني آدم مؤمنا وكافرا كما قال: # هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن # [التغابن: 2]، ثم يعيدهم يوم القيامة كما خلقهم مؤمنا وكافرا. قال ~~مجاهد: يبعثون على ما ماتوا عليه. # أخبرنا أحمد بن عبدالله الصالحي حدثنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي ~~أنبأنا محمد بن عبدالله الصفار حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي حدثنا ~~أبو حذيفة حدثنا سفيان الثوري عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر بن عبدالله ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يبعث كل عبد على ما مات عليه، المؤمن على إيمانه والكافر على ~~كفره ". # وقال أبو العالية: عادوا على عمله فيهم. قال سعيد بن جبير: كما كتب ~~عليكم تكونون. # قال محمد بن كعب: من ابتدأ الله خلقه على الشقاوة صار إليها وإن عمل ~~بعمل أهل السعادة، كما أن إبليس كان يعمل بعمل أهل السعادة ثم صار إلى ~~الشقاوة، ومن ابتدأ خلقه على السعادة صار إليها وإن عمل بعمل أهل ~~الشقاوة، كما أن السحرة كانت تعمل بعمل أهل الشقاوة فصاروا إلى السعادة. # أخبرنا عبدالواحد المليحي أنبأنا عبدالرحمن بن أبي شريح أنبأنا أبو ~~القاسم البغوي ثنا علي بن الجعد حدثنا أبو غسان عن أبي حازم قال: سمعت ~~سهل بن سعد يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن العبد يعمل فيما يرى الناس بعمل أهل الجنة وإنه من أهل النار، ~~وإنه ليعمل فيما يرى الناس بعمل أهل النار وإنه من أهل الجنة، وإنما ~~الأعمال بالخواتيم ". # وقال الحسن ومجاهد: كما بدأكم فخلقكم في الدنيا ولم تكونوا شيئا، كذلك ~~تعودون أحياء يوم القيامة كما قال الله تعالى: # كما بدأنآ أول خلق نعيده # [الأنبياء: 104]، قال قتادة: بدأهم من التراب وإلى التراب يعودون، نظير ~~قوله تعالى: # منها خلقناكم وفيها نعيدكم # [طه: 25]. ### || [7.30-32] # قوله عز وجل: { فريقا هدى } ، أي: هداهم الله، { وفريقا ~~حق } ، وجب { عليهم الضللة } ، أي: بالإرادة السابقة، { ~~إنهم اتخذوا الشيطين أوليآء من دون الله ~~ويحسبون أنهم مهتدون } ، فيه دليل على أن الكافر ms0831 الذي ~~يظن أنه في دينه على الحق والجاحد والمعاند سواء. # قوله تعالى: { يابني آدم خذوا زينتكم عند كل ~~مسجد } قال أهل التفسير: كانت بنو عامر يطوفون بالبيت عراة، فأنزل ~~الله عز وجل: " يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد " ، يعني: ~~الثياب. قال مجاهد: ما يواري عورتك ولو عباءة. # قال الكلبي: الزينة ما يواري العورة عند كل مسجد لطواف وصلاة. # { وكلوا واشربوا }. قال الكلبي: كانت بنو عامر لا يأكلون في ~~أيام حجهم من الطعام إلا قوتا ولا يأكلون دسما، يعظمون بذلك ~~حجهم، فقال المسلمون: نحن أحق أن نفعل ذلك يا رسول الله، فأنزل الله ~~عز وجل: " وكلوا " يعني اللحم والدسم " واشربوا " اللبن، { ولا ~~تسرفوا } ، بتحريم ما أحل الله لكم من اللحم والدسم، { إنه ~~لا يحب المسرفين } ، الذين يفعلون ذلك. قال ابن عباس: كل ما ~~شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان سرف ومخيلة. قال علي بن الحسين بن ~~واقد: قد جمع الله الطب كله في نصف آية فقال: { كلوا واشربوا ولا ~~تسرفوا }. # قوله عز وجل: { قل من حرم زينة الله التى أخرج ~~لعباده } ، يعني: لبس الثياب في الطواف، { والطيبت من ~~الرزق } ، يعني: اللحم والدسم في أيام الحج. # وعن ابن عباس وقتادة: والطيبات من الرزق ما حرم أهل الجاهلية من ~~البحائر والسوائب. { قل هى للذين ءامنوا فى الحيوة ~~الدنيا خالصة يوم القيمة } ، فيه حذف تقديره: هي للذين ~~آمنوا وللمشركين في الحياة الدنيا فإن أهل الشرك يشاركون المؤمنين في ~~طيبات الدنيا، وهي في الآخرة خالصة للمؤمنين لا حظ للمشركين فيها. # وقيل: هي خالصة يوم القيامة من التنغيص والغم للمؤمنين، فإنها لهم في ~~الدنيا مع التنغيص والغم. # قرأ نافع { خالصة } رفع، أي: قل هي للذين آمنوا مشتركين في الدنيا، ~~خالصة يوم القيامة للمؤمنين. وقرأ الآخرون بالنصب على القطع، { كذلك ~~نفصل الأيت لقوم يعلمون }. ### || [7.33-35] # { قل إنما حرم ربي الفوحش ما ظهر منها وما ~~بطن } ، يعني: الطواف عراة { ما ظهر } طواف الرجال بالنهار، { وما بطن ~~} طواف النساء بالليل. وقيل: هو الزنا سرا وعلانية. # أخبرنا ms0832 عبدالواحد بن أحمد المليحي أنبأنا أحمد بن عبدالله النعيمي ~~أنبأنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا سليمان بن حرب حدثنا ~~شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي وائل عن عبدالله قال قلت: أنت سمعت هذا من ~~عبدالله؟ قال: نعم فرفعه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا أحد أغير من الله، فلذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ~~ولا أحد أحب إليه المدح من الله فلذلك مدح نفسه ". # قوله عز وجل: { والإثم } ، يعني: الذنب والمعصية. وقال الضحاك: ~~الذنب الذي لا حد فيه. قال الحسن: الإثم: الخمر، قال الشاعر: # شربت الإثم حتى ضل عقلي # كذاك الإثم تذهب بالعقول # { والبغى } ، الظلم والكبر، { بغير الحق وأن ~~تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطنا } ، حجة ~~وبرهانا، { وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } ، في ~~تحريم الحرث والأنعام، في قول مقاتل. وقال غيره: هو عام في تحريم القول ~~في الدين من غير يقين. # { ولكل أمة أجل } ، مدة، وأكل وشرب، وقال ابن عباس وعطاء ~~والحسن: يعني وقتا لنزول العذاب بهم، { فإذا جآء أجلهم } ، ~~وانقطع أكلهم، { لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } ~~،أي: ولا يتقدمون. وذلك حين سألوا العذاب فأنزل الله هذه الآية. # قوله تعالى: { يبنى آدم إما يأتينكم رسل منكم ~~} ، أي: إن يأتكم. قيل: أراد جميع الرسل. # وقال مقاتل: أراد بقوله: { يا بني آدم } مشركي العرب وبالرسل محمدا صلى ~~الله عليه وسلم وحده، { يقصون عليكم ءايتى } ، قال ابن ~~عباس: فرائضي وأحكامي، { فمن اتقى وأصلح } ، أي: اتقى الشرك ~~وأصلح عمله. وقيل: أخلص ما بينه وبين ربه { فلا خوف عليهم } ، ~~إذا خاف الناس، { ولا هم يحزنون } ، أي: إذا حزنوا. ### || [7.36-37] # { والذين كذبوا بآيتنا واستكبروا عنهآ } ، ~~تكبروا على الإيمان بها، وإنما ذكر الاستكبار لأن كل مكذب وكافر ~~متكبر. قال الله تعالى: # إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله ~~يستكبرون # [الصافات: 35]، { أولئك أصحب النار هم فيها ~~خلدون }. # قوله تعالى: { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ~~} ، جعل له شريكا، { أو كذب بآيته } ، القرآن، { ~~أولئك ms0833 ينالهم نصيبهم من الكتب } ، أي: حظهم ~~مما كتب لهم في اللوح المحفوظ. واختلفوا فيه، قال الحسن والسدي: ما كتب ~~لهم من العذاب وقضى عليهم من سواد الوجوه وزرقة العيون. قال عطية عن ابن ~~عباس: كتب لمن يفتري على الله أن وجهه مسود، قال الله تعالى: # ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله ~~وجوههم مسودة # [الزمر: 60]. # وقال سعيد بن جبير ومجاهد: ما سبق لهم من الشقاوة والسعادة. # وقال ابن عباس وقتادة والضحاك: يعني أعمالهم التي عملوها وكتب عليهم من ~~خير وشر يجزي عليها. # وقال محمد بن كعب القرظي: ما كتب لهم من الأرزاق والآجال والأعمار ~~والأعمال فإذا فنيت، { جآءتهم رسلنا يتوفونهم } ، ~~يقبضون أرواحهم يعني ملك الموت وأعوانه، { قالوا } ، يعني: يقول ~~الرسل للكفار، { أين ما كنتم تدعون } ، تعبدون، { من دون ~~الله } ، سؤال تبكيت وتقريع، { قالوا ضلوا عنا } ، بطلوا ~~وذهبوا عنا، { وشهدوا على أنفسهم } ، اعترفوا عند معاينة ~~الموت، { أنهم كانوا كفرين }. ### || [7.38-40] # { قال ادخلوا في أمم } ، يعني: يقول الله لهم يوم القيامة ~~ادخلوا في أمم، أي: مع جماعات، { قد خلت } ، مضت، { من قبلكم ~~من الجن والإنس فى النار } ، يعني: كفار الأمم الخالية، { ~~كلما دخلت أمة لعنت أختها } ، يريد أختها في الدين ~~لا في النسب، فتلعن اليهود اليهود والنصارى النصارى، وكل فرقة تلعن ~~أختها وتلعن الأتباع القادة، ولم يقل أخاها لأنه عنى الأمة والجماعة، { ~~حتى إذا اداركوا فيها } ، أي: تداركوا وتلاحقوا واجتمعوا في ~~النار، { جميعا قالت أخراهم } ، قال مقاتل: يعني أخراهم ~~دخولا النار وهم الأتباع، { لأولهم } ، أي: لأولاهم دخولا وهم ~~القادة، لأن القادة يدخلون النار أولا. وقال ابن عباس: يعني آخر كل أمة ~~لأولاها. وقال السدي: أهل آخر الزمان لأولاهم الذين شرعوا لهم ذلك الدين، ~~{ ربنا هؤلاء } الذين، { أضلونا } عن الهدى، يعني: القادة ~~{ فآتهم عذابا ضعفا من النار } ، أي: ضعف عليهم ~~العذاب، { قال } ، الله تعالى، { لكل ضعف } ، يعني: القادة ~~والأتباع ضعف من العذاب، { ولكن لا تعلمون } ما لكل فريق ~~منكم من العذاب. # قرأ الجمهور: " ولكن لا تعلمون " ، وقرأ أبو بكر " لا يعلمون " بالياء، ~~أي: ms0834 لا يعلم الأتباع ما للقادة ولا القادة ما للأتباع. # { وقالت أولهم } ، يعني: القادة، { لأخراهم } ، للأتباع، ~~{ فما كان لكم علينا من فضل } ، لأنكم كفرتم كما كفرنا ~~فنحن وأنتم في الكفر سواء وفي العذاب سواء، { فذوقوا العذاب ~~بما كنتم تكسبون }. # { إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا ~~تفتح لهم } ، بالتاء، خفف أبو عمرو، وبالياء، خفف حمزة ~~والكسائي، والباقون بالتاء والتشديد، { أبوب السمآء } ، ~~لأدعيتهم ولا لأعمالهم.وقال ابن عباس: لأرواحهم لأنها خبيثة لا يصعد بها ~~بل يهوى بها إلى سجين، إنما تفتح أبواب السماء لأرواح المؤمنين ~~وأدعيتهم وأعمالهم، { ولا يدخلون الجنة حتى يلج ~~الجمل فى سم الخياط } ، أي: حتى يدخل البعير في ثقب الإبرة، ~~والخياط والمخيط واحد، وهو الإبرة والمراد منه: أنهم لا يدخلون الجنة ~~أبدا لأن الشيء إذا علق بما يستحيل كونه يدل لك على تأكيد المنع، ~~كما يقال: لا أفعل ذلك حتى يشيب الغراب أو يبيض القار، يريد: لا أفعله ~~أبدا. { وكذلك نجزى المجرمين }. ### || [7.41-43] # { لهم من جهنم مهاد } ، أي: فراش، { ومن فوقهم ~~غواش } ، أي: لحف. وهي جمع غاشية، يعني: ما غشاهم وغطاهم، يريد ~~إحاطة النار بهم من كل جانب، كما قال الله: # لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل # [الزمر: 16]، { وكذلك نجزى المجرمين }. # { والذين ءامنوا وعملوا الصلحات لا نكلف ~~نفسا إلا وسعها } ، أي: طاقتها وما لا تحرج فيه ولا تضيق ~~عليه، { أولئك أصحب الجنة هم فيها خلدون }. # { ونزعنا } وأخرجنا، { ما فى صدورهم من غل } ، من غش ~~وعداوة كانت بينهم في الدنيا فجعلناهم إخوانا على سرر متقابلين لا يحسد ~~بعضهم بعضا على شيء خص الله به بعضهم. { تجرى من تحتهم ~~الأنهر } ، روى الحسن عن علي رضي الله عنه قال: فينا والله أهل ~~بدر نزلت: " ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين ". # وقال علي رضي الله عنه أيضا: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة ~~والزبير من الذين قال لهم الله عز وجل: " ونزعنا ما في صدورهم من غل ~~". # أخبرنا عبدالواحد المليحي أنبأنا أحمد بن عبدالله النعيمي أنبأنا ms0835 محمد ~~بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا الصلت بن محمد حدثنا يزيد بن زريع، ~~حدثنا سعيد عن قتادة عن أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة ~~والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا ~~هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده ~~لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا ". # وقال السدي في هذه الآية: إن أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنة وجدوا عند ~~بابها شجرة، في أصل ساقها عينان، فشربوا من إحداهما، فينزع ما في صدورهم ~~من غل، فهو الشراب الطهور واغتسلوا من الأخرى فجرت عليهم نضرة النعيم ~~فلم يشعثوا ولم يسحنوا بعدها أبدا، أي إلى هذا، يعني طريق الجنة. # وقال سفيان الثوري: معناه هدانا لعمل هذا ثوابه، { وما كنا } ، قرأ ~~ابن عامر: " ما كنا " بلا واو، { لنهتدى لولا أن هدانا ~~الله لقد جآءت رسل ربنا بالحق } ، هذا قول أهل ~~الجنة حين رأوا ما وعدهم الرسل عيانا، { ونودوا أن تلكم ~~الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون } ، قيل: هذا ~~النداء إذا رأوا الجنة من بعيد نودوا أن تلكم الجنة. # وقيل: هذا النداء يكون في الجنة. # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبدالله بن أبي توبة الخطيب أنبأنا أبو طاهر ~~محمد بن الحارث أنبأنا محمد بن يعقوب الكسائي أنبأنا عبدالله بن محمود ~~أنبأنا إبراهيم بن عبدالله الخلال حدثنا عبدالله بن المبارك عن سفيان عن ~~أبي إسحاق عن الأغر عن: أبي سعيد عن أبي هريرة قالا: ينادي مناد: إن لكم ~~أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإن ~~لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا ~~أبدا، فذلك قوله: { ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم ~~تعملون }. # هذا حديث صحيح أخرجه مسلم بن الحجاج عن إسحاق بن إبراهيم وعبد الرحمن بن ~~حميد عن عبدالرزاق عن سفيان الثوري بهذا ms0836 الإسناد مرفوعا. # وروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما من أحد إلا وله منزلة في الجنة ومنزلة في النار، فأما ~~الكافر فإنه يرث المؤمن منزله من النار، والمؤمن يرث الكافر ومنزله من ~~الجنة ". ### || [7.44-46] # قوله تعالى: { ونادى أصحب الجنة أصحب النار أن ~~قد وجدنا ما وعدنا ربنا } ، من الثواب، { حقا } ، أي: ~~صدقا، { فهل وجدتم ما وعد ربكم } ، من العذاب، { ~~حقا قالوا نعم } ، قرأ الكسائي بكسر العين حيث كان، والباقون ~~بفتحها وهما لغتان، { فأذن مؤذن بينهم } ، أي: نادى مناد ~~أسمع الفريقين، { أن لعنة الله على الظلمين } ، قرأ ~~أهل المدينة والبصرة وعاصم: " أن " خفيف، " لعنة " رفع، وقرأ الآخرون ~~بالتشديد، " لعنة الله " نصب على الظالمين، أي: الكافرين. { الذين ~~يصدون } أي: يصرفون الناس، { عن سبيل الله } ، طاعة الله، { ~~ويبغونها عوجا } ، أي: يطلبونها زيغا وميلا، أي: يبطلون سبيل ~~الله جائرين عن القصد. # قال ابن عباس: يصلون لغير الله، يعظمون ما لم يعظمه الله. والعوج - ~~بكسر العين - في الدين والأمر والأرض وكل ما لم يكن قائما، وبالفتح في ~~كل ما كان قائما كالحائط والرمح ونحوهما. { وهم بالأخرة ~~كفرون }. # { وبينهما حجاب } ، يعني: بين الجنة والنار. وقيل: بين أهل ~~الجنة وبين أهل النار حجاب، وهو السور الذي ذكر الله في قوله: # فضرب بينهم بسور له باب # [الحديد: 13]. # قوله تعالى: { وعلى الأعراف رجال } ، والأعراف هي ذلك السور ~~الذي بين الجنة والنار، وهي جمع عرف، وهو اسم للمكان المرتفع، ومنه عرف ~~الديك لارتفاعه على ما سواه من جسده. وقال السدي: سمي ذلك السور ~~أعرافا لأن أصحابه يعرفون الناس. # واختلفوا في الرجال الذين أخبر الله عنهم أنهم على الأعراف، فقال حذيفة ~~وابن عباس: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، ~~وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار، فوقفوا هناك حتى يقضي الله فيهم ما يشاء ~~ثم يدخلهم الجنة بفضل رحمته، وهم آخر من يدخل الجنة. # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبدالله بن أبي توبة ثنا أبو طاهر محمد بن أحمد ~~بن الحارث أنا محمد ms0837 بن يعقوب الكسائي أنا عبدالله بن محمود أنا إبراهيم ~~بن عبدالله الخلال ثنا عبدالله بن المبارك عن أبي بكر الهذلي قال: قال ~~سعيد بن جبير، يحدث: عن ابن مسعود قال: يحاسب الناس يوم القيامة فمن ~~كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن كانت سيئاته ~~أكثر من حسناته بواحدة دخل النار، ثم قرأ قوله: # فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن ~~خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم # [الأعراف: 8-9]. ثم قال: إن الميزان يخف بمثقال حبة أو يرجح، قال: ومن ~~استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف فوقفوا على الصراط، ثم عرفوا ~~أهل الجنة وأهل النار فإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوا سلام عليكم، وإذا ~~صرفوا أبصارهم إلى أصحاب النار قالوا: ربنا لا تجعلنا مع القوم ~~الظالمين، فأما أصحاب الحسنات فإنهم يعطون نورا يمشون به بين أيديهم ~~وبأيمانهم، ويعطي كل يومئذ نورا فإذا أتوا على الصراط سلب الله ~~نور كل منافق ومنافقة، فلما رأى أهل الجنة ما لقي المنافقون قالوا ~~ربنا أتمم لنا نورنا. # وأما أصحاب الأعراف فإن النور لم ينزع من بين أيديهم، ومنعتهم سيئاتهم ~~أن يمضوا فبقي في قلوبهم الطمع إذ لم ينزع النور من بين يديهم، فهنالك ~~يقول الله: " لم يدخلوها وهم يطمعون " وكان الطمع للنور الذي بين ~~أيديهم، ثم أدخلوا الجنة، فكانوا آخر أهل الجنة دخولا. # وقال شرحبيل بن سعد: أصحاب الأعراف قوم خرجوا في الغزو بغير إذن آبائهم. ~~ورواه مقاتل في تفسيره مرفوعا: # " هم رجال غزوا في سبيل الله عصاة لآبائهم فقتلوا، فأعتقوا من ~~النار بقتلهم في سبيل الله وحبسوا عن الجنة بمعصية آبائهم، فهم آخر من ~~يدخل الجنة ". # وروي عن مجاهد: أنهم أقوام رضي عنهم أحد الأبوين دون الآخر، يحبسون ~~على [الأعراف] إلى أن يقضي الله بين الخلق، ثم يدخلون الجنة. # قال عبدالعزيز بن الكناني: هم الذين ماتوا في الفترة ولم يبدلوا دينهم. # وقيل: هم أطفال المشركين. قال الحسن: هم أهل الفضل من المؤمنين علوا على ~~الأعراف فيطلعون على أهل الجنة وأهل النار ms0838 جميعا، ويطالعون أحوال ~~الفريقين. # قوله تعالى: { يعرفون كلا بسيمهم } ، أي: يعرفون أهل ~~الجنة ببياض وجوههم وأهل النار بسواد وجوههم. { ونادوا أصحب ~~الجنة أن سلم عليكم } ، أي: إذا رأوا أهل الجنة قالوا ~~سلام عليكم، { لم يدخلوها } ، يعني: أصحاب الأعراف لم يدخلوا ~~الجنة، { وهم يطمعون } ، في دخولها، قال أبو العالية: ما جعل ~~الله ذلك الطمع فيهم إلا كرامة [يريد] بهم. قال الحسن: الذي جعل الطمع ~~في قلوبهم يوصلهم إلى ما يطمعون. ### || [7.47-49] # { وإذا صرفت أبصارهم تلقآء أصحاب النار } ~~تعوذوا بالله، { قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم ~~الظلمين } ، يعني: الكافرين في النار. # { ونادى أصحب الأعراف رجالا } ، كانوا عظماء في الدنيا ~~من أهل النار، { يعرفونهم بسيمهم قالوا مآ أغنى ~~عنكم جمعكم } ، في الدنيا من المال والولد، { وما كنتم ~~تستكبرون } ، عن الإيمان. قال الكلبي: نادوهم وهم على السور: يا ~~وليد بن المغيرة ويا أبا جهل بن هشام ويا فلان، ثم ينظرون إلى الجنة ~~فيرون فيها الفقراء والضعفاء ممن كانوا يستهزؤون بهم، مثل سلمان وصهيب ~~وخباب وبلال وأشباههم، فيقول أصحاب الأعراف لأولئك الكفار: # { أهؤلاء الذين أقسمتم } ، حلفتم { لا ينالهم ~~الله برحمة } أي: حلفتم أنهم لا يدخلون الجنة. ثم يقال لأهل ~~الأعراف: { ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولآ أنتم ~~تحزنون } ، وفيه قول آخر: أن أصحاب الأعراف إذا قالوا لأهل النار ما ~~قالوا قال لهم أهل النار: إن دخل أولئك الجنة وأنتم لم تدخلوها. ~~فيعيرونهم بذلك، ويقسمون أنهم يدخلون النار، فتقول الملائكة الذين ~~حبسوا أصحاب الأعراف على الصراط لأهل النار: أهؤلاء، يعني أصحاب ~~الأعراف، الذين أقسمتم يا أهل النار أنه لا ينالهم برحمة، ثم قالت ~~الملائكة لأصحاب الأعراف: " ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم ~~تحزنون " ، فيدخلون الجنة. ### || [7.50-53] # قوله تعالى: { ونادى أصحب النار أصحب الجنة ~~أن أفيضوا } أي: صبوا، { علينا من المآء أو مما ~~رزقكم الله } ، أي: أوسعوا علينا مما رزقكم الله من طعام الجنة. # قال عطاء عن ابن عباس: لما صار أصحاب الأعراف إلى الجنة طمع أهل النار ~~في الفرج، وقالوا: يا رب إن لنا قرابات ms0839 من أهل الجنة، فأذن لنا حتى ~~نراهم ونكلمهم، فينظرون إلى قرابتهم في الجنة وما هم فيه من النعيم ~~فيعرفونهم ولم يعرفهم أهل الجنة لسواد وجوههم، فينادي أصحاب النار ~~أصحاب الجنة بأسمائهم، وأخبروهم بقراباتهم أن أفيضوا علينا من الماء أو ~~مما رزقكم الله، { قالوا إن الله حرمهما على ~~الكفرين } ، يعني: الماء والطعام، { الذين اتخذوا ~~دينهم لهوا ولعبا } ، وهو ما زين لهم الشيطان من تحريم ~~البحيرة وأخواتها والمكاء والتصدية حول البيت، وسائر الخصال الذميمة، ~~التي كانوا يفعلونها في الجاهلية. وقيل: دينهم أي عيدهم، { وغرتهم ~~الحيوة الدنيا فاليوم ننسهم } ، نتركهم في النار، { ~~كما نسوا لقآء يومهم هذا } ، أي: كما تركوا العمل للقاء ~~يومهم هذا، { وما كانوا بآيتنا يجحدون }. # { ولقد جئنهم بكتب } ، يعني: القرآن { فصلنه } ~~، بيناه، { على علم } منا لما يصلحهم، { هدى ورحمة } أي ~~جعلنا القرآن هاديا وذا رحمة { لقوم يؤمنون } { هل ~~ينظرون } ، أي: هل ينتظرون، { إلا تأويله } ، قال مجاهد: ~~جزاءه. وقال السدي: عاقبته. ومعناه: هل ينتظرون إلا ما يؤل إليه أمرهم، ~~في العذاب ومصيرهم إلى النار. { يوم يأتى تأويله } ، أي: ~~جزاؤه وما يؤول إليه أمرهم، { يقول الذين نسوه من قبل قد ~~جآءت رسل ربنا بالحق } ، اعترفوا به حين لا ينفعهم ~~الاعتراف، { فهل لنا } ، اليوم، { من شفعآء فيشفعوا ~~لنآ أو نرد } ، إلى الدنيا، { فنعمل غير الذى كنا ~~نعمل قد خسروا أنفسهم } ، أهلكوها بالعذاب، { وضل } ~~، وبطل، { عنهم ما كانوا يفترون }. ### || [7.54] # قوله تعالى: { إن ربكم الله الذى خلق السموت ~~والأرض في ستة أيام } ، أراد به في مقدار ستة أيام ~~لأن اليوم من لدن طلوع الشمس إلى غروبها، ولم يكن يومئذ يوم ولا شمس ولا ~~سماء، وقيل: ستة أيام كأيام الآخرة كل يوم ألف سنة. وقيل: كأيام الدنيا. ~~قال سعيد بن جبير: كان الله عز وجل قادرا على خلق السموات والأرض في ~~لمحة ولحظة، فخلقهن في ستة أيام تعليما لخلقه التثبت والتأني في الأمور. ~~وقد جاء في الحديث: # " التأني من الله والعجلة من الشيطان ". # { ثم استوى على العرش } ، قال الكلبي ومقاتل: استقر. وقال ~~أبو عبيدة: صعد. ms0840 وأولت المعتزلة الاستواء بالاستيلاء. فأما أهل السنة ~~يقولون: الاستواء على العرش صفة لله تعالى، بلا كيف، يجب على الرجل ~~الإيمان به ويكل العلم فيه إلى الله عز وجل. وسأل رجل مالك بن أنس عن ~~قوله: # الرحمن على العرش استوى # [طه: 5] كيف استوى؟ فأطرق رأسه مليا، وعلاه الرحضاء ثم قال: ~~الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه ~~بدعة، وما أظنك إلا ضالا، ثم أمر به فأخرج. # وروي عن سفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد وسفيان بن عيينة وعبدالله ~~بن المبارك وغيرهم من علماء السنة في هذه الآيات التي جاءت في الصفات ~~المتشابهة: أمروها كما جاءت بلا كيف. # والعرش في اللغة: هو السرير. وقيل: هو ما علا فأظل، ومنه عرش الكروم. ~~وقيل: العرش الملك. # { يغشى اليل النهار } ، قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر ويعقوب: ~~" يغشي " بالتشديد ها هنا وفي سورة الرعد، والباقون بالتخفيف، أي: يأتي ~~الليل على النهار فيغطيه، وفيه حذف أي: ويغشي النهار الليل، ولم يذكر ~~لدلالة الكلام عليه وذكر في آية أخرى فقال: # يكور الليل على النهار ويكور النهار على ~~الليل # [الزمر: 5]، { يطلبه حثيثا } ، أي: سريعا، وذلك أنه إذا كان ~~يعقب أحدهما الآخر ويخلفه، فكأنه يطلبه. { والشمس والقمر ~~والنجوم مسخرت } ، قرأ ابن عامر كلها بالرفع على الابتداء ~~والخبر، والباقون بالنصب، وكذلك في سورة النحل عطفا على قوله: { خلق ~~السموات والأرض } ، أي: خلق هذه الأشياء مسخرات، أي: مذللات { ~~بأمره ألا له الخلق } ، له الخلق لأنه خلقهم وله الأمر، يأمر ~~في خلقه بما يشاء، قال سفيان بن عيينة: فرق الله بين الخلق والأمر فمن ~~جمع بينهما فقد كفر. # { تبارك الله } ، أي: تعالى الله وتعظم. وقيل: ارتفع. والمبارك ~~المرتفع. وقيل: تبارك تفاعل من البركة وهي النماء والزيادة، أي: البركة ~~تكتسب وتنال بذكره. # وعن ابن عباس قال: جاء بكل بركة. قال الحسن: تجيء البركة من قبله. ~~وقيل: تبارك تقدس، والقدس الطهارة. وقيل: تبارك الله أي باسمه يتبرك ~~في كل شيء. وقال المحققون: معنى هذه الصفة ثبت ودام كما لم يزل ولا ms0841 يزال. ~~وأصل البركة الثبوت. ويقال: تبارك الله، ولا يقال: متبارك ولا مبارك، ~~لأنه لم يرد به التوقيف. { رب العالمين }. ### || [7.55-56] # { ادعوا ربكم تضرعا } ، تذللا واستكانة، { وخفية } ~~، أي: سرا. قال الحسن: بين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفا، ~~ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت، وإن كان إلا ~~همسا بينهم وبين ربهم، ذلك أن الله سبحانه يقول: " ادعوا ربكم ~~تضرعا وخفية " ، وإن الله ذكر عبدا صالحا ورضي فعله فقال: # إذ نادى ربه ندآء خفيا # [مريم: 3]. { إنه لا يحب المعتدين } ، قيل: المعتدين في ~~الدعاء. وقال أبو مجلز: هم الذين يسألون منازل الأنبياء عليهم السلام. # أخبرنا محمد بن عبدالعزيز القاشاني، أنبأنا القاسم بن جعفر الهاشمي، ~~أنبأنا أبو علي محمد بن أحمد اللؤلؤي، ثنا أبو داود السجستاني، حدثنا ~~موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد يعني ابن سلمة أنبأنا سعيد الجريري، عن أبي ~~نعامة: أن عبدالله بن مغفل سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر ~~الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها، فقال: يا بني سل الله الجنة ~~وتعوذ به من النار، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء ". # وقيل: أراد به الاعتداء بالجهر [والصياح]، قال ابن جريج: من الاعتداء ~~رفع الصوت والنداء بالدعاء والصياح. # وروينا عن أبي موسى قال: لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر ~~أشرف الناس على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنكم ~~تدعون سميعا قريبا ". # وقال عطية: هم الذين يدعون على المؤمنين فيما لا يحل، فيقولون: اللهم ~~أخزهم اللهم العنهم. # { ولا تفسدوا فى الأرض بعد إصلحها } ، أي: لا ~~تفسدوا فيها بالمعاصي والدعاء إلى غير طاعة الله بعد إصلاح الله إياها ~~ببعث الرسل وبيان الشريعة، والدعاء إلى طاعة الله، وهذا معنى قول الحسن ~~والسدي والضحاك والكلبي. # وقال عطية: لا تعصوا في الأرض فيمسك الله المطر ويهلك الحرث بمعاصيكم. ~~فعلى هذا معنى قوله: ms0842 " بعد إصلاحها " ، أي: بعد إصلاح الله إياها بالمطر ~~والخصب. # { وادعوه خوفا وطمعا } ، أي: خوفا منه ومن عذابه وطمعا ~~فيما عنده من مغفرته وثوابه. وقال ابن جريج: خوف العدل وطمع الفضل. { ~~إن رحمت الله قريب من المحسنين } ، ولم يقل قريبة، ~~قال سعيد بن جبير: الرحمة هاهنا الثواب فرجع النعت إلى المعنى دون اللفظ؛ ~~كقوله: # وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى ~~والمساكين فارزقوهم منه # [النساء: 8]، ولم يقل منها لأنه أراد الميراث والمال. # وقال الخليل بن أحمد: القريب والبعيد يستوي فيهما في اللغة: المذكر ~~والمؤنث والواحد والجمع: قال أبو عمرو بن العلاء: القريب في اللغة يكون ~~بمعنى القرب وبمعنى المسافة، تقول العرب: هذه امرأة قريبة منك إذا كانت ~~بمعنى القرابة، وقريب منك إذا كانت بمعنى المسافة. ### || [7.57-58] # قوله تعالى: { وهو الذى يرسل الرياح بشرا } ، قرأ عاصم ~~" بشرا " بالباء وضمها وسكون الشين هاهنا وفي الفرقان وسورة النمل، ~~يعني: أنها تبشر بالمطر بدليل قوله تعالى: # الرياح مبشرات # [الروم: 46]، وقرأ حمزة والكسائي " نشرا " بالنون وفتحها، وهي الرياح ~~الطيبة اللينة، قال الله تعالى: # والناشرات نشرا # [المرسلات: 3]، وقرأ ابن عامر بضم النون وسكون الشين، وقرأ الآخرون بضم ~~النون والشين، جمع نشور، مثل صبور وصبر ورسول ورسل، أي: متفرقة وهي ~~الرياح التي تهب من كل ناحية. { بين يدى رحمته } ، أي: قدام ~~المطر. # أخبرنا عبدالوهاب بن محمد الخطيب أنبأنا عبدالعزيز بن أحمد الخلال ~~أنبأنا أبو العباس الأصم أنبأنا الربيع أنبأنا الشافعي أنبأنا الثقة عن ~~الزهري عن ثابت بن قيس عن أبي هريرة قال: أخذت الناس ريح بطريق مكة ~~وعمر حاج فاشتدت، فقال عمر رضي الله عنه لمن حوله: ما بلغكم في الريح ~~فلم يرجعوا إليه شيئا، فبلغني الذي سأل عمر عنه من أمر الريح فاستحثثت ~~راحلتي حتى أدركت عمر رضي الله عنه، وكنت في مؤخر الناس، فقلت: يا ~~أمير المؤمنين أخبرت أنك سألت عن الريح وإني سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # " الريح من روح الله تأتي بالرحمة وبالعذاب فلا تسبوها، وسلوا الله من ~~خيرها، وتعوذوا به من ms0843 شرها " # ورواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري بإسناده. # { حتى إذآ أقلت } ، حملت الرياح، { سحابا ثقالا } ، ~~بالمطر، { سقنه } ، ورد الكناية إلى السحاب، { لبلد ميت ~~} ، أي: إلى بلد ميت محتاج إلى الماء. وقيل: معناه لإحياء بلد ميت لا ~~نبات فيه، { فأنزلنا به } ، أي: بالسحاب. وقيل: بذلك البلد ~~الميت، { المآء } ، يعني: المطر، { فأخرجنا به من كل ~~الثمرت كذلك نخرج الموتى } ، استدل بإحياء الأرض بعد ~~موتها على إحياء الموتى، { لعلكم تذكرون } ، قال أبو هريرة ~~وابن عباس: إذا مات الناس كلهم في النفخة الأولى أرسل الله عليهم مطرا ~~كمني الرجال من تحت العرش يدعى ماء الحيوان، فينبتون في قبورهم نبات ~~الزرع حتى إذا استكملت أجسادهم نفخ فيهم الروح، ثم يلقي عليهم النوم ~~فينامون في قبورهم، ثم يحشرون بالنفخة الثانية وهم يجدون طعم النوم في ~~رؤوسهم وأعينهم، فعند ذلك يقولون: # يويلنا من بعثنا من مرقدنا # [يس: 52]. # قوله عز وجل: { والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ~~ربه } ، هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر فمثل المؤمن مثل البلد ~~الطيب، يصيبه المطر فيخرج نباته بإذن ربه، { والذى خبث } ، يريد ~~الأرض السبخة التي، { لا يخرج } نباتها، { إلا نكدا } ، قرأ ~~أبو جعفر بفتح الكاف، وقرأ الآخرون بكسرها، أي: عسرا قليلا بعناء ~~ومشقة. # فالأول: مثل المؤمن الذي إذا سمع القرآن وعاه وعقله وانتفع به، والثاني ~~مثل الكافر الذي يسمع القرآن ولا يؤثر فيه، كالبلد الخبيث الذي لا يتبين ~~فيه أثر المطر، { كذلك نصرف الأيت } نبينها، { لقوم ~~يشكرون }. # أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي أنبأنا أحمد بن عبدالله النعيمي ~~أنبأنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا محمد بن العلاء حدثنا ~~حماد بن أسامة عن بريد بن عبدالله عن أبي بردة عن أبي موسى رضي الله عنه ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث ~~الكثير أصاب أرضا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ ~~والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس ~~فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى ms0844 إنما هي قيعان لا ~~تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه وما ~~بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم ~~يقبل هدى الله الذي أرسلت به ". ### || [7.59-62] # قوله تعالى: { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه } وهو نوح بن ~~لمك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس، وهو أول نبي بعث الله بعد إدريس، ~~وكان نجارا بعثه الله إلى قومه وهو ابن خمسين سنة. وقال ابن عباس: ابن ~~أربعين سنة. وقيل: بعث وهو ابن مائتين وخمسين سنة. وقال مقاتل: ابن مائة ~~سنة. وقال ابن عباس: سمي نوحا لكثرة ما ناح على نفسه. # واختلفوا في سبب نوحه فقال بعضهم: لدعوته على قومه بالهلاك. وقيل: ~~لمراجعته ربه في شأن ابنه كنعان. وقيل: لأنه مر بكلب مجذوم، فقال: ~~اخسأ يا قبيح فأوحى الله تعالى إليه أعبتني أم عبت الكلب؟ { ~~فقال } لقومه: { يقوم اعبدوا الله ما لكم من ~~إله غيره } ، قرأ أبو جعفر والكسائي { من إله غيره } ، بكسر ~~الراء حيث كان على نعت الإله، وافق حمزة في سورة فاطر: # هل من خالق غير الله # [فاطر: 3]، وقرأ الآخرون برفع الراء على التقديم، تقديره: ما لكم غيره ~~من إله، { إنى أخاف عليكم } ، إن لم تؤمنوا، { عذاب ~~يوم عظيم }. # { قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلل } ، خطأ ~~وزوال عن الحق، { مبين } ، بين. # { قال } نوح: { يقوم ليس بى ضللة } ، ولم يقل ليست، ~~لأن معنى الضلالة: الضلال، أو على تقديم الفعل، { ولكني رسول ~~من رب العلمين }. # { أبلغكم } ، قرأ أبو عمرو: " أبلغكم " بالتخفيف حيث كان من ~~الإبلاغ، لقوله: # لقد أبلغتكم # [الأعراف: 93]، { رسلت ربى } ، " ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ~~ربهم " وقرأ الآخرون بالتشديد من التبليغ؛ لقوله تعالى: # بلغ مآ أنزل إليك # [المائدة: 67]، رسالات ربي، { وأنصح لكم } ، يقال: نصحته ونصحت ~~له، والنصح أن يريد لغيره من الخير ما يريد لنفسه، { وأعلم من ~~الله ما لا تعلمون } ، أن عقابه لا يرد عن القوم المجرمين. ### || [7.63-67] # { أوعجبتم } ، ألف استفهام دخلت على واو العطف، { أن جآءكم ~~ذكر ms0845 من ربكم } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: موعظة. وقيل: ~~بيان. وقيل: رسالة. { على رجل منكم لينذركم } ، عذاب ~~الله إن لم تؤمنوا، { ولتتقوا } ، أي: لكي تتقوا الله، { ~~ولعلكم ترحمون } ، لكي ترحموا. # { فكذبوه } يعني: كذبوا نوحا، { فأنجينه } ، من الطوفان، ~~{ والذين معه في الفلك } ، في السفينة، { وأغرقنا ~~الذين كذبوا بآيتنآ إنهم كانوا قوما عمين ~~} ، أي: كفارا. قال ابن عباس: عميت قلوبهم عن معرفة الله. قال الزجاج: ~~عموا عن الحق والإيمان، يقال: رجل عم عن الحق وأعمى في البصر. وقيل: ~~العمى والأعمى كالخضر والأخضر. قال مقاتل: عموات عن نزول العذاب بهم وهو ~~الغرق. # قوله تعالى: { وإلى عاد أخاهم هودا } ، أي: وأرسلنا إلى عاد ~~- وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام - وهي عاد الأولى " ~~أخاهم " في النسب لا في الدين، " هودا " وهو هود بن عبدالله بن رباح بن ~~الجلود بن عاد بن عوص، وقال ابن إسحاق: هود بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن ~~نوح، { قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله ~~غيره أفلا تتقون } ، أفلا تخافون نقمته؟. # { قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك } ~~، يا هود، { في سفاهة } ، في حمق وجهالة. قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: تدعو إلى دين لا تعرفه، { وإنا لنظنك من ~~الكذبين } ، أنك رسول الله إلينا. # { قال } هود: { يقوم ليس بى سفاهة ولكنى رسول ~~من رب العلمين }. ### || [7.68-72] # { أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين } ، ~~ناصح أدعوكم إلى التوبة أمين على الرسالة. قال الكلبي: كنت فيكم قبل ~~اليوم أمينا. # { أوعجبتم أن جآءكم ذكر من ربكم على رجل ~~منكم } ، يعني: نفسه، { لينذركم واذكروا إذ جعلكم ~~خلفآء } ، يعني: في الأرض، { من بعد قوم نوح } ، أي: من بعد ~~إهلاكهم، { وزادكم فى الخلق بصطة } ، أي: طولا وقوة. قال ~~الكلبي والسدي: كانت قامة الطويل منهم مائة ذراع، وقامة القصير ستون ~~ذراعا. وقال أبو حمزة الثمالي: سبعون ذراعا. وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما: ثمانون ذراعا. وقال مقاتل: كان طول كل رجل اثني عشر ذراعا. وقال ~~وهب: كان ms0846 رأس أحدهم مثل القبة العظيمة وكان عين الرجل يفرخ فيها ~~بالضباع وكذلك مناخرهم. { فاذكروا ءالآء الله } نعم الله، ~~واحدها إلى، وآلاء مثل معى وأمعاء وقفا وأقفاء، ونظيرها: # آنآء الليل # [الزمر: 9]، واحدها أنا وآناء، { لعلكم تفلحون }. # { قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما ~~كان يعبد ءاباؤنا } ، من الأصنام، { فأتنا بما تعدنآ ~~} ، من العذاب، { إن كنت من الصدقين }. # { قال } هود: { قد وقع } ، وجب ونزل، { عليكم من ~~ربكم رجس } ، أي: عذاب، والسين مبدلة من الزاي، { وغضب } ، ~~أي: سخط، { أتجدلونني فى أسمآء سميتموهآ } ، ~~وضعتموها، { أنتم وءابآؤكم } ، قال أهل التفسير: كانت لهم أصنام ~~يعبدونها سموها أسماء مختلفة، { ما نزل الله بها من ~~سلطن } ، حجة وبرهان، { فانتظروا } ، نزول العذاب، { إنى ~~معكم من المنتظرين }. # { فأنجينه } ، يعني: هودا عند نزول العذاب، { والذين ~~معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا ~~بآيتنا } ، أي: استأصلناهم وأهلكناهم عن آخرهم، { وما كانوا ~~مؤمنين }. # وكانت قصة عاد على ما ذكره محمد بن إسحاق وغيره: أنهم كانوا ينزلون ~~اليمن وكانت مساكنهم بالأحقاف، وهي رمال بين عمان وحضرموت، وكانوا قد ~~فشوا في الأرض كلها وقهروا أهلها بفضل قوتهم التي آتاهم الله عز وجل، ~~وكانوا أصحاب أوثان يعبدونها، صنم يقال له صدى، وصنم يقال له صمود، وصنم ~~يقال له الهباء، فبعث الله إليهم هودا نبيا، وهو من أوسطهم نسبا ~~وأفضلهم حسبا، فأمرهم أن يوحدوا الله ويكفوا عن ظلم الناس لم يأمرهم ~~بغير ذلك، فكذبوه فقالوا من أشد منا قوة وبنو المصانع وبطشوا بطشة ~~الجبارين، فلما فعلوا ذلك أمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين حتى جهدهم ذلك. # وكان الناس في ذلك الزمان إذا نزل بهم بلاء فطلبوا الفرج كانت طلبتهم ~~إلى الله عز وجل عند بيته الحرام بمكة مسلمهم ومشركهم، فيجتمع بمكة ناس ~~كثير شتى، مختلفة أديانهم وكلهم معظم لمكة، وأهل مكة يومئذ العماليق ~~سموا عماليق، لأن أباهم عمليق بن لاذا بن سام بن نوح، وكان سيد العماليق ~~إذ ذاك بمكة رجل يقال له معاوية بن بكر وكانت أم معاوية كلهدة بنت ~~الخيبري رجل من عاد، فلما قحط ms0847 المطر عن عاد وجهدوا قالوا جهزوا وفدا ~~منكم إلى مكة فليستسقوا لكم، فبعثوا قيل بن عنز، ولقيم بن هزال من هزيل، ~~وعقيل بن صندين بن عاد الأكبر، ومرثد بن سعد بن عفير وكان مسلما يكتم ~~إسلامه، وجهلمة بن الخيبري خال معاوية بن بكر، ثم بعثوا لقمان بن عاد ~~الأصغر بن صندين بن عاد الأكبر، فانطلق كل رجل من هؤلاء ومعه رهط من قومه ~~حتى بلغ عدد وفدهم سبعين رجلا. # فلما قدموا مكة نزلوا على معاوية بن بكر وهو بظاهر مكة خارجا من الحرم، ~~فأنزلهم وأكرمهم وكانوا أخواله وأصهاره فأقاموا عنده شهرا يشربون الخمر ~~وتغنيهم الجرادتان، قينتان لمعاوية بن بكر، وكان مسيرهم شهرا ومقامهم ~~شهرا فلما رأى معاوية بن بكر طول مقامهم وقد بعثهم قومهم يتغوثون بهم ~~من البلاء الذي أصابهم شق ذلك عليه، وقال: هلك أخوالي وأصهاري وهؤلاء ~~مقيمون عندي وهم ضيفي، والله ما أدري كيف أصنع بهم، استحي أن آمرهم ~~بالخروج إلى ما بعثوا إليه، فيظنون أنه ضيق مني بمقامهم عندي، وقد هلك ~~من وراءهم من قومهم جهدا وعطشا، فشكا ذلك من أمرهم إلى قينتيه ~~الجرادتين، فقالتا: قل شعرا نغنيهم به، لا يدرون من قاله لعل ذلك أن ~~يحركهم، فقال معاوية بن بكر: # ألا يا قيل ويحك قم فهينم # لعل الله يسقينا غماما # فيسقي أرض عاد إن عادا # قد أمسوا لا يبينون الكلاما # من العطش الشديد فليس نرجو # به الشيخ الكبير ولا الغلاما # وقد كانت نساؤهم بخير # فقد أمست نساؤهم أيامى # وإن الوحش تأتيهم جهارا # فلا تخشى لعادي سهاما # وأنتم هاهنا فيما اشتهيتم # نهاركمو وليلكمو التماما # فقبح وفدكم من وفد قوم # ولا لقوا التحية والسلاما # فلما غنتهم الجرادتان هذا قال بعضهم لبعض: يا قوم إنما بعثكم قومكم ~~يتغوثون بكم من البلاء الذي نزل بهم، وقد أبطأتم عليهم، فادخلوا هذا ~~الحرم فاستسقوا لقومكم، فقال مرثد بن سعد بن عفير، وكان قد آمن بهود ~~سرا: إنكم والله لا تسقون بدعائكم، ولكن إن أطعتم نبيكم وأنبتم إلى ~~ربكم سقيتم، فأظهر إسلامه عند ms0848 ذلك وقال شعرا: # عصت عاد رسولهم فأمسوا # عطاشا ما تبلهم السماء # لهم صنم يقال له صمود # يقابله صداء والهباء # فبصرنا الرسول سبيل رشد # فأبصرنا الهدى وجلى العماء # وإن إله هود هو إلهي # على الله التوكل والرجاء # فقالوا: لمعاوية بن بكر: احبس عنا مرثد بن سعد فلا يقدمن معنا مكة، ~~فإنه قد اتبع دين هود، وترك ديننا، ثم خرجوا إلى مكة يستسقون لعاد، فلما ~~ولوا إلى مكة خرج مرثد بن سعد من منزل معاوية حتى أدركهم قبل أن يدعوا ~~الله بشيء مما خرجوا له، فلما انتهى إليهم قام يدعو الله، بها ووفد عاد ~~يدعون، فقال: اللهم أعطني سؤالي وحدي ولا تدخلني في شيء مما يدعوك به ~~وفد عاد، وكان قيل بن عنز رأس وفد عاد، فقال وفد عاد: اللهم أعط ~~قيلا ما سألك واجعل سؤلنا مع سؤله. # وكان قد تخلف عن وفد عاد - حين - دعوا لقمان بن عاد، وكان سيد عاد، ~~حتى إذا فرغوا من دعوتهم، فقال: اللهم إني جئتك وحدي في حاجتي فأعطني ~~سؤالي، وسأل الله طول العمر فعمر عمر سبعة أنسر، وقال قيل بن عنز ~~حين دعا: يا إلهنا إن كان هود صادقا فاسقنا فإنا قد هلكنا، فأنشأ الله ~~سحائب ثلاث بيضاء وحمراء وسوداء، ثم ناداه مناد من السحاب [يا قيل] ~~اختر لنفسك وقومك من هذه السحائب [ما شئت]، فقال قيل: / اخترت السحابة ~~السوداء فإنها أكثر السحاب ماء فناداه مناد: اخترت رمادا رمددا لا ~~يبقي من آل عاد أحدا، وساق الله سبحانه وتعالى السحابة السوداء التي ~~اختارها قيل بما فيها من النقمة إلى عاد حتى خرجت عليهم من واد لهم ~~يقال له " المغيث " ، فلما رأوها استبشروا وقالوا: هذا عارض ممطرنا، ~~يقول الله تعالى: # بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم ~~تدمر كل شيء بأمر ربها # [الأحقاف: 24-25]، أي: كل شيء مرت به. # وكان أول من أبصر ما فيها وعرف أنها ريح مهلكة امرأة من عاد يقال لها ~~مهدد، فلما تبينت ما فيها صاحت ثم صعقت، فلما أفاقت ms0849 قالوا لها: ماذا ~~رأيت؟ قالت: رأيت الريح فيها كشهب النار أمامها رجال يقودونها، فسخرها ~~الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما، فلم تدع من آل عاد أحدا ~~إلا هلك، واعتزل هود ومن معه من المؤمنين في حظيرة ما يصيبه هو ومن معه ~~من الريح إلا ما تلين عليه الجلود وتلذ الأنفس، وإنها لتمر من عاد ~~بالظعن فتحملهم بين السماء والأرض وتدمغهم بالحجارة، وخرج وفد عاد من مكة ~~حتى مروا بمعاوية بن بكر فنزلوا علينا فبينما هم عنده إذا أقبل رجل على ~~ناقة في ليلة مقمرة مساء ثالثة من مصاب عاد فأخبرهم الخبر، فقالوا له: ~~فأين فارقت هودا وأصحابه؟ فقال: فارقتهم بساحل البحر فكأنهم شكوا فيما ~~حدثهم به، فقالت هزيلة بنت بكر: صدق ورب مكة. # وذكروا أن مرثد بن سعد ولقمان بن عاد وقيل بن عنز، حين دعوا بمكة قيل ~~لهم: قد أعطيتم مناكم فاختاروا لأنفسكم، إلا أنه لا سبيل إلى الخلود، ~~ولا بد من الموت، فقال مرثد: اللهم أعطني صدقا وبرا فأعطي ذلك، ~~وقال لقمان: أعطني يا رب عمرا، فقيل له: اختر، فاختار عمر سبعة أنسر، ~~فكان يأخذ الفرخ حين يخرج من بيضته فيأخذ الذكر منها لقوته، حتى إذا مات ~~أخذ غيره فلم يزل يفعل ذلك حتى أتى على السابع، وكان كل نسر يعيش ثمانين ~~سنة، وكان آخرها لبدا فلما مات لبد مات لقمان معه. # وأما قيل فإنه قال: أختار أن يصيبني ما أصاب قومي، فقيل له: إن ~~الهلاك، فقال: لا أبالي لا حاجة لي في البقاء بعدهم، فأصابه الذي أصاب ~~عادا من البلاء والعذاب فهلك. # قال السدي: بعث الله على عاد الريح العقيم فلما دنت منهم نظروا إلى ~~الإبل والرجال، تطير بهم الريح بين السماء والأرض، فلما رأوها تبادروا ~~البيوت فدخلوها وأغلقوا أبوابهم، فجاءت الريح فقلعت أبوابهم فدخلت عليهم ~~فأهلكتهم فيها، ثم أخرجتهم من البيوت، فلما أهلكهم الله أرسل عليهم ~~طيرا سوداء فنقلتهم إلى البحر فألقتهم فيه. # وروي أن الله عز وجل أمر الريح فأهالت عليهم الرمال، فكانوا تحت ms0850 ~~الرمال سبع ليال وثمانية أيام لهم أنين تحت الرمل، ثم أمر الريح فكشفت ~~عنهم الرمال فاحتملتهم فرمت بهم في البحر ولم تخرج ريح قط إلا بمكيال إلا ~~يومئذ فإنها عتت على الخزنة فغلبتهم فلم يعلموا كم كان مكيالها. # وفي الحديث: # " إنها خرجت على قدر خرق الخاتم ". # وروي عن علي رضي الله عنه: أن قبر هود عليه السلام بحضرموت في كثيب ~~أحمر. وقال عبدالرحمن بن سابط: بين الركن والمقام وزمزم قبر تسعة وتسعين ~~نبيا، وإن قبر هود وشعيب وصالح وإسماعيل في تلك البقعة. ويروى: أن ~~النبي من الأنبياء إذا هلك قومه جاء هو والصالحون معه إلى مكة يعبدون ~~الله فيها حتى يموتوا. ### || [7.73-75] # قوله عز وجل: { وإلى ثمود أخاهم صلحا }. وهو ثمود بن ~~عابر بن أرم بن سام بن نوح، وأراد هاهنا القبيلة. # قال أبو عمرو بن العلاء: سميت ثمود لقلة مائها، والثمد: الماء القليل، ~~فكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى { أخاهم ~~صلحا } ، أي: أرسلنا إلى ثمود أخاهم في النسب لا في الدين، وهو صالح ~~بن عبيد بن آسف بن ماسح بن عبيد بن خادر بن ثمود، { قال يقوم ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جآءتكم ~~بينة من ربكم } ، حجة من ربكم على صدقي، { هذه ناقة ~~الله } ، أضافها إليه على التفضيل والتخصيص، كما يقال بيت الله، { ~~لكم ءاية } ، نصب على الحال، { فذروها تأكل } ، العشب، { ~~فى أرض الله ولا تمسوها بسوء } ، لا تصيبوها بعقر، { ~~فيأخذكم عذاب أليم }. # { واذكروا إذ جعلكم خلفآء من بعد عاد ~~وبوأكم } ، أسكنكم وأنزلكم، { فى الأرض تتخذون من ~~سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا } ، كانوا ينقبون ~~في الجبال البيوت ففي الصيف يسكنون بيوت الطين، وفي الشتاء بيوت الجبال، ~~وقيل: كانوا ينحتون البيوت في الجبل لأن بيوت الطين ما كانت تبقى مدة ~~أعمارهم لطول أعمارهم، { فاذكروا ءالآء الله ولا تعثوا ~~فى الأرض مفسدين } ، والعيث: أشد الفساد. # { قال الملأ } ، قرأ ابن عامر: (وقال الملأ) بالواو، { الذين ~~استكبروا من قومه } ، يعني: الأشراف والقادة الذين تعظموا عن ~~الإيمان بصالح، ms0851 { للذين استضعفوا } ، يعني الأتباع، { لمن ~~ءامن منهم } ، يعني: قال الكفار للمؤمنين، { أتعلمون أن ~~صلحا مرسل من ربه } ، إليكم، { قالوا إنا بمآ ~~أرسل به مؤمنون }. ### || [7.76-79] # { قال الذين استكبروا إنا بالذى ءامنتم به ~~كفرون } ، جاحدون. # { فعقروا الناقة } ، قال الأزهري: العقر هو قطع عرقوب البعير، ~~ثم جعل النحر عقرا لأن ناحر البعير يعقره ثم ينحره. { وعتوا عن ~~أمر ربهم } ، والعتو الغلو بالباطل، يقال: عتا يعتو عتوا: ~~إذا استكبروا، والمعني: عصوا الله وتركوا أمره في الناقة وكذبوا نبيهم. ~~{ وقالوا ياصلح ائتنا بما تعدنآ } ، أي: من العذاب، { ~~إن كنت من المرسلين }. # { فأخذتهم الرجفة } وهي زلزلة الأرض وحركتها وأهلكوا ~~بالصيحة والرجفة، { فأصبحوا فى دارهم } ، قيل: أراد الديار، ~~وقيل: أراد في أرضهم وبلدتهم، ولذلك وحد الدار، { جثمين } ، ~~خامدين ميتين. قيل: سقطوا على وجوههم موتى عن آخرهم. # { فتولى } أعرض صالح، { عنهم وقال يقوم لقد ~~أبلغتكم رسالة ربى ونصحت لكم ولكن لا ~~تحبون النصحين } ، فإن قيل: كيف خاطبهم بقوله لقد أبلغتكم ~~رسالة ربي ونصحت لكم بعدما هلكوا بالرجفة؟ # قيل: كما # " خاطب النبي صلى الله عليه وسلم الكفار من قتلى بدر حين ألقاهم في ~~القليب، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: أيسركم أنكم أطعتم ~~الله ورسوله فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم ~~حقا؟ فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح فيها؟ فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول ~~منهم، ولكن لا يجيبون ". # وقيل: خاطبهم ليكون عبرة لمن خلفهم. # وقيل: في الآية تقديم وتأخير تقديرها: فتولى عنهم، وقال يا قوم لقد ~~أبلغتكم رسالة ربي فأخذتهم الرجفة. # وكان قصة ثمود على ما ذكره محمد بن إسحاق ووهب وغيرهما: أن عاد لما هلكت ~~وانقضى أمرها عمرت ثمود بعدها، واستخلفوا في الأرض فدخلوا فيها وكثروا ~~وعمروا، حتى جعل أحدهم يبني المسكن من المدر فينهدم والرجل منهم حي، فلما ~~رأوا ذلك اتخذوا من الجبال بيوتا، وكانوا في سعة من معاشهم فعتوا ~~وأفسدوا في الأرض وعبدوا غير الله، ms0852 فبعث الله إليهم صالحا وكانوا ~~قوما عربا، وكان صالح من أوسطهم نسبا وأفضلهم حسبا وموضعا، فبعثه ~~الله إليهم غلاما شابا، فدعاهم إلى الله حتى شمط وكبر لا يتبعه منهم ~~إلا قليل مستضعفون، فلما ألح عليهم صالح بالدعاء والتبليغ وأكثر لهم ~~التحذير والتخويف سألوه أن يريهم آية تكون مصداقا إلى ما يقول، فقال ~~لهم: أي آية تريدون؟ قالوا: تخرج معنا غدا إلى عيدنا، وكان لهم عيد ~~يخرجون فيه بأصنامهم في يوم معلوم من السنة فتدعو إلهك وندعوا آلهتنا، ~~فإن استجيب لك اتبعناك وإن استجيب لنا اتبعتنا، فقال لهم صالح: نعم، ~~فخرجوا بأوثانهم إلى عيدهم، وخرج صالح معهم فدعوا أوثانهم، وسألوها أن لا ~~يستجاب لصالح في شيء مما يدعو به، ثم قال جندع بن عمرو بن حواس وهو ~~يومئذ سيد ثمود: يا صالح أخرج لنا من هذه الصخرة - لصخرة منفردة في ناحية ~~الحجر يقال لها الكاثبة - ناقة مخترجة جوفاء وبراء عشراء - والمخترجة ما ~~شاكل البخت من الإبل - فإن فعلت صدقناك وآمنا بك، فأخذ عليهم صالح ~~مواثيقهم لئن فعلت لتصدقني ولتؤمنن بي، قالوا: نعم، فصلى ~~صالح ركعتين ودعا ربه فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها، ثم تحركت الهضبة ~~فانصدت عن ناقة عشراء جوفاء وبراء كما وصفوا لا يعلم ما بين جنبيها ~~عظما إلا الله، وهم ينظرون ثم نتجت سقيا مثلها في العظم، فآمن به ~~جندع بن عمرو ورهط من قومه، وأراد أشراف ثمود أن يؤمنوا به ويصدقوه ~~فنهاهم ذؤاب بن عمرو بن لبيد والحباب صاحب أوثانهم ورباب بن صمغر وكان ~~كاهنهم وكانوا من أشراف ثمود. # فلما خرجت الناقة قال لهم صالح: هذه ناقة الله، لها شرب ولكم شرب يوم ~~معلوم، فمكثت الناقة ومعها سقيها في أرض ثمود، ترعى الشجر وتشرب الماء، ~~فكانت ترد الماء غبا فإذا كان يومها وضعت رأسها في بئر في الحجر يقال ~~لها بئر الناقة فما ترفع رأسها حتى تشرب كل ماء فيها، فلا تدع قطرة، ثم ~~ترفع رأسها فتفشج حتى تفحج لهم فيحلبون ما شاؤوا من لبن، فيشربون ~~ويدخرون، حتى ms0853 يملؤوا أوانيهم كلها ثم تصدر من غير الفج الذي منه وردت لا ~~تقدر أن تصدر من حيث ترد، يضيق عنها، حتى إذا كان الغد كان يومهم ~~فيشربون ما شاءوا من الماء ويدخرون ما شاءوا ليوم الناقة، فهم من ذلك في ~~سعة ودعة، وكانت الناقة تصيف إذا كان الحر بظهر الوادي، فتهرب منها ~~المواشي، أغنامهم وبقرهم وإبلهم، فتهبط إلى بطن الوادي في حره وجدبه، ~~وتشتو ببطن الوادي إذ كان الشتاء، فتهرب مواشيهم إلى [ظهر] الوادي في ~~البرد والجدب فأضر ذلك بمواشيهم للبلاء والاختبار، فكبر ذلك عليهم وعتوا ~~عن أمر ربهم وحملهم ذلك على عقر الناقة، فأجمعوا على عقرها. # وكانت امرأتان من ثمود إحداهما يقال لها عنيزة بنت غنم بن مجلز تكنى ~~بأم غنم، وكانت امرأة ذؤاب بن عمرو وكانت عجوزا مسنة، وكانت ذات بنات ~~حسان وذات مال من إبل وبقر وغنم، وامرأة أخرى يقال لها صدوف بنت المحيا ~~وكانت جميلة غنية ذات مواشي كثيرة، وكانتا من أشد الناس عداوة لصالح ~~وكانتا تحبان عقر الناقة [لما أضرت] بهما من مواشيهما فتحيلتا في عقر ~~الناقة فدعت صدوف رجلا من ثمود يقال له الحباب لعقر الناقة، وعرضت عليه ~~نفسها إن هو فعل فأبى عليها، فدعت ابن عم لها يقال له مصدع بن مهرج بن ~~المحيا، وجعلت له نفسها على أن يعقر الناقة وكانت من أحسن الناس وأكثرهم ~~مالا، فأجابها إلى ذلك ودعت عنيزة بنت غنم قدار بن سالف وكان رجلا ~~أحمر أزرق قصيرا، يزعمون أنه كان لزانية، ولم يكن لسالف، ولكنه ولد على ~~فراش سالف، فقالت: أعطيك أي بناتي شئت على أن تعقر الناقة، وكان قدار ~~عزيزا منيعا في قومه. # أخبرنا عبدالواحد المليحي أنا أحمد بن عبدالله النعيمي أنا محمد بن يوسف ~~حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب حدثنا هشام عن ~~أبيه أنه أخبره عبدالله بن زمعة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب ~~وذكر الناقة والذي عقرها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " { إذ انبعث أشقاها } [الشمس: ms0854 12]، انبعث لها رجل عزيز عارم ~~منيع في قومه مثل أبي زمعة ". # رجعنا إلى القصة، قالوا: فانطلق قدار بن سالف ومصدع بن مهرج فاستغويا ~~غواة ثمود فاتبعهم سبعة نفر فكانوا تسعة رهط، فانطلق قدار وصدع وأصحابهما ~~فرصدوا الناقة حين صدرت عن الماء، وقد كمن لها قدار في أصل صخرة على ~~طريقها، وكمن لها مصدع في طريق آخر فمرت على مصدع، فرماها بسهم فانتظم ~~به في عضلة ساقها، وخرجت بنت غنم عنيزة وأمرت ابنتها، وكانت من أحسن ~~الناس، فأسفرت لقدار ثم ذمرته، فشد على الناقة بالسيف فكشفت ~~عرقوبها فخرت ورغت رغاة واحدة تحذر سقبها، ثم طعن في لبتها ~~فنحرها، وخرج أهل البلد واقتسموا لحمها وطبخوه، فلما رأى سقبها ذلك ~~انطلق حتى أتى جبلا منيفا يقال له صنو، وقيل: اسمه قارة، وأتى صالح ~~فقيل له: أدرك الناقة فقد عقرت، فأقبل وخرجوا يتلقونه ويعتذرون إليه: ~~يا نبي الله إنما عقرها فلان ولا ذنب لنا، فقال صالح: انظروا هل تذكرون ~~فصيلها، فإن أدركتموه فعسى أن يرفع الله عنكم العذاب، فخرجوا يطلبونه، ~~فلما رأوه على الجبل ذهبوا ليأخذوه، فأوحى الله إلى الجبل فتطاول في ~~السماء حتى ما تناله الطير. # وجاء صالح فلما رآه الفصيل بكى حتى سالت دموعه، ثم رغا ثلاثا، وانفجرت ~~الصخرة فدخلها. فقال صالح لكل رغوة أجل يوم فتمتعوا في داركم ثلاثة أيام ~~ذلك وعد غير مكذوب. # وقال ابن إسحاق: اتبع السقب أربعة نفر من التسعة الذين عقروا الناقة، ~~وفيهم مصدع بن مهرج وأخوه ذؤاب بن مهرج، فرماه مصدع بسهم فانتظم في قلبه، ~~ثم جره برجله فأنزله، وألقى لحمه مع لحم أمه، فقال لهم صالح: انتهكتم ~~حرمة الله فأبشروا بعذاب الله ونقمته، فقالوا وهم يهزؤون به: ومتى ذلك يا ~~صالح؟ وما آية ذلك؟ وكانوا يسمون الأيام فيهم: الأحد أول، والاثنين أهون، ~~والثلاثاء دبار، والأربعاء جبار والخميس مؤنس والجمعة العروبة، والسبت ~~شيار، وكانوا عقروا الناقة يوم الأربعاء، فقال لهم صالح حين قالوا ذلك: ~~تصبحون غداة يوم مؤنس ووجوهكم مصفرة، ثم تصبحون يوم العروبة ووجوهكم ~~محمرة، ms0855 ثم تصبحون يوم شبار ووجوهكم مسودة، ثم يصبحكم العذاب يوم ~~أول. # فلما قال لهم صالح قال التسعة الذين عقروا الناقة: هلم فلنقتل صالحا ~~فإن كان صادقا عجلناه قبلنا، وإن كان كاذبا قد كنا ألحقناه بناقته، ~~فأتوه ليلا ليبيتوه في أهله، فدمغتهم الملائكة بالحجارة، فلما أبطؤوا ~~على أصحابهم أتوا منزل صالح فوجدوهم قد رضخوا بالحجارة، فقالوا لصالح: ~~أنت قتلتهم، ثم هموا به فقامت عشيرته دونه ولبسوا السلاح، وقالوا لهم: ~~والله لا تقتلونه أبدا فقد وعدكم أن العذاب نازل بكم بعد ثلاث، فإن كان ~~صادقا لم تزيدوا ربكم عليكم إلا غضبا وأن كان كاذبا فأنتم من وراء ما ~~تريدون، فانصرفوا عنهم ليلتهم فأصبحوا يوم الخميس ووجوههم مصفرة كأنما ~~طليت بالخلوق، صغيرهم وكبيرهم، ذكرهم وأنثاهم، فأيقنوا بالعذاب وعرفوا ~~أن صالحا قد صدقهم، فطلبوه ليقتلوه، وخرج صالح هاربا منهم حتى لجأ إلى ~~بطن من ثمود يقال لهم بني غنم، فنزل على سيدهم، رجل يقال له نفيل ~~ويكنى بأبي هدب، وهو مشرك فغيبه، عنهم ولم يقدروا عليه، فغدوا على ~~أصحاب صالح يعذبونهم ليدلوهم عليه، فقال رجل من أصحاب صالح يقال له ~~مبدع بن هرم: يا نبي الله إنهم ليعذبوننا لنهديهم عليك، أفندلهم؟ ~~قال: نعم، فدلهم عليه، وأتوا أبا هدب فكلموه في ذلك، فقال: نعم عندي ~~صالح وليس لكم عليه سبيل، فأعرضوا عنه وتركوه وشغلهم عنه ما أنزل الله ~~بهم من عذابه، فجعل بعضهم يخبر بعضا بما يرون في وجوههم فلما أمسوا ~~صاحوا بأجمعهم ألا قد مضى يوم من الأجل، فلما أصبحوا اليوم الثاني إذا ~~وجوههم محمرة كأنما خضبت بالدماء فصاحوا وضجوا وبكوا، وعرفوا أنه العذاب، ~~فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم: ألا قد مضى يومان من الأجل وحضركم العذاب، ~~فلما أصبحوا اليوم الثالث إذا وجوههم مسودة كأنما طليت بالقار، فصاحوا ~~جميعا ألا قد حضركم العذاب. # فلما كان ليلة الأحد خرج صالح من بين أظهرهم ومن أسلم معه إلى الشام، ~~فنزل رملة فلسطين، فلما أصبح القوم تكفنوا وتحنطوا وألقوا أنفسهم بالأرض ~~يقلبون أبصارهم إلى السماء مرة وإلى الأرض ms0856 مرة، لا يدرون من أين ~~يأتيهم العذاب، فلما اشتد الضحى من يوم الأحد أتتهم صيحة من السماء فيها ~~صوت كل صاعقة، وصوت كل شيء له صوت في الأرض، فقطعت قلوبهم في صدورهم، فلم ~~يبق منهم صغير ولا كبير إلا هلك؛ كما قال الله تعالى: " فأصبحوا في ~~دارهم جاثمين " ، إلا جارية مقعدة يقال لها ذريعة بنت سالف، وكانت ~~كافرة شديدة العداوة لصالح فأطلق الله رجليها بعدما عاينت العذاب، فخرجت ~~كأسرع ما يرى شيء قط حتى أتت قزح، وهو واد القرى، فأخبرتهم بما عاينته ~~من العذاب وما أصاب ثمود، ثم استقت من الماء فسقيت فلما شربت ماتت. # وذكر السدي في عقر الناقة وجها آخر قال: فأوحى الله تعالى إلى صالح ~~عليه السلام أن قومك سيعقرون ناقتك، فقال لهم ذلك قالوا: ما كنا لنفعل، ~~فقال صالح: إنه يولد في شهركم هذا غلام يعقرها فيكون هلاككم على يديه، ~~فقالوا: لا يولد لنا ولد في هذا الشهر إلا قتلناه، قال: فولد لتسعة منهم ~~في ذلك الشهر فذبحوا أبناءهم ثم ولد للعاشر فأبى أن يذبح ابنه، وكان لم ~~يولد له قبل ذلك، وكان ابنه أزرق أحمر فنبت نباتا سريعا وكان إذا مر ~~بالتسعة ورأوه قالوا: لو كان أبناؤنا أحياء لكانوا مثل هذا، فغضب التسعة ~~على صالح لأنه كان سبب قتل أولادهم، فتقاسموا بالله لنبيتنه ~~وأهله، قالوا: نخرج ليرى الناس أنا قد خرجنا إلى سفر فنأتي الغار فنكون ~~فيه، حتى إذا كان الليل وخرج صالح إلى مسجده أتيناه فقتلناه، ثم رجعنا ~~إلى الغار فكنا فيه ثم انصرفنا إلى رحلنا فقلنا: ما شهدنا مهلك أهله ~~وإنا لصادقون، فيصدقوننا، ويظنون أنا قد خرجنا إلى سفر. وكان صالح لا ~~ينام معهم في القرية، وكان يبيت في مسجد يقال له: مسجد صالح، فإذا أصبح ~~أتاهم فوعظهم وذكرهم وإذا أمسى خرج إلى المسجد فبات فيه فانطلقوا فدخلوا ~~الغار، فسقط عليهم الغار فقتلهم، فانطلق رجال ممن قد اطلع على ذلك منهم ~~فإذا هم رضخ، فرجعوا يصيحون في القرية: أي عباد الله ما رضي ms0857 صالح أن ~~أمرهم بقتل أولادهم حتى قتلهم، فاجتمع أهل القرية على عقر الناقة. # وقال ابن إسحاق: كان تقاسم التسعة على تبييت صالح بعد عقرهم الناقة كما ~~ذكرنا. # قال السدي وغيره: فلما ولد ابن العاشر، يعني: قذار، شب في اليوم شباب ~~غيره في الجمعة، وشب في شهر شباب غيره في السنة، فلما كبر جلس مع أناس ~~يصيبون من الشراب، فأرادوا ماء يمزجون به شرابهم، وكان ذلك اليوم شرب ~~الناقة فوجدوا الماء قد شربته الناقة، فاشتد ذلك عليهم وقالوا: ما نصنع ~~نحن باللبن؟ لو كنا نأخذ هذا الماء الذي تشربه هذه الناقة فنسقيه ~~أنعامنا وحروثنا كان خيرا لنا، فقال ابن العاشر: هل لكم في أن أعقرها ~~لكم؟ قالوا: نعم، فعقروها. # أخبرنا عبدالواحد المليحي أنبأنا أحمد بن عبدالله النعيمي أنبأنا محمد ~~بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ثنا محمد بن مسكين ثنا يحيى بن حسان بن حيان ~~أبو زكريا ثنا سليمان عن عبدالله بن دينار عن ابن عمر: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لما نزل الحجر، في غزوة تبوك أمرهم أن لا يشربوا من ~~بئرها ولا يستقوا منها، فقالوا: قد عجنا منها واستقينا، فأمرهم ~~أن يطرحوا ذلك العجين ويهريقوا ذلك الماء. وقال نافع عن ابن عمر: فأمرهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهريقوا ما استقوا من آبارها وأن يعلفوا ~~الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة. # وروى أبو الزبير عن جابر قال: # " لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر في غزوة تبوك قال ~~لأصحابه: لا يدخلن أحد منكم القرية ولا تشربوا من مائهم ولا تدخلوا على ~~هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل ما أصابهم، ثم قال: ~~أما بعد فلا تسألوا رسولكم الآيات، هؤلاء قوم صالح سألوا رسولهم، فبعث ~~الله الناقة فكانت ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج وتشرب ماءهم يوم ~~ورودها، وأراهم مرتقى الفصيل من القارة، فعتوا عن أمر ربهم وعقروها، ~~فأهلك الله من تحت أديم السماء منهم ms0858 في مشارق الأرض ومغاربها إلا ~~رجلا واحدا يقال له أبو رغال، وهو أبو ثقيف كان في حرم الله فمنعه ~~حرم الله من عذاب الله، فلما خرج أصابه ما أصاب قومه فدفن ودفن معه ~~غصن من ذهب " # ، وأراهم قبر أبي رغال، فنزل القوم فابتدروه بأسيافهم وحفروا عنه ~~واستخرجوا ذلك الغصن. # وكانت الفرقة المؤمنة من قوم صالح أربعة آلاف فخرج بهم صالح إلى حضرموت، ~~فلما دخلوها مات صالح فسمى حضرموت ثم بنى الأربعة آلاف مدينة، يقال لها ~~حاصوراء، قال قوم من أهل العلم: توفي صالح وهو ابن ثمان وخمسين سنة، ~~وأقام في قومه عشرين سنة. ### || [7.80-81] # قوله تعالى: { ولوطا } أي: وأرسلنا لوطا، وقيل: معناه واذكر لوطا. ~~وهو لوط بن هاران بن تارخ بن أخي إبراهيم، { إذ قال لقومه } ، ~~وهم أهل سدوم وذلك أن لوطا شخص من أرض بابل [سافر] مع عمه إبراهيم عليه ~~السلام مؤمنا به مهاجرا معه إلى الشام، فنزل إبراهيم فلسطين وأنزل ~~لوطا الأردن، فأرسله الله عز وجل إلى أهل سدوم فقال لهم، { ~~أتأتون الفحشة } ، يعني: إتيان الذكران، { ما سبقكم ~~بها من أحد من العلمين } ، قال عمرو بن دينار: ما يرى ~~ذكر على ذكر في الدنيا حتى كان من قوم لوط. # { إنكم } ، قرأ أهل المدينة وحفص (إنكم) بكسر الألف على الخبر، وقرأ ~~الآخرون على الاستئناف، { لتأتون الرجال } ، في أدبارهم، { ~~شهوة من دون النسآء } ، فسر تلك الفاحشة يعني أدبار الرجال ~~أشهى إليكم من فروج النساء، { بل أنتم قوم مسرفون } ، ~~مجاوزون الحلال إلى الحرام. # قال محمد بن إسحاق: كانت لهم ثمار وقرى لم يكن في الأرض مثلها فقصدهم ~~الناس فآذوهم، فعرض لهم إبليس في صورة شيخ، فقال: إن فعلتم بهم كذا ~~نجوتم، فأبوا فلما ألح عليهم قصدوهم فأصابوهم غلمانا صباحا، ~~فأخذوهم وقهروهم على أنفسهم فأخبثوا بهم، واستحكم ذلك فيهم. قال الحسن: ~~كانوا لا ينكحون إلا الغرباء. # وقال الكلبي: إن أول من عمل عمل قوم لوط إبليس، لأن بلادهم أخصبت ~~فانتجعها أهل البلدان، فتمثل لهم إبليس في صورة شاب، ثم دعا إلى دبره ms0859 ~~فنكح في دبره، فأمر الله تعالى السماء أن تحصبهم والأرض أن تخسف بهم. ### || [7.82-85] # قوله عز وجل: { وما كان جواب قومه إلا أن قالوا } ~~، قال بعضهم لبعض، { أخرجوهم } ، يعني: لوطا وأهل دينه، { من ~~قريتكم إنهم أناس يتطهرون } ، يتنزهون عن أدبار ~~الرجال. # { فأنجينه } ، يعني: لوطا، { وأهله } المؤمنين، وقيل: ~~أهله ابنتاه، { إلا امرأته كانت من الغبرين } ، ~~يعني: الباقين في العذاب. وقيل: معناه كانت من الباقين المعمرين، قد ~~أتى عليها دهر طويل فهلكت مع من هلك من قوم لوط، وإنما قال: " من ~~الغابرين " ، لأنه أراد ممن بقي من الرجال فلما ضم ذكرها إلى ذكر ~~الرجال قال: " من الغابرين ". # { وأمطرنا عليهم مطرا } ، يعني: حجارة من سجيل، قال وهب: ~~الكبريت والنار، { فانظر كيف كان عقبة المجرمين } ، ~~قال أبو عبيدة: يقال في العذاب أمطر، وفي الرحمة: مطر. # قوله تعالى: { وإلى مدين أخاهم شعيبا } ، أي: وأرسلنا ~~إلى ولد مدين - وهو مدين بن إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام - وهم أصحاب ~~الأيكة أخاهم شعيبا في النسب لا في الدين. قال عطاء: هو شعيب بن توبة بن ~~مدين بن إبراهيم. وقال ابن إسحاق: هو شعيب بن ميكائيل بن يسخر بن مدين بن ~~إبراهيم، وأم ميكائيل بنت لوط. وقيل: هو شعيب بن يثرون بن مدين وكان شعيب ~~أعمى وكان يقال له خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه، وكان قومه أهل كفر ~~وبخس للمكيال والميزان. # { قال يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله ~~غيره قد جآءتكم بينة من ربكم } ، فإن قيل: ما ~~معنى قوله تعالى: " قد جاءتكم بينة من ربكم " ، ولم تكن لهم آية؟ # قيل: قد كانت لهم آية إلا أنها لم تذكر، وليست كل الآيات مذكورة في ~~القرآن. # وقيل: أراد بالبينة مجيء شعيب. # { فأوفوا الكيل } ، أتموا الكيل، { والميزان ولا ~~تبخسوا الناس أشيآءهم } ، لا تظلموا الناس حقوقهم ولا ~~تنقصوها إياها، { ولا تفسدوا فى الأرض بعد إصلحها } ~~، أي: ببعث الرسل والأمر بالعدل، وكل نبي بعث إلى قوم فهو صلاحهم، { ~~ذلكم } الذي ذكرت لكم وأمرتكم به، { خير لكم إن كنتم ~~مؤمنين } ، مصدقين بما أقول. ### || [7.86] ms0860 # { ولا تقعدوا بكل صرط } أي: على كل طريق، { توعدون } ~~، تهددون، { وتصدون عن سبيل الله } ، دين الله، { من ~~ءامن به وتبغونها عوجا } ، زيغا، وقيل: تطلبون الإعوجاج ~~في الدين والعدول عن القصد، وذلك أنهم كانوا يجلسون على الطريق فيقولون ~~لمن يريد الإيمان بشعيب، إن شعيب كذاب فلا يفتننك عن دينك ويتوعدون ~~المؤمنين بالقتل ويخوفونهم. وقال السدي: كانوا عشارين. { واذكروا ~~إذ كنتم قليلا فكثركم } ، فكثر عددكم، { وانظروا ~~كيف كان عقبة المفسدين } ، أي: آخر أمر قوم لوط. ### || [7.87-89] # { وإن كان طآئفة منكم ءامنوا بالذى أرسلت به ~~وطآئفة لم يؤمنوا } ، أي: إن اختلفتم في رسالتي فصرتم ~~فرقتين مكذبين ومصدقين، { فاصبروا حتى يحكم الله ~~بيننا } ، بتعذيب المكذبين وإنجاء المصدقين، { وهو خير ~~الحكمين }. # { قال الملأ الذين استكبروا من قومه } ، يعني: ~~الرؤساء الذين تعظموا عن الإيمان به، { لنخرجنك يشعيب ~~والذين ءامنوا معك من قريتنآ أو لتعودن في ~~ملتنا } ، لترجعن إلى ديننا الذي نحن عليه، { قال } شعيب { أولو ~~كنا كرهين } ، يعني: لو كنا، أي: وإن كنا كارهين لذلك فتجبروننا ~~عليه؟ # { قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ~~ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنآ ~~أن نعود فيهآ } ، بعد إذ أنقذنا الله منها، { إلآ أن يشآء ~~الله ربنا } ، يقول إلا أن يكون قد سبق لنا في علم الله ومشيئته ~~أنا نعود فيها فحينئذ يمضي قضاء الله فينا وينفذ حكمه علينا. # فإن قيل: ما معنى قوله: " أو لتعودن في ملتنا " ، " وما يكون لنا ~~أن نعود فيها " ، ولم يكن شعيب قط على ملتهم حتى يصح قولهم ترجع إلى ~~ملتنا؟ # قيل: معناه أو لتدخلن في ملتنا، فقال: وما كان لنا أن ندخل فيها. # وقيل: معناه إن صرنا في ملتكم. ومعنى عاد: صار. # وقيل: أراد به قوم شعيب لأنهم كانوا كفارا فآمنوا فأجاب شعيب عنهم. # قوله تعالى: { وسع ربنا كل شيء علما } ، أحاط علمه بكل ~~شيء، { على الله توكلنا } ، فيما توعدوننا به، ثم دعا شعيب ~~بعد ما أيس من فلاحهم، فقال: { ربنا افتح بيننا وبين ~~قومنا } ، أي: اقض بيننا، { بالحق } ، والفتاح: ms0861 القاضي، { ~~وأنت خير الفتحين } ، أي: الحاكمين. ### || [7.90-92] # { وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن ~~اتبعتم شعيبا } ، وتركتم دينكم، { إنكم إذا ~~لخسرون } ، مغبونون، وقال عطاء: جاهلون. قال الضحاك: عجزة. # { فأخذتهم الرجفة } ، قال الكلبي: الزلزلة، وقال ابن عباس ~~رضي الله عنهما وغيره: فتح الله عليهم بابا من جهنم، فأرسل عليهم حرا ~~شديدا، فأخذ بأنفاسهم ولم ينفعهم ظل ولا ماء، فكانوا يدخلون الأسراب ~~ليتبردوا فيها، فإذا دخلوها وجدوها أشد حرا من الظاهر، فخرجوا هربا ~~إلى البرية فبعث الله سحابة فيها ريح طيبة فأظلتهم، وهي الظلة، فوجدوا ~~لها بردا ونسيما فنادى بعضهم بعضا حتى اجتمعوا تحت السحابة، رجالهم ~~ونساؤهم وصبيانهم، ألهبها الله عليهم نارا، ورجفت بهم الأرض ~~فاحترقوا كما يحترق الجراد المقلي، وصاروا رمادا. # وروي أن الله تعالى حبس عنهم الريح سبعة أيام ثم سلط عليهم الحر. ~~قال يزيد الجريري: سلط الله عليهم الحر سبعة أيام ثم رفع لهم جبل من ~~بعيد، فأتاه رجل فإذا تحته أنهار وعيون، فاجتمعوا تحته كلهم فوقع ذلك ~~الجبل عليهم، فذلك قوله: # عذاب يوم الظلة # [الشعراء: 189]، قال قتادة: بعث الله شعيبا إلى أصحاب الأيكة وأصحاب ~~مدين، أما أصحاب الأيكة فأهلكوا بالظلة، وأما أصحاب مدين فأخذتهم ~~الصيحة، صاح بهم جبريل عليه السلام صيحة فهلكوا جميعا. قال أبو عبدالله ~~البجلي: كان أبو جاد وهوز وحطى وكلمن وسعفص وقرشت ملوك مدين، وكان ملكهم ~~في زمن شعيب عليه السلام يوم الظلة كلمن، فلما هلك قامت ابنته تبكيه: # كلمن قد هد ركني # هلكه وسط المحله # سيد القوم أتاه # الحتف نارا تحت ظله # جعلت نارا عليهم # دارهم كالمضمحله # وقوله تعالى: { الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا ~~فيها } ، أي: ولم يقيموا لم ينزلوا فيها، من قولهم: غنيت بالمكان إذا ~~قمت به، والمغاني المنازل واحدها مغنى، وقيل: كأن لم يتنعموا فيها. { ~~الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخسرين } ، لا ~~المؤمنين كما زعموا. ### || [7.93-95] # { فتولى } ، أعرض { عنهم } شعيب شاخصا من بين أظهرهم حين ~~أتاهم العذاب، { وقال يقوم لقد أبلغتكم رسلت ~~ربى ونصحت لكم فكيف ءاسى } ، أحزن، { على قوم ~~كفرين ms0862 } ، والأسى: الحزن، والأسى: الصبر. # قوله تعالى: { ومآ أرسلنا فى قرية من نبى } ، فيه ~~إضمار، يعني: فكذبوه، { إلآ أخذنآ } ، عاقبنا { أهلها } ، حين ~~لم يؤمنوا، { بالبأسآء والضرآء } ، قال ابن مسعود: البأساء: ~~الفقر، والضراء: المرض، وهذا معنى قول من قال البأساء في المال، والضراء ~~في النفس. وقيل: البأساء البؤس وضيق العيش، والضراء الضر وسوء الحال. ~~وقيل: البأساء في الحرب والضراء: في الجدب، { لعلهم يضرعون ~~} ، لكي يتضرعوا فيتوبوا. # { ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة } ، يعني مكان ~~البأساء والضراء الحسنة, يعني: النعمة والسعة والخصب والصحة، { حتى ~~عفوا } ، أي: كثروا وازدادوا، أو كثرت أموالهم، يقال: عفا الشعر إذا ~~كثر. قال مجاهد: كثرت أموالهم وأولادهم، { وقالوا } ، من غرتهم ~~وغفلتهم بعد ما صاروا إلى الرخاء، { قد مس ءابآءنا الضرآء ~~والسرآء } ، أي: هكذا كانت عادة الدهر قديما لنا ولآبائنا، ولم ~~يكن ما مسنا من الضراء عقوبة من الله، فكونوا على ما أنتم عليه كما كان ~~آباؤكم فإنهم لم يتركوا دينهم لما أصابهم من الضراء، قال الله تعالى: { ~~فأخذنهم بغتة } ، فجأة آمن ما كانوا { وهم لا ~~يشعرون } ، بنزول العذاب. ### || [7.96-100] # { ولو أن أهل القرى ءامنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركت من السمآء والأرض } ، يعني: المطر من ~~السماء والنبات من الأرض. وأصل البركة: المواظبة على الشيء، أي: تابعنا ~~عليهم المطر والنبات ورفعنا عنهم القحط والجدب، { ولكن كذبوا ~~فأخذنهم بما كانوا يكسبون } ، من الأعمال الخبيثة. # { أفأمن أهل القرى } ، الذين كفروا وكذبوا، يعني: أهل مكة ~~وما حولها، { أن يأتيهم بأسنا } ، عذابنا، { بيتا } ، ~~ليلا، { وهم نآئمون }. # { أو أمن } قرأ أهل الحجاز والشام: " أو أمن " بسكون الواو، ~~والباقون بفتحها، { أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى } ~~، أي: نهارا، والضحى: صدر النهار، وقت انبساط الشمس، { وهم ~~يلعبون } ، ساهون لاهون. # { أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا ~~القوم الخسرون } ، ومكر الله استدراجه إياهم بما أنعم عليهم ~~في دنياهم. وقال عطية: يعني أخذه وعذابه. # { أولم يهد } ، قرأ قتادة ويعقوب: " نهد " بالنون على التعظيم، ~~والباقون بالياء على التفريد، يعني: أو لم نبين، { للذين يرثون ~~الأرض من بعد } ، هلاك { أهلها } ، الذين كانوا ms0863 فيها قبلهم، { ~~أن لو نشآء أصبنهم } ، أخذناهم وعاقبناهم، { بذنوبهم ~~} كما عاقبنا من قبلهم، { ونطبع } ، نختم، { على قلوبهم ~~فهم لا يسمعون } ، الإيمان ولا يقبلون الموعظة، قال الزجاج: ~~قوله { ونطبع على قلوبهم } منقطع عما قبله لأن قوله: { ~~أصبنهم } ماض و { ونطبع } مستقبل. ### || [7.101-102] # { تلك القرى } ، أي: هذه القرى التي ذكرت لك أمرها وأمر أهلها، ~~يعني: قرى يوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وشعيب. { نقص عليك من ~~أنبآئها } ، أخبارها لما فيها من الاعتبار، { ولقد جآءتهم ~~رسلهم بالبينت } ، بالآيات والمعجزات والعجائب، { فما ~~كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل } ، أي: فما كانوا ~~ليؤمنوا بعد رؤية المعجزات والعجائب بما كذبوا من قبل رؤيتهم تلك ~~العجائب، نظيره قوله عز وجل: # قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها ~~كافرين # [المائدة: 102]. # قال ابن عباس والسدي: يعني فما كان هؤلاء الكفار الذين أهلكناهم ليؤمنوا ~~عند إرسال الرسل بما كذبوا من قبل يوم أخذ ميثاقهم حين أخرجهم من ظهر ~~آدم، فأقروا باللسان وأضمروا التكذيب. وقال مجاهد: معناه فما كانوا لو ~~أحييناهم بعد إهلاكهم ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل هلاكهم؛ كقوله عز ~~وجل: # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه # [الأنعام: 28]. # قال يمان بن رباب: هذا على معنى أن كل نبي أنذر قومه بالعذاب فكذبوه، ~~يقول: ما كانوا ليؤمنوا بما كذب به أوائلهم من الأمم الخالية، بل كذبوا ~~بما كذب أوائلهم، نظيره قوله عز وجل: # كذلك مآ أتى الذين من قبلهم من رسول إلا ~~قالوا ساحر أو مجنون # [الذاريات: 52]. { كذلك يطبع الله على قلوب ~~الكفرين } ، أي: كما طبع الله على قلوب الأمم الخالية التي ~~أهلكهم، كذلك يطبع الله على قلوب الكفار الذين كتب عليهم أن لا يؤمنوا ~~من قومك. # { وما وجدنا لأكثرهم من عهد } أي: وفاء بالعهد الذي ~~عاهدهم يوم الميثاق، حين أخرجهم من صلب آدم، { وإن وجدنآ ~~أكثرهم لفسقين } ، أي: ما وجدنا أكثرهم إلا فاسقين ناقضين ~~للعهد. ### || [7.103-107] # قوله تعالى: { ثم بعثنا من بعدهم } ، أي: من بعد نوح وهود ~~وصالح وشعيب، { موسى بآيتنآ } ، بأدلتنا، { إلى ~~فرعون وملإيه فظلموا بها } ، فجحدوا ms0864 بها. والظلم: وضع ~~الشيء في غير موضعه، فظلمهم وضع الكفر موضع الإيمان، { فانظر كيف ~~كان عقبة المفسدين } ، وكيف فعلنا بهم. # { وقال موسى } ، لما دخل على فرعون، { يفرعون إنى ~~رسول من رب العلمين } إليك، فقال فرعون: كذبت، فقال ~~موسى: # { حقيق على أن لآ أقول على الله إلا الحق } ، أي: ~~أنا خليق بأن لا أقول على الله إلا الحق، فتكون { على } بمعنى الباء ~~كما تقول: رميت بالقوس ورميت على القوس، وجئت على حال حسنة وبحال حسنة، ~~يدل عليه قراءة أبي والأعمش «حقيق بأن لا أقول على الله إلا الحق»، ~~وقال أبو عبيدة: معناه حريص على أن لا أقول على الله إلا الحق، وقرأ ~~نافع (علي) بتشديد الياء أي حق واجب علي أن لا أقول على الله إلا ~~الحق. { قد جئتكم ببينة من ربكم } ، يعني العصا، { ~~فأرسل معى بنى إسرءيل } ، أي: أطلق عنهم وخلهم يرجعون ~~إلى الأرض المقدسة، وكان فرعون قد استخدمهم في الأعمال الشاقة من ضرب ~~اللبن ونقل التراب ونحوهما، فقال فرعون مجيبا لموسى: # { قال إن كنت جئت بآية فأت بهآ إن كنت من ~~الصدقين }. # { فألقى } موسى { عصاه } من يده { فإذا هى ثعبان ~~مبين } ، والثعبان: الذكر العظيم من الحيات، فإن قيل: أليس قد قال في ~~موضع آخر # كأنها جآن # [النمل: 10]، والجان الحية الصغيرة؟ قيل: إنها كانت كالجان في الحركة ~~والخفة، وهي في جثتها حية عظيمة. # قال ابن عباس والسدي: إنه لما ألقى العصا صارت حية عظيمة صفراء شعراء ~~فاغرة فاها بين لحييها ثمانون ذراعا ارتفعت من الأرض بقدر ميل، وقامت ~~له على ذنبها واضعة لحيها الأسفل في الأرض والأعلى على سور القصر، ~~وتوجهت نحو فرعون لتأخذه، وروي أنها أخذت قبة فرعون بين نابيها فوثب ~~فرعون من سريره هاربا وأحدث. # وقيل: أخذه البطن في ذلك اليوم أربعمائة مرة، وحملت على الناس فانهزموا ~~وصاحوا ومات منهم خمسة وعشرون ألفا وقتل بعضهم بعضا ودخل فرعون البيت ~~وصاح: يا موسى أنشدك بالذي أرسلك خذها وأنا أؤمن بك وأرسل معك بني ~~إسرائيل، فأخذها موسى فعادت عصا كما ms0865 كانت ثم قال فرعون: هل معك آية ~~أخرى؟ قال: نعم. ### || [7.108-112] # { ونزع يده فإذا هي بيضآء للناظرين } ، فأدخل يده في ~~جيبه ثم نزعها، وقيل: أخرجها من تحت إبطه فإذا هي بيضاء لها شعاع غلب نور ~~الشمس، وكان موسى آدم، ثم أدخلها جيبه فصارت كما كانت. # { قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لسحر ~~عليم } يعنون أنه ليأخذ بأعين الناس حتى يخيل إليهم العصا حية والآدم ~~أبيض، ويري أن الشيء بخلاف ما هو به. # { يريد أن يخرجكم } ، يا معشر القبط، { من أرضكم } ، ~~مصر، { فماذا تأمرون } ، أي: تشيرون إليه، هذا يقوله فرعون وإن ~~لم يذكره، وقيل: من قول الملأ لفرعون وخاصته. # { قالوا } ، يعني الملأ، { أرجه } ، قرأ ابن كثير وأهل البصرة ~~وابن عامر بالهمزة وضم الهاء، وقرأ الآخرون بلا همز، ثم نافع برواية ورش ~~والكسائي يشبعان الهاء كسرا، ويسكنها عاصم وحمزة، ويختلسها أبو جعفر ~~وقالون. # قال عطاء: معناه أخره. وقيل: احبسه. { وأخاه } ، معناه أشاروا عليه ~~بتأخير أمره وترك التعرض إليه بالقتل، { وأرسل فى المدآئن ~~حشرين } ، يعني: الشرط في المدائن، وهي مدائن الصعيد من نواحي ~~مصر، قالوا: أرسل إلى هذه المدائن رجالا يحشرون إليك من فيها من السحرة، ~~وكان رؤوس السحرة بأقصى مدائن الصعيد، فإن غلبهم موسى صدقناه وإن غلبوا ~~علمنا أنه ساحر. # فذلك قوله: { يأتوك بكل سحر عليم } قرأ حمزة والكسائي: ~~" سحار " هاهنا وفي سورة يونس، ولم يختلفوا في الشعراء أنه " سحار ". # قيل: الساحر: الذي يعلم السحر ولا يعلم، والسحار: الذي يعلم ~~وقيل: الساحر من يكون سحره في وقت دون وقت، والسحار من يديم السحر. # قال ابن عباس وابن إسحاق والسدي: قال فرعون لما رأى من سلطان الله في ~~العصا ما رأى: إنا لا نغالب إلا بمن هو منه، فاتخذ غلمانا من بني ~~إسرائيل فبعث بهم إلى قرية يقال لها الفرحاء يعلمونهم السحر، فعلموهم ~~سحرا كثيرا، وواعد فرعون موسى موعدا فبعث إلى السحرة فجاؤوا ومعلمهم ~~معهم، فقال له: ماذا صنعتم؟ قال: قد علمتهم سحرا لا يطيقه سحرة أهل ~~الأرض إلا أن يكون أمرا ms0866 من السماء، فإنه لا طاقة لهم به، ثم بعث فرعون ~~في مملكته فلم يترك في سلطانه ساحرا إلا أتى به. # واختلفوا في عددهم، فقال مقاتل: كانوا اثنين وسبعين، إثنان من القبط، ~~وهم رأسا القوم وسبعون من بني إسرائيل. # وقال الكلبي: كان الذين يعلمونهم رجلين مجوسيين من أهل نينوى، وكانوا ~~سبعين غير رئيسهم. # وقال كعب: كانوا اثني عشر ألفا. وقال السدي: كانوا بضعة وثلاثين ألفا. # وقال عكرمة: كانوا سبعين ألفا. وقال محمد بن المنكدر: كانوا ثمانين ~~ألفا. وقال مقاتل: كان رئيس السحرة شمعون. وقال ابن جريج: كان رئيس ~~السحرة يوحنا. ### || [7.113-117] # { وجآء السحرة فرعون } واجتمعوا، { قالوا } لفرعون { ~~إن لنا لأجرا } ، أي: جعلا ومالا { إن كنا نحن ~~الغلبين } ، قرأ أهل الحجاز وحفص: " ان لنا " على الخبر، وقرأ ~~الباقون بالاستفهام، ولم يختلفوا في الشعراء أنه مستفهم. # { قال } فرعون: { نعم وإنكم لمن المقربين } ، في ~~المنزلة الرفيعة عندي مع الأجر، قال الكلبي: يعني أول من يدخل وآخر من ~~يخرج. # { قالوا } يعني السحرة، { يموسى إمآ أن تلقى } عصاك، { ~~وإمآ أن نكون نحن الملقين } ، لعصينا وحبالنا. # { قال } موسى بل { ألقوا } أنتم، { فلمآ ألقوا ~~سحروا أعين الناس } ، أي: صرفوا أعينهم عن إدراك حقيقة ما ~~فعلوه من التمويه التخييل، وهذا هو السحر، { واسترهبوهم } ، أي: ~~أرهبوهم وأفزعوهم، { وجآءوا بسحر عظيم } ، وذلك أنهم ألقوا ~~حبالا غلاظا وخشبا طوالا فإذا هي حيات كأمثال الجبال قد ملأت الوادي ~~يركب بعضها بعضا. وفي القصة أن الأرض كانت ميلا في ميل صارت حيات ~~وأفاعي في أعين الناس. # { وأوحينآ إلى موسى أن ألق عصاك } ، فألقاها فصارت ~~حية عظيمة حتى سدت الأفق. قال ابن زيد: كان اجتماعهم بالإسكندرية. ويقال: ~~بلغ ذنب الحية من وراء البحر ثم فتحت فاها ثمانين ذراعا، { فإذا هى ~~تلقف } ، قرأ حفص " تلقف " ساكنة اللام، خفيفة، حيث وقع، وقرأ ~~الآخرون: بفتح اللام وتشديد القاف، أي: تبتلع، { ما يأفكون } ، ~~يكذبون من التخاييل، وقيل: يزورون على الناس. فكانت تلتقم حبالهم ~~وعصيهم واحدا واحدا حتى ابتلعت الكل وقصدت القوم الذين حضروا فوقع ~~الزحام عليهم فهلك منهم في ms0867 الزحام خمسة وعشرون ألفا، ثم أخذها موسى ~~فصارت عصا كما كانت. ### || [7.118-124] # { فوقع الحق } قال الحسن ومجاهد: ظهر الحق، { وبطل ما ~~كانوا يعملون } من السحر، وذلك أن السحرة قالوا: لو كان ما يصنع ~~موسى سحرا لبقيت حبالنا وعصينا، فلما فقدت علموا أن ذلك من أمر الله. # { فغلبوا هنالك وانقلبوا صغرين } ، ذليلين مقهورين. # { وألقى السحرة سجدين } لله تعالى. قال مقاتل: ألقاهم ~~الله. وقيل: ألهمهم الله أن يسجدوا فسجدوا. قال الأخفش: من سرعة ما سجدوا ~~كأنهم ألقوا. # { قالوا ءامنا برب العلمين } ، فقال فرعون: إياي ~~تعنون فقالوا: { رب موسى وهرون } ، قال مقاتل: قال موسى ~~لكبير السحرة: تؤمن بي إن غلبتك؟ فقال: لآتين بسحر لا يغلبه سحر، ولئن ~~غلبتني لأؤمنن بك، وفرعون ينظر. # { قال } لهم { فرعون } حين آمنوا: { ءامنتم به } ، قرأ حفص ~~" آمنتم " على الخبر هاهنا وفي طه والشعراء، وقرأ الآخرون بالاستفهام ~~أآمنتم به، { قبل أن ءاذن لكم } ، أصدقتم موسى من غير أمري ~~إياكم، { إن هذا لمكر مكرتموه } ، أي: صنيع صنعتموه ~~أنتم وموسى: { فى المدينة } في مصر قبل خروجكم إلى هذا الموضع ~~لتستولوا على مصر، { لتخرجوا منهآ أهلها فسوف ~~تعلمون } ، ما أفعل بكم. # { لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف } ، وهو أن ~~يقطع من كل شق طرفا. قال الكلبي: لأقطعن أيديكم اليمنى وأرجلكم اليسرى، ~~{ ثم لاصلبنكم أجمعين } ، على شاطىء نهر مصر. ### || [7.125-127] # { قالوا } ، يعني السحرة لفرعون: { إنآ إلى ربنا ~~منقلبون } ، راجعون في الآخرة. # { وما تنقم منآ } ، أي: ما تكره منا. وقال الضحاك وغيره: وما ~~تطعن علينا. وقال عطاء: مالنا عندك من ذنب تعذبنا عليه، { إلآ أن ~~ءامنا بآيت ربنا لما جآءتنا } ، ثم فزعوا إلى الله ~~عز وجل فقالوا: { ربنآ أفرغ } أصبب { علينا صبرا ~~وتوفنا مسلمين } ، ذكر الكلبي: أن فرعون قطع أيديهم وأرجلهم ~~وصلبهم، وذكر غيره: أنه لم يقدر عليهم لقوله تعالى: # فلا يصلون إليكما بآياتنآ أنتما ومن اتبعكما ~~الغالبون # [القصص: 35]. # { وقال الملأ من قوم فرعون } له: { أتذر موسى ~~وقومه ليفسدوا فى الأرض } ، وأرادوا بالإفساد في الأرض ~~دعاءهم الناس إلى مخالفة فرعون في عبادته، { ويذرك } ، أي: وليذرك، ms0868 ~~{ وءالهتك } ، فلا يعبدك ولا يعبدها. قال ابن عباس: كان لفرعون بقرة ~~يعبدها، وكان إذا رأى بقرة حسناء أمرهم أن يعبدوها، فلذلك أخرج السامري ~~لهم عجلا. وقال الحسن: كان قد علق على عنقه صليبا يعبده. وقال السدي: ~~كان فرعون قد اتخذ لقومه أصناما وأمرهم بعبادتها، وقال لقومه: هذه ~~آلهتكم وأنا ربها وربكم، فذلك قوله: # أنا ربكم الأعلى # [النازعات: 24]، وقرأ ابن مسعود وابن عباس والشعبي والضحاك: " ويذرك ~~وإلاهتك " بكسر الألف، أي: عبادتك فلا يعبدك، لأن فرعون كان يعبد ~~ولا يعبد. وقيل: أراد بالآلهة الشمس، وكانوا يعبدونها. قال الشاعر: # تروحنا من اللعباء قصرا # وأعجلنا الإلاهة أن تؤبا # { قال } فرعون: { سنقتل أبنآءهم } ، قرأ أهل الحجاز: " ~~سنقتل " بالتخفيف من القتل، وقرأ الآخرون بالتشديد من التقتيل على ~~التكثير، { ونستحيى نسآءهم } ، نتركهن أحياء، { وإنا ~~فوقهم قهرون } ، غالبون. قال ابن عباس: كان فرعون يقتل أبناء ~~بني إسرائيل في العام الذي قيل له إنه يولد مولود يذهب بملكك، فلم يزل ~~يقتلهم حتى أتاهم موسى بالرسالة، وكان من أمره ما كان، فقال فرعون: ~~أعيدوا عليهم القتل فأعادوا عليهم القتل، فشكت ذلك بنو إسرائيل. ### || [7.128-130] # { قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا ~~إن الأرض لله } ، يعني: أرض مصر، { يورثها } يعطيها، { من ~~يشآء من عباده والعقبة للمتقين } ، النصر ~~والظفر. وقيل: السعادة والشهادة. وقيل: الجنة. # { قالوا أوذينا } ، قال ابن عباس: لما آمنت السحرة اتبع موسى ~~ستمائة ألف من بني إسرائيل، فقالوا - يعني قوم موسى -: إنا أوذينا { من ~~قبل أن تأتينا } ، بالرسالة بقتل الأبناء، { ومن بعد ما ~~جئتنا } ، بإعادة القتل علينا. وقيل: فالمراد منه أن فرعون كان ~~يستسخرهم قبل مجيء موسى إلى نصف النهار، فلما جاء موسى استسخرهم جميع ~~النهار بلا أجر. وذكر الكلبي أنهم كانوا يضربون اللبن بتبن فرعون، ~~فلما جاء موسى أجبرهم أن يضربوه بتبن من عندهم. { قال } موسى: { عسى ~~ربكم أن يهلك عدوكم } فرعون، { ويستخلفكم فى ~~الأرض } ، أي: يسكنكم أرض مصر من بعدهم، { فينظر كيف ~~تعملون } ، فحقق الله ذلك فأغرق فرعون واستخلافهم في ديارهم ~~وأموالهم فعبدوا العجل. # قوله تعالى: { ولقد أخذنآ ال ms0869 فرعون بالسنين } ، أي: ~~بالجدب والقحط. تقول العرب: مستهم السنة، أي: جدب السنة وشدة السنة. ~~وقيل: أراد بالسنين القحط سنة بعد سنة، { ونقص من الثمرات } ، ~~والغلات بالآفات والعاهات. قال قتادة: أما السنين فلأهل البوادي، وأما ~~نقص الثمرات فلأهل الأمصار، { لعلهم يذكرون } ، أي: يتعظون، ~~وذلك لأن الشدة ترقق القلوب وترغبها فيما عند الله عز وجل. ### || [7.131-133] # { فإذا جآءتهم الحسنة } ، يعني: الخصب والسعة والعافية، { ~~قالوا لنا هذه } ، أي: نحن أهلها ومستحقوها على العادة التي ~~جرت لنا في سعة أرزاقنا ولم يروها تفضلا من الله عز وجل فيشكروا ~~عليها، { وإن تصبهم سيئة } ، جدب وبلاء ورأوا ما يكرهون، { ~~يطيروا } يتشاءموا، { بموسى ومن معه } ، وقالوا: ما ~~أصابنا بلاء حتى رأيناهم، فهذا من شؤم موسى وقومه. # وقال سعيد بن جبير ومحمد بن المنكدر: وكان ملك فرعون أربعمائة سنة، ~~وعاش ستمائة وعشرين سنة لا يرى مكروها، ولو كان له في تلك المدة جوع يوم ~~أو حمى ليلة، أو وجع ساعة، لما ادعى الربوبية قط. قال الله تعالى: { ~~ألا إنما طائرهم عند الله } ، أي: انصباؤهم من الخصب ~~والجدب والخير والشر كله من الله. وقال ابن عباس: طائرهم ما قضى الله ~~عليهم وقدر لهم، وفي رواية عنه: شؤمهم عند الله ومن قبل الله، أي: ~~إنما جاءهم الشؤم بكفرهم بالله. وقيل: معناه الشؤم العظيم هو الذي لهم ~~عند الله من عذاب النار، { ولكن أكثرهم لا يعلمون } ، ~~أن الذي أصابهم من الله. # { وقالوا } يعني: القبط لموسى، { مهما تأتنا } متى، ما كلمة ~~تستعمل للشرط والجزاء، { تأتنا به من ءاية } ، علامة، { ~~لتسحرنا بها } ، لتنقلنا عما نحن عليه من الدين، { فما ~~نحن لك بمؤمنين } ، بمصدقين. # { فأرسلنا عليهم الطوفان } ، قال ابن عباس وسعيد بن جبير ~~وقتادة ومحمد بن إسحاق - دخل كلام بعضهم في بعض -: لما آمنت السحرة، ~~ورجع فرعون مغلوبا، أبى هو وقومه إلا الإقامة على الكفر والتمادي في ~~الشر، فتابع الله عليهم الآيات وأخذهم بالسنين ونقص من الثمرات، فلما ~~عالج بالآيات الأربع: العصا، واليد، والسنين، ونقص الثمار، فأبوا أن ~~يؤمنوا فدعا عليهم، فقال: يا رب ms0870 إن عبدك فرعون علا في الأرض وطغى وعتا ~~وإن قومه قد نقضوا عهدك، رب فخذهم بعقوبة تجعلها لهم نقمة ولقومي عظة ~~ولمن بعدهم آية وعبرة، فبعث الله عليهم الطوفان، وهو الماء أرسل الله ~~عليهم الماء وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشتبكة مختلطة، فامتلأت بيوت ~~القبط حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم من جلس منهم غرق، ولم يدخل بيوت ~~بني إسرائيل من الماء قطرة، وركد الماء على أرضهم لا يقدرون أن يحرثوا ~~ولا يعملوا شيئا، ودام ذلك عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت. # وقال مجاهد وعطاء: الطوفان الموت. وقال وهب: الطوفان الطاعون بلغة ~~اليمن. وقال أبو قلابة: الطوفان الجدري، وهم أول من عذبوا به فبقي في ~~الأرض. # وقال مقاتل: الطوفان الماء طغى فوق حروثهم. # وروي عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: الطوفان أمر من الله أطاف بهم، ثم ~~قرأ: # فطاف عليها طآئف من ربك وهم نآئمون # [القلم: 19]. # قال نحاة الكوفة: الطوفان مصدر لا يجمع كالرجحان والنقصان. # وقال أهل البصرة: هو جمع، واحدها طوفانة، فقالوا لموسى: ادع لنا ربك ~~يكشف عنا المطر فنؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه فرفع عنهم ~~الطوفان، فأنبت الله لهم في تلك السنة شيء لم ينبته لهم قبل ذلك من الكلأ ~~والزرع والثمر وأخصبت بلادهم، فقالوا: ما كان هذا الماء إلا نعمة علينا ~~وخصبا، فلم يؤمنوا وأقاموا شهرا في عافية، فبعث الله عليهم الجراد فأكل ~~عامة زروعهم وثمارهم وأوراق الشجر حتى كان يأكل الأبواب وسقوف البيوت ~~والخشب والثياب والأمتعة ومسامير الأبواب من الحديد حتى تقع دورهم، ~~وابتلى الجراد بالجوع، فكان لا يشبع ولم يصب بني إسرائيل شيء من ذلك ~~فعجوا وضجوا، وقالوا: يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشف عنا ~~الرجز لنؤمنن لك، وأعطوه عهد الله وميثاقه، فدعا موسى عليه السلام ربه ~~فكشف الله عنهم الجراد بعدما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت. # وفي الخبر: # " مكتوب على صدر كل جرادة جند الله الأعظم ". # ويقال: إن موسى برز إلى الفضاء ms0871 فأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب فرجعت ~~الجراد من حيث جاءت، وكانت قد بقيت من زروعهم وغلاتهم بقية، فقالوا: قد ~~بقي لنا ما هو كافينا فما نحن بتاركي ديننا، فلم يفوا بما عاهدوا، وعادوا ~~إلى أعمالهم السوء فأقاموا شهرا في عافية، ثم بعث الله عليهم القمل. # واختلفوا في القمل، فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: القمل السوس ~~الذي يخرج من الحنطة. وقال مجاهد والسدي وقتادة والكلبي: القمل الدبى ~~والجراد الطيارة التي لها أجنحة، والدبى الصغار التي لا أجنحة لها. ~~وقال عكرمة: هي بنات الجراد. وقال أبو عبيدة: وهو الحمنان وهو ضرب من ~~القراد. وقال عطاء الخراساني: هو القمل. وبه قرأ الحسن (القمل) بفتح ~~القاف وسكون الميم. # قالوا: أمر الله موسى أن يمشي إلى كثيب أعفر، بقرية من قرى مصر تدعى عين ~~شمس، فمشى موسى إلى ذلك الكثيب وكان أهيل فضربه بعصاه فانثال عليهم ~~القمل، فتتبع ما بقي من حروثهم وأشجارهم ونباتهم فأكله، ولحس الأرض كلها ~~وكان يدخل بين ثوب أحدهم وجلده فيعضه، وكان أحدهم يأكل الطعام فيمتلىء ~~قملا. # قال سعيد بن المسيب: القمل السوس الذي يخرج من الحبوب، وكان الرجل يخرج ~~عشرة أجربة إلى الرحا فلا يرد منها ثلاثة أقفزة، فلم يصابوا ببلاء كان ~~أشد عليهم من القمل، وأخذ أشعارهم وأبشارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم ولزم ~~جلودهم كأنه الجدري عليهم ومنعهم النوم والقرار فصرخوا وصاحوا إلى موسى: ~~أنا نتوب فادع لنا ربك يكشف عنا البلاء، فدعا موسى عليه السلام الله ~~فرفع الله القمل عنهم بعدما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت، ~~فمكثوا وعادوا إلى أخبث أعمالهم، وقالوا: ما كنا قط أحق أن نستيقن أنه ~~ساحر منا اليوم يجعل الرمل دواب، فدعا موسى بعدما أقاموا شهرا في عافية، ~~فأرسل الله عليهم الضفادع فامتلأت منها بيوتهم وأفنيتهم وأطعمتهم ~~وآنيتهم، فلا يكشف أحد إناء ولا طعاما إلا وجد فيه الضفادع، وكان ~~الرجل يجلس في الضفادع إلى ذقنه ويهم أن يتكلم فيثب الضفدع في فيه، ~~وكانت تثب في قدورهم فتفسد عليهم طعامهم ms0872 وتطفىء نيرانهم، وكان أحدهم ~~يضطجع فتركبه الضفادع فتكون عليه ركاما حتى ما يستطيع أن ينصرف إلى شقه ~~الآخر ويفتح فاه لأكلته فيسبق الضفدع أكلته إلى فيه، ولا يعجن عجينا ~~إلا تشدخت فيه، ولا يفتح قدرا إلا امتلأت ضفادع، فلقوا منها أذى ~~شديدا. # روى عكرمة عن ابن عباس قال: كانت الضفادع برية، فلما أرسلها الله على آل ~~فرعون سمعت وأطاعت فجعلت تقذف أنفسها في القدور وهي تغلي، وفي التنانير ~~وهي تفور، فأثابها الله بحسن طاعتها برد الماء، فلما رأوا ذلك بكوا وشكوا ~~ذلك إلى موسى، وقالوا هذه المرة نتوب ولا نعود، فأخذ عهودهم ومواثيقهم، ~~ثم دعا ربه فكشف عنهم الضفادع بعدما أقام سبعا من السبت إلى السبت، ~~فأقاموا شهرا في عافية ثم نقضوا العهود وعادوا إلى كفرهم، فدعا عليهم ~~موسى فأرسل الله عليهم الدم، فسال النيل عليهم دما وصارت مياههم دما ~~وما يستقون من الآبار والأنهار إلا وجدوه دما عبيطا أحمر، فشكوا ذلك ~~إلى فرعون وقالوا ليس لنا شراب، فقال: إنه سحركم، فقال القوم: من أين ~~سحرنا ونحن لا نجد في أوعيتنا شيئا من الماء إلا دما عبيطا؟ وكان ~~فرعون يجمع بين القبطي والإسرائيلي على الإناء الواحد فيكون ما يلي ~~الإسرائيلي ماء والقبطي دما ويقومان إلى الجرة فيها الماء فيخرج ~~للإسرائيلي ماء وللقبطي دم، حتى كانت المرأة من آل فرعون تأتي المرأة من ~~بني إسرائيل حين جهدهم العطش فتقول: اسقني من مائك فتصب لها من قربتها ~~فيعود في الإناء دما حتى كانت تقول: اجعليه في فيك ثم مجيه في في، ~~فتأخذ في فيها ماء فإذا مجته في فيها صار دما، وإن فرعون اعتراه ~~العطش حتى إنه ليضطر إلى مضغ الأشجار الرطبة، فإذا مضغها يصير ماؤها في ~~فيه ملحا أجاجا فمكثوا في ذلك سبعة أيام لا يشربون إلا الدم. # قال زيد بن أسلم: الدم الذي سلط عليهم كان الرعاف، فأتوا موسى وقالوا ~~يا موسى ادع ربك يكشف عنا هذا الدم فنؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل، ~~فدعا ربه عز وجل فكشف عنهم، ms0873 فلم يؤمنوا فذلك قوله عز وجل: { ~~فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل ~~والضفادع والدم ءايت مفصلات } ، يتبع بعضها بعضا. ~~وتفصيلها أن كل عذاب يمتد أسبوعا، وبين كل عذابين شهرا، { ~~فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين }. ### || [7.134-136] # { ولما وقع عليهم الرجز } ، أي: نزل بهم العذاب وهو ما ~~ذكر الله عز وجل من الطوفان وغيره. وقال سعيد بن جبير: الرجز الطاعون، ~~وهو العذاب السادس بعد الآيات [الخمس]، حتى مات منهم سبعون ألفا في يوم ~~أحد فأمسوا وهم لا يتدافنون، { قالوا } لموسى: { يموسى ادع ~~لنا ربك بما عهد عندك } ، أي: بما أوصاك. # قال عطاء: بما نبأك. وقيل: بما عهد عندك من إجابة دعوتك { لئن ~~كشفت عنا الرجز } ، وهو الطاعون، { لنؤمنن لك ~~ولنرسلن معك بنى إسرءيل }. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي ثنا زاهر بن أحمد ثنا أبو إسحاق الهاشمي ثنا ~~أبو مصعب عن مالك عن محمد بن المنكدر عن أبي النضر مولى عمر بن عبيدالله ~~عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أنه سمعه يسأل أسامة بن زيد: أسمعت ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطاعون؟ فقال أسامة بن زيد: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الطاعون رجز أرسل على بني ~~إسرائيل أو على من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا ~~عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه ". # قوله عز وجل: { فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل ~~هم بلغوه } ، يعني: إلى الغرق في اليم، { إذا هم ينكثون ~~} ، ينقضون العهد. # { فانتقمنا منهم فأغرقنهم في اليم } ، يعني ~~البحر، { بأنهم كذبوا بآيتنا وكانوا عنها ~~غفلين } ، أي: عن النقمة قبل حلولها غافلين. وقيل: معناه عن آياتنا ~~معرضين. ### || [7.137-140] # { وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون } ، ~~يقهرون ويستذلون بذبح الأبناء واستخدام النساء [والاستعباد وهم بنو ~~إسرائيل]، { مشرق الأرض ومغربها } ، يعني مصر والشام، { ~~التى باركنا فيها } ، بالماء والأشجار والثمار والخصب والسعة، ~~{ وتمت كلمت ربك الحسنى على بنى إسرءيل } ، ~~يعني: وفت كلمة الله وهي وعده إياهم بالنصر والتمكين في الأرض، وذلك ~~قوله تعالى: # ونريد أن نمن على ms0874 الذين استضعفوا في الأرض # [القصص: 5]، { بما صبروا } ، على دينهم وعلى عذاب فرعون، { ~~ودمرنا } أهلكنا { ما كان يصنع فرعون وقومه } ، ~~في أرض مصر من العمارات، { وما كانوا يعرشون } ، قال مجاهد: ~~يبنون من البيوت والقصور. وقال الحسن: يعرشون من الأشجار والثمار ~~والأعناب. وقرأ أبو بكر وابن عامر { يعرشون } بضم الراء ها هنا وفي ~~النحل، وقرأ الآخرون بكسرها. # قوله تعالى: { وجوزنا ببنى إسرءيل البحر } ، قال ~~الكلبي: عبر بهم موسى البحر يوم عاشوراء بعد مهلك فرعون وقومه فصامه ~~شكرا لله عز وجل، { فأتوا } فمروا { على قوم يعكفون ~~} ، يقيمون، قرأ حمزة والكسائي { يعكفون } بكسر الكاف، وقرأ الآخرون ~~بضمها وهما لغتان، { على أصنام } ، أوثان { لهم } ، يعبدونها ~~من دون الله. # قال ابن جريج: كانت تماثيل بقر، قال: وذلك أول شأن العجل. قال قتادة: ~~كان أولئك القوم من لخم وكانوا نزولا بالرقة، فقالت بنو إسرائيل لما ~~رأوا ذلك، { قالوا يموسى اجعل لنآ إلها } ، أي: مثالا ~~نعبده { كما لهم ءالهة } ، ولم يكن ذلك شكا من بني إسرائيل في ~~وحدانية الله، وإنما معناه اجعل لنا شيئا نعظمه ونتقرب بتعظيمه إلى ~~الله عز وجل وظنوا أن ذلك لا يضر الديانة وكان ذلك لشدة جهلهم. { ~~قال } موسى: { إنكم قوم تجهلون } ، عظمة الله. # { إن هؤلاء متبر } ، مهلك، { ما هم فيه } ، ~~والتتبير الإهلاك، { وبطل } مضمحل وزائل، { ما كانوا ~~يعملون }. # { قال } يعني موسى: { أغير الله أبغيكم } ، أي: أبغي لكم ~~وأطلب، { إلها وهو فضلكم على العلمين } ، أي: ~~عالمي زمانكم. # أخبرنا أبو سعيد عبدالله بن أحمد الطاهري، أنا جدي أبو سهل عبدالصمد بن ~~عبدالرحمن البزاز، أنا أبو بكر محمد بن زكريا العذافري، أنا إسحاق بن ~~إبراهيم الدبري أنا عبدالرزاق أنا معمر عن الزهري عن سنان بن أبي سنان ~~الديلي # " عن أبي واقد الليثي، قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل ~~حنين، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما كان ~~للكفار ذات أنواط، وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة يعكفون حولها، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: الله أكبر، هذا كما قالت بنو ms0875 إسرائيل لموسى ~~«اجعل لنا إلها كما لهم آلهة إنكم تركبون سنن من قبلكم» ". ### || [7.141-142] # قوله عز وجل: { وإذ أنجينكم } قرأ ابن عامر " أنجاكم " ، ~~وكذلك هو في مصاحف أهل الشام، { من ءال فرعون يسومونكم ~~سوء العذاب يقتلون أبنآءكم } ، قرأ نافع " يقتلون ~~" خفيفة، من القتل، وقرأ الآخرون بالتشديد على التكثير من التقتيل، { ~~ويستحيون نسآءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم ~~عظيم }. # { ووعدنا موسى ثلثين ليلة } ، ذي القعدة، { ~~وأتممناها بعشر } ، من ذي الحجة، { فتم ميقت ~~ربه أربعين ليلة وقال موسى } عند انطلاقه إلى الجبل ~~للمناجاة { لأخيه هرون اخلفنى } ، كن خليفتي، { فى قومى ~~وأصلح } ، أي: أصلحهم بحملك إياهم على طاعة الله، وقال ابن عباس: ~~يريد الرفق بهم والإحسان إليهم، { ولا تتبع سبيل ~~المفسدين } ، أي: لا تطع من عصى الله ولا توافقه على أمره، وذلك أن ~~موسى عليه السلام وعد بني إسرائيل وهم بمصر: أن الله إذا أهلك عدوهم ~~أتاهم بكتاب فيه بيان ما يأتون وما يذرون! فلما فعل الله ذلك بهم سأل ~~موسى ربه الكتاب، فأمره الله عز وجل أن يصوم ثلاثين يوما، فلما تمت ~~الثلاثون أنكر خلوف فمه فتسوك بعود خروب. # وقال أبو العالية: أكل من لحاء شجرة فقالت له الملائكة: كنا نشم من فيك ~~رائحة السمك، فأفسدته بالسواك، فأمره الله أن يصوم عشرة أيام من ذي ~~الحجة، وقال: أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك، ~~فكانت فتنتهم في العشر التي زادها. ### || [7.143] # قوله عز وجل: { ولما جآء موسى لميقتنا } ، أي: للوقت ~~الذي ضربنا له أن نكلمه فيه. قال أهل التفسير: إن موسى تطهر وطهر ~~ثيابه لميعاد به فلما أتى طور سيناء. وفي القصة: إن الله عز وجل أنزل ~~ظلمة على سبعة فراسخ وطرد عنه الشيطان وطرد عنه هوام الأرض ونحى عنه ~~الملكين وكشط له السماء ورأى الملائكة قياما في الهواء ورأى العرش ~~بارزا وكلمه الله وناجاه حتى أسمعه، وكان جبريل عليه السلام معه فلم ~~يسمع ما كلمه ربه وأدناه حتى سمع صرير القلم فاستحلى موسى عليه السلام ~~كلام ربه ms0876 واشتاق إلى رؤيته، { قال رب أرنى أنظر إليك } ، ~~قال الزجاج: فيه اختصار تقديره أرني نفسك أنظر إليك. قال ابن عباس: أعطني ~~النظر إليك. فإن قيل: كيف سأل الرؤية وقد علم أن الله تعالى لا يرى في ~~الدنيا؟ قال الحسن: هاج به الشوق فسأل الرؤية. وقيل: سأل الرؤية ظنا منه ~~أنه يجوز أن يرى في الدنيا { قال } الله تعالى: { لن ترانى } ، ~~وليس لبشر أن يطيق النظر [إلي في الدنيا من نظر إلي] في الدنيا مات، ~~فقال: إلهي سمعت كلامك فاشتقت إلى النظر إليك ولأن أنظر إليك ثم أموت ~~أحب إلي من أن أعيش ولا أراك، فقال الله عز وجل: { ولكن انظر ~~إلى الجبل } ، وهو أعظم جبل بمدين يقال له زبير. # قال السدي: لما كلم الله موسى غاص الخبيث إبليس في الأرض حتى خرج من ~~بين قدمي موسى، فوسوس إليه وقال: إن يكلمك شيطان فعند ذلك سأل موسى ~~الرؤية، فقال الله عز وجل: { لن ترانى } ، وتعلقت نفاة الرؤية ~~بظاهر هذه الآية، وقالوا: قال الله تعالى { لن ترانى } ، ولن تكون ~~للتأبيد، ولا حجة لهم فيها، ومعنى الآية: لن تراني في الدنيا أو في ~~الحال، لإنه كان يسأل الرؤية في الحال و " لن " لا تكون للتأبيد؛ كقوله ~~تعالى: # ولن يتمنوه أبدا # [البقرة: 95]، إخبارا عن اليهود، ثم أخبر عنهم أنهم يتمنون الموت في ~~الآخرة؛ كما قال الله تعالى: # يمالك ليقض علينا ربك # [الزخرف: 77]، # يليتها كانت القاضية # [الحاقة: 27]، والدليل عليه أنه لم ينسبه إلى الجهل بسؤال الرؤية وأنه ~~لم يقل إني لا أرى حتى تكون لهم حجة بل علق الرؤية على استقرار الجبل ~~واستقرار الجبل عند التجلي غير مستحيل إذا جعل الله تعالى له تلك ~~القوة، والمعلق بما لا يستحيل لا يكون محالا. # قال الله تعالى: { ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر ~~مكانه فسوف ترانى } ، قال وهب وابن إسحاق: لما سأل موسى ربه ~~الرؤية أرسل الله الضباب والصواعق والظلمة والرعد والبرق وأحاط بالجبل ~~الذي عليه موسى أربعة فراسخ من كل جانب، وأمر الله ملائكة السماء أن ms0877 ~~يعترضوا على موسى فمرت به ملائكة السماء الدنيا كثيران البقر تنبع ~~أفواههم بالتسبيح والتقديس بأصوات عظيمة كصوت الرعد الشديد، ثم أمر الله ~~ملائكة السماء الثانية أن اهبطوا على موسى فهبطوا عليه واعترضوا عليه ~~أمثال الأسود لهم لجب بالتسبيح والتقديس، ففزع العبد الضعيف ابن عمران ~~مما رأى وسمع واقشعرت كل شعرة في رأسه وجسده، ثم قال: لقد ندم على ~~مسألتي فهل ينجيني من مكاني الذي أنا فيه شيء؟ فقال له خير الملائكة ~~ورأسهم: يا موسى اصبر لما سألت، فقليل من كثير ما رأيت. # ثم أمر الله ملائكة السماء الثالثة أن اهبطوا على موسى فاعترضوا عليه، ~~فهبطوا أمثال النسور لهم قصف ورجف ولجب شديد، وأفواههم تنبع بالتسبيح ~~والتقديس كجلب الجيش العظيم ألوانهم كلهب النار، ففزع موسى واشتد فزعه ~~وأيس من الحياة، فقال له خير الملائكة: مكانك يا بن عمران حتى ترى ما لا ~~تصبر عليه، ثم أمر الله ملائكة السماء الرابعة أن اهبطوا فاعترضوا على ~~موسى بن عمران، فهبطوا عليه لا يشبههم شيء من الذين مروا به قبلهم ~~ألوانهم كلهب النار، وسائر خلقهم كالثلج الأبيض أصواتهم عالية بالتقديس ~~والتسبيح لا يقاربهم شيء من أصوات الذين مروا به من قبلهم، فاصطكت ~~ركبتاه وارتعد قلبه واشتد بكاؤه فقال له خير الملائكة ورأسهم: يا بن ~~عمران اصبر لما سألت فقليل من كثير ما رأيت. # ثم أمر الله ملائكة السماء الخامسة أن اهبطوا فاعترضوا على موسى فهبطوا ~~عليه لهم سبعة ألوان فلم يستطع موسى أن يتبعهم بصره، فلم ير مثلهم ولم ~~يسمع مثل أصواتهم فامتلأ جوفه خوفا واشتد حزنه وكثر بكاؤه، فقال له خير ~~الملائكة ورأسهم: يا بن عمران مكانك حتى ترى بعض ما لا تصبر عليه. # ثم أمر الله ملائكة السماء السادسة أن اهبطوا على عبدي الذي طلب يراني، ~~فهبطوا عليه في يد كل ملك منهم مثل النخلة الطويلة، نار أشد ضوءا من ~~الشمس، ولباسهم كلهب النار إذا سبحوا وقدسوا جاوبهم من كان قبلهم من ~~ملائكة السموات، كلهم يقولون بشدة أصواتهم: سبوح قدوس، رب ~~العزة ms0878 أبدا لا يموت، وفي رأس كل ملك منهم أربعة أوجه، فلما رآهم موسى ~~رفع صوته يسبح معهم حين سبحوا وهو يبكي ويقول: رب اذكرني ولا تنس عبدك ~~لا أدري أأنفلت مما أنا فيه أم لا؟ إن خرجت احترقت وإن مكثت مت، ~~فقال له كبير الملائكة ورأسهم: قد أوشكت يا بن عمران أن يشتد خوفك ~~وينخلع قلبك فاصبر للذي سألت. # ثم أمر الله تعالى أن يحمل عرشه ملائكة السماء السابعة فلما بدا نور ~~العرش انفرج الجبل من عظمة الرب جل جلاله، ورفعت ملائكة السموات أصواتهم ~~جميعا يقولون: سبحان الملك القدوس رب العزة أبدا لا يموت بشدة ~~أصواتهم، فارتج الجبل واندكت كل شجرة كانت فيه وخر العبد الضعيف موسى ~~صعقا على وجهه ليس معه روحه، فأرسل الله برحمته الروح فتغشاه، وقلب ~~عليه الحجر الذي كان موسى عليه وجعله كهيئة القبة لئلا يحترق موسى، ~~فأقامه الروح مثل اللامة، فقام موسى يسبح الله تعالى ويقول آمنت بك ~~ربي وصدقت أنه لا يراك أحد فيحيا، من نظر إلى ملائكتك انخلع قلبه فما ~~أعظمك وأعظم ملائكتك أنت رب الأرباب وإله الآلهة وملك الملوك، ولا ~~يعدلك شيء ولا يقوم لك شيء، رب تبت إليك الحمد لك لا شريك لك ما ~~أعظمك ما أجلك رب العالمين، فذلك قوله تعالى: { فلما تجلى ~~ربه للجبل جعله دكا } ، قال ابن عباس: ظهر نور ربه ~~للجبل، جبل زبير. # وقال الضحاك: أظهر الله من نور الحجب مثل منخر ثور. وقال عبدالله بن ~~سلام وكعب الأحبار: ما تجلى من عظمة لله للجبل إلا مثل سم الخياط حتى صار ~~دكا. وقال السدي: ما تجلى إلا قدر الخنصر، يدل عليه ما روى ثابت عن ~~أنس # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وقال هكذاووضع الإبهام ~~على المفصل الأعلى من الخنصر، فساخ الجبل ". # وحكي عن سهل بن سعد الساعدي أن الله تعالى أظهر من سبعين ألف حجاب نورا ~~قدر الدرهم، فجعل الجبل دكا. أي: مستويا بالأرض. قرأ حمزة والكسائي ~~(دكاء) ممدودا غير منون ها هنا ms0879 وفي سورة الكهف، وافق عاصم في الكهف، ~~وقرأ الآخرون (دكا) مقصورا منونا، فمن قصره فمعناه جعله مدقوقا: ~~والدك والدق واحد، وقيل: معناه دكه الله دكا، أي: فتقه كما قال: # كلا إذا دكت الأرض دكا دكا # [الفجر: 21]، ومن قرأ بالمد أي: جعله مستويا أرضا دكاء. # وقيل: معناه جعله مثل دكاء وهي الناقة التي لا سنام لها، قال ابن عباس: ~~جعله ترابا. وقال سفيان: ساخ الجبل في الأرض حتى وقع في البحر فهو يذهب ~~فيه. وقال عطية العوفي: صار رملا هائلا. وقال الكلبي: جعله دكا أي ~~كسرا جبالا صغارا. # ووقع في بعض التفاسير: طارت لعظمته ستة أجبل وقعت ثلاثة بالمدينة: أحد ~~وورقان ورضوي، ووقعت ثلاثة بمكة: ثور وثبير وحراء. # قوله عز وجل: { وخر موسى صعقا } ، قال ابن عباس والحسن: ~~مغشيا عليه. وقال قتادة: ميتا. وقال الكلبي: خر موسى صعقا يوم ~~الخميس يوم عرفة وأعطي التوراة يوم الجمعة يوم النحر. # قال الواقدي: لما خر موسى صعقا قالت ملائكة السموات: ما لابن ~~عمران وسؤال الرؤية؟ وفي بعض الكتب: أن ملائكة السموات أتوا موسى وهو ~~مغشي عليه فجعلوا يركلونه بأرجلهم ويقولون: يا ابن النساء الحيض أطمعت في ~~رؤية رب العزة؟. { فلمآ أفاق } ، موسى من صعقته وثاب إليه عقله ~~وعرف أنه قد سأل أمرا لا ينبغي له، { قال سبحنك تبت ~~إليك } ، عن سؤال الرؤية { وأنا أول المؤمنين } ، ~~بأنك لا ترى في الدنيا. وقال مجاهد والسدي: وأنا أول من آمن بك من بني ~~إسرائيل. ### || [7.144] # { قال يموسى إنى اصطفيتك على الناس } ، أي: اخترتك ~~على الناس، قرأ ابن كثير وأبو عمرو " إني " بفتح الياء وكذلك # أخي اشدد # [طه: 30-31]، { برسالاتي } قرأ أهل الحجاز برسالتي على التوحيد، ~~والآخرون بالجمع، { وبكلمي فخذ مآ ءاتيتك } ، أعطيتك، { ~~وكن من الشكرين } ، لله على نعمه. # فإن قيل: فما معنى قوله: " اصطفيتك على الناس برسالاتي " ، وقد أعطى ~~غيره الرسالة؟ قيل: لما لم تكن الرسالة على العموم في حق الناس كافة ~~استقام قوله اصطفيتك على الناس وإن شاركه فيه غيره، كما يقول الرجل: ~~خصصتك بمشورتي وإن ms0880 شاور غيره إذا لم تكن المشورة على العموم يكون ~~مستقيما. # وفي بعض القصة: أن موسى كان بعدما كلمه ربه لا يستطيع أحد أن ينظر إليه ~~لما غشي وجهه من النور، ولم يزل على وجهه برقع حتى مات. وقالت له ~~امرأته: أنا أيم منك منذ كلمك ربك فكشف لها عن وجهه فأخذها مثل شعاع ~~الشمس فوضعت يدها على وجهها وخرت لله ساجدة، وقالت: ادع الله أن يجعلني ~~زوجتك في الجنة، قال: ذاك إن لم تتزوجي بعدي، فإن المرأة لآخر أزواجها. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أنا أبو عبدالله محمد بن ~~أحمد بن علي المزني أنا أبو العباس محمد بن أحمد بن إسحاق السراج حدثنا ~~قتيبة بن سعيد حدثنا راشد بن أسعد عن عبد الرحمن المغافري عن أبيه عن كعب ~~الأحبار أن موسى نظر في التوراة فقال: إني أجد أمة خير الأمم أخرجت للناس ~~يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله وبالكتاب الأول ~~وبالكتاب الآخر، ويقاتلون أهل الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الدجال، رب ~~اجعلهم أمتي، قال: هي أمة محمد يا موسى، فقال: ربي إني أجد أمة هم ~~الحمادون رعاة الشمس المحكمون إذا أرادوا أمرا قالوا نفعل إن شاء الله ~~فاجعلهم أمتي، قال: هي أمة محمد، فقال: رب إني أجد أمة يأكلون ~~كفاراتهم وصدقاتهم، وكان الأولون يحرقون صدقاتهم بالنار، وهم المستجيبون ~~والمستجاب لهم الشافعون المشفوع لهم فاجعلهم أمتي، قال: هي أمة محمد، ~~فقال: يا رب إني أجد أمة إذأ أشرف أحدهم على شرف كبر الله فإذا هبط ~~واديا حمد الله، الصعيد لهم طهور والأرض لهم مسجد حيث ما كانوا، ~~يتطهرون من الجنابة بالصعيد طهورهم بالماء حيث لا يجدون الماء، غر ~~محجلون من آثار الوضوء فاجعلهم أمتي، قال: هي أمة أحمد، فقال: يا رب ~~إني أجد أمة إذا هم أحدهم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة مثلها وإن ~~عملها كتبت ضعف عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وإذا هم بسيئة ولم يعملها ~~لم تكتب عليه وإن عملها كتبت له سيئة مثلها، فاجعلهم ms0881 أمتي، قال: هي ~~أمة أحمد، فقال: يا رب إني أجد أمة مرحومة ضعفاء يرثون الكتاب من ~~الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق ~~بالخيرات فلا أجد أحدا منهم إلا مرحوما فاجعلهم أمتي، قال: هي أمة ~~محمد، قال: يا رب إني أجد أمة مصاحفهم في صدورهم يلبسون ألوان ثياب ~~أهل الجنة يصفون في صلاتهم صفوف الملائكة أصواتهم في مساجدهم كدوي النحل ~~لا يدخل النار أحد منهم أبدا إلا من يرى من الحسنات مثل ما يرى الحجر ~~من ورق الشجر، فاجعلهم أمتي، قال: هي أمة أحمد، فلما عجب موسى من الخير ~~الذي أعطى الله محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته قال: يا ليتني من أصحاب ~~محمد أو أمته، فأوحى الله إليه ثلاث آيات يرضيه بهن: " يا موسى إني ~~اصطفتيك على الناس برسالاتي وبكلامي " إلى قوله: " سأريكم دار الفاسقين. # ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون " ، فرضي موسى كل الرضا. ### || [7.145] # قوله عز وجل: { وكتبنا له } ، يعني لموسى، { فى الألواح } ~~، # " قال ابن عباس: يريد ألواح التوراة. وفي الحديث: «كانت من سدر الجنة ~~طول اللوح اثنا عشر ذراعا» " # وجاء في أحاديث: # " خلق الله آدم بيده وكتب التوراة بيده وغرس شجرة طوبى بيده ". # قال الحسن: كانت الألواح من خشب. قال الكلبي: كانت من زبرجدة خضراء. ~~وقال سعيد بن جبير: كانت من ياقوت أحمر. وقال الربيع بن أنس: كانت ~~الألواح من برد. وقال ابن جريج: كانت من زمرد، أمر الله جبريل حتى جاء ~~بها من عدن، وكتبها بالقلم الذي كتب به الذكر واستمد من نهر النور وقال ~~وهب: أمر الله بقطع الألواح من صخرة صماء لينها الله له فقطعها بيده ثم ~~شققها بإصبعه، وسمع موسى صرير القلم بالكلمات العشر وكان ذلك في أول يوم ~~من ذي القعدة، وكانت الألواح عشرة أذرع على طول موسى. وقال مقاتل ووهب: { ~~وكتبنا له فى الألواح } ، كنقش الخاتم. وقال الربيع بن أنس: ~~نزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير يقرأ الجزء منه في سنة, لم يقرأها إلا ms0882 ~~أربعة نفر: موسى، ويوشع، وعزير، وعيسى. # وقال الحسن: هذه الآية في التوراة ألف آية، يعني " وكتبنا له فى الألواح ~~" ، { من كل شىء } ، مما أمروا به ونهوا عنه، { موعظة } ~~نهيا عن الجهل، وحقيقة الموعظة: التذكير والتحذير مما يخاف عاقبته، { ~~وتفصيلا لكل شىء } ، أي: تبيينا لكل شيء من الأمر والنهي، ~~والحلال والحرام، والحدود والأحكام. { فخذها بقوة } ، أي: بجد ~~واجتهاد. وقيل: بقوة القلب وصحة العزيمة، لأنه إذا أخذه بضعف النية ~~أداه إلى الفتور، { وأمر قومك يأخذوا بأحسنها } ، ~~قال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: يحلوا حلالها، ويحرموا ~~حرامها ويتدبروا أمثالها، ويعملوا بمحكمها، ويقفوا عند متشابهها. ~~وكان موسى عليه السلام أشد عبادة من قومه، فأمر بما لم يؤمروا به. # قال قطرب: بأحسنها أي بحسنها، وكلها حسن. وقيل: أحسنها الفرائض ~~والنوافل، وهي ما يستحق عليها الثواب وما دونها المباح، لأنه لا يستحق ~~عليه الثواب. وقيل: بأحسنها، بأحسن الأمرين في كل شيء كالعفو أحسن من ~~القصاص والصبر أحسن من الانتصار. # { سأوريكم دار الفسقين } ، قال مجاهد: مصيرها في الآخرة، ~~وقال الحسن وعطاء: يعني جهنم يحذركم أن تكونوا مثلهم. وقال قتادة وغيره: ~~سأدخلكم الشأم فأريكم منازل القرون الماضية الذين خالفوا أمر الله ~~لتعتبروا بها. وقال عطية العوفي: أراد دار فرعون وقومه وهي مصر، يدل عليه ~~قراءة قسامة بن زهير: " سأورثكم دار الفاسقين ". وقال السدي: دار ~~الفاسقين مصارع الكفار. وقال الكلبي: ما مروا عليه إذا سافروا من منازل ~~عاد وثمود والقرون الذين أهلكوا. ### || [7.146-147] # قوله تعالى: { سأصرف عن ءايتي الذين يتكبرون في ~~الأرض بغير الحق } ، قال ابن عباس: يريد الذين يتجبرون على ~~عبادي ويحاربون أوليائي حتى لا يؤمنوا بي، يعني سأصرفهم عن قبول آياتي ~~والتصديق بها عوقبوا بحرمان الهداية لعنادهم للحق؛ كقوله: { فلما زاغوا ~~أزاغ الله قلوبهم }. # قال سفيان بن عيينة: سأمنعهم فهم القرآن. قال ابن جريج: يعني عن خلق ~~السموات والأرض وما فيها، أي سأصرفهم أن يتفكروا فيها ويعتبروا بها. ~~وقيل: حكم الآية لأهل مصر خاصة، وأراد بالآيات الآيات التسع التي أعطاها ~~الله تعالى موسى عليه السلام. ms0883 والأكثرون على أن الآية عامة { وإن ~~يروا } ، [يعني: هؤلاء المتكبرين]، { كل آية لا يؤمنوا ~~بها وإن يروا سبيل الرشد } ، قرأ حمزة والكسائي " ~~الرشد " بفتح الراء والشين، والآخرون بضم الراء وسكون الشين وهما ~~لغتان كالسقم والسقم والبخل والبخل والحزن والحزن. # وكان أبو عمر يفرق بينهما، فيقول: الرشد بالضم الصلاح في الأمر ~~وبالفتح الاستقامة في الدين. معنى الآية: إن يروا طريق الهدى والسداد، { ~~لا يتخذوه } لأنفسهم { سبيلا } ، { وإن يروا سبيل ~~الغى } ، أي: طريق الضلال { يتخذوه سبيلا ذلك ~~بأنهم كذبوا بآيتنا وكانوا عنها غفلين } ~~، عن التفكير فيها والاتعاظ بها غافلين ساهين. # { والذين كذبوا بآياتنا ولقآء الآخرة } أي: ولقاء ~~الدار الآخرة التي هي موعد الثواب والعقاب، { حبطت أعملهم } ~~، بطلت وصارت كأن لم تكن، { هل يجزون } في العقبى { إلا ما ~~كانوا } ، أي: إلا جزاء ما كانوا { يعملون } في الدنيا. ### || [7.148-149] # قوله عز وجل: { واتخذ قوم موسى من بعده } ، أي: من ~~بعد انطلاقه إلى الجبل { من حليهم } التي استعاروها من قوم ~~فرعون. قرأ حمزة والكسائي { من حليهم } بكسر الحاء وقرأ يعقوب ~~بفتح الحاء وسكون اللام، اتخذ السامري منها { عجلا } ، وألقى في فمه ~~من تراب أثر فرس جبريل عليه السلام فتحول عجلا، { جسدا } ، حيا ~~لحما ودما { له خوار } ، وهو صوت البقر، وهذا قول ابن عباس، ~~والحسن، وقتادة، وجماعة أهل التفسير. # وقيل: كان جسدا مجسدا من ذهب لا روح فيه، كان يسمع منه صوت. # وقيل: كان يسمع صوت حفيف الريح يدخل في جوفه ويخرج. والأول أصح. # وقيل: إنه ما خار إلا مرة واحدة. وقيل: إنه كان يخور كثيرا كلما خار ~~سجدوا له وإذا سكت رفعوا رؤوسهم. وقال وهب: كان يسمع منه الخوار وهو لا ~~يتحرك. # وقال السدي: كان يخور ويمشي، { ألم يروا } ، يعني: الذين عبدوا ~~العجل { أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا }. قال ~~الله عز وجل: { اتخذوه وكانوا ظلمين } ، أي: اتخذوه ~~إلها وكانوا كافرين. # { ولما سقط في أيديهم } ، أي: ندموا على عبادة العجل، تقول ~~العرب لكل نادم على أمر: قد سقط في يديه، { ورأوا أنهم قد ~~ضلوا قالوا ms0884 لئن لم يرحمنا ربنا } ، يتب علينا ~~ربنا، { ويغفر لنا } ، يتجاوز عنا، { لنكونن من ~~الخسرين } ، قرأ حمزة والكسائي: " ترحمنا وتغفر لنا " بالتاء ~~فيهما، " ربنا " بنصب الباء. وكان هذا الندم والاستغفار منهم بعد ~~رجوع موسى إليهم. ### || [7.150-151] # قوله عز وجل: { ولما رجع موسى إلى قومه غضبن ~~أسفا } ، قال أبو الدرداء الأسف: شديد الغضب. وقال ابن عباس والسدي: ~~أسفا أي حزينا. والأسف أشد الحزن. { قال بئسما خلفتمونى ~~من بعدى } ، أي: بئس ما عملتم بعد ذهابي، يقال: خلفه بخير أو بشر ~~إذا أولاه في أهله بعد شخوصه عنهم خيرا أو شرا، { أعجلتم } ، ~~أسبقتم { أمر ربكم } ، قال الحسن: وعد ربكم الذي وعدكم من ~~الأربعين ليلة. وقال الكلبي: أعجلتم بعبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر ~~ربكم. { وألقى الألواح } ، التي فيها التوراة وكان حاملا لها، ~~فألقاها على الأرض من شدة الغضب. # قالت الرواة: كانت التوراة سبعة أسباع، فلما ألقى الألواح تكسرت فرفعت ~~ستة أسباعها وبقي سبع، فرفع ما كان من أخبار الغيب، وبقي ما فيه الموعظة ~~والأحكام والحلال والحرام، { وأخذ برأس أخيه } ، بذوائبه ~~ولحيته { يجره إليه } ، وكان هارون أكبر من موسى بثلاث سنين ~~وأحب إلى بني إسرائيل من موسى، لأنه كان لين الغضب. { قال } هارون ~~عند ذلك، { ابن أم } ، قرأ أهل الكوفة والشام ها هنا وفي طه بكسر ~~الميم، يريد: يا ابن أمي، فحذف ياء الإضافة وأبقيت الكسرة لتدل على ~~الإضافة كقوله: " يا عباد " وقرأ أهل الحجاز والبصرة وحفص: بفتح الميم ~~على معنى يا ابن أماه. وقيل: جعله اسما واحدا وبناه على الفتح، كقولهم: ~~حضرموت، وخمسة عشر، ونحوهما، وإنما قال ابن أم وكان هارون أخاه لأبيه ~~وأمه ليرققه ويستعطفه. # وقيل: كان أخاه لأمه دون أبيه، { إن القوم استضعفونى } ، ~~يعني: عبدة العجل، { وكادوا يقتلوننى } ، هموا وقاربوا ~~أن يقتلوني، { فلا تشمت بى الأعدآء ولا تجعلنى } ، في ~~مؤاخذتك علي { مع القوم الظلمين } ، يعني: عبدة العجل. # { قال } موسى لما تبين له عذر أخيه، { رب اغفر لى } ، ما صنعت ~~إلى أخي، { ولأخى } ، إن كان منه تقصير في الإنكار على عبدة العجل، { ~~وأدخلنا ms0885 } جميعا { في رحمتك وأنت أرحم الرحمين ~~}. ### || [7.152-154] # قوله تعالى: { إن الذين اتخذوا العجل } ، أي: اتخذوه ~~إلها { سينالهم غضب من ربهم } ، في الآخرة { وذلة ~~فى الحيوة الدنيا } ، قال أبو العالية: هو ما أمروا به من قتل ~~أنفسهم. وقال عطية العوفي: " إن الذين اتخذوا العجل " ، أراد اليهود ~~الذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم عيرهم بصنيع آبائهم فنسبه ~~إليهم، { سينالهم غضب من ربهم وذلة فى الحيوة ~~الدنيا } ، أراد ما أصاب بني قريظة والنضير من القتل والجلاء. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: هو الجزية، { وكذلك نجزى ~~المفترين } ، الكاذبين، قال أبو قلابة: هو والله جزاء كل مفتر ~~إلى يوم القيامة أن يذله الله. قال سفيان بن عيينة: هذا في كل مبتدع إلى ~~يوم القيامة. # قوله عز وجل: { والذين عملوا السيئات ثم تابوا ~~من بعدها وءامنوا إن ربك من بعدها لغفور ~~رحيم }. # قوله تبارك وتعالى: { ولما سكت } أي: سكن، { عن موسى ~~الغضب أخذ الألواح } ، التي كان ألقاها وقد ذهبت ستة أسباعها ~~{ وفى نسختها } ، اختلفوا فيه، قيل: أراد بها الألواح لأنها نسخت ~~من اللوح المحفوظ. # وقيل: إن موسى لما ألقى الألواح تكسرت فنسخ نسخة أخرى فهو المراد من ~~قوله: { وفى نسختها }. # وقيل: أراد فيما نسخ منها. وقال عطاء: فيما بقي منها. وقال ابن عباس ~~وعمر بن دينار: لما ألقى موسى الألواح فتكسرت صام أربعين يوما فردت ~~عليه في لوحين فكان فيه، { هدى ورحمة } ، أي: هدى من الضلالة ~~ورحمة من العذاب، { للذين هم لربهم يرهبون } ، أي: ~~للخائفين من ربهم، واللام في { لربهم } زيادة للتوكيد؛ كقوله: # ردف لكم # [النمل: 72]، وقال الكسائي: لما تقدمت قبل الفعل حسنت، كقوله: # للرؤيا تعبرون # [يوسف: 43]، وقال قطرب: أراد من ربهم يرهبون. وقيل: أراد راهبون. وقيل: ~~أراد راهبون لربهم. ### || [7.155] # قوله تعالى: { واختار موسى قومه } ، أي من قومه، فانتصب لنزع ~~حرف الصفة، { سبعين رجلا لميقتنا } فيه دليل على أن كلهم ~~لم يعبدوا العجل. قال السدي: أمر الله تعالى موسى أن يأتيه في ناس من بني ~~إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، ms0886 فاختار موسى من قومه سبعين رجلا، ~~{ فلمآ } أتوا ذلك المكان قالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ~~فأخذتهم الصاعقة فماتوا. # وقال ابن إسحاق: اختارهم ليتوبوا إليه مما صنعوا ويسألوا التوبة على ~~من تركوا وراءهم من قومهم، فهذا يدل على أن كلهم عبدوا العجل. # قال قتادة وابن جريج, ومحمد بن كعب: { أخذتهم الرجفة } ، ~~لأنهم لم يزايلوا قومهم حين عبدوا العجل، ولم يأمروهم بالمعروف ولم ~~ينهوهم عن المنكر. # وقال ابن عباس: إن السبعين الذين قالوا: # لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم ~~الصاعقة # [البقرة: 55]، كانوا قبل السبعين الذين أخذتهم الرجفة، وإنما أمر الله ~~سبحانه وتعالى موسى عليه السلام أن يختار من قومه سبعين رجلا، فاختارهم ~~وبرز بهم ليدعوا ربهم، فكانوا فيما دعوا أن قالوا: اللهم أعطنا ما لم ~~تعطه أحدا قبلنا، ولا تعطه أحدا بعدنا، فكره الله ذلك من دعائهم، ~~فأخذتهم الرجفة. # وقال وهب: لم تكن الرجفة صوتا، ولكن القوم لما رأوا تلك الهيبة ~~أخذتهم الرعدة وقلقوا ورجفوا، حتى كادت أن تبين منهم مفاصلهم، فلما ~~رأى ذلك موسى رحمهم وخاف عليهم الموت، فاشتد عليه فقدهم، وكانوا ~~له وزراء على الخير، سامعين مطيعين، فعند ذلك دعا وبكى وناشد ربه، فكشف ~~الله عنهم تلك الرجفة، فاطمأنوا وسمعوا كلام ربهم، فذلك قوله عز وجل: { ~~قال } ، يعني موسى { رب لو شئت أهلكتهم من قبل } ، ~~يعني: عند عبادة العجل، { وإيى } ، بقتل القبطي، { أتهلكنا ~~بما فعل السفهآء منآ } ، يعني: عبدة العجل، وظن موسى ~~أنهم عوقبوا باتخاذ العجل، وقال: هذا على طريق السؤال، يسأل: أتهلكنا ~~بفعل السفهاء. # وقال المبرد: قوله " أتهلكنا بما فعل السفهاء منا " ، استفهام ~~استعطاف، أي: لا تهلكنا، وقد علم موسى عليه السلام أن الله تعالى أعدل ~~من أن يأخذ بجريرة الجاني غيره. # قوله تعالى: { إن هى إلا فتنتك } ، أي: التي وقع فيها ~~السفهاء، لم تكن إلا اختبارك وابتلاءك، أضللت بها قوما فافتتنوا، وهديت ~~قوما فعصمتهم حتى ثبتوا على دينك، فذلك هو معنى قوله: { تضل بها ~~من تشآء وتهدى من تشآء أنت ولينا } ، ناصرنا وحافظنا، ms0887 ~~{ فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغفرين }. ### || [7.156-157] # { واكتب لنا } أوجب لنا { فى هذه الدنيا حسنة } ، ~~النعمة والعافية، { وفي الأخرة } ، أي: المغفرة والجنة، { إنا ~~هدنآ إليك } ، أي: تبنا إليك، { قال } الله تعالى: { عذابى ~~أصيب به من أشآء } ، من خلقي، { ورحمتى وسعت كل ~~شيء } ، عمت كل شيء، قال الحسن وقتادة: وسعت رحمته في الدنيا ~~البر والفاجر، وهي يوم القيامة للمتقين خاصة. قال عطية العوفي: وسعت كل ~~شيء ولكن لا تجب إلا للذين يتقون، وذلك أن الكافر يرزق، ويدفع عنهم ~~بالمؤمنين لسعة رحمة الله للمؤمنين، فيعيش فيها، فإذا صار إلى الآخرة ~~وجبت للمؤمنين خاصة، كالمستضيء بنار غيره إذا ذهب صاحب السراج بسراجه. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما - وقتادة، وابن جريج: لما نزلت: " ~~ورحمتي وسعت كل شيء " ، قال إبليس: أنا من ذلك الشيء، فقال الله ~~سبحانه وتعالى: { فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون ~~الزكوة والذين هم بآيتنا يؤمنون } فتمناها ~~اليهود والنصارى، وقالوا: نحن نتقي ونؤمن، ونؤتي الزكاة، فجعلها الله ~~لهذه الأمة فقال: # { الذين يتبعون الرسول النبى الأمى } الآية. ~~قال نوف البكالي الحميري: لما اختار موسى سبعين رجلا، قال الله تعالى ~~لموسى: أجعل لكم الأرض مسجدا وطهورا، تصلون حيث أدركتكم الصلاة إلا ~~عند مرحاض أو حمام أو قبر، وأجعل السكينة في قلوبكم، وأجعلكم تقرؤون ~~التوراة عن ظهر قلوبكم، يقرؤها الرجل والمرأة، والحر والعبد، والصغير ~~والكبير، فقال ذلك موسى لقومه، فقالوا: لا نريد أن نصلي إلا في الكنائس، ~~ولا نستطيع حمل السكينة في قلوبنا، ولا نستطيع أن نقرأ التوراة عن ظهور ~~قلوبنا، ولا نريد أن نقرأها إلا نظرا، فقال الله تعالى: { فسأكتبها ~~للذين يتقون ويؤتون الزكاة } إلى قوله: { أولئك هم المفلحون } ، ~~فجعلها الله لهذه الأمة. فقال موسى عليه السلام: يا رب اجعلني نبيهم، ~~فقال: نبيهم منهم. قال: رب اجعلني منهم، فقال: إنك لن تدركهم، فقال موسى ~~عليه السلام: يا رب إني أتيتك بوفد بني إسرائيل فجعلت وفادتنا لغيرنا، ~~فأنزل الله تعالى: # ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون # [الأعراف: 159]، فرضي موسى. # قوله تعالى: { الذين يتبعون الرسول ms0888 النبى الأمى ~~} ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس رضي الله عنهما هو نبيكم ~~كان أميا لا يكتب ولا يقرأ ولا يحسب. قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ". # وهو منسوب إلى الأم، أي هو على ما ولدته أمه. وقيل: هو منسوب إلى أمته، ~~أصله أمتي، فسقطت التاء في النسبة كما سقطت في المكي والمدني وقيل: ~~هو منسوب إلى أم القرى وهي مكة. # { الذى يجدونه } ، أي: يجدون صفته ونعته ونبوته، { مكتوبا ~~عندهم فى التوراة والإنجيل }. # أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبدالله النعيمي أنا محمد ~~بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا محمد بن سنان حدثنا فليح حدثنا هلال ~~عن عطاء بن يسار قال لقيت عبدالله بن عمرو بن العاص، فقلت: أخبرني عن صفة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة، قال: أجل، والله إنه لموصوف ~~في التوراة ببعض صفته في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ~~ومبشرا ونذيرا، وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس ~~بفظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، ~~ولن يقبضه الله حتى يقيم له الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا ~~الله، ويفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا. # تابعه عبدالعزيز بن أبي سلمة، عن هلال عن عطاء عن ابن سلام. أخبرنا ~~الإمام الحسين بن محمد القاضي أنا أبو العباس عبدالله بن محمد بن هارون ~~الطيسفوني أنا أبو الحسن محمد بن أحمد الترابي أنا أبو بكر أحمد بن محمد ~~بن عمرو بن بسطام أنا أبو الحسن أحمد بن سيار القرشي حدثنا عبدالله بن ~~عثمان عن أبي حمزة عن الأعمش عن أبي صالح عن عبدالله بن ضمرة: عن كعب - ~~رضي الله عنه - قال: إني أجد في التوراة مكتوبا محمد رسول الله لا فظ ~~ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح، ~~أمته الحمادون يحمدون الله في كل منزل ويكبرونه على كل نجد، ms0889 يأتزرون على ~~أنصافهم ويوضؤون أطرافهم، صفهم في الصلاة وصفهم في القتال سواء، ~~مناديهم ينادي في جو السماء، لهم في جوف الليل دوي كدوي النحل، مولده ~~بمكة ومهاجره بطابة وملكه بالشام. # قوله تعالى: { يأمرهم بالمعروف } ، أي: الإيمان، { ~~وينههم عن المنكر } ، أي: عن الشرك، وقيل: المعروف الشريعة ~~والسنة، والمنكر مالا يعرف في شريعة ولا سنة. وقال عطاء: يأمرهم ~~بالمعروف، بخلع الأنداد، ومكارم الأخلاق، وصلة الأرحام، وينهاهم عن ~~المنكر: عن عبادة الأوثان وقطع الأرحام، { ويحل لهم ~~الطيبت } ، يعني: ما كانوا يحرمونه في الجاهلية من البحيرة ~~والسائبة والوصيلة والحام، { ويحرم عليهم الخبئث } ، ~~يعني: الميتة والدم، ولحم الخنزير، والزنا وغيرها من المحرمات، { ~~ويضع عنهم إصرهم } ، قرأ ابن عامر " آصارهم " بالجمع، ~~والإصر: كل ما يثقل على الإنسان من قول أو فعل. # قال ابن عباس والحسن والضحاك والسدي ومجاهد: يعني العهد الثقيل كان أخذ ~~على بني إسرائيل بالعمل بما في التوراة. # وقال قتادة: يعني التشديد الذي كان عليهم في الدين. { والأغلل } ~~، يعني: الأثقال { التى كانت عليهم } ، وذلك مثل: قتل النفس ~~في التوبة، وقطع الأعضاء الخاطئة، وقرض النجاسة عن الثوب بالمقراض، ~~وتعيين القصاص في القتل وتحريم أخذ الدية، وترك العمل في السبت، وأن ~~صلاتهم لا تجوز إلا في الكنائس وغير ذلك من التشديد، وشبهت ~~بالأغلال التي تجمع اليد إلى العنق. { فالذين ءامنوا به } ، ~~أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم، { وعزروه } ، وقروه، { ونصروه ~~} ، على الأعداء، { واتبعوا النور الذى أنزل معه } ، ~~يعني: القرآن، { أولئك هم المفلحون }. ### || [7.158-159] # قوله تعالى: { قل يأيها الناس إنى رسول الله ~~إليكم جميعا الذى له ملك السموت والأرض لا ~~إله إلا هو يحى ويميت فآمنوا بالله ~~ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله ~~وكلمته } أي: آياته وهي القرآن. وقال مجاهد والسدي: يعني عيسى ~~ابن مريم. ويقرأ " كلمته " { واتبعوه لعلكم تهتدون }. # قوله عز وجل: { ومن قوم موسى } ، يعني: من بني إسرائيل { ~~أمة } ، أي: جماعة، { يهدون بالحق } ، أي: يرشدون ويدعون ~~إلى الحق. وقيل: معناه يهتدون ويستقيمون عليه، { وبه يعدلون } ، ~~أي: بالحق يحكمون وبالعدل يقومون. # قال الكلبي والضحاك والربيع: هم ms0890 قوم خلف الصين، بأقصى الشرق على نهر ~~[يجرى الرمل] يسمى نهر أوداف، ليس لأحد منهم مال دون صاحبه، يمطرون ~~بالليل ويصحون بالنهار، ويزرعون لا يصل إليهم منا أحد، وهم على الحق. # وذكر: أن جبرائيل عليه السلام ذهب بالنبي صلى الله عليه وسلم ليلة ~~أسري به، فكلمهم [فقال لهم جبريل: هل تعرفون من تكلمون؟ قالوا: لا، فقال ~~لهم: هذا محمد النبي الأمي فآمنوا به]، فقالوا: يا رسول الله إن موسى ~~عليه السلام أوصانا أن من أدرك منكم أحمد فليقرأ عليه منا السلام، فرد ~~النبي صلى الله عليه وسلم على موسى وعليهم، ثم أقرأهم عشر سور من القرآن ~~نزلت بمكة وأمرهم بالصلاة والزكاة، وأمرهم أن يقيموا مكانهم، وكانوا ~~يسبتون، فأمرهم أن يجمعوا ويتركوا السبت. # وقيل: هم الذين أسلموا من اليهود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~والأول أصح. ### || [7.160-162] # قوله عز وجل: { وقطعنهم } أي: فرقناهم، يعني بني إسرائيل، ~~{ اثنتى عشرة أسباطا أمما }. # قال الفراء: إنما قال: " اثنتي عشرة " ، والسبط مذكر لأنه قال: " ~~أمما " ، فرجع التأنيث إلى الأمم، وقال الزجاج: المعنى وقطعناهم اثنتا ~~عشرة فرقة أمما، وإنما قال: " أسباطا أمما " ، بالجمع وما فوق العشرة ~~لا يفسر بالجمع، فلا يقال: أتاني اثنا عشرة رجالا، لأن الأسباط في ~~الحقيقة نعت المفسر المحذوف وهو الفرقة، أي: وقطعناهم اثنتي عشرة فرقة ~~أمما. # وقيل: فيه تقديم وتأخير: تقديره: وقطعناهم أسباطا أمما اثنتي عشرة، ~~والأسباط القبائل واحدها سبط. # قوله تعالى: { وأوحينآ إلى موسى إذ استسقه ~~قومه } ، في التيه، { أن اضرب بعصاك الحجر ~~فانبجست } ، انفجرت. وقال أبو عمرو بن العلاء: عرقت وهو الانبجاس، ~~ثم انفجرت، { منه اثنتا عشرة عينا } ، لكل سبط عين، { قد ~~علم كل أناس } ، كل سبط، { مشربهم } ، وكل سبط بنو أب ~~واحد. # قوله تعالى: { وظللنا عليهم الغمم } ، في التيه تقيهم ~~حر الشمس، { وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا ~~من طيبت ما رزقنكم وما ظلمونا ولكن ~~كانوا أنفسهم يظلمون }. # { وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا ~~منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب ~~سجدا نغفر لكم } ، قرأ أهل المدينة ms0891 وابن عامر ويعقوب: " ~~تغفر " بالتاء وضمها وفتح الفاء. وقرأ الآخرون بالنون وفتحها وكسر ~~الفاء، { خطيئتكم } ، قرأ ابن عامر " خطيئتكم " على التوحيد ~~ورفع التاء، [وقرأ أبو عمرو: " خطاياكم " وقرأ أهل المدينة ويعقوب: " ~~خطيئاتكم " بالجمع ورفع التاء]. وقرأ الآخرون بالجمع وكسر التاء بالجمع. ~~{ سنزيد المحسنين }. # { فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذى قيل ~~لهم فأرسلنا عليهم رجزا } ، عذابا { من السمآء ~~بما كانوا يظلمون }. ### || [7.163] # قوله تعالى: { وسئلهم عن القرية التى كانت ~~حاضرة البحر } قيل: هي " مدين " [أي: سل يا محمد هؤلاء اليهود ~~الذين هم جيرانك، سؤال توبيخ وتقريع عن القرية التي كانت حاضرة البحر] ~~أي: بقربه. قال ابن عباس: هي قرية يقال لها " إيلة " بين " مدين " و " ~~الطور " على شاطىء البحر. وقال الزهري: هي " طبرية الشام ". { إذ ~~يعدون فى السبت } ، أي: يظلمون فيه ويجاوزون أمر الله تعالى ~~بصيد السمك، { إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ~~} ، أي: ظاهرة على الماء كثيرة، جمع شارع. وقال الضحاك: متتابعة. # وفي القصة: أنها كانت تأتيهم يوم السبت مثل الكباش السمان البيض. # { ويوم لا يسبتون لا تأتيهم } ، كإتيانهم يوم السبت، ~~قرأ الحسن: " لا يسبتون " بضم الياء، أي: لا يدخلون في السبت، والقراءة ~~المعروفة بنصب الياء، ومعناه: لا يعظمون السبت، { كذلك نبلوهم ~~} ، نختبرهم، { بما كانوا يفسقون } ، فوسوس إليهم الشيطان وقال: ~~إن الله لم ينهكم عن الاصطياد إنما نهاكم عن الأكل، فاصطادوا. وقيل: وسوس ~~إليهم أنكم إنما نهيتم عن الأخذ، فاتخذوا حياضا على شاطىء البحر، ~~تسوقون الحيتان إليها يوم السبت، ثم تأخذونها يوم الأحد، ففعلوا ذلك ~~زمانا ثم تجرؤوا على السبت، وقالوا: ما نرى السبت إلا قد أحل لنا، ~~فأخذوا وأكلوا وباعوا، فصار أهل القرية أثلاثا، وكانوا نحوا من سبعين ~~ألفا، ثلث نهوا، وثلث لم ينهوا وسكتوا وقالوا: لم تعظون قوما الله ~~مهلكهم؟ وثلث هم أصحاب الخطيئة، فلما لم ينتهوا قال الناهون: لا ~~نساكنكم في قرية واحدة فقسموا القرية بجدار للمسلمين باب وللمعتدين باب، ~~ولعنهم داود عليه السلام، فأصبح الناهون ذات يوم ولم يخرج من المعتدين ~~أحد، فقالوا: إن لهم ms0892 لشأنا لعل الخمر غلبتهم فعلوا على الجدار، فإذا ~~هم قردة، فعرفت القردة أنسابها من الإنس ولم تعرف الإنس أنسابها من ~~القرود، فجعلت القرود يأتيها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي، فيقول: ألم ~~ننهكم فتقول برأسها نعم، فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم. ### || [7.164-165] # قوله تعالى: { وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما ~~الله مهلكهم } ، اختلفوا في الذين قالوا هذا، قيل: كانوا من ~~الفرقة الهالكة، وذلك أنهم لما قيل لهم انتهوا عن هذا العمل السيء، قبل ~~أن ينزل بكم العذاب وإنا نعلم أن الله منزل بكم بأسه إن لم تنتهوا ~~أجابوا وقالوا: (لم تعظون قوما الله مهلكهم)، { أو } علمتم أنه { ~~معذبهم عذابا شديدا قالوا } ، أي: قال الناهون { ~~معذرة } ، أي: موعظتنا معذرة { إلى ربكم } ، وقرأ حفص: " ~~معذرة " بالنصب، أي: نفعل ذلك معذرة إلى ربكم. والأصح أنها من قول الفرقة ~~الساكتة، قالوا: لم تعظون قوما الله مهلكهم، قالوا: معذرة إلى ربكم، ~~ومعناه: أن الأمر بالمعروف واجب علينا فعلينا موعظة هؤلاء عذرا إلى ~~الله، { ولعلهم يتقون } ، أي: يتقوا الله ويتركوا المعصية، ~~ولو كان الخطاب مع المعتدين لكان يقول ولعلكم تتقون. # { فلما نسوا ما ذكروا به } أي: تركوا ما وعظوا به، { ~~أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ~~ظلموا } ، يعني: الفرقة العاصية، { بعذاب بئيس } ، أي: شديد ~~وجيع، من البأس وهو الشدة. # واختلف القراء، فيه، قرأ أهل المدينة وابن عامر " بئيس " بكسر الباء على ~~وزن فعل، إلا أن ابن عامر يهمزه، وأبو جعفر ونافع لا يهمزان، وقرأ عاصم ~~في رواية أبي بكر بفتح الباء وسكون الياء وفتح الهمزة على وزن فيعل مثل ~~صيقل، وقرأ الآخرون على وزن فعيل مثل بعير وصغير. # { بما كانوا يفسقون } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: أسمع ~~الله يقول: " أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس ~~" ، فلا أدري ما فعل بالفرقة الساكتة؟ قال عكرمة: قلت له جعلني الله فداك ~~ألا تراهم قد أنكروا وكرهوا ما هم عليه، وقالوا: لم تعظون قوما الله ~~مهلكهم؟ وإن لم يقل الله أنجيتهم فلم ms0893 يقل: أهلكتهم، فأعجبه قولي، ~~فرضي وأمر لي ببردين فكسانيهما. # وقال يمان بن رباب: نجت الطائفتان الذين قالوا لم تعظون قوما ~~والذين قالوا معذرة إلى ربكم، وأهلك الله الذين أخذوا الحيتان، وهذا ~~قول الحسن. # وقال ابن زيد: نجت الناهية، وهلكت الفرقتان، وهذه أشد آية في ترك ~~النهي عن المنكر. ### || [7.166-167] # قوله تعالى: { فلما عتوا عن ما نهوا عنه } ، قال ابن ~~عباس: أبوا أن يرجعوا عن المعصية { قلنا لهم كونوا قردة ~~خسئين } ، مبعدين فمكثوا ثلاثة أيام ينظر الناس إليهم، ثم هلكوا. # { وإذ تأذن ربك } ، أي: آذن وأعلم ربك، يقال: تأذن وآذن، ~~مثل توعد وأوعد. وقال ابن عباس: تأذن ربك قال ربك. وقال مجاهد: أمر ~~ربك. وقال عطاء: حكم ربك. { ليبعثن عليهم إلى يوم ~~القيمة } ، أي: على اليهود، { من يسومهم سوء العذاب ~~} ، بعث الله عليهم محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته يقاتلونهم حتى ~~يسلموا أو يعطوا الجزية، { إن ربك لسريع العقاب وإنه ~~لغفور رحيم }. ### || [7.168-169] # { وقطعنهم } وفرقناهم { في الأرض أمما } ، فرقا ~~فرقهم الله فتشتت أمرهم ولم تجتمع لهم كلمة، { منهم الصلحون ~~} ، قال ابن عباس ومجاهد: يريد الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وآمنوا به، { ومنهم دون ذلك } ، يعني الذين بقوا على ~~الكفر. # وقال الكلبي: منهم الصالحون هم الذين وراء نهر أوداف من وراء الصين، ~~ومنهم دون ذلك، يعني: من هاهنا من اليهود، { وبلونهم ~~بالحسنت } ، بالخصب والعافية، { والسيئات } ، الجدب ~~والشدة، { لعلهم يرجعون } ، لكي يرجعوا إلى طاعة ربهم ~~ويتوبوا. # قوله عز وجل: { فخلف من بعدهم } ، أي: جاء من بعد هؤلاء ~~الذين وصفناهم { خلف } ، والخلف: القرن الذي يجيء بعد قرن. قال أبو ~~حاتم: الخلف بسكون اللام الأولاد، الواحد والجمع فيه سواء، والخلف بفتح ~~اللام: البدل سواء كان ولدا أو غريبا. # وقال ابن الأعرابي: الخلف بالفتح: الصالح، وبالجزم: الطالح. # وقال النضر بن شميل: الخلف: بتحريك اللام وإسكانها في القرن السوء ~~واحد، وأما في القرن الصالح فبتحريك اللام لا غير. # وقال محمد بن جرير: أكثر ما جاء في المدح بفتح اللام، وفي الذم بتسكينها ~~وقد يحرك ms0894 في الذم ويسكن في المدح. { ورثوا الكتب } ، أي: ~~انتقل إليهم الكتاب من آبائهم وهو التوراة، { يأخذون عرض هذا ~~الأدنى } ، العرض متاع الدنيا، فالعرض، والعرض، بسكون الراء، ما ~~كان من الأموال سوى الدراهم والدنانير. وأراد بالأدنى العالم. وهو هذه ~~الدار الفانية، فهو تذكير الدنيا، فهؤلاء اليهود ورثوا التوراة فقرؤوها ~~وضيعوا العمل بما فيها، وخالفوا حكمها، يرتشون في حكم الله وتبديل ~~كلماته، { ويقولون سيغفر لنا } ، ذنوبنا يتمنون على الله ~~الأباطيل. # أخبرنا محمد بن عبدالله بن أبي توبة أنبأنا طاهر، محمد بن أحمد بن ~~الحارث، أنبأنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي، أنبأنا عبدالله بن ~~محمود أنبأنا إبراهيم بن عبدالله الخلال أنبأنا عبدالله بن المبارك عن ~~أبي بكر بن أبي مريم الغساني عن ضمرة بن حبيب عن شداد بن أوس قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من ~~أتبع نفسه هواها وتمنى على الله ". # { وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه } ، هذا إخبار عن ~~حرصهم على الدنيا وإصرارهم على الذنوب، يقول: إذا أشرف لهم شيء من الدنيا ~~أخذوه حلالا كان أو حراما، ويتمنون على الله المغفرة وإن وجدوا من الغد ~~مثله أخذوه. وقال السدي: كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضيا إلا ~~ارتشى في الحكم، فيقال له: ما لك ترتشي؟ فيقول: سيغفر لي، فيطعن عليه ~~الآخرون، فإذا مات أو نزع وجعل مكانه رجل ممن كان يطعن عليه فيرتشي ~~أيضا، يقول: وإن يأت الآخرين عرض مثله يأخذوه. # { ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتب أن لا يقولوا ~~على الله إلا الحق } ، أي: أخذ عليهم العهد في التوراة أن لا ~~يقولوا على الله الباطل، وهي تمني المغفرة مع الإصرار، وليس في التوراة ~~ميعاد المغفرة مع الإصرار، { ودرسوا ما فيه } ، قرأوا ما فيه فهم ~~ذاكرون لذلك، ولو عقلوه لعملوا للدار الآخرة، ودرس الكتاب: قراءته ~~وتدبره مرة بعد أخرى، { والدار الأخرة خير للذين ~~يتقون أفلا تعقلون }. ### || [7.170-172] # { والذين يمسكون بالكتاب } قرأ أبو عامر عن عاصم: " ~~يمسكون " بالتخفيف، وقراءة العامة بالتشديد لأنه يقال ms0895 تمسكت بالشيء، ~~ولا يقال أمسكت بالشيء، إنما يقال أمسكته، وقرأ أبي بن كعب: " والذين ~~تمسكوا بالكتاب " ، على الماضي وهو جيد لقوله تعالى: { وأقاموا ~~الصلوة } ، إذ قل ما يعطف ماض على مستقبل إلا في المعنى، ~~[وأراد] الذين يعملون بما في الكتاب، قال مجاهد: هم المؤمنون من أهل ~~الكتاب، عبدالله بن سلام وأصحابه، تمسكوا بالكتاب الذي جاء به موسى فلم ~~يحرفوه ولم يكتموه ولم يتخذوه مأكلة. وقال عطاء: هم أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم. { وأقاموا الصلوة إنا لا نضيع أجر ~~المصلحين }. # قوله تعالى: { وإذ نتقنا الجبل فوقهم } ، أي: فلقنا ~~الجبل. وقيل: رفعناه { كأنه ظلة } ، قال عطاء: سقيفة. والظلة: ~~كل ما أظلك، { وظنوا } وعلموا { أنه واقع بهم خذوا } ~~، أي: وقلنا لهم خذوا، { مآ ءاتيناكم بقوة } ، بجد واجتهاد، ~~{ واذكروا ما فيه } ، واعلموا به، { لعلكم تتقون } ، ~~وذلك حين أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة، فرفع الله على رؤسهم جبلا. ~~قال الحسن: فلما نظروا إلى الجبل خر كل رجل منهم ساجدا على حاجبه ~~الأيسر ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل فرقا من أن يسقط عليه، ولذلك لا تجد ~~يهوديا إلا ويكون سجوده على حاجبه الأيسر. # قوله تعالى: { وإذ أخذ ربك من بنى ءادم من ~~ظهورهم ذريتهم } ، الآية. # أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو ~~إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن زيد بن أبي أنيسة عن عبدالحميد ~~بن عبد الرحمن، عن زيد بن الخطاب أخبره عن مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه سئل عن هذه الآية: { وإذ أخذ ربك من ~~بنى ءادم من ظهورهم ذريتهم } الآية، قال عمر بن ~~الخطاب: # " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم [يسأل عنها فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم]: إن الله عز وجل خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج ~~منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون. ثم مسح ~~ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار ~~يعملون، فقال رجل: ففيم العمل ms0896 يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: إن الله عز وجل إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل ~~أهل الجنة، حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة، فيدخله به الجنة، ~~وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار، حتى يموت على عمل من ~~أعمال أهل النار فيدخله به النار " # وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن. ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر، وقد ذكر ~~بعضهم في هذا الإسناد بين مسلم بن يسار وعمر رجلا. # قال مقاتل وغيره من أهل التفسير: إن الله مسح صفحة ظهر آدم اليمنى ~~فأخرج منه ذرية بيضاء كهيئة الذر يتحركون، ثم مسح صفحة ظهره اليسرى ~~فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر، فقال: يا آدم هؤلاء ذريتك، ثم قال ~~لهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، فقال للبيض: هؤلاء في الجنة برحمتي ولا ~~أبالي وهم أصحاب اليمين، وقال للسود: هؤلاء في النار ولا أبالي، وهم ~~أصحاب الشمال، ثم أعادهم جميعا في صلبه، فأهل القبور محبوسون حتى يخرج ~~أهل الميثاق كلهم من أصلاب الرجال وأرحام النساء. قال الله تعالى فيمن ~~نقض العهد الأول: # وما وجدنا لأكثرهم من عهد # [الأعراف: 102]. # وقال بعض أهل التفسير: إن أهل السعادة أقروا طوعا وقالوا بلى، وأهل ~~الشقاوة قالوا تقية وكرها، وذلك معنى قوله: # وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها # [آل عمران: 83]. # واختلفوا في موضع الميثاق، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ببطن نعمان - ~~واد إلى جنب عرفة -، وروي عنه أيضا أنه بدهناء من أرض الهند، وهو ~~الموضع الذي هبط آدم عليه السلام عليه. وقال الكلبي: بين مكة والطائف. ~~وقال السدي: أخرج الله آدم عليه السلام من الجنة فلم يهبط من السماء ثم ~~مسح ظهره فأخرج ذريته. وروي: أن الله أخرجهم جميعا وصورهم وجعل لهم ~~عقولا يعملون بها وألسنا ينطقون بها ثم كلمهم قبلا يعني عيانا، ~~وقال: ألست بربكم؟ قال الزجاج: وجائز أن يكون الله تعالى جعل لأمثال ~~الذر فهما تعقل به؛ كما قال تعالى: # قالت نملة يأيها النمل ادخلوا مساكنكم ms0897 # [النمل: 18]. # وروي أن الله تعالى قال لهم جميعا: اعلموا أنه لا إله غيري وأنا ربكم ~~لا رب لكم غيري فلا تشركوا بي شيئا، فإني سأنتقم ممن أشرك بي ولم يؤمن ~~بي وإني مرسل إليكم رسلا يذكرونكم عهدي وميثاقي، ومنزل عليكم كتبا. ~~فتكلموا جميعا، وقالوا: شهدنا أنك ربنا وإلهنا لا رب لنا غيرك، ~~فأخذ بذلك مواثيقهم، ثم كتب آجالهم وأرزاقهم ومصائبهم، فنظر إليهم آدم ~~فرأى منهم الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك، فقال: يا رب لولا ~~سويت بينهم؟ قال: إني أحب أن أشكر، فلما قررهم بتوحيده وأشهد بعضهم ~~على بعض أعادهم إلى صلبه فلا تقوم الساعة حتى يولد كل من أخذ ميثاقه، ~~فذلك قوله تعالى: " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم " ، أي: من ~~ظهور بني آدم ذريتهم، قرأ أهل المدينة وأبو عمرو وابن عامر: " ذرياتهم ~~" بالجمع وكسر التاء، وقرأ الآخرون " ذريتهم " على التوحيد، ونصب ~~التاء. # فإن قيل: ما معنى قوله " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم " وإنما ~~أخرجهم من ظهر آدم؟ قيل: إن الله أخرج ذرية آدم بعضهم من ظهور بعض على ~~نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء في الترتيب، فاستغنى عن ذكر ظهر آدم ~~لما علم أنهم كلهم بنوه وأخرجوا من ظهره. # قوله تعالى: { وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى } ، أي: أشهد بعضهم على بعض: # قوله تعالى: { شهدنآ أن تقولوا } ، قرأ أبو عمرو: " أن يقولوا ~~" أو يقولوا بالياء فيهما، وقرأ الآخرون بالتاء فيهما. # واختلفوا في قوله: " شهدنا " ، قال السدي: هو خبر من الله عن نفسه ~~وملائكته أنهم شهدوا على إقرار بني آدم. وقال بعضهم: هو خبر عن قول بني ~~آدم أشهد الله بعضهم على بعض، فقالوا: بلى شهدنا. وقال الكلبي: ذلك ~~من قول الملائكة وفيه حذف تقديره: لما قالت الذرية: بلى قال الله ~~للملائكة: اشهدوا، قالوا: شهدنا، قوله: " أن يقولوا " ، يعني: وأشهدهم ~~على أنفسهم أن يقولوا، أي: لئلا يقولوا أو كراهية أن يقولوا، ومن قرأ ~~بالتاء فتقدير الكلام: أخاطبكم: ألست بربكم لئلا تقولوا، { يوم ~~القيمة ms0898 إنا كنا عن هذا غفلين } ، أي: عن هذا ~~الميثاق والإقرار، فإن قيل: كيف تلزم الحجة واحد لا يذكر الميثاق؟ قيل: ~~قد أوضح الله الدلائل على وحدانيته وصدق رسله فيما أخبروا، فمن أنكره كان ~~معاندا ناقضا للعهد ولزمته الحجة، وبنسيانهم وعدم حفظهم لا يسقط ~~الاحتجاج بعد إخبار المخبر الصادق صاحب المعجزة. ### || [7.173-175] # قوله تعالى: { أو تقولوا إنمآ أشرك ءابآؤنا من ~~قبل وكنا ذرية من بعدهم } يقول إنما أخذ الميثاق ~~عليكم لئلا تقولوا أيها المشركون:إنما أشرك آباؤنا من قبل ونقضوا العهد ~~وكنا ذرية من بعدهم، أي: كنا أتباعا لهم فاقتدينا بهم، فتجعلوا هذا ~~عذرا لأنفسكم وتقولوا، { أفتهلكنا بما فعل المبطلون } ~~، أفتعذبنا بجناية آبائنا المبطلين فلا يمكنهم أن يحتجوا بمثل هذا ~~الكلام بعد تذكير الله تعالى بأخذ الميثاق على التوحيد. # { وكذلك نفصل الأيت } ، أي: نبين الآيات ليتدبرها ~~العباد، { ولعلهم يرجعون } ، من الكفر إلى التوحيد. # قوله تعالى: { واتل عليهم نبأ الذى ءاتينه ~~ءايتنا فانسلخ منها } الآية، اختلفوا فيه، قال ابن عباس: هو ~~بلعم بن باعوراء. وقال مجاهد: بلعام بن باعر. وقال عطية عن ابن عباس: كان ~~من بني إسرائيل. وروي عن علي بن أبي طلحة رضي الله عنه أنه كان من ~~الكنعانيين من مدينة الجبارين. وقال مقاتل: هو من مدينة بلقا. # وكانت قصته - على ما ذكره ابن عباس وابن إسحاق والسدي وغيرهم - أن موسى ~~لما قصد حرب الجبارين ونزل أرض بني كنعان من أرض الشام أتى قوم بلعام إلى ~~بلعم - وكان عنده اسم الله الأعظم - فقالوا: إن موسى رجل حديد ومعه جند ~~كثير، وأنه جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ويحلها بني إسرائيل، وأنت رجل ~~مجاب الدعوة، فاخرج فادع الله أن يردهم عنا، فقال لهم: ويلكم نبي ~~الله ومعه الملائكة والمؤمنون كيف أدعو عليهم وأنا أعلم من الله ما أعلم، ~~وإني إن فعلت هذا ذهبت دنياي وآخرتي، فراجعوه وألحوا عليه فقال: حتى ~~أؤامر ربي، وكان لا يدعوه حتى ينظر ما يؤمر به في المنام فآمر في الدعاء ~~عليهم، فقيل له في المنام: لا تدع عليهم، ms0899 فقال لقومه: إني قد آمرت ربي ~~وإني قد نهيت فأهدوا إليه هدية فقبلها، ثم راجعوه فقال: حتى أؤامر ~~ربي فآمر، فلم يوح إليه شيء، فقال: قد آمرت فلم يوح إلي شيء، فقالوا: ~~لو كره ربك أن تدعو عليهم لنهاك كما نهاك في المرة الأولى، فلم يزالوا ~~يتضرعون إليه حتى فتنوه فافتتن فركب أتانا له متوجها إلى جبل يطلعه ~~على عسكر بني إسرائيل يقال له حسبان، فلما سار عليه غير كثير ~~ربضت به، فنزل عنها فضربها حتى إذا أذلقها، قامت فركبها، فلم تسر ~~به كثيرا حتى ربضت، ففعل بها مثل ذلك فقامت، فركبها فلم تسر به كثيرا ~~حتى ربضت، فضربها حتى إذا أذلقها، أذن الله لها الكلام فكلمته حجة ~~عليه، فقالت: ويحك يا بلعم أين تذهب بي؟ ألا ترى الملائكة أمامي تردني ~~عن وجهي هذا؟ أتذهب بي إلى نبي الله والمؤمنين تدعو عليهم؟ فلم ينزع، ~~فخلى الله سبيلها فانطلقت حتى إذا أشرفت به على جبل حسبان جعل يدعو ~~عليهم ولا يدعو بشيء إلا صرف الله به لسانه إلى قومه، ولا يدعو لقومه ~~بخير إلا صرف الله به لسانه إلى بني إسرائيل، فقال له قومه: يا بلعم ~~أتدري ماذا تصنع إنما تدعو لهم علينا؟ فقال: هذا ما لا أملكه، هذا شيء قد ~~غلب الله عليه فاندلع لسانه فوقع على صدره، فقال لهم: قد ذهبت الآن مني ~~الدنيا والآخرة، فلم يبق إلا المكر والحيلة، فسأمكر لكم وأحتال جملوا ~~النساء وزينوهن وأعطوهن السلع، ثم أرسلوهن إلى العسكر يبعنها فيه، ~~ومروهن فلا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها، فإنهم إن زنا رجل واحد ~~منهم كفيتموهم، ففعلوا فلما دخل النساء العسكر مرت امرأة من ~~الكنعانيين، اسمها كستى بنت صور، برجل من عظماء بني إسرائيل يقال له ~~زمري بن شلوم رأس سبط شمعون بن يعقوب، فقام إليها فأخذ بيدها حين أعجبه ~~جماله ثم أقبل بها حتى وقف بها على موسى، فقال: إني أظنك ستقول هذه حرام ~~عليك؟ فقال: أجل هي حرام عليك لا تقربها، قال: فوالله لا ms0900 أطيعك في هذا، ~~ثم دخل بها قبته فوقع عليها، فأرسل الله الطاعون على بني إسرائيل في ~~الوقت، وكان فنحاص بن العيزار بن هارون صاحب أمر موسى، وكان رجلا قد ~~أعطي بسطة في الخلق وقوة في البطش، وكان غائبا حين صنع زمري بن شلوم ~~ما صنع، فجاء والطاعون يجوس بني إسرائيل فأخبر الخبر، فأخذ حربته وكانت ~~من حديد كلها، ثم دخل عليهما القبة، وهما متضاجعان فانتظمهما بحربته، ثم ~~خرج بهما رافعهما إلى السماء، والحربة قد أخذها بذراعه واعتمد بمرفقه على ~~خاصرته، وأسند الحربة إلى لحيته وكان بكر العيزار، وجعل يقول: اللهم ~~هكذا نفعل بمن يعصيك ورفع الطاعون، فحسب من هلك من بني إسرائيل في ~~الطاعون فيما بين أن أصاب زمري المرأة إلى أن قتله فنحاص، فوجدوا قد هلك ~~منهم سبعون ألفا في ساعة من النهار، فمن هنالك يعطي بنو إسرائيل ولد ~~فنحاص من كل ذبيحة ذبحوها القبة والذراع واللحى لاعتماده بالحربة على ~~خاصرته، وأخذه إياها بذراعه، وإسناده إياها إلى لحيته، والبكر من كل ~~أموالهم وأنفسهم، لأنه كان بكر العيزار، وفي بلعم أنزل الله تعالى;: " ~~واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا " الآية. # وقال مقاتل: إن ملك البلقاء قال لبلعام: ادع الله على موسى، فقال: ~~إنه من أهل ديني لا أدعو عليه، فنحت خشبة ليصلبه فلما رأى ذلك خرج على ~~أتان له ليدعو عليه، فلما عاين عسكرهم قامت به الأتان ووقفت فضربها، ~~فقالت له: لم تضربني؟ إني مأمورة هذه نار أمامي قد منعتني أن أمشي فرجع ~~وأخبر الملك، فقال: لتدعون عليه، أو لأصلبنك، فدعا على موسى بالاسم ~~الأعظم: أن لا يدخل المدينة فاستجيب له ووقع موسى وبنو إسرائيل في التيه ~~بالدعاية، فقال موسى: يا رب بأي ذنب وقعنا في التيه؟ فقال: بدعاء بلعام، ~~قال: فكما سمعت دعاءه علي فاسمع دعائي عليه، فدعا موسى عليه السلام ~~أن ينزع عنه الاسم الأعظم والإيمان، فنزع الله عنه المعرفة وسلخه منها ~~فخرجت منه صدره كحمامة بيضاء، فذلك قوله: " فانسلخ منها ". # وقال عبدالله بن عمرو بن العاص، وسعيد ms0901 بن المسيب، وزيد بن أسلم: نزلت ~~هذه الآية في أمية بن أبي الصلت الثقفي، وكانت قصته: أنه كان قد قرأ ~~الكتب وعلم أن الله مرسل رسولا فرجا أن يكون هو ذلك الرسول، فلما ~~أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم حسده وكفر به، وكان صاحب حكمة وموعظة ~~حسنة، وكان قصد بعض الملوك فلم رجع مر على قتلى بدر، فسأل عنهم فقيل: ~~قتلهم محمد، فقال: لو كان نبيا ما قتل أقرباءه، فلما مات أمية أتت أخته ~~فارعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن وفاة أخيها فقالت: بينما هو راقد أتاه آتيان فكشفا سقف ~~البيت، فنزلا فقعد أحدهما عند رجليه والآخر عند رأسه، فقال الذي عند ~~رجليه للذي عند رأسه: أوعى؟ قال: وعى؟ قال أزكى؟ قال: أبى، قالت: فسألته ~~عن ذلك، فقال: خير أريد بي، فصرف عني فغشي عليه، فلما أفاق قال: # كل عيش وإن تطاول دهرا # صائر مرة إلى أن يزولا # ليتني كنت قبل ما قد بدا لي # في قلال الجبال أرعى الوعولا # إن يوم الحساب يوم عظيم # شاب فيه الصغير يوما ثقيلا # ثم قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أنشديني من شعر أخيك، فأنشدته بعض قصائده، فقال لها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: آمن شعره وكفر قلبه " # ،فأنزل الله عز وجل: { واتل عليهم نبأ الذى ~~ءاتينه ءايتنا فانسلخ منها } الآية. # وفي رواية عن ابن عباس: أنها نزلت في البسوس، رجل من بني إسرائيل وكان ~~قد أعطي له ثلاث دعوات مستجابات، وكان له امرأة له منها ولد، فقالت: ~~اجعل لي منها دعوة، فقال: لك منها واحدة فما تريدين؟ قالت: ادع الله ~~أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل، فدعا لها فجعلت أجمل النساء في ~~بني إسرائيل، فلما علمت أنه ليس فيهم مثلها رغبت عنه، فغضب الزوج ودعا ~~عليها فصارت كلبة نباحة، فذهب فيها دعوتان، فجاء بنوها وقالوا: ليس لنا ~~على هذا قرار، قد صارت أمنا كلبة نباحة، والناس يعيروننا بها، ms0902 ادع ~~الله أن يردها إلى الحال التي كانت عليها، فدعا الله فعادت كما كانت ~~فذهبت فيها الدعوات كلها. والقولان الأولان أظهر. # قال الحسن وابن كيسان: نزلت في منافقي أهل الكتاب الذين كانوا يعرفون ~~النبي صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم. # وقال قتادة: هذا مثل ضربه الله عز وجل لمن عرض عليه الهدى فأبى أن ~~يقبله، فذلك قوله: " واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا ". قال ابن ~~عباس والسدي: اسم الله الأعظم. قال ابن زيد: كان لا يسأل الله شيئا إلا ~~أعطاه. وقال ابن عباس في رواية أخرى: أوتي كتابا من كتب الله فانسلخ، ~~أي: خرج منها كما تنسلخ، أي: خرج منها كما تنسلخ الحية من جلدها. { ~~فأتبعه الشيطن } ، أي: لحقه وأدركه، { فكان من ~~الغاوين }. ### || [7.176] # { ولو شئنا لرفعنه بها } ، أي: رفعنا درجته ومنزلته ~~بتلك الآيات. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لرفعناه بعلمه بها. وقال ~~مجاهد وعطاء: لرفعنا عنه الكفر وعصمناه بالآيات. { ولكنه ~~أخلد إلى الأرض } ، أي: سكن إلى الدنيا ومال إليها. قال الزجاج: ~~خلد وأخلد واحد. وأصله من الخلود وهو الدوام والمقام، يقال: أخلد فلان ~~بالمكان إذا أقام به، والأرض هاهنا عبارة عن الدنيا، لأن ما فيها من ~~القفار والرباع كلها أرض، وسائر متاعها مستخرج من الأرض. { واتبع ~~هواه } ، انقاد لما دعاه إليه الهوى. قال ابن زيد: كان هواه مع القوم. ~~قال عطاء: أراد الدنيا وأطاع شيطانه، وهذه أشد آية على العلماء، وذلك أن ~~الله أخبر أنه آتاه [آية] من اسمه الأعظم والدعوات المستجابة والعلم ~~والحكمة، فاستوجب بالسكون إلى الدنيا واتباع الهوى تغيير النعمة عليه ~~بالانسلاخ عنها، ومن الذي يسلم من هاتين الخلتين إلا من عصمه الله؟ # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبدالله بن أبي توبة أنا محمد بن أحمد بن ~~الحارث، أنا محمد بن يعقوب الكسائي، أنا عبدالله بن محمود، أنا إبراهيم ~~بن عبدالله الخلال، أنا عبدالله بن المبارك عن زكريا بن أبي زائدة، عن ~~محمد بن عبدالرحمن بن أسعد بن زرارة عن كعب بن مالك الأنصاري عن ms0903 أبيه، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على ~~المال والشرف لدينه ". # قوله تعالى: { فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه ~~يلهث أو تتركه يلهث } ، يقال: لهث الكلب يلهث لهثا: إذا ~~أدلع بلسانه. قال مجاهد: هو مثل الذي يقرأ الكتاب ولا يعمل به. # والمعنى: إن هذا الكافر إن زجرته لم ينزجر، وإن تركته لم يهتد، ~~فالحالتان عنده سواء، كحالتي الكلب: إن طرد وحمل عليه بالطرد كان ~~لاهثا، وإن ترك وربض كان لاهثا. قال القتيبي: كل شيء يلهث إنما يلهث ~~من إعياء أو عطش إلا الكلب، فإنه يلهث في حال الكلال وحال الراحة وفي حال ~~العطش، فضربه الله مثلا لمن كذب بآياته، فقال: إن وعظته فهو ضال وإن ~~تركته فهو ضال كالكلب إن طردته لهث، وإن تركته على حاله لهث، نظيره قوله ~~تعالى: # وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سوآء ~~عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون # [الأعراف:193]، ثم عم بهذا التمثيل جميع من يكذب بآيات الله، فقال: { ~~ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآيتنا فاقصص ~~القصص لعلهم يتفكرون } ، وقيل: هذا مثل لكفار مكة وذلك ~~أنهم كانوا يتمنون هاديا يهديهم ويدعوهم إلى طاعة الله، فلما جاءهم ~~نبي لا يشكون في صدقه كذبوه فلم يهتدوا وتركوا أو دعوا. ### || [7.177-178] # { سآء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا } أي: بأس ~~مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا، وتقديره: ساء مثلا مثل القوم، فحذف مثل ~~وأقيم القوم مقامه فرفع، { وأنفسهم كانوا يظلمون }. # { من يهد الله فهو المهتدى ومن يضلل ~~فأولئك هم الخسرون }. ### || [7.179-180] # { ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس } ~~أخبر الله تعالى أنه خلق كثيرا من الجن والإنس للنار، وهم الذين حقت ~~عليهم الكلمة الأزلية بالشقاوة، ومن خلقه الله لجهنم فلا حيلة له في ~~الخلاص منها. # أخبرنا أبو بكر يعقوب بن أحمد بن محمد بن علي الصيرفي، أنا أبو محمد ~~الحسن بن أحمد المخلدي، أنا أحمد بن محمد بن أبي حمزة البلخي، حدثنا موسى ~~بن محمد بن الحكم الشطوي، ms0904 حدثنا حفص بن غياث عن طلحة بن يحيى، عن عائشة ~~بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: # " أدرك النبي صلى الله عليه وسلم جنازة صبي من صبيان الأنصار، فقالت ~~عائشة: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «وما يدريك؟ إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا وهم في أصلاب ~~آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم» ". # وقيل: اللام في قولهم " لجهنم " لام العاقبة، أي: ذرأناهم، وعاقبة أمرهم ~~جهنم؛ كقوله تعالى: # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا # [القصص: 8]، ثم وصفهم فقال: { لهم قلوب لا يفقهون بها } ~~، أي: لا يعملون بها الخير والهدى، { ولهم أعين لا يبصرون ~~بها } ، طريق الحق وسبيل الرشاد، { ولهم ءاذان لا ~~يسمعون بهآ } ، مواعظ القرآن فيتفكرون فيها ويعتبرون بها، ثم ضرب ~~لهم مثلا في الجهل والاقتصار على الأكل والشرب، فقال: { أولئك ~~كالأنعم بل هم أضل } ، أي: كالأنعام في أن همتهم في ~~الأكل والشرب والتمتع بالشهوات، بل هم أضل لأن الأنعام تميز بين ~~المضار والمنافع، فلا تقدم على المضار، وهؤلاء يقدمون على النار معاندة ~~مع العلم بالهلاك، { أولئك هم الغفلون }. # قوله تعالى: { ولله الأسمآء الحسنى فادعوه بها } ، ~~قال مقاتل: وذلك أن رجلا دعا الله في صلاته ودعا الرحمن، فقال بعض مشركي ~~مكة: إن محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه يدعون أنهم يعبدون ربا ~~واحدا فما بال هذا يدعو اثنين؟ فأنزل الله عز وجل: " ولله الأسماء ~~الحسنى فادعوه به ". والحسنى تأنيث الأحسن كالكبرى والصغرى فادعوه بها. # أخبرنا أحمد بن عبدالله الصالحي، أنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبدالله ~~بن بشران، أنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار، أنا أحمد بن منصور ~~الرمادي حدثنا عبدالرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة: عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة، ~~إنه وتر يحب الوتر ". # { وذروا الذين يلحدون فى أسمئه } ، قرأ حمزة: " ~~يلحدون " - بفتح الياء والحاء حيث كان ms0905 - ووافقه الكسائي في النحل، ~~والباقون بضم الياء وكسر الحاء، ومعنى الإلحاد هو: الميل عن [المقصد]، ~~يقال: ألحد يلحد إلحادا، ولحد يلحد لحودا إذا مال. # قال يعقوب بن السكيت: الإلحاد هو العدول عن الحق، وإدخال ما ليس منه ~~فيه، يقال: ألحد في الدين، ولحد، وبه قرأ حمزة. # { وذروا الذين يلحدون فى أسمئه }: هم المشركون ~~عدلوا بأسماء الله تعالى عما هي عليه، فسموا بها أوثانهم فزادوا ~~ونقصوا، فاشتقوا اللات من " الله " والعزى من " العزيز " ومناة من " ~~المنان " ، هذا قول ابن عباس ومجاهد. # وقيل: هو تسميتهم الأصنام آلهة. وروي عن ابن عباس: يلحدون في أسمائه أي ~~يكذبون. وقال أهل المعاني: الإلحاد في أسماء الله: تسميته بما لم يسم ~~به، ولم ينطق به كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وجملته أن أسماء الله تعالى على التوقيف فإنه يسمى جوادا ولا يسمى ~~سخيا، وإن كان في معنى الجواد، ويسمى رحيما ولا يسمى رفيقا، ويسمى ~~عالما ولا يسمى عاقلا. وقال تعالى: # يخادعون الله وهو خادعهم # [النساء: 142]، وقال عز من قائل: # ومكروا ومكر الله # [آل عمران: 54]، ولا يقال في الدعاء: يا مخادع، يا مكار، بل بدعى ~~بأسمائه التي ورد بها التوقيف على وجه التعظيم، فيقال: يا الله، يا رحمن، ~~يا رحيم، يا عزيز، يا كريم ونحو ذلك. { سيجزون ما كانوا ~~يعملون } في الآخرة. ### || [7.181-184] # قوله تعالى: { وممن خلقنآ أمة } أي: عصابة، { يهدون ~~بالحق وبه يعدلون } ، قال عطاء عن ابن عباس: يريد أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم وهم المهاجرون والتابعون لهم بإحسان. # " وقال قتادة: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية ~~قال: «هذه لكم وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلها، ومن قوم موسى أمة يهدون ~~بالحق وبه يعدلون» ". # أخبرنا عبدالواحد المليحي، أنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل، حدثنا الحميدي، حدثني الوليد، حدثني ابن جابر، ~~وهو عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني عمير بن هانيء أنه سمع معاوية رضي ~~الله عنه يقول: ms0906 سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " لا تزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم ولا من ~~خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك " # وقال الكلبي: هم من جميع الخلق. # { والذين كذبوا بآيتنا سنستدرجهم من حيث ~~لا يعلمون } قال عطاء: سنمكر بهم من حيث لا يعلمون. وقيل: نأتيهم ~~من مأمنهم؛ كما قال: # فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا # [الحشر: 2]، قال الكلبي: يزين لهم أعمالهم ويهلكهم، وقال الضحاك: كلما ~~جددوا معصية جددنا لهم نعمة. قال سفيان الثوري: نسبغ عليهم النعمة ~~وننسيهم الشكر. قال أهل المعاني: الاستدراج أن يتدرج إلى الشيء في خفية ~~قليلا قليلا فلا يباغت ولا يجاهر، ومنه درج الصبي إذا قارب بين خطاه ~~في المشي، ومنه درج الكتاب إذا طواه شيئا بعد شيء. # { وأملى لهم } ، أي: أمهلهم وأطيل لهم مدة عمرهم ليتمادوا في ~~المعاصي، { إن كيدى متين } ، أي: إن أخذي قوي شديد، قال ابن ~~عباس: إن مكري شديد. قيل: نزلت في المستهزئين، فقتلهم الله في ليلة ~~واحدة. # قوله تعالى: { أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة ~~}. قال قتادة: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قام على الصفا ليلا، ~~فجعل يدعو قريشا فخذا فخذا: يا بني فلان، يا بني فلان، يحذرهم بأس ~~الله ووقائعه، فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون بات يصوت إلى ~~الصباح، فأنزل الله تعالى: " أولم يتفكروا ما بصاحبهم " ، محمد صلى ~~الله عليه وسلم: { من جنة } جنون، { إن هو } ، ما هو، { إلا ~~نذير مبين } ، ثم حثهم على النظر المؤدي إلى العلم فقال: { ~~أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما ~~خلق الله } ### || [7.185-187] # { أولم ينظروا فى ملكوت السموت والأرض وما ~~خلق الله } ، فيهما، { من شىء } ، أي: وينظروا إلى ما خلق الله ~~فيهما من شيء ليستدلوا بها على وحدانيته. { وأن عسى أن يكون ~~قد اقترب أجلهم } ، أي: لعل أن يكون قد اقترب أجلهم فيموتوا ~~قبل أن يؤمنوا ويصيروا إلى العذاب، { فبأي حديث بعده ~~يؤمنون } ، أي: بعد القرآن يؤمنون، يقول: بأي كتاب غير ما ms0907 جاء به ~~محمد صلى الله عليه وسلم يصدقون، وليس بعده نبي ولا كتاب، ثم ذكر علة ~~إعراضهم عن الإيمان فقال: # { من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم } ، قرأ أهل ~~البصرة وعاصم بالياء ورفع الراء، وقرأ حمزة والكسائي بالياء وجزم الراء، ~~لأن ذكر الله قد مر قبله، وجزم الراء مردود على " يظلل " ، وقرأ ~~الآخرون: بالنون ورفع الراء على أنه كلام مستأنف. { فى طغينهم ~~يعمهون } ، يترددون متحيرين. # قوله تعالى: { يسألونك عن الساعة أيان مرسها } ، ~~قال قتادة: قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن بيننا وبينك ~~قرابة فأسر إلينا متى الساعة؟ فأنزل الله تعالى: " يسألونك عن الساعة ~~" ، يعني: القيامة، { أيان مرسها } ، قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: منتهاها. وقال قتادة: قيامها. وأصله الثبات، أي: مثبتها، { قل } ~~يا محمد { إنما علمها عند ربي } ، استأثر بعلمها ولا ~~يعلمها إلا هو، { لا يجليها } ، لا يكشفها ولا يظهرها. قال مجاهد: ~~لا يأتي بها، { لوقتهآ إلا هو ثقلت فى السموت ~~والأرض } ، يعني: ثقل علمها وخفي أمرها على أهل السموات والأرض، وكل ~~خفي ثقيل. قال الحسن: يقول إذا جاءت ثقلت وعظمت على أهل السموات والأرض، ~~{ لا تأتيكم إلا بغتة } ، فجأة على غفلة. # أخبرنا عبدالواحد المليحي، حدثنا أحمد بن عبدالله النعيمي حدثنا محمد بن ~~يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، حدثنا أبو ~~الزناد عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا ~~يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ~~ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع ~~أكلته إلى فيه فلا يطعمها ". # { يسألونك كأنك حفى عنها } ، أي عالم بها من قولهم ~~أحفيت في المسألة، أي: بالغت فيها، معناه: كأنك بالغت في السؤال عنها حتى ~~علمتها، { قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون } ، أن علمها عند الله حتى سألوا محمدا صلى ~~الله عليه وسلم عنها. ### || [7.188] # { قل لا أملك ms0908 لنفسى نفعا ولا ضرا إلا ما شآء ~~الله } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن أهل مكة قالوا: يا محمد ألا ~~يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلو فتشتريه وتربح فيه عند الغلاء، ~~وبالأرض التي يريد أن تجدب فترتحل منها إلى ما قد أخصبت؟ فأنزل الله ~~تعالى: " قل لا أملك لنفسي نفعا " ، أي: لا أقدر لنفسي نفعا، أي: ~~اجتلاب نفع بأن أربح ولا ضرا، أي دفع ضر بأن ارتحل من أرض يريد أن ~~تجدب إلا ما شاء الله أن أملكه. # { ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما ~~مسنى السوء } ، أي: لو كنت أعلم الخصب والجدب لاستكثرت من ~~الخير، أي: من المال لسنة لقحط { وما مسني السوء } ، أي: ~~الضر والفقر والجوع. # وقال ابن جريج: " قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا " ، يعني: الهدى ~~والضلالة، (ولو كنت أعلم الغيب)، أي: متى أموت لاستكثرت من الخير، يعني: ~~من العمل الصالح وما مسني السوء. # قال ابن زيد: واجتنبت ما يكون من الشر واتقيته. # وقيل: معناه ولو كنت أعلم الغيب أي متى الساعة لأخبرتكم حتى تؤمنوا وما ~~مسني السوء بتكذيبكم. وقيل: وما مسني السوء: ابتداء، يريد وما مسني ~~الجنون لأنهم كانوا ينسبونه إلى الجنون. { إن أنا إلا نذير } ~~، لمن لا يصق بما جئت به، { وبشير } ، بالجنة، { لقوم ~~يؤمنون } ، يصدقون. ### || [7.189-190] # قوله تعالى: { هو الذى خلقكم من نفس وحدة } ، ~~يعني: آدم، { وجعل } ، وخلق { منها زوجها } ، يعني: حواء، { ~~ليسكن إليها } ، ليأنس بها ويأوي إليها { فلما تغشاها ~~} ، أي: واقعها وجامعها { حملت حملا خفيفا } ، وهو أول ما تحمل ~~المرأة من النطفة يكون خفيفا عليها، { فمرت به } ، أي: استمرت ~~به وقامت وقعدت به، ولم يثقلها، { فلمآ أثقلت } ، أي: كبر الولد ~~في بطنها وصارت ذات ثقل بحملها ودنت ولادتها، { دعوا الله ~~ربهما } ، يعني آدم وحواء، { لئن ءاتيتنا } يا ربنا { ~~صالحا } ، أي: بشرا سويا مثلنا، { لنكونن من ~~الشكرين } ، قال المفسرون: فلما حملت حواء أتاها إبليس في صورة ~~رجل، فقال لها: ما الذي في بطنك؟ قالت: ما أدري. قال: إني أخاف أن ms0909 يكون ~~بهيمة، أو كلبا، أو خنزيرا، وما يدريك من أين يخرج، من دبرك فيقتلك، أو ~~من قبلك وينشق بطنك، فخافت حواء من ذلك، وذكرت ذلك لآدم عليه السلام ~~فلم يزالا في هم من ذلك، ثم عاد إليها فقال: إني من الله بمنزلة، فإن ~~دعوت الله أن يجعله خلقا سويا مثلك ويسهل عليك خروجه تسميه ~~عبدالحارث؟ - وكان اسم إبليس في الملائكة الحارث - فذكرت ذلك لآدم، فقال: ~~لعله صاحبنا الذي قد علمت، فعاودها إبليس فلم يزل بهما حتى غرهما، ~~فلما ولدت سمياه عبدالحارث. # قال الكلبي: قال إبليس لها إن دعوت الله فولدت إنسانا أتسمينه بي؟ ~~قالت: نعم، فلما ولدت قال سميه بي، قالت: وما اسمك؟ قال: الحارث، ولو سمى ~~لها نفسه لعرفته فسمته عبدالحارث. # وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت حواء تلد لآدم فيسميه ~~عبدالله، وعبيدالله وعبدالرحمن، فيصيبهم الموت، فأتاهما إبليس وقال: إن ~~سركما أن يعيش لكما ولد فسمياه عبدالحارث، فولدت فسمياه عبدالحارث ~~فعاش. وجاء في الحديث: # " خدعهما إبليس مرتين مرة في الجنة ومرة في الأرض ". # وقال ابن زيد: ولد لآدم ولد فسماه عبدالله فأتاهما إبليس فقال: ما ~~سميتما ابنكما؟ قالا: عبد الله - وكان قد ولد لهما قبل ذلك ولد فسمياه ~~عبدالله فمات - فقال إبليس: أتظنان أن الله تارك عبده عندكما، والله ~~ليذهبن به كما ذهب بالآخر، ولكن أدلكم على اسم يبقى لكما ما بقيتما، ~~فسمياه عبدشمس. والأول أصح، فذلك قوله: # { فلمآ ءاتهما صلحا } ، بشرا سويا، { جعلا له ~~شركآء فيمآ ءاتهما } ، قرأ أهل المدينة وأبو بكر " شركا " ~~بكسر الشين والتنوين، أي: شركة، قال أبو عبيدة: أي حظا ونصيبا، وقرأ ~~الآخرون " شركاء " بضم الشين ممدودا على جمع شريك يعني إبليس، أخبر عن ~~الواحد بلفظ الجمع، أي: جعلا له شريكا إذ سمياه عبدالحارث، ولم يكن ~~هذا إشراكا في العبادة ولا أن الحارث ربهما فإن آدم كان نبيا معصوما ~~من الشرك، ولكن قصد إلى أن الحارث كان سبب نجا الولد وسلامة أمه، وقد ~~يطلق اسم العبد على من لا يراد به أنه ms0910 مملوك، كما يطلق اسم الرب على من ~~لا يراد أنه معبود هذا، كالرجل إذا نزل به ضيف يسمي نفسه عبدالضيف، على ~~وجه الخضوع لا على وجه أن الضيف ربه، ويقول للغير: أنا عبدك، قال يوسف ~~لعزيز مصر: إنه ربي، ولم يرد به أنه معبوده، وكذلك هذا. # وقوله: { فتعلى الله عما يشركون } ، قيل: هذا ابتداء ~~كلام وأراد به إشراك أهل مكة، ولئن أراد به ما سبق فمستقيم من حيث أنه ~~كان الأولى بهما أن لا يفعلا ما أتيا به من الإشراك في الاسم. # وفي الآية قول آخر: وهو أنه راجع إلى جميع المشركين من ذرية آدم، وهو ~~قول الحسن وعكرمة، ومعناه: جعل أولادهما شركاء، فحذف الأولاد وأقامهما ~~مقامهم، كما أضاف فعل الآباء إلى الأبناء في تعييرهم بفعل الآباء، فقال: ~~" ثم اتخذتم العجل " ، " وإذ قتلتم نفسا " خاطب به اليهود الذين كانوا ~~في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك الفعل من آبائهم. وقيل: هم ~~اليهود والنصارى، رزقهم الله أولادا فهودوا ونصروا. وقال ابن ~~كيسان: هم الكفار سموا أولادهم عبدالعزى وعبداللات وعبدمناة ونحوه. ~~وقال عكرمة: خاطب كل واحد من الخلق بقوله خلقكم أي خلق كل واحد من أبيه ~~وجعل منها زوجها، أي: جعل من جنسها زوجها، وهذا قول حسن، لولا قول ~~السلف مثل عبدالله بن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وسعيد بن المسيب وجماعة ~~من المفسرين إنه في آدم وحواء. # قال الله تعالى: { فتعالى الله عما يشركون }. ### || [7.191-194] # قوله تعالى: { أيشركون ما لا يخلق شيئا } يعني: إبليس ~~والأصنام، { وهم يخلقون } ، أي: هم مخلوقون. # { ولا يستطيعون لهم نصرا } ، أي: الأصنام لا تنصر من ~~أطاعها، { ولآ أنفسهم ينصرون } ، قال الحسن: لا يدفعون عن ~~أنفسهم مكروه من أرادهم بكسر أو نحوه، ثم خاطب المؤمنين فقال: # { وإن تدعوهم إلى الهدى } ، وإن تدعوا المشركين إلى ~~الإسلام، { لا يتبعوكم } ، قرأ نافع بالتخفيف، وكذلك: # يتبعهم الغاوون # [الشعراء: 224]، وقرأ الآخرون بالتشديد فيهما وهما لغتان، يقال: تبعه ~~تبعا وأتبعه إتباعا. { سوآء عليكم أدعوتموهم } ، إلى ~~الدين، { أم أنتم صمتون } ، عن دعائهم لا ms0911 يؤمنون؛ كما قال: # سوآء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا ~~يؤمنون # [البقرة: 6]، وقيل: " وإن تدعوهم إلى الهدى " ، يعني الأصنام، لا ~~يتبعوكم لأنها غير عاقلة. # { إن الذين تدعون من دون الله } ، يعني الأصنام، { ~~عباد أمثالكم } ، يريد أنها مملوكة أمثالكم. وقيل: أمثالكم في ~~التسخير، أي: أنهم مسخرون مذللون لما أريد منهم. قال مقاتل: قوله ~~" عباد أمثالكم " أراد به الملائكة، والخطاب مع قوم كانوا يعبدون ~~الملائكة. والأول أصح. # { فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صدقين } ، ~~أنها آلهة. قال ابن عباس: فاعبدوهم، هل يثيبونكم أو يجازونكم إن كنتم ~~صادقين أن لكم عندها منفعة. ### || [7.195-199] # ثم بين عجزهم فقال: { ألهم أرجل يمشون بهآ أم لهم ~~أيد يبطشون بهآ } قرأ جعفر بضم الطاء هنا وفي القصص والدخان، ~~وقرأ الآخرون بكسر الطاء، { أم لهم أعين يبصرون بهآ أم ~~لهم ءاذان يسمعون بها } ، أراد أن قدرة المخلوقين تكون بهذه ~~الجوارح والآلات، وليست للأصنام هذه الآلات، وأنتم مفضلون عليهم ~~بالأرجل الماشية والأيدي الباطشة والأعين الباصرة والآذان السامعة، وكيف ~~تعبدون من أنتم أفضل وأقدر منهم؟ { قل ادعوا شركآءكم } ، يا ~~معشر المشركين، { ثم كيدون } ، أنتم وهم، { فلا تنظرون } ، ~~أي: لا تمهلوني واعجلوا في كيدي. # قوله: { إن وليى الله الذى نزل الكتب } ، يعني ~~القرآن، أي: إنه يتولاني وينصرني كما أيدني بإنزال الكتاب، { وهو ~~يتولى الصلحين } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد الذين ~~لا يعدلون بالله شيئا، فالله يتولاهم بنصره فلا يضرهم عداوة من ~~عاداهم. # { والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ~~ولا أنفسهم ينصرون }. # { وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا } ، يعني الأصنام، ~~{ وتراهم } يا محمد { ينظرون إليك } ، يعني: الأصنام، { ~~وهم لا يبصرون } ، وليس المراد من النظر حقيقة النظر، إنما ~~المراد منه المقابلة، تقول العرب: داري تنظر إلى دارك، أي: تقابلها، ~~وقيل: وتراهم ينظرون إليك أي: كأنهم ينظرون إليك؛ كقوله تعالى: # وترى الناس سكارى # [الحج: 2]، أي: كأنهم سكارى هذا قول [أكثر] المفسرين. وقال الحسن: " ~~وإن تدعوهم إلى الهدى " ، يعني: المشركين لا يسمعوا ولا يفعلون ذلك ~~بقلوبهم وتراهم ينظرون إليك بأعينهم وهم لا يبصرون ms0912 بقلوبهم. # قوله تعالى: { خذ العفو } ، قال عبدالله بن الزبير: أمر الله ~~نبيه عليه الصلاة والسلام أن يأخذ العفو من أخلاق الناس. وقال مجاهد: ~~خذ العفو يعني العفو من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تجسس، وذلك مثل قبول ~~الاعتذار والعفو والمساهلة وترك البحث عن الأشياء ونحو ذلك. # " وروي أنه لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لجبريل: «ما هذا؟ قال: لا أدري حتى أسأله، ثم رجع فقال: إن ربك يأمرك أن ~~تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك» ". # وقال ابن عباس رضي الله عنهما والسدي والضحاك والكلبي: يعني خذ ما عفا ~~لك من الأموال وهو الفضل عن العيال، وذلك معنى قوله: # ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو # [البقرة: 219]، ثم نسخت هذه بالصدقات المفروضات. قوله تعالى: { ~~وأمر بالعرف } ، أي: بالمعروف، وهو كل ما يعرفه الشرع. وقال ~~عطاء: وأمر بالعرف يعني بلا إله إلا الله. { وأعرض عن ~~الجهلين } ، أبي جهل وأصحابه، نسختها آية السيف. وقيل: إذا تسفه ~~عليك الجاهل فلا تقابله بالسفه، وذلك مثل قوله: # وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما # [الفرقان: 63]، وذلك سلام المتاركة. قال جعفر الصادق: أمر الله نبيه ~~صلى الله عليه وسلم بمكارم الأخلاق، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم ~~الأخلاق من هذه الآية. # أخبرنا عبدالواحد بن عبد الصمد الجرجاني ثنا أبو القاسم علي بن أحمد ~~الخزاعي ثنا الهيثم بن كليب ثنا أبو عيسى الترمذي ثنا محمد بن بشار، ثنا ~~محمد بن جعفر ثنا شعبة عن أبي إسحاق، عن أبي عبدالله الجدلي عن عائشة رضي ~~الله عنها أنها قالت: # " لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا ولا ~~سخابا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح ". # ثنا أبو الفضل زياد بن محمد الحنفي ثنا أبو سعيد عبدالملك بن أبي عثمان ~~الواعظ ثنا عمار بن محمد البغدادي ثنا أحمد بن سعيد الحافظ ثنا محمد بن ~~إسماعيل ثنا عمر بن إبراهيم يعني الكوفي ثنا يوسف بن محمد بن المنكدر عن ~~أبيه عن جابر ms0913 رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله بعثني لتمام مكارم الأخلاق وتمام محاسن الأفعال ". ### || [7.200-201] # قوله تعالى: { وإما ينزغنك من الشيطن نزغ } أي: ~~يصيبك ويعتريك ويعرض لك من الشيطان نزغ نخسة. والنزغ من الشيطان الوسوسة. ~~وقال الزجاج: النزغ أدنى حركة تكون من الآدمي، ومن الشيطان أدنى ~~وسوسة.وقال عبد الرحمن بن زيد: # " لما نزلت هذه الآية: " خذ العفو " ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«كيف يا رب والغضب»؟ فنزل: { وإما ينزغنك من الشيطن ~~نزغ فاستعذ بالله } " # ، أي: استجر بالله { إنه سميع عليم }. # { إن الذين اتقوا } ، يعني المؤمنين، { إذا مسهم ~~طئف من الشيطن } ، قرأ ابن كثير وأهل البصرة والكسائي: " ~~طيف " ، وقرأ الآخرون " طآئف " بالمد والهمز وهما لغتان كالميت والمائت، ~~ومعناهما: الشيء يلم بك. وفرق قوم بينهما، فقال أبو عمرو: الطائف ما ~~يطوف حول الشيء، والطيف: اللمة والوسوسة. وقيل: الطائف ما يطوف بك من ~~وسوسة الشيطان، والطيف: اللمم والمس. { تذكروا } ، عرفوا، قال ~~سعيد بن جبير: هو الرجل يغضب الغضبة فيذكر الله تعالى فيكظم الغيظ. وقال ~~مجاهد: الرجل يهم بالذنب فيذكر الله فيدعه. { فإذا هم مبصرون ~~} ، أي: يبصرون مواقع خطاياهم بالتذكر والتفكر. قال السدي: إذا زلوا ~~تابوا. وقال مقاتل: إن المتقي إذا أصابه نزغ من الشيطان تذكر وعرف أنه ~~معصية، فأبصر فنزغ عن مخالفة الله. ### || [7.202-204] # قوله: { وإخونهم يمدونهم } يعني: إخوان الشياطين من ~~المشركين يمدونهم، أي: يمدهم الشيطان. قال الكلبي: لكل كافر أخ من ~~الشياطين. { فى الغى } ، أي: يطلبون هم الإغواء حتى يستمروا عليه. ~~وقيل: يزيدونهم في الضلالة. وقرأ أهل المدينة: " يمدونهم " بضم الياء ~~وكسر الميم من الإمداد، والآخرون: بفتح الياء وضم الميم وهما لغتان بمعنى ~~واحد. { ثم لا يقصرون } ، أي: لا يكفون. قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: لا الإنس يقصرون عما يعملون من السيئات، ولا الشياطين يمسكون ~~عنهم، فعلى هذا قوله: " ثم لا يقصرون " من فعل المشركين والشياطين ~~جميعا. # قال الضحاك ومقاتل: يعني المشركين لا يقصرون عن الضلالة ولا ~~يبصرونها، بخلاف ما قال في المؤمنين: " تذكروا ms0914 فإذا هم مبصرون ". # { وإذا لم تأتهم بآية } ، يعني: إذا لم تأت المشركين بآية، ~~{ قالوا لولا اجتبيتها } ، هلا افتعلتها وأنشأتها من قبل ~~نفسك واختيارك؟ تقول العرب: اجتبيت الكلام إذا اختلقته. قال الكلبي: ~~كان أهل مكة يسألون النبي صلى الله عليه وسلم الآيات تعنتا فإذا تأخرت ~~اتهموه وقالوا: لولا اجتبيتها؟ أي: هلا أحدثتها وأنشأتها من عندك؟ { ~~قل } لهم يا محمد { إنمآ أتبع ما يوحى إلى من ~~ربى } ، ثم قال: { هذا } ، يعني: القرآن { بصآئر } ، حجج ~~وبيان وبرهان؟ { من ربكم } ، واحدتها بصيرة، وأصلها ظهور الشيء ~~واستحكامه حتى يبصره الإنسان، فيهتدي به يقول: هذا دلائل تقودكم إلى ~~الحق. { وهدى ورحمة لقوم يؤمنون }. # قوله عز وجل: { وإذا قرىء القرءان فاستمعوا له ~~وأنصتوا لعلكم ترحمون } ، اختلفوا في سبب نزول هذه ~~الآية، فذهب جماعة إلى أنها في القراءة في الصلاة. روي عن أبي هريرة ~~أنهم كانوا يتكلمون في الصلاة بحوائجهم فأمروا بالسكوت والاستماع إلى ~~قراءة القرآن. وقال قوم: نزلت في ترك الجهر بالقراءة خلف الإمام. # وروى زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي هريرة قال: نزلت هذه الآية في رفع ~~الأصوات وهم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة. # وقال الكلبي: كانوا يرفعون أصواتهم في الصلاة حين يسمعون ذكر الجنة ~~والنار. # وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه سمع ناسا يقرؤون مع الإمام فلما انصرف ~~قال: أما آن لكم أن تفقهوا وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا كما ~~أمركم الله؟ وهذا قول الحسن والزهري والنخعي: أن الآية في القراءة في ~~الصلاة. # وقال سعيد بن جبير وعطاء ومجاهد: إن الآية في الخطبة، أمروا بالإنصات ~~لخطبة الإمام يوم الجمعة. # وقال سعيد بن جبير: هذا في الإنصات يوم الأضحى والفطر ويوم الجمعة، ~~وفيما يجهر به الإمام. # وقال عمر بن عبد العزيز: يجب الإنصات لقول كل واعظ. # والأول أولاها، وهو أنها في القراءة في الصلاة لأن الآية مكية ~~والجمعة وجبت بالمدينة. # واتفقوا على أنه مأمور بالإنصات حالة ما يخطب الإمام. # أخبرنا عبدالوهاب بن محمد الخطيب ثنا عبدالعزيز بن أحمد الخلال ms0915 ثنا أبو ~~العباس الأصم ثنا الربيع ثنا الشافعي ثنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج ~~عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت ". # واختلف أهل العلم في القراءة خلف الإمام في الصلاة: فذهب جماعة إلى ~~إيجابها سواء جهر الإمام بالقراءة أو أسر. روي ذلك عن عمر، وعثمان ~~وعلي، وابن عباس، ومعاذ، وهو قول الأوزاعي والشافعي. # وذهب قوم إلى أنه يقرأ فيما أسر الإمام فيه القراءة ولا يقرأ إذا جهر. ~~يروى ذلك عن ابن عمر، وهو قول عروة بن الزبير والقاسم بن محمد، وبه قال ~~الزهري ومالك وابن المبارك وأحمد وإسحاق. # وذهب قوم إلى أنه لا يقرأ سواء أسر الإمام أو جهر، يروى ذلك عن جابر، ~~وبه قال الثوري وأصحاب الرأي، ويتمسك من لا يرى القراءة خلف الإمام بظاهر ~~هذه الآية، ومن أوجبها قال الآية في غير الفاتحة وإذا قرأ الفاتحة يتبع ~~سكتات الإمام ولا ينازع الإمام في القراءة. # والدليل عليه ما أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي، ثنا أبو محمد ~~عبدالجبار بن محمد الجراحي، ثنا أبو العباس المحبوبي، ثنا أبو عيسى ~~الترمذي، ثنا هناد ثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن إسحاق عن مكحول، عن ~~محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قال: # " صلى النبي صلى الله عليه وسلم الصبح فثقلت عليه القراءة، فلما ~~انصرف قال:إني أراكم تقرؤون وراء إمامكم؟ قال: قلنا: يا رسول الله ~~إي والله، قال:لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها ~~". ### || [7.205-206] # قوله تعالى: { واذكر ربك في نفسك } ، قال ابن عباس: يعني ~~بالذكر: القراءة في الصلاة، يريد يقرأ سرا في نفسه، { تضرعا ~~وخيفة } ، خوفا، أي: تتضرع إلي وتخاف مني هذا في صلاة السر. ~~وقوله: { ودون الجهر من القول } ، أراد في صلاة الجهر الجهر ~~جهرا شديدا، بل في خفض وسكون، تسمع من خلفك. وقال مجاهد وابن جريج: ~~أمر أن يذكروه في الصدور بالتضرع إليه في الدعاء ms0916 والاستكانة دون رفع ~~الصوت والصياح بالدعاء. { بالغدو والأصال ولا تكن من ~~الغفلين } ، أي: بالبكر والعشيات، واحد آصال: أصيل، مثل ~~يمين وأيمان، وهو ما بين العصر والمغرب. # { إن الذين عند ربك } ، يعني الملائكة المقربين بالفضل ~~والكرامة، { لا يستكبرون } ، لا يتكبرون، { عن عبادته ~~ويسبحونه } ، وينزهونه ويذكرونه، فيقولون: سبحان الله، { وله ~~يسجدون }. # أخبرنا أحمد بن عبدالله الصالحي، أنبأنا أحمد بن الحسن الحيري، أنبأنا ~~حاجب بن أحمد الطوسي، ثنا عبدالرحيم بن منيب، ثنا يعلى بن عبيد عن ~~الأعمش، عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي، فيقول: يا ~~ويله أمر هذا بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت ~~فلي النار ". # أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي ثنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، ~~ثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبدالجبار الرياني، ثنا حميد بن زنجويه، ~~ثنا محمد بن يوسف ثنا الأوزاعي، عن الوليد بن هشام، عن معدان قال: سألت ~~ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: حدثني حديثا ينفعني ~~الله به، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة ~~وحط عنه بها سيئة ". ### | [8 - سورة الأنفال] ### || [8.1] # { يسألونك عن الأنفال } الآية، قال أهل التفسير: سبب نزول ~~هذه الآية هو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: # " من أتى مكان كذا فله من النفل كذا ومن قتل قتيلا فله كذا ومن ~~أسر أسيرا فله كذا " # ، فلما التقوا تسارع إليه الشبان وأقام الشيوخ ووجوه الناس عند الرايات، ~~فلما فتح الله على المسلمين جاؤوا يطلبون ما جعل لهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقال الأشياخ: كنا ردءا لكم ولو انهزمتم لانحزتم إلينا، فلا ~~تذهبوا بالغنائم دوننا، وقام أبو اليسر بن عمرو الأنصاري أخو بني سلمة ~~فقال: يا رسول الله إنك وعدت أن من قتل قتيلا فله كذا ومن أسر أسيرا ~~فله كذا وإنا قد قتلنا ms0917 منهم سبعين وأسرنا منهم سبعين، فقام سعد بن معاذ ~~رضي الله عنه فقال: والله يا رسول الله ما منعنا أن نطلب ما يطلب هؤلاء ~~زهادة في الآخرة ولا جبن عن العدو، ولكن كرهنا أن تعرى مصافك فيعطف عليه ~~خيل من المشركين فيصيبوك، فأعرض عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وقال سعيد: يا رسول الله إن الناس كثير والغنيمة دون ذلك، فإن تعط هؤلاء ~~الذين ذكرت لا يبقى لأصحابك كثير شيء، فنزلت: " يسألونك عن الأنفال ". # وقال ابن إسحاق: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما في العسكر فجمع ~~فاختلف المسلمون فيه، فقال من جمعه: هو لنا، قد كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نفل كل امرىء ما أصاب، وقال الذين يقاتلون العدو: لولا نحن ~~ما أصبتموه، وقال الذين كانوا يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد ~~رأينا أن نقتل العدو وأن نأخذ المتاع ولكنا خفنا على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كرة العدو، وقمنا دونه فما أنتم بأحق به منا. # وروى مكحول عن أبي أمامة الباهلي قال: سألت عبادة بن الصامت عن ~~الأنفال، قال: فينا معشر أصحاب بدر نزلت، حين اختلفنا في النفل ~~وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا، فجعله إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيننا عن بواء يقول على ~~السواء وكان في ذلك تقوى الله وطاعة رسوله وصلاح ذات البين. # " وقال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: لما كان يوم بدر قتل أخي عمير، ~~وقتلت سعيد بن العاص بن أمية، وأخذت سيفه، وكان يسمى ذا الكثيفة، ~~فأعجبني فجئت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله إن ~~الله قد شفى صدري من المشركين فهب لي هذا السيف، فقال: «ليس هذا لي ولا ~~لك اذهب فاطرحه في القبض»، فطرحته ورجعت، وبي مالا يعلمه إلا الله من ~~قتل أخي وأخذ سلاحي، وقلت: عسى أن يعطي هذا السيف من لم يبل بلائي، ~~فما جاوزت ms0918 إلا قليلا حتى جاءني الرسول، وقد أنزل الله عز وجل: " ~~يسألونك عن الأنفال " الآية. فخفت أن يكون قد نزل في شيء فلما انتهيت ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا سعد إنك سألتني السيف وليس ~~لي، وإنه قد صار لي فاذهب فخذه فهو لك» ". # وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت المغانم ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة ليس لأحد فيها شيء، وما أصاب سرايا ~~المسلمين من شيء أتوه به فمن حبس منه إبرة أو سلكا فهو غلول. # قوله: { يسألونك عن الأنفال } ، أي: عن حكم الأنفال وعلمها، ~~وهو سؤال استخبار لا سؤال طلب. وقيل: هو سؤال طلب، قاله الضحاك وعكرمة. ~~وقوله: { عن الأنفال } ، أي: من الأنفال، عن بمعنى من. وقيل: عن ~~صلة، أي: يسألونك الأنفال، وهكذا قراءة ابن مسعود بحذف عن. والأنفال: ~~الغنائم، واحدها: نفل، وأصله الزيادة، يقال: نفلتك وأنفلتك أي زدتك. ~~سميت الغنائم أنفالا: لأنها زيادة من الله لهذه الأمة على الخصوص. # وأكثر المفسرين على أن الآية في غنائم بدر. وقال عطاء: هي ما شذ من ~~المشركين إلى المسلمين بغير قتال من عبد أو أمة أو متاع فهو للنبي صلى ~~الله عليه وسلم يصنع به ما شاء. # قوله تعالى: { قل الأنفال لله والرسول } ، [يقسمها كما ~~شاء] واختلفوا فيه، فقال مجاهد وعكرمة والسدي: هذه الآية منسوخة بقوله ~~عز وجل: " واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ~~وللرسول ". كانت الغنائم يومئذ للنبي صلى الله عليه وسلم فنسخها الله عز ~~وجل بالخمس. # وقال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم: هي ثابتة غير منسوخة، ومعنى الآية: قل ~~الأنفال لله مع الدنيا والآخرة وللرسول يضعها حيث أمره الله تعالى، أي: ~~الحكم فيها لله ولرسوله، وقد بين الله مصارفها في قوله عز وجل: " ~~واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول " الآية. # { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } ، أي: اتقوا الله بطاعته ~~وأصلحوا الحال بينكم بترك المنازعة والمخالفة، وتسليم أمر الغنيمة إلى ~~الله والرسول. { وأطيعوا الله ms0919 ورسوله إن كنتم ~~مؤمنين }. ### || [8.2-4] # { إنما المؤمنون } ، يقول ليس المؤمن الذي يخالف الله ورسوله، ~~إنما المؤمنون الصادقون في إيمانهم، { الذين إذا ذكر الله ~~وجلت قلوبهم } ، خافت وفرقت قلوبهم. وقيل: إذا خوفوا ~~بالله انقادوا خوفا من عقابه. { وإذا تليت عليهم ~~ءايته زادتهم إيمنا } ، تصديقا ويقينا. وقال عمير بن ~~حبيب وكانت له صحبة: إن للإيمان زيادة ونقصانا، قيل: فما زيادته؟ قال: ~~إذا ذكرنا الله عز وجل وحمدناه فذلك زيادته، وإذا سهونا وغفلنا فذلك ~~نقصانه، وكتب عمر بن عبدالعزيز إلى عدي بن عدي: إن للإيمان فرائض ~~وشرائط وشرائع وحدودا وسننا فمن استكملها استكمل الإيمان ومن لم ~~يستكملها لم يستكمل الإيمان. { وعلى ربهم يتوكلون } ، ~~أي: يفوضون إليه أمورهم ويثقون به ولا يرجون غيره ولا يخافون سواه. # { الذين يقيمون الصلوة ومما رزقنهم ينفقون ~~}. # { أولئك هم المؤمنون حقا } ، يعني يقينا. قال ابن ~~عباس: برئوا من الكفر. وقال مقاتل: حقا لا شك في إيمانهم. وفيه دليل ~~على أنه ليس لكل أحد أن يصف نفسه بكونه مؤمنا حقا لأن الله تعالى إنما ~~وصف بذلك قوما مخصوصين على أوصاف مخصوصة، وكل أحد لا يتحقق وجود تلك ~~الأوصاف فيه. # وقال ابن أبي نجيح: سأل رجل الحسن فقال: أمؤمن أنت؟ فقال: إن كنت ~~تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة ~~والبعث والحساب، فأنا بها مؤمن، وإن كنت تسألني عن قوله: " إنما ~~المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم " الآية، فلا أدري ~~أمنهم أنا أم لا؟ # وقال علقمة: كنا في سفر فلقينا قوما فقلنا: من القوم؟ قالوا: نحن ~~المؤمنون حقا، فلم ندر ما نجيبهم حتى لقينا عبدالله بن مسعود فأخبرناه ~~بما قالوا، قال: فما رددتم عليهم؟ قلنا: لم نرد عليهم شيئا، قال: أفلا ~~قلتم أمن أهل الجنة أنتم؟ إن المؤمنين أهل الجنة. # وقال سفيان الثوري: من زعم أنه مؤمن حقا عند الله، ثم لم يشهد أنه في ~~الجنة فقد آمن بنصف الآية دون النصف. # { لهم درجت عند ربهم } ، قال عطاء: يعني درجات الجنة ~~يرتقونها بأعمالهم. وقال الربيع بن أنس: ms0920 سبعون درجة ما بين كل درجتين ~~حضر الفرس المضمر سبعين سنة. { ومغفرة } ، لذنوبهم { ~~ورزق كريم } ، حسن يعني ما أعد الله لهم في الجنة. ### || [8.5-7] # قوله تعالى: { كمآ أخرجك ربك من بيتك بالحق } ، ~~اختلفوا في الجالب لهذه الكاف التي في قوله { كمآ أخرجك ربك } ~~، قال المبرد: تقديره الأنفال لله وللرسول وإن كرهوا، كما أخرجك ربك من ~~بيتك بالحق وإن كرهوا. وقيل: تقديره: امض لأمر الله في الأنفال وإن ~~كرهوا كما أمضيت لأمر الله في الخروج من البيت لطلب العير وهم كارهون. # وقال عكرمة: معناه فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم فإن ذلك خير لكم، كما ~~أن إخراج محمد صلى الله عليه وسلم من بيته بالحق خير لكم، وإن كرهه فريق ~~منكم. # وقال مجاهد: معناه كما أخرجك ربك من بيتك بالحق على كره فريق منهم، كذلك ~~يكرهون القتال ويجادلون فيه. # وقيل: هو راجع إلى قوله: " لهم درجات عند ربهم " ، تقديره: وعد ~~[الله] الدرجات لهم حق ينجزه الله عز وجل كما أخرجك ربك من بيتك ~~بالحق، فأنجز الوعد بالنصر والظفر. # وقيل: الكاف بمعنى على، تقديره: امض على الذي أخرجك ربك. # وقال أبو عبيدة: هي بمعنى القسم مجازا والذي أخرجك، لأن " ما " في موضع ~~الذي، وجوابه " يجادلونك " ، وعليه يقع القسم، تقديره: يجادلونك والله ~~الذي أخرجك ربك من بيتك بالحق. وقيل: الكاف بمعنى " إذ " تقديره: واذكر ~~إذ أخرجك ربك. # وقيل: المراد بهذا الإخراج هو إخراجه من مكة إلى المدينة. والأكثرون على ~~أن المراد منه إخراجه من المدينة إلى بدر، أي: كما أمرك ربك بالخروج من ~~بيتك إلى المدينة بالحق، قيل: بالوحي لطلب المشركين، { وإن فريقا ~~من المؤمنين } ، منهم، { لكارهون }. # { يجدلونك في الحق } ، أي: في القتال، { بعدما ~~تبين } ، وذلك أن المؤمنين لما أيقنوا القتال كرهوا ذلك، وقالوا: ~~لم تعلمنا أنا نلقى العدو فنستعد لقتالهم، وإنما خرجنا للعير، فذلك ~~جدالهم بعدما تبين لهم أنك ما تصنع إلا ما أمرك، وتبين صدقك في الوعد، { ~~كأنما يساقون إلى الموت } لشدة كراهيتهم القتال، { ~~وهم ينظرون } ، فيه تقديم وتأخير، تقديره: وإن فريقا ms0921 من ~~المؤمنين لكارهون كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون يجادلونك في الحق ~~بعدما تبين. قال ابن زيد: هؤلاء المشركون جادلوه في الحق كأنما يساقون ~~إلى الموت حين يدعون إلى الإسلام لكراهيتهم إياه وهم ينظرون. # قوله تعالى: { وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين ~~أنها لكم } ، قال ابن عباس وابن الزبير ومحمد بن إسحاق والسدي: ~~أقبل أبو سفيان من الشام في عير لقريش في أربعين راكبا من كفار قريش ~~فيهم: عمرو بن العاص، ومخرمة بن نوفل الزهري، وفيها تجارة كثيرة، وهي ~~اللطيمة حتى إذا كانوا قريبا من بدر، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ~~فندب أصحابه إليه وأخبرهم بكثرة المال وقلة العدد، وقال: هذه عير قريش ~~فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله أن ينفلكموها، فانتدب الناس ~~فخف بعضهم وثقل بعض، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يلقى حربا. # فلما سمع أبو سفيان بمسير النبي صلى الله عليه وسلم استأجر ضمضم بن عمرو ~~الغفاري، فبعثه إلى مكة، وأمره أن يأتي قريشا فيستنفرهم ويخبرهم أن ~~محمدا قد عرض لعيرهم في أصحابه، فخرج ضمضم سريعا إلى مكة. # وقد رأت عاتكة بنت عبدالمطلب قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث ليال رؤيا ~~أفزعتها فبعثت إلى أخيها العباس بن عبدالمطلب فقالت له: يا أخي والله لقد ~~رأيت الليلة رؤيا أفزعتني وخشيت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة، ~~فاكتم علي ما أحدثك. قال لها: وما رأيت؟ قالت: رأيت راكبا أقبل على ~~بعير له حتى وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته ألا انفروا يا آل غدر ~~لمصارعكم في ثلاث، فأرى الناس قد اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس ~~يتبعونه فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة ثم صرخ بمثلها ~~بأعلى صوته ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث، ثم مثل به بعيره على ~~رأس أبي قبيس، فصرخ بمثلها، ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوي حتى إذا ~~كانت بأسفل الجبل ارفضت فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار من دورها إلا ~~دخلتها ms0922 منها فلقة. # فقال العباس: والله إن هذه لرؤيا رأيت! فاكتميها ولا تذكريها لأحد. # ثم خرج العباس فلقي الوليد بن عتبة بن ربيعة بن عبدشمس، وكان له صديقا ~~فذكرها له واستكتمه إياها، فذكرها الوليد لأبيه عتبة ففشا الحديث حتى ~~تحدثت به قريش. # قال العباس: فغدوت أطوف بالبيت وأبو جهل بن هشام في رهط من قريش قعود ~~يتحدثون برؤيا عاتكة، فلما رآني أبو جهل قال: يا أبا الفضل إذا فرغت من ~~طوافك فأقبل إلينا، قال: فلما فرغت أقبلت حتى جلست معهم، فقال لي أبو ~~جهل: يا بني عبد المطلب متى حدثت هذه البينة فيكم؟ # قلت: وما ذاك؟ # قال: الرؤيا التي رأت عاتكة؟ # قلت: وما رأت؟ # قال: يا بني عبدالمطلب أما رضيتم أن تتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم؟ قد ~~زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال انفروا في ثلاث فسنتربص بكم هذه الثلاث، ~~فإن يك ما قالت حقا فسيكون، وإن تمض الثلاث، ولم يكن من ذلك شيئا ~~نكتب عليكم كتابا إنكم أكذب أهل بيت في العرب. # فقال العباس: والله ما كان مني إليه كبير إلا أني جحدت ذلك وأنكرت أن ~~تكون رأت شيئا، ثم تفرقنا فلما أمسيت لم تبق امرأة من بني عبدالمطلب إلا ~~أتتني فقالت: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم ثم قد تناول ~~النساء وأنت تسمع، ثم لم تكن عندك غيرة لشيء مما سمعت؟ # قال: قلت والله قد فعلت ما كان مني إليه من كبير، وأيم الله لأتعرضن له ~~فإن عاد لأكفينكه. # قال: فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة وأنا حديد مغضب أرى أن قد ~~فاتني منه أمر أحب أن أدركه منه، قال: فدخلت المسجد فرأيته فوالله إني ~~لأمشي نحوه أتعرضه ليعود لبعض ما قال فأقع به، وكان رجلا خفيفا، حديد ~~الوجه، حديد اللسان، حديد النظر، إذ خرج نحو باب المسجد يشتد. # قال: قلت في نفسي: ما له لعنه الله؟ أكل هذا فرقا مني أن أشاتمه؟ ~~قال: وإذا هو قد سمع ما لم أسمع، صوت ضمضم بن عمرو، وهو ms0923 يصرخ ببطن ~~الوادي واقفا على بعيره، وقد جدع أنف بعيره وحول رجله وشق قميصه وهو ~~يقول: يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها ~~محمد في أصحابه، ولا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث. قال فشغلني عنه ~~وشغله عني ما جاء من الأمر، فتجهز الناس سراعا فلم يتخلف من أشراف ~~قريش أحد إلا أن أبا لهب قد تخلف وبعث مكانه العاصي بن هشام بن ~~المغيرة. # فلما اجتمعت قريش للمسير ذكرت الذي بينها وبين بني بكر بن عبد مناة بن ~~كنانة بن الحارث، فقالوا: نخشى أن يأتوننا من خلفنا فكاد ذلك أن يثنيهم. ~~فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم وكان من أشراف بني بكر، ~~وقال: أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه. # فخرجوا سراعا، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه، في ليال ~~مضت من شهر رمضان، حتى إذا بلغ واديا يقال له ذفران، فأتاه الخبر عن ~~مسير قريش ليمنعوا عيرهم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان ~~بالروحاء أخذ عينا للقوم فأخبره بهم. # وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا عينا له من جهينة حليفا ~~للأنصار يدعى عبدالله بن أريقط فأتاه بخبر القوم وسبقت العير رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فنزل جبريل وقال: إن الله وعدكم إحدى الطائفتين إما ~~العير وإما قريشا، وكانت العير أحب إليهم. فاستشار النبي صلى الله عليه ~~وسلم أصحابه في طلب العير وحرب النفير، فقام أبو بكر فقال فأحسن، ثم قام ~~عمر فقال فأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امض لما ~~أراك الله فنحن معك، فوالله ما نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ~~فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن نقول: اذهب أنت وربك ~~فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد ~~يعني مدينة الحبشة، لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه، فقال له رسول الله ~~صلى الله ms0924 عليه وسلم خيرا ودعا له بخير. # ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أشيروا علي أيها الناس " # ، وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم عدد الناس وأنهم حين بايعوه بالعقبة ~~قالوا: يا رسول الله إنا براء من ذمامك حتى تصل إلى دارنا، فإذا وصلت ~~إلينا فأنت في ذمامنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا، فكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليهم نصرته إلا ~~على من دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من ~~بلادهم. # فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له سعد بن معاذ: والله ~~لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ # قال: أجل، # قال: قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئتنا به هو الحق وأعطيناك على ~~ذلك عهودا ومواثيق على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت ~~فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك وما تخلف ~~منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا إنا لصبر عند الحرب ~~صدق في اللقاء، ولعل الله تعالى يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا ~~على بركة الله، فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد ونشطه ~~ذلك، ثم قال: # " سيروا على بركة الله وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله ~~لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم ". # قال ثابت عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان " # ، قال: ويضع يده على الأرض ها هنا وهاهنا، قال: فما ماط أحد عن موضع يد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذلك قوله تعالى: " وإذ يعدكم الله ~~إحدى الطائفتين أنها لكم " ، أي: الفريقين إحداهما أبو سفيان مع العير ~~والأخرى أبو جهل مع النفير. # { وتودون } ، أي: تريدون { أن غير ذات الشوكة ~~تكون لكم } ، يعني العير التي ليس فيها قتال. والشوكة: الشدة ~~والقوة. ويقال: السلاح. # { ويريد الله أن يحق الحق } ، أي: يظهره ويعليه، { ~~بكلمته } ، بأمره إياكم ms0925 بالقتال. وقيل: بعداته التي سبقت من ~~إظهاره الدين وإعزازه، { ويقطع دابر الكفرين } ، أي: ~~يستأصلهم حتى لا يبقى منهم أحد، يعني: كفار العرب. ### || [8.8-9] # { ليحق الحق } ليثبت الإسلام، { ويبطل البطل } ، أي: ~~يفني الكفر { ولو كره المجرمون } ، المشركون. وكان وقعة بدر ~~يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة ليلة من شهر رمضان. # قوله تعالى: { إذ تستغيثون ربكم } ، تستجيرون به من عدوكم ~~وتطلبون منه الغوث والنصر. وروي عن ابن عباس قال: قال عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه: لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~المشركين، وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، فدخل العريش هو ~~وأبو بكر الصديق رضي الله عنه، واستقبل القبلة ومد يده فجعل يهتف بربه ~~عز وجل: # " اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة من ~~أهل الإسلام لا تعبد في الأرض " # ، فما زال يهتف بربه عز وجل مادا يديه حتى سقط رداؤه عن منكبيه، ~~فأخذ أبو بكر رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي ~~الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله عز وجل: " ~~إذ تستغيثون ربكم " { فاستجاب لكم أني ممدكم } ، ~~مرسل إليكم مددا وردءا لكم، { بألف من الملئكة ~~مردفين }. قرأ أهل المدينة ويعقوب: " مردفين " بفتح الدال، أي: أردف ~~الله المسلمين وجاء بهم مددا. وقرأ الآخرون بكسر الدال أي: متتابعين ~~بعضهم في إثر بعض، يقال: أردفته وردفته بمعنى تبعته. # يروى أنه نزل جبريل في خمسمائة وميكائيل في خمسمائة في صورة الرجال على ~~خيل بلق عليهم ثياب بيض وعلى رؤوسهم عمائم بيض، قد أرخوا أطرافها بين ~~أكتافهم. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ناشد ربه عز وجل وقال أبو ~~بكر: إن الله منجز لك ما وعدك فخفق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خفقة وهو في العريش ثم انتبه، فقال: # " يا أبا بكر أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده على ~~ثناياه النقع ". # أخبرنا عبدالواحد المليحي، أنا أحمد بن عبدالله النعيمي أنا ms0926 محمد بن ~~يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ثنا إبراهيم بن موسى، ثنا عبدالوهاب ثنا خالد، ~~عن عكرمة عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: # " هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب ". # وقال عبدالله بن عباس رضي الله عنهما: كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم ~~بيض ويوم حنين عمائم خضر، ولم تقاتل الملائكة في يوم سوى يوم بدر من ~~الأيام، وكانوا يكونون فيما سواه عددا ومددا. # وروي عن أبي أسيد مالك بن ربيعة قد شهد بدرا أنه قال بعدما ذهب بصره: ~~لو كنت معكم اليوم ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي خرجت منه ~~الملائكة. ### || [8.10-12] # قوله تعالى: { وما جعله الله } يعني: الإمداد بالملائكة، { ~~إلا بشرى } ، أي: بشارة، { ولتطمئن به قلوبكم ~~وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز ~~حكيم }. # { إذ يغشيكم النعاس } ، قرأ ابن كثير وأبو عمرو: " يغشاكم " ~~بفتح الياء، " النعاس " رفع على أن الفعل له؛ كقوله تعالى: # أمنة نعاسا يغشى طآئفة منكم # [آل عمران: 154]. قرأ أهل المدينة: " يغشيكم " بضم الياء وكسر ~~الشين مخففا، " النعاس " نصب؛ كقوله تعالى: " كأنما أغشيت وجوههم ~~" ، وقرأ الآخرون بضم الياء وكسر الشين مشددا، " النعاس " نصب، على أن ~~الفعل لله عز وجل؛ كقوله تعالى: # فغشاها ما غشى # [النجم: 54]، والنعاس: النوم الخفيف. { أمنة } آمنا { منه } ، مصدر ~~أمنت أمنا وأمنة وأمانا. قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: النعاس في ~~القتال أمنة من الله وفي الصلاة وسوسة من الشيطان. # { وينزل عليكم من السمآء مآء ليطهركم به } ~~، وذلك أن المسلمين نزلوا يوم بدر على كثيب أعفر، تسوخ فيه الأقدام ~~وحوافر الدواب، وسبقهم المشركون إلى ماء بدر وأصبح المسلمون بعضهم ~~محدثين وبعضهم مجنبين، وأصابهم الظمأ، ووسوس إليهم الشيطان، وقال: ~~تزعمون أنكم على الحق وفيكم نبي الله، وأنكم أولياء الله وقد غلبكم ~~المشركون على الماء وأنتم تصلون محدثين ومجنبين، فكيف ~~ترجون أن تظهروا عليهم؟ فأرسل الله عز وجل عليهم مطرا سال منه الوادي ~~فشرب المسلمون واغتسلوا، وتوضؤوا وسقوا الركاب، وملؤوا الأسقية، وأطفأ ~~الغبار، ولبد الأرض ms0927 حتى ثبتت عليهم الأقدام، وزالت عنهم وسوسة ~~الشيطان، وطابت أنفسهم، فذلك قوله تعالى: " وينزل عليكم من السماء ماء ~~ليطهركم به " من الأحداث والجنابة. # { ويذهب عنكم رجز الشيطن } ، ووسوسته، { وليربط ~~على قلوبكم } ، باليقين والصبر، { ويثبت به الأقدام ~~} ، حتى لا تسوخ في الرمل بتلبيد الأرض. وقيل: يثبت به الأقدام بالصبر ~~وقوة القلب. # { إذ يوحى ربك إلى الملئكة } ، الذين أمد بهم ~~المؤمنين، { أني معكم } ، بالعون والنصرة، { فثبتوا ~~الذين ءامنوا } ، أي: قووا قلوبهم، قيل: ذلك التثبيت حضورهم ~~معهم القتال ومعونتهم، أي: ثبتوهم بقتالكم معهم المشركين. # وقال مقاتل: أي: بشروهم بالنصر، وكان الملك يمشي أمام الصف في صورة ~~الرجل ويقول: أبشروا فإن الله ناصركم. { سألقى في قلوب ~~الذين كفروا الرعب } ، قال عطاء: يريد الخوف من أوليائي، { ~~فاضربوا فوق الأعنق } ، قيل: هذا خطاب مع المؤمنين. وقيل: ~~هذا خطاب مع الملائكة، وهو متصل بقوله: " فثبتوا الذين آمنوا " ، وقوله: ~~" فوق الأعناق " ، قال عكرمة: يعني الرؤوس لأنها فوق الأعناق. وقال ~~الضحاك: معناه فاضربوا الأعناق، وفوق صلة كما قال تعالى: # فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب # [محمد: 4]، وقيل: معناه فاضربوا على الأعناق. فوق بمعنى: على. # { واضربوا منهم كل بنان } ، قال عطية: يعني كل مفصل. ~~وقال ابن عباس وابن جريج والضحاك: يعني الأطراف. والبنان جمع بنانة، ~~وهي أطراف أصابع اليدين والرجلين. قال ابن الأنباري: كانت الملائكة تعلم ~~كيف تقتل الآدميين فعلمهم الله عز وجل. # أخبرنا إسماعيل بن عبدالقاهر الجرجاني أنا عبدالغافر بن محمد الفارسي، ~~أنا محمد بن عيسى الجلودي، ثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، ثنا مسلم بن ~~الحجاج، ثنا زهير بن حرب، ثنا عمر بن يونس الحنفي، ثنا عكرمة بن عمار، ~~ثنا أبو زميل هو سماك الحنفي ثني عبدالله بن عباس قال: # " بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه، إذ ~~سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، إذ نظر إلى ~~المشرك أمامه فخر مستلقيا، فنظر إليه فإذا هو قد حطم أنفه وشق وجهه ~~لضربة السوط فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث رسول الله ms0928 صلى ~~الله عليه وسلم فقال: «صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة» " # فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين. وروي عن أبي داود المازني وكان شهد ~~بدرا قال: إني لأتبع رجلا من المشركين لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل ~~إليه سيفي، فعرفت أنه قد قتله غيري. # وروى أبو أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال: الله، لقد رأيتنا يوم ~~بدر، وإن أحدنا ليشير بسيفه إلى المشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل ~~إليه السيف. # وقال عكرمة: قال أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: كنت ~~غلاما للعباس بن عبدالمطلب رضي الله عنه، وكان الإسلام قد دخلنا أهل ~~البيت، وأسلمت أم الفضل وأسلمت، وكان العباس يهاب قومه ويكره خلافهم، ~~وكان يكتم إسلامه، وكان ذا مال كثير متفرق في قومه، وكان أبو لهب عدو ~~الله قد تخلف عن بدر وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة، فلما جاء ~~الخير عن مصاب أصحاب بدر كبته الله وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوة ~~وعزا وكنت رجلا ضعيفا وكنت أعمل القداح وأنحتها في حجرة زمزم، ~~فوالله إني لجالس أنحت القداح، وعندي أم الفضل جالسة، إذ أقبل الفاسق أبو ~~لهب يجر رجليه حتى جلس على طنب الحجرة، فكان ظهره إلى ظهري، فبينا ~~هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب قد قدم، ~~فقال أبو لهب: إلي يا بن أخي فعندك الخبر، فجلس إليه والناس قيام عليه، ~~قال: يا بن أخي أخبرني كيف كان أمر الناس؟ قال: لا شيء والله إن كان إلا ~~أن لقيناهم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا ويأسروننا كيف شاؤوا وايم الله ~~مع ذلك ما لمت الناس، لقينا رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء ~~والأرض، لا والله ما تليق شيئا ولا يقوم لها شيء، قال أبو رافع: فرفعت ~~طنب الحجرة بيدي، ثم قلت: تلك والله الملائكة، قال: فرفع أبو لهب يده ~~فضرب وجهي ضربة شديدة، فثاورته، فاحتملني فضرب بي الأرض، ثم برك علي ~~يضربني، وكنت رجلا ضعيفا فقامت أم الفضل ms0929 إلى عمود من عمد الحجرة، ~~فأخذته فضربته به ضربة فلقت في رأسه شجة منكرة، وقالت: تستضعفه إن غاب ~~عنه سيده؟ فقام موليا ذليلا، فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه ~~الله بالعدسة فقتلته ". # " وروى مقسم عن ابن عباس قال: كان الذي أسر العباس أبو اليسر، كعب بن ~~عمرو أخو بني سلمة، وكان أبو اليسر رجلا مجموعا، وكان العباس رجلا ~~جسيما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي اليسر، كيف أسرت ~~العباس؟ قال: يا رسول الله لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك ولا ~~بعده، هيئته كذا وكذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد أعانك ~~عليه ملك كريم» ". ### || [8.13-16] # { ذلك بأنهم شاقوا الله } خالفوا الله، { ورسوله ~~ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب ~~}. # { ذلكم } ، أي: هذا العذاب والضرب الذي عجلته لكم أيها الكفار ببدر، ~~{ فذوقوه } ، عاجلا، { وأن للكفرين } ، أي: واعلموا ~~وأيقنوا أن للكافرين أجلا في المعاد، { عذاب النار }. # روى عكرمة عن ابن عباس قال: # " قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرغ من بدر: عليك بالعير ليس ~~دونها شيء، فناداه العباس وهو أسير في وثاقه: لا يصلح لك، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " لمه؟ " قال: لأن الله تعالى وعدك إحدى الطائفتين ~~وقد أعطاك وما وعدك ". # قوله عز وجل: { يأيها الذين ءامنوا إذا لقيتم ~~الذين كفروا زحفا } ، أي مجتمعين متزاحمين بعضكم إلى بعض، ~~والتزاحف: التداني في القتال: والزحف مصدر ولذلك لم يجمع؛ كقولهم: قوم ~~عدل ورضا. قال الليث: الزحف جماعة يزحفون إلى عدو لهم بمرة، فهم الزحف ~~والجمع الزحوف. { فلا تولوهم الأدبار } ، يقول: فلا تولوهم ~~ظهوركم، أي: تنهزموا فإن المنهزم يولى دبره. # { ومن يولهم يومئذ دبره } ، ظهره، { إلا ~~متحرفا لقتال } ، أي: منعطفا يري من نفسه الانهزام، وقصده ~~طلب الغرة وهو يريد الكرة، { أو متحيزا إلى فئة } ، أي: ~~منضما صائرا إلى جماعة من المؤمنين يريد العود إلى القتال. ومعنى ~~الآية: النهي عن الانهزام من الكفار والتولي عنهم، إلا على نية التحرف ~~للقتال والانضمام إلى ms0930 جماعة من المسلمين ليستعين بهم ويعود إلى القتال، ~~فمن ولى ظهره لا على هذه النية لحقه الوعيد؛ كما قال تعالى: { فقد ~~بآء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ~~} ، واختلف العلماء في هذه الآية فقال أبو سعيد الخدري: هذا في أهل بدر ~~خاصة، ما كان يجوز لهم الانهزام لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان معهم، ~~ولم يكن لهم فئة يتحيزون إليها دون النبي صلى الله عليه وسلم، ولو ~~انحازوا لانحازوا إلى المشركين، فأما بعد ذلك فإن المسلمين بعضهم فئة ~~لبعض، فيكون الفار متحيزا إلى فئة فلا يكون فراره كبيرة، وهو قول ~~الحسن وقتادة والضحاك. # قال يزيد بن أبي حبيب: أوجب الله النار لمن فر يوم بدر، فلما كان يوم ~~أحد بعد ذلك قال: # إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد ~~عفا الله عنهم # [آل عمران: 155]، ثم كان يوم حنين بعده فقال: # ثم وليتم مدبرين # [التوبة: 25]، # ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشآء # [التوبة: 27]. # وقال عبدالله بن عمر: كنا في جيش بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فحاص الناس حيصة فانهزمنا، فقلنا: يا رسول الله نحن الفرارون، قال: # " بل أنتم الكرارون، إنا فئة المسلمين ". # وقال محمد بن سيرين: لما قتل أبو عبيدة جاء الخبر إلى عمر فقال: لو ~~انحاز إلي كنت له فئة فإنا فئة كل مسلم. # وقال بعضهم: حكم الآية عام في حق كل من ولى منهزما.جاء في الحديث: # " من الكبائر الفرار من الزحف ". # وقال عطاء بن أبي رباح: هذه الآية منسوخة بقوله عز وجل: # الآن خفف الله عنكم # [الأنفال: 66]، فليس لقوم أن يفروا من [مثلهم] فنسخت تلك إلا في هذه ~~العدة، وعلى هذا أكثر أهل العلم أن المسلمين إذا كانوا على الشطر من ~~عدوهم لا يجوز لهم أن يفروا أو يولوا ظهورهم إلا متحرفا لقتال أو ~~متحيزا إلى فئة، وإن كانوا أقل من ذلك جاز لهم أن يولوا ظهورهم ~~وينحازوا عنهم. قال ابن عباس: " من فر من ثلاثة فلم يفر، ومن اثنين ~~فقد فر ". ### || [8.17] ms0931 # قوله تعالى: { فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم } ، ~~قال مجاهد: سبب نزول هذه الآية أنهم لما انصرفوا عن القتال كان الرجل ~~يقول: أنا قتلت فلانا ويقول الآخر مثله، فنزلت الآية. ومعناه: فلم ~~تقتلوهم أنتم بقوتكم ولكن الله قتلهم [بنصره] إياكم وتقويته لكم. # وقيل: ولكن الله قتلهم بإمداد الملائكة. # { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى }. قال أهل ~~التفسير والمغازي: # " ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، فانطلقوا حتى نزلوا بدرا، ~~ووردت عليهم روايا قريش، وفيهم أسلم، غلام أسود لبني الحجاج، وأبو ~~يسار، غلام لبني العاص بن سعيد، فأتوا بهما رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقال لهما: أين قريش؟ قالا: هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة ~~القصوى، - والكثيب: العقنقل - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كم ~~القوم؟ قالا: كثير، قال: ما عدتهم؟ قالا: لا ندري، قال: كم ينحرون كل ~~يوم؟ قالا: يوما عشرة ويوما تسعة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~القوم ما بين التسع مائة إلى الألف، ثم قال لهما: فمن فيهم من أشراف ~~قريش؟ قالا: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو البختري ابن هشام، ~~وحكيم بن حزام، والحارث بن عامر، وطعيمة بن عدي، والنضر بن الحارث، وأبو ~~جهل بن هشام، وأمية بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وسهيل بن عمرو. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها، ~~فلما أقبلت قريش ورآها رسول الله صلى الله عليه وسلم تصوب من العقنقل، ~~وهو الكثيب الذي جاؤوا منه إلى الوادي قال لهم: هذه قريش قد أقبلت ~~بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني، ~~فأتاه جبريل عليه السلام وقال له: خذ قبضة من تراب فارمهم بها، فلما ~~التقى الجمعان تناول كفا من حصى عليه تراب فرمى به في وجوه القوم، ~~وقال: شاهت الوجوه، فلم يبق منهم مشرك إلا ودخل في عينيه وفمه ومنخريه ~~منها شيء، فانهزموا وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم ". # وقال قتادة وابن زيد: ذكر لنا # " أن رسول الله ms0932 صلى الله عليه وسلم أخذ يوم بدر ثلاث حصيات فرمى بحصاة ~~في ميمنة القوم وحصاة في ميسرة القوم وحصاة بين أظهرهم، وقال: شاهت ~~الوجوه، فانهزموا، فذلك قوله تعالى: «وما رميت إذ رميت ولكن الله ~~رمى» " # ، إذ ليس في وسع أحد من البشر أن يرمي كفا من الحصا إلى وجوه جيش فلا ~~يبقى فيهم عين إلا ويصيبها منه شيء. # وقيل: معنى الآية وما بلغت إذ رميت ولكن الله بلغ. # وقيل: وما رميت بالرعب في قلوبهم إذ رميت بالحصباء ولكن الله رمى ~~بالرعب في قلوبهم حتى انهزموا، { وليبلى المؤمنين منه ~~بلاء حسنا } ، أي: ولينعم على المؤمنين نعمة عظيمة بالنصر ~~والغنيمة، { إن الله سميع } لدعائكم، { عليم } بنياتكم. ### || [8.18-19] # { ذلكم } الذي ذكرت من القتل والرمي والبلاء الحسن، { وأن ~~الله } ، قيل: فيه إضمار، أي: واعلموا أن الله { موهن } ، مضعف، { ~~كيد الكفرين } ، قرأ ابن كثير ونافع وأهل البصرة: " موهن " ~~بالتشديد والتنوين، " كيد " نصب، وقرأ الآخرون " موهن " بالتخفيف ~~والتنوين إلا حفصا، فإنه يضيفه فلا ينون ويخفض " كيد ". # قوله تعالى: { إن تستفتحوا فقد جآءكم الفتح } ، وذلك ~~أن أبا جهل قال يوم بدر لما التقى الناس: اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما ~~لم نعرف فأحنه الغداة، فكان هو المستفتح على نفسه. # أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبدالله النعيمي أنا ~~محمد بن يوسف، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا إبراهيم ~~بن سعد عن أبيه عن جده قال: قال عبدالرحمن بن عوف: إني لفي الصف يوم بدر ~~إذ التفت فإذا عن يميني وعن يساري فتيان، حديثا السن، فكأني لم آمن ~~بمكانهما، إذ قال لي أحدهما سرا من صاحبه: يا عم أرني أبا جهل، فقلت: ~~يا ابن أخي وما تصنع به؟ فقال: عاهدت الله عز وجل إن رأيته أن ~~أقتله أو أموت دونه. فقال لي الآخر سرا من صاحبه مثله، فما سرني أني ~~بين رجلين بمكانهما، فأشرت لهما إليه، فشدا عليه مثل الصقرين حتى ~~ضرباه، وهما ابنا عفراء. # وأخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبدالله ms0933 النعيمي، أنا ~~محمد بن يوسف، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا محمد بن المثنى، ثنا ابن أبي ~~عدي، عن سليمان التيمي عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يوم بدر: # " من ينظر لنا ما فعل أبو جهل " # ؟ قال: فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد، قال: ~~فأخذ بلحيته فقال: أنت أبو جهل؟ قال: وهل فوق رجل قتله قومه أو قتلتموه. # قال محمد بن إسحاق: حدثني عبدالله بن أبي بكر قال: قال معاذ بن عمرو بن ~~الجموح لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة أمر بأبي جهل بن ~~هشام أن يلتمس في القتلى، وقال: # " اللهم لا يعجزنك " # ، قال: فلما سمعتها جعلته من شأني فعمدت نحوه فضربته ضربة أطنت قدمه ~~بنصف ساقه، قال: وضربني ابنه عكرمة على عاتقي، فطرح يدي فتعلقت ~~بجلدة من جنبي، وأجهضني القتال عنه، فلقد قاتلت عامة يومي، وإني ~~لأسحبها خلفي، فلما آذتني جعلت عليها قدمي ثم تمطيت بها حتى ~~طرحتها، ثم مر بأبي جهل وهو عقير معوذ بن عفراء، فضربه حتى أثبته ~~فتركه وبه رمق، فمر عبدالله بن مسعود بأبي جهل، قال عبدالله بن ~~مسعود: وجدته بآخر رمق فعرفته فوضعت رجلي على عنقه، ثم قلت: هل أخزاك ~~الله يا عدو الله؟ قال: وبماذا أخزاني، أعمد من رجل قتلتموه، ~~أخبرني لمن الدائرة؟ قلت: لله ولرسوله. # وروي عن ابن مسعود أنه قال: قال لي أبو جهل: لقد ارتقيت يا رويعي ~~الغنم مرتقى صعبا، ثم احتززت رأسه ثم جئت به إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله هذا رأس أبي جهل، فقال: # " الله الذي لا إله غيره " # ؟ قلت: نعم والذي لا إله غيره، ثم ألقيته بين يدي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فحمد الله عز وجل. # وقال السدي والكلبي: كان المشركون حين خرجوا إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم من مكة أخذوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين ~~وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين أفضل الدينين، ففيه نزلت: " إن ms0934 تستفتحوا ~~فقد جاءكم الفتح " ، أي: إن تستنصروا فقد جاءكم النصر. # وقال عكرمة: قال المشركون: والله لا نعرف ما جاء به محمد فافتح بيننا ~~وبينه بالحق، فأنزل الله عز وجل: " إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح " ، ~~أي: إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء. # وقال أبي بن كعب: هذا خطاب لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ~~الله تعالى للمسلمين: " إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح " ، أي: إن ~~تستنصروا فقد جاءكم الفتح والنصر. # أخبرنا أحمد بن عبدالله الصالحي أنا أحمد بن الحسن الحيري أنا حاجب بن ~~أحمد الطوسي ثنا عبدالرحيم بن منيب ثنا الفضل بن موسى ثنا إسماعيل بن ~~خالد عن قيس عن خباب رضي الله عنه قال: شكونا إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهو متوسد بردة في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلنا: ~~ألا تدعو الله لنا، ألا تستنصر الله لنا؟ فجلس محمارا وجهه، فقال لنا: # " لقد كان من قبلكم يؤخذ بالرجل، فيحفر له في الأرض ثم يجاء بالمنشار ~~فيجعل فوق رأسه ثم يجعل بفرقتين ما يصرفه ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط ~~الحديد ما دون لحمه من عظم وعصب، ما يصرفه عن دينه، والله ليتمن هذا ~~الأمر حتى يسير الراكب منكم من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله، ~~ولكنكم تعجلون ". # قوله: { وإن تنتهوا } ، يقول للكفار: إن تنتهوا عن الكفر بالله ~~وقتال نبيه صلى الله عليه وسلم، { فهو خير لكم وإن ~~تعودوا } ، لحربه وقتاله، { نعد } بمثل الواقعة التي أوقعت بكم ~~يوم بدر. وقيل: وإن تعودوا إلى الدعاء والاستفتاح نعد للفتح لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم، { ولن تغنى عنكم فئتكم } ، جماعتكم، { ~~شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين } ، قرأ ~~أهل المدينة وابن عامر وحفص " وأن الله " بفتح الهمزة، أي: ولأن الله مع ~~المؤمنين، كذلك " ولن تغني عنكم فئتكم شيئا " ، وقيل: هو عطف على ~~قوله: " ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين " ، وقرأ الآخرون: " وإن ~~الله " بكسر الألف على الابتداء. ### || [8.20-23] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله ~~ورسوله } أي: لا تعرضوا عنه، ms0935 { وأنتم تسمعون } ، القرآن ~~ومواعظه. # { ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا ~~يسمعون } أي: يقولون بألسنتهم سمعنا بآذاننا وهم لا يسمعون، أي: لا ~~يتعظون ولا ينتفعون بسماعهم فكأنهم لم يسمعوا. # قوله تعالى: { إن شر الدوآب عند الله } ، أي: شر من دب ~~على وجه الأرض [من خلق الله]، { الصم البكم } ، عن الحق فلا ~~يسمعونه ولا يقولونه، { الذين لا يعقلون } أمر الله عز ~~وجل سماهم { الدواب } لقلة انتفاعهم بعقولهم؛ كما قال تعالى: # أولئك كالأنعام بل هم أضل # [الأعراف: 179]، قال ابن عباس: هم نفر من بني عبدالدار بن قصي، كانوا ~~يقولون: نحن صم بكم عمي عما جاء به محمد، فقتلوا جميعا بأحد، ~~وكانوا أصحاب اللواء لم يسلم منهم إلا رجلان مصعب بن عمير وسويبط بن ~~حرملة. # { ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم } أي: لأسمعهم ~~سماع التفهم والقبول، { ولو أسمعهم } ، بعد أن علم أن لا خير ~~فيهم ما انتفعوا بذلك، { لتولوا وهم معرضون } ، لعنادهم ~~وجحودهم الحق بعد ظهوره. وقيل: إنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: أحيي لنا قصيا فإنه كان شيخا مباركا حتى يشهد لك بالنبوة فنؤمن ~~بك، فقال الله عز وجل: " ولو أسمعهم " كلام قصي " لتولوا وهم معرضون ~~". ### || [8.24-25] # قوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا استجيبوا لله ~~وللرسول } ، يقول: أجيبوهما بالطاعة، { إذا دعاكم } ، الرسول ~~صلى الله عليه وسلم، { لما يحييكم } ، أي: إلى ما يحييكم. قال ~~السدي: هو الإيمان، لأن الكافر ميت فيحيا بالإيمان. # وقال قتادة: هو القرآن فيه الحياة وبه النجاة والعصمة في الدارين. # وقال مجاهد: هو الحق. # وقال ابن إسحاق: هو الجهاد أعزكم الله به بعد الذل. # وقال القتيبي: بل الشهادة، قال الله تعالى في الشهداء: # بل أحياء عند ربهم يرزقون # [آل عمران: 169]. # وروينا # " أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على أبي بن كعب، رضي الله عنه، وهو ~~يصلي، فدعاه فعجل أبي في صلاته، ثم جاء فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «ما منعك أن تجيبني إذ دعوتك؟ قال: كنت في الصلاة، قال: ~~أليس يقول الله عز وجل: { يأيها الذين ms0936 ءامنوا ~~استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ~~}؟ فقال: لا جرم يا رسول الله لا تدعوني إلا أجبت وإن كنت مصليا» ". # قوله تعالى: { واعلموا أن الله يحول بين المرء ~~وقلبه } ، قال سعيد بن جبير وعطاء: يحول بين المؤمن والكفر، وبين ~~الكافر والإيمان. # وقال الضحاك: يحول بين الكافر والطاعة، ويحول بين المؤمن والمعصية. # وقال مجاهد: يحول بين المرء وقلبه فلا يعقل ولا يدري ما يعمل. # وقال السدي: يحول بين الإنسان وقلبه فلا يستطيع أن يؤمن ولا أن يكفر إلا ~~بإذنه. # وقيل: هو أن القوم لما دعوا إلى القتال في حالة الضعف ساءت ظنونهم ~~واختلجت صدورهم فقيل لهم: قاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله يحول بين ~~المرء وقلبه فيبدل الله الخوف أمنا والجبن جرأة وشجاعة. { وأنه ~~إليه تحشرون } ، فيجزيكم بأعمالكم. # أخبرنا أحمد بن عبدالله الصالحي، أنا أحمد بن الحسن الحيري، أنا حاجب بن ~~أحمد الطوسي، أنا محمد بن حماد ثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن أبي سفيان، ~~عن أنس بن مالك قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: «يا مقلب ~~القلوب ثبت قلبي على دينك»، قالوا: يا رسول الله آمنا بك وبما جئت ~~به فهل تخاف علينا؟ قال: «القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها» ~~". # { واتقوا فتنة } ، اختبارا وبلاء { لا تصيبن } ، ~~قوله: " لا تصيبن " ليس بجزاء محض، ولو كان جزاء لم تدخل فيه النون، ~~لكنه نفي، وفيه طرف من الجزاء؛ كقوله تعالى: # يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم ~~سليمان وجنوده # [النمل: 18] وتقديره واتقوا فتنة إن لم تتقوها أصابتكم، فهو كقول ~~القائل: انزل عن الدابة لا تطرحنك، فهو جواب الأمر بلفظ النفي، معناه: ~~إن تنزل لا تطرحك. # قال المفسرون: نزلت هذه الآية في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ومعناه: اتقوا فتنة تصيب الظالم وغير الظالم. # قال الحسن: نزلت في علي وعمار وطلحة والزبير رضي الله عنهم. قال ~~الزبير: لقد قرأنا هذه الآية زمانا وما أرانا من أهلها فإذا نحن ~~المعنيون بها، يعني ما كان يوم الجمل. ms0937 # وقال السدي ومقاتل والضحاك وقتادة: هذا في قوم مخصوصين من أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أصابتهم الفتنة يوم الجمل. # وقال ابن عباس: أمر الله عز وجل المؤمنين أن لا يقروا المنكر ~~بين أظهرهم فيعمهم الله بعذاب يصيب الظالم وغير الظالم. # أخبرنا محمد بن عبدالله بن أبي توبة أنا أبو طاهر الحارثي، أنا محمد بن ~~يعقوب الكسائي أنا عبدالله بن محمود أنا إبراهيم بن عبدالله الخلال ثنا ~~عبدالله بن المبارك عن سيف بن أبي سليمان، قال: سمعت عدي بن عدي الكندي ~~يقول: حدثني مولى لنا أنه سمع جدي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # " إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ~~ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذب الله ~~العامة والخاصة " # وقال ابن زيد: أراد بالفتنة افتراق الكلمة ومخالفة بعضهم بعضا. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أنا محمد بن ~~يوسف ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا أبو اليمان، أنا شعيب، عن الزهري أخبرني ~~أبو سلمة بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من ~~الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، فمن وجد ~~ملجأ أو معاذا فليعذ به ". # قوله: { لا تصيبن الذين ظلموا منكم خآصة } ، ~~يعني: العذاب، { واعلموا أن الله شديد العقاب }. ### || [8.26] # قوله تعالى: { واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون فى ~~الأرض } ، يقول: اذكروا يا معاشر المهاجرين إذ أنتم قليل في العدد، ~~مستضعفون في أرض مكة في ابتداء الإسلام، { تخافون أن ~~يتخطفكم الناس } ، يذهب بكم الناس، يعني: كفار مكة. وقال ~~عكرمة: كفار العرب. وقال وهب: فارس والروم، { فآواكم } ، إلى ~~المدينة، { وأيدكم بنصره } ، أي: قواكم يوم بدر بالأنصار. ~~وقال الكلبي: قواكم يوم بدر بالملائكة، { ورزقكم من ~~الطيبات } ، يعني: الغنائم، التي أحلها لكم ولم يحلها لأحد ~~قبلكم، { لعلكم تشكرون }. ### || [8.27-28] # { يأيها الذين ءامنوا لا تخونوا الله والرسول ~~} ، قال ms0938 السدي: كانوا يسمعون الشيء من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فيفشونه، حتى يبلغ المشركين. # وقال الزهري والكلبي: # " نزلت الآية في أبي لبابة، هارون بن عبدالمنذر الأنصاري، من بني عوف بن ~~مالك، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاصر يهود قريظة إحدى وعشرين ~~ليلة، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلح على ما صالح عليه ~~إخوانهم من بني النضير، على أن يسيروا إلى إخوانهم إلى أذرعات وأريحاء من ~~أرض الشام، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم ذلك إلا أن ~~ينزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأبوا وقالوا: أرسل إلينا أبا لبابة بن ~~عبدالمنذر، وكان مناصحا لهم، لأن ما له وولده وعياله كانت عندهم، فبعثه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وآتاهم، فقالوا له: يا أبا لبابة ما ترى ~~أننزل على حكم سعد بن معاذ؟ فأشار أبو لبابة بيده إلى حلقه أنه الذبح، ~~فلا تفعلوا، قال أبو لبابة: والله ما زالت قدماي عن مكانهما حتى عرفت أني ~~قد خنت الله ورسوله ثم انطلق على وجهه ولم يأت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وشد نفسه على سارية من سواري المسجد وقال: والله لا أبرح ولا أذوق ~~طعاما ولا شرابا حتى أموت أو يتوب الله علي فلما بلغ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم خبره، قال: أما لو جاءني لاستغفرت له فأما إذا فعل ما ~~فعل فإني لا أطلقه حتى يتوب الله عليه, فمكث سبعة أيام لا يذوق طعاما ~~ولا شرابا حتى خر مغشيا عليه ثم تاب الله عليه، فقيل له: يا أبا لبابة ~~قد تيب عليك، فقال: لا والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم هو الذي يحلني، فجاء فحله بيده، ثم قال أبو لبابة: يا رسول ~~الله إن من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأن أنخلع ~~من مالي كله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يجزيك الثلث فتصدق به»، ~~فنزلت فيه { لا تخونوا الله ms0939 والرسول } " # ، { وتخونوا أمنتكم } ، أي: [ولا تخونوا أمانكم]، { ~~وأنتم تعلمون } ، أنها أمانة. وقيل: وأنتم تعلمون أن ما فعلتم، ~~من الإشارة إلى الحلق خيانة. # قال السدي: إذا خانوا الله والرسول فقد خانوا أماناتهم. # وقال ابن عباس: لا تخونوا الله بترك فرائضه والرسول بترك سنته وتخونوا ~~أماناتكم. # قال ابن عباس: هي ما يخفى عن أعين الناس من فرائض الله، والأعمال التي ~~ائتمن الله عليها. # قال قتادة: اعلموا أن دين الله أمانة فأدوا إلى الله عز وجل ما ~~ائتمنكم عليه من فرائضه وحدوده، ومن كانت عنده فليؤدها إلى من ائتمنه ~~عليها. # { واعلموا أنمآ أموالكم وأولادكم فتنة } ، ~~قيل: هذا أيضا في أبي لبابة، وذلك أن أمواله وأولاده كانوا في بني ~~قريظة، فقال ما قال خوفا عليهم. # وقيل: هذا في جميع الناس. أخبرنا أحمد بن عبدالله الصالحي إملاء ~~وأخبرنا أبو بكر محمد بن محمد بن الحسن الطوسي قالا: حدثنا أبو إسحاق ~~إبراهيم بن محمد الإسفراييني أنا محمد بن محمد بن [رزمويه] حدثنا ~~يحيى بن محمد بن غالب، حدثنا يحيى بن يحيى حدثنا عبدالله بن لهيعة عن أبي ~~الأسود عن عروة عن عائشة # " أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بصبي فقبله، وقال: «أما إنهم ~~مبخلة مجبنة وإنهم لمن ريحان الله عز وجل» ". # { وأن الله عنده أجر عظيم } ، لمن نصح لله ورسوله وأدى ~~أمانته. ### || [8.29] # قوله عز وجل: { يأيها الذين ءامنوا إن تتقوا ~~الله } ، بطاعته وترك معصيته، { يجعل لكم فرقانا } ، قال ~~مجاهد: مخرجا في الدنيا والآخرة. # وقال مقاتل بن حيان: مخرجا في الدين من الشبهات. # وقال عكرمة: نجاة أي يفرق بينكم وبين ما تخافون. # وقال الضحاك: بيانا. وقال ابن إسحاق: فصلا بين الحق والباطل يظهر ~~الله به حقكم ويطفيء، باطل من خالفكم. والفرقان مصدر كالرجحان والنقصان. ~~{ ويكفر عنكم سيئاتكم } ، يمح عنكم ما سلف من ذنوبكم، { ~~ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم }. ### || [8.30] # قوله تعالى: { وإذ يمكر بك الذين كفروا } ، هذه الآية ~~معطوفة [على قوله]: { واذكروا إذ أنتم قليل } ، واذكر إذ ~~يمكر بك الذين كفروا وإذا قالوا اللهم، ms0940 لأن هذه السورة مدنية وهذا المكر ~~والقول إنما كانا بمكة، ولكن الله ذكرهم بالمدينة كقوله تعالى: # إلا تنصروه فقد نصره الله # [التوبة: 40]. وكان هذا المكر على ما ذكره ابن عباس وغيره من أهل ~~التفسير: # " أن قريشا فرقوا لما أسلمت الأنصار أن يتفاقم أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فاجتمع نفر من كبارهم في دار الندوة، ليتشاوروا في أمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت رؤوسهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو ~~جهل بن هشام، وأبو سفيان، وطعيمة بن عدي، والنضر بن الحارث، وأبو البختري ~~بن هشام وزمعة بن الأسود، وحكيم بن حزام، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، ~~وأمية بن خلف، فاعترضهم إبليس لعنه الله في صورة شيخ، فلما رأوه قالوا: ~~من أنت؟ قال: شيخ من نجد، سمعت باجتماعكم، فأردت أن أحضركم، ولن ~~تعدموا مني رأيا ونصحا، قالوا: ادخل فدخل، فقال أبو البختري: أما ~~أنا فأرى أن تأخذوا محمدا وتحبسوه في بيت، وتشدوا وثاقه، وتسدوا باب ~~البيت غير كوة تلقون إليه طعامه وشرابه، وتتربصوا به ريب المنون حتى ~~يهلك فيه، كما هلك من قبله من الشعراء، قال: فصرخ عدو الله الشيخ النجدي ~~وقال: بئس الرأي رأيتم والله لئن حبستموه في بيت فخرج أمره من وراء الباب ~~الذي غلقتم دونه إلى أصحابه فيوشك أن يثبوا عليكم ويقاتلوكم ويأخذوه من ~~أيديكم، قالوا: صدق الشيخ، فقال هشام بن عمرو من بني عامر بن لؤي: أما ~~أنا فأرى أن تحملوه على بعير تخرجوه من أظهركم فلا يضركم ما صنع ولا أين ~~وقع إذا غاب عنكم واسترحتم منه، فقال إبليس لعنه الله: ما هذا لكم برأي ~~تعتمدون عليه، تعمدون إلى رجل قد أفسد أحلامكم فتخرجونه إلى غيركم ~~فيفسدهم ألم تروا إلى حلاوة منطقه وحلاوة لسانه وأخذ القلوب ما تسمع من ~~حديثه؟ والله لئن فعلتم ذلك ليذهبن وليستميل قلوب قوم ثم يسير بهم إليكم ~~فيخرجكم من بلادكم، قالوا: صدق الشيخ: فقال أبو جهل: والله لأشيرن عليكم ~~برأي ما أرى غيره إني أرى أن تأخذوا من كل بطن ms0941 من قريش شابا نسيبا ~~وسيطا فتيا ثم يعطى كل فتى منهم سيفا صارما، ثم يضربوه ضربة رجل ~~واحد، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلها ولا أظن هذا الحي من بني ~~هاشم يقوون على حرب قريش كلها، وبأنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل فتؤدي ~~قريش ديته، فقال إبليس: صدق هذا الفتى، وهو أجودكم رأيا، القول ما قال ~~لا أرى رأيا غيره فتفرقوا على قول أبي جهل وهم مجمعون له. فأتى جبريل ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك وأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي ~~كان يبيت فيه، وأذن الله له عند ذلك بالخروج إلى المدينة، فأمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب أن ينام في مضجعه وقال له: تسيح ~~ببردتي هذه فإنه لن يخلص إليك منهم أمر تكرهه " # ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ قبضة من تراب فأخذ الله أبصارهم ~~عنه فجعل ينثر التراب على رؤوسهم وهو يقرأ: # إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا # [يس: 8] إلى قوله: # فهم لا يبصرون # [يس: 9]، ومضى إلى الغار من ثور هو وأبو بكر، وخلف عليا بمكة حتى يؤدي ~~عنه الودائع التي قبلها، وكانت الودائع توضع عنده صلى الله عليه وسلم ~~لصدقه وأمانته، وبات المشركون يحرسون عليا في فراش رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يحسبون أنه النبي صلى الله عليه وسلم. فلما أصبحوا ثاروا إليه ~~فرأوا عليا رضي الله عنه، فقالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدري، فاقتصوا ~~أثره وأرسلوا في طلبه فلما بلغوا الغار رأوا على بابه نسج العنكبوت، ~~فقالوا: لو دخله لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاثا قدم ~~المدينة، فذلك قوله تعالى: { وإذ يمكر بك الذين كفروا ~~}. # { ليثبتوك } ، ليحبسوك ويسجنوك ويوثقوك، { أو يقتلوك أو ~~يخرجوك ويمكرون ويمكر الله }. قال الضحاك: يصنعون ~~ويصنع الله، والمكر التدبير وهو من الله التدبير بالحق، وقيل: يجازيهم ~~جزاء المكر، { والله خير المكرين }. ### || [8.31] # { وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا } ، يعني: النضر بن ~~الحارث، { قد سمعنا لو نشآء لقلنا مثل هذآ ms0942 } ، ~~وذلك أنه كان يختلف تاجرا إلى فارس والحيرة فيسمع أخبار رستم واسفنديار، ~~وأحاديث العجم ويمر باليهود والنصارى فيراهم يقرؤون التوراة والإنجيل ~~ويركعون ويسجدون، فجاء مكة فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ~~ويقرأ القرآن، فقال النضر: قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا، { إن ~~هذآ إلا أسطير الأولين } ، أخبار الأمم الماضية ~~وأسماؤهم وما سطر الأولون في كتبهم. والأساطير: جمع أسطورة، وهي ~~المكتوبة، من قولهم: سطرت أي كتبت. ### || [8.32-33] # قوله تعالى: { وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو ~~الحق من عندك } ، الآية نزلت في النضر بن الحارث من بني عبد ~~الدار. # قال ابن عباس: لما قص رسول الله صلى الله عليه وسلم شأن القرون ~~الماضية، قال النضر: لو شئت لقلت مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين - ~~أي: ما هذا إلا سطره الأولون في كتبهم - فقال له عثمان بن مظعون رضي الله ~~عنه: اتق الله فإن محمدا يقول الحق، قال: فأنا أقول الحق، قال عثمان: ~~فإن محمدا يقول لا إله إلا الله، قال: وأنا أقول لا إله إلا الله، ~~ولكن هذه بنات الله، يعني الأصنام، ثم قال: اللهم إن كان هذا الذي يقول ~~محمد هو الحق من عندك، - " والحق " نصب بخبر كان، وهو عماد وصلة -، { ~~فأمطر علينا حجارة من السمآء } ، كما أمطرتها على ~~قوم لوط، { أو ائتنا بعذاب أليم } ، أي: ببعض ما عذبت به ~~الأمم، وفيه نزل: # سأل سآئل بعذاب واقع # [المعارج: 1]. # وقال عطاء: لقد نزل في النضر بن الحارث بضع عشرة آية فحاق به ما سأل من ~~العذاب يوم بدر. # قال سعيد بن جبير: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ثلاثة من ~~قريش صبرا: طعيمة بن عدي،وعقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث. # وروى أنس رضي الله عنه أن الذي قاله أبو جهل. # أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبدالله النعيمي حدثنا ~~محمد بن يوسف، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا محمد بن النضر ثنا عبيدالله بن ~~معاذ، ثنا أبي، ثنا شعبة، عن عبدالحميد صاحب ms0943 الزيادي، سمع أنس بن مالك ~~قال: قال أبو جهل: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة ~~من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فنزلت: { وما كان الله ~~ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم ~~وهم يستغفرون وما لهم ألا يعذبهم الله }. # قوله تعالى: { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } ، ~~اختلفوا في معنى هذه الآية، فقال محمد بن إسحاق: هذا حكاية عن المشركين ~~أنهم قالوها وهي متصلة بالآية الأولى، وذلك أنهم كانوا يقولون: إن الله ~~لا يعذبنا ونحن نستغفره، ولا يعذب أمة ونبيها معها، فقال الله تعالى ~~لنبيه يذكر جهالتهم وغرتهم واستفتاحهم على أنفسهم: " وإذ قالوا اللهم إن ~~كان هذا هو الحق من عندك " الآية، وقالوا: " وما كان الله ليعذبهم ~~وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهو يستغفرون " ، ثم قال ردا عليهم: " ~~وما لهم ألا يعذبهم الله "؟ وإن كنت بين أظهرهم وإن كانوا يستغفرون، ~~" وهم يصدون عن المسجد الحرام ". # وقال الآخرون: هذا كلام مستأنف يقول الله عز وجل إخبارا عن نفسه: " ~~وما كان الله ليعذبهم ". # واختلفوا في تأويلها، فقال الضحاك وجماعة: وما كان الله ليعذبهم وأنت ~~فيهم مقيم بين أظهرهم. قالوا: أنزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو مقيم بمكة، خرج من بين أظهرهم وبقيت فيها بقية من المسلمين ~~يستغفرون، فأنزل الله تعالى: " وما كان الله معذبهم وهو يستغفرون " ، ~~ثم خرج أولئك من بينهم فعذبوا، وأذن الله لهم في فتح مكة، فهو ~~العذاب الذي وعدهم الله. # قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لم يعذب الله قرية حتى يخرج النبي ~~منها والذين آمنوا ويلحق بحيث أمر. فقال: { وما كان الله ~~ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم ~~وهم يستغفرون } ، يعني المسلمين فلما خرجوا قال الله تعالى: " ~~وما لهم ألا يعذبهم الله " ، فعذبهم الله يوم بدر. # وقال أبو موسى الأشعري: كان فيكم أمانان: " وما كان الله ليعذبهم وأنت ~~فيهم " ، " وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون " ، فأما النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقد مضى والاستغفار كائن ms0944 فيكم إلى يوم القيامة. # وقال بعضهم: هذا الاستغفار راجع إلى المشركين، وذلك أنهم كانوا يقولون ~~بعد الطواف: غفرانك غفرانك. # وقال يزيد بن رومان: قالت قريش: إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ~~حجارة من السماء، فلما أمسوا ندموا على ما قالوا، فقالوا: غفرانك اللهم، ~~فقال الله عز وجل: " وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ". # وقال قتادة والسدي: معناه: وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون، أي: لو ~~استغفروا، ولكنهم لم يكونوا يستغفرون، ولو أنهم أقروا بالذنب، ~~واستغفروا، لكانوا مؤمنين. # وقيل: هذا دعاء إلى الإسلام والاستغفار بهذه الكلمة، كالرجل يقول لغيره: ~~لا أعاقبك وأنت تطيعني، أي: أطعني حتى لا أعاقبك. # وقال مجاهد وعكرمة: وهم يستغفرون أي يسلمون. يقول: لو أسلموا لما ~~عذبوا. وروى الوالي عن ابن عباس أي: وفيهم من سبق له من الله أنه يسلم ~~ويؤمن ويستغفر، وذلك مثل أبي سفيان وصفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، ~~وسهيل بن عمرو، وحكيم بن حزام وغيرهم. # وروى عبدالوهاب عن مجاهد وهم يستغفرون أي: وفي أصلابهم من يستغفر. ### || [8.34-35] # قوله تعالى: { وما لهم ألا يعذبهم الله } أي: وما ~~يمنعهم من أن يعذبوا، يريد بعد خروجك من بينهم، { وهم يصدون عن ~~المسجد الحرام } ، أي: يمنعون المؤمنين من الطواف بالبيت. # وقيل: أراد بالعذاب الأول عذاب الاستئصال، وأراد بقوله: " وما لهم ألا ~~يعذبهم الله " ، أي: بالسيف. # وقيل: أراد بالأول عذاب الدنيا، وبهذه الآية عذاب الآخرة. # وقال الحسن: الآية الأولى وهي قوله: { وما كان الله ~~ليعذبهم } منسوخة بقوله تعالى: { وما لهم ألا ~~يعذبهم الله }. # { وما كانوا أوليآءه } ، قال الحسن: كان المشركون يقولون ~~نحن أولياء المسجد الحرام، فرد الله عليهم بقوله: " وما كانوا أولياءه ~~" أي: أولياء البيت، { إن أوليآؤه } ، أي: ليس أولياء البيت، { ~~إلا المتقون } ، يعني: المؤمنين الذين يتقون الشرك، { ~~ولكن أكثرهم لا يعلمون }. # قوله تعالى: { وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكآء ~~وتصدية } قال ابن عباس والحسن: المكاء: الصفير، وهي في اللغة اسم ~~طائر أبيض، يكون بالحجاز له صفير، كأنه قال: إلا صوت مكاء، والتصدية: ms0945 ~~التصفيق. # قال ابن عباس: كانت قريش تطوف بالبيت وهم عراة يصفرون ويصفقون. # وقال مجاهد: كان نفر من بني عبدالدار يعارضون النبي صلى الله عليه وسلم ~~في الطواف، ويستهزؤون به، ويدخلون أصابعهم في أفواههم ويصفرون. فالمكاء: ~~جعل الأصابع في الشدق. والتصدية: الصفير، ومنه الصدا الذي يسمعه المصوت ~~في الجبل. # قال جعفر بن ربيعة: سألت أبا سلمة بن عبدالرحمن عن قوله عز وجل: " ~~إلا مكاء وتصدية " ، فجمع كفيه ثم نفخ فيهما صفيرا. # قال مقاتل: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى في المسجد قام رجلان ~~عن يمينه فيصفران ورجلان عن يساره فيصفقان ليخلطوا على النبي صلى الله ~~عليه وسلم صلاته، وهم من بني عبدالدار. # قال سعيد بن جبير: التصدية صدهم المؤمنين عن المسجد الحرام، وعن الدين، ~~والصلاة، وهي على هذا التأويل التصددة بدالين، فقلبت إحدى الدالين ياء، ~~كما يقال: تظنيت من الظن، وتقضى البازي إذا البازي كسر، أي تقضض ~~البازي. قال ابن الأنباري: إنما سماه صلاة لأنهم أمروا بالصلاة في ~~المسجد الحرام، فجعلوا ذلك صلاتهم، { فذوقوا العذاب بما ~~كنتم تكفرون }. ### || [8.36] # قوله تعالى: { إن الذين كفروا ينفقون أمولهم ~~ليصدوا عن سبيل الله } ، أي: ليصرفوا عن دين الله. قال ~~الكلبي ومقاتل: نزلت في المطعمين يوم بدر وكانوا اثني عشر رجلا: أبو ~~جهل بن هشام، وعتبة، وشيبة ابنا ربيعة ابن عبد شمس، ونبيه ومنبه ابنا ~~الحجاج، وأبو البختري ابن هشام، والنضر بن الحارث، وحكيم بن حزام، وأبي ~~بن خلف، وزمعة بن الأسود، والحارث بن عامر بن نوفل، والعباس بن ~~عبدالمطلب، وكلهم من قريش، كان يطعم كل واحد منهم كل يوم عشر جزر. # وقال الحكم بن عيينة: نزلت في أبي سفيان أنفق على المشركين يوم أحد ~~أربعين أوقية. # قال الله تعالى: { فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ~~} ، يريد: ما أنفقوا في الدنيا يصير حسرة عليهم في الآخرة، { ثم ~~يغلبون } ، ولا يظفرون، { والذين كفروا } ، منهم، { ~~إلى جهنم يحشرون } ، خص الكفار لأن منهم من أسلم. ### || [8.37-38] # { ليميز الله الخبيث } [في سبيل الشيطان]، { من الطيب } ، ~~يعني: الكافر من ms0946 المؤمن فينزل المؤمن الجنان والكافر النيران. # وقال الكلبي: العمل الخبيث من العمل الصالح الطيب، فيثيب على الأعمال ~~الصالحة الجنة، وعلى الأعمال الخبيثة النار. # وقيل: يعني الإنفاق الخبيث في سبيل الشيطان من الإنفاق الطيب في سبيل ~~الله. # { ويجعل الخبيث بعضه على بعض } ، أي: فوق بعض، { ~~فيركمه جميعا } ، أي: يجمعه. ومنه السحاب المركوم، وهو المجتمع ~~الكثيف، فيجعله في جهنم { أولئك هم الخسرون } ، رده إلى ~~قوله: { إن الذين كفروا ينفقون أمولهم...أولئك ~~هم الخاسرون } الذين خسرت تجارتهم، لأنهم اشتروا بأموالهم عذاب ~~الآخرة. # { قل للذين كفروا إن ينتهوا } ، عن الشرك { يغفر ~~لهم ما قد سلف } ، أي: ما مضى من ذنوبهم قبل الإسلام، { وإن ~~يعودوا فقد مضت سنت الأولين } ، في نصر الله أنبياءه ~~وإهلاك أعدائه. قال يحيى بن معاذ الرازي: توحيدكم لم يعجز عن هدم ما ~~قبله من كفر، أرجو أن لا يعجز عن هدم ما بعده من ذنب. ### || [8.39-41] # { وقتلوهم حتى لا تكون فتنة } ، أي: شرك. قال ~~الربيع: حتى لا يفتن مؤمن عن دينه، { ويكون الدين كله لله } ~~، أي: ويكون الدين خالصا لله لا شرك فيه، { فإن انتهوا } ، عن ~~الكفر، { فإن الله بما يعملون بصير } ، قرأ يعقوب " ~~تعملون " بالتاء، وقرأ الآخرون بالياء. # { وإن تولوا } ، عن الإيمان وعادوا إلى قتال أهله، { ~~فاعلموا أن الله مولاكم } ، ناصركم ومعينكم، { نعم ~~المولى ونعم النصير } ، أي: الناصر. # قوله تعالى: { واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن ~~لله خمسه } الآية، الغنيمة والفيء: اسمان لمال يصيبه المسلمون من ~~أموال الكفار. فذهب جماعة إلى أنهما واحد، وذهب قوم أنهما يختلفان، ~~فالغنيمة ما أصابه المسلمون منهم عنوة بقتال، والفيء: ما كان عن صلح ~~بغير قتال. فذكر الله عز وجل في هذه الآية حكم الغنيمة، فقال: " فأن ~~لله خمسه وللرسول ". # فذهب أكثر المفسرين والفقهاء إلى أن قوله: " لله " افتتاح كلام على ~~سبيل التبرك وإضافة هذا المال إلى نفسه لشرفه، وليس المراد منه أن سهما ~~من الغنيمة لله منفردا، فإن الدنيا والآخرة كلها لله عز وجل. وهو قول ~~الحسن وقتادة وعطاء وإبراهيم والشعبي، قالوا: سهم الله وسهم ms0947 الرسول ~~واحد. والغنيمة تقسم خمسة أخماس، أربعة أخماس لمن قاتل عليها، وخمس لخمسة ~~أصناف كما ذكر الله عز وجل: { وللرسول ولذى القربى ~~واليتمى والمسكين وابن السبيل }. # قال بعضهم: يقسم الخمس على ستة أسهم، وهو قول أبي العالية، سهم الله: ~~فيصرف إلى الكعبة. والأول أصح، أن خمس الغنيمة يقسم على خمسة أسهم، ~~سهم كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته، واليوم هو لمصالح ~~المسلمين وما فيه قوة الإسلام، وهو قول الشافعي رحمه الله. # وروى الأعمش عن إبراهيم قال: كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما يجعلان ~~سهم النبي صلى الله عليه وسلم في الكراع والسلاح. # وقال قتادة: هو للخليفة بعده. وقال بعضهم: سهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مردود في الخمس والخمس لأربعة أصناف. # قوله: { ولذى القربى } ، أراد أن سهما من الخمس لذوي القربى ~~وهم أقارب النبي صلى الله عليه وسلم. واختلفوا فيهم، فقال قوم: جميع ~~قريش. وقال قوم: هم الذين لا تحل لهم الصدقة. # وقال مجاهد وعلي بن الحسين: هم بنو هاشم. وقال الشافعي: هم بنو هاشم ~~وبنو المطلب وليس لبني عبد شمس ولا لبني نوفل منه شيء، وإن كانوا إخوة، ~~والدليل عليه ما: # أخبرنا عبدالوهاب بن محمد الخطيب، أنا عبدالعزيز أحمد الخلال، ثنا أبو ~~العباس الأصم، أنبأنا الربيع، أنبأنا الشافعي، أنبأنا الثقة عن ابن شهاب، ~~عن ابن المسيب، عن جبير بن مطعم قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سهم ذوي القربى بين بني هاشم وبني المطلب، ولم يعط منه أحدا من بني عبد ~~شمس ولا بني نوفل شيئا. # وأخبرنا عبدالوهاب بن محمد الخطيب، أنا عبدالعزيز بن أحمد الخلال، ثنا ~~أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي، أنا مطرف بن مازن عن معمر بن ~~راشد، عن ابن شهاب، أخبرني محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: لما قسم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ذوي القربى بين بني هاشم وبني المطلب أتيته ~~أنا وعثمان بن عفان فقلنا: يا رسول الله هؤلاء إخواننا من بني ms0948 هاشم لا ~~ننكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله منهم، أرأيت إخواننا من بني المطلب ~~أعطيتهم وتركتنا أو منعتنا، وإنما قرابتنا وقرابتهم واحدة، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد هكذا وشبك بين أصابعه ". # واختلف أهل العلم في سهم ذوي القربى هل هو ثابت اليوم؟ # فذهب أكثرهم إلى أنه غير ثابت، وهو قول مالك والشافعي. # وذهب أصحاب الرأي إلى أنه غير ثابت، وقالوا: سهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وسهم ذوي القربى مردودان في الخمس، وخمس الغنيمة لثلاثة ~~أصناف اليتامى والمساكين وابن السبيل. # وقال بعضهم: يعطى للفقراء منهم دون الأغنياء. # والكتاب والسنة يدلان على ثبوته، والخلفاء بعد الرسول صلى الله عليه ~~وسلم كانوا يعطونه، ولا يفضل فقير على غني لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم والخلفاء بعده كانوا يعطون العباس بن عبدالمطلب مع كثرة ماله، ~~فألحقه الشافعي بالميراث الذي يستحق باسم القرابة، غير أنه يعطى القريب ~~والبعيد. وقال: يفضل الذكر على الأنثى فيعطى الرجل سهمين والأنثى سهما ~~واحدا. # قوله: { واليتمى } وهو جمع اليتيم، واليتيم الذي له سهم في ~~الخمس وهو الصغير المسلم، الذي لا أب له إذا كان فقيرا، و { ~~والمسكين } هم أهل الفاقة والحاجة من المسلمين، و { وابن ~~السبيل } هو المسافر البعيد عن ماله، فهذا مصرف خمس الغنيمة ويقسم ~~أربعة أخماس الغنيمة بين الغانمين الذين شهدوا الوقعة، للفارس منهم ثلاثة ~~أسهم، وللراجل سهم واحد، لما: # أخبرنا أبو صالح أحمد بن عبدالملك المؤذن، أنا عبدالله بن يوسف أنا أبو ~~سعيد بن الأعرابي ثنا سعدان بن نصر ثنا أبو معاوية عن عبيدالله بن عمر عن ~~نافع عن ابن عمر. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم للرجل ولفرسه ~~ثلاثة أسهم، سهما له وسهمين لفرسه. وهذا قول أكثر أهل العلم، وإليه ذهب ~~الثوري، والأوزاعي، ومالك، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد وإسحاق. # وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: للفارس سهمان وللراجل سهم واحد. # ويرضخ للعبيد والنسوان والصبيان إذا حضروا القتال، ويقسم العقار الذي ~~استولى عليه المسلمون ms0949 كالمنقول. وعند أبي حنيفة: يتخير الإمام في ~~العقار بين أن يقسمه بينهم، وبين أن يجعله وقفا على المصالح. # وظاهر الآية لا يفرق بين العقار والمنقول. # ومن قتل مشركا في القتال يستحق سلبه من رأس الغنيمة، لما روي عن أبي ~~قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم حنين: # " من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه ". # والسلب كل ما يكون على المقتول من ملبوس وسلاح، وفرسه الذي هو ~~راكبه. # ويجوز للإمام أن ينفل بعض الجيش من الغنيمة، لزيادة عناء وبلاء يكون ~~منهم في الحرب، يخصهم به من بين سائر الجيش ويجعلهم أسوة الجماعة في ~~سهمان الغنيمة: # أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أنا ~~محمد بن يوسف، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن ~~عقيل، عن ابن شهاب، عن سالم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان ينفل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة، سوى قسم عامة الجيش. # وروي عن حبيب بن مسلمة الفهري، قال: شهدت النبي صلى الله ~~عليه وسلم نفل الربع في البدأة والثلث في الرجعة. # واختلفوا في أن النفل من أين يعطى؟ فقال قوم: من خمس الخمس، سهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وهو قول سعيد بن المسيب، وبه قال الشافعي، وهذا معنى ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم ". # وقال قوم: هو من الأربعة الأخماس بعد إفراز الخمس كسهام الغزاة، وهو قول ~~أحمد وإسحاق. # وذهب بعضهم إلى أن النفل من رأس الغنيمة قبل التخميس كالسلب للقاتل. ~~وأما الفيء: وهو ما أصابه المسلمون من أموال الكفار بغير إيجاف خيل ولا ~~ركاب، بأن صالحهم على مال يؤدونه، ومال الجزية، وما يؤخذ من أموالهم ~~إذا دخلوا دار الإسلام للتجارة، أو يموت واحد منهم في دار الإسلام ولا ~~وارث له، فهذا كله فيء. # ومال الفيء كان خالصا لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته. قال عمر ms0950 ~~رضي الله عنه: إن الله قد خص رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا ~~الفيء بشيء لم يعطه أحدا غيره، ثم قرأ: { ومآ أفآء الله على ~~رسوله منهم } إلى قوله: # قدير # [الحشر: 6]، وكانت هذه خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينفق ~~على أهله وعياله نفقة سنتهم من هذا المال، ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل ~~مال الله عز وجل. # واختلف أهل العلم في مصرف الفيء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ~~قوم: هو للأئمة بعده. وللشافعي فيه قولان، أحدهما: للمقاتلة الذين ~~أثبتت أساميهم في ديوان الجهاد، لأنهم القائمون مقام النبي صلى الله ~~عليه وسلم في إرهاب العدو. # والقول الثاني: أنه لمصالح المسلمين، ويبدأ بالمقاتلة فيعطون منه ~~كفايتهم، ثم بالأهم فالأهم من المصالح. # واختلف أهل العلم في تخميس الفيء، فذهب الشافعي إلى أنه يخمس خمسه ~~لأهل الغنيمة، على خمسة أسهم. وأربعة أخماسه للمقاتلة وللمصالح. # وذهب الأكثرون إلى أن الفيء لا يخمس، بل مصرف جميعه واحد، ولجميع ~~المسلمين فيه حق. # أخبرنا أبو سعيد عبدالله بن أحمد الطاهري، أنا جدي عبدالصمد بن عبد ~~الرحمن البزاز، أنا محمد بن زكريا العذافري أنا إسحاق الدبري، ثنا ~~عبد الرزاق، ثنا معمر، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان: أنه سمع ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: " ما على وجه الأرض مسلم إلا له في ~~هذا الفيء حق، إلا ما ملكت أيمانكم ". # أخبرنا أبو سعيد الطاهري أنبأنا جدي عبدالصمد بن عبدالرحمن البزاز ~~أنبأنا محمد بن زكريا العذافري أنبأنا إسحاق الدبري ثنا عبدالرزاق أنا ~~معمر عن أيوب عن عكرمة بن خالد عن مالك بن أوس بن الحدثان، قال: قرأ عمر ~~بن الخطاب: " إنما الصدقات للفقراء والمساكين " حتى بلغ: # عليم حكيم # [التوبة: 60]، فقال: هذه لهؤلاء، ثم قرأ: " واعلموا أنما غنمتم ~~من شيء فأن لله خمسه " حتى بلغ: " وابن السبيل " ، ثم قال: هذه ~~لهؤلاء، ثم قرأ: # مآ أفآء الله على رسوله من أهل القرى # [الحشر: 7]، حتى بلغ: # للفقرآء المهاجرين الذين أخرجوا # [الحشر: 8] ثم ms0951 قال: هذه استوعبت المسلمين عامة، فلئن عشت فليأتين ~~الراعي وهو بسرو حمير نصيبه منها، لم يعرق فيها جبينه. " # قوله تعالى: { إن كنتم ءامنتم بالله } ، قيل: أراد " ~~اعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول " ، يأمر فيه بما ~~يريد، فاقبلوه إن كنتم آمنتم بالله، { ومآ أنزلنا على عبدنا ~~} ، أي: إن كنتم آمنتم بالله وبما أنزلنا على عبدنا، يعني: قوله: " ~~يسألونك عن الأنفال " ، { يوم الفرقان } ، يعني يوم بدر، فرق ~~الله بين الحق والباطل وهو { يوم التقى الجمعان } ، حزب الله ~~وحزب الشيطان، وكان يوم الجمعة لسبع عشرة مضت من رمضان، { والله ~~على كل شىء قدير } ، على نصركم مع قلتكم وكثرتهم. ### || [8.42] # { إذ أنتم } أي: إذ أنتم نزول يا معشر المسلمين، { بالعدوة ~~الدنيا } ، أي: بشفير الوادي الأدنى إلى المدينة، والدنيا: تأنيث ~~الأدنى، { وهم } ، يعني عدوكم من المشركين، { بالعدوة ~~القصوى } ، بشفير الوادي الأقصى من المدينة، والقصوى تأنيث الأقصى. # قرأ ابن كثير وأهل البصرة " بالعدوة " بكسر العين فيهما، والباقون ~~بضمهما، وهما لغتان كالكسوة والكسوة والرشوة والرشوة. { ~~والركب } ، يعني: العير يريد أبا سفيان وأصحابه، { أسفل منكم ~~} ، أي: في موضع أسفل منكم إلى ساحل البحر، على ثلاثة أميال من بدر، { ~~ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعد } ، وذلك أن ~~المسلمين خرجوا ليأخذوا العير وخرج الكفار ليمنعوها، فالتقوا على غير ~~ميعاد، فقال تعالى: " ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد " ، لقلتكم ~~وكثرة عدوكم، { ولكن } الله جمعكم على غير ميعاد، { ليقضي ~~الله أمرا كان مفعولا } ، من نصر أوليائه وإعزاز دينه وإهلاك ~~أعدائه، { ليهلك من هلك عن بينة } ، أي: ليموت من يموت ~~على بينة رآها وعبرة عاينها وحجة قامت عليه. { ويحيى من حي ~~عن بينة } ، ويعيش من يعيش على بينة لوعده: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15]. وقال محمد بن إسحاق: ليكفر من كفر بعد حجة قامت عليه، ~~ويؤمن من آمن على مثل ذلك، فالهلاك هو الكفر، والحياة هي الإيمان. # وقال قتادة: ليضل من ضل عن بينة، ويهدي من اهتدى على بينة. # قرأ أهل الحجاز وأبو بكر ويعقوب " حيي " بيائين، مثل " خشي " ، وقرأ ms0952 ~~الآخرون: بياء واحدة مشددة لأنه مكتوب بياء واحدة. # { وإن الله لسميع } ، لدعائكم، { عليم } ، بنياتكم. ### || [8.43-44] # قوله تعالى: { إذ يريكهم الله } ، يريك يا محمد المشركين، { ~~فى منامك } ، أي: نومك. وقال الحسن: في منامك أي في عينك، لأن العين ~~موضع النوم. { قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم } ، ~~لجبنتم { ولتنزعتم } ، أي: اختلفتم { فى الأمر } ، أي: في ~~الإحجام والإقدام، { ولكن الله سلم } ، أي: سلمكم من ~~المخالفة والفشل، { إنه عليم بذات الصدور }. قال ابن عباس: ~~علم ما في صدوركم من الحب لله عز وجل: # { وإذ يريكموهم إذ التقيتم فى أعينكم قليلا ~~} ، قال مقاتل: وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أن العدو ~~قليل قبل لقاء العدو، وأخبر أصحابه بما رأى، فلما التقوا ببدر قلل الله ~~المشركين في أعين المؤمنين. # قال ابن مسعود رضي الله عنه: لقد قللوا في أعيينا حتى قلت لرجل ~~إلى جنبي: أتراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة، فأسرنا رجلا فقلنا: كم كنتم؟ ~~قال: ألفا. # { ويقللكم } ، يا معشر المؤمنين { فى أعينهم } ، قال ~~السدي: قال ناس من المشركين: إن العير قد انصرفت فارجعوا، فقال أبو جهل: ~~الآن إذ برز لكم محمد وأصحابه؟ فلا ترجعوا حتى تستأصلوهم، إنما محمد ~~وأصحابه أكلة جزور، فلا تقتلوهم، واربطوهم بالحبال - يقوله من ~~القدرة التي في نفسه - قال الكلبي: استقل بعضهم بعضا ليجترؤا على ~~القتال، فقلل المشركين في أعين المؤمنين لكي لا يجبنوا، وقلل ~~المؤمنين في أعين المشركين لكي لا يهربوا، { ليقضي الله أمرا ~~} من إعلاء الإسلام وإعزاز أهله وإذلال الشرك وأهله، { كان مفعولا ~~} كائنا، { وإلى الله ترجع الأمور }. ### || [8.45-46] # قوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا إذا لقيتم ~~فئة } أي: جماعة كافرة { فاثبتوا } ، لقتالهم، { واذكروا ~~الله كثيرا } ، أي: ادعوا الله بالنصرة والظفر بهم، { لعلكم ~~تفلحون } ، أي: كونوا على رجاء الفلاح. # { وأطيعوا الله ورسوله ولا تنزعوا } ، لا ~~تختلفوا، { فتفشلوا } ، أي: تجبنوا وتضعفوا، { وتذهب ~~ريحكم } ، قال مجاهد: نصرتكم. وقال السدي: جراءتكم وجدكم. وقال ~~مقاتل بن حيان: حدتكم. وقال النضر بن شميل: قوتكم. وقال الأخفش: ~~دولتكم. والريح ها هنا كناية عن نفاذ الأمر ms0953 وجريانه على المراد، تقول ~~العرب: هبت ريح فلان إذا أقبل أمره على ما يريد. قال قتادة وابن زيد: هو ~~ريح النصر لم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها الله عز وجل تضرب وجوه ~~العدو. # ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور ". # وعن النعمان بن مقرن قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فكان إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تزول الشمس وتهب الرياح وينزل ~~النصر. # قوله عز وجل: { واصبروا إن الله مع الصبرين }. ~~أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبدالله النعيمي أنا أحمد ~~بن يوسف، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا عبدالله بن محمد، ثنا معاوية بن عمرو، ~~ثنا أبو إسحاق، عن موسى بن عقبة، عن سالم أبي النضر مولى عمر بن عبدالله ~~وكان كاتبا له قال: # " كتب إليه عبدالله بن أبي أوفى فقرأته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في بعض أيامه التي لقي فيها العدو، انتظر حتى مالت الشمس، ثم قام في ~~الناس فقال: " يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية، ~~فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف " ، ثم قال: ~~اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب اهزمهم ~~وانصرنا عليهم ". ### || [8.47-48] # قوله تعالى: { ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديرهم ~~بطرا } فخرا وأشرا، { ورئآء الناس } ، قال الزجاج: البطر ~~الطغيان في النعمة وترك شكرها، والرياء: إظهار الجميل ليرى وإبطان ~~القبيح، { ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون ~~محيط }. نزلت في المشركين حين أقبلوا إلى بدر ولهم بغي وفخر، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تجادلك وتكذب ~~رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني " # ، قالوا: لما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره أرسل إلى قريش أنكم ~~إنما خرجتم لتمنعوا عيركم فقد نجاها الله، فارجعوا، فقال أبو جهل: ~~والله لا نرجع حتى نرد بدرا، وكان بدر موسما من مواسم العرب يجتمع ~~لهم بها سوق كل عام، فنقيم بها ثلاثا فننحر ms0954 الجزور ونطعم الطعام ~~ونسقي الخمر وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا ~~أبدا، فوافوها فسقوا كؤوس المنايا مكان الخمر، وناحت عليهم النوائح ~~مكان القيان، فنهى الله عباده المؤمنين أن يكونوا مثلهم وأمرهم بإخلاص ~~النية والحسبة في نصر دينه ومؤازرة نبيه صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: { وإذ زين لهم الشيطن أعملهم } ~~وكان تزيينه أن قريشا لما اجتمعت للسير ذكرت الذي بينها وبين بني بكر من ~~الحرب، فكاد ذلك أن يثنيهم فجاء إبليس في جند من الشياطين معه رايته، ~~فتبدى لهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، { وقال } لهم: { لا غالب ~~لكم اليوم من الناس وإني جار لكم } ، أي: مجير لكم ~~من كنانة، { فلما ترآءت الفئتان } ، أي: التقى الجمعان رأى ~~إبليس أثر الملائكة، نزلوا من السماء وعلم أنه لا طاقة له بهم، { نكص ~~على عقبيه } ، قال الضحاك: ولى مدبرا. وقال النضر بن شميل: رجع ~~القهقرى على قفاه هاربا. قال الكلبي: لما التقوا كان إبليس في صف ~~المشركين على صورة سراقة آخذا بيد الحارث بن هشام، فنكص على عقبيه، فقال ~~له الحارث: أفرارا من غير قتال؟ فجعل يمسكه فدفع في صدره وانطلق ~~وانهزم الناس، فلما قدموا مكة قالوا: هزم الناس سراقة فبلغ ذلك ~~سراقة، فقال: بلغني أنكم تقولون إني هزمت الناس، فوالله ما شعرت بمسيركم، ~~حتى بلغني هزيمتكم! فقالوا: أما أتيتنا في يوم كذا؟ فحلف لهم، فلما ~~أسلموا علموا أن ذلك كان الشيطان. # وقال الحسن في قوله: { وقال إني بريء منكم إني ~~أرى ما لا ترون } ، قال: رأى إبليس جبريل معتجرا ببرد يمشي بين ~~يدي النبي صلى الله عليه وسلم، وفي يده اللجام يقود الفرس ما ركب ~~بعد. # وقال قتادة: كان إبليس يقول: إني أرى ما لا ترون وصدق. وقال: { إني ~~أخاف الله } ، وكذب والله وما به مخافة الله، ولكن علم أنه لا قوة ~~به ولا منعة فأوردهم وأسلمهم، وذلك عادة عدو الله في من أطاعه، إذا التقى ~~الحق والباطل أسلمهم وتبرأ منهم. # وقال عطاء: إني أخاف الله أن ms0955 يهلكني فيمن يهلك. # وقال الكلبي: خاف أن يأخذه جبريل عليه السلام ويعرف حاله فلا يطيعوه. # وقيل: معناه إني أخاف الله أي أعلم صدق وعده لأوليائه لأنه كان على ثقة ~~من أمره. # { والله شديد العقاب } ، وقيل: معناه إني أخاف الله عليكم ~~والله شديد العقاب. قيل: انقطع الكلام عند قوله أخاف الله، ثم يقول الله: ~~والله شديد العقاب. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا ~~أبو مصعب، عن مالك، عن إبراهيم بن أبي علية، عن طلحة بن عبيدالله بن ~~كريز.أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " «ما رؤي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ ~~منه يوم عرفة، وما ذاك إلا لما يرى من تنزل الرحمة وتجاوز الله ~~تعالى عن الذنوب العظام، إلا ما كان من يوم بدر»، فقيل: وما رأى يوم ~~بدر؟ قال: «أما إنه قد رأى جبريل عليه السلام وهو يزع الملائكة» " # هذا حديث مرسل. ### || [8.49-50] # قوله تعالى: { إذ يقول المنفقون والذين في ~~قلوبهم مرض } ، شك ونفاق، { غر هؤلاء دينهم } ، ~~يعني: غر المؤمنين دينهم، هؤلاء قوم كانوا مستضعفين بمكة قد أسلموا، ~~وحبسهم أقرباؤهم من الهجرة، فلما خرجت قريش إلى بدر، أخرجوهم كرها، فلما ~~نظروا إلى قلة المسلمين ارتابوا وارتدوا، وقالوا: غر هؤلاء دينهم، ~~فقتلوا جميعا، منهم قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو قيس بن الفاكه بن ~~المغيرة المخزوميان، والحارث بن زمعة بن الأسود بن المطلب، وعلي بن أمية ~~بن خلف الجمحي، والعاص بن منبه بن الحجاج. قال الله تعالى: { ومن ~~يتوكل على الله } ، أي: ومن يسلم أمره إلى الله ويثق به، { ~~فإن الله عزيز } ، قوي يفعل بأعدائه ما يشاء، { حكيم } لا ~~يسوي بين وليه وعدوه. # { ولو ترى } يا محمد، { إذ يتوفى الذين كفروا ~~الملئكة يضربون } ، أي: يقبضون أرواحهم. اختلفوا فيه، قيل: ~~هذا عند الموت، تضرب الملائكة وجوه الكفار وأدبارهم بسياط النار. # وقيل: أراد الذين قتلوا من المشركين ببدر كانت الملائكة يضربون، { ~~وجوههم وأدبرهم } ، قال سعيد بن جبير ومجاهد: يريد ms0956 ~~أستاههم، ولكن الله حيي يكني. قال ابن عباس: كان المشركون إذا أقبلوا ~~بوجوههم إلى المسلمين ضربت الملائكة وجوههم بالسيوف، وإذا ولوا أدركتهم ~~الملائكة فضربوا أدبارهم. # وقال ابن جريج: يريد ما أقبل منهم وما أدبر، أي: يضربون أجسادهم كلها، ~~والمراد بالتوفي: القتل. { وذوقوا عذاب الحريق } ، أي: وتقول ~~لهم الملائكة ذوقوا عذاب الحريق. وقيل: كان مع الملائكة مقامع من حديد ~~يضربون بها الكفار، فتلتهب النار في جراحاتهم، فذلك قوله تعالى: { ~~وذوقوا عذاب الحريق }. وقال الحسن: هذا يوم القيامة تقول لهم خزنة ~~جهنم: ذوقوا عذاب الحريق. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يقولون لهم ذلك ~~بعد الموت. ### || [8.51-54] # { ذلك } أي: ذلك الضرب الذي وقع بكم، { بما قدمت أيديكم ~~} ، أي: بما كسبت أيديكم، { وأن الله ليس بظلم ~~للعبيد }. # { كدأب ءال فرعون } ، كفعل آل فرعون وصنيعهم وعادتهم، معناه: ~~أن عادة هؤلاء في كفرهم كعادة آل فرعون. قال ابن عباس: هو أن آل فرعون ~~أيقنوا أن موسى نبي من الله فكذبوه، كذلك هؤلاء جاءهم محمد صلى الله ~~عليه وسلم بالصدق فكذبوه، فأنزل الله بهم عقوبته كما أنزل بآل فرعون، { ~~والذين من قبلهم } ، أي: { كفروا بآيت الله ~~فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوى شديد ~~العقاب }. # { ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها ~~على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } ، أراد أن الله ~~تعالى لا يغير ما أنعم على قوم حتى يغيروا هم ما بهم، بالكفران وترك ~~الشكر، فإذا فعلوا ذلك غير الله ما بهم، فسلبهم النعمة. # وقال السدي: نعمة الله محمد صلى الله عليه وسلم أنعم الله به على قريش ~~وأهل مكة، فكذبوه وكفروا به فنقله الله إلى الأنصار، { وأن الله ~~سميع عليم }. # { كدأب ءال فرعون } ، كصنيع آل فرعون، { والذين من ~~قبلهم } ، من كفار الأمم، { كذبوا بآيت ربهم ~~فأهلكنهم بذنوبهم } ، أهلكنا بعضهم بالرجفة، وبعضهم ~~بالخسف وبعضهم بالمسخ، وبعضهم بالريح، وبعضهم بالغرق، فكذلك أهلكنا كفار ~~بدر بالسيف، لما كذبوا بآيات ربهم، { وأغرقنآ ءال فرعون ~~وكل كانوا ظلمين } ، يعني: الأولين والآخرين. ### || [8.55-58] # { إن شر الدواب عند الله الذين كفروا ms0957 فهم ~~لا يؤمنون } قال الكلبي ومقاتل: يعني يهود بني قريظة، منهم كعب بن ~~الأشرف وأصحابه. # { الذين عهدت منهم } ، يعني: عاهدتهم، وقيل: أي: عاهدت ~~معهم. وقيل: أدخل " من " لأن معناه أخذت منهم العهد، { ثم ~~ينقضون عهدهم في كل مرة } ، وهم بنو قريظة نقضوا العهد ~~الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعانوا المشركين ~~بالسلاح على قتال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثم قالوا: نسينا ~~وأخطأنا فعاهدهم الثانية، فنقضوا العهد ومالؤوا الكفار على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يوم الخندق، وركب كعب بن الأشرف إلى مكة، فوافقهم على ~~مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم، { وهم لا يتقون } ، لا يخافون ~~الله تعالى في نقض العهد. # { فإما تثقفنهم } ، تجدنهم، { فى الحرب } ، قال ~~مقاتل: إن أدركتهم بالحرب وأسرتهم، { فشرد بهم من خلفهم } ~~، قال ابن عباس: فنكل بهم من ورائهم. وقال سعيد بن جبير: أنذر بهم ~~من خلفهم. وأصل التشريد: التفريق والتبديد، معناه: فرق بهم جمع كل ~~ناقض، أي: افعل بهؤلاء الذين نقضوا عهدك وجاؤوا لحربك فعلا من القتل ~~والتنكيل، يفرق منك ويخافك من خلفهم من أهل مكة واليمن، { ~~لعلهم يذكرون } ، يتذكرون ويعتبرون فلا ينقضون العهد. # { وإما تخافن } ، أي: تعلمن يا محمد، { من قوم } ، ~~معاهدين، { خيانة } ، نقض عهد بما يظهر لكم من آثار الغدر كما ظهر ~~من قريظة والنضير، { فانبذ إليهم } ، فاطرح لهم عهدهم، { على ~~سوآء } ، يقول: أعلمهم قبل حربك إياهم أنك قد فسخت العهد بينك ~~وبينهم حتى تكون أنت وهم في العلم بنقض العهد سواء، فلا يتهموا أنك ~~نقضت العهد بنصب الحرب معهم، { إن الله لا يحب الخئنين ~~}. # أخبرنا محمد بن الحسن المروزي، أنا أبو سهل محمد بن عمرو بن طرفة ~~السجزي، أنا أبو سليمان الخطابي أنا أبو بكر محمد بن بكر بن محمد بن عبد ~~الرزاق بن داسة التمار، ثنا أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، ثنا ~~حفص بن عمر النمري، ثنا شعبة عن أبي الفيض عن سليم بن عامر رجل من ~~حمير قال: كان بين معاوية وبين الروم ms0958 عهد، وكان يسير نحو بلادهم، حتى ~~إذا انقضى العهد غزاهم، فجاء رجل على فرس وهو يقول: الله أكبر الله أكبر ~~وفاء لا غدر، فنظر فإذا هو عمرو بن عبسة، فأرسل إليه معاوية فسأله ~~فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمدها ~~أو ينبذ إليهم عهدهم على سواء " # فرجع معاوية رضي الله عنه. ### || [8.59-60] # قوله تعالى: { ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا } قرأ ~~أبو جعفر وابن عامر وحمزة وحفص " يحسبن " بالياء، وقرأ الآخرون بالتاء، " ~~سبقوا " ، أي: فاتوا، نزلت في الذين انهزموا يوم بدر من المشركين، فمن ~~قرأ بالياء يقول: " لا يحسبن الذين كفروا " أنفسهم سابقين فائتين من ~~عذابنا، ومن قرأ بالتاء فعلى الخطاب. قرأ ابن عامر: { إنهم لا ~~يعجزون } ، بفتح الألف، أي: لأنهم لا يعجزون، ولا يفوتونني. وقرأ ~~الآخرون بكسر الألف على الابتداء. # قوله تعالى: { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة } ، ~~الإعداد: اتخاذ الشيء لوقت الحاجة. { من قوة } ، أي: من الآلات ~~التي تكون لكم قوة عليهم من الخيل والسلاح. # أخبرنا إسماعيل بن عبدالقاهر أنبأنا عبدالغافر بن محمد، أنا محمد بن ~~عيسى الجلودي، ثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، عن مسلم بن الحجاج ثنا ~~هارون بن معروف ثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي علي، ثمامة بن ~~شفي أنه سمع عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول وهو على المنبر: # " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ألا إن القوة الرمي، ألا إن ~~القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي ". # وبهذا الإسناد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " ستفتح عليكم الروم ويكفيكم الله عز وجل فلا يعجز أحدكم أن يلهو ~~بأسهمه ". # أخبرنا عبدالواحد المليحي، أنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أنا محمد بن ~~يوسف، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا أبو نعيم ثنا عبدالرحمن بن الغسيل عن ~~حمزة بن أبي أسيد عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ms0959 ~~بدر حين صففنا لقريش وصفوا لنا: # " إذا أكثبوكم فعليكم بالنبل ". # أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا منصور محمد بن محمد بن سمعان، ~~ثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، ثنا حميد بن زنجويه، ~~ثنا عبدالصمد بن عبد الوارث، ثنا هشام الدستوائي عن قتادة عن سالم بن أبي ~~الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن أبي نجيح السلمي قال: حاصرنا مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم الطائف فسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " من بلغ بسهم في سبيل الله فهو له درجة في الجنة " # ، قال: فبلغت يومئذ ستة عشر سهما. وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " من رمى بسهم في سبيل الله فهو عدل محرر ". # أخبرنا أحمد بن عبدالله الصالحي، أنا أبو الحسين علي بن محمد بن بشران، ~~أنا إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا أحمد بن منصور الرمادي، ثنا عبد الرزاق، ~~أنا معمر عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن عبدالله بن زيد الأزرق ~~عن عقبة بن عامر الجهني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله يدخل بالسهم الواحد الجنة ثلاثة: صانعه، والممد به، ~~والرامي به في سبيل الله ". # وروي عن خالد بن زيد عن عقبة بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر في الجنة: صانعه يحتسب ~~في صنعته الخير، والرامي به، ومنبله، وارموا واركبوا، وأن ~~ترموا أحب إلي من أن تركبوا، كل شيء يلهو به الرجل باطل إلا رميه ~~بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته امرأته فإنهن من الحق. ومن ترك الرمي ~~بعدما علمه رغبة عنه فإنه نعمة تركها، أو قال كفرها ". # قوله: { ومن رباط الخيل } ، يعني: ربطها واقتناؤها للغزو. ~~وقال عكرمة: القوة الحصون من رباط الخيل الإناث. وروي عن خالد بن الوليد ~~أنه كان لا يركب في القتال إلا الإناث لقلة صهيلها. وعن أبي محيريز ~~قال: كان الصحابة رضي الله عنهم يستحبون ذكور الخيل عند الصفوف وإناث ~~الخيل عند البيات والغارات. ms0960 # أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبدالله النعيمي، ~~أنبأنا محمد بن يوسف، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا أبو نعيم، ثنا زكريا عن ~~عامر، ثنا عروة البارقي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، الأجر والمغنم ". # أخبرنا عبدالواحد المليحي أنبأنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أنا محمد بن ~~يوسف، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا علي بن حفص، ثنا ابن المبارك، ثنا طلحة ~~بن أبي سعيد قال: سمعت سعيدا المقبري يحدث أنه سمع أبا هريرة يقول: ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " من احتبس فرسا في سبيل الله إيمانا بالله وتصديقا بوعده، فإن ~~شبعه، وريه، وروثه، وبوله في ميزانه يوم القيامة ". # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أنبأنا أبو إسحاق الهاشمي، ~~أنبأنا أبو مصعب، عن مالك، عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " «الخيل ثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر وهي لرجل وزر، فأما الذي ~~هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله، فأطال لها في مرج أو روضة فما أصابت ~~في طيلها ذلك من المرج أو الروضة كانت له حسنات، ولو أنها قطعت طيلها ذلك ~~فاستنت شرفا أو شرفين، كانت آثارها وأرواثها حسنات له، ولو أنها ~~مرت بنهر فشربت منه، ولم يرد أن يسقي به كان ذلك له حسنات، فهي لذلك ~~أجر، وأما التي هي له ستر: فرجل ربطها تغنيا وتعففا، ولم ينس ~~حق الله في ظهورها ولا رقابها، فهي لذلك ستر، وأما التي هي له ~~وزر: فرجل ربطها فخرا ورياء، ونواء لأهل الإسلام، فهي على ذلك ~~وزر». وسئل رسول الله عن الحمر فقال: «ما أنزل علي فيها شيء إلا ~~هذه الآية الجامعة الفاذة» " # { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة ~~شرا يره } ، { ترهبون به } تخوفون { عدو الله ~~وعدوكم وءاخرين } ، أي: وترهبون آخرين، { من دونهم لا ~~تعلمونهم الله يعلمهم } ، قال مجاهد ومقاتل وقتادة: هم ~~بنو قريظة. وقال ms0961 السدي: هم أهل فارس. وقال الحسن وابن زيد: هم المنافقون، ~~لا تعلمونهم، لأنهم معكم يقولون لا إله إلا الله. وقيل: هم كفار الجن. # { وما تنفقوا من شىء فى سبيل الله يوف إليكم ~~} ، يوف لكم أجره، { وأنتم لا تظلمون } ، لا تنقص أجوركم. ### || [8.61-64] # قوله تعالى: { وإن جنحوا للسلم } أي: مالوا إلى الصلح، { ~~فاجنح لها } ، أي: مل إليها وصالحهم. روي عن قتادة والحسن: أن ~~هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [براءة: 5]. { وتوكل على الله } ثق بالله، { إنه هو ~~السميع العليم }. # { وإن يريدوا أن يخدعوك } ، يغدروا ويمكروا بك. قال مجاهد: ~~يعني: بني قريظة، { فإن حسبك الله } ، كافيك الله، { هو ~~الذى أيدك بنصره وبالمؤمنين } ، أي: بالأنصار. # { وألف بين قلوبهم } ، أي: بين الأوس والخزرج، كانت بينهم ~~إحن وثارات في الجاهلية، فصيرهم الله إخوانا بعد أن كانوا أعداء، { ~~لو أنفقت ما فى الأرض جميعا مآ ألفت بين ~~قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز ~~حكيم }. # قوله تعالى: { يأيها النبى حسبك الله ومن ~~اتبعك من المؤمنين } ، قال سعيد بن جبير: أسلم مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ثلاثة وثلاثون رجلا وست نسوة، ثم أسلم عمر بن ~~الخطاب فتم به الأربعون، فنزلت هذه الآية. # واختلفوا في محل " من " ، فقال أكثر المفسرين محله خفض، عطفا على ~~الكاف في قوله: { حسبك الله } ، وحسب من اتبعك، وقال بعضهم: هو رفع ~~عطفا على اسم الله معناه: حسبك الله ومتبعوك من المؤمنين. ### || [8.65-67] # قوله تعالى: { يأيها النبى حرض المؤمنين على ~~القتال } ، أي: حثهم على القتال. { إن يكن منكم عشرون ~~} ، رجلا { صبرون } ، محتسبون، { يغلبوا مائتين } ، من ~~عدوهم يقهروهم، { وإن يكن منكم مائة } ، صابره محتسبة، { ~~يغلبوا ألفا من الذين كفروا } ، ذلك { بأنهم ~~قوم لا يفقهون } ، أي: إن المشركين يقاتلون على غير احتساب ولا ~~طلب ثواب، ولا يثبتون إذا صدقتموهم القتال، خشية أن يقتلوا، وهذا خبر ~~بمعنى الأمر، وكان هذا يوم بدر فرض الله على الرجل الواحد من المؤمنين ~~قتال عشرة من الكافرين، فثقلت على المؤمنين، فخفف الله عنهم، فنزل: # { الآن خفف ms0962 الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا } أي: ~~ضعفا في الواحد عن قتال العشرة وفي المائة عن قتال الألف، وقرأ أبو ~~جعفر: " ضعفاء " بفتح العين والمد على الجمع، وقرأ الآخرون بسكون ~~العين، { فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا ~~مائتين } ، من الكفار، { وإن يكن منكم ألف يغلبوا ~~ألفين بإذن الله والله مع الصبرين } ، فرد من ~~العشرة إلى الاثنين فإن كان المسلمون على الشطر من عدوهم لا يجوز لهم أن ~~يفروا. # وقال سفيان قال ابن شبرمة: وأرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل ~~هذا. # قرأ أهل الكوفة: " وإن يكن منكم مائة " ، بالياء فيهما وافق أهل ~~البصرة في الأول والباقون بالتاء فيهما، وقرأ عاصم وحمزة: " ضعفا " بفتح ~~الضاد هاهنا وفي سورة الروم، والباقون بضمها. # وقوله تعالى: { ما كان لنبى أن يكون له أسرى } ، قرأ ~~أبو جعفر وأهل البصرة: " تكون " بالتاء والباقون بالياء، وقرأ أبو جعفر: ~~" أسارى " ، والآخرون: " أسرى ". # وروى الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن عبدالله بن مسعود رضي الله ~~عنه قال: # " لما كان يوم بدر وجيء بالأسرى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«ما تقولون في هؤلاء»؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله قومك وأهلك فاستبقهم ~~واستأن بهم، لعل الله أن يتوب عليهم، وخذ منهم فدية، تكون لنا قوة ~~على الكفار، وقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله كذبوك وأخرجوك قدمهم ~~نضرب أعناقهم، مكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، ومكني من فلان - نسيب ~~لعمر - فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر، وقال عبدالله بن رواحة: يا ~~رسول الله انظر واديا كثير الحطب فأدخلهم فيه ثم أضرم عليهم نارا، فقال ~~له العباس: قطعت رحمك. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبهم، ~~ثم دخل: فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال ~~ناس: يأخذ بقول ابن رواحة، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~«إن الله تعالى ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، ~~ويشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، ms0963 وإن مثلك يا أبا بكر مثل ~~إبراهيم قال: { فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم } » ~~[إبراهيم: 36] ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى قال: { إن تعذبهم ~~فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز ~~الحكيم } [المائدة: 118]، وإن مثلك يا عمر مثل نوح قال: { وقال ~~نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا } ~~[نوح: 26]، ومثل موسى قال: { ربنا اطمس على أموالهم ~~واشدد على قلوبهم } الآية [يونس: 88]، ثم قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم:«أنتم اليوم عالة فلا يفلتن منهم أحد إلا بفداء أو ضرب ~~عنق»، قال عبدالله بن مسعود إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام، ~~فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما رأيتني في يوم أخوف من أن تقع ~~علي الحجارة من السماء من ذلك اليوم، حتى قول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «إلا سهيل بن بيضاء». قال ابن عباس: قال عمر بن الخطاب فهوي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت، فلما كان من ~~الغد جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدين يبكيان، ~~قلت: يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت ~~وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض علي عذابهم أدنى ~~من هذه الشجرة», لشجرة قريبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنزل ~~الله تعالى: { ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى ~~يثخن في الأرض } [الأنفال: 67] إلى قوله: { فكلوا مما ~~غنمتم حلالا طيبا } [الأنفال: 69] " # فأحل الله الغنيمة لهم بقوله: " له أسرى " جمع أسير مثل قتلى وقتيل. # قوله: { حتى يثخن في الأرض } ، أي: يبالغ في قتل المشركين ~~وأسرهم، { تريدون } أيها المؤمنون { عرض الدنيا } بأخذكم ~~الفداء، { والله يريد الأخرة } ، يريد لكم ثواب الآخرة بقهركم ~~المشركين ونصر دين الله عز وجل، " والله عزيز حكيم ". # وكان الفداء لكل أسير أربعين أوقية، والأوقية ms0964 أربعون درهما. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان هذا يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل، ~~فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله في الأسارى: # فإما منا بعد وإما فدآء # [محمد: 4]، فجعل الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في ~~أمر الأسارى بالخيار إن شاؤوا قتلوهم، وإن شاؤوا استبعدوهم، وإن شاؤوا ~~فادوهم، وإن شاؤوا أعتقوهم. ### || [8.68-69] # قوله تعالى: { لولا كتب من الله سبق } ، قال ابن ~~عباس: كانت الغنائم حراما على الأنبياء والأمم فكانوا إذا أصابوا شيئا ~~من الغنائم [جعلوه] للقربان، فكانت تنزل نار من السماء فتأكله، فلما كان ~~يوم بدر أسرع المؤمنون في الغنائم وأخذوا الفداء، فأنزل الله عز وجل: " ~~لولا كتاب من الله سبق " ، يعني: لولا قضاء من الله سبق في اللوح ~~المحفوظ بأنه يحل لكم الغنائم. # وقال الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير: لولا كتاب من الله سبق أنه لا يعذب ~~أحدا ممن شهد بدرا مع النبي صلى الله عليه وسلم. # وقال ابن جريج: لولا كتاب من الله سبق أنه لا يضل قوما بعد إذ هداهم ~~حتى يبين لهم ما يتقون الآية، وأنه لا يؤاخذ قوما فعلوا أشياء بجهالة ~~{ لمسكم } ، لنا لكم وأصابكم، { فيمآ أخذتم } ، من ~~الفداء قبل أن تؤمروا به، { عذاب عظيم }. # قال ابن إسحاق: لم يكن من المؤمنين أحد ممن حضر إلا حب الغنائم إلا ~~عمر بن الخطاب فإنه أشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الأسرى، ~~وسعد بن معاذ قال: يا رسول الله كان الإثخان في القتل أحب إلي من ~~استبقاء الرجال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لو نزل عذاب من السماء ما نجا منه غير عمر بن الخطاب وسعد بن معاذ ". # فقال الله تعالى: { فكلوا مما غنمتم حللا طيبا ~~واتقوا الله إن الله غفور رحيم } ، روي أنه لما ~~نزلت الآية الأولى كف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أيديهم عما ~~أخذوا من الفداء، فنزل: { فكلوا مما غنمتم } الآية. ~~وروينا عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ms0965 قال: # " أحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي ". # أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي أنا أبو طاهر الزيادي، أنا محمد بن الحسين ~~القطان، ثنا أحمد بن يوسف السلمي، ثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر عن همام، ~~ثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لم تحل الغنائم لأحد من قبلنا، وذلك بأن الله رأى ضعفنا وعجزنا ~~فطيبها لنا ". ### || [8.70-71] # قوله تعالى: { يأيها النبى قل لمن فى أيديكم ~~من الأسرى } قرأ أبو عمرو وأبو جعفر: " من الأسارى " بالألف ~~والباقون: بلا ألف. # " نزلت في العباس بن عبدالمطلب وكان أسر يوم بدر، وكان أحد العشرة ~~الذين ضمنوا طعام أهل بدر وكان يوم بدر نوبته، وكان قد خرج بعشرين أوقية ~~من الذهب ليطعم بها الناس، فأراد أن يطعم ذلك اليوم فاقتتلوا وبقيت ~~العشرون أوقية معه، فأخذت منه في الحرب، فكلم النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يحتسب العشرين أوقية من فدائه فأبى، وقال: «أما شيء خرجت ~~تستعين به علينا فلا أتركه لك»، وكلف فداء ابني أخيه عقيل بن أبي طالب ~~ونوفل بن الحارث، فقال العباس: يا محمد تركتني أتكفف قريشا ما بقيت؟ ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فأين الذهب الذي دفعته أم الفضل وقت ~~خروجك من مكة وقلت لها: إني لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا، فإن حدث بي ~~حدث فهو لك ولعبدالله ولعبيدالله وللفضل وقثم»، يعني بنيه، فقال له ~~العباس: وما يدريك؟ قال: أخبرني به ربي عز وجل»، قال العباس: أشهد أنك ~~صادق! وأن لا إله إلا الله وإنك عبده ورسوله، ولم يطلع عليه أحد إلا ~~الله عز وجل " # ، فذلك قوله تعالى: { يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى } ، ~~الذين أخذتم منهم الفداء { إن يعلم الله في قلوبكم خيرا ~~} ، أي: إيمانا، { يؤتكم خيرا ممآ أخذ منكم } ، من ~~الفداء، { ويغفر لكم } ، ذنوبكم { والله غفور رحيم } ~~، قال العباس رضي الله عنه: فأبدلني الله عنها عشرين عبدا كلهم تاجر ~~يضرب بمال كثير وأدناهم يضرب بعشرين ألف درهم مكان العشرين أوقية، ms0966 ~~وأعطاني زمزم، وما أحب أن لي بها جميع أموال مكة، وأنا أنتظر المغفرة من ~~ربي عز وجل. # قوله عز وجل: { وإن يريدوا خيانتك } ، يعني الأسارى، { ~~فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم } ، ببدر، { ~~والله عليم حكيم } ، قال ابن جريج: أراد بالخيانة الكفر، أي: ~~إن كفروا بك فقد كفروا بالله من قبل، فأمكن منهم المؤمنين ببدر حتى ~~قتلوهم وأسروهم، وهذا تهديد لهم إن عادوا إلى قتال المؤمنين ومعاداتهم. ### || [8.72-74] # قوله تعالى: { إن الذين ءامنوا وهاجروا } أي: هجروا ~~قومهم وديارهم، يعني المهاجرين من مكة، { وجهدوا بأمولهم ~~وأنفسهم فى سبيل الله والذين ءاووا } رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والمهاجرين معه، أي: أسكنوهم منازلهم، { ونصروا } ~~، أي: ونصروهم على أعدائهم وهم الأنصار رضي الله عنهم، { أولئك ~~بعضهم أوليآء بعض } ، دون أقربائهم من الكفار. قيل: في ~~العون والنصرة. وقال ابن عباس: في الميراث وكانوا يتوارثون بالهجرة، فكان ~~المهاجرون والأنصار يتوارثون دون ذوي الأرحام، وكان من آمن ولم يهاجر لا ~~يرث من قريبه المهاجر حتى كان فتح مكة وانقطعت الهجرة وتوارثوا بالأرحام ~~حيث ما كانوا، وصار ذلك منسوخا بقوله عز وجل: # وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب ~~الله # [الأحزاب: 6]، { والذين ءامنوا ولم يهاجروا ما لكم ~~من وليتهم من شىء } ، يعني: في الميراث، { حتى ~~يهاجروا } ، قرأ حمزة: " ولايتهم " بكسر الواو، والباقون بالفتح، ~~وهما واحد كالدلالة والدلالة. { وإن استنصروكم فى الدين } ، ~~أي: استنصركم المؤمنون الذين لم يهاجروا، { فعليكم النصر ~~إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق } ، عهد فلا ~~تنصروهم عليهم، { والله بما تعملون بصير }. # { والذين كفروا بعضهم أوليآء بعض } ، في العون ~~والنصرة. وقال ابن عباس: في الميراث، أي: يرث المشركون بعضهم من بعض، { ~~إلا تفعلوه تكن فتنة فى الأرض } ، قال ابن عباس: ألا ~~تأخذوا في الميراث بما أمرتكم به. # وقال ابن جريج: ألا تعاونوا وتناصروا. # وقال ابن إسحاق: جعل الله المهاجرين والأنصار أهل ولاية في الدين دون من ~~سواهم، وجعل الكافرين بعضهم أولياء بعض، ثم قال: { إلا تفعلوه } ~~، وهو أن يتولى المؤمن الكافر دون المؤمنين، { تكن فتنة فى ms0967 ~~الأرض وفساد كبير } ، فالفتنة في الأرض قوة الكفر، والفساد ~~الكبير ضعف الإسلام. # { والذين ءامنوا وهاجروا وجهدوا في سبيل ~~الله والذين ءاووا ونصروا أولئك هم ~~المؤمنون حقا } ، لا مرية ولا ريب في إيمانهم. قيل: حققوا ~~إيمانهم بالهجرة والجهاد وبذل المال في الدين، { لهم مغفرة ~~ورزق كريم } ، في الجنة. فإن قيل: أي معنى في تكرار هذه الآية؟ ~~قيل: المهاجرون كانوا على طبقات: فكان بعضهم أهل الهجرة الأولى، وهم ~~الذين هاجروا قبل الحديبية، وبعضهم أهل الهجرة الثانية، وهم الذين هاجروا ~~بعد صلح الحديبية قبل فتح مكة، وكان بعضهم ذا هجرتين هجرة الحبشة والهجرة ~~إلى المدينة، فالمراد من الآية الأولى الهجرة الأولى، ومن الثانية الهجرة ~~الثانية. ### || [8.75] # قوله: { والذين ءامنوا من بعد وهاجروا وجهدوا ~~معكم فأولئك منكم } أي: معكم، يريد: أنتم منهم وهو منكم، ~~{ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض } ، وهذا نسخ ~~التوارث بالهجرة ورد الميراث إلى ذوي الأرحام. # قوله: { في كتب الله } ، أي: في حكم الله عز وجل. وقيل: أراد ~~بكتاب الله القرآن، يعني: القسمة التي بينها في سورة النساء، { إن ~~الله بكل شىء عليم }. ### | [9 - سورة التوبة] ### || [9.1-2] # قوله تعالى: { برآءة من الله ورسوله } ، أي: هذه: براءة ~~من الله. وهي مصدر كالنشاءة والدناءة. قال المفسرون: لما خرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، كان المنافقون يرجفون الأراجيف وجعل ~~المشركون ينقضون عهودا كانت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فأمر الله عز وجل بنقض عهودهم، وذلك قوله عز وجل: # وإما تخافن من قوم خيانة # الآية [الأنفال: 58]. # قال الزجاج: براءة أي: قد برىء الله ورسوله من إعطائهم العهود ~~والوفاء لهم بها إذا نكثوا. # { إلى الذين عاهدتم من المشركين } ، الخطاب مع ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم هو ~~الذي عاهدهم وعاقدهم، لأنه عاهدهم وأصحابه راضون بذلك، فكأنهم عاقدوا ~~وعاهدوا. # { فسيحوا فى الأرض } ، رجع من الخبر إلى الخطاب، أي: قل لهم: ~~سيحوا، أي سيروا في الأرض، مقبلين ومدبرين، آمنين غير خائفين أحدا من ~~المسلمين، { أربعة أشهر ms0968 واعلموا أنكم غير ~~معجزى الله } ، أي: غير فائتين ولا سابقين، { وأن الله ~~مخزى الكفرين } ، أي: مذلهم بالقتل في الدنيا والعذاب في ~~الآخرة. # واختلف العلماء في هذا التأجيل وفي هؤلاء الذي برىء الله ورسوله إليهم ~~من العهود التي كانت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم. # فقال جماعة: هذا تأجيل من الله تعالى / للمشركين، فمن كانت مدة عهده ~~أقل من أربعة أشهر: رفعه إلى أربعة أشهر، ومن كانت مدة عهده أكثر من ~~أربعة أشهر: حطه إلى أربعة أشهر، ومن كانت مدة عهده بغير أجل محدود: ~~حده بأربعة أشهر، ثم هو حرب بعد ذلك لله ورسوله، فيقتل حيث أدرك ~~ويؤسر، إلا أن يتوب. # وابتداء هذا الأجل: يوم الحج الأكبر، وانقضاؤه إلى عشر من شهر ربيع ~~الآخر. # فأما من لم يكن له عهد فإنما أجله انسلاخ الأشهر الحرم، وذلك خمسون ~~يوما. وقال الزهري: الأشهر الأربعة شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ~~لأن هذه الآية نزلت في شوال، والأول هو الأصوب وعليه الأكثرون. # وقال الكلبي: إنما كانت الأربعة الأشهر لمن كان له عهد دون أربعة أشهر، ~~فأتم له أربعة أشهر، فأما من كان له عهد أكثر من أربعة أشهر فهذا أمر ~~بإتمام عهده، بقوله تعالى: { فأتموا إليهم عهدهم إلى ~~مدتهم }. قال الحسن: أمر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم ~~بقتال من قاتله من المشركين، فقال: { قتلوا في سبيل الله ~~الذين يقتلونكم } ، فكان لا يقاتل إلا من قاتله، ثم أمره ~~بقتال المشركين، والبراءة منهم، وأجلهم أربعة أشهر، فلم يكن لأحد منهم ~~أجل أكثر من أربعة أشهر، لا من كان له عهد قبل البراءة ولا من لم يكن له ~~عهد، فكان الأجل لجميعهم أربعة أشهر، وأحل دماء جميعهم من أهل العهد ~~وغيرهم بعد انقضاء الأجل. # وقيل: نزلت هذه قبل تبوك. # قال محمد بن إسحاق ومجاهد وغيرهما: نزلت في أهل مكة، وذلك أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عاهد قريشا عام الحديبية على: أن يضعوا الحرب عشر ~~سنين يأمن فيها الناس، ودخلت خزاعة ms0969 في عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ودخل بنو بكر في عهد قريش، ثم عدت بنوبكر على خزاعة فنالت منها، ~~وأعانتهم قريش بالسلاح، فلما تظاهر بنوبكر وقريش على خزاعة ونقضوا عهدهم ~~خرج عمرو بن سالم الخزاعي حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقال: # لا هم إني ناشد محمدا # حلف أبينا وأبيه الأتلدا # فانصر هداك الله نصرا أبدا # وادع عباد الله يأتوا مددا # أبيض مثل الشمس يسمو صعدا # إن سيم خسفا وجهه تربدا # هم بيتونا بالهجير هجدا # وقتلونا ركعا وسجدا # كنت لنا أبا وكنا ولدا # ثمت أسلمنا ولم ننزع يدا # فيهم رسول الله قد تجردا # في فيلق كالبحر يجري مزبدا # إن قريشا أخلفوك الموعدا # ونقضوا ميثاقك المؤكدا # وزعموا أن لست تنجي أحدا # وهم أذل وأقل عددا # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا نصرت إن لم أنصركم " # ، وتجهز إلى مكة سنة ثمان من الهجرة. # فلما كان سنة تسع أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحج، ثم قال: ~~إنه يحضر المشركون فيطوفون عراة، فبعث أبا بكر تلك السنة أميرا على ~~الموسم ليقيم للناس الحج، وبعث معه بأربعين آية من صدر براءة ليقرأها ~~على أهل الموسم، ثم بعث بعده عليا، كرم الله وجهه، على ناقته العضباء ~~ليقرأ على الناس صدر براءة، وأمره أن يؤذن بمكة ومنى وعرفة: أن قد ~~برئت ذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم من كل مشرك، ألا ~~يطوف بالبيت عريان. # فرجع أبوبكر فقال: يارسول الله بأبي أنت وأمي أنزل في شأني شيء؟ قال: ~~لا، ولكن لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي، أما ترضى يا أبا ~~بكر أنك كنت معي في الغار وأنك صاحبي على الحوض؟ قال: بلى يارسول الله. # فسار أبو بكر رضي الله عنه أميرا على الحج، وعلي رضي الله عنه ليؤذن ~~ببراءة، فلما كان قبل يوم التروية بيوم خطب أبو بكر الناس وحدثهم عن ~~مناسكهم، وأقام للناس الحج، والعرب في تلك السنة على منازلهم التي ms0970 كانوا ~~عليها في الجاهلية من الحج، حتى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب ~~كرم الله وجهه، فأذن في الناس بالذي أمر به، وقرأ عليهم سورة براءة. # وقال زيد بن يثيع سألنا عليا بأي شيء بعثت في تلك الحجة؟ قال: بعثت ~~بأربع: لا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النبي صلى الله عليه ~~وسلم عهد فهو إلى مدته، ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر، ولا يدخل ~~الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يجتمع المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا. # ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم سنة عشر حجة الوداع. # فإن قال قائل: كيف بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله ~~عنه ثم عزله وبعث عليا رضي الله عنه؟ # قلنا: ذكر العلماء أن رسول الله لم يعزل أبا بكر رضي الله عنه، وكان هو ~~الأمير، وإنما بعث عليا رضي الله عنه لينادي بهذه الآيات، وكان السبب ~~فيه: أن العرب تعارفوا فيما بينهم في عقد العهود ونقضها، أن لا يتولى ذلك ~~إلا سيدهم، أو رجل من رهطه، فبعث عليا رضي الله عنه إزاحة للعلة، ~~لئلا يقولوا: هذا خلاف ما نعرفه فينافي نقض العهد. # والدليل على أن أبا بكر رضي الله عنه كان هو الأمير: ما أخبرنا ~~عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، حدثنا محمد بن يوسف، ~~حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا إسحاق، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن ~~أخي ابن شهاب، عن عمه، أخبرني حميد بن عبدالرحمن أن أبا هريرة قال: # " بعثني أبو بكر رضي الله عنه في تلك الحجة في مؤذنين يوم النحر ~~نؤذن بمنى: ألا لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. وقال ~~حميد بن عبدالرحمن: ثم أردف رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا فأمره أن ~~يؤذن ببراءة. قال أبو هريرة فأذن معنا علي في أهل منى يوم النحر: ألا ~~لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان ". ### || [9.3] # قوله عز وجل: { وأذان } عطف على قوله: { برآءة ms0971 } أي: إعلام. ~~ومنه الأذان بالصلاة، يقال: آذنته فأذن، أي: أعلمته. وأصله من الأذان، ~~أي: أوقعته في أذنه. # { من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر ~~} واختلفوا في يوم الحج الأكبر: روى عكرمة عن ابن عباس: أنه يوم عرفة، ~~وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وابن الزبير. وهو قول عطاء وطاووس ومجاهد ~~وسعيد بن المسيب. # وقال جماعة: هو يوم النحر. روي عن يحيى بن الجزار قال: خرج علي رضي ~~الله عنه يوم النحر على بغلة بيضاء، يريد الجبانة، فجاءه رجل وأخذ بلجام ~~دابته وسأله عن يوم الحج الأكبر؟ فقال: يومك هذا، خل سبيلها. ويروى ~~ذلك عن عبدالله بن أبي أوفى والمغيرة بن شعبة. وهو قول الشعبي والنخعي ~~وسعيد بن جبير والسدي. # وروى ابن جريج عن مجاهد: يوم الحج الأكبر حين الحج أيام منى كلها، وكان ~~سفيان الثوري يقول: يوم الحج الأكبر أيام منى كلها، مثل: يوم صفين ويوم ~~الجمل ويوم بعاث، يراد به: الحين والزمان، لأن هذه الحروب دامت أياما ~~كثيرة. # وقال عبدالله بن الحارث بن نوفل: يوم الحج الأكبر الذي حج فيه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. وهو قول ابن سيرين، لأنه اجتمع فيه حج المسلمين وعيد ~~اليهود والنصارى والمشركين، ولم يجتمع قبله ولا بعده. # واختلفوا في الحج الأكبر: فقال مجاهد: الحج الأكبر: القران، والحج ~~الأصغر: إفراد الحج. # وقال الزهري والشعبي وعطاء: الحج الأكبر: الحج، والحج الأصغر: العمرة؛ ~~قيل لها الأصغر لنقصان أعمالها. # قوله تعالى: { أن الله برىء من المشركين ورسوله ~~} ، أي: ورسوله أيضا بريء من المشركين. # وقرأ يعقوب " ورسوله " بنصب اللام أي: أن الله ورسوله بريء، { ~~فإن تبتم }: رجعتم من كفركم وأخلصتم التوحيد، { فهو خير ~~لكم وإن توليتم }: أعرضتم عن الإيمان، { فاعلموا ~~أنكم غير معجزى الله وبشر الذين كفروا ~~بعذاب أليم }. ### || [9.4] # { إلا الذين عاهدتم من المشركين } ، هذا استثناء من ~~قوله: { برآءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم ~~من المشركين } إلا من عهد الذين عاهدتم من المشركين، وهم ~~بنو ضمرة حي من كنانة، أمر الله تعالى رسوله صلى ms0972 الله عليه وسلم ~~بإتمام عهدهم إلى مدتهم، وكان قد بقي من مدتهم تسعة أشهر، وكان السبب ~~فيه: أنهم لم ينقضوا العهد، وهذا معنى قوله تعالى: { ثم لم ~~ينقصوكم شيئا } ، من عهدهم الذي عاهدتموهم عليه، { ولم ~~يظهروا } ، لم يعاونوا، { عليكم أحدا } ، من عدوكم. وقرأ ~~عطاء بن يسار: { لم ينقضوكم } بالضاد المعجمة من نقض العهد، { ~~فأتموا إليهم عهدهم } ، فأوفوا لهم بعهدهم، { إلى ~~مدتهم } ، إلى أجلهم الذي عاهدتموهم عليه، { إن الله يحب ~~المتقين }. ### || [9.5] # قوله تعالى: { فإذا انسلخ } ، انقضى ومضى { الأشهر الحرم ~~} ، قيل: هي الأشهر الأربعة: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم. # وقال مجاهد وابن إسحاق: هي شهور العهد، فمن كان له عهد فعهده أربعة ~~أشهر، ومن لا عهد له: فأجله إلى انقضاء المحرم خمسون يوما، وقيل لها " ~~حرم " لأن الله تعالى حرم فيها على المؤمنين دماء المشركين ~~والتعرض لهم. # فإن قيل: هذا القدر بعض الأشهر الحرم والله تعالى يقول: { فإذا ~~انسلخ الأشهر الحرم }؟ # قيل: لما كان هذا القدر متصلا بما مضى أطلق عليه اسم الجمع، ومعناه: ~~مضت المدة المضروبة التي يكون معها انسلاخ الأشهر الحرم. # قوله تعالى: { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } ، ~~في الحل والحرم، { وخذوهم } ، وأسروهم، { واحصروهم } ، أي: ~~احبسوهم. # قال ابن عباس رضي الله عنه: يريد إن تحصنوا فاحصروهم، أي: امنعوهم ~~من الخروج. # وقيل: امنعوهم من دخول مكة والتصرف في بلاد الإسلام. # { واقعدوا لهم كل مرصد } ، أي: على كل طريق، والمرصد: ~~الموضع الذي يرقب فيه العدو، من رصدت الشيء أرصده: إذا ترقبته، ~~يريد: كونوا لهم رصدا لتأخذوهم من أي وجه توجهوا. # وقيل: اقعدوا لهم بطريق مكة، حتى لا يدخلوها. # { فإن تابوا } ، من الشرك، { وأقاموا الصلوة وءاتوا ~~الزكوة فخلوا سبيلهم } ، يقول: دعوهم فليتصرفوا في ~~أمصارهم ويدخلوا مكة، { إن الله غفور } ، لمن تاب، { رحيم } ~~به. # وقال الحسين بن الفضل: هذه الآية نسخت كل آية في القرآن فيها ذكر ~~الإعراض والصبر على أذى الأعداء. ### || [9.6-7] # قوله تعالى: { وإن أحد من المشركين استجارك } ، أي: ~~وإن استجارك أحد من المشركين الذين أمرتك بقتالهم وقتلهم، أي: استأمنك ~~بعد ms0973 انسلاخ الأشهر الحرم ليسمع كلام الله. { فأجره } ، فأعذه ~~وآمنه، { حتى يسمع كلام الله } ، فيما له وعليه من الثواب ~~والعقاب، { ثم أبلغه مأمنه } ، أي: إن لم يسلم أبلغه مأمنه، ~~أي: الموضع الذي يأمن فيه وهو دار قومه، فإن قاتلك بعد ذلك ذلك فقدرت ~~عليه فاقتله، { ذلك بأنهم قوم لا يعلمون } ، أي: لا ~~يعلمون دين الله وتوحيده فهم محتاجون إلى سماع كلام الله. قال الحسن: ~~وهذه الآية محكمة إلى يوم القيامة. # قوله تعالى: { كيف يكون للمشركين عهد عند الله ~~وعند رسوله } ، هذا على وجه التعجب، ومعناه جحد، أي: لا يكون لهم ~~عهد عند الله، ولا عند رسوله، وهم يغدرون وينقضون العهد، ثم استثنى فقال ~~جل وعلا: { إلا الذين عهدتم عند المسجد الحرام ~~} ، قال ابن عباس: هم قريش. وقال قتادة: هم أهل مكة الذين عاهدهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية. # قال الله تعالى: { فما استقموا لكم } ، أي: على العهد، { ~~فاستقيموا لهم } ، فلم يستقيموا، ونقضوا العهد، وأعانوا بني بكر ~~على خزاعة، فضرب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفتح أربعة أشهر ~~يختارون من أمرهم: إما أن يسلموا، وإما أن يلحقوا بأي بلاد شاؤوا، ~~فأسلموا قبل الأربعة الأشهر. # قال السدي والكلبي وابن إسحاق: هم من قبائل بكر: بنو خزيمة وبنو مدلج ~~وبنو ضمرة وبنو الديل، وهم الذين كانوا قد دخلوا في عهد قريش يوم ~~الحديبية، فلم يكن نقض العهد إلا قريش وبنو الديل من بني بكر، فأمر ~~بإتمام العهد لمن لم ينقض وهم بنو ضمرة. # وهذا القول أقرب إلى الصواب؛ لأن هذه الآيات نزلت بعد نقض قريش العهد ~~وبعد فتح مكة، فكيف يقول لشيء قد مضى: { فما استقموا لكم ~~فاستقيموا لهم }؟ وإنما هم الذين قال عز وجل: { إلا ~~الذين عهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم ~~شيئا } كما نقصتكم قريش، ولم يظاهروا عليكم أحدا كما ظاهرت قريش بني ~~بكر على خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، { إن الله ~~يحب المتقين }. ### || [9.8] # قوله تعالى: { كيف وإن يظهروا عليكم } ، هذا مردود ms0974 على ~~الآية الأولى تقديره: كيف يكون لهم عهد عند الله كيف وإن يظهروا عليكم! { ~~لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة } ، قال الأخفش: كيف لا ~~تقتلونهم وهم إن يظهروا عليكم أي: يظفروا بكم، لا يرقبوا: لا يحفظوا؟ ~~وقال الضحاك: لا ينتظروا. وقال قطرب: لا يراعوا فيكم إلا. قال ابن ~~عباس والضحاك: قرابة. وقال يمان: رحما. وقال قتادة: الإل الحلف. ~~وقال السدي: هو العهد. وكذلك الذمة، إلا أنه كرر لاختلاف اللفظين. وقال ~~أبو مجلز ومجاهد: الإل هو الله عز وجل. وكان عبيد بن عمير يقرأ: " جبر ~~إل " بالتشديد، يعني: " عبد الله ". وفي الخبر أن ناسا قدموا على أبي ~~بكر من قوم مسيلمة الكذاب، فاستقرأهم أبو بكر كتاب مسيلمة فقرأوا، فقال ~~أبو بكر رضي الله عنه: إن هذا الكلام لم يخرج من إل، أي: من الله. # والدليل على هذا التأويل قراءة عكرمة: { لا يرقبون في المؤمن إيلا } ~~بالياء، يعني: الله عز وجل. مثل جبرائيل وميكائيل. ولا ذمة أي: عهدا. ~~{ يرضونكم بأفوههم } ، أي: يعطونكم بألسنتهم خلاف ما في ~~قلوبهم، { وتأبى قلوبهم } ، الإيمان، { وأكثرهم ~~فسقون }. # فإن قيل: هذا في المشركين وكلهم فاسقون، فكيف قال: { وأكثرهم ~~فسقون }؟ # قيل: أراد بالفسق: نقض العهد، وكان في المشركين من وفى بعهده، وأكثرهم ~~نقضوا، فلهذا قال: { وأكثرهم فسقون }. ### || [9.9-11] # { اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا } ، وذلك أنهم نقضوا ~~العهد الذي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم بأكلة أطعمهم ~~إياها أبو سفيان. قال مجاهد: أطعم أبو سفيان حلفاءه، { فصدوا عن ~~سبيله } ، فمنعوا الناس من الدخول في دين الله. وقال ابن عباس رضي ~~الله عنه: وذلك إن أهل الطائف أمدوهم بالأموال ليقووهم على حرب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، { إنهم سآء } بئس { ما كانوا ~~يعملون }. # { لا يرقبون فى مؤمن إلا ولا ذمة } ، يقول: لا ~~تبقوا عليهم أيها المؤمنون كما لا يبقون عليكم لو ظهروا، { ~~وأولئك هم المعتدون } ، بنقض العهد. # { فإن تابوا } ، من الشرك، { وأقاموا الصلوة وءاتوا ~~الزكوة فإخوانكم } أي: فهم إخوانكم، { فى الدين } ، لهم ~~ما لكم وعليهم ما عليكم، { ونفصل ms0975 الأيت } ونبين الآيات { ~~لقوم يعلمون } ، قال ابن عباس: حرمت هذه الآية دماء أهل القبلة. ~~قال ابن مسعود: أمرتهم بالصلاة والزكاة لمن لم يزك فلا صلاة له. # أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، ~~أخبرنا محمد ابن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان الحكم بن ~~نافع، حدثنا شعيب بن أبي حمزة عن الزهري، حدثنا عبيدالله بن عبدالله بن ~~عتبة بن مسعود أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: # " لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو بكر رضي الله عنه ~~بعده، وكفر من كفر من العرب، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأبي بكر: ~~كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أمرت أن ~~أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله ~~عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله "؟ فقال أبو ~~بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق ~~المال، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها. قال عمر رضي الله عنه: فوالله ما ~~هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق ". # أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، ~~أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عمرو بن عباس، حدثنا ~~ابن المهدي، حدثنا منصور بن سعد عن ميمون بن سياه عن أنس بن مالك قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا: فذلك المسلم الذي ~~له ذمة الله وذمة رسوله ". ### || [9.12] # قوله تعالى: { وإن نكثوا أيمنهم } ، نقضوا عهودهم، { ~~من بعد عهدهم } ، عقدهم، يعني: مشركي قريش، { وطعنوا } ، ~~قدحوا { فى دينكم } عابوه. فهذا دليل على أن الذمي إذا طعن في دين ~~الإسلام ظاهرا لا يبقى له عهد، { فقتلوا أئمة الكفر ~~} ، قرأ أهل الكوفة والشام: " أئمة " بهمزتين حيث كان، وقرأ الباقون: ~~بتليين الهمزة الثانية. وأئمة الكفر: ms0976 رؤوس المشركين وقادتهم من أهل مكة. # قال ابن عباس: نزلت في أبي سفيان بن حرب، وأبي جهل بن هشام، وسهيل بن ~~عمرو، وعكرمة بن أبي جهل، وسائر رؤساء قريش يومئذ للذين نقضوا العهد، ~~وهم الذين هموا بإخراج الرسول وقال مجاهد: هم أهل فارس والروم. # وقال حذيفة بن اليمان: ما قوتل أهل هذه الآية ولم يأت أهلها بعد { ~~إنهم لا أيمن لهم } ، أي: لا عهود لهم، جمع يمين. قال ~~قطرب: لا وفاء لهم بالعهد. وقرأ ابن عامر: { لا إيمن لهم } بكسر ~~الألف، أي: لا تصديق لهم ولا دين لهم. وقيل: هو من الأمان، أي لا تؤمنوهم ~~واقتلوهم حيث وجدتموهم، { لعلهم ينتهون } ، أي: لكي ينتهوا عن ~~الطعن في دينكم والمظاهرة عليكم. وقيل: عن الكفر، ثم حض المسلمين على ~~القتال. ### || [9.13-15] # فقال جل ذكره: { ألا تقتلون قوما نكثوا ~~أيمنهم } ، نقضوا عهدهم، وهم الذين نقضوا عهد الصلح بالحديبية ~~وأعانوا بني بكر على خزاعة. { وهموا بإخراج الرسول } ، من ~~مكة حين اجتمعوا في دار الندوة، { وهم بدءوكم } ، بالقتال، { ~~أول مرة } ، يعني: يوم بدر، وذلك أنهم قالوا حين سلم العير: ~~لا ننصرف حتى نستأصل محمدا وأصحابه. # وقال جماعة من المفسرين: أراد أنهم بدأوا بقتال خزاعة حلفاء رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. # { أتخشونهم } ، أتخافونهم فتتركون قتالهم؟ { فالله أحق ~~أن تخشوه } ، في ترك قتالهم، { إن كنتم مؤمنين }. # { قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم } ، يقتلهم الله ~~بأيديكم، { ويخزهم } ، ويذلهم بالأسر والقهر، { وينصركم ~~عليهم ويشف صدور قوم } ، ويبرىء داء قلوب قوم، { ~~مؤمنين } ، مما كانوا ينالونه من الأذى منهم. وقال مجاهد والسدي: ~~أراد صدور خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أعانت قريش ~~بني بكر عليهم، حتى نكأوا فيهم فشفى الله صدورهم من بني بكر بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم وبالمؤمنين. # { ويذهب غيظ قلوبهم } ، كربها ووجدها بمعونة قريش ~~بني بكرا عليهم، ثم قال مستأنفا: { ويتوب الله على من ~~يشآء } ، فيهديه إلى الإسلام كما فعل بأبي سفيان وعكرمة بن أبي جهل ~~وسهيل بن عمرو، { والله عليم حكيم } وروي أن النبي صلى الله ms0977 ~~عليه وسلم قال يوم فتح مكة: # " ارفعوا السيف إلا خزاعة من بني بكر إلى العصر ". ### || [9.16-17] # قوله تعالى: { أم حسبتم } ، أظننتم { أن تتركوا } ، قيل: ~~هذا خطاب للمنافقين. وقيل: للمؤمنين الذين شق عليهم القتال، فقال: أم ~~حسبتم أن تتركوا فلا تؤمروا بالجهاد، ولا تمنحوا، ليظهر الصادق من ~~الكاذب، { ولما يعلم الله } ، ولم ير الله { الذين ~~جهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا ~~رسوله ولا المؤمنين وليجة } ، بطانة وأولياء ~~يوالونهم ويفشون إليهم أسرارهم. وقال قتادة: وليجة خيانة. وقال ~~الضحاك: خديعة. وقال عطاء: أولياء. وقال أبو عبيدة: كل شيء أدخلته في شيء ~~ليس منه فهو وليجة، والرجل يكون في القوم وليس منهم وليجة، فوليجة الرجل: ~~من يختص بدخيلة أمره دون الناس، يقال: هو وليجتي، وهم وليجتي، للواحد ~~والجمع، { والله خبير بما تعملون }. # قوله تعالى: { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد ~~الله } الآية. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما أسر العباس يوم بدر عيره ~~المسلمون بالكفر وقطيعة الرحم، وأغلظ علي رضي الله عنه له القول. فقال ~~العباس: مالكم تذكرون مساوينا ولا تذكرون محاسننا؟ # فقال له علي رضي الله عنه: ألكم محاسن؟ فقال: نعم، إنا لنعمر ~~المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحاج، فأنزل الله عز وجل ردا ~~على العباس: { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد ~~الله } ، أي: ما ينبغي للمشركين أن يعمروا مساجد الله. # أوجب على المسلمين منعهم من ذلك، لأن المساجد إنما تعمر لعبادة الله ~~وحده، فمن كان كافرا بالله فليس من شأنه أن يعمرها. فذهب جماعة إلى أن ~~المراد منه: العمارة المعروفة من بناء المسجد ومرمته عند الخراب فيمنع ~~منه الكافر حتى لو أوصى به لا تمتثل. وحمل بعضهم العمارة هاهنا على دخول ~~المسجد والقعود فيه. قال الحسن: ما كان للمشركين أن يتركوا فيكونوا أهل ~~المسجد الحرام. # قرأ ابن كثير وأهل البصرة: { مسجد الله } على التوحيد، وأراد به المسجد ~~الحرام، لقوله تعالى: { وعمارة المسجد الحرام } ، ولقوله ~~تعالى: { فلا يقربوا المسجد الحرام } ، وقرأ الآخرون: { ~~مساجد الله } بالجمع، والمراد منه أيضا المسجد الحرام. ms0978 قال ~~الحسن: إنما قال مساجد لأنه قبلة المساجد كلها. قال الفراء: ربما ذهبت ~~العرب بالواحد إلى الجمع وبالجمع إلى الواحد، ألا ترى أن الرجل يركب ~~البرذون فيقول: أخذت في ركوب البراذين؟ ويقال: فلان كثير الدرهم ~~والدينار، يريد الدراهم والدنانير. # قوله تعالى: { شاهدين على أنفسهم بالكفر } ، أراد وهم ~~شاهدون، فلما طرحت " وهم " نصبت، قال الحسن: لم يقولوا نحن كفار، ولكن ~~كلامهم بالكفر شاهد عليهم بالكفر. # وقال الضحاك عن ابن عباس: شهادتهم على أنفسهم بالكفر سجودهم للأصنام، ~~وذلك أن كفار قريش كانوا نصبوا أصنامهم خارج البيت الحرام عند القواعد، ~~وكانوا يطوفون بالبيت عراة، كلما طافوا شوطا سجدوا لأصنامهم، ولم ~~يزدادوا بذلك من الله تعالى إلا بعدا. # وقال السدي: شهادتهم على أنفسهم بالكفر هو أن النصراني يسأل من أنت؟ ~~فيقول: أنا نصراني، واليهودي يقول: أنا يهودي، ويقال للمشرك: ما دينك؟ ~~يقول: مشرك. قال الله تعالى: { أولئك حبطت أعملهم } ، ~~لأنها لغير الله عز وجل، { وفي النار هم خالدون } # وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: معناه شاهدين على رسولهم بالكفر؛ ~~لأنه ما من بطن وإلا ولدته ### || [9.18] # ثم قال تعالى: { إنما يعمر مسجد الله من ءامن ~~بالله واليوم الأخر وأقام الصلوة وءاتى ~~الزكوة ولم يخش إلا الله } ولم يخف في الدين غير ~~الله، ولم يترك أمر الله لخشية غيره، { فعسى أولئك أن ~~يكونوا من المهتدين } ، " وعسى " من الله واجب، أي: فأولئك ~~هم المهتدون، والمهتدون هم المتمسكون بطاعة الله عز وجل التي تؤدي إلى ~~الجنة. # أخبرنا أبو عمرو محمد بن عبد الرحمن النسوي، حدثنا أحمد بن الحسين ~~الحيري، حدثنا محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن الفرج الحجازي، حدثنا بقية، ~~حدثنا أبو الحجاج، المهدي، عن عمرو بن الحارث، عن أبي الهيثم، عن أبي ~~سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا رأيتم الرجل يتعاهد المسجد فاشهدوا له بالإيمان، فإن الله قال: ~~{ إنما يعمر مسجد الله من ءامن بالله ~~واليوم الأخر } ". # أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبدالله ms0979 النعيمي، ~~أنبأنا محمد بن يوسف، أنبأنا محمد ابن إسماعيل، حدثنا علي بن عبدالله، ~~حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن مطرف، عن يزيد بن أسلم، عن عطاء بن ~~يسار، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله نزله من الجنة كلما ~~غدا أو راح ". # أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا أبو منصور محمد بن محمد بن ~~سمعان، حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبدالجبار الرياني، حدثنا حميد بن ~~زنجويه، حدثنا أبو عاصم، عن عبدالحميد بن جعفر، حدثني أبي عن محمود بن ~~لبيد، أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أراد بناء المسجد فكره الناس ذلك، ~~وأحبوا أن يدعه، فقال عثمان: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " من بنى لله مسجدا بنى الله كهيئته في الجنة ". # وأخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أنا أبو طاهر الزيادي، ~~أخبرنا محمد بن الحسين القطان، حدثنا علي بن الحسين الدار ~~ابجردي، حدثنا أبو عاصم بهذا الإسناد، قال: # " بنى الله له بيتا في الجنة ". ### || [9.19] # قوله عز وجل: { أجعلتم سقاية الحاج } الآية. # أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي، حدثنا أبو إسحاق أحمد بن محمد ~~بن إبراهيم الثعلبي، حدثنا عبد الله بن حامد بن محمد الوزان، حدثنا أحمد ~~بن محمد بن جعفر بن محمد بن عبيد الله المعافري، حدثنا أبو داود سليمان ~~بن الأشعث السجستاني، حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع الحلبي، حدثنا ~~معاوية بن سلام، عن زيد بن سلام، عن أبي سلام، حدثنا النعمان بن بشير ~~قال: كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل: ما أبالي أن ~~لا أعمل عملا بعد أن أسقي الحاج. وقال آخر: ما أبالي أن لا أعمل عملا ~~بعد أن أعمر المسجد الحرام. وقال الآخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما ~~قلتما، فزجرهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند ~~منبر رسول الله صلى الله عليه ms0980 وسلم، وهو يوم الجمعة، ولكن إذا صليت دخلت ~~فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما اختلفتم به، ففعل فأنزل الله ~~عز وجل: { أجعلتم سقاية الحآج وعمارة المسجد ~~الحرام } ، إلى قوله: { والله لا يهدى القوم ~~الظلمين }. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: قال العباس حين أسر يوم بدر: لئن ~~كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد، لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ~~ونسقي الحاج، فأنزل الله هذه الآية، وأخبر أن عمارتهم المسجد الحرام ~~وقيامهم على السقاية لا تنفعهم مع الشرك بالله، والإيمان بالله والجهاد ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم خير مما هم عليه. # وقال الحسن، والشعبي، ومحمد بن كعب القرظي، نزلت في علي بن أبي طالب، ~~والعباس بن عبد المطلب، وطلحة بن شيبة، افتخروا فقال طلحة: أنا صاحب ~~البيت بيدي مفتاحه، وقال العباس: أنا صاحب السقاية والقائم عليها، وقال ~~علي: ما أدري ما تقولون لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس وأنا ~~صاحب الجهاد، فأنزل الله عز وجل هذه الآية: { أجعلتم سقاية ~~الحآج }. # والسقاية: مصدر كالرعاية والحماية. # قوله: { وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله ~~واليوم الأخر } ، فيه اختصار تقديره: أجعلتم سقاية الحاج وعمارة ~~المسجد الحرام كإيمان من آمن بالله وجهاد من جاهد في سبيل الله؟ # وقيل: السقاية والعمارة بمعنى الساقي والعامر. وتقديره: أجعلتم ساقي ~~الحاج وعامر المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل ~~الله؟ وهذا كقوله تعالى: # والعاقبة للتقوى # [طه: 132] أي: للمتقين، يدل عليه قراءة عبد الله بن الزبير وأبي بن ~~كعب " أجعلتم سقاة الحاج وعمرة المسجد الحرام " على جمع ~~الساقي والعامر. # { كمن آمن بالله واليوم الأخر وجاهد في سبيل ~~الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم ~~الظالمين } أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد ~~الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني إسحاق بن ~~إبراهيم، حدثنا أبو أسامة، حدثنا يحيى بن مهلب، عن حسين، عن عكرمة عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ms0981 جاء إلى السقاية ~~فاستسقى، فقال العباس: يافضل اذهب إلى أمك فات رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بشراب من عندها، فقال: اسقني، فقال: يا رسول الله إنهم يجعلون ~~أيديهم فيه، قال: اسقني، فشرب منه، ثم أتى زمزم وهم يسقون ويعملون فيها، ~~فقال: # " اعملوا فإنكم على عمل صالح " # ، ثم قال: # " لولا أن تغلبوا لنزلت حتى أضع الحبل على هذه " # ، وأشار إلى عاتقه. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أنا عبد الغافر بن محمد، حدثنا محمد بن ~~عيسى الجلودي حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، عن مسلم بن الحجاج، حدثني ~~محمد بن منهال الضرير، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا حميد الطويل عن بكر ~~بن عبد الله المزني قال: كنت جالسا مع ابن عباس عند الكعبة فأتاه ~~أعرابي فقال: ما لي أرى بني عمكم يسقون العسل واللبن وأنتم تسقون ~~النبيذ؟ أمن حاجة بكم؟ أم من بخل؟ فقال ابن عباس: الحمد لله ما ~~بنا حاجة ولا بخل، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته ~~وخلفه أسامة بن زيد فاستسقى، فأتيناه بإناء من نبيذ فشرب وسقى فضله ~~أسامة، وقال: # " أحسنتم وأجملتم كذا فاصنعوا " # ، فلا نريد تغيير ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم. ### || [9.20-23] # قوله تعالى: { الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في ~~سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة } ~~فضيلة، { عند الله } ، من الذين افتخروا بسقاية الحاج وعمارة المسجد ~~الحرام. { وأولئك هم الفائزون } ، الناجون من النار. # { يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات ~~لهم فيها نعيم مقيم }. # { خالدين فيهآ أبدا إن الله عنده أجر عظيم }. # { يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا ءابآءكم ~~وإخونكم أوليآء } ، قال مجاهد: هذه الآية متصلة بما قبلها، ~~نزلت في قصة العباس وطلحة وامتناعهما من الهجرة. # وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: قال: لما أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم الناس بالهجرة إلى المدينة، فمنهم من تعلق به وأهله وولده ~~يقولون: ننشدك بالله أن لا تضيعنا. فيرق لهم فيقيم عليهم ويدع ~~الهجرة، فأنزل الله عز وجل هذه الآية. # وقال مقاتل: نزلت ms0982 في التسعة الذين ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بمكة، فنهى ~~الله عن ولايتهم، فأنزل الله: { يأيها الذين ءامنوا لا ~~تتخذوا ءابآءكم وإخونكم أوليآء } بطانة ~~وأصدقاء فتفشون إليهم أسراركم وتؤثرون المقام معهم على الهجرة، { إن ~~استحبوا } ، اختاروا { الكفر على الإيمن ومن ~~يتولهم منكم } ، فيطلعهم على عورة المسلمين ويؤثر المقام ~~معهم على الهجرة والجهاد، { فأولئك هم الظلمون } ، وكان ~~في ذلك الوقت لا يقبل الإيمان إلا من مهاجر، فهذا معنى قوله: { ~~فأولئك هم الظلمون }. ### || [9.24-25] # ثم قال تعالى: { قل } يا محمد للمتخلفين عن الهجرة: { إن كان ~~آباؤكم } ، وذلك أنه لما نزلت الآية الأولى قال الذين أسلموا ولم ~~يهاجروا: إن نحن هاجرنا ضاعت أموالنا وذهبت تجاراتنا وخربت ~~دورنا وقطعنا أرحامنا، فنزل: { قل إن كان آباؤكم ~~وأبنآؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم } ، ~~قرأ أبو بكر عن عاصم: " عشيراتكم " بالألف على الجمع، والآخرون بلا ألف ~~على التوحيد، لأن جمع العشيرة عشائر: { وأمول اقترفتموها } ~~اكتسبتموها { وتجرة تخشون كسادها ومسكن ~~ترضونهآ } ، أي: تستطيبونها يعني القصور والمنازل، { أحب ~~إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله ~~فتربصوا } ، فانتظروا، { حتى يأتى الله بأمره } ، ~~قال عطاء: بقضائه. وقال مجاهد ومقاتل: بفتح مكة وهذا أمر تهديد، { ~~والله لا يهدى } لا يوفق ولا يرشد { القوم الفسقين ~~} ، الخارجين عن الطاعة. # قوله تعالى: { لقد نصركم الله في مواطن } ، أي مشاهد، { ~~كثيرة ويوم حنين } ، وحنين واد بين مكة والطائف. وقال عروة: ~~إلى جنب ذي المجاز. # وكانت قصة حنين على ما نقله الرواة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فتح مكة وقد بقيت عليه أيام من شهر رمضان، ثم خرج إلى حنين لقتال هوازن ~~وثقيف في اثني عشر ألفا، عشرة آلاف من المهاجرين وألفان من الطلقاء، ~~قال عطاء كانوا ستة عشر ألفا. # وقال الكلبي: كانوا عشرة آلاف، وكانوا يومئذ أكثر ما كانوا قط، ~~والمشركون أربعة آلاف من هوازن وثقيف، وعلى هوازن مالك بن عوف النصري، ~~وعلى ثقيف كنانة بن عبد ياليل الثقفي، فلما التقى الجمعان قال رجل من ~~الأنصار يقال له سلمة بن سلامة بن وقش: لن نغلب اليوم عن ms0983 قلة، فساء ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كلامه، ووكلوا إلى كلمة الرجل. وفي ~~رواية: فلم يرض الله قوله، ووكلهم إلى أنفسهم فاقتتلوا قتالا شديدا، ~~فانهزم المشركون وخلوا عن الذراري، ثم نادوا: يا حماة السواد اذكروا ~~الفضائح، فتراجعوا وانكشف المسلمون. # قال قتادة: وذكر لنا أن الطلقاء انجفلوا يومئذ بالناس فلما انجفل القوم ~~هربوا. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد العزيز أخبرنا عبد الغافر بن ~~محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، ~~حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا أبو خيثمة عن أبي ~~إسحاق قال: # " قال رجل للبراء بن عازب: يا أبا عمارة فررتم يوم حنين؟ قال: لا ~~والله ما ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه خرج شبان ~~أصحابه وأخفاؤهم وهم حسر ليس عليهم سلاح، أو كثير سلاح، ~~فلقوا قوما رماة لا يكاد يسقط لهم سهم، جمع هوازن وبني نصر، ~~فرشقوهم رشقا ما يكادون يخطئون، فأقبلوا هناك إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على بغلته البيضاء، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ~~يقود به، فنزل واستنصر وقال: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، ثم ~~صفهم ". # ورواه محمد بن إسماعيل عن عبيدالله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق. ~~وزاد قال: فما رؤي من الناس يومئذ أشد منه. # ورواه زكريا عن أبي إسحاق. وزاد قال البراء: كنا إذا احمر البأس نتقي ~~به، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به يعني النبي صلى الله عليه وسلم. # وروى شعبة عن أبي إسحاق قال: قال البراء: إن هوازن كانوا قوما رماة، ~~وإنا لما لقيناهم حملنا عليهم، فانهزموا، فأقبل المسلمون على الغنائم ~~فاستقبلونا بالسهام، فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يفر. # قال الكلبي: كان حول رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة من المسلمين ~~وانهزم سائر الناس. # وقال آخرون: لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ غير: العباس ~~بن عبد المطلب، وأبو سفيان بن الحارث، وأيمن بن أم أيمن، ms0984 فقتل يومئذ بين ~~يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبدالغافر بن محمد، أخبرنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان حدثنا مسلم ابن الحجاج، ~~قال: حدثنا أبو الطاهر، أحمد بن عمرو بن سرح، حدثنا ابن وهب، أخبرنا يونس ~~عن ابن شهاب، قال: حدثني كثير بن عباس بن عبد المطلب قال: قال عباس: # " شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فلزمت أنا وأبو ~~سفيان بن الحارث رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم نفارقه، ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على بغلة بيضاء أهداها له فروة ابن نفاثة الجذامي، ~~فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يركض بغلته قبل الكفار، وأنا آخذ بلجام بغلة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أكفها إرادة أن لا تسرع، وأبو سفيان ~~آخذ بركابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أي عباس: ناد أصحاب ~~السمرة، فقال عباس - وكان رجلا صيتا - فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب ~~السمرة؟ قال: فوالله لكان عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على ~~أولادها، فقالوا: يالبيك يالبيك، قال: فاقتتلوا والكفار، والدعوة في ~~الأنصار يقولون: يامعشر الأنصار يامعشر الأنصار، ثم قصرت الدعوة على بني ~~الحارث بن الخزرج، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته ~~كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال: هذا حين حمي الوطيس، ثم أخذ ~~رسول الله حصيات فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال: انهزموا ورب محمد، ~~فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى، قال: فوالله ما هو إلا أن ~~رماهم بحصياته فمازلت أرى حدهم كليلا، وأمرهم مدبرا ". # وقال سلمة بن الأكوع: # " غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا قال فلما غشوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم نزل عن البغلة، ثم قبض قبضة من تراب الأرض، ثم ~~استقبل به وجوههم، فقال: " شاهت الوجوه " ، فما خلق الله منهم إنسانا ~~إلا ملأ عينه ترابا بتلك القبضة، فولوا مدبرين، ms0985 فهزمهم الله عز ~~وجل فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائمهم بين المسلمين ". # قال سعيد بن جبير: أمد الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بخمسة ~~آلاف من الملائكة مسومين. # وفي الخبر: # " أن رجلا من بني نضر يقال له شجرة، قال للمؤمنين بعد القتال: أين ~~الخيل البلق والرجال الذين عليهم ثياب بيض، ما كنا نراكم فيهم إلا ~~كهيئة الشامة وما كان قتلنا إلا بأيديهم، فأخبروا بذلك النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: تلك الملائكة ". # قال الزهري: وبلغني أن شيبة بن عثمان بن طلحة قال: استدبرت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يوم حنين وأنا أريد قتله بطلحة بن عثمان وعثمان بن ~~طلحة، وكانا قد قتلا يوم أحد، فأطلع الله رسوله صلى الله عليه وسلم على ~~ما في نفسي فالتفت إلي وضرب في صدري وقال أعيذك بالله يا شيبة، ~~فأرعدت فرائصي، فنظرت إليه فهو أحب إلي من سمعي وبصري، فقلت: أشهد ~~أنك رسول الله، وإن الله قد أطلعك على ما في نفسي. # فلما هزم الله المشركين وولوا مدبرين، انطلقوا حتى أتوا أوطاس وبها ~~عيالهم وأموالهم، فبعث رسول الله رجلا من الأشعريين يقال له أبو عامر ~~وأمره على جيش المسلمين إلى أوطاس، فسار إليهم فاقتتلوا، وقتل: دريد ~~بن الصمة، وهزم الله المشركين وسبى المسلمون عيالهم، وهرب أميرهم مالك ~~بن عوف النصري، فأتى الطائف فتحصن بها وأخذ ماله، وأهله فيمن أخذ. ~~وقتل أمير المسلمين أبو عامر. # قال الزهري: أخبرني سعيد بن المسيب أنهم أصابوا يومئذ ستة آلاف سبي، ثم ~~إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى الطائف فحاصرهم بقية ذلك الشهر، ~~فلما دخل ذو القعدة وهو شهر حرام انصرف عنهم، فأتى الجعرانة فأحرم منها ~~بعمرة وقسم فيها غنائم حنين وأوطاس، وتألف أناسا منهم: أبو سفيان بن ~~حرب، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، والأقرع بن حابس، فأعطاهم. # أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، حدثنا ~~شعيب، حدثنا ms0986 الزهري، أخبرني أنس بن مالك رضي الله عنه # " أن أناسا من الأنصار قالوا لرسول الله - حين أفاء الله على رسوله ~~من أموال هوازن ما أفاء، فطفق يعطي رجالا من قريش المائة من الإبل ~~- فقالوا: يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي قريشا ~~يدعنا وسيوفنا تقطر من دمائهم؟ قال أنس: فحدث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بمقالتهم، فأرسل إلى الأنصار، فجمعهم في قبة من ~~أدم ولم يدع معهم أحدا غيرهم، فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: ما كان حديث بلغني عنكم؟ فقال له فقهاؤهم: أما ~~ذوو رأينا يا رسول الله، فلم يقولوا شيئا، وأما أناس منا حديثة ~~أسنانهم فقالوا: يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي قريشا ~~ويترك الأنصار وسيوفنا تقطر من دمائهم، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: إني لأعطي رجالا حديثي عهد بكفر، أما ترضون أن يذهب الناس ~~بالأموال وترجعون إلى رجالكم برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فوالله ما ~~تنقلبون به خير مما ينقلبون به، قالوا: بلى يا رسول الله قد رضينا، فقال ~~لهم: " إنكم سترون بعدي أثرة شديدة، فاصبروا حتى تلقوا الله ~~ورسوله على الحوض ". # وقال يونس عن ابن شهاب: # " فإني أعطي رجالا حديثي عهد بالكفر أتألفهم " # ، وقال: # " " فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله فإني على الحوض " ، قالوا: ~~سنصبر ". # أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا وهيب، حدثنا عمرو بن ~~يحيى عن عباد بن تميم عن عبدالله بن زيد بن عاصم قال: # " لما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم يوم حنين قسم في الناس ~~في المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار شيئا، فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما ~~أصابه الناس، فخطبهم فقال: " يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالا فهداكم ~~الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي وكنتم عالة فأغناكم الله بي؟ ~~كلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أمن قال: ما يمنعكم أن تجيبوا ~~رسول الله ms0987 كلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أمن؟ قال: لو شئتم ~~قلتم كذا وكذا، أترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتذهبون ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم؟ لولا الهجرة لكنت امر من الأنصار، ~~ولو سلك الناس واديا أو شعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبهم، الأنصار ~~شعار والناس دثار، إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني ~~على الحوض ". # أخبرنا إسماعيل بن عبدالقاهر، أنا عبدالغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن ~~عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم ابن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، ~~حدثنا محمد بن أبي عمر المكي، حدثنا سفيان عن عمر ابن سعيد بن مسروق عن ~~أبيه عن عباية بن رفاعة، عن رافع بن خديج قال: أعطى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أبا سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وعيينة بن حصن والأقرع بن ~~حابس كل إنسان منهم مائة من الإبل، وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك، فقال ~~عباس بن مرداس: # فما كان حصن ولا حابس # يفوقان مرداس في المجمع # أتجعل نهبي ونهب العب # يد بين عيينة والأقرع # وما كنت دون امرىء منهما # ومن تخفض اليوم لا يرفع # قال: فأتم له رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة. # وفي الحديث: أن ناسا من هوازن أقبلوا مسلمين بعد ذلك، فقالوا: يا رسول ~~الله أنت خير الناس وأبر الناس، وقد أخذت أبناءنا ونساؤنا ~~وأموالنا. # أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا سعيد بن عفير، حدثني ~~الليث، حدثني عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير: أن مروان والمسور ~~بن مخرمة أخبراه # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين، ~~فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم، فقال لهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " إن معي من ترون وأحب الحديث إلي أصدقه، فاختاروا إحدى ~~الطائفتين: إما السبي، وإما المال. قالوا: فإنا نختار سبينا. فقام ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأثنى على الله عز وجل بما ms0988 هو أهله ثم ~~قال: أما بعد، فإن إخوانكم هؤلاء جاؤوا تائبين، وإني قد رأيت أن أرد ~~إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيب ذلك لهم فليفعل، ومن أحب أن ~~يكون على حظ حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا، فليفعل فقال ~~الناس: قد طيبنا ذلك يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفعوا ~~إلينا عرفاؤكم أمركم، فرجع الناس، فكلمهم عرفاؤهم ثم رجعوا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا " # فأنزل الله تعالى في قصة حنين: { لقد نصركم الله في ~~مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم ~~} ، حتى قلتم: لن نغلب اليوم من قلة، { فلم تغن عنكم } ، ~~كثرتكم، { شيئا } ، يعني: إن الظفر لا يكون بالكثرة، { وضاقت ~~عليكم الأرض بما رحبت } ، أي: برحبها وسعتها، { ثم ~~وليتم مدبرين } ، منهزمين. ### || [9.26-28] # { ثم أنزل الله } بعد الهزيمة، { سكينته } ، يعني: ~~الأمنة والطمأنينة، وهي فعيلة من السكون { على رسوله وعلى ~~المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها } ، يعني: الملائكة. ~~قيل: لا للقتال، ولكن لتجبين الكفار وتشجيع المسلمين، لأنه يروى: أن ~~الملائكة لم يقاتلوا إلا يوم بدر، { وعذب الذين كفروا } ، ~~بالقتل والأسر وسبي العيال وسلب الأموال، { وذلك جزآء ~~الكافرين }. # { ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشآء } ، ~~فيهديه إلى الإسلام، { والله غفور رحيم }. # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا إنما المشركون ~~نجس } الآية، قال الضحاك وأبو عبيدة: نجس قذر. وقيل: خبيث. وهو مصدر ~~يستوي فيه الذكر والأنثى والتثنية والجمع، فأما النجس: بكسر النون ~~وسكون الجيم، فلا يقال على الانفراد، إنما يقال: رجس نجس، فإذا ~~أفرد قيل: نجس، بفتح النون وكسر الجيم، وأراد به: نجاسة الحكم لا ~~نجاسة العين، سموا نجسا على الذم. وقال قتادة: سماهم نجسا لأنهم ~~يجنبون فلا يغتسلون ويحدثون فلا يتوضؤون. # قوله تعالى: { فلا يقربوا المسجد الحرام } ، أراد منعهم ~~من دخول الحرم لأنهم إذا دخلوا الحرم فقد قربوا من المسجد الحرام، وأراد ~~به الحرم وهذا ms0989 كما قال تعالى: # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام # [الإسراء: 1]، وأراد به الحرم لأنه أسرى به من بيت أم هانىء. # قال الشيخ الإمام الأجل: وجملة بلاد الإسلام في حق الكفار على ثلاثة ~~أقسام: # أحدها: الحرم، فلا يجوز للكافر أن يدخله بحال، ذميا كان أو مستأمنا، ~~لظاهر هذه الآية، وإذا جاء رسول من بلاد الكفار إلى الإمام والإمام في ~~الحرم لا يأذن له في دخول الحرم، بل يبعث إليه من يسمع رسالته خارج ~~الحرم. وجوز أهل الكوفة للمعاهد دخول الحرم. # والقسم الثاني من بلاد الإسلام: الحجاز، فيجوز للكافر دخولها بالإذن، ~~ولكن لا يقيم فيها أكثر من مقام السفر وهو ثلاثة أيام، لما روي عن عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " لئن عشت إن شاء الله تعالى لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب ~~حتى لا أدع فيها إلا مسلما ". فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوصى ~~فقال: " أخرجوا المشركين من جزيرة العرب " # ، فلم يتفرغ لذلك أبو بكر رضي الله عنه، وأجلاهم عمر رضي الله عنه في ~~خلافته، وأجل لمن يقدم منهم تاجرا ثلاثا. وجزيرة العرب من أقصى عدن ~~أبين إلى ريف العراق في الطول، وأما العرض فمن جدة وما والاها من ساحل ~~البحر إلى أطراف الشام. # والقسم الثالث: سائر بلاد الإسلام فيجوز للكافر أن يقيم فيها بذمة ~~وأمان، ولكن لا يدخلون المساجد إلا بإذن مسلم. # قوله: { بعد عامهم هذا } ، يعني: العام الذي حج فيه أبو بكر ~~رضي الله عنه بالناس، ونادى علي كرم الله وجهه ببراءة، وهو سنة تسع من ~~الهجرة. # قوله: { وإن خفتم عيلة } ، وذلك أن أهل مكة كانت معايشهم من ~~التجارات وكان المشركون يأتون مكة بالطعام ويتجرون، فلما منعوا من ~~دخول الحرم خافوا الفقر، وضيق العيش، وذكروا ذلك لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأنزل الله تعالى: { وإن خفتم عيلة } فقرا وفاقة. ~~يقال: عال يعيل عيلة إذا افتقر، { فسوف يغنيكم الله من ~~فضله إن شآء إن الله عليم ms0990 حكيم } ، قال عكرمة: ~~فأغناهم الله عز وجل بأن أنزل عليهم المطر مدرارا فكثر خيرهم. وقال ~~مقاتل: أسلم أهل جدة وصنعاء وجريش من اليمن وجلبوا الميرة الكثيرة إلى ~~مكة فكفاهم الله ما كانوا يخافون. وقال الضحاك وقتادة: عوضهم الله منها ~~الجزية فأغناهم بها. ### || [9.29] # وذلك قوله تعالى: { قتلوا الذين لا يؤمنون بالله } ~~، قال مجاهد: نزلت هذه الآية حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بقتال الروم، فغزا بعد نزولها غزوة تبوك. # وقال الكلبي: نزلت في قريظة والنضير من اليهود، فصالحهم وكانت أول جزية ~~أصابها أهل الإسلام، وأول ذل أصاب أهل الكتاب بأيدي المسلمين. # قال الله تعالى: { قتلوا الذين لا يؤمنون بالله ~~ولا باليوم الأخر } ، فإن قيل: أهل الكتاب يؤمنون بالله ~~واليوم الآخر؟ قيل: لا يؤمنون كإيمان المؤمنين، فإنهم إذا قالوا عزير ابن ~~الله والمسيح ابن الله، لا يكون ذلك إيمانا بالله. { ولا يحرمون ~~ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق } ، ~~أي: لا يدينون الدين الحق، أضاف الاسم إلى الصفة. وقال قتادة: الحق هو ~~الله، أي: لا يدينون دين الله، ودينه الإسلام. وقال أبو عبيدة: معناه ~~لا يطيعون الله تعالى طاعة أهل الحق. { من الذين أوتوا ~~الكتب } ، يعني: اليهود والنصارى. { حتى يعطوا الجزية ~~} ، وهي: الخراج المضروب على رقابهم، { عن يد } ، عن قهر وذل. قال ~~أبو عبيدة: يقال لكل من أعطى شيئا كرها من غير طيب نفس: أعطاه عن يد. ~~وقال ابن عباس: يعطونها بأيديهم ولا يرسلون بها على يد غيرهم. وقيل: عن ~~يد أي: عن نقد لا نسيئة. وقيل: عن إقرار بإنعام المسلمين عليهم بقبول ~~الجزية منهم، { وهم صغرون } ، أذلاء مقهورون. قال عكرمة: يعطون ~~الجزية عن قيام، والقابض جالس. وعن ابن عباس قال: تؤخذ منه ويوطأ عنقه. # وقال الكلبي: إذا أعطى صفع في قفاه. # وقيل: يؤخذ بلحيته ويضرب في لهزمتيه. # وقيل: يلبب ويجر إلى موضع الإعطاء بعنف. # وقيل: إعطاؤه إياها هو الصغار. # وقال الشافعي رحمه الله: الصغار هو جريان أحكام الإسلام عليهم. # واتفقت الأمة على جواز أخذ الجزية من أهل ms0991 الكتابين، وهم اليهود والنصارى ~~إذا لم يكونوا عربا. # واختلفوا في الكتابي العربي وفي غير أهل الكتاب من كفار العجم، فذهب ~~الشافعي: إلى أن الجزية على الأديان لا على الأنساب، فتؤخذ من أهل ~~الكتاب عربا كانوا أو عجما، ولا تؤخذ من أهل الأوثان بحال، واحتج بأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أخذها من أكيدر دومة، وهو رجل من العرب يقال: ~~إنه من غسان، وأخذ من أهل ذمة اليمن، وعامتهم عرب. # وذهب مالك والأوزاعي: إلى أنها تؤخذ من جميع الكفار إلا المرتد. # وقال أبو حنيفة تؤخذ من أهل الكتاب على العموم، وتؤخذ من مشركي العجم، ~~ولا تؤخذ من مشركي العرب. وقال أبو يوسف: لا تؤخذ من العربي، كتابيا كان ~~أو مشركا وتؤخذ من العجمي كتابيا كان أو مشركا. # وأما المجوس فاتفقت الصحابة رضي الله عنهم على أخذ الجزية منهم. # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، ~~أخبرنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا سفيان ~~عن عمرو بن دينار سمع بجالة يقول: لم يكن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبدالرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أخذها من مجوس هجر. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد أبو إسحاق الهاشمي، ~~أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن جعفر بن محمد، عن أبيه أن عمر بن الخطاب ~~ذكر المجوس فقال: # " ما أدري كيف أصنع في أمرهم؟ فقال عبدالرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: " سنوا بهم سنة أهل الكتاب ". # وفي امتناع عمر رضي الله عنه عن أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد ~~الرحمن [بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر، دليل ~~على أن رأي الصحابة كان على أنها لا تؤخذ] من كل مشرك، وإنما تؤخذ من ~~أهل الكتاب. # واختلفوا في أن المجوس: هل هم من أهل الكتاب أم لا؟ فروي عن علي رضي ~~الله عنه قال: كان ms0992 لهم كتاب يدرسونه فأصبحوا، وقد أسري على كتابهم، ~~فرفع من بين أظهرهم. # واتفقوا على تحريم ذبائح المجوس ومناكحتهم بخلاف أهل الكتابين. # أما من دخل في دين اليهود والنصارى من غيرهم من المشركين نظر: إن ~~دخلوا فيه قبل النسخ والتبديل يقرون بالجزية، وتحل مناكحتهم وذبائحهم، ~~وإن دخلوا في دينهم بعد النسخ بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم لا ~~يقرون بالجزية، ولا تحل مناكحتهم وذبائحهم، ومن شككنا في أمرهم أنهم ~~دخلوا فيه بعد النسخ أو قبله: يقرون بالجزية تغليبا لحقن الدم، ولا تحل ~~مناكحتهم وذبائحهم تغليبا للتحريم، فمنهم نصارى العرب من تنوخ وبهراء ~~وبني تغلب، أقرهم عمر رضي الله عنه على الجزية، وقال: لا تحل لنا ~~ذبائحهم. # وأما قدر الجزية فأقله دينار، لا يجوز أن ينقص منه، ويقبل الدينار من ~~الفقير والغني والوسط لما أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي، ~~أخبرنا أبو محمد عبدالجبار بن محمد الجراحي، حدثنا أبو العباس محمد بن ~~أحمد المحبوبي، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا ~~عبدالرزاق أخبرنا سفيان عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن معاذ بن جبل ~~رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فأمرني ~~أن آخذ من كل حالم دينارا أو عدله معافر. فالنبي صلى الله عليه ~~وسلم أمره أن يأخذ من كل حالم، أي بالغ دينارا ولم يفصل بين الغني ~~والفقير والوسط، وفيه دليل على أنها لا تجب على الصبيان وكذلك لا تجب على ~~النسوان، إنما تؤخذ من الأحرار العاقلين البالغين من الرجال. # وذهب قوم إلى أنه على كل موسر أربعة دنانير، وعلى كل متوسط ديناران، ~~وعلى كل فقير دينار، وهو قول أصحاب الرأي. ### || [9.30] # قوله: { وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت ~~النصرى المسيح ابن الله } روى سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن ~~عباس قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من اليهود: سلام بن ~~مشكم، والنعمان ابن أوفى وشاس بن قيس، ومالك بن الصيف، فقالوا: كيف نتبعك ~~وقد تركت قبلتنا ms0993 وأنت لا تزعم أن عزيرا ابن الله؟ فأنزل الله عز وجل: ~~{ وقالت اليهود عزير ابن الله }. # قرأ عاصم والكسائي ويعقوب: { عزير } بالتنوين والآخرون بغير تنوين؛ ~~لأنه اسم أعجمي ويشبه اسما مصغرا، ومن نون قال لأنه اسم خفيف، فوجهه ~~أن يصرف، وإن كان أعجميا مثل نوح وهود ولوط. واختار أبو عبيدة التنوين ~~وقال: لأن هذا ليس منسوبا إلى أبيه، إنما هو كقولك زيد ابن الأمير وزيد ~~ابن أختنا، فعزير مبتدأ وما بعده خبر له. # وقال عبيد بن عمير: إنما قال هذه المقالة رجل واحد من اليهود اسمه فنحاص ~~بن عازوراء، وهو الذي قال: # إن الله فقير ونحن أغنيآء # [آل عمران: 181]. # وروى عطية العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إنما قالت اليهود ~~عزير ابن الله من أجل أن عزيرا كان فيهم وكانت التوراة عندهم والتابوت ~~فيهم، فأضاعوا التوراة وعملوا بغير الحق، فرفع الله عنهم التابوت وأنساهم ~~التوراة ونسخها من صدورهم، فدعا الله عزير وابتهل إليه أن يرد إليه الذي ~~نسخ من صدورهم، فبينما هو يصلي مبتهلا إلى الله تعالى نزل نور من السماء ~~فدخل جوفه فعادت إليه التوراة فأذن في قومه، وقال: يا قوم قد آتاني ~~الله التوراة وردها إلي! فعلق به الناس يعلمهم، فمكثوا ما شاء الله ~~تعالى، ثم إن التابوت نزل بعد ذهابه منهم، فلما رأوا التابوا عرضوا ما ~~كان فيه على الذي كان يعلمهم عزير فوجدوه مثله، فقالوا: ما أوتي عزير ~~هذا إلا أنه ابن الله. # وقال الكلبي: إن بختنصر لما ظهر على بني إسرائيل وقتل منهم من قرأ ~~التوراة، وكان عزير إذ ذاك صغيرا فاستصغره فلم يقتله، فلما رجع بنو ~~إسرائيل إلى بيت المقدس وليس فيهم من يقرأ التوراة بعث الله عزيرا ليجدد ~~لهم التوراة وتكون لهم آية بعد مائة سنة، يقال: وأتاه ملك بإناء فيه ماء ~~فسقاه فمثلت التوراة في صدره، فلما أتاهم قال: أنا عزير فكذبوه وقالوا إن ~~كنت كما تزعم فأمل علينا التوراة، فكتبها لهم. ثم إن رجلا قال: إن أبي ~~حدثني عن ms0994 جدي أن التوراة جعلت في خابية ودفنت في كرم، فانطلقوا معه حتى ~~أخرجوها، فعارضوها بما كتب لهم عزير فلم يجدوه غادر منها حرفا، فقالوا: ~~إن الله لم يقذف التوراة في قلب رجل إلا أنه ابنه، فعند ذلك قالت اليهود: ~~عزير ابن الله. # وأما النصارى فقالوا: المسيح ابن الله، وكان السبب فيه أنهم كانوا على ~~دين الإسلام إحدى وثمانين سنة بعدما رفع عيسى عليه السلام يصلون ~~إلى القبلة، ويصومون رمضان، حتى وقع فيما بينهم وبين اليهود حرب، وكان في ~~اليهود رجل شجاع يقال له " بولص " قتل جملة من أصحاب عيسى عليه السلام، ~~ثم قال لليهود: إن كان الحق مع عيسى فقد كفرنا به والنار مصيرنا، فنحن ~~مغبونون إن دخلوا الجنة ودخلنا النار، فإني أحتال وأضلهم حتى يدخلوا ~~النار، وكان له فرس يقال له العقاب يقاتل عليه فعرقب فرسه وأظهر الندامة، ~~ووضع على رأسه التراب، فقال له النصارى: من أنت؟ قال: بولص عدوكم، فنوديت ~~من السماء: ليست لك توبة إلا أن تتنصر، وقد تبت. فأدخلوه الكنيسة، ودخل ~~بيتا سنة لا يخرج منه ليلا ولا نهارا حتى تعلم الإنجيل، ثم خرج ~~وقال: نوديت أن الله قبل توبتك، فصدقوه وأحبوه، ثم مضى إلى بيت ~~المقدس، واستخلف عليهم نسطورا وأعلمه أن عيسى ومريم والإله كانوا ~~ثلاثة، ثم توجه إلى الروم وعلمهم اللاهوت والناسوت، وقال: لم يكن ~~عيسى بإنس ولا بجسم، ولكنه ابن الله، وعلم ذلك رجلا يقال له " يعقوب " ~~ثم دعا رجلا يقال له ملكا، فقال له: إن الإله لم يزل ولا يزال عيسى، ~~فلما استمكن منهم دعا هؤلاء الثلاثة واحدا واحدا، وقال لكل واحد منهم: ~~أنت خالصتي، وقد رأيت عيسى في المنام فرضي عني. وقال لكل منهم: إني غدا ~~أذبح نفسي، فادع الناس إلى نحلتك، ثم دخل المذبح فذبح نفسه وقال: ~~إنما أفعل ذلك لمرضاة عيسى، فلما كان يوم ثالثه دعا كل واحد منهم ~~الناس إلى نحلته، فتبع كل واحد طائفة من الناس، فاختلفوا ~~واقتتلوا فقال الله عز وجل: { وقالت النصرى المسيح ابن ~~الله ms0995 ذلك قولهم بأفوههم } ، يقولون بألسنتهم من غير ~~علم. قال أهل المعاني: لم يذكر الله تعالى قولا مقرونا بالأفواه ~~والألسن إلا كان ذلك زورا. { يضهئون } ، قرأ عاصم بكسر الهاء ~~مهموزا، والآخرون بضم الهاء غير مهموز، وهما لغتان يقال: ضاهيته ~~وضاهأته، ومعناهما واحد. قال ابن عباس رضي الله عنه: يشابهون. والمضاهاة ~~المشابهة. وقال مجاهد: يوطؤون. وقال الحسن: يوافقون، { قول الذين ~~كفروا من قبل } ، قال قتادة والسدي: ضاهت النصارى قول اليهود من ~~قبل، فقالوا: المسيح ابن الله، كما قالت اليهود: عزير ابن الله. وقال ~~مجاهد: يضاهؤن قول المشركين من قبل الذين كانوا يقولون اللات والعزى ~~ومناة بنات الله. وقال الحسن: شبه كفرهم بكفر الذين مضوا من الأمم ~~الكافرة كما قال في مشركي العرب: # كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم ~~تشبهت قلوبهم # [البقرة: 188]. وقال القتيبي: يريد أن من كان في عصر النبي صلى الله ~~عليه وسلم من اليهود والنصارى يقولون ما قال أولهم، { قتلهم ~~الله } ، قال ابن عباس: لعنهم الله. وقال ابن جريج: أي: قتلهم الله. ~~وقيل: ليس هو على تحقيق المقاتلة ولكنه بمعنى التعجب، { أنى ~~يؤفكون } ، أي: يصرفون عن الحق بعد قيام الأدلة عليه. ### || [9.31] # { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا } ، أي: ~~علماءهم وقراءهم، والأحبار: العلماء، واحدها حبر، وحبر بكسر الحاء ~~وفتحها، والرهبان من النصارى أصحاب الصوامع فإن قيل: إنهم لم يعبدوا ~~الأحبار والرهبان؟ قلنا: معناه أنهم أطاعوهم في معصية الله واستحلوا ما ~~أحلوا وحرموا ما حرموا، فاتخذوهم كالأرباب. روي عن عدي بن حاتم رضي ~~الله عنه قال: # " أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال لي: " ~~ياعدي اطرح هذا الوثن من عنقك " ، فطرحته ثم انتهيت إليه وهو يقرأ: { ~~اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله } ، حتى فرغ منها، قلت: إنا لسنا نعبدهم، فقال: " أليس يحرمون ~~ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتستحلونه "؟ قال: فقلت: ~~بلى، قال: " فتلك عبادتهم ". # قال عبد الله بن المبارك: # وهل بدل الدين إلا الملوك # وأحبار سوء ورهبانها # { والمسيح ابن مريم } ، أي: اتخذوه ms0996 إلها، { ومآ ~~أمروا إلا ليعبدوا إلها وحدا لا إله ~~إلا هو سبحنه عما يشركون }. ### || [9.32-33] # { يريدون أن يطفئوا نور الله بأفوههم } ، أي: ~~يبطلوا دين الله بألسنتهم وتكذيبهم إياه. وقال الكلبي: النور القرآن، أي: ~~يريدون أن يردوا القرآن بألسنتهم تكذيبا، { ويأبى الله إلا ~~أن يتم نوره } ، أي: يعلي دينه ويظهر كلمته ويتم الحق الذي بعث ~~به محمدا صلى الله عليه وسلم، { ولو كره الكفرون }. # { هو الذي أرسل رسوله } ، يعني: الذي يأبى إلا إتمام دينه ~~هو الذي أرسل رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، { بالهدى } ، قيل: ~~بالقرآن. وقيل: ببيان الفرائض، { ودين الحق } ، وهو: الإسلام، { ~~ليظهره } ، ليعليه وينصره، { على الدين كله } ، على سائر ~~الأديان، { ولو كره المشركون }. # واختلفوا في معنى هذه الآية: فقال ابن عباس: الهاء عائدة إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أي: ليعلمه شرائع الدين كلها فيظهره عليها حتى لا ~~يخفى عليه منها شيء. # وقال الآخرون: الهاء راجعة إلى دين الحق، وظهوره على الأديان هو أن لا ~~يدان الله تعالى إلا به. # وقال أبو هريرة والضحاك: وذلك عند نزول عيسى ابن مريم لا يبقى أهل دين ~~إلا دخل في الإسلام وروينا عن أبي هريرة رضي الله عنه # " عن النبي صلى الله عليه وسلم في نزول عيسى عليه السلام قال: " ويهلك ~~في زمانه الملل كلها إلا الإسلام " # وروى المقداد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " " لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله كلمة ~~الإسلام إما بعز عزيز أو ذل ذليل " ، إما يعزهم الله فيجعلهم من ~~أهله، أو يذلهم فيدينون له ". # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو القاسم ~~الحسين بن محمد بن حبيب، حدثنا أبو جعفر محمد سليمان بن منصور، حدثنا أبو ~~مسلم بن إبراهيم بن عبد الله الكجي، حدثنا أبو عاصم النبيل، حدثنا عبد ~~الحميد، هو ابن جعفر، عن الأسود بن العلاء، عن أبي سلمة عن عائشة رضي ~~الله عنه قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " لا ms0997 يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى " ، قالت: قلت: ~~يا رسول الله ما كنت أظن أن يكون ذلك بعدما أنزل الله تعالى: { هو ~~الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره ~~على الدين كله ولو كره المشركون } ، ثم قال: " يكون ~~ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله تعالى ريحا طيبة، فتقبض من كان في قلبه ~~مثقال ذرة من خير، ثم يبقى من لا خير فيه، فيرجع الناس إلى دين آبائهم» ~~". # قال الحسين بن الفضل: معنى الآية ليظهره على الدين كله بالحجج الواضحة. # وقيل: ليظهره على الأديان التي حول النبي صلى الله عليه وسلم فيغلبهم. # قال الشافعي رحمه الله: فقد أظهر الله رسوله صلى الله عليه وسلم على ~~الأديان كلها بأن أبان لكل من سمعه أنه الحق، وما خالفه من الأديان باطل، ~~وقال: وأظهره بأن جماع الشرك دينان، دين أهل الكتاب، ودين أميين فقهر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الأميين حتى دانوا بالإسلام طوعا وكرها، ~~وقتل أهل الكتاب وسبى، حتى دان بعضهم بالإسلام، وأعطى بعضهم الجزية ~~صاغرين، وجرى عليهم حكمه، فهذا ظهوره على الدين كله، والله أعلم. ### || [9.34] # قوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا إن كثيرا من ~~الأحبار والرهبان } ، يعني: العلماء والقراء من أهل الكتاب، { ~~ليأكلون أموال الناس بالبطل } ، يريد ليأخذون الرشا ~~في أحكامهم، ويحرفون كتاب الله، ويكتبون بأيديهم كتبا يقولون، هذه من ~~عند الله، ويأخذون بها ثمنا قليلا من سفلتهم، وهي المآكل التي يصيبونها ~~منهم على تغيير نعت النبي صلى الله عليه وسلم، يخافون لو صدقوهم لذهبت ~~عنهم تلك المآكل، { ويصدون } ، ويصرفون الناس، { عن سبيل ~~الله } ، دين الله عز وجل. # { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها ~~في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم } ، قال ابن عمر ~~رضي الله عنهما: كل ما تؤدى زكاته فليس بكنز وإن كان مدفونا. وكل مال ~~لا تؤدي زكاته فهو كنز، وإن لم يكن مدفونا، ومثله عن ابن عباس. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد أخبرنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد ms0998 بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، ~~حدثني سويد بن سعيد، حدثنا حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم أن أبا صالح ~~ذكوان أخبره أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم ~~القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها ~~جبينه، وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ~~حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، ولا ~~صاحب إبل لا يؤدي منها حقها، ومن حقها حلبها يوم وردها إلا إذا ~~كان يوم القيامة، بطح لها بقاع قرقر، أوفر ما كانت لا يفقد منها ~~فصيلا واحدا، تطؤه بأخفافها، وتعضه بأفواهها، كلما مر عليه ~~أولاها رد عليه أخراها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضي ~~بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، ولا صاحب بقر ~~ولا غنم، لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة، بطح لها ~~بقاع قرقر لا يفقد منها شيئا ليس فيها عقصاء، ولا جلحاء، ولا عضباء، ~~تنطحه بقرونها، وتطؤه بأظلافها، كلما مر عليه أولاها، رد عليه ~~أخراها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضي الله بين العباد، ~~فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار ". # وروينا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته، مثل له ماله يوم القيامة ~~شجاعا أقرع، له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، فيأخذ بلهزمتيه، ~~يعني: شدقيه، ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك " # ، ثم تلا: { ولا يحسبن الذين يبخلون بمآ ءاتهم ~~الله } الآية. # وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: كل مال زاد على أربعة ~~آلاف درهم فهو كنز، أديت منه الزكاة أو لم تؤد، وما دونها نفقة. # وقيل: ما فضل عن الحاجة فهو كنز. أخبرنا ms0999 إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا ~~عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد ~~بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، ~~حدثنا الأعمش عن المعرور بن سويد عن أبي ذر قال: # " انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في ظل الكعبة فلما ~~رآني قال: " هم الأخسرون ورب الكعبة " ، قال: فجئت حتى جلست، فلم ~~أتقار أن قمت فقلت: يا رسول الله فداك أبي وأمي من هم؟ قال: " هم ~~الأكثرون أموالا إلا من قال: هكذا وهكذا وهكذا، من بين يديه، ومن خلفه، ~~وعن يمينه، وعن شماله، وقليل ما هم ". # وروي عن أبي ذر رضي الله عنه أنه كان يقول: من ترك بيضاء، أو حمراء، ~~كوي بها يوم القيامة. # وروي عن أبي أمامة قال: # " مات رجل من أهل الصفة، فوجد في مئزره دينار، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " كية " ، ثم توفي آخر فوجد في مئزره ديناران، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: " كيتان ". # والقول الأول أصح؛ لأن الآية نزلت في منع الزكاة لا في جمع المال ~~الحلال. قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " نعم المال الصالح للرجل الصالح ". # وروى عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: # " لما نزلت هذه الآية، كبر ذلك على المسلمين وقالوا ما يستطيع أحد منا ~~أن يدع لولده شيئا، فذكر عمر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ~~إن الله عز وجل لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم ". # وسئل عمر رضي الله عنهما عن هذه الآية؟ فقال: كان ذلك قبل أن تنزل ~~الزكاة، فلما أنزلت جعلها الله طهرا للأموال. # وقال ابن عمر: ما أبالي لو أن لي مثل أحد ذهبا أعلم عدده أزكيه وأعمل ~~بطاعة الله. # قوله عز وجل: { ولا ينفقونها في سبيل الله } ، ولم يقل: ~~ولا ينفقونهما، وقد ذكر الذهب والفضة جميعا. قيل: أراد الكنوز وأعيان ~~الذهب والفضة. وقيل: رد الكناية إلى الفضة لأنها أعم، كما ms1000 قال تعالى: # واستعينوا بالصبر والصلوة وإنها لكبيرة # [البقرة: 45]، رد الكناية إلى الصلاة لأنها أعم، وكقوله تعالى: # وإذا رأوا تجرة أو لهوا انفضوا إليها # [الجمعة: 11] رد الكناية إلى التجارة لأنها أعم، { فبشرهم ~~بعذاب أليم }. أي: أنذرهم. ### || [9.35] # { يوم يحمى عليها في نار جهنم } أي: تدخل النار ~~فيوقد عليها أي على الكنوز، { فتكوى بها } ، فتحرق بها، { ~~جباههم } ، أي: جباه كانزيها، { وجنوبهم وظهورهم } ، ~~روي عن ابن مسعود قال: إنه لا يوضع دينار على دينار ولا درهم على درهم، ~~ولكن يوسع جلده حتى يوضع كل دينار ودرهم في موضع على حدة. # وسئل أبو بكر الوراق: لم خص الجباه والجنوب والظهور بالكي؟ قال: لأن ~~الغني صاحب الكنز إذا رأى الفقير قبض وجهه، وزوى ما بين عينيه، وولاه ~~ظهره، وأعرض عنه بكشحه. # قوله تعالى: { هذا ما كنزتم } ، أي: يقال لهم: هذا ما كنزتم، ~~{ لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون } ، أي: تمنعون حقوق ~~الله تعالى في أموالكم. وقال بعض الصحابة: هذه الآية في أهل الكتاب. وقال ~~الأكثرون: هي عامة في أهل الكتاب والمسلمين، وبه قال أبو ذر رضي الله ~~عنه. ### || [9.36-37] # قوله تعالى: { إن عدة الشهور } ، أي: عدد الشهور، { عند ~~الله اثنا عشر شهرا في كتب الله } ، وهي المحرم ~~وصفر وربيع الأول وربيع الثاني وجمادى الأول وجمادى الآخرة ورجب وشعبان ~~وشهر رمضان وشوال وذو القعدة وذو الحجة. وقوله: { في كتب الله } ~~أي: في حكم الله. وقيل: في اللوح المحفوظ. قرأ أبو جعفر اثنا عشر، وتسعة ~~عشر، وأحدى عشر، بسكون الشين، وقرأ العامة بفتحها، { يوم خلق ~~السماوات والأرض } ، والمراد منه: الشهور الهلالية، وهي الشهور ~~التي يعتد بها المسلمون في صيامهم وحجهم وأعيادهم وسائر أمورهم، ~~وبالشهور الشمسية تكون السنة ثلاث مائة وخمسة وستين يوما وربع يوم، ~~والهلالية تنقص عن ثلاث مائة وستين يوما بنقصان الأهلة. والغالب أنها ~~تكون ثلاثمائة وأربعا وخمسين يوما، { منهآ أربعة حرم } ، من ~~الشهور أربعة حرم وهي: رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، واحد فرد ~~وثلاثة سرد، { ذلك الدين القيم } ، أي: الحساب المستقيم. # { فلا تظلموا فيهن أنفسكم ms1001 } ، قيل: قوله: " فيهن " ~~ينصرف إلى جميع شهور السنة، أي: فلا تظلموا فيهن أنفسكم بفعل المعصية ~~وترك الطاعة. وقيل: " فيهن " أي: في الأشهر الحرم. قال قتادة: العمل ~~الصالح أعظم أجرا في الأشهر الحرم، والظلم فيهن أعظم من الظلم فيما ~~سواهن، وإن كان الظلم على كل حال عظيما. وقال ابن عباس: فلا تظلموا ~~فيهن أنفسكم يريد استحلال الحرام والغارة فيهن. قال محمد بن إسحاق بن ~~يسار: لا تجعلوا حلالها حراما، ولا حرامها حلالا، كفعل أهل الشرك وهو ~~النسيء. # { وقاتلوا المشركين كآفة } ، جميعا عامة، { كما ~~يقتلونكم كآفة واعلموا أن الله مع ~~المتقين } ، واختلف العلماء في تحريم القتال في الأشهر الحرم. فقال ~~قوم: كان كبيرا ثم نسخ بقوله: { وقاتلوا المشركين كآفة } ~~، كأنه يقول فيهن وفي غيرهن. وهو قول قتادة، وعطاء الخراساني، والزهري ~~وسفيان الثوري، وقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم غزا هوازن ~~بحنين، وثقيفا بالطائف، وحاصرهم في شوال وبعض ذي القعدة. وقال الآخرون: ~~إنه غير منسوخ: قال ابن جريج: حلف بالله عطاء بن أبي رباح: ما يحل للناس ~~أن يغزوا في الحرم، ولا في الأشهر الحرم، إلا أن يقاتلوا فيها وما ~~نسخت. # قوله تعالى: { إنما النسىء زيادة فى الكفر } ، قيل: ~~هو مصدر كالسعير والحريق. وقيل: هو مفعول كالجريح والقتيل، وهو من ~~التأخير. ومنه النسيئة في البيع، يقال: أنسا الله في أجله أي أخر، وهو ~~ممدود مهموز عند أكثر القراء، وقرأ ورش عن نافع من طريق البخاري: بتشديد ~~الياء من غير همز، فقد قيل: أصله الهمز فخفف. # وقيل: هو من النسيان على معنى المنسي أي: المتروك. ومعنى النسيء: هو ~~تأخير تحريم شهر إلى شهر آخر، وذلك أن العرب كانت تعتقد تعظيم الأشهر ~~الحرم، وكان ذلك مما تمسكت به من ملة إبراهيم عليه السلام، وكانت عامة ~~معايشهم من الصيد والغارة، فكان يشق عليهم الكف عن ذلك ثلاثة أشهر ~~على التوالي، وربما وقعت لهم حرب في بعض الأشهر الحرم فيكرهون تأخير ~~حربهم، فنسؤوا، أي: أخروا تحريم ذلك الشهر إلى شهر آخر، وكانوا يؤخرون ~~تحريم المحرم إلى ms1002 صفر، فيحرمون صفر ويستحلون المحرم، فإذا احتاجوا إلى ~~تأخير تحريم صفر أخروه إلى ربيع، هكذا شهرا بعد شهر، حتى استدار ~~التحريم على السنة كلها. # فقام الإسلام وقد رجع المحرم إلى موضعه الذي وضعه الله عز وجل فيه، ~~وذلك بعد دهر طويل، فخطب النبي صلى الله عليه وسلم في حجته. # كما: أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله ~~النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف الفربري، حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري، ~~حدثنا محمد بن سلام، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا أيوب عن محمد بن سيرين، ~~عن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض، السنة ~~اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة ~~والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان ". وقال: " أي شهر هذا؟ قلنا: ~~الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليس ذو ~~الحجة؟ قلنا: بلى، قال: أي بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ~~ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليس البلد الحرام؟ قلنا: بلى، قال: ~~فأي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير ~~اسمه، قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى، قال: فإن دماءكم وأموالكم، قال ~~محمد: أحسبه قال: وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، ~~في شهركم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي ~~ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلغ الشاهد الغائب فلعل بعض من ~~يبلغه أن يكون أوعى له من بعض ما سمعه، ألا هل بلغت ألا هل بلغت " # قالوا: وكان قد استمر النسيء بهم، فكانوا ربما يحجون في بعض السنين في ~~شهر ويحجون من قابل في شهر آخر. # قال مجاهد: كانوا يحجون في كل شهر عامين، فحجوا في شهر ذي الحجة عامين، ~~ثم حجوا في المحرم عامين، ثم حجوا في صفر عامين، وكذلك في الشهور، فوافقت ~~حجة أبي بكر رضي الله عنه قبل حجة الوداع السنة الثانية ms1003 من ذي القعدة، ثم ~~حج النبي صلى الله عليه وسلم في العام القابل حجة الوداع، فوافق حجه شهر ~~الحج المشروع وهو ذو الحجة، فوقف بعرفة اليوم التاسع، وخطب اليوم العاشر ~~بمنى، وأعلمهم أن أشهر النسيء قد تناسخت باستدارة الزمان، وعاد الأمر إلى ~~ما وضع الله عليه الحساب الأشهر الحرم يوم خلق الله السموات والأرض، ~~وأمرهم بالمحافظة عليه لئلا يتبدل في مستأنف الأيام. # واختلفوا في أول من نسأ النسيء: فقال ابن عباس والضحاك وقتادة ومجاهد: ~~أول من نسأ النسيء بنو مالك بن كنانة، وكانوا ثلاثة: أبو ثمامة جناد ~~بن عوف بن أمية الكناني. وقال الكلبي: أول من فعل ذلك رجل من بني كنانة ~~يقال: له نعيم بن ثعلبة، وكان يقوم أميرا على الناس بالموسم، فإذا هم ~~الناس بالصدر، قام فخطب الناس فقال: لا مرد لما قضيت، أنا الذي لا أعاب ~~ولا أجاب، فيقول له المشركون: لبيك، ثم يسألونه أن ينسأهم شهرا يغيرون ~~فيه، فيقول: فإن صفرا العام حرام، فإذا قال ذلك حلوا الأوتار، ~~ونزعوا الأسنة والأزجة، وإن قال حلال عقدوا الأوتار، وشدوا الأزجة، ~~وأغاروا. وكان من بعد نعيم بن ثعلبة رجل يقال له: جنادة بن عوف، وهو الذي ~~أدركه النبي صلى الله عليه وسلم. # وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هو رجل من بني كنانة يقال له: القلمس، ~~قال شاعرهم: " وفينا ناسىء الشهر القلمس " ، وكانوا لا يفعلون ذلك ~~إلا في ذي الحجة إذا اجتمعت العرب للموسم. # وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: إن أول من سن النسيء ~~عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف. # أخبرنا إسماعيل بن عبدالقاهر، أنبأنا عبد الغافر بن محمد، أنبأنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، ~~حدثني زهير بن حرب، حدثنا جرير، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف أبا بني كعب، وهو يجر قصبه ms1004 في ~~النار ". # فهذا الذي ذكرنا هو النسيء الذي ذكره الله تعالى، فقال: { إنما ~~النسىء زيادة فى الكفر } ، يريد زيادة كفر على كفرهم، { ~~يضل به الذين كفروا } ، قرأ حمزة والكسائي وحفص: { يضل } ~~بضم الياء وفتح الضاد، كقوله تعالى: " زين لهم سوء أعمالهم " ، وقرأ ~~يعقوب بضم الياء وكسر الضاد، وهي قراءة الحسن ومجاهد على معنى { يضل } به ~~الذين كفروا الناس، وقرأ الآخرون بفتح الياء وكسر الضاد، لأنهم هم ~~الضالون لقوله: { يحلونه } ، يعني: النسيء { عاما ~~ويحرمونه عاما ليواطئوا } ، أي: ليوافقوا، والمواطأة: ~~الموافقة، { عدة ما حرم الله } ، يريد أنهم لم يحلوا شهرا ~~من الحرام إلا حرموا مكانه شهرا من الحلال، ولم يحرموا شهرا من الحلال ~~إلا أحلوا مكانه شهرا من الحرام، لئلا يكون الحرم أكثر من أربعة أشهر، ~~كما حرم الله فيكون موافقة العدد، { فيحلوا ما حرم الله ~~زين لهم سوء أعملهم } ، قال ابن عباس: يريد زين لهم ~~الشيطان، { والله لا يهدي القوم الكفرين }. ### || [9.38-39] # قوله عز وجل: { يأيها الذين ءامنوا ما لكم إذا ~~قيل لكم انفروا فى سبيل الله اثاقلتم إلى ~~الأرض } الآية، نزلت في الحث على غزوة تبوك، وذلك أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما رجع من الطائف أمر بالجهاد لغزوة الروم، وكان ذلك في زمان ~~عسرة من الناس، وشدة من الحر، حين طابت الثمار والظلال، ولم يكن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورى بغيرها حتى كانت الغزوة، ~~غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد، واستقبل سفرا ~~بعيدا، ومفاوز هائلة، وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة ~~عدوهم، فشق عليهم الخروج وتثاقلوا فأنزل الله تعالى: { يأيها ~~الذين ءامنوا ما لكم إذا قيل لكم } أي: قال لكم رسول ~~الله: { انفروا } اخرجوا في سبيل الله { اثاقلتم إلى الأرض ~~} أي: لزمتم أرضكم ومساكنكم، { أرضيتم بالحيوة الدنيا من ~~الأخرة } ، أي: بخفض الدنيا ودعتها من نعيم الآخرة، { فما ~~متاع الحياة الدنيا فى الأخرة إلا قليل }. # ثم أوعدهم على ترك الجهاد، فقال تعالى: # { إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما } ، في الآخرة. ms1005 ~~وقيل: هو احتباس المطر عنهم في الدنيا. وسأل نجدة بن نفيع ابن عباس عن ~~هذه الآية، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استنفر حيا من أحياء ~~العرب، فتثاقلوا عليه، فأمسك عنهم المطر، فكان ذلك عذابهم. { ~~ويستبدل قوما غيركم } خيرا منكم وأطوع. قال سعيد بن ~~جبير: هم أبناء فارس. وقيل: هم أهل اليمن، { ولا تضروه شيئا } ~~، بترككم النفير. { والله على كل شىء قدير }. ### || [9.40] # قوله تعالى: { إلا تنصروه فقد نصره الله } ، هذا إعلام ~~من الله عز وجل أنه المتكفل بنصر رسوله وإعزاز دينه، أعانوه أو لم ~~يعينوه وأنه قد نصره عند قلة الأولياء، وكثرة الأعداء، فكيف به اليوم وهو ~~في كثرة من العدد والعدد، { إذ أخرجه الذين كفروا } ~~، من مكة حين مكروا به وأرادوا تبيينه وهموا بقتله، { ثاني ~~اثنين } أي: هو أحد الاثنين، والاثنان: أحدهما رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، والآخر أبو بكر الصديق رضي الله عنه، { إذ هما فى ~~الغار } ، وهو نقب في جبل ثور بمكة، { إذ يقول لصاحبه لا ~~تحزن إن الله معنا } ، قال الشعبي: عاتب الله عز وجل أهل ~~الأرض جميعا في هذه الآية غير أبي بكر الصديق رضي الله عنه. # أخبرنا أبو المظفر محمد بن أحمد التميمي، أنبأنا محمد عبد الرحمن بن ~~عثمان، أنبأنا خيثمة بن سليمان، حدثنا عبدالله بن أحمد الدورقي، حدثنا ~~سعيد بن سليمان، عن علي بن هاشم عن كثير النواء عن جميع بن ~~عمير قال: أتيت ابن عمر رضي الله عنه فسمعته يقول: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه: # " أنت صاحبي في الغار، وصاحبي على الحوض ". # قال الحسين بن الفضل: من قال إن أبا بكر لم يكن صاحب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فهو كافر لإنكاره نص القرآن. وفي سائر الصحابة إذا أنكر ~~يكون مبتدعا،لا يكون كافرا. # وقوله عز وجل: { لا تحزن إن الله معنا } لم يكن حزن أبي ~~بكر جبنا منه، وإنما كان إشفاقا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وقال: إن ms1006 أقتل فأنا رجل واحد وإن قتلت هلكت الأمة. # وروي # " أنه حين انطلق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغار جعل يمشي ~~ساعة بين يديه، وساعة خلفه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لك ~~يا أبا بكر؟ قال: أذكر الطلب فأمشي خلفك، ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك، ~~فلما انتهيا إلى الغار قال مكانك يا رسول الله حتى أستبرىء الغار، فدخل ~~فاستبرأه ثم قال: انزل يا رسول الله، فنزل فقال عمر: والذي نفسي بيده ~~لتلك الليلة خير من آل عمر ". # أخبرنا أبو المظفر التميمي، أخبرنا محمد عبدالرحمن بن عثمان المعروف ~~بابن أبي النظر، أخبرنا خيثمة بن سليمان، حدثنا أبو قلابة الرقاشي، حدثنا ~~حيان بن هلال، حدثنا همام بن يحي، حدثنا ثابت البناني، حدثنا أنس بن مالك ~~أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه حدثهم، قال: # " نظرت إلى أقدام المشركين فوق رؤوسنا ونحن في الغار فقلت: يا رسول ~~الله لو أن أحدهم نظر تحت قدميه أبصرنا، فقال: يا أبا بكر ما ظنك ~~باثنين الله ثالثهما ". # أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، حدثنا أحمد بن عبدالله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا ~~الليث، عن عقيل، قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير # " أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: لم أعقل أبوي قط إلا ~~وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشيا، فلما ابتلي المسلمون.. قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين: " إني أريت دار هجرتكم، ذات نخل، ~~بين لابتين وهما الحرتان ". فهاجر من هاجر قبل المدينة ورجع عامة من ~~كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو بكر رضي الله عنه قبل ~~المدينة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " على رسلك فإني أرجو ~~أن يؤذن لي " فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: " نعم " فحبس ~~أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله ms1007 عليه وسلم ليصحبه، وعلف راحلتين ~~كانتا عنده ورق السمر، وهو الخبط، أربعة أشهر ". # قال ابن شهاب. قال عروة: # " قالت عائشة رضي الله عنها: فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في ~~نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فداء له أبي ~~وأمي والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر، قالت: فجاء رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فاستأذن، فأذن له، فدخل، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لأبي بكر: أخرج من عندك، فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت ~~يا رسول الله، قال: " فإني قد أذن لي في الخروج " فقال أبو بكر: الصحبة ~~بأبي أنت يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نعم " قال ~~أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين، قال رسول الله ~~صلى الله " بالثمن " قالت عائشة رضي الله عنها: فجهزناهما أحث ~~الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أساء بنت أبي بكر قطعة ~~من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاقين، قالت: ثم ~~لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور، فمكثا فيه ~~ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف لقن، فيدلج ~~من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة، فلا يسمع أمرا يكادان به إلا ~~وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن ~~فهيرة، مولى أبي بكر، منحة من غنم، فيريحها عليهما حين تذهب ~~ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل، وهو لبن منحتهما ورضيفهما حتى ~~ينعق بهما عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك ~~الليالي الثلاث، واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا ~~من بني الديل، وهو من بني عبد بن عدي هاديا خريتا، والخريت: ~~الماهر بالهداية، قد غمس حلفا في آل العاص بن وائل ms1008 السهمي، وهو على ~~دين كفار قريش، فمناه، فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ~~ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث، وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل فأخذ ~~بهم طريق السواحل ". # قال ابن شهاب: وأخبرني عبدالرحمن ابن مالك المدلجي، وهو ابن أخي ~~سراقة بن مالك بن جعشم: أن أباه أخبره أنه سمع سراقة بن مالك بن جعشم ~~يقول: جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي ~~بكر رضي الله عنه دية كل واحد منهما لمن قتله أو أسره، فبينما أنا جالس ~~في مجلس من مجالس قومي بني مدلج، أقبل رجل منهم، حتى قام علينا ونحن ~~جلوس، فقال: يا سراقة إني قد رأيت آنفا أسودة بالساحل أراها ~~محمدا وأصحابه، قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا بهم، ~~ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقوا بأعيننا، ثم لبثت في المجلس ~~ساعة، ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي وهي من وراء أكمة، ~~فتحبسها علي، وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت، فحططت بزجه الأرض، ~~وخفضت عاليه حتى أتيت فرسي فركبتها فدفعتها تقرب بي حتى دنوت منهم فعثرت ~~بي فرسي، فخررت عنها فقمت، فأهويت يدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام ~~فاستسقمت بها أضرهم أم لا؟ فخرج الذي أكره، فركبت فرسي وعصيت ~~الأزلام، تقرب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وهو لا يلتفت وأبو بكر رضي الله عنه يكثر الالتفات، فساخت يدا فرسي ~~في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت، فلم تكد تخرج ~~يديها فلما استوت قائمة إذا لأثريديها يديها غبار ساطع في السماء مثل ~~الدخان، فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان، فوقفوا، ~~فركبت فرسي حتى جئتهم، ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن ~~سيظهر أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك ~~الدية وأخبرتهم خبر ما يريد الناس بهم وعرضت عليهم الزاد والمتاع، فلم ~~يرزآني ولم يسألاني شيئا إلا أن قال: ms1009 أخف عنا، فسألته أن يكتب لي ~~كتاب أمن فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أدم، ثم مضى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. # قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا ~~تجارا قافلين من الشام، فكسا الزبير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا ~~بكر ثيابا بياض، وسمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من مكة فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينظرونه حتى يردهم حر ~~الظهيرة، فانقلبوا يوما بعدما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم ~~أوفى رجل من يهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودي أن ~~قال بأعلى صوته: يامعشر العرب هذا جدكم الذي تنتظرون، فثار المسلمون ~~إلى السلاح، فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر الحرة، فعدل بهم ~~ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الاثنين من شهر ~~ربيع الأول، فقام أبو بكر للناس وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~صامتا، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يحي أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل أبو ~~بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ~~ذلك، فلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ~~ليلة، وأسس المسجد الذي أسس على التقوى، وصلى فيه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثم ركب راحلته، فسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد الرسول ~~صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين، وكان ~~مربدا للتمر، لسهيل وسهل، غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بركت به راحلته: هذا إن شاء الله ~~المنزل. ثم دعا ms1010 رسول الله صلى الله عليه وسلم الغلامين، فسومهما ~~بالمربد ليتخذه مسجدا فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، ثم بناه ~~مسجدا، وطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل معهم اللبن في بنيانه ~~ويقول وهو ينقل اللبن: # _@_هذا الحمال لا حمال خيبر_@_هذا أبر ربنا وأطهر _@_ # ويقول: # _@_اللهم إن الأجر أجر الآخرة _@_ فارحم الأنصار والمهاجرة_@_ " # فتمثل ببيت رجل من المسلمين لم يسم لي. # قال ابن شهاب: ولم يبلغنا في الأحاديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تمثل ببيت شعر تام غير هذه الأبيات. # قال الزهري: # " لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الغار أرسل الله تعالى ~~زوجا من حمام حتى باضا في أسفل النقب، والعنكبوت حتى نسجت بيتا، وفي ~~القصة أنبت يمامة على فم الغار، وقال النبي: اللهم أعم أبصارهم عنا ~~فجعل الطلب يضربون يمينا وشمالا حول الغار يقولون: لو دخلا هذا الغار ~~لتكسر بيض الحمام وتفسخ بيت العنكبوت ". # قوله عز وجل: { فأنزل الله سكينته عليه } ، قيل: على ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ابن عباس: على أبي بكر رضي الله عنه، فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كانت عليه السكينة من قبل، { وأيده ~~بجنود لم تروها } ، وهم الملائكة نزلوا يصرفون وجوه الكفار ~~وأبصارهم عن رؤيته. وقيل: ألقوا الرعب في قلوب الكفار حتى رجعوا. وقال ~~مجاهد والكلبي: أعانة بالملائكة يوم بدر، أخبر أنه صرف عنه كيد الأعداء ~~في الغار ثم أظهر نصره بالملائكة يوم بدر. # { وجعل كلمة الذين كفروا السفلى } ، وكلمتهم ~~الشرك، وهي السفلى إلى يوم القيامة، { وكلمة الله هى ~~العليا } ، إلى يوم القيامة. ثم قال ابن عباس: هي قول لا إله إلا ~~الله. وقيل كلمة الذين كفروا: ما قدروا بينهم في أنفسهم من الكيد به ~~ليقتلوه، وكلمة الله: وعد الله أنه ناصره. وقرأ يعقوب: { وكلمة ~~الله } ، بنصب التاء على العطف { والله عزيز حكيم }. ### || [9.41] # قوله تعالى: { انفروا خفافا وثقالا } ، قال الحسن والضحاك ~~ومجاهد وقتادة وعكرمة: شبانا وشيوخا. وعن ابن عباس: نشاطا وغير ~~نشاط. وقال عطية العوفي: ركبانا ومشاة. وقال أبو ms1011 صالح: خفافا من ~~المال، أي: فقراء، وثقالا أي: أغنياء. وقال ابن زيد: الثقيل الذي له ~~الضيعة، فهو ثقيل يكره أن يدع ضيعته، والخفيف الذي لا ضيعة له. ويروى عن ~~ابن عباس قال: خفافا أهل الميسرة من المال، وثقالا أهل العسرة. وقيل: ~~خفافا من السلاح، أي: مقلين منه، وثقالا أي: مستكثرين منه. وقال الحكم ~~بن عتيبة: مشاغيل وغير مشاغيل. وقال مرة الهمذاني. أصحاء ومرضى. وقال ~~يمان بن رباب: عزابا ومتأهلين. وقيل: خفافا من حاشيتكم وأتباعكم، ~~وثقالا مستكثرين بهم. وقيل: خفافا مسرعين خارجين ساعة سماع النفير، ~~وثقالا بعد التروي فيه والاستعداد له. # { وجهدوا بأمولكم وأنفسكم فى سبيل الله ~~ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون } ، قال الزهري: خرج ~~سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه، فقيل له: إنك عليل صاحب ~~ضرر، فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل، فإن لم يمكني الحرب كثرت ~~السواد وحفظت المتاع. # وقال عطاء الخراساني عن ابن عباس: نسخت هذه الآية بقوله: (وما كان ~~المؤمنون لنيفروا كافة). # وقال السدي: لما نزلت هذه الآية اشتد شأنها على الناس فنسخها الله تعالى ~~وأنزل: (ليس على الضعفاء ولا على المرضى) الآية. # ثم نزل في المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك: ### || [9.42] # { لو كان عرضا قريبا } واسم كان مضمر، أي: لو كان ما تدعوهم ~~إليه عرضا قريبا، أي: غنيمة قريبة المتناول، { وسفرا قاصدا } ، ~~أي قريبا هينا، { لاتبعوك } ، لخرجوا معك، { ولكن بعدت ~~عليهم الشقة } ، أي: المسافة، والشقة السفر البعيد لأنه يشق ~~على الإنسان. وقيل: الشقة الغاية التي يقصدونها، { وسيحلفون ~~بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون ~~أنفسهم } ، يعني: باليمين الكاذبة، { والله يعلم إنهم ~~لكذبون } ، في أيمانهم وإيمانهم، لأنهم كانوا مستطيعين. ### || [9.43-46] # { عفا الله عنك } ، قال عمرو بن ميمون: اثنان فعلهما رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولم يؤمر بهما: إذنه للمنافقين، وأخذه الفدية من ~~أسارى بدر، فعاتبه الله كما تسمعون. # قال سفيان بن عيينة: انظروا إلى هذا اللطف بدأ بالعفو قبل أن يعيره ~~بالذنب. # وقيل: إن الله عز وجل وقره ورفع محله بافتتاح الكلام بالدعاء ms1012 له، كما ~~يقول الرجل لمن يخاطبه إذا كان كريما عنده: عفا الله عنك ما صنعت في ~~حاجتي؟ ورضي الله عنك ألا زرتني. وقيل معناه: أدام الله لك العفو. # { لم أذنت لهم } ، أي: في التخلف عنك { حتى يتبين ~~لك الذين صدقوا } ، في أعذارهم، { وتعلم الكذبين } ~~، فيها، أي: تعلم من لا عذر له. قال ابن عباس رضي الله عنه: لم يكن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يعرف المنافقين يومئذ. # { لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم ~~الأخر أن يجهدوا بأمولهم وأنفسهم } ، أي: لا ~~يستأذنك في التخلف، { والله عليم بالمتقين }. # { إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله ~~واليوم الأخر وارتابت قلوبهم } ، أي: شكت ونافقت، { ~~فهم فى ريبهم يترددون } ، متحيرين. # { ولو أرادوا الخروج } ، إلى الغزو، { لأعدوا له } ، ~~أي: لهيؤوا له { عدة } ، أهبة وقوة من السلاح والكراع، { ~~ولكن كره الله انبعاثهم } ، خروجهم، { فثبطهم } ، ~~منعهم وحبسهم عن الخروج، { وقيل اقعدوا } ، في بيوتكم، { مع ~~القعدين } ، يعني: مع المرضى والزمنى. وقيل: مع النسوان ~~والصبيان. قوله عز وجل: { وقيل } ، أي: قال بعضهم لبعض: اقعدوا. ~~وقيل: أوحى إلى قلوبهم وألهموا أسباب الخذلان. ### || [9.47-48] # { لو خرجوا فيكم } ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أمرهم بالجهاد لغزوة تبوك، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم عسكره على ~~ثنية الوداع، وضرب عبدالله بن أبي على ذي جدة أسفل من ثنية الوداع، ~~ولم يكن بأقل العسكرين، فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلف عند ~~عبدالله بن أبي فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب، فأنزل الله تعالى ~~يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم: { لو خرجوا } يعني المنافقين { ~~فيكم } أي معكم، { ما زادوكم إلا خبالا } ، أي: فسادا ~~وشرا. ومعنى الفساد: إيقاع الجبن والفشل بين المؤمنين بتهويل الأمر، { ~~ولأوضعوا } ، أسرعوا، { خللكم } ، وسطكم بإيقاع العداوة ~~والبغضاء بينكم بالنميمة ونقل الحديث من البعض إلى البعض. وقيل: { ~~ولأوضعوا خللكم } أي: أسرعوا فيما يخل بكم. { ~~يبغونكم الفتنة } ، أي: يطلبون لكم ما تفتنون به، يقولون: لقد ~~جمع لكم كذا وكذا، وإنكم مهزومون وسيظهر عليكم عدوكم ونحو ذلك. وقال ~~الكلبي: ms1013 يبغونكم الفتنة يعني: العيب والشر. وقال الضحاك: الفتنة ~~الشرك، ويقال: بغيته الشرك والخير أبغيه بغاء إذا التمسته له، يعني: ~~بغيت له. # { وفيكم سمعون لهم } ، قال مجاهد: معناه وفيكم مخبرون لهم ~~يؤدون إليهم ما يسمعون منكم، وهم الجواسيس. وقال قتادة: معناه وفيكم ~~مطيعون لهم، أي: يستمعون كلامهم ويطيعونهم، { والله عليم ~~بالظلمين }. # { لقد ابتغوا الفتنة من قبل } ، أي: طلبوا صد أصحابك ~~عن الدين وردهم إلى الكفر، وتخذيل الناس عنك قبل هذا اليوم، كفعل ~~عبدالله بن أبي يوم أحد حين انصرف عنك بأصحابه. { وقلبوا لك ~~الأمور } وأجالوا فيك وفي إبطال دينك الرأي، بالتخذيل عنك وتشتيت ~~أمرك، { حتى جآء الحق } ، النصر والظفر، { وظهر أمر ~~الله } ، دين الله، { وهم كرهون }. ### || [9.49-51] # قوله تعالى: { ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتنى } ~~، نزلت في جد بن قيس المنافق، وذلك # " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تجهز لغزو تبوك قال: يا أبا وهب هل ~~لك في جلاد بني الأصفر؟ يعني الروم، تتخذ منهم سراري ووصفاء، فقال جد: يا ~~رسول الله لقد عرف قومي أني رجل مغرم بالنساء، وإني أخشى إن رأيت بنات ~~بني الأصفر أن لا أصبر عنهن، ائذن لي في القعود ولا تفتني بهن وأعينك ~~بمالي. قال ابن عباس: اعتل جد بن قيس ولم تكن له علة إلا النفاق، فأعرض ~~عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أذنت لك " # فأنزل الله عز وجل: { ومنهم } يعني من المنافقين { من يقول ~~ائذن لي } في التخلف { ولا تفتنى } ببنات الأصفر. قال قتادة: ~~ولا تؤثمني. { ألا فى الفتنة سقطوا } ، أي: في الشرك والإثم ~~وقعوا بنفاقهم وخلافهم أمر الله وأمر رسوله، { وإن جهنم ~~لمحيطة بالكفرين } ، مطبقة بهم وجامعة لهم فيها. # { إن تصبك حسنة } ، نصرة وغنيمة، { تسؤهم } ، تحزنهم، ~~يعني: المنافقين، { وإن تصبك مصيبة } ، قتل وهزيمة، { ~~يقولوا قد أخذنا أمرنا } ، حذرنا، أي: أخذنا بالحزم في ~~القعود عن الغزو، { من قبل } ، أي: من قبل هذه المصيبة، { ~~ويتولوا } ، ويدبروا { وهم فرحون } ، مسرورون بما نالك من ~~المصيبة. # { قل } لهم يا محمد { لن يصيبنآ إلا ما كتب ms1014 الله لنا ~~} ، أي: علينا في اللوح المحفوظ، { هو مولنا } ، ناصرنا وحافظنا. ~~وقال الكلبي: هو أولى بنا من أنفسنا في الموت والحياة، { وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون }. ### || [9.52-54] # { قل هل تربصون بنآ } ، تنتظرون بنا أيها المنافقون، { ~~إلا إحدى الحسنيين } ، إما النصر والغنيمة أو الشهادة ~~والمغفرة. وروينا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد ~~في سبيله، وتصديق كلمته، أن يدخله الجن، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه ~~مع ما نال من أجر أو غنيمة ". # { ونحن نتربص بكم } ، إحدى السوأتين إما: { أن ~~يصيبكم الله بعذاب من عنده } ، فيهلككم كما أهلك الأمم ~~الخالية، { أو بأيدينا } أي: بأيدي المؤمنين إن أظهرتم ما في ~~قلوبكم، { فتربصوا إنا معكم متربصون } ، قال ~~الحسن: فتربصوا مواعيد الشيطان إنا متربصون مواعيد الله من إظهار دينه ~~واستئصال من خالفه. # { قل أنفقوا طوعا أو كرها } ، أمر بمعنى الشرط والجزاء، ~~أي: إن أنفقتم طوعا أو كرها، نزلت في جد بن قيس حين استأذن في القعود، ~~قال: أعينكم بمالي، يقول: إن أنفقتم طوعا أو كرها { لن ~~يتقبل منكم إنكم } ، أي: لأنكم، { كنتم قوما ~~فسقين }. # { وما منعهم أن تقبل منهم } ، قرأ حمزة والكسائي: { ~~يقبل } بالياء لتقدم الفعل، وقرأ الباقون بالتاء لأن الفعل مسند إلى جمع ~~مؤنث وهو النفقات، فأنث الفعل ليعلم أن الفاعل مؤنث، { نفقتهم ~~} ، صدقاتهم، { إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله } ، ~~أي: المانع من قبول نفقاتهم كفرهم، { ولا يأتون الصلوة إلا ~~وهم كسالى } ، متثاقلون لأنهم لا يرجون على أدائها ثوابا، ولا ~~يخافون على تركها عقابا، فإن قيل: كيف [ذم] الكسل في الصلاة ولا صلاة ~~لهم أصلا؟ قيل: الذم واقع على الكفر الذي يبعث على الكسل، فإن الكفر ~~مكسل، والإيمان منشط، { ولا ينفقون إلا وهم كرهون } ، ~~لأنهم يعدونها مغرما ومنعها مغنما. ### || [9.55-57] # { فلا تعجبك أمولهم ولا أولدهم } ، والإعجاب ~~هو السرور بما يتعجب منه، يقول: لا تستحسن ما أنعمنا عليهم من الأموال ~~والأولاد لأن العبد إذا كان من الله في استدراج كثر ms1015 الله ماله وولده، { ~~إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحيوة ~~الدنيا } ، فإن قيل أي تعذيب في المال والولد وهم يتنعمون بها في ~~الحياة الدنيا؟ # قيل: قال مجاهد وقتادة: في الآية تقديم وتأخير، تقديره: فلا تعجبك ~~أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في ~~الآخرة. # وقيل: التعذيب بالمصائب الواقعة في المال والولد. # وقال الحسن: يعذبهم بها في الدنيا بأخذ الزكاة منها والنفقة في سبيل ~~الله. وقيل: يعذبهم بالتعب في جمعه، والوجل في حفظه، والكره في إنفاقه، ~~والحسرة على تخليفه عند من لا يحمده، ثم يقدم على ملك لا يعذره. { ~~وتزهق أنفسهم } ، أي: تخرج، { وهم كفرون } ، أي: ~~يموتون على الكفر. # { ويحلفون بالله إنهم لمنكم } ، أي: على دينكم، { ~~وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون } [يخافون أن ~~يظهروا ما هم عليه]. # { لو يجدون ملجئا } ، حرزا أو حصنا أو معقلا. وقال عطاء: ~~مهربا، وقيل: قوما يأمنون فيهم. { أو مغرات } ، غيرانا في ~~الجبال، جمع مغارة وهو الموضع الذي يغور فيه، أي يستتر. وقال عطاء: ~~سراديب. { أو مدخلا } ، موضع دخول فيه، وهو من أدخل يدخل، وأصله: ~~مدتخل مفتعل، من أدخل يدخل. قال مجاهد: محرزا. وقال قتادة: سربا. وقال ~~الكلبي: نفقا في الأرض كنفق اليربوع. وقال الحسن: وجها يدخلونه على ~~خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقرىء: (مدخلا)، بفتح الميم ~~وتخفيف الدال، وكذلك قرأ يعقوب، { لولوا إليه } ، لأدبروا ~~إليه هربا منكم، { وهم يجمحون } ، يسرعون في إباء ونفور ولا ~~يرد وجوههم شيء. ومعنى الآية: أنهم لو يجدون مخلصا منكم ومهربا ~~لفارقوكم. ### || [9.58] # قوله تعالى: { ومنهم من يلمزك في الصدقت } ، الآية ~~نزلت في ذي الخويصرة التميمي، واسمه حرقوص بن زهير، أصل الخوارج. # أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا ~~شعيب عن الزهري، أخبرني أبو سلمة بن عبدالرحمن أن أبا سعيد الخدري رضي ~~الله عنه قال: # " بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسما فينا، ~~أتاه ذو ms1016 الخويصرة، وهو رجل من بني تميم فقال: يا رسول الله اعدل، ~~فقال: ويلك فمن يعدل إذا لم أعدل، فقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل ~~" ، فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله ائذن لي فيه فأضرب عنقه، فقال ~~له: " دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، ~~يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق ~~السهم من الرمية ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر ~~إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه، وهو قدحه، فلا ~~يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث ~~والدم آيتهم، رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثل ~~البضعة تدردر، يخرجون على حين فرقة من الناس " # قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وأشهد أن علي بن أبي طالب رضى الله عنه قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك ~~الرجل فالتمس، فوجد، فأتي به حتى نظرت إليه على نعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الذي نعته. # وقال الكلبي: قال رجل من المنافقين يقال له [أبو الجواظ] لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: لم تقسم بالسوية، فأنزل الله تعالى: { ومنهم ~~من يلمزك في الصدقت } أي: يعيبك في أمرها وتفريقها ويطعن ~~عليك فيها. يقال: لمزه وهمزه، أي: عابه، يعني أن المنافقين كانوا يقولون ~~إن محمدا لا يعطي إلا من أحب. وقرأ يعقوب: { يلمزك } حيث كان. وقال ~~مجاهد: يلزمك أي: يروزك يعني: يختبرك. { فإن أعطوا منها ~~رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون } ، قيل: ~~إن أعطوا كثيرا فرحوا وإن أعطوا قليلا سخطوا. ### || [9.59-60] # { ولو أنهم رضوا مآ آتاهم الله ورسوله } ، أي: ~~قنعوا بما قسم لهم الله ورسوله { وقالوا حسبنا الله } ، ~~كافينا الله، { سيؤتينا الله من فضله ورسوله } ، ما ~~نحتاج إليه { إنآ إلى الله رغبون } ، في أن يوسع علينا من ~~فضله، فيغنينا عن الصدقة وغيرها من أموال الناس. وجواب { لو } محذوف، ~~أي: ms1017 لكان خيرا لهم وأعود عليهم. # قوله تعالى: { إنما الصدقت للفقرآء والمسكين } ~~الآية، بين الله تعالى في هذه الآية أهل سهمان الصدقات وجعلها لثمانية ~~أصناف. وروي عن زياد بن الحارث الصدائي قال: # " أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته، فأتاه رجل قال: أعطني من ~~الصدقة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله لم يرض بحكم ~~نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت ~~من تلك الأجزاء أعطيتك حقك ". # قوله: { للفقرآء والمسكين }. فأحد أصناف الصدقة، ~~الفقراء، والثاني: المساكين. # واختلف العلماء في صفة الفقير والمسكين، فقال ابن عباس والحسن ومجاهد ~~وقتادة وعكرمة والزهري: الفقير الذي لا يسأل، والمسكين: الذي يسأل. # وقال ابن عمر: ليس بفقير من جمع الدرهم إلى الدرهم والتمرة إلى التمرة، ~~ولكن من أنقى نفسه وثيابه لا يقدر على شيء، يحسبهم الجاهل أغنياء من ~~التعفف. # وقال قتادة: الفقير: المحتاج الزمن، والمسكين: الصحيح المحتاج. # وروي عن عكرمة أنه قال: الفقراء من المسلمين، والمساكين من أهل الكتاب. # وقال الشافعي: الفقير من لا مال له ولا حرفة تقع منه موقعا: ~~زمنا كان أو غير زمن، والمسكين من كان له مال أو حرفة ولا يغنيه، ~~سائلا كان أو غير سائل، فالمسكين عنده أحسن حالا من الفقير لأن الله ~~تعالى قال: # أما السفينة فكانت لمسكين # [الكهف: 79]، أثبت لهم ملكا مع اسم المسكنة. # وعند أصحاب الرأي: الفقير أحسن حالا من المسكين. # وقال القتيبي: الفقير: الذي له البلغة من العيش، والمسكين: الذي لا ~~شيء له. # وقيل: الفقير من له المسكن والخادم، والمسكين من لا ملك له. وقالوا: كل ~~محتاج إلى شيء فهو مفتقر إليه وإن كان غنيا عن غيره، قال الله تعالى: # يأيها الناس أنتم الفقرآء إلى الله # [فاطر: 15]، والمسكين المحتاج إلى كل شيء ألا ترى كيف حض على إطعامه، ~~وجعل طعام الكفارة له ولا فاقة أشد من الحاجة إلى سد الجوعة. # وقال إبراهيم النخعي: الفقراء هم المهاجرون، والمساكين من لم يهاجر من ~~المسلمين. # وفي الجملة: الفقر والمسكنة ms1018 عبارتان عن الحاجة وضعف الحال، فالفقير ~~المحتاج الذي كسرت الحاجة فقار ظهره، والمسكين الذي ضعفت نفسه وسكنت عن ~~الحركة في طلب القوت. # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، حدثنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، ~~حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا الربيع، أنبأنا الشافعي، أنبأنا سفيان بن ~~عيينة عن هشام، يعني: ابن عروة، عن أبيه، عن عبيدالله بن عدي بن ~~الخيار: # " أن رجلين أخبراه أنهما أتيا رسول الله فسألاه عن الصدقة [فصعد فيهما ~~وصوب]، فقال: " إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لذي قوة ~~مكتسب ". # واختلفوا في حد الغنى الذي يمنع أخذ الصدقة: فقال الأكثرون: حده أن ~~يكون عنده ما يكفيه وعياله سنة، وهو قول مالك والشافعي. # وقال أصحاب الرأي: حده أن يملك مائتي درهم. # وقال قوم: من ملك خمسين درهما لا تحل له الصدقة، لما روينا عن عبدالله ~~بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه ~~خموش أو خدوش أو كدوح " ، قيل: يا رسول الله، وما يغنيه؟ قال: " خمسون ~~درهما أو قيمتها من الذهب " # وهو قول الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق. وقالوا: لا يجوز أن يعطى ~~الرجل من الزكاة أكثر من خمسين درهما. وقيل: أربعون درهما. لما روي ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من سأل وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا ". # قوله تعالى: { والعملين عليها }. وهم السعاة الذين ~~يتولون قبض الصدقات من أهلها وضعها في حقها، فيعطون من مال الصدقة، ~~فقراء كانوا أو أغنياء، فيعطون مثل أجر عملهم. # وقال الضحاك ومجاهد: لهم الثمن من الصدقة. # { والمؤلفة قلوبهم } ، فالصنف الرابع من المستحقين للصدقة ~~هم: المؤلفة قلوبهم، وهم قسمان: قسم مسلمون، وقسم كفار. فأما ~~المسلمون: فقسمان، قسم دخلوا في الإسلام ونيتهم ضعيفة فيه، فكان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يعطيهم تألفا كما أعطى عيينة بن بدر، والأقرع بن ~~حابس، والعباس بن مرداس أو أسلموا ونيتهم قوية في الإسلام، وهم شرفاء في ~~قومهم مثل: عدي بن ms1019 حاتم، والزبرقان بن بدر، فكان يعطيهم تألفا ~~لقومهم وترغيبا لأمثالهم في الإسلام، فهؤلاء يجوز للإمام أن يعطيهم من ~~خمس خمس الغنيمة، والفيء سهم النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يعطيهم من ذلك ولا يعطيهم من الصدقات. # والقسم الثاني من مؤلفة المسلمين: أن يكون قوم من المسلمين بإزاء قوم ~~كفار في موضع متناط، لا تبلغهم جيوش المسلمين إلا بمؤنة كثيرة وهم لا ~~يجاهدون، إما لضعف نيتهم أو لضعف حالهم، فيجوز للإمام أن يعطيهم من سهم ~~الغزاة من مال الصدقة. وقيل: من سهم المؤلفة. ومنهم قوم بإزاء جماعة من ~~مانعي الزكاة يأخذون منهم الزكاة يحملونها إلى الإمام، فيعطيهم الإمام ~~من سهم المؤلفة من الصدقات. وقيل: من سهم سبيل الله. # روي أن عدي بن حاتم جاء أبا بكر الصديق بثلاثمائة من الإبل من صدقات ~~قومه فأعطاه أبو بكر منها ثلاثين بعيرا. # وأما الكفار من المؤلفة: فهو من يخشى شره منهم، أو يرجى إسلامه، ~~فيريد الإمام أن يعطي هذا حذرا من شره، أو يعطى ذلك ترغيبا له في ~~الإسلام، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيهم من خمس الخمس، كما ~~أعطى صفوان بن أمية لما كان يرى من ميله إلى الإسلام، أما اليوم فقد ~~أعز الله الإسلام فله الحمد، وأغناه أن يتألف عليه رجال، فلا يعطي ~~مشرك تألفا بحال، وقد قال بهذا كثير من أهل العلم أن المؤلفة منقطعة ~~وسهمهم ساقط. روي ذلك عن عكرمة، وهو قول الشعبي، وبه قال مالك والثوري، ~~وأصحاب الرأي، وإسحاق بن راهوية. # وقال قوم: سهمهم ثابت، يروى ذلك عن الحسن، وهو قول الزهري، وأبي جعفر ~~محمد بن علي، وأبي ثور، وقال أحمد: يعطون إن احتاج المسلمون إلى ذلك. # قوله تعالى: { وفى الرقاب } ، والصنف الخامس: هم الرقاب، وهم ~~المكاتبون، لهم سهم من الصدقة، هذا قول أكثر الفقهاء، وبه قال سعيد بن ~~جبير، والنخعي، والزهري، والليث بن سعد، والشافعي. وقال جماعة: يشتري ~~بسهم الرقاب عبيد فيعتقون. وهذا قول الحسن، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق. # قوله ms1020 تعالى: { والغرمين } ، والصنف السادس: هم الغارمون، وهم ~~قسمان: قسم دانوا لأنفسهم في غير معصيته، فإنهم يعطون من الصدقة إذا لم ~~يكن لهم من المال ما يفي بديونهم، فإن كان عندهم وفاء فلا يعطون، وقسم ~~أدانوا في المعروف وإصلاح ذات البين فإنهم يعطون من مال الصدقة ما ~~يقضون به ديونهم، وإن كانوا أغنياء. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنبأنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب عن ~~مالك عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله، أو لغارم، ~~أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهدى ~~المسكين للغني، أو لعامل عليها ". # ورواه معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم متصلا بمعناه. أما من كان دينه في معصية فلا يدفع ~~شيء إليه. # وقوله تعالى: { وفى سبيل الله } ، أراد بها: الغزاة، فلهم سهم ~~من الصدقة، يعطون إذا أرادوا الخروج إلى الغزو، وما يستعينون به على ~~أمر الغزو من: النفقة والكسوة، والسلاح، والحمولة، وإن كانوا أغنياء، ولا ~~يعطى شيء منه في الحج عند أكثر أهل العلم. # وقال قوم: يجوز أن يصرف سهم في سبيل الله إلى الحج. ويروى ذلك عن ابن ~~عباس، وهو قول الحسن وأحمد، وإسحاق. # قوله تعالى: { وابن السبيل } ، والصنف الثامن: هم أبناء السبيل، ~~فكل من يريد سفرا مباحا ولم يكن له ما يقطع به المسافة يعطى من الصدقة ~~بقدر ما يقطع به تلك المسافة، سواء كان له في البلد المنتقل إليه مال أو ~~لم يكن. # وقال قتادة: ابن السبيل هو الضيف. # وقال فقهاء العراق: ابن السبيل الحاج المنقطع. # قوله تعالى: { فريضة } أي: واجبة { من الله } ، وهو نصب على ~~القطع، وقيل: على المصدر، أي: فرض الله هذه الأشياء فريضة. # { والله عليم حكيم }. اختلف الفقهاء في كيفية قسم الصدقات، ~~وفي جواز صرفها إلى بعض الأصناف: # فذهب جماعة إلى أنه لا ms1021 يجوز صرف كلها إلى بعضهم مع وجود سائر الأصناف، ~~وهو قول عكرمة، وبه قال الشافعي، قال: يجب أن تقسم زكاة كل صنف من ماله ~~على الموجودين من الأصناف الستة، الذين سهمانهم ثابتة قسمة على ~~السواء، لأن سهم المؤلفة ساقط، وسهم العامل إذا قسمه بنفسه، ثم حصة كل ~~صنف منهم لا يجوز أن تصرف إلى أقل من ثلاثة منهم إن وجد منهم ثلاثة أو ~~أكثر، فلو فاوت بين أولئك الثلاث يجوز، فإن لم يوجد من بعض الأصناف إلا ~~واحد صرف حصة ذلك الصنف إليه ما لم يخرج عن حد الاستحقاق، فإن انتهت ~~حاجته وفضل شيء رده إلى الباقين. # وذهب جماعة إلى أنه لو صرف الكل إلى صنف واحد من هذه الأصناف، أو إلى ~~شخص واحد منهم يجوز، وإنما سمى الله تعالى هذه الأصناف الثمانية ~~إعلاما منه أن الصدقة لا تخرج عن هذه الأصناف، لا إيجابا لقسمها بينهم ~~جميعا. وهو قول عمر، وابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير وعطاء، وإليه ذهب ~~سفيان الثوري وأصحاب الرأي، وبه قال أحمد، قال: يجوز أن يضعها في صنف ~~واحد وتفريقها أولى. # وقال إبراهيم: إن كان المال كثيرا يحتمل الإجزاء قسمه على الأصناف، ~~وإن كان قليلا جاز وضعه في صنف واحد. # وقال مالك: يتحرى موضع الحاجة منهم ويقدم الأولى فالأولى من أهل ~~الخلة والحاجة، فإن رأى الخلة في الفقراء في عام أكثر قدمهم، وإن ~~رآها في عام في صنف آخر حولها إليهم. # وكل من دفع إليه شيء من الصدقة لا يزيد على قدر الاستحقاق، فلا ~~يزيد الفقير على قدر غناه، فإذا حصل أدنى اسم الغنى لا يعطى بعده، فإن ~~كان محترفا لكنه لا يجد آلة حرفته: فيعطى قدر ما يحصل به آلة حرفته، ولا ~~يزاد على العامل على أجر عمله، والمكاتب على قدر ما يعتق به، وللغريم ~~على قدر دينه، والغازي على قدر نفقته للذهاب والرجوع والمقام في مغزاه ~~وما يحتاج إليه من الفرس والسلاح، ولابن السبيل على قدر إتيانه مقصده أو ~~مآله. # واختلفوا في نقل ms1022 الصدقة عن بلد المال إلى موضع آخر، مع وجود المستحقين ~~فيه، فكرهه أكثر أهل العلم. لما أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي، ~~أنبأنا أبو محمد عبدالجبار بن محمد الجراحي، حدثنا أبو العباس محمد بن ~~أحمد المحبوبي، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، ~~حدثنا زكريا بن إسحاق المكي، حدثنا يحيى بن عبدالله بن الصيفي عن أبي ~~معبد عن ابن عباس # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن فقال: " إنك ~~تأتي قوما أهل كتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس ~~صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله فرض ~~عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك ~~فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله ~~حجاب ". # فهذا يدل على أن صدقة أغنياء كل قوم ترد على فقراء ذلك القوم. # واتفقوا على أنه إذا نقل من بلد إلى بلد آخر أدي مع الكراهة، وسقط ~~الفرض عن ذمته، إلا ما حكي عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه رد ~~صدقة حملت من خراسان إلى الشام إلى مكانها من خراسان. ### || [9.61] # { ومنهم الذين يؤذون النبى ويقولون هو أذن ~~} ، نزلت في جماعة من المنافقين كانوا يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ويقولون ما لا ينبغي، فقال بعضهم: لا تفعلوا، فإنا نخاف أن يبلغه ما ~~تقولون فيقع بنا. فقال الجلاس بن سويد منهم: بل نقول ما شئنا، ثم ~~نأتيه فننكر ما قلنا، ونحلف فيصدقنا بما نقول، فإنما محمد أذن، أي: ~~أذن سامعة، يقال: فلان أذن وأذنة على وزن فعلة إذا كان يسمع ~~ما قيل له ويقبله. وأصله من أذن يأذن أذنا أي: استمع. وقيل: هو أذن أي: ~~ذو أذن وأذن سامعة. # وقال محمد بن إسحاق ابن يسار: نزلت في رجل من المنافقين يقال له نبتل بن ~~الحارث، وكان رجلا أذلم، ثائر ms1023 شعر الرأس، أحمر العينين أسفع الخدين، ~~مشوه الخلقة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " من أحب أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث " # ، وكان ينم حديث النبي صلى الله عليه وسلم إلى المنافقين، فقيل له: لا ~~تفعل، فقال: إنما محمد أذن فمن حدثه شيئا صدقه، فنقول ما شئنا، ثم نأتيه ~~ونحلف بالله فيصدقنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # قوله تعالى: { قل أذن خير لكم } ، قرأ العامة بالإضافة، ~~أي: مستمع خير وصلاح لكم، لا مستمع شر وفساد. وقرأ الأعشى والبرجمي ~~عن أبي بكر: { أذن خير لكم } ، مرفوعين منونين، يعني: أن يسمع ~~منكم ويصدقكم خير لكم من أن يكذبكم ولا يقبل قولكم، ثم كذبهم فقال: { ~~يؤمن بالله } ، أي: لا، بل يؤمن بالله، { ويؤمن ~~للمؤمنين } ، أي: يصدق المؤمنين ويقبل منهم لا من المنافقين، ~~يقال: أمنته وأمنت له بمعنى صدقته. { ورحمة } ، قرأ حمزة: " ورحمة " ~~بالخفض على معنى إذن خير لكم، وأذن رحمة، وقرأ الآخرون: " ورحمة " ~~بالرفع، أي: هو أذن خير، وهو رحمة { للذين ءامنوا منكم } ، ~~لأنه كان سبب إيمان المؤمنين. { والذين يؤذون رسول الله ~~لهم عذاب أليم }. ### || [9.62-64] # { يحلفون بالله لكم ليرضوكم } ، قال قتادة ~~والسدي: اجتمع ناس من المنافقين فيهم الجلاس بن سويد ووديعة بن ~~ثابت، فوقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا: إن كان ما يقول محمد ~~حقا فنحن شر من الحمير، وكان عندهم غلام من الأنصار يقال له عامر بن ~~قيس، فحقروه وقالوا هذه المقالة، فغضب الغلام وقال: والله إن ما يقول ~~محمد حق وأنتم شر من الحمير، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأخبره، فدعاهم وسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحلفوا أن عامرا ~~كذاب. وحلف عامر أنهم كذبة فصدقهم النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل عامر ~~يدعو ويقول: اللهم صدق الصادق وكذب الكاذب فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية. وقال مقاتل والكلبي: نزلت في رهط من المنافقين تخلفوا عن غزوة ~~تبوك، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم أتوه يعتذرون إليه ويحلفون، ~~فأنزل الله ms1024 تعالى هذه الآية: { يحلفون بالله لكم ~~ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا ~~مؤمنين }. # { ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله } ، ~~يخالف الله ورسوله أي: يكون في جانب واحد من الله ورسوله، { فأن له ~~نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزى العظيم } ، أي: ~~الفضيحة العظيمة. # { يحذر المنفقون } ، أي: يخشى المنافقون، { أن تنزل ~~عليهم } ، أي: تنزل على المؤمنين، { سورة تنبئهم بما ~~في قلوبهم } ، أي: بما في قلوب المنافقين من الحسد والعداوة ~~للمؤمنين، كانوا يقولون فيما بينهم ويسرون ويخافون الفضيحة بنزول القرآن ~~في شأنهم. # قال قتادة: هذه السورة كانت تسمى الفاضحة والمبعثرة والمثيرة، أثارت ~~مخازيهم ومثالبهم. # قال عبدالله ابن عباس رضي الله عنهما: أنزل الله تعالى ذكر سبعين رجلا ~~من المنافقين بأسمائهم وأسماء آبائهم ثم نسخ ذكر الأسماء رحمة للمؤمنين، ~~لئلا يعير بعضهم بعضا، لأن أولادهم كانوا مؤمنين. # { قل استهزءوا إن الله مخرج } ، مظهر { ما ~~تحذرون }. # قال ابن كيسان: # " نزلت هذه الآية في اثني عشر رجلا من المنافقين، وقفوا لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على العقبة لما رجع من غزوة تبوك ليفتكوا به إذا علاها، ~~ومعهم رجل مسلم يخفيهم شأنه، وتنكروا له في ليلة مظلمة، فأخبر جبريل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قدروا، وأمره أن يرسل إليهم من يضرب ~~وجوه رواحلهم، وعمار بن ياسر يقود برسول الله صلى الله عليه وسلم راحلته، ~~وحذيفة يسوق به، فقال لحذيفة: اضرب وجوه رواحلهم فضربها حتى نحاها، فلما ~~نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحذيفة: من عرفت من القوم؟ قال: لم ~~أعرف منهم أحدا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فإنهم فلان وفلان ~~حتى عدهم كلهم، فقال حذيفة: ألا تبعث إليهم فتقتلهم؟ فقال: أكره أن ~~تقول العرب. لما ظفر محمد بأصحابه أقبل يقتلهم، بل يكفيناهم الله ~~بالدبيلة ". # أخبرنا إسماعيل بن عبدالقاهر، أنبأنا عبدالغافر بن عيسى، حدثنا إبراهيم ~~بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا ~~محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن قتادة عن أبي نضرة ms1025 عن قيس بن عبادة قال: # " قلنا لعمار أرأيتكم قتالكم أرأيا رأيتموه؟ فإن الرأي يخطىء ويصيب، ~~أو عهد عهده إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ما عهد إلينا ~~رسول الله شيئا لم يعهده إلى الناس كافة، وقال: إن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: " إن في أمتي قال شعبة وأحسبه قال: حدثني حذيفة قال: ~~قال في أمتي إثني عشر منافقا لا يدخلون الجنة، ولا يجدون ريحها، حتى ~~يلج الجمل في سم الخياط، ثمانية منهم تكفيهم الدبيلة، سراج من ~~النار يظهر في أكتافهم، حتى ينجم من صدورهم ". ### || [9.65] # قوله تعالى: { ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا ~~نخوض ونلعب } الآية، وسبب نزول هذه الآية على ما قال الكلبي ~~ومقاتل وقتادة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسير في غزوة تبوك وبين ~~يديه ثلاثة نفر من المنافقين، اثنان يستهزئان بالقرآن والرسول، والثالث ~~يضحك. # قيل: كانوا يقولون: إن محمدا يزعم أنه يغلب الروم ويفتح مدائنهم ما ~~أبعده من ذلك! # وقيل: كانوا يقولون: إن محمدا يزعم أنه نزل في أصحابنا المقيمين ~~بالمدينة قرآن، وإنما هو قوله وكلامه، فأطلع الله نبيه صلى الله عليه ~~وسلم على ذلك؛ فقال: احبسوا علي الركب، فدعاهم وقال لهم: قلتم كذا ~~وكذا، فقالوا: إنما كنا نخوض ونلعب، أي كنا نتحدث ونخوض في الكلام كما ~~يفعل الركب لقطع الطريق بالحديث واللعب. # " قال عمر: فلقد رأيت عبدالله بن أبي يشتد قدام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والحجارة تنكبه وهو يقول إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول له: أبا لله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون، ما ~~يلتفت إليه ولا يزيد عليه ". # قوله تعالى: { قل } ، أي: قل يامحمد للمنافقين، { أبالله ~~وءايته } ، كتابه، { ورسوله كنتم تستهزءون }. ### || [9.66] # { لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمنكم } ، فإن قيل ~~كيف قال: كفرتم بعد إيمانكم، وهم لم يكونوا مؤمنين؟. # قيل: معناه: أظهرتم الكفر بعدما أظهرتم الإيمان. # { إن نعف عن طآئفة منكم } ، أي: نتب على طائفة منكم، ~~وأراد بالطائفة واحدا، { نعذب طآئفة بأنهم كانوا ~~مجرمين ms1026 } ، بالاستهزاء، وقرأ عاصم: " نعف " بالنون وفتحها وضم ~~الفاء، " نعذب " بالنون وكسر الذال، { طآئفة } نصب. وقرأ الآخرون: " ~~يعف " بالياء وضمها وفتح الفاء، { تعذب } بالتاء وفتح الدال، " ~~طآئف " رفع على غير تسمية الفاعل. # وقال محمد بن إسحاق: الذي عفا عنه رجل واحد، وهو مخشي بن حمير ~~الأشجعي، يقال هو الذي كان يضحك ولا يخوض، وكان يمشي مجانبا لهم وينكر ~~بعض ما يسمع، فلما نزلت هذه الآية تاب من نفاقه، وقال: اللهم إني لا أزل ~~أسمع آية تقرأ أعنى بها تقشعر الجلود منها، وتجب منها القلوب، ~~اللهم اجعل وفاتي قتلا في سبيلك لا يقول أحد أنا غسلت أنا كفنت أنا ~~دفنت، فأصيب يوم اليمامة، فما أحد من المسلمين إلا عرف مصرعه غيره. ### || [9.67-69] # قوله تعالى: { المنفقون والمنفقات بعضهم من ~~بعض } ، أي: هم على دين واحد. وقيل: أمرهم واحد بالاجتماع على النفاق. ~~{ يأمرون بالمنكر } ، بالشرك والمعصية، { وينهون عن ~~المعروف } ، أي: عن الإيمان والطاعة، { ويقبضون أيديهم ~~} أي: يمسكونها عن الصدقة والإنفاق في سبيل الله ولا يبسطونها بخير، { ~~نسوا الله فنسيهم } ، تركوا طاعة الله، فتركهم من توفيقه ~~وهدايته في الدنيا، ومن رحمته في الآخرة، وتركهم في عذابه، { إن ~~المنفقين هم الفسقون }. # { وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار ~~جهنم خالدين فيها هي حسبهم } ، كافيتهم جزاء على ~~كفرهم، { ولعنهم الله } ، أبعدهم الله من رحمته، { ولهم ~~عذاب مقيم } ، دائم. # { كالذين من قبلكم } ، أي: فعلتم كفعل الذين من قبلكم ~~بالعدول عن أمر الله، فلعنتم كما لعنوا { كانوا أشد ~~منكم قوة } ، بطشا ومنعة، { وأكثر أمولا ~~وأولدا فاستمتعوا بخلقهم } فتمتعوا وانتفعوا ~~بخلاقهم؛ بنصيبهم من الدنيا باتباع الشهوات ورضوا به عوضا عن الآخرة، { ~~فاستمتعتم بخلقكم } ، أيها الكفار والمنافقون، { كما ~~استمتع الذين من قبلكم بخلقهم } ، وسلكتم ~~سبيلهم، { وخضتم } في الباطل والكذب على الله تعالى، وتكذيب رسله، ~~وبالاستهزاء بالمؤمنين، { كالذي خاضوا } ، أي: كما خاضوا. وقيل: ~~كالذي بمعنى كالذين خاضوا، وذلك أن " الذي " اسم ناقص، مثل " ما " و " ~~من " يعبر به عن الواحد والجميع، نظيره قوله تعالى: # كمثل الذى استوقد نارا # [البقرة: 17]. ثم قال: # ذهب الله ms1027 بنورهم # [البقرة: 17]. # { أولئك حبطت أعملهم في الدنيا والأخرة ~~وأولئك هم الخسرون } ، أي: كما حبطت أعمالهم وخسروا ~~كذلك حبطت أعمالكم وخسرتم. # أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبدالله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن عبدالعزيز، ~~حدثنا أبو عمر الصنعاني من اليمن، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ~~أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا ~~بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لا تبعتموهم " ، قلنا: يا رسول ~~الله اليهود والنصارى؟ قال: " فمن " # وفي رواية أبي هريرة: # " فهل الناس إلا هم " # وقال ابن مسعود رضي الله عنه: " أنتم أشبه الأمم ببني إسرائيل سمتا ~~وهديا تتبعون عملهم حذو القذة بالقذة غير أني لا أدري ~~أتعبدون العجل أم لا. ### || [9.70] # قوله تعالى: { ألم يأتهم } ، يعني المنافقين، { نبأ } ، خبر، ~~{ الذين من قبلهم } ، حين عصوا رسلنا، وخالفوا أمرنا كيف ~~عذبناهم وأهلكناهم. ثم ذكرهم، فقال: { قوم نوح } ، أهلكوا ~~بالطوفان، { وعاد } ، أهلكوا بالريح { وثمود } ، بالرجفة، { ~~وقوم إبرهيم } ، بسلب النعمة وهلاك نمرود، { وأصحب ~~مدين } ، يعني قوم شعيب أهلكوا بعذاب يوم الظلة، { ~~والمؤتفكت } المنقلبات التي جعلنا عاليها سافلها وهم قوم لوط، ~~{ أتتهم رسلهم بالبينت } ، فكذبوهم وعصوهم كما ~~فعلتم يامعشر الكفار، فاحذروا تعجيل النقمة، { فما كان الله ~~ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون }. ### || [9.71-72] # قوله تعالى: { والمؤمنون والمؤمنت بعضهم ~~أوليآء بعض } في الدين واتفاق الكلمة والعون والنصرة. { ~~يأمرون بالمعروف } ، بالإيمان والطاعة والخير، { ~~وينهون عن المنكر } ، عن الشرك والمعصية وما لا يعرف في ~~الشرع، { ويقيمون الصلوة } ، المفروضة، { ويؤتون ~~الزكوة ويطيعون الله ورسوله أولئك ~~سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم }. # { وعد الله المؤمنين والمؤمنت جنت تجري ~~من تحتها الأنهر خلدين فيها ومسكن طيبة } ~~، منازل طيبة، { فى جنات عدن } أي: بساتين خلد وإقامة، يقال: ~~عدن بالمكان إذا أقام به. # قال ابن مسعود: هي بطنان الجنة، أي: وسطها. # قال عبدالله بن عمرو بن العاص: إن في الجنة قصرا يقال له: " عدن " ~~حوله البروج والمروج، ms1028 له خمسة آلاف باب لا يدخله إلا نبي أو صديق أو ~~شهيد. # وقال الحسن: قصر من ذهب لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد أو ~~حكم عدل. # وقال عطاء بن السائب: " عدن " نهر في الجنة [جنانه] على حافتيه. # وقال مقاتل والكلبي: " عدن " أعلى درجة في الجنة، وفيها عين التنسيم، ~~والجنان حولها، محدقة بها، وهي مغطاة من حين خلقها الله تعالى حتى ~~ينزلها أهلها: الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون، ومن شاء ~~الله، وفيها قصور الدر واليواقيت والذهب، فتهب ريح طيبة من تحت ~~العرش فتدخل عليهم كثبان المسك الأذفر الأبيض. # { ورضون من الله أكبر }. أي: رضا الله عنهم أكبر من ~~ذلك، { ذلك هو الفوز العظيم }. روينا عن أبي سعيد الخدري ~~رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يقول الله عز وجل لأهل الجنة: يا أهل الجنة هل رضيتم؟ ~~فيقولون: ربنا ما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعطه أحدا من ~~خلقك، فيقول: أفلا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: ربنا وأي شيء أفضل ~~من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا ". ### || [9.73-74] # قوله تعالى: { يأيها النبى جهد الكفر }: بالسيف ~~والقتال، { والمنفقين } ، واختلفوا في صفة جهاد المنافقين، فقال ~~ابن مسعود: بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وقال: لا ~~تلق المنافقين إلا بوجه مكفهر. وقال ابن عباس: باللسان وترك الرفق. ~~وقال الضحاك: بتغليظ الكلام. وقال الحسن وقتادة: بإقامة الحدود عليهم. { ~~واغلظ عليهم ومأواهم } في الآخرة، { جهنم وبئس ~~المصير }. وقال عطاء: نسخت هذه الآية كل شيء من العفو والصفح. # قوله تعالى: { يحلفون بالله ما قالوا } ، قال ابن عباس: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في ظل حجرة فقال: " إنه ~~سيأتيكم إنسان فينظر إليكم بعيني شيطان، فإذا جاء فلا تكلموه " ، فلم ~~يلبثوا أن طلع رجل أزرق، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ~~علام تشتمني أنت وأصحابك "؟ فانطلق الرجل، فجاء بأصحابه، فحلفوا ~~بالله، ما قالوا " # ، فأنزل الله عز وجل هذه الآية. # وقال الكلبي: # " نزلت ms1029 في الجلاس بن سويد، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خطب ذات يوم بتبوك، فذكر المنافقين وسماهم رجسا وعابهم، فقال جلاس: ~~لئن كان محمد صادقا لنحن شر من الحمير. فسمعه عامر بن قيس، فقال: أجل ~~إن محمدا لصادق وأنتم شر من الحمير، فلما انصرف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى المديتة أتاه عامر بن قيس فأخبره بما قال الجلاس: فقال ~~الجلاس: كذب علي يا رسول الله، وأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يحلفا عند المنبر، فقام الجلاس عند المنبر بعد العصر فحلف بالله الذي لا ~~إله إلا هو ما قاله، ولقد كذب علي عامر، ثم قام عامر فحلف بالله الذي ~~لا إله إلا هو لقد قاله وما كذبت عليه، ثم رفع يديه إلى السماء وقال: ~~اللهم أنزل على نبيك تصديق الصادق منا، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والمؤمنون: آمين. فنزل جبريل عليه السلام قبل أن يتفرقا بهذه الآية، ~~حتى بلغ: { فإن يتوبوا يك خيرا لهم } ، فقام الجلاس فقال: ~~يارسول الله أسمع [الله عز وجل] قد عرض علي التوبة، صدق عامر بن ~~قيس فيما قاله، لقد قلته وأنا أستغفر الله وأتوب إليه، فقبل رسول ~~الله ذلك منه وحسنت توبته ". # قوله تعالى: { ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد ~~إسلمهم } ، أي: أظهروا الكفر بعد إظهار الإيمان والإسلام. ~~وقيل: هي سب النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: كلمة الكفر قول الجلاس: ~~لئن كان محمد صادقا لنحن شر من الحمير. وقيل: كلمة الكفر قولهم: # لئن رجعنآ إلى المدينة ليخرجن الأعز منها ~~الأذل # [المنافقون: 8]، وستأتي تلك القصة [في موضعها في سورة المنافقين]، { ~~وهموا بما لم ينالوا } ، قال مجاهد: هم المنافقون بقتل ~~المسلم الذي سمع قولهم: لنحن شر من الحمير، لكي لا يفشيه. # وقيل: هم اثنا عشر رجلا من المنافقين وقفوا على العقبة في طريق تبوك ~~ليفتكوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء جبريل عليه السلام وأمره ~~أن يرسل إليهم من يضرب وجوه رواحلهم، فأرسل حذيفة لذلك. # وقال السدي: ms1030 قالوا إذا قدمنا المدينة عقدنا على رأس عبدالله بن أبي ~~تاجا، فلم يصلوا إليه. # { وما نقموا } ، وما كرهوا وما أنكروا منهم، { إلا أن ~~أغناهم الله ورسوله من فضله }. وذلك أن مولى الجلاس ~~قتل، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بديته اثني عشر ألف درهم ~~فاستغنى. وقال الكلبي: كانوا قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم في ~~ضنك من العيش، فلما قدم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم استغنوا ~~بالغنائم. # { فإن يتوبوا } من نفاقهم وكفرهم { يك خيرا لهم وإن ~~يتولوا } ، يعرضوا عن الإيمان، { يعذبهم الله عذابا ~~أليما فى الدنيا } ، بالخزي، { والأخرة } ، أي: وفي الآخرة ~~بالنار، { وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير }. ### || [9.75] # قوله تعالى: { ومنهم من عهد الله لئن ءاتنا من ~~فضله لنصدقن } الآية. أخبرنا أبو سعيد الشريحي، حدثنا أبو ~~إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو عبدالله بن حامد الأصفهاني، حدثنا أحمد بن ~~محمد بن إبراهيم السمرقندي، حدثنا محمد بن نصر، حدثني أبو الأزهر أحمد بن ~~الأزهر، حدثنا مروان بن محمد بن شعيب حدثنا معان بن رفاعة عن علي بن ~~يزيد، عن القاسم بن عبدالرحمن عن أبي أمامة الباهلي قال: # " جاء ثعلبة بن حاطب الأنصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~يا رسول الله أدع الله أن يرزقني مالا، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " ويحك ياثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه ~~" ، ثم أتاه بعد ذلك فقال: يا رسول الله أدع الله أن يرزقني مالا، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أمالك في رسول الله أسوة ~~حسنة؟ والذي نفسي بيده لو أردت أن تسير الجبال معي ذهبا وفضة ~~لسارت " ، ثم أتاه بعد ذلك فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني ~~مالا فوالذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالا لأعطين كل ذي حق ~~حقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم ارزق ثعلبة ~~مالا ". # قال: فاتخذ غنما فنمت كما ينمو الدود، فضاقت عليه المدينة فتنحى ~~عنها، فنزل واديا من أوديتها وهي تنمو ms1031 كالدود، فكان يصلي مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم الظهر والعصر ويصلي في غنمه سائر الصلوات، ثم كثرت ~~ونمت حتى تباعد بها عن المدينة، فصار لا يشهد إلا الجمعة، ثم كثرت ~~فنمت فتباعد أيضا حتى كان لا يشهد جمعة ولا جماعة. فكان إذا كان يوم ~~الجمعة خرج يتلقى الناس يسألهم عن الأخبار، فذكره صلى الله عليه وسلم ~~ذات يوم فقال: ما فعل ثعلبة؟ قالوا: يارسول الله اتخذ ثعلبة غنما ما ~~يسعها واد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا ويح ثعلبة يا ~~ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة ". فأنزل الله آية الصدقات، فبعث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم رجلا من بني سليم ورجلا من جهينة وكتب لهما أسنان ~~الصدقة، كيف يأخذان، وقال لهما: " مرا بثعلبة بن حاطب، و [بفلان]، ~~ورجل من بني سليم فخذا صدقاتهما، فخرجا إلى ثعلبة حتى أتيا ثعلبة فسألاه ~~الصدقة وأقرآه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما هذه إلا ~~جزية ما هذ إلا أخت الجزية، انطلقا حتى تفرغا الصدقة ثم عودا إلي، ~~فانطلقا وسمع بهما السلمي فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصدقة ثم ~~استقبلهما بها فلما رأوها قالوا: ما هذه عليك. قال: خذاه فإن نفسي بذلك ~~طيبة، فمرا على الناس فأخذا الصدقات، ثم رجعا إلى ثعلبة، فقال: أروني ~~كتابكما فقرأه، ثم قال: ما هذه إلا أخت الجزية، إذهبا حتى أرى رأيي. # قال: فأقبلا فلما رآهما رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يكلماه ~~قال: يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة، ثم دعا للسلمي بخير، فأخبراه ~~بالذي صنع ثعلبة، فأنزل الله تعالى فيه: { ومنهم من عهد ~~الله لئن ءاتنا من فضله } الآية، إلى قوله: { وبما ~~كانوا يكذبون } وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أقارب ~~ثعلبة فسمع ذلك فخرج حتى أتاه فقال ويحك يا ثعلبة لقد أنزل الله فيك كذا ~~وكذا، فخرج ثعلبة حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله أن يقبل منه ~~الصدقة، فقال: إن الله عز وجل ms1032 منعني أن أقبل منك صدقتك، فجعل يحثو ~~التراب على رأسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا عملك وقد ~~أمرتك أن تطعني، فلما أبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبض صدقته، ~~رجع إلى منزله. وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أتى أبا بكر ~~فقال: اقبل صدقتي، فقال أبو بكر: لم يقبلها منك رسول الله ثم أنا ~~أقبلها؟ فقبض أبو بكر ولم يقبلها. فلما ولي عمر أتاه: فقال: اقبل ~~صدقتي، فقال: لم يقبلها منك رسول الله ولا أبو بكر، أنا أقبلها منك؟ فلم ~~يقبلها فلما ولي عثمان أتاه فلم يقبلها منه، وهلك ثعلبة في خلافة ~~عثمان ". # قال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة: أتى ثعلبة مجلسا من الأنصار ~~فأشهدهم لئن آتاني الله من فضله آتيت منه كل ذي حق حقه، وتصدقت منه، ~~ووصلت الرحم، وأحسنت إلى القرابة، فمات ابن عم له [فورثه] مالا فلم يف ~~بما قال، فأنزل الله تعالى هذه الآية # وقال الحسن ومجاهد: نزلت في ثعلبة بن حاطب ومعتب بن قشير، وهما من بني ~~عمرو بن عوف، خرجا على ملأ قعود وقالا: والله لئن رزقنا الله ~~[مالا] لنصدقن، فلما رزقهما الله عز وجل بخلا به فقوله عز وجل: ~~{ ومنهم } ، يعني: المنافقين { من عهد الله لئن ~~ءاتنا من فضله لنصدقن } ولنؤدين حق الله منه. { ~~ولنكونن من الصلحين } ، نعمل بعمل أهل الصلاح فيه؛ من ~~صلة الرحم والنفقة في الخير. ### || [9.76-79] # { فلمآ آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم ~~معرضون }. # { فأعقبهم } ، فأخلفهم، { نفاقا فى قلوبهم } ، أي: صير ~~عاقبة أمرهم النفاق، يقال: أعقب فلانا ندامة إذا صير عاقبة أمره ذلك. ~~وقيل: عاقبهم بنفاق قلوبهم. يقال: عاقبته وأعقبته بمعنى واحد. { إلى ~~يوم يلقونه } ، يريد حرمهم التوبة إلى يوم القيامة، { بمآ ~~أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون }. # أخبرنا أبو عبدالله محمد بن الفضل الخرقي، حدثنا أبو الحسن علي بن ~~عبدالله الطيسفوني، حدثنا عبدالله بن عمر الجوهري، حدثنا أحمد بن علي ~~الكشميهني، حدثنا علي بن حجر، حدثنا إسماعيل بن جعفر ms1033 أخبرنا أبو سهيل ~~نافع بن مالك عن أبيه عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن ~~خان ". # قوله عز وجل: { ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ~~ونجواهم } ، يعني: ما أضمروا في قلوبهم وما تناجوا به بينهم، { ~~وأن الله علم الغيوب }. # قوله عز وجل: { الذين يلمزون المطوعين من ~~المؤمنين في الصدقات } الآية. # قال أهل التفسير: # " حث رسول الله على الصدقة، فجاء عبدالرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم، ~~وقال: يارسول الله مالي ثمانية آلاف جئتك بأربعة آلاف فاجعلها في سبيل ~~الله، وأمسكت أربعة آلاف لعيالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت " ، فبارك الله في ماله حتى أنه ~~خلف امرأتين يوم مات فبلغ ثمن ماله لهما مائة وستين ألف درهم. وتصدق ~~يومئذ عاصم بن عدي العجلاني بمائة وسق من تمر. وجاء أبو عقيل الأنصاري ~~واسمه الحبحاب بصاع من تمر، وقال: يا رسول الله بت ليلتي أجر بالجرير ~~الماء حتى نلت صاعين من تمر فأمسكت أحدهما لأهلي وأتيتك بالآخر ~~فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينثره في الصدقة، فلمزهم ~~المنافقون، وقالوا: ما أعطى عبدالرحمن وعاصم إلا رياء، وإن الله ورسوله ~~لغنيان عن صاع أبي عقيل، ولكنه أراد أن يذكر بنفسه ليعطى من الصدقة ~~" # ، فأنزل الله عز وجل: # { الذين يلمزون } أي: يعيبون { المطوعين } المتبرعين { ~~من المؤمنين في الصدقت } يعني: عبدالرحمن بن عوف ~~وعاصما. { والذين لا يجدون إلا جهدهم } ، أي: طاقتهم، ~~يعني: أبا عقيل. والجهد: الطاقة، بالضم لغة قريش وأهل الحجاز. وقرأ ~~الأعرج بالفتح. وقال القتيبي: الجهد بالضم الطاقة وبالفتح المشقة. { ~~فيسخرون منهم } ، يستهزؤون بهم، { سخر الله منهم }. ~~أي: جازاهم الله على السخرية، { ولهم عذاب أليم }. ### || [9.80-81] # { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم } ، لفظ أمر، ومعناه ~~خبر، تقديره: أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم. { إن ~~تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم } ~~، وذكر عدد السبعين للمبالغة في ms1034 اليأس عن طمع المغفرة. # وقال الضحاك: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله قد رخص لي فلأزيدن على السبعين لعل الله أن يغفر لهم " # ، فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم { سوآء أستغفرت ~~لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم }. # { ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا ~~يهدي القوم الفسقين }. # { فرح المخلفون } عن غزوة تبوك. والمخلف: المتروك { ~~بمقعدهم } أي بقعودهم { خلف رسول الله } ، قال أبو ~~عبيدة: أي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: مخالفة لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حين سار وأقاموا، { وكرهوا أن يجهدوا ~~بأمولهم وأنفسهم فى سبيل الله وقالوا لا ~~تنفروا فى الحر } ، وكانت غزوة تبوك في شدة الحر، { قل نار ~~جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون } ، يعلمون وكذلك هو ~~في مصحف عبدالله بن مسعود. ### || [9.82-84] # { فليضحكوا قليلا } ، في الدنيا، { وليبكوا كثيرا } ~~، في الآخرة. تقديره: فليضحكوا قليلا فسيبكون كثيرا، { جزآء بما ~~كانوا يكسبون }. # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أنبأنا السيد أبو الحسن ~~محمد بن [الحسين العلوي قال: أخبرنا عبدالله بن محمد بن الحسن الشرقي، ~~حدثنا عبدالله بن هاشم، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا شعبة عن موسى بن أنس ~~عن أنس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ". # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبدالله بن أبي توبة، حدثنا أبو طاهر محمد بن ~~أحمد الحارثي، حدثنا أبو الحسن محمد بن] يعقوب الكسائي حدثنا عبدالله بن ~~محمود، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبدالله الخلال، حدثنا عبدالله بن ~~المبارك عن عمران بن زيد الثعلبي، حدثنا يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك ~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " ياأيها الناس ابكوا، فإن لم تستطيعوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون ~~في النار حتى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول، ثم تنقطع الدموع، فتسيل ~~الدماء فتقرح العيون، فلو أن سفنا أجريت فيها لجرت ". # قوله تعالى: ms1035 { فإن رجعك الله } أي: ردك يامحمد من غزوة تبوك، ~~{ إلى طآئفة منهم } ، يعني: من المخلفين. وإنما قال: " طائفة ~~منهم " لأنه ليس كل من تخلف من غزوة تبوك كان منافقا، { ~~فاستأذنوك للخروج } ، معك في غزوة أخرى، { فقل } ، لهم { ~~لن تخرجوا معى أبدا } في سفر، { ولن تقتلوا معى ~~عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة } ، في غزوة ~~تبوك { فاقعدوا مع الخالفين } أي: مع النساء والصبيان، وقيل: ~~مع الزمنى والمرضى. # وقال ابن عباس: مع الذين تخلفوا بغير عذر. # وقيل: مع الخالفين. قال الفراء: يقال صاحب خالف إذا كان مخالفا. # { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا } الآية. قال ~~أهل التفسير: # " بعث عبدالله بن أبي ابن سلول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~مريض، فلما دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له أهلكك حب ~~يهود؟ فقال: يارسول الله إني لم أبعث إليك لتؤنبني، إنما بعثت إليك ~~لتستغفر لي، وسأله أن يكفنه في قميصه ويصلي عليه ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي، حدثنا أحمد بن عبدالله النعيمي، حدثنا محمد ~~بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا يحيى بن بكير، حدثني الليث، عن ~~عقيل، عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبدالله بن عباس، عن عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنهم أنه قال: # " لما مات عبدالله بن أبي ابن سلول دعى له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ليصلي عليه، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت إليه، ~~فقلت: يارسول الله أتصلي على ابن أبي بن سلول وقد قال يوم كذا وكذا ~~كذا وكذا؟ أعد عليه قوله، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ~~»أخر عني ياعمر» فلما أكثرت عليه قال: إني خيرت فاخترت، لو أعلم ~~أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها، قال: فصلى عليها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ثم انصرف فلم يمكث إلا يسيرا حتى نزلت الآيتان ~~من براءة: { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا ~~تقم على قبره } ، إلى قوله: { وهم فسقون }. قال: ms1036 ~~فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ " # ، والله ورسوله أعلم. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، حدثنا أحمد بن عبدالله النعيمي، ~~أنبأنا محمد ابن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا علي بن عبدالله، ~~حدثنا سفيان قال عمرو: سمعت جابر بن عبدالله قال: أتى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عبد الله بن أبي بعدما أدخل حفرته فأمر به فأخرج ~~فوضعه على ركبتيه ونفث في فيه من ريقه وألبسه قميصه، فالله أعلم وكان ~~كسا عباسا قميصا. # قال سفيان: وقال هارون: وكان على رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصان ~~فقال ابن عبدالله: يارسول الله [ألبس أبي] قميصك الذي يلي جلدك. # وروي عن جابر قال: لما كان يوم بدر أتى بالعباس ولم يكن عليه ثوب ~~فوجدوا قميص عبدالله بن أبي يقدر عليه، فكساه النبي صلى الله عليه وسلم ~~إياه، فلذلك نزع النبي صلى الله عليه وسلم قميصه الذي ألبسه عبدالله. ~~وقال ابن عيينة: كانت له عند النبي صلى الله عليه وسلم يد فأحب أن ~~يكافئه. # وروي # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كلم فيما فعل بعبد الله بن أبي، ~~فقال صلى الله عليه وسلم: »وما يغني عنه قميصي وصلاتي من الله شيئا ~~والله إنى كنت أرجو أن يسلم به ألف من قومه " # ، وروى أنه أسلم به ألف من قومه لما رأوه يتبرك بقميص النبي صلى الله ~~عليه وسلم. # قوله: { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا ~~تقم على قبره } ولا تقف عليه، ولا تتول دفنه، من ~~قولهم: قام فلان بأمر فلان: إذا كفاه أمره. { إنهم كفروا ~~بالله ورسوله وماتوا وهم فسقون } ، فما صلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم بعدها على منافق ولا قام على قبره حتى قبض. ### || [9.85-87] # قوله تعالى: { ولا تعجبك أمولهم وأولدهم ~~إنما يريد الله أن يعذبهم بها فى الدنيا ~~وتزهق أنفسهم وهم كفرون }. # { وإذآ أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع ~~رسوله استأذنك أولوا الطول منهم } ، ذوو الغنى ~~والسعة منهم في القعود، { وقالوا ms1037 ذرنا نكن مع ~~القاعدين } ، في رحالهم. # { رضوا بأن يكونوا مع الخولف } ، يعني: النساء. وقيل: ~~مع أدنياء الناس وسفلتهم. يقال: فلان خالفة قومه إذا كان دونهم، { ~~وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون }. ### || [9.88-90] # { لكن الرسول والذين ءامنوا معه جهدوا ~~بأمولهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات } ، ~~يعني: الحسنات، وقيل: الجواري الحسان في الجنة، قال الله تعالى: (فيهن ~~خيرات حسان)، جمع خيرة، وحكي عن ابن عباس: أن الخير لا يعلم ~~معناه إلا الله كما قال جل ذكره: # فلا تعلم نفس مآ أخفى لهم من قرة أعين # [السجدة:17]. { وأولئك هم المفلحون }. # { أعد الله لهم جنت تجري من تحتها الأنهر ~~خلدين فيها ذلك الفوز العظيم }. # قوله تعالى: { وجآء المعذرون من الأعراب ليؤذن ~~لهم } الآية، قرأ يعقوب ومجاهد: { المعذرون } بالتخفيف وهم ~~المبالغون في العذر، يقال في المثل: «لقد أعذر من أنذر» أي: بالغ في ~~العذر من قدم النذارة، وقرأ الآخرون: { المعذرون } بالتشديد، أي: ~~المقصرون، يقال: عذر أي: قصر، وقال الفراء: المعذرون المعتذرون أدغمت ~~التاء في الذال ونقلت حركة التاء إلى العين. # وقال الضحاك: # " المعذرون هم رهط عامر بن الطفيل جاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~دفاعا عن أنفسهم فقالوا: يانبي الله إن نحن غزونا معك تغير أعراب طيء ~~على حلائلنا وأولادنا ومواشينا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«قد أنبأني الله من أخباركم وسيغني الله عنكم» ". # وقال ابن عباس: هم الذين تخلفوا بعذر بإذن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. # { وقعد الذين كذبوا الله ورسوله } ، يعني: ~~المنافقين. # قال أبو عمرو بن العلاء: كلا الفريقين كان مسيئا قوم تكلفوا عذرا ~~بالباطل، وهم الذين عناهم تعالى بقوله: { وجآء المعذرون } ، ~~وقوم تخلفوا عن غير تكلف عذر فقعدوا جرأة على الله تعالى، وهم ~~المنافقون فأوعدهم الله بقوله: { سيصيب الذين كفروا منهم ~~عذاب أليم }. ### || [9.91-92] # ثم ذكر أهل العذر. فقال جل ذكره: # { ليس على الضعفآء } ، قال ابن عباس: يعني الزمنى ~~والمشايخ والعجزة. وقيل: هم الصبيان وقيل: النسوان، { ولا على ~~المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون } ، ~~يعني: الفقراء ms1038 { حرج } ، مأثم. وقيل: ضيق في القعود عن الغزو، { إذا ~~نصحوا لله ورسوله } ، في مغيبهم وأخلصوا الإيمان والعمل ~~لله وبايعوا الرسول. { ما على المحسنين من سبيل } ، أي: من ~~طريق بالعقوبة، { والله غفور رحيم }. قال قتادة: نزلت في عائذ ~~بن عمرو وأصحابه. # وقال الضحاك: نزلت في عبد الله ابن أم مكتوم وكان ضرير البصر. # قوله تعالى: { ولا على الذين إذا مآ أتوك لتحملهم ~~} ، معناه: أنه لا سبيل على الأولين ولا على هؤلاء الذين أتوك وهم سبعة ~~نفر سموا البكائين: معقل بن يسار، وصخر ابن خنساء، وعبدالله بن ~~كعب الأنصاري، وعلبة بن زيد الأنصاري، وسالم بن عمير، وثعلبة بن غنمة، ~~وعبدالله بن مغفل المزني، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا: يارسول الله إن الله قد ندبنا إلى الخروج معك فاحملنا. # واختلفوا في قوله: { لتحملهم } ، قال ابن عباس: سألوه أن يحملهم ~~على الدواب. # وقيل: # " سألوه أن يحملهم على الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة، ليغزوا معهم ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم «لا أجد ما أحملكم عليه» تولوا، ~~وهم يبكون " # ، فذلك قوله تعالى: { تولوا وأعينهم تفيض من ~~الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون }. ### || [9.93-96] # { إنما السبيل } ، بالعقوبة، { على الذين ~~يستأذنونك } ، في التخلف { وهم أغنيآء رضوا بأن ~~يكونوا مع الخوالف } مع النساء والصبيان، { وطبع الله ~~على قلوبهم فهم لا يعلمون }. # { يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم } ، يروى أن ~~المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك كانوا بضعة وثمانين نفرا، فلما ~~رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم جاؤوا يعتذرون بالباطل. قال الله ~~تعالى: { قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم } ، لن نصدقكم، { ~~قد نبأنا الله من أخباركم } ، فيما سلف، { وسيرى ~~الله عملكم ورسوله } ، في المستأنف أتتوبون من نفاقكم أم ~~تقيمون عليه؟ { ثم تردون إلى علم الغيب ~~والشهدة فينبئكم بما كنتم تعملون }. # { سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم } ، ~~إذا انصرفتم إليهم من غزوكم، { لتعرضوا عنهم } ، لتصفحوا عنهم ~~ولا تؤنبوهم، { فأعرضوا عنهم } ، فدعوهم وما اختاروا لأنفسهم ~~من النفاق، { إنهم رجس } نجس أي: إن عملهم قبيح، { ~~ومأواهم } ، في الآخرة، { جهنم جزآء ms1039 بما كانوا ~~يكسبون }. # قال ابن عباس: # " نزلت في جد بن قيس ومعتب بن قشير وأصحابهما وكانوا ثمانين رجلا من ~~المنافقين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة: " لا ~~تجالسوهم ولا تكلموهم ". # وقال مقاتل: نزلت في عبد الله بن أبي حلف للنبي صلى الله عليه وسلم ~~بالله الذي لا إله إلا هو لا يتخلف عنه بعدها، وطلب من النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن يرضى عنه، فأنزل الله عز وجل هذه الآية: ونزل: { ~~يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم ~~فإن الله لا يرضى عن القوم الفسقين }. ### || [9.97-99] # { الأعراب } ، أي: أهل البدو، { أشد كفرا ونفاقا } ، من ~~أهل الحضر، { وأجدر } ، أخلق وأحرى، { ألا يعلموا حدود ~~مآ أنزل الله على رسوله } ، وذلك لبعدهم عن سماع القرآن ~~ومعرفة السنن، { والله عليم } بما في قلوب خلقه، { حكيم } ، ~~فيما فرض من فرائضه. # { ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما }. قال عطاء: ~~لا يرجو على إعطائه ثوابا، ولا يخاف على إمساكه عقابا، إنما ينفق خوفا ~~أو رياء. والمغرم التزام مالا يلزم. { ويتربص } ، وينتظر، { ~~بكم الدوائر } يعني: صروف الزمان التي تأتي مرة بالخير ومرة ~~بالشر. وقال يمان بن رباب: يعني ينقلب الزمان عليكم فيموت الرسول ويظهر ~~المشركون، { عليهم دآئرة السوء } عليهم يدور البلاء والحزن، ~~ولا يرون في محمد ودينه إلا ما يسوءهم. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: { دآئرة السوء } هاهنا وفي سورة ~~الفتح، بضم السين، معناه: الضر والبلاء والمكروه. وقرأ الآخرون بفتح ~~السين على المصدر. وقيل: بالفتح الردة والفساد، وبالضم الضر والمكروه. # { والله سميع عليم }. نزلت في أعراب أسد وغطفان وتميم. ثم ~~استثنى فقال: # { ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر } ، ~~وقال مجاهد: هم بنو مقرن من مزينة. وقال الكلبي: أسلم وغفار ~~وجهينة. # أخبرنا أبو سعيد أحمد بن عبدالله الطاهري، أنبأنا جدي عبدالصمد بن ~~عبدالرحمن البزاز، أنبأنا أبو بكر محمد بن زكريا العذافري، أنبأنا إسحاق ~~بن إبراهيم الدبري، أنبأنا عبدالرزاق، حدثنا معمر، عن أيوب، عن ابن ~~سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ms1040 عليه وسلم: # " أسلم وغفار وشيء من جهينة ومزينة خير عند الله يوم القيامة ~~من تميم وأسد بن خزيمة وهوازن وغطفان ". # { ويتخذ ما ينفق قربت عند الله } ، القربات جمع ~~القربة، أي: يطلب القربة إلى الله تعالى، { وصلوت الرسول } ، ~~أي: دعاءه واستغفاره، قال عطاء: يرغبون في دعاء النبي صلى الله عليه ~~وسلم. { ألا إنها قربة لهم }. قرأ نافع برواية ورش " ~~قربة " بضم الراء، والباقون بسكونها. { سيدخلهم الله فى ~~رحمته } ، في جنته، { إن الله غفور رحيم }. ### || [9.100] # { والسبقون الأولون من المهجرين والأنصر ~~} الآية. قرأ يعقوب بالرفع عطفا على قوله: «والسابقون». # واختلفوا في السابقين الأولين، قال سعيد بن المسيب، وقتادة، وابن سيرين ~~وجماعة: هم الذين صلوا إلى القبلتين. # وقال عطاء بن أبي رباح: هم أهل بدر. # وقال الشعبي: هم الذين شهدوا بيعة الرضوان، وكانت بيعة الرضوان ~~بالحديبية. # واختلفوا في أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد امرأته ~~خديجة، مع اتفاقهم على أنها أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~فقال بعضهم: أول من آمن وصلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو قول ~~جابر، وبه قال مجاهد وابن إسحاق، أسلم وهو ابن عشر سنين. # وقال بعضهم: أول من آمن بعد خديجة أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وهو قول ~~ابن عباس وإبراهيم النخعي والشعبي. # وقال بعضهم: أول من أسلم زيد بن حارثة، وهو قول الزهري وعروة بن الزبير. # وكان إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يجمع بين هذه الأقوال فيقول: أول من أسلم ~~من الرجال أبو بكر رضي الله عنه، ومن النساء خديجة، ومن الصبيان علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه، ومن العبيد زيد بن حارثة. # قال ابن إسحاق: فلما أسلم أبو بكر رضي الله عنه أظهر إسلامه ودعا إلى ~~الله وإلى رسوله، وكان رجلا محببا سهلا وكان أنسب قريش وأعلمها بما ~~كان فيها، وكان تاجرا ذا خلق ومعروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه ~~لغير واحد من الأمر؛ لعلمه وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق ~~به من ms1041 قومه، فأسلم على يديه - فيما بلغني -: عثمان بن عفان، والزبير بن ~~العوام، وعبدالرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيدالله، فجاء ~~بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استجابوا له فأسلموا وصلوا، ~~فكان هؤلاء الثمانية النفر الذين سبقوا إلى الإسلام. ثم تتابع الناس في ~~الدخول إلى الإسلام، أما السابقون من الأنصار: فهم الذين بايعوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة، وكانوا ستة في العقبة الأولى، ~~وسبعين في الثانية، والذين آمنوا حين قدم عليهم أبو زرارة مصعب بن ~~عمير يعلمهم القرآن، فأسلم معهم خلق كثير وجماعة من النساء والصبيان. # قوله عز وجل: { والسبقون الأولون من المهجرين ~~} الذين هاجروا قومهم وعشيرتهم وفارقوا أوطانهم. { والأنصر } ~~أي: ومن الأنصار، وهم الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~أعدائه من أهل المدينة وآووا أصحابه، { والذين اتبعوهم ~~بإحسان }. قيل: بقية المهاجرين والأنصار سوى السابقين الأولين. # وقيل: هم الذين سلكوا سبيلهم في الإيمان والهجرة أو النصرة إلى يوم ~~القيامة. # وقال عطاء: هم الذين يذكرون المهاجرين والأنصار بالترحم والدعاء. # وقال أبو صخر حميد بن زياد: أتيت محمد بن كعب القرظي فقلت له: ما قولك ~~في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: جميع أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في الجنة محسنهم ومسيئهم، فقلت: من أين تقول هذا؟ فقال: ~~ياهذا اقرأ قول الله تعالى: { والسبقون الأولون من ~~المهجرين والأنصر } إلى أن قال: { رضى الله ~~عنهم ورضوا عنه } ، وقال: { والذين اتبعوهم ~~بإحسان } ، شرط في التابعين شريطة وهي أن يتبعوهم في أفعالهم الحسنة ~~دون السيئة. # قال أبو صخر: فكأني لم أقرأ هذه الآية قط. # روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل ~~أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه ". # ثم جمعهم الله عز وجل في الثواب فقال: { رضى الله عنهم ~~ورضوا عنه وأعد لهم جنت تجري تحتها ~~الأنهر } ، قرأ ابن كثير: (من تحتها الأنهار)، وكذلك هو في مصاحف ms1042 ~~أهل مكة، { خلدين فيهآ أبدا ذلك الفوز العظيم }. ### || [9.101] # قوله تعالى: { وممن حولكم من الأعراب منفقون } ، ~~وهم من مزينة وجهينة وأشجع وأسلم وغفار، كانت منازلهم حول المدينة، ~~يقول: من هؤلاء الأعراب منافقون، { ومن أهل المدينة } ، أي: ~~ومن أهل المدينة من الأوس والخزرج قوم منافقون، { مردوا على ~~النفاق } ، أي: مرنوا على النفاق، يقال: تمرد فلان على ربه أي: عتا ~~ومرد على معصيته. أي: مرن وثبت عليها واعتادها. ومنه: المريد والمارد. ~~وقال ابن إسحاق: لجوا فيه وأبوا غيره. # وقال ابن زيد: أقاموا عليه ولم يتوبوا. # { لا تعلمهم } ، أنت يا محمد، { نحن نعلمهم ~~سنعذبهم مرتين } ، اختلفوا في هذين العذابين. # قال الكلبي والسدي: # " قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا يوم الجمعة فقال: «اخرج يا ~~فلان فإنك منافق اخرج يا فلان. أخرج ناسا من المسجد وفضحهم، فهذا هو ~~العذاب الأول. والثاني: عذاب القبر» ". # وقال مجاهد: الأول: القتل والسبي، والثاني: عذاب القبر. عنه رواية أخرى: ~~عذبوا بالجوع مرتين. # وقال قتادة: الدبيلة في الدنيا وعذاب القبر. # وقال ابن زيد: الأولى المصائب في الأموال والأولاد في الدنيا، والأخرى ~~عذاب الآخرة. # وعن ابن عباس: الأولى إقامة الحدود عليهم، والأخرى عذاب القبر. # وقال ابن إسحاق: هو ما يدخل عليهم من غيظ الإسلام ودخولهم فيه من غير ~~حسبة ثم عذاب القبر. # وقيل: إحداهما ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند قبض أرواحهم، والأخرى ~~عذاب القبر. # وقيل: الأولى إحراق مسجدهم، مسجد الضرار، والأخرى إحراقهم بنار جهنم. { ~~ثم يردون إلى عذاب عظيم } ، أي: إلى عذاب جهنم يخلدون ~~فيه. ### || [9.102] # قوله تعالى: { وآخرون } ، أي: ومن أهل المدينة، أو: من الأعراب ~~آخرون، ولا يرجع هذا إلى المنافقين، { اعترفوا } ، أقروا، { ~~بذنوبهم خلطوا عملا صلحا } ، وهو إقرارهم بذنوبهم ~~وتوبتهم، { وآخر سيئا } ، أي: بعمل آخر سيء، وضع الواو موضع ~~الباء، كما يقال: خلطت الماء واللبن، أي: باللبن. # والعمل السيء هو تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # والعمل الصالح: هو ندامتهم وربطهم أنفسهم بالسواري وقيل: غزواتهم مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # { عسى الله أن يتوب عليهم إن ms1043 الله غفور رحيم ~~} ، # " نزلت هذه الآية في قوم تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~غزوة تبوك، ثم ندموا على ذلك، وقالوا: نكون في الظلال مع النساء، ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الجهاد واللأواء! فلما قرب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة قالوا والله لنوثقن ~~أنفسنا بالسواري فلا نطلقها حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~هو الذي يطلقنا، بعذرنا، فأوثقوا أنفسهم بسواري المسجد فلما رجع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مر بهم فرآهم، فقال: من هؤلاء؟ فقالوا هؤلاء ~~الذين تخلفوا عنك فعاهدوا الله عز وجل أن لا يطلقوا أنفسهم حتى ~~تكون أنت تطلقهم وترضى عنهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأنا ~~أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى أومر بإطلاقهم، رغبوا عني ~~وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين! فأنزل الله هذه الآية فأرسل إليهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأطلقهم وعذرهم، فلما أطلقوا قالوا: يا رسول ~~الله هذه أموالنا التي خلفتنا عنك فتصدق بها وطهرنا واستغفر لنا ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أمرت من آخذ من أموالكم شيئا» ~~" # ، فأنزل الله تعالى: { خذ من أمولهم صدقة } الآية. # واختلفوا في أعداد هؤلاء التائبين، فروي عن علي بن أبي طلحة عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما أنه قال: كانوا عشرة منهم أبو لبابة. وروى عطية ~~عنه: أنهم كانوا خمسة أحدهم أبو لبابة. وقال سعيد بن جبير وزيد بن أسلم: ~~كانوا ثمانية. وقال الضحاك وقتادة: كانوا سبعة. وقالوا جميعا: أحدهم أبو ~~لبابة. وقال قوم: نزلت في أبي لبابة خاصة. واختلفوا في ذنبه، قال مجاهد: ~~نزلت في أبي لبابة حين قال لقريظة: إن نزلتم على حكمه فهو الذبح وأشار ~~إلى حلقه. # وقال الزهري: نزلت في تخلفه عن غزوة تبوك فربط نفسه بسارية، وقال والله ~~لا أحل نفسي ولا أذوق طعاما ولا شرابا، حتى أموت أو يتوب الله ~~علي! فمكث سبعة أيام لا يذوق طعاما ولا شرابا حتى خر مغشيا عليه، ms1044 ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقيل له: قد تيب عليك!، فقال: والله لا ~~أحل نفسي حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلني، فجاء ~~النبي صلى الله عليه وسلم فحله بيده، ثم قال أبو لبابة: يا رسول الله ~~إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي ~~كله صدقة إلى الله وإلى رسوله، قال: يجزيك يا أبا لبابة الثلث. # قالوا جميعا: فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلث أموالهم، وترك ~~الثلثين، لأن الله تعالى قال: { خذ من أموالهم }. ### || [9.103] # { خذ من أمولهم } ، ولم يقل: خذ أموالهم. قال الحسن وقتادة: ~~هؤلاء سوى الثلاثة الذين خلفوا. # قوله تعالى: { خذ من أمولهم صدقة تطهرهم } ، بها ~~من ذنوبهم، { وتزكيهم بها } ، أي: ترفعهم من منازل المنافقين ~~إلى منازل المخلصين. وقيل: تنمي أموالهم، { وصل عليهم } ، أي: ~~ادع لهم واستغفر لهم. وقيل: هو قول الساعي [للمصدق] إذا أخذ الصدقة ~~منه: آجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت. والصلاة في ~~اللغة: الدعاء. { إن صلوتك } قرأ حمزة والكسائي: «صلاتك» على ~~التوحيد ونصب التاء هاهنا، وفي سورة هود: «أصلاتك» وفي سورة المؤمنين: ~~«على صلاتهم» [كلهن على التوحيد]، وافقهما حفص هاهنا وفي سورة هود. ~~وقرأ الآخرون بالجمع فيهن ويكسرون التاء هاهنا. # { سكن لهم } ، أي: إن دعاءك رحمة لهم، قاله ابن عباس. وقيل: ~~طمأنينة لهم، وسكون لهم، أن الله عز وجل قد قبل منهم. وقال أبو ~~عبيدة: تثبيت لقلوبهم. { والله سميع عليم }. # واختلفوا في وجوب الدعاء على الإمام عند أخذ الصدقة: فقال بعضهم: يجب. ~~وقال بعضهم: يستحب. وقال بعضهم: يجب في صدقة الفرض ويستحب في صدقة ~~التطوع. وقيل: يجب على الإمام ويستحب للفقير أن يدعو للمعطي. # أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا آدم بن أبي إياس، ~~حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة قال: سمعت عبدالله بن أبي أوفى - وكان من ~~أصحاب الشجرة قال: # " كان النبي صلى الله عليه ms1045 وسلم إذا أتاه قومه بصدقة قال: «اللهم ~~صل عليهم»، فأتاه أبي بصدقته فقال: «اللهم صل على آل أبي أوفى» ". # وقال ابن كيسان: ليس هذا في صدقة الفرض إنما هو صدقة كفارة اليمين. # وقال عكرمة: هي صدقة الفرض، فلما نزلت توبة هؤلاء قال الذين لم يتوبوا ~~من المتخلفين: هؤلاء كانوا معنا بالأمس لا يكلمون ولا ~~يجالسون، فما لهم؟ فقال تعالى: { ألم يعلموا أن الله ~~هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات }. ### || [9.104-106] # { ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن ~~عباده ويأخذ الصدقات } ، أي: يقبلها، { وأن الله ~~هو التواب الرحيم }. # أخبرنا عبدالوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبدالعزيز بن أحمد الخلال، ~~حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم، أنبأنا الربيع بن سليمان، أنبأنا ~~الشافعي، أنبأنا سفيان بن عيينة، عن ابن عجلان، عن سعيد بن يسار عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه. قال: # " سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: والذي نفسي بيده ما من عبد ~~يتصدق بصدقة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا طيبا ولا يصعد ~~إلى السماء إلا طيب إلا كأنما يضعها في يد الرحمن عز وجل فيربيها ~~له كما يربي أحدكم فلوه، حتى أن اللقمة لتأتي يوم القيامة ~~وإنها لمثل الجبل العظيم، ثم قرأ: { أن الله هو يقبل ~~التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات } ". # قوله تعالى: { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ~~ورسوله والمؤمنون وستردون إلى علم الغيب ~~والشهدة فينبئكم بما كنتم تعملون } ، قال ~~مجاهد: هذا وعيد لهم. قيل: رؤية النبي صلى الله عليه وسلم بإعلام الله ~~تعالى إياه، ورؤية المؤمنين بإيقاع المحبة في قلوبهم لأهل الصلاح، ~~والبغضة لأهل الفساد. # قوله تعالى: { وآخرون مرجون لأمر الله إما ~~يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم }. ~~قرأ أهل المدينة والكوفة غير أبي بكر: «مرجون» بغير همز، والآخرون: ~~بالهمز، والإرجاء: التأخير، مرجون: مؤخرون. لأمر الله: لحكم الله عز ~~وجل فيهم، وهم الثلاثة الذين تأتي قصتهم من بعد: كعب بن مالك، وهلال بن ~~أمية، ومرارة بن الربيع، لم يبالغوا في التوبة والاعتذار كما فعل ms1046 أبو ~~لبابة، وأصحابه، فوقفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسين ليلة ونهى ~~الناس عن مكالمتهم ومخالطتهم، حتى شقهم القلق وضاقت عليهم الأرض بما ~~رحبت، وكانوا من أهل بدر فجعل أناس يقولون: هلكوا، وآخرون يقولون: ~~عسى الله أن يغفر لهم، فصاروا مرجئين لأمر الله لا يدرون أيعذبهم ~~أم يرحمهم، حتى نزلت توبتهم بعد خمسين ليلة. ### || [9.107] # قوله تعالى: { والذين اتخذوا } ، قرأ: أهل المدينة والشام ~~«الذين» بلا واو، وكذلك هو في مصاحفهم، وقرأ الآخرون «والذين» بالواو. { ~~مسجدا ضرارا } ، نزلت هذه الآية في جماعة من المنافقين، بنو ~~مسجدا يضارون به مسجد قباء، وكانوا اثني عشر رجلا من أهل النفاق: ~~وديعة بن ثابت، وجذام بن خالد، ومن داره أخرج هذا المسجد، وثعلبة بن ~~حاطب، وجارية بن عامر، وابناه مجمع وزيد، ومعتب بن قشير، وعباد بن حنيف ~~أخو سهل بن حنيف، وأبو حبيبة بن الأزعر، ونبتل بن الحارث، وبجاد بن ~~عثمان، ورجل يقال له: بحزج، بنوا هذا المسجد ضرارا، يعني: مضارة ~~للمؤمنين، { وكفرا } ، بالله ورسوله، { وتفريقا بين ~~المؤمنين }؛ لأنهم كانوا جميعا يصلون في مسجد قباء، فبنوا مسجد ~~الضرار، ليصلي فيه بعضهم، فيؤدي ذلك إلى الإختلاف وافتراق الكلمة، ~~وكان يصلي بهم مجمع بن جارية. فلما فرغوا من بنائه أتوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا: يا رسول الله إنا قد بنينا ~~مسجدا لذي العلة والحاجة، والليلة المطيرة والليلة الشاتية، إنا نحب ~~أن تأتيا وتصلي بنا فيه وتدعو لنا بالبركة، فقال لهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «إني على جناح سفر، ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم ~~فصلينا لكم فيه». # { وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل } ، أي: ~~انتظارا وإعدادا لمن حارب الله ورسوله. يقال: أرصد له: إذا أعددت له. ~~وهو أبو عامر الراهب وكان أبو عامر هذا رجلا منهم، وهو أبو حنظلة غسيل ~~الملائكة، وكان قد ترهب في الجاهلية تنصر ولبس المسوح، فلما قدم ~~النبي صلى الله عليه وسلم المدينة قال له أبو عامر: ما هذا الذي جئت به؟ ms1047 ~~قال: جئت بالحنيفية دين إبراهيم، قال أبو عامر: فإنا عليها، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " «إنك لست عليها»، قال: بلى، ولكنك أدخلت في الحنيفية ما ليس منها، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما فعلت ولكني جئت بها بيضاء ناقية»، ~~فقال أبو عامر: أمات الله الكاذب منا طريدا وحيدا غريبا، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «آمين» " # وسماه أبا عامر الفاسق. # فلما كان يوم أحد قال أبو عامر لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أجد ~~قوما يقاتلونك إلا قاتلتك معهم، فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين، فلما ~~انهزمت هوازن يئس وخرج هاربا إلى الشام فأرسل إلى المنافقين أن استعدوا ~~بما استطعتم من قوة ومن سلاح، وابنوا لي مسجدا فأنا ذاهب إلى قيصر ~~ملك الروم فآت بجند من الروم، فأخرج محمدا وأصحابه، فبنوا مسجد ~~الضرار إلى جنب مسجد قباء، فذلك قوله تعالى: { وإرصادا لمن ~~حارب الله ورسوله } ، وهو أبو عامر الفاسق، ليصلي فيه إذا رجع ~~من الشام. # قوله: { من قبل } يرجع إلى أبي عامر يعني حارب الله ورسوله من قبل ~~أي: من قبل بناء مسجد الضرار. # { وليحلفن إن أردنا } ، ما أردنا ببنائه، { إلا ~~الحسنى } ، إلا الفعلة الحسنى وهو الرفق بالمسلمين والتوسعة على أهل ~~الضعف والعجز عن المسير إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. # { والله يشهد إنهم لكذبون } ، في قولهم وحلفهم. ~~روي أنه # " لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك ونزل بذي أوان موضع ~~قريب من المدينة أتوه فسألوه إتيان مسجدهم فدعا بقميصه ليلبسه ويأتيهم، ~~فنزل عليه القرآن وأخبره الله تعالى خبر مسجد الضرار وما هموا به، فدعا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم، ومعن بن عدي، وعامر بن ~~السكن، ووحشيا قاتل حمزة، وقال لهم: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم ~~أهله، فاهدموه واحرقوه، فخرجوا سريعا حتى أتوا بني سالم بن عوف وهم ~~رهط مالك بن الدخشم، فقال مالك: أنظروني حتى أخرج إليكم بنار من ~~أهلي، فدخل أهله فأخذ سعفا من النخل وأشعل ms1048 فيه نارا، ثم خرجوا ~~يشتدون حتى دخلوا المسجد وفيه أهله فحرقوه وهدموه وتفرق عنه أهله، وأمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ ذلك كناسة تلقى فيه الجيف والنتن ~~والقمامة. ومات أبو عامر الراهب بالشام وحيدا فريدا غريبا ". # وروي أن بني عمرو بن عوف الذين بنوا مسجد قباء، أتوا عمر بن الخطاب في ~~خلافته ليأذن لمجمع ابن حارثة فيؤمهم في مسجدهم، فقال: لا، ولا نعمت عين، ~~أليس بإمام مسجد الضرار؟ فقال له مجمع: يا أمير المؤمنين: لا تعجل علي، ~~فوالله لقد صليت فيه وأني لا أعلم ما أضمروا عليه، ولو علمت ما صليت ~~معهم فيه، كنت غلاما قارئا للقرآن، وكانوا شيوخا لا يقرؤون القرآن ~~فصليت ولا أحسب إلا أنهم يتقربون إلى الله تعالى، ولم أعلم ما في أنفسهم ~~فعذره عمر وصدقه وأمره بالصلاة في مسجد قباء. وقال عطاء: لما فتح الله ~~على عمر الأمصار أمر المسلمين أن يبنوا المساجد، وأمرهم أن لا يبنوا في ~~مدينتهم مسجدين يضار أحدهما صاحبه. ### || [9.108] # قوله تعالى: { لا تقم فيه أبدا } ، قال ابن عباس: «لا تصل ~~فيه» منع الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصلي في مسجد ~~الضرار. { لمسجد أسس على التقوى } ، اللام لام ~~الابتداء، وقيل: لام القسم، تقديره: والله لمسجد أسس، أي: بني أصله ~~على التقوى، { من أول يوم } ، أي: من أول يوم بني ووضع أساسه، ~~{ أحق أن تقوم فيه } ، مصليا. # واختلفوا في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال ابن عمر، وزيد بن ثابت، ~~وأبو سعيد الخدري: هو مسجد المدينة، مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، ~~والدليل عليه. # ما أخبرنا إسماعيل بن عبدالقاهر، أنبأنا عبد الغافر بن محمد، حدثنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، ~~حدثنا محمد بن حاتم، حدثنا يحيى بن سعيد، عن حميد الخراط قال: # " سمعت أبا سلمة عبد الرحمن قال: مر بي عبدالرحمن بن أبي سعيد، قال: ~~فقلت له: كيف سمعت أباك يذكر في المسجد الذي أسس على التقوى؟ فقال: قال ms1049 ~~أبي: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت بعض نسائه فقلت: يا ~~رسول الله أي المسجدين الذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفا من حصباء ~~فضرب به الأرض، ثم قال: هو مسجدكم هذا، مسجد المدينة، قال: فقلت: أشهد ~~أني سمعت أباك هكذا يذكره " # وأخبرنا أبو الحسن الشيرزي، أنبأنا زاهر بن أحمد، أنبأنا أبو إسحاق ~~الهاشمي، أنبأنا أبو مصعب، عن مالك عن خبيب بن عبدالرحمن، عن حفص بن ~~عاصم، عن أبي هريرة. # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما بين بيتي ومنبري روضة من ~~رياض الجنة، ومنبري على حوضي» ". # وذهب قوم إلى أنه مسجد قباء، وهو رواية عطية عن ابن عباس، وهو قول عروة ~~بن الزبير وسعيد ابن جبير وقتادة: # أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا ~~عبدالعزيز بن مسلم، عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر ضي الله عنهما قال: ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي مسجد قباء كل سبت ماشيا وراكبا، ~~وكان عبدالله بن عمر يفعله. # وزاد نافع عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيصلي فيه ~~ركعتين. # قوله تعالى: { فيه رجال يحبون أن يتطهروا } ، من ~~الأحداث والجنابات والنجاسات. وقال عطاء: كانوا يستنجون بالماء ولا ~~ينامون بالليل على الجنابة. # أخبرنا أبو طاهر عمر ابن عبد العزيز القاشاني، أنبأنا أبو عمر القاسم بن ~~جعفر بن عبدالواحد الهاشمي، أنبأنا أبو علي محمد ابن أحمد بن عمرو ~~اللؤلؤي، حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، أخبرنا محمد بن ~~العلاء، حدثنا معاوية بن هشام، عن يونس بن الحارث، عن إبراهيم بن أبي ~~ميمونة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " نزلت هذه الآية في أهل قباء " # { فيه رجال يحبون أن يتطهروا } ، قال: # " كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية " # ، { والله يحب المطهرين } ، أي: المتطهرين. ### || [9.109] # { أفمن أسس بنيانه } قرأ نافع وابن عامر «أسس» ms1050 بضم ~~الهمزة وكسر السين، «بنيانه» برفع النون فيها جميعا على غير تسمية ~~الفاعل. وقرأ الآخرون: «أسس» بفتح الهمزة والسين، «بنيانه»: بنصب ~~النون، على تسمية الفاعل. { على تقوى من الله ورضوان ~~خير } ، أي: على طلب التقوى ورضا الله تعالى خير، { أم من ~~أسس بنيانه على شفا }: على شفير، { جرف }؟ قرأ أبو عمرو ~~وحمزة وأبو بكر «جرف» ساكنة الراء، وقرأ الباقون بضم الراء وهما لغتان، ~~وهي البئر التي لم تطو. قال أبو عبيدة: هو الهوة وما يجرفه السيل من ~~الأودية فينجرف بالماء فيبقى واهيا، { هار } ، أي: هائر وهو الساقط ~~يقال: هار يهور فهو هائر، ثم يقلب فيقال: هار مثل شاك وشائك وعاق وعائق. ~~وقيل: هو من هار يهار: إذا انهدم، ومعناه: الساقط الذي يتداعى بعضه في ~~إثر بعض كما ينهار الرمل والشيء الرخو. { فانهار به } ، أي: سقط ~~بالباني { فى نار جهنم } ، يريد بناء هذا المسجد الضرار كالبناء ~~على شفير جهنم فيهور بأهلها فيها. قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد ~~صيرهم النفاق إلى النار. # { والله لا يهدى القوم الظلمين } ، قال قتادة: والله ~~ما تناهى أن وقع في النار، وذكر لنا أنه حفرت بقعة فيه، فرؤي الدخان ~~يخرج منها. وقال جابر بن عبدالله: رأيت الدخان يخرج من مسجد الضرار. ### || [9.110-111] # { لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة } ، أي: شكا ~~ونفاقا، { في قلوبهم } ، يحسبون أنهم كانوا في بنيانه محسنين كما ~~حبب العجل إلى قوم موسى. قاله ابن عباس رضي الله عنهما. وقال الكلبي: ~~حسرة وندامة لأنهم ندموا على بنائه. وقال السدي: لا يزال هدم بنائهم ريبة ~~وحزازة وغيظا في قلوبهم. # { إلا أن تقطع قلوبهم } ، أي: تتصدع قلوبهم فيموتوا. ~~وقرأ ابن عامر، وأبو جعفر، وحمزة وحفص: " تقطع " بفتح التاء أي: تتقطع. ~~والآخرون بضمها. وقرأ يعقوب وحده «إلى أن» خفيف، على الغاية، " تقطع ~~" بضم التاء، خفيف، من القطع يدل على تفسير الضحاك وقتادة: لا يزالون ~~في شك منه إلى أن يموتوا فيستيقنوا، { والله عليم حكيم }. # قوله تعالى: { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأمولهم }. الآية. # " قال محمد ms1051 بن كعب القرظي: لما بايعت الأنصار رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم العقبة بمكة وهم سبعون نفسا، قال عبدالله بن رواحة: يارسول الله ~~اشترط لربك ولنفسك ما شئت. # فقال: أشترط لربي عز وجل: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط ~~لنفسي، أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم. # قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ # قال: الجنة، قالوا: ربح البيع لانقيل ولا نستقيل، فنزلت: { إن ~~الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأمولهم ~~بأن لهم الجنة } ". # وقرأ الأعمش «بالجنة». # { يقتلون فى سبيل الله فيقتلون ويقتلون } ، ~~قرأ حمزة والكسائي: «فيقتلون» بتقديم المفعول يقتل بعضهم بعضا، ~~ويقتل الباقون. وقرأ الآخرون بتقديم الفاعل. { وعدا عليه حقا } ~~أي: ثواب الجنة لهم وعد وحق { في التوراة والإنجيل ~~والقرآن } ، يعني: أن الله عز وجل وعدهم هذا الوعد وبينه في ~~هذه الكتب، وفيه دليل على أن أهل الملل كلهم أمروا بالجهاد على ثواب ~~الجنة، ثم هنأهم فقال: { ومن أوفى بعهده من الله ~~فاستبشروا } ، فافرحوا { ببيعكم الذى بايعتم به ~~وذلك هو الفوز العظيم } ، قال عمر رضي الله عنه: إن الله ~~عز وجل بايعك وجعل الصفقتين لك. # وقال قتادة: ثامنهم الله عز وجل فأغلى لهم. # وقال الحسن: اسعوا إلى بيعة ربيحة بايع الله بها كل مؤمن. وعنه أنه قال: ~~إن الله أعطاك الدنيا فاشتر الجنة ببعضها ### || [9.112] # ثم وصفهم فقال: { التائبون } ، قال الفراء: استؤنفت بالرفع ~~لتمام الآية وانقطاع الكلام. وقال الزجاج: التائبون رفع للابتداء، ~~وخبره مضمر. المعنى: التائبون - إلى آخر الآية - لهم الجنة أيضا، أي: لم ~~يجاهد غير معاند ولا قاصد لترك الجهاد، لأن بعض المسلمين يجزي عن بعض ~~في الجهاد، فمن كانت هذه صفته فله الجنة أيضا، وهذا أحسن، فكأنه وعد ~~الجنة لجميع المؤمنين، كما قال: # وكلا وعد الله الحسنى # [النساء: 95]، فمن جعله تابعا للأول فلهم الوعد بالجنة خاصا للمجاهدين ~~الموصوفين بهذه الصفة. # قوله: { التائبون } ، أي: الذين تابوا من الشرك وبرؤوا من النفاق، ~~{ العابدون } المطيعون الذين أخلصوا العبادة لله عز وجل { ~~الحامدون } ، الذين يحمدون الله على كل حال في السراء والضراء. ms1052 # وروينا عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " أول من يدعى إلى الجنة يوم القيامة الذين يحمدون الله في السراء ~~والضراء " # { السائحون } ، قال ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما: هم ~~الصائمون. # وقال سفيان بن عيينة: إنما سمي الصائم سائحا لتركه اللذات كلها من ~~المطعم والمشرب والنكاح. # وقال عطاء: السائحون الغزاة المجاهدون في سبيل الله. روي # " عن عثمان بن مظعون، رضي الله عنه، أنه قال: يا رسول الله ائذن لي في ~~السياحة، فقال: «إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله» ". # وقال عكرمة: السائحون هم طلبة العلم. # { الراكعون الساجدون } ، يعني المصلين، { الآمرون ~~بالمعروف } ، بالإيمان، { والناهون عن المنكر } عن ~~الشرك. وقيل: المعروف السنة والمنكر البدعة. { والحافظون لحدود ~~الله } ، القائمون بأوامر الله. وقال الحسن: أهل الوفاء ببيعة الله. { ~~وبشر المؤمنين }. ### || [9.113] # { ما كان للنبى والذين آمنوا أن يستغفروا ~~للمشركين } ، اختلفوا في سبب نزول هذه الآية. # فقال قوم: سبب نزولها، ما أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد ~~بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا ~~أبو اليمان، أنبأنا شعيب، عن الزهري، حدثني سعيد بن المسيب عن أبيه، ~~قال: # " لما حضرت أبا طالب الوفاة جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد ~~عنده أبا جهل، وعبدالله بن أبي أمية بن المغيرة. فقال: أي عم قل: لا ~~إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله. فقال أبو جهل، وعبدالله بن ~~أبي أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعيدان بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب ~~آخر ما كلمهم: على ملة عبدالمطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله لأستغفرن لك ما لم أنه ~~عنك، فأنزل الله تعالى: { ما كان للنبى والذين آمنوا ~~أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى ~~من بعد ما تبين لهم أنهم أصحب الجحيم } ~~وأنزل في أبي طالب: { إنك لا تهدى من أحببت ms1053 ولكن ~~الله يهدى من يشآء } ". # أخبرنا إسماعيل بن عبدالقاهر، أنبأنا عبدالغافر بن محمد، أنبأنا محمد بن ~~عيسى، حدثنا إبراهيم بن محمد بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، ~~حدثني محمد بن حاتم بن ميمون، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا يزيد بن كيسان، ~~حدثني أبو حازم الأشجعي، عن أبي هريرة قال: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه: " قل لا إله إلا الله أشهد ~~لك بها يوم القيامة " فقال: لولا أن تعيرني قريش، فيقولون: إنما ~~حمله على ذلك الجزع، لأقررت بها عينك، فأنزل الله عز وجل: { ~~إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من ~~يشآء } ". # أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبدالله النعيمي، ~~أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد ابن إسماعيل ثنا عبدالله بن يوسف حدثني ~~الليث حدثني يزيد بن الهاد عن عبدالله بن خباب عن أبي سعيد الخدري رضي ~~الله عنه: # " أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر عنده عمه: فقال: " ~~لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من النار ~~يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه ". # وقال أبو هريرة وبريدة: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة أتى ~~قبر أمه آمنة فوقف عليه حتى حميت الشمس رجاء أن يؤذن له فيستغفر لها، ~~فنزلت: { ما كان للنبى والذين آمنوا أن ~~يستغفروا للمشركين } الآية. # أخبرنا إسماعيل بن عبدالقاهر، حدثنا عبدالغافر بن محمد، حدثنا محمد بن ~~عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، ~~حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، أنبأنا محمد بن عبيد، عن يزيد بن كيسان، عن ~~أبي حازم، عن أبي هريرة قال: # " زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال: ~~«استأذنت ربي عز وجل في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي واستأذنته في أن ~~أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور، فإنها تذكر الموت» ". # قال قتادة: # " قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لأستغفرن لأبي. كما استعفر ~~إبراهيم لأبيه»، فأنزل الله تعالى هذه الآية: { ما ms1054 كان للنبي ~~والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو ~~كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم ~~أصحاب الجحيم } ". ### || [9.114] # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لما أنزل الله عز وجل خبرا عن ~~إبراهيم عليه السلام قال لأبيه: { سلم عليك سأستغفر لك ~~ربي } سمعت رجلا يستغفر لوالديه وهما مشركان، فقلت له: تستغفر لهما ~~وهما مشركان؟ فقال: أو لم يستغفر إبراهيم لأبيه؟ فأتيت النبي صلى الله ~~عليه وسلم فذكرت ذلك له فأنزل الله عز وجل: { قد كانت لكم ~~أسوة حسنة فى إبرهيم } ، إلى قوله: # إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك # [الممتحنة: 4]. # قوله تعالى: { وما كان استغفار إبرهيم لأبيه إلا ~~عن موعدة وعدهآ إياه } ، قال بعضهم: الهاء في إياه عائدة ~~إلى إبراهيم عليه السلام. والوعد كان من أبيه، وذلك أن أباه كان وعده أن ~~يسلم، فقال له إبراهيم سأستغفر لك ربي يعني إذا أسلمت. # وقال بعضهم: الهاء راجعة إلى الأب، وذلك أن إبراهيم وعد أباه أن يستغفر ~~له رجاء إسلامه. وهو قوله: { سأستغفر لك ربي }. يدل عليه ~~«وعدها أباه»، بالباء الموحدة. # والدليل على أن الوعد من إبراهيم، وكان الاستغفار في حال شرك الأب، قوله ~~تعالى: { قد كانت لكم أسوة حسنة فى إبرهيم } ، ~~إلى أن قال: # إلا قول إبرهيم لأبيه لأستغفرن لك # [الممتحنة: 4] فصرح أن إبراهيم ليس بقدوة في هذا الاستغفار، وإنما ~~استغفر له وهو مشرك لمكان الوعد رجاء أن يسلم. # { فلما تبين له أنه عدو لله } ، لموته على ~~الكفر، { تبرأ منه } ، وقيل: فلما تبين له في الآخرة أنه عدو لله ~~تبرأ منه، أي: يتبرأ منه، وذلك ما: # أخبرنا عبد الواحدالمليحي، أنبأنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أنبأنا محمد ~~بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا إسماعيل بن عبدالله، حدثني أخي ~~عبدالحميد عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري عن أبي هريرة # " عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يلقى إبراهيم أباه آزر يوم ~~القيامة، وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا ~~تعصني؟! فيقول له أبوه: فاليوم ms1055 لا أعصيك، فيقول إبراهيم عليه السلام: ~~يارب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى ~~من أبى الأبعد؟ فيقول الله تعالى إني حرمت الجنة على ~~الكافرين. ثم يقال يا إبراهيم: ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا هو بذبح ~~ملتطخ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار»، وفي رواية: فيتبرأ ~~منه يومئذ ". # قوله تعالى: { إن إبرهيم لأواه حليم } ، واختلفوا في ~~معنى الأواه، جاء في الحديث: # " إن الأواه الخاشع المتضرع ". # وقال عبد الله بن مسعود: الأواه الدعاء. # وعن ابن عباس قال: هو المؤمن التواب. # وقال الحسن وقتادة: الأواه الرحيم بعباد الله. # وقال مجاهد: الأواه الموقن. # وقال عكرمة: هو المستيقن بلغة الحبشة. # وقال كعب الأحبار: هو الذي يكثر التأوه، وكان إبراهيم عليه السلام يكثر ~~أن يقول: أه من النار، قبل أن لا ينفع آه. # وقيل: هو الذي يتأوه من الذنوب. # وقال عقبة بن عامر: الأواه الكثير الذكر لله تعالى. # وعن سعيد بن جبير قال: الأواه المسبح. وروي عنه: الأواه: المعلم ~~للخير. # وقال النخعي: هو الفقيه. # وقال عطاء: هو الراجع عن كل ما يكره الله. وقال أيضا: هو الخائف من ~~النار. # وقال أبو عبيدة: هو المتأوه شفقا وفرقا المتضرع يقينا. يريد أن ~~يكون تضرعه يقينا ولزوما للطاعة. # قال الزجاج: قد انتظم في قول أبي عبيدة أكثر ما قيل في الأواه. # وأصله من التأوه وهو أن يسمع للصدر صوت من تنفس الصعداء، والفعل منه ~~أوه وتأوه، والحليم الصفوح عمن سبه أو ناله بالمكروه، كما قال لأبيه ~~عند وعيده، وقوله: # لئن لم تنته لأرجمنك واهجرنى مليا قال ~~سلم عليك سأستغفر لك ربي # [مريم: 46 47]. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: الحليم السيد. ### || [9.115] # قوله تعالى: { وما كان الله ليضل قوما بعد إذ ~~هداهم } الآية. # معناه: ما كان الله ليحكم عليكم بالضلالة بترك الأوامر وباستغفاركم ~~للمشركين، { حتى يبين لهم ما يتقون } ، يريد حتى يتقدم ~~إليكم بالنهي، فإذا تبين ولم تأخذوا به فعند ذلك تستحقون الضلال. # وقال مجاهد: بيان الله للمؤمنين في ترك الاستغفار للمشركين خاصة، ~~وبيانه ms1056 لهم في معصيته وطاعته عامة، فافعلوا أو ذروا. # وقال الضحاك: ما كان الله ليعذب قوما حتى يبين لهم ما يأتون وما ~~يذرون. # وقال مقاتل والكلبي: هذا في المنسوخ وذلك أن قوما قدموا على النبي صلى ~~الله عليه وسلم فأسلموا، ولم تكن الخمر حراما، ولا القبلة مصروفة إلى ~~الكعبة، فرجعوا إلى قومهم وهم على ذلك ثم حرمت الخمر وصرفت القبلة، ولا ~~علم لهم بذلك، ثم قدموا بعد ذلك المدينة فوجدوا الخمر قد حرمت والقبلة ~~قد صرفت، فقالوا: يارسول الله قد كنت على دين ونحن على غيره فنحن ~~ضلال؟ فأنزل الله تعالى: { وما كان الله ليضل قوما ~~بعد إذ هداهم }. يعني: ما كان الله ليبطل عمل قوم قد علموا ~~بالمنسوخ حتى يتبين لهم الناسخ. { إن الله بكل شيء عليم ~~} ، ثم عظم نفسه، فقال: { إن الله له ملك السماوات ~~والأرض }. ### || [9.116-117] # { إن الله له ملك السماوات والأرض } ، يحكم بما ~~يشاء، { يحيي ويميت وما لكم من دون الله من ولي ~~ولا نصير }. # قوله عز وجل: { لقد تاب الله على النبى } الآية، ~~تاب الله أي: تجاوز وصفح. ومعنى توبته على النبي صلى الله عليه وسلم ~~بإذنه للمنافقين بالتخلف عنه. وقيل: افتتح الكلام به لأنه كان سبب ~~توبتهم، فذكره معهم، كقوله تعالى: # فأن لله خمسه وللرسول # [الأنفال: 41]، ونحوه. { والمهجرين والأنصر الذين ~~اتبعوه فى ساعة العسرة } ، أي: في وقت العسرة، ولم يرد ~~ساعة بعينها، وكانت غزوة تبوك تسمى غزوة العسرة، والجيش يسمى جيش ~~العسرة. والعسرة: الشدة، وكانت عليهم عسرة في الظهر والزاد والماء. قال ~~الحسن: كان العشرة منهم يخرجون على بعير واحد يعتقبونه يركب الرجل ساعة ~~ثم ينزل فيركب صاحبه كذلك، وكان زادهم التمر المسوس والشعير المتغير، ~~وكان النفر منهم يخرجون ما معهم إلا التمرات بينهم، فإذا بلغ الجوع من ~~أحدهما أخذ التمرة فلاكها حتى يجد طعمها ثم يعطيها لصاحبه فيمصها، ثم ~~يشرب عليها جرعة من ماء كذلك حتى يأتي على آخرهم، ولا يبقى من التمرة إلا ~~النواة، فمضوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ms1057 تبوك على صدقهم ~~ويقينهم. # وقال عمر بن الخطاب: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في قيظ ~~شديد فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان ~~الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، وحتى إن ~~الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو ~~بكر الصديق: يارسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خيرا فادع الله ~~لنا.. قال: «أتحب ذلك»؟ قال: نعم، فرفع يديه فلم يرجعهما حتى قالت ~~السماء فأظلت ثم سكبت، فملؤوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جازت ~~العسكر. { من بعد ما كاد يزيغ } ، قرأ حمزة وحفص: «يزيغ» ~~بالياء لقوله: «كاد» ولم يقل: كادت. وقرأ الآخرون بالتاء. والزيغ: ~~الميل، أي: من بعد ما كاد تميل، { قلوب فريق منهم } ، أي: ~~قلوب بعضهم، ولم يرد الميل عن الدين، بل أراد الميل إلى التخلف ~~والانصراف للشدة التي عليهم. قال الكلبي: هم ناس بالتخلف ثم لحقوه. # { ثم تاب عليهم } ، فإن قيل: كيف أعاد ذكر التوبة وقد قال في ~~أول الآية: { لقد تاب الله على النبى }؟. # قيل: ذكر التوبة في أول الآية قبل ذكر الذنب، وهو محض الفضل من الله عز ~~وجل، فلما ذكر الذنب أعاد ذكر التوبة، والمراد منه قبولها. # { إنه بهم رءوف رحيم }. قال ابن عباس: من تاب الله عليه ~~لم يعذبه أبدا. # قوله عز وجل: { وعلى الثلاثة الذين خلفوا } ، أي: ~~خلفوا عن غزوة تبوك. # وقيل: خلفوا أي: أرجىء أمرهم، عن توبة أبي لبابة وأصحابه، وهؤلاء ~~الثلاثة هم: كعب بن مالك الشاعر، ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، كلهم ~~من الأنصار. # أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا ~~الليث عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عبدالرحم بن عبدالله بن كعب بن مالك أن ~~عبدالله بن كعب بن مالك وكان قائد كعب من بنيه حين عمي قال: سمعت ~~كعب ms1058 بن مالك يحدث حين تخلف عن [غزوة] تبوك، قال كعب: لم أتخلف عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك، غير ~~أني كنت تخلفت عن غزوة بدر، ولم يعاتب أحدا تخلف عنها، إنما خرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين ~~عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، ~~وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، وكان من خبري أني لم أكن قط أقوى ~~ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عندي قبله ~~راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ومفازا ~~وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم ~~بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير، ولا ~~يجمعهم كتاب حافظ يريد الديوان قال كعب: فما رجل يريد أن يتغيب إلا ~~ظن أن ذلك سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي من الله، وغزا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، فتجهز رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والمسلمون معه فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم ~~أقض شيئا، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه إذا أردت، فلم يزل يتمادى بي ~~الأمر حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا. فقلت: أتجهز بعده بيوم أو يومين ~~ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت ثم ~~رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل يتمادى بي حتى أسرعوا، أو تفارط ~~الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، ~~فكنت ms1059 إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفت ~~فيهم أحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق أو ~~رجلا ممن عذر الله من الضعفاء. # ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس ~~في القوم بتبوك: «ما فعل كعب بن مالك»؟ فقال رجل من بني سلمة: يارسول ~~الله حبسه برداه ونظره في عطفيه، فقال معاذ بن جبل: بئس ما ~~قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا، فسكت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. # قال كعب بن مالك: فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي، وطفقت ~~أتذكر الكذب وأقول: بماذا أخرج من سخطه غدا؟ واستعنت على ذلك بكل ذي ~~رأي من أهلي، فلما قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما ~~زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت ~~صدقه، وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما، وكان إذا قدم من ~~سفر بدأ بالمسجد، فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه ~~المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، ~~فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم، وبايعهم، واستغفر ~~لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فجئته فلما سلمت عليه تبسم تبسم ~~المغضب، ثم قال: تعال، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: «ما ~~خلفك ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟» فقلت: بلى يارسول الله، إني والله لو ~~جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، ولقد ~~أعطيت جدلا، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك حديث كذب ترضى به ~~عني ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي ~~فيه، إني لأرجو فيه عوف الله، لا والله ما كان لي من عذر، والله ما ~~كنت أقوى قط ولا أيسر مني حين تخلفت عنك. فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: أما هذا فقد صدق، فقم ms1060 حتى يقضي الله فيك. # فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي: والله ما ~~علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المخلفون، قد كان ~~كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوالله ما زالوا ~~يؤنبوني حتى أردت أن أرجع وأكذب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ ~~قالوا: نعم، رجلان مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقلت: من هما؟ ~~قالوا: مرارة بن الربيع العمري، وهلال ابن أمية الواقفي، فذكروا لي ~~رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة، حسنة فمضيت حين ذكروهما لي. # قال: ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها ~~الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت لي ~~في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، ~~فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب ~~القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في ~~الأسواق، ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم ~~عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد ~~السلام علي أم لا؟. # ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي ~~وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس مشيت ~~حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت ~~عليه فوالله ما رد علي السلام، فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل ~~تعلمني أحب الله ورسوله؟ فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له ~~فنشدته فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي، وتوليت حتى ~~تسورت الجدار. # قال: فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط الشام ممن قدم ~~بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس ~~يشيرون له نحوي، حتى إذا جاءني ms1061 دفع إلي كتابا من ملك غسان فقرأته فإذا ~~فيه: أما بعد: فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار ~~هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك، فقلت لما قرأته: وهذا ~~أيضا من البلاء، فتيممت به التنور فسجرته. حتى إذا مضت أربعون ليلة من ~~الخمسين إذا رسول لرسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال: إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت: أطلقها أم ماذا ~~أفعل؟ فقال: لا بل اعتزلها ولا تقربها، وأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك، فقلت ~~لامرأتي: إلحقي بأهلك وكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر. # قال كعب: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله فقالت: يارسول الله إن ~~هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه؟ قال: «لا، ولكن لا ~~يقربك»، قالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان ~~من أمره ما كان إلى يومه هذا. # قال كعب: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في امرأتك كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه، فقلت: والله لا أستأذن ~~فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يدريني ما يقول لي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب، فلبثت بعد ذلك عشر ليال ~~حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من ~~بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله فينا قد ضاقت علي نفسي ~~وضاقت علي الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ أوفى على جبل ~~سلع، يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر، فقال: فخررت لله ~~ساجدا وعرفت أنه قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة ~~الله علينا حين صلى صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي ~~مبشرون، وركض رجل إلى فرسا وسعى ms1062 ساع من أسلم فأوفى على الجبل ~~فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت ~~له ثوبي فكسوته إياهما ببشراه، ولله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ~~ثوبين فلبستهما وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلقاني ~~الناس فوجا فوجا يهنؤنني بالتوبة ويقولون لي: ليهنك توبة الله ~~عليك قال كعب: حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس ~~حوله الناس، فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني ~~وهنأني، والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره ولا أنساها لطلحة. # قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهو يبرق وجهه من السرور: «أبشر بخير يوم ~~مر عليك منذ ولدتك أمك»! قال: قلت: أمن عندك يارسول الله أم ~~من عند الله؟ قال: لا، بل من عند الله، وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، ~~فلما جلست بين يديه قلت: يارسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي ~~صدقة إلى الله وإلى رسوله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمسك ~~عليك بعض مالك فهو خير لك، قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر. # فقلت: يا رسول الله إنما نجاني الله بالصدق، وإن من توبتي ألا أحدث ~~إلا صدقا ما بقيت، فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق ~~الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلاني، ~~ووالله ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يوم ~~هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت. وأنزل الله على رسوله: ~~{ لقد تاب الله على النبى والمهجرين والأنصر ~~} ، إلى قوله: { وكونوا مع الصدقين }. # وروى إسحاق بن راشد عن الزهري بهذا الإسناد عن كعب، قال: نهى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن كلامي وكلام صاحبي، فلبثت كذلك حتى طال علي ~~الأمر، وما ms1063 من شيء أهم إلي من أن أموت ولا يصلي علي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأكون من الناس بتلك المنزلة، فلا يكلمني أحد منهم ولا ~~يصلي علي! وأنزل الله توبتنا على نبيه صلى الله عليه وسلم حين بقي الثلث ~~الأخير من الليل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند أم سلمة وكانت أم ~~سلمة محسنة في شأني، معينة في أمري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~" يا أم سلمة تيب على كعب " ، قالت: أفلا أرسل إليه فأبشره؟ قال: ~~إذا يحطمكم الناس، فيمنعونكم النوم سائر الليلة، حتى إذا صلى صلى ~~الله عليه وسلم صلى الفجر آذن بتوبة الله علينا. ### || [9.118-120] # قوله تعالى: { وعلى الثلثة الذين خلفوا حتى ~~إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت } ، اتسعت، { ~~وضاقت عليهم أنفسهم } ، غما وهما، { وظنوا } ، أي: ~~تيقنوا، { أن لا ملجأ من الله } ، لا مفزع من الله، { ~~إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا } ، أي: ليستقيموا ~~على التوبة فإن توبتهم قد سبقت. { إن الله هو التواب ~~الرحيم }. # { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع ~~الصادقين } ، قال نافع: مع محمد وأصحابه. وقال سعيد ابن جبير: مع ~~أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. وقال ابن جريج: مع المهاجرين، لقوله تعالى: ~~{ للفقرآء المهاجرين } إلى قوله # أولئك هم الصادقون # [الحشر: 8]. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: مع الذين صدقت نياتهم ~~واستقامت قلوبهم وأعمالهم وخرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~تبوك بإخلاص نية. وقيل: مع الذين صدقوا في الإعتراف بالذنب ولم يعتذروا ~~بالأعذار الكاذبة. # وكان ابن مسعود يقرأ: { وكونوا مع الصدقين } وقال ابن ~~مسعود: إن الكذب لا يصلح في جد ولا هزل، ولا أن يعد أحدكم صبيه ~~شيئا ثم لا ينجز له، اقرؤا إن شئتم وقرأ هذه الآية. # قوله تعالى: { ما كان لأهل المدينة } ظاهره خبر، ومعناه ~~نهي، كقوله تعالى: # وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله # [الأحزاب: 53] { ومن حولهم من الأعراب } ، سكان البوادي: ~~مزينة، وجهينة، وأشجع، وأسلم، وغفار. { أن يتخلفوا عن ~~رسول الله } ، إذا غزا. { ولا ms1064 يرغبوا } ، أي: ولا أن ~~يرغبوا، { بأنفسهم عن نفسه } ، في مصاحبته ومعاونته والجهاد ~~معه. وقال الحسن: لا يرغبوا بأنفسهم عن أن يصيبهم من الشدائد فيختاروا ~~الخفض والدعة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في مشقة السفر ومقاساة ~~التعب. { ذلك بأنهم لا يصيبهم } ، في سفرهم، { ظمأ } ~~، عطش، { ولا نصب } ، تعب، { ولا مخمصة } ، مجاعة، { في ~~سبيل الله ولا يطأون موطئا } ، أرضا، { يغيظ ~~الكفار } ، وطؤهم إياه، { ولا ينالون من عدو نيلا } ~~، أي: لا يصيبون من عدوهم قتلا أو أسرا أو غنيمة أو هزيمة، { إلا ~~كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين }. # أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أنبأنا محمد ~~بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا علي بن عبدالله، حدثنا الوليد بن ~~مسلم، حدثنا يزيد بن أبي مريم، حدثنا عباية ابن رفاعة قال: أدركني أبو ~~عبس وأنا ذاهب إلى الجمعة فقال: # " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من اغبرت قدماه في ~~سبيل الله حرمها الله على النار» ". # واختلفوا في حكم هذه الآية، قال قتادة: هذه خاصة لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، إذا غزا بنفسه لم يكن لأحد أن يتخلف عنه إلا بعذر، فأما ~~غيره من الأئمة والولاة فيجوز لمن شاء من المسلمين أن يتخلف عنه إذا لم ~~يكن بالمسلمين ضرورة. # وقال الوليد بن مسلم: سمعت الأوزاعي، وابن المبارك، وابن جابر، وعمر ~~بن عبد العزيز يقولون في هذه الآية: إنها لأول هذه الأمة وآخرها. # وقال ابن زيد: هذا حين كان أهل الإسلام قليلا، فلما كثروا نسخها الله ~~تعالى وأباح التخلف لمن يشاء، فقال: { وما كان المؤمنون ~~لينفروا كآفة }. ### || [9.121] # قوله تعالى: { ولا ينفقون نفقة } ، أي: في سبيل الله، { ~~صغيرة ولا كبيرة } ، ولو علاقة سوط، { ولا يقطعون ~~واديا } ، لا يجاوزون واديا في مسيرهم مقبلين أو مدبرين، { إلا ~~كتب لهم } ، يعني: آثارهم وخطاهم، { ليجزيهم الله ~~أحسن ما كانوا يعملون }. روي عن خريم بن فاتك قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من أنفق نفقة في سبيل الله ms1065 كتب له سبعمائة ضعف ". # أخبرنا إسماعيل بن عبدالقاهر، أخبرنا عبدالغافر بن محمد، بن عيسى ~~الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد ابن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا ~~إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أخبرنا جرير، عن الأعمش، عن أبي عمرو ~~الشيباني، عن أبي مسعود الأنصاري قال: # " جاء رجل بناقة مخطومة فقال: هذه في سبيل الله، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة» ". # أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد ~~بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو معمر، حدثنا عبدالوارث، حدثنا ~~الحسين حدثني يحيى بن أبي كثير حدثني أبو سلمة، حدثني بسر بن سعيد، ~~حدثني زيد بن خالد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيا في سبيل ~~الله في أهله بخير فقد غزا ". ### || [9.122] # قوله عز وجل: { وما كان المؤمنون لينفروا كآفة } ~~الآية. قال ابن عباس في رواية الكلبي: لما أنزل الله عز وجل عيوب ~~المنافقين في غزوة تبوك كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث السرايا فكان ~~المسلمون ينفرون جميعا إلى الغزو ويتركون النبي صلى الله عليه وسلم ~~وحده، فأنزل الله عز وجل هذه الآية. وهذا نفي بمعنى النهي. # قوله تعالى: { فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ~~} ، أي: فهلا خرج إلى الغزو من كل قبيلة جماعة [ويبقى مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم جماعة] { ليتفقهوا فى الدين } ، يعني ~~فرقة القاعدين، يتعلمون القرآن والسنن والفرائض والأحكام، فإذا رجعت ~~السرايا أخبروهم بما أنزل بعدهم، فتمكث السرايا يتعلمون ما نزل بعدهم، ~~وتبث سرايا أخر، فذلك قوله: { ولينذروا قومهم } ، وليعلموهم ~~بالقرآن ويخوفوهم به، { إذا رجعوا إليهم لعلهم ~~يحذرون } لا يعملون بخلافه. # وقال الحسن: هذا التفقه والإنذار راجع إلى الفرقة النافرة، ومعناه: ~~هلا نفر فرقة ليتفقهوا، أي: ليتبصروا بما يريهم الله من الظهور على ~~المشركين ونصرة الدين، ولينذروا قومهم من الكفار إذا رجعوا إليهم من ~~الجهاد فيخبروهم بنصر الله ms1066 ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لعلهم ~~يحذرون أن يعادوا النبي صلى الله عليه وسلم، فينزل بهم ما نزل ~~بأصحابهم من الكفار. # وقال الكلبي: لها وجه آخر وهو أن أحياء من بني أسد من خزيمة أصابتهم سنة ~~شديدة فأقبلوا بالذراري حتى نزلوا المدينة فأفسدوا طرقها بالعذرات ~~وأغلوا أسعارها فنزل قوله: { وما كان المؤمنون لينفروا ~~كآفة فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة } ، ~~أي: لم يكن لهم أن ينفروا كافة ولكن من كل قبيلة طائفة ليتفقهوا في ~~الدين. # وقال مجاهد: نزلت في ناس خرجوا في البوادي ابتغاء الخير من أهلها ~~فأصابوا منهم معروفا، ودعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى، فقال الناس ~~لهم: ما نراكم إلا وقد تركتم صاحبكم وجئتمونا، فوجدوا في أنفسهم من ذلك ~~حرجا، وأقبلوا كلهم من البادية حتى دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فأنزل الله هذه الآية، أي: هلا نفر من كل فرقة منهم طائة ليتفقهوا في ~~الدين ويستمعوا ما أنزل بعدهم ولينذروا قومهم، يعني: الناس كلهم إذا ~~رجعوا إليهم ويدعوهم إلى الله، لعلهم يحذرون بأس الله ونقمته، وقعدت ~~طائفة يبتغون الخير. # أخبرنا أبو عبدالله محمد بن الفضل الخرقي، أنبأنا أبو الحسن الطيسفوني، ~~حدثنا عبدالله بن عمر الجوهري، حدثنا أحمد ابن علي الكشميهني، حدثنا علي ~~بن حجر، حدثنا إسماعيل بن جعفر، حدثنا عبدالله بن سعيد بن أبي هند عن ~~أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ". # أخبرنا عبدالوهاب بن محمد الخطيب، حدثنا عبدالعزيز بن أحمد الخلال، ~~حدثنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أنبأنا سفيان، ~~عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " تجدون الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، فخيارهم في الجاهلية ~~خيارهم في الإسلام إذا فقهوا ". # والفقه: هو معرفة أحكام الدين، وهو ينقسم إلى فرض عين وفرض كفاية، ففرض ~~العين مثل: علم الطهارة، والصلاة، والصوم، فعلى كل مكلف معرفته. قال ms1067 ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " طلب العلم فريضة على كل مسلم " # وكذلك كل عبادة أوجبها الشرع على كل واحد، يجب عليه معرفة علمها، ~~علمها، مثل: علم الزكاة إن كان له مال، وعلم الحج إن وجب عليه. # وأما فرض الكفاية فهو: أن يتعلم حتى يبلغ درجة الاجتهاد ورتبة الفتيا، ~~فإذا قعد أهل بلد عن تعلمه عصوا جميعا، وإذا قام من كل بلد واحد ~~بتعلمه سقط الفرض عن الآخرين، وعليهم تقليده فيما يقع لهم من الحوادث، ~~روى أبو أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم ". # وعن ابن عباس رضي الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد ". # قال الشافعي: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة. ### || [9.123] # قوله عز وجل: { يأيها الذين آمنوا قاتلوا الذين ~~يلونكم من الكفار } الآية، أمروا بقتال الأقرب فالأقرب ~~إليهم في الدار والنسب، قال ابن عباس رضي الله عنهما مثل بني قريظة ~~والنضير وخيبر ونحوها. # وقيل: أراد بهم الروم لأنهم كانوا سكان الشام وكان الشام أقرب إلى ~~المدينة من العراق، { وليجدوا فيكم غلظة } ، شدة وحمية. ~~قال الحسن: صبرا على جهادهم، { واعلموا أن الله مع ~~المتقين } ، بالعون والنصرة. ### || [9.124-126] # قوله تعالى: { وإذا مآ أنزلت سورة فمنهم من يقول ~~أيكم زادته هذه إيمنا } ، يقينا. كان المنافقون ~~يقولون هذا استهزاء، قال الله تعالى: { فأما الذين آمنوا ~~فزادتهم إيمنا } يقينا وتصديقا، { وهم يستبشرون } ~~، يفرحون بنزول القرآن. # { وأما الذين فى قلوبهم مرض } ، شك ونفاق، { ~~فزادتهم رجسا إلى رجسهم } ، أي: كفرا إلى كفرهم فعند، ~~نزول كل سورة ينكرونها يزداد كفرهم بها. # قال مجاهد: هذه الآية إشارة إلى الإيمان يزيد وينقص. # وكان عمر: يأخذ بيد الرجل والرجلين من أصحابه فيقول: تعالوا حتى نزداد ~~إيمانا. # وقال علي بن أبي طالب: إن الإيمان يبدو لمظة بيضاء في القلب، فكلما ~~ازداد الإيمان عظما ازداد ذلك البياض حتى يبيض القلب كله، ~~وإن النفاق يبدو لمظة سوداء في القلب فكلما ms1068 ازداد النفاق ازداد ~~السواد حتى يسود القلب كله، وأيم الله لو شققتم عن قلب مؤمن ~~لوجدتموه أبيض ولو شققتم عن قلب منافق لوجدتموه أسود. # قوله: { وماتوا وهم كفرون }. # قوله: { أولا يرون } ، قرأ حمزة ويعقوب: «ترون» بالتاء على خطاب ~~والمؤمنين. وقرأ الآخرون بالياء، خبر عن المنافقين المذكورين. { ~~أنهم يفتنون } يبتلون { فى كل عام مرة أو ~~مرتين } ، بالأمراض والشدائد. وقال مجاهد: بالقحط والشدة. وقال ~~قتادة: بالغزو والجهاد. وقال مقاتل بن حيان: يفضحون بإظهار نفاقهم. وقال ~~عكرمة: ينافقون ثم يؤمنون ثم ينافقون. وقال يمان: ينقضون عهدهم في السنة ~~مرة أو مرتين. { ثم لا يتوبون } ، من نقض العهد ولا يرجعون إلى ~~الله من النفاق، { ولا هم يذكرون } ، أي: لا يتعظون بما يرون ~~من تصديق وعد الله بالنصر والظفر للمسلمين. ### || [9.127-129] # { وإذا مآ أنزلت سورة } ، فيها عيب المنافقين وتوبيخهم، { ~~نظر بعضهم إلى بعض } ، يريدون الهرب يقول بعضهم لبعض ~~إشارة، { هل يراكم من أحد } ، أي: أحد من المؤمنين، إن قمتم، ~~فإن لم يرهم أحد خرجوا من المسجد، وإن علموا أن أحدا يراهم أقاموا ~~وثبتوا، { ثم انصرفوا } ، عن الإيمان بها. وقيل: انصرفوا عن ~~مواضعهم التي يسمعون فيها، { صرف الله قلوبهم } ، عن الإيمان. ~~قال أبو إسحاق الزجاج: أضلهم الله مجازاة على فعلهم ذلك، { ~~بأنهم قوم لا يفقهون } ، عن الله دينه. قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: «لا تقولوا إذا صليتم: انصرفنا من الصلاة فإن قوما ~~انصرفوا فصرف الله قلوبهم، ولكن قولوا قد قضينا الصلاة» # قوله تعالى: { لقد جآءكم رسول من أنفسكم } تعرفون ~~نسبه وحسبه، قال السدي: من العرب، من بني إسماعيل. قال ابن عباس: ليس من ~~العرب قبيلة إلا وقد ولدت النبي صلى الله عليه وسلم، وله فيهم نسب. # وقال جعفر بن محمد الصادق: لم يصبه شيء من ولاد الجاهلية من زمان آدم ~~عليه السلام. # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا محمد بن أحمد بن إبراهيم ~~الثعلبي، أخبرنا عبدالله بن حامد، حدثنا حامد بن محمد، أخبرنا علي بن ~~عبدالعزيز، حدثنا محمد بن أبي نعيم، حدثنا هشيم، حدثني المدني ms1069 يعني: ~~أبا معشر عن أبي الحويرث، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " ما ولدني من سفاح أهل الجاهلية شيء، ما ولدني إلا نكاح كنكاح ~~الإسلام ". # وقرأ ابن عباس والزهري وابن محيصن «من أنفسكم» بفتح الفاء، أي: من ~~أشرفكم وأفضلكم. { عزيز عليه } ، شديد عليه، { ما عنتم } ، ~~قيل: " ما " صلة أي: عنتكم، وهو دخول المشقة والمضرة عليكم. وقال ~~القتيبي: ما أعنتكم وضركم. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ما ضللتم. # وقال الضحاك والكلبي: ما أتممتم. # { حريص عليكم } ، أي: على إيمانكم وصلاحكم. وقال قتادة: حريص ~~عليكم أي: على ضالكم أن يهديه الله، { بالمؤمنين رءوف ~~رحيم } ، قيل: رؤوف بالمطيعين رحيم بالمذنبين، { فإن تولوا } ~~، إن أعرضوا عن الإيمان وناصبوك الحرب { فقل حسبى الله لا ~~إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش ~~العظيم }. # روي عن أبي بن كعب قال: آخر ما نزل من القرآتان هاتان الآيتان: { ~~لقد جآءكم رسول من أنفسكم } إلى آخر السورة. وقال: هما ~~أحدث الآيات بالله عهدا. ### | [10 - سورة يونس] ### || [10.1] # { الر تلك آيت الكتب الحكيم } و«المر» قرأ أهل ~~الحجاز والشام وحفص: بفتح الراء فيهما. وقرأ الآخرون: بالإمالة. # قال ابن عباس والضحاك: «الر» أنا الله وأرى، و { المر } أنا الله أعلم ~~وأرى. # وقال سعيد بن جبير «الر» و «حم» و «ن» حروف اسم الرحمن، وقد سبق ~~الكلام في حروف التهجي. # { تلك آيت الكتب الحكيم } ، أي: هذا وأراد بالكتاب ~~الحكيم القرآن. وقيل: أراد بها الآيات التي أنزلها من قبل ذلك، ولذلك ~~قال: «تلك»، وتلك إشارة إلى غائب مؤنث، والحكيم: المحكم بالحلال والحرام، ~~والحدود والأحكام، فعيل بمعنى مفعل، بدليل قوله: # كتاب أحكمت آيته # [هود: 1]. # وقيل: هو بمعنى الحاكم، فعيل بمعنى فاعل، دليله قوله عز وجل: # وأنزل معهم الكتب بالحق ليحكم بين الناس # [البقرة: 213]. # وقيل: هو بمعنى المحكوم، فعيل بمعنى المفعول. قال الحسن: حكم فيه بالعدل ~~والإحسان وإيتاء ذي القربى، وبالنهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، وحكم ~~فيه بالجنة لمن أطاعه وبالنار لمن عصاه. ### || [10.2-3] # قوله تعالى: { أكان ms1070 للناس عجبا } العجب: حالة تعتري ~~الإنسان من رؤية شيء على خلاف العادة. # وسبب نزول الآية: أن الله عز وجل لما بعث محمدا صلى الله عليه وسلم ~~رسولا، قال المشركون: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا. فقال تعالى: { ~~أكان للناس } يعني: أهل مكة، والألف فيه للتوبيخ، { عجبا ~~أن أوحينآ إلى رجل منهم } ، يعني محمدا صلى الله عليه ~~وسلم، { أن أنذر الناس } ، أي: أعلمهم مع التخويف، { وبشر ~~الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم } ، ~~واختلفوا فيه: قال ابن عباس: أجرا حسنا بما قدموا من أعمالهم. قال ~~الضحاك: ثواب صدق. وقال الحسن: عمل صالح أسلفوه يقدمون عليه. وروى علي ~~ابن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال: هو السعادة في الذكر الأول. وقال زيد ~~بن أسلم: هو شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم. وقال عطاء: مقام صدق لا ~~زوال له، ولا بؤس فيه. وقيل: منزلة رفيعة. # وأضيف القدم إلى الصدق وهو نعته، كقولهم: مسجد الجامع، وحب الحصيد، وقال ~~أبو عبيدة: كل سابق في خير أو شر فهو عند العرب قدم، يقال: لفلان قدم في ~~الإسلام، وله عندي قدم صدق وقدم سوء، وهو يؤنث فيقال: قدم حسنة، وقدم ~~صالحة. { قال الكفرون إن هذا لسحر مبين }. قرأ ~~نافع وأهل البصرة والشام: «لسحر» بغير ألف يعنون القرآن، وقرأ ابن كثير ~~وأهل الكوفة: «لساحر» بالألف، يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم. # قوله عز وجل: { إن ربكم الله الذي خلق السماوات ~~والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ~~يدبر الأمر } ، يقضيه وحده، { ما من شفيع إلا من بعد ~~إذنه } ، معناه: أن الشفعاء لا يشفعون إلا بإذنه، وهذا رد على ~~النضر بن الحارث فإنه كان يقول: إذا كان يوم القيامة تشفعني اللات ~~والعزى. # قوله تعالى: { ذلكم الله ربكم } ، يعني: الذي فعل هذه ~~الأشياء ربكم لا رب لكم غيره، { فاعبدوه أفلا تذكرون } ، ~~تتعظون. ### || [10.4-5] # { إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا } ، صدقا لا ~~خلف فيه. نصب على المصدر، أي: وعدكم وعدا حقا { إنه يبدأ ~~الخلق ثم يعيده } ، أي: ms1071 يحييهم ابتداء ثم يميتهم ثم ~~يحييهم، قراءة العامة: { إنه } بكسر الألف على الاستئناف، وقرأ أبو جعفر ~~«أنه» بالفتح على معنى بأنه { ليجزى الذين آمنوا وعملوا ~~الصلحات بالقسط } ، بالعدل، { والذين كفروا لهم ~~شراب من حميم } ، ماء حار انتهى حره، { وعذاب أليم ~~بما كانوا يكفرون }. # { هو الذي جعل الشمس ضيآء } ، بالنهار، { والقمر ~~نورا } بالليل. وقيل: جعل الشمس ذات ضياء، والقمر ذا نور، { ~~وقدره منازل } أي: قدر له، يعني: هيأ له منازل لا يجاوزها ~~ولا يقصر دونها، ولم يقل: قدرهما. # قيل: تقدير المنازل ينصرف إليهما غير أنه اكتفى بذكر أحدهما، كما قال: # والله ورسوله أحق أن يرضوه # [التوبة: 62]. # وقيل: هو ينصرف إلى القمر خاصة لأن بالقمر يعرف به انقضاء الشهور ~~والسنين، لا بالشمس. ومنازل القمر ثمانية وعشرون منزلا، وأسماؤها: ~~الشرطين، والبطين، والثرياء، والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع، ~~والنسر، والطوف، والجبهة، والزبرة، والصرفة، والعواء، والسماك، والغفر، ~~والزباني، والإكليل، والقلب، والشولة، والنعايم، والبلدة، وسعد الذابح، ~~وسعد بلع، وسعد السعود، وسعد الأخبية، وفرع الدلو المقدم، وفرع الدلو ~~المؤخر، وبطن الحوت. # وهذه المنازل مقسومة على البروج، وهي اثنا عشر برجا: الحمل، والثور، ~~والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، ~~والجدي، والدلو، والحوت. # ولكل برج منزلان وثلث منزل، فينزل القمر كل ليلة منزلا منها، ويستتر ~~ليلتين إن كان الشهر ثلاثين، وإن كان تسعا وعشرين فليلة واحدة، فيكون ~~تلك المنازل ويكون مقام الشمس في كل منزلة ثلاثة عشر يوما، فيكون انقضاء ~~السنة من انقضائها. # قوله تعالى: { لتعلموا عدد السنين } ، أي: قدر المنازل. ~~«لتعلموا عدد السنين» دخولها وانقضاءها، { والحساب } ، يعني: حساب ~~الشهور والأيام والساعات. { ما خلق الله ذلك } رده إلى الخلق ~~والتقدير، ولولا رده إلى الأعيان المذكورة لقال: تلك. { إلا ~~بالحق } ، أي: لم يخلقه باطلا بل إظهارا لصنعه ودلالة على قدرته. ~~{ يفصل الآيت لقوم يعلمون } ، قرأ ابن كثير، وأبو ~~عمرو، وحفص ويعقوب: «يفصل» بالياء، لقوله: «ما خلق»، وقرأ الباقون: ~~«نفصل» بالنون على التعظيم. ### || [10.6-9] # { إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله ~~في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون } يؤمنون. # { إن الذين ms1072 لا يرجون لقآءنا } ، أي: لا يخافون عقابنا ~~ولا يرجون ثوابنا. والرجاء يكون بمعنى الخوف والطمع، { بالحياة ~~الدنيا } ، فاختارها وعملوا لها، { واطمأنوا بها }: وسكنوا ~~إليها. { والذين هم عن آيتنا غفلون } ، أي: عن ~~أدلتنا غافلون لا يعتبرون. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: عن آياتنا عن ~~محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن غافلون معرضون. # { أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون } ، من ~~الكفر والتكذيب. # قوله تعالى: { إن الذين آمنوا وعملوا الصلحات ~~يهديهم ربهم بإيمانهم } ، فيه إضمار، أي: يرشدهم ربهم ~~بإيمانهم إلى جنة، { تجرى من تحتهم الأنهر }. وقال مجاهد: ~~يهديهم على الصراط إلى الجنة، يجعل لهم نورا يمشون به. # وقيل: " يهديهم " معناه يثيبهم ويجزيهم. # وقيل: معناه بإيمانهم يهديهم ربهم لدينه، أي: بتصديقهم هداهم " تجري من ~~تحتهم الأنهار " أي: بين أيديهم، كقوله عز وجل: # قد جعل ربك تحتك سريا # [مريم: 24]، لم يرد به أنه تحتها وهي قاعدة عليه، بل أراد بين يديها. # وقيل: تجري من تحتهم أي: بأمرهم، { في جنت النعيم }. ### || [10.10-11] # { دعوهم } ، أي: قولهم وكلامهم. وقيل: دعاؤهم. { فيها ~~سبحنك اللهم } ، وهي كلمة تنزيه، تنزه الله من كل ~~سوء.وروينا: # " أن أهل الجنة يلهمون الحمد والتسبيح، كما يلهمون النفس ". # قال أهل التفسير: هذه الكلمة علامة بين أهل الجنة والخدم في الطعام، ~~فإذا أرادوا الطعام قالوا: سبحانك اللهم، فأتوهم في الوقت بما ~~يشتهون على الموائد، كل مائدة ميل في ميل، على كل مائدة سبعون ألف ~~صحفة، وفي كل صحفة لون من الطعام لا يشبه بعضها بعضا، فإذا فرغوا ~~من الطعام حمدوا الله، فذلك قوله تعالى: { وآخر دعواهم أن ~~الحمد لله رب العالمين }. # قوله تعالى: { وتحيتهم فيها سلام } أي: يحي بعضهم بعضا ~~بالسلام. وقيل: تحية الملائكة لهم بالسلام. # وقيل: تأتيهم الملائكة من عند ربهم بالسلام. # { وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين } ، ~~يريد: يفتتحون كلامهم بالتسبيح، ويختمونه بالتحميد. # قوله عز وجل: { ولو يعجل الله للناس الشر ~~استعجالهم بالخير } ، قال ابن عباس: هذا في قول الرجل عند ~~الغضب لأهله وولده: لعنكم الله، ولا بارك الله فيكم. قال قتادة: هو ms1073 دعاء ~~الرجل على نفسه وأهله وماله بما يكره أن يستجاب. معناه: لو يعجل الله ~~للناس إجابة دعائهم في الشر والمكروه استعجالهم بالخير، أي: كما يحبون ~~استعجالهم بالخير، { لقضى إليهم أجلهم } ، قرأ ابن عامر ~~ويعقوب: «لقضى» بفتح القاف والضاد، { أجلهم } نصب، أي: لأهلك من دعى ~~عليه وأماته. وقال الآخرون: «لقضي» بضم القاف وكسر الضاد «أجلهم» رفع، ~~أي: لفرغ من هلاكهم وماتوا جميعا. # وقيل: إنها نزلت في النضر بن الحارث حين قال: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء # الآية [الأنفال: 32] يدل عليه قوله عز وجل: { فنذر الذين لا ~~يرجون لقآءنا } ، لا يخافون البعث والحساب، { فى طغيانهم ~~يعمهون }. # أخبرنا أحمد ابن عبدالله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن ~~عبدالله بن بشران، حدثنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار، أنبأنا أحمد بن ~~منصور الزيادي، حدثنا عبدالرزاق، أنبأنا معمر، عن همام بن منبه، أنه ~~سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " اللهم إني اتخذت عندك عهدا لن تخلفنيه، فإنما أنا بشر ~~فيصدر مني ما يصدر من البشر، فأي المؤمنين آذيته، أو شتمته، أو جلدته، ~~أو لعنته فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة، تقربه بها إليك يوم القيامة ~~". ### || [10.12-13] # قوله تعالى: { وإذا مس الإنسن الضر } ، الجهد والشدة، ~~{ دعانا لجنبه } ، أي: على جنبه مضطجعا، { أو قاعدا أو ~~قآئما } ، يريد في جميع حالاته، لأن الإنسان لا يعدو إحدى هذه ~~الحالات. { فلما كشفنا } ، دفعنا { عنه ضره مر كأن ~~لم يدعنآ إلى ضر مسه } ، أي: استمر على طريقته الأولى ~~قبل أن يصيبه الضر، ونسي ما كان فيه من الجهد البلاء، كأنه لم يدعنا إلى ~~ضر مسه أي: لم يطلب منا كشف ضر مسه. { كذلك زين ~~للمسرفين } المجاوزين الحد في الكفر والمعصية، { ما كانوا ~~يعملون } ، من العصيان. قال ابن جريج: كذلك زين للمسرفين ما كانوا ~~يعملون من الدعاء عند البلاء وترك الشكر عند الرخاء. وقيل: معناه كما ~~زين لكم أعمالكم كذلك زين للمسرفين الذين كانوا من قبلكم أعمالهم. # قوله ms1074 عز وجل: { ولقد أهلكنا القرون من قبلكم ~~لما ظلموا } أشركوا، { وجآءتهم رسلهم بالبينت ~~وما كانوا ليؤمنوا كذلك } ، أي: كما أهلكناهم بكفرهم، { ~~نجزي } ، نعاقب ونهلك، { القوم المجرمين } ، الكافرين ~~بتكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم، يخوف كفار مكة بعذاب الأمم ~~الخالية المكذبة. ### || [10.14-16] # { ثم جعلناكم خلائف } ، أي: خلفاء، { في الأرض من ~~بعدهم } ، أي: من بعد القرون التي أهلكناهم، { لننظر كيف ~~تعملون } ، وهو أعلم بهم. وروينا عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ألا إن هذه الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها، ~~فناظر كيف تعملون ". # قوله عز وجل: { وإذا تتلى عليهم آيتنا بينات } ~~، قال قتادة: يعني مشركي مكة. وقال مقاتل: هم خمسة نفر: عبدالله بن أمية ~~المخزومي، والوليد بن المغيرة، ومكرز بن حفص، وعمرو بن عبدالله بن أبي ~~قيس العامري، والعاص بن عامر بن هشام. { قال الذين لا يرجون ~~لقآءنا } ، هم السابقون ذكرهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن ~~كنت تريد أن نؤمن بك { ائت بقرآن غير هذآ } ، ليس فيه ترك ~~عبادة اللات والعزى ومناة، وليس فيه عيبها، وإن لم ينزلها الله فقل ~~أنت من عندك نفسك، { أو بدله } ، فاجعل مكان آية عذاب آية رحمة، ~~أو مكان حراما حلالا، أو مكان حلال حراما، { قل } لهم يا محمد: { ~~ما يكون لى أن أبدله من تلقآء نفسى } ، من قبل ~~نفسي { إن أتبع إلا ما يوحى إلى } ، أي: ما أتبع إلا ~~ما يوحى إلي فيما آمركم به وأنهاكم عنه، { إنى أخاف إن ~~عصيت ربى عذاب يوم عظيم }. # { قل لو شآء الله ما تلوته عليكم } ، يعني: لو شاء ~~الله ما أنزل القرآن علي، { ولا أدراكم به } ، أي: ولا أعلمكم ~~الله. وقرأ البزي عن ابن كثير: «ولأدراكم به» بالقصر به على الإيجاب، ~~يريد: ولا علمكم به من غير قراءتي عليكم. وقرأ ابن عباس: «ولا أنذرتكم ~~به» من الانذار. { فقد لبثت فيكم عمرا } ، حينا وهو ~~أربعون سنة، { من قبله } ، من قبل نزول القرآن ولم آتكم بشيء، { ~~أفلا تعقلون } ، أنه ms1075 ليس من قبلي، ولبث النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيهم قبل الوحي أربعين سنة ثم أوحى الله إليه فأقام بمكة بعد الوحي ~~ثلاث عشرة سنة ثم هاجر فأقام بالمدينة عشر سنين وتوفي وهو ابن ثلاث وستين ~~سنة. # وروى أنس: أنه أقام بمكة بعد الوحي عشر سنين وبالمدينة عشر سنين، ~~وتوفي وهو ابن ستين سنة، والأول أشهر وأظهر. ### || [10.17-19] # قوله تعالى: { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ~~} ، فزعم أن له شريكا أو ولدا { أو كذب بآيته } ، بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم وبالقرآن، { إنه لا يفلح المجرمون } ، ~~لا ينجو المشركون. # { ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم } إن عصوه ~~وتركوا عبادته، { ولا ينفعهم } ، إن عبدوه، يعني: الأصنام، { ~~ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل ~~أتنبئون الله } ، أتخبرون الله، { بما لا يعلم } ، ~~الله صحته، ومعنى الآية: أتخبرون الله أن له شريكا، أو عنده ~~شفيعا بغير إذنه، ولا يعلم الله لنفسه شريكا؟! { في السماوات ~~ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون } ، قرأ ~~حمزة والكسائي: «تشركون» بالتاء، هاهنا وفي سورة النحل موضعين، وفي سورة ~~الروم، وقرأ الآخرون كلها بالياء. # قوله تعالى: { وما كان الناس إلا أمة واحدة } ، أي: ~~على الإسلام. وقد ذكرنا الاختلاف في سورة البقرة. { فاختلفوا } ، ~~وتفرقوا إلى مؤمن كافر، { ولولا كلمة سبقت من ربك } ، ~~بأن جعل لكل أمة أجلا. وقال الكلبي: هي إمهال هذه الأمة وأنه لا يهلكهم ~~بالعذاب في الدنيا، { لقضي بينهم } ، بنزول العذاب وتعجيل ~~العقوبة للمكذبين، وكان ذلك فصلا بينهم، { فيما فيه يختلفون } ~~، وقال الحسن: ولولا كلمة سبقت من ربك، مضت في حكمه أنه: يقضي بينهم فيما ~~اختلفوا فيه بالثواب والعقاب دون يوم القيامة، لقضي بينهم في الدنيا ~~فأدخل المؤمن الجنة والكافر النار، ولكنه سبق من الله الأجل فجعل موعدهم ~~يوم القيامة. ### || [10.20-22] # { ويقولون } ، يعني: أهل مكة، { لولا أنزل عليه } ، أي: ~~على محمد صلى الله عليه وسلم { آية من ربه } ، على ما نقترحه، { ~~فقل إنما الغيب لله } ، يعني: قل إنما سألتموني الغيب ~~وإنما الغيب لله، لا يعلم أحد لم لم يفعل ms1076 ذلك ولا يعلمه إلا هو. ~~وقيل: الغيب نزول الآية لا يعلم متى ينزل أحد غيره، { فانتظروا } ~~نزولها { إني معكم من المنتظرين } ، وقيل: فانتظروا قضاء ~~الله بيننا بالحق بإظهار المحق على المبطل. # قوله عز وجل: { وإذآ أذقنا الناس } ، يعني: الكفار، { ~~رحمة من بعد ضرآء } ، أي: راحة ورخاء من بعد شدة وبلاء. ~~وقيل: القطر بعد القط، { مستهم } ، أي: أصابتهم، { إذا لهم ~~مكر في آياتنا } ، قال مجاهد: تكذيب واستهزاء. وقال مقاتل بن ~~حيان: لا يقولون: هذا رزق الله، إنما يقولون: سقبنا بنوء كذا، ~~وهو قوله: # وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون # [الواقعة: 82]. # { قل الله أسرع مكرا } ، أي: أعجل عقوبة وأشد أخذا وأقدر ~~على الجزاء، يريد عذابه في إهلاككم أسرع إليكم مما يأتي منكم في دفع ~~الحق، { إن رسلنا } ، حفظتنا، { يكتبون ما تمكرون } ، ~~وقرأ يعقوب: «يمكرون» بالياء. # قوله تعالى: { هو الذى يسيركم } ، يجريكم ويحملكم، وقرأ أبو ~~جعفر وابن عامر: «ينشركم» بالنون والشين من النشر وهو البسط والبث، { فى ~~البر } ، على ظهور الدواب، { و } في { البحر } ، على الفلك، { ~~حتى إذا كنتم فى الفلك } ، أي: في السفن، تكون واحدا ~~وجمعا { وجرين بهم } ، يعني: جرت السفن بالناس، رجع من الخطاب ~~إلى الخبر، { بريح طيبة } لينة، { وفرحوا بها } ، أي: ~~بالريح، { جآءتها ريح } ، أي: جاءت الفلك ريح، { عاصف } ، شديدة ~~الهبوب، ولم يقل ريح عاصفة، لاختصاص الريح بالعصوف. وقيل: الريح تذكر ~~وتؤنث. { وجآءهم } ، يعني: ركبان السفينة، { الموج } ، وهو حركة ~~الماء واختلاطه، { من كل مكان وظنوا } ، أيقنوا { أنهم ~~أحيط بهم } ، دنوا من الهلكة، أي: أحاط بهم الهلاك، { دعوا ~~الله مخلصين له الدين } ، أي: أخلصوا في الدعاء لله ولم ~~يدعوا أحدا سوى الله، وقالوا: { لئن أنجيتنا } ، يا ربنا، { ~~من هذه } ، الريح العاصف، { لنكونن من الشاكرين } ، ~~لك بالإيمان والطاعة. ### || [10.23-24] # { فلمآ أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض } ، يظلمون ~~ويتجاوزون إلى غير أمر الله عز وجل في الأرض، { بغير الحق } ، ~~أي: بالفساد. { يأيها الناس إنما بغيكم على ~~أنفسكم } ، لأن وباله راجع عليها، ثم ابتدأ فقال: { متاع ~~الحياة الدنيا } ، أي: هذا متاع الحياة الدنيا، خبر ابتداء ~~مضمر، ms1077 كقوله: # لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ # [الأحقاف: 35]، أي: هذا بلاغ. وقيل: هو كلام متصل، والبغي: ابتداء، ~~ومتاع: خبره. # ومعناه: إنما بغيكم متاع الحياة الدنيا، لا يصلح زادا لمعاد لأنكم ~~تستوجبون به غضب الله. # وقرأ حفص " متاع " بالنصب، أي تتمتعون متاع الحياة الدنيا، { ثم ~~إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون }. # قوله عز وجل: { إنما مثل الحيوة الدنيا } ، في فنائها ~~وزوالها، { كمآء أنزلناه من السمآء فاختلط به } ، ~~أي: بالمطر، { نبات الأرض } ، قال ابن عباس: نبت بالماء من كل لون، ~~{ مما يأكل الناس } ، من الحبوب والثمار، { والأنعام } ، ~~من الحشيش، { حتى إذآ أخذت الأرض زخرفها } ، حسنها ~~وبهجتها وظهر الزهر أخضر وأحمر وأصفر وأبيض { وازينت } ، أي: ~~تزينت، وكذلك هي في قراءة ابن مسعود: «تزينت». { وظن أهلهآ ~~أنهم قادرون عليهآ } ، على جذاذها وقطافها وحصادها، رد ~~الكناية إلى الأرض. والمراد: النبات إذ كان مفهوما، وقيل: ردها إلى ~~الغلة. وقيل: إلى الزينة. { أتاهآ أمرنا } ، قضاؤنا، بإهلاكها، { ~~ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا } ، أي: محصودة مقطوعة، { ~~كأن لم تغن بالأمس } ، كأن لم تكن بالأمس، وأصله من غني ~~بالمكان إذا أقام به. وقال قتادة: معناه إن المتشبث بالدنيا يأتيه أمر ~~الله وعذابه أغفل ما يكون، { كذلك نفصل الآيات لقوم ~~يتفكرون }. ### || [10.25-26] # قوله تعالى: { والله يدعوا إلى دار السلام } ، قال ~~قتادة: السلام هو الله، وداره: الجنة. وقيل: السلام بمعنى السلامة، سميت ~~الجنة دار السلام لأن من دخلها سلم من الآفات. وقيل: المراد بالسلام ~~التحية سميت الجنة دار السلام، لأن أهلها يحيي بعضهم بعضا بالسلام ~~والملائكة تسلم عليهم. قال الله تعالى: # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام ~~عليكم # [الرعد: 23]. # وروينا عن جابر قال: جاءت ملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم ~~فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم أن العين نائمة والقلب يقظان، ~~فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلا. قال: فاضربوا له مثلا. فقال بعضهم: مثله ~~كمثل رجل بنى دارا، وجعل فيها مأدبة، وبعث داعيا، فمن أجاب الداعي: ~~دخل الدار، وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي، لم يدخل الدار ms1078 ولم ~~يأكل من المأدبة، فقالوا أولوها له يفقهها، قال بعضهم: إنه ~~نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: فالدار الجنة ~~والداعي محمد صلى الله عليه وسلم، فمن أطاع محمدا فقد أطاع الله، ومن ~~عصى محمدا فقد عصى الله، ومحمد فرق بين الناس». # { ويهدي من يشآء إلى صراط مستقيم } ، فالصراط ~~المستقيم هو الإسلام عم بالدعوة لإظهار الحجة، وخص بالهداية ~~استغناء عن الخلق. # قوله تعالى: { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } ، أي: ~~للذين أحسنوا العمل في الدنيا الحسنى، وهي الجنة، وزيادة: وهي النظر إلى ~~وجه الله الكريم، وهذا قول جماعة من الصحابة، منهم أبو بكر الصديق رضي ~~الله عنه، وحذيفة، وأبو موسى، وعبادة بن الصامت رضي الله عنهم، وهو قول ~~الحسن، وعكرمة، وعطاء، ومقاتل، والضحاك، والسدي. # أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن العباس الحميدي، أنبأنا أبو ~~عبدالله محمد بن عبدالله الحافظ، أنبأنا أبو العباس محمد بن يعقوب ~~إملاء، حدثنا أبو بكر محمد بن إسحاق الصغاني، حدثنا الأسود بن عامر، ~~حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت يعني البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ~~عن صهيب رضي الله عنه قال: # " قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: { للذين ~~أحسنوا الحسنى وزيادة } ، قال: إذا دخل أهل الجنة ~~الجنة وأهل النار النار نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند ~~الله موعدا يريد أن ينجزكموه، قالوا: ما هذا الموعد؟ ألم يثقل ~~موازيننا، ويبيض وجوهنا، ويدخلنا الجنة، ويجرنا من النار؟ قال: ~~فيرفع الحجاب فينظرون إلى وجه الله عز وجل. قال: فما أعطوا شيئا ~~أحب إليهم من النظر إليه ". # وروي عن ابن عباس: أن الحسنى هي: أن الحسنة بمثلها والزيادة هي ~~التضعيف عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف. وقال مجاهد: الحسنى: حسنة مثل ~~حسنة، والزيادة المغفرة والرضوان. # { ولا يرهق } ، لا يغشى { وجوههم قتر } ، غبار، جمع قترة. ~~وقال ابن عباس وقتادة: سواد الوجه، { ولا ذلة } ، هوان قال ~~قتادة: كآبة. قال ابن أبي ليلى: هذا بعد نظرهم إلى ربهم. { أولئك ~~أصحاب الجنة هم فيها خالدون }. ### || [10.27-30] # { والذين ms1079 كسبوا السيئات جزآء سيئة بمثلها } ~~، أي: لهم مثها، كما قال: # ومن جآء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها # [الأنعام: 160]. { وترهقهم ذلة ما لهم من الله ~~من عاصم } ، و«من» صلة، أي: ما لهم من الله عاصم، { كأنما ~~أغشيت } ، ألبست، { وجوههم قطعا } ، جمع قطعة، { من ~~الليل مظلما } ، نصبت على الحال دون النعت، ولذلك لم يقل: ~~مظلمة، تقديره: قطعا من الليل في حال ظلمته، أو قطعا من الليل ~~المظلم. وقرأ ابن كثير والكسائي ويعقوب: «قطعا» ساكنة الطاء، أي ~~بعضا، كقوله: # بقطع من الليل # [هود: 81]. { أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ~~}. # قوله تعالى: { ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين ~~أشركوا مكانكم } ، [أي: الزموا مكانكم]، { أنتم ~~وشركآؤكم } ، يعني: الأوثان، معناه: ثم نقول للذين أشركوا: ~~الزموا أنتم وشركاؤكم مكانكم، ولا تبرحوا. # { فزيلنا } ميزنا وفرقنا { بينهم } ، أي: بين المشركين ~~وشركائهم، وقطعنا ما كان بينهم من التواصل في الدنيا، وذلك حين يتبرأ ~~كل معبود من دون الله ممن عبده، { وقال شركآؤهم } ، يعني: ~~الأصنام، { ما كنتم إيانا تعبدون } ، بطلبتنا فيقولون: ~~بلى، كنا نعبدكم، فتقول الأصنام: # { فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن ~~عبادتكم لغافلين } ، أي: ما كنا عن عبادتكم إيانا إلا ~~غافلين، ما كنا نسمع ولا نبصر ولا نعقل. # قال الله تعالى: { هنالك تبلوا } ، أي: تختبر. وقيل: ومعناه ~~تعلم وتقف عليه، وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب: «تتلو» بتاءين، أي: تقرأ، { ~~كل نفس } ، صحيفتها. وقيل: معناه تتبع كل نفس، { مآ أسلفت ~~} ، ما قدمت من خير أو شر. وقيل: معناه تعاين، { وردوا إلى ~~الله } ، إلى حكمه فيتفرد فيهم بالحكم، { مولاهم الحق } ، ~~الذي يتولى ويملك أمورهم: فإن قيل: أليس قد قال: # وأن الكافرين لا مولى لهم # [محمد: 11]؟ قيل: المولى هناك بمعنى الناصر، وهاهنا بمعنى المالك، { ~~وضل عنهم } ، زال عنهم وبطل، { ما كانوا يفترون } ، في ~~الدنيا من التكذيب. ### || [10.31-34] # قوله تعالى: { قل من يرزقكم من السمآء والأرض } ، ~~أي: من السماء بالمطر، ومن الأرض بالنبات، { أمن يملك السمع ~~والأبصار } ، أي: من إعطائكم السمع والأبصار، { ومن يخرج ~~الحي من الميت ويخرج الميت من الحي } يخرج ~~الحي ms1080 من النطفة والنطفة من الحي، { ومن يدبر الأمر }؟ أي: يقضي ~~الأمر، { فسيقولون الله } ، هو الذي يفعل هذه الأشياء، { فقل ~~أفلا تتقون }؟ أفلا تخافون عقابه في شرككم؟ وقيل: أفلا تتقون ~~الشرك مع هذا الإقرار؟. # { فذلكم الله ربكم } ، الذي يفعل هذه الأشياء هو ربكم، { ~~الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى ~~تصرفون }؟ أي: فأين تصرفون عن عبادته وأنتم مقرون به؟. # { كذلك }. قال الكلبي: هكذا، { حقت } ، وجبت، { كلمة ~~ربك } ، حكمه السابق، { على الذين فسقوا } ، كفروا، { ~~أنهم لا يؤمنون } ، قرأ أبو جعفر ونافع وابن عامر: «كلمات ~~ربك» بالجمع هاهنا موضعين، وفي المؤمن، والآخرون على التوحيد. # قوله: { قل هل من شركآئكم } ، أوثانكم { من يبدأ ~~الخلق } ، ينشىء الخلق من غير أصل ولا مثال، { ثم يعيده } ، ~~ثم يحييه من بعد الموت كهيئته، فإن أجابوك وإلا ف { قل } أنت: { ~~الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون }؟ ~~أي: تصرفون عن قصد السبيل. ### || [10.35-36] # { قل هل من شركآئكم من يهدي } ، يرشد، { إلى ~~الحق } ، فإذا قالوا لا ولا بد لهم من ذلك { قل الله ~~يهدى للحق } ، أي: إلى الحق. # { أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا ~~يهدي } ، قرأ حمزة والكسائي: ساكنة الهاء، خفيفة الدال، وقرأ ~~الآخرون: بتشديد الدال، ثم قرأ أبو جعفر، وقالون: بسكون الهاء، وأبو عمرو ~~بروم الهاء بين الفتح والسكون، وقرأ حفص: بفتح الياء وكسر الهاء، ~~وأبو بكر بكسرهما، والباقون بفتحهما، ومعناه: يهتدي في جميعها فمن ~~خفف الدال، قال: يقال: هديته فهدي، أي: اهتدى، ومن شدد الدال أدغم ~~التاء في الدال، ثم أبو عمرو يروم على مذهبه في إيثار التخفيف، ومن سكن ~~الهاء تركها على حالتها كما فعل في «تعدوا» و «يخصمون»، ومن فتح الهاء ~~نقل فتحة التاء المدغمة إلى الهاء، ومن كسر الهاء فلالتقاء الساكنين، ~~وقال الجزم يحرك إلى الكسر، ومن كسر الياء مع الهاء أتبع الكسرة ~~الكسرة. # قوله تعالى: { إلا أن يهدى } ، معنى الآية: الله الذي يهدي إلى ~~الحق أحق بالاتباع أم الصنم الذي لا يهتدي إلا أن يهدى؟. # فإن قيل: كيف قال: { إلا أن ms1081 يهدى } ، والصنم لا يتصور أن يهتدي ~~ولا أن يهدى؟. # قيل: معنى الهداية في حق الأصنام الانتقال، أي: أنها لا تنتقل من مكان ~~إلى مكان إلا أن تحمل وتنقل، يتبين به عجز الأصنام. # وجواب آخر وهو: أن ذكر الهداية على وجه المجاز، وذلك أن المشركين لما ~~اتخذوا الأصنام آلهة وأنزلوها منزلة من يسمع ويعقل عبر عنها بما يعبر ~~عمن يعلم ويعقل، ووصفت بصفة من يعقل. # { فما لكم كيف تحكمون } ، كيف تقضون حين زعمتم أن لله ~~شريكا. # قوله تعالى: { وما يتبع أكثرهم إلا ظنا } ، منهم ~~يقولون: إن الأصنام آلهة، وإنها تشفع لهم في الآخرة ظنا منهم، لم يرد ~~به كتاب ولا رسول، وأراد بالأكثر: جميع من يقول ذلك، { إن الظن ~~لا يغنى من الحق شيئا } ، أي: لا يدفع عنهم من عذاب الله ~~شيئا. وقيل: لايقوم مقام العلم، { إن الله عليم بما ~~يفعلون }. ### || [10.37-41] # قوله تعالى: { وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون ~~الله } ، قال الفراء: معناه: وما ينبغي لمثل هذا القرآن أن يفترى ~~من دون الله، كقوله تعالى: # وما كان لنبى أن يغل # [آل عمران: 161] وقيل: «أن» بمعنى اللام، أي: وما كان هذا القرآن ~~ليفترى من دون الله. # قوله: { ولكن تصديق الذى بين يديه } ، أي: بين يدي ~~القرآن من التوراة والإنجيل. وقيل: تصديق الذي بين يدي القرآن من ~~القيامة والبعث، { وتفصيل الكتاب } ، تبيين ما في الكتاب من ~~الحلال والحرام والفرائض والأحكام، { لا ريب فيه من رب ~~العالمين }. # { أم يقولون } ، وقال أبو عبيدة: «أم» بمعنى الواو، أي: ويقولون، ~~{ افتراه } ، اختلق محمد القرآن من قبل نفسه، { قل فأتوا ~~بسورة مثله } ، شبه القرآن { وادعوا من استطعتم } ، ~~ممن تعبدون، { من دون الله } ليعينوكم على ذلك، { إن كنتم ~~صادقين } ، أن محمدا افتراه، ثم قال: # { بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه } ، يعني: القرآن، ~~كذبوا به ولم يحيطوا بعلمه، { ولما يأتهم تأويله } ، أي: ~~عاقبة ما وعد الله في القرآن، أنه يؤول إليه أمرهم من العقوبة، يريد: ~~أنهم لم يعلموا ما يؤول إليه عاقبة أمرهم. { كذلك كذب الذين ~~من ms1082 قبلهم } ، أي: كما كذب هؤلاء الكفار بالقرآن كذلك كذب الذين ~~من قبلهم من كفار الأمم الخالية، { فانظر كيف كان عاقبة ~~الظالمين } ، آخر أمر المشركين بالهلاك. # { ومنهم من يؤمن به } ، أي: من قومك من يؤمن بالقرآن، { ~~ومنهم من لا يؤمن به } ، لعلم الله السابق فيهم، { ~~وربك أعلم بالمفسدين } ، الذين لا يؤمنون. # { وإن كذبوك } ، يا محمد، { فقل لي عملى } ، وجزاؤه، { ~~ولكم عملكم } ، وجزاؤه، { أنتم بريئون ممآ أعمل ~~وأنا بريء مما تعملون } ، هذا كقوله تعالى: # لنآ أعمالنا ولكم أعمالكم # [القصص: 55] # لكم دينكم ولي دين # [الكافرون: 6]. # قال الكلبي ومقاتل: هذه الآية منسوخة بآية الجهاد. # ثم أخبر أن التوفيق للإيمان به لا بغيره. ### || [10.42-45] # فقال: { ومنهم من يستمعون إليك } بأسماعهم الظاهرة ~~فلا ينفعهم، { أفأنت تسمع الصم } ، يريد: سمع القلب، { ~~ولو كانوا لا يعقلون }. # { ومنهم من ينظر إليك } ، بأبصارهم الظاهرة، { أفأنت ~~تهدي العمي } ، يريد عمي القلوب، { ولو كانوا لا ~~يبصرون } ، وهذا تسلية من الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم، ~~يقول: إنك لا تقدر أن تسمع من سلبته السمع، ولا أن تهدي من سلبته ~~البصر، ولا أن توفق للإيمان من حكمت عليه أن لا يؤمن. # { إن الله لا يظلم الناس شيئا } ، لأنه في جميع أفعاله ~~متفضل وعادل، { ولكن الناس أنفسهم يظلمون } ، ~~بالكفر والمعصية. # قوله تعالى: { ويوم يحشرهم } ، قرأ حفص بالياء، والآخرون ~~بالنون، { كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار } ، ~~قال الضحاك: كأن لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة من النهار. وقال ابن عباس: ~~كأن لم يلبثوا في قبورهم إلا قدر ساعة من النهار، { يتعارفون ~~بينهم } ، يعرف بعضهم بعضا حين بعثوا من القبور كمعرفتهم في ~~الدنيا، ثم تنقطع المعرفة إذا عاينوا أهوال القيامة. وفي بعض الآثار: أن ~~الإنسان يعرف يوم القيامة من بجنبه ولا يكلمه هيبة وخشية. # { قد خسر الذين كذبوا بلقآء الله وما كانوا ~~مهتدين } ، والمراد من الخسران: خسران النفس، ولا شيء أعظم منه. ### || [10.46-50] # قوله تعالى: { وإما نرينك } يامحمد، { بعض الذي ~~نعدهم } في حياتك من العذاب، { أو نتوفينك } ، قبل ~~تعذيبهم، { فإلينا مرجعهم } في الآخرة، ms1083 { ثم الله ~~شهيد على ما يفعلون } ، فيجزيهم به، «ثم» بمعنى الواو، ~~تقديره: والله شهيد. قال مجاهد: فكان البعض الذي أراه قتلهم ببدر، وسائر ~~أنواع العذاب بعد موتهم. # قوله عز وجل: { ولكل أمة رسول فإذا جآء رسولهم ~~} ، وكذبوه، { قضى بينهم بالقسط } ، أي: عذبوا في ~~الدنيا وأهلكوا بالعذاب، يعني: قبل مجيء الرسول، لا ثواب ولا عقاب. وقال ~~مجاهد ومقاتل: فإذا جاء رسولهم الذي أرسل إليهم يوم القيامة قضي بينه ~~وبينهم بالقسط، { وهم لا يظلمون } ، لا يعذبون بغير ذنب ولا ~~يؤاخذون بغير حجة ولا ينقص من حسناتهم ولا يزاد على سيئاتهم. # { ويقولون } ، أي: ويقول المشركون، { متى هذا الوعد } ~~الذي تعدنا يامحمد من العذاب. وقيل: قيام الساعة، { إن كنتم ~~صادقين } ، أنت يامحمد وأتباعك. # { قل لا أملك لنفسى } ، لا أقدر لها على شيء، { ضرا ولا ~~نفعا } ، أي: دفع ضر ولا جلب نفع، { إلا ما شآء الله } ، أن ~~أملكه، { لكل أمة أجل } ، مدة مضروبة، { إذا جآء ~~أجلهم } ، وقت فناء أعمارهم، { فلا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون } ، أي: لا يتأخرون ولا يتقدمون. # قوله تعالى: { قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا } ، ~~ليلا، { أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون } ، ~~أي: ماذا يستعجل من الله المشركون. وقيل: ماذا يستعجل من العذاب ~~المجرمون، وقد وقعوا فيه. وحقيقة المعنى: أنهم كانوا يستعجلون العذاب، ~~فيقولون: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال: 32]. فيقول الله تعالى: { ماذا يستعجل } يعني: أيش ~~يعلم المجرمون ماذا يستعجلون ويطلبون، كالرجل يقول لغيره وقد فعل قبيحا ~~ماذا جنيت على نفسك. ### || [10.51-56] # { أثم إذا ما وقع } ، قيل: معناه أهنالك؟ وحينئذ، وليس بحرف ~~عطف، «إذا ما وقع» نزل العذاب، { آمنتم به } ، أي بالله في وقت ~~اليأس. وقيل: آمنتم به أي صدقتم بالعذاب وقت نزوله، { الآن } ، فيه ~~إضمار، أي: يقال لكم: آلآن تؤمنون حين وقع العذاب؟ { وقد كنتم به ~~تستعجلون } ، تكذيبا واستهزاء. # { ثم قيل للذين ظلموا } ، أشركوا، { ذوقوا عذاب ~~الخلد هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون } ، في ~~الدنيا. # { ويستنبئونك } ، أي: يستخبرونك يامحمد، ms1084 { أحق هو } ، ~~أي: ما تعدنا من العذاب وقيام الساعة، { قل إي وربي } ، أي: نعم ~~وربي، { إنه لحق } ، لا شك فيه، { ومآ أنتم بمعجزين ~~} ، أي: بفائتين من العذاب، لأن من عجز عن شيء فقد فاته. # { ولو أن لكل نفس ظلمت } ، أي: أشركت، { ما في ~~الأرض لافتدت به } ، يوم القيامة، والافتداء هاهنا: بذل ما ~~ينجو به من العذاب. { وأسروا الندامة } ، قال أبو عبيدة: ~~معناه: أظهروا الندامة، لأنه ليس ذلك اليوم يوم تصبر وتصنع. وقيل: ~~معناه أخفوا أي أخفي الرؤساء الندامة من الضعفاء، خوفا من ملامتهم ~~وتعييرهم، { لما رأوا العذاب وقضى بينهم بالقسط ~~} ، فرغ من عذابهم، { وهم لا يظلمون }. # { ألا إن لله ما في السماوات والأرض ألا إن ~~وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون }. # { هو يحيي ويميت وإليه ترجعون }. ### || [10.57-59] # قوله تعالى: { يأيها الناس قد جآءتكم موعظة } ، ~~تذكرة، { من ربكم وشفآء لما في الصدور } ، أي: دواء ~~للجهل، لما في الصدور. أي: شفاء لعمى القلوب، والصدر: موضع القلب، وهو ~~أعز موضع في الإنسان لجوار القلب، { وهدى } ، من الضلالة، { ~~ورحمة للمؤمنين } ، والرحمة هي النعمة على المحتاج، فإنه لو ~~أهدى ملك إلى ملك شيئا لا يقال قد رحمه، وإن كان ذلك نعمة فإنه لم يضعها ~~في محتاج. # قوله تعالى: { قل بفضل الله وبرحمته } ، قال مجاهد ~~وقتادة: فضل الله: الإيمان، ورحمته: القرآن. # وقال أبو سعيد الخدري: فضل الله القرآن ورحمته أن جعلنا من أهله. # وقال ابن عمر: فضل الله: الإسلام، رحمته: تزيينه في القلب. # وقال خالد بن معدان: فضل الله: الإسلام، ورحمته: السنن # وقيل: فضل الله: الإيمان، ورحته: الجنة. # { فبذلك فليفرحوا } ، أي: ليفرح المؤمنون أن جعلهم الله من ~~أهله، { هو خير مما يجمعون } ، أي: خير مما يجمعه الكفار ~~من الأموال. وقيل: كلاهما خبر عن الكفار. # وقرأ أبو جعفر وابن عامر: «فليفرحوا» بالياء و «تجمعون» بالتاء، وقرأ ~~يعقوب كلاهما بالتاء مختلف عنه خطابا للمؤمنين. # { قل } يامحمد لكفار مكة، { أرأيتم مآ أنزل الله لكم ~~من رزق } ، عبر عن الخلق بالإنزال، لأن ما في الأرض من خير، ~~فمما أنزل ms1085 الله من رزق، من زرع وضرع، { فجعلتم منه حراما ~~وحلالا } ، هو ما حرموا من الحرث ومن الأنعام كالبحيرة والسائبة، ~~والوصيلة، والحام. قال الضحاك: هو قوله تعالى: # وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام ~~نصيبا # [الأنعام: 136]. { قل ءآلله أذن لكم } ، في هذا التحريم ~~والتحليل، { أم } بل، { على الله تفترون } ، وهو قولهم: { ~~والله أمرنا بها }. ### || [10.60-63] # { وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم ~~القيامة } ، أيحسبون أن الله لا يؤاخذهم به ولا يعاقبهم عليه، { ~~إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا ~~يشكرون }. # قوله عز وجل: { وما تكون }. يامحمد، { في شأن } ، عمل من ~~الأعمال، وجمعه شؤون، { وما تتلوا منه } ، من الله، { من ~~قرآن } ، نازل، وقيل: منه أي من الشأن من قرآن، نزل فيه ثم خاطبه ~~وأمته فقال: { ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم ~~شهودا إذ تفيضون فيه } ، أي: تدخلون وتخوضون فيه، الهاء عائدة ~~إلى العمل، والإفاضة: الدخول في العمل. وقال ابن الأنباري: تندفعون فيه. ~~وقيل: تكثرون فيه. والإفاضة: الدفع بكثرة. # { وما يعزب عن ربك } ، يغيب عن ربك، وقرأ الكسائي «يعزب» ~~بكسر الزاي، وقرأ الآخرون بضمها، وهما لغتان. { من مثقال ذرة } ~~، أي: مثقال ذرة، و «من» صلة والذرة هي: النملة الحميراء الصغيرة. { في ~~الأرض ولا فى السمآء ولا أصغر من ذلك } ، أي: من ~~الذرة، { ولا أكبر } ، قرأ حمزة ويعقوب: برفع الراء فيهما عطفا ~~على موضع المثقال قبل دخول «من»، وقرأ الآخرون بنصبهما، إرادة للكسرة ~~عطفا على الذرة في الكسر، { إلا فى كتاب مبين } ، وهو اللوح ~~المحفوظ. # قوله تعالى: { ألا إن أوليآء الله لا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون } واختلفوا فيمن يستحق هذا الاسم. قال بعضهم: هم ~~الذين ذكرهم الله تعالى فقال: # { الذين آمنوا وكانوا يتقون } ، وقال قوم: هم ~~المتحابون في الله عز وجل. # أخبرنا أحمد بن عبدالله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن ~~بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، ~~حدثنا عبدالرزاق أخبرنا معمر عن [ابن] أبي حسين عن شهر بن حوشب، عن أبي ~~مالك ms1086 الأشعري رضي الله عنه قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: # " «إن لله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم النبيون والشهداء ~~بقربهم ومقعدهم من الله يوم القيامة»، قال: وفي ناحية القوم أعرابي فجثا ~~على ركبتيه ورمى بيديه ثم قال: حدثنا يارسول الله عنهم من هم؟ قال: ~~فرأيت في وجه النبي صلى الله عليه وسلم البشر، فقال: «هم عباد من ~~عباد الله من بلدان شتى وقبائل، لم يكن بينهم أرحام يتواصلون بها، ~~ولا دنيا يتباذلون بها، يتحابون بروح الله، يجعل الله وجوههم نورا، ~~ويجعل لهم منابر من لؤلؤ قدام الرحمن، يفزع الناس ولا يفزعون، ويخاف ~~الناس ولا يخافون» ". # ورواه عبدالله بن المبارك عن عبدالحميد بن بهرام قال: حدثنا شهر بن ~~حوشب، حدثني عبدالرحمن بن غنم عن أبي مالك عن أبي مالك الأشعري، # " عن النبي صلى الله عليه وسلم سئل! من أولياء الله؟ قال: الذين إذا ~~رؤوا ذكر الله ". # ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: # " إن أوليائي من عبادي الذين يذكرون بذكري وأذكر بذكرهم ". ### || [10.64] # { لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة } ، ~~اختلفوا في هذه البشرى. روي عن عبادة بن الصامت قال: سألت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: { لهم البشرى في الحياة ~~الدنيا } ، قال: # " هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له ". # أخبرنا عبدالواحد، بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد ابن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، حدثنا ~~شعيب، عن الزهري، حدثني سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " «لم يبق من النبوة إلا المبشرات»، قالوا: وما المبشرات؟ ~~قال: «الرؤيا الصالحة» ". # وقيل: البشرى في الدنيا هي: الثناء الحسن وفي الآخرة: الجنة. # أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا عبدالرزاق بن أبي شريح، ~~أخبرنا أبو القاسم البغوي، حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا شعبة عن أبي عمران ~~الجوني قال: سمعت عبدالله بن الصامت قال: # " قال أبو ذر: يارسول الله الرجل يعمل ms1087 لنفسه ويحبه الناس؟ قال: «تلك ~~عاجل بشرى المؤمن» " # وأخرج مسلم بن الحجاج هذا الحديث عن يحيى بن يحيى عن حماد بن زياد عن ~~أبي عمران، وقال: # " ويحمده الناس عليه ". # وقال الزهري وقتادة: هي نزول الملائكة بالبشارة من الله تعالى عند ~~الموت، قال الله تعالى: # تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا ~~تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون # [فصلت: 30]. # وقال عطاء عن ابن عباس: البشرى في الدنيا، يريد: عند الموت تأتيهم ~~الملائكة بالبشارة، وفي الآخرة عند خروج نفس المؤمن، يعرج بها إلى ~~الله، ويبشر برضوان الله. # وقال الحسن: هي ما بشر الله المؤمنين في كتابه من جنته وكريم ثوابه، ~~كقوله: # وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات # [البقرة: 25]، # وبشر المؤمنين # [الأحزاب: 47]، # وأبشروا بالجنة # [فصلت: 30]. # وقيل: بشرهم في الدنيا بالكتاب والرسول أنهم أولياء الله، ويبشرهم في ~~القبور وفي كتب أعمالهم بالجنة. # { لا تبديل لكلمات الله } ، لا تغيير لقوله: ولا خلف ~~لوعده. { ذلك هو الفوز العظيم }. ### || [10.65-69] # { ولا يحزنك قولهم } ، يعني: قول المشركين، تم الكلام ~~هاهنا ثم ابتدأ، فقال: { إن العزة لله } يعني الغلبة والقدرة ~~لله { جميعا } هو ناصرك، وناصر دينك، والمنتقم منهم. # قال سعيد بن المسيب: إن العزة لله جميعا يعني: أن الله يعز من ~~يشاء، كما قال في آية أخرى: # ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين # [المنافقون: 8]، وعزة الرسول والمؤمنين بالله فهي كلها لله. # { هو السميع العليم }. # { ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض وما ~~يتبع الذين يدعون من دون الله شركآء } ، هو ~~استفهام معناه: وأي شيء يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء؟ # وقيل: وما يتبعون حقيقة، لأنهم يعبدونها على ظن أنهم شركاء فيشفعون لنا، ~~وليس على ما يظنون، { إن يتبعون إلا الظن } ، يظنون أنها ~~تقربهم إلى الله تعالى، { وإن هم إلا يخرصون } ، يكذبون. # { هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ~~والنهار مبصرا } ، مضيئا يبصر فيه، كقولهم: ليل نائم وعيشة ~~راضية. قال قطرب: تقول العرب: أظلم الليل وأضاء النهار وأبصر، أي: صار ~~ذا ظلمة وضياء وبصر، { إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ~~} ، سمع ms1088 الاعتبار أنه مما لا يقدر عليه إلا عالم قادر. # { قالوا } ، يعني: المشركين، { اتخذ الله ولدا } ، وهو ~~قولهم الملائكة بنات الله، { سبحانه هو الغني } ، عن خلقه، { ~~له ما في السماوات وما في الأرض } ، عبيدا وملكا، { إن ~~عندكم } ، ما عندكم، { من سلطان } ، حجة وبرهان، و«من» صلة { ~~بهذآ أتقولون على الله ما لا تعلمون }. # { قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا ~~يفلحون } ، لا ينجون، وقيل: لا يبقون في الدنيا، ولكن. ### || [10.70-73] # { متاع } ، قليل يتمتعون به وبلاغ ينتفعون به إلى انقضاء آجالهم، ~~و«متاع» رفع بإضمار، أي: هو متاع، { في الدنيا ثم إلينا ~~مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا ~~يكفرون }. # قوله تعالى: { واتل عليهم نبأ نوح } ، أي: اقرأ يامحمد على ~~أهل مكة خبر نوح، { إذ قال لقومه } ، وهم ولد قابيل، { ~~يقوم إن كان كبر عليكم } ، عظم وثقل عليكم، { ~~مقامي } طول ومكثي فيكم { وتذكيري } ، ووعظي إياكم { ~~بآيات الله } ، بحججه وبيناته، فعزمتم على قتلي وطردي { فعلى ~~الله توكلت فأجمعوا أمركم } ، أي: أحكموا أمركم ~~واعزموا عليه، { وشركآءكم } ، أي: وادعوا شركاءكم، أي: آلهتكم ~~فاستعينوا بها لتجتمع معكم. # و قال الزجاج: معناه فأجمعوا أمركم مع شركائكم، فلما ترك «مع» انتصب. ~~وقرأ يعقوب: شركاؤكم رفع، أي: فأجمعوا أمركم أنتم وشركاؤكم. # { ثم لا يكن أمركم عليكم غمة } ، أي: خفيا ~~مبهما، من قولهم: غم الهلال على الناس، أي: أشكل عليهم، { ثم ~~اقضوا إلي } ، أي: أمضوا ما في أنفسكم وافرغوا منه، يقال: قضى ~~فلان إذا مات ومضى وقضى دينه إذا فرغ منه. # وقيل: معناه توجهوا إلي بالقتل والمكروه. # وقيل فاقضوا ما أنتم قاضون، وهذا مثل قول السحرة لفرعون: # فاقض مآ أنت قاض # [طه: 72]، أي: اعمل ما أنت عامل. # { ولا تنظرون } ، ولا تؤخرون وهذا على طريق التعجيز، أخبر الله عن ~~نوح أنه كان واثقا بنصر الله تعالى غير خائف من كيد قومه، علما منه ~~بأنهم وآلهتهم ليس إليهم نفع ولا ضر، إلا أن يشاء الله. # { فإن توليتم } أعرضتم عن قولي وقبول نصحي، { فما ~~سألتكم } ، على تبليغ الرسالة والدعوة، { من أجر } ، جعل ~~وعوض، { إن ms1089 أجري } ، ما أجري وثوابي، { إلا على الله ~~وأمرت أن أكون من المسلمين } ، أي: من المؤمنين. وقيل: ~~من المستسلمين لأمر الله. ### || [10.73-78] # { فكذبوه } ، يعني نوحا { فنجيناه ومن معه فى ~~الفلك وجعلناهم خلائف } ، أي: جعلنا الذين معه في الفلك ~~سكان الأرض خلفاء عن الهالكين. { وأغرقنا الذين كذبوا ~~بآيتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين } ، أي: ~~آخر أمر الذين أنذرتهم الرسل فلم يؤمنوا. # { ثم بعثنا من بعده رسلا } أي: من بعد نوح رسلا. { ~~إلى قومهم فجآءوهم بالبينات } بالدلالات الواضحات، { ~~فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل } ، أي: ~~بما كذب به قوم نوح من قبل، { كذلك نطبع } ، أي: نختم، { على ~~قلوب المعتدين }. # { ثم بعثنا من بعدهم موسى وهرون إلى ~~فرعون وملئه } ، يعني: أشراف قومه، { بآيتنا ~~فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين }. # { فلما جآءهم } ، يعني: جاء فرعون وقومه، { الحق من ~~عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين }. # { قال موسى أتقولون للحق لما جآءكم أسحر ~~هذا } ، تقدير الكلام: أتقولون للحق لما جاءكم سحر أسحر هذا فحذف ~~السحر الأول اكتفاء بدلالة الكلام عليه. { ولا يفلح الساحرون ~~}. # { قالوا } ، يعني: فرعون وقومه لموسى، { أجئتنا لتلفتنا } ~~، لتصرفنا. وقال قتادة لتلوينا، { عما وجدنا عليه ءاباءنا ~~وتكون لكما الكبريآء } ، الملك والسلطان، { فى الأرض } ~~، أرض مصر وقرأ أبو بكر: «ويكون» بالياء، { وما نحن لكما ~~بمؤمنين } ، بمصدقين. ### || [10.79-83] # { وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم }. # { فلما جآء السحرة قال لهم موسى ألقوا مآ ~~أنتم ملقون }. # { فلمآ ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر } ، ~~قرأ أبو عمرو وأبو جعفر: «آلسحر»، بالمد على الاستفهام وقرأ الآخرون بلا ~~مد، يدل عليه قراءة ابن مسعود «ما جئتم به سحر» بغير الألف واللام. # { إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل ~~المفسدين }. # { ويحق الله الحق بكلماته } ، بآياته، { ولو ~~كره المجرمون }. # { فمآ آمن لموسى } ، لم يصدق موسى مع ما آتاهم به من الآيات، ~~{ إلا ذرية من قومه } ، اختلفوا في الهاء التي في «قومه»، ~~قيل: هي راجعة إلى موسى، وأراد بهم مؤمني بني إسرائيل الذين كانوا بمصر ~~وخرجوا معه. قال مجاهد: كانوا أولاد الذين أرسل ms1090 إليهم موسى من بني ~~إسرائيل، هلك الآباء وبقي الأبناء. وقال الآخرون: الهاء راجعة إلى فرعون. ~~وروى عطية عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: هم ناس يسير من قوم فرعون ~~آمنوا، منهم امرأة فرعون، ومؤمن آل فرعون، وخازن فرعون، وامرأة خازنه، ~~وماشطته، وعن ابن عباس رواية أخرى: أنهم كانوا سبعين ألف بيت من القبط من ~~آل فرعون، وأمهاتهم من بني إسرائيل فجعل الرجل يتبع أمه وأخواله. # وقيل: هم قوم نجوا من قتل فرعون، وذلك أن فرعون لما أمر بقتل أبناء بني ~~إسرائيل كانت المرأة، من بني إسرائيل إذا ولدت إبنا وهبته لقبطية خوفا ~~من القتل، فنشؤوا عند القبط، وأسلموا في اليوم الذي غلبت السحرة. # قال الفراء: سموا ذرية؛ لأن آباءهم كانوا من القبط وأمهاتهم من بني ~~إسرائيل، كما يقال لأولاد أهل فارس الذين سقطوا إلى اليمن: الأبناء، لأن ~~أمهاتهم من غير جنس آبائهم. # { على خوف من فرعون وملئهم } ، قيل: أراد بفرعون آل ~~فرعون، أي: على خوف من آل فرعون وملئهم، كما قال: # واسئل القرية # [يوسف: 82] أي: أهل القرية. وقيل: إنما قال: «وملئهم» وفرعون واحد لأن ~~الملك إذا ذكر يفهم منه هو وأصحابه، كما يقال قدم الخليفة يراد هو ومن ~~معه. وقيل: أراد ملأ الذرية، فإن ملأهم كانوا من قوم فرعون. { أن ~~يفتنهم }. أي: يصرفهم عن دينهم ولم يقل يفتنوهم لأنه أخبر عن فرعون ~~وكان قومه على مثل ما كان عليه فرعون، { وإن فرعون لعال } ، ~~لمتكبر، { في الأرض وإنه لمن المسرفين } ، المجاوزين ~~الحد، لأنه كان عبدا فادعى الربوبية. ### || [10.84-87] # { وقال موسى } ، لمؤمني قومه: { يقوم إن كنتم آمنتم ~~بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين }. # { فقالوا على الله توكلنا } ، اعتمدنا، ثم دعوا فقالوا: ~~{ ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظلمين } ، أي: ~~لا تظهرهم علينا ولا تهلكنا بأيديهم، فيظنوا أنا لم نكن على الحق ~~فيزدادوا طغيانا. وقال مجاهد: لاتعذبنا بعذاب من عندك، فيقول قوم ~~فرعون: لو كانوا على الحق لما عذبوا ويظنوا أنهم خير منا فيفتتنوا. # { ونجنا برحمتك من القومالكفرين }. # قوله تعالى: { وأوحينآ إلى موسى ms1091 وأخيه } هارون، { أن ~~تبوءا لقومكما بمصر بيوتا } يقال: تبوأ فلان لنفسه ~~بيتا ومضجعا إذا اتخذه، وبوأته أنا إذا اتخذته له، { واجعلوا ~~بيوتكم قبلة } ، قال أكثر المفسرين: كانت بنو إسرائيل لا يصلون ~~إلا في كنائسهم وبيعهم، وكانت ظاهرة، فلما أرسل موسى أمر فرعون ~~بتخريبها ومنعهم من الصلاة فأمروا أن يتخذوا مساجد في بيوتهم ويصلوا ~~فيها خوفا من فرعون، وهذا قول إبراهيم وعكرمة عن ابن عباس. # وقال مجاهد: خاف موسى ومن معه من فرعون أن يصلوا في الكنائس الجامعة، ~~فأمروا بأن يجعلوا في بيوتهم مساجد مستقبلة الكعبة، يصلون فيها سرا. ~~معناه: واجعلوا بيوتكم إلى القبلة. # وروى ابن جريج عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت الكعبة قبلة ~~موسى ومن معه. # { وأقيموا الصلوة وبشر المؤمنين } ، يا محمد. ### || [10.88-89] # قوله تعالى: { وقال موسى ربنآ إنك ءاتيت فرعون ~~وملأه زينة } ، من متاع الدنيا، { وأموالا فى الحيوة ~~الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك } ، اختلفوا في هذه ~~اللام، قيل: هي لام كي، معناه: آتيتهم كي تفتنهم فيضلوا، ويضلوا، كقوله: # لأسقيناهم مآء غدقا لنفتنهم فيه # [الجن: 16]. # وقيل: هي لام العاقبة يعني: فيضلوا ويكون عاقبة أمرهم الضلال، كقوله: # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا # [القصص: 8]. # قوله: { ربنا اطمس على أمولهم } ، قال مجاهد: ~~أهلكها، والطمس: المحق. # وقال أكثر أهل التفسير: امسخها وغيرها عن هئيتها. # وقال قتادة: صارت أموالهم وحروثهم وزروعهم وجواهرهم حجارة. # وقال محمد بن كعب: جعل سكرهم حجارة، وكان الرجل مع أهله في فراشه ~~فصارا حجرين، والمرأة قائمة تخبز فصارت حجرا. # قال ابن عباس رضي الله عنه: بلغنا أن الدراهم والدنانير صارت حجارة ~~منقوشة كهيئتها صحاحا وأنصافا وأثلاثا. # ودعا عمر بن عبدالعزيز بخريطة فيها أشياء من بقايا آل فرعون فأخرج منها ~~البيضة مشقوقة والجوزة مشقوقة وإنها لحجر. # قال السدي: مسخ الله أموالهم حجارة، والنخيل والثمار والدقيق والأطعمة، ~~فكانت إحدى الآيات التسع. # { واشدد على قلوبهم } ، أي: أقسها واطبع عليها حتى لا ~~تلين ولا تنشرح للإيمان، { فلا يؤمنوا } ، قيل: هو نصب بجواب ~~الدعاء بالفاء. وقيل: هو عطف على قوله: «ليضلوا»، ms1092 أي: ليضلوا فلا يؤمنوا. ~~وقال الفراء: هو دعاء محله جزم، فكأنه قال: اللهم فلا يؤمنوا، { حتى ~~يروا العذاب الأليم } ، وهو الغرق. قال السدي: معناه أمتهم ~~على الكفر. # { قال } الله تعالى لموسى وهارون، { قد أجيبت دعوتكما } ~~، إنما نسب إليهما والدعاء كان من موسى لأنه روي أن موسى كان يدعو ~~وهارون يؤمن، والتأمين دعاء. وفي بعض القصص: كان بين دعاء موسى وإجابته ~~أربعون سنة. { فاستقيما } ، على الرسالة والدعوة، وامضيا لأمري إلى ~~أن يأتيهم العذاب، { ولا تتبعآن } ، نهي بالنون الثقيلة، ومحله ~~جزم، يقال في الواحد لا تتبعن بفتح النون لالتقاء الساكنين، وبكسر ~~النون في التثنية لهذه العلة. وقرأ ابن عامر بتخفيف النون. لأن نون ~~التأكيد تثقل وتخفف، { سبيل الذين لا يعلمون } ، يعني: ~~ولاتسلكا سبيل الذين يجهلون حقيقة وعدي، فإن وعدي لا خلف فيه، ~~ووعيدي نازل بفرعون وقومه. ### || [10.90-91] # { وجاوزنا ببني إسرائيل البحر } ، عبرنا بهم { ~~فأتبعهم } ، لحقهم وأدركهم، { فرعون وجنوده } ، يقال: ~~«أتبعه وتبعه» إذا أدركه ولحقه، و«اتبعه» بالتشديد إذا سار خلفه ~~واقتدى به. وقيل: هما واحد. { بغيا وعدوا } أي: ظلما واعتداء. ~~وقيل: بغيا في القول وعدوا في الفعل. وكان البحر قد انفلق لموسى وقومه، ~~فلما وصل فرعون بجنوده إلى البحر هابوا دخوله فتقدمهم جبريل على فرس ~~وديق وخاض البحر، فاقتحمت الخيول خلفه، فلما دخل آخرهم وهم أولهم ~~أن يخرج انطبق عليهم الماء. وقوله تعالى: { حتى إذآ أدركه ~~الغرق } ، أي: غمره الماء وقرب هلاكه، { قال ءامنت أنه } ، ~~قرأ حمزة والكسائي «إنه» بكسر الألف أي: آمنت وقلت إنه. وقرأ الآخرون ~~«أنه» بالفتح على وقوع آمنت عليها. { لا إله إلا الذى ~~ءامنت به بنوا إسرءيل وأنا من المسلمين } ، ~~فدس جبريل في فيه من حمأة البحر. # وقال: { آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين }. ~~وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لما أغرق الله فرعون قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو ~~إسرائيل، فقال جبريل عليه السلام: يا محمد فلو رأيتني وأنا آخذ من حال ~~البحر فأدسه في ms1093 فيه مخافة أن تدركه الرحمة " # فلما أخر موسى قومه بهلاك فرعون وقومه قالت بنو إسرائيل ما مات فرعون ~~فأمر الله البحر فألقى فرعون على الساحل أحمر قصيرا كأنه ثور فرآه بنو ~~إسرائيل فمن ذلك الوقت لا يقبل الماء ميتا، فذلك قوله { فاليوم ~~ننجيك }. ### || [10.92-93] # { فاليوم ننجيك } ، أي نلقيك على نجوة من الأرض، وهي: المكان ~~المرتفع. وقرأ يعقوب: «ننجيك» بالتخفيف، { ببدنك } ، بجسدك لا ~~روح فيه. وقيل: ببدنك: بدرعك، وكان له درع مشهور مرصع بالجواهر، فرأوه ~~في درعه فصدقوا. { لتكون لمن خلفك ءاية } ، عبرة ~~وعظة، { وإن كثيرا من الناس عن ءايتنا ~~لغفلون }. # { ولقد بوأنا بنى إسرءيل } أنزلنا بني إسرائيل بعد ~~هلاك فرعون، { مبوأ صدق } ، منزل صدق، يعني: مصر. وقيل: الأردن ~~وفلسطين، وهي الأرض المقدسة التي كتب الله [ميراثا] لإبراهيم ~~وذريته. قال الضحاك: هي مصر والشام، { ورزقناهم من ~~الطيبات } ، الحلالات، { فما اختلفوا } يعني اليهود الذين ~~كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في تصديقه وأنه نبي، { حتى ~~جآءهم العلم } ، يعني: القرآن والبيان بأنه رسول الله صدق ~~ودينه حق. # وقيل: حتى جاءهم معلومهم، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، لأنهم كانوا ~~يعلمونه قبل خروجه، فالعلم بمعنى المعلوم كما يقال للمخلوق: خلق، قال ~~الله تعالى: # هذا خلق الله # [لقمان: 11]، ويقال: هذا الدرهم ضرب الأمير، أي: مضروبه. # { إن ربك يقضى بينهم يوم القيمة فيما ~~كانوا فيه يختلفون } ، من الدين. ### || [10.94-95] # قوله تعالى: { فإن كنت في شك ممآ أنزلنآ إليك } ، ~~يعني: القرآن { فاسأل الذين يقرءون الكتب من ~~قبلك } ، فيخبرونك أنه مكتوب عندهم في التوراة. # قيل: هذا خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره على عادة ~~العرب، فإنهم يخاطبون الرجل ويريدون به غيره، كقوله تعالى: # يا أيها النبي اتق الله # [الأحزاب: 1]، خاطب النبي صلى الله عليه وسلم والمراد به المؤمنون بدليل ~~أنه قال: { إن الله كان بما تعملون خبيرا } ، ولم يقل ~~" بما تعمل " ، وقال: # يأيها النبي إذا طلقتم النسآء # [الطلاق: 1]. # وقيل: كان الناس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بين مصدق ومكذب وشاك، ~~فهذا ms1094 الخطاب مع أهل الشك، معناه: إن كنت أيها الإنسان في شك مما أنزلنا ~~إليك من الهدى على لسان رسولنا محمد، فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من ~~قبلك. # قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: يعني من آمن من أهل الكتاب؛ كعبد الله بن ~~سلام وأصحابه، فيشهدون على صدق محمد صلى الله عليه وسلم ويخبرونك بنبوته. # قال الفراء: علم الله سبحانه وتعالى أن رسوله غير شاك، لكنه ~~ذكره على عادة العرب، يقول الواحد منهم لعبده: إن كنت عبدي فأطعني، ويقول ~~لولده: افعل كذا وكذا إن كنت ابني، ولا يكون بذلك على وجه الشك. # { لقد جآءك الحق من ربك فلا تكونن من ~~الممترين } ، من الشاكين. # { ولا تكونن من الذين كذبوا بآيت الله ~~فتكون من الخسرين } ، وهذا كله خطاب مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم والمراد منه غيره. ### || [10.96-98] # قوله تعالى: { إن الذين حقت عليهم } ، وجبت عليهم، { ~~كلمة ربك } ، قيل: لعنته. وقال قتادة سخط الله. وقيل: " الكلمة " ~~هي قوله: هؤلاء في النار ولا أبالي { لا يؤمنون }. # { ولو جآءتهم كل ءاية } ، دلالة، { حتى يروا ~~العذاب الأليم } ، قال الأخفش: أنث فعل «كل» لأنه مضاف إلى ~~المؤنث وهي قوله: «آية»، ولفظ «كل» للمذكر والمؤنث سواء. # قوله تعالى: { فلولا كانت } أي: فهلا كانت، { قرية } ، ~~ومعناها: فلم تكن قرية لأن في الاستفهام ضربا من الجحد، أي: أهل قرية، { ~~ءامنت } ، عند معاينة العذاب، { فنفعهآ إيمانها } ، في حالة ~~البأس { إلا قوم يونس } ، فإنه نفعهم إيمانهم في ذلك الوقت، ~~و«قوم» نصب على الاستثناء المنقطع، تقديره: ولكن قوم يونس، { لمآ ~~ءامنوا كشفنا عنهم عذاب الخزى فى الحيوة ~~الدنيا ومتعناهم إلى حين } ، وهو وقت انقضاء آجالهم. # واختلفوا في أنهم هل رأوا العذاب عيانا أم لا؟ فقال بعضهم: رأوا دليل ~~العذاب؟ والأكثرون على أنهم رأوا العذاب عيانا بدليل قوله: «كشفنا ~~عنهم عذاب الخزى»، والكشف يكون بعد الوقوع أو إذا قرب. # وقصة الآية على ما ذكره عبدالله بن مسعود، وسعيد بن جبير، ووهب وغيرهم ~~ أن قوم يونس كانوا بنينوى، من أرض الموصل، فأرسل الله إليهم يونس ~~يدعوهم إلى ms1095 الإيمان فدعاهم فأبوا، فقيل له: أخبرهم أن العذاب مصبحهم إلى ~~ثلاث، فأخبرهم بذلك، فقالوا: إنا لم نجرب عليه كذبا فانظروا فإن بات ~~فيكم تلك الليلة فليس بشيء، وإن لم يبت فاعلموا أن العذاب مصبحكم، فلما ~~كان في جوف تلك الليلة خرج يونس من بين أظهرهم، فلما أصبحوا تغشاهم ~~العذاب فكان فوق رؤوسهم قدر ميل. وقال وهب: غامت السماء غيما أسود ~~هائلا يدخن دخانا شديدا، فهبط حتى تغشاهم في مدينتهم واسودت سطوحهم، ~~فلما رأوا ذلك أيقنوا بالهلاك، فطلبوا يونس نبيهم فلم يجدوه، وقذف الله ~~في قلوبهم التوبة، فخرجوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم، ~~ولبسوا المسوح وأظهروا الإيمان والتوبة، وأخلصوا النية وفرقوا بين كل ~~والدة وولدها من الناس والأنعام فحن بعضها إلى بعض، وعلت أصواتها، ~~واختلطت أصواتها بأصواتهم، وعجوا وتضرعوا إلى الله عز وجل، وقالوا: ~~آمنا بما جاء به يونس، فرحمهم ربهم فاستجاب دعاءهم وكشف عنهم العذاب بعد ~~ما أضلهم، وذلك يوم عاشوراء، وكان يونس قد خرج فأقام ينتظر العذاب وهلاك ~~قومه فلم ير شيئا، وكان من كذب ولم تكن له بينة قتل، فقال يونس: كيف ~~أرجع إلى قومي وقد كذبتهم؟ فانطلق عاتبا على ربه مغاضبا لقومه، فأتى ~~البحر فإذا قوم يركبون سفينة، فعرفوه فحملوه بغير أجر، فلما دخلها وتوسطت ~~بهم ولججت، وقفت السفينة لا ترجع ولا تتقدم، قال أهل السفينة: إن ~~لسفينتنا لشأنا، قال يونس: قد عرفت شأنها ركبها رجل ذو خطيئة عظيمة، ~~قالوا: ومن هو؟ قال: أنا، اقذفوني في البحر، قالوا: ما كنا لنطرحك من ~~بيننا حتى نعذر في شأنك، واستهموا فاقترعوا ثلاث مرات فأدحض سهمه، ~~والحوت عند رجل السفينة فاغرا فاه ينتظر أمر ربه فيه، فقال يونس: ~~إنكم والله لتهلكن جميعا أو لتطرحنني فيها، فقذفوه فيه ~~وانطلقوا وأخذه الحوت. # وروي: أن الله تعالى أوحى إلى حوت عظيم حتى قصد السفينة، فلما رآه أهل ~~السفينة مثل الجبل العظيم وقد فغر فاه ينظر إلى من في السفينة كأنه ~~يطلب شيئا خافوا منه، ولما رآه يونس زج نفسه في الماء. # وعن ms1096 ابن عباس: أنه خرج مغاضبا لقومه فأتى بحر الروم فإذا سفينة مشحونة، ~~فركبها فلما لججت السفينة، تكفأت حتى كادوا أن يغرقوا، فقال الملاحون: ~~هاهنا رجل عاص أو عبد آبق، وهذا رسم السفينة إذا كان فيها آبق لا تجري، ~~ومن رسمنا أن نقترع في مثل هذا فمن وقعت عليه القرعة ألقيناه في البحر ~~ولأن يغرق واحد خير من أن تغرق السفينة بما فيها، فاقترعوا ثلاث مرات، ~~فوقعت القرعة في كلها على يونس، فقال يونس: أنا الرجل العاصي والعبد ~~الآبق، فألقى نفسه في الماء فابتلعه حوت، ثم جاء حوت آخر أكبر منه وابتلع ~~هذا الحوت، وأوحى الله إلى الحوت لا تؤذي منه شعرة، فإني جعلت بطنك سجنه ~~ولم أجعله طعاما لك. # وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نودي الحوت: إنا لم نجعل يونس ~~لك قوتا، إنما جعلنا بطنك له حرزا ومسجدا. # وروي: أنه قام قبل القرعة فقال: أنا العبد العاصي والآبق، قالوا: من ~~أنت؟ قال: أنا يونس بن متى، فعرفوه فقالوا: لا نلقيك يارسول الله، ولكن ~~نساهم فخرجت القرعة عليه، فألقى نفسه في الماء. # قال ابن مسعود رضي الله عنه: ابتلعه الحوت فأهوى به إلى قرار الأرض ~~السابعة، وكان في بطنه أربعين ليلة فسمع تسبيح الحصى، فنادى في الظلمات: ~~أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فأجاب الله له فأمر ~~الحوت، فنبذه على ساحل البحر، وهو كالفرخ الممعط، فأنبت الله عليه شجرة ~~من يقطين، وهو الدباء، فجعل يستظل تحتها ووكل به وعلة يشرب من لبنها، ~~فيبست الشجرة، فبكى عليها فأوحى الله إليه: تبكي على شجرة يبست، ولا تبكي ~~على مائة ألف أو يزيدون وأردت أن أهلكهم، فخرج يونس فإذا هو بغلام يرعى، ~~فقال: من أنت ياغلام؟ قال: من قوم يونس، قال: إذا رجعت إليهم فأخبرهم ~~أني لقيت يونس، فقال الغلام: قد تعلم أنه إن لم تكن لي بينة قتلت، قال ~~يونس عليه السلام: تشهد لك هذه البقعة وهذه الشجرة، فقال له الغلام: ~~فمرها، فقال يونس: إذا جاءكما ms1097 هذا الغلام فاشهدا له، قالتا: نعم، فرجع ~~الغلام، فقال للملك: إني لقيت يونس فأمر الملك بقتله، فقال: إن لي بينة، ~~فأرسلوا معي، فأتى البقعة والشجرة، فقال: أنشدكما هل أشهدكما يونس؟ ~~قالتا: نعم، فرجع القوم مذعورين، وقالوا للملك: شهد له الشجرة والأرض، ~~فأخذ الملك بيد الغلام وأجلسه في مجلسه، وقال: أنت أحق بهذا المكان مني، ~~فأقام لهم أمرهم ذلك الغلام أربعين سنة. ### || [10.99-101] # قوله تعالى: { ولو شآء ربك } ، يامحمد، { لآمن من فى ~~الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى ~~يكونوا مؤمنين } ، هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، وذلك ~~أنه كان حريصا على أن يؤمن جميع الناس، فأخبره الله جل ذكره: أنه لا ~~يؤمن إلا من قد سبق له من الله السعادة، ولا يضل إلا من سبق له ~~الشقاوة. # { وما كان لنفس } ، وما ينبغي لنفس. وقيل: وما كانت نفس، { أن ~~تؤمن إلا بإذن الله } ، قال ابن عباس: بأمر الله. وقال ~~عطاء: بمشيئة الله. وقيل: بعلم الله. { ويجعل الرجس } ، قرأ أبو ~~بكر: «ونجعل» بالنون، والباقون بالياء، أي: ويجعل الله الرجس أي: العذاب ~~وهو الرجز، { على الذين لا يعقلون } ، عن الله أمره ونهيه. # { قل انظروا } ، أي: قل للمشركين الذين يسألونك الآيات انظروا، { ~~ماذا فى السموت والأرض } ، من الآيات والدلائل والعبر، ~~ففي السموات الشمس والقمر والنجوم وغيرها، وفي الأرض الجبال والبحار ~~والأنهار والأشجار وغيرها، { وما تغنى الآيت والنذر } ، ~~الرسل، { عن قوم لا يؤمنون } ، وهذا في قوم علم الله أنهم لا ~~يؤمنون. ### || [10.102-105] # { فهل ينتظرون } ، يعني: مشركي مكة، { إلا مثل أيام ~~الذين خلوا } ، مضوا، { من قبلهم } ، من مكذبي الأمم، قال ~~قتادة: يعني وقائع الله في قوم نوح وعاد وثمود. والعرب تسمي العذاب ~~أياما، والنعيم أياما؛ كقوله: # وذكرهم بأيام الله # [إبراهيم:5]، وكل ما مضى عليك من خير وشر فهو أيام، { قل ~~فانتظروا إنى معكم من المنتظرين }. # { ثم ننجى رسلنا } ، قرأ يعقوب «ننجي» خفيف مختلف عنه، { ~~والذين ءامنوا } ، معهم عند نزول العذاب معناه: نجينا، مستقبل ~~بمعنى الماضي، { كذلك } ، كما نجيناهم، { حقا } ، واجبا، { ~~علينا ننج المؤمنين } ، قرأ الكسائي ms1098 وحفص ويعقوب «ننجي» ~~بالتخفيف والآخرون بالتشديد، ونجا وأنجى بمعنى واحد. # قوله تعالى: { قل يأيها الناس إن كنتم فى شك من ~~دينى } ، الذي أدعوكم إليه. # فإن قيل: كيف قال: إن كنتم في شك، وهم كانوا يعتقدون بطلان ما جاء به؟. ~~قيل: كان فيهم شاكون، فهم، المراد بالآية، أو أنهم لما رأوا الآيات ~~اضطربوا وشكوا في أمرهم وأمر النبي صلى الله عليه وسلم. # قوله عز وجل: { فلا أعبد الذين تعبدون من دون ~~الله } ، من الأوثان، { ولكن أعبد الله الذى ~~يتوفاكم } ، يميتكم ويقبض أرواحكم، { وأمرت أن أكون ~~من المؤمنين }. # قوله: { وأن أقم وجهك للدين حنيفا } ، قال ابن عباس: ~~عملك. وقيل: استقم على الدين حنيفا. { ولا تكونن من ~~المشركين }. ### || [10.106-109] # { ولا تدع } ، ولا تعبد، { من دون الله ما لا ينفعك } ~~، إن أطعته، { ولا يضرك } ، إن عصيته، { فإن فعلت } ، فعبدت ~~غير الله، { فإنك إذا من الظلمين } ، الضارين ~~لأنفسهم الواضعين للعبادة في غير موضعها. # { وإن يمسسك الله بضر } ، أي: يصبك بشدة وبلاء، { فلا ~~كاشف له } ، فلا دافع له، { إلا هو وإن يردك بخير } ~~، رخاء ونعمة وسعة، { فلا رآد لفضله } ، فلا مانع لرزقه، { ~~يصيب به } ، بكل واحد من الضر والخير، { من يشآء من عباده ~~وهو الغفور الرحيم }. # { قل يأيها الناس قد جآءكم الحق من ربكم } ~~، يعني: القرآن والإسلام، { فمن اهتدى فإنما يهتدى ~~لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها } ، أي: على نفسه، ~~ووباله عليه، { ومآ أنا عليكم بوكيل } ، بكفيل، أحفظ ~~أعمالكم. قال ابن عباس: نسختها آية القتال. # { واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله ~~} ، بنصرك وقهر عدوك وإظهار دينه، { وهو خير الحكمين } ، ~~فحكم بقتال المشركين وبالجزية على أهل الكتاب يعطونها عن يد وهم ~~صاغرون. ### | [11 - سورة هود] ### || [11.1-3] # { الر كتاب } ، أي: هذا كتاب، { أحكمت ءايته } ، قال ابن ~~عباس: لم ينسخ بكتاب كما نسخت الكتب والشرائع به، { ثم فصلت } ، ~~بينت بالأحكام والحلال والحرام. وقال الحسن: أحكمت بالأمر والنهي، ~~ثم فصلت بالوعد والوعيد. قال قتادة: أحكمت أحكمها الله فليس فيها ~~اختلاف ولا تناقض وقال مجاهد: فصلت أي: فسرت. وقيل: ms1099 فصلت أي: أنزلت ~~شيئا فشيئا، { من لدن حكيم خبير }. # { ألا تعبدوا إلا الله } ، أي: وفي ذلك الكتاب: أن لا ~~تعبدوا إلا الله، ويكون محل «أن» رفعا. وقيل: محله خفض، تقديره: بأن ~~لا تعبدوا إلا الله، { إننى لكم منه } أي: من الله { نذير ~~} ، للعاصين، { وبشير } ، للمطيعين. # { وأن } ، عطف على الأول، { استغفروا ربكم ثم ~~توبوا إليه } ، أي: ارجعوا إليه بالطاعة. قال الفراء: «ثم» هنا ~~بمعنى الواو، أي: وتوبوا إليه، لأن الاستغفار هو التوبة والتوبة هي ~~الاستغفار. # وقيل: وأن استغفروا ربكم في المعاصي ثم توبوا إليه في المستأنف { ~~يمتعكم متاعا حسنا } ، يعيشكم عيشا حسنا في خفض ودعة ~~وأمن وسعة. قال بعضهم: العيش الحسن هو الرضى بالميسور والصبر على ~~المقدور. # { إلى أجل مسمى } ، إلى حين الموت، { ويؤت كل ذى ~~فضل فضله } ، أي: ويؤت كل ذي عمل صالح في الدنيا أجره وثوابه في ~~الآخرة. وقال أبو العالية: من كثرت طاعته في الدنيا زادت درجاته في ~~الآخرة في الجنة، لأن الدرجات تكون بالأعمال. # وقال ابن عباس: من زادت حسناته على سيئاته دخل الجنة، ومن زادت سيئاته ~~على حسناته دخل النار، ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف، ~~ثم يدخل الجنة بعد. # وقيل: يؤت كل ذي فضل فضله يعني: من عمل لله عز وجل وفقه الله فيما ~~يستقبل على طاعته. { وإن تولوا } ، أعرضوا، { فإني أخاف ~~عليكم عذاب يوم كبير } ، وهو يوم القيامة. ### || [11.4-5] # { إلى الله مرجعكم وهو على كل شىء قدير }. # قوله تعالى: { ألا إنهم يثنون صدورهم } ، قال ابن عباس: ~~نزلت في الأخنس بن شريق وكان رجلا حلو الكلام حلو المنظر، يلقى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحب، وينطوي بقلبه على ما يكره. # قوله: «يثنون صدورهم» أي: يخفون ما في صدورهم من الشحناء ~~والعداوة. # وقال عبدالله بن شداد: نزلت في بعض المنافقين كان إذا مر برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ثنى صدره وظهره، وطأطأ رأسه وغطى وجهه كي لا يراه ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # وقال قتادة: كانوا يحنون صدورهم كي لا يسمعوا ms1100 كتاب الله تعالى ولا ذكره. # وقيل: كان الرجل من الكفار يدخل بيته ويرخي ستره ويحني ظهره ويتغشى ~~بثوبه. ويقول: هل يعلم الله ما في قلبي. # وقال السدي: يثنون أي: يعرضون بقلوبهم، من قولهم: ثنيت عناني. وقيل: ~~يعطفون، ومنه ثني الثوب. # وقرأ ابن عباس: «يثنوني» على وزن «يحلو لي» جعل الفعل للمصدر، ~~ومعناه المبالغة في الثني. # { ليستخفوا منه } ، أي: من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وقال مجاهد: ليستخفوا من الله إن استطاعوا، { ألا حين يستغشون ~~ثيابهم } ، يغطون رؤوسهم بثيابهم، { يعلم ما يسرون وما ~~يعلنون إنه عليم بذات الصدور } ، قال الأزهري: معنى ~~الآية من أولها إلى آخرها: إن الذين أضمروا عداوة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا يخفى علينا حالهم. # أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد ~~بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا الحسن بن محمد بن صباح، حدثنا ~~حجاج قال: قال ابن جريج أخبرني محمد بن عباد بن جعفر أنه سمع ابن عباس ~~رضي الله عنهم يقرأ: { ألا إنهم يثنون صدورهم } ، فقال: ~~سألته عنها فقال: كان أناس يستحيون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء، وأن ~~يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء، فنزل ذلك فيهم. ### || [11.6] # قوله تعالى: { وما من دآبة في الأرض } ، أي: ليس دابة، «من» ~~صلة، والدابة: كل حيوان يدب على وجه الأرض. # وقوله: { إلا على الله رزقها } ، أي: هو المتكفل بذلك ~~فضلا، وهو إلى مشيئته إن شاء رزق وإن شاء لم يرزق. # وقيل: " على " بمعنى: " من " أي: من الله رزقها. # وقال مجاهد: ما جاءها من زرق فمن الله عز وجل، وربما لم يرزقها حتى ~~تموت جوعا. # { ويعلم مستقرها ومستودعها } ، قال ابن مقسم: ~~ويروى ذلك عن ابن عباس، مستقرها: المكان الذي تأوي إليه، وتستقر فيه ~~ليلا ونهارا، ومستودعها: الموضع الذي تدفن فيه إذا ماتت. # وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: المستقر أرحام الأمهات والمستودع ~~المكان الذي تموت فيه وقال عطاء: المستقر أرحام الأمهات والمستودع أصلاب ~~الآباء. # ورواه سعيد بن جبير، وعلي بن أبي طلحة، ms1101 وعكرمة عن ابن عباس. # وقيل: المستقر: الجنة أو النار، والمستودع القبر، لقوله تعالى في صفة ~~الجنة والنار # حسنت مستقرا ومقاما # [الفرقان: 76]. # { كل في كتاب مبين } ، أي: كل مثبت في اللوح المحفوظ قبل أن ~~خلقها. ### || [11.7] # قوله تعالى: { وهو الذى خلق السموت والأرض فى ~~ستة أيام وكان عرشه على الماء } ، قبل أن خلق ~~السماء والأرض وكان ذلك الماء على متن الريح. # قال كعب: خلق الله عز وجل ياقوتة خضراء، ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ~~ماء يرتعد، ثم خلق الريح، فجعل الماء على متنها، ثم وضع العرش على الماء. # قال ضمرة: إن الله تعالى كان عرشه على الماء ثم خلق السموات والأرض، ~~وخلق القلم فكتب به ما هو خالق وما هو كائن من خلقه، ثم إن ذلك الكتاب ~~سبح الله ومجده ألف عام قبل أن يخلق شيئا من خلقه. # { ليبلوكم } ، ليختبركم، وهو أعلم، { أيكم أحسن عملا ~~} ، أعمل بطاعة الله، وأورع عن محارم الله تعالى. { ولئن ~~قلت } ، يامحمد، { إنكم مبعوثون } أي: { من بعد ~~الموت ليقولن الذين كفروا إن هذآ إلا سحر ~~مبين } ، يعنون القرآن. # وقرأ حمزة والكسائي: «ساحر» يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم. ### || [11.8-9] # { ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ~~} ، إلى أجل محدود، وأصل الأمة: الجماعة، فكأنه قال: إلى انقراض أمة ~~ومجيء أمة أخرى، { ليقولن ما يحبسه } ، أي شيء يحبسه؟ ~~يقولونه استعجالا للعذاب واستهزاء، يعنون: أنه ليس بشيء. # قال الله تعالى: { ألا يوم يأتيهم } ، يعني: العذاب، { ليس ~~مصروفا عنهم } ، لا يكون مصروفا عنهم، { وحاق بهم } ، نزل ~~بهم، { ما كانوا به يستهزءون } ، أي: وبال استهزائهم. # قوله تعالى: { ولئن أذقنا الإنسن منا رحمة } ، ~~نعمة وسعة، { ثم نزعناها منه } ، أي: سلبناها منه، { إنه ~~ليئوس } ، قنوط في الشدة، { كفور } في النعمة. ### || [11.10-12] # { ولئن أذقناه نعمآء بعد ضرآء مسته } ، بعد ~~بلاء أصابه، { ليقولن ذهب السيئات عني } ، زالت ~~الشدائد عني، { إنه لفرح فخور } ، أشر بطر، والفرح لذة ~~في القلب بنيل المشتهى، والفخر: هو التطاول على الناس بتعديد المناقب، ~~وذلك منهي عنه. # { إلا الذين صبروا } ، قال الفراء: هذا ms1102 استثناء منقطع، ~~معناه: لكن الذين صبروا { وعملوا الصلحات } ، فإنهم وإن ~~نالتهم شدة صبروا، وإن نالوا نعمة شكروا، { أولئك لهم ~~مغفرة } ، لذنوبهم، { وأجر كبير } ، وهو الجنة. # { فلعلك } ، يامحمد، { تارك بعض ما يوحى } ، فلا ~~تبلغه إياهم. وذلك أن كفار مكة لما قالوا: # ائت بقرءان غير هذآ # [يونس: 15] ليس فيه سب آلهتنا هم النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يدع آلهتهم ظاهرا، فأنزل الله تعالى. # { فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك } يعني: سب الآلهة، ~~{ وضآئق به صدرك }: أي: فلعلك يضيق صدرك { أن يقولوا } ، ~~أي: لأن يقولوا، { لولا أنزل عليه كنز } ينفقه { أو جآء ~~معه ملك } ، يصدقه، قاله عبدالله بن أبي أمية المخزومي. # قال الله تعالى: { إنمآ أنت نذير } ، ليس عليك إلا البلاغ، { ~~والله على كل شىء وكيل } حافظ. ### || [11.13-15] # { أم يقولون افتراه } ، بل يقولون اختلقه، { فأتوا ~~بعشر سور مثله مفتريات }. # فإن قيل: قد قال في سورة يونس: { فأتوا بسورة مثله } ، ~~وقد عجزوا عنه فكيف قال: { فأتوا بعشر سور } ، فهو كرجل يقول ~~لآخر: أعطني درهما فيعجز، فيقول: أعطني عشرة؟. # الجواب: قد قيل سورة هود أولا. # وأنكر المبرد هذا، وقال: بل نزلت سورة يونس أولا، وقال: معنى قوله في ~~سورة يونس: { فأتوا بسورة مثله } ، أي: مثله في الخبر عن ~~الغيب والأحكام والوعد والوعيد، فعجزوا فقال لهم في سورة هود: إن عجزتم ~~على الإتيان بسورة مثله في الأخبار والأحكام والوعد والوعيد فأتوا بعشر ~~سور مثله من غير خبر ولا وعد ولا وعيد، وإنما هي مجرد البلاغة، { ~~وادعوا من استطعتم } ، واستعينوا بمن استطعتم، { من دون ~~الله إن كنتم صدقين }. # { فإن لم يستجيبوا لكم } ، يا أصحاب محمد. وقيل: لفظه جمع ~~والمراد به الرسول صلى الله عليه وسلم وحده. { فاعلموا } ، قيل: ~~هذا خطاب مع المؤمنين. وقيل: مع المشركين، { أنمآ أنزل بعلم ~~الله } ، يعني: القرآن. وقيل: أنزله وفيه علمه، { وأن لا إله ~~إلا هو } ، أي: فاعلموا أن لا إله إلا هو، { فهل أنتم ~~مسلمون } ، لفظه استفهام ومعناه أمر، أي: أسلموا. # قوله تعالى: { من كان يريد الحيوة الدنيا } ، أي: من كان ms1103 ~~يريد بعلمه الحياة الدنيا، { وزينتها } ، نزلت في كل من عمل عملا ~~يريد به غير الله عز وجل { نوف إليهم أعمالهم فيها } ~~، أي: نوف لهم أجور أعمالهم في الدنيا بسعة الرزق ودفع المكاره وما ~~أشبهها. { وهم فيها لا يبخسون } ، أي: في الدنيا لا ينقص ~~حظهم. ### || [11.16-17] # { أولئك الذين ليس لهم في الأخرة إلا النار ~~وحبط ما صنعوا فيها } أي: في الدنيا، { وباطل } ، { ما ~~كانوا يعملون }. # اختلفوا في معنى هذه الآية: فقال مجاهد: هم أهل الرياء. وروينا أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر»، قالوا: يا رسول الله وما ~~الشرك الأصغر؟ قال: «الرياء» ". # قيل: هذا في الكفار، وأما المؤمن: فيريد الدنيا والآخرة، وإرادته الآخرة ~~غالبة، فيجازى بحسناته في الدنيا، ويثاب عليها في الآخرة. # وروينا عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله عز وجل لايظلم المؤمن حسنة، يثاب عليها الرزق في الدنيا ~~ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا حتى إذا ~~أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يعطى بها خيرا ". # قوله تعالى: { أفمن كان على بينة } ، بيان، { من ~~ربه } ، قيل: في الآية حذف، ومعناه: أفمن كان على بينة من ربه كمن ~~يريد الحياة الدنيا وزينتها، أو من كان على بينة من ربه كمن هو في ~~الضلالة والجهالة، والمراد بالذي هو على بينة من ربه: النبي صلى الله ~~عليه وسلم. # { ويتلوه شاهد منه } ، أي: يتبعه من يشهد له بصدقه. ~~واختلفوا في هذا الشاهد: فقال ابن عباس، وعلقمة، وإبراهيم، ومجاهد، ~~وعكرمة، والضحاك، وأكثر أهل التفسير: إنه جبريل عليه السلام. # وقال الحسن وقتادة: هو لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وروى ابن جريج عن مجاهد قال: هو ملك يحفظه ويسدده. # وقال الحسين بن الفضل: هو القرآن ونظمه وإعجازه. # وقيل: هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه. قال علي: ما من رجل من قريش إلا ~~وقد نزلت فيه آية من القرآن، فقال له رجل: وأنت أي ms1104 شيء نزل فيك؟ قال: ~~{ ويتلوه شاهد منه }. # وقيل: شاهد منه: هو الإنجيل. # { ومن قبله } ، أي: ومن قبل مجيء محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: ~~من قبل نزول القرآن. { كتاب موسى } ، أي: كان كتاب موسى، { ~~إماما ورحمة } ، لمن اتبعها، يعني: التوراة، وهي مصدقة للقرآن، ~~شاهدة للنبي صلى الله عليه وسلم، { أولئك يؤمنون به } ، ~~يعني: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: أراد الذين أسلموا من أهل ~~الكتاب. # { ومن يكفر به } ، أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: ~~بالقرآن، { من الأحزاب } ، من الكفار من أهل الملل كلها، { ~~فالنار موعده }. # أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي، أخبرنا أبو طاهر الزيادي، أخبرنا محمد بن ~~الحسين القطان، أخبرنا أحمد بن يوسف السلمي، أخبرنا عبدالرزاق، أخبرنا ~~معمر، عن همام بن منبه، حدثنا أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، ولا يهودي، ~~ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب ~~النار ". # قوله تعالى: { فلا تك فى مرية منه } ، أي: في شك منه، { ~~إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا ~~يؤمنون }. ### || [11.18] # { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } ، فزعم ~~أن له ولدا أو شريكا، أي: لا أحد أظلم منه، { أولئك } ، يعني: ~~الكاذبين والمكذبين، { يعرضون على ربهم } ، فيسألهم عن ~~أعمالهم. # { ويقول الأشهاد } ، يعني: الملائكة الذين كانوا يحفظون ~~أعمالهم، قاله مجاهد. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما: إنهم الأنبياء والرسل عليهم الصلاة ~~والسلام، وهو قول الضحاك. # وقال قتادة: الخلائق كلهم. # وروينا عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره فيقول: أتعرف ذنب ~~كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه ~~ورأى في نفسه أنه قد هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك ~~اليوم، فيعطى كتاب حسناته " # ، وأما الكفار والمنافقون [فينادى بهم على رؤوس الخلائق]، { هؤلاء ~~الذين كذبوا ms1105 على ربهم ألا لعنة الله على ~~الظلمين }. ### || [11.19-22] # { الذين يصدون عن سبيل الله } ، يمنعون عن دين الله، { ~~ويبغونها عوجا وهم بالأخرة هم كفرون }. # { أولئك لم يكونوا معجزين } ، قال ابن عباس: سابقين. ~~وقال قتادة: هاربين. وقال مقاتل: فائتين. { فى الأرض وما كان ~~لهم من دون الله من أوليآء } ، يعني أنصارا وأعوانا ~~يحفظونهم من عذابنا، { يضاعف لهم العذاب } ، أي: يزاد لهم في ~~عذابهم. قيل: يضاعف العذاب عليهم لإضلالهم الغير واقتداء الاتباع بهم. # { ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون } ~~، قال قتادة: صم عن سماع الحق فلا يسمعونه، وما كانوا يبصرون الهدى. ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما: أخبر الله عز وجل أنه حال بين أهل الشرك ~~وبين طاعته في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا قال: " ما كانوا يستطيعون ~~السمع " وهو طاعته، وفي الآخرة قال: " فلا يستطيعون " ، خاشعة أبصارهم. # { أولئك الذين خسروا أنفسهم } ، غبنوا أنفسهم، ~~{ وضل عنهم ما كانوا يفترون } ، يزعمون من شفاعة ~~الملائكة والأصنام. # { لا جرم } ، أي: حقا. وقيل: بلى. وقال الفراء: لا محالة، { ~~أنهم فى الأخرة هم الأخسرون } ، يعني: من غيرهم، وإن ~~كان الكل في الخسار. ### || [11.23-26] # { إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحات ~~وأخبتوا } ، قال ابن عباس: خافوا. قال قتادة: أنابوا. قال مجاهد: ~~اطمأنوا. وقيل: خشعوا. وقوله: { إلى ربهم } ، أي: لربهم، { ~~أولئك أصحب الجنة هم فيها خلدون }. # { مثل الفريقين } ، المؤمن والكافر، { كالأعمى ~~والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا } ، ~~قال الفراء: لم يقل يستوون، لأن الأعمى والأصم في حيز كأنهما واحد؛ ~~لأنهما من وصف الكافر، والبصير والسميع في حيز كأنهما واحد، لأنهما من ~~وصف المؤمن، { أفلا تذكرون } ، أي: تتعظون. قوله تعالى: { ~~ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إنى لكم نذير ~~مبين } ، قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب: " أني " بفتح ~~الهمزة أي: بأني، وقرأ الباقون بكسرها، أي: فقال إني، لأن في الإرسال ~~معنى القول: إني لكم نذير مبين. # { أن لا تعبدوا إلا الله إنى أخاف عليكم ~~عذاب يوم أليم } ، أي: مؤلم. قال ابن عباس: بعث نوح عليه ~~السلام بعد أربعين سنة، ولبث يدعو قومه ms1106 تسعمائة وخمسين سنة، وعاش بعد ~~الطوفان ستين سنة، فكان عمره ألفا وخمسين سنة. # وقال مقاتل: بعث وهو ابن مائة سنة. # وقيل: بعث وهو ابن خمسين سنة. وقيل: بعث وهو ابن مائتين وخمسين سنة، ~~ومكث يدعو قومه تسعمائة وخمسين سنة، وعاش بعد الطوفان مائتين وخمسين سنة ~~فكان عمره ألفا وأربعمائة وخمسين سنة قال الله تعالى: # فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما # [العنكبوت: 14] أي: فلبث فيهم داعيا. ### || [11.27-29] # { فقال الملأ الذين كفروا من قومه }: والملأ هم ~~الأشراف والرؤساء. { ما نراك } ، يانوح، { إلا بشرا } ، ~~آدميا، { مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم ~~أراذلنا } ، سفلتنا، والرذل: الدون من كل شيء، والجمع: أرذل، ~~ثم يجمع على أراذل، مثل كلب وأكلب وأكالب، وقال في سورة الشعراء: ~~{ واتبعك الأرذلون } ، يعني: السفلة. وقال عكرمة: الحاكة ~~والأساكفة، { بادى الرأى } ، قرأ أبو عمرو «بادىء» بالهمز أي: أول ~~الرأي، يريدون أنهم اتبعوك في أول الرأي من غير روية وتفكر، ولو تفكروا ~~لم يتبعوك. وقرأ الآخرون بغير همز، أي ظاهر الرأي من قولهم: بدا الشيء: ~~إذا ظهر، معناه: اتبعوك ظاهرا من غير أن يتدبروا ويتفكروا باطنا. قال ~~مجاهد: رأي العين، { وما نرى لكم علينا من فضل بل ~~نظنكم كذبين }. # { قال } ، نوح، { يقوم أرأيتم إن كنت على بينة ~~من ربي } أي: بيان من ربي، { وءاتانى رحمة } ، أي: هدى ~~ومعرفة، { من عنده فعميت عليكم } ، أي: خفيت والتبست ~~عليكم. وقرأ حمزة والكسائي وحفص: «فعميت عليكم» بضم العين وتشديد ~~الميم، أي: شبهت ولبست عليكم، { أنلزمكموها } ، أي: أنلزمكم ~~البينة والرحمة، { وأنتم لها كرهون } ، لا تريدونها. قال ~~قتادة: لو قدر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن يلزموا قومهم الإيمان ~~لألزموهم، ولكن لم يقدروا. # قوله: { ويقوم لا أسألكم عليه مالا } ، أي: على ~~الوحي وتبليغ الرسالة، كناية عن غير مذكور، { إن أجرى } ، ما ~~ثوابي، { إلا على الله ومآ أنا بطارد الذين ~~ءامنوا } ، هذا دليل على أنهم طلبوا منه طرد المؤمنين، { إنهم ~~ملاقوا ربهم } ، أي: صائرون إلى ربهم في المعاد فيجزي من ~~طردهم، { ولكنى أراكم قوما تجهلون }. ### || [11.30-34] # { ويقوم من ينصرنى ms1107 من الله } ، من يمنعني من عذاب الله، ~~{ إن طردتهم أفلا تذكرون } ، تتعظون. # { ولا أقول لكم عندي خزآئن الله } ، فآتي منها ما ~~تطلبون، { ولا أعلم الغيب } ، فأخبركم بما تريدون. وقيل: إنهم ~~لما قالوا لنوح: إن الذين آمنوا بك إنما اتبعوك في ظاهر ما ترى ~~منهم، قال نوح مجيبا لهم: ولا أقول لكم: عندي خزائن غيوب الله، التي ~~يعلم منها ما يضمره الناس، ولا أعلم الغيب، فأعلم ما يسترونه في نفوسهم، ~~فسبيلي قبول ما ظهر من إيمانهم، { ولا أقول إنى ملك } ، هذا ~~جواب قولهم: «ما نراك إلا بشرا مثلنا». { ولا أقول ~~للذين تزدرى أعينكم } ، أي: تحتقره وتستصغره أعينكم، ~~يعني: المؤمنين، وذلك أنهم قالوا: هم أراذلنا، { لن يؤتيهم ~~الله خيرا } أي: توفيقا وإيمانا وأجرا، { الله أعلم ~~بما فى أنفسهم } ، من الخير والشر مني، { إنى إذا لمن ~~الظلمين } ، لو قلت هذا. # { قالوا ينوح قد جادلتنا } ، خاصمتنا، { فأكثرت ~~جدالنا فأتنا بما تعدنآ } ، من العذاب { إن كنت من ~~الصدقين }. # { قال إنما يأتيكم به الله إن شآء } ، يعني: ~~بالعذاب، { ومآ أنتم بمعجزين } ، بفائتين. # { ولا ينفعكم نصحى } ، أي: نصيحتي، { إن أردت أن ~~أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم } ، يضلكم، { ~~هو ربكم } ، له الحكم والأمر { وإليه ترجعون } ، ~~فيجزيكم بأعمالكم. ### || [11.35-37] # { أم يقولون افتراه } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني ~~نوحا عليه السلام. وقال مقاتل: يعني محمدا صلى الله عليه وسلم. { قل ~~إن افتريته فعلى إجرامى } ، أي: إثمي ووبال جرمي. ~~والإجرام: كسب الذنب. { وأنا برىء مما تجرمون } ، لا ~~أؤاخذ بذنوبكم. # قوله تعالى: { وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من ~~قومك إلا من قد ءامن } ، روى الضحاك عن ابن عباس: أن قوم ~~نوح عليه السلام كانوا يضربون نوحا حتى يسقط، فيلقونه في لبد، ~~ويلقونه في قعر بيت، يظنون أنه قد مات فيخرج في اليوم الثاني ويدعوهم إلى ~~الله عز وجل. # روي أن شيخا منهم جاء يتوكأ على عصا، ومعه ابنه، فقال: يابني لا ~~يغرنك هذا الشيخ المجنون، فقال له: يا أبت أمكني من العصا، فأخذ العصا من ~~أبيه، ms1108 فضرب نوحا حتى شجه شجه منكرة، فأوحى الله عز وجل إليه: { ~~أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد ءامن } ، { فلا ~~تبتئس } أي: فلا تحزن، { بما كانوا يفعلون } ، فإني ~~مهلكهم ومنقذك منهم فحينئذ دعا نوح عليهم فقال: # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا # [نوح: 26]. # وحكى محمد بن إسحاق عن عبيد بن عمير الليثي أنه بلغه: أنهم كان يبطشون ~~به فيخنقونه حتى يغشى عليه، فإذا أفاق قال: رب اغفر لقومي فإنهم لا ~~يعلمون، حتى إذا تمادوا في المعصية واشتد عليه منهم البلاء، وانتظر الجيل ~~بعد الجيل فلا يأتي قرن إلا كان أخبث من الذي قبله حتى إن كان الآخر ~~منهم ليقول: قد كان هذا مع آبائنا وأجدادنا هكذا مجنونا لا يقبلون منه ~~شيئا، فشكا إلى الله تعالى فقال: «رب إني دعوت قومي ~~ليلا ونهارا»، إلى أن قال: «رب لا تذر على الأرض ~~من الكفرين ديارا»، فأوحى الله تعالى إليه: # { واصنع الفلك بأعيننا } ، قال ابن عباس بمرأى منا. ~~وقال مقاتل: بعلمنا. وقيل: بحفظنا. { ووحينا } ، بأمرنا. { ولا ~~تخطبنى فى الذين ظلموا إنهم مغرقون } ، ~~بالطوفان، قيل: معناه لا تخاطبني في إمهال الكفار، فإني قد حكمت ~~بإغراقهم. وقيل: لا تخاطبني في ابنك كنعان وامرأتك واعلة فإنهما هالكان ~~مع القوم. # وفي القصة: أن جبريل أتى نوحا عليه السلام فقال: إن ربك عز وجل ~~يأمرك أن تصنع الفلك، قال: كيف أصنع ولست بنجار؟ فقال: إن ربك يقول ~~اصنع فإنك بعيني، فأخذ القدوم وجعل يصنع ولا يخطىء. وقيل: أوحى الله إليه ~~أن يصنعها مثل جؤجؤ الطائر. ### || [11.38] # قوله تعالى: { ويصنع الفلك } فلما أمره الله تعالى أن يصنع ~~الفلك أقبل نوح عليه السلام على عمل الفلك ولها عن قومه، وجعل يقطع ~~الخشب ويضرب الحديد ويهيء عدة الفلك من القار وغيره، وجعل قومه يمرون ~~به وهو في عمله ويسخرون منه، ويقولون: يانوح قد صرت نجارا بعد النبوة؟ ~~وأعقم الله أرحام نسائهم فلا يولد لهم ولد. # وزعم أهل التوراة: أن الله أمره أن يصنع الفلك من خشب الساج، وأن ms1109 يصنعه ~~أزور، وأن يطليه بالقار من داخله وخارجه، وأن يجعل طوله ثمانين ذراعا ~~وعرضه خمسين ذراعا وطوله في السماء ثلاثين ذراعا، والذراع إلى المنكب، ~~وأن يجعله ثلاثة أطباق سفلى ووسطى وعليا ويجعل فيه كوى، ففعله نوح كما ~~أمره الله عز وجل. # وقال ابن عباس: اتخذ نوح السفينة في سنتين وكان طول السفينة ثلاثمائة ~~ذراع وعرضها خمسون ذراعا وطولها في السماء ثلاثون ذراعا، وكانت من خشب ~~الساج وجعل لها ثلاثة بطون، فحمل في البطن الأسفل الوحوش والسباع ~~والهوام، وفي البطن الأوسط الدواب والأنعام، وركب هو ومن معه في البطن ~~الأعلى مع ما يحتاج إليه من الزاد. # قال قتادة: كان بابها في عرضها. # وروي عن الحسن: كان طولها ألفا ومائتي ذراع وعرضها ست مائة ذراع. ~~والمعروف هو الأول: أن طولها ثلاثمائة ذراع. # وعن زيد بن أسلم قال: مكث نوح عليه السلام مائة سنة يغرس الأشجار ~~ويقطعها، ومائة سنة يعمل الفلك. # وقيل: غرس الشجر أربعين سنة وجففه أربعين سنة. # وعن كعب الأحبار أن نوحا عمل السفينة في ثلاثين سنة، وروى أنها كانت ~~ثلاث طبقات، الطبقة السفلى للدواب والوحوش، والطبقة الوسطى فيها الإنس، ~~والطبقة العليا فيها الطير، فلما كثرت أرواث الدواب أوحى الله إلى نوح ~~أن اغمز ذنب الفيل فغمزه فوقع منه خنزير وخنزيرة، فأقبلا على الروث، ~~فلما وقع الفار بجوف السفينة فجعل يقرضها ويقرض حبالها، أوحى الله تعالى ~~إليه أن اضرب بين عيني الأسد فضرب فخرج من منخره سنور وسنورة، فأقبلا ~~على الفار. # قوله تعالى: { وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا ~~منه } ، كانوا يقولون: إن هذا الذي يزعم أنه نبي قد صار نجارا. ~~وروي أنهم كانوا يقولون له: يانوح ماذا تصنع؟ فيقول: أصنع بيتا يمشي ~~على الماء، فيضحكون منه، { قال إن تسخروا منا فإنا ~~نسخر منكم } ، إذا عاينتم عذاب الله، { كما تسخرون } ، فإن ~~قيل: كيف تجوز السخرية من النبي؟ قيل: هذا على ازدواج الكلام، يعني: إن ~~تستجهلوني فإني استجهلكم إذا نزل العذاب بكم. وقيل: معناه إن تسخروا منا ~~فسترون عاقبة سخريتكم. ### || [11.39] ms1110 # { فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه } ، يهينه، { ~~ويحل عليه } ، يجب عليه، { عذاب مقيم } ، دائم. ### || [11.40] # { حتى إذا جآء أمرنا } عذابنا، { وفار التنور } ، ~~اختلفوا في التنور، قال عكرمة والزهري: هو وجه الأرض، وذلك أنه قيل لنوح: ~~إذا رأيت الماء فار على وجه الأرض فاركب السفينة. # وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: فار التنور أي: طلع الفجر ونور ~~الصبح. # وقال الحسن ومجاهد والشعبي: إنه التنور الذي يخبز فيه، وهو قول أكثر ~~المفسرين. # ورواية عطية عن ابن عباس قال الحسن: كان تنورا من حجارة، كانت حواء ~~تخبز فيه فصار إلى نوح عليه السلام، فقيل لنوح: إذا رأيت الماء يفور من ~~التنور فاركب السفينة أنت وأصحابك. # واختلفوا في موضعه، قال مجاهد والشعبي: كان في ناحية الكوفة. وكان ~~الشعبي يحلف: ما فار التنور إلا من ناحية الكوفة. وقال: اتخذ نوح ~~السفينة في جوف مسجد الكوفة. وكان التنور على يمين الداخل مما يلي باب ~~بني كندة، وكان فوران الماء منه علما لنوح عليه السلام. # وقال مقاتل: كان ذلك تنور آدم، وكان بالشام بموضع يقال له: عين ورده. # وروي عن ابن عباس: أنه كان بالهند. # والفوران: الغليان. # قوله تعالى: { قلنا احمل فيها } ، أي: في السفينة، { من كل ~~زوجين اثنين } ، الزوجان: كل اثنين لا يستغني أحدهما عن الآخر، ~~يقال لكل واحد منهما زوج، يقال: زوج خف وزوج نعل، والمراد بالزوجين ~~ههنا: الذكر والأنثى. # قرأ حفص ههنا وفي سورة المؤمنين: { من كل } بالتنوين، أي: من كل ~~صنف زوجين اثنين، ذكره تأكيدا. # وفي القصة: أن نوحا عليه الصلاة والسلام قال: يا رب كيف أحمل من ~~زوجين اثنين، ولا أعرف الذكر من الأنثى؟ فحشر الله إليه الوحوش والسباع ~~والهوام والطير، فجعل يضرب بيديه في كل جنس فيقع الذكر في يده والأنثى في ~~يده اليسرى، فيحمله في السفينة. # { وأهلك } ، أي: واحمل أهلك، أي: ولدك وعيالك، { إلا من ~~سبق عليه القول } ، بالهلاك يعني امرأته واعلة وابنه كنعان، ~~{ ومن ءامن } ، يعني: واحمل من آمن بك، قال الله تعالى: # { ومآ ءامن معه إلا ms1111 قليل } ، واختلفوا في عددهم، قال ~~قتادة وابن جريج ومحمد بن كعب القرظي: لم يكن في السفينة إلا ثمانية، نوح ~~وامرأته وثلاثة بنين له سام وحام يافث، ونساؤهم. وقال الأعمش: كانوا سبعة ~~نوح وثلاثة بنين له وثلاث كنائن له. # وقال ابن إسحاق: كانوا عشرة سوى نسائهم، نوح وبنوه سام وحام ويافث وستة ~~أناس ممن كان آمن به وأزواجهم جميعا. # وقال مقاتل: كانوا اثنين وسبعين نفرا نوحا وامرأته وبنيه الثلاثة ~~ونسائهم، فجميعهم ثمانية وسبعون نصفهم رجال ونصفهم نساء. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان في سفينة نوح ثمانون رجلا أحدهم ~~جرهم. # قال مقاتل: حمل نوح معه جسد آدم فجعله معترضا بين الرجال والنساء وقصد ~~نوحا جميع الدواب والطيور ليحملها. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: أول ما حمل نوح الدرة وآخر ما حمل الحمار، ~~فلما دخل الحمار دخل صدره تعلق إبليس بذنبه، فلم يستقل رجلاه فجعل نوح ~~يقول: ويحك ادخل فنهض فلم يستطع، حتى قال نوح: ويحك ادخل وإن كان ~~الشيطان معك كلمة زلت على لسانه، فلما قالها نوح خلى الشيطان سبيله ~~فدخل ودخل الشيطان معه، فقال له نوح: ما أدخلك علي يا عدو الله؟ قال: ~~ألم تقل ادخل وإن كان الشيطان معك، قال: اخرج عني يا عدو الله، فقال: ما ~~لك بد من أن تحملني معك، فكان فيما يزعمون في ظهر الفلك. # وروي عن بعضهم: أن الحية والعقرب أتيا نوحا فقالتا: احملنا، فقال: ~~إنكما سبب الضر والبلاء، فلا أحملكما، فقالتا له: احملنا ونحن نضمن لك أن ~~لا نضر أحدا ذكرك فمن قرأ حين خاف مضرتهما سلام على نوح في العالمين ~~ما ضرتاه. # قال الحسن: لم يحمل نوح في السفينة إلا ما يلد ويبيض، فأما ما يتولد ~~من الطين من حشرات الأرض كالبق والبعوض والذباب فلم يحمل منها شيئا. ### || [11.41-43] # { وقال اركبوا فيها } ، أي: وقال لهم نوح اركبوا في السفينة، { ~~بسم الله مجريها ومرساهآ } ، قرأ حمزة والكسائي وحفص: ~~«مجريها» بفتح الميم أي: جريها «ومرساها» بضمها، وقرأ محمد بن محيصن ~~«مجريها ms1112 ومرساها بفتح الميمين من جرت ورست، أي: بسم الله جريها ~~ورسوها، وهما مصدران. وقرأ الآخرون: «مجراها ومرساها» بضم الميمين من ~~أجريت وأرسيت، أي: بسم الله إجراؤها وإرساؤها وهما أيضا مصدران، ~~كقوله: # أنزلنى منزلا مباركا # [المؤمنون: 29] و # أدخلنى مدخل صدق وأخرجنى مخرج صدق # [الإسراء: 80] والمراد منها: الإنزال والإدخال والإخراج. { إن ~~ربى لغفور رحيم } ، قال الضحاك: كان نوح إذا أراد أن تجري ~~السفينة قال: بسم الله، فجرت، وإذا أراد أن ترسو قال: بسم الله، فرست. # { وهى تجرى بهم فى موج كالجبال } ، والموج ما ارتفع ~~من الماء إذا اشتدت عليه الريح، شبهه بالجبال في عظمه وارتفاعه على ~~الماء. { ونادى نوح ابنه } ، كنعان، وقال عبيد بن عمير: سام، ~~وكان كافرا، { وكان فى معزل } ، عنه لم يركب السفينة، { ~~يبنى اركب معنا } ، قرأ ابن عامر وحمزة وعاصم ويعقوب بإظهار ~~الباء، والآخرون يدغمونها في الميم، { ولا تكن مع الكفرين ~~} ، فتهلك. # { قال } له ابنه: { سآوى } ، سأصير وألتجىء، { إلى جبل ~~يعصمنى من المآء } ، يمنعني من الغرق، { قال } له نوح: { لا ~~عاصم اليوم من أمر الله } ، أي: من عذاب الله، { إلا ~~من رحم } ، قيل: «من» في محل رفع، أي: لا مانع من عذاب الله إلا ~~الله الراحم. وقيل: «من» في محل النصب، معناه لا معصوم إلا من رحمه الله، ~~كقوله: # في عيشة راضية # [الحاقة: 21] أي: مرضية، { وحال بينهما الموج فكان } ، ~~فصار، { من المغرقين }. # وروي أن الماء علا على رؤوس الجبال قدر أربعين ذراعا، وقيل: خمسة عشر ~~ذراعا. # وروي: أنه لما كثر الماء في السكك خشيت أم لصبي عليه، وكانت تحبه ~~حبا شديدا، فخرجت إلى الجبل حتى بلغت ثلثه، فلما بلغها الماء ارتفعت ~~حتى بلغت ثلثيه، فلما بلغها الماء ذهبت حتى استوت على الجبل، فلما بلغ ~~الماء رقبتها رفعت الصبي بيديها حتى ذهب بها الماء، فلو رحم الله منهم ~~أحدا لرحم أم الصبي. ### || [11.44] # { وقيل } ، يعني: بعدما تناهى أمر الطوفان: { يأرض ابلعى } ، ~~تشربي، { مآءك ويسمآء أقلعى } ، أمسكي، { وغيض ~~المآء } ، نقص ونضب، يقال: غاض الماء يغيض غيضا إذا نقص، وغاضه الله، ~~{ وقضى ms1113 الأمر } ، فرغ من الأمر وهو هلاك القوم { واستوت } ، ~~يعني: السفينة استقرت، { على الجودى } ، وهو جبل بالجزيرة بقرب ~~الموصل، { وقيل بعدا } ، هلاكا، { للقوم الظلمين }. # وروي أن نوحا عليه السلام بعث الغراب ليأتيه بخبر الأرض فوقع على جيفة ~~فلم يرجع فبعث الحمامة فجاءت بورق زيتون في منقارها ولطخت رجليها بالطين، ~~فعلم نوح أن الماء قد نضب، فقيل: إنه دعا على الغراب بالخوف فذلك لا يألف ~~البيوت، وطوق الحمامة الخضرة التي في عنقها ودعا لها بالأمان، فمن ثم ~~تأمن وتألف البيوت. # وروي: أن نوحا ركب السفينة لعشر مضت من رجب وجرت بهم السفينة ستة ~~أشهر، ومرت بالبيت فطافت به سبعا وقد رفعه الله من الغرق وبقي موضعه، ~~وهبطوا يوم عاشوراء، فصام نوح، وأمر جميع من معه بالصوم شكرا لله عز ~~وجل. # وقيل: ما نجا من الكفار من الغرق غير عوج بن عنق كان الماء إلى ~~حجزته، وكان سبب نجاته أن نوحا احتاج إلى خشب ساج للسفينة فلم يمكنه ~~نقله فحمله عوج إليه من الشام، فنجاه الله تعالى من الغرق لذلك. ### || [11.45-46] # قوله تعالى: { ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من ~~أهلي } ، وقد وعدتني أن تنجيني وأهلي؟ { وإن وعدك الحق ~~} ، لا خلف فيه، { وأنت أحكم الحكمين } ، حكمت على قوم ~~بالنجاة وعلى قوم بالهلاك. # { قال } الله عز وجل { ينوح إنه ليس من أهلك ~~إنه عمل غير صلح } ، قرأ الكسائي ويعقوب: «عمل» بكسر ~~الميم وفتح اللام «غير» بنصب الراء على الفعل، أي: عمل الشرك والتكذيب. ~~وقرأ الآخرون بفتح الميم ورفع اللام وتنوينه، «غير» برفع الراء معناه: أن ~~سؤالك إياي أن أنجيه عمل غير صالح، { فلا تسألني } ، يانوح، { ~~ما ليس لك به علم } # قرأ أهل الحجاز والشام «فلا تسألن» بفتح اللام وتشديد النون، ويكسرون ~~النون غير ابن كثير فإنه يفتحها. وقرأ الآخرون بجزم اللام وكسر النون ~~خفيفة، ويثبت أبو جعفر وأبو عمرو وورش ويعقوب الياء في الوصل. # { إنى أعظك أن تكون من الجهلين } # واختلفوا في هذا الابن؛ قال مجاهد والحسن: كان ولد حنث من غير نوح، ms1114 ولم ~~يعلم بذلك نوح، ولذلك قال: { ما ليس لك به علم } وقرأ الحسن: # فخانتاهما # [التحريم: 10]. # وقال أبو جعفر الباقر: كان ابن امرأته وكان يعلمه نوح ولذلك قال: «من ~~أهلي»، ولم يقل مني. # وقال ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك والأكثرون: إنه كان ابن نوح ~~عليه السلام من صلبه. قال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط. وقوله: { ~~إنه ليس من أهلك } أي: من أهل الدين، لأنه كان مخالفا له ~~في الدين، وقوله: «فخانتاهما» أي: في الدين والعمل الصالح لا في الفراش. # وقوله: { إنى أعظك أن تكون من الجهلين } ، يعني: ~~أن تدعو بهلاك الكفار ثم تسأل نجاة كافر. ### || [11.47-48] # { قال } نوح { رب إنى أعوذ بك أن أسألك ما ليس ~~لى به علم وإلا تغفر لى وترحمنى أكن من ~~الخسرين }. # { قيل ينوح اهبط } إنزل من السفينة، { بسلم منا } ، ~~أي بأمن وسلامة منا، { وبركت عليك } ، البركة هي: ثبوت الخير، ~~ومنه: بروك البعير. وقيل: البركة هاهنا هي أن الله تعالى جعل ذريته هم ~~الباقين إلى يوم القيامة، { وعلى أمم ممن معك } ، أي: على ~~ذرية أمم ممن كان معك في السفينة، يعني على قرون تجيء من بعدك، من ذرية ~~من معك، من ولدك وهم المؤمنون، قال محمد ابن كعب القرظي: دخل فيه كل مؤمن ~~إلى قيام الساعة { وأمم سنمتعهم } ، هذا ابتداء، أي: أمم ~~سنمتعهم في الدنيا، { ثم يمسهم منا عذاب أليم } ، وهم ~~الكافرون وأهل الشقاوة. ### || [11.49-52] # { تلك من أنبآء الغيب } ، من أخبار الغيب، { نوحيهآ ~~إليك ما كنت تعلمهآ أنت ولا قومك من قبل هذا ~~} ، من قبل نزول القرآن، { فاصبر } ، على القيام بأمر الله وتبليغ ~~الرسالة وما تلقى من أذى الكفار كما صبر نوح، { إن العقبة } ~~آخر الأمر بالسعادة والنصرة { للمتقين }. # قوله تعالى: { وإلى عاد } أي: وأرسلنا إلى عاد، { أخهم ~~هودا } ، في النسب لا في الدين، { قال يقوم اعبدوا الله ~~} ، وحدوا الله { ما لكم من إله غيره إن أنتم ~~إلا مفترون } ، ما أنتم [في إشراككم] إلا كاذبون. # { يقوم لا أسألكم عليه } ، أي: على تبليغ الرسالة، ms1115 { ~~أجرا } ، جعلا، { إن أجرى } ، ما ثوابي، { إلا على ~~الذى فطرنى } ، خلقني، { أفلا تعقلون }. # { ويقوم استغفروا ربكم } ، أي: آمنوا به، والإستغفار ~~هاهنا بمعنى الإيمان، { ثم توبوا إليه } ، من عبادة غيره ومن ~~سالف ذنوبكم، { يرسل السمآء عليكم مدرارا } ، أي: يرسل ~~المطر متتابعا، مرة بعد أخرى في أوقات الحاجة، { ويزدكم قوة ~~إلى قوتكم } ، أي: شدة مع شدتكم. وذلك أن الله عز وجل حبس ~~عنهم القطر ثلاث سنين، وأعقم أرحام نسائهم فلم يلدن، فقال لهم هود عليه ~~السلام: إن آمنتم أرسل الله عليكم المطر، فتزدادون مالا، ويعيد أرحام ~~الأمهات إلى ما كانت، فيلدن فتزدادون قوة بالأموال والأولاد. وقيل: ~~تزدادون قوة في الدين إلى قوة في البدن. { ولا تتولوا ~~مجرمين } ، أي: لا تدبروا مشركين. ### || [11.53-56] # { قالوا يهود ما جئتنا ببينة } ، أي: ببرهان وحجة ~~واضحة على ما تقول، { وما نحن بتاركى ءالهتنا عن ~~قولك } ، أي: بقولك، { وما نحن لك بمؤمنين } ، بمصدقين. # { إن نقول إلا اعتراك بعض ءالهتنا } أي: أصابك { ~~بسوء } يعني: لست تتعاطى ما نتعاطاه من مخالفتنا وسب آلهتنا إلا ~~أن بعض آلهتنا، اعتراك، أي: أصابك بسوء بخبل وجنون، وذلك أنك سببت ~~آلهتنا فانتقموا منك بالتخبيل لا نحمل أمرك إلا على هذا، { قال } ، لهم ~~هود، { إنى أشهد الله } ، على نفسي، { واشهدوا } ، ~~ياقوم { أني بريء مما تشركون }. # { من دونه } ، يعني: الأوثان، { فكيدوني جميعا } ، فاحتالوا ~~في مكركم وضري أنتم وأوثانكم، { ثم لا تنظرون } ، [لا تؤخرون ولا ~~تمهلون]. # { إني توكلت } ، أي: اعتمدت { على الله ربي ~~وربكم ما من دآبة إلا هو آخذ بناصيتهآ } قال ~~الضحاك: يحييها ويميتها. # قال الفراء: مالكها والقادر عليها. # وقال القتيبي: يقهرها، لأن من أخذت بناصيته فقد قهرته. # وقيل: إنما خص الناصية بالذكر لأن العرب تستعمل ذلك إذا وصفت إنسانا ~~بالذلة، فتقول: ناصية فلان بيد فلان، وكانوا إذا أسروا إنسانا وأرادوا ~~إطلاقه والمن عليه جزوا ناصيته ليعتدوا بذلك فخرا عليه، فخاطبهم ~~الله بما يعرفون. { إن ربى على صرط مستقيم } ، يعني: ~~إن ربي وإن كان قادرا عليهم فإنه لا يظلمهم ولا يعمل إلا بالإحسان ~~والعدل، فيجازي المحسن ms1116 بإحسانه والمسيء بعصيانه. وقيل: معناه إن دين ربي ~~إلى صراط مستقيم. # وقيل: فيه إضمار، أي: إن ربي يحثكم ويحملكم على صراط مستقيم. ### || [11.57-60] # { فإن تولوا } ، أي: تتولوا، يعني: تعرضوا عما دعوتكم إليه، { ~~فقد أبلغتكم مآ أرسلت به إليكم ويستخلف ~~ربى قوما غيركم } ، أي: إن أعرضتم يهلككم الله عز وجل ~~ويستبدل بكم قوما غيركم أطوع منكم يوحدونه ويعبدونه، { ولا ~~تضرونه شيئا } ، بتوليكم وإعراضكم، إنما تضرون أنفسكم. وقيل: ~~لاتنقصونه شيئا إذا أهلككم لأن وجودكم وعدمكم عنده سواء، { إن ~~ربي على كل شيء حفيظ } ، أي: لكل شيء حافظ، يحفظني من أن ~~تنالوني بسوء. # قوله تعالى: { ولما جآء أمرنا } ، عذابنا، { نجينا ~~هودا والذين ءامنوا معه } ، وكانوا أربعة آلاف. { ~~برحمة } بنعمة { منا ونجيناهم من عذاب غليظ } ~~، وهو الريح التي أهلك بها عادا، وقيل: العذاب الغليظ: عذاب يوم ~~القيامة، أي: كما نجيناهم في الدنيا من العذاب كذلك نجيناهم في الآخرة. # { وتلك عاد } ، رده إلى القبيلة، { جحدوا بآيت ربهم ~~وعصوا رسله } ، يعني: هودا وحده، وذكره بلفظ الجمع لأن من ~~كذب رسولا كان كمن كذب الرسل، { واتبعوا أمر كل جبار ~~عنيد } أي: واتبع السفلة والسقاط أهل التكبر والعناد، والجبار: ~~المتكبر، والعنيد: الذي لايقبل الحق، يقال: عند الرجل يعند عنودا ~~إذا أبى أن يقبل الشيء وإن عرفه. وقال أبو عبيدة: العنيد والعاند والعنود ~~والمعاند: المعارض لك بالخلاف. # { وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة } ، أي: أردفوا ~~لعنة تلحقهم وتنصرف معهم، واللعنة: هي الإبعاد والطرد عن الرحمة، { ~~ويوم القيمة } ، أي: وفي يوم القيامة أيضا لعنوا كما لعنوا ~~في الدنيا والآخرة، { ألا إن عادا كفروا ربهم } ، أي: ~~بربهم، يقال: كفرته وكفرت به، كما يقال: شكرته وشكرت له ونصحته ونصحت ~~له. { ألا بعدا لعاد قوم هود } ، قيل: بعدا من رحمة الله. ~~وقيل: هلاكا. وللبعد معنيان: أحدهما ضد القرب، يقال منه: بعد ~~يبعد بعدا، والآخر: بمعنى الهلاك، يقال: منه بعد يبعد بعدا ~~وبعدا. ### || [11.61-62] # قوله تعالى: { وإلى ثمود أخاهم صلحا } ، أي: أرسلنا إلى ~~ثمود أخاهم صالحا في النسب لا في الدين، { قال يقوم اعبدوا ~~الله ms1117 } وحدوا الله عز وجل، { ما لكم من إله غيره ~~هو أنشأكم من الأرض } ، ابتدأ خلقكم، { من الأرض } ، ~~وذلك أنهم من آدم عليه السلام وآدم خلق من الأرض، { واستعمركم ~~فيها } ، أي: جعلكم عمارها وسكانها، قال الضحاك: أطال عمركم فيها ~~حتى كان الواحد منهم يعيش ثلثمائة سنة إلى ألف سنة، وكذلك قوم عاد. # قال مجاهد: أعمركم من العمري، أي: جعلها لكم ما عشتم. وقال قتادة: ~~أسكنكم فيها. # { فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربى قريب } ، ~~من المؤمنين، { مجيب } لدعائهم. # { قالوا } ، يعني ثمود: { يصلح قد كنت فينا مرجوا ~~قبل هذا } ، القول، [أي: كنا نرجوا] أن تكون سيدا فينا. وقيل: ~~كنا نرجوا أن تعود إلى ديننا، وذلك أنهم كانوا يرجون رجوعه إلى دين ~~عشيرته، فلما أظهر دعاءهم إلى الله عز وجل وترك الأصنام زعموا أن ~~رجاءهم انقطع عنه، فقالوا: { أتنهانآ أن نعبد ما يعبد ~~ءاباؤنا } من قبل، من الآلهة، { وإننا لفى شك مما ~~تدعونآ إليه مريب } ، موقع للريبة والتهمة، يقال: أربته ~~إرابة إذا فعلت به فعلا يوجب له الريبة. ### || [11.63-65] # { قال يقوم أرءيتم إن كنت على بينة من ~~ربى وءاتنى منه رحمة } ، نبوة وحكمة، { فمن ~~ينصرنى من الله } ، أي: من يمنعني من عذاب الله، { إن ~~عصيته فما تزيدوننى غير تخسير } ، قال ابن عباس: ~~معناه: غير بصارة في خسارتكم. # قال الحسين بن الفضل: لم يكن صالح عليه السلام في خسارة حتى قال فما ~~«فما تزيدونني غير تخسير»، وإنما المعنى: ما تزيدونني بما تقولون إلا ~~نسبتي إياكم إلى الخسارة. # والتفسيق والتفجير في اللغة هو: النسبة إلى الفسق والفجور، وكذلك ~~التخسير هو: النسبة إلى الخسران. # { ويقوم هذه ناقة الله لكم آية } ، نصب على الحال ~~والقطع، وذلك أن قومه طلبوا منه أن يخرج ناقة عشراء من هذه الصخرة، ~~وأشاروا إلى صخرة، فدعا صالح عليه السلام فخرجت منها ناقة وولدت في الحال ~~ولدا مثلها، فهذا معنى قوله: { هذه ناقة الله لكم ءاية ~~فذروها تأكل فى أرض الله } ، من العشب والنبات فليست ~~عليكم مؤونتها، { ولا تمسوها بسوء }: ولا تصيبوها بعقر، { ~~فيأخذكم ms1118 } ، إن قتلتموها، { عذاب قريب }. # { فعقروها فقال } لهم صالح: { تمتعوا } ، عيشوا، { فى ~~داركم } ، أي: في دياركم، { ثلثة أيام } ، ثم تهلكون، { ~~ذلك وعد غير مكذوب } ، أي: غير كذب. # روي أنه قال لهم: يأتيكم العذاب بعد ثلاثة أيام فتصبحون اليوم الأول ~~ووجوهكم مصفرة، وفي اليوم الثاني محمرة، وفي اليوم الثالث ~~مسودة، فكان كما قال، وأتاهم العذاب اليوم الرابع. ### || [11.66-69] # قوله تعالى: { فلما جآء أمرنا نجينا صلحا ~~والذين ءامنوا معه برحمة منا } ، بنعمة منا، { ~~ومن خزى يومئذ } ، أي: من عذابه وهوانه، قرأ أبو جعفر ونافع ~~والكسائي: «خزي يومئذ» و «عذاب يومئذ»، بفتح الميم. وقرأ الباقون ~~بالكسر. { إن ربك هو القوى العزيز }. # { وأخذ الذين ظلموا } ، كفروا، { الصيحة } ، وذلك أن ~~جبريل عليه السلام صاح صيحة واحدة فهلكوا جميعا. وقيل: أتتهم صيحة من ~~السماء فيها صوت كل صاعقة وصوت كل شيء في الأرض، فتقطعت قلوبهم في ~~صدورهم. وإنما قال: «وأخذ» الصيحة مؤنثة، لأن الصيحة بمعنى الصياح. { ~~فأصبحوا فى ديارهم جثمين } ، صرعى هلكى. # { كأن لم يغنوا فيها } ، يقيموا ويكونوا فيها { ألا إن ~~ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود } ، قرأ حمزة وحفص ~~ويعقوب: «ثمود» غير منون، وكذلك في سورة الفرقان والعنكبوت والنجم، ~~ووافق أبو بكر في النجم، وقرأ الباقون بالتنوين، وقرأ الكسائي: «لثمود» ~~بخفض الدال والتنوين، والباقون بنصب الدال، فمن جره فلأنه اسم مذكر، ومن ~~لم يجره جعله اسما للقبيلة. # قوله تعالى: { ولقد جآءت رسلنآ إبرهيم بالبشرى ~~} ، أراد بالرسل الملائكة. واختلفوا في عددهم، فقال ابن عباس وعطاء: ~~كانوا ثلاثة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل. # وقال الضحاك: كانوا تسعة. # وقال مقاتل: كانوا اثنى عشر ملكا. # وقال محمد بن كعب: كان جبريل ومعه سبعة. # وقال السدي: كانوا أحد عشر ملكا على صورة الغلمان الوضاء وجوههم. # { بالبشرى } بالبشارة بإسحاق ويعقوب. وقيل: بإهلاك قوم لوط. # { قالوا سلما } ، أي: سلموا سلاما، { قال } إبراهيم { ~~سلم } ، أي عليكم سلام: وقيل: هو رفع على الحكاية، كقوله تعالى: # وقولوا حطة # [البقرة:85 والأعراف:161]، وقرأ حمزة والكسائي «سلم» هاهنا وفي سورة ~~الذاريات بكسر السين بلا ألف. قيل: هو بمعنى السلام. كما يقال: ms1119 حل ~~وحلال، وحرم وحرام. وقيل: هو بمعنى الصلح، أي: نحن سلم أي صلح لكم غير ~~حرب. # { فما لبث أن جآء بعجل حنيذ } ، والحنيذ والمحنوذ: هو ~~المشوي على الحجارة في خد من الأرض، وكان سمينا يسيل دسما، كما قال ~~في موضع آخر: # فجآء بعجل سمين # [الذاريات: 26]: قال قتادة: كان عامة مال إبراهيم البقر. ### || [11.70-71] # { فلما رءآ أيديهم لا تصل إليه } ، أي: إلى العجل، ~~{ نكرهم } ، أنكرهم، { وأوجس } ، أضمر، { منهم خيفة } ، ~~خوفا. قال مقاتل: وقع في قلبه، وأصل الوجوس: الدخول، كان الخوف دخل ~~قلبه. قال قتادة: وذلك أنهم كانوا إذا نزل بهم ضيف فلم يأكل من طعامهم ~~ظنوا أنه لم يأت بخير وإنما جاء بشر. { قالوا لا تخف } ، يا ~~إبراهيم { إنا رسل ربك. يعني:] { إنا } ملائكة الله { أرسلنآ ~~إلى قوم لوط }. # { وامرأته } ، سارة بنت هاران ابن أحور وهي ابنة عم إبراهيم، { ~~قآئمة } من وراء الستر تسمع كلامهم. وقيل: كانت قائمة تخدم الرسل، ~~وإبراهيم جالس معهم. { فضحكت } ، قال مجاهد وعكرمة: ضحكت أي: حاضت ~~في الوقت، تقول العرب: ضحكت الأرنب، أي: حاضت. والأكثرون على أن المراد ~~منه الضحك المعروف. # واختلفوا في سبب ضحكها، فقيل: ضحكت لزوال الخوف عنها وعن إبراهيم حين ~~قالوا لا تخف. وقال السدي: لما قرب إبراهيم الطعام إليهم فلم يأكلوا ~~خاف إبراهيم وظنهم لصوصا فقال لهم: ألا تأكلون؟ قالوا: إنا لا نأكل ~~طعاما إلا بثمن، قال إبراهيم: فإن له ثمنا، قالوا: وما ثمنه؟ قال ~~تذكرون اسم الله على أوله وتحمدونه على آخره، فنظر جبريل إلى ميكائيل ~~وقال: حق لهذا أن يتخذه ربه خليلا، فلما رأى إبراهيم وسارة أيديهم لا ~~تصل إليه ضحكت سارة، وقالت: ياعجبا لأضيافنا إنا نخدمهم بأنفسنا تكرمة ~~لهم وهم لا يأكلون طعامنا. # وقال قتادة: ضحكت من غفلة قوم لوط وقرب العذاب منهم. # وقال مقاتل والكلبي: ضحكت من خوف إبراهيم من ثلاثة [في بيته] وهو فيما ~~بين خدمه وحشمه. # وقيل: ضحكت سرورا بالبشارة. # وقال ابن عباس ووهب: ضحكت تعجبا من أن يكون لها ولد على كبر سنها وسن ~~زوجها. وعلى ms1120 هذا القول تكون الآية على التقديم والتأخير، تقديره: ~~وامرأته قائمة فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، فضحكت، وقالت: ~~يا ويلتي أألد وأنا عجوز. # قوله تعالى: { فبشرنها بإسحق ومن ورآء إسحق ~~} ، أي: من بعد إسحاق، { يعقوب } ، أراد به والد الولد فبشرت أنها ~~تعيش حتى ترى ولد ولدها قرأ ابن عامر وحمزة وحفص ويعقوب بنصب الباء، أي: ~~من وراء إسحاق يعقوب. وقيل: بإضمار فعل، أي: ووهبنا له من وراء يعقوب. ~~وقرأ الباقون بالرفع على حذف حرف الصفة. وقيل: ومن بعد إسحاق يحدث يعقوب، ~~فلما بشرت بالولد ضحكت فصكت وجهها، أي: ضربت وجهها تعجبا. ### || [11.72-73] # { قالت يويلتى } ، نداء ندبة وهي كلمة يقولها الإنسان عند ~~رؤية ما يتعجب منه، أي: يا عجبا. والأصل ياويلتاه. { ءألد وأنا ~~عجوز } ، وكانت ابنة تسعين سنة في قول ابن إسحاق. وقال مجاهد: تسعا ~~وتسعين سنة. { وهذا بعلى } ، زوجي، سمي بذلك لأنه قيم أمرها، ~~{ شيخا }؛ نصب على الحال، وكان سن إبراهيم مائة وعشرين سنة في قول ~~ابن إسحاق. وقال مجاهد: مائة سنة، وكان بين البشارة والولادة سنة، { ~~إن هذا لشىء عجيب }. # { قالوا } ، يعني الملائكة، { أتعجبين من أمر الله } ، ~~معناه: لا تعجبي من أمر الله، فإن الله عز وجل إذا أراد شيئا كان. ~~{ رحمت الله وبركته عليكم أهل البيت } ، أي: ~~بيت إبراهيم عليه السلام. قيل: هذا على معنى الدعاء من الملائكة، وقيل: ~~معنى الخير والرحمة والنعمة. # والبركات جمع البركة، وهي ثبوت الخير. وفيه دليل على أن الأزواج من أهل ~~البيت. # { إنه حميد مجيد } ، فالحميد: المحمود في أفعاله، والمجيد: ~~الكريم، وأصل المجد الرفعة. ### || [11.74-77] # { فلما ذهب عن إبراهيم الروع } ، الخوف، { ~~وجآءته البشرى } ، بإسحاق ويعقوب، { يجدلنا فى قوم ~~لوط } ، فيه إضمار، أي: أخذ وظل يجادلنا. # قيل: معناه يكلمنا لأن إبراهيم عليه السلام لايجادل ربه عز وجل إنما ~~يسأله ويطلب إليه. # وقال عامة أهل التفسير: معناه يجادل رسلنا، وكانت مجادلته أنه قال ~~للملائكة: أرأيتم لو كان في مدائن لوط خمسون من المؤمنين أتهلكونهم؟ ~~قالوا: لا، قال: أو أربعون؟ قالوا: لا، قال: أو ثلاثون؟ قالوا: ms1121 لا، حتى ~~بلغ خمسة، قالوا: لا، قال: أرأيتم إن كان فيها رجل واحد مسلم ~~أتهلكونها؟ قالوا: لا، قال لهم إبراهيم عليه السلام عند ذلك: إن فيها ~~لوطا، قالوا: نحن أعلم بمن فيها، لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من ~~الغابرين. # { إن إبرهيم لحليم أواه منيب } ، قال ابن جريج: ~~وكان في قرى قوم لوط أربعة آلاف ألف، فقالت الرسل عند ذلك لإبراهيم. # { يإبرهيم أعرض عن هذآ } ، أي: أعرض عن هذا المقال ~~ودع عنك الجدال، { إنه قد جآء أمر ربك } ، أي، عذاب ربك ~~وحكم ربك، { وإنهم آتيهم } ، نازل بهم، { عذاب غير ~~مردود } ، أي: غير مصروف عنهم. # قوله تعالى: { ولما جآءت رسلنا } ، يعني: هؤلاء الملائكة، { ~~لوطا } ، على صورة غلمان مرد حسان الوجوه، { سىء بهم } ، أي: حزن ~~لوط بمجيئهم، يقال: سؤته فسيء، كما يقال: سررته فسر. { وضاق بهم ~~ذرعا } ، أي: قلبا. يقال: ضاق ذرع فلان بكذا: إذا وقع في مكروه لا ~~يطيق الخروج منه، وذلك أن لوطا عليه السلام لما نظر إلى حسن وجوههم وطيب ~~روائحهم أشفق عليهم من قومه أن يقصدوهم بالفاحشة، وعلم أنه سيحتاج إلى ~~المدافعة عنهم. # { وقال هذا يوم عصيب } ، أي: شديد كأنه عصب به الشر ~~والبلاء، أي: شد. # قال قتادة والسدي: خرجت الملائكة من عند إبراهيم عليه السلام نحو قرية ~~قوم لوط فأتوا لوطا نصف النهار، وهو في أرض له يعمل فيها. # وقيل: إنه كان يحتطب. وقد قال الله تعالى لهم: لا تهلكوهم حتى يشهد ~~عليهم لوط أربع شهادات، فاستضافوه فانطلق بهم، فلما مشى ساعة قال لهم: ما ~~بلغكم أمر أهل هذه القرية؟ قالوا: وما أمرهم؟ قال: أشهد بالله إنها لشر ~~قرية في الأرض عملا. يقول ذلك أربع مرات، فدخلوا معه منزله. # وروي: أنه حمل الحطب وتبعته الملائكة فمر على جماعة من قومه فغمزوا ~~فيما بينهم، فقال لوط: إن قومي شر خلق الله، ثم مر على قوم آخرين، ~~فغمزوا، فقال مثله، ثم مر بقوم آخرين فقال مثله، فكان كلما قال لوط هذا ~~القول قال جبريل للملائكة: اشهدوا، حتى أتى منزله. # وروي: ms1122 أن الملائكة جاؤوا إلى بيت لوط فوجدوه في داره ولم يعلم بذلك أحد ~~إلا أهل بيت لوط، فخرجت امرأته فأخبرت قومها، وقالت: إن في بيت لوط ~~رجالا ما رأيت مثل وجوههم قط. ### || [11.78] # { وجآءه قومه يهرعون إليه } ، قال ابن عباس وقتادة: ~~يسرعون إليه. وقال مجاهد: يهرولون، وقال الحسن: مشي بين مشيتين. قال شمر ~~بن عطية: بين الهرولة والجمز. # { ومن قبل } ، أي: من قبل مجيئهم إلى لوط، { كانوا يعملون ~~السيئات } ، كانوا يأتون الرجال في أدبارهم. { قال } ، لهم لوط ~~حين قصدوا أضيافه وظنوا أنهم غلمان، { يقوم هؤلاء بناتى ~~هن أطهر لكم } ، يعني: بالتزويج، وفي أضيافه ببناته، وكان في ~~ذلك الوقت، تزويج المسلمة من الكافر جائزا كما زوج النبي صلى الله عليه ~~وسلم ابنته من عتبة بن أبي لهب، وأبي العاص بن الربيع قبل الوحي وكانا ~~كافرين. # وقال الحسين بن الفضل: عرض بناته عليهم بشرط الإسلام. # وقال مجاهد وسعيد بن جبير: قوله: { هؤلاء بناتى } ، أراد: ~~نساءهم، وأضاف إلى نفسه لأن كل نبي أبو أمته. وفي قراءة أبي بن كعب: ~~«النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم»[الأحزاب: ~~6] وهو أب لهم. # وقيل: ذكر ذلك على سبيل الدفع لا على التحقيق، ولم يرضوا هذا. # { فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي } ، أي: خافوا ~~الله ولا تخزون في ضيفي، أي: لا تسوؤني ولا تفضحوني في أضيافي. { ~~أليس منكم رجل رشيد } ، صالح سديد. قال عكرمة: رجل يقول ~~لا إله إلا الله. وقال ابن إسحاق: رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. ### || [11.79-81] # { قالوا لقد علمت } ، يالوط، { ما لنا فى بناتك من ~~حق } ، أي: لسن أزواجا لنا فنستحقهن بالنكاح. وقيل: معناه مالنا ~~فيهن من حاجة وشهوة. { وإنك لتعلم ما نريد } ، من إتيان ~~الرجال. # { قال } ، لهم لوط عند ذلك: { لو أن لى بكم قوة } ، أراد ~~قوة البدن، أو القوة بالأتباع، { أو ءاوى إلى ركن شديد } ، ~~أي: انضم إلى عشيرة مانعة. وجواب «لو» مضمر أي لقاتلناكم وحلنا بينكم ~~وبينهم قال أبو هريرة: ما بعث الله بعده نبيا إلا في منعة من عشيرته. # أخبرنا ms1123 عبدالواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، أنبأنا أبو اليمان، أنبأنا ~~شعيب بن أبي حمزة، أنبأنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يغفر الله للوط إن كان ليأوي إلى ركن شديد " # قال ابن عباس وأهل التفسير: أغلق لوط بابه والملائكة معه في الدار، وهو ~~يناظرهم ويناشدهم من وراء الباب، وهم يعالجون تسور الجدار، فلما رأت ~~الملائكة ما يلقى لوط بسببهم: # { قالوا يلوط } ، إن ركنك لشديد، { إنا رسل ربك لن ~~يصلوا إليك } ، فافتح الباب ودعنا وإياهم، ففتح الباب فدخلوا ~~فاستأذن جبريل ربه عز وجل في عقوبتهم، فأذن له، فقام في الصورة التي ~~يكون فيها فنشر جناحه وعليه وشاح من در منظوم، وهو براق الثنايا، ~~أجلى الجبين، ورأسه حبك مثل المرجان، كأنه الثلج بياضا وقدماه إلى ~~الخضرة، فضرب بجناحه وجوههم فطمس أعينهم وأعماهم، فصاروا لا يعرفون ~~الطريق ولايهتدون إلى بيوتهم فانصرفوا وهم يقولون: النجاء النجاء، فإن في ~~بيت لوط أسحر قوم في الأرض سحرونا، وجعلوا يقولون: يالوط كما أنت حتى ~~تصبح فسترى ما تلقى منا غدا، يوعدونه، فقال لوط للملائكة: متى موعد ~~إهلاكهم؟ فقالوا: الصبح، قال: أريد أسرع من ذلك فلو أهلكتموهم الآن، ~~فقالوا: { أليس الصبح بقريب }؟ ثم قالوا، { فأسر } ، يا ~~لوط، { بأهلك }. # قرأ أهل الحجاز: «فاسر وأن اسر» بوصل الألف حيث وقع في القرآن من ~~سرى يسري، وقرأ الباقون بقطع الألف من أسرى يسري، ومعناهما واحد وهو ~~المسير بالليل. # { بقطع من الليل } ، قال ابن عباس: بطائفة من الليل. وقال ~~الضحاك: ببقية. وقال قتادة: بعد مضي أوله وقيل: إنه السحر الأول. # { ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك } ، قرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو: «امرأتك» برفع التاء على الاستثناء من الالتفات، أي: لا ~~يلتفت منكم أحد إلا امرأتك فإنها تلتفت فتهلك، وكان لوط قد أخرجها معه، ~~ونهى من تبعه، ممن أسرى بهم أن يلتفت، سوى زوجته، فإنها لما سمعت هدة ~~العذاب التفتت، وقالت: ms1124 يا قوماه، فأدركها حجر فقتلها. # وقرأ الآخرون: بنصب التاء على استثناء من الإسراء، أي: فأسر بأهلك إلا ~~امرأتك فلا تسر بها وخلفها مع قومها، فإن هواها إليهم، ~~وتصديقه قراءة ابن مسعود: «فأسر بأهلك بقطع من الليل إلا امرأتك ولا ~~يلتفت منكم أحد». # { إنه مصيبها مآ أصابهم } ، من العذاب، { إن ~~موعدهم الصبح } ، أي: موعد هلاكهم وقت الصبح، فقال لوط: أريد ~~أسرع من ذلك، فقالوا: { أليس الصبح بقريب }. ### || [11.82-84] # قوله: { فلما جآء أمرنا } عذابنا، { جعلنا عليها ~~سافلها } ، وذلك أن جبريل عليه السلام أدخل جناحه تحت قرى قوم لوط ~~المؤتفكات وهي خمس مدائن، وفيها أربعمائة ألف. وقيل: أربعة آلاف ألف، ~~فرفع المدائن كلها حتى سمع أهل السماء صياح الديكة، ونباح الكلاب، فلم ~~يكفأ لهم إناء ولم ينتبه نائم، ثم قلبها فجعل عاليها سافلها. { ~~وأمطرنا عليها } ، أي على شذاذها ومسافريها. وقيل: بعدما قلبها ~~أمطر عليها، { حجارة من سجيل } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما ~~وسعيد بن جبير: (سنك وكل) فارسي معرب. وقال قتادة وعكرمة: السجيل الطين، ~~دليله قوله عز وجل: # لنرسل عليهم حجارة من طين # [الذاريات: 33]. # قال مجاهد: أولها حجر وأخرها طين. # وقال الحسن: كان أصل الحجارة طينا فشددت. # وقال الضحاك: يعني الآجر. # وقيل: السجيل اسم السماء الدنيا. # وقيل: هو جبال في السماء، قال الله تعالى: # وينزل من السمآء من جبال فيها من برد # [النور: 43]. # قوله تعالى: { منضود } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: متتابع، ~~يتبع بعضها بعضا، مفعول من النضد، وهو وضع الشيء بعضه فوق بعض. # { مسومة } ، من نعت الحجارة، وهي نصب على الحال، ومعناها معلمة: ~~قال ابن جريج: عليها سيما لاتشاكل حجارة الأرض. # وقال قتادة وعكرمة: عليها خطوط حمر على هيئة الجزع. # وقال الحسن والسدي: كانت مختومة عليها أمثال الخواتيم. # وقيل: مكتوب على كل حجر اسم من رمى به. # { عند ربك وما هى } ، يعني: تلك الحجارة، { من ~~الظلمين } ، أي: من مشركي مكة، { ببعيد } ، وقال قتادة ~~وعكرمة: يعني ظالمي هذه الأمة، والله ما أجار الله منها ظالما بعد. # وفي بعض الآثار: «ما من ms1125 ظالم إلا وهو بعرض حجر يسقط عليه من ساعة ~~إلى ساعة». # وروي: أن الحجر اتبع شذاذهم ومسافريهم أين كانوا في البلاد، ودخل رجل ~~منهم الحرم فكان الحجر معلقا في السماء أربعين يوما حتى خرج فأصابه ~~فأهلكه. # قوله عز وجل: { وإلى مدين } ، أي: وأرسلنا إلى ولد مدين، { ~~أخاهم شعيبا قال يقوم اعبدوا الله ما لكم ~~من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان } ~~، أي: لا تبخسوا، وهم كانوا يطففون مع شركهم، { إنى أراكم ~~بخير } ، قال ابن عباس: موسرين في نعمة. وقال مجاهد: في خصب وسعة، ~~فحذرهم زوال النعمة، وغلاء السعر، وحلول النقمة، إن لم يتوبوا. فقال: { ~~وإنى أخاف عليكم عذاب يوم محيط } ، يحيط بكم ~~فيهلككم. ### || [11.85-87] # { ويقوم أوفوا المكيال والميزان } ، أتموهما، { ~~بالقسط } ، بالعدل. وقيل: بتقويم لسان الميزان، { ولا تبخسوا ~~} ، لا تنقصوا، { الناس أشيآءهم ولا تعثوا فى الأرض ~~مفسدين } # { بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين } ، قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: ما أبقى الله لكم من الحلال بعد إيفاء الكيل ~~والوزن خير مما تأخذونه بالتطفيف. وقال مجاهد: بقية الله: أي: طاعة ~~الله، خير لكم إن كنتم مؤمنين بأن ما عندكم من رزق الله وعطائه. { ومآ ~~أنا عليكم بحفيظ } ، بوكيل. وقيل: إنما قال ذلك لأنه لم يؤمر ~~بقتالهم. # { قالوا يشعيب أصلوتك تأمرك أن نترك ما ~~يعبد ءاباؤنآ } ، من الأوثان. قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان ~~شعيب عليه السلام كثير الصلاة. لذلك قالوا هذا. وقال الأعمش: يعني ~~أقراءتك. { أو أن نفعل في أموالنا ما نشآء } من ~~الزيادة والنقصان. # وقيل: كان شعيب عليه السلام قد نهاهم عن قطع الدنانير والدراهم وزعم أنه ~~محرم عليهم، فقالوا: أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء من قطعها. # { إنك لأنت الحليم الرشيد } قال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~أرادوا: السفيه الغاوي، والعرب تصف الشيء بضده فتقول: لللديغ سليم ~~وللفلاة مفازة. وقيل: قالوه على وجه الاستهزاء. # وقيل: معناه الحليم الرشيد بزعمك. # وقيل: هو على الصحة أي إنك يا شعيب فينا حليم رشيد، لا يجمل بك شق عصا ~~قومك ومخالفة ms1126 دينهم، وهذا كما قال قوم صالح عليه السلام: # قد كنت فينا مرجوا قبل هذا # [هود:62]. ### || [11.88-90] # { قال يقوم أرءيتم إن كنت على بينة } ، بصيرة ~~وبيان، { من ربى ورزقنى منه رزقا حسنا } ، حلالا. ~~وقيل: كثيرا. كان شعيب عليه السلام كثير المال. وقيل: الرزق الحسن: ~~العلم والمعرفة. { ومآ أريد أن أخالفكم إلى مآ ~~أنهكم عنه } ، أي: ما أريد أن أنهاكم عن شيء ثم أرتكبه. { إن ~~أريد } ، ما أريد فيما آمركم به وأنهاكم عنه { إلا الإصلح ~~ما استطعت وما توفيقى إلا بالله } ، والتوفيق: تسهيل ~~سبيل الخير والطاعة، { عليه توكلت } ، اعتمدت، { وإليه ~~أنيب } ، أرجع فيما ينزل بي من النوائب. وقيل: في المعاد. # { ويقوم لا يجرمنكم } ، لا يحملنكم، { شقاقى } ، ~~خلافي { أن يصيبكم } ، أي: على فعل ما أنهاكم عنه، { مثل مآ ~~أصاب قوم نوح } ، من الغرق، { أو قوم هود } ، من الريح، { ~~أو قوم صلح } ، من الصيحة، { وما قوم لوط منكم ~~ببعيد } ، وذلك أنهم كانوا حديثي عهد بهلاك قوم لوط. # وقيل: معناه وما دار قوم لوط منكم ببعيد، وذلك أنهم كانوا جيران قوم ~~لوط. # { واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي ~~رحيم ودود } ، وللودود له معنيان، أحدهما: أنه محب للمؤمنين، وقيل: ~~هو بمعنى المودود أي المحبوب للمؤمنين. وجاء في الخبر: إن شعيبا عليه ~~السلام كان خطيب الأنبياء عليهم السلام. ### || [11.91-94] # { قالوا يشعيب ما نفقه } ، ما نفهم، { كثيرا مما ~~تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا } ، وذلك أنه كان ضرير ~~البصر، فأرادوا ضعف البصر، { ولولا رهطك } ، عشيرتك وكان في ~~منعة من قومه، { لرجمنك } ، لقتلناك. والرجم: أقبح القتل. { ~~ومآ أنت علينا } ، عندنا، { بعزيز }. # { قال يقوم أرهطى أعز عليكم من الله } أي: ~~مكان رهطي أهيب عندكم من الله، أي: إن تركتم قتلي لمكان رهطي فالأولى أن ~~تحفظوني في الله. { واتخذتموه ورآءكم ظهريا } ، أي: ~~نبذتم أمر الله وراء ظهوركم وتركتموه، { إن ربى بما تعملون ~~محيط }. # { ويقوم اعملوا على مكانتكم } ، أي: على تؤدتكم ~~وتمكنكم. يقال: فلان يعمل على مكانته إذا عمل على تؤدة وتمكن. { إنى ~~عمل } ، على تمكني، { سوف تعلمون } ، أينا الجاني على ~~نفسه، ms1127 والمخطىء في فعله، فذلك قوله: { من يأتيه عذاب يخزيه } ~~يذله، { ومن هو كاذب } ، قيل: «من» في محل النصب، أي: فسوف ~~تعلمون الكاذب. وقيل: محله رفع، تقديره: ومن هو كاذب يعلم كذبه ويذوق ~~وبال أمره. { وارتقبوا } ، وانتظروا العذاب { إنى معكم ~~رقيب } ، منتظر. # { ولما جآء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا ~~معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة } ~~، قيل: إن جبريل عليه السلام صاح بهم صيحة فخرجت أرواحهم. وقيل: أتتهم ~~صيحة من السماء فأهلكتهم. { فأصبحوا فى ديارهم جثمين } ~~، ميتين. ### || [11.95-101] # { كأن لم يغنوا } أي: كأن لم يقيموا ولم يكونوا { فيهآ ~~ألا بعدا } ، هلاكا، { لمدين كما بعدت } ، هلكت { ~~ثمود }. # قوله عز وجل: { ولقد أرسلنا موسى بآيتنا ~~وسلطن مبين } ، حجة بينة. # { إلى فرعون وملإيه فاتبعوا أمر فرعون ~~ومآ أمر فرعون برشيد } ، بسديد. # { يقدم قومه } ، يتقدمهم، { يوم القيمة ~~فأوردهم } فأدخلهم { النار وبئس الورد المورود } ~~، أي: بئس المدخول المدخل فيه. # { وأتبعوا فى هذه } أي: في هذه الدنيا { لعنة ويوم ~~القيمة بئس الرفد المرفود } ، أي: العون المعان. ~~وقيل: العطاء المعطى، وذلك أنهم ترادفت عليهم اللعنتان، لعنة في الدنيا ~~ولعنة في الآخرة. # { ذلك من أنبآء القرى نقصه عليك منها قآئم ~~} ، عامر، { وحصيد } ، خراب. وقيل: منها قائم بقيت الحيطان وسقطت ~~السقوف. وحصيد، أي: انمحي أثره. وقال مقاتل: قائم يرى له أثر وحصيد لا ~~يرى له أثر، وحصيد بمعنى محصود. # { وما ظلمنهم } ، بالعذاب والهلاك، { ولكن ظلموا ~~أنفسهم } ، بالكفر والمعصية. { فمآ أغنت عنهم ~~ءالهتهم التى يدعون من دون الله من شىء لما ~~جآء أمر ربك } ، عذاب ربك، { وما زادوهم غير تتبيب ~~} ، أي: غير تخسير، وقيل: تدمير. ### || [11.102-105] # { وكذلك } ، وهكذا، { أخذ ربك إذا أخذ القرى ~~وهى ظلمة إن أخذه أليم شديد } ، أخبرنا عبدالواحد ~~المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا ~~محمد بن إسماعيل، حدثنا صدقة بن الفضل، أنبأنا أبو معاوية، أنبأنا يزيد ~~بن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ms1128 " # ، قال: ثم قرأ: { وكذلك أخذ ربك إذآ أخذ القرى ~~وهى ظلمة } الآية. # قوله عز وجل: { إن فى ذلك لآية } ، لعبرة، { لمن ~~خاف عذاب الأخرة ذلك يوم مجموع له الناس } ، ~~يعني: يوم القيامة، { وذلك يوم مشهود } ، أي: يشهده أهل ~~السماء والأرض. # { وما نؤخره } ، أي: وما نؤخر ذلك اليوم، فلا نقيم عليكم ~~القيامة. وقرأ يعقوب: وما يؤخره بالياء، { إلا لأجل معدود } ~~، معلوم عند الله. # { يوم يأت } ، قرىء بإثبات الياء وحذفها، { لا تكلم } ، ~~أي: لا تتكلم { نفس إلا بإذنه فمنهم شقى وسعيد } ~~، أي: فمنهم من سبقت له الشقاوة ومنهم من سبقت له السعادة. # أخبرنا أبو سعيد عبدالله بن أحمد الطاهري، أنبأنا جدي أبو سهل عبدالصمد ~~بن عبد الرحمن البزاز، أنبأنا أبو بكر محمد بن زكريا العذافري، ~~أنبأنا إسحاق بن إبراهيم بن عباد الدبري، أنبأنا عبدالرزاق، أنبأنا ~~معمر، عن منصور، عن سعيد بن عبيدة عن أبي عبدالرحمن السلمي، عن علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه قال: # " خرجنا على جنازة فبينا نحن بالبقيع إذ خرج علينا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وبيده مخصرة، فجاء فجلس، ثم نكت بها الأرض ساعة، ثم ~~قال: «ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب مكانها من الجنة أو النار، ~~وإلا وقد كتبت شقية أو سعيدة». قال: فقال رجل: أفلا نتكل على ~~كتابنا يارسول الله وندع العمل؟ قال: «لا، ولكن اعملوا فكل ميسر ~~لما خلق له، أما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاء، وأما ~~أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة»، قال: ثم تلا: { فأما من ~~أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره ~~لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى ~~فسنيسره للعسرى } " # [الليل]. ### || [11.106-107] # قوله: { فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها ~~زفير وشهيق } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما الزفير: الصوت ~~الشديد، والشهيق الصوت الضعيف. وقال الضحاك ومقاتل: الزفير أول نهيق ~~الحمار، والشهيق آخره إذا ردده في جوفه. وقال أبو العالية: الزفير في ~~الحلق والشهيق في الصدر. # { خالدين فيها } ، لابثين مقيمين فيها، { ما دامت ~~السموت والأرض } ، قال الضحاك: ما دامت سموات ms1129 الجنة والنار ~~وأرضهما وكل ما علاك وأظلك فهو سماء، وكل ما استقرت عليه قدمك فهو ~~أرض. قال أهل المعاني: هذا عبارة عن التأييد على عادة العرب، يقولون لا ~~آتيك ما دامت السموات والأرض، ولايكون كذا ما اختلف الليل والنهار، ~~يعنون: أبدا. # قوله: { إلا ما شآء ربك }. # اختلفوا في هذين الاستثنائين، فقال بعضهم: الاستثناء في أهل الشقاء ~~يرجع إلى قوم من المؤمنين يدخلهم الله النار بذنوب اقترفوها، ثم يخرجهم ~~منها فيكون ذلك استثناء من غير الجنس، لأن الذين أخرجوا من النار سعداء ~~ثم استثناهم الله من جملة الأشقياء، وهذا كما: # أخبرنا عبدالواحد بن أحمد بن عبدالله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، ~~حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا حفص بن عمر، حدثنا هشام، عن قتادة، عن أنس ~~رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ليصيبن أقواما سفع من النار بذنوب أصابوها، عقوبة، ثم ~~يدخلهم الله الجنة بفضل رحمته، فيقال لهم الجهنميون ". # وأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، قال: أخبرنا أحمد بن عبدالله ~~النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا مسدد، ~~أخبرنا يحيى، عن الحسن بن ذكوان، أنبأنا أبو رجاء، حدثني عمران بن حصين ~~رضي الله عنه:عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يخرج قوم من النار بشفاعة محمد، فيدخلون الجنة، ويسمون الجهنميين ~~". # وأما الاستثناء في أهل السعادة فيرجع إلى مدة لبثهم في النار قبل دخول ~~الجنة. # وقيل: إلى ما شاء ربك من الفريقين من تعميرهم في الدنيا واحتباسهم في ~~البرزخ ما بين الموت والبعث، قبل مصيرهم إلى الجنة أو النار، يعني: هم ~~خالدون في الجنة أو النار لا هذا المقدار. # وقيل: إلا ما شاء ربك: سوى ما شاء ربك، معناه خالدين فيها ما دامت ~~السموات والأرض سوى ما شاء ربك من الزيادة على قدر مدة بقاء السموات ~~والأرض، وذلك هو الخلود فيها، وكما تقول: لفلان علي ألف إلا الألفين، ~~أي: سوى الألفين اللتين تقدمتا. # وقيل: إلا بمعنى الواو، أي: وقد شاء ربك خلود هؤلاء في النار وهؤلاء ms1130 ~~في الجنة، كقوله: # لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ~~ظلموا # [البقرة:150]، أي: ولا الذين ظلموا. # وقيل: معناه ولو شاء ربك لأخرجهم منها ولكنه لا يشاء لأنه حكم لهم ~~بالخلود. # وقال الفراء: هذا الاستثناء استثناه الله ولا يفعله، كقولك: والله ~~لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك وعزيمتك أن تضربه. # { إن ربك فعال لما يريد }. ### || [11.108] # { وأما الذين سعدوا } ، قرأ حمزة والكسائي وحفص { سعدوا ~~} ، بضم السين [وكسر العين]، أي: رزقوا السعادة، وسعد وأسعد ~~بمعنى واحد. وقرأ الآخرون بفتح السين قياسا على «شقوا». { ففى ~~الجنة خلدين فيها ما دامت السموت والأرض ~~إلا ما شآء ربك } ، قال الضحاك: إلا ما مكثوا في النار حتى ~~أدخلوا الجنة. قال قتادة: الله أعلم بثنياه. { عطآء غير مجذوذ ~~} ، أي غير مقطوع. قال ابن زيد: أخبرنا الله تعالى بالذي يشاء لأهل ~~الجنة، فقال: { عطآء غير مجذوذ } ، ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل ~~النار. # عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ليأتين على جهنم زمان ليس فيها أحد، ~~وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابا. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه مثله. # ومعناه عند أهل السنة إن ثبت: أن لا يبقى فيها أحد من أهل الإيمان. ~~وأما مواضع الكفار فممتلئة أبدا. ### || [11.109-111] # { فلا تك في مرية } ، في شك، { مما يعبد هؤلاء } ~~، أنهم ضلال، { ما يعبدون إلا كما يعبد } ، فيه إضمار، ~~أي: كما كان يعبد، { ءاباؤهم من قبل وإنا لموفوهم ~~نصيبهم } حظهم من الجزاء. { غير منقوص }. # { ولقد ءاتينا موسى الكتب } ، التوراة، { فاختلف ~~فيه } فمن مصدق به ومكذب، كما فعل قومك بالقرآن، يعزي نبيه صلى ~~الله عليه وسلم { ولولا كلمة سبقت من ربك } في تأخير ~~العذاب عنهم، { لقضى بينهم } ، أي: لعذبوا في الحال وفرغ ~~من عذابهم وإهلاكهم، { وإنهم لفى شك منه مريب } ، موقع ~~في الريبة والتهمة. # { وإن كلا } ، قرأ ابن كثير ونافع وأبو بكر: " وإن كلا " ، ~~ساكنة النون على تخفيف إن الثقيلة، والباقون بتشديدها، { لما } شددها ~~هنا وفي يس والطارق، ابن عامر وعاصم وحمزة، وافق أبو جعفر هاهنا، وفي ~~الطارق والزخرف، بالتشديد عاصم ms1131 وحمزة والباقون بالتخفيف، فمن شدد قال ~~الأصل فيه: { وإن كلا } [لمن ما، فوصلت من الجارة بما، فانقلبت النون ~~ميما للإدغام، فاجتمعت ثلاث ميمات فحذفت إحداهن، فبقيت لما بالتشديد، ~~و«ما» هاهنا بمعنى: من، هو اسم لجماعة من الناس، كما قال تعالى: # فانكحوا ما طاب لكم # [النساء:3]، أي: من طاب لكم، والمعنى: وإن كلا لمن جماعة ليوفينهم. # ومن قرأ بالتخفيف قال: «ما» صلة زيدت بين اللامين ليفصل بينهما كراهة ~~اجتماعهما، والمعنى: وإن كلا ليوفينهم. # وقيل «ما» بمعنى من، تقدير: لمن ليوفينهم، واللام في «لما» لام ~~التأكيد، التي تدخل على خبر إن، وفي ليوفينهم لام القسم، والقسم مضمر ~~تقديره: والله، { ليوفينهم ربك أعمالهم } ، أي: جزاء ~~أعمالهم، { إنه بما يعملون خبير }. ### || [11.112-113] # قوله عز وجل: { فاستقم كمآ أمرت } ، أي: استقم على دين ~~ربك، والعمل به، والدعاء إليه كما أمرت، { ومن تاب معك } ، أي: ~~ومن آمن معك فليستقيموا، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الاستقامة أن ~~تستقيم على الأمر والنهي، ولا تروغ روغان الثعلب. # أخبرنا الإمام الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو الطيب سهل بن محمد بن ~~سليمان، أخبرنا والدي إملاء، حدثنا أبو بكر محمد بن إسحاق، حدثنا محمد بن ~~العلاء أبو كريب، حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، # " عن سفيان بن عبدالله الثقفي قال: قلت: يارسول الله قل لي في ~~الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك، قال: «قل آمنت بالله ثم ~~استقم» ". # { ولا تطغوا } لا تجاوزوا أمري ولا تعصوني. وقيل: معناه ولا ~~تغلوا فتزيدوا على ما أمرت ونهيت. # { إنه بما تعملون بصير } ، لا يخفى عليه من أعمالكم شيء. ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما: # " ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية هي أشد عليه من هذه ~~الآية، ولذلك قال: «شيبني هود وأخواتها» " # أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد ~~بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبدالسلام بن مطهر، ثنا عمر بن ~~علي، عن معن بن محمد الغفاري، عن سعيد بن أبي سعيد ms1132 المقبري، عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الدين يسر ولن يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه، فسددوا ~~وقاربوا، وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة ". # قوله عز وجل: { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا } ، قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: ولاتميلوا. والركون: هو المحبة والميل بالقلب. ~~وقال أبو العالية: لا ترضوا بأعمالهم. قال السدي: لا تداهنوا الظلمة. وعن ~~عكرمة: لا تطيعوهم. وقيل: لاتسكنوا إلى الذين ظلموا. { فتمسكم } ~~، فتصيبكم، { النار وما لكم من دون الله من أوليآء ~~} ، أي: أعوان يمنعونكم من عذابه، { ثم لا تنصرون }. ### || [11.114] # قوله عز وجل: { وأقم الصلوة طرفى النهار } ، أي: ~~الغداة والعشي، يعني: صلاة الصبح والمغرب، قال مجاهد: طرفا النهار صلاة ~~الصبح والظهر والعصر. «وزلفا من الليل»، صلاة المغرب ~~والعشاء. # وقال مقاتل: صلاة الفجر والظهر طرف، وصلاة العصر والمغرب طرف، وزلفا من ~~الليل، يعني: صلاة العشاء. # وقال الحسن: طرفا النهار. الصبح والعصر، وزلفا من الليل: المغرب ~~والعشاء. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: طرفا النهار الغداة والعشي، يعني ~~صلاة الصبح والمغرب. # قوله: { وزلفا من الليل } ، أي: ساعاته واحدتها زلفة وقرأ ~~أبو جعفر: «زلفا» بضم اللام. # { إن الحسنت يذهبن السيئت } ، يعني: إن الصلوات ~~الخمس يذهبن الخطيئات. # روي أنها نزلت في أبي اليسر، قال: # " أتتني امرأة تبتاع تمرا فقلت لها إن في البيت تمرا أطيب منه فدخلت ~~معي في البيت، فأهويت إليها فقبلتها، فأتيت أبا بكر رضي الله عنه فذكرت ~~ذلك له فقال: استر على نفسك وتب، فأتيت عمر رضي الله عنه فذكرت ذلك ~~له، فقال: استر على نفسك وتب، فلم أصبر فأتيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال: «أخلفت غازيا في سبيل الله في أهله بمثل ~~هذا، حتى ظن أنه من أهل النار؟ فأطرق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ~~أوحى الله إليه: { وأقم الصلوة طرفى النهار وزلفا ~~من الليل } الآية، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~ألهذا خاصة أم للناس عامة؟ قال: «بل ms1133 للناس عامة» ". # أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي أنبانا أحمد بن عبدالله النعيمي ~~أنبأنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل أنبأنا قتيبة بن سعيد حدثنا ~~يزيد بن زريع عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن ابن مسعود رضي ~~الله عنه # " أن رجلا أصاب من امرأة قبلة فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، ~~فأنزل الله تعالى: { وأقم الصلوة طرفى النهار وزلفا ~~من الليل إن الحسنت يذهبن السيئت } ، ~~قال الرجل: يارسول الله ألي هذا؟ قال: «لجميع أمتي كلهم» ". # وأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أنبأنا عبدالغافر بن محمد، أخبرنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، أنبأنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن ~~الحجاج، حدثني أبو طاهر، وهارون بن سعيد الأيلي، قالا: حدثنا ابن وهب، عن ~~أبي صخر، أن عمر بن إسحاق مولى زائدة حدثه عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: # " الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما ~~بينهن إذا اجتنبت الكبائر ". # وأخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا محمد بن الحسن بن أحمد المخلدي، ~~أنبأنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج، أنبأنا قتيبة، أنبأنا الليث ~~وبكر بن مضر، عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة بن ~~عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل ~~يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا. قال: فكذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو ~~الله بهن الخطايا ". # قوله عز وجل: { ذلك } ، أي: ذلك الذي ذكرنا. وقيل: هو إشارة إلى ~~القرآن، { ذكرى } عظة { للذكرين } ، أي: لمن ذكره. ### || [11.115] # { واصبر } يامحمد على ما تلقى من الأذى. وقيل: على الصلاة، ونظيره # وأمر أهلك بالصلوة واصطبر عليها # [طه:132] { فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } ، في ~~أعمالهم.. قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني المصلين. ### || [11.116-119] # قوله عز وجل: { فلولا } فهلا، { كان من القرون } ، التي ~~أهلكناهم، { من قبلكم } ، والآية للتوبيخ { أولوا بقية } ~~، أي: أولوا ms1134 تمييز. وقيل: أولوا طاعة. وقيل: أولوا خير. يقال: فلان ذو ~~بقية إذا كان فيه خير. معناه: فهلا كان من القرون من قبلكم من فيه خير ~~ينهى عن الفساد في الأرض؟ وقيل: معناه أولوا بقية من خير. يقال: فلان على ~~بقية من الخير إذا كان على خصلة محمودة. # { ينهون عن الفساد فى الأرض } ، أي: يقومون بالنهي عن ~~الفساد، ومعناه جحد، أي: لم يكن فيهم أولوا بقية. { إلا قليلا } ، ~~هذا استثناء منقطع معناه: لكن قليلا، { ممن أنجينا منهم } ~~، وهم أتباع الأنبياء كانوا ينهون عن الفساد في الأرض. { واتبع ~~الذين ظلموا مآ أترفوا } ، نعموا، { فيه } ، ~~والمترف: المنعم. وقال مقاتل بن حيان: خولوا. وقال الفراء: عودوا ~~من النعيم واللذات وإيثار الدنيا أي: واتبع الذين ظلموا ما عودوا من ~~النعيم واللذات وإيثار الدنيا على الآخرة. { وكانوا مجرمين } ، ~~كافرين. # { وما كان ربك ليهلك القرى بظلم } ، أي: لايهلكهم ~~بشركهم، { وأهلها مصلحون } ، فيما بينهم يتعاطون الإنصاف ولا ~~يظلم بعضهم بعضا، وإنما يهلكهم إذا تظالموا. وقيل: لا يهلكهم بظلم منه ~~وهم مصلحون في أعمالهم، ولكن يهلكهم بكفرهم وركوبهم السيئات. # قوله عز وجل: { ولو شآء ربك لجعل الناس } ، كلهم. { ~~أمة واحدة } ، على دين واحد. { ولا يزالون مختلفين } ~~على أديان شتى من بين يهودي، ونصراني، ومجوسي، ومشرك. # { إلا من رحم ربك } ، معناه: لكن من رحم ربك فهداهم إلى ~~الحق، فهم لايختلفون، { ولذلك خلقهم } ، قال الحسن وعطاء: ~~وللاختلاف خلقهم. وقال أشهب: سألت مالكا عن هذه الآية، فقال: خلقهم ~~ليكون فريق في الجنة وفريق في السعير. # وقال أبو عبيدة: الذي أختاره قول من قال: خلق فريقا لرحمته وفريقا ~~لعذابه. # وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: وللرحمة خلقهم، يعني الذين رحمهم. # وقال الفراء: خلق أهل الرحمة للرحمة، وأهل الاختلاف للاختلاف. # وحاصل الآية: أن أهل الباطل مختلفون، وأهل الحق متفقون، فخلق الله أهل ~~الحق للاتفاق، وأهل الباطل للاختلاف. # { وتمت كلمة ربك } ، وتم حكم ربك، { لأملأن ~~جهنم من الجنة والناس أجمعين }. ### || [11.120-123] # { وكلا نقص عليك من أنبآء الرسل ما نثبت ~~به فؤادك } ، معناه: وكل الذي تحتاج ms1135 إليه من أنباء الرسل، أي: من ~~أخبارهم وأخبار أممهم نقصها عليك لنثبت به فؤادك، لنزيدك يقينا ~~ونقوي قلبك، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمعها كان في ذلك ~~تقوية لقلبه على الصبر على أذى قومه. # { وجآءك فى هذه الحق } ، قال الحسن وقتادة: في هذه ~~الدنيا. # وقال غيرهما: في هذه السورة. وهو قول الأكثرين. # خص هذه السورة تشريفا، وإن كان قد جاءه الحق في جميع السور. # { وموعظة } ، أي: وجاءتك موعظة، { وذكرى للمؤمنين }. # { وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم } ~~، أمر تهديد ووعيد، { إنا عاملون }. # { وانتظروا } ، ما يحل بنا من رحمة الله، { إنا منتظرون ~~} ، ما يحل بكم من نقمة الله. # { ولله غيب السموت والأرض } ، أي: علم ما غاب عن ~~العباد فيهما، { وإليه يرجع الأمر كله } ، في المعاد. # قرأ نافع وحفص: «يرجع» بضم الياء وفتح الجيم، أي: يرد. وقرأ الآخرون ~~بفتح الياء وكسر الجيم، أي: يعود الأمر كله إليه حتى لا يكون للخلق أمر. # { فاعبده وتوكل عليه } ، وثق به، { وما ربك ~~بغفل عما تعملون } ، قرأ أهل المدينة والشام وحفص ويعقوب: ~~«تعملون» بالتاء هاهنا وفي آخر سورة النمل. وقرأ الآخرون بالياء فيهما. # قال كعب: خاتمة التوراة خاتمة سورة هود. # أخبرنا أبو محمد عبدالله بن عبد الصمد الجوزجاني، أنبأنا أبو القاسم علي ~~بن أحمد الخزاعي، أنبأنا أبو سعيد الهيثم بن كليب، حدثنا أبو عيسى ~~الترمذي، حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء، حدثنا معاوية ابن هشام، عن ~~شيبان، عن أبي إسحاق، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال أبو ~~بكر رضي الله عنه: # " يا رسول الله قد شبت، فقال صلى الله عليه وسلم: «شيبتني هود، ~~والواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت» " # ويروى: # " شيبتني هود وأخواتها ". ### | [12 - سورة يوسف] ### || [12.1-3] # { الر تلك آيات الكتاب المبين } ، أي: البين حلاله ~~وحرامه، وحدوده وأحكامه. # قال قتادة: مبين والله بركته وهداه ورشده، فهذا من بان أي: ظهر. # وقال الزجاج: مبين الحق من الباطل والحلال من الحرام، فهذا من ~~أبان بمعنى أظهر. # { إنآ أنزلناه } يعني الكتاب، ms1136 { قرآنا عربيا ~~لعلكم تعقلون } ، أي: أنزلناه بلغتكم، لكي تعلموا معانيه، ~~وتفهموا ما فيه. # { نحن نقص عليك } ، أي: نقرأ، { أحسن القصص } ، ~~والقاص هو الذي يتبع الآثار ويأتي بالخبرعلى وجهه. # معناه: نبين لك أخبار الأمم السالفة والقرون الماضية أحسن البيان. # وقيل: المراد منه: قصة يوسف عليه السلام خاصة، سماها أحسن القصص لما ~~فيها من العبر والحكم والنكت والفوائد التي تصلح للدين ~~والدنيا، من سير الملوك والمماليك، والعلماء، ومكر النساء، والصبر على ~~أذى الأعداء، وحسن التجاوز عنهم بعد الالتقاء، وغير ذلك من الفوائد. # قال خالد ابن معدان: سورة يوسف وسورة مريم يتفكه بهما أهل الجنة في ~~الجنة. # وقال ابن عطاء: لا يسمع سورة يوسف محزون إلا استراح لها. # قوله عز وجل: { بمآ أوحينآ إليك } ، «ما» المصدر، أي: ~~بإيحائنا إليك، { هذا القرءان وإن كنت } ، وقد كنت، { من ~~قبله } ، أي: قبل وحينا، { لمن الغفلين } ، لمن الساهين عن ~~هذه القصة لاتعلمها. # قال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: أنزل القرآن على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فتلاه عليهم زمانا فقالوا: يارسول الله لو حدثتنا، فأنزل الله ~~عز وجل: # الله نزل أحسن الحديث # [الزمر:23]، فقالوا: يارسول الله لو قصصت علينا، فأنزل الله عز وجل: ~~{ نحن نقص عليك أحسن القصص } ، فقالوا: يا رسول الله ~~لو ذكرتنا، فأنزل الله عز وجل: # ألم يأن للذين ءامنوا أن تخشع قلوبهم ~~لذكر الله # [الحديد:16]. ### || [12.4] # قوله عز وجل: { إذ قال يوسف لأبيه } ، أي: واذكر إذ قال ~~يوسف لأبيه، ويوسف اسم عبري عرب، ولذلك لا يجري عليه الإعراب وقيل هو ~~عربي. # سئل أبو الحسن الأقطع عن يوسف؟ فقال: الأسف في اللغة: الحزن، والأسيف: ~~العبد، واجتمعا في يوسف عليه السلام فسمي به. # أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبدالله النعيمي، ~~أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: قال عبدالله بن محمد، ~~حدثنا عبدالصمد، عن عبدالرحمن بن عبدالله بن دينار، عن أبيه عن ابن عمر ~~رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الكريم ابن الكريم ms1137 ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن ~~إسحاق بن إبراهيم " # { يأبت } ، قرأ أبو جعفر وابن عامر { يا أبت } بفتح التاء في جميع ~~القرآن على تقدير: يا أبتاه. # وقرأ الآخرون: { يا أبت } بكسر التاء لأن أصله: يا أبت، والجزم يحرك ~~إلى الكسر. # { إنى رأيت أحد عشر كوكبا } ، أي: نجما من نجوم ~~السماء، ونصب الكواكب على التفسير. # { والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين } ولم يقل ~~رأيتها إلي ساجدة، والهاء والميم والياء والنون من كنايات من يعقل، ~~لأنه لما أخبر عنها بفعل من عبر عنها بكناية من يعقل كقوله تعالى: # يأيها النمل ادخلوا مساكنكم # [النمل:18] # وكأن النجوم في التأويل أخواته، وكانوا أحد عشر رجلا، يستضاء بهم كما ~~يستضاء بالنجوم، والشمس أبوه، والقمر أمه. قاله قتادة. # وقال السدي: القمر خالته، لأن أمه راحيل كانت قد ماتت. # وقال ابن جريج: القمر أبوه والشمس أمه لأن الشمس مؤنثة والقمر مذكر. # وكان يوسف عليه السلام ابن اثنتي عشرة سنة حين رأى هذه الرؤيا. # وقيل: رآها ليلة الجمعة ليلة القدر فلما قصها على أبيه. ### || [12.5] # { قال يبنى لا تقصص رءياك على إخوتك } ، وذلك ~~أن رؤيا الأنبياء عليهم السلام وحي فعلم يعقوب أن الأخوة إذا سمعوها ~~حسدوه فأمره بالكتمان، { فيكيدوا لك كيدا } ، فيحتالوا في ~~إهلاكك لأنهم لا يعلمون تأويلها فيحسدونك. واللام في قوله: «لك» صلة، ~~كقوله تعالى: # لربهم يرهبون # [الأعراف:154]. # وقيل: هو مثل قولهم نصحتك ونصحت لك، وشكرتك وشكرت لك. { إن ~~الشيطن للإنسن عدو مبين } ، أي: يزين لهم ~~الشيطان، ويحملهم على الكيد لعداوته القديمة. # أخبرنا عبدالواحد ابن أحمد المليحي، أنبأنا عبدالرحمن بن أبي شريح، ~~أنبأنا أبو القاسم البغوي، حدثنا علي بن الجعد، أنبأنا شعبة عن عبد ربه ~~بن سعيد قال: # " سمعت أبا سلمة قال: كنت أرى الرؤيا تهمني حتى سمعت أبا قتادة ~~يقول: كنت أرى الرؤيا فتمرضني، حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~يقول: «الرؤيا الصالحة من الله تعالى، والحلم من الشيطان، فإذا رأى ~~أحدكم ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب، وإذا رأى ما يكره ms1138 ~~فليتعوذ بالله شرها، ومن شر الشيطان وليتفل ثلاثا، ولا ~~يحدث به أحدا فإنها لن تضر» ". # وأخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا عبدالرحمن بن أبي شريح، ~~أنبأنا أبو القاسم البغوي، حدثنا علي بن الجعد، أنبأنا شعبة عن يعلى بن ~~عطاء، عن وكيع بن عدس، عن أبي رزين العقيلي، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " الرؤيا جزء من أربعين أو ستة وأربعين جزءا من النبوة وهي على ~~رجل طائر فإذا حدث بها وقعت " # ، وأحسبه قال: # " لا تحدث بها إلا حبيبا أو لبيبا ". ### || [12.6] # قوله عز وجل: { وكذلك يجتبيك ربك } ، يصطفيك ربك يقوله ~~يعقوب ليوسف، أي: كما رفع منزلتك بهذه الرؤيا، فكذلك يصطفيك ربك، { ~~ويعلمك من تأويل الأحاديث } ، يريد تعبير الرؤيا، سمي ~~تأويلا لأنه يؤول أمره إلى ما رأى في منامه، والتأويل ما يؤول إليه ~~عاقبة الأمر، { ويتم نعمته عليك } ، يعني: بالنبوة، { ~~وعلى ءال يعقوب } ، أي: على أولاده فإن أولاده كلهم كانوا ~~أنبياء، { كمآ أتمهآ على أبويك من قبل إبرهيم ~~وإسحق } فجعلهما نبيين، { إن ربك عليم حكيم }. # وقيل: المراد من إتمام النعمة على إبراهيم الخلة. # وقيل: إنجاؤه من النار، وعلى إسحاق إنجاؤه من الذبح. # وقيل: بإخراج يعقوب والأسباط من صلبه. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان بين رؤيا يوسف هذه وبين تحقيقها بمصر ~~أبويه وإخوته إليه أربعون سنة، وهو قول أكثر أهل التفسير. # وقال الحسن البصري: كان بينهما ثمانون سنة. فلما بلغت هذه الرؤيا إخوة ~~يوسف حسدوه، وقالوا: ما رضي أن يسجد له إخوته حتى يسجد له أبواه ~~فبغوه. ### || [12.7] # يقول الله تعالى: { لقد كان فى يوسف وإخوته } ، أي: في ~~خبره وخبر إخوته. وأسماؤهم: روبيل، وهو أكبرهم، وشمعون، ولاوي، ويهوذا، ~~وزيالون، وقيل: زبلون، وآشر، وأمهم ليا بنت ليان وهي ابنة خال يعقوب عليه ~~السلام، وولد له من سريتين له، اسم إحداهما زلفة والأخرى يلهمة أربعة ~~أولاد: دان، ونفتالي، وقيل: نفتولي، وجاد، وأشير. ثم توفيت ليا فتزوج ~~يعقوب عليه السلام أختها راحيل فولدت له يوسف وبنيامين. وقيل: وابن ~~يامين، فكان بنو ms1139 يعقوب عليه السلام اثني عشر رجلا. # { ءايات } ، قرأ ابن كثير { آية } على التوحيد، أي: عظة وعبرة، وقيل: ~~عجب. # وقرأ الآخرون: { آيات } على الجمع. # { للسآئلين } ، وذلك أن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن قصة يوسف عليه السلام. # وقيل: سألوه عن سبب انتقال ولد يعقوب من كنعان إلى مصر. فذكر لهم قصة ~~يوسف، فوجدوها موافقة لما في التوراة فتعجبوا منها. فهذا معنى قوله: { ~~ءايت للسآئلين }. أي: دلالة على نبوة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. وقيل: آيات للسائلين ولمن لم يسأل، كقوله: # سوآء للسآئلين # [فصلت:10]. وقيل: معناه عبرة للمعتبرين، فإنها تشتمل على حسد إخوة يوسف، ~~وما آل إليه أمرهم في الحسد، وتشتمل على رؤياه، وما حقق الله منها، ~~وتشتمل على صبر يوسف عليه السلام عن قضاء الشهوة، وعلى الرق وفي السجن، ~~وما آل أمره من الملك، وتشتمل على حزن يعقوب وصبره وما آل إليه أمره من ~~الوصول إلى المراد وغير ذلك من الآيات. ### || [12.8] # { إذ قالوا ليوسف } ، اللام فيه جواب القسم تقديره: والله ~~ليوسف، { وأخوه } ، بنيامين، { أحب إلى أبينا منا } ، ~~كان يوسف عليه السلام وأخوه بنيامين من أم واحدة، وكان يعقوب عليه السلام ~~شديد الحب ليوسف عليه السلام، وكان إخوته يرون منه من الميل إليه مالا ~~يرونه مع أنفسهم فقالوا هذه المقالة، { ونحن عصبة } ، جماعة ~~وكانوا عشرة. # قال الفراء: العصبة هي العشرة فما زاد. # وقيل: العصبة ما بين الواحد إلى العشرة. # وقيل: ما بين الثلاثة إلى العشرة. # وقال مجاهد: ما بين العشرة إلى الخمسة عشر. # وقيل: ما بين العشرة إلى الأربعين. # وقيل: جماعة يتعصب بعضها لبعض لا واحد لها من لفظها كالنفر ~~والرهط. # { إن أبانا لفى ضلل مبين } ، أي خطأ بين في إيثاره ~~يوسف وأخاه علينا، وليس المراد منه الضلال عن الدين، ولو أرادوا لكفروا ~~به، بل المراد منه: الخطأ في تدبير أمر الدنيا، يقولون: نحن أنفع له في ~~أمر الدنيا وإصلاح أمر معاشه ورعي مواشيه، فنحن أولى بالمحبة منه، فهو ~~مخطىء في صرف محبته إليه. ### || [12.9-10] # { اقتلوا يوسف ms1140 } ، اختلفوا في قائل هذا القول؛ فقال وهب: قاله ~~شمعون. وقال كعب: قاله دان. # { أو اطرحوه أرضا } ، أي: إلى أرض يبعد عن أبيه. وقيل: في ~~أرض تأكله السباع. # { يخل لكم } ، يخلص لكم ويصف لكم، { وجه أبيكم } ، عن ~~شغله بيوسف، { وتكونوا من بعده } ، من بعد قتل يوسف، { قوما ~~صلحين } ، تائبين، أي: توبوا بعدما فعلتم هذا يعف الله عنكم. وقال ~~مقاتل: يصلح أمركم فيما بينكم وبين أبيكم. # { قال قآئل منهم لا تقتلوا يوسف } وهو يهوذا، وقال ~~قتادة: روبيل، وكان ابن خالة يوسف، وكان أكبرهم سنا وأحسنهم رأيا فيه. ~~والأول أصح أنه يهوذا، نهاهم عن قتله وقال: القتل كبيرة عظيمة. { ~~وألقوه في غيابة الجب } ، قرأ أبو جعفر، ونافع: «غيابات ~~الجب» على الجمع في الحرفين، وقرأ الباقون «غيابة الجب» على الواحد، أي: ~~في أسفل الجب وظلمته. والغيابة: كل موضع ستر عنك الشيء وغيبه. ~~والجب: البئر غير المطوية لأنه جب، أي: قطع ولم يطو. # { يلتقطه } ، يأخذه، والالتقاط: أخذ الشيء من حيث لا يحتسبه، { ~~بعض السيارة } ، أي: بعض المسافرين، فيذهب به إلى ناحية أخرى، ~~فتستريحوا منه، { إن كنتم فعلين } ، أي: إن عزمتم على فعلكم، ~~وهم كانوا يومئذ بالغين، ولم يكونوا أنبياء بعد. # وقيل: لم يكونوا بالغين، وليس بصحيح؛ بدليل أنهم قالوا: «وتكونوا ~~من بعده قوما صلحين». # و«قالوا يأبانا استغفر لنا ذنوبنآ» والصغير لا ذنب ~~له. # وقال محمد بن إسحاق: اشتمل فعلهم على جرائم من: قطيعة الرحم، وعقوق ~~الوالدين، وقلة الرأفة بالصغير، الذي لا ذنب له، والغدر بالأمانة، وترك ~~العهد، والكذب مع أبيهم. وعفا الله عنهم ذلك كله حتى لا ييأس أحد من ~~رحمة الله. # وقال بعض أهل العلم: إنهم عزموا على قتله وعصمهم الله رحمة بهم، ولو ~~فعلوا لهلكوا أجمعين، وكل ذلك كان قبل أن أنبأهم الله تعالى. # وسئل أبو عمرو بن العلاء: كيف قالوا " نرتع ونلعب " وهم أنبياء؟ قال: ~~كان ذلك قبل أن نبأهم الله تعالى، فلما أجمعوا على التفريق بينه وبين ~~والده بضرب من الحيل. ### || [12.11] # { قالوا } ، ليعقوب، { يأبانا مالك لا تأمنا على ~~على يوسف ms1141 } ، قرأ أبو جعفر: { تأمنا } بلا إشمام، وهو رواية عن ~~نافع، وقرأ الباقون: { تأمنا } بإشمام الضمة في النون الأولى المدغمة، ~~وهو إشارة إلى الضمة، من غير إمحاض، ليعلم أن أصله: لا تأمننا بنونين ~~على تفعلنا، فأدغمت النون الأولى في الثانية، بدؤوا بالإنكار عليه في ~~ترك إرساله معهم كأنهم قالوا: إنك لا ترسله معنا أتخافنا عليه؟. # { وإنا له لنصحون } ، قال مقاتل: في الكلام تقديم وتأخير، ~~وذلك أنهم قالوا لأبيهم: «أرسله معنا» فقال أبوهم: «إني ليحزنني أن ~~تذهبوا به» فحينئذ قالوا: { يأبانا مالك لا تأمنا على ~~يوسف وإنا له لنصحون } ، النصح هاهنا هو: القيام ~~بالمصلحة، وقيل: البر والعطف، معناه: إنا عاطفون عليه، قائمون بمصلحته، ~~نحفظه حتى نرده إليك. ### || [12.12-15] # { أرسله معنا غدا } ، إلى الصحراء، { يرتع ويلعب } ، ~~قرأ أبو عمرو، وابن عامر، بالنون فيهما وجزم العين في «نرتع»، وقرأ أهل ~~الكوفة بالياء فيهما وجزم العين من «يرتع» يعني يوسف، وقرأ يعقوب: «نرتع» ~~بالنون «ويلعب» بالياء. # والرتع هو الاتساع في الملاذ. يقال: رتع فلان في ماله إذا أنفقه في ~~شهواته، يريد ونتنعم ونأكل ونشرب ونلهو وننشط. # وقرأ أهل الحجاز: { يرتع } بكسر العين، وهو يفتعل من الرعي. # ثم ابن كثير قرأ بالنون فيهما أي: نتحارس ويحفظ بعضنا بعضا. # وقرأ أبو جعفر ونافع بالياء إخبارا عن يوسف، أي: يرعى الماشية كما نرعى ~~نحن. # { وإنا له لحفظون }. # { قال } لهم يعقوب، { إنى ليحزننى أن تذهبوا به } ، ~~أي: يحزنني ذهابكم به، والحزن هاهنا: ألم القلب بفراق المحبوب، { ~~وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غفلون } ، ~~وذلك أن يعقوب كان رأى في المنام كأن ذئبا شد على يوسف، فكان يخاف من ~~ذلك، فمن ثم قال: هذه المقالة. # { قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة } ، عشرة، { ~~إنآ إذا لخسرون } ، عجزة ضعفاء. # { فلما ذهبوا به وأجمعوا } ، أي: عزموا، { أن ~~يجعلوه } ، يلقوه، { فى غيابة الجب وأوحينآ إليه ~~} ، هذه الواو زائدة، تقديره: أوحينا إليه، كقوله تعالى: # فلما أسلما وتله للجبين وناديناه # [الصافات: 103] أي: ناديناه، { لتنبئنهم بأمرهم هذا ~~وهم لا يشعرون } ، أي: أوحينا إلى يوسف عليه السلام لتصدقن ms1142 ~~رؤياك ولتخبرن إخوتك بصنيعهم هذا وهم لا يشعرون بوحي الله وإعلامه إياه ~~ذلك، قاله مجاهد. # وقيل: معناه: وهم لا يشعرون يوم تخبرهم أنك يوسف، وذلك حين دخلوا عليه ~~فعرفهم وهم له منكرون. # وذكر وهب وغيره: أنهم أخذوا يوسف عليه السلام بغاية الإكرام وجعلوا ~~يحملونه، فلما برزوا إلى البرية ألقوه وجعلوا ضربونه فإذا ضربه واحد منهم ~~استغاث بالآخر فضربه الآخر، فجعل لا يرى منهم رحيما فضربوه حتى كادوا ~~يقتلونه وهو يصيح يا أبتاه لو تعلم ما يصنع بابنك بنو الإماء، فلما ~~كادوا أن يقتلوه قال لهم يهوذا: أليس قد أعطيتموني موثقا أن لا تقتلوه، ~~فانطلقوا به إلى الجب ليطرحوه فيه، وكان ابن اثنتي عشرة سنة - وقيل: ~~ثمانية عشرة سنة فجاؤا به إلى بئر على غير الطريق واسعة الأسفل ضيقة ~~الرأس. قال مقاتل: على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب عليه السلام. وقال ~~كعب: بين مدين ومصر. وقال وهب بأرض الأردن. وقال قتادة: هي بئر بيت ~~المقدس فجعلوا يدلونه في البئر فيتعلق بشفير البئر فربطوا يديه ونزعوا ~~قميصه فقال: يا إخوتاه ردوا علي القميص أتوارى به في الجب، فقالوا: ~~ادع الشمس والقمر والكواكب تواريك، قال: إني لم أر شيئا، فألقوه ~~فيها. # وقيل: جعلوه في دلو وأرسلوه فيها حتى إذا بلغ نصفها ألقوه إرادة أن يموت ~~فكان في الئر ماء فسقط فيه، ثم أوى إلى صخرة فيها فقام عليها. # إنهم لما ألقوه فيها جعل يبكي فنادوه فظن أن رحمة أدركتهم فأجابهم ~~فأرادوا أن يرضخوه بصخرة فيقتلوه، فمنعهم يهوذا وكان يهوذا يأتيه ~~بالطعام، وبقي فيها ثلاث ليال. # { وأوحينآ إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا }. ~~الأكثرون على أن الله تعالى أوحى إليه بهذا وبعث إليه جبريل عليه السلام ~~يؤنسه ويبشره بالخروج، ويخبره أنه ينبئهم بما فعلوه ويجازيهم عليه وهم لا ~~يشعرون. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ثم إنهم ذبحوا سخلة وجعلوا دمها على قميص ~~يوسف عليه السلام. ### || [12.16-18] # { وجآءوا أباهم عشآء يبكون } ، قال أهل المعاني: جاؤوا ~~في ظلمة العشاء ليكونوا أجرأ على الاعتذار بالكذب. وروي أن يعقوب ms1143 عليه ~~السلام سمع صياحهم وعويلهم فخرج، وقال: مالكم يا بني هل أصابكم في ~~غنمكم شيء؟ قالوا: لا. قال: فما أصابكم وأين يوسف؟؟. # { قالوا يأبانا إنا ذهبنا نستبق } ، أي: نترامى ~~وننتضل، وقال السدي: نشتد على أقدامنا. { وتركنا يوسف عند ~~متعنا } ، أي: عند ثيابنا وأقمشتنا. { فأكله الذئب ومآ ~~أنت بمؤمن لنا } ، بمصدق لنا، { ولو كنا } ، وإن كنا، { ~~صدقين }. # فإن قيل: كيف قالوا ليعقوب أنت لا تصدق الصادق؟. # قيل: معناه إنك تتهمنا في هذا الأمر لأنك خفتنا عليه في الابتداء ~~واتهمتنا في حقه. # وقيل: معناه لا تصدقنا لأنه لا دليل لنا على صدقنا وإن كنا صادقين عند ~~الله. # { وجآءوا على قميصه بدم كذب } ، أي: بدم هو كذب، لأنه ~~لم يكن دم يوسف. وقيل: بدم مكذوب فيه، فوضع المصدر موضع الاسم. # وفي القصة: أنهم لطخوا القميص بالدم ولم يشقوه، فقال يعقوب عليه ~~السلام: كيف أكله الذئب ولم يشق قميصه؟ فاتهمهم. # { قال بل سولت } ، زينت، { لكم أنفسكم أمرا ~~فصبر جميل } ، معناه: فأمري صبر جميل أو فعلي صبر جميل. # وقيل: فصبر جميل أختاره. # والصبر الجميل الذي لا شكوى فيه ولا جزع. # { والله المستعان على ما تصفون } ، أي: أستعين بالله ~~على الصبر، على ما تكذبون. # وفي القصة: أنهم جاؤا بذئب وقالوا هذا الذي أكله فقال له يعقوب ياذئب ~~أنت أكلت ولدي وثمرة فؤادي؟ فأنطقه الله عز وجل، فقال: تالله ما رأيت ~~وجه ابنك قط. # قال: كيف وقعت بأرض كنعان؟. # قال: جئت لصلة قرابة فصادني هؤلاء فمكث يوسف في البئر ثلاثة أيام. ### || [12.19] # { وجآءت سيارة } ، وهم القوم المسافرون، سموا سيارة لأنهم ~~يسيرون في الأرض، كانت رفقة من مدين تريد مصر، فأخطأوا الطريق فنزلوا ~~قريبا من الجب، وكان الجب في [قفر بعيد] من العمران للرعاة والمارة، ~~وكان ماؤه مالحا فعذب حين ألقي يوسف عليه السلام فيه، فلما نزلوا أرسلوا ~~رجلا من أهل مدين يقال له مالك بن ذعر، لطلب الماء فذلك قوله عز وجل: ~~{ فأرسلوا واردهم } والوارد الذي يتقدم الرفقة إلى الماء ~~فيهيىء الأرشية والدلاء. # { فأدلى دلوه } ، أي: أرسلها ms1144 في البئر، يقال: أدليت الدلو إذا ~~أرسلتها في البئر، ودلوتها إذا أخرجتها، فتعلق يوسف بالحبل فلما خرج إذا ~~هو بغلام أحسن ما يكون. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " أعطي يوسف شطر الحسن " # ويقال: إنه ورث ذلك الجمال من جدته سارة، وكانت قد أعطيت سدس ~~الحسن. # قال ابن إسحاق ذهب يوسف وأمه بثلثي الحسن. # فلما رآه مالك بن ذعر، { قال يبشرى } ، قرأ الأكثرون هكذا ~~بالألف وفتح الياء، بشر المستقي أصحابه يقول: أبشروا. وقرأ أهل الكوفة: ~~يابشرى، بغير إضافة، يريد نادى المستقي رجلا من أصحابه اسمه بشرى. { ~~هذا غلام } وروى ابن مجاهد عن أبيه: أن جدران البئر كانت تبكي على ~~يوسف حين أخرج منها. { وأسروه } ، أخفوه، { بضعة } ، ~~قال مجاهد: أسره مالك بن ذعر وأصحابه من التجار الذين معهم وقالوا هو ~~بضاعة استبضعها بعض أهل الماء إلى مصر خيفة أن يطلبوا منهم فيه المشاركة. ~~وقيل: أراد أن إخوة يوسف أسروا شأن يوسف وقالوا هو عبد لنا أبق. # قال الله تعالى: { والله عليم بما يعملون } ، فأتى يهوذا ~~يوسف بالطعام فلم يجده في البئر، فأخبر بذلك إخوته، فطلبوه فإذا هم ~~بمالك وأصحابه نزولا، فأتوهم فإذا هم بيوسف، فقالوا هذا عبد آبق منا. ~~ويقال: إنهم هددوا يوسف حتى لم يعرف حاله. وقال مثل قولهم، ثم باعوه. ### || [12.20] # فذلك قوله عز وجل: { وشروه } ، أي: باعوه، { بثمن بخس } ، ~~قال الضحاك، ومقاتل، والسدي: حرام لأن ثمن الحر حرام، وسمي الحرام ~~بخسا لأنه مبخوس البركة. # وعن ابن عباس وابن مسعود: بخس أي زيوف. # وقال عكرمة والشعبي: بثمن قليل. # { درهم } ، بدل من الثمن، { معدودة } ، ذكر العدد عبارة عن ~~قلتها. # وقيل: إنما قال معدودة لأنهم كانوا في ذلك الزمان لا يزنون ما كان ~~أقل من أربعين درهما، إنما كانوا يعدونها عدا، فإذا بلغت أوقية ~~وزنوها. # واختلفوا في عدد تلك الدراهم: فقال ابن عباس وابن مسعود وقتادة: عشرون ~~درهما، فاقتسموها درهمين درهمين. # وقال مجاهد: اثنان وعشرون درهما. # وقال عكرمة: أربعون درهما. # { وكانوا } ، يعني: إخوة يوسف، { فيه } ، أي: في يوسف { من ~~الزهدين } لأنهم ms1145 لم يعلموا منزلته عند الله. # وقيل: كانوا في الثمن من الزاهدين، لأنهم لم يكن قصدهم تحصيل الثمن، ~~إنما كان قصدهم تبعيد يوسف عن أبيه. # ثم انطلق مالك بن ذعر وأصحابه بيوسف، فتبعهم إخوته يقولون: استوثقوا منه ~~لا يأبق، قال: فذهبوا به حتى قدموا مصر، وعرضه مالك على البيع فاشتراه ~~قطفير قاله ابن عباس: # وقال: إظفير صاحب أمر الملك، وكان على خزائن مصر يسمى العزيز، وكان ~~الملك يومئذ بمصر ونواحيها الريان بن الوليد بن شروان من العمالقة. # وقيل: إن هذا الملك لم يمت حتى آمن واتبع يوسف على دينه، ثم مات ~~ويوسف حي. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما دخلوا مصر تلقى قطفير مالك بن ذعر ~~فابتاع منه يوسف بعشرين دينارا وزوج نعل وثوبين أبيضين. # وقال وهب بن منبه: قدمت السيارة بيوسف مصر فدخلوا به السوق يعرضونه ~~للبيع، فترافع الناس في ثمنه حتى بلغ ثمنه وزنه ذهبا ووزنه فضة ووزنه ~~مسكا وحريرا، وكان وزنه أربعمائة رطل، وهو ابن ثلاث عشرة سنة فابتاعه ~~قطفير من مالك بن ذعر بهذا الثمن. ### || [12.21] # فذلك قوله تعالى: { وقال الذي اشتراه من مصر ~~لامرأته } ، واسمها: راعيل، وقيل: زليخا، { أكرمى مثواه } ~~، أي: منزله ومقامه، والمثوى: موضع الإقامة. # وقيل: أكرميه في المطعم والملبس والمقام. # وقال قتادة وابن جريج: منزلته. # { عسى أن ينفعنآ }. أي: نبيعه بالربح إن أردنا البيع، أو يكفينا ~~إذا بلغ بعض أمورنا. # { أو نتخذه ولدا } ، أي: نتبناه. # قال ابن مسعود رضي الله عنه: أفرس الناس ثلاثة: العزيز في يوسف، حيث ~~قال لامرأته: أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا، وابنة شعيب عليه السلام حيث ~~قالت لأبيها في موسى عليه السلام: يا أبت استأجره، وأبو بكر في عمر رضي ~~الله عنهما حيث استخلفه. # { وكذلك مكنا ليوسف فى الأرض } ، أي: في أرض مصر أي: ~~كما أنقذنا يوسف من القتل وأخرجناه من الجب، كذلك مكنا له في الأرض ~~فجعلناه على خزائنها. # { ولنعلمه من تأويل الأحاديث } ، أي: مكنا له في ~~الأرض لكي نعلمه تأويل الأحاديث، وهي عبارة عن الرؤيا. # { والله غالب ms1146 على أمره } ، قيل: الهاء في أمره كناية عن ~~الله تعالى، يقول: إن الله غالب على أمره يفعل ما يشاء، لا يغلبه شيء ولا ~~يرد عليه حكمه راد. # وقيل: هي راجعة إلى يوسف عليه السلام معناه: إن الله مستول على أمر يوسف ~~بالتدبير والحياطة لا يكله إلى أحد حتى يبلغه منتهى علمه فيه. # { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ، ما الله به صانع. ### || [12.22] # { ولما بلغ أشده } ، منتهى شبابه وشدته وقوته. قال مجاهد: ~~ثلاثا وثلاثين سنة. # وقال السدي: ثلاثين سنة. # وقال الضحاك: عشرين سنة. # وقال الكلبي: الأشد ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة. # وسئل مالك رحمه الله عن الأشد قال: هو الحلم. # { آتيناه حكما وعلما } ، فالحكم: النبوة، والعلم: الفقه في ~~الدين. # وقيل: حكما يعني: إصابة في القول: وعلما: بتأويل الرؤيا. # وقيل: الفرق بين الحكيم والعالم، أن العالم: هو الذي يعلم الأشياء، ~~والحكيم: الذي يعمل بما يوجبه العلم. # { وكذلك نجزى المحسنين } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~المؤمنين، وعنه أيضا المهتدين. وقال الضحاك: الصابرين على النوائب كما ~~صبر يوسف عليه السلام. ### || [12.23] # { وراودته التى هو فى بيتها عن نفسه } ، يعني: ~~امرأة العزيز. والمراودة: طلب الفعل، والمراد هاهنا أنها دعته إلى نفسها ~~ليواقعها، { وغلقت الأبواب } ، أي: أطبقتها، وكانت سبعة، { ~~وقالت هيت لك } ، أي: هلم وأقبل. # قرأه أهل الكوفة والبصرة: هيت لك بفتح الهاء والتاء. # وقرأ أهل المدينة والشام: هيت بكسر الهاء وفتح التاء. # وقرأ ابن كثير: (هيت) بفتح الهاء وضم التاء. # وقرأ السلمي وقتادة: (هئت لك) بكسر الهاء وضم التاء مهموزا، يعني: ~~تهيأت لك، وأنكره أبو عمرو والكسائي، وقالا: لم يحك هذا عن العرب. # والأول هو المعروف عند العرب. # قال ابن مسعود رضي الله عنه: أقرأني النبي صلى الله عليه وسلم: { هيت لك ~~}. # قال أبو عبيدة كان الكسائي يقول: هي لغة لأهل حوران رفعت إلى الحجاز ~~معناها إلي تعال. # وقال عكرمة: هي أيضا بالحورانية هلم. # وقال مجاهد وغيره: هي لغة عربية وهي كلمة حث وإقبال على الشيء. # قال أبو عبيد: إن العرب ms1147 لا تثني { هيت } ولا تجمع ولا تؤنث، وإنها بصورة ~~واحدة في كل حال. # { قال } يوسف لها عند ذلك: { معاذ الله } ، أي: أعوذ بالله ~~وأعتصم بالله مما دعوتني إليه، { إنه ربى } يريد أن زوجك قطفير ~~سيدي { أحسن مثواى } ، أي: أكرم منزلي. هذا قول أكثر المفسرين. ~~وقيل: الهاء راجعة إلى الله تعالى يريد: أن الله تعالى ربي أحسن مثواي، ~~أي: آواني، ومن بلاء الجب عافاني. # { إنه لا يفلح الظلمون } ، يعني: إن فعلت هذا فخنته في ~~أهله بعد ما أكرم مثواي فأنا ظالم، ولا يفلح الظالمون. # وقيل: لا يفلح الظالمون أي لا يسعد الزناة. ### || [12.24] # { ولقد همت به وهم بها } ، والهم هو: المقاربة من ~~الفعل من غير دخول فيه، فهمها: عزمها على المعصية والزنا. # وأما همه: فروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: حل الهميان ~~وجلس منها مجلس الخائن. # وعن مجاهد قال: حل سراويله وجعل يعالج ثيابه. وهذا قول أكثر المتقدمين ~~مثل سعيد ابن جبير والحسن. # وقال الضحاك: جرى الشيطان فيما بينهما فضرب بإحدى يديه إلى جيد يوسف ~~وباليد الأخرى إلى جيد المرأة حتى جمع بينهما. # قال أبو عبيد القاسم بن سلام: قد أنكر قوم هذا القول، والقول ما قال ~~متقدمو هذه الأمة، وهم كانوا أعلم بالله أن يقولوا في الأنبياء عليهم ~~السلام من غير علم. # وقال السدي وابن إسحاق: لما أرادت امرأة العزيز مراودة يوسف عليه السلام ~~عن نفسه جعلت تذكر له محاسن نفسه وتشوقه إلى نفسها، فقالت: يايوسف ما ~~أحسن شعرك! # قال: هو أول ما ينتثر من جسدي. # قالت: ما أحسن عينيك! # قال: هي أول ما تسيل على وجهي في قبري. # قالت: ما أحسن وجهك! # قال: هو للتراب يأكله. # وقيل: إنها قالت: إن فراش الحرير مبسوط، فقم فاقض حاجتي. # قال: إذا يذهب نصيبي من الجنة. # فلم تزل تطمعه وتدعوه إلى اللذة، وهو شاب يجد من شبق الشباب ما يجده ~~الرجل، وهي امرأة حسناء جميلة، حتى لان لها مما يرى من كلفها، وهم ~~بها، ثم إن الله تعالى تدارك عبده ms1148 ونبيه بالبرهان الذي ذكره. # وزعم بعض المتأخرين: أن هذا لا يليق بحال الأنبياء عليهم السلام، قال: ~~تم الكلام عند قوله: { ولقد همت به } ، ثم ابتدأ الخبر عن ~~يوسف عليه السلام فقال: { وهم بها لولا أن رأى برهان ~~ربه } ، على التقديم والتأخير، أي: لولا أن رأى برهان ربه لهم بها، ~~ولكنه رأى البرهان فلم يهم. # وأنكره النحاة، وقالوا: إن العرب لا تؤخر لولا عن الفعل، فلا تقول: ~~لقد قمت لولا زيد، وهو يريد لولا زيد لقمت. # وقيل: همت بيوسف أن يفترشها، وهم بها يوسف أي: تمنى أن تكون له زوجة. # وهذا التأويل وأمثاله غير مرضية لمخالفتها أقاويل القدماء من العلماء ~~الذين يؤخذ عنهم الدين والعلم. # وقال بعضهم: إن القدر الذي فعله يوسف عليه السلام كان من الصغائر، ~~والصغائر تجوز على الأنبياء عليهم السلام. # روي أن يوسف عليه السلام لما دخل على الملك حين خرج من السجن وأقرت ~~المرأة، قال يوسف: { ذلك ليعلم أنى لم أخنه ~~بالغيب } قال له جبريل: ولا حين هممت بها يا يوسف؟ فقال يوسف عند ~~ذلك: { ومآ أبرىء نفسي } الآية. # وقال الحسن البصري: إن الله تعالى لم يذكر ذنوب الأنبياء عليهم السلام ~~في القرآن ليعيرهم، ولكن ذكرها ليبين موضع النعمة عليهم، ولئلا ييأس ~~أحد من رحمته. # وقيل: إنه ابتلاهم بالذنوب ليتفرد بالطهارة والعزة، ويلقاه جميع الخلق ~~يوم القيامة على انكسار المعصية. # وقيل: ليجعلهم أئمة لأهل الذنوب في رجاء الرحمة وترك الإياس من ~~المغفرة والعفو. # وقال بعض أهل الحقائق: الهم همان: هم ثابت، وهو إذا كان معه عزم ~~وعقد ورضى، مثل هم امرأة العزيز، والعبد مأخوذ به، وهم عارض وهو ~~الخطرة، وحديث النفس من غير اختيار ولا عزم، مثل هم يوسف عليه السلام، ~~فالعبد غير مؤاخذ به مالم يتكلم أو يعمل. # أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي، أنبأنا أبو طاهر محمد بن محمد ~~محمش الزيادي، حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، حدثنا أحمد بن يوسف ~~السلمي، حدثنا عبدالرزاق، حدثنا معمر عن همام بن منبه قال: حدثنا أبو ms1149 ~~هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " قال الله عز وجل: إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له ~~حسنة ما لم يعملها، فإذا عملها فأنا أكتبها له بعشر أمثالها، وإذا تحدث ~~بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له، مالم يعملها، فإذا عملها فأنا أكتبها له ~~بمثلها " # قوله عز وجل: { لولا أن رأى برهان ربه } ، اختلفوا في ~~ذلك البرهان: قال قتادة وأكثر المفسرين: إنه رأى صورة يعقوب، وهو يقول ~~له: يايوسف تعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب في الأنبياء! # وقال الحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة والضحاك: انفرج له سقف البيت ~~فرأى يعقوب عليه السلام عاضا على أصبعه. # وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما: مثل له يعقوب عليه ~~السلام فضرب بيده في صدره فخرجت شهوته من أنامله. # وقال السدي: نودي يايوسف تواقعها! وإنما مثلك مالم تواقعها مثل الطير ~~في جوف السماء لا يطاق، ومثلك إن تواقعها مثله إذا مات ووقع على الأرض لا ~~يستطيع أن يدفع عن نفسه، ومثلك مالم تواقعها مثل الثور الصعب الذي لا ~~يطاق، ومثلك إن واقعتها مثل الثور يموت فيدخل النمل في أصل قرنيه لا ~~يستطيع أن يدفعه عن نفسه. # عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: { وهم بها } ، قال: ~~حل سراويله وقعد منها مقعد الرجل من امرأته، فإذا بكف قد بدت بينهما ~~بلا معصم ولا عضد مكتوب عليها # وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما ~~تفعلون # [الانفطار:11]، فقام هاربا وقامت، فلما ذهب عنهما الرعب عادت وعاد ~~فظهرت تلك الكف مكتوبا عليها: # ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وسآء سبيلا # [الاسراء: 32] فقام هاربا وقامت، فلما ذهب عنهما الرعب عادت وعاد، ~~فظهر، ورأى تلك الكف مكتوبا عليها: # واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله # [البقرة:281] فقام هاربا وقامت، فلما ذهب عنهما الرعب عادت وعاد، فقال ~~الله عز وجل لجبريل عليه السلام: أدرك عبدي قبل أن يصيب الخطيئة، ~~فانحط جبريل عليه السلام عاضا على أصبعه، يقول: يا يوسف ms1150 تعمل عمل ~~السفهاء وأنت مكتوب عند الله في الأنبياء. # وروي أنه مسحه بجناحه فخرجت شهوته من أنامله. # وقال محمد بن كعب القرظي: رفع يوسف رأسه إلى سقف البيت حين هم بها فرأى ~~كتابا في حائط البيت: { ولا تقربوا الزنى إنه كان ~~فاحشة وسآء سبيلا }. # وروى عطية عن ابن عباس: في البرهان أنه رأى مثال الملك. # وقال جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنهما: البرهان النبوة التي أودعها ~~الله في صدره حالت بينه وبين ما يسخط الله عز وجل. # وعن علي بن الحسين قال: كان في البيت صنم فقامت المرأة وسترته بثوب، ~~فقال لها يوسف: لم فعلت هذا؟. # فقالت: استحييت منه أن يراني على المعصية. # فقال يوسف: أتستحين مما لا يسمع ولا يبصر ولا يفقه؟ فأنا أحق أن أستحي ~~من ربي، وهرب. # قوله عز وجل: { لولا أن رأى برهان ربه } ، جواب لولا ~~محذوف، تقديره: لولا أن رأى برهان ربه لواقع المعصية. # { كذلك لنصرف عنه السوء والفحشآء } ، فالسوء: ~~الإثم. وقيل: السوء القبيح. والفحشاء: الزنا. # { إنه من عبادنا المخلصين } ، قرأ أهل المدينة والكوفة: ~~{ المخلصين } بفتح اللام حيث كان إذا لم يكن بعده ذكر الدين، زاد ~~الكوفيون { مخلصا } في سورة مريم ففتحوا. # ومعنى { المخلصين } المختارين للنبوة، دليله: # إنآ أخلصناهم بخالصة # [ص:146]. # وقرأ الآخرون بكسر اللام، أي: المخلصين لله الطاعة والعبادة. ### || [12.25-26] # { واستبقا الباب } ، وذلك أن يوسف لما رأى البرهان قام مبادرا ~~إلى باب البيت هاربا، وتبعته المرأة لتمسك الباب حتى لا يخرج يوسف، فسبق ~~يوسف، وأدركته المرأة، فتعلقت بقميصه من خلفه، فجذبته إليها حتى لا ~~يخرج. # { وقدت قميصه } أي: فشقته { من دبر } ، أي: من خلف، فلما ~~خرجا لقيا العزيز، وهو قوله: { وألفيا سيدها لدى الباب } ~~، أي: وجدا زوج المرأة قطفير عند الباب جالسا مع ابن عم لراعيل، فلما ~~رأته هابته و { قالت } سابقة بالقول لزوجها { ما جزآء من ~~أراد بأهلك سوءا } ، يعني: الزنا، ثم خافت عليه أن يقتله ~~فقالت: { إلا أن يسجن } ، أي: يحبس، { أو عذاب أليم } ، ~~أي: ضرب بالسياط، فلما سمع يوسف مقالتها. ms1151 # { قال هى راودتنى عن نفسى } ، يعني: طلبت مني الفاحشة ~~فأبيت وفررت. # قيل: ما كان يريد يوسف أن يذكره، فلما قالت المرأة: ما جزاء من أراد ~~بأهلك سوءا؟ ذكره، فقال: هي راودتني عن نفسي. # { وشهد شاهد } ، وحكم حاكم، { من أهلهآ } ، اختلفوا في ~~ذلك الشاهد: # فقال سعيد بن جبير، والضحاك: كان صبيا في المهد، أنطقه الله عز وجل، ~~وهو رواية العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " تكلم في المهد أربعة وهم صغار: ابن ماشطة ابنة فرعون، وشاهد يوسف، ~~وصاحب جريج، وعيسى ابن مريم عليه السلام " # وقيل: كان ذلك الصبي ابن خال المرأة. # وقال الحسن وعكرمة وقتادة ومجاهد: لم يكن صبيا ولكنه كان رجلا حكيما ~~ذا رأي. # قال السدي: هو ابن عم راعيل، فحكم فقال: { إن كان قميصه قد ~~من قبل } ، أي: من قدام، { فصدقت وهو من الكذبين }. ### || [12.27-29] # { وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من ~~الصادقين } # { فلما رأى } ، قطفير، { قميصه قد من دبر } عرف خيانة ~~امرأته وبراءة يوسف عليه السلام، { قال } لها { إنه } ، أي: هذا ~~الصنيع، { من كيدكن إن كيدكن عظيم } ، وقيل: إن هذا ~~من قول الشاهد ثم أقبل قطفيرعلى يوسف فقال: # { يوسف } ، أي: يايوسف، { أعرض عن هذا } أي: عن هذا ~~الحديث، فلا تذكره لأحد حتى لا يشيع. # وقيل: معناه لا تكترث له، فقد بان عذرك وبراءتك. # ثم قال لامرأته: { واستغفرى لذنبك } ، أي: توبي إلى الله، { ~~إنك كنت من الخطئين }. # وقيل: إن هذا من قول الشاهد ليوسف ولراعيل. # أراد بقوله: (واستغفري لذنبك)، أي سلي زوجك أن لا يعاقبك ويصفح عنك، { ~~إنك كنت من الخطئين } من المذنبين، حتى راودت شابا عن ~~نفسه وخنت زوجك، فلما استعصم كذبت عليه، وإنما قال: " من الخاطئين " ~~ولم يقل: من الخاطئات، لأنه لم يقصد به الخبر عن النساء بل قصد به الخبر ~~عمن يفعل ذلك، تقديره: من القوم الخاطئين، كقوله تعالى: # وكانت من القنتين # [التحريم:12] بيانه قوله تعالى: # إنها كانت من قوم كفرين # [النمل:43]. ### || [12.30-31] # قوله تعالى: ms1152 { وقال نسوة فى المدينة } الآية. # يقول: شاع أمر يوسف والمرأة في المدينة مدينة مصر. وقيل: مدينة عين ~~الشمس، وتحدث النساء بذلك وقلن - وهن خمس نسوة: امرأة حاجب الملك، ~~وامرأة صاحب الدواب، وامرأة الخباز، وامرأة الساقي، وامرأة صاحب السجن، ~~قاله مقاتل. # وقيل: هن نسوة من أشراف مصر : # { امرأت العزيز تراود فتها } ، أي: عبدها الكنعاني، { ~~عن نفسه } ، أي: تطلب من عبدها الفاحشة، { قد شغفها حبا } ~~، أي: علقها حبا. # قال الكلبي: حجب حبه قلبها حتى لا تعقل سواه. # وقيل: أحبته حتى دخلها حبه شغاف قلبها، أي: داخل قلبها. # قال السدي: الشغاف جلدة رقيقة على القلب، يقول: دخل الحب الجلد حتى ~~أصاب القلب. وقرأ الشعبي والأعرج: { شغفها } بالعين غير المعجمة، ~~معناه: ذهب الحب بها كل مذهب. ومنه شعف الجبال وهو رؤوسها. { إنا ~~لنراها في ضلل مبين } ، أي: خطأ ظاهر. وقيل: معناه إنها ~~تركت ما يكون على أمثالها من العفاف والستر. # { فلما سمعت } ، راعيل، { بمكرهن } ، بقولهن وحديثهن، ~~قاله قتادة والسدي. # وقال ابن إسحاق إنما قلن ذلك مكرا بها لتريهن يوسف، وكان يوصف ~~لهن حسنه وجماله. # وقيل: إنها أفشت إليهن سرها واستكتمتهن فأفشين ذلك، فلذلك سماه ~~مكرا. # { أرسلت إليهن } ، قال وهب: اتخذت مأدبة، ودعت أربعين امرأة، ~~منهن هؤلاء اللاتي عيرنها. { وأعتدت } ، أي: أعدت، { لهن ~~متكئا } ، أي: ما يتكأ عليه. # وقال ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن وقتادة ومجاهد: متكأ أي: طعاما، ~~سماه متكأ لأن أهل الطعام إذا جلسوا يتكؤون على الوسائد، فسمي الطعام ~~متكأ على الاستعارة. يقال: اتكأنا عند فلان أي: طعمنا. ويقال: المتكأ ما ~~اتكأت عليه للشرب أو الحديث أو الطعام، ويقرأ في الشواذ متكأ بسكون ~~التاء. # واختلفوا في معناه: فقال ابن عباس: هو الأترج. ويروى عن مجاهد مثله. ~~وقيل: هو الأترج بالحبشة. # وقال الضحاك: هو الرباورد. # وقال عكرمة: هو كل شيء يقطع بالسكين. # وقال أبو زيد الأنصاري: كل ما يجز بالسكين فهو عند العرب متك، والمتك ~~والبتك بالميم والباء: القطع، فزينت المأدبة بألوان الفواكهة والأطعمة، ~~ووضعت الوسائد ودعت النسوة. # { وءاتت }: وأعطت، { كل واحدة منهن ms1153 سكينا } ، فكن ~~يأكلن اللحم حزا بالسكين. # { وقالت } ، ليوسف، { اخرج عليهن } ، وذلك أنها كانت ~~أجلسته في مجلس آخر، فخرج عليهن يوسف. # قال عكرمة: كان فضل يوسف على الناس في الحسن كفضل القمر ليلة البدر على ~~سائر النجوم. # وروي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " رأيت ليلة أسري بي إلى السماء يوسف كالقمر ليلة البدر " # قال إسحاق بن أبي فروة: كان يوسف إذا سار في أزقة مصر يرى تلألأ وجهه ~~على الجدران. # { فلما رأينه أكبرنه } ، أعظمنه، قال أبو العالية: ~~هالهن أمره وبهتن. وقيل: أكبرنه أي: حضن لأجله من جماله. ولا يصح. # { وقطعن } ، أي: حززن بالسكاكين التي معهن، { أيديهن } ، ~~وهن يحسبن أنهن يقطعن الأترج، ولم يجدن الألم لشغل قلوبهن بيوسف. # قال مجاهد: فما أحسسن إلا بالدم. # وقال قتادة أبن أيديهن حتى ألقينها. # والأصح أنه كان قطعا بلا إبانة. # وقال وهب: ماتت جماعة منهن. # { وقلن حاش لله ما هذا بشرا } ، أي: معاذا الله أن ~~يكون هذا بشرا. قرأ أبو عمرو: حاشى لله، بإثبات الياء في الوصل، وقرأ ~~الآخرون بحذف الياء لكثرة ورودها على الألسن، واتباعا للكتاب. # وقوله: { ما هذا بشرا } نصب بنزع حرف الصفة، أي: ليس هذا ببشر، ~~{ إن هذآ } ، أي: ما هذا، { إلا ملك } ، من الملائكة، { ~~كريم } ، على الله تعالى. ### || [12.32] # { قالت } ، يعني: راعيل، { فذلكن الذى لمتننى فيه ~~} ، أي: في حبه، ثم صرحت بما فعلت، فقالت: { ولقد راودته عن ~~نفسه فاستعصم } ، أي: فامتنع، وإنما صرحت به لأنها علمت أن لا ~~ملامة عليها منهن وقد أصابهن ما أصابها من رؤيته، فقلن له: أطع ~~مولاتك. فقالت راعيل: { ولئن لم يفعل مآ ءامره } ، ولئن ~~لم يطاوعني فيما دعوته إليه، { ليسجنن } ، أي: ليعاقبن بالحبس، { ~~وليكونا من الصغرين } ، من الأذلاء. ونون التوكيد تثقيل ~~وتخفف، والوقف على قوله: { ليسجنن } بالنون لأنها مشددة، وعلى ~~قوله: { وليكونا } بالألف لأنها مخففة، وهي شبيهة بنون الإعراب في ~~الأسماء، كقوله: رأيت رجلا، وإذا وقفت، قلت: رأيت رجلا بالألف، ومثله: # لنسفعا بالناصية ناصية # [العلق:15، 16]. فاختار يوسف عليه السلام السجن ms1154 على المعصية حين توعدته ~~المرأة. ### || [12.33-35] # { قال رب } ، أي: يارب، { السجن أحب إلى مما ~~يدعوننى إليه } ، قيل: كان الدعاء منها خاصة، ولكنه أضاف إليهن ~~خروجا من التصريح إلى التعريض. # وقيل: إنهن جميعا دعونه إلى أنفسهن. # قرأ يعقوب وحده: السجن بفتح السين. وقرأ العامة بكسرها. # وقيل: لو لم يقل: السجن أحب إلي لم يبتل بالسجن، والأولى بالمرء ~~أن يسأل الله العافية. # قوله تعالى: { وإلا تصرف عنى كيدهن أصب إليهن ~~} ، أمل إليهن وأتابعهن، يقال: صبا فلان إلى كذا يصبوا صبوا وصبوا ~~وصبوة إذا مال واشتاق إليه. # { وأكن من الجهلين } ، فيه دليل على أن المؤمن إذا ارتكب ~~ذنبا يرتكبه عن جهالة. # { فاستجاب له } أجاب له. { ربه فصرف عنه كيدهن ~~إنه هو السميع العليم } ، لدعائه العليم بمكرهن. # { ثم بدا لهم } ، أي: للعزيز وأصحابه في الرأي، وذلك أنهم ~~أرادوا أن يقتصروا من أمر يوسف على الأمر بالإعراض. ثم بدا لهم أن ~~يحبسوه. { من بعد ما رأوا الأيت } ، الدالة على براءة ~~يوسف من قد القميص، وكلام الطفل، وقطع النساء أيديهن وذهاب عقولهن، { ~~ليسجننه حتى حين } ، إلى مدة ويرون فيه رأيهم. # وقال عطاء: إلى أن تنقطع مقالة الناس. # قال عكرمة: سبع سنين. # وقال الكلبي: خمس سنين. # قال السدي: وذلك أن المرأة قالت لزوجها: إن هذا العبد العبراني قد فضحني ~~في الناس، يخبرهم أني راودته عن نفسه، فإما أن تأذن لي فأخرج فأعتذر إلى ~~الناس، وإما أن تحبسه، فحبسه، وذكر أن الله تعالى جعل ذلك الحبس ~~تطهيرا ليوسف عليه السلام من همه بالمرأة. # قال ابن عباس: عثر يوسف ثلاث عثرات حين هم بها فسجن، وحين قال " اذكرني ~~عند ربك " فلبث في السجن بضع سنين، وحين قال للإخوة " إنكم لسارقون " ، ~~فقالوا: " إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ". ### || [12.36] # قوله تعالى: { ودخل معه السجن فتيان } ، وهما غلامان ~~كانا للريان بن الوليد بن مروان العمليق ملك مصر الأكبر، أحدهما: خبازه ~~وصاحب طعامه، والآخر: ساقيه وصاحب شرابه. غضب الملك عليهما فحبسهما. # وكان السبب فيه: أن جماعة من أهل مصر أرادوا ms1155 المكر بالملك واغتياله، ~~فضمنوا لهذين مالا، ليسما الملك في طعامه وشرابه فأجاباهم ثم إن ~~الساقي نكل عنه، وقبل الخباز الرشوة فسم الطعام، فلما أحضر الطعام ~~والشراب. # قال الساقي: لا تأكل أيها الملك فإن الطعام مسموم، وقال الخباز: لا تشرب ~~فإن الشراب مسموم. # فقال الملك للساقي: اشرب فشربه فلم يضره، وقال للخباز: كل من طعامك، ~~فأبى فجرب ذلك الطعام على دابة فأكلته فهلكت، فأمر الملك بحبسهما. # وكان يوسف حين دخل السجن جعل ينشر علمه ويقول: إني أعبر الأحلام، فقال ~~أحد الفتيين لصاحبه: هلم فلنجرب هذا العبد، فتراءيا له فسألاه من ~~غير أن يكونا رأيا شيئا، قال ابن مسعود: ما رأيا شيئا وإنما تحالما ~~ليجربا يوسف. # وقال قوم: بل كانا رأيا حقيقة، فرآهما يوسف وهما مهمومان فسألهما عن ~~شأنهما، فذكرا أنهما صاحبا الملك، وحبسهما، وقد رأيا رؤيا غمتهما. فقال ~~يوسف: قصا علي ما رأيتما، فقصا عليه. # { قال أحدهمآ } ، وهو صاحب الشراب، { إنى أرانى أعصر ~~خمرا } ، أي: عنبا، سمي العنب خمرا باسم ما يؤول إليه، كما يقال: ~~فلان يطبخ الآجر أي يطبخ اللبن للآجر. وقيل: الخمر العنب بلغة عمان، ~~وذلك أنه قال إني رأيت كأني في بستان، فإذا بأصل حبلة عليها ثلاثة ~~عناقيد من عنب فجنيتها وكان كأس الملك بيدي فعصرتها فيه وسقيت الملك ~~فشربه. # { وقال الأخر } ، وهو الخباز: { إنى أرانى أحمل ~~فوق رأسى خبزا تأكل الطير منه } ، وذلك أنه قال: إني ~~رأيت كأن فوق رأسي ثلاث سلال فيها الخبز وألوان الأطعمة وسباع الطير تنهش ~~منه. { نبئنا بتأويله } ، أخبرنا بتفسيره وتعبيره وما يؤل ~~إليه أمر هذه الرؤيا. # { إنا نراك من المحسنين } ، أي: العالمين بعبارة الرؤيا، ~~والإحسان بمعنى العلم. # وروي أن الضحاك بن مزاحم سئل عن قوله: { إنا نراك من ~~المحسنين } ، ما كان إحسانه؟ قال: كان إذا مرض إنسان في السجن عاده ~~وقام عليه، وإذا ضاق عليه المجلس وسع له، وإذا احتاج جمع له شيئا، وكان ~~مع هذا يجتهد في العبادة، ويقوم الليل كله للصلاة. # وقيل: إنه لما دخل السجن وجد فيه قوما قد ms1156 اشتد بلاؤهم وانقطع رجاؤهم ~~وطال حزنهم، فجعل يسليهم ويقول: أبشروا واصبروا تؤجروا، فيقولون: بارك ~~الله فيك، يافتى ما أحسن وجهك وخلقك وحديثك، لقد بورك لنا في جوارك فمن ~~أنت يافتى؟ قال: أنا يوسف بن صفي الله يعقوب بن ذبيح الله إسحاق بن خليل ~~الله إبراهيم، فقال له عامل السجن: يافتى والله لو استطعت لخليت ~~سبيلك، ولكن سأحسن جوارك فتمكن في أي البيوت من السجن شئت. # ويروي أن الفتيين لما رأيا يوسف قالا له: لقد أحببناك حين رأيناك، ~~فقال لهما يوسف: أنشدكما بالله أن لا تحباني، فوالله ما أحبني أحد قط ~~إلا دخل علي من حبه بلاء، لقد أحبتني عمتي فدخل علي بلاء، ثم أحبني ~~أبي فألقيت في الجب، وأحبتني امرأة العزيز فحبست، فلما قصا عليه الرؤيا ~~كره يوسف أن يعبر لهما ما سألاه لما علم في ذلك من المكروه على ~~أحدهما، فأعرض عن سؤالهما وأخذ في غيره من إظهار المعجزة والدعاء إلى ~~التوحيد. ### || [12.37] # { قال لا يأتيكما طعام ترزقانه } ، قيل: أراد به في ~~النوم يقول لا يأتيكما طعام ترزقانه في نومكما، { إلا نبأتكما ~~بتأويله } ، في اليقظة. # وقيل: أراد به في اليقظة، يقول: لا يأتيكما طعام من منازلكما ترزقانه، ~~تطعمانه وتأكلانه إلا نبأتكما بتأويله بقدره ولونه والوقت الذي يصل فيه ~~إليكما. # { قبل أن يأتيكما } ، قبل أن يصل إليكما، وأي طعام أكلتم ~~وكم أكلتم ومتى أكلتم، فهذا مثل معجزة عيسى عليه السلام حيث قال: # وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون فى بيوتكم # [آل عمران:49] فقالا: هذا فعل العرافين والكهنة، فمن أين لك هذا ~~العلم؟ فقال: ما أنا بكاهن وإنما { ذلكما } ، العلم، { مما ~~علمنى ربى إنى تركت ملة قوم لا يؤمنون ~~بالله وهم بالأخرة هم كفرون } ، وتكرار { هم } على ~~التأكيد. ### || [12.38-39] # { واتبعت ملة ءابآءى إبرهيم وإسحق ~~ويعقوب } ، أظهر أنه من ولد الأنبياء { ما كان لنآ } ، ما ~~ينبغي لنا، { أن نشرك بالله من شىء } ، معناه: أن الله قد ~~عصمنا من الشرك، { ذلك } ، التوحيد والعلم، { من فضل الله ~~علينا وعلى الناس } ، بما بين لهم من الهدى، ms1157 { ولكن ~~أكثر الناس لا يشكرون } ، ثم دعاهما إلى الإسلام فقال: # { يصاحبي السجن } ، جعلهما صاحبي السجن لكونهما فيه، كما يقال ~~لسكان الجنة: أصحاب الجنة، ولسكان النار: أصحاب النار، { أأرباب ~~متفرقون } ، أي: آلهة شتى، هذا من ذهب، وهذا من فضة، وهذا من ~~حديد، وهذا أعلى، وهذا أوسط، وهذا أدنى، متباينون لا تضر ولا تنفع، { ~~خير أم الله الوحد القهار } ، الذي لا ثاني له. ~~القهار: الغالب على الكل. ثم بين عجز الأصنام فقال: # { ما تعبدون من دونه }. ### || [12.40-42] # { ما تعبدون من دونه } ، أي: من دون الله، وإنما ذكر بلفظ ~~الجمع وقد ابتدأ الخطاب للاثنين لأنه أراد جميع أهل السجن، وكل من هو ~~على مثل حالهما من [أهل] الشرك، { إلا أسمآء سميتموهآ } ، ~~آلهة وأربابا خالية عن المعنى لا حقيقة لتلك الأسماء، { أنتم ~~وءابآؤكم مآ أنزل الله بها من سلطن } ، حجة ~~وبرهان، { إن الحكم } ، ما القضاء والأمر والنهي، { إلا لله ~~أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ~~} ، المستقيم، { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ، ثم ~~فسر رؤياهما فقال: # { يصاحبى السجن أمآ أحدكما } ، وهو صاحب الشراب، { ~~فيسقى ربه } ، يعني الملك { خمرا } ، والعناقيد الثلاثة أيام ~~يبقى في السجن ثم يدعوه الملك بعد الثلاثة أيام، ويرده إلى منزلته التي ~~كان عليها، { وأما الأخر } ، يعني: صاحب الطعام فيدعوه الملك بعد ~~ثلاثة أيام، والسلال الثلاث: الثلاثة أيام يبقى في السجن، ثم يخرجه، { ~~فيصلب فتأكل الطير من رأسه }. # قال ابن مسعود: لما سمعا قول يوسف قالا: ما رأينا شيئا إنما ~~كنا نلعب، قال يوسف: { قضى الأمر الذى فيه تستفتيان } ~~، أي: فرغ من الأمر الذي عنه تسألان، ووجب حكم الله عليكما بالذي ~~أخبرتكما به، رأيتما أو لم تريا. # { وقال } ، يعني: يوسف عند ذلك { للذى ظن } ، أي: علم { ~~أنه ناج منهما } ، وهو الساقي، { اذكرنى عند ربك } ~~، يعني: سيدك الملك، وقل له: إن في السجن غلاما محبوسا ظلما طال حبسه: ~~{ فأنساه الشيطن ذكر ربه } ، قيل: أنسى الشيطان ~~الساقي ذكر يوسف للملك، تقديره: فأنساه الشيطان ذكره لربه. # وقال ابن عباس وعليه الأكثرون: أنسى الشيطان يوسف ms1158 ذكر ربه حين ~~ابتغى الفرج، من غيره واستعان بمخلوق، وتلك غفلة عرضت ليوسف من الشيطان. # { فلبث } ، فمكث، { فى السجن بضع سنين } ، واختلفوا في ~~معنى البضع، فقال مجاهد: ما بين الثلاث إلى السبع. # وقال قتادة: ما بين الثلاث إلى التسع. # وقال ابن عباس: ما دون العشرة. # وأكثر المفسرين على أن البضع في هذه الآية سبع سنين، وكان قد لبث قبله ~~خمس سنين فجملته اثنتا عشرة سنة. # وقال وهب: أصاب أيوب البلاء سبع سنين، وترك يوسف في السجن سبع سنين، ~~وعذب بختنصر فحول في السباع سبع سنين. # قال مالك بن دينار: لما قال يوسف للساقي اذكرني عند ربك، قيل له: يايوسف ~~اتخذت من دوني وكيلا لأطيلن حبسك، فبكى يوسف، وقال: يارب أنسي قلبي ~~كثرة البلوى فقلت كلمة ولن أعود. # وقال الحسن: دخل جبريل على يوسف في السجن، فلما رآه يوسف عرفه فقال له: ~~يا أخا المنذرين مالي أراك بين الخاطئين؟ فقال له جبريل: ياطاهر الطاهرين ~~يقرأ عليك السلام رب العالمين، ويقول لك: أما استحييت مني أن استشفعت ~~بالآدميين، فوعزتي لألبثنك في السجن بضع سنين، قال يوسف: وهو في ذلك ~~عني راض؟ قال: نعم، قال: إذا لا أبالي. # وقال كعب: قال جبريل ليوسف إن الله تعالى يقول من خلقك؟ قال: الله، قال: ~~فمن حببك إلى أبيك؟ قال: الله، قال: فمن نجاك من كرب البئر؟ قال: ~~الله، قال: فمن علمك تأويل الرؤيا؟ قال: الله، قال: فمن صرف عنك السوء ~~والفحشاء؟ قال: الله، قال: فكيف استشفعت بآدمي مثلك؟ # فلما انقضت سبع سنين - قال الكلبي: فهذه السبع سوى الخمسة التي كانت قبل ~~ذلك ودنا فرج يوسف، فرأى ملك مصر الأكبر رؤيا عجيبة هالته، وذلك ~~أنه رأى سبع بقرات سمان، خرجت من البحر، ثم خرج عقبهن سبع بقرات عجاف في ~~غاية الهزال، فابتلعت العجاف السمان فدخلن في بطونهن، ولم ير منهن ~~شيء، ولم يتبين على العجاف منها شيء، ثم رأى سبع سنبلات خضر قد انعقد ~~حبها، وسبعا أخرى يابسات قد استحصدت، فالتوت اليابسات على الخضر حتى ~~غلبن ms1159 عليها ولم يبق من خضرتها شيء، فجمع السحرة والكهنة والحازة ~~والمعبرين وقص عليهم رؤياه. ### || [12.43-46] # فذلك قوله تعالى: { وقال الملك إنى أرى سبع بقرت ~~سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلت خضر ~~وأخر يابست } ، فقال لهم، { يأيها الملأ أفتونى ~~فى رءيى إن كنتم للرءيا تعبرون }. # { قالوا أضغث أحلم } أخلاط أحلام مشتبهة، أهاويل، ~~واحدها ضغث، وأصله الحزمة من أنواع الحشيش، والأحلام جمع الحلم، وهو ~~الرؤيا، والفعل منه حلمت أحلم، بفتح اللام في الماضي وضمها في الغابر، ~~حلما وحلما، مثقلا ومخففا. { وما نحن بتأويل ~~الأحلم بعلمين }. # { وقال الذى نجا } ، من القتل، { منهما } ، من الفتيين وهو ~~الساقي، { وادكر } ، أي: تذكر قول يوسف اذكرني عند ربك، { بعد ~~أمة } ، أي: بعد حين وهو سبع سنين. { أنا أنبئكم ~~بتأويله } ، وذلك أن الغلام جثا بين يدي الملك، وقال: إن في السجن ~~رجلا يعبر الرؤيا، { فأرسلون } وفيه اختصار تقديره: فأرسلني أيها ~~الملك إليه، فأرسله فأتى السجن قال ابن عباس: ولم يكن السجن في المدينة. # فقال: { يوسف } ، يعني: يايوسف، { أيها الصديق } ، والصديق ~~الكثير الصدق، { أفتنا فى سبع بقرت سمان يأكلهن ~~سبع عجاف وسبع سنبلت خضر وأخر يبست } ، ~~فإن الملك رأى هذه الرؤيا، { لعلى أرجع إلى الناس } ، أهل ~~مصر، { لعلهم يعلمون } ، تأويل الرؤيا. وقيل: لعلهم يعلمون ~~منزلتك في العلم. # فقال لهم يوسف معبرا ومعلما: أما البقرات السمان والسنبلات الخضر: ~~فسبع سنين مخاصيب، والبقرات العجاف والسنبلات اليابسات، فالسنون المجدبة، ~~فذلك قوله تعالى إخبارا عن يوسف. ### || [12.47-50] # { قال تزرعون سبع سنين دأبا } ، هذا خبر بمعنى الأمر، ~~يعني: ازرعوا سبع سنين على عادتكم في الزراعة. # والدأب: العادة. وقيل: بجد واجتهاد. # وقرأ عاصم برواية حفص: { دأبا } ، بفتح الهمزة، وهما لغتان، يقال: ~~دأبت في الأمر أدأب دأبا ودأبا إذا اجتهدت. { فما حصدتم ~~فذروه فى سنبله } ، أمرهم بترك الحنطة في السنبلة لتكون أبقى ~~على الزمان ولا تفسد، { إلا قليلا مما تأكلون } ، أي: مما ~~تدرسون قليلا للأكل، أمرهم بحفظ الأكثر والأكل بقدر الحاجة. # { ثم يأتى من بعد ذلك سبع شداد } ، سمى السنين ~~المجدبة شدادا لشدتها على الناس، { يأكلن ms1160 } ، أي: يفنين ويهلكن، ~~{ ما قدمتم لهن } ، أي: يؤكل فيهن ما أعددتم لهن من الطعام، ~~أضاف الأكل إلى السنين على طريق التوسع { إلا قليلا مما ~~تحصنون } تحرزون وتدخرون للبذر. # { ثم يأتى من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس } ، ~~أي: يمطرون، من الغيث: وهو المطر. وقيل: ينقذون من قول العرب اشتغثت ~~فلانا فأغاثني، { وفيه يعصرون } ، قرأ حمزة والكسائي: { تعصرون ~~} ، بالتاء لأن الكلام كله على الخطاب، وقرأ الآخرون بالياء ردا إلى ~~الناس، ومعناه: يعصرون العنب خمرا والزيتون زيتا والسمسم دهنا. وأراد ~~به كثرة النعيم والخير. وقال أبو عبيدة: يعصرون أي ينجون من الكروب ~~والجدب، والعصر والعصرة: المنجاة والملجأ. # { وقال الملك ائتونى به } ، وذلك أن الساقي لما رجع إلى ~~الملك وأخبره بما أفتاه يوسف من تأويل رؤياه، وعرف الملك أن الذي قاله ~~كائن، قال: ائتوني به. # { فلما جآءه الرسول } ، وقال له: أجب الملك، أبى أن يخرج مع ~~الرسول حتى تظهر براءته ثم، { قال } ، للرسول: { ارجع إلى ~~ربك } ، يعني: سيدك الملك، { فاسأله ما بال النسوة ~~اللاتي قطعن أيديهن } ، ولم يصرح بذكر امرأة العزيز أدبا ~~واحتراما. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي " # { إن ربى بكيدهن عليم } ، أي: إن الله بصنيعهن عالم، ~~وإنما أراد يوسف بذكرهن بعد طول المدة حتى لا ينظر إليه الملك بعين ~~التهمة، ويصير إليه بعد زوال الشك عن أمره، فرجع الرسول إلى الملك من ~~عند يوسف برسالته، فدعا الملك النسوة وامرأة العزيز. ### || [12.51-52] # { قال } ، لهن، { ما خطبكن } ، ما شأنكن وأمركن، { إذ ~~راودتن يوسف عن نفسه } ، خاطبهن والمراد امرأة العزيز، ~~وقيل: إن امرأة العزيز راودته عن نفسه وسائر النسوة أمرنه بطاعتها ~~فلذلك خاطبهن. # { قلن حاش لله } معاذ الله، { ما علمنا عليه من ~~سوء } ، خيانة. # { قالت امرأت العزيز الآن حصحص الحق } ظهر وتبين. ~~وقيل: إن النسوة أقبلن على امرأة العزيز فقررنها فأقرت، وقيل: خافت أن ~~يشهدن عليها فأقرت. { أنا رودته عن نفسه وإنه ~~لمن الصدقين } ، في قوله: هي راودتني عن نفسي، فلما سمع ذلك ~~يوسف ms1161 قال: # { ذلك } أي: ذلك الذي فعلت من ردي رسول الملك إليه، { ليعلم } ~~، العزيز، { أنى لم أخنه } ، في زوجته، { بالغيب } ، أي: ~~في حال غيبته، { وأن الله لا يهدى كيد الخئنين } ، ~~قوله ذلك ليعلم من كلام يوسف اتصل بقول امرأة العزيز: أنا راودته عن ~~نفسه، من غير تميز، لمعرفة السامعين. # وقيل: فيه تقديم وتأخير: معناه: ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة ~~اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم، ذلك ليعلم أني لم ~~أخنه بالغيب. # قيل: لما قال يوسف هذه المقالة، قال له جبريل: ولا حين هممت بها؟ فقال ~~يوسف عند ذلك: وما أبرىء نفسي. # وقال السدي: إنما قالت له امرأة العزيز: ولا حين حللت سراويلك يايوسف؟ ~~فقال يوسف: # { ومآ أبرىء نفسى }. ### || [12.53-54] # { ومآ أبرىء نفسى } ، من الخطأ والزلل فأزكيها، { إن ~~النفس لأمارة بالسوء } ، بالمعصية { إلا ما رحم ~~ربى } ، أي: إلا من رحم ربي فعصمه، { ما } بمعنى من كقوله تعالى: # فانكحوا ما طاب لكم # [النساء:3] أي: من طاب لكم - وهم الملائكة، عصمهم الله عز وجل فلم ~~يركب فيهم الشهوة. # وقيل: «إلا ما رحم ربى» إشارة إلى حالة العصمة عند رؤية ~~البرهان. # { إن ربى غفور رحيم } ، فلما تبين للملك عذر يوسف عليه ~~السلام وعرف أمانته وعلمه: # { وقال الملك ائتونى به أستخلصه لنفسى } ، أي: ~~أجعله خالصا لنفسي، { فلما كلمه } ، فيه اختصار تقديره: فجاء ~~الرسول يوسف فقال له: أجب الملك الآن. # روي أنه قام ودعا لأهل السجن فقال: اللهم عطف عليهم قلوب الأخيار، ~~ولا تعم عليهم الأخبار، فهم أعلم الناس بالأخبار في كل بلد، فلما خرج ~~من السجن كتب على باب السجن: هذا قبر الأحياء، وبيت الأحزان، وتجربة ~~الأصدقاء، وشماتة الأعداء. ثم اغتسل وتنظف من درن السجن ولبس ثيابا ~~حسانا وقصد الملك. # قال وهب: فلما وقف بباب الملك قال: حسبي ربي من دنياي، وحسبي ربي من ~~خلقه، عز جاره، وجل ثناؤه، ولا إله غيره. ثم دخل الدار فلما دخل على ~~الملك قال: اللهم إني أسألك بخيرك من خيره، وأعوذ بك من شره وشر غيره. ~~فلما ms1162 نظر إليه الملك سلم عليه يوسف بالعربية فقال: له الملك: ما هذا ~~اللسان؟ قال: لسان عمي إسماعيل، ثم دعا له بالعبرانية فقال الملك: ما هذا ~~اللسان؟ قال: هذا لسان آبائي، ولم يعرف الملك هذين اللسانين. # قال وهب: وكان الملك يتكلم بسبعين لسانا فكلما تكلم بلسان أجابه يوسف ~~بذلك اللسان وزاد عليه بلسان العربية والعبرانية، فأعجب الملك ما رأى منه ~~مع حداثة سنه، وكان يوسف يومئذ ابن ثلاثين سنة، فأجلسه و، { قال ~~إنك اليوم لدينا مكين } ، المكانة في الجاه، { أمين } ~~، أي: صادق. # وروي أن الملك قال له إني أحب أن أسمع رؤياي منك شفاها. # فقال له يوسف: نعم أيها الملك، رأيت سبع بقرات سمان شهب غر حسان، ~~كشف لك عنهن النيل، فطلعن عليك من شاطئه تشخب أخلافهن لبنا، فبينما ~~أنت تنظر إليهن ويعجبك حسنهن إذ نضب النيل فغار ماؤه وبدا يبسه، ~~فخرج من حمأته سبع بقرات عجاف شعث غبر متقلصات البطون، ليس لهن ~~ضروع ولا أخلاف، ولهن أنياب وأضراس وأكف كأكف الكلاب، وخراطيم كخراطيم ~~السباع، فافترسن السمان افتراس السبع، فأكلن لحومهن، ومزقن جلودهن، ~~وحطمن عظامهن، وتمششن مخهن، فبينما أنت تنظر وتتعجب إذ سبع سنابل خضر ~~وسبع أخر سود في منبت واحد عروقهن في الثرى والماء فبينما أنت تقول في ~~نفسك أنى هذا؟ خضر مثمرات وهؤلاء سود يابسات، والمنبت واحد وأصولهن في ~~الماء إذ هبت ريح فذرت الأوراق من اليابسات السود على الخضر ~~المثمرات فاشتعلت فيهن النار، فاحترقن فصرن سودا فهذا ما رأيت، ثم ~~انتبهت من نومك مذعورا. # فقال الملك: والله ما شأن هذه الرؤيا - وإن كانت عجيبة - بأعجب مما ~~سمعت منك، فما ترى في رؤياي أيها الصديق؟ # فقال يوسف عليه السلام: أرى أن تجمع الطعام وتزرع زرعا كثيرا في هذه ~~السنين المخصبة، وتجعل الطعام في الخزائن بقصبه وسنبله ليكون القصب ~~والسنبل علفا للدواب، وتأمر الناس فيرفعون من طعامهم الخمس، فيكفيك ~~من الطعام الذي جمعته لأهل مصر ومن حولها، ويأتيك الخلق من النواحي ~~للميرة فيجتمع عندك من الكنوز مالم يجتمع لأحد قبلك. ms1163 # فقال الملك: ومن لي بهذا ومن يجمعه ويبيعه ويكفيني الشغل فيه؟. ### || [12.55] # ف { قال } ، يوسف: { اجعلنى على خزآئن الأرض } ، ~~الخزائن: جمع خزانة، وأراد خزائن الطعام والأموال، والأرض: أرض مصر، أي: ~~خزائن أرضك. # وقال الربيع بن أنس: أي على خراج مصر ودخله. # { إنى حفيظ عليم } ، أي: حفيظ للخزائن عليم بوجوه مصالحها. ~~وقيل: حفيظ عليم: كاتب وحاسب. # وقيل: حفيظ لما استودعتني، عليم بما وليتني. # وقيل: حفيظ للحساب عليم بالألسن أعلم لغة كل من يأتيني. # وقال الكلبي: حفيظ بتقديره في السنين الخصبة في الأرض الجدبة عليم بوقت ~~الجوع حين يقع، فقال له الملك: ومن أحق به منك؟! فولاه ذلك وقال له: ~~إنك اليوم لدينا مكين، ذو مكانة ومنزلة، أمين على الخزائن. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني أبو عبدالله ~~الحسين ابن محمد الفنجوي، حدثنا مخلد بن جعفر الباقرجي، حدثنا الحسن بن ~~علوية، حدثنا إسماعيل بن عيسى، حدثنا إسحاق بن بشر، عن جويبر، عن الضحاك، ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ~~ساعته، ولكنه أخره لذلك سنة فأقام في بيته سنة مع الملك " # وبإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما انصرمت السنة من اليوم ~~سأل الإمارة دعاه الملك فتوجه وقلده بسيفه ووضع له سريرا من ذهب مكلل ~~بالدر والياقوت، وضرب عليه حلة من استبرق، وطول السرير ثلاثون ذراعا ~~وعرضه عشرة أذرع، عليه ثلاثون فراشا وستون مقرمة، ثم أمره أن يخرج، ~~متوجا، ولونه كالثلج، ووجهه كالقمر، يرى الناظر وجهه في صفاء لون ~~وجهه، فانطلق حتى جلس على السرير، ودانت له الملوك، ودخل الملك بيته ~~وفوض إليه أمر مصر، وعزل قطفير عما كان عليه وجعل يوسف مكانه. قاله ابن ~~إسحاق. # وقال ابن زيد: وكان لملك مصر خزائن كثيرة فسلم سلطانه كله إليه وجعل ~~أمره وقضاءه نافذا، قالوا: ثم إن قطفير هلك في تلك الليالي فزوج الملك ~~يوسف راعيل امرأة قطفير، فلما ms1164 دخل عليها قال: أليس هذا خيرا مما كنت ~~تريدين؟ فقالت: أيها الصديق لا تلمني، فإني كنت امرأة حسناء ناعمة كما ~~ترى في ملك ودنيا، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنت كما جعلك الله في ~~حسنك وهيئتك فغلبتني نفسي فوجدها يوسف عذراء فأصابها فولدت له ولدين: ~~أفراثيم بن يوسف، وميشا بن يوسف. # واستوثق ليوسف ملك مصر، أي: اجتمع، فأقام فيهم العدل، وأحبه الرجال ~~والنساء، فذلك قوله تعالى: # { وكذلك مكنا ليوسف في الأرض }. ### || [12.56-57] # { وكذلك مكنا ليوسف في الأرض } ، يعني: أرض مصر ~~ملكناه، { يتبوأ منها } ، أي: ينزل { حيث يشآء } ، ويصنع ~~فيها ما يشاء. # قرأ ابن كثير: { نشاء } بالنون ردا على قوله: { مكنا } وقرأ ~~الآخرون بالياء ردا على قوله { يتبوأ }. # { نصيب برحمتنا من نشآء } ، أي: بنعمتنا، { ولا نضيع ~~أجر المحسنين } ، قال ابن عباس ووهب: يعني الصابرين. # قال مجاهد وغيره: فلم يزل يوسف عليه السلام يدعو الملك إلى الإسلام ~~ويتلطف له حتى أسلم الملك وكثير من الناس، فهذا في الدنيا. # { ولأجر الأخرة } ، ثواب الآخرة، { خير للذين ~~ءامنوا وكانوا يتقون }. # فلما اطمأن يوسف في ملكه دبر في جمع الطعام بأحسن التدبير، وبنى ~~الحصون والبيوت الكثيرة، وجمع فيها الطعام للسنين المجدبة، وأنفق ~~بالمعروف حتى خلت السنون المخصبة ودخلت السنون المجدبة بهول لم يعهد ~~الناس بمثله. # وروي أنه كان قد دبر في طعام الملك وحاشيته كل يوم مرة واحدة نصف ~~النهار، فلما دخلت سنة القحط كان أول من أخذه الجوع هو الملك في نصف ~~الليل فنادى يايوسف الجوع الجوع!. # فقال يوسف: هذا أوان القحط. # ففي السنة الأولى من سني الجدب هلك كل شيء أعدوه في السنين المخصبة، ~~فجعل أهل مصر يبتاعون من يوسف الطعام، فباعهم أول سنة بالنقود حتى لم يبق ~~بمصر دينار ولا درهم إلا قبضه، وباعهم السنة الثانية بالحلي والجواهر حتى ~~لم يبق في أيدي الناس منها شيء، وباعهم السنة الثالثة بالمواشي والدواب ~~حتى احتوى عليها أجمع، وباعهم السنة الرابعة بالعبيد والإماء حتى لم يبق ~~في يد أحد عبد ولا أمة، وباعهم السنة الخامسة بالضياع ms1165 والعقار والدور حتى ~~احتوى عليها، وباعهم السنة السادسة بأولادهم حتى استرقهم، وباعهم السنة ~~السابعة برقابهم حتى استرقهم، ولم يبق بمصر حر ولا حرة إلا صار عبدا ~~له. # فقال الناس: ما رأينا يوما كاليوم ملكا أجل ولا أعظم من هذا. # ثم قال يوسف للملك: كيف رأيت صنع ربي فيما خولني فما ترى في ذلك؟ # فقال له الملك: الرأي رأيك والأمر إليك ونحن لك تبع. # قال: فإني أشهد الله وأشهدك أني قد أعتقت أهل مصر عن آخرهم، ورددت ~~عليهم أملاكهم. # وروي أن يوسف كان لايشبع من طعام في تلك الأيام، فقيل له: أتجوع وبيدك ~~خزائن الأرض؟. # فقال: أخاف إن شبعت أن أنسى الجائع، وأمر يوسف عليه السلام طباخي الملك ~~أن يجعلوا غداءه نصف النهار، وأراد بذلك أن يذوق الملك طعم الجوع فلا ~~ينسى الجائعين، فمن ثم جعل الملوك غذاءهم نصف النهار. # قال: وقصد الناس مصر من كل أوب يمتارون الطعام فجعل يوسف لا يمكن ~~أحدا منهم وإن كان عظيما من أكثر من حمل بعير تقسيطا بين الناس، ~~وتزاحم الناس عليه فأصاب أرض كنعان وبلاد الشام ما أصاب الناس في سائر ~~البلاد من القحط والشدة، ونزل بيعقوب ما نزل بالناس، فأرسل بنيه إلى مصر ~~للميرة، وأمسك بنيامين أخا يوسف لأمه، فذلك قوله تعالى: # { وجآء إخوة يوسف }. ### || [12.58] # { وجآء إخوة يوسف } وكانوا عشرة، وكان منزلهم بالعرنات من أرض ~~فلسطين، بغور الشام، وكانوا أهل بادية وإبل وشاة، فدعاهم يعقوب عليه ~~السلام وقال: يابني بلغني أن بمصر ملكا صالحا يبيع الطعام، فتجهزوا ~~لتشتروا منه الطعام، فأرسلهم فقدموا مصر، { فدخلوا عليه ~~} ، على يوسف، { فعرفهم } ، يوسف عليه السلام. # قال ابن عباس ومجاهد: عرفهم بأول ما نظر إليهم. # وقال الحسن: لم يعرفهم حتى تعرفوا إليه. # { وهم له منكرون } ، أي: لم يعرفوه. قال ابن عباس: وكان بين أن ~~قذفوه في البئر وبين أن دخلوا عليه أربعون سنة، فلذلك أنكروه. # وقال عطاء: إنما لم يعرفوه لأنه كان على سرير الملك وعلى رأسه تاج ~~الملك. # وقيل: لأنه كان بزي ملوك مصر، عليه ms1166 ثياب من حرير وفي عنقه طوق من ~~ذهب، فلما نظر إليهم يوسف وكلموه بالعبرانية، قال لهم: أخبروني من أنتم ~~وما أمركم فإني أنكرت شأنكم؟ قالوا نحن قوم من أرض الشام رعاة، أصابنا ~~الجهد فجئنا نمتار. # فقال: لعلكم جئتم تنظرون عورة بلادي. # قالوا: لا والله ما نحن بجواسيس، إنما نحن إخوة بنو أب واحد، وهو شيخ ~~صديق يقال له يعقوب نبي من أنبياء الله. # فقال: وكم أنتم؟ قالوا: كنا اثني عشر، فذهب أخ لنا معنا إلى البرية، ~~فهلك فيها، وكان أحبنا إلى أبينا. # قال: فكم أنتم هاهنا؟ # قالوا: عشرة. # قال: وأين الآخر؟ # قالوا: عند أبينا، لأنه أخو الذي هلك لأمه، فأبونا يتسلى به. # فقال: فمن يعلم أن الذي تقولون حق؟ # قالوا: أيها الملك إنا ببلاد لا يعرفنا فيها أحد من أهلها. # فقال يوسف: فاتوني بأخيكم الذي من أبيكم إن كنتم صادقين، وأنا أرضى ~~بذلك. # قالوا: فإن أبانا يحزن على فراقه وسنراود عنه أباه. # قال: فدعوا بعضكم عندي رهينة حتى تأتوني بأخيكم، فاقترعوا بينهم، ~~فأصابت القرعة شمعون، وكان أحسنهم رأيا في يوسف، فخلفوه عنده. ### || [12.59-62] # فذلك قوله عز وجل: { ولما جهزهم بجهازهم } ، أي: ~~حمل لكل واحد بعيرا بعدتهم، { قال ائتونى بأخ لكم من ~~أبيكم } ، يعني: بنيامين، { ألا ترون أنى أوفى الكيل ~~}. أي: أتمه ولا أبخس الناس شيئا، فأزيدكم حمل بعير لأجل أخيكم، وأكرم ~~منزلتكم وأحسن إليكم، { وأنا خير المنزلين } ، قال مجاهد: ~~أي خير المضيفين. وكان قد أحسن ضيافتهم. # { فإن لم تأتونى به فلا كيل لكم عندى } ، أي: ليس ~~لكم عندي طعام أكيله لكم { ولا تقربون } ، أي: لا تقربوا داري ~~وبلادي بعد ذلك وهو جزم على النهي. # { قالوا سنرود عنه أباه } ، أي: نطلبه ونسأله أن يرسله ~~معنا، { وإنا لفعلون } ، ما أمرتنا به. # { وقال لفتيانه } ، قرأ حمزة والكسائي وحفص: { لفتيانه } ~~بالألف والنون، وقرأ الباقون: { لفتيته } بالتاء من غير ألف، يريد ~~لغلمانه، وهما لغتان مثل الصبيان والصبية، { اجعلوا بضعتهم } ~~ثمن طعامهم وكانت دراهم. # وقال الضحاك عن ابن عباس: كانت النعال والأدم. # وقيل: كانت ثمانية جرب ms1167 من سويق المقل. والأول أصح # { فى رحالهم } ، أوعيتهم، وهي جمع رحل، { لعلهم ~~يعرفونهآ إذا انقلبوا } ، انصرفوا، { إلى أهلهم ~~لعلهم يرجعون }. # واختلفوا في السبب الذي فعله يوسف من أجله، قيل: أراد أن يريهم كرمه في ~~رد البضاعة وتقديم الضمان في البر والإحسان، ليكون أدعى لهم إلى العود، ~~لعلهم يعرفونها، أي: كرامتهم علينا. # وقيل: رأى لؤما في أخذ ثمن الطعام من أبيه وإخوته مع حاجتهم إليه، ~~فرده عليهم من حيث لا يعلمون تكرما. # وقال الكلبي: تخوف أن لا يكون عند أبيه من الورق ما يرجعون به مرة ~~أخرى. # وقيل: فعل ذلك لأنه علم أن ديانتهم تحملهم على رد البضاعة نفيا للغلط ~~ولا يستحلون إمساكها. ### || [12.63-64] # { فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يأبانا } ، إنا ~~قدمنا على خير رجل، أنزلنا وأكرمنا كرامة لو كان رجلا من أولاد يعقوب ~~ما أكرمنا كرامته، فقال لهم يعقوب: إذا أتيتم ملك مصر فأقرؤوه مني ~~السلام، وقولوا له: إن أبانا يصلي عليك ويدعو لك بما أوليتنا، ثم قال: ~~أين شمعون؟ قالوا: ارتهنه ملك مصر، وأخبروه بالقصة، فقال لهم: ولم ~~أخبرتموه؟ قالوا: إنه أخذنا وقال أنتم جواسيس حيث كلمناه بلسان ~~العبرانية وقصوا عليه القصة، وقالوا يا أبانا: # { منع منا الكيل } ، قال الحسن: معناه يمنع منا الكيل إن لم ~~تحمل أخانا معنا. # وقيل: معناه أعطى باسم كل واحد منا حملا ويمنع منا الكيل لبنيامين، ~~والمراد بالكيل: الطعام، لأنه يكال. # { فأرسل معنآ أخانا } ، بنيامين، { نكتل } قرأ حمزة ~~والكسائي: (يكتل) بالياء، يعني: يكتل لنفسه كما نحن نكتال، وقرأ ~~الآخرون: (نكتل) بالنون، يعني: نكتل نحن وهو الطعام. وقيل: نكتل له، { ~~وإنا له لحفظون }. # { قال هل ءامنكم عليه إلا كمآ أمنتكم على ~~أخيه } ، يوسف { من قبل } ، أي: كيف آمنكم عليه وقد فعلتم بيوسف ~~ما فعلتم؟ { فالله خير حفظا } ، قرأ حمزة والكسائي وحفص: { ~~حفظا } بالألف على التفسير، كما يقال هو خير رجلا، وقرأ الآخرون: ~~(حفظا) بغير ألف على المصدر، يعني: خيركم حفظا، يقول: حفظه خير من ~~حفظكم، { وهو أرحم الرحمين }. ### || [12.65-66] # { ولما فتحوا متعهم } ، الذي حملوه من ms1168 مصر، { وجدوا ~~بضعتهم } ، أي: ثمن الطعام، { ردت إليهم قالوا ~~يأبانا ما نبغى } ، أي: ماذا نبغي وأي شيء نطلب؟ وذلك أنهم ~~ذكروا ليعقوب عليه السلام إحسان الملك إليهم وحثوه على إرسال بنيامين ~~معهم، فلما فتحوا المتاع ووجدوا البضاعة، { هذه بضعتنا ~~ردت إلينا } ، أي شيء نطلب بالكلام فهذا هو العيان من الإحسان ~~والإكرام، أوفى لنا الكيل ورد علينا الثمن، أرادوا تطييب نفس ~~أبيهم، { ونمير أهلنا } ، أي: نشتري لهم الطعام فنحمله إليهم. ~~يقال: مار أهله يمير ميرا: إذا حمل إليهم الطعام من بلد إلى بلد ~~آخر. ومثله أمتار يمتار امتيارا. { ونحفظ أخانا } بنيامين، أي: ~~مما تخاف عليه. { ونزداد } ، على أحملنا، { كيل بعير } ، أي: ~~حمل بعير يكال لنا من أجله، لأنه كان يعطي باسم كل رجل حمل بعير، { ~~ذلك كيل يسير } ، أي: ما حملنا قليل لا يكفينا وأهلنا. وقيل: ~~معناه ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير لا مؤنة فيه ولا مشقة. # وقال مجاهد: البعير هاهنا هو الحمار. كيل بعير، أي: حمل حمار، وهي لغة، ~~يقال للحمار: بعير. وهم كانوا أصحاب حمر والأول أصح أنه البعير ~~المعروف. # { قال } لهم يعقوب، { لن أرسله معكم حتى تؤتون } ، ~~تعطوني { موثقا } ، ميثاقا وعهدا، { من الله } ، والعهد ~~الموثق: المؤكد بالقسم. وقيل: هو المؤكد بإشهاد الله على نفسه، { ~~لتأتننى به } ، وأدخل اللام فيه لأن معنى الكلام اليمين، { ~~إلا أن يحاط بكم } ، قال مجاهد: إلا أن تهلكوا جميعا. # وقال قتادة: إلا أن تغلبوا حتى لا تطيقوا ذلك. # وفي القصة: أن الأخوة ضاق الأمر عليهم وجهدوا أشد الجهد، فلم يجد يعقوب ~~بدا من إرسال بنيامين معهم. # { فلمآ ءاتوه موثقهم } ، أعطوه عهودهم، { قال } ، يعني: ~~يعقوب { الله على ما نقول وكيل } ، شاهد. وقيل: حافظ. قال ~~كعب: لما قال يعقوب فالله خير حافظا، قال الله عز وجل: وعزتي ~~لأردن عليك كليهما بعدما توكلت علي. ### || [12.67-68] # { وقال } ، لهم يعقوب: لما أرادوا الخروج من عنده، { يبنى لا ~~تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب ~~متفرقة } ، وذلك أنه خاف عليهم العين؛ لأنهم كانوا أعطوا جمالا ~~وقوة وامتداد قامة، وكانوا ms1169 ولد رجل واحد، فأمرهم أن يتفرقوا في دخولهم ~~لئلا يصابوا بالعين، فإن العين حق، وجاء في الأثر: # " إن العين تدخل الرجل القبر والجمل القدر " # وعن إبراهيم النخعي: أنه قال ذلك لأنه كان يرجو أن يروا يوسف في التفرق. ~~والأول أصح. # ثم قال: { ومآ أغنى عنكم من الله من شىء } ، معناه: إن ~~كان الله قضى فيكم قضاء فيصيبكم مجتمعين كنتم أو متفرقين، فإن المقدور ~~كائن والحذر لا ينفع من القدر، { إن الحكم } ، ما الحكم، { إلا ~~لله } ، هذا تفويض يعقوب أموره إلى الله، { عليه توكلت } ، ~~اعتمدت، { وعليه فليتوكل المتوكلون }. # { ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم } أي: من الأبواب ~~المتفرقة. وقيل: كانت المدينة مدينة الفرماء ولها أربعة أبواب، فدخلوها ~~من أبوابها، { ما كان يغنى } ، يدفع { عنهم من الله من ~~شىء } ، صدق الله تعالى يعقوب فيما قال، { إلا حاجة } ، ~~مرادا، { فى نفس يعقوب قضاهآ } ، أشفق عليهم إشفاق الآباء ~~على أبنائهم وجرى الأمر عليه، { وإنه } ، يعني: يعقوب عليه السلام، ~~{ لذو علم } ، يعني: كان يعمل ما يعمل عن علم لا عن جهل، { لما ~~علمناه } ، أي: لتعليمنا إياه. وقيل: إنه لعامل بما علم. # قال سفيان: من لا يعمل بما يعلم لا يكون عالما. وقيل: وإنه لذو حفظ ~~لما علمناه. # { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ، ما يعلم يعقوب ~~لأنهم لم يسلكوا طريق إصابة العلم. قال ابن عباس: لا يعلم المشركون ما ~~ألهم الله أولياءه. ### || [12.69] # { ولما دخلوا على يوسف } ، قالوا: هذا أخونا الذي أمرتنا ~~أن نأتيك به قد جئناك به، فقال: أحسنتم وأصبتم، وستجدون جزاء ذلك عندي، ~~ثم أنزلهم فأكرمهم، ثم أضافهم وأجلس كل اثنين منهم على مائدة، فبقي ~~بنيامين وحيدا، فبكى وقال: لو كان أخي يوسف حيا لأجلسني معه، فقال ~~يوسف: لقد بقي أخوكم هذا وحيدا، فأجلسه معه على مائدته، فجعل يواكله ~~فلما كان الليل أمر لهم بمثل ذلك وقال: لينم كل أخوين منكم على مثال، ~~فبقي بنيامين وحده، فقال يوسف: هذا ينام معي على فراشي، فنام معه، فجعل ~~يوسف يضمه إليه ويشم ريحه حتى أصبح، وجعل ms1170 روبين يقول: ما رأينا مثل هذا، ~~فلما أصبح، قال لهم إني أرى هذا الرجل ليس معه ثان فسأضمه إلي فيكون ~~منزله معي، ثم أنزلهم منزلا وأجرى عليهم الطعام، وأنزل أخاه لأمه معه، ~~فذلك قوله تعالى: # { ءاوى إليه أخاه } ، أي: ضم إليه أخاه فلما خلا به قال: ما ~~اسمك؟ قال: بنيامين، قال: وما بنيامين؟ قال: ابن المثكل، وذلك أنه لما ~~ولد هلكت أمه. قال: وما اسم أمك؟ قال: راحيل بنت لاوى، فقال: فهل لك من ~~ولد؟ قال: نعم عشرة بنين، قال: فهل لك من أخ لأمك، قال: كان لي أخ فهلك، ~~قال يوسف: أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك، فقال بنيامين: ومن يجد ~~أخا مثلك أيها الملك ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل، فبكى يوسف عند ذلك ~~وقام إليه وعانقه، وقال له: { قال إنى أنا أخوك فلا ~~تبتئس } ، أي: لا تحزن، { بما كانوا يعملون } ، بشيء ~~فعلوه بنا فيما مضى، فإن الله تعالى قد أحسن إلينا، ولا تعلمهم شيئا ~~مما أعلمتك، ثم أوفى يوسف لاخوته الكيل، وحمل لهم بعيرا بعيرا، ~~ولبنيامين بعيرا باسمه، ثم أمر بسقاية الملك فجعلت في رحل بنيامين. # قال السدي: جعل السقاية في رحل أخيه، والأخ لا يشعر. # وقال كعب: لما قال له يوسف: إني أنا أخوك، قال بنيامين: أنا لا أفارقك، ~~فقال له يوسف: قد علمت اغتمام والدي بي وإذا حبستك ازداد غمه ولا يمكنني ~~هذا إلا بعد أن أشهرك بأمر فظيع وأنسبك إلى مالا يحمد، قال: لا أبالي، ~~فافعل ما بدا لك، فإني لا أفارقك، قال: فإني أدس صاعي في رحلك ثم ~~أنادي عليكم بالسرقة ليهيأ لي ردك بعد تسريحك، قال: فافعل. ### || [12.70-72] # فذلك قوله تعالى: # { فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل ~~أخيه } ، وهي المشربة التي كان الملك يشرب منها. قال ابن عباس: كانت ~~من زبرجد. # وقال ابن إسحاق: كانت من فضة. وقيل: من ذهب، وقال عكرمة: كانت مشربة من ~~فضة مرصعة بالجواهر، جعلها يوسف مكيالا لئلا يكال بغيرها، وكان يشرب ~~منها. # والسقاية والصواع واحد، ms1171 فجعلت في وعاء طعام بنيامين، ثم ارتحلوا وأمهلهم ~~يوسف حتى انطلقوا وذهبوا منزلا. # وقيل: حتى خرجوا من العمارة، ثم بعث من خلفهم من استوقفهم وحبسهم. # { ثم أذن مؤذن } ، نادى مناد، { أيتها العير } ، ~~وهي القافلة التي فيها الأحمال. قال مجاهد: كانت العير حميرا. وقال ~~الفراء: كانوا أصحاب إبل. { إنكم لسارقون } ، قفوا. قيل: قالوه ~~من غير أمر يوسف. وقيل: قالوه بأمره، وكان هفوة منه. وقيل: قالوه على ~~تأويل أنهم سرقوا يوسف من أبيه، فلما انتهى إليهم الرسول، قال لهم: ألم ~~نكرم ضيافتكم ونحسن منزلتكم ونوفكم كيلكم ونفعل بكم مالم نفعل بغيركم؟ ~~قالوا: بلى، قالوا: وما ذاك؟ قالوا: سقاية الملك فقدناها، ولا نتهم ~~عليها غيركم. فذلك قوله عز وجل: # { قالوا وأقبلوا عليهم } ، عطفوا على المؤذن وأصحابه، { ~~ماذا تفقدون } ، ما الذي ضل عنكم. والفقدان: ضد الوجد. # { قالوا نفقد صواع الملك ولمن جآء به حمل ~~بعير } ، من الطعام، { وأنا به زعيم } ، كفيل، يقوله المؤذن. ### || [12.73-76] # { قالوا } ، يعني: إخوة يوسف، { تالله } أي: والله، وخصت هذه ~~الكلمة بأن أبدلت الواو فيها بالتاء في اليمين دون سائر أسماء الله ~~تعالى. { لقد علمتم ما جئنا لنفسد فى الأرض } ، ~~لنسرق في أرض مصر. # فإن قيل: كيف قالوا لقد علمتم؟ ومن أين علموا ذلك؟ # قيل: قالوا قد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض، فإنا منذ قطعنا هذا الطريق ~~لم نرزأ أحدا شيئا فاسألوا عنا من مررنا به، هل ضررنا أحدا. # وقيل: لأنهم ردوا البضاعة التي جعلت في رحالهم، قالوا: فلو كنا سارقين ~~ما رددناها. # وقيل: قالوا ذلك لأنهم كانوا معروفين بأنهم لا يتناولون ما ليس لهم، ~~وكانوا إذا دخلوا مصر كمموا أفواه دوابهم كيلا تتناول شيئا من حروث ~~الناس. # { وما كنا سرقين }. # { قالوا } ، يعني: المنادي وأصحابه { فما جزآؤه } ، أي: جزاء ~~السارق، { إن كنتم كذبين } ، في قولكم: " وما كنا ~~سرقين ". # { قالوا } ، يعني: إخوة يوسف، { جزآؤه من وجد في رحله ~~فهو جزاؤه } ، أي: فالسارق جزاؤه أن يسلم السارق بسرقته إلى ~~المسروق منه فيسترقه سنة، وكان ذلك سنة آل يعقوب في حكم السارق، وكان ms1172 ~~حكم ملك مصر أن يضرب السارق ويغرم ضعفي قيمة المسروق، فأراد يوسف أن يحبس ~~أخاه عنده، فرد الحكم إليهم ليتمكن من حبسه عنده على حكمهم. # { كذلك نجزى الظلمين } ، الفاعلين ما ليس لهم فعله من ~~سرقة مال الغير. # فقال الرسول عند ذلك: لابد من تفتيش أمتعتكم. # فأخذ في تفتيشها. وروي أنه ردهم إلى يوسف فأمر بتفتيش أوعيتهم بين ~~يديه. # { فبدأ بأوعيتهم } ، لإزالة التهمة، { قبل وعآء ~~أخيه } ، فكان يفتش أوعيتهم واحدا واحدا. قال قتادة: ذكر لنا أنه ~~كان لا يفتح متاعا ولا ينظر في وعاء إلا استغفر الله تأثما مما قذفهم ~~به حتى إذا لم يبق إلا رحل بنيامين، قال: ما أظن هذا أخذه، فقال إخوته: ~~والله لا نترك حتى تنظر في رحله فإنه أطيب لنفسك ولأنفسنا، فلما فتحوا ~~متاعه استخرجوه منه، فذلك قوله تعالى: # { ثم استخرجها من وعآء أخيه } ، وإنما أنث الكناية في ~~قوله: " ثم استخرجها " ، والصواع مذكر، بدليل قوله: " ~~ولمن جآء به حمل بعير "؛ لأنه رد الكناية هاهنا إلى ~~السقاية. # وقيل: الصواع يذكر ويؤنث. # فلما أخرج الصواع من رحل بنيامين نكس إخوته رؤوسهم من الحياء، وأقبلوا ~~على بنيامين وقالوا: ما الذي صنعت فضحتنا وسودت وجوهنا يابني راحيل؟ ما ~~يزال لنا منكم البلاء، متى أخذت هذا الصواع؟ فقال بنيامين: بل بنو راحيل ~~لا يزال لهم منكم بلاء ذهبتم بأخي فأهلكتموه في البرية، ووضع هذا الصواع ~~في رحلي الذي وضع البضاعة في رحالكم، فأخذوا بنيامين رقيقا. # وقيل: إن ذلك الرجل أخذه برقبته ورده إلى يوسف كما يرد السراق. # { كذلك كدنا ليوسف } ، والكيد هاهنا جزاء الكيد، يعني: كما ~~فعلوا في الابتداء بيوسف من الكيد فعلنا بهم. وقد قال يعقوب عليه السلام ~~ليوسف: { فيكيدوا لك كيدا } ، فكدنا ليوسف في أمرهم. # والكيد من الخلق: الحيلة، ومن الله: التدبير بالحق. # وقيل: كدنا ألهمنا. وقيل: دبرنا. وقيل: أردنا. # ومعناه: صنعنا ليوسف حتى ضم أخاه إلى نفسه، وحال بينه وبين إخوته # { ما كان ليأخذ أخاه } فيضمه إلى نفسه، { فى دين ~~الملك } ، أي: في حكمه. قال قتادة. وقال ابن ms1173 عباس: في سلطانه. { ~~إلا أن يشآء الله } ، يعني: إن يوسف لم يكن يتمكن من حبس أخيه ~~في حكم الملك لولا ما كدنا له بلطفنا حتى وجد السبيل إلى ذلك، وهو ما ~~أجري على ألسنة الإخوة أن جزاء السارق الاسترقاق، فحصل مراد يوسف بمشيئة ~~الله تعالى: # { نرفع درجت من نشآء } ، بالعلم كما رفعنا درجة يوسف ~~على إخوته. # وقرأ يعقوب: { يرفع } و { يشاء } بالياء فيهما، وإضافة درجات إلى { من ~~} في هذه السورة. والوجه أن الفعل فيهما مسند إلى الله تعالى، وقد تقدم ~~ذكره في قوله: { إلا أن يشآء الله } ، أي: يرفع الله درجات من ~~يشاء. وقرأ الباقون بالنون فيهما، إلا أن الكوفيين قرؤوا: { درجات } ~~بالتنوين، ومن سواهم بالإضافة، أي: نرفع به نحن، والرافع أيضا هو ~~الله تعالى. # { وفوق كل ذى علم عليم }. قال ابن عباس: فوق كل عالم عالم ~~إلى أن ينتهي العلم إلى الله تعالى. فالله تعالى فوق كل عالم. ### || [12.77] # { قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل } ، ~~يريدون أخا له من أمه، يعني: يوسف. # واختلفوا في السرقة التي وصفوا بها يوسف عليه السلام، فقال سعيد بن جبير ~~وقتادة: كان لجده، أبي أمه، صنم يعبده، فأخذه سرا أو كسره وألقاه في ~~الطريق لئلا يعبد. # وقال مجاهد: إن يوسف جاءه سائل يوما، فأخذ بيضة من البيت فناولها ~~السائل. # وقال سفيان بن عيينة: أخذ دجاجة من الطير التي كانت في بيت يعقوب ~~فأعطاها سائلا. # وقال وهب: كان يخبأ الطعام من المائدة للفقراء. # وذكر محمد بن إسحاق: أن يوسف كان عند عمته ابنة إسحاق، بعد موت أمه ~~راحيل، فحضنته عمته وأحبته حبا. شديدا، فلما ترعرع وقعت محبة يعقوب ~~عليه، فأتاها وقال: يا أختاه سلمي إلي يوسف، فوالله ما أقدر على أن يغيب ~~عني ساعة، قالت: لا والله، فقال: والله ما أنا بتاركه، فقالت: دعه عندي ~~أياما أنظر إليه لعل ذلك يسليني عنه، ففعل ذلك، فعمدت عمته إلى منطقة ~~لإسحاق كانوا يتوارثونها بالكبر، فكانت عندها لأنها كانت أكبر ولد ~~إسحاق، فحزمت المنطقة على ms1174 يوسف تحت ثيابه وهو صغير، ثم قالت: لقد فقدت ~~منطقة إسحاق اكشفوا أهل البيت فكشفوا فوجدوها مع يوسف، فقالت: والله إنه ~~لسلم لي، فقال يعقوب: إن كان فعل ذلك فهو سلم لك، فأمسكته حتى ~~ماتت، فذلك الذي قال إخوة يوسف: { إن يسرق فقد سرق أخ له ~~من قبل }. # { فأسرها } ، أضمرها { يوسف فى نفسه ولم يبدها ~~لهم } ، وإنما أتت الكناية لأنه عنى بها الكلمة، وهي قوله: { قال ~~أنتم شر مكانا } ، ذكرها سرا في نفسه ولم يصرح بها، يريد أنتم ~~شر مكانا أي منزلة عند الله ممن رميتموه بالسرقة في صنيعكم بيوسف، لأنه ~~لم يكن من يوسف سرقة حقيقية، وخيانتكم حقيقة، { والله أعلم ~~بما تصفون } ، تقولون. ### || [12.78-79] # { قالوا يأيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا ~~}. وفي القصة أنهم غضبوا غضبا شديدا لهذه الحالة، وكان بنو يعقوب إذا ~~غضبوا لم يطاقوا، وكان روبيل إذا غضب لم يقم لغضبه شيء، وإذا صاح ألقت كل ~~امرأة حامل سمعت صوته ولدها، وكان مع هذا إذا مسه أحد من ولد يعقوب سكن ~~غضبه. # وقيل: كان هذا صفة شمعون من ولد يعقوب. # وروي أنه قال لإخوته: كم عدد الأسواق بمصر؟ فقالوا: عشرة، فقال: ~~اكفوني أنتم الأسواق وأنا أكفيكم الملك، أو اكفوني أنتم الملك وأنا ~~أكفيكم الأسواق، فدخلوا على يوسف فقال روبيل: لتردن علينا أخانا أو ~~لأصيحن صيحة لا تبقي بمصر امرأة حامل إلا ألقت ولدها وقامت كل شعرة في ~~جسد روبيل فخرجت من ثيابه، فقال يوسف لابن له صغير: قم إلى جنب روبيل ~~فمسه. وروي: خذ بيده فاتني به، فذهب الغلام فمسه فسكن غضبه. فقال ~~روبيل: إن هاهنا لبزرا من بزر يعقوب، فقال يوسف: من يعقوب؟ # وروي أنه غضب ثانيا فقام إليه يوسف فركضه برجله وأخذ بتلابيبه، فوقع ~~على الأرض وقال: أنتم يا معشر العبرانيين تظنون أن لا أحد أشد منكم؟ # فلما صار أمرهم إلى هذا ورأوا أن لا سبيل لهم إلى تخليصه خضعوا وذلوا، ~~وقالوا: يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا يحبه، { فخذ ~~أحدنا مكانه ms1175 } ، بدلا منه، { إنا نرك من ~~المحسنين } ، في أفعالك. وقيل: من المحسنين إلينا في توفية الكيل ~~وحسن الضيافة ورد البضاعة. وقيل: يعنون: إن فعلت ذلك كنت من المحسنين. # { قال } يوسف: { معاذ الله } أعوذ بالله، { أن نأخذ ~~إلا من وجدنا متعنا عنده } ، ولم يقل إلا من سرق تحرزا ~~من الكذب، { إنآ إذا لظلمون } ، إن أخذنا بريئا بمجرم. ### || [12.80] # { فلما استيأسوا منه } ، أي: أيسوا من يوسف أن يجيبهم إلى ~~ما سألوه. وقال أبو عبيدة: استيأسوا استيقنوا أن الأخ لا يرد إليهم. { ~~خلصوا نجيا } ، أي: خلا بعضهم ببعض يتناجون ويتشاورون لا يخالطهم ~~غيرهم. # والنجي يصلح للجماعة كما قال هاهنا ويصلح للواحد كقوله: # وقربناه نجيا # [مريم:52]، وإنما جاز للواحد والجمع لأنه مصدر جعل نعتا كالعدل والزور، ~~ومثله النجوى يكون اسما ومصدرا، قال الله تعالى: # وإذ هم نجوى # [الاسراء:47]، أي: متناجون. وقال: # ما يكون من نجوى ثلاثة # [المجادلة:7]، وقال في المصدر: # إنما النجوى من الشيطن # [المجادلة:10]. # { قال كبيرهم } ، يعني: في العقل والعلم لا في السن. # قال ابن عباس والكلبي: هو يهوذا وهو أعقلهم. # وقال مجاهد: هو شمعون، وكانت له الرئاسة على إخوته. # وقال قتادة والسدي والضحاك: هو روبيل، وكان أكبرهم في السن، وهو الذي ~~نهى الإخوة عن قتل يوسف. # { ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم ~~موثقا } ، عهدا. { من الله ومن قبل ما فرطتم } ، ~~قصرتم { فى يوسف }. # واختلفوا في محل { ما }؛ قيل: هو نصب بإيقاع العلم عليه، يعني: ألم ~~تعلموا من قبل تفريطكم في يوسف. # [وقيل: وهو في محل رفع على الابتداء وتم الكلام عند قوله: { من ~~الله } ثم قال { ومن قبل } هذا تفريطكم في يوسف]. # وقيل: { ما } صلة، أي: ومن قبل هذا فرطتم في يوسف. # { فلن أبرح الأرض } ، التي أنا بها وهي أرض مصر، { حتى ~~يأذن لى أبى } ، بالخروج منها ويدعوني، { أو يحكم الله ~~لى } ، برد أخي إلي، أو بخروجي وترك أخي. # وقيل: أو يحكم الله لي بالسيف فأقاتلهم وأسترد أخي. # { وهو خير الحكمين } ، أعدل من فصل بين الناس. ### || [12.81] # { ارجعوا إلى أبيكم } ، يقول الأخ ms1176 المحتبس بمصر لإخوته ~~ارجعوا إلى أبيكم، { فقولوا يأبانا إن ابنك } ، بنيامين، ~~{ سرق }. # قرأ ابن عباس والضحاك سرق بضم السين وكسر الراء وتشديدها، يعني: نسب ~~إلى السرقة، كما يقال خونته أي نسبته إلى الخيانة. # { وما شهدنآ إلا بما علمنا } يعني: ما قلنا هذا إلا بما ~~علمنا فإنا رأينا إخراج الصواع من متاعه. # وقيل: معناه: وما شهدنا، أي: ما كانت منا شهادة في عمرنا على شيء إلا ~~بما علمنا، وليست هذه شهادة منا إنما هو خبر عن صنيع ابنك بزعمهم. # وقيل: قال لهم يعقوب عليهم السلام: ما يدري هذا الرجل أن السارق يؤخذ ~~بسرقته إلا بقولكم، فقالوا: ما شهدنا عند يوسف بأن السارق يسترق إلا ~~بما علمنا، وكان الحكم ذلك عند الأنبياء؛ يعقوب وبنيه. # { وما كنا للغيب حفظين } ، قال مجاهد وقتادة: ما كنا ~~نعلم أن ابنك سيسرق ويصير أمرنا إلى هذا وإنما قلنا ما ذهبنا إليه، وإنما ~~قلنا ونحفظ اخانا مما لنا إلى حفظه منه سبيل. # وعن ابن عباس: ما كنا لليله ونهاره ومجيئه وذهابه حافظين. # وقال عكرمة: وما كنا للغيب حافظين فلعلها دست بالليل في رحله. ### || [12.82-84] # { وسئل القرية التي كنا فيها } ، أي: أهل القرية وهي ~~مصر. قال ابن عباس: هي قرية من قرى مصر كانوا ارتحلوا منها إلى مصر. { ~~والعير التى أقبلنا فيها } ، أي: القافلة التي كنا فيها. ~~وكان صحبهم قوم من كنعان من جيران يعقوب. # قال ابن إسحاق: عرف الأخ المحتبس بمصر أن إخوته أهل تهمة عند أبيهم لما ~~كانوا يصنعوا في أمر يوسف، فأمرهم أن يقولوا هذا لأبيهم. # { وإنا لصدقون }. # فإن قيل: كيف استجاز يوسف أن يعمل مثل هذا بأبيه ولم يخبره بمكانه، وحبس ~~أخاه مع علمه بشدة وجد أبيه عليه، وفيه معنى العقوق وقطيعة الرحم وقلة ~~الشفقة؟. # قيل: قد أكثر الناس فيه، والصحيح أنه عمل ذلك بأمر الله سبحانه وتعالى، ~~أمره بذلك، ليزيد في بلاء يعقوب فيضاعف له الأجر ويلحقه في الدرجة بآبائه ~~الماضين. # وقيل: إنه لم يظهر نفسه لإخوته لأنه لم يأمن أن يدبروا في أمره ms1177 تدبيرا ~~فيكتموه عن أبيه، والأول أصح. # { قال بل سولت لكم } ، زينت، { أنفسكم أمرا } ، ~~وفيه اختصار معناه: فرجعوا إلى أبيهم وذكروا لأبيهم ما قال كبيرهم، فقال ~~يعقوب: { بل سولت لكم أنفسكم أمرا } ، أي: حمل أخيكم ~~إلى مصر لطلب نفع عاجل. # { فصبر جميل عسى الله أن يأتينى بهم جميعا } ، ~~يعني: يوسف، وبنيامين، وأخاهم المقيم بمصر. # { إنه هو العليم } ، بحزني ووجدي على فقدهم، { الحكيم } ، ~~في تدبير خلقه. # قوله تعالى: { وتولى عنهم } ، وذلك أن يعقوب عليه السلام لما ~~بلغه خبر بنيامين تتام حزنه وبلغ جهده، وتهيج حزنه على يوسف فأعرض ~~عنهم، { وقال يأسفى } ، يا حزناه، { على يوسف } ، والأسف ~~أشد الحزن، { وابيضت عيناه من الحزن } ، يعني: عمي ~~بصره. قال مقاتل: لم يبصر بهما ست سنين، { فهو كظيم } ، أي: مكظوم ~~مملوء من الحزن ممسك عليه لا يبثه. قال قتادة: تردد حزنه في جوفه ولم يقل ~~إلا خيرا. وقال الحسن: كان بين خروج يوسف من حجر أبيه إلى يوم التقى ~~معه ثمانون عاما لا تجف عينا يعقوب وما على وجه الأرض يومئذ أكرم على ~~الله من يعقوب. ### || [12.85-86] # { قالوا } ، يعني: أولاد يعقوب، { تالله تفتؤا تذكر ~~يوسف } ، أي: لا تزال تذكر يوسف، و { لا } تفتر من حبه، لا محذوفة من ~~قوله: { تفتؤ } ، يقال: ما فتىء يفعل كذا أي: ما زال؛ كقول امرىء ~~القيس: # فقلت يمين الله أبرح قائما # ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي # أي: لا أبرح. # { حتى تكون حرضا } ، قال ابن عباس: دفنا. # قال مجاهد: الحرض ما دون الموت، يعني: قريبا من الموت. # وقال ابن إسحاق: فاسدا لا عقل لك. # والحرض: الذي فسد جسمه وعقله. وقيل: ذائبا من الهم. # ومعنى الآية: حتى تكون دنف الجسم مخبول العقل. # وأصل الحرض: الفساد في الجسم والعقل من الحزن والهرم، أو العشق، يقال: ~~رجل حرض وامرأة حرض، ورجلان وامرأتان حرض، ورجال ونساء كذلك، ~~يستوي فيه الواحد والإثنان والجمع والمذكر والمؤنث، لأنه مصدر وضع موضع ~~الاسم. { أو تكون من الهلكين } ، أي: من الميتين. # { قال } يعقوب عليه السلام عند ذلك لما رأى غلظتهم { إنمآ ms1178 ~~أشكوا بثي وحزني إلى الله } ، والبث: أشد الحزن، ~~سمي بذلك لأن صاحبه لا يصبر عليه حتى يبثه أي يظهره، قال الحسن: بثي ~~أي: حاجتي. # ويروى أنه دخل على يعقوب جار له وقال: يايعقوب مالي أراك قد تهشمت ~~وفنيت ولم تبلغ من السن ما بلغ أبوك؟ قال: هشمني وأفناني ما ابتلاني الله ~~به من هم يوسف، فأوحى الله إليه: يا يعقوب أتشكوني إلى خلقي؟ فقال: يا ~~رب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي، فقال: قد غفرتها لك، فكان بعد ذلك إذا سئل ~~قال: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله. # وروي أنه قيل له: يايعقوب ما الذي أذهب بصرك وقوس ظهرك؟. # قال: أذهب بصري بكائي على يوسف، وقوس ظهري حزني على أخيه؟ # فأوحى الله إليه: أتشكوني؟ فوعزتي وجلالي لا أكشف ما بك حتى تدعوني. # فعند ذلك قال: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله، فأوحى الله إليه: وعزتي ~~وجلالي لو كانا ميتين لأخرجتهما لك، وإنما وجدت عليكم لأنكم ذبحتم شاة ~~فقام ببابكم مسكين فلم تطعموه منها شيء، وإن أحب خلقي إلي الأنبياء، ثم ~~المساكين فاصنع طعاما وادع إليه المساكين. # فصنع طعاما ثم قال: من كان صائما فليفطر الليلة عند آل يعقوب. # وروي أنه كان بعد ذلك إذا تغدى أمر من ينادي: من أراد الغداء فليأت ~~يعقوب، وإذا أفطر أمر من ينادي: من أراد أن يفطر فليأت يعقوب: فكان يتغدى ~~ويتعشى مع المساكين. # وعن وهب بن منبه قال: أوحى الله تعالى إلى يعقوب: أتدري لم عاقبتك ~~وحبست عنك يوسف ثمانين سنة؟ قال: لا يا إلهي، قال: لأنك قد شويت عناقا ~~وقترت على جارك، وأكلت ولم تطعمه. # وروي: أن سبب ابتلاء يعقوب أنه ذبح عجلا بين يدي أمه وهي تخور. # وقال وهب والسدي وغيرهما: أتى جبريل يوسف عليه السلام في السجن فقال: هل ~~تعرفني أيها الصديق؟ # قال: أرى صورة طاهرة وريحا طيبة. # قال: إني رسول رب العالمين وأنا الروح الأمين. # قال: فما أدخلك مدخل المذنبين وأنت أطيب الطيبين ورأس المقربين وأمين رب ~~العالمين؟ # قال: ألم تعلم يايوسف ms1179 أن الله تعالى يطهر البيوت بطهر النبيين، وأن ~~الأرض التي يدخلونها هي أطهر الأراضين، وأن الله تعالى قد طهر بك السجن ~~وما حوله يا طهر الطاهرين وابن الصالحين المخلصين. # قال: كيف لي باسم الصديقين وتعدني من المخلصين الطاهرين، وقد أدخلت ~~مدخل المذنبين وسميت باسم الفاسقين؟ # قال جبريل: لأنه لم يفتتن قلبك ولم تطع سيدتك في معصية ربك لذلك سماك ~~الله في الصديقين، وعدك من المخلصين، وألحقك بآبائك الصالحين. # قال يوسف: هل لك علم بيعقوب أيها الروح الأمين؟ # قال: نعم، وهبه الله الصبر الجميل وابتلاه بالحزن عليك فهو كظيم. # قال: فكم قدر حزنه؟ # قال: حزن سبعين ثكلى. # قال: فماذا له من الأجر ياجبريل؟ # قال: أجر مائة شهيد. # قال: أفتراني لاقيه؟ # قال: نعم، فطابت نفسه، وقال: ما أبالي بما لقيت إن رأيته. # قوله تعالى: { وأعلم من الله ما لا تعلمون } ، يعني: ~~أعلم من حياة يوسف مالا تعلمون. # روي أن ملك الموت زار يعقوب فقال له: أيها الملك الطيب ريحه، الحسن ~~صورته، هل قبضت روح ولدي في الأرواح؟ قال: لا، فسكن يعقوب وطمع في رؤيته، ~~وقال: وأعلم أن رؤيا يوسف صادقة وإني وأنتم سنسجد له. # وقال السدي: لما أخبره ولده بسيرة الملك أحست نفس يعقوب وطمع وقال لعله ~~يوسف، فقال: يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه. # وروي عن عبدالله بن يزيد بن أبي فروة: أن يعقوب عليه السلام كتب كتابا ~~إلى يوسف عليه السلام حين حبس بنيامين: من يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ~~ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله إلى ملك مصر أما بعد: فإنا أهل بيت ~~وكل بنا البلاء؛ أما جدي إبراهيم فشدت يداه ورجلاه وألقي في ~~النار، فجعلها الله عليه بردا وسلاما، وأما أبي فشدت يداه ورجلاه ~~ووضع السكين على قفاه، ففداه الله، وأما أنا فكان لي ابن وكان أحب أولادي ~~إلي فذهب به إخوته إلى البرية ثم أتوني بقميصه ملطخا بالدم، فقالوا: قد ~~أكله الذئب، فذهبت عيناي من البكاء عليه، ثم كان لي ابن وكان أخاه لأمه، ~~وكنت أتسلى ms1180 به، وإنك حبسته وزعمت أنه سرق، وإنا أهل بيت لا نسرق ولا ~~نلد سارقا، فإن رددته علي وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ~~ولدك، فلما قرأ يوسف الكتاب لم يتمالك البكاء وعيل صبره، فأظهر نفسه على ~~ما نذكره إن شاء الله تعالى. ### || [12.87-88] # قوله عز وجل: { يبنى اذهبوا فتحسسوا } ، تخبروا ~~واطلبوا الخير، { من يوسف وأخيه } ، والتحسس بالحاء والجيم لا ~~يبعد أحدهما من الآخر، إلا أن التحسس بالحاء في الخير وبالجيم في الشر، ~~والتحسس هو طلب الشيء بالحاسة. قال ابن عباس: معناه التمسوا { ولا ~~تيأسوا } ، ولا تقنطوا { من روح الله } ، أي: من رحمة الله، ~~وقيل: من فرج الله. { إنه لا ييأس من روح الله إلا ~~القوم الكفرون }. # { فلما دخلوا عليه } ، وفيه إضمار تقديره: فخرجوا راجعين ~~إلى مصر حتى وصلوا إليها فدخلوا على يوسف عليه السلام. { قالوا ~~يأيها العزيز مسنا وأهلنا الضر } ، أي: الشدة ~~والجوع، { وجئنا ببضاعة مزجاة } ، أي: قليلة رديئة كاسدة، ~~لا تنفق في ثمن الطعام إلا بتجوز من البائع فيها، وأصل الإزجاء: السوق ~~والدفع. وقيل: للبضاعة مزجاة لأنها غير نافقة، وإنما تجوز على دفع من ~~آخذها. # واختلفوا فيها، فقال ابن عباس: كانت دراهم رديئة زيوفا. # وقيل: كانت خلق الغرائر والحبال. # وقيل: كانت من متاع الأعراب من الصوف والأقط. # وقال الكلبي ومقاتل: كانت الحبة الخضراء. # وقيل: كانت من سويق المقل. # وقيل: كانت الأدم والنعال. # { فأوف لنا الكيل } ، أي: أعطنا ما كنت تعطينا قبل بالثمن ~~الجيد الوافي. # { وتصدق علينآ } ، أي: تفضل علينا بما بين الثمنين الجيد ~~والرديء ولا تنقصنا. هذا قول أكثر المفسرين. # وقال ابن جريج والضحاك: وتصدق علينا برد أخينا إلينا. # { إن الله يجزى } ، يثيب، { المتصدقين }. # وقال الضحاك: لم يقولوا إن الله يجزيك؛ لأنهم يعلموا أنه مؤمن. # وسئل سفيان بن عيينة: هل حرمت الصدقة على أحد من الأنبياء سوى نبينا ~~عليه الصلاة والسلام؟ فقال سفيان: ألم تسمع قوله تعالى: { وتصدق ~~علينآ إن الله يجزى المتصدقين } ، يريد أن الصدقة ~~كانت حلالا لهم. # وروي أن الحسن سمع رجلا يقول: اللهم تصدق علي، ms1181 فقال: إن الله لا يتصدق ~~وإنما يتصدق من يبغي الثواب، قل: اللهم أعطني أو تفضل علي. ### || [12.89-90] # { قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ ~~أنتم جهلون } ، اختلفوا في السبب الذي حمل يوسف على هذا القول، ~~قال ابن إسحاق: ذكر لي أنهم لما كلموه بهذا الكلام أدركته الرقة فارفض ~~دمعه، فباح بالذي كان يكتم منهم. # وقال الكلبي: إنما قال ذلك حين حكى لإخوته أن مالك بن ذعر قال إني وجدت ~~غلاما في بئر من حاله كيت وكيت، فابتعته بكذا درهما فقالوا: أيها ~~الملك، نحن بعنا ذلك الغلام، فغاظ يوسف ذلك وأمر بقتلهم فذهبوا بهم ~~ليقتلوهم، فولى يهوذا وهو يقول كان يعقوب يحزن ويبكي لفقد واحد منا حتى ~~كف بصره، فكيف إذا أتاه قتل بنيه كلهم؟ ثم قالوا له: إن فعلت ذلك فابعث ~~بأمتعتنا إلى أبينا فإنه بمكان كذا وكذا، فذلك حين رحمهم وبكى، وقال ذلك ~~القول. # وقيل: قاله حين قرأ كتاب أبيه إليه فلم يتمالك البكاء، فقال: هل علمتم ~~ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ فرقتم بينهما، وصنعتم ما صنعتم إذ أنتم ~~جاهلون بما يؤل إليه أمر يوسف؟ وقيل: مذنبون عاصون. وقال الحسن: إذ أنتم ~~شباب ومعكم جهل الشباب. # فإن قيل: كيف قال ما فعلتم بيوسف وأخيه، وما كان منهم إلى أخيه، وهم لم ~~يسعوا في حبسه؟ قيل: قد قالوا له في الصاع ما يزال لنا بلاء، وقيل: ما ~~رأينا منكم يابني راحيل خيرا. وقيل: لما كانا من أم واحدة كانوا يؤذونه ~~من بعد فقد يوسف. # { قالوا أءنك لأنت يوسف } ، قرأ ابن كثير وأبو جعفر: { ~~إنك } على الخبر، وقرأ الآخرون على الاستفهام. # قال ابن إسحاق: كان يوسف يتكلم من وراء ستر فلم قال يوسف: هل علمتم ما ~~فعلتم، كشف عنهم الغطاء ورفع الحجاب، فعرفوه. # وقال الضحاك عن ابن عباس: لما قال هذا القول تبسم فرأوا ثناياه كاللؤلؤ ~~المنظوم فشبهوه بيوسف، فقالوا استفهاما أئنك لأنت يوسف؟ # وقال عطاء عن ابن عباس: إن أخوة يوسف لم يعرفوه حتى وضع التاج عن رأسه، ~~وكان ms1182 له في قرنه علامة وكان ليعقوب مثلها ولإسحاق مثلها ولسارة مثلها ~~شبه الشامة، فعرفوه فقالوا: أئنك لأنت يوسف. # وقيل: قالوه على التوهم حتى، { قال أنا يوسف وهذآ أخى } ~~، بنيامين، { قد من الله علينآ } ، أنعم الله علينا بأن جمع ~~بيننا. # { إنه من يتق } ، بأداء الفرائض واجتناب المعاصي، { ويصبر ~~} ، عما حرم الله عز وجل عليه. قال ابن عباس: يتقي الزنا ويصبر عن ~~العزوبة. وقال مجاهد: يتقي المعصية ويصبر على السجن، { فإن الله ~~لا يضيع أجر المحسنين }. ### || [12.91-93] # { قالوا } ، معتذرين، { تالله لقد ءاثرك الله ~~علينا } ، أي: اختارك الله وفضلك علينا، { وإن كنا ~~لخطئين } ، أي: وما كنا في صنيعنا بك إلا مخطئين مذنبين. يقال: ~~خطىء خطأ إذا تعمد، وأخطأ إذا كان غير متعمد. # { قال } ، يوسف وكان حليما: { لا تثريب عليكم اليوم } ~~، لا تعيير عليكم اليوم، ولا أذكر لكم ذنبكم بعد اليوم، { يغفر ~~الله لكم وهو أرحم الرحمين }. # فلما عرفهم يوسف نفسه سألهم عن أبيه، فقال: ما فعل أبي بعدي؟ قالوا: ~~ذهبت عيناه فأعطاهم قميصه، وقال: # { اذهبوا بقميصى هذا فألقوه على وجه أبى ~~يأت بصيرا } ، أي: يعد مبصرا. وقيل: يأتيني بصيرا لأنه كان قد ~~دعاه. # قال الحسن: لم يعلم أنه يعود بصيرا إلا بعد أن أعلمه الله عز وجل. # قال الضحاك: كان ذلك القميص من نسج الجنة. # وعن مجاهد قال: أمره جبريل أن يرسل إليه قميصه، وكان ذلك القميص قميص ~~إبراهيم عليه السلام، وذلك أنه جرد من ثيابه وألقي في النار عريانا، ~~فأتاه جبريل بقميص من حرير الجنة، فألبسه إياه فكان ذلك القميص عند ~~إبراهيم عليه السلام، فلما مات ورثه إسحاق، فلما مات ورثه يعقوب، فلما شب ~~يوسف جعل يعقوب ذلك القميص في قصبة، وسد رأسها، وعلقها في عنقه، لما ~~كان يخاف عليه من العين، فكان لا يفارقه. فلما ألقي في البئر عريانا ~~جاءه جبريل عليه السلام وعلى يوسف ذلك التعويذ فأخرج القميص منه وألبسه ~~إياه، ففي هذا الوقت جاء جبريل عليه السلام إلى يوسف عليه السلام وقال: ~~أرسل ذلك القميص، فإن فيه ريح الجنة ms1183 لا يقع على سقيم ولا مبتلى إلا ~~عوفي، فدفع يوسف ذلك القميص إلى أخوته وقال: ألقوه على وجه أبي يأت ~~بصيرا، { وأتونى بأهلكم أجمعين }. ### || [12.94] # { ولما فصلت العير } ، أي: خرجت من عريش مصر متوجهة إلى ~~كنعان { قال أبوهم } ، أي: قال يعقوب لولد ولده، { إنى لأجد ~~ريح يوسف }. # روي أن ريح الصبا استأذنت ربها في أن تأتي يعقوب بريح يوسف قبل أن يأتيه ~~البشير. # قال مجاهد: أصاب يعقوب ريح يوسف من مسيرة ثلاثة أيام. وحكي عن ابن عباس: ~~من مسيرة ثمان ليال. # وقال الحسن: كان بينهما ثمانون فرسخا. # وقيل: هبت ريح فصفقت القميص فاحتملت ريح القميص إلى يعقوب فوجد ريح ~~الجنة فعلم أن ليس في الأرض من ريح الجنة إلا ما كان من ذلك القميص، ~~فلذلك قال إني لأجد ريح يوسف. # { لولآ أن تفندون } ، تسفهوني، وعن ابن عباس: تجهلوني. ~~وقال الضحاك: تهرمون فتقولون شيخ. كبير قد خرف وذهب عقله. وقيل: ~~تضعفوني. وقال أبو عبيدة: تضللوني. وأصل الفند: الفساد. ### || [12.95-98] # { قالوا } ، يعني: أولاد أولاده، { تالله إنك لفى ~~ضللك القديم } ، أي: خطئك القديم من ذكر يوسف لا تنساه، ~~والضلال هو الذهاب عن طريق الصواب، فإن عندهم أن يوسف قد مات ويرون يعقوب ~~قد لهج بذكره. # { فلمآ أن جآء البشير } ، وهو المبشر عن يوسف، قال ابن ~~مسعود: جاء البشير بين يدي العير. قال ابن عباس: هو يهوذا. # قال السدي: قال يهوذا: أنا ذهبت بالقميص ملطخا بالدم إلى يعقوب فأخبرته ~~أن يوسف أكله الذئب، فأنا أذهب إليه اليوم بالقميص فأخبره أن ولده حي ~~فأفرحه كما أحزنته. # قال ابن عباس: حمله يهوذا وخرج حافيا حاسرا يعدو ومعه سبعة أرغفة لم ~~يستوف أكلها حتى أتى أباه، وكانت المسافة ثمانين فرسخا. # وقيل: البشير مالك بن ذعر. # { ألقاه على وجهه } ، يعني: ألقى البشير قميص يوسف على وجه ~~يعقوب، { فارتد بصيرا }. فعاد بصيرا بعدما كان أعمى وعادت إليه ~~قوته بعد الضعف، وشبابه بعد الهرم وسروره بعد الحزن. # { قال ألم أقل لكم إنى أعلم من الله ما لا ~~تعلمون } ، من حياة ms1184 يوسف وأن الله يجمع بيننا. # وروي أنه قال للبشير: كيف تركت يوسف؟ قال: إنه ملك مصر، فقال يعقوب: ما ~~أصنع بالملك على أي دين تركته؟ قال: على دين الإسلام، قال: الآن تمت ~~النعمة. # { قالوا يأبانا استغفر لنا ذنوبنآ إنا كنا ~~خطئين } ، مذنبين. # { قال سوف أستغفر لكم ربى } ، قال أكثر المفسرين: ~~أخر الدعاء إلى السحر، وهو الوقت الذي يقول الله تعالى: # " هل من داع فأستجيب له " # فلما انتهى يعقوب إلى الموعد قام إلى الصلاة في بالسحر، فلما فرغ منها ~~رفع يديه إلى الله عز وجل وقال: اللهم اغفر لي جزعي على يوسف وقلة صبري ~~عنه واغفر لأولادي ما أتوا إلى أخيهم يوسف، فأوحى الله تعالى إليه إني ~~قد غفرت لك ولهم أجمعين. # وعن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: سوف أستغفر لكم ربي يعني ليلة ~~الجمعة. # قال وهب: كان يستغفر لهم كل ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة. # وقال طاووس: أخر الدعاء إلى السحر من ليلة الجمعة فوافق ليلة عاشوراء. # وعن الشعبي قال: سوف أستغفر لكم ربي، قال: أسأل يوسف إن عفا عنكم ~~استغفر لكم ربي، { إنه هو الغفور الرحيم }. # روي أن يوسف كان قد بعث مع البشير إلى يعقوب مائتي راحلة وجهازا كثيرا ~~ليأتوا بيعقوب وأهله وأولاده، فتهيأ يعقوب للخروج إلى مصر، فخرجوا وهم ~~اثنان وسبعون من بين رجل وامرأة. وقال مسروق: كانوا ثلاثة وتسعين، فلما ~~دنا من مصر كلم يوسف الملك الذي فوقه فخرج يوسف والملك في أربعة آلاف من ~~الجنود وركب أهل مصر معهما يتلقون يعقوب، وكان يعقوب يمشي وهو يتوكأ على ~~يهوذا فنظر إلى الخيل والناس فقال: يايهوذا هذا فرعون مصر، قال: لا هذا ~~ابنك، فلما دنا كل واحد منهما من صاحبه ذهب يوسف يبدأه بالسلام، فقال ~~جبريل: لا حتى يبدأ يعقوب بالسلام، فقال يعقوب: السلام عليك يا مذهب ~~الأحزان. # وروي أنهما نزلا وتعانقا. # وقال الثوري: لما التقى يعقوب ويوسف عليهما السلام عانق كل واحد منهما ~~صاحبه وبكيا، فقال يوسف: يا أبت بكيت حتى ذهب بصرك ms1185 ألم تعلم أن القيامة ~~تجمعنا؟ قال: بلى يابني ولكن خشيت أن تسلب دينك فيحال بيني وبينك. ### || [12.99-100] # فلذلك قوله تعالى: { فلما دخلوا على يوسف ءاوى ~~إليه } ، أي: ضم إليه، { أبويه } ، قال أكثر المفسرين: هو أبوه ~~وخالته ليا، وكانت أمه راحيل قد ماتت في نفاس بنيامين. # قال الحسن: هو أبوه وأمه، وكانت حية. # وفي بعض التفاسير: أن الله عز وجل أحيا أمه حتى جاءت مع يعقوب إلى ~~مصر. # { وقال ادخلوا مصر إن شآء الله ءامنين } ، فإن قيل: ~~فقد قال فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه، فكيف قال ادخلوا مصر إن شاء ~~الله آمنين بعدما أخبر أنهم دخلوها؟ وما وجه هذا الاستثناء وقد حصل ~~الدخول؟ # قيل: إن يوسف إنما قال لهم هذا القول حين تلقاهم قبل دخولهم مصر. وفي ~~الآية تقديم وتأخير، والاستثناء يرجع إلى الاستغفار وهو من قول يعقوب ~~لبنيه سوف أستغفر لكم ربي إن شاء الله. # وقيل: الاستثناء يرجع إلى الأمن من الجواز لأنهم كانوا لا يدخلون مصر ~~قبله إلا بجواز من ملوكهم، يقول: آمنين من الجواز إن شاء الله تعالى، ~~كما قال: # لتدخلن المسجد الحرام إن شآء الله ءامنين # [الفتح:27]. # وقيل: { إن } هاهنا بمعنى إذ، يريد: إذ شاء الله؛ كقوله تعالى: # وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين # [آل عمران:139]. أي: إذ كنتم مؤمنين. # { ورفع أبويه على العرش } ، أي: على السرير، أجلسهما. ~~والرفع: هو النقل إلى العلو. { وخروا له سجدا } ، يعني: يعقوب ~~وخالته وإخوته. # وكانت تحية الناس يومئذ السجود، ولم يرد بالسجود وضع الجباه على ~~الأرض، وإنما هو الانحناء والتواضع. # وقيل: وضعوا الجباه على الأرض وكان ذلك على طريق التحية والتعظيم، لا ~~على طريق العبادة. وكان ذلك جائزا في الأمم السالفة فنسخ في هذه ~~الشريعة. # وروي عن ابن عباس أنه قال: معناه خروا لله عز وجل سجدا بين يدي ~~يوسف. والأول أصح. # { وقال } ، يوسف عند ذلك: { يأبت هذا تأويل رءيى ~~من قبل قد جعلها ربى حقا } ، وهو قوله: { إنى ~~رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم ~~لى ساجدين }. # { وقد أحسن ms1186 بى } ، ربي، أي: أنعم علي، { إذ أخرجنى ~~من السجن } ، ولم يقل من الجب مع كونه أشد بلاء من السجن، ~~استعمالا للكرم، لكيلا يخجل إخوته بعدما قال لهم: { لا تثريب ~~عليكم اليوم } ، ولأن نعمة الله عليه في إخراجه من السجن أعظم، ~~لأنه بعد الخروج من الجب صار إلى العبودية والرق، وبعد الخروج من السجن ~~صار إلى الملك، ولأن وقوعه في البئر كان لحسد إخوته، وفي السجن كان ~~مكافأة من الله تعالى لزلة كانت منه. # { وجآء بكم من البدو } ، والبدو بسيط من الأرض يسكنه أهل ~~المواشي بماشيتهم، وكانوا أهل بادية ومواشي، يقال: بدا يبدو إذا صار ~~إلى البادية. { من بعد أن نزغ } أفسد، { الشيطن بينى ~~وبين إخوتى } ، بالحسد. # { إن ربى لطيف } ، أي: ذو لطف، { لما يشآء } ، وقيل: ~~معناه بمن يشاء. # وحقيقة اللطيف: الذي يوصل الإحسان إلى غيره بالرفق، { إنه هو ~~العليم الحكيم }. # قال أهل التاريخ: أقام يعقوب بمصر عند يوسف أربعا وعشرين سنة في أغبط ~~حال وأهنأ عيش، ثم مات بمصر فلما حضرته الوفاة أوصى إلى ابنه يوسف أن ~~يحمل جسده حتى يدفنه عند أبيه إسحاق، ففعل يوسف ذلك، ومضى به حتى دفنه ~~بالشام، ثم انصرف إلى مصر. # وقال سعيد بن جبير: نقل يعقوب عليه السلام في تابوت من ساج إلى بيت ~~المقدس، فوافق ذلك اليوم الذي مات فيه العيص فدفنا في قبر واحد. ~~وكانا ولدا في بطن واحد، وكان عمرهما مائة وسبعا وأربعين سنة. # فلما جمع الله تعالى ليوسف شمله علم أن نعيم الدنيا لا يدوم سأل الله ~~تعالى حسن العاقبة، فقال: # { رب قد آتيتني من الملك } ### || [12.101] # { رب قد آتيتنى من الملك } ، يعني: ملك مصر، والملك: ~~اتساع المقدور لمن له السياسة والتدبير. { وعلمتنى من تأويل ~~الأحاديث } ، يعني: تعبير الرؤيا. { فاطر } ، أي: يافاطر، { ~~السموت والأرض } أي: خالقهما { أنت وليي } ، أي: ~~معيني ومتولي أمري، { فى الدنيا والأخرة توفنى مسلما ~~} ، يقول: اقبضني إليك مسلما، { وألحقنى بالصلحين } ، ~~يريد بآبائي النبيين. # قال قتادة: لم يسأل نبي من الأنبياء الموت إلا يوسف. # وفي القصة: لما جمع ms1187 الله شمله وأوصل إليه أبويه وأهله اشتاق إلى ربه ~~عز وجل فقال هذه المقالة. # قال الحسن: عاش بعد هذا سنين كثيرة. وقال غيره: لما قال هذا القول لم ~~يمض عليه أسبوع حتى توفي. # واختلفوا في مدة غيبة يوسف عن أبيه، فقال الكلبي: اثنتان وعشرون سنه. # وقيل: أربعون سنة. # وقال الحسن: ألقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة، وغاب عن أبيه ~~ثمانين سنة، وعاش بعد لقاء يعقوب ثلاثا وعشرين سنة، ومات وهو ابن مائة ~~وعشرين سنة. # وفي التوراة مات وهو ابن مائة وعشر سنين، وولد ليوسف من امرأة العزيز ~~ثلاثة أولاد: أفرائيم وميشا ورحمة امرأة أيوب المبتلى عليه السلام. # وقيل: عاش يوسف بعد أبيه ستين سنة. وقيل: أكثر. واختلفت الأقاويل فيه. # وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة، فدفنوه في النيل في صندوق من رخام، وذلك ~~أنه لما مات تشاح الناس فيه فطلب أهل كل محلة أن يدفن في محلتهم رجاء ~~بركته، حتى هموا بالقتال، فرأوا أن يدفنوه في النيل حيث يتفرق الماء ~~بمصر ليجري الماء علي وتصل بركته إلى جميعهم. # وقال عكرمة: دفن في الجانب الأيمن من النيل، فأخصب ذلك الجانب وأجدب ~~الجانب الآخر، فنقل إلى الجانب الأيسر فأخصب ذلك الجانب وأجدب الجانب ~~الآخر، فدفنوه في وسطه. وقدروا ذلك بسلسلة فأخصب الجانبان جميعا إلى ~~أن أخرجه موسى فدفنه بقرب آبائه بالشام. ### || [12.102-103] # { ذلك } ، الذي ذكرت، { من أنبآء الغيب نوحيه إليك ~~وما كنت لديهم } ، أي: وما كنت يامحمد عند أولاد يعقوب، { إذ ~~أجمعوا أمرهم } ، أي: عزموا على إلقاء يوسف في الجب، { ~~وهم يمكرون } ، بيوسف. # { ومآ أكثر الناس } ، يامحمد، { ولو حرصت بمؤمنين ~~} ، على إيمانهم. # وروي أن اليهود وقريشا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة ~~يوسف، فلما أخبرهم على موافقة التوراة لم يسلموا، فحزن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فقيل له: إنهم لا يؤمنون ولو حرصت على إيمانهم. ### || [12.104-106] # { وما تسألهم عليه } ، أي: على تبليغ الرسالة والدعاء إلى ~~الله تعالى، { من أجر } ، جعل وجزاء، { إن هو } ، ما هو ~~يعني ms1188 القرآن، { إلا ذكر } ، عظة وتذكير، { للعلمين }. # { وكأين } ، وكم، { من ءاية } ، عبرة ودلالة، { فى ~~السموت والأرض يمرون عليها وهم عنها ~~معرضون } ، لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها. # { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } ~~، فكان من إيمانهم إذا سئلوا: من خلق السموات والأرض؟ قالوا: الله، ~~وإذا قيل لهم: من ينزل القطر؟ قالوا: الله، ثم مع ذلك يعبدون الأصنام ~~ويشركون. # وعن ابن عباس أنه قال: إنها نزلت في تلبية المشركين من العرب كانوا ~~يقولون في تلبيتهم: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك ~~تملكه وما ملك. # وقال عطاء: هذا في الدعاء، وذلك أن الكفار نسوا ربهم في الرخاء، فإذا ~~أصابهم البلاء أخلصوا في الدعاء، كما قال الله تعالى: # وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين ~~له الدين # [ يونس:22] وقال تعالى: # فإذا ركبوا فى الفلك دعوا الله مخلصين له ~~الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون # [العنكبوت:65]، وغير ذلك من الآيات. ### || [12.107-108] # { أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله } ، ~~أي: عقوبة مجللة. قال مجاهد: عذاب يغشاهم، نظيره قوله تعالى: # يوم يغشهم العذاب من فوقهم # الآية [العنكبوت: 55]. قال قتادة: وقيعة. وقال الضحاك: يعني الصواعق ~~والقوارع. { أو تأتيهم الساعة بغتة } ، فجأة، { وهم ~~لا يشعرون } ، بقيامها. قال ابن عباس: تهيج الصيحة بالناس وهم في ~~أسواقهم. # { قل } ، يامحمد: { هذه } ، الدعوة التي أدعو إليها والطريقة ~~التي أنا عليها، { سبيلى } ، سنتي ومنهاجي. وقال مقاتل: ديني، ~~نظيره قوله: # ادع إلى سبيل ربك # [النحل: 125]، أي: إلى دينه. { أدعوا إلى الله على ~~بصيرة } ، على يقين. والبصيرة: هي المعرفة التي تميز بها بين ~~الحق والباطل، { أنا ومن اتبعنى } ، أي: ومن آمن بي وصدقني ~~أيضا يدعو إلى الله، هذا قول الكلبي وابن زيد، قالوا: حق على من اتبعه ~~أن يدعو إلى ما دعا إليه، ويذكر بالقرآن. # وقيل: تم الكلام عند قوله: { أدعوا إلى الله } ، ثم استأنف: ~~{ على بصيرة أنا ومن اتبعنى } ، يقول: إني على بصيرة ~~من ربي وكل من اتبعني. # قال ابن عباس: يعني أصحاب محمد صلى الله عليه ms1189 وسلم وكانوا على أحسن ~~طريقة وأقصد هداية، معدن العلم، وكنز الإيمان، وجند الرحمن. # قال عبدالله بن مسعود: من كان مستنا فليستن بمن قد مات، فإن ~~الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا ~~خير هذه الأمة، وأبرها قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم ~~اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم وإقامة دينه، فاعرفوا لهم ~~فضلهم، واتبعوهم في آثارهم وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم، فإنهم ~~كانوا على الهدى المستقيم. # قوله تعالى: { وسبحان الله } ، أي: وقل سبحان الله تنزيها له ~~عما أشركوا به. { ومآ أنا من المشركين }. ### || [12.109] # { ومآ أرسلنا من قبلك } ، يامحمد، { إلا رجالا } لا ~~ملائكة، { نوحى إليهم } ، قرأ حفص: { نوحي } بالنون وكسر الحاء ~~وقرأ الآخرون بالياء وفتح الحاء. # { من أهل القرى } ، يعني: من أهل الأمصار دون أهل البوادي، ~~لأن أهل الأمصار أعقل وأفضل وأعلم وأحلم. # وقال الحسن: لم يبعث الله نبيا من بدو، ولا من الجن، ولا من النساء. # وقيل: علم إنما لم يبعث من أهل البادية لغلظهم وجفائهم. # { أفلم يسيروا فى الأرض } ، يعني: هؤلاء المشركين المكذبين، ~~{ فينظروا كيف كان عقبة } ، آخر أمر، { الذين من ~~قبلهم } ، يعني: الأمم المكذبة فيعتبروا. # { ولدار الأخرة خير للذين اتقوا } ، يقول جل ~~ذكره: هذا فعلنا بأهل ولايتنا وطاعتنا؛ أن ننجيهم عند نزول العذاب، وما ~~في الدار الآخرة خير لهم، فترك ما ذكرنا اكتفاء، لدلالة الكلام عليه. # قوله تعالى: { ولدار الأخرة } ، قيل: معناه ولدار الحال الآخرة. # وقيل: هو إضافة الشيء إلى نفسه؛ كقوله: # إن هذا لهو حق اليقين # [الواقعة:95] وكقولهم: يوم الخميس، وربيع الآخر. { أفلا تعقلون ~~} ، فتؤمنون. ### || [12.110] # { حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد ~~كذبوا جآءهم نصرنا } ، اختلف القراء في قوله: { كذبوا ~~}: # فقرأ أهل الكوفة وأبو جعفر: { كذبوا } بالتخفيف وكانت عائشة تنكر هذه ~~القراءة. # وقرأ الآخرون بالتشديد. # فمن شدد قال: معناه حتى استيأس الرسل من إيمان قومهم. # روي عن مجاهد أنه قرأ: وقد كذبوا، بفتح الكاف والذال مخففة، ولها ~~تأويلان: أحدهما، معناه: أن القوم المشركين ظنوا أن الرسل ms1190 قد كذبوا. ~~والثاني: معناه: أن الرسل ظنوا أي: علموا أن قومهم قد افتروا على ~~الله بكفرهم من إيمان قومهم. # وظنوا: أي أيقنوا يعني الرسل أن الأمم قد كذبوهم تكذيبا لا ~~يرجى بعد إيمانهم. # والظن بمعنى اليقين: وهذا معنى قول قتادة. # وقال بعضهم: معناه حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم أن ~~يصدقوهم، وظنوا أن من آمن بهم من قومهم قد كذبوهم، وارتدوا عن دينهم، ~~لشدة المحنة والبلاء عليهم واستبطاء النصر. ومن قرأ بالتخفيف قال: ~~معناه: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم وظنوا أي: ظن قومهم أن ~~الرسل قد كذبتهم في وعيد العذاب. # وروي عن ابن عباس: أن معناه ضعف قلوب الرسل، يعني: وظنت الرسل أنهم قد ~~كذبوا فيما وعدوا من النصر، وكانوا بشرا فضعفوا ويئسوا وظنوا أنهم ~~أخلفوا، ثم تلا: # حتى يقول الرسول والذين ءامنوا معه متى ~~نصر الله # [البقرة:214] أي: جاء الرسل نصرنا. # { فنجى من نشآء } ، قرأ العامة بنونين، أي: نحن ننجي من نشاء. ~~وقرأ ابن عامر وحمزة وعاصم ويعقوب بنون واحدة مضمومة وتشديد الجيم وفتح ~~الياء على ما لم يسم فاعله، لأنها مكتوبة في المصحف بنون واحدة، فيكون ~~محل { من } رفعا، على هذه القراءة. وعلى القراءة الأولى يكون نصبا، ~~فنجي من نشاء عن نزول العذاب، وهم المؤمنون المطيعون. # { ولا يرد بأسنا } ، عذابنا، { عن القوم ~~المجرمين } يعني: المشركين. ### || [12.111] # { لقد كان فى قصصهم } ، أي: في خبر يوسف وإخوته، { عبرة ~~} عظة، { لأولى الألباب ما كان } ، يعني: القرآن، { حديثا ~~يفترى } ، أي: يختلق، { ولكن تصديق الذى } ، أي: ولكن ~~كان تصديق الذي، { بين يديه } ، من التوراة والإنجيل، { ~~وتفصيل كل شىء } ، مما يحتاج العباد إليه من الحلال والحرام ~~والأمر والنهي، { وهدى ورحمة } ، بيانا ونعمة، { لقوم ~~يؤمنون }. ### | [13 - سورة الرعد] ### || [13.1] # { المر } قال ابن عباس: معناه: أنا الله أعلم وأرى، { تلك ~~ءايت الكتب } ، يعني: تلك الأخبار التي قصصتها عليك آيات ~~التوراة والإنجيل والكتب المتقدمة، { والذى أنزل إليك } ، ~~يعني: وهذا القرآن الذي أنزل إليك، { من ربك الحق } ، أي: هو ~~الحق فاعتصم به. # فيكون محل ms1191 " الذي " رفعا على الابتداء، و " الحق " خبره. # وقيل: محله خفض، يعني: تلك آيات الكتاب وآيات الذي أنزل إليك، ثم ~~ابتدأ: " الحق " ، يعني: ذلك الحق. # وقال ابن عباس: أراد بالكتاب القرآن، ومعناه: هذه آيات الكتاب، يعني ~~القرآن، ثم قال: وهذا القرآن الذي أنزل إليك من ربك هو الحق. # { ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } ، قال مقاتل: نزلت ~~في مشركي مكة حين قالوا: إن محمدا يقوله من تلقاء نفسه، فرد قولهم ثم ~~بين دلائل ربوبيته، فقال عز من قائل: # { الله الذي رفع السماوت بغير عمد ترونها }. ### || [13.2] # { الله الذى رفع السموت بغير عمد ترونها } ~~، يعني: السواري، واحدها عمود، مثل أديم وأدم، وعمد أيضا جمعه، ~~مثل: رسول ورسل. # ومعناه نفي العمد أصلا، وهو الأصح، يعني: ليس من دونها دعامة تدعمها ~~ولا فوقها علاقة تمسكها. # قال إياس بن معاوية: السماء مقببة على الأرض مثل القبة. # وقيل: " ترونها " راجعة إلى العمد، معناه: لها عمد ولكن لا ترونها. # وزعم: أن عمدها جبل قاف، وهو محيط بالدنيا، والسماء عليه مثل القبة. # { ثم استوى على العرش } ، علا عليه، { وسخر ~~الشمس والقمر } ، ذللهما لمنافع خلقه فهما مقهوران، { كل ~~يجرى } ، أي: يجريان على ما يريد الله عز وجل، { لأجل ~~مسمى } ، أي: إلى وقت معلوم وهو فناء الدنيا. وقال ابن عباس: أراد ~~بالأجل المسمى درجاتهما ومنازلهما ينتهيان إليها لا يجاوزانها، { ~~يدبر الأمر } ، يقضيه وحده، { يفصل الأيت } ، يبين ~~الدلالات، { لعلكم بلقآء ربكم توقنون } ، لكي توقنوا ~~بوعده وتصدقوه. ### || [13.3] # { وهو الذى مد الأرض } ، بسطها، { وجعل فيها ~~رواسي } ، جبالا ثابتة، واحدتها: راسية، قال ابن عباس: كان أبو قبيس ~~أول جبل وضع على الأرض، { وأنهرا } ، وجعل فيها أنهارا. { ومن ~~كل الثمرت جعل فيها زوجين اثنين } ، أي: صنفين ~~اثنين أحمر وأصفر، وحلوا وحامضا، { يغشي الليل النهار } ، ~~أي: يلبس النهار بظلمة الليل، ويلبس الليل بضوء النهار { إن فى ~~ذلك لأيت لقوم يتفكرون } ، فيستدلون. والتفكر: تصرف ~~القلب في طلب معاني الأشياء. ### || [13.4] # { وفى الأرض قطع متجورت } ، متقاربات يقرب بعضها من ~~بعض، وهي مختلفة: هذه طيبة تنبت، وهذه سبخة لا ms1192 تنبت، وهذه قليلة الريع، ~~وهذه كثيرة الريع، { وجنت }: بساتين، { من أعنب وزرع ~~ونخيل صنون } ، رفعها كلها ابن كثير، وأبو عمرو، وحفص، ويعقوب، ~~عطفا على الجنات، وجرها الآخرون نسقا على الأعناب. # والصنوان: جمع صنو، وهو النخلات يجمعهن أصل واحد. # { وغير صنون } ، هي النخلة المنفردة بأصلها. # وقال أهل التفسير: صنوان: مجتمع، وغير صنوان: متفرق. نظيره من الكلام: ~~قنوان جمع قنو. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في العباس: # " عم الرجل صنو أبيه " # ولا فرق في الصنوان والقنوان بين التثنية والجمع إلا في الإعراب، وذلك ~~أن النون في التثنية مكسورة غير منونة، وفي الجمع منونة. # { يسقى بمآء وحد } ، قرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب { يسقى } ~~بالياء أي يسقى ذلك كله بماء واحد، وقرأ الآخرون بالتاء لقوله تعالى: { ~~وجنات } ولقوله تعالى من بعد { بعضها على بعض } ، ولم يقل ~~بعضه، والماء جسم رقيق مائع به حياة كل نام. # { ونفضل بعضها على بعض فى الأكل } ، في الثمر ~~والطعم. # قرأ حمزة والكسائي { ويفضل } بالياء، لقوله تعالى: # يدبر الأمر يفصل الآيات # [الرعد: 2]. # وقرأ الآخرون بالنون على معنى: ونحن نفضل بعضها على بعض في الأكل، ~~وجاء في الحديث [في قوله]: { ونفضل بعضها على بعض فى ~~الأكل } ، قال: «الفارسي، والدقل، والحلو، والحامض« # قال مجاهد: كمثل بني آدم، صالحهم وخبيثهم وأبوهم واحد. # قال الحسن: هذا مثل ضربه الله تعالى لقلوب بني آدم، كانت الأرض طينة ~~واحدة في يد الرحمن عز وجل، فسطحها، فصارت قطعا متجاورة، فينزل عليها ~~المطر من السماء، فتخرج هذه زهرتها، وشجرها وثمرها ونباتها، وتخرج هذه ~~سبخها وملحها وخبيثها، وكل يسقى بماء واحد، كذلك الناس خلقوا من آدم ~~عليه السلام فينزل من السماء تذكرة فترق قلوب فتخشع، وتقسو قلوب فتلهو. # قال الحسن: والله ما جالس القرآن أحد إلا قام من عنده بزيادة أو نقصان، ~~قال الله تعالى: # وننزل من القرءان ما هو شفآء ورحمة ~~للمؤمنين ولا يزيد الظلمين إلا خسارا # [الإسراء: 82]. # { إن فى ذلك } الذي ذكرت { لأيت لقوم يعقلون }. ### || [13.5] # { وإن تعجب فعجب قولهم } ، العجب تغير النفس برؤية ~~المستبعد ms1193 في العادة، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~ومعناه: إنك إن تعجب من إنكارهم النشأة الآخرة مع إقرارهم بابتداء الخلق ~~من الله عز وجل فعجب أمرهم. # وكان المشركون ينكرون البعث، مع إقرارهم بابتداء الخلق من الله تعالى، ~~وقد تقرر في القلوب أن الإعادة أهون من الابتداء، فهذا موضع العجب. # وقيل: معناه: وإن تعجب من تكذيب المشركين واتخاذهم مالا يضر ولا ينفع ~~آلهة يعبدونها وهم قد رأوا من قدرة الله تعالى ما ضرب لهم به الأمثال ~~فعجب قولهم، أي: فتعجب أيضا من قولهم: # { أءذا كنا ترابا } ، بعد الموت { أءنا لفى خلق ~~جديد } ، أي: نعاد خلقا جديدا كما كنا قبل الموت. # قرأ نافع والكسائي ويعقوب " أئذا " مستفهما " إنا " بتركه، على ~~الخبر، ضده: أبو جعفر وابن عامر. وكذلك في " سبحان " في موضعين، ~~والمؤمنون، وآلم السجدة، وقرأ الباقون بالاستفهام فيهما وفي الصافات في ~~موضعين هكذا إلا أن أبا جعفر يوافق نافعا في أول الصافات فيقدم ~~الاستفهام ويعقوب لا يستفهم الثانية # أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمدينون # [الصافات:53]. # قال الله تعالى: { أولئك الذين كفروا بربهم ~~وأولئك الأغلل فى أعنقهم } ، يوم القيامة { ~~وأولئك أصحب النار هم فيها خلدون }. ### || [13.6-7] # قوله عز وجل: { ويستعجلونك بالسيئة قبل ~~الحسنة } ، الاستعجال: طلب تعجيل الأمر قبل مجيء وقته، والسيئة ~~هاهنا هي: العقوبة، والحسنة: العافية. وذلك أن مشركي مكة كانوا يطلبون ~~العقوبة بدلا من العافية استهزاء منهم يقولون: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال:32]. # { وقد خلت من قبلهم المثلت } ، أي: مضت من قبلهم في ~~الأمم التي عصت ربها وكذبت رسلها العقوبات، والمثلات جمع المثلة بفتح ~~الميم وضم الثاء، مثل: صدقة وصدقات. # { وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ~~وإن ربك لشديد العقاب }. # { ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه } ، أي: على ~~محمد صلى الله عليه وسلم { ءاية من ربه } ، أي: علامة وحجة على ~~نبوته، قال الله تعالى: { إنمآ أنت منذر } ، مخوف، { ~~ولكل قوم هاد } ، أي: لكل قوم نبي يدعوهم ms1194 إلى الله تعالى. # وقال الكلبي: داع يدعوهم إلى الحق أو إلى الضلالة. # وقال عكرمة: الهادي محمد صلى الله عليه وسلم، يقول: إنما أنت منذر وأنت ~~هاد لكل قوم، أي: داع. # وقال سعيد بن جبير: الهادي هو الله تعالى. ### || [13.8] # قوله تعالى: { الله يعلم ما تحمل كل أنثى } ، من ذكر ~~أو أنثى، سوي الخلق أو ناقص الخلق، واحدا أو اثنين أو أكثر { وما ~~تغيض الأرحام } ، أي ما تنقص { وما تزداد }. # وقال أهل التفسير: غيض الأرحام: الحيض على الحمل؛ فإذا حاضت الحامل كان ~~نقصانا في الولد، لأن دم الحيض غذاء الولد في الرحم، فإذا أهرقت الدم ~~ينقص الغذاء فينتقص الولد، وإذا لم تحض يزداد الولد ويتم، فالنقصان ~~نقصان خلقة الولد بخروج الدم، والزيادة تمام خلقته باستمساك الدم. # وقيل: إذا حاضت ينتقص الغذاء وتزداد مدة الحمل حتى تستكمل تسعة أشهر ~~ظاهرا، فإن رأت خمسة أيام دما وضعت لتسعة أشهر وخمسة أيام، فالنقصان في ~~الغذاء، والزيادة في المدة. # وقال الحسن: غيضها: نقصانها من تسعة أشهر، والزيادة: زيادتها على تسعة ~~أشهر. # وقيل: النقصان السقط، والزيادة: تمام الخلق. # وأقل مدة الحمل: ستة أشهر، فقد يولد المولود لهذه المدة ويعيش. # واختلفوا في أكثرها: فقال قوم: أكثرها سنتان، وهو قول عائشة رضي الله ~~عنها، وبه قال أبو حنيفة رحمه الله. # وذهب جماعة إلى أن أكثرها أربع سنين، وإليه ذهب الشافعي رحمه الله، قال ~~حماد بن سلمة. إنما سمي هرم بن حيان هرما لأنه بقي في بطن أمه أربع ~~سنين. # { وكل شىء عنده بمقدار } ، أي: بتقدير واحد لا يجاوزه ~~ولا يقصر عنه. ### || [13.9-11] # { علم الغيب والشهدة الكبير } ، الذي كل شيء دونه، ~~{ المتعال } ، المستعلي على كل شيء بقدرته. # قوله تعالى: { سوآء منكم من أسر القول ومن جهر ~~به } ، أي: يستوي في علم الله المسر بالقول والجاهر به، { ومن ~~هو مستخف بالليل } ، أي: مستتر بظلمة الليل، { وسارب ~~بالنهار } ، أي: ذاهب في سربه ظاهر. # والسرب بفتح السين وسكون الراء : الطريق. # قال القتيبي: سارب بالنهار: أي متصرف في حوائجه. # قال ابن عباس في ms1195 هذه الآية: هو صاحب ريبة، مستخف بالليل، فإذا خرج ~~بالنهار أرى الناس أنه بريء من الإثم. # وقيل: مستخف بالليل، أي ظاهر، من قولهم: خفيت الشيء؛ إذا أظهرته، ~~وأخفيته: إذا كتمته. وسارب بالنهار: أي متوار داخل في سرب. # { له معقبت } ، أي: لله تعالى ملائكة يتعاقبون فيكم بالليل ~~والنهار، فإذا صعدت ملائكة الليل جاء في عقبها ملائكة النهار، وإذا صعدت ~~ملائكة النهار جاء في عقبها ملائكة الليل. # والتعقيب: العود بعد البدء، وإنما ذكر بلفظ التأنيث لأن واحدها معقب، ~~وجمعه معقبة، ثم جمع الجمع معقبات، كما قيل: ابناوات سعد ورجالات ~~بكر. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق ~~الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " يتعاقبون فيكم، ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في ~~صلاة الفجر وصلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا ~~فيكم، فيسألهم ربهم - وهو أعلم بهم -: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: ~~تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون ". # قوله تعالى: { من بين يديه ومن خلفه } ، يعني: من قدام ~~هذا المستخفي بالليل والسارب بالنهار، ومن خلفه: من وراء ظهره، { ~~يحفظونه من أمر الله } ، يعني: بأمر الله، أي: يحفظونه ~~بإذن الله تعالى مالم يجيء المقدور، فإذا جاء المقدور خلوا عنه. # وقيل: يحفظونه من أمر الله: أي مما أمر الله به من الحفظ عنه. # قال مجاهد: ما من عبد إلا وله ملك موكل به يحفظه في نومه ويقظته من ~~الجن والإنس والهوام، فما منهم شيء يأتيه يريده إلا قال وراءك! إلا شيء ~~يأذن الله فيه فيصيبه. # قال كعب الأحبار: لولا أن الله عز وجل وكل بكم ملائكة يذبون ~~عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم لتخطفكم الجن. # وقال عكرمة: الآية في الأمراء وحرسهم يحفظونهم من بين أيديهم ومن خلفهم. # وقيل: الآية في الملكين القاعدين عن اليمين وعن الشمال يكتبان ~~الحسنات والسيئات، كما قال الله تعالى: # إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال ~~قعيد # [ق: 17]. وقال ms1196 ابن جريج: معنى يحفظونه أي: يحفظون عليه أعماله من أمر ~~الله، يعني: الحسنات والسيئات. # وقيل: الهاء في (له): راجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. # روى جؤيبر عن الضحاك عن ابن عباس أنه قال: له معقبات يعني لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم حراس من الرحمن من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر ~~الله، يعني: من شر الجن وطوارق الليل والنهار. # وقال عبدالرحمن بن زيد: نزلت هذه الآيات في عامر بن الطفيل، وأربد بن ~~ربيعة، وكانت قصتهما على ما روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما قال: # " أقبل عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة، وهما عامريان، يريدان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وهو جالس في المسجد في نفر من أصحابه، فدخلا المسجد ~~فاستشرف الناس لجمال عامر وكان أعور وكان من أجل الناس. # فقال رجل: يارسول الله، هذا عامر بن الطفيل قد أقبل نحوك، فقال: دعه فإن ~~يرد الله به خيرا يهده. # فأقبل حتى قام عليه، فقال: يامحمد مالي إن أسلمت؟ # قال: " لك ما للمسلمين وعليك ما على المسلمين ". # قال: تجعل لي الأمر بعدك. # قال: ليس ذلك إلي، إنما ذلك إلى الله عز وجل، يجعله حيث يشاء. # قال: فتجعلني على الوبر وأنت على المدر، قال: لا. # قال: فماذا تجعل لي؟ # قال: أجعل لك أعنة الخيل تغزو عليها. # قال: أوليس ذلك لي اليوم؟ قم معي أكلمك. فقام معه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # وكان عامر أوصى إلى أربد بن ربيعة إذا رأيتني أكلمه فدر من خلفه ~~فاضربه بالسيف، فجعل يخاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويراجعه فدار ~~أربد من خلف النبي صلى الله عليه وسلم ليضربه، فاخترط من سيفه شبرا، ثم ~~حبسه الله عنه، فلم يقدر على سله، وجعل عامر يومىء إليه، فالتفت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فرأى أربد وما صنع بسيفه، فقال: اللهم أكفنيهما ~~بما شئت. # فأرسل الله على أربد صاعقة في يوم صحو قائظ فأحرقته، وولى عامر هاربا ~~وقال: يامحمد ms1197 دعوت ربك فقتل أربد والله لأملأنها عليك خيلا جردا ~~وفتيانا مردا. # فقال النبي صلى الله عليه وسلم:: يمنعك الله تعالى من ذلك، وابنا قيلة ~~يريد: الأوس والخزرج. # فنزل عامر بيت امرأة سلولية، فلما أصبح ضم عليه سلاحه وقد تغير لونه، ~~فجعل يركض في الصحراء، ويقول: أبرز ياملك الموت، ويقول الشعر، ويقول ~~واللات لئن أبصرت محمدا وصاحبه يعني ملك الموت لأنفذنهما برمحي، فأرسل ~~الله ملكا فلطمه بجناحه فأرداه في التراب وخرجت على ركبتيه في الوقت ~~غدة عظيمة، فعاد إلى بيت السلولية وهو يقول: غدة كغدة البعير وموت في ~~بيت سلولية. ثم دعا بفرسه فركبه ثم أجراه حتى مات على ظهره فأجاب الله ~~دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتل عامر ابن الطفيل بالطعن وأربد ~~بالصاعقة " # وأنزل الله عز وجل في هذه القصة قوله: { سوآء منكم من ~~أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف ~~بالليل وسارب بالنهار له معقبات من بين ~~يديه } ، يعني لرسول الله صلى الله عليه وسلم معقبات يحفظونه من بين ~~يديه ومن خلفه من أمر الله. # يعني تلك المعقبات من أمر الله، وفيه تقديم تأخير. # وقال لهذين: { إن الله لا يغير ما بقوم } ، من العافية ~~والنعمة، { حتى يغيروا ما بأنفسهم }. # من الحال الجميلة فيعصوا ربهم. # { وإذآ أراد الله بقوم سوءا } ، أي: عذابا وهلاكا { ~~فلا مرد له } أي: لا راد له، { وما لهم من دونه من ~~وال } ، أي: ملجأ يلجؤون إليه، وقيل: وال يلي أمرهم ويمنع العذاب ~~عنهم. ### || [13.12-13] # قوله عز وجل: { هو الذى يريكم البرق خوفا وطمعا } ~~، قيل: خوفا من الصاعقة، طمعا في نفع المطر. # وقيل: الخوف للمسافر، يخاف منه الأذى والمشقة والطمع للمقيم يرجو منه ~~البركة والمنفعة. # وقيل: الخوف من المطر في غير مكانه وإبانه، والطمع إذا كان في مكانه ~~وإبانه، ومن البلدان إذا أمطروا قحطوا وإذا لم يمطروا أخصبوا. # { وينشىء السحاب الثقال } ، بالمطر. يقال: أنشاء الله ~~السحابة فنشأت أي: أبداها فبدت، والسحاب جمع، واحدتها سحابة، قال علي ~~رضي الله عنه: السحاب غربال الماء. # { ويسبح الرعد ms1198 بحمده } أكثر المفسرين على أن الرعد اسم ~~ملك يسوق السحاب، والصوت المسموع منه تسبيحه. # قال ابن عباس: من سمع صوت الرعد فقال: سبحان الذي يسبح الرعد بحمده، ~~والملائكة من خيفته وهو على كل شيء قدير، فإن أصابته صاعقة فعلي ديته. # وعن عبدالله بن الزبير: أنه كان إذا سمع صوت الرعد ترك الحديث: وقال: ~~سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته، ويقول: إن هذا الوعيد ~~لأهل الأرض شديد. # وفي بعض الأخبار يقول الله تعالى: # " لو أن عبادي أطاعوني لسقيتهم المطر بالليل، ولأطلعت عليهم الشمس ~~بالنهار، ولم أسمعهم صوت الرعد " # وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: الرعد ملك موكل بالسحاب يصرفه إلى ~~حيث يؤمر، وأن بحور الماء في نقرة إبهامه، وأنه يسبح الله تعالى، فإذا ~~سبح لا يبقى ملك في السماء إلا رفع صوته بالتسبيح فعندها ينزل ~~القطر. { والملئكة من خيفته } ، أي: تسبح الملائكة من ~~خيفة الله عز وجل وخشيته. # وقيل أراد بهؤلاء الملائكة أعوان الرعد، جعل الله تعالى له أعونا، فهم ~~خائفون خاضعون طائعون. # قوله تعالى: { ويرسل الصوعق } ، جمع صاعقة، وهي: العذاب ~~المهلك، ينزل من البرق فيحرق من يصيبه، { فيصيب بها من يشآء } ~~، كما أصاب أربد بن ربيعة. # قال محمد بن علي الباقر: الصاعقة تصيب المسلم وغير المسلم ولا تصيب ~~الذاكر. # { وهم يجدلون } ، يخاصمون، { فى الله } ، نزلت في شأن ~~أربد بن ربيعة حيث قال للنبي صلى الله عليه وسلم. مم ربك أمن در أم ~~من ياقوت أم من ذهب؟ فنزلت صاعقة من السماء فأحرقته. # وسئل الحسن عن قوله عز وجل: { ويرسل الصوعق } الآية، قال: # " كان رجل من طواغيت العرب بعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم نفرا ~~يدعونه إلى الله وإلى رسوله. # فقال لهم: أخبروني عن رب محمد هذا الذي تدعونني إليه مم هو؟ من ذهب أو ~~فضة أو حديد أو نحاس؟ # فاستعظم القوم مقالته فانصرفوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ~~يارسول الله ما رأينا رجلا أكفر قلبا ولا أعتى على الله منه! # فقال: ارجعوا إليه، فرجعوا ms1199 إليه، فجعل لا يزيدهم على مثل مقالته الأولى، ~~وقال: أجيب محمدا إلى رب لا أراه ولا أعرفه؟ # فانصرفوا وقالوا: يارسول الله ما زادنا على مقالته الأولى وأخبث. # فقال ارجعوا إليه، فرجعوا، فبينما هم عنده ينازعونه ويدعونه، وهو يقول ~~هذه المقالة إذن ارتفعت سحابة، فكانت فوق رؤوسهم، فرعدت وبرقت، ورمت ~~بصاعقة، فاحترق الكافر، وهم جلوس، عنده، فجاؤوا يسعون ليخبروا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فاستقبلهم قوم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقالوا لهم: احترق صاحبكم. فقالوا: من أين علمتم فقالوا أوحى الله إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم: { ويرسل الصوعق فيصيب بها ~~من يشآء وهم يجدلون فى الله } ". # { وهو شديد المحال } ، قال علي رضي الله عنه: شديد الأخذ. # وقال ابن عباس: شديد الحول. # وقال الحسن: شديد الحقد. # وقال مجاهد: شديد القوة. # وقال أبو عبيدة: شديد العقوبة. # وقيل: شديد المكر. # والمحال والمماحلة: المماكرة والمغالبة. ### || [13.14] # { له دعوة الحق } ، أي: لله دعوة الصدق. # قال علي رضي الله عنه: دعوة الحق التوحيد. # وقال ابن عباس: شهادة أن لا إله إلا الله. # وقيل: الدعاء بالإخلاص، والدعاء الخالص لا يكون إلا لله عز وجل. # { والذين يدعون من دونه } ، أي: يعبدون الأصنام من دون ~~الله تعالى. { لا يستجيبون لهم بشىء } ، أي: لا يجيبونهم ~~بشيء يريدونه من نفع أو دفع ضر، { إلا كبسط كفيه إلى ~~المآء ليبلغ فاه وما هو ببالغه } ، أي: إلا كباسط ~~كفيه ليقبض على الماء والقابض على الماء لا يكون في يده شيء، ولا يبلغ ~~إلى فيه منه شيء، كذلك الذي يدعو الأصنام، وهي لا تضر ولا تنفع، لا يكون ~~بيده شيء. # وقيل: معناه كالرجل العطشان الذي يريد الماء من بعيد، فهو يشير بكفه إلى ~~الماء، ويدعوه بلسانه، فلا يأتيه أبدا، فهذا معنى قول مجاهد. # ومثله عن علي وعطاء: كالعطشان الجالس على شفير البئر، يمد يده إلى البئر ~~فلا يبلغ قعر البئر إلى الماء، ولا يرتفع إليه الماء، فلا ينفعه بسط الكف ~~إلى الماء ودعاؤه له، ولا هو يبلغ فاه كذلك الذين ms1200 يدعون الأصنام لا ~~ينفعهم دعاؤها، وهي لا تقدر على شيء. # وعن ابن عباس: كالعطشان إذا بسط كفيه إلى الماء لا ينفعه ذلك ما لم يغرف ~~بهما الماء، ولا يبلغ الماء فاه ما دام باسطا كفيه. وهو مثل ضربه الله ~~لخيبة الكفار. # { وما دعآء الكفرين } ، أصنامهم، { إلا فى ضلل } ، ~~يضل عنهم إذا احتاجوا إليه كما قال: # وضل عنهم ما كانوا يفترون # [الأنعام: 24 وغيرها]. # وقال الضحاك عن ابن عباس: وما دعاء الكافرين ربهم إلا في ضلال لأن ~~أصواتهم محجوبة عن الله تعالى. ### || [13.15] # قوله عز وجل: { ولله يسجد من فى السموت والأرض ~~طوعا } ، يعني: الملائكة والمؤمنين، { وكرها } ، يعني: المنافقين ~~والكافرين الذين أكرهوا على السجود بالسيف. # { وظللهم } ، يعني: ظلال الساجدين طوعا وكرها تسجد لله عز ~~وجل طوعا. # قال مجاهد: ظل المؤمن يسجد طوعا وهو طائع، وظل الكافر يسجد طوعا وهو ~~كاره. # { بالغدو والآصال } ، يعني إذا سجد بالغدو والعشي يسجد معه ~~ظله. # و " الآصال ": جمع " الأصل " ، و " الأصل " جمع " الأصيل " ، وهو ~~ما بين العصر إلى غروب الشمس. # وقيل: ظلالهم أي: أشخاصهم، بالغدو والآصال: بالبكر والعشايا. # وقيل: سجود الظل تذليله لما أريد له. ### || [13.16] # قوله تعالى: { قل من رب السموت والأرض } ، أي: ~~خالقهما ومدبرهما فسيقولون الله، لأنهم يقرون بأن الله خالقهم ~~وخالق السموات والأرض، فإذا أجابوك فقل أنت أيضا يامحمد: " الله ". # وروي أنه لما قال هذا للمشركين عطفوا عليه فقالوا: أجب أنت، فأمره ~~الله عز وجل فقال: { قل الله }. # ثم قال الله لهم إلزاما للحجة: { قل أفاتخذتم من دونه ~~أوليآء } ، معناه: إنكم مع إقراركم بأن الله خالق السموات والأرض ~~اتخذتم من دونه أولياء فعبدتموها من دون الله، يعني: الأصنام، وهم { لا ~~يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا } ، فكيف يملكون لكم؟ # ثم ضرب لهم مثلا فقال: { قل هل يستوى الأعمى والبصير ~~} ، كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن، { أم هل تستوى } ، قرأ حمزة ~~والكسائي وأبو بكر { يستوي } بالياء، وقرأ الآخرون بالتاء لأنه لا حائل ~~بين الاسم والفعل المؤنث. { الظلمت والنور } ، أي: كما لا ~~يستوي الظلمات والنور لا يستوي ms1201 الكفر والإيمان. # { أم جعلوا } ، أي: جعلوا، { لله شركآء خلقوا ~~كخلقه فتشابه الخلق عليهم } ، أي: اشتبه ما خلقوه بما ~~خلقه الله تعالى فلا يدرون ما خلق الله وما خلق آلهتهم. # { قل الله خلق كل شىء وهو الواحد القهر ~~}. # ثم ضرب الله تعالى مثلين للحق والباطل، فقال عز وجل: # { أنزل }. ### || [13.17] # { أنزل } يعني الله عز وجل، { من السمآء مآء } ، يعني ~~المطر، { فسالت } من ذلك الماء، { أودية بقدرها } ، أي: في ~~الصغر والكبر، { فاحتمل السيل } ، الذي حدث من ذلك الماء، { ~~زبدا رابيا } ، الزبد: الخبث الذي يظهر على وجه الماء، ~~وكذلك على وجه القدر، " رابيا " أي عاليا مرتفعا فوق الماء، فالماء ~~الصافي الباقي هو الحق، والذاهب الزائل الذي يتعلق بالأشجار وجوانب ~~الأودية هو الباطل. # وقيل: قوله { أنزل من السمآء مآء } هذا مثل للقرآن، ~~والأودية مثل للقلوب، يريد ينزل القرآن، فتحمل منه القلوب على قدر ~~اليقين والعقل والشك والجهل. فهذا أحد المثلين. # والمثل الآخر: قوله عز وجل: { ومما يوقدون عليه فى ~~النار }. # قرأ حمزة والكسائي وحفص { يوقدون } بالياء لقوله تعالى: { ما ينفع ~~الناس } ، ولا مخاطبة هاهنا. # وقرأ الآخرون بالتاء { ومما توقدون } ، أي: ومن الذي توقدون عليه في ~~النار. # والإيقاد: جعل النار تحت الشيء ليذوب. # { ابتغآء حلية } ، أي لطلب زينة، وأراد الذهب والفضة؛ لأن ~~الحلية تطلب منهما، { أو متع } أي: طلب متاع وهو ما ينتفع به، ~~وذلك مثل الحديد، والنحاس، والرصاص، والصفر، تذاب فيتخذ منها الأواني ~~وغيرها مما ينتفع بها، { زبد مثله }. # { كذلك يضرب الله الحق والبطل } ، أي: إذا أذيب ~~فله أيضا زبد مثل زبد الماء، فالباقي الصافي من هذه الجواهر مثل الحق، ~~والزبد الذي لا ينتفع به مثل الباطل. # { فأما الزبد } ، الذي علا السيل والفلز، { فيذهب ~~جفآء } أي: ضائعا باطلا، والجفاء ما رمى به الوادي من الزبد ~~والقدر إلى جنباته. # يقال: جفا الوادي وأجفأ: إذا ألقى غثاءه، وأجفأت القدر ~~وجفأت: إذا غلت وألقت زبدها، فإذا سكنت لم يبق فيها شيء. # معناه: إن الباطل وإن علا في وقت فإنه يضمحل. # وقيل: " جفاء " أي: متفرقا. يقال: جفأت الريح ms1202 الغيم إذا ~~فرقته وذهبت به. # { وأما ما ينفع الناس } ، يعني: الماء والفلز من الذهب ~~والفضة والصفر والنحاس، { فيمكث فى الأرض } ، أي: يبقى ولا ~~يذهب. # { كذلك يضرب الله الأمثال } ، جعل الله هذا مثالا للحق ~~والباطل، أي: أن الباطل كالزبد يذهب ويضيع، الحق كالماء والفلز يبقى ~~في القلوب. # وقيل: هذا تسلية للمؤمنين، يعني: أن أمر المشركين كالزبد يرى في ~~الصورة شيئا وليس له حقيقة، وأمر المؤمنين كالماء المستقر في مكانه ~~له البقاء والثبات. ### || [13.18-19] # قوله تعالى: { للذين استجابوا لربهم } ، أجابوا، ~~لربهم، فأطاعوه، { الحسنى } الجنة، { والذين لم ~~يستجيبوا له لو أن لهم ما فى الأرض جميعا ~~ومثله معه لافتدوا به } ، أي: لبذلوا ذلك يوم القيامة ~~افتداء من النار، { أولئك لهم سوء الحساب }. قال ~~إبراهيم النخعي: سوء الحساب: أن يحاسب الرجل بذنبه كله لا يغفر له ~~من شيء { ومأواهم } في الآخرة { جهنم وبئس المهاد } ، ~~الفراش، أي: بئس ما مهد لهم. # قوله تعالى: { أفمن يعلم أنمآ أنزل إليك من ربك ~~الحق } ، فيؤمن به ويعمل بما فيه، { كمن هو أعمى } ، عنه ~~لا يعلمه ولا يعمل به. # قيل: نزلت في حمزة وأبي جهل. # وقيل: في عمار وأبي جهل. # فالأول حمزة أو عمار والثاني أبو جهل، وهو الأعمى. # أي: لا يستوي من يبصر الحق ويتبعه ومن لا يبصره ولا يتبعه. # { إنما يتذكر } يتعظ، { أولوا الألبب }. ذوو ~~العقول. ### || [13.20-21] # { الذين يوفون بعهد الله } ، بما أمرهم الله تعالى به ~~وفرضه عليهم فلا يخالفونه، { ولا ينقضون الميثق } ، ~~قيل: أراد العهد الذي أخذه على ذرية آدم عليه السلام حين أخرجهم من ~~صلبه. # { والذين يصلون مآ أمر الله به أن يوصل } ، قيل: ~~أراد به الإيمان بجميع الكتب والرسل ولا يفرقون بينهما. # والأكثرون على أنه أراد به صلة الرحم. # أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، ~~أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبدالجبار الرياني، حدثنا حميد بن ~~زنجويه، حدثنا ابن أبي شيبة، حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أبي ~~سلمة أن عبدالرحمن بن عوف عاد أبا الدرداء فقال ms1203 يعني عبدالرحمن ~~: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: فيما يحكي عن ربه عز ~~وجل: # " أنا الله، وأنا الرحمن، وهي الرحم، شققت لها من اسمي اسما، ~~فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته ". # أخبرنا عبدالواحد المليحي، أنبأنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو جعفر ~~الرياني، حدثني حميد بن زنجويه، حدثنا ابن أبي أويس قال: حدثني سليمان ~~بن بلال عن معاوية بن أبي مزرد، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " خلق الله الخلق فلما فرغ منه قامت الرحم فأخذت بحقوي ~~الرحمن، فقال: مه، قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: ألا ~~ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى يارب، قال: فذلك ~~لك " # ثم قال أبو هريرة: اقرؤا إن شئتم # فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا فى الأرض ~~وتقطعوا أرحامكم # [محمد: 22]. # أخبرنا عبدالواحد المليحي، أنبأنا أبو منصور السمعاني، أنبأنا أبو ~~جعفر الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا ~~كثير بن عبدالله اليشكري، حدثنا الحسن بن عبدالرحمن ابن عوف عن أبيه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ثلاثة تحت العرش يوم القيامة: القرآن يحاج العباد، له ظهر ~~وبطن، والأمانة، والرحم تنادي ألا من وصلني وصله الله ومن ~~قطعني قطعه الله ". # أخبرنا عبدالواحد المليحي، أنبأنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو جعفر ~~الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، حدثنا عبدالله بن صالح، حدثني الليث ~~بن سعد، حدثني عقيل عن ابن شهاب أخبرني أنس بن مالك رضي الله عنه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه ". # أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا عبدالرحمن بن أبي شريح، أخبرنا أبو ~~القاسم عبدالله بن محمد ابن عبدالعزيز البغوي، حدثنا علي بن الجعد، حدثنا ~~شعبة، عن عيينة بن عبدالرحمن قال: سمعت أبي يحدث عن أبي بكر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من ذنب أحرى أن يعجل الله ms1204 لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما ~~يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم ". # أخبرنا أحمد بن عبدالله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا ~~إسماعيل بن محمد الصفار، أخبرنا أحمد بن منصور الزيادي، حدثنا ~~عبدالرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه ~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " لا يدخل الجنة قاطع ". # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن ~~محمد بن محمش الزيادي، حدثنا أحمد بن إسحاق الصيدلاني، أخبرنا أبو نصر ~~أحمد بن محمد بن نصر، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، حدثنا عمرو بن عثمان ~~قال. سمعت موسى بن طلحة يذكر عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، # " أن أعرابيا عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير له فقال: ~~أخبرني بما يقربني من الجنة ويباعدني من النار، قال صلى الله عليه ~~وسلم: " تعبد الله، لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة، وتصل ~~الرحم ". # أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، حدثنا أبو جعفر ~~الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه حدثنا أبو يعلى وأبو نعيم قالا: حدثنا ~~فطر، عن مجاهد، عن عبدالله بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله: # " ليس الواصل بالمكافىء، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه ~~وصلها " # ، رواه محمد بن إسماعيل عن محمد بن كثير عن سفيان عن قطر وقال: إذا ~~قطعت رحمه وصلها. # قوله تعالى: { ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب }. ### || [13.22] # { والذين صبروا } ، على طاعة الله، وقال ابن عباس: على أمر ~~الله عز وجل. وقال عطاء: على المصائب والنوائب. وقيل: عن الشهوات. ~~وقيل: عن المعاصي. # { ابتغآء وجه ربهم } ، طلب تعظيمه أن يخالفوه. # { وأقاموا الصلوة وأنفقوا مما رزقناهم سرا ~~وعلانية } ، يعني يؤدون الزكاة. # { ويدرءون بالحسنة السيئة } ، روي عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أنه قال: يدفعون بالصالح من العمل السيء من العمل، وهو معنى ~~قوله: # إن الحسنت يذهبن السيئت # [هود: 114]. # وجاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه ms1205 وسلم قال: # " إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها، السر بالسر ~~والعلانية بالعلانية ". # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبدالله بن أبي توبة، أنبأنا محمد بن أحمد بن ~~الحارث، أنبأنا محمد بن يعقوب الكسائي، أنبأنا عبدالله بن محمود، أخبرنا ~~إبراهيم بن عبدالله الخلال، حدثنا عبدالله بن المبارك عن ابن لهيعة، ~~حدثني يزيد بن أبي حبيب، حدثنا أبو الخير، أنه سمع عقبة بن عامر رضي الله ~~عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن مثل الذي يعمل السيئات ثم يعمل الحسنات كمثل رجل كانت عليه درع ~~ضيقة قد خنقته، ثم عمل حسنة، فانفكت عنه حلقة، ثم عمل أخرى فانفكت ~~أخرى، حتى يخرج إلى الأرض " # وقال ابن كيسان: معنى الآية: يدفعون الذنب بالتوبة. # وقيل: لا يكافئون الشر بالشر، ولكن يدفعون الشر بالخير. # وقال القتيبي: معناه: إذا سفه عليهم حلموا، فالسفه: السيئة، ~~والحلم: الحسنة. # وقال قتادة: ردوا عليهم معروفا، ونظيره قوله تعالى: # وإذا خاطبهم الجهلون قالوا سلاما # [الفرقان: 63]. # وقال الحسن: إذا حرموا أعطوا وإذا ظلموا عفوا وإذا قطعوا ~~وصلوا. # قال عبدالله بن المبارك: هذه ثمان خلال مشيرة إلى ثمانية أبواب الجنة. # { أولئك لهم عقبى الدار } ، يعني الجنة، أي: عاقبتهم ~~دار الثواب. ثم بين فقال: # { جنات عدن }. ### || [13.23] # { جنت عدن } ، بساتين إقامة { يدخلونها ومن صلح ~~من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة ~~يدخلون عليهم من كل باب } ، قيل: من أبواب الجنة. وقيل: ~~من أبواب القصور. ### || [13.24-25] # { سلم عليكم } ، أي: يقولون سلام عليكم. # وقيل: يقولون: سلمكم الله من الآفات التي كنتم تخافون منها. # قال مقاتل: يدخلون عليهم في مقدار يوم وليلة من أيام الدنيا ثلاث ~~كرات، معهم الهدايا والتحف من الله عز وجل، يقولون سلام عليكم، { ~~بما صبرتم فنعم عقبى الدار }. # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبدالله بن أبي توبة، أخبرنا أبو طاهر محمد بن ~~أحمد بن الحارث، أخبرنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبدالله ~~بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبدالله الخلال، حدثنا عبدالله بن المبارك، ~~عن بقية بن الوليد، حدثني أرطأة بن المنذر ms1206 قال: سمعت رجلا من مشيخة ~~الجند يقال له أبو الحجاج يقول: جلست إلى أبي أمامة فقال: إن المؤمن ~~ليكون متكئا على أريكته إذا دخل الجنة، وعنده سماطان من خدم، ~~وعند طرف السماطين باب مبوب. # فيقبل ملك من ملائكة الله يستأذن، فيقوم أدنى الخدم إلى الباب، ~~فإذا هو بالملك يستأذن، فيقول للذي يليه: ملك يستأذن ويقول الذي يليه ~~للذي يليه ملك يستأذن كذلك حتى يبلغ المؤمن، فيقول: ائذنوا له، فيقول ~~أقربهم إلى المؤمن: ائذنوا له، ويقول الذي يليه للذي يليه: ائذنوا له ~~كذلك حتى يبلغ أقصاهم الذي عند الباب، فيفتح له فيدخل، فيسلم ثم ينصرف. # { والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثقه } ، ~~هذا في الكفار. { ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل } ، ~~أي: يؤمنون ببعض الأنبياء ويكفرون ببعض. وقيل: يقطعون الرحم، { ~~ويفسدون فى الأرض } ، أي: يعملون بالمعاصي، { أولئك ~~لهم اللعنة ولهم سوء الدار } ، يعني: النار، وقيل: سوء ~~المنقلب لأن منقلب الناس دورهم. ### || [13.26-28] # قوله عز وجل: { الله يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر ~~} ، أي: يوسع على من يشاء ويضيق على من يشاء. # { وفرحوا بالحيوة الدنيا } ، يعني: مشركي مكة أشروا ~~وبطروا، والفرح: لذة في القلب بنيل المشتهى، وفيه دليل على أن الفرح ~~بالدنيا حرام. # { وما الحيوة الدنيا فى الأخرة إلا متع } أي: ~~قليل ذاهب. قال الكلبي: كمثل السكرجة والقصعة والقدح والقدر ينتفع ~~بها ثم تذهب. # { ويقول الذين كفروا } ، من أهل مكة، { لولا أنزل ~~عليه آية من ربه قل إن الله يضل من يشآء ~~ويهدى إليه من أناب } أي: يهدي إليه من يشاء بالإنابة. ~~وقيل: يرشد إلى دينه من رجع إليه بقلبه. # { الذين ءامنوا } ، في محل النصب، بدلا من قوله: " من أناب ~~" ، { وتطمئن } ، تسكن، { قلوبهم بذكر الله } ، قال ~~مقاتل: بالقرآن، والسكون يكون باليقين، والاضطراب يكون بالشك، { ألا ~~بذكر الله تطمئن القلوب } ، تسكن قلوب المؤمنين ويستقر ~~فيها اليقين. # قال ابن عباس: هذا في الحلف، يقول: إذا حلف المسلم بالله على شيء ~~تسكن قلوب المؤمنين إليه. # فإن قيل: أليس قد قال الله تعالى: # إنما المؤمنون الذين ms1207 إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم # [الأنفال: 2]، فكيف تكون الطمأنينة والوجل في حالة واحدة؟. # قيل: الوجل عند ذكر الوعيد والعقاب، والطمأنينة عند ذكر الوعد ~~والثواب، فالقلوب توجل إذا ذكرت عدل الله وشدة حسابه، وتطمئن إذا ذكرت ~~فضل الله وثوابه وكرمه. ### || [13.29] # { الذين ءامنوا وعملوا الصلحات } ، ابتداء، { ~~طوبى لهم } خبره. # واختلفوا في تفسير { طوبى }. # روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: فرح لهم وقرة عين. # وقال عكرمة: نعم مالهم. # وقال قتادة: حسنى لهم. # وقال معمر عن قتادة: هذه كلمة عربية، يقول الرجل للرجل: طوبى لك أي ~~أصبت خيرا. # وقال إبراهيم: خير لهم وكرامة. # قال الفراء: أصله من الطيب والواو فيه لضمة الطاء، وفيه لغتان، تقول ~~العرب: طوباك وطوبى لك أي لهم الطيب. # { وحسن مآب } أي: حسن المنقلب. # وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: طوبى اسم الجنة بالحبشية. # وقال الربيع: هو البستان بلغة الهند. # وروي عن أبي أمامة وأبي هريرة وأبي الدرداء قالوا: طوبى شجرة في الجنة ~~تظل الجنان كلها. وقال عبيد بن عمير. هي شجرة في جنة عدن أصلها في ~~دار النبي صلى الله عليه وسلم، وفي كل دار وغرفة غصن منها لم يخلق الله ~~لونا ولا زهرة إلا وفيها منها إلا السواد، ولم يخلق الله تعالى فاكهة ~~ولا ثمرة إلا وفيها منها، تنبع من أصلها عينان: الكافور والسلسبيل. # وقال مقاتل: كل ورقة منها تظل أمة عليها ملك يسبح الله عز وجل ~~بأنواع التسبيح. # وروي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه # " أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما طوبى؟ قال: " شجرة في ~~الجنة ظلها مسيرة مائة سنة، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها ". # وعن معاوية بن قرة عن أبيه يرفعه: # " طوبى شجرة غرسها الله تعالى بيده، ونفخ فيها من روحه، تنبت الحلي ~~والحلل وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة " # أخبرنا محمد بن عبدالله بن أبي توبة، أخبرنا محمد بن أحمد بن الحارث، ~~أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبدالله بن محمود، أنبأنا إبراهيم ~~بن عبدالله الخلال، ms1208 حدثنا عبدالله بن المبارك عن إسماعيل بن أبي خالد، عن ~~زياد مولى بني مخزوم، أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: إن في ~~الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها، اقرؤوا إن ~~شئتم: # وظل ممدود # [الواقعة: 30] فبلغ ذلك كعبا فقال: صدق والذي أنزل التوراة على موسى ~~عليه السلام والقرآن على محمد صلى الله عليه وسلم، لو أن رجلا ركب حقة ~~أو جذعة ثم دار بأصل تلك الشجرة ما بلغها حتى يسقط هرما، إن الله ~~تعالى غرسها بيده ونفخ فيها من روحه، وإن أفنانها لن وراء سور الجنة، ~~ما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة. # وبهذا الإسناد عن عبدالله بن المبارك عن معمر عن الأشعث بن عبدالله عن ~~شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال: في الجنة شجرة يقال لها طوبى، يقول الله ~~عز وجل لها: تفتقي لعبدي عما شاء فتنفتق له عن فرس بسرجه ولجامه ~~وهيئته كما شاء، يفتق له عن الراحلة برحلها وزمامها وهيئتها كما ~~شاء وعن الثياب. ### || [13.30] # قوله عز وجل { كذلك أرسلناك في أمة }: كما أرسلنا ~~الأنبياء إلى الأمم أرسلناك إلى هذه الأمة، { قد خلت } ، مضت، { ~~من قبلهآ أمم لتتلوا } ، لتقرأ، { عليهم الذى ~~أوحينآ إليك وهم يكفرون بالرحمن }. # قال قتادة، ومقاتل، وابن جريج: الآية مدنية نزلت في صلح الحديبية، وذلك ~~أن سهيل بن عمرو لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم واتفقوا على أن ~~يكتبوا كتاب الصلح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: ~~اكتب " بسم الله الرحمن الرحيم " ، قالوا: لا نعرف الرحمن إلا صاحب ~~اليمامة - يعنون مسيلمة الكذاب - اكتب كما كنت تكتب: " باسمك اللهم ~~" ، فهذا معنى قوله: { وهم يكفرون بالرحمن }. # والمعروف أن الآية مكية، وسبب نزولها: أنا أبا جهل سمع النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهو في الحجر يدعو يا الله يارحمن، فرجع إلى المشركين ~~فقال: إن محمدا يدعو إلهين؛ يدعو الله، ويدعو إلها آخر يسمى الرحمن، ~~ولا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة ms1209 فنزلت هذه الآية، ونزل قوله تعالى: # قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما ~~تدعوا فله الأسمآء الحسنى # [الإسراء: 110]. # وروى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنها نزلت في كفار قريش حين ~~قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: اسجدوا للرحمن، قالوا: وما الرحمن؟ ~~قال الله تعالى: { قل } ، لهم يامحمد إن الرحمن الذي أنكرتم معرفته، { ~~هو ربى لا إله إلا هو عليه توكلت } ، اعتمدت ~~{ وإليه متاب } ، أي: توبتي ومرجعي. # قوله عز وجل: { ولو أن قرءانا سيرت به الجبال } ~~، الآية. نزلت في نفر من مشركي مكة؛ منهم أبو جهل بن هشام، وعبدالله بن ~~أبي أمية؛ جلسوا خلف الكعبة وأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فأتاهم، فقال له عبدالله بن أبي أمية: إن سرك أن نتبعك فسير جبال مكة ~~بالقرآن فأذهبها عنا حتى تنفسخ، فإنها أرض ضيقة لمزارعنا، واجعل لنا ~~فيها عيونا وأنهارا، لنغرس فيها الأشجار ونزرع، ونتخذ البساتين، فلست ~~كما زعمت بأهون على ربك من داوود عليه السلام حيث سخر له الجبال تسبح ~~معه، أو سخر لنا الريح فنركبها إلى الشام لميرتنا وحوائجنا ونرجع ~~في يومنا، فقد سخرت الريح لسليمان كما زعمت، ولست بأهون على ربك من ~~سليمان، وأحيي لنا جدك قصيا أو من شئت من آبائنا وموتانا ~~لنسأله عن أمرك أحق ما تقول أم باطل، فإن عيسى كان يحيي الموتى، ولست ~~بأهون على الله منه. ### || [13.31] # فأنزل الله عز وجل: { ولو أن قرءانا سيرت به ~~الجبال } فأذهبت عن وجه الأرض، { أو قطعت به الأرض } ، ~~أي: شققت فجعلت أنهارا وعيونا { أو كلم به الموتى } ~~واختلفوا في جواب " لو ": # فقال قوم: جوابه محذوف، اكتفاء بمعرفة السامعين مراده وتقديره: لكان ~~هذا القرآن، كقول الشاعر: # فأقسم لو شيء أتانا رسوله # سواك ولكن لم نجد لك مدفعا # أراد: لرددناه، وهذا معنى قول قتادة قال: لو فعل هذا بقرآن قبل قرآنكم ~~لفعل بقرآنكم. # وقال آخرون: جواب لو مقدم. وتقدير الكلام: وهم يكفرون بالرحمن { ~~ولو أن قرءانا سيرت به الجبال } ، كأنه قال: لو ~~سيرت به ms1210 الجبال { أو قطعت به الأرض أو كلم به ~~الموتى } لكفروا بالرحمن ولم يؤمنوا، لما سبق من علمنا فيهم، كما ~~قال: # ولو أننا نزلنآ إليهم الملئكة وكلمهم ~~الموتى وحشرنا عليهم كل شىء قبلا ما كانوا ~~ليؤمنوا # [الأنعام: 111] ثم قال: # { بل لله الأمر جميعا } ، أي: في هذه الأشياء إن شاء فعل وإن ~~شاء لم يفعل. # { أفلم ييأس الذين آمنوا } ، قال أكثر المفسرين: معناه ~~أفلم يعلم. قال الكلبي: هي لغة النخع. # وقيل: هي لغة هوازن، يدل عليه قراءة ابن عباس: " أفلم يتبين الذين آمنوا ~~". # وأنكر الفراء أن يكون ذلك بمعنى العلم، وزعم أنه لم يسمع أحدا من ~~العرب يقول: يئست، بمعنى: علمت، ولكن معنى العلم فيه مضمر. # وذلك أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمعوا هذا من المشركين ~~طمعوا في أن يفعل الله ما سألوا فيؤمنوا فنزل: { أفلم ييأس ~~الذين آمنوا } يعني: الصحابة رضي الله عنهم أجمعين من إيمان ~~هؤلاء، أي ألم ييأسوا علما، وكل من علم شيئا يئس من خلافه، يقول: ~~ألم ييئسهم العلم، { أن لو يشآء الله لهدى الناس ~~جميعا }. # { ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا } من ~~كفرهم وأعمالهم الخبيثة { قارعة } أي: نازلة وداهية تقرعهم من أنواع ~~البلاء، أحيانا بالجدب، وأحيانا بالسلب، وأحيانا بالقتل والأسر. # وقال ابن عباس: أراد بالقارعة: السرايا التي كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يبعثهم إليهم. # { أو تحل } ، يعني: السرية أو القارعة، { قريبا من دارهم ~~} ، وقيل: أو تحل: أي تنزل أنت يامحمد بنفسك قريبا من ديارهم، { ~~حتى يأتى وعد الله } ، قيل: يوم القيامة. وقيل: الفتح ~~والنصر وظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم ودينه. { إن الله لا ~~يخلف الميعاد } ، وكان الكفار يسألون هذه الأشياء على سبيل ~~الاستهزاء فأنزل الله تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم. # { ولقد استهزىء برسل من قبلك }. ### || [13.32-33] # { ولقد استهزىء برسل من قبلك } ، كما استهزؤا بك، { ~~فأمليت للذين كفروا } ، أمهلتهم وأطلت لهم المدة، ومنه " ~~الملوان " ، وهما: الليل والنهار، { ثم أخذتهم } عاقبتهم في ~~الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالنار، { فكيف كان ms1211 عقاب } ، أي: ~~عقابي لهم. # { أفمن هو قآئم على كل نفس بما كسبت } ، أي: ~~حافظها، ورازقها، وعالم بها، ومجازيها بما عملت. وجوابه محذوف، تقديره: ~~كمن ليس بقائم بل عاجز عن نفسه. # { وجعلوا لله شركآء قل سموهم } بينوا أسماءهم. # وقيل: صفوهم ثم انظروا هل هي أهل لأن تعبد؟ # { أم تنبئونه } أي: تخبرون الله تعالى: { بما لا يعلم ~~فى الأرض } ، فإنه لا يعلم لنفسه شريكا ولا في الأرض إلها غيره، { ~~أم بظهر } يعني: أم تتعلقون بظاهر، { من القول } ، مسموع، ~~وهو في الحقيقة باطل لا أصل له. # وقيل: بباطل من القول، قال الشاعر: # وعيرني الواشون أني أحبها # وتلك شكاة ظاهر عنك عارها # أي: زائل. # { بل زين للذين كفروا مكرهم } ، كيدهم. وقال مجاهد: ~~شركهم وكذبهم على الله. # { وصدوا عن السبيل } ، أي: صرفوا عن الدين. # قرأ أهل الكوفة ويعقوب { وصدوا } وفي حم المؤمن { وصد } بضم الصاد ~~فيهما، وقرأ الآخرون بالفتح لقوله تعالى: # إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله # [الحج: 25]، وقوله: # الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله # [النحل: 88 وغيرها]. # { ومن يضلل الله } ، بخذلانه إياه، { فما له من هاد ~~}. ### || [13.34-36] # { لهم عذاب فى الحيوة الدنيا } ، بالقتل والأسر، { ~~ولعذاب الأخرة أشق } ، أشد، { وما لهم من الله ~~من واق } ، مانع يمنعهم من العذاب. # قوله عز وجل: { مثل الجنة التى وعد المتقون } ~~أي: صفة الجنة، كقوله تعالى: # ولله المثل الأعلى # [النحل: 60] أي: الصفة العليا، { تجرى من تحتها الأنهر } ~~، أي: صفة الجنة التي وعد المتقون أن الأنهار تجري من تحتها. # وقيل: " مثل " صلة مجازها " الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها ~~الأنهار ". # { أكلها دآئم } أي: لا ينقطع ثمرها ونعيمها، { وظلها } ، ~~أي: ظلها ظليل، لا يزول، وهو رد على الجهمية حيث قالوا إن نعيم الجنة ~~يفنى. # { تلك عقبى } أي: عاقبة { الذين اتقوا } يعني: الجنة، { ~~وعقبى الكفرين النار }. # قوله عز وجل: { والذين ءاتينهم الكتب } يعني: ~~القرآن وهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم { يفرحون بمآ أنزل ~~إليك } من القرآن، { ومن االأحزاب } يعني: الكفار الذين ~~تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ms1212 وهم اليهود والنصارى، { من ~~ينكر بعضه } ، هذا قول مجاهد وقتادة. # وقال الآخرون: كان ذكر الرحمن قليلا في القرآن في الابتداء فلما أسلم ~~عبدالله بن سلام وأصحابه ساءهم قلة ذكره في القرآن مع كثر ذكره في ~~التوراة، فلما كرر الله ذكره في القرآن فرحوا به فأنزل الله سبحانه ~~وتعالى: { والذين ءاتينهم الكتب يفرحون بمآ ~~أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه } ، يعني: ~~مشركي مكة حين كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتاب الصلح: بسم الله ~~الرحمن الرحيم، قالوا: ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، يعنون مسيلمة ~~الكذاب، فأنزل الله عز وجل: # وهم بذكر الرحمن هم كفرون # [الأنبياء: 36] # وهم يكفرون بالرحمن # [الرعد: 30] # وإنما قال " بعضه " لأنهم كانوا لا ينكرون ذكر الله وينكرون ذكر الرحمن. # { قل } ، يامحمد، { إنمآ أمرت أن أعبد الله ولا ~~أشرك به إليه أدعوا وإليه مآب } ، أي: مرجعي. ### || [13.37-38] # { وكذلك أنزلناه حكما عربيا } ، يقول: كما أنزلنا ~~إليك الكتاب يامحمد، فأنكره الأحزاب، كذلك أنزلنا إليك الحكم والدين ~~عربيا، نسب إلى العرب لأنه نزل بلغتهم فكذب به الأحزاب. # وقيل: نظم الآية: كما أنزلت الكتب على الرسل بلغاتهم، كذلك أنزلنا ~~عليك الكتاب حكما عربيا. # { ولئن اتبعت أهوآءهم } ، في الملة. وقيل: في القبلة، { ~~بعد ما جآءك من العلم ما لك من الله من ولى ~~ولا واق } ، يعني: من ناصر ولا حافظ. # قوله تعالى: { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك } ، روي أن ~~اليهود. وقيل: إن المشركين قالوا: إن هذا الرجل ليست له همة إلا في ~~النساء فأنزل الله تعالى: { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك ~~وجعلنا لهم أزواجا وذرية } ، وما جعلناهم ملائكة لا ~~يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون. # { وما كان لرسول أن يأتى بآية إلا بإذن الله ~~} ، هذا جواب عبدالله بن أبي أمية. ثم قال: # { لكل أجل كتاب } ، يقول: لكل أمر قضاه الله كتاب قد كتبه ~~فيه ووقت يقع فيه. # وقيل لكل آجل أجله الله كاب أثبت فيه. # وقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديره: أي، لكل كتاب أجل ومدة، أي: الكتب ~~المنزلة لكل واحد منها وقت ms1213 ينزل فيه. ### || [13.39] # { يمحوا الله ما يشآء ويثبت } ، قرأ ابن كثير وأبو ~~عمرو، وعاصم ويعقوب { ويثبت } بالتخفيف وقرأ الآخرون بالتشديد. # واختلفوا في معنى الآية: # فقال سعيد بن جبير وقتادة: يمحوا الله ما يشاء من الشرائع والفرائض ~~فينسخه ويبدله، ويثبت ما يشاء منها فلا ينسخه. # وقال ابن عباس: يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا الرزق والأجل والسعادة ~~والشقاوة. # وروينا عن حذيفة بن أسيد عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين، ~~أو خمس وأربعين ليلة، فيقول: يارب أشقي أم سعيد؟ فيكتبان، ~~فيقول: أي رب أذكر أم أنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله وأثره ~~وأجله ورزقه، ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص ". # وعن عمر وابن مسعود رضي الله عنهما أنهما قالا: يمحو السعادة ~~والشقاوة أيضا، ويمحو الرزق والأجل ويثبت ما يشاء. # وروي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يطوف بالبيت وهو يبكي ويقول: اللهم ~~إن كنت كتبتني في أهل السعادة فأثبتني فيها، وإن كنت كتبت علي الشقاوة ~~فامحني، وأثبتني في أهل السعادة والمغفرة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك ~~أم الكتاب. ومثله عن ابن مسعود. # وفي بعض الآثار: أن الرجل يكون قد بقي من عمره ثلاثون سنة فيقطع رحمه ~~فترد إلى ثلاثة أيام، والرجل يكون قد بقي من عمره ثلاثة أيام فيصل رحمه ~~فيمد إلى ثلاثين سنة. # أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، حدثنا أبو جعفر ~~الرياني، حدثنا حميد ابن زنجويه، حدثنا عبدالله بن صالح، حدثني الليث بن ~~سعد، حدثني زيادة بن محمد الأنصاري، عن محمد بن كعب القرظي، عن فضالة بن ~~عبيد، عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " ينزل الله عز وجل في آخر ثلاث ساعات يبقين من الليل، فينظر في ~~الساعة الأولى منهن في أم الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره فيمحو ما ~~يشاء ويثبت ". # وقيل: معنى الآية: أن الحفظة يكتبون جميع أعمال بني آدم وأقوالهم، ~~فيحموا الله من ديوان الحفظة ms1214 ما ليس فيه ثواب ولا عقاب، مثل قوله: أكلت، ~~شربت، دخلت، خرجت، ونحوها من كلام هو صادق فيه ويثبت ما فيه ثواب وعقاب، ~~هذا قول الضحاك والكلبي. # وقال الكلبي: يكتب القول كله، حتى إذا كان يوم الخميس طرح منه كل شيء ~~ليس فيه ثواب ولا عقاب. # وقال عطية عن ابن عباس: هو الرجل يعمل بطاعة الله عز وجل ثم يعود ~~لمعصية الله فيموت على ضلالة فهو الذي يمحو، والذي يثبت: الرجل يعمل ~~بطاعة الله، فيموت وهو في طاعة الله عز وجل فهو الذي يثبت. # وقال الحسن: { يمحوا الله ما يشآء } أي من جاء أجله يذهب به ~~ويثبت من لم يجيء أجله إلى أجله. # وعن سعيد بن جبير قال: { يمحوا الله ما يشآء } من ذنوب ~~العباد فيغفرها ويثبت ما يشاء فلا يغفرها. # وقال عكرمة: { يمحو الله ما يشآء } من الذنوب بالتوبة، ويثبت ~~بدل الذنوب حسنات، كما قال الله تعالى: # فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنت # [الفرقان: 70]. وقال السدي: { يمحوا الله ما يشآء } يعني ~~القمر { ويثبت } يعني الشمس، بيانه قوله تعالى: # فمحونآ ءاية الليل وجعلنآ ءاية النهار ~~مبصرة # [الإسراء: 12] # وقال الربيع: هذا في الأرواح يقبضها الله عند النوم، فمن أراد موته ~~محاه فأمسكه، ومن أراد بقاءه أثبته ورده إلى صاحبه، بيانه قوله عز ~~وجل: # الله يتوفى الأنفس حين موتها # الآية [الزمر: 42]. { وعنده أم الكتب } ، أي: أصل الكتاب، ~~وهو اللوح المحفوظ الذي لا يبدل ولا يغير. # وقال عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: هما كتابان: كتاب سوى أم ~~الكتاب، يمحو منه ما يشاء ويثبت، وأم الكتاب الذي لا يغير منه شيء. # وعن عطاء عن ابن عباس قال: إن لله تعالى لوحا محفوظا مسيرة خمسمائة ~~عام، من درة بيضاء لها دفتان من ياقوت، لله فيه كل يوم ثلثمائة وستون ~~لحظة { يمحوا الله ما يشآء ويثبت وعنده أم ~~الكتب }. # وسأل ابن عباس كعبا عن أم الكتاب؟ فقال: علم الله، ما هو خالق، وما ~~خلقه عاملون. ### || [13.40-41] # { وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم } ، من العذاب قبل ms1215 ~~وفاتك، { أو نتوفينك } ، قبل ذلك، { فإنما عليك ~~البلغ } ، ليس عليك إلا ذلك، { وعلينا الحساب } ، الجزاء ~~يوم القيامة. # قوله تعالى: { أولم يروا } يعني: أهل مكة الذين يسألون محمدا ~~صلى الله عليه وسلم الآيات، { أنا نأتى الأرض ننقصها من ~~أطرافها } ، أكثر المفسرين على أن المراد منه فتح ديار الشرك، فإن ~~ما زاد في ديار الإسلام فقد نقص من ديار الشرك، يقول: { أولم يروا ~~أنا نأتى الأرض ننقصها من أطرافها } فنفتحها لمحمد ~~أرضا بعد أرض حوالي أرضهم، أفلا يعتبرون؟ هذا قول ابن عباس وقتادة ~~وجماعة. # وقال قوم: هو خراب الأرض، معناه: أو لم يروا أنا نأتي الأرض ~~فنخربها، ونهلك أهلها، أفلا يخافون أن نفعل بهم ذلك؟ # وقال مجاهد: هو خراب الأرض وقبض أهلها. # وعن عكرمة قال: قبض الناس. وعن الشعبي مثله. # وقال عطاء وجماعة: نقصانها موت العلماء، وذهاب الفقهاء. # أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبدالله النعيمي، ~~أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا إسماعيل بن أبي أويس ~~حدثني مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي ~~الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم ~~بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا ~~فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا " # وقال الحسن: قال عبدالله بن مسعود: موت العالم ثلمة في الإسلام لا ~~يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار. # وقال ابن مسعود رضي الله عنه: عليكم بالعلم قبل أن يقبض وقبضه ذهاب ~~أهله. # وقال علي رضي الله عنه: إنما مثل الفقهاء كمثل الأكف إذا قطعت كف لم ~~تعد. # وقال سليمان: لا يزال الناس بخير ما بقي الأول حتى يتعلم الآخر، فإذا ~~هلك الأول قبل أن يتعلم الآخر هلك الناس. # وقيل لسعيد بن جبير: ما علامة هلاك الناس؟ قال: هلاك علمائهم. # { والله يحكم لا معقب لحكمه } ، لا راد لقضائه، ولا ~~ناقض لحكمه، { وهو سريع الحساب }. ### || [13.42-43] # { وقد مكر ms1216 الذين من قبلهم } ، يعني: من قبل مشركي مكة، ~~والمكر: إيصال المكروه إلى الإنسان من حيث لا يشعر. # { فلله المكر جميعا } ، أي: عند الله جزاء مكرهم. وقيل: إن ~~الله خالق مكرهم جميعا، بيده الخير والشر، وإليه النفع والضر، فلا يضر ~~مكر أحد أحدا إلا بإذنه. # { يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم الكفر } ، ~~قرأ أهل الحجاز وأبو عمرو { الكفار } على التوحيد، وقرأ الآخرون { ~~الكافر } على الجمع. { لمن عقبى الدار } أي: عاقبة الدار ~~الآخرة حين يدخلون النار، ويدخل المؤمنون الجنة. # { ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى ~~بالله شهيدا بينى وبينكم } ، إني رسوله إليكم { ومن ~~عنده علم الكتب } ، يريد: مؤمني أهل الكتاب يشهدون أيضا على ~~ذلك. # قال قتادة: هو عبد الله بن سلام. # وأنكر الشعبي هذا وقال: السورة مكية، وعبد الله بن سلام بالمدينة. # وقال أبو بشر: قلت لسعيد بن جبير { ومن عنده علم الكتب } ~~أهو عبدالله بن سلام؟ فقال: وكيف يكون عبدالله بن سلام وهذه السورة مكية؟ # وقال الحسن ومجاهد: { ومن عنده علم الكتب } هو الله عز ~~وجل، يدل عليه: قراءة عبدالله بن عباس، { ومن عنده } ، بكسر ~~الميم والدال، أي: من عند الله عز وجل، وقرأ الحسن وسعيد بن جبير { ~~ومن عنده } بكسر الميم والدال { علم الكتاب } على الفعل المجهول، ~~دليل هذه القراءة قوله تعالى: # وعلمناه من لدنا علما # [الكهف: 65] وقوله: # الرحمن علم القرآن # [الرحمن:1 - 2]. ### | [14 - سورة ابراهيم] ### || [14.1] # { الر كتاب } أي: هذا كتاب { أنزلنه إليك } ، يامحمد ~~يعني: القرآن، { لتخرج الناس من الظلمت إلى النور ~~} أي: لتدعوهم من ظلمات الضلالة إلى نور الإيمان، { بإذن ربهم ~~} ، بأمر ربهم. # وقيل: بعلم ربهم. # { إلى صراط العزيز الحميد } أي: إلى دينه، و " العزيز " ، ~~هو الغالب، و " الحميد ": هو المستحق للحمد. ### || [14.2-3] # { الله الذى } قرأ أبو جعفر، وابن عامر: { الله } بالرفع على ~~الاستئناف، وخبره فيما بعده. وقرأ الآخرون بالخفض نعتا للعزيز الحميد. # وكان يعقوب إذا وصل خفض. # وقال أبو عمرو: الخفض على التقديم والتأخير، مجازه: إلى صراط الله ~~العزيز الحميد، { الذى له ما فى السموت وما فى ms1217 ~~الأرض وويل للكفرين من عذاب شديد }. # { الذين يستحبون } ، يختارون، { الحيوة الدنيا ~~على الأخرة ويصدون عن سبيل الله } ، أي: يمنعون الناس ~~عن قبول دين الله. # { ويبغونها عوجا } أي: يطلبونها زيغا وميلا، يريد: يطلبون ~~سبيل الله جائرين عن القصد. # وقيل: الهاء راجعة إلى الدنيا، ومعناه: يطلبون الدنيا على طريق الميل عن ~~الحق، أي: لجهة الحرام. { أولئك فى ضلل بعيد }. ### || [14.4-5] # قوله تعالى: { ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان ~~قومه ليبين لهم } ، بلغتهم ليفهموا عنه. # فإن قيل: كيف هذا وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى كافة الخلق؟ # قيل: بعث من العرب بلسانهم، والناس تبع لهم، ثم بث الرسل إلى ~~الأطراف يدعونهم إلى الله عز وجل ويترجمون لهم بألسنتهم. # { فيضل الله من يشآء ويهدى من يشآء وهو ~~العزيز الحكيم }. # { ولقد أرسلنا موسى بآياتنآ أن أخرج قومك ~~من الظلمات إلى النور } أي: من الكفر إلى الإيمان بالدعوة، ~~{ وذكرهم بأيام الله } ، قال ابن عباس وأبي بن كعب ومجاهد ~~وقتادة: بنعم الله. # وقال مقاتل: بوقائع الله في الأمم السالفة. يقال: فلان عالم بأيام ~~العرب، أي بوقائعهم، وإنما أراد بما كان في أيام الله من النعمة والمحنة، ~~فأجتزأ بذكر الأيام عنها لأنها كانت معلومة عندهم. # { إن فى ذلك لآيت لكل صبار شكور } ، و " ~~الصبار ": الكثير الصبر، و " الشكور ": الكثير الشكر، وأراد: لكل ~~مؤمن، لأن الصبر والشكر من خصال المؤمنين. ### || [14.6-7] # { وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله ~~عليكم إذ أنجاكم من ءال فرعون يسومونكم ~~سوء العذاب ويذبحون أبنآءكم } ، قال الفراء: ~~العلة الجالبة لهذه الواو أن الله تعالى أخبرهم أن آل فرعون كانوا ~~يعذبونهم بأنواع العذاب غير التذبيح، وبالتذبيح، وحيث طرح الواو في " ~~يذبحون " و " يقتلون " أراد تفسير العذاب الذي كانوا يسومونهم، { ~~ويستحيون نسآءكم } ، يتركوهن أحياء { وفى ذلكم ~~بلاء من ربكم عظيم }. # { وإذ تأذن ربكم } ، أي: أعلم، يقال: أذن وتأذن بمعنى ~~واحد، مثل أوعد وتوعد، { لئن شكرتم } نعمتي فآمنتم ~~وأطعتم { لأزيدنكم } في النعمة. # وقيل: الشكر: قيد الموجود، وصيد المفقود. # وقيل: لئن شكرتم بالطاعة لأزيدنكم في الثواب. # { ولئن ms1218 كفرتم } ، نعمتي فجحدتموها ولم تشكروها، { إن ~~عذابى لشديد }. ### || [14.8-9] # { وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن فى الأرض ~~جميعا فإن الله لغنى حميد } ، أي: غني عن خلقه، ~~حميد محمود في أفعاله، لأنه فيها متفضل وعادل. # { ألم يأتكم نبأ الذين } ، خبر الذين، { من قبلكم ~~قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا ~~يعلمهم إلا الله } ، يعني: من كان بعد قوم نوح وعاد ~~وثمود. # وروي عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية ثم قال: كذب ~~النسابون. # وعن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: بين إبراهيم وبين عدنان ~~ثلاثون قرنا لا يعلمهم إلا الله تعالى. # وكان مالك بن أنس يكره أن ينسب الإنسان نفسه أبا إلى آدم، وكذلك في ~~حق النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لا يعلم أولئك الآباء أحد إلا الله ~~عز وجل. # { جآءتهم رسلهم بالبينت } بالدلالات الواضحات، { ~~فردوا أيديهم فى أفواههم } ، قال ابن مسعود: عضوا ~~على أيديهم غيظا كما قال: # عضوا عليكم الأنامل من الغيظ # [آل عمران: 119]. # قال ابن عباس: لما سمعوا كتاب الله عجبوا ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم. # قال مجاهد وقتادة: كذبوا الرسل وردوا ما جاؤوا به، يقال: رددت قول فلان ~~في فيه أي كذبته. # وقال الكلبي: يعني أن الأمم ردوا أيديهم في أفواه أنفسهم، أي: وضعوا ~~الأيدي على الأفواه إشارة إلى الرسل أن اسكتوا. # وقال مقاتل: فردوا أيديهم على أفواه الرسل يسكتونهم بذلك. # وقيل: الأيدي بمعنى النعم. معناه: ردوا ما لو قبلوا كانت أيادي ونعما ~~في أفواههم، أي: بأفواههم يعني بألسنتهم. # { وقالوا } يعني الأمم للرسل، { إنا كفرنا بمآ ~~أرسلتم به وإنا لفى شك مما تدعوننآ إليه ~~مريب } ، موجب للريبة موقع للتهمة. ### || [14.10] # { قالت رسلهم أفى الله شك } ، هذا استفهام بمعنى نفي ما ~~اعتقدوه، { فاطر السموت والأرض } ، خالقهما، { ~~يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم } ، أي: ذنوبكم و " من " ~~صلة، { ويؤخركم إلى أجل مسمى } ، إلى حين استيفاء ~~آجالكم فلا يعاجلكم بالعذاب. # { قالوا } ، للرسل، { إن أنتم إلا بشر مثلنا } ، في ~~الصورة، ولستم ملائكة وإنما، { تريدون } ، بقولكم، { أن ms1219 تصدونا ~~عما كان يعبد ءابآؤنا فأتونا بسلطن مبين } ، ~~حجة بينة على صحة دعواكم. ### || [14.11-14] # { قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ~~ولكن الله يمن على من يشآء من عباده } ، ~~بالنبوة والحكمة، { وما كان لنآ أن نأتيكم بسلطن ~~إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون ~~}. # { وما لنآ ألا نتوكل على الله } وقد عرفنا أن لا ~~ننال شيئا إلا بقضائه وقدره، { وقد هدانا سبلنا } ، بين ~~لنا الرشد، وبصرنا طريق النجاة. { ولنصبرن } ، اللام لام ~~القسم، مجازه، والله لنصبرن، { على مآ ءاذيتمونا وعلى ~~الله فليتوكل المتوكلون }. # { وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من ~~أرضنآ أو لتعودن فى ملتنا } ، يعنون: إلا أن ~~ترجعوا، أو حتى ترجعوا إلى ديننا. # { فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظلمين ~~ولنسكننكم الأرض من بعدهم } أي: من بعد هلاكهم. # { ذلك لمن خاف مقامى } أي: قيامه بين يدي كما قال: # ولمن خاف مقام ربه جنتان # [الرحمن: 46]، فأضاف قيام العبد إلى نفسه، كما تقول: ندمت على ضربك ~~أي على ضربي إياك، { وخاف وعيد } أي عقابي. ### || [14.15-16] # قوله: { واستفتحوا } أي: استنصروا. قال ابن عباس ومقاتل: يعني ~~الأمم، وذلك أنهم قالوا: اللهم إن كان هؤلاء الرسل صادقين فعذبنا، ~~نظيره قوله تعالى: # وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من ~~عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء # [الأنفال: 32]. # وقال مجاهد وقتادة: واستفتحوا يعني الرسل وذلك أنهم لما يئسوا من إيمان ~~قومهم استنصروا الله ودعوا على قومهم بالعذاب، كما قال نوح عليه السلام: # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا # [نوح: 26] وقال موسى عليه السلام: # ربنا اطمس على أمولهم واشدد على قلوبهم # [يونس: 88]. # { وخاب } ، وخسر. وقيل: هلك، { كل جبار عنيد } والجبار: ~~الذي لا يرى فوقه أحدا. والجبرية: طلب العلو بما لا غاية وراءه. وهذا ~~الوصف لا يكون إلا لله عز وجل. # وقيل: الجبار: الذي يجبر الخلق على مراده، والعنيد: المعاند للحق ~~ومجانبه. قاله مجاهد. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما : هو المعرض عن الحق. # وقال مقاتل: هو المتكبر. # وقال قتادة: " العنيد ": الذي أبى أن يقول لا إله إلا ms1220 الله. # { من ورآئه جهنم } أي: أمامه، كقوله تعالى: # وكان ورآءهم ملك # [الكهف: 79] أي: أمامهم. # قال أبو عبيدة: هو من الأضداد. # وقال الأخفش: هو كما يقال هذا الأمر من ورائك يريد أنه سيأتيك، وأنا من ~~وراء فلان يعني أصل إليه. # وقال مقاتل: " من ورائه جهنم " أي: بعده. # { ويسقى من مآء صديد } أي: من ماء هو صديد، وهو ما يسيل ~~من أبدان الكفار من القيح والدم. # وقال محمد بن كعب: ما يسيل من فروج الزناة، يسقاه الكافر. ### || [14.17] # { يتجرعه }: أي: يتحساه ويشربه، لا بمرة واحدة، بل جرعة ~~جرعة، لمرارته وحرارته، { ولا يكاد يسيغه } ، و " يكاد ": ~~صلة، أي: لا يسيغه، كقوله تعالى: # لم يكد يراها # [النور: 40] أي: لم يرها. # قال ابن عباس رضي الله عنهما : لا يجيزه. # وقيل: معناه يكاد لا يسيغه، ويسيغه فيغلي في جوفه. # أخبرنا محمد بن عبدالله بن أبي توبة، أخبرنا محمد بن أحمد بن الحارث، ~~أنبأنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبدالله بن محمود، أخبرنا إبراهيم ~~بن عبدالله الخلال، حدثنا عبدالله بن المبارك، عن صفوان بن عمرو، عن عبيد ~~الله بن بسر، عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في قوله: { ويسقى من مآء صديد يتجرعه } ، قال: # " يقرب إلى فيه فيتكرهه، فإذا أدني منه شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه، ~~فإذا شربه قطع أمعاءه، حتى يخرج من دبره " # ، يقول الله عز وجل: # وسقوا مآء حميما فقطع أمعآءهم # [محمد:15]، ويقول: # وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل يشوي الوجوه # [الكهف: 29]. # وقوله عز وجل: { ويأتيه الموت من كل مكان } ، يعني: ~~يجد هم الموت وألمه من كل مكان من أعضائه. # قال إبراهيم التيمي: حتى من تحت كل شعرة من جسده. # وقيل: يأتيه الموت من قدامه ومن خلفه، ومن فوقه ومن تحته، وعن يمينه وعن ~~شماله. # { وما هو بميت } ، فيستريح، قال ابن جريج: تعلق نفسه عند ~~حنجرته فلا تخرج من فيه فيموت، ولا ترجع إلى مكانها من جوفه فتنفعه ~~الحياة. نظيرها # ثم لا يموت فيها ولا يحيا # [الأعلى:13]. # { ومن ورآئه } ، أمامه، ms1221 { عذاب غليظ } ، شديد، وقيل: ~~العذاب الغليظ الخلود في النار. ### || [14.18] # { مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم } يعني: مثل ~~أعمال الذين كفروا بربهم كقوله تعالى: # ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله ~~وجوههم مسودة # [الزمر: 60] أي: ترى وجوه الذين كذبوا على الله مسودة، { كرماد ~~اشتدت به الريح فى يوم عاصف } ، وصف اليوم بالعصوف، ~~والعصوف من صفة الريح لأن الريح تكون فيها، كما يقال: يوم حار ويوم ~~بارد، لأن الحر والبرد فيه. # وقيل: معناه: في يوم عاصف الريح، فحذف الريح لأنها قد ذكرت من قبل. وهذا ~~مثل ضربه الله لأعمال الكفار، يريد: أنهم لا ينتفعون بأعمالهم التي ~~عملوها في الدنيا لأنهم أشركوا فيها غير الله كالرماد الذي ذرته ~~الريح لا ينتفع به، فذلك قوله تعالى: # { لا يقدرون } ، يعني: الكفار { مما كسبوا } ، في الدنيا، ~~{ على شىء } ، في الآخرة، { ذلك هو الضلال البعيد }. ### || [14.19-21] # { ألم تر أن الله خلق السموت والأرض } ، قرأ ~~حمزة والكسائي " خالق السموات والأرض " وفي سورة النور " خالق كل دابة " ~~مضافا. # وقرأ الآخرون { خلق } على الماضي { والأرض } وكل بالنصب. # { بالحق } أي: لم يخلقهما باطلا وإنما خلقهم لأمر عظيم، { إن ~~يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد } ، سواكم أطوع لله ~~منكم. # { وما ذلك على الله بعزيز } ، منيع شديد، يعني أن ~~الأشياء تسهل في القدرة، لا يصعب على الله شيء وإن جل وعظم. # قوله عز وجل: { وبرزوا لله جميعا } أي: خرجوا من قبورهم ~~إلى الله وظهروا جميعا { فقال الضعفاء } ، يعني: الأتباع، { ~~للذين استكبروا } ، أي: تكبروا على الناس وهم القادة ~~والرؤساء، { إنا كنا لكم تبعا } جمع تابع، مثل: حرس وحارس، ~~{ فهل أنتم مغنون } ، دافعون، { عنا من عذاب الله ~~من شىء }. # { قالوا } ، يعني القادة المتبوعين: { لو هدانا الله ~~لهديناكم } ، أي: لو هدانا الله لدعوناكم إلى الهدى، فلما ~~أضلنا دعوناكم إلى الضلالة، { سوآء علينآ أجزعنآ أم ~~صبرنا ما لنا من محيص } ، مهرب ولا منجاة. # قال مقاتل: يقولون في النار تعالوا نجزع، فيجزعون خمسمائة عام، فلا ~~ينفعهم الجزع، ثم يقولون: تعالوا نصبر، فيصبرون خمسمائة عام فلا ينفعهم، ~~فحينئذ يقولون: { سوآء ms1222 علينآ أجزعنآ أم صبرنا ما ~~لنا من محيص }. # قال محمد بن كعب القرظبي: بلغني أن أهل النار استغاثوا بالخزنة. فقال ~~الله تعالى: # وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ~~ربكم يخفف عنا يوما من العذاب # [غافر: 49]، فردت الخزنة عليهم: { أولم تك تأتيكم رسلكم ~~بالبينات قالوا بلى } فردت الخزنة عليهم: # فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال # [غافر:50] فلما يئسوا مما عند الخزنة نادوا # يمالك ليقض علينا ربك # [الزخرف:77] سألوا الموت، فلا يجيبهم ثمانين سنة والسنة ستون وثلاثمائة ~~يوما، واليوم كألف سنة مما تعدون، ثم لحظ إليهم بعد الثمانين إنكم ~~ماكثون، فلما يئسوا مما قبله قال بعضهم لبعض: إنه قد نزل بكم من البلاء ~~ما ترون فهلموا فلنصبر، فلعل الصبر ينفعنا كما صبر أهل الدنيا على طاعة ~~الله فنفعهم، فأجمعوا على الصبر، فطال صبرهم ثم جزعوا فنادوا: { سوآء ~~علينآ أجزعنآ أم صبرنا ما لنا من محيص } ، أي: من ~~منجا. # قال: فقام إبليس عند ذلك فخطبهم. فقال: { إن الله وعدكم ~~وعد الحق } الآية، فلما سمعوا مقالته مقتوا أنفسهم فنودوا: # لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ ~~تدعون إلى الإيمان فتكفرون # [غافر: 10] قال فنادوا الثانية: # فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون # فرد عليهم: # ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها # [السجدة:12،13] فنادوا الثالثة: # ربنآ أخرنآ إلى أجل قريب نجب دعوتك ~~ونتبع الرسل # [إبراهيم: 44]، فرد عليهم: # أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال # الآيات [إبراهيم: 44]، ثم نادوا الرابعة: { ربنآ أخرجنا ~~نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل } فرد عليهم: # أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ~~وجآءكم النذير # الآية [فاطر:37] قال: فمكث عليهم ما شاء الله، ثم ناداهم: # ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها ~~تكذبون # فلما سمعوا ذلك قالوا: الآن يرحمنا، فقالوا عند ذلك: # ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضآلين ~~ربنآ أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظلمون # قال عند ذلك: # اخسئوا فيها ولا تكلمون # [المؤمنون: [105 - 108] فانقطع عند ذلك الرجاء والدعاء عنهم، فأقبل ~~بعضهم على بعض ينبح بعضهم في وجوه بعض، وأطبقت عليهم ms1223 النار. ### || [14.22] # قوله تعالى: { وقال الشيطن } ، يعني: إبليس، { لما قضى ~~الأمر } ، أي: فرغ منه فأدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. # قال مقاتل: يوضع له منبر في النار، فيرقاه فيجتمع عليه الكفار بللائمة ~~فيقول لهم: # { إن الله وعدكم وعد الحق } ، فوفى لكم به، { ~~ووعدتكم فأخلفتكم } ، وقيل: يقول لهم: قلت لكم لا بعث ~~ولا جنة ولا نار. { وما كان لى عليكم من سلطن } ، ~~ولاية. وقيل: لم آتكم بحجة فيما دعوتكم إليه، { إلا أن دعوتكم ~~} ، هذا استثناء منقطع معناه: لكن { دعوتكم فاستجبتم لى ~~فلا تلومونى ولوموا أنفسكم } ، بإجابتي ومتابعتي من غير ~~سلطان ولا برهان، { مآ أنا بمصرخكم } ، بمغيثكم، { ومآ ~~أنتم بمصرخى } ، بمغيثي. # قرأ الأعمش وحمزة { بمصرخي } بكسر الياء، والآخرون بالنصب لأجل التضعيف، ~~ومن كسر فلالتقاء الساكنين، حركت إلى الكسر، لأن الياء أخت الكسرة، ~~وأهل النحو لم يرضوه، وقيل: إنه لغة بني يربوع. والأصل { بمصرخيني } ~~فذهبت النون لأجل الإضافة، وأدغمت ياء الجماعة في ياء الإضافة. # { إنى كفرت بمآ أشركتمون من قبل } أي: كفرت بجعلكم ~~إياي شريكا في عبادته وتبرأت من ذلك. # { إن الظلمين } ، الكافرين، { لهم عذاب أليم }. # أخبرنا محمد بن عبدالله بن أبي توبة، أنبأنا محمد بن أحمد الحارث، ~~أنبأنا محمد بن يعقوب الكسائي، أنبأنا عبدالله بن محمود، حدثنا إبراهيم ~~بن عبدالله الخلال، حدثنا عبدالله بن المبارك، عن رشدين بن سعد، أخبرني ~~عبدالرحمن بن زيادة، عن دخين الحجري، عن عقبة بن عامر رضي الله عنه ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة ذكر الحديث ثم قال: # " يقول عيسى عليه السلام ذلكم النبي الأمي فيأتوني فيأذن الله لي أن ~~أقوم فيثور من مجلسي من أطيب ريح شمها أحد، حتى آتي ربي عز وجل ~~فيشفعني ويجعل لي نورا من شعر رأسي إلى ظفر قدمي، ثم يقول الكفار: قد ~~وجد المؤمنون من يشفع لهم فمن يشفع لنا؟ فيقولون: ما هو غير إبليس، هو ~~الذي أضلنا، فيأتونه فيقولون له: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فقم أنت ~~فاشفع لنا، فإنك أنت أضللتنا. فيقوم فيثور ms1224 من مجلسه أنتن ريح شمها أحد، ~~ثم تعظم جهنم ويقول عند ذلك: { إن الله وعدكم وعد الحق ~~} " # ، الآية. ### || [14.23-24] # قوله تعالى: { وأدخل الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحات جنت تجرى من تحتها الأنهر ~~خلدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلم } ~~، يسلم بعضهم على بعض، وتسلم الملائكة عليهم. # وقيل: المحيي بالسلام هو الله عز وجل. # وقوله تعالى: { ألم تر كيف ضرب الله مثلا } ، ألم ~~تعلم، والمثل: قول سائر لتشبيه شيء بشيء. { كلمة طيبة } ، ~~هي قول: لا إله إلا الله، { كشجرة طيبة } ، وهي النخلة يريد ~~كشجرة طيبة الثمر. # وقال ظبيان عن ابن عباس: هي شجرة في الجنة. # { أصلها ثابت } ، في الأرض، { وفرعها } ، أعلاها، { فى ~~السمآء } ، كذلك أصل هذه الكلمة: راسخ في قلب المؤمن بالمعرفة ~~والتصديق، فإذا تكلم بها عرجت، فلا تحجب حتى تنتهي إلى الله عز وجل. ~~قال الله تعالى: # إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصلح ~~يرفعه # [فاطر: 10]. ### || [14.25] # { تؤتى أكلها } ، تعطي ثمرها، { كل حين بإذن ربها ~~} والحين في اللغة هو الوقت. # وقد اختلفوا في معناه هاهنا فقال مجاهد وعكرمة: الحين هاهنا: سنة ~~كاملة، لأن النخلة تثمر كل سنة. # وقال سعيد بن جبير وقتادة والحسن: ستة أشهر من وقت إطلاعها إلى صرامها. ~~وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما. # وقيل: أربعة أشهر من حين ظهورها إلى إدراكها. # وقال سعيد بن المسيب: شهران من حين تؤكل إلى حين الصرام. # وقال الربيع بن أنس: " كل حين ": أي: كل غدوة وعشية، لأن ثمر النخل يؤكل ~~أبدا ليلا ونهارا، وصيفا وشتاء، إما تمرا أو رطبا أو بسرا، ~~كذلك عمل المؤمن يصعد أول النهار وآخره وبركة إيمانه لا تنقطع ~~أبدا، بل تصل إليه في كل وقت. # والحكمة في تمثيل الإيمان بالشجرة: لا تكون شجرة إلا بثلاثة أشياء: ~~عرق راسخ، وأصل قائم، وفرع عال، كذلك الإيمان لا يتم إلا بثلاثة أشياء: ~~تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأبدان. # أخبرنا أبو عبدالله محمد بن الفضل الخرقي، أنبأنا أبو الحسن علي بن ~~عبدالله الطيسفوني، أنبأنا عبدالله بن عمر الجوهري، أخبرنا أحمد بن ms1225 علي ~~الكشميهني، حدثنا علي بن حجر، حدثنا إسماعيل بن جعفر، حدثنا عبدالله بن ~~دينار أنه سمع ابن عمر رضي الله عنهما يقول: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم فحدثوني ما ~~هي؟ قال عبدالله: فوقع الناس في شجر البوادي، ووقع في نفسي أنها النخلة ~~فاستحييت، ثم قالوا: حدثنا ما هي يارسول الله؟ قال: هي النخلة. قال ~~عبدالله: فذكرت ذلك لعمر، فقال: لأن تكون قلت هي النخلة كان أحب إلي ~~من كذا وكذا ". # وقيل الحكمة في تشبيهها بالنخلة من بين سائر الأشجار: أن النخلة أشبه ~~الأشجار بالإنسان من حيث أنها إذا قطع رأسها يبست، وسائر الأشجار تتشعب ~~من جوانبها بعد قطع رؤوسها ولأنها تشبه الإنسان في أنها لا تحمل إلا ~~بالتلقيح ولأنها خلقت من فضل طينة آدم عليه السلام، ولذلك قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " " أكرموا عمتكم " قيل: ومن عمتنا؟ قال: " النخلة " # { ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ~~}. ### || [14.26] # { ومثل كلمة خبيثة }. وهي الشرك، { كشجرة خبيثة } ، ~~وهي الحنظل. # وقيل: هي الثوم. # وقيل: هي الكشوث، وهي العشقة، { اجتثت } ، يعني انقلعت، { من ~~فوق الأرض ما لها من قرار } ، ثبات. # معناه: وليس لها أصل ثابت في الأرض، ولا فرع صاعد إلى السماء، كذلك ~~الكافر لا خير فيه ولا يصعد له قول طيب ولا عمل صالح. ### || [14.27] # قوله تعالى: { يثبت الله الذين ءامنوا بالقول ~~الثابت } ، كلمة التوحيد، وهي قول: لا إله إلا الله { فى ~~الحيوة الدنيا } يعني قبل الموت، { وفى الأخرة } ، يعني ~~في القبر. هذا قول أكثر أهل التفسير. # وقيل: { فى الحيوة الدنيا } عند السؤال في القبر، { وفى ~~الأخرة } عند البعث. # والأول أصح. # أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبدالله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو الوليد، حدثنا ~~شعبة، أخبرني علقمة بن مرثد قال: سمعت سعد بن عبيدة، عن البراء بن عازب ~~رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " المسلم إذا سئل في ms1226 القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله، فذلك قوله تعالى: { يثبت الله الذين ءامنوا ~~بالقول الثابت فى الحيوة الدنيا وفى الأخرة } ~~". # وأخبرنا إسماعيل بن عبدالقاهر، أنبأنا عبدالغافر بن محمد، أنبأنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، أنبأنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، أنبأنا مسلم بن ~~الحجاج، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة بهذا ~~الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " { يثبت الله الذين ءامنوا بالقول الثابت } ~~قال: نزلت في عذاب القبر يقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، ونبيي محمد، ~~فذلك قوله تعالى: { يثبت الله الذين ءامنوا بالقول ~~الثابت } " # الآية. # وأخبرنا عبدالواحد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد ابن إسماعيل، حدثنا عياش بن الوليد، حدثنا ~~عبدالأعلى، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه حدثهم ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع ~~نعالهم، أتاه ملكان، فيقعدانه، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل، ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم؟ فأما المؤمن، فيقول: أشهد أنه عبدالله ورسوله. ~~فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة، ~~فيراهما جميعا " # قال قتادة: وذكر لنا أنه يفسح له في قبره، ثم رجع إلى حديث أنس قال: # " وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: ~~لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس، فيقال له: لا دريت ولا تليت، ~~ويضرب بمطارق من حديد ضربة، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير ~~الثقلين ". # أخبرنا أبو الفرج المظفر بن إسماعيل التميمي، حدثنا أبو القاسم حمزة بن ~~يوسف السهمي، أنبأنا أبو أحمد عبدالله بن عدي الحافظ، حدثنا عبدالله بن ~~سعيد، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا عنبسة بن سعيد بن كثير، حدثني جدي عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الميت يسمع حس النعال إذا ولى ms1227 عنه الناس مدبرين، ثم ~~يجلس ويوضع كفنه في عنقه ثم يسأل ". # وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا قبر الميت أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر، ~~وللآخر النكير، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: هو عبدالله ~~ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبد الله ورسوله، فيقولان ~~له: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا في ~~سبعين، ثم ينور له فيه، ثم يقال: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا ~~أحب أهله إليه، حتى يبعثه الله تعالى، وإن كان منافقا أو كافرا قال: ~~سمعت الناس يقولون قولا فقلت مثله، لا أدري، فيقولان: قد كنا نعلم أنك ~~تقول ذلك فيقال للأرض التئمي عليه فتلتئم عليه، فتختلف أضلاعه، فلا يزال ~~فيها معذبا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك ". # وروي عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ذكر قبض روح المؤمن وقال: " فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه ~~في قبره فيقولان له من ربك وما دينك ومن نبيك؟ [فيقول: ربي الله وديني ~~الإسلام ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم فينتهرانه ويقولان له الثانية: ~~من ربك وما دينك ومن نبيك] وهي أخر فتنة تعرض على المؤمن فيثبته الله عز ~~وجل، فيقول: ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم، ~~فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي، قال: فذلك قوله تعالى: { ~~يثبت الله الذين ءامنوا بالقول الثابت فى ~~الحيوة الدنيا وفى الأخرة } ". # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أنبأنا أبو العباس ~~عبدالله بن محمد بن هارون الطيسفوني، أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد ~~الترابي، أنبأنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عمر بن بسطام، أنبأنا أبو الحسن ~~أحمد بن سيار القرشي، حدثنا إبراهيم بن موسى الفراء أبو إسحاق حدثنا هشام ~~ابن يوسف حدثنا عبدالله بن يحيى عن هانىء مولى عثمان قال: # " كان النبي صلى ms1228 الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الرجل وقف عليه وقال: " ~~استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل ". # وقال عمرو بن العاص في سياق الموت وهو يبكي: فإذا أنا مت فلا تصحبني ~~نائحة ولا نار، فإذا دفنتموني فسنوا علي التراب سنا ثم أقيموا حول ~~قبري قدر ما ينحر جزور ويقسم لحمه حتى أستأنس بكم وأنظر ماذا أراجع به ~~رسل ربي. # قوله تعالى: { ويضل الله الظلمين } أي: لا يهدي الله ~~المشركين إلى الجواب بالصواب في القبر { ويفعل الله ما يشآء ~~} ، من التوفيق والخذلان والتثبيت وترك التثبيت. ### || [14.28-30] # قوله عز وجل: { ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت ~~الله كفرا } الآية. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد ابن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، ~~حدثنا عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله تعالى { الذين بدلوا ~~نعمت الله كفرا } ، قال: هم والله كفار قريش. # وقال عمرو: هم قريش، ومحمد صلى الله عليه وسلم نعمة الله. # { وأحلوا قومهم دار البوار } ، قال: البوار يوم بدر، ~~قوله: { بدلوا نعمت الله } أي: غيروا نعمة الله عليهم في ~~محمد صلى الله عليه وسلم حيث ابتعثه الله تعالى منهم كفرا كفروا به ~~فأحلوا، أي: أنزلوا، قومهم ومن تابعهم على كفرهم دار البوار الهلاك، ثم ~~بين البوار فقال: # { جهنم يصلونها وبئس القرار } ، يدخلونها { وبئس ~~القرار } ، المستقر. # وعن علي كرم الله وجهه: الذين بدلوا نعمة الله كفرا، هم كفار قريش ~~نحروا يوم بدر. # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هم الأفجران من قريش: بنو المغيرة، ~~وبنو أمية، أما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا إلى ~~حين. # { وجعلوا لله أندادا } ، أمثالا، وليس لله تعالى ند، { ~~ليضلوا } ، قرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء، وكذلك في الحج ~~وسورة لقمان والزمر: { ليضل } وقرأ الآخرون بضم الياء على معنى ليضلوا ~~الناس، { عن سبيله قل تمتعوا } ، عيشوا في الدنيا، { ~~فإن مصيركم إلى النار }. ### || [14.31-34] # { قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة } ، قال ~~الفراء: ms1229 هذا جزم على الجزاء، { وينفقوا مما رزقناهم ~~سرا وعلانية من قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه ~~ولا خلل } ، مخاللة وصداقة. قرأ ابن كثير، وابن عمرو، ويعقوب: " ~~لا بيع فيه ولا خلال " بالنصب فيهما على النفي العام. وقرأ الباقون: " ~~لا بيع ولا خلال " بالرفع والتنوين. # { الله الذى خلق السموت والأرض وأنزل من ~~السمآء مآء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم ~~وسخر لكم الفلك لتجرى فى البحر بأمره } ، { ~~وسخر لكم الأنهار } ، ذللها لكم، تجرونها حيث شئتم. # { وسخر لكم الشمس والقمر دآئبين } ، يجريان فيما ~~يعود إلى مصالح العباد ولا يفتران، قال ابن عباس دؤوبهما في طاعة ~~الله عز وجل. # { وسخر لكم الليل والنهار } ، يتعاقبان في الضياء ~~والظلمة والنقصان والزيادة. # { وءاتاكم من كل ما سألتموه } ، يعني: وآتاكم من كل شيء ~~سألتموه شيئا، فحذف الشيء الثاني اكتفاء بدلالة الكلام، على التبعيض. # وقيل: هو على التكثير نحو قولك: فلان يعلم كل شيء، وآتاه كل ~~الناس، وأنت تعني بعضهم، نظيره قوله تعالى: # فتحنا عليهم أبواب كل شىء # [الأنعام: 44]. # وقرأ الحسن { من كل } ، بالتنوين { ما } على النفي يعني من كل ما لم ~~تسألوه، يعني: أعطاكم أشياء ما طلبتموها ولا سألتموها. # { وإن تعدوا نعمة الله } ، أي: نعم الله، { لا ~~تحصوهآ } ، أي: لا تطيقوا عدها ولا القيام بشكرها. # { إن الإنسان لظلوم كفار } ، أي: ظالم لنفسه بالمعصية، ~~كافر بربه عز وجل في نعمته. وقيل: الظلوم، الذي يشكر غير من أنعم ~~عليه، والكافر: من يجحد منعمه. ### || [14.35-36] # قوله عز وجل: { وإذ قال إبرهيم رب اجعل هذا ~~البلد } ، يعني: الحرم، { ءامنا } ذا أمن يؤمن فيه، { ~~واجنبنى } ، أبعدني، { وبنى أن نعبد الأصنام } ، ~~يقال: جنبته الشيء، وأجنبته جنبا، وجنبته تجنيبا ~~واجتنبته اجتنابا بمعنى واحد. # فإن قيل: قد كان إبراهيم عليه السلام معصوما من عبادة الأصنام، فكيف ~~يستقيم السؤال؟ وقد عبد كثير من بنيه الأصنام فأين الإجابة؟ # قيل: الدعاء في حق إبراهيم عليه السلام لزيادة العصمة والتثبيت، وأما ~~دعاؤه لبنيه: فأراد بنيه من صلبه، ولم يعبد منهم أحد الصنم. # وقيل: إن دعاءه لمن كان مؤمنا ms1230 من بنيه. # { رب إنهن أضللن كثيرا من الناس } ، يعني: ضل ~~بهن كثيرا من الناس عن طريق الهدى حتى عبدوهن، وهذا من المقلوب نظيره ~~قوله تعالى: # إنما ذلكم الشيطن يخوف أولياءه # [آل عمران: 175]، أي: يخوفهم بأوليائه. # وقيل: نسب الإضلال إلى الأصنام لأنهن سبب فيه، كما يقول القائل: ~~فتنتني الدنيا، نسب الفتنة إلى الدنيا لأنها سبب الفتنة. # { فمن تبعنى فإنه منى } ، أي: من أهل ديني، { ومن ~~عصانى فإنك غفور رحيم } ، قال السدي: معناه: ومن عصاني ثم ~~تاب. # وقال مقاتل بن حيان: ومن عصاني فيما دون الشرك. # وقيل: قال ذلك قبل أن يعلمه الله أنه لا يغفر الشرك. ### || [14.37] # قوله عز وجل: { ربنآ إني أسكنت من ذريتي } ، أدخل ~~" من " للتبعيض، ومجاز الآية: أسكنت من ذريتي ولدا، { بواد غير ~~ذى زرع } ، وهو مكة؛ لأن مكة واد بين جبلين، { عند بيتك ~~المحرم } ، سماه محرما لأنه يحرم عنده مالا يحرم عند غيره. # أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبدالله بن محمد، ~~حدثنا عبدالرزاق، أنبأنا معمر، عن أيوب السختياني وكثير بن أبي كثير بن ~~المطلب بن أبي وداعة - يزيد أحدهما على الآخر عن سعيد بن جبير قال: قال ~~ابن عباس: أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل، ~~اتخذت منطقا لتعفي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم عليه ~~السلام، وبابنها إسماعيل، وهي ترضعه، حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق ~~زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء، فوضعهما هنالك، ~~ووضع عندهما جرابا فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ثم قفل إبراهيم منطلقا، ~~فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ~~ليس فيه أنس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارا، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت ~~له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا ثم رجعت، فانطلق ~~إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت، ~~ثم دعا بهؤلاء الدعوات فرفع يديه، ms1231 فقال: { ربنآ إني أسكنت ~~من ذريتي بواد غير ذي زرع } ، حتى بلغ { يشكرون }. # وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في ~~السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلبط أو قال يتلوى، ~~وانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، ~~فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا، فلم تر أحدا، فهبطت من ~~الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان ~~المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى ~~أحدا. فلم تر أحدا، ففعلت ذلك سبع مرات. # قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " فلذلك سعى الناس بينهما " # فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت: صه - تريد نفسها - ثم تسمعت ~~فسمعته أيضا فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك ~~عند موضع زمزم، فبحث بعقبه - أو قال بجناحه - حتى ظهر الماء فجعلت ~~تخوضه وتقول بيدها هكذا، أو جعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور ~~بعدما تغرف. # قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " يرحم الله أم إسماعل لو تركت زمزم " # أو قال: # " لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينا معينا " # قال: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافوا الضيعة فإن ~~هاهنا بيت الله، يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله. # وكان موضع البيت مرتفعا من الأرض كالرابية، تأتيه السيول فتأخذ عن ~~يمينه وشماله فكانت كذلك، حتى مرت بهم رفقة من جرهم - أو أهل بيت ~~من جرهم - مقبلين من طريق كداء، فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرا ~~عائفا، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، ولعهدنا بهذا الوادي ~~وما فيه ماء، فأرسلوا جريا أو جريين فإذا هم بالماء، فرجعوا ~~فأخبروهم بالماء، فأقبلوا وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ~~ننزل عندك؟ فقالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء، قالوا نعم. # قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ms1232 فألفى ذلك أم إسماعيل ~~وهي تحب الأنس، فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها ~~أهل أبيات منهم وشب الغلام وتعلم العربية منهم، وأنفسهم وأعجبهم ~~حين شب، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم. وماتت أم إسماعيل، فجاء ~~إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته... ذكرنا تلك القصة في سورة ~~البقرة. # قوله تعالى: { ربنا ليقيموا الصلوة فاجعل أفئدة ~~من الناس } ، الأفئدة: جمع الفؤاد { تهوى إليهم } ، تشتاق ~~وتحن إليهم. # قال السدي: ومعناه أمل قلوبهم إلى هذا الموضع. # قال مجاهد: لو قال افئدة الناس لزاحمتكم فارس والروم والترك والهند. # وقال سعيد بن جبير: لحجت اليهود والنصارى والمجوس، ولكنه قال " أفئدة ~~من الناس " وهم المسلمون. # { وارزقهم من الثمرت } ، ما رزقت سكان القرى ذوات الماء، ~~{ لعلهم يشكرون }. ### || [14.38-39] # { ربنآ إنك تعلم ما نخفى وما نعلن } ، من أمورنا. ~~وقال ابن عباس ومقاتل: من الوجد بإسماعيل وأمه حيث أسكنتهما بواد غير ذي ~~زرع. { وما يخفى على الله من شىء فى الأرض ولا فى ~~السمآء } ، قيل: هذا صلة قول إبراهيم. # وقال الأكثرون: يقول الله عز وجل: { وما يخفى على الله من ~~شىء فى الأرض ولا فى السمآء }. # { الحمد لله الذى وهب لى على الكبر } ، أعطاني، { ~~إسمعيل وإسحق إن ربى لسميع الدعآء } ، قال ~~ابن عباس: ولد إسماعيل لإبراهيم وهو ابن تسع وتسعين سنة، وولد إسحاق ~~وهو ابن مائة واثنتي عشرة سنة. # وقال سعيد بن جبير: بشر إبراهيم بإسحاق وهو ابن مائة وسبع عشرة سنة. ### || [14.40-42] # { رب اجعلنى مقيم الصلوة } ، يعني: ممن يقيم الصلاة ~~بأركانها ويحافظ عليها، { ومن ذريتى } ، يعني: اجعل من ذريتي من ~~يقيمون الصلاة. # { ربنا وتقبل دعآء } ، أي: عملي وعبادتي، سمى العبادة ~~دعاء، وجاء في الحديث: # " الدعاء مخ العبادة " # وقيل: معناه: استجب دعائي. # { ربنا اغفر لى ولوالدى } ، فإن قيل: كيف استغفر لوالديه ~~وهما غير مؤمنين؟ قيل قد قيل إن أمه أسلمت. # وقيل: أراد: إن أسلما وتابا. # وقيل: قال ذلك قبل أن يتبين له أمر أبيه، وقد بين الله عذر خليله صلى ~~الله عليه وسلم في استغفاره لأبيه في ms1233 سورة التوبة. # { وللمؤمنين } ، أي: اغفر للمؤمنين كلهم، { يوم يقوم ~~الحساب } ، أي: يبدو ويظهر. وقيل: أراد يوم يقوم الناس للحساب، ~~فاكتفى بذكر الحساب لكونه مفهوما. # قوله عز وجل: { ولا تحسبن الله غفلا عما يعمل ~~الظلمون } ، الغفلة معنى يمنع الإنسان من الوقوف على حقيقة ~~الأمور، والآية لتسلية المظلوم وتهديد للظالم. # { إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصر } ، أي ~~لا تغمض من هول ما ترى في ذلك اليوم، وقيل: ترتفع وتزول عن أماكنها. ### || [14.43-44] # { مهطعين } ، قال قتادة: مسرعين. # قال سعيد بن جبير: الاهطاع النسلان كعدو الذئب. # قال مجاهد: مديمي النظر. # ومعنى " الإهطاع ": أنهم لا يلتفتون يمينا ولا شمالا، ولا يعرفون ~~مواطن أقدامهم. # { مقنعى رءوسهم } ، أي: رافعي رؤوسهم. # قال القتيبي: المقنع: الذي يرفع رأسه ويقبل ببصره على ما بين يديه. # وقال الحسن: وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء، لا ينظر أحد إلى أحد. # { لا يرتد إليهم طرفهم } أي: لا ترجع إليهم أبصارهم من ~~شدة النظر، وهي شاخصة قد شغلهم ما بين أيديهم. # { وأفئدتهم هوآء } ، أي: خالية. قال قتادة: خرجت قلوبهم عن ~~صدورهم، فصارت في حناجرهم، لا تخرج من أفواههم ولا تعود إلى أمكانها، ~~فالأفئدة هواء لا شيء فيها، ومنه سمي ما بين السماء والأرض هواء ~~لخلوه. # وقيل: خالية لا تعي شيئا ولا تعقل من الخوف. # وقال الأخفش: جوفاء لا عقول لها. والعرب تسمي كل أجوف خاو هواء. # وقال سعيد بن جبير: { وأفئدتهم هوآء } أي: مترددة، تمور في ~~أجوافهم، ليس لها مكان تستقر فيه. # وحقيقة المعنى: أن القلوب زائلة عن أماكنها، والأبصار شاخصة من هول ذلك ~~اليوم. # { وأنذر الناس } ، خوفهم، { يوم } ، أي: بيوم، { يأتيهم ~~العذاب } ، وهو يوم القيامة، { فيقول الذين ظلموا } ، ~~أشركوا، { ربنآ أخرنآ } ، أملهنا، { إلى أجل قريب } ، ~~هذا سؤالهم الرد إلى الدنيا، أي: ارجعنا إليها، { نجب دعوتك ~~ونتبع الرسل } ، فيجابون: # { أولم تكونوا أقسمتم من قبل } ، حلفتم في دار ~~الدنيا، { ما لكم من زوال } ، عنها أي: لا تبعثون. وهو قوله ~~تعالى: # وأقسموا بالله جهد أيمنهم لا يبعث الله ~~من يموت # [النحل: 38]. ### || [14.45-46] # { وسكنتم } في الدنيا، { فى ms1234 مسكن الذين ظلموا ~~أنفسهم } ، بالكفر والعصيان، يعني قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم. { ~~وتبين لكم كيف فعلنا بهم } ، أي: عرفتم عقوبتنا ~~إياهم، { وضربنا لكم الأمثال } ، أي: بينا أن مثلكم ~~كمثلهم. # { وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم } ، أي: جزاء ~~مكرهم، { وإن كان مكرهم } ، قرأ علي وابن مسعود: { وإن كان ~~مكرهم } بالدال، وقرأ العامة بالنون. # { لتزول منه الجبال } ، قرأ العامة لتزول بكسر اللام الأولى ~~ونصب الثانية. # معناه: وما كان مكرهم. # قال الحسن: إن كان مكرهم لأضعف من أن تزول منه الجبال. # وقيل: معناه إن مكرهم لا يزيل أمر محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو ثابت ~~كثبوت الجبال. # وقرأ ابن جريج والكسائي: { لتزول } بفتح اللام الأولى ورفع الثانية، ~~معناه: إن مكرهم وإن عظم حتى بلغ محلا يزيل الجبال لم يقدروا على إزالة ~~أمر محمد صلى الله عليه وسلم. # قال قتادة: معناه وإن كان شركهم لتزول منه الجبال وهو قوله تعالى: # وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا # [مريم:90، 91]. # ويحكى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في معنى الآية: أنها نزلت في ~~نمرود الجبار الذي حاج إبراهيم في ربه، وذلك أنه قال: إن كان ما يقول ~~إبراهيم حقا فلا أنتهي حتى أصعد السماء فأعلم ما فيها، فعمد إلى أربعة ~~أفراخ من النسور فرباها حتى شبت واتخذ تابوتا، وجعل له بابا من أعلى ~~وبابا من أسفل، وقعد نمرود مع الرجل في التابوت، ونصب خشبات في أطراف ~~التابوت، وجعل على رؤوسها اللحم وربط، التابوت بأرجل النسور، فطرن ~~وصعدن طمعا في اللحم، حتى مضى يوم وأبعدن في الهواء، فقال نمرود ~~لصاحبه: افتح الباب الأعلى وانظر إلى السماء هل قربناها، ففتح الباب ونظر ~~فقال: إن السماء كهيئتها ثم قال: افتح الباب الأسفل وانظر إلى الأرض كيف ~~تراها؟ ففعل، فقال: أرى الأرض مثل اللجة والجبال مثل الدخان، فطارت ~~النسور يوما آخر، وارتفعت حتى حالت الريح بينها وبين الطيران، فقال ~~لصاحبه: افتح البابين ففتح الأعلى فإذا السماء كهيئتها، وفتح الأسفل فإذا ~~الأرض سوداء مظلمة، فنودي: أيها الطاغية أين ms1235 تريد؟ # قال عكرمة: كان معه في التابوت غلام قد حمل معه القوس والنشاب فرمى ~~بسهم فعاد إليه السهم ملطخا بدم سمكة قذفت نفسها من بحر في الهواء - ~~وقيل: طائر أصابه السهم فقال: كفيت شغل إله السماء. # قال: ثم أمر نمرود صاحبه أن يصوب الخشبات ينكص اللحم، ففعل، فهبطت ~~النسور بالتابوت، فسمعت الجبال حفيف التابوت والنسور، ففزعت وظنت أنه قد ~~حدث حدث من السماء، وأن الساعة قد قامت، فكادت تزول عن أماكنها، فذلك ~~قوله تعالى: { وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال }. ### || [14.47-48] # { فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله } ، بالنصر ~~لأوليائه وهلاك أعدائه، وفيه تقديم وتأخير، تقديره: ولا تحسبن الله مخلف ~~رسله وعده، { إن الله عزيز ذو انتقام }. # قوله عز وجل: { يوم تبدل الأرض غير الأرض ~~والسموت }. # أخبرنا إسماعيل بن عبدالقاهر، أخبرنا عبدالغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن ~~عيسى الجلودي، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن يوسف، حدثنا مسلم بن الحجاج، ~~حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا خالد بن مخلد عن محمد بن جعفر بن أبي ~~كثير، حدثني أبو حازم بن دينار عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:: # " يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ~~ليس فيها علم لأحد " # أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، ~~أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا ~~الليث، عن خالد - هو ابن يزيد - عن سعيد ابن أبي هلال، عن زيد بن أسلم، ~~عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم:: # " تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يتكفؤ ~~أحدكم خبزته في السفر نزلا لأهل الجنة " # وعن ابن مسعود رضي الله عنه في هذه الآية قال: تبدل الأرض بأرض كفضة ~~بيضاء نقية لم يسفك فيها دم ولم تعمل عليها خطيئة. # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: تبدل الأرض من فضة ms1236 والسماء من ذهب. # وقال محمد بن كعب وسعيد بن جبير: تبدل الأرض خبزة بيضاء يأكل المؤمن من ~~تحت قدميه. # وقيل: معنى التبديل جعل السموات جنانا وجعل الأرض نيرانا. # وقيل: تبديل الأرض تغييرها من هيئة إلى هيئة، وهي تسيير جبالها، وطم ~~أنهارها، وتسوية أوديتها وقطع أشجارها، وجعلها قاعا صفصفا، وتبديل ~~السموات: تغييرها عن حالها بتكوير شمسها، وخسوف قمرها وانتثار نجومها، ~~وكونها مرة كالدهان، ومرة كالمهل. # أخبرنا إسماعيل بن عبدالقاهر، أخبرنا عبدالغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن ~~عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن يوسف، حدثنا مسلم بن الحجاج، ~~حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة، حدثنا علي بن مسهر، عن داود - وهو ابن أبي ~~هند - عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة رضي الله عنها قالت: # " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله عز وجل: { يوم ~~تبدل الأرض غير الأرض والسموت } فأين يكون الناس ~~يومئذ يا رسول الله؟ فقال: " على الصراط ". # وروى ثوبان # " أن حبرا من اليهود سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أين يكون ~~الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض؛ قال: " هم في الظلمة دون الجسر ". # قوله تعالى: { وبرزوا } ، خرجوا من قبورهم، { لله الواحد ~~القهار } ، الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. ### || [14.49-52] # { وترى المجرمين يومئذ مقرنين } ، مشدودين بعضهم ~~ببعض، { فى الأصفاد } ، في القيود والأغلال، واحدها صفد، وكل من ~~شددته شدا وثيقا فقد صفدته. # قال أبو عبيدة: صفدت الرجل فهو مصفود، وصفدته بالتشديد فهو ~~مصفد. # وقيل: يقرن كل كافر مع شيطانه في سلسلة، بيانه قوله تعالى: # احشروا الذين ظلموا وأزوجهم # [الصافات: 22]، يعني: قرناءهم من الشياطين. # وقيل: معناه مقرنة أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأصفاد والقيود، ومنه ~~قيل للحبل: قرن. # { سرابيلهم } ، أي: قمصهم، واحدها سربال. { من قطران } هو ~~ما تهنأ به الإبل. # وقرأ عكرمة ويعقوب { من قطرآن } على كلمتين منونتين والقطر: النحاس، ~~والصفر المذاب، والآن: الذي انتهى حره، قال الله تعالى: # يطوفون بينها وبين حميم ءان # [الرحمن: 44]. # { وتغشى وجوههم النار } ، أي: تعلو. # { ليجزى الله كل نفس ما كسبت } ، من خير ms1237 وشر، { ~~إن الله سريع الحساب }. # { هذا } ، أي: هذا القرآن، { بلغ } ، أي: تبليغ وعظة، { ~~للناس ولينذروا } ، وليخوفوا، { به وليعلموا ~~أنما هو إله واحد } ، أي: ليستدلوا بهذه الآيات على ~~وحدانية الله، { وليذكر أولوا الألبب } ، أي: ليتعظ ~~أولوا العقول. ### | [15 - سورة الحجر] ### || [15.1-2] # { الر } قيل معناه أنا الله أرى، { تلك ءايت الكتب } ، ~~أي: هذه آيات الكتاب، { وقرءان } أي: وآيات قرآن، { مبين } ، ~~أي: بين الحلال من الحرام والحق من الباطل. فإن قيل: لم ذكر الكتاب ~~ثم قال { وقرءان مبين } وكلاهما واحد؟ # قلنا: قد قيل كل واحد منهما يفيد فائدة أخرى، فإن الكتاب: ما يكتب، ~~والقرآن: ما يجمع بعضه إلى بعض. # وقيل: المراد بالكتاب: التوراة والإنجيل، وبالقرآن هذا الكتاب. # { ربما } قرأ أبو جعفر ونافع وعاصم بتخفيف الباء والباقون بتشديدها، ~~وهما لغتان، ورب للتقليل وكم للتكثير، ورب تدخل على الاسم، وربما ~~على الفعل، يقال: رب رجل جاءني، وربما جاءني رجل، وأدخل ما هاهنا ~~للفعل بعدها. { يود } ، يتمنى، { الذين كفروا لو كانوا ~~مسلمين }. # واختلفوا في الحال التي يتمنى الكافر فيها الإسلام. # قال الضحاك: حالة المعاينة. # وقيل: يوم القيامة. # والمشهور أنه حين يخرج الله المؤمنين من النار. # وروي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " إذا اجتمع أهل النار في النار، ومعهم من شاء الله من أهل القبلة، قال ~~الكفار لمن في النار من أهل القبلة، ألستم مسلمين؟ قالوا بلى، قالوا: فما ~~أغنى عنكم إسلامكم وأنتم معنا في النار؟ قالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا ~~بها، فيغفر الله تعالى لهم بفضل رحمته، فيأمر بكل من كان من أهل القبلة ~~في النار فيخرجون منها، فحينئذ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين " # فإن قيل: كيف قال " ربما " وهي للتقليل وهذا التمني يكثر من الكفار؟ # قلنا: قد تذكر " ربما " للتكثير، أو أراد: أن شغلهم بالعذاب لا يفرغهم ~~للندامة إنما يخطر ذلك ببالهم أحيانا. ### || [15.3] # { ذرهم } ، يامحمد، يعني: الذين كفروا، { يأكلوا } في الدنيا، ~~{ ويتمتعوا } ، من لذاتها { ويلههم } ، يشغلهم، { الأمل ~~} ، عن الأخذ بحظهم من الإيمان والطاعة، { فسوف ms1238 يعلمون } ، إذا ~~وردوا القيامة وذاقوا وبال ما صنعوا، وهذا تهديد ووعيد. # وقال بعض أهل العلم: " ذرهم " تهديد، وقوله: { فسوف يعلمون } ~~تهديد آخر، فمتى يهنأ العيش بين تهديدين. # والآية نسختها آية القتال. ### || [15.4-9] # { ومآ أهلكنا من قرية } ، أي: من أهل قرية، { إلا ~~ولها كتاب معلوم } ، أي: أجل مضروب لا يتقدم عليه، ولا يأتيهم ~~العذاب حتى يبلغوه، ولا يتأخر عنهم. # { ما تسبق من أمة أجلها } " من " صلة، { وما ~~يستأخرون } ، أي: الموت لا يتقدم ولا يتأخر، وقيل: العذاب ~~المضروب. # { وقالوا } يعني: مشركي مكة، { يأيها الذى نزل ~~عليه الذكر } ، أي: القرآن وأرادوا به محمدا صلى الله عليه ~~وسلم، { إنك لمجنون } ، وذكروا تنزيل الذكر على سبيل الاستهزاء. # { لوما } ، هلا { تأتينا بالملئكة } ، شاهدين لك ~~بالصدق على ما تقول، { إن كنت من الصدقين } ، إنك نبي. # { ما ننزل الملئكة } ، قرأ أهل الكوفة غير أبي بكر بنونين ~~" الملائكة " نصب، وقرأ أبو بكر بالتاء وضمها وفتح الزاي " الملائكة " ~~رفع وقرأ الباقون بالتاء وفتحها وفتح الزاي " الملائكة " رفع. { إلا ~~بالحق } أي: بالعذاب ولو نزلت يعني الملائكة لعجلوا بالعذاب، { وما ~~كانوا إذا منظرين } أي: مؤخرين، وقد كان الكفار يطلبون إنزال ~~الملائكة عيانا فأجابهم الله تعالى بهذا. ومعناه: أنهم لو نزلوا عيانا ~~لزال عن الكفار الإمهال وعذبوا في الحال. # { إنا نحن نزلنا الذكر } ، يعني القرآن، { وإنا له ~~لحفظون } ، أي: نحفظ القرآن من الشياطين أن يزيدوا فيه، أو ينقصوا ~~منه، أو يبدلوا، قال الله تعالى: # لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه # [فصلت: 42] والباطل: هو إبليس، لا يقدر أن يزيد فيه ما ليس منه ولا أن ~~ينقص منه ما هو منه. # وقيل: الهاء في { له } راجعة إلى محمد صلى الله عليه وسلم أي: إنا ~~لمحمد لحافظون ممن أراده بسوء كما قال جل ذكره: # والله يعصمك من الناس # [المائدة: 67]. ### || [15.10-14] # قوله تعالى: { ولقد أرسلنا من قبلك } ، أي: رسلا، { فى ~~شيع الأولين } ، أي: في الأمم والقرون الماضية. # والشيعة: هم القوم المجتمعون المتفقة كلمتهم. # { وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون ~~} ، كما فعلوا بك، ms1239 ذكره تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم. # { كذلك نسلكه } ، أي: كما سلكنا الكفر والتكذيب والاستهزاء ~~بالرسل في قلوب شيع الأولين، كذلك نسلكه: ندخله، { فى قلوب ~~المجرمين } ، يعني: مشركي مكة قومك. وفيه رد على القدرية. # { لا يؤمنون به } ، يعني: لا يؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~وبالقرآن، { وقد خلت } ، مضت، { سنة الأولين } ، أي: ~~وقائع الله تعالى بالإهلاك فيمن كذب الرسل من الأمم الخالية، يخوف أهل ~~مكة. # { ولو فتحنا عليهم } ، يعني: على الذين يقولون لو ما تأتينا ~~بالملائكة، { بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون } ~~أي: فظلت الملائكة يعرجون فيها، وهم يرونها عيانا، هذا قول الأكثرين. # وقال الحسن: معناه فظل هؤلاء الكفار يعرجون فيها أي: يصعدون. # والأول أصح. ### || [15.15-16] # { لقالوا إنما سكرت } ، سدت، { أبصرنا } ، قاله ~~ابن عباس. # وقال الحسن: سحرت. # وقال قتادة: أخذت. # وقال الكلبي: عميت. # وقرأ ابن كثير { سكرت } بالتخفيف، أي: حبست ومنعت النظر كما يسكر ~~النهر لحبس الماء. # { بل نحن قوم مسحورون } ، أي: عمل فينا السحر فسحرنا محمد ~~- صلى الله عليه وسلم -. # قوله عز وجل: { ولقد جعلنا فى السماء بروجا } ، ~~والبروج: هي النجوم الكبار، مأخوذة من الظهور، يقال: تبرجت المرأة أي: ~~ظهرت. # وأراد بها: المنازل التي تنزلها الشمس، والقمر والكواكب السيارة، وهي ~~اثنا عشر برجا: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، ~~والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت. # وقال عطية: هي قصور في السماء عليها الحرس. # { وزينها } ، أي: السماء بالشمس والقمر والنجوم { ~~للنظرين }. ### || [15.17-18] # { وحفظنها من كل شيطن رجيم } ، مرجوم. وقيل: ~~ملعون. # قال ابن عباس: كانت الشياطين لا يحجبون عن السموات وكانوا يدخلونها، ~~ويأتون بأخبارها فيلقون على الكهنة، فلما ولد عيسى عليه السلام منعوا من ~~ثلاث سماوات، فلما ولد محمد صلى الله عليه وسلم منعوا من السموات أجمع، ~~فما منهم من أحد يريد استراق السمع إلا رمي بشهاب، فلما منعوا من تلك ~~المقاعد ذكروا ذلك لإبليس، فقال: لقد حدث في الأرض حدث، قال: فبعثهم ~~فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن، فقالوا: هذا والله ما ~~حدث. # { إلا من استرق السمع ms1240 } ، لكن من استرق السمع، { ~~فأتبعه شهاب مبين } ، والشهاب: الشعلة من النار. # وذلك أن الشياطين يركب بعضهم بعضا إلى السماء الدنيا، ويسترقون ~~السمع من الملائكة، فيرمون بالكواكب فلا تخطىء أبدا، فمنهم من تقتله ~~ومنهم من تحرق وجهه أو جنبه أو يده أو حيث يشاء الله، ومنهم من تخبله ~~فيصير غولا يضل الناس في البوادي. # أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد ~~بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا ~~عمرو قال: سمعت عكرمة يقول: سمعت أبا هريرة يقول: إن نبي الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا ~~لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ~~ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق، وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترقو السمع، ~~ومسترقو السمع هكذا بعضهم فوق بعض - ووصف سفيان بكفه فحرفها وبدد بين ~~أصابعه - فيسمع أحدهم الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر ~~إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه ~~الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مائة ~~كذبة فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا، فيصدق بتلك ~~الكلمة التي سمعت من السماء " # أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد ~~بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن أبي مريم، حدثنا الليث، ~~حدثنا ابن جعفر، عن محمد بن عبدالرحمن، عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي ~~الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها سمعت النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # " إن الملائكة تنزل في العنان، وهو السحاب، فتذكر الأمر الذي قضي ~~في السماء فتسترق الشياطين السمع فتسمعه فتوحيه إلى الكهان، فيكذبون ~~معها مائة كذبة من عند أنفسهم " # واعلم أن هذا لم يكن ظاهرا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ~~يذكره شاعر من العرب قبل زمان النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ظهر في ~~بدء أمره ms1241 وكان ذلك أساسا لنبوته عليه السلام. # وقال يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس بن شريق: إن أول من فزع للرمي ~~بالنجوم هذا الحي من ثقيف وإنهم جاؤوا إلى رجل منهم يقال له عمرو بن أمية ~~أحد بني علاج، وكان أهدى العرب، فقالوا له: ألم تر ما حدث في السماء من ~~القذف بالنجوم؟ قال: بلى، فانظروا فإن كانت معالم النجوم التي يهتدى بها ~~في البر والبحر وتعرف بها الأنواء من الصيف والشتاء لما يصلح الناس من ~~معايشهم هي التي يرمى بها فهي والله طي الدنيا وهلاك الخلق الذين ~~فيها، وإن كانت نجوما غيرها وهي والله ثابتة على حالها فهذا الأمر أراده ~~الله تعالى بهذا الخلق. # قال معمر قلت للزهري: أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية؟ قال: نعم، قلت: ~~أفرأيت قوله تعالى: # وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع # الآية. [الجن: 9]؟ قال: غلظت وشدد أمرها حين بعث النبي صلى الله ~~عليه وسلم. # وقال ابن قتيبة: إن الرجم كان قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم ولكن لم ~~يكن مثله في شدة الحراسة بعد مبعثه. # وقيل: إن النجم ينقض فيرمي الشياطين ثم يعود إلى مكانه، والله أعلم. ### || [15.19-20] # قوله تعالى: { والأرض مددنها } ، بسطناها على وجه الماء، ~~يقال: إنها مسيرة خمسمائة سنة في مثلها دحيت من تحت الكعبة. { ~~وألقينا فيها روسي } ، جبالا ثوابت، وقد كانت الأرض تميد ~~إلى أن أرساها الله بالجبال، { وأنبتنا فيها } ، أي: الأرض، { ~~من كل شىء موزون } ، مقدر معلوم. # وقيل: يعني في الجبال، وهي جواهر من الذهب والفضة والحديد والنحاس ~~وغيرها، حتى الزرنيخ والكحل كل ذلك يوزن وزنا. # وقال ابن زيد: هي الأشياء التي توزن وزنا. # { وجعلنا لكم فيها معيش } ، جمع معيشة، قيل: أراد بها ~~المطاعم والمشارب والملابس وهي ما يعيش به الآدمي في الدنيا، { ومن ~~لستم له برزقين } ، أي: جعلنا فيها من لستم له برازقين من ~~الدواب والأنعام، أي: جعلناها لكم وكفيناكم رزقها و " من " في الآية ~~بمعنى " ما " ، كقوله تعالى: # فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على ~~رجلين # [النور: ms1242 45]. # وقيل: " من " في موضعها؛ لأنه أراد المماليك مع الدواب. # وقيل: " من " في محل الخفض عطفا على الكاف والميم في " لكم ". ### || [15.21-22] # { وإن من شىء } ، أي: وما من شيء، { إلا عندنا خزآئنه ~~} ، أي مفاتيح خزائنه. # وقيل: أراد به المطر. # { وما ننزله إلا بقدر معلوم } ، لكل أرض حد ~~مقدر، ويقال: ما تنزل من السماء قطرة إلا ومعها ملك يسوقها حيث يريد الله ~~عز وجل ويشاء. # وعن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده قال: في العرش مثال جميع ما خلق الله ~~في البر والبحر، وهو تأويل قوله تعالى: { وإن من شىء إلا ~~عندنا خزآئنه }. # { وأرسلنا الرياح لواقح } أي: حوامل، لأنها تحمل الماء ~~إلى السحاب، وهو جمع لاحقة، يقال: ناقة لاقحة إذا حملت الولد. # قال ابن مسعود: يرسل الله الريح فتحمل الماء فيمر به السحاب، فتدر كما ~~تدر اللقحة ثم تمطر. # وقال أبو عبيدة: أراد باللواقح الملاقح واحدتها ملقحة، لأنها تلقح ~~الأشجار. # قال عبيد بن عمير: يبعث الله الريح المبشرة فتقم الأرض قما، ثم ~~يبعث الله المثيرة فتثير السحاب، ثم يبعث الله المؤلفة فتؤلف السحاب بعضه ~~إلى بعض فتجعله ركاما، ثم يبعث اللواقح فتلقح الشجر. # وقال أبو بكر بن عياش: لا تقطر قطرة من السحاب إلا بعد أن تعمل الرياح ~~الأربع فيه، فالصبا تهيجه، والشمال تجمعه، والجنوب تذره، ~~والدبور تفرقه. # وفي الخبر: أن اللقح رياح الجنوب. # وفي بعض الآثار: ما هبت ريح الجنوب إلا وبعث عينا غدقة. # وأما الريح العقيم: فإنها تأتي بالعذاب ولا تلقح. # أخبرنا عبدالوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبدالعزيز بن أحمد الخلال، ~~حدثنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا من لا ~~أتهم بحديثه، حدثنا العلاء بن راشد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: # " ما هبت ريح قط إلا جثا النبي صلى الله عليه وسلم على ركبتيه، وقال: ~~اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابا، اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ~~ريحا " # قال ابن عباس: في كتاب الله عز وجل: # إنآ أرسلنا عليهم ريحا صرصرا # [القمر:19] # إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم ms1243 # [الذاريات41]، وقال: # وأرسلنا الرياح لواقح # [الحجر:22]، وقال: # أن يرسل الرياح مبشرات # [الروم:46]. # قوله: { فأنزلنا من السمآء ماء فأسقيناكموه } ، ~~أي: جعلنا المطر لكم سقيا، يقال: أسقى فلان فلانا: إذا جعل له سقيا، ~~وسقاه: إذا أعطاه ما يشرب. وتقول العرب: سقيت الرجل ماء ولبنا إذا كان ~~لسقيه فإذا جعلوا له ماء لشرب أرضه ودوابه تقول: أسقيته. # { ومآ أنتم له بخزنين } ، يعني المطر في خزائننا لا في ~~خزائنكم. وقال سفيان: بمانعين. ### || [15.23] # { وإنا لنحن نحى ونميت ونحن الورثون } بأن نميت ~~جميع الخلائق، فلا يبقى حي سوانا. # والوارث من صفات الله عز وجل. قيل: الباقي بعد فناء الخلق. # وقيل: معناه إن مصير الخلق إليه. ### || [15.24] # { ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا ~~المستأخرين } ، قال ابن عباس: أراد بالمستقدمين الأموات ~~وبالمستأخرين الأحياء. # قال الشعبي: الأولين والآخرين. # وقال عكرمة: المستقدمون من خلق الله والمستأخرين من لم يخلق الله. # قال مجاهد: المستقدمون القرون الأولى والمستأخرون أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم. # وقال الحسن: المستقدمون في الطاعة والخير، والمستأخرون المبطئون عنها. # وقيل: المستقدمون في الصفوف في الصلاة والمستأخرون فيها. وذلك أن النساء ~~كن يخرجن إلى صلاة الجماعة فيقفن خلف الرجال، فربما كان من الرجال من في ~~قلبه ريبة فيتأخر إلى أخر صفوف الرجال، ومن النساء من كانت في قلبها ريبة ~~فتتقدم إلى أول صفوف النساء لتقرب من الرجال. فنزلت هذه الآية. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها ~~أولها " # وقال الأوزاعي: أراد المصلين في أول الوقت والمؤخرين إلى آخره. # وقال مقاتل: أراد بالمستقدمين والمستأخرين في صف القتال. # وقال ابن عيينة: أراد من يسلم ومن لا يسلم. ### || [15.25-26] # { وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم } ، على ~~ما علم منهم. # وقيل: يميت الكل، ثم يحشرهم، الأولين والآخرين. # أخبرنا أبو صالح أحمد بن عبدالملك المؤذن، أخبرنا أبو سعيد الصيرفي، ~~حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا أحمد بن عبدالجبار، حدثنا أبو معاوية، عن ~~الأعمش، عن أبي سفيان عن جابر رضي الله عنه قال: قال ms1244 النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " من مات على شيء بعثه الله عليه " # قوله تعالى: { ولقد خلقنا الإنسن } ، يعني: آدم عليه ~~السلام، سمي إنسانا لظهوره وإدراك البصر إياه. وقيل: من النسيان لأنه ~~عهد إليه فنسي. { من صلصل } ، وهو الطين اليابس الذي إذا نقرته ~~سمعت له صلصلة، أي: صوتا. # قال ابن عباس: هو الطين الحر، الذي إذا نضب عنه الماء تشقق، فإذا حرك ~~تقعقع. # وقال مجاهد: هو الطين المنتن. واختاره الكسائي، وقال: هو من صل اللحم ~~وأصل، إذا أنتن. # { من حمإ } ، والحمأ: الطين الأسود، { مسنون } أي: متغير. ~~قال مجاهد وقتادة: هو المنتن المتغير. # وقال أبو عبيدة: هو المصبوب. تقول العرب: سننت الماء أي صببته. # قال ابن عباس: هو التراب المبتل المنتن، جعل صلصالا كالفخار. # وفي بعض الآثار: إن الله عز وجل خمر طينة آدم وتركه حتى صار متغيرا ~~أسود، ثم خلق منه آدم عليه السلام. ### || [15.27] # { والجآن خلقنه من قبل } ، قال ابن عباس: هو أبو الجن ~~كما أن آدم أبو البشر. # وقال قتادة: هو إبليس خلق قبل آدم. # ويقال: الجان: أبو الجن، وإبليس أبو الشياطين. # وفي الجن مسلمون وكافرون، ويحيون ويموتون، وأما الشياطين؛ فليس منهم ~~مسلمون، ويموتون إذا مات إبليس. # وذكر وهب: إن من الجن من يولد لهم ويأكلون ويشربون بمنزلة الآدميين، ومن ~~الجن من هم بمنزلة الريح لا يأكلون ولا يشربون ولا يتوالدون. # { من نار السموم } ، والسموم ريح حارة تدخل مسام الإنسان ~~فتقتله. ويقال: السموم بالنهار والحرور بالليل. # وعن الكلبي عن أبي صالح: السموم نار لا دخان لها، والصواعق تكون منها ~~وهي نار بين السماء وبين الحجاب، فإذا أحدث الله أمرا خرقت الحجاب فهوت ~~إلى ما أمرت، فالهدة التي تسمعون في خرق ذلك الحجاب. # وقيل: نار السموم لهب النار. # وقيل: من نار السموم أي: من نار جهنم. # وعن الضحاك عن ابن عباس قال: كان إبليس من حي من الملائكة يقال لهم الجن ~~خلقوا من نار السموم، وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من ~~نار، فأما الملائكة فإنهم خلقوا من ms1245 النور. ### || [15.28-30] # قوله تعالى: { وإذ قال ربك للملئكة إنى خلق ~~بشرا } ، أي: سأخلق بشرا، { من صلصل من حمإ مسنون ~~}. # { فإذا سويته } ، عدلت صورته، وأتممت خلقه، { ونفخت ~~فيه من روحى } ، فصار بشرا حيا، والروح جسم لطيف يحيا به ~~الإنسان أضاف إلى نفسه تشريفا، { فقعوا له سجدين } ، سجود ~~تحية لا سجود عبادة. # { فسجد الملئكة } ، الذين أمروا بالسجود، { كلهم ~~أجمعون }. # فإن قيل: لم قال { كلهم أجمعون } وقد حصل المقصود بقوله ~~فسجد الملائكة؟ # قلنا: زعم الخليل وسيبويه أنه ذكر ذلك تأكيدا. # وذكر المبرد: أن قوله { فسجد الملئكة } كان من المحتمل ~~أنه سجد بعضهم فذكر " كلهم " ليزول هذا الإشكال، ثم كان يحتمل أنهم ~~سجدوا في أوقات مختلفة فزال ذلك الإشكال بقوله: { أجمعون }. # وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه: إن الله عز وجل قال لجماعة من ~~الملائكة: اسجدوا لآدم فلم يفعلوا فأرسل الله عليهم نارا فأحرقتهم، ثم ~~قال لجماعة أخرى: اسجدوا لآدم فسجدوا. ### || [15.31-40] # { إلا إبليس أبى أن يكون مع السجدين }. # { قال يإبليس ما لك ألا تكون مع السجدين }. # { قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصل من ~~حمإ مسنون } ، أراد إني أفضل منه لأنه طيني وأنا ناري، والنار ~~تأكل الطين. # { قال فاخرج منها } أي: من الجنة { فإنك رجيم } ، ~~طريد. # { وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين } ، قيل: إن أهل ~~السموات يلعنون إبليس كما يلعنه أهل الأرض، فهو ملعون في السماء والأرض. # { قال رب فأنظرنى إلى يوم يبعثون } ، أراد الخبيث ~~أن لا يموت. # { قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت ~~المعلوم } ، أي: الوقت الذي يموت فيه الخلائق، وهو النفخة الأولى. # ويقال: إن مدة موت إبليس أربعون سنة وهي ما بين النفختين. # ويقال: لم تكن إجابة الله تعالى إياه في الإمهال إكراما له، بل كانت ~~زيادة في بلائه وشقائه. # { قال رب بمآ أغويتنى } ، أضللتني. وقيل: خيبتني من ~~رحمتك، { لأزينن لهم فى الأرض } ، حب الدنيا ومعاصيك، { ~~ولأغوينهم } ، أي: لأضلنهم، { أجمعين }. # { إلا عبادك منهم المخلصين } ، المؤمنين الذين أخلصوا ~~لك الطاعة والتوحيد، ومن فتح اللام، أي من أخلصته بتوحيدك ms1246 واصطفيته. ### || [15.41-44] # { قال } ، الله تعالى، { هذا صرط على مستقيم } ، قال ~~الحسن: معناه صراط إلي مستقيم. # وقال مجاهد: الحق يرجع إلى الله تعالى، وعليه طريقه، ولا يعوج عليه شيء. # وقال الأخفش: يعني علي الدلالة على الصراط المستقيم. # قال الكسائي: هذا على التهديد والوعيد كما يقول الرجل لمن يخاصمه: طريقك ~~علي، أي: لا تفلت مني، كما قال عز وجل: # إن ربك لبالمرصاد # [الفجر: 14]. # وقيل: معناه على استقامته بالبيان والبرهان والتوفيق والهداية. # وقرأ ابن سيرين، وقتادة ويعقوب: علي، من العلو أي: رفيع، وعبر ~~بعضهم عنه: رفيع أن ينال، مستقيم أن يمال. # { إن عبادى ليس لك عليهم سلطن } ، أي: قوة. # قال أهل المعاني: يعني على قلوبهم. # وسئل سفيان بن عيينة عن هذه الآية فقال: معناه ليس لك عليهم سلطان ~~تلقيهم في ذنب يضيق عنه عفوي، وهؤلاء ثنية الله الذين هداهم واجتباهم. { ~~إلا من اتبعك من الغاوين }. # { وإن جهنم لموعدهم أجمعين } ، يعني موعد إبليس ~~ومن تبعه. # { لها سبعة أبواب } ، أطباق. # قال علي رضي الله عنه: تدرون كيف أبواب النار؟ هكذا، ووضع شعبة إحدى ~~يديه على الأخرى، أي: سبعة أطباق بعضها فوق بعض وإن الله وضع الجنان على ~~العرض ووضع النيران بعضها فوق بعض. # قال ابن جريج: النار سبع دركات: أولها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم ~~السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية. # { لكل باب منهم جزء مقسوم } ، أي: لكل دركة قوم ~~يسكنونها. # وقال الضحاك: في الدركة الأولى أهل التوحيد الذين أدخلوا النار، ~~يعذبون بقدر ذنوبهم ثم يخرجون، وفي الثانية النصارى، وفي الثالثة ~~اليهود، وفي الرابعة الصابئون، وفي الخامسة المجوس، وفي السادسة أهل ~~الشرك، وفي السابعة المنافقون، فذلك قوله تعالى: # إن المنفقين فى الدرك الأسفل من النار # [النساء: 145]. # وروي عن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " لجهنم سبعة أبواب باب منها لمن سل السيف على أمتي أو قال على أمة ~~محمد ". ### || [15.45-49] # قوله تعالى: { إن المتقين فى جنت وعيون } ، أي: في ~~بساتين وأنهار. # { ادخلوها } أي: يقال لهم ادخلوا الجنة، { بسلام ms1247 } ، أي: بسلامة ~~{ ءامنين } ، من الموت والخروج والآفات. # { ونزعنا } ، أخرجنا، { ما فى صدورهم من غل } ، هو ~~الشحناء والعداوة والحقد والحسد، { إخوانا } ، نصب على الحال، { ~~على سرر } جمع سرير { متقبلين } ، يقابل بعضهم بعضا، لا ~~ينظر أحد منهم إلى قفا صاحبه. # وفي بعض الأخبار: إن المؤمن في الجنة إذا ود أن يلقى أخاه المؤمن سار ~~سرير كل واحد منهما إلى صاحبه فيلتقيان ويتحدثان. # { لا يمسهم } ، لا يصيبهم، { فيها نصب } ، أي: تعب، { وما ~~هم منها بمخرجين } ، هذه أنص آية في القرآن على الخلود. # قوله تعالى: { نبىء عبادى أنى أنا الغفور الرحيم } ~~، قال ابن عباس: يعني لمن تاب منهم. # " وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوما على نفر من أصحابه وهم ~~يضحكون، فقال: " أتضحكون وبين أيديكم النار " ، فنزل جبريل بهذه الآية ~~وقال: " يقول لك ربك يامحمد لم تقنط عبادي من رحمتي ". ### || [15.50-54] # { وأن عذابى هو العذاب الأليم } قال قتادة: بلغنا أن ~~نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لو يعلم العبد قدر عفو الله لما تورع عن حرام، ولو يعلم قدرعذابه لبخع ~~نفسه ". # أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد ~~بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا يعقوب بن ~~عبدالرحمن، عن عمرو بن أبي عمرو، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، فأمسك عنده تسعا وتسعين ~~رحمة، وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة، فلو يعلم الكافر بكل الذي ~~عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند ~~الله من العذاب لم يأمن من النار ". # قوله تعالى: { ونبئهم عن ضيف إبراهيم } أي: عن أضيافه. ~~والضيف: اسم يقع على الواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث، وهم ~~الملائكة الذين أرسلهم الله تعالى ليبشروا إبراهيم عليه السلام بالولد، ~~ويهلكوا قوم لوط. # { إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال } ، إبراهيم، { ~~إنا منكم وجلون } ، خائفون لأنهم لم يأكلوا ms1248 طعامه. # { قالوا لا توجل } لا تخف، { إنا نبشرك بغلم ~~عليم } ، أي: غلام في صغره، عليم في كبره، يعني: إسحاق، فتعجب ~~إبراهيم عليه السلام من كبره وكبر امرأته. # { قال أبشرتمونى } أي: بالولد { على أن مسنى ~~الكبر } ، أي: على حال الكبر، قاله على طريق التعجب، { فبم ~~تبشرون } ، فبأي شيء تبشرون؟ قرأ نافع بكسر النون وتخفيفها أي: ~~تبشرون، وقرأ ابن كثير وبتشديد النون أي: تبشرونني، أدغمت نون الجمع في ~~نون الإضافة، وقرأ الآخرون بفتح النون وتخفيفها. ### || [15.55-60] # { قالوا بشرنك بالحق } أي بالصدق، { فلا تكن من ~~القنطين }. # { قال ومن يقنط } ، قرأ أبو عمرو والكسائي ويعقوب: بكسر النون، ~~والآخرون بفتحها، وهما لغتان: قنط يقنط، وقنط يقنط، أي: من ~~يأس، { من رحمة ربه إلا الضآلون } ، أي: الخاسرون، ~~والقنوط من رحمة الله كبيرة كالأمن من مكره. # { قال } إبراهيم لهم: { فما خطبكم } ، ما شأنكم، { أيها ~~المرسلون }؟ # { قالوا إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين } ، مشركين. # { إلا ءال لوط } ، أتباعه وأهل دينه، { إنا لمنجوهم ~~أجمعين } ، خفف الجيم حمزة والكسائي، وشدده الباقون. # { إلا امرأته } ، أي: امرأة لوط، { قدرنآ } ، قضينا، { ~~إنها لمن الغبرين } ، الباقين في العذاب، والاستثناء من ~~النفي إثبات، ومن الإثبات نفي، فاستثنى امرأة لوط من الناجين فكانت ~~ملحقة بالهالكين. # قرأ أبو بكر «قدرنا» هاهنا وفي سورة النمل بتخفيف الدال. والباقون ~~بتشديدها. ### || [15.61-66] # { فلما جآء ءال لوط المرسلون }. # { قال } ، لوط لهم، { إنكم قوم منكرون } أي: أنا لا ~~أعرفكم. # { قالوا بل جئنك بما كانوا فيه يمترون } ، أي: ~~يشكون في أنه نازل بهم، وهو العذاب، لأنه كان يوعدهم بالعذاب فلا ~~يصدقونه. # { وأتينك بالحق } ، باليقين. وقيل: بالعذاب، { وإنا ~~لصدقون }. # { فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع ~~أدبرهم } أي: سر خلفهم، { ولا يلتفت منكم أحد } ، ~~حتى لا يرتاعوا من العذاب إذا نزل بقومهم. # وقيل: جعل الله ذلك علامة لمن ينجو من آل لوط. # { وامضوا حيث تؤمرون } ، قال ابن عباس: يعني الشام. وقال ~~مقاتل: يعني زغر. وقيل: الأردن. # { وقضينآ إليه ذلك الأمر } ، أي: وفرغنا إلى آل لوط ذلك ~~الأمر، أي: أحكمنا الأمر الذي أمرنا في قوم لوط، وأخبرناه ms1249 { أن ~~دابر هؤلآء } ، يدل عليه قراءة عبدالله: وقلنا له إن دابر هؤلاء ~~يعني: أصلهم، { مقطوع } ، مستأصل، { مصبحين } ، إذا دخلوا في ~~الصبح. ### || [15.67-72] # { وجآء أهل المدينة } ، يعني سدوم، { يستبشرون } ، ~~بأضياف لوط، أي: يبشر بعضهم بعضا، طمعا في ركوب الفاحشة منهم. # { قال } ، لوط لقومه، { إن هؤلآء ضيفى } ، وحق على الرجل ~~إكرام ضيفه، { فلا تفضحون } فيهم. # { واتقوا الله ولا تخزون } ، ولا تخجلون. # { قالوا أولم ننهك عن العلمين } ، أي: ألم ننهك عن ~~أن تضيف أحدا من العالمين. # وقيل: ألم ننهك أن تدخل الغرباء بالمدينة، فإنا نركب منهم الفاحشة. # { قال هؤلآء بناتى } أزوجهن إياكم إن أسلمتم، فأتوا الحلال ~~ودعوا الحرام، { إن كنتم فعلين } ، ما آمركم به. # وقيل: أراد بالبنات نساء قومه لأن النبي كالوالد لأمته. # قال الله تعالى: { لعمرك } ، يامحمد أي وحياتك، { إنهم لفى ~~سكرتهم } ، حيرتهم وضلالتهم، { يعمهون } ، يترددون. # وقال قتادة: يلعبون. # روي عن أبي الجوزاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما خلق الله نفسا ~~أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم، وما أقسم الله تعالى بحياة أحد ~~إلا بحياته. ### || [15.73-78] # { فأخذتهم الصيحة مشرقين } ، أي: حين أضاءت الشمس، ~~فكان ابتداء العذاب حين أصبحوا، وتمامه حين أشرقوا. # { فجعلنا عليها سافلها وأمطرنا عليهم ~~حجارة من سجيل }. # { إن فى ذلك لأيت للمتوسمين } ، قال ابن عباس: ~~للناظرين. # وقال مجاهد: للمتفرسين. # وقال قتادة: للمعتبرين. # وقال مقاتل: للمتفكرين. # { وإنها } يعني: قرى قوم لوط، { لبسبيل مقيم } ، أي: ~~بطريق واضح. # وقال مجاهد: بطريق معلم، ليس يخفي ولا زائل. # { إن فى ذلك لآية للمؤمنين }. # { وإن كان } ، وقد كان { أصحب الأيكة } ، الغيضة، { ~~لظلمين } ، لكافرين، واللام للتأكيد، وهم قوم شعيب عليه السلام، ~~كانوا أصحاب غياض وشجر ملتف، وكانت عامة شجرهم الدوم وهو المقل. ### || [15.79-84] # { فانتقمنا منهم } ، بالعذاب، وذلك أن الله سلط عليهم الحر ~~سبعة أيام فبعث سحابة فالتجؤوا إليها يلتمسون الروح، فبعث عليهم منها ~~نارا فأحرقتهم، فذلك قوله تعالى: # فأخذهم عذاب يوم الظلة # [الشعراء: 189]. # { وإنهما } يعني مدينتي قوم لوط وأصحاب الأيكة { لبإمام ~~مبين } ، بطريق واضح مستبين. # قوله تعالى: { ولقد كذب أصحب الحجر } ، وهي ms1250 مدينة ~~ثمود قوم صالح، وهي بين المدينة والشام، { المرسلين } ، أراد ~~صالحا وحده. # { وءاتينهم ءايتنا } ، يعني: الناقة وولدها والبئر، ~~فالآيات في الناقة؛ خروجها من الصخرة، وكبرها، وقرب ولادها، وغزارة ~~لبنها، { فكانوا عنها معرضين }. # { وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا ءامنين } ، من ~~الخراب ووقع الجبل عليهم. # { فأخذتهم الصيحة } ، يعني: صيحة العذاب، { مصبحين } ~~، أي: داخلين في وقت الصبح. # { فمآ أغنى عنهم ما كانوا يكسبون } ، من الشرك ~~والأعمال الخبيثة. # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبدالله بن أبي توبة، أنبأنا محمد بن أحمد بن ~~الحارث، أخبرنا محمد ابن يعقوب الكسائي، حدثنا عبدالله بن محمود، أنبأنا ~~إبراهيم بن عبدالله الخلال، حدثنا عبدالله بن المبارك عن معمر، عن ~~الزهري، أخبرنا سالم بن عبدالله، عن أبيه، # " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما مر بالحجر قال: " لا تدخلوا ~~مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل ما أصابهم " ~~، قال: وتقنع بردائه وهو على الرحل ". # وقال عبد الرزاق عن معمر: # " ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي ". ### || [15.85-87] # قوله تعالى: { وما خلقنا السموت والأرض وما ~~بينهمآ إلا بالحق وإن الساعة } ، يعني: القيامة { ~~لآتية } ، يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، { فاصفح ~~الصفح الجميل } ، فأعرض عنهم واعف عفوا حسنا، نسختها آية ~~القتال. # { إن ربك هو الخلق العليم } بخلقه. # قوله تعالى: { ولقد ءاتينك سبعا من المثانى } ، ~~قال عمر وعلي: هي فاتحة الكتاب. وهو قول قتادة وعطاء والحسن وسعيد بن ~~جبير. # أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا آدم، حدثنا ابن أبي ~~ذئب حدثنا سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم ". # وعن ابن مسعود قال: السبع المثاني: هي فاتحة الكتاب، والقرآن العظيم: هو ~~سائر القرآن. # واختلفوا في أن الفاتحة لم سميت مثاني؟ # فقال ابن عباس والحسن وقتادة: لأنها تثنى في الصلاة، فتقرأ في كل ~~ركعة. # وقيل: لأنها مقسومة بين الله وبين العبد نصفين، نصفها ثناء ms1251 ونصفها دعاء، ~~كما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقول ~~الله عز وجل: # " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين " # وقال الحسين بن الفضل: سميت مثاني لأنها نزلت مرتين، مرة بمكة، ومرة ~~بالمدينة، كل مرة معها سبعون ألف ملك. # وقال مجاهد: سميت مثاني لأن الله تعالى استثناها وادخرها لهذه الأمة فما ~~أعطاها غيرهم. # وقال أو زيد البلخي: سميت مثاني لأنها تثني أهل الشر عن الفسق، من ~~قول العرب: ثنيت عناني. # وقيل: لأن أولها ثناء. # وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن السبع المثاني هي السبع الطوال، ~~أولها سورة البقرة، وآخرها الأنفال مع التوبة. وقال بعضهم: سورة يونس بدل ~~الأنفال. # أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي، أنا أبو إسحاق الثعلبي، حدثنا ~~أبو محمد الحسن ابن أحمد المخلدي أخبرنا أبو بكر محمد بن حمدون بن خالد ~~وعبدالله بن محمد بن مسلم قالا: أنبأنا هلال بن العلاء، حدثنا حجاج ابن ~~محمد عن أيوب بن عتبة، عن يحيى بن كثير، عن شداد بن عبدالله، عن أبي ~~أسماء الرحبي عن ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله تعالى أعطاني السبع الطوال مكان التوراة، وأعطاني المئين ~~مكان الإنجيل وأعطاني مكان الزبور المثاني، وفضلني ربي بالمفصل " # وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أوتي النبي صلى الله ~~عليه وسلم السبع الطوال، وأعطي موسى ستا فلما ألقى الألواح رفع ثنتان ~~وبقي أربع. # قال ابن عباس: وإنما سميت السبع الطوال مثاني لأن الفرائض والحدود ~~والأمثال والخبر والعبر ثنيت فيها. # وقال طاووس: القرآن كله مثاني قال الله تعالى: # الله نزل أحسن الحديث كتبا متشبها ~~مثانى # [الزمر: 23]. وسمي القرآن مثاني لأن الأنباء والقصص ثنيت فيه. # وعلى هذا القول: المراد بالسبع سبعة أسباع القرآن، فيكون تقديره على ~~هذا: وهي القرآن العظيم. وقيل: الواو مقحمة، مجازه: ولقد آتيناك سبعا من ~~المثاني والقرآن العظيم. ### || [15.88] # قوله تعالى: { لا تمدن عينيك } ، يامحمد، { إلى ما ~~متعنا به أزواجا } ، أصنافا، ms1252 { منهم } أي: من الكفار ~~متمنيا لها. نهى الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم عن الرغبة في ~~الدنيا ومزاحمة أهلها عليها. # { ولا تحزن عليهم } ، أي: لا تغتم على ما فاتك من مشاركتهم ~~في الدنيا. # أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا أبو ~~جعفر أحمد بن محمد ابن العنزي، حدثنا عيسى بن نصر، أنبأنا عبدالله بن ~~المبارك، أخبرنا جهم بن أوس، قال سمعت عبدالله بن أبي مريم - ومر به ~~عبدالله بن رستم في موكبه، فقال لابن أبي مريم: إني لاشتهي مجالستك ~~وحديثك، فلما مضى قال ابن مريم - سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول قال: ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " لا تغبطن فاجرا بنعمته، فإنك لا تدري ما هو لاق بعد موته، إن له ~~عندالله قاتلا لا يموت " فبلغ ذلك وهب بن منبه فأرسل إليه وهب أبا داود ~~الأعور، فقال: يا أبا فلان ما قاتلا لا يموت؟ قال ابن أبي مريم: النار ~~". # أخبرنا أبو منصور محمد بن عبدالملك المظفري السرخسي، أخبرنا أبو سعيد ~~أحمد بن محمد بن الفضل الفقيه، حدثنا أبو الحسن بن إسحاق، حدثنا إبراهيم ~~بن عبدالله العبسي، أخبرنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من فوقكم، فإنه أجدر ~~أن لا تزدروا نعمة الله عليكم ". # وقيل: هذه الآية متصلة بما قبلها لما من الله تعالى عليه بالقرآن ~~نهاه عن الرغبة في الدنيا. روي أن سفيان بن عيينة - رحمه الله - ~~تأول قول النبي صلى الله عليه وسلم # " ليس منا من لم يتغن بالقرآن " # أي: من لم يستغن بالقرآن. فتأول هذه الآية. # قوله تعالى: { واخفض جناحك }: لين جانبك { للمؤمنين } ، ~~وارفق بهم، والجناحان لابن آدم جانباه. ### || [15.89-91] # { وقل إنى أنا النذير المبين }. # { كمآ أنزلنا على المقتسمين } قال الفراء: مجازه: ~~أنذركم عذابا كعذاب المقتسمين، حكي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه ~~قال: هم اليهود والنصارى. # { الذين جعلوا ms1253 القرءان عضين } ، جزؤوه فجعلوه أعضاء ~~فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه. وقال مجاهد: هم اليهود والنصارى قسموا كتابهم ~~ففرقوه وبدلوه. # وقيل: " المقتسمون " قوم اقتسموا القرآن. فقال بعضهم: سحر. وقال بعضهم: ~~شعر. وقال بعضهم: كذب، وقال بعضهم: أساطير الأولين. # وقيل: الاقتسام هو أنهم فرقوا القول في رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا: ساحر كاهن شاعر. # وقال مقاتل: كانوا ستة عشر رجلا بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم، ~~فاقتسموا عقاب مكة وطرقها، وقعدوا على أنقابها يقولون لمن جاء من ~~الحجاج: لا تغتروا بهذا الرجل الخارج الذي يدعي النبوة منا، تقول ~~طائفة منهم: إنه مجنون، وطائفة: إنه كاهن، وطائفة: إنه شاعر، والوليد ~~قاعد على باب المسجد نصبوه حكما فإذا سئل عنه قال: صدق أولئك يعني ~~المقتسمين. # قوله: { عضين } قيل: هو جمع عضو مأخوذ من قولهم عضيت الشيء تعضية، ~~إذا فرقته. ومعناه: أنهم جعلوا القرآن أعضاء، فقال بعضهم: سحر. وقال ~~بعضهم: كهانة. وقال بعضهم: أساطير الأولين. وقيل: هو جمع عضة. يقال: عضة ~~وعضين مثل برة وبرين وعزة وعزين، وأصلها: عضهة ذهبت هاؤها الأصلية، كما ~~نقصوا من الشفة وأصلها شفهة، بدليل: أنك تقول في التصغير شفيهة، والمراد ~~بالعضة الكذب والبهتان. # وقيل: المراد بالعضين العضه، وهو السحر، يريد: أنهم سموا القرآن ~~سحرا. ### || [15.92-93] # { فوربك لنسألنهم أجمعين } ، يوم القيامة. # { عما كانوا يعملون } في الدنيا، قال محمد بن إسماعيل قال ~~عدة من أهل العلم: عن قوله " لا إله إلا الله ". # فإن قيل: كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: # فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن # [الرحمن: 39]. # قال ابن عباس: لا يسألهم هل عملتم، لأنه أعلم بهم منهم، ولكن يقول: لم ~~عملتم كذا وكذا؟ واعتمده قطرب فقال: السؤال ضربان، سؤال استعلام، وسؤال ~~توبيخ، فقوله تعالى: # فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن # [الرحمن: 39]، يعني: استعلاما. وقوله: { لنسألنهم ~~أجمعين } يعني: توبيخا وتقريعا. # وقال عكرمة عن ابن عباس في الآيتين: إن يوم القيامة يوم طويل فيه مواقف ~~يسألون في بعض المواقف، ولا يسألون في بعضها، نظير قوله تعالى: ms1254 # هذا يوم لا ينطقون # [المرسلات: 35]، وقال في آية أخرى: # ثم إنكم يوم القيمة عند ربكم تختصمون # [الزمر: 31]. ### || [15.94-95] # قوله تعالى: { فاصدع بما تؤمر } ، قال ابن عباس: أظهره. ~~ويروى عنه: أمضه. # وقال الضحاك: أعلم. # وقال الأخفش: افرق، أي: افرق بالقرآن بين الحق والباطل. # وقال سيبويه: اقض بما تؤمر، وأصل الصدع: الفصل، والفرق: أمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم في هذه الآية بإظهار الدعوة. # وروي عن عبدالله بن عبيدة قال كان مستخفيا حتى نزلت هذه الآية فخرج هو ~~وأصحابه. # { وأعرض عن المشركين } ، نسختها آية القتال. # { إنا كفينك المستهزءين } ، يقول الله تعالى لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم: فاصدع بأمر الله، ولا تخف أحدا غير الله عز وجل، ~~فإن الله كافيك من عاداك كما كفاك المستهزئين. وهم خمسة نفر من رؤساء ~~قريش: الوليد بن المغيرة المخزومي - وكان رأسهم - والعاص بن وائل السهمي، ~~والأسود بن عبدالمطلب ابن الحارث بن أسد بن عبدالعزى بن زمعة، وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قد دعا عليه فقال: " اللهم أعم بصره واثكله ~~بولده " ، والأسود بن عبد يغوث بن وهب ابن عبد مناف بن زهرة، والحارث بن ~~قيس بن الطلاطلة فأتى جبريل محمدا صلى الله عليه وسلم، والمستهزؤن ~~يطوفون بالبيت، فقام جبريل وقام النبي صلى الله عليه وسلم إلى جنبه، ~~فمر به الوليد بن المغيرة، فقال جبريل: يامحمد كيف تجد هذا فقال: بئس ~~عبد الله، فقال: قد كفيته، وأومأ إلى ساق الوليد، فمر برجل من ~~خزاعة نبال يريش نبلا له وعليه برديمان، وهو يجر إزاره، فتعلقت ~~شظية من نبل بإزاره فمنعه الكبر أن " يطأطىء رأسه " فينزعها، وجعلت ~~تضرب ساقه، فخدشته، فمرض منها فمات. # ومر به العاص بن وائل فقال جبريل: كيف تجد هذا يا محمد؟ قال: بئس ~~عبدالله، فأشار جبريل إلى أخمص رجليه، وقال: قد كفيته، فخرج على راحلته ~~ومعه ابنان له يتنزه فنزل شعبا من تلك الشعاب فوطىء على شبرقة فدخلت ~~منها شوكة في أخمص رجله، فقال: لدغت لدغت، فطلبوا فلم يجدوا شيئا، ~~وانتفخت رجله حتى صارت مثل ms1255 عنق البعير، فمات مكانه. # ومر به الأسود بن المطلب، فقال جبريل: كيف تجد هذا؟ قال عبد سوء، فأشار ~~بيده إلى عينيه، وقال: قد كفيته، فعمي. # وقال ابن عباس رماه جبريل بورقة خضراء فذهب بصره ووجعت عيناه، فجعل يضرب ~~برأسه الجدار حتى هلك. # وفي رواية الكلبي: أتاه جبريل وهو قاعد في أصل شجرة ومعه غلام له فجعل ~~ينطح رأسه بالشجرة ويضرب وجهه بالشوك، فاستغاث بغلامه، فقال غلامه: لا ~~أرى أحدا يصنع بك شيئا غير نفسك، حتى مات، وهو يقول قتلني رب محمد. # ومر به الأسود بن عبد يغوث، فقال جبريل: كيف تجد هذا يامحمد؟ قال: بئس ~~عبدالله على أنه ابن خالي، فقال: قد كفيته، وأشار إلى بطنه فاستسقى بطنه ~~فمات حينا. # وفي رواية للكلبي أنه خرج من أهله فأصابه السموم فاسود حتى عاد ~~حبشيا، فأتى أهله فلم يعرفوه، وأغلقوا دونه الباب حتى مات، وهو يقول: ~~قتلني رب محمد. # ومر به الحارث بن قيس فقال جبريل: كيف تجد هذا يامحمد؟ فقال: عبد سوء ~~فأومأ إلى رأسه وقال: قد كفيته فامتخط قيحا فقتله. # وقال ابن عباس: إنه أكل حوتا مالحا فأصابه العطش فلم يزل يشرب عليه من ~~الماء حتى أنقد بطنه فمات، فذلك قوله تعالى: { إنا كفينك ~~المستهزءين } ، بك وبالقرآن. ### || [15.96] # { الذين يجعلون مع الله إلها ءاخر فسوف ~~يعملون }. # وقيل: استهزاؤهم واقتسامهم: هو أن الله عز وجل لما أنزل في القرآن ~~سورة البقرة، وسورة النحل، وسورة النمل، وسورة العنكبوت، كانوا يجتمعون ~~ويقولون استهزاء: هذا في سورة البقرة، ويقول هذا هذا في سورة النحل، ~~ويقول هذا في سورة العنكبوت، فأنزل الله تعالى: # { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون ~~فسبح بحمد ربك }. ### || [15.97-99] # { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون ~~فسبح بحمد ربك } ، قال ابن عباس: فصل بأمر ربك { وكن ~~من السجدين } ، من المصلين المتواضعين. # وقال الضحاك: { فسبح بحمد ربك }: قل سبحان الله وبحمده { ~~وكن من الساجدين } المصلين وروي أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. # { واعبد ms1256 ربك حتى يأتيك اليقين } ، أي الموت الموقن ~~به، وهذا معنى ما ذكر في سورة مريم: { وأوصاني بالصلاة ~~والزكاة ما دمت حيا }. # أخبرنا المطهر بن علي الفارسي، أخبرنا محمد بن إبراهيم الصالحي، أخبرنا ~~عبدالله بن محمد بن جعفر أبو الشيخ الحافظ، حدثنا أمية بن محمد الصواف ~~البصري، حدثنا محمد بن يحيى الأزدي، حدثنا أبي والهيثم بن خرجة قالا: ~~حدثنا إسماعيل بن عياش، عن شرحبيل بن مسلم، عن أبي مسلم الخولاني عن جبير ~~بن نفير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما أوحي إلي أن أجمع المال وأكون من التاجرين ولكن أوحى إلي أن ~~سبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ". # وروي عن عمر رضي الله عنه قال: نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى مصعب ~~بن عمير مقبلا وعليه إهاب كبش قد تنطق به، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " انظروا إلى هذا الذي نور الله قلبه لقد رأيته بين أبويه يغذيانه ~~بأطيب الطعام والشراب، ولقد رأيت عليه حلة شراها، أو شريت له، بمائتي ~~درهم، فدعاه حب الله ورسوله إلى ما ترونه " # والله أعلم. ### | [16 - سورة النحل] ### || [16.1] # { أتى } أي: جاء ودنا وقرب، { أمر الله } ، قال ابن عرفة: ~~تقول العرب: أتاك الأمر وهو متوقع بعد، أي: أتى أمر الله وعدا فلا ~~تستعجلوه وقوعا. # { أمر الله } قال الكلبي وغيره: المراد منه القيامة. # وقال ابن عباس: لما نزل قوله تعالى: # اقتربت الساعة # [القمر: 1] قال الكفار بعضهم لبعض: إن هذا يزعم أن القيامة قد قربت ~~فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون حتى تنظروا ما هو كائن، فلما لم ينزل ~~شيء قالوا: ما نرى شيئا فنزل قوله # اقترب للناس حسبهم # [الأنبياء: 1] فأشفقوا، فلما امتدت الأيام قالوا: يا محمد ما نرى ~~شيئا مما تخوفنا به فأنزل الله تعالى: { أتى أمر الله } فوثب ~~النبي صلى الله عليه وسلم ورفع الناس رؤوسهم وظنوا أنها قد أتت حقيقة ~~فنزلت { فلا تستعجلوه } فاطمأنوا. # والاستعجال: طلب الشيء قبل حينه. # ولما نزلت هذه الآية قال ms1257 النبي صلى الله عليه وسلم: # " بعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار بأصبعيه، وإن كادت لتسبقني ". # قال ابن عباس: كان بعث النبي صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة ولما ~~مر جبريل عليه السلام بأهل السموات مبعوثا إلى محمد صلى الله عليه وسلم ~~قالوا: الله أكبر قامت الساعة. # وقال قوم: المراد بالأمر هاهنا: عقوبة المكذبين والعذاب بالسيف، وذلك أن ~~النضر بن الحارث قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ~~حجارة من السماء فاستعجل العذاب، فنزلت هذه الآية. وقتل النضر يوم بدر ~~صبرا. # { سبحنه وتعلى عما يشركون } ، معناه تعاظم ~~بالأوصاف الحميدة عما يصفه به المشركون. ### || [16.2] # { ينزل الملئكة } ، قرأ العامة بضم الياء وكسر الزاي، { ~~والملائكة } نصب. وقرأ يعقوب بالتاء وفتحها وفتح الزاي و { الملائكة } ~~رفع، { ينزل الملئكة بالروح } بالوحي، سماه روحا لأنه ~~يحيي به القلوب والحق. # قال عطاء: بالنبوة. # وقال قتادة: بالرحمة. # وقال أبو عبيدة: " بالروح " يعني مع الروح، وهو جبريل. { من أمره ~~على من يشآء من عباده أن أنذروا } ، أعلموا: { ~~أنه لا إله إلا أنا فاتقون }. # وقيل: معناه مروهم بقول " لا إله إلا الله " منذرين مخوفين بالقرآن إن ~~لم يقولوا. # وقوله " فاتقون " أي: فخافون. ### || [16.3-7] # { خلق السموت والأرض بالحق تعلى عما ~~يشركون } أي: ارتفع عما يشركون. # { خلق الإنسن من نطفة فإذا هو خصيم } ، جدل ~~بالباطل، { مبين }. # نزلت في أبي بن خلف الجمحي، وكان ينكر البعث جاء بعظم رميم فقال: أتقول ~~إن الله تعالى يحيي هذا بعد ما قد رم؟ كما قال جل ذكره # وضرب لنا مثلا ونسى خلقه # [يس: 78]، نزلت فيه أيضا. # والصحيح أن الآية عامة، وفيها بيان القدرة وكشف قبيح ما فعلوه، من جحد ~~نعم الله مع ظهورها عليهم. # قوله تعالى: { والأنعم خلقها } ، يعني الإبل والبقر والغنم، ~~{ لكم فيها دفء } يعني: من أوبارها وأشعارها وأصوافها ملابس ~~ولحفا تستدفئون بها، { ومنفع } ، بالنسل والدر والركوب والحمل ~~وغيرها، { ومنها تأكلون } ، يعني لحومها. # { ولكم فيها جمال } ، زينة، { حين تريحون } ، أي: حين ~~تردونها بالعشي من مراعيها إلى مباركها التي تأوى إليها، { وحين ms1258 ~~تسرحون } ، أي: تخرجونها بالغداة من مراحها إلى مسارحها، وقدم ~~الرواح لأن المنافع تؤخذ منها بعد الرواح، ومالكها يكون أعجب بها إذا ~~راحت. # { وتحمل أثقالكم } ، أحمالكم، { إلى بلد } ، آخر غير ~~بلدكم. قال عكرمة: البلد مكة، { لم تكونوا بلغيه إلا ~~بشق الأنفس } ، أي: بالمشقة والجهد. والشق: النصف أيضا أي: لم ~~تكونوا بالغيه إلا بنقصان قوة النفس وذهاب نصفها. # وقرأ أبو جعفر { بشق } بفتح الشين، وهما لغتان، مثل: رطل ورطل. # { إن ربكم لرؤوف رحيم } ، بخلقه حيث جعل لكم هذه ~~المنافع. ### || [16.8] # { والخيل } ، يعني: وخلق الخيل، وهي اسم جنس لا واحد له من لفظه ~~كالإبل والنساء، # { والبغال والحمير لتركبوها وزينة } ، يعني: وجعلها ~~زينة لكم مع المنافع التي فيها. # واحتج بهذه الآية من حرم لحوم الخيل، وهو قول ابن عباس، وتلا هذه ~~الآية، فقال: هذه للركوب، وإليه ذهب الحكم، ومالك، وأبو حنيفة. # وذهب جماعة إلى إباحة لحوم الخيل، وهو قول الحسن، وشريح، وعطاء، وسعيد ~~بن جبير، وبه قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق. # ومن أباحها قال: ليس المراد من الآية بيان التحليل والتحريم بل المراد ~~منه تعريف الله عباده نعمه وتنبيههم على كمال قدرته وحكمته، واحتجوا بما: # أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد ~~بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد ~~عن عمرو - هو ابن دينار - عن محمد بن علي، عن جابر رضي الله عنه قال: # " نهى النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر ورخص في لحوم ~~الخيل ". # أخبرنا أبو الفرج المظفر بن إسماعيل التميمي، أخبرنا أبو القاسم حمزة بن ~~يوسف السهمي، أخبرنا أبو أحمد عبدالله بن عدي الحافظ، حدثنا الحسن بن ~~الفرج، حدثنا عمرو بن خالد، حدثنا عبدالله ابن عبد الكريم، عن عطاء بن ~~أبي رباح، عن جابر: أنهم كانوا يأكلون لحوم الخيل على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. # ونهى عن لحوم البغال والحمير؛ روي عن المقدام بن معدي كرب عن خالد بن ~~الوليد # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ms1259 نهى عن أكل لحوم الخيل والبغال ~~والحمير " # وإسناده ضعيف. # { ويخلق ما لا تعلمون } ، قيل: يعني ما أعد الله في الجنة ~~لأهلها، وفي النار لأهلها، مما لم تره عين ولا تسمعه أذن ولا خطر على قلب ~~بشر. # وقال قتادة يعني: السوس في النبات والدود في الفواكه. ### || [16.9-10] # قوله تعالى: { وعلى الله قصد السبيل } يعني: بيان طريق ~~الهدى من الضلالة. وقيل: بيان الحق بالآيات والبراهين والقصد: الصراط ~~المستقيم. # { ومنها جآئر } يعني: ومن السبيل جائر عن الاستقامة معوج، ~~فالقصد من السبيل: دين الإسلام، والجائر منها: اليهودية، والنصرانية، ~~وسائر ملل الكفر. # قال جابر بن عبدالله: " قصد السبيل ": بيان الشرائع والفرائض. # وقال عبدالله بن المبارك، وسهل بن عبدالله: " قصد السبيل " السنة، " ~~ومنها جائر " الأهواء والبدع، دليله قوله تعالى: # وأن هذا صرطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل # [الأنعام: 153]. # { ولو شآء لهداكم أجمعين } ، نظيره قوله تعالى: # ولو شئنا لأتينا كل نفس هداها # [السجدة: 13]. # قوله عز وجل: { هو الذى أنزل من السماء مآء لكم ~~منه شراب } ، تشربونه، { ومنه شجر } ، أي: من ذلك الماء ~~شراب أشجاركم، وحياة نباتكم، { فيه } يعني: في الشجر، { تسيمون } ، ~~ترعون مواشيكم. ### || [16.11-14] # { ينبت لكم به } أي: ينبت الله لكم به، يعني بالماء الذي ~~أنزل، وقرأ أبو بكر عن عاصم { ننبت } بالنون. { الزرع ~~والزيتون والنخيل والأعنب ومن كل الثمرت ~~إن فى ذلك لآية لقوم يتفكرون }. # { وسخر لكم } ذلل لكم، { اليل والنهار والشمس ~~والقمر والنجوم مسخرت } ، مذللات، { بأمره } أي: ~~بإذنه، وقرأ حفص عن عاصم { والنجوم مسخرت } بالرفع على ~~الابتداء. { إن فى ذلك لآيت لقوم يعقلون }. # { وما ذرأ } خلق، { لكم } ، لأجلكم، أي: وسخر ما خلق لأجلكم، { ~~فى الأرض } ، من الدواب والأشجار والثمار وغيرها، { مختلفا } ، ~~نصب على الحال، { ألونه }. # { إن في ذلك لآية لقوم يذكرون } ، يعتبرون. # { وهو الذى سخر البحر لتأكلوا منه لحما ~~طريا } يعني: السمك، { وتستخرجوا منه حلية ~~تلبسونها } يعني: اللؤلؤ والمرجان، { وترى الفلك مواخر ~~فيه } ، جواري. # قال قتادة: مقبلة ومدبرة وهو أنك ترى سفينتين إحداهما تقبل والأخرى ~~تدبر، تجريان بريح واحدة. # وقال الحسن: " مواخر " أي: مملوءة. # وقال ms1260 الفراء والأخفش: شواق تشق الماء بجناحيها. # قال مجاهد: تمخر السفن الرياح. # وأصل المخر: الرفع والشق. وفي الحديث: # " إذا أراد أحدكم البول فليستمخر الريح " # أي: لينظر من أين مجراها وهبوبها، فليستدبرها حتى لا يرد عليه البول. # وقال أبو عبيدة: صوائخ، والمخر: صوت هبوب الريح عند شدتها. # { ولتبتغوا من فضله } يعني: التجارة، { ولعلكم ~~تشكرون } ، إذا رأيتم صنع الله فيما سخر لكم. ### || [16.15-16] # { وألقى فى الأرض رواسى أن تميد بكم } أي: لئلا ~~تميد بكم أي: تتحرك وتميل. # والميد: هو الاضطراب والتكفؤ، ومنه قيل للدوار الذي يعتري راكب البحر: ~~ميد. # قال وهب: لما خلق الله الأرض جعلت تمور فقالت الملائكة: أن هذه غير ~~مقرة أحدا على ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال فلم تدر الملائكة ~~مم خلقت الجبال. # { وأنهرا وسبلا } أي: وجعل فيها أنهارا وطرقا مختلفة، { ~~لعلكم تهتدون } ، إلى ما تريدون فلا تضلون. # { وعلامت } ، يعني: معالم الطرق. قال بعضهم: هاهنا تم الكلام ثم ~~ابتدأ، { وبالنجم هم يهتدون }. # قال محمد بن كعب والكلبي: أراد بالعلامات الجبال، فالجبال علامات ~~النهار، والنجوم علامات الليل. # وقال مجاهد: أراد بالكل النجوم، منها ما يكون علامات ومنها ما يهتدون ~~به. # قال السدي: أراد بالنجم، الثريا، وبنات نعش، والفرقدين، والجدي، يهتدى ~~بها إلى الطرق والقبلة. # وقال قتادة: إنما خلق الله النجوم لثلاثة أشياء: لتكون زينة للسماء، ~~ومعالم للطرق، ورجوما للشياطين، فمن قال غير هذا فقد تكلف ما لا علم ~~له به. ### || [16.17-22] # { أفمن يخلق } يعني: الله تعالى، { كمن لا يخلق } ، ~~يعني: الأصنام، { أفلا تذكرون }. # { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ إن الله ~~لغفور } لتقصيركم في شكر نعمه، { رحيم } بكم حيث وسع عليكم ~~النعم، ولم يقطعها عنكم بالتقصير والمعاصي. # { والله يعلم ما تسرون وما تعلنون }. # { والذين يدعون من دون الله } يعني: الأصنام، وقرأ عاصم ~~ويعقوب { يدعون } بالياء. { لا يخلقون شيئا وهم ~~يخلقون }. # { أموت } أي: الأصنام { غير أحيآء وما يشعرون } ، ~~يعني: الأصنام { أيان } متى { يبعثون } ، والقرآن يدل على أن ~~الأصنام تبعث وتجعل فيها الحياة فتتبرأ من عابديها. # وقيل: وما يدري الكفار عبدة الأصنام متى ms1261 يبعثون. # قوله تعالى: { إلهكم إله وحد فالذين لا ~~يؤمنون بالأخرة قلوبهم منكرة } ، جاحدة، { وهم ~~مستكبرون } ، متعظمون. ### || [16.23-25] # { لا جرم } ، حقا { أن الله يعلم ما يسرون وما ~~يعلنون إنه لا يحب المستكبرين }. # أخبرنا أبو سعيد بكر بن محمد بن محمد بن محمي البسطامي، أخبرنا أبو ~~الحسن عبدالرحمن ابن إبراهيم بن سختويه، أخبرنا أبو الفضل سفيان بن محمد ~~الجوهري، حدثنا علي بن الحسن بن أبي عيسى الهلالي، حدثنا يحيى بن حماد، ~~حدثنا شعبة، عن أبان بن تغلب، عن فضيل الفقيمي، عن إبراهيم النخعي، عن ~~علقمة بن قيس، عن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولا يدخل ~~النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان»، فقال رجل: يا رسول الله إن الرجل ~~يحب أن يكون ثوبه حسنا؟ قال: «إن الله جميل يحب الجمال، الكبر ~~بطر الحق وغمط الناس« ". # { وإذا قيل لهم } يعني: لهؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة، وهم ~~مشركو مكة الذين اقتسموا عقابها، إذا سأل الحاج: { ماذآ أنزل ~~ربكم؟ قالوا أسطير الأولين } ، أحاديثهم وأباطيلهم. # { ليحملوا أوزارهم } ، ذنوب أنفسهم، { كاملة } ، وإنما ~~ذكر الكمال لأن البلايا التي تلحقهم في الدنيا وما يفعلون فيها من ~~الحسنات لا تكفر عنهم شيئا، { يوم القيمة ومن أوزار ~~الذين يضلونهم بغير علم } ، بغير حجة فيصدونهم عن ~~الإيمان، { ألا سآء ما يزرون } ، يحملون. # أنبأنا أبو عبدالله محمد بن الفضل الخرقي، أنا أبو الحسن علي ابن ~~عبدالله الطيسفوني، أخبرنا عبدالله بن عمر الجوهري، أخبرنا أحمد بن علي ~~الكشميهني، حدثنا علي ابن حجر، حدثنا إسماعيل ابن جعفر، عن العلاء بن ~~عبدالرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك ~~من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه ~~لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا ". ### || [16.26-28] # قوله تعالى: { قد مكر الذين من قبلهم } ، وهو نمروذ ms1262 بن ~~كنعان، بنى الصرح ببابل ليصعد إلى السماء. # قال ابن عباس ووهب: كان طول الصرح في السماء خمسة آلاف ذراع. # وقال كعب ومقاتل: كان طوله فرسخين، فهبت ريح وألقت رأسه في البحر، ~~وخر عليهم الباقي وهم تحته، ولما سقط الصرح تبلبلت ألسن الناس من الفزع ~~يومئذ فتكلموا بثلاثة وسبعين لسانا فلذلك سميت بابل، وكان لسان الناس ~~قبل ذلك بالسريانية، فذلك قوله تعالى: # { فأتى الله بنينهم من القواعد } أي: قصد تخريب ~~بنيانهم من أصولها، { فخر عليهم السقف } يعني أعلى البيوت { ~~من فوقهم وأتهم العذاب من حيث لا يشعرون } ، ~~من مأمنهم. # { ثم يوم القيمة يخزيهم } ، يهينهم بالعذاب، { ~~ويقول أين شركآئى الذين كنتم تشقون فيهم } ~~، تخالفون المؤمنين فيهم، ما لهم لا يحضرونكم فيدفعون عنكم العذاب؟ # وكسر نافع النون من " تشاقون " على الإضافة، والآخرون بفتحها. # { قال الذين أوتوا العلم } ، وهم المؤمنون، { إن ~~الخزى } ، الهوان، { اليوم والسوء } ، أي: العذاب، { على ~~الكفرين }. # { الذين تتوفهم الملئكة } ، يقبض أرواحهم ملك ~~الموت وأعوانه، قرأ حمزة { يتوفاهم } بالياء وكذا ما بعده، { ظالمى ~~أنفسهم } ، بالكفر، نصب على الحال أي: في حال كفرهم، { فألقوا ~~السلم } أي: استسلموا وانقادوا وقالوا: { ما كنا نعمل من ~~سوء } ، شرك، فقال لهم الملائكة: { بلى إن الله عليم ~~بما كنتم تعملون }. قال عكرمة: عنى بذلك من قتل من الكفار ~~ببدر. ### || [16.29-32] # { فادخلوا } أي: قال لهم ادخلوا { أبواب جهنم ~~خلدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين } ، عن ~~الإيمان. # { وقيل للذين اتقوا } وذلك أن أحياء العرب كانوا يبعثون ~~أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبي صلى الله عليه وسلم فإذا جاء سأل الذين ~~قعدوا على الطرق عنه، فيقولون: ساحر، كاهن، شاعر، كذاب، مجنون، ولو لم ~~تلقه خير لك، فيقول السائل: أنا شر وفد إن رجعت إلى قومي دون أن أدخل ~~مكة فألقاه، فيدخل مكة فيرى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيخبرونه ~~بصدقه وأنه نبي مبعوث. فذلك قوله: # { وقيل للذين اتقوا ماذآ أنزل ربكم قالوا ~~خيرا } يعني: أنزل خيرا. # ثم ابتدأ فقال: { للذين أحسنوا فى هذه الدنيا ~~حسنة } ، كرامة من الله. # قال ابن ms1263 عباس: هي تضعيف الأجر إلى العشر. # وقال الضحاك: هي النصر والفتح. # وقال مجاهد: هي الرزق الحسن. # { ولدار الأخرة } ، أي ولدار الحال الآخرة، { خير ~~ولنعم دار المتقين } ، قال الحسن: هي الدنيا؛ لأن أهل ~~التقوى يتزودون فيها للآخرة. وقال أكثر المفسرين: هي الجنة، ثم فسرها ~~فقال: # { جنت عدن يدخلونها تجرى من تحتها الأنهر ~~لهم فيها ما يشآءون كذلك يجزى الله المتقين }. # { الذين تتوفهم الملئكة طيبين } ، مؤمنين ~~طاهرين من الشرك. # قال مجاهد: زاكية أفعالهم وأقوالهم. # وقيل: معناه إن وفاتهم تقع طيبة سهلة. { يقولون } يعني: الملائكة ~~لهم، { سلم عليكم } ، وقيل: يبلغونهم سلام الله، { ادخلوا ~~الجنة بما كنتم تعملون }. ### || [16.33-36] # قوله عز وجل: { هل ينظرون إلا أن تأتيهم ~~الملئكة } ، لقبض أرواحهم، { أو يأتى أمر ربك } ، ~~يعني: يوم القيامة، وقيل: العذاب. { كذلك فعل الذين من ~~قبلهم } ، أي: كفروا، { وما ظلمهم الله } بتعذيبه إياهم، ~~{ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون }. # { فأصابهم سيئات ما عملوا } ، عقوبات كفرهم وأعمالهم ~~الخبيثة، { وحاق بهم } ، نزل بهم، { ما كانوا به ~~يستهزءون }. # { وقال الذين أشركوا لو شآء الله ما عبدنا من ~~دونه من شىء نحن ولا ءاباؤنا ولا حرمنا من ~~دونه من شىء } ، يعني: البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، ~~فلولا أن الله رضيها لغير ذلك وهدانا إلى غيرها، { كذلك فعل ~~الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلغ ~~المبين } ، أي: ليس إليهم الهداية إنما إليهم التبليغ. # { ولقد بعثنا فى كل أمة رسولا } أي: كما بعثنا ~~فيكم، { أن اعبدوا الله واجتنبوا الطغوت } ، وهو ~~كل معبود من دون الله، { فمنهم من هدى الله } ، أي: هداه ~~الله إلى دينه، { ومنهم من حقت عليه الضللة } أي: ~~وجبت بالقضاء السابق حتى مات على كفره، { فسيروا فى الأرض ~~فانظروا كيف كان عقبة المكذبين } ، أي: مآل أمرهم، ~~وهو خراب منازلهم بالعذاب والهلاك. ### || [16.37-40] # { إن تحرص على هداهم } ، يا محمد، { فإن الله لا ~~يهدي من يضل } ، قرأ أهل الكوفة { يهدي } بفتح الياء وكسر ~~الدال أي: لا يهدي الله من أضله. وقيل: معناه لا يهتدي من أضله الله. # وقرأ الآخرون بضم الياء وفتح الدال يعني ms1264 من أضله الله فلا هادي له كما ~~قال: # من يضلل الله فلا هادي له # [الأعراف: 186]. # { وما لهم من نصرين } أي: مانعين من العذاب. # قوله تعالى: { وأقسموا بالله جهد أيمنهم لا ~~يبعث الله من يموت } ، وهم منكرو البعث، قال الله تعالى ~~ردا عليهم: { بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون }. # { ليبين لهم الذى يختلفون فيه } أي: ليظهر لهم الحق ~~فيما يختلفون فيه { وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا ~~كذبين }. # { إنما قولنا لشىء إذآ أردناه أن نقول له كن ~~فيكون } ، يقول الله تعالى: إذا أردنا أن نبعث الموتى لا تعب ~~علينا في إحيائهم، ولا في شيء مما يحدث، إنما نقول له: كن فيكون. # أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش ~~الزيادي، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، حدثنا أحمد بن يوسف ~~السلمي، حدثنا عبدالرزاق، أنبأنا معمر، عن همام بن منبه، حدثنا أبو هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " قال الله: كذبني عبدي، ولم يكن له ذلك، وشتمني عبدي ولم ~~يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي، أن يقول: لن يعيدنا كما بدأنا، وأما ~~شتمه إياي، أن يقول: اتخذ الله ولدا، وأنا الصمد لم ألد، ولم ~~يكن لي كفوا أحد ". ### || [16.41-43] # قوله تعالى: { والذين هجروا فى الله من بعد ما ~~ظلموا } ، عذبوا وأوذوا في الله. # نزلت في بلال، وصهيب، وخباب، وعمار، وعابس، وجبر، وأبي جندل بن ~~سهيل، أخذهم المشركون بمكة فعذبوهم. # وقال قتادة: هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ظلمهم أهل مكة، ~~وأخرجوهم من ديارهم حتى لحق طائفة منهم بالحبشة، ثم بوأهم الله المدينة ~~بعد ذلك فجعلها لهم دار هجرة، وجعل لهم أنصارا من المؤمنين. # { لنبوئنهم فى الدنيا حسنة } ، وهو أنه أنزلهم ~~المدينة. # روي أن عمر بن الخطاب كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاء يقول: خذ ~~بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله في الدنيا، وما ادخر لك في ~~الآخرة أفضل، ثم تلا هذه الآية. # وقيل: معناه لنحسنن إليهم في ms1265 الدنيا. # وقيل: الحسنة في الدنيا التوفيق والهداية. # { ولأجر الأخرة أكبر لو كانوا يعلمون }. وقوله: ~~«لو كانوا يعلمون»، ينصرف إلى المشركين لأن المؤمنين كانوا يعلمونه. # { الذين صبروا } ، في الله على ما نابهم، { وعلى ربهم ~~يتوكلون }. # { ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحى إليهم ~~} ، نزلت في مشركي مكة حيث أنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وقالوا: ~~الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا، فهلا بعث إلينا ملكا؟ # { فاسألوا أهل الذكر } ، يعني مؤمني أهل الكتاب، { إن ~~كنتم لا تعلمون }. ### || [16.44-47] # { بالبينت والزبر } ، واختلفوا في الجالب للباء في قوله { ~~بالبينت } قيل: هي راجعة إلى قوله: { ومآ أرسلنا } ، ~~وإلا بمعنى غير، مجازه: وما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر غير رجال ~~يوحى إليهم ولم نبعث ملائكة. # وقيل: تأويله وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا يوحى إليهم أرسلناهم ~~بالبينات والزبر. # { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل ~~إليهم } ، أراد بالذكر الوحي، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~مبينا للوحي، وبيان الكتاب يطلب من السنة، { ولعلهم ~~يتفكرون }. # { أفأمن الذين مكروا } ، عملوا { السيئات } ، من ~~قبل، يعني: نمرود بن كنعان وغيره من الكفار، { أن يخسف الله ~~بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا ~~يشعرون }. # { أو يأخذهم } ، بالعذاب، { فى تقلبهم } ، تصرفهم في ~~الأسفار. وقال ابن عباس: في اختلافهم. وقال ابن جريج: في إقبالهم ~~وإدبارهم، { فما هم بمعجزين } ، بسابقين الله. # { أو يأخذهم على تخوف } ، والتخوف: التنقص، أي: ~~ينقص من أطرافهم ونواحيهم الشيء بعد الشيء حتى يهلك جميعهم، يقال: ~~تخوفه الدهر وتخونه: إذا نقصه وأخذ ماله وحشمه. # ويقال: هذه لغة بني هذيل. # وقال الضحاك والكلبي: هو من الخوف، أي يعذب طائفة فيتخوف الآخرون أن ~~يصيبهم مثل ما أصابهم. # { فإن ربكم لرءوف رحيم } ، حين لم يعجل بالعقوبة. ### || [16.48-49] # قوله عز وجل: { أولم يروا إلى ما خلق الله من ~~شىء } - قرأ حمزة والكسائي بالتاء على الخطاب، وكذلك في سورة ~~العنكبوت، والآخرون بالياء، خبرا عن الذين مكروا السيئات - إلى ما خلق ~~الله من شيء من جسم قائم، له ظل، { يتفيؤا } ، قرأ أبو عمرو، ~~ويعقوب ms1266 بالتاء والآخرون بالياء. { ظلاله } ، أي: تميل وتدور من جانب ~~إلى جانب، فهي في أول النهار على حال، ثم تتقلص، ثم تعود في آخر النهار ~~إلى حال أخرى سجدا لله، فميلانها ودورانها: سجودها لله عز وجل. # ويقال للظل بالعشي: فيء؛ لأنه فاء، أي: رجع من المغرب إلى المشرق، ~~فالفيء الرجوع. والسجود الميل. يقال: سجدت النخلة إذا مالت. # قوله عز وجل: { عن اليمين والشمآئل سجدا لله } ~~، قال قتادة والضحاك: أما اليمين: فأول النهار، والشمال: آخر النهار، ~~تسجد الظلال لله. # وقال الكلبي: الظل قبل طلوع الشمس عن يمينك وعن شمالك وقدامك وخلفك، ~~وكذلك إذا غابت، فإذا طلعت كان من قدامك، وإذا ارتفعت كان عن يمينك، ثم ~~بعده كان خلفك، فإذا كان قبل أن تغرب الشمس كان عن يسارك، فهذا تفيؤه، ~~وتقلبه، وهو سجوده. # وقال مجاهد: إذا زالت الشمس سجد كل شيء لله. # وقيل: المراد من الظلال: سجود الأشخاص. # فإن قيل لم وحد اليمين وجمع الشمائل؟ # قيل: من شأن العرب في اجتماع العلامتين الاكتفاء بواحدة، كقوله تعالى: # ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم # [البقرة: 7]، وقوله: # يخرجهم من الظلمت إلى النور # [البقرة: 257]. # وقيل: اليمين يرجع إلى قوله: " ما خلق الله ". ولفظ " ما " واحد، ~~والشمائل: يرجع إلى المعنى. # { وهم داخرون } ، صاغرون. # { ولله يسجد ما فى السموت وما فى الأرض } ، ~~إنما أخبر بما لغلبة ما لا يعقل على من يعقل في العدد، والحكم للأغلب ~~كتغليب المذكر على المؤنث، { من دآبة } ، أراد من كل حيوان يدب. ~~ويقال: السجود: الطاعة، والأشياء كلها مطيعة لله عز وجل من حيوان ~~وجماد، قال الله تعالى: # قالتآ أتينا طآئعين # [فصلت: 11]. # وقيل: سجود الأشياء تذللها وتسخرها لما أريدت له وسخرت له. # وقيل: سجود الجمادات ومالا يعقل: ظهور أثر الصنع فيه، على معنى أنه يدعو ~~الغافلين إلى السجود عند التأمل والتدبر فيه، قال الله تعالى: # سنريهم ءايتنا فى الأفاق # [فصلت: 53]. # { والملئكة } ، خص الملائكة بالذكر مع كونهم من جملة ما في ~~السموات والأرض تشريفا ورفعا لشأنهم. # وقيل: لخروجهم من الموصوفين بالدبيب إذ لهم أجنحة يطيرون بها. ms1267 # وقيل؛ أراد: ولله يسجد ما في السموات من الملائكة وما في الأرض من دابة، ~~وتسجد الملائكة. # { وهم لا يستكبرون }. ### || [16.50-52] # { يخافون ربهم من فوقهم } ، كقوله: # وهو القاهر فوق عباده # [الأنعام: 18 و61]. # { ويفعلون ما يؤمرون }. # أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا محمد بن سمعان، حدثنا أبو بكر ~~محمد بن إبراهيم الشعراني، حدثنا محمد بن يحيى الذهلي، حدثنا عبيد الله ~~بن موسى العبسي، حدثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن مورق، ~~عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إني أرى ما لا ترون، وأسمع مالا تسمعون، أطت السماء وحق لها ~~أن تئط، والذي نفسي بيده ما فيها موضع، أربع أصابع إلا وفيه ملك ~~يمجد الله، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وما ~~تلذذتم بالنساء على الفرشات، ولصعدتم إلى الصعدات ~~تجأرون " # ، قال أبو ذر " يا ليتني كنت شجرة تعضد ". رواه أبو عيسى عن أحمد ~~بن منيع، عن أبي أحمد الزبيري، عن إسرائيل وقال: " إلا وملك واضع ~~جبهته ساجدا لله ". # قوله تعالى: { وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين ~~إنما هو إله واحد فإيي فارهبون }. # { وله ما فى السموت والأرض وله الدين } ، ~~الطاعة والإخلاص { واصبا } ، دائما ثابتا. # معناه: ليس من أحد يدان له ويطاع إلا انقطع ذلك عنه بزوال أو هلاك، غير ~~الله عز وجل، فإن الطاعة تدوم له ولا تنقطع. # { أفغير الله تتقون } ، أي: تخافون، استفهام على طريق ~~الإنكار. ### || [16.53-58] # قوله تعالى: { وما بكم من نعمة فمن الله } أي: وما يكن ~~بكم من نعمة فمن الله، { ثم إذا مسكم الضر } ، القحط ~~والمرض، { فإليه تجأرون } ، تضجون وتصيحون بالدعاء ~~والاستغاثة. # { ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم ~~بربهم يشركون }. # { ليكفروا } ، ليجحدوا، وهذه اللام تسمى لام العاقبة، أي: حاصل ~~أمرهم هو كفرهم { بمآ ءاتينهم } أعطيناهم من النعماء وكشف ~~الضراء والبلاء، { فتمتعوا } ، أي: عيشوا في الدنيا المدة التي ~~ضربتها لكم، { فسوف تعلمون } عاقبة أمركم. هذا وعيد لهم. # { ويجعلون لما لا يعلمون } ، له حقا، أي: الأصنام، { ~~نصيبا مما رزقنهم ms1268 } ، من الأموال، وهو ما جعلوا للأوثان ~~من حروثهم وأنعامهم، فقالوا: هذا لله بزعمهم، وهذا لشركائنا. # ثم رجع من الخبر إلى الخطاب فقال: { تالله لتسئلن } ، يوم ~~القيامة، { عما كنتم تفترون } ، في الدنيا. # { ويجعلون لله البنت } وهم خزاعة وكنانة، قالوا: ~~الملائكة بنات الله تعالى: { سبحانه ولهم ما يشتهون } ، ~~أي: ويجعلون لأنفسهم البنين الذين يشتهونهم، فتكون " ما " في محل النصب، ~~ويجوز أن تكون على الابتداء فتكون " ما " في محل الرفع. # { وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا } ، ~~متغيرا من الغم والكراهية، { وهو كظيم } ، وهو ممتلىء حزنا ~~وغيظا، فهو يكظمه، أي: يمسكه ولا يظهره. ### || [16.59-60] # { يتوارى } أي: يختفي، { من القوم من سوء ما بشر ~~به } ، من الحزن والعار، ثم يتفكر: { أيمسكه } ، ذكر الكناية ~~ردا على «ما» { على هون } أي: هوان، { أم يدسه فى ~~التراب } ، أي: يخفيه منه، فيئده. # وذلك: أن مضر وخزاعة وتميما كانوا يدفنون البنات أحياء، خوفا من الفقر ~~عليهم، وطمع غير الأكفاء فيهن، وكان الرجل من العرب إذا ولدت له بنت ~~وأراد أن يستحييها: ألبسها جبة من صوف أو شعر، وتركها ترعى له الإبل ~~والغنم في البادية، وإذا أراد أن يقتلها: تركها حتى إذا صارت سداسية، قال ~~لأمها: زينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها، وقد حفر لها بئر في الصحراء، ~~فإذا بلغ بها البئر قال لها: انظري إلى هذه البئر، فيدفعها من خلفها في ~~البئر، ثم يهيل على رأسها التراب حتى يستوي البئر بالأرض، فذلك قوله عز ~~وجل: { أيمسكه على هون أم يدسه فى التراب }. # وكان صعصعة عم الفرزدق إذا أحس بشيء من ذلك وجه إلى والد البنت ~~إبلا يحييها بذلك، فقال الفرزدق يفتخر به. # وعمي الذي منع الوائدات # فأحيا الوئيد فلم توأد # { ألا سآء ما يحكمون } ، بئس ما يقضون لله البنات ولأنفسهم ~~البنين، نظيره: # ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى # [النجم:21،22]، وقيل: بئس حكمهم وأد البنات. # { للذين لا يؤمنون بالآخرة } ، يعني: لهؤلاء الذين يصفون ~~لله البنات ولأنفسهم البنين { مثل السوء } ، صفة السوء من ~~الاحتياج إلى الولد، وكراهية الإناث، وقتلهن ms1269 خوف الفقر، { ولله ~~المثل الأعلى } ، الصفة العليا وهي التوحيد وأنه لا إله إلا هو. # وقيل: جميع صفات الجلال والكمال، من العلم، والقدرة، والبقاء، وغيرها من ~~الصفات. # قال ابن عباس: " مثل السوء ": النار، " والمثل الأعلى ": شهادة أن لا ~~إله إلا الله. # { وهو العزيز الحكيم }. ### || [16.61-62] # { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم } فيعاجلهم بالعقوبة ~~على كفرهم وعصيانهم، { ما ترك عليها } ، أي: على الأرض، كناية ~~عن غير مذكور، { من دآبة }. # قال قتادة في الآية: قد فعل الله ذلك في زمن نوح، فأهلك من على الأرض، ~~إلا من كان في سفينة نوح عليه السلام. # روى أن أبا هريرة سمع رجلا يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه، فقال: بئس ~~ما قلت إن الحبارى تموت في وكرها بظلم الظالم. # وقال ابن مسعود: إن الجعل لتعذب في جحرها بذنب ابن آدم. # وقيل: معنى الآية لو يؤاخذ الله آباء الظالمين بظلمهم انقطع النسل، ولم ~~توجد الأبناء، فلم يبق في الأرض أحد. # { ولكن يؤخرهم إلى أجل } ، يمهلهم بحلمه إلى أجل، { ~~مسمى } ، إلى منتهى آجالهم وانقطاع أعمارهم. { فإذا جآء ~~أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون }. # قوله عز وجل: { ويجعلون لله ما يكرهون } ، لأنفسهم ~~يعني البنات، { وتصف } ، أي: تقول، { ألسنتهم الكذب أن ~~لهم الحسنى } ، يعني البنين، محل " إن " نصب بدل عن الكذب. # قال يمان: يعني ب " بالحسنى ": الجنة في المعاد، إن كان محمد صادقا ~~بالوعد في البعث. # { لا جرم } حقا. قال ابن عباس: بلى، { أن لهم النار } ، ~~في الآخرة، { وأنهم مفرطون } ، قرأ نافع بكسر الراء أي: ~~مسرفون. # وقرأ أبو جعفر بتشديد الراء وكسرها أي: مضيعون أمر الله. # وقرأ الآخرون بفتح الراء وتخفيفها أي: منسيون في النار، قاله ابن عباس. # وقال سعيد بن جبير: مبعدون. # وقال مقاتل: متروكون. # قال قتادة: معجلون إلى النار. # قال الفراء: مقدمون إلى النار، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: # " أنا فرطكم على الحوض " # أي: متقدمكم. ### || [16.63-66] # { تالله لقد أرسلنآ إلى أمم من قبلك } كما ~~أرسلنا إلى هذه الأمة، { فزين لهم الشيطان أعمالهم } ~~، الخبيثة، { فهو وليهم } ، ناصرهم، { اليوم ms1270 } ، وقرينهم، ~~سماه وليا لهم، لطاعتهم إياه، { ولهم عذاب أليم } ، في ~~الآخرة. # { ومآ أنزلنا عليك الكتب إلا لتبين لهم ~~الذى اختلفوا فيه } من الدين والأحكام، { وهدى ورحمة ~~لقوم يؤمنون } ، أي: ما أنزلنا عليك الكتاب إلا بيانا وهدى ~~ورحمة، فالهدى والرحمة عطف على قوله: " لتبين ". # { والله أنزل من السمآء مآء } يعني: المطر: { فأحيا ~~به الأرض } ، بالنبات، { بعد موتهآ } ، يبوستها، { إن فى ~~ذلك لآية لقوم يسمعون } ، سمع القلوب لا سمع الأذان. # { وإن لكم فى الأنعم لعبرة } ، لعظة، { نسقيكم ~~} ، بفتح النون هاهنا وفي المؤمنين، قرأ نافع وابن عامر وأبو بكر ويعقوب ~~والباقون بضمها وهما لغتان. { مما فى بطونه } ، قال الفراء: رد ~~الكناية إلى النعم، والنعم والأنعام واحد. # ولفظ النعم مذكر، قال أبو عبيدة، والأخفش: النعم يذكر ويؤنث فمن ~~أنث فلمعنى الجمع، ومن ذكر فلحكم اللفظ. # قال الكسائي: رده إلى ما يعني في بطون ما ذكرنا. # وقال المؤرج. الكناية مردودة إلى البعض والجزء، كأنه قال: نسقيكم مما ~~في بطونه اللبن، إذ ليس لكلها لبن، واللبن فيه مضمر. # { من بين فرث } ، وهو ما في الكرش من الثقل، فإذا خرج منه لا ~~يسمى فرثا، { ودم لبنا خالصا } ، من الدم والفرث ليس عليه ~~لون دم ولا رائحة فرث. # { سآئغا للشاربين } ، هنيئا يجري على السهولة في الحلق. # وقيل: إنه لم يغص أحد باللبن قط. # قال ابن عباس: إذا أكلت الدابة العلف واستقر في كرشها وطحنته ~~فكان أسفله فرثا، وأوسطه اللبن، وأعلاه الدم، والكبد مسلطة عليها، ~~تقسها بتقدير الله تعالى، فيجري الدم في العروق، واللبن في الضرع، ويبقى ~~الفرث كما هو. ### || [16.67] # { ومن ثمرت النخيل والأعنب } ، يعني: ولكم أيضا عبرة ~~فيما نسقيكم ونرزقكم من ثمرات النخيل والأعناب، { تتخذون منه } ~~والكناية في { منه } عائدة إلى (ما) محذوفة أي: ما تتخذون منه، { ~~سكرا ورزقا حسنا }. # قال قوم: " السكر " الخمر، و " الرزق الحسن ": الخل، والزبيب، ~~والتمر والرب، قالوا: وهذا قبل تحريم الخمر، وإلى هذا ذهب ابن مسعود، ~~وابن عمر وسعيد بن جبير والحسن، ومجاهد. # وقال الشعبي: " السكر " ما شربت، و " الرزق الحسن ": ما ms1271 أكلت. # وروى العوفي عن ابن عباس: أن " السكر " هو الخل بلغة الحبشة. # وقال بعضهم: " السكر " النبيذ المسكر، وهو نقيع التمر والزبيب إذا ~~اشتد، والمطبوخ من العصير، وهو قول الضحاك والنخعي. # ومن يبيح شرب النبيذ ومن حرمه يقول: المراد من الآية: الإخبار لا ~~الإحلال. # وأولى الأقاويل أن قوله: { تتخذون منه سكرا } منسوخ، روي عن ~~ابن عباس قال: " السكر " ما حرم من ثمرها، و " الرزق الحسن ": ما أحل. # وقال أبو عبيد " السكر ": الطعم، يقال هذا سكر لك أي: طعم. # { إن فى ذلك لآية لقوم يعقلون }. ### || [16.68-69] # { وأوحى ربك إلى النحل } ، أي: ألهمها وقذف في أنفسها، ~~ففهمته، والنحل زنابير العسل، واحدتها نحلة. # { أن اتخذى من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما ~~يعرشون } ، يبنون، وقد جرت العادة أن أهلها يبنون لها الأماكن، فهي ~~تأوي إليها، قال ابن زيد: هي الكروم. # { ثم كلى من كل الثمرت } ، ليس معنى الكل العموم، وهو ~~كقوله تعالى: # وأوتيت من كل شىء # [النمل: 23]. # { فاسلكى سبل ربك ذللا }. قيل: هي نعت الطرق، يقول: هي ~~مذللة للنحل سهلة المسالك. # قال مجاهد: لا يتوعر عليها مكان سلكته. # وقال آخرون: الذلل نعت النحل، أي: مطيعة منقادة بالتسخير. يقال: إن ~~أربابها ينقلونها من مكان إلى مكان ولها يعسوب إذا وقف وقفت وإذا سار ~~سارت. # { يخرج من بطونها شراب } ، يعني: العسل { مختلف ~~ألوانه } ، أبيض وأحمر وأصفر. { فيه شفآء للناس } ، أي: في ~~العسل. وقال مجاهد: أي في القرآن، والأول أولى. # أنبأنا إسماعيل بن عبدالقاهر، حدثنا عبدالغافر بن محمد، حدثنا محمد بن ~~عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، ~~حدثنا محمد بن مثنى. أخبرنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي ~~المتوكل، عن أبي سعيد الخدري قال: # " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أخي استطلق بطنه، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسقه عسلا، فسقاه ثم جاء فقال: ~~إني سقيته فلم يزده إلا استطلاقا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~له ثلاث مرات، ثم جاء الرابعة فقال: ms1272 اسقه عسلا، قال: قد سقيته فلم يزده ~~إلا استطلاقا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " صدق الله وكذب بطن ~~أخيك " ، فسقاه فبرأ ". # قال عبدالله بن مسعود: العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في ~~الصدور. # وروي عنه أنه قال: عليكم بالشفاءين القرآن والعسل. # { إن فى ذلك لآية لقوم يتفكرون } ، فيعتبرون. ### || [16.70] # { والله خلقكم ثم يتوفكم } صبيانا أو شبانا أو ~~كهولا، { ومنكم من يرد إلى أرذل العمر } ، أردئه، ~~قال مقاتل: يعني الهرم. # قال قتادة: أرذل العمر تسعون سنة. # روى عن علي قال: أرذل العمر خمس وسبعون سنة، وقيل: ثمانون سنة. # { لكى لا يعلم بعد علم شيئا } ، لكيلا يعقل بعد عقله ~~الأول شيئا، { إن الله عليم قدير }. # أنبأنا عبدالواحد المليحي، حدثنا أحمد بن عبدالله النعيمي، حدثنا محمد ~~بن يوسف، حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا موسى بن ~~إسماعيل، حدثنا هارون بن موسى، حدثنا أبو عبدالله الأعور، عن شعيب، عن ~~أنس بن مالك # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو: «أعوذ بك من البخل ~~والكسل، وأرذل العمر، وعذاب القبر، وفتنة الدجال، وفتنة المحيا ~~والممات« ". ### || [16.71-72] # { والله فضل بعضكم على بعض فى الرزق } ، بسط ~~على واحد، وضيق على الآخر، وقلل وكثر. # { فما الذين فضلوا برآدى رزقهم على ما ملكت ~~أيمنهم } ، من العبيد، { فهم فيه سوآء } ، أي: حتى ~~يستووا هم وعبيدهم في ذلك. يقول الله تعالى: لا يرضون أن يكونوا هم ~~ومماليكهم فيما رزقتهم سواء، وقد جعلوا عبيدي شركائي في ملكي وسلطاني. ~~يلزم به الحجة على المشركين. # قال قتادة: هذا مثل ضربه الله عز وجل، فهل منكم أحد يشركه مملوكه في ~~زوجته وفراشه وماله؟ أفتعدلون بالله خلقه وعباده؟؟ # { أفبنعمة الله يجحدون } ، بالإشراك به، وقرأ أبو بكر ~~بالتاء لقوله: " والله فضل بعضكم على بعض في الرزق " ، الآخرون بالياء ~~لقوله: " فهم فيه سواء ". # قوله تعالى: { والله جعل لكم من أنفسكم أزوجا } ، ~~يعني: النساء، خلق من آدم زوجته حواء. وقيل: " من أنفسكم " أي: من جنسكم ~~أزواجا. # { وجعل لكم من أزوجكم بنين ms1273 وحفدة } ، قال ابن ~~مسعود، والنخعي: الحفدة أختان الرجل على بناته. # وعن ابن مسعود أيضا: أنهم الأصهار، فيكون معنى الآية على هذا القول: ~~وجعل لكم من أزواجكم بنين وبنات، تزوجونهم فيحصل بسببهم الأختان ~~والأصهار. # وقال عكرمة، والحسن، والضحاك: هم الخدم. # قال مجاهد: هم الأعوان، من أعانك فقد حفدك. # وقال عطاء: هم ولد ولد الرجل، الذين يعينونه ويخدمونه. # وقال قتادة: مهنة يمتهنونكم ويخدمونكم من أولادكم. # قال الكلبي ومقاتل: " البنين ": الصغار، و " الحفدة ": كبار الأولاد ~~الذين يعينونه على عمله. # وروى مجاهد، وسعيد بن جبير عن ابن عباس: أنهم ولد الولد. # وروى العوفي عنه: أنهم بنو امرأة الرجل ليسوا منه. # { ورزقكم من الطيبات } ، من النعم والحلال، { ~~أفبالباطل } ، يعني الأصنام، { يؤمنون وبنعمت الله ~~هم يكفرون }؟ يعني التوحيد والإسلام. # وقيل: " الباطل ": الشيطان، أمرهم بتحريم البحيرة، والسائبة، و " ~~بنعمة الله " أي: بما أحل الله لهم " يكفرون ": يجحدون تحليله. ### || [16.73-74] # { ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا ~~من السموات } ، يعني المطر، { والأرض } ، يعني النبات، { ~~شيئا } ، قال الأخفش: هو بدل من الرزق، معناه: أنهم لا يملكون من أمر ~~الرزق شيئا، قليلا ولا كثيرا. # وقال الفراء: نصب " شيئا " بوقوع الرزق عليه، أي: لا يرزق شيئا، { ~~ولا يستطيعون } ، ولا يقدرون على شيء، يذكر عجز الأصنام عن إيصال ~~نفع أو دفع ضر. # { فلا تضربوا لله الأمثال } ، يعني: الأشباه. فتشبهونه ~~بخلقه، وتجعلون له شريكا، فإنه واحد لا مثل له، { إن الله ~~يعلم وأنتم لا تعلمون } ، خطأ ما تضربون من الأمثال، ثم ~~ضرب مثلا للكافرين والمؤمنين. ### || [16.75-76] # فقال جل ذكره: { ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا ~~يقدر على شىء } هذا مثل الكافر، رزقه الله مالا، فلم ~~يقدم فيه خيرا، { ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ~~ينفق منه سرا وجهرا } ، هذا مثل المؤمن، أعطاه الله ~~مالا، فعمل فيه بطاعة الله، وأنفقه في رضاء الله، سرا وجهرا، فأثابه ~~الله عليه الجنة. { هل يستوون } ، ولم يقل هل يستويان لمكان " من ~~" وهو اسم يصلح للواحد والاثنين والجمع، وكذلك قوله: " لا يستطيعون " ~~بالجمع لأجل ما. # معناه: هل ms1274 يستوي هذا الفقير البخيل والغني السخي؟ كذلك لا يستوي ~~الكافر العاصي والمؤمن المطيع. # وروى ابن جريج عن عطاء في قوله تعالى: { عبدا مملوكا } ، أي: ~~أبو جهل بن هشام. { ومن رزقناه منا رزقا حسنا } أبو بكر ~~الصديق رضي الله عنه. ثم قال: # { الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون } ، يقول ليس ~~الأمر كما تقولون، ما للأوثان عندهم من يد ولا معروف فتحمد عليه، إنما ~~الحمد الكامل لله عز وجل، لأنه المنعم والخالق والرازق، ولكن أكثر ~~الكفار لا يعلمون. ثم ضرب مثلا للأصنام فقال: # { وضرب الله مثلا رجلين أحدهمآ أبكم لا ~~يقدر على شىء وهو كل على مولاه } كل ثقل ووبال ~~" على مولاه " ابن عمه، وأهل ولايته، { أينما يوجهه } ، يرسله، ~~{ لا يأت بخير } ، لأنه لا يفهم ما يقال له، ولا يفهم عنه، هذا ~~مثل الأصنام، لا تسمع، ولا تنطق ولا تعقل، { وهو كل على ~~مولاه } عابده، يحتاج إلى أن يحمله ويضعه ويخدمه. # { هل يستوى هو ومن يأمر بالعدل } ، يعني: الله فإنه ~~قادر، متكلم، يأمر بالتوحيد، { وهو على صرط مستقيم } ، ~~قال الكلبي: يعني يدلكم على صراط مستقيم. # وقيل: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالعدل وهو على صراط ~~مستقيم. # وقيل: كلا المثلين للمؤمن والكافر، يرويه عطية عن ابن عباس. # وقال عطاء: الأبكم: أبي بن خلف، ومن يأمر بالعدل: حمزة، وعثمان بن ~~عفان، وعثمان بن مظعون. # وقال مقاتل: نزلت في هاشم بن عمرو بن الحارث بن ربيعة القرشي، وكان قليل ~~الخير يعادي رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقيل: نزلت في عثمان بن عفان ومولاه، كان عثمان ينفق عليه، وكان مولاه ~~يكره الإسلام. ### || [16.77-78] # { ولله غيب السموت والأرض ومآ أمر الساعة ~~} ، في قرب كونها، { إلا كلمح البصر } ، إذا قال له: " كن " ~~فيكون، { أو هو أقرب } ، بل هو أقرب، { إن الله على ~~كل شىء قدير } ، نزلت في الكفار الذين يستعجلون القيامة ~~استهزاء. # قوله عز وجل: { والله أخرجكم من بطون أمهتكم } ~~، قرأ الكسائي " بطون إمهاتكم " بكسر الهمزة. وقرأ حمزة بكسر الميم ~~والهمزة، والباقون بضم الهمزة ms1275 وفتح الميم، { لا تعلمون شيئا } ، ~~تم الكلام، ثم ابتدأ فقال جل وعلا، { وجعل لكم السمع ~~والأبصر والأفئدة } ، لأن الله تعالى جعل هذه الأشياء لهم ~~قبل الخروج من بطون الأمهات وإنما أعطاهم العلم بعد الخروج، { ~~لعلكم تشكرون } ، نعمة الله. ### || [16.79-81] # { ألم يروا } ، قرأ ابن عامر، وحمزة، ويعقوب: بالتاء، والباقون ~~بالياء لقوله: " ويعبدون ". { إلى الطير مسخرت } ، مذللات، ~~{ فى جو السمآء } وهو الهواء بين السماء والأرض، عن كعب الأحبار ~~أن الطير ترتفع اثنى عشر ميلا، ولا ترتفع فوق هذا، وفوق الجو السكاك، ~~وفوق السكاك السماء { ما يمسكهن } في الهواء { إلا الله ~~إن فى ذلك لآيت لقوم يؤمنون }. # { والله جعل لكم من بيوتكم } التي هي من الحجر والمدر { ~~سكنا } أي: مسكنا تسكنونه، { وجعل لكم من جلود ~~الأنعم بيوتا } ، يعني الخيام، والقباب، والأخبية، والفساطيط من ~~الأنطاع والأدم، { تستخفونها } أي: يخف عليكم حملها، { يوم ~~ظعنكم } ، رحلتكم في سفركم، قرأ ابن عامر، وأهل الكوفة، ساكنة ~~العين، والآخرون بفتحها، وهو أجزل اللغتين، { ويوم إقامتكم } ~~، في بلدكم لا تثقل عليكم في الحالين. # { ومن أصوافها وأوبارها وأشعارهآ } ، يعني أصواف ~~الضأن، وأوبار الإبل، وأشعار المعز، والكنايات راجعة إلى الأنعام، { ~~أثثا } ، قال ابن عباس: مالا. قال مجاهد: متاعا. # قال القتيبي: " الأثاث ": المال أجمع، من الإبل والغنم والعبيد ~~والمتاع. # وقال غيره: هو متاع البيت من الفرش والأكسية. # { ومتعا } ، بلاغا ينتفعون بها، { إلى حين } يعني الموت. ~~وقيل: إلى حين تبلى. # { والله جعل لكم مما خلق ظللا } تستظلون بها من ~~شدة الحر، وهي ظلال الأبنية والأشجار، { وجعل لكم من ~~الجبال أكننا } ، يعني: الأسراب، والغيران، واحدها كن { ~~وجعل لكم سرابيل } قمصا من الكتان والقز، والقطن، والصوف، ~~{ تقيكم } ، تمنعكم، { الحر } ، قال أهل المعاني: أراد الحر ~~والبرد فاكتفى بذكر أحدهما لدلالة الكلام عليه. { وسربيل ~~تقيكم بأسكم } ، يعني: الدروع، والبأس: الحرب، يعني: تقيكم في ~~بأسكم السلاح أن يصيبكم. # { كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون } ، ~~تخلصون له الطاعة. # قال عطاء الخراساني: إنما أنزل القرآن على قدر معرفتهم، فقال: وجعل لكم ~~من الجبال أكنانا، وما جعل لهم من السهول أكثر وأعظم، ms1276 ولكنهم كانوا ~~أصحاب جبال كما قال: " ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها " لأنهم كانوا ~~أصحاب وبر وشعر، وكما قال: # وينزل من السمآء من جبال فيها من برد # [النور: 43] وما أنزل من الثلج أكثر، ولكنهم كانوا لا يعرفون الثلج. ~~وقال: " تقيكم الحر " وما تقي من البرد أكثر، ولكنهم كانوا أصحاب حر. ### || [16.82-83] # { فإن تولوا } فإن أعرضوا فلا يلحقك في ذلك عتب ولا سمة ~~تقصير، { فإنما عليك البلاغ المبين }. # { يعرفون نعمت الله } ، قال السدي يعني: محمدا صلى الله ~~عليه وسلم، { ثم ينكرونها } ، يكذبون به. # وقال قوم: هي الإسلام. # وقال مجاهد، وقتادة: يعني ما عد لهم من النعم في هذه السورة، ~~يقرون أنها من الله، ثم إذا قيل: لهم تصدقوا وامتثلوا أمر الله ~~فيها، ينكرونها فيقولون: ورثناها من آبائنا. # وقال الكلبي: هو أنه لما ذكر لهم هذه النعم قالوا: نعم، هذه كلها من ~~الله، ولكنها بشفاعة آلهتنا. # وقال عوف بن عبدالله: هو قول الرجل لولا فلان لكان كذا، ولولا فلان لما ~~كان كذا. # { وأكثرهم الكفرون } ، الجاحدون. ### || [16.84-88] # قوله عز وجل: { ويوم نبعث من كل أمة شهيدا } ، ~~يعني رسولا { ثم لا يؤذن للذين كفروا } ، في الاعتذار. ~~وقيل: في الكلام أصلا، { ولا هم يستعتبون } ، يسترضون، يعني: ~~لا يكلفون أن يرضوا ربهم، لأن الآخرة ليست بدار تكليف، ولا يرجعون إلى ~~الدنيا فيتوبون. وحقيقة المعنى في الاستعتاب: أنه التعرض لطلب الرضا، ~~وهذا الباب منسد في الآخرة على الكفار. # { وإذا رءا الذين ظلموا } ، كفروا، { العذاب } ، يعني ~~جهنم، { فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون }. # { وإذا رءا الذين أشركوا } ، يوم القيامة، { ~~شركآءهم } ، أوثانهم، { قالوا ربنا هؤلآء شركآؤنا ~~الذين كنا ندعوا من دونك } ، أربابا ونعبدهم، { ~~فألقوا } ، يعني الأوثان، { إليهم القول } ، أي: قالوا ~~لهم، { إنكم لكذبون } ، في تسميتنا آلهة ما دعوناكم إلى ~~عبادتنا. # { وألقوا } يعني المشركين { إلى الله يومئذ السلم ~~} ، استسلموا وانقادوا لحكمه فيهم، ولم تغن عنهم آلهتهم شيئا، { ~~وضل } ، وزال، { عنهم ما كانوا يفترون } ، من أنها تشفع ~~لهم. # { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله } ، منعوا الناس ~~عن طريق الحق { زدنهم عذابا فوق العذاب ms1277 } ، قال ~~عبدالله: عقارب لها أنياب أمثال النخل الطوال. # وقال سعيد بن جبير: حيات أمثال البخت، وعقارب أمثال البغال، تلسع ~~إحداهن اللسعة يجد صاحبها حمتها أربعين خريفا. # وقال ابن عباس ومقاتل: يعني خمسة أنهار من صفر مذاب كالنار تسيل من ~~تحت العرش، يعذبون بها ثلاثة على مقدار الليل واثنان على مقدار النهار. # وقيل: إنهم يخرجون من حر النار إلى برد الزمهرير، فيبادرون من شدة ~~الزمهرير إلى النار مستغيثين بها. # وقيل: يضاعف لهم العذاب. { بما كانوا يفسدون } ، في الدنيا ~~بالكفر وصد الناس عن الإيمان. ### || [16.89-90] # { ويوم نبعث فى كل أمة شهيدا عليهم من ~~أنفسهم } ، يعني نبيها من أنفسهم، لأن الأنبياء كانت تبعث إلى الأسم ~~منها. # { وجئنا بك } ، يا محمد، { شهيدا على هؤلآء } ، الذين ~~بعثت إليهم. # { ونزلنا عليك الكتب تبيانا } ، بيانا، { لكل ~~شىء } ، يحتاج إليه من الأمر والنهي، والحلال والحرام، والحدود ~~والأحكام، { وهدى } ، من الضلالة، { ورحمة وبشرى } ، بشارة ~~{ للمسلمين }. # قوله عز وجل: { إن الله يأمر بالعدل } ، بالإنصاف، { ~~والإحسان } ، إلى الناس. # وعن ابن عباس: " العدل ": التوحيد، و " الإحسان ": أداء الفرائض. # وعنه: " الإحسان ": الإخلاص في التوحيد، وذلك معنى قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ". # وقال مقاتل: " العدل ": التوحيد، و " الإحسان ": العفو عن الناس. # { وإيتآء ذى القربى } ، صلة الرحم. # { وينهى عن الفحشاء } ما قبح من القول والفعل. وقال ابن ~~عباس: الزنا، { والمنكر } ، مالا يعرف في شريعة ولا سنة، { ~~والبغى } ، الكبر والظلم. # وقال ابن عيينة: " العدل " استواء السر والعلانية، و " الإحسان " أن ~~تكون سريرته أحسن من علانيته، و " الفحشاء والمنكر " أن تكون علانيته ~~أحسن من سريته. # { يعظكم لعلكم تذكرون } ،تتعظون. # قال ابن مسعود: أجمع آية في القرآن هذه الآية. # وقال أيوب عن عكرمة: إن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على الوليد: { ~~إن الله يأمر بالعدل } إلى آخر الآية فقال له: يا ابن أخي ~~أعد فأعاد عليه، فقال: إن له والله لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه ~~لمثمر وإن أسفله لمغدق، وما هو بقول البشر. ### || [16.91-92] # قوله تعالى: { وأوفوا بعهد الله ms1278 إذا عهدتم } ، ~~والعهد هاهنا هو: اليمين. # قال الشعبي: العهد يمين وكفارته كفارة يمين، { ولا تنقضوا ~~الأيمن بعد توكيدها } ، تشديدها، فتحنثوا فيها، { وقد ~~جعلتم الله عليكم كفيلا } ، شهيدا بالوفاء. # { إن الله يعلم ما تفعلون } ، واختلفوا فيمن نزلت هذه ~~الآية وإن كان حكمها عاما؟. # قيل: نزلت في الذين بايعوا رسول الله، أمرهم الله بالوفاء بها. # وقال مجاهد وقتادة: نزلت في حلف أهل الجاهلية. ثم ضرب الله مثلا لنقض ~~العهد فقال: # { ولا تكونوا كالتى نقضت غزلها من بعد قوة } ~~، أي: من بعد غزله وإحكامه. # قال الكلبي، ومقاتل: هي امرأة خرقاء حمقاء من قريش، يقال لها: " ريطة ~~بنت عمرو بن سعد بن كعب بن زيد مناة بن تميم " ، وتلقب بجعر،وكانت بها ~~وسوسة، وكانت اتخذت مغزلا بقدر ذراع وصنارة مثل الأصبع، وفلكة عظيمة، ~~على قدرها، وكانت تغزل الغزل من الصوف والشعر والوبر، وتأمر جواريها ~~بذلك، فكن يغزلن من الغداة إلى نصف النهار، فإذا انتصف النهار أمرتهن ~~بنقض جميع ما غزلن فهذا كان دأبها. # ومعناه أنها لم تكف عن العمل، ولا حين عملت كفت عن النقض، فكذلك أنتم ~~إذا نقضتم العهد، لا كففتم عن العهد، ولا حين عاهدتم وفيتم به. # { أنكثا } ، يعني أنقاضا واحدها " نكث " وهو ما نقض بعد الفتل، ~~غزلا كان أو حبلا. # { تتخذون أيمنكم دخلا بينكم } ، أي: دخلا ~~وخيانة وخديعة، و " الدخل " ما يدخل في الشيء للفساد. # وقيل: " الدخل " و " الدغل ": أن يظهر الوفاء ويبطن النقض. # { أن تكون } أي: لأن تكون، { أمة هى أربى } ، أي: أكثر ~~وأعلى، { من أمة } قال مجاهد: وذلك أنهم كانوا يحالفون الحلفاء ~~فإذا وجدوا قوما أكثر منهم وأعز نقضوا حلف هؤلاء وحالفوا الأكثر، ~~فمعناه: طلبتم العز بنقض العهد، بأن كانت أمة أكثر من أمة. فنهاهم الله ~~عن ذلك. # { إنما يبلوكم الله به } ، يختبركم الله بأمره إياكم ~~بالوفاء بالعهد، { وليبينن لكم يوم القيمة ما ~~كنتم فيه تختلفون } ، في الدنيا. ### || [16.93-94] # { ولو شآء الله لجعلكم أمة وحدة } ، على ملة ~~واحدة، وهي الإسلام، { ولكن يضل من يشآء } ، بخذلانه ~~إياهم، عدلا منه، { ويهدى من ms1279 يشآء } ، بتوفيقه إياهم، فضلا ~~منه، { ولتسئلن عما كنتم تعملون } ، يوم القيامة. # { ولا تتخذوا أيمنكم دخلا } ، خديعة وفسادا، { ~~بينكم } ، فتغرون بها الناس، فيسكنون إلى أيمانكم، ويأمنون، ثم ~~تنقضونها، { فتزل قدم بعد ثبوتها } ، فتهلكوا بعد ما كنتم ~~آمنين، والعرب تقول لكل مبتلى بعد عافية، أو ساقط في ورطة بعد سلامة: ~~زلت قدمه، { وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل ~~الله } ، قيل: معناه سهلتم طريق نقض العهد على الناس بنقضكم العهد، ~~{ ولكم عذاب عظيم }. ### || [16.95-97] # { ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا } ، يعني لا ~~تنقضوا عهودكم، تطلبون بنقضها عرضا قليلا من الدنيا، ولكن أوفوا بها. ~~{ إنما عند الله هو } ، من الثواب لكم على الوفاء، { خير ~~لكم إن كنتم تعلمون } فضل ما بين العوضين، ثم بين ذلك. ~~فقال: # { ما عندكم ينفد } ، أي: الدنيا وما فيها يفنى، { وما عند ~~الله باق }. # { ولنجزين } ، قرأ أبو جعفر وابن كثير وعاصم بالنون والباقون ~~بالياء { الذين صبروا } ، على الوفاء في السراء والضراء، { ~~أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون }. # أخبرنا أبو عبدالله محمد بن الفضل الخرقي، أخبرنا أبو الحسن الطيسفوني، ~~أخبرنا عبدالله بن عمر الجوهري، حدثنا أحمد بن علي الكشميهني، حدثنا علي ~~بن حجر حدثنا إسماعيل بن جعفر، حدثنا عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، عن ~~أبي موسى الأشعري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ~~ما يبقى على ما يفنى ". # قوله تعالى: { من عمل صلحا من ذكر أو أنثى وهو ~~مؤمن فلنحيينه حيوة طيبة } ، قال سعيد ابن جبير ~~وعطاء: هي الرزق الحلال. # قال الحسن: هي القناعة. # وقال مقاتل بن حيان: يعني العيش في الطاعة. # قال أبو بكر الوراق: هي حلاوة الطاعة. # وقال مجاهد وقتادة: هي الجنة. ورواه عوف عن الحسن. وقال: لا تطيب الحياة ~~لأحد إلا في الجنة. # { ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } ### || [16.98] # قوله سبحانه وتعالى: { فإذا قرأت القرءان } ، أي: إذا أردت ~~قراءة القرآن { فاستعذ بالله من الشيطن الرجيم } ، ~~كقوله تعالى: # إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا # [المائدة: 6]. # والاستعاذة ms1280 سنة عند قراءة القرآن. # وأكثر العلماء على أن الاستعاذة قبل القراءة. # وقال أبو هريرة: بعدها. # ولفظه: أن يقول: " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ". # أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو محمد عبدالرحمن بن أبي ~~شريح، أخبرنا أبو القاسم البغوي، حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا شعبة عن ~~عمرو بن مرة، سمعت عاصما # " عن ابن جبير بن مطعم، عن أبيهأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، ~~قال: فكبر، فقال: الله أكبر كبيرا، ثلاث مرات، والحمد لله كثيرا، ~~ثلاث مرات، وسبحان الله بكرة وأصيلا، ثلاث مرات اللهم إني أعوذ بك من ~~الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه، ونفثه ". # قال عمرو: ونفخه: الكبر، ونفثه: الشعر وهمزه: الموتة، والموتة ~~الجنون، والاستعاذة بالله هي الاعتصام به. ### || [16.99-101] # { إنه ليس له سلطان } ، حجة وولاية، { على الذين ~~ءامنوا وعلى ربهم يتوكلون } ، قال سفيان: ليس له ~~سلطان على أن يحملهم على ذنب لا يغفر. # { إنما سلطنه على الذين يتولونه } ، يطيعونه ~~ويدخلون في ولايته، { والذين هم به مشركون } ، أي: بالله ~~مشركون. وقيل: الكناية راجعة إلى الشيطان، ومجازه الذين هم من أجله ~~مشركون بالله. # { وإذا بدلنآ ءاية مكان ءاية } ، يعني وإذا نسخنا حكم ~~آية فأبدلنا مكانه حكما آخر، { والله أعلم بما ينزل } ، ~~أعلم بما هو أصلح لخلقه فيما يغير ويبدل من أحكامه، { قالوا إنمآ ~~أنت } ، يا محمد، { مفتر } ، مختلق، وذلك أن المشركين قالوا: ~~إن محمدا يسخر بأصحابه، يأمرهم اليوم بأمر، وينهاهم عنه غدا، ما هو ~~إلا مفتر، يتقوله من تلقاء نفسه. # قال الله تعالى: { بل أكثرهم لا يعلمون } ، حقيقة القرآن، ~~وبيان الناسخ من المنسوخ. ### || [16.102-103] # { قل نزله } ، يعني القرآن، { روح القدس } ، جبريل، { من ~~ربك بالحق } ، بالصدق، { ليثبت الذين ءامنوا } ، ~~أي: ليثبت قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا ويقينا، { وهدى وبشرى ~~للمسلمين }. # { ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر ~~} ، آدمي، وما هو من عند الله، واختلفوا في هذا البشر: قال ابن عباس: كان ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم قينا بمكة، اسمه " بلعام " ، ~~وكان نصرانيا، أعجمي اللسان، فكان المشركون يرون رسول الله يدخل ms1281 عليه ~~ويخرج، فكانوا يقولون إنما يعلمه " بلعام ". # وقال عكرمة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرىء غلاما لبني المغيرة ~~يقال له: " يعيش " ، وكان يقرأ الكتب، فقالت قريش: إنما يعلمه " يعيش ". # وقال الفراء: قال المشركون إنما يتعلم من عايش مملوك كان لحويطب بن ~~عبدالعزى، وكان قد أسلم وحسن إسلامه، وكان أعجم اللسان. # وقال ابن إسحاق: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني كثيرا ما ~~يجلس عند المروة إلى غلام رومي نصراني، عبد لبعض بني الحضرمي، يقال له " ~~جبر " ، وكان يقرأ الكتب. # وقال عبدالله بن مسلم الحضرمي كان لنا عبدان من أهل عين التمر يقال ~~لأحدهما يسار، ويكنى " أبا فكيهة " ، ويقال للآخر جبر، وكانا يصنعان ~~السيوف بمكة، وكانا يقرآن التوراة والإنجيل، فربما مر بهما النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وهما يقرآن، فيقف ويستمع. # قال الضحاك: وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا آذاه الكفار يقعد إليهما ~~ويستروح بكلامهما، فقال المشركون: إنما يتعلم محمد منهما، فنزلت هذه ~~الآية. # قال الله تعالى تكذيبا لهم: { لسان الذى يلحدون إليه } ~~، أي يميلون ويشيرون إليه، { أعجمى } ، " الأعجمي " الذي لا يفصح ~~وإن كان ينزل بالبادية، والعجمي منسوب إلى العجم، وإن كان فصيحا، ~~والأعرابي البدوي، والعربي منسوب إلى العرب، وإن لم يكن فصيحا، { ~~وهذا لسان عربى مبين } ، فصيح وأراد باللسان القرآن، ~~والعرب تقول: اللغة لسان، وروي أن الرجل الذي كانوا يشيرون إليه أسلم ~~وحسن إسلامه. ### || [16.104-106] # { إن الذين لا يؤمنون بآيت الله لا يهديهم ~~الله } ، لا يرشدهم الله، { ولهم عذاب أليم } ، ثم أخبر ~~الله تعالى أن الكفار هم المفترون. # فقال: { إنما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون ~~بآيت الله وأولئك هم الكذبون } ، لا محمد صلى ~~الله عليه وسلم. # فإن قيل: قد قال: " إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون " ، فما معنى ~~قوله: " وأولئك هم الكاذبون "؟ # قيل: " إنما يفتري الكذب ": إخبار عن فعلهم، و " هم الكاذبون " نعت لازم ~~لهم، كقول الرجل لغيره: كذبت وأنت كاذب، أي: كذبت في هذا القول، ومن ~~عادتك الكذب. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق ms1282 الثعلبي، أخبرنا أبو حفص عمر ~~بن أحمد الجوهري، أخبرنا جدي أبو بكر محمد بن عمر بن حفص، حدثنا أبو بكر ~~محمد بن الفرج الأزرق، حدثنا سعيد بن عبدالحميد بن جعفر، حدثنا يعلى بن ~~الأشدق، # " عن عبدالله بن جراد قال: قلت: يا رسول الله المؤمن يزني؟ قال: قد يكون ~~ذلك، قال قلت: المؤمن يسرق؟ قال: قد يكون ذلك، قلت: المؤمن يكذب؟ قال: لا ~~" ، قال الله: " إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله ". # { من كفر بالله من بعد إيمنه إلا من أكره }. # قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في عمار، وذلك أن المشركين أخذوه، وأباه ~~ياسرا، وأمه سمية،وصهيبا، وبلالا، وخبابا، وسالما، فعذبوهم، فأما ~~سمية: فإنها ربطت بين بعيرين ووجىء قبلها بحربة فقتلت، وقتل زوجها ~~ياسر، وهما أول قتيلين قتلا في الإسلام، وأما عمار: فإنه أعطاهم ما ~~أرادوا بلسانه مكرها. # قال قتادة: # " أخذ بنو المغيرة عمارا وغطوه في بئر ميمون، وقالوا له: اكفر بمحمد، ~~فتابعهم على ذلك، وقلبه كاره،فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ~~عمارا كفر فقال: كلا، إن عمارا ملىء إيمانا من قرنه إلى قدمه، ~~واختلط الإيمان بلحمه ودمه، فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~يبكي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما وراءك؟ قال: شر يا رسول ~~الله، نلت منك وذكرت آلهتهم، قال: كيف وجدت قلبك، قال: مطمئنا ~~بالإيمان، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم، يمسح عينيه وقال: إن عادوا ~~لك فعد لهم بما قلت " # ، فنزلت هذه الآية. # قال مجاهد: نزلت في ناس من أهل مكة، آمنوا فكتب إليهم بعض أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: أن هاجروا، فإنا لا نراكم منا حتى تهاجروا ~~إلينا، فخرجوا يريدون المدينة، فأدركتهم قريش في الطريق فكفروا كارهين. # وقال مقاتل: نزلت في جبر، مولى عامر بن الحضرمي، أكرهه سيده على ~~الكفر فكفر مكرها، { وقلبه مطمئن بالإيمن } ، ثم أسلم ~~مولى جبر، وحسن إسلامه، وهاجر جبر مع سيده، { ولكن من شرح ~~بالكفر صدرا } أي: فتح صدره للكفر بالقبول واختاره، ms1283 { ~~فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم }. # وأجمع العلماء على: أن من أكره على كلمة الكفر، يجوز له أن يقول ~~بلسانه، وإذا قال بلسانه غير معتقد لا يكون كفرا، وإن أبى أن يقوله ~~حتى يقتل كان أفضل. # واختلف أهل العلم في طلاق المكره. فذهب أكثرهم إلى أنه لا يقع. ### || [16.107-110] # { ذلك بأنهم استحبوا الحيوة الدنيا على ~~الآخرة وأن الله لا يهدى القوم الكفرين } ، لا ~~يرشدهم. # { أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ~~وسمعهم وأبصرهم وأولئك هم الغفلون } ، ~~عما يراد بهم. # { لا جرم أنهم فى الآخرة هم الخسرون } ، أي ~~المغبونون. # { ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ~~} ، عذبوا ومنعوا من الإسلام، فتنهم المشركون، { ثم جهدوا ~~وصبروا } على الإيمان والهجرة والجهاد، { إن ربك من ~~بعدها } ، من بعد تلك الفتنة والغفلة { لغفور رحيم }. # نزلت في عياش بن أبي ربيعة، أخي أبي جهل من الرضاعة، وفي أبي جندل بن ~~سهيل بن عمرو، والوليد بن الوليد بن المغيرة، وسلمة بن هشام وعبدالله بن ~~أسيد الثقفي، فتنهم المشركون فأعطوهم بعض ما أرادوا ليسلموا من شرهم، ثم ~~إنهم هاجروا بعد ذلك وجاهدوا. # وقال الحسن وعكرمة: نزلت في عبدالله بن سعد بن أبي سرح، وكان يكتب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم فاستزله الشيطان، فلحق بالكفار، فأمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة، بقتله فاستجاره له عثمان، وكان أخاه ~~لأمه من الرضاعة، فأجاره رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إنه أسلم وحسن ~~إسلامه، فأنزل الله هذه الآية. # وقرأ ابن عامر { فتنوا } بفتح الفاء والتاء، ورده إلى من أسلم من ~~المشركين فتنوا المسلمين. ### || [16.111-112] # { يوم تأتى كل نفس تجدل } ، تخاصم وتحتج، { عن ~~نفسها } ، بما أسلفت من خير وشر، مشتغلا بها لا تتفرغ إلى غيرها، { ~~وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون }. # روي أن عمر بن الخطاب قال لكعب الأحبار: خوفنا، قال: يا أمير ~~المؤمنين، والذي نفسي بيده، لو وافيت يوم القيامة بمثل عمل سبعين نبيا ~~لأتت عليك ساعات وأنت لا تهمك إلا نفسك، وإن لجهنم ms1284 زفرة لا يبقى ملك ~~مقرب، ولا نبي مرسل منتخب، إلا وقع جاثيا على ركبتيه، حتى إبراهيم ~~خليل الرحمن، يقول: يا رب لا أسألك إلا نفسي، وإن تصديق ذلك: الذي ~~أنزله الله عليكم " يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها ". # وروى عكرمة عن ابن عباس في هذه الآية قال: ما تزال الخصومة بين الناس ~~يوم القيامة، حتى تخاصم الروح الجسد، فتقول الروح: يا رب، لم يكن لي ~~يد أبطش بها، ولا رجل أمشي بها، ولا عين أبصر بها، ويقول الجسد: ~~خلقتني كالخشب ليست لي يد أبطش بها، ولا رجل أمشي بها، ولا عين أبصر ~~بها، فجاء هذا كشعاع النور، فبه نطق لساني، وأبصرت عيني، ومشت رجلي. ~~فيضرب الله لهما مثلا: أعمى ومقعد، دخلا حائطا فيه ثمار، فالأعمى ~~لا يبصر الثمر، والمقعد لا يناله، فحمل الأعمى المقعد فأصابا من الثمر ~~فعليهما العذاب. # قوله تعالى: { وضرب الله مثلا قرية كانت ءامنة } ، ~~يعني: مكة، كانت آمنة، لا يهاج أهلها ولا يغار عليها، { مطمئنة ~~} ، قارة بأهلها، لا يحتاجون إلى الانتقال للانتجاع كما يحتاج إليه سائر ~~العرب، { يأتيها رزقها رغدا من كل مكان } ، يحمل ~~إليها من البر والبحر نظيره: # يجبى إليه ثمرات كل شيء # [القصص: 57]. { فكفرت بأنعم الله } ، جمع النعمة، وقيل: ~~جمع نعماء مثل بأساء وأبؤس، { فأذاقها الله لباس الجوع } ، ~~ابتلاهم الله بالجوع سبع سنين، وقطعت العرب عنهم الميرة بأمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حتى جهدوا فأكلوا العظام المحرقة، والجيف، والكلاب ~~الميتة، والعهن، وهو الوبر يعالج بالدم، حتى كان أحدهم ينظر إلى السماء ~~فيرى شبه الدخان من الجوع، ثم إن رؤساء مكة كلموا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقالوا: هذا عاديت الرجال، فما بال النساء والصبيان؟ فأذن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس بحمل الطعام إليهم وهم بعد مشركون. ~~وذكر اللباس لأن ما أصابهم من الهزال والشحوب وتغير ظاهرهم عما كانوا ~~عليه من قبل كاللباس لهم، { والخوف } ، يعني: بعوث النبي صلى الله ~~عليه وسلم وسراياه التي كانت تطيف بهم. { بما كانوا يصنعون ms1285 }. ### || [16.113-116] # { ولقد جآءهم رسول منهم } ، محمد صلى الله عليه وسلم، { ~~فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظلمون }. # { فكلوا مما رزقكم الله حللا طيبا واشكروا ~~نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون }. # { إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم ~~الخنزير ومآ أهل لغير الله به فمن اضطر غير ~~باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم }. # قوله تعالى: { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب ~~} أي: لا تقولوا لوصف ألسنتكم، أو لأجل وصفكم الكذب، أي: أنكم تحلون ~~وتحرمون لأجل الكذب لا لغيره، { هذا حلل وهذا حرام } ~~، يعني البحيرة والسائبة، { لتفتروا على الله الكذب } ، ~~فتقولون إن الله أمرنا بهذا، { إن الذين يفترون على ~~الله الكذب لا يفلحون } ، لا ينجون من عذاب الله. ### || [16.117-120] # { متع قليل } ، يعني: الذي هم فيه متاع قليل، أو لهم متاع قليل ~~في الدنيا. { ولهم عذاب أليم } ، في الآخرة. # { وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من ~~قبل } ، يعني في سورة الأنعام، وهو قوله تعالى: # وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر # [الأنعام: 146] الآية. # { وما ظلمنهم } بتحريم ذلك عليهم، { ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون } فحرمنا عليهم ببغيهم. # { ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهلة ~~ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا } معنى الإصلاح: ~~الاستقامة على التوبة، { إن ربك من بعدها } ، أي: من بعد ~~الجهالة، { لغفور رحيم }. # قوله تعالى: { إن إبرهيم كان أمة } قال ابن مسعود: ~~الأمة، معلم الخير، أي: كان معلما للخير، يأثم به أهل الدنيا، وقد ~~اجتمع فيه من الخصال الحميدة ما يجتمع في أمة. # قال مجاهد: كان مؤمنا وحده والناس كلهم كفار. # قال قتادة: ليس من أهل دين إلا يتولونه ويرضونه. # { قنتا لله } ، مطيعا له، وقيل: قائما بأوامر الله تعالى، { ~~حنيفا } مسلما مستقيما على دين الإسلام. وقيل: مخلصا. { ولم ~~يك من المشركين }. ### || [16.121-124] # { شاكرا لأنعمه اجتبه } ، اختاره، { وهداه إلى ~~صرط مستقيم } ، أي: إلى دين الحق. # { وءاتينه فى الدنيا حسنة } ، يعني الرسالة والخلة ~~وقيل: لسان الصدق والثناء الحسن. # وقال مقاتل بن حيان: يعني الصلوات في قول هذه الأمة: اللهم صل على محمد ~~وعلى آل محمد، كما ms1286 صليت على إبراهيم. # وقيل: أولادا أبرارا على الكبر. # وقيل: القبول العام في جميع الأمم. # { وإنه فى الأخرة لمن الصلحين } ، مع آبائه ~~الصالحين في الجنة. وفي الآية تقديم وتأخير مجازه: وآتيناه في الدنيا ~~والآخرة حسنة، وإنه لمن الصالحين. # { ثم أوحينآ إليك } ، يا محمد، { أن اتبع ملة ~~إبرهيم حنيفا } ، حاجا مسلما، { وما كان من ~~المشركين }. # وقال أهل الأصول: كان النبي صلى الله عليه وسلم مأمورا بشريعة إبراهيم ~~إلا ما نسخ في شريعته، وما لم ينسخ صار شرعا له. # قوله تعالى: { إنما جعل السبت على الذين اختلفوا ~~فيه } قيل: معناه إنما جعل السبت لعنة على الذين اختلفوا فيه أي: ~~خالفوا فيه. # وقيل: معناه ما فرض الله عليهم تعظيم السبت وتحريمه إلا على الذين ~~اختلفوا فيه أي: خالفوا فيه فقال قوم: هو أعظم الأيام، لأن الله تعالى ~~فرغ من خلق الأشياء يوم الجمعة، ثم سبت يوم السبت. # وقال قوم: بل أعظم الأيام يوم الأحد، لأن الله تعالى ابتدأ فيه خلق ~~الأشياء، فاختاروا تعظيم غير ما فرض الله عليهم، وقد افترض الله عليهم ~~تعظيم يوم الجمعة. # قال الكلبي: أمرهم موسى عليه السلام بالجمعة، فقال: تفرغوا لله في كل ~~سبعة أيام يوما، فاعبدوه يوم الجمعة، ولا تعملوا فيه لصنعتكم، وستة أيام ~~لصناعتكم، فأبوا وقالوا: لا نريد إلا اليوم الذي فرغ الله فيه من الخلق ~~يوم السبت، فجعل ذلك اليوم عليهم وشدد عليهم فيه، ثم جاءهم عيسى عليه ~~السلام بيوم الجمعة، فقالوا: لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا - يعنون ~~اليهود - فاتخذوا الأحد، فأعطى الله الجمعة هذه الأمة، فقبلوها وبورك ~~لهم فيها. # أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن ~~محمش الزيادي، حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، حدثنا أحمد بن يوسف ~~السلمي، أنبأنا عبدالرزاق، أنبأنا معمر عن همام بن منبه قال: حدثنا أبو ~~هريرة عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من ~~قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فهذا يومهم ms1287 الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه، ~~فهدانا الله له، فهم لنا فيه تبع، فاليهود غدا، والنصارى بعد غد " # قال الله تعالى: { إنما جعل السبت على الذين ~~اختلفوا فيه }. قال قتادة: الذين اختلفوا فيه هم اليهود، استحله ~~بعضهم، وحرمه بعضهم. # { وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيمة فيما ~~كانوا فيه يختلفون }. ### || [16.125] # { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة } ، بالقرآن، { ~~والموعظة الحسنة } ، يعني مواعظ القرآن. # وقيل: الموعظة الحسنة هي الدعاء إلى الله بالترغيب والترهيب. # وقيل: هو القول اللين الرقيق من غير غلظة ولا تعنيف. # { وجدلهم بالتى هى أحسن } ، وخاصمهم وناظرهم بالخصومة ~~التي هي أحسن،أي: أعرض عن أذاهم، ولا تقصر في تبليغ الرسالة والدعاء ~~إلى الحق، نسختها آية القتال. # { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو ~~أعلم بالمهتدين }. ### || [16.126] # { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } ، ~~هذه الآيات نزلت بالمدينة في شهداء أحد، وذلك أن المسلمين لما رأوا ما ~~فعل المشركون بقتلاهم يوم أحد، من تبقير البطون، والمثلة السيئة - حتى ~~لم يبق أحد من قتلى المسلمين إلا مثل به غير حنظلة بن الراهب، فإن ~~أباه أبا عامر الراهب كان مع أبي سفيان، فتركوا حنظلة لذلك - فقال ~~المسلمون حين رأوا ذلك: لئن أظهرنا الله عليهم لنزيدن على ~~صنيعهم، ولنمثلن بهم مثلة لم يفعلها أحد من العرب بأحد، # " فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمه حمزة ابن عبدالمطلب، وقد ~~جدعوا أنفه وأذنه، وقطعوا مذاكيره، وبقروا بطنه، وأخذت هند بنت عتبة ~~قطعة من كبده فمضغتها ثم استرطبتها لتأكلها فلم تلبث في بطنها حتى رمت ~~بها فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أما إنها لو أكلتها لم ~~تدخل النار أبدا، حمزة أكرم على الله تعالى من أن يدخل شيئا من جسده ~~النار، فلما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمه حمزة، ونظر إلى ~~شيء لم ينظر إلى شيء قط كان أوجع لقلبه منه، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «رحمة الله عليك فإنك ما علمت ما كنت إلا فاعلا للخيرات، وصولا ~~للرحم، ms1288 ولولا حزن من بعدك عليك لسرني أن أدعك حتى تحشر من أفواج شتى، ~~أما والله لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين منهم مكانك»، فأنزل الله ~~تعالى: { وإن عاقبتم فعاقبوا } الآية. { ولئن صبرتم ~~لهو خير للصبرين } ، أي: ولئن عفوتم لهو خير للعافين فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: بل نصبر، وأمسك عما أراد وكفر عن يمينه ". # قال ابن عباس والضحاك: كان هذا قبل نزول براءة حين أمر النبي بقتال من ~~قاتله ومنع من الابتداء بالقتال، فلما أعز الله الإسلام وأهله نزلت ~~براءة، وأمروا بالجهاد نسخت هذه الآية. # وقال النخعي، والثوري، ومجاهد، وابن سيرين: الآية محكمة نزلت في ~~من ظلم بظلامه، فلا يحل له أن ينال من ظالمه أكثر مما نال الظالم منه، ~~أمر بالجزاء والعفو، ومنع من الاعتداء. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ### || [16.127-128] # { واصبر وما صبرك إلا بالله } أي: بمعونة الله ~~وتوفيقه، { ولا تحزن عليهم } ، في إعراضهم عنك، { ولا تك ~~فى ضيق مما يمكرون } ، أي: فيما فعلوا من الأفاعيل. # قرأ ابن كثير هاهنا وفي النمل { ضيق } بكسر الضاد وقرأ الآخرون بفتح ~~الضاد، قال أهل الكوفة: هما لغتان مثل رطل ورطل. # وقال أبو عمرو: " الضيق " بالفتح: الغم، وبالكسر: الشدة. # وقال أبو عبيدة: " الضيق " بالكسر في قلة المعاش وفي المساكن، فأما ما ~~كان في القلب والصدر فإنه بالفتح. # وقال ابن قتيبة: الضيق تخفيف ضيق مثل هين وهين، ولين ولين، ~~فعلى هذا هو صفة، كأنه قال: ولا تك في أمر ضيق من مكرهم. # { إن الله مع الذين اتقوا } ، المناهي، { والذين ~~هم محسنون } بالعون والنصرة. ### | [17 - سورة الإسراء] ### || [17.1] # { سبحان الذى أسرى بعبده ليلا } سبحان الله: تنزيه ~~الله تعالى من كل سوء، ووصفه بالبراءة من كل نقص على طريق المبالغة، ~~وتكون " سبحان " بمعنى التعجب، " أسرى بعبده " أي: سيره، وكذلك سرى به، ~~والعبد هو: محمد صلى الله عليه وسلم. # { من المسجد الحرام } ، قيل: كان الإسراء من مسجد مكة. روى ~~قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ms1289 قال: # " بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر بين النائم واليقظان إذ أتاني ~~جبريل بالبراق " # ، فذكر حديث المعراج. # وقال قوم: عرج به من دار أم هانىء بنت أبي طالب، ومعنى قوله: { من ~~المسجد الحرام } أي: من الحرم. # قال مقاتل: كانت ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنة. ويقال: كان في رجب. ~~وقيل: كان في شهر رمضان. # { إلى المسجد الأقصى } ، يعني: بيت المقدس، وسمي أقصى لأنه ~~أبعد المساجد التي تزار. وقيل: لبعده عن المسجد الحرام. # { الذى باركنا حوله } ، بالأنهار والأشجار والثمار. وقال ~~مجاهد: سماه مباركا لأنه مقر الأنبياء ومهبط الملائكة والوحي، ومنه يحشر ~~الناس يوم القيامة. # { لنريه من ءايتنآ } ، من عجائب قدرتنا، وقد رأي هناك ~~الأنبياء والآيات الكبرى. # { إنه هو السميع البصير } ، ذكر " السميع " لينبه على ~~أنه المجيب لدعائه، وذكر " البصير " لينبه على أنه الحافظ له في ظلمة ~~الليل. # وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول: ما فقد جسد النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ولكن الله أسرى بروحه. # والأكثرون على أنه أسرى بجسده في اليقظة، وتواترت الأخبار الصحيحة على ~~ذلك. # أخبرنا أبو عمر عبدالواحد بن أحمد بن المليحي، أخبرنا أبو حامد أحمد بن ~~عبدالله النعيمي، أخبرنا أبو عبدالله محمد بن يوسف، حدثنا أبو عبدالله ~~محمد بن إسماعيل البخاري، حدثنا هدبة ابن خالد، حدثنا همام بن يحيى، ~~حدثنا قتادة (ح) قال البخاري: وقال لي خليفة العصفري: حدثنا يزيد ابن ~~زريع، حدثنا سعيد وهشام. قالا: حدثنا قتادة (ح) عن مالك بن صعصعة رضي ~~الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم، حدثهم عن ليلة أسري به، (ح) ~~قال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن يونس عن ابن شهاب عن ~~أنس قال: كان أبو ذر يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ح)، ~~وأخبرنا أبو سعيد إسماعيل بن عبدالقاهر، أخبرنا أبو الحسن عبدالغافر بن ~~محمد الفارسي أنبأنا أبو أحمد محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا أبو إسحاق ~~إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا أبو الحسين مسلم بن الحجاج، حدثنا شيبان ms1290 ~~بن فروخ، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: دخل حديث بعضهم في بعض قال أبو ذر: إن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " فرج عني سقف بيتي، وأنا بمكة، فنزل جبريل ففرج صدري، ثم غسله ~~بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلىء حكمة وإيمانا، فأفرغه في ~~صدري، ثم أطبقه ". # وقال مالك بن صعصعة: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة ~~أسري به قال: # " بينما أنا في الحطيم، وربما قال في الحجر، بين النائم واليقظان " # ، وذكر بين رجلين، # " فأتيت بطست من ذهب مملوء حكمة وإيمانا فشق من النحر إلى ~~مراق البطن، واستخرج قلبي فغسل ثم حشي، ثم أعيد ". # وقال سعيد وهشام: # " ثم غسل البطن بماء زمزم ثم ملىء إيمانا وحكمة، ثم أوتيت ~~بالبراق، وهو دابة أبيض طويل، فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند ~~منتهى طرفه، فركبته فانطلقت مع جبريل حتى أتيت بيت المقدس، قال ~~فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء، قال: ثم دخلت المسجد فصليت ~~فيه ركعتين ثم خرجت فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت ~~اللبن، فقال جبريل: اخترت الفطرة، فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء ~~الدنيا فاستفتح، قيل من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: ~~وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء، ففتح، ~~فلما خلصت، فإذا فيها آدم، فقال لي: هذا أبوك آدم، فسلم عليه، ~~فسلمت عليه، فرد السلام، ثم قال: مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح ~~". # وفي حديث أبي ذر: # " علونا السماء الدنيا، فإذا رجل قاعد عن يمينه أسودة وعن ~~يساره أسودة، إذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى، ~~فقال مرحبا بالنبي الصالح، والابن الصالح، قلت لجبريل: من هذا؟ قال: ~~هذا آدم، وهذه الأسودة التي عن يمينه وشماله نسم بنيه، فأهل اليمين ~~منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ~~ضحك، وإذا نظر ms1291 قبل شماله بكى. # ثم صعد حتى أتى السماء الثانية فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل، ~~ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به فنعم ~~المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت، إذا بيحيى وعيسى، عليهما السلام، وهما ~~ابنا خالة، قال: هذا يحيى وعيسى، فسلم عليهما، فسلمت فردا، ثم قالا: ~~مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح. # ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قال: ~~ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به فنعم ~~المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت، فإذا يوسف، وإذا هو قد أعطي شطر الحسن، ~~قال: هذا يوسف فسلم عليه، فسلمت عليه فرد علي، ثم قال: مرحبا ~~بالأخ الصالح، والنبي الصالح. # ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، ~~قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به ~~فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت فإذا إدريس، قال: هذا إدريس فسلم ~~عليه، فسلمت عليه، فرد ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح # ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح قيل: من هذا؟ قال: جبريل، ~~قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به ~~فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا هارون، قال: هذا هارون فسلم عليه، ~~فسلمت عليه فرد ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح، والنبي الصالح. # ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح قيل: من هذا؟ قال: جبريل، ~~قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به، ~~فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا موسى، قال: هذا موسى فسلم عليه، ~~فسلمت عليه فرد ثم قال: مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح، فلما ~~جاوزت بكى قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل ~~الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي. # ثم صعد بي إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال ~~جبريل، قيل: ومن معك؟ ms1292 قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: ~~مرحبا به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا إبراهيم، قال: هذا أبوك ~~إبراهيم، فسلم عليه فسلمت عليه فرد السلام ثم قال: مرحبا بالنبي ~~الصالح، والابن الصالح، فرفع لي البيت المعمور، فسألت جبريل؟ فقال: ~~هذا البيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا لم يعودوا ~~إليه آخر ما عليهم ". # وقال ثابت عن أنس: # " فإذا أنا بإبراهيم مسند ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل ~~يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى فإذا ~~نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، قال: فلما ~~غشيها من أمر الله ما غشي تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ~~ينعتها من حسنها، في أصلها أربعة أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران، ~~فقلت: ما هذان يا جبريل؟ فقال: أما الباطنان، فنهران في الجنة، وأما ~~الظاهران فالنيل والفرات. # وأوحى إلي ما أوحي، ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة، ~~فنزلت إلى موسى، فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة، قال: ارجع ~~إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا تطيق ذلك، فإني قد بلوت بني إسرائيل ~~وخبرتهم، قال: فرجعت إلى ربي فقلت: يا رب خفف على أمتى، فحط ~~عني خمسا، فرجعت إلى موسى فقلت: حط عني خمسا، قال: إن أمتك لا تطيق ~~ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. # قال: فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى حتى قال: يا محمد إنهن خمس ~~صلوات كل يوم وليلة، لكل صلاة عشر، هي خمس وهي خمسون، لا ~~يبدل القول لدي ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن ~~عملها كتبت له عشرا، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا، فإن ~~عملها كتبت سيئة واحدة. # قال: فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله ~~التخفيف لأمتك. # فقلت: سألت ربي حتى استحييت ولكني أرضى وأسلم، قال: فلما جاوزت نادى ~~مناد: أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي، ms1293 ثم أدخلت الجنة فإذا فيها ~~جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك ". # قال ابن شهاب: فأخبرني ابن حزم أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري، كانا ~~يقولان: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى فيه صريف الأقلام ". # قال ابن حزم وأنس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " ففرض الله على أمتي خمسين صلاة " # وروى معمر عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم: # " أتي بالبراق ليلة أسري به ملجما مسرجا، فاستصعب ~~عليه، فقال جبريل: أبمحمد تفعل هذا؟ فما ركبك أحد أكرم على الله منه، ~~فارفض عرقا ". # وقال ابن بريدة عن أبيه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لما انتهينا إلى بيت المقدس قال جبريل بأصبعه، فخرق بها الحجر وشدبها ~~البراق. " # أنبأنا عبدالواحد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبدالله النعيمي، حدثنا محمد ~~بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني محمود، أنبأنا عبدالرزاق، أنبأنا ~~معمر عن الزهري، أخبرني سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " ليلة أسري بي لقيت موسى، قال فنعته، فإذا هو رجل - حسبته قال ~~مضطرب، رجل الرأس كأنه من رجال شنوءة ". قال: ولقيت عيسى، ~~فنعته النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ربعة، أحمر، كأنما خرج من ديماس، ~~يعني: الحمام، ورأيت إبراهيم وأنا أشبه ولده به، قال: وأتيت بإناءين: ~~أحدهما لبن، والآخر فيه خمر، فقيل لي: خذ أيهما شئت، فأخذت اللبن ~~فشربته، فقيل لي: هديت الفطرة أو أصبت الفطرة، أما إنك لو أخذت الخمر ~~غوت أمتك ". # أنبأنا عبدالواحد المليحي، حدثنا أحمد بن عبدالله النعيمي، حدثنا محمد ~~بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا ~~عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: { وما جعلنا الرءيا ~~التى أرينك إلا فتنة للناس } ، قال: هي رؤيا عين ~~أريها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به إلى بيت المقدس. # قال: والشجرة الملعونة في القرآن قال: هي شجرة الزقوم. # أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، حدثنا محمد ~~بن ms1294 يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبدالعزيز بن عبدالله، حدثني ~~سليمان، عن شريك بن عبدالله قال: سمعت أنس بن مالك يقول: # " ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة أنه جاءه ~~ثلاثة نفر، قبل أن يوحى إليه، وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم: ~~أيهم هو؟ فقال: أوسطهم هو خيرهم، فقال آخرهم: خذوا خيرهم، فكانت تلك ~~الليلة فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه، وتنام عينه ولا ينام ~~قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، فلم يكلموه حتى ~~احتملوه ووضعوه عند بئر زمزم، فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته حتى فرغ ~~من صدره وجوفه، فغسله من ماء زمزم بيده. وساق حديث المعراج بقصته. فقال: ~~فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان، قال: هذا النيل والفرات، ~~عنصرهما واحد، ثم مضى به إلى السماء الثانيه، فإذا هو بنهر آخر عليه قصر ~~من لؤلؤ وزبرجد، فضرب يده فإذا هو مسك أذفر، قال: ما هذا يا جبريل؟ ~~قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك. وساق الحديث، وقال: ثم عرج بي إلى ~~السماء السابعة، وقال: قال موسى: رب لم أظن أن ترفع علي أحدا، ثم علا ~~به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار ~~رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إليه فيما يوحي ~~إليه الله خمسين صلاة كل يوم وليلة، وقال: فلم يزل يردده موسى إلى ربه ~~حتى صارت إلى خمس صلوات، ثم احتبسه موسى عند الخمس. فقال: يا محمد والله ~~لقد راودت بني إسرائيل قومي على أدنى من ذلك فضعفوا عنه وتركوه، فأمتك ~~أضعف قلوبا وأجسادا وأبدانا وأبصارا وأسماعا، فارجع فليخفف عنك ~~ربك، كل ذلك يلتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل ليشير عليه، ولا ~~يكره ذلك جبريل، فرفعه عند الخامسة، فقال: يا رب إن أمتي ضعفاء أجسادهم ~~وقلوبهم وأسماعهم وأبدانهم فخفف عنا، فقال الجبار: يا محمد، قال: لبيك ~~وسعديك، قال: إنه لا يبدل القول ms1295 لدي كما فرضت عليك في أم الكتاب، فكل ~~حسنة بعشر أمثالها، فهي خمسون في أم الكتاب، وهي خمس عليك، فقال موسى: ~~ارجع إلى ربك فليخفف عنك أيضا. فقال رسول الله: " قد والله استحييت من ~~ربي مما اختلفت إليه " ، قال: فاهبط بسم الله، فاستيقظ وهو في المسجد ~~الحرام ". # وروى مسلم هذا الحديث مختصرا عن هارون بن سعيد الإيلي، عن ابن وهب، عن ~~سليمان ابن بلال. # قال شيخنا الإمام رضي الله عنه: قد قال بعض أهل الحديث ما وجدنا لمحمد ~~بن إسماعيل ولمسلم في كتابيهما شيئا لا يحتمل مخرجا إلا هذا، وأحال ~~الأمر فيه إلى شريك بن عبدالله، وذلك أنه ذكر فيه أن ذلك قبل أن يوحى ~~إليه، واتفق أهل العلم على أن المعراج كان بعد الوحي بنحو من اثنتي عشرة ~~سنة قبل الهجرة بسنة. # وفيه أيضا: " أن الجبار دنا فتدلى ". وذكرت عائشة أن الذي دنا فتدلى ~~جبريل عليه السلام. # قال شيخنا الإمام رضي الله عنه: وهذا الاعتراض عندي لا يصح، لأن هذا ~~كان رؤيا في النوم، أراه الله عز وجل قبل الوحي، بدليل آخر الحديث، ~~قال: فاستيقظ وهو في المسجد الحرام، ثم عرج به في اليقظة بعد الوحي قبل ~~الهجرة بسنة تحقيقا لرؤياه من قبل، كما أنه رأى فتح مكة في المنام عام ~~الحديبية سنة ست من الهجرة، ثم كان تحقيقه سنة ثمان ونزل قوله عز وجل: # لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق # [الفتح: 27]. # وروي أنه لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به وكان بذي ~~طوى قال: # " يا جبريل إن قومي لا يصدقوني " # ، قال: يصدقك أبو بكر وهو الصديق. # قال ابن عباس، وعائشة، رضي الله عنهم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لما كانت ليلة أسري بي فأصبحت بمكة فضقت بأمري وعرفت أن الناس ~~مكذبي، فروي أنه عليه الصلاة والسلام قعد معتزلا حزينا، فمر به أبو ~~جهل فجلس إليه فقال له كالمستهزىء: هل استفدت من شيء؟ قال: نعم إني أسري ~~بي الليلة قال: إلى أين؟ قال: ms1296 إلى بيت المقدس، قال: ثم أصبحت بين ~~ظهرانينا، قال: نعم، فلم ير أبو جهل أنه ينكر، مخافة أن يجحده الحديث، ~~قال: أتحدث قومك ما حدثتني به؟ قال: نعم، قال أبو جهل: يا معشر بني كعب ~~بن لؤي هلموا، قال: فانفضت إليه المجالس فجاؤوا حتى جلسوا إليهما، قال: ~~فحدث قومك ما حدثتني، قال: نعم إني أسري بي الليلة، قالوا إلى أين؟ قال: ~~إلى بيت المقدس، قالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: نعم، قال: فمن بين ~~مصفق، ومن بين واضع يده على رأسه متعجبا، وارتد ناس ممن كان آمن به ~~وصدقه، وسعى رجل من المشركين إلى أبي بكر فقال: هل لك في صاحبك يزعم أنه ~~أسري به الليلة إلى بيت المقدس، قال: أوقد قال ذلك؟ قال: نعم، قال: لئن ~~كان قال ذلك لقد صدق، قالوا: وتصدقه أنه ذهب إلى بيت المقدس في ليلة وجاء ~~قبل أن يصبح؟ قال: نعم، إني لأصدقه بما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر ~~السماء في غدوة أو روحة، فلذلك سمي أبو بكر الصديق. # قال: وفي القوم من قد أتى المسجد الأقصى، فقالوا: هل تستطيع أن تنعت لنا ~~المسجد الأقصى؟ قال: نعم، قال: فذهبت أنعت وأنعت، فما زلت أنعت حتى ~~التبس علي [بعض النعت]، قال: فجيء بالمسجد وأنا أنظر إليه حتى وضع دون ~~دار عقيل فنعت المسجد، وأنا أنظر إليه، فقال القوم: أما النعت فوالله ~~لقد أصاب، ثم قالوا: يا محمد أخبرنا عن عيرنا هي أهم إلينا، فهل لقيت ~~منها شيئا؟ قال: نعم مررت على عير بني فلان، وهي بالروحاء، وقد أضلوا ~~بعيرا لهم، وهم في طلبه، وفي رحالهم قدح من ماء فعطشت فأخذته فشربته، ثم ~~وضعته كما كان فسلوهم هل وجدوا الماء في القدح حين رجعوا إليه، قالوا: ~~هذه آية، قال: ومررت بعير بني فلان وفلان وفلان راكبان قعودا لهما بذي ~~طوى، فنفر بعيرهما مني فرمى بفلان، فانكسرت يده، فسلوهما عن ذلك، ~~فقالوا: وهذه آية، قالوا: فأخبرنا عن عيرنا نحن؟ قال: مررت بها ~~بالتنعيم، قالوا: فما عدتها ms1297 وأحمالها وهيئتها ومن فيها، فقال: نعم، ~~هيئتها كذا وكذا، وفيها فلان وفلان، يقدمها جمل أورق عليه غرارتان ~~مخيطتان، تطلع عليكم عند طلوع الشمس، قالوا: وهذه آية أخرى، ثم خرجوا ~~يشتدون نحو الثنية وهم يقولون: والله لقد قص محمد شيئا وبينه حتى ~~أتوا كدى، فجلسوا عليه فجعلوا ينتظرون متى تطلع الشمس فيكذبونه، إذ ~~قال قائل منهم: والله هذه الشمس قد طلعت، وقال آخر: وهذه والله الإبل قد ~~طلعت، يقدمها بعير أورق، فيها فلان وفلان، كما قال لهم، فلم يؤمنوا، " ~~وقالوا: إن هذا إلا سحر مبين ". ### || [17.2-4] # قوله عز وجل: { وءاتينا موسى الكتب وجعلناه هدى ~~لبنى إسرءيل ألا } بأن لا، { تتخذوا من دونى ~~وكيلا } ، ربا وكفيلا. # قرأ أبو عمرو " لا يتخذوا " بالياء، لأنه خبر عنهم، والآخرون: بالتاء، ~~يعني: قلنا لهم لا تتخذوا. # { ذرية من حملنا } ، قال مجاهد: هذا نداء، يعني يا ذرية من ~~حملنا، { مع نوح } ، في السفينة فأنجيناهم من الطوفان، { إنه ~~كان عبدا شكورا } ، كان نوح عليه السلام إذا أكل طعاما أو شرب ~~شرابا أو لبس ثوبا قال: الحمد لله، فسمي عبدا شكورا، أي: كثير ~~الشكر. # قوله عز وجل: { وقضينآ إلى بنى إسرءيل فى ~~الكتب } الآيات. # روى سفيان بن سعيد الثوري عن منصور بن المعتمر عن ربعي بن حراش عن حذيفة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن بني إسرائيل لما اعتدوا وقتلوا الأنبياء بعث الله عليهم ملك ~~فارس " بختنصر " ، وكان الله ملكه سبعمائة سنة، فسار إليهم حتى دخل بيت ~~المقدس، فحاصرها وفتحها، وقتل على دم يحيى بن زكريا عليه السلام سبعين ~~ألفا، ثم سبى أهلها والأبناء، وسلب حلي بيت المقدس، واستخرج منها ~~سبعين ألفا ومائة ألف عجلة من حلي، قلت: يا رسول الله كان بيت المقدس ~~عظيما؟ قال: أجل بناه سليمان ابن داود من ذهب وفضة وياقوت وزبرجد، وكان ~~عمده ذهبا، أعطاه الله ذلك، وسخر له الشياطين، يأتونه بهذه الأشياء في ~~طرفة عين، فسار بها بختنصر حتى نزل بابل فأقام بنو إسرائيل في يده مائة ~~سنة يستعبدهم المجوس ms1298 وأبناء المجوس، فيهم الأنبياء، ثم إن الله رحمهم ~~فأوحى إلى ملك من ملوك فارس يقال له " كورش " ، وكان مؤمنا، أن يسير ~~إليهم ليستنقذ بقايا بني إسرائيل، فسار كورش لبني إسرائيل وأخذ حلى بيت ~~المقدس حتى ردها إليه، فأقام بنو إسرائيل مطيعين لله تعالى مائة سنة، ~~ثم إنهم عادوا في المعاصي فسلط الله عليهم ملكا يقال له " أنطيانوس " ~~فغزا بني إسرائيل حتى أتاهم بيت المقدس، فسبى أهلها وأحرق بيت المقدس، ~~وقال لهم: يا بني إسرائيل إن عدتم في المعاصي عدنا عليكم ثانيا بالسبي، ~~فعادوا، فسلط الله عليهم ملك رومية يقال له " فاقس بن أستيانوس " ، ~~فغزاهم في البر والبحر فسباهم وسبى حلي بيت المقدس وأحرق بيت المقدس، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا من صفة حلي بيت المقدس، ويرده المهدي ~~إلى بيت المقدس، وهو ألف وسبعمائة سفينة يرمي بها على يافا حتى تنقل إلى ~~بيت المقدس، وبها يجمع الله الأولين والآخرين ". # قال محمد بن إسحاق: كانت بنو إسرائيل فيهم الأحداث والذنوب وكان الله في ~~ذلك متجاوزا عنهم محسنا إليهم، وكان أول ما نزل بهم بسبب ذنوبهم كما ~~أخبر على لسان موسى عليه السلام، أن ملكا منهم كان يدعى " صديقة " وكان ~~الله تعالى إذا ملك الملك عليهم بعث معه نبيا يسدده ويرشده، لا ~~ينزل عليهم الكتب، إنما يؤمرون باتباع التوراة والأحكام التي فيها. # فلما ملك ذلك الملك بعث الله معه " شعياء ابن أصفيا " ، وذلك قبل مبعث ~~زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام، " وشعياء " هو الذي بشر بعيسى ومحمد ~~عليهما السلام، فقال: أبشري أورشليم، الآن يأتيك راكب الحمار ومن بعده ~~صاحب البعير، فملك ذلك الملك بني إسرائيل وبيت المقدس زمانا فلما انقضى ~~ملكه عظمت فيهم الأحداث وشعياء معه، بعث الله عليهم " سنجاريب " ملك ~~بابل، معه ستمائة ألف راية، فأقبل سائرا حتى نزل حول بيت المقدس، والملك ~~مريض، في ساقه قرحة، فجاء النبي شعياء وقال له: يا ملك بني إسرائيل ~~إن سنجاريب ملك بابل قد نزل بك، هو وجنوده بستمائه ألف راية، وقد هابهم ms1299 ~~الناس وفرقوا، فكبر ذلك على الملك، فقال: يا نبي الله هل أتاك وحي من ~~الله فيما حدث فتخبرنا به كيف يفعل الله بنا وبسنجاريب وجنوده؟. # فقال: لم يأتيني وحي، فبينما هم على ذلك أوحى الله إلى شعياء النبي أن ~~ائت ملك بني إسرائيل فمره أن يوصي وصيته ويستخلف على ملكه من يشاء من ~~أهل بيته فأتى شعياء ملك بني إسرائيل " صديقة " فقال له: إن ربك قد ~~أوحى إلي أن آمرك أن توصي وصيتك، وتستخلف من شئت على ملكك من أهل ~~بيتك، فإنك ميت، فلما قال ذلك شعياء لصديقة أقبل على القبلة فصلى ودعا ~~وبكى، فقال وهو يبكي وتضرع إلى الله بقلب مخلص: اللهم رب الأرباب، وإله ~~الآلهة، يا قدوس المتقدس يا رحمن، يا رحيم، يا رؤوف، الذي لا تأخذه سنة ~~ولا نوم، اذكرني بعملي وفعلي وحسن قضائي على بني إسرائيل، وذلك كله كان ~~منك وأنت أعلم به مني، سري وعلانيتي لك وأنت الرحمن. فاستجاب له وكان ~~عبدا صالحا، فأوحى الله تعالى إلى شعياء أن يخبر صديقة أن ربه قد ~~استجاب له ورحمه، وأخر له أجله خمس عشر سنة، وأنجاه من عدوه سنجاريب، ~~فأتاه شعياء فأخبره بذلك، فلما قال له ذلك ذهب عنه الوجع وانقطع عنه ~~الحزن، وخر ساجدا، وقال: يا إلهي وإله آبائي، لك سجدت وسبحت، ~~وكبرت، وعظمت، أنت الذي تعطي الملك لمن تشاء وتنزع الملك ممن تشاء، ~~وتعز من تشاء وتذل من تشاء، عالم الغيب والشهادة، أنت الأول والآخر، ~~والظاهر والباطن، وأنت ترحم وتستجيب دعوة المضطرين، وأنت الذي أجبت دعوتي ~~ورحمت تضرعي. # فلما رفع رأسه أوحى الله إلى شعياء أن قل للملك صديقة فيأمر عبدا من ~~عبيده فيأتيه بماء التين فيجعله في قرحته فيشفى، يصبح وقد برأ، ففعل ~~وشفي. # وقال الملك لشعياء: سل ربك أن يجعل لنا علما بما هو صانع بعدونا هذا. # قال الله لشعياء: قل له: إني قد كفيتك عدوك وأنجيتك منهم، وإنهم سيصبحون ~~موتى كلهم إلا سنجاريب وخمسة نفر من كتابه. # فلما أصبحوا جاء صارخ فصرخ ms1300 على باب المدينة، يا ملك بني إسرائيل إن الله ~~قد كفاك عدوك، فاخرج فإن سنجاريب ومن معه قد هلكوا، فلما خرج الملك التمس ~~سنجاريب فلم يوجد في الموتى، فبعث الملك في طلبه فأدركه الطلب في مغارة ~~وخمسة نفر من كتابه أحدهم بختنصر فجعلوهم في الجوامع ثم أتوا بهم ~~إلى ملك بني إسرائيل، فلما رآهم خر ساجدا لله من حين طلعت الشمس إلى ~~العصر، ثم قال: لسنجاريب: كيف ترى فعل ربنا بكم؟ ألم يقتلكم بحوله ~~وقوته ونحن وأنتم غافلون؟. # فقال سنجاريب له: قد أتاني خبر ربكم ونصره إياكم ورحمته التي يرحمكم بها ~~قبل أن أخرج من بلادي فلم أطع مرشدا، ولم يلقني في الشقوة إلا ذلة في ~~الدنيا وعذاب في الآخرة، فلو سمعت أو عقلت ما غزوتكم. # فقال صديقة: الحمد لله رب العالمين الذي كفاناكم بما شاء، وإن ربنا لم ~~يبقك ومن معك لكرامتك على ربك، ولكنه إنما أبقاك ومن معك لتزدادوا ~~شقوة في الدنيا وعذابا في الآخرة، ولتخبروا من وراءكم بما رأيتم من فعل ~~ربنا بكم فتنذروا من بعدكم، ولولا ذلك لقتلكم ولدمك ولدم من معك ~~أهون على الله من دم قراد، لو قتلت. # ثم إن ملك بني إسرائيل أمر أمير حرسه فقذف في رقابهم الجوامع فطاف بهم ~~سبعين يوما حول بيت المقدس وإيليا، وكان يرزقهم كل يوم خبزتين من شعير ~~لكل رجل منهم، فقال سنجاريب لملك بني إسرائيل: القتل خير مما تفعل بنا. ~~فأمر بهم الملك إلى سجن القتل، فأوحى الله إلى شعياء عليه السلام: أن قل ~~لملك بني إسرائيل يرسل سنجاريب ومن معه لينذروا من وراءهم، وليكرمهم ~~وليحملهم حتى يبلغوا بلادهم، فبلغ شعياء الملك ذلك ففعل [الملك صديقة] ما ~~أمر به. # فخرج سنجاريب ومن معه حتى قدموا بابل فلما قدموا جمع الناس فأخبرهم كيف ~~فعل الله بجنوده، فقال له كهانه وسحرته: يا ملك بابل قد كنا نقص عليك خبر ~~ربهم وخبر نبيهم ووحي الله إلى نبيهم فلم تطعنا، وهي أمة لا يستطيعها أحد ~~مع ربهم، وكان أمر سنجاريب ms1301 تخويفا لهم ثم كفاهم الله، تذكرة وعبرة. # ثم لبث سنجاريب بعد ذلك سبع سنين، ثم مات واستخلف بختنصر، ابن ابنه، على ~~ما كان عليه جده يعمل عمله، فلبث سبع عشرة سنة ثم قبض الله ملك بني ~~إسرائيل صديقة، فمرج أمر بني إسرائيل وتنافسوا الملك حتى قتل بعضهم ~~بعضا، ونبيهم شعياء معهم ولا يقبلون منه، فلما فعلوا ذلك قال الله ~~لشعياء قم في قومك حتى أوحي على لسانك، فلما قام النبي شعياء أنطق الله ~~لسانه بالوحي، فقال: يا سماء اسمعي ويا أرض أنصتي فإن الله يريد أن يقص ~~شأن بني إسرائيل الذين رباهم بنعمته، واصطنعهم لنفسه، وخصهم بكرامته، ~~وفضلهم على عباده، وهم كالغنم الضائعة التي لا راعي لها، فآوى شاردتها ~~وجمع ضالتها، وجبر كسرها، وداوى مريضها، وأسمن مهزولها، وحفظ سمينها، ~~فلما فعل ذلك بطرت فتناطحت كباشها، فقتل بعضها بعضا، حتى لم يبق منها ~~عظم صحيح يجبر إليه آخر كسير، فويل لهذه الأمة الخاطئة الذين لا يدرون ~~أنى جاءهم الخير أن البعير مما يذكر وطنه فينتابه وأن الحمار مما يذكر ~~الأري الذي شبع عليه فيراجعه، وأن الثور مما يذكر المرج الذي سمن فيه ~~فينتابه، وأن هؤلاء القوم لا يذكرون من حيث جاءهم الخير وهم أولوا ~~الألباب والعقول، ليسوا ببقر ولا حمير وأني ضارب لهم مثلا فليسمعوه، قل ~~لهم: كيف ترون في أرض كانت خواء زمانا، خرابا، مواتا، لا عمران فيها، ~~وكان لها رب حكيم قوي، فأقبل عليها بالعمارة وكره أن تخرب أرضه وهو ~~قوي، أو أن يقال ضيع وهو حكيم، فأحاط عليها جدارا، وشيد فيها قصورا، ~~وأنبط نهرا، وصنف فيها غراسا من الزيتون والرمان والنخيل والأعناب ~~وألوان الثمار كلها، وولى ذلك واستحفظه ذا رأي وهمة حفيظا قويا أمينا، ~~فلما أطلعت جاء طلعها خروبا. # قالوا بئست الأرض هذه فنرى أن يهدم جدارها وقصرها ويدفن نهرها ويقبض ~~قيمها ويحرق غراسها حتى تصير كما كانت أول مرة خرابا مواتا لا عمران ~~فيها، قال الله: قل لهم: فإن الجدار ديني، وإن القصر شريعتي، وإن النهر ~~كتابي، ms1302 وإن القيم نبيي، وإن الغراس هم، وإن الخروب الذي أطلع الغراس ~~أعمالهم الخبيثة، وأني قد قضيت عليهم قضاءهم على أنفسهم، وإنه مثل ضربته ~~لهم، يتقربون إلي بذبح البقر والغنم، وليس ينالني اللحم ولا آكله، ~~ويدعون أن يتقربوا إلي بالتقوى والكف عن ذبح الأنفس التي حرمتها ~~فأيديهم مخضوبة منها وثيابهم متزملة بدمائها، يشيدون لي البيوت مساجد، ~~ويطهرون أجوافها وينجسون قلوبهم وأجسادهم ويدنسونها، ويزوقون إلى ~~المساجد، ويزينونها، ويخربون عقولهم وأحلامهم ويفسدونها فأي حاجة لي إلى ~~تشييد البيوت ولست أسكنها؟ وأي حاجة لي إلى تزويق المساجد ولست أدخلها؟ ~~إنما أمرت برفعها لأذكر وأسبح فيها. # يقولون: صمنا فلم يرفع صيامنا وصلينا فلم تنور صلاتنا وتصدقنا فلم يزك ~~صدقاتنا، ودعونا بمثل حنين الحمام وبكينا بمثل عواء الذئاب في كل ذلك لا ~~يستجاب لنا. # قال الله: فاسألهم ما الذي يمنعني أن أستجب لهم؟ ألست أسمع السامعين ~~وأبصر الناظرين وأقرب المجيبين وأرحم الراحمين؟ فكيف أرفع صيامهم وهم ~~يلبسونه بقول الزور ويتقوون عليه بطعمة الحرام؟ أم كيف أنور صلاتهم ~~وقلوبهم صاغية إلى من يحاربني ويحادني وينتهك محارمي؟ أم كيف تزكى عندي ~~صدقاتهم وهم يتصدقون بأموال غيرهم؟ إنما آجر عليها أهلها المغصوبين؟ أم ~~كيف أستجيب دعاءهم وإنما هو قولهم بألسنتهم، والفعل من ذلك بعيد، إنما ~~أستجيب للداعي اللين، وإنما أسمع قول المستعفف المسكين، وإن من علامة ~~رضاي رضا المساكين. # يقولون لما سمعوا كلامي وبلغتهم رسالتي: إنها أقاويل منقولة، وأحاديث ~~متوارثة، وتأليف مما يؤلف السحرة والكهنة، وزعموا أنهم لو شاؤوا أن يأتوا ~~بحديث مثله فعلوا، ولو شاؤوا أن يطلعوا على علم الغيب بما يوحي إليهم ~~الشياطين اطلعوا، وإني قد قضيت يوم خلقت السماء والأرض قضاء أثبته ~~وحتمته على نفسي، وجعلت دونه أجلا مؤجلا لا بد أنه واقع، فإن صدقوا ~~فيما ينتحلون من علم الغيب فليخبروك متى أنفذه؟ أو في أي زمان يكون؟ وإن ~~كانوا يقدرون على أن يأتوا بما يشاؤون، فليأتوا بمثل هذه القدرة التي بها ~~أمضيت فإني مظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وإن كانوا يقدرون على ~~أن ms1303 يقولوا ما يشاؤون فليقولوا مثل الحكمة التي بها أدبر أمر ذلك القضاء ~~إن كانوا صادقين، وإني قد قضيت يوم خلقت السماء والأرض أن أجعل النبوة في ~~الأجراء، وأن أجعل الملك في الرعاء، والعز في الأذلاء، والقوة في ~~الضعفاء، والغنى في الفقراء، والعلم في الجهالة، والحكمة في الأميين ~~فسلهم متى هذا ومن القائم به، ومن أعوان هذا الأمر وأنصاره إن كانوا ~~يعلمون، فإني باعث لذلك نبيا أميا أمينا ليس بفظ ولا غليظ، ولا ~~صخاب في الأسواق، ولا متزين بالفحش، ولا قوال للخنا أسدده ~~لكل جميل، وأهب له كل خلق كريم، أجعل السكينة لباسه، والبر شعاره، ~~والتقوى ضميره، والحكمة معقوله، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف ~~خلقه، والعدل سيرته، والحق شريعته والهدى [والقرآن] إمامه، والإسلام ~~ملته وأحمد اسمه، أهدي به بعد الضلالة، وأعلم به بعد الجهالة وأرفع ~~به بعد الخمالة، وأشهر به بعد النكرة وأكثر به بعد القلة، وأغني به بعد ~~العيلة، وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به بين قلوب مختلفة، وأهواء متشتة ~~وأمم متفرقة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر، توحيدا لي وإيمانا وإخلاصا لي يصلون قياما وقعودا وركعا ~~وسجودا، ويقاتلون في سبيلي صفوفا وزحوفا، ويخرجون من ديارهم وأموالهم ~~ابتغاء رضواني ألهمهم التكبير والتوحيد والتسبيح والتحميد والمدحة ~~والتمجيد في مسيرهم ومجالسهم ومضاجعهم ومناقبهم ومثواهم، يكبرون ~~ويهللون ويقدسون على رؤوس الأشراف ويطهرون لي الوجوه والأطراف يعقدون لي ~~الثياب على الأنصاف، قربانهم دماؤهم، وأناجيلهم في صدورهم، رهبان بالليل ~~ليوث بالنهار، وذلك فضلي أوتيه من أشاء وأنا ذو الفضل العظيم. # فلما فرغ شعياء من مقالته عدوا عليه ليقتلوه فهرب منهم، فلقيته شجرة ~~فانفلقت له فدخل فيها، فأدركه الشيطان، فأخذ بهدبة من ثوبه فأراهم ~~إياها، فوضعوا المنشار في وسطها فنشروها حتى قطعوها وقطعوه في وسطها، ~~واستخلف الله على بني إسرائيل بعد ذلك رجلا منهم يقال له ناشية بن أموص، ~~وبعث لهم أرمياء بن حلقيا نبيا، وكان من سبط هارون بن عمران. # وذكر ابن إسحاق أنه الخضر واسمه أرمياء، سمي الخضر لأنه ms1304 جلس على ~~فروة بيضاء فقام عنها وهي تهتز خضراء. # فبعث الله أرمياء إلى ذلك الملك ليسدده ويرشده ثم عظمت الأحداث في بني ~~إسرائيل وركبوا المعاصي واستحلوا المحارم، فأوحى الله إلى أرمياء أن ائت ~~قومك من بني إسرائيل فاقصص عليهم ما آمرك به وذكرهم نعمتي وعرفهم ~~بأحداثهم، فقال أرمياء: يا رب إني ضعيف إن لم تقوني، عاجز إن لم ~~تبلغني، مخذول إن لم تنصرني، قال الله تعالى: أو لم تعلم أن الأمور كلها ~~تصدر عن مشيئتي، وأن القلوب والألسنة بيدي أقلبها كيف شئت، إني معك ولن ~~يصل إليك شيء معي، فقام أرمياء فيهم ولم يدر ما يقول فألهمه الله عز ~~وجل في الوقت خطبة بليغة، بين فيها ثواب الطاعة وعقاب المعصية، وقال ~~في آخرها عن الله تعالى: وإني حلفت بعزتي لأقيضن لهم فتنة يتحير فيها ~~الحليم ولأسلطن عليهم جبارا قاسيا ألبسه الهيبة، وأنزع من صدره الرحمة ~~يتبعه عدد مثل سواد الليل المظلم، ثم أوحى الله إلى أرمياء: إني مهلك بني ~~إسرائيل بيافث، ويافث من أهل بابل - على ما ذكرنا في سورة البقرة - فسلط ~~الله عليهم بختنصر فخرج في ستمائة ألف راية، ودخل بيت المقدس بجنوده ~~ووطىء الشام، وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم، وخرب بيت المقدس، وأمر جنوده ~~أن يملأ كل رجل منهم ترسه ترابا ثم يقذفه في بيت المقدس، ففعلوا ذلك حتى ~~ملؤوه، ثم أمرهم أن يجمعوا من في بلدان بيت المقدس كلهم، فاجتمع عنده ~~كل صغير وكبير من بني إسرائيل، فاختار منهم سبعين ألف صبي فلما خرجت ~~غنائم جنده، وأراد أن يقسمها فيهم قالت له الملوك الذين كانوا معه: أيها ~~الملك لك غنائمنا كلها، واقسم بيننا هؤلاء الصبيان الذين اخترتهم من بني ~~إسرائيل، فقسمهم بين الملوك الذين كانوا معه فأصاب كل رجل منهم أربعة ~~غلمان، وفرق من بقي من بني إسرائيل ثلاث فرق، فثلثا أقر بالشام، ~~وثلثا سبي، وثلثا قتل، وذهب بناشئة بيت المقدس وبالصبيان السبعين ~~الألف حتى أقدمهم بابل فكانت هذه الوقعة الأولى التي أنزل الله ببني ~~إسرائيل بظلمهم، ms1305 فذلك قوله تعالى: " فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم ~~عبادا لنا أولي بأس شديد " يعني: بختنصر وأصحابه. # ثم إن بختنصر أقام في سلطانه ما شاء الله ثم رأى رؤيا أعجبته، إذ رأى ~~شيئا أصابه فأنساه الله الذي رأى، فدعا دانيال وحنانيا وعزازيا ~~وميشائيل، وكانوا من ذراري الأنبياء وسألهم عنها قالوا: أخبرنا بها نخبرك ~~بتأويلها، قال: ما أذكرها ولئن لم تخبروني بها وبتأويلها لأنزعن ~~أكتافكم، فخرجوا من عنده فدعوا الله وتضرعوا إليه، فأعلمهم بالذي سألهم ~~عنه، فجاؤوه وقالوا: رأيت تمثالا قدماه وساقاه من فخار، وركبتاه وفخذاه ~~من نحاس، وبطنه من فضة، وصدره من ذهب، ورأسه وعنقه من حديد، قال: صدقتم، ~~قالوا: فبينما أنت تنظر إليه وقد أعجبك أرسل الله تعالى صخرة من السماء ~~فدقته فهي التي أنستكها، قال: صدقتم، قال: فما تأويلها؟ قالوا: ~~تأويلها أنك رأيت ملك الملوك، فبعضهم كان ألين ملكا وبعضهم كان أحسن ~~ملكا وبعضهم كان أشد ملكا، الفخار أضعفه، ثم فوقه النحاس أشد منه، ~~ثم فوق النحاس الفضة أحسن من ذلك وأفضل، والذهب أحسن من الفضة وأفضل، ثم ~~الحديد ملكك فهو أشد وأعز مما كان قبله، والصخرة التي رأيت أرسل الله من ~~السماء فدقته نبي يبعثه الله من السماء فيدق ذلك أجمع ويصير الأمر ~~إليه. # ثم إن أهل بابل قالوا لبختنصر: أرأيت هؤلاء الغلمان من بني إسرائيل ~~الذين كنا سألناك أن تعطيناهم ففعلت، فإنا قد أنكرنا نساءنا منذ كانوا ~~معنا، لقد رأينا نساءنا انصرفت عنا وجوههن إليهم فأخرجهم من بين أظهرنا ~~أو اقتلهم، قال: شأنكم بهم، فمن أحب منكم أن يقتل من كان في يده فليفعل. # فلما قربوهم للقتل بكوا إلى الله تعالى وقالوا: يا رب أصابنا البلاء ~~بذنوب غيرنا فوعد الله أن يجيبهم، فقتلوا إلا من استبقى بختنصر منهم ~~دانيال وحنانيا وعزازيا وميشائيل. # ثم لما أراد الله هلاك بختنصر انبعث فقال لمن في يده من بني إسرائيل: ~~أرأيتم هذا البيت الذي خربته والناس الذين قتلت منهم؟ وما هذا البيت؟ ~~قالوا: هذا بيت الله، وهؤلاء أهله، كانوا من ms1306 ذراري الأنبياء، فظلموا ~~وتعدوا فسلطت عليهم بذنوبهم، وكان ربهم، رب السموات والأرض ورب ~~الخلق كلهم، يكرمهم ويعزهم، فلما فعلوا ما فعلوا أهلكهم الله وسلط عليهم ~~غيرهم، فاستكبر وظن أنه بجبروته فعل ذلك ببني إسرائيل، قال: فأخبروني كيف ~~لي أن أطلع إلى السماء العلياء فأقتل من فيها وأتخذها ملكا لي فإني قد ~~فرغت من الأرض، قالوا: ما يقدر عليها أحد من الخلائق، قال: لتفعلن أو ~~لأقتلنكم عن آخركم، فبكوا وتضرعوا إلى الله تعالى فبعث الله عليه بقدرته ~~بعوضة فدخلت منخرة حتى عضت بأم دماغه، فما كان يقر ولا يسكن حتى يوجأ ~~له رأسه على أم دماغه، فلما مات شقوا رأسه فوجدوا البعوضة عاضة على أم ~~دماغه ليري الله العباد قدرته، ونجى الله من بقي من بني إسرائيل في ~~يديه، فردوهم إلى الشام فبنوا فيه وكثروا حتى كانوا على أحسن ما كانوا ~~عليه. # ويزعمون: أن الله تعالى أحيا أولئك الذين قتلوا فلحقوا بهم، ثم إنهم لما ~~دخلوا الشام دخلوها وليس معهم عهد من الله تعالى وكانت التوراة قد أحرقت، ~~وكان عزير من السبايا الذين كانوا ببابل فرجع إلى الشام يبكي عليها ليله ~~ونهاره، وقد خرج من الناس، فهو كذلك إذ أقبل إليه رجل فقال: يا عزير ما ~~يبكيك؟ قال: أبكي على كتاب الله وعهده الذي كان بين أظهرنا، الذي لا ~~يصلح دنيانا وآخرتنا غيره، قال: أفتحب أن يرد إليك؟ قال: ارجع فصم ~~وتطهر، وطهر ثيابك، ثم موعدك هذا المكان غدا، فرجع عزير فصام وتطهر ~~وطهر ثيابه، ثم عمد إلى المكان الذي وعده فجلس فيه، فأتاه ذلك الرجل ~~بإناء فيه ماء، وكان ملكا بعثه الله إليه فسقاه من ذلك الإناء، فمثلت ~~التوراة في صدره فرجع إلى بني إسرائيل فوضع لهم التوراة فأحبوه حتى لم ~~يحبوا حبه شيئا قط، ثم قبضه الله وجعلت بنو إسرائيل بعد ذلك يحدثون ~~الأحداث ويعود الله عليهم ويبعث فيهم الرسل، ففريقا يكذبون وفريقا ~~يقتلون حتى كان آخر من بعث الله فيهم من أنبيائهم زكريا ويحيى وعيسى، ~~وكانوا من بيت ms1307 آل داود، فمات زكريا، وقيل قتل زكريا، فلما رفع الله عيسى ~~من بين أظهرهم، وقتلوا يحيى، بعث الله عليهم ملكا من ملوك بابل يقال له ~~خردوش، فسار إليهم بأهل بابل حتى دخل عليهم الشام فلما ظهر عليهم أمر ~~رأسا من رؤوس جنوده يدعى بيورزاذان صاحب القتل، فقال: إني كنت حلفت ~~بإلهي لئن أنا ظفرت على أهل بيت المقدس لأقتلنهم حتى تسيل دماؤهم في وسط ~~عسكري، إلا أني لا أجد أحدا أقتله، فأمره أن يقتلهم حتى بلغ ذلك منهم ~~بيورزاذان، ودخل بيت المقدس فقام في البقعة التي كانوا يقربون فيها ~~قربانهم فوجد فيها دما يغلي فسألهم، فقال: يا بني إسرائيل ما شأن هذا ~~الدم يغلي؟ أخبروني خبره، قالوا: هذا دم قربان لنا قربناه فلم يقبل منا ~~فلذلك يغلي، ولقد قربنا منذ ثمانمائة سنة القربان فيقبل منا إلا هذا، ~~فقال: ما صدقتموني، فقالوا: لو كان كأول زماننا لتقبل منا، ولكن قد انقطع ~~منا الملك والنبوة والوحي فلذلك لم يقبل منا، فذبح منهم بيورزاذان على ~~ذلك الدم سبعمائة وسبعين رجلا من رؤوسهم، فلم يهدأ، فأمر فأتي بسبعمائة ~~غلام من غلمانهم فذبحهم على الدم فلم يهدأ، فأمر بسبعة آلاف من شيبهم ~~وأزواجهم فذبحهم على الدم فلم يبرد، فلما رأى بيورزاذان الدم لا يهدأ قال ~~لهم: يا بني إسرائيل ويلكم اصدقوني واصبروا على أمر ربكم، فقد طال ما ~~ملكتم في الأرض تفعلون فيها ما شئتم قبل أن لا أترك منكم نافخ نار أنثى ~~ولا ذكر إلا قتلته، فلما رأوا الجهد منه وشدة القتل صدقوا الخبر، فقالوا: ~~إن هذا الدم دم نبي كان ينهانا عن أمور كثيرة من سخط الله فلو أنا أطعناه ~~فيها لكان أرشد لنا وكان يخبرنا بأمركم فلم نصدقه، فقتلناه فهذا دمه، ~~فقال لهم بيورزاذان: ما كان اسمه؟ قالوا: يحيى بن زكريا، قال الآن ~~صدقتموني، لمثل هذا انتقم ربكم منكم، فلما رأى بيورزاذان أنهم صدقوه ~~خر ساجدا وقال لمن حوله: أغلقوا أبواب المدينة، وأخرجوا من كان هاهنا ~~من جيش خردوش، وخلا في بني ms1308 إسرائيل، ثم قال: يا يحيى بن زكريا قد علم ~~ربي وربك ما قد أصاب قومك من أجلك وما قتل منهم فاهدأ بإذن ربك قبل أن ~~لا أبقي من قومك أحدا، فهدأ الدم بإذن الله، ورفع بيورزاذان عنهم القتل، ~~وقال: آمنت بما آمنت به بنو إسرائيل وأيقنت أنه لا رب غيره، وقال لبني ~~إسرائيل: إن خردوش أمرني أن أقتل منكم حتى تسيل دماؤكم وسط عسكره، وإني ~~لست أستطيع أن أعصيه، قالوا له: افعل ما أمرت به، فأمرهم فحفروا خندقا، ~~وأمر بأموالهم من الخيل والبغال والحمير والإبل والبقر والغنم فذبحها ~~حتى سال الدم في العسكر، وأمر بالقتلى الذين قتلوا قبل ذلك فطرحوا على ما ~~قتل من مواشيهم، فلم يظن خردوش إلا أن ما في الخندق من بني إسرائيل، فلما ~~بلغ الدم عسكره أرسل إلى بيورزاذان أن ارفع عنهم القتل، ثم انصرف إلى ~~بابل، وقد أفنى بني إسرائيل أو كاد أن يفنيهم، وهي الوقعة الأخيرة التي ~~أنزل الله ببني إسرائيل، وذلك قوله: { لتفسدن فى الأرض ~~مرتين } ، فكانت الوقعة الأولى بختنصر وجنوده، والأخرى خردوش ~~وجنوده، وكانت أعظم الوقعتين فلم تقم لهم بعد ذلك راية، وانتقل الملك ~~بالشام ونواحيها إلى الروم اليونانية إلا أن بقايا بني إسرائيل كثروا، ~~وكانت لهم الرياسة ببيت المقدس ونواحيها على غير وجه الملك، وكانوا في ~~نعمة إلى أن بدلوا وأحدثوا الأحداث فسلط الله عليهم ططيوس بن سبيانوس ~~الرومي، فأخرب بلادهم وطردهم عنها ونزع الله عنهم الملك والرياسة وضربت ~~عليهم الذلة فليسوا في أمة إلا وعليهم الصغار والجزية، وبقي بيت المقدس ~~خرابا إلى أيام عمر بن الخطاب فعمره المسلمون بأمره. # وقال قتادة: بعث الله عليهم جالوت في الأولى فسبى وقتل وخرب { ثم ~~رددنا لكم الكرة عليهم } يعني في زمان داود، فإذا جاء ~~وعد الآخرة بعث الله عليهم بختنصر فسبى وخرب، ثم قال: { عسى ~~ربكم أن يرحمكم } فعاد الله عليهم بالرحمة ثم عاد القوم ~~بشر ما بحضرتهم، فبعث الله عليهم ما شاء من نقمته وعقوبته، ثم بعث الله ~~عليهم العرب كما قال: ms1309 { وإذ تأذن ربك ليبعثن ~~عليهم إلى يوم القيمة من يسومهم سوء ~~العذاب } ، فهم في العذاب إلى يوم القيامة. # وذكر السدي بإسناده: أن رجلا من بني إسرائيل رأى في النوم أن خراب بيت ~~المقدس على يدي غلام يتيم ابن أرملة من أهل بابل، يدعى بختنصر، وكانوا ~~يصدقون فتصدق رؤياهم، فأقبل ليسأل عنه حتى نزل على أمه وهو يحتطب، فجاء ~~وعلى رأسه حزمة حطب، فألقاها ثم قعد، فكلمه ثم أعطاه ثلاثة دراهم، فقال: ~~اشتر بهذا طعاما وشرابا، فاشترى بدرهم لحما، وبدرهم خبزا، وبدرهم ~~خمرا، فأكلوا وشربوا، وفعل في اليوم الثاني كذلك وفي اليوم الثالث كذلك، ~~ثم قال: إني أحب أن تكتب لي أمانا إن أنت ملكت يوما في الدهر، فقال: ~~تسخر مني؟ فقال: إني لا أسخر منك ولكن ما عليك أن تتخذ بها عندي يدا، ~~فكتب له أمانا، وقال: أرأيت إن جئت والناس حولك قد حالوا بيني وبينك، ~~قال: ترفع صحيفتك على قصبة فأعرفك، فكتب له وأعطاه، ثم إن ملك بني ~~إسرائيل كان يكرم يحيى بن زكريا ويدني مجلسه وأنه هوي ابنة امرأته،وقال ~~ابن عباس: ابنة أخته، فسأل يحيى بن زكريا عن تزويجها فنهاه عن نكاحها ~~فبلغ ذلك أمها فحقدت على يحيى بن زكريا، وعمدت حين جلس الملك على شرابه ~~فألبستها ثيابا رقاقا حمرا، وطيبتها وألبستها الحلي، وأرسلتها إلى ~~الملك وأمرتها أن تسقيه، فإن أرادها عن نفسها أبت عليه حتى يعطيها ما ~~سألته، فإذا أعطاها سألت رأس يحيى بن زكريا أن يؤتى به في طست، ففعلت، ~~فلما أرادها قالت لا أفعل حتى تعطيني ما أسألك، قال: فما تسأليني؟ قالت: ~~رأس يحيى بن زكريا في هذا الطست، فقال: ويحك سليني غير هذا، فقالت: ما ~~أريد إلا هذا، فلما أبت عليه بعث فأتي برأسه حتى وضع بين يديه والرأس ~~يتكلم، ويقول: لا تحل لك، فلما أصبح إذا دمه يغلي فأمر بتراب فألقي عليه ~~فرقى الدم يعني صعد الدم يغلي، ويلقي عليه من التراب حتى بلغ سور المدينة ~~وهو في ذلك يغلي، فبعث صخابين ملك ms1310 بابل جيشا إليهم وأمر عليهم بختنصر، ~~فسار بختنصر وأصحابه حتى بلغوا ذلك المكان تحصنوا منه في مدائنهم، فلما ~~اشتد عليهم المقام أراد الرجوع فخرجت إليه عجوز من عجائز بني إسرائيل، ~~فقالت: تريد أن ترجع قبل فتح المدينة؟ قال: نعم، قد طال مقامي وجاع ~~أصحابي، قالت: أرأيت إن فتحت لك المدينة تعطيني ما أسألك فتقتل من ~~أمرتك بقتله وتكف إذا أمرتك أن تكف؟ قال: نعم، قالت: إذا أصبحت تقسم جندك ~~أربعة أرباع، ثم أقم على كل زاوية ربعا، ثم ارفعوا أيديكم إلى السماء ~~فنادوا: إنا نستفتحك يا الله بدم يحيى بن زكريا، فإنها سوف تتساقط، ~~ففعلوا فتساقطت المدينة ودخلوا من جوانبها، فقالت: كف يدك وانطلقت به ~~إلى دم يحيى بن زكريا وقالت: اقتل على هذا الدم حتى يسكن فقتل عليه سبعين ~~ألفا حتى سكن، فلما سكن قالت: كف يدك، فإن الله لم يرض إذا قتل نبي حتى ~~يقتل من قتله ومن رضي بقتله، وأتاه صاحب الصحيفة بصحيفته فكف عنه وعن ~~أهل بيته، فخرب بيت المقدس وطرح فيه الجيف، وأعانه على خرابه الروم من ~~أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا، وذهب معه بوجوه بني إسرائيل ~~وذهب بدانيال وقوم من أولاد الأنبياء وذهب معه برأس جالوت، فلما قدم بابل ~~وجد صخابين قد مات فملك مكانه، وكان أكرم الناس عنده دانيال وأصحابه، ~~فحسدهم المجوس ووشوا بهم إليه وقالوا: إن دانيال وأصحابه لا يعبدون إلهك ~~ولا يأكلون ذبيحتك، فسألهم فقالوا: أجل لنا ربا نعبده ولسنا نأكل من ~~ذبيحتكم، فأمر الملك بخد فخد لهم فألقوا فيه وهم ستة، وألقى معهم ~~بسبع ضار ليأكلهم، فذهبوا ثم راحوا فوجدوهم جلوسا والسبع مفترش ~~ذراعيه معهم لم يخدش منهم أحدا، ووجدوا معهم رجلا سابعا، فقال: ما ~~هذا السابع إنما كانوا ستة فخرج السابع وكان ملكا فلطمه لطمة فصار في ~~صورة الوحوش، ومسخه الله سبع سنين. # وذكر وهب: أن الله مسخ بختنصر نسرا في الطير ثم مسخه ثورا في الدواب، ~~ثم مسخه أسدا في الوحوش، فكان مسخه سبع سنين، ms1311 وقلبه في ذلك قلب إنسان، ~~ثم رد الله إليه ملكه فآمن، فسئل وهب أكان مؤمنا؟ فقال: وجدت أهل ~~الكتاب اختلفوا فيه فمنهم من قال مات مؤمنا ومنهم من قال أحرق بيت ~~المقدس وكتبه وقتل الأنبياء، فغضب الله عليه فلم يقبل توبته. # وقال السدي: ثم إن بختنصر لما رجع إلى صورته بعد المسخ ورد الله إليه ~~ملكه وكان دانيال وأصحابه أكرم الناس عليه فحسدهم المجوس، وقالوا ~~لبختنصر: إن دانيال إذا شرب الخمر لم يملك نفسه أن يبول وكان ذلك فيهم ~~عارا فجعل لهم طعاما وشرابا فأكلوا وشربوا، وقال للبواب: انظر أول ~~من يخرج ليبول فاضربه بالطبرزين، فإن قال أنا بختنصر، فقل: كذبت، بختنصر ~~أمرني، فكان أول من قام للبول بختنصر فلما رآه البواب شد عليه، فقال: ~~ويحك أنا بختنصر، فقال: كذبت، بختنصر أمرني، فضربه فقتله، هذا ما ذكره في ~~المبتدأ، إلا أن رواية من روى أن بختنصر غزا بني إسرائيل عند قتلهم يحيى ~~بن زكريا غلط عند أهل السير، بل هم مجمعون على أن بختنصر إنما غزا بني ~~إسرائيل عند قتلهم شعياء في عهد أرمياء، ومن وقت أرمياء وتخريب بختنصر ~~بيت المقدس إلى مولد يحيى بن زكريا أربعمائة وإحدى وستون سنة، وذلك أنهم ~~كانوا يعدون من لدن تخريب بختنصر بيت المقدس إلى حين عمارته في عهد كيرش ~~بن أخشورش بن أصيهيد ببابل من قبل بهمن بن اسفنديار سبعين سنة، ثم ~~من بعد عمارته إلى ظهور الاسكندر على بيت المقدس ثمان وثمانون سنة، ثم من ~~بعد مملكته إلى مولد يحيى بن زكريا ثلثمائة وستون سنة. # والصحيح من ذلك ما ذكر محمد بن إسحاق. # قوله عز وجل: { وقضينآ إلى بنى إسرءيل فى ~~الكتب } أي: أعلمناهم وأخبرناهم فيما آتيناهم من الكتب أنهم ~~سيفسدون. # والقضاء على وجوه: يكون أمرا، كقوله: # وقضى ربك # [الإسراء: 23]. # ويكون حكما، كقوله # إن ربك يقضى بينهم # [يونس: 93، والنحل: 78] # ويكون خلقا كقوله: # فقضاهن سبع سموت # [فصلت: 12]. # وقال ابن عباس وقتادة: يعني وقضينا عليهم، و " إلى " بمعنى " على " ، ~~والمراد بالكتاب: اللوح المحفوظ. # { لتفسدن ms1312 } ، لام القسم، مجازه: والله لتفسدن، { فى الأرض ~~مرتين } ، بالمعاصي، والمراد بالأرض: أرض الشام وبيت المقدس، { ~~ولتعلن } ، ولتستكبرن، ولتظلمن الناس، { علوا كبيرا }. ### || [17.5-7] # { فإذا جآء وعد أولهما } ، يعني: أولى المرتين. # قال قتادة: إفسادهم في المرة الأولى ما خالفوا من أحكام التوراة، وركبوا ~~المحارم. # وقال ابن إسحاق: إفسادهم في المرة الأولى قتل شعياء بين الشجرة ~~وارتكابهم المعاصي. # { بعثنا عليكم عبادا لنآ } ، قال قتادة: يعني جالوت ~~الخزري وجنوده، وهو الذي قتله داود. # وقال سعيد بن جبير: يعني سنجاريب من أهل نينوي. # وقال ابن إسحاق: بختنصر البابلي وأصحابه، وهو الأظهر. # { أولى بأس } ، ذوي بطش، { شديد } ، في الحرب، { فجاسوا } ~~، أي: فطافوا وداروا، { خلل الديار } ، وسطها يطلبونكم ~~ويقتلونكم، والجوس طلب الشيء بالاستقصاء. قال الفراء: جاسوا قتلوكم بين ~~بيوتكم. # { وكان وعدا مفعولا } ، قضاء كائنا لا خلف فيه. # { ثم رددنا لكم الكرة } ، يعني: الرجعة والدولة، { ~~عليهم وأمددنكم بأمول وبنين وجعلنكم ~~أكثر نفيرا } ، عددا، أي: من ينفر معهم وعاد البلد أحسن مما كان. # { إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم } ، أي: لها ثوابها، { ~~وإن أسأتم فلها } ، أي: فعليها، كقوله تعالى: # فسلم لك # [الواقعة: 91] أي: عليك. وقيل: فلها الجزاء والعقاب. # { فإذا جآء وعد الأخرة } أي: المرة الأخرة من إفسادكم، وذلك ~~قصدهم قتل عيسى عليه السلام حين رفع وقتلهم يحيى بن زكريا عليهما ~~السلام، فسلط الله عليهم الفرس والروم، خردوش وطيطوس حتى قتلوهم وسبوهم ~~ونفوهم عن ديارهم، فذلك قوله تعالى: { ليسوءوا وجوهكم } ، أي: ~~تحزن وجوهكم، وسوء الوجه بإدخال الغم والحزن. # قرأ الكسائي ويعقوب. { لنسوء } بالنون وفتح الهمزة على التعظيم، كقوله: ~~" وقضينا " و " بعثنا " وقرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر بالياء وفتح الهمزة ~~على التوحيد، أي: ليسوء الله وجوهكم، وقيل: ليسوء الوعد وجوهكم. # وقرأ الباقون بالياء وضم الهمزة على الجمع، أي ليسوء العباد أولو البأس ~~الشديد وجوهكم. # { وليدخلوا المسجد } ، يعني: بيت المقدس ونواحيه، { كما ~~دخلوه أول مرة وليتبروا } ، وليهلكوا، { ما ~~علوا } أي: غلبوا عليه من بلادكم { تتبيرا }. ### || [17.8-10] # { عسى ربكم } ، يا بني إسرائيل، { أن يرحمكم } ، بعد ~~انتقامه منكم، فيرد الدولة إليكم، { وإن عدتم عدنا } ، أي: ms1313 ~~إن عدتم إلى المعصية عدنا إلى العقوبة. قال قتادة: فعادوا فبعث الله ~~عليهم محمدا صلى الله عليه وسلم فهم يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون. # { وجعلنا جهنم للكفرين حصيرا } ، سجنا ومحبسا من ~~الحصر وهو الحبس. # قال الحسن: حصيرا أي: فراشا. وذهب إلى الحصير الذي يبسط ويفرش. # { إن هذا القرءان يهدى للتى هى أقوم } ، أي: ~~إلى الطريقة التي هي أصوب. وقيل الكلمة التي هي أعدل وهي شهادة أن لا ~~إله إلا الله، { ويبشر } ، يعني: القرآن، { المؤمنين ~~الذين يعملون الصلحات أن لهم } ، بأن لهم، { أجرا ~~كبيرا } ، وهو الجنة. # { وأن الذين لا يؤمنون بالأخرة أعتدنا لهم ~~عذابا أليما } ، وهو النار. ### || [17.11-12] # وقوله تعالى: { ويدع الإنسن } ، حذف الواو لفظا لاستقبال ~~اللام الساكنة كقوله: # سندع الزبانية # [العلق: 18]، وحذف في الخط أيضا وهي غير محذوفة في المعنى. ومعناه: ~~ويدعو الإنسان على ماله وولده ونفسه، { بالشر } ، فيقول عند الغضب: ~~اللهم العنه وأهلكه ونحوهما، { دعآءه بالخير } ، أي: كدعائه ~~ربه بالخير أن يهب له النعمة والعافية ولو استجاب الله دعاءه على نفسه ~~لهلك، ولكن الله لا يستجيب بفضله، { وكان الإنسن عجولا } ~~بالدعاء على ما يكره أن يستجاب له فيه. قال جماعة من أهل التفسير، وقال ~~ابن عباس: ضجرا، لا صبر له على السراء والضراء. # قوله عز وجل: { وجعلنا اليل والنهار ءايتين } ، ~~أي: علامتين دالتين على وجودنا ووحدانيتنا وقدرتنا، { فمحونآ ~~ءاية اليل } ، قال ابن عباس: جعل الله نور الشمس سبعين جزءا، ~~ونور القمر كذلك، فمحا من نور القمر تسعة وستين جزءا فجعلها مع نور ~~الشمس. # وحكى أن الله تعالى أمر جبريل فأمر جناحه على وجه القمر ثلاث مرات ~~فطمس عنه الضوء وبقي فيه النور. # وسأل ابن الكواء عليا عن السواد الذي في القمر؟ قال: هو أثر المحو. # { وجعلنآ ءاية النهار مبصرة } ، منيرة مضيئة، يعني ~~يبصر بها. قال الكسائي: تقول العرب أبصر النهار إذا أضاء بحيث يبصر بها، ~~{ لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد ~~السنين والحساب } ، أي: لو ترك الله الشمس والقمر كما خلقهما لم ~~يعرف الليل من النهار ولم يدر ms1314 الصائم متى يفطر، ولم يدر وقت الحج ~~ولا وقت حلول الآجال ولا وقت السكون والراحة. { وكل شىء ~~فصلناه تفصيلا }. ### || [17.13-15] # قوله عز وجل: { وكل إنسن ألزمنه طئره فى ~~عنقه } ، قال ابن عباس: عمله وما قدر عليه فهو ملازمه أينما كان. # وقال الكلبي ومقاتل: خيره وشره معه لا يفارقه حتى يحاسب به. # وقال الحسن: يمنه وشؤمه. # وعن مجاهد: ما من مولود إلا في عنقه ورقة مكتوب فيها شقي أو سعيد. # وقال أهل المعاني: أراد بالطائر ما قضى الله عليه أنه عامله وما هو صائر ~~إليه من سعادة أو شقاوة سمي " طائرا " على عادة العرب فيما كانت ~~تتفاءل وتتشاءم به من سوانح الطير وبوارحها. # وقال أبو عبيدة والقتيبي: أراد بالطائر حظه من الخير والشر، من قولهم ~~طار سهم فلان بكذا، وخص العنق من بين سائر الأعضاء لأنه موضع القلائد ~~والأطواق وغيرهما مما يزين أو يشين، فجرى كلام العرب بتشبيه الأشياء ~~اللازمة إلى الأعناق. # { ونخرج له } ، يقول الله تعالى: ونحن نخرج له، { يوم ~~القيمة كتابا } ، وقرأ الحسن ومجاهد ويعقوب { ويخرج له } ~~بفتح الياء وضم الراء، معناه: ويخرج له الطائر يوم القيامة كتابا. # وقرأ أبو جعفر { يخرج } بالياء وضمها وفتح الراء. # { يلقه } ، قرأ ابن عامر وأبو جعفر { يلقاه } بضم الياء وفتح ~~اللام وتشديد القاف، يعني: يلقى الإنسان ذلك الكتاب، أي: يؤتاه. وقرأ ~~الباقون بفتح الياء خفيفة أي يراه { منشورا } ، وفي الآثار: أن الله ~~تعالى يأمر الملك بطي الصحيفة إذا تم عمر العبد فلا تنشر إلا في يوم ~~القيامة. # { اقرأ كتبك } ، أي: يقال له: اقرأ كتابك، قوله تعالى: { ~~كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا } ، محاسبا. قال الحسن: ~~لقد عدل عليك من جعلك حسيب نفسك. قال قتادة: سيقرأ يومئذ من لم يكن ~~قارئا في الدنيا. # { من اهتدى فإنما يهتدى لنفسه } ، لها ثوابه، { ~~ومن ضل فإنما يضل عليها } ، لأن عليها عقابه. # { ولا تزر وازرة وزر أخرى } ، أي: لا تحمل حاملة حمل ~~أخرى من الآثام، أي: لا يؤخذ أحد بذنب أحد. { وما كنا معذبين ~~حتى نبعث رسولا } ، إقامة للحجة ms1315 وقطعا للعذر، وفيه دليل على ~~أن ما وجب وجب بالسمع لا بالعقل. ### || [17.16] # { وإذآ أردنآ أن نهلك قرية أمرنا مترفيها } ، ~~قرأ مجاهد: { أمرنا } بالتشديد أي: سلطنا شرارها فعصوا، وقرأ الحسن ~~وقتادة ويعقوب { آمرنا } بالمد، أي: أكثرنا. # وقرأ الباقون مقصورا مخففا، أي: أمرناهم بالطاعة فعصوا، ويحتمل أن ~~يكون معناه جعلناهم أمراء، ويحتمل أن تكون بمعنى أكثرنا، يقال: أمرهم ~~الله أي كثرهم الله. وفي الحديث: # " خير المال مهرة مأمورة " # أي كثيرة النسل. ويقال: منه أمر القوم يأمرون أمرا إذا كثروا، وليس من ~~الأمر بمعنى الفعل، فإن الله لا يأمر بالفحشاء. # واختار أبو عبيدة قراءة العامة وقال: لأن المعاني الثلاثة تجتمع فيها ~~يعني الأمر والإمارة والكثرة. # { مترفيها } منعميها وأغنياءها { ففسقوا فيها فحق ~~عليها القول } ،، وجب عليها العذاب، { فدمرناها ~~تدميرا } ، أي: خربناها وأهلكنا من فيها. # أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، حدثنا محمد ~~بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا يحيى بن بكر، حدثنا الليث عن ~~عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير أن زينب بنت أبي سلمة حدثته عن أم ~~حبيبة بنت أبي سفيان، # " عن زينب بنت جحش أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها فزعا وهو ~~يقول: «لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ~~ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بأصبعه الإبهام والتي تليها» قالت زينب ~~فقلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث» ". ### || [17.17-20] # قوله: { وكم أهلكنا من القرون } أي: المكذبة، { من ~~بعد نوح } ، يخوف كفار مكة، { وكفى بربك بذنوب ~~عباده خبيرا بصيرا } ، قال عبدالله بن أبي أوفى: القرن ~~مائة وعشرون سنة، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول قرن، وكان في ~~آخره يزيد بن معاوية. # وقيل: مائة سنة. وروي عن محمد بن القاسم عن عبدالله بن بسر المازني أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع يده على رأسه وقال: # " سيعيش هذا الغلام قرنا " # قال محمد بن القاسم فما زلنا نعد له حتى تم ms1316 له مائة سنة، ثم مات. # قال الكلبي: ثمانون سنة. وقيل: أربعون سنة. # { من كان يريد العجلة } ، يعني الدنيا، أي: الدار ~~العاجلة، { عجلنا له فيها ما نشآء } ، من البسط والتقتير، { ~~لمن نريد } ، أن نفعل به ذلك أو إهلاكه، { ثم جعلنا له } ~~في الآخرة، { جهنم يصلها } ، يدخل نارها، { مذموما ~~مدحورا } ، مطرودا مبعدا. # { ومن أراد الأخرة وسعى لها سعيها } ، عمل عملها، ~~{ وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا } ، ~~مقبولا. # { كلا نمد هؤلاء وهؤلاء } ، أي: نمد كلا ~~الفريقين من يريد الدنيا ومن يريد الآخرة، { من عطآء ربك } ، ~~أي: يرزقهما جميعا ثم يختلف بهما الحال في المآل، { وما كان عطآء ~~ربك } ، رزق ربك، { محظورا } ، ممنوعا عن عباده، فالمراد من ~~العطاء: العطاء في الدنيا وإلا فلا حظ للكفار في الآخرة. ### || [17.21-23] # { انظر } ، يا محمد، { كيف فضلنا بعضهم على بعض } ~~، في الرزق والعمل الصالح يعني: طالب العاجلة وطالب الآخرة، { ~~وللأخرة أكبر درجت وأكبر تفضيلا }. # { لا تجعل مع الله إلها ءاخر } ، الخطاب مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم والمراد غيره. # وقيل: معناه لا تجعل أيها الإنسان مع الله إلها آخر، { فتقعد ~~مذموما مخذولا } ، مذموما من غير حمد، مخذولا من غير نصر. # قوله عز وجل: { وقضى ربك } ، وأمر ربك، قاله ابن عباس وقتادة ~~والحسن. # قال الربيع بن أنس: وأوجب ربك. # قال مجاهد: وأوصى ربك. # وحكي عن الضحاك بن مزاحم أنه قرأها: ووصى ربك. وقال: إنهم ألصقوا الواو ~~بالصاد فصارت قافا. # { ألا تعبدوا إلا إيه وبالولدين إحسنا ~~} أي: وأمر بالوالدين إحسانا برا بهما وعطفا عليهما. # { إما يبلغن عندك الكبر } ، قرأ حمزة والكسائي بالألف ~~على التثنية فعلى هذا قوله: { أحدهمآ أو كلاهما } ، كلام ~~مستأنف، كقوله تعالى: # ثم عموا وصموا كثير منهم # [المائدة: 71] وقوله: # وأسروا النجوى الذين ظلموا # [الأنبياء: 3]، وقوله: " الذين ظلموا " ابتداء وقرأ الباقون { ~~يبلغن } على التوحيد. # { فلا تقل لهمآ أف } ، فيه ثلاث لغات، قرأ ابن كثير، وابن ~~عامر، ويعقوب: بفتح الفاء، وقرأ أبو جعفر، ونافع، وحفص بالكسر والتنوين ~~والباقون بكسر الفاء غير منون، ومعناها واحد وهي كلمة كراهية. # قال أبو عبيدة: ms1317 أصل التف والأف الوسخ على الأصابع إذا فتلتها. # وقيل: " الأف ": ما يكون في المغابن من الوسخ، و " التف ": ما يكون ~~في الأصابع. # وقيل: " الأف " وسخ الأذن و " التف " وسخ الأظفار. # وقيل: " الأف ": وسخ الظفر، و " التف " ما رفعته بيدك من الأرض من شيء ~~حقير. # { ولا تنهرهما } ، ولا تزجرهما. # { وقل لهما قولا كريما } ، حسنا جميلا لينا، قال ابن ~~المسيب: كقول العبد المذنب للسيد الفظ. # وقال مجاهد: لا تسميهما، ولا تكنهما، وقل: يا أبتاه، يا أماه. # وقال مجاهد: في هذه الآية أيضا: إذا بلغا عندك من الكبر ما يبولان فلا ~~تتقذرهما، ولا تقل لهما أف حين تميط عنهما الخلاء والبول كما كانا ~~يميطانه عنك صغيرا. ### || [17.24] # { واخفض لهما جناح الذل } ، أي: ألن جانبك لهما واخضع ~~لهما. قال عروة بن الزبير: لن لهما حتى لا تمتنع عن شيء أحباه { من ~~الرحمة } ، من الشفقة، { وقل رب ارحمهما كما ~~ربيانى صغيرا } ، أراد إذا كانا مسلمين. # قال ابن عباس: هذا منسوخ بقوله: # ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا ~~للمشركين # [التوبة: 113]. # أخبرنا عبدالواحد المليحي أنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، أخبرنا ~~أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبدالجبار الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، ~~حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن يزيد عن عطاء بن السائب، عن أبي ~~عبدالرحمن يعني السلمي عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " الوالد أوسط أبواب الجنة فحافظ إن شئت أو ضيع ". # أخبرنا أبو طاهر محمد بن علي الزراد، أخبرنا أبو بكر محمد بن إدريس ~~الجرجاني، أخبرنا أبو الحسن علي بن الحسين الماليني، أخبرنا حسن بن ~~سفيان، حدثنا يحيى بن حبيب بن عدي، حدثنا خالد بن الحارث، عن شعبة، عن ~~يعلى بن عطاء، عن أبيه عن عبدالله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " رضا الله في رضا الوالد، وسخط الله في سخط الوالد ". # أخبرنا أحمد بن عبدالله الصالحي، أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي، ~~أخبرنا أبو عبدالله محمد ابن عبدالله الصفار، حدثنا ms1318 أبو جعفر محمد بن ~~غالب بن تمتام الضبي، حدثنا عبدالله بن مسلمة، حدثنا عبدالعزيز بن مسلم ~~عن يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله: # " لا يدخل الجنة منان، ولا عاق، ولا مدمن خمر ". # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو محمد عبدالله ~~بن يوسف بن محمد بن بامويه الأصفهاني، أخبرنا أبو سعيد أحمد بن زياد ~~البصري، أخبرنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا ربعي بن علية، ~~عن عبدالرحمن بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي، ورغم أنف رجل أتى ~~عليه شهر رمضان فلم يغفر له، ورغم أنف رجل أدرك أبويه الكبر ~~فلم يدخلاه الجنة ". ### || [17.25] # { ربكم أعلم بما فى نفوسكم } ، من بر الوالدين ~~وعقوقهما، { إن تكونوا صلحين } ، أبرارا مطيعين بعد تقصير ~~كان منكم في القيام بما لزمكم من حق الوالدين وغير ذلك، { فإنه ~~كان للأوابين } ، بعد المعصية { غفورا }. # قال سعيد بن جبير في هذه الآية: هو الرجل تكون منه البادرة إلى أبويه لا ~~يريد بذلك إلا الخير فإنه لا يؤاخذ به. # قال سعيد بن المسيب: " الأواب ": الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب. # قال سعيد بن جبير: الرجاع إلى الخير. # وعن ابن عباس قال: هو الرجاع إلى الله فيما يحزبه وينوبه. # وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: هم المسبحون، دليله قوله: # يجبال أوبي معه # [سبأ: 10]. # قال قتادة: هم المصلون. # قال عوف العقيلي: هم الذين يصلون صلاة الضحى. # أخبرنا أبو الحسن طاهر بن الحسين الروقي الطوسي، أخبرنا أبو الحسن ~~محمد بن يعقوب، أخبرنا أبو النضر محمد بن محمد بن يوسف، حدثنا الحسن بن ~~سفيان، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع عن هشام صاحب الدستوائي، ~~عن قتادة، عن القاسم بن عوف، عن زيد بن أرقم قال: خرج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على ms1319 أهل قباء وهم يصلون صلاة الضحى، فقال: # " صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال من الضحى " # وقال محمد بن المنكدر: " الأواب ": الذي يصلي بين المغرب والعشاء. # وروي عن ابن عباس أنه قال: إن الملائكة لتحف بالذين يصلون بين المغرب ~~والعشاء، وهي صلاة الأوابين. ### || [17.26-28] # قوله تعالى: { وءات ذا القربى حقه } ، يعني صلة الرحم، ~~وأراد به: قرابة الإنسان، وعليه الأكثرون. # عن علي بن الحسين: أراد به قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم. # { والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا } ، ~~أي: لا تنفق مالك في المعصية. # وقال مجاهد: لو أنفق الإنسان ماله كله في الحق ما كان تبذيرا، ولو ~~أنفق مدا في باطل كان تبذيرا. # وسئل ابن مسعود عن التبذير فقال: إنفاق المال في غير حقه. # قال شعبة: كنت أمشي مع أبي إسحاق في طريق الكوفة، فأتى على دار بني ~~بجص وآجر، فقال: هذا التبذير. # وفي قول عبدالله: إنفاق المال من غير حقه. # { إن المبذرين كانوا إخون الشيطين } ، أي: ~~أولياءهم، والعرب تقول لكل ملازم سنة قوم هو أخوهم. { وكان ~~الشيطن لربه كفورا } ، جحودا لنعمه. # { وإما تعرضن عنهم } ، نزلت في مهجع، وبلال، وصهيب، ~~وسالم، وخباب، كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم في الأحايين ما ~~يحتاجون إليه، ولا يجد، فيعرض عنهم حياء منهم ويمسك عن القول، فنزل { ~~وإما تعرضن عنهم } ، وإن تعرض عن هؤلاء الذين أمرتك أن ~~تؤتيهم، { ابتغآء رحمة من ربك ترجوها } ، انتظار رزق ~~من الله ترجوه أن يأتيك، { فقل لهم قولا ميسورا } لينا، ~~وهي العدة، أي: عدهم وعدا جميلا. وقيل: القول الميسور أن تقول: ~~يرزقنا الله وإياك. ### || [17.29-31] # { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك } ، قال جابر: # " أتى صبي فقال: يا رسول الله إن أمي تستكسيك درعا، ولم ~~يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قميصه، فقال للصبي: «من ساعة إلى ~~ساعة يظهر، فعد وقتا آخر»، فعاد إلى أمه فقالت: قل له: إن أمي ~~تستكسيك الدرع الذي عليك، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم داره فنزع ~~قميصه فأعطاه إياه، وقعد عريانا، فأذن بلال ms1320 بالصلاة، فانتظروه فلم ~~يخرج، فشغل قلوب أصحابه، فدخل عليه بعضهم فرآه عريانا، فأنزل الله ~~تعالى: " ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك " # يعني: ولا تمسك يدك عن النفقة في الحق كالمغلولة يده لا يقدر على مدها. # { ولا تبسطها } ، بالعطاء، { كل البسط } ، فتعطي جميع ما ~~عندك، { فتقعد ملوما } ، يلومك سائلوك بالإمساك إذا لم تعطهم. و ~~" الملوم ": الذي أتى بما يلوم نفسه، أو يلومه غيره، { محسورا } ~~منقطعا بك، لا شيء عندك تنفقه. يقال: حسرته بالمسألة إذا ألحفت عليه، ~~ودابة حسيرة إذا كانت كالة رازحة. # قال قتادة { محسورا } نادما على ما فرط منك. # { إن ربك يبسط } ، يوسع { الرزق لمن يشآء ~~ويقدر } ، أي: يقتر ويضيق، { إنه كان بعباده خبيرا ~~بصيرا }. # قوله تعالى: { ولا تقتلوا أولادكم خشية إملق } ~~، فقر، { نحن نرزقهم وإياكم } ، وذلك أن أهل الجاهلية ~~كانوا يئدون بناتهم خشية الفاقة فنهوا عنه، وأخبروا أن رزقهم ورزق ~~أولادهم على الله تعالى، { إن قتلهم كان خطئا كبيرا } ، ~~قرأ ابن عامر وأبو جعفر { خطئا } بفتح الخاء والطاء مقصورا. وقرأ ابن ~~كثير بكسر الخاء ممدودا وقرأ الآخرون بكسر الخاء وجزم الطاء، ومعنى الكل ~~واحد، أي: إثما كبيرا. ### || [17.32-33] # { ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وسآء ~~سبيلا }. # { ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا ~~بالحق } ، وحقها ما روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إيمانه، ~~أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسا بغير نفس فيقتل بها ". # { ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطنا } ~~، أي: قوة وولاية على القاتل بالقتل، قاله مجاهد. # وقال الضحاك: سلطانه هو أنه يتخير، فإن شاء استقاد منه، وإن شاء أخذ ~~الدية، وإن شاء عفا عنه. # { فلا يسرف فى القتل } ، قرأ حمزة والكسائي: { فلا تسرف } ~~بالتاء يخاطب ولي القتيل، وقرأ الآخرون: بالياء على الغائب أي: لا يسرف ~~الولي في القتل. # واختلفوا في هذا الإسراف الذي منع منه، فقال ابن عباس، وأكثر المفسرين: ~~معناه لا يقتل غير القاتل، وذلك أنهم كانوا في الجاهلية إذا قتل منهم ms1321 ~~قتيل لا يرضون بقتل قاتله حتى يقتلوا أشرف منه. # وقال سعيد بن جبير: إذا كان القاتل واحدا فلا يقتل جماعة بدل واحد، ~~وكان أهل الجاهلية إذا كان المقتول شريفا لا يرضون بقتل القاتل وحده حتى ~~يقتلوا معه جماعة من أقربائه. # وقال قتادة: معناه لا يمثل بالقاتل. # { إنه كان منصورا } ، فالهاء راجعة إلى المقتول في قوله: { ~~ومن قتل مظلوما } يعني: إن المقتول منصور في الدنيا بإيجاب ~~القود على قاتله، وفي الآخرة بتكفير خطاياه وإيجاب النار لقاتله، هذا ~~قول مجاهد. # وقال قتادة: الهاء راجعة إلى ولي المقتول، معناه: إنه منصور على القاتل ~~باستيفاء القصاص منه أو الدية. # وقيل في قوله: { فلا يسرف فى القتل } أنه أراد به القاتل ~~المعتدي، يقول: لا يتعدى بالقتل بغير الحق، فإنه إن فعل ذلك فولي ~~المقتول منصور من قبلي عليه باستيفاء القصاص منه. ### || [17.34-36] # { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن ~~حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد } ، بالإتيان بما ~~أمر الله به والانتهاء عما نهى الله عنه. وقيل: أراد بالعهد ما يلتزمه ~~الإنسان على نفسه. # { إن العهد كان مسؤولا } ، قال السدي: كان مطلوبا. وقيل: ~~العهد يسأل عن صاحب العهد، فيقال: فيم نقضت، كالمؤودة تسأل فيم ~~قتلت. # { وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس } ، قرأ ~~حمزة والكسائي وحفص { بالقسطاس } بكسر القاف والباقون بضمه، وهما لغتان ~~وهو الميزان صغر أو كبر أي: بميزان العدل. وقال الحسن: هو القبان. ~~قال مجاهد: هو رومي. وقال غيره: هو عربي مأخوذ من القسط وهو العدل، أي: ~~زنوا بالعدل. { المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا } ~~، أي: عاقبة. # { ولا تقف ما ليس لك به علم } ، قال قتادة: لا تقل: ~~رأيت، ولم تره، وسمعت، ولم تسمعه، وعلمت ولم تعلمه. # وقال مجاهد: لا ترم أحدا بما ليس لك به علم. # قال القتيبي: لا تتبعه بالحدس والظن. وهو في اللغة اتباع الأثر، يقال: ~~قفوت فلانا أقفوه وقفيته وأقفيته إذا اتبعت أثره، وبه سميت القافية ~~لتتبعهم الآثار. # قال القتيبي: هو مأخوذ من القفا كأنه يقفو الأمور، أي: يكون في إقفائها ~~يتبعها ms1322 ويتعرفها. # وحقيقة المعنى: لا تتكلم [أيها الإنسان] بالحدس والظن. # { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان ~~عنه مسؤولا } ، قيل: معناه يسأل المرء عن سمعه وبصره وفؤاده. # وقيل: يسأل السمع والبصر والفؤاد عما فعله المرء. # وقوله: { كل أولئك } أي كل هذه الجوارح والأعضاء، وعلى القول ~~الأول يرجع " أولئك " إلى أربابها. # أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمد بن الحسين، ~~أخبرنا أبو علي حامد بن محمد الرفاء، حدثنا أبو الحسن علي بن عبدالعزيز ~~أخبرنا الفضل بن دكين، حدثنا سعد بن أوس العبسي، حدثني بلال بن يحيى ~~العبسي أن شتير بن شكل أخبره عن أبيه شكل بن حميد قال: أتيت النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقلت: يا نبي الله علمني تعويذا أتعوذ به، قال: فأخذ ~~بيدي ثم قال: # " قل: اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي، وشر بصري، وشر لساني، ~~وشر قلبي، وشر مني " # قال: فحفظتها، قال سعد: والمني ماؤه. ### || [17.37] # { ولا تمش فى الأرض مرحا } ، أي بطرا وكبرا وخيلاء، وهو ~~تفسير المشي، فلذلك أخرجه على المصدر، { إنك لن تخرق الأرض } ~~أي: لن تقطعها بكبرك حتى تبلغ آخرها، { ولن تبلغ الجبال طولا ~~} أي: لا تقدر أن تطاول الجبال وتساويها بكبرك. معناه أن الإنسان لا ~~ينال بكبره وبطره شيئا، كمن يريد خرق الأرض ومطاولة الجبال لا يحصل على ~~شيء. # وقيل: ذكر ذلك لأن من مشى مختالا يمشي مرة على عقبيه ومرة على صدور ~~قدميه، فقيل له: إنك لن تنقب الأرض إن مشيت على عقبيك، ولن تبلغ الجبال ~~طولا إن مشيت على صدور قدميك. # أخبرنا أبو محمد عبدالله بن عبدالصمد الجوزجاني، أخبرنا أبو القاسم علي ~~بن أحمد الخزاعي، أخبرنا الهيثم بن كليب، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا ~~سفيان ابن وكيع، حدثنا أبي، عن المسعودي، عن عثمان بن مسلم بن هرمز، ~~عن نافع بن جبير بن مطعم، عن علي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إذا مشى يتكفأ تكفؤا، كأنما ينحط من صبب ". # أخبرنا أبو محمد الجرجاني، أخبرنا أبو القاسم الخزاعي، أخبرنا ms1323 الهيثم بن ~~كليب، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ابن لهيعة، ~~عن أبي يونس، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: " ما رأيت شيئا أحسن من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأن الشمس تجري في وجهه، وما رأيت ~~أحدا أسرع في مشيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما الأرض ~~تطوى له، إنا لنجهد أنفسنا وإنه لغير مكترث ". ### || [17.38-39] # { كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها } ، قرأ ابن ~~عامر وأهل الكوفة: برفع الهمزة وضم الهاء، على الإضافة، ومعناه كل الذي ~~ذكرنا من قوله: { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إيه ~~} { كان سيئه } أي: سيء ما عددنا عليك عند ربك مكروها؛ لأنه قد ~~عد أمورا حسنة كقوله: { وءات ذا القربى حقه } { ~~واخفض لهما جناح الذل } وغير ذلك. # وقرأ الآخرون { سيئة } منصوبة منونة يعني: كل الذي ذكرنا من قوله: { ~~ولا تقتلوا أولادكم } إلى هذا الموضع سيئة لا حسنة فيه، إذ ~~الكل يرجع إلى المنهي عنه دون غيره، ولم يقل مكروهة لأن فيه تقديما ~~وتأخيرا، وتقديره: كل ذلك كان مكروها سيئة. وقوله { مكروها } على ~~التكرير، لا على الصفة، مجازه: كل ذلك كان سيئة وكان مكروها، أو رجع ~~إلى المعنى دون اللفظ، لأن السيئة الذنب وهو مذكر. # { ذلك } ، الذي ذكرنا، { ممآ أوحى إليك ربك من ~~الحكمة }. وكل ما أمر الله به أو نهى عنه فهو حكمه. # { ولا تجعل مع الله إلها ءاخر } ، خاطب النبي صلى ~~الله عليه وسلم في هذه الآيات والمراد منه الأمة، { فتلقى فى ~~جهنم ملوما مدحورا } ، مطرودا مبعدا من كل خير. ### || [17.40-44] # قوله عز وجل: { أفأصفكم ربكم } ، أي: اختاركم فجعل لكم ~~الصفوة ولنفسه ما ليس بصفوة، يعني: اختاركم، { بالبنين واتخذ ~~من الملئكة إناثا } لأنهم كانوا يقولون الملائكة بنات الله، ~~{ إنكم لتقولون قولا عظيما } ، يخاطب مشركي مكة. # قوله عز وجل: { ولقد صرفنا فى هذا القرءان } ، ~~يعني: ما ذكر من العبر، والحكم، والأمثال، والأحكام، والحجج، ~~والإعلام، والتشديد للتكثير والتكرير، { ليذكروا } أي: ~~ليتذكروا ويتعظوا، وقرأ حمزة والكسائي بإسكان الذال وضم ms1324 الكاف وكذلك في ~~الفرقان. { وما يزيدهم } ، تصريفنا وتذكيرنا، { إلا نفورا } ~~، ذهابا وتباعدا عن الحق. # { قل } ، يا محمد لهؤلاء المشركين، { لو كان معه ءالهة ~~كما يقولون } ، قرأ حفص وابن كثير { يقولون } بالياء وقرأ الآخرون ~~بالتاء، { إذا لابتغوا } ، لطلبوا يعني الآلهة { إلى ذى ~~العرش سبيلا } ، بالمبالغة والقهر ليزيلوا ملكه، كفعل ملوك الدنيا ~~بعضهم ببعض. # وقيل: معناه لطلبوا إلى ذي العرش سبيلا بالتقرب إليه. # قال قتادة: لعرفوا الله وفضله وابتغوا ما يقربهم إليه. # والأول أصح، ثم نزه نفسه، فقال عز من قائل: # { سبحانه وتعالى عما يقولون } ، قرأ حمزة والكسائي { ~~تقولون } بالتاء والآخرون بالياء، { علوا كبيرا }. # { تسبح له السموت السبع والأرض ومن فيهن } ~~، قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وحفص، ويعقوب: { تسبح } بالتاء وقرأ ~~الآخرون بالياء للحائل بين الفعل والتأنيث. # { وإن من شىء إلا يسبح بحمده } ، روي عن ابن عباس ~~أنه قال: وإن من شيء حي إلا يسبح بحمده. # وقال قتادة: يعني الحيوانات والناميات. # وقال عكرمة: الشجرة تسبح، والأسطوانة لا تسبح. # وعن المقدام بن معد يكرب قال: إن التراب يسبح ما لم يبتل، فإذا ابتل ~~ترك التسبيح، وإن الخرزة تسبح ما لم ترفع من موضعها، فإذا رفعت تركت ~~التسبيح، وإن الورقة لتسبح ما دامت على الشجرة فإذا سقطت تركت التسبيح، ~~وإن الثوب ليسبح ما دام جديدا فإذا وسخ ترك التسبيح، وإن الماء يسبح ما ~~دام جاريا فإذا ركد ترك التسبيح، وإن الوحش والطير تسبح إذا صاحت فإذا ~~سكنت تركت التسبيح. # وقال إبراهيم النخعي: وإن من شيء جماد وحي إلا يسبح بحمده حتى صرير ~~الباب ونقيض السقف. # وقال مجاهد: كل الأشياء تسبح لله، حيا كان أو ميتا أو جمادا، ~~وتسبيحها سبحان الله وبحمده. # أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد ~~بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن المثنى، أخبرنا أبو أحمد ~~الزبير، أخبرنا إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبدالله ~~قال: كنا نعد الآيات بركة، وأنتم تعدونها تخويفا، كنا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في سفر فقل ms1325 الماء فقال: # " اطلبوا فضلة من ماء، فجاؤوا بإناء فيه ماء قليل، فأدخل يده في الإناء ~~ثم قال: حي على الطهور المبارك والبركة من الله، فلقد رأيت الماء ينبع ~~من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام ~~وهو يؤكل ". # وقال بعض أهل المعاني: تسبيح السموات والأرض والجمادات وسائر الحيوانات ~~سوى العقلاء ما دلت بلطيف تركيبها وعجيب هيئتها على خالقها، فيصير ذلك ~~بمنزلة التسبيح منها. # والأول هو المنقول عن السلف. # واعلم أن لله تعالى علما في الجمادات لا يقف عليه غيره، فينبغي أن يوكل ~~علمه إليه. # { ولكن لا تفقهون تسبيحهم } ، أي لا تعلمون تسبيح ما ~~عدا من يسبح بلغاتكم وألسنتكم، { إنه كان حليما غفورا }. ### || [17.45-47] # قوله عز وجل: { وإذا قرأت القرءان جعلنا بينك ~~وبين الذين لا يؤمنون بالأخرة حجابا مستورا } ~~، يحجب قلوبهم عن فهمه والانتفاع به. # قال قتادة: وهو الأكنة، والمستور بمعنى الساتر كقوله: # إنه كان وعده مأتيا # [مريم: 61] مفعول بمعنى الفاعل. # وقيل: مستورا عن أعين الناس فلا يرونه. # وفسره بعضهم بالحجاب عن الأعين الظاهرة، كما روي عن سعيد بن جبير أنه # " لما نزلت: { تبت يدا أبي لهب } جاءت امرأة أبي لهب ومعها حجر، والنبي ~~صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر، فلم تره، فقالت لأبي بكر: أين صاحبك ~~لقد بلغني أنه هجاني؟ فقال: والله ما ينطق بالشعر، ولا يقوله، فرجعت وهي ~~تقول قد كنت جئت بهذا الحجر لأرضخ رأسه، فقال أبو بكر: ما رأتك يا رسول ~~الله، قال: لا، لم يزل ملك بيني وبينها يسترني ". # { وجعلنا على قلوبهم أكنة } ، أغطية، { أن ~~يفقهوه } ، كراهية أن يفقهوه. وقيل: لئلا يفقهوه، { وفى ~~ءاذانهم وقرا } ، ثقلا لئلا يسمعوه. { وإذا ذكرت ربك ~~فى القرءان وحده } ، يعني إذا قلت: لا إله إلا الله في القرآن ~~وأنت تتلوه، { ولوا على أدبرهم نفورا } ، جمع " نافر ~~" ، مثل: قاعد، وقعود، وجالس، وجلوس، أي نافرين. # { نحن أعلم بما يستمعون به } ، قيل: " به " صلة، أي: ~~يطلبون سماعه، { إذ يستمعون إليك } ، وأنت تقرأ القرآن، { ~~وإذ هم نجوى } ، يتناجون ms1326 في أمرك. وقيل: ذووا نجوى، فبعضهم يقول ~~هذا مجنون، وبعضهم يقول: كاهن، وبعضهم يقول: ساحر، وبعضهم يقول: شاعر. { ~~إذ يقول الظلمون } ، يعني: الوليد بن المغيرة وأصحابه، { إن ~~تتبعون إلا رجلا مسحورا } ، مطبوبا. وقال مجاهد: ~~مخدوعا. وقيل: مصروفا عن الحق. يقال: ما سحرك عن كذا أي ما صرفك؟ # وقال أبو عبيدة: أي رجلا له سحر، والسحر: الرئة، أي: إنه بشر مثلكم ~~معلل بالطعام والشراب يأكل ويشرب. قال الشاعر: # أرانا موضعين لحتم غيب # ونسحر بالطعام وبالشراب # أي: نغذى ونعلل. ### || [17.48-51] # { انظر } ، يا محمد، { كيف ضربوا لك الأمثال } ، ~~الأشباه، فقالوا: شاعر وساحر وكاهن ومجنون، { فضلوا } ، فحاروا ~~وحادوا، { فلا يستطيعون سبيلا } أي: وصولا إلى طريق الحق. # { وقالوا أءذا كنا عظما } بعد الموت، { ورفتا } ~~قال مجاهد: ترابا. وقيل: حطاما. و " الرفات ": كل ما تكسر وبلى ~~من كل شيء، كالفتات والحطام. # { أءنا لمبعوثون خلقا جديدا }. # { قل } لهم يا محمد: { كونوا حجارة أو حديدا } ، في الشدة ~~والقوة، وليس هذا بأمر إلزام بل هو أمر تعجيز، أي: استشعروا في قلوبكم ~~أنكم حجارة أو حديد في القوة. # { أو خلقا مما يكبر فى صدوركم } ، قيل: السماء ~~والأرض والجبال. # وقال مجاهد وعكرمة وأكثر المفسرين: إنه الموت، فإنه ليس في نفس ابن آدم ~~شيء أكبر من الموت، أي: لو كنتم الموت بعينه لأميتنكم ولأبعثنكم. # { فسيقولون من يعيدنا } ، من يبعثنا بعد الموت؟ { قل ~~الذى فطركم } ، خلقكم، { أول مرة } ، ومن قدر على ~~الإنشاء قدر على الإعادة، { فسينغضون إليك رءوسهم } ، ~~أي: يحركونها إذا قلت لهم ذلك مستهزئين بها، { ويقولون متى ~~هو } ، أي: البعث والقيامة، { قل عسى أن يكون قريبا } أي: ~~هو قريب، لأن عسى من الله واجب، نظيره قوله تعالى: # وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا # [الأحزاب: 63]. ### || [17.52-54] # { يوم يدعوكم } من قبوركم إلى موقف القيامة، { فتستجيبون ~~بحمده } ، قال ابن عباس: بأمره. وقال قتادة: بطاعته. وقيل: مقرين ~~بأنه خالقهم وباعثهم ويحمدونه حين لا ينفعهم الحمد. وقيل: هذا خطاب مع ~~المؤمنين فإنهم يبعثون حامدين. { وتظنون إن لبثتم } ، في ~~الدنيا وفي القبور، { إلا قليلا } ، لأن الإنسان لو مكث ms1327 ألوفا ~~من السنين في الدنيا وفي القبر عد ذلك قليلا في مدة القيامة والخلود. ~~قال قتادة: يستحقرون مدة الدنيا في جنب القيامة. # قوله تعالى: { وقل لعبادى يقولوا التى هى أحسن } ، ~~قال الكلبي: كان المشركون يؤذون المسلمين فشكوا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأنزل الله تعالى: { وقل لعبادى } المؤمنين { ~~يقولوا } للكافرين { التى هى أحسن } ولا يكافؤوهم بسفههم. ~~قال الحسن: يقول له: يهديك الله. وكان هذا قبل الإذن في الجهاد والقتال. # وقيل: نزلت في عمر بن الخطاب شتمه بعض الكفار فأمره الله بالعفو. # وقيل: أمر الله المؤمنين بأن يقولوا ويفعلوا التي هي أحسن أي: الخلة ~~التي هي أحسن. # وقيل: " الأحسن ": كلمة الإخلاص لا إله إلا الله. # { إن الشيطن ينزغ بينهم } ، أي: يفسد ويلقي ~~العداوة بينهم، { إن الشيطن كان للإنسن عدوا ~~مبينا } ، ظاهر العداوة. # { ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم } ، يوفقكم ~~فتؤمنوا، { أو إن يشأ يعذبكم } ، يميتكم على الشرك فتعذبوا، ~~قاله ابن جريج. # وقال الكلبي: إن يشأ يرحمكم فينجيكم من أهل مكة، وإن يشأ يعذبكم فيسلطهم ~~عليكم. # { ومآ أرسلنك عليهم وكيلا } حفيظا وكفيلا. قيل: ~~نسختها آية القتال. ### || [17.55-57] # { وربك أعلم بمن فى السموت والأرض } ، أي: ربك ~~العالم بمن في السموات والأرض فجعلهم مختلفين في صورهم وأخلاقهم وأحوالهم ~~ومللهم. # { ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض } ، قيل جعل ~~أهل السموات والأرض مختلفين كما فضل بعض النبيين على بعض. # قال قتادة في هذه الآية: اتخذ الله إبراهيم خليلا، وكلم موسى تكليما، ~~وقال لعيسى: كن فيكون، وآتى سليمان ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وآتى ~~داود زبورا كما قال: { وءاتينا داوود زبورا } ، والزبور ~~كتاب علمه الله داود، يشتمل على مائة وخمسين سورة، كلها دعاء وتمجيد ~~وثناء على الله عز وجل، وليس فيها حرام ولا حلال ولا فرائض ولا حدود. # معناه: إنكم لم تنكروا تفضيل النبيين فكيف تنكرون فضل النبي صلى الله ~~عليه وسلم وإعطاءه القرآن؟ وهذا خطاب مع من يقر بتفضيل الأنبياء عليهم ~~السلام من أهل الكتاب وغيرهم. # قوله عز وجل: { قل ادعوا الذين زعمتم ms1328 من دونه } ، ~~وذلك أن المشركين أصابهم قحط شديد حتى أكلوا الكلاب والجيف، فاستغاثوا ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم ليدعو لهم، قال الله تعالى: { قل } للمشركين ~~{ ادعوا الذين زعمتم من دونه } أنها آلهة { فلا ~~يملكون كشف الضر } ، القحط والجوع، { عنكم ولا ~~تحويلا } ، إلى غيركم، أو تحويل الحال من العسر إلى اليسر. # { أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة } ، يعني الذين يدعونهم المشركون آلهة يعبدونهم. # قال ابن عباس، ومجاهد: وهم عيسى، وأمه، وعزير، والملائكة، والشمس، ~~والقمر، والنجوم، " يبتغون " أي يطلبون إلى ربهم " الوسيلة " ، أي ~~القربة. وقيل: الوسيلة الدرجة العليا، أي: يتضرعون إلى الله في طلب ~~الدرجة العليا. # وقيل: الوسيلة كل ما يتقرب به إلى الله تعالى. # وقوله: { أيهم أقرب } ، معناه: ينظرون أيهم أقرب إلى الله ~~فيتوسلون به. وقال الزجاج: أيهم أقرب يبتغي الوسيلة إلى الله تعالى ~~ويتقرب إليه بالعمل الصالح، { ويرجون رحمته } ، جنته، { ~~ويخفون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا } ، أي ~~يطلب منه الحذر. # وقال عبدالله بن مسعود: نزلت الآية في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرا ~~من الجن فأسلم الجنيون ولم يعلم الإنس الذين كانوا يعبدونهم بإسلامهم، ~~فتمسكوا بعبادتهم فعيرهم الله وأنزل هذه الآية. # وقرأ ابن مسعود { أولئك الذين تدعون } بالتاء. ### || [17.58] # { وإن من قرية } وما من قرية، { إلا نحن مهلكوها ~~قبل يوم القيمة } ، أي: مخربوها ومهلكوا أهلها، { أو ~~معذبوها عذابا شديدا } ، بأنواع العذاب إذا كفروا وعصوا. ~~وقال مقاتل وغيره: مهلكوها في حق المؤمنين بالإماتة ومعذبوها في حق ~~الكفار بأنواع العذاب. # قال عبدالله بن مسعود: إذا ظهر الزنا والربا في قرية أذن الله في ~~إهلاكها. # { كان ذلك فى الكتب } ، في اللوح المحفوظ، { مسطورا } ، ~~مكتوبا. # قال عبادة بن الصامت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن أول ما خلق الله القلم فقال اكتب، قال: ما أكتب؟ قال القدر، وما ~~كان وما هو كائن إلى الأبد " ### || [17.59-60] # قوله عز وجل: { وما منعنآ أن نرسل بالأيت إلا ~~أن كذب بها الأولون } ، قال ابن عباس: سأل أهل مكة رسول الله ~~صلى الله عليه ms1329 وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا وأن ينحي الجبال عنهم ~~فيزرعوا، فأوحى الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم: إن شئت أن ~~أستأني بهم فعلت، وإن شئت أن أوتيهم ما سألوا فعلت، فإن لم يؤمنوا ~~أهلكتهم كما أهلكت من كان قبلهم من الأمم، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " لا بل تستأني بهم " # ، فأنزل الله عز وجل: # { وما منعنآ أن نرسل بالأيت } التي سألها كفار قومك { ~~إلا أن كذب بها الأولون } فأهلكناهم، فإن لم يؤمن قومك ~~بعد إرسال الآيات أهلكتهم، لأن من سنتنا في الأمم إذا سألوا الآيات، ثم ~~لم يؤمنوا بعد إتيانها، أن نهلكهم ولا نمهلهم، وقد حكمنا بإمهال هذه ~~الأمة في العذاب، فقال جل ذكره: # بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر # [القمر: 46]، ثم قال: # { وءاتينا ثمود الناقة مبصرة } ، مضيئة بينة، { ~~فظلموا بها } ، أي: جحدوا بها أنها من عند الله كما قال: # بما كانوا بآيتنا يظلمون # [الأعراف: 9]، أي: يجحدون. وقيل: ظلموا أنفسهم بتكذيبها يريد فعاجلناهم ~~بالعقوبة. # { وما نرسل بالأيت } أي: العبر والدلالات، { إلا ~~تخويفا } ، للعباد ليؤمنوا. # قال قتادة: إن الله تعالى يخوف الناس بما شاء من آياته لعلهم يرجعون. # قوله عز وجل: { وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس ~~} ، أي: هم في قبضته، لا يقدرون على الخروج من مشيئته، فهو حافظك ومانعك ~~منهم، فلا تهبهم وامض لما أمرك الله به من تبليغ الرسالة، كما قال: # والله يعصمك من الناس # [المائدة: 67]. # { وما جعلنا الرءيا التى أرينك إلا فتنة ~~للناس } ، فالأكثرون على أن المراد منه ما رأى النبي صلى الله عليه ~~وسلم ليلة المعراج من العجائب والآيات. # قال ابن عباس: هي رؤيا عين أريها النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قول ~~سعيد بن جبير، والحسن، ومسروق، وقتادة، ومجاهد، وعكرمة، وابن جريج ~~والأكثرين. والعرب تقول: رأيت بعيني رؤية ورؤيا، فلما ذكرها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم للناس أنكر بعضهم ذلك، وكذبوا فكان فتنة للناس. # وقال قوم: أسرى بروحه دون بدنه. # وقال بعضهم: كان له معراجان: معراج رؤية بالعين، ومعراج رؤيا ms1330 بالقلب. # وقال قوم. أراد بهذه الرؤيا ما رأى صلى الله عليه وسلم عام الحديبية أنه ~~دخل مكة هو وأصحابه، فجعل السير إلى مكة قبل الأجل فصده المشركون، فرجع ~~إلى المدينة، وكان رجوعه في ذلك العام بعد ما أخبر أنه يدخلها فتنة ~~لبعضهم، حتى دخلها في العام المقبل، فأنزل الله تعالى: # لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق # [الفتح: 27]. # { والشجرة الملعونة فى القرءان } ، يعني شجرة الزقوم، ~~مجازه: والشجرة الملعونة المذكورة في القرآن، والعرب تقول لكل طعام كريه: ~~طعام ملعون. وقيل: معناه الملعون أكلها، ونصب الشجرة عطفا على الرؤيا، ~~أي: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة إلا فتنة للناس، ~~فكانت الفتنة في الرؤيا ما ذكرنا. # والفتنة في الشجرة المعلونة من وجهين؛ أحدهما: أن أبا جهل قال: إن ابن ~~أبي كبشة يوعدكم بنار تحرق الحجارة، ثم يزعم أنه ينبت فيها شجرة، وتعلمون ~~أن النار تحرق الشجرة. # والثاني: أن عبدالله بن الزبعري قال: إن محمدا يخوفنا. بالزقوم ولا ~~نعرف الزقوم إلا الزبد والتمر، وقال أبو جهل: يا جارية تعالي فزقمينا ~~فأتت بالتمر والزبد، فقال: يا قوم تزقموا فإن هذا ما يخوفكم به محمد، ~~فوصفها الله تعالى في الصافات. # وقيل: الشجرة الملعونة هي: التي تلتوي على الشجر فتجففه، يعني الكشوث. # { ونخوفهم فما يزيدهم } ، التخويف، { إلا طغيانا ~~كبيرا } أي: تمردا وعتوا عظيما. ### || [17.61-64] # في قوله عز وجل: { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ~~فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا } ~~أي: خلقته من طين أنا جئت به، وذلك ما روي عن سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس: أن الله تعالى بعث إبليس حتى أخذ كفا من تراب الأرض من عذبها ~~وملحها، فخلق منه آدم، فمن خلقه من العذب فهو سعيد، وإن كان ابن ~~كافرين، ومن خلقه من الملح فهو شقي وإن كان ابن نبيين. # { قال } ، يعني إبليس: { أرأيتك } أي أخبرني، والكاف لتأكيد ~~المخاطبة، { هذا الذي كرمت علي } أي: فضلته علي: { لئن ~~أخرتن } أمهلتني { إلى يوم القيمة لأحتنكن ~~ذريته } أي: لأستأصلنهم بالإضلال، يقال احتنك الجراد الزرع إذا ms1331 ~~أكله كله. وقيل: هو من قول العرب حنك الدابة يحنكها: إذا شد في حنكها ~~الأسفل حبلا يقودها، أي: لأقودنهم كيف شئت. وقيل: لأستولين عليهم ~~بالإغواء، { إلا قليلا } ، يعني المعصومين الذين استثناهم الله ~~عز وجل في قوله: # إن عبادى ليس لك عليهم سلطن # [الحجر: 42]. # { قال } الله: { اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم ~~جزآؤكم } أي: جزاؤك وجزاء أتباعك، { جزاء موفورا } ، وافرا ~~مكملا، يقال: وفرته أوفره وفرا. # وقوله: { واستفزز } ، واستخفف واستجهد، { من استطعت ~~منهم } ، أي: من ذرية آدم، { بصوتك } ، قال ابن عباس وقتادة: ~~بدعائك إلى معصية الله، وكل داع إلى معصية الله فهو من جند إبليس. # قال الأزهري: معناه ادعهم دعاء تستفزهم به إلى جانبك، أي: تستخفهم. # وقال مجاهد: بالغناء والمزامير. # { وأجلب عليهم بخيلك ورجلك } ، قيل: اجمع عليهم ~~مكايدك وخيلك، ويقال: " أجلبوا " ، و " جلبوا " ، إذا صاحوا، يقول: ~~صح بخيلك ورجلك وحثهم عليه بالإغواء. # قال مقاتل: استعن عليهم بركبان جندك ومشاتهم، والخيل: الركبان، ~~والرجل: المشاة. # قال أهل التفسير: كل راكب وماش في معاصي الله فهو من جند إبليس. # وقال مجاهد وقتادة: إن له خيلا ورجلا من الجن والإنس، وهو كل من ~~يقاتل في المعصية، والرجل والرجالة والراجلة واحد، يقال: ~~راجل ورجل،مثل: تاجر وتجر، وراكب وركب. وقرأ حفص ورجلك بكسر ~~الجيم وهما لغتان. # { وشاركهم في الأموال والأولاد } ، فالمشاركة في ~~الأموال: كل ما أصيب من حرام، أو أنفق في حرام، هذا قول مجاهد والحسن ~~وسعيد بن جبير. # وقال عطاء: هو الربا وقال قتادة هو ما كان المشركون يحرمونه من الأنعام ~~كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام. # وقال الضحاك: هو ما كانوا يذبحونه لآلهتهم. # وأما المشاركة في الأولاد: روي عن ابن عباس: أنها المؤودة. # وقال مجاهد والضحاك: هم أولاد الزنا. # وقال الحسن، وقتادة: هو أنهم هودوا أولادهم، ونصروهم ومجسوهم. # وعن ابن عباس رواية أخرى: هو تسميتهم الأولاد عبدالحارث وعبد شمس، ~~وعبدالعزى، وعبدالدار، ونحوها. # وروي عن جعفر بن محمد أن الشيطان يقعد على ذكر الرجل فإذا لم يقل " بسم ~~الله " أصاب معه امرأته، وأنزل في فرجها كما ينزل الرجل. # وروي ms1332 في بعض الأخبار: إن فيكم مغربين، قيل: وما المغربون؟ قال: الذي ~~يشارك فيهم الجن. # وروي أن رجلا قال لابن عباس: إن امرأتي استيقظت وفي فرجها شعلة من نار؟ ~~قال: ذلك من وطء الجن. # وفي الآثار: أن إبليس لما أخرج إلى الأرض، قال: يا رب أخرجتني من ~~الجنة لأجل آدم، فسلطني عليه وعلى ذريته، قال: أنت مسلط، فقال: لا ~~أستطيعه إلا بك فزدني، قال: استفزز من استطعت منهم بصوتك، الآية، فقال ~~آدم: يا رب سلطت إبليس علي وعلى ذريتي وإني لا أستطيعه إلا بك، قال: لا ~~يولد لك ولد إلا وكلت به من يحفظونه، قال: زدني، قال: الحسنة بعشر ~~أمثالها، والسيئة بمثلها، قال: زدني، قال: التوبة معروضة ما دام الروح في ~~الجسد، فقال: زدني، قال: # يعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم # [الزمر: 53] الآية. # وفي الخبر: أن إبليس قال: يا رب بعثت أنبياء وأنزلت كتبا فما قراءتي؟ ~~قال: الشعر، قال: فما كتابي؟ قال: الوشم، قال: ومن رسلي؟ قال: الكهنة، ~~قال: وأين مسكني؟ قال: الحمامات، قال: وأين مجلسي؟ قال: الأسواق، قال: ~~أي شيء مطعمي؟ قال: ما لم يذكر عليه اسمي، قال: ما شرابه؟ قال: كل مسكر، ~~قال: وما حبالي؟ قال: النساء، قال: وما أذاني؟ قال: المزامير. # قوله عز وجل: { وعدهم } ، أي: منهم الجميل في طاعتك. وقيل: قل ~~لهم: لا جنة ولا نار ولا بعث. # { وما يعدهم الشيطن إلا غرورا } ، والغرور تزيين ~~الباطل بما يظن أنه حق. # فإن قيل: كيف ذكر الله هذه الأشياء وهو يقول: # إن الله لا يأمر بالفحشآء # [الأعراف: 28]؟ # قيل: هذا على طريق التهديد، كقوله تعالى: # اعملوا ما شئتم # [فصلت: 40]، وكقول القائل: افعل ما شئت فسترى. ### || [17.65-69] # قوله: { إن عبادى ليس لك عليهم سلطن وكفى ~~بربك وكيلا } ، أي حافظا من يوكل الأمر إليه. # قوله عز وجل: { ربكم الذى يزجى لكم الفلك } أي: ~~يسوق ويجري لكم الفلك، { فى البحر لتبتغوا من فضله } ~~، لتطلبوا من رزقه، { إنه كان بكم رحيما }. # { وإذا مسكم الضر } ، الشدة وخوف الغرق، { فى البحر ~~ضل } ، أي: بطل وسقط، { من تدعون ms1333 } ، من الآلهة، { إلا ~~إيه } ، إلا الله فلم تجدوا مغيثا غيره وسواه، { فلما ~~نجكم } ، أجاب دعاءكم وأنجاكم من هول البحر وأخرجكم، { إلى ~~البر أعرضتم } ، عن الإيمان والإخلاص والطاعة، كفرا منكم ~~لنعمه، { وكان الإنسن كفورا }. # { أفأمنتم } ، بعد ذلك، { أن يخسف بكم } ، يغور بكم، { ~~جانب البر } ، ناحية البر وهي الأرض، { أو يرسل عليكم ~~حاصبا } ، أي: يمطر عليكم حجارة من السماء كما أمطر على قوم لوط. ~~وقال أبو عبيدة والقتيبي: الحاصب الريح التي ترمي بالحصباء، وهي الحصا ~~الصغار، { ثم لا تجدوا لكم وكيلا } ، قال قتادة: مانعا. # { أم أمنتم أن يعيدكم فيه } ، يعني في البحر، { تارة } ~~مرة، { أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح } ، قال ~~ابن عباس: أي: عاصفا وهي الريح الشديدة. # وقال أبو عبيدة: هي الريح التي تقصف كل شيء، أي تدقه وتحطمه. # وقال القتيبي: هي التي تقصف الشجر، أي تكسره. # { فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا ~~به تبيعا } ، ناصرا ولا ثائرا، و " تبيع " بمعنى تابع، أي ~~تابعا مطالبا بالثأر. وقيل: من يتبعنا بالإنكار. # قرأ ابن كثير وأبو عمرو " أن نخسف، ونرسل، ونعيدكم، فنرسل، فنغرقكم " ، ~~بالنون فيهن، لقوله " علينا ". وقرأ الآخرون بالياء لقوله: " إلا إياه " ~~، وقرأ أبو جعفر ويعقوب: { فتغرقكم } بالتاء يعني الريح. ### || [17.70] # قوله عز وجل: { ولقد كرمنا بنى ءادم } ، روي عن ابن ~~عباس أنه قال: هو أنهم يأكلون بالأيدي، وغير الآدمي يأكل بفيه من الأرض. ~~وروي عنه أنه قال: بالعقل. # وقال الضحاك: بالنطق. وقال عطاء: بتعديل القامة وامتدادها، والدواب ~~منكبة على وجوهها. وقيل: بحسن الصورة. وقيل: الرجال باللحى والنساء ~~بالذوائب. وقيل: بأن سخر لهم سائر الأشياء. وقيل: بأن منهم خير أمة أخرجت ~~للناس. # { وحملنهم فى البر والبحر } ، أي: حملناهم في البر ~~على الدواب وفي البحر على السفن. # { ورزقنهم من الطيبت } ، يعني: لذيذ المطاعم ~~والمشارب. قال مقاتل: السمن، والزبد، والتمر،والحلوى، وجعل رزق غيرهم ~~مالا يخفى. # { وفضلنهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا } ، ~~وظاهر الآية أنه فضلهم على كثير ممن خلقهم لا على الكل. # وقال قوم: فضلوا على جميع الخلق إلا على الملائكة. # وقال ms1334 الكلبي: فضلوا على الخلائق كلهم إلا على طائفة من الملائكة: جبريل، ~~وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت، وأشباههم. # وفي تفضيل الملائكة على البشر اختلاف، فقال قوم: فضلوا على جميع الخلق ~~وعلى الملائكة كلهم، وقد يوضع الأكثر موضع الكل كما قال تعالى: { هل ~~أنبئكم على من تنزل الشياطين } إلى قوله تعالى: # وأكثرهم كاذبون # [والشعراء: 223] أي: كلهم. # وفي الحديث عن جابر يرفعه قال: # " لما خلق الله آدم وذريته قالت الملائكة: يا رب خلقتهم يأكلون ~~ويشربون وينكحون، فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة، فقال تعالى: لا أجعل ~~من خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له: كن فكان " # والأولى أن يقال: عوام المؤمنين أفضل من عوام الملائكة، وخواص ~~المؤمنين أفضل من خواص الملائكة. قال الله تعالى: # إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت أولئك ~~هم خير البرية # [البينة: 7]. # وروي عن أبي هريرة أنه قال: " المؤمن أكرم على الله من الملائكة الذين ~~عنده ". ### || [17.71] # قوله عز وجل: { يوم ندعوا كل أناس بإممهم } ، ~~قال مجاهد، وقتادة: بنبيهم. وقال: أبو صالح والضحاك: بكتابهم الذي أنزل ~~عليهم. # وقال الحسن وأبو العالية: بأعمالهم. # وقال قتادة أيضا: بكتابهم الذي فيه أعمالهم، بدليل سياق الآية. # { فمن أوتى كتبه بيمينه } ، ويسمى الكتاب إماما كما ~~قال عز وجل: # وكل شىء أحصينه فى إمام مبين # [يس: 12]. # وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما: بإمام زمانهم الذي دعاهم ~~في الدنيا إلى ضلالة أو هدى، قال الله تعالى: # وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا # [الأنبياء: 73]، وقال: # وجعلنهم أئمة يدعون إلى النار # [القصص: 41]. # وقيل: بمعبودهم. وعن سعيد بن المسيب قال: كل قوم يجتمعون إلى رئيسهم في ~~الخير والشر. # وقال محمد بن كعب: { بإممهم } ، قيل: يعني بأمهاتهم، وفيه ثلاثة ~~أوجه من الحكمة أحدها: لأجل عيسى عليه السلام، والثاني: لشرف الحسن ~~والحسين، والثالث لئلا يفتضح أولاد الزنا. # { فمن أوتى كتبه بيمينه فأولئك يقرءون ~~كتبهم ولا يظلمون فتيلا } أي: لا ينقص من حقهم قدر ~~فتيل. ### || [17.72] # { ومن كان فى هذه أعمى } ، اختلفوا في هذه الإشارة، فقال ~~قوم: هي راجعة إلى النعم التي ms1335 عددها الله تعالى في هذه الآيات من ~~قوله: { ربكم الذى يزجى لكم الفلك } إلى قوله { ~~تفضيلا } يقول: ومن كان منكم في هذه النعم التي قد عاين أعمى، { ~~فهو فى } ، أمر، { الأخرة } ، التي لم يعاين ولم ير، { ~~أعمى وأضل سبيلا } ، يروى هذا عن ابن عباس. # وقال الآخرون: هي راجعة إلى الدنيا، يقول: من كان في هذه أعمى القلب عن ~~رؤية قدرة الله وآياته ورؤية الحق، فهو في الآخرة أعمى، أي: أشد عمى، ~~وأضل سبيلا، أي: أخطأ طريقا. # وقيل: من كان في هذه الدنيا أعمى عن الاعتبار، فهو في الآخرة أعمى عن ~~الاعتذار. # وقال الحسن: ومن كان في هذه الدنيا ضالا كافرا، فهو في الآخرة أعمى ~~وأضل سبيلا، لأنه في الدنيا تقبل توبته وفي الآخرة لا تقبل توبته. # وأمال بعض القراء هذين الحرفين، وفتحهما بعضهم، وكان أبو عمرو يكسر ~~الأول ويفتح الثاني، فهو في الآخرة أشد عمى؛ لقوله: " وأضل سبيلا ". ### || [17.73] # قوله عز وجل: { وإن كادوا ليفتنونك عن الذى ~~أوحينآ إليك } الآية، اختلفوا في سبب نزولها. # قال سعيد بن جبير: كان النبي صلى الله عليه وسلم يستلم الحجر الأسود ~~فمنعته قريش، وقالوا: [لا تلم] حتى تلم بآلهتنا وتمسها، فحدث نفسه: ما ~~علي أن أفعل ذلك، والله تعالى يعلم أني لها كاره، بعد أن يدعوني حتى ~~أستلم الحجر الأسود. # وقيل: طلبوا منه أن يمس آلهتهم حتى يسلموا ويتبعوه فحدث نفسه بذلك، ~~فأنزل الله هذه الآية. # قال ابن عباس: قدم وفد ثقيف على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ~~نبايعك على أن تعطينا ثلاث خصال، قال: وما هن؟ قالوا: أن لا ننحني أي ~~في الصلاة ولا نكسر أصنامنا بأيدينا، وأن تمتعنا باللات سنة من غير أن ~~نعبدها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا خير في دين لا ركوع فيه ولا سجود، وأما أن تكسروا أصنامكم بأيديكم ~~فذاك لكم، وأما الطاغية يعني اللات والعزى فإني غير ممتعكم بها " # ، فقالوا: يا رسول الله إنا نحب أن تسمع العرب إنك أعطيتنا ما لم تعط ~~غيرنا، فإن ms1336 خشيت أن تقول العرب أعطيتهم ما لم تعطنا، فقل: الله أمرني ~~بذلك؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطمع القوم في سكوته أن يعطيهم ~~ذلك، فأنزل الله عز وجل هذه الآية: { وإن كادوا ليفتنونك } ~~ليصرفونك { عن الذى أوحينآ إليك } { لتفترى } ، ~~لتختلق، { علينا غيره وإذا } ، لو فعلت ما دعوك إليه { ~~لاتخذوك خليلا } أي: والوك وصافوك. ### || [17.74-76] # { ولولا أن ثبتنك } ، على الحق بعصمتنا، { لقد كدت ~~تركن } أي: تميل، { إليهم شيئا قليلا } أي: قريبا من ~~الفعل. # فإن قيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم معصوما، فكيف يجوز أن يقرب مما ~~طلبوه وما طلبوه كفر؟. # قيل: كان ذلك خاطر قلب، ولم يكن عزما وقد غفر الله عز وجل عن حديث ~~النفس. # قال قتادة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول بعد ذلك: # " اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين " # والجواب الصحيح هو: أن الله تعالى قال: { ولولا أن ثبتنك ~~لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا } وقد ثبته الله، ~~فلم يركن، وهذا مثل قوله تعالى: # ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم ~~الشيطن إلا قليلا # [النساء: 83]، وقد تفضل فلم يتبعوا. # { إذا لأذقنك ضعف الحيوة وضعف الممات } ، أي: ~~لو فعلت ذلك لأذقناك ضعف عذاب الحياة، وضعف عذاب الممات، يعني أضعفنا لك ~~العذاب في الدنيا والآخرة. # وقيل: " الضعف ": هو العذاب، سمي ضعفا لتضاعف الألم فيه. # { ثم لا تجد لك علينا نصيرا } ، أي: ناصرا يمنعك من ~~عذابنا. # قوله تعالى: { وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ~~ليخرجوك منها } ، اختلفوا في معنى الآية، فقال بعضهم: هذه الآية ~~مدنية. قال الكلبي: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة كره ~~اليهود مقامه بالمدينة حسدا منهم، فأتوه وقالوا: يا أبا القاسم لقد علمت ~~ما هذه بأرض الأنبياء فإن أرض الأنبياء الشام، وهي الأرض المقدسة، وكان ~~بها إبراهيم والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإن كنت نبيا مثلهم فأت ~~الشام، وإنما يمنعك من الخروج إليها مخافتك الروم، وإن الله سيمنعك من ~~الروم إن كنت رسوله، فعسكر النبي صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أميال من ms1337 ~~المدينة. وفي رواية: إلى ذي الحليفة حتى يجتمع إليه أصحابه ويخرج، فأنزل ~~الله هذه الآية و " الأرض " هاهنا هي المدينة. # وقال مجاهد وقتادة: " الأرض " أرض مكة. والآية مكية، هم المشركون أن ~~يخرجوه منها، فكفهم الله عنه حتى أمره بالهجرة، فخرج بنفسه. وهذا أليق ~~بالآية لأن ما قبلها خبر عن أهل مكة والسورة مكية. # وقيل: هم الكفار كلهم، أرادوا أن يستفزوه من أرض العرب باجتماعهم ~~وتظاهرهم عليه، فمنع الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم ولم ينالوا ~~منه ما أملوا، والاستفزاز هو: الإزعاج بسرعة. # { وإذا لا يلبثون خلفك } أي: بعدك، وقرأ ابن عامر وحمزة ~~والكسائي وحفص ويعقوب { خلفك } اعتبارا بقوله تعالى: # فرح المخلفون بمقعدهم خلف رسول الله # [التوبة: 81]، ومعناهما واحد. { إلا قليلا } أي: لا يلبثون بعدك ~~إلا قليلا حتى يهلكوا، فعلى هذا القول الأول: مدة حياتهم، وعلى الثاني: ~~ما بين خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة إلى أن قتلوا ببدر. ### || [17.77] # قوله عز وجل: { سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ~~} أي: كسنتنا، فانتصب بحذف الكاف. وسنة الله في الرسل إذا كذبتهم ~~الأمم أن لا يعذبهم ما دام نبيهم بين أظهرهم، فإذا خرج نبيهم من بين ~~أظهرهم عذبهم. # { ولا تجد لسنتنا تحويلا } ، أي تبديلا. ### || [17.78] # قوله: { أقم الصلوة لدلوك الشمس } اختلفوا في الدلوك: ~~روي عن عبدالله بن مسعود أنه قال: الدلوك هو الغروب، وهو قول إبراهيم ~~النخعي، ومقاتل بن حيان، والضحاك، والسدي. # وقال ابن عباس: وابن عمر، وجابر: هو زوال الشمس، وهو قول عطاء، وقتادة، ~~ومجاهد، والحسن، وأكثر التابعين. # ومعنى اللفظ يجمعهما لأن أصل الدلوك الميل، والشمس تميل إذا زالت وإذا ~~غربت. # والحمل على الزوال أولى القولين لكثرة القائلين به، ولأنا إذا حملناه ~~عليه كانت الآية جامعة لمواقيت الصلاة كلها؛ " فدلوك الشمس ": يتناول ~~صلاة الظهر والعصر، و " إلى غسق الليل ": يتناول المغرب والعشاء، و " ~~قرآن الفجر " هو صلاة الصبح. # قوله عز وجل: { إلى غسق اليل } ، أي: ظهور ظلمته، وقال ابن ~~عباس: بدو الليل. وقال قتادة: وقت صلاة المغرب. ms1338 وقال مجاهد: غروب ~~الشمس. # { وقرءان الفجر } ، يعني صلاة الفجر، سمى صلاة الفجر قرآنا ~~لأنها لا تجوز إلا بقرآن، وانتصاب القرآن من وجهين؛ أحدهما: أنه عطف على ~~الصلاة، أي: وأقم قرآن الفجر، قاله الفراء، وقال أهل البصرة: على ~~الإغراء أي وعليك قرآن الفجر. # { إن قرءان الفجر كان مشهودا } ، أي: يشهده ملائكة ~~الليل وملائكة النهار. # أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، ~~أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، أنبأنا ~~شعيب عن الزهري، أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبدالرحمن أن أبا ~~هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " تفضل صلاة الجميع على صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين جزءا، ~~وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر " # ، ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: { إن قرءان الفجر ~~كان مشهودا }. ### || [17.79] # قوله تعالى: { ومن اليل فتهجد به نافلة } أي: قم بعد ~~نومك، والتهجد لا يكون إلا بعد النوم، يقال: تهجد إذا قام بعدما نام، ~~وهجد إذا نام. # والمراد من الآية: قيام الليل للصلاة. # وكانت صلاة الليل فريضة على النبي صلى الله عليه وسلم في الابتداء، وعلى ~~الأمة، لقوله تعالى: # يأيها المزمل قم اليل إلا قليلا # [المزمل: 1-2]، ثم نزل التخفيف فصار الوجوب منسوخا في حق الأمة ~~بالصلوات الخمس، وبقي الاستحباب: قال الله تعالى: # فاقرءوا ما تيسر منه # [المزمل: 20]، وبقي الوجوب في حق النبي صلى الله عليه وسلم. # وروي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ثلاث هن علي فريضة، وهن سنة لكم: الوتر والسواك وقيام الليل " # قوله عز وجل: { نافلة لك } أي: زيادة لك، يريد: فضيلة زائدة، ~~على سائر الفرائض، فرضها الله عليك. # وذهب قوم إلى أن الوجوب صار منسوخا في حقه كما في حق الأمة، فصارت ~~نافلة، وهو قول مجاهد وقتادة، لأن الله تعالى قال: " نافلة لك " ولم يقل ~~عليك. # فإن قيل: فما معنى التخصيص وهي زيادة في حق كافة المسلمين كما في حقه ~~صلى الله ms1339 عليه وسلم؟. # قيل: التخصيص من حيث إن نوافل العباد كفارة لذنوبهم، والنبي صلى الله ~~عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكانت نوافله لا تعمل في ~~كفارة الذنوب فتبقى له زيادة في رفع الدرجات. # أخبرنا أبو محمد عبدالله بن عبد الصمد الجوزجاني، أخبرنا أبو القاسم علي ~~بن أحمد الخزاعي، أخبرنا أبو سعيد الهيثم بن كليب، حدثنا أبو عيسى ~~الترمذي، حدثنا قتيبة وبشر بن معاذ قالا: حدثنا أبو عوانة عن زياد بن ~~علاقة عن المغيرة بن شعبة قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم حتى انتفخت ~~قدماه، فقيل له: أتتكلف هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ ~~قال: # " أفلا أكون عبدا شكورا " # أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا ~~أبو إسحاق إبراهيم بن عبدالصمد الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك، عن ~~عبدالله بن أبي بكرة عن أبيه عن عبدالله ابن قيس بن مخرمة أنه أخبره عن ~~زيد بن خالد الجهني أنه قال: لأرمقن صلاة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: الليلة، فتوسدت عتبته أو فسطاطه، فقام فصلى ركعتين خفيفتين، ثم ~~صلى ركعتين طويلتين، ثم صلى ركعتين دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين دون ~~اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين دون ~~اللتين قبلهما، ثم أوتر فذلك ثلاث عشرة ركعة. # أخبرنا أبو الحسن محمد ابن محمد السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا ~~أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك عن سعيد بن أبي سعيد ~~المقبري، # " عن أبي سلمة بن عبدالرحمن أنه أخبره أنه سأل عائشة رضي الله عنها: كيف ~~كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان؟ قال: فقالت ما كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان، ولا في غيره، على إحدى ~~عشرة ركعة، يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا فلا ~~تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا. قالت عائشة فقلت: يا رسول الله ~~أتنام قبل ms1340 أن توتر؟ فقال: «يا عائشة إن عيني تنامان ولا ينام قلبي« " # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو نعيم ~~عبدالملك بن الحسن الاسفرايني، أخبرنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق، أخبرنا ~~يونس بن هارون بن عبدالأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، وابن أبي ذئب، ~~وعمر بن الحارث، أن ابن شهاب أخبرهم عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت: ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم " يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة ~~العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم من كل ركعتين، ثم يوتر بواحدة، ~~ويسجد السجدة قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه، فإذا سكت ~~المؤذن من أذان الفجر، وتبين له الفجر، قام فركع ركعتين خفيفتين، ثم ~~اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة فيخرج ". وبعضهم يزيد على ~~بعض. # أخبرنا أحمد بن عبدالله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، ~~أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي، أخبرنا عبدالرحمن بن منيب، أخبرنا يزيد بن ~~هارون، أخبرنا حميد الطويل، عن أنس ابن مالك رضي الله عنه قال: ما كنا ~~نشاء أن نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل مصليا إلا رأيناه، ~~ولا نشاء أن نراه نائما إلا رأيناه، وقال: كان يصوم من الشهر حتى نقول ~~لا يفطر منه شيئا، ويفطر حتى نقول لا يصوم منه شيئا. # قوله عز وجل: { عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا } ~~عسى من الله تعالى واجب، لأنه لا يدع أن يعطي عباده أو يفعل بهم ما ~~أطعمهم فيه. # والمقام المحمود هو: مقام الشفاعة لأمته لأنه يحمده فيه الأولون ~~والآخرون: # أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن ~~سمعان أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبدالجبار الرياني، حدثنا حميد ~~ابن زنجويه، أخبرنا عبدالله بن يزيد المقري، أخبرنا حياة عن كعب عن علقمة ~~عن عبدالرحمن بن جبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " إذا سمعتم المؤذن فقولوا ms1341 مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى ~~علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها ~~منزلة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون ~~أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة " # أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد ~~بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا علي بن عباس، حدثنا شعيب بن أبي ~~حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبدالله أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة ~~القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي ~~وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة " # أخبرنا أبو حامد أحمد بن عبدالله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن ~~الحيري، أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي، أخبرنا عبدالرحيم بن منيب، ~~أخبرنا يعلى عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن لكل نبي دعوة مستجابة، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي، وهي نائلة ~~منكم - إن شاء الله - من مات لا يشرك بالله شيئا ". # أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد ~~بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل قال: وقال الحجاج بن منهال، حدثنا همام ~~بن يحيى، حدثنا قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يحبس المؤمنون يوم القيامة حتى يهتموا بذلك، فيقولون: لو ~~استشفعنا إلى ربنا فيريحنا من مكاننا، فيأتون آدم فيقولون: أنت آدم أبو ~~الناس، خلقك الله بيده، وأسكنك جنته، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل ~~شيء، اشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول: لست هناكم ويذكر ~~خطيئته التي أصاب وأكله من الشجرة، وقد نهي عنها، ولكن ائتوا نوحا ~~أول نبي بعثه الله إلى أهل الأرض. # فيأتون نوحا فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب، سؤاله ربه ~~بغير علم، ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن، قال: ms1342 فيأتون إبراهيم، فيقول: ~~لست هناكم ويذكر ثلاث كذبات كذبهن، ولكن ائتوا موسى عبدا آتاه الله ~~التوراة وكلمه وقربه نجيا. # قال: فيأتون موسى، فيقول: إني لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب بقتل ~~النفس، ولكن ائتوا عيسى، عبد الله ورسوله وروح الله وكلمته. # فيأتون عيسى، فيقول: لست هناكم ولكن ائتوا محمدا عبدا غفر الله له ما ~~تقدم من ذنبه وما تأخر. # قال: فيأتوني فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته وقعت ~~ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني، فيقول ارفع رأسك يا محمد، وقل ~~تسمع واشفع تشفع، وسل تعطه، قال: فأرفع رأسي فأثني على ربي بثناء ~~وتحميد يعلمنيه، ثم أشفع فيحد لي حدا فأخرج، فأدخلهم الجنة. # قال قتادة: وسمعته أيضا يقول: فأخرج فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة، ~~ثم أعود فأستأذن على ربي في داره، فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته وقعت ساجدا ~~فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقول: ارفع رأسك يا محمد، وقل ~~تسمع، واشفع تشفع، وسل تعطه، قال: فأرفع رأسي فأثني على ربي ~~بثناء وتحميد يعلمنيه، ثم أشفع فيحد لي حدا فأخرج فأدخلهم الجنة، ثم ~~أعود الثالثة فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه فإذا رأيته وقعت ~~ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقول: ارفع رأسك يا محمد، وقل ~~تسمع واشفع تشفع وسل تعطه، قال: فأرفع رأسي فأثني على ربي بثناء ~~وتحميد يعلمنيه ثم أشفع فيحد لي حدا فأخرج فأدخلهم الجنة " # قال قتادة: وقد سمعته أيضا يقول: # " «فأخرج فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة حتى ما يبقى في النار إلا من ~~حبسه القرآن»- أي وجب عليه الخلود - قال: ثم تلا هذه الآية: { عسى أن ~~يبعثك ربك مقاما محمودا } قال: «وهذا المقام المحمود ~~الذي وعده نبيكم صلى الله عليه وسلم«. # وبهذا الإسناد قال: حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا ~~حماد بن زيد، حدثنا معبد ابن هلال الغزي قال: ذهبنا إلى أنس بن مالك فذكر ~~حديث الشفاعة، بمعناه، وقال: «فأستأذن على ربي فيؤذن لي، ويلهمني ms1343 محامد ~~أحمده بها لا تحضرني الآن، فأحمده بتلك المحامد وأخر له ساجدا، فيقال: ~~يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع، فأقول: يا رب أمتي ~~أمتي، فيقول: انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان، ~~فأنطلق فأفعل، ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا وذكر ~~مثله، فيقال: انطلق فأخرج من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من ~~الإيمان. فأنطلق فأفعل، ثم أعود فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ~~ساجدا، وذكر مثله، ثم يقال: انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى ~~مثقال حبة من خردل من إيمان، فأنطلق فأفعل، فلما خرجنا من عند أنس مررنا ~~بالحسن فسلمنا عليه فحدثناه بالحديث إلى هذا الموضع، فقال: هيه، فقلنا: ~~لم يزدنا على هذا، فقال: لقد حدثني وهو يومئذ جميع منذ عشرين سنة كما ~~حدثكم، ثم قال: ثم أعود الرابعة فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدا ~~فيقال: يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول يا ربي ~~أتأذن فيمن قال لا إله إلا الله؟ فيقول: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي ~~لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله« ". # وروي عن عبدالله بن عمر قال: " إن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ ~~العرق نصف الأذن، فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم، ثم بموسى، ثم بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم فيشفع ليقضى بين الخلق، فيمشي حتى يأخذ بحلقه الباب، ~~فيومئذ يبعثه الله مقاما محمودا، يحمده أهل الجمع كلهم ". # وأخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو محمد ~~عبدالله بن يوسف بن محمد بن ماموية، حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين ~~القطان، حدثنا محمد بن حموية، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا منصور بن أبي ~~الأسود، حدثنا الليث، عن الربيع بن أنس، عن أنس بن مالك رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أنا أولهم خروجا إذا بعثوا، وأنا قائدهم إذا وفدوا، وأنا ~~خطيبهم إذا أنصتوا، وأنا شفيعهم إذا حبسوا وأنا مبشرهم ms1344 إذا ~~أيسوا، الكرامة، والمفاتيح يومئذ بيدي، ولواء الحمد يومئذ بيدي، ~~وأنا أكرم ولد آدم على ربي، يطوف علي ألف خادم كأنهم بيض مكنون، أو ~~لؤلؤ منثور ". # أخبرنا إسماعيل بن عبدالقاهر، أخبرنا عبدالغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن ~~عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، ~~حدثني الحكم بن موسى، حدثنا معقل ابن زياد عن الأوزاعي، حدثني أبو عمار، ~~حدثني عبدالله بن فروخ، حدثني أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، ~~وأول شافع، وأول مشفع " # والأخبار في الشفاعة كثيرة، وأول من أنكرها عمرو بن عبيد، وهو مبتدع ~~باتفاق أهل السنة. # وروي عن يزيد بن صهيب الفقير قال: كنت قد شغفني رأي من رأي الخوارج، ~~وكنت رجلا شابا فخرجنا في عصابة، نريد أن نحج، فمررنا على المدينة، ~~فإذا جابر بن عبدالله يحدث القوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وذكر الجهنميين، فقلت له: يا صاحب رسول الله ما هذا الذي يحدثون والله ~~عز وجل يقول: # إنك من تدخل النار فقد أخزيته # [آل عمران: 192] و # كلمآ أرادوا أن يخرجوا منهآ أعيدوا فيها # [السجدة: 20]؟ فقال لي: يا فتى تقرأ القرآن؟ قلت:نعم، قال: هل سمعت ~~بمقام محمد المحمود الذي يبعثه الله فيه؟ قلت: نعم، قال: فإنه مقام ~~محمد المحمود الذي يخرج الله به من يخرج من النار، ثم نعت وضع الصراط ~~ومر الناس عليه، وأن قوما يخرجون من النار بعد ما يكونون فيها، قال: ~~فرجعنا وقلنا أترون هذا الشيخ يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ # وروي عن أبي وائل عن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله عز وجل اتخذ إبراهيم خليلا، وإن صاحبكم حبيب الله وأكرم ~~الخلق على الله " # ، ثم قرأ: { عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا } قال: ~~يقعد على العرش. # وعن مجاهد في قوله تعالى: { عسى أن يبعثك ربك مقاما ~~محمودا } ، قال: يجلسه على العرش. # وعن عبدالله بن سلام ms1345 قال: يقعده على الكرسي. ### || [17.80] # قوله عز وجل: { وقل رب أدخلنى مدخل صدق ~~وأخرجنى مخرج صدق } ، والمراد من المدخل والمخرج: الإدخال ~~والإخراج، واختلف أهل التفسير فيه. # فقال ابن عباس والحسن وقتادة: " أدخلني مدخل صدق ": المدينة. " وأخرجني ~~مخرج صدق ": مكة، نزلت حين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة. # وقال الضحاك: " وأخرجني مخرج صدق ": من مكة آمنا من المشركين، " ~~وأدخلني مدخل صدق ": مكة ظاهرا عليها بالفتح. # وقال مجاهد: أدخلني في أمرك الذي أرسلتني به من النبوة مدخل صدق الجنة، ~~وأخرجني من الدنيا، وقد قمت بما وجب علي من حقها، مخرج صدق. # وعن الحسن أنه قال: " أدخلني مدخل صدق ": الجنة، " وأخرجني مخرج صدق ": ~~من مكة. # وقيل أدخلني في طاعتك، وأخرجني من المناهي، وقيل: معناه أدخلني حيث ما ~~أدخلتني بالصدق، وأخرجني بالصدق، أي: لا تجعلني ممن يدخل بوجه ويخرج ~~بوجه، فإن ذا الوجهين لا يكون آمنا ووجيها عند الله. # ووصف الإدخال والإخراج بالصدق لما يؤول إليه الخروج والدخول من النصر ~~والعز ودولة الدين، كما وصف القدم بالصدق فقال: # أن لهم قدم صدق عند ربهم # [يونس: 2]. # { واجعل لى من لدنك سلطنا نصيرا } ، قال مجاهد: حجة ~~بينة. وقال الحسن: ملكا قويا تنصرني به على من ناوأني وعزا ظاهرا ~~أقيم به دينك، فوعده الله لينزعن ملك فارس والروم وغيرهما فيجعله له. # قال قتادة: علم نبي الله صلى الله عليه وسلم أن لا طاقة له بهذا الأمر ~~إلا بسلطان نصير، فسأل سلطانا نصيرا: كتاب الله، وحدوده، وإقامة ~~دينه. ### || [17.81] # قوله عز وجل: { وقل جآء الحق } ، يعني القرآن، { وزهق ~~البطل } ، أي: ذهب الشيطان، قال قتادة، وقال السدي: " الحق ": ~~الإسلام، و " الباطل ": الشرك. وقيل: " الحق ": عبادة الله، و " الباطل ~~": عبادة الأصنام. # { إن البطل كان زهوقا } ذاهبا، يقال: زهقت نفسه أي خرجت. # أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، حدثنا محمد ~~بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا صدقة بن الفضل، حدثنا ابن عيينة ~~عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد عن أبي معمر عن عبدالله، قال: # " دخل النبي صلى ms1346 الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وحول البيت ستون ~~وثلاثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: " جاء الحق وزهق ~~الباطل " ، " جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد " ### || [17.82-83] # قوله عز وجل: { وننزل من القرءان ما هو شفآء ~~ورحمة للمؤمنين } ، قيل: " من " ليس للتبعيض، ومعناه: وننزل ~~من القرآن ما كله شفاء، أي: بيان من الضلالة والجهالة، يتبين به ~~المختلف ويتضح به المشكل، ويستشفى به من الشبهة، ويهتدى به من الحيرة، ~~فهو شفاء للقلوب بزوال الجهل عنها ورحمة للمؤمنين. # { ولا يزيد الظلمين إلا خسارا } ، لأن الظالم لا ~~ينتفع به، والمؤمن من ينتفع به فيكون رحمة له. # وقيل: زيادة الخسارة للظالم من حيث أن كل آية تنزل يتجدد منهم تكذيب ~~ويزداد لهم خسارة. # قال قتادة: لم يجالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان، قضى ~~الله الذي قضى شفاء ورحمة للمؤمنين، ولا يزيد الظالمين إلا خسارا. # قوله تعالى: { وإذآ أنعمنا على الإنسن أعرض } ، عن ~~ذكرنا ودعائنا، { ونأى بجانبه } ، أي تباعد منا بنفسه، أي ترك ~~التقرب إلى الله بالدعاء. وقال عطاء: تعظم وتكبر، ويكسر النون والهمزة ~~حمزة والكسائي، ويفتح النون ويكسر الهمزة أبو بكر، وقرأ ابن عامر وأبو ~~جعفر " وناء " مثل جاء قيل: هو بمعنى نأى، وقيل: ناء من النوء وهو النهوض ~~والقيام. # { وإذا مسه الشر } ، الشدة والضر، { كان يئوسا } ، أي ~~آيسا قنوطا. وقيل: معناه أنه يتضرع ويدعو عند الضر والشدة، فإذا تأخرت ~~الإجابة يئس ولا ينبغي للمؤمن أن ييأس من الإجابة، وإن تأخرت فيدع ~~الدعاء. ### || [17.84-85] # قوله عز وجل: { قل كل يعمل على شاكلته } ، قال ابن ~~عباس: على ناحيته. # قال الحسن وقتادة: على نيته. # وقال مقاتل: على خليقته. # قال الفراء على طريقته التي جبل عليها. # وقال القتيبي: على طبيعته وجبلته. # وقيل: على السبيل الذي اختاره لنفسه، وهو من الشكل، يقال: لست على شكلي ~~ولا شاكلتي، وكلها متقاربة، تقول العرب: طريق ذو شواكل إذا تشعبت منه ~~الطرق، ومجاز الآية: كل يعمل على ما يشبهه، كما يقال في المثل: كل امرىء ~~يشبهه ms1347 فعله. # { فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا } أوضح طريقا. # قوله تعالى: { ويسألونك عن الروح قل الروح من ~~أمر ربى } ، الآية. # أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا قيس بن حفص، حدثنا ~~عبدالواحد يعني ابن زياد حدثنا الأعمش عن إبراهيم، عن علقمة # " عن عبدالله قال: بينا أنا أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرث ~~المدينة، وهو يتوكأ على عسيب معه، فمر بنفر من اليهود، فقال بعضهم ~~لبعض: سلوه عن الروح، وقال بعضهم: لا تسألوه، لا يجيء فيه بشيء تكرهونه، ~~فقال بعضهم: لنسألنه، فقام رجل منهم فقال: يا أبا القاسم ما الروح؟ ~~فسكت، فقلت: إنه يوحى إليه، فقمت، فلما انجلى عنه الوحي، قال: { ~~ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربى ومآ ~~أوتيتم من العلم إلا قليلا } " # قال الأعمش: هكذا في قراءتنا. # وروي عن ابن عباس أنه قال: # " إن قريشا قد اجتمعوا وقالوا: إن محمدا نشأ فينا بالأمانة والصدق وما ~~اتهمناه بكذب، وقد ادعى ما ادعى، فابعثوا نفرا إلى اليهود بالمدينة ~~واسألوهم عنه فإنهم أهل كتاب فبعثوا جماعة إليهم، فقالت اليهود: سلوه عن ~~ثلاثة أشياء، فإن أجاب عن كلها أو لم يجب عن شيء منها، فليس بنبي، وإن ~~أجاب عن اثنين ولم يجب عن واحدة فهو نبي فسلوه عن فتية فقدوا في الزمن ~~الأول، ما كان من أمرهم؟ فإنه كان لهم حديث عجيب، وعن رجل بلغ شرق الأرض ~~وغربها ما خبره؛ وعن الروح، فسألوه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~أخبركم بما سألتم غدا ولم يقل إن شاء الله، فلبث الوحي - قال مجاهد: ~~اثني عشرة ليلة، وقيل: خمسة عشر يوما. وقال عكرمة: أربعين يوما - وأهل ~~مكة يقولون: وعدنا محمد غدا وقد أصبحنا لا يخبرنا بشيء، حتى حزن النبي ~~صلى الله عليه وسلم من مكث الوحي وشق عليه ما يقوله أهل مكة، ثم نزل ~~جبريل بقوله: " ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله " ، ~~ونزلت قصة ms1348 الفتية " أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا ~~عجبا " ، ونزل فيمن بلغ الشرق والغرب " ويسئلونك عن ذي القرنين " ، ونزل ~~في الروح " ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ". # واختلفوا في الروح الذي وقع السؤال عنه، فروي عن ابن عباس: أنه جبريل، ~~وهو قول الحسن وقتادة. # وروي عن علي أنه قال: هو ملك له سبعون ألف وجه، لكل وجه سبعون ألف ~~لسان، يسبح الله تعالى بكلها. # وقال مجاهد: خلق على صور بني آدم، لهم أيد وأرجل ورؤوس، وليسوا ~~بملائكة، ولا ناس، يأكلون الطعام. # وقال سعيد بن جبير: لم يخلق الله تعالى خلقا أعظم من الروح غير العرش، ~~لو شاء أن يبتلع السموات السبع والأرضين السبع ومن فيها بلقمة واحدة ~~لفعل، صورة خلقه على صورة خلق الملائكة وصورة وجهه على صورة الآدميين، ~~يقوم يوم القيامة عن يمين العرش وهو أقرب الخلق إلى الله عز وجل اليوم ~~عند الحجب السبعين، وأقرب إلى الله يوم القيامة وهو ممن يشفع لأهل ~~التوحيد، ولولا أن بينه وبين الملائكة سترا من نور لاحترق أهل السموات ~~من نوره. # وقيل: الروح هو القرآن. # وقيل: المراد منه عيسى عليه السلام، فإنه روح الله وكلمته، ومعناه: أنه ~~ليس كما يقول اليهود ولا كما يقوله النصارى. # وقال قوم: هو الروح المركب في الخلق الذي يحيا به الإنسان، وهو الأصح. # وتكلم فيه قوم فقال بعضهم: هو الدم، ألا ترى أن الحيوان إذا مات لا يفوت ~~منه شيء إلا الدم؟ # وقال قوم: هو نفس الحيوان، بدليل أنه يموت باحتباس النفس. # وقال قوم: هو عرض. # وقال قوم: هو جسم لطيف. # وقال بعضهم: الروح معنى اجتمع فيه النور والطيب والعلو والبقاء، ألا ~~ترى أنه إذا كان موجودا يكون الإنسان موصوفا بجميع هذه الصفات، فإذا ~~خرج ذهب الكل؟ # وأولى الأقاويل: أن يوكل علمه إلى الله عز وجل، وهو قول أهل السنة. ~~قال عبدالله بن بريدة: إن الله لم يطلع على الروح ملكا مقربا، ~~ولا نبيا مرسلا. # وقوله عز وجل: { قل الروح من أمر ربى ms1349 } قيل: من علم ربي. # { ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا } أي: في جنب علم ~~الله. قيل: هذا خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم. # وقيل: خطاب لليهود لأنهم كانوا يقولون أوتينا التوراة وفيها العلم ~~الكثير. # وقيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم معنى الروح، ولكن لم يخبر به ~~أحدا لأن ترك إخباره به كان علما لنبوته. # والأول أصح؛ لأن الله عز وجل استأثر بعلمه. ### || [17.86] # قوله تعالى: { ولئن شئنا لنذهبن بالذى أوحينا ~~إليك } ، يعني القرآن، معناه: إنا كما منعنا علم الروح عنك وعن غيرك، ~~لو شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك، يعني: القرآن، { ثم لا تجد ~~لك به علينا وكيلا } ، أي: من يتوكل برد القرآن إليك. ### || [17.87-88] # { إلا رحمة من ربك } ، هذا استثناء منقطع معناه: لكن لا ~~نشاء ذلك رحمة من ربك. # { إن فضله كان عليك كبيرا } ، فإن قيل: كيف يذهب القرآن ~~وهو كلام الله عز وجل؟ # قيل: المراد منه: محوه من المصاحف وإذهاب ما في الصدور. # وقال عبدالله بن مسعود: اقرؤوا القرآن قبل أن يرفع، فإنه لا تقوم الساعة ~~حتى يرفع. قيل: هذه المصاحف ترفع فكيف بما في صدور الناس؟ قال: يسري عليه ~~ليلا فيرفع ما في صدورهم، فيصبحون لا يحفظون شيئا ولا يجدون في المصاحف ~~شيئا، ثم يفيضون في الشعر. # وعن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: لا تقوم الساعة حتى يرجع القرآن من ~~حيث نزل، له دوي حول العرش كدوي النحل، فيقول الرب مالك وهو أعلم؟ ~~فيقول: يا رب أتلى ولا يعمل بي. # قوله جل وعلا: { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على ~~أن يأتوا بمثل هذا القرءان لا يأتون بمثله } ~~، لا يقدرون على ذلك، { ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا } ، ~~عونا ومظاهرا. # نزلت حين قال الكفار: لو نشاء لقلنا مثل هذا فكذبهم الله تعالى. # فالقرآن معجز في النظم والتأليف والإخبار عن الغيوب، وهو كلام في أعلى ~~طبقات البلاغة لا يشبه كلام الخلق، لأنه غير مخلوق، ولو كان مخلوقا ~~لأتوا بمثله. ### || [17.89-90] # قوله عز وجل: { ولقد صرفنا للناس فى هذا ms1350 ~~القرءان من كل مثل } ، من كل وجه من العبر والأحكام والوعد ~~والوعيد وغيرها، { فأبى أكثر الناس إلا كفورا } ، ~~جحودا. # قوله عز وجل: { وقالوا لن نؤمن لك } ، لن نصدقك، { ~~حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا } ، قرأ أهل الكوفة ~~ويعقوب { تفجر } بفتح التاء وضم الجيم مخففا، لأن الينبوع واحد، ~~وقرأ الباقون بالتشديد من التفجير، واتفقوا على تشديد قوله: { فتفجر ~~الأنهار خلالها تفجيرا } ، لأن الأنهار جمع، والتشديد يدل على التكثير، ~~ولقوله: " تفيجرا " من بعد. # وروى عكرمة عن ابن عباس: # " أن عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبا سفيان بن حرب، والنضر بن الحارث، وأبا ~~البختري بن هشام، والأسود بن عبدالمطلب، وزمعة بن الأسود، والوليد بن ~~المغيرة وأبا جهل بن هشام، وعبدالله بن أبي أمية، وأمية بن خلف، والعاص ~~بن وائل، ونبيها ومنبها ابني الحجاج، اجتمعوا ومن اجتمع معهم بعد غروب ~~الشمس عند ظهر الكعبة، فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلموه ~~وخاصموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ~~ليكلموك، فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعا، وهو يظن أنه بدا ~~لهم في أمره بدء، وكان عليهم حريصا، يحب رشدهم حتى جلس إليهم، فقالوا: ~~يا محمد إنا بعثنا إليك لنعذر فيك وإنا والله لا نعلم رجلا من العرب ~~أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، ~~وسفهت الأحلام، وشتمت الآلهة، وفرقت الجماعة فما بقي أمر قبيح إلا ~~وقد جئته فيما بينك وبيننا، فإن كنت جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جعلنا ~~لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تطلب الشرف سودناك علينا، ~~وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الأمر الذي بك رئي ~~تراه قد غلب عليك، لا تستطيع رده، بذلنا لك أموالنا في طلب الطب حتى ~~نبرئك منه، أو نعذر فيك، وكانوا يسمون التابع من الجن: الرئي. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بي ما تقولون، ما جئتكم بما ~~جئتكم به لطلب أموالكم ولا الشرف عليكم، ولا الملك عليكم، ms1351 ولكن الله ~~بعثني إليكم رسولا، وأنزل علي كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ~~ونذيرا، فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني فهو حظكم في ~~الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني ~~وبينكم. # فقالوا: يا محمد إن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك فقد علمت أنه ليس ~~أحد أضيق منا بلادا ولا أشد منا عيشا، فسل لنا ربك الذي بعثك ~~فليسير عنا هذه الجبال، فقد ضيقت علينا، ويبسط لنا بلادنا ويفجر فيها ~~أنهارا كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن ~~منهم قصي بن كلاب، فإنه كان شيخا صدوقا، فنسألهم عما تقول: أحق هو ~~أم باطل، فإن صدقوك صدقناك. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بهذا بعثت، فقد بلغتكم ما ~~أرسلت به، فإن تقبلوه مني فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه أصبر ~~لأمر الله. # قالوا: فإن لم تفعل هذا فسل ربك أن يبعث لنا ملكا يصدقك، واسأله أن ~~يجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك، فإنك ~~تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه. # فقال: ما بعثت بهذا ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا. # قالوا: فأسقط السماء كما زعمت، إن ربك لو شاء فعل. # فقال: ذلك إلى الله إن شاء فعل ذلك بكم فعله. # وقال قائل منهم: لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا. # فلما قالوا ذلك، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام معه عبدالله بن ~~أبي أمية، وهو ابن عمته عاتكة بنت عبدالمطلب، فقال: يا محمد عرض عليك ~~قومك ما عرضوا عليك فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورا يعرفون بها ~~منزلتك من الله تعالى فلم تفعل، ثم سألوك أن تعجل ما تخوفهم به من ~~العذاب، فلم تفعل، فوالله لا أؤمن لك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما ~~ترقى فيها وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي بنسخة منشورة معك ونفر من ~~الملائكة يشهدون لك بما تقول، وايم الله لو فعلت ذلك لظننت أن لا ms1352 أصدقك، ~~فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزينا لما رأى من ~~مباعدتهم، فأنزل الله تعالى: { وقالوا لن نؤمن لك حتى ~~تفجر لنا من الأرض } يعني: أرض مكة { ينبوعا } أي: عيونا. ~~" ### || [17.91] # { أو تكون لك جنة } ، بستان { من نخيل وعنب ~~فتفجر الأنهر خللها تفجيرا } ، تشقيقا. ### || [17.92-93] # { أو تسقط السمآء كما زعمت علينا كسفا } ، قرأ ~~نافع وابن عامر وعاصم بفتح السين، أي: قطعا، وهي جمع " كسفة " ، وهي: ~~القطعة والجانب، مثل: كسرة وكسر. وقرأ الآخرون بسكون السين على ~~التوحيد، وجمعه أكساف وكسوف، أي: تسقطها طبقا واحدا، وقيل: أراد جانبها ~~علينا. وقيل: معناه أيضا القطع، وهي جمع التكسير مثل سدرة وسدر في ~~الشعراء وسبأ { كسفا } بالفتح، حفص، وفي الروم ساكنة أبو جعفر، وابن ~~عامر. # { أو تأتى بالله والملئكة قبيلا } ، قال ابن ~~عباس: كفيلا، أي يكفلون بما تقول. وقال الضحاك: ضامنا. وقال مجاهد: هو ~~جمع القبيلة، أي: بأصناف الملائكة قبيلة قبيلة. وقال قتادة: عيانا أي: ~~تراهم القابلة أي: معاينة. وقال الفراء: هو من قول العرب لقيت فلانا ~~قبيلا، وقبيلا أي: معاينة. # { أو يكون لك بيت من زخرف } أي: من ذهب، وأصله الزينة، ~~{ أو ترقى } ، تصعد، { فى السمآء } ، هذا قول عبدالله بن أبي ~~أمية، { ولن نؤمن لرقيك } ، لصعودك، { حتى تنزل ~~علينا كتابا نقرءه } ، أمرنا فيه باتباعك، { قل ~~سبحن ربى } ، وقرأ ابن كثير وابن عامر { قال } يعني محمدا، ~~وقرأ الآخرون على الأمر، أي: قل يا محمد، { هل كنت إلا بشرا ~~رسولا } ، أمره بتنزيهه وتمجيده، على معنى أنه لو أراد أن ينزل ما ~~طلبوا لفعل، ولكن الله لا ينزل الآيات على ما يقترحه البشر، وما أنا إلا ~~بشر وليس ما سألتم في طوق البشر. # واعلم أن الله تعالى قد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم من الآيات ~~والمعجزات ما يغني عن هذا كله، مثل القرآن، وانشقاق القمر، وتفجير العيون ~~من بين الأصابع وما أشبهها، والقوم عامتهم كانوا متعنتين لم يكن قصدهم ~~طلب الدليل ليؤمنوا، فرد الله عليهم سؤالهم. ### || [17.94-97] # قوله عز وجل: { وما منع الناس ms1353 أن يؤمنوا إذ ~~جآءهم الهدى إلا أن قالوا } ، جهلا منهم، { أبعث ~~الله بشرا رسولا } ، أراد: أن الكفار كانوا يقولون لن نؤمن لك ~~لأنك بشر، وهلا بعث الله إلينا ملكا؟ فأجابهم الله تعالى: # { قل لو كان فى الأرض ملئكة يمشون مطمئنين } ~~، مستوطنين مقيمين، { لنزلنا عليهم من السمآء ملكا ~~رسولا } ، من جنسهم؛ لأن القلب إلى الجنس أميل منه إلى غير الجنس. # { قل كفى بالله شهيدا بينى وبينكم } ، أني رسوله ~~إليكم، { إنه كان بعباده خبيرا بصيرا }. # قوله عز وجل: { ومن يهد الله فهو المهتد ومن ~~يضلل فلن تجد لهم أوليآء من دونه } ، يهدونهم، { ~~ونحشرهم يوم القيمة على وجوههم }. # أخبرنا أحمد بن عبدالله الصالحي، أخبرنا الحسن بن شجاع الصوفي المعروف ~~بابن الموصلي، أنبأنا أبو بكر ابن الهيثم، حدثنا جعفر بن محمد الصائغ، ~~حدثنا حسين بن محمد، حدثنا سفيان عن قتادة عن أنس # " أن رجلا قال: يا رسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الذي أمشاه على رجليه قادرعلى أن ~~يمشيه على وجهه ". # وجاء في الحديث: # " إنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك " # ، { عميا وبكما وصما }. # فإن قيل: كيف وصفهم بأنهم عمي وبكم وصم. وقد قال: # ورأى المجرمون النار # [الكهف: 53]، وقال: # دعوا هنالك ثبورا # [الفرقان: 13]، وقال: # سمعوا لها تغيظا وزفيرا # [الفرقان: 12]، أثبت الرؤية والكلام والسمع؟ # قيل: يحشرون على ما وصفهم الله ثم تعاد إليهم هذه الأشياء. # وجواب آخر، قال ابن عباس: عميا لا يرون ما يسرهم، بكما، لا ينطقون ~~بحجة، صما لا يسمعون شيئا يسرهم. # وقال الحسن: هذا حين يساقون إلى الموقف إلى أن يدخلوا النار. # وقال مقاتل: هذا حين يقال لهم: # اخسئوا فيها ولا تكلمون # [المؤمنون: 108]، فيصيرون بأجمعهم عميا وبكما وصما، لا يرون ولا ~~ينطقون ولا يسمعون. { مأواهم جهنم كلما خبت } ، قال ~~ابن عباس: كلما سكنت، أي: سكن لهبها. وقال مجاهد: طفئت وقال قتادة: ضعفت ~~وقيل: هو الهدو من غير أن يوجد نقصان في ألم الكفار، لأن الله تعالى ~~قال: # لا يفتر عنهم # [الزخرف: 75]، وقيل: " كلما ms1354 خبت " أي أرادت أن تخبو، { زدناهم ~~سعيرا } ، أي: وقودا. # وقيل: المراد من قوله { كلما خبت } أي: نضجت جلودهم واحترقت ~~أعيدوا فيها إلى ما كانوا عليه، وزيد في تسعير النار لتحرقهم. ### || [17.98-99] # { ذلك جزآؤهم بأنهم كفروا بآيتنا وقالوا ~~أءذا كنا عظاما ورفاتا أءنا لمبعوثون خلقا ~~جديدا } ، فأجابهم الله تعالى فقال: # { أولم يروا أن الله الذى خلق السموت ~~والأرض } ، في عظمتها وشدتها، { قادر على أن يخلق ~~مثلهم } ، في صغرهم وضعفهم. نظيره قوله تعالى: # لخلق السموت والأرض أكبر من خلق الناس # [غافر: 57]. # { وجعل لهم أجلا } أي: وقتا لعذابهم، { لا ريب فيه } ~~، أنه يأتيهم، قيل: هو الموت، وقيل: هو يوم القيامة، { فأبى ~~الظلمون إلا كفورا } ، أي: جحودا وعنادا. ### || [17.100-101] # { قل لو أنتم تملكون خزآئن رحمة ربى } أي: نعمة ~~ربي. وقيل: رزق ربي، { إذا لأمسكتم } ، لبخلتم وحبستم، { ~~خشية الإنفاق } ، أي: خشية الفاقة، قاله قتادة. # وقيل: خشية النفاد، يقال: أنفق الرجل أي أملق وذهب ماله ونفق الشيء، ~~إذا: ذهب. # وقيل: لأمسكتم عن الإنفاق خشية الفقر. # { وكان الإنسن قتورا } ، بخيلا: ممسكا عن الإنفاق. # قوله عز وجل: { ولقد ءاتينا موسى تسع ءايت ~~بينات } ، أي: دلالات واضحات، فهي الآيات التسع. # قال ابن عباس والضحاك: هي العصا، واليد البيضاء، والعقدة التي كانت ~~بلسانه فحلها، وفلق البحر، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، ~~والدم. # وقال عكرمة وقتادة ومجاهد وعطاء: هي الطوفان، والجراد، والقمل، ~~والضفادع، والدم، والعصا، واليد، والسنون، ونقص الثمرات. # وذكر محمد بن كعب القرظي: الطمس، والبحر بدل السنين، ونقص من الثمرات، ~~قال: فكان الرجل منهم مع أهله في فراشه وقد صارا حجرين، والمرأة منهم ~~قائمة تخبز وقد صارت حجرا. # وقال بعضهم: هن آيات الكتاب. # أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن ~~محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرني الحسن بن محمد الثقفي، أخبرنا هارون بن ~~محمد بن هارون العطار، أنبأنا يوسف بن عبدالله ابن ماهان، حدثنا الوليد ~~الطيالسي، حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة، عن عبدالله ابن مسلمة، عن صفوان بن ~~عسال المرادي، # " أن يهوديا قال لصاحبه تعال حتى ms1355 نسأل هذا النبي، فقال الآخر: لا تقل ~~نبي، فإنه لو سمع صارت له أربعة أعين، فأتياه فسألاه عن هذه الآية: { ~~ولقد ءاتينا موسى تسع ءايت بينات } فقال: لا ~~تشركوا بالله شيئا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا ~~تزنوا، ولا تأكلوا الربا، ولا تسحروا، ولا تمشوا بالبريء إلى سلطان ~~ليقتله، ولا تسرفوا، ولا تقذفوا المحصنة، ولا تفروا من الزحف، وعليكم ~~خاصة اليهود أن لا تعدوا في السبت " # ، فقبلا يده، وقالا: نشهد أنك نبي، قال: فما يمنعكم أن تتبعوني؟ قالا: ~~إن داود دعا ربه أن لا يزال في ذريته نبي، وإنا نخاف إن تبعناك أن يقتلنا ~~اليهود. # { فاسأل } ، يا محمد، { بنى إسرءيل إذ جآءهم } ، ~~موسى، يجوز أن يكون الخطاب معه والمراد غيره، ويجوز أن يكون خاطبه عليه ~~السلام وأمره بالسؤال ليتبين كذبهم مع قومهم. { فقال له فرعون ~~إنى لأظنك يموسى مسحورا } ، أي: مطبوبا سحروك، قاله ~~الكلبي. # وقال ابن عباس: مخدوعا. # وقيل: مصروفا عن الحق. # وقال الفراء، وأبو عبيدة: ساحرا، فوضع المفعول موضع الفاعل. # وقال محمد بن جرير: معطى علم السحر، فهذه العجائب التي تفعلها من سحرك. ### || [17.102] # { قال } ، موسى، { لقد علمت } ، قرأ العامة بفتح التاء خطابا ~~لفرعون، وقرأ الكسائي بضم التاء، ويروى ذلك عن علي، وقال: لم يعلم ~~الخبيث أن موسى على الحق، ولو علم لأمن، ولكن موسى هو الذي علم، قال ابن ~~عباس: علمه فرعون ولكنه عاند، قال الله تعالى: # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا # [النمل: 14]. # وهذه القراءة، وهي نصب التاء، أصح في المعنى، وعليه أكثر القراء، لأن ~~موسى لا يحتج عليه بعلم نفسه، ولا يثبت عن علي رفع التاء، لأنه روي عن ~~رجل من مراد عن علي، وذلك أن الرجل مجهول، ولم يتمسك بها أحد من القراء ~~غير الكسائي. # { مآ أنزل هؤلاء } ، هذه الآيات التسع، { إلا رب ~~السموت والأرض بصآئر } ، جمع بصيرة أي يبصر بها. # { وإنى لأظنك يفرعون مثبورا } ، قال ابن عباس: ~~ملعونا. وقال مجاهد: هالكا. وقال قتادة: مهلكا. # وقال الفراء: أي مصروفا ممنوعا عن الخير. ms1356 يقال: ما ثبرك عن هذا الأمر ~~أي ما منعك وصرفك عنه. ### || [17.103-106] # { فأراد أن يستفزهم } ، أي: أراد فرعون أن يستفز موسى ~~وبني إسرائيل، أي: يخرجهم، { من الأرض } ، يعني أرض مصر، { ~~فأغرقناه ومن معه جميعا } ، ونجينا موسى وقومه. # { وقلنا من بعده } ، أي من بعد هلاك فرعون، { لبنى ~~إسرءيل اسكنوا الأرض } ، يعني أرض مصر والشام، { فإذا ~~جآء وعد الأخرة } ، يعني يوم القيامة، { جئنا بكم ~~لفيفا } أي: جميعا إلى موقف القيامة. واللفيف: الجمع الكثير: إذا ~~كانوا مختلطين من كل نوع، يقال: لفت الجيوش إذا اختلطوا، وجمع ~~القيامة كذلك، فيهم المؤمن والكافر، والبر والفاجر. # وقال الكلبي: " فإذا جاء وعد الآخرة ": يعني مجيء عيسى من السماء " جئنا ~~بكم لفيفا " أي: النزاع من كل قوم، من هاهنا وهاهنا لفوا جميعا. # قوله عز وجل: { وبالحق أنزلناه وبالحق نزل } ، ~~يعني القرآن، { ومآ أرسلناك إلا مبشرا } للمطيعين، { ~~ونذيرا } ، للعاصين. # { وقرءانا فرقناه } ، قيل: معناه: أنزلناه نجوما، لم ينزل مرة ~~واحدة، بدليل قراءة ابن عباس: { وقرآنا فرقناه } بالتشديد، وقراءة ~~العامة بالتخفيف، أي: فصلناه. وقيل: بيناه. وقال الحسن: معناه فرقنا به ~~بين الحق والباطل. { لتقرأه على الناس على مكث } أي: ~~على تؤدة وترتيل وترسل في ثلاث وعشرين سنة، { ونزلنه تنزيلا ~~}. ### || [17.107-109] # { قل ءامنوا به أو لا تؤمنوا } ، هذا على طريق الوعيد ~~والتهديد، { إن الذين أوتوا العلم من قبله } ، قيل: ~~هم مؤمنو أهل الكتاب، وهم الذين كانوا يطلبون الدين قبل مبعث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ثم أسلموا بعد مبعثه، مثل: زيد بن عمرو بن نفيل، ~~وسلمان الفارسي، وأبي ذر وغيرهم. # { إذا يتلى عليهم } ، يعني: القرآن { يخرون ~~للأذقان } أي: يسقطون على الأذقان، قال ابن عباس: أراد بها الوجوه، ~~{ سجدا }. # { ويقولون سبحان ربنآ إن كان وعد ربنا ~~لمفعولا } ، أي: كائنا واقعا. # { ويخرون للأذقان يبكون } ، أي: يقعون على الوجوه يبكون، ~~البكاء مستحب عند قراءة القرآن، { ويزيدهم } ، نزول القرآن، { ~~خشوعا } ، خضوعا لربهم، نظيره قوله تعالى: # إذا تتلى عليهم ءايت الرحمن خروا سجدا ~~وبكيا # [مريم: 58]. # أخبرنا أحمد بن عبدالله الصالحي، أخبرنا أبو عمرو بن بكر بن ms1357 محمد ~~المزني، حدثنا أبو بكر محمد بن عبدالله الجنيد، حدثنا الحسن بن الفضل ~~البجلي، أخبرنا عاصم، بن علي بن عاصم، حدثنا المسعودي، هو عبدالرحمن بن ~~عبدالله، عن محمد بن عبدالرحمن مولى أبي طلحة عن عيسى بن طلحة عن أبي ~~هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يلج النار من بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في ~~الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في منخري ~~مسلم أبدا " # أخبرنا أبو القاسم بن عبدالكريم بن هوازن القشيري، أخبرنا أبو القاسم ~~عبدالخالق بن علي بن عبدالخالق المؤذن، أخبرنا أحمد بن بكر بن محمد بن ~~حمدان، حدثنا محمد بن يونس الكديمي، أنبأنا عبدالله ابن محمد ~~الباهلي، حدثنا أبو حبيب الغنوي، حدثنا بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ~~قال سمعت رسول الله يقول: # " حرمت النار على ثلاث أعين: عين بكت من خشية الله، وعين سهرت في ~~سبيل الله، وعين غضت عن محارم الله " ### || [17.110] # قوله عز وجل: { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن }. ~~قال ابن عباس: # " سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ذات ليلة فجعل يبكي ويقول في ~~سجوده: يا الله يا رحمن " # فقال أبو جهل: إن محمدا ينهانا عن آلهتنا وهو يدعو إلهين، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية. ومعناه أنهما اسمان لواحد. # { أيا ما تدعوا } ، «ما» صلة معناه أيا تدعوا من هذين الإسمين ~~ومن جميع أسمائه، { فله الأسمآء الحسنى }. # { ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها } ، أخبرنا ~~عبدالواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أنبأنا محمد ~~بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، ~~حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: { ولا ~~تجهر بصلاتك ولا تخافت بها } قال: نزلت ورسول الله مختف ~~بمكة، كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمعه المشركون سبوا ~~القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم: { ولا تجهر بصلاتك } أي بقراءتك فيسمع ms1358 المشركون فيسبوا ~~القرآن، ولا تخافت بها عن أصحابك فلا تسمعهم: { وابتغ بين ~~ذلك سبيلا }. # وبهذا الإسناد عن محمد بن إسماعيل قال: حدثنا مسدد عن هشيم عن أبي بشر ~~بإسناده مثله، وزاد: { وابتغ بين ذلك سبيلا }. أسمعهم، ~~ولا تجهر حتى يأخذوا عنك القرآن. # وقال قوم: الآية في الدعاء، وهو قول عائشة، رضي الله عنها، والنخعي، ~~ومجاهد، ومكحول: # أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد ~~بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا طلق بن غنام، حدثنا زائدة عن هشام ~~عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها في قوله: " ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت ~~بها " ، قالت: أنزل ذلك في الدعاء. # وقال عبدالله بن شداد: كان أعراب من بني تميم إذا سلم النبي صلى الله ~~عليه وسلم قالوا: اللهم ارزقنا مالا وولدا، فيجهرون بذلك، فأنزل الله ~~هذه الآية: { ولا تجهر بصلاتك }. أي: لا ترفع صوتك بقراءتك أو ~~بدعائك ولا تخافت بها. # والمخافتة: خفض الصوت والسكوت " وابتغ بين ذلك سبيلا " أي: بين الجهر ~~والإخفاء. # أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي، أخبرنا أبو محمد عبدالجبار ~~بن محمد الخزاعي، أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي، حدثنا أبو ~~عيسى الترمذي، حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا حماد ~~بن سلمة، عن ثابت، عن عبدالله بن أبي رباح الأنصاري، عن أبي قتادة # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: «مررت بك وأنت تقرأ وأنت ~~تخفض من صوتك، فقال: إني أسمعت من ناجيت، فقال: ارفع قليلا، وقال ~~لعمر: مررت بك وأنت تقرأ وأنت ترفع صوتك، فقال: إني أوقظ الوسنان وأطرد ~~الشيطان، فقال: اخفض قليلا« " ### || [17.111] # { وقل الحمد لله الذى لم يتخذ ولدا } ، أمر ~~الله نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يحمده على وحدانيته، ومعنى الحمد لله ~~هو: الثناء عليه بما هو أهله. # قال الحسين بن الفضل: معناه الحمد لله الذي عرفني أنه لم يتخذ ولدا. # { ولم يكن له شريك فى الملك ولم يكن له ولى ~~من الذل } ، قال مجاهد: لم يذل ms1359 فيحتاج إلى ولي يتعزز به. # { وكبره تكبيرا } ، أي: وعظمه عن أن يكون له شريك أو ولي. # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين ابن محمد القاضي، أخبرنا الإمام أبو ~~الطيب سهل بن محمد بن سليمان، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا محمد بن ~~يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني، حدثنا نضر بن حماد أبو ~~الحارث الوراق، حدثنا شعبة عن حبيب بن أبي ثابت قال: سمعت سعيد بن جبير ~~يحدث عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أول من يدعى إلى الجنة يوم القيامة الذين يحمدون الله في السراء ~~والضراء " # أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، ~~أخبرنا أحمد بن عبدالله الصالحي، أخبرنا أبو الحسن بن بشران، أخبرنا ~~إسماعيل بن محمد الصفار، أخبرنا أحمد بن منصور الرمادي، أنبأنا ~~عبدالرزاق، حدثنا معمرعن قتادة أن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " الحمد لله رأس الشكر، ما شكر الله عبد لا يحمده " # أخبرنا أبو الفضل بن زياد بن محمد الحنفي، أخبرنا أبو محمد عبدالرحمن بن ~~أحمد الأنصاري، أخبرنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد، حدثنا يحيى بن ~~خالد بن أيوب المخزومي، حدثنا موسى ابن إبراهيم بن كثير بن بشر الخزامي ~~الأنصاري، عن طلحة بن خراش، عن جابر بن عبدالله أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " إن أفضل الدعاء الحمد لله، وأفضل الذكر لا إله إلا الله " # أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح، ~~أخبرنا أبو القاسم عبدالله ابن محمد بن عبدالعزيز البغوي، حدثنا علي بن ~~الجعد، حدثنا زهير، حدثنا منصور عن هلال بن يسار، عن الربيع بن عميلة ~~عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أحب الكلام إلى الله تعالى أربع: لا إله إلا الله، والله أكبر، ~~وسبحان الله، والحمد لله، لا يضرك بأيهن بدأت " ### | [18 - سورة الكهف] ### || [18.1-2] # { الحمد لله الذى أنزل على عبده الكتاب } ، أثنى ~~الله على نفسه بإنعامه على خلقه، ms1360 وخص رسوله صلى الله عليه وسلم بالذكر، ~~لأن إنزال القرآن عليه كان نعمة عليه على الخصوص، وعلى سائر الناس على ~~العموم. { ولم يجعل له عوجا }. # { قيما } ، فيه تقديم وتأخير، معناه: أنزل على عبده الكتاب قيما، ~~ولم يجعل له عوجا، " قيما " أي: مستقيما. قال ابن عباس: عدلا. وقال ~~الفراء: قيما على الكتب كلها أي: مصدقا لها ناسخا لشرائعها. # وقال قتادة: ليسى على التقديم والتأخير، بل معناه: أنزل على عبده الكتاب ~~ولم يجعل له عوجا، ولكن جعله قيما ولم يكن مختلف على ما قال الله ~~تعالى: # ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلفا ~~كثيرا # [النساء: 82]. # وقيل: معناه لم يجعله مخلوقا. وروي عن ابن عباس في قوله: # قرءانا عربيا غير ذى عوج # [الزمر: 28] أي: غير مخلوق. # { لينذر بأسا شديدا } ، أي: لينذر ببأس شديد، { من ~~لدنه } ، أي: من عنده، { ويبشر المؤمنين الذين ~~يعملون الصلحات أن لهم أجرا حسنا } ، أي الجنة. ### || [18.3-9] # { ماكثين فيه أبدا } أي: مقيمين فيه. # { وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا }. # { ما لهم به من علم ولا لآبآئهم } ، أي: قالوه عن جهل ~~لا عن علم، { كبرت } ، أي: عظمت، { كلمة } ، نصب على التمييز، ~~يقال تقديره: كبرت الكلمة كلمة. وقيل: من كلمة، فحذف " من " فانتصب، ~~{ تخرج من أفواههم } أي: تظهر من أفواههم، { إن يقولون ~~} ، ما يقولون، { إلا كذبا }. # { فلعلك بخع نفسك على ءاثرهم } ، من بعدهم، { ~~إن لم يؤمنوا بهذا الحديث } ، أي: القرآن، { أسفا } ~~، أي حزنا وقيل غضبا. # { إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها } ، فإن قيل: أي: ~~زينة في الحيات والعقارب والشياطين؟. # قيل: فيها زينة على معنى أنها تدل على وحدانية الله تعالى. # وقال مجاهد: أراد به الرجال خاصة، وهم زينة الأرض. وقيل: أراد بهم ~~العلماء والصلحاء. وقيل: الزينة بالنبات والأشجار والأنهار، كما قال: # حتى إذآ أخذت الأرض زخرفها وازينت # [يونس: 24]. # { لنبلوهم } ، لنختبرهم، { أيهم أحسن عملا } ، أي: ~~أصلح عملا. وقيل: أيهم أترك للدنيا. # { وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا } ، فالصعيد ~~وجه الأرض. وقيل: هو التراب، { جرزا } يابسا أملس لا ينبت شيئا. ~~يقال: ms1361 جرزت الأرض إذا أكل نباتها. # قوله تعالى: { أم حسبت أن أصحب الكهف والرقيم ~~كانوا من ءايتنا عجبا } ، يعني: أظننت يا محمد أن أصحاب ~~الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا، أي هم عجب من آياتنا. # وقيل: معناه إنهم ليسوا بأعجب من آياتنا، فإن ما خلقت من السموات ~~والأرض وما فيهن من العجائب أعجب منهم. # و " الكهف ": هو الغار في الجبل. واختلفوا في " الرقيم ": قال سعيد بن ~~جبير: هو لوح كتب فيه أسماء أصحاب الكهف وقصصهم وهذا أظهر الأقاويل ~~ثم وضعوه على باب الكهف، وكان اللوح من رصاص، وقيل: من حجارة، فعلى هذا ~~يكون الرقيم بمعنى المرقوم، أي: المكتوب، والرقم: الكتابة. # وحكى عن ابن عباس أنه اسم للوادي الذي فيه أصحاب الكهف، وعلى هذا هو من ~~رقمة الوادي، وهو جانبه. # وقال كعب الأحبار: هو اسم للقرية التي خرج منها أصحاب الكهف. # وقيل: اسم للجبل الذي فيه الكهف. ثم ذكر الله قصة أصحاب الكهف، فقال: { ~~إذ أوى الفتية إلى الكهف }. ### || [18.10] # { إذ أوى الفتية إلى الكهف } ، أي صاروا إليه، واختلفوا ~~في سبب مصيرهم إلى الكهف: فقال محمد بن إسحاق بن يسار: مرج أهل الإنجيل، ~~وعظمت فيهم الخطايا، وطغت فيهم الملوك حتى عبدوا الأصنام وذبحوا ~~للطواغيت، وفيهم بقايا على دين المسيح متمسكين بعبادة الله وتوحيده، فكان ~~ممن فعل ذلك من ملوكهم ملك من الروم يقال له " دقيانوس " عبد الأصنام ~~وذبح للطواغيت، وقتل من خالفه، وكان ينزل قرى الروم، ولا يترك في قرية ~~نزلها أحدا إلا فتنة حتى يعبد الأصنام ويذبح للطواغيت أو قتله، حتى نزل ~~مدينة أصحاب الكهف، وهي " أفسوس " ، فلما نزلها كبر على أهل الإيمان، ~~فاستخفوا منه، وهربوا في كل وجه، وكان " دقيانوس " حين قدمها أمر أن ~~يتبع أهل الإيمان فيجمعوا له، واتخذ شرطا من الكفار من أهلها، يتبعون ~~أهل الإيمان في أماكنهم فيخرجونهم إلى " دقيانوس " ، فيخيرهم بين القتل ~~وبين عبادة الأوثان والذبح للطواغيت، فمنهم من يرغب في الحياة، ومنهم من ~~يأبى أن يعبد غير الله فيقتل. فلما رأى ذلك أهل الشدة في ms1362 الإيمان بالله ~~جعلوا يسلمون أنفسهم للعذاب والقتل، فيقتلون ويقطعون ثم يربط ما قطع من ~~أجسادهم على سور المدينة من نواحيها وعلى كل باب من أبوابها حتى عظمت ~~الفتنة، فلما رأى ذلك الفتية حزنوا حزنا شديدا، فقاموا واشتغلوا ~~بالصلاة والصيام والصدقة والتسبيح والدعاء، وكانوا من أشراف الروم، ~~وكانوا ثمانية نفر، بكوا وتضرعوا إلى الله وجعلوا يقولون: ربنا رب ~~السموات والأرض، لن ندعو من دونه إلها، لقد قلنا إذا شططا إن عبدنا ~~غيره، اكشف عن عبادك المؤمنين هذه الفتنة، وارفع عنهم هذا البلاء حتى ~~يعلنوا عبادتك، فبينما هم على مثل ذلك. وقد دخلوا في مصلى لهم أدركهم ~~الشرط فوجدوهم وهم سجود على وجوههم، يبكون ويتضرعون إلى الله، فقالوا ~~لهم: ما خلفكم عن أمر الملك؟ انطلقوا إليه، ثم خرجوا فرفعوا أمرهم إلى ~~" دقيانوس " ، فقالوا: تجمع الناس للذبح لآلهتك وهؤلاء الفتية من أهل ~~بيتك يستهزؤون بك ويعصون أمرك! فلما سمع بذلك بعث إليهم، فأتى بهم تفيض ~~أعينهم من الدمع معفرة وجوههم بالتراب، فقال لهم: ما منعكم أن تشهدوا ~~الذبح لآلهتنا التي تعبد في الأرض وتجعلوا أنفسكم أسوة لسادات من أهل ~~مدينتكم؟ اختاروا: إما أن تذبحوا لآلهتنا، وإما أن أقتلكم، فقال مكسلمينا ~~وهو أكبرهم: إن لنا إلها ملأ السموات والأرض عظمة، لن ندعو من دونه ~~إلها أبدا، له الحمد والتكبير والتسبيح من أنفسنا خالصا أبدا، إياه ~~نعبد وإياه نسأل النجاة والخير، فأما الطواغيت فلن نعبدها أبدا، فاصنع ~~بنا ما بدا لك، وقال أصحاب مكسلمينا لدقيانوس مثل ما قال مكسلمينا، فلما ~~قالوا ذلك أمر فنزع عنهم لبوسا كان عليهم من لبوس عظمائهم، ثم قال: ~~سأفرغ لكم فأنجز لكم ما أوعدتكم من العقوبة، وما يمنعني أن أعجل ذلك لكم ~~إلا أني أراكم شبانا حديثة أسنانكم، فلا أحب أن أهلككم حتى أجعل لكم ~~أجلا تذكرون فيه وتراجعون عقولكم، ثم أمر بحلية كانت عليهم من ذهب وفضة ~~فنزعت عنهم، ثم أمر بهم فأخرجوا من عنده. # وانطلق دقيانوس إلى مدينة سوى مدينتهم قريبا منهم لبعض أموره، فلما رأى ~~الفتية خروجه ms1363 بادروا قدومه وخافوا إذا قدم مدينتهم أن يذكرهم وأن يعذبهم ~~فأتمروا بينهم أن يأخذ كل رجل منهم نفقة من بيت أبيه فيتصدقوا منها، ~~ويتزودوا بما بقي، ثم ينطلقوا إلى كهف قريب من المدينة في جبل يقال له ~~بخلوس، فيمكثون فيه ويعبدون الله حتى إذا جاء دقيانوس أتوه فقاموا بين ~~يديه فيصنع بهم ما شاء، فلما قال ذلك بعضهم لبعض عمد كل فتى منهم إلى بيت ~~أبيه فأخذ نفقة فتصدق منها، ثم انطلقوا بما بقي معهم واتبعهم كلب كان لهم ~~حتى أتوا ذلك الكهف، فلبثوا فيه. # قال كعب الأحبار: مروا بكلب فتبعهم فطردوه ففعل ذلك مرارا فقال لهم ~~الكلب: يا قوم ما تريدون مني؟ لا تخشون جانبي، أنا أحب أحباب الله، ~~فناموا حتى أحرسكم. # وقال ابن عباس: هربوا ليلا من دقيانوس، وكانوا سبعة فمروا براع معه ~~كلب فتبعهم على دينهم، وتبعه كلبه، فخرجوا من البلد إلى الكهف وهو قريب ~~من البلد. # قال ابن إسحاق: فلبثوا فيه ليس لهم عمل إلا الصلاة والصيام والتسبيح ~~والتكبير والتحميد ابتغاء وجه الله، وجعلوا نفقتهم إلى فتى منهم يقال له: ~~تمليخا فكان يبتاع لهم أرزاقهم من المدينة سرا وكان من أحملهم وأجلدهم، ~~وكان إذا دخل المدينة يضع ثيابا كانت عليه حسانا ويأخذ ثيابا كثياب ~~المساكين الذين يستطعمون فيها، ثم يأخذ ورقة فينطلق إلى المدينة فيشتري ~~لهم طعاما وشرابا، ويتجسس لهم الخبر هل ذكر هو وأصحابه بشيء، ثم يرجع ~~إلى أصحابه فلبثوا بذلك ما لبثوا، ثم قدم دقيانوس المدينة فأمر عظماء ~~أهلها فذبحوا للطواغيت، ففزع من ذلك أهل الإيمان، وكان تلميخا بالمدينة ~~يشتري لأصحابه طعامهم فرجع إلى أصحابه وهو يبكي ومعه طعام قليل، وأخبرهم ~~أن الجبار قد دخل المدينة، وأنهم قد ذكروا والتمسوا مع عظماء المدينة، ~~ففزعوا ووقعوا سجودا يدعون الله ويتضرعون إليه ويتعوذون من الفتنة، ثم ~~إن تمليخا قال لهم: يا إخوتاه ارفعوا رؤوسكم واطعموا وتوكلوا على ربكم، ~~فرفعوا رؤوسهم وأعينهم تفيض من الدمع، فطعموا، وذلك غروب الشمس، ثم جلسوا ~~يتحدثون ويتدارسون ويذكر بعضهم بعضا، فبينما ms1364 هم على ذلك إذ ضرب الله على ~~آذانهم النوم في الكهف، وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف، فأصابه ما ~~أصابهم، وهم مؤمنون موقنون ونفقتهم عند رؤوسهم. # فلما كان من الغد فقدهم دقيانوس فالتمسهم فلم يجدهم، فقال لبعضهم: لقد ~~ساءني شأن هؤلاء الفتية الذين ذهبوا، لقد كانوا ظنوا أن بي غضبا عليهم ~~لجهلهم ما جهلوا من أمري ما كنت لأحمل عليهم إن هم تابوا وعبدوا آلهتي، ~~فقال عظماء المدينة: ما أنت بحقيق أن ترحم قوما فجرة مردة عصاة قد كنت ~~أجلت لهم أجلا ولو شاؤوا لرجعوا في ذلك الأجل، ولكنهم لم يتوبوا، فلما ~~قالوا ذلك غضب غضبا شديدا، ثم أرسل إلى آبائهم فأتى بهم فسألهم عنهم، ~~فقال: أخبروني عن أبنائكم المردة الذين عصوني، ووعدهم بالقتل، فقالوا له: ~~أما نحن فلم نعصك، فلم تقتلنا بقوم مردة قد ذهبوا بأموالنا، ~~فأهلكوها في أسواق المدينة، ثم انطلقوا وارتقوا إلى جبل يدعى بخلوس؟ فلما ~~قالوا له ذلك خلى سبيلهم، وجعل لا يدري ما يصنع بالفتية، فألقى الله ~~في نفسه أن يأمر بالكهف فيسد عليهم وأراد الله أن يكرمهم ويجعلهم آية ~~لأمة تستخلف من بعدهم، وأن يبين لهم أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن ~~الله يبعث من في القبور، فأمر دقيانوس بالكهف أن يسد عليهم، وقال: دعوهم ~~كما هم في الكهف يموتون جوعا وعطشا ويكون كهفهم الذي اختاروه قبرا ~~لهم، وهو يظن أنهم أيقاظ يعلمون ما يصنع بهم، وقد توفى الله أرواحهم ~~وفاة النوم، وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف قد غشيهم ما غشيهم، يتقلبون ~~ذات اليمين وذات الشمال. # ثم إن رجلين مؤمنين في بيت الملك دقيانوس يكتمان إيمانهما اسم أحدهما " ~~يندروس " واسم الآخر " روناس " ، ائتمرا أن يكتبا شأن الفتية وأنسابهم ~~وأسماءهم وخبرهم في لوح من رصاص ويجعلاهما في تابوت من نحاس، ويجعلا ~~التابوت في البنيان، وقالا: لعل الله أن يظهر على هؤلاء الفتية قوما ~~مؤمنين قبل يوم القيامة، فيعلم من فتح عنهم حين يقرأ هذا الكتاب خبرهم، ~~ففعلا وبنيا عليه فبقي " دقيانوس " ما بقي، ثم مات ms1365 هو وقومه وقرون بعده ~~كثيرة وخلفت الملوك بعد الملوك. # وقال عبيد بن عمير: كان أصحاب الكهف فتيانا مطوقين مسورين ذوي ذوائب، ~~وكان معهم كلب صيدهم فخرجوا في عيد لهم عظيم في زي عظيم وموكب وأخرجوا ~~معهم آلهتهم التي يعبدونها، وقد قذف الله في قلوب الفتية الإيمان، وكان ~~أحدهم وزير الملك، فآمنوا وأخفى كل واحد منهم إيمانه فقالوا في أنفسهم: ~~نخرج من بين أظهر هؤلاء القوم، لا يصيبنا عقاب بجرمهم، فخرج شاب منهم حتى ~~انتهى إلى ظل شجرة، فجلس فيه، ثم خرج آخر فرآه جالسا وحده فرجا أن يكون ~~على مثل أمره من غير أن يظهر ذلك، ثم خرج الآخر فاجتمعوا إلى مكان فقال ~~بعضهم لبعض: ما جمعكم؟ وكل واحد يكتم صاحبه إيمانه مخافة على نفسه، ثم ~~قالوا: ليخرج كل فتى فيخلو بصاحبه ثم يفشي كل واحد سره إلى صاحبه، ~~ففعلوا فإذا هم جميعا على الإيمان، وإذا كهف في الجبل قريب منهم فقال ~~بعضهم لبعض: فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته، فدخلوا الكهف ومعهم ~~كلب صيدهم فناموا ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا، وفقدهم قومهم فطلبوهم ~~فعمى الله عليهم آثارهم وكهفهم، فكتبوا أسماءهم وأنسابهم في لوح: فلان ~~وفلان ابناء ملوكنا فقدناهم في شهر كذا في سنة كذا في مملكة فلان بن فلان ~~ووضعوا اللوح في خزانة الملك، وقالوا: ليكونن لهذا شأن ومات ذلك الملك، ~~وجاء قرن بعد قرن. # وقال وهب بن منبه: جاء حواري عيسى عليه السلام إلى مدينة أصحاب الكهف ~~فأراد أن يدخلها فقيل له: إن على بابها صنما لا يدخلها أحد إلا سجد له ~~فكره أن يدخلها، فأتى حماما قريبا من المدينة فكان يؤاجر نفسه من ~~الحمامي، ويعمل فيه ورأى صاحب الحمامه في حمامه البركة وعلقه فتية من ~~أهل المدينة فجعل يخبرهم خبر السماء والأرض وخبر الآخرة حتى آمنوا ~~وصدقوه، وكان شرط على صاحب الحمام أن الليل لي لا يحول بيني وبينه ولا ~~بين الصلاة أحد، وكان على ذلك حتى أتى ابن الملك بامرأة فدخل بها الحمام ~~فعيره الحواري، ms1366 وقال: أنت ابن الملك وتدخل مع هذه؟ فاستحيا وذهب فرجع ~~مرة أخرى، فقال له مثل ذلك فسبه وانتهره ولم يلتفت إلى ذلك حتى دخلا ~~معا فماتا في الحمام، وأتى الملك فقال له: قتل صاحب الحمام ابنك ~~فالتمس فلم يقدر عليه وهرب، فقال: من كان يصحبه؟ فسموا الفتية فالتمسوا ~~فخرجوا من المدينة فمروا بصاحب لهم على مثل إيمانهم فانطلق معهم ومعه كلب ~~حتى آواهم الليل إلى الكهف فدخلوه، وقالوا: نلبث هاهنا الليل ثم نصبح إن ~~شاء الله تعالى، فترون رأيكم فضرب الله على آذانهم، فخرج الملك في أصحابه ~~يبتغونهم حتى وجدوهم، فدخلوا الكهف، فلما أراد رجل منهم دخوله أرعب فلم ~~يطق أحد أن يدخله، فقال قائل منهم: أليس لو قدرت عليهم قتلتهم؟ قال: بلى، ~~قال: فأبن عليهم باب الكهف واتركهم فيه يموتون جوعا وعطشا. ففعل. # قال وهب: فعبر زمان بعد زمان بعدما سد عليهم باب الكهف، ثم إن راعيا ~~أدركه المطر عند الكهف فقال لو فتحت هذا الكهف وأدخلت غنمي فيه من المطر ~~لكان حسنا، فلم يزل يعالجه حتى فتحه ورد الله عليهم أرواحهم من الغد ~~حين أصبحوا. # وقال محمد بن إسحاق: ثم ملك أهل تلك البلاد رجل صالح يقال له: " بيدروس ~~" ، فلما ملك بقي في ملكه ثمانيا وستين سنة فتحزب الناس في ملكه فكانوا ~~أحزابا، منهم من يؤمن بالله، ويعلم أن الساعة حق ومنهم من يكذب بها، ~~فكبر ذلك على الملك الصالح فبكى وتضرع إلى الله وحزن حزنا شديدا لما ~~رأى أهل الباطل يزيدون ويظهرون على أهل الحق، ويقولون لا حياة إلا حياة ~~الدنيا، وإنما تبعث الأرواح ولا تبعث الأجساد، فجعل " بيدروس " يرسل إلى ~~من يظن فيه خيرا وأنهم أئمة في الخلق، فجعلوا يكذبون بالساعة حتى كادوا ~~أن يحولوا الناس عن الحق وملة الحواريين، فلما رأى ذلك الملك الصالح ~~دخل بيته وأغلقه عليه، ولبس مسحا وجعل تحته رمادا فجلس عليه، فدأب ليله ~~ونهاره زمانا يتضرع إلى الله تعالى ويبكي، ويقول: أي رب قد ترى اختلاف ~~هؤلاء فابعث إليهم آية تبين ms1367 لهم بطلان ما هم عليه، ثم إن الرحمن الرحيم ~~الذي يكره هلكة العباد أراد أن يظهر الفتية أصحاب الكهف ويبين للناس ~~شأنهم ويجعلهم آية وحجة عليهم ليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها، ~~ويستجيب لعبده الصالح بيدروس ويتم نعمته عليه، وأن يجمع من كان تبدد من ~~المؤمنين فألقى الله في نفس رجل من أهل ذلك البلد الذي فيه الكهف، وكان ~~اسم ذلك الرجل " أولياس " أن يهدم ذلك البنيان الذي على فم الكهف فيبني ~~به حظيرة لغنمه فاستأجر غلامين فجعلا ينزعان تلك الحجارة ويبنيان تلك ~~الحظيرة، حتى نزعا ما على فم الكهف وفتحا باب الكهف وحجبهم الله عن الناس ~~بالرعب، فلما فتحا باب الكهف أذن الله ذو القدرة والسلطان محيي الموتى ~~للفتية أن يجلسوا بين ظهراني الكهف، فجلسوا فرحين مسفرة وجوههم طيبة ~~أنفسهم فسلم بعضهم على بعض، فكأنما استيقظوا من ساعتهم التي كانوا ~~يستيقظون فيها إذا أصبحوا من ليلتهم، ثم قاموا إلى الصلاة فصلوا كالذي ~~كانوا يفعلون لا يرى في وجوههم ولا ألوانهم شيء ينكرونه كهيئتهم حين ~~رقدوا، وهم يرون أن دقيانوس في طلبهم فلما قضوا صلاتهم قالوا ليمليخا ~~صاحب نفقاتهم: أنبئنا ما الذي قال الناس في شأننا عشية أمس عند هذا ~~الجبار؟ وهم يظنون أنهم رقدوا كبعض ما كانوا يرقدون، وقد تخيل إليهم أنهم ~~قد ناموا أطول مما كانوا ينامون، حتى يتساءلوا بينهم فقال بعضهم لبعض: كم ~~لبثتم نياما؟ قالوا: لبثنا يوما أو بعض يوم، ثم قالوا: ربكم أعلم بما ~~لبثتم، وكل ذلك في أنفسهم يسير، فقال لهم يمليخا: التمستم في ~~المدينة فلم توجدوا، وهو يريد أن يؤتى بكم اليوم، فتذبحون للطواغيت أو ~~يقتلكم فما شاء الله بعد ذلك فعل، فقال لهم مكسلمينا: يا إخوتاه اعلموا ~~أنكم ملاقو الله فلا تكفروا بعد إيمانكم إذا دعاكم عدو الله. # ثم قالوا ليمليخا انطلق إلى المدينة فتسمع ما يقال علينا بها، وما ~~الذي يذكر عند دقيانوس، وتلطف ولا تشعرن بك أحدا، وابتع لنا طعاما ~~فائتنا به، وزدنا على الطعام الذي جئنا به، فقد ms1368 أصبحنا جياعا، ففعل ~~يمليخا كما كان يفعل ووضع ثيابه وأخذ الثياب التي يتنكر فيها وأخذ ~~ورقا من نفقتهم التي كانت معهم والتي ضربت بطابع دقيانوس، فكانت ~~كخفاف الربع، فانطلق يمليخا خارجا فلما مر بباب الكهف رأى الحجارة ~~منزوعة عن باب الكهف فعجب منها ثم مر ولم يبال بها حتى أتى باب ~~المدينة مستخفيا فصد عن الطريق تخوفا أن يراه أحد من أهلها فيعرفه ~~ولا يشعر أن دقيانوس وأهله قد هلكوا قبل ذلك بثلاثمائة سنة، فلما أتى ~~يمليخا باب المدينة رفع بصره فرأى فوق ظهر الباب علامة تكون لأهل ~~الإيمان إذا كان الإيمان ظاهرا فيها، فلما رآها عجب وجعل ينظر إليها ~~مستخفيا وجعل ينظر يمينا وشمالا، ثم ترك ذلك الباب فتحول إلى باب آخر ~~من أبوابها فرأى مثل ذلك فجعل يخيل إليه أن المدينة ليست بالتي كان يعرف، ~~ورأى ناسا كثيرا محدثين لم يكن يراهم قبل ذلك فجعل يمشي ويتعجب ويخيل ~~إليه أنه حيران، ثم رجع إلى الباب الذي أتى منه فجعل يتعجب بينه وبين ~~نفسه ويقول: يا ليت شعري ما هذا؟ أما عشية أمس كان المسلمون يخفون هذه ~~العلامة ويستخفون بها، وأما اليوم فإنها ظاهرة، لعلي نائم؟ ثم يرى أنه ~~ليس بنائم، فأخذ كساءه فجعله على رأسه ثم دخل المدينة فجعل يمشي بين ~~ظهري سوقها فيسمع ناسا يحلفون باسم عيسى ابن مريم فزاده فرقا ورأى ~~أنه حيران، فقام مسندا ظهره إلى جدار من جدر المدينة، يقول في نفسه: ~~والله ما أدري ما هذا أما عشية أمس فليس على ظهر الأرض إنسان يذكر عيسى ~~ابن مريم إلا قتل، وأما الغداة فاسمعهم وكل إنسان يذكر اسم عيسى ولا يخاف ~~أحدا، ثم قال في نفسه: لعل هذه ليست بالمدينة التي أعرف، والله ما أعلم ~~مدينة قرب مدينتنا، فقام كالحيران ثم لقي فتى فقال له: ما اسم هذه ~~بالمدينة يا فتى؟ قال اسمها " أفسوس " ، فقال في نفسه: لعل بي مسا أو ~~أمرا أذهب عقلي، والله يحق لي أن أسرع الخروج منها قبل أن أخزى ms1369 فيها أو ~~يصيبني شر فأهلك ثم إنه أفاق فقال: والله لو عجلت الخروج من المدينة ~~قبل أن يفطن بي لكان أيسر بي، فدنا من الذين يبيعون الطعام فأخرج ~~الورق التي كانت معه فأعطاها رجلا منهم، فقال: بعني بهذه الورق ~~طعاما فأخذها الرجل فنظر إلى ضرب الورق ونقشها فعجب منها ثم طرحها إلى ~~رجل من أصحابه فنظر إليها ثم جعلوا يتطارحونها بينهم من رجل إلى رجل ~~يتعجبون منها، ثم جعلوا يتشاورون بينهم ويقول بعضهم لبعض: إن هذا أصاب ~~كنزا خبيئا في الأرض منذ زمان ودهر طويل فلما رآهم يمليخا يتشاورون من ~~أجله فرق فرقا شديدا، وجعل يرتعد ويظن أنهم قد فطنوا به وعرفوه، ~~وأنهم إنما يريدون أن يذهبوا به إلى ملكهم دقيانوس، وجعل أناس آخرون ~~يأتونه فيتعرفونه فلا يعرفونه، فقال لهم وهو شديد الفرق منهم: افضلوا ~~علي قد أخذتم ورقي، فأمسكوها وأما طعامكم فلا حاجة لي به، فقالوا له: من ~~أنت يا فتى، وما شأنك؟ والله لقد وجدت كنزا من كنوز الأولين، وأنت تريد ~~أن تخفيه عنا، فانطلق معنا وأرنا وشاركنا فيه. # نخف عليك ما وجدت، فإنك إن لم تفعل نأت بك إلى السلطان فنسلمك إليه ~~فيقتلك، فلما سمع قولهم قال في نفسه: قد وقعت في كل شيء كنت أحذر منه، ~~فقالوا: يا فتى إنك والله لا تستطيع أن تكتم ما وجدت، فجعل يمليخا لا ~~يدري ما يقول لهم وما يرجع إليهم، وفرق حتى ما وجد ما يخبر إليهم شيئا، ~~فلما رأوه لا يتكلم أخذوا كساءه فطرحوه في عنقه، ثم جعلوا يقودونه في سكك ~~المدينة صغيرهم وكبيرهم حتى سمع به من فيها فسألوه: ما الخبر؟، فقيل: هذا ~~رجل عنده كنز، فاجتمع إليه أهل المدينة صغيرهم وكبيرهم فجعلوا ينظرون ~~إليه، ويقولون: والله ما هذا الفتى من أهل هذه المدينة، وما رأيناه فيها ~~قط وما نعرفه قط، فجعل يمليخا لا يدري ما يقول لهم، فلما اجتمع إليه أهل ~~المدينة فرق فسكت فلم يتكلم، وكان مستيقنا أن أباه وإخوته بالمدينة، وأن ~~حسبه ونسبه من ms1370 أهل المدينة من عظماء أهلها وأنهم سيأتونه إذا سمعوا به ~~فبينا هو قائم كالحيران ينتظر متى يأتيه بعض أهله فيخلصه من أيديهم إذا ~~اختطفوه وانطلقوا به إلى رئيسي المدينة ومدبريها اللذين يدبران أمرها، ~~وهما رجلان صالحان اسم أحدهما " أريوس " واسم الآخر " طنطيوس " ، فلما ~~انطلق به إليهما ظن يمليخا أنه ينطلق به إلى دقيانوس الجبار، فجعل يلتفت ~~يمينا وشمالا، وجعل الناس يسخرون منه كما يسخرون من المجنون، وجعل ~~يمليخا يبكي ثم رفع رأسه إلى السماء فقال في نفسه: اللهم إله السماء وإله ~~الأرض أفرغ اليوم علي صبرا وأولج معي روحا منك تؤيدني به عند هذا ~~الجبار، وجعل يبكي ويقول في نفسه: فرق بيني وبين إخوتي يا ليتهم يعلمون ~~ما لقيت ولو أنهم يعلمون فيأتوني فنقوم جميعا بين يدي هذا الجبار، فإنا ~~كنا تواثقنا لنكونن معا، لا نكفر بالله ولا نشرك به شيئا، فرق بيني ~~وبينهم فلن يروني ولن أراهم أبدا، وكنا تواثقنا أن لا نفترق في حياة ~~ولا موت أبدا، يحدث به نفسه يمليخا، فيما أخبر أصحابه حين رجع إليهم، ~~حتى انتهى إلى الرجلين الصالحين " أريوس " و " طنطيوس " ، فلما رأى ~~يمليخا أنه لا يذهب به إلى دقيانوس أفاق وذهب عنه البكاء، فأخذ أريوس ~~وطنطيوس الورق فنظرا إليها وعجبا منها، ثم قال له أحدهما: أين الكنز ~~الذي وجدت يا فتى؟ فقال يمليخا: ما وجدت كنزا ولكن هذا ورق آبائي ونقش ~~هذه المدينة وضربها، ولكن والله ما أدري ما شأني وما أقول لكم، فقال ~~أحدهما: فمن أنت؟ فقال: يمليخا: أما أنا فكنت أرى أني من أهل هذه ~~المدينة، فقالوا: ومن أبوك ومن يعرفك فيها؛ فأنبأهم باسم أبيه، فلم يجدوا ~~أحدا يعرفه ولا أباه، فقال له أحدهما: أنت رجل كذاب لا تنبئنا بالحق، ~~فلم يدر يمليخا ما يقول لهم، غير أنه نكس رأسه وأطرق بصره إلى الأرض، ~~فقال بعض من حوله: هذا رجل مجنون، وقال بعضهم: ليس بمجنون ولكنه يحمق ~~نفسه عمدا لكي ينفلت منكم، فقال له أحدهما ونظر إليه نظرا شديدا: أتظن ~~أنا ms1371 نرسلك ونصدقك بأن هذا مال أبيك ونقش هذا الورق وضربها أكثر من ~~ثلاثمائة سنة، وإنما أنت غلام شاب أتظن أنك تأفكنا وتسخر بنا ونحن شمط ~~كما ترى، وحولك سراة أهل المدينة وولاة أمرها وخزائن هذه البلدة بأيدينا، ~~وليس عندنا من هذا الضرب درهم ولا دينار، وإني لأظنني سآمر بك فتعذب ~~عذابا شديدا، ثم أوثقك حتى تعترف بهذا الكنز الذي وجدته، فلما قال ذلك ~~قال لهم يمليخا: أنبئوني عن شيء أسألكم عنه فإن فعلتم صدقتكم عما عندي، ~~قالوا: سل لا نكتمك شيئا، قال لهم: ما فعل الملك دقيانوس؟ قالوا: لا ~~نعرف اليوم على وجه الأرض ملكا يسمى دقيانوس، ولم يكن إلا ملك هلك منذ ~~زمان ودهر طويل وهلكت بعده قرون كثيرة، فقال يمليخا: إني إذا لحيران وما ~~يصدقني أحد من الناس بما أقول، لقد كنا فتية على دين واحد وهو الإسلام ~~وإن الملك أكرهنا على عبادة الأوثان والذبح للطواغيت فهربنا منه عشية أمس ~~فنمنا، فلما انتبهنا خرجت لأشتري لهم طعاما وأتجسس الأخبار فإذا أنا كما ~~ترون، فانطلقوا معي إلى الكهف الذي في جبل بنجلوس أريكم أصحابي، فلما سمع ~~أريوس ما يقول يمليخا، قال: يا قوم لعل هذه آية من آيات الله جعلها الله ~~لكم على يدي هذا الفتى، فانطلقوا بنا معه يرينا أصحابه، فانطلق معه أريوس ~~وأسطيوس وانطلق معهم أهل المدينة كبيرهم وصغيرهم نحو أصحاب الكهف لينظروا ~~إليهم، ولما رأى الفتية أصحاب الكهف يمليخا قد احتبس عنهم بطعامهم ~~وشرابهم عن القدر الذي كان يأتي به ظنوا أنه قد أخذ فذهب به إلى ملكهم ~~دقيانوس، فبينما هم يظنون ذلك ويتخوفونه إذ سمعوا الأصوات وجلب الخيل ~~مصعدة نحوهم، فظنوا أنهم رسل الجبار دقيانوس بعث إليهم ليؤتى لهم، فقاموا ~~إلى الصلاة وسلم بعضهم على بعض، وأوصى بعضهم بعضا، وقالوا: انطلقوا ~~بنا نأت أخانا يمليخا فإنه الآن بين يدي الجبار ينتظر متى نأتيه، فبينما ~~هو يقولون ذلك وهم جلوس بين ظهري الكهف لم يروا إلا أريوس وأصحابه وقوفا ~~على باب الكهف. # وسبقهم يمليخا فدخل عليهم ms1372 وهو يبكي فلما رأوه يبكي بكوا معه، ثم سألوه ~~عن شأنه فأخبرهم، وقص عليهم النبأ كله، فعرفوا عند ذلك أنهم كانوا ~~نياما بأمر الله ذلك الزمان كله بأمر الله، وإنما أوقظوا ليكونوا آية ~~للناس وتصديقا للبعث، وليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها، ثم دخل على ~~أثر يمليخا أريوس فرأى تابوتا من نحاس مختوما بخاتم من فضة فقام بباب ~~الكهف ثم دعا رجلا من عظماء أهل المدينة ففتح التابوت عندهم، فوجدوا فيه ~~لوحين من رصاص مكتوبا فيهما: أن مكسلمينا، ومخشلمينا، ويمليخا، ومرطونس، ~~وكشطونس، ويبرونس، وديموس، وبطيوس،وحالوش كانوا فتية هربوا من مهلكهم ~~دقيانوس الجبار مخافة أن يفتنهم عن دينهم فدخلوا هذا الكهف، فلما أخبر ~~بمكانهم أمر بالكهف فسد عليهم بالحجارة وإنا كتبنا شأنهم وخبرهم ليعلمه ~~من بعدهم إن عثر عليهم فلما قرؤوه وعجبوا، وحمدوا الله الذي أراهم آية ~~البعث فيهم، ثم رفعوا أصواتهم بحمد الله وتسبيحه ثم دخلوا على الفتية إلى ~~الكهف فوجدوهم جلوسا بين طهرانيهم مشرقة وجوههم لم تبل ثيابهم، فخر ~~أريوس وأصحابه سجودا، وحمدوا الله الذي أراهم آية من آياته، ثم كلم ~~بعضهم بعضا وأنبأهم الفتية عن الذي لقوا من ملكهم دقيانوس من إكراههم ~~على عبادة الأوثان والذبح للطواغيت وإخفاء إيمانهم عنه وهربهم إلى الكهف، ~~ثم إن أريوس وأصحابه بعثوا بريدا إلى ملكهم الصالح بيدروس أن عجل إلينا ~~لعلك تنظر إلى آية من آيات الله جعلها الله في ملكك، وجعلها آية للعالمين ~~لتكون لهم نورا وضياء وتصديقا للبعث، فاعجل إلى فتية بعثهم الله عز ~~وجل، وقد كان توفاهم منذ أكثر من ثلاثمائة سنة، فلما أتى الملك الخبر ~~رجع إليه عقله وذهب همه فقال: أحمدك الله رب السموات والأرض، وأعبدك، ~~وأسبح لك، تطولت علي ورحمتني فلم تطفىء النور الذي كنت جعلته لآبائي ~~للعبد الصالح اسطنطينوس الملك، فلما نبأ به أهل المدينة ركبوا إليه ~~وساروا معه حتى أتوا مدينة أفسوس، فتلقاهم أهل المدينة وساروا معه حتى ~~صعدوا نحو الكهف، فلما رأى الفتية بيدروس فرحوا به وخروا سجدا على ~~وجوههم، وقام بيدروس ms1373 فاعتنقهم وبكى، وهم جلوس بين يديه على الأرض يسبحون ~~الله ويحمدونه، ثم قال الفتية لبيدروس: نستودعك الله إيمانك وخواتيم ~~أعمالك والسلام عليك ورحمة الله، حفظك الله وحفظ ملكك، ونعيذك بالله من ~~شر الإنس والجن، فبينما الملك قائم إذ رجعوا إلى مضاجعهم فناموا وتوفى ~~الله تعالى أنفسهم، وقام الملك إليهم فجعل ثيابهم عليهم وأمر أن يجعل كل ~~رجل منهم في تابوت من ذهب فلما أمسى ونام أتوه في المنام، فقالوا له إننا ~~لم نخلق من ذهب ولا من فضة ولكنا خلقنا من تراب وإلى التراب نضير فاتركنا ~~كما كنا في الكهف على التراب حتى يبعثنا الله منه، فأمر الملك حينئذ ~~بتابوت من ساج فجعلوا فيه وحجبهم الله حين خرجوا من عندهم بالرعب فلم ~~يقدر أحد على أن يدخل عليهم فأمر الملك فجعل على باب الكهف مسجدا يصلي ~~فيه وجعل فهم عيدا عظيما وأمر أن يؤتى كل سنة. # وقيل: إن يمليخا لما حمل إلى الملك الصالح قال له الملك: من أنت قال: ~~أنا رجل من أهل هذه المدينة، وذكر أنه خرج أمس أو منذ أيام، وذكر منزله ~~وأقواما لم يعرفهم أحد، وكان الملك قد سمع أن فتية فقدوا في الزمن الأول ~~وأن أسماءهم مكتوبة على اللوح بالخزانة، فدعا باللوح وقد نظر في أسمائهم ~~فإذا هو من أولئك القوم، وذكر أسماء الآخرين فقال يمليخا هم أصحابي، فلما ~~سمع الملك ذلك ركب ومن معه من القوم فلما أتوا باب الكهف قال يمليخا: ~~دعوني حتى أدخل على أصحابي فأبشرهم فإنهم إن رأوكم معي أرعبتموهم، فدخل ~~فبشرهم، فقبض الله أرواحهم وأعمى عليهم أثرهم فلم يهتدوا إليهم، وذلك ~~قوله عز وجل: # { إذ أوى الفتية إلى الكهف } أي: صاروا إلى الكهف، يقال ~~أوى فلان إلى موضع كذا أي: اتخذه منزلا إلى الكهف، وهو غار في جبل ~~بنجلوس واسم الكهف: " خيرم ". # { فقالوا ربنآ ءاتنا من لدنك رحمة }. ومعنى الرحمة: ~~الهداية في الدين. وقيل: الرزق، { وهيىء لنا } ، يسر لنا، { من ~~أمرنا رشدا } ، أي: ما يلتمس من رضاك وما فيه رشدنا، ms1374 وقال ابن ~~عباس: رشدا أي: مخرجا من الغار في سلامة. ### || [18.11-12] # { فضربنا على ءاذانهم } ، أي: أنمناهم وألقينا عليهم ~~النوم. وقيل معناه منعنا نفوذ الأصوات إلى مسامعهم، فإن النائم إذا سمع ~~الصوت ينتبه، { فى الكهف سنين عددا } ، أي: أنمناهم سنين ~~معدودة وذكر العدد على سبيل التأكيد. وقيل: ذكره يدل على الكثرة فإن ~~القليل لا يعد في العادة. # { ثم بعثنهم } ، يعني من نومهم، { لنعلم } أي: علم ~~المشاهدة، { أي الحزبين } ، أي الطائفتين، { أحصى لما ~~لبثوا أمدا }. وذلك أن أهل القرية تنازعوا في مدة لبثهم في الكهف. ~~واختلفوا في قوله: " أحصى لما لبثوا " أحفظ لما مكثوا في كهفهم نياما ~~أمدا، أي: غاية. وقال مجاهد: عددا. ونصبه على التفسير. ### || [18.13-16] # { نحن نقص عليك } نقرأ عليك { نبأهم } ، خبر أصحاب ~~الكهف. { بالحق } ، بالصدق { إنهم فتية } ، شبان، { ~~ءامنوا بربهم وزدنهم هدى } ، إيمانا وبصيرة. # { وربطنا } ، وشددنا، { على قلوبهم } ، بالصبر والتثبيت ~~وقويناهم بنور الإيمان حتى صبروا على هجران دار قومهم، ومفارقة ما ~~كانوا فيه من العز وخصب العيش وفروا بدينهم إلى الكهف، { إذ قاموا ~~} ، بين يدي دقيانوس حين عاتبهم على ترك عبادة الصنم، { فقالوا ~~ربنا رب السموت والأرض لن ندعوا من دونه ~~إلها } ، قالوا ذلك لأن قومهم كانوا يعبدون الأوثان، { لقد ~~قلنآ إذا شططا } ، يعني: إن دعونا غير الله لقد قلنا إذا شططا، ~~قال ابن عباس: جورا. وقال قتادة: كذبا. وأصل الشطط والإشطاط مجاوزة ~~القدر والإفراط. # { هؤلاء قومنا } يعني: أهل بلدهم، { اتخذوا من دونه ~~} ، أي: من دون الله، { ءالهة } ، يعني: الأصنام يعبدونها، { ~~لولا } ، أي: هلا، { يأتون عليهم } ، أي: على عبادتهم، { ~~بسلطن بين } ، بحجة واضحة تبين وتوضح أن الأصنام تستحق ~~العبادة من دون الله، { فمن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا } ، وزعم أن له شريكا وولدا. # ثم قال بعضهم لبعض: { وإذ اعتزلتموهم } ، يعني قومهم، { ~~وما يعبدون إلا الله } ، قرأ ابن مسعود " وما يعبدون من دون ~~الله " ، وأما القراءة المعروفة فمعناها: أنهم كانوا يعبدون الله ويعبدون ~~معه الأوثان، يقولون: وإذ اعتزلتموهم وجميع ما يعبدون إلا الله فإنكم لم ~~تعتزلوا عبادته { فأووا إلى ms1375 الكهف } ، فالجأوا إليه، { ينشر ~~لكم } ، يبسط لكم، { ربكم من رحمته ويهيىء لكم } ~~، يسهل لكم، { من أمركم مرفقا } أي: ما يعود إليه يسركم ~~ورفقكم. قرأ أبو جعفر ونافع وابن عامر " مرفقا " بفتح الميم وكسر الفاء، ~~وقرأ الآخرون بكسر الميم وفتح الفاء، ومعناهما واحد، وهو ما يرتفق به ~~الإنسان. ### || [18.17-18] # قوله تعالى: { وترى الشمس إذا طلعت تزاور } ، قرأ ابن ~~عامر ويعقوب: " تزور " بسكون الزاي وتشديد الراء على وزن تحمر، ~~وقرأ أهل الكوفة: بفتح الزاي خفيفة وألف بعدها، وقرأ الآخرون بتشديد ~~الزاي، وكلها بمعنى واحد، أي: تميل وتعدل، { عن كهفهم ذات ~~اليمين } أي: جانب اليمين، { وإذا غربت تقرضهم } ، أي: ~~تتركهم وتعدل عنهم، { ذات الشمال } ، أصل القرض القطع، { وهم ~~فى فجوة منه } أي: متسع من الكهف وجمعها فجوات، قال ابن قتيبة: ~~كان كهفهم مستقبل بنات نعش، لا تقع فيه الشمس عند الطلوع ولا عند الغروب ~~ولا فيما بين ذلك، قال: اختار الله لهم مضجعا في مقناة لا تدخل عليهم ~~الشمس فتؤذيهم بحرها وتغير ألوانهم، وهم في متسع ينالهم برد الريح ~~ونسيمها، ويدفع عنهم كرب الغار وغمومه. # وقال بعضهم: هذا القول خطأ وهو أن الكهف كان مستقبل بنات نعش فكانت ~~الشمس لا تقع عليهم، ولكن الله صرف الشمس عنهم بقدرته وحال بينها وبينهم، ~~ألا ترى أنه قال: # { ذلك من ءايات الله } ، من عجائب صنع الله ودلالات قدرته ~~التي يعتبر بها، { من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل ~~} ، أي: من يضلله الله ولم يرشده، { فلن تجد له وليا } ، ~~معينا، { مرشدا }. # قوله تعالى: { وتحسبهم أيقاظا } أي: منتبهين جمع يقظ، ~~ويقظ، { وهم رقود } ، نيام، جمع راقد مثل قاعد وقعود، وإنما ~~اشتبه حالهم لأنهم كانوا مفتحي الأعين يتنفسون ولا يتكلمون. # { ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال } ، مرة للجنب ~~الأيمن ومرة للجنب الأيسر. قال ابن عباس: كانوا يقلبون في السنة مرة من ~~جانب إلى جانب لئلا تأكل الأرض لحومهم. وقيل كان يوم عاشوراء يوم تقلبهم. ~~وقال أبو هريرة: كان لهم في كل سنة تقلبان. # { وكلبهم بسط ذراعيه بالوصيد } ، أكثر أهل التفسير ms1376 ~~على أنه كان من جنس الكلاب. # وروي عن ابن جريج: أنه كان أسدا وسمي الأسد كلبا، فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم دعا على عتبة بن أبي لهب فقال: # " اللهم سلط عليه كلبا من كلابك " # ، فافترسه أسد. # والأول أصح. # قال ابن عباس: كان كلبا أغر. ويروى عنه: فوق القلطي ودون الكردي، ~~والقلطي: كلب صيني. # وقال مقاتل: كان أصفر. وقال القرظي: كان شدة صفرته تضرب إلى الحمرة. ~~وقال الكلبي: لونه كالخلنج. وقيل: لون الحجر. # قال ابن عباس: كان اسمه قطمير. وعن علي: اسمه ريان. وقال الأوزاعي: ~~بتور. وقال السدي: تور. وقال كعب: صهيلة. # وقال خالد بن معدان ليس في الجنة شيء من الدواب سوى كلب أصحاب الكهف ~~وحمار بلعام. # قوله: { بالوصيد } قال مجاهد والضحاك: " والوصيد ": فناء الكهف. ~~وقال عطاء: " الوصيد " عتبة الباب. # وقال السدي: " الوصيد " الباب، وهو رواية عكرمة عن ابن عباس. # فإن قيل: لم يكن للكهف باب ولا عتبة؟ # قيل: معناه موضع الباب والعتبة، كان الكلب قد بسط ذراعيه وجعل وجهه ~~عليهم. # قال السدي: كان أصحاب الكهف إذا انقلبوا انقلب الكلب معهم، وإذا انقلبوا ~~إلى اليمين كسر الكلب أذنه اليمنى ورقد عليها. وإذا انقلبوا إلى الشمال ~~كسر أذنه اليسر ورقد عليها. # { لو اطلعت عليهم } ، يا محمد، { لوليت منهم ~~فرارا } ، لما ألبسهم الله من الهيبة حتى لا يصل إليهم أحد، حتى يبلغ ~~الكتاب أجله فيوقظهم الله تعالى من رقدتهم، { ولملئت منهم ~~رعبا } ، خوفا، قرأ أهل الحجاز بتشديد اللام والآخرون بتخفيفها. # واختلفوا في أن الرعب كان لماذا: قيل من وحشة المكان. # وقال الكلبي: لأن أعينهم كانت مفتحة، كالمستيقظ الذي يريد أن يتكلم، وهم ~~نيام. # وقيل: لكثرة شعورهم، وطول أظفارهم، ولتقلبهم من غير حس ولا إشعار. # وقيل: إن الله تعالى منعهم بالرعب لئلا يراهم أحد. # وروي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: غزونا مع معاوية نحو الروم ~~فمررنا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف، فقال معاوية: لو كشف لنا عن هؤلاء ~~فنظرنا إليهم. فقال ابن عباس رضي الله عنهم: لقد منع ذلك ms1377 من هو خير منك، ~~فقال " لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا " فبعث معاوية ناسا فقال: ~~اذهبوا فانظروا، فلما دخلوا الكهف بعث الله عليهم ريحا فأخرجتهم. ### || [18.19] # قوله تعالى: { وكذلك بعثنهم } ، أي: كما أنمناهم في الكهف ~~وحفظنا أجسادهم من البلى على طول الزمان، فكذلك بعثناهم من النومة التي ~~تشبه الموت، { ليتسآءلوا بينهم } ، ليسأل بعضهم بعضا، ~~واللام فيه لام العاقبة، لأنهم لم يبعثوا للسؤال. # { قال قآئل منهم } ، وهو رئيسهم مكسلمينا، { كم لبثتم ~~} ، في نومكم؟ وذلك أنهم استنكروا طول نومهم. ويقال: إنهم راعهم ما فاتهم ~~من الصلاة فقالوا ذلك. # { قالوا لبثنا يوما } ، وذلك أنهم دخلوا الكهف غدوة فقالوا ~~فانتبهوا حين انتبهوا عشية، فقالوا: لبثنا يوما، ثم نظروا وقد بقيت من ~~الشمس بقية، فقالوا: { أو بعض يوم } ، فلما نظروا إلى طول شعورهم ~~وأظفارهم علموا أنهم لبثوا أكثر من يوم. # { قالوا ربكم أعلم بما لبثتم } ، وقيل: إن رئيسهم ~~مكسلمينا لما سمع الاختلاف بينهم قال: دعوا الاختلاف ربكم أعلم بما ~~لبثتم، { فابعثوا أحدكم بورقكم هذه } ، يعني يمليخا. # قرأ أبو عمرو، وحمزة، وأبو بكر: بورقكم ساكنة الراء والباقون بكسرهما، ~~ومعناهما واحد، وهي الفضة مضروبة كانت أو غير مضروبة. # { إلى المدينة } ، قيل: هي طرسوس وكان اسمها في الجاهلية أفسوس ~~فسموها في الإسلام طرسوس. # { فلينظر أيهآ أزكى طعاما } أي: أحل طعاما حتى لا ~~يكون من غصب أو سبب حرام، وقيل: أمروه أن يطلب ذبيحة مؤمن ولا يكون من ~~ذبيحة من يذبح لغير الله وكان فيهم مؤمنون يخفون إيمانهم. وقال الضحاك: ~~أطيب طعاما. وقال مقاتل بن حيان: أجود طعاما. وقال عكرمة أكثر، وأصل ~~الزكاة الزيادة. وقيل: أرخص طعاما. # { فليأتكم برزق منه } ، أي: قوت وطعام تأكلونه، { ~~وليتلطف } ، وليترفق في الطريق وفي المدينة وليكن في ستر وكتمان، ~~{ ولا يشعرن } ، ولا يعلمن، { بكم أحدا } ، من الناس. ### || [18.20-21] # { إنهم إن يظهروا عليكم } ، أي: يعلموا بمكانكم، { ~~يرجموكم } قال ابن جريج: يشتمونكم ويؤذونكم بالقول. وقيل: يقتلوكم، ~~وقيل: كان من عاداتهم القتل بالحجارة وهو أخبث القتل. وقيل يضربوكم، { ~~أو يعيدوكم فى ملتهم } أي: إلى الكفر، { ولن ~~تفلحوا ms1378 إذا أبدا } ، إن عدتم إليه. # قوله عز وجل: { وكذلك أعثرنا } أي: أطلعنا، { عليهم } ~~، يقال: عثرت على الشيء: إذا اطلعت عليه وأعثرت غيري، أي: ~~أطلعته، { ليعلموا أن وعد الله حق } ، يعني قوم ~~بيدروس الذين أنكروا البعث، { وأن الساعة لا ريب فيهآ إذ ~~يتنزعون بينهم أمرهم } ، قال ابن عباس: يتنازعون في ~~البنيان، فقال: المسلمون: نبني عليهم مسجدا يصلي فيه الناس لأنهم على ~~ديننا، وقال المشركون: نبني عليهم بنيانا لأنهم من أهل نسبنا. # وقال عكرمة: تنازعوا في البعث، فقال المسلمون: البعث للأجساد والأرواح ~~معا، وقال قوم: للأرواح دون الأجساد، فبعثهم الله تعالى وأراهم أن البعث ~~للأجساد والأرواح. # وقيل: تنازعوا في مدة لبثهم. وقيل: في عددهم. # { فقالوا ابنوا عليهم بنينا ربهم أعلم ~~بهم قال الذين غلبوا على أمرهم } ، بيدروس الملك ~~وأصحابه، { لنتخذن عليهم مسجدا }. ### || [18.22] # { سيقولون ثلثة رابعهم كلبهم } ، روي أن السيد ~~والعاقب وأصحابهما من نصارى أهل نجران كانوا عند النبي فجرى ذكر أصحاب ~~الكهف، فقال السيد وكان يعقوبيا : كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم، وقال ~~العاقب - وكان نسطوريا -: كانوا خمسة سادسهم كلبهم، وقال المسلمون: ~~كانوا سبعة ثامنهم كلبهم، فحقق الله قول المسلمين بعد ما حكى قول ~~النصارى، فقال: { سيقولون ثلثة رابعهم كلبهم ~~ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب } ، ~~أي: ظنا وحدسا من غير يقين، ولم يقل هذا في حق السبعة، فقال: { ~~ويقولون } يعني: المسلمين، { سبعة وثامنهم كلبهم }. # اختلفوا في الواو في قوله { وثامنهم } قيل: تركها وذكرها سواء. # وقيل: هي واو الحكم والتحقيق، كأنه حكى اختلافهم، وتم الكلام عند قوله ~~ويقولون سبعة، ثم حقق هذا القول بقوله: { وثامنهم كلبهم } ~~والثامن لا يكون إلا بعد السابع. # وقيل: هذه واو الثمانية، وذلك أن العرب تعد فتقول واحد اثنان ثلاثة ~~أربعة خمسة ستة سبعة وثمانية، لأن العقد كان عندهم سبعة كما هو اليوم ~~عندنا عشرة، نظيره قوله تعالى: # التائبون العابدون الحامدون # إلى قوله: # والناهون عن المنكر # [التوبة: 112]، وقال في أزواج النبي # عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزوجا خيرا ~~منكن مسلمت مؤمنت قنتت تئبت ~~عبدت سئحت ثيبت وأبكارا # [التحريم: ms1379 5]. # { قل ربى أعلم بعدتهم } ، أي: بعددهم { ما ~~يعلمهم إلا قليل } ، أي: إلا قليل من الناس. قال ابن عباس: ~~أنا من القليل، كانوا سبعة. # وقال محمد بن إسحاق: كانوا ثمانية. قرأ: { وثامنهم كلبهم } ~~أي: حافظهم، والصحيح هو الأول. # وروي عن ابن عباس أنه قال: هم مكسلمينا، ويمليخا، ومرطونس، وبينونس، ~~وسارينونس، وذو نوانس، وكشفيططنونس، وهو الراعي، والكلب قطمير. # { فلا تمار فيهم } ، أي: لا تجادل ولا تقل في عددهم وشأنهم، { ~~إلا مرآء ظهرا } ، إلا بظاهر ما قصصنا عليك، يقول حسبك ما ~~قصصنا عليك، فلا تزد عليه، وقف عنده، { ولا تستفت فيهم ~~منهم } ، من أهل الكتاب، { أحدا } أي: لا ترجع إلى قولهم بعد أن ~~أخبرناك. ### || [18.23-24] # { ولا تقولن لشىء إنى فاعل ذلك غدا إلا أن ~~يشآء الله } يعني: إذا عزمت على أن تفعل غدا شيئا تقل أفعل غدا، ~~حتى تقول إن شاء الله، وذلك أن أهل مكة سألوه عن الروح وعن أصحاب الكهف ~~وعن ذي القرنين، فقال: أخبركم غدا ولم يقل إن شاء الله، فلبث الوحي ~~أياما ثم نزلت هذه الآية. # { واذكر ربك إذا نسيت } ، قال ابن عباس ومجاهد والحسن: ~~معناه إذا نسيت الاستثناء ثم ذكرت فاستثن. # وجوز ابن عباس الاستثناء المنقطع، وإن كان إلى سنة. وجوزه الحسن ~~ما دام في المجلس، وجوزه بعضهم إذا قرب الزمان، فإن بعد فلا يصح. ولم ~~يجوز باستثناء جماعة حتى يكون الكلام متصلا بالكلام. # وقال عكرمة: معنى الآية: واذكر ربك إذا غضبت. # وقال وهب: مكتوب في الإنجيل: ابن آدم اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب. # وقال الضحاك والسدي: هذا في الصلاة. # أخبرنا عبدالواحد المليحي، أنبأنا الحسن بن أحمد المخلدي، حدثنا أبو ~~العباس السراج، حدثنا قتيبة، حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن أنس قال: قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها " # { وقل عسى أن يهدين ربى لأقرب من هذا رشدا ~~} ، أي: يثبتني على طريق هو أقرب إليه وأرشد. # وقيل: أمر الله نبيه أن يذكره إذا نسي شيئا، ويسأله أن يهديه لما هو ~~خير له ms1380 من ذكر ما نسيه. # ويقال: هو أن القوم لما سألوه عن قصة أصحاب الكهف على وجه العناد أمره ~~الله عز وجل أن يخبرهم أن الله سيؤتيه من الحجج على صحة نبوته ما هو ~~أدل لهم من قصة أصحاب الكهف، وقد فعل، حيث آتاه من علم الغيب حال ~~المرسلين ما كان أوضح لهم في الحجة وأقرب إلى الرشد من خبر أصحاب الكهف. # وقال بعضهم: هذا شيء أمر أن يقوله مع قوله " إن شاء الله " إذا ذكر ~~الاستثناء بعد النسيان، وإذا نسي الإنسان " إن شاء الله " فتوبته من ذلك ~~أن يقول: " عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا ". ### || [18.25] # قوله عز وجل: { ولبثوا فى كهفهم } ، يعني: أصحاب الكهف. ~~قال بعضهم: هذا خبر عن أهل الكتاب أنهم قالوا ذلك. ولو كان خبرا من الله ~~عز وجل عن قدر لبثهم لم يكن لقوله " قل الله أعلم بما لبثوا " وجه، ~~وهذا قول قتادة. ويدل عليه قراءة ابن مسعود: " وقالوا لبثوا في كهفهم " ~~ثم رد الله تعالى عليهم فقال: " قل الله أعلم بما لبثوا ". # وقال الآخرون: هذا إخبار من الله تعالى عن قدر لبثهم في الكهف وهو ~~الأصح. # وأما قوله: " قل الله أعلم بما لبثوا " فمعناه: أن الأمر من مدة لبثهم ~~كما ذكرنا، فإن نازعوك فيها فأجبهم، وقل: الله أعلم بما لبثوا، أي: هو ~~أعلم منكم، وقد أخبرنا بمدة لبثهم. # وقيل: إن أهل الكتاب قالوا: إن هذه المدة من لدن دخلوا الكهف إلى يومنا ~~هذا ثلثمائة وتسع سنين فرد الله عليهم وقال: " قل الله أعلم بما لبثوا " ~~يعني: بعد قبض أرواحهم إلى يومنا هذا لا يعلمه إلا الله. # قوله تعالى: { ثلاث مائة سنين } قرأ حمزة والكسائي " ثلثمائة ~~" بلا تنوين، وقرأ الآخرون بالتنوين. # فإن قيل: لم قال ثلثمائة سنين ولم يقل سنة؟ # قيل: نزل قوله: " ولبثوا في كهفهم ثلثمائة " ، فقالوا: أياما أو ~~شهورا أو سنين؟ فنزلت " سنين ". # قال الفراء: ومن العرب من يضع سنين في موضع سنة. # وقيل: معناه ولبثوا في كهفهم سنين ثلثمائة. # { وازدادوا تسعا ms1381 } ، قال الكلبي: قالت نصارى نجران أما ثلثمائة ~~فقد عرفنا، وأما التسع فلا علم لنا بها فنزلت { قل الله أعلم ~~بما لبثوا }. ### || [18.26] # { قل الله أعلم بما لبثوا } روي عن علي أنه قال: عند أهل ~~الكتاب أنهم لبثوا ثلثمائة شمسية، والله تعالى ذكر ثلثمائة قمرية، ~~والتفاوت بين الشمسية والقمرية في كل مائة سنة ثلاث سنين، فيكون في ~~ثلثمائة تسع سنين، فلذلك قال: " وازدادوا تسعا ". # { له غيب السموت والأرض } ، فالغيب ما يغيب عن إدراك: ~~والله عز وجل لا يغيب عن إدراكه شيء. # { أبصر به وأسمع } أي: ما أبصر الله بكل موجود وأسمعه لكل ~~مسموع! أي: لا يغيب عن سمعه وبصره شيء. # { ما لهم } أي: ما لأهل السموات والأرض، { من دونه } أي من دون ~~الله، { من ولى } ناصر، { ولا يشرك فى حكمه أحدا } ، ~~قرأ ابن عامر ويعقوب: { ولا تشرك } بالتاء على المخاطبة والنهي، وقرأ ~~الآخرون بالياء، أي: لا يشرك الله في حكمه أحدا. وقيل: " الحكم " هنا ~~علم الغيب، أي: لا يشرك في علم غيبه أحدا. ### || [18.27-28] # قوله عز وجل: { واتل } أي: واقرأ يا محمد، { مآ أوحى إليك ~~من كتب ربك } ، يعني القرآن، واتبع ما فيه، { لا مبدل ~~لكلمته } ، قال الكلبي: لا مغير للقرآن. وقيل: لا مغير لما أوعد ~~بكلماته أهل معاصيه، { ولن تجد } ، أنت، { من دونه } ، إن لم ~~تتبع القرآن، { ملتحدا } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: حرزا. ~~وقال الحسن: مدخلا. وقال مجاهد: ملجأ. وقيل: معدلا. وقيل: مهربا. ~~وأصله من الميل. # قوله عز وجل: { واصبر نفسك } الآية، نزلت في عيينة بن حصن ~~الفزاري أتى النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يسلم، وعنده جماعة من ~~الفقراء، فيهم سلمان وعليه شملة قد عرق فيها، وبيده خوصة يشقها ثم ~~ينسجها، فقال عيينة للنبي صلى الله عليه وسلم: أما يؤذيك ريح هؤلاء ونحن ~~سادات مضر وأشرافها، فإن أسلمنا أسلم الناس، وما يمنعنا من اتباعك إلا ~~هؤلاء فنحهم عنك حتى نتبعك، أو اجعل لنا مجلسا ولهم مجلسا، فأنزل الله ~~عز وجل: { واصبر نفسك } ، أي: احبس يا محمد ms1382 نفسك، { مع ~~الذين يدعون ربهم بالغدوة والعشى } ، طرفي ~~النهار، { يريدون وجهه } ، أي: يريدون الله، لا يريدون به ~~عرضا من الدنيا. # قال قتادة: نزلت في أصحاب الصفة، وكانوا سبعمائة رجل فقراء في مسجد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يرجعون إلى تجارة ولا إلى زرع ولا ضرع، ~~يصلون صلاة وينتظرون أخرى، فلما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم " # { ولا تعد } أي: لا تصرف ولا تتجاوز، { عيناك عنهم } ، إلى ~~غيرهم، { تريد زينة الحيوة الدنيا } ، أي: طلب مجالسة ~~الأغنياء والأشراف وصحبة أهل الدنيا. # { ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا } ، أي: جعلنا ~~قلبه غافلا عن ذكرنا، يعني: عيينة ابن حصن. وقيل: أمية بن خلف، { ~~واتبع هواه } ، أي مراده في طلب الشهوات، { وكان أمره ~~فرطا } ، قال قتادة ومجاهد: ضياعا. وقيل: معناه ضيع عمره وعطل أيامه. ~~وقيل: ندما. وقال مقاتل ابن حيان: سرفا. وقال الفراء: متروكا. وقيل ~~باطلا. وقيل: مخالفا للحق. وقال الأخفش: مجاوزا للحد. قيل: معنى ~~التجاوز في الحد، هو قول عيينة: أن أسلمنا أسلم الناس، وهذا إفراط عظيم. ### || [18.29] # { وقل الحق من ربكم } ، أي: ما ذكر من الإيمان والقرآن، ~~معناه: قل يا محمد لهؤلاء الذين أغفلنا قلوبهم عن ذكرنا: أيها الناس قد ~~جاءكم من ربكم الحق وإليه التوفيق والخذلان، وبيده الهدى والضلال، ليس ~~إلي من ذلك شيء. # { فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر } ، هذا على طريق ~~التهديد والوعيد كقوله: # اعملوا ما شئتم # [فصلت: 40]. # وقيل معنى الآية: وقل الحق من ربكم، ولست بطارد المؤمنين لهواكم، فإن ~~شئتم فآمنوا وإن شئتم فاكفروا، فإن كفرتم فقد أعد لكم ربكم نارا أحاط ~~بكم سرادقها، وإن آمنتم فلكم ما وصف الله عز وجل لأهل طاعته. # وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما في معنى الآية: من شاء الله له ~~الإيمان آمن، ومن شاء له الكفر، كفر، وهو قوله: # وما تشآءون إلا أن يشآء الله # [الإنسان: 30]. # { إنا أعتدنا } ، أعددنا، وهيأنا، من الإعداد، وهو ms1383 العدة، { ~~للظالمين } للكافرين، { نارا أحاط بهم سرادقها } ، " ~~السرادق الحجرة ": التي تطيف بالفساطيط. # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبدالله بن أبي توبة، أنبأنا محمد بن أحمد بن ~~الحارث، أنبأنا محمد ابن يعقوب الكسائي، أنبأنا عبدالله بن محمود، أنبأنا ~~إبراهيم بن عبدالله الخلال، أنبأنا عبدالله بن المبارك، عن رشدين بن سعد، ~~حدثني عمرو بن الحارث عن دراج أبي السمح، عن أبي الهيثم بن عبدالله، عن ~~أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " سرادق النار أربعة جدر كثف كل جدار مثل مسيرة أربعين سنة ". # قال ابن عباس: هو حائط من نار. # وقال الكلبي: هو عنق يخرج من النار فيحيط بالكفار كالحظيرة. # وقيل: هو دخان يحيط بالكفار وهو الذي ذكره الله تعالى: # انطلقوا إلى ظل ذى ثلث شعب # [المرسلات: 30]. # { وإن يستغيثوا } ، من شدة العطش، { يغاثوا بمآء ~~كالمهل }. # أخبرنا محمد بن عبدالله بن أبي توبة، أنبأنا محمد بن أحمد بن الحارث، ~~أنبأنا محمد بن يعقوب الكسائي، أنبأنا عبدالله بن محمود، أنبأنا إبراهيم ~~بن عبدالله الخلال، حدثنا عبدالله بن المبارك عن رشدين بن سعد، حدثنا ~~عمرو بن الحارث، عن دراج أبي السمح، عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري ~~رضي الله عنه # " عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " { بمآء كالمهل } قال كعكر ~~الزيت، فإذا قرب إليه سقطت فروة وجهه فيه ". # وقال ابن عباس: هو ماء غليظ مثل دردي الزيت. # وقال مجاهد: هو القيح والدم. # وسئل ابن مسعود عن: " المهل " فدعا بذهب وفضة فأوقد عليهما النار حتى ~~ذابا، ثم قال: هذا أشبه شيء بالمهل. # { يشوى الوجوه } ، ينضج الوجوه من حره. # { بئس الشراب وسآءت } النار، { مرتفقا } ، قال ابن ~~عباس: منزلا. وقال مجاهد: مجتمعا. وقال عطاء: مقرا. وقال القتيبي: ~~مجلسا. وأصل " المرتفق ": المتكأ. ### || [18.30-32] # قوله تعالى: { إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحات ~~إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا } ، فإن قيل: أين جواب ~~قوله: { إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحات }؟ # قيل: جوابه قوله: { أولئك لهم جنات عدن تجرى } ، ~~وأما قوله: { إنا لا نضيع } فكلام معترض. # وقيل: ms1384 فيه إضمار، معناه: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات فإنا لا نضيع ~~أجرهم بل نجازيهم، ثم ذكر الجزاء فقال: # { أولئك لهم جنات عدن } ، أي: إقامة، يقال: عدن ~~فلان بالمكان إذا أقام به، سميت عدنا لخلود المؤمنين فيها، { ~~تجرى من تحتهم الأنهر يحلون فيها من أساور ~~من ذهب } ، قال سعيد بن جبير: يحلى كل واحد منهم ثلاثة أساور، واحد ~~من ذهب، وواحد من فضة، وواحد من لؤلؤ ويواقيت، { ويلبسون ثيابا ~~خضرا من سندس } ، وهو ما رق من الديباج، { وإستبرق } ، ~~وهو ما غلظ منه، ومعنى الغلظ في ثياب الجنة: إحكامه. وعن أبي عمران ~~الجوني قال: السندس هو الديباج المنسوج بالذهب، { متكئين فيها } ~~، في الجنان، { على الأرآئك } ، وهي السرر في الحجال، ~~واحدتها أريكة، { نعم الثواب }. أي نعم الجزاء، { ~~وحسنت } ، الجنان { مرتفقا } أي: مجلسا ومقرا. # { واضرب لهم مثلا رجلين } الآية، قيل: نزلت في أخوين من ~~أهل مكة من بني مخزوم، أحدهما مؤمن، وهو أبو سلمة عبدالله بن عبد الأسد ~~بن عبد ياليل وكان زوج أم سلمة قبل النبي صلى الله عليه وسلم والآخر كافر ~~وهو الأسود بن عبد الأسد بن عبد ياليل. # وقيل: هذا مثل لعيينة بن حصن وأصحابه مع سليمان،وأصحابه، شبههما ~~برجلين من بني إسرائيل أخوين أحدهما مؤمن واسمه يهوذا في قول ابن عباس، ~~وقال مقاتل: يمليخا، والآخر كافر واسمه قطروس، وقال وهب: قطفير، وهما ~~اللذان وصفهما الله تعالى في سورة " والصافات " ، وكانت قصتهما، على ما ~~حكى عبدالله بن المبارك عن معمر عن عطاء الخراساني قال: كان رجلان شريكين ~~لهما ثمانية آلاف دينار، وقيل: كانا أخوين ورثا من أبيهما ثمانية آلاف ~~دينار فاقتسماها، فعمد أحدهما فاشترى أرضا بألف دينار، فقال صاحبه: ~~اللهم إن فلانا قد اشترى أرضا بألف دينار، فإني أشتري منك أرضا في ~~الجنة بألف دينار، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه بنى دارا بألف دينار، ~~فقال هذا: اللهم إن فلانا بنى دارا بألف دينار، فإني اشتري منك دارا ~~في الجنة بألف دينار، فتصدق بذلك ثم تزوج صاحبه امرأة فأنفق عليها ألف ~~دينار، ms1385 فقال هذا المؤمن: اللهم إني أخطب إليك امرأة من نساء الجنة بألف ~~دينار. فتصدق بألف دينار، ثم اشترى صاحبه خدما ومتاعا بألف دينار، فقال ~~هذا: اللهم إني أشتري منك متاعا وخدما في الجنة بألف دينار، فتصدق بألف ~~دينار، ثم أصابته حاجة شديدة، فقال: لو أتيت صاحبي لعله ينالني منه ~~معروف، فجلس على طريقه حتى مر به في حشمه، فقام إليه فنظر إليه الآخر ~~فعرفه، فقال: فلان؟ قال: نعم، فقال: ما شأنك؟ فقال: أصابتني حاجة بعدك ~~فأتيتك لتصيبني بخير، فقال: ما فعل مالك وقد اقتسمنا مالا واحدا وأخذت ~~شطره؟ فقص عليه قصته، فقال: وإنك لمن المصدقين بهذا؟ اذهب فلا أعطيك ~~شيئا، فطرده فقضي لهما أن توفيا، فنزل فيهما: # فأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون قال قآئل ~~منهم إني كان لي قرين # [الصافات: 50-51] # وروي أنه لما أتاه أخذ بيده وجعل يطوف به ويريه أموال نفسه، فنزل فيهما. # { واضرب لهم مثلا رجلين } اذكر لهم خبر رجلين، { ~~جعلنا لأحدهما جنتين } ، بستانين، { من أعناب ~~وحففناهما بنخل } ، أي: أطفناهما من جوانبهما بنخل، ~~والحفاف: الجانب، وجمعه أحفة، يقال: حف به القوم، أي: طافوا ~~بجوانبه، { وجعلنا بينهما زرعا } ، أي: جعلنا حول الأعناب ~~النخيل، ووسط الأعناب الزرع. # وقيل: " بينهما " أي بين الجنتين زرعا، يعني: لم يكن بين الجنتين موضع ~~خراب. ### || [18.33-36] # { كلتا الجنتين ءاتت } ، أي: أعطت كل واحدة من الجنتين، ~~{ أكلها } ، ثمرها تاما، { ولم تظلم } لم تنقص، { منه ~~شيئا وفجرنا } ، قرأ العامة بالتشديد، وقرأ يعقوب بتخفيف الجيم، ~~{ خلالهما نهرا } يعني: شققنا وأخرجنا وسطهما نهرا. # { وكان له } ، لصاحب البستان، { ثمر } قرأ عاصم وأبو جعفر ~~ويعقوب: { ثمر } بفتح الثاء والميم، وكذلك: " بثمرة " ، وقرأ أبو عمرو: ~~بضم الثاء ساكنة الميم، وقرأ الآخرون بضمهما. # فمن قرأ بالفتح هو جمع ثمرة، وهو ما تخرجه الشجرة من الثمار ~~المأكولة. # ومن قرأ بالضم فهي الأموال الكثيرة المثمرة من كل صنف، جمع ثمار. وقال ~~مجاهد: ذهب وفضة. وقيل: جميع الثمرات. # قال الأزهري: " الثمرة " تجمع على " ثمر " ، ويجمع " الثمر " ~~على " ثمار " ، ثم تجمع " الثمار " على " ثمر ". # { فقال } ، يعني ms1386 صاحب البستان، { لصحبه } ، المؤمن، { وهو ~~يحاوره } ، يخاطبه ويجاوبه: # { أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا } أي: عشيرة ورهطا. ~~وقال قتادة: خدما وحشما. وقال مقاتل: ولدا، تصديقه قوله تعالى: # إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا # [الكهف: 39]. # { ودخل جنته } ، يعني الكافر، أخذ بيد أخيه المسلم يطوف به ~~فيها ويريه أثمارها، { وهو ظالم لنفسه } ، بكفره، { قال ~~مآ أظن أن تبيد } ، تهلك، { هذه أبدا } ، قال أهل ~~المعاني: راقه حسنها وغرته زهرتها، فتوهم أنها لا تفنى أبدا، ~~وأنكر البعث. # فقال: { ومآ أظن الساعة قائمة } ، كائنة، { ولئن ~~رددت إلى ربى لأجدن خيرا منها منقلبا } ، ~~وقرأ أهل الحجاز والشام هكذا على التثنية، يعني من الجنتين، وكذلك هو في ~~مصاحفهم، وقرأ الآخرون { منها } أي: من الجنة التي دخلها، { منقلبا } ~~أي: مرجعا. # إن قيل: كيف قال: " ولئن رددت إلى ربي " ، وهو منكر البعث؟ # قيل: معناه: ولئن رددت إلى ربي على ما تزعم أنت يعطيني هنالك خيرا ~~منها، فإنه لم يعطني هذه الجنة في الدنيا إلا ليعطيني في الآخرة أفضل ~~منها. ### || [18.37-40] # { قال له صحبه } ، المسلم، { وهو يحوره أكفرت ~~بالذى خلقك من تراب } ، أي خلق أصلك من تراب، { ثم } ، ~~خلقك، { من نطفة ثم سواك رجلا } أي: عدلك بشرا سويا ~~ذكرا. # { لكنا هو الله ربى } ، قرأ ابن عامر ويعقوب: " لكنا " ~~بالألف في الوصل، وقرأ الباقون بلا ألف، واتفقوا على إثبات الألف في ~~الوقف، وأصله: " لكن أنا " ، فحذفت الهمزة طلبا للتخفيف، لكثرة ~~استعمالها، ثم أدغمت إحدى النونين في الأخرى. قال الكسائي: فيه تقديم ~~وتأخير، مجازه: لكن الله هو ربي، { ولا أشرك بربى أحدا }. # { ولولا إذ دخلت جنتك } ، أي: هلا إذ دخلت جنتك، { ~~قلت ما شآء الله } أي: الأمر ما شاء الله. وقيل: جوابه مضمر، ~~أي: ما شاء الله كان، وقوله: { لا قوة إلا بالله } ، أي لا ~~أقدر على حفظ مالي أو دفع شيء عنه إلا بإذن الله. # وروي عن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان إذا رأى من ماله شيئا يعجبه أو ~~دخل حائطا من حيطانه. قال: ما شاء الله لا ms1387 قوة إلا بالله. # ثم قال: { إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا } و " أنا ~~" عماد، ولذلك نصب أقل، معناه: إن ترني أقل منك مالا وولدا فتكبرت ~~وتعاظمت علي. # { فعسى ربى } ، فلعل ربي، { أن يؤتين } ، يعطيني في ~~الآخرة، { خيرا من جنتك ويرسل عليها } ، أي على جنتك، ~~{ حسبانا } ، قال قتادة: عذابا. وقال ابن عباس رضي الله عنه: نارا. ~~وقال القتيبي: مرامي. { من السمآء } ، وهي مثل صاعقة أو شيء ~~يهلكها، واحدتها: " حسبانة " ، { فتصبح صعيدا زلقا } ، أرضا ~~جرداء ملساء لا نبات فيها. وقيل: تزلق فيها الأقدام. وقال مجاهد: رملا ~~هائلا. ### || [18.41-44] # { أو يصبح مآؤها غورا } ، أي: غائرا، منقطعا ذاهبا، لا ~~تناله الأيدي، ولا الدلاء، و " الغور ": مصدر وضع موضع الاسم، مثل ~~زور وعدل، { فلن تستطيع له طلبا } ، يعني: إن طلبته لم تجده. # { وأحيط بثمره } أي: أحاط العذاب بثمر جنته، وذلك أن الله ~~تعالى أرسل عليها نارا فأهلكتها وغار ماؤها، { فأصبح } ، صاحبها ~~الكافر، { يقلب كفيه } ، أي: يصفق بيده على الأخرى، ويقلب كفيه ~~ظهرا لبطن، تأسفا وتلهفا، { على مآ أنفق فيها وهى ~~خاوية } ، أي ساقطة، { على عروشها } ، سقوفها، { ويقول ~~يليتنى لم أشرك بربى أحدا }. # قال الله تعالى: { ولم تكن له فئة } ، جماعة، { ينصرونه ~~من دون الله } ، يمنعونه من عذاب الله، { وما كان منتصرا } ~~، ممتنعا منتقما، أي: لا يقدر على الانتصار لنفسه. وقيل: لا يقدر على ~~رد ما ذهب عنه. # { هنالك الولية لله الحق } ، يعني: في القيامة، قرأ ~~حمزة والكسائي { الولاية } بكسر الواو، يعني السلطان، وقرأ الآخرون بفتح ~~الواو، من: الموالاة والنصر، كقوله تعالى: # الله ولي الذين ءامنوا # [البقرة: 257]، قال القتيبي: يريد أنهم يولونه يومئذ ويتبرؤون مما ~~كانوا يعبدون. # وقيل: بالفتح: الربوبية، وبالكسر: الإمارة. # { الحق } برفع القاف: أبو عمرو والكسائي على نعت الولاية، وتصديقه ~~قراءة أبي: { هنالك الولاية الحق لله } ، وقرأ الآخرون بالجر على صفة ~~الله كقوله تعالى: # ثم ردوا إلى الله مولهم الحق # [الأنعام: 62]. # { هو خير ثوابا } ، أفضل جزاء لأهل طاعته لو كان غيره يثيب، { ~~وخير عقبا } ، أي: عاقبة طاعته خير من عاقبة طاعة غيره، فهو ms1388 خير ~~إثابة، " وعاقبة ": طاعة، قرأ حمزة وعاصم { عقبا } ساكنة القاف، وقرأ ~~الآخرون بضمها. ### || [18.45-46] # قوله تعالى: { واضرب لهم } ، يا محمد، أي: لقومك { مثل ~~الحيوة الدنيا كمآء أنزلنه من السماء } ، يعني: ~~المطر، { فاختلط به نبات الأرض } ، خرج منه كل لون وزهرة، { ~~فأصبح } ، عن قريب، { هشيما } ، يابسا. قال ابن عباس وقال ~~الضحاك: كسيرا. والهشيم: ما يبس وتفتت من النباتات فأصبح هشيما، { ~~تذروه الرياح } ، قال ابن عباس: تثيره الرياح. وقال أبو عبيدة: ~~تفرقه. وقال القتيبي تنسفه، { وكان الله على كل شىء ~~مقتدرا } ، قادرا. # { المال والبنون } ، التي يفتخر بها عتبة وأصحابه الأغنياء، { ~~زينة الحيوة الدنيا } ، ليست من زاد الآخرة. # قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: المال والبنون حرث الدنيا، ~~والأعمال الصالحة حرث الآخرة، وقد يجمعها الله لأقوام. # { والبقيات الصلحات } ، اختلفوا فيها، فقال ابن عباس، ~~وعكرمة، ومجاهد: هي قول سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله والله ~~أكبر. وقد روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أفضل الكلام أربع كلمات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، ~~والله أكبر ". # أخبرنا أبو القاسم عبدالله بن محمد الحنفي، أنبأنا أبو بكر أحمد بن ~~الحسن الحيري، أخبرنا أبو جعفر عبدالله بن إسماعيل الهاشمي، أنبأنا أحمد ~~بن عبد الجبار العطاردي، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لأن أقول سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحب ~~إلي مما طلعت عليه الشمس ". # أخبرنا عبدالواحد المليحي، أنبأنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، ~~أنبأنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبدالجبار، أنبأنا حميد بن زنجويه، ~~حدثنا عثمان عن أبي صالح، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج عن أبي الهيثم، عن ~~أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " استكثروا من الباقيات الصالحات، قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: " ~~الملة " قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: " التكبير، والتهليل، والتسبيح، ~~والحمد لله، ولا ms1389 حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " # وقال سعيد بن جبير، ومسروق، وإبر اهيم: " الباقيات الصالحات " هي ~~الصلوات الخمس. ويروى هذا عن ابن عباس. # وعنه رواية أخرى: أنها الأعمال الصالحة، وهو قول قتادة. # قوله تعالى: { خير عند ربك ثوابا } ، أي جزاء، المراد { ~~وخير أملا } ، أي ما يأمله الإنسان. ### || [18.47] # قوله عز وجل: { ويوم نسير الجبال } ، قرأ ابن كثير وأبو ~~عمرو وابن عامر: " تسير " بالتاء وفتح الياء (الجبال) رفع، دليله: ~~قوله تعالى: # وإذا الجبال سيرت # [التكوير: 3]. # وقرأ الآخرون بالنون وكسر الياء، " الجبال " نصب، وتسيير الجبال: ~~نقلها من مكان إلى مكان. # { وترى الأرض بارزة } ، أي: ظاهرة، ليس عليها شجر، ولا جبل، ~~ولا نبات، كما قال: # فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا # [طه: 106 107]. # قال عطاء: هو بروز ما في باطنها من الموتى وغيرهم، فترى باطن الأرض ~~ظاهرا. # { وحشرناهم } ، جميعا إلى الموقف والحساب، { فلم نغادر ~~منهم } ، أي: نترك منهم، { أحدا }. ### || [18.48] # { وعرضوا على ربك صفا } ، أي صفا صفا، فوجا فوجا، لا ~~أنهم صف واحد. وقيل: قياما، ثم يقال لهم، يعني الكفار: { لقد ~~جئتمونا كما خلقنكم أول مرة } ، يعني أحياء، ~~وقيل: فرادى كما ذكر في سورة الأنعام. وقيل: غرلا. # { بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا } ، يوم القيامة، ~~يقوله لمنكري البعث. # أخبرنا عبدالواحد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أنبأنا محمد ~~بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا معلى بن أسد، حدثنا وهب عن ابن ~~طاووس، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يحشر الناس على ثلاث طرائق، راغبين وراهبين، واثنان على ~~بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر ~~بقيتهم النار، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، ~~وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا " # أخبرنا عبدالواحد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أنبأنا محمد ~~بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن كثير، حدثنا سفيان بن ~~المغيرة بن النعمان، حدثني سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن النبي ms1390 صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " إنكم محشورون حفاة عراة غرلا " # ، ثم قرأ، # كما بدأنآ أول خلق نعيده وعدا علينآ إنا ~~كنا فعلين # [الأنبياء: 104]، وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم، وإن ناسا من ~~أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول أصحابي أصحابي، فيقول: إنهم لن يزالوا ~~مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصالح: { ~~وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم } إلى قوله: # العزيز الحكيم # [المائدة:117 118]. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد السرخسي أخبرنا أبو ~~القاسم جعفر ابن محمد بن المغلس، ببغداد، حدثنا هارون بن إسحاق ~~الهمذاني، أنبأنا أبو خالد الأحمر، عن حاتم بن أبي صغير، عن ابن أبي ~~ملكية، عن القاسم بن محمد، # " عن عائشة قالت: قلت يا رسول الله كيف يحشر الناس يوم القيامة؟ قال: " ~~عراة حفاة " ، قالت: قلت والنساء؟ قال: " والنساء " قالت: قلت يا رسول ~~الله نستحي، قال: " يا عائشة الأمر أشد من ذلك أن يهمهم أن ينظر ~~بعضهم إلى بعض ". ### || [18.49] # قوله عز وجل: { ووضع الكتب } ، يعني: كتب أعمال العباد يوضع ~~في أيدي الناس، في إيمانهم وشمائلهم، وقيل: معناه يوضع بين يدي الله ~~تعالى. { فترى المجرمين مشفقين } ، خائفين، { مما فيه ~~} ، من الأعمال السيئة، { ويقولون } ، إذا رأوها، { يويلتنا ~~} ، يا هلاكنا، و " الويل " و " الويلة ": الهلكة، وكل من وقع في هلكة ~~دعا بالويل، ومعنى النداء تنبيه المخاطبين، { مال هذا الكتب ~~لا يغادر صغيرة ولا كبيرة } ، من ذنوبنا. قال ابن عباس: " ~~الصغيرة ": التبسم، و " الكبيرة ": القهقهة. وقال سعيد بن جبير: " ~~الصغيرة ": اللمم، واللمس، والقبلة، و " الكبيرة ": الزنا. { إلا ~~أحصاها } ، عدها، قال السدي: كتبها وأثبتها. قال مقاتل بن حيان: ~~حفظها. # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أنبأنا أبو العباس ~~عبدالله بن محمد بن هارون الطيسفوني، أنبأنا أبو الحسن محمد بن أحمد ~~الترابي، أنبأنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عمرو بن بسطام، أنبأنا أبو ~~الحسن أحمد بن يسار القرشي، حدثنا يوسف بن عدي المصري، حدثنا أبو ضمرة ~~أنس بن عياض، عن أبي حازم قال: لا أعلمه إلا ms1391 عن سهل بن سعد قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إياكم ومحقرات الذنوب، فإنما مثل محقرات الذنوب مثل قوم ~~نزلوا بطن واد فجاء هذا بعود، وجاء هذا بعود، فأنضجوا خبزتهم، ~~وإن محقرات الذنوب لموبقات " # قوله تعالى: { ووجدوا ما عملوا حاضرا } ، مكتوبا مثبتا ~~في كتابهم، { ولا يظلم ربك أحدا } ، أي: لا ينقص ثواب أحد ~~عمل خيرا. # وقال الضحاك: لا يؤاخذ أحدا بجرم لم يعمله. # وقال عبدالله بن قيس: " يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأما ~~العرضتان: فجدال ومعاذير، وأما العرضة الثالثة: فعند ذلك تطير الصحف في ~~الأيدي، فآخذ بيمينه، وآخذ بشماله ". ورفعه بعضهم عن أبي موسى. ### || [18.50] # قوله عز وجل: { وإذ قلنا للملئكة اسجدوا لآدم } ~~، يقول: واذكر يا محمد إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، { فسجدوا ~~إلا إبليس كان من الجن } ، قال ابن عباس: كان من حي من ~~الملائكة يقال لهم الجن، خلقوا من نار السموم. وقال الحسن: كان من الجن ~~ولم يكن من الملائكة، فهو أصل الجن كما أن آدم أصل الإنس، { ففسق } ~~، أي خرج، { عن أمر ربه } ، عن طاعة ربه، { أفتتخذونه ~~} ، يعني يا بني آدم { وذريته أوليآء من دونى وهم ~~لكم عدو } ، أي أعداء. # روى مجالد عن الشعبي قال: إني لقاعد يوما إذ أقبل رجل فقال: أخبرني هل ~~لإبليس زوجة؟ قلت: إن ذلك لعرس ما شهدته، ثم ذكرت قوله تعالى: { ~~أفتتخذونه وذريته أوليآء من دونى } ، فعلمت أنه ~~لا تكون الذرية إلا من الزوجة، فقلت: نعم. # وقال قتادة: يتوالدون كما يتوالد بنو آدم. # وقيل: إنه يدخل ذنبه في دبره فيبيض فتنفلق البيضة عن جماعة من الشياطين. # قال مجاهد: من ذريته إبليس " لا قيس " و " ولهان " ، وهما صاحبا الطهارة ~~والصلاة، و " الهفاف " و " مرة " وبه يكنى، و " زلنبور " وهو صاحب ~~الأسواق، يزين اللغو والحلف الكاذبة ومدح السلع، و " ثبر " وهو صاحب ~~المصائب يزين خمش الوجوه ولطم الخدود وشق الجيوب، و " الأعور " وهو صاحب ~~الزنا ينفخ في إحليل الرجل وعجز المرأة، و " مطوس " وهو صاحب الأخبار ~~الكاذبة يلقيها في أفواه الناس، ms1392 لا يجدون لها أضلا، و " داسم " وهو الذي ~~إذا دخل الرجل بيته ولم يسلم ولم يذكر اسم الله بصره من المتاع ما لم ~~يرفع ولم يحتبس موضعه، وإذا أكل ولم يذكر اسم الله أكل معه. # قال الأعمش: ربما دخلت البيت ولم أذكر اسم الله ولم أسلم، فرأيت مطهرة ~~فقلت ارفعوا هذه وخاصمتهم، ثم أذكر اسم الله فأقول داسم داسم. # وروي عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن للوضوء شيطانا يقال له الولهان. فاتقوا وسواس الماء " # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أنبأنا عبد الغافر بن محمد، أنبأنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، أنبأنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، أنبأنا مسلم بن ~~الحجاج، حدثنا يحيى بن خلف الباهلي، أنبأنا عبد الأعلى عن سعيد ~~الجريري، عن أبي العلاء؛ # " أن عثمان بن أبي العاص أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول ~~الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وبين قراءتي، يلبسها علي، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذاك شيطان يقال له " خنزب " ، ~~فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه، واتفل عن يسارك ثلاثا»، قال: ~~ففعلت ذلك فأذهبه الله عني ". # وأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أنبأنا عبد الغافر بن محمد، حدثنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، أنبأنا مسلم بن ~~الحجاج، حدثنا أبو كريب محمد بن علاء، أنبأنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، ~~عن أبي سفيان، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه ~~منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما ~~صنعت شيئا، قال: ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه ~~وبين امرأته، قال: فيدنيه منه، ويقول: نعم أنت " # قال الأعمش أراه قال: فيلتزمه. # قوله تعالى: { بئس للظلمين بدلا } ، قال قتادة: بئس ما ~~استبدلوا طاعة إبليس وذريته بعبادة ربهم. ### || [18.51] # { مآ أشهدتهم } ، ما أحضرتهم، وقرأ أبو جعفر " ما أشهدناهم ms1393 " ~~بالنون والألف على التعظيم، أي: أحضرناهم، يعني إبليس وذريته. وقيل: ~~الكفار. وقال الكلبي: يعني الملائكة، { خلق السموت والأرض ~~ولا خلق أنفسهم } ، يقول: ما أشهدتم خلقا فأستعين بهم على ~~خلقها وأشاورهم فيها، { وما كنت متخذ المضلين عضدا } ~~، أي: الشياطين الذين يضلون الناس عضدا أي: أنصارا وأعوانا. ### || [18.52-54] # قوله عز وجل: { ويوم يقول } قرأ حمزة بالنون والآخرون بالياء، ~~أي: يقول الله لهم يوم القيامة: { نادوا شركآئى } ، يعني الأوثان ~~{ الذين زعمتم } ، أنهم شركائي، { فدعوهم } ، فاستغاثوا ~~بهم، { فلم يستجيبوا لهم } ، أي: لم يجيبوهم ولم ينصروهم، { ~~وجعلنا بينهم } ، يعني بين الأوثان وعبدتها. وقيل: بين أهل ~~الهدى وأهل الضلالة، { موبقا } مهلكا، قاله عطاء والضحاك. وقال ابن ~~عباس: هو واد في النار. وقال مجاهد: واد في جهنم. # وقال عكرمة: هو نهر في النار، يسيل نارا، على حافته حيات مثل البغال ~~الدهم. # قال ابن الأعرابي: وكل حاجز بين شيئين فهو موبق، وأصله الهلاك يقال: ~~أوبقه، أي: أهلكه. # قال الفراء: وجعلنا تواصلهم في الدنيا مهلكا لهم في الآخرة، والبين على ~~هذا القول التواصل كقوله تعالى: # لقد تقطع بينكم # [الأنعام: 94] على قراءة من قرأ بالرفع. # { ورأى المجرمون النار } ، أي: المشركون، { فظنوا } ، ~~أيقنوا، { أنهم مواقعوها } ، داخلوها وواقعون فيها، { ولم ~~يجدوا عنها مصرفا } ، معدلا، لأنها أحاطت بهم من كل جانب. # قوله عز وجل: { ولقد صرفنا } ، بينا، { فى هذا ~~القرءان للناس من كل مثل } ، أي ليتذكروا ويتعظوا، { ~~وكان الإنسن أكثر شىء جدلا } ، خصومة في الباطل. # قال ابن عباس: أراد النضر بن الحارث وجداله في القرآن. # قال الكلبي: أراد به أبي بن خلف الجمحي. # وقيل: المراد من الآية الكفار، لقوله تعالى: # ويجدل الذين كفروا بالبطل # [الكهف: 56]. # وقيل: هي على العموم، وهذا أصح. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا أحمد ابن عبدالله النعيمي، ~~أنبأنا محمد بن يوسف، أنبأنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا أبو اليمان، أخبرنا ~~شعيب، عن الزهري، أنبأنا علي بن الحسين، أن الحسين بن علي أخبره: أن ~~عليا أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة بنت رسول الله ~~صلى الله ms1394 عليه وسلم ليلة فقال: «ألا تصليان؟ فقلت: يا رسول الله إن ~~أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حين قلت له ذلك ولم يرجع إلي شيئا، ثم سمعته وهو مول ~~يضرب فخذه وهو يقول: { وكان الإنسن أكثر شىء جدلا }. ### || [18.55-57] # قوله عز وجل: { وما منع الناس أن يؤمنوا إذ ~~جآءهم الهدى } ، القرآن، والإسلام، والبيان من الله عز وجل، ~~وقيل: إنه الرسول صلى الله عليه وسلم. { ويستغفروا ربهم ~~إلا أن تأتيهم سنة الأولين } ، يعني: سنتنا في ~~إهلاكهم إن لم يؤمنوا. # وقيل: إلا طلب أن تأتيهم سنة الأولين من معاينة العذاب، كما قالوا: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال: 32]. # { أو يأتيهم العذاب قبلا } ، قال ابن عباس: أي: عيانا ~~من المقابلة. وقال مجاهد: فجأة، وقرأ أبو جعفر وأهل الكوفة: { قبلا } ~~بضم القاف والياء، جمع قبيل أي: أصناف العذاب نوعا نوعا. # { وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ~~ويجدل الذين كفروا بالبطل } ، ومجادلتهم قولهم: # أبعث الله بشرا رسولا # [الإسراء: 94]. و # لولا نزل هذا القرءان على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]، وما أشبهه. { ليدحضوا } ، ليبطلوا، { به الحق ~~} ، وأصل الدحض الزلق يريد ليزيلوا به الحق، { واتخذوا ءاياتى ~~وما أنذروا هزوا } ، فيه إضمار يعني وما أنذروا به وهو القرآن، ~~هزوا أي استهزاء. # { ومن أظلم ممن ذكر } ، وعظ، { بآيات ربه ~~فأعرض عنها } ، تولى عنها وتركها ولم يؤمن بها، { ونسى ما ~~قدمت يداه } ، أي: ما عمل من المعاصي من قبل، { إنا جعلنا ~~على قلوبهم أكنة } ، أغطية، { أن يفقهوه } ، أي: ~~يفهموه يريد لئلا يفهموه، { وفى ءاذانهم وقرا } ، أي صمما ~~وثقلا، { وإن تدعهم } ، يا محمد { إلى الهدى } ، إلى ~~الدين، { فلن يهتدوا إذا أبدا } ، وهذا في أقوام علم الله ~~منهم أنهم لا يؤمنون. ### || [18.58-60] # { وربك الغفور ذو الرحمة } ، ذو النعمة { لو ~~يؤاخذهم } ، يعاقب الكفار، { بما كسبوا } ، من الذنوب { ~~لعجل لهم العذاب } ، في الدنيا، { بل لهم موعد } ، ~~يعني البعث والحساب، { لن يجدوا من دونه ms1395 موئلا } ، ملجأ. # { وتلك القرى أهلكنهم } ، يعني: قوم نوح وعاد وثمود ~~وقوم لوط وغيرهم، { لما ظلموا } ، كفروا، { وجعلنا ~~لمهلكهم موعدا } ، أي: أجلا، قرأ أبو بكر { لمهلكهم } ~~بفتح الميم واللام، وقرأ حفص بفتح الميم وكسر اللام، وكذلك في النمل ~~«مهلك» أي لوقت هلاكهم، وقرأ الآخرون بضم الميم وفتح اللام أي: ~~لإهلاكهم. # قوله عز وجل: { وإذ قال موسى لفته لا أبرح حتى ~~أبلغ مجمع البحرين } ، عامة أهل العلم قالوا: إنه موسى بن ~~عمران. وقال بعضهم: هو موسى بن ميشا من أولاد يوسف. والأول أصح. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا الحميدي، حدثنا ~~سفيان، حدثنا عمرو بن دينار، أخبرني سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: إن ~~نوفا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى بني إسرائيل، ~~فقال ابن عباس: كذب عدو الله، حدثنا أبي بن كعب أنه سمع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # " إن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل، فسئل أي الناس أعلم؟ فقال: أنا، ~~فعتب الله عليه، إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه أن لي ~~عبدا بمجمع البحرين، هو أعلم منك، قال موسى: يا رب فكيف لي به؟ قال: ~~تأخذ معك حوتا فتجعله في مكتل فحيث ما فقدت الحوت فهو ثم. فأخذ ~~حوتا فجعله في مكتل ثم انطلق، وانطلق معه فتاه يوشع بن نون، حتى إذا ~~أتيا الصخرة وضعا رؤوسهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط ~~في البحر، فاتخذ سبيله في البحر سربا، وأمسك الله تعالى عن الحوت ~~جرية الماء فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت، ~~فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد، قال موسى لفتاه: آتنا ~~غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا، قال: ولم يجد موسى النصب حتى ~~جاوز المكان الذي أمر به، وقال له فتاه: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة ~~فإني نسيت الحوت، وما أنسانيه إلا الشيطان أن ms1396 أذكره، واتخذ سبيله في ~~البحر عجبا، قال: فكان للحوت سربا ولموسى ولفتاه عجبا، وقال موسى: ذلك ~~ما كنا نبغ. قال: رجعا يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة فإذا رجل ~~مسجي بثوب، فسلم عليه موسى، فقال الخضر عليه السلام: وأنى بأرضك ~~السلام، فقال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم أتيتك لتعلمني ~~مما علمت رشدا، قال: إنك لن تستطيع معي صبرا، يا موسى، إني على علم من ~~علم الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من علم الله علمك ~~الله، لا أعلمه، فقال موسى: ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك ~~أمرا، فقال له الخضر: فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ~~ذكرا، فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت سفينة فكلموهم أن ~~يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوهم بغير نول، فلما ركبا في السفينة لم يضح ~~إلا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى: قد ~~حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها؟ لقد جئت شيئا ~~إمرا!، قال: ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا؟ قال: لا تؤاخذني بما ~~نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا، قال: وقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " كانت الأولى من موسى نسيانا والوسطى شرطا والثالثة عمدا " ، ~~قال: وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة فقال له ~~الخضر: ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا ~~البحر، ثم خرجا من السفينة، فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر ~~غلاما يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر برأسه فاقتلعه بيده فقتله، فقال له ~~موسى: أقتلت نفسا زكية بغير نفس؟ لقد جئت شيئا نكرا، قال: ألم أقل لك ~~إنك لن تستطيع معي صبرا؟ قال: وهذه أشد من الأولى، قال: إن سألتك عن شيء ~~بعدها فلا تصاحبني، قد بلغت من لدني عذرا، فانطلقا حتى إذا أتيا ~~أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما، فوجدا فيها جدارا يريد أن ~~ينقض،فأقامه، قال: ms1397 كان مائلا، فقال الخضر بيده فأقامه، فقال موسى: قوم ~~آتيناهم فلم يطعمونا، ولم يضيفونا، لو شئت لاتخذت عليه أجرا، قال: " هذا ~~فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا " فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص علينا من ~~خبرهما ". # قال سعيد بن جبير: فكان ابن عباس يقرأ: " وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة ~~صالحة غصبا " ، وكان يقرأ: " وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين ~~". # وعن سعيد بن جبير في رواية أخرى عن ابن عباس عن أبي بن كعب، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " قام موسى رسول الله فذكر الناس يوما حتى إذا فاضت العيون ورقت ~~القلوب ولى فأدركه رجل فقال: أي رسول الله هل في الأرض أحد أعلم ~~منك؟ قال: لا، فعتب الله عليه، إذ لم يرد العلم إلى الله قيل: ~~بلى عبدنا الخضر قال: أي رب وأين؟ قال: بمجمع البحرين، قال: رب اجعل ~~لي علما أعلم بك منه قال: خذ حوتا ميتا حيث ينفخ فيه الروح، وفي ~~رواية قيل له: تزود حوتا مالحا فإنه حيث تفقد الحوت، فأخذ حوتا فجعله ~~في مكتل ". # رجعنا إلى التفسير؛ قوله عز وجل: { وإذ قال موسى لفته } ~~، يوشع بن نون، { ا أبرح } ، أي لا أزال أسير { حتى أبلغ ~~مجمع البحرين } ، قال قتادة: بحر فارس وبحر الروم، مما يلي ~~المشرق. وقال محمد بن كعب: طنجة. وقال أبي بن كعب: أفريقية. # { أو أمضى حقبا } ، وإن كان حقبا أي دهرا طويلا وزمانا، ~~وجمعه أحقاب، والحقب: جمع الحقب. قال عبدالله بن عمر: والحقب ثمانون ~~سنة، فحملا خبزا وسمكة مالحة حتى انتهيا إلى الصخرة التي عند مجمع ~~البحرين ليلا وعندها عين تسمى ماء الحياة لا يصيب ذلك الماء شيئا إلا ~~حي، فلما أصاب السمكة روح الماء وبرده اضطربت في المكتل وعاشت ودخلت ~~البحر. ### || [18.61-62] # فذلك قوله تعالى: { فلما بلغا } ، يعني موسى وفتاه، { مجمع ~~بينهما } ، أي: بين البحرين، { نسيا } ، تركا، { حوتهما } ، ~~وإنما كان الحوت مع يوشع، وهو الذي ms1398 نسيه، وأضاف النسيان إليهما لأنهما ~~جميعا تزوداه لسفرهما، كما يقال: خرج القوم إلى موضع كذا، وحملوا من ~~الزاد كذا، وإنما حمله واحد منهم. # { فاتخذ } ، أي الحوت، { سبيله فى البحر سربا } ، أي ~~مسلكا. وروي عن أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " انجاب الماء عن مسلك الحوت فصار كوة لم يلتئم، فدخل موسى الكوة على ~~أثر الحوت فإذا هو بالخضر ". # قال ابن عباس: جعل الحوت لا يمس شيئا من البحر إلا يبس حتى صار صخرة. # وقال الكلبي: توضأ يوشع بن نون من عين الحياة فانتضح على الحوت المالح ~~في المكتل من ذلك الماء فعاش ثم وثب في ذلك الماء فجعل يضرب بذنبه فلا ~~يضرب بذنبه شيئا من الماء وهو ذاهب إلا يبس. # وقد روينا أنهما لما انتهيا إلى الصخرة، وضعا رؤوسهما فناما واضطرب ~~الحوت فخرج وسقط في البحر، فاتخذ سبيله في البحر سربا فأمسك الله عن ~~الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ موسى نسي صاحبه أن ~~يخبره فانطلقا حتى إذا كان من الغد. # قوله تعالى: { فلما جاوزا } ، يعني ذلك الموضع وهو مجمع البحرين، ~~{ قال } ، موسى، { لفته ءاتنا غدآءنا } ، أي طعامنا، ~~والغداء ما يعد للأكل غدوة، والعشاء ما يعد للأكل عشية، { لقد ~~لقينا من سفرنا هذا نصبا } ، أي: تعبا وشدة، وذلك أنه ~~ألقي على موسى الجوع بعد مجاوزة الصخرة، ليتذكر الحوت ويرجع إلى مطلبه. ### || [18.63-64] # { قال } له فتاه وتذكر { أرأيت إذ أوينآ إلى ~~الصخرة } ،، وهي صخرة كانت بالموضع الموعود، قال معقل ابن زياد: هي ~~الصخرة التي دون نهر الزيت، { فإنى نسيت الحوت } ، أي تركته ~~وفقدته، وذلك أن يوشع حين رأى ذلك من الحوت قام ليدرك موسى فيخبره، فنسي ~~أن يخبره، فمكثا يومهما حتى صليا الظهر من الغد. # قيل في الآية إضمار، معناه: نسيت أن أذكر لك أمر الحوت، ثم قال: # { ومآ أنسانيه إلا الشيطن أن أذكره } ، أي: وما ~~أنسانيه أن أذكر لك أمر الحوت إلا الشيطان، وقرأ حفص: { أنسانيه } ، ~~وفي الفتح: " عليه الله " بضم الهاء. # وقيل ms1399 معناه أنسانية لئلا أذكره. # { واتخذ سبيله فى البحرعجبا } ، قيل: هذا من قول يوشع، ~~يقول طفر الحوت إلى البحر، فاتخذ فيه مسلكا، فعجبت من ذلك عجبا. # وروينا في الخبر: كان للحوت سربا ولموسى وفتاه عجبا. # وقيل: هذا من قول موسى لما قال له يوشع واتخذ سبيله في البحر، قال له ~~موسى: عجبا، كأنه قال: أعجب عجبا. # قال ابن زيد: أي شيء أعجب من حوت يؤكل منه جهرا، ثم صار حيا بعدما ~~أكل بعضه. # { قال } ، موسى، { ذلك ما كنا نبغ } ، أي نطلب، { ~~فارتدا على ءاثارهما قصصا } أي: رجعا يقصان الأثر الذي ~~جاء منه، أي: يتبعانه، فوجدا عبدا من عبادنا، قيل: كان ملكا من ~~الملائكة، والصحيح الذي جاء في التواريخ، وثبت عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم / أنه الخضر، واسمه بليا بن ملكان، قيل: كان من نسل بني ~~إسرائيل. وقيل: كان من أبناء الملوك الذين تزهدوا في الدنيا، والخضر لقب ~~له سمي بذلك لما: # أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي، أنبأنا أبو طاهر محمد بن محمد بن ~~محمش الزيادي، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، حدثنا أحمد بن يوسف ~~السلمي، حدثنا عبدالرزاق، أخبرنا معمر عن همام بن منبه قال، حدثنا أبو ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إنما سمي خضرا لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز تحته ~~خضراء " # قال مجاهد: سمى خضرا لأنه إذا صلى أخضر ما حوله. # وروينا: أن موسى رأى الخضر مسجى بثوب فسلم عليه فقال الخضر وأنى ~~بأرضك السلام؟ قال: أنا موسى أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا. # وفي رواية أخرى لقيه مسجى بثوب مستلقيا على قفاه بعض الثوب تحت رأسه ~~وبعضه تحت رجليه. وفي رواية لقيه وهو يصلي. ويروى لقيه على طنفسة خضراء ~~على كبد البحر، فذلك قوله تعالى: { فوجدا عبدا من عبادنآ ~~ءاتيناه رحمة }. ### || [18.65] # { فوجدا عبدا من عبادنآ ءاتيناه رحمة } ، أي ~~نعمة، { من عندنا وعلمناه من لدنا علما } ، أي علم ~~الباطن إلهاما، ولم يكن الخضر نبيا عند أكثر أهل العلم. ### || [18.66-71] ms1400 # فلما { قال له موسى هل أتبعك } يقول: جئتك لأتبعك ~~وأصحبك، { على أن تعلمن مما علمت رشدا } ، قرأ أبو ~~عمرو ويعقوب: { رشدا } بفتح الراء والشين، وقرأ الآخرون: بضم الراء ~~وسكون الشين، أي صوابا. وقيل: علما ترشدني به. # وفي بعض الأخبار أنه لما قال له موسى هذا قال له الخضر: كفى بالتوراة ~~علما وببني إسرائيل شغلا، فقال له موسى: إن الله أمرني بهذا فحينئذ. # { قال } ، الخضر، { إنك لن تستطيع معى صبرا } ، وإنما ~~قال ذلك لأنه علم أنه يرى أمورا منكرة، ولا يجوز للأنبياء أن يصبروا على ~~المنكرات، ثم بين عذره في ترك الصبر. فقال: # { وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا } ، أي علما. # { قال } ، موسى، { ستجدنى إن شآء الله صابرا } ، إنما ~~استثنى لأنه لم يثق من نفسه بالصبر { ولا أعصى لك أمرا } ، أي: ~~لا أخالفك فيما تأمر. # { قال فإن اتبعتنى } ، فأن صحبتني، ولم يقل: اتبعني، ولكن ~~جعل الاختيار إليه إلا أنه شرط عليه شرطا فقال: { فلا تسألنى } ، ~~قرأ أبو جعفر ونافع وابن عامر بفتح اللام وتشديد النون، والآخرون بسكون ~~اللام وتخفيف النون، { عن شىء } أعلمه مما تنكره ولا تعترض عليه، { ~~حتى أحدث لك منه ذكرا } ، حتى أبتدىء لك بذكره فأبين لك ~~شأنه. # { فانطلقا } ، يمشيان على الساحل يطلبان سفينة يركبانها، فوجدا ~~سفينة فركباها، فقال أهل السفينة: هؤلاء لصوص، وأمروهما بالخروج، فقال ~~صاحب السفينة: ما هم بلصوص، ولكني أرى وجوه الأنبياء. # وروينا عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " مرت بهم سفينة فكلموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوهم بغير ~~نول، فلما لججوا البحر أخذ الخضر فأسا فخرق لوحا من السفينة " # فذلك قوله تعالى: # { حتى إذا ركبا فى السفينة خرقها قال } ، له موسى، ~~{ أخرقتها لتغرق أهلها } ، قرأ حمزة والكسائي: «ليغرق» ~~بالياء وفتحها وفتح الراء، { أهلها } بالرفع على اللزوم، وقرأ الآخرون: ~~بالتاء ورفعها وكسر الراء { أهلها } بالنصب على أن الفعل للخضر. # { لقد جئت شيئا إمرا } أي: منكرا، والإمر في كلام العرب ~~الداهية، وأصله كل شيء شديد كثير، يقال: أمر القوم: إذا كثروا ms1401 ~~واشتد أمرهم. # وقال القتيبي { إمرا } أي: عجبا. # وروي أن الخضر لما خرق السفينة لم يدخلها الماء. وروي أن موسى لما رأى ~~ذلك أخذ ثوبه فحشى به الخرق. وروي أن الخضر أخذ قدحا من زجاج ورقع به ~~خرق السفينة. ### || [18.72-74] # { قال } ، العالم، وهو الخضر، { ألم أقل إنك لن ~~تستطيع معى صبرا }. # { قال } ، موسى، { لا تؤاخذنى بما نسيت } ، قال ابن عباس: ~~إنه لم ينس، ولكنه من معاريض الكلام، فكأنه نسي شيئا آخر. وقيل: ~~معناه بما تركت من عهدك، والنسيان: الترك. وقال أبي ابن كعب عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " كانت الأولى من موسى نسيانا والوسطى شرطا والثالثة عمدا " # { ولا ترهقنى } ، ولا تغشني، { من أمرى عسرا } ، وقيل: ~~لا تكلفني مشقة، يقال: أرهقته عسرا، أي كلفته ذلك، يقول: لا تضيق علي ~~أمري، وعاملني باليسر، ولا تعاملني بالعسر. # { فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله } ، في القصة ~~أنهما خرجا من البحر يمشيان، فمرا بغلمان يلعبون، فأخذ الخضر غلاما ~~ظريفا وضيء الوجه فأضجعه ثم ذبحه بالسكين. # قال السدي: كان أحسنهم وجها، وكان وجهه يتوقد حسنا. # وروينا أنه أخذ برأسه فاقتلعه بيده. وروى عبدالرزاق هذا الخبر، وأشار ~~بأصابعه الثلاثة الإبهام والسبابة والوسطى، وقلع رأسه. # وروي أنه رضخ رأسه بالحجارة. # وقيل: ضرب رأسه بالجدار فقتله. # قال ابن عباس: كان غلاما لم يبلغ الحنث، وهو قول الأكثرين، قال ابن ~~عباس: لم يكن نبي الله يقول: أقتلت نفسا زكية إلا وهو صبي لم يبلغ. # وقال الحسن: كان رجلا. وقال شعيب الجبائي: كان اسمه حيسور. # وقال الكلبي: كان فتى يقطع ويأخذ المتاع ويلجأ إلى أبويه. # وقال الضحاك: كان غلاما يعمل بالفساد وتأذى منه أبواه. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، أنبأنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن ~~الحجاج، أنبأنا عبدالله بن مسلمة بن معتب، حدثنا معمر بن سليمان، عن أبيه ~~عن رقبة بن مصقلة، عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس عن أبي ~~بن كعب قال: قال ms1402 رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا ~~وكفرا " # { قال } ، موسى، { أقتلت نفسا زكية } ، قرأ ابن كثير ~~ونافع وأبو جعفر وأبو عمرو: " زاكية " بالألف، وقرأ الآخرون: " زكية " ، ~~قال الكسائي والفراء: معناهما واحد، مثل: القاسية والقسية، وقال أبو ~~عمرو بن العلاء: " الزاكية ": التي لم تذنب قط، و " الزكية " التي أذنبت ~~ثم تابت. # { بغير نفس } ، أي: لم تقتل نفسا بشيء وجب به عليها القتل. # { لقد جئت شيئا نكرا } ، أي: منكرا. قال قتادة: النكر ~~أعظم من الإمر، لأنه حقيقة الهلاك، وفي خرق السفينة كان خوف الهلاك. # وقيل: الإمر: أعظم، لأنه كان فيه تغريق جمع كثير. # قرأ نافع وابن عامر ويعقوب وأبو بكر هاهنا { نكرا } وفي سورة الطلاق ~~بضم الكاف، والآخرون بسكونها. ### || [18.75-77] # { قال } ، يعني الخضر: { ألم أقل لك إنك لن تستطيع ~~معى صبرا } ، قيل: زاد " لك " لأنه نقض العهد مرتين. وفي القصة أن ~~يوشع كان يقول لموسى: يانبي الله اذكر العهد الذي أنت عليه. # { قال } ، موسى، { إن سألتك عن شىء بعدها } ، بعد هذه ~~المرة، { فلا تصاحبنى } ، وفارقني، وقرأ يعقوب: { فلا تصحبني } ~~بغير ألف من الصحبة. # { قد بلغت من لدنى عذرا } ، قرأ أبو جعفر ونافع وأبو بكر ~~{ من لدني } خفيفة النون، وقرأ الآخرون، بتشديدها، قال ابن عباس: أي قد ~~أعذرت فيما بيني وبينك. # وقيل: قد حذرتني أني لا أستطيع معك صبرا. وقيل: واتضح لك العذر في ~~مفارقتي. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أنبأنا عبد الغافر بن محمد، أنبأنا محمد ~~بن عيسى، حدثنا إبراهيم ابن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا ~~محمد بن عبدالله القيسي، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه عن رقبة، عن ~~أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " رحمة الله علينا وعلى موسى " # ، وكان إذا ذكر أحدا من الأنبياء بدأ بنفسه، # " لولا أنه عجل لرأى العجب، ولكنه أخذته من صاحبه ذمامة، قال: { ~~إن سألتك عن شىء ms1403 بعدها فلا تصاحبنى قد بلغت ~~من لدنى عذرا } فلو صبر لرأى العجب ". # قوله عز وجل: { فانطلقا حتى إذآ أتيآ أهل قرية } ~~، قال ابن عباس: يعني " أنطاكية ". وقال ابن سيرين: هي " الأبلة " ~~وهي أبعد الأرض من السماء. وقيل: " برقة ". وعن أبي هريرة: بلدة ~~بالأندلس. { استطعمآ أهلها فأبوا أن يضيفوهما }. # قال أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " حتى إذا أتيا أهل قرية لئاما فطافا في المجالس فاستطعما أهلها فأبوا ~~أن يضيفوهما " # وروي أنهما طافا في القرية فاستطعماهم فلم يطعموهما واستضافاهم فلم ~~يضيفوهما. # قال قتادة: شر القرى التي لا تضيف الضيف. # وروي عن أبي هريرة قال: أطعمتهما امرأة من أهل بربر بعد أن طلبا من ~~الرجال فلم يطعموهما. فدعا لنسائهم ولعن رجالهم. # قوله تعالى: { فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض } ، أي ~~يسقط، وهذا من مجاز كلام العرب، لأن الجدار لا إرادة له وإنما معناه: ~~قرب ودنا من السقوط، كما تقول العرب: داري تنظر إلى دار فلان إذا كانت ~~تقابلها. # { فأقامه } ، أي سواه. وروي عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم # " فقال الخضر بيده فأقامه " # وقال سعيد بن جبير: مسح الجدار بيده فاستقام. وروي عن ابن عباس: هدمه ثم ~~قعد يبنيه. وقال السدي: بل طينا وجعل يبني الحائط. # { قال } موسى { لو شئت لتخذت عليه أجرا } ، قرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو ويعقوب " لتخذت " بتخفيف التاء وكسر الخاء، وقرأ ~~الآخرون: " لتخذت " بتشديد التاء وفتح الخاء، وهما لغتان: مثل اتبع ~~وتبع { عليه } يعني على إصلاح الجدار، { أجرا } يعني جعلا، معناه: ~~إنك قد علمت أننا جياع، وأن أهل القرية لم يطعمونا، فلو أخذت على عملك ~~أجرا. ### || [18.78] # { قال } ، الخضر: { هذا فراق بينى وبينك } ، يعني هذا ~~وقت فراق بيني وبينك. وقيل: هذا الإنكار على ترك الأجر هو المفرق بيننا. ~~وقال الزجاج: معناه هذا فراق بيننا أي فراق اتصالنا وكرر " بين " ~~تأكيدا. # { سأنبئك } ، أي سوف أخبرك { بتأويل ما لم تستطع ~~عليه صبرا } ، وفي بعض التفاسير أن موسى أخذ بثوبه، فقال: أخبرني ~~بمعنى ما عملت ms1404 قبل أن تفارقني. فقال: ### || [18.79-80] # { أما السفينة فكانت لمسكين يعملون فى ~~البحر } ، قال كعب: كانت لعشرة إخوة خمسة زمنى، وخمسة يعملون في ~~البحر. وفيه دليل على أن المسكين وإن كان يملك شيئا فلا يزول عنه اسم ~~المسكنة إذا لم يقم ما يملكه بكفايته، { يعملون فى البحر } أي: ~~يؤاجرون ويكتسبون بها، { فأردت أن أعيبها } ، اجعلها ذات عيب. # { وكان ورآءهم } ، أي أمامهم، { ملك } ، كقوله: # من ورآئه جهنم # [إبراهيم: 16]. # وقيل: " وراءهم " خلفهم، وكان رجوعهم في طريقهم عليه، والأول أصح، يدل ~~عليه قراءة ابن عباس «وكان أمامهم ملك». # { يأخذ كل سفينة غصبا } ، أي كل سفينة صالحة غصبا، وكان ~~ابن عباس يقرأ كذلك، فخرقها وعيبها الخضر حتى لا يأخذها الملك الغاصب، ~~وكان اسمه الجلندي وكان كافرا. # وقال محمد بن إسحاق: اسمه " متوله بن جلندي الأزدي ". # وقال شعيب الجبائي: اسمه " هدد بن بدد ". # وروي أن الخضر اعتذر إلى القوم وذكر لهم شأن الملك الغاصب، ولم يكونوا ~~يعلمون بخبره، وقال: أردت إذا هي مرت به أن يدعها لعيبها، فإذا جاوزوه ~~أصلحوها فانتفعوا بها، وقيل: سدوها بقارورة. وقيل: بالقار. # قوله عز وجل: { وأما الغلم فكان أبواه مؤمنين ~~فخشينآ } ، أي: فعلمنا، وفي قراءة ابن عباس: " وأما الغلام فكان ~~كافرا وكان أبواه مؤمنين فخشينا " أي: فعلمنا، { أن يرهقهما } ، ~~يغشيهما، وقال الكلبي: يكلفهما، { طغينا وكفرا } ، قال سعيد بن ~~جبير: فخشينا أن يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه. ### || [18.81-82] # { فأردنآ أن يبدلهما } ، قرأ أبو جعفر ونافع وأبو عمرو: ~~بالتشديد هاهنا وفي سورة " التحريم " و " القلم " ، وقرأ الآخرون ~~بالتخفيف، وهما لغتان، وفرق بعضهم فقال: " التبديل ": تغيير الشيء، أو ~~تغيير حاله وعين الشيء قائم، و " الإبدال ": رفع الشيء ووضع شيء آخر ~~مكانه، { ربهما خيرا منه زكوة } ، أي صلاحا وتقوى، { ~~وأقرب رحما } ، قرأ ابن عامر، وأبو جعفر، ويعقوب: بضم الحاء، ~~والباقون بجزمها، أي: عطفا من الرحمة. وقيل: هو من الرحم والقرابة، ~~قال قتادة: أي أوصل للرحم وأبر بوالديه. # وقال الكلبي: أبدلهما الله جارية فتزوجها نبي من الأنبياء فولدت له ~~نبيا، فهدى الله على يديه ms1405 أمة من الأمم. # وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال: أبدلهما الله جارية ولدت سبعين نبيا. # وقال ابن جريج: أبدلهما بغلام مسلم. # قال مطرف: فرح به أبواه حين ولد وحزنا عليه حين قتل. ولو بقي لكان فيه ~~هلاكهما، فليرض أمرؤ بقضاء الله تعالى، فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره ~~خير له من قضاءه فيما يحب. # قوله عز وجل: { وأما الجدار فكان لغلمين ~~يتيمين فى المدينة } ، وكان اسمهما أصرم وصريم، { وكان ~~تحته كنز لهما } ، اختلفوا في ذلك الكنز. روي عن أبي الدرداء ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " كان ذهبا وفضة " # وقال عكرمة: كان مالا. # وعن سعيد بن جبير: كان الكنز صحفا فيها علم. # وعن ابن عباس: أنه قال كان لوحا من ذهب مكتوبا فيه: " عجبا لمن أيقن ~~بالموت كيف يفرح! عجبا لمن أيقن بالحساب كيف يغفل! عجبا لمن أيقن ~~بالرزق كيف يتعب! عجبا لمن أيقن بالقدر كيف ينصب! عجبا لمن أيقن بزوال ~~الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها! لا إله إلا الله محمد رسول الله ~~". وفي الجانب الآخر مكتوب " أنا الله لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، ~~خلقت الخير والشر، فطوبى لمن خلقته للخير وأجريته على يديه والويل لمن ~~خلقته للشر وأجريته على يديه " وهذا قول أكثر المفسرين. وروي أيضا ذلك ~~مرفوعا. # قال الزجاج: الكنز إذا أطلق ينصرف إلى كنز المال، ويجوز عند التقييد أن ~~يقال عنده كنز علم، وهذا اللوح كان جامعا لهما. # { وكان أبوهما صلحا } ، قيل: كان اسمه " كاسح " وكان من ~~الأتقياء. قال ابن عباس: حفظا بصلاح أبويهما. # وقيل: كان بينهما وبين الأب الصالح سبعة آباء. # قال محمد بن المنكدر: إن الله يحفظ بصلاح العبد ولده وولد ولده، وعترته ~~وعشيرته وأهل دويرات حوله، فما يزالون في حفظ الله ما دام فيهم. # قال سعيد بن المسيب: إني لأصلي فأذكر ولدي فأزيد في صلاتي. # قوله عز وجل: { فأراد ربك أن يبلغآ أشدهما } ، أي: ~~يبلغا ويعقلا. وقيل: أن يدركا شدتهما وقوتهما. وقيل: ثمان عشرة سنة. # { ويستخرجا } حينئذ ms1406 { كنزهما رحمة } ، نعمة، { من ~~ربك }. # { وما فعلته عن أمري } ، أي باختياري ورأيي، بل فعلته بأمر ~~الله وإلهامه، { ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا } ~~، أي لم تطق عليه صبرا، و " استطاع " و " اسطاع " بمعنى واحد. # روي أن موسى لما أراد أن يفارقه قال له: أوصني، قال: لا تطلب العلم ~~لتحدث به واطلبه لتعمل به. # واختلفوا في أن الخضر حي أم ميت؟ قيل: إن الخضر وإلياس حيان يلتقيان كل ~~سنة بالموسم. وكان سبب حياته فيما يحكى أنه شرب من عين الحياة، وذلك أن ~~ذا القرنين دخل الظلمات لطلب عين الحياة. وكان الخضر على مقدمته، فوقع ~~الخضر على العين فنزل واغتسل وتوضأ وشرب وصلى شكرا لله عز وجل، وأخطأ ~~ذو القرنين الطريق فعاد. # وذهب آخرون إلى أنه ميت لقوله تعالى: # وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد # [الأنبياء: 34]. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم بعدما صلى العشاء ليلة: # " أرأيتكم ليلتكم هذه؟ فإن على رأس مائة سنة منها لا ~~يبقى ممن هو اليوم حي على ظهر الأرض أحد " # ولو كان الخضر حيا لكان لا يعيش بعده ". ### || [18.83] # قوله عز وجل: { ويسألونك عن ذى القرنين قل ~~سأتلوا عليكم منه ذكرا } خبرا، واختلفوا في نبوته: فقال ~~بعضهم: كان نبيا. # وقال أبو الطفيل: سئل علي رضي الله عنه عن ذي القرنين أكان نبيا أم ~~ملكا؟ قال: لم يكن نبيا ولا ملكا، ولكن كان عبدا أحب الله وأحبه ~~الله، ناصح الله فناصحه الله. # وروي أن عمر رضي الله عنه سمع رجلا يقول لآخر: ياذا القرنين فقال: ~~تسميتم بأسماء النبيين فلم ترضوا حتى تسميتم بأسماء الملائكة. # والأكثرون على أنه كان ملكا عادلا صالحا. # واختلفوا في سبب تسميته ب " ذي القرنين " ، قال الزهري: لأنه بلغ قرني ~~الشمس مشرقها ومغربها. # وقيل: لأنه كان ملك الروم وفارس. # وقيل: لأنه دخل النور والظلمة. # وقيل لأنه رأى في المنام كأنه أخذ بقرني الشمس. # وقيل: لأنه كانت له ذؤابتان حسنتان. # وقيل: لأنه كان له قرنان تواريهما العمامة. # وروى أبو الطفيل عن علي أنه قال: سمي ms1407 " ذا القرنين " لأنه " أمر قومه ~~بتقوى الله، فضربوه على قرنه الأيمن فمات فبعثه الله، ثم أمرهم بتقوى ~~الله فضربوه على قرنه الأيسر فمات، فأحياه الله. # واختلفوا في اسمه؛ قيل: اسمه " مرزبان بن مرزبة اليوناني " من ولد يونان ~~بن يافث بن نوح. وقيل: اسمه " الاسكندر بن فيلفوس بن ياملوس الرومي ". ### || [18.84] # قوله عز وجل: { إنا مكنا له فى الأرض } أوطأنا، ~~والتمكين: تمهيد الأسباب. قال علي: سخر له السحاب فحمله عليها، ومد له ~~في الأسباب، وبسط له النور، فكان الليل والنهار عليه سواء، فهذا معنى ~~تمكينه في الأرض، وهو أنه سهل عليه السير فيها وذلل له طرقها. # { وآتينه من كل شىء } أي: أعطيناه من كل شيء يحتاج إليه ~~الخلق. # وقيل: من كل ما يستعين به الملوك على فتح المدن ومحاربة الأعداء. # { سببا } ، أي: علما يتسبب به إلى كل ما يريد، ويسير له في أقطار ~~الأرض، والسبب: ما يوصل الشيء إلى الشيء. # وقال الحسن: بلاغا إلى حيث أراد. وقيل: قربنا إليه أقطار الأرض. ### || [18.85-86] # { فأتبع سببا } ، أي: سلك وسار، قرأ أهل الحجاز، والبصرة " ~~فاتبع " و " ثم اتبع " موصولا مشددا، وقرأ الآخرون بقطع الألف ~~وجزم التاء؛ وقيل: معناهما واحد. # والصحيح الفرق بينهما، فمن قطع الألف فمعناه: أدرك ولحق، ومن قرأ ~~بالتشديد فمعناه سار، يقال: ما زلت أتبعه حتى أتبعته، أي: ما زلت أسير ~~خلفه حتى لحقته. # وقوله: " سببا " أي: طريقا. وقال ابن عباس: منزلا. # { حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب فى ~~عين حمئة } ، قرأ أبو جعفر، وأبو عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو ~~بكر: " حامية " بالألف غير مهموزة، أي حارة، وقرأ الآخرون " حمئة " ~~مهموزا بغير الألف، أي ذات حمأة، وهي الطينة السوداء. # وسأل معاوية كعبا: كيف تجد في التوراة أن تغرب الشمس؟ قال: أجد في ~~التوراة أنها تغرب في ماء وطين. # قال القتيبي: يجوز أن يكون معنى قوله: { فى عين حمئة } أي: ~~عندها عين حمئة، أو في رأي العين. # { ووجد عندها قوما } ، أي عند العين أمة، قال ابن جريج: ~~مدينة لها اثنا عشر ألف باب، ms1408 لولا ضجيج أهلها لسمعت وجبة الشمس حين تجب. # { قلنا يذا القرنين } ، يستدل بهذا من زعم أنه كان نبيا؛ ~~فإن الله تعالى خاطبه، والأصح: أنه لم يكن نبيا، والمراد منه: الإلهام. # { إمآ أن تعذب } ، يعني: إما أن تقتلهم إن لم يدخلوا في ~~الإسلام، { وإمآ أن تتخذ فيهم حسنا } ، يعني: تعفو ~~وتصفح. وقيل: تأسرهم فتعلمهم الهدى، خيره الله بين الأمرين. ### || [18.87-90] # { قال أما من ظلم } أي: كفر، { فسوف نعذبه } ، أي: ~~نقتله، { ثم يرد إلى ربه } ، في الآخرة { فيعذبه ~~عذابا نكرا } أي: منكرا، يعني: بالنار، والنار أنكر من القتل. # { وأما من آمن وعمل صلحا فله جزآء الحسنى } ~~، قرأ حمزة، والكسائي وحفص، ويعقوب: { جزاء } منصوبا منونا أي: فله ~~الحسنى { جزاء } نصب على المصدر وهو مصدر وقع موقع الحال، أي: فله ~~الحسنى مجزيا بها. # وقرأ الآخرون: بالرفع على الإضافة، فالحسنى: الجنة أضاف الجزاء إليها، ~~كما قال: # ولدار الأخرة خير # [يوسف: 109]، والدار هي الآخرة. # وقيل: المراد ب " الحسنى " على هذه القراءة: الأعمال الصالحة. أي له ~~جزاء الأعمال الصالحة. # { وسنقول له من أمرنا يسرا } ، أي: نلين له القول، ~~ونعامله باليسر من أمرنا. وقال مجاهد: " يسرا " أي: معروفا. # { ثم أتبع سببا } ، أي: سلك طرقا ومنازل. # { حتى إذا بلغ مطلع الشمس } ، أي موضع طلوعها، { ~~وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها ~~سترا } ، قال قتادة، والحسن: لم يكن بينهم وبين الشمس ستر، وذلك أنهم ~~كانوا في مكان لا يستقر عليه بناء، فكانوا يكونون في أسراب لهم، حتى إذا ~~زالت الشمس عنهم خرجوا إلى معايشهم وحروثهم. # وقال الحسن: كانوا إذا طلعت الشمس يدخلون الماء، فإذا ارتفعت عنهم خرجوا ~~يتراعون كالبهائم. # وقال الكلبي: هم قوم عراة، يفترش أحدهم إحدى أذنيه، ويلتحف بالأخرى. ### || [18.91-94] # قوله عز وجل: { كذلك } ، قيل: معناه كما بلغ مغرب الشمس كذلك بلغ ~~مطلعها، والصحيح أن معناه: كما حكم في القوم الذين هم عند مغرب الشمس ~~كذلك حكم في الذين هم عند مطلع الشمس، { وقد أحطنا بما لديه ~~خبرا } ، يعني: بما عنده ومعه من الجند، والعدة، والآلات " خبرا ms1409 " ~~أي: علما. # { ثم أتبع سببا }. # { حتى إذا بلغ بين السدين } ، قرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~وحفص { السدين } و { سدا } هاهنا بفتح السين، وافق حمزة والكسائي في " ~~سدا " ، وقرأ الباقون: بضم السين، وفي يس " سدا " بالفتح حمزة ~~والكسائي، وحفص وقرأ الباقون بالضم، منهم من قال: هما لغتان، معناهما ~~واحد. وقال عكرمة: ما كان من صنعة بني آدم فهو السد بالفتح، وما كان من ~~صنع الله فهو سد بالضم، وقاله أبو عمرو. وقيل: " السد ": بالفتح ~~مصدر، وبالضم اسم، وهما هاهنا: جبلان، سد ذو القرنين ما بينهما، حاجزا ~~بين يأجوج ومأجوج ومن ورائهم. { وجد من دونهما قوما } يعني: ~~أمام السدين. { لا يكادون يفقهون قولا } ، قرأ حمزة، ~~والكسائي: " يفقهون " بضم الياء وكسر القاف على معنى لا يفقهون غيرهم ~~قولا، وقرأ الآخرون: بفتح الياء والقاف، أي لا يفقهون كلام غيرهم، قال ~~ابن عباس: لا يفقهون كلام أحد، ولا يفهم الناس كلامهم. # { قالوا يذا القرنين } فإن قيل: كيف قالوا ذلك وهم لا ~~يفقهون؟. # قيل: كلم عنهم مترجم، دليله قراءة ابن مسعود: لا يكادون يفقهون قولا ~~قال الذين من دونهم ياذا القرنين. # { إن يأجوج ومأجوج } ، قرأهما عاصم بهمزتين، وكذلك في ~~الأنبياء، " فتحت يأجوج ومأجوج " ، والآخرون بغير همز في السورتين، وهما ~~لغتان، أصلهما من أجيج النار، وهو ضوؤها وشررها، شبهوا به لكثرتهم ~~وشدتهم. # وقيل: بالهمزة من شدة أجيج النار، وبترك الهمز اسمان أعجميان، مثل هاروت ~~وماروت، وهم من أولاد يافث بن نوح. # قال الضحاك: هم جيل من الترك. قال السدي: الترك سرية من يأجوج ومأجوج، ~~خرجت فضرب ذو القرنين السد، فبقيت خارجه، فجميع الترك منهم. وعن قتادة: ~~أنهم اثنان وعشرون قبيلة، بنى ذو القرنين السد على إحدى وعشرين قبيلة ~~فبقيت قبيلة واحدة فهم الترك، سموا الترك لأنهم تركوا خارجين. # قال أهل التواريخ: أولاد نوح ثلاثة سام وحام ويافث، فسام أبو العرب ~~والعجم والروم، وحام أبو الحبشة والزنج والنوبة، ويافث أبو الترك والخزر ~~والصقالبة، ويأجوج ومأجوج، قال ابن عباس في رواية عطاء: هم عشرة أجزاء ~~وولد آدم كلهم جزء. ms1410 روي عن حذيفة مرفوعا: إن يأجوج أمة، ومأجوج أمة، كل ~~أمة أربعمائة ألف أمة، لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه، ~~كلهم قد حمل السلاح وهم من ولد آدم، يسيرون إلى خراب الدنيا. # وقيل: هم ثلاثة أصناف صنف منهم أمثال الأرز، شجر بالشام، طوله عشرون ~~ومائة ذراع في السماء، وصنف منهم عرضه وطوله سواء، عشرون ومائة ذراع، ~~وهؤلاء لا يقوم لهم جبل ولا حديد، وصنف منهم يفترش أحدهم إحدى أذنيه ~~ويلتحف الأخرى، لا يمرون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلا أكلوه، ومن مات منهم ~~أكلوه، مقدمتهم بالشام وساقتهم بخراسان، يشربون أنهار المشارق وبحيرة ~~طبرية. # وعن علي أنه قال: منهم من طوله شبر، ومنهم من هو مفرط في الطول. # وقال كعب: هم نادرة في ولد آدم وذلك أن آدم احتلم ذات يوم وامتزجت نطفته ~~بالتراب، فخلق الله من ذلك الماء يأجوج ومأجوج فهم يتصلون بنا من جهة ~~الأب دون الأم. # وذكر وهب بن منبه: أن ذا القرنين كان رجلا من الروم ابن عجوز، فلما بلغ ~~كان عبدا صالحا. قال الله له: إني باعثك إلى أمم مختلفة ألسنتهم، منهم ~~أمتان بينهما طول الأرض: إحداهما عند مغرب الشمس، يقال لها ناسك، والأخرى ~~عند مطلعها، يقال لها منسك، وأمتان بينهما عرض الأرض، إحداهما: في القطر ~~الأيمن، يقال لها: هاويل، والأخرى في قطر الأرض الأيسر يقال لها: تأويل، ~~وأمم في وسط الأرض منهم الجن والإنس ويأجوج ومأجوج، فقال ذو القرنين: ~~بأي قوة أكابرهم؟ وبأي جمع أكاثرهم؟ وبأي لسان أناطقهم؟ قال الله عز ~~وجل: إني سأطوقك وأبسط لك لسانك، وأشد عضدك فلا يهولنك شيء، وألبسك ~~الهيبة فلا يروعك شيء، وأسخر لك النور والظلمة وأجعلهما من جنودك، يهديك ~~النور من أمامك وتحوطك الظلمة من ورائك، فانطلق، حتى أتى مغرب الشمس فوجد ~~جمعا وعددا لا يحصيه إلا الله، فكابرهم بالظلمة حتى جمعهم في مكان ~~واحد، فدعاهم إلى الله وعبادته، فمنهم من آمن، ومنهم من صد عنه، فعمد ~~إلى الذين تولوا عنه فأدخل عليهم الظلمة ms1411 فدخلت في أجوافهم وبيوتهم فدخلوا ~~في دعوته، فجند من أهل المغرب جندا عظيما فانطلق يقودهم والظلمة ~~تسوقهم حتى أتى هاويل فعمل فيهم كعمله في ناسك، ثم مضى حتى انتهى إلى ~~منسك عند مطلع الشمس، فعمل فيها وجند منها جنودا كفعله في الأمتين، ثم ~~أخذ ناحية الأرض اليسرى فأتى تاويل فعمل فيها كعمله فيما قبلها، ثم عمد ~~إلى الأمم التي في وسط الأرض، فلما دنا مما يلي منقطع الترك نحو المشرق، ~~قالت له أمة صالحة من الإنس: يا ذا القرنين إن بين هذين الجبلين خلقا ~~أشباه البهائم يفترسون الدواب والوحوش، لهم أنياب وأضراس كالسباع، يأكلون ~~الحيات والعقارب، وكل ذي روح، خلق في الأرض وليس يزداد خلق كزيادتهم، ولا ~~شك أنهم سيملؤون الأرض ويظهرون عليها ويفسدون فيها، فهل نجعل لك خرجا ~~على أن تجعل بيننا وبينهم سدا، قال ما مكني فيه ربي خير، قال: أعدوا ~~إلي الصخور والحديد والنحاس حتى أعلم علمهم، فانطلق حتى توسط بلادهم ~~فوجدهم على مقدار واحد يبلغ طول الواحد منهم مثل نصف الرجل المربوع منا، ~~لهم مخاليب كالأظفار في أيدينا وأنياب وأضراس كالسباع، ولهم هدب من الشعر ~~في أجسادهم ما يواريهم ويتقون به من الحر والبرد، ولكل واحد منهم أذنان ~~عظيمتان يفترش إحداهما ويلتحف بالأخرى يصيف في إحداهما ويشتو في الأخرى، ~~يتسافدون تسافد البهائم حيث التقوا، فلما عاين ذلك ذو القرنين انصرف إلى ~~ما بين الصدفين، فقاس ما بينهما، فحفر له الأساس حتى بلغ الماء، وجعل ~~حشوه الصخر وطينه النحاس، يذاب فيصب عليه، فصار كأنه عرق من جبل تحت ~~الأرض. # قوله تعالى: { قالوا ياذا القرنين إن يأجوج ومأجوج ~~مفسدون فى الأرض } ، قال الكلبي: فسادهم أنهم كانوا يخرجون أيام ~~الربيع إلى أرضهم فلا يدعون فيها شيئا أخضر إلا أكلوه ولا شيئا يابسا ~~إلا احتملوا، وأدخلوه أرضهم، وقد لقوا منهم أذى شديدا وقتلا. # وقيل: فسادهم أنهم كانوا يأكلون الناس. # وقيل: معناه أنهم سيفسدون في الأرض عند خروجهم. # { فهل نجعل لك خرجا } ، قرأ حمزة والكسائي { خراجا } ~~بالألف، وقرأ الآخرون { خرجا } بغير ms1412 ألف، وهما لغتان بمعنى واحد، أي ~~جعلا وأجرا من أموالنا. # وقال أبو عمرو: " الخرج ": ما تبرعت به، و " الخراج ": ما لزمك أداؤه. ~~وقيل: " الخراج ": على الأرض، و " الخرج ": على الرقاب. يقال: أد ~~خرج رأسك وخراج مدينتك. # { على أن تجعل بيننا وبينهم سدا } ، أي حاجزا، ~~فلا يصلون إلينا. ### || [18.95] # { قال } ، لهم ذو القرنين: { ما مكنى فيه } ، قرأ ابن كثير { ~~مكنني } بنونين ظاهرين، وقرأ الآخرون بنون واحدة مشددة على الإدغام، أي ~~ما قواني عليه، { ربى خير } ، من جعلكم، { فأعينونى ~~بقوة } ، معناه: إني لا أريد المال، بل أعينوني بأبدانكم وقوتكم، { ~~أجعل بينكم وبينهم ردما } ، أي سدا، قالوا: وما تلك ~~القوة؟ قال: فعلة وصناع يحسنون البناء والعمل، والآلة. قالوا: وما ~~تلك الآلة؟ قال: { ءاتونى زبر الحديد... } ### || [18.96-98] # { ءاتونى }: أعطوني، وقرأ أبو بكر: { ائتوني } أي جيئوني، { زبر ~~الحديد } ، أي: قطع الحديد، واحدتها زبرة، فأتوه بها وبالحطب، ~~وجعل بعضها على بعض، فلم يزل يجعل الحديد على الحطب والحطب على الحديد، { ~~حتى إذا ساوى بين الصدفين } ، قرأ ابن كثير، وابن ~~عامر، وأبو عمرو، ويعقوب: بضم الصاد والدال، وجزم أبو بكر الدال، وقرأ ~~الآخرون بفتحها، وهما الجبلان، ساوى: أي: سوى بين طرفي الجبلين. # { قال انفخوا } ، وفي القصة: أنه جعل الفحم والحطب في خلال زبر ~~الحديد، ثم قال: انفخوا، يعني: في النار. # { حتى إذا جعله نارا } ، أي صار الحديد نارا، { قال ~~ءاتونى } ، قرأ حمزة وأبو بكر وصلا، وقرأ الآخرون بقطع الألف. { ~~أفرغ عليه قطرا } ، أي: آتوني قطرا أفرغ عليه، و " الإفراغ ~~": الصب، و " القطر ": هو النحاس المذاب، فجعلت النار تأكل الحطب، ~~ويصير النحاس مكان الحطب حتى لزم الحديد النحاس. # قال قتادة: هو كالبرد المحبر، طريقة سوداء وطريقة حمراء. وفي ~~القصة: أن عرضه كان خمسين ذراعا وارتفاعه مائتي ذراع وطوله فرسخ. # { فما اسطعوا أن يظهروه } ، أن يعلوه من فوقه لطوله ~~وملاسته، { وما استطاعوا له نقبا } ، من أسفله، لشدته ~~ولصلابته. وقرأ حمزة: { فما استطاعوا } بتشديد الطاء أدغم تاء الافتعال ~~في الطاء. # { قال } ، يعني ذا القرنين، { هذا } ، أي السد، { رحمة } ، ~~أي: نعمة، ms1413 { من ربى فإذا جآء وعد ربى } ، قيل: القيامة. ~~وقيل: وقت خروجهم. { جعله دكآء } ، قرأ أهل الكوفة { دكاء } ~~بالمد والهمز، أي: أرضا ملساء، وقرأ الآخرون بلا مد، أي: جعله مدكوكا ~~مستويا مع وجه الأرض، { وكان وعد ربى حقا } ، وروى قتادة عن ~~أبي رافع عن أبي هريرة يرفعه: # " أن يأجوج ومأجوج يحفرونه كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال ~~الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدا فيعيده الله كما كان، حتى إذا بلغت ~~مدتهم حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس، قال الذي عليهم: ارجعوا ~~فستحفرونه غدا إن شاء الله، واستثنى فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه، ~~فيحفرونه فيخرجون على الناس، فيتبعون المياه ويتحصن الناس في حصونهم ~~منهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء، فيرجع فيها كهيئة الدم، فيقولون: قهرنا ~~أهل الأرض وعلونا أهل السماء، فيبعث الله عليها نغفا في أقفائهم ~~فيهلكون، وإن دواب الأرض لتسمن وتشكر من لحومهم شكرا ". # أخبرنا إسماعيل بن عبدالقاهر، أنبأنا عبد الغافر بن محمد الفارسي، ~~أنبأنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا ~~مسلم بن الحجاج، حدثنا محمد بن مهران الرازي، حدثنا الوليد ابن مسلم، ~~حدثنا عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، عن يحيى بن جابر الطائي، عن ~~عبدالرحمن ابن جبير ابن نفير، عن أبيه جبير بن نفير، عن النواس ~~بن سمعان قال: # " ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال ذات غداة فخفض فيه ورفع ~~حتى ظنناه في طائفة النخل، فلما رحنا إليه عرف ذلك فينا، فقال: " ما ~~شأنكم؟ " قلنا: يا رسول الله ذكرت الدجال ذات غداة فخفضت فيه ~~ورفعت، حتى ظنناه في طائفة النخل، فقال: " غير الدجال أخوفني ~~عليكم؟ إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فكل ~~امرىء حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم، إنه شاب قطط عينه ~~اليمنى طافية، كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن، فمن أدركه منكم ~~فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنه خارج خلة بين الشام والعراق، فعاث ~~يمينا وعاث شمالا، يا عباد الله! فاثبتوا " قلنا: ms1414 يا رسول الله فما ~~لبثه في الأرض؟ قال: " أربعون يوما يوم كسنة، ويوما كشهر، ويوم كجمعة، ~~وسائر أيامه كأيامكم " قلنا: يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة أيكفينا ~~فيه صلاة يوم؟ قال: لا، اقدروا له قدرة، قلنا: يا رسول الله وما ~~إسراعه في الأرض؟ قال: " كالغيث استدبرته الريح، فيأتي على القوم ~~فيدعوهم فيؤمنوا به ويستجيبوا له، فيأمر السماء فتمطر الأرض، فتنبت فتروح ~~عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرى وأسبغه ضروعا وأمده خواصر، ~~ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله، قال: فينصرف عنهم، فيصبحون ~~ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة، فيقول لها: ~~أخرجي كنوزك، فيتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، ثم يدعو رجلا ممتلئا ~~شبابا فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه فيقبل ~~ويتهلل وجهه ويضحك، فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح عيسى ابن مريم ~~عليه السلام، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي باب دمشق، بين ~~مهرورتين، واضعا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه ~~قطر، وإذا رفعه تحدر منه مثل جمان اللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ~~ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه حتى ~~يدركه بباب لد فيقتله، ثم يأتي عيسى قوم قد عصمهم الله منه فيمسح عن ~~وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى ~~عيسى: إني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بقتالهم فحرز عبادي ~~إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، ~~فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقول: ~~لقد كان بهذه مرة ماء، ويحصر نبي الله وأصحابه، حتى يكون رأس ~~الثور لأحدهم خيرا من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى ~~وأصحابه، فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس ~~واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع ~~شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى ~~الله، فيرسل الله طيرا كأعناق البخت، فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ~~ثم ms1415 يرسل الله مطرا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض، ~~حتى يتركها كالزلقة، ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك، وردي بركتك، ~~فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة، ويستظلون بقحفها، ويبارك في ~~الرسل حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللحقة ~~من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من ~~الناس، فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحا طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم ~~فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون ~~تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة " ". # وبهذا الإسناد حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا علي بن حجر السعدي، حدثنا ~~عبدالله بن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، والوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن ~~بن يزيد بن جابر بهذا الإسناد نحو ما ذكرنا وزاد بعد قوله: # " لقد كان بهذه مرة ماء -: ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر وهو ~~جبل بيت المقدس، فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض هلم فلنقتل من ~~في السماء، فيرمون بنشابهم إلى السماء، فيرد الله عليهم نشابهم ~~مخضوبة دما ". # وقال وهب: إنهم يأتون البحر فيشربون ماءه ويأكلون دوابه، ثم يأكلون ~~الخشب والشجر، ومن ظفروا به من الناس، ولا يقدرون أن يأتوا مكة ولا ~~المدينة ولا بيت المقدس. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أنبأنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، أنبأنا أحمد، أنبأنا أبي، أنبأنا ~~إبراهيم عن الحجاج بن حجاج، عن قتادة عن عبدالله ابن أبي عتبة، عن أبي ~~سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ليحجن البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج " # وفي القصة: أن ذا القرنين دخل الظلمة فلما رجع توفي بشهر زور. وذكر ~~بعضهم: أن عمره كان نيفا وثلاثين سنة. ### || [18.99-102] # قوله عز وجل: { وتركنا بعضهم يومئذ يموج فى بعض ~~} ، قيل: هذا عند فتح السد، يقول: تركنا يأجوج ومأجوج يموج، أي: يدخل، ~~بعضهم في بعض، كموج الماء، ويختلط بعضهم ببعض لكثرتهم. # وقيل: هذا عند قيام الساعة، يدخل الخلق بعضهم في بعض، ويختلط إنسيهم ~~بجنيهم حيارى، ms1416 { ونفخ فى الصور } ، لأن خروج يأجوج ومأجوج من ~~علامات قرب الساعة، { فجمعنهم جمعا } ، في صعيد واحد. # { وعرضنا } ، أبرزنا، { جهنم يومئذ للكفرين ~~عرضا } ، حتى يشاهدوها عيانا. # { الذين كانت أعينهم فى غطآء } ، أي: غشاء، و " الغطاء ~~": ما يغطى به الشيء ويستره، { عن ذكري } ، يعني: عن الإيمان ~~والقرآن، وعن الهدى والبيان. وقيل: عن رؤية الدلائل. # { وكانوا لا يستطيعون سمعا } ، أي: سمع القبول، ~~والإيمان، لغلبة الشقاوة عليهم. # وقيل: لا يعقلون وقيل: كانوا لا يستطيعون، أي: لا يقدرون أن يسمعوا من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يتلوه عليهم لشدة عداوتهم له، كقول ~~الرجل: لا أستطيع أن أسمع من فلان شيئا، لعداوته. # قوله عز وجل: { أفحسب } ، أفظن، { الذين كفروا أن ~~يتخذوا عبادى من دونى أوليآء } ، أربابا، يريد ~~بالعباد: عيسى، والملائكة، كلا بل هم لهم أعداء ويتبرؤون منهم. # قال ابن عباس: يعني الشياطين أطاعوهم من دون الله. وقال مقاتل: الأصنام ~~سموا عبادا، كما قال: # إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم # [الأعراف: 194] وجواب هذا الاستفهام محذوف. # وقال ابن عباس: يريد إني لأغضب لنفسي، يقول: أفظن الذين كفروا أن ~~يتخذوا غيري أولياء وإني لا أغضب لنفسي ولا أعاقبهم. # وقيل: أفظنوا أنهم ينفعهم أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء. # { إنآ أعتدنا جهنم للكفرين نزلا } ، أي: ~~منزلا، قال ابن عباس: هي مثواهم. وقيل: النزل ما يهيأ للضيف، يريد: هي ~~معدة لهم عندنا كالنزل للضيف. ### || [18.103-105] # قوله عز وجل: { قل هل ننبئكم بالأخسرين أعملا } ~~، يعني: الذين أتعبوا أنفسهم في عمل يرجون به فضلا ونوالا، فنالوا ~~هلاكا وبوارا، كمن يشتري سلعة يرجو عليها ربحا فخسر وخاب سعيه. # واختلفوا فيهم، قال ابن عباس، وسعد بن أبي وقاص: هم اليهود والنصارى. ~~وقيل: هم الرهبان. { الذين } حبسوا أنفسهم في الصوامع. وقال علي بن ~~أبي طالب: هم أهل حروراء. { ضل سعيهم } ، بطل عملهم واجتهادهم، { ~~فى الحيوة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون ~~صنعا } ، أي: عملا. # { أولئك الذين كفروا بآيت ربهم ولقآئه ~~فحبطت } ، بطلت، { أعمالهم فلا نقيم لهم يوم ~~القيمة وزنا } ، أي لا نجعل لهم ms1417 خطرا وقدرا، تقول العرب: " ~~ما لفلان عندي وزن " أي: قدر، لخسته. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~أحمد عن محمد بن يوسف، عن محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن عبدالله، حدثنا ~~سعيد بن مريم، أنبأنا المغيرة عن أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح ~~بعوضة " # ، وقال: اقرؤوا إن شئتم: { فلا نقيم لهم يوم القيمة ~~وزنا }. # قال أبو سعيد الخدري: يأتي أناس بأعمال يوم القيامة هي عندهم في العظم ~~كجبال تهامة، فإذا وزنوها لم تزن شيئا، فذلك قوله تعالى: { فلا ~~نقيم لهم يوم القيمة وزنا }. ### || [18.106-107] # { ذلك } الذي ذكرت من حبوط أعمالهم وخسة أقدارهم، ثم ابتدأ فقال: { ~~جزآؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا ءايتى } ، ~~يعني القرآن، { ورسلى هزوا } ، أي: سخرية ومهزوءا بهم. # قوله عز وجل: { إن الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحات كانت لهم جنت الفردوس } ، روينا عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه ~~عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة " # قال كعب: ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس فيها الآمرون بالمعروف ~~والناهون عن المنكر. # وقال قتادة: " الفردوس ": ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها وأرفعها. # قال كعب: " الفردوس ": هو البستان الذي فيه الأعناب. # وقال مجاهد: هو البستان بالرومية. # وقال عكرمة: هي الجنة بلسان الحبش. # وقال الزجاج: هو بالرومية منقول إلى لفظ العربية. # وقال الضحاك: هي الجنة الملتفة الأشجار. # وقيل: هي الروضة المستحسنة. # وقيل: هي التي تنبت ضروبا من النبات، وجمعه فراديس. # { نزلا } ، أي: منزلا. وقيل: ما يهيأ للنازل على معنى كانت لهم ثمار ~~جنات الفردوس ونعيمها نزلا، ومعنى " كانت لهم " أي: في علم الله قبل أن ~~يخلقوا. ### || [18.108-110] # { خلدين فيها لا يبغون } ، لا يطلبون، { عنها حولا } ~~، أي تحولا إلى غيرها. قال ابن عباس: لا يريدون أن يتحولوا عنها كما ~~ينتقل الرجل من دار ms1418 إذا لم توافقه إلى دار أخرى. # قوله عز وجل: { قل لو كان البحر مدادا لكلمت ~~ربى } ، قال ابن عباس: قالت اليهود يا محمد تزعم أنا قد أوتينا ~~الحكمة، وفي كتابك ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا، ثم تقول: وما ~~أوتيتم من العلم إلا قليلا؟ فأنزل الله هذه الآية. # وقيل: لما نزلت: { وما أوتيم من العلم إلا قليلا } ، قالت اليهود: ~~أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء، فأنزل الله تعالى: { قل لو كان ~~البحر مدادا } سمي المداد مدادا لإمداد الكاتب، وأصله من ~~الزيادة ومجيء الشيء بعد الشيء. # قال مجاهد: لو كان البحر مدادا للقلم والقلم يكتب، { لنفد ~~البحر } ، أي ماؤه، { قبل أن تنفد } ، قرأ حمزة والكسائي { ~~ينفد } بالياء لتقدم الفعل، والباقون بالتاء، { كلمت ربى } ، أي ~~علمه وحكمه، { ولو جئنا بمثله مددا } ، معناه: لو كان ~~الخلائق يكتبون، والبحر يمدهم لنفد البحر ولم تنفد كلمات ربي، ولو جئنا ~~بمثل ماء البحر في كثرته مدادا أو زيادة، " ومددا " منصوب على التمييز ~~نظيره قوله تعالى: # ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر ~~يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات ~~الله # [لقمان: 27]. # قوله عز وجل: { قل إنمآ أنا بشر مثلكم يوحى ~~إلى أنمآ إلهكم إله واحد } ، قال ابن عباس: علم ~~الله رسوله التواضع لئلا يزهو على خلقه، فأمره أن يقر فيقول: أني آدمي ~~مثلكم، إلا أني خصصت بالوحي وأكرمني الله به، يوحى إلي أنما إلهكم ~~إله واحد لا شريك له، { فمن كان يرجوا لقآء ربه } ، أي ~~يخاف المصير إليه. وقيل: يأمل رؤية ربه، فالرجاء يكون بمعنى الخوف والأمل ~~جميعا، قال الشاعر: # ولا كل ما ترجو من الخير كائن # ولا كل ما ترجو من الشر واقع # فجمع بين المعنيين. # { فليعمل عملا صلحا ولا يشرك بعبادة ربه ~~أحدا } ، أي: لا يرائي بعمله. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد ابن إسماعيل، أنبأنا أبو نعيم، أخبرنا ~~سفيان عن سلمة، هو ابن كهيل، قال: سمعت جندبا يقول: ms1419 قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " من سمع سمع الله به، ومن يرائي يرائي الله به ". # وروينا عن النبي أنه قال: # " «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر»، قالوا: يا رسول الله وما الشرك ~~الأصغر؟ قال: «الرياء» ". # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أنبأنا أبو سعيد محمد بن موسى ~~الصيرفي، حدثنا أبو العباس محمد ابن يعقوب الأصم، حدثنا محمد بن عبد الله ~~بن عبد الحكم، حدثنا أبي، حدثنا شعيب قال: حدثنا الليث عن ابن الهاد، عن ~~عمرو، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن الله تبارك وتعالى يقول: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا ~~أشرك فيه معي غيري فأنا منه بريء، وهو للذي عمله ". # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا أبو منصور محمد بن محمد بن ~~سمعان، حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، حدثنا حميد ~~بن زنجويه، حدثنا حفص بن عمر، حدثنا همام عن قتادة، حدثنا سالم بن أبي ~~الجعد الغطفاني، عن معدان بن أبي طلحة، عن أبي الدرداء يرويه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من فتنة الدجال ". # وأخبرنا عبد الواحد المليحي، أنبأنا أبو منصور السمعاني، حدثنا أبو جعفر ~~الرياني، حدثنا حميد ابن زنجويه، حدثنا أبو الأسود، حدثنا ابن لهيعة عن ~~زياد عن سهل - هو ابن معاذ - عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من قرأ أول سورة الكهف وآخرها كانت له نورا من قدميه إلى رأسه، ومن ~~قرأها كلها كانت له نورا من الأرض إلى السماء " ### | [19 - سورة مريم] ### || [19.1-2] # قوله عز وجل: { كهيعص } قرأ أبو عمرو بكسر الهاء وفتح الياء، ~~وضده ابن عامر، وحمزة، وبكسرهما: الكسائي وأبو بكر، والباقون ~~بفتحهما. # ويظهر الدال عند الذال من " صاد ذكر " ابن كثير، ونافع، وعاصم ~~[ويعقوب]، والباقون بالإدغام. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: هو اسم من أسماء الله تعالى. # وقال قتادة: هو اسم ms1420 من أسماء القرآن. # وقيل: اسم للسورة. وقيل: هو قسم أقسم الله به. # ويروى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: { كهيعص } قال: الكاف ~~من كريم وكبير، والهاء من هاد، والياء من رحيم، والعين من عليم، وعظيم، ~~والصاد من صادق. # وقال الكلبي: معناه: كاف لخلقه، هاد لعباده، يده فوق أيديهم، عالم ~~ببريته، صادق في وعده. # { ذكر } ، رفع بالمضمر، أي: هذا الذي نتلوه عليك ذكر { رحمت ~~ربك } ، [وفيه تقديم وتأخير] معناه: ذكر ربك، { عبده زكريآ ~~} ، برحمته. ### || [19.3-6] # { إذ نادى } ، دعا، { ربه } ، في محرابه، { ندآء خفيا } ~~، دعا سرا من قومه في جوف الليل. # { قال رب إنى وهن } ، ضعف ورق، { العظم منى } ، ~~من الكبر. قال قتادة: اشتكى سقوط الأضراس، { واشتعل الرأس } ~~، أي: ابيض شعر الرأس، { شيبا } ، شمطا، { ولم أكن ~~بدعآئك رب شقيا } ، يقول: عودتني الإجابة فيما مضى ولم ~~تخيبني. # وقيل: معناه لما دعوتني إلى الإيمان آمنت ولم أشق بترك الإيمان. # { وإني خفت الموالى } ، و " الموالي ": بنو العم. قال ~~مجاهد: العصبة. وقال أبو صالح: الكلالة. وقال الكلبي: الورثة. { من ~~ورآءى } أي: من بعد موتي. # قرأ ابن كثير: { من ورائي } بفتح الياء، والآخرون بإسكانها. # { وكانت امرأتى عاقرا } ، لا تلد، { فهب لى من لدنك ~~} ، أعطني من عندك { وليا } ابنا. # { يرثنى ويرث من ءال يعقوب } ، قرأ أبو عمرو، والكسائي: ~~بجزم الثاء فيهما، على جواب الدعاء، وقرأ الآخرون بالرفع على الحال ~~والصفة، أي: وليا وارثا. # واختلفوا في هذا الإرث؛ قال الحسن: معناه يرثني مالي ويرث من آل يعقوب ~~النبوة والحبورة. # وقيل: أراد ميراث النبوة والعلم. # وقيل: أراد إرث الحبورة، لأن زكريا كان رأس الأحبار. # قال الزجاج: والأولى أن يحمل على ميراث غير المال لأنه يبعد أن يشفق ~~زكريا وهو نبي من الأنبياء أن يرثه بنو عمه ماله. # والمعنى: أنه خاف تضييع بني عمه دين الله وتغيير أحكامه على ما كان ~~شاهده من بني إسرائيل من تبديل الدين وقتل الأنبياء، فسأل ربه وليا ~~صالحا يأمنه على أمته، ويرث نبوته وعلمه لئلا يضيع الدين. وهذا معنى ~~قول عطاء عن ms1421 ابن عباس رضي الله عنهما. # { واجعله رب رضيا } ، أي برا تقيا مرضيا. ### || [19.7] # قوله عز وجل: { يا زكريآ إنا نبشرك } ، وفيه اختصار، ~~معناه: فاستجاب الله دعاءه، فقال: يازكريا إنا نبشرك، { بغلم } ، ~~بولد ذكر، { اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا } ~~، قال قتادة والكلبي: لم يسم أحد قبله يحيى. # وقال سعيد بن جبير وعطاء: لم نجعل له شبها ومثلا، كما قال الله تعالى: ~~" هل تعلم له سميا " ، أي مثلا. # والمعنى: أنه لم يكن له مثل، لأنه لم يعص ولم يهم بمعصية قط. # وقيل: لم يكن له مثل في أمر النساء، لأنه كان سيدا وحصورا. # وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: أي لم تلد العواقر ~~مثله ولدا. # وقيل: لم يرد الله به اجتماع الفضائل كلها ليحيى، إنما أراد بعضها، لأن ~~الخليل والكليم كانا قبله، وهما أفضل منه. ### || [19.8-10] # { قال رب أنى } ، من أين، { يكون لى غلم وكانت ~~امرأتى عاقرا } أي: وامرأتي عاقر. { وقد بلغت من ~~الكبر عتيا } ، أي يبسا، قال قتادة: يريد نحول العظم، يقال: ~~عتا الشيخ يعتو عتيا وعسيا: إذا انتهى سنه وكبر، وشيخ ~~عات وعاس: إذا صار إلى حالة اليبس والجفاف. # وقرأ حمزة والكسائي: عتيا وبكيا وصليا وجثيا بكسر أوائلهن، والباقون ~~برفعها، وهما لغتان. # { قال كذلك قال ربك هو على هين } ، يسير، { ~~وقد خلقتك } ، قرأ حمزة والكسائي { خلقناك } بالنون والألف على ~~التعظيم، { من قبل } ، أي من قبل يحيى، { ولم تك شيئا }. # { قال رب اجعل لى ءاية } ، دلالة على حمل امرأتي، { قال ~~ءايتك ألا تكلم الناس ثلث ليال سويا } ، أي: ~~صحيحا سليما من غير ما بأس ولا خرس. # قال مجاهد: أي لا يمنعك من الكلام مرض. # وقيل: ثلاث ليال سويا أي متتابعات، والأول أصح. # وفي القصة: أنه لم يقدر فيها أن يتكلم مع الناس فإذا أراد ذكر الله ~~تعالى انطلق لسانه. ### || [19.11-13] # قوله عز وجل: { فخرج على قومه من المحراب } ، وكان ~~الناس من وراء المحراب ينتظرونه أن يفتح لهم الباب فيدخلون ويصلون، إذ ~~خرج عليهم ms1422 زكريا متغيرا لونه فأنكروه، فقالوا: مالك يا زكريا؟ { ~~فأوحى إليهم } فأومأ إليهم، قال مجاهد: كتب لهم في الأرض، { ~~أن سبحوا } ، أي: صلوا لله، { بكرة } ، غدوة، { وعشيا } ~~، ومعناه: أنه كان يخرج على قومه بكرة وعشيا فيأمرهم بالصلاة، فلما كان ~~وقت حمل امرأته ومنع الكلام حتى خرج إليهم فأمرهم بالصلاة إشارة. # قوله عز وجل: { ييحيى } ، قيل: فيه حذف معناه: ووهبنا له يحيى ~~وقلنا له: يا يحيى، { خذ الكتب } ، يعني التوراة، { بقوة } ~~، بجد، { وآتيناه الحكم } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~النبوة، { صبيا } ، وهو ابن ثلاث سنين. # وقيل: أراد بالحكم فهم الكتاب، فقرأ التوراة وهو صغير. # وعن بعض السلف: من قرأ القرآن قبل أن يبلغ فهو ممن أوتي الحكم صبيا. # { وحنانا من لدنا } ، رحمة من عندنا، قال الحطيئة لعمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه: # تحنن علي هداك المليك # فإن لكل مقام مقالا # أي: ترحم. # { وزكوة } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني بالزكاة الطاعة ~~والإخلاص. # وقال قتادة رضي الله عنه: هي العمل الصالح، وهو قول الضحاك. # ومعنى الآية: وآتيناه رحمة من عندنا وتحننا على العباد، ليدعوهم إلى ~~طاعة ربهم ويعمل عملا صالحا في إخلاص. # وقال الكلبي: يعني صدقة تصدق الله بها على أبويه. # { وكان تقيا } ، مسلما ومخلصا مطيعا، وكان من تقواه أنه لم ~~يعمل خطيئة ولا هم بها. ### || [19.14-16] # { وبرا بولديه } ، أي بارا لطيفا بهما محسنا إليهما. { ~~ولم يكن جبارا عصيا } ، و " الجبار ": المتكبر، وقيل: " ~~الجبار ": الذي يضرب ويقتل على الغضب، و " العصي ": العاصي. # { وسلم عليه } ، أي: سلامة له، { يوم ولد ويوم ~~يموت ويوم يبعث حيا } ، قال سفيان بن عيينة: أوحش ما يكون ~~الإنسان في هذه الأحوال: يوم ولد فيخرج مما كان فيه، ويوم يموت فيرى ~~قوما لم يكن عاينهم، ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر لم ير مثله، فخص ~~يحيى بالسلامة في هذه المواطن. # قوله عز وجل: { واذكر فى الكتب } ، في القرآن، { مريم ~~إذ انتبذت } ، تنحت واعتزلت، { من أهلها } ، من قومها، { ~~مكانا شرقيا } ، أي: مكانا في الدار مما يلي المشرق، وكان يوما ms1423 ~~شاتيا شديد البرد، فجلست في مشرقة تفلي رأسها. # وقيل: كانت طهرت من المحيض، فذهبت لتغتسل. # قال الحسن: ومن ثم اتخذت النصارى المشرق قبلة. ### || [19.17-20] # { فاتخذت } ، فضربت، { من دونهم حجابا } ، قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: سترا. # وقيل: جلست وراء جدار. وقال مقاتل: وراء جبل. # وقال عكرمة: إن مريم كانت تكون في المسجد فإذا حاضت تحولت إلى بيت ~~خالتها، حتى إذا طهرت عادت إلى المسجد، فبينما هي تغتسل من المحيض قد ~~تجردت، إذ عرض لها جبريل في صورة شاب أمرد، وضيء الوجه، جعد الشعر، ~~سوي الخلق، فذلك قوله: # { فأرسلنآ إليهآ روحنا } ، يعني: جبريل عليه السلام، { ~~فتمثل لها بشرا سويا } ، وقيل: المراد من الروح عيسى عليه ~~السلام، جاء في صورة بشر فحملت به. والأول أصح فلما رأت مريم جبريل يقصد ~~نحوها نادته من بعيد، ف: { قالت إنى أعوذ بالرحمن ~~منك إن كنت تقيا } مؤمنا مطيعا. # فإن قيل: إنما يستعاذ من الفاجر، فكيف قالت: إني أعوذ بالرحمن منك إن ~~كنت تقيا؟ # قيل: هذا كقول القائل: إن كنت مؤمنا فلا تظلمني. أي: ينبغي أن يكون ~~إيمانك مانعا من الظلم، وكذلك هاهنا. # معناه: ينبغي أن تكون تقواك مانعا لك من الفجور. # { قال } ، لها جبريل: { إنمآ أنا رسول ربك لأهب ~~لك } ، قرأ نافع وأهل البصرة: " ليهب لك " بالياء، أي: ليهب لك ربك، ~~وقرأ الآخرون: " لأهب لك " أسند الفعل إلى الرسول، وإن كانت الهبة من ~~الله تعالى، لأنه أرسل به. # { غلما زكيا } ، ولدا صالحا طاهرا من الذنوب. # { قالت } ، مريم: { أنى } ، من أين، { يكون لى غلم ~~ولم يمسسنى بشر } ، لم يقربني زوج، { ولم أك بغيا } ~~، فاجرة؟ تريد أن الولد إنما يكون من نكاح أو سفاح، ولم يكن هنا واحد ~~منهما. ### || [19.21-22] # { قال } ، جبريل: { كذلك } ، قيل: معناه كما قلت يامريم ولكن، { ~~قال ربك }. وقيل هكذا قال ربك، { هو على هين } ، أي: ~~خلق ولد بلا أب، { ولنجعله ءاية } ، علامة، { للناس } ~~، ودلالة على قدرتنا، { ورحمة منا } ، ونعمة لمن تبعه على دينه، ~~{ وكان } ذلك، { أمرا مقضيا } ، محكوما مفروغا منه لا ~~يرد ولا ms1424 يبدل. # قوله عز وجل: { فحملته } ، قيل: إن جبريل رفع عنها درعها فنفخ ~~في جيبه فحملت حين لبست. # وقيل: مد جيب درعها بأصبعه ثم نفخ في الجيب. # وقيل: نفخ في كم قميصها. وقيل: في فيها. # وقيل: نفخ جبريل عليه السلام نفخا من بعيد فوصل الريح إليها فحملت ~~بعيسى في الحال، { فانتبذت به } ، أي: تنحت بالحمل، وانفردت، { ~~مكانا قصيا } ، بعيدا من أهلها. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: أقصى الوادي، وهو وادي بيت لحم، فرارا من ~~قومها أن يعيروها بولادتها من غير زوج. # واختلفوا في مدة حملها ووقت وضعها؛ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: كان ~~الحمل والولادة في ساعة واحدة. # وقيل: كان مدة حملها تسعة أشهر كحمل سائر النساء. # وقيل: كان مدة حملها ثمانية أشهر، وكان ذلك آية أخرى لأنه لا يعيش ولد ~~يولد لثمانية أشهر، وولد عيسى لهذه المدة وعاش. # وقيل: ولدت لستة أشهر. # وقال مقاتل بن سليمان: حملته مريم في ساعة، وصور في ساعة، ووضعته في ~~ساعة حين زالت الشمس من يومها، وهي بنت عشر سنين، وكانت قد حاضت حيضتين ~~قبل أن تحمل بعيسى. ### || [19.23] # { فأجآءها } ، أي ألجأها وجاء بها، { المخاض } ، وهو وجع ~~الولادة، { إلى جذع النخلة } وكانت نخلة يابسة في الصحراء، في ~~شدة الشتاء، لم يكن لها سعف. # وقيل: التجأت إليها لتستند إليها وتتمسك بها على وجع الولادة، { قالت ~~يليتنى مت قبل هذا } ، تمنت الموت استحياء من الناس ~~وخوف الفضيحة، { وكنت نسيا } ، قرأ حمزة وحفص { نسيا } بفتح ~~النون، [والباقون بكسرها]، وهما لغتان، مثل: الوتر والوتر، والجسر ~~والجسر، وهو الشيء المنسي، و " النسي " في اللغة: كل ما ألقي ونسي ~~ولم يذكر لحقارته. # { منسيا } ، أي: متروكا قال قتادة: شيء لا يعرف ولا يذكر. قال ~~عكرمة والضحاك ومجاهد: جيفة ملقاة. وقيل: يعني لم أخلق. ### || [19.24] # { فناداها من تحتهآ } ، قرأ أبو جعفر، ونافع، وحمزة، والكسائي، ~~وحفص: { من تحتها } بكسر الميم والتاء، يعني جبريل عليه السلام، ~~وكانت مريم على أكمة، وجبريل وراء الأكمة تحتها فناداها. # وقرأ الآخرون بفتح الميم والتاء، وأراد جبريل عليه ms1425 السلام أيضا، ناداها ~~من سفح الجبل. # وقيل: هو عيسى لما خرج من بطن أمه ناداها: { ألا تحزنى } ، وهو ~~قول مجاهد والحسن. # والأول قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، والسدي، وقتادة، والضحاك، ~~وجماعة: أن المنادي كان جبريل لما سمع كلاهما وعرف جزعها ناداها ألا ~~تحزني. # { قد جعل ربك تحتك سريا } ، و " السري ": النهر ~~الصغير. # وقيل: تحتك أي جعله الله تحت أمرك إن أمرتيه أن يجري جرى، وإن أمرتيه ~~بالإمساك أمسك. # قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ضرب جبريل عليه السلام ويقال: ضرب ~~عيسى عليه الصلاة والسلام برجله الأرض فظهرت عين ماء عذب وجرى. # وقيل: كان هناك نهر يابس أجرى الله سبحانه وتعالى فيه الماء وحييت ~~النخلة اليابسة، فأورقت وأثمرت وأرطبت. # وقال الحسن: " تحتك سريا " يعني: عيسى، وكان والله عبدا سريا، ~~يعني: رفيعا. ### || [19.25-26] # { وهزى إليك } ، يعني قيل لمريم: حركي { بجذع النخلة ~~} ، تقول العرب: هزه وهز به، كما يقول: حز رأسه وحز برأسه، ~~وأمدد الحبل وأمدد به، { تسقط عليك } ، القراءة المعروفة ~~بفتح التاء والقاف وتشديد السين، أي: تتساقط، فأدغمت إحدى التاءين في ~~السين أي: تسقط عليك النخلة رطبا، وخفف حمزة السين وحذف التاء التي ~~أدغمها غيره. # وقرأ حفص بضم التاء وكسر القاف خفيف على وزن تفاعل. وتساقط بمعنى ~~أسقط، والتأنيث لأجل النخلة. # وقرأ يعقوب: " يساقط " بالياء مشددة رده إلى الجذع. # { رطبا جنيا } ، مجنيا. وقيل: الجني هو الذي بلغ الغاية، وجاء ~~أوان اجتنائه. قال الربيع بن خيثم: ما للنفساء عندي خير من الرطب، ولا ~~للمريض خير من العسل. # قوله سبحانه وتعالى: { فكلى واشربى } ، أي: فكلي يامريم من ~~الرطب، واشربي من ماء النهر، { وقرى عينا } ، أي: طيبي نفسا. ~~وقيل: قري عينك بولدك عيسى. يقال: أقر الله عينك أي: صادف فؤادك ما ~~يرضيك، فتقر عينك من النظر إلى غيره. وقيل: أقر الله عينه: يعني أنامها، ~~يقال: قر يقر إذا سكن. # وقيل: إن العين إذا بكت من السرور فالدمع بارد، وإذا بكت من الحزن ~~فالدمع يكون حارا، فمن هذا قيل: أقر الله عينه وأسخن ms1426 الله عينه. # { فإما ترين من البشر أحدا } ، أي: تري، فدخل عليه نون ~~التأكيد فكسرت الياء لالتقاء الساكنين. # معناه: فإما ترين من البشر أحدا فيسألك عن ولدك { فقولى إنى ~~نذرت للرحمن صوما } ، أي: صمتا، وكذلك كان يقرأ ابن ~~مسعود رضي الله عنه. # والصوم في اللغة الإمساك عن الطعام والشراب والكلام. # قال السدي: كان في بني إسرائيل من أراد أن يجتهد صام عن الكلام، كما ~~يصوم عن الطعام، فلا يتكلم حتى يمسي. # وقيل: إن الله تعالى أمرها أن تقول هذا إشارة. # وقيل: أمرها أن تقول هذا القدر نطقا، ثم تمسك عن الكلام بعده. # { فلن أكلم اليوم إنسيا } ، يقال: كانت تكلم الملائكة، ~~ولا تكلم الإنس. ### || [19.27-28] # { فأتت به قومها تحمله } ، قيل: إنها ولدته، ثم حملته في ~~الحال إلى قومها. # وقال الكلبي: حمل يوسف النجار مريم وابنها عيسى [عليهما السلام] إلى ~~غار، ومكثت أربعين يوما حتى طهرت من نفاسها، ثم حملته مريم عليها السلام ~~إلى قومها. فكلمها عيسى عليه السلام في الطريق فقال: يا أماه أبشري فإني ~~عبد الله ومسيحه، فلما دخلت على أهلها ومعها الصبي بكوا وحزنوا، وكانوا ~~أهل بيت صالحين، { قالوا يمريم لقد جئت شيئا فريا ~~} ، عظيما منكرا، قال أبو عبيدة: كل أمر فائق من عجب أو عمل فهو ~~فري. # " قال النبي صلى الله عليه وسلم في عمر: «فلم أر عبقريا يفري فريه» " # أي: يعمل عمله. # { يأخت هرون } ، يريد يا شبيهة هارون، قال قتادة وغيره: كان ~~هارون رجلا صالحا عابدا في بني إسرائيل. روي أنه اتبع جنازته يوم مات ~~أربعون ألفا كلهم يسمى " هارون " من بني إسرائيل سوى سائر الناس، ~~[شبهوها به على] معنى إنا ظننا أنك مثله في الصلاح. وليس المراد منه ~~الأخوة في النسب، كما قال الله تعالى: # إن المبذرين كانوا إخون الشيطين # [الإسراء: 27]، أي أشباههم. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد ~~بن عيسى، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا ~~محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا ابن إدريس ms1427 عن أبيه، عن سماك بن حرب، عن ~~علقمة بن وائل، # " عن المغيرة بن شعبة قال: لما قدمت نجران سألوني، فقالوا: إنكم تقرؤون: ~~{ يأخت هرون } وموسى قبل عيسى بكذا وكذا!، فلما قدمت على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم سألته عن ذلك فقال: «إنهم كانوا يسمون ~~بأنبيائهم والصالحين قبلهم» ". # وقال الكلبي: كان هارون أخا مريم من أبيها، وكان أمثل رجل في بني ~~إسرائيل. # وقال السدي: إنما عنوا به هارون أخا موسى، لأنها كانت من نسله، كما يقال ~~للتميمي: يا أخا تميم. # وقيل: كان هارون رجلا فاسقا في بني إسرائيل عظيم الفسق فشبهوها به. # { ما كان أبوك } ، عمران، { امرأ سوء } ، قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: زانيا، { وما كانت أمك } ، حنة، { بغيا } ، ~~أي زانية، فمن أين لك هذا الولد؟. ### || [19.29] # { فأشارت } ، مريم، { إليه } ، أي إلى عيسى عليه السلام: أن ~~كلموه. # قال ابن مسعود رضي الله عنه: لما لم يكن لها حجة أشارت إليه، ليكون ~~كلامه حجة لها. # وفي القصة: لما أشارت إليه غضب القوم، وقالوا مع ما فعلت تسخرين بنا؟ # { قالوا كيف نكلم من كان فى المهد صبيا } أي: من ~~هو في المهد، وهو في حجرها. # وقيل: هو المهد بعينه، " وكان " بمعنى: هو. وقال أبو عبيدة: " كان " ~~صلة، أي: كيف نكلم صبيا في المهد. وقد يجيء " كان " حشوا في الكلام لا ~~معنى له كقوله # هل كنت إلا بشرا رسولا # [الإسراء: 93] أي: هل أنا؟ # قال السدي: فلما سمع عيسى كلامهم ترك الرضاع وأقبل عليهم. # وقيل: لما أشارت إليه ترك الثدي واتكأ على يساره، وأقبل عليهم وجعل يشير ~~بيمينه: ### || [19.30-33] # { قال إنى عبد الله } ، وقال وهب: أتاها زكريا عند مناظرتها ~~اليهود، فقال لعيسى: انطق بحجتك إن كنت أمرت بها، فقال عند ذلك عيسى عليه ~~السلام وهو ابن أربعين يوما وقال مقاتل: بل هو يوم ولد : إني عبد ~~الله، أقر على نفسه بالعبودية لله عز وجل أول ما تكلم لئلا يتخذ ~~إلها، { ءاتانى الكتب وجعلنى نبيا } ، قيل: معناه ~~سيؤتيني الكتاب ويجعلني نبيا. # وقيل: هذا إخبار ms1428 عما كتب له في اللوح المحفوظ، كما قيل للنبي صلى الله ~~عليه وسلم: متى كنت نبيا؟ قال: # " كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد " # وقال الأكثرون أوتي الإنجيل وهو صغير طفل، وكان يعقل عقل الرجال. # وعن الحسن: أنه قال: ألهم التوراة وهو في بطن أمه. # { وجعلنى مباركا أين ما كنت } ، أي نفاعا حيث ما ~~توجهت. وقال مجاهد: معلما للخير. وقال عطاء: أدعو إلى الله وإلى توحيده ~~وعبادته. وقيل: مباركا على من تبعني. # { وأوصانى بالصلوة والزكوة } ، أي: أمرني بهما. # فإن قيل: لم يكن لعيسى مال فكيف يؤمر بالزكاة؟ # قيل: معناه بالزكاة لو كان لي مال وقيل: بالاستكثار من الخير. # { ما دمت حيا }. # { وبرا بوالدتى } أي وجعلني برا بوالدتي، { ولم ~~يجعلنى جبارا شقيا } ، أي عاصيا لربه. قيل: " الشقي ~~": الذي يذنب ولا يتوب. # { والسلم على يوم ولدت } ، أي: السلامة عند الولادة ~~من طعن الشيطان. { ويوم أموت } ، أي عند الموت من الشرك، { ~~ويوم أبعث حيا } ، من الأهوال. ولما كلمهم عيسى بهذا علموا ~~براءة مريم، ثم سكت عيسى عليه السلام، فلم يتكلم بعد ذلك حتى بلغ المدة ~~التي يتكلم فيها الصبيان. ### || [19.34-37] # { ذلك عيسى ابن مريم } ، [قال الزجاج: أي ذلك الذي قال إني ~~عبد الله عيسى ابن مريم]، { قول الحق } ، قرأ ابن عامر وعاصم ~~ويعقوب: { قول الحق } بنصب اللام وهو نصب على المصدر أي: قال: قول ~~الحق، { الذى فيه يمترون } أي: يختلفون، فقائل يقول: هو ابن ~~الله، وقائل يقول: هو الله، وقائل يقول: هو ساحر كاذب. # وقرأ الآخرون برفع اللام، يعني: هو قول الحق، أي هذا الكلام هو قول ~~الحق، أضاف القول إلى الحق، كما قال: " حق اليقين " ، و " وعد الصدق ". # وقيل: هو نعت لعيسى ابن مريم، يعني ذلك عيسى ابن مريم كلمة الله والحق ~~هو الله { الذى فيه يمترون } يشكون، ويختلفون، ويقولون غير ~~الحق. ثم نفى عن نفسه الولد، ثم عظم نفسه فقال: # { ما كان لله أن يتخذ من ولد } ، أي ما كان من صفته ~~اتخاذ الولد. وقيل: اللام منقولة أي ما كان الله ليتخذ ms1429 من ولد، { ~~سبحنه إذا قضى أمرا } ، إذا أراد أن يحدث أمرا، { ~~فإنما يقول له كن فيكون }. # { وإن الله ربى وربكم } ، قرأ أهل الحجاز وأبو عمرو { ~~أن الله } بفتح الألف، يرجع إلى قوله: { وأوصانى بالصلوة ~~والزكوة } وبأن الله ربي وربكم، وقرأ أهل الشام والكوفة ويعقوب ~~بكسر الألف على الاستئناف { فاعبدوه هذا صرط مستقيم ~~}. # { فاختلف الأحزاب من بينهم } ، يعني: النصارى، سموا ~~أحزابا لأنهم تحزبوا ثلاث فرق في أمر عيسى: النسطورية، والملكانية، ~~واليعقوبية. { فويل للذين كفروا من مشهد يوم ~~عظيم } ، يعني يوم القيامة. ### || [19.38-39] # { أسمع بهم وأبصر } ، أي ما أسمعهم وأبصرهم يوم القيامة حين ~~لا ينفعهم السمع والبصر! أخبر أنهم يسمعون ويبصرون في الآخرة ما لم ~~يسمعوا ولم يبصروا في الدنيا. # قال الكلبي: لا أحد يوم القيامة أسمع منهم ولا أبصر حين يقول الله تعالى ~~لعيسى: # أءنت قلت للناس # [المائدة: 116]. { يوم يأتوننا لكن الظلمون ~~اليوم فى ضلل مبين } ، أي: في خطأ بين. # قوله عز وجل: { وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضى ~~الأمر } ، فرغ من الحساب وأدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ~~وذبح الموت. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عمر بن حفص بن غياث، ~~أخبرنا أبي أنبأنا الأعمش، أخبرنا أبو صالح عن أبي سعيد الخدري قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح فينادي مناد: يا أهل الجنة فيشرفون ~~وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد ~~رآه، ثم ينادي: يا أهل النار فيشرفون وينظرون فيقول: هل تعرفون هذا؟ ~~فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيذبح، ثم يقول: يا أهل الجنة ~~خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت " # ثم قرأ: { وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضى الأمر ~~وهم فى غفلة وهم لا يؤمنون }. # ورواه أبو عيسى عن أحمد بن منيع، عن النضر بن إسماعيل، عن الأعمش بهذا ~~الإسناد، وزاد: # " فلولا أن الله تعالى قضى لأهل الجنة الحياة والبقاء لماتوا فرحا، ms1430 ~~ولولا أن الله تعالى قضى لأهل النار الحياة والبقاء لماتوا ترحا ". # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا معاذ بن أسد، ~~أخبرنا عبد الله، أخبرنا عمر بن محمد بن زيد عن أبيه أنه حدثه عن ابن عمر ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا صار أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، جيء بالموت حتى ~~يجعل بين الجنة والنار. ثم يذبح ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة لا موت، ~~ويا أهل النار لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم، ويزداد أهل ~~النار حزنا إلى حزنهم ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، ~~أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، أخبرنا أبو ~~الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يدخل أحد الجنة إلا أري مقعده من النار لو أساء ليزداد شكرا، ~~ولا يدخل النار أحد إلا أري مقعده من الجنة لو أحسن ليكون عليه حسرة ~~". # أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداوودي، أخبرنا أبو الحسن أحمد ~~بن محمد بن موسى بن الصلت، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد ~~الهاشمي، أخبرنا الحسين بن الحسن، أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا يحيى بن ~~عبيد الله قال: سمعت أبي قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " «ما من أحد يموت إلا ندم»، قالوا: فما ندمه يا رسول الله؟ قال: «إن ~~كان محسنا ندم أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئا ندم أن لا يكون نزع» ". # قوله عز وجل: { وهم فى غفلة } ، أي: عما يفعل بهم في ~~الآخرة، { وهم لا يؤمنون } ، لا يصدقون. ### || [19.40-41] # قوله عز وجل: { إنا نحن نرث الأرض ومن عليها } أي: ~~نميت سكان الأرض ونهلكهم جميعا، ويبقى الرب وحده فيرثهم، { ~~وإلينا يرجعون } ، فنجزيهم بأعمالهم. # قوله عز وجل: { واذكر فى الكتب إبرهيم إنه كان ~~صديقا نبيا ms1431 } " الصديق ": الكثير الصدق القائم عليه. وقيل: من ~~صدق الله في وحدانيته، وصدق أنبياءه ورسله، وصدق بالبعث، وقام ~~بالأوامر فعمل بها، فهو الصديق. و " النبي ": العالي في الرتبة بإرسال ~~الله تعالى إياه. ### || [19.42-46] # { إذ قال } ، إبراهيم، { لأبيه } ، آزر وهو يعبد الأصنام، { ~~يأبت لم تعبد ما لا يسمع } ، صوتا، { ولا يبصر } ~~، شيئا، { ولا يغنى عنك } ، أي لا يكفيك، { شيئا }. # { يأبت إني قد جآءنى من العلم } ، بالله والمعرفة، { ~~ما لم يأتك فاتبعني } ، على ديني، { أهدك صرطا ~~سويا } ، مستقيما. # { يأبت لا تعبد الشيطن } ، لا تطعه فيما يزين لك من ~~الكفر والشرك، { إن الشيطن كان للرحمن عصيا }: ~~عاصيا، " كان " بمعنى الحال، أي: هو كذلك. # { يأبت إنى أخاف } ، أي أعلم، { أن يمسك } ، يصيبك، { ~~عذاب من الرحمن } أي: إن أقمت على الكفر، { فتكون ~~للشيطن وليا } ، قرينا في النار. # { قال } أبوه مجيبا له: { أراغب أنت عن آلهتى ~~يإبرهيم لئن لم تنته } ، لئن لم تسكت وترجع عن عيبك ~~آلهتنا وشتمك إياها، { لأرجمنك } ، قال الكلبي، ومقاتل، والضحاك: ~~لأشتمنك، ولأبعدنك عني بالقول القبيح. # قال ابن عباس: لأضربنك. وقال عكرمة: لأقتلنك بالحجارة. # { واهجرنى مليا } ، قال الكلبي: اجنبني طويلا. وقال مجاهد ~~وعكرمة: حينا. # وقال سعيد بن جبير: دهرا. وأصل " الحين ": المكث، ومنه يقال: فمكثت ~~حينا، " والملوان ": الليل والنهار. # وقال قتادة وعطاء: سالما. وقال ابن عباس: اعتزلني سالما لا تصيبك مني ~~معرة، يقال: فلان ملي بأمر كذا: إذا كان كافيا. ### || [19.47-48] # { قال } إبراهيم { سلم عليك } ، أي: سلمت مني لا أصيبك ~~بمكروه، وذلك أنه لم يؤمر بقتاله على كفره. # وقيل: هذا سلام هجران ومفارقة. وقيل: سلام بر ولطف، وهو جواب الحليم ~~للسفيه. قال الله تعالى: # وإذا خاطبهم الجهلون قالوا سلاما # [الفرقان: 63]. # قوله تعالى: { سأستغفر لك ربي } ، قيل: إنه لما أعياه ~~أمره ووعده أن يراجع الله فيه، فيسأله أن يرزقه التوحيد ويغفر له. ~~معناه: سأسأل الله تعالى لك توبة تنال بها المغفرة. # { إنه كان بى حفيا } ، برا لطيفا. قال الكلبي: عالما ~~يستجيب لي إذا دعوته. قال مجاهد: عودني الإجابة لدعائي. # { وأعتزلكم وما تدعون من دون الله ms1432 } ، أي: أعتزل ما ~~تعبدون من دون الله: قال مقاتل: كان اعتزاله إياهم أنه فارقهم من " ~~كوثى " ، فهاجر منها إلى الأرض المقدسة، { وأدعوا ربى } ، أي ~~أعبد ربي، { عسى ألا أكون بدعآء ربى شقيا } ، أي: ~~عسى أن لا أشقى بدعائه وعبادته، كما تشقون أنتم بعبادة الأصنام. # وقيل: عسى أن يجيبني إذا دعوته ولا يخيبني. ### || [19.49-52] # { فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله } ، فذهب ~~مهاجرا، { وهبنا له } بعد الهجرة { إسحق ويعقوب } ~~آنسنا وحشته [من فراقهم]، وأقررنا عينه، بأولاد كرام على الله عز، { ~~وكلا جعلنا نبيا } يعني: إسحاق ويعقوب. # { ووهبنا لهم من رحمتنا }. قال الكلبي: المال والولد، ~~وهو قول الأكثرين، قالوا: ما بسط لهم في الدنيا من سعة الرزق. وقيل: ~~الكتاب والنبوة. # { وجعلنا لهم لسان صدق عليا } ، يعني ثناء حسنا ~~رفيعا في كل أهل الأديان، فكلهم يتولونهم، ويثنون عليهم. # قوله عز وجل: { واذكر فى الكتب موسى إنه كان ~~مخلصا } ، غير مراء، أخلص العبادة والطاعة لله عز وجل. وقرأ أهل ~~الكوفة { مخلصا } بفتح اللام أي: مختارا اختاره الله عز وجل. وقيل: ~~أخلصه الله من الدنس. { وكان رسولا نبيا }. # { وندينه من جانب الطور الأيمن } ، يعني: يمين ~~موسى، والطور: جبل بين مصر ومدين. ويقال: اسمه " الزبير " وذلك حين ~~أقبل من مدين ورأى النار نودي # أن يموسى إني أنا الله رب العالمين # [القصص: 30]. # { وقربناه نجيا } ، أي: مناجيا، فالنجي المناجي، كما يقال: ~~جليس ونديم. # قال ابن عباس: معناه: قربه فكلمه، ومعنى التقريب: إسماعه كلامه. # وقيل: رفعه على الحجب حتى سمع صرير القلم. ### || [19.53-56] # { ووهبنا له من رحمتنآ أخاه هرون نبيا } ، ~~وذلك حين دعا موسى فقال: # واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي # [طه: 29-30]، فأجاب الله دعاءه وأرسل هارون، ولذلك سماه هبة له. # قوله عز وجل: { واذكر فى الكتاب إسماعيل } ، وهو إسماعيل ~~بن إبراهيم جد النبي صلى الله عليه وسلم { إنه كان صدق ~~الوعد } ، قال مجاهد: لم يعد شيئا إلا وفى به. # وقال مقاتل: وعد رجلا أن يقيم مكانه حتى يرجع إليه الرجل، فأقام ~~إسماعيل مكانه ثلاثة أيام للميعاد ms1433 حتى رجع إليه الرجل. # وقال الكلبي: انتظره حتى حال عليه الحول. # { وكان رسولا } ، إلى جرهم، { نبيا } ، مخبرا عن الله ~~عز وجل. # { وكان يأمر أهله } أي: قومه. وقيل: أهله وجميع أمته، { ~~بالصلوة والزكوة } ، قال ابن عباس: يريد التي افترضها الله ~~تعالى عليهم، وهي الحنيفية التي افترضت علينا، { وكان عند ربه ~~مرضيا } ، قائما بطاعته. قيل: رضيه الله عز وجل لنبوته ورسالته. # قوله عز وجل: { واذكر فى الكتب إدريس } ، وهو جد أبي ~~نوح، واسمه " أخنوخ " ، سمي إدريس لكثرة درسه الكتب. وكان خياطا وهو أول ~~من خط بالقلم، وأول من خاط الثياب، ولبس المخيط، وكانوا من قبله يلبسون ~~الجلود، وأول من اتخذ السلاح، وقاتل الكفار، وأول من نظر في علم النجوم ~~والحساب، { إنه كان صديقا نبيا }. ### || [19.57] # { ورفعناه مكانا عليا } ، قيل: يعني الجنة. وقيل: هي ~~الرفعة بعلو الرتبة في الدنيا. # وقيل: هو أنه رفع إلى السماء الرابعة. # روى أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى ~~إدريس في السماء الرابعة ليلة المعراج. # وكان سبب رفع إدريس إلى السماء على ما قاله كعب وغيره: أنه سار ذات ~~يوم في حاجة فأصابه وهج الشمس، فقال: يا رب أنا مشيت يوما، فكيف بمن ~~يحملها مسيرة خمسمائة عام في يوم واحد! اللهم خفف عنه من ثقلها ~~وحرها، فلما أصبح الملك وجد من خفة الشمس وحرها ما لا يعرف. فقال: يا ~~رب ما الذي قضيت فيه؟ فقال: إن عبدي إدريس سألني أن أخفف عنك حملها وحرها ~~فأجبته، فقال: رب اجعل بيني وبينه خلة، فأذن له حتى أتى إدريس، فكان ~~يسأله إدريس، فقال: إني أخبرت أنك أكرم الملائكة وأمكنهم عند ملك ~~الموت، فاشفع لي إليه ليؤخر، أجلي، فأزداد شكرا وعبادة، فقال الملك: لا ~~يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها، وأنا مكلمه فرفعه إلى السماء ووضعه عند ~~مطلع الشمس، ثم أتى ملك الموت فقال لي حاجة إليك؛ صديق لي من بني آدم ~~تشفع بي إليك لتؤخر أجله، قال: ليس ذلك إلي ولكن إن أحببت ms1434 أعلمته ~~أجله، فيقدم لنفسه، قال: نعم، فنظر في ديوانه فقال: إنك كلمتني في إنسان ~~ما أراه يموت أبدا، قال: وكيف؟ قال: لا أجده يموت إلا عند مطلع الشمس، ~~قال: فإني أتيتك وتركته هناك، قال: فانطلق فلا أراك تجده إلا وقد مات، ~~فوالله ما بقي من أجل إدريس شيء، فرجع الملك فوجده ميتا. # واختلفوا في أنه حي في السماء أم ميت؟ فقال قوم: هو ميت، وقال قوم: هو ~~حي، وقالوا: أربعة من الأنبياء في الأحياء اثنان في الأرض: الخضر ~~وإلياس، واثنان في السماء: إدريس وعيسى. # وقال وهب: كان يرفع لإدريس كل يوم من العبادة مثل ما يرفع لجميع أهل ~~الأرض في زمانه فعجب منه الملائكة واشتاق إليه ملك الموت، فاستأذن ربه ~~عز وجل في زيارته، فأذن له فأتاه في صورة بني آدم، وكان إدريس يصوم ~~الدهر، فلما كان وقت إفطاره دعاه إلى طعامه فأبى أن يأكل معه، ففعل ذلك ~~ثلاث ليال فأنكره إدريس، فقال له الليلة الثالث: إني أريد أن أعلم من ~~أنت؟ فقال: أنا ملك الموت استأذنت ربي أن أصحبك، قال: فلي إليك حاجة، ~~قال: وما هي؟ قال: تقبض روحي، فأوحى الله إليه أن أقبض روحه، فقبض روحه ~~وردها إليه بعد ساعة، قال له ملك الموت: ما في سؤالك من قبض الروح؟ قال ~~لأذوق كرب الموت وغمته فأكون أشد استعدادا له، ثم قال إدريس له: إن لي ~~إليك حاجة أخرى، قال: وما هي؟ قال: ترفعني إلى السماء لأنظر إليها وإلى ~~الجنة والنار، فأذن الله في رفعه، فلما قرب من النار قال لي حاجة أخرى، ~~قال: وما تريد؟ قال: تسأل مالكا أن يفتح لي أبوابها فأردها ففعل، ثم ~~قال: فما أريتني النار فأرني الجنة، فذهب به إلى الجنة فاستفتح فأوحى ~~الله إليه أن اقبض روحه، فقبض روحه وردها الله إليه بعد ساعة، قال له ملك ~~الموت: ما في ففتحت أبوابها، فأدخله الجنة، ثم قال ملك الموت: أخرج لتعود ~~إلى مقرك، فتعلق بشجرة وقال: لا أخرج منها، فبعث الله ملكا حكيما ~~بينهما، ms1435 فقال له الملك: مالك لا تخرج؟ قال: لأن الله تعالى قال: # كل نفس ذآئقة الموت # [آل عمران:185]، وقد ذقته، وقال: # وإن منكم إلا واردها # [مريم: 71]، وقد وردتها، وقال: # وما هم منها بمخرجين # [الحجر: 48]، فلست أخرج، فأوحى الله إلى ملك الموت بإذني دخل الجنة ~~وبأمري لا يخرج، فهو حي هناك، ذلك قوله تعالى: { ورفعناه مكانا ~~عليا }. ### || [19.58-59] # { أولئك الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين من ذرية ءادم } ، يعني: إدريس ونوحا، { ~~وممن حملنا مع نوح } ، أي ومن ذرية من حملنا مع نوح في ~~السفينة، يريد إبراهيم؛ لأنه ولد من سام بن نوح، { ومن ذرية ~~إبرهيم } ، يريد إسماعيل، وإسحاق، ويعقوب. # قوله: { وإسرءيل } ، أي ومن ذرية إسرائيل، وهم موسى، وهارون، ~~وزكريا، ويحيى، وعيسى. # قوله: { وممن هدينا واجتبينآ } ، هؤلاء كانوا ممن أرشدنا ~~واصطفينا، { إذا تتلى عليهم ءايت الرحمن خروا ~~سجدا وبكيا } ، " سجدا ": جمع ساجد، " وبكيا ": جمع باك، ~~أخبر الله أن الأنبياء كانوا إذا سمعوا بآيات الله سجدوا وبكوا. # قوله عز وجل: { فخلف من بعدهم خلف } ، أي: من بعد ~~النبيين المذكورين خلف، وهم قوم سوء، و " الخلف " بالفتح ~~الصالح، وبالجزم الطالح. # قال السدي: أراد بهم اليهود ومن لحق بهم. # وقال مجاهد وقتادة: هم قوم في هذه الأمة. # { أضاعوا الصلوة } ، تركوا الصلاة المفروضة. # وقال ابن مسعود وإبراهيم: أخروها عن وقتها. # وقال سعيد بن المسيب: هو أن لا يصلي الظهر حتى يأتي العصر، ولا العصر ~~حتى تغرب الشمس. # { واتبعوا الشهوت } ، أي: المعاصي، وشرب الخمر، يعني آثروا ~~شهوات أنفسهم على طاعة الله. وقال مجاهد: هؤلاء قوم يظهرون في آخر الزمان ~~ينزو بعضهم على بعض في الأسواق والأزقة. # { فسوف يلقون غيا } ، قال وهب: " الغي " نهر في جهنم، ~~بعيد قعره، خبيث طعمه. # وقال ابن عباس: " الغي " واد في جهنم، وإن أودية جهنم لتستعيذ حره، ~~أعد للزاني المصر عليه، ولشارب الخمر المدمن عليها، ولآكل الربا الذي ~~لا ينزع عنه، ولأهل العقوق، ولشاهد الزور. # وقال عطاء: " الغي ": واد في جهنم يسيل قيحا ودما. # وقال كعب: هو واد في جهنم أبعدها قعرا، وأشدها حرا، ms1436 في بئر تسمى " ~~الهيم " ، كلما خبت جهنم فتح الله تلك البئر فيسعر بها جهنم. # أخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا محمد بن أحمد الحارثي، ~~أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، أخبرنا إبراهيم ~~بن عبد الله الخلال، أخبرنا عبد الله بن المبارك عن هشيم بن بشير، أخبرنا ~~زكريا بن أبي مريم الخزاعي قال: سمعت أبي أمامة الباهلي يقول: " إن ما ~~بين شفير جهنم إلى قعرها مسيرة سبعين خريفا من حجر يهوي، أو قال ~~صخرة تهوي عظمها كعشر عشراوات عظام سمان، فقال له مولى لعبد الرحمن ~~بن خالد بن الوليد: هل تحت ذلك شيء يا أبا أمامة؟ قال: نعم غي وآثام ". # وقال الضحاك: غيا وخسرانا. وقيل: هلاكا. وقيل: عذابا. # وقوله: { فسوف يلقون غيا } ليس معناه يرون فقط، بل معناه ~~الاجتماع والملابسة مع الرؤية. ### || [19.60-62] # { إلا من تاب وءامن وعمل صلحا فأولئك ~~يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا }. # { جنت عدن التى وعد الرحمن عباده بالغيب ~~} ، ولم يروها، { إنه كان وعده مأتيا } ، يعني: آتيا، ~~مفعول بمعنى فاعل. # وقيل: لم يقل آتيا لأن كل من أتاك فقد أتيته، والعرب لا تفرق بين قول ~~القائل: أتت علي خمسون سنة وبين قوله: أتيت على خمسين سنة، ويقول: وصل ~~إلي الخير ووصلت إلى الخير. # وقال ابن جرير: " وعده " أي: موعده، وهو الجنة، " مأتيا " يأتيه ~~أولياؤه أهل الجنة، وأهل طاعته. # { لا يسمعون فيها } ، في الجنة { لغوا } ، باطلا وفحشا ~~وفضولا من الكلام. # وقال مقاتل: هو اليمين الكاذبة. # { إلا سلما } ، استثناء من غير جنسه، يعني: بل يسمعون فيها ~~سلاما. أي: قولا يسلمون منه، " والسلام " اسم جامع للخير، لأنه يتضمن ~~السلامة. # معناه: إن أهل الجنة لا يسمعون ما يؤثمهم، إنما يسمعون ما يسلمهم. # وقيل: هو تسليم بعضهم على بعض، وتسليم الملائكة عليهم. # وقيل: هو تسليم الله عليهم. # { ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا } ، قال أهل التفسير: ~~ليس في الجنة ليل يعرف به البكرة والعشي، بل هم في نور أبدا، ولكنهم ~~يأتون بأرزاقهم على مقدار طرفي النهار. # وقيل: ms1437 إنهم يعرفون وقت النهار برفع الحجب، ووقت الليل بإرخاء الحجب. # وقيل: المراد منه رفاهية العيش، وسعة الرزق من غير تضييق. # وكان الحسن البصري يقول: كانت العرب لا تعرف من العيش أفضل من الرزق ~~بالبكرة والعشي، فوصف الله عز وجل جنته بذلك. ### || [19.63-65] # { تلك الجنة التى نورث من عبادنا } أي: نعطي وننزل. ~~وقيل: يورث عباده المؤمنين المساكن التي كانت لأهل النار لو آمنوا، { من ~~كان تقيا } ، أي: المتقين من عباده. # قوله عز وجل: { وما نتنزل إلا بأمر ربك } ، أخبرنا ~~عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن ~~يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا خلاد بن يحيى، أخبرنا عمر بن ذر ~~قال: سمعت أبي يحدث عن سعيد بن جبير، # " عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا ~~جبريل ما يمنعك أن تزورنا» فنزلت: { وما نتنزل إلا بأمر ~~ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا } " # الآية: قال: كان هذا الجواب لمحمد صلى الله عليه وسلم. # وقال عكرمة، والضحاك، وقتادة، ومقاتل، والكلبي: # " احتبس جبريل عن النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله قومه عن أصحاب ~~الكهف وذي القرنين والروح، فقال أخبركم غدا، ولم يقل: إن شاء الله، حتى ~~شق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم نزل بعد أيام، فقال له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم:«أبطأت علي حتى ساء ظني واشتقت إليك»، فقال له ~~جبريل: إني كنت أشوق، ولكني عبد مأمور، إذا بعثت نزلت، وإذا حبست ~~احتبست، فأنزل الله { وما نتنزل إلا بأمر ربك } " # وأنزل: " والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى ". # { له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك } ، ~~أي: له علم ما بين أيدينا. واختلفوا فيه: فقال سعيد بن جبير، وقتادة، ~~ومقاتل: { ما بين أيدينا }: من أمر الآخرة والثواب والعقاب، { ~~وما خلفنا }: ما مضى من الدنيا { وما بين ذلك }: ما يكون ~~من هذا الوقت إلى قيام الساعة. # وقيل: { ما بين أيدينا }: ما بقي من الدنيا، { وما خلفنا ms1438 ~~}: ما مضى منها، { وما بين ذلك }: أي: ما بين النفختين، وبينهما ~~أربعون سنة. # وقيل: { ما بين أيدينا } ما بقي من الدنيا، { وما خلفنا }: ما مضى ~~منها، { وما بين ذلك }: مدة الحياة. # وقيل: { ما بين أيدينا }: بعد أن نموت، { وما خلفنا }: ~~قبل أن نخلق، { وما بين ذلك }: مدة الحياة. # وقيل: { ما بين أيدينا }: الأرض إذا أردنا النزول إليها، { ~~وما خلفنا }: السماء إذا نزلنا منها، { وما بين ذلك }: ~~الهواء يريد: أن ذلك كله لله عز وجل، فلا نقدر على شيء إلا بأمره. # { وما كان ربك نسيا } ، أي: ناسيا، يقول: ما نسيك ربك، أي: ~~ما تركك، والناسي التارك. # { رب السموت والأرض وما بينهما فاعبده ~~واصطبر لعبادته } ، أي: اصبر على أمره ونهيه، { هل تعلم ~~له سميا } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: مثلا. # وقال الكلبي: هل تعلم أحدا يسمى " الله " غيره؟ ### || [19.66-68] # قوله عز وجل: { ويقول الإنسن } ، يعني: أبي بن خلف الجمحي، ~~كان منكرا للبعث، قال: { أإذا ما مت لسوف أخرج حيا } ~~قاله استهزاء وتكذيبا للبعث. # قال الله عز وجل: { أولا يذكر } ، أي: يتذكر ويتفكر، وقرأ ~~نافع، وابن عامر، وعاصم، ويعقوب { يذكر } خفيف، { الإنسن } ، ~~يعني أبي بن خلف { أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا } ~~، أي: لا يتفكر هذا الجاحد في بدء خلقه فيستدل به على الإعادة، ثم أقسم ~~بنفسه، فقال: # { فوربك لنحشرنهم } لنجمعنهم في المعاد، يعني: ~~المشركين المنكرين للبعث، { والشيطين } ، مع الشياطين، وذلك أنه ~~يحشر كل كافر مع شيطانه في سلسلة، { ثم لنحضرنهم حول ~~جهنم } ، قيل في جهنم، { جثيا } ، قال ابن عباس رضي الله عنه: ~~جماعات، جمع جثوة. # وقال الحسن والضحاك: جمع " جاث " ، أي: جاثين على الركب. # قال السدي: قائمين على الركب لضيق المكان. ### || [19.69-71] # { ثم لننزعن } ، لنخرجن، { من كل شيعة } ، أي: من كل ~~أمة وأهل دين من الكفار. { أيهم أشد على الرحمن ~~عتيا } ، عتوا، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني جرأة. وقال ~~مجاهد: فجورا، يريد: الأعتى فالأعتى. # وقال الكلبي: قائدهم ورأسهم في الشر يريد أنه يقدم في إدخال من هو أكبر ms1439 ~~جرما وأشد كفرا. # وفي بعض الآثار: أنهم يحشرون جميعا حول جهنم مسلسلين مغلولين، ثم يقدم ~~الأكفر فالأكفر. # ورفع { أيهم } على معنى: الذي يقال لهم: أيهم أشد على الرحمن ~~عتيا. # وقيل: على الاستئناف، ثم لننزعن [يعمل في موضع " من كل شيعة " ]. # { ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا } ~~، أي: أحق بدخول النار، يقال: صلي يصلى صليا، مثل: لقي يلقى ~~لقيا، وصلى يصلي صليا مثل مضى يمضي مضيا، إذا دخل النار ~~وقاسى حرها. # قوله عز وجل: { وإن منكم إلا واردها } ، وما منكم إلا ~~واردها، وقيل: القسم فيه مضمر، أي: والله ما منكم من أحد إلا واردها، ~~والورود هو موافاة المكان. # واختلفوا في معنى الورود هاهنا، وفيما تنصرف إليه الكناية في قوله: { ~~واردها }: قال ابن عباس رضي الله عنهما وهو قول الأكثرين؛ معنى ~~الورود هاهنا هو الدخول، والكناية راجعة إلى النار، وقالوا: النار يدخلها ~~البر والفاجر، ثم ينجي الله المتقين، فيخرجهم منها. # والدليل على أن الورود هو الدخول: قول الله عز وجل حكاية عن فرعون: # يقدم قومه يوم القيمة فأوردهم النار # [هود: 98]. # وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار أن نافع بن الأزرق مارى ابن عباس ~~رضي الله عنهما في الورود، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: هو الدخول. ~~وقال نافع: ليس الورود الدخول، فتلا عبدالله ابن عباس رضي الله عنهما ~~قوله تعالى: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ~~أنتم لها واردون # [الأنبياء: 98] أدخلها هؤلاء أم لا؟ ثم قال: يا نافع أما والله أنا وأنت ~~سنردها، وأنا أرجو أن يخرجني الله وما أرى الله عز وجل يخرجك منها ~~بتكذيبك. # وقال قوم: ليس المراد من الورود الدخول، وقالوا: النار لا يدخلها مؤمن ~~أبدا، لقوله تعالى: # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك ~~عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها # [الأنبياء: 101-102]، وقالوا: كل من دخلها لا يخرج منها. والمراد من ~~قوله: { وإن منكم إلا واردها } ، الحضور والرؤية، لا الدخول، ~~كما قال تعالى: # ولما ورد مآء مدين # [القصص: 23] أراد به الحضور. # وقال عكرمة: الآية ms1440 في الكفار فإنهم يدخلونها ولا يخرجون منها. # وروى عن ابن مسعود رضي الله عنه، أنه قال: { وإن منكم إلا ~~واردها } يعني: القيامة، والكناية راجعة إليها. # والأول أصح، وعليه أهل السنة، أنهم جميعا يدخلون النار ثم يخرج الله ~~عز وجل منها أهل الإيمان، بدليل قوله تعالى: { ثم ننجى ~~الذين اتقوا } ### || [19.72] # { ثم ننجى الذين اتقوا } ، أي اتقوا الشرك، وهم ~~المؤمنون. والنجاة إنما تكون مما دخلت فيه. # وقرأ الكسائي، ويعقوب: { ننجي } بالتخفيف. والآخرون: بالتشديد. # والدليل على هذا: ما أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو بكر ~~أحمد بن الحسن الحيري، أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي، أخبرنا عبد الرحيم بن ~~منيب، أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فيلج النار إلا تحلة القسم ". # وأراد بالقسم قوله: { وإن منكم إلا واردها }. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن ~~إسماعيل، أخبرنا مسلم بن إبراهيم، أخبرنا هشام، أخبرنا قتادة، عن أنس، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ~~ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير. ~~ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير " # وقال أبان عن قتادة: " من إيمان " مكان " خير ". # أخبرنا أبو المظفر محمد بن إسماعيل بن علي الشجاعي، أخبرنا أبو نصر ~~النعمان بن محمد بن محمود الجرجاني، أخبرنا أبو عثمان عمرو بن عبد الله ~~البصري، أخبرنا محمد بن عبد الوهاب، أخبرنا محمد بن الفضل أبو النعمان، ~~أخبرنا سلام بن مسكين، أخبرنا أبو الظلال عن أنس بن مالك عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " أن رجلا في النار ينادي ألف سنة يا حنان يا منان، فيقول الله عز ~~وجل لجبريل: اذهب فائتني بعبدي هذا، قال: فذهب جبريل فوجد أهل النار ~~منكبين ms1441 يبكون، قال: فرجع فأخبر ربه عز وجل، قال: اذهب فإنه في موضع ~~كذا وكذا، قال: فجاء به، قال: يا عبدي كيف وجدت مكانك ومقيلك؟ قال: يا ~~رب شر مكان وشر مقيل، قال: ردوا عبدي، قال: ما كنت أرجو أن تعيدني ~~إليها إذ أخرجتني منها، قال الله تعالى لملائكته: دعوا عبدي ". # وأما قوله عز وجل: # لا يسمعون حسيسها # [الأنبياء: 102] قيل: إن الله عز وجل أخبر عن وقت كونهم في الجنة أنهم ~~لا يسمعون حسيسها، فيجوز أن يكونوا قد سمعوا ذلك قبل دخولهم الجنة، لأنه ~~لم يقل: لم يسمعوا حسيسها. ويجوز أن لا يسمعوا حسيسها عند دخولهم إياها، ~~لأن الله عز وجل يجعلها عليهم بردا وسلاما. # وقال خالد بن معدان: يقول أهل الجنة ألم يعدنا ربنا أن نرد النار؟ ~~فيقال: بلى، ولكنكم مررتم بها، وهي خامدة. # وفي الحديث: # " تقول النار للمؤمن: «جز يامؤمن فقد أطفأ نورك لهبي» ". # وروي عن مجاهد في قوله عز وجل: { وإن منكم إلا واردها } ~~قال: من حم من المسلمين فقد وردها. # وفي الخبر # " الحمى كير من جهنم، وهي حظ المؤمن من النار ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، ~~أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمد بن المثنى، أخبرنا يحيى، عن هشام، ~~أخبرني أبي عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء ". # { كان على ربك حتما مقضيا } ، أي: كان ورودكم جهنم ~~حتما لازما. { مقضيا }: قضاه الله عليكم. # { ثم ننجى الذين اتقوا } ، أي اتقوا الشرك، وقرأ الكسائي ~~{ ننجى } بالتخفيف، والباقون بالتشديد، { ونذر الظلمين ~~فيها جثيا } ، جميعا. وقيل: جاثين على الركب، وفيه دليل على أن ~~الكل دخلوها ثم أخرج الله منها المتقين، وترك فيها الظالمين. وهم ~~المشركون. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، ~~أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري، ~~أخبرني سعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد الليثي أن أبا هريرة أخبرهما # " أن الناس قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا ms1442 يوم القيامة؟ قال: " هل ~~تضارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب، قالوا: لا يا رسول الله، ~~قال: " فهل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب " ، قالوا: لا، قال: فإنكم ~~ترونه كذلك، يحشر الناس يوم القيامة فيقول: من كان يعبد شيئا فليتبعه، ~~فمنهم من يتبع الشمس، ومنهم من يتبع القمر، ومنهم من يتبع الطواغيت، ~~وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله عز وجل فيقول: أنا ربكم، ~~فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه فيأتيهم الله ~~فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيدعوهم، ويضرب الصراط بين ظهراني ~~جهنم، فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ~~وكلام الرسل يومئذ اللهم سلم سلم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك ~~السعدان، هل رأيتم شوك السعدان؟ قالوا: نعم، قال: فإنها مثل شوك السعدان ~~غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم من يوبق ~~بعمله، ومنهم من يجردل ثم ينجو، حتى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل ~~النار أمر الله الملائكة أن يخرجوا من كان يعبد الله، فيخرجونهم ~~ويعرفونهم بآثار السجود، وحرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، ~~فيخرجون من النار، فكل ابن آدم تأكله النار إلا أثر السجود، فيخرجون من ~~النار قد امتحشوا، فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون كما تنبت الحبة ~~في حميل السيل، ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد، ويبقى رجل بين ~~الجنة والنار، وهو آخر أهل النار دخولا الجنة، مقبل بوجهه قبل النار، ~~فيقول: يا رب اصرف وجهي عن النار، قد قشبني ريحها وأحرقني ذكاؤها، ~~فيقول: هل عسيت إن فعلت ذلك بك أن تسأل غير ذلك؟ فيقول: لا، وعزتك. ~~فيعطي الله ما يشاء من عهد وميثاق، فيصرف الله وجهه عن النار، فإذا ~~أقبل به على الجنة رأى بهجتها، سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم قال: يا ~~رب قدمني عند باب الجنة، فيقول الله تبارك وتعالى: أليس قد أعطيت ~~العهود والميثاق أن لا تسأل غير الذي كنت سألت، فيقول: ms1443 يا رب لا أكون ~~أشقى خلقك، فيقول: فما عسيت إن أعطيت ذلك أن تسأل غيره؟ فيقول: لا ~~وعزتك لا أسأل غير ذلك، فيعطي ربه ما شاء من عهد وميثاق، فيقدمه إلى باب ~~الجنة، فإذا بلغ بابها ورأى زهرتها وما فيها من النضرة والسرور، فسكت ما ~~شاء الله أن يسكت، فيقول: يارب أدخلني الجنة، فيقول الله تعالى: ويحك ~~ياابن آدم ما أغدرك، أليس قد أعطيت العهود والميثاق أن لا تسأل غير الذي ~~أعطيت؟ فيقول: يارب لا تجعلني أشقى خلقك، فيضحك الله منه، ثم يأذن له ~~في دخول الجنة، فيقول: تمن، فيتمنى حتى إذا انقطع أمنيته، قال الله ~~تعالى: تمن كذا وكذا، أقبل يذكره ربه، حتى إذا انتهت به الأماني، قال ~~الله تعالى: لك ومثله معه. قال أبو سعيد لأبي هريرة: إن رسول الله قال: " ~~قال الله تعالى لك ذلك وعشرة أمثاله " قال أبو هريرة: لم أحفظ من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلا قوله: لك ذلك ومثله معه: قال أبو سعيد إني ~~سمعته يقول «ذلك لك وعشرة أمثاله» ". # ورواه محمد بن إسماعيل عن محمود بن غيلان، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا ~~معمر، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي هريرة بمعناه، قال: # " فيأتيهم الله عز وجل في غير الصورة التي يعرفون فيقول: أنا ربكم، ~~فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا أتانا ربنا ~~عرفناه، فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: ~~أنت ربنا فيتبعونه ". # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين ~~الحيري، أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي، أخبرنا محمد بن حماد، أخبرنا أبو ~~معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " يعذب أناس من أهل التوحيد في النار حتى يكونوا حمما، ثم ~~تدركهم الرحمة، قال: فيخرجون فيطرحون على أبواب الجنة، قال: فيرش عليهم ~~أهل الجنة الماء فينبتون كما تنب القثاء في حمالة السيل، ثم يدخلون الجنة ~~". # أخبرنا أبو محمد بن عبد ms1444 الصمد الجوزجاني، أخبرنا أبو القاسم على بن أحمد ~~الخزاعي، أخبرنا أبو سعيد الهيثم بن كليب، أخبرنا أبو عيسى الترمذي، ~~أخبرنا هناد بن السري، أخبرنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم عن ~~عبيدة السلماني، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " إني لأعرف آخر أهل النار خروجا من النار رجل يخرج منها زحفا فيقال ~~له: انطلق فادخل الجنة، قال: فيذهب ليدخل الجنة فيجد الناس قد أخذوا ~~المنازل، فيرجع فيقول: يارب قد أخذ الناس المنازل، فيقال: أتذكر الزمان ~~الذي كنت فيه؟ فيقول: نعم فيقال له: تمن، فيتمنى، فيقال له: فإن لك ~~الذي تمنيته وعشرة أضعاف الدنيا، قال فيقول: أتسخر بي وأنت الملك؟ قال: ~~فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه ". # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، ~~أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي، أخبرنا محمد بن حماد، أخبرنا أبو معاوية، عن ~~الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن أم مبشر، عن حفصة أنها قالت: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " «إني لأرجو أن لا يدخل النار إن شاء الله أحد شهد بدرا والحديبية»، ~~قال: قلت يا رسول الله أليس قد قال الله تعالى: { وإن منكم إلا ~~واردها كان على ربك حتما مقضيا }؟ قال: أفلم ~~تسمعيه يقول: { ثم ننجى الذين اتقوا ونذر ~~الظلمين فيها جثيا } ". ### || [19.73-74] # قوله عز وجل: { وإذا تتلى عليهم ءايتنا بينت ~~} ، واضحات، { قال الذين كفروا } ، يعني: النضر بن الحارث ~~وذويه من قريش، { للذين ءامنوا } ، يعني فقراء أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وكانت فيهم قشافة، وفي عيشهم خشونة، وفي ثيابهم رثاثة، ~~وكان المشركون يرجلون شعورهم، ويدهنون رؤوسهم ويلبسون حرير ثيابهم، ~~فقالوا للمؤمنين { أى الفريقين خير مقاما } ، منزلا ~~ومسكنا، [وهو موضع الإقامة. # وقرأ ابن كثير: { مقاما } بضم الميم أي إقامة]. # { وأحسن نديا } ، أي مجلسا، ومثله النادي، فأجابهم الله تعالى ~~فقال: # { وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا } ، ~~أي متاعا وأموالا. وقال مقاتل: لباسا ms1445 وثيابا، { ورءيا } ، قرأ ~~أكثر القراء بالهمز، أي: منظرا، من " الرؤية " ، وقرأ ابن عامر، وأبو ~~جعفر، ونافع غير ورش " وريا " مشددا بغير همز، وله تفسيران: أحدهما ~~هو الأول، بطرح الهمز، والثاني: من الري، الذي هو ضد العطش، ومعناه: ~~الارتواء من النعمة، فإن المتنعم يظهر فيه ارتواء النعمة، والفقير يظهر ~~عليه ذيول الفقر. ### || [19.75-78] # { قل من كان فى الضللة فليمدد له الرحمن ~~مدا } ، هذا أمر بمعنى الخبر، معناه: يدعه في طغيانه ويمهله في كفره، ~~{ حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب } ، وهو الأسر ~~والقتل في الدنيا، { وإما الساعة } ، يعني القيامة، فيدخلون ~~النار، { فسيعلمون } ، عند ذلك { من هو شر مكانا } ، ~~منزلا، { وأضعف جندا } ، أقل ناصرا أهم أم المؤمنون؟ لأنهم في ~~النار، والمؤمنون في الجنة. وهذا رد عليهم في قوله: { أى ~~الفريقين خير مقاما وأحسن نديا }. # قوله عز وجل: { ويزيد الله الذين اهتدوا هدى } ، أي ~~إيمانا وإيقانا على يقينهم، { والبقيت الصلحت } ، ~~الأذكار والأعمال الصالحة التي تبقى لصاحبها، { خير عند ربك ~~ثوابا وخير مردا } عاقبة ومرجعا. # قوله عز وجل: { أفرأيت الذى كفر بآيتنا وقال ~~لأوتين مالا وولدا } ، أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا ~~أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، ~~أخبرنا عمرو بن حفص، أخبرنا أبي، أخبرنا الأعمش عن مسلم، عن مسروق، حدثنا ~~خباب قال: كنت قينا، فعملت للعاص بن وائل، فاجتمع مالي عنده فأتيته ~~أتقاضاه، فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: أما والله حتى ~~تموت ثم تبعث فلا، قال: وإني لميت ثم مبعوث؟ قلت: نعم، قال: فإنه ~~سيكون لي ثم مال وولد فأقضيك، فأنزل الله عز وجل: { أفرأيت ~~الذى كفر بآيتنا وقال لأوتين مالا وولدا }. # قوله عز وجل: { أطلع الغيب } ، قال ابن عباس: أنظر في اللوح ~~المحفوظ. وقال مجاهد: أعلم علم الغيب حتى يعلم أفي الجنة هو أم لا؟ # { أم اتخذ عند الرحمن عهدا } ، يعني قال لا إله إلا ~~الله. وقال قتادة: يعني عملا صالحا قدمه. وقال الكلبي: أعهد إليه ~~أن يدخل الجنة؟. ### || [19.79-83] # { كلا } ، رد ms1446 عليه، يعني: لم يفعل ذلك، { سنكتب } ، سنحفظ ~~عليه، { ما يقول } ، [فنجازيه به في الآخرة. وقيل: نأمر الملائكة حتى ~~يكتبوا ما يقول]. { ونمد له من العذاب مدا } ، أي: نزيده ~~عذابا فوق العذاب. وقيل: نطيل مدة عذابه. # { ونرثه ما يقول } ، أي ما عنده من المال والولد بإهلاكنا ~~إياه وإبطال ملكه وقوله ما يقول، لأنه زعم أن له مالا وولدا " في ~~الآخرة " ، أي: لا نعطيه ونعطي غيره، فيكون الإرث راجعا إلى ما تحت ~~القول لا إلى نفس القول. # وقيل: معنى قوله: { ونرثه ما يقول } أي: نحفظ ما يقول حتى ~~نجازيه به. # { ويأتينا فردا } ، يوم القيامة بلا مال ولا ولد. # قوله عز وجل: { واتخذوا من دون الله ءالهة } يعني: ~~مشركي قريش اتخذوا الأصنام آلهة يعبدونها، { ليكونوا لهم عزا ~~} ، أي منعة، حتى يكونوا لهم شفعاء يمنعونهم من العذاب. # { كلا } ، أي ليس الأمر كما زعموا، { سيكفرون بعبادتهم ~~} ، أي تجحد الأصنام والآلهة التي كانوا يعبدونها عبادة المشركين ~~ويتبرؤون منهم، كما أخبر الله تعالى # تبرأنآ إليك ما كانوا إيانا يعبدون # [القصص: 63]. # { ويكونون عليهم ضدا } ، أي أعداء لهم، وكانوا أولياءهم ~~في الدنيا. # وقيل: أعوانا عليهم يكذبونهم ويلعنونهم. # قوله عز وجل: { ألم تر أنآ أرسلنا الشيطين على ~~الكفرين } ، أي سلطناهم عليهم، وذلك حين قال لإبليس: # واستفزز من استطعت منهم بصوتك # الآية [الإسراء: 64]، { تؤزهم أزا } ، تزعجهم إزعاجا من ~~الطاعة إلى المعصية، " والأز " " والهز ": التحريك، أي: تحركهم وتحثهم ~~على المعاصي. ### || [19.84-87] # { فلا تعجل عليهم } ، أي لا تعجل بطلب عقوبتهم، { إنما ~~نعد لهم عدا } ، قال الكلبي: يعني الليالي والأيام والشهور ~~والأعوام. # وقيل: الأنفاس التي يتنفسون بها في الدنيا إلى الأجل الذي أجل لعذابهم. # قوله عز وجل: { يوم نحشر المتقين إلى الرحمن ~~وفدا } أي: اذكر لهم يا محمد اليوم الذي يجمع فيه من اتقى الله في ~~الدنيا بطاعته إلى الرحمن، إلى جنته وفدا، أي: جماعات، جمع " وافد " ، ~~مثل: راكب وركب، وصاحب وصحب. # وقال ابن عباس: ركبانا. وقال أبو هريرة: على الإبل. # وقال علي بن أبي طالب: ما يحشرون والله على أرجلهم، ولكن على نوق، ms1447 ~~رحالها الذهب، ونجائب سرجها يواقيت، إن هموا بها سارت، وإن هموا بها ~~طارت. # { ونسوق المجرمين } ، الكافرين، { إلى جهنم وردا } ~~، أي مشاة. وقيل: عطاشا قد تقطعت أعناقهم من العطش. " والورد " جماعة ~~يردون الماء، ولا يرد أحد الماء إلا بعد عطش. # { لا يملكون الشفعة إلا من اتخذ عند ~~الرحمن عهدا } ، يعني: لا إله إلا الله. # وقيل: معناه لا يشفع الشافعون إلا لمن اتخذ عند الرحمن عهدا، يعني: ~~المؤمنين، كقوله: # ولا يشفعون إلا لمن ارتضى # [الأنبياء: 28]. # وقيل: لا يشفع إلا من شهد أن لا إله إلا الله، أي لا يشفع إلا المؤمن. ### || [19.88-90] # { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا } ، يعني اليهود والنصارى، ~~ومن زعم أن الملائكة بنات الله. # وقرأ حمزة والكسائي: { ولدا } بضم الواو وسكون اللام، هاهنا وفي ~~الزخرف وسورة نوح، ووافق ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب في سورة نوح، ~~والباقون بفتح الواو اللام، وهما لغتان مثل: العرب، والعرب، ~~والعجم، والعجم. # { لقد جئتم شيئا إدا } ، قال ابن عباس منكرا. وقال قتادة ~~ومجاهد: عظيما. وقال مقاتل: لقد قلتم قولا عظيما. " والإد " في كلام ~~العرب: أعظم الدواهي. # { تكاد السموت } ، قرأ نافع { يكاد } بالياء هاهنا وفي ~~حمعسق لتقدم الفعل، وقرأ الباقون بالتاء لتأنيث السموات، { ~~يتفطرن منه } ، هاهنا وفي " حمعسق " بالنون من الانفطار، أبو ~~عمرو وأبو بكر ويعقوب وافق ابن عامر وحمزة هاهنا لقوله تعالى: # إذا السمآء انفطرت # [الانفطار: 1] و # السمآء منفطر # [المزمل: 18]، وقرأ الباقون بالتاء من التفطر ومعناهما واحد، يقال: ~~انفطر الشيء وتفطر أي تشقق. # { وتنشق الأرض } ، أي: تنكسر كسرا. # وقيل: { تنشق الأرض } أي: تنخسف بهم، " والانفطار " في السماء: ~~أن تسقط عليهم، { وتخر الجبال هدا }: أي تنطبق عليهم. ### || [19.91-96] # { أن دعوا } ، أي من أجل أن جعلوا { للرحمن ولدا } ، قال ~~ابن عباس وكعب: فزعت السموات والأرض والجبال وجميع الخلائق إلا الثقلين، ~~وكادت أن تزول وغضبت الملائكة، واستعرت جهنم حين قالوا: اتخذ الله ولدا. # ثم نفى الله عن نفسه الولد فقال: # { وما ينبغى للرحمن أن يتخذ ولدا } ، أي ما يليق ~~به اتخاذ الولد ولا يوصف به. # { إن كل من فى ms1448 السموت والأرض إلا ءاتى ~~الرحمن } ، أي إلا آتيه يوم القيامة، { عبدا } ذليلا خاضعا ~~يعني: أن الخلق كلهم عبيده. # { لقد أحصاهم وعدهم عدا } ، أي: عد أنفاسهم وأيامهم ~~وآثارهم، فلا يخفى عليه شيء. # { وكلهم ءاتيه يوم القيمة فردا } ، وحيدا ليس ~~معه من الدنيا شيء. # قوله عز وجل: { إن الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحات سيجعل لهم الرحمن ودا } أي: محبة. قال ~~مجاهد: يحبهم الله ويحببهم إلى عباده المؤمنين. # أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداوودي، أخبرنا أبو الحسن أحمد ~~بن محمد بن موسى بن الصلت، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد ~~الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن ~~أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إذا أحب الله العبد قال لجبرائيل: قد أحببت فلانا فأحبه، فيحبه ~~جبرائيل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله عز وجل قد أحب فلانا ~~فأحبوه، فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا ~~أبغض الله العبد ". # قال مالك: لا أحسبه إلا قال في البغض مثل ذلك. # قال هرم بن حيان: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله عز وجل إلا أقبل الله ~~بقلوب أهل الإيمان إليه حتى يرزقه مودتهم. ### || [19.97-98] # قوله عز وجل: { فإنما يسرنه بلسانك } ، أي سهلنا ~~القرآن بلسانك يا محمد، { لتبشر به المتقين } ، يعني ~~المؤمنين، { وتنذر به قوما لدا } شدادا في الخصومة، جمع " ~~الألد ". # وقال الحسن: صما عن الحق. # قال مجاهد: " الألد ": الظالم الذي لا يستقيم. # قال أبو عبيدة: " الألد " الذي لا يقبل الحق، ويدعي الباطل. # { وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس } ، هل ترى، ~~وقيل: هل تجد، { منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا } ، ~~أي صوتا، " والركز ": الصوت الحفي. قال الحسن: بادوا جميعا، فلم يبق ~~منهم عين ولا أثر. ### | [20 - سورة طه] ### || [20.1-2] # { طه } ، قرأ أبو عمرو بفتح الطاء وكسر الهاء، ويكسرهما حمزة والكسائي ~~وأبو بكر، والباقون بفتحهما. # قيل: هو قسم. وقيل: اسم من أسماء الله تعالى. # وقال مجاهد، والحسن، وعطاء، والضحاك: ms1449 معناه يا رجل. # وقال قتادة: هو يا رجل بالسريانية. # وقال الكلبي: هو يا إنسان بلغة عك. # وقال مقاتل بن حيان: معناه طأ الأرض بقدميك، يريد: في التهجد. # وقال محمد بن كعب القرظي: أقسم الله عز وجل بطوله وهدايته. # قال سعيد بن جبير: الطاء افتتاح اسمه الطاهر، والهاء افتتاح اسمه هاد. # وقال الكلبي: لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي بمكة ~~اجتهد في العبادة حتى كان يراوح بين قدميه في الصلاة لطول قيامه، وكان ~~يصلي الليل كله، فأنزل الله هذه الآية، وأمره أن يخفف على نفسه فقال: { ~~ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى }. # وقيل: لما رأى المشركون اجتهاده في العبادة قالوا ما أنزل عليك القرآن ~~يا محمد إلا لشقائك، فنزلت: { مآ أنزلنا عليك القرءان ~~لتشقى } أي لتتعنى وتتعب، وأصل الشقاء في اللغة العناء. ### || [20.3-6] # { إلا تذكرة لمن يخشى } ، [أي لكن أنزلناه عظة لمن يخشى. ~~وقيل: تقديره ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ما أنزلناه إلا تذكرة لمن ~~يخشى]. # { تنزيلا } ، بدل من قوله " تذكرة " ، { ممن خلق الأرض } ~~أي: من الله الذي خلق الأرض، { والسموت العلى } ، يعني: ~~العالية الرفيعة، وهي جمع العليا كقوله: كبرى وكبر، وصغرى وصغر. # { الرحمن على العرش استوى }. # { له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما } ، ~~يعني الهواء، { وما تحت الثرى } ، والثرى هو: التراب الندي. قال ~~الضحاك: يعني ما وراء الثرى من شيء. # وقال ابن عباس: إن الأرضين على ظهر النون، والنون على بحر، ورأسه وذنبه ~~يلتقيان تحت العرش، والبحر على صخرة خضراء، خضرة السماء منها، وهي ~~الصخرة التي ذكر الله في قصة لقمان " فتكن في صخرة " ، والصخرة على قرن ~~ثور، والثور على الثرى، وما تحت الثرى لا يعلمه إلا الله عز وجل، وذلك ~~الثور فاتح فاه فإذا جعل الله عز وجل البحار بحرا واحدا سالت في جوف ~~ذلك الثور، فإذا وقعت في جوفه يبست. ### || [20.7-9] # { وإن تجهر بالقول } ، [أي تعلن به]، { فإنه يعلم ~~السر وأخفى } ، قال الحسن: " السر ": ما أسر الرجل إلى غيره، ~~" وأخفى " من ذلك: ما ms1450 أسر في نفسه. # وعن ابن عباس، وسعيد بن جبير: " السر " ما تسر في نفسك " وأخفى " ~~من السر: ما يلقيه الله عز وجل في قلبك من بعد، ولا تعلم أنك ستحدث ~~به نفسك، لأنك تعلم ما تسر به اليوم ولا تعلم ما تسر به غدا، والله ~~يعلم ما أسررت اليوم وما تسر به غدا. # وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: " السر ": ما أسر ابن آدم في ~~نفسه، " وأخفى " ما خفي عليه مما هو فاعله قبل أن يعمله. # وقال مجاهد: " السر " العمل الذي تسرون من الناس، " وأخفى ": الوسوسة. # وقيل: " السر ": هو العزيمة [ " وأخفى ": ما يخطر على القلب ولم يعزم ~~عليه. # وقال زيد بن أسلم: " يعلم السر] وأخفى ": أي يعلم أسرار العباد، وأخفى ~~سره عن عباده، فلا يعلمه أحد. # ثم وحد نفسه، فقال: # { الله لا إله إلا هو له الأسمآء الحسنى }. # قوله عز وجل: { وهل أتاك حديث موسى } ، أي: قد أتاك، ~~استفهام بمعنى التقرير. ### || [20.10-12] # { إذ رأى نارا } ، وذلك أن موسى استأذن شعيبا في الرجوع من مدين ~~إلى مصر لزيارة والدته وأخته، فأذن له فخرج بأهله وماله، وكانت أيام ~~الشتاء، فأخذ على غير الطريق مخافة ملوك الشام، وامرأته في سقمها، لا ~~تدري أليلا أم نهارا، فسار في البرية غير عارف بطرقها، فألجأه المسير ~~إلى جانب الطور الغربي الأيمن في ليلة مظلمة مثلجة شديدة البرد، وأخذ ~~امرأته الطلق، فقدح زنده فلم يوره. # وقيل: إن موسى كان رجلا غيورا وكان يصحب الرفقة بالليل ويفارقهم ~~بالنهار، لئلا ترى امرأته، فأخطأ مرة الطريق في ليلة مظلمة شاتية، ~~لما أراد الله عز وجل من كرامته، فجعل يقدح الزند فلا يورى، فأبصر ~~نارا من بعيد عن يسار الطريق من جانب الطور، { فقال لأهله ~~امكثوا } ، أقيموا، قرأ حمزة بضم الهاء هاهنا وفي القصص، { إنى ~~ءانست } أي: أبصرت، { نارا لعلى آتيكم منها بقبس } ~~، شعلة من نار، والقبس قطعة من النار تأخذها في طرف عمود من معظم النار، ~~{ أو أجد على النار هدى } ، أي: أجد عند النار من يدلني على ms1451 ~~الطريق. # { فلمآ أتاها } ، رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها، أطافت ~~بها نار بيضاء تتقد كأضوأ ما يكون، فلا ضوء النار يغير خضرة الشجرة، ولا ~~خضرة الشجرة تغير ضوء النار. # قال ابن مسعود: كانت الشجرة سمرة خضراء. # وقال قتادة، ومقاتل، والكلبي: كانت من العوسج. # وقال وهب: كانت من العليق. # وقيل: كانت شجرة العناب، روي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما. # وقال أهل التفسير: لم يكن الذي رآه موسى نارا بل كان نورا، ذكر بلفظ ~~النار لأن موسى حسبه نارا. # وقال أكثر المفسرين: إنه نور الرب عز وجل، وهو قول ابن عباس، وعكرمة، ~~وغيرهما. # وقال سعيد بن جبير: هي النار بعينها، وهي إحدى حجب الله تعالى، يدل ~~عليه: ما روينا عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " حجابه النار لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره ~~من خلقه " # وفي القصة أن موسى أخذ شيئا من الحشيش اليابس وقصد الشجرة فكان كلما ~~دنا نأت منه النار، وإذا نأى دنت، فوقف متحيرا، وسمع تسبيح ~~الملائكة، وألقيت عليه السكينة. # { نودى يموسى إنى أنا ربك } ، قرأ أبو جعفر، وابن ~~كثير، وأبو عمرو، " أني " بفتح الألف، على معنى: نودي بأني. وقرأ ~~الآخرون بكسر الألف، أي: نودي، فقيل: إني أنا ربك. # قال وهب: نودي من الشجرة، فقيل: يا موسى، فأجاب سريعا ما يدري من ~~دعاه، فقال: إني أسمع صوتك ولا أرى مكان فأين أنت؟ قال: أنا فوقك ومعك، ~~وأمامك وخلفك، وأقرب إليك من نفسك، فعلم أن ذلك لا ينبغي إلا لله، فأيقن ~~به. # قوله عز وجل: { فاخلع نعليك } ، وكان السبب فيه ما روي عن ~~ابن مسعود مرفوعا في قوله: { فاخلع نعليك } ، قال: كانتا من ~~جلد حمار ميت. ويروى غير مدبوغ. # وقال عكرمة ومجاهد: أمر بخلع النعلين ليباشر بقدمه تراب الأرض المقدسة، ~~فيناله بركتها لأنها قدست مرتين، فخلعهما موسى وألقاهما من وراء ~~الوادي. # { إنك بالواد المقدس } ، أي المطهر، { طوى } ، وطوى اسم ~~الوادي، وقرأ أهل الكوفة والشام: { طوى } بالتنوين هاهنا وفي سورة ms1452 ~~النازعات، وقرأ الآخرون بلا تنوين لأنه معدول عن " طاو " فلما كان ~~معدولا عن وجهه كان مصروفا عن إعرابه، مثل عمر، وزفر، وقال ~~الضحاك: { طوى }: واد مستدير عميق مثل الطوى في استدارته. ### || [20.13-15] # { وأنا اخترتك } ، اصطفيتك برسالاتي، قرأ حمزة: { وأنا } مشددة ~~النون، " اخترناك " على التعظيم. { فاستمع لما يوحى } ، إليك: # { إننى أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدنى } ، ~~ولا تعبد غيري، { وأقم الصلوة لذكرى } ، قال مجاهد: أقم ~~الصلاة لتذكرني فيها، وقال مجاهد: إذا تركت الصلاة ثم ذكرتها، فأقمها. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو عمر بكر بن محمد المزني، ~~أخبرنا أبو بكر بن محمد ابن عبد الله الحفيد، أخبرنا الحسين بن الفضل ~~البجلي، أخبرنا عفان، أخبرنا قتادة عن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك " # ، ثم قال: سمعته يقول بعد ذلك: { أقم الصلاة لذكري }. # { إن الساعة ءاتية أكاد أخفيها } ، قيل معناه إن ~~الساعة آتية أخفيها، { وأكاد } صلة. وأكثر المفسرين قالوا: معناه: أكاد ~~أخفيها من نفسي، وكذلك هو في مصحف أبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود: ~~أكاد أخفيها من نفسي فكيف يعلمها مخلوق. # وفي بعض القراءات: فكيف أظهرها لكم. وذكر ذلك على عادة العرب إذا بالغوا ~~في كتمان الشيء يقولون: كتمت سرك من نفسي، أي: أخفيته غاية الإخفاء، ~~والله عز اسمه لا يخفى عليه شيء. # وقال الأخفش: أكاد: أي أريد، ومعنى الآية: إن الساعة آتية أريد أخفيها. # والمعنى في إخفائها التهويل والتخويف، لأنهم إذا لم يعلموا متى تقوم ~~الساعة كانوا على حذر منها كل وقت. # وقرأ الحسن بفتح الألف أي أظهرها، يقال: خفيت الشيء: إذا أظهرته، ~~وأخفيته: إذا سترته. # قوله تعالى: { لتجزى كل نفس بما تسعى } ، أي بما تعمل ~~من خير وشر. ### || [20.16-18] # { فلا يصدنك عنها } ، فلا يصرفنك عن الإيمان بالساعة، { ~~من لا يؤمن بها واتبع هواه } ، مراده خالف أمر الله { ~~فتردى } ، أي: فتهلك. # قوله عز وجل: { وما تلك بيمينك يموسى } ، سؤال تقرير، ~~والحكمة في هذا السؤال: تنبيهه ms1453 وتوقيفه على أنها عصا حتى إذا قلبها حية ~~علم أنه معجزة عظيمة. وهذا على عادة العرب، يقول الرجل لغيره: هل تعرف ~~هذا؟ وهو لا يشك أنه يعرفه، ويريد أن ينضم إقراره بلسانه إلى معرفته ~~بقلبه. # { قال هى عصاى } ، قيل: وكانت لها شعبتان، وفي أسفلها سنان، ولها ~~محجن، قال مقاتل: اسمها نبعة. # { أتوكؤا عليها }: اعتمد عليها إذا مشيت وإذا أعييت وعند ~~الوثبة، { وأهش بها على غنمى } ، أضرب بها الشجرة اليابسة ~~ليسقط ورقها فترعاه الغنم. # وقرأ عكرمة { وأهس } بالسين غير المعجمة، أي: أزجر بها الغنم، و " ~~الهس ": زجر الغنم. # { ولى فيها مأرب أخرى } ، حاجات ومنافع أخرى، جمع " مأربة ~~" بفتح الراء وضمها، ولم يقل { أخر } لرؤوس الآي. وأراد بالمآرب: ما ~~يستعمل فيه العصا في السفر، وكان يحمل بها الزاد ويشد بها الحبل فيستقي ~~الماء من البئر، ويقتل بها الحيات، ويحارب بها السباع، ويستظل بها إذا ~~قعد وغير ذلك. # وروي عن ابن عباس: أن موسى كان يحمل عليها زاده وسقاءه، فجعلت متماشيه ~~وتحدثه، وكان يضرب بها الأرض فيخرج ما يأكل يومه، ويركزها فيخرج ~~الماء، فإذا رفعها ذهب الماء، وإذا اشتهى ثمرة ركزها فتغصنت غصن الشجرة ~~وأورقت وأثمرت، وإذا أراد الاستقاء من البئر أدلاها فطالت على طول البئر ~~وصارت شعبتاها كالدلو حتى يستقي، وكانت تضيء بالليل بمنزلة السراج، وإذا ~~ظهر له عدو كانت تحارب وتناضل عنه. ### || [20.19-20] # { قال } ، الله تعالى، { ألقها يموسى } ، انبذها، قال وهب: ~~ظن موسى أنه يقول ارفضها. # { فألقها } ، على وجه الرفض ثم حانت منه نظرة، { فإذا هى ~~حية } ، صفراء من أعظم ما يكون من الحيات، { تسعى } ، تمشي ~~بسرعة على بطنها وقال في موضع آخر: # كأنها جآن # [النمل: 10] وهي الحية الصغيرة الخفيفة الجسم، وقال في موضع: " ثعبان " ~~، وهي أكبر ما يكون من الحيات. # فأما الحية: فإنها تجمع الصغير والكبير والذكر والأنثى، وقيل: " الجان ~~": عبارة عن ابتداء حالها، فإنها كانت حية على قدر العصا، ثم كانت تتورم ~~وتنتفخ حتى صارت ثعبانا، " والثعبان ": عبارة عن انتهاء حالها. # وقيل: إنها كانت في عظم الثعبان وسرعة الجان. ms1454 # قال محمد بن إسحاق: نظر موسى فإذا العصا حية من أعظم ما يكون من ~~الحيات صارت شعبتاها شدقين لها، والمحجن عنقا وعرفا، تهتز كالنيازك، ~~وعيناها تتقدان كالنار تمر بالصخرة العظيمة مثل الخلفة من الإبل، ~~فتلقمها وتقصف الشجرة العظيمة بأنيابها، ويسمع لأسنانها صريف عظيم، فلما ~~عاين ذلك موسى ولى مدبرا وهرب، ثم ذكر ربه فوقف استحياء منه، ثم ~~نودي: أن يا موسى أقبل وارجع حيث كنت، فرجع وهو شديد الخوف. ### || [20.21-25] # { قال خذها } ، بيمينك، { ولا تخف سنعيدها سيرتها ~~الأولى } ، هيئتها الأولى، أي: نردها عصا كما كانت، وكان على ~~موسى مدرعة من صوف قد خلها بعيدان، فلما قال الله تعالى: خذها، ~~لف طرف المدرعة على يده، فأمره الله تعالى أن يكشف يده فكشف. # وذكر بعضهم: أنه لما لف كم المدرعة على يده قال له ملك: أرأيت لو ~~أذن الله بما تحاذره أكانت المدرعة تغني عنك. شيئا؟ قال: لا، ولكنى ~~ضعيف، ومن ضعف خلقت، فكشف عن يده ثم وضعها في فم الحية فإذا هي عصا ~~كما كانت، ويده في شعبتها في الموضع الذي كان يضعها إذا توكأ. # قال المفسرون: أراد الله عز وجل أن يري موسى ما أعطاه من الآية التي ~~لا يقدر عليها مخلوق لئلا يفزع منها إذا ألقاها عند فرعون. # وقوله: { سيرتها الأولى } نصب بحذف " إلى " يريد: إلى سيرتها الأولى. # قوله تعالى: { واضمم يدك إلى جناحك } أي: إبطك، قال ~~مجاهد: تحت عضدك، وجناح الإنسان عضده إلى أصل إبطه، { تخرج ~~بيضآء } ، نيرة مشرقة، { من غير سوء } ، من غير عيب والسوء ~~هاهنا بمعنى البرص. قال ابن عباس: كان ليده نور ساطع يضيء بالليل ~~والنهار كضوء الشمس والقمر، { ءاية أخرى } ، أي: دلالة أخرى على ~~صدقك سوى العصا. # { لنريك من ءايتنا الكبرى } ، ولم يقل الكبر لرؤوس ~~الآي. وقيل: فيه إضمار، معناه: لنريك من آياتنا الكبرى، دليله قول ابن ~~عباس: كانت يد موسى أكبر آياته. # قال تعالى: { اذهب إلى فرعون إنه طغى } ، أي: جوز ~~الحد في العصيان والتمرد، فادعه إلى عبادتي. # { قال } ، موسى: { رب اشرح لي ms1455 صدري } ، وسعه للحق، قال ~~ابن عباس: يريد حتى لا أخاف غيرك، وذلك أن موسى كان يخاف فرعون خوفا ~~شديدا لشدة شوكته وكثرة جنوده، وكان يضيق صدرا بما كلف من مقاومة ~~فرعون وحده، فسأل الله أن يوسع قلبه للحق حتى يعلم أن أحدا لا يقدر على ~~مضرته إلا بإذن الله، وإذا علم ذلك لم يخف فرعون وشدة شوكته ~~وكثرة جنوده. ### || [20.26-32] # { ويسر لى أمرى } ، أي: سهل علي ما أمرتني به من تبليغ ~~الرسالة إلى فرعون. # { واحلل عقدة من لسانى } ، وذلك أن موسى كان في حجر فرعون ~~ذات يوم في صغره، فلطم فرعون لطمة وأخذ بلحيته، فقال فرعون لآسية امرأته: ~~إن هذا عدوي وأراد أن يقتله، فقالت آسية: إنه صبي لا يعقل ولا يميز. وفي ~~رواية أن أم موسى لما فطمته ردته، فنشأ موسى في حجر فرعون وامرأته ~~آسية يربيانه، واتخذاه ولدا، فبينما هو يلعب يوما بين يدي فرعون وبيده ~~قضيب يلعب به إذ رفع القضيب فضرب به رأس فرعون، فغضب فرعون وتطير بضربه، ~~حتى هم بقتله، فقالت آسية: أيها الملك إنه صغير لا يعقل فجربه إن ~~شئت، وجاءت بطشتين: في أحدهما الجمر، وفي الآخر الجواهر، فوضعتهما بين ~~يدي موسى فأراد أن يأخذ الجوهر، فأخذ جبريل بيد موسى فوضعها على النار ~~فأخذ جمرة فوضعها في فمه فاحترق لسانه وصارت عليه عقدة. # { يفقهوا قولي } ، يقول احلل العقدة كي يفقهوا كلامي. # { واجعل لى وزيرا } ، معينا وظهيرا، { من أهلى } ~~والوزير من يوازرك ويعينك ويتحمل عنك بعض ثقل عملك، ثم بين من هو فقال: # { هرون أخى } ، وكان هارون أكبر من موسى بأربع سنين، وكان أفصح ~~منه لسانا وأجمل وأوسم، وأبيض اللون، وكان موسى آدم أقنى جعدا. # { اشدد به أزرى } ، قو به ظهري. # { وأشركه فى أمرى } ، أي: في النبوة وتبليغ الرسالة، وقرأ ~~ابن عامر { أشدد } بفتح الألف { وأشركه } بضمها على الجواب، حكاية عن ~~موسى، أي: أفعل ذلك، وقرأ الآخرون على الدعاء. والمسألة، عطفا على ما ~~تقدم من قوله: { رب اشرح لي صدري ويسر لى أمرى }. ### || [20.33-39] # { كى ms1456 نسبحك كثيرا } ، قال الكلبي: نصلي لك كثيرا. # { ونذكرك كثيرا } ، نحمدك ونثني عليك بما أوليتنا من نعمك. # { إنك كنت بنا بصيرا } ، خبيرا عليما. # { قال } ، الله تعالى: { قد أوتيت } ، أعطيت، { سؤلك } ، ~~جميع ما سألته، { يموسى }. # { ولقد مننا عليك } ، أنعمنا عليك، { مرة أخرى } ، ~~يعني قبل هذه المرة وهي: # { إذ أوحينآ إلى أمك } ، وحي إلهام، { ما يوحى } ، ما ~~يلهم. ثم فسر ذلك الإلهام وعدد نعمه عليه: # { أن اقذفيه فى التابوت }: أي: ألهمناها أن اجعليه في ~~التابوت، { فاقذفيه فى اليم } ، يعني نهر النيل، { ~~فليلقه اليم بالساحل } ، يعني شاطىء النهر، لفظه أمر ~~ومعناه خبر، مجازه: حتى يلقيه اليم بالساحل، { يأخذه عدو لى ~~وعدو له } ، يعني فرعون. فاتخذت تابوتا وجعلت فيه قطنا محلوجا ~~ووضعت فيه موسى، وقيرت رأسه وخصاصه يعني شقوقه ثم ألقته في النيل، ~~وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون، فبينما فرعون جالس على رأس البركة ~~مع امرأته آسية إذ بتابوت يجيىء به الماء فأمر الغلمان والجواري بإخراجه، ~~فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبي من أصبح الناس وجها، فلما رآه فرعون ~~أحبه بحيث لم يتمالك، فذلك قوله تعالى: # { وألقيت عليك محبة منى } ، قال ابن عباس: أحبه ~~وحببه إلى خلقه. قال عكرمة: ما رآه أحد إلا أحبه. قال قتادة: ملاحة ~~كانت في عيني موسى، ما رآه أحد إلا عشقه. # { ولتصنع على عينى } ، يعني لتربى بمرآي ومنظر مني، قرأ ~~أبو جعفر { ولتصنع } بالجزم. ### || [20.40] # { إذ تمشى أختك } ، واسمها مريم، متعرفة خبره، { فتقول ~~هل أدلكم على من يكفله }؟ أي: على امرأة ترضعه وتضمه ~~إليها؛ وذلك أنه كان لا يقبل ثدي امرأة، فلما قالت لهم أخته قالوا: نعم، ~~فجاءت بالأم فقبل ثديها، فذلك قوله تعالى: # { فرجعنك إلى أمك كى تقر عينها } ، بلقائك، { ~~ولا تحزن } ، أي: لأن يذهب عنها الحزن. # { وقتلت نفسا } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان قتل قبطيا ~~كافرا. قال كعب الأحبار: كان إذ ذاك ابن اثنتي عشر سنة، { ~~فنجينك من الغم } ، أي من غم القتل وكربه، { ~~وفتنك فتونا } ، قال ابن عباس رضي الله عنه: اختبرناك ~~اختبارا. ms1457 وقال الضحاك ومقاتل: ابتليناك ابتلاء. وقال مجاهد: أخلصناك ~~إخلاصا. # وعن ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: أن الفتون وقوعه في محنة بعد محنة ~~خلصه الله منها، أولها أن أمه حملته في السنة التي كان فرعون يذبح ~~الأطفال، ثم إلقاؤه في البحر في التابوت، ثم منعه الرضاع إلا من ثدي أمه، ~~ثم أخذه بلحية فرعون حتى هم بقتله، ثم تناوله الجمرة بدل الدرة، ثم قتله ~~القبطي، وخروجه إلى مدين خائفا. فكان ابن عباس يقص القصة على سعيد بن ~~جبير، فعلى هذا معنى: { فتناك } خلصناك من تلك المحن، كما يفتن الذهب ~~بالنار فيخلص من كل خبث فيه، و " الفتون ": مصدر. # { فلبثت } ، فمكثت، أي: فخرجت من مصر فلبثت، { سنين فى أهل ~~مدين } ، يعني ترعى الأغنام عشر سنين، ومدين بلدة شعيب عليه السلام ~~على ثمان مراحل من مصر، هرب إليها موسى. # وقال وهب: لبث عند شعيب عليه السلام ثمانيا وعشرين سنة، عشر سنين منها ~~مهر ابنته " صفيرا " بنت شعيب، وثمان عشرة سنة أقام عنده حتى ولد له. # { ثم جئت على قدر يموسى } ، قال مقاتل: على موعد ولم ~~يكن هذا الموعد مع موسى وإنما كان موعدا في تقدير الله، قال محمد بن ~~كعب: جئت على القدر الذي قدرت لك أنك تجيء. # وقال عبد الرحمن بن كيسان: على رأس أربعين سنة، وهو القدر الذي يوحى فيه ~~إلى الأنبياء، وهذا معنى قول أكثر المفسرين، أي على الموعد الذي وعده ~~الله وقدره أنه يوحى إليه بالرسالة، وهو أربعون سنة. ### || [20.41-44] # قوله عز وجل: { واصطنعتك لنفسى } ، أي اخترتك واصطفيتك ~~لوحيي ورسالتي، يعني لتنصرف على إرادتي ومحبتي؛ وذلك أن قيامه بأداء ~~الرسالة تصرف على إرادة الله ومحبته. # قال الزجاج: اخترتك لأمري وجعلتك القائم بحجتي والمخاطب بيني وبين خلقي، ~~كأني الذي أقمت بك عليهم الحجة وخاطبتهم. # { اذهب أنت وأخوك بآيتى } ، بدلائلي، وقال ابن عباس: ~~يعني الآيات التسع التي بعث بها موسى { ولا تنيا } ، ولا تضعفا، ~~وقال السدي: لا تفترا. وقال محمد بن كعب: لا تقصرا، { فى ذكرى }. # { اذهبآ إلى فرعون ms1458 إنه طغى } ، قرأ أبو عمرو، وأهل ~~الحجاز: " لنفسي اذهب " ، " وذكري اذهبا " ، و # إن قومي اتخذوا # [الفرقان: 30]، # من بعدي اسمه # [الصف: 6] بفتح الياء فيهن، ووافقهم أبو بكر: " من بعدي اسمه " ، وقرأ ~~الباقون بإسكانها. # { فقولا له قولا لينا } ، يقول: دارياه وارفقا معه، قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: لا تعنفا في قولكما. # وقال السدي وعكرمة: كنياه فقولا يا أبا العباس، وقيل: يا أبا الوليد. # وقال مقاتل: يعني بالقول اللين: # هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى # [النازعات: 18-19]. # وقيل: أمر باللطافة في القول لما له من حق التربية. # وقال السدي: القول اللين: أن موسى أتاه ووعده على قبول الإيمان ~~شبابا لا يهرم، وملكا لا ينزع منه إلا بالموت، وتبقى عليه لذة المطعم ~~والمشرب والمنكح إلى حين موته، وإذا مات دخل الجنة فأعجبه ذلك وكان لا ~~يقطع أمرا دون هامان، وكان غائبا فلما قدم أخبره بالذي دعاه إليه موسى، ~~وقال أردت أن أقبل منه، فقال له هامان: كنت أرى أن لك عقلا ورأيا، أنت ~~رب، تريد أن تكون مربوبا؟ وأنت تعبد؟ تريد أن تعبد، فقلبه على ~~رأيه. # وكان هارون يومئذ بمصر، فأمر الله موسى أن يأتي هارون وأوحى إلى هارون ~~وهو بمصر أن يتلقى موسى، فتلقاه إلى مرحلة وأخبره بما أوحى إليه. # { لعله يتذكر أو يخشى } ، أي: يتعظ ويخاف فيسلم. # فإن قيل: كيف قال: { لعله يتذكر } وقد سبق علمه أنه لا ~~يتذكر ولا يسلم؟. # قيل: معناه اذهبا على رجاء منكما وطمع، وقضاء الله وراء أمركما. # وقال الحسين بن الفضل: هو ينصرف إلى غير فرعون، مجازه: لعله يتذكر ~~متذكر، ويخشى خاش إذا رأى بري وألطافي بمن خلقته وأنعمت عليه ~~ثم ادعى الربوبية. # وقال أبو بكر محمد بن عمر الوراق: { لعل } من الله واجب، ولقد تذكر ~~فرعون وخشى حين لم تنفعه الذكرى والخشية، وذلك حين ألجمه الغرق، قال: ~~آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، وأنا من المسلمين. # وقرأ رجل عند يحيى بن معاذ هذه الآية: { فقولا له قولا ~~لينا ms1459 } ، فبكى يحيى، وقال: إلهي هذا رفقك بمن يقول أنا الإله، فكيف ~~رفقك بمن يقول أنت الإله؟! ### || [20.45] # { قالا } ، يعني موسى وهارون: { ربنآ إننا نخاف أن ~~يفرط علينآ } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعجل علينا بالقتل ~~والعقوبة، يقال: فرط عليه فلان إذا عجل بمكروه، وفرط منه أمر أي بدر ~~وسبق، { أو أن يطغى } ، أي يجاوز الحد في الإساءة إلينا. ### || [20.46-50] # { قال لا تخافآ إننى معكمآ أسمع وأرى } ، قال ابن ~~عباس: أسمع دعاءكما فأجيبه، وأرى ما يراد بكما فأمنعه، لست بغافل عنكما، ~~فلا تهتما. # { فأتياه فقولا إنا رسولا ربك } ، أرسلنا إليك، { ~~فأرسل معنا بني إسرائيل } ، أي: خل عنهم وأطلقهم عن ~~أعمالك، { ولا تعذبهم } ، لا تتعبهم في العمل، وكان فرعون ~~يستعملهم في الأعمال الشاقة، { قد جئنك بآية من ربك } ~~، قال فرعون: وما هي؟ فأخرج يده، لها شعاع كشعاع الشمس، { والسلم ~~على من اتبع الهدى } ، ليس المراد منه التحية، إنما معناه ~~سلم من عذاب الله من أسلم. # { إنا قد أوحى إلينآ أن العذاب على من كذب ~~وتولى } ، إنما يعذب الله من كذب بما جئنا به وأعرض عنه. # { قال فمن ربكما يموسى } من إلهكما الذي أرسلكما؟. # { قال ربنا الذى أعطى كل شىء خلقه ثم هدى ~~} ، قال الحسن وقتادة: أعطى كل شيء صلاحه، وهداه لما يصلحه. # وقال مجاهد: أعطى كل شيء صورته، لم يجعل خلق الإنسان كخلق البهائم، ولا ~~خلق البهائم كخلق الإنسان، ثم هداه إلى منافعه من المطعم والمشرب ~~والمنكح. # وقال الضحاك: " أعطى كل شيء خلقه: يعني اليد للبطش، والرجل للمشي، ~~واللسان للنطق، والعين للنظر، والأذن للسمع. # وقال سعيد بن جبير: { أعطى كل شىء خلقه }: يعني زوج، ~~للإنسان المرأة، وللبعير الناقة، وللحمار الأتان، وللفرس الرمكة. { ~~ثم هدى }: أي: ألهمه كيف يأتي الذكر الأنثى. ### || [20.51-53] # { قال } فرعون، { فما بال القرون الأولى } ، ومعنى البال ~~الحال، أي ما حال القرون الماضية والأمم الخالية مثل قوم نوح وعاد وثمود ~~فيما تدعونني إليه فإنها كانت تعبد الأوثان وتنكر البعث. # { قال } ، موسى، { علمها عند ربى } ، أي أعمالهم محفوظة عند ~~الله ms1460 يجازي بها. # وقيل: إنما رد موسى علم ذلك إلى الله لأنه لم يعلم ذلك، فإن التوراة ~~أنزلت إليه بعد هلاك فرعون وقومه. # { فى كتب } ، يعني في اللوح المحفوظ، { لا يضل ربى } ، ~~أي لا يخطىء. وقيل: لا يغيب عنه شيء ولا يغيب عن شيء، { ولا ينسى } ، ~~أي: لا يخطيء ما كان من أمرهم حتى يجازيهم بأعمالهم وقيل: لا ينسى أي لا ~~يترك الانتقام فينتقم من الكافر ويجازي المؤمن. # { الذى جعل لكم الأرض مهدا } قرأ أهل الكوفة: { مهدا ~~} ، ههنا وفي الزخرف، فيكون مصدرا أي فرشا، وقرأ الآخرون: «مهادا»، ~~كقوله تعالى: # ألم نجعل الأرض مهادا # [النبأ: 6]، أي: فراشا وهو اسم لما يفرش، كالبساط: اسم لما يبسط. # { وسلك لكم فيها سبلا } السلك: إدخال الشيء في الشيء، ~~والمعنى: أدخل في الأرض لأجلكم طرقا تسلكونها. قال ابن عباس: سهل ~~لكم فيها طرقا تسلكونها. # { وأنزل من السمآء مآء } ، يعني: المطر. # تم الإخبار عن موسى، ثم أخبر الله عن نفسه بقوله: { فأخرجنا به ~~} ، بذلك الماء { أزواجا } ، أصنافا، { من نبت شتى } ، ~~مختلف الألوان والطعوم والمنافع من أبيض وأحمر وأخضر وأصفر، فكل صنف منها ~~زوج، فمنها للناس ومنها للدواب. ### || [20.54-55] # { كلوا وارعوا } أي وارتعوا، { أنعمكم } ، تقول العرب: ~~رعيت الغنم فرعت، أي: أسيموا أنعامكم ترعى. # { إن فى ذلك } ، الذي ذكرت، { لأيت لأولى النهى } ~~، لذوي العقول، واحدتها " نهية " سميت نهية لأنها تنهى صاحبها عن ~~القبائح والمعاصي. # قال الضحاك: { لأولى النهى }: الذين ينتهون عما حرم عليهم. # قال قتادة: لذوي الورع. # { منها } أي من الأرض، { خلقنكم } ، يعني أباكم آدم. # وقال عطاء الخراساني: إن الملك ينطلق فيأخذ من تراب المكان الذي يدفن ~~فيه فيذره على النطفة فيخلق الله من التراب ومن النطفة، فذلك قوله تعالى: ~~{ منها خلقنكم وفيها نعيدكم } ، أي: عند الموت ~~والدفن، { ومنها نخرجكم تارة أخرى } ، يوم البعث. ### || [20.56-59] # قوله عز وجل: { ولقد أرينه } ، يعني فرعون، { ءايتنا ~~كلها } ، يعني: الآيات التسع التي أعطاها الله موسى، { فكذب } ، ~~بها وزعم أنها سحر، { وأبى } ، أن يسلم. # { قال } ، يعني فرعون { أجئتنا لتخرجنا من أرضنا } ~~، يعنى: مصر، { بسحرك يموسى ms1461 } ، أي أتريد أن تغلب على ديارنا ~~فيكون لك الملك وتخرجنا منها. # { فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك ~~موعدا } ، أي: فاضرب بيننا أجلا وميقاتا، { لا نخلفه } ، ~~قرأ أبو جعفر { لا نخلفه } بجزم، لا نجاوزه، { نحن ولا أنت ~~مكانا سوى } ، قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة ويعقوب: { سوى } بضم ~~السين، وقرأ الآخرون بكسرها، وهما لغتان مثل عدى وعدى وطوى ~~وطوى. # قال مقاتل وقتادة: مكانا عدلا بيننا وبينك. # وعن ابن عباس: نصفا، ومعناه: تستوي مسافة الفريقين إليه. # قال مجاهد: منصفا. وقال الكلبي: يعني سوى هذا المكان. # { قال موعدكم يوم الزينة } ، قال مجاهد، وقتادة، ومقاتل، ~~والسدي: كان يوم عيد لهم يتزينون فيه، ويجتمعون في كل سنة. وقيل: هو يوم ~~النيروز. # وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: يوم عاشوراء. # { وأن يحشر الناس ضحى } ، أي: وقت الضحوة نهارا جهارا، ~~ليكون أبعد من الريبة. ### || [20.60-63] # { فتولى فرعون فجمع كيده } ، مكره وحيلته وسحرته، { ~~ثم أتى } ، الميعاد. # { قال لهم موسى } ، يعني: للسحرة الذين جمعهم فرعون، وكانوا ~~اثنين وسبعين ساحرا، مع كل واحد حبل وعصا. # وقيل: كانوا أربعمائة. وقال كعب: كانوا اثني عشر ألفا. وقيل: أكثر من ~~ذلك. # { ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم ~~بعذاب } ، قرأ حمزة والكسائي وحفص: { فيسحتكم } بضم الياء وكسر ~~الحاء، وقرأ الباقون بفتح الياء والحاء وهما لغتان. قال مقاتل والكلبي: ~~فيهلككم. وقال قتادة: فيستأصلكم، { وقد خاب من افترى }. # { فتنزعوا أمرهم بينهم } ، أي: تناظروا وتشاوروا، ~~يعني السحرة في أمر موسى سرا من فرعون. # قال الكلبي: قالوا سرا: إن غلبنا موسى اتبعناه. # وقال محمد بن إسحاق: لما قال لهم موسى: لا تفتروا على الله كذبا، قال ~~بعضهم لبعض: ما هذا بقول ساحر. # { وأسروا النجوى } ، أي المناجاة، يكون مصدرا واسما، ثم { ~~قالوا } ، وأسر بعضهم إلى بعض يتناجون، { إن هذن ~~لساحرن } ، يعني موسى وهارون. # وقرأ ابن كثير وحفص: { إن } بتخفيف النون، { هذان } أي ما هذان إلا ~~ساحران، كقوله: # وإن نظنك لمن الكذبين # [الشعراء: 186]، أي ما نظنك إلا من الكاذبين، ويشدد ابن كثير ~~النون من { هذان }. # وقرأ أبو عمرو { إن } بتشديد ms1462 النون { هذين } بالياء على الأصل. # وقرأ الآخرون: { إن } بتشديد النون، { هذان } بالألف، واختلفوا فيه: # فروى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أنه خطأ من الكاتب. # وقال قوم: هو لغة الحارث بن كعب، وخثعم، وكنانة، فإنهم يجعلون الاثنين ~~في موضع الرفع والنصب والخفض بالألف، يقولون: أتاني الزيدان ورأيت ~~الزيدان ومررت بالزيدان، فلا يتركون ألف التثنية في شيء منها، وكذلك ~~يجعلون كل ياء ساكنة انفتح ما قبلها ألفا، كما في التثنية، يقولون: كسرت ~~يداه وركبت علاه، يعني يديه وعليه. وقال شاعرهم: # تزود مني بين أذناه ضربة # دعته إلى هابي التراب عقيم # يريد بين أذنيه. # وقال آخر: # إن أباها وأبا أباها # قد بلغا في المجد غايتاها # وقيل: تقدير الآية: إنه هذان، فحذف الهاء. # وذهب جماعة إلى أن حرف " أن " هاهنا بمعنى نعم، أي نعم هذان. روي أن ~~أعرابيا سأل ابن الزبير شيئا فحرمه، فقال: لعن الله ناقة حملتني إليك، ~~فقال ابن الزبير: إن وصاحبها، أي: نعم. # وقال الشاعر: # بكرت علي عواذلي # يلحينني وألومهنه # ويقلن شيب قد علا # ك وقد كبرت فقلت إنه # أي: نعم. # { يريدان أن يخرجاكم من أرضكم } ، مصر، { ~~بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى } ، قال ابن ~~عباس: يعني بسراة قومكم وأشرافكم، يقال: هؤلاء طريقة قومهم أي أشرافهم، { ~~المثلى } تأنيث " الأمثل " ، وهو الأفضل، حدث الشعبي عن علي، قال: ~~يصرفان وجوه الناس إليهما. # قال قتادة: طريقتهم المثلى يومئذ بنو إسرائيل كانوا أكثر القوم ~~عددا وأموالا، فقال عدو الله: يريدان أن يذهبا بهم لأنفسهم. # وقيل: { بطريقتكم المثلى }: أي بسنتكم ودينكم الذي أنتم ~~عليه، و { المثلى }: نعت الطريقة، تقول العرب: فلان على الطريقة ~~المثلى، يعني:على الهدى المستقيم. ### || [20.64-67] # { فأجمعوا كيدكم } ، قرأ أبو عمرو: { فاجمعوا } بوصل ~~الألف وفتح الميم، من الجمع، أي لا تدعوا شيئا من كيدكم إلا جئتم به، ~~بدليل قوله: " فجمع كيده " ، وقرأ الآخرون بقطع الألف وكسر الميم فقد ~~قيل: معناه الجمع أيضا، تقول العرب: أجمعت الشيء وجمعته بمعنى واحد. # والصحيح أن معناه العزم والإحكام، أي: اعزموا كلكم على كيده مجتمعين ~~له، ولا تختلفوا فيختل ms1463 أمركم. # { ثم ائتوا صفا } أي جميعا، قاله مقاتل والكلبي، وقال قوم: أي ~~مصطفين مجتمعين ليكون أشد لهيبتكم، وقال أبو عبيدة: الصف المجمع، ويسمى ~~المصلى صفا. معناه: ثم ائتوا المكان الموعود. # { وقد أفلح اليوم من استعلى } ، أي: فاز من غلب. # { قالوا } ، يعني السحرة، { يا موسى إما أن تلقي } ، ~~عصاك، { وإمآ أن نكون أول من ألقى } عصاه. # { قال } ، موسى: { بل ألقوا } ، أنتم أولا، { فإذا ~~حبالهم } ، وفيه إضمار، أي فألقوا فإذا حبالهم، { وعصيهم } ~~، جمع العصا، { يخيل إليه } ، قرأ ابن عامر ويعقوب " تخيل " ~~بالتاء ردا إلى الحبال والعصي، وقرأ الآخرون بالياء ردوه إلى الكيد ~~والسحر، { من سحرهم أنها تسعى }. # وفي القصة أنهم لما ألقوا الحبال والعصي أخذوا أعين الناس، فرأى موسى ~~والقوم كأن الأرض امتلأت حيات، وكانت قد أخذت ميلا من كل جانب ورأوا ~~أنها تسعى. # { فأوجس فى نفسه خيفة موسى } ، أي وجد، وقيل: أضمر في ~~نفسه خوفا، واختلفوا في خوفه: طبع البشرية، وذلك أنه ظن أنها تقصده. # وقال مقاتل: خاف على القوم أن يلتبس عليهم الأمر فيشكوا في أمره فلا ~~يتبعوه. ### || [20.68-72] # { قلنا } ، لموسى: { لا تخف إنك أنت الأعلى } ، أي ~~الغالب، يعني: لك الغلبة والظفر. # { وألق ما فى يمينك } ، يعني العصا، { تلقف } ، تلتقم، ~~وتبتلع، { ما صنعوا } ، قرأ ابن عامر " تلقف " برفع الفاء هاهنا، ~~وقرأ الآخرون بالجزم على جواب الأمر، { إنما صنعوا } ، إن الذي ~~صنعوا، { كيد ساحر } ، أي حيلة سحر، هكذا قرأ حمزة والكسائي: بكسر ~~السين بلا ألف، وقرأ الآخرون " ساحر " لأن إضافة الكيد إلى الفاعل أولى ~~من إضافته إلى الفعل، وإن كان ذلك لا يمتنع في العربية، { ولا يفلح ~~السحر حيث أتى } ، من الأرض، قال ابن عباس: لا يسعد حيث كان. ~~وقيل: معناه حيث احتال. # { فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون ~~وموسى قال آمنتم له قبل أن ءاذن لكم إنه ~~لكبيركم } ، لرئيسكم ومعلمكم، { الذى علمكم السحر ~~فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ~~ولأصلبنكم فى جذوع النخل } ، أي: على جذوع النخل، { ~~ولتعلمن أينآ أشد عذابا }؛ أنا على إيمانكم به، أو ~~رب موسى على ترك ms1464 الإيمان به؟ { وأبقى } ، أي: أدوم. # { قالوا } ، يعني السحرة: { لن نؤثرك } ، لن نختارك، { على ~~ما جآءنا من البينت } ، يعني الدلالات، قال مقاتل: يعني ~~اليد البيضاء، والعصا. # وقيل: كان استدلالهم أنهم قالوا لو كان هذا سحرا فأين حبالنا وعصينا. # وقيل: { من البينت } يعني من التبيين والعلم. # حكي عن القاسم بن أبي بزة أنه قال: إنهم لما ألقوا سجدا ما ~~رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار، ورأوا ثواب أهلها، ورأوا منازلهم في ~~الجنة، فعند ذلك قالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات، { والذى ~~فطرنا } ، أي: لن نؤثرك على الله الذي فطرنا، وقيل: هو قسم، { ~~فاقض مآ أنت قاض } ، أي: فاصنع ما أنت صانع، { إنما تقضى ~~هذه الحيوة الدنيآ } ، أي: أمرك وسلطانك في الدنيا وسيزول ~~عن قريب. ### || [20.73] # { إنآ آمنا بربنا ليغفر لنا خطينا ومآ ~~أكرهتنا عليه من السحر } ، فإنه قيل: كيف قالوا هذا، وقد ~~جاؤوا مختارين يحلفون بعزة فرعون أن لهم الغلبة. # قيل: روي عن الحسن أنه قال: كان فرعون يكره قوما على تعلم السحر لكيلا ~~يذهب أصله، وقد كان أكرههم في الابتداء. # وقال مقاتل: كانت السحرة اثنين وسبعين، اثنان من القبط وسبعون من بني ~~إسرائيل، كان فرعون أكره الذين هم من بني إسرائيل على تعلم السحر، فذلك ~~قولهم { ومآ أكرهتنا عليه من السحر }. # وقال عبد العزيز بن أبان: قالت السحرة لفرعون: أرنا موسى إذا نام، ~~فأراهم موسى نائما وعصاه تحرسه، فقالوا لفرعون إن هذا ليس بساحر، إن ~~الساحر إذا نام بطل سحره، فأبى عليهم إلا أن يعملوا، فذلك قوله تعالى: { ~~ومآ أكرهتنا عليه من السحر }. # { والله خير وأبقى } ، قال محمد بن إسحاق: خير منك ثوابا، ~~وأبقى عقابا. # وقال محمد بن كعب: خير منك ثوابا أن أطيع، وأبقى منك عذابا إن ~~عصي، وهذا جواب لقوله: " ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى ". ### || [20.74-77] # { إنه من يأت ربه مجرما } ، قيل: هذا ابتداء كلام من ~~الله تعالى. وقيل: من تمام قول السحرة { مجرما } أي: مشركا، يعني: ~~مات على الشرك، { فإن له جهنم لا يموت فيها } ، ~~فيستريح، ms1465 { ولا يحيى } ، حياة ينتفع بها. # { ومن يأته } ، قرأ أبو عمرو ساكنة الهاء ويختلسها أبو جفر، ~~وقالون، ويعقوب، وقرأ الآخرون بالإشباع، { مؤمنا } ، مات على ~~الإيمان، { قد عمل الصلحت فأولئك لهم ~~الدرجت العلى } ، الرفيعة، و { العلى }: جمع، و " العليا ~~" تأنيث الأعلى. # { جنت عدن تجرى من تحتها الأنهر خلدين ~~فيها وذلك جزآء من تزكى } ، أي: تطهر من الذنوب. وقال ~~الكلبي: أعطى زكاة نفسه وقال لا إله إلا الله. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عبيد ~~السمسار، أخبرنا أبو أحمد حمزة بن محمد بن عباس الدهقان، أخبرنا أحمد بن ~~عبد الجبار العطاردي، أخبرنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عطية، عن أبي ~~سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما ترون الكوكب الدري في ~~أفق من آفاق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما ". # قوله عز وجل: { ولقد أوحينآ إلى موسى أن أسر ~~بعبادى } ، أي: سر بهم ليلا من أرض مصر، { فاضرب لهم ~~طريقا فى البحر } ، أي اجعل لهم طريقا في البحر بالضرب بالعصا، ~~{ يبسا } ، يابسا ليس فيه ماء ولا طين، وذلك أن الله أيبس لهم الطريق ~~في البحر، { لا تخف دركا } ، قرأ حمزة " لا تخف " بالجزم على ~~النهي، والباقون بالألف والرفع على النفي، لقوله تعالى: { ولا تخشى ~~} ، قيل: لا تخاف أن يدركك فرعون من ورائك ولا تخشى أن يغرقك البحر ~~أمامك. ### || [20.78-81] # { فأتبعهم } ، فلحقهم، { فرعون بجنوده } ، وقيل: معناه ~~أمر فرعون جنوده أن يتبعوا موسى وقومه، والباء فيه زائدة وكان هو فيهم، { ~~فغشيهم } ، أصابهم، { من اليم ما غشيهم } ، وهو الغرق. ~~وقيل: غشيهم علاهم وسترهم بعض ماء اليم لا كله. # وقيل: غشيهم من اليم ما غشيهم قوم موسى فغرقوا هم، ونجا موسى وقومه. # { وأضل فرعون قومه وما هدى } ، أي: ما أرشدهم، وهذا ~~تكذيب لفرعون في قوله: # ومآ أهديكم إلا سبيل الرشاد # [غافر: 29]. # قوله عز وجل: { يبنى إسرءيل قد أنجينكم من ~~عدوكم } ، فرعون، { وواعدنكم جانب الطور الأيمن ~~ونزلنا عليكم المن والسلوى ms1466 }. # { كلوا من طيبت ما رزقنكم } ، قرأ حمزة والكسائي: " ~~أنجيتكم " ، و " واعدتكم " ، و " رزقتكم " بالتاء على التوحيد، وقرأ ~~الآخرون بالنون والألف على التعظيم، ولم يختلفوا في { ونزلنا } لأنه ~~مكتوب بالألف. # { ولا تطغوا فيه } ، قال ابن عباس: لا تظلموا، وقال الكلبي: لا ~~تكفروا النعمة فتكونوا طاغين. # وقيل: لا تنفقوا في معصيتي. # وقيل: لا تدخروا، ثم ادخروا فتدود، { فيحل } ، قرأ الأعمش، ~~والكسائي، " فيحل " بضم الحاء، " ومن يحلل " بضم اللام، أي: ينزل، ~~وقرأ الآخرون بكسرها أي: يجب، { عليكم غضبى ومن يحلل ~~عليه غضبى فقد هوى } ، هلك وتردى في النار. ### || [20.82-85] # { وإنى لغفار لمن تاب } ، قال ابن عباس: تاب من الشرك، { ~~وآمن } ، ووحد الله وصدقه، { وعمل صلحا } ، أدى ~~الفرائض، { ثم اهتدى } ، قال عطاء عن ابن عباس: علم أن ذلك توفيق ~~من الله. # وقال قتادة وسفيان الثوري: يعني لزم الإسلام حتى مات عليه. # قال الشعبي، ومقاتل، والكلبي: علم أن لذلك ثوابا. # وقال زيد بن أسلم: تعلم العلم ليهتدي به كيف يعمل. # قال الضحاك: استقام. وقال سعيد بن جبير: أقام على السنة والجماعة. # { ومآ أعجلك } ، أي: وما حملك على العجلة، { عن قومك } ، ~~وذلك أن موسى اختار من قومه سبعين رجلا حتى يذهبوا معه إلى الطور، ~~ليأخذوا التوراة، فسار بهم ثم عجل موسى من بينهم شوقا إلى ربه عز وجل، ~~وخلف السبعين، وأمرهم أن يتبعوه إلى الجبل، فقال الله تعالى له: { ومآ ~~أعجلك عن قومك يموسى }. # { قال } ، مجيبا لربه تعالى: { هم أولاء على أثرى } ، ~~أي: هم بالقرب مني يأتون من بعدي، { وعجلت إليك رب ~~لترضى } ، لتزداد رضا. # { قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك } ، أي: ابتلينا ~~الذين خلفتهم مع هارون، وكانوا ستمائة ألف، فافتتنوا بالعجل غير اثني عشر ~~ألفا { من بعدك } أي: من بعد انطلاقك إلى الجبل، { وأضلهم ~~السامرى } ، أي: دعاهم وصرفهم إلى عبادة العجل، وأضافه إلى السامري ~~لأنهم ضلوا بسببه. ### || [20.86-87] # { فرجع موسى إلى قومه غضبن أسفا } ، حزينا. { ~~قال يقوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا } ، صدقا ~~أنه يعطيكم التوراة، { أفطال عليكم العهد } ، مدة مفارقتي ~~إياكم، { أم أردتم ms1467 أن يحل عليكم غضب من ربكم ~~} ، أي: أردتم أن تفعلوا فعلا يوجب عليكم به الغضب من ربكم، { ~~فأخلفتم موعدى }. # { قالوا مآ أخلفنا موعدك بملكنا } ، قرأ نافع، وأبو ~~جعفر، وعاصم: { بملكنا } بفتح الميم، وقرأ حمزة والكسائي بضمها، وقرأ ~~الآخرون بكسرها، أي: ونحن نملك أمرنا. وقيل: باختيارنا، ومن قرأ بالضم ~~معناه بقدرتنا وسلطاننا، وذلك أن المرء إذا وقع في البلية والفتنة لم ~~يملك نفسه. # { ولكنا حملنآ } ، قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وأبو ~~بكر، ويعقوب: " حملنا " بفتح الحاء، وتخفيف الميم، وقرأ الآخرون بضم ~~الحاء وتشديد الميم، أي: جعلونا نحملها وكلفنا حملها، { أوزارا من ~~زينة القوم } ، من حلي قوم فرعون، سماها أوزارا لأنهم أخذوها ~~على وجه العارية فلم يردوها، وذلك أن بني إسرائيل كانوا قد استعاروا ~~حليا من القبط، وكان ذلك معهم حين خرجوا من مصر. # وقيل: إن الله تعالى لما أغرق فرعون نبذ البحر حليهم فأخذوها، فكانت ~~غنيمة، ولم تكن الغنيمة حلالا لهم في ذلك الزمان، فسماها أوزارا لذلك. # { فقذفناها } ، قيل: إن السامري قال لهم احفروا حفيرة فألقوها ~~فيها حتى يرجع موسى. # قال السدي: قال لهم هارون إن تلك غنيمة لا تحل، فاحفروا حفيرة فألقوها ~~فيها حتى يرجع موسى، فيرى رأيه فيها، ففعلوا. قوله: { فقذفناها } ~~أي: طرحناها الحفرة، { فكذلك ألقى السامرى } ، ما معه من ~~الحلى فيها، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما: أوقد هارون ~~نارا وقال: اقذفوا فيها ما معكم، فألقوه فيها، ثم ألقى السامري ما كان ~~معه من تربة حافر فرس جبريل. # قال قتادة: كان قد أخذ قبضة من ذلك التراب في عمامته. ### || [20.88-91] # { فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذآ ~~إلهكم وإله موسى فنسي } ، أي: تركه موسى هاهنا وذهب ~~يطلبه. وقيل: أخطأ الطريق وضل. # قال الله تعالى: { أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ~~} ، أي: لا يرون أن العجل لا يكلمهم ولا يجيبهم إذا دعوه، { ولا ~~يملك لهم ضرا ولا نفعا } ، وقيل: إن هارون مر على ~~السامري وهو يصوغ العجل فقال له: ما هذا؟ قال: أصنع ما ms1468 ينفع ولا يضر فادع ~~لي، فقال هارون: اللهم أعطه ما سألك على ما في نفسه، فألقى التراب في فم ~~العجل وقال كن عجلا يخور فكان ذلك بدعوة هارون. # والحقيقة أن ذلك كان فتنة ابتلى الله بها بني إسرائيل. # { ولقد قال لهم هرون من قبل } ، من قبل رجوع موسى، { ~~يقوم إنما فتنتم به } ، ابتليتم بالعجل، { وإن ~~ربكم الرحمن فاتبعونى } ، على ديني في عبادة الله، { ~~وأطيعوا أمرى } ، في ترك عبادة العجل. # { قالوا لن نبرح } ، أي لن نزال، { عليه } ، على عبادته، { ~~عكفين } ، مقيمين، { حتى يرجع إلينا موسى } ، ~~فاعتزلهم هارون في اثني عشر ألفا من الذين لم يعبدوا العجل، فلما رجع ~~موسى وسمع الصياح والجلبة وكانوا يرقصون حول العجل، فقال للسبعين الذين ~~معه: هذا صوت الفتنة، فلما رأى هارون أخذ شعر رأسه بيمينه ولحيته بشماله. ### || [20.92-96] # { قال يهرون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا } ، ~~أشركوا { ألا تتبعن } ، أي: أن تتبعني و { لا } صلة أي تتبع ~~أمري ووصيتي، يعني: هلا قاتلتهم وقد علمت أني لو كنت فيهم لقاتلتهم على ~~كفرهم. # وقيل: " أن لا تتبعني " أي: ما منعك من اللحوق بي وإخباري بضلالتهم، ~~فتكون مفارقتك إياهم زجرا لهم عما أتوه، { أفعصيت أمرى } ، أي ~~خالفت أمري. # { قال يبنؤم لا تأخذ بلحيتى ولا برأسى } ، أي ~~بشعر رأسي وكان قد أخذ ذوائبه، { إنى خشيت } ، لو أنكرت عليهم ~~لصاروا حزبين يقتل بعضهم بعضا، { أن تقول فرقت بين بنى ~~إسرآءيل } ، أي خشيت إن فارقتهم واتبعتك صاروا أحزابا يتقاتلون، ~~فتقول: أنت فرقت بين بني إسرائيل، { ولم ترقب قولى } ، ولم ~~تحفظ وصيتي حين قلت لك اخلفني في قومي، وأصلح أي ارفق بهم، ثم أقبل موسى ~~على السامري. { قال فما خطبك } ما أمرك وشأنك؟ وما الذي حملك على ~~ما صنعت؟ { يسمري }. # { قال بصرت بما لم يبصروا به } ، رأيت ما لم يروا ~~وعرفت ما لم يعرفوا. # قرأ حمزة والكسائي: { ما لم تبصروا } بالتاء على الخطاب، وقرأ الآخرون ~~بالياء على الخبر. # { فقبضت قبضة من أثر الرسول } ، أي من تراب أثر فرس ~~جبريل، { فنبذتها } ، أي ألقيتها في فم ms1469 العجل. # وقال بعضهم: إنما خار لهذا لأن التراب كان مأخوذا من تحت حافر فرس ~~جبريل. # فإن قيل: كيف عرف ورأى جبريل من بين سائر الناس؟ # قيل: لأن أمه لما ولدته في السنة التي يقتل فيها البنون وضعته في الكهف ~~حذرا عليه، فبعث الله جبريل ليربيه لما قضى على يديه من الفتنة. # { وكذلك سولت } ، أي زينت، { لى نفسى }. ### || [20.97] # { قال فاذهب فإن لك فى الحيوة } ، أي: ما دمت حيا، { ~~أن تقول لا مساس } ، أي: لا تخالط أحدا، ولا يخالطك أحد، وأمر ~~موسى بني إسرائيل أن لا يخالطوه، ولا يقربوه. # قال ابن عباس: لا مساس لك ولولدك، و " المساس " من المماسة، معناه: لا ~~يمس بعضنا بعضا، فصار السامري يهيم في البرية مع الوحوش والسباع، لا يمس ~~أحدا ولا يمسه أحد، عاقبه الله بذلك، وكان إذا لقي أحدا يقول " لا مساس ~~" ، أي: لا تقربني ولا تمسني. # وقيل: كان إذا مس أحدا أو مسه أحد حما جميعا حتى أن بقاياهم اليوم ~~يقولون ذلك، وإذا مس أحد من غيرهم أحدا منهم حما جميعا في الوقت. # { وإن لك } ، يا سامري، { موعدا } ، لعذابك، { لن ~~تخلفه } ، قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: { لن تخلفه } بكسر ~~اللام. أي لن تغيب عنه، ولا مذهب لك عنه، بل توافيه يوم القيامة، وقرأ ~~الآخرون بفتح اللام أي لن تكذبه ولن يخلفك الله، ومعناه: أن الله تعالى ~~يكافئك على فعلك ولا تفوته. # { وانظر إلى إلهك } ، بزعمك، { الذى ظلت عليه ~~عاكفا } ، أي ظلت ودمت عليه مقيما تعبده، والعرب تقول: ظلت أفعل كذا ~~بمعنى ظللت، ومست بمعنى مسست. # { لنحرقنه } ، بالنار، قرأ أبو جعفر بالتخفيف من الإحراق، { ~~ثم لننسفنه } ، لنذرينه، { فى اليم } ، في البحر، { ~~نسفا } ، روي أن موسى أخذ العجل فذبحه فسال منه دم، لأنه كان قد صار ~~لحما ودما، ثم حرقه بالنار، ثم ذراه في اليم، قرأ ابن محيصن: " ~~لنحرقنه " بفتح النون وضم الراء لنبردنه بالمبرد، ومنه قيل للمبرد ~~المحرق. وقال السدي: أخذ موسى العجل فذبحه ثم حرقه بالمبرد، ثم ذراه في ~~اليم. ### || [20.98-101] # { إنمآ ms1470 إلهكم الله الذى لا إله إلا هو ~~وسع كل شىء علما } ، وسع علمه كل شيء. # { كذلك نقص عليك من أنبآء ما قد سبق } ، من ~~الأمور، { وقد آتينك من لدنا ذكرا } ، يعني القرآن. # { من أعرض عنه } ، أي: عن القرآن، فلم يؤمن به ولم يعمل بما ~~فيه، { فإنه يحمل يوم القيمة وزرا } ، حملا ~~ثقيلا من الإثم. # { خلدين فيه } ، مقيمين في عذاب الوزر، { وسآء لهم يوم ~~القيمة حملا } ، أي بئس ما حملوا على أنفسهم من الإثم كفرا ~~بالقرآن. ### || [20.102-105] # { يوم ينفخ فى الصور } ، قرأ أبو عمرو { ننفخ } بالنون ~~وفتحها وضم الفاء لقوله: { ونحشر } ، وقرأ الآخرون بالياء وضمها ~~وفتح الفاء علي غير تسمية الفاعل، { ونحشر المجرمين } ، ~~المشركين، { يومئذ زرقا } ، والزرقة: هي الخضرة: في سواد العين، ~~فيحشرون زرق العيون سود الوجوه. وقيل: { زرقا }: أي عميا. وقيل: ~~عطاشا. # { يتخفتون بينهم } ، أي يتشاورون بينهم ويتكلمون خفية، { ~~إن لبثتم } ، أي ما مكثتم في الدنيا، { إلا عشرا } ، أي عشر ~~ليال. وقيل: في القبور. وقيل: بين النفختين، وهو أربعون سنة، لأن العذاب ~~يرفع عنهم بين النفختين استقصروا مدة لبثهم لهول ما عاينوا. # قال الله تعالى: { نحن أعلم بما يقولون } ، أي يتسارون ~~بينهم، { إذ يقول أمثلهم طريقة } ، أوفاهم عقلا وأعدلهم ~~قولا، { إن لبثتم إلا يوما } ، قصر ذلك في أعينهم في جنب ~~ما استقبلهم من أهوال يوم القيامة. وقيل: نسوا مقدار لبثهم لشدة ما ~~دهمهم. # قوله عز وجل: { ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ~~ربى نسفا } ، قال ابن عباس سأل رجل من ثقيف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: كيف تكون الجبال يوم القيامة؟ فأنزل الله هذه الآية. # والنسف هو القلع، أي: يقلعها من أصلها ويجعلها هباء منثورا. ### || [20.106-109] # { فيذرها } ، أي: فيدع أماكن الجبال من الأرض، { قاعا صفصفا ~~} ، أي: أرضا ملساء مستوية لا نبات فيها، و " القاع " ما انبسط من الأرض ~~و " الصفصف ": الأملس. # { لا ترى فيها عوجا ولا أمتا } ، قال مجاهد: انخفاضا ~~وارتفاعا. # وقال الحسن: " العوج ": ما انخفض من الأرض، و " الأمت ": ما نشز ~~من الروابي، أي: لا ترى واديا ولا ms1471 رابية. # قال قتادة: لا ترى فيها صدعا ولا أكمة. # { يومئذ يتبعون الداعى } ، أي صوت الداعي الذي يدعوهم ~~إلى موقف القيامة، وهو إسرافيل، وذلك أنه يضع الصور في فيه، ويقول: أيتها ~~العظام البالية والجلود المتمزقة واللحوم المتفرقة هلموا إلى عرض ~~الرحمن. # { لا عوج له } ، أي: لدعائه، وهو من المقلوب، أي: لا عوج لهم عن ~~دعاء الداعي، لا يزيغون عنه يمينا وشمالا، ولا يقدرون عليه بل يتبعونه ~~سراعا. # { وخشعت الأصوات للرحمن } ، أي: سكنت وذلت وخضعت، ووصف ~~الأصوات بالخشوع والمراد أهلها، { فلا تسمع إلا همسا } ، ~~يعني صوت وطء الأقدام إلى المحشر، و " الهمس ": الصوت الخفي كصوت اخفاف ~~الإبل في المشي. وقال مجاهد: هو تخافت الكلام وخفض الصوت. # وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: تحريك الشفاه من غير نطق. # { يومئذ لا تنفع الشفاعة } ، يعني: لا تنفع الشفاعة ~~أحدا من الناس، { إلا من أذن له الرحمن } ، يعني إلا ~~من أذن له أن يشفع، { ورضى له قولا } ، يعني: ورضي قوله، قال ~~ابن عباس: يعني: قال لا إله إلا الله، فهذا يدل على أنه لا يشفع غير ~~المؤمن. ### || [20.110-112] # { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } ، الكناية راجعة ~~إلى الذين يتبعون الداعي، أي يعلم الله { ما بين أيديهم } ما ~~قدموا { وما خلفهم } ما خلفوا من أمر الدنيا. # وقيل: { ما بين أيديهم } من الآخرة { وما خلفهم } من ~~الأعمال. # { ولا يحيطون به علما } ، قيل: الكناية ترجع إلى " ما " أي: ~~هو يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، وهم لا يعلمونه. وقيل: الكناية راجعة ~~إلى الله لأن عباده لا يحيطون به علما. # { وعنت الوجوه للحى القيوم } ، ذلت وخضعت، ومنه قيل ~~للأسير: عان. وقال طلق بن حبيب: هو السجود على الجبهة للحي القيوم، { ~~وقد خاب من حمل ظلما } ، قال ابن عباس: خسر من أشرك بالله، ~~والظلم هو الشرك. # { ومن يعمل من الصلحت وهو مؤمن فلا يخاف } ~~، قرأ ابن كثير { فلا يخف } مجزوما على النهي جوابا لقوله تعالى: { ~~ومن يعمل } ، وقرأ الآخرون { فلا يخاف } مرفوعا على الخبر، { ~~ظلما ولا هضما } ، قال ابن ms1472 عباس: لا يخاف أن يزاد عليه في ~~سيئاته، لا ينقص من حسناته. # وقال الحسن: لا ينقص من ثواب حسناته ولا يحمل عليه ذنب مسيء. # وقال الضحاك: لا يؤخذ بذنب لم يعمله ولا تبطل حسنة عملها، وأصل الهضم: ~~النقص والكسر، ومنه هضم الطعام. ### || [20.113-115] # { وكذلك } ، أي كما بينا في هذه السورة، { أنزلنه } ، ~~يعني أنزلنا هذا الكتاب، { قرءانا عربيا } ، يعني: بلسان العرب، ~~{ وصرفنا فيه من الوعيد } ، أي صرفنا القول فيه بذكر ~~الوعيد، { لعلهم يتقون } ، أي يجتنبون الشرك، { أو يحدث ~~لهم ذكرا } ، أي يجدد لهم القرآن عبرة وعظة فيعتبروا ويتعظوا بذكر ~~عقاب الله للأمم الخالية. # { فتعلى الله الملك الحق } ، جل الله عن إلحاد ~~الملحدين وعما يقوله المشركون، { ولا تعجل بالقرءان } ، أراد ~~النبي صلى الله عليه وسلم، كان إذا نزل عليه جبريل بالقرآن يبادر فيقرأ ~~معه، قبل أن يفرغ جبريل مما يريد من التلاوة، ومخافة الانفلات والنسيان، ~~فنهاه الله عن ذلك، وقال: { ولا تعجل بالقرءان } ، أي لا ~~تعجل بقراءته، { من قبل أن يقضى إليك وحيه } ، أي من ~~قبل أن يفرغ جبريل من الإبلاغ، نظيره قوله تعالى: # لا تحرك به لسانك لتعجل به # [القيامة: 16] وقرأ يعقوب: { نقضي } بالنون وفتحها وكسر الضاد، وفتح ~~الياء: { وحيه } بالنصب. # قال مجاهد وقتادة: معناه لا تقرئه أصحابك، ولا تمله عليهم حتى ~~يتبين لك معانيه. # { وقل رب زدنى علما } ، يعني بالقرآن ومعانيه. وقيل: علما ~~إلى ما علمت. # وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية قال: اللهم زدني علما وإيمانا ~~ويقينا. # قوله تعالى: { ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل } ، يعني: ~~أمرناه وأوحينا إليه أن لا يأكل من الشجرة من قبل هؤلاء الذين نقضوا عهدك ~~وتركوا الإيمان بي، وهم الذين ذكرهم الله في قوله تعالى: " لعلهم يتقون ~~" ، { فنسى } ، فترك الأمر، والمعنى أنهم نقضوا العهد، فإن آدم أيضا ~~عهدنا إليه فنسي، { ولم نجد له عزما } ، قال الحسن لم نجد له ~~صبرا عما نهي عنه، وقال عطية العوفي: حفظا لما أمر به. # وقال ابن قتيبة: رأيا معزوما حيث أطاع عدوه إبليس الذي حسده وأبى أن ms1473 ~~يسجد له، و " العزم " في اللغة: هو توطين النفس على الفعل. # قال أبو أمامة الباهلي: لو وزن حلم آدم بحلم جميع ولده لرجح حلمه، وقد ~~قال الله: " ولم نجد له عزما ". # فإن قيل: أتقولون إن آدم كان ناسيا لأمر الله حين أكل من الشجرة؟ # قيل: يجوز أن يكون نسي أمره، ولم يكن النسيان في ذلك الوقت مرفوعا عن ~~الإنسان، بل كان مؤاخذا به، وإنما رفع عنا. # وقيل: نسي عقوبة الله وظن أنه نهي تنزيها. ### || [20.116-117] # قوله تعالى: { وإذ قلنا للملئكة اسجدوا لأدم ~~فسجدوا إلا إبليس أبى } ، أن يسجد. # { فقلنا يآدم إن هذا عدو لك ولزوجك } ، ~~حواء، { فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى } ، يعني: ~~تتعب وتنصب، ويكون عيشك من كد يمينك بعرق جبينك. قال السدي: يعني الحرث ~~والزرع والحصيد والطحن والخبيز. # وعن سعيد بن جبير: قال أهبط إلى آدم ثور أحمر، فكان يحرث عليه، ويمسح ~~العرق عن جبينه، فذلك شقاؤه. # ولم يقل: " فتشقيا " رجوعا به إلى آدم لأن تعبه أكثر فإن الرجل هو ~~الساعي على زوجته. # وقيل: لأجل رؤوس الآي. ### || [20.118-121] # { إن لك ألا تجوع فيها } ، أي في الجنة { ولا تعرى ~~}. # { وأنك } ، قرأ نافع وأبو بكر بكسر الألف على الاستئناف، وقرأ ~~الآخرون بالفتح نسقا على قوله: { ألا تجوع فيها } { وأنك ~~لا تظمؤا } ، لا تعطش، { فيها ولا تضحى } ، يعني: لا تبرز ~~للشمس فيؤذيك حرها. وقال عكرمة: لا تصيبك الشمس وأذاها، لأنه ليس في ~~الجنة شمس، وأهلها في ظل ممدود. # { فوسوس إليه الشيطن قال يآدم هل أدلك ~~على شجرة الخلد } ، يعني على شجرة إن أكلت منها بقيت مخلدا، ~~{ وملك لا يبلى } ، لا يبيد ولا يفنى. # { فأكلا } ، يعني آدم وحواء عليهما السلام، { منها فبدت ~~لهما سوءتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق ~~الجنة وعصى ءادم ربه } ، بأكله الشجرة، { فغوى } ، ~~يعني فعل ما لم يكن له فعله. وقيل: أخطأ طريق الجنة وضل حيث طلب الخلد ~~بأكل ما نهي عن أكله، فخاب ولم ينل مراده. # وقال ابن الأعرابي: أي فسد عليه عيشه، وصار من العز إلى الذل، ومن ms1474 ~~الراحة إلى التعب. # قال ابن قتيبة: يجوز أن يقال عصى آدم، ولا يجوز أن يقال: آدم عاص؛ لأنه ~~إنما يقال عاص لمن اعتاد فعل المعصية، كالرجل يخيط ثوبه يقال: خاط ثوبه، ~~ولا يقال هو خياط حتى يعاود ذلك ويعتاده. # حدثنا أبو الفضل زياد بن محمد الحنفي، أخبرنا أبو معاذ الشاه بن عبد ~~الرحمن المزني، أخبرنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري ~~ببغداد، أخبرنا يونس بن عبد الأعلى الصدفي، أخبرنا سفيان بن عيينة عن ~~عمرو بن دينار، عن طاوس سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " احتج آدم وموسى: فقال موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من ~~الجنة، فقال آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده، ~~أفتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ فحج آدم ~~موسى " # ورواه عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة وزاد: # " قال آدم ياموسى بكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق؟ قال موسى: ~~بأربعين عاما، قال آدم: فهل وجدت فيها: وعصى آدم ربه فغوى؟ قال: نعم، ~~قال: أفتلومني على أن عملت عملا كتبه الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني ~~بأربعين سنة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فحج آدم موسى " ### || [20.122-124] # { ثم اجتبه ربه } ، اختاره واصطفاه، { فتاب عليه } ~~، بالعفو، { وهدى } ، هداه إلى التوبة حين قالا: ربنا ظلمنا أنفسنا. # { قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو ~~فإما يأتينكم منى هدى فمن اتبع هداى } ، يعني ~~الكتاب والرسول، { فلا يضل ولا يشقى } ، روى سعيد بن جبر عن ~~ابن عباس قال: من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله في الدنيا من ~~الضلالة، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب، وذلك بأن الله يقول: { فمن ~~اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى }. # وقال الشعبي عن ابن عباس: أجار الله تعالى تابع القرآن من أن يضل في ~~الدنيا ويشقى في الآخرة، وقرأ هذه الآية. # { ومن أعرض عن ذكرى } ، يعني: القرآن، فلم يؤمن به ولم ~~يتبعه، { فإن له معيشة ms1475 ضنكا } ، ضيقا، روي عن ابن مسعود، ~~وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري أنهم قالوا: هو عذاب القبر. قال أبو سعيد: ~~يضغط حتى تختلف أضلاعه. # وفي بعض المسانيد مرفوعا. # " يلتئم عليه القبر حتى تختلف أضلاعه فلا يزال يعذب حتى يبعث ". # وقال الحسن: هو الزقوم والضريع والغسلين في النار. # وقال عكرمة: هو الحرام. وقال الضحاك: هو الكسب الخبيث. # وعن ابن عباس قال: الشقاء. وروى عنه أنه قال: كل مال أعطي العبد قل أم ~~كثر فلم يتق فيه فلا خير فيه، وهو الضنك في المعيشة، وإن أقواما أعرضوا ~~عن الحق وكانوا أولي سعة من الدنيا مكثرين، فكانت معيشتهم ضنكا، وذلك ~~أنهم يرون أن الله ليس بمخلف عليهم فاشتدت عليهم معايشهم من سوء ظنهم ~~بالله. # قال سعيد بن جبير: يسلبه القناعة حتى لا يشبع. # { ونحشره يوم القيمة أعمى } ، قال ابن عباس: أعمى ~~البصر. وقال مجاهد: أعمى عن الحجة. ### || [20.125-127] # { قال رب لم حشرتنى أعمى وقد كنت بصيرا } ، ~~بالعين أو بصيرا بالحجة. # { قال كذلك } ، أي كما { أتتك آيتنا فنسيتها } ، ~~فتركتها وأعرضت عنها، { وكذلك اليوم تنسى } ، تترك في ~~النار. قال قتادة: نسوا من الخير ولم ينسوا من العذاب. # { وكذلك } ، أي وكما جزينا من أعرض عن القرآن كذلك، { نجزى ~~من أسرف } ، أشرك. { ولم يؤمن بآيت ربه ~~ولعذاب الأخرة أشد } ، مما يعذبهم به في الدنيا والقبر، { ~~وأبقى } ، وأدوم. ### || [20.128-130] # { أفلم يهد لهم } ، يبين لهم القرآن، يعني: كفار مكة، { كم ~~أهلكنا قبلهم من القرون يمشون فى مسكنهم } ~~، ديارهم ومنازلهم إذا سافروا. والخطاب لقريش كانوا يسافرون إلى الشام ~~فيرون ديار المهلكين من أصحاب الحجر وثمود وقريات قوم لوط. # { إن فى ذلك لأيت لأولى النهى } ، لذوي العقول. # { ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل ~~مسمى } ، فيه تقديم وتأخير، تقديره: ولولا كلمة سبقت من ربك لكان ~~لزاما وأجل مسمى، والكلمة الحكم بتأخير العذاب عنهم، أي ولولا حكم سبق ~~بتأخير العذاب عنهم وأجل مسمى وهو القيامة لكان لزاما، أي لكان العذاب ~~لازما لهم كما لزم القرون الماضية الكافرة. # { فاصبر على ما يقولون } ، نسختها ms1476 آية القتال، " وسبح ~~بحمد ربك " ، أي صل بأمر ربك. وقيل: صل لله بالحمد له والثناء ~~عليه، { قبل طلوع الشمس } ، يعني صلاة الصبح، { وقبل ~~غروبها } ، صلاة العصر، { ومن ءانآء اليل } ، ساعاتها ~~واحدها إنى، { فسبح } ، يعني صلاة المغرب والعشاء. قال ابن عباس: ~~يريد أول الليل، { وأطراف النهار } ، يعني صلاة الظهر، وسمى وقت ~~الظهر أطراف النهار لأن وقته عند الزوال، وهو طرف النصف الأول انتهاء ~~وطرف النصف الآخر ابتداء. # وقيل: المراد من آناء الليل صلاة العشاء ومن أطراف النهار صلاة الظهر ~~والمغرب، لأن الظهر في آخر الطرف الأول من النهار، وفي أول الطرف الآخر، ~~فهو في طرفين منه والطرف الثالث غروب الشمس، وعند ذلك يصلي المغرب. # { لعلك ترضى } ، أي ترضى ثوابه في المعاد، وقرأ الكسائي وأبو ~~بكر عن عاصم " ترضى " بضم التاء أي تعطى ثوابه. وقيل: { ترضى } ~~أي يرضاك الله تعالى، كما قال: # وكان عند ربه مرضيا # [مريم: 55]، وقيل: معنى الآية لعلك ترضى بالشفاعة، كما قال: # ولسوف يعطيك ربك فترضى # [الضحى: 5]. # أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن العباس الخطيب الحميدي، أخبرنا أبو عبد ~~الله محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب ~~الشيباني إملاء، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله السعدي، أخبرنا يزيد بن ~~هارون، أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، # " عن جرير بن عبد الله قال: كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: «إنكم ترون ربكم كما ترون هذا ~~القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع ~~الشمس وقبل غروبها فافعلوا» " # ، ثم قرأ: { وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس ~~وقبل غروبها }. ### || [20.131] # قوله تعالى: { ولا تمدن عينيك } ، قال أبو رافع: # " نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم ضيف فبعثني إلى يهودي فقال لي: " ~~قل له إن رسول الله يقول لك بعني كذا وكذا من الدقيق وأسلفني إلى هلال ~~رجب " فأتيته فقلت له ذلك فقال والله لا أبيعه ولا أسلفه إلا ms1477 برهن، ~~فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: " والله لئن باعني ~~وأسلفني لقضيته وإني لأمين في السماء وأمين في الأرض، اذهب بدرعي الحديد ~~إليه " " # فنزلت هذه الآية: { ولا تمدن عينيك } ، لا تنظر، { إلى ~~ما متعنا به } ، أعطينا، { أزواجا } ، أصنافا، { منهم ~~زهرة الحيوة الدنيا } ، أي زينتها وبهجتها، وقرأ يعقوب زهرة ~~بفتح الهاء وقرأ العامة بجزمها، { لنفتنهم فيه } ، أي لنجعل ذلك ~~فتنة لهم بأن أزيد لهم النعمة فيزيدوا كفرا وطغيانا، { ورزق ~~ربك } ، في المعاد، يعني: الجنة، { خير وأبقى } ، قال أبي بن ~~كعب: من لم يعتز بعزة الله تقطعت نفسه حسرات، ومن يتبع بصره فيما في ~~أيد الناس بطل حزنه، ومن ظن أن نعمة الله في مطعمه ومشربه وملبسه فقد قل ~~علمه وحضر عذابه. ### || [20.132-133] # { وأمر أهلك بالصلوة } أي قومك. وقيل: من كان على دينك. ~~كقوله تعالى: # وكان يأمر أهله بالصلوة # [مريم: 55]، { واصطبر عليها } ، أي اصبر على الصلاة، فإنها ~~تنهى عن الفحشاء والمنكر. # { لا نسألك رزقا } ، لا نكلفك أن ترزق أحدا من خلقنا، ولا أن ~~ترزق نفسك وإنما نكلفك عملا، { نحن نرزقك والعقبة } ، ~~الخاتمة الجميلة المحمودة، { للتقوى } ، أي لأهل التقوى. قال ابن ~~عباس: الذين صدقوك واتبعوك واتقوني. # وفي بعض المسانيد أن النبي صلى الله عليه وسلم: # " كان إذا أصاب أهله ضر أمرهم بالصلاة وتلا هذه الآية ". # قوله تعالى: { وقالوا } ، يعني المشركين، { لولا يأتينا ~~بآية من ربه } ، أي الآية المقترحة فإنه كان قد أتاهم بآيات ~~كثيرة، { أولم تأتهم بينة } ، قرأ أهل المدينة والبصرة ~~وحفص عن عاصم: { تأتهم } لتأنيث البينة، وقرأ الآخرون بالياء لتقدم ~~الفعل، ولأن البينة هي البيان فرد إلى المعنى، { بينة ما فى ~~الصحف الأولى } ، أي بيان ما فيها، وهو القرآن أقوى دلالة وأوضح ~~آية. # وقيل: أولم يأتهم بيان ما في الصحف الأولى التوراة، والإنجيل، وغيرهما ~~من أنباء الأمم أنهم اقترحوا الآيات، فلما أتتهم ولم يؤمنوا بها، كيف ~~عجلنا لهم العذاب والهلاك، فما يؤمنهم إن أتتهم الآية أن يكون حالهم ~~كحال أولئك. ### || [20.134-135] # { ولو أنآ أهلكنهم بعذاب من قبله } ، من قبل ms1478 ~~إرسال الرسول وإنزال القرآن، { لقالوا ربنا لولا } ، هلا { ~~أرسلت إلينا رسولا } ، يدعونا، أي: لقالوا يوم القيامة، { ~~فنتبع ءايتك من قبل أن نذل ونخزى } ، ~~بالعذاب، والذل، والهوان، والخزي، والافتضاح. # { قل كل متربص } ، منتظر دوائر الزمان، وذلك أن المشركين ~~قالوا نتربص بمحمد حوادث الدهر، فإن مات تخلصنا، قال الله تعالى: { ~~فتربصوا } ، فانتظروا، { فستعلمون } ، إذا جاء أمر الله ~~وقامت القيامة، { من أصحب الصراط السوى } ، المستقيم، { ~~ومن اهتدى } ، من الضلالة نحن أم أنتم؟. ### | [21 - سورة الأنبياء] ### || [21.1-2] # { اقترب للناس } ، قيل اللام بمعنى من، أي اقترب من الناس ~~حسابهم، أي وقت محاسبة الله إياهم على أعمالهم، يعني يوم القيامة، نزلت ~~في منكري البعث، { وهم فى غفلة معرضون } ، عن التأهب له. # { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث } ، يعني ما ~~يحدث الله من تنزيل شيء من القرآن يذكرهم ويعظهم به. # قال مقاتل: يحدث الله الأمر بعد الأمر. وقيل: الذكر المحدث ما قاله ~~النبي صلى الله عليه وسلم وبينه من السنن والمواعظ سوى ما القرآن، ~~وأضافه إلى الرب عز وجل لأنه قال بأمر الرب، { إلا استمعوه ~~وهم يلعبون } ، أي استمعوه لاعبين لا يعتبرون ولا يتعظون. ### || [21.3-6] # { لاهية } ، ساهية غافلة، { قلوبهم } ، معرضة عن ذكر الله، ~~وقوله: { لاهية } نعت تقدم الاسم، ومن حق النعت أن يتبع الاسم في ~~الإعراب، وإذا تقدم النعت الاسم فله حالتان: فصل ووصل، فحالته في ~~الفصل النصب كقوله تعالى: # خشعا أبصرهم # [القمر: 7]، # ودانية عليهم ظللها # [الإنسان: 14]، و { لاهية قلوبهم } ، وفي الوصل حالة ما قبله ~~من الإعراب كقوله، # أخرجنا من هذه القرية الظلم أهلها # [النساء: 75]؛ { وأسروا النجوى الذين ظلموا } ، أي ~~أشركوا، قوله: { وأسروا } فعل تقدم الجمع وكان حقه وأسر، قال ~~الكسائي: فيه تقديم وتأخير، أراد: والذين ظلموا أسروا النجوى. # وقيل: محل " الذين " رفع على الابتداء، معناه: وأسروا النجوى، ثم قال: ~~وهم الذين ظلموا. # وقيل: رفع على البدل من الضمير في أسروا. قال المبرد: هذا كقولك إن ~~الذين في الدار انطلقوا بنو عبد الله، على البدل مما في انطلقوا ثم بين ~~سرهم الذي تناجوا به فقال: { هل ms1479 هذآ إلا بشر مثلكم } ~~، انكروا إرسال البشر وطلبوا إرسال الملائكة. # { أفتأتون السحر } ، أي تحضرون السحر وتقبلونه، { وأنتم ~~تبصرون } ، تعلمون أنه سحر. # { قال } ، لهم يا محمد، { ربى يعلم القول فى السمآء ~~والأرض } ، قرأ حمزة والكسائي وحفص: " قال ربي " ، على الخبر عن محمد ~~صلى الله عليه وسلم، { يعلم القول فى السمآء والأرض } ~~أي لا يخفى عليه شيء، { وهو السميع } ، لأقوالهم، { العليم } ~~، بأفعالهم. # { بل قالوا أضغث أحلام } ، أباطيلها وأقاويلها ~~وأهاويلها رآها في النوم، { بل افتراه } ، اختلقه، { بل هو ~~شاعر } ، يعني أن المشركين اقتسموا القول فيه وفيما يقوله: فقال ~~بعضهم: أضغاث أحلام. وقال بعضهم: بل هو فرية. وقال بعضهم: بل محمد شاعر ~~وما جاءكم به شعر. { فليأتنا } محمد، { بآية } ، إن كان ~~صادقا { كمآ أرسل الأولون } ، من الرسل بالآيات. # قال الله تعالى مجيبا لهم: { مآ ءامنت قبلهم } ، قبل مشركي ~~مكة، { من قرية } ، أي من أهل قرية أتتهم الآيات، { ~~أهلكنهآ } ، أهلكناهم بالتكذيب، { أفهم يؤمنون }؟، إن ~~جاءتهم آية، معناه: أن أولئك لم يؤمنوا بالآيات لما أتتهم أفيؤمن ~~هؤلاء؟. ### || [21.7-10] # قوله عز وجل: { ومآ أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحى ~~إليهم } ، هذا جواب لقولهم: { هل هذآ إلا بشر ~~مثلكم } يعني: إنا لم نرسل الملائكة إلى الأولين إنما أرسلنا ~~رجالا نوحي إليهم، { فسئلوا أهل الذكر } ، يعني: أهل ~~التوراة والإنجيل، يريد علماء أهل الكتاب، فإنهم لا ينكرون أن الرسل ~~كانوا بشرا، وإن أنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وأمر المشركين ~~بمسألتهم لأنهم إلى تصديق من لم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم أقرب ~~منهم إلى تصديق من آمن به. وقال ابن زيد: أراد بالذكر القرآن أراد: ~~فسألوا المؤمنين العالمين من أهل القرآن، { إن كنتم لا تعلمون ~~}. # { وما جعلنهم } ، أي الرسل، { جسدا } ، ولم يقل أجسادا ~~لأنه اسم الجنس، { لا يأكلون الطعام } ، هذا رد لقولهم # مال هذا الرسول يأكل الطعام # [الفرقان: 7]، يقول لم نجعل الرسل ملائكة بل جعلناهم بشرا يأكلون ~~الطعام، { وما كانوا خلدين } ، في الدنيا. # { ثم صدقنهم الوعد } ، الذي وعدناهم بإهلاك أعدائهم، { ~~فأنجينهم ومن نشآء } ، أي أنجينا المؤمنين الذين صدقوهم، ~~{ وأهلكنا ms1480 المسرفين } ، أي المشركين المكذبين، وكل مشرك ~~مسرف على نفسه. # { لقد أنزلنآ إليكم كتبا } ، يا معشر قريش، { فيه ~~ذكركم } ، أي شرفكم، كما قال: # وإنه لذكر لك ولقومك # [الزخرف: 44]، وهو شرف لمن آمن به. # وقال مجاهد: فيه حديثكم. وقال الحسن: فيه ذكركم أي ذكر ما تحتاجون إليه ~~من أمر دينكم، { أفلا تعقلون }. ### || [21.11-15] # { وكم قصمنا } ، أهلكنا، والقصم: الكسر، { من قرية ~~كانت ظلمة } ، أي كافرة، يعني أهلها، { وأنشأنا بعدها ~~} ، أي: أحدثنا بعد هلاك أهلها، { قوما ءاخرين }. # { فلمآ أحسوا بأسنآ } ، أي رأوا عذابنا بحاسة البصر، { ~~إذا هم منها يركضون } ، أي يسرعون هاربين. # { لا تركضوا } ، أي قيل لهم لا تركضوا لا تهربوا، { وارجعوا ~~إلى مآ أترفتم فيه } ، أي نعمتم به، { ومسكنكم ~~لعلكم تسألون } ، قال ابن عباس: عن قتل نبيكم. وقال قتادة: من ~~دنياكم شيئا، نزلت الآية في أهل حصورا، وهي قرية باليمن وكان أهلها ~~العرب، فبعث الله إليهم نبيا يدعوهم إلى الله فكذبوه وقتلوه، فسلط ~~الله عليهم بختنصر، حتى قتلهم وسباهم، فلما استمر فيهم القتل ندموا ~~وهربوا وانهزموا، فقالت الملائكة لهم استهزاء: لا تركضوا وارجعوا إلى ~~مساكنكم وأموالكم لعلكم تسألون. # قال قتادة: لعلكم تسئلون شيئا من دنياكم، فتعطون من شئتم وتمنعون ~~من شئتم، فإنكم أهل ثروة ونعمة، يقولون ذلك استهزاء بهم، فاتبعهم ~~بختنصر وأخذتهم السيوف، ونادى مناد من جو السماء: يا ثارات الأنبياء، ~~فلما رأوا ذلك أقروا بالذنوب حين لم ينفعهم. # { قالوا يويلنآ إنا كنا ظلمين }. # { فما زالت تلك دعواهم } ، أي تلك الكلمة وهي قولهم يا ~~ويلنا، دعاؤهم يدعون بها ويرددونها. # { حتى جعلنهم حصيدا } ، بالسيوف كما يحصد الزرع، { ~~خمدين } ، ميتين. ### || [21.16-20] # قوله عز وجل: { وما خلقنا السمآء والأرض وما ~~بينهما لاعبين } ، أي عبثا وباطلا. # { لو أردنآ أن نتخذ لهوا } ، واختلفوا في اللهو، قال ~~ابن عباس في رواية عطاء: اللهو المرأة، وهو قول الحسن وقتادة، وقال في ~~رواية الكلبي: اللهو الولد، وهو قول السدي، وهو في المرأة أظهر لأن الوطء ~~يسمى لهوا في اللغة، والمرأة محل الوطء. { لاتخذنه من ~~لدنآ } ، أي من عندنا من الحور العين ms1481 لا من عندكم من أهل الأرض. ~~وقيل: معناه لو كان جائزا ذلك في صفته لم يتخذه بحيث يظهر لهم ويستر ذلك ~~حتى لا يطلعوا عليه. # وتأويل الآية أن النصارى لما قالوا في المسيح وأمه ما قالوا رد الله ~~عليهم بهذا وقال: { لاتخذنه من لدنآ } لأنكم تعلمون أن ~~ولد الرجل وزوجته يكونان عنده، لا عند غيره { إن كنا فعلين } ، ~~قال قتادة ومقاتل وابن جريج: { إن } للنفي، أي: ما كنا فاعلين. وقيل: { ~~إن كنا فعلين } للشرط أي إن كنا ممن يفعل ذلك لاتخذناه من ~~لدنا، ولكنا لم نفعله لأنه لا يليق بالربوبية. # { بل } ، أي دع ذلك الذي قالوا فإنه كذب وباطل، { نقذف } ، نرمي ~~ونسلط، { بالحق } ، بالإيمان، { على البطل } ، على ~~الكفر، وقيل: الحق قول الله، فإنه لا ولد له، والباطل قولهم اتخذ الله ~~ولدا، { فيدمغه } ، فيهلكه، وأصل الدمغ: شج الرأس حتى يبلغ ~~الدماغ، { فإذا هو زاهق } ، ذاهب، والمعنى: أنا نبطل كذبهم بما ~~نبين من الحق حتى يضمحل ويذهب، ثم أوعدهم على كذبهم فقال: { ولكم ~~الويل } ، يا معشر الكفار. { مما تصفون } ، الله بما لا يليق ~~به من الصاحبة والولد. وقال مجاهد: مما تكذبون. # { وله من فى السموت والأرض } ، عبيدا وملكا، { ~~ومن عنده } ، يعني الملائكة، { لا يستكبرون عن ~~عبادته } ، ولا يأنفون عن عبادته ولا يتعظمون عنها، { ولا ~~يستحسرون } ، لا يعيون، يقال: حسر واستحسر إذا تعب ~~وأعيا. وقال السدي: لا يتعظمون عن العبادة. # { يسبحون الليل والنهار لا يفترون } ، لا يضعفون ~~ولا يسأمون، قال كعب الأحبار: التسبيح لهم كالنفس لبني آدم. ### || [21.21-24] # { أم اتخذوا آلهة } استفهام بمعنى الجحد، أي لم يتخذوا، { ~~من الأرض } ، يعني الأصنام من الخشب والحجارة، وهما من الأرض، { ~~هم ينشرون } ، يحيون الأموات، ولا يستحق الإلهية إلا من ~~يقدر على الإحياء والإيجاد من العدم والإنعام بأبلغ وجوه النعم. # { لو كان فيهمآ } ، أي في السماء والأرض، { آلهة إلا ~~الله } ، أي غير الله، { لفسدتا } ، لخربتا وهلك من فيهما بوجود ~~التمانع بين الآلهة لأن كل أمر صدر عن اثنين فأكثر لم يجر على النظام، ثم ~~نزه نفسه فقال: ms1482 { فسبحن الله رب العرش عما ~~يصفون } ، أي عما يصفه به المشركون من الشريك والولد. # { لا يسئل عما يفعل } ، ويحكم على خلقه لأنه الرب { ~~وهم يسئلون } أي الخلق يسئلون، عن أفعالهم وأعمالهم لأنهم عبيد. # { أم اتخذوا من دونه ءالهة } ، استفهام إنكار وتوبيخ، ~~{ قل هاتوا برهنكم } ، أي حجتكم على ذلك، ثم قال مستأنفا، ~~{ هذآ } ، يعني القرآن. { ذكر من معى } ، فيه خبر من معي على ~~ديني ومن يتبعني إلى يوم القيامة بما لهم من الثواب على الطاعة والعقاب ~~على المعصية. { وذكر } ، خبر، { من قبلى } ، من الأمم السالفة ما ~~فعل بهم في الدنيا وما يفعل بهم في الآخرة. وعن ابن عباس في رواية ~~عطاء: ذكر من معي: القرآن، وذكر من قبلي: التوراة والإنجيل، ومعناه: ~~راجعوا القرآن والتوراة والإنجيل وسائر الكتب هل تجدون فيها أن الله ~~اتخذ ولدا، { بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم ~~معرضون }. ### || [21.25-29] # { ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحى إليه ~~} ، قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم نوحي إليه بالنون وكسر الحاء على ~~التعظيم، لقوله: { ومآ أرسلنا } ، وقرأ الآخرون بالياء وفتح ~~الحاء على الفعل المجهول، { أنه لا إله إلا أنا ~~فاعبدون } ، وحدون. # قوله عز وجل: { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا } ، نزلت في ~~خزاعة حيث قالوا: الملائكة بنات الله، { سبحانه } ، نزه نفسه عما ~~قالوا، { بل عباد } ، أي هم عباد، يعني الملائكة، { مكرمون }. # { لا يسبقونه بالقول } ، لا يتقدمونه بالقول ولا يتكلمون ~~إلا بما يأمرهم به، { وهم بأمره يعملون } ، معناه أنهم لا ~~يخالفونه قولا ولا عملا. # { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } ، أي ما عملوا ~~وما هم عاملون. وقيل: ما كان قبل خلقهم وما يكون بعد خلقهم { ولا ~~يشفعون إلا لمن ارتضى } ، قال ابن عباس: لمن قال لا إله ~~إلا الله، وقال مجاهد: إي لمن رضى عنه، { وهم من خشيته ~~مشفقون } ، خائفون لا يأمنون مكره. # { ومن يقل منهم إنى إله من دونه } ، قال قتادة: ~~عنى به إبليس حيث دعا إلى عبادة نفسه وأمر بطاعة نفسه، فإن أحدا من ~~الملائكة لم يقل إني إله من دون ms1483 الله { فذلك نجزيه جهنم ~~كذلك نجزى الظلمين } ، الواضعين الإلهية والعبادة في غير ~~موضعها. ### || [21.30] # { أولم ير الذين كفروا } قرأ ابن كثير { ألم ير } ~~بغير واو، وكذلك هو في مصاحفهم، معناه: ألم يعلم الذين كفروا، { أن ~~السموت والأرض كانتا رتقا } قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما وعطاء وقتادة: كانتا شيئا واحدا ملتزقتين، { ففتقنهما } ~~، فصلنا بينهما بالهواء، والرتق في اللغة: السد، والفتق: الشق. # قال كعب: خلق الله السموات والأرض بعضها على بعض، ثم خلق ريحا فوسطها ~~ففتحها بها. # قال مجاهد والسدي: كانت السماوات مرتفعة طبقة واحدة ففتقها وجعلها سبع ~~سماوات، وكذلك الأرض كانت مرتقة طبقة واحدة فجعلها سبع أرضين. # قال عكرمة وعطية: كانت السماء رتقا لا تمطر والأرض رتقا لا تنبت، ففتق ~~السماء بالمطر والأرض بالنبات. وإنما قال: { رتقا } على التوحيد وهو ~~من نعت السماوات والأرض لأنه مصدر وضع موضع الاسم، مثل الزور والصوم ~~ونحوهما. # { وجعلنا } ، وخلقنا، { من المآء كل شىء حى } ، أي: ~~وأحيينا بالماء الذي ينزل من السماء كل شيء حي أي من الحيوان ويدخل فيه ~~النبات والشجر، يعني أنه سبب لحياة كل شيء. والمفسرون يقولون: يعني أن كل ~~شيء حي فهو مخلوق من الماء. كقوله تعالى: # والله خلق كل دآبة من مآء # [النور: 45]، قال أبو العالية: يعني النطفة، فإن قيل: قد خلق الله بعض ~~ما هو حي من غير الماء؟ قيل: هذا على وجه التكثير، يعني أن أكثر الأحياء ~~في الأرض مخلوقة من الماء أو بقاؤه بالماء، { أفلا يؤمنون }. ### || [21.31-33] # { وجعلنا فى الأرض رواسى } ، جبالا ثوابت، { أن تميد ~~بهم }؛ يعني كي لا تميد بهم، { وجعلنا فيها } ، في الرواسي، { ~~فجاجا } ، طرقا ومسالك، والفج: الطريق الواسع بين الجبلين، أي جعلنا ~~بين الجبال طرقا حتى يهتدوا إلى مقاصدهم، { سبلا } ، تفسير للفجاج، { ~~لعلهم يهتدون }. # { وجعلنا السمآء سقفا محفوظا } ، من أن تسقط، دليله ~~قوله تعالى: # ويمسك السمآء أن تقع على الأرض إلا بإذنه # [الحج: 65]، وقيل: محفوظا من الشياطين بالشهب، دليله قوله تعالى: # وحفظنها من كل شيطن رجيم # [الحجر: 17]، { وهم } ، يعني الكفار، { عن ءايتها } ، ما خلق ms1484 ~~الله فيها من الشمس والقمر والنجوم وغيرها، { معرضون } ، لا ~~يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها. # { وهو الذى خلق اليل والنهر والشمس ~~والقمر كل فى فلك يسبحون } ، يجرون ويسيرون بسرعة ~~كالسابح في الماء، وإنما قال: { يسبحون } ، ولم يقل يسبح على ما ~~يقال لما لا يعقل، لأنه ذكر عنها فعل العقلاء من الجري والسبح، فذكر على ~~ما يعقل. # والفلك: مدار النجوم الذي يضمها، والفلك في كلام العرب: كل شيء ~~مستدير وجمعه أفلاك، ومنه فلك المغزل. # وقال الحسن: الفلك طاحونة كهيئة فلكة المغزل: يريد أن الذي يجري فيه ~~النجوم مستدير كاستدارة الطاحونة. # وقال بعضهم: الفلك السماء الذي فيه ذلك الكوكب، فكل كوكب يجري في السماء ~~الذي قدر فيه، وهو معنى قول قتادة. # وقال الكلبي: الفلك استدارة السماء. # وقال آخرون: الفلك موج مكفوف دون السماء تجري فيه الشمس والقمر والنجوم. ### || [21.34-36] # قوله عز وجل: { وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد } ، ~~دوام البقاء في الدنيا، { أفإين مت فهم الخلدون } ، أي ~~أفهم الخالدون إن مت؟ نزلت هذه الآية حين قالوا نتربص بمحمد ريب المنون. # { كل نفس ذآئقة الموت ونبلوكم } ، نختبركم { ~~بالشر والخير } ، بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى ~~والفقر، وقيل: بما تحبون وما تكرهون، { فتنة } ، ابتلاء لننظر كيف ~~شكركم فيما تحبون، وصبركم فيما تكرهون، { وإلينا ترجعون }. # { وإذا رءاك الذين كفروا إن يتخذونك } ، ما ~~يتخذونك، { إلا هزوا } ، سخريا، قال السدي: نزلت في أبي جهل مر ~~به النبي صلى الله عليه وسلم فضحك، وقال: هذا نبي بني عبد مناف، { ~~أهذا الذى } ، أي يقول بعضهم لبعض أهذا الذي، { يذكر ~~آلهتكم } ، أي يعيبها، يقال: فلان يذكر فلانا أي يعيبه، وفلان يذكر ~~الله أي يعظمه ويجله، { وهم بذكر الرحمن هم ~~كفرون } ، وذلك أنهم كانوا يقولون لا نعرف الرحمن إلا مسيلمة، { ~~وهم } الثانية صلة. ### || [21.37-39] # قوله عز وجل: { خلق الإنسان من عجل } اختلفوا فيه، فقال قوم: ~~معناه أن بنيته وخلقته من العجلة وعليها طبع، كما قال تعالى: # وكان الإنسن عجولا # [الإسراء: 11]. # قال سعيد بن جبير والسدي: لما دخلت الروح في رأس آدم وعينه نظر ms1485 إلى ثمار ~~الجنة، فلما دخلت في جوفه اشتهى الطعام، فوثب قائما قبل أن تبلغ الروح ~~إلى رجليه عجلا إلى ثمار الجنة، فوقع فقيل: " خلق الإنسان من عجل " ~~والمراد بالإنسان آدم وأورث أولاده العجلة، والعرب تقول للذي يكثر في ~~الشيء: خلقت منه، كما تقول العرب: خلقت من لعب، وخلقت من غضب، تريد ~~المبالغة في وصفه بذلك، يدل على هذا قوله تعالى: { وكان الإنسن ~~عجولا }. # وقال قوم: معناه خلق الإنسان يعني آدم من تعجيل في خلق الله إياه، ~~لأن خلقه كان بعد خلق كل شيء في آخر النهار يوم الجمعة، فأسرع في خلقه ~~قبل مغيب الشمس. # قال مجاهد: فلما أحيا الروح رأسه قال يا رب استعجل بخلقي قبل غروب ~~الشمس. وقيل: بسرعة وتعجيل على غير ترتيب خلق سائر الآدميين من النطفة ~~والعلقة والمضغة وغيرها. # وقال قوم: من عجل، أي: من طين، قال الشاعر: # والنبع في الصخرة الصماء منبتة # والنخل ينبت بين الماء والعجل # { سأوريكم ءايتى فلا تستعجلون } ، نزل هذا في ~~المشركين كانوا يستعجلون العذاب ويقولون: أمطر علينا حجارة من السماء، ~~وقيل: نزلت في النضر بن الحارث، فقال تعالى: { سأوريكم ءايتى ~~} أي مواعيدي فلا تستعجلون، أي فلا تطلبوا العذاب من قبل وقته، فأراهم ~~يوم بدر، وقيل: كانوا يستعجلون القيامة. # { ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صدقين } ، ~~فقال تعالى: { لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون } ~~، لا يدفعون { عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم } ، قيل: ~~ولا عن ظهورهم السياط، { ولا هم ينصرون } ، يمنعون من العذاب، ~~وجواب لو في قوله: { لو يعلم الذين } محذوف معناه: لو علموا ~~لما أقاموا على كفرهم، ولما استعجلوا، ولا قالوا: متى هذا الوعد؟. ### || [21.40-44] # { بل تأتيهم } ، يعني الساعة { بغتة } ، فجأة، { ~~فتبهتهم } ، أي تحيرهم، يقال: فلان مبهوت أي متحير، { فلا ~~يستطيعون ردها ولا هم ينظرون } ، يمهلون. # { ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق } ، نزل، { ~~بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون } ، ~~أي جزاء استهزائهم. # { قل من يكلؤكم } ، يحفظكم، { باليل والنهار من ~~الرحمن } ، إن أنزل بكم عذابه، وقال ابن عباس: من يمنعكم من ms1486 عذاب ~~الرحمن، { بل هم عن ذكر ربهم } ، عن القرآن ومواعظ الله، { ~~معرضون }. # { أم لهم } أم: صلة فيه، وفي أمثاله { آلهة تمنعهم من ~~دوننا } ، فيه تقديم وتأخير، تقديره: أم لهم آلهة من دوننا تمنعهم، ثم ~~وصف الآلهة بالضعف، فقال تعالى: { لا يستطيعون نصر أنفسهم ~~} ، منع أنفسهم، فكيف ينصرون عابديهم، { ولا هم منا يصحبون } ~~، قال ابن عباس: يمنعون. وقال عطية: عنه يجارون، تقول العرب: أنا لك ~~جار وصاحب من فلان، أي مجير منه. وقال مجاهد: ينصرون. وقال قتادة: لا ~~يصحبون من الله بخير. # { بل متعنا هؤلاء } ، الكفار، { وءابآءهم } ، في ~~الدنيا أي أمهلناهم. وقيل: أعطيناهم النعمة، { حتى طال عليهم ~~العمر } ، أي امتد بهم الزمان فاغتروا. # { أفلا يرون أنا نأتى الأرض ننقصها من ~~أطرافهآ } ، يعني ما ننقص من أطراف المشركين ونزيد في أطراف ~~المؤمنين، يريد ظهور النبي صلى الله عليه وسلم وفتحه ديار الشرك أرضا ~~فأرضا، { أفهم الغلبون } ، أم نحن. ### || [21.45-47] # { قل إنمآ أنذركم بالوحى } ، أي أخوفكم بالقرآن، { ولا ~~يسمع الصم الدعآء } ، قرأ ابن عامر بالتاء وضمها وكسر الميم، ~~" الصم " نصب، جعل الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ الآخرون بالياء ~~وفتحها وفتح الميم، " الصم " رفع، { إذا ما ينذرون } ، ~~يخوفون. # { ولئن مستهم } ، أصابتهم { نفحة } ، قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما طرف. وقيل: قليل. قال ابن جريج: نصيب، من قولهم نفح فلان ~~لفلان من ماله أي أعطاه حظا منه. وقيل: ضربة من قولهم نفحت الدابة ~~برجلها إذا ضربت، { من عذاب ربك ليقولن يويلنآ ~~إنا كنا ظلمين } ، أي بإهلاكنا إنا كنا مشركين، دعوا على ~~أنفسهم بالويل بعدما أقروا بالشرك. # { ونضع الموزين القسط } ، أي ذوات القسط، والقسط: العدل، ~~{ ليوم القيمة فلا تظلم نفس شيئا } ، لا ينقص من ~~ثواب حسناته ولا يزاد على سيآته، وفي الأخبار: إن الميزان له لسان ~~وكفتان. # روي أن داود عليه السلام سأل ربه أن يريه الميزان فأراه كل كفة ما بين ~~المشرق والمغرب، فغشي عليه، فلما أفاق فقال: يا إلهي من الذي يقدر أن ~~يملأ كفته حسنات؟ قال: يا داود إني إذا رضيت ms1487 عن عبدي ملأتها بتمرة. # { وإن كان مثقال حبة من خردل } ، قرأ أهل المدينة { ~~مثقال } برفع اللام هاهنا وفي سورة لقمان، أي وإن وقع مثقال حبة، ونصبها ~~الآخرون على معنى: وإن كان ذلك الشيء مثقال حبة أي زنة من خردل، { ~~أتينا بها } أحضرناها لنجازي بها. # { وكفى بنا حسبين } ، قال السدي: محصين، والحسب معناه: ~~العد، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: عالمين حافظين، لأن من حسب شيئا ~~علمه وحفظه. ### || [21.48-51] # قوله عز وجل: { ولقد ءاتينا موسى وهرون الفرقان } ~~، يعني الكتاب المفرق بين الحق والباطل، وهو التوراة. وقال ابن زيد: ~~الفرقان النصر على الأعداء، كما قال الله تعالى: # ومآ أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان # [الأنفال: 41]، يعني يوم بدر، لأنه قال { وضيآء } ، أدخل الواو فيه ~~أي آتينا موسى النصر والضياء، وهو التوراة. # ومن قال: المراد بالفرقان التوراة، قال: الواو في قوله: { وضيآء } ، ~~زائدة مقحمة، معناه: آتيناه التوراة ضياء، وقيل: هو صفة أخرى للتوراة، { ~~وذكرا } ، تذكيرا، { للمتقين }. # { الذين يخشون ربهم بالغيب } ، أي يخافونه ولم يروه، ~~{ وهم من الساعة مشفقون } ، خائفون. # { وهذا ذكر مبارك أنزلنه } ، يعني القرآن وهو ذكر ~~لمن يذكر به، مبارك يتبرك به ويطلب منه الخير، { أفأنتم } ، يا أهل ~~مكة، { له منكرون } ، جاحدون، وهذا استفهام توبيخ وتعيير. # قوله عز وجل: { ولقد ءاتينآ إبرهيم رشده } ، قال ~~القرطبي: أي صلاحه، { من قبل } ، أي من قبل موسى وهارون، وقال ~~المفسرون: رشده، أي هداه من قبل أي من قبل البلوغ، وهو حين خرج من السرب ~~وهو صغير، يريد هديناه صغيرا كما قال تعالى ليحيى عليه السلام: # وآتيناه الحكم صبيا # [مريم: 12]، { وكنا به علمين } ، أنه أهل للهداية والنبوة. ### || [21.52-57] # { إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التمثيل } ، أي ~~الصور، يعني الأصنام { التى أنتم لها عكفون } ، أي على ~~عبادتها مقيمون. # { قالوا وجدنآ ءابآءنا لها عبدين } ، فاقتدينا بهم. # { قال } إبراهيم، { لقد كنتم أنتم وءابآؤكم فى ~~ضلل مبين } ، خطأ بين بعبادتكم إياها. # { قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللعبين } ، ~~يعنون أجاد أنت فيما تقول أم أنت من اللاعبين؟ # { قال بل ربكم رب السموت ms1488 والأرض الذى ~~فطرهن } ، خلقهن، { وأنا على ذلكم من الشهدين ~~} ، أي على أنه الإله الذي لا يستحق العبادة غيره. وقيل: من الشاهدين ~~على أنه خالق السموات والأرض. # { وتالله لأكيدن أصنمكم } ، لأمكرن بها، { بعد أن ~~تولوا مدبرين } ، أي بعد أن تدبروا منطلقين إلى عيدكم. # قال مجاهد وقتادة: إنما قال إبراهيم هذا سرا من قومه ولم يسمع ذلك ~~إلا رجل واحد فأفشاه عليه، وقال: إنا سمعنا فتى يذكرهم يقال له ~~إبراهيم. # قال السدي: كان لهم في كل سنة مجمع وعيد فكانوا إذا رجعوا من عيدهم ~~دخلوا على الأصنام فسجدوا لها، ثم عادوا إلى منازلهم، فلما كان ذلك العيد ~~قال أبو إبراهيم له: يا إبراهيم لو خرجت معنا إلى عيدنا أعجبك ديننا ~~فخرج معهم إبراهيم، فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه، وقال إني سقيم، يقول ~~اشتكى رجلي فلما مضوا نادى في آخرهم وقد بقي ضعفاء الناس، { ~~وتالله لأكيدن أصنمكم } فسمعوها منه، ثم رجع إبراهيم ~~إلى بيت الآلهة وهن في بهو عظيم مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه ~~أصغر منه، والأصنام بعضها إلى جنب بعض كل صنم يليه أصغر منه إلى باب ~~البهو، وإذا هم قد جعلوا طعاما فوضعوه بين يدي الآلهة، وقالوا: إذا ~~رجعنا وقد بركت الآلهة في طعامنا أكلنا، فلما نظر إليهم إبراهيم وإلى ~~ما بين أيديهم من الطعام، قال لهم: على طريق الاستهزاء ألا تأكلون؟، فلما ~~لم تجبه قال: ما لم لا تنطقون، فراغ عليهم ضربا باليمين، وجعل يكسرهن في ~~يده حتى إذا لم يبق إلا الصنم الأكبر علق الفأس في عنقه ثم خرج، فذلك ~~قوله عز وجل. { فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم... }. ### || [21.58-62] # { فجعلهم جذذا } ، قرأ الكسائي { جذاذا } بكسر الجيم أي ~~كسرا وقطعا جمع جذيذ، وهو الهشيم مثل خفيف وخفاف، وقرأ الآخرون ~~بضمه، مثل الحطام والرفات، { إلا كبيرا لهم } ، فإنه لم يكسره ~~ووضع الفأس على عنقه، وقيل ربطه بيده وكانت اثنين وسبعون صنما بعضها من ~~ذهب وبعضها من فضة وبعضها من حديد ورصاص وشبة وخشب وحجر، وكان الصنم ~~الكبير من ms1489 الذهب مكللا بالجواهر في عينيه ياقوتتان تتقدان. قوله تعالى: ~~{ لعلهم إليه يرجعون } ، قيل: معناه لعلهم يرجعون إلى ~~دينه وإلى ما يدعوهم إليه إذا علموا ضعف الآلهة وعجزها، وقيل: لعلهم ~~إليه يرجعون فيسألونه، فلما رجع القوم من عيدهم إلى بيت آلهتهم ورأوا ~~أصنامهم جذاذا. # { قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين ~~} ، أي من المجرمين. # { قالوا } يعني الذين سمعوا قول إبراهيم: وتالله لأكيدن أصنامكم، { ~~سمعنا فتى يذكرهم } ، يعيبهم ويسبهم، { يقال له ~~إبرهيم } ، هو الذي نظن أنه صنع هذا، فبلغ ذلك نمرود الجبار وأشراف ~~قومه. # { قالوا فأتوا به على أعين الناس } ، قال نمرود: ~~يقول جيئوا به ظاهرا بمرأى من الناس، { لعلهم يشهدون } ، ~~عليه أنه الذي فعله، كرهوا أن يأخذوه بغير بينة، قال الحسن وقتادة ~~والسدي، وقال محمد بن إسحاق { لعلهم يشهدون } أي يحضرون عقابه ~~وما يصنع به فلما أتوا به، { قالوا } له { ءأنت فعلت هذا ~~بآلهتنا يإبرهيم }؟. ### || [21.63] # { قال } ، إبراهيم، { بل فعله كبيرهم هذا } ، غضب من ~~أن تعبدوا معه الصغار وهو أكبر منهم فكسرهن، وأراد بذلك إبراهيم إقامة ~~الحجة عليهم، فذلك قوله: { فسئلوهم إن كانوا ينطقون } ، ~~حتى يخبروا بمن فعل ذلك بهم. # قال القتيبي: معناه بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون على سبيل الشرط، ~~فجعل النطق شرطا للفعل، أي إن قدروا على النطق قدروا على الفعل، فأراهم ~~عجزهم عن النطق، وفي ضمنه أنا فعلت،. # وروي عن الكسائي أنه كان يقف عند قوله: { بل فعله } ويقول: معناه ~~فعله من فعله، والأول أصح لما روي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، اثنتان منهن في ذات الله، قوله: { ~~إنى سقيم } [الصافات: 89]، وقوله: { بل فعله كبيرهم } ، ~~وقوله على سارة (هذه أختي) " # وقيل في قوله: { إنى سقيم } أي سأسقم، وقيل: سقم القلب أي مغتم ~~بضلالتكم، وقوله لسارة: هذه أختي أي في الدين، وهذه التأويلات لنفي الكذب ~~عن إبراهيم، والأولى هو الأول للحديث فيه، ويجوز أن يكون الله عز وجل ~~أذن له في ذلك لقصد الصلاح وتوبيخهم والاحتجاج ms1490 عليهم، كما أذن ليوسف حتى ~~أمر مناديه فقال لإخوته: # أيتها العير إنكم لسارقون # [يوسف: 70]. ولم يكونوا سرقوا. ### || [21.64-68] # { فرجعوا إلى أنفسهم } ، أي فتفكروا بقلوبهم، ورجعوا إلى ~~عقولهم، { فقالوا } ، ما نراه إلا كما قال، { إنكم أنتم ~~الظلمون } ، يعني بعبادتكم من لا يتكلم. وقيل: أنتم الظالمون ~~لهذا الرجل في سؤالكم إياه وهذه آلهتكم حاضرة فاسئلوها. # { ثم نكسوا على رءوسهم } ، قال أهل التفسير: أجرى الله ~~الحق على لسانهم في القول الأول، ثم أدركتهم الشقاوة، فهو معنى قوله: { ~~ثم نكسوا على رءوسهم } أي ردوا إلى الكفر بعد أن أقروا ~~على أنفسهم بالظلم، يقال نكس المريض إذا رجع إلى حاله الأول، وقالوا: { ~~لقد علمت ما هؤلاء ينطقون } ، فكيف نسألهم؟ فلما اتجهت ~~الحجة لإبراهيم عليه السلام، { قال } ، لهم، { أفتعبدون من ~~دون الله ما لا ينفعكم شيئا } ، إن عبدتموه، { ولا ~~يضركم } ، إن تركتم عبادته. # { أف لكم } يعني تبا وقذرا لكم، { ولما تعبدون من ~~دون الله أفلا تعقلون } ، أي أليس لكم عقل تعرفون هذا، فلما ~~لزمتهم الحجة وعجزوا عن الجواب. # { قالوا حرقوه وانصروا ءالهتكم إن كنتم ~~فعلين } ، أي: إن كنتم ناصرين لها. # قال ابن عمر رضي الله عنهما: إن الذي قال هذا رجل من الأكراد. وقيل: إن ~~اسمه " هيزن " فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. # وقيل: قاله نمرود، فلما أجمع نمرود وقومه على إحراق إبراهيم عليه ~~السلام، حبسوه في بيت، وبنوا له بنيانا كالحظيرة. # وقيل: بنوا أتونا بقرية يقال لها " كوثى " ثم جمعوا له صلاب الحطب من ~~أصناف الخشب مدة حتى كان الرجل يمرض فيقول لئن عافاني الله لأجمعن حطبا ~~لإبراهيم، وكانت المرأة تنذر في بعض ما تطلب لئن أصابته لتحطبن في ~~نار إبراهيم، وكان الرجل يوصي بشراء الحطب وإلقائه فيه، وكانت المرأة ~~تغزل وتشتري الحطب بغزلها، فتلقيه فيه احتسابا في دينها. # قال ابن إسحاق كانوا يجمعون الحطب شهرا فلما جمعوا ما أرادوا أشعلوا في ~~كل ناحية من الحطب فاشتعلت النار واشتدت حتى إن كان الطير ليمر بها ~~فيحترق من شدة وهجها، فأوقدوا عليها ms1491 سبعة أيام. # روي أنهم لم يعلموا كيف يلقونه فيها فجاء إبليس فعلمهم عمل المنجنيق ~~فعملوا ثم عمدوا إلى إبراهيم فرفعوه على رأس البنيان وقيدوه ثم وضعوه في ~~المنجنيق مقيدا مغلولا، فصاحت السماء والأرض ومن فيها من الملائكة ~~وجميع الخلق إلا الثقلين صيحة واحدة، أي ربنا إبراهيم خليلك يلقى في ~~النار وليس في أرضك أحد يعبدك غيره فاذن لنا في نصرته، فقال الله عز ~~وجل: إنه خليلي ليس لي غيره خليل، وإنا إلهه وليس له إله غيري، فإن ~~استغاث بشيء منكم أو دعاه فلينصره فقد أذنت له في ذلك، وإن لم يدع ~~غيري فأنا أعلم به وأنا وليه فخلوا بيني وبينه، فلما أرادوا إلقاءه في ~~النار أتاه خازن المياه فقال: إن أردت أخمدت النار، وأتاه خازن الرياح ~~فقال: إن شئت طيرت النار في الهواء، فقال إبراهيم: لا حاجة لي إليكم ~~حسبي الله ونعم الوكيل. # وروي عن أبي بن كعب أن إبراهيم قال حين أوثقوه ليلقوه في النار لا إله ~~إلا أنت سبحانك رب العالمين لك الحمد ولك الملك لا شريك لك، ثم رموا به ~~في المنجنيق إلى النار، واستقبله جبريل فقال: يا إبراهيم لك حاجة؟ فقال ~~أما إليك فلا، فقال جبريل: فاسأل ربك، فقال إبراهيم حسبي من سؤالي علمه ~~بحالي. # قال كعب الأحبار: جعل كل شيء يطفىء عنه النار إلا الوزغ فإنه كان ينفخ ~~في النار. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد ~~بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عبيد الله بن موسى وابن سلام عنه ~~أخبرنا ابن جريج عن عبد الحميد بن جبير عن سعيد بن المسيب عن أم شريك # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ، وقال: «كان ينفخ ~~النار على إبراهيم« " ### || [21.69] # قال تعالى: { قلنا ينار كونى بردا وسلما على ~~إبرهيم } ، قال ابن عباس: لو لم يقل سلاما لمات إبراهيم من بردها، ~~ومن المعروف في الآثار أنه لم يبق يومئذ نار في الأرض إلا طفئت، فلم ~~ينتفع في ذلك ms1492 اليوم بنار في العالم، ولو لم يقل وسلاما على إبراهيم بقيت ~~ذات برد أبدا. # قال السدي: فأخذت الملائكة بضبعي إبراهيم فأقعدوه على الأرض، فإذا ~~عين ماء عذب وورد أحمر ونرجس. # قال كعب: ما أحرقت النار في إبراهيم إلا وثاقه، قالوا: وكان إبراهيم في ~~ذلك الموضع سبعة أيام. # قال المنهال بن عمرو: قال إبراهيم ما كنت أياما قط أنعم مني من الأيام ~~التي كنت فيها في النار. # قال ابن يسار: وبعث الله عز وجل ملك الظل في صورة إبراهيم فقعد فيها إلى ~~جنب إبراهيم يؤنسه، قالوا وبعث الله جبريل بقميص من حرير الجنة وطنفسة ~~فألبسه القميص وأقعده على الطنفسة وقعد معه يحدثه، وقال جبريل: يا ~~إبراهيم إن ربك يقول: أما علمت أن النار لا تضر أحبائي. # ثم نظر نمرود وأشرف على إبراهيم من صرح له فرآه جالسا في روضة والملك ~~قاعدا إلى جنبه وما حوله نار تحرق الحطب، فناداه: يا إبراهيم كبير إلهك ~~الذي بلغت قدرته أن حال بينك وبين ما أرى، يا إبراهيم هل تستطيع أن تخرج ~~منها؟ قال: نعم، قال: هل تخشى إن أقمت فيها أن تضرك؟ قال: لا، قال: فقم ~~فاخرج منها، فقام إبراهيم يمشي فيها حتى خرج منها، فلما خرج إليه قال له: ~~يا إبراهيم من الرجل الذي رأيته معك في صورتك قاعدا إلى جنبك؟ قال: ~~ذلك ملك الظل أرسله إلي ربي ليؤنسني فيها، فقال نمرود: يا إبراهيم إني ~~مقرب إلى إلهك قربانا لما رأيت من قدرته وعزته فيما صنع بك حين أبيت إلا ~~عبادته وتوحيده إني ذابح له أربعة آلاف بقرة، فقال له إبراهيم: إذا لا ~~يقبل الله منك ما كنت على دينك حتى تفارقه إلى ديني، فقال: لا أستطيع ترك ~~ملكي. ولكن سوف أذبحها له فذبحها له نمرود ثم كف عن إبراهيم، ومنعه الله ~~منه. قال شعيب الجبائي: ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ست عشرة سنة. ### || [21.70-71] # قوله عز وجل: { وأرادوا به كيدا فجعلنهم ~~الأخسرين } ، قيل: معناه أنهم خسروا السعي والنفقة ولم يحصل لهم ms1493 ~~مرادهم. # وقيل: معناه إن الله عز وجل أرسل على نمرود وقومه البعوض فأكلت لحومهم ~~وشربت دماءهم، ودخلت واحدة في دماغه فأهلكته. # قوله عز وجل: { ونجينه ولوطا } ، من نمرود وقومه من أرض ~~العراق، { إلى الأرض التى بركنا فيها للعلمين } ، ~~يعني الشام بارك الله فيها بالخصب وكثرة الأشجار والثمار والأنهار، ومنها ~~بعث أكثر الأنبياء. وقال أبي بن كعب: سماها مباركة لأنه ما من ماء عذب ~~إلا وينبع أصله من تحت الصخرة التي هي ببيت المقدس. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا ~~إسماعيل بن محمد الصفار، أخبرنا أحمد بن منصور الرمادي، أخبرنا عبد ~~الرزاق، أخبرنا معمر، عن قتادة، أن عمر بن الخطاب قال لكعب: ألا تتحول ~~إلى المدينة فيها مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبره، فقال ~~كعب: إني وجدت في كتاب الله المنزل يا أمير المؤمنين أن الشام كنز الله ~~من أرضه، وبها كنزه من عباده. # أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، أخبرنا جدي عبد الصمد بن عبد ~~الرحمن البزاز، أخبرنا محمد بن زكريا العذافري، أخبرنا إسحاق الديري، ~~أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن شهر بن حوشب عن عبد الله ~~بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إنها ستكون هجرة بعد هجرة، فخيار الناس إلى مهاجر إبراهيم " # وقال محمد بن إسحاق: استجاب لإبراهيم رجال قومه حين رأوا ما صنع الله ~~به من جعل النار عليه بردا وسلاما على خوف من نمرود وملئه وآمن به لوط، ~~وكان ابن أخيه وهو لوط بن هاران ابن تارخ، وهاران هو أخو إبراهيم وكان ~~لهما أخ ثالث يقال له ناخور بن تارخ، وآمنت به أيضا سارة وهي بنت عمه ~~وهي سارة بنت هاران الأكبر، عم إبراهيم فخرج من كوثى من أرض العراق ~~مهاجرا إلى ربه، ومعه لوط وسارة، كما قال الله تعالى: # فآمن له لوط وقال إنى مهاجر إلى ربى # [العنكبوت: 26]، فخرج يلتمس الفرار بدينه والأمان على عبادة ربه، حتى ms1494 ~~نزل حران فمكث بها ما شاء الله، ثم خرج منها مهاجرا حتى قدم مصر، ثم ~~خرج من مصر إلى الشام، فنزل السبع من أرض فلسطين، وهي برية الشام، ~~ونزل لوط بالمؤتفكة وهي من السبع على مسيرة يوم وليلة، وأقرب، فبعثه الله ~~نبيا فذلك قوله تعالى: { ونجينه ولوطا إلى الأرض ~~التى بركنا فيها للعلمين }. ### || [21.72-73] # { ووهبنا له إسحق ويعقوب نافلة } ، قال مجاهد ~~وعطاء: معنى النافلة العطية وهما جميعا من عطاء الله نافلة يعني عطاء، ~~قال الحسن والضحاك: فضلا. وعن ابن عباس وأبي بن كعب وأبي زيد وقتادة ~~رضي الله عنهم: النافلة هو يعقوب لأن الله عز وجل أعطاه إسحاق بدعائه ~~حيث قال: # هب لى من الصلحين # [الصافات: 100]، وزاد يعقوب [ولد الولد]، والنافلة الزيادة، { وكلا ~~جعلنا صلحين } ، يعني: إبراهيم وإسحاق ويعقوب. # { وجعلناهم أئمة } ، يقتدى بهم في الخير، { يهدون ~~بأمرنا } ، يدعون الناس إلى ديننا، { وأوحينآ إليهم ~~فعل الخيرت } ، العمل بالشرائع، { وإقام الصلوة } ، ~~يعني المحافظة عليها، { وإيتآء الزكوة } ، إعطاءها، { ~~وكانوا لنا عبدين } ، موحدين. ### || [21.74-78] # { ولوطا آتينه } ، أي وآتينا لوطا، وقيل: واذكر لوطا آتيناه، ~~{ حكما } ، يعني: الفصل بين الخصوم بالحق، { وعلما } ، { ~~ونجينه من القرية التى كانت تعمل ~~الخبئث } ، يعني: سدوما وكان أهلها يأتون الذكران في أدبارهم ~~ويتضارطون في أنديتهم مع أشياء أخر، كانوا يعملون من المنكرات، { ~~إنهم كانوا قوم سوء فسقين }. # { وأدخلنه فى رحمتنآ إنه من الصلحين }. # { ونوحا إذ نادى } ، دعا، { من قبل } ، أي من قبل إبراهيم ~~ولوط، { فاستجبنا له فنجينه وأهله من الكرب ~~العظيم } ، قال ابن عباس: من الغرق وتكذيب قومه. وقيل: لأنه كان أطول ~~الأنبياء عمرا وأشدهم بلاء، والكرب أشد الغم. # { ونصرنه } ، منعناه، { من القوم الذين كذبوا ~~بآيتنا } ، أن يصلوا إليه بسوء. وقال أبو عبيدة: أي على القوم، { ~~إنهم كانوا قوم سوء فأغرقنهم أجمعين }. # قوله عز وجل: { وداوود وسليمن إذ يحكمان فى ~~الحرث } ، اختلفوا في الحرث، قال ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم ~~وأكثر المفسرين: كان الحرث كرما قد تدلت عناقيده. وقال قتادة: كان ~~زرعا، { إذ نفشت فيه غنم القوم } ، أي رعته ms1495 ليلا ~~فأفسدته، والنفش: الرعي بالليل والهمل بالنهار وهما الرعي بلا راع، { ~~وكنا لحكمهم شهدين } ، أي: كان ذلك بعلمنا ومرأى منا لا ~~يخفى علينا علمه. قال الفراء: جمع اثنين، فقال لحكمهم وهو يريد داود ~~وسليمان لأن الإثنين جمع وهو مثل قوله: # فإن كان له إخوة فلأمه السدس # [النساء: 11]، وهو يريد أخوين. # قال ابن عباس وقتادة والزهري: وذلك أن رجلين دخلا على داود أحدهما صاحب ~~حرث والآخر صاحب غنم، فقال صاب الزرع: إن هذا انفلتت غنمه ليلا ووقعت في ~~حرثي فأفسدته فلم يبق منه شيء، فأعطاه داود رقاب الغنم بالحرث، فخرجا ~~فمرا على سليمان فقال: كيف قضى بينكما فأخبراه، فقال سليمان: لو وليت ~~أمرهما لقضيت بغير هذا. # وروي أنه قال غير هذا أرفق بالفريقين فأخبر بذلك داود فدعاه فقال كيف ~~تقضي؟ ويروى أنه قال بحق النبوة والأبوة إلا أخبرتني بالذي هو أرفق ~~بالفريقين، قال: ادفع الغنم إلى صاحب الحرث ينتفع بدرها ونسلها وصوفها ~~ومنافعها ويبذر صاحب الغنم لصاحب الحرث مثل حرثه، فإذا صار الحرث كهيئته ~~يوم أكل دفع إلى أهله، وأخذ صاحب الغنم غنمه، فقال داود القضاء ما قضيت ~~وحكم بذلك. # وقيل: إن سليمان يوم حكم كان ابن إحدى عشرة سنة، وأما حكم الإسلام في ~~هذه المسألة أن ما أفسدت الماشية المرسلة بالنهار من مال الغير فلا ضمان ~~على ربها، وما أفسدت بالليل ضمنه ربها لأن في عرف الناس أن أصحاب الزرع ~~يحفظونه بالنهار، والمواشي تسرح بالنهار وترد بالليل إلى المراح. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق ~~الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن ابن شهاب، عن حرام بن سعد بن ~~محيصة # " أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائطا فأفسدت فقضى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار وأن ما أفسدت المواشي بالليل ~~ضمانه على أهلها " # وذهب أصحاب الرأي إلى أن المالك إذا لم يكن معها فلا ضمان عليه فيما ~~أتلفت ماشيته ليلا كان أو نهارا. ### || [21.79] # قوله عز وجل: { ففهمنها سليمن ms1496 } ، أي علمناه القضية ~~وألهمناها سليمان، { وكلا } ، يعني داود وسليمان، { ءاتينا ~~حكما وعلما } ، قال الحسن: لولا هذه الآية لرأيت الحكام قد هلكوا ~~ولكن الله حمد هذا بصوابه وأثنى على هذا باجتهاده. واختلف العلماء في ~~أن حكم داود كان بالاجتهاد أم بالنص، وكذلك حكم سليمان. # فقال بعضهم: فعلا بالاجتهاد. وقالوا يجوز الاجتهاد للأنبياء ليدركوا ~~ثواب المجتهدين، إلا أن داود أخطأ وأصاب سليمان. وقالوا: يجوز الخطأ ~~على الأنبياء إلا أنهم لا يقرون عليه، فأما العلماء فلهم الاجتهاد في ~~الحوادث إذا لم يجدوا فيها نص كتاب أو سنة، وإذا أخطأوا فلا إثم عليهم، ~~فإنه موضوع عنهم، لما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد ~~العزيز بن أحمد الخلال، أخبرنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع بن ~~سليمان، أخبرنا الشافعي، أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن يزيد بن عبد الله ~~بن الهادي، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن بشر ابن سعيد، عن أبي قيس مولى ~~عمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله ~~أجر ". # وقال قوم: إن داود وسليمان حكما بالوحي، وكان حكم سليمان ناسخا لحكم ~~داود، وهذا القائل يقول: لا يجوز للأنبياء الحكم بالاجتهاد لأنهم مستغنون ~~عن الاجتهاد بالوحي، وقالوا: لا يجوز الخطأ على الأنبياء، واحتج من ذهب ~~إلى أن كل مجتهد مصيب بظاهر الآية وبالخبر حيث وعد الثواب للمجتهد على ~~الخطأ، وهو قول أصحاب الرأي، وذهب جماعة إلى أنه ليس كل مجتهد مصيبا بل ~~إذا اختلف اجتهاد مجتهدين في حادثة كان الحق مع واحد لا بعينه، ولو كان ~~كل واحد مصيبا لم يكن للتقسيم معنى. وقوله عليه السلام: # " إذا اجتهد فأخطأ فله أجر " # ، لم يرد به أنه يؤجر على الخطأ بل يؤجر على اجتهاده في طلب الحق لأن ~~اجتهاده عبادة، والإثم في الخطأ عنه موضوع إذ لم يأل جهده. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، ms1497 أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، ~~عن الزهري، أخبرنا أبو الزناد، عن عبد الرحمن الأعرج أنه سمع أبا هريرة ~~أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " كانت امرأتان معهما ابناهما فجاء الذئب فذهب بابن إحداهما فقالت ~~صاحبتها: إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك فتحاكمتا إلى ~~داود فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان وأخبرتاه فقال: ائتوني بالسكين ~~أشقه بينهما، فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله هو ابنها فقضى به للصغرى ~~". # قوله عز وجل: { وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن ~~والطير } ، أي وسخرنا الجبال والطير يسبحن مع داود إذا سبح، قال ابن ~~عباس: كان يفهم تسبيح الحجر والشجر. قال وهب: كانت الجبال تجاوبه ~~بالتسبيح وكذلك الطير. وقال قتادة: يسبحن أي يصلين معه إذا صلى. وقيل: ~~كان داود إذا فتر يسمعه الله تسبيح الجبال والطير لينشط في التسبيح ~~ويشتاق إليه. { وكنا فعلين } ، يعني: ما ذكر من التفهيم وإيتاء ~~الحكم والتسخير. ### || [21.80-81] # { وعلمناه صنعة لبوس } ، المراد باللبوس هنا الدروع لأنها ~~تلبس، وهو في اللغة اسم لكل ما يلبس ويستعمل في الأسلحة كلها، وهو بمعنى ~~الملبوس كالجلوس والركوب، قال قتادة: أول من صنع الدروع وسردها وحلقها ~~داود وكانت من قبل صفائح، والدرع يجمع الخفة والحصانة، { لتحصنكم } ~~، لتحرزكم وتمنعكم، { من بأسكم } ، أي من حرب عدوكم، قال السدي: ~~من وقع السلاح فيكم، قرأ أبو جعفر وابن عامر وحفص عن عاصم ويعقوب: { ~~لتحصنكم } بالتاء، يعني الصنعة، وقرأ أبو بكر عن عاصم بالنون ~~لقوله: { وعلمناه } وقرأ الآخرون بالياء، جعلوا الفعل للبوس، ~~وقيل: ليحصنكم الله وجل، { فهل أنتم شكرون } ، يقول لداود ~~وأهل بيته. وقيل: يقول لأهل مكة فهل أنتم شاكرون نعمي بطاعة الرسول. # قوله عز وجل: { ولسليمن الريح عاصفة } ، أي وسخرنا ~~لسليمان الريح، وهي هواء متحرك، وهو جسم لطيف يمتنع بلطفه من القبض عليه، ~~ويظهر للحس بحركته، والريح يذكر ويؤنث، عاصفة شديدة الهبوب، فإن قيل: قد ~~قال في موضع آخر تجري بأمره رخاء والرخاء اللين؟ قيل: كانت الريح تحت ~~أمره إن أراد أن تشتد ms1498 اشتدت، وإن أراد أن تلين لانت، { تجرى ~~بأمره إلى الأرض التى بركنا فيها } ، يعني الشام، ~~وذلك أنها كانت تجري لسليمان وأصحابه حيث شاء سليمان، ثم يعود إلى منزله ~~بالشام، { وكنا بكل شىء } ، علمناه، { علمين } ، بصحة ~~التدبير فيه علمنا أن ما يعطى سليمان من تسخير الريح وغيره يدعوه إلى ~~الخضوع لربه عز وجل. # قال وهب بن منبه: كان سليمان إذا خرج إلى مجلسه عكفت عليه الطير وقام له ~~الجن والإنس حتى يجلس على سريره، وكان امرءا غزاء قل ما يقعد عن ~~الغزو، ولا يسمع في ناحية من الأرض بملك إلا أتاه حتى يذله، فكان فيما ~~يزعمون أنه إذا أراد الغزو أمر بمعسكره فضرب بخشب ثم نصب له على الخشب ثم ~~حمل عليه الناس والدواب وآلة الحرب، فإذا حمل معه ما يريد أمر العاصفة من ~~الريح فدخلت تحت ذلك الخشب فاحتملته حتى إذا استقلت به أمر الرخاء فمر به ~~شهرا في روحته وشهرا في غدوته إلى حيث أراد، وكانت تمر بعسكره الريح ~~الرخاء وبالمزرعة فما تحركها، ولا تثير ترابا ولا تؤذي طائرا. قال وهب: ~~ذكر لي أن منزلا بناحية دجلة مكتوب فيه كتبه بعض صحابة سليمان إما من ~~الجن وإما من الإنس نحن نزلناه وما بنيناه مبنيا وجدناه، غدونا من اصطخر ~~فقلناه ونحن رائحون منه إن شاء الله فبائتون بالشام. # قال مقاتل: نسجت الشياطين لسليمان بساطا فرسخا في فرسخ ذهبا في ~~إبريسم، وكان يوضع له منبر من الذهب في وسط البساط فيقعد عليه، وحوله ~~ثلاثة آلاف كرسي من ذهب وفضة، يقعد الأنبياء على كراسي الذهب، والعلماء ~~على كراسي الفضة، وحولهم الناس، وحول الناس الجن والشياطين، وتظله الطير ~~بأجنحتها لا تقع عليه الشمس، وترفع ريح الصبا البساط مسيرة شهر من الصباح ~~إلى الرواح ومن الرواح إلى الصباح. ### || [21.82-83] # قوله عز وجل: { ومن الشيطين } ، أي وسخرنا له من الشياطين، { ~~من يغوصون له } ، أي يدخلون تحت الماء فيخرجون له من قعر البحر ~~الجواهر، { ويعملون عملا دون ذلك } ، أي دون الغوص، وهو ~~ما ذكر الله عز ms1499 وجل: # يعملون له ما يشآء من محريب وتمثيل # [سبأ: 13] الآية. { وكنا لهم حفظين } ، حتى لا يخرجوا عن ~~أمره. وقال الزجاج: معناه حفظناهم من أن يفسدوا ما عملوا. وفي القصة أن ~~سليمان كان إذا بعث شيطانا مع إنسان ليعمل له عملا، قال له إذا فرغ من ~~عمله قبل الليل أشغله بعمل آخر لئلا يفسد ما عمل، وكان من عادة الشياطين ~~أنهم إذا فرغوا من العمل ولم يشتغلوا بعمل آخر خربوا ما عملوا وأفسدوه. # قوله عز وجل: { وأيوب إذ نادى ربه } ، أي دعا ربه. قال ~~وهب بن منبه: كان أيوب عليه السلام رجلا من الروم وهو أيوب بن أموص بن ~~رازح بن روم بن عيس بن إسحاق بن إبراهيم، وكانت أمه من أولاد لوط بن ~~هاران، وكان الله قد اصطفاه ونبأه وبسط عليه الدنيا، وكانت له البثنية ~~من أرض الشام، كلها سهلها وجبلها، وكان له فيها من أصناف المال كله، من ~~البقر والإبل والغنم والخيل والحمر ما لا يكون لرجل أفضل منه من العدة ~~والكثرة، وكان له خمسمائة فدان، يتبعها خمسمائة عبد، لكل عبد امرأة وولد ~~ومال، ويحمل آلة كل فدان أتان لكل أتان ولد من اثنين وثلاثة أربعة وخمسة، ~~وفوق ذلك وكان الله عز وجل أعطاه أهلا وولدا من رجال ونساء، وكان برا ~~تقيا رحيما بالمساكين، يطعم المساكين ويكفل الأرامل والأيتام، ويكرم ~~الضيف ويبلغ ابن السبيل، وكان شاكرا لأنعم الله مؤديا لحق الله، قد ~~امتنع من عدو الله إبليس أن يصيب منه ما يصيب من أهل الغنى من الغرة ~~والغفلة والتشاغل عن أمر الله بما هو فيه من الدنيا، وكان معه ثلاثة نفر ~~قد آمنوا به وصدقوه رجل من أهل اليمن يقال: اليقن، ورجلان من أهل بلده ~~يقال لأحدهما يلدد والآخر صافر وكانوا كهولا، وكان إبليس لا يحجب عن شيء ~~من السموات، وكان يقف فيهن حيث ما أراد حتى رفع الله عيسى فحجب عن أربع ~~سموات، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم حجب من الثلاث الباقية، فسمع ~~إبليس تجاوب الملائكة ms1500 بالصلاة على أيوب، وذلك حين ذكره الله وأثنى عليه، ~~فأدركه البغي والحسد فصعد سريعا حتى وقف من السماء موقفا كان يقفه، ~~فقال إلهي نظرت في أمر عبدك أيوب فوجدته عبدا أنعمت عليه فشكرك وعافيته ~~فحمدك، ولو ابتليته بنزع ما أعطيته لحال عما هو عليه من شكرك وعبادتك، ~~ولخرج من طاعتك، قال الله تعالى: انطلق فقد سلطتك على ماله فانقض عدو ~~الله إبليس حتى وقع إلى الأرض، ثم جمع عفاريت الجن ومردة الشياطين، وقال ~~لهم: ماذا عندكم من القوة؟ فإني قد سلطت على مال أيوب، وهي المصيبة ~~الفادحة والفتنة التي لا يصبر عليها الرجال، فقال عفريت من الشياطين ~~أعطيت من القوة ما إذا شئت تحولت إعصارا من نار وأحرقت كل شيء ~~آتي عليه، قال له إبليس: فأت الإبل ورعاءها، فأتى الإبل حين وضعت ~~رؤوسها وثبتت في مراعيها، فلم يشعر الناس حتى ثار من تحت الأرض إعصار من ~~نار لا يدنو منها أحد إلا احترق فأحرق ورعاءها، حتى أتى على آخرها، ثم ~~جاء عدو الله إبليس في صورة قبيحة على قعود إلى أيوب فوجده قائما يصلي، ~~فقال: يا أيوب أقبلت نار حتى غشيت إبلك فأحرقتها ومن فيها ~~غيري، فقال أيوب: الحمد لله الذي هو أعطاها وهو أخذها، وقديما ما وطنت ~~مالي ونفسي على الفناء، فقال إبليس: فإن ربك أرسل عليها نارا من ~~السماء فاحترقت فتركت الناس مبهوتين يتعجبون منها، منهم من يقول ما كان ~~أيوب يعبد شيئا وما كان إلا في غرور، ومنهم من يقول لو كان إله أيوب ~~يقدر على أن يصنع شيئا لمنع وليه، ومنهم من يقول: بل هو الذي فعل ذلك ~~ليشمت به عدوه ويفجع صديقه. # قال أيوب: الحمد لله حين أعطاني وحين نزع مني، عريانا خرجت من بطن ~~أمي، وعريانا أعود في التراب، وعريانا أحشر إلى الله، ليس لك أن ~~تفرح حين أعارك وتجزع حين قبض عاريته منك، الله أولى بك وبما أعطاك، ~~ولو علم الله فيك أيها العبد خيرا لنقل روحك مع تلك الأرواح وصرت ~~شهيدا، ولكنه ms1501 علم منك شرا فأخرك، فرجع إبليس إلى أصحابه خائبا ~~خاسئا ذليلا فقال لهم: ماذا عندكم من القوة؟ فإني لم أكلم قلبه، ~~قال عفريت: عندي من القوة ما شئت صحت صيحة لا يسمعها ذو روح إلا خرجت ~~مهجة نفسه، قال إبليس فات الغنم ورعاتها، فانطلق حتى توسطها ثم صاح ~~صيحة فتجثمت أمواتا عن آخرها ومات رعاؤها، ثم جاء إبليس متمثلا ~~بقهرمان الرعاة إلى أيوب وهو يصلي، فقال له مثل القول الأول، فرد عليه ~~أيوب مثل الرد الأول ثم رجع إبليس إلى أصحابه فقال: ماذا عندكم من القوة ~~فإني لم أكلم قلب أيوب، فقال عفريت عندي من القوة ما إذا شئت تحولت ريحا ~~عاصفا تنسف كل شيء تأتي علي، قال فات الفدادين والحرث فانطلق ولم ~~يشعروا حتى هبت ريح عاصف، فنسفت كل شيء من ذلك حتى كأنه لم يكن، ثم جاء ~~إبليس متمثلا بقهرمان الحرث إلى أيوب وهو قائم يصلي، فقال له مثل القول ~~الأول، فرد عليه أيوب، مثل رده الأول كلما انتهى إليه هلاك مال من ~~أمواله حمد الله وأحسن الثناء عليه، ورضي منه بالقضاء، ووطن نفسه بالصبر ~~على البلاء، حتى لم يبق له مال. # فلما رأى إبليس أنه قد أفني ماله صعد إلى السماء فقال إلهي إن أيوب يرى ~~منك أنك ما متعته بولده فأنت تعطيه المال فهل مسلطي على ولده، فإنها ~~المصيبة التي لا تقوم لها قلوب الرجال، قال الله تعالى: انطلق فقد سلطتك ~~على ولده، فانقض عدو الله حتى جاء بني أيوب وهم في قصرهم فلم يزل يزلزل ~~بهم حتى تداعى من قواعده، ثم جعل يناطح جدره بعضها ببعض ويرميهم بالخشب ~~والجندل، حتى إذا مثل بهم كل مثلة رفع القصر فقلبه فصاروا منكسين، ~~وانطلق إلى أيوب متمثلا بالمعلم الذي كان يعلمهم الحكمة وهو جريح مشدوخ ~~الوجه يسيل دمه ودماغه فأخبره، وقال: لو رأيت بنيك كيف عذبوا وقلبوا ~~فكانوا منكسين على رؤوسهم تسيل دماؤهم ودماغهم، ولو رأيت كيف شقت ~~بطونهم وتناثرت أمعاؤهم لقطع قلبك، فلم يزل يقول هذا ونحوه ms1502 حتى رق أيوب ~~فبكى وقبض قبضة من التراب فوضعها على رأسه. وقال يا ليت أمي لم تلدني، ~~فاغتنم إبليس ذلك فصعد سريعا بالذي كان من جزع أيوب مسرورا به، ثم لم ~~يلبث أيوب أن فاء وأبصر واستغفر، وصعد قرناؤه من الملائكة بتوبته فسبقت ~~توبته إلى الله وهو أعلم، فوقف إبليس ذليلا فقال: يا إلهي إنما هون ~~على أيوب المال والولد أنه يرى منك أنك ما متعته بنفسه فأنت تعيد له ~~المال والولد فهل أنت مسلطي على جسده؟ فقال الله عز وجل: انطلق فقد ~~سلطتك على جسده، ولكن ليس لك سلطان على لسانه ولا على قلبه، وكان الله ~~عز وجل أعلم به لم يسلطه عليه إلا رحمة له ليعظم له الثواب ويجعله ~~عبرة للصابرين وذكرى للعابدين في كل بلاء نزل بهم، ليتأسوا به في الصبر ~~ورجاء للثواب، فانقض عدو الله سريعا فوجد أيوب ساجدا فعجل قبل أن يرفع ~~رأسه فأتاه من قبل وجوهه فنفخ في منخره نفخة اشتعل منها جميع جسده، فخرج ~~من قرنه إلى قدمه تآليل مثل آليات الغنم فوقعت فيه حكة فحك بأظفاره حتى ~~سقطت كلها ثم حكها بالمسوح الخشنة حتى قطعها، ثم حكها بالفخار والحجارة ~~الخشنة، فلم يزل يحكها حتى نغل لحمه، وتقطع وتغير وأنتن، وأخرجه أهل ~~القرية فجعلوه على كناسة، وجعلوا له عريشا، فرفضه خلق الله كلهم غير ~~امرأته، وهي رحمة بنت أفراثيم بن يوسف بن يعقوب كانت تختلف إليه بما ~~يصلحه وتلزمه، فلما رأى الثلاثة من أصحابه وهم: يقن ويلدد وصافر ما ~~ابتلاه الله به اتهموه ورفضوه من غير أن يتركوا دينه، فلما طال به البلاء ~~انطلقوا إليه فبكتوه ولاموه وقالوا له: تب إلى الله من الذنب الذي ~~عوقبت به، قال: وحضره معهم فتى حديث السن قد آمن به وصدقه فقال لهم: إنكم ~~تكلمتم أيها الكهول، وكنتم أحق بالكلام مني لأسنانكم، ولكن قد تركتم من ~~القول أحسن من الذي قلتم. # ومن الرأي أصوب من الذي رأيتم، ومن الأمر أجمل من الذي أتيتم، وقد كان ~~لأيوب عليكم ms1503 من الحق والذمم أفضل من الذي وصفتم، فهل تدرون أيها الكهول ~~حق من انتقصتم وحرمة من انتهكتم، ومن الرجل الذي عبتم واتهمتم؟ ألم ~~تعلموا أن أيوب نبي الله وخيرته من خلقه وصفوته من أهل الأرض إلى يومكم ~~هذا. ثم لم تعلموا ولم يطلعكم الله من أمره على أنه قد سخط عليه شيئا من ~~أمره منذ آتاه الله ما آتاه إلى يومكم هذا، ولا على أنه نزع منه شيئا من ~~الكرامة التي أكرمه بها، ولا أن أيوب قال على الله غير الحق في طول ما ~~صحبتموه إلى يومكم هذا، فإن كان البلاء هو الذي أزري به عندكم ووضعه في ~~أنفسكم فقد علمتم أن الله يبتلي المؤمنين والصديقين والشهداء والصالحين، ~~وليس بلاؤه لأولئك بدليل على سخطه عليهم ولا لهوانه لهم، ولكنها كرامة ~~وخيرة لهم، ولو كان أيوب ليس من الله بهذه المنزلة إلا أنه أخ أحببتموه ~~على وجه الصحبة لكان لا يجمل بالحليم أن يعذل أخاه عند البلاء، ولا ~~يعيره بالمصيبة، ولا يعيبه بما لا يعلم وهو مكروب حزين، ولكنه يرحمه ~~ويبكي معه، ويستغفر له، ويحزن لحزنه، ويدل على مراشد أمره، وليس بحليم ~~ولا رشيد من جهل هذا، فالله الله أيها الكهول وقد كان في عظمة الله ~~وجلاله، وذكر الموت ما يقطع ألسنتكم، ويكسر قلوبكم، ألم تعلموا أن لله ~~عبادا أسكتتهم خشية من غير عي ولا بكم، وأنهم لهم الفصحاء البلغاء ~~النبلاء الألباء العالمون بالله، ولكنهم إذا ذكروا عظمة الله انقطعت ~~ألسنتهم، واقشعرت جلودهم، وانكسرت قلوبهم، وطاشت عقولهم إعظاما وإجلالا ~~لله عز وجل، فإذا استفاقوا من ذلك استبقوا إلى الله عز وجل ~~بالأعمال الزاكية يعدون أنفسهم مع الظالمين والخاطئين، وإنهم لأبرار ~~برءاء، ومع المقصرين والمفرطين، وأنهم لأكياس أقوياء، فقال أيوب: إن الله ~~عز وجل يزرع الحكمة بالرحمة في قلب الصغير والكبير، فمتى نبتت في القلب ~~يظهرها الله على اللسان، وليست تكون الحكمة من قبل السن والشيبة ولا طول ~~التجربة، وإذا جعل الله العبد حكيما في الصبا لم تسقط منزلته عند ~~الحكماء وهم ms1504 يرون من الله سبحانه عليه نور الكرامة، ثم أعرض عنهم أيوب ~~وأقبل على ربه مستغيثا به متضرعا إليه، فقال رب لأي شيء خلقتني ليتني ~~إذ كرهتني لم تخلقني يا ليتني قد عرفت الذنب الذي أذنبت، والعمل الذي ~~عملت، فصرفت وجهك الكريم عني، لو كنت أمتني فألحقتني بآبائي الكرام، ~~فالموت كان أجمل بي ألم أكن للغريب دارا، وللمسكين قرارا، ولليتيم ~~وليا، وللأرملة قيما، إلهي أنا عبدك إن أحسنت فالمن لك، وإن أسأت فبيدك ~~عقوبتي، جعلتني عرضا، وللفتنة نصبا، وقد وقع علي بلاء لو سلطته على ~~جبل ضعف عن حمله، فكيف يحمله ضعفي وإن قضاءك هو الذي أذلني، وإن سلطانك ~~هو الذي أسقمني وأنحل جسمي، ولو أن ربي نزع الهيبة التي في صدري وأطلق ~~لساني حتى أتكلم بملء فمي بما كان ينبغي للعبد أن يحاج عن نفسه لرجوت أن ~~يعافيني عند ذلك مما بي، ولكنه ألقاني وتعالى عني فهو يراني ولا أراه ~~ويسمعني ولا أسمعه، لا نظر إلي فرحمني، ولا دنا مني ولا أدناني فأدلي ~~بعذري وأتكلم ببراءتي وأخاصم عن نفسي، فلما قال ذلك أيوب وأصحابه عنده ~~أظله غمام حتى ظن أصحابه أنه عذاب أليم، ثم نودي يا أيوب إن الله عز ~~وجل يقول: ها أنا قد دنوت منك ولم أزل منك قريبا قم فأدل بعذرك، ~~وتكلم ببراءتك وخاصم عن نفسك، واشدد إزرك، وقم مقام جبار يخاصم جبار إن ~~استطعت، فإنه لا ينبغي أن يخاصمني إلا جبار مثلي، لقد منتك نفسك يا أيوب ~~أمرا ما تبلغه بمثل قوتك، أين أنت مني يوم خلقت الأرض فوضعتها على ~~أساسها، هل كنت معي تمد بأطرافها؟ وهل علمت بأي مقدار قدرتها أم على شيء ~~وضعت أكنافها؟ أبطاعتك حمل الماء الأرض أم بحكمتك كانت الأرض للماء ~~غطاء؟ أين كنت مني يوم رفعت السماء سقفا في الهواء لا تعلق بسبب من ~~فوقها ولا يقلها دعم من تحتها؟ هل تبلغ من حكمتك أن تجري نورها أو تسير ~~نجومها أو يختلف بأمرك ليلها ونهارها؟ أين أنت مني يوم نبعت الأنهار ms1505 ~~وسكرت البحار، أسلطانك حبس أمواج البحار على حدودها؟ أم قدرتك فتحت ~~الأرحام حين بلغت مدتها؟ أين أنت مني يوم صببت الماء على التراب ونصبت ~~شوامخ الجبال؟ هل تدري على أي شيء أرسيتها؟ وبأي مثقال وزنتها؟ أم هل لك ~~من ذراع تطيق حملها؟ أم هل تدري من أين الماء الذي أنزلت من السماء؟ أم ~~هل تدري من أي شيء أنشيء السحاب؟ أم هل تدري أين خزائن الثلج؟ أم أين ~~جبال البرد أم أين خزانة الليل بالنهار وخزانة النهار بالليل؟ وأين خزائة ~~الريح؟ وبأي لغة تتكلم الأشجار؟ ومن جعل العقول في أجواف الرجال؟ ومن شق ~~الأسماع والأبصار؟ ومن ذلت الملائكة لملكه وقهر الجبارين بجبروته؟ وقسم ~~الأرزاق بحكمته؟ في كلام كثير من آثار قدرته ذكرها لأيوب، فقال أيوب: صغر ~~شأني وكل لساني وعقلي ورائي وضعفت قوتي عن هذا الأمر الذي تعرض لي يا ~~إلهي، قد علمت أن كل الذي ذكرت صنع يديك وتدبير حكمتك وأعظم من ذلك وأعجب ~~لو شئت عملت، لا يعجزك شيء ولا يخفى عليك خافية إذ لقيني البلاء، إلهي ~~فتكلمت ولم أملك لساني وكان البلاء هو الذي أنطقني، فليت الأرض انشقت لي ~~فذهبت فيها ولم أتكلم بشيء يسخط ربي، وليتني مت بغمي في أشد بلائي قبل ~~ذلك، إنما تكلمت حين تكلمت لتعذرني، وسكت حين سكت لترحمني، كلمة زلت مني ~~فلن أعود، قد وضعت يدي على فمي وعضضت على لساني، وألصقت بالتراب خدي، ~~أعوذ بك اليوم منك وأستجيرك من جهد البلاء فأجرني، وأستغيث بك من عقابك ~~فأغثني، وأستعين بك على أمري فأعني، وأتوكل عليك فاكفني، وأعتصم بك ~~فاعصمني، وأستغفرك فاغفر لي، فلن أعود لشيء تكرهه مني، قال الله تعالى: ~~يا أيوب نفذ فيك علمي وسبقت رحمتي غضبي فقد غفرت لك، ورددت عليك أهلك ~~ومالك ومثلهم معهم لتكون لمن خلفك آية، وتكون عبرة لأهل البلاء وعزاء ~~للصابرين، فاركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب فيه شفاؤك وقرب عن أصحابك ~~قربانا فاستغفر لهم فإنهم قد عصوني فيك، فركض برجله فانفجرت له عين فدخل ~~فيها ms1506 فاغتسل فأذهب الله عنه كل ما كان به من البلاء، ثم خرج فجلس فأقبلت ~~امرأته تلتمسه في مضجعه فلم تجده فقامت كالوالهة متلددة، ثم قالت: يا عبد ~~الله هل لك علم بالرجل المبتلى الذي كان هاهنا، قال لها هل تعرفينه إذا ~~رأيتيه؟ قالت: نعم ومالي لا أعرفه، فتبسم وقال: أنا هو فعرفته بضحكه ~~فاعتنقته. # قال ابن عباس: فوالذي نفس عبد الله بيده ما فارقته من عناقه حتى مر ~~بهما كل مال لهما وولد، فذلك قوله تعالى: { وأيوب إذ نادى ~~ربه أنى مسنى الضر } ، واختلفوا في وقت ندائه والسبب ~~الذي قال لأجله: أني مسني الضر، وفي مدة بلائه. # روى ابن شهاب عن أنس يرفعه # " إن أيوب لبث في بلائه ثماني عشرة سنة ". # وقال وهب: لبث أيوب في البلاء ثلاث سنين لم يزد يوما. # وقال كعب: كان أيوب في بلائه سبع سنين وسبعة أشهر وسبع أيام. # وقال الحسن: مكث أيوب مطروحا على كناسة في مزبلة لبني إسرائيل سبع سنين ~~وأشهرا تختلف فيه الدواب لا يقربه أحد غير رحمة صبرت معه بصدق وتأتيه ~~بطعام وتحمد الله معه إذا حمد، وأيوب على ذلك لا يفتر عن ذكر الله والصبر ~~على ما ابتلائه، فصرخ إبليس صرخة جمع فيها جنوده من أقطار الأرض، فلما ~~اجتمعوا إليه قالوا: ما حزنك؟ قال أعياني هذا العبد الذي لم أدع له مالا ~~ولا ولدا فلم يزد إلا صبرا، ثم سلطت على جسده فتركته قرحة ملقاة على ~~كناسة لا يقربه إلا امرأته، فاستعنت بكم لتعينوني عليه، فقالوا له أين ~~مكرك الذي أهلكت به من مضى؟ قال: بطل ذلك كله في أيوب فأشيروا علي قالوا ~~نشير عليك، من أن أتيت آدم حين أخرجته من الجنة؟ قال من قبل امرأته قالوا ~~فشأنك بأيوب من قبل امرأته فإنه لا يستطيع أن يعصيها وليس أحد يقربه ~~غيرها، قال أصبتم: فانطلق حتى أتى امرأته وهي تصدق فتمثل لها في صورة ~~رجل فقال لها: أين بعلك يا أمة الله؟ قالت هو ذاك يحك قروحه وتتردد ~~الدواب في ms1507 جسده، فلما سمعها طمع أن تكون كلمة جزع فوسوس إليها وذكرها ~~ما كانت فيه من النعم والمال، وذكرها جمال أيوب وشبابه وما هو فيه من ~~الضر وأن ذلك لا ينقطع عنهم أبدا، قال الحسن فصرخت فلما صرخت علم أن قد ~~جزعت فأتاها بسخلة وقال ليذبح هذه لي أيوب ويبرأ، فجاءت تصرخ يا أيوب حتى ~~متى يعذبك ربك، أين المال، أين الولد، أين الصديق، أين لونك الحسن، أين ~~جسمك الحسن، اذبح هذه السخلة واسترح، قال أيوب أتاك عدو الله فنفخ فيك ~~ويلك أرأيت ما تبكين عليه من المال والولد والصحة من أعطانيه؟ قالت الله، ~~قال فكم متعنا به؟ قالت ثمانين سنة، قال فمنذ كم ابتلانا؟ قالت منذ سبع ~~سنين وأشهر، قال ويلك ما أنصفت ألا صبرت في البلاء ثمانين سنة كما كنا في ~~الرخاء ثمانين سنة، والله لئن شفاني الله لأجلدنك مائة جلدة آمرتيني أن ~~أذبح لغير الله طعامك وشرابك الذي أتيتني به علي حرام أو حرام علي أن ~~أذوق شيئا مما تأتيني به بعد إذ قلت لي هذا، فاعربي عني، فلا أراك ~~فطردها فذهبت، فلما نظر أيوب وليس عنده طعام ولا شراب ولا صديق خر ~~ساجدا وقال: رب { أنى مسنى الضر وأنت أرحم ~~الراحمين } ، فقيل له: ارفع رأسك فقد استجيب لك اركض برجلك فركض ~~برجله فنبعت عين فاغتسل منها فلم يبق عليه من دائه شيء ظاهر إلا سقط وعاد ~~إليه شبابه وجماله أحسن ما كان، ثم ضرب برجله فنبعت عين أخرى فشرب منها ~~فلم يبق في جوفه داء إلا خرج فقام صحيحا وكسى حلة، قال: فجعل يلتفت ~~فلا يرى شيئا مما كان له من أهل ومال إلا وقد أضعفه الله حتى والله ذكر ~~لنا أن الماء الذي اغتسل منه تطاير منه تطاير على صدره جرادا من ذهب ~~فجعل يضمه بيده، فأوحى الله إليه يا أيوب ألم أغنك؟ قال: بلى ولكنها ~~بركتك فمن يشبع منها، قال فخرج حتى جلس على مكان مشرف، ثم إن امرأته قالت ~~أرأيتك إن كان طردني إلى ms1508 من أكله؟ أدعه يموت جوعا ويضيع فتأكله ~~السباع لأرجعن إليه فلا كناسة ترى ولا تلك الحالة التي كانت، وإذا ~~الأمور قد تغيرت فجعلت تطوف حيث كانت الكناسة وتبكي وذلك بعين أيوب، ~~وهابت صاحب الحلة أن تأتيه فتسأله عنه، فدعاها أيوب فقال: ما تريدين يا ~~أمة الله؟ فبكت وقالت: أردت ذلك المبتلي الذي كان منبوذا على الكناسة لا ~~أدري أضاع أم ما فعل، فقال أيوب: ما كان منك فبكت، وقالت: بعلي، قال: فهل ~~تعرفينه إذا رأيتيه؟ فقالت: وهل يخفى على أحد رآه؟ ثم جعلت تنظر إليه وهي ~~تهابه، ثم قالت: أما أنه أشبه خلق الله بك إذ كان صحيحا، قال فإني أنا ~~أيوب الذي أمرتني أن أذبح لإبليس، وإني أطعت الله وعصيت الشيطان ودعوت ~~الله سبحانه فرد علي ما ترين. # وقال وهب: لبث أيوب في البلاء ثلاث سنين فلما غلب أيوب إبليس ولم يستطع ~~منه شيئا اعترض امرأته في هيئة ليست كهيئة بني آدم في العظم والجسم ~~والجمال على مركب ليس من مراكب الناس له عظم وبهاء وكمال، فقال لها: أنت ~~صاحبة أيوب هذا الرجل المبتلى؟ قالت: نعم، قال فهل تعرفيني؟ قالت: لا ~~قال: أنا إله الأرض، وأنا الذي صنعت بصاحبك ما صنعت لأنه عبد إله السماء ~~وتركني فأغضبني، ولو سجد لي سجدة واحدة رددت عليه وعليك كل ما كان لكما ~~من مال وولد، فإنه عندي ثم أراها إياهم ببطن الوادي الذي لقيها فيه، قال ~~وهب: وقد سمعت أنه إنما قال لها لو أن صاحبك أكل طعاما ولم يسم الله ~~عليه لعوفي مما به من البلاء، والله أعلم. وفي بعض الكتب: إن إبليس قال ~~لها: اسجدي لي سجدة حتى أرد عليك المال والأولاد وأعافي زوجك، فرجعت إلى ~~أيوب فأخبرته بما قال لها وما أراها قال لقد أتاك عدو الله إبليس ليفتنك ~~عن دينك، ثم أقسم أن عافاه الله ليضربنها مائة جلدة، وقال عند ذلك: مسني ~~الضر من طمع إبليس في سجود حرمتي له، ودعائه إياها وإياي إلى الكفر، ثم ~~إن الله ms1509 عز وجل رحم رحمة امرأة أيوب بصبرها معه على البلاء، وخفف عليها ~~وأراد أن يبر يمين أيوب، فأمره أن يأخذ ضغثا يشتمل على مائة عود صغار ~~فيضربها به ضربة واحدة كما قال الله تعالى: # وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث # [ص:44]، وروي أن إبليس اتخذ تابوتا وجعل فيه أدوية وقعد على طريق ~~امرأته يداوي الناس فمرت به امرأة أيوب فقالت: يا شيخ إن لي مريضا ~~أفتداويه؟ قال: نعم والله لا أريد شيئا إلا أن يقول إذا شفيته أنت ~~شفيتني، فذكرت ذلك لأيوب فقال: هو إبليس قد خدعك، وحلف إن شفاه الله أن ~~يضربها مائة جلدة. # وقال وهب وغيره: كانت امرأة أيوب تعمل للناس وتجيئه بقوته، فلما طال ~~عليه البلاء وسئمها الناس فلم يستعملها أحد التمست يوما من الأيام ما ~~تطعمه فما وجدت شيئا فجزت قرنا من رأسها، فباعته برغيف فأتته به، فقال ~~لها: أين قرنك؟ فأخبرته فحينئذ قال: { مسنى الضر }. # وقال قوم: إنما قال ذلك حين قصدت الدود إلى قلبه ولسانه فخشى أن يفتر عن ~~الذكر والفكر. ### || [21.84] # قوله عز وجل: { فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر } ، ~~وذلك أنه قال له اركض برجلك فركض برجله فنبعت عين ماء، فأمره أن يغتسل ~~منها ففعل فذهب كل داء كان بظاهره، ثم مشى أربعين خطوة فأمره أن يضرب ~~برجله الأرض مرة أخرى ففعل فنبعت عين ماء بارد، فأمره فشرب منها فذهب كل ~~داء كان بباطنه فصار كأصح ما يكون من الرجال وأجملهم. # { وءاتينه أهله ومثلهم معهم } ، واختلفوا في ذلك، ~~فقال ابن مسعود وقتادة، وابن عباس، والحسن، وأكثر المفسرين: رد الله عز ~~وجل إليه أهله وأولاده بأعيانهم أحياهم الله له وأعطاه مثلهم معهم، وهو ~~ظاهر القرآن. # قال الحسن: آتاه الله المثل من نسل ماله الذي رده الله إليه وأهله، يدل ~~عليه ما روى عن الضحاك وابن عباس أن الله عز وجل رد إلى المرأة ~~شبابها فولدت له ستة وعشرين ذكرا. # قال وهب كان له سبع بنات وثلاثة بنين. # قال ابن يسار: كان ms1510 له سبع بنين وسبع بنات. # وروي عن أنس يرفعه: # " أنه كان له أندران أندر للقمح وأندر للشعير، فبعث الله عز وجل ~~سحابتين فأفرغت إحداهما على أندر القمح الذهب وأفرغت الأخرى على أندر ~~الشعير الورق حتى فاض " # وروي # " أن الله تعالى بعث إليه ملكا وقال: إن ربك يقرئك السلام بصبرك فاخرج ~~إلى أندرك، فخرج إليه فأرسل الله عليه جرادا من ذهب فطارت واحدة فاتبعها ~~وردها إلى أندره، فقال له الملك: أما يكفيك ما أندرك؟ فقال: هذه بركة من ~~بركات ربي ولا أشبع من بركته ". # أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش ~~الزيادي، أخبرنا محمد بن الحسين القطان، أخبرنا أحمد بن يوسف السلمي، ~~أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن همام بن منبه، قال: أخبرنا أبو هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " بينا أيوب يغتسل عريانا خر عليه جراد من ذهب فجعل أيوب يحثي في ~~ثوبه، فناداه ربه يا أيوب ألم أكن أغنيك عما ترى؟ قال: بلى يا رب وعزتك، ~~ولكن لا غنى بي عن بركتك " # وقال قوم: آتى الله أيوب في الدنيا مثل أهله الذين هلكوا فأما الذين ~~هلكوا فإنهم لم يردوا عليه في الدنيا. قال عكرمة: قيل لأيوب: إن أهلك ~~لك في الآخرة فإن شئت عجلناهم لك في الدنيا وإن شئت كانوا لك في الآخرة، ~~وآتيناك مثلهم في الدنيا فقال يكونون لي في الآخرة، وأوتى مثلهم في ~~الدنيا، فعلى هذا يكون معنى: وآتيناه أهله في الآخرة ومثلهم معهم في ~~الدنيا وأراد بالأهل الأولاد، { رحمة من عندنا } ، أي نعمة من ~~عندنا، { وذكرى للعبدين } ، أي عظة وعبرة لهم. ### || [21.85] # قوله عز وجل: { وإسمعيل } ، يعني ابن إبراهيم، { وإدريس } ~~، وهو أخنوخ، { وذا الكفل كل من الصبرين } ، على أمر ~~الله، واختلفوا في ذا الكفل. # قال عطاء: إن نبيا من أنبياء بني إسرائيل أوحى الله إليه أني أريد قبض ~~روحك فاعرض ملكك على بني إسرائيل فمن تكفل لك أنه يصلي بالليل لا يفتر، ~~ويصوم بالنهار ولا يفطر، ويقضي ms1511 بين الناس ولا يغضب، فادفع ملكك إليه ففعل ~~ذلك، فقام شاب: فقال: أنا أتكفل لك بهذا فتكفل، ووفى به فشكر الله له ~~ونبأه فسمي ذا الكفل. # وقال مجاهد: لما كبر اليسع قال: لو أني أستخلفت رجلا على الناس يعمل ~~عليهم في حياتي حتى أنظر كيف يعمل، قال: فجمع الناس فقال: من يتقبل مني ~~ثلاث أستخلفه: يصوم النهار ويقوم الليل، ولا يغضب، فقام رجل تزدريه ~~العين، فقال: أنا فرده ذلك اليوم، وقال مثلها اليوم الآخر فسكت الناس، ~~وقام ذلك الرجل فقال: أنا، فاستخلفه فأتاه إبليس في صورة شيخ ضعيف حين ~~أخذ مضجعه للقائلة، وكان لا ينام بالليل والنهار إلا تلك النومة فدق ~~الباب، فقال: من هذا؟ فقال: شيخ كبير مظلوم، فقام ففتح الباب فقال: إن ~~بيني وبين قومي خصومة، وإنهم ظلموني، وفعلوا وفعلوا فجعل يطول حتى حضر ~~الرواح، وذهبت القائلة، فقال: إذا رحت فائتني فإني آخذ حقك، فانطلق وراح، ~~فكان في مجلسه ينظر هل يرى الشيخ فلم يره، فقام يبتغيه فلما كان الغد جلس ~~يقضي بين الناس وينتظره فلا يراه، فلما رجع إلى القائلة فأخذ مضجعه أتاه ~~فدق الباب، فقال: من هذا؟ فقال: الشيخ المظلوم ففتح له الباب فقال: ألم ~~أقل لك إذا قعدت فائتني؟ فقال: إنهم أخبث قوم إذا عرفوا أنك قاعد قالوا ~~نحن نعطيك حقك وإذا قمت جحدوني، قال: فانطلق فإذا رحت فائتني، ففاتته ~~القائلة وراح فجعل ينظر فلا يراه فشق عليه النعاس، فقال لبعض أهله: لا ~~تدعن أحدا يقرب من هذا الباب حتى أنام فإنه قد شق علي النوم، فلما كان ~~تلك الساعة جاء فلم يأذن له الرجل، فلما أعياه نظر فرأى كوة في البيت ~~فتسور منها، فإذا هو في البيت يدق الباب من داخل، فاستيقظ فقال: يا فلان ~~ألم آمرك، فقال: أما من قبلي فلم تؤت فانظر من أين أتيت، فقام إلى الباب ~~فإذا هو مغلق كما هو أغلقه، وإذا الرجل معه في البيت، فقال: أتنام ~~والخصوم ببابك؟ فعرفه فقال: أعدو الله؟ قال: نعم أعييتني ففعلت ما ms1512 ترى ~~لأغضبك فعصمك الله مني، فسمى ذا الكفل لأنه تكفل بأمر فوفى به. # وقيل: إن إبليس جاءه وقال: إن لي غريما يمطلني فأحب أن تقوم معي ~~وتستوفي حقي منه، فانطلق معه حتى إذا كان في السوق خلاه وذهب. وروى: أنه ~~اعتذر إليه. وقال: إن صاحبي هرب. # وقيل: إن ذا الكفل رجل كفل أن يصلي كل ليلة مائة ركعة إلى أن يقبضه الله ~~فوفى به. # واختلفوا في أنه كان نبيا، فقال بعضهم: كان نبيا. وقيل: هو إلياس. ~~وقيل: زكريا. وقال أبو موسى: لم يكن نبيا ولكن كان عبدا صالحا. ### || [21.86-87] # { وأدخلنهم فى رحمتنا } ، يعني ما أنعم الله عليهم من ~~النبوة وصيرهم إليه في الجنة من الثواب، { إنهم من الصلحين ~~}. # قوله عز وجل: { وذا النون } ، أي: اذكر صاحب الحوت وهو يونس بن ~~متى، { إذ ذهب مغضبا } ، اختلفوا في معناه: # فقال الضحاك: مغاضبا لقومه، وهو رواية العوفي وغيره عن ابن عباس، قال: ~~كان يونس وقومه يسكنون فلسطين فغزاهم ملك فسبى منهم تسعة أسباط ونصفا ~~وبقي سبطا ونصف، فأوحى الله إلى شعياء النبي أن سر إلى حزقيل الملك، ~~وقل له حتى يوجه نبيا قويا فإني ألقي الرعب في قلوب أولئك حتى يرسلوا ~~معه بني إسرائيل، فقال له الملك فمن ترى، وكان في مملكته خمسة من ~~الأنبياء، فقال يونس: إنه قوي أمين فدعا الملك يونس فأمره أن يخرج، فقال ~~له يونس: هل أمرك الله بإخراجي؟ قال: لا، قال: فهل سماني لك؟ قال: لا، ~~قال: فهاهنا غيري أنبياء أقوياء، فألحوا عليه فخرج من بينهم مغاضبا ~~للنبي وللملك، ولقومه فأتى بحر الروم فركبه. # وقال عروة بن الزبير وسعيد بن جبير وجماعة: ذهب عن قومه مغاضبا لربه إذ ~~كشف عن قومه العذاب بعدما أوعدهم، وكره أن يكون بين قوم قد جربوا عليه ~~الخلف فيما أوعدهم، واستحيا منهم، ولم يعلم السبب الذي به رفع العذاب، ~~وكان غضبه أنفة من ظهور خلف وعده، وأنه يسمى كذابا لا كراهية لحكم الله ~~تعالى. # وفي بعض الأخبار أنه كان من عادة قومه أن ms1513 يقتلوا من جربوا عليه الكذب ~~فخشي أن يقتلوه لما لم يأتهم العذاب للميعاد، فغضب، والمغاضبة هاهنا من ~~كالمفاعلة التي تكون من واحد، كالمسافرة والمعاقبة، فمعنى قوله مغاضبا ~~أي غضبان. # وقال الحسن: إنما غضب ربه عز وجل من أجل أنه أمره بالمسير إلى قومه ~~لينذرهم بأسه ويدعوهم إليه، فسأل ربه أن ينظره ليتأهب للشخوص إليهم، ~~فقيل له إن الأمر أسرع من ذلك حتى سأل أن ينظر إلى أن يأخذ نعلا يلبسها ~~فلم ينظر، وكان في خلقه ضيق فذهب مغاضبا. # وعن ابن عباس، قال: أتى جبريل يونس فقال: انطلق إلى أهل نينوى فأنذرهم، ~~قال: ألتمس دابة قال: الأمر أعجل من ذلك، فغضب فانطلق إلى السفينة. # وقال وهب بن منبه: إن يونس بن متى كان عبدا صالحا وكان في خلقه ضيق، ~~فلما حمل عليه أثقال النبوة تفسخ تحتها تفسخ الربع تحت الحمل الثقيل ~~فقذفها من يديه، وخرج هاربا منها، فلذلك أخرجه الله من أولي العزم من ~~الرسل وقال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: # فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل # [الأحقاف: 35]، وقال: # ولا تكن كصحب الحوت # [القلم: 48]. # قوله عز وجل: { فظن أن لن نقدر عليه } ، أي لن نقضي ~~عليه بالعقوبة، قاله مجاهد وقتادة والضحاك والكلبي، وهو رواية العوفي عن ~~ابن عباس يقال: قدر الله الشيء تقديرا وقدر يقدر قدرا بمعنى ~~واحد، ومنه قوله: # نحن قدرنا بينكم الموت # [الواقعة: 60] في قراءة من قرأها بالتخفيف، دليل هذا التأويل قراءة عمر ~~بن عبد العزيز والزهري: { فظن أن لن نقدرعليه } ، بالتشديد، وقال عطاء ~~وكثير من العلماء: معناه فظن أن لن نضيق عليه الحبس، من قوله تعالى: # الله يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر # [الرعد: 26]، أي يضيق. وقال ابن زيد: هو استفهام معناه: أفظن أنه يعجز ~~ربه، فلا يقدر عليه. وقرأ يعقوب يقدر بضم الياء على المجهول خفيف. # وعن الحسن قال: بلغني أن يونس لما أصاب الذنب انطلق مغاضبا لربه ~~واستزله الشيطان حتى ظن لن نقدر عليه، وكان له سلف وعبادة فأبى الله أن ~~يدعه للشيطان، فقذفه في ms1514 بطن الحوت فمكث فيه أربعين من بين يوم وليلة. ~~وقال عطاء: سبعة أيام وقيل: ثلاثة أيام. وقيل: إن الحوت ذهب به مسيرة ستة ~~آلاف سنة. وقيل: بلغ به تخوم الأرض السابعة فتاب إلى ربه تعالى في بطن ~~الحوت، وراجع نفسه فقال: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، حين ~~عصيتك وما صنعت من شيء فلن أعبد غيرك فأخرجه الله من بطن الحوت برحمته، ~~والتأويلات المتقدمة أولى بحال الأنبياء أنه ذهب مغاضبا لقومه أو للملك، ~~{ فنادى فى الظلمت } ، أي ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن ~~الحوت، { أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين }. # وروي عن أبي هريرة مرفوعا: # " أوحى الله إلى الحوت أن خذه ولا تخدش له لحما ولا تكسر له عظما، ~~فأخذه ثم هوى به إلى مسكنه في البحر، فلما انتهى به إلى أسفل البحر سمع ~~يونس حسا فقال في نفسه ما هذا؟ فأوحى الله إليه: أن هذا تسبيح دواب ~~البحر، قال: فسبح وهو في بطن الحوت فسمعت الملائكة تسبيحه، فقالوا: يا ~~ربنا نسمع صوتا ضعيفا بأرض غريبة، وفي رواية: صوتا معروفا من مكان ~~مجهول، فقال: ذاك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت، فقالوا العبد ~~الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح؟ قال: نعم ~~فشفعوا له " # ، عند ذلك فأمر الحوت فقذفه في الساحل، كما قال الله تعالى: # فنبذنه بالعرآء وهو سقيم # [الصافات: 145]. ### || [21.88-89] # فذلك قوله عز وجل: { فاستجبنا له } ، يعني: أجبناه، { ~~ونجينه من الغم } ، من تلك الظلمات، { وكذلك ~~ننجى المؤمنين } ، من كل كرب إذا دعونا واستغاثوا بنا، قرأ ابن ~~عامر وعاصم برواية أبي بكر: { نجي } بنون واحدة وتشديد الجيم وتسكين ~~الياء لأنها مكتوبة في المصحف بنون واحدة، واختلف النحاة في هذه القراءة ~~فذهب أكثرهم إلى أنها لحن لأنه لو كان على ما لم يسم فاعله لم تسكن الياء ~~ورفع المؤمنين، ومنهم من صوبها، وذكر الفراء لها وجها آخر وهو إضمار ~~المصدر، أي نجا النجاء المؤمنين ونصب المؤمنين كقولك: ضرب ms1515 الضرب زيدا، ~~ثم تقول ضرب زيدا بالنصب على إضمار المصدر، وسكن الياء في { نجي } كما ~~يسكنون في بقي ونحوها، قال القتيبي: من قرأ بنون واحدة والتشديد إنما ~~أراد ننجي من التنجية إلا أنه أدغم وحذف نونا طلبا للخفة ولم يرضه ~~النحويون لبعد مخرج النون من الجيم، والإدغام يكون عند قرب المخرج، ~~وقراءة العامة { ننجي } بنونين من الإنجاء، وإنما كتبت بنون واحدة لأن ~~النون الثانية كانت ساكنة والساكن غير ظاهر على اللسان فحذفت كما فعلوا ~~في إلا حذفوا النون من إن لخفائها، واختلفوا في أن رسالة يونس متى ~~كانت؟ فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس: كانت بعد أن أخرجه الله من بطن ~~الحوت، بدليل أن الله عز وجل ذكره في سورة الصافات، # فنبذناه بالعراء # [الصافات: 145]، ثم ذكر بعده: # وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون # [الصافات: 147]، وقال الآخرون: إنها كانت من قبل بدليل قوله تعالى: # وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق إلى الفلك ~~المشحون # [الصافات: 139-140]. # قوله عز وجل: { وزكريآ إذ نادى ربه } ، دعا ربه، { ~~رب لا تذرنى فردا } ، وحيدا لا ولد لي وارزقني وارثا، { ~~وأنت خير الورثين } ، ثناء على الله بأنه الباقي بعد فناء ~~الخلق وأنه أفضل من بقي حيا. ### || [21.90-92] # { فاستجبنا له ووهبنا له يحيى } ، ولدا { ~~وأصلحنا له زوجه } ، أي جعلناها ولودا بعد ما كانت عقيما، ~~قاله أكثر المفسرين، وقال بعضهم: كانت سيئة الخلق فأصلحها له بأن رزقها ~~حسن الخلق. { إنهم } ، يعني الأنبياء الذين سماهم في هذه السورة، { ~~كانوا يسارعون فى الخيرت ويدعوننا رغبا } ، ~~طمعا، { ورهبا } ، خوفا، رغبا في رحمة الله، ورهبا من عذاب الله، ~~{ وكانوا لنا خشعين } ، أي متواضعين، قال قتادة: ذللا لأمر ~~الله. قال مجاهد: الخشوع هو الخوف اللازم في القلب. # { والتى أحصنت فرجها } ، حفظت من الحرام، وأراد مريم بنت ~~عمران، { فنفخنا فيها من روحنا } ، أي أمرنا جبرائيل حتى نفخ ~~في جيب درعها، وأحدثنا بذلك النفخ المسيح في بطنها، وأضاف الروح إليه ~~تشريفا لعيسى عليه السلام: { وجعلنها وابنهآ ءاية ~~للعلمين } ، أي دلالة على كمال قدرتنا على خلق ms1516 ولد من غير أب، ~~ولم يقل آيتين وهما آيتان لأن معنى الكلام وجعلنا شأنهما وأمرهما آية ~~ولأن الآية كانت فيهما واحدة، وهي أنها أتت به من غير فحل. # قوله عز وجل: { إن هذه أمتكم } ، أي ملتكم ودينكم، { ~~أمة واحدة } ، أي دينا واحدا وهو الإسلام، فأبطل ما سوى ~~الإسلام من الأديان، وأصل الأمة الجماعة التي هي على مقصد واحد فجعلت ~~الشريعة أمة واحدة لاجتماع أهلها على مقصد واحد، ونصب أمة على القطع. { ~~وأنا ربكم فاعبدون }. ### || [21.93-96] # { وتقطعوا أمرهم بينهم } ، أي اختلفوا في الدين فصاروا ~~فرقا وأحزابا، قال الكلبي: فرقوا دينهم بينهم يلعن بعضهم بعضا ~~ويتبرأ بعضهم من بعض، والتقطع هاهنا بمعنى التقطيع، { كل إلينا ~~رجعون } ، فنجزيهم بأعمالهم. # { فمن يعمل من الصلحت وهو مؤمن فلا كفران ~~لسعيه } ، لا يجحد ولا يبطل سعيه بل يشكر ويثاب عليه، { ~~وإنا له كتبون } ، لعمله حافظون، وقيل: معنى الشكر من الله ~~المجازاة. # { وحرام على قرية } ، قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر: { وحرم ~~} ، يكسر الحاء بلا ألف، وقرأ الباقون بالألف { حرام } وهما لغتان مثل ~~حل وحلال. # قال ابن عباس: معنى الآية وحرام على قرية أي أهل قرية، { ~~أهلكنهآ } ، أن يرجعوا بعد الهلاك، فعلى هذا تكون { لا } صلة، ~~وقال آخرون: الحرام بمعنى الواجب، فعلى هذا تكون { لا } ثابتا معناه ~~واجب على أهل قرية أهلكناهم { أنهم لا يرجعون } ، إلى الدنيا. # وقال الزجاج: معناه وحرام على أهل قرية أهلكناهم أي حكمنا بهلاكهم أن ~~تتقبل أعمالهم لأنهم لا يرجعون أي لا يتوبون، والدليل على هذا المعنى أنه ~~قال في الآية التي قبلها (فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران ~~لسعيه) أي يتقبل عمله، ثم ذكر هذه الآية عقيبه وبين أن الكافر لا يتقبل ~~عمله. # قوله عز وجل: { حتى إذا فتحت } ، قرأ ابن عامر وأبو جعفر ~~ويعقوب: { فتحت } بالتشديد على التكثير، وقرأ الآخرون بالتخفيف، { ~~يأجوج ومأجوج } ، يريد فتح السد عن يأجوج ومأجوج، { وهم ~~من كل حدب } ، أي نشز وتل، والحدب المكان المرتفع، { ينسلون ~~} ، يسرعون النزول من الآكام والتلال كنسلان الذئب، وهو سرعة مشيه، ms1517 ~~واختلفوا في هذه الكناية، فقال قوم: عنى بها يأجوج ومأجوج بدليل ما ~~روينا عن النواس بن سمعان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون " # وقال قوم: أراد جميع الخلق يعني أنهم يخرجون من قبورهم، ويدل عليه قراءة ~~مجاهد وهم من كل جدث بالجيم والثاء كما قال: # فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون # [يس: 51]. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني، أخبرنا عبد الغافر بن محمد ~~الفارسي، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، ~~أخبرنا مسلم بن حجاج، أخبرنا أبو خيثمة زهير ابن حرب، أخبرنا سفيان بن ~~عيينة، عن فرات القزاز، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسيد الغفاري، قال ~~اطلع النبي صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر، فقال: ما تذكرون؟ ~~قالوا: نذكر الساعة. قال: # " إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات، فذكر الدخان والدجال والدابة ~~وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى ابن مريم ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: ~~خسف بالمغرب وخسف بالمشرق وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من ~~اليمن تطرد الناس إلى محشرهم " ### || [21.97] # قوله عز وجل: { واقترب الوعد الحق } ، يعني القيامة، قال ~~الفراء وجماعة: الواو في قوله واقترب مقحمة فمعناه حتى إذا فتحت يأجوج ~~ومأجوج اقترب الوعد الحق، كما قال الله تعالى: # فلمآ أسلما وتله للجبين وناديناه # [الصافات: 103] أي ناديناه. والدليل عليه ما روى عن حذيفة قال: لو أن ~~رجلا اقتنى فلوا بعد خروج يأجوج ومأجوج لم يركبه حتى تقوم الساعة. وقال ~~قوم: لا يجوز طرح الواو، وجعلوا جواب حتى إذا فتحت في قوله ياويلنا، ~~فيكون مجاز الآية. حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج واقترب الوعد الحق، قالوا: ~~يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا. قوله: { فإذا هي شخصة أبصر ~~الذين كفروا } ، وفي قوله: " هى " ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها كناية عن الإبصار. ثم أظهر الإبصار بيانا، معناه فإذا ~~الأبصار شاخصة أبصار الذين كفروا. # والثاني: أن " هى " تكون عمادا كقوله: # فإنها لا ms1518 تعمى الأبصر # [الحج: 46]. # والثالث: أن يكون تمام الكلام عند قوله: " هى " ، على معنى فإذا هي ~~بارزة يعني من قربها كأنها حاضرة، ثم ابتدأ: { شخصة أبصر ~~الذين كفروا } ، على تقديم الخبر على الابتداء، مجازها أبصار ~~الذين كفروا شاخصة. قال الكلبي: شخصت أبصار الكفار فلا تكاد تطرف من شدة ~~تلك ذلك اليوم وهوله، يقولون، { يويلنا قد كنا فى غفلة ~~من هذا } ، اليوم، { بل كنا ظلمين } ، بوضعنا العبادة ~~في غير موضعها. ### || [21.98-100] # { إنكم } أيها المشركون { وما تعبدون من دون الله } ، ~~يعني الأصنام، { حصب جهنم } ، أي وقودها. وقال مجاهد وقتادة: ~~حطبها، والحصب في لغة أهل اليمن: الحطب. وقال عكرمة: هو الحطب بلغة ~~الحبشة. قال الضحاك: يعني يرمون بهم في النار كما يرمي بالحصباء. وأصل ~~الحصب الرمي، قال الله عز وجل: # أرسلنا عليهم حاصبا # [القمر: 34] أي ريحا ترميهم بحجارة، وقرأ علي بن أبي طالب: حطب جهنم، { ~~أنتم لها واردون } ، أي فيها داخلون. # { لو كان هؤلاء } ، يعني الأصنام، { آلهة } على الحقيقة، { ~~ما وردوها } ، أي ما دخل عابدوها النار، { وكل فيها ~~خلدون } ، يعني العابد والمعبودين. # { لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون } ، قال ابن ~~مسعود: في هذه الآية إذا بقي في النار من يخلد فيها جعلوا في توابيت من ~~نار، ثم جعلت تلك التوابيت في توابيت أخرى، ثم تلك التوابيت في توابيت ~~أخر، عليها مسامير من نار، فلا يسمعون شيئا ولا يرى أحد منهم أن في ~~النار أحدا يعذب غيره، ثم استثنى فقال: { إن الذين سبقت ~~لهم منا الحسنى } ### || [21.101-102] # { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى } ، قال بعض أهل ~~العلم: إن هاهنا بمعنى: إلا الذين سبقت لهم منا الحسنى، يعني السعادة ~~والعدة الجميلة بالجنة، { أولئك عنها مبعدون } ، قيل: ~~الآية عامة في كل من سبقت لهم من الله السعادة. وقال أكثر المفسرين: عنى ~~بذلك كل من عبد من دون الله وهو لله طائع ولعبادة من يعبده كاره. وذلك أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد وصناديد قريش في الحطيم وحول ~~الكعبة ثلاثمائة وستون صنما فعرض له ms1519 النضر بن الحارث، فكلمه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حتى أفحمه ثم تلا عليه: { إنكم وما ~~تعبدون من دون الله حصب جهنم } ، الآيات الثلاثة، ثم ~~قام فأقبل عبد الله بن الزبعري السهمي فأخبره الوليد بن المغيرة بما قال ~~لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عبد الله: أما والله لو وجدته ~~لخصمته، فدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له ابن الزبعري: أنت ~~قلت: " إنكم وما تعبدون من دون الله حضب جهنم "؟ قال: نعم، قال: أليست ~~اليهود تعبد عزيرا والنصارى تعبد المسيح، وبنو مليح يعبدون الملائكة؟ ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل هم يعبدون الشياطين فأنزل الله عز ~~وجل: { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى } ، يعني ~~عزيرا والمسيح والملائكة، { أولئك عنها مبعدون } ، وأنزل ~~في ابن الزبعري: # هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون # [الزخرف: 58]. وزعم جماعة أن المراد من الآية الأصنام، لأن الله تعالى ~~قال: { وما تعبدون من دون الله } ، ولو أراد الملائكة ~~والناس لقال ومن تعبدون من دون الله. # { لا يسمعون حسيسها } ، يعني صوتها وحركة تلهبها إذا نزلوا ~~منازلهم في الجنة، والحس والحسيس: الصوت الخفي: { وهم فى ما ~~اشتهت أنفسهم خلدون } ، مقيمون كما قال: # وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين # [الزخرف:71]. ### || [21.103-105] # { لا يحزنهم الفزع الأكبر } ، قال ابن عباس: الفزع ~~الأكبر: النفخة الأخيرة بدليل قوله عز وجل: # ويوم ينفخ فى الصور ففزع من فى السموت ومن ~~فى الأرض # [النمل: 87]، قال الحسن: حين يؤمر بالعبد إلى النار. قال ابن جريج: حين ~~يذبح الموت وينادى يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا ~~موت، وقال سعيد بن جبير والضحاك: هو أن تطبق عليهم جهنم وذلك بعد أن ~~يخرج الله منها من يريد أن يخرجه. { وتتلقهم الملئكة ~~} ، أي تستقبلهم الملائكة على أبواب الجنة يهنؤونهم، ويقولون: { هذا ~~يومكم الذى كنتم توعدون }. # { يوم نطوى السمآء } ، قرأ أبو جعفر: { تطوى } بالتاء وضمها ~~وفتح الواو، { والسماء } ، رفع على المجهول، وقرأ العامة بالنون وفتحها ~~وكسر الواو، { والسماء ms1520 } نصب، { كطى السجل للكتب } ، قرأ ~~حمزة والكسائي وحفص عن عاصم للكتب على الجمع، وقرأ الآخرون للكتاب على ~~الواحد، واختلفوا في السجل، فقال السدي: السجل ملك يكتب أعمال العباد، ~~واللام زائدة، أي: كطي السجل الكتب كقوله: # ردف لكم # [النمل: 72]، اللام فيه زائدة، وقال ابن عباس ومجاهد والأكثرون: السجل ~~الصحيفة للكتب أي لأجل ما كتب معناه كطي الصحيفة على مكتوبها، والسجل اسم ~~مشتق من المساجلة وهي المكاتبة، والطي هو الدرج الذي هو ضد النشر، { ~~كما بدأنآ أول خلق نعيده } ، أي كما بدأناهم في بطون ~~أمهاتهم حفاة عراة غرلا كذلك نعيدهم يوم القيامة، نظيره قوله تعالى: # ولقد جئتمونا فرادى كما خلقنكم أول مرة # [الأنعام: 94]. وروي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إنكم محشورون حفاة عراة غرلا " # ، ثم قرأ: { كما بدأنآ أول خلق نعيده } ، { وعدا ~~علينآ إنا كنا فعلين } ، يعني الإعادة والبعث. # قوله عز وجل: { ولقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر ~~} ، قال سعيد بن جبير ومجاهد: الزبور جميع الكتب المنزلة، والذكر أم ~~الكتاب الذي عنده، والمعنى من بعد ما كتب ذكره في اللوح المحفوظ. # وقال ابن عباس والضحاك: الزبور التوراة والذكر الكتب المنزلة من بعد ~~التوراة. # وقال الشعبي. الزبور كتاب داود، [والذكر التوراة. وقيل: الزبور زبور ~~داود] والذكر القرآن، وبعد بمعنى قبل، كقوله تعالى: # وكان ورآءهم ملك # [الكهف: 79]: أي أمامهم، # والأرض بعد ذلك دحها # [النازعات: 30] أي: قبله، { أن الأرض } ، يعني أرض الجنة، { ~~يرثها عبادى الصلحون } ، قال مجاهد: يعني أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم دليله قوله تعالى: # وقالوا الحمد لله الذى صدقنا وعده ~~وأورثنا الأرض # [الزمر: 74]، وقال ابن عباس: أراد أن أراضي الكفار يفتحها المسلمون وهذا ~~حكم من الله بإظهار الدين وإعزاز المسلمين. وقيل: أراد بالأرض الأرض ~~المقدسة. ### || [21.106-109] # { إن فى هذا } ، أي في هذا القرآن، { لبلغا } ، وصولا ~~إلى البغية، أي من اتبع القرآن وعمل به وصل إلى ما يرجوه من الثواب. ~~وقيل: بلاغا أي كفاية. يقال في هذا الشيء بلاغ وبلغة أي كفاية، والقرآن ~~زاد الجنة كبلاغ المسافر، ms1521 { لقوم عبدين } ، أي المؤمنين ~~الذين يعبدون الله، وقال ابن عباس: عالمين. قال كعب الأحبار: هم أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم أهل الصلوات الخمس وشهر رمضان. # { ومآ أرسلنك إلا رحمة للعلمين } ، قال ابن ~~زيد: يعني رحمة للمؤمنين خاصة فهو رحمة لهم. وقال ابن عباس: هو عام في حق ~~من آمن ومن لم يؤمن فمن آمن فهو رحمة له في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن ~~فهو رحمة له في الدنيا بتأخير العذاب عنهم ورفع المسخ والخسف والاستئصال ~~عنهم. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إنما أنا رحمة مهداة ". # { قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد ~~فهل أنتم مسلمون } ، أي أسلموا. # { فإن تولوا فقل ءاذنتكم } ، أي أعلمتكم بالحرب وأن لا ~~صلح بيننا، { على سوآء } ، أي إنذار بين يستوي في علمه لا ~~استيذانا به دونكم لتتأهبوا لما يراد بكم، أي آذنتكم على وجه نستوي نحن ~~وأنتم في العلم به، وقيل: لتستووا في الإيمان، { وإن أدرى } ، أي ~~وما أعلم. { أقريب أم بعيد ما توعدون } ، يعني القيامة. ### || [21.110-112] # { إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما ~~تكتمون }. # { وإن أدرى لعله } ، أي لعل تأخير العذاب عنكم كناية عن غير ~~مذكور، { فتنة } ، اختبار، { لكم } ، ليرى كيف صنيعكم وهو أعلم، ~~{ ومتاع إلى حين } ، أي تتمتعون إلى انقضاء آجالكم. # { قال رب احكم بالحق } قرأ حفص عن عاصم: { قال رب ~~احكم } ، والآخرون: { قل رب احكم } افصل بيني وبين من كذبني بالحق، فإن ~~قيل كيف قال احكم بالحق والله لا يحكم إلا بالحق؟ قيل: الحق هاهنا بمعنى ~~العذاب كأنه استعجل العذاب لقومه فعذبوا يوم بدر، نظيره قوله تعالى: # ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق # [الأعراف: 89]، وقال أهل المعاني: معناه رب احكم بحكمك الحق فحذف الحكم ~~وأقيم الحق مقامه، والله تعالى يحكم بالحق طلب أو لم يطلب، ومعنى الطلب ~~ظهور الرغبة من الطالب في حكمه الحق، { وربنا الرحمن ~~المستعان على ما تصفون } ، من الكذب والباطل. ### | [22 - سورة الحج] ### || [22.1-2] # { يأيها الناس اتقوا ربكم } ، أي: احذروا عقابه ~~بطاعته، { إن زلزلة الساعة شىء ms1522 عظيم } ، والزلزلة ~~والزلزال شدة الحركة على الحالة الهائلة، واختلفوا في هذه الزلزلة: # فقال علقمة والشعبي: هي من أشراط الساعة. وقيل: قيام الساعة. # وقال الحسن والسدي: هذه الزلزلة تكون يوم القيامة. # وقال ابن عباس: زلزلة الساعة قيامها فتكون معها. # { يوم ترونها } ، يعني الساعة، وقيل: الزلزلة، { تذهل } قال ~~ابن عباس: تشغل، وقيل: تنسى، يقال: ذهلت عن كذا أي تركته واشتغلت بغيره. ~~{ كل مرضعة عمآ أرضعت } ، أي: كل امرأة معها ولد ترضعه، ~~يقال: امرأة مرضع، بلا هاء، إذا أريد به الصفة، مثل حائض وحامل، فإذا ~~أرادوا الفعل أدخلوا الهاء. { وتضع كل ذات حمل حملها } ، ~~أي: تسقط ولدها من هول ذلك اليوم. # قال الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها بغير فطام وتضع الحامل ما في بطنها ~~بغير تمام، وهذا يدل على أن هذه الزلزلة تكون في الدنيا لأن بعد البعث لا ~~يكون حمل. # ومن قال: تكون في القيامة، قال هذا على وجه تعظيم الأمر لا على حقيقته، ~~كقولهم: أصابنا أمر يشيب فيه الوليد، يريد به شدته. # { وترى الناس سكرى وما هم بسكرى } ، قرأ حمزة ~~والكسائي: " سكرى وما هم بسكرى " بلا ألف وهما لغتان في جمع السكران، مثل ~~كسلى وكسالى. # قال الحسن: معناه: وترى الناس سكارى من الخوف، وما هم بسكارى من الشراب. # وقيل: معناه: وترى الناس كأنهم سكارى، { ولكن عذاب الله ~~شديد }. # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن ~~محمش الزيادي، أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص التاجر، أخبرنا إبراهيم ~~بن عبد الله بن عمر بن بكير الكوفي العبسي، أخبرنا وكيع عن الأعمش، عن ~~أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا آدم قم فابعث بعث النار، قال ~~فيقول: لبيك وسعديك والخير كله في يديك، يا رب وما بعث النار؟ قال: ~~فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، قال: فحينئذ يشيب المولود، وتضع ~~كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن ms1523 عذاب الله شديد، ~~قال فيقولون: وأينا ذلك الواحد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~تسعمائة وتسعة وتسعون من يأجوج ومأجوج ومنكم واحد " ، فقال الناس: الله ~~أكبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والله إني لأرجو أن تكونوا ~~ربع أهل الجنة، والله إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة، والله إني ~~لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة " قال فكبر الناس، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ما أنتم يومئذ في الناس إلا كالشعرة البيضاء في الثور ~~الأسود، أو الشعرة السوداء في الثور الأبيض ". # وروي عن عمران بن حصين، وأبي سعيد الخدري، وغيرهما: # " أن هاتين الآيتين نزلتا في غزوة بني المصطلق ليلا فنادى منادي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فحثوا المطي حتى كانوا حول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فقرأها عليهم فلم ير أكثر باكيا من تلك الليلة، فلما ~~أصبحوا لم يحطوا السروج عن الدواب، ولم يضربوا الخيام ولم يطبخوا قدرا، ~~والناس ما بين باك أو جالس حزين متفكر، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " أتدرون أي يوم ذاك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذلك يوم يقول ~~الله عز وجل لآدم قم فابعث بعث النار من ولدك، قال فيقول آدم: من كل كم؟ ~~فيقول الله عز وجل: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحد في ~~الجنة، قال: فكبر ذلك على المسلمين وبكوا وقالوا: فمن ينجو إذا يا ~~رسول الله؟ فقال رسول الله: أبشروا وسددوا وقاربوا فإن معكم خليقتين ما ~~كانتا في قوم إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج، ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا ~~ثلث أهل الجنة، فكبروا وحمدوا الله، ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل ~~الجنة، فكبروا وحمدوا الله، ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنة، ~~وإن أهل الجنة مائة وعشرون صفا، ثمانون منها أمتي، وما المسلمون في ~~الكفار إلا كالشامة في جنب البعير وكالرقمة في ذراع الدابة، بل كالشعرة ~~السوداء في الثور الأبيض أو كالشعرة البيضاء في الثور الأسود. ثم ms1524 قال: ~~ويدخل من أمتي سبعون ألفا الجنة بغير حساب، فقال عمر: سبعون ألفا؟ قال: ~~نعم ومع كل واحد سبعون ألفا، فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله ~~أدع الله أن يجعلني منهم، فقال رسول الله: أنت منهم، فقام رجل من ~~الأنصار فقال: ادع الله أن يجعلني منهم فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: سبقك بها عكاشة " ### || [22.3] # قوله عز وجل: { ومن الناس من يجدل فى الله بغير ~~علم } ، نزلت في النضر بن الحارث، كان كثير الجدل، وكان يقول: ~~الملائكة بنات الله، والقرآن أساطير الأولين، وكان ينكر البعث وإحياء من ~~صار ترابا. # قوله تعالى: { ويتبع } أي: يتبع في جداله في الله بغير علم، { ~~كل شيطن مريد } ، والمريد المتمرد المستمر في الشر. ### || [22.4-5] # { كتب عليه } ، قضي على الشيطان، { أنه من تولاه } ، ~~اتبعه { فأنه } ، يعني الشيطان: { يضله } ، أي: يضل من تولاه، ~~{ ويهديه إلى عذاب السعير } ، ثم ألزم الحجة على منكري ~~البعث فقال: # { يأيها الناس إن كنتم فى ريب } ، في شك، { من ~~البعث فإنا خلقنكم } يعني: أباكم آدم الذي هو أصل النسل، ~~{ من تراب ثم من نطفة } يعني: ذريته، والنطفة هي المني، ~~وأصلها الماء القليل وجمعها نطاف، { ثم من علقة } ، وهي الدم ~~الغليظ المتجمد، وجمعها علق، وذلك أن النطفة تصير دما غليظا ثم تصير ~~لحما، { ثم من مضغة } ، وهي لحمة قليلة قدر ما يمضغ، { ~~مخلقة وغير مخلقة }. # قال ابن عباس وقتادة: " مخلقة " أي تامة الخلق، " وغير مخلقة " غير ~~تامة أي ناقصة الخلق. # وقال مجاهد: مصورة وغير مصورة، يعني السقط. # وقيل: " المخلقة " الولد الذي تأتي به المرأة لوقته، " وغير المخلقة ~~" السقط. # روي عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: إن النطفة إذا استقرت في الرحم ~~أخذها ملك بكفه وقال: أي رب مخلقة أو غير مخلقة؟ فإن قال: غير ~~مخلقة، قذفها الرحم دما ولم تكن نسمة، وإن قال مخلقة، قال الملك: أي ~~رب أذكر أم أنثى، أشقي أم سعيد؟ ما الأجل ما العمل ما الرزق وبأي ~~أرض تموت؟ فيقال له: اذهب إلى أم ms1525 الكتاب فإنك تجد فيها كل ذلك، فيذهب ~~فيجدها في أم الكتاب فينسخها، فلا يزال معه حتى يأتي على آخر صفته. # { لنبين لكم } ، كمال قدرتنا وحكمتنا في تصريف أطوار خلقكم ~~ولتستدلوا بقدرته في ابتداء الخلق على قدرته على الإعادة. # وقيل: لنبين لكم ما تأتون وما تذرون وما تحتاجون إليه في العبادة. # { ونقر فى الأرحام ما نشآء } ، فلا تمجه ولا تسقطه، { ~~إلى أجل مسمى } ، وقت خروجها من الرحم تامة الخلق والمدة. { ~~ثم نخرجكم } من بطون أمهاتكم { طفلا } أي: صغارا، ولم يقل: ~~أطفالا، لأن العرب تذكر الجمع باسم الواحد. وقيل: تشبيها بالمصدر مثل ~~عدل وزور. { ثم لتبلغوا أشدكم } يعني: الكمال والقوة. # { ومنكم من يتوفى } ، من قبل بلوغ الكبر، { ومنكم من ~~يرد إلى أرذل العمر } ، أي: الهرم والخرف، { لكيلا ~~يعلم من بعد علم شيئا } ، أي: يبلغ من السن ما يتغير عقله ~~فلا يعقل شيئا. # ثم ذكر دليلا آخر على البعث فقال: { وترى الأرض هامدة } ، ~~أي: يابسة لا نبات فيها، { فإذآ أنزلنا عليها المآء } ، ~~المطر، { اهتزت } ، تحركت بالنبات وذلك أن الأرض ترتفع بالنبات فذلك ~~تحركها، { وربت } ، أي: ارتفعت وزادت، وقيل: فيه تقديم وتأخير معناه: ~~ربت واهتزت وربا نباتها، فحذف المضاف، والاهتزاز في النبات أظهر، يقال: ~~اهتز النبات أي: طال وإنما أنث لذكر الأرض. وقرأ أبو جعفر: { وربأت } ~~بالهمزة، وكذلك في حم السجدة، أي: ارتفعت وعلت. # { وأنبتت من كل زوج بهيج } ، أي: صنف حسن يبهج به من ~~رآه، أي: يسر، فهذا دليل آخر على البعث. ### || [22.6-8] # { ذلك بأن الله هو الحق } ، أي: لتعلموا أن الله هو ~~الحق، { وأنه يحى الموتى وأنه على كل شىء ~~قدير }. # { وأن الساعة ءاتية لا ريب فيها وأن الله ~~يبعث من فى القبور }. # { ومن الناس من يجدل فى الله بغير علم } ، ~~يعني: النضر بن الحارث، { ولا هدى } ، بيان { ولا كتب ~~منير }. ### || [22.9-11] # { ثانى عطفه } أي: متبخترا لتكبره. وقال مجاهد، وقتادة: لاوي ~~عنقه. قال عطية، وابن زيد: معرضا عما يدعى إليه تكبرا. قال ابن جريج: ~~يعرض عن الحق تكبرا. والعطف: الجانب، وعطفا الرجل: ms1526 جانباه عن يمين ~~وشمال وهو الموضع الذي يعطفه الإنسان أي يلويه ويميله عند الإعراض عن ~~الشيء، نظيره قوله تعالى: # وإذا تتلى عليه ءايتنا ولى مستكبرا # [لقمان: 7]، وقال تعالى: # وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله ~~لووا رءوسهم # [المنافقون: 5]. { ليضل عن سبيل الله } ، عن دين الله، { ~~له فى الدنيا خزى } ، عذاب وهوان، وهو القتل ببدر، فقتل النضر ~~بن الحارث وعقبة بن أبي معيط يوم بدر صبرا. { ونذيقه يوم ~~القيمة عذاب الحريق }. # ويقال له: { ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس ~~بظلم للعبيد } ، فيعذبهم بغير ذنب وهو جل ذكره على أي وجه ~~شاء تصرف في عبده، فحكمه عدل وهو غير ظالم. # قوله عز وجل: { ومن الناس من يعبد الله على حرف } ، ~~الآية نزلت في قوم من الأعراب كانوا يقدمون المدينة مهاجرين من باديتهم ~~فكان أحدهم إذا قدم المدينة فصح بها جسمه ونتجت بها فرسه مهرا ~~حسنا وولدت امرأته غلاما وكثر ماله، قال: هذا دين حسن وقد أصبت فيه ~~خيرا واطمأن إليه، وإن أصابه مرض وولدت امرأته جارية وأجهضت رماكه ~~وقل ماله، قال: ما أصبت منذ دخلت في هذا الدين إلا شرا فينقلب عن ~~دينه، وذلك الفتنة فأنزل الله عز وجل: # { ومن الناس من يعبد الله على حرف } ، أكثر ~~المفسرين قالوا: على شك وأصله من حرف الشيء وهو طرفه، نحو حرف الجبل ~~والحائط الذي كالقائم عليه غير مستقر، فقيل للشاك في الدين إنه يعبد ~~الله على حرف لأنه على طرف وجانب من الدين لم يدخل فيه على الثبات ~~والتمكن وأصله كالقائم على حرف الجبل مضطرب غير مستقر، يعرض أن يقع في ~~أحد جانبي الطرف لضعف قيامه، ولو عبدوا الله في الشكر على السراء والصبر ~~على الضراء لم يكونوا على حرف، قال الحسن: هو المنافق يعبده بلسانه دون ~~قلبه { فإن أصابه خير } ، صحة في جسمه، وسعة في معيشته، { ~~اطمأن به } ، أي: رضي وسكن إليه، { وإن أصابته فتنة } ~~، بلاء في جسده، وضيق في معيشته، { انقلب على وجهه } ، ارتد ~~ورجع على عقبه إلى الوجه الذي ms1527 كان عليه من الكفر، { خسر الدنيا } ~~، يعني هذا الشاك خسر الدنيا بفوات ما كان يؤمل، { والأخرة } ، ~~بذهاب الدين والخلود في النار. قرأ يعقوب { خاسر } بالألف { والأخرة ~~} جر. { ذلك هو الخسران المبين } ، الظاهر. ### || [22.12-13] # { يدعوا من دون الله ما لا يضره } ، إن عصاه ولم ~~يعبده، { وما لا ينفعه } ، إن أطاعه وعبده، { ذلك هو ~~الضلل البعيد } ، عن الحق والرشد. # { يدعوا لمن ضره أقرب من نفعه } ، هذه الآية من ~~مشكلات القرآن وفيها أسئلة: # أولها قالوا: قد قال الله في الآية الأولى " يدعو من دون الله ما لا ~~يضره " ، وقال هاهنا: " لمن ضره أقرب } ، فكيف التوفيق بينهما. # قيل قوله في الآية الأولى " يدعو من دون الله ما لا يضره " أي: لا يضره ~~ترك عبادته. وقوله: " لمن ضره أقرب " أي: ضر عبادته. # فإن قيل: قد قال " لمن ضره أقرب من نفعه " ولا نفع في عبادة الصنم ~~أصلا؟. # قيل: هذا على عادة العرب، فإنهم يقولون لما لا يكون أصلا: بعيد، ~~كقوله: # ذلك رجع بعيد # [ق: 3] أي: لا رجع أصلا، فلما كان نفع الصنم بعيدا، على معنى: أنه لا ~~نفع فيه أصلا، قيل: ضربه أقرب، لأنه كائن. # السؤال الثالث: قوله: { لمن ضره أقرب } ما وجه هذه اللام؟ ~~اختلفوا فيه، فقال بعضهم: هي صلة، مجازها: يدعو من ضره أقرب، وكذلك قرأها ~~ابن مسعود. وقيل: " لمن ضره " أي إلى الذي ضره أقرب من نفعه. وقيل: " ~~يدعو " بمعنى يقول: والخبر محذوف، أي يقول: لمن ضره أقرب من نفعه هو إله. # وقيل: معناه يدعو لمن ضره أقرب من نفعه يدعو، فحذف يدعو الأخيرة اجتزاء ~~بالأولى، ولو قلت: يضرب لمن خيره أكثر من شره يضرب، ثم يحذف الأخير جاز. # وقيل: على التوكيد، معناه: يدعو والله لمن ضره أقرب من نفعه. # وقيل: " يدعو من " صلة قوله: " ذلك هو الضلال البعيد " يقول: ذلك هو ~~الضلال البعيد يدعو، ثم استأنف فقال: " لمن ضره أقرب من نفعه " فيكون " ~~من " في محل رفع بالابتداء وخبره: " لبئس المولى " ، أي الناصر. وقيل: ~~المعبود. " ولبئس العشير " ، أي: الصاحب والمخالط، يعني: ms1528 الوثن، والعرب ~~تسمي الزوج عشيرا لأجل المخالطة. ### || [22.14-15] # قوله عز وجل: { إن الله يدخل الذين ءامنوا ~~وعملوا الصلحت جنت تجرى من تحتها ~~الأنهر إن الله يفعل ما يريد }. # { من كان يظن أن لن ينصره الله } ، يعني نبيه محمدا ~~صلى الله عليه وسلم { فى الدنيا والأخرة فليمدد بسبب ~~} ، أي: بحبل { إلى السمآء } أراد بالسماء سقف البيت على قول ~~الأكثرين، أي: ليشد حبلا في سقف بيته فليختنق به حتى يموت، { ثم ~~ليقطع } الحبل بعد الاختناق. وقيل: " ثم ليقطع " أي ليمد الحبل حتى ~~ينقطع فيموت مختنقا، { فلينظر هل يذهبن كيده } ، صنيعه ~~وحيلته، { ما يغيظ } " ما " بمعنى المصدر، أي: هل يذهبن كيده ~~وحيلته غيظه، معناه: فليختنق غيظا حتى يموت. وليس هذا على سبيل الحتم ~~أي: أن يفعله لأنه لا يمكنه القطع والنظر بعد الاختناق والموت، ولكنه كما ~~يقال للحاسد: إن لم ترض هذا فاختنق ومت غيظا. # وقال ابن زيد: المراد من السماء السماء المعروفة. # ومعنى الآية: من كان يظن أن لن ينصر الله نبيه ويكيد في أمره ليقطعه عنه ~~فليقطعه من أصله، فإن أصله من السماء، فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم الوحي الذي يأتيه فلينظر هل يقدر على إذهاب ~~غيظه بهذا الفعل. # وروي أن هذه الآية نزلت في قوم من أسد وغطفان، دعاهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى الإسلام وكان بينهم وبين اليهود حلف، وقالوا: لا يمكننا ~~أن نسلم لأنا نخاف أن لا ينصر محمد ولا يظهر أمره فينقطع الحلف ~~بيننا وبين اليهود، فلا يميروننا ولا يؤوننا فنزلت هذه الآية. # وقال مجاهد: " النصر " بمعنى الرزق والهاء راجعة إلى { من } ومعناه: من ~~كان يظن أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة. نزلت فيمن أساء الظن بالله ~~عز وجل وخاف ألا يرزقه الله، " فليمدد بسبب إلى السماء " ، أي: إلى سماء ~~البيت، فلينظر هل يذهبن فعله ذلك ما يغيظ، وهو خيفة أن لا يرزق. # وقد يأتي النصر بمعنى الرزق، تقول العرب: من ينصرني نصره الله. أي: من ~~يعطني أعطاه ms1529 الله، قال أبو عبيدة: تقول العرب: أرض منصورة، أي: ممطورة. # قرأ أبو عمرو، ونافع، وابن عامر، ويعقوب: " ثم ليقطع " " ثم ليقضوا " ~~بكسر اللام، والباقون بجزمها لأن الكل لام الأمر، زاد ابن عامر # وليوفوا نذورهم وليطوفوا # [الحج: 29] بكسر اللام فيهما، ومن كسر في: " ثم ليقطع " وفي " ثم ليقضوا ~~" فرق بأن ثم مفصول من الكلام، والواو كأنها من نفس الكلمة كالفاء في ~~قوله " فلينظر ". ### || [22.16-17] # { وكذلك } أي: ومثل ذلك، يعني: ما تقدم من آيات القرآن، { ~~أنزلنه } ، يعني: القرآن { ءايت بينت وأن الله ~~يهدى من يريد }. # { إن الذين ءامنوا والذين هادوا والصبئين ~~والنصرى والمجوس والذين أشركوا } ، يعني: عبدة ~~الأوثان، { إن الله يفصل بينهم } ، يحكم بينهم، { يوم ~~القيمة إن الله على كل شىء شهيد }. ### || [22.18-19] # { ألم تر } ، ألم تعلم، وقيل: { ألم تر } تقرأ بقلبك { أن ~~الله يسجد له من فى السموت ومن فى الأرض ~~والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر ~~والدوآب } ، قال مجاهد: سجودها تحول ظلالها. وقال أبو العالية: ما ~~في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلا يقع ساجدا حين يغيب ثم لا ينصرف حتى ~~يؤذن له، فيأخذ ذات اليمين حتى يرجع إلى مطلعه. وقيل: سجودها بمعنى ~~الطاعة فإنه ما من جماد إلا وهو مطيع لله خاشع لله مسبح له كما أخبر الله ~~تعالى عن السموات والأرض # قالتآ أتينا طآئعين # [فصلت: 11]، وقال في وصف الحجارة # وإن منها لما يهبط من خشية الله # [البقرة: 74]، وقال تعالى: # وإن من شىء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم # [الإسراء: 44]، وهذا مذهب حسن موافق لقول أهل السنة. # قوله: { وكثير من الناس } ، أي: من هذه الأشياء كلها تسبح ~~الله عز وجل " وكثير من الناس " ، يعني المسلمين. { وكثير حق ~~عليه العذاب } ، وهم الكفار لكفرهم وتركهم السجود وهم مع كفرهم ~~تسجد ظلالهم لله عز وجل والواو في قوله: { وكثير حق عليه ~~العذاب } ، واو الاستئناف. # { ومن يهن الله } أي: يهنه الله { فما له من مكرم } ~~أي: من يذله الله فلا يكرمه أحد، { إن الله يفعل ما يشآء ~~} ، أي: يكرم ويهين فالسعادة والشقاوة ms1530 بإرادته ومشيئته. # قوله عز وجل: { هذان خصمان اختصموا فى ربهم } أي: ~~جادلوا في دينه وأمره، والخصم اسم شبيه بالمصدر، فلذلك قال: { ~~اختصموا } بلفظ الجمع كقوله: # وهل أتاك نبؤا الخصم إذ تسوروا المحراب # [ص: 21]، واختلفوا في هذين الخصمين. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبر محمد بن إسماعيل، أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، أخبرنا ~~هشيم، أخبرنا أبو هاشم، عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد قال: سمعت أبا ~~ذر يقسم قسما أن هذه الآية: { هذان خصمان اختصموا فى ~~ربهم } نزلت في الذين برزوا يوم بدر: حمزة وعلي، وعبيدة بن الحارث، ~~وعتبة، وشيبة ابني ربيعة، والوليد بن عتبة. # وأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، ~~أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا حجاج بن منهال، حدثنا المعتمر بن سليمان، ~~قال: سمعت أبي قال أخبرنا أبو مجلز، عن قيس بن عباد، عن علي بن أبي طالب ~~قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة، قال قيس: ~~وفيهم نزلت: { هذان خصمان اختصموا فى ربهم } قال: هم ~~الذين بارزوا يوم بدر: علي وحمزة، وعبيدة، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ~~ربيعة، والوليد بن عتبة. # قال محمد بن إسحاق خرج يعني يوم بدر عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة بن ~~ربيعة وابنه الوليد بن عتبة ودعا إلى المبارزة فخرج إليه فتية من الأنصار ~~ثلاثة: عوذ ومعوذ ابنا الحارث وأمهما عفراء، وعبد الله بن رواحة فقالوا: ~~من أنتم؟ قالوا: رهط من الأنصار، فقالوا حين انتسبوا: أكفاء كرام، ثم ~~نادى مناديهم: يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: قم يا عبيدة ابن الحارث ويا حمزة بن عبد المطلب ويا ~~علي بن أبي طالب، فلما دنوا قالوا من أنتم؟ فذكروا وقالوا: نعم ~~أكفاء كرام فبارز عبيدة وكان أسن القوم عتبة، وبارز حمزة شيبة، وبارز ~~علي الوليد بن عتبة، فأما حمزة فلم يمهل أن قتل شيبة، وعلي ~~الوليد، واختلف عبيدة وعتبة بينهما ms1531 ضربتان كلاهما أثبت صاحبه، ~~فكر حمزة وعلي بأسيافهما على عتبة فذففا عليه واحتملا عبيدة إلى ~~أصحابه، وقد قطعت رجله ومخها يسيل، فلما أتوا بعبيدة إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: ألست شهيدا يا رسول الله؟ قال: " بلى " ، ~~فقال عبيدة: لو كان أبو طالب حيا لعلم أنا أحق بما قال منه حيث ~~يقول: # ونسلمه حتى نصرع حوله # ونذهل عن أبنائنا والحلائل # وقال ابن عباس وقتادة: نزلت الآية في المسلمين وأهل الكتاب فقال أهل ~~الكتاب: نحن أولى بالله وأقدم منكم كتابا، ونبينا قبل نبيكم، ~~وقال المؤمنون: نحن أحق بالله آمنا بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ~~ونبيكم وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون نبينا وكتابنا وكفرتم به ~~حسدا، فهذه خصومتهم في ربهم. # وقال مجاهد: وعطاء بن أبي رباح والكلبي: هم المؤمنون والكافرون كلهم ~~من أي ملة كانوا. # وقال بعضهم: جعل الأديان ستة في قوله تعالى: # إن الذين ءامنوا والذين هادوا # [المائدة: 69] الآية، فجعل خمسة للنار وواحدا للجنة، فقوله تعالى: { ~~هذان خصمان اختصموا فى ربهم } ينصرف إليهم فالمؤمنون ~~خصم وسائر الخمسة خصم. # وقال عكرمة: هما الجنة والنار اختصمتا كما أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي ~~أخبرنا أبو طاهر الزيادي، أخبرنا أبو بكر محمد حسين القطان، أخبرنا أحمد ~~بن يوسف السلمي أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام بن منبه، قال: ~~حدثنا أبو هريرة: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " تحاجت الجنة والنار فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، ~~وقالت الجنة: فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وغرتهم؟ ~~قال الله عز وجل للجنة: إنما أنت رحتمي أرحم بك من أشاء من عبادي، ~~وقال للنار: إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة ~~منكما ملؤها، فأما النار فلا تمتلىء حتى يضع الله فيها رجله فتقول ~~قط قط، فهنالك تمتلىء ويزوي بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه ~~أحدا، وأما الجنة فإن الله عز وجل ينشىء لها خلقا " # ثم بين الله عز وجل ما للخصمين فقال: # { فالذين ms1532 كفروا قطعت لهم ثياب من نار } ، قال ~~سعيد بن جبير: ثياب من نحاس مذاب، وليس من الآنية شيء إذا حمي أشد حرا ~~منه وسمي باسم الثياب لأنها تحيط بهم كإحاطة الثياب. # وقال بعضهم: يلبس أهل النار مقطعات من النار، { يصب من فوق ~~رءوسهم الحميم } ، الحميم: هو الماء الحار الذي انتهت حرارته. ### || [22.20] # { يصهر به } أي: يذاب بالحميم، { ما فى بطونهم } ، يقال: ~~صهرت الإلية والشحم بالنار إذا أذبتهما أصهرها صهرا، معناه يذاب ~~بالحميم الذي يصب من فوق رؤوسهم حتى يسقط ما في بطونهم من الشحوم ~~والأحشاء، { والجلود } أي: يشوي حرها جلودهم فتتساقط. # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا أبو طاهر محمد بن ~~أحمد بن الحارث، أخبرنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد ~~الله بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، أخبرنا عبد الله بن ~~المبارك، عن سعيد بن يزيد، عن أبي السمح، عن أبي حجيرة واسمه عبد الرحمن، ~~عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جوفه ~~فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدميه، وهو الصهر، ثم يعاد كما كان " ### || [22.21-23] # قوله تعالى: { ولهم مقامع من حديد } ، سياط من حديد ~~واحدتها: مقمعة، قال الليث: المقمعة شبه الجرز من الحديد، من قولهم: ~~قمعت رأسه، إذا ضربته ضربا عنيفا، وفي الخبر: # " لو وضع مقمع من حديد في الأرض ثم اجتمع عليه الثقلان ما أقلوه من ~~الأرض ". # { كلمآ أرادوا أن يخرجوا منها من غم } ، أي: ~~كلما حاولوا الخروج من النار لما يلحقهم من الغم والكرب الذي يأخذ ~~بأنفاسهم { أعيدوا فيها } ، أي: ردوا إليها بالمقامع. وفي ~~التفسير: إن جهنم لتجيش بهم فتلقيهم إلى أعلاها فيريدون الخروج منها ~~فتضربهم الزبانية بمقامع من الحديد فيهوون فيها سبعين خريفا. { ~~وذوقوا عذاب الحريق } ، أي: تقول لهم الملائكة: ذوقوا عذاب ~~الحريق، أي: المحرق، مثل الأليم والوجيع. # قال الزجاج: هؤلاء أحد الخصمين. وقال في الآخر، وهم المؤمنون. # { إن الله يدخل ms1533 الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت جنت تجرى من تحتها الأنهر ~~يحلون فيها من أساور من ذهب } ، جمع سوار، { ~~ولؤلؤا } ، قرأ أهل المدينة وعاصم " ولؤلؤا " هاهنا وفي سورة ~~الملائكة بالنصب وافق يعقوب هاهنا على معنى ويحلون لؤلؤا، ولأنها ~~مكتوبة في المصاحف بالألف، وقرأ الآخرون بالخفض عطفا على قوله: " من ذهب ~~" ، ويترك الهمزة الأولى في كل القرآن أبو جعفر وأبو بكر، واختلفوا في ~~وجه إثبات الألف، فيه، فقال أبو عمرو: أثبتوها كما أثبتوا في: قالوا ~~وكانوا، وقال الكسائي: أثبتوها للهمزة، لأن الهمزة حرف من الحروف { ~~ولباسهم فيها حرير } أي: يلبسون في الجنة ثياب الإبريسم وهو ~~الذي حرم لبسه في الدنيا على الرجال. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح، أخبرنا أبو ~~القاسم البغوي، أخبرنا علي بن الجعد، أخبرنا شعبة، عن قتادة، عن داود ~~السراج، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه الله إياه في الآخرة، فإن دخل ~~الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو " ### || [22.24-25] # قوله عز وجل: { وهدوا إلى الطيب من القول } ، قال ابن ~~عباس: هو شهادة أن لا إله إلا الله. وقال ابن زيد: لا إله إلا الله ~~والله أكبر والحمد لله وسبحان الله. وقال السدي: أي القرآن. وقيل: هو قول ~~أهل الجنة # الحمد لله الذي صدقنا وعده # [الزمر: 74] { وهدوا إلى صراط الحميد } ، إلى دين الله ~~وهو الإسلام، " والحميد " هو الله المحمود في أفعاله. # قوله عز وجل: { إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل ~~الله } ، عطف المستقبل على الماضي، لأن المراد من لفظ المستقبل ~~الماضي، كما قال تعالى في موضع آخر: # الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ~~ضلالا بعيدا # [النساء: 167]، معناه: إن الذين كفروا فيما تقدم، ويصدون عن سبيل الله ~~في الحال، أي: وهم يصدون. { والمسجد الحرام } ، أي: ويصدون عن ~~المسجد الحرام. { الذى جعلنه للناس } ، قبلة لصلاتهم ~~ومنسكا ومتعبدا كما قال: # وضع للناس # [آل عمران: 96]. { سوآء } ، قرأ حفص عن عاصم ويعقوب: " سواء " نصبا ~~بإيقاع الجعل عليه ms1534 لأن الجعل يتعدى إلى مفعولين. وقيل: معناه مستويا ~~فيه، { العكف فيه والباد } ، وقرأ الآخرون بالرفع على ~~الابتداء وما بعده خبر، وتمام الكلام عند قوله { للناس } وأراد ~~بالعاكف: المقيم فيه، والبادي الطارىء المنتاب إليه من غيره. # واختلفوا في معنى الآية، فقال قوم " سواء العاكف فيه والباد " أي: في ~~تعظيم حرمته وقضاء النسك فيه، وإليه ذهب مجاهد والحسن وجماعة، وقالوا: ~~المراد منه نفس المسجد الحرام. ومعنى التسوية: هو التسوية في تعظيم ~~الكعبة في فضل الصلاة في المسجد الحرام والطواف بالبيت. # وقال آخرون: المراد منه جميع الحرم، ومعنى التسوية: أن المقيم والبادي ~~سواء في النزول به، ليس أحدهما أحق بالمنزل يكون فيه من الآخر، غير أنه ~~لا يزعج فيه أحد إذا كان قد سبق إلى منزل، وهو قول ابن عباس وسعيد بن ~~جبير وقتادة وابن زيد، قالوا: هما سواء في البيوت والمنازل. # وقال عبد الرحمن بن سابط: كان الحجاج إذا قدموا مكة لم يكن أحد من أهل ~~مكة بأحق بمنزله منهم. وكان عمر بن الخطاب ينهى الناس أن يغلقوا ~~أبوابهم في الموسم، وعلى هذا القول لا يجوز بيع دور مكة وإجارتها، وعلى ~~القول الأول - وهو الأقرب إلى الصواب - يجوز، لأن الله تعالى قال: # الذين أخرجوا من ديرهم # [الحج: 40]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: # " من دخل دار أبي سفيان فهو آمن " # ، فنسب الدار إليه نسب ملك، واشترى عمر دارا للسجن بمكة بأربعة آلاف ~~درهم، فدل على جواز بيعها. وهذا قول طاووس وعمرو بن دينار، وبه قال ~~الشافعي. # قوله عز وجل: { ومن يرد فيه بإلحاد بظلم } أي: في ~~المسجد الحرام بإلحاد بظلم وهو الميل إلى الظلم، الباء في قوله: " ~~بإلحاد " زائدة كقوله: # تنبت بالدهن # [المؤمنون: 20]، ومعناه من يرد فيه إلحادا بظلم، قال الأعشى: " ضمنت ~~برزق عيالنا أرماحنا " ، أي: رزق عيالنا. وأنكر المبرد أن تكون الباء ~~زائدة وقال: معنى الآية من تكن إرادته فيه بأن يلحد بظلم. # واختلفوا في هذا الإلحاد، فقال مجاهد وقتادة: هو الشرك وعبادة غير ~~الله. # وقال قوم: هو ms1535 كل شيء كان منهيا عنه من قول أو فعل حتى شتم الخادم. # وقال عطاء: هو دخول الحرم غير محرم أو ارتكاب شيء من محظورات الحرام، من ~~قتل صيد، أو قطع شجر. # وقال ابن عباس: هو أن تقتل فيه من لا يقتلك، أو تظلم من لا يظلمك، وهذا ~~معنى قول الضحاك. # وعن مجاهد أنه قال: تضاعف السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات. # وقال حبيب بن أبي ثابت: هو احتكار الطعام بمكة. # وقال عبد الله بن مسعود في قوله: " ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ~~نذقه من عذاب أليم " ، قال: لو أن رجلا هم بخطيئة لم تكتب عليه، ~~ما لم يعملها، ولو أن رجلا هم بقتل رجل بمكة وهو بعدن أبين، أو ~~ببلد آخر أذاقه الله من عذاب أليم. وقال السدي: إلا أن يتوب. # وروي عن عبد الله بن عمر أنه كان له فسطاطان أحدهما في الحل والآخر في ~~الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الآخر، فسئل عن ذلك فقال: كنا ~~نحدث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل كلا والله، وبلى والله. ### || [22.26] # قوله عز وجل: { وإذ بوأنا لإبرهيم مكان البيت } ، ~~أي: وطأنا. وقال ابن عباس: جعلنا. وقيل: بينا قال الزجاج: جعلنا مكان ~~البيت [مبوءا لإبراهيم. # وقال مقاتل بن حيان: هيأنا. وإنما ذكرنا مكان البيت] لأن الكعبة رفعت ~~إلى السماء زمان الطوفان، ثم لما أمر الله تعالى إبراهيم ببناء البيت لم ~~يدر أين يبني فبعث الله ريحا خجوجا فكنست له ما حول البيت على ~~الأساس. # وقال الكلبي: بعث الله سحابة بقدر البيت فقامت بحيال البيت وفيها رأس ~~يتكلم يا إبراهيم ابن على قدري فبني عليه. قوله تعالى: { أن لا ~~تشرك بى شيئا } أي: عهدنا إلى إبراهيم وقلنا له لا تشرك بي ~~شيئا، { وطهر بيتى للطآئفين } ، يعني: الذين يطوفون ~~بالبيت، { والقآئمين } أي: المقيمين، { والركع السجود } ~~، أي: المصلين. ### || [22.27-28] # { وأذن فى الناس } أي: أعلم وناد في الناس، { بالحج } ، ~~فقال إبراهيم وما يبلغ صوتي؟ فقال: عليك الأذان وعلي البلاغ، فقام ~~إبراهيم على المقام فارتفع ms1536 المقام حتى صار كأطول الجبال فأدخل أصبعيه ~~في أذنيه، وأقبل بوجهه يمينا وشمالا وشرقا وغربا وقال: يا أيها الناس ~~ألا إن ربكم قد بنى لكم بيتا وكتب عليكم الحج إلى البيت فأجيبوا ربكم، ~~فأجابه كل من كان يحج من أصلاب الآباء وأرحام الأمهات: لبيك اللهم لبيك، ~~قال ابن عباس: فأول من أجابه أهل اليمن فهم أكثر الناس حجا. # وروى أن إبراهيم صعد أبا قبيس ونادى. وقال ابن عباس عنى بالناس في هذه ~~الآية أهل القبلة، وزعم الحسن أن قوله: " وأذن في الناس بالحج " كلام ~~مستأنف وأن المأمور بهذا التأذين محمد صلى الله عليه وسلم أمر أن يفعل ~~ذلك في حجة الوداع. # وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا ". # قوله تعالى: { يأتوك رجالا } ، مشاة على أرجلهم جمع راجل، مثل ~~قائم وقيام وصائم وصيام، { وعلى كل ضامر } ، أي: ركبانا على ~~كل ضامر، والضامر: البعير المهزول. { يأتين من كل فج عميق ~~} أي: من كل طريق بعيد، وإنما جمع " يأتين " لمكان كل وإرادة النوق. # { ليشهدوا } ، ليحضروا، { منفع لهم } ، قال سعيد بن ~~المسيب، ومحمد بن علي الباقر: العفو والمغفرة. وقال سعيد بن جبير: ~~التجارة، وهي رواية ابن زيد عن ابن عباس، قال الأسواق. وقال مجاهد: ~~التجارة وما يرضى الله به من أمر الدنيا والآخرة. { ويذكروا اسم ~~الله فى أيام معلومت } ، يعني عشر ذي الحجة في قول أكثر ~~المفسرين. قيل: لها " معلومات " للحرص على علمها بحسابها من أجل وقت الحج ~~في آخرها. ويروى عن علي رضي الله عنه: أنها يوم النحر وثلاثة أيام بعده، ~~وفي رواية عطاء عن ابن عباس أنها يوم عرفة والنحر وأيام التشريق. وقال ~~مقاتل: المعلومات أيام الشتريق. { على ما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام } ، يعني: الهدايا، والضحايا، تكون من النعم، وهي الإبل ~~والبقر والغنم. # واختار الزجاج أن الأيام المعلومات: يوم النحر وأيام التشريق، لأن الذكر ~~على بهيمة الأنعام يدل على التسمية على نحرها، ونحر الهدايا يكون في هذه ~~الأيام. { فكلوا منها } أمر ms1537 إباحة ليس بواجب، وإنما قال ذلك لأن ~~أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون من لحوم هداياهم شيئا، واتفق العلماء على ~~أن الهدي إذا كان تطوعا يجوز للمهدي أن يأكل منه وكذلك أضحية التطوع ~~لما. # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد ~~الله الطيسفوني، أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري، أخبرنا أحمد بن علي ~~الكشميهني، أخبرنا علي بن حجر، أخبرنا إسماعيل ابن جعفر، عن جعفر بن ~~محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله قال في قصة حجة الوداع: وقدم علي ~~ببدن من اليمن وساق رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة بدنة فنحر منها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا وستين بدنة بيده ونحر علي ما بقي، ~~ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تؤخذ بضعة من كل بدنة فتجعل في ~~قدر، فأكلا من لحمها وحسيا من مرقها. # واختلفوا في الهدي الواجب بالشرع هل يجوز للمهدي أن يأكل منه شيئا؟ مثل ~~دم التمتع والقران والدم الواجب بإفساد الحج وفواته وجزاء الصيد. # فذهب قوم إلى أنه لا يجوز أن يأكل منه شيئا، وبه قال الشافعي، وكذلك ما ~~أوجبه على نفسه بالنذر، وقال ابن عمر: لا يأكل من جزاء الصيد والنذر، ~~ويأكل مما سوى ذلك، وبه قال أحمد وإسحاق، وقال مالك: يأكل من هدي التمتع ~~ومن كل هدي وجب عليه إلا من فدية الأذى وجزاء الصيد والمنذور، وعند أصحاب ~~الرأي يأكل من دم التمتع والقران ولا يأكل من واجب سواهما. # قوله عز وجل: { وأطعموا البآئس الفقير } ، يعني: ~~الزمن الفقير الذي لا شيء له و " البائس " الذي اشتد بؤسه، والبؤس شدة ~~الفقر. ### || [22.29] # { ثم ليقضوا تفثهم } ، التفث: الوسخ والقذارة من طول الشعر ~~والأظفار والشعث، تقول العرب لمن تستقذره: ما أتفثك: أي: أوسخك. ~~والحاج أشعث أغبر، لم يحلق شعره ولم يقلم ظفره، فقضاء التفث: إزالة هذه ~~الأشياء ليقضوا تفثهم، أي: ليزيلوا أدرانهم، والمراد منه الخروج عن ~~الإحرام بالحلق، وقص الشارب، ونتف الإبط، والاستحداد، وقلم الأظفار، ~~ولبس ms1538 الثياب. قال ابن عمر وابن عباس: " قضاء التفث ": مناسك الحج كلها. ~~وقال مجاهد: هو مناسك الحج، وأخذ الشارب، ونتف الإبط، وحلق العانة، وقلم ~~الأظفار. وقيل: التفث هاهنا رمي الجمار. قال الزجاج: لا نعرف التفث ~~ومعناه إلا من القرآن. # قوله تعالى: { وليوفوا نذورهم } ، قال مجاهد: أراد نذر الحج ~~والهدي وما ينذر الإنسان من شيء يكون في الحج أي: ليتموها بقضائها. ~~وقيل: المراد منه الوفاء بما نذر على ظاهره. وقيل: أراد به الخروج. عما ~~وجب عليه نذر أو لم ينذر. والعرب تقول لكل من خرج عن الواجب عليه وفى ~~بنذره. وقرأ عاصم برواية أبي بكر " وليوفوا " بنصب الواو وتشديد ~~الفاء. # { وليطوفوا بالبيت العتيق } ، أراد به الطواف الواجب ~~عليه وهو طواف الإفاضة يوم النحر بعد الرمي والحلق. # والطواف ثلاثة: طواف القدوم، وهو أن من قدم مكة يطوف بالبيت سبعا يرمل ~~ثلاثا من الحجر الأسود إلى أن ينتهي إليه ويمشي أربعا، وهذا الطواف سنة ~~لا شيء على من تركه. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، ~~أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا أحمد هو ابو عيسى، أخبرنا ابن وهب، ~~أخبرنا عمرو بن الحارث، عن محمد بن عبد الرحمن ابن نوفل القرشي أنه سأل ~~عروة بن الزبير فقال: قد حج النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرتني عائشة أنه ~~أول شيء بدأ به حين قدم أنه توضأ ثم طاف بالبيت ثم لم يكن عمرة، ثم حج ~~أبو بكر فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ثم لم يكن عمرة، ثم عمر مثل ~~ذلك، ثم حج عثمان فرأيته أول شيء بدأ به الطواف بالبيت. # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، ~~أخبرنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا أنس بن ~~عياض، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " أنه كان إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم يسعى ثلاثة أطواف ~~ويمشي أربعا، ثم يصلي سجدتين، ثم ms1539 يطوف بين الصفا والمروة سبعا ". # والطواف الثاني: هو طواف الإفاضة يوم النحر بعد الرمي والحلق، وهو واجب ~~لا يحصل التحلل من الإحرام ما لم يأت به. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، ~~أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عمر بن حفص، حدثنا أبي، أخبرنا الأعمش، ~~أخبرنا إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: # " حاضت صفية ليلة النفر فقالت: ما أراني إلا حابستكم قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «عقري حلقى أطافت يوم النحر؟ قيل: نعم، قال: فانفري» " # فثبت بهذا أن من لم يطف يوم النحر طواف الإفاضة لا يجوز له أن ينفر. # والطواف الثالث: هو طواف الوداع لا رخصة فيه لمن أراد مفارقة مكة إلى ~~مسافة القصر أن يفارقها حتى يطوف بالبيت سبعا، فمن تركه فعليه دم إلا ~~المرأة الحائض يجوز لها ترك طواف الوداع. # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، ~~أخبرنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا سفيان، ~~عن سليمان الأحول، عن طاووس عن ابن عباس، قال: أمر الناس أن يكون آخر ~~عهدهم الطواف بالبيت إلا أنه رخص للمرأة الحائض. # والرمل مختص بطواف القدوم، ولا رمل في طواف الإفاضة والوداع. # قوله: { بالبيت العتيق } اختلفوا في معنى " العتيق ": قال ابن ~~عباس، وابن الزبير ومجاهد وقتادة: سمي عتيقا لأن الله أعتقه من أيدي ~~الجبابرة أن يصلوا إلى تخريبه، فلم يظهر عليه جبار قط. قال سفيان بن ~~عيينة: سمي عتيقا لأنه لم يملك قط، وقال الحسن وابن زيد: سمي به ~~لأنه قديم وهو أول بيت وضع للناس، يقال: دينار عتيق أي قديم، وقيل: سمي ~~عتيقا لأن الله أعتقه من الغرق، فإنه رفع أيام الطوفان. ### || [22.30-31] # { ذلك } أي: الأمر ذلك، يعني ما ذكر من أعمال الحج، { ومن ~~يعظم حرمت الله } ، أي معاصي الله وما نهى عنه، وتعظيمها ~~ترك ملابستها. قال الليث: حرمات الله ما لا يحل انتهاكها. وقال الزجاج: ~~الحرمة ما وجب القيام به وحرم التفريط فيه، وذهب قوم إلى أن معنى ms1540 الحرمات ~~هاهنا: المناسك، بدلالة ما يتصل بها من الآيات. وقال ابن زيد: الحرمات ~~هاهنا: البيت الحرام، والبلد الحرام والشهر الحرام، والمسجد الحرام، ~~والإحرام. { فهو خير له عند ربه } ، أي: تعظيم الحرمات، ~~خير له عند الله في الآخرة. # قوله عز وجل: { وأحلت لكم الأنعم } ، أن تأكلوها إذا ~~ذبحتموها وهي الإبل والبقر والغنم، { إلا ما يتلى عليكم } ~~، تحريمه، وهو قوله في سورة المائدة: # حرمت عليكم الميتة والدم # [المائدة: 3]، الآية، { فاجتنبوا الرجس من الأوثن } ~~أي: عبادتها، يقول: كونوا على جانب منها فإنها رجس، أي: سبب الرجس، وهو ~~العذاب، والرجس: بمعنى الرجز. وقال الزجاج: (من) هاهنا للتجنيس أي: ~~اجتنبوا الأوثان التي هي رجس، { واجتنبوا قول الزور } ، ~~يعني: الكذب والبهتان. وقال ابن مسعود: شهادة الزور، وروي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قام خطيبا فقال: # " يا أيها الناس عدلت شهادة الزور بالشرك بالله " # ، ثم قرأ هذه الآية. وقيل: هو قول المشركين في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك ~~لبيك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك. # { حنفآء لله } ، مخلصين له، { غير مشركين به } ، قال ~~قتادة: كانوا في الشرك يحجون، ويحرمون البنات والأمهات والأخوات، ~~وكانوا يسمون حنفاء، فنزلت: " حنفاء لله غير مشركين به " أي: حجاجا لله ~~مسلمين موحدين، يعني: من أشرك لا يكون حنيفا. # { ومن يشرك بالله فكأنما خر } ، أي: سقط، { من ~~السمآء } ، إلى الأرض، { فتخطفه الطير } ، أي: تستلبه ~~الطير وتذهب به، والخطف والاختطاف: تناول الشيء بسرعة، وقرأ أهل المدينة: ~~فتخطفه بفتح الخاء وتشديد الطاء، أي: يتخطفه، { أو تهوى به ~~الريح } ، أي: تميل وتذهب به، { فى مكان سحيق } ، أي: بعيد، ~~معناه: بعد من أشرك من الحق كبعد من سقط من السماء فذهبت به الطير، أو ~~هوت به الريح، فلا يصل إليه بحال. وقيل: شبه حال المشرك بحال الهاوي ~~من السماء في أنه لا يملك لنفسه حيلة حتى يقع بحيث تسقطه الريح، فهو ~~هالك لا محالة إما باستلاب الطير لحمه وإما بسقوطه إلى المكان السحيق، ~~وقال الحسن: شبه أعمال الكفار بهذه الحال في أنها تذهب وتبطل فلا ~~يقدرون ms1541 على شيء منها. ### || [22.32] # { ذلك } ، يعني: الذي ذكرت من اجتناب الرجس وقول الزور، { ومن ~~يعظم شعئر الله فإنها من تقوى القلوب } ، قال ~~ابن عباس: " شعائر الله " البدن والهدي، وأصلها من الإشعار، وهو ~~إعلامها ليعرف أنها هدي، وتعظيمها استسمانها واستحسانها. وقيل: " شعائر ~~الله " أعلام دينه، " فإنها من تقوى القلوب " ، أي: فإن تعظيمها من تقوى ~~القلوب. ### || [22.33] # { لكم فيها } أي: في البدن قبل تسميتها للهدي، { منفع } ، ~~في درها ونسلها وأصوافها وأوبارها وركوب ظهورها، { إلى أجل ~~مسمى } ، وهو أن يسميها ويوجبها هديا، فإذا فعل ذلك لم يكن له شيء ~~من منافعها، هذا قول مجاهد، وقول قتادة والضحاك، ورواه مقسم عن ابن عباس. # وقيل: معناه لكم في الهدايا منافع بعد إيجابها وتسميتها هديا بأن ~~تركبوها وتشربوا ألبانها عند الحاجة " إلى أجل مسمى " ، يعني: إلى أن ~~تنحروها، وهو قول عطاء بن أبي رباح. # واختلف أهل العلم في ركوب الهدي. # فقال قوم: يجوز له ركوبها والحمل عليها غير مضر بها، وهو قول مالك، ~~والشافعي، وأحمد، وإسحاق، لما. أخبر أبو الحسن السرخسي، أخبرنا أبو علي ~~زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك، عن ~~أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يسوق بدنة فقال له: " ~~اركبها، فقال يا رسول الله إنها بدنة، فقال: اركبها، ويلك، في الثانية أو ~~الثالثة " وكذلك قال له: " اشرب لبنها بعدما فضل عن ري ولدها ". # وقال أصحاب الرأي: لا يركبها. # وقال قوم: لا يركبها إلا أن يضطر إليه. # وقال بعضهم: أراد بالشعائر: المناسك ومشاهد مكة، " لكم فيها منافع " ~~بالتجارة والأسواق " إلى أجل مسمى " وهو الخروج من مكة. # وقيل: " لكم فيها منافع " بالأجر والثواب في قضاء المناسك. " إلى أجل ~~مسمى " ، أي: إلى انقضاء أيام الحج. # { ثم محلهآ } أي: منحرها، { إلى البيت العتيق } ، أي: ~~منحرها عند البيت العتيق، يريد أرض الحرم كلها، كما قال: # فلا يقربوا المسجد الحرام # [التوبة:28] أي: الحرم كله. # وروي عن جابر في قصة حجة الوداع أن رسول الله ms1542 صلى الله عليه وسلم قال: # " نحرت هاهنا ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم ". # ومن قال " الشعائر " المناسك، قال: معنى قوله: " ثم محلها إلى البيت ~~العتيق " أي: محل الناس من إحرامهم إلى البيت العتيق، أي: أن يطوفوا به ~~طواف الزيارة يوم النحر. ### || [22.34-35] # قال الله تعالى: { ولكل أمة } ، أي: جماعة مؤمنة سلفت قبلكم، { ~~جعلنا منسكا } ، قرأ حمزة والكسائي بكسر السين هاهنا وفي آخر ~~السورة، على معنى الاسم مثل المجلس والمطلع، أي: مذبحا وهو موضع ~~القربان، وقرأ الآخرون بفتح السين على المصدر، مثل المدخل والمخرج، أي: ~~إراقة الدماء وذبح القرابين، { ليذكروا اسم الله على ما ~~رزقهم من بهيمة الأنعم } ، [عند نحرها وذبحها، وسماها ~~بهيمة] لأنها لا تتكلم، وقال: " بهيمة الأنعام " وقيدها بالنعم، لأن ~~من البهائم ما ليس من الأنعام كالخيل والبغال والحمير، لا يجوز دخلها في ~~القرابين. # { فإلهكم إله وحد } ، أي: سموا على الذبائح اسم الله ~~وحده، فإن إلهكم إله واحد، { فله أسلموا } ، انقادوا وأطيعوا، { ~~وبشر المخبتين } ، قال ابن عباس وقتادة: المتواضعين. وقال ~~مجاهد: المطمئنين إلى الله عز وجل، " والخبت " المكان المطمئن من ~~الأرض. وقال الأخفش: الخاشعين. وقال النخعي: المخلصين. وقال الكلبي: هم ~~الرقيقة قلوبهم. وقال عمرو بن أوس: هم الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ~~ينتصروا. # { الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ~~والصبرين على مآ أصابهم } ، من البلاء والمصائب، { ~~والمقيمى الصلوة } ، أي: المقيمين للصلاة في أوقاتها، { ~~ومما رزقنهم ينفقون } ، يتصدقون. ### || [22.36] # قوله عز وجل: { والبدن } ، جمع بدنة سميت بدنة لعظمها ~~وضخامتها، يريد: الإبل العظام الصحاح الأجسام، يقال بدن الرجل ~~بدنا وبدانة إذا ضخم، فأما إذا أسن واسترخى يقال بدن تبدينا. ~~قال عطاء والسدي: البدن: الإبل والبقر أما الغنم لا تسمى بدنة. { ~~جعلنها لكم من شعئر الله } ، من أعلام دينه، سميت ~~شعائر لأنها تشعر، وهو أن تطعن بحديدة في سنامها فيعلم أنها هدي، { ~~لكم فيها خير } ، النفع في الدنيا والأجر في العقبى، { ~~فاذكروا اسم الله عليها } ، عند نحرها، { صوآف } ، أي: ~~قياما على ثلاث قوائم قد صفت رجليها وإحدى يديها، ويدها اليسرى معقولة ms1543 ~~فينحرها كذلك. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عبد الله بن مسلمة، أخبرنا ~~يزيد بن زريع، عن يونس، عن زياد بن جبير قال: رأيت ابن عمر أتى على رجل ~~قد أناخ بدنة ينحرها، قال: ابعثها قياما مقيدة سنة محمد صلى الله ~~عليه وسلم. # وقال مجاهد: الصواف إذا عقلت رجلها اليسرى وقامت على ثلاث قوائم. # وقرأ ابن مسعود " صوافن " وهي أن تعقل منها يد وتنحر على ثلاث، وهو مثل ~~صواف. وقرأ أبي والحسن ومجاهد: " صوافي " بالياء أي: صافية خالصة لله ~~لا شريك له فيها. # { فإذا وجبت جنوبها } ، أي: سقطت بعد النحر فوقعت جنوبها على ~~الأرض، وأصل الوجوب: الوقوع. يقال: وجبت الشمس إذا سقطت للمغيب، { ~~فكلوا منها } ، أمر إباحة، { وأطعموا القنع ~~والمعتر } ، اختلفوا في معناها: # فقال عكرمة وإبراهيم وقتادة: " القانع " الجالس في بيته المتعفف يقنع ~~بما يعطي ولا يسأل، و " المعتر " الذي يسأل. # وروى العوفي عن ابن عباس: " القانع ": الذي لا يتعرض ولا يسأل، و " ~~المعتر " الذي يريك نفسه ويتعرض ولا يسأل، فعلى هذين التأويلين يكون " ~~القانع ": من القناعة، يقال: قنع قناعة إذ رضى بما قسم له. # وقال سعيد بن جبير والحسن والكلبي: " القانع ": الذي يسأل، " والمعتر ": ~~الذي يتعرض ولا يسأل، فيكون " القانع " من قنع يقنع قنوعا إذا سأل. # وقرأ الحسن " والمعتري " وهو مثل المعتر، يقال: عره واعتره وعراه ~~واعتراه إذا أتاه يطلب معروفه، إما سؤالا وإما تعرضا. # وقال ابن زيد: " القانع ": المسكين، " والمعتر ": الذي ليس بمسكين، ولا ~~يكون له ذبيحة يجيء إلى القوم فيتعرض لهم لأجل لحمهم. # { كذلك } أي: مثل ما وصفنا من نحرها قياما، { سخرنها ~~لكم } ، نعمة منا لتتمكنوا من نحرها، { لعلكم تشكرون } ، ~~لكي تشكروا إنعام الله عليكم. ### || [22.37-39] # { لن ينال الله لحومها ولا دمآؤها } ، وذلك أن أهل ~~الجاهلية كانوا إذا نحروا البدن لطخوا الكعبة بدمائها قربة إلى الله، ~~فأنزل الله هذه الآية: " لن ينال الله لحومها ولا دماؤها " قرأ يعقوب ~~" تنال وتناله " بالتاء فيهما، وقرأ العامة ms1544 بالياء، قال مقاتل: لن يرفع ~~إلى الله لحومها ولا دماؤها، { ولكن يناله التقوى ~~منكم } ، ولكن ترفع إليه منكم الأعمال الصالحة والتقوى، والإخلاص ~~وما أريد به وجه الله تعالى { كذلك سخرها لكم } ، يعني: ~~البدن، { لتكبروا الله على ما هداكم } ، أرشدكم لمعالم ~~دينه ومناسك حجه، وهو أن يقول: الله أكبر على ما هدانا والحمد لله على ما ~~أبلانا وأولانا، { وبشر المحسنين } ، قال ابن عباس: الموحدين. # قوله تعالى: { إن الله يدافع عن الذين ءامنوا } ، ~~قرأ ابن كثير وأهل البصرة: " يدفع " ، وقرأ الآخرون: " يدافع " بالألف، ~~يريد: يدفع غائلة المشركين عن المؤمنين ويمنعهم عن المؤمنين. { إن ~~الله لا يحب كل خوان كفور } ، أي: خوان في أمانة الله ~~كفور لنعمته، قال ابن عباس: خانوا الله فجعلوا معه شريكا وكفروا نعمه. ~~قال الزجاج: من تقرب إلى الأصنام بذبيحته وذكر عليها اسم غير الله فهو ~~خوان كفور. # قوله عز وجل: { أذن للذين يقتلون بأنهم ظلموا ~~} ، قرأ أهل المدينة والبصرة وعاصم: " أذن " بضم الألف والباقون بفتحها، ~~أي: أذن الله، " للذين يقاتلون " ، قرأ أهل المدينة وابن عامر وحفص " ~~يقاتلون " بفتح التاء يعني المؤمنين الذين يقاتلهم المشركون، وقرأ ~~الآخرون بكسر التاء يعني الذين أذن لهم بالجهاد " يقاتلون " المشركين. # قال المفسرون: كان مشركو أهل مكة يؤذون أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فلا يزالون محزونين من بين مضروب ومشجوج، ويشكون ذلك إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فيقول لهم: اصبروا فإني لم أومر بالقتال، حتى هاجر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل هذه الآية، وهي أول ~~آية أذن الله فيها بالقتال، فنزلت هذه الآية بالمدينة. # وقال مجاهد: نزلت هذه الآية في قوم بأعيانهم خرجوا مهاجرين من مكة إلى ~~المدينة، فكانوا يمنعون فأذن الله لهم في قتال الكفار الذين ~~يمنعونهم من الهجرة، { بأنهم ظلموا } ، أي: بسبب ما ظلموا، ~~واعتدوا عليهم بالإيذاء، { وإن الله على نصرهم لقدير ~~}. ### || [22.40-41] # { الذين أخرجوا من ديرهم بغير حق } ، بدل " عن ~~الذين " الأولى { إلا أن يقولوا ربنا الله } ، أي: لم ~~يخرجوا من ديارهم ms1545 إلا لقولهم ربنا الله وحده. # { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض } ، بالجهاد ~~وإقامة الحدود، { لهدمت } ، قرأ أهل الحجاز بتخفيف الدال، وقرأ ~~الآخرون بالتشديد على التكثير، فالتخفيف يكون للقليل والكثير، والتشديد ~~يختص بالكثير، { صومع } ، قال مجاهد والضحاك: يعني: صوامع الرهبان. ~~وقال قتادة: صوامع الصابئين، { وبيع } ، بيع النصارى جمع " بيعة " ~~وهي كنيسة النصارى، { وصلوت } ، يعني كنائس اليهود، ويسمونها ~~بالعبرانية صلوتا، { ومسجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ~~} ، يعني مساجد المسلمين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. # ومعنى الآية: ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدم في شريعة كل نبي ~~مكان صلاتهم، لهدم في زمن موسى الكنائس، وفي زمن عيسى البيع والصوامع، ~~وفي زمن محمد صلى الله عليه وسلم المساجد. # وقال ابن زيد: أراد بالصلوات صلوات أهل الإسلام فإنها تنقطع إذا دخل ~~العدو عليهم. # { ولينصرن الله من ينصره } ، أي: ينصر دينه ونبيه، { ~~إن الله لقوى عزيز }. # { الذين إن مكنهم فى الأرض أقاموا الصلوة ~~وآتوا الزكوة وأمروا بالمعروف ونهوا عن ~~المنكر } ، قال الزجاج: هذا من صفة ناصريه، ومعنى " مكناهم في الأرض ~~": نصرناهم على عدوهم حتى يتمكنوا في البلاد. قال قتادة: هم أصحاب محمد ~~صلى الله عليه وسلم، وقال الحسن: هم هذه الأمة { ولله عقبة ~~الأمور } ، أي: آخر أمور الخلق ومصيرهم إليه، يعني: يبطل كل ملك سوى ~~ملكه، فتصير الأمور إليه بلا منازع ولا مدع. ### || [22.42-45] # قوله عز وجل: { وإن يكذبوك } ، يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم، ~~{ فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود }. # { وقوم إبرهيم وقوم لوط }. # { وأصحب مدين وكذب موسى فأمليت ~~للكفرين } ، أي: أمهلتهم وأخرت عقوبتهم، { ثم أخذتهم } ~~، عاقبتهم، { فكيف كان نكير } ، أي: إنكاري، أي: كيف أنكرت ~~عليهم ما فعلوا من التكذيب بالعذاب والهلاك، يخوف به من يخالف النبي ~~صلى الله عليه وسلم ويكذبه. # { فكأين } ، فكم { من قرية أهلكنها } ، بالتاء، هكذا ~~قرأ أهل البصرة ويعقوب، وقرأ الآخرون " أهلكناها " بالنون والألف على ~~التعظيم، { وهى ظالمة } ، أي: وأهلها ظالمون، { فهى خاوية ~~} ساقطة { على عروشها } ، على سقوفها، { وبئر معطلة }: ~~أي وكم بئر معطلة متروكة مخلاة عن ms1546 أهلها { وقصر مشيد } ، قال ~~قتادة والضحاك ومقاتل: رفيع طويل، من قولهم شاد بناءه إذا رفعه. وقال ~~سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء: مجصص، من الشيد، وهو الجص. وقيل: إن البئر ~~المعطلة والقصر المشيد باليمن، أما القصر فعلى قلة جبل، والبئر في ~~سفحه، ولكل واحد منهما قوم كانوا في نعمة فكفروا فأهلكهم الله، وبقي ~~البئر والقصر خاليين. # وروى أبو روق عن الضحاك: أن هذه البئر كانت بحضرموت في بلدة يقال لها ~~حاضوراء، وذلك أن أربعة آلاف نفر ممن آمن بصالح، نجوا من العذاب، أتوا ~~حضرموت ومعهم صالح فلما حضروه مات صالح، فسمي حضرموت، لأن صالحا لما حضر ~~مات فبنوا حاضوراء وقعدوا على هذه البئر وأمروا عليهم رجلا فأقاموا ~~دهرا وتناسلوا حتى كثروا، ثم إنهم عبدوا الأصنام وكفروا فأرسل الله ~~إليهم نبيا يقال له حنظلة بن صفوان، كان حمالا فيهم، فقتلوه في السوق ~~فأهلكهم الله، وعطلت بئرهم وخربت قصورهم. ### || [22.46-47] # { أفلم يسيروا فى الأرض } ، يعني: كفار مكة، فينظروا إلى ~~مصارع المكذبين من الأمم الخالية، { فتكون لهم قلوب ~~يعقلون بهآ أو ءاذان يسمعون بها } ، يعني: ما يذكر ~~لهم من أخبار القرون الماضية فيعتبرون بها، { فإنها } ، الهاء عماد، ~~{ لا تعمى الأبصر ولكن تعمى القلوب التى فى ~~الصدور } ، ذكر " التي في الصدور " تأكيدا كقوله: # يطير بجناحيه # [الأنعام: 38] معناه أن العمى الضار هو عمى القلب، فأما عمى البصر فليس ~~بضار في أمر الدين، قال قتادة: البصر الظاهر: بلغة ومتعة، وبصر القلب: ~~هو البصر النافع. # { ويستعجلونك بالعذاب } ، نزلت في النضر بن الحارث حيث ~~قال: إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء. { ولن ~~يخلف الله وعده } ، فأنجز ذلك يوم بدر. { وإن يوما ~~عند ربك كألف سنة مما تعدون } ، قرأ ابن كثير ~~وحمزة والكسائي: " يعدون " بالياء هاهنا لقوله: { يستعجلونك } ، وقرأ ~~الباقون: بالتاء لأنه أعم، لأنه خطاب للمستعجلين والمؤمنين، واتفقوا في ~~تنزيل " السجدة " أنه بالتاء. # قال ابن عباس: يعني يوما من الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات ~~والأرض. # وقال مجاهد وعكرمة: يوما من أيام الآخرة، ms1547 والدليل عليه ما روي عن أبي ~~سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:: # " أبشروا يا معشر صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة، تدخلون ~~الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم، وذلك مقداره خمسمائة سنة ". # قال ابن زيد: " وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون " هذه أيام ~~الآخرة. وقوله: " كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون " يوم القيامة. ~~والمعنى على هذا: أنهم يستعجلون بالعذاب، وإن يوما من أيام عذابهم في ~~الآخرة ألف سنة. # وقيل: معناه وإن يوما من أيام العذاب الذي استعجلوه في الثقل ~~والاستطالة والشدة كألف سنة مما تعدون، فكيف تستعجلونه هذا؟ كما يقال: ~~أيام الهموم طوال، وأيام السرور قصار. # وقيل: معناه إن يوما عنده وألف سنة في الإمهال سواء، لأنه قادر متى ~~شاء أخذهم لا يفوته شيء بالتأخير، فيستوي في قدرته وقوع ما يستعجلون به ~~من العذاب وتأخره، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء. ### || [22.48-51] # { وكأين من قرية أمليت لها } ، أي أمهلتها، { وهى ~~ظلمة ثم أخذتها وإلى المصير }. # { قل يأيها الناس إنمآ أنا لكم نذير مبين ~~}. # { فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ~~ورزق كريم } ، الرزق الكريم الذي لا ينقطع أبدا. وقيل: هو الجنة. # { والذين سعوا فى ءايتنا } ، أي عملوا في إبطال ~~آياتنا، { معجزين } ، قرأ ابن كثير وأبو عمرو: " معجزين " ~~بالتشديد هاهنا وفي سورة سبأ أي: مثبطين الناس عن الإيمان، وقرأ ~~الآخرون: " معاجزين " بالألف أي معاندين مشاقين. وقال قتادة: معناه ظانين ~~ومقدرين أنهم يعجزوننا بزعمهم أن لا بعث ولا نشور ولا جنة ولا نار، ومعنى ~~يعجزوننا، أي: يفوتوننا فلا نقدر عليهم. وهذا كقوله تعالى: # أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا # [العنكبوت: 4]، { أولئك أصحب الجحيم } ، وقيل: " ~~معاجزين " مغالبين، يريد كل واحد أن يظهر عجز صاحبه. ### || [22.52-53] # قوله عز وجل: { ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا ~~نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطن فى ~~أمنيته } الآية. قال ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي وغيرهما من ~~المفسرين: لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم تولي قومه ms1548 عنه وشق ~~عليه ما رأى من مباعدتهم عما جاءهم به من الله تمنى في نفسه أن يأتيه من ~~الله ما يقارب بينه وبين قومه لحرصه على إيمانهم، فكان يوما في مجلس ~~لقريش فأنزل الله تعالى سورة " النجم " فقرأها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى بلغ قوله: (أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى) ألقى ~~الشيطان على لسانه بما كان يحدث به نفسه ويتمناه: " تلك الغرانيق العلى ~~وإن شفاعتهم لترتجى " ، فلما سمعت قريش ذلك فرحوا به ومضى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في قراءته، فقرأ السورة كلها وسجد في آخر السورة فسجد ~~المسلمون بسجوده، وسجد جميع من في المسجد من المشركين، فلم يبق في المسجد ~~مؤمن ولا كافر إلا سجد إلا الوليد بن المغيرة وأبو أحيحة سعيد بن ~~العاص، فإنهما أخذا حفنة من البطحاء ورفعاها إلى جبهتيهما وسجدا عليها، ~~لأنهما كانا شيخين كبيرين فلم يستطيعا السجود. وتفرقت قريش وقد سرهم ما ~~سمعوا من ذكر آلهتهم ويقولون: قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر، وقالوا: ~~قد عرفنا أن الله يحيى ويميت ويخلق ويرزق ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، ~~فإذا جعل لها نصيبا فنحن معه، فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أتاه جبريل فقال: يا محمد ماذا صنعت؟ لقد تلوت على الناس ما لم آتك به عن ~~الله عز وجل! فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم حزنا شديدا وخاف من ~~الله خوفا كثيرا فأنزل الله هذه الآية يعزيه، وكان به رحيما، وسمع ~~بذلك من كان بأرض الحبشة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وبلغهم سجود ~~قريش. وقيل: أسلمت قريش وأهل مكة فرجع أكثرهم إلى عشائرهم، وقالوا: هم ~~أحب إلينا حتى إذا دنوا من مكة بلغهم أن الذي كانوا تحدثوا به من إسلام ~~أهل مكة كان باطلا فلم يدخل أحد إلا بجوار أو مستخفيا، فلما نزلت هذه ~~الآية قالت قريش: ندم محمد على ما ذكر من منزلة آلهتنا عند الله فغير ~~ذلك. وكان الحرفان اللذان ألقى الشيطان على لسان ms1549 رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قد وقعا في فم كل مشرك فازدادوا شرا إلى ما كانوا عليه، وشدة ~~على من أسلم. # قال الله تعالى: { ومآ أرسلنا من قبلك من رسول } وهو ~~الذي يأتيه جبريل بالوحي عيانا، { ولا نبى } ، وهو الذي تكون ~~نبوته إلهاما أو مناما، وكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولا. # { إلا إذا تمنى } ، قال بعضهم: أي: أحب شيئا واشتهاه وحدث ~~به نفسه مما لم يؤمر به. " ألقى الشيطان في أمنيته " أي مراده. # وعن ابن عباس قال: إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه ووجد إليه سبيلا، ~~وما من نبي إلا تمنى أن يؤمن به قومه ولم يتمن ذلك نبي إلا ألقى ~~الشيطان عليه ما يرضى به قومه، فينسخ الله ما يلقي الشيطان. # وأكثر المفسرين قالوا: معنى قوله: (تمنى) أي: تلا وقرأ كتاب الله تعالى. ~~" ألقى الشيطان في أمنيته " أي: في تلاوته، قال الشاعر في عثمان حين قتل: # تمنى كتاب الله أول ليلة # وآخرها لاقى حمام المقادر # واختلفوا في أنه هل كان يقرأ في الصلاة أو في غير الصلاة؟ فقال قوم: كان ~~يقرأ في الصلاة. وقال قوم: كان يقرأ في غير الصلاة. فإن قيل كيف يجوز ~~الغلط في التلاوة على النبي صلى الله عليه وسلم وكان معصوما من الغلط في ~~أصل الدين، وقال جل ذكره في القرآن: # لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ~~تنزيل من حكيم حميد # [فصلت: 42] يعني إبليس؟ # قيل: قد اختلف الناس في الجواب عنه فقال بعضهم: إن رسول صلى الله عليه ~~وسلم لم يقرأ، ولكن الشيطان ذكر ذلك بين قراءته، فظن المشركون أن الرسول ~~قرأه. # وقال قتادة: أغفى النبي صلى الله عليه وسلم إغفاءة فجرى ذلك على لسانه ~~بإلقاء الشيطان ولم يكن له خبر. # والأكثرون قالوا: جرى ذلك على لسانه بإلقاء الشيطان على سبيل السهو ~~والنسيان ولم يلبث أن نبهه الله عليه. # وقيل: إن شيطانا يقال له الأبيض عمل هذا العمل، وكان ذلك فتنة ومحنة من ~~الله تعالى والله تعالى يمتحن عباده بما ms1550 يشاء. # { فينسخ الله ما يلقى الشيطن } ، أي: يبطله ويذهبه، ~~{ ثم يحكم الله ءايته } ، فيثبتها، { والله عليم ~~حكيم ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة للذين فى ~~قلوبهم مرض } أي: محنة وبلية، شك ونفاق، { والقاسية } ، ~~يعني الجافية، { قلوبهم } ، عن قبول الحق وهم المشركون، وذلك أنهم ~~افتتنوا لما سمعوا ذلك، ثم نسخ ورفع فازدادوا عتوا، وظنوا أن محمدا ~~يقوله من تلقاء نفسه ثم يندم فيبطل، { وإن الظلمين } ، ~~المشركين { لفى شقاق بعيد } أي: في خلاف شديد. ### || [22.54-58] # { وليعلم الذين أوتوا العلم } ، التوحيد والقرآن. وقال ~~السدي: التصديق بنسخ الله تعالى، { أنه } ، يعني: أن الذي أحكم الله ~~من آيات القرآن هو { الحق من ربك فيؤمنوا به } ، أي: ~~يعتقدوا أنه من الله، { فتخبت له قلوبهم } ، أي: فتسكن إليه ~~قلوبهم، { وإن الله لهاد الذين ءامنوا إلى صرط ~~مستقيم } ، أي: طريق قويم هو الإسلام. # { ولا يزال الذين كفروا فى مرية منه } ، أي: في ~~شك مما ألقى الشيطان على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: ما ~~باله ذكرها بخير ثم ارتد عنها. وقال ابن جريج: " منه " أي من القرآن. ~~وقيل: من الدين، وهو الصراط المستقيم. { حتى تأتيهم الساعة ~~بغتة } ، يعني: القيامة. وقيل: الموت، { أو يأتيهم عذاب ~~يوم عقيم } ، قال الضحاك وعكرمة: عذاب يوم لا ليلة له وهو يوم ~~القيامة. # والأكثرون على أن اليوم العقيم يوم بدر، لأنه ذكر الساعة من قبل وهو يوم ~~القيامة. وسمي يوم بدر عقيما لأنه لم يكن في ذلك اليوم للكفار خير، ~~كالريح العقيم التي لا تأتي بخير، سحاب ولا مطر، والعقم في اللغة: ~~المنع، يقال: رجل عقيم إذا منع من الولد. وقيل: لأنه لا مثل له في عظم ~~أمره لقتال الملائكة فيه. وقال ابن جريج: لأنهم لم ينظروا فيه إلى الليل ~~حتى قتلوا قبل المساء. # { الملك يومئذ } ، يعني يوم القيامة، { لله } ، وحده من ~~غير منازع، { يحكم بينهم } ، ثم بين الحكم، فقال تعالى: { ~~فالذين ءامنوا وعملوا الصلحت فى جنت ~~النعيم }. # { والذين كفروا وكذبوا بآيتنا فأولئك ~~لهم عذاب مهين }. # { والذين هاجروا فى سبيل الله } ، فارقوا أوطانهم ms1551 ~~وعشائرهم في طاعة الله وطلب رضاه، { ثم قتلوا أو ماتوا } ، ~~وهم كذلك، قرأ ابن عام " قتلوا " بالتشديد { ليرزقنهم الله ~~رزقا حسنا } ، والرزق الحسن الذي لا ينقطع أبدا وهو رزق الجنة، { ~~وإن الله لهو خير الرزقين } ، قيل: هو قوله: # بل أحياء عند ربهم يرزقون # [آل عمران: 169]. ### || [22.59-62] # { ليدخلنهم مدخلا يرضونه } ، لأن لهم فيه ما تشتهي ~~الأنفس وتلذ الأعين، { وإن الله لعليم } ، بنياتهم، { ~~حليم } ، عنهم. # { ذلك } ، أي: الأمر ذلك الذي قصصنا عليكم، { ومن عاقب ~~بمثل ما عوقب به } ، جازى الظالم بمثل ظلمه. قال الحسن: يعني ~~قاتل المشركين كما قاتلوه، { ثم بغى عليه } ، أي: ظلم بإخراجه ~~من منزله يعني، ما آتاه المشركون من البغي على المسلمين حتى أحوجوهم إلى ~~مفارقة أوطانهم، نزلت في قوم من المشركين أتوا قوما من المسلمين لليلتين ~~بقيتا من المحرم فكره المسلمون قتالهم وسألوهم أن يكفوا عن القتال أجل ~~الشهر الحرام فأبى المشركون وقاتلوهم فذلك بغيهم عليهم، وثبت المسلمون ~~لهم فنصروا عليهم، قال الله تعالى: { لينصرنه الله } ، ~~والعقاب الأول بمعنى الجزاء، { إن الله لعفو غفور } ، عفا ~~عن مساوىء المؤمنين وغفر لهم ذنوبهم. # { ذلك } أي: ذلك النصر { بأن الله } ، القادرعلى ما يشاء، ~~فمن قدرته أنه: { يولج اليل فى النهار ويولج النهار ~~فى اليل وأن الله سميع بصير }. # { ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون } ، قرأ ~~أهل البصرة وحمزة والكسائي وحفص: بالياء، وقرأ الآخرون: بالتاء، يعني ~~المشركين، { من دونه هو البطل وأن الله هو ~~العلى } ، العالي على كل شيء، { الكبير } ، العظيم الذي كل شيء ~~دونه. ### || [22.63-66] # { ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فتصبح ~~الأرض مخضرة } ، بالنبات؛ { إن الله لطيف } ، بأرزاق ~~عباده واستخراج النبات من الأرض، { خبير } ، بما في قلوب العباد ~~واستخرج النبات من الأرض، إذا تأخر المطر عنهم. # { له ما فى السموت وما فى الأرض } ، عبيدا ~~وملكا، { وإن الله لهو الغنى } ، عن عباده، { ~~الحميد } ، في أفعاله. # { ألم تر أن الله سخر لكم ما فى الأرض ~~والفلك } أي: وسخر لكم الفلك، { تجرى فى البحر بأمره } ~~، وقيل: " ما في الأرض ms1552 ": الدواب تركب في البر، و " الفلك " تركب في ~~البحر، { ويمسك السمآء أن تقع على الأرض } ، يعني: ~~لكيلا تسقط على الأرض، { إلا بإذنه إن الله بالناس ~~لرءوف رحيم }. # { وهو الذى أحياكم } ، أي: أنشأكم ولم تكونوا شيئا، { ~~ثم يميتكم } ، عند انقضاء آجالكم، { ثم يحييكم } ، يوم ~~البعث للثواب والعقاب، { إن الإنسن لكفور } ، لنعم الله. ### || [22.67-72] # قوله عز وجل: { لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه } ~~، قال ابن عباس: يعني شريعة هم عاملون بها. وروى عنه أنه قال: عيدا. قال ~~قتادة ومجاهد: موضع قربان يذبحون فيه. وقيل: موضع عبادة. وقيل: مألفا ~~يألفونه. # والمنسك في كلام العرب: الموضع المعتاد لعمل خير أو شر، ومنه " مناسك ~~الحج " لتردد الناس إلى أماكن أعمال الحج. # { فلا ينزعنك فى الأمر } ، يعني في أمر الذبائح. نزلت في ~~بديل بن ورقاء، وبشر بن سفيان، ويزيد بن خنيس قالوا لأصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم: مالكم تأكلون مما تقتلون بأيديكم ولا تأكلون مما قتله ~~الله؟ # قال الزجاج: معنى قوله: { فلا ينزعنك } أي: لا تنازعهم أنت، ~~كما يقال: لا يخاصمك فلان، أي: لا تخاصمه، وهذا جائز فيما يكون بين ~~الإثنين، ولا يجوز: لا يضربنك فلان، وأنت تريد: لا تضربه، وذلك أن ~~المنازعة والمخاصمة لا تتم إلا باثنين، فإذا ترك أحدهما فلا مخاصة هناك. # { وادع إلى ربك } ، إلى الإيمان بربك، { إنك لعلى ~~هدى مستقيم }. # { وإن جدلوك فقل الله أعلم بما تعملون }. # { الله يحكم بينكم يوم القيمة فيما كنتم ~~فيه تختلفون } ، فتعرفون حينئذ الحق من الباطل. والاختلاف: ذهاب ~~كل واحد من الخصمين إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر. # { ألم تعلم أن الله يعلم ما فى السمآء ~~والأرض إن ذلك } ، كله، { فى كتب } ، يعني اللوح ~~المحفوظ، { إن ذلك } يعني: علمه بجميع ذلك، { على الله ~~يسير }. # { ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطنا ~~} ، حجة، { وما ليس لهم به علم } ، يعني أنهم فعلوا ما فعلوا ~~عن جهل لا عن علم، { وما للظلمين } ، للمشركين، { من نصير ~~} ، مانع يمنعهم من عذاب الله. # { وإذا تتلى عليهم ءايتنا بينت } ، يعني: ~~القرآن، ms1553 { تعرف فى وجوه الذين كفروا المنكر } ، يعني ~~الإنكار يتبين ذلك في وجوههم من الكراهية والعبوس، { يكدون ~~يسطون } ، أي: يقعون ويبسطون إليهم أيديهم بالسوء. وقيل: يبطشون، { ~~بالذين يتلون عليهم ءايتنا } ، أي: بمحمد وأصحابه من ~~شدة الغيظ. يقال: سطا عليه وسطا به إذا تناوله بالبطش والعنف، وأصل ~~السطو: القهر. # { قل } ، يا محمد، { أفأنبئكم بشر من ذلكم } ، أي: ~~بشر لكم وأكره إليكم من هذا القرآن الذي تستمعون، { النار } أي: هي ~~النار، { وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير }. ### || [22.73-74] # { يأيها الناس ضرب مثل } ، معنى: ضرب: جعل، كقولهم: ~~ضرب السلطان البعث على الناس، وضرب الجزية على أهل الذمة، أي جعل ذلك ~~عليهم. ومعنى الآية: جعل لي شبه، وشبه بي الأوثان، أي: جعل ~~المشركون الأصنام شركائي فعبدوها ومعنى { فاستمعوا له } ، أي: ~~فاستمعوا حالها وصفتها، ثم بين ذلك فقال: # { إن الذين تدعون من دون الله } ، يعني: الأصنام، قرأ ~~يعقوب بالياء والباقون بالتاء { لن يخلقوا ذبابا } ، واحدا في ~~صغره وقلته لأنها لا تقدرعليه. والذباب: واحد وجمعه القليل: أذبة، ~~والكثير: ذبان، مثل غراب وأغربة وغربان، { ولو ~~اجتمعوا له } ، أي: لخلقه، { وإن يسلبهم الذباب ~~شيئا لا يستنقذوه منه } ، قال ابن عباس: كانوا يطلون ~~الأصنام بالزعفران، فإذا جف جاء الذباب فاستلب منه. # وقال السدي: كانوا يضعون الطعام بين يدي الأصنام فتقع الذباب عليه ~~فيأكلن منه. # وقال ابن زيد: كانوا يحلون الأصنام باليواقيت واللآلىء وأنواع الجواهر، ~~ويطيبونها بألوان الطيب فربما تسقط منها واحدة فيأخذها طائر أو ذباب فلا ~~تقدر الآلهة على استردادها، فذلك قوله: { وإن يسلبهم الذباب ~~شيئا } أي: وإن يسلب الذباب الأصنام شيئا مما عليها لا يقدرون أن ~~يستنقذوه منه، { ضعف الطالب والمطلوب } ، قال ابن عباس: " ~~الطالب ": الذباب يطلب ما يسلب من الطيب من الصنم، و " المطلوب ": الصنم ~~يطلب الذباب منه السلب. وقيل: على العكس: " الطالب ": الصنم و " المطلوب ~~": الذباب. وقال الضحاك: " الطالب ": العابد و " المطلوب ": المعبود. # { ما قدروا الله حق قدره } ، ما عظموه حق عظمته ~~وما عرفوه حق معرفته، ولا وصفوه حق صفته إن أشركوا به ما لا ~~يمتنع من ms1554 الذباب ولا ينتصف منه، { إن الله لقوى عزيز }. ### || [22.75-77] # { الله يصطفى } ، يعني يختار { من الملئكة رسلا } ، ~~وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وغيرهم، { ومن الناس } ، أي: ~~يختار من الناس رسلا مثل إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم ~~وغيرهم من الأنبياء عليهم السلام، نزلت حين قال المشركون: " أأنزل ~~عليه الذكر من بيننا " ، فأخبر أن الاختيار إليه، يختار من يشاء من خلقه. # { إن الله سميع بصير } ، أي: سميع لقولهم، بصير بمن ~~يختاره لرسالته. # { يعلم ما بين أيديهم } ، قال ابن عباس: ما قدموا، { ~~وما خلفهم } ، ما خلفوا. وقال الحسن: " ما بين أيديهم ": ما ~~عملوا " وما خلفهم " ما هم عاملون من بعد. وقيل: " ما بين أيديهم: ~~ملائكته وكتبه ورسله قبل أن خلقهم، " وما خلفهم " أي: يعلم ما هو كائن ~~بعد فنائهم. { وإلى الله ترجع الأمور }. # { يأيها الذين ءامنوا اركعوا واسجدوا } ، أي: ~~صلوا لأن الصلاة لا تكون إلا بالركوع والسجود، { واعبدوا ~~ربكم } ، وحدوه، { وافعلوا الخير } ، قال ابن عباس: صلة ~~الرحم ومكارم الأخلاق، { لعلكم تفلحون } ، لكي تسعدوا وتفوزوا ~~بالجنة. واختلف أهل العلم في سجود التلاوة عند قراءة هذه الآية. # فذهب قوم إلى أنه يسجد عندها، وهو قول عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن ~~عباس، وبه قال ابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. واحتجوا بما أخبرنا ~~أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي، أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد ~~الجراحي، أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي، أخبرنا أبو عيسى ~~الترمذي، أخبرنا قتيبة، أخبرنا ابن لهيعة، عن مشرح بن هاعان، # " عن عقبة بن عامر قال: قلت يا رسول الله فضلت سورة الحج بأن فيها ~~سجدتين؟ فقال: «نعم، ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما» ". # وذهب قوم إلى أنه لا يسجد هاهنا، وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي. # وعدة سجود القرآن أربعة عشر عند أكثر أهل العلم، منها ثلاث في ~~المفصل. # وذهب قوم إلى أنه ليس في المفصل سجود. روي ذلك عن أبي بن كعب، وابن ~~عباس، وبه قال مالك. وقد صح عن أبي هريرة قال: سجدنا مع رسول الله صلى ms1555 ~~الله عليه وسلم في " اقرأ " ، و " إذا السماء انشقت ". وأبو هريرة من ~~متأخري الإسلام. # واختلفوا في سجود صاد، فذهب الشافعي: إلى أنه سجود شكر ليس من عزائم ~~السجود، ويروى ذلك عن ابن عباس، وذهب قوم إلى أنه يسجد فيها، روي ذلك عن ~~عمر، وبه قال سفيان الثوري، وابن المبارك، وأصحاب الرأي، وأحمد، وإسحاق، ~~فعند ابن المبارك، وإسحاق، وأحمد، وجماعة: سجود القرآن خمس عشرة سجدة، ~~فعدوا سجدتي الحج وسجدة ص، وروى عن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن. ### || [22.78] # قوله عز وجل: { وجهدوا فى الله حق جهده } ، قيل: ~~جاهدوا في سبيل الله أعداء الله " حق جهاده " هو استفراغ الطاقة فيه، ~~قاله ابن عباس: وعنه أيضا أنه قال: لا تخافوا في الله لومة لائم فهو حق ~~الجهاد، كما قال تعالى: # يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم # [المائدة: 54]. # قال الضحاك ومقاتل: اعملوا لله حق عمله واعبدوه حق عبادته. # وقال مقاتل بن سليمان: نسخها قوله: # فاتقوا الله ما استطعتم # [التغابن: 16]، وقال أكثر المفسرين: " حق الجهاد ": أن يكون نيته ~~خالصة صادقة لله عز وجل. وقال السدي: هو أن يطاع فلا يعصى. # وقال عبد الله بن المبارك: هو مجاهدة النفس والهوى، وهو الجهاد الأكبر، ~~وهو حق الجهاد. وقد روي # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة تبوك قال: «رجعنا من ~~الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» " # ، وأراد بالجهاد الأصغر الجهاد مع الكفار، والجهاد الأكبر الجهاد مع ~~النفس. # { هو اجتبكم } أي: اختاركم لدينه، { وما جعل عليكم ~~فى الدين من حرج } ، ضيق، معناه: أن المؤمن لا يبتلى بشيء من ~~الذنوب إلا جعل الله له منه مخرجا، بعضها بالتوبة، وبعضها برد المظالم ~~والقصاص، وبعضها بأنواع الكفارات، فليس في دين الإسلام ذنب لا يجد العبد ~~سبيلا إلى الخلاص من العقاب فيه. # وقيل: من ضيق في أوقات فروضكم مثل هلال شهر مضان والفطر ووقت الحج إذا ~~التبس ذلك عليكم، وسع ذلك عليكم حتى تتيقنوا. # وقال مقاتل: يعني ms1556 الرخص عند الضرورات، كقصر الصلاة في السفر، ~~والتيمم، وأكل الميتة عند الضرورة، والإفطار بالسفر والمرض، والصلاة ~~قاعدا عند العجز. وهو قول الكلبي. # وروي عن ابن عباس أنه قال: الحرج ما كان على بني إسرائيل من الآصار ~~التي كانت عليهم، وضعها الله عن هذه الأمة. # { ملة أبيكم إبرهيم } ، أي كلمة أبيكم، نصب بنزع حرف ~~الصفة. وقيل: نصب على الإغراء، أي اتبعوا ملة أبيكم إبراهيم، وإنما ~~أمرنا باتباع ملة إبراهيم لأنها داخلة في ملة محمد صلى الله عليه وسلم. # فإن قيل: ما وجه قوله: { ملة أبيكم } وليس كل المسلمين يرجع ~~نسبهم إلى إبراهيم؟. # قيل: خاطب به العرب وهم كانوا من نسل إبراهيم. وقيل: خاطب به جميع ~~المسلمين، وإبراهيم أب لهم، على معنى وجوب احترامه وحفظ حقه كما يجب ~~احترام الأب، وهو كقوله تعالى: # وأزواجه أمهاتهم # [الأحزاب: 6]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إنما أنا لكم مثل الوالد لولده " # { هو سمكم } ، يعني أن الله تعالى سماكم { المسلمين من ~~قبل } ، يعني من قبل نزول القرآن في الكتب المتقدمة. { وفى هذا ~~} أي: في هذا الكتاب، هذا قول أكثر المفسرين. # وقال ابن زيد: " هو " يرجع إلى إبراهيم أي إن إبراهيم هو سماكم المسلمين ~~في أيامه، من قبل هذا الوقت، وفي هذا الوقت، وهو قوله: # ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنآ أمة ~~مسلمة لك # [البقرة: 128]، { ليكون الرسول شهيدا عليكم } ، يوم ~~القيامة أن قد بلغكم، { وتكونوا } ، أنتم، { شهدآء على ~~الناس } ، أن رسلهم قد بلغتهم، { فأقيموا الصلوة ~~وءاتوا الزكوة واعتصموا بالله } أي: ثقوا بالله ~~وتوكلوا عليه. قال الحسن: تمسكوا بدين الله. وروي عن ابن عباس قال: ~~سلوا ربكم أن يعصمكم من كل ما يكره. وقيل: معناه ادعوه ليثبتكم على ~~دينه. وقيل: الاعتصام بالله هو التمسك بالكتاب والسنة، { هو ~~مولكم } ، وليكم وناصركم وحافظكم، { فنعم المولى ~~ونعم النصير } ، الناصر لكم. ### | [23 - سورة المؤمنون] ### || [23.1-2] # أخبرنا أحمد بن عبدالله الصالحي، أخبرنا أحمد بن الحسين الحيري، أخبرنا ~~حاجب بن أحمد الطوسي، أخبرنا محمد بن حماد، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا ~~يونس بن سليمان، أملى ms1557 علي يونس صاحب أيلة، عن ابن شهاب، عن عروة بن ~~الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد القارىء قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: ~~كان إذا نزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي يسمع عند وجهه دوي ~~كدوي النحل، فمكثنا ساعة وفي رواية: فنزل عليه يوما فمكثنا ساعة - ~~فاستقبل القبلة ورفع يديه وقال: # " «اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا ~~تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارض عنا، ثم قال: زدنا ولا تنقصنا، ~~وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، ~~وارض عنا، ثم قال: لقد أنزل علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة»، ~~ثم قرأ { قد أفلح المؤمنون } إلى عشر آيات ". # ورواه أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وجماعة عن عبدالرزاق، وقالوا: # " وأعطنا ولا تحرمنا وأرضنا وارض عنا ". # قوله تعالى: { قد أفلح المؤمنون } ، " قد " حرف تأكيد، وقال ~~المحققون: " قد " تقرب الماضي من الحال، يدل على أن الفلاح قد حصل لهم ~~وأنهم عليه في الحال، وهو أبلغ من تجريد ذكر الفعل، " والفلاح ": النجاة ~~والبقاء، قال ابن عباس: قد سعد المصدقون بالتوحيد وبقوا في الجنة. # { الذين هم فى صلاتهم خشعون } ، اختلفوا في معنى ~~الخشوع، فقال ابن عباس: مخبتون أذلاء. وقال الحسن وقتادة: خائفون. وقال ~~مقاتل: متواضعون. وقال مجاهد: هو غض البصر وخفض الصوت. # والخشوع قريب من الخضوع إلا أن الخضوع في البدن، والخشوع في القلب ~~والبصر والصوت، قال الله عز وجل: # وخشعت الأصوات للرحمن # [طه: 108]. # وعن علي رضي الله عنه: هو أن لا يلتفت يمينا ولا شمالا. وقال سعيد بن ~~جبير: هو أن لا يعرف من على يمينه ولا من على يساره، ولا يلتفت من ~~الخشوع لله عز وجل. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، ~~أخبرنا محمد بن إسماعيل، حدثنا مسدد، أخبرنا أبو الأحوص، أخبرنا أشعث بن ~~سليم، عن أبيه، عن مسروق، # " عن عائشة قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في ~~الصلاة فقال: " هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة ms1558 العبد ". # وأخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو ~~الحسن القاسم بن بكر الطيالسي ببغداد، أخبرنا أبو أمية محمد بن إبراهيم ~~الطرسوسي، أخبرنا عبد الغفار بن عبيد الله، أخبرنا صالح بن أبي الأخضر، ~~عن الزهري، عن أبي الأحوص، عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يزال الله مقبلا على العبد ما كان في صلاته ما لم يلتفت فإذا ~~التفت أعرض عنه " # وقال عمرو بن دينار: هو السكون وحسن الهيئة. وقال ابن سيرين وغيره: هو ~~أن لا ترفع بصرك عن موضع سجودك. # وقال أبو هريرة: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعون ~~أبصارهم إلى السماء في الصلاة فلما نزل: { الذين هم فى ~~صلاتهم خشعون } رموا بأبصارهم إلى مواضع السجود. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، ~~أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا علي بن عبد الله، أخبرنا يحيى بن سعيد، ~~أخبرنا ابن أبي عروبة، أخبرنا قتادة أن أنس ابن مالك حدثهم قال: قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم»، فاشتد قوله ~~في ذلك حتى قال: «لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم» ". # وقال عطاء: هو أن لا تعبث بشيء من جسدك في الصلاة. وروي # " أن النبي صلى الله عليه وسلم أبصر رجلا يعبث بلحيته في الصلاة ~~فقال: «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه» ". # أخبرنا أبو عثمان الضبي، أخبرنا أبو محمد الجراحي، أخبرنا أبو العباس ~~المحبوبي، أخبرنا أبو عيسى الترمذي، أخبرنا سعيد، عن عبد الرحمن ~~المخزومي، أخبرنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أبي الأحوص، عن أبي ذر، ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يمسح الحصى فإن الرحمة تواجهه ~~". # وقيل: الخشوع في الصلاة هو جمع الهمة، والإعراض عما سواها، والتدبر ~~فيما يجري على لسانه من القراءة والذكر. ### || [23.3-4] # قوله عز وجل: { والذين هم عن اللغو معرضون } قال ~~عطاء عن ابن عباس: عن الشرك، وقال الحسن: ms1559 عن المعاصي. وقال الزجاج: عن كل ~~باطل ولهو ومالا يحل من القول والفعل. وقيل: هو معارضة الكفار بالشتم ~~والسب: قال الله تعالى: # وإذا مروا باللغو مروا كراما # [الفرقان: 72]، أي: إذا سمعوا الكلام القبيح أكرموا أنفسهم عن الدخول ~~فيه. # { والذين هم للزكوة فعلون } ، أي: للزكاة الواجبة ~~مؤدون، فعبر عن التأدية بالفعل لأنه فعل. وقيل: الزكاة هاهنا هو العمل ~~الصالح، أي: والذين هم للعمل الصالح فاعلون. ### || [23.5-10] # { والذين هم لفروجهم حفظون } ، الفرج: اسم يجمع سوأة ~~الرجل والمرأة، وحفظ الفرج: التعفف عن الحرام. # { إلا على أزوجهم } ، أي: من أزواجهم، و " على " بمعنى " ~~من ". { أو ما ملكت أيمنهم } ، (ما) في محل الخفض، يعني ~~أو مما ملكت أيمانهم، والآية في الرجال خاصة بدليل قوله: " أو ما ملكت ~~أيمانهم " والمرأة لا يجوز أن تستمتع بفرج مملوكها. { فإنهم ~~غير ملومين } ، يعني يحفظ فرجه إلا من امرأته أو أمته فإنه لا ~~يلام على ذلك، وإنما لا يلام فيهما إذا كان على وجه أذن فيه الشرع دون ~~الإتيان في غير المأتي، وفي حال الحيض والنفاس، فإنه محظور هو على فعله ~~ملوم. # { فمن ابتغى ورآء ذلك } ، أي: التمس وطلب سوى الأزواج ~~والولائد المملوكة، { فأولئك هم العادون } ، الظالمون ~~المتجاوزون من الحلال إلى الحرام، وفيه دليل على أن الاستمناء باليد ~~حرام، وهو قول أكثر العلماء. قال ابن جريج: سألت عطاء عنه فقال: مكروه، ~~سمعت أن قوما يحشرون وأيديهم حبالى فأظن أنهم هؤلاء. وعن سعيد بن جبير ~~قال: عذب الله أمة كانوا يعبثون بمذاكيرهم. # { والذين هم لأمنتهم } ، قرأ ابن كثير «لأمانتهم» على ~~التوحيد هاهنا وفي سورة المعارج، لقوله تعالى: { وعهدهم } والباقون ~~بالجمع، كقوله عز وجل: # إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمنت إلى ~~أهلها # [النساء: 58]، { وعهدهم رعون } ، حافظون، أي: يحفظون ما ~~ائتمنوا عليه، والعقود التي عاقدوا الناس عليها، يقومون بالوفاء بها، ~~والأمانات تختلف فتكون بين الله تعالى وبين العباد كالصلاة والصيام ~~والعبادات التي أوجبها الله عليه، وتكون بين العبيد كالودائع والصنائع ~~فعلى العبد الوفاء بجميعها. # { والذين هم على صلوتهم } ، قرأ حمزة والكسائي: " ~~صلاتهم " على ms1560 التوحيد، والآخرون صلواتهم على الجمع. { يحفظون } ، ~~أي: يداومون على حفظها ويراعون أوقاتها، كرر ذكر الصلاة ليبين أن ~~المحافظة عليها واجبة كما أن الخشوع فيها واجب. # { أولئك } ، أهل هذه الصفة، { هم الورثون } ، يرثون ~~منازل أهل النار من الجنة. # وروي عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما منكم من أحد إلا وله منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار، فإن ~~مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله " # وذلك قوله تعالى: { أولئك هم الورثون }. # وقال مجاهد: لكل واحد منزل في الجنة ومنزل في النار، فأما المؤمن فيبني ~~منزله الذي له في الجنة ويهدم منزله الذي له في النار، وأما الكافر ~~فيهدم منزله الذي في الجنة ويبني منزله الذي في النار. # وقال بعضهم: معنى الوارثة هو أنه يؤول أمرهم إلى الجنة وينالونها، كما ~~يؤول أمر الميراث إلى الوارث. ### || [23.11-13] # قوله تعالى: { الذين يرثون الفردوس } ، وهو أعلى الجنة قد ~~ذكرناه في سورة الكهف، { هم فيها خلدون } ، لا يموتون ولا ~~يخرجون، وجاء في الحديث: # " أن الله تعالى خلق ثلاثة أشياء بيده: خلق آدم بيده، وكتب التوراة ~~بيده، وغرس الفردوس بيده، ثم قال: وعزتي لا يدخلها مدمن خمر ولا ~~ديوث ". # وقوله عز وجل: { ولقد خلقنا الإنسن } ، يعني: ولد آدم، و ~~" الإنسان " اسم الجنس، يقع على الواحد والجمع، { من سللة } ، ~~روي عن ابن عباس أنه قال: السلالة صفوة الماء. وقال مجاهد: من بني آدم. ~~وقال عكرمة: هو يسيل من الظهر، والعرب تسمي النطفة سلالة، والولد سليلا ~~وسلالة، لأنهما مسلولان منه. # قوله: { من طين } ، يعني: طين آدم. والسلالة: تولدت من طين خلق آدم ~~منه. قال الكلبي: من نطفة سلت من طين، والطين آدم عليه السلام، وقيل ~~المراد من الإنسان هو آدم. وقوله: " من سلالة " أي: سل من كل تربة. # { ثم جعلنه نطفة } ، يعني الذي هو الإنسان جعلناه نطفة، ~~{ فى قرار مكين } ، حريز، وهو الرحم مكن أي: قد هيىء ~~لاستقرارها فيه إلى بلوغ أمدها. ### || [23.14-16] # { ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة ~~مضغة ms1561 فخلقنا المضغة عظما } قرأ ابن عامر وأبو بكر " ~~عظما " ، { فكسونا العظم } على التوحيد فيهما، وقرأ الآخرون ~~بالجمع لأن الإنسان ذو عظام كثيرة. وقيل: بين كل خلقين أربعون عاما. { ~~فكسونا العظم لحما } ، أي ألبسنا، { ثم أنشأنه ~~خلقا ءاخر } ، اختلف المفسرون فيه، فقال ابن عباس: ومجاهد، ~~والشعبي، وعكرمة، والضحاك، وأبو العالية: هو نفخ الروح فيه. وقال قتادة: ~~نبات الأسنان والشعر. وروى ابن جريج عن مجاهد: أنه استواء الشباب. وعن ~~الحسن قال: ذكرا أو أنثى. وروى العوفي عن ابن عباس: أن ذلك تصريف أحواله ~~بعد الولادة من الاستهلال إلى الارتضاع، إلى القعود إلى القيام، إلى ~~المشي إلى الفطام، إلى أن يأكل ويشرب، إلى أن يبلغ الحلم، ويتقلب في ~~البلاد إلى ما بعدها. # { فتبارك الله } ، أي: استحق التعظيم والثناء بأنه لم يزل ولا ~~يزال. { أحسن الخلقين } ، المصورين والمقدرين. و " الخلق " ~~في اللغة: التقدير. وقال مجاهد: يصنعون ويصنع الله والله خير الصانعين، ~~يقال: رجل خالق أي: صانع. # وقال ابن جريج: إنما جمع الخالقين لأن عيسى كان يخلق كما قال: # أنى أخلق لكم من الطين # [آل عمران: 49] فأخبر الله عن نفسه بأنه أحسن الخالقين. # { ثم إنكم بعد ذلك لميتون } ، والميت بالتشديد ~~والمائت الذي لم يمت بعد وسيموت، والميت بالتخفيف : من مات، ولذلك لم ~~يجز التخفيف هاهنا، كقوله: # إنك ميت وإنهم ميتون # [الزمر: 30]. # { ثم إنكم يوم القيمة تبعثون }. ### || [23.17-18] # { ولقد خلقنا فوقكم سبع طرآئق } ، أي: سبع سموات، ~~سميت طرائق لتطارقها، وهو أن بعضها فوق بعض، يقال: طارقت النعل إذا ~~جعلت بعضه فوق بعض. وقيل: سميت طرائق لأنها طرائق الملائكة. { وما ~~كنا عن الخلق غفلين } ، أي كنا لهم حافظين من أن تسقط ~~السماء عليهم فتهلكهم كما قال الله تعالى: # ويمسك السمآء أن تقع على الأرض إلا بإذنه # [الحج: 65]. # وقيل: ما تركناهم سدى بغير أمر ونهي. # وقيل: ما كنا عن الخلق غافلين إذ بنينا فوقهم سماء أطلعنا فيها الشمس ~~والقمر والكواكب. # { وأنزلنا من السمآء مآء بقدر } ، يعلمه الله. قال ~~مقاتل: بقدر ما يكفيهم للمعيشة، { فأسكناه فى الأرض } ، يريد ~~ما ms1562 يبقى في الغدران والمستنقعات، ينتفع به الناس في الصيف عند انقطاع ~~المطر. وقيل: فأسكناه في الأرض ثم أخرجنا منها ينابيع، فماء الأرض كله من ~~السماء، { وإنا على ذهاب به لقدرون } ، حتى تهلكوا ~~عطشا وتهلك مواشيكم وتخرب أراضيكم. وفي الخبر: " أن الله عز وجل أنزل ~~أربعة أنهار من الجنة: سيحان، وجيحان، ودجلة، والفرات ". # وروى مقاتل بن حيان عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # " إن الله عز وجل أنزل من الجنة خمسة أنهار: جيحون، وسيحون، ودجلة، ~~والفرات، والنيل، أنزلها الله عز وجل من عين واحدة من عيون الجنة، من ~~أسفل درجة من درجاتها، على جناحي جبريل، استودعها الله الجبال، وأجراها ~~في الأرض، وجعل فيها منافع للناس، فذلك قوله عز وجل: " وأنزلنا من ~~السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض " ، فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج ~~أرسل الله جبريل فرفع من الأرض القرآن، والعلم كله والحجر الأسود من ركن ~~البيت، ومقام إبراهيم وتابوت موسى بما فيه، وهذه الأنهار الخمسة، فيرفع ~~كل ذلك إلى السماء، فذلك قوله تعالى: { وإنا على ذهاب به ~~لقدرون } فإذا رفعت هذه الأشياء من الأرض فقد أهلها خير الدين ~~والدنيا ". # وروى هذا الحديث الإمام الحسن بن يوسف، عن عثمان بن سعيد بالإجازة، عن ~~سعيد بن سابق الإسكندارني، عن مسلمة بن علي، عن مقاتل بن حيان. ### || [23.19-20] # قوله تعالى: { فأنشأنا لكم به } ، أي: بالماء، { جنت ~~من نخيل وأعنب لكم فيها } ، في الجنات، { فوكه ~~كثيرة ومنها تأكلون } ، شتاء وصيفا، وخص النخيل والأعناب ~~بالذكر لأنها أكثر فواكه العرب. # { وشجرة } أي: وأنشأنا لكم شجرة { تخرج من طور سينآء } ~~، وهي الزيتون، قرأ أهل الحجاز وأبو عمرو " سيناء " بكسر السين. وقرأ ~~الآخرون بفتحها، واختلفوا في معناه وفي " سينين " في قوله تعالى: # وطور سينين # [التين: 2] قال مجاهد: معناه البركة، أي: من جبل مبارك. وقال قتادة: ~~معناه الحسن، أي: من الجبل الحسن. وقال الضحاك: هو بالنبطية، ومعناه ~~الحسن. وقال عكرمة هو بالحبشية. وقال الكلبي: معناه الشجر، أي: جبل ذو ~~شجر. وقيل: هو ms1563 بالسريانية الملتفة بالأشجار. وقال مقاتل: كل جبل فيه ~~أشجار مثمرة فهو سينا، وسينين بلغة النبط. وقيل: هو فيعال من السناء وهو ~~الارتفاع. قال ابن زيد: هو الجبل الذي نودي منه موسى بين مصر وأيلة. ~~وقال مجاهد: سينا اسم حجارة بعينها أضيف الجبل إليها لوجودها عنده. وقال ~~عكرمة: هو اسم للمكان الذي فيه هذا الجبل. # { تنبت بالدهن } ، قرأ ابن كثير وأهل البصرة ويعقوب " تنبت " ~~بضم التاء وكسر الباء، وقرأ الآخرون بفتح التاء وضم الباء، فمن قرأ بفتح ~~التاء فمعناه تنبت تثمر الدهن وهو الزيتون. وقيل: تنبت ومعها الدهن، ومن ~~قرأ بضم التاء، اختلفوا فيه فمنهم من قال: الباء زائدة، معناه: تنبت ~~الدهن، كما يقال: أخذت ثوبه وأخذت بثوبه، ومنهم من قال: نبت وأنبت لغتان ~~بمعنى واحد، كما قال زهير: # رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم # قطينا لهم حتى إذا أنبت البقل # أي: نبت، { وصبغ للأكلين } ، الصبغ والصباغ: الإدام الذي ~~يلون الخبز إذ غمس فيه وينصبغ، والإدام كل ما يؤكل مع الخبز، سواء ينصبغ ~~به الخبز أو لا ينصبغ. قال مقاتل: جعل الله في هذه الشجرة أدما ودهنا، ~~فالأدم: الزيتون، والدهن: الزيت، وقال: خص الطور بالزيتون لأن أول ~~الزيتون نبت بها. ويقال: لأن الزيتون أول شجرة نبتت في الدنيا بعد ~~الطوفان. ### || [23.21-26] # قوله عز وجل: { وإن لكم فى الأنعم لعبرة } ، أي: ~~آية تعتبرون بها، { نسقيكم } ، قرأ نافع بالنون [وفتحها]، وقرأ أبو ~~جعفر هاهنا بالتاء وفتحها، { مما فى بطونها ولكم فيها ~~منفع كثيرة ومنها تأكلون }. # { وعليها وعلى الفلك تحملون } ، أي: على الإبل في ~~البر، وعلى الفلك في البحر. # قوله عز وجل: { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال ~~يقوم اعبدوا الله } ، وحدوه، { ما لكم من إله ~~غيره } ، معبود سواه، { أفلا تتقون } ، أفلا تخافون عقوبته ~~إذا عبدتم غيره. # { فقال الملؤا الذين كفروا من قومه ما هذا ~~إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم } ، أي: ~~يتشرف بأن يكون له الفضل عليكم فيصير متبوعا وأنتم له تبع، { ولو ~~شآء الله } ، أن لا يعبد سواه، { لأنزل ملئكة } ، يعني ~~بإبلاغ ms1564 الوحي { ما سمعنا بهذا } ، الذي يدعونا إليه نوح { ~~فى ءابآئنا الأولين } ، وقيل: " ما سمعنا بهذا " أي: بإرسال ~~بشر رسولا. # { إن هو إلا رجل به جنة } ، أي: جنون، { فتربصوا ~~به حتى حين } ، أي: إلى أن يموت فتستريحوا منه. # { قال رب انصرنى بما كذبون } ، أي: أعني بإهلاكهم ~~لتكذيبهم إياي. ### || [23.27-32] # { فأوحينآ إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ~~ووحينا فإذا جآء أمرنا وفار التنور فاسلك ~~فيها } ، أدخل فيها، يقال سلكته في كذا وأسلكته فيه، { من كل ~~زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ~~منهم } ، أي من سبق عليه الحكم بالهلاك. # { ولا تخطبنى فى الذين ظلموا إنهم مغرقون ~~}. # { فإذا استويت } ، اعتدلت { أنت ومن معك على ~~الفلك فقل الحمد لله الذى نجنا من القوم ~~الظلمين } ، أي: الكافرين، { وقل رب أنزلنى منزلا ~~مباركا } ، قرأ أبو بكر عن عاصم " منزلا " بفتح الميم وكسر ~~الزاي، أي يريد موضع النزول، قيل: هو السفينة بعد الركوب، وقيل: هو الأرض ~~بعد النزول، ويحتمل أنه أراد في السفينة، ويحتمل بعد الخروج. وقرأ ~~الباقون " منزلا " بضم الميم وفتح الزاي، أي إنزالا، فالبركة في ~~السفينة النجاة، وفي النزول بعد الخروج كثرة النسل من أولاده الثلاثة، { ~~وأنت خير المنزلين }. # { إن فى ذلك } ، أي الذي ذكرت من أمر نوح والسفينة وإهلاك أعداء ~~الله، { لأيت } ، لدلالات على قدرته، { وإن كنا لمبتلين ~~} ، وقد كنا. وقيل: وما كنا إلا مبتلين أي: مختبرين إياهم بإرسال نوح ~~ووعظه وتذكيره لننظر ما هم عاملون قبل نزول العذاب بهم. # { ثم أنشأنا من بعدهم } ، من بعد إهلاكهم، { قرنا ~~ءاخرين }. # { فأرسلنا فيهم رسولا منهم } ، يعني: هودا وقومه. ~~وقيل: صالحا وقومه. والأول أظهر، { أن اعبدوا الله ما لكم ~~من إله غيره أفلا تتقون }. ### || [23.33-39] # { وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا ~~بلقآء الأخرة } ، أي المصير إلى الآخرة، { وأترفنهم } ~~، نعمناهم ووسعنا عليهم، { فى الحيوة الدنيا ما ~~هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ~~ويشرب مما تشربون } ، أي: مما تشربون منه. # { ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا ~~لخسرون } ، لمغبونون. # { أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظما ~~أنكم ms1565 مخرجون } ، من قبوركم أحياء وأعاد " أنكم " لما طال ~~الكلام، ومعنى الكلام: أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما مخرجون؟ ~~وكذلك هو في قراءة عبدالله، نظيره في القرآن: # ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن ~~له نار جهنم خالدا فيها # [التوبة: 63]. # { هيهات هيهات لما توعدون } ، قال ابن عباس: هي كلمة بعد، ~~أي: بعيد ما توعدون، قرأ أبو جعفر " هيهات هيهات " بكسر التاء، وقرأ نصر ~~بن عاصم بالضم، وكلها لغات صحيحة فمن نصب جعله مثل أين وكيف، ومن رفع ~~جعله مثل منذ وقط وحيث، ومن كسر جعله مثل أمس وهؤلاء، ووقف عليها أكثر ~~القراء بالتاء، ويروى عن الكسائي الوقف عليها بالهاء. # { إن هى } ، يعنون الدنيا، { إلا حياتنا الدنيا نموت ~~ونحيا } ، قيل فيه تقديم وتأخير، أي: نحيا ونموت لأنهم كانوا ينكرون ~~البعث بعد الموت. وقيل: يموت الآباء ويحيا الأبناء. وقيل: يموت قوم ويحيا ~~قوم. { وما نحن بمبعوثين } ، بمنشرين بعد الموت. # { إن هو } ، يعنون الرسول، { إلا رجل افترى على الله ~~كذبا وما نحن له بمؤمنين } ، بمصدقين بالبعث بعد الموت. # { قال رب انصرنى بما كذبون }. ### || [23.40-44] # { قال عما قليل } ، أي: عن قليل، و " ما " صلة، { ~~ليصبحن } ، ليصيرن، { ندمين } ، على كفرهم وتكذيبهم. # { فأخذتهم الصيحة } ، يعني صيحة العذاب، { بالحق } ، ~~قيل: أراد بالصيحة الهلاك. وقيل: صاح بهم جبريل صيحة فتصدعت قلوبهم، { ~~فجعلنهم غثآء } ، وهو ما يحمله السيل من حشيش وعيدان شجر، ~~معناه: صيرناهم هلكى فيبسوا يبس الغثاء من نبات الأرض، { فبعدا ~~للقوم الظلمين }. # { ثم أنشأنا من بعدهم قرونا ءاخرين } ، أي: أقواما ~~آخرين. # { ما تسبق من أمة أجلها } ، أي: ما تسبق أمة أجلها، أي: ~~وقت هلاكها، { وما يستأخرون } ، وما يتأخرون عن وقت هلاكهم. # { ثم أرسلنا رسلنا تترا } ، أي: مترادفين يتبع بعضهم ~~بعضا غير متواصلين، لأن بين كل نبيين زمانا طويلا، وهي فعلى من ~~المواترة، قال الأصمعي: يقال واترت الخبر أي أتبعت بعضه بعضا، وبين ~~الخبرين هنيهة. # واختلف القراء فيه، فقرأ أبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: بالتنوين، ~~ويقفون بالألف، ولا يميله أبو عمرو، وفي الوقف فيها كالألف في ms1566 قولهم: ~~رأيت زيدا، وقرأ الباقون بلا تنوين، والوقف عندهم يكون بالياء، ويميله ~~حمزة والكسائي، وهو مثل قولهم: غضبى وسكرى، وهو اسم جمع مثل شتى، وعلى ~~القراءتين التاء الأولى بدل من الواو، وأصله: " وترى " من المواترة ~~والتواتر، فجعلت الواو تاء، مثل: التقوى والتكلان. # { كل ما جآء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا ~~بعضهم بعضا } ، بالهلاك، أي: أهلكنا بعضهم في إثر بعض، { ~~وجعلنهم أحاديث } ، أي: سمرا وقصصا، يتحدث من بعدهم ~~بأمرهم وشأنهم، وهي جمع أحدوثة. وقيل: جمع حديث. قال الأخفش: إنما هذا ~~في الشر، وأما في الخير فلا يقال جعلتهم أحاديث وأحدوثة، وإنما يقال صار ~~فلان حديثا، { فبعدا لقوم لا يؤمنون }. ### || [23.45-50] # { ثم أرسلنا موسى وأخاه هرون بآيتنا وسلطن ~~مبين } ، أي بحجة بينة من اليد والعصا. وغيرهما. # { إلى فرعون وملإيه فاستكبروا } ، تعظموا عن ~~الإيمان، { وكانوا قوما عالين } ، متكبرين قاهرين غيرهم ~~بالظلم. # { فقالوا } ، يعني فرعون وقومه، { أنؤمن لبشرين ~~مثلنا } ، يعني: موسى وهارون، { وقومهما لنا عبدون } ، ~~مطيعون متذللون، والعرب تسمي كل من دان للملك: عابدا له. # { فكذبوهما فكانوا من المهلكين } ، بالغرق. # { ولقد ءاتينا موسى الكتب } ، التوراة، { لعلهم ~~يهتدون } ، أي لكي يهتدي به قومه. # { وجعلنا ابن مريم وأمه ءاية } ، دلالة على قدرتنا، ~~ولم يقل آيتين، قيل: معناه شأنهما آية. وقيل: معناه جعلنا كل واحد منهما ~~آية، كقوله تعالى: # كلتا الجنتين آتت أكلها # [الكهف: 33]. { وءاوينهمآ إلى ربوة } ، الربوة المكان ~~المرتفع من الأرض، واختلفت الأقوال فيها، قال عبدالله بن سلام: هي دمشق، ~~وهو قول سعيد بن المسيب ومقاتل، وقال الضحاك: غوطة دمشق. قال أبو هريرة: ~~هي الرملة. وقال عطاء عن ابن عباس: هي بيت المقدس، وهو قول قتادة وكعب. ~~وقال كعب: هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا. وقال ابن زيد: هي ~~مصر. وقال السدي: أرض فلسطين. { ذات قرار } أي: مستوية منبسطة واسعة ~~يستقر عليها ساكنوها. { ومعين } ، فالمعين الماء الجاري الظاهر الذي ~~تراه العيون، مفعول من عانه يعينه إذا أدركه البصر. ### || [23.51-55] # قوله عز وجل: { يأيها الرسل } ، قال الحسن ومجاهد وقتادة ~~والسدي والكلبي وجماعة: أراد به محمدا صلى ms1567 الله عليه وسلم وحده على مذهب ~~العرب في مخاطبة الواحد بلفظ الجماعة. وقال بعضهم: أراد به عيسى. وقيل: ~~أراد به جميع الرسل عليهم السلام، { كلوا من الطيبت } ، أي ~~الحلالات، { واعملوا صلحا } ، الصلاح هو الاستقامة على ما ~~توجيه الشريعة، { إنى بما تعملون عليم }. # { وإن هذه } قرأ أهل الكوفة: " وإن " بكسر الألف على الابتداء، ~~وقرأ الباقون بفتح الألف، وخفف ابن عامر النون وجعل " إن " صلة، مجازه: ~~وهذه { أمتكم } ، وقرأ الباقون بتشديد النون على معنى وبأن هذا، ~~تقديره: بأن هذه أمتكم، أي ملتكم وشريعتكم التي أنتم عليها، { أمة ~~وحدة } ، أي ملة واحدة وهي الإسلام، { وأنا ربكم ~~فاتقون } ، أي: اتقوني لهذا. # وقيل: معناه أمرتكم بما أمرت به المرسلين من قبلكم، فأمركم واحد، { ~~وأنا ربكم فاتقون } فاحذورن. وقيل: هو نصب بإضمار فعل، أي: ~~اعلموا أن هذه أمتكم، أي ملتكم، أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون. # { فتقطعوا أمرهم } دينهم، { بينهم } ، أي: تفرقوا ~~فصاروا فرقا، يهودا ونصارى ومجوسا، { زبرا } ، أي: فرقا وقطعا ~~مختلفة، واحدها زبور وهو الفرقة والطائفة، ومثله الزبرة وجمعها زبر، ~~ومنه: # زبر الحديد # [الكهف: 96]. أي: صاروا فرقا كزبر الحديد. وقرأ بعض أهل الشام " زبرا ~~" بفتح الباء، قال قتادة ومجاهد " زبرا " أي: كتبا، يعني دان كل فريق ~~بكتاب غير الكتاب الذي دان به الآخرون. وقيل: جعلوا كتبهم قطعا مختلفة، ~~آمنوا بالبعض، وكفروا بالبعض، وحرفوا البعض، { كل حزب بما ~~لديهم } ، بما عندهم من الدين، { فرحون } ، معجبون ومسرورون. # { فذرهم فى غمرتهم } ، قال ابن عباس: في كفرهم وضلالتهم، ~~وقيل: عمايتهم، وقيل: غفلتهم { حتى حين } ، إلى أن يموتوا. # { أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين } ، ما ~~نعطيهم ونجعله مددا لهم من المال والبنين في الدنيا. ### || [23.56-60] # { نسارع لهم فى الخيرت } ، أي: نجعل لهم في الخيرات، ~~ونقدمها ثوابا لأعمالهم لمرضاتنا عنهم، { بل لا يشعرون } ، أن ~~ذلك استدراج لهم. ثم ذكر المسارعين في الخيرات فقال: # { إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون } ، أي: ~~خائفون، والإشفاق: الخوف، والمعنى أن المؤمنين بما هم عليه من خشية الله ~~خائفون من عقابه، قال الحسن البصري: المؤمن من ms1568 جمع إحسانا وخشية، ~~والمنافق من جمع إساءة وأمنا. # { والذين هم بآيت ربهم يؤمنون } ، يصدقون. # { والذين هم بربهم لا يشركون }. # { والذين يؤتون مآ ءاتوا } ، أي: يعطون ما أعطوا من ~~الزكاة والصدقات، وروي عن عائشة أنها كانت تقرأ " والذين يأتون ما أتوا " ~~أي: يعملون ما عملوا من أعمال البر، { وقلوبهم وجلة } ، أن ~~ذلك لا ينجيهم من عذاب الله وأن أعمالهم لا تقبل منهم، { أنهم ~~إلى ربهم رجعون } ، لأنهم يوقنون أنهم يرجعون إلى الله عز ~~وجل. قال الحسن: عملوا لله بالطاعات واجتهدوا فيها، وخافوا أن ترد ~~عليهم. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا عبدالله بن ~~يوسف، أخبرنا محمد ابن حامد، حدثنا محمد بن الجهم، أخبرنا عبدالله بن ~~عمرو، أخبرنا وكيع عن مالك بن مغول، عن عبدالرحمن بن سعيد بن وهب، # " عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله { والذين ~~يؤتون مآ ءاتوا وقلوبهم وجلة } أهو الذي يزني ويشرب ~~الخمر ويسرق؟ قال: " لا يا بنت الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ~~ويخاف أن لا يقبل منه " ### || [23.61-64] # قوله عز وجل: { أولئك يسرعون فى الخيرت } ، ~~يبادرون إلى الأعمال الصالحة، { وهم لها سبقون } ، أي: إليها ~~سابقون، كقوله تعالى: " لما نهوا " أي: إلى ما نهوا، ولما قالوا ونحوها، ~~وقال ابن عباس في معنى هذه الآية: سبقت لهم من الله السعادة. وقال ~~الكلبي: سبقوا الأمم إلى الخيرات. # قوله: { ولا نكلف نفسا إلا وسعها } ، أي: طاقتها، فمن ~~لم يستطع القيام فليصل قاعدا، ومن لم يستطع الصوم فليفطر، { ~~ولدينا كتاب ينطق بالحق } ، وهو اللوح المحفوظ، " ينطق ~~بالحق " يبين بالصدق، ومعنى الآية: لا يكلف الله نفسا إلا ما أطاقت من ~~العمل، وقد أثبتنا عمله في اللوح المحفوظ، فهو ينطق به ويبينه. وقيل: هو ~~كتب أعمال العباد التي تكتبها الحفظة، { وهم لا يظلمون } ، ولا ~~ينقص من حسناتهم ولا يزاد على سيئاتهم، ثم ذكر الكفار. فقال: # { بل قلوبهم فى غمرة } ، أي: في غفلة وجهالة، { من ~~هذا } ، أي: من القرآن، { ولهم أعمل من دون ذلك } ~~، أي: للكفار أعمال خبيثة ms1569 من المعاصي والخطايا محكومة عليهم من دون ذلك، ~~يعني من دون أعمال المؤمنين التي ذكرها الله تعالى في قوله: " إن الذين ~~هم من خشية ربهم مشفقون " ، { هم لها عملون } ، لا بد لهم من ~~أن يعملوها، فيدخلوا بها النار، لما سبق لهم من الشقاوة. هذا قول أكثر ~~المفسرين. وقال قتادة: هذا ينصرف إلى المسلمين، وأن لهم أعمالا سوى ما ~~عملوا من الخيرات هم لها عاملون، والأول أظهر. # { حتى إذآ أخذنا مترفيهم } ، أي: أخذنا أغنياءهم ~~ورؤساءهم، { بالعذاب } ، قال ابن عباس: هو السيف يوم بدر. وقال ~~الضحاك: يعني الجوع حين دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: # " اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف " # فابتلاهم الله عز وجل بالقحط حتى أكلوا الكلاب والجيف. { إذا هم ~~يجئرون } يضجون ويجزعون ويستغيثون، وأصل الجأر: رفع الصوت بالتضرع. ### || [23.65-69] # { لا تجأروا اليوم } ، أي لا تضجوا، { إنكم منا لا ~~تنصرون } ، لا تمنعون منا ولا ينفعكم تضرعكم. # { قد كانت ءايتى تتلى عليكم } ، يعني القرآن، { ~~فكنتم على أعقبكم تنكصون } ترجعون القهقرى تتأخرون عن ~~الإيمان. # { مستكبرين به } ، اختلفوا في هذه الكناية، فأظهر الأقاويل ~~أنها تعود إلى البيت الحرام كناية عن غير مذكور، أي: مستكبرين متعظمين ~~بالبيت الحرام، وتعظمهم به أنهم كانوا يقولون نحن أهل حرم الله وجيران ~~بيته، فلا يظهر علينا أحد، ولا نخاف أحدا، فيأمنون فيه وسائر الناس في ~~الخوف، هذا قول ابن عباس ومجاهد، وجماعة، وقيل: " مستكبرين به " أي: ~~بالقرآن فلم يؤمنوا به. والأول أظهر، المراد منه الحرم، { سمرا } ، ~~نصب على الحال، أي أنهم يسمرون بالليل في مجالسهم حول البيت، ووحد ~~سامرا وهو بمعنى السمار لأنه وضع موضع الوقت، أراد تهجرون ليلا. ~~وقيل: وحد سامرا، ومعناه الجمع، كقوله: # ثم نخرجكم طفلا # [الحج: 5]، { تهجرون } ، قرأ نافع " تهجرون " بضم التاء وكسر ~~الجيم من الإهجار وهو الإفحاش في القول، أي: تفحشون وتقولون الخنا. ~~وذكر أنهم كانوا يسبون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقرأ الآخرون: ~~" تهجرون " بفتح التاء وضم الجيم، أي: تعرضون عن النبي صلى الله عليه ms1570 ~~وسلم وعن الإيمان والقرآن، وترفضونها. وقيل: هو من الهجر وهو القول ~~القبيح، يقال هجر يهجر هجرا إذا قال غير الحق. وقيل: تهزؤون وتقولون ~~مالا تعلمون، من قولهم: هجر الرجل في منامه، إذا هذى. # { أفلم يدبروا } ، أي: يتدبروا، { القول } ، يعني: ما ~~جاءهم من القول وهو القرآن، فيعرفوا ما فيه من الدلالات على صدق محمد صلى ~~الله عليه وسلم، { أم جآءهم ما لم يأت ءابآءهم ~~الأولين } ، فأنكروا، يريد إنا قد بعثنا من قبلهم رسلا إلى قومهم ~~كذلك بعثنا محمدا صلى الله عليه وسلم إليهم. وقيل: " أم " بمعنى بل، ~~يعني: جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين فلذلك أنكروا. # { أم لم يعرفوا رسولهم } ، محمدا صلى الله عليه وسلم، { ~~فهم له منكرون } ، قال ابن عباس: أليس قد عرفوا محمدا صلى الله ~~عليه وسلم صغيرا وكبيرا، وعرفوا نسبه وصدقه وأمانته ووفاءه بالعهود. ~~وهذا على سبيل التوبيخ لهم على الإعراض عنه بعدما عرفوه بالصدق ~~والأمانة. ### || [23.70-74] # { أم يقولون به جنة } ، جنون، وليس كذلك، { بل جآءهم ~~بالحق } ، يعني بالصدق والقول الذي لا تخفى صحته وحسنه على عاقل، ~~{ وأكثرهم للحق كرهون }. # { ولو اتبع الحق أهوآءهم } ، قال ابن جريج ومقاتل ~~والسدي وجماعة: " الحق " هو الله، أي: لو اتبع الله مرادهم فيما يفعل، ~~وقيل: لو اتبع مرادهم، فسمى لنفسه شريكا وولدا كما يقولون: { ~~لفسدت السموت والأرض } ، وقال الفراء والزجاج: والمراد ~~بالحق القرآن أي: لو نزل القرآن بما يحبون من جعل الشريك والولد على ما ~~يعتقدونه { لفسدت السموت والأرض ومن فيهن } ، وهو ~~كقوله تعالى: # لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا # [الأنبياء: 22]. # { بل أتينهم بذكرهم } ، بما يذكرهم، قال ابن عباس: أي ~~بما فيه فخرهم وشرفهم يعني القرآن، فهو كقوله تعالى: # لقد أنزلنآ إليكم كتبا فيه ذكركم # [الأنبياء: 10]، أي: شرفكم، # وإنه لذكر لك ولقومك # [الزخرف: 44]، أي: شرف لك ولقومك. { فهم عن ذكرهم } ، يعني عن ~~شرفهم، { معرضون }. # { أم تسئلهم } ، على ما جئتهم به، { خرجا } ، أجرا ~~وجعلا، { فخراج ربك خير } ، أي: ما يعطيك الله من رزقه ~~وثوابه خير، { وهو خير الرزقين } ، قرأ حمزة والكسائي: " ~~خراجا ms1571 " " فخراج " كلاهما بالألف، وقرأ ابن عامر كلاهما بغير ألف وقرأ ~~الآخرون: " خرجا " بغير ألف " فخراج " بالألف. # { وإنك لتدعوهم إلى صرط مستقيم } ، وهو ~~الإسلام. # { وإن الذين لا يؤمنون بالأخرة عن الصرط } ، ~~أي: عن دين الحق، { لنكبون } ، لعادلون مائلون. ### || [23.75-80] # { ولو رحمنهم وكشفنا ما بهم من ضر } ، قحط ~~وجدوبة { للجوا } ، تمادوا، { فى طغينهم يعمهون } ~~، ولم ينزعوا عنه. # { ولقد أخذنهم بالعذاب } ، وذلك أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم دعا على قريش أن يجعل عليهم سنين كسني يوسف، فأصابهم القحط، فجاء ~~أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال أنشدك الله والرحم، ألست ~~تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟ فقال: بلى، فقال: قد قتلت الآباء بالسيف ~~والأبناء بالجوع، فادع الله أن يكشف عنا هذا القحط، فدعا فكشف عنهم، ~~فأنزل الله هذه الآية: { فما استكانوا لربهم } ، أي: ما ~~خضعوا وما ذلوا لربهم، وأصله طلب السكون، { وما يتضرعون } ، أي: ~~لم يتضرعوا إلى ربهم بل مضوا على تمردهم. # { حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد } ، ~~قال ابن عباس: يعني القتل يوم بدر، وهو قول مجاهد، وقيل: هو الموت. وقيل: ~~هو قيام الساعة، { إذا هم فيه مبلسون } ، آيسون من كل خير. # { وهو الذى أنشأ لكم السمع } ، أي: أنشأ لكم الأسماع { ~~والأبصر والأفئدة } ، لتسمعوا وتبصروا وتعقلوا، { قليلا ~~ما تشكرون } ، أي: لم تشكروا هذه النعم. # { وهو الذى ذرأكم } ، خلقكم، { فى الأرض وإليه ~~تحشرون } ، تبعثون. # { وهو الذى يحيى ويميت وله اختلف اليل ~~والنهار } ، أي: تدبير الليل والنهار في الزيادة والنقصان، قال ~~الفراء: جعلهما مختلفين، يتعاقبان ويختلفان في السواد والبياض، { ~~أفلا تعقلون } ، ما ترون من صنعه فتعتبرون. ### || [23.81-88] # { بل قالوا مثل ما قال الأولون } ، أي: كذبوا كما كذب ~~الأولون. # { قالوا أءذا متنا وكنا ترابا وعظما أءنا ~~لمبعوثون } ، لمحشورون، قالوا ذلك على طريق الإنكار والتعجب. # { لقد وعدنا نحن وءابآؤنا هذا } ، الوعد، { من ~~قبل } ، أي: وعد آباءنا قوم ذكروا أنهم رسل الله فلم نر له ~~حقيقة، { إن هذآ إلا أسطير الأولين } ، أكاذيب ~~الأولين. # { قل } ، يا محمد مجيبا لهم، يعني أهل مكة، { لمن الأرض ms1572 ومن ~~فيهآ } ، من الخلق، { إن كنتم تعلمون } ، خالقها ومالكها. # { سيقولون لله } ، ولا بد لهم من ذلك لأنهم يقرون أنها ~~مخلوقة. { قل } لهم إذا أقروا بذلك: { أفلا تذكرون } ، ~~فتعلمون أن من قدر على خلق الأرض ومن فيها ابتداء يقدر على إحيائهم بعد ~~الموت. # { قل من رب السموت السبع ورب العرش ~~العظيم }. # { سيقولون لله } ، قرأ العامة " لله " ومثله ما بعده، فجعلوا ~~الجواب على المعنى، كقول القائل للرجل: من مولاك؟ فيقول: لفلان، أي أنا ~~لفلان وهو مولاي، وقرأ أهل البصرة فيهما " الله " وكذلك هو في مصحف أهل ~~البصرة، وفي سائر المصاحف، مكتوب بالألف كالأول، { قل أفلا ~~تتقون } ، تحذرون. # { قل من بيده ملكوت كل شىء } ، الملكوت الملك، والتاء ~~فيه للمبالغة، { وهو يجير } ، أي: يؤمن من يشاء { ولا ~~يجار عليه } ، أي: لا يؤمن من أخافه الله، أو يمنع هو ~~من السوء من يشاء، ولا يمنع منه من أراده بسوء، { إن كنتم ~~تعلمون } ، قيل: معناه أجيبوا إن كنتم تعلمون. ### || [23.89-96] # { سيقولون لله قل فأنى تسحرون } ، أي: تخدعون ~~وتصرفون عن توحيده وطاعته، والمعنى: كيف يخيل لكم الحق باطلا؟ # { بل أتينهم بالحق } بالصدق { وإنهم لكذبون ~~} فيما يدعون من الشريك والولد. # { ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله } ، ~~أي: من شريك، { إذا لذهب كل إله بما خلق } ، أي: ~~تفرد بما خلقه فلم يرض أن يضاف خلقه وإنعامه إلى غيره، ~~ومنع الإله الآخر عن الاستيلاء على ما خلق. { ولعلا بعضهم ~~على بعض } ، أي: طلب بعضهم مغالبة بعض كفعل ملوك الدنيا فيما ~~بينهم، ثم نزه نفسه فقال: { سبحن الله عما يصفون }. # { علم الغيب والشهدة } قرأ أهل المدينة والكوفة غير ~~حفص: " عالم " برفع الميم على الابتداء، وقرأ الآخرون بجرها على نعت الله ~~في سبحان الله، { فتعلى عما يشركون } ، أي: تعظم عما ~~يشركون، ومعناه أنه أعظم من أن يوصف بهذا الوصف. # قوله: { قل رب إما ترينى } ، أي: إن أريتني، { ما ~~يوعدون } ، أي: ما أوعدتهم من العذاب. # { رب } ، أي: يا رب، { فلا تجعلنى فى القوم ~~الظلمين } ، أي: لا تهلكني بهلاكهم. # { وإنا ms1573 على أن نريك ما نعدهم } ، من العذاب لهم، { ~~لقدرون }. # { ادفع بالتى هى أحسن } ، أي: ادفع بالخلة التي هي ~~أحسن، هي الصفح والإعراض والصبر، { السيئة } ، يعني أذاهم، أمرهم ~~بالصبر على أذى المشركين والكف عن المقاتلة، نسختها آية السيف { نحن ~~أعلم بما يصفون } ، يكذبون ويقولون من الشرك. ### || [23.97-101] # { وقل رب أعوذ بك } ، أي: أمتنع وأعتصم بك، { من ~~همزات الشيطين } ، قال ابن عباس: نزغاتهم. وقال الحسن: ~~وساوسهم. وقال مجاهد: نفخهم ونفثهم. وقال أهل المعاني: دفعهم بالإغواء ~~إلى المعاصي، وأصل الهمزة شدة الدفع. # { وأعوذ بك رب أن يحضرون } ، في شيء من أموري، وإنما ذكر ~~الحضور لأن الشيطان إذا حضره يوسوسه. ثم أخبر أن هؤلاء الكفار الذين ~~ينكرون البعث يسألون الرجعة إلى الدنيا عند معاينة الموت، فقال: # { حتى إذا جآء أحدهم الموت قال رب ارجعون } ، ~~ولم يقل ارجعني، وهو يسأل الله وحده الرجعة، على عادة العرب فإنهم ~~يخاطبون الواحد بلفظ الجمع على وجه التعظيم، كما أخبر الله تعالى عن نفسه ~~فقال: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحفظون # [الحجر: 9]، ومثله كثير في القرآن. وقيل: هذا الخطاب مع الملائكة الذين ~~يقبضون روحه ابتداء بخطاب الله لأنهم استغاثوا بالله أولا ثم رجعوا إلى ~~مسألة الملائكة الرجوع إلى الدنيا. # قوله تعالى: { لعلى أعمل صلحا فيما تركت } ، أي: ~~ضيعت أن أقول لا إله إلا الله. وقيل: أعمل بطاعة الله. قال قتادة: ما ~~تمنى أن يرجع إلى أهله وعشيرته ولا ليجمع الدنيا ويقضي الشهوات، ولكن ~~تمنى أن يرجع فيعمل بطاعة الله، فرحم الله امرءا عمل فيما يتمناه الكافر ~~إذا رأى العذاب، { كلا } ، كلمة ردع وزجر، أي: لا يرجع إليها، { ~~إنها } يعني: سؤاله الرجعة، { كلمة هو قآئلها } ، ولا ~~ينالها، { ومن ورآئهم برزخ } ، أي أمامهم وبين أيديهم حاجز، { ~~إلى يوم يبعثون } ، والبرزخ الحاجز بين الشيئين، واختلفوا في ~~معناه هاهنا، فقال مجاهد: حجاب بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا. وقال ~~قتادة: بقية الدنيا. وقال الضحاك: البرزخ ما بين الموت إلى البعث. وقيل: ~~هو القبر، وهم فيه إلى يوم يبعثون. # { فإذا نفخ فى الصور فلا ms1574 أنساب بينهم } ، اختلفوا ~~في هذه النفخة، فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس: أنها النفخة الأولى # ونفخ فى الصور فصعق من فى السموت ومن فى ~~الأرض # [الزمر: 68] { فلا أنساب بينهم يومئذ ولا ~~يتسآءلون } ، # ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون # [الزمر: 68] # وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون # [الصافات: 27]. # وعن ابن مسعود: أنها النفخة الثانية، قال: يؤخذ بيد العبد والأمة ~~يوم القيامة فينصب على رؤوس الأولين والآخرين ثم ينادي مناد: هذا فلان ~~ابن فلان، فمن كان له قبله حق فليأت إلى حقه، فيفرح المرء أن يكون له ~~الحق على والده وولده وزوجته أو أخيه فيأخذ منه، ثم قرأ ابن مسعود " فلا ~~أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ". # وفي رواية عطاء عن ابن عباس. أنها الثانية فلا أنساب بينهم أي: لا ~~يتفاخرون بالأنساب يومئذ كما كانوا يتفاخرون في الدنيا، ولا يتساءلون ~~سؤال تواصل كما كانوا يتساءلون في الدنيا: من أنت ومن أي قبيلة أنت؟ ~~ولم يرد أن الأنساب تنقطع. # فإن قيل: أليس قد جاء في الحديث # " كل سبب ونسب ينقطع إلا نسبي وسببي " # قيل: معناه لا يبقى يوم القيامة كل سبب ولا نسب إلا نسبه وسببه، وهو ~~الإيمان والقرآن. # فإن قيل: قد قال هاهنا { ولا يتسآءلون } وقال في موضع آخر: # وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون # [الصافات: 27]؟. # الجواب: ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن للقيامة أحوالا ومواطن، ~~ففي موطن يشتد عليهم الخوف، فيشغلهم عظم الأمر عن التساؤل فلا ~~يتساءلون، وفي موطن يفيقون إفاقة فيتساءلون. ### || [23.102-108] # { فمن ثقلت موزينه فأولئك هم المفلحون }. # { ومن خفت موزينه فأولئك الذين خسروا ~~أنفسهم فى جهنم خلدون }. # { تلفح وجوههم النار }. أي: تسفع، وقيل: تحرق، { وهم ~~فيها كلحون } ، عابسون. # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبدالله بن أبي توبة، أخبرنا محمد بن أحمد ~~الحارثي، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبدالله بن محمود، أخبرنا ~~إبراهيم بن عبدالله الخلال، أخبرنا عبدالله بن المبارك، عن سعيد بن يزيد، ~~عن أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى ms1575 الله عليه ~~وسلم قال: # " وهم فيها كالحون، قال: تشويه النار، فتقلص شفته العليا حتى تبلغ ~~وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته " # وبهذا الإسناد عن عبدالله بن المبارك عن حاجب بن عمر عن الحكم ابن ~~الأعرج قال: قال أبو هريرة: " يعظم الكافر في النار مسيرة سبع ليال، ~~فيصير ضرسه مثل أحد، وشفاههم عند سررهم، سود زرق خسر مقبوحون ". # قوله عز وجل: { ألم تكن ءايتى تتلى عليكم } ، ~~يعني القرآن، تخوفون بها، { فكنتم بها تكذبون }. # { قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا } ، قرأ حمزة ~~والكسائي: " شقاوتنا " بالألف وفتح الشين، وهما لغتان أي: غلبت علينا ~~شقوتنا التي كتبت علينا فلم نهتد. { وكنا قوما ضآلين } ، عن ~~الهدى. # { ربنآ أخرجنا منها } أي: من النار، { فإن عدنا } ، ~~لما تكره { فإنا ظلمون }. # { قال اخسئوا } ، أبعدوا، { فيها } ، كما يقال للكلب إذا طرد: ~~اخسأ، { ولا تكلمون } ، في رفع العذاب، فإني لا أرفعه عنكم، فعند ~~ذلك أيس المساكين من الفرج، قال الحسن: هو آخر كلام يتكلم به أهل النار ~~ثم لا يتكلمون بعدها إلا الشهيق والزفير، ويصير لهم عواء كعواء الكلاب لا ~~يفهمون ولا يفهمون، روي عن عبدالله بن عمرو: أن أهل جهنم يدعون ~~مالكا خازن النار أربعين عاما # يملك ليقض علينا ربك # [الزخرف: 77]، فلا يجيبهم، ثم يقول: # إنكم ماكثون # [الزخرف: 77] ثم ينادون ربهم: { ربنآ أخرجنا منها فإن ~~عدنا فإنا ظلمون } ، فيدعهم مثل عمر الدنيا مرتين ثم يرد ~~عليهم: { اخسئوا فيها ولا تكلمون } ، فلا ينبس القوم بعد ~~ذلك بكلمة إن كان إلا الزفير والشهيق. # وقال القرطبي: إذا قيل لهم: " اخسئوا فيها ولا تكلمون " انقطع رجاؤهم، ~~وأقبل بعضهم ينبح في وجه بعض، وأطبقت عليهم. ### || [23.109-111] # { إنه } الهاء في " إنه " عماد وتسمى أيضا المجهولة، { كان ~~فريق من عبادى } ، وهم المؤمنون { يقولون ربنآ ~~ءامنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الرحمين }. # { فاتخذتموهم سخريا } ، قرأ أهل المدينة وحمزة والكسائي: ~~" سخريا " بضم السين هاهنا وفي سورة ص، وقرأ الباقون بكسرهما، واتفقوا ~~على الضم في سورة الزخرف. قال الخليل: هما لغتان مثل قولهم: بحر لجي، ~~ولجي بضم اللام ms1576 وكسرها، مثل كوكب دري ودري، قال الفراء والكسائي: ~~الكسر بمعنى الاستهزاء بالقول، والضم بمعنى التسخير والاستعباد بالفعل، ~~واتفقوا في سورة الزخرف بأنه بمعنى التسخير، { حتى أنسوكم } أي: ~~أنساكم اشتغالكم بالاستهزاء بهم وتسخيرهم، { ذكرى وكنتم منهم ~~تضحكون } نظيره: # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون # [المطففين: 29] قال مقاتل: نزلت في بلال وعمار وخباب وصهيب وسلمان ~~والفقراء من الصحابة، كان كفار قريش يستهزؤون بهم. # { إنى جزيتهم اليوم بما صبروا } ، على أذاكم ~~واستهزائكم في الدنيا، { أنهم هم الفآئزون } ، قرأ حمزة ~~والكسائي " أنهم " بكسر الألف على الاستئناف، وقرأ الآخرون بفتحها، فيكون ~~في موضع المفعول الثاني إني جزيتهم اليوم بصبرهم الفوز بالجنة. ### || [23.112-115] # { قل كم لبثتم } ، قرأ حمزة والكسائي " قل كم لبثتم " على ~~الأمر. ومعنى الآية: قولوا أيها الكافرون، فأخرج الكلام مخرج الواحد، ~~والمراد منه الجماعة إذ كان معناه مفهوما، ويجوز أن يكون الخطاب لكل ~~واحد منهم، أي قل أيها الكافرون، وقرأ ابن كثير: قل كم، على الأمر وقال " ~~أن " على الخبر، لأن الثانية جواب، وقرأ الآخرون: " قال " فيهما جميعا، ~~أي: قال الله عز وجل للكفار يوم البعث: كم لبثتم، { فى الأرض } ، أي: ~~في الدنيا وفي القبور { عدد سنين }. # { قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم } ، نسوا مدة لبثهم في ~~الدنيا لعظم ما هم بصدده من العذاب، { فسئل العآدين } ، ~~الملائكة الذين يحفظون أعمال بني آدم ويحصونها عليهم. # { قال إن لبثتم } أي: ما لبثتم في الدنيا، { إلا قليلا } ~~، سماه قليلا لأن الواحد وإن طال مكثه في الدنيا فإنه يكون قليلا في ~~جنب ما يلبث في الآخرة، لأن لبثه في الدنيا وفي القبر متناه، { لو ~~أنكم كنتم تعلمون } ، قدر لبثكم في الدنيا. # قوله عز وجل: { أفحسبتم أنما خلقنكم عبثا } ، ~~لعبا وباطلا لا لحكمة، وهو نصب على الحال، أي: عابثين. وقيل: للعبث، ~~أي: لتلعبوا وتعبثوا كما خلقت البهائم لا ثواب لها ولا عقاب، وهو مثل ~~قوله: # أيحسب الإنسن أن يترك سدى # [القيامة: 36]، وإنما خلقتم للعبادة وإقامة أوامر الله عز وجل، { ~~وأنكم إلينا لا ترجعون } ، أي: أفحسبتم أنكم إلينا ms1577 لا ~~ترجعون في الآخرة للجزاء، وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب لا " ترجعون " ~~بفتح التاء وكسر الجيم. # أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، ~~أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، أخبرنا حميد بن ~~زنجويه، أخبرنا بشر بن عمر، أخبرنا عبدالله بن لهيعة، أخبرنا عبدالله بن ~~هبيرة، عن حنش، # " أن رجلا مصابا مر به على ابن مسعود فرقاه في أذنيه: { ~~أفحسبتم أنما خلقنكم عبثا } حتى ختم السورة فبرأ، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بماذا رقيت في أذنه»؟ فأخبره فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لو أن رجلا موقنا ~~قرأها على جبل لزال« " ### || [23.116-118] # ثم نزه الله نفسه عما يصفه به المشركون، فقال جل ذكره: { فتعلى ~~الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش ~~الكريم } ، يعني السرير الحسن. وقيل: المرتفع. # { ومن يدع مع الله إلها ءاخر لا برهان له به ~~} ، أي: لا حجة له به ولا بينة، لأنه لا حجة في دعوى الشرك، { فإنما ~~حسابه } ، جزاؤه، { عند ربه } ، يجازيه بعمله، كما قال تعالى: # ثم إن علينا حسابهم # [الغاشية: 26]، { إنه لا يفلح الكفرون } ، لا يسعد من ~~جحد وكذب. # { وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الرحمين } ### | [24 - سورة النور] ### || [24.1-2] # { سورة } ، أي: هذه سورة، { أنزلنها وفرضنها } ، قرأ ~~ابن كثير وأبو عمرو «وفرضناها» بتشديد الراء، وقرأ الآخرون بالتخفيف، ~~أي: أوجبنا ما فيها من الأحكام وألزمناكم العمل بها. وقيل: معناه قدرنا ~~ما فيها من الحدود، والفرض: التقدير، قال الله عز وجل: # فنصف ما فرضتم # [البقرة: 237] أي: قدرتم، ودليل التخفيف قوله عز وجل: # إن الذى فرض عليك القرءان # [القصص: 85]، وأما التشديد فمعناه: و فصلناه وبيناه. وقيل: هو بمعنى ~~الفرض الذي هو بمعنى الإيجاب أيضا، والتشديد للتكثير لكثرة ما فيها من ~~الفرائض، أي: أوجبناها عليكم وعلى من بعدكم إلى قيام الساعة. { ~~وأنزلنا فيهآ ءايت بينت } ، واضحات، { لعلكم ~~تذكرون } ، تتعظون. # قوله عز وجل: { الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد ~~منهما مائة جلدة } أراد إذا كانا حرين بالغين ms1578 عاقلين بكرين ~~غير محصنين " فاجلدوا ": فاضربوا كل واحد منهما مائة جلدة، يقال جلده إذا ~~ضرب جلده، كما يقال رأسه وبطنه، إذا ضرب رأسه وبطنه، وذكر بلفظ ~~الجلد لئلا يبرح ولا يضرب بحيث يبلغ اللحم، وقد وردت السنة أنه يجلد مائة ~~ويغرب عاما وهو قول أكثرأهل العلم، وإن كان الزاني محصنا فعليه الرجم، ~~ذكرناه في سورة النساء. # { ولا تأخذكم بهما رأفة } ، رحمة ورقة، وقرأ ابن كثير ~~«رأفة» بفتح الهمزة ولم يختلفوا في سورة الحديد أنها ساكنة لمجاورة قوله ~~ورحمة، والرأفة معنى في القلب، لا ينهى عنه لأنه لا يكون باختيار ~~الإنسان. # روي أن عبد الله بن عمر جلد جارية له زنت، فقال للجلاد: اضرب ظهرها ~~ورجليها، فقال له ابنه: لا تأخذكم بهما رأفة في دين الله، فقال: يا بني ~~إن الله عز وجل لم يأمرني بقتلها وقد ضربت فأوجعت. # واختلفوا في معنى الآية، فقال قوم: لا تأخذكم بهما رأفة فتعطلوا الحدود ~~ولا تقيموها، وهذا قول مجاهد وعكرمة وعطاء وسعيد بن جبير والنخعي ~~والشعبي. وقال جماعة: معناها ولا تأخذكم بهما رأفة فتخففوا الضرب ولكن ~~أوجعوهما ضربا، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن، قال الزهري: يجتهد في حد ~~الزنا والفرية ويخفف في حد الشرب. وقال قتادة: يجتهد في حد الزنا ويخفف ~~في الشرب والفرية. # { فى دين الله } ، أي: في حكم الله, { إن كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الأخر } ، معناه أن المؤمن لا تأخذه الرأفة ~~إذا جاء أمر الله تعالى. # { وليشهد } ، وليحضر، { عذابهما } حدهما إذا أقيم عليهما { ~~طآئفة } ، نفر، { من المؤمنين } ، قال مجاهد والنخعي: أقله ~~رجل واحد فما فوقه وقال عكرمة وعطاء رجلان فصاعدا. وقال الزهري وقتادة: ~~ثلاثة فصاعدا. وقال مالك وابن زيد: أربعة بعدد شهود الزنا. ### || [24.3] # قوله عز وجل: { الزانى لا ينكح إلا زانية أو مشركة ~~والزانية لا ينكحهآ إلا زان أو مشرك وحرم ~~ذلك على المؤمنين } ، اختلف العلماء في معنى الآية وحكمها. ~~فقال قوم: قدم المهاجرون المدينة وفيهم فقراء لا مال لهم ولا عشائر، ~~وبالمدينة نساء بغايا يكرين أنفسهن وهن يومئذ أخصب ms1579 أهل المدينة، فرغب ~~ناس من فقراء المسلمين في نكاحهن لينفقن عليهم، فاستأذنوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية { وحرم ذلك على المؤمنين ~~} أن يتزوجوا تلك البغايا لأنهن كن مشركات، وهذا قول مجاهد وعطاء بن أبي ~~رباح وقتادة والزهري والشعبي، ورواية العوفي عن ابن عباس. وقال عكرمة: ~~نزلت في نساء بمكة والمدينة، منهن تسع لهن رايات كرايات البيطار يعرفن ~~بها، منهن أم مهزول جارية السائب بن أبي السائب المخزومي، وكان الرجل ~~ينكح الزانية في الجاهلية يتخذها مأكلة، فأراد ناس من المسلمين نكاحهن ~~على تلك الجهة، فاستأذن رجل من المسلمين رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~نكاح أم مهزول واشترطت له أن تنفق عليه، فأنزل الله هذه الآية. # وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان رجل يقال له مرثد بن أبي ~~مرثد الغنوي كان يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة، وكانت بمكة ~~بغي يقال لها عناق، وكانت صديقة له في الجاهلية، فلما أتى مكة دعته عناق ~~إلى نفسها، فقال مرثد: إن الله حرم الزنا، قالت: فانكحني، فقال: حتى ~~أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقلت: يا رسول الله أنكح عناقا؟ فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ~~يرد شيئا، فنزلت: { والزانية لا ينكحهآ إلا زان أو ~~مشرك } فدعاني النبي فقرأها علي وقال لي: لا تنكحها. # فعلى قول هؤلاء كان التحريم خاصا في حق أولئك دون سائر الناس. # وقال قوم: المراد من النكاح هو الجماع، ومعناه: الزاني لا يزني إلا ~~بزانية أو مشركة، والزانية لا تزني إلا بزان أو مشرك، وهو قول سعيد بن ~~جبير والضحاك بن مزاحم. ورواية الوالبي عن ابن عباس، قال يزيد بن هارون: ~~إن جامعها وهو مستحل فهو مشرك، وإن جامعها وهو محرم فهو زان، وكان ابن ~~مسعود يحرم نكاح الزانية ويقول: إذا تزوج الزاني بالزانية فهما زانيان ~~أبدا. وقال الحسن: الزاني المجلود لا ينكح إلا زانية مجلودة والزانية ~~المجلودة لا ms1580 ينكحها إلا زان مجلود. قال سعيد بن المسيب وجماعة: إن حكم ~~الآية منسوخ، كان نكاح الزانية حراما بهذه الآية فنسخها قوله تعالى: { ~~وأنكحوا الأيمى منكم } فدخلت الزانية في أيامى المسلمين. # واحتج من جوز نكاح الزانية بما أخبرنا أبو الفرج المظفر بن إسماعيل ~~التميمي، أخبرنا أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي، أخبرنا أبو أحمد عبد ~~الله بن عدي الحافظ، أخبرنا الحسن بن الفرج، أخبرنا عمرو بن خالد ~~الحراني، أخبرنا عبيد الله عن عبد الكريم الجزري، عن أبي الزبير، عن ~~جابر، # " أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن أمرأتي ~~لا تمنع يد لامس؟ قال: طلقها، قال: فإني أحبها وهي جميلة، قال:استمتع ~~بها " # وفي رواية غيره # " فأمسكها إذا " # وروي أن عمر بن الخطاب ضرب رجلا وامرأة في زنى وحرض أن يجمع بينهما ~~فأبى الغلام. ### || [24.4] # قوله عز وجل: { والذين يرمون المحصنت ثم لم ~~يأتوا بأربعة شهدآء فاجلدوهم ثمانين جلدة } ~~أراد بالرمي القذف بالزنا، وكل من رمى محصنا أو محصنة بالزنا، فقال ~~له: زنيت أو يا زاني فيجب عليه جلد ثمانين جلدة، إن كان حرا، وإن كان ~~عبدا فيجلد أربعين وإن كان المقذوف غير محصن، فعلى القاذف التعزير. # وشرائط الإحصان خمسة: الإسلام والعقل والبلوغ والحرية والعفة من ~~الزانى، حتى أن من زنى مرة في أول بلوغه ثم تاب وحسنت حالته وامتد عمره ~~فقذفه قاذف لا حد عليه. فإن أقر المقذوف على نفسه بالزنا أو أقام القاذف ~~أربعة من الشهود على زناه سقط الحد عن القاذف لأن الحد الذي وجب عليه حد ~~الفرية وقد ثبت صدقه. # وقوله: { والذين يرمون المحصنت } أي: يقذفون بالزنا ~~المحصنات، يعني المسلمات الحرائر العفائف { ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهدآء } يشهدون على زناهن { فاجلدوهم ثمانين ~~جلدة } ، أي: اضربوهم ثمانين جلدة. { ولا تقبلوا لهم ~~شهادة أبدا وأولئك هم الفسقون }. ### || [24.5-6] # { إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن ~~الله غفور رحيم } ، اختلف العلماء في قبول شهادة القاذف بعد ~~التوبة، وفي حكم هذا الاستثناء: فذهب قوم إلى أن ms1581 القاذف ترد شهادته بنفس ~~القذف، وإذا تاب وندم على ما قال وحسنت حالته قبلت شهادته، سواء تاب بعد ~~إقامة الحد عليه أو قبله، لقوله تعالى: { إلا الذين تابوا } ، ~~وقالوا: الاستثناء يرجع إلى الشهادة وإلى الفسق، فبعد التوبة تقبل شهادته ~~ويزول عنه اسم الفسق، يروى ذلك عن ابن عباس وعمر، وهذا قول سعيد بن جبير ~~ومجاهد وعطاء وطاووس وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والشعبي وعكرمة ~~وعمر بن عبد العزيز والزهري وبه قال مالك والشافعي. # وذهب قوم إلى أن شهادة المحدود في القذف لا تقبل أبدا وإن تاب، وقالوا: ~~الاستثناء يرجع إلى قوله: { وأولئك هم الفسقون } ، وهو ~~قول النخعي وشريح وأصحاب الرأي، وقالوا: بنفس القذف لا ترد شهادته ما لم ~~يحد. # قال الشافعي: وهو قبل أن يحد شر منه حين يحد، لأن الحدود كفارات، ~~فكيف يردونها في أحسن حاليه ويقبلونها في شر حاليه. # وذهب الشعبي إلى أن حد القذف يسقط بالتوبة، وقال: الاستثناء يرجع إلى ~~الكل. # وعامة العلماء على أنه لا يسقط بالتوبة إلا أن يعفو عنه المقذوف فيسقط ~~كالقصاص يسقط بالعفو، ولا يسقط بالتوبة. # فإن قيل إذا قبلتم شهادته بعد التوبة فما معنى قوله { أبدا }؟. # قيل: معناه لا تقبل شهادته أبدا ما دام هو مصرا على قذفه، لأن أبد ~~كل إنسان مدته على ما يليق بحاله. كما يقال: لا تقبل شهادة الكافر أبدا: ~~يراد ما دام كافرا. # قوله عز وجل: { والذين يرمون أزوجهم } ، أي: يقذفون ~~نساءهم، { ولم يكن لهم شهدآء } ، يشهدون على صحة ما قالوا، ~~{ إلا أنفسهم } ، أي: غير أنفسهم، { فشهدة أحدهم ~~أربع شهدات بالله إنه لمن الصدقين } ، قرأ ~~حمزة والكسائي وحفص " أربع شهادات " برفع العين على خبر الابتداء، أي: ~~فشهادة أحدهم التي تدرأ الحد أربع شهادات، وقرأ الآخرون بالنصب أي: ~~فشهادة أحدهم أن يشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين. ### || [24.7] # { والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من ~~الكذبين } قرأ نافع ويعقوب «أن» خفيفة وكذلك الثانية " لعنة ~~الله " رفع، ثم يعقوب قرأ «غضب» بالرفع، وقرأ نافع «غضب» بكسر ms1582 الضاد ~~وفتح الباء على الماضي «الله» رفع، وقرأ الآخرون «أن» بالتشديد فيهما، ~~«لعنة» نصب، و«غضب» بفتح الضاد على الإسم، «الله» جر، وقرأ حفص عن عاصم ~~«والخامسة» الثانية نصب، أي ويشهد الشهادة الخامسة، وقرأ الآخرون بالرفع ~~على الابتداء وخبره في أن كالأولى. # وسبب نزول هذه الآية ما أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، ~~أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك ~~عن ابن شهاب أن سهل بن سعد الساعدي أخبره أن عويمر العجلاني جاء إلى عاصم ~~بن عدي الأنصاري فقال له: # " يا عاصم أرأيت لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه، أم ~~كيف يفعل؟ سل لي عن ذلك يا عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ~~فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فكره رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم المسائل وعابها حتى كبر على عاصم ما سمع من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فلما رجع عاصم إلى أهله جاء عويمر فقال له: يا عاصم ماذا قال ~~لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عاصم لعويمر، لم تأتني بخير، قد ~~كره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسألة التي سألته عنها، فقال عويمر، ~~والله لا أنتهي حتى أسأله عنها، فجاء عويمر ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وسط الناس فقال: يا رسول الله أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا ~~أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:قد أنزل ~~فيك وفي صاحبتك فاذهب فأت بها فقال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فلما فرغا من تلاعنهما قال عويمر: كذبت عليها ~~يا رسول الله إن أمسكتها فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ". # قال مالك قال ابن شهاب: فكانت تلك سنة المتلاعنين. # وقال محمد بن إسماعيل أخبرنا إسحاق، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا ~~الأوزاعي، أخبرنا الزهري بهذا الإسناد بمثل معناه وزاد: ثم قال رسول ms1583 ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " انظروا فإن جاءت به أسحم أدعج العينين عظيم الإليتين، خدلج الساقين، ~~فلا أحسب عويمرا إلا قد صدق عليها، وإن جاءت به أحيمر كأنه وجوه فلا ~~أحسب عويمر إلا قد كذب عليها " # ، فجاءت به على النعت الذي نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم من تصديق ~~عويمر. # فكان بعد ينسب إلى أمه. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا محمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~أحمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمد بن بشار، أخبرنا ابن ~~أبي عدي، عن هشام بن حسان، أخبرنا عكرمة، عن ابن عباس، # " أن هلال بن أمية قذف امرأته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشريك ~~بن سحماء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:البينة أو حد في ظهرك فقال: يا ~~رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " البينة وإلا حد في ظهرك " فقال ~~هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن الله ما يبرىء ظهري من الحد ~~فنزل جبريل وأنزل عليه: { والذين يرمون أزوجهم } فقرأ ~~حتى بلغ { إن كان من الصدقين } فانصرف النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأرسل إليهما، فجاء هلال فشهد والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: " إن ~~الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب "؟ ثم قامت فشهدت فلما كانت ~~عند الخامسة وقفوها وقالوا إنها موجبة، قال ابن عباس فتلكأت ونكصت حتى ~~ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الإليتين ~~خدلج الساقين فهو لشريك بن سحماء " ، فجاءت به كذلك، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن ". # وروى عكرمة عن ابن عباس: # " قال لما نزلت: { والذين يرمون المحصنت } الآية. قال ~~سعد بن عبادة: لو أتيت لكاع وقد تفخذها رجل لم يكن لي أهيجه حتى آتي ~~بأربعة شهداء، فوالله ما كنت لآتي بأربعة شهداء حتى ms1584 يفرغ من حاجته ويذهب، ~~وإن قلت ما رأيت إن في ظهري لثمانين جلدة، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيدكم "؟ قالوا: لا تلمه، ~~فإنه رجل غيور ما تزوج امرأة قط إلا بكرا ولا طلق امرأة له فاجترأ رجل ~~منا أن يتزوجها، فقال سعد: يا رسول الله بأبي أنت وأمي والله إني لأعرف ~~أنها من الله وأنها حق ولكن عجبت من ذلك لما أخبرتك، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " فإن الله يأبى إلا ذلك " # ، فقال صدق الله ورسوله، قال: فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى جاء ابن عم له ~~يقال له هلال بن أمية من حديقة له، فرأى رجلا مع امرأته يزني بها، ~~فأمسك حتى أصبح، فلما أصبح غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~جالس مع أصحابه، فقال: يا رسول الله إني جئت أهلي عشاء فوجدت. # رجلا مع امرأتي، رأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ما أتاه به وثقل عليه حتى عرف ذلك في وجهه، فقال هلال: والله يا ~~رسول الله إني لأرى الكراهية في وجهك مما أتيتك به، والله يعلم إني لصادق ~~وما قلت إلا حقا، وإني لأرجو أن يجعل الله لي فرجا، فهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بضربه، فقال: واجتمعت الأنصار فقالوا ابتلينا بما ~~قال سعد، يجلد هلال وتبطل شهادته، وإنهم لكذلك، ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يريد أن يأمر بضربه، إذ نزل عليه الوحي، فأمسك أصحابه عن كلامه حين ~~عرفوا أن الوحي قد نزل عليه، حتى فرغ، فأنزل الله عز وجل: { ~~والذين يرمون أزوجهم } ، إلى آخر الآيات فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " أبشر يا هلال فإن الله قد جعل لك فرجا " فقال: لقد كنت أرجو ذلك من ~~الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرسلوا إليها فجاءت، فلما ~~اجتمعا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل لها فكذبت، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ms1585 إن الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟ ~~فقال هلال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي قد صدقت وما قلت إلا حقا، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لاعنوا بينهما، فقيل لهلال: اشهد، فشهد ~~أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فقيل له عند الخامسة: يا هلال اتق ~~الله، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن عذاب الله أشد من عذاب ~~الناس، وإن هذه الخامسة هي الموجبة التي توجب عليك العذاب، فقال هلال: ~~والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فشهد الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم قال ~~للمرأة: اشهدي، فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، فقال لها عند ~~الخامسة ووقفها: اتقى الله فإن الخامسة موجبة وإن عذاب الله أشد من عذاب ~~الناس فتلكأت ساعة وهمت بالاعتراف ثم قالت: والله لا أفضح قومي، فشهدت ~~الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ففرق رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بينهما، وقضى بأن الولد لها ولا يدعى لأب ولا يرمى ولدها، ~~ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن جاءت به كذا وكذا فهو لزوجها ~~وإن جاءت به كذا وكذا فهو للذي قيل فيه " # ، فجاءت به غلاما كأنه جمل أورق، على الشبه المكروه، وكان بعد أميرا ~~على مصر، لا يدري من أبوه. # وقال ابن عباس في سائر الروايات، ومقاتل: # " لما نزلت { والذين يرمون المحصنت } الآية، فقرأها ~~رسول الله يوم الجمعة على المنبر فقام عاصم بن عدي الأنصاري فقال: جعلني ~~الله فداك، إن رأى رجل منا مع امرأته رجلا فأخبر بما رأى جلد ثمانين ~~جلدة وسماه المسلمون فاسقا، ولا تقبل شهادته أبدا، فكيف لنا بالشهداء ~~ونحن إذا التمسنا الشهداء كان الرجل فرغ من حاجته ومر؟ وكان لعاصم هذا ~~ابن عم يقال له عويمر، وله امرأة يقال لها خولة بنت قيس بن محصن، فأتى ~~عويمر عاصما وقال: لقد رأيت شريك بن السمحاء على بطن امرأتي خولة ms1586 ~~فاسترجع عاصم، وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجمعة الأخرى، ~~فقال: يا رسول الله ما أسرع ما ابتليت بالسؤال الذي سألت في الجمعة ~~الماضية في أهل بيتي، فأخبره وكان عويمر وخولة وشريك كلهم بني عم ~~عاصم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم جميعا، وقال لعويمر: " ~~اتق الله في زوجتك وابنة عمك فلا تقذفها بالبهتان " فقال: يا رسول الله ~~أقسم بالله إني رأيت شريكا على بطنها وإني ما قربتها منذ أربعة أشهر، ~~وإنها حبلى من غيري، فقال رسول الله للمرأة: " اتقي الله ولا تخبري إلا ~~بما صنعت " فقالت: يا رسول الله إن عويمرا رجلا غيور، وإنه رآني ~~وشريكا يطيل السمر ونتحدث، فحملته الغيرة على ما قال، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لشريك: " ما تقول؟ " فقال: ما تقوله المرأة كذب، ~~فأنزل الله عز وجل: { والذين يرمون أزوجهم } الآية، ~~فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نودي الصلاة جامعة فصلى العصر ثم ~~قال لعويمر: قم فقام فقال اشهد بالله أن خولة لزانية وإني لمن الصادقين، ~~ثم قال في الثانية أشهد إني رأيت شريكا على بطنها، وإني لمن الصادقين، ~~ثم قال في الثالثة أشهد بالله إنها حبلى من غيري وإني لمن الصادقين، ثم ~~قال في الرابعة أشهد بالله إني ما قربتها منذ أربعة أشهر وإني لمن ~~الصادقين، ثم قال في الخامسة: لعنة الله على عويمر يعني نفسه إن كان ~~من الكاذبين، فيما قال، ثم أمره بالقعود، وقال لخولة: قومي فقامت، فقالت: ~~أشهد بالله ما أنا بزانية وإن عويمرا لمن الكاذبين، ثم قالت في الثانية ~~أشهد بالله أنه ما رأى شريكا على بطني وإنه لمن الكاذبين، ثم قالت في ~~الثالثة أشهد بالله إني حبلى منه وإنه لمن الكاذبين، ثم قالت في الرابعة ~~أشهد بالله إنه ما رآني قط على فاحشة وإنه لمن الكاذبين، ثم قالت في ~~الخامسة غضب الله على خولة تعني نفسها إن كان من الصادقين، ففرق ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، وقال لولا هذه ms1587 الأيمان لكان لي في ~~أمرهما رأي، ثم قال:تحينوابها الولادة فإن جاءت به أصيهب أثيبج يضرب ~~إلى السواد فهو لشريك، وإن جاءت به أورق جعدا جماليا خدلج الساقين ~~فهو لغير الذي رميت به " # قال ابن عباس فجاءت بأشبه خلق الله بشريك. # والكلام في حكم الآية أن الرجل إذا قذف امرأته فموجبه موجب قذف الأجنبي ~~في وجوب الحد عليه إن كانت محصنة، أو التعزير إن لم تكن محصنة، غير أن ~~المخرج منهما مختلف؛ فإذا قذف أجنبيا يقام الحد عليه، إلا أن يقيم ~~أربعة من الشهود على زناها، أو يقر به المقذوف فيسقط عنه حد القذف، وفي ~~الزوجة إذا وجد أحد هذين أو لاعن يسقط عنه الحد، فاللعان في قذف الزوجة ~~بمنزلة البينة، لأن الرجل إذا رأى مع امرأته رجلا ربما لا يمكنه إقامة ~~البينة عليه ولا يمكنه الصبر على العار، فجعل الله اللعان حجة له على ~~صدقه، فقال تعالى: { فشهدة أحدهم أربع شهدات ~~بالله إنه لمن الصدقين } ، وإذا أقام الزوج البينة على ~~زناها أو اعترفت بالزنا سقط عنه الحد واللعان، إلان أن يكون هناك ولد ~~يريد نفيه فله أن يلاعن لنفيه. # وإذا أراد الإمام أن يلاعن بينهما يبدأ فيقيم الرجل ويلقنه كلمات ~~اللعان، فيقول: قل أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به فلانة ~~بالزنا، وإن كان قد رماها برجل بعينه سماه بعينه باللعان، وإن رماها ~~بجماعة سماهم، ويقول الزوج كما يلقنه الإمام وإن كان ولد أو حمل يريد ~~نفيه يقول: وإن هذا الولد أو الحمل لمن الزنا وما هو مني، ويقول في ~~الخامسة: علي لعنة الله إن كنت من الكاذبين فيما رميت به فلانة، وإذا ~~أتى بكلمة منها من غير تلقين الحاكم لا تكون محسوبة، فإذا فرغ الرجل من ~~اللعان وقعت الفرقة بينه وبين زوجته وحرمت عليه على التأبيد، وانتفى عنه ~~النسب وسقط عنه حد القذف، ووجب على المرأة حد الزنا، إن كانت محصنة ترجم، ~~وإن كانت غير محصنة تجلد وتغرب، فهذه خمسة أحكام تتعلق كلها بلعان الزوج. ### || [24.8-9] # قوله: { ويدرؤا ms1588 } يدفع، { عنها العذاب أن تشهد ~~أربع شهادات بالله إنه لمن الكذبين }. # { والخامسة أن غضب الله عليهآ إن كان من ~~الصدقين }. وأراد بالعذاب الحد، كما قال في أول السورة: { ~~وليشهد عذابهما طآئفة من المؤمنين } أي: حدهما ~~ومعنى الآية: أن الزوج إذا لاعن وجب على المرأة حد الزنا، وإذا وجب ~~عليها حد الزنا بلعانه فأرادت إسقاطه عن نفسها فإنها تلاعن، فتقوم وتشهد ~~بعد تلقين الحاكم أربع شهادت بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به. # وتقول في الخامسة علي غضب الله إن كان زوجي من الصادقين فيما رماني ~~به، ولا يتعلق بلعانها إلا حكم واحد وهو سقوط الحد عنها، ولو أقام الزوج ~~بينة على زناها فلا يسقط الحد عنها باللعان. # وعند أصحاب الرأي لا حد على من قذف زوجته، بل موجبه اللعان، فإن لم ~~يلاعن يحبس حتى يلاعن، فإذا لاعن الزوج وامتعنت المرأة عن اللعان حبست ~~حتى تلاعن. # وعند الآخرين اللعان حجة على صدقه، والقاذف إذا قعد عن إقامة الحجة على ~~صدقه لا يحبس بل يحد كقاذف الأجنبي إذا قعد عن إقامة البينة. # وعند أبي حنيفة موجب اللعان وقوع الفرقة ونفي النسب، وهما لا يحصلان إلا ~~بلعان الزوجين جميعا، وقضاء القاضي. # وفرقة اللعان فرقة فسخ عند كثير من أهل العلم وبه قال الشافعي، وتلك ~~الفرقة متأبدة حتى لو كذب الزوج نفسه يقبل ذلك فيما عليه دون ما له، ~~فيلزمه الحد ويلحقه الولد ولكن لا يرتفع تأبيد التحريم. # وعند أبي حنيفة فرقة اللعان فرقة طلاق فإذا كذب الزوج نفسه جاز له أن ~~ينكحها. # وإذا أتى كلمات اللعان لا يتعلق به الحكم. وعند أبي حنيفة إذا أتى بأكثر ~~كلمات اللعان قام مقام الكل في تعلق الحكم به. # وكل من صح يمينه صح لعانه حرا كان أو عبدا، مسلما كان أو ذميا، وهو ~~قول سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والحسن، وبه قال ربيعة ومالك والثوري ~~والشافعي وأكثر أهل العلم. وقال الزهري والأوزاعي وأصحاب الرأي: لا يجري ~~اللعان إلا بين مسلمين حرين غير محدودين، فإن كان ms1589 الزوجان أو أحدهما ~~رقيقا أو ذميا أو محدودا في قذف فلا لعان بينهما. # وظاهر القرآن حجة لمن قال يجري اللعان بينهما، لأن الله تعالى قال: { ~~والذين يرمون أزوجهم } ولم يفصل بين الحر والعبد ~~والمحدود وغيره كما قال: # والذين يظهرون من نسآئهم # [المجادلة: 3]، ثم يستوي الحر والعبد هنا في الظهار، ولا يصح اللعان إلا ~~عند الحاكم أو خليفته. # ويغلظ اللعان بأربعة أشياء: بعدد الألفاظ، والمكان، والزمان، وأن يكون ~~بمحضر جماعة من الناس، أما الألفاظ المستحقة فلا يجوز الإخلال بها، وأما ~~المكان فهو أن يلاعن في أشرف الأماكن، إن كان بمكة فبين الركن والمقام، ~~وإن كان بالمدينة فعند المنبر، وفي سائر البلاد ففي المسجد الجامع عند ~~المنبر، والزمان هو أن يكون بعد صلاة العصر، وأما الجمع فأقلهم أربعة، ~~والتغليظ بالجمع مستحب، حتى لو لاعن الحاكم بينهما وحده جاز، وهل ~~التغليظ بالمكان والزمان واجب أو مستحب؟ فيه قولان. ### || [24.10] # قوله: { ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن ~~الله تواب حكيم } ، جواب لولا محذوف، يعني لعاجلكم بالعقوبة، ~~ولكنه ستر عليكم ورفع عنكم الحد باللعان، وإن الله تواب يعود على من ~~يرجع عن المعاصي بالرحمة، حكيم فيما فرض من الحدود. ### || [24.11] # قوله عز وجل: { إن الذين جآءوا بالإفك عصبة ~~منكم } الآيات، سبب نزول هذه الآية ما أخبرنا عبد الواحد المليحي، ~~أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن ~~إسماعيل، أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله، أخبرنا إبراهيم بن سعد، عن ~~صالح، عن ابن شهاب قال: حدثني عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمة ~~بن وقاص، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عائشة رضي الله ~~عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، ~~وكلهم حدثني طائفة من حديثها، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض وأثبت له ~~اقتصاصا، وقد وعيت عن كل رجل منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة، وبعض ~~حديثهم يصدق بعضا. # قالوا: قالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ms1590 إذا أراد سفرا ~~أقرع بين أزواجه وأيهن خرج سهمها خرج بها النبي صلى الله عليه وسلم معه، ~~قالت عائشة فأقرع بيننا في غزوة غزاها، فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بعدما أنزل الحجاب، فكنت أحمل في هودج وأنزل ~~فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك، وقفل ~~ودنونا من المدينة قافلين آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل ~~فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فلمست صدري فإذا ~~عقد لي من جزع ظفار قد انقطع فرجعت، فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه. ~~قالت: وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بي فاحتملوا هودجي فرحلوه على ~~بعيري الذي كنت أركب عليه وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافا ~~لم يهبلن ولم يغشهن اللحم إنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر ~~القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل ~~وساروا، ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها منهم داع ~~ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت فيه وظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي، ~~فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطل ~~السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان ~~نائم فعرفني حين رآني وكان رآني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين ~~عرفني،فخمرت وجهي بجلبابي، ووالله ما تكلمنا بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير ~~استرجاعه، وهوى حتى أناخ راحلته فوطىء على يدها، فقمت إليها فركبتها، ~~فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش موغرين في نحر الظهيرة وهم نزول. # قالت: فهلك من هلك، وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي بن ~~سلول، قال عروة أخبرت أنه كان يشاع ويتحدث به عنده فيقره ويستمعه ~~ويستوشيه. # وقال عروة أيضا: لم يسم من أهل الإفك أيضا إلا حسان بن ثابت ومسطح بن ~~أثاثة وحمنة بنت جحش في ناس آخرين لا علم لي بهم غير أنهم عصبة، كما قال ~~الله تعالى: { والذى تولى ms1591 كبره } قال: عبد الله بن أبي بن ~~سلول، قال عروة: كانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان، وتقول: إنه الذي ~~قال: # فإن أبي ووالدتي وعرضي # لعرض محمد منكم وقاء # قالت عائشة: فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمت شهرا، والناس يفيضون في ~~قول أصحاب الإفك لا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي إني لا أعرف ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما ~~يدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسلم ثم يقول: # " كيف تيكم " # ؟ ثم ينصرف، ذلك الذي يريبني ولا أشعر بالشر حتى خرجت حين نقهت، فخرجت ~~مع أم مسطح قبل المناصع وكان متبرزنا، وكنا لا نخرج إلا ليلا إلى ~~ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب ~~الأول في التبرز قبل الغائط، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا. # قالت: فانطلقت، أنا وأم مسطح وهي ابنة أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف ~~وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكرالصديق، وابنها مسطح بن أثاثة بن ~~عباد بن المطلب، فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي حين فرغنا من شأننا، ~~فعثرت أم مسطح في مرطها، فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئس ما قلت ~~أتسبين رجلا شهد بدرا؟ فقالت: أي هنتاه أو لم تستمعي ما قال؟ قالت ~~فقلت: وما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، قالت فازددت مرضا على مرضي، ~~فلما رجعت إلى بيتي دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: # " كيف تيكم " # ؟ فقلت له: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت وأنا أريد أن أستيقن الخبر من ~~قبلهما، قالت فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت لأمي: يا ~~أمتاه ماذا يتحدث الناس؟ قالت: يا بنية هوني عليك فوالله لقل ما ~~كانت امرأة قط رضية عند رجل يحبها لها ضرائر إلا أكثرن عليها. قالت ~~فقلت: سبحان الله أو لقد تحدث الناس بهذا؟ قالت: فبكيت تلك الليلة حتى ~~أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ms1592 ثم أصبحت أبكي. # قالت: ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد ~~حين استلبث الوحي يسألهما ويستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة فأشار على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم لهم ~~في نفسه، فقال أسامة: أهلك ولا نعلم إلا خيرا، وأما علي فقال: يا رسول ~~الله لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك، قالت: ~~فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة، فقال: # " أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك " # ؟ قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق ما رأيت عليها أمرا قط أغمضه أكثر ~~من أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله. ~~قالت: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه فاستعذر من يومه ~~فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول وهو على المنبر، فقال: # " يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني عنه أذاه في أهلي، والله ~~ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا ~~وما يدخل على أهلي إلا معي " # ، قالت: فقام سعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل، فقال: أنا يا رسول الله ~~أعذرك فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ~~ففعلنا أمرك، قالت: وقام رجل من الخزرج وكانت أم حسان بنت عمه من فخذه ~~وهو سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، قالت عائشة: وكان قبل ذلك رجلا صالحا ~~ولكن احتملته الحمية فقال لسعد: كذبت لعمر الله لا تقتلته ولا تقدر ~~على قتله، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل، فقام أسيد بن حضير وهو ابن ~~عم سعد وقال لسعد بن عبادة: فقال: كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق ~~تجادل عن المنافقين، قالت: فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن ~~يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر، قالت: فلم يزل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا ms1593 وسكت. # قالت: فبكيت يومي ذلك كله لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، قالت وأصبح ~~أبواي عندي، وقد بكيت ليلتين ويوما لا أكتحل بنوم، ولا يرقأ لي دمع حتى ~~إني لأظن أن البكاء فالق كبدي فبينا أبواي جالسان عندي، وأنا أبكي ~~فاستأذنت علي امرأة من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي معي. # قالت: فبينا نحن على ذلك دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا فسلم ~~ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها، وقد لبث شهرا لا ~~يوحى إليه في شأني بشيء، قالت: فتشهد رسول الله عليه وسلم حين جلس ثم ~~قال: # " أما بعد يا عائشة إنه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت برئية فسيبرئك الله، ~~وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف ثم ~~تاب تاب الله عليه ". # قالت: فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته فاض دمعي حتى ما ~~أحس منه قطرة، فقلت لأبي أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال، ~~فقال أبي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت ~~لأمي: أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال، قالت أمي: والله ما ~~أدري ما أقول لرسول الله، فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ من القرآن ~~كثيرا: إني والله لقد علمت ولقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم ~~وصدقتم به، فلئن قلت لكم إني برئية لا تصدقوني، ولئن اعترفت لكم بأمر ~~والله يعلم إني بريئة لتصدقني، فوالله لا أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف ~~حين قال: # فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون # [يوسف: 18]، ثم تحولت واضطجعت على فراشي وأنا أعلم والله يعلم إني ~~حينئذ بريئة، وإن الله مبرئي ببراءتي ولكن والله ما كنت أظن أن الله ~~منزل في شأني وحيا يتلى، لشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في ~~بأمر، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله في النوم رؤيا يبرئني الله بها، ~~فوالله ما ms1594 رام رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه ولا خرج أحد من أهل ~~البيت حتى أنزل عليه الوحي فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى إنه ~~ليتحدر منه العرق مثل الجمان، وهو في يوم شات، من ثقل القول الذي أنزل ~~عليه، قالت: فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك فكانت أول ~~كلمة تكلم بها أن قال: # " يا عائشة أما والله فقد برأك الله " # ، قالت: فقالت لي أمي: قومي إليه فقلت: والله لا أقوم إليه فإني لا أحمد ~~إلا الله قالت: وأنزل الله تعالى: { إن الذين جآءوا بالإفك ~~عصبة منكم } العشر الآيات، فما أنزل الله في براءتي قال أبو بكر ~~الصديق، وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق ~~على مسطح شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة ما قال، فأنزل الله: { ولا ~~يأتل أولوا الفضل منكم والسعة } إلى قوله: { غفور ~~رحيم } ، قال أبو بكر الصديق: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، ~~فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه ~~أبدا. # قالت عائشة: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل زينب بنت جحش عن ~~أمري فقال لزينب: # " ماذا علمت أو رأيت " # ؟ فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلا خيرا، قالت ~~عائشة، وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فعصمها ~~الله بالورع، قالت: وطفقت أختها حمنة تحارب لها فهلكت فيمن هلك. # قال ابن شهاب: فهذا الذي بلغني من حديث هؤلاء الرهط، قالت عائشة: والله ~~إن الرجل الذي قيل له ما قيل ليقول: سبحان الله فوالذي نفسي بيده ما كشفت ~~عن كنف أنثى قط. # قالت: ثم قتل بعد ذلك في سبيل الله. # ورواه محمد بن إسماعيل عن يحيى بن بكير، أخبرنا الليث عن يونس عن ابن ~~شهاب بإسناد مثله، وقال: وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه ~~فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه، إلى قوله: فهلكت ms1595 فيمن ~~هلك من أصحاب الإفك. # ورواه أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: ولقد جاء رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بيتي فسأل عني خادمتي، فقالت: لا والله ما علمت ~~عليها عيبا إلا أنها كانت ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل خميرها أو عجينها، ~~فانتهرها بعض أصحابه، فقال: اصدقي رسول الله حتى أسقطوا لها به، فقالت: ~~سبحان الله والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب ~~الأحمر، وفيه قالت: وأنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفع عنه ~~وإني لأتبين السرور في وجهه وهو يمسح جبينه، ويقول: أبشري يا عائشة فقد ~~أنزل الله براءتك، فقال لي أبواي: قومي إليه، فقلت: لا والله لا أقوم ~~إليه، ولا أحمده ولا أحمد أحدا، ولكن أحمد الله الذي أنزل براءتي، لقد ~~سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيرتموه. # أما تفسير قوله: { إن الذين جآءوا بالإفك } بالكذب، ~~والإفك أسوأ الكذب، سمي إفكا لكونه مصروفا عن الحق، من قولهم: أفك ~~الشيء إذا قلبه عن وجهه، وذلك أن عائشة كانت تستحق الثناء لما كانت عليه ~~من الحصانة والشرف فمن رماها بالسوء قلب الأمر عن وجهه، { عصبة ~~منكم } أي: جماعة منهم عبد الله بن أبي بن سلول، ومسطح بن أثاثة، ~~وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش، زوجة طلحة بن عبيد الله، وغيرهم، { لا ~~تحسبوه شرا لكم } ، يا عائشة ويا صفوان، وقيل: هو خطاب ~~لعائشة ولأبويها وللنبي صلى الله عليه وسلم ولصفوان، يعني: لا تحسبوا ~~الإفك شرا لكم، { بل هو خير لكم } ، لأن الله يأجركم على ~~ذلك ويظهر براءتكم. # { لكل امرىء منهم } ، يعني من العصبة الكاذبة { ما ~~اكتسب من الإثم } ، أي: جزاء ما اجترح من الذنب على قدر ما خاض ~~فيه، { والذى تولى كبره } ، أي: تحمل معظمه فبدأ بالخوض ~~فيه، قرأ يعقوب «كبره» بضم الكاف، وقرأ العامة بالكسر، قال الكسائي: هما ~~لغتان. وقال الضحاك: قام بإشاعة الحديث، وهو عبد الله بن أبي بن سلول. # وروى الزهري عن عروة عن عائشة { والذى تولى كبره منهم ms1596 ~~} قالت: عبد الله بن أبي بن سلول، والعذاب الأليم هو النار في الآخرة. # وقد روى ابن أبي مليكة عن عروة عن عائشة في حديث الإفك قالت: ثم ركبت ~~وأخذ صفوان بالزمام فمررنا بملأ من المنافقين، وكانت عادتهم أن ينزلوا ~~منتبذين من الناس، فقال عبد الله بن أبي، رئيسهم: من هذه؟ قالوا: ~~عائشة قال: والله ما نجت منه وما نجا منها، وقال: امرأة نبيكم باتت ~~مع رجل حتى أصبحت ثم جاء يقود بها. # وشرع في ذلك أيضا حسان، ومسطح، وحمنة، فهم الذين تولوا كبره. # وقال قوم: هو حسان بن ثابت. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا بشر بن خالد، أحبرنا محمد ~~بن جعفر عن شعبة عن سليمان عن أبي الضحاك عن مسروق قال: دخلت على عائشة ~~وعندها حسان بن ثابت ينشد شعرا يشبب بأبيات له، وقال:: # حصان رزان ما تزن بريبة # وتصبح غرثى من لحوم الغوافل # فقالت له عائشة: لكنك لست كذلك، قال مسروق فقلت لها: لم تأذنين له أن ~~يدخل عليك وقد قال الله تعالى: { والذى تولى كبره منهم ~~له عذاب عظيم }؟ قالت: وأي عذاب أشد من العمى، وقالت: إنه كان ~~ينافح أو يهاجي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالذين رموا عائشة فجلدوا ~~الحد جميعا ثمانين ثمانين. ### || [24.12-14] # قوله عز وجل: { لولا } هلا، { إذ سمعتموه ظن ~~المؤمنون والمؤمنت بأنفسهم } ، بإخوانهم، { خيرا ~~} وقال الحسن: بأهل دينهم لأن المؤمنين كنفس واحدة، نظيره قوله تعالى: # ولا تقتلوا أنفسكم # [النساء: 29]، # فسلموا على أنفسكم # [النور: 61]. { وقالوا هذآ إفك مبين } ، أي: كذب بين. # { لولا جآءو عليه بأربعة شهدآء } أي: على ما زعموا، ~~{ فإذ لم يأتوا بالشهدآء فأولئك عند الله ~~هم الكذبون }. # فإن قيل: كيف يصيرون عند الله كاذبين إذ لم يأتوا بالشهداء ومن كذب فهو ~~عند الله كاذب سواء أتى بالشهداء أو لم يأت؟ # قيل: " عند الله " أي في حكم الله وقيل: معناه ms1597 كذبوهم بأمر الله. ~~وقيل: هذا في حق عائشة، ومعناه أولئك هم الكاذبون في غيبي وعلمي. # { ولولا فضل الله عليكم ورحمته فى الدنيا ~~والأخرة لمسكم فى مآ أفضتم } خضتم، { فيه } ، من ~~الإفك، { عذاب عظيم } ، قال ابن عباس أي: عذاب لا انقطاع له، يعني ~~في الآخرة، لأنه ذكر عذاب الدنيا من قبل، فقال تعالى: { والذى ~~تولى كبره منهم له عذاب عظيم } ، وقد أصابه, فإنه ~~قد جلد وحد. وروت عمرة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~نزلت هذه الآية حد أربعة نفر: عبد الله بن أبي، وحسان بن ثابت، ومسطح ~~بن أثاثة وحمنة بنت جحش. ### || [24.15-19] # قوله عز وجل: { إذ تلقونه } , تقولونه, { بألسنتكم } ~~قال مجاهد ومقاتل: يرويه بعضكم عن بعض. وقال الكلبي: وذلك أن الرجل منهم ~~يلقى الرجل فيقول بلغني كذا وكذا يتلقونه تلقيا، وقال الزجاج: يلقيه ~~بعضكم إلى بعض، قرأت عائشة «تلقونه» بكسر اللام وتخفيف القاف من الولق ~~وهو الكذب، { وتقولون بأفوهكم ما ليس لكم به ~~علم وتحسبونه هينا } ، تظنون أنه سهل لا إثم فيه، { وهو ~~عند الله عظيم } ، في الوزر. # { ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنآ أن ~~نتكلم بهذا سبحنك } ، هذا اللفظ ههنا بمعنى التعجب، { ~~هذا بهتن عظيم } ، أي: كذب عظيم يبهت ويتحير من عظمته. وفي ~~بعض الأخبار أن أم أيوب قالت لأبي أيوب الأنصاري: أما بلغك ما يقول الناس ~~في عائشة؟ فقال أبو أيوب: سبحانك هذا بهتان عظيم، فنزلت الآية على وفق ~~قوله. # { يعظكم الله } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يحرم الله ~~عليكم، وقال مجاهد: ينهاكم الله. { أن تعودوا لمثله أبدا ~~إن كنتم مؤمنين }. # { ويبين الله لكم الأيت } ، في الأمر والنهي، { ~~والله عليم } بأمر عائشة وصفوان، { حكيم } ، حكم ببراءتهما. # قوله عز وجل: { إن الذين يحبون أن تشيع الفحشة ~~} ، يعني تظهر، ويذيع الزنا، { فى الذين ءامنوا لهم عذاب ~~أليم فى الدنيا والأخرة } ، يعني عبد الله بن أبي وأصحابه ~~المنافقين، والعذاب في الدنيا الحد، وفي الآخرة النار، { والله ~~يعلم } ، كذبهم وبراءة عائشة وما خاضوا فيه من سخط ms1598 الله، { ~~وأنتم لا تعلمون }. ### || [24.20-22] # { ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله ~~رؤوف رحيم } ، جواب { لولا } محذوف، أي: لعاجلكم بالعقوبة، قال ابن ~~عباس: يريد مسطحا وحسان وحمنة. # قوله عز وجل: { يأيها الذين ءامنوا لا تتبعوا ~~خطوت الشيطن ومن يتبع خطوت الشيطن ~~فإنه يأمر بالفحشآء } ، أي: بالقبائح من الأفعال، { ~~والمنكر } ، ما يكرهه الله عز وجل، { ولولا فضل الله ~~عليكم ورحمته ما زكى } ، قال مقاتل: ما صلح. وقال ابن ~~قتيبة: ما طهر، { منكم من أحد } ، والآية على العموم عند بعض ~~المفسرين، قالوا: أخبر الله أنه لولا فضله ورحمته بالعصمة ما صلح منكم ~~أحد. وقال قوم: هذا الخطاب للذين خاضوا في الإفك، ومعناه: ما طهر من هذا ~~الذنب ولا صلح أمره بعد الذي فعل، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، قال: ~~ما قبل توبة أحد منكم، { أبدا ولكن الله يزكى } ، ~~يطهر، { من يشآء } ، من الذنب بالرحمة والمغفرة، { والله ~~سميع عليم }. # قوله عز وجل: { ولا يأتل } ، أي: ولا يحلف، وهو يفعل من الألية ~~وهي القسم، قرأ أبو جعفر: " يتأل " بتقديم التاء وتأخير الهمزة، وهو ~~يتفعل من الألية. { أولوا الفضل منكم والسعة } ، يعني ~~أبا بكر الصديق { أن يؤتوا أولى القربى والمسكين ~~والمهجرين فى سبيل الله } ، يعني مسطحا، وكان مسكينا ~~مهاجرا بدريا ابن خالة أبو بكر، حلف أبو بكر أن لا ينفق عليه، { ~~وليعفوا وليصفحوا } ، عنهم خوضهم في أمر عائشة، { ألا ~~تحبون } ، يخاطب أبا بكر، { أن يغفر الله لكم والله ~~غفور رحيم } ، فلما قرأها النبي صلى الله عليه وسلم على أبي بكر ~~قال: بلى أنا أحب أن يغفر الله لي، ورجع إلى مسطح نفقته التي كان ينفقها ~~عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدا. # وقال ابن عباس والضحاك: أقسم ناس من الصحابة فيهم أبو بكر أن لايتصدقوا ~~على رجل تكلم بشيء من الإفك ولا ينفعوهم، فأنزل الله هذه الآية. ### || [24.23] # قوله عز وجل: { إن الذين يرمون المحصنت } ، ~~العفائف، { الغفلت } ، عن الفواحش، { المؤمنت } ، ~~والغافلة عن الفاحشة أي: لا يقع في قلبها فعل الفاحشة وكانت عائشة كذلك، ms1599 ~~قوله تعالى: { لعنوا فى الدنيا والاخرة } ، عذبوا، ~~بالحدود وفي الآخرة بالنار، { ولهم عذاب عظيم } ، قال مقاتل: ~~هذا في عبد الله بن أبي المنافق. روي عن خصيف قال: قلت لسعيد بن جبير: ~~من قذف مؤمنة يلعنه الله في الدنيا والآخرة؟ فقال ذلك لعائشة خاصة. # وقال قوم: هي لعائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة دون سائر ~~المؤمنات. روي عن العوام بن حوشب عن شيخ من بني كاهل عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما قال: هذه في شأن عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة ~~ليس فيها توبة. ومن قذف امرأة مؤمنة فقد جعل الله له توبة ثم قرأ: { ~~والذين يرمون المحصنت ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهدآء } إلى قوله: { إلا الذين تابوا } فجعل ~~لهؤلاء توبة، ولم يجعل لأولئك توبة. # وقال الآخرون: نزلت هذه الآية في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وكان ~~ذلك حتى نزلت الآية التي في أول السورة { والذين يرمون ~~المحصنت ثم لم يأتوا بأربعة شهدآء } إلى ~~قوله: { فإن الله غفور رحيم } فأنزل الله الجلد والتوبة. ### || [24.24-26] # { يوم تشهد } قرأ حمزة والكسائي بالياء لتقدم الفعل، وقرأ ~~الآخرون بالتاء، { عليهم ألسنتهم } ، وهذا قبل أن يختم على ~~أفواههم، { وأيديهم وأرجلهم } ، يروى أنه تختم على الأفواه ~~فتتكلم الأيدي والأرجل بما عملت في الدنيا. وقيل: معناه تشهد ألسنة بعضهم ~~على بعض وأيديهم وأرجلهم، { بما كانوا يعملون }. # { يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق } جزاءهم الواجب. ~~وقيل: حسابهم العدل. { ويعلمون أن الله هو الحق ~~المبين } ، يبين لهم حقيقة ما كان يعدهم في الدنيا. قال عبد الله بن ~~عباس رضي الله عنهما: وذلك أن عبد الله بن أبي كان يشك في الدين فيعلم ~~يوم القيامة أن الله هو الحق المبين. # قوله عز وجل: { الخبيثت للخبيثين } ، قال أكثر المفسرين: ~~الخبيثات من القول والكلام للخبيثين من الناس. { والخبيثون } ، من ~~الناس، { للخبيثت } ، من القول، والكلام، { والطيبت } ، ~~من القول، { للطيبين } ، من الناس، { والطيبون } ، من ~~الناس، { للطيبت } ، من القول، والمعنى: أن الخبيث من القول لا ~~يليق إلا بالخبيث من الناس والطيب ms1600 لا يليق إلا بالطيب من الناس، فعائشة ~~لا يليق بها الخبيثات من القول لأنها طيبة رضي الله عنها فيضاف إليها ~~طيبات الكلام من المدح والثناء الحسن وما يليق بها. # وقال الزجاج: معناه لا يتكلم بالخبيثات إلا الخبيث من الرجال والنساء ~~ولا يتكلم بالطيبات إلا الطيب من الرجال والنساء، وهذا ذم للذين قذفوا ~~عائشة، ومدح للذين برؤوها بالطهارة. # قال ابن زيد: معناه الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال والخبيثون من ~~الرجال للخبيثات من النساء [مثال عبد الله بن أبي والشاكين في الدين، ~~والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من ~~النساء. يريد عائشة طيبها الله لرسوله الطيب صلى الله عليه وسلم. # { أولئك مبرءون } ، يعني: عائشة وصفوان ذكرهما بلفظ الجمع ~~كقوله تعالى: # فإن كان له إخوة # [النساء: 11] أي: إخوان. وقيل: " أولئك مبرؤون " يعني الطيبين والطيبات ~~منزهون، { مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم } ، ~~فالمغفرة هي العفو عن الذنوب، والرزق الكريم: الجنة. # وروي أن عائشة كانت تفتخر بأشياء أعطيتها لم تعطها امرأة غيرها، منها ~~أن جبريل أتى بصورتها في سرقة من حرير، وقال هذه زوجتك. وروي أنه ~~أتى بصورتها في راحته وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتزوج بكرا ~~غيرها، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأسه في حجرها، ودفن في ~~بيتها، وكان ينزل عليه الوحي وهو معها في لحافه، ونزلت براءتها من ~~السماء، وأنها ابنة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصديقه، وخلقت ~~طيبة، ووعدت مغفرة ورزقا كريما. # وكان مسروق إذا روى عن عائشة قال: حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم المبرأة من السماء. ### || [24.27] # قوله: { يأيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوتا ~~غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على ~~أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون } قيل: ~~معنى قوله: { حتى تستأنسوا } أي: حتى تستأذنوا. وكان ابن عباس ~~يقرأ حتى تستأذنوا ويقول: تستأنسوا خطأ من الكاتب. وكذلك كان يقرأ أبي ~~بن كعب، والقراءة المعروفة تستأنسوا وهو بمعنى الاستئذان. # وقيل: الاستئناس طلب الأنس وهو أن ينظر ms1601 هل في البيت إنسان فيؤذنهم إني ~~داخل. # وقال الخليل: الاستئناس الاستبصار من قوله: آنست نارا، أي: أبصرت. # وقيل: هو أن يتكلم بتسبيحة أو تكبيرة أو يتنحنح، يؤذن أهل البيت. # وجملة حكم الآية: أنه لا يدخل بيت الغير إلا بعد السلام والاستئذان. # واختلفوا في أنه يقدم الاستئذان أم السلام؟ فقال قوم: يقدم الاستئذان ~~فيقول: أأدخل سلام عليكم، لقوله تعالى: { حتى تستأنسوا } أي: ~~تستأذنوا، { وتسلموا على أهلها } والأكثرون على أنه يقدم ~~السلام فيقول: سلام عليكم أأدخل. وفي الآية تقديم وتأخير، تقديرها: حتى ~~تسلموا على أهلها وتستأذنوا. وكذلك هو في مصحف عبد الله بن مسعود. # " وروي عن كلدة بن حنبل قال دخلت علي النبي صلى الله عليبه وسلم فلم ~~أسلم ولم أستأذن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ارجع فقل: السلام ~~عليكم أأدخل ". # وروي عن ابن عمر أن رجلا استأذن عليه فقال: أأدخل؟ فقال ابن عمر: لا، ~~فأمر بعضهم الرجل أن يسلم فسلم فأذن له. # وقال بعضهم: إن وقع بصره على إنسان قدم السلام، وإلا قدم الاستئذان، ~~ثم سلم. وقال أبو موسى الأشعري وحذيفة: يستأذن على ذوات المحارم، ومثله ~~عن الحسن، إن كانوا في دار واحدة يتنحنح ويتحرك أدنى حركة. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن عبد ~~الله بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، أخبرنا أحمد بن منصور ~~الرمادي، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن سعيد الجريري، عن أبي نضرة ~~عن أبي سعيد الخدري قال: سلم عبد الله بن قيس على عمر بن الخطاب ثلاث ~~مرات فلم يأذن له فرجع فأرسل عمر في إثره فقال لم رجعت فقال إني سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إذا سلم أحدكم ثلاثا فلم يجب فليرجع " # قال عمر لتأتين على ما تقول ببينة وإىلا لأفعلن بك كذا وكذا غير أنه قد ~~أوعده، قال: فجاء أبو موسى الأشعري منتقعا لونه وأنا في حلقة جالس، ~~فقلنا: ما شأنك؟ فقال: سلمت على عمر، فأخبرنا خبره، فهل سمع أحد منكم من ms1602 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: نعم كلنا قد سمعه، قال فأرسلوا معه ~~رجلا منهم حتى أتى عمر فأخبره بذلك. # ورواه بسر بن سعيد عن أبي سعيد الخدري، وفيه: قال أبو موسى الأشعري: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع ". # قال الحسن: الأول إعلام والثاني مؤامرة، والثالث استئذان بالرجوع. ### || [24.28-30] # قوله عز وجل: { فإن لم تجدوا فيهآ أحدا فلا ~~تدخلوها } , أي: إن لم تجدوا في البيوت أحدا يأذن لكم في دخولها ~~فلا تدخلوها، { حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا ~~فارجعوا } ، يعني إن كان في البيت قوم فقالوا: ارجع فليرجع ولا يقف ~~على الباب ملازما، { هو أزكى لكم } ، يعني: الرجوع أطهر وأصلح ~~لكم، قال قتادة: إذا لم يؤذن له فلا يقعد على الباب فإن للناس حاجات، ~~وإذا حضر ولم يستأذن وقعد على الباب منتظرا جاز. # وكان ابن عباس يأتي باب الأنصار يطلب الحديث فيقعد على الباب حتى يخرج، ~~ولا يستأذن، فيخرج الرجل ويقول: يا ابن عم رسول الله لو أخبرتني، فيقول: ~~هكذا أمرنا أن نطلب العلم. وإذا وقف فلا ينظر من شق الباب إذا كان الباب ~~مردودا. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا ~~إسماعيل بن محمد الصفار، أخبرنا أحمد بن منصور، أخبرنا عبد الرزاق، ~~أخبرنا معمر عن الزهري، عن سهل بن سعد الساعدي # " أن رجلا اطلع على النبي صلى الله عليه وسلم من ستر الحجرة في يد ~~النبي صلى الله عليه وسلم مدرى، فقال: لو علمت أن هذا ينظرني حتى آتيه ~~لطعنت بالمدرى في عينيه، وهل جعل الاستئذان إلا من أجل البصر ". # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، ~~أخبرنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا سفيان ~~عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله قال: # " لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان ~~عليك جناح ". # قوله تعالى: { والله بما ms1603 تعملون عليم } ، من الدخول ~~بالإذن وغير الإذن. # ولما نزلت آية الاستئذان قالوا: كيف بالبيوت التي بين مكة والمدينة ~~والشام على ظهر الطريق، ليس فيها ساكن؟ فأنزل الله عز وجل: # { ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير ~~مسكونة } أي: بغير استئذن، { فيها متاع لكم } ، يعني منفعة ~~لكم. واختلفوا في هذه البيوت، فقال قتادة: هي الحانات والبيوت والمنازل ~~المبنية للسابلة ليأووا إليها ويؤووا أمتعتهم إليها، جاز دخولها بغير ~~استئذان، والمنفعة فيها بالنزول وإيواء المتاع والاتقاء من الحر والبرد. # وقال ابن زيد: هي بيوت التجار وحوانيتهم التي بالأسواق يدخلونها للبيع ~~والشراء وهو المنفعة. وقال إبراهيم النخعي: ليس على حوانيت السوق إذن. # وكان ابن سيرين إذا جاء إلى حانوت السوق يقول: السلام عليكم أأدخل؟ ثم ~~يلج. وقال عطاء: هي البيوت الخربة، والمتاع هو قضاء الحاجة فيها من البول ~~والغائط. وقيل: هي جميع البيوت التي لا ساكن لها لأن الاستئذان إنما جاء ~~لئلا يطلع على عورة فإن لم يخف ذلك فله الدخول بغير استئذان، { والله ~~يعلم ما تبدون وما تكتمون }. # قوله عز وجل: { قل للمؤمنين يغضوا من أبصرهم ~~} أي: عن النظر إلى مالا يحل النظر إليه. وقيل: «من» صلة أي: يغضوا ~~أبصارهم. وقيل: هو ثابت لأن المؤمنين غير مأمورين بغض البصر أصلا، لأنه ~~لا يجب الغض عما يحل النظر إليه، وإنما أمروا بأن يغضوا عما لا يحل ~~النظر إليه، { ويحفظوا فروجهم } ، عما لا يحل، قال أبو ~~العالية: كل ما في القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنا والحرام، إلا في هذا ~~الموضع فإنه أراد به الاستتار حتى لا يقع بصر الغير عليه، { ذلك } أي: ~~غض البصر وحفظ الفرج، { أزكى لهم } ، أي: خير لهم وأطهر، { إن ~~الله خبير بما يصنعون } ، يعني عليم بما يفعلون، روي عن ~~بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: # " يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة ". # وروي عن جرير بن عبد الله قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن نظرة ~~الفجأة فقال: # " اصرف ms1604 بصرك ". # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، حدثنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، ~~أخبرنا أبو بكر بن أبي شيبة، أخبرنا زيد بن الحباب، عن الضحاك بن عثمان ~~قال: أخبرني زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ~~ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى ~~المرأة في ثوب واحد ". ### || [24.31] # قوله عز وجل: { وقل للمؤمنت يغضضن من ~~أبصرهن } عما لا يحل، { ويحفظن فروجهن } ، عمن لا ~~يحل. وقيل أيضا: " يحفظن فروجهن " يعني: يسترنها حتى لا يراها أحد. وروي ~~عن # " أم سلمة أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وميمونة إذ أقبل ~~ابن أم مكتوم فدخل عليه، وذلك بعدما أمرنا بالحجاب، فقال رسول الله رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: احتجبا منه، فقلت: يا رسول الله أليس هو أعمى ~~لا يبصرنا؟ فقال رسول الله صلى لله عليه وسلم: أفعمياوان ~~أنتما, ألستما تبصرانه؟ ". # قوله تعالى: { ولا يبدين زينتهن } ، يعني لا يظهرن زينتهن ~~لغير محرم، وأراد بها الزينة الخفية وهما زينتان خفية وظاهر، فالخفية مثل ~~الخلخال، والخضاب في الرجل، والسوار في المعصم، والقرط والقلائد، فلاة ~~يجوز لها إظهارها، ولا للأجنبي النظر إليها، والمراد من الزينة موضع ~~الزينة. # قوله تعالى: { إلا ما ظهر منها } ، أراد به الزينة الظاهرة. # واختلف أهل العلم في هذه الزينة الظاهرة التي استثناها الله تعالى: قال ~~سعيد بن جبير والضحاك والأوزاعي: هو الوجه والكفان. وقال ابن مسعود: هي ~~الثياب بدليل قوله تعالى: # خذوا زينتكم عند كل مسجد # [الأعراف: 31]، وأراد بها الثياب. وقال الحسن: الوجه والثياب. وقال ابن ~~عباس: الكحل والخاتم والخضاب في الكف. # فما كان من الزينة الظاهرة جاز للرجل الأجنبي النظر إليه إذا لم يخف ~~فتنة وشهوة، فإن خاف شيئا منها غض البصر، وإنما رخص في هذا القدر ms1605 أن ~~تبديه المرأة من بدنها لأنه ليس بعورة وتؤمر بكشفه في الصلاة، وسائر ~~بدنها عورة يلزمها ستره. # قوله عز وجل: { وليضربن بخمرهن } ، أي: ليلقين ~~بمقانعهن، { على جيوبهن } ، وصدورهن ليسترن بذلك شعورهن ~~وصدورهن وأعناقهن وقراطهن. قالت عائشة: رحم الله نساء المهاجرات الأول ~~لما أنزل الله عز وجل: { وليضربن بخمرهن على ~~جيوبهن } شققن مروطهن فاختمرن بها. # { ولا يبدين زينتهن } يعني: الزينة الخفية التي لم يبح لهن ~~كشفها في الصلاة ولا للأجانب وهو ما عدا الوجه والكفين { إلا ~~لبعولتهن } ، قال ابن عباس ومقاتل: يعني لا يضعن الجلباب ولا ~~الخمار إلا لبعولتهن، أي إلا لأزواجهن، { أو ءابآئهن أو ~~ءابآء بعولتهن أو أبنآئهن أو أبنآء ~~بعولتهن أو إخوانهن أو بنى إخوانهن أو ~~بنى أخوتهن } ، فيجوز لهؤلاء أن ينظروا إلى الزينة الباطنة، ~~ولا ينظرون إلى ما بين السرة والركبة، ويجوز للزوج أن ينظر إلى جميع ~~بدنها غير أنه يكره له النظر إلى فرجها. # قوله تعالى: { أو نسآئهن } أراد أنه يجوز للمرأة أن تنظر إلى ~~بدن المرأة إلا ما بين السرة والركبة كالرجل المحرم، هذا إذا كانت ~~المرأة مسلمة، فإن كانت كافرة فهل يجوز للمسلمة أن تنكشف لها؟ اختلف أهل ~~العلم فيه، فقال بعضهم: يجوز كما يجوز أن تنكشف للمرأة المسلمة لأنها من ~~جملة النساء، وقال بعضهم: لا يجوز لأن الله تعالى قال: { أو ~~نسآئهن } والكافرة ليست من نسائنا ولأنها أجنبية في الدين، كانت ~~أبعد من الرجل الأجنبي. # كتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة بن الجراح أن يمنع نساء أهل الكتاب أن ~~يدخلن الحمام مع المسلمات. # قوله تعالى: { أو ما ملكت أيمنهن } ، اختلفوا فيها، ~~فقال قوم: عبد المرأة محرم لها، فيجوز له الدخول عليها إذا كان عفيفا، ~~وأن ينظر إلى بدن مولاته إلا ما بين السرة والركبة، كالمحارم وهو ظاهر ~~القرآن. # وروي ذلك عن عائشة وأم سلمة. وروى ثابت عن أنس # " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها، وعلى ~~فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت ms1606 رجليها لم ~~يبلغ رأسها، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تلقى قال: إنه ~~ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك ". # وقال قوم: هو كالأجنبي معها، وهو قول سعيد بن المسيب، وقال: المراد من ~~الآية الإماء دون العبيد. وعن ابن جريج أنه قال: أو نسائهن أو ما ملكت ~~أيمانهن أنه لا يحل لامرأة مسلمة أن تتجرد بين يدي امرأة مشركة إلا أن ~~تكون تلك المرأة المشركة أمة لها. # قوله عز وجل: { أو التبعين غير أولى الإربة من ~~الرجال } ، قرأ أبو جعفر وابن عامر وأبو بكر " غير " بنصب الراء على ~~القطع لأن " التابعين " معرفة و " غير " نكرة. وقيل: بمعنى «إلا» فهو ~~استثناء، معناه: يبدين زينتهن للتابعين إلا ذا الإربة منهم فإنهن لا ~~يبدين زينتهن لمن كان منهم ذا إربة. وقرأ الآخرون بالجر على نعت " ~~التابعين " والإربة والأرب: الحاجة. # والمراد ب " التابعين غير أولي الإربة " وهم الذين يتبعون القوم ~~ليصيبوا من فضل طعامهم لا همة لهم إلا ذلك، ولا حاجة لهم في النساء، وهو ~~قول مجاهد وعكرمة والشعبي. وعن ابن عباس أنه الأحمق العنين. وقال ~~الحسن: هو الذي لا ينتشر ولا يستطيع غشيان النساء ولا يشتهيهن. وقال سعيد ~~بن جبير: هو المعتوه، وقال عكرمة: المجبوب. وقيل: هو المخنث. وقال مقاتل: ~~هو الشيخ الهرم والعنين والخصي والمجبوب ونحوه. # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أحمد بن الحسن ~~الحيري، أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد بن معقل بن محمد الميداني، أخبرنا ~~محمد بن يحيى، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري، عن عروة عن ~~عائشة قالت: # " كان رجل يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مخنث، وكانوا ~~يعدونه من غير أولي الإربة، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم يوما وهو ~~عند بعض نسائه وهو ينعت امرأة فقال: إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع وإذا ~~أدبرت أدبرت بثمان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أرى هذا يعلم ما ~~ههنا لا يدخلن عليكن هذا " # فحجبوه. # { أو الطفل الذين لم يظهروا ms1607 على عورت ~~النسآء } ، أراد بالطفل الأطفال، يكون واحدا وجمعا، أي: لم يكشفوا ~~عن عورات النساء للجماع فيطلعوا عليها. وقيل: لم يعرفوا العورة من غيرها ~~من الصغر، وهو قول مجاهد. وقيل: لم يطيقوا أمر النساء. وقيل: لم يبلغوا ~~حد الشهوة. # { ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من ~~زينتهن } ، كانت المرأة إذا مشت ضربت برجلها ليسمع صوت خلخالها أو ~~يتبين خلخالها، فنهيت عن ذلك. # { وتوبوا إلى الله جميعا } ، من التقصير الواقع في أمره ~~ونهيه. وقيل: راجعوا طاعة الله فيما أمركم به ونهاكم عنه من الآداب ~~المذكورة في هذه السورة، { أيها المؤمنون لعلكم ~~تفلحون } ، قرأ ابن عامر «أيه المؤمنون» و«يآية الساحر» و«أيه ~~الثقلان» بضم الهاء فيهن، ويقف بلا ألف على الخط، وقرأ الآخرون بفتح ~~الهاءات على الأصل. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، ~~أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، أخبرنا حميد بن ~~زنجويه، أخبرنا وهب بن جرير، أخبرنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي بردة أنه ~~سمع الأغر يحدث عن ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " يا أيها الناس توبوا إلى ربكم, فإني أتوب إلى ربي كل يوم مائة مرة ". # أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي، أخبرنا محمد بن عبد الله ~~بن حمويه السرخسي، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن خريم الشاشي، أخبرنا أبو ~~محمد عبد بن حميد الكشي، حدثني ابن أبي شيبة، أخبرنا عبد الله بن نمير, ~~عن مالك بن مغول، عن محمد بن سوقة، عن نافع، عن ابن عمر قال: إن كنا ~~لنعد لرسول الله صلىالله عليه وسلم في المجلس يقول: # " رب اغفر لي، وتب علي، إنك أنت التواب الرحيم " # ، مائة مرة. # وجملة الكلام في بيان العورات: أنه لا يجوز للناظر أن ينظر إلى عورة ~~الرجل، وعورته ما بين السرة إلى الركبة، وكذلك المرأة مع المرأة، ولا بأس ~~بالنظر إلى سائر البدن إذا لم يكن خوف فتنة. # وقال مالك وابن أبي ذئب: الفخذ ليس ms1608 بعورة لما روي عن عبد العزيز بن ~~صهيب عن أنس قال أجرى نبي الله صلى الله عليه وسلم فرسا في زقاق خيبر ~~وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم، ثم حسر الإزار عن فخذه ~~حتى إني لأنظر إلى بياض فخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم. # وأكثر أهل العلم على أن الفخذ عورة، لما أخبرنا أبو عبد الله محمد بن ~~الفضل الخرقي، أخبرنا أبو الحسن الطيسفوني، أخبرنا عبد الله بن عمر ~~الجوهري، حدثنا أحمد بن علي الكشميهني، أخبرنا علي بن حجر، أخبرنا ~~إسماعيل بن جعفر، عن العلاء عن أبي كثير، عن محمد بن جحش، قال: # " مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على معمر وفخذاه مكشوفتان، قال: ~~«يا معمر غط فخذيك، فإن الفخذين عورة». وروي عن ابن عباس ~~وجرهد بن خويلد، كان من أصحاب الصفة، أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: إن الفخذ عورة ". # قال محمد بن إسماعيل: " وحديث أنس أسند، وحديث جرهد أحوط. # أما المرأة مع الرجل فإن كانت أجنبية حرة: فجميع بدنها في حق الأجنبي ~~عورة، لا يجوز النظر إلى شيء منها إلا الوجه الوكفين، وإن كانت أمة: ~~فعورتها مثل عورة الرجل، ما بين السرة إلى الركبة، وكذلك المحارم بعضهم ~~مع بعض، والمرأة في النظر إلى الرجل الأجنبي كهو معها. ويجوز للرجل أن ~~ينظر إلى جميع بدن امرأته وأمته التي تحل له، وكذلك هي منه إلا نفس الفرج ~~فإنه يكره النظر إليه، وإذا زوج الرجل أمته حرم عليه النظر إلى عورتها ~~كالأمة الأجنبية. وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا زوج أحدكم عبده أمته فلا ينظرن إلى ما دون السرة ~~وفوق الركبة ". ### || [24.32] # قوله عز وجل: { وأنكحوا الأيمى منكم } " الأيامى " ~~جمع أيم، وهو من لا زوج له من رجل أو امرأة، يقال: رجل أيم وامرأة أيمة، ~~وأيم. ومعنى الآية: زوجوا أيها المؤمنون من لا زوج له من أحرار رجالكم ~~ونسائكم، { والصلحين من عبادكم ms1609 وإمائكم } ، وهذا ~~الأمر أمر ندب واستحباب. # يستحب لمن تاقت نفسه إلى النكاح ووجد أهبة النكاح أن يتزوج، وإن لم يجد ~~أهبة النكاح يكسر شهوته بالصوم، لما أخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن الحسن ~~الطوسي، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الإسفرايني، ~~أخبرنا أبو بكر محمد بن داود بن مسعود، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أيوب ~~البجلي، أخبرنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان عن الأعمش عن عمارة بن عمير ~~عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، ~~وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ". # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " تناكحوا تكثروا فإني أباهي بكم الأمم حتى بالسقط ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " من أحب فطرتي فليستن بسنتي، ومن سنتي النكاح ". # أما من لا تتوق نفسه إلى النكاح وهو قادر عليه فالتخلي للعبادة له أفضل ~~من النكاح عند الشافعي رحمه الله، وعند أصحاب الرأي النكاح أفضل. # قال الشافعي: وقد ذكر الله تعالى عبدا كرمه فقال: # وسيدا وحصورا ونبيا من الصلحين # [آل عمران: 39]، والحصور الذي لا يأتي النساء مع القدرة عليه، وذكر ~~القواعد من النساء ولم يندبهن إلى النكاح. # وفي الآية دليل على أن تزويج النساء الأيامى إلى الأولياء لأن الله ~~تعالى خاطبهم به، كما أن تزويج العبيد والإماء إلى السادات، لقوله عز ~~وجل: { والصلحين من عبادكم وإمائكم } ، وهو قول ~~أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم، روي ذلك عن عمر، وعلي، وعبد الله ~~بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وأبي هريرة وعائشة، وبه قال سعيد بن ~~المسيب، والحسن، وشريح وإبراهيم النخعي، وعمر بن عبد العزيز، وإليه ذهب ~~الثوري والأوزاعي، وعبد الله بن المبارك، والشافعي، وأحمد وإسحاق. وجوز ~~أصحاب الرأي للمرأة الحرة تزويج نفسها. # وقال مالك: إن كانت المرأة دنيئة يجوز لها تزويج نفسها، وإن كانت شريفة ~~فلا. # والدليل على أن الولي شرط ms1610 من جهة الأخبار: ما أخبرنا عبد الواحد ~~المليحي، أخبرنا محمد الحسن بن أحمد المخلدي، أخبرنا أبو العباس محمد بن ~~إسحاق السراج، أخبرنا قتيبة بن سعيد، أخبرنا أبو عوانة عن أبي إسحاق عن ~~أبي بردة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا نكاح إلا بولي ". # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، ~~أخبرنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا سعيد بن ~~سالم، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى عن ابن شهاب، عن عروة عن عائشة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل، ثلاثا، فإن ~~أصابها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ~~ولي له ". # قوله عز وجل: { إن يكونوا فقرآء يغنهم الله من ~~فضله والله واسع عليم } ، قيل: الغنى ههنا: القناعة. ~~وقيل: اجتماع الرزقين، رزق الزوج ورزق الزوجة. وقال عمر: عجبت لمن ابتغى ~~الغنى بغير النكاح، والله عز وجل يقول: { إن يكونوا فقرآء ~~يغنهم الله من فضله }. وروي عن بعضهم: أن الله تعالى وعد ~~الغنى بالنكاح وبالتفرق فقال تعالى: { إن يكونوا فقرآء ~~يغنهم الله من فضله } ، وقال تعالى: # وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته # [النساء: 130]. ### || [24.33] # { وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا } أي: ليطلب العفة ~~عن الحرام والزنا الذين لا يجدون مالا ينكحون به للصداق والنفقة، { ~~حتى يغنيهم الله من فضله } ، أي يوسع عليهم من رزقه. # قوله تعالى: { والذين يبتغون الكتب } ، أي: يطلبون ~~المكاتبة، { مما ملكت أيمنكم فكتبوهم } ، سبب ~~نزول هذه الآية ما روي أن غلاما لحويطب بن عبد العزى سأل مولاه أن ~~يكاتبه فأبى عليه، فأنزل الله هذه الآية فكاتبه حويطب على مائة دينار، ~~ووهب له منها عشرين دينارا فأداها، وقتل يوم حنين في الحرب. # والكتابة أن يقول الرجل لمملوكه: كاتبتك على كذا من المال، ويسمي مالا ~~معلوما، يؤدي ذلك في نجمين أو نجوم معلومة في كل نجم كذا، فإذا أديت ~~فأنت حر، ms1611 يقبل العبد ذلك، فإذا أدى المال عتق ويصير العبد أحق بمكاسبه ~~بعد الكتابة، وإذ أعتق بعد أداء المال فما فضل في يده من المال يكون له، ~~ويتبعه أولاده الذين حصلوا في حال الكتابة في العتق، وإذا عجز عن أداء ~~المال كان لمولاه أن يفسخ كتابته ويرده إلى الرق، وما في يده من المال ~~يكون لمولاه، لما. أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، ~~أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن نافع، أخبرنا ~~عبد الله بن عمر كان يقول: " المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته شيء. # ورواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا: " المكاتب عبد ما بقي عليه ~~من كتابته درهم. وذهب بعض أهل العلم إلى أن قوله تعالى: { ~~فكتبوهم } أمر إيجاب، يجب على المولى أن يكاتب عبده الذي علم فيه ~~خيرا إذا سأل العبد ذلك، على قيمته أو أكثر، وإن سأل على أقل من قيمته ~~فلا يجب، وهو قول عطاء وعمرو بن دينار، ولما روي أن سيرين سأل أنس بن ~~مالك أن يكاتبه فتلكأ عنه فشكاه إلى عمر، فعلاه بالدرة وأمره بالكتابة ~~فكاتبه. # وذهب أكثر أهل العلم إلى أنه أمر ندب واستحباب. # ولا تجوز الكتابة على أقل من نجمين عند الشافعي؛ لأنه عقد جوز ~~إرفاقا بالعبد، ومن تتمة الإرفاق أن يكون ذلك المال عليه إلى أجل حتى ~~يؤديه على مهل، فيحصل المقصود، كالدية في قتل الخطأ وجبت على العاقلة على ~~سبيل المواساة فكانت عليهم مؤجلة منجمة، وجوز أبو حنيفة الكتابة على نجم ~~واحد وحالة. # قوله تعالى: { إن علمتم فيهم خيرا } ، اختلفوا في معنى ~~الخير، فقال ابن عمر: قوة على الكسب. وهو قول مالك والثوري، وقال الحسن ~~ومجاهد والضحاك: مالا، كقوله تعالى: # إن ترك خيرا # [البقرة: 180] أي: مالا، وروي أن عبدا لسلمان الفارسي قال له ~~كاتبني، قال: ألك مال؟ قال: لا. # قال: تريد أن تطعمني من أوساخ الناس، ولم يكاتبه. # قال الزجاج: لو أراد به المال لقال: إن علمتم لهم خيرا. وقال إبراهيم ~~وابن ms1612 زيد وعبيدة: صدقا وأمانة. وقال طاووس وعمرو بن دينار: مالا ~~وأمانة. # وقال الشافعي: وأظهر معاني الخير في العبد: الاكتساب مع الأمانة، فأحب ~~أن لا يمنع من كتابته إذا كان هكذا. # أخبرنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني، أخبرنا أبو الحسن بن علي بن شريك ~~الشافعي، أخبرنا عبد الله بن محمد بن مسلم، أخبرنا أبو بكر الجوربذي، ~~أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني الليث عن محمد بن ~~عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ثلاثة حق على الله عونهم: المكاتب الذي يريد الأداء، والناكح يريد ~~العفاف، والمجاهد في سبيل الله ". # وحكى محمد بن سيرين عن عبيدة: " إن علمتم فيهم خيرا " أي: أقاموا ~~الصلاة. # وقيل: هو أن يكون العبد بالغا عاقلا، أما الصبي والمجنون فلا تصح ~~كتابتهما لأن الابتغاء منهما لا يصح. وجوز أبو حنيفة كتابة الصبي ~~المراهق. # قوله سبحانه وتعالى: { وءاتوهم من مال الله الذى ~~ءاتكم } ، اختلفوا فيه، فقال بعضهم: هذا خطاب للموالي يجب على ~~المولى أن يحط عن مكاتبه من مال كتابته شيئا، وهو قول عثمان وعلي ~~والزبير وجماعة، وبه قال الشافعي. # ثم اختلفوا في قدره, فقال قوم: يحط عنه ربع مال الكتابة، وهو قول علي، ~~ورواه بعضهم عن علي مرفوعا، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يحط عنه ~~الثلث. وقال الآخرون: ليس له حد بل عليه أن يحط عنه ما شاء، وهو قول ~~الشافعي. # قال نافع: كاتب عبد الله بن عمر غلاما له على خمسة وثلاثين ألف درهم ~~فوضع عنه من آخر كتابته خمسة آلاف درهم. # وقال سعيد بن جبير: كان ابن عمر إذا كاتب مكاتبه لم يضع عنه شيئا من ~~أول نجومه مخافة أن يعجز فيرجع إليه صدقته، ووضع من آخر كتابته ما أحب. # وقال بعضهم: هو أمر استحباب. والوجوب أظهر. # وقال قوم: أراد بقوله: { وءاتوهم من مال الله } أي سهمهم ~~الذي جعله الله لهم من الصدقات المفروضات، بقوله تعالى: ms1613 # وفي الرقاب # [التوبة: 60] وهو قول الحسن وزيد بن أسلم. # وقال إبراهيم: هو حث لجميع الناس على معونتهم. # ولو مات المكاتب قبل أداء النجوم، اختلف أهل العلم فيه: فذهب كثير منهم ~~إلى أنه يموت رقيقا، وترتفع الكتابة، سواء ترك مالا أو لم يترك، كما لو ~~تلف المبيع قبل القبض يرتفع البيع، وهو قول عمر، وابن عمر، وزيد بن ثابت، ~~وبه قال عمر بن عبد العزيز، والزهري، وقتادة، وإليه ذهب الشافعي وأحمد. # وقال قوم: إن ترك وفاء بما بقي عليه من الكتابة كان حرا، وإن كان فيه ~~فضل، فالزيادة لأولاده الأحرار، وهو قول عطاء, وطاووس، والنخعي، والحسن، ~~وبه قال مالك، والثوري، وأصحاب الرأي. # ولو كاتب عبده كتابة فاسدة يعتق بأداء المال لأن عتقه معلق بالأداء، وقد ~~وجد وتبعه الأولاد والاكتساب كما في الكتابة الصحيحة، ويفترقان في بعض ~~الأحكام: وهي أن الكتابة الصحيحة لا يملك المولى فسخها ما لم يعجز ~~المكاتب عن أداء النجوم، ولا تبطل بموت المولى، ويعتق بالإبراء عن ~~النجوم، والكتابة الفاسدة يملك المولى فسخها قبل أداء المال، حتى لو أدى ~~المال بعد الفسخ لا يعتق ويبطل بموت المولى، ولا يعتق بالإبراء عن ~~النجوم، وإذا عتق المكاتب بأداء المال لا يثبت التراجع في الكتابة ~~الصحيحة، ويثبت في الكتابة الفاسدة، فيرجع المولى عليه بقيمة رقبته، وهو ~~يرجع على المولى بما دفع إليه إن كان مالا. # قوله عز وجل: { ولا تكرهوا فتيتكم على البغآء ~~إن أردن تحصنا } الآية، نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول ~~المنافق، كانت له جاريتان: معاذة ومسيكة، وكان يكرههما على الزنا ~~بالضريبة يأخذها منهما، وكذلك كانوا يفعلون في الجاهلية، يؤجرون إماءهم، ~~فلما جاء الإسلام قالت معاذة لمسيكة: إن هذا الأمر الذي نحن فيه لا يخلو ~~من وجهين، فإن يك خيرا فقد استكثرنا منه، وإن يك شرا فقد آن لنا أن ~~ندعه، فأنزل الله هذه الآية. # وروي أنه جاءت إحدى الجاريتين يوما ببرد وجاءت الأخرى بدينار، فقال ~~لهما: ارجعا فازنيا، قالتا والله لا نفعل، قد جاء الإسلام وحرم الزنا ms1614 ~~فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكتا إليه، فأنزل هذه الآية. # { ولا تكرهوا فتيتكم } إماءكم { على البغآء } أي: ~~الزنا { إن أردن تحصنا } أي إذا أردن، وليس معناه الشرط لأنه ~~لا يجوز إكراههن على الزنا إن لم يردن تحصنا، كقوله تعالى: # وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين # [آل عمران: 139]، أي: إذا كنتم مؤمنين وقيل: شرط إرادة التحصن لأن ~~الإكراه إنما يكون عند إرادة التحصن، فإذا لم ترد التحصن بغت طوعا، ~~والتحصن: التعفف. # وقال الحسن بن الفضل: في الآية تقديم وتأخير تقديرها: وأنكحوا الأيامى ~~منكم إن أردن تحصنا ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء. # { لتبتغوا عرض الحيوة الدنيا } ، أي: لتطلبوا من ~~أموال الدنيا، يريد من كسبهن وبيع أولادهن، { ومن يكرههن فإن ~~الله من بعد إكراههن غفور رحيم } ، يعني للمكرهات، ~~والوزر على المكره. وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال: لهن والله لهن ~~والله. ### || [24.34-35] # قوله عز وجل: { ولقد أنزلنآ إليكم ءايت ~~مبينت } من الحلال والحرام، { ومثلا من الذين ~~خلوا من قبلكم } ، أي شبها من حالكم بحالهم أيها المكذبون، ~~وهذا تخويف لهم أن يلحقهم ما لحق من قبلهم من المكذبين، { وموعظة ~~للمتقين } ، للمؤمنين الذين يتقون الشرك والكبائر. # قوله عز وجل: { الله نور السموت والأرض } قال ابن ~~عباس: هادي أهل السموات والأرض، فهم بنوره إلى الحق يهتدون وبهداه من ~~الضلالة ينجون. # وقال الضحاك: منور السموات والأرض، يقال: نور السماء بالملائكة ونور ~~الأرض بالأنبياء. وقال مجاهد: مدبر الأمور في السموات والأرض. # وقال أبي بن كعب والحسن وأبو العالية: مزين السموات والأرض، زين ~~السماء بالشمس والقمر والنجوم، وزين الأرض بالأنبياء والعلماء ~~والمؤمنين. ويقال: بالنبات والأشجار. # وقيل: معناه الأنوار كلها منه، كما يقال: فلان رحمة أي منه الرحمة. وقد ~~يذكر مثل هذا اللفظ على طريق المدح كما قال القائل: # إذا سار عبد الله من مرو ليلة # فقد سار منها نورها وجمالها # قوله تعالى: { مثل نوره } أي مثل نور الله تعالى في قلب المؤمن، ~~وهو النور الذي يهتدي به، كما قال # فهو على نور من ربه # [الزمر: 22]، وكان ابن ms1615 مسعود يقرأ " مثل نوره في قلب المؤمن ". وقال ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس: مثل نوره الذي أعطى المؤمن. وقال بعضهم: ~~الكناية عائدة إلى المؤمن، أي: مثل نور قلب المؤمن، وكان أبي يقرأ: " ~~مثل نور من آمن به " وهو عبد جعل الإيمان والقرآن في صدره. وقال ~~الحسن وزيد بن أسلم: أراد بالنور القرآن. وقال سعيد بن جبير والضحاك: هو ~~محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: أراد بالنور الطاعة، سمى طاعة الله ~~نورا وأضاف هذه الأنوار إلى نفسه تفضيلا، { كمشكاة } ، وهي الكوة ~~التي لا منفذ لها فإن كان لها منفذ فهي كوة. وقيل: المشكاة حبشية. قال ~~مجاهد: هي القنديل { فيها مصباح } أي: سراج، وأصله من الضوء، ومنه ~~الصبح، ومعناه: كمصباح في مشكاة، { المصباح فى زجاجة } ، يعني ~~القنديل، قال الزجاج: إنما ذكر الزجاجة لأن النور وضوء النار فيها أبين ~~من كل شيء، وضوؤه يزيد في الزجاج، ثم وصف الزجاجة، فقال: { الزجاجة ~~كأنها كوكب دري }. قرأ أبو عمر والكسائي «درىء» بكسر الدال ~~والهمزة، وقرأ حمزة وأبو بكر بضم الدال والهمزة، فمن كسر الدال فهو فعيل ~~من الدرء، وهو الدفع, لأن الكوكب يدفع الشيطاطين من السماء، وشبهه بحالة ~~الدفع لأنه يكون في تلك الحالة أضوأ وأنور، ويقال: هو من درأ الكوكب ~~إذا اندفع منقبضا فيتضاعف ضوءه في ذلك الوقت. وقيل: " دري " أي: طالع، ~~يقال: درأ النجم إذا طلع وارتفع. # ويقال: درأ علينا فلان أي طلع وظهر، فأما رفع الدال مع الهمزة كما قرأ ~~حمزة، قال أكثر النحاة: هو لحن، لأنه ليس في كلام العرب فعيل بضم الفاء ~~وكسر العين. # قال أبو عبيدة: وأنا أرى لها وجها وذلك أنها دروء على وزن فعول من ~~درات، مثل سبوح وقدوس، وقد استثقلوا كثرة الضمات فردوا بعضها إلى الكسر، ~~كما قالوا: عتيا وهو فعول من عتوت، وقرأ الآخرون { دري } بضم الدال ~~وتشديد الياء بلا همز، أي: شديد الإنارة، نسب إلى الدر في صفائه ~~وحسنه، وإن كان الكوكب أكثر ضوءا من الدر لكنه يفضل الكواكب بضيائه، ~~كما يفضل الدر ms1616 سائر الحب. # وقيل: الكوكب الدري واحد من الكواكب الخمسة العظام، وهي زحل، ~~والمريخ، والمشتري، والزهرة، وعطارد. # وقيل: شبهه بالكوكب، ولم يشبهه بالشمس والقمر, لأن الشمس والقمر ~~يلحقهما الخسوف والكواكب لا يلحقها الخسوف. # { يوقد } قرأ أبو جعفر، وابن كثير وأبو عمرو، ويعقوب: «توقد» ~~بالتاء وفتحها وفتح الواو والدال وتشديد القاف على الماضي، يعني المصباح، ~~أي: اتقد، يقال توقدت النار إي: اتقدت. وقرأ أهل الكوفة غير حفص " ~~توقد " بالتاء وضمها وفتح القاف خفيفا، يعني الزجاجة أي: نار الزجاجة ~~لأن الزجاجة لا توقد، وقرأ الآخرون بالياء وضمها خفيفا يعني المصباح، { ~~من شجرة مبركة زيتونة } ، أي: من زيت شجرة مباركة، ~~فحذف المضاف بدليل قوله تعالى: { يكاد زيتها يضىء } ، وأراد ~~بالشجرة المباركة الزيتونة وهي كثيرة البركة، وفيها منافع كثيرة، لأن ~~الزيت يسرج به، وهو أضوأ وأصفى الأدهان، وهو إدام وفاكهة، ولا يحتاج في ~~استخراجه إلى إعصار بل كل أحد يستخرجه. وجاء في الحديث: # " أنه مصحة من الباسور " # وهي شجرة تورق من أعلاها إلى أسفلها. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو الحسن ~~القاسم بن بكر الطيالسي، أخبرنا أبو أمية الطرسوسي، أخبرنا قبيصة بن ~~عقبة، أخبرنا سفيان الثوري، عن عبد الله بن عيسى، عن عطاء الذي كان ~~بالشام، وليس بابن أبي رباح، عن أسد بن ثابت وأبي أسلم الأنصاري قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة ". # قوله تعالى: { لا شرقية ولا غربية } ، أي: ليست شرقية ~~وحدها حتى لا تصيبها الشمس إذا غربت, ولا غربية وحدها فلا تصيبها الشمس ~~بالغداة إذا طلعت، بل هي ضاحية الشمس طول النهار، تصيبها الشمس عند ~~طلوعها وعند غروبها، فتكون شرقية وغربية تأخذ حظها من الأمرين، فيكون ~~زيتها أضوأ، وهذا كما يقال: فلان ليس بأسود ولا بأبيض، يريد ليس بأسود ~~خالص ولا بأبيض خالص، بل اجتمع فيه كل واحد منهما، وهذا الرمان ليس بحلو ~~ولا حامض، أي اجتمعت فيه الحلاوة والحموضة، هذا قول ابن عباس في رواية ~~عكرمة والكلبي، والأكثرين. ms1617 # وقال السدي وجماعة: معناه أنها ليست في مقناة لا تصيبها الشمس ولا في ~~مضحاة لا يصيبها الظل، فهي لا تضرها شمس ولا ظل. # وقيل: معناه أنها معتدلة ليست في شرق يضرها الحر، ولا في غرب يضرها ~~البرد. # وقيل: معناه هي شامية لأن الشام لا شرقي ولا غربي. # وقال الحسن: ليست هذه من أشجار الدنيا ولو كانت في الدنيا لكانت شرقية ~~أو غربية وإنما هو مثل ضربه الله لنوره. # { يكاد زيتها } ، دهنها، { يضىء } ، من صفائه، { ولو لم ~~تمسسه نار } ، أي: قبل أن تصيبه النار، { نور على نور } ، ~~يعني نور المصباح على نور الزجاجة. # واختلف أهل العلم في معنى هذا التمثيل، فقال بعضهم: وقع هذا التمثل لنور ~~محمد صلى الله عليه وسلم، قال ابن عباس لكعب الأحبار: أخبرني عن قوله ~~تعالى: { مثل نوره كمشكاة } فقال كعب: هذا مثل ضربه الله ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم، فالمشكاة صدره، والزجاجة قلبه، والمصباح فيه ~~النبوة، توقد من شجرة مباركة هي شجرة النبوة، يكاد نور محمد وأمره يتبين ~~للناس ولو لم يتكلم أنه نبي كما يكاد ذلك الزيت يضيء ولو لم تمسسه نار. # وروى سالم عن ابن عمر في هذه الآية قال: المشكاة: جوف محمد والزجاجة: ~~قلبه، والمصباح: النور الذي جعله الله فيه، لا شرقية ولا غربية، لا يهودي ~~ولا نصراني، توقد من شجرة مباركة: إبراهيم، نور على نور، قلب إبراهيم، ~~ونور: قلب محمد صلى الله عليه وسلم. # وقال محمد بن كعب القرظي: " المشكاة " إبراهيم، " والزجاجة ": إسماعيل و ~~" المصباح ": محمد صلوات الله عليهم أجمعين سماه الله مصباحا كما سماه ~~سراجا، فقال تعالى: # وسراجا منيرا # [الأحزاب: 46]، " توقد من شجرة مباركة " وهي إبراهيم، وسماه مباركه لأن ~~أكثر الأنبياء من صلبه، " لا شرقية ولا غربية " يعني: إبراهيم لم يكن ~~يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما، لأن اليهود تصلي قبل ~~المغرب والنصارى تصلي قبل المشرق يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، ~~تكاد محاسن محمد صلى الله عليه وسلم تظهر للناس قبل أن يوحى إليه " نور ~~على نور ": نبي ms1618 من نسل نبي، نور محمد على نور إبراهيم. # وقال بعضهم: وقع هذا التمثيل لنور قلب المؤمن. روى أبو العالية عن أبي ~~بن كعب قال: هذا مثل المؤمن، فالمشكاة نفسه والزجاجة صدره، والمصباح ما ~~جعل الله فيه من الإيمان، والقرآن في قلبه يوقد من شجرة مباركة وهي ~~الإخلاص لله وحده، فمثله كمثل الشجرة التي التف بها الشجر خضراء ناعمة ~~لا تصيبها الشمس لا إذا طلعت ولا إذا غربت فكذلك المؤمن، قد احترس من أن ~~يصيبه شيء من الفتن فهو بين أربع خلال إن أعطي شكر وإن ابتلي صبر، ~~وإن حكم عدل، وإن قال صدق، يكاد زيتها يضيء أي: يكاد قلب المؤمن يعرف ~~الحق قبل أن يتبين له لموافقته إياه نور على نور. # قال أبي فهو يتقلب في خمسة أنوار. قوله: نور، وعمله نور، ومدخله نور، ~~ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة. # قال ابن عباس: هذا مثل نور الله وهداه في قلب المؤمن كما يكاد الزيت ~~الصافي يضيء قبل أن تمسه النار، فإذا مسته النار ازداد ضوءا على ضوئه، ~~كذلك يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاءه العلم ~~ازداد هدى على هدى ونورا على نور. # قال الكلبي: قوله: { نور على نور } ، يعني: إيمان المؤمن وعمله. # وقال السدي: نور الإيمان ونور القرآن. # وقال الحسن وابن زيد: هذا مثل للقرآن، فالمصباح هو القرآن فكما يستضاء ~~بالمصباح يهتدى بالقرآن، والزجاجة قلب المؤمن والمشكاة فمه ولسانه ~~والشجرة المباركة شجرة الوحي، { يكاد زيتها يضىء } تكاد حجة ~~القرآن تتضح وإن لم يقرأ، نور على نور يعني القرآن نور من الله عز وجل ~~لخلقه مع ما أقام لهم من الدلائل والإعلام قبل نزول القرآن، فازداد بذلك ~~نورا على نور. # قوله عز وجل: { يهدى الله لنوره من يشآء } ، قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: لدين الإسلام, وهو نور البصيرة, وقيل: القرآن { ~~ويضرب الله الأمثال للناس } ، يبين الله الأشياء للناس ~~تقريبا للأفهام وتسهيلا لسبل الإدراك، { والله بكل شىء ~~عليم }. ### || [24.36] # { فى بيوت أذن الله } ، أي: ذلك ms1619 المصباح في بيوت. وقيل: يوقد ~~في بيوت، والبيوت: هي المساجد، قال سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أنه قال: " المساجد بيوت الله في الأرض، وهي تضيء لأهل السماء كما ~~تضيء النجوم لأهل الأرض ". # وروى صالح بن حيان عن ابن بريدة في قوله تعالى: { فى بيوت أذن ~~الله } قال: إنما هي أربعة مساجد لم يبنها إلا نبي: الكعبة بناها ~~إبراهيم وإسماعيل فجعلاها قبلة، وبيت المقدس بناه داود وسليمان، ومسجد ~~المدينة بناه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومسجد قباء أسس على التقوى ~~بناه رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قوله: { أن ترفع } ، قال مجاهد أن تبنى, نظيره قوله تعالى: # وإذ يرفع إبرهيم القواعد من البيت # [البقرة: 127] وقال الحسن: تعظم يعني لا يذكر فيها الخنا من القول. { ~~ويذكر فيها اسمه } قال ابن عباس رضي الله عنهما: يتلى فيها ~~كتابه، { يسبح } ، قرأ ابن عامر وأبو بكر «يسبح» بفتح الباء على ~~غير تسمية الفاعل، والوقف على هذه القراءة عند قوله: { والأصال } ، ~~وقرأ الآخرون بكسر الباء، جعلوا التسبيح فعلا للرجال، { يسبح له ~~} أي: يصلي، { له فيها بالغدو والأصال } ، أي بالغداة ~~والعشي. # قال أهل التفسير أراد به الصلوات المفروضات. فالتي تؤدى بالغداة صلاة ~~الصبح، والتي تؤدي بالآصال صلاة الظهر والعصر والعشاءين لأن اسم الأصيل ~~يجمعهما. وقيل: أراد به صلاة الصبح والعصر. # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن ~~الحسين الحيري، أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد بن معقل الميداني، حدثنا ~~محمد بن يحيى، أخبرنا عبد الله بن رجاء، أخبرنا همام عن أبي حمزة، أن أبا ~~بكر بن عبد الله بن قيس حدثه عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من صلى البردين دخل الجنة ". # وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال التسبيح بالغدو صلاة الضحى. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن السمعان، ~~أخبرنا أبو جعفر الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أخبرنا عبد الله بن ~~يوسف، أخبرنا الهيثم بن حميد، ms1620 أخبرني يحيى بن الحارث، عن القاسم بن عبد ~~الرحمن عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من مشى إلى صلاة مكتوبة وهو متطهر فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن مشى ~~إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلا إياه فأجره كأجر المعتمر، وصلاة على أثر ~~صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين ". ### || [24.37-40] # { رجال } ، قيل: خص الرجال بالذكر في هذه المساجد لأنه ليس على ~~النساء جمعة ولا جماعة في المسجد، { لا تلهيهم } ، لا تشغلهم، { ~~تجرة } ، قيل خص التجارة بالذكر لأنها أعظم ما يشتغل به الإنسان ~~عن الصلاة والطاعات، وأراد بالتجارة الشراء وإن كان اسم التجارة يقع على ~~البيع والشراء جميعا لأنه ذكر البيع بعد هذا، كقوله: # وإذا رأوا تجارة # [الجمعة: 11] يعني: الشراء، وقال الفراء: التجارة لأهل الجلب والبيع ما ~~باعه الرجل على يديه. قوله: { ولا بيع عن ذكر الله } ، عن ~~حضور المساجد لإقامة الصلاة، { وإقام } ، أي: لإقامة { الصلوة ~~} ، حذف الهاء وأراد أداءها في وقتها، لأن من أخر الصلاة عن وقتها لا ~~يكون من مقيمي الصلاة، وأعاد ذكر إقامة الصلاة مع أن المراد من ذكر الله ~~الصلوات الخمس لأنه أراد بإقامة الصلاة حفظ المواقيت. # روى سالم عن ابن عمر أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة فقام الناس وأغلقوا ~~حوانيتهم فدخلوا المسجد، فقال ابن عمر: فيهم نزلت: { رجال لا ~~تلهيهم تجرة ولا بيع عن ذكر الله وإقام }. # { وإيتآء الزكوة } ، المفروضة، قال ابن عباس رضي الله عنه: ~~إذا حضر وقت أداء الزكاة لم يحبسوها. وقيل: هي الأعمال الصالحة. { ~~يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار } ، قيل: ~~تتقلب القلوب عما كانت عليه في الدنيا من الشرك والكفر، وتنفتح الأبصار ~~من الأغطية. وقيل: تتقلب القلوب بين الخوف والرجاء تخشى الهلاك وتطمع في ~~النجاة، وتقلب الأبصار من هوله أي: ناحية يؤخذ بهم ذات اليمين أم ذات ~~الشمال، ومن أين يؤتون الكتب أم من قبل الأيمان أم من قبل الشمائل، وذلك ~~يوم القيامة. وقيل: تتقلب القلوب في الجوف فترتفع إلى الحنجرة فلا تنزل ~~ولا تخرج، وتقلب البصر ms1621 شخوصه من هول الأمر وشدته. # { ليجزيهم الله أحسن ما عملوا } ، يريد: أنهم ~~اشتغلوا بذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ليجزيهم الله أحسن ما ~~عملوا، أي بأحسن ما عملوا, يريد يجزيهم بحسناتهم، وما كان من مساوىء ~~أعمالهم لا يجزيهم بها، { ويزيدهم من فضله } ، ما لم يستحقوه ~~بأعمالهم، { والله يرزق من يشآء بغير حساب } ، ثم ضرب ~~لأعمال الكفار مثلا. فقال تعالى: # { والذين كفروا أعملهم كسراب بقيعة } " ~~السراب " الشعاع الذي يرى نصف النهار عند شدة الحر في البراري، يشبه ~~الماء الجاري على الأرض يظنه من رآه ماء، فإذا قرب منه انفش فلم ير ~~شيئا، و " الآل " ما ارتفع من الأرض، وهو شعاع يرى بين السماء والأرض ~~بالغداوات شبه الملاءة يرفع فيه الشخوص يرى فيه الصغير كبيرا والقصير ~~طويلا، و " الرقراق " يكون بالعشايا، وهو ما ترقرق من السراب، أي جاء ~~وذهب. و " القيعة ": جمع القاع وهو المنبسط الواسع من الأرض، وفيه يكون ~~السراب، { يحسبه الظمآن } ، أي: يتوهمه العطشان، { مآء ~~حتى إذا جآءه } أي: جاء ما قد رأى أنه ماء. # وقيل: جاء موضع السراب، { لم يجده شيئا } ، على ما قدره وحسبه، ~~كذلك الكافر يحسب أن عمله نافعه فإذا أتاه ملك الموت واحتاج إلى عمله ~~لم يجد عمله أغنى عنه شيئا ولا نفعه. { ووجد الله عنده } ، ~~أي: عند عمله، أي: وجد الله بالمرصاد. وقيل: قدم على الله، { فوفه ~~حسابه } ، أي جزاء عمله، { والله سريع الحساب }. # { أو كظلمت } وهذا مثل آخر ضربه الله لأعمال الكفار، يقول مثل ~~أعمالهم من فسادها وجهالتهم فيها كظلمات، { في بحر لجى } ، وهو ~~العميق الكثير الماء، ولجة البحر: معظمه، { يغشه } ، يعلوه، { ~~موج من فوقه موج } ، متراكم، { من فوقه سحاب } ، ~~قرأ ابن كثير برواية القواس «سحاب» بالرفع والتنوين، «ظلمات»، بالجر على ~~البدل من قوله: { أو كظلمت }. وروى أبو الحسن البزي عنه: { ~~سحاب ظلمت } بالإضافة، وقرأ الآخرون «سحاب ظلمات» كلاهما ~~بالرفع والتنوين، فيكون تمام الكلام عند قوله { سحاب } ثم ابتدأ فقال ~~{ ظلمت بعضها فوق بعض } ، ظلمة السحاب وظلمة الموج ~~وظلمة البحر بعضها فوق بعض، أي: ms1622 ظلمة الموج على ظلمة البحر، وظلمة الموج ~~فوق الموج، وظلمة السحاب على ظلمة الموج، وأراد بالظلمات أعمال الكافر ~~وبالبحر اللجي قلبه، وبالموج ما يغشى قلبه من الجهل والشك والحيرة، ~~وبالسحاب الختم والطبع على قلبه. # وقال أبي بن كعب: في هذه الآية الكافر يتقلب في خمسة من الظلم: ~~فكلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره إلى الظلمات ~~يوم القيامة إلى النار. # { إذآ أخرج } ، يعني: الناظر، { يده لم يكد يراها } ، ~~يعني لم يقرب من أن يراها من شدة الظلمة. وقال الفراء: «يكد» صلة, أي: لم ~~يرها، قال المبرد: يعني لم يرها إلا بعد الجهد، كما يقول القائل: ما كدت ~~أراك من الظلمة وقد رآه، ولكن بعد بأس وشدة. وقيل: معناه قرب من رؤيتها ~~ولم يرها، كما يقال: كاد النعام يطير. { ومن لم يجعل الله ~~له نورا فما له من نور } ، قال ابن عباس: من لم يجعل الله له ~~دينا وإيمانا فلا دين له. وقيل: من لم يهده الله فلا إيمان له ولا ~~يهديه أحد. # وقال مقاتل: نزلت هذه الآية في عتبة بن ربيعة بن أمية كان يلتمس الدين ~~في الجاهلية ويلبس المسوح فلما جاء الإسلام كفر. والأكثرون على أنه عام ~~في جميع الكفار. ### || [24.41-44] # قوله عز وجل: { ألم تر أن الله يسبح له من فى ~~السموت والأرض والطير صآفت } باسطات أجنحتهن ~~بالهواء. قيل خص الطير بالذكر من جملة الحيوان لأنها تكون بين السماء ~~والأرض فتكون خارجة عن حكم من في السماء والأرض، { كل قد علم ~~صلاته وتسبيحه } ، قال مجاهد: الصلاة لبني آدم، والتسبيح لسائر ~~الخلق. وقيل: إن ضرب الأجنحة صلاة الطير وصوته تسبيحه. قوله: { كل ~~قد علم } أي: كل مصل ومسبح علم الله صلاته وتسبيحه. وقيل: معناه ~~كل مصل ومسبح منهم قد علم صلاة نفسه وتسبيحه، { والله عليم بما ~~يفعلون }. # { ولله ملك السموت والأرض وإلى الله ~~المصير }. # { ألم تر أن الله يزجى } يعني يسوق بأمره، { سحابا } ، ~~إلى حيث يريد، { ثم يؤلف بينه } ، أي: يجمع بين قطع السحاب ~~المتفرقة بعضها إلى ms1623 بعض، { ثم يجعله ركاما } ، متراكما بعضه ~~فوق بعض، { فترى الودق } ، يعني المطر، { يخرج من خلاله ~~} ، وسطه وهو جمع الخلل، كالجبال جمع الجبل. { وينزل من ~~السمآء من جبال فيها من برد } ، يعني: ينزل البرد، و«من» ~~صلة، وقيل: معناه وينزل من السماء من جبال، أي: مقدار جبال في الكثرة من ~~البرد، و«من» في قوله { من جبال } صلة أي: ينزل من السماء جبالا من ~~برد. وقيل: معناه وينزل من جبال في السماء تلك الجبال من برد. وقال ابن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما: أخبر الله عز وجل أن في السماء جبالا من ~~برد، ومفعول الإنزال محذوف تقديره: وينزل من السماء من جبال فيها برد، ~~فاستغنى عن ذكر المفعول للدلالة عليه. قال أهل النحو ذكر الله تعالى «من» ~~ثلاث مرات في هذه الآية فقوله { من السمآء } لابتداء الغاية لأن ~~ابتداء الإنزال من السماء، وقوله تعالى: { من جبال } للتبعيض لأن ما ~~ينزله الله تعالى بعض تلك الجبال التي في السماء، وقوله تعالى: { من ~~برد } للتجنيس لأن تلك الجبال من جنس البرد. { فيصيب به } ، ~~يعني بالبرد { من يشآء } ، فيهلك زروعه وأمواله، { ويصرفه ~~عمن يشآء } ، فلا يضره، { يكاد سنا برقه } ، يعني ضوء برق ~~السحاب، { يذهب بالأبصر } ، من شدة ضوئه وبريقه، وقرأ أبو ~~جعفر " يذهب " بضم الياء وكسر الهاء. # { يقلب الله اليل والنهار } يصرفهما في اختلافهما ~~وتعاقبهما يأتي بالليل ويذهب النهار، ويأتي بالنهار ويذهب بالليل. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا الحميدي، أخبرنا سفيان، ~~أخبرنا الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: # " يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر, وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب الليل ~~والنهار ". # قوله تعالى: { إن فى ذلك } ، يعني في ذلك الذي ذكرت من هذه ~~الأشياء، { لعبرة لأولي الأبصر } ، يعني: دلالة لأهل ~~العقول والبصائر على قدرة الله تعالى وتوحيده. ### || [24.45-47] # قوله عز وجل: { والله خلق كل دآبة } ، قرأ حمزة ms1624 ~~والكسائي، «خالق كل» بالإضافة، وقرأ الآخرون «خلق كل» على ~~الفعل، { من مآء } ، يعني من نطفة، وأراد به كل حيوان يشاهد في ~~الدنيا ولا يدخل فيه الملائكة ولا الجن، لأنا لا نشاهدهم. وقيل: أصل جميع ~~الخلق من الماء، وذلك أن الله تعالى خلق ماء ثم جعل بعضه ريحا فخلق منها ~~الملائكة، وبعضه نارا فخلق منها الجن، وبعضها طينا فخلق منها آدم، { ~~فمنهم من يمشى على بطنه } ، كالحيات والحيتان والديدان، ~~{ ومنهم من يمشى على رجلين } ، مثل بني آدم والطير، { ~~ومنهم من يمشى على أربع } ، كالبهائم والسباع، ولم يذكر ~~من يمشي على أكثر من أربع مثل حشرات الأرض، لأنها في الصورة كالتي يمشي ~~على الأربع، وإنما قال: { من يمشى } ، و«من» إنما تستعمل فيمن ~~يعقل دون من لا يعقل من الحيات والبهائم، لأنه ذكر كل دابة، فدخل فيه ~~الناس وغيرهم، وإذا جمع اللفظ من يعقل ومن لا يعقل تجعل الغلبة لمن يعقل. ~~{ يخلق الله ما يشآء إن الله على كل شىء ~~قدير }. # { لقد أنزلنآ } إليك، { ءايت مبينت والله ~~يهدى من يشآء إلى صراط مستقيم }. # { ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا }. يعني ~~المنافقين. يقولونه، { ثم يتولى } ، يعرض عن طاعة الله ورسوله، ~~{ فريق منهم من بعد ذلك } ، أي: من بعد قولهم: آمنا، ~~ويدعو إلى غير حكم الله. قال الله عز وجل: { ومآ أولئك ~~بالمؤمنين }. نزلت هذه الآية في بشر المنافق، كانت بينه وبين ~~رجل من اليهود خصومة في أرض، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد صلى الله ~~عليه وسلم، وقال المنافق نتحاكم إلى كعب بن الأشرف، فإن محمدا يحيف ~~علينا، فأنزل الله هذه الآية. ### || [24.48-53] # وقال: { وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم ~~بينهم } ، الرسول يحكم بحكم الله، { إذا فريق منهم ~~معرضون } ، أي: عن الحكم. وقيل: عن الإجابة. # { وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين } ~~مطيعين منقادين لحكمه، يعني إذا كان الحق لهم على غيرهم أسرعوا إلى حكمه ~~لتيقنهم بأنه كما يحكم عليهم بالحق يحكم لهم أيضا بالحق. { أفى ~~قلوبهم مرض أم ارتابوا } أي: شكوا، هذا استفهام ذم ~~وتوبيخ، ms1625 يعني هم كذلك، { أم يخافون أن يحيف الله عليهم ~~ورسوله } ، أي: بظلم، { بل أولئك هم الظلمون } ~~لأنفسهم بإعراضهم عن الحق. # { إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ~~ورسوله } إلى كتاب الله ورسوله، { ليحكم بينهم } ، هذا ~~ليس على طريق الخبر ولكنه تعليم أدب الشرع على معنى أن المؤمنين كذا ~~ينبغي أن يكونوا، ونصب القول على الخبر واسمه في قوله تعالى: { أن ~~يقولوا سمعنا وأطعنا } ، أي: سمعنا الدعاء وأطعنا ~~بالإجابة. { وأولئك هم المفلحون }. # { ومن يطع الله ورسوله } قال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~فيما ساءه وسره { ويخشى الله } على ما عمل من الذنوب. { ~~ويتقه } ، فيما بعد، { فأولئك هم الفآئزون } ، ~~الناجون، قرأ أبو عمرو وأبو بكر «يتقه» ساكنة الهاء، ويختلسها أبو جعفر ~~وبعقوب وقالون، كما في نظائرها ويشبعها الباقون كسرا، وقرأ حفص ~~«يتقه» بسكون القاف واختلاس الهاء، وهذه اللغة إذا سقطت الياء للجزم ~~يسكنون ما قبلها يقولون لم أشتر طعاما، بسكون الراء. # قوله عز وجل: { وأقسموا بالله جهد أيمنهم } وجهد ~~اليمين أن يحلف بالله ولا حلف فوق الحلف بالله، { لئن أمرتهم ~~ليخرجن } ، وذلك أن المنافقين كانوا يقولون لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: أينما كنت نكن معك، لئن خرجت خرجنا، وإن أقمت أقمنا، وإن ~~أمرتنا بالجهاد جاهدنا، فقال تعالى: { قل } ، لهم، { لا تقسموا ~~} ، لا تحلفوا، وقد تم الكلام، ثم قال: { طاعة معروفة } ، أي: ~~هذه طاعة بالقول باللسان دون الاعتقاد، وهي معروفة يعني أمر عرف منكم ~~أنكم تكذبون وتقولون ما لا تفعلون، هذا معنى قول مجاهد رضي الله عنه. ~~وقيل: معناه طاعة معروفة بنية خالصة أفضل وأمثل من يمين باللسان لا ~~يوافقها الفعل. وقال مقاتل بن سليمان: لتكن منكم طاعة معروفة. { إن ~~الله خبير بما تعملون }. ### || [24.54-55] # { قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا } ~~،أي تولوا عن طاعة الله ورسوله، { فإنما عليه ما حمل } ، ~~يعني: على الرسول ما كلف وأمر به من تبليغ الرسالة، { وعليكم ~~ما حملتم } ، من الإجابة والطاعة، { وإن تطيعوه ~~تهتدوا وما على الرسول إلا البلغ المبين } ، ~~أي التبليغ البين. قوله ms1626 عز وجل: { وعد الله الذين ~~ءامنوا منكم وعملوا الصلحات ليستخلفنهم ~~فى الأرض }. قال أبو العالية: في هذه الآية: مكث النبي صلى الله عليه ~~وسلم بمكة بعد الوحي عشر سنين مع أصحابه، وأمروا بالصبر على أذى الكفار، ~~وكانوا يصبحون ويمسون خائفين ثم أمروا بالهجرة إلى المدينة، ~~وأمروا بالقتال وهم على خوفهم لا يفارق أحد منهم سلاحه، فقال رجل منهم: ~~أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح؟ فأنزل الله هذه الآية: { ~~وعد الله الذين ءامنوا منكم وعملوا ~~الصلحات ليستخلفنهم } أدخل اللام لجواب اليمين ~~المضمرة، يعني والله ليستخلفنهم أي ليورثنهم أرض الكفار من العرب ~~والعجم، فيجعلهم ملوكها وساستها وسكانها، { كما استخلف الذين ~~من قبلهم } قرأ أبو بكر عن عاصم: «كما استخلف» بضم التاء وكسر ~~اللام على ما لم يسم فاعله، وقرأ الآخرون بفتح التاء واللام لقوله تعالى: ~~{ وعد الله }. قال قتادة: { كما استخلف } داود وسليمان وغيرهما من ~~الأنبياء. وقيل: " كما استخلف الذين من قبلهم " أي: بني إسرائيل حيث أهلك ~~الجبابرة بمصر والشام وأورثهم أرضهم وديارهم، { وليمكنن لهم ~~دينهم الذى ارتضى لهم } ، أي: اختار، قال ابن عباس: يوسع ~~لهم في البلاد حتى يملكوها ويظهر دينهم على سائر الأديان، { ~~وليبدلنهم } ، قرأ ابن كثير وأبو بكر ويعقوب بالتخفيف من ~~الإبدال، وقرأ الآخرون بالتشديد من التبديل، وهما لغتان، وقال بعضهم: ~~التبديل تغير حال إلى حال، والإبدال رفع الشيء وجعل غيره مكانه، { من ~~بعد خوفهم أمنا يعبدوننى } ، آمنين، { لا يشركون ~~بى شيئا } ، فأنجز الله وعده، وأظهر دينه، ونصر أولياءه، وأبدلهم بعد ~~الخوف أمنا وبسطا في الأرض. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمد بن الحكم، ~~أخبرنا النضر، أخبرنا إسرائيل، أخبرنا سعيد الطاهري، أخبرنا محل بن ~~خليفة، عن عدي بن حاتم، قال: # " بينا أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتاه رجل فشكى إليه الفاقة، ~~ثم أتاه آخر فشكى إليه قطع السبيل، فقال: « يا عدي هل رأيت الحيرة؟ قلت: ~~لم أرها وقد ms1627 أنبئت عنها، قال: فإن طالت بك حياة فلترين الظعينة ~~ترحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله، قلت فيما بيني ~~وبين نفسي فأين دعار طيء الذين قد سعروا البلاد؟، ولئن طالت بك حياة ~~لتفتحن كنوز كسرى، قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: كسرى بن هرمز، لئن طالت بك ~~حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب و فضة يطلب من يقبله منه فلا يجد ~~أحدا يقبله منه، وليلقين الله أحدكم يوم القيامة وليس بينه ~~وبينه ترجمان يترجم، فليقولن له ألم أبعث إليك رسولا فيبلغك؟ فيقول: ~~بلى، فيقول ألم أعطك مالا وأفضل عليك؟ فيقول: بلى فينظر عن يمينه فلا ~~يرى إلا جهنم وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم »، قال عدي: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: « اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد ~~فبكلمة طيبة »، قال عدي فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة ~~لا تخاف إلا الله، وكنت ممن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة ~~لترون ما قال النبي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم يخرج الرجل ملء كفه ~~". # وفي الآية دلالة على خلافة الصديق وإمامة الخلفاء الراشدين. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي شريح، ~~أخبرنا أبو القاسم البغوي، أخبرنا علي بن الجعد، أخبرني حماد هو ابن سلمة ~~بن دينار، عن سعيد بن جمهان، عن سفينة قال: سمعت النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # " الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا ". # ثم قال: أمسك خلافة أبي بكر سنتين، وخلافة عمر عشرا وعثمان اثني عشر، ~~وعلي ستة. قال علي: قلت لحماد: سفينة القائل لسعيد أمسك؟ قال: نعم. # قوله عز وجل: { ومن كفر بعد ذلك } ، أراد به كفران النعمة، ~~ولم يرد الكفر بالله، { فأولئك هم الفسقون } ، العاصون ~~لله. # قال أهل التفسير: أول من كفر بهذه النعمة وجحد حقها الذين قتلوا عثمان ~~رضي الله عنه، فلما قتلوه غير الله ما بهم وأدخل عليهم الخوف حتى صاروا ~~يقتتلون بعد ms1628 أن كانوا إخوانا. # أخبرنا أبو المظفر محمد بن أحمد التميمي، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن ~~عثمان بن القاسم المعروف بابن أبي نصر، أخبرنا أبو الحسن خيثمة بن سليمان ~~بن حيدرة المعروف بالطرابلسي، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن عباد عن عبد ~~الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن حميد بن هلال قال: قال عبد الله بن سلام في ~~عثمان: إن الملائكة لم تزل محيطة بمدينتكم هذه منذ قدمها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حتى اليوم، فوالله لئن قتلتموه ليذهبون ثم لا يعودون ~~أبدا، فوالله لا يقتله رجل منكم إلا لقي الله أجذم لا يد له، وإن سيف ~~الله لم يزل مغمودا عنكم، والله لئن قتلتموه ليسلنه الله ثم لا يغمده ~~عنكم، إما قال: أبدا، وإما قال: إلى يوم القيامة، فما قتل نبي قط إلا ~~قتل به سبعون ألفا، ولا خليفة إلا قتل به خمسة وثلاثون ألفا. ### || [24.56-57] # قوله تعالى: { وأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة ~~وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون } أي: افعلوها على رجاء ~~الرحمة. { لا تحسبن الذين كفروا } قرأ عامر وحمزة «لا ~~يحسبن» بالياء أي: لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم، { معجزين فى ~~الأرض } ، وقرأ الآخرون بالتاء يقول: لا تحسبن يا محمد الذين كفروا ~~معجزين فائتين عنا، { ومأواهم النار ولبئس المصير }. ### || [24.58] # قوله عز وجل: { يأيها الذين ءامنوا ليستأذنكم ~~الذين ملكت أيمنكم } الآية: قال ابن عباس رضي الله عنهما ~~وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم غلاما من الأنصار يقال له مدلج بن ~~عمرو إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقت الظيرة ليدعوه، فدخل فرأى عمر ~~بحالة كره عمر رؤيته ذلك، فأنزل الله هذه الآية. # وقال مقاتل: نزلت في أسماء بنت أبي مرثد كان لها غلام كبير، فدخل عليها ~~في وقت كرهته، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن خدمنا ~~وغلماننا يدخلون علينا في حال نكرهها، فأنزل الله تعالى: { يأيها ~~الذين ءامنوا ليستأذنكم }. اللام لام الأمر. # { الذين ملكت أيمنكم } يعني: العبيد والإماء، { ~~والذين لم يبلغوا الحلم منكم } ، من الأحرار وليس ms1629 ~~المراد منهم الأطفال الذين لم يظهروا على عورات النساء، بل الذين عرفوا ~~أمر النساء ولكن لم يبلغوا. # { ثلاث مرات } ، أي: ليستأذنوا في ثلاث أوقات، { من قبل ~~صلوة الفجر وحين تضعون ثيبكم من الظهيرة ~~} ، يريد المقيل، { ومن بعد صلوة العشآء } ، وإنما خص ~~هذه الأوقات لأنها ساعات الخلوة ووضع الثياب، فربما يبدو من الإنسان ما ~~لا يحب أن يراه أحد، أمر العبيد والصبيان بالاستئذان في هذه الأوقات، وأم ~~غيرهم فليستأذنوا في جميع الأوقات { ثلاث عورات لكم } ، قرأ ~~حمزة والكسائي وأبو بكر: «ثلاث» بنصب الثاء بدلا عن قوله { ثلاث ~~مرات } ، وقرأ الآخرون بالرفع، أي هذه الأوقات ثلاث عورات لكم، سميت ~~هذه الأوقات عورات لأن الإنسان يضع فيها ثيابه فتبدو عورته، { ليس ~~عليكم } ، جناح، { ولا عليهم } ، يعني: العبيد والخدم ~~والصبيان، { جناح } ، في الدخول عليكم من غير استئذان، { بعدهن ~~} ، أي: بعد هذه الأوقات الثلاثة، { طوفون عليكم } ، أي: ~~العبيد والخدم يطوفون عليكم فيترددون ويدخلون ويخرجون في أشغالكم بغير ~~إذن، { بعضكم على بعض } أي: يطوف، { بعضكم على بعض ~~كذلك يبين الله لكم الأيت والله عليم حكيم ~~} ، واختلف العلماء في حكم هذه الآية: فقال قوم: منسوخ. # قال ابن عباس رضي الله عنه: لم يكن للقوم ستور ولا حجاب، فكان الخدم ~~والولائد يدخلون فربما يرون منهم ما لا يحبون، فأمروا بالاستئذان، فقد ~~بسط الله الرزق واتخذ الناس الستور فرأى أن ذلك أغنى عن الاستئذان. # وذهب قوم إلى أنها غير منسوخة, روى سفيان عن موسى بن أبي عائشة قال: ~~سألت الشعبي عن هذه الآية: { ليستأذنكم الذين ملكت ~~أيمنكم } أمنسوخة هي؟ قال: لا والله، قلت: إن الناس لا يعملون ~~بها، قال: الله المستعان. # وقال سعيد بن جبير في هذه الآية: إن ناسا يقولون نسخت والله ما نسخت، ~~ولكنها مما تهاون به الناس. ### || [24.59] # قوله تعالى: { وإذا بلغ الاطفال منكم الحلم } أي: ~~الاحتلام، يريد الأحرار الذين بلغوا، { فليستأذنوا } ، أي: ~~يستأذنوا في جميع الأوقات في الدخول عليكم، { كما استأذن ~~الذين من قبلهم } ، من الأحرار والكبار. # وقيل: يعني الذين كانوا مع إبراهيم وموسى وعيسى. ms1630 # { كذلك يبين الله لكم ءايته } ، دلالاته. وقيل: ~~أحكامه، { والله عليم } ، بأمور خلقه، { حكيم } ، بما دبر ~~لهم. # قال سعيد بن المسيب: يستأذن الرجل على أمه فإنما أنزلت هذه الآية في ~~ذلك. وسئل حذيفة أيستأذن الرجل على والدته؟ قال: نعم وإن لم يفعل رأى ~~منها ما يكره. ### || [24.60-61] # قوله تعالى: { والقواعد من النسآء } يعني اللاتي قعدن عن ~~الولد والحيض من الكبر، لا يلدن ولا يحضن، واحدتها قاعد بلا هاء. وقيل: ~~قعدن عن الأزواج، وهذا معنى قوله: { اللتى لا يرجون نكاحا ~~} ، أي لا يردن الرجال لكبرهن، قال ابن قتيبة: سميت المرأة قاعدا إذا ~~كبرت، لأنها تكثر القعود. وقال ربيعة الرأي: هن العجز اللائي إذا ~~رآهن الرجال استقذروهن، فأما من كانت فيها بقية من جمال، وهي محل الشهوة، ~~فلا تدخل في هذه الآية، { فليس عليهن جناح أن يضعن ~~ثيابهن } ، عند الرجال، يعني: يضعن بعض ثيابهن، وهي الجلباب ~~والرداء الذي فوق الثياب، والقناع، الذي فوق الخمار، فأما الخمار فلا ~~يجوز وضعه، وفي قراءة ابن مسعود رضي الله عنه وأبي بن كعب: «أن يضعن من ~~ثيابهن»، { غير متبرجت بزينة } ، أي: من غير أن يردن ~~بوضع الجلباب، والرداء إظهار زينتهن، والتبرج هو أن تظهر المرأة من ~~محاسنها ما ينبغي لها أن تتنزه عنه. { وأن يستعففن } ، فلا ~~يلقين الجلباب والرداء، { خير لهن والله سميع عليم }. # قوله تعالى: { ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج ~~حرج ولا على المريض حرج } الآية، اختلف العلماء في هذه ~~الآية، فقال ابن عباس رضي الله عنهما لما أنزل الله عز وجل قوله: # لا تأكلوا أمولكم بينكم بالباطل # [النساء: 29]، تحرج المسلمون عن مؤاكلة المرضى والزمنى والعمي ~~والعرج، وقالوا الطعام أفضل الأموال، وقد نهانا الله عن أكل المال ~~بالباطل. والأعمى لا يبصر موضع الطعام الطيب، والأعرج لا يتمكن من ~~الجلوس، ولا يستطيع المزاحمة على الطعام، والمريض يضعف عن التناول فلا ~~يستوفي الطعام، فأنزل الله هذه الآية. # وعلى هذا التأويل يكون «على» بمعنى " في " أي: ليس في الأعمى، يعني ليس: ~~عليكم في مؤاكلة الأعمى والأعرج والمريض. ms1631 # وقال سعيد بن جبير والضحاك وغيرهما كان العرجان والعميان والمرضى ~~يتنزهون عن مؤاكلة الأصحاء، لأن الناس يتقذرون منهم ويكرهون مؤاكلتهم، ~~ويقول الأعمى: ربما أكل أكثر، ويقول الأعرج ربما أخذ مكان الاثنين، فنزلت ~~هذه الآية. # وقال مجاهد: نزلت الآية ترخيصا لهؤلاء في الأكل من بيوت من سمى الله ~~في هذه الآية، وذلك أن هؤلاء كانوا يدخلون على الرجل لطلب الطعام فإذا لم ~~يكن عنده ما يطعمهم ذهب بهم إلى بيوت آبائهم وأمهاتهم أو بعض من سمى الله ~~في هذه الآية، كان أهل الزمانة يتحرجون من ذلك الطعام ويقولون أذهب بنا ~~إلى بيت غيره؟ فأنزل الله هذه الآية. # وقال سعيد بن المسيب: كان المسلمون إذا غزوا خلفوا زمناهم ويدفعون إليهم ~~مفاتيح أبوابهم ويقولون قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا، فكانوا ~~يتحرجون من ذلك ويقولون لا ندخلها وهم غيب، فأنزل الله هذه الآية رخصة ~~لهم. # قال الحسن: نزلت هذه الآية رخصة لهؤلاء في التخلف عن الجهاد. قال تم ~~الكلام عند قوله: { ولا على المريض حرج } ، وقوله تعالى: { ~~ولا على أنفسكم } كلام منقطع عما قبله. # وقيل: لما نزل قوله: # لا تأكلوا أمولكم بينكم بالباطل # [النساء: 29], قالوا: لا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد، فأنزل الله عز ~~وجل: { ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم } ، ~~أي: لا حرج عليكم أن تأكلوا من بيوتكم. قيل: أراد من أموال عيالكم ~~وأزواجكم، وبيت المرأة كبيت الزوج. وقال ابن قتيبة: أراد من بيوت ~~أولادكم، نسب بيوت الأولاد إلى الآباء، كما جاء في الحديث: # " أنت ومالك لأبيك " # ، { أو بيوت ءابآئكم أو بيوت أمهتكم أو ~~بيوت إخونكم أو بيوت أخوتكم أو بيوت ~~أعممكم أو بيوت عمتكم أو بيوت أخولكم ~~أو بيوت خلتكم أو ما ملكتم مفاتحه } , قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: عني بذلك وكيل الرجل وقيمه في ضيعته وماشيته، لا ~~بأس عليه أن يأكل من ثمر ضيعته ويشرب من لبن ماشيته، ولا يحمل ولا يدخر. ~~وقال الضحاك: يعني من بيوت عبيدكم ومماليككم، وذلك أن السيد يملك منزل ms1632 ~~عبده والمفاتيح الخزائن، لقوله تعالى: # وعنده مفاتح الغيب # [الأنعام: 59] ويجوز أن يكون الذي يفتح به. وقال عكرمة: إذا ملك الرجل ~~المفتاح فهو خازن، فلا بأس أن يطعم الشيء اليسير. وقال السدي: الرجل يولي ~~طعامه غيره يقوم عليه فلا بأس أن يأكل منه وقال قوم: " ما ملكتم مفاتحه " ~~ما خزنتموه عندكم. قال مجاهد وقتادة: من بيوت أنفسكم مما أحرزتم وملكتم. # { أو صديقكم } ، الصديق الذي صدقك في المودة. # قال ابن عباس: نزلت في الحارث بن عمرو رضي الله عنه، خرج غازيا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وخلف مالك بن زيد على أهله. فلما رجع وجده ~~مجهودا فسأله عن حاله فقال: تحرجت أن آكل طعامك بغير إذنك فأنزل الله ~~هذه الآية. # وكان الحسن وقتادة يريان دخول الرجل بيت صديقه والتحرم بطعامه من غير ~~استئذان منه في الأكل بهذه الآية. # والمعنى { ليس عليكم جناح أن تأكلوا } ، من منازل ~~هؤلاء إذا دخلتموها وإن لم يحضروا، من غير أن تتزودوا وتحملوا. # قوله: { ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو ~~أشتاتا } ، نزلت في بني ليث بن عمرو، وهم حي من بني كنانة كان الرجل ~~منهم لا يأكل وحده حتى يجد ضيفا يأكل معه، فربما قعد الرجل والطعام بين ~~يديه من الصباح إلى الرواح، وربما كانت معه الإبل الحفل فلا يشرب ~~من ألبانها حتى يجد من يشاربه، فإذا أمسى ولم يجد أحدا أكل، هذا قول ~~قتادة والضحاك وابن جريج. # وقال عطاء الخراساني عن ابن عباس رضي الله عنهما: كان الغني يدخل على ~~الفقير من ذوي قرابته وصداقته فيدعوه إلى طعامه، فيقول: والله إني لأجنح ~~أي: أتحرج أن آكل معك وأنا غني وأنت فقير، فنزلت هذه الآية. # وقال عكرمة وأبو صالح: نزلت في قوم من الأنصار كانوا لا يأكلون إذا نزل ~~بهم ضيف إلا مع ضيفهم، فرخص لهم أن يأكلوا كيف شاؤوا، جميعا أو أشتاتا ~~متفرقين. # { فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم } ، أي: ~~يسلم بعضكم على بعض، هذا في دخول الرجل بيت نفسه يسلم على أهله ومن ms1633 في ~~بيته، وهو قول جابر وطاووس والزهري وقتادة والضحاك وعمرو بن دينار. # قال قتادة: إذا دخلت بيتك فسلم على أهلك فهو أحق من سلمت عليه، ~~وإذا دخلت بيتا لا أحد فيه فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. ~~حدثنا أن الملائكة ترد عليه. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن لم يكن في البيت أحد فليقل: السلام ~~علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام على أهل البيت ورحمة الله. # وروى عمرو بن دينار عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: { ~~فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم } قال: إذا ~~دخلت المسجد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. # { تحية من عند الله } ، نصب على المصدر أي تحيون أنفسكم ~~تحية، { مبركة طيبة } ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: حسنة ~~جميلة. وقيل: ذكر البركة والطيبة ههنا لما فيه من الثواب والأجر. { ~~كذلك يبين الله لكم الآيت لعلكم تعقلون }. ### || [24.62] # قوله عز وجل: { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ~~ورسوله وإذا كانوا معه } أي: مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، { على أمر جامع } ، يجمعهم من حرب حضرت أو صلاة أو جمعة ~~أو عيد أو جماعة أو تشاور في أمر نزل، { لم يذهبوا } ، لم ~~يتفرقوا عنه، لم ينصرفوا عما اجتمعوا له من الأمر، { حتى ~~يستأذنوه }. قال المفسرون: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~صعد المنبر يوم الجمعة وأراد الرجل أن يخرج من المسجد لحاجة أو عذر، لم ~~يخرج حتى يقوم بحيال رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يراه، فيعرف أنه ~~إنما قام يستأذن، فيأذن لمن شاء منهم. قال مجاهد: وإذن الإمام يوم ~~الجمعة أن يشير بيده. # قال أهل العلم: وكذلك كل أمر اجتمع عليه المسلمون مع الإمام لا ~~يخالفونه ولا يرجعون عنه إلا بإذن، وإذا استأذن فالإمام إن شاء أذن له ~~وإن شاء لم يأذن، وهذا إذا لم يكن له سبب يمنعه من المقام، فإذا حدث سبب ~~يمنعه من المقام بأن يكون في المسجد فتحيض منهم امرأة، أو يجنب رجل ms1634 أو ~~يعرض له مرض فلا يحتاج إلى الاستئذان. # { إن الذين يستأذنونك أولئك الذين ~~يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض ~~شأنهم } ، أي أمرهم، { فأذن لمن شئت منهم } ، في ~~الانصراف، معناه إن شئت فأذن وإن شئت فلا تأذن، { واستغفر لهم ~~الله إن الله غفور رحيم }. ### || [24.63-64] # { لا تجعلوا دعآء الرسول بينكم كدعآء بعضكم ~~بعضا } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يقول احذروا دعاء الرسول عليكم ~~إذا أسخطتموه فإن دعاءه موجب لنزول البلاء بكم ليس كدعاء غيره. # وقال مجاهد وقتادة: لا تدعوه باسمه كما يدعو بعضكم بعضا يا محمد، يا ~~عبد الله، ولكن فخموه وشرفوه، فقولوا: يا نبي الله، يا رسول ~~الله، في لين وتواضع. # { قد يعلم الله الذين يتسللون } ، أي: يخرجون { ~~منكم لواذا } ، يستتر بعضكم بعضا ويروغ في خفية، فيذهب، " واللواذ ~~" مصدر لاوذ يلاوذ ملاوذة، ولواذا. # وقيل: كان هذا في حفر الخندق, فكان المنافقون ينصرفون عن رسول الله ~~صلىالله عليه وسلم مختفين. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: " لواذا " أي: يلوذ بعضهم ببعض، وذلك أن ~~المنافقين كان يثقل عليهم المقام في المسجد يوم الجمعة واستماع خطبة ~~النبي صلى الله عليه وسلم فكانوا يلوذون ببعض أصحابه فيخرجون من المسجد ~~في استتار. # ومعنى قوله: { قد يعلم الله } للتهديد بالمجازاة. # { فليحذر الذين يخالفون عن أمره } ، أي: أمره، ~~و«عن» صلة. وقيل: معناه يعرضون عن أمره وينصرفون عنه بغير إذنه. { أن ~~تصيبهم فتنة } أي لئلا تصيبهم فتنة، قال مجاهد: بلاء في الدنيا، ~~{ أو يصيبهم عذاب أليم } ، وجيع في الآخرة. وقيل: عذاب أليم ~~عاجل في الدنيا. ثم عظم نفسه فقال: # { ألا إن لله ما في السماوات والأرض } ، ملكا ~~وعبيدا، { قد يعلم مآ أنتم عليه } ، من الإيمان والنفاق ~~أي: يعلم، و«قد» صلة { ويوم يرجعون إليه } ، يعني يوم ~~البعث، { فينبئهم بما عملوا } ، من الخير والشر، { ~~والله بكل شيء عليم }. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسين بن ~~محمد بن فنجويه، حدثنا عبد الله بن محمد بن شيبة، حدثنا محمد بن أحمد ~~الكرابيسي، حدثنا سليمان بن توبة، حدثنا ms1635 أبو داود الأنصاري، أخبرنا محمد ~~بن إبراهيم الشامي، حدثنا شعيب بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، ~~عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تنزلوا النساء الغرف، ولا تعلموهن الكتابة, وعلموهن ~~الغزل، وسورة النور ". ### | [25 - سورة الفرقان] ### || [25.1-2] # { تبارك } ، تفاعل، من البركة. وعن ابن عباس: معناه جاء بكل بركة، ~~دليله قول الحسن: مجيء البركة من قبله. وقال الضحاك: تعظم، { الذى ~~نزل الفرقان } ، أي القرآن، { على عبده } ، محمد صلى ~~الله عليه وسلم. { ليكون للعلمين نذيرا } ، أي: للجن ~~والإنس. قيل: النذير هو القرآن. وقيل: محمد صلى الله عليه وسلم. # { الذى له ملك السموت والأرض ولم يتخذ ~~ولدا ولم يكن له شريك فى الملك وخلق كل شىء ~~} ، مما يطلق عليه صفة المخلوق، { فقدره تقديرا } ، فسواه ~~وهيأه لما يصلح له، لا خلل فيه ولا تفاوت، وقيل: قدر لكل شيء تقديرا ~~من الأجل والرزق، فجرت المقادير على ما خلق. ### || [25.3-6] # قوله عز وجل: { واتخذوا } ، يعني عبدة الأوثان، { من دونه ~~ءالهة } ، يعني: الأصنام، { لا يخلقون شيئا وهم ~~يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا } ، ~~أي: دفع ضر ولا جلب نفع، { ولا يملكون موتا ولا حيوة } ~~، أي: إماتة وإحياء، { ولا نشورا } ، أي: بعثا بعد الموت. # { وقال الذين كفروا } ، يعني: المشركين، يعني: النضر بن ~~الحارث وأصحابه، { إن هذا } ، ما هذا القرآن، { إلا إفك } ، ~~كذب، { افتراه } ، اختلقه محمد صلى الله عليه وسلم، { وأعانه ~~عليه قوم ءاخرون } ، قال مجاهد: يعني اليهود. وقال الحسن: هو ~~عبيد بن الخضر الحبشي الكاهن. وقيل: جبر ويسار، وعداس بن عبيد، كانوا ~~بمكة من أهل الكتاب، فزعم المشركون أن محمدا صلىالله عليه وسلم يأخذ ~~منهم، قال الله تعالى: { فقد جآءوا } ، يعني قائلي هذه المقالة، { ~~ظلما وزورا } ، أي: بظلم وزور. فلما حذف الباء انتصب، يعني جاؤوا ~~شركا وكذبا بنسبتهم كلام الله تعالى إلى الإفك والافتراء. # { وقالوا أسطير الأولين اكتتبها } ، يعني النضر بن ~~الحارث كان يقول: إن هذا القرآن ليس من الله وإنما هو مما سطره ~~الأولون مثل حديث رستم واسفنديار، " اكتتبها ": انتسخها محمد ms1636 من جبر، ~~ويسار وعداس، ومعنى " اكتتب " يعني طلب أن يكتب له، لأنه كان لا يكتب، ~~{ فهي تملى عليه } ، يعني تقرأ عليه ليحفظها لا ليكتبها، { ~~بكرة وأصيلا } ، غدوة وعشيا. قال الله عز وجل ردا عليهم: # { قل أنزله } ، يعني القرآن، { الذى يعلم السر } ، ~~يعني الغيب، { فى السموت والأرض إنه كان غفورا ~~رحيما }. ### || [25.7-12] # { وقالوا مال هذا الرسول } يعنون محمدا صلى الله عليه ~~وسلم، { يأكل الطعام } ، كما نأكل نحن، { ويمشى فى ~~الأسواق } ، يلتمس المعاش كما نمشي، فلا يجوز أن يمتاز عنا بالنبوة، ~~وكانوا يقولون له: لست أنت بملك ولا بملك، لأنك تأكل والملك لا ~~يأكل، ولست بملك لأن الملك لا يتسوق، وأنت تتسوق وتتبذل. وما قالوه ~~فاسد؛ لأن أكله الطعام لكونه آدميا، ومشيه في الأسواق لتواضعه، وكان ذلك ~~صفة له، وشيء من ذلك لا ينافي النبوة. { لولا أنزل إليه ~~ملك } ، فيصدقه، { فيكون معه نذيرا } ، داعيا. # { أو يلقى إليه كنز } أي: ينزل عليه كنز من السماء ينفقه، ~~فلا يحتاج إلى التردد والتصرف في طلب المعاش، { أو تكون له ~~جنة } ، بستان، { يأكل منها } ، قرأ حمزة والكسائي: «نأكل» ~~بالنون أي: نأكل نحن منها، { وقال الظلمون إن تتبعون ~~إلا رجلا مسحورا } ، مخدوعا. وقيل: مصروفا عن الحق. # { انظر } يا محمد، { كيف ضربوا لك الأمثل } ، يعني ~~الأشباه، فقالوا: مسحور، محتاج، وغيره، { فضلوا } ، عن الحق، { ~~فلا يستطيعون سبيلا } ، إلى الهدى ومخرجا عن الضلالة. # { تبارك الذى إن شآء جعل لك خيرا من ذلك } ، ~~الذي قالوا: أو أفضل من الكنز والبستان الذي ذكروا، وروى عكرمة عن ابن ~~عباس قال: يعني خيرا من المشي في الأسواق والتماس المعاش. ثم بين ذلك ~~الخير فقال: { جنت تجرى من تحتها الأنهر ويجعل ~~لك قصورا } ، بيوتا مشيدة، والعرب تسمي كل بيت مشيد قصرا، وقرأ ~~ابن كثير، وابن عامر، وعاصم برواية أبي بكر: " ويجعل " برفع اللام، وقرأ ~~الآخرون بجزمها على محل الجزاء في قوله: { إن شآء جعل لك }. # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة الكشميهني، أخبرنا أبو ~~طاهر محمد بن الحارث، أخبرنا أبو الحسن ms1637 محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا ~~عبد الله بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله ~~بن المبارك، عن يحيى بن أيوب، حدثني عبيد الله بن زحر، عن علي بن زيد، عن ~~القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا فقلت: لا يا رب، ولكن أشبع ~~يوما وأجوع يوما، و قال ثلاثا أو نحو هذا، فإذا جعت تضرعت إليك ~~وذكرتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك ". # حدثنا أبو طاهر المطهر بن علي بن عبيد الله الفارسي، أخبرنا أبو ~~ذر محمد بن إبراهيم الصالحاني، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر ~~بن حيان المعروف بأبي الشيخ، أخبرنا أبو يعلى، حدثنا محمد بن بكار، حدثنا ~~أبو معشر عن سعيد يعني المقبري، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " «لو شئت لسارت معي جبال الذهب، جاءني ملك أن حجزته لتساوي ~~الكعبة، فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام، ويقول إن شئت نبيا عبدا، وإن ~~شئت نبيا ملكا فنظرت إلى جبريل فأشار إلي أن ضع نفسك، فقلت: ~~نبيا عبدا» قالت: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم بعد ذلك لا ~~يأكل متكئا يقول: «آكل كما يأكل العبد, وأجلس كما يجلس العبد» ". # قوله عز وجل: { بل كذبوا بالساعة } بالقيامة، { ~~وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا } ، نارا مستعرة. # { إذا رأتهم من مكان بعيد } ، قال الكلبي والسدي: من ~~مسيرة عام. وقيل: من مسيرة مائة سنة. وقيل: خمسمائة سنة. وثبت عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من كذب علي متعمدا فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدا ". # قالوا: وهل لها من عينين؟ قال: نعم ألم تستمعوا قول الله تعالى: { إذا ~~رأتهم من مكان بعيد }. وقيل إذا رأتهم زبانيتها. { ~~سمعوا لها تغيظا } غليانا, كالغضبان إذا غلى صدره من ~~الغضب. { وزفيرا } صوتا. # فإن قيل: كيف يسمع التغيظ؟ قيل: معناه رأوا وعلموا أن لها تغيظا وسمعوا ~~لها زفيرا، كما قال الشاعر: # ورأيت ms1638 زوجك في الوغى # متقلدا سيفا ورمحا # أي وحاملا رمحا. # وقيل: سمعوا لها تغيظا، أي: صوت التغيظ من التلهب والتوقد، قال عبيد بن ~~عمير: تزفر جهنم يوم القيامة زفرة فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل ~~إلا خر لوجهه. ### || [25.13-15] # { وإذآ ألقوا منها مكانا ضيقا } قال ابن عباس: تضيق ~~عليهم كما يضيق الزج في الرمح، { مقرنين } ، مصفدين قد قرنت ~~أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال. وقيل: مقرنين مع الشياطين في السلاسل، { ~~دعوا هنالك ثبورا } ، قال ابن عباس: ويلا. وقال الضحاك: ~~هلاكا. وفي الحديث: # " إن أول من يكسى حلة من النار إبليس، فيضعها على حاجبيه ويسحبها من ~~خلفه, وذريته من خلفه, وهو يقول: يا ثبوراه، وهم ينادون: يا ثبورهم, حتى ~~يقفوا على النار فينادون: يا ثبوراه، وينادي: يا ثبورهم، فيقال لهم: # { لا تدعوا اليوم ثبورا وحدا وادعوا ثبورا ~~كثيرا } " # ، قيل: أي هلاككم أكثر من أن تدعوا مرة واحدة, فادعوا أدعية كثيرة. # قوله عز وجل: { قل أذلك } يعني الذي ذكرته من صفة النار ~~وأهلها، { خير أم جنة الخلد التى وعد المتقون ~~كانت لهم جزآء } ، ثوابا، { ومصيرا } ، مرجعا. ### || [25.16-19] # { لهم فيها ما يشآءون خلدين كان على ربك ~~وعدا مسؤولا } ، مطلوبا، وذلك أن المؤمنين سألوا ربهم في الدنيا ~~حين قالوا: # ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك # [آل عمران: 194]، يقول: كان أعطى الله المؤمنين جنة خلد وعدا، وعدهم ~~على طاعتهم إياه في الدنيا ومسألتهم إياه ذلك. قال محمد بن كعب القرظي: ~~الطلب من الملائكة للمؤمنين وذلك قولهم: # ربنا وأدخلهم جنت عدن التى وعدتهم # [غافر: 8]. # { ويوم يحشرهم } ، قرأ ابن كثير، وأبو جعفر، ويعقوب، وحفص: ~~«يحشرهم» بالياء، وقرأ الباقون بالنون، { وما يعبدون من دون ~~الله } ، قال مجاهد: من الملائكة والجن والإنس وعيسى وعزير. وقال ~~عكرمة والضحاك والكلبي: يعني الأصنام، ثم يخاطبهم، { فيقول } ، قرأ ~~ابن عامر بالنون والآخرون بالياء، { أءنتم أضللتم عبادى ~~هؤلاء أم هم ضلوا السبيل } ، أخطأوا الطريق. # { قالوا سبحنك } ، نزهوا الله من أن يكون معه آله، { ما ~~كان ينبغى لنآ أن نتخذ من دونك من أوليآء } ، ~~يعني: ما ms1639 كان ينبغي لنا أن نوالي أعداءك, بل أنت ولينا من دونهم. وقيل: ~~ما كان لنا أن نأمرهم بعبادتنا ونحن نعبدك. # وقرأ أبو جعفر «أن نتخذ» بضم النون وفتح الخاء فتكون «من» الثاني ~~صلة. # { ولكن متعتهم وءابآءهم } ، في الدنيا بطول العمر ~~والصحة والنعمة، { حتى نسوا الذكر } ، تركوا الموعظة ~~والإيمان بالقرآن. وقيل: تركوا ذكرك وغفلوا عنه، { وكانوا قوما ~~بورا } ، يعني هلكى غلب عليهم الشقاء والخذلان، رجل يقال له بائر، وقوم ~~بور، وأصله من البوار وهو الكساد والفساد، ومنه بوار السلعة وهو كسادها. ~~وقيل هو اسم مصدر كالزور، يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع والمذكر ~~والمؤنث. # { فقد كذبوكم } ، هذا خطاب مع المشركين، أي: كذبكم المعبودون، ~~{ بما تقولون } ، إنهم آلهة، { فما تستطيعون } ، قرأ حفص ~~بالتاء يعني العابدين، وقرأ الآخرون بالياء يعني: الآلهة. { صرفا } ~~يعني: صرف العذاب عن أنفسهم، { ولا نصرا } ، يعني: ولا نصر أنفسهم. ~~وقيل: ولا نصركم أيها العابدون من عذاب الله بدفع العذاب عنكم. وقيل: " ~~الصرف " الحيلة، ومنه قول العرب: إنه ليصرف، أي يحتال، { ومن يظلم } ~~، يشرك، { منكم نذقه عذابا كبيرا }. ### || [25.20] # قوله عز وجل: { ومآ أرسلنا قبلك من المرسلين } ، ~~يا محمد، { إلا إنهم ليأكلون الطعام } ، روى الضحاك عن ~~ابن عباس قال: لما عير المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا ما ~~لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، أنزل الله عز وجل هذه ~~الآية. يعني ما أنا إلا رسول وما كنت بدعا من الرسل، وهم كانوا بشرا ~~يأكلون الطعام، { ويمشون فى الأسواق }. وقيل: معناه وما أرسلنا ~~قبلك من المرسلين إلا قيل لهم مثل هذا أنهم يأكلون الطعام ويمشون في ~~الأسواق كما قال في موضع آخر: # ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك # [فصلت: 43]. # { وجعلنا بعضكم لبعض فتنة } ، أي بلية، فالغني فتنة ~~للفقير، يقول الفقير: ما لي لم أكن مثله؟ والصحيح فتنة للمريض، والشريف ~~فتنة للوضيع. وقال ابن عباس: أي جعلت بعضكم بلاء لبعض لتصبروا على ما ~~تسمعون منهم، وترون من خلافهم، وتتبعوا الهدى. # وقيل: نزلت في ابتلاء الشريف بالوضيع؛ ms1640 وذلك أن الشريف إذا أراد أن يسلم ~~فرأى الوضيع قد أسلم قبله أنف، وقال أسلم بعده فيكون له علي ~~السابقة والفضل؟! فيقيم على كفره ويمتنع من الإسلام، فذلك افتتان بعضهم ~~ببعض، وهذا قول الكلبي. # وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل، والوليد بن عقبة، والعاص بن وائل، والنضر ~~بن الحارث؛ وذلك أنهم لما رأوا أبا ذر، وابن مسعود وعمارا، وبلالا، ~~وصهيبا، وعامر بن فهيرة، وذويهم، قالوا: نسلم فنكون مثل هؤلاء؟. # وقال مقاتل: نزلت في ابتلاء فقراء المؤمنين بالمستهزئين من قريش، كانوا ~~يقولون: انظروا إلى هؤلاء الذين اتبعوا محمدا من موالينا وأراذلنا، فقال ~~الله تعالى لهؤلاء المؤمنين: { أتصبرون } يعني على هذه الحال من ~~الفقر والشدة والأذى. # { وكان ربك بصيرا } ، بمن صبر وبمن جزع. أخبرنا أحمد بن عبد ~~الله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن، أخبرنا أبو العباس الأصم، ~~حدثنا زكريا بن يحيى المروزي، حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن ~~الأعرج، عن أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والجسم فلينظر إلى من ~~دونه في المال والجسم ". ### || [25.21-22] # قوله عز وجل: { وقال الذين لا يرجون لقآءنا } ، أي لا ~~يخافون البعث، قال الفراء: " الرجاء " بمعنى الخوف، لغة تهامة، ومنه ~~قوله تعالى: # ما لكم لا ترجون لله وقارا # [نوح: 13] أي: لا تخافون لله عظمة. { لولا أنزل علينا ~~الملئكة } ، فتخبرنا أن محمدا صادق، { أو نرى ربنا } ، ~~فيخبرنا بذلك. { لقد استكبروا } ، أي: تعظموا. { فى ~~أنفسهم } ، بهذه المقالة، { وعتوا عتوا كبيرا }. قال ~~مجاهد: " عتوا " طغوا في القول و " العتو " أشد الكفر وأفحش الظلم، ~~وعتوهم طلبهم رؤية الله حتى يؤمنوا به. # { يوم يرون الملئكة } عند الموت. وقيل: في القيامة. { ~~لا بشرى يومئذ للمجرمين } ، للكافرين، وذلك أن ~~الملائكة يبشرون المؤمنين يوم القيامة، ويقولون للكفار: لا بشرى لكم، ~~هكذا قال عطية، وقال بعضهم: معناه أنه لا بشرى يوم القيامة للمجرمين، أي: ~~لا بشارة لهم بالجنة، كما يبشر المؤمنون. { ويقولون حجرا ~~محجورا } ، قال عطاء عن ابن عباس: ms1641 تقول الملائكة حراما محرما أن ~~يدخل الجنة، إلا من قال لا إله إلا الله. # وقال مقاتل: إذا خرج الكفار من قبورهم قالت لهم الملائكة حراما محرما ~~عليكم أن تكون لكم البشرى. # وقال بعضهم: هذا قول الكفار للملائكة. قال ابن جريج: كانت العرب إذا ~~نزلت بهم شدة ورأوا ما يكرهون، قالوا حجرا محجورا، فهم يقولونه إذا ~~عاينوا الملائكة. # قال مجاهد: يعني عوذا معاذا يستعيذون به من الملائكة. ### || [25.23-24] # { وقدمنآ } ، وعمدنا، { إلى ما عملوا من عمل ~~فجعلناه هبآء منثورا } ، أي باطلا لا ثواب له، فهم لم ~~يعملوه لله عز وجل. # واختلفوا في " الهباء " ، قال علي: هو ما يرى في الكوة إذا وقع ضوء ~~الشمس فيها كالغبار، ولا يمس بالأيدي، ولا يرى في الظل، وهو قول الحسن ~~وعكرمة ومجاهد، و " المنثور " والمتفرق. # وقال ابن عباس وقتادة وسعيد بن جبير: هو ما تسفيه الرياح وتذريه من ~~التراب وحطام الشجر. # وقال مقاتل: هو ما يسطع من حوافر الدواب عند السير. # وقيل: " الهباء المنثور ": ما يرى في الكوة، و " الهباء المنبث ": هو ما ~~تطيره الرياح من سنابك الخيل. # قوله عز وجل: { أصحب الجنة يومئذ خير ~~مستقرا } أي: من هؤلاء المشركين المتكبرين, { وأحسن مقيلا ~~} ، موضع قائلة يعني: أهل الجنة لا يمر بهم يوم القيامة إلا قدر النهار ~~من أوله إلى وقت القائلة حتى يسكنوا مساكنهم في الجنة، قال ابن مسعود: لا ~~ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في ~~النار، وقرأ «ثم إن مقيلهم لا إلى الجحيم» هكذا كان يقرأ. # وقال ابن عباس في هذه الآية: الحساب ذلك اليوم في أوله، وقال القوم حين ~~قالوا في منازلهم في الجنة. # قال الأزهري: " القيلولة " و " المقيل ": الاستراحة نصف النهار، وإن لم ~~يكن مع ذلك نوم، لأن الله تعالى قال: { وأحسن مقيلا } والجنة لا ~~نوم فيها. ويروى أن يوم القيامة يقصر على المؤمنين حتى يكون كما بين ~~العصر إلى غروب الشمس. ### || [25.25-27] # قوله عز وجل: { ويوم تشقق السمآء بالغمم } ، أي: ~~عن الغمام، الباء وعن يتعاقبان، ms1642 كما يقال: رميت عن القوس وبالقوس، وتشقق ~~بمعنى تتشقق، أدغموا إحدى التاءين، وقرأ أبو عمرو وأهل الكوفة بتخفيف ~~الشين هاهنا، وفي سورة «ق» بحذف إحدى التاءين، وقرأ الآخرون بالتشديد، أي ~~تتشقق بالغمام، وهو غمام أبيض رقيق مثل الضبابة، ولم يكن إلا لبني ~~إسرائيل في تيههم. { ونزل الملئكة تنزيلا } ، قرأ ابن ~~كثير، «وننزل» بنونين خفيف ورفع اللام، «الملائكة» نصب. قال ابن ~~عباس: تتشقق السماء الدنيا فينزل أهلها، وهم أكثر ممن في الأرض من الجن ~~والإنس، ثم تتشقق السماء الثانية فينزل أهلها، وهم أكثر ممن في السماء ~~الدنيا، ومن الجن والإنس، ثم كذلك حتى تتشقق السماء السابعة وأهل كل ~~سماء يزيدون على أهل السماء التي قبلها، ثم ينزل الكروبيون ثم حملة ~~العرش. # { الملك يومئذ الحق للرحمن } ، أي الملك الذي هو ~~الملك الحق حقا ملك الرحمن يوم القيامة. قال ابن عباس: يريد أن يوم ~~القيامة لا ملك يقضي غيره. { وكان يوما على الكفرين ~~عسيرا } ، شديدا فهذا الخطاب يدل على أنه لا يكون على المؤمنين ~~عسيرا. وجاء في الحديث: # " أنه يهون يوم القيامة على المؤمنين حتى يكون عليهم أخف من صلاة مكتوبة ~~صلوها في الدنيا ". # { ويوم يعض الظلم على يديه } أراد بالظالم عقبة ~~بن أبي معيط, # " وذلك أن عقبة كان لا يقدم من سفر إلا صنع طعاما فدعا إليه أشراف ~~قومه، وكان يكثر مجالسة النبي صلى الله عليه وسلم فقدم ذات يوم من سفر ~~فصنع طعاما فدعا الناس ودعا رسول الله صلىالله عليه وسلم، فلما قرب ~~الطعام قال رسول الله: « ما أنا بآكل طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله ~~وأني رسول الله » فقال عقبة: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله، فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم من طعامه، وكان عقبة صديقا ~~لأبي ابن خلف، فلما أخبر أبي بن خلف قال له: يا عقبة صبأت؟ قال: لا ~~والله ما صبأت، ولكن دخل علي رجل فأبى أن يأكل طعامي إلا أن أشهد له، ~~فاستحييت أن يخرج من بيتي ولم ms1643 يطعم، فشهدت له فطعم، فقال: ما أنا بالذي ~~أرضى عنك أبدا إلا أن تأتيته فتبزق في وجهه، ففعل ذلك عقبة فقال عليه ~~السلام: « لا ألقاك خارجا من مكة إلا علوت رأسك بالسيف » فقتل عقبة يوم ~~بدر صبرا. وأما أبي بن خلف قتله النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد ~~بيده ". # وقال الضحاك: لما بزق عقبة في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد ~~بزاقه في وجهه فاحترق خداه، وكان أثر ذلك فيه حتى الموت. # وقال الشعبي: كان عقبة بن أبي معيط خليل أمية بن خلف فأسلم عقبة، فقال ~~أمية: وجهي من وجهك حرام أن بايعت محمدا، فكفر وارتد، فأنزل الله ~~عز وجل: { ويوم يعض الظلم } يعني: عقبة بن أبي معيط بن ~~عبد شمس بن مناف " على يديه " ندما وأسفا على ما فرط في جنب الله، ~~وأوبق نفسه بالمعصية والكفر بالله بطاعة خليله الذي صده عن سبيل ربه. قال ~~عطاء: يأكل يديه حتى يبلغ مرفقيه، ثم تنبتان، ثم يأكلهما هكذا، كلما نبتت ~~يداه أكلهما تحسرا على ما فعل. # { يقول يليتنى اتخذت } ، في الدنيا، { مع الرسول ~~سبيلا } ، ليتني اتبعت محمدا صلى الله عليه وسلم واتخذت معه سبيلا ~~إلى الهدى، قرأ أبو عمرو «يا ليتني اتخذت» بفتح الياء، والآخرون ~~بإسكانها. ### || [25.28-29] # { يويلتا ليتنى لم أتخذ فلانا خليلا } ، يعني ~~أبي بن خلف. # { لقد أضلنى عن الذكر } ، عن الإيمان والقرآن، { بعد ~~إذ جآءنى } ، يعني: الذكر مع الرسول، { وكان الشيطن } ، ~~وهو كل متمرد عات من الإنس والجن، وكل من صد عن سبيل الله فهو شيطان. ~~{ للإنسن خذولا } ، أي: تاركا يتركه ويتبرأ منه عند نزول ~~البلاء والعذاب، وحكم هذه الآية عام في حق كل متحابين اجتمعا على معصية ~~الله. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن العلاء، أخبرنا أبو ~~أسامة، عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " مثل الجليس الصالح والسوء، كحامل المسك ونافخ ms1644 الكير، فحامل ~~المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا ~~طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما تجد منه ريحا خبيثة ". # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا أبو طاهر محمد بن ~~أحمد بن الحارث، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن ~~محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك، ~~عن حيوة بن شريح، أخبرني سالم بن غيلان أن الوليد بن قيس التجيبي أخبره ~~أنه سمع أبا سعيد الخدري - قال سالم أو عن أبي الهيثم عن أبي سعيد - أنه ~~سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن كساب ~~النيسابوري، أخبرنا أبو العباس الأصم، حدثنا حميد بن عياش الرملي، أخبرنا ~~مؤمل بن إسماعيل، حدثنا زهير بن محمد الخراساني، حدثنا موسى بن وردان عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل ". ### || [25.30-34] # { وقال الرسول } ، يعني: ويقول الرسول في ذلك اليوم: { يرب ~~إن قومى اتخذوا هذا القرءان مهجورا } ، يعني ~~متروكا فأعرضوا عنه، ولم يؤمنوا به ولم يعملوا بما فيه. # وقيل: جعلوه بمنزلة الهجر وهو الهذيان، والقوي السيء، فزعموا أنه شعر ~~وسحر، وهو قول النخعي ومجاهد. # وقيل: قال الرسول يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم يشكوا قومه إلى الله ~~يا رب: إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا فعزاه الله تعالى فقال: # { وكذلك جعلنا } ، يعني: كما جعلنا لك أعداء من مشركي قومك ~~كذلك جعلنا، { لكل نبى عدوا من المجرمين } ، يعني ~~المشركين. قال مقاتل: يقول لا يكبرن عليك فإن الأنبياء قبلك قد ~~لقيت هذا من قومهم، فاصبر لأمري كما صبروا، فإني ناصرك وهاديك، { ~~وكفى بربك هاديا ونصيرا }. # { وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرءان ~~جملة وحدة } كما أنزلت التوراة على موسى والإنجيل على عيسى ~~والزبور على داود. ms1645 قال الله تعالى: { كذلك } ، فعلت، { ~~لنثبت به فؤادك } ، أي: أنزلناه متفرقا ليقوى به قلبك فتعيه ~~وتحفظه، فإن الكتب أنزلت على أنبياء يكتبون ويقرؤون، وأنزل الله القرآن ~~على نبي أمي لا يكتب ولا يقرأ، ولأن من القرآن الناسخ والمنسوخ، ومنه ما ~~هو جواب لمن سأل عن أمور، ففرقناه ليكون أوعى لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأيسر على العامل به. { ورتلناه ترتيلا } ، قال ابن عباس ~~بيناه بيانا، والترتيل التبيين في ترسل وتثبت. وقال السدي: فصلناه ~~تفصيلا. وقال مجاهد: بعضه في إثر بعض. وقال النخعي والحسن وقتادة: ~~فرقناه تفريقا آية بعد آية. # { ولا يأتونك } يا محمد يعني: هؤلاء المشركين، { بمثل } ، ~~يضربونه في إبطال أمرك { إلا جئنك بالحق } ، يعني بما ترد ~~به ما جاؤوا به من المثل وتبطله، فسمي ما يردون من الشبه مثلا، وسمي ما ~~يدفع به الشبه حقا، { وأحسن تفسيرا } ، أي: بيانا وتفصيلا، و ~~" التفسير ": تفعيل، من الفسر، وهو كشف ما قد غطي. ثم ذكر مآل هؤلاء ~~المشركين فقال: # { الذين } ، أي: هم الذين، { يحشرون على وجوههم } ، ~~فيساقون ويجرون، { إلى جهنم أولئك شر مكانا } ، ~~أي: مكانة ومنزلة، ويقال: منزلا ومصيرا، { وأضل سبيلا } ، أخطأ ~~طريقا. ### || [25.35-38] # { ولقد ءاتينا موسى الكتب وجعلنا معه أخاه ~~هرون وزيرا } أي معينا وظهيرا. # { فقلنا اذهبآ إلى القوم الذين كذبوا ~~بئايتنا } يعني القبط، { فدمرنهم } ، فيه إضمار، أي: ~~فكذبوهما فدمرناهم، { تدميرا } ، أهلكناهم إهلاكا. # { وقوم نوح لما كذبوا الرسل } ، أي: الرسول، ومن كذب ~~رسولا واحدا فقد كذب جميع الرسل، فلذلك ذكر بلفظ الجمع. { ~~أغرقنهم وجعلنهم للناس ءاية } ، أي لمن بعدهم ~~عبرة، { وأعتدنا للظلمين } ، في الآخرة، { عذابا ~~أليما } ، سوى ما حل به من عاجل العذاب. { وعادا وثمودا } ، ~~أي: وأهلكنا عادا وثمود، { وأصحب الرس } ، اختلفوا فيهم. قال ~~وهب بن منبه: كانوا أهل بئر قعودا عليها، وأصحاب مواش، يعبدون الأصنام، ~~فوجه الله إليهم شعيبا يدعوهم إلى الإسلام، فتمادوا في طغيانهم، وفي ~~أذى شعيب عليه السلام، فبينما هم حول البئر في منازلهم انهارت البئر، ~~فخسف بهم وبديارهم ورباعهم، فهلكوا جميعا،. و " الرس " البئر، وكل ركية ms1646 ~~لم تطو بالحجارة والآجر فهو رس. # وقال قتادة والكلبي: " الرس " بئر بفلج اليمامة، قتلوا نبيهم فأهلكهم ~~الله عز وجل. # وقال بعضهم: هم بقية ثمود قوم صالح، وهم أصحاب البئر التي ذكر الله ~~تعالى في قوله: # وبئر معطلة وقصر مشيد # [الحج: 45]. # وقال سعيد بن جبير: كان لهم نبي يقال له حنظلة بن صفوان فتلوه فأهلكهم ~~الله تعالى. # وقال كعب ومقاتل والسدي: " الرس " بئر بإنطاكية قتلوا فيها حبيبا ~~النجار، وهم الذين ذكرهم الله في سورة يس. # وقيل: هم أصحاب الأخدود، والرس هو الأخدود الذي حفروه. # وقال عكرمة: هم قوم رسوا نبيهم في بئر. وقيل: الرس المعدن، وجمعه ~~رساس. # { وقرونا بين ذلك كثيرا } ، أي وأهلكنا قرونا كثيرا بين ~~عاد وأصحاب الرس. ### || [25.39-47] # { وكلا ضربنا له الأمثال وكلا تبرنا تتبيرا ~~} ، أي: الأشباه في إقامة الحجة عليهم، فلم نهلكهم إلا بعد الإنذار، { ~~وكلا تبرنا تتبيرا } ، أي أهلكنا إهلاكا. وقال الأخفش: ~~كسرنا تكسيرا. قال الزجاج: كل شيء كسرته وفتته فقد تبرته. # { ولقد أتوا على القرية التى أمطرت مطر ~~السوء } ، يعني الحجارة، وهي قريات قوم لوط، وكانت خمس قرى، فأهلك ~~الله أربعا منها، ونجت واحدة، وهي أصغرها، وكان أهلها لا يعملون العمل ~~الخبيث، { أفلم يكونوا يرونها } ، إذا مروا بهم في أسفارهم ~~فيعتبروا ويتفكروا لأن مدائن قوم لوط كانت على طريقهم عند ممرهم إلى ~~الشام، { بل كانوا لا يرجون } ، لا يخافون، { نشورا } ~~بعثا. # قوله عز وجل: { وإذا رأوك إن يتخذونك } ، يعني: ما ~~يتخذونك، { إلا هزوا } ، أي: مهزوءا به، نزلت في أبي جهل، كان ~~إذا مر بأصحابه على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مستهزئا: { ~~أهذا الذى بعث الله رسولا }؟! # { إن كاد ليضلنا } ، أي: قد قارب أن يضلنا، { عن ~~ءالهتنا لولا أن صبرنا عليها } ، أي: لو لم نصبر عليها ~~لصرفنا عنها، { وسوف يعلمون حين يرون العذاب من ~~أضل سبيلا } ، من أخطأ طريقا. # { أرءيت من اتخذ إلهه هواه } ، وذلك أن الرجل من ~~المشركين كان يعبد الحجر فإذا رأى حجرا أحسن منه طرح الأول وأخذ الآخر ~~فعبده. وقال ابن عباس: ms1647 أرأيت من ترك عبادة الله وخالقه ثم هوى حجرا ~~فعبده ما حاله عندي، { أفأنت تكون عليه وكيلا } ، أي: ~~حافظا، يقول أفأنت عليه كفيل تحفظه من اتباع هواه وعبادة ما يهوى من دون ~~الله؟ أي لست كذلك. قال الكلبي: نسختها آية القتال. # { أم تحسب أن أكثرهم يسمعون } ما تقول سماع طالب ~~الإفهام، { أو يعقلون } ، ما يعاينون من الحجج والإعلام، { إن ~~هم } ، ما هم { إلا كالانعم بل هم أضل سبيلا } ، ~~لأن البهائم تهتدي لمراعيها ومشاربها وتنقاد لأربابها الذين يتعهدونها، ~~وهؤلاء الكفار لا يعرفون طريق الحق، ولا يطيعون ربهم الذي خلقهم ~~ورزقهم، ولأن الأنعام تسجد وتسبح لله وهؤلاء الكفار لا يفعلون. # قوله عز وجل: { ألم تر إلى ربك كيف مد الظل } ، ~~معناه ألم تر إلى مد ربك الظل، وهو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع ~~الشمس، جعله ممدودا لأنه ظل لا شمس معه، كما قال: «في ظل الجنة»، # وظل ممدود # [الواقعة: 30] إذ لم يكن معه شمس. { ولو شآء لجعله ساكنا } ~~، دائما ثابتا لا يزول ولا تذهبه الشمس. قال أبو عبيدة: " الظل " ما ~~نسخته الشمس، وهو بالغداة و " الفيء ": ما نسخ الشمس، وهو بعد الزوال، ~~سمي فيئا لأنه فاء من جانب المشرق إلى جانب المغرب، { ثم جعلنا ~~الشمس عليه دليلا } ، يعني على الظل. # ومعنى دلالتها عليه أنه لو لم تكن الشمس لما عرف الظل، ولولا النور لما ~~عرفت الظلمة، والأشياء تعرف بأضدادها. # { ثم قبضنه } يعني الظل، { إلينا قبضا يسيرا } ، ~~بالشمس التي تأتي عليه، و " القبض ": جمع المنبسط من الشيء، معناه أن ~~الظل يعم جميع الأرض قبل طلوع الشمس، فإذا طلعت الشمس قبض الله الظل ~~جزءا فجزءا " قبضا يسيرا " ، أي خفيا. # { وهو الذى جعل لكم اليل لباسا } ، أي: سترا ~~تستترون به، يريد أن ظلمته تغشى كل شيء، كاللباس الذي يشتمل على لابسه، { ~~والنوم سباتا } ، راحة لأبدانكم وقطعا لعملكم، وأصل " السبت ": ~~القطع، والنائم مسبوت لأنه انقطع عمله وحركته. { وجعل النهار ~~نشورا } ، أي: يقظة وزمانا تنتشرون فيه لابتغاء الرزق وتنتشرون ~~لأشغالكم. ### || [25.48] # { وهو الذى أرسل الريح بشرى ms1648 بين يدى ~~رحمته } ، يعني المطر { وأنزلنا من السمآء مآء ~~طهورا } ، هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره، فهو اسم لما يتطهر به، ~~كالسحور اسم لما يتسحر به والفطور اسم لما يفطر به، والدليل عليه ما ~~روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في البحر: # " هو الطهور ماؤه الحل ميتته ". # وأراد به المطهر، فالماء مطهر لأنه يطهر الإنسان من الحدث ~~والنجاسة، كما قال في آية أخرى: # وينزل عليكم من السمآء مآء ليطهركم # [الأنفال: 11] فثبت به أن التطهير يختص بالماء. # وذهب أصحاب الرأي إلى أن " الطهور " هو الطاهر، حتى جوزوا إزالة النجاسة ~~بالمائعات الطاهرة، مثل الخل وماء الورد والمرق ونحوها. # ولو جاز إزالة النجاسة بها لجاز إزالة الحدث بها. # وذهب بعضهم إلى أن " الطهور " ما يتكرر منه التطهير، كالصبور اسم لمن ~~يتكرر منه الصبر، والشكور اسم لمن يتكرر منه الشكر، وهو قول مالك، حتى ~~جوز الوضوء بالماء الذي توضأ به مرة. # وإن وقع في الماء شيء غير طعمه أو لونه أو ريحه هل تزول طهوريته؟ نظر: ~~إن كان الواقع شيئا لا يمكن صون الماء عنه، كالطين والتراب وأوراق ~~الأشجار، لا تزول فيجوز الطهارة به كما لو تغير لطول المكث في قراره، ~~وكذلك لو وقع فيه ما لا يخالطه، كالدهن يصب فيه فيتروح الماء برائحته ~~يجوز الطهارة به، لأن تغيره للمجاورة لا للمخالطة. وإن كان شيئا يمكن ~~صون الماء منه ويخالطه كالخل والزعفران ونحوهما تزول طهوريته فلا يجوز ~~الوضوء به. # وإن لم يتغير أحد أوصافه، ينظر: إن كان الواقع فيه شيئا طاهرا لا تزول ~~طهوريته، فتجوز الطهارة به، سواء كان الماء قليلا أو كثيرا، وإن كان ~~الواقع فيه شيئا نجسا، ينظر: فإن كان الماء قليلا أقل من القلتين ينجس ~~الماء، وإن كان قدر قلتين فأكثر فهو طاهر يجوز الوضوء به. والقلتان خمس ~~قرب، ووزنه خمسمائة رطل، والدليل عليه ما: # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الجيري، ~~أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي، حدثنا عبد الرحيم بن المنيب، أخبرنا ms1649 جرير عن ~~محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر ابن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن ~~عمر، عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الماء يكون في ~~الفلاة وما يرده من الدواب والسباع؟ فقال: # " إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث ". # وهذا قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وجماعة من أهل الحديث: أن الماء إذا ~~بلغ هذا الحد فلا ينجس بوقوع النجاسة فيه ما لم يتغير أحد أوصافه. # وذهب جماعة إلى أن الماء القليل لا ينجس بوقوع النجاسة فيه ما لم يتغير ~~طعمه أو لونه أو ريحه، وهو قول الحسن وعطاء والنخعي والزهري. واحتجوا ~~بما. # أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد الحنفي، أخبرنا أبو الحارث طاهر بن ~~محمد الطاهري، حدثنا أبو محمد الحسين بن محمد بن حكيم، حدثنا أبو الموجه ~~محمد بن عمرو بن الموجه، حدثنا صدقة بن الفضل، أخبرنا أبو أسامة عن ~~الوليد بن كثير، عن محمد بن كعب القرظي، عن عبد الله ابن عبد الرحمن بن ~~رافع بن خديج، عن أبي سعيد الخدري قال: قيل يا رسول الله أنتوضأ من بئر ~~بضاعة؟ وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إن الماء طهور لا ينجسه شيء ". ### || [25.49-50] # قوله عز وجل: { لنحيى به } ، أي: بالمطر، { بلدة ميتا ~~} ، ولم يقل: " ميتة " لأنه رجع به إلى الموضع والمكان، { ونسقيه ~~مما خلقنآ أنعما } ، أي: نسقي من ذلك الماء أنعاما، { ~~وأناسى كثيرا } ، أي بشرا كثيرا، والأناسي: جمع أنسي، وقيل جمع ~~إنسان، وأصله: " أناسين " مثل: بستان وبساتين، فجعل الياء عوضا عن ~~النون. # { ولقد صرفنه بينهم } ، يعني: المطر، مرة ببلد ومرة ~~ببلد آخر. قال ابن عباس: ما من عام بأمطر من عام ولكن الله يصرفه في ~~الأرض. وقرأ هذا الآية. وهذا. كما روي مرفوعا # " ما من ساعة من ليل أو نهار إلا والسماء تمطر فيها يصرفه الله حيث ~~يشاء ". # وذكر ابن إسحاق وابن جريج ومقاتل وبلغوا به ابن مسعود يرفعه قال: # " ليس من ms1650 سنة بأمطر من أخرى، ولكن الله قسم هذه الأرزاق، فجعلها في ~~السماء الدنيا، في هذا القطر ينزل منه كل سنة بكيل معلوم ووزن معلوم، ~~وإذا عمل قوم بالمعاصي حول الله ذلك إلى غيرهم، فإذاعصوا جميعا صرف ~~الله ذلك إلى الفيافي والبحار ". # وقيل: المراد من تصريف المطر تصريفه وابلا وطلا ورذاذا ونحوها. وقيل: ~~التصريف راجع إلى الريح. # { ليذكروا } ، أي: ليتذكروا ويتفكروا في قدرة الله تعالى، { ~~فأبى أكثر الناس إلا كفورا } ، جحودا، وكفرانهم هو ~~أنهم إذا مطروا قالوا مطرنا بنوء كذا. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق ~~الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك بن أنس، عن صالح بن كيسان، عن عبيد ~~الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: # " صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية في أثر ~~سماء. كانت من الليل فلما انصرف أقبل على الناس فقال:هل تدرون ماذا قال ~~ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: " أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، ~~فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي، وكافر بالكواكب، ~~وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب ". ### || [25.51-54] # قوله عز وجل: { ولو شئنا لبعثنا فى كل قرية ~~نذيرا } ، رسولا ينذرهم، ولكن بعثناك إلى القرى كلها، وحملناك ثقل ~~النذارة جميعها لتستوجب بصبرك عليه ما أعددنا لك من الكرامة والدرجة ~~الرفيعة. # { فلا تطع الكفرين } فيما يدعونك إليه من موافقتهم ~~ومداهنتهم. { وجهدهم به } أي: بالقرآن، { جهادا كبيرا } ~~شديدا. # { وهو الذى مرج البحرين } ، خلطهما وأفاض أحدهما في ~~الآخر، وقيل: أرسلهما في مجاريهما وخلاهما كما يرسل الخيل في المرج، ~~وأصل " المرج " الخلط والإرسال، يقال: مرجت الدابة وأمرجتها إذا أرسلتها ~~في المرعى وخليتها تذهب حيث تشاء، { هذا عذب فرات } ، شديد ~~العذوبة، و " الفرات ": أعذب المياه، { وهذا ملح أجاج } ، ~~شديد الملوحة. وقيل: أجاج أي مر، { وجعل بينهما برزخا } ، ~~أي: حاجزا بقدرته لئلا يختلط العذب بالملح ولا الملح بالعذب، { ~~وحجرا محجورا } أي: سترا ممنوعا ms1651 فلا يبغيان، ولا يفسد الملح ~~العذب. # { وهو الذى خلق من المآء } ، من النطفة، { بشرا ~~فجعله نسبا وصهرا } ، أي: جعله ذا نسب وصهر. قيل: " النسب " ~~ما لا يحل نكاحه، و " الصهر " ما يحل نكاحه، فالنسب ما يوجب الحرمة، ~~والصهر ما لا يوجبها، وقيل: هو الصحيح : النسب: من القرابة، والصهر: ~~الخلطة التي تشبه القرابة، وهو السبب المحرم للنكاح، وقد ذكرنا أن الله ~~تعالى حرم بالنسب سبعا وبالسبب سبعا في قوله: # حرمت عليكم أمهتكم # [النساء: 23]. { وكان ربك قديرا }. ### || [25.55-59] # { ويعبدون من دون الله } يعني هؤلاء المشركين، { ما لا ~~ينفعهم } ، إن عبدوه، { ولا يضرهم } ، إن تركوه، { وكان ~~الكفر على ربه ظهيرا } ، أي: معينا للشيطان على ربه ~~بالمعاصي. وقال الزجاج: أي يعاون الشيطان على معصية الله لأن عبادتهم ~~الأصنام معاونة للشيطان. وقيل: معناه وكان الكافر على ربه ظهيرا، أي: ~~هينا ذليلا، كما يقال الرجل: جعلتي بظهير، أي: جعلني هينا. ويقال: ظهر ~~به، إذا جعله خلف ظهره فلم يلتفت إليه. # { ومآ أرسلنك إلا مبشرا ونذيرا } أي: منذرا. # { قل مآ أسألكم عليه } ، أي على تبليغ الوحي، { من ~~أجر } ، فتقولوا إنما يطلب محمد أموالنا بما يدعونا إليه فلا نتبعه، { ~~إلا من شآء أن يتخذ إلى ربه سبيلا } ، هذا من ~~الاستثناء المنقطع، مجازه: لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا بالإنفاق ~~من ماله في سبيله فعل ذلك، والمعنى: لا أسألكم لنفسي أجرا ولكن لا أمنع ~~من إنفاق المال في طلب مرضاة الله واتخاذ السبيل إلى جنته. # { وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده ~~} ، أي: صل له شكرا على نعمه. وقيل: قل: سبحان الله، والحمد لله، { ~~وكفى به بذنوب عباده خبيرا } ، عالما فيجازيهم بها. # { الذي خلق السموت والأرض وما بينهما فى ~~ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن ~~فاسأل به خبيرا } ، بالرحمن. قال الكلبي: يقول فاسأل الخبير ~~بذلك، يعني: بما ذكرنا من خلق السموات والأرض والاستواء على العرش. وقيل: ~~الخطاب للرسول والمراد منه غيره لأنه كان مصدقا به، والمعنى: أيها ~~الإنسان لا ترجع في طلب العلم بهذا إلى ms1652 غيري. وقيل: الباء بمعنى عن أي: ~~فاسأل عنه خبيرا وهو الله عز وجل. وقيل: جبريل عليه السلام. ### || [25.60-62] # { وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما ~~الرحمن } ، ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، يعنون مسليمة ~~الكذاب، كانوا يسمونه رحمن اليمامة. { أنسجد لما تأمرنا } ، ~~قرأ حمزة والكسائي «يأمرنا» بالياء، أي: لما يأمرنا محمد بالسجود له، ~~وقرأ الآخرون بالتاء، أي: لما تأمرنا أنت يا محمد، { وزادهم } يعني: ~~زادهم قول القائل لهم: " اسجدوا للرحمن " { نفورا } ، عن الدين ~~والإيمان. # قوله عز وجل: { تبارك الذى جعل فى السمآء بروجا } ، ~~قال الحسن ومجاهد وقتادة: " البروج " هي النجوم الكبار سميت بروجا ~~لظهورها، وقال عطية العوفي: " بروجا " أي: قصورا فيها الحرس، كما قال: # ولو كنتم فى بروج مشيدة # [النساء: 78]. # وقال عطاء عن ابن عباس: هي البروج الاثنا عشر التي هي منازل الكواكب ~~السبعة السيارة، وهي الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، ~~والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت، فالحمل ~~والعقرب بيتا المريخ، والثور والميزان بيتا الزهرة، والجوزاء والسنبلة ~~بيتا عطارد، والسرطان بيت القمر، والأسد بيت الشمس، والقوس والحوت بيتا ~~المشتري، والجدي والدلو بيتا زحل. وهذه البروج مقسومة على الطبائع الأربع ~~فيكون نصيب كل واحد منها ثلاثة بروج تسمى المثلثات، فالحمل والأسد والقوس ~~مثلثه نارية، والثور والسنبلة والجدي مثلثه أرضية، والجوزاء والميزان ~~والدلو مثلثة هوائية، والسرطان والعقرب والحوت مثلثه مائية. # { وجعل فيها سراجا } يعني الشمس، كما قال: # وجعل الشمس سراجا # [نوح: 16] وقرأ حمزة والكسائي: «سرجا» بالجمع، يعني النجوم. { ~~وقمرا منيرا } ، والقمر قد دخل في " السرج " على قراءة من قرأ ~~بالجمع، غير أنه خصه بالذكر لنوع فضيلة، كما قال: # فيهما فكهة ونخل ورمان # [الرحمن: 68]، خص النخل والرمان بالذكر مع دخولهما في الفاكهة. # { وهو الذى جعل اليل والنهار خلفة } ، اختلفوا ~~فيها، قال ابن عباس والحسن وقتادة: يعني خلفا وعوضا يقوم أحدهما مقام ~~صاحبه، فمن فاته عمله في أحدهما قضاه في الآخر. # قال شقيق: جاء رجل إلى عمر عن الخطاب، فقال فاتتني الصلاة الليلة، فقال ~~أدرك ما فاتك من ليلتك في نهارك، فإن الله ms1653 عز وجل: جعل الليل والنهار ~~خلفة لن أراد أن يذكر. # قال مجاهد: يعني جعل كل واحد منهما مخالفا لصاحبه فجعل هذا أسود وهذا ~~أبيض، وقال ابن زيد وغيره يعني يخلف أحدهما صاحبه إذا ذهب أحدهما جاء ~~الآخر فهما يتعاقبان في الضياء والظلمة والزيادة والنقصان. # { لمن أراد أن يذكر } ، قرأ حمزة بتخفيف الدال والكاف ~~وضمها من الذكر، وقرأ الآخرون بتشديدهما أي: يتذكر ويتعظ { أو أراد ~~شكورا } ، قال مجاهد: أي شكر نعمة ربه عليه فيهما. ### || [25.63-67] # قوله عز وجل: { وعباد الرحمن } ، يعني: أفاضل العباد. ~~وقيل: هذه الإضافة للتخصيص والتفضيل، وإلا فالخلق كلهم عباد الله. { ~~الذين يمشون على الأرض هونا } ، أي: بالسكينة والوقار ~~متواضعين غير أشرين ولا مرحين، ولا متكبرين. وقال الحسن: علماء وحكماء. ~~وقال محمد بن الحنفية: أصحاب وقار وعفة لا يسفهون، وإن سفه عليهم حلموا، ~~و " الهون " في اللغة: الرفق واللين. # { وإذا خاطبهم الجهلون } ، يعني السفهاء بما يكرهون، { ~~قالوا سلاما } ، قال مجاهد: سدادا من القول. وقال مقاتل بن حيان: ~~قولا يسلمون فيه من الإثم. وقال الحسن: إن جهل عليهم جاهل حلموا ولم ~~يجهلوا، وليس المراد منه السلام المعروف. وروي عن الحسن: معناه سلموا ~~عليهم، دليله قوله عز وجل: # وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنآ ~~أعملنا ولكم أعملكم سلم عليكم # [القصص: 55]. # قال الكلبي وأبو العالية: هذا قبل أن يؤمر بالقتال، ثم نسختها آية ~~القتال. # وروي عن الحسن البصري أنه كان إذا قرأ هذه الآية قال: هذا وصف نهارهم، ~~ثم قرأ { والذين يبيتون لربهم سجدا وقيما } ~~قال: هذا وصف ليلهم. # قوله تعالى: { والذين يبيتون لربهم } ، يقال لمن أدرك ~~الليل: بات نام أو لم ينم، يقال: بات فلان قلقا، والمعنى: يبيتون ~~لربهم بالليل في الصلاة، { سجدا } ، على وجوههم، { وقيما } على ~~أقدامهم. قال ابن عباس: من صلى بعد العشاء الآخرة ركعتين أو أكثر فقد بات ~~لله ساجدا وقائما. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، ~~أخبرنا أبو جعفر محمد ابن أحمد بن عبد الجبار الرياني، حدثنا حميد بن ~~زنجويه، ms1654 حدثنا أبو نعيم عن سفيان، عن عثمان بن حكيم، عن عبد الرحمن بن ~~أبي عمرة، عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة ~~فكأنما صلى الليل كله ". # قوله عز وجل: { والذين يقولون ربنا اصرف عنا ~~عذاب جهنم إن عذابها كان غراما } أي: ملحا ~~دائما، لازما غير مفارق من عذب به من الكفار، ومنه سمي الغريم لطلبه ~~حقه وإلحاحة على صاحبه وملازمته إياه. قال محمد بن كعب القرظي: سأل الله ~~الكفار ثمن نعمه فلم يؤدوا فأغرمهم فيه، فبقوا في النار، وقال الحسن: كل ~~غريم يفارق غريمه إلا جهنم. و " الغرام " الشر اللازم، وقيل: " غراما ~~" هلاكا. # { إنها سآءت مستقرا ومقاما } ، أي: بئس موضع قرار ~~وإقامه. # { والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا } ~~، قرأ ابن كثير وأهل البصرة «يقتروا» بفتح الياء وكسر التاء، وقرأ أهل ~~المدينة وابن عامر بضم الياء وكسر التاء، وقرأ الآخرون بفتح الياء وضم ~~التاء، وكلها لغات صحيحة. # يقال: أقتر وقتر بالتشديد، وقتر يقتر. # واختلفوا في معنى الإسراف والإقتار، فقال بعضهم: " الإسراف " النفقة ~~في معصية الله وإن قلت، و " الإقتار ": منع حق الله تعالى. وهو قول ~~ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن جريج. وقال الحسن في هذه الآية لم ينفقوا في ~~معاصي الله ولم يمسكوا عن فرائض الله. # وقال قوم: " الإسراف ": مجاوزة الحد في الإنفاق، حتى يدخل في حد ~~التبذير، و " الإقتار ": التقصير عما لا بد منه، وهذا معنى قول ~~إبراهيم: لا يجيعهم ولا يعريهم ولا ينفق نفقة يقول الناس قد أسرف. # { وكان بين ذلك قواما } ، قصدا وسطا بين الإسراف ~~والإقتار، حسنة بين السيئتين. وقال يزيد بن أبي حبيب في هذه الآية: ~~أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا لا يأكلون طعاما للتنعم ~~واللذة، ولا يلبسون ثوبا للجمال، ولكن كانوا يريدون من الطعام ما يسد ~~عنهم الجوع ويقويهم على عبادة ربهم، ومن الثياب ما يستر عوراتهم ~~ويكنهم من الحر والقر. # قال عمر ms1655 بن الخطاب: كفى سرفا أن لا يشتهي الرجل شيئا إلا اشتراه ~~فأكله. ### || [25.68] # قوله عز وجل: { والذين لا يدعون مع الله إلها ~~ءاخر } الآية. أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد ~~الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا ~~إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف بن جريج أخبرهم قال: قال يعلى وهو ~~يعلى بن مسلم، أن سعيد بن جبير، أخبره عن ابن عباس أن ناسا من أهل الشرك ~~كانوا قد قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا فأتوا محمدا صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملناه كفارة، ~~فنزل: { والذين لا يدعون مع الله إلها ءاخر }. # { ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا ~~بالحق ولا يزنون } ونزل: # قل يعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله # [الزمر: 53]. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ~~جرير عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل قال: # " قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله, أي ~~الذنب أكبر عند الله؟ قال: «أن تدعوا لله ندا وهو خلقك» قال: ثم أي؟ ~~قال: «أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك»، قال: ثم أي؟ قال: «أن تزاني ~~حليلة جارك» " # ، فأنزل الله تصديقها: { والذين لا يدعون مع الله ~~إلها ءاخر ولا يقتلون النفس التى حرم الله ~~إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق ~~أثاما }. # قوله عز وجل: { ومن يفعل ذلك } ، أي شيئا من هذه الأفعال، { ~~يلق أثاما } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما إنما يريد جزاء الإثم. ~~وقال أبو عبيدة: " الآثام ": العقوبة. وقال مجاهد: " الآثام ": واد في ~~جهنم، يروى ذلك عن عبد الله بن عمرو بن العاص، ويروى في الحديث: # " الغي والآثام بئران يسيل فيهما صديد أهل النار ". ### || [25.69-71] # { يضعف له العذاب يوم القيمة ويخلد فيه ~~مهانا ms1656 } ، قرأ ابن عامر وأبو بكر «يضاعف» و«يخلد» برفع الفاء والدال ~~على الابتداء، وشدد ابن عامر: «يضعف»، وقرأ الآخرون بجزم الفاء ~~والدال على جواب الشرط. # { إلا من تاب وءامن وعمل عملا صلحا } ، قال ~~قتادة: إلا من تاب من ذنبه، وآمن بربه، وعمل عملا صالحا فيما بينه وبين ~~ربه. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسين بن ~~محمد بن عبد الله، حدثنا موسى بن محمد، حدثنا موسى بن هارون الحمال، ~~حدثنا إبراهيم بن محمد الشافعي، حدثنا عبد الله بن رجاء عن عبيد الله بن ~~عمر، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس قال: قرأناها على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سنتين: { والذين لا يدعون ~~مع الله إلها ءاخر } الآية، ثم نزلت: { إلا من تاب } ~~فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فرح بشيء قط كفرحه بها وفرحه ب # إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما ~~تقدم من ذنبك وما تأخر # [الفتح: 1-2]. # { فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنت وكان ~~الله غفورا رحيما } ، فذهب جماعة إلى أن هذا التبديل في ~~الدنيا؛ قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، ومجاهد، والسدي، والضحاك: ~~يبدلهم الله بقبائح أعمالهم في الشرك محاسن الأعمال في الإسلام، فيبدلهم ~~بالشرك إيمانا، وبقتل المؤمنين قتل المشركين، وبالزنا عفة وإحصانا. # وقال قوم: يبدل الله سيآتهم التي عملوها في الإسلام حسنات يوم ~~القيامة، وهو قول سعيد بن المسيب، ومكحول، يدل عليه ما: # أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عد الصمد الجوزجاني، أخبرنا أبو القاسم علي ~~بن أبي أحمد الخزاعي، أخبرنا الهيثم بن كليب، أخبرنا أبو عيسى الترمذي، ~~حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث، حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن المعرور ~~بن سويد، عن أبي ذر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إني لأعلم آخر رجل يخرج من النار، يؤتى به يوم القيامة فيقال: اعرضوا ~~عليه صغار ذنوبه، ويخبأ عنه كبارها، فيقال له عملت يوم كذا وكذا كذا ~~وكذا، وهو مقر لا ينكر، وهو ms1657 مشفق من كبارها، فيقال أعطوه مكان كل سيئة ~~عملها حسنة، فيقول: رب إن لي ذنوبا ما أراها ههنا، قال أبو ذر: لقد ~~رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه ". # وقال بعضهم: إن الله عز وجل يمحو بالندم جميع السيئات، ثم يثبت مكان ~~كل سيئة حسنة. # قوله عز وجل: { ومن تاب وعمل صلحا } ، قال بعض أهل ~~العلم: هذا في التوبة عن غير ما سبق ذكره في الآية الأولى من القتل ~~والزنا، يعني: من تاب من الشرك وعمل صالحا أي: أدى الفرائض ممن لم يقتل ~~ولم يزن، { فإنه يتوب إلى الله } ، أي: يعود إليه ~~بالموت، { متابا } ، حسنا يفضل به على غيره ممن قتل وزنى، فالتوبة ~~الأولى وهو قوله: " ومن تاب " رجوع عن الشرك، والثاني رجوع إلى الله ~~للجزاء والمكافأة. # وقال بعضهم: هذه الآية أيضا في التوبة عن جميع السيئات. ومعناه: ومن ~~أراد التوبة وعزم عليها فليتب لوجه الله. # وقوله: { يتوب إلى الله } خبر بمعنى الأمر، أي: ليتب إلى الله. ~~وقيل: معناه فليعلم أن توبته ومصيره إلى الله. ### || [25.72] # { والذين لا يشهدون الزور } ، قال الضحاك وأكثر المفسرين: ~~يعني الشرك. وقال علي بن طلحة: يعني شهادة الزور. وكان عمر بن الخطاب: ~~يجلد شاهد الزور أربعين جلدة ويسخم وجهه ويطوف به في السوق. وقال ابن ~~جريج: يعني الكذب. وقال مجاهد: يعني أعياد المشركين. وقيل النوح، وقال ~~قتادة: لا يساعدون أهل الباطل على باطلهم. وقال محمد بن الحنفية، لا ~~يشهدون اللهو والغنا. وقال ابن مسعود: " الغناء ينبت النفاق في القلب كما ~~ينبت الماء الزرع. # وأصل " الزور " تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته، فهو تمويه الباطل بما ~~يوهم أنه حق. # { وإذا مروا باللغو مروا كراما } ، قال مقاتل: إذا ~~سمعوا من الكفار الشتم والأذى أعرضوا وصفحوا، وهي رواية ابن أبي نجيح عن ~~مجاهد. نظيره قوله: # وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه # [القصص: 55]، قال السدي: وهي منسوخة بآية القتال. # قال الحسن والكلبي: اللغو المعاصي كلها، يعني إذا مروا بمجالس اللهو ~~والباطل مروا كراما مسرعين معرضين. يقال: تكرم ms1658 فلان عما يشينه إذا تنزه ~~وأكرم نفسه عنه. ### || [25.73-74] # { والذين إذا ذكروا بئايت ربهم لم يخروا ~~} ، لم يقعوا ولم يسقطوا، { عليها صما وعميانا } ، كأنهم صم ~~عمي، بل يسمعون ما يذكرون به فيفهمونه ويرون الحق فيه فيتبعونه. قال ~~القتيبي: لم يتغافلوا عنها كأنهم صم لم يسمعوها وعمي لم يروها. # { والذين يقولون ربنا هب لنا من أزوجنا ~~وذريتنا } ، قرأ بغير ألف أبو عمرو والكسائي، وأبو بكر. وقرأ ~~الباقون بالألف على الجمع، { قرة أعين } ، أي: أولادا أبرارا ~~أتقياء، يقولون اجعلهم صالحين فتقر أعيننا بذلك. قال القرظي: ليس شيء ~~أقر لعين المؤمن من أن يرى زوجته وأولاده مطيعين لله عز وجل. وقاله ~~الحسن، ووحد القرة لأنها مصدر، وأصلها من البرد، لأن العرب تتأذى من ~~الحر وتستروح إلى البرد، وتذكر قرة العين عند السرور، وسخنة العين عند ~~الحزن، ويقال: دمع العين عند السرور بارد، وعند الحزن حار. وقال الأزهري: ~~معنى قرة الأعين أن يصادف قلبه من يرضاه فتقر عينه به عن النظر إلى غيره. # { واجعلنا للمتقين إماما } ، أي: أئمة يقتدون في الخير ~~بنا، ولم يقل: أئمة، كقوله تعالى: # إنا رسول رب العلمين # [الشعراء: 16]، وقيل: أراد أئمة كقوله: # فإنهم عدو لى # [الشعراء: 77]، أي: أعداء، ويقال أميرنا هؤلاء، أي: أمراؤنا. وقيل: لأنه ~~مصدر كالصيام والقيام، يقال أم إماما، كما يقال: قام قياما، وصام ~~صياما. قال الحسن: نقتدي بالمتقين ويقتدي بنا المتقون. وقال ابن عباس: ~~اجعلنا أئمة هداة، كما قال: # وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا # [السجدة: 24]، ولا تجعلنا أئمة ضلالة كما قال: # وجعلنهم أئمة يدعون إلى النار # [القصص: 41]، وقيل: هذا من المقلوب، يعني: واجعل المتقين لنا إماما ~~واجعلنا مؤتمين مقتدين بهم، وهو قول مجاهد. ### || [25.75-77] # { أولئك يجزون } يعني يثابون، { الغرفة } ، أي: الدرجة ~~الرفيعة في الجنة، و " الغرفة " كل بناء مرتفع عال. وقال عطاء: يريد غرف ~~الدر والزبرجد والياقوت في الجنة، { بما صبروا } ، على أمر الله ~~تعالى وطاعته. وقيل: على أذى المشركين. وقيل: عن الشهوات { ويلقون ~~فيها } ، قرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر: بفتح الياء وتخفيف القاف، كما ~~قال: # فسوف يلقون ms1659 غيا # [مريم: 59]، وقرأ الآخرون بضم الياء وتشديد القاف كما قال: # ولقاهم نضرة وسرورا # [الإنسان: 11]، وقوله: { تحية } ، أي ملكا، وقيل بقاء دائما، ~~{ وسلما } أي: يسلم بعضهم على بعض. وقال الكلبي: يحيي بعضهم بعضا ~~بالسلام، ويرسل الرب إليهم بالسلام. وقيل: " سلاما " أي: سلامة من ~~الآفات. # { خلدين فيها حسنت مستقرا ومقاما } ، أي: موضع ~~قرار وإقامة. # { قل ما يعبؤا بكم ربى } ، قال مجاهد وابن زيد: أي: ما ~~يصنع وما يفعل بكم. قال أبو عبيدة يقال: ما عبأت به شيئا أي: لم أعده، ~~فوجوده وعدمه سواء، مجازه: أي وزن وأي مقدار لكم عنده، { لولا ~~دعآؤكم } إياه، وقيل: لولا إيمانكم، وقيل: لولا عبادتكم، وقيل: ~~لولا دعاؤه إياكم إلى الإسلام، فإذا آمنتم ظهر لكم قدر. # وقال قوم: معناه: قل ما يعبأ بخلقكم ربي لولا عبادتكم وطاعتكم إياه ~~يعني إنه خلقكم لعبادته، كما قال: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56]. وهذا قول ابن عباس ومجاهد. وقال قوم: " قل ما يعبأ " ~~ما يبالي بمغفرتكم لولا دعاؤكم معه آلهة، أو ما يفعل بعذابكم لولا شرككم، ~~كما قال الله تعالى: # ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وءامنتم # [النساء: 147] وقيل: ما يعبأ بعذابكم لولا دعاؤكم إياه في الشدائد، كما ~~قال: # فإذا ركبوا فى الفلك دعوا الله # [العنبكوت: 65]، وقال: # فأخذنهم بالبأسآء والضرآء لعلهم ~~يتضرعون # [الأنعام: 42]. # وقيل: { قل ما يعبؤا بكم ربى لولا دعآؤكم } يقول: ~~ما خلقتكم ولي إليكم حاجة إلا أن تسألوني فأعطيكم وتستغفروني فأغفر لكم. # { فقد كذبتم } ، أيها الكافرون، يخاطب أهل مكة، يعني: إن الله ~~دعاكم بالرسول إلى توحيده وعبادته فقد كذبتم الرسول ولم تجيبوه. { ~~فسوف يكون لزاما } ، هذا تهديد لهم، أي يكون تكذيبكم لزاما، ~~قال ابن عباس: موتا. وقال أبو عبيدة: هلاكا. وقال ابن زيد: قتالا. ~~والمعنى: يكون التكذيب لازما لمن كذب، فلا يعطى التوبة حتى يجازى بعمله. ~~وقال ابن جرير: عذابا دائما لازما وهلاكا مقيما يلحق بعضكم ببعض. # واختلفوا فيه فقال قوم: هو يوم بدر قتل منهم سبعون وأسر سبعون. وهو قول ~~عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب ms1660 ومجاهد ومقاتل، يعني: أنهم قتلوا يوم ~~بدر واتصل بهم عذاب الآخرة، لازما لهم. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عمر بن حفص بن غياث، ~~أخبرنا أبي، أخبرنا الأعمش، حدثنا مسلم، عن مسروق قال: قال عبد الله: # " خمس قد مضين: الدخان، والقمر، والروم، والبطشة، واللزام " # ، { فسوف يكون لزاما }. # وقيل: اللزام عذاب الآخرة. ### | [26 - سورة الشعراء] ### || [26.1-2] # { طسم } قرأ حمزة, والكسائي, وأبو بكر: طسم, وطس, وحم, ويس ~~بكسر الطاء والياء والحاء، وقرأ أهل المدينة بين الفتح والكسر، وقرأ ~~الآخرون بالفتح على التفخيم، وأظهر النون في يس عند الميم في " طسم ": ~~أبو جعفر، وحمزة، وأخفاها الآخرون. # وروي عن عكرمة عن ابن عباس قال: " طسم " عجزت العلماء عن تفسيرها. وروى ~~علي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس: أنه قسم، وهو من أسماء الله ~~تعالى: وقال قتادة: اسم من أسماء القرآن. وقال مجاهد: اسم للسورة. قال ~~محمد بن كعب القرظي: أقسم الله بطوله وسنائه وملكه. # { تلك } ، أي هذه { ءايت الكتاب المبين }. ### || [26.3-4] # { لعلك بخع نفسك } ، قاتل نفسك, { ألا يكونوا ~~مؤمنين } ، أي: إن لم يؤمنوا، وذلك حين كذب أهل مكة فشق عليه ذلك، ~~وكان يحرص على إيمانهم، فأنزل الله هذه الآية. # { إن نشأ ننزل عليهم من السمآء ءاية فظلت ~~أعنقهم لها خضعين } ، قال قتادة: لو شاء الله لأنزل ~~عليهم آية يذلون بها، فلا يلوي أحد منهم عنقه إلى معصية الله. وقال ابن ~~جريج: معناه: لو شاء الله لأراهم أمرا من أمره، لا يعمل أحد منهم بعده ~~معصية. # وقوله عز وجل: { خضعين } ولم يقل خاضعة وهي صفة الأعناق، وفيه ~~أقاويل أحدها: أراد أصحاب الأعناق، فحذف الأصحاب وأقام الأعناق مقامهم، ~~لأن الأعناق إذا خضعت فأربابها خاضعون، جعل الفعل أولا للأعناق، ثم جعل ~~خاضعين للرجال. # وقال الأخفش: رد الخضوع على المضمر الذي أضاف الأعناق إليه. # وقال قوم: ذكر الصفة لمجاورتها المذكر، وهو قوله " هم " ، على عادة ~~العرب في تذكير المؤنث إذا أضافوه إلى مذكر، وتأنيث ms1661 المذكر إذا أضافوه ~~إلى مؤنث. # وقيل: أراد فظلوا خاضعين فعبر بالعنق عن جميع البدن، كقوله # ذلك بما قدمت يداك # [الحج: 10] و # ألزمنه طئره فى عنقه # [الإسراء: 13]. # وقال مجاهد: أراد بالأعناق الرؤساء والكبراء، أي: فظلت كبراؤهم خاضعين. ~~وقيل: أراد بالأعناق الجماعات، يقال: جاء القوى عنقا عنقا، أي جماعات ~~وطوائف. # وقيل: إنما قال خاضعين على وفاق رؤوس الآي ليكون على نسق واحد. ### || [26.5-10] # { وما يأتيهم من ذكر } وعظ وتذكير، { من الرحمن ~~محدث } ، أي: محدث إنزاله، فهو محدث في التنزيل. قال الكلبي: كلما ~~نزل شيء من القرآن بعد شيء فهو أحدث من الأول، { إلا كانوا عنه ~~معرضين } ، أي عن الإيمان به. # { فقد كذبوا فسيأتيهم } أي: فسوف يأتيهم، { أنباء } ، ~~أخبار وعواقب، { ما كانوا به يستهزءون }. # { أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل ~~زوج } صنف وضرب، { كريم } ، حسن من النبات مما يأكل الناس ~~والأنعام، يقال: نخلة كريمة إذا طاب حملها، وناقة كريمة إذا كثر لبنها. ~~قال الشعبي: الناس من نبات الأرض فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار ~~فهو لئيم. # { إن في ذلك } الذي ذكرت، { لأية } ، دلالة على وجودي وتوحيدي ~~وكمال قدرتي، { وما كان أكثرهم مؤمنين } ، مصدقين، أي ~~سبق علمي فيهم أن أكثرهم لا يؤمنون. وقال سيبويه: " كان " ههنا صلة, ~~مجازه: وما أكثرهم مؤمنين. # { وإن ربك لهو العزيز } العزيز بالنقمة من أعدائه، { ~~الرحيم } ، ذو الرحمة بأوليائه. # قوله عز وجل: { وإذ نادى ربك موسى } ، واذكر يا محمد إذ ~~نادى ربك موسى حين رأى الشجرة والنار، { أن ائت القوم ~~الظلمين } ، يعني الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية، وظلموا بني ~~إسرائيل باستعبادهم وسومهم سوء العذاب. ### || [26.11-17] # { قوم فرعون ألا يتقون } ، ألا يصرفون عن أنفسهم عقوبة ~~الله بطاعته. # { قال } ، يعني موسى، { رب إنى أخاف أن يكذبون }. # { ويضيق صدرى } ، من تكذيبهم إياي، { ولا ينطلق لسانى ~~} ، قال: هذا للعقدة التي كانت على لسانه، قرأ يعقوب «ويضيق»، «ولا ~~ينطلق» بنصب القافين على معنى وأن يضيق، وقرأ العامة برفعهما ردا على ~~قوله: { إنى أخاف } ، { فأرسل إلى هرون } ، ليؤازرني ~~ويظاهرني على تبليغ ms1662 الرسالة. # { ولهم علي ذنب } ، أي دعوى ذنب، وهو قتله القبطي، { ~~فأخاف أن يقتلون } ، أي يقتلونني به. # { قال } ، الله تعالى، { كلا } ، أي لن يقتلوك، { فاذهبا ~~بئايتنآ إنا معكم مستمعون } ، سامعون ما يقولون، ~~ذكر " معكم " بلفظ الجمع، وهما اثنان، أجراهما مجرى الجماعة. وقيل: أراد ~~معكما ومع بني إسرائيل نسمع ما يجيبكم فرعون. # { فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العلمين } ~~، ولم يقل: رسولا رب العالمين، لأنه أراد بالرسالة، أنا ذو رسالة رب ~~العالمين، كما قال كثير: # لقد كذب الواشون ما بحت عندهم # بسر ولا أرسلتهم برسول # أي: بالرسالة، وقال أبو عبيدة: يجوز أن يكون الرسول بمعنى الاثنين ~~والجمع، تقول العرب: هذا رسولي ووكيلي وهذان وهؤلاء رسولي ووكيلي، كما ~~قال الله تعالى: # وهم لكم عدو # [الكهف: 50]، وقيل: معناه كل واحد منا رسول رب العالمين. # { أن أرسل } ، أي: بأن أرسل، { معنا بنى إسرءيل } ، ~~أي إلى فلسطين، ولا تستعبدهم، وكان فرعون استعبدهم أربعمائة سنة، وكانوا ~~في ذلك الوقت ستمائة ألف وثلاثين ألفا، فانطلق موسى إلى مصر وهارون بها ~~فأخبره بذلك. # وفي القصة: أن موسى رجع إلى مصر وعليه جبة صوف وفي يده عصا، والمكتل ~~معلق في رأس العصا، وفيه زاده، فدخل دار نفسه وأخبر هارون بأن الله ~~أرسلني إلى فرعون وأرسلني إليك حتى تدعو فرعون إلى الله، فخرجت أمهما ~~وصاحت وقالت: إن فرعون يطلبك ليقتلك فلو ذهبتما إليه قتلكما فلم يمتنع ~~بقولها، وذهبا إلى باب فرعون ليلا ودقا الباب، ففزع البوابون وقالوا ~~من بالباب؟ # وروي أنه اطلع البواب عليهما فقال من أنتما؟ فقال موسى: أنا رسول رب ~~العالمين، فذهب البواب إلى فرعون وقال: إن مجنونا بالباب يزعم أنه رسول ~~رب العالمين، فترل حتى أصبح، ثم دعاهما. # وروي أنهما انطلقا جميعا إلى فرعون فلم يؤذن لهما سنة في الدخول عليه، ~~فدخل البواب فقال لفرعون: هاهنا إنسان يزعم أنه رسول رب العالمين، فقال ~~فرعون: ائذن له لعلنا نضحك منه، فدخلا عليه وأديا رسالة الله عز وجل ~~فعرف فرعون موسى؛ لأنه نشأ في بيته. ### || [26.18-20] # { قال ألم نربك فينا ms1663 وليدا } ، صبيا، { ولبثت ~~فينا من عمرك سنين } ، وهو ثلاثون سنة. # { وفعلت فعلتك التى فعلت } ، يعني: قتل القبطي، { ~~وأنت من الكفرين } ، قال الحسن والسدي: يعني وأنت من ~~الكافرين بإلهك وكنت على ديننا هذا الذي تعيبه. # وقال أكثر المفسرين: معنى قوله " وأنت من الكافرين " ، أي: من الجاحدين ~~لنعمتي وحق تربيتي، يقول ربيناك فينا فكافأتنا أن قتلت منا نفسا، وكفرت ~~بنعمتنا. وهذه رواية العوفي عن ابن عباس، وقال: إن فرعون لم يكن يعلم ما ~~الكفر بالربوبية. # { قال } ، موسى، { فعلتهآ إذا } ، أي فعلت ما فعلت حينئذ، { ~~وأنا من الضآلين } ، أي: من الجاهلين أي: لم يأتني من الله ~~شيء. وقيل: من الجاهلين بأن ذلك يؤدي إلى قتله. وقيل: من الضالين عن طريق ~~الصواب من غير تعمد. وقيل: من المخطئين. ### || [26.21-22] # { ففررت منكم لما خفتكم } ، إلى مدين، { فوهب لى ~~ربى حكما } ، يعني النبوة، وقال مقاتل: يعني العلم والفهم، { ~~وجعلنى من المرسلين }. # { وتلك نعمة تمنها على أن عبدت بنى ~~إسرءيل } ، اختلفوا في تأويلها فحملها بعضهم على الإقرار وبعضهم ~~على الإنكار. # فمن قال هو إقرار، قال عدها موسى نعمة منه عليه حيث رباه، ولم يقتله ~~كما قتل سائر غلمان بني إسرائيل، ولم يستعبده كما استعبد بني إسرائيل، ~~مجازه: بلى وتلك نعمة لك علي أن عبدت بني إسرائيل، وتركتني فلم ~~تستعبدني. # ومن قال: هو إنكار قال قوله: { وتلك نعمة } وهو على طريق ~~الاستفهام، أي: أو تلك نعمة؟ حذف ألف الاستفهام، كقوله: # فهم الخالدون # [الأنبياء: 34]؟ قال الشاعر: # تروح من الحي أو تبتكر # وماذا يضرك لو تنتظر؟ # أي: أتروح من الحي؟ # وقال عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة: # لم أنس يوم الرحيل وقفتها # وطرفها في دموعها غرق # وقولها والركاب واقفة # تتركني هكذا وتنطلق؟ # أي: أتتركني، يقول تمن علي أن ربيتني، وتنسى جنايتك على بني ~~إسرائيل بالاستعباد والمعاملات القبيحة؟. # أو يريد: كيف تمن علي بالتربية وقد استعبدت قومي، ومن أهين قومه ذل، ~~فتعبيدك بني إسرائيل قد أحبط إحسانك إلي. # وقيل: معناه تمن علي بالتربية. وقوله: { أن عبدت بنى ~~إسرءيل } أي: باستعبادك ms1664 بني إسرائيل وقتلك أولادهم، دفعت إليك حتى ~~ربيتني وكفلتني ولو لم تستعبدهم وتقتلهم كان لي من أهل من يربيني ولم ~~يلقوني في اليم، فأي نعمة لك علي؟. # قوله { عبدت } ، أي: اتخذتهم عبيدا، يقال عبدت فلانا، ~~وأعبدته، وتعبدته، واستعبدته، أي اتخذته عبدا. ### || [26.23-30] # { قال فرعون وما رب العلمين } , يقول: أي شيء رب ~~العالمين الذي تزعم أنك رسوله إلي يستوصفه إلهه الذي أرسله إليه ب " ما ~~" هو سؤال عن جنس الشيء، والله منزه عن الجنسية، فأجابه موسى عليه ~~السلام يذكر أفعاله التي يعجز الخلق عن الإتيان بمثلها. # { قال رب السموت والأرض وما بينهمآ إن كنتم ~~موقنين } ، أنه خالقهما. قال أهل المعاني: أي كما توقنون هذه ~~الأشياء التي تعاينونها فأيقنوا أن إله الخلق هو الله عز وجل، فلما ~~قال موسى ذلك تحير فرعون في جواب موسى. # { قال لمن حوله } ، من أشراف قومه. قال ابن عباس: كانوا خمس ~~مائة رجل عليهم الأسورة، قال لهم فرعون استبعادا لقول موسى، { ألا ~~تستمعون } ، وذلك أنهم كانوا يعتقدون أن آلهتهم ملوكهم، فزادهم ~~موسى في البيان. # { قال ربكم ورب آبآئكم الأولين }. # { قال } ، يعني: فرعون: { إن رسولكم الذى أرسل ~~إليكم لمجنون } ، يتكلم بكلام لا نعقله ولا نعرف صحته، وكان ~~عندهم أن من لا يعتقد ما يعتقدون ليس بعاقل، فزاد موسى في البيان: # { قال رب المشرق والمغرب وما بينهمآ إن كنتم ~~تعقلون }. # { قال } ، فرعون حين لزمته الحجة وانقطع عن الجواب تكبرا عن ~~الحق: # { لئن اتخذت إلها غيرى لأجعلنك من ~~المسجونين } ، أي: المحبوسين، قال الكلبي: كان سجنه أشد من القتل، ~~لأنه كان يأخذ الرجل فيطرحه في مكان وحده فردا لا يسمع ولا يبصر فيه ~~شيئا، يهوي به في الأرض. # { قال } له موسى حين توعده بالسجن { أولو جئتك } ، أي: وإن ~~جئتك، { بشىء مبين } ، بآية مبينة، ومعنى الآية: أتفعل ذلك وإن ~~أتيتك بحجة بينة؟ وإنما قال ذلك موسى لأن من أخلاق الناس السكون إلى ~~الإنصاف والإجابة إلى الحق بعد البيان. ### || [26.31-43] # { قال } له فرعون، { فأت به } ، فإنا لن نسجنك حينئذ، { إن ~~كنت من الصدقين ms1665 }. # { فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين } ، فقال وهل ~~غيرها، { ونزع } ، موسى، { يده فإذا هى بيضآء ~~للنظرين }. # { قال } فرعون { للملإ حوله إن هذا لسحر عليم ~~}. # { يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا ~~تأمرون }. # { قالوا أرجه وأخاه وابعث فى المدآئن حشرين ~~}. # { يأتوك بكل سحار عليم }. # { فجمع السحرة لميقت يوم معلوم } ، وهو يوم ~~الزينة. وروي عن ابن عباس قال: وافق ذلك اليوم يوم السبت، في أول يوم من ~~السنة، وهو يوم النيروز. # { وقيل للناس هل أنتم مجتمعون } لتنظروا إلى ما يفعل ~~الفريقان ولمن تكون الغلبة. # { لعلنا } لكي, { نتبع السحرة إن كانوا هم ~~الغلبين } لموسى، وقيل: إنما قالوا ذلك على طريق الاستهزاء، ~~وأرادوا بالسحرة موسى وهارون وقومهما. # { فلما جآء السحرة قالوا لفرعون أإن لنا ~~لأجرا إن كنا نحن الغلبين }. # { قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين }. # { قال لهم موسى ألقوا مآ أنتم ملقون }. ### || [26.44-52] # { فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة ~~فرعون إنا لنحن الغلبون }. # { فألقى موسى عصاه فإذا هى تلقف ما يأفكون }. # { فألقى السحرة سجدين }. # { قالوا آمنا برب العلمين }. # { رب موسى وهرون }. # { قال ءامنتم له قبل أن ءاذن لكم إنه ~~لكبيركم الذى علمكم السحر فلسوف تعلمون ~~لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ~~ولأصلبنكم أجمعين }. # { قالوا لا ضير } , لا ضرر { إنآ إلى ربنا ~~منقلبون }. # { إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطينآ أن ~~كنآ أول المؤمنين }. من أهل زماننا. # { وأوحينآ إلى موسى أن أسر بعبادى إنكم ~~متبعون } , يتبعكم فرعون وقومه ليحولوا بينكم وبين الخروج من مصر. # وروي عن ابن جريج قال: أوحى الله تعالى إلى موسى: أن اجمع بني إسرائيل ~~كل أربعة أهل أبيات في بيت، ثم اذبحوا أولاد الضأن، فاضربوا بدمائها على ~~أبوابكم، فإني سآمر الملائكة فلا يدخلوا بيتا من بابه دم، وسآمرها فتقتل ~~أبكار آل فرعون من أنفسهم وأموالهم، ثم اخبزوا خبزا فطيرا فإنه أسرع ~~لكم ثم أسر بعبادي حتى تنتهي إلى البحر، فيأتيك أمري ففعل ذلك، فلما ~~أصبحوا قال فرعون: هذا عمل موسى وقومه، قتلوا أبكارنا من أنفسنا، وأخذوا ~~أموالنا. فأرسل في أثره ألف ألف وخمسمائة ms1666 ألف ملك مسور مع كل ملك ألف، ~~وخرج فرعون في الكرسي العظيم. ### || [26.53-58] # { فأرسل فرعون فى المدآئن حشرين } ، يحشرون الناس ~~يعني: الشرط ليجمعوا السحرة. وقيل: حتى يجمعوا له الجيش، وذكر بعضهم: ~~أنه كان له ألف مدينة واثنا عشرة ألف قرية. وقال لهم: # { إن هؤلاء لشرذمة } ، عصابة { قليلون } ، والشرذمة ~~القطعة من الناس غير الكثير، وجمعها شراذم. وقال أهل التفسير: كانت ~~الشرذمة الذين قللهم فرعون ستمائة ألف. وعن ابن مسعود قال: كانوا ~~ستمائة وسبعين ألفا ولا يحصى عدد أصحاب فرعون. # { وإنهم لنا لغآئظون } يقال، غاظه وأغاظه وغيظه إذا أغضبه، ~~والغيظ والغضب واحد، يقول: أغضبونا بمخالفتهم ديننا وقتلهم أبكارنا ~~وذهابهم بأموالنا التي استعاروها، وخروجهم من أرضنا بغير إذن منا. # { وإنا لجميع حذرون } ، قرأ أهل الحجاز والبصرة «حذرون» ~~و«فرهين» بغير ألف وقرأ الآخرون «حاذرون» و«فارهين» بالأف فيهما، وهما ~~لغتان. # وقال أهل التفسير: حاذرون، أي: مؤدون ومقوون، أي: ذو أداة وقوة ~~مستعدون شاكون في السلاح، ومعنى " حذرون " أي خائفون شرهم. وقال الزجاج: ~~" الحاذر " المستعد، و " الحذر ": المتيقظ. وقال الفراء: " الحاذر ": ~~الذي يحذرك الآن، و " الحذر " المخوف. وكذلك لا تلقاه إلا حذرا. ~~والحذر: اجتناب الشيء خوفا منه. # { فأخرجنهم من جنت } ، وفي القصة: البساتين كانت ~~ممتدة على حافتي النيل، { وعيون } ، أنهار جارية. # { وكنوز } ، يعني الأموال الظاهرة من الذهب والفضة. قال مجاهد: ~~سماها كنوزا لأنه لم يعط حق الله منها، وما لم يعط حق الله منه فهو كنز، ~~وإن كان ظاهرا، قيل: كان لفرعون ثمانمائة ألف غلام، كل غلام على فرس ~~عتيق، في عنق كل فرس طوق من ذهب، { ومقام كريم } ، أي مجلس حسن. ~~قال المفسرون: أراد مجالس الأمراء والرؤساء التي كانت تحفها الأتباع. ~~وقال مجاهد، وسعيد بن جبير: هي المنابر. وذكر بعضهم: أنه كان إذا قعد على ~~سريره وضع بين يديه ثلاثمائة كرسي من ذهب يجلس عليها الأشراف عليهم ~~الأقبية من الديباج مخوصة بالذهب. ### || [26.59-63] # { كذلك } , كما وصفنا، { وأورثنها } ، بهلاكهم، { بنى ~~إسرءيل } ، وذلك أن الله تعالى رد بني إسرائيل إلى مصر بعدما أغرق ~~فرعون وقومه، فأعطاهم جميع ms1667 ما كان لفرعون وقومه من الأموال والمساكن. # { فأتبعوهم مشرقين } ، أي: لحقوهم في وقت إشراق الشمس، وهو ~~إضاءتها، أي أدرك قوم فرعون موسى وأصحابه وقت شروق الشمس. # { فلما ترآءا الجمعان } ، أي: تقابلا بحيث يرى كل فريق ~~صاحبه، وكسر حمزة الراء من " تراءى " وفتحها الآخرون. { قال أصحب ~~موسى إنا لمدركون } ، يعني سيدركنا قوم فرعون ولا طاقة لنا ~~بهم. # { قال } ، موسى ثقة بوعد الله إياه: { كلا } ، لن يدركونا، { ~~إن معى ربى سيهدين } ، يدلني على طريق النجاة. # { فأوحينآ إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر ~~فانفلق } ، أي: فضربه " فانفلق " فانشق، { فكان كل فرق } ~~، قطعة من الماء، { كالطود العظيم } ، كالجبل الضخم، قال ابن ~~جريج وغيره: لما انتهى موسى إلى البحر هاجت الريح والبحر يرمي بموج مثل ~~الجبال، فقال يوشع: يا مكلم الله أين أمرت فقد غشينا فرعون والبحر ~~أمامنا؟ قال موسى: هاهنا فخاض يوشع الماء وجاز البحر، ما يواري حافر ~~دابته الماء. وقال الذي يكتم إيمانه: يا مكلم الله أين أمرت؟ قال: ~~هاهنا فكبح فرسه بلجامه حتى طار الزبد من شدقيه، ثم أقحمه البحر، ~~فارتسب في الماء، وذهب القوم يصنعون مثل ذلك، فلم يقدروا، فجعل موسى لا ~~يدري كيف يصنع، فأوحى الله إليه: أن اضرب بعصاك البحر فضربه فانفلق فإذا ~~الرجل واقف على فرسه لم يبتل سرجه ولا لبده. ### || [26.64-73] # { وأزلفنا } ، يعني: وقربنا { ثم الأخرين } ، يعني: ~~قوم فرعون، يقول: قدمناهم إلى البحر، وقربناهم إلى الهلاك، وقال أبو ~~عبيدة: " وأزلفنا ": جمعنا، ومنه ليلة المزدلفة أي: ليلة الجمع. وفي ~~القصة أن جبريل كان بين بني إسرائيل وقوم فرعون وكان يسوق بني إسرائيل، ~~ويقول ما رأينا أحسن سياقه من هذا الرجل، وكان يزع قوم فرعون، وكانوا ~~يقولون: ما رأينا أحسن زعة من هذا. # { وأنجينا موسى ومن معه أجمعين }. # { ثم أغرقنا الأخرين } ، فرعون وقومه. وقال سعيد بن جبير: ~~كان البحر ساكنا قبل ذلك، فلما ضربه موسى بالعصا اضطرب فجعل يميد ويجزر. # { إن في ذلك لأية وما كان أكثرهم مؤمنين } ، ~~أي: من أهل مصر، قيل: لم يكن آمن من أهل مصر ms1668 إلا آسية امرأة فرعون وحزبيل ~~المؤمن، ومريم بنت مأمويا التي دلت على عظام يوسف عليه السلام. # { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } ، العزيز في الانتقام ~~من أعدائه، الرحيم بالمؤمنين حين أنجاهم. # قوله: { واتل عليهم نبأ إبرهيم }. # { إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون } ، أي شيء ~~تعبدون؟. # { قالوا نعبد أصناما فنظل لها عكفين } , أي: ~~نقيم على عبادتها. قال بعض أهل العلم: إنما قال: { فنظل } لأنهم ~~كانوا يعبدونها بالنهار، دون الليل، يقال: ظل يفعل كذا إذا فعل بالنهار. # { قال هل يسمعونكم } ، أي: هل يسمعون دعاءكم، { إذ ~~تدعون } ، قال ابن عباس يسمعون لكم. # { أو ينفعونكم } قيل بالرزق، { أو يضرون } ، إن تركتم ~~عبادتها. ### || [26.74-79] # { قالوا بل وجدنآ ءابآءنا كذلك يفعلون } ، معناه: ~~إنها لا تسمع قولا، ولا تجلب نفعا، ولا تدفع ضرا، لكن اقتدينا ~~بآبائنا. فيه إبطال التقليد في الدين. # { قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآبآؤكم ~~الأقدمون } , الأولون. # { فإنهم عدو لى } ، أي: أعداء لي، ووحده على معنى أن كل ~~معبود لكم عدو لي. فإن قيل: كيف وصف الأصنام بالعداوة وهي جمادات؟ # قيل: معناه فإنهم عدو لي لو عبدتهم يوم القيامة، كما قال تعالى: # سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا # [مريم: 82]. # وقال الفراء: هو من المقلوب، أراد: فإني عدو لهم لأن من عاديته فقد ~~عاداك. # وقيل: " فإنهم عدو لي " على معنى إني لا أتولاهم ولا أطلب من جهتهم ~~نفعا، كما لا يتولى العدو، ولا يطلب من جهته النفع. # قوله: { إلا رب العلمين } ، اختلفوا في هذا الاستثناء، ~~قيل: هو استثناء منقطع، كأنه قال: فإنهم عدو لي لكن رب العالمين وليي. # وقيل: إنهم كانوا يعبدون الأصنام مع الله، فقال إبراهيم: كل من تعبدون ~~أعدائي إلا رب العالمين. # وقيل: إنهم غير معبود لي إلا رب العالمين، فإني أعبده. وقال الحسين ~~بن الفضل: معناه إلا من عبد رب العالمين. ثم وصف معبوده فقال: # { الذي خلقني فهو يهدين } , أي: يرشدني إلى طريق النجاة. # { والذى هو يطعمنى ويسقين } ، أي: يرزقني ويغذني ~~بالطعام والشراب، فهو رازقي ومن عنده رزقي. ### || [26.80-85] # { وإذا مرضت } ، أضاف المرض إلى ms1669 نفسه وإن كان المرض والشفاء كله ~~من الله، استعمالا لحسن الأدب كما قال الخضر: # فأردت أن أعيبها # [الكهف: 79]، وقال: # فأراد ربك أن يبلغآ أشدهما # [الكهف: 82]. { فهو يشفين } ، أي: يبرئني من المرض. # { والذى يميتنى ثم يحيين } ، أدخل " ثم " هاهنا للتراخي، ~~أي: يميتني في الدنيا ويحييني في الآخرة. # { والذى أطمع } ، أي: أرجو، { أن يغفر لى خطيئتى ~~يوم الدين } ، أي: خطاياي يوم الحساب. قال مجاهد: هو قوله: { ~~إني سقيم } ، وقوله: { بل فعله كبيرهم هذا } ، ~~وقوله لسارة: " هذه أختي " ، وزاد الحسن وقوله للكواكب: { هذا ربى ~~}. # وأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد الفارسي، ~~أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا ~~مسلم بن الحجاج، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حفص بن غياث، عن داود، ~~عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة قالت: # " قلت يا رسول الله: ابن جدعان, كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم ~~المساكين، فهل ذاك نافعه؟ قال " لا ينفعه إنه لم يقل يوما, رب اغفر ~~لي خطيئتي يوم الدين ". # وهذا كله احتجاج من إبراهيم على قومه، وإخبار أنه لا يصلح للإلهية من لا ~~يفعل هذه الأفعال. { رب هب لى حكما } ، قال ابن عباس: معرفة ~~حدود الله وأحكامه. وقال مقاتل: الفهم والعلم. وقال الكلبي: النبوة، { ~~وألحقنى بالصلحين } ، بمن قبلي من النبيين في المنزلة ~~والدرجة. # { واجعل لى لسان صدق فى الأخرين } ، أي: ثناء حسنا، ~~وذكرا جميلا، وقبولا عاما في الأمم التي تجيء بعدي، فأعطاه الله ذلك، ~~فجعل كل أهل الأديان يتولونه ويثنون عليه. قال القتيبي: وضع اللسان ~~موضع القول على الاستعارة لأن القول يكون به. # { واجعلنى من ورثة جنة النعيم } ، أي: ممن تعطيه جنة ~~النعيم. ### || [26.86-96] # { واغفر لأبى إنه كان من الضآلين } ، قال هذا قبل ~~أن يتبين له أنه عدو الله، كما سبق ذكره في سورة التوبة. # { ولا تخزنى } ، لا تفضحني، { يوم يبعثون }. # { يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله ~~بقلب سليم } , أي: خالص من الشرك والشك، فأما الذنوب فليس يسلم ~~منها أحد، ms1670 هذا قول أكثر المفسرين. قال سعيد بن المسيب: القلب السليم هو ~~الصحيح، وهو قلب المؤمن لأن قلب الكافر والمنافق مريض. قال الله تعالى: # في قلوبهم مرض # [البقرة: 10], قال أبو عثمان النيسابوري: هو القلب الخالي من البدعة ~~المطمئن على السنة. # { وأزلفت } قربت { الجنة للمتقين وبرزت } , ~~أظهرت، { الجحيم للغاوين } ، للكافرين. # { وقيل لهم } ، يوم القيامة، { أين ما كنتم تعبدون ~~من دون الله هل ينصرونكم } ، يمنعونكم من العذاب، { أو ~~ينتصرون } لأنفسهم. # { فكبكبوا فيها } ، قال ابن عباس: جمعوا. وقال مجاهد: ~~دهوروا. وقال مقاتل: قذفوا. وقال الزجاج: طرح بعضهم على بعض. وقال ~~القتيبي: ألقوا على رؤوسهم. { هم والغاوون } ، يعني الشياطين، ~~قاله قتادة: ومقاتل. والكلبي: كفرة الجن. # { وجنود إبليس أجمعون } ، وهم أتباعه ومن أطاعه من الجن ~~والإنس. ويقال: ذريته. # { قالوا } أي: قال الغاوون للشياطين والمعبودين، { وهم فيها ~~يختصمون } ، مع المعبودين ويجادل بعضهم بعضا. ### || [26.97-105] # { تالله إن كنا لفى ضلل مبين }. # { إذ نسويكم } نعدلكم، { برب العلمين } ، فنعبدكم. # { ومآ أضلنآ } ، أي: ما دعانا إلى الضلال، { إلا ~~المجرمون }. قال مقاتل: يعني الشياطين. وقال الكلبي: إلا أولونا ~~الذين اقتدينا بهم. وقال أبو العالية وعكرمة: يعني إبليس، وابن آدم ~~الأول، وهو قابيل، لأنه أول من سن القتل، وأنواع المعاصي. # { فما لنا من شفعين } أي: من يشفع لنا من الملائكة والنبيين ~~والمؤمنين. # { ولا صديق حميم } ، أي: قريب يشفع لنا بقوله الكفار حين تشفع ~~الملائكة والنبيون والمؤمنون، والصديق هو الصادق في المودة بشرط الدين. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسين بن ~~محمد بن فنجويه، حدثنا محمد بن الحسن اليقطيني، أخبرنا أحمد بن عبد الله ~~يزيد العقيلي، حدثنا صفوان بن صالح، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا من سمع ~~أبا الزبير يقول: أشهد لسمعت جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # " إن الرجل ليقول في الجنة ما فعل صديقي فلان، وصديقه في الجحيم، ~~فيقول الله تعالى: أخرجوا له صديقه إلى الجنة، فيقول من بقي: فما لنا من ~~شافعين ولا صديق حميم ". # قال الحسن: استكثروا من الأصدقاء ms1671 المؤمنين فإن لهم شفاعة يوم القيامة. # { فلو أن لنا كرة } أي: رجعة إلى الدنيا، { فنكون من ~~المؤمنين }. # { إن فى ذلك لأية وما كان أكثرهم مؤمنين }. # { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } العزيز الذي لا ~~يغالب، فالله عزيز وهو في وصف عزته رحيم. # قوله عز وجل: { كذبت قوم نوح المرسلين } ، قيل للحسن ~~البصري: يا أبا سعيد أرأيت قوله: { كذبت قوم نوح ~~المرسلين } و { كذبت عاد المرسلين } و { كذبت ~~ثمود المرسلين } ، وإنما أرسل إليهم رسول واحد؟ قال: إن الآخر ~~جاء بما جاء به الأول، فإذا كذبوا واحدا فقد كذبوا الرسل أجمعين. ### || [26.106-116] # { إذ قال لهم أخوهم } , في النسب لا في الدين. { نوح ألا ~~تتقون }. # { إني لكم رسول أمين } ، على الوحي. # { فاتقوا الله } ، بطاعته وعبادته، { وأطيعون } ، فيما ~~آمركم به من الإيمان والتوحيد. # { ومآ أسئلكم عليه من أجر إن أجرى } ، ثوابي، { ~~إلا على رب العلمين }. # { فاتقوا الله وأطيعون }. # { قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون } ، قرأ يعقوب: ~~«وأتباعك الأرذلون» السفلة. وعن ابن عباس قال: الصاغة. وقال عكرمة: ~~الحاكة والأساكفة. # { قال } ، نوح، { وما علمى بما كانوا يعملون } ، أي: ~~ما أعلم أعمالهم وصنائعهم، وليس علي من دناءة مكاسبهم وأحوالهم شيء إنما ~~كلفت أن أدعوهم إلى الله، ولي منهم ظاهر أمرهم. # { إن حسابهم } ما حسابهم، { إلا على ربى لو ~~تشعرون } ، لو تعلمون ذلك ما عبتموهم بصنائعهم. قال الزجاج: ~~الصناعات لا تضر في الديانات. وقيل: معناه: أي: لم أعلم أن الله يهديهم ~~ويضلكم ويوفقهم ويخذلكم. # { ومآ أنا بطارد المؤمنين إن أنا إلا نذير ~~مبين }. # { قالوا لئن لم تنته ينوح } ، عما تقول: { لتكونن ~~من المرجومين } ، قال مقاتل والكلبي: من المقتولين بالحجارة. # وقال الضحاك: من المشتومين. ### || [26.117-128] # { قال رب إن قومى كذبون * فافتح } ، فاحكم، { ~~بينى وبينهم فتحا } ، حكما، { ونجنى ومن معى من ~~المؤمنين }. # { فأنجينه ومن معه فى الفلك المشحون } ، الموقر ~~المملوء من الناس والطير والحيوانات كلها. # { ثم أغرقنا بعد الباقين } ، أي: أغرقنا بعد إنجاء نوح، ~~وأهله: من بقي من قومه. # { إن في ذلك لأية وما كان أكثرهم مؤمنين }. # { وإن ربك لهو العزيز الرحيم ms1672 }. # قوله عز وجل: { كذبت عاد المرسلين }. # { إذ قال لهم أخوهم هود } ، يعني في النسب لا في الدين، { ~~ألا تتقون }. # { إني لكم رسول أمين } ، على الرسالة، قال الكلبي: أمين ~~فيكم قبل الرسالة، فكيف تتهموني اليوم؟. # { فاتقوا الله وأطيعون }. # { ومآ أسئلكم عليه من أجر إن أجرى إلا ~~على رب العلمين }. # { أتبنون بكل ريع } ، قال الوالبي عن ابن عباس: بكل شرف. ~~وقال الضحاك ومقاتل والكلبي: بكل طريق، وهو رواية العوفي عن ابن عباس، ~~وعن مجاهد قال: هو الفج بين الجبلين. وعنه أيضا: أنه المنظرة. { ~~ءاية } ، أي: علامة، { تعبثون } ، بمن مر بالطريق، والمعنى: ~~أنهم كانوا يبنون المواضع المرتفعة ليشرفوا على المارة والسابلة فيسخروا ~~منهم ويعبثوا بهم. وعن سعيد بن جبير ومجاهد: هذا في بروج الحمام أنكر ~~عليهم هود اتخاذها بدليل قوله: { تعبثون } ، أي: تلعبون، وهم كانوا ~~يلعبون بالحمام. وقال أبو عبيدة: الريع المكان المرتفع. ### || [26.129-137] # { وتتخذون مصانع } ، قال ابن عباس: أبنية. وقال مجاهد: ~~قصورا مشيدة. وعن الكلبي: أنها الحصون. وقال قتادة: مآخذ الماء يعني ~~الحياض، واحدتها مصنعة، { لعلكم تخلدون } ، أي: كأنكم تبقون ~~فيها خالدين، والمعنى: أنهم كانوا يستوثقون المصانع كأنهم لا يموتون. # { وإذا بطشتم } ، أخذتم وسطوتم، { بطشتم جبارين } ، ~~قتلا بالسيف وضربا بالسوط، و " الجبار ": الذي يقتل ويضرب على الغضب. # { فاتقوا الله وأطيعون }. # { واتقوا الذى أمدكم بما تعلمون } ، أي: أعطاكم ~~من الخير ما تعلمون، ثم ذكر ما أعطاهم فقال: # { أمدكم بأنعم وبنين * وجنت وعيون } ، أي: ~~بساتين وأنهار. # { إنى أخاف عليكم } ، قال ابن عباس: إن عصيتموني، { عذاب ~~يوم عظيم }. # { قالوا سوآء علينآ } ، أي: مستو عندنا، { أوعظت ~~أم لم تكن من الوعظين } ، الوعظ كلام يلين القلب بذكر ~~الوعد والوعيد. قال الكلبي: نهيتنا أم لم تكن من الناهين لنا. # { إن هذا } ، ما هذا، { إلا خلق الأولين } ، قرأ ابن ~~كثير، وأبو جعفر، وأبو عمرو، والكسائي، ويعقوب: { خلق } بفتح الخاء ~~وسكون اللام، أي: اختلاق الأولين وكذبهم، دليل هذه القراءة قوله تعالى: # وتخلقون إفكا # [العنكبوت: 17], وقرأ الآخرون { خلق } بضم الخاء واللام، أي: عادة ~~الأولين من قبلنا، وأمرهم أنهم يعيشون ما عاشوا ms1673 ثم يموتون ولا بعث ولا ~~حساب. ### || [26.138-148] # { وما نحن بمعذبين }. # { فكذبوه فأهلكنهم إن فى ذلك لأية وما ~~كان أكثرهم مؤمنين }. # { وإن ربك لهو العزيز الرحيم }. قوله عز وجل: { ~~كذبت ثمود المرسلين * إذ قال لهم أخوهم ~~صلح ألا تتقون * إنى لكم رسول أمين * فاتقوا ~~الله وأطيعون * ومآ أسألكم عليه من أجر إن ~~أجرى إلا على رب العلمين * أتتركون فى ما ~~هاهنآ } ، أي: في الدنيا { ءامنين } , من العذاب. # { فى جنت وعيون * وزروع ونخل طلعها } ، ثمرها، ~~يريد ما يطلع منها من الثمر، { هضيم } ، قال ابن عباس: لطيف، ومنه: ~~هضيم الكشح، إذا كان لطيفا. وروى عطية عنه: يانع نضيج. وقال عكرمة: هو ~~اللين. وقال الحسن: الرخو. وقال مجاهد: متهشم متفتت إذا مس، وذلك ~~أنه ما دام رطبا فهو هضيم، فإذا يبس فهو هشيم. وقال الضحاك ومقاتل: قد ~~ركب بعضه بعضا حتى هضم بعضه بعضا، أي: كسره. وقال أهل اللغة: هو ~~المنضم بعضه إلى بعض في وعائه قبل أن يظهر. وقال الأزهري: الهضيم هو ~~الداخل بعضه في بعضه من النضج والنعومة. وقيل: هضيم أي: هاضم يهضم ~~الطعام. وكل هذا للطافته. ### || [26.149-155] # { وتنحتون من الجبال بيوتا فرهين } ، وقرىء: { ~~فرهين } ، قيل: معناهما واحد. وقيل: فارهين أي: حاذقين بنحتها، من ~~قولهم فره الرجل فراهة فهو فاره، ومن قرأ { فرهين } قال ابن عباس: ~~أشرين بطرين. وقال عكرمة: ناعمين. وقال مجاهد: شرهين. وقال قتادة: ~~معجبين بصنيعكم. قال السدي: متجبرين. وقال أبو عبيدة: مرحين. وقال الأخفش ~~فرحين. والعرب تعاقب بين الهاء والحاء مثل: مدحته ومدهته. وقال الضحاك: ~~كيسين. # { فاتقوا الله وأطيعون * ولا تطيعوا أمر ~~المسرفين } ، قال ابن عباس: المشركين. وقال مقاتل: هم التسعة الذين ~~عقروا الناقة. # { الذين يفسدون فى الأرض } ، بالمعاصي، { ولا ~~يصلحون } ، لا يطيعون الله فيما أمرهم به. # { قالوا إنمآ أنت من المسحرين } ، قال مجاهد وقتادة: ~~من المسحورين المخدوعين، أي: ممن سحر مرة بعد مرة. وقال الكلبي عن أبي ~~صالح عن ابن عباس: أي: من المخلوقين المعللين بالطعام والشراب، يقال: ~~سحره، أي: علله بالطعام والشراب، يريد إنك تأكل الطعام والشراب ms1674 ولست ~~بملك، بل: # { مآ أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية } ، على صحة ما ~~تقول، { إن كنت من الصدقين } ، أنك رسول الله إلينا. # { قال هذه ناقة لها شرب } ، حظ ونصيب من الماء، { ~~ولكم شرب يوم معلوم }. ### || [26.156-171] # { ولا تمسوها بسوء } , بعقر, { فيأخذكم عذاب ~~يوم عظيم }. # { فعقروها فأصبحوا ندمين } , على عقرها حين رأوا ~~العذاب. # { فأخذهم العذاب إن فى ذلك لأية وما كان ~~أكثرهم مؤمنين }. # { وإن ربك لهو العزيز الرحيم }. # قوله تعالى: { كذبت قوم لوط المرسلين * إذ قال ~~لهم أخوهم لوط ألا تتقون * إنى لكم رسول أمين ~~* فاتقوا الله وأطيعون * ومآ أسألكم عليه من ~~أجر إن أجرى إلا على رب العلمين * أتأتون ~~الذكران } , قال مقاتل: يعني جماع الرجال. { من العلمين } ~~, يعني من بني آدم. # { وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزوجكم } , قال ~~مجاهد: تركتم أقبال النساء إلى أدبار الرجال، { بل أنتم قوم ~~عادون } ، معتدون، مجاوزون الحلال إلى الحرام. # { قالوا لئن لم تنته يلوط لتكونن من ~~المخرجين } ، من قريتنا. # { قال إنى لعملكم من القالين } ، المبغضين، ثم دعا ~~فقال: # { رب نجنى وأهلى مما يعملون } ، من العمل الخبيث. # قال الله تعالى: { فنجينه وأهله أجمعين * إلا ~~عجوزا فى الغبرين } ، وهي امرأة لوط، بقيت في العذاب ~~والهلاك. ### || [26.172-184] # { ثم دمرنا الأخرين } ، أي: أهلكناهم. # { وأمطرنا عليهم مطرا فسآء مطر المنذرين } ، ~~قال وهب بن منبه: الكبريت والنار. # { إن في ذلك لأية وما كان أكثرهم مؤمنين }. # { وإن ربك لهو العزيز الرحيم }. # قوله عز وجل: { كذب أصحب الأيكة المرسلين } ، وهم ~~قوم شعيب عليه السلام، قرأ العراقيون: «الآيكة» ههنا وفي " ص " بالهمزة ~~وسكون اللام وكسر التاء، وقرأ الآخرون: «ليكة» بفتح اللام والتاء غير ~~مهموز، جعلوها اسم البلد، وهو لا ينصرف، ولم يختلفوا في سورة " الحجر " و ~~" ق " أنهما مهموزان مكسوران، والأيكة: الغيضة من الشجر الملتف. # { إذ قال لهم شعيب } ، ولم يقل أخوهم؛ لأنه لم يكن من أصحاب ~~الأيكة في النسب، فلما ذكر مدين قال أخاهم شعيبا لأنه كان منهم، وكان ~~الله تعالى بعثه إلى قومه أهل مدين وإلى أصحاب الأيكة، { ألا ~~تتقون }. # { إنى ms1675 لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون * ~~ومآ أسألكم عليه من أجر إن أجرى إلا على ~~رب العلمين } , وإنما كانت دعوة هؤلاء الأنبياء كلهم فيما حكى ~~الله عنهم على صيغة واحدة لاتفاقهم على الأمر بالتقوى والطاعة والإخلاص ~~في العبادة والامتناع من أخذ الأجر على الدعوة وتبليغ الرسالة. # { أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين } , ~~الناقصين لحقوق الناس بالكيل والوزن. # { وزنوا بالقسطاس المستقيم * ولا تبخسوا ~~الناس أشيآءهم ولا تعثوا فى الأرض مفسدين * ~~واتقوا الذى خلقكم والجبلة } ، الخليقة، { ~~الأولين } ، يعني: الأمم المتقدمين، والجبلة: الخلق، يقال: جبل ~~أي: خلق. ### || [26.185-195] # { قالوا إنمآ أنت من المسحرين * ومآ أنت إلا ~~بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكذبين * فأسقط ~~علينا كسفا من السمآء إن كنت من الصدقين * ~~قال ربى أعلم بما تعملون }. أي: من نقصان الكيل والوزن، ~~وهو مجازيكم بأعمالكم، وليس العذاب إلي وما علي إلا الدعوة. # { فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة } ، وذلك أنه ~~أخذهم حر شديد، فكانوا يدخلون الأسراب فإذا دخلوها وجدوها أشد حرا ~~فخرجوا، فأظلتهم سحابة، وهي الظلة، فاجتمعوا تحتها، فأمطرت عليهم نارا ~~فاحترقوا، ذكرناه في سورة هود. { إنه كان عذاب يوم عظيم ~~}. # { إن في ذلك لأية وما كان أكثرهم مؤمنين }. # { وإن ربك لهو العزيز الرحيم }. # قوله عز وجل: { وإنه } , يعني القرآن. { لتنزيل رب ~~العلمين نزل به الروح الأمين } ، قرأ أهل الحجاز وأبو ~~عمرو، وحفص: «نزل» خفيف، " الروح الأمين " برفع الحاء والنون، أي: نزل ~~جبريل بالقرآن. وقرأ الآخرون بتشديد الزاي وفتح الحاء والنون أي: نزل ~~الله به جبريل، لقوله عز وجل: { وإنه لتنزيل رب ~~العلمين }. # { على قلبك } ، يا محمد حتى وعيته، { لتكون من ~~المنذرين } ، المخوفين. # { بلسان عربى مبين } قال ابن عباس: لسان قريش ليفهموا ما ~~فيه. ### || [26.196-200] # { وإنه } ، أي: ذكر إنزال القرآن، قاله أكثر المفسرين. وقال ~~مقاتل: ذكر محمد صلى الله عليه وسلم ونعته، { لفى زبر ~~الأولين }. # { أو لم يكن لهم ءاية } ، قرأ ابن عامر: «تكن» بالتاء " ~~آية " بالرفع، جعل الآية اسما وخبره: { أن يعلمه } ، وقرأ ~~الآخرون بالياء، { ءاية } نصب، جعلوا الآية خبر يكن، معناه: أولم يكن ms1676 ~~لهؤلاء المنكرين علم بني إسرائيل آية، أي علامة ودلالة على نبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم، لأن العلماء الذين كانوا من بني إسرائيل، كانوا ~~يخبرون بوجود ذكره في كتبهم، وهم: عبد الله بن سلام وأصحابه. قال ابن ~~عباس: بعث أهل مكة إلى اليهود وهم بالمدينة فسألوهم عن محمد صلى الله ~~عليه وسلم، فقالوا: إن هذا لزمانه وإنا نجد في التوراة نعته وصفته، فكان ~~ذلك آية على صدقه. # قوله تعالى: { أن يعلمه } ، يعني يعلم محمدا صلى الله عليه وسلم، ~~{ علماء بنى إسرءيل } ، قال عطية: كانوا خمسة عبد الله بن ~~سلام، وابن يامين، وثعلبة، وأسد، وأسيد. # { ولو نزلنه } ، يعني القرآن، { على بعض الأعجمين ~~} ، جمع الأعجمي، وهو الذي لا يفصح ولا يحسن العربية وإن كان عربيا في ~~النسب، والعجمي: منسوب إلى العجم، وإن كان فصيحا. ومعنى الآية: ولو ~~نزلناه على رجل ليس بعربي اللسان. # { فقرأه عليهم } ، بغير لغة العرب، { ما كانوا به ~~مؤمنين } ، وقالوا: ما نفقه قولك، نظيره قوله عز وجل: # ولو جعلنه قرءانا أعجميا لقالوا لولا ~~فصلت ءايته # [فصلت: 44]، وقيل: معناه ولو نزلناه على رجل ليس من العرب لما آمنوا به ~~أنفة من اتباعه. # { كذلك سلكناه } ، قال ابن عباس، والحسن، ومجاهد: أدخلناه ~~الشرك والتكذيب { في قلوب المجرمين }. ### || [26.201-213] # { لا يؤمنون به } ، أي: بالقرآن، { حتى يروا العذاب ~~الأليم } ، يعني: عند الموت. # { فيأتيهم } ، يعني: العذاب، { بغتة } ، فجأة، { وهم لا ~~يشعرون } ، به في الدنيا. # { فيقولوا هل نحن منظرون } ، أي: لنؤمن ونصدق، يتمنون ~~الرجعة والنظرة. قال مقاتل: لما أوعدهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالعذاب، قالوا: إلى متى توعدنا بالعذاب؟ ومتى هذا العذاب؟ قال الله ~~تعالى: { أفبعذابنا يستعجلون * أفرأيت إن ~~متعنهم سنين } ، كثيرة في الدنيا، يعني كفار مكة، ولم ~~نهلكهم. # { ثم جآءهم ما كانوا يوعدون } ، يعني: بالعذاب. # { مآ أغنى عنهم ما كانوا يمتعون } ، به في تلك ~~السنين. والمعنى أنهم وإن طال تمتعهم بنعيم الدنيا فإذا أتاهم العذاب لم ~~يغن عنهم طول التمتع شيئا، ويكونون كأنهم لم يكونوا في نعيم قط. # { ومآ أهلكنا من قرية إلا لها ms1677 منذرون } ، رسل ~~ينذرونهم. # { ذكرى } ، محلها نصب، أي ينذرونهم، تذكر، وقيل: رفع أي تلك ذكرى، { ~~وما كنا ظلمين } ، في تعذيبهم حيث قدمنا الحجة عليهم وأعذرنا ~~إليهم. # { وما تنزلت به الشيطين } ، وذلك أن المشركين كانوا ~~يقولون إن الشياطين يلقون القرآن على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، فقال ~~جل ذكره: { وما تنزلت به } ، به أي بالقرآن الشياطين. # { وما ينبغى لهم } ، أن ينزلوا بالقرآن، { وما يستطيعون ~~} ، ذلك. # { إنهم عن السمع } ، أي: عن استراق السمع من السماء، { ~~لمعزولون } ، أي: محجوبون بالشهب مرجومون. # { فلا تدع مع الله إلها ءاخر فتكون من ~~المعذبين } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يحذر به غيره، يقول: ~~أنت أكرم الخلق علي ولو اتخذت إلها غيري لعذبتك. ### || [26.214] # { وأنذر عشيرتك الأقربين } , روى محمد بن إسحاق، عن عبد ~~الغفار بن القاسم، عن المنهال ابن عمرو، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل ~~بن الحارث بن عبد المطلب، عن عبد الله بن عباس، # " عن علي بن أبي طالب. قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: { وأنذر عشيرتك الأقربين } ، دعاني رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال: " يا علي إن الله يأمرني أن أنذر عشيرتي ~~الأقربين فضقت بذلك ذرعا وعرفت أني متى أباديهم بهذا الأمر أرى منهم ما ~~أكره، فصمت عليها جاءني جبريل، فقال لي: يا محمد إلا تفعل ما تؤمر ~~يعذبك ربك فاصنع لنا صاعا من طعام واجعل عليه رجل شاة، واملأ لنا ~~عسا من لبن، ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى أبلغهم ما أمرت به ". ~~قال علي رضي الله عنه: ففعلت ما أمرني به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ثم دعوتهم له، وهم يومئذ أربعون رجلا، يزيدون رجلا أو ينقصونه، فيهم ~~أعمامه: أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب، فلما اجتمعوا إليه دعاني ~~بالطعام الذي صنعته فجئت به، فلما وضعته تناول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم جذبة من اللحم، فشقها بأسنانه ثم ألقاها في نواحي الصحفة، ثم قال: " ~~خذوا باسم الله " فأكل القوم حتى مالهم ms1678 بشيء حاجة، وأيم الله إن كان ~~الرجل الواحد منهم ليأكل مثل ما قدمت لجميعهم، ثم قال: " اسق القوم " ~~فجئتهم بذلك العس، فشربوا حتى رووا جميعا، وأيم الله إن كان الرجل ~~الواحد منهم ليشرب مثله. فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يكلمهم بدره أبو لهب فقال: سحركم صاحبكم، فتفرق القوم ولم يكلمهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم،فقال الغد: " يا علي إن هذا الرجل قد سبقني إلى ~~ما سمعت من القوم فتفرق القوم قبل أن أكلمهم، فعد لنا من الطعام مثل ~~ما صنعت ثم اجمعهم " ففعلت ثم جمعتهم فدعاني بالطعام فقربته، ففعل ~~كما فعل بالأمس، فأكلوا وشربوا ثم تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: " يا بني عبد المطلب إني قد جئتكم بخيري الدنيا والآخرة. وقد ~~أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه، فأيكم يوازرني على أمري هذا؟ ويكون ~~أخي ووصيتي وخليفتي فيكم، فأحجم القوم عنها جميعا، فقلت - وأنا أحدثهم ~~سنا - أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه. قال: فأخذ برقبتي ثم قال: إن ~~هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا " فقام القوم يضحكون، ~~ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لعلي وتطيع ". # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا ~~أبو أسامة، حدثنا الأعمش، حدثنا عمرو ابن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما: لما نزلت { وأنذر عشيرتك الأقربين } ~~" ورهطك منهم المخلصين " # " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا، فهتف يا صباحاه، ~~فقالوا: من هذا؟ فاجتمعوا إليه فقال: " أرأيتكم إن أخبرتكم أن خيلا ~~تخرج من صفح هذا الجبل أكنتم مصدقي "؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبا قال: ~~{ فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد } فقال أبو لهب: تبا لك ما جمعتنا ~~إلا لهذا، ثم قام: فنزلت { تبت يدا أبي لهب وقد تب } " # هكذا قرأ الأعمش يومئذ. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا ms1679 أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عمر بن حفص بن غياث، ~~حدثنا أبي, حدثنا الأعمش، حدثني عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن ~~عباس قال: # " لما نزلت { وأنذر عشيرتك الأقربين } ، صعد النبي صلى ~~الله عليه وسلم على الصفا فجعل ينادي: " يا بني فهر، يا بني عدي لبطون ~~قريش حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ~~ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا ~~بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم ما جربنا ~~عليك إلا صدقا، قال: " فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد فقال أبو ~~لهب: تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: { تبت يدآ أبي ~~لهب وتب مآ أغنى عنه ماله وما كسب } ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن ~~الزهري، أخبرني سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة ~~قال: # " قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله تعالى: { وأنذر ~~عشيرتك الأقربين } ، فقال: " يا معشر قريش، أو كلمة نحوها، ~~اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم ~~من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا، يا ~~صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا، ويا فاطمة بنت محمد سليني ~~ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئا ". # أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، أخبرني جدي أبو سهل بن عبد ~~الصمد بن عبد الرحمن البزاز، أخبرنا أبو بكر محمد بن زكريا العذافري، ~~أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ~~قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عياض بن حمار المجاشعي قال: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله عز ms1680 وجل أمرني أن أعلمكم ~~ما جهلتم مما علمني يومي هذا، وإنه قال: إن كل مال نحلته ~~عبادي فهو لهم حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، فأتتهم الشياطين ~~فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن ~~يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم ~~عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، وإن الله تعالى أمرني أن ~~أخوف قريشا، فقلت: يا رب إنهم إذا يثلغوا رأسي حتى يدعوه خبزة، ~~فقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وقد أنزلت عليك كتابا لا يغسله ~~الماء، تقرؤه في المنام واليقظة، فاغزهم نغزك، وانفق ننفق عليك، ~~وابعث جيشا نمددك بخمسة أمثالهم، وقاتل بمن أطاعك من عصاك، ثم ~~قال: أهل الجنة ثلاثة: إمام مقسط، ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذي قربى ~~ومسلم، ورجل غني متصدق، وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا دين له، الذين ~~هم فيكم تبع لا يبتغون بذلك أهلا ولا مالا، ورجل إن أصبح أصبح ~~يخادعك عن أهلك ومالك، ورجل لا يخفى له طمع - وإن دق - إلا ذهب به، ~~والشنظير الفاحش. قال: وذكر البخل والكذب ". ### || [26.215-220] # قوله عز وجل: { واخفض جناحك لمن اتبعك من ~~المؤمنين }. # { فإن عصوك فقل إنى برىء مما تعملون } , من ~~الكفر وعبادة غير الله. # { وتوكل } ، قرأ أهل المدينة، والشام: " فتوكل " بالفاء، وكذلك هو ~~في مصاحفهم، وقرأ الباقون بالواو «وتوكل»، { على العزيز الرحيم ~~} ، ليكفيك كيد الأعداء. # { الذى يراك حين تقوم } ، إلى صلاتك، عن أكثر المفسرين. وقال ~~مجاهد: الذي يراك أينما كنت. وقيل: حين تقوم لدعائهم. # { وتقلبك فى السجدين } ، أي: يرى تقلبك في صلاتك في حال ~~قيامك وركوعك وسجودك وقعودك. قال عكرمة وعطية عن ابن عباس: في الساجدين ~~أي: في المصلين. وقال مقاتل والكلبي: أي مع المصلين في الجماعة، يقول: ~~يراك حين تقوم وحدك للصلاة ويراك إذا صليت مع المصلين في الجماعة. # وقال مجاهد: يرى تقلب بصرك في المصلين، فإنه كان يبصر من خلفه كما يبصر ~~من أمامه. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا ms1681 أبو إسحاق ~~الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " هل ترون قبلتي ههنا, فوالله ما يخفي علي خشوعكم ولا ركوعكم, إني ~~لأراكم من وراء ظهري ". # وقال الحسن: " وتقلبك في الساجدين " أي: تصرفك وذهابك ومجيئك في أصحابك ~~المؤمنين. # وقال سعيد بن جبير: يعني وتصرفك في أحوالك، كما كانت الأنبياء من قبلك. ~~والساجدون: هم الأنبياء. # وقال عطاء عن ابن عباس: أراد تقلبك في أصلاب الأنبياء من نبي إلى نبي ~~حتى أخرجك في هذه الأمة. # { إنه هو السميع العليم }. ### || [26.221-225] # { هل أنبئكم } ، أخبركم، { على من تنزل ~~الشيطين } ، هذا جواب قولهم: " تنزل عليه شيطان " ، ثم بين ~~فقال: # { تنزل } ، أي تتنزل، { على كل أفاك } ، كذاب، { أثيم ~~} ، فاجر، قال قتادة: هم الكهنة، يسترق الجن السمع ثم يلقون إلى ~~أوليائهم من الإنس. وهو قوله عز وجل: # { يلقون السمع } ، أي: يستمعون من الملائكة مسترقين, فيلقون إلى ~~الكهنة، { وأكثرهم كذبون } ، لأنهم يخلطون به كذبا كثيرا. # قوله عز وجل: { والشعرآء يتبعهم الغاوون }. قال أهل ~~التفسير: أراد شعراء الكفار الذين كانوا يهجون رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وذكر مقاتل أسماءهم، فقال: منهم عبد الله بن الزبعري السهمي، ~~وهبيرة بن أبي وهب المخزومي، ومشافع بن عبد مناف. وأبو عزة بن عبد الله ~~الجمحي، وأمية بن أبي الصلت الثقفي، تكلموا بالكذب وبالباطل، وقالوا: نحن ~~نقول مثل ما يقول محمد. وقالوا الشعر، واجتمع إليهم غواة من قومهم ~~يستمعون أشعارهم حين يهجون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويروون ~~عنهم وذلك. # قوله: { والشعرآء يتبعهم الغاوون } ، هم الرواة الذين ~~يروون هجاء النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين. وقال قتادة ومجاهد: ~~الغاوون هم الشياطين. # وقال الضحاك: تهاجى رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهما ~~من الأنصار والآخر من قوم آخرين، ومع كل واحد منهما غواة من قومه، وهم ~~السفهاء فنزلت هذه الآية. وهي رواية عطية عن ابن عباس. # { ألم تر أنهم فى كل واد } ، من أودية الكلام، { ~~يهيمون ms1682 } ، حائرون وعن طريق الحق حائدون، والهائم: الذاهب على وجهه ~~لا مقصد له. # قال ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية: في كل لغو يخوضون. وقال ~~مجاهد: في كل فن يفتنون. وقال قتادة: يمدحون بالباطل ويستمعون ويهجون ~~بالباطل، فالوادي مثل لفنون الكلام، كما يقال أنا في واد وأنت في واد. ~~وقيل: " في كل واد يهيمون " أي على كل حرف من حروف الهجاء يصوغون ~~القوافي. ### || [26.226-227] # { وأنهم يقولون ما لا يفعلون } ، أي: يكذبون في شعرهم، ~~يقولون: فعلنا وفعلنا، وهم كذبة. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو ~~محمد عبد الرحمن بن أبي شريح، أخبرنا أبو القاسم البغوي، حدثنا علي بن ~~الجعد، أخبرنا شعبة عن الأعمش، عن ذكوان، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا, خير له من أن يمتلىء شعرا ". # ثم استثنى شعراء المسلمين الذين كانوا يجيبون شعراء الجاهلية، ويهجون ~~الكفار، وينافحون عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، منهم حسان بن ~~ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، فقال: # { إلا الذين ءامنوا وعملوا الصلحت }. أخبرنا ~~أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين علي بن عبد الله بن بشران، ~~أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد ~~الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، ~~أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن الله قد أنزل في الشعر ما أنزل ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأنما ترمونهم به ~~نضح النبل ". # أخبرنا عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني، أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد ~~الخزاعي، أخبرنا الهيثم بن كليب، أخبرنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا إسحاق ~~بن منصور، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا جعفر بن سليمان، حدثنا ثابت، عن ~~أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة القضاء وابن رواحة ~~يمشي بين يديه ويقول: # خلوا بني الكفار عن سبيله # اليوم نضربكم على تنزيله ms1683 # ضربا يزيل الهام عن مقيله # ويذهل الخليل عن خليله # فقال له عمر: يا ابن رواحة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي ~~حرم الله تقول الشعر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " خل عنه يا عمر، فلهي أسرع فيهم من نضح النبل ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا شعبة، ~~أخبرني عدي أنه سمع البراء قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان: # " اهجهم أو هاجهم وجبريل معك ". # أخبرنا عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني، أخبرنا أبو القاسم الخزاعي، ~~أخبرنا الهيثم بن كليب، حدثنا أبو عيسى، حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري ~~وعلي بن حجر المعنى واحد قالا: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن ~~هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع لحسان بن ثابت منبرا في المسجد ~~يقوم عليه قائما يفاخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ينافح عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن ~~الله يؤيد حسان بروح القدس، ما ينافح أو يفاخر عن رسول الله " ". # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، حدثنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، ~~حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث، حدثني أبي، عن جدي، حدثنا خالد بن ~~يزيد، حدثني سعيد بن أبي هلال، عن عمارة بن غزية، عن محمد بن إبراهيم، عن ~~أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " اهجوا قريشا فإنه أشد عليها من رشق النبل " ، فأرسل إلى ابن رواحة ~~فقال: " اهجهم " ، فهجاهم فلم يرض، فأرسل إلى كعب بن مالك، ثم أرسل ~~إلى حسان بن ثابت، فلما دخل عليه قال حسان: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا ~~الأسد الضارب بذنبه ثم أدلع لسانه، فجعل ms1684 يحركه، فقال: والذي بعثك بالحق ~~لأفرينهم بلساني فري الأديم، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " لا تعجل، فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها، وإن لي فيهم ~~نسبا حتى يلحص لك نسبي " ، فأتاه حسان ثم رجع، فقال: يا رسول الله قد ~~خلص لي نسبك والذي بعثك بالحق لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من ~~العجين. قالت عائشة: فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان: " ~~إن روح القدس لا يزال يؤيدك، ما نافحت عن الله ورسوله " ، وقالت: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " هجاهم حسان فشفي واشتفى " # ، قال حسان: # هجوت محمدا فأجبت عنه # وعند الله في ذاك الجزاء # هجوت محمدا برا حنيفا # رسول الله شيمته الوفاء # فإن أبي ووالدتي وعرضي # لعرض محمد منكم وقاء # فمن يهجو رسول الله منكم # ويمدحه وينصره سواء # وجبريل رسول الله فينا # وروح القدس ليس له كفاء # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن ~~الزهري، أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن أن مروان بن الحكم أخبره أن عبد ~~الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث أخبره أن أبي بن كعب أخبره أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " إن من الشعر لحكمة ". # قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: الشعر كلام فمنه حسن ومنه قبيح، فخذ ~~الحسن ودع القبيح. # وقال الشعبي: كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه يقول الشعر، وكان عمر رضي ~~الله تعالى عنه يقول الشعر، وكان علي رضي الله تعالى عنه أشعر الثلاثة. # وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان ينشد الشعر في المسجد ~~ويستنشده، فروي أنه دعا عمر بن أبي ربيعة المخزومي فاستنشده القصيدة التي ~~قالها فقال: _ # " أمن آل نعم أنت غاد فمبكر # غداة غد أم رائح فمهجر " # فأنشده ابن أبي ربعية القصيدة إلى آخرها، وهي قريب من سبعين بيتا، ثم ~~إن ابن عباس أعاد القصيدة جميعها، وكان حفظها بمرة واحدة. ms1685 # { وذكروا الله كثيرا } ، أي: لم يشغلهم الشعر عن ذكر الله، { ~~وانتصروا من بعد ما ظلموا } ، قال مقاتل انتصروا من ~~المشركين، لأنهم بدؤوا بالهجاء، ثم أوعد شعراء المشركين فقال: { ~~وسيعلم الذين ظلموا } ، أشركوا وهجوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم { أى منقلب ينقلبون } ، أي مرجع يرجعون بعد ~~الموت. قال ابن عباس رضي الله عنهما: إلى جهنم والسعير. والله أعلم. ### | [27 - سورة النمل] ### || [27.1-5] # { طس } , قال ابن عباس: هو اسم من أسماء الله تعالى, وقد سبق الكلام في ~~حروف الهجاء. { تلك ءايت القرءان } , أي: هذه آيات القرآن, ~~{ وكتب مبين } ، أي: وآيات كتاب مبين. # { هدى وبشرى للمؤمنين } ، يعني: هو هدى من الضلالة، وبشرى ~~للمؤمنين المصدقين به بالجنة. # { الذين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة وهم ~~بالأخرة هم يوقنون }. # { إن الذين لا يؤمنون بالأخرة زينا لهم ~~أعملهم } , القبيحة. حتى رأوها حسنة، { فهم يعمهون } ، ~~أي: يترددون فيها متحيرين. # { أولئك الذين لهم سوء العذاب } ، شدة العذاب في ~~الدنيا بالقتل والأسر ببدر، { وهم فى الأخرة هم الأخسرون ~~} لأنهم خسروا أنفسهم وأهليهم وصاروا إلى النار. ### || [27.6-15] # { وإنك لتلقى القرءان } ، أي تؤتى القرآن وتلقن، { من ~~لدن حكيم عليم } ، أي وحيا من عند الله الحكيم العليم. # قوله عز وجل: { إذ قال موسى لأهله } ، أي واذكر يا محمد إذ ~~قال موسى لأهله في مسيره من مدين إلى مصر: { إنى آنست نارا } ، ~~أي أبصرت نارا، { سئاتيكم منها بخبر } ، أي: امكثوا ~~مكانكم، سآتيكم بخبر عن الطريق، وكان قد ترك الطريق، { أو ءاتيكم ~~بشهاب قبس } ، قرأ أهل الكوفة: " بشهاب " بالتنوين، جعلوا القبس ~~نعتا للشهاب، وقرأ الآخرون بلا تنوين على الإضافة، وهو إضافة الشيء إلى ~~نفسه، لأن الشهاب والقبس متقاربان في المعنى، وهو العود الذي في أحد ~~طرفيه فيه نار، وليس في الطرف الآخر نار. وقال بعضهم: الشهاب هو شيء ذو ~~نور، مثل العمود، والعرب تسمي كل أبيض ذي نور شهابا، والقبس: القطعة من ~~النار، { لعلكم تصطلون } ، تستدفئون من البرد وكان ذلك في ~~شدة الشتاء. # { فلما جآءها نودى أن بورك من فى النار ومن ~~حولها } ، أي بورك ms1686 على من في النار أو في من في النار، والعرب ~~تقول: باركه الله وبارك فيه، وبارك عليه، بمعنى واحد. # وقال قوم: البركة راجعة إلى موسى والملائكة، معناه: بورك في من طلب ~~النار، وهو موسى عليه السلام، { ومن حولها } وهم الملائكة الذين حول ~~النار، ومعناه: بورك فيك يا موسى وفي الملائكة الذين حول النار، وهذا ~~تحية من عند الله عز وجل لموسى بالبركة، كما حيا إبراهيم على ألسنة ~~الملائكة حين دخلوا عليه فقالوا: رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت. # ومذهب أكثر المفسرين أن المراد بالنار النور، وذكر بلفظ النار لأن موسى ~~حسبه نارا, " من في النار " هم الملائكة، وذلك أن النور الذي رآه موسى ~~كان فيه ملائكة لهم زجل بالتقديس والتسبيح، و " من حولها " هو موسى لأنه ~~كان بالقرب منها، ولم يكن فيها. وقيل: " من في النار ومن حولها " ~~جميعا الملائكة. وقيل: " من في النار " موسى و " من حولها " الملائكة، ~~وموسى وإن لم يكن في النار كان قريبا منها، كما يقال بلغ فلان المنزل، ~~إذا قرب منه، وإن لم يبلغه بعد. # وذهب بعضهم إلى أن البركة راجعة إلى النار. وروى مجاهد عن ابن عباس أنه ~~قال: معناه بوركت النار. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: سمعت ~~أبيا يقرأ: أن بوركت النار ومن حولها، و " من " قد تأتي بمعنى ما، ~~كقوله تعالى: # فمنهم من يمشى على بطنه # [النور: 45]، و«ما» قد تكون صلة في الكلام، كقوله # جند ما هنالك # [ص: 11]، ومعناه: بورك في النار وفيمن حولها، وهم الملائكة وموسى عليه ~~السلام، وسمى النار مباركة كما سمي البقعة مباركة فقال: " في البقعة ~~المباركة ". # وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن في قوله: { بورك من فى ~~النار } ، يعني قدس من في النار، وهو الله، عنى به نفسه، على معنى ~~أنه نادى موسى منها وأسمعه كلامه من جهتها. كما روي: أنه مكتوب في ~~التوراة: " جاء الله من سيناء، وأشرف من ساعين، واستعلى من جبال فاران " ~~، فمجيئه من سيناء: بعثة موسى منها، ومن ساعين ms1687 بعثة المسيح منها، ومن ~~جبال فاران بعثة المصطفى منها، وفاران مكة. # قيل: كان ذلك نوره عز وجل. قال سعيد بن جبير: كانت النار بعينها، ~~والنار إحدى حجب الله تعالى، كما جاء في الحديث: # " حجابه النار لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من ~~خلقه " # ، ثم نزه الله نفسه وهو المنزه من كل سوء وعيب، فقال جل ذكره. { ~~وسبحن الله رب العلمين } ، ثم تعرف إلى موسى بصفاته، ~~فقال: # { يموسى إنه أنا الله العزيز الحكيم } ، والهاء في ~~قوله { إنه } عماد، وليس بكناية، وقيل: هي كناية عن الأمر والشأن، ~~أي: الأمر والشأن أي: المعبود أنا، ثم أرى موسى آية على قدرته، فقال: # { وألق عصاك فلما رءاها تهتز } ، تتحرك، { ~~كأنها جآن } ، وهي الحية الصغيرة التي يكثر اضطرابها، { ولى ~~مدبرا } ، وهرب من الخوف، { ولم يعقب } ، ولم يرجع، يقال: ~~عقب فلان إذا رجع، وكل راجع معقب. وقال قتادة: ولم يلتفت، فقال الله ~~عز وجل: { يموسى لا تخف إنى لا يخاف لدى ~~المرسلون } ، يريد إذا آمنتهم لا يخافون، أما الخوف الذي هو شرط ~~الإيمان فلا يفارقهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " أنا أخشاكم لله ". # وقوله: { إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء ~~فإنى غفور رحيم } ، واختلف في هذا الاستثناء، قيل: هذا إشارة ~~إلى أن موسى حين قتل القبطي خاف من ذلك، ثم تاب فقال: رب إني ظلمت ~~نفسي فاغفر لي، فغفر له. قال ابن جريج: قال الله تعالى لموسى: إنما ~~أخفتك لقتلك النفس. وقال معنى الآية: لا يخيف الله الأنبياء إلا بذنب ~~يصيبه أحدهم، فإن أصابه أخافه حتى يتوب، فعلى هذا التأويل يكون الاستثناء ~~صحيحا وتناهى الخبر عن الرسل عند قوله: { إلا من ظلم } ، ثم ~~ابتدأ الخبر عن حال من ظلم من الناس كافة. وفي الآية متروك استغني عن ~~ذكره بدلالة الكلام عليه، تقديره: فمن ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني ~~غفور رحيم. # وقال بعض العلماء: ليس هذا باستثناء من المرسلين لأنه لا يجوز عليهم ~~الظلم، بل هو استثناء من المتروك في ms1688 الكلام، معناه لا يخاف لدي ~~المرسلون، إنما الخوف على غيرهم من الظالمين، إلا من ظلم ثم تاب، وهذا ~~من الاستثناء المنقطع، معناه. # لكن من ظلم من سائر الناس فإنه يخاف، فإن تاب وبدل حسنا بعد سوء فإن ~~الله غفور رحيم، يعني يغفر الله له ويزيل الخوف عنه. # وقال بعض النحويين: " إلا " هاهنا بمعنى: " ولا " ، يعني: لا يخاف لدي ~~المرسلون ولا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء يقول: لا يخاف لدي المرسلون ~~ولا المذنبون التائبون كقوله تعالى: # لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ~~ظلموا منهم # [البقرة: 150] يعني ولا الذين ظلموا. # ثم أراه الله آية أخرى فقال: # { وأدخل يدك فى جيبك } ، والجيب حيث جيب من القميص، أي ~~قطع، قال أهل التفسير: كانت عليه مدرعة من صوف لا كم لها ولا أزرار فأدخل ~~يده في جيبه وأخرجها، فإذا هي تبرق مثل البرق، فذلك قوله: { تخرج ~~بيضآء من غير سوء } ، من غير برص، { فى تسع ءايت ~~} ، يقول هذه آية مع تسع آيات أنت مرسل بهن، { إلى فرعون ~~وقومه إنهم كانوا قوما فسقين }. # { فلما جآءتهم ءايتنا مبصرة } ، بينة واضحة يبصر ~~بها، { قالوا هذا سحر مبين } ، ظاهر. # { وجحدوا بها } ، أي: أنكروا الآيات ولم يقروا أنها من عند الله، ~~{ واستيقنتهآ أنفسهم } ، أي: علموا أنها من عند الله، قوله: ~~{ ظلما وعلوا } ، أي: شركا وتكبرا عن أن يؤمنوا بما جاء به ~~موسى، { فانظر كيف كان عقبة المفسدين }. # قوله عز وجل: { ولقد ءاتينا داوود وسليمن علما ~~} ، أي: علم القضاء ومنطق الطير والدواب وتسخير الشياطين وتسبيح الجبال، ~~{ وقالا الحمد لله الذى فضلنا } ، بالنبوة والكتاب ~~وتسخير الشياطين والجن والإنس { على كثير من عباده ~~المؤمنين }. ### || [27.16] # { وورث سليمن داوود } ، نبوته وعلمه وملكه دون سائر ~~أولاده، وكان لداود تسعة عشر ابنا، وأعطي سليمان ما أعطي داود من ~~الملك، وزيد له تسخير الريح وتسخير الشياطين. وقال مقاتل: كان سليمان ~~أعظم ملكا من داود وأقضى منه، وكان داود أشد تعبدا من سليمان، وكان ~~سليمان شاكرا لنعم الله تعالى. # { وقال يأيها الناس علمنا منطق الطير ms1689 } ، سمى ~~صوت الطير منطقا لحصول الفهم منه، كما يفهم من كلام الناس. # روي عن كعب قال: صاح ورشان عند سليمان عليه السلام، فقال: أتدرون ما ~~يقول؟ قالوا: لا، قال: إنه يقول لدوا للموت وابنوا للخراب، وصاحت فاختة، ~~فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا، قال: إنها تقول ليت ذا الخلق لم ~~يخلقوا، وصاح طاووس، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا، قال: فإنه يقول ~~كما تدين تدان، وصاح هدهد، فقال: أتدرون ما يقول هذا؟ قالوا: لا، قال: ~~فإنه يقول من لا يرحم لا يرحم، وصاح صرد، فقال: أتدرون ما يقول؟ ~~قالوا: لا، قال: فإنه يقول استغفروا الله يا مذنبين، قال: وصاحت طوطى، ~~فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا، فإنها تقول: كل حي ميت وكل حديد بال، ~~وصاح خطاف، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا، قال: فإنه يقول: قدموا ~~خيرا تجدوه، وهدرت حمامة، فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا، فإنها تقول: ~~سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وأرضه، وصاح قمري، فقال: أتدرون ما يقول؟ ~~قالوا: لا، قال: فإنه يقول: سبحان ربي الأعلى، قال: والغراب يدعو على ~~العشار، والحدأة تقول: كل شيء هالك إلا الله، والقطاة تقول: من سكت ~~سلم، والببغاء تقول: ويل لمن الدنيا همه، والضفدع يقول: سبحان ربي ~~القدوس، والبازي يقول: سبحان ربي وبحمده، والضفدعة تقول: سبحان المذكور ~~بكل لسان. # وعن مكحول قال: صاح دراج عند سليمان، فقال: هل تدرون ما يقول؟ قالوا: ~~لا، قال: فإنه يقول الرحمن على العرش استوى. # وعن فرقد السبخي قال مر سليمان على بلبل فوق شجرة يحرك رأسه ويميل ~~ذنبه، فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول هذا البلبل؟ فقالوا الله ونبيه أعلم، ~~قال يقول: أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء. # وروي أن جماعة من اليهود قالوا لابن عباس: إنا سائلوك عن سبعة أشياء فإن ~~أخبرتنا آمنا وصدقنا، قال: سلوا تفقها ولا تسألوا تعنتا، قالوا: أخبرنا ~~ما يقول القنبر في صفيره، والديك في صعيقه، والضفدع في نقيقه، والحمار في ~~نهيقه، والفرس في صهيله، وماذا يقول الزرزور والدراج، قال: نعم، أما ms1690 ~~القنبر فيقول: اللهم العن مبغضي محمد وآل محمد، وأما الديك فيقول: اذكروا ~~الله يا غافلون، وأما الضفدع فيقول: سبحان المعبود في لجج البحار، وأما ~~الحمار فيقول: اللهم العن العشار، وأما الفرس فيقول: إذا التقى الصفان ~~سبوح قدوس رب الملائكة والروح، وأما الزرزور فيقول: اللهم إني أسألك قوت ~~يوم بيوم يا رازق، وأما الدراج فيقول: الرحمن على العرش استوى، قال: ~~فأسلم اليهود وحسن إسلامهم. # وروي عن جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن جده عن الحسين بن علي قال: إذا ~~صاح النسر قال: يا ابن آدم، عش ما شئت آخره الموت، وإذا صاح العقاب ~~قال: في البعد من الناس أنس، وإذا صاح القنبر قال: إلهي العن مبغضي آل ~~محمد، وإذا صاح الخطاف، قرأ: الحمد لله رب العالمين، ويمد الضالين كما ~~يمد القارىء. # قوله تعالى: { وأوتينا من كل شىء } ، يؤتى الأنبياء ~~والملوك، قال ابن عباس: من أمر الدنيا والآخرة. وقال مقاتل: يعني النبوة ~~والملك وتسخير الجن والشياطين والرياح، { إن هذا لهو الفضل ~~المبين } ، الزيادة الظاهرة على ما أعطي غيرنا. وروى أن سليمان عليه ~~السلام أعطي ملك مشارق الأرض ومغاربها، فملك سبعمائة سنة وستة أشهر، ملك ~~جميع أهل الدنيا من الجن والإنس والدواب والطير والسباع، وأعطي على ذلك ~~منطق كل شيء، وفي زمانه صنعت الصنائع العجيبة. ### || [27.17] # قوله عز وجل: { وحشر لسليمن جنوده من الجن ~~والإنس والطير } في مسير له، { فهم يوزعون } ، فهم يكفون. ~~قال قتادة: كان على كل صف من جنوده وزعة ترد أولاها على آخرها لئلا ~~يتقدموا في المسير، والوازع الحابس، وهو النقيب، وقال مقاتل: يوزعون ~~يساقون. # وقال السدي: يوقفون. وقيل: يجمعون. وأصل الوزع الكف والمنع. # قال محمد بن كعب القرظي: كان معسكر سليمان مائة فرسخ، خمسة وعشرون منها ~~للإنس، وخمسة وعشرون للجن، وخمسة وعشرون للوحش، وخمسة وعشرون للطير، ~~وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب، فيها ثلاثمائة صريحة، وسبعمائة ~~سرية فيأمر الريح العاصف فترفعه، ويأمر الرخاء فتسير به، فأوحى الله إليه ~~وهو يسير بين السماء والأرض: إني قد زدت ms1691 في ملكك أنه لا يتكلم أحد من ~~الخلائق بشيء إلا جاءت به الريح، فأخبرتك. ### || [27.18] # قوله عز وجل: { حتى إذآ أتوا على وادى النمل } ، ~~روي عن وهب بن منبه عن كعب قال: كان سليمان إذا ركب حمل أهله وخدمه ~~وحشمه، وقد اتخذ مطابخ ومخابز يحمل فيها تنانير الحديد وقدور عظام، يسع ~~كل قدر عشر جزائر وقد اتخذ ميادين للدواب أمامه، فيطبخ الطباخون، ويخبز ~~الخبازون، وتجري الدواب بين يديه بين السماء والأرض، والريح تهوي بهم، ~~فسار من اصطخر إلى اليمن فسلك مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ~~سليمان: هذه دار هجرة نبي في آخر الزمان، طوبى لمن آمن به وطوبى لمن ~~اتبعه، ورأى حول البيت أصناما تعبد من دون الله فلما جاوز سليمان البيت ~~بكى البيت، فأوحى الله إلى البيت ما يبكيك؟ قال: يا رب أبكاني أن هذا نبي ~~من أنبيائك وقوم من أوليائك مروا علي فلم يهبطوا ولم يصلوا عندي، ~~والأصنام تعبد حولي من دونك فأوحى الله إليه أن لا تبك، فإني سوف أملؤك ~~وجوها سجدا، وأنزل فيك قرآنا جديدا وأبعث منك نبيا في آخر الزمان ~~أحب أنبيائي إلي وأجعل فيك عمارا من خلقي يعبدونني، وأفرض على عبادي ~~فريضة يذفون إليك ذفيف النسور إلى وكرها، ويحنون إليك حنين الناقة إلى ~~ولدها والحمامة إلى بيضها، وأطهرك من الأوثان وعبدة الشياطين، ثم مضى ~~سليمان حتى مر بوادي السدير واد من الطائف، فأتى على وادي النمل، هكذا ~~قال كعب: إنه واد بالطائف. # وقال قتادة ومقاتل: هو أرض بالشام. وقيل: واد كان يسكنه الجن، وأولئك ~~النمل مراكبهم. وقال نوف الحميري: كان نمل ذلك الوادي أمثال الذباب. ~~وقيل: كالبخاتي. والمشهور: أنه النمل الصغير. وقال الشعبي: كانت تلك ~~النملة ذات جناحين. وقيل: كانت نملة عرجاء فنادت: # { قالت نملة: يأيها النمل ادخلوا مسكنكم } ~~، ولم تقل ادخلن لأنه لما جعل لهم قولا كالآدميين خوطبوا بخطاب ~~الآدميين، { لا يحطمنكم } ، لا يكسرنكم، { سليمن ~~وجنوده } ، والحطم الكسر، { وهم لا يشعرون } ، فسمع سليمان ~~قولها، وكان لا يتكلم خلق إلا حملت ms1692 الريح ذلك فألقته في مسامع سليمان، ~~قال مقاتل: سمع سليمان كلامها من ثلاثة أميال، قال الضحاك: كان اسم تلك ~~النملة طاحية، وقال مقاتل: كان اسمها جرمى. # فإن قيل كيف يتصور الحطم من سليمان وجنوده وكانت الريح تحمل سليمان ~~وجنوده على بساط بين السماء والأرض؟ قيل: كان جنوده ركبانا وفيهم مشاة ~~على الأرض تطوى لهم. # وقيل: يحتمل أن يكون هذا قبل تسخير الله الريح لسليمان. # قال أهل التفسير: علم النمل أن سليمان نبي ليس فيه جبرية وظلم. # ومعنى الآية: أنكم لو لم تدخلوا مساكنكم وطؤوكم ولم يشعروا بكم. ويروى ~~أن سليمان لما بلغ وادي النمل حبس جنوده حتى دخل النمل بيوتهم. ### || [27.19] # قوله عز وجل: { فتبسم ضاحكا من قولها } ، قال الزجاج: ~~أكثر ضحك الأنبياء التبسم. وقوله: { ضاحكا } أي متبسما. وقيل: كان ~~أوله التبسم وآخره الضحك. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا يحيى بن سليمان، حدثني ابن ~~وهب، أخبرنا عمرو، وهو ابن الحارث، أخبرنا النضر، حدثه عن سليمان بن ~~يسار، عن عائشة قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعا قط ~~ضاحكا حتى أرى منه لهواته، إنما كان يتبسم. # أخبرنا عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني، أخبرنا أبو القاسم الخزاعي، ~~أخبرنا الهيثم بن كليب، حدثنا أبو عيسى، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ابن ~~لهيعة عن عبيد الله بن المغيرة عن عبد الله بن الحارث بن جزء قال: ما ~~رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال مقاتل: كان ضحك سليمان من قول النملة تعجبا، لأن الإنسان إذا رأى ~~ما لا عهد له به تعجب وضحك، ثم حمد سليمان ربه على ما أنعم عليه. # { وقال رب أوزعنى } ، ألهمني، { أن أشكر نعمتك ~~التى أنعمت على وعلى والدى وأن أعمل ~~صلحا ترضه وأدخلنى برحمتك فى عبادك ~~الصلحين } ، أي: أدخلني في جملتهم، وأثبت اسمي مع أسمائهم واحشرني ~~في زمرتهم، قال ابن عباس: يريد مع إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ms1693 ويعقوب، ~~ومن بعدهم من النبيين. وقيل: أدخلني الجنة برحمتك مع عبادك الصالحين. ### || [27.20-24] # قوله عز وجل: { وتفقد الطير } ، أي: طلبها وبحت عنها، ~~والتفقد: طلب ما فقد، ومعنى الآية: طلب ما فقد من الطير، { فقال ~~مالي لا أرى الهدهد } ، أي: ما للهدهد لا أراه، تقول العرب: ~~مالي أراك كئيبا؟ أي: مالك؟ والهدهد: طائر معروف. وكان سبب تفقد الهدهد ~~وسؤاله عنه، قيل: إخلاله بالنوبة، وذلك أن سليمان كان إذا نزل منزلا ~~يظله وجنده الطير من الشمس، فأصابته الشمس من موضع الهدهد، فنظر فرآه ~~خاليا. # وروي عن ابن عباس: أن الهدهد كان دليل سليمان على الماء وكان يعرف موضع ~~الماء ويرى الماء تحت الأرض، كما يرى في الزجاجة، ويعرف قربه وبعده فينقر ~~الأرض، ثم تجيء الشياطين فيسلخونه ويستخرجون الماء. # قال سعيد بن جبير: لما ذكر ابن عباس هذا قال له نافع بن الأزرق: يا وصاف ~~انظر ما تقول، إن الصبي منا يضع الفخ ويحثو عليه التراب، فيجيء الهدهد ~~ولا يبصر الفخ حتى يقع في عنقه، فقال له ابن عباس: ويحك إن القدر إذا جاء ~~حال دون البصر. وفي رواية: إذا نزل القضاء والقدر ذهب اللب وعمي البصر. # فنزل سليمان منزلا فاحتاج إلى الماء فطلبوا فلم يجدوا، فتفقد الهدهد ~~ليدل على الماء، فقال: مالي لا أرى الهدهد، على تقدير أنه مع جنوده، وهو ~~لا يراه، ثم أدركه الشك في غيبته، فقال: { أم كان من الغآئبين ~~} ، يعني أكان من الغائبين، والميم صلة، وقيل: " أم " بمعنى " بل " ، ثم ~~أوعده على غيبته، فقال: # { لأعذبنه عذابا شديدا } ، واختلفوا في العذاب الذي أوعده ~~به، فأظهر الأقاويل أن عذابه أن ينتف ريشه وذنبه ويلقيه في الشمس ممعطا، ~~لا يمتنع من النمل ولا من هوام الأرض. وقال مقاتل بن حيان: لأطلينه ~~بالقطران ولأشمسنه وقيل: لأودعنه القفص. وقيل: لأفرقن بينيه وبين إلفه. ~~وقيل: لاحبسنه مع ضده. { أو لأذبحنه } ، أي لأقطعن حلقه، { ~~أو ليأتينى بسلطن مبين } ، بحجة بينة في غيبته، وعذر ~~ظاهر، قرأ ابن كثير { ليأتينني } بنونين، الأولى مشددة، وقرأ الآخرون ~~بنون واحدة ms1694 مشددة. # وكان سبب غيبته على ما ذكر العلماء: أن سليمان لما فرغ من بناء بيت ~~المقدس عزم على الخروج إلى أرض الحرم، فتجهز للمسير، واستصحب من الجن ~~والإنس والشياطين والطيور والوحوش ما بلغ معسكره مائة فرسخ، فحملتهم ~~الريح، فلما وافى الحرم أقام به ما شاء الله أن يقيم، وكان ينحر كل يوم ~~بمقامه بمكة خمسة آلاف ناقة ويذبح خمسة آلاف ثور وعشرين ألف شاة، وقال ~~لمن حضره من أشراف قومه: إن هذا مكان يخرج منه نبي عربي صفته كذا وكذا، ~~يعطى النصر على جميع من ناوأه، وتبلغ هيبته مسيرة شهر، القريب والبيعد ~~عنده في الحق سواء، لا تأخذه في الله لومة لائم. # قالوا: فبأي دين يدين يا نبي الله؟ قال: يدين بدين الحنيفية، فطوبى لمن ~~أدركه وآمن به، قالوا: كم بيننا وبين خروجه يا نبي الله؟ قال: مقدار ألف ~~عام فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فإنه سيد الأنبياء وخاتم الرسل، قال: ~~فأقام بمكة حتى قضى نسكه، ثم خرج من مكة صباحا، وسار نحو اليمن فوافى ~~صنعاء وقت الزوال، وذلك مسيرة شهر، فرأى أرضا حسناء تزهو خضرتها فأحب ~~النزول بها ليصلي ويتغدى، فلما نزل قال الهدهد: إن سليمان قد اشتغل ~~بالنزول فارتفع نحو السماء فانظر إلى طول الدنيا وعرضها، ففعل ذلك فنظر ~~يمينا وشمالا، فرأى بستانا لبلقيس، فمال إلى الخضرة فوقع فيه فإذا هو ~~بهدهد فهبط عليه، وكان اسم هدهد سليمان " يعفور " واسم هدهد اليمن " ~~عنفير " ، فقال عنفير اليمن ليعفور سليمان: من أين أقبلت وأين تريد، قال: ~~أقبلت من الشام مع صاحبي سليمان بن داود، فقال: ومن سليمان؟ قال ملك الجن ~~والإنس والشياطين والطير والوحش والرياح، فمن أين أنت، قال: أنا من هذه ~~البلاد، قال: ومن ملكها؟ قال: امرأة يقال لها بلقيس، وإن لصاحبكم ملكا ~~عظيما ولكن ليس ملك بلقيس دونه، فإنها ملكة اليمن كلها، وتحت يدها إثنا ~~عشر ألف قائد، تحت يد كل قائد مائة ألف مقاتل، فهل أنت منطلق معي حتى ~~تنظر إلى ملكها؟ قال: أخاف أن يتفقدني سليمان في ms1695 وقت الصلاة إذا احتاج ~~إلى الماء، قال الهدهد اليماني: إن صاحبك يسره أن تأتيه بخبر هذه الملكة، ~~فانطلق معه ونظر إلى بلقيس وملكها، وما رجع إلى سليمان إلا في وقت العصر. ~~قال: فلما نزل سليمان ودخل عليه وقت الصلاة وكان نزل على غير ماء، فسأل ~~الإنس والجن والشياطين عن الماء فلم يعلموا، فتفقد الطير، ففقد الهدهد، ~~فدعا عريف الطير وهو النسر فسأله عن الهدهد، فقال: أصلح الله الملك، ~~ما أدري أين هو، ما أرسلته مكانا، فغضب عند ذلك سليمان، وقال: { ~~لأعذبنه عذابا شديدا } الآية. ثم دعا العقاب سيد الطير ~~فقال: علي بالهدهد الساعة، فرفع العقاب نفسه دون السماء حتى التزق ~~بالهواء فنظر إلى الدنيا كالقصعة بين يدي أحدكم ثم التفت يمينا وشمالا ~~فإذا هو بالهدهد مقبلا من نحو اليمن، فانقض العقاب نحوه يريده، فلما ~~رأى الهدهد ذلك علم أن العقاب يقصده بسوء فناشده، فقال: بحق الله الذي ~~قواك وأقدرك علي إلا رحمتني ولم تتعرض لي بسوء، قال فولى عنه العقاب، ~~وقال له: ويلك ثكلتك أمك، إن نبي الله قد حلف أن يعذبك أو يذبحك، ثم طارا ~~متوجهين نحو سليمان، فلما انتهيا إلى المعكسر تلقاه النسر والطير، فقالوا ~~له: ويلك أين غبت في يومك هذا؟ ولقد توعدك نبي الله، وأخبراه بما قال، ~~فقال الهدهد: أو ما استثنى رسول الله قالوا: بلى قال " أو ليأتيني ~~بسلطان مبين " ، قال " فنجوت إذا، ثم طار العقاب والهدهد حتى أتيا ~~سليمان وكان قاعدا على كرسيه، فقال العقاب قد أتيتك به يا نبي الله، ~~فلما قرب الهدهد منه رفع رأسه وأرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض ~~تواضعا لسليمان، فلما دنا منه أخذ برأسه فمده إليه وقال: أين كنت؟ ~~لأعذبنك عذابا شديدا فقال الهدهد: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي ~~الله تعالى، فلما سمع سليمان ذلك ارتعد وعفا عنه، ثم سأله فقال: ما الذي ~~أبطأ بك عني؟ فقال الهدهد ما أخبر الله عنه في قوله: # { فمكث غير بعيد } ، قرأ عاصم ويعقوب: «فمكث» بفتح الكاف، ~~وقرأ الآخرون بضمها ms1696 وهما لغتان، { غير بعيد } ، أي غير طويل، { ~~فقال أحطت بما لم تحط به } ، والإحاطة: العلم بالشيء من ~~جميع جهاته، يقول: علمت ما لم تعلم، وبلغت ما لم تبلغه أنت ولا جنودك، ~~{ وجئتك من سبإ } ، قرأ أبو عمرو، والزبير عن ابن كثير «من سبأ» ~~و «لسبأ» في سورة سبأ، مفتوحة الهمزة، وقرأ القواص وعن ابن كثير ساكنة ~~بلا همزة، وقرأ الآخرون بالاجراء، فمن لم يجره جعله اسم للبلد، ومن أجراه ~~جعله اسم رجل. # فقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن سبأ فقال: # " كان رجلا له عشرة من البنين تيامن منهم ستة وتشاءم أربعة ". # { بنبإ } ، بخبر, { يقين } ، فقال سليمان: وما ذاك؟ قال: # { إنى وجدت امرأة تملكهم } ، وكان اسمها بلقيس بنت ~~شراحيل، من نسل يعرب بن قحطان، وكان أبوها ملكا عظيم الشأن، قد ولد له ~~أربعون ملكا هو آخرهم، وكان يملك أرض اليمن كلها، وكان يقول لملوك ~~الأطراف: ليس أحد منكم كفؤا لي، وأبى أن يتزوج فيهم، فزوجوه امرأة من ~~الجن يقال لها ريحانة بنت السكن، فولدت له بلقيس، [ولم يكن له ولد غيرها. ~~وجاء في الحديث: " أن أحد أبوي بلقيس كان جنيا " فلما مات أبو بلقيس] ~~طمعت في الملك فطلبت من قومها أن يبايعوها فأطاعها قوم وعصاها قوم آخرون، ~~فملكوا عليهم رجلا، وافترقوا فرقتين، كل فرقة استولت على طرف من أرض ~~اليمن، ثم إن الرجل الذي ملكوه أساء السيرة في أهل مملكته حتى كان يمد ~~يده إلى حرم رعيته ويفجر بهن، فأراد قومه خلعه فلم يقدروا عليه، فلما رأت ~~ذلك بلقيس أدركتها الغيرة فأرسلت إليه تعرض نفسها عليه، فأجابها الملك، ~~وقال: ما منعني أن ابتدئك بالخطبة إلا اليأس منك، فقالت: لا أرغب عنك، ~~كفؤ كريم، فاجمع رجال قومي واخطبني إليهم، فجمعهم وخطبها إليهم، فقالوا: ~~ألا نراها تفعل هذا، فقال لهم: إنها ابتدأتني فأنا أحب أن تسمعوا قولها ~~فجاؤوها، فذكروا لها، فقالت: نعم أحببت الولد. # فزوجوها منه، فلما زفت إليه خرجت في أناس كثير من حشمها، فلما جاءته ms1697 ~~سقته الخمر حتى سكر، ثم جزت رأسه وانصرفت من الليل إلى منزلها، فلما أصبح ~~الناس رأوا الملك قتيلا ورأسه منصوب على باب دارها، فعلموا أن تلك ~~المناكحة كانت مكرا وخديعة منها، فاجتمعوا إليها وقالوا: أنت بهذا الملك ~~أحق من غيرك، فملكوها. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عثمان بن الهيثم، أخبرنا ~~عوف، عن الحسن، عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: لما بلغ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن أهل فارس ملكوا عليهم بنت كسرى قال: # " لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة ". # قوله تعالى: { وأوتيت من كل شىء } ، يحتاج إليه الملوك من ~~الآلة والعدة، { ولها عرش عظيم } ، سرير ضخم كان مضروبا من ~~الذهب مكللا بالدر والياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر، وقوائمه من الياقوت ~~والزمرد، وعليه سبعة أبيات على كل بيت باب مغلق. # قال ابن عباس: كان عرش بلقيس ثلاثين ذراعا في ثلاثين ذراعا، وطوله في ~~السماء ثلاثون ذراعا. وقال مقاتل: كان طوله ثمانين ذراعا وطوله في ~~السماء ثمانين ذراعا. وقيل: كان طوله ثمانين ذراعا وعرضه أربعين ذراعا ~~وارتفاعه ثلاثين ذراعا. # { وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله ~~وزين لهم الشيطن أعملهم فصدهم عن ~~السبيل فهم لا يهتدون }. ### || [27.25-38] # { ألا يسجدوا } ، قرأ أبو جعفر والكسائي: «ألا يسجدوا» ~~بالتخفيف، وإذا وقفوا يقفون " ألا يا " ألا يأثم يبدئون: " اسجدوا " ، ~~على معنى: ألا يا هؤلاء اسجدوا، وجعلوه أمرا من عند الله مستأنفا، ~~وحذفوا هؤلاء اكتفاء بدلالة " يا " عليها، وذكر بعضهم سماعا من العرب: ~~ألا يا ارحمونا، يريدون ألا يا قوم، وقال الأخطل: # ألا يا أسلمي يا هند بني بكر # وإن كان حيانا عدا آخر الدهر # يريد: ألا يا هند اسلمي، وعلى هذا يكون قوله «ألا» كلاما معترضا من ~~غير القصة، إما من الهدهد، وإما من سليمان. قال أبو عبيدة: هذا أمر من ~~الله مستأنف يعني: يا أيها الناس اسجدوا. # وقرأ الآخرون: «ألا يسجدوا» بالتشديد، بمعنى: وزين لهم الشيطان ~~أعمالهم لئلا يسجدوا، ms1698 { لله الذى يخرج الخبء } ، أي الخفي ~~المخبأ، { فى السموت والأرض } ، أي: ما خبأت. قال أكثر ~~المفسرين: خبء السماء: المطر، وخبء الأرض: النبات. # وفي قراءة عبد الله: «يخرج الخبء من السموات والأرض»، و " من " و " في " ~~يتعاقبان، تقول العرب: لأستخرجن العلم فيكم، يريد منكم. # وقيل: معنى " الخبء " الغيب، يريد: يعلم غيب السموات والأرض. # { ويعلم ما تخفون وما تعلنون } ، قرأ الكسائي، وحفص، ~~عن عاصم: بالتاء فيهما، لأن أول الآية خطاب على قراءة الكسائي بتخفيف ~~ألا، وقرأ الآخرون بالياء. # { الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم } ، أي: ~~هو المستحق للعبادة والسجود لا غيره. وعرش ملكة سبأ وإن كان عظيما فهو ~~صغير حقير في جنب عرشه عز وجل، تم هاهنا كلام الهدهد، فلما فرغ الهدهد ~~من كلامه. # { قال } ، سليمان للهدهد: { سننظر أصدقت } فيما أخبرت، { ~~أم كنت من الكذبين }؟ فدلهم الهدهد على الماء، فاحتفروا ~~الركايا، وروى الناس والدواب، ثم كتب سليمان كتابا: من عبد الله سليمان ~~بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ: بسم الله الرحمن الرحيم، السلام على من اتبع ~~الهدى، أما بعد فلا تعلوا علي وأتوني مسلمين. قال ابن جريج لم يزد ~~سليمان على ما قص الله في كتابه. وقال قتادة: وكذلك كل الأنبياء كانت ~~تكتب جملا لا يطيلون ولا يكثرون. فلما كتب الكتاب طبعه بالمسك وختمه ~~بخاتمه. فقال للهدهد: # { اذهب بكتابى هذا فألقه إليهم } ، قرأ أبو عمرو، ~~وعاصم، وحمزة: ساكنة الهاء، ويختلسها أبو جعفر، ويعقوب وقالون كسرا، ~~[والآخرون بالإشباع كسرا]، { ثم تول عنهم } ، تنح عنهم ~~فكن قريبا منهم، { فانظر ماذا يرجعون } ، يردون من الجواب. ~~وقال ابن زيد: في الآية تقديم وتأخير مجازها: اذهب بكتابي هذا فألقه ~~إليهم فانظر ماذا يرجعون، ثم تول عنهم، أي: انصرف إلي، فأخذ الهدهد ~~الكتاب فأتى به إلى بلقيس، وكانت بأرض يقال لها: " مأرب " من صنعاء ~~على ثلاثة أيام، فوافاها في قصرها وقد غلقت الأبواب، وكانت إذا رقدت ~~غلقت الأبواب وأخذت المفاتيح فوضعتها تحت رأسها، فأتاها الهدهد وهي ~~نائمة مستلقية على قفاها، فألقى الكتاب على نحرها، هذا قول ms1699 قتادة. # وقال مقاتل: حمل الهدهد الكتاب بمنقاره حتى وقف على رأس المرأة وحولها ~~القادة والجنود فرفرف ساعة والناس ينظرون إليه، حتى رفعت المرأة رأسها ~~فألقى الكتاب في حجرها. # وقال ابن منبه، وابن زيد: كانت لها كوة مستقبلة الشمس تقع الشمس فيها ~~حين تطلع، فإذا نظرت إليها سجدت لها، فجاء الهدهد الكوة فسدها بجناحه ~~فارتفعت الشمس ولم تعلم، فلما استبطأت الشمس قامت تنظر، فرمى بالصحيفة ~~إليها فأخذت بلقيس الكتاب، وكانت قارئة، فلما رأت الخاتم أرعدت وخضعت ~~لأن ملك سليمان كان في خاتمه، وعرفت أن الذي أرسل الكتاب إليها أعظم ~~ملكا منها، فقرأت الكتاب، وتأخر الهدهد غير بعيد، فجاءت حتى قعدت على ~~سرير مملكتها وجمعت الملأ من قومها، وهم اثنا عشر ألف قائد مع كل قائد ~~مائة ألف مقاتل. وعن ابن عباس قال: كان مع بلقيس مائة ألف، قيل، مع كل ~~قيل مائة ألف، والقيل الملك دون الملك الأعظم، وقال قتادة ومقاتل: كان ~~أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا كل رجل منهم على عشرة آلاف، قال: ~~فجاؤوا وأخذوا مجالسهم. # { قالت } ، لهم بلقيس: { يأيها الملأ } ، وهم أشراف الناس ~~وكبراؤهم { إني ألقي إلي كتاب كريم } ، قال عطاء ~~والضحاك: سمته كريما لأنه كان مختوما. ورى ابن جريج عن عطاء عن ابن ~~عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " كرامة الكتاب ختمه " # ، وقال قتادة ومقاتل: " كتاب كريم " أي: حسن، وهو اختيار الزجاج، وقال: ~~حسن ما فيه, وروي عن ابن عباس: " كريم " ، أي: شريف لشرف صاحبه، وقيل: ~~سمته كريما لأنه كان مصدرا ببسم الله الرحمن الرحيم، ثم بينت ممن ~~الكتاب فقالت: # { إنه من سليمان } ، وبينت المكتوب فقالت، { وإنه بسم ~~الله الرحمن الرحيم }. # { ألا تعلوا على } ، قال ابن عباس: أي: لا تتكبروا علي. ~~وقيل: لا تتعظموا ولا تترفعوا علي. وقيل: معناه: لا تمتنعوا من ~~الإجابة، فإن ترك الإجابة من العلو والتكبر، { وأتونى ~~مسلمين } ، مؤمنين طائعين. قيل هو من الإسلام، وقيل: هو من ~~الاستسلام. # { قالت يأيها الملا أفتونى فى أمرى } ، أشيروا ~~علي فيما عرض لي، وأجيبوني فيما أشاوركم ms1700 فيه، { ما كنت قاطعة } ، ~~قاضية وفاصلة، { أمرا حتى تشهدون } ، أي تحضرون. # { قالوا } ، مجيبين لها، { نحن أولوا قوة } في القتال، { ~~وأولو بأس شديد } ، عند الحرب، قال مقاتل: أرادوا بالقوة كثرة ~~العدد، وبالبأس الشديد الشجاعة، وهذا تعريض منهم بالقتال إن أمرتهم ~~بذلك ثم قالوا: { والأمر إليك } ، أيتها الملكة في القتال وتركه، ~~{ فانظرى } ، من الرأي، { ماذا تأمرين } ، تجدينا لأمرك مطيعين. # { قالت } ، بلقيس مجيبة لهم عن التعريض للقتال: { إن الملوك ~~إذا دخلوا قرية } عنوة، { أفسدوها } ، خربوها، { ~~وجعلوا أعزة أهلهآ أذلة } ، أي: أهانوا أشرافها ~~وكبراءها، كي يستقيم لهم الأمر، تحذرهم مسير سليمان إليهم ودخوله بلادهم، ~~وتناهى الخبر عنها هاهنا، فصدق الله قولها فقال: { وكذلك ~~يفعلون } ، أي: كما قالت هي يفعلون. # ثم قالت: { وإنى مرسلة إليهم بهدية } ، والهدية هي: ~~العطية على طريق الملاطفة، وذلك أن بلقيس كانت امرأة لبيبة قد سيست ~~وساست، فقالت للملأ من قومها: إني مرسلة إليهم، أي إلى سليمان وقومه، ~~بهدية أصانعه بها عن ملكي وأختبره بها أملك هو أم نبي؟ فإن يكن ~~ملكا قبل الهدية وانصرف، وإن كان نبيا لم يقبل الهدية ولم يرضه منا ~~إلا أن نتبعه على دينه، فذلك قوله تعالى: { فناظرة بم يرجع ~~المرسلون } ، فأهدت إليه وصفاء ووصائف، قال ابن عباس: ألبستهم ~~لباسا واحدا كي لا يعرف الذكر من الأنثى. وقال مجاهد: ألبس الغلمان ~~لباس الجواري وألبس الجواري لباس الغلمان. # واختلفوا في عددهم، فقال ابن عباس: مائة وصيف ومائة وصيفة، وقال مجاهد ~~ومقاتل: مائتا غلام ومائتا جارية. # وقال قتادة، وسعيد بن جبير: أرسلت إليه بلبنة من ذهب في حرير وديباج. # وقال ثابت البناني: أهدت إليه صفائح من الذهب في أوعية الديباج. وقيل: ~~كانت أربع لبنات من ذهب. # وقال وهب وغيره: عمدت بلقيس إلى خمسمائة غلام وخمسمائة جارية، فألبست ~~الغلمان لباس الجواري، وجعلت في سواعدهم أساور من ذهب، وفي أعناقهم ~~أطواقا من ذهب وفي آذانهم أقراطا وشنوفا مرصعات بأنواع الجواهر، ~~وألبست الجواري لباس الغلمان؛ الأقبية والمناطق، وحملت الجواري على ~~خمسمائة رمكة، والغلمان على خمسمائة برذون، على كل فرس لجام من ms1701 ذهب مرصع ~~بالجواهر وغواشيها من الديباج الملون، وبعثت إليه خمسمائة لبنة من ذهب ~~وخمسمائة لبنة من فضة، وتاجا مكللا بالدر والياقوت المرتفع، وأرسلت ~~إليه المسك والعنبر والعود الألنجوج، وعمدت إلى حقة فجعلت فيها درة ثمينة ~~غير مثقوبة وخرزة جزعية مثقوبة معوجة الثقب، ودعت رجلا من أشراف قومها ~~يقال له المنذر بن عمرو، وضمت إليه، رجالا من قومها أصحاب رأي وعقل، ~~وكتبت معه كتابا بنسخة الهدية، وقالت فيه: إن كنت نبيا فميز لي بين ~~الوصائف والوصفاء، وأخبر بما في الحقة قبل أن تفتحها، واثقب الدر ثقبا ~~مستويا، وأدخل خيطا في الخرزة المثقوبة من غير علاج إنس ولا جن. # وأمرت بلقيس الغلمان فقالت: إذا كلمكم سليمان فكلموه بكلام تأنيث وتخنيث ~~يشبه كلام النساء، وأمرت الجواري أن يكلمنه بكلام فيه غلظة يشبه كلام ~~الرجال. # ثم قالت للرسول: أنظر إلى الرجل إذا دخلت عليه فإن نظر إليك نظر غضب ~~فاعلم أنه ملك ولا يهولنك منظره، فإنا أعز منه، وإن رأيت الرجل بشاشا ~~لطيفا فاعلم أنه نبي مرسل فتفهم قوله، ورد الجواب. # فانطلق الرسول بالهدايا، وأقبل الهدد مسرعا إلى سليمان فأخبره الخبر ~~كله، فأمر سليمان الجن أن يضربوا لبنات الذهب ولبنات الفضة ففعلوا، ثم ~~أمرهم أن يبسطوا من موضعه الذي هو فيه إلى تسعة فراسخ ميدانا واحدا ~~بلبنات الذهب والفضة، وأن يجعلوا حول الميدان حائطا، شرفها من الذهب ~~والفضة، ثم قال: أي الدواب أحسن مما رأيتم في البر والبحر، قالوا: يا ~~نبي الله إنا رأينا دوابا في بحر كذا وكذا منقطعة مختلفة ألوانها لها ~~أجنحة وأعراف ونواص، فقال: علي بها الساعة، فأتوا بها، فقال شدوها ~~عن يمين الميدان وعن يساره على لبنات الذهب والفضة، وألقوا لها علوفتها ~~فيها، ثم قال للجن: علي بأولادكم فاجتمع خلق كثير، فأقامهم عن يمين ~~الميدان ويساره، ثم قعد سليمان في مجلسه على سريره، ووضع له أربعة آلاف ~~كرسي عن يمينه ومثلها عن يساره، وأمر الشياطين أن يصطفوا صفوفا فراسخ، ~~وأمر الإنس فاصطفوا فراسخ وأمر الوحوش والسباع والهوام والطير، فاصطفوا ~~فراسخ ms1702 عن يمينه وعن يساره. فلما دنا القوم من الميدان ونظروا إلى ملك ~~سليمان ورأوا الدواب التي لم تر أعينهم مثلها تروث على لبن الذهب ~~والفضة، تقاصرت أنفسهم ورموا بما معهم من الهدايا، وفي بعض الروايات أن ~~سليمان لما أمر بفرش الميدان بلبنات الذهب والفضة أمرهم أن يتركوا على ~~طريقهم موضعا على قدر موضع اللبنات التي معهم، فلما رأى الرسل موضع ~~اللبنات خاليا وكل الأرض مفروشة خافوا أن يتهموا بذلك فطرحوا ما معهم في ~~ذلك المكان، فلما رأوا الشياطين نظروا إلى منظر عجيب ففزعوا، فقالت لهم ~~الشياطين: جوزوا فلا بأس عليكم، فكانوا يمرون على كردوس كردوس من الجن ~~والإنس والطير والهوام والسباع والوحوش، حتى وقفوا بين يدي سليمان، فنظر ~~إليهم سليمان نظرا حسنا بوجه طلق، وقال: ما وراءكم؟ فأخبره رئيس القوم ~~بما جاؤوا له، وأعطاه كتاب الملكة، فنظر فيه، ثم قال: أين الحقة، فأتى ~~بها فحركها، وجاء جبريل فأخبره بما في الحقة، فقال: إن فيها درة ثمينة ~~غير مثقوبة، وجزعة مثقوبة معوجة الثقب، فقال الرسول: صدقت فاثقب الدرة، ~~وأدخل الخيط في الخرزة، فقال سليمان: من لي بثقبها فسأل سليمان الإنس ثم ~~الجن، فلم يكن عندهم علم ذلك، ثم سأل الشياطين، فقالوا: نرسل إلى الأرضة ~~فجاءت الأرضة فأخذت شعرة في فيها فدخلت فيها حتى خرجت من الجانب الآخر ~~فقال لها سليمان ما حاجتك؟ فقالت: تصير رزقي في الشجرة، فقال لك ذلك. # وروي أنها جاءت دودة تكون في الصفصاف فقالت: أنا أدخل الخيط في الثقب ~~على أن يكون رزقي في الصفصاف، فجعل لها ذلك، فأخذت الخيط بفيها ودخلت ~~الثقب وخرجت من الجانب الآخر. # ثم قال: من لهذه الخرزة فيسلكها في الخيط؟ فقالت دودة بيضاء أنا لها يا ~~رسول الله فأخذت الدودة الخيط في فيها ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب ~~الآخر، فقال سليمان: ما حاجتك؟ فقالت: تجعل رزقي في الفواكه، قال: لك ~~ذلك، ثم ميز بين الجواري والغلمان، بأن أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم، ~~فجعلت الجارية تأخذ الماء من الآنية بإحدى يديها ثم ms1703 تجعله على اليد ~~الأخرى ثم تضرب به الوجه، والغلام كما يأخذه من الآنية فيضرب به وجهه، ~~وكانت الجارية تصب الماء على بطن ساعدها والغلام على ظهر الساعد، وكانت ~~الجارية تصب الماء صبا وكان الغلام يحدر الماء على يديه حدرا، فميز ~~بينهم بذلك، ثم رد سليمان الهدية, كما قال الله تعالى: # { فلما جآء سليمان قال أتمدونن بمال } ، قرأ ~~حمزة، ويعقوب: { أتمدوني } بنون واحدة مشددة وإثبات الياء، وقرأ الآخرون: ~~بنونين خفيفتين، ويثبت الياء أهل الحجاز والبصرة، والآخرون يحذفونها، { ~~فمآ ءاتنى الله } ، أعطاني الله من النبوة والدين والحكمة ~~والملك، { خير } أفضل، { ممآ ءاتكم بل أنتم ~~بهديتكم تفرحون } ، لأنكم أهل مفاخرة في الدنيا ومكاثرة ~~بها، تفرحون بإهداء بعضكم لبعض، فأما أنا فلا أفرح بها، وليست الدنيا من ~~حاجتي، لأن الله تعالى قد مكنني فيها وأعطاني منها ما لم يعط أحدا، ومع ~~ذلك أكرمني بالدين والنبوة، ثم قال للمنذر بن عمرو أمير الوفد. # { ارجع إليهم } ، بالهدية، { فلنأتينهم بجنود لا ~~قبل لهم } ، لا طاقة لهم، { بها ولنخرجنهم منهآ } ، ~~أي: من أرضهم وبلادهم وهي سبأ، { أذلة وهم صغرون } ، ~~ذليلون إن لم يأتوني مسلمين. # قال وهب وغيره من أهل الكتب: فلما رجعت رسل بلقيس إليها من عند سليمان ~~قالت: قد عرفت والله ما هذا بملك وما لنا به طاقة، فبعثت إلى سليمان ~~إني قادمة عليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك، ثم ~~أمرت بعرشها فجعل في آخر سبعة أبيات بعضها في بعض في آخر قصر من سبعة ~~قصور لها، ثم أغلقت دونه الأبواب ووكلت به حراسا يحفظونه، ثم قالت لمن ~~خلفت على سلطانها: احتفظ بما قبلك وسرير ملكي، لا يخلص إليه أحد ولا ~~يرينه حتى آتيك، ثم أمرت مناديا ينادي في أهل مملكتها يؤذنهم بالرحيل، ~~وشخصت إلى سليمان في اثني عشر ألف قيل: من ملوك اليمن، تحت يد كل قيل ~~ألوف كثيرة. # قال ابن عباس: وكان سليمان رجلا مهيبا لا يبتدأ بشيء حتى يكون هو ~~الذي يسأل عنه، فخرج يوما فجلس على سرير ms1704 ملكه، فرأى وهجا قريبا منه، ~~فقال: ما هذا؟ قالوا: بلقيس وقد نزلت منا بهذا المكان، وكان على مسيرة ~~فرسخ من سليمان، قال ابن عباس: وكان بين الكوفة والحيرة قدر فرسخ، فأقبل ~~سليمان حينئذ على جنوده. # { قال يأيها الملا أيكم يأتينى بعرشها قبل ~~أن يأتونى مسلمين } ، أي: مؤمنين، وقال ابن عباس: طائعين. # واختلفوا في السبب الذي لأجله أمر سليمان بإحضار عرشها، فقال أكثرهم: ~~لأن سليمان علم أنها إن أسلمت يحرم عليه مالها فأراد أن يأخذ سريرها قبل ~~أن يحرم عليه أخذه بإسلامها. # وقيل: ليريها قدرة الله وعظيم سلطانه في معجزة يأتي بها في عرشها. # وقال قتادة: لأنه أعجبته صفته لما وصفه الهدهد، فأحب أن يراه. # قال ابن زيد: أراد أن يأمر بتنكيره وتغييره ليختبر بذلك عقلها. ### || [27.39-40] # { قال عفريت من الجن } ، وهو المارد القوي، قال وهب: اسمه ~~كوذى، وقيل: ذكوان، قال ابن عباس: العفريت الداهية. وقال الضحاك: هو ~~الخبيث. وقال الربيع: الغليظ، وقال الفراء: القوي الشديد، وقيل: هو ~~صخرة الجني، وكان بمنزلة الجبل يضع قدمه عند منتهى طرفه، { أنا ~~ءاتيك به قبل أن تقوم من مقامك } ، أي من مجلسك الذي ~~تقضي فيه، قال ابن عباس: وكان له كل غداة مجلس يقضي فيه إلى منتهى ~~النهار، { وإنى عليه } ، أي على حمله { لقوى أمين } ، ~~على ما فيه من الجواهر، فقال سليمان: أريد أسرع من هذا. # ف { قال الذى عنده علم من الكتب } ، واختلفوا فيه ~~فقال بعضهم: هو جبريل. وقيل: هو ملك من الملائكة أيد الله به نبيه سليمان ~~عليه السلام. # وقال أكثر المفسرين: هو آصف بن برخيا، وكان صديقا يعلم اسم الله ~~الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى. # وروى جويبر، ومقاتل، عن الضحاك عن ابن عباس قال: إن آصف قال لسليمان حين ~~صلى: مد عينيك حتى ينتهي طرفك، فمد سليمان عينيه، فنظر نحو اليمين، ~~ودعا آصف فبعث الله الملائكة فحملوا السرير من تحت الأرض يخدون به خدا ~~حتى انخرقت الأرض بالسرير بين يدي سليمان. # وقال الكلبي: خر آصف ساجدا ms1705 ودعا باسم الله الأعظم فغار عرشها تحت ~~الأرض حتى نبع عند كرسي سليمان. وقيل: كانت المسافة مقدار شهرين. # واختلفوا في الدعاء الذي دعا به آصف، فقال مجاهد، ومقاتل: يا ذا الجلال ~~والإكرام. وقال الكلبي: يا حي يا قيوم. وروي ذلك عن عائشة. وروي عن ~~الزهري قال: دعاء الذي عنده علم من الكتاب: يا إلهنا وإله كل شيء إلها ~~واحدا لا إله إلا أنت ائتني بعرشها. # وقال محمد بن المنكدر: إنما هو سليمان، قال له عالم من بني إسرائيل آتاه ~~الله علما وفهما: { أنا ءاتيك به قبل أن يرتد ~~إليك طرفك } ، قال سليمان هات، قال: أنت النبي ابن النبي، وليس أحد ~~أوجه عند الله منك، فإن دعوت الله وطلبت إليه كان عندك، فقال: صدقت، ففعل ~~ذلك فجيء بالعرش في الوقت. # وقوله تعالى: { قبل أن يرتد إليك طرفك } ، قال سعيد بن ~~جبير: يعني: من قبل أن يرجع إليك أقصى من ترى، وهو أن يصل إليك من كان ~~منك على مد بصرك. قال قتادة: قبل أن يأتيك الشخص من مد البصر. وقال ~~مجاهد: يعني إدامة النظر حتى يرتد الطرف خاسئا. قال وهب: تمد عينيك فلا ~~ينتهي طرفك إلى مداه، حتى أمثله بين يديك، { فلما رءاه } ، يعني ~~رأى سليمان العرش، { مستقرا عنده } ، محمولا إليه من مأرب إلى ~~الشام في قدر ارتداد الطرف، { قال هذا من فضل ربى ~~ليبلونى أءشكر } ، نعمته، { أم أكفر } ، فلا أشكرها، { ~~ومن شكر فإنما يشكر لنفسه } ، أي يعود نفع شكره إليه، ~~وهو أن يستوجب به تمام النعمة ودوامها، لأن الشكر قيد النعمة الموجودة ~~وصيد النعمة المفقودة، { ومن كفر فإن ربي غني } ، عن ~~شكره، { كريم } ، بالإفضال على من يكفر نعمه. ### || [27.41] # قوله تعالى: { قال نكروا لها عرشها } ، يقول غيروا سريرها ~~إلى حال تنكره إذا رأته، قال قتادة ومقاتل: هو أن يزاد فيه وينقص. وروى ~~أنه جعل أسفله أعلاه وأعلاه أسفله، وجعل مكان الجوهر الأحمر أخضر ومكان ~~الأخضر أحمر، { ننظر أتهتدى } ، إلى عرشها فتعرفه، { أم ~~تكون من } ، الجاهلين، { الذين لا يهتدون } ، إليه, وإنما ms1706 ~~حمل سليمان على ذلك كما ذكره وهب ومحمد بن كعب وغيرهما: أن الشياطين خافت ~~أن يتزوجها سليمان فتفشي إليه أسرار الجن وذلك أن أمها كانت جنية، وإذا ~~ولدت له ولدا لا ينفكون من تسخير سليمان وذريته من بعده، فأساؤا الثناء ~~عليها ليزهدوه فيها، وقالوا: إن في عقلها شيئا وإن رجلها كحافر الحمار ~~وأنها شعراء الساقين فأراد سليمان أن يختبر عقلها بتنكير عرشها، وينظر ~~إلى قدميها ببناء الصرح. ### || [27.42-43] # { فلما جآءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو } ~~، قال مقاتل: عرفته لكنها شبهت عليهم كما شبهوا عليها. وقال عكرمة: كانت ~~حكيمة لم تقل نعم، خوفا من أن تكذب، ولم تقل لا، خوفا من التكذيب، ~~قالت: كأنه هو، فعرف سليمان كمال عقلها حيث لم تقر ولم تنكر. # وقيل اشتبه عليها أمر العرش، لأنها تركته في بيت خلف سبعة أبواب مغلقة ~~والمفاتيح معها، وقيل لها: فإنه عرشك فما أغنى عنك إغلاق الأبواب، فقالت: ~~{ وأوتينا العلم } ، بصحة نبوة سليمان بالآيات المتقدمة من أمر ~~الهدية والرسل، { من قبلها } ، من قبل الآية في العرش { وكنا ~~مسلمين } ، منقادين طائعين لأمر سليمان. # وقيل: قوله " وأوتينا العلم من قبلها " قاله سليمان، يقول: وأوتينا ~~العلم بالله وبقدرته على ما يشاء من قبل هذه المرأة، وكنا مسلمين، هذا ~~قول مجاهد. # وقيل: معناه وأوتينا العلم بإسلامها ومجيئها طائعة من قبل مجيئها وكنا ~~مسلمين طائعين لله عز وجل. # قوله عز وجل: { وصدها ما كانت تعبد من دون الله } ~~، أي: منعها ما كانت تعبد من دون الله، وهو الشمس، أن تعبد الله، أي صدها ~~عبادة الشمس عن التوحيد وعبادة الله، فعلى هذا التأويل يكون «ما» في محل ~~الرفع. # وقيل: معناه صدها عن عبادة الله لا نقصان عقلها كما قالت الجن: إن في ~~عقلها شيئا، بل ما كانت تعبد من دون الله. # وقيل: معناه وصدها سليمان ما كانت تعبد من دون الله، أي: منعها من ذلك ~~وحال بينها وبينه، فيكون محل «ما» نصبا. # { إنها كانت من قوم كفرين } ، هذا استئناف، أخبر الله ~~تعالى أنها كانت من ms1707 قوم يعبدون الشمس، فنشأت بينهم ولم تعرف إلا عبادة ~~الشمس. ### || [27.44] # قوله عز وجل: { قيل لها ادخلى الصرح } الآية، وذلك أن ~~سليمان أراد أن ينظر إلى قدميها وساقيها من غير أن يسألها كشفها، لما ~~قالت الشياطين: إن رجليها كحافر الحمار، وهي شعراء الساقين، أمر ~~الشياطين فبنوا له صرحا أي: قصرا من زجاج، وقيل بيتا من زجاج كأنه ~~الماء بياضا، وقيل: الصرح صحن الدار، وأجرى تحته الماء، وألقى فيه كل ~~شيء من دواب البحر السمك والضفادع وغيرهما، ثم وضع سريره في صدره وجلس ~~عليه وعكفت عليه الطير والجن والإنس. وقيل: اتخذ صحنا من قوارير وجعل ~~تحتها تماثيل من الحيتان والضفادع، فكان الواحد إذا رآه ظنه ماء. # وقيل: إنما بنى الصرح ليختبر عقلها وفهمها كما فعلت هي بالوصفاء ~~والوصائف فلما جلس على السرير دعا بلقيس، فلما جاءت قيل لها ادخلي الصرح. # { فلما رأته حسبته لجة } ، وهي معظم الماء، { ~~وكشفت عن ساقيها } ، لتخوضه إلى سليمان، فنظر سليمان فإذا هي ~~أحسن الناس قدما وساقا إلا أنها كانت شعراء الساقين، فلما رأى سليمان ~~ذلك صرف بصره عنه وناداها، { قال إنه صرح ممرد } ، مملس ~~مستو، { من قوارير } ، وليس بماء، ثم إن سليمان دعاها إلى الإسلام، ~~وكانت قد رأت حال العرش والصرح فأجابت، { قالت رب إنى ظلمت ~~نفسى } ، بالكفر، وقال مقاتل: لما رأت السرير والصرح علمت أن ملك ~~سليمان من الله فقالت: رب إني ظلمت نفسي بعبادة غيرك، { وأسلمت ~~مع سليمن لله رب العلمين } ، أي أخلصت له ~~التوحيد. # وقيل: إنها لما بلغت الصرح فظنته لجة، قالت في نفسها: إن سليمان يريد أن ~~يغرقني، وكان القتل على أهون من هذا، فقولها: " ظلمت نفسي " تعني بذلك ~~الظن. # واختلفوا في أمرها بعد إسلامها، فقال عون بن عبد الله: سأل رجل عبد الله ~~بن عتبة: هل تزوجها سليمان؟ فقال: انتهى أمرها إلى قولها: أسلمت مع ~~سليمان لله رب العالمين، يعني: لا علم لنا وراء ذلك. # وقال بعضهم: تزوجها، ولما أراد أن يتزوجها كره لما رأى من كثرة شعر ~~ساقيها، فسأل الإنس: ms1708 ما يذهب هذا؟ قالوا الموسى، فقالت المرأة: لم تمسني ~~حديدة قط، فكره سليمان الموسى، وقال: إنها تقطع ساقيها، فسأل الجن ~~فقالوا: لا ندري، ثم سأل الشياطين فقالوا: إنا نحتال لك حتى تكون كالفضة ~~البيضاء، فاتخذوا النورة والحمام، فكانت النورة والحمامات من يومئذ، ~~فلما تزوجها سليمان أحبها حبا شديدا، وأقرها على ملكها وأمر الجن ~~فابتنوا لها بأرض اليمن ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعا وحسنا، ~~وهي سلحين، وبينون، وعمدان. ثم كان سليمان يزورها في كل شهر مرة بعد أن ~~ردها إلى ملكها ويقيم عندها ثلاثة أيام يبتكر من الشام إلى اليمن ومن ~~اليمن إلى الشام، وولدت له فيما ذكر. # وروي عن وهب قال: زعموا أن بلقيس لما أسلمت قال لها سليمان: اختاري ~~رجلا من قومك أزوجكه، قالت: ومثلي يا نبي الله تنكح الرجال وقد كان لي ~~في قومي من الملك والسلطان ما كان؟ قال: نعم، إنه لا يكون في الإسلام ~~إلا ذلك، ولا ينبغي لك أن تحرمي ما أحل الله لك، فقالت: زوجني إن كان لا ~~بد من ذلك ذا تبع ملك همدان فزوجها إياه، ثم ردها إلى اليمن، وسلط ~~زوجها ذا تبع على اليمن ودعا زوبعة أمير الجن باليمن، فقال: اعمل لذي تبع ~~ما استعملك فيه، فلم يزل بها ملكا يعمل له فيها ما أراد حتى مات سليمان، ~~فلما أن حال الحول، وتبينت الجن موت سليمان أقبل رجل منهم فسلك تهامة ~~حتى إذا كان في جوف اليمن صرخ بأعلى صوته: يا معشر الجن إن الملك سليمان ~~قد مات، فارفعوا أيديكم فرفعوا أيديهم وتفرقوا، وانقضى ملك ذي تبع، وملك ~~بلقيس مع ملك سليمان. # وقيل: إن الملك وصل إلى سليمان وهو ابن ثلاث عشرة سنة ومات وهو ابن ثلاث ~~وخمسين سنة. ### || [27.45-47] # قوله عز وجل: { ولقد أرسلنآ إلى ثمود أخاهم ~~صلحا أن } , أي: أن، { اعبدوا الله } , وحده، { فإذا ~~هم فريقان } , مؤمن وكافر, { يختصمون } , في الدين، قال ~~مقاتل: واختصامهم ما ذكر في سورة الأعراف: # قال الملا الذين استكبروا من قومه للذين ~~استضعفوا ms1709 لمن ءامن منهم # [الأعراف: 75 ]. إلى قوله: # يصلح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين # [الأعراف: 77]. # ف { قال } ، لهم صالح، { يقوم لم تستعجلون ~~بالسيئة } ، بالبلاء والعقوبة، { قبل الحسنة } ، العافية ~~والرحمة، { لولا } ، هلا { تستغفرون الله } ، بالتوبة من ~~كفركم، { لعلكم ترحمون }. # { قالوا اطيرنا } ، أي تشاءمنا، وأصله: تطيرنا، { بك وبمن ~~معك } ، قيل: إنما قالوا ذلك لتفرق كلمتهم. وقيل: لأنه أمسك عنهم ~~المطر في ذلك الوقت وقحطوا فقالوا: أصابنا هذا الضر والشدة من شؤمك وشؤم ~~أصحابك. { قال طائركم عند الله } ، أي: ما يصيبكم من الخير ~~والشر عند الله بأمره، وهو مكتوب عليكم، سمي طائرا لسرعة نزوله ~~بالإنسان فإنه لا شيء أسرع من قضاء محتوم، قال ابن عباس: الشؤم أتاكم من ~~عند الله لكفركم. # وقيل: طائركم أي: عملكم عند الله، سمي طائرا لسرعة صعوده إلى السماء. # { بل أنتم قوم تفتنون } ، قال ابن عباس: تختبرن بالخير ~~والشر، نظيره قوله تعالى: # ونبلوكم بالشر والخير فتنة # [الأنبياء: 35]، وقال محمد بن كعب القرظي: تعذبون. ### || [27.48-51] # قوله تعالى: { وكان فى المدينة } يعني: مدينة ثمود، وهي ~~الحجر، { تسعة رهط } ، من أبناء أشرافهم، { يفسدون فى ~~الأرض ولا يصلحون } ، وهم الذين اتفقوا على عقر الناقة، وهم ~~غواة قوم صالح، ورأسهم قدار بن سالف، وهو الذي تولى عقرها، كانوا يعملون ~~بالمعاصي. # { قالوا تقاسموا بالله } ، تحالفوا، يقول بعضهم لبعض: ~~احلفوا بالله أيها القوم. وموضع " تقاسموا " جزم على الأمر، وقال قوم: ~~محله نصب على الفعل الماضي، يعني: أنهم تحالفوا وتواثقوا، تقديره: قالوا ~~متقاسمين بالله، { لنبيتنه } ، أي: لنقتلنه بياتا أي ليلا، ~~{ وأهله } ، أي: قومه الذين أسلموا معه، وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي ~~«لتبيتنه» و«لتقولن» بالتاء فيهما وضم لام الفعل على الخطاب، وقرأ ~~الآخرون بالنون فيهما وفتح لام الفعل، { ثم لنقولن لوليه ~~} ، أي: لولي دمه، { ما شهدنا } ، ما حضرنا، { مهلك أهله } ~~، أي: إهلاكهم، ولا ندري من قتله، ومن فتح الميم فمعناه هلاك أهله، { ~~وإنا لصدقون } ، في قولنا ما شهدنا ذلك. # { ومكروا مكرا } ، غدروا غدرا حين قصدوا تبييت صالح والفتك به، ~~{ ومكرنا مكرا } ، جزيناهم على مكرهم بتعجيل عقوبتهم، { وهم ~~لا ms1710 يشعرون }. # { فانظر كيف كان عقبة مكرهم أنا } ، قرأ أهل ~~الكوفة «أنا» بفتح الألف ردا على العاقبة، أي أنا دمرناهم، وقرأ الآخرون ~~«إنا» بالكسر على الاستئناف، { دمرنهم } ، أي أهلكناهم التسعة. # واختلفوا في كيفية هلاكهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: أرسل الله ~~الملائكة تلك الليلة إلى دار صالح يحرسونه فأتى التسعة دار صالح شاهرين ~~سيوفهم، فرمتهم الملائكة بالحجارة من حيث يرون الحجارة ولا يرون ~~الملائكة، فقتلتهم. قال مقاتل: نزلوا في سفح جبل ينظر بعضهم بعضا ليأتوا ~~دار صالح، فجثم عليهم الجبل فأهلكهم. # { وقومهم أجمعين } ، أهلكهم الله بالصيحة. ### || [27.52-59] # { فتلك بيوتهم خاوية } ، نصب على الحال أي: خالية، { بما ~~ظلموا } ، أي: بظلمهم وكفرهم، { إن فى ذلك لاية } ، ~~لعبرة، { لقوم يعلمون } ، قدرتنا. # { وأنجينا الذين ءامنوا وكانوا يتقون } ، يقال: ~~كان الناجون منهم أربعة آلاف. # قوله تعالى: { ولوطا إذ قال لقومه أتأتون ~~الفحشة } ، وهي الفعلة القبيحة، { وأنتم تبصرون } ، أي ~~تعلمون أنها فاحشة. وقيل: معناه يرى بعضكم بعضا وكانوا لا يستترون ~~عتوا منهم. # { أءنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النسآء ~~بل أنتم قوم تجهلون }. # { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا ~~ءال لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون } ، من أدبار ~~الرجال. # { فأنجينه وأهله إلا امرأته قدرنها } ، ~~قضينا عليها وجعلناها بتقديرنا، { من الغبرين } ، أي الباقين في ~~العذاب. # { وأمطرنا عليهم مطرا } ، وهي الحجارة، { فسآء } ، ~~فبئس، { مطر المنذرين }. # قوله تعالى: { قل الحمد لله } ، هذا خطاب لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أمر أن يحمد الله على هلاك كفار الأمم الخالية. وقيل: على جميع ~~نعمه. { وسلم على عباده الذين اصطفى } ، قال مقاتل: ~~هم الأنبياء والمرسلون، دليله قوله عز وجل: { وسلام على ~~المرسلين }. # وقال ابن عباس في رواية أبي مالك هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. ~~وقال الكلبي: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم. # وقيل: هم كل المؤمنين من السابقين واللاحقين. # { ءآلله خير أما يشركون } ، قرأ أهل البصرة وعاصم: ~~«يشركون» بالياء، وقرأ الآخرون بالتاء، يخاطب أهل مكة، وفيه إلزام الحجة ~~على المشركين بعد هلاك الكفار، يقول: آلله خير لمن ms1711 عبده، أم الأصنام خير ~~لمن عبدها؟ والمعنى: أن الله ينجي من عبده من الهلاك، والأصنام ~~لم تغن شيئا عن عابديها عند نزول العذاب. ### || [27.60-61] # { أمن خلق السموت والأرض } ، معناه آلهتكم خير أم ~~الذي خلق السموات والأرض، { وأنزل لكم من السمآء مآء } ، ~~يعني المطر، { فأنبتنا به حدآئق }؟ بساتين جمع حديقة، قال ~~الفراء: الحديقة البستان المحاط عليه، فإن لم يكن عليه حائط فليس ~~بحديقة، { ذات بهجة } ، أي: منظر حسن، والبهجة: الحسن يبتهج به من ~~يراه، { ما كان لكم أن تنبتوا شجرها } ، أي ما ينبغي ~~لكم، لأنكم لا تقدرون عليها. { أإله مع الله } ، استفهام على ~~طريق الإنكار، أي: هل معه معبود سواه أعانه على صنعه؟ بل ليس معه إله. { ~~بل هم قوم } ، يعني كفار مكة، { يعدلون } ، يشركون. # { أمن جعل الأرض قرارا } ، لا تميد بأهلها، { وجعل ~~خلالهآ } ، وسطها { أنهارا } ، تطرد بالمياه، { وجعل لها ~~رواسى } جبالا ثوابت، { وجعل بين البحرين } ، العذب ~~والمالح، { حاجزا } ، مانعا لئلا يختلط أحدهما بالآخر، { أءله ~~مع الله بل أكثرهم لا يعلمون } ، توحيد ربهم وسلطانه. ### || [27.62-65] # { أمن يجيب المضطر } ، المكروب المجهود، { إذا دعاه ~~ويكشف السوء } ، الضر، { ويجعلكم خلفآء الأرض } ، ~~سكانها يهلك قرنا وينشيء آخر. وقيل: يجعل أولادكم خلفاءكم وقيل: جعلكم ~~خلفاء الجن في الأرض. { أءله مع الله قليلا ما ~~تذكرون } ، قرأ أبو عمرو بالياء والآخرون بالتاء. # { أمن يهديكم فى ظلمت البر والبحر } ، إذا ~~سافرتم، { ومن يرسل الرياح بشرا بين يدى رحمته ~~} ، أي: قدام المطر، { أءله مع الله تعالى الله عما ~~يشركون }. # { أمن يبدأ الخلق ثم يعيده } ، بعد الموت، { ومن ~~يرزقكم من السمآء والأرض } ، أي: من السماء المطر ومن ~~الأرض النبات. { أءله مع الله قل هاتوا برهنكم ~~} ، حجتكم على قولكم أن مع الله إلها آخر. { إن كنتم صدقين ~~}. # { قل لا يعلم من فى السموت والأرض الغيب إلا ~~الله } ، نزلت في المشركين حيث سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن وقت ~~قيام الساعة، { وما يشعرون أيان يبعثون }. ### || [27.66-68] # { بل ادرك علمهم } ، قرأ أبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: ~~«أدرك» على وزن أفعل أي: بلغ ms1712 ولحق، كما يقال: أدركه علمي إذا لحقه وبلغه، ~~يريد ما جهلوا في الدنيا وسقط علمه عنهم علموه في الآخرة. وقال مجاهد: ~~يدرك علمهم، { فى الآخرة } ، ويعلمونها إذا عاينوها حين لا ينفعهم ~~علمهم. قال مقاتل: بل علموا في الآخرة حين عاينوها ما شكوا وعموا عنه ~~في الدنيا وهو قوله: { بل هم فى شك منها } ، يعني هم اليوم ~~في شك من الساعة، وقرأ الآخرون: " بل ادراك " موصولا مشددا مع ألف بعد ~~الدال المشددة، أي: تدارك وتتابع علمهم في الآخرة وتلاحق. # وقيل: معناه اجتمع علمهم في الآخرة أنها كائنة، وهم في شك في وقتهم، ~~فيكون بمعنى الأول. وقيل: هو على طريق الاستفهام، معناه: هل تدارك وتتابع ~~علمهم بذلك في الآخرة؟ أي: لم يتتابع وضل وغاب علمهم به فلم يبلغوه ولم ~~يدركوه، لأن في الاستفهام ضربا من الجحد يدل عليه. قراءة ابن عباس «بلى» ~~بإثبات الياء، «أدارك» بفتح الألف على الاستفهام، أي: لم يدرك، وفي حرف ~~أبي «أم تدرك علمهم»، والعرب تضع " بل " موضع " أم " و " أم " موضع " ~~بل ". # وجملة القول فيه: أن الله أخبر أنهم إذا بعثوا يوم القيامة يستوي علمهم ~~في الآخرة وما وعدوا فيها من الثواب والعقاب، وإن كانت علومهم مختلفة في ~~الدنيا. # وذكر علي بن عيسى أن معنى «بل» هاهنا: " لو " ومعناه: لو أدركوا في ~~الدنيا ما أدركوا في الآخرة لم يشكوا. قوله عز وجل: { بل هم فى ~~شك منها } ، بل هم اليوم في الدنيا في شك من الساعة. { بل هم ~~منها عمون } ، جمع عم، وهو الأعمى القلب. قال الكلبي: يقول هم ~~جهلة بها. # { وقال الذين كفروا } ، يعني مشركي مكة، { أءذا كنا ~~ترابا وءابآؤنآ أءنا لمخرجون } ، من قبورنا أحياء، قرأ ~~أهل المدينة «إذا» غير مستفهم «أئنا» بالاستفهام، وقرأ ابن عامر، ~~والكسائي: «أإذا» بمهزتين «أإننا» بنونين، وقرأ الآخرون باستفهامها. # { لقد وعدنا هذا } ، أي هذا البعث، { نحن وءابآؤنا ~~من قبل } ، أي: من قبل محمد، وليس ذلك بشيء { إن هذآ } ، ما ~~هذا { إلا أسطير الأولين } ، أحاديثهم وأكاذيبهم التي ~~كتبوها. ### || [27.69-76] # { قل سيروا فى ms1713 الأرض فانظروا كيف كان عقبة ~~المجرمين }. # { ولا تحزن عليهم } ، على تكذيبهم إياك وإعراضهم عنك، { ~~ولا تكن فى ضيق مما يمكرون } ، نزلت في المستهزئين ~~الذين اقتسموا أعقاب مكة. # { ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صدقين }. # { قل عسى أن يكون ردف } ، أي دنا وقرب، { لكم } ، وقيل: ~~تبعكم، والمعنى: ردفكم، أدخل اللام كما أدخل في قوله: # لربهم يرهبون # [الأعراف: 154]، قال الفراء: اللام صلاة زائدة، كما تقول: نقدته مائة، ~~ونقدت له { بعض الذى تستعجلون } ، من العذاب، فحل بهم ذلك ~~يوم بدر. # { وإن ربك لذو فضل على الناس } ، قال مقاتل: على أهل ~~مكة حيث لم يعجل عليهم العذاب، { ولكن أكثرهم لا ~~يشكرون } ، ذلك. # { وإن ربك ليعلم ما تكن } ، ما تخفي، { صدورهم ~~وما يعلنون }. # { وما من غآئبة } ، أي: جملة غائبة من مكتوم سر، وخفي أمر، ~~وشيء غائب، { فى السمآء والأرض إلا فى كتب مبين } ~~، أي: في اللوح المحفوظ. # { إن هذا القرءان يقص على بنى إسرءيل } ، ~~أي يبين لهم، { أكثر الذى هم فيه يختلفون } ، من أمر ~~الدين، قال الكلبي: إن أهل الكتاب اختلفوا فيما بينهم فصاروا أحزابا ~~يطعن بعضهم على بعض، فنزل القرآن ببيان ما اختلفوا فيه. ### || [27.77-81] # { وإنه } ، يعني القرآن، { لهدى ورحمة للمؤمنين }. # { إن ربك يقضى } ، يفصل، { بينهم } ، أي: بين المختلفين في ~~الدين يوم القيامة، { بحكمه } ، الحق، { وهو العزيز } ، ~~المنيع فلا يرد له أمر، { العليم } ، بأحوالهم فلا يخفى عليه شيء. # { فتوكل على الله إنك على الحق المبين } ، ~~البين. # { إنك لا تسمع الموتى } ، يعني الكفار، { ولا تسمع ~~الصم الدعآء } ، قرأ ابن كثير: " لا يسمع " بالياء وفتحها ~~وفتح الميم " الصم " رفع، وكذلك في سورة الروم، وقرأ الباقون بالتاء ~~وضمها وكسر الميم، " الصم " نصب. { إذا ولوا مدبرين } ، ~~معرضين. # فإن قيل ما معنى قوله: { ولوا مدبرين } ، وإذا كانوا صما لا ~~يسمعون سواء ولوا أو لم يولوا؟. # قيل: ذكره على سبيل التأكيد والمبالغة. # وقيل: الأصم إذا كان حاضرا فقد يسمع برفع الصوت ويفهم بالإشارة، فإذا ~~ولى لم يسمع ولم يفهم. قال قتادة: الأصم إذا ولى مدبرا ثم ناديته لم ~~يسمع، كذلك ms1714 الكافر لا يسمع ما يدعى إليه من الإيمان. # ومعنى الآية أنهم لفرط إعراضهم عما يدعون إليه كالميت الذي لا سبيل إلى ~~إسماعه، والأصم الذي لا يسمع. # { ومآ أنت بهادى العمى } ، قرأ الأعمش، وحمزة: «تهدي» بالتاء ~~وفتحها على الفعل «العمي» بنصب الياء هاهنا وفي الروم. وقرأ الآخرون ~~بهادي بالباء على الاسم، «العمي» بكسر الياء، { عن ضللتهم } ، ~~أي: ما أنت بمرشد من أعماه الله عن الهدى وأعمى قلبه عن الإيمان، { إن ~~تسمع } ، ما تسمع، { إلا من يؤمن بئايتنا } ، إلا ~~من يصدق بالقرآن أنه من الله، { فهم مسلمون } ، مخلصون. ### || [27.82] # قوله تعالى: { وإذا وقع القول عليهم } ، وجب العذاب ~~عليهم، وقال قتادة: إذا غضب الله عليهم، { أخرجنا لهم دآبة ~~من الأرض تكلمهم } ، واختلفوا في كلامها، فقال السدي: ~~تكلمهم ببطلان الأديان سوى دين الإسلام. # وقال بعضهم: كلامها أن تقول لواحد هذا: مؤمن، وتقول لآخر: هذا كافر. # وقيل: كلامها ما قال الله تعالى: { أن الناس كانوا ~~بئايتنا لا يوقنون }. # قال مقاتل تكلمهم بالعربية، فتقول أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون، ~~تخبر الناس أن أهل مكة لم يؤمنوا بالقرآن والبعث. # قرأ أهل الكوفة «أن الناس» بفتح الألف، أي: بأن الناس، وقرأ الباقون ~~بالكسر على الاستئناف، أي: إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون قبل خروجها. # قال ابن عمر: وذلك حين لا يؤمر بمعروف ولا ينهى عن منكر. # وقرأ سعيد بن جبير، وعاصم الجحدري، وأبو رجاء العطاردي: «تكلمهم» ~~بفتح التاء وتخفيف اللام من " الكلم " وهو الجرح. # وقال أبو الجوزاء: سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن هذه الآية: ~~«تكلمهم أو تكلمهم»؟ قال: كل ذلك تفعل، تكلم المؤمن ~~وتكلم الكافر. # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أحبرنا أبو الحسن الطيسفوني، ~~أحبرنا عبد الله بن عمر الجوهري، أخبرنا أحمد بن علي الكشميهني، أحبرنا ~~علي بن حجر، أخبرنا إسماعيل بن جعفر، أخبرنا العلاء بن عبد الرحمن، عن ~~أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " بادروا بالأعمال ستا: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدجال، ~~ودابة الأرض، ms1715 وخاصة أحدكم، وأمر العامة ". # أخبرنا إسماعيل بن عبدالله، أخبرنا عبد الغافر بن محمد الفارسي، أخبرنا ~~محمد بن عيسى الجلودي، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، أخبرنا مسلم بن ~~الحجاج، أخبرنا أبو بكر بن أبي شيبة، أخبرنا محمد بن بشر، عن أبي حيان، ~~عن أبي زرعة، عن عبد الله بن عمرو، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ~~ضحى وآيهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريبا ". # وأخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو عبد ~~الله الحسين بن محمد ابن فنجويه، أخبرنا أبو بكر بن خرجة، أخبرنا محمد بن ~~عبد الله بن سليمان الحضرمي، أخبرنا هشيم ابن حماد، أخبرنا عمرو بن محمد ~~العبقري، عن طلحة بن عمرو، عن عبد الله بن عمير الليثي، عن أبي سريحة ~~الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يكون للدابة ثلاث خرجات من الدهر، فتخرج خروجا بأقصى اليمن فيفشو ~~ذكرها في البادية ولا يدخل ذكرها القرية، يعني مكة، ثم تمكث زمانا ~~طويلا، ثم تخرج خرجة أخرى قريبا من مكة فيفشو ذكرها في البادية، ويدخل ~~ذكرها القرية يعني مكة فبينما الناس يوما في أعظم المساجد على الله ~~حرمة وأكرمها على الله عز وجل يعني المسجد الحرام لم يرعهم إلا ~~وهي في ناحية المسجد تدنو وتدنو " # كذا قال ابن عمر، وما بين الركن الأسود إلى باب بني مخزوم عن يمين ~~الخارج في وسط من ذلك فارفض الناس عنها وتثبت لها عصابة عرفوا أنهم لن ~~يعجزوا الله، فخرجت عليهم تنفض رأسها من التراب فمرت بهم فجلت عن وجوههم ~~حتى تركتها كأنها الكواكب الدرية، ثم ولت في الأرض لا يدركها طالب ولا ~~يعجزها هارب، حتى أن الرجل ليقوم فيتعوذ منها بالصلاة فتأتيه من خلفه ~~فتقول: يا فلان الآن تصلي؟ فيقبل عليها بوجهه فتسمه في وجهه، فيتجاوز ~~الناس في ديارهم ويصطحبون في أسفارهم ويشتركون في الأموال، يعرف الكافر ~~من المؤمن، فيقال للمؤمن: يا مؤمن ms1716 ويقال للكافر: يا كافر ". # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسين بن ~~محمد، أخبرنا أبو بكر بن مالك القطيعي، أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ~~أخبرنا أبي، حدثنا بهز، حدثنا حماد، هو ابن أبي سلمة، أخبرنا علي بن زيد، ~~عن أوس بن خالد، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " تخرج الدابة ومعها عصى موسى وخاتم سليمان، فتجلو وجه المؤمن بالعصا ~~وتحطم أنف الكافر بالخاتم، حتى أن أهل الخوان ليجتمعون فيقول هذا يا مؤمن ~~ويقول هذا يا كافر ". # وروي عن علي قال: ليست بدابة لها ذنب، ولكن لها لحية، كأنه يشير إلى أنه ~~رجل والأكثرون على أنها دابة. # وروى ابن جريج عن أبي الزبير أنه وصف الدابة فقال: رأسها رأس الثور ~~وعينها عين الخنزير، وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن أيل، وصدرها صدر أسد، ~~ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هر، وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم ~~بعير، بين كل مفصلين اثنا عشر ذراعا، ومعها عصا موسى، وخاتم سليمان، فلا ~~يبقى مؤمن إلا نكتته في مسجده بعصا موسى نكتة بيضاء يضيء لها وجهه، ولا ~~يبقى كافر إلا نكتت في وجهه بخاتم سليمان فيسود لها وجهه، حتى إن الناس ~~يتبايعون في الأسواق: بكم يا مؤمن؟ بكم يا كافر؟ ثم تقول له الدابة: يا ~~فلان أنت من أهل الجنة، ويا فلان أنت من أهل النار، فذلك قوله عز وجل: ~~{ وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دآبة من ~~الأرض } الآية. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني عقيل بن ~~محمد الجرجاني الفقيه، أخبرنا أبو الفرج المعافى بن زكريا البغدادي، ~~أخبرنا أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، أخبرنا أبو كريب، أخبرنا الأشجعي، ~~عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن ابن عمر قال: تخرج الدابة من صدع في الصفا ~~كجري الفرس ثلاثة أيام وما خرج ثلثها. # وبه عن محمد بن جرير الطبري قال: حدثني عصام بن دواد بن الجراح، حدثنا ~~سفيان بن سعيد، أخبرنا منصور بن المعتمر عن ms1717 ربعي بن حراش عن حذيفة بن ~~اليمان رضي الله عنه قال: # " ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدابة، قلت: يا رسول الله من أين ~~تخرج؟ قال: «من أعظم المساجد حرمة على الله، بينما عيسى يطوف بالبيت ومعه ~~المسلمون إذ تضرب الأرض تحتهم، وتنشق الصفا مما يلي المشعر، وتخرج الدابة ~~من الصفا أول ما يبدو منها رأسها ملمعة ذات وبر وريش، لن يدركها طالب ~~ولن يفوتها هارب، تسمي الناس مؤمنا وكافرا، أما المؤمن فتترك وجهه ~~كأنه كوكب دري وتكتب بين عينيه مؤمن، وأما الكافر فتنكت بين عينيه نكتة ~~سوداء، وتكتب بين عينيه كافرا» ". # وروي عن ابن عباس: أنه قرع الصفا بعصاه وهو محرم، وقال: إن الدابة لتسمع ~~قرع عصاي هذه. # وعن عبد الله بن عمرو، قال: تخرج الدابة من شعب فيمس رأسها السحاب ~~ورجلاها في الأرض ما خرجتا، فتمر بالإنسان يصلي فتقول: ما الصلاة من ~~حاجتك، فتخطمه. # وعن ابن عمر قال: تخرج الدابة ليلة جمع، والناس يسيرون إلى منى. # وعن سهيل بن صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " " بئس الشعب شعب أجياد " ، مرتين أو ثلاثا، قيل: ولم ذلك يا رسول ~~الله؟ قال: " تخرج منه الدابة فتصرخ ثلاث صرخات يسمعها من بين الخافقين ~~". # وقال وهب: وجهها وجه رجل وسائر خلقها كخلق الطير، فتخبر من رآها أن أهل ~~مكة كانوا بمحمد والقرآن لا يوقنون. ### || [27.83-84] # قوله تعالى: { ويوم نحشر من كل أمة فوجا } , أي: من ~~كل قرن جماعة، { ممن يكذب بئايتنا } , وليس " من " ~~هاهنا للتبعيض، لأن جميع المكذبين يحشرون، { فهم يوزعون } , يحبس ~~أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا ثم يساقون إلى النار. # { حتى إذا جآءوا } , يوم القيامة، { قال } , الله لهم، { ~~أكذبتم بئايتى ولم تحيطوا بها علما } ، ولم ~~تعرفوها حق معرفتها، { أما ذا كنتم تعملون } ، حين لم ~~تتفكروا فيها. ومعنى الآية: أكذبتم بآياتي غير عالمين بها، ولم تتفكروا ~~في صحيتها بل كذبتم بها جاهلين؟. ### || [27.85-87] # { ووقع القول } ، وجب العذاب، { عليهم بما ظلموا } ، ~~بما أشركوا، { فهم لا ينطقون ms1718 } ، قال قتادة: كيف ينطقون ولا حجة ~~لهم، نظيره قوله تعالى: # هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون # [المرسلات: 35-36]، وقيل: لا ينطقون لأن أفواههم مختومة. # قوله عز وجل: { ألم يروا أنا جعلنا } ، خلقنا، { اليل ~~ليسكنوا فيه والنهار مبصرا } ، مضيئا يبصر فيه، { ~~إن فى ذلك لآيت لقوم يؤمنون } ، يصدقون فيعتبرون. # قوله تعالى: { ويوم ينفخ فى الصور ففزع من فى ~~السموت ومن فى الأرض } ، والصور قرن ينفخ فيه إسرافيل، ~~وقال الحسن: الصور هي القرن، وأول بعضهم كلامه أن الأرواح تجمع في القرن ~~ثم ينفخ فيه فتذهب الأرواح إلى الأجساد فتحيا بالأجساد. قوله: { ففزع ~~من فى السموت ومن فى الأرض } ، أي: فصعق، كما قال في آية ~~أخرى: # فصعق من في السماوات ومن في الأرض # [الزمر: 68]، أي: ماتوا، والمعنى أنه يلقى عليهم الفزع إلى أن يموتوا. # وقيل: ينفخ إسرافيل في الصور. ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ~~ونفخة القيام لرب العالمين. # قوله: { إلا من شآء الله } ، اختلفوا في هذا الاستثناء. روي عن ~~أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل جبريل عن قوله: { إلا من ~~شآء الله } ، قال:هم الشهداء متقلدون أسيافهم حول العرش. # وروى سعيد بن جبير، وعطاء عن ابن عباس: هم الشهداء لأنهم أحياء عند ربهم ~~لا يصل الفزع إليهم. وفي بعض الآثار: " الشهداء ثنية الله عز وجل " ، ~~أي: الذين استثناهم الله تعالى. # وقال الكلبي، ومقاتل: يعني جبريل، ومكائيل، وإسرافيل، وملك الموت، فلا ~~يبقى بعد النفخة إلا هؤلاء الأربعة ثم يقبض الله روح ميكائيل، ثم روح ~~إسرافيل، ثم روح ملك الموت، ثم روح جبريل فيكون آخرهم موتا جبريل عليه ~~السلام. # ويروى أن الله تعالى يقول لملك الموت: خذ نفس إسرافيل، ثم يقول: من بقي ~~يا ملك الموت؟ فيقول سبحانك ربي تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام، ~~بقي جبريل وميكائيل وملك الموت، فيقول: خذ نفس ميكائيل، فيأخذ نفسه، فيقع ~~كالطود العظيم، فيقول من بقي؟ فيقول: سبحانك ربي تباركت وتعاليت، بقي ~~جبريل وملك الموت، فيقول: مت يا ملك الموت، فيموت، فيقول: يا جبريل ms1719 من ~~بقي؟ فيقول: تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام وجهك الباقي الدائم ~~وجبريل الميت الفاني، قال فيقول: يا جبريل لا بد من موتك، فيقع ساجدا ~~يخفق بجناحيه فيروى أنه فضل خلقه على فضل ميكائيل كالطود العظيم على ~~الظرب من الظراب. # ويروى أنه يبقى مع هؤلاء الأربعة حملة العرش، فيقبض روح جبريل وميكائيل، ~~ثم أرواح حملة العرش، ثم روح إسرافيل، ثم روح ملك الموت. # أخبرنا أبو عبدالله محمد بن الفضل الخرقي، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد ~~الله الطيسفوني، أخبرنا عبد الله بن علي الجوهري، أخبرنا أحمد بن علي ~~الكشميهني، أحبرنا علي بن حجر، أخبرنا إسماعيل ابن جعفر، أخبرنا محمد بن ~~عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " ينفخ في الصور فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم ~~ينفخ فيه أخرى فأكون أول من يرفع رأسه، فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم ~~العرش، فلا أدري أكان ممن استثنى الله عز وجل أم رفع رأسه قبلي؟ ومن ~~قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب ". # قال الضحاك: هم رضوان، والحور، ومالك، والزبانية. وقيل: عقارب النار ~~وحياتها. # قوله عز وجل: { وكل } ، أي: كل الذين أحيوا بعد الموت، { أتوه ~~} ، قرأ الأعمش، وحمزة، وحفص: «أتوه» مقصورا بفتح التاء على الفعل أي ~~جاءوه، وقرأ الآخرون بالمد وضم التاء كقوله تعالى: # وكلهم ءاتيه يوم القيمة فردا # [مريم: 95]، { دخرين } ، صاغرين. ### || [27.88-89] # قوله عز وجل: { وترى الجبال تحسبها جامدة } ، قائمة ~~واقفة، { وهى تمر مر السحاب } ، أي: تسير سير السحاب حتى ~~تقع على الأرض. فتستوي بها وذلك أن كل شيء عظيم وكل جمع كثير يقصر عنه ~~البصر لكثرته وبعد ما بين أطرافه فهو في حسبان الناظر واقف وهو سائر، ~~كذلك سير الجبال لا يرى يوم القيامة لعظمتها كما أن سير السحاب لا يرى ~~لعظمه وهو سائر، { صنع الله } ، نصب على المصدر، { الذى ~~أتقن كل شىء } ، أي: أحكم، { إنه خبير بما ~~تفعلون } ، قرأ ابن كثير، ms1720 وأهل البصرة: بالياء، والباقون بالتاء. # { من جآء بالحسنة } ، بكلمة الإخلاص، وهي شهادة أن لا إله إلا ~~الله، قال أبو معشر: كان إبراهيم يحلف ولا يستثني: أن الحسنة لا إله إلا ~~الله. وقال قتادة: بالإخلاص. وقيل: هي كل طاعة، { فله خير ~~منها } ، قال ابن عباس: فمنها يصل الخير إليه، يعني: له من تلك ~~الحسنة خير يوم القيامة، وهو الثواب والأمن من العذاب، أما أن يكون له ~~شيء خير من الإيمان فلا، لأنه ليس شيء خيرا من قوله لا إله إلا الله. ~~وقيل: فله خير منها يعني: رضوان الله، قال تعالى: # ورضون من الله أكبر # [التوبة: 72]، وقال محمد بن كعب، وعبد الرحمن بن زيد: " فله خير منها " ~~يعني: الأضعاف، أعطاه الله تعالى بالواحدة عشرا فصاعدا، وهذا حسن لأن ~~للأضعاف خصائص، منها: أن العبد يسأل عن عمله ولا يسأل عن الأضعاف، ومنها: ~~أن للشيطان سبيلا إلى عمله وليس له سبيل إلى الأضعاف، ولا مطمع للخصوم ~~في الأضعاف، ولأن الحسنة على استحقاق العبد والتضعيف كما يليق بكرم الرب ~~تبارك وتعالى. # { وهم من فزع يومئذ ءامنون } ، قرأ أهل الكوفة: «من ~~فزع» بالتنوين " يومئذ " بفتح الميم، وقرأ الآخرون بالإضافة لأنه أعم ~~فإنه يقتضي الأمن من جميع فزع ذلك اليوم، وبالتنوين كأنه فزع دون فزع، ~~ويفتح أهل المدينة الميم من يومئذ. ### || [27.90-93] # { ومن جآء بالسيئة } ، يعني الشرك، { فكبت وجوههم ~~فى النار } ، يعني ألقوا على وجوههم، يقال: كببت الرجل: إذا ~~ألقيته على وجهه، فانكب وأكب، وتقول لهم خزنة جهنم: { هل ~~تجزون إلا ما كنتم تعملون } ، في الدنيا من الشرك. # قوله تعالى: { إنمآ أمرت } ، يقول الله لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم قل إنما أمرت، { أن أعبد رب هذه البلدة } يعني ~~مكة، { الذى حرمها } ، جعلها الله حرما آمنا, لا يسفك فيها دم، ~~ولا يظلم فيها أحد، ولا يصاد صيدها، ولا يختلى خلاها، { وله كل ~~شىء } ، خلقا وملكا، { وأمرت أن أكون من المسلمين ~~} ، لله. # { وأن أتلو القرءان } ، يعني وأمرت أن أتلو القرآن، { ~~فمن اهتدى فإنما يهتدى لنفسه } ، أي: نفع اهتدائه ~~يرجع ms1721 إليه، { ومن ضل } ، عن الإيمان وأخطأ طريق الهدى، { فقل ~~إنمآ أنا من المنذرين } ، من المخوفين فليس علي إلا ~~البلاغ، نسختها آية القتال. # { وقل الحمد لله } ، على نعمه، { سيريكم ءايته } ، ~~يعني: يوم بدر، من القتل والسبي وضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم، نظيره ~~قوله عز وجل: # سأوريكم ءايتى فلا تستعجلون # [الأنبياء: 37]، وقال مجاهد: سيريكم آياته في السماء والأرض وفي أنفسكم، ~~كما قال: # سنريهم ءايتنا فى الأفاق وفى أنفسهم # [فصلت: 53]، { فتعرفونها } ، يعني: تعرفون الآيات والدلالات، { ~~وما ربك بغفل عما تعملون } ، وعدهم بالجزاء على ~~أعمالهم. ### | [28 - سورة القصص] ### || [28.1-4] # { طسم }. # { تلك ءايت الكتب المبين }. # { نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق } , ~~بالصدق, { لقوم يؤمنون } , يصدقون بالقرآن. { إن فرعون ~~علا } ، استكبر وتجبر وتعظم، { فى الأرض } ، أرض مصر، { وجعل ~~أهلها شيعا } ، فرقا وأصنافا في الخدمة والتسخير، { ~~يستضعف طآئفة منهم } ، أراد الطائفة: بني إسرائيل، ثم ~~فسر الاستضعاف فقال: { يذبح أبنآءهم ويستحى ~~نساءهم }. سمى هذا استضعافا لأنهم عجزوا أو ضعفوا عن دفعه عن ~~أنفسهم، { إنه كان من المفسدين }. ### || [28.5-9] # { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا فى الأرض ~~} ، يعني: بني إسرائيل، { ونجعلهم أئمة } ، قادة في الخير ~~يقتدى بهم. وقال قتادة: ولاة وملوكا دليله، قوله عز وجل: # وجعلكم ملوكا # [المائدة: 20]، وقال مجاهد: دعاة إلى الخير. { ونجعلهم ~~الوارثين } ، يعني: أملاك فرعون وقومه يخلفونهم في مساكنهم. # { ونمكن لهم فى الأرض } ، نوطن لهم في أرض مصر والشام، ~~ونجعلها لهم مكانا يستقرون فيه، { ونرى فرعون وهمن ~~وجنودهما } ، قرأ الأعمش، وحمزة، والكسائي: «ويرى» بالياء وفتحها، ~~{ فرعون وهمن وجنودهما } ، مرفوعات على أن الفعل لهم، ~~وقرأ الآخرون بالنون وضمها، وكسر الراء، ونصب الياء ونصب ما بعده، بوقوع ~~الفعل عليه، { منهم ما كانوا يحذرون } ، والحذر هو التوقي ~~من الضرر، وذلك أنهم أخبروا أن هلاكهم على يد رجل من بني إسرائيل فكانوا ~~على وجل منه، فأراهم الله ما كانوا يحذرون. # { وأوحينآ إلى أم موسى } ، وهو وحي إلهام لا وحي نبوة، ~~قال قتادة: قذفنا في قلبها، وأم موسى يوخانذ بنت لاوى بن يعقوب، { أن ~~أرضعيه } ، واختلفوا في مدة الرضاع، قيل: ثمانية ms1722 أشهر. وقيل: أربعة ~~أشهر. وقيل: ثلاثة أشهر كانت ترضعه في حجرها، وهو لا يبكي ولا يتحرك، { ~~فإذا خفت عليه } ، يعني: من الذبح، { فألقيه فى اليم ~~} ، واليم: البحر، وأراد هاهنا النيل، { ولا تخافى } ، قيل: لا ~~تخافي عليه من الغرق، وقيل: من الضيعة، { ولا تحزنى } ، على ~~فراقه، { إنا رآدوه إليك وجاعلوه من المرسلين }. ~~روى عطاء عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال إن بني إسرائيل لما ~~كثروا بمصر، استطالوا على الناس، وعملوا بالمعاصي، ولم يأمروا بالمعروف ~~ولم ينهوا عن المنكر، فسلط الله عليهم القبط فاستضعفوهم إلى أن أنجاهم ~~الله على يدي نبيه. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إن أم موسى لما تقاربت ولادتها وكانت ~~قابلة من القوابل التي وكلهن فرعون بحبالى بني إسرائيل مصافية لأم ~~موسى، فلما ضرب بها الطلق أرسلت إليها فقالت: قد نزل بي ما نزل، فلينفعني ~~حبك إياي اليوم، قالت: فعالجت قبالتها، فلما أن وقع موسى بالأرض هالها ~~نور بين عيني موسى، فارتعش كل مفصل منها، ودخل حب موسى قلبها. ثم قالت ~~لها: يا هذا ما جئت إليك حين دعوتني إلا ومن رأيي قتل مولودك، ولكن وجدت ~~لابنك هذا حبا ما وجدت حب شيء مثل حبه، فاحفظي ابنك فإني أراه هو عدونا، ~~فلما خرجت القابلة من عندها أبصرها بعض العيون، فجاؤوا إلى بابها ليدخلوا ~~على أم موسى، فقالت أخته يا أماه هذا الحرس بالباب فلفت موسى في خرقة، ~~فوضعته في التنور وهو مسجور، وطاش عقلها، فلم تعقل ما تصنع. قال: فدخلوا ~~فإذا التنور مسجور، ورأوا أم موسى لم يتغير لها لون ولم يظهر لها لبن، ~~فقالوا لها: ما أدخل عليك القابلة؟ قالت: هي مصافية لي فدخلت علي زائرة ~~فخرجوا من عندها، فرجع إليها عقلها فقالت لأخت موسى: فأين الصبي؟ قالت: ~~لا أدري، فسمعت بكاء الصبي من التنور فانطلقت إليه وقد جعل الله سبحانه ~~وتعالى النار عليه بردا وسلاما، فاحتملته. # قال: ثم إن أم موسى لما رأت إلحاح فرعون في طلب الولدان خافت على ابنها، ~~فقذف الله ms1723 في نفسها أن تتخذ له تابوتا ثم تقذف التابوت في اليم وهو ~~النيل، فانطلقت إلى رجل نجار من قوم فرعون فاشترت منه تابوتا صغيرا، ~~فقال لها النجار: ما تصنعين بهذا التابوت؟ قالت: ابن لي أخبئه في ~~التابوت، وكرهت الكذب، قال ولم تقل: أخشى عليه كيد فرعون، فلما اشترت ~~التابوت وحملته وانطلقت به انطلق النجار إلى الذباحين ليخبرهم بأمر أم ~~موسى، فلما هم بالكلام أمسك الله لسانه فلم يطق الكلام، وجعل يشير بيده ~~فلم يدر الأمناء ما يقول، فلما أعياهم أمره قال كبيرهم: اضربوه فضربوه ~~وأخرجوه، فلما انتهى النجار إلى موضعه رد الله عليه لسانه فتكلم، فانطلق ~~أيضا يريد الأمناء فأتاهم ليخبرهم فأخذ الله لسانه وبصره فلم يطق الكلام ~~ولم يبصر شيئا، فضربوه وأخرجوه، فوقع في واد يهوي فيه حيران، فجعل لله ~~عليه إن رد لسانه وبصره أن لا يدل عليه وأن يكون معه يحفظه حيث ما كان، ~~فعرف الله منه الصدق فرد عليه لسانه وبصره فخر لله ساجدا، فقال: يا رب ~~دلني على هذا العبد الصالح، فدله الله عليه، فخرج من الوادي فآمن به ~~وصدقه، وعلم أن ذلك من الله عز وجل. # وقال وهب بن منبه: لما حملت أم موسى بموسى كتمت أمرها جميع الناس، فلم ~~يطلع على حبلها أحد من خلق الله، وذلك شيء ستره الله لما أراد أن ~~يمن به على بني إسرائيل، فلما كانت السنة التي ولد فيها بعث فرعون ~~القوابل وتقدم إليهن ففتشن النساء تفتيشا لم يفتشن قبل ذلك مثله، وحملت ~~أم موسى فلم ينتأ بطنها، ولم يتغير لونها، ولم يظهر لبنها، فكانت القوابل ~~لا تتعرض لها، فلما كانت الليلة التي ولد فيها ولدته ولا رقيب عليها ولا ~~قابلة، ولم يطلع عليها أحد إلا أخته مريم، فأوحى الله إليها " أن أرضعيه ~~فإذا خفت عليه " الآية، فكتمته أمه ثلاثة أشهر ترضعه في حجرها، لا يبكي ~~ولا يتحرك، فلما خافت عليه عملت تابوتا له مطبقا ثم ألقته في البحر ~~ليلا. # قال ابن عباس وغيره: وكان لفرعون يومئذ بنت ms1724 لم يكن له ولد غيرها، وكانت ~~من أكرم الناس عليه، وكان لها كل يوم ثلاث حاجات ترفعها إلى فرعون، وكان ~~بها برص شديد، وكان فرعون قد جمع لها أطباء مصر والسحرة فنظروا في أمرها، ~~فقالوا له: أيها الملك لا تبرأ إلا من قبل البحر، يوجد فيه شبه ~~الإنسان فيؤخذ من ريقه فيلطخ به برصها فتبرأ من ذلك، وذلك في يوم كذا ~~وساعة كذا حين تشرق الشمس، فلما كان يوم الإثنين غدا فرعون إلى مجلس كان ~~على شفير النيل ومعه امرأته آسية بنت مزاحم، وأقبلت ابنة فرعون في ~~جواريها حتى جلست على شاطىء النيل مع جواريها تلاعبهن وتنضح الماء على ~~وجوههن، إذ أقبل النيل بالتابوت تضربه الأمواج، فقال فرعون: إن هذا لشيء ~~في البحر قد تعلق بالشجرة ايتوني به، فابتدروه بالسفن من كل جانب حتى ~~وضعوه بين يديه، فعالجوا فتح الباب فلم يقدروا عليه وعالجوا كسره فلم ~~يقدروا عليه، فدنت منه آسية فرأت في جوف التابوت نورا لم يره غيرها ~~فعالجته ففتحت الباب فإذا هي بصبي صغير في مهده، وإذا نور بين عينيه وقد ~~جعل الله رزقه في إبهامه يمصه لبنا، فألقى الله لموسى المحبة في قلب ~~آسية، وأحبه فرعون وعطف عليه، وأقبلت بنت فرعون فلما أخرجوا الصبي من ~~التابوت عمدت بنت فرعون إلى مكان يسيل من ريقه فلطخت به برصها فبرأت، ~~فقبلته وضمته إلى صدرها، فقال الغواة من قوم فرعون: أيها الملك إنا نظن ~~أن ذلك المولود الذي تحذر منه من بني إسرائيل هو هذا، رمي به في البحر ~~خوفا منك فاقتله، فهم فرعون بقتله، فقالت آسية: قرة عين لي ولك لا ~~تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا، وكانت لا تلد، فاستوهبت موسى من ~~فرعون فوهبه لها، وقال فرعون أما أنا فلا حاجة لي فيه, قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " لو قال فرعون يومئذ هو قرة عين لي كما هو لك لهداه الله كما هداها " # فقيل لآسية سميه فقالت: سميته موسى لأنا وجدناه في الماء والشجر فمو ms1725 هو ~~الماء وسى هو الشجر، فذلك قوله عز وجل: # { فالتقطه ءال فرعون } ، والالتقاط هو وجود الشيء من غير ~~طلب، { ليكون لهم عدوا وحزنا } ، وهذه اللام تسمى لام ~~العاقبة ولام الصيرورة، لأنهم لم يلتقطوه ليكون لهم عدوا وحزنا ولكن ~~صار عاقبة أمرهم إلى ذلك، قرأ حمزة والكسائي: «حزنا» بضم الحاء وسكون ~~الزاي، وقرأ الآخرون بفتح الحاء والزاي، وهما لغتان، { إن فرعون ~~وهمن وجنودهما كانوا خطئين } ، عاصين آثمين. # قوله تعالى: { وقالت امرأت فرعون قرة عين لى ~~ولك } ، قال وهب: لما وضع التابوت بين يدي فرعون فتحوه فوجدوا فيه ~~موسى فلما نظر إليه قال عبراني من الأعداء فغاظه ذلك، وقال: كيف أخطأ هذا ~~الغلام الذبح؟ وكان فرعون قد استنكح امرأة من بني إسرائيل يقال لها ~~آسية بنت مزاحم وكانت من خيار النساء ومن بنات الأنبياء وكانت أما ~~للمساكين ترحمهم وتتصدق عليهم وتعطيهم، فقالت لفرعون وهي قاعدة إلى جنبه: ~~هذا الوليد أكبر من ابن سنة وإنما أمرت أن تذبح الولدان لهذه السنة فدعه ~~يكون قرة عين لي وذلك، { لا تقتلوه } ، وروي أنها قالت له: إنه ~~أتانا من أرض أخرى ليس من بني إسرائيل، { عسى أن ينفعنا أو ~~نتخذه ولدا وهم لا يشعرون } ، أن هلاكهم على يديه، ~~فاستحياه فرعون، وألقى الله عليه محبته وقال لامرأته: عسى أن ينعفك فأما ~~أنا فلا أريد نفعه، قال وهب قال ابن عباس رضي الله عنهما: لو أن عدو الله ~~قال في موسى كما قالت آسية: عسى أن ينفعنا، لنفعه الله، ولكنه أبى، ~~للشقاء الذي كتبه الله عليه. ### || [28.10-14] # وقوله تعالى: { وأصبح فؤاد أم موسى فارغا } ، أي: ~~خاليا من كل شيء إلا من ذكر موسى وهمه، وهذا قول أكثر المفسرين. # وقال الحسن: " فارغا " أي: ناسيا للوحي الذي أوحى الله إليها حين ~~أمرها أن تلقيه في البحر ولا تخاف ولا تحزن، والعهد الذي عهد أن يرده ~~إليها ويجعله من المرسلين، فجاءها الشيطان فقال: كرهت أن يقتل فرعون ولدك ~~فيكون لك أجره وثوابه وتوليت أنت قتله فألقيته في البحر، ولما أتاها ~~الخبر ms1726 بأن فرعون أصابه في النيل قالت: إنه وقع في يد عدوه الذي فررت منه، ~~فأنساها عظم البلاء ما كان من عهد الله إليها. # وقال أبو عبيدة: " فارغا " أي: فارغا من الحزن لعلمها بصدق وعد الله ~~تعالى، وأنكر القتيبي هذا، وقال: كيف يكون هذا والله تعالى يقول: { إن ~~كادت لتبدى به لولا أن ربطنا على قلبها }؟ والأول ~~أصح. # قوله عز وجل: { إن كادت لتبدى به } ، قيل الهاء في " به " ~~راجعة إلى موسى، أي: كادت لتبدي به أنه ابنها من شدة وجدها. وقال عكرمة ~~عن ابن عباس: كادت تقول: وابناه. وقال مقاتل: لما رأت التابوت يرفعه موج ~~ويضعه آخر خشيت عليه الغرق فكادت تصيح من شفقتها. وقال الكلبي: كادت تظهر ~~أنه ابنها، وذلك حين سمعت الناس يقولون لموسى بعدما شب: موسى ابن ~~فرعون، فشق عليها وكادت تقول: بلى هو ابني. وقال بعضهم: الهاء عائدة إلى ~~الوحي أي: كادت تبدي بالوحي الذي أوحى الله إليها أن يرده إليها. # { لولا أن ربطنا على قلبها } ، بالعصمة والصبر ~~والتثبيت، { لتكون من المؤمنين } ، المصدقين لوعد الله حين ~~قال لها: { إنا رادوه إليك }. # { وقالت لأخته } ، أي: لمريم أخت موسى. { قصيه } , اتبعي ~~أثره حتى تعلمي خبره، { فبصرت به عن جنب } , أي: عن بعد، وفي ~~القصة أنها كانت تمشي جانبا وتنظر اختلاسا تري أنها لا تنظره، { ~~وهم لا يشعرون } ، أنها أخته وأنها ترقبه. قال ابن عباس: إن ~~امرأة فرعون كان همها في الدنيا أن تجد له مرضعة، وكلما أتوا بمرضعة لم ~~يأخذ ثديها، فذلك قوله عز وجل: # { وحرمنا عليه المراضع } ، والمراد من التحريم المنع، ~~والمراضع: جمع المرضع، { من قبل } ، أي: من قبل مجيء أم موسى، فلما ~~رأت أخت موسى التي أرسلتها أمه في طلبه ذلك قالت لهم: هل أدلكم؟ وفي ~~القصة أن موسى مكث ثمان ليال لا يقبل ثديا ويصيح وهم في طلب مرضعة له. # { فقالت } ، يعني أخت موسى، { هل أدلكم على أهل ~~بيت يكفلونه } ، أي يضمونه { لكم } ، ويرضعونه، وهي امرأة قد ~~قتل ولدها فأحب شيء إليها أن تجد صغيرا ms1727 ترضعه، { وهم له ~~نصحون } ، والنصح ضد الغش، وهو تصفية العمل من شوائب الفساد، ~~قالوا: نعم فأتينا بها. # قال ابن جريج والسدي: لما قالت أخت موسى: " وهم له ناصحون " أخذوها ~~وقالوا: إنك قد عرفت هذا الغلام فدلينا على أهله فقالت: ما أعرفه، وقلت ~~هم للملك ناصحون. # وقيل: إنها قالت: إنما قلت هذا رغبة في سرور الملك واتصالنا به. # وقيل إنها لما قالت: " هل أدلكم على أهل بيت " قالوا لها: من؟ قالت: ~~أمي، قالوا: أو لأمك ابن؟ قالت: نعم هارون، وكان هارون ولد في سنة لا ~~يقتل فيها، قالوا: صدقت، فأتينا بها، فانطلقت إلى أمها وأخبرتها بحال ~~ابنها، وجاءت بها إليهم، فلما وجد الصبي ريح أمه قبل ثديها، وجعل يمصه ~~حتى امتلأ جنباه ريا. # قال السدي: كانوا يعطونها كل يوم دينارا فذلك قوله تعالى: # { فرددنه إلى أمه كى تقر عينها } ، برد موسى ~~إليها، { ولا تحزن } ، أي لئلا تحزن، { ولتعلم أن وعد ~~الله حق } ، برده إليها، { ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون } ، أن الله وعدها رده إليها. # { ولما بلغ أشده } ، قال الكلبي: الأشد ما بين ثماني عشرة ~~سنة إلى ثلاثين سنة. قال مجاهد وغيره: ثلاث وثلاثون سنة، { واستوى } ~~، أي: بلغ أربعين سنة، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس، وقيل: استوى انتهى ~~شبابه { ءاتينه حكما وعلما } ، أي: الفقه والعقل والعلم في ~~الدين، فعلم موسى وحكم قبل أن يبعث نبيا، { وكذلك نجزى ~~المحسنين }. ### || [28.15] # قوله تعالى: { ودخل المدينة } ، يعني: دخل موسى المدينة. قال ~~السدي: هي مدينة " منف " من أرض مصر. وقال مقاتل: كانت قرية " حابين " ~~على رأس فرسخين من مصر. وقيل: مدينة " عين الشمس " ، { على حين ~~غفلة من أهلها } ، وهو وقت القائلة واشتغال الناس بالقيلولة. ~~وقال محمد بن كعب القرظي: دخلها فيما بين المغرب والعشاء. # واختلفوا في السبب الذي من أجله دخل المدينة في هذا الوقت؛ قال السدي: ~~وذلك أن موسى عليه السلام كان يسمى ابن فرعون، فكان يركب مراكب فرعون ~~ويلبس مثل ملابسه، فركب فرعون يوما وليس عنده موسى، فلما جاء موسى قيل ~~له إن ms1728 فرعون قد ركب، فركب في أثره فأدركه المقبل بأرض " منف " فدخلها نصف ~~النهار، وليس في طرفها أحد، فذلك قوله عز وجل: { ودخل المدينة ~~على حين غفلة من أهلها }. # قال ابن إسحاق: كان لموسى شيعة من بني إسرائيل يستمعون منه ويقتدون به، ~~فلما عرف ما هو عليه من الحق رأى فراق فرعون وقومه، فخالفهم في دينه حتى ~~ذكر ذلك منه وخافوه وخافهم، فكان لا يدخل قرية إلا خائفا مستخيفا، ~~فدخلها يوما على حين غفلة من أهلها. # وقال ابن زيد: لما علا موسى فرعون بالعصا في صغره، فأراد فرعون قتله ~~فقالت امرأته: هو صغير، فترك قتله وأمر بإخراجه من مدينته فلم يدخل عليهم ~~إلا بعد أن كبر وبلغ أشده فدخل المدينة على حين غفلة من أهلها، يعني: عن ~~ذكر موسى، أي من بعد نسيانهم خبره وأمره لبعد عهدهم به. # وروي عن علي في قوله: " حين غفلة " كان يوم عيد لهم قد اشتغلوا بلهوهم ~~ولعبهم. # { فوجد فيها رجلين يقتتلان } ، يختصمان ويتنازعان، { ~~هذا من شيعته } ، من بني إسرائيل { وهذا من عدوه } ~~، من القبط، قيل: الذي كان من شيعته السامري، والذي من عدوه من القبط، ~~قيل: طباخ فرعون اسمه فليثون. وقيل: " هذا من شيعته. وهذا من عدوه " أي: ~~هذا مؤمن وهذا كافر، وكان القبطي يسخر الإسرائيلي ليحمل الحطب إلى ~~المطبخ. # قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: لما بلغ موسى أشده لم يكن أحد من آل ~~فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل بظلم حتى امتنعوا كل الامتناع، وكان ~~بنو إسرائيل قد عزوا بمكان موسى، لأنهم كانوا يعلمون أنه منهم، فوجد موسى ~~رجلين يقتتلان أحدهما من بني إسرائيل والآخر من آل فرعون، { ~~فاستغثه الذى من شيعته على الذى من عدوه } ، ~~فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، والاستغاثة: طلب الغوث، فغضب موسى ~~واشتد غضبه؛ لأنه تناوله وهو يعلم منزلة موسى من بني إسرائيل وحفظه لهم، ~~ولا يعلم الناس إلا أنه من قبل الرضاعة من أم موسى، فقال للفرعوني: خل ~~سبيله، فقال: إنما أخذته ليحمل الحطب إلى مطبخ أبيك، ms1729 فنازعه، فقال ~~الفرعوني: لقد هممت أن أحمله عليك، وكان موسى قد أتي بسطة في الخلق وشدة ~~في القوة والبطش، { فوكزه موسى } ، وقرأ ابن مسعود «فلكزه موسى»، ~~ومعناهما واحد، وهو الضرب بجميع الكف. # وقيل: " الوكز " الضرب في الصدر و " اللكز " في الظهر. وقال الفراء: ~~معناهما واحد، وهو الدفع، قال أبو عبيدة: الوكز الدفع بأطراف الأصابع، ~~وفي بعض التفاسير: عقد موسى ثلاثا وثمانين وضربه في صدره، { فقضى ~~عليه } ، أي: فقتله وفرغ من أمره، وكل شيء فرغت منه فقد قضيته وقضيت ~~عليه، فندم موسى عليه ولم يكن قصده القتل، فدفنه في الرمل، { قال ~~هذا من عمل الشيطن إنه عدو مضل مبين } ~~، أي بين الضلالة. ### || [28.16-17] # { قال رب إنى ظلمت نفسى } , بقتل القبطي من غير أمر، { ~~فاغفر لى فغفر له إنه هو الغفور الرحيم }. # { قال رب بمآ أنعمت على } , بالمغفرة, { فلن أكون ~~ظهيرا } , عونا, { للمجرمين } , قال ابن عباس: للكافرين، ~~وهذا يدل على أن الإسرائيلي الذي أعانه موسى كان كافرا، وهو قول مقاتل، ~~وقال قتادة: لن أعين بعدها على خطيئة، قال ابن عباس: لم يستثن فابتلي به ~~في اليوم الثاني. ### || [28.18-20] # { فأصبح فى المدينة } ، أي: في المدينة التي قتل فيها ~~القبطي، { خآئفا } ، من قتله القبطي، { يترقب } ، ينتظر سوأ، ~~والترقب: انتظار المكروه، قال الكلبي: ينتظر متى يؤخذ به، { فإذا ~~الذى استنصره بالأمس يستصرخه }: يستغيثه ويصيح به من ~~بعد. قال ابن عباس: أتى فرعون فقيل له إن بني إسرائيل قتلوا منا ~~رجلا فخذ لنا بحقنا، فقال ابغوا لي قاتله ومن يشهد عليه، فلا يستقيم أن ~~يقضي بغير بينة، فبينما هم يطوفون لا يجدون بينة إذ مر موسى من الغد ~~فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونيا فاستغاثه على الفرعوني فصادف موسى، ~~وقد ندم على ما كان منه بالأمس من قتل القبطي، { قال له موسى } ، ~~للإسرائيلي: { إنك لغوى مبين } ، ظاهر الغواية قاتلت ~~بالأمس رجلا فقتلته بسببك، وتقاتل اليوم آخر وتستغيثني عليه؟ وقيل: إنما ~~قال موسى للفرعوني: إنك لغوي مبين بظلمك، والأول أصوب، وعليه الأكثرون ~~أنه قال ذلك للإسرائيلي. # { فلمآ أن ms1730 أراد أن يبطش بالذى هو عدو لهما ~~} ، وذلك أن موسى أدركته الرقة بالإسرائيلي فمد يده ليبطش بالفرعوني ~~فظن الإسرائيلي أنه يريد أن يبطش به لما رأى من غضبه وسمع قوله: إنك ~~لغوي مبين، { قال يموسى أتريد أن تقتلنى كما قتلت ~~نفسا بالأمس إن تريد } ، ما تريد، { إلا أن تكون ~~جبارا فى الأرض } ، بالقتل ظلما، { وما تريد أن تكون ~~من المصلحين } ، فلما سمع القبطي ما قال الإسرائيلي علم أن موسى ~~هو الذي قتل ذلك الفرعوني، فانطلق إلى فرعون وأخبره بذلك، وأمر فرعون ~~بقتل موسى. قال ابن عباس: فلما أرسل فرعون الذباحين لقتل موسى أخذوا ~~الطريق الأعظم. # { وجآء رجل } ، من شيعة موسى، { من أقصى المدينة } ، ~~أي: من آخرها، قال أكثر أهل التأويل: اسمه " حزقيل " مؤمن آل فرعون، ~~وقيل: اسمه " شمعون " ، وقيل: " شمعان " ، { يسعى } ، أي يسرع في ~~مشيه، فأخذ طريقا قريبا حتى سبق إلى موسى فأخبره وأنذره حتى أخذ طريقا ~~آخر، { قال يموسى إن الملا يأتمرون بك } ، يعني: ~~أشراف قوم فرعون يتشاورون فيك، { ليقتلوك } قال الزجاج: يأمر بعضهم ~~بعضا بقتلك، { فاخرج } ، من المدينة، { إنى لك من ~~النصحين } ، في الأمر لك بالخروج. ### || [28.21-28] # { فخرج منها } ، موسى، { خآئفا يترقب } ، أي: ينتظر ~~الطلب، { قال رب نجنى من القوم الظلمين } ، ~~الكافرين، وفي القصة: أن فرعون بعث في طلبه حين أخبر بهربه فقال ~~اركبوا بنيات الطريق فإنه لا يعرف كيف الطريق. # { ولما توجه تلقآء مدين } ، أي: قصد نحوها ماضيا ~~إليها، يقال: داره تلقاء دار فلان، إذا كانت محاذيتها، وأصله من اللقاء، ~~قال الزجاج: يعني سلك الطريق التي تلقاء مدين فيها، ومدين هو مدين بن ~~إبراهيم، سميت البلدة باسمه، وكان موسى قد خرج خائفا بلا ظهر ولا حذاء ~~ولا زاد، وكانت مدين على مسيرة ثمانية أيام من مصر، { قال عسى ~~ربى أن يهدينى سوآء السبيل } ، أي: قصد الطريق إلى ~~مدين، قال ذلك لأنه لم يكن يعرف الطريق إليها قبل، فلما دعا جاءه ملك ~~بيده عنزة فانطلق به إلى مدين. # قال المفسرون: خرج موسى من مصر ولم يكن له طعام ms1731 إلا ورق الشجر والبقل، ~~حتى كان يرى خضرته في بطنه، وما وصل إلى مدين حتى وقع خف قدميه. # قال ابن عباس: وهو أول ابتلاء من الله عز وجل لموسى عليه السلام. # { ولما ورد مآء مدين } ، وهو بئر كانوا يسقون منها ~~مواشيهم، { وجد عليه أمة } ، جماعة { من الناس ~~يسقون } ، مواشيهم، { ووجد من دونهم } ، يعني: سوى الجماعة، ~~{ امرأتين تذودان } ، يعني: تحبسان وتمنعان أغنامهما عن الماء ~~حتى يفرغ الناس وتخلو لهما البئر، قال الحسن: تكفان الغنم عن أن تختلط ~~بأغنام الناس، وقال قتادة: تكفان الناس عن أغنامهما. وقيل: تمنعان ~~أغنامهما عن أن تشذ وتذهب. والقول الأول أصوبهما، لما بعده، وهو قوله، { ~~قال } ، يعني: موسى للمرأتين، { ما خطبكما } ، ما شأنكما لا ~~تسقيان مواشيكما مع الناس؟ { قالتا لا نسقى } ، أغنامنا، { ~~حتى يصدر الرعآء } ، قرأ أبو جعفر، وأبو عمرو، وابن عامر: ~~«يصدر» بفتح الياء وضم الدال على اللزوم، أي: حتى يرجع الرعاء عن ~~الماء، وقرأ الآخرون: بضم الياء وكسر الدال، أي: حتى يصرفوا هم مواشيهم ~~عن الماء، و " الرعاء " جمع راع، مثل تاجر وتجار. # ومعنى الآية: لا نسقي مواشينا حتى يصدر الرعاء، لأنا امرأتان لا نطيق أن ~~نسقي، ولا نستطيع أن نزاحم الرجال، فإذا صدروا سقينا مواشينا ما أفضلت ~~مواشيهم في الحوض. # { وأبونا شيخ كبير } ، لا يقدر أن يسقي مواشيه، فلذلك احتجنا ~~نحن إلى سقي الغنم. # واختلفوا في اسم أبيهما، فقال مجاهد، والضحاك، والسدي والحسن: هو شعيب ~~النبي عليه السلام. # وقال وهب بن منبه، وسعيد بن جبير: هو يثرون بن أخي شعيب، وكان شعيب قد ~~مات قبل ذلك بعدما كف بصره، فدفن بين المقام وزمزم. # وقيل: رجل ممن آمن بشعيب. # قالوا: فلما سمع موسى قولهما رحمهما فاقتلع صخرة من رأس بئر أخرى كانت ~~بقربهما لا يطيق رفعها إلا جماعة من الناس. # وقال ابن إسحاق: إن موسى زاحم القوم ونحاهم عن رأس البئر، فسقى غنم ~~المرأتين. ويروى: أن القوم لما رجعوا بأغنامهم غطوا رأس البئر بحجر لا ~~يرفعه إلا عشرة نفر، فجاء موسى ورفع الحجر وحده، وسقى ms1732 غنم المرأتين. # ويقال: إنه نزع ذنوبا واحدا ودعا فيه بالبركة، فروى منه جميع الغنم، ~~فذلك قوله: { فسقى لهما ثم تولى إلى الظل } ، ظل ~~شجرة، فجلس في ظلها من شدة الحر وهو جائع، { فقال رب إنى لمآ ~~أنزلت إلى من خير } ، من طعام، { فقير } ، قال أهل اللغة ~~اللام بمعنى " إلى " ، يقال: هو فقير له، وفقير إليه، يقول: إني لما ~~أنزلت إلي من خير، أي: طعام، فقير محتاج، كان يطلب الطعام لجوعه. قال ~~ابن عباس: سأل الله تعالى فلقة خبز يقيم بها صلبه. قال الباقر: لقد قالها ~~وإنه لمحتاج إلى شق تمرة. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: لقد قال موسى: ~~{ رب إنى لمآ أنزلت إلى من خير فقير } وهو أكرم ~~خلقه عليه، ولقد افتقر إلى شق تمرة. وقال مجاهد: ما سأله إلا الخبز. # قالوا: فلما رجعتا إلى أبيهما سريعا قبل الناس وأغنامهما حفل بطان، ~~قال لهما: ما أعجلكما؟ قالتا: وجدنا رجلا صالحا رحمنا فسقى لنا ~~أغنامنا، فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه لي. # قال الله تعالى: { فجآءته إحداهما تمشى على استحيآء ~~} ، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ليست بسلفع من النساء خراجة ~~ولاجة، ولكن جاءت مستترة قد وضعت كم درعها على وجهها استحياء، { ~~قالت إن أبى يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا } ~~قال أبو حازم سلمة بن دينار: لما سمع ذلك موسى أراد أن لا يذهب، ولكن كان ~~جائعا فلم يجد بدا من الذهاب، فمشت المرأة ومشى موسى خلفها، فكانت ~~الريح تضرب ثوبها فتصف ردفها، فكره موسى أن يرى ذلك منها، فقال لها: امشي ~~خلفي ودليني على الطريق إن أخطأت، ففعلت ذلك، فلما دخل على شعيب إذ هو ~~بالعشاء مهيأ، فقال: اجلس يا شاب فتعش، فقال موسى: أعوذ بالله، فقال ~~شعيب: ولم ذاك ألست بجائع؟ قال: بلى، ولكن أخاف أن يكون هذا عوضا ~~لما سقيت لهما، وإنا من أهل بيت لا نطلب على عمل من أعمال الآخرة عوضا ~~من الدنيا، فقال له شعيب: لا والله يا شاب، ولكنها عادتي وعادة آبائي، ms1733 ~~نقري الضيف، ونطعم الطعام، فجلس موسى وأكل. # { فلما جآءه وقص عليه القصص } ، يعني: أمره أجمع، ~~من قتله القبطي وقصد فرعون قتله، { قال لا تخف نجوت من ~~القوم الظلمين } ، يعني: فرعون وقومه، وإنما قال هذا لأنه لم ~~يكن لفرعون سلطان على أهل مدين. # { قالت إحداهما يأبت استئجره } ، اتخذه أجيرا ليرعى ~~أغنامنا، { إن خير من استئجرت القوى الأمين } ، ~~يعني: خير من استعملت من قوي على العمل وأداء الأمانة، فقال لها أبوها: ~~وما علمك بقوته وأمانته؟ قالت: أما قوته: فإنه رفع حجرا من رأس البئر ~~لا يرفعه إلا عشرة. # وقيل إلا أربعون رجلا، وأما أمانته: فإنه قال لي: امشي خلفي حتى لا ~~تصف الريح بدنك. # { قال } ، شعيب عند ذلك: { إنى أريد أن أنكحك إحدى ~~ابنتى هاتين } ، واسمهما " صفورة " و " ليا " في قول شعيب ~~الجبائي، وقال ابن إسحاق: " صفورة " و " شرقا " وقال غيرهما: الكبرى " ~~صفراء " والصغرى " صفيراء ". وقيل زوجه الكبرى. وذهب أكثرهم إلى أنه ~~زوجه الصغرى منهما واسمها " صفورة " وهي التي ذهبت لطلب موسى، { على ~~أن تأجرنى ثمانى حجج } ، يعني: أن تكون أجيرا لي ثمان ~~سنين، قال الفراء: يعني: تجعل ثوابي من تزويجها أن ترعى غنمي ثماني حجج، ~~تقول العرب: آجرك الله يأجرك أي: أثابك، والحجج، السنون، واحدتها حجة، { ~~فإن أتممت عشرا فمن عندك } ، أي: إن أتممت عشر سنين ~~فذلك تفضل منك وتبرع، وليس بواجب عليك، { ومآ أريد أن أشق ~~عليك } ، أي: ألزمك تمام العشر إلا أن تتبرع، { ستجدنى إن ~~شاء الله من الصلحين } ، قال عمر: يعني في حسن الصحبة ~~والوفاء بما قلت. # { قال } ، موسى, { ذلك بينى وبينك } , يعني: هذا الشرط ~~بيني وبينيك، فما شرطت علي فلك وما شرطت من تزويج إحداهما فلي، والأمر ~~بيننا، تم الكلام، ثم قال: # { أيما الأجلين قضيت } ، يعني: أي الأجلين و«ما» صلة، ~~«قضيت»: أتممت أو فرغت منه، الثمان أو العشر، { فلا عدوان علي ~~} لا ظلم علي بأن أطالب بأكثر منها، { والله على ما نقول ~~وكيل } ، قال ابن عباس ومقاتل: شهيد فيما بيني وبينك. وقيل: حفيظ. # أخبرنا عبد الواحد بن ms1734 أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمد بن عبد ~~الرحيم، أخبرنا سعيد بن سليمان، أخبرنا مروان بن شجاع، عن سالم الأفطس، ~~عن سعيد بن جبير، قال: سألني يهودي من أهل الحيرة: أي الأجلين قضى موسى؟ ~~قلت: لا أدري حتى أقدم على خير العرب فأسأله، فقدمت فسألت ابن عباس قال: ~~قضى أكثرهما وأطيبهما، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال فعل. # وروي عن أبي ذر مرفوعا: إذا سئلت أي الأجلين قضى موسى؟ فقل: خيرهما ~~وأبرهما، وإذا سئلت: فأي المرأتين تزوج؟ فقل: الصغرى منهما، وهي التي ~~جاءت، فقالت: يا أبت استأجره، فتزوج أصغرهما وقضى أوفاهما. # وقال وهب: أنكحه الكبرى. # روي عن شداد بن أوس مرفوعا: بكى شعيب النبي صلى الله عليه وسلم من حب ~~الله عز وجل حتى عمي فرد الله عليه بصره، ثم بكى حتى عمي فرد الله ~~عليه بصره، ثم بكى حتى عمي فرد الله عليه بصره، فقال الله: ما هذا ~~البكاء؟ أشوقا إلى الجنة أم خوفا من النار؟ فقال: لا يا رب، ولكن شوقا ~~إلى لقائك، فأوحى الله إليه إن يكن ذلك فهنيئا لك لقائي يا شعيب، لذلك ~~أخدمتك موسى كليمي. # ولما تعاقدا هذا العقد بينهما أمر شعيب ابنته أن تعطي موسى عصا يدفع ~~بها السباع عن غنمه، واختلفوا في تلك العصا؛ قال عكرمة: خرج بها آدم من ~~الجنة فأخذها جبريل بعد موت آدم فكانت معه حتى لقي بها موسى ليلا فدفعها ~~إليه. # وقال آخرون: كانت من آس الجنة، حملها آدم من الجنة فتوارثها الأنبياء، ~~وكان لا يأخذها غير نبي إلا أكلته، فصارت من آدم إلى نوح، ثم إلى إبراهيم ~~حتى وصلت إلى شعيب، فكانت عصا الأنبياء عنده فأعطاها موسى. # وقال السدي: كانت تلك العصا استودعها إياه ملك في صورة رجل، فأمر ~~ابنته أن تأتيه بعصا فدخلت فأخذت العصا فأتته بها، فلما رآها شعيب قال ~~لها: ردي هذه العصا، وأتيه بغيرها فألقتها وأرادت أن تأخذ غيرها ms1735 فلا يقع ~~في يدها إلا هي، حتى فعلت ذلك ثلاث مرات فأعطاها موسى فأخرجها موسى معه، ~~ثم إن الشيخ ندم وقال: كانت وديعة، فذهب في أثره، وطلب أن يرد العصا فأبى ~~موسى أن يعطيه. وقال: هي عصاي، فرضيا أن يجعلا بينهما أول رجل يلقاهما، ~~فلقيهما ملك في صورة رجل فحكم أن يطرح العصا فمن حملها فهي له، فطرح ~~موسى العصا فعالجها الشيخ ليأخذها فلم يطقها، فأخذها موسى بيده فرفعها ~~فتركها له الشيخ. # ثم إن موسى لما أتم الأجل وسلم شعيب ابنته إليه. قال موسى للمرأة: ~~اطلبي من أبيك أن يجعل لنا بعض الغنم، فطلبت من أبيها، فقال شعيب: لكما ~~كل ما ولدت هذا العام على غير شيتها. # وقيل: أراد شعيب أن يجازي موسى على حسن رعيته إكراما له وصلة لابنته، ~~فقال له إني قد وهبت لك من الجدايا التي تضعها أغنامي هذه السنة كل أبلق ~~وبلقاء، فأوحى الله إلى موسى في المنام أن اضرب بعصاك الماء الذي في ~~مستقى الأغنام قال: فضرب موسى بعصاه الماء ثم سقى الأغنام منه فما أخطأت ~~واحدة منها إلا وضعت حملها ما بين أبلق وبلقاء فعلم شعيب أن ذلك رزق ~~ساقه الله عز وجل إلى موسى وامرأته فوفى له بشرطه وسلم الأغنام إليه. ### || [28.29] # قوله عز وجل: { فلما قضى موسى الأجل } ، يعني أتمه وفرغ ~~منه، { وسار بأهله } ، قال مجاهد: لما قضى الأجل مكث بعد ذلك عند ~~صهره عشرا أخرى فأقام عنده عشرين سنة، ثم استأذنه في العود إلى مصر، ~~فأذن له، فخرج بأهله إلى جانب مصر، { ءانس } ، يعني أبصر، { من ~~جانب الطور نارا } ، وكان البرية في ليلة مظلمة، شاتية شديدة ~~البرد وأخذ امرأته الطلق، { قال لأهله امكثوا إنى ~~ءانست نارا لعلى ءاتيكم منها بخبر } ، عن ~~الطريق، لأنه كان قد أخطأ الطريق، { أو جذوة من النار } ، ~~يعني: قطعة وشعلة من النار. وفيها ثلاث لغات، قرأ عاصم «جذوة» بفتح ~~الجيم، وقرأ حمزة بضمها، وقرأ الآخرون بكسرها، قال قتادة ومقاتل: هي ~~العود الذي قد احترق بعضه، وجمعها " جذى، ms1736 { لعلكم تصطلون } ~~، تستدفئون. ### || [28.30-34] # { فلمآ أتها نودى من شاطىء الوادى الأيمن } ، من ~~جانب الوادي الذي عن يمين موسى، { في البقعة المباركة } ، ~~لموسى، جعلها مباركة لأن الله كلم موسى هناك وبعثه نبيا. وقال عطاء: ~~يريد المقدسة، { من الشجرة } ، من ناحية الشجرة. قال ابن مسعود: ~~كانت سمرة خضراء تبرق، وقال قتادة ومقاتل والكلبي: كانت عوسجة. # قال وهب من العليق، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إنها العناب، { ~~أن يموسى إنى أنا الله رب العلمين }. # { وأن ألق عصاك فلما رءاها تهتز } ، تتحرك، { ~~كأنها جآن } ، وهي الحية الصغيرة من سرعة حركتها، { ولى ~~مدبرا } ، هاربا منها، { ولم يعقب } ولم يرجع، فنودي، { ~~يموسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين }. # { اسلك } ، أدخل { يدك فى جيبك تخرج بيضآء من ~~غير سوء } ، برص، فخرجت ولها شعاع كضوء الشمس، { واضمم ~~إليك جناحك من الرهب } ، قرأ أهل الكوفة والشام بضم الراء ~~وسكون الهاء، وبفتح الراء حفص، وقرأ الآخرون بفتحهما، وكلها لغات بمعنى ~~الخوف. # ومعنى الآية: إذا هالك أمر يدك وما ترى من شعاعها فأدخلها في جيبك ~~تعد إلى حالتها الأولى. # و " الجناح ": اليد كلها. وقيل: هو العضد. وقال عطاء عن ابن عباس رضي ~~الله عنهم: أمره الله أن يضم يده إلى صدره فيذهب عنه ما ناله من الخوف ~~عند معاينة الحية، وقال: ما من خائف بعد موسى إلا إذا وضع يده على صدره ~~زال خوفه. # وقال مجاهد: كل من فزع فضم جناحه إليه ذهب عنه الفزع. # وقيل: المراد من ضم الجناح السكون أي: سكن روعك واخفض عليك جأنبك، لأن ~~من شأن الخائف أن يضطرب قلبه ويرتعد بدنه، ومثله قوله: # واخفض لهما جناح الذل من الرحمة # [الإسراء: 24]، يريد الرفق، وقوله: # واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين # [الشعراء: 215]، أي: ارفق بهم وألن جانبك لهم. # وقال الفراء: أراد بالجناح العصا، معناه: أضمم إليك عصاك. # وقيل: " الرهب " الكم بلغة حمير، قال الأصمعي: سمعت بعض الأعراب ~~يقول: أعطني ما في رهبك، أي: في كمك، معناه: اضمم إليك يدك وأخرجها من ~~الكم، لأنه تناول العصا ويده في ms1737 كمه. # { فذانك } ، يعني: العصا واليد البيضاء، { برهانن } ، آيتان، ~~{ من ربك إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوما ~~فاسقين }. # { قال رب إنى قتلت منهم نفسا فأخاف أن ~~يقتلون }. # { وأخى هارون هو أفصح مني لسانا } , وإنما قال ذلك ~~للعقدة التي كانت في لسانه من وضع الجمرة في فيه، { فأرسله معي ~~ردءا } ، عونا، يقال ردأته أي: أعنته، قرأ نافع «ردا» بفتح الدال من ~~غير همز طلبا للخفة، وقرأ الباقون بسكون الدال مهموزا، { يصدقنى ~~} ، قرأ عاصم، وحمزة: برفع القاف على الحال، أي: ردءا مصدقا، وقرأ ~~الآخرون بالجزم على جواب الدعاء والتصديق لهارون في قول الجميع، قال ~~مقاتل: لكي يصدقني فرعون، { إنى أخاف أن يكذبون } ، يعني ~~فرعون وقومه. ### || [28.35-42] # { قال سنشد عضدك بأخيك } ، أي: نقويك بأخيك، وكان هارون ~~يومئذ بمصر، { ونجعل لكما سلطنا } ، حجة وبرهانا، { ~~فلا يصلون إليكما بئايتنآ } ، أي: لا يصلون إليكما ~~بقتل ولا سوء لمكان آياتنا، وقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديره: ونجعل لكما ~~سلطانا بآياتنا بما نعطيكما من المعجزات فلا يصلون إليكما، { أنتما ~~ومن اتبعكما الغلبون } ، أي لكما: ولأتباعكما الغلبة على ~~فرعون وقومه. # { فلما جآءهم موسى بئايتنا بينت } ، واضحات، ~~{ قالوا ما هذآ إلا سحر مفترى } ، مختلق، { وما ~~سمعنا بهذا } ، بالذي تدعونا إليه، { فى ءابآئنا ~~الأولين }. # { وقال موسى } قرأ أهل مكة بغير واو، وكذلك هو في مصاحفهم، { ~~ربى أعلم بمن جآء بالهدى من عنده } , بالمحق من ~~المبطل، { ومن تكون له عقبة الدار } , يعني العقبى ~~المحمودة في الدار الآخرة، { إنه لا يفلح الظلمون } , ~~أي: الكافرون. # { وقال فرعون يأيها الملا ما علمت لكم من ~~إله غيرى فأوقد لى يهمن على الطين } ، فاطبخ ~~لي الآجر، وقيل: إنه أول من اتخذ الآجر وبنى به، { فاجعل لى صرحا ~~} ، قصرا عاليا، وقيل: منارة، قال أهل التفسير: لما أمر فرعون وزيره ~~هامان ببناء الصرح، جمع هامان العمال والفعلة حتى اجتمع خمسون ألف بناء ~~سوى الأتباع والأجراء، ومن يطبخ الآجر والجص وينجر الخشب ويضرب المسامير، ~~فرفعوه وشيدوه حتى ارتفع ارتفاعا لم يبلغه بنيان أحد من الخلق، أراد ~~الله عز وجل أن يفتنهم فيه، ms1738 فلما فرغوا منه ارتقى فرعون فوقه وأمر ~~بنشابه فرمى بها نحو السماء فردت إليه وهي ملطخة دما، فقال قد قتلت إله ~~موسى، وكان فرعون يصعد على البراذين، فبعث الله جبريل جنح غروب الشمس ~~فضربه بجناحه فقطعه ثلاث قطع فوقعت قطعة منها على عسكر فرعون فقتلت منهم ~~ألف ألف رجل، ووقعت قطعة في البحر وقطعة في المغرب، ولم يبق أحد ممن عمل ~~فيه بشيء إلا هلك، فذلك قوله تعالى: { فأوقد لى يهمن ~~على الطين فاجعل لى صرحا لعلى أطلع إلى ~~إله موسى } ، أنظر إليه وأقف على حاله، { وإنى لأظنه } ~~، يعني موسى، { من الكذبين } ، في زعمه أن للأرض وللخلق إلها ~~غيري، وأنه رسوله. # { واستكبر هو وجنوده فى الأرض بغير الحق ~~وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون } ، قرأ نافع، وحمزة، ~~والكسائي ويعقوب: «يرجعون» بفتح الياء وكسر الجيم، والباقون بضم الياء ~~وفتح الجيم. # { فأخذنه وجنوده فنبذنهم } ، فألقيناهم، { فى ~~اليم فانظر كيف كان عقبة الظلمين }. # { وجعلنهم أئمة } ، قادة ورؤساء، { يدعون إلى ~~النار ويوم القيمة لا ينصرون } لا يمنعون من العذاب. # { وأتبعنهم فى هذه الدنيا لعنة } ، خزيا وعذابا، ~~{ ويوم القيمة هم من المقبوحين } ، من المبعدين ~~المعلونين، وقال أبو عبيدة: من المهلكين. وعن ابن عباس رضي الله عنهما ~~قال: من المشوهين بسواد الوجوه وزرقة العيون، يقال: قبحه الله، وقبحه ~~إذا جعله قبيحا، ويقال: قبحه قبحا، وقبوحا، إذا أبعده من كل خير. ### || [28.43-45] # قوله تعالى: { ولقد ءاتينا موسى الكتب من بعد مآ ~~أهلكنا القرون الأولى } ، يعني قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم ~~كانوا قبل موسى، { بصآئر للناس } ، أي: ليبصروا بذلك الكتاب ~~ويهتدوا به، { وهدى } ، من الضلالة لمن عمل به، { ورحمة } ، لمن ~~آمن به، { لعلهم يتذكرون } ، بما فيه من المواعظ والبصائر. # { وما كنت } يا محمد، { بجانب الغربى } ، يعني بجانب ~~الجبل الغربي، قاله قتادة والسدي، وقال الكلبي: بجانب الوادي الغربي. قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: يريد حيث ناجى موسى ربه، { إذ قضينآ ~~إلى موسى الأمر } ، يعني عهدنا إليه وأحكمنا الأمر معه بالرسالة ~~إلى فرعون وقومه، { وما كنت من الشهدين } ، الحاضرين ذلك ms1739 ~~المقام فتذكره من ذات نفسك. # { ولكنآ أنشأنا قرونا } ، خلقنا أمما من بعد موسى عليه ~~السلام، { فتطاول عليهم العمر } ، أي: طالت عليهم المهلة ~~فنسوا عهد الله وتركوا أمره. وذلك أن الله تعالى قد عهد إلى موسى وقومه ~~عهودا في محمد صلى الله عليه وسلم والإيمان به، فلما طال عليهم العمر ~~وخلفت القرون بعد القرون نسوا تلك العهود وتركوا الوفاء بها. # { وما كنت ثاويا } ، مقيما، { فى أهل مدين } ، كمقام ~~موسى وشعيب فيهم، { تتلو عليهم ءايتنا } ، تذكرهم بالوعد ~~والوعيد، قال مقاتل: يقول لم تشهد أهل مدين فتقرأ على أهل مكة خبرهم، { ~~ولكنا كنا مرسلين } ، أي أرسلناك رسولا وأنزلنا عليك ~~كتابا فيه هذه الأخبار، فتتلوها عليهم ولولا ذلك لما علمتها ولم تخبرهم ~~بها. ### || [28.46-55] # { وما كنت بجانب الطور } , بناحية الجبل الذي كلم الله عليه ~~موسى، { إذ نادينا } , قيل: إذ نادينا موسى: خذ الكتاب بقوة. # وقال وهب: قال موسى: يا رب أرني محمدا، قال: إن لن تصل إلى ذلك، وإن ~~شئت ناديت أمته وأسمعتك أصواتهم، قال: بلى يا رب، قال الله تعالى: يا أمة ~~محمد فأجابوه من أصلاب آبائهم. # وقال أبو زرعة بن عمرو بن جرير: نادى يا أمة محمد قد أجبتكم قبل أن ~~تدعوني وأعطيتكم قبل أن تسألوني. # وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما - ورفعه بعضهم -، قال الله: يا أمة ~~محمد، فأجابوه من أصلاب الآباء وأرحام الأمهات: لبيك اللهم لبيك لبيك، إن ~~الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. قال الله تعالى: يا أمة محمد إن ~~رحمتي سبقت غضبي وعفوي سبق عقابي، قد أعطيتكم من قبل أن تسألوني وقد ~~أجبتكم من قبل أن تدعوني، وقد غفرت لكم من قبل أن تعصوني، من جاءني يوم ~~القيامة بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبدي ورسولي دخل الجنة، ~~وإن كانت ذنوبه أكثر من زبد البحر. # قوله تعالى: { ولكن رحمة من ربك } ، أي: ولكن رحمناك ~~رحمة بإرسالك وبالوحي إليك وإطلاعك على الأخبار الغائبة عنك، { لتنذر ~~قوما مآ أتهم من نذير من قبلك } ، يعني: أهل مكة، ms1740 { ~~لعلهم يتذكرون }. # { ولولا أن تصيبهم مصيبة } , عقوبة ونقمة، { بما ~~قدمت أيديهم } , من الكفر والمعصية, { فيقولوا ربنا ~~لولا } ،هلا، { أرسلت إلينا رسولا فنتبع ~~ءايتك ونكون من المؤمنين } ، وجواب " لولا " محذوف، أي: ~~لعاجلناهم بالعقوبة، يعني: لولا أنهم يحتجون بترك الإرسال إليهم ~~لعاجلناهم بالعقوبة بكفرهم. وقيل: معناه لما بعثناك إليهم رسولا ولكن ~~بعثناك إليهم لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. # { فلما جآءهم الحق من عندنا } ، يعني محمدا صلى الله ~~عليه وسلم، { قالوا } ، يعني: كفار مكة، { لولا } ، هلا، { أوتى ~~} ، محمد، { مثل مآ أوتي موسى } ، من الآيات كاليد البيضاء ~~والعصا، وقيل: مثل ما أوتي موسى كتابا جملة واحدة. # قال الله تعالى: { أولم يكفروا بمآ أوتى موسى من ~~قبل } ، أي: فقد كفروا بآيات موسى كما كفروا بآيات محمد، { قالوا ~~سحران تظهرا } ، قرأ أهل الكوفة: «سحران»، أي التوراة والقرآن ~~" تظاهرا " يعني: كل سحر يقوي الآخر، نسب التظاهر إلى السحرين على ~~الاتساع. قال الكلبي: كانت مقالتهم تلك حين بعثوا إلى رؤوس اليهود ~~بالمدينة، فسألوهم عن محمد فأخبروهم أن نعته في كتابهم التوراة، فرجعوا ~~فأخبروهم بقول اليهود، فقالوا: سحران تظاهرا. # وقرأ الآخرون: «ساحران» يعنون محمدا وموسى عليهما السلام، لأن معنى ~~التظاهر بالناس وأفعالهم أشبه منه بالكتب، { وقالوا إنا بكل ~~كفرون }. # { قل } ، لهم يا محمد، { فأتوا بكتب من عند الله ~~هو أهدى منهمآ } ، يعني: من التوراة والقرآن، { أتبعه ~~إن كنتم صدقين }. # { فإن لم يستجيبوا لك } , أي: لم يأتوا بما طلبت، { ~~فاعلم أنما يتبعون أهوآءهم ومن أضل ممن ~~اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا ~~يهدى القوم الظلمين }. # { ولقد وصلنا لهم القول } , قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: بينا. قال الفراء: أنزلنا آيات القرآن يتبع بعضها بعضا. قال ~~قتادة: وصل لهم القول في هذا القرآن، كيف صنع بمن مضى. قال مقاتل: بينا ~~لكفار مكة بما في القرآن من أخبار الأمم الخالية كيف عذبوا بتكذيبهم، ~~وقال ابن زيد: وصلنا لهم خبر الدنيا بخبر الآخرة حتى كأنهم عاينوا الآخرة ~~في الدنيا، { لعلهم يتذكرون }. # { الذين ءاتينهم الكتب من قبله } ، من ms1741 قبل محمد ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقيل: من قبل القرآن، { هم به ~~يؤمنون } ، نزلت في مؤمني أهل الكتاب؛ عبد الله بن سلام وأصحابه. ~~وقال مقاتل: بل هم أهل الإنجيل الذين قدموا من الحبشة وآمنوا بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم. # وقال سعيد بن جبير: هم أربعون رجلا قدموا مع جعفر من الحبشة على النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فلما رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة قالوا: يا نبي ~~الله إن لنا أموالا فإن أذنت لنا انصرفنا وجئنا بأموالنا فواسينا ~~المسلمين بها فأذن لهم، فانصرفوا فأتوا بأموالهم، فواسوا بها المسلمين، ~~فنزل فيهم: { الذين ءاتينهم الكتب } إلى قوله تعالى: { ~~ومما رزقنهم ينفقون }. # وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: نزلت في ثمانين من أهل الكتاب، ~~أربعون من نجران، واثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية من الشام. ثم وصفهم ~~الله فقال: # { وإذا يتلى عليهم } ، يعني القرآن، { قالوا ءامنا ~~به إنه الحق من ربنآ } ، وذلك أن ذكر النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، { إنا كنا من ~~قبله مسلمين } ، أي: من قبل القرآن مسلمين مخلصين لله بالتوحيد ~~مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم أنه نبي حق. # { أولئك يؤتون أجرهم مرتين } , لإيمانهم بالكتاب ~~الأول وبالكتاب الآخر، { بما صبروا } ، على دينهم. # قال مجاهد: نزلت في قوم من أهل الكتاب أسلموا فأوذوا. # أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي، أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد، ~~أخبرنا أبو عبد الله محمد بن حفص الجويني، أخبرنا أحمد بن سعيد الدارمي، ~~أخبرنا عثمان، أخبرنا شعبة، عن صالح، عن الشعبي، عن أبي بردة، عن أبي ~~موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل كانت له جارية فأدبها فأحسن تأديبها ~~ثم أعتقها وتزوجها، ورجل من أهل الكتاب آمن بكتابه وآمن بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم، وعبد أحسن عبادة الله ونصح سيده ". # قوله عز وجل: { ويدرؤن بالحسنة السيئة } ، قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: يدفعون بشهادة أن لا إله إلا الله الشرك، ms1742 قال ~~مقاتل: يدفعون ما سمعوا من الأذى والشتم من المشركين بالصفح والعفو، { ~~ومما رزقنهم ينفقون } ، في الطاعة. # { وإذا سمعوا اللغو } , القبيح من القول، { أعرضوا ~~عنه } ، وذلك أن المشركين كانوا يسبون مؤمني أهل الكتاب ويقولون ~~تبا لكم تركتم دينكم، فيعرضون عنهم ولا يردون عليهم، { وقالوا ~~لنآ أعملنا ولكم أعملكم } ، لنا ديننا ولكم دينكم، ~~{ سلم عليكم } ، ليس المراد منه سلام التحية ولكنه سلام ~~المتاركة، معناه: سلمتم منا لا نعاوضكم بالشتم والقبح من القول، { لا ~~نبتغى الجهلين } ، أي: دين الجاهلين، يعني لا نحب دينكم الذي ~~أنتم عليه. وقيل: لا نريد أن نكون من أهل الجهل والسفه، وهذا قبل أن يؤمر ~~المسلمون بالقتال. ### || [28.56-57] # قوله تعالى: { إنك لا تهدي من أحببت } ، أي: أحببت ~~هدايته. وقيل: أحببته لقرابته، { ولكن الله يهدى من ~~يشآء وهو أعلم بالمهتدين } ، قال مجاهد، ومقاتل: بمن ~~قدر له الهدى، نزلت في أبي طالب قال له النبي صلى الله عليه وسلم: قل ~~لا إله إلا الله، أشهد لك بها يوم القيامة، قال: لولا أن تعيرني قريش، ~~يقولون: إنما حمله على ذلك الجزع، لأقررت بها عينك، فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية. # { وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من ~~أرضنآ } ، مكة، نزلت في الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف، وذلك ~~أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لنعلم أن الذي تقول حق، ولكنا إن ~~اتبعناك على دينك خفنا أن تخرجنا العرب من أرضنا مكة. وهو معنى قوله: { ~~نتخطف من أرضنآ } ، والاختطاف: الانتزاع بسرعة. # قال الله تعالى: { أولم نمكن لهم حرما ءامنا } ، وذلك ~~أن العرب في الجاهلية كانت تغير بعضهم على بعض، ويقتل بعضهم بعضا، وأهل ~~مكة آمنون حيث كانوا، لحرمة الحرم، ومن المعروف أنه كان يأمن فيه الظباء ~~من الذئاب والحمام من الحدأة، { يجبى } ، قرأ أهل المدينة ويعقوب: ~~«تجبى» بالتاء لأجل الثمرات، والآخرون بالياء للحائل بين الاسم المؤنث ~~والفعل، أي: يجلب ويجمع، { إليه } ، يقال: جبيت الماء في الحوض أي: ~~جمعته، قال مقاتل: يحمل إلى الحرم، { ثمرات كل شىء رزقا ~~من لدنا ms1743 ولكن أكثرهم لا يعلمون } ، أن ما ~~يقوله حق. ### || [28.58-61] # قوله عز وجل: { وكم أهلكنا من قرية } ، أي من أهل قرية، ~~{ بطرت معيشتها } ، أي: في معيشتها، أي أشرت وطغت، قال عطاء: ~~عاشوا في البطر فأكلوا رزق الله وعبدوا الأصنام، { فتلك ~~مسكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا }. قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: لم يسكنها إلا المسافرون ومار الطريق، يوما أو ~~ساعة، معناه: لم تسكن من بعدهم إلا سكونا قليلا. وقيل: معناه لم يعمر ~~منها إلا أقلها وأكثرها خراب، { وكنا نحن الورثين } ، ~~كقوله: # إنا نحن نرث الأرض ومن عليها # [مريم: 40]. # { وما كان ربك مهلك القرى } ، أي: القرى الكافر أهلها، ~~{ حتى يبعث فى أمها رسولا } ، يعني: في أكبرها وأعظمها ~~رسولا ينذرهم، وخص الأعظم ببعثة الرسول فيها، لأن الرسول يبعث إلى ~~الأشراف والأشراف يسكنون المدائن، والمواضع التي هي أم ما حولها، { ~~يتلو عليهم ءايتنا } ، قال مقاتل: يخبرهم الرسول أن العذاب ~~نازل بهم إن لم يؤمنوا، { وما كنا مهلكى القرى إلا ~~وأهلها ظلمون } ، مشركون، يريد أهلكتهم بظلمهم. # { ومآ أوتيتم من شىء فمتع الحيوة الدنيا ~~وزينتها } , تتمتعون بها أيام حياتكم ثم هي إلى فناء وانقضاء، { ~~وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون } ، أن ~~الباقي خير من الفاني. # قرأ عامة القراء: «تعقلون» بالتاء وأبو عمرو بالخيار بين التاء والياء. # { أفمن وعدنه وعدا حسنا } , أي الجنة، { فهو ~~لاقيه } ، مصيبه ومدركه وصائر إليه، { كمن متعناه متع ~~الحيوة الدنيا } ، ويزول عن قريب { ثم هو يوم ~~القيمة من المحضرين } ، النار، قال قتادة: يعني المؤمن ~~والكافر، قال مجاهد: نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وأبي جهل. # وقال محمد بن كعب نزلت في حمزة وعلي وأبي جهل. # وقال السدي: نزلت في عمار والوليد بن المغيرة. ### || [28.62-65] # { ويوم يناديهم فيقول أين شركآئي الذين ~~كنتم تزعمون } ، في الدنيا أنهم شركائي. # { قال الذين حق عليهم القول } ، وجب عليهم العذاب وهم ~~رؤوس الضلالة، { ربنا هؤلاء الذين أغوينآ } ، أي: ~~دعوناهم إلى الغي، وهم الأتباع، { أغوينهم كما غوينا } ، ~~أضللناهم كما ضللنا، { تبرأنآ إليك } ، منهم، { ما كانوا ~~إيانا ms1744 يعبدون } ، برىء بعضهم من بعض وصاروا أعداء، كما قال ~~تعالى: # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو # [الزخرف: 67]. # { وقيل } ، للكفار: { ادعوا شركآءكم } ، أي: الأصنام ~~لتخلصكم من العذاب، { فدعوهم فلم يستجيبوا لهم } ، لم ~~يجيبوهم، { ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون } ~~، وجواب " لو " محذوف على تقدير: لو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا ما رأوا ~~العذاب. # { ويوم يناديهم } ، أي: يسأل الله الكفار، { فيقول ماذآ ~~أجبتم المرسلين }. ### || [28.66-70] # { فعميت } ، خفيت واشتبهت، { عليهم الأنبآء } ، أي: ~~الأخبار والأعذار، وقال مجاهد: الحجج، { يومئذ } فلا يكون لهم عذر ~~ولا حجة، { فهم لا يتسآءلون }: لا يجيبون، وقال قتادة: لا ~~يحتجون، وقيل: يسكنون لا يسأل بعضهم بعضا. # { فأما من تاب وءامن وعمل صلحا فعسى أن ~~يكون من المفلحين } ، من السعداء الناجين. # قوله تعالى: { وربك يخلق ما يشآء ويختار } ، نزلت هذه ~~الآية جوابا للمشركين حين قالوا: " لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم " يعني: الوليد بن المغيرة، أو عروة بن مسعود الثقفي، أخبر ~~الله تعالى أنه لا يبعث الرسل باختيارهم. # قوله عز وجل: { ما كان لهم الخيرة } ، قيل: «ما» للإثبات، ~~معناه: ويختار الله ما كان لهم الخيرة، أي: يختار ما هو الأصلح والخير. ~~وقيل: هو للنفي أي: ليس إليهم الاختيار، أو ليس لهم أن يختاروا على الله، ~~كما قال تعالى: # وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ~~ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة # [الأحزاب: 36]، و " الخيرة ": اسم من الاختيار يقام مقام المصدر، وهي ~~اسم للمختار أيضا كما يقال: محمد خيرة الله من خلقه، ثم نزه نفسه ~~فقال: { سبحن الله وتعلى عما يشركون }. # { وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون } , ~~يظهرون. # { وهو الله لا إله إلا هو له الحمد فى ~~الأولى والأخرة } , يحمده أولياؤه في الدنيا، ويحمدونه في الآخرة ~~في الجنة، { وله الحكم } ، فصل القضاء بين الخلق. قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: حكم لأهل طاعته بالمغفرة ولأهل معصيته بالشقاء، { ~~وإليه ترجعون }. ### || [28.71-75] # قوله عز وجل: { قل أرأيتم } ، أخبروني يا أهل مكة، { إن ~~جعل الله عليكم اليل سرمدا } دائما، { إلى يوم ms1745 ~~القيمة } ، لا نهار معه، { من إله غير الله ~~يأتيكم بضيآء } ، بنهار تطلبون فيه المعيشة، { أفلا ~~تسمعون } ، سماع فهم وقبول. # { قل أرءيتم إن جعل الله عليكم النهار ~~سرمدا إلى يوم القيمة } لا ليل فيه، { من إله ~~غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا ~~تبصرون } ، ما أنتم عليه من الخطأ. # { ومن رحمته جعل لكم اليل والنهار لتسكنوا ~~فيه } ، أي في الليل، { ولتبتغوا من فضله } بالنهار، { ~~ولعلكم تشكرون } ، نعم الله عز وجل. # { ويوم يناديهم فيقول أين شركآئى الذين ~~كنتم تزعمون } , كرر ذكر النداء للمشركين لزيادة التقريع ~~والتوبيخ. # { ونزعنا } ، أخرجنا، { من كل أمة شهيدا } ، يعني: ~~رسولهم الذي أرسل إليهم كما قال # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد # [النساء: 41]، { فقلنا هاتوا برهنكم } ، حجتكم بأن معي ~~شريكا. { فعلموا أن الحق } ، التوحيد، { لله وضل ~~عنهم ما كانوا يفترون } ، في الدنيا. ### || [28.76] # قوله عز وجل: { إن قرون كان من قوم موسى } ، كان ابن ~~عمه؛ لأنه قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب عليه السلام، وموسى بن ~~عمران بن قاهث، وقال ابن إسحاق: كان قارون عم موسى، وكان أخا عمران، وهما ~~ابنا يصهر، ولم يكن في بني إسرائيل أقرأ للتوراة من قارون، ولكنه نافق ~~كما نافق السامري، { فبغى عليهم } ، قيل كان عاملا لفرعون على ~~بني إسرائيل، فكان يبغي عليهم ويظلمهم، وقال قتادة: بغى عليهم بكثرة ~~المال. # وقال الضحاك: بغى عليهم بالشرك. # وقال شهر بن حوشب: زاد في طول ثيابه شبرا, وروينا عن ابن عمر أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر ثوبه خيلاء ". # وقيل: بغي عليهم بالكبر والعلو. # { وءاتيناه من الكنوز مآ إن مفاتحه } ، هي جمع ~~مفتح وهو الذي يفتح به الباب، هذا قول قتادة ومجاهد وجماعة، وقيل: مفاتحه ~~خزائنه، كما قال: # وعنده مفاتح الغيب # [الأنعام: 59] أي خزائنه، { لتنوأ بالعصبة أولى القوة ~~} ، لتثقلهم، وتميل بهم إذا حملوها لثقلها، قال أبو عبيدة: هذا من ~~المقلوب، تقديره: ما إن العصبة، لتنوء بها، يقال ناء فلان بكذا إذا نهض ~~به ms1746 مثقلا. # واختلفوا في عدد العصبة، فقال مجاهد: ما بين العشرة إلى خمسة عشر، وقال ~~الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: ما بين الثلاثة إلى العشرة. وقال ~~قتادة: ما بين العشرة إلى الأربعين. وقيل: أربعون رجلا. وقيل: سبعون. # وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان يحمل مفاتيحه أربعون رجلا ~~أقوى ما يكون من الرجال. # وقال جرير عن منصور عن خيثمة: قال وجدت في الإنجيل أن مفاتيح خزائن ~~قارون وقر ستين بغلا ما يزيد منها مفتاح على أصبع لكل مفتاح كنز. # ويقال: كان قارون أينما ذهب يحمل معه مفاتيح كنوزه، وكانت من حديد، فلما ~~ثقلت عليه جعلها من خشب، فثقلت فجعلها من جلود البقر على طول الإصابع، ~~وكانت تحمل معه إذا ركب على أربعين بغلا. # { إذ قال له قومه } ، قال لقارون قومه من بني إسرائيل: { لا ~~تفرح } ، لا تبطر ولا تأشر ولا تمرح، { إن الله لا يحب ~~الفرحين } ، الأشرين البطرين الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم. ### || [28.77] # { وابتغ فيمآ ءاتاك الله الدار الأخرة } ، اطلب فيما ~~أعطاك الله من الأموال والنعمة والجنة وهو أن تقوم بشكر الله فيما أنعم ~~عليك وتنفقه في رضا الله تعالى، { ولا تنس نصيبك من الدنيا ~~} ، قال مجاهد، وابن زيد: لا تترك أن تعمل في الدنيا للآخرة حتى تنجو من ~~العذاب، لأن حقيقة نصيب الإنسان من الدنيا أن يعمل للآخرة. وقال السدي: ~~بالصدقة وصلة الرحم. # وقال علي: لا تنس صحتك وقوتك وشبابك وغناك أن تطلب بها الآخرة. # أخبرنا عبد الواحد المليحي‘ أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن شاذان، ~~أخبرنا أبو يزيد حاتم ابن محبوب الشامي، أخبرنا الحسين المروزي، أخبرنا ~~عبد الله بن المبارك، أخبرنا جعفر بن برقان، عن زياد بن الجراح، عن عمرو ~~بن ميمون الأودي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل وهو يعظه: # " اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل ~~فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك " # الحديث مرسل. # قال الحسن: أمر أن يقدم الفضل ms1747 ويمسك ما يغنيه، قال منصور بن زاذان في ~~قوله: { ولا تنس نصيبك من الدنيا } ، قال: قوتك وقوت أهلك. # { وأحسن كمآ أحسن الله إليك } ، أي: أحسن بطاعة الله ~~كما أحسن الله إليك بنعمته. وقيل: أحسن إلى الناس كما أحسن الله إليك، ~~{ ولا تبغ الفساد فى الأرض } ، كل من عصى الله فقد طلب ~~الفساد في الأرض، { إن الله لا يحب المفسدين }. ### || [28.78-79] # { قال } يعني قارون، { إنمآ أوتيته على علم عندى } ، ~~أي: على فضل وخير علمه الله عندي فرآني أهلا لذلك ففضلني بهذا المال ~~عليكم كما فضلني بغيره. قيل: هو علم الكيمياء، قال سعيد بن المسيب: كان ~~موسى يعلم الكيمياء فعلم يوشع بن نون ثلث ذلك العلم وعلم كالب بن يوقنا ~~ثلثه وعلم قارون ثلثه، فحدعها قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه وكان ذلك ~~سبب أمواله. # وقيل: { على علم عندى } بالتصرف في التجارات والزراعات وأنواع ~~المكاسب. # قوله تعالى: { أولم يعلم أن الله قد أهلك من ~~قبله من القرون } ، الكافرة، { من هو أشد منه ~~قوة وأكثر جمعا } ، للأموال، { ولا يسأل عن ~~ذنوبهم المجرمون } ، قال قتادة: يدخلون النار بغير حساب ولا ~~سؤال، وقال مجاهد: يعني لا يسأل الملائكة عنهم، لأنهم يعرفونهم بسيماهم. ~~وقال الحسن: لا يسألون سؤال استعلام وإنما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ. # { فخرج على قومه فى زينته } ، قال إبراهيم النخعي: خرج ~~هو وقومه في ثياب حمر وصفر، قال ابن زيد: في سبعين ألفا عليهم ~~المعصفرات. وقال مجاهد: على براذين بيض عليها سرج الأرجوان. قال مقاتل: ~~خرج على بغلة شهباء عليها سرج من ذهب عليه الأرجوان ومعه أربعة آلاف فارس ~~عليهم وعلى دوابهم الأرجوان، ومعه ثلاثمائة جارية بيض عليهن الحلي ~~والثياب الحمر، وهن على البغال الشهب، { قال الذين يريدون ~~الحيوة الدنيا يليت لنا مثل مآ أوتى قرون ~~إنه لذو حظ عظيم } ، من المال. ### || [28.80-81] # { وقال الذين أوتوا العلم } , قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: يعني الأحبار من بني إسرائيل. وقال مقاتل: أوتوا العلم بما وعد ~~الله في الآخرة، قالوا للذين تمنوا مثل ما أوتي قارون ms1748 في الدنيا: { ~~ويلكم ثواب الله خير } ، يعني ما عند الله من الثواب ~~والجزاء خير { لمن ءامن } ، صدق بتوحيد الله، { وعمل ~~صلحا } ، مما أوتي قارون في الدنيا، { ولا يلقاهآ إلا ~~الصبرون } ، قال مقاتل: لا يؤتاها، يعني الأعمال الصالحة. وقال ~~الكلبي لا يعطاها في الآخرة. وقيل: لا يؤتى هذه الكلمة وهي قوله: " ويلكم ~~ثواب الله خير " إلا الصابرون على طاعة الله وعن زينة الدنيا. # قوله عز وجل: { فخسفنا به وبداره الأرض } , قال أهل ~~العلم بالأخبار: كان قارون أعلم بني إسرائيل بعد موسى وهارون عليهما ~~السلام وأقرأهم للتوراة وأجملهم وأغناهم وكان حسن الصوت فبغى وطغى، وكان ~~أول طغيانه وعصيانه أن الله أوحى إلى موسى أن يأمر قومه أن يعلقوا في ~~أرديتهم خيوطا أربعة في كل طرف خيطا أزرر كلون السماء، يذكرون به إذا ~~نظروا إليها، ويعلمون أني منزل منها كلامي، فقال موسى: يا رب أفلا تأمرهم ~~أن يجعلوا أرديتهم كلها خضرا فإن بني إسرائيل تحقر هذه الخيوط، فقال له ~~ربه: يا موسى إن الصغير من أمري ليس بصغير فإذا هم لم يطيعوني في الأمر ~~الصغير لم يطيعوني في الأمر الكبير، [فدعاهم موسى عليه السلام]، وقال: إن ~~الله يأمركم أن تعقلوا في أرديتكم خيوطا خضرا كلون السماء لكي تذكروا ~~ربكم إذا رأيتموها، ففعلت بنو إسرائيل ما أمرهم به موسى، واستكبر قارون ~~فلم يطعه، وقال إنما يفعل هذا الأرباب بعيدهم لكي يتميزوا عن غيرهم، ~~فكان هذا بدء عصيانه وبغيه فلما قطع موسى ببني إسرائيل البحر جعلت ~~الحبورة لهارون، وهي رياسة المذبح فكان بنو إسرائيل يأتون بهديهم إلى ~~هارون فيضعه على المذبح فتنزل نار من السماء فتأكله، فوجد قارون من ذلك ~~في نفسه وأتى موسى فقال: يا موسى لك الرسالة ولهارون الحبورة، ولست في ~~شيء من ذلك، وأنا أقرأ التوراة لا صبر لي على هذا. فقال له موسى: ما أنا ~~جعلتها في هارون بل الله جعلها له. فقال قارون: والله لا أصدقك حتى تريني ~~بيانه، فجمع موسى رؤساء بني إسرائيل فقال: هاتوا عصيكم، فحزمها وألقاها ~~في ms1749 قبته التي كان يعبد الله فيها، فجعلوا يحرسون عصيهم حتى أصبحوا، ~~فأصبحت عصا هارون قد اهتز لها ورق أخضر وكانت من شجر اللوز، فقال موسى: ~~يا قارون ترى هذا؟ فقال قارون: والله ما هذا بأعجب مما تصنع من السحر، ~~واعتزل قارون موسى بأتباعه، وجعل موسى يداريه للقرابة التي بينهما وهو ~~يؤذيه في كل وقت ولا يزيد إلا عتوا وتجبرا ومعاداة لموسى، حتى بنى ~~دارا وجعل بابها من الذهب، وضرب على جدرانها صفائح الذهب، وكان الملأ من ~~بني إسرائيل يغدون إليه ويروحون فيعطمهم الطعام ويحدثونه ويضاحكونه. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: فلما نزلت الزكاة على موسى أتاه قارون ~~فصالحه عن كل ألف دينار على دينار، وعن كل ألف درهم على درهم، وعن كل ألف ~~شاة على شاة، وعن كل ألف شيء على شيء، ثم رجع إلى بيته فحسبه فوجده ~~كثيرا فلم تسمح بذلك نفسه، فجمع بني إسرائيل فقال لهم: يا بني إسرائيل ~~إن موسى قد أمركم بكل شيء فأطعتموه، وهو الآن يريد أن يأخذ أموالكم، ~~فقالوا: أنت كبيرنا فمرنا بما شئت، فقال: آمركم أن تجيئوا بفلانة البغي، ~~فنجعل لها جعلا حتى تقذف موسى بنفسها، فإذا فعلت ذلك خرج بنو إسرائيل ~~عليه ورفضوه، فدعاها فجعل لها قارون ألف درهم، وقيل ألف دينار، وقيل ~~طستا من ذهب، وقيل: قال لها إني أمولك وأخلطك بنسائي على أن تقذفي موسى ~~بنفسك غدا إذا حضر بنو إسرائيل، فلما كان من الغد جمع قارون بني إسرائيل ~~ثم أتى موسى فقال: إن بني إسرائيل ينتظرون خروجك فتأمرهم وتنهاهم، فخرج ~~إليهم موسى وهم في براح من الأرض، فقام فقال: يا بني إسرائيل من سرق ~~قطعنا يده ومن افترى جلدناه ثمانين، ومن زنا وليست له امرأة جلدناه مائة، ~~ومن زنا وله امرأة رجمناه حتى يموت، فقال له قارون: وإن كنت أنت؟ قال: ~~وإن كنت أنا، قال: فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة قال: ادعوها ~~فإن قالت فهو كما قالت، فلما جاءت قال لها موسى: يا فلانة أنا فعلت ms1750 بك ما ~~يقول هؤلاء؟ وعظم عليها، وسألها بالذي فلق البحر لبني إسرائيل وأنزل ~~التوراة إلا صدقت، فتداركها الله تعالى بالتوفيق وقالت في نفسها: أحدث ~~اليوم توبة أفضل من أن أؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: لا، ~~كذبوا ولكن جعل لي قارون جعلا على أن أقذفك بنفسي، فخر موسى ساجدا ~~يبكي ويقول: اللهم إن كنت رسولك فاغضب لي، فأوحى الله تعالى إليه: إني ~~أمرت الأرض أن تطيعك، فمرها بما شئت، فقال موسى: يا بني إسرائيل إن الله ~~بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون فمن كان معه فليثبت مكانه ومن كان ~~معي فليعتزل، فاعتزلوا ولم يبق مع قارون إلا رجلان، ثم قال موسى: يا أرض ~~خذيهم فأخذت الأرض بأقدامهم. # وفي رواية: كان على سريره وفرشه فأخذته حتى غيبت سريره ثم قال: يا أرض ~~خذيهم فأخذتهم إلى الركب، ثم قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الأوساط، ثم ~~قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الأعناق، وقارون وأصحابه في كل ذلك ~~يتضرعون إلى موسى، ويناشده قارون الله والرحم، حتى روي أنه ناشده سبعين ~~مرة وموسى عليه السلام في كل ذلك لا يلتفت إليه لشدة غضبه، ثم قال: يا ~~أرض خذيهم فانطبقت عليهم الأرض، فأوحى الله إلى موسى ما أغلظ قلبك استغاث ~~بك سبعين مرة فلم تغثه، أما وعزتي وجلالي لو استغاث بي مرة لأغثته. # وفي بعض الآثار: لا أجعل الأرض بعدك طوعا لأحد. # قال قتادة: خسف به فهو يتجلجل في الأرض كل يوم قامة رجل لا يبلغ قعرها ~~إلى يوم القيامة. قال: وأصبحت بنو إسرائيل يتناجون فيما بينهم أن موسى ~~إنما دعا على قارون ليستبد بداره وكنوزه وأمواله فدعا الله تعالى موسى ~~حتى خسف بداره وكنوزه وأمواله الأرض، فذلك قوله عز وجل: { فخسفنا ~~به وبداره الأرض } , { فما كان له من فئة } , جماعة ~~{ ينصرونه من دون الله } ، يمنعونه من الله، { وما كان ~~من المنتصرين } ، من الممتنعين مما نزل به من الخسف. ### || [28.82-85] # { وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس } ، صار أولئك ~~الذين تمنوا ما رزقه ms1751 الله من المال والزينة يتندمون على ذلك التمني، ~~والعرب تعبر عن الصيرورة بأضحى وأمسى وأصبح تقول: أصبح فلان عالما وأضحى ~~معدما وأمسى حزينا، { يقولون ويكأن الله } ، اختلفوا في ~~معنى هذه اللفظة، قال مجاهد: ألم تعلم، وقال قتادة: ألم تر. قال الفراء: ~~هي كلمة تقرير كقول الرجل أما ترى إلى صنع الله وإحسانه. وذكر أنه أخبره ~~من سمع أعرابية تقول لزوجها: أين ابنك؟ فقال: ويكأنه وراء البيت، يعني ~~أما ترينه وراء البيت. وعن الحسن: أنه كلمة ابتداء تقديره: أن الله يبسط ~~الرزق. وقيل: هو تنبيه بمنزلة ألا وقال قطرب: " ويك " بمعنى ويلك، حذفت ~~منه اللام، كما قال عنترة: # ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها # قول الفوارس ويك عنتر أقدم # أي: ويلك، و " إن " منصوب بإضمار اعلم أن الله، وقال الخليل: " وي " ~~مفصولة من " كأن " ومعناها التعجب كما تقول: وي لم فعلت ذلك! وذلك أن ~~القوم تندموا فقالوا: وي! متندمين على ما سلف منهم وكأن معناه أظن ذلك ~~وأقدره، كما تقول كأن: الفرج قد أتاك أي: أظن ذلك وأقدره، { يبسط ~~الرزق لمن يشآء من عباده ويقدر } ، أي: يوسع ويضيق، ~~{ لولا أن من الله علينا لخسف بنا } ، قرأ حفص، ~~ويعقوب: بفتح الخاء والسين، وقرأ العامة بضم الخاء وكسر السين، { ~~ويكأنه لا يفلح الكفرون }. # قوله تعالى: { تلك الدار الأخرة نجعلها للذين لا ~~يريدون علوا فى الأرض } ، قال الكلبي ومقاتل: استكبارا عن ~~الإيمان، وقال عطاء: " علوا " استطالة على الناس وتهاونا بهم. وقال ~~الحسن: لم يطلبوا الشرف والعز عند ذي سلطان. وعن علي رضي الله عنه: أنها ~~نزلت في أهل التواضع من الولاة وأهل المقدرة، { ولا فسادا } قال ~~الكلبي: هو الدعاء إلى عبادة غير الله. وقال عكرمة: أخذ أموال الناس بغير ~~حق. وقال ابن جريج ومقاتل: العمل بالمعاصي. # { والعقبة للمتقين } ، أي: العاقبة المحمودة لمن اتقى ~~عقاب الله بأداء أوامره واجتناب معاصيه. وقال قتادة: الجنة للمتقين. # قوله تعالى: { من جآء بالحسنة فله خير منها ومن ~~جآء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات ~~إلا ما كانوا يعملون }. # قوله تعالى: ms1752 { إن الذى فرض عليك القرءان } ، أي أنزل ~~عليك القرآن على قول أكثر المفسرين، وقال عطاء: أوجب عليك العمل بالقرآن، ~~{ لرآدك إلى معاد } ، إلى مكة، وهو رواية العوفي عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما، وهو قول مجاهد، قال القتيبي: معاد الرجل: بلده، لأنه ~~ينصرف ثم يعود إلى بلده، وذلك. أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج من ~~الغار مهاجرا إلى المدينة سار في غير الطريق مخافة الطلب، فلما أمن ورجع ~~إلى الطريق نزل الجحفة بين مكة والمدينة، وعرف الطريق إلى مكة اشتاق ~~إليها، فأتاه جبريل عليه السلام وقال: أتشتاق إلى بلدك ومولدك؟ قال: نعم، ~~قال: فإن الله تعالى يقول: { إن الذى فرض عليك القرءان ~~لرآدك إلى معاد } ، وهذه الآية نزلت بالجحفة ليست بمكية ولا ~~مدنية. # وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما: " لرادك إلى معاد " إلى ~~الموت. وقال الزهري وعكرمة: إلى القيامة. وقيل: إلى الجنة. # { قل ربى أعلم من جآء بالهدى } ، أي: يعلم من جاء ~~بالهدى، وهذا جواب لكفار مكة لما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إنك ~~لفي ضلال، فقال الله عز وجل: قل لهم ربي أعلم من جاء بالهدى، يعني ~~نفسه، { ومن هو فى ضلل مبين } ، يعني المشركين ومعناه ~~أعلم بالفريقين. ### || [28.86] # قوله تعالى: { وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتب ~~} ، أي: يوحي إليك القرآن، { إلا رحمة من ربك } ، قال ~~الفراء: هذا من الاستثناء المنقطع، معناه لكن ربك رحمك فأعطاك القرآن، { ~~فلا تكونن ظهيرا للكفرين } ، أي: معينا لهم على ~~دينهم. وقال مقاتل: وذلك حين دعى إلى دين آبائه فذكر الله نعمه ونهاه عن ~~مظاهرتهم على ما هم عليه. ### || [28.87-88] # { ولا يصدنك عن ءايت الله } ، يعني القرآن، { بعد ~~إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك } ، إلى معرفته وتوحيده، ~~{ ولا تكونن من المشركين } ، قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: الخطاب في الظاهر للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أهل دينه، ~~أي: لا تظاهروا الكفار ولا توافقوهم. # { ولا تدع مع الله إلها ءاخر لا إله إلا ~~هو كل ms1753 شىء هالك إلا وجهه } ، أي إلا هو، وقيل: إلا ~~ملكه، وقال أبو العالية: إلا ما أريد به وجهه، { له الحكم } ، أي ~~فصل القضاء، { وإليه ترجعون } ، تردون في الآخرة فيجزيكم ~~بأعمالكم. ### | [29 - سورة العنكبوت] ### || [29.1-4] # { الم أحسب الناس } أظن الناس، { أن يتركوا } ، ~~بغير اختبار ولا ابتلاء، { أن يقولوا } , أي: بأن يقولوا، { ~~ءامنا وهم لا يفتنون } ، لا يبتلون في أموالهم وأنفسهم؟ كلا ~~لنختبرنهم ليتبين المخلص من المنافق والصادق من الكاذب. # واختلفوا في سبب نزول هذه الآية. قال الشعبي: نزلت في أناس كانوا بمكة ~~قد أقروا بالإسلام، فكتب إليهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه ~~لا يقبل منكم إقرار بالإسلام حتى تهاجروا، فخرجوا عامدين إلى المدينة ~~فاتبعهم المشركون فقاتلوهم فمنهم من قتل ومنهم من نجا، فأنزل الله هاتين ~~الآيتين. # وكأن ابن عباس رضي الله عنهما قال: وأراد الناس الذين آمنوا بمكة سلمة ~~بن هشام، وعياش بن ربيعة، والوليد بن الوليد، وعمار بن ياسر وغيرهم. # وقال ابن جريج: نزلت في عمار بن ياسر كان يعذب في الله عز وجل. # وقال مقاتل: نزلت في مهجع بن عبد الله مولى عمر، كان أول قتيل من ~~المسلمين يوم بدر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " سيد الشهداء مهجع، وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة " # ، فجزع أبواه وامرأته فأنزل الله فيهم هذه الآية. # وقيل: { وهم وهم لا يفتنون } بالأوامر والنواهي، وذلك أن ~~الله تعالى أمرهم في الابتداء بمجرد الإيمان، ثم فرض عليهم الصلاة، ~~والزكاة، وسائر الشرائع، فشق على بعضهم، فأنزل الله هذه الآية، ثم ~~عزاهم فقال: # { ولقد فتنا الذين من قبلهم } ، يعني الأنبياء ~~والمؤمنون، فمنهم من نشر بالمنشار ومنهم من قتل، وابتلي بنو إسرائيل ~~بفرعون فكان يسومهم سوء العذاب/، { فليعلمن الله الذين ~~صدقوا } ، في قولهم آمنا، { وليعلمن الكذبين } ، ~~والله أعلم بهم قبل الاختبار. ومعنى الآية: وليظهرن الله الصادقين من ~~الكاذبين حتى يوجد معلومه، وقال مقاتل: فليرين الله. وقيل: ليميزن ~~الله كقوله: # ليميز الله الخبيث من الطيب # [الأنفال: 37]. # { أم حسب الذين يعملون السيئات ms1754 } ، يعني الشرك، { ~~أن يسبقونا } ، يعجزونا ويفوتونا، فلا نقدر على الانتقام منهم، { ~~سآء ما يحكمون } ، أي بئس ما حكموا حين ظنوا ذلك. ### || [29.5-8] # { من كان يرجو لقآء الله } , قال ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما، ومقاتل: من كان يخشى البعث والحساب. والرجاء بمعنى الخوف، وقال ~~سعيد بن جبير رضي الله عنه: من كان يطمع في ثواب الله، { فإن أجل ~~الله لآت } ، يعني: ما وعد الله من الثواب والعقاب. وقال مقاتل: يعني ~~يوم القيامة لكائن. # ومعنى الآية أن من يخشى الله أو يأمله فليستعد له، وليعمل لذلك اليوم، ~~كما قال: # فمن كان يرجو لقآء ربه فليعمل عملا صلحا # [الكهف: 110] الآية، { وهو السميع العليم }. # { ومن جاهد فإنما يجهد لنفسه } , له ثوابه، و " ~~الجهاد ": هو الصبر على الشدة، ويكون ذلك في الحرب، وقد يكون على مخالفة ~~النفس. { إن الله لغنى عن العلمين } ، عن أعمالهم ~~وعباداتهم. # { والذين ءامنوا وعملوا الصلحت لنكفرن ~~عنهم سيئاتهم } ، لنبطلنها، يعني: حتى تصير بمنزلة ما لم ~~يعمل، والتكفير إذهاب السيئة بالحسنة، { ولنجزينهم أحسن ~~الذى كانوا يعملون } ، أي: بأحسن أعمالهم وهو الطاعة، وقيل: ~~نعطيهم أكثر مما عملوا وأحسن، كما قال: # من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها # [الأنعام: 160]. # قوله عز وجل: { ووصينا الإنسن بوالديه حسنا } ، ~~أي: برا بهما وعطفا عليهما، معناه: ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه ~~ما يحسن. # نزلت هذه الآية والتي في سورة لقمان [الآية 15]، والأحقاف [الآية 15]، ~~في سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه - وهو سعد بن مالك أبو إسحاق الزهري، ~~وأمه حمنة بنت أبي سفيان بن أمية بن عبد شمس - لما أسلم، وكان من ~~السابقين الأولين وكان بارا بأمه قالت له أمه: ما هذا الدين الذي أحدثت؟ ~~والله لا آكل ولا أشرب حتى ترجع إلى ما كنت عليه، أو أموت فتعير بذلك ~~أبد الدهر، ويقال: يا قاتل أمه. ثم إنها مكثت يوما وليلة لم تأكل ولم ~~تشرب ولم تستظل فأصبحت وقد جهدت، ثم مكثت يوما آخر وليلة لم تأكل ولم ~~تشرب، فجاء سعد إليها وقال: يا أماه لو كانت لك ms1755 مائة نفس فخرجت نفسا ~~نفسا ما تركت ديني فكلي، وإن شئت فلا تأكلي، فلما أيست منه أكلت وشربت، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأمره بالبر بوالديه والإحسان إليهما وأن ~~لا تطعهما في الشرك، فذلك قوله عز وجل: { وإن جهداك لتشرك ~~بى ما ليس لك به علم فلا تطعهمآ }. # وجاء في الحديث: # " لا طاعة لمخلوق في معصية الله " # ثم أوعد بالمصير إليه فقال: { إلى مرجعكم فأنبئكم ~~بما كنتم تعملون } ، أخبركم بصالح أعمالكم وسيئها فأجازيكم ~~عليها. ### || [29.9-10] # { والذين ءامنوا وعملوا الصلحت ~~لندخلنهم فى الصلحين } ، في زمرة الصالحين، وهم ~~الأنبياء والأولياء، وقيل: في مدخل الصالحين، وهو الجنة. # قوله تعالى: { ومن الناس من يقول ءامنا بالله فإذا ~~أوذى فى الله } ، أصابه بلاء من الناس افتتن، { جعل فتنة ~~الناس كعذاب الله } ، أي جعل أذى الناس وعذابهم كعذاب الله في ~~الآخرة، أي: جزع من عذاب الناس ولم يصبر عليه، فأطاع الناس كما يطيع الله ~~من يخاف عذابه، هذا قول السدي وابن زيد، قالا: هو المنافق: إذا أوذي في ~~الله رجع عن الدين وكفر. # { ولئن جاء نصر من ربك } ، أي: فتح ودولة للمؤمنين، { ~~ليقولن } ، يعني هؤلاء المنافقين للمؤمين، { إنا كنا ~~معكم } ، على عدوكم وكنا مسلمين وإنما أكرهنا حتى قلنا ما قلنا ~~فكذبهم الله فقال: # { أو ليس الله بأعلم بما فى صدور العلمين } ، ~~من الإيمان والنفاق. ### || [29.11-12] # { وليعلمن الله الذين ءامنوا } , صدقوا فثبتوا على ~~الإسلام عند البلاء، { وليعلمن المنفقين } ، بترك ~~الإسلام عند نزول البلاء. # واختلفوا في نزول هذه الآية. قال مجاهد: نزلت في ناس كانوا يؤمنون ~~بألسنتهم، فإذا أصابهم بلاء من الناس أومصيبة في أنفسهم افتتنوا. # وقال عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنه: نزلت في الذين أخرجهم المشركون ~~إلى بدر، وهم الذين نزلت فيهم: # إن الذين توفهم الملئكة ظالمي أنفسهم # [النساء: 97]. # وقال قتادة: نزلت في القوم الذين ردهم المشركون إلى مكة. # وقال الشعبي: وهذه الآيات العشر من أول السورة إلى هاهنا مدنية، وباقي ~~السورة مكية. # { وقال الذين كفروا للذين ءامنوا اتبعوا ~~سبيلنا } ، قال مجاهد: هذا من قول ms1756 كفار مكة لمن آمن منهم. وقال ~~الكلبي ومقاتل: قاله أبو سفيان لمن آمن من قريش " اتبعوا سبيلنا ": ديننا ~~وملة آبائنا ونحن الكفلاء بكل تبعة من الله تصيبكم، فذلك قوله: { ~~ولنحمل خطيكم } أوزاركم، قال الفراء: لفظه أمر ومعناه ~~جزاء، مجازه: إن اتبعتم سبيلنا حملنا خطاياكم، كقوله: # فليلقه اليم بالساحل # [طه: 39]، وقيل: هو جزم على الأمر، كأنهم أمروا أنفسهم بذلك، فأكذبهم ~~الله عز وجل فقال: { وما هم بحملين من خطيهم ~~من شىء إنهم لكذبون } ، فيما قالوا من حمل خطاياهم. ### || [29.13-17] # { وليحملن أثقالهم } ، أوزار أعمالهم التي عملوها ~~بأنفسهم، { وأثقالا مع أثقالهم } ، أي: أوزار من أضلوا ~~وصدوا عن سبيل الله مع أوزارهم. نظيره قوله عز وجل: # ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيمة ومن ~~أوزار الذين يضلونهم بغير علم # [النحل: 25]. { وليسئلن يوم القيمة عما كانوا ~~يفترون } ، سؤال توبيخ وتقريع. # قوله تعالى: { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث ~~فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان ~~} ، فغرقوا، { وهم ظلمون } ، قال ابن عباس: مشركون. # { فأنجينه وأصحب السفينة } ، يعني من الغرق، { ~~وجعلنهآ } ، يعني السفينة { ءاية } ، أي: عبرة، { ~~للعلمين } ، فإنها كانت باقية على الجودي مدة مديدة. وقيل: ~~جعلنا عقوبتهم بالغرق عبرة. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: بعث نوح ~~لأربعين سنة، وبقي في قومه يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاما، وعاش بعد ~~الطوفان ستين سنة حتى كثر الناس وفشوا، وكان عمره ألفا وخمسين سنة. # قوله عز وجل: { وإبرهيم } ، أي: وأرسلنا إبراهيم، { إذ قال ~~لقومه اعبدوا الله واتقوه } ، أطيعوه الله وخافوه، { ~~ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون }. # { إنما تعبدون من دون الله أوثنا } أصناما، { ~~وتخلقون إفكا } ، تقولون كذبا، قال مجاهد: تصنعون أصناما ~~بأيديكم فتسمونها آلهة، { إن الذين تعبدون من دون الله ~~لا يملكون لكم رزقا } ، لا يقدرون أن يرزقوكم، { ~~فابتغوا } ، فاطلبوا، { عند الله الرزق واعبدوه ~~واشكروا له إليه ترجعون }. ### || [29.18-22] # { وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم } ، مثل ~~عاد وثمود وغيرهم فأهلكوا، { وما على الرسول إلا البلاغ ~~المبين }. # { أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق } ، كيف يخلقهم ~~ابتداء نطفة ثم علقة ثم ms1757 مضغة { ثم يعيده } في الآخرة عند البعث { ~~إن ذلك على الله يسير }. # { قل سيروا فى الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق } ، ~~فانظروا إلى ديارهم وآثارهم كيف بدأ خلقهم، { ثم الله ينشىء ~~النشأة الأخرة } ، أي: ثم الله الذي خلقها ينشئها نشأة ثانية ~~بعد الموت، فكما لم يتعذر عليه إحداثها مبدءا لا يتعذر عليه إنشاؤها ~~معيدا. # قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: «النشأة» بفتح الشين ممدودة حيث وقعت، وقرأ ~~الآخرون بسكون الشين مقصورة نظيرها الرافة والرأفة. # { إن الله على كل شىء قدير }. # { يعذب من يشآء ويرحم من يشآء وإليه تقلبون ~~} ، تردون. # { ومآ أنتم بمعجزين فى الأرض ولا فى السمآء } ، ~~فإن قيل ما وجه قوله: { ولا فى السمآء } والخطاب مع الآدميين، وهم ~~ليسوا في السماء؟. # قال الفراء: معناه ولا من في السماء بمعجز، كقول حسان بن ثابت: # فمن يهجو رسول الله منكم # ويمدحه وينصره سواء # أراد: من يمدحه ومن ينصره، فأضمر " من " ، يريد: لا يعجزه أهل الأرض في ~~الأرض، ولا أهل السماء في السماء. وقال قطرب: معناه: وما أنتم بمعجزين في ~~الأرض ولا في السماء لو كنتم فيها، كقول الرجل: لا يفوتني فلان هاهنا ولا ~~بالبصرة، أي: ولا بالبصرة لو كان بها، { وما لكم من دون الله ~~من ولى ولا نصير } ، أي: من ولي يمنعكم مني ولا نصير ينصركم ~~من عذابي. ### || [29.23-26] # { والذين كفروا بئايت الله ولقآئه } , بالقرآن ~~وبالبعث، { أولئك يئسوا من رحمتى } ، جنتي، { ~~وأولئك لهم عذاب أليم } ، فهذه الآيات في تذكير أهل مكة ~~وتحذيرهم، وهي معترضة في قصة إبراهيم، فقال جل ذكره: # { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو ~~حرقوه فأنجاه الله من النار } ، وجعلها عليه بردا ~~وسلاما، { إن فى ذلك لايت لقوم يؤمنون } ، ~~يصدقون. # { وقال } , يعني إبراهيم لقومه: { إنما اتخذتم من دون ~~الله أوثنا مودة بينكم } ، قرأ ابن كثير، والكسائي، ~~وأبو عمرو، ويعقوب: «مودة» رفعا بلا تنوين، «بينكم» خفضا بالإضافة ~~على معنى: إن الذين اتخذتم من دون الله أوثانا هي مودة بينكم، { فى ~~الحيوة الدنيا } ، ثم هي تنقطع ولا تنفع في ms1758 الآخرة. ونصب حمزة، ~~وحفص: «مودة» من بغير تنوين على الإضافة بوقوع الاتخاذ عليها. # وقرأ اللآخرون «مودة» منصوبة منونة " بينكم " بالنصب، معناه إنكم إنما ~~اتخذتم هذه الأوثان مودة بينكم في الحياة الدنيا تتواردون على عبادتها ~~وتتواصلون عليها في الدنيا. # { ثم يوم القيمة يكفر بعضكم ببعض ويلعن ~~بعضكم بعضا } ، تتبرأ الأوثان من عابديها، وتتبرأ القادة من ~~الأتباع ويلعن الأتباع القادة، { ومأواكم } ، جميعا العابدون ~~والمعبودون، { النار وما لكم من نصرين }. # { فآمن له لوط } ، يعني: صدقه وهو أول من صدق إبراهيم وكان ابن ~~أخيه، { وقال } يعني إبراهيم { إنى مهاجر إلى ربى } ، ~~فهاجر من كوثى، وهو من سواد الكوفة إلى حران ثم إلى الشام، ومعه لوط ~~وامرأته سارة، وهو أول من هاجر، قال مقاتل: هاجر إبراهيم عليه السلام وهو ~~ابن خمس وسبعين سنة، { إنه هو العزيز الحكيم }. ### || [29.27-29] # { ووهبنا له إسحق ويعقوب وجعلنا فى ~~ذريته النبوة والكتب } ، يقال: إن الله لم يبعث ~~نبيا بعد إبراهيم إلا من نسله، { وءاتيناه أجره فى ~~الدنيا } ، وهو الثناء الحسن فكل أهل الأديان يتولونه، وقال السدي: ~~هو الولد الصالح، وقيل: هو أنه رأى مكانه في الجنة، { وإنه فى ~~الأخرة لمن الصلحين } ، أي: في زمرة الصالحين. قال ابن ~~عباس مثل آدم ونوح. # قوله تعالى: { ولوطا إذ قال لقومه إنكم } ، قرأ أبو ~~عمرو، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر: «أئنكم» بالاستفهام، وقرأ الباقون بلا ~~استفهام، واتفقوا على استفهام الثانية، { لتأتون الفحشة } ، ~~وهي إتيان الرجال، { ما سبقكم بها من أحد من ~~العلمين }. # { أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل } , ~~وذلك أنهم كانوا يفعلون الفاحشة بمن يمر بهم من المسافرين، فترك الناس ~~الممر بهم. وقيل: تقطعون سبيل النسل بإيثار الرجال على النساء، { ~~وتأتون فى ناديكم المنكر } ، النادي، والندى، والمنتدى: ~~مجلس القوم ومتحدثهم. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو العباس ~~بن سهل بن محمد المروزي، أخبرنا جدي لأبي أبو الحسن المحمودي، أخبرنا ~~محمد بن إسحاق بن خزيمة، أن بشر بن معاذ حدثهم: أخبرنا يزيد بن زريع، ~~أخبرنا حاتم بن أبي صغيرة، عن سماك بن حرب، ms1759 عن أبي صالح مولى أم هانىء ~~بنت أبي طالب عن أم هانىء قالت: # " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: { وتأتون فى ~~ناديكم المنكر } ، قلت: ما المنكر الذي كانوا يأتونه؟ قال: « ~~كانوا يحذفون أهل الطرق ويسخرون بهم» ". # ويروي أنهم كانوا يجلسون في مجالسهم، وعند كل رجل منهم قصعة فيها حصى ~~فإذا مر بهم عابر سبيل حذفوه فأيهم أصابه كان أولى به. # وقيل: إنه كان يأخذ ما معه وينكحه ويغرمه ثلاثة دراهم، ولهم قاض بذلك. # وقال القاسم بن محمد: كانوا يتضارطون في مجالسهم. # وقال مجاهد: كان يجامع بعضهم بعضا في مجالسهم. # وعن عبد الله بن سلام قال: كان يبزق بعضهم على بعض. # وعن مكحول قال: كان من أخلاق قوم لوط مضغ العلك وتطريف الأصابع بالحناء، ~~وحل الإزار، والصفير، والحذف، واللوطية، { فما كان جواب قومه ~~} , لما أنكر عليهم لوط ما يأتونه من القبائح، { إلا أن قالوا } ، ~~له استهزاء: { ائتنا بعذاب الله إن كنت من ~~الصدقين } ، أن العذاب نازل بنا، فعند ذلك. ### || [29.30-37] # { قال } , لوط: { رب انصرنى على القوم المفسدين } , ~~بتحقيق قولي في العذاب. # { ولما جآءت رسلنآ إبرهيم بالبشرى } ، من الله ~~بإسحاق ويعقوب، { قالوا إنا مهلكو أهل هذه ~~القرية } ، يعني قوم لوط، والقرية سدوم، { إن أهلها كانوا ~~ظلمين }. # { قال } ، إبراهيم للرسل: { إن فيها لوطا قالوا } ، يعني: ~~قالت الملائكة: { نحن أعلم بمن فيها لننجينه } ، قرأ ~~حمزة والكسائي ويعقوب: «لننجيه» بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد، { ~~وأهله إلا امرأته كانت من الغبرين } ، أي: ~~الباقين في العذاب. # { ولمآ أن جآءت رسلنا لوطا } ، ظن أنهم من الإنس، { ~~سىء بهم وضاق بهم } ، بمجيئهم { ذرعا وقالوا لا ~~تخف } ، من قومك علينا، { ولا تحزن } ، بإهلاكنا إياهم، { ~~إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من ~~الغبرين } ، قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر، ويعقوب: ~~«منجوك» بالتخفيف، وقرأ الآخرون بالتشديد. # { إنا منزلون } ، قرأ ابن عامر بالتشديد، وقرأ الآخرون بالتخفيف، ~~{ على أهل هذه القرية رجزا } عذابا، { من ~~السمآء } ، قال مقاتل: الخسف والحصب، { بما كانوا يفسقون ~~}. # { ولقد تركنا منهآ } ، من قريات لوط، { ءاية بينة } ~~، عبرة ms1760 ظاهرة، { لقوم يعقلون } ، يتدبرون الآيات تدبر ذوي ~~العقول، قال ابن عباس: الآية البينة: آثار منازلهم الخربة. وقال قتادة: ~~هي الحجارة التي أهلكوا بها أبقاها الله حتى أدركها أوائل هذه الأمة. ~~وقال مجاهد: هي ظهور الماء الأسود على وجه الأرض. # { وإلى مدين أخاهم شعيبا } ، أي: وأرسلنا إلى مدين ~~أخاهم شعيبا، { فقال يقوم اعبدوا الله وارجوا ~~اليوم الأخر } ، أي: واخشوا، { ولا تعثوا فى الأرض ~~مفسدين }. # { فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا فى دارهم ~~جاثمين }. ### || [29.38-40] # { وعادا وثمود } ، أي: وأهلكنا عادا وثمودا، { وقد ~~تبين لكم } , يا أهل مكة، { من مسكنهم } ، منازلهم ~~بالحجر واليمن، { وزين لهم الشيطن أعملهم ~~فصدهم عن السبيل } ، عن سبيل الحق { وكانوا ~~مستبصرين } ، قال مقاتل، والكلبي، وقتادة: كانوا معجبين في دينهم ~~وضلالتهم، يحسبون أنهم على هدى، وهم على الباطل، والمعنى: أنهم كانوا عند ~~أنفسهم مستبصرين. # قال الفراء: كانوا عقلاء ذوي بصائر. # { وقرون وفرعون وهمن } ، أي: وأهلكنا هؤلاء، { ~~ولقد جآءهم موسى بالبينت } ، بالدلالات، { ~~فاستكبروا فى الأرض وما كانوا سبقين } ، أي: ~~فائتين من عذابنا. # { فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه ~~حاصبا } ، وهم قوم لوط، و " الحاصب ": الريح التي تحمل الحصباء، وهي ~~الحصا الصغار، { ومنهم من أخذته الصيحة } ، يعني ثمود، ~~{ ومنهم من خسفنا به الأرض } ، يعني قارون وأصحابه، { ~~ومنهم من أغرقنا } ، يعني: قوم نوح، وفرعون وقومه، { وما ~~كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون }. ### || [29.41-43] # { مثل الذين اتخذوا من دون الله أوليآء } , ~~يعني: الأصنام، يرجون نصرها ونفعها، { كمثل العنكبوت اتخذت ~~بيتا } ، لنفسها تأوي إليه، وإن بيتها في غاية الضعف والوهاء، لا يدفع ~~عنها حرا ولا بردا، وكذلك الأوثان لا تملك لعابديها نفعا ولا ضرا. { ~~وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا ~~يعلمون }. # { إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شىء وهو ~~العزيز الحكيم } ، قرأ أهل البصرة، وعاصم: " يدعون " بالياء لذكر ~~الأمم قبلها، وقرأ الآخرون بالتاء. # { وتلك الأمثال } الأشباه، والمثل: كلام سائر يتضمن تشبيه ~~الآخر بالأول، يريد أمثال القرآن التي شبه بها أحوال كفار هذه الأمة ~~بأحوال كفار الأمم المتقدمة، { نضربها } , نبينها، { للناس } ، ~~قال مقاتل: ms1761 لكفار مكة, { وما يعقلهآ إلا العلمون } ، ~~أي: ما يعقل الأمثال إلا العلماء الذين يعقلون عن الله. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن فنجويه، ~~أخبرنا ابن برزة، أخبرنا الحارث بن أبي أسامة، أخبرنا داود بن المحبر، ~~أخبرنا عباد بن كثير، عن ابن جريج عن عطاء وأبي الزبير عن جابر أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية: { وتلك الأمثال نضربها ~~للناس وما يعقلهآ إلا العلمون } ، قال: # " العالم من عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه ". ### || [29.44-45] # قوله عز وجل: { خلق الله السموات والأرض بالحق ~~} ، أي: للحق وإظهار الحق، { إن فى ذلك } ، في خلقها، { لآية } ~~، لدلالة { للمؤمنين } ، على قدرته وتوحيده. # { اتل ما أوحى إليك من الكتب } ، يعني القرآن، { ~~وأقم الصلوة إن الصلوة تنهى عن الفحشآء ~~والمنكر } ، الفحشاء: ما قبح من الأعمال والمنكر: ما لا يعرف في ~~الشرع. # قال ابن مسعود، وابن عباس: في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله، فمن ~~لم تأمره صلاته بالمعروف ولم تنهه عن المنكر، لم يزدد بصلاته من الله إلا ~~بعدا. # وقال الحسن، وقتادة: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فصلاته وبال ~~عليه. # وروي عن أنس قال: # " كان فتى من الأنصار يصلي الصلوات الخمس مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ثم لا يدع شيئا من الفواحش إلا ركبه، فوصف لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حاله فقال: « إن صلاته تنهاه يوما » " # فلم يلبث أن تاب وحسن حاله. # وقال ابن عون: معنى الآية أن الصلاة تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر ما ~~دام فيها. وقيل: أراد بالصلاة القرآن، كما قال تعالى: # ولا تجهر بصلاتك # [الإسراء: 110] أي: بقراءتك، أراد أنه يقرأ القرآن في الصلاة، فالقرآن ~~ينهاه عن الفحشاء والمنكر. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح، أخبرنا أبو ~~القاسم البغوي، أخبرنا علي بن الجعد، أخبرنا قيس بن الربيع، عن الأعمش، ~~عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: # " إن رجلا يقرأ القرآن الليل كله فإذا أصبح ms1762 سرق، قال: « ستنهاه قراءته» ~~". # وفي رواية قيل: # " يا رسول الله إن فلانا يصلي بالنهار ويسرق بالليل، فقال: إن صلاته ~~لتردعه ". # قوله عز وجل: { ولذكر الله أكبر } ، أي ذكر الله أفضل ~~الطاعات. # أخبرنا أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، أخبرنا أبو الحسين علي ~~بن محمد بن بشران ببغداد، أخبرنا أبو علي الحسين بن صفوان البردعي، ~~أخبرنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا، أخبرنا هارون بن معروف ~~أبو علي الضرير، أخبرنا أنس بن عياض، حدثنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند، ~~عن زياد بن أبي زياد مولى عبدالله بن عياش، عن أبي تجرية، عن أبي ~~الدرداء رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " «ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم ~~وخير لكم من إعطاء الذهب والورق وأن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ~~ويضربوا أعناقكم»؟ قالوا: وما ذاك (يا رسول الله) قال: « ذكر الله» ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، ~~أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، أخبرنا حميد بن ~~زنجويه، أخبرنا أبو الأسود، أخبرنا ابن لهيعة عن دراج، عن أبي السمح، عن ~~أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله (أنه) # " سئل أي العباد أفضل درجة عند الله يوم القيامة؟ قال: «الذاكرون لله ~~كثيرا»، فقالوا: يا رسول الله و(من) الغازي في سبيل الله؟ قال: «لو ضرب ~~بسيفه الكفار والمشركين حتى ينكسر ويختضب دما لكان الذاكر لله كثيرا ~~أفضل منه درجة» ". # وروينا # " أن أعرابيا قال: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: «أن تفارق ~~الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله ". # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني، أخبرنا عبد الغافر بن محمد ~~الفارسي، أخبرنا محمد ابن عيسى الجلودي، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن ~~سفيان، أخبرنا مسلم بن الحجاج القشيري، أخبرنا أمية بن بسطام ~~العيشي، أخبرنا يزيد، يعني: (بن زريع)، أخبرنا روح بن القاسم، عن ~~العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: # " كان رسول ms1763 الله يسير في طريق مكة فمر على جبل يقال له جمدان، فقال: « ~~سيروا هذا جمدان سبق المفردون»، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ ~~قال: «الذاكرون لله كثيرا والذاكرات» ". # أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن ~~محمد بن موسى بن الصلت، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد ~~الهاشمي، أخبرنا خلاد بن أسلم، حدثنا النضر، أخبرنا شعبة، عن أبي إسحاق ~~قال: سمعت الأغر قال: أشهد على أبي هريرة وأبي سعيد أنهما شهدا على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: # " لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت ~~عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده ". # وقال قوم: معنى قوله: { ولذكر الله أكبر } أي « ذكر الله ~~إياكم أفضل من ذكركم إياه». ويروى ذلك عن ابن عباس، وهو قول مجاهد، ~~وعكرمة، وسعيد بن جبير، ويروى ذلك مرفوعا عن موسى بن عقبة عن نافع عن ~~ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم. # وقال عطاء في قوله: { إن الصلوة تنهى عن الفحشآء ~~والمنكر ولذكر الله أكبر } ، قال: ولذكر الله أكبر من ~~أن تبقى معه معصية. # { والله يعلم ما تصنعون } ، قال عطاء: يريد لا يخفى عليه ~~شيء. ### || [29.46] # قوله تعالى: { ولا تجدلوا أهل الكتب } ، لا ~~تخاصموهم، { إلا بالتى هى أحسن } ، أي بالقرآن والدعاء إلى ~~الله بآياته والتنبيه على حججه، وأراد من قبل الجزية منهم، { إلا ~~الذين ظلموا منهم } ، أي أبوا أن يعطوا الجزية ونصبوا الحرب، ~~فجادلوهم بالسيف حتى يسلموا أو يعطوا الجزية، ومجاز الآية: إلا الذين ~~ظلموكم، لأن جميعهم ظالم بالكفر. وقال سعيد بن جبير: هم أهل الحرب ومن لا ~~عهد له. قال قتادة ومقاتل: صارت منسوخة بقوله: # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله # [التوبة: 29]. # { وقولوا ءامنا بالذى أنزل إلينا وأنزل ~~إليكم } ، يريد إذا أخبركم واحد منهم من قبل الجزية بشيء مما في ~~كتبهم فلا تجادلوهم عليه، ولا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالذي ~~أنزل إلينا وأنزل إليكم. # { وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون }. ~~أخبرنا عبد الواحد المليحي، ms1764 أخبرنا محمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمد بن بشار، أخبرنا ~~عثمان ابن عمر، أخبرنا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة ~~عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها ~~بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا ~~وما أنزل إليكم ". # أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، أخبرنا عبد الصمد بن عبد ~~الرحمن البزار، أخبرنا محمد بن زكريا العذافري، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ~~الديري، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري، أخبرنا ابن أبي نملة ~~الأنصاري أن أباه أبا نملة الأنصاري أخبره: # " أنه بينا هو جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه رجل من ~~اليهود ومر بجنازة، فقال: يا محمد هل تتكلم هذه الجنازة؟ فقال رسول ~~الله: «الله أعلم»، فقال اليهودي: إنها تتكلم، فقال رسول الله: «ما حدثكم ~~أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن ~~كان باطلا لم تصدقوه وإن كان حقا لم تكذبوه» ". ### || [29.47-48] # قوله تعالى: { وكذلك } ، أي: كما أنزلنا إليهم الكتب، { أنزلنآ ~~إليك الكتب فالذين ءاتينهم الكتب ~~يؤمنون به } ، يعني: مؤمني أهل الكتاب، عبد الله بن سلام ~~وأصحابه، { ومن هؤلاء } ، يعني: أهل مكة، { من يؤمن به } ~~، وهم مؤمنوا أهل مكة، { وما يجحد بايتنآ إلا ~~الكفرون } ، وذلك أن اليهود عرفوا أن محمدا نبي، والقرآن حق، ~~فجحدوا. قال قتادة: الجحود إنما يكون بعد المعرفة. # { وما كنت تتلو } ، يا محمد، { من قبله من كتب } ، من ~~قبل ما أنزلنا إليك الكتاب، { ولا تخطه بيمينك } ، ولا ~~تكتبه، أي: لم تكن تقرأ ولا تكتب قبل الوحي، { إذا لارتاب ~~المبطلون } ، يعني لو كنت تكتب أو تقرأ الكتب قبل الوحي لشك ~~المبطلون المشركون من أهل مكة، وقالوا: إنه يقرؤه من كتب الأولين وينسخه ~~منها، قاله قتادة. وقال مقاتل: " المبطلون " هم اليهود، ومعناه: إذا ~~لشكوا فيك واتهموك، وقالوا إن ms1765 الذي نجد نعته في التوراة أمي لا يقرأ ولا ~~يكتب وليس هذا على ذلك النعت. ### || [29.49-56] # { بل هو ءايت بينت } ، قال الحسن: يعني القرآن آيات ~~بينات، { فى صدور الذين أوتوا العلم } ، يعني المؤمنين ~~الذين حملوا القرآن. وقال ابن عباس رضي الله عنهما، وقتادة: بل هو يعني ~~محمدا صلى الله عليه وسلم ذو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم من ~~أهل الكتاب، لأنهم يجدونه بنعته وصفته في كتبهم، { وما يجحد ~~بئايتنآ إلا الظلمون }. # { وقالوا لولا أنزل عليه ءايت من ربه } ، كما ~~أنزل على الأنبياء من قبل، قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر: " ~~آية " على التوحيد، وقرأ الآخرون: " آيات من ربه " ، لقوله عز وجل: { ~~قل إنما الأيت عند الله } ، وهو القادر على إرسالها إذا ~~شاء أرسلها، { وإنمآ أنا نذير مبين } ، أنذر أهل المعصية ~~بالنار، وليس إنزال الآيات بيدي. # { أولم يكفهم } ، هذا الجواب لقوله: { لولا أنزل عليه آيات من ~~ربه } قال: { أولم يكفهم أنآ أنزلنا عليك ~~الكتب يتلى عليهم } ، يعني: أولم يكفهم من الآيات القرآن ~~يتلى عليهم، { إن فى ذلك } ، في إنزال القرآن، { لرحمة ~~وذكرى لقوم يؤمنون } ، أي: تذكيرا وعظة لمن آمن وعمل به. # { قل كفى بالله بينى وبينكم شهيدا } ، أني رسوله ~~وهذا القرآن كتابه، { يعلم ما فى السموت والأرض ~~والذين ءامنوا بالبطل } ، قال ابن عباس: بغير الله. وقال ~~قتادة: بعبادة الشيطان، { وكفروا بالله أولئك هم ~~الخسرون }. # { ويستعجلونك بالعذاب } ، نزلت في النضر بن الحارث حين ~~قال: فأمطر علينا حجارة من السماء، { ولولا أجل مسمى } ، قال ~~ابن عباس: ما وعدتك أني لا أعذب قومك ولا أستأصلهم وأؤخر عذابهم إلى يوم ~~القيامة كما قال: # بل الساعة موعدهم # [القمر: 46] وقال الضحاك: مدة أعمارهم, لأنهم إذا ماتوا صاروا إلى ~~العذاب، وقيل: يوم بدر، { لجآءهم العذاب وليأتينهم } ~~، يعني العذاب وقيل الأجل، { بغتة وهم لا يشعرون } ، ~~بإتيانه. # { يستعجلونك بالعذاب } ، أعاده تأكيدا، { وإن ~~جهنم لمحيطة بالكفرين } ، جامعة لهم لا يبقى أحد منهم ~~إلا دخلها. # { يوم يغشهم العذاب من فوقهم ومن تحت ~~أرجلهم } ، يعني: إذا غشيهم العذاب أحاطت بهم ms1766 جهنم كما قال: # لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش # [الأعراف: 41]، { ويقول ذوقوا } ، قرأ نافع، وأهل الكوفة: ~~«ويقول» بالياء، أي: ويقول لهم الموكل بعذابهم: وقرأ الآخرون بالنون؛ ~~لأنه لما كان بأمره نسب إليه، { ما كنتم تعملون } ، أي: جزاء ~~ما كنتم تعملون. # { يعبادى الذين ءامنوا إن أرضى واسعة ~~فإياى فاعبدون } ، قال مقاتل والكلبي: نزلت في ضعفاء مسلمي ~~مكة، يقول: إن كنتم في ضيق بمكة من إظهار الإيمان فاخرجوا منها إلى أرض ~~المدينة، إن أرضي يعني المدينة واسعة آمنة. # قال مجاهد: إن أرضي المدينة واسعة فهاجروا وجاهدوا فيها. # وقال سعيد بن جبير: إذا عمل في الأرض بالمعاصي فاخرجوا منها فإن أرضي ~~واسعة. وقال عطاء: إذا أمرتم بالمعاصي فاهربوا فإن أرضي واسعة. وكذلك ~~يجب على كل من كان في بلد يعمل فيها بالمعاصي ولا يمكنه تغيير ذلك أن ~~يهاجر إلى حيث يتهيأ له العبادة. # وقيل: نزلت في قوم تخلفوا عن الهجرة بمكة، وقالوا: نخشى، إن هاجرنا، من ~~الجوع وضيق المعيشة، فأنزل الله هذه الآية ولم يعذرهم بترك الخروج. # وقال مطرف بن عبد الله: " أرضي واسعة " أي رزقي لكم واسع فاخرجوا. ### || [29.57-60] # { كل نفس ذآئقة الموت } ، خوفهم بالموت ليهون عليهم ~~الهجرة، أي: كل واحد ميت أينما كان فلا تقيموا بدار الشرك خوفا من ~~الموت، { ثم إلينا ترجعون } ، فنجزيكم بأعمالكم، وقرأ أبو ~~بكر: «يرجعون» بالياء. # { والذين ءامنوا وعملوا الصلحت ~~لنبوئنهم } ، قرأ حمزة، والكسائي: بالثاء ساكنة من غير همز، ~~يقال: ثوى الرجل إذا أقام وأثويته: إذا أنزلته منزلا يقيم فيه. وقرأ ~~الآخرون بالباء وفتحها وتشديد الواو وهمزة بعدها، أي: لننزلنهم، { من ~~الجنة غرفا } ، علالي، { تجرى من تحتها الأنهر ~~خلدين فيها نعم أجر العملين }. # { الذين صبروا } ، على الشدائد ولم يتركوا دينهم لشدة لحقتهم، ~~{ وعلى ربهم يتوكلون } يعتمدون. # { وكأين من دآبة لا تحمل رزقها } , وذلك أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال للمؤمنين الذين كانوا بمكة وقد آذاهم المشركون: ~~«هاجروا إلى المدينة»، فقالوا: كيف نخرج إلى المدينة وليس لنا بها دار ~~ولا مال، فمن يطعمنا بها ويسقينا؟ فأنزل ms1767 الله: { وكأين من ~~دآبة } ذات حاجة إلى غذاء، { لا تحمل رزقها } ، أي: لا ~~ترفع رزقها معها ولا تدخر شيئا لغد مثل البهائم والطير، { الله ~~يرزقها وإياكم } ، حيث كنتم، { وهو السميع العليم ~~} ، السميع لأقوالكم: لا نجد ما ننفق بالمدينة، العليم بما في قلوبكم. # وقال سفيان عن علي بن الأقمر: « وكأين من دابة لا تحمل رزقها »، قال: ~~لا تدخر شيئا لغد. # قال سفيان: وليس شيء من خلق الله يخبأ إلا الإنسان والفأرة والنملة. # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم ~~الثعلبي، أخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد الثقفي، أخبرنا عبد الله بن ~~عبد الرحمن الدقاق، أخبرنا محمد بن عبد العزيز، أخبرنا إسماعيل بن زرارة ~~الرقي، أخبرنا أبو العطوف الجراح بن منهال، عن الزهري، عن عطاء بن أبي ~~رباح، عن ابن عمر قال: # " دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حائطا من حوائط الأنصار، فجعل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقط الرطب بيده ويأكل، فقال كل يا ابن ~~عمر، قلت: لا أشتهيها يا رسول الله، قال: لكني أشتهيه، وهذه صبح رابعة ~~منذ لم أطعم طعاما ولم أجده، فقلت إنا لله، الله المستعان، قال: يا ابن ~~عمر لو سألت ربي لأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر أضعافا مضاعفة، ولكن أجوع ~~يوما وأشبع يوما فكيف بك يا ابن عمر إذا عمرت وبقيت في حثالة من الناس ~~يخبئون رزق سنة ويضعف اليقين " # ، فنزلت هذه الآية: { وكأين من دآبة لا تحمل رزقها ~~}. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو محمد الحسين بن أحمد المخلدي، ~~أخبرنا أبو العباس السراج، أخبرنا قتيبة بن سعيد، أخبرنا جعفر بن سليمان، ~~عن ثابت، عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: كان لا يدخر شيئا لغد. # وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو ~~خماصا وتروح بطانا ". # أخبرنا أبو منصور محمد بن عبد الملك المظفري، أخبرنا أبو سعيد أحمد بن ~~محمد بن الفضل الفقيه، أخبرنا ms1768 أبو نصر بن حمدويه المطوعي، أخبرنا أبو ~~الموجه محمد بن عمرو، أخبرنا عبدان، عن أبي حمزة، عن إسماعيل هو ابن أبي ~~خالد، عن رجلين أحدهما زبيد اليامي، عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " أيها الناس ليس من شيء يقربكم إلى الجنة ويباعدكم من النار إلا وقد ~~أمرتكم به، وليس شيء يقربكم إلى النار ويباعدكم من الجنة إلا وقد نهيتكم ~~عنه، وإن الروح الأمين قد نفث في روعي أنه ليس من نفس تموت حتى ~~تستوفي رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء ~~الرزق أن تطلبوه بمعاصي الله، فإنه لا يدرك ما عند الله إلا بطاعته ". # وقال هشيم عن إسماعيل عن زبيد عمن أخبره عن ابن مسعود. ### || [29.61-67] # قوله تعالى: { ولئن سألتهم } ، يعني كفار مكة، { من خلق ~~السموت والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن ~~الله فأنى يؤفكون }. # { الله يبسط الرزق لمن يشآء من عباده ويقدر ~~له إن الله بكل شىء عليم }. # { ولئن سألتهم من نزل من السمآء مآء فأحيا ~~به الأرض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد ~~لله } ، على أن الفاعل لهذه الأشياء هو الله، { بل أكثرهم ~~لا يعقلون } ، وقيل: قل الحمد لله على إقرارهم ولزوم الحجة عليهم، ~~{ بل أكثرهم لا يعقلون } ، ينكرون التوحيد مع إقرارهم بأنه ~~الخالق لهذه الأشياء. # قوله تعالى: { وما هذه الحيوة الدنيآ إلا لهو ~~ولعب } ، اللهو هو: الاستمتاع بلذات الدنيا، واللعب: العبث، سميت ~~بها لأنها فانية. { وإن الدار الأخرة لهى الحيوان } ، ~~أي: الحياة الدائمة الباقية، و " الحيوان ": بمعنى الحياة، أي: فيها ~~الحياة الدائمة، { لو كانوا يعلمون } ، فناء الدنيا وبقاء ~~الآخرة. # قوله تعالى: { فإذا ركبوا فى الفلك } وخافوا الغرق، { ~~دعوا الله مخلصين له الدين } ، وتركوا الأصنام، { ~~فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون } ، هذا ~~إخبار عن عنادهم وأنهم عند الشدائد يقرون أن القادر على كشفها هو الله ~~عز وجل وحده، فإذا زالت عادوا إلى كفرهم. قال عكرمة: كان أهل الجاهلية ~~إذا ركبوا البحر حملوا معهم الأصنام فإذا اشتدت بهم الريح ms1769 ألقوها في ~~البحر وقالوا: يا رب يا رب. # { ليكفروا بمآ ءاتينهم } ، هذه لام الأمر، ومعناه ~~التهديد والوعيد، كقوله: # اعملوا ما شئتم # [فصلت: 40]، أي: ليجحدوا نعمة الله في إنجائه إياهم، { ~~وليتمتعوا } ، قرأ حمزة، والكسائي: ساكنة اللام، وقرأ الباقون ~~بكسرها نسقا على قوله: «ليكفروا»، { فسوف يعلمون } ، قيل: من ~~كسر اللام جعلها لام كي وكذلك في ليكفروا، والمعنى لا فائدة لهم في ~~الإشراك إلا الكفر والتمتع بما يتمتعون به في العاجلة من غير نصيب في ~~الآخرة. # { أولم يروا أنا جعلنا حرما ءامنا ويتخطف ~~الناس من حولهم } ، يعني العرب، يسبي بعضهم بعضا، وأهل مكة ~~آمنون، { أفبالبطل } ، بالأصنام والشيطان، { يؤمنون ~~وبنعمة الله } ، بمحمد والإسلام، { يكفرون }. ### || [29.68-69] # { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } ، فزعم أن ~~لله شريكا وأنه أمر بالفواحش، { أو كذب بالحق } ، بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم والقرآن، { لما جآءه أليس فى جهنم ~~مثوى للكفرين } ، استفهام بمعنى التقرير، معناه: أما لهذا ~~الكافر المكذب مأوى في جهنم. # { والذين جهدوا فينا } ، الذين جاهدوا المشركين لنصرة ~~ديننا، { لنهدينهم سبلنا } ، لنثبتنهم على ما قاتلوا عليه. # وقيل: لنزيدنهم هدى كما قال: # ويزيد الله الذين اهتدوا هدى # [مريم: 76]، وقيل: لنوفقنهم لإصابة الطريق المستقيمة، والطرق ~~المستقيمة هي التي يوصل بها إلى رضا الله عز وجل. قال سفيان بن عيينة: ~~إذا اختلف الناس فانظروا ما عليه أهل الثغور، فإن الله قال: { ~~والذين جهدوا فينا لنهدينهم سبلنا }. # وقيل: المجاهدة هي الصبر على الطاعات. قال الحسن: أفضل الجهاد مخالفة ~~الهوى. وقال الفضيل بن عياض: والذين جاهدوا في طلب العلم لنهدينهم سبل ~~العمل به. وقال سهل بن عبد الله: والذين جاهدوا في إقامة السنة لنهدينهم ~~سبل الجنة. وروي عن ابن عباس: والذين جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ~~ثوابنا. # { وإن الله لمع المحسنين } ، بالنصر والمعونة في دنياهم ~~وبالثواب والمغفرة في عقباهم. ### | [30 - سورة الروم] ### || [30.1-3] # { الم غلبت الروم في أدنى الأرض } , سبب نزول هذه ~~الآية على - ما ذكره المفسرون:- أنه كان بين فارس والروم قتال، وكان ~~المشركون يودون أن تغلب فارس الروم، لأن أهل فارس كانوا مجوسا ms1770 أميين، ~~والمسلمون يودون غلبة الروم على فارس، لكونهم أهل كتاب، فبعث كسرى جيشا ~~إلى الروم واستعمل عليها رجلا يقال له شهريراز، وبعث قيصر جيشا إلى ~~فارس واستعمل عليهم رجلا يدعى يحفس، فالتقيا بأذرعات وبصرى، وهي أدنى ~~الشام إلى أرض العرب والعجم، فغلبت فارس الروم، فبلغ ذلك المسلمين بمكة، ~~فشق عليهم، وفرح به كفار مكة، وقالوا للمسلمين: إنكم أهل كتاب، ~~والنصارى أهل كتاب، ونحن أميون، وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على ~~إخوانكم من أهل الروم، وإنكم إن قاتلتمونا لنطهرن عليكم، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآيات، فخرج أبو بكر الصديق إلى الكفار، فقال: فرحتم بظهور ~~إخوانكم فلا تفرحوا فوالله ليظهرن على فارس على ما أخبرنا بذلك نبينا، ~~فقام إليه أبي بن خلف الجمحي فقال: كذبت، فقال: أنت أكذب يا عدو الله، ~~فقال: اجعل بيننا أجلا أناحبك عليه - والمناحبة: المراهنة - على عشر ~~قلائص مني وعشر قلائص منك، فإن ظهرت الروم على فارس غرمت وإن ظهرت فارس ~~غرمت، ففعلوا وجعلوا الأجل ثلاث سنين، فجاء أبو بكر إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأخبره بذلك، وذلك قبل تحريم القمار، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " ما هكذا ذكرت إنما البضع ما بيني الثلاث إلى التسع، فزايده في الخطر ~~وماده في الأجل " # ، فخرج أبو بكر ولقي أبيا، فقال: لعلك ندمت؟ قال: لا، فتعال أزايدك في ~~الخطر وأمادك في الأجل، فاجعلها مائة قلوص ومائة قلوص إلى تسع سنين، ~~وقيل إلى سبع سنين، قال قد فعلت. فلما خشي أبي بن خلف أن يخرج أبو بكر ~~من مكة أتاه فلزمه، وقال: إني أخاف أن تخرج من مكة فأقم لي كفيلا، ~~فكفل له ابنه عبد الله بن أبي بكر، فلما أراد أبي بن خلف أن يخرج إلى ~~أحد أتاه عبد الله بن أبي بكر فلزمه، فقال: لا والله لا أدعك حتى تعطيني ~~كفيلا، فأعطاه كفيلا، ثم خرج إلى أحد ثم رجع أبي بن خلف فمات بمكة ~~من جراحته التي جرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بارزه، وظهرت ms1771 ~~الروم على فارس يوم الحديبية، وذلك عند رأس سبع سنين من مناحبتهم. وقيل: ~~كان يوم بدر. # قال الشعبي: لم تمض تلك المدة التي عقدوا المناحبة بين أهل مكة، وفيها ~~صاحب قمارهم أبي بن خلف، والمسلمون وصاحب قمارهم أبو بكر، وذلك قبل ~~تحريم القمار، حتى غلبت الروم فارس وربطوا خيولهم بالمدائن وبنوا الرومية ~~فقمر أبو بكر أبيا وأخذ مال الخطر من ورثته، فجاء به يحمله إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: # " تصدق به ". # وكان سبب غلبة الروم فارسا - على ما قال عكرمة وغيره -: أن شهريراز ~~بعدما غلبت الروم لم يزل يطؤهم ويخرب مدائنهم حتى بلغ الخليج، فبينا ~~أخوه فرخان جالس ذات يوم يشرب فقال لأصحابه: لقد رأيت كأني جالس على سرير ~~كسرى، فبلغت كلمته كسرى، فكتب إلى شهريراز: إذ أتاك كتابي فابعث إلي برأس ~~فرخان، فكتب إليه: أيها الملك إنك لن تجد مثل فرخان إن له نكاية وصوتا ~~في العدو، فلا تفعل، فكتب إليه: إن في رجال فارس خلفا منه، فعجل ~~برأسه، فراجعه فغضب كسرى ولم يجبه، وبعث بريدا إلى أهل فارس أني قد نزعت ~~عنكم شهريراز واستعملت عليكم فرخان الملك، ثم رفع إلى البريد صحيفة صغيرة ~~أمره فيها بقتل شهريراز، وقال إذا ولى فرخان الملك وانقاد له أخوه فأعطه ~~فلما قرأ شهريزاز الكتاب قال سمعا وطاعة، ونزل عن سريره وجلس فرخان ورفع ~~إليه الصحيفة، فقال ائتوني بشهريراز، فقدمه ليضرب عنقه، فقال: لا تعجل ~~علي حتى أكتب وصيتي. قال: نعم، فدعا بالسفط فأعطاه ثلاث صحائف، وقال: كل ~~هذا راجعت فيك كسرى، وأنت تريد أن تقتلني بكتاب واحد؟ فرد الملك إلى ~~أخيه، وكتب شهريراز إلى قيصر ملك الروم إن لي إليك حاجة لا تحملها ~~البرد ولا تبلغها الصحف، فألقني، ولا تلقني إلا في خمسين روميا، ~~فإني ألقاك في خمسين فارسيا. فأقبل قيصر في خمسمائة ألف رومي، وجعل يضع ~~العيون بين يديه في الطرق، وخاف أن يكون قد مكر به، حتى أتاه عيونه أنه ~~ليس معه ms1772 إلا خمسون رجلا، ثم بسط لهما فالتقيا في قبة ديباج ضربت لهما، ~~ومع كل واحد منهما سكين فدعوا بترجمان بينهما، فقال شهريراز: إن الذين ~~خربوا مدائنك أنا وأخي بكيدنا وشجاعتنا، وإن كسرى حسدنا وأراد أن أقتل ~~أخي فأبيت، ثم أمر أخي أن يقتلني، فقد خلعنا جميعا فنحن نقاتله معك. ~~قال: قد أصبتما، ثم أشار أحدهما إلى صاحبه أن السر بين اثنين فإذا جاوز ~~اثنين فشا، فقتلا الترجمان معا بسكينهما، فأديلت الروم على فارس عند ~~ذلك، فاتبعوهم يقتلونهم، ومات كسرى وجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يوم الحديبية ففرح ومن معه، فذلك قوله عز وجل: # { الم غلبت الروم في أدنى الأرض } , أي: أقرب أرض ~~الشام إلى أرض فارس، قال عكرمة: هي أذرعات وكسكر، وقال مجاهد: أرض ~~الجزيرة. وقال مقاتل: الأردن وفلسطين. { وهم من بعد غلبهم } ~~، أي: الروم من بعد غلبة فارس إياهم، والغلب والغلبة لغتان، { ~~سيغلبون } ، فارسا. ### || [30.4-5] # { فى بضع سنين } ، والبضع ما بين الثلاث إلى السبع، وقيل: ما بين ~~الثلاث إلى التسع، وقيل: ما دون العشرة. # وقرأ عبد الله بن عمر، وأبو سعيد الخدري، والحسن، وعيسى بن عمر: ~~«غلبت» بفتح الغين واللام، «سيغلبون» بضم الياء وبفتح اللام. ~~وقالوا: نزلت حين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن غلبة الروم فارسا. # ومعنى الآية: الم غلبت الروم فارسا في أدنى الأرض إليكم، وهم من بعد ~~غلبهم سيغلبون، يغلبهم المسلمون في بضع سنين، وعند انقضاء هذه المدة أخذ ~~المسلمون في جهاد الروم. # والأول أصح، وهو قول أكثر المفسرين. # { لله الأمر من قبل ومن بعد } ، أي: من قبل دولة الروم ~~على فارس ومن بعدها، فأي الفريقين كان لهم الغلبة فهو بأمر الله وقضائه ~~وقدره. { ويومئذ يفرح المؤمنون }. # { بنصر الله } ، الروم على فارس. قال السدي: فرح النبي صلى الله ~~عليه وسلم والمؤمنون بظهورهم على المشركين يوم بدر، وظهور أهل الكتاب ~~على أهل الشرك، { ينصر من يشآء وهو العزيز } الغالب، { ~~الرحيم } ، بالمؤمنين. ### || [30.6-9] # { وعد الله } ، نصب على المصدر، أي: وعد الله وعدا بظهور ms1773 الروم ~~على فارس، { لا يخلف الله وعده ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون }. # { يعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا } ، يعني: أمر ~~معايشهم، كيف يكتسبون ويتجرون، ومتى يغرسون ويزرعون ويحصدون، وكيف يبنون ~~ويعيشون، وقال الحسن: إن أحدهم لينقر الدرهم بطرف ظفره فيذكر وزنه ولا ~~يخطىء وهو لا يحسن أن يصلي { وهم عن الأخرة هم غفلون } ~~، ساهون عنها جاهلون بها، لا يتفكرون فيها ولا يعملون لها. # { أولم يتفكروا فى أنفسهم ما خلق الله ~~السموت والأرض وما بينهمآ إلا بالحق } ، أي: ~~للحق، وقيل: لإقامة الحق، { وأجل مسمى } ، أي لوقت معلوم إذا ~~انتهت إليه فنيت، وهو القيامة، { وإن كثيرا من الناس ~~بلقآء ربهم لكفرون }. # { أولم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان ~~عقبة الذين من قبلهم } ، أولم يسافروا في الأرض فينظروا ~~إلى مصارع الأمم قبلهم فيعتبروا، { كانوا أشد منهم قوة ~~وأثاروا الأرض } ، حرثوها وقلبوها للزراعة، { وعمروهآ ~~أكثر مما عمروها } ، أي: أكثر مما عمرها أهل مكة، قيل: قال ~~ذلك لأنه لم يكن لأهل مكة حرث، { وجآءتهم رسلهم ~~بالبينات } ، فلم يؤمنوا فأهلكهم الله، { فما كان الله ~~ليظلمهم } ، بنقص حقوقهم، { ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون } ، ببخس حقوقهم. ### || [30.10-14] # { ثم كان عقبة الذين أساءوا } ، أي: أساءوا العمل، { ~~السوءى } ، يعني: الخلة التي تسوؤهم وهي النار، وقيل: " السوأى " ~~أسم لجهنم، كما أن " الحسنى " اسم للجنة، { أن كذبوا } ، أي: لأن ~~كذبوا. # وقيل تفسير " السوأى " ما بعده، وهو قوله «أن كذبوا» يعني: ثم كان عاقبة ~~المسيئين التكذيب حملتهم تلك السيئات على أن كذبوا، { بئايت ~~الله وكانوا بها يستهزئون }. # قرأ أهل الحجاز والبصرة: «عاقبة» بالرفع، أي: ثم كان آخر أمرهم السوء، ~~وقرأ الآخرون بالنصب على خبر كان، تقديره: ثم كان السوأى عاقبة الذين ~~أساؤوا. # قوله تعالى: { الله يبدأ الخلق ثم يعيده } ، أي: ~~يخلقهم ابتداء ثم يعيدهم بعد الموت أحياء، ولم يقل: يعيدهم، رده إلى ~~الخلق، { ثم إليه ترجعون } ، فيجزيهم بأعمالهم، قرأ أبو ~~عمرو، وأبو بكر: «يرجعون» بالياء، والآخرون بالتاء. # { ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون } ، قال قتادة، ~~والكلبي: ييأس المشركون من كل خير. وقال الفراء: ينقطع كلامهم وحجتهم. ms1774 ~~وقال مجاهد: يفتضحون. # { ولم يكن لهم من شركآئهم شفعاء وكانوا ~~بشركآئهم كفرين } ، جاحدين متبرئين يتبرؤون منها وتتبرأ ~~منهم. # { ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون } ، أي: يتميز ~~أهل الجنة من أهل النار. وقال مقاتل: يتفرقون بعد الحساب إلى الجنة ~~والنار فلا يجتمعون أبدا. ### || [30.15-18] # { فأما الذين ءامنوا وعملوا الصلحت فهم ~~فى روضة } ، وهي البستان الذي في غاية النضارة، { يحبرون } ، ~~قال ابن عباس: يكرمون. وقال مجاهد وقتادة: ينعمون. وقال أبو عبيدة يسرون. ~~و " الحبرة ": السرور. وقيل: " الحبرة " في اللغة: كل نعمة حسنة، ~~والتحبير التحسين. # وقال الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير: " تحبرون " هو السماع في الجنة. ~~وقال الأوزاعي: إذا أخذ في السماع لم يبق في الجنة شجرة إلا وردت، وقال: ~~ليس أحد من خلق الله أحسن صوتا من إسرافيل، فإذا أخذ في السماع قطع أهل ~~سبع سموات صلاتهم وتسبيحهم. # { وأما الذين كفروا وكذبوا بئايتنا ولقآء ~~الأخرة } ، أي: البعث يوم القيامة، { فأولئك فى العذاب ~~محضرون }. # قوله تعالى: { فسبحان الله } ، أي: سبحوا الله، ومعناه صلوا ~~لله، { حين تمسون } ، أي: تدخلوا في المساء، وهي صلاة المغرب ~~والعشاء، { وحين تصبحون } ، أي: تدخلون في الصباح، وهي صلاة ~~الصبح. # { وله الحمد فى السموت والأرض } ، قال ابن عباس: ~~يحمده أهل السموات والأرض ويصلون له، { وعشيا } ، أي: صلوا لله ~~عشيا يعني صلاة العصر، { وحين تظهرون } ، تدخلون في الظهيرة، ~~وهو صلاة الظهر. # قال نافع بن الأزرق لابن عباس: هل تجد الصلوات الخمس في القرآن؟ قال: ~~نعم، وقرأ هاتين الآيتين، وقال: جمعت الآية الصلوات الخمس ومواقيتها. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق ~~الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن سمي مولى أبي بكر بن عبد ~~الرحمن، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " من: قال سبحان الله وبحمده في كل يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت ~~مثل زبد البحر ". # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن ~~محمد بن محمش الزيادي، أخبرنا أبو بكر ms1775 محمد بن عمر بن حفص التاجر، حدثنا ~~السري بن خزيمة الأبيوردي، حدثنا المعلى بن سعد، أخبرنا عبد ~~العزيز بن المختار، عن سهيل، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده، مائة مرة، لم يأت أحد ~~يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد ". # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا قتيبة بن سعيد، ~~أخبرنا محمد بن فضيل، أخبرنا عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة، عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: ~~سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، ~~أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، أخبرنا حميد بن ~~زنجويه، أخبرنا علي بن المديني، أخبرنا ابن عيينة، عن محمد بن عبد الرحمن ~~مولى آل طلحة قال: سمعت كريبا أبا رشدين يحدث عن ابن عباس، عن جويريه ~~بنت الحارث بن أبي ضرار، # " أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ذات غداة من عندها، وكان اسمها برة ~~فحوله رسول الله صلى الله عليه وسلم وسماها جويرية، وكره أن يقال خرج من ~~عند برة، فخرج وهي في المسجد، ورجع بعدما تعالى النهار، فقال: ما زلت في ~~مجلسك هذا منذ خرجت بعد؟ قالت: نعم، فقال: « لقد قلت بعدك أربع كلمات، ~~ثلاث مرات، لو وزنت بكلماتك لوزنتهن: سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ~~ورضاء نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته» ". ### || [30.19-27] # قوله تعالى: { يخرج الحى من الميت ويخرج الميت ~~من الحى ويحى الارض بعد موتها وكذلك ~~تخرجون } ، قرأ حمزة، والكسائي: «تخرجون» بفتح التاء وضم الراء، ~~وقرأ الباقون بضم التاء وفتح الراء. # { ومن ءايته أن خلقكم من تراب } ، أي: خلق أصلكم ~~يعني آدم من ms1776 تراب، { ثم إذآ أنتم بشر تنتشرون } ، ~~تنبسطون في الأرض. # { ومن ءايته أن خلق لكم من أنفسكم أزوجا } ~~، قيل: من جنسكم من بني آدم. وقيل: خلق حواء من ضلع آدم، { ~~لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة } ، ~~جعل بين الزوجين المودة والرحمة فهما يتوادان ويتراحمان، وما شيء أحب ~~إلى أحدهما من الآخر من غير رحم بينهما، { إن فى ذلك لأيت ~~لقوم يتفكرون } ، في عظمة الله وقدرته. # { ومن ءايته خلق السموت والأرض واختلف ~~ألسنتكم } ، يعني: اختلاف اللغات من العربية والعجمية وغيرهما، { ~~وألونكم } ، أبيض وأسود وأحمر، وأنتم ولد رجل واحد وامرأة واحدة، ~~{ إن فى ذلك لأيت للعلمين } ، قرأ حفص: «للعالمين» ~~بكسر اللام. # { ومن ءايته منامكم باليل والنهار ~~وابتغآؤكم من فضله } ، أي: منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله ~~بالنهار، أي تصرفكم في طلب المعيشة، { إن فى ذلك لايات ~~لقوم يسمعون } ، سماع تدبر واعتبار. # { ومن ءايته يريكم البرق خوفا } ، للمسافر من ~~الصواعق، { وطمعا } ، للمقيم في المطر. { وينزل من ~~السمآء مآء فيحى به } ، يعني بالمطر، { الارض بعد ~~موتها } ، أي: بعد يبسها وجدوبتها، { إن فى ذلك لايت ~~لقوم يعقلون }. # { ومن ءايته أن تقوم السمآء والأرض بأمره } , ~~قال ابن مسعود: قامتا على غير عمد بأمره. وقيل: يدوم قيامهما بأمره، { ~~ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض } ، قال ابن عباس: من ~~القبور، { إذآ أنتم تخرجون } ، منها، وأكثر العلماء على أن ~~معنى الآية: ثم إذا دعاكم دعوة إذا أنتم تخرجون من الأرض. # { وله من فى السموت والأرض كل له قنتون } ~~، مطيعون، قال الكلبي: هذا خاص لمن كان منهم مطيعا. وعن ابن عباس: كل له ~~مطيعون في الحياة والبقاء والموت والبعث وإن عصوا في العبادة. # { وهو الذى يبدأ الخلق ثم يعيده } , يخلقهم أولا ~~ثم يعيدهم بعد الموت للبعث، { وهو أهون عليه } ، قال الربيع ~~بن خيثم، والحسن، وقتادة، والكلبي: أي: هو هين عليه وما شيء عليه بعزيز، ~~وهو في رواية العوفي عن ابن عباس، وقد يجيء أفعل بمعنى الفاعل كقول ~~الفرزدق: # إن الذي سمك السماء بنى لنا # بيتا دعائمه أعز وأطول # أي: عزيزة طويلة. # وقال ms1777 مجاهد وعكرمة: " وهو أهون عليه ": أي أيسر، ووجهه أنه على طريق ضرب ~~المثل، أي: هو أهون عليه على ما يقع في عقولكم، فإن الذي يقع في عقول ~~الناس أن الإعادة تكون أهون من الإنشاء، أي: الابتداء. # وقيل: هو أهون عليه عندكم. # وقيل: هو أهون عليه، أي: على الخلق، يقومون بصيحة واحدة، فيكون أهون ~~عليهم من أن يكونوا نطفا، ثم علقا ثم مضغا إلى أن يصيروا رجالا ~~ونساء، وهذا معنى رواية ابن حبان عن الكلبي عن أبي صالح ابن عباس. # { وله المثل الأعلى } ، أي: الصفة العليا { فى ~~السموت والأرض } ، قال ابن عباس: هي أنه ليس كمثله شيء. وقال ~~قتادة: هي أنه لا إله إلا هو { وهو العزيز } ، في ملكه، { ~~الحكيم } ، في خلقه. ### || [30.28] # { ضرب لكم مثلا من أنفسكم } ، أي: بين لكم شبها ~~بحالكم، وذلك المثل من أنفسكم، ثم بين المثل فقال: { هل لكم من ~~ما ملكت أيمنكم } ، أي: عبيدكم وإمائكم، { من شركآء ~~فى ما رزقنكم } ، من المال، { فأنتم } ، وهم، { فيه ~~سوآء } ، أي: هل يشارككم عبيدكم في أموالكم التي أعطيناكم، { ~~تخافونهم كخيفتكم أنفسكم } ، أي: تخافون أن يشاركوكم في ~~أموالكم ويقاسموكم كما يخاف الحر شريكه الحر في المال يكون بينهما أن ~~ينفرد فيه بأمر دونه، وكما يخاف الرجل شريكه في الميراث، وهو يحب أن ~~ينفرد به. # قال ابن عباس: تخافونهم أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضا فإذا لم تخالفوا ~~هذا من مماليككم ولم ترضوا ذلك لأنفسكم، فكيف رضيتم أن تكون آلهتكم التي ~~تعبدونها شركائي وهم عبيدي؟. ومعنى قوله: " أنفسكم " ، أي: أمثالكم من ~~الأحرار كقوله: # ظن المؤمنون والمؤمنت بأنفسهم خيرا # [النور: 12], أي: بأمثالهم. # { كذلك نفصل الأيت لقوم يعقلون } ، ينظرون إلى ~~هذه الدلائل بعقولهم. ### || [30.29-30] # { بل اتبع الذين ظلموا } ، أشركوا بالله، { ~~أهوآءهم } ، في الشرك، { بغير علم } ، جهلا بما يجب عليهم، ~~{ فمن يهدى من أضل الله } ، أي: أضله الله، { وما لهم ~~من نصرين } ، مانعين يمنعونهم من عذاب الله عز وجل. # قوله تعالى: { فأقم وجهك للدين } ، أي: أخلص دينك لله، قاله ~~سعيد بن جبير، وإقامة الوجه: إقامة ms1778 الدين، وقال غيره: سدد عملك. والوجه ~~ما يتوجه إليه الإنسان ودينه وعمله مما يتوجه إليه لتسديده، { حنيفا ~~} ، مائلا مسقيما عليه، { فطرة الله } ، دين الله، وهو نصب على ~~الإغراء، أي: إلزم فطرة الله، { التى فطر الناس عليها } ، ~~أي خلق: الناس عليها، وهذا قول ابن عباس وجماعة من المفسرين أن المراد ~~بالفطرة: الدين، وهو الإسلام. # وذهب قوم إلى أن الآية خاصة في المؤمنين، وهم الذين فطرهم الله على ~~الإسلام. # أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمش ~~الزيادي، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، أخبرنا أحمد بن يوسف ~~السلمي، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام بن منبه قال: حدثنا أبو ~~هريرة قال: قال رسول الله: # " «من يولد يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ~~كما تنتج البهيمة هل تجدون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها»، ~~قالوا: يا رسول الله أفرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: «الله أعلم بما ~~كانوا عاملين» ". # ورواه الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة من غير ذكر من يموت وهو ~~صغير، وزاد: ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم { فطرة الله ~~التى فطر الناس عليها }. # قوله: «من يولد يولد على الفطرة» يعني على العهد الذي أخذ الله عليهم ~~بقول: # ألست بربكم قالوا بلى # [الأعراف: 172]، وكل مولود في العالم على ذلك الإقرار، وهو الحنيفية ~~التي وقعت الخلقة عليها وإن عبد غيره، قال تعالى: # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله # [الزخرف: 87]، وقالوا: # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى # [الزمر: 3]، ولكن لا عبرة بالإيمان الفطري في أحكام الدنيا، وإنما ~~يعتبر الإيمان الشرعي المأمور به المكتسب بالإدارة والفعل، ألا ترى أنه ~~يقول: «فأبواه يهودانه»، فهو مع وجود الإيمان الفطري فيه محكوم له بحكم ~~أبويه الكافرين، وهذا معنى قوله صلى الله عليه سولم: # " يقول الله تعالى إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم ". # ويحكى معنى هذا عن الأوزاعي وحماد بن سلمة. # وحكي عن عبد الله بن المبارك أنه قال: معنى ms1779 الحديث إن كل مولود يولد على ~~فطرته، أي: على خلقته التي جبل عليها في علم الله تعالى من السعادة أو ~~الشقاوة، فكل منهم صائر في العاقبة إلى ما فطر عليها، وعامل في الدنيا ~~بالعمل المشاكل لها، فمن أمارات الشقاوة للطفل أن يولد بين يهوديين أو ~~نصرانيين، فيحملانه لشقائه على اعتقاد دينهما. # وقيل: معناه أن كل مولود يولد في مبدأ الخلقة على الفطرة أي على ~~الجبلة السليمة والطبع المتهيء لقبول الدين، فلو ترك عليها لاستمر ~~على لزومها، لأن هذا الدين موجود حسنه في العقول، وإنما يعدل عنه ~~من يعدل إلى غيره لآفة من آفات النشوء والتقليد، فلو سلم من تلك الآفات ~~لم يعتقد غيره... ثم يتمثل بأولاد اليهود والنصارى وأتباعهم لآبائهم ~~والميل إلى أديانهم فيزلون بذلك عن الفطرة السليمة والمحجة المستقيمة. ~~ذكر أبو سليمان الخطابي هذه المعاني في كتابه. # قوله: { لا تبديل لخلق الله } فمن حمل الفطرة على الدين ~~قال: معناه لا تبديل لدين الله، وهو خبر بمعنى النهي، أي: لا تبدلوا دين ~~الله. قال مجاهد، وإبراهيم: معنى الآية الزموا فطرة الله، أي دين الله، ~~واتبعوه ولا تبدلوا التوحيد بالشرك، { ذلك الدين القيم } ، ~~المستقيم، { ولكن أكثر الناس لا يعلمون }. # وقيل: لا تبديل لخلق الله أي: ما جبل عليه الإنسان من السعادة والشقاوة ~~لا يتبدل، فلا يصير السعيد شقيا ولا الشقي سعيدا. # وقال عكرمة ومجاهد: معناه تحريم إخصاء البهائم. ### || [30.31-34] # { منيبين إليه } أي: فأقم وجهك أنت وأمتك منيبين إليه لأن ~~المخاطبة لنبي صلى الله عليه وسلم ويدخل معه فيها الأمة، كما قال: # يأيها النبي إذا طلقتم النسآء # [الطلاق: 1] { منيبين إليه } ، أي: راجعين إليه بالتوبة مقبلين ~~إليه بالطاعة، { واتقوه وأقيموا الصلوة ولا تكونوا ~~من المشركين }. # { من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا } ، أي: ~~صاروا فرقا مختلفة وهم اليهود والنصارى. وقيل:هم أهل البدع من هذه ~~الأمة، { كل حزب بما لديهم فرحون } ، أي: راضون بما ~~عندهم. # قوله تعالى: { وإذا مس الناس ضر } ، قحط وشدة، { دعوا ~~ربهم منيبين إليه } ، مقبلين إليه بالدعاء، { ثم إذآ ~~أذاقهم منه رحمة ms1780 } ، خصبا ونعمة، { إذا فريق ~~منهم بربهم يشركون }. # { ليكفروا بمآ ءاتينهم } , ثم خاطب هؤلاء الذين فعلوا ~~هذا خطاب تهديد فقال: { فتمتعوا فسوف تعلمون } ، حالكم ~~في الآخرة. ### || [30.35-40] # { أم أنزلنا عليهم سلطنا } ، قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: حجة وعذرا. وقال قتادة: كتابا، { فهو يتكلم } ، ينطق، ~~{ بما كانوا به يشركون } ، أي: ينطق بشركهم ويأمرهم به. # { وإذآ أذقنا الناس رحمة } ، أي: الخصب وكثرة المطر، { ~~فرحوا بها } ، يعني فرح البطر، { وإن تصبهم سيئة } ، ~~أي: الجدب وقلة المطر، ويقال: الخوف والبلاء { بما قدمت ~~أيديهم } ، من السيئات، { إذا هم يقنطون } ، ييأسون من ~~رحمة الله، وهذا خلاف وصف المؤمن، فإنه يشكر الله عند النعمة، ويرجو ربه ~~عند الشدة. # { أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشآء ~~ويقدر إن فى ذلك لأيت لقوم يؤمنون }. # قوله تعالى: { فئات ذا القربى حقه } ، من البر والصلة، { ~~والمسكين } ، وحقه أن يتصدق عليه، { وابن السبيل } ، يعني: ~~المسافر، وقيل: هو الضيف، { ذلك خير للذين يريدون وجه ~~الله } يطلبون ثواب الله بما يعملون، { وأولئك هم ~~المفلحون }. # قوله عز وجل: { ومآ ءاتيتم من ربا } ، قرأ ابن كثير: ~~«أتيتم» مقصورا وقرأ الآخرون بالمد، أي: أعطيتم، ومن قصر فمعناه: ما ~~جئتم من ربا، ومجيؤهم ذلك على وجه الإعطاء كما تقول: أتيت خطئا، وأتيت ~~صوابا، فهو يؤول في المعنى إلى قول من مد. { ليربوا فى ~~أموال الناس } ، قرأ أهل المدينة، ويعقوب: " لتربوا " بالتاء ~~وضمها وسكون الواو على الخطاب، أي: لتربوا أنتم وتصيروا ذوي زيادة من ~~أموال الناس، وقرأ الآخرون بالياء وفتحها، ونصب الواو وجعلوا الفعل للربا ~~لقوله: { فلا يربوا عند الله } ، في أموال الناس، أي: في ~~اختطاف أموال الناس واجتذابها. # واختلفوا في معنى الآية, فقال سعيد بن جبير، ومجاهد، وطاووس، وقتادة، ~~والضحاك، وأكثر المفسرين: هو الرجل يعطي غيره العطية ليثيب أكثر منها ~~فهذا جائز حلال، ولكن لا يثاب عليها في القيامة، وهو معنى قوله عز وجل: ~~" فلا يربوا عند الله " ، وكان هذا حراما على النبي صلى الله عليه وسلم ~~خاصة لقوله تعالى: # ولا تمنن تستكثر # [المدثر: 6]، أي: لا تعط ms1781 وتطلب أكثر مما أعطيت. # وقال النخعي: هو الرجل يعطي صديقه أو قريبه ليكثر ماله ولا يريد به وجه ~~الله. # وقال الشعبي: هو الرجل يلتزق بالرجل فيخدمه ويسافر معه فيجعل له ربح ما ~~له التماس عونه، لا لوجه الله، فلا يربوا عند الله لأنه لم يرد به وجه ~~الله تعالى. # { ومآ ءاتيتم من زكوة } ، أعطيتم من صدقة { تريدون ~~وجه الله فأولئك هم المضعفون } ، يضاعف لهم الثواب ~~فيعطون بالحسنة عشر أمثالها، فالمضعف ذو الأضعاف من الحسنات، تقول العرب: ~~القوم مهزولون ومسمنون: إذا هزلت أو سمنت إبلهم. # { الله الذى خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم ~~يحييكم هل من شركآئكم من يفعل من ذلكم من ~~شىء سبحنه وتعلى عما يشركون }. ### || [30.41] # قوله عز وجل: { ظهر الفساد فى البر والبحر } , يعني: ~~قحط المطر وقلة النبات، وأراد بالبر البوادي والمفاوز، وبالبحر المدائن ~~والقرى التي هي على المياه الجارية. قال عكرمة: العرب تسمي المصر بحرا، ~~تقول أجدب البر وانقطعت مادة البحر، { بما كسبت أيدى الناس } ~~، أي بشؤم ذنوبهم، وقال عطية وغيره: " البر " ظهر الأرض من الأمصار ~~وغيرها، و " البحر " هو البحر المعروف، وقلة المطر كما تؤثر في البر تؤثر ~~في البحر فتخلوا أجواف الأصداف لأن الصدف إذا جاء المطر يرتفع إلى وجه ~~البحر ويفتح فاه فما يقع في فيه من المطر صار لؤلؤا. # وقال ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد: الفساد في البر: قتل أحد ابني آدم أخاه، ~~وفي البحر: غصب الملك الجائر السفينة. # وقال الضحاك: كانت الأرض خضرة مونقة لا يأتي ابن آدم شجرة إلا وجد ~~عليها ثمرة، وكان ماء البحر عذبا وكان يقصد الأسد البقر والغنم، فلما ~~قتل قابيل هابيل اقشعرت الأرض وشاكت الأشجار وصار ماء البحر ملحا زعافا ~~وقصد الحيوان بعضها بعضا. # قال قتادة: هذا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم امتلأت الأرض ظلما ~~وضلالة، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم رجع راجعون من الناس ~~بما كسبت أيدي الناس من المعاصي، يعني كفار مكة. # { ليذيقهم بعض الذى عملوا } ، أي: عقوبة بعض الذي عملوا ms1782 ~~من الذنوب، { لعلهم يرجعون } ، عن الكفر وأعمالهم الخبيثة. ### || [30.42-47] # { قل سيروا فى الأرض فانظروا كيف كان عقبة ~~الذين من قبل } ، لتروا منازلهم ومساكنهم خاوية، { كان ~~أكثرهم مشركين } ، أي: كانوا مشركين، فأهلكوا بكفرهم. # { فأقم وجهك للدين القيم } , المستقيم وهو دين ~~الإسلام { من قبل أن يأتى يوم لا مرد له من ~~الله } ، يعني: يوم القيامة، لا يقدر أحد على رده من الله، { ~~يومئذ يصدعون } ، أي يتفرقون فريق في الجنة وفريق في السعير. # { من كفر فعليه كفره } ، أي: وبال كفره، { ومن عمل ~~صلحا فلأنفسهم يمهدون } ، يوطئون المضاجع ويسوونها في ~~القبور. # { ليجزى الذين ءامنوا وعملوا الصلحت من ~~فضله } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليثيبهم الله أكثر من ثواب ~~أعمالهم، { إنه لا يحب الكفرين }. # قوله عز وجل: { ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات ~~} ، تبشر بالمطر، { وليذيقكم من رحمته } ، نعمة، المطر ~~وهي الخصب، { ولتجري الفلك } ، في البحر، بهذه الرياح، { ~~بأمره ولتبتغوا من فضله } ، ولتطلبوا من رزقه بالتجارة ~~في البحر، { ولعلكم تشكرون } ، رب هذه النعم. # قوله تعالى: { ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى ~~قومهم فجآءوهم بالبينات } ، بالدلالات الواضحات على ~~صدقهم، { فانتقمنا من الذين أجرموا } ، عذبنا الذين ~~كذبوهم، { وكان حقا علينا نصر المؤمنين } ، وإنجاؤهم ~~من العذاب، ففي هذا تبشير للنبي صلى الله عليه وسلم بالظفر في العاقبة ~~والنصر على الأعداء. قال الحسن: أنجاهم مع الرسل من عذاب الأمم. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن ~~سمعان، أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، أخبرنا حمد ~~بن زنجويه، أخبرنا أبو شيخ الحراني، أخبرنا أبو موسى بن أعين، عن ليث بن ~~أبي سليم، عن شهر بن حوشب، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول ~~الله يقول: # " ما من مسلم يرد عن عرض أخيه إلا كان حقا على الله أن يرد عنه ~~نار جهنم يوم القيامة " # ، ثم تلا هذه الآية { وكان حقا علينا نصر المؤمنين }. ### || [30.48-49] # { الله الذى يرسل الريح فتثير سحابا } ، أي: ~~ينشره، { فيبسطه فى السمآء كيف يشآء ms1783 } ، مسيرة يوم أو ~~يومين أو أكثر على ما يشاء، { ويجعله كسفا } ، قطعا متفرقة، { ~~فترى الودق } ، المطر، { يخرج من خلاله } ، وسطه، { ~~فإذآ أصاب به من يشآء } ، أي: بالودق، { من عباده ~~إذا هم يستبشرون } ، يفرحون بالمطر. # { وإن كانوا } ، وقد كانوا، { من قبل أن ينزل عليهم ~~من قبله لمبلسين } ، أي: آيسين، قيل: " وإن كانوا " ، أي: ~~وما كانوا إلا مبلسين، وأعاد قوله: " من قبله " تأكيدا. # وقيل: الأولى ترجع إلى إنزال المطر، والثانية إلى إنشاء السحاب. # وفي حرف عبد الله بن مسعود: وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم لمبلسين, ~~غير مكرر. ### || [30.50-54] # { فانظر إلى ءاثر رحمة الله } , هكذا قرأ أهل الحجاز، ~~والبصرة، وأبو بكر. وقرأ الآخرون: { إلى آثار رحمة الله } ، على الجمع، ~~أراد برحمة الله: المطر أي: انظر إلى حسن تأثيره في الأرض، وقال مقاتل: ~~أثر رحمة الله أي: نعمته وهو النبت، { كيف يحى الأرض بعد ~~موتهآ إن ذلك لمحى الموتى } ، يعني: أن ذلك الذي يحيي ~~الأرض لمحيي الموتى، { وهو على كل شىء قدير }. # { ولئن أرسلنا ريحا } ، باردة مضرة فأفسدت الزرع، { ~~فرأوه مصفرا } ، أي: والنبت والزرع مصفرا بعد الخضرة، { ~~لظلوا } ، لصاروا، { من بعده } ، أي:من بعد إصفرار الزرع، { ~~يكفرون } ، يجحدون ما سلف من النعمة، يعني: أنهم يفرحون عند الخصب، ~~ولو أرسلت عذابا على زرعهم جحدوا سالف نعمتي. # { فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم ~~الدعآء إذا ولوا مدبرين ومآ أنت بهاد العمى ~~عن ضللتهم إن تسمع إلا من يؤمن بئايتنا ~~فهم مسلمون }. # { الله الذى خلقكم من ضعف } ، قرىء بضم الضاد وفتحها، ~~فالضم لغة قريش، والفتح لغة تميم، ومعنى " من ضعف " ، أي: من نطفة، يريد ~~من ذي ضعف، أي: من ماء ذي ضعف كما قال تعالى: # ألم نخلقكم من مآء مهين # [المرسلات: 20], { ثم جعل من بعد ضعف قوة } ، من بعد ~~ضعف الطفولة شبابا، وهو وقت القوة، { ثم جعل من بعد قوة ~~ضعفا } ، هرما، { وشيبة يخلق ما يشآء } ، من الضعف ~~والقوة والشباب والشيبة، { وهو العليم } ، بتدبير خلقه، { ~~القدير } ، على ما يشاء. ### || [30.55-60] # { ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ms1784 } ، يحلف ~~المشركون، { ما لبثوا } ، في الدنيا، { غير ساعة } ، إلا ~~ساعة، استقلوا أجل الدنيا لما عاينوا الآخرة. وقال مقاتل والكلبي: ما ~~لبثوا في قبورهم غير ساعة كما قال: # كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ~~ساعة من نهار # [الأحقاف: 35]. # { كذلك كانوا يؤفكون } ، يصرفون عن الحق في الدنيا, قال ~~الكلبي ومقاتل: كذبوا في قولهم غير ساعة كما كذبوا في الدنيا أن لا بعث. # والمعنى أن الله أراد أن يفضحهم فحلفوا على شيء يتبين لأهل الجمع أنهم ~~كاذبون فيه، وكان ذلك بقضاء الله وقدره بدليل قوله: { يؤفكون } ، ~~أي: يصرفون عن الحق. # ثم ذكر إنكار المؤمنين عليهم كذبهم فقال: # { وقال الذين أوتوا العلم والإيمن لقد ~~لبثتم فى كتب الله } ، أي: فيما كتب الله لكم في سابق علمه ~~من اللبث في القبور. وقيل: " في كتاب الله " أي: في حكم الله، وقال قتادة ~~ومقاتل: فيه تقديم وتأخير معناه: وقال الذين أوتوا العلم في كتاب الله ~~والإيمان: لقد لبثتم إلى يوم البعث، يعني الذين يعلمون كتاب الله، ~~وقرأوا قوله تعالى: # ومن ورآئهم برزخ إلى يوم يبعثون # [المؤمنون: 100]، أي: قالوا للمنكرين: لقد لبثتم، { إلى يوم ~~البعث فهذا يوم البعث } ، الذي كنتم تنكرونه في الدنيا، ~~{ ولكنكم كنتم لا تعلمون } ، وقوعه في الدنيا فلا ~~ينفعكم العلم به الآن بدليل قوله تعالى: # { فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم } ، ~~يعني عذرهم، { ولا هم يستعتبون } ، لا يطلب منهم العتبى ~~والرجوع في الآخرة، قرأ أهل الكوفة: { لا ينفع } بالياء هاهنا وفي " حم " ~~المؤمن ووافق نافع في " حم " المؤمن، وقرأ الباقون بالتاء فيهما. # { ولقد ضربنا للناس فى هذا القرءان من كل ~~مثل ولئن جئتم بئاية ليقولن الذين كفروا ~~إن أنتم إلا مبطلون } ، ما أنتم إلا على باطل. # { كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون ~~} توحيد الله. # { فاصبر إن وعد الله حق } ، في نصرتك وإظهارك على عدوك ~~{ ولا يستخفنك } ، ولا يستجهلنك، معناه: لا يحملنك الذين لا ~~يوقنون على الجهل واتباعهم في الغي. وقيل: لا يستخفن رأيك وحلمك، { ~~الذين لا يوقنون } ، بالبعث والحساب. ### | [31 - سورة ms1785 لقمان] ### || [31.1-10] # { الم تلك آيات الكتاب الحكيم هدى ورحمة } ، قرأ ~~حمزة: " رحمة " بالرفع على الابتداء، أي: هو هدى ورحمة، وقرأ الآخرون ~~بالنصب على الحال { للمحسنين }. # { الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم ~~بالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم ~~وأولئك هم المفلحون }. # { ومن الناس من يشترى لهو الحديث } ، الآية. قال ~~الكلبي، ومقاتل: نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة كان يتجر فيأتي الحيرة ~~ويشتري أخبار العجم ويحدث بها قريشا، ويقول: إن محمدا يحدثكم بحديث عاد ~~وثمود، وأنا أحدثكم بحديث رستم واسفنديار وأخبار الأكاسرة، فيستملحون ~~حديثه ويتركون استماع القرآن، فأنزل الله هذه الآية. # وقال مجاهد: يعني شراء القيان والمغنيين، ووجه الكلام على هذا التأويل: ~~من يشتري ذات لهو أو ذا لهو الحديث. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو طاهر ~~محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق المزكي، حدثنا جدي محمد بن إسحاق بن ~~خزيمة، أخبرنا علي بن حجر، أخبرنا مشعل بن ملحان الطائي، عن مطرح بن ~~يزيد، عن عبد الله بن زجر، عن علي بن زيد، عن القاسم أبي عبد العزيز، عن ~~أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يحل تعليم المغنيات ولا بيعهن وأثمانهن حرام " # ، وفي مثل هذا أنزلت هذه الآية { ومن الناس من يشترى لهو ~~الحديث ليضل عن سبيل الله } ، # " وما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله عليه شيطانين: أحدهما على ~~هذا المنكب، والآخر على هذا المنكب، فلا يزالان يضربانه بأرجلهما حتى ~~يكون هو الذي يسكت ". # أخبرنا عبد الرحمن بن أحمد القفال، أخبرنا أبو منصور أحمد بن الفضل ~~البروجردي، أخبرنا أبو أحمد بكر بن محمد بن حمدان الصيرفي، أخبرنا ~~محمد بن غالب تمام، أخبرنا خالد بن أبي يزيد، عن هشام هو ابن حسان، عن ~~محمد هو ابن سيرين، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم # " نهى عن ثمن الكلب وكسب الزمارة ". # قال مكحول: من اشترى جارية ضرابة ليمسكها لغنائها وضربها مقيما عليه ~~حتى يموت لم أصل عليه، ms1786 لأن الله يقول: { ومن الناس من يشترى ~~لهو الحديث } الآية. # وعن عبد الله بن مسعود، وابن عباس، والحسن، وعكرمة، وسعيد بن جبير ~~قالوا: " لهو الحديث " هو الغناء، والآية نزلت فيه. # ومعنى قوله: { يشترى لهو الحديث } ، أي: يستبدل ويختار ~~الغناء والمزامير والمعازف على القرآن، قال أبو الصباء البكري سألت ابن ~~مسعود عن هذه الآية فقال: هو الغناء، والله الذي لا إله إلا هو، يرددها ~~ثلاث مرات. # وقال إبراهيم النخعي: الغناء ينبت النفاق في القلب، وكان أصحابنا يأخذون ~~بأفواه السكك يخرقون الدفوف. # وقيل: الغناء رقية الزنا. # وقال ابن جريج: هو الطبل. وعن الضحاك قال: هو الشرك. وقال قتادة: هو كل ~~لهو ولعب. # { ليضل عن سبيل الله بغير علم } ، أي: يفعله عن جهل. ~~قال قتادة: بحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق. # قوله تعالى: { ويتخذها هزوا } ، أي: يتخذ آيات الله هزوا. ~~قرأ حمزة، والكسائي، وحفص، ويعقوب: { ويتخذها } بنصب الذال عطفا على ~~قوله: «ليضل»، وقرأ الآخرون بالرفع نسقا على قوله: «يشتري». # { أولئك لهم عذاب مهين }. # { وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن ~~لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره ~~بعذاب أليم }. # { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات ~~النعيم }. # { خالدين فيها وعد الله حقا وهو العزيز ~~الحكيم * خلق السموت بغير عمد ترونها ~~وألقى فى الأرض رواسى أن تميد بكم وبث فيها ~~من كل دآبة وأنزلنا من السمآء مآء فأنبتنا ~~فيها من كل زوج كريم } , حسن. ### || [31.11-12] # { هذا } ، يعني الذي ذكرت مما تعاينون، { خلق الله فأرونى ~~ماذا خلق الذين من دونه } ، من آلهتكم التي تعبدونها، { ~~بل الظلمون فى ضلل مبين }. # قوله تعالى: { ولقد ءاتينا لقمان الحكمة } ، يعني: ~~العقل والعلم والعمل به والإصابة في الأمور. قال محمد بن إسحاق: وهو ~~لقمان بن ناعور بن ناحور بن تارخ وهو آزر. وقال وهب: إنه كان ابن أخت ~~أيوب، وقال مقاتل: ذكر أنه كان ابن خالة أيوب. قال الواقدي: كان قاضيا ~~في بني إسرائيل. # واتفق العلماء على أنه كان حكيما، ولم يكن نبيا، إلا عكرمة ms1787 فإنه قال: ~~كان لقمان نبيا. وتفرد بهذا القول. # وقال بعضهم: خير لقمان بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة. # وروي أنه كان نائما نصف النهار فنودي: يا لقمان، هل لك أن يجعلك الله ~~خليفة في الأرض لتحكم بين الناس بالحق؟ فأجاب الصوت فقال: إن خيرني ربي ~~قبلت العافية، ولم أقبل البلاء، وإن عزم علي فسمعا وطاعة، فإني أعلم ~~إن فعل بي ذلك أعانني وعصمني، فقالت الملائكة بصوت لا يراهم: لم يا ~~لقمان؟ قال: لأن الحاكم بأشد المنازل وأكدرها يغشاه الظلم من كل مكان أن ~~يعدل فبالحري أن ينجو، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة، ومن يكن في الدنيا ~~ذليلا خير من أن يكون شريفا، ومن يخير الدنيا على الآخرة تفتنه الدنيا ~~ولا يصيب الآخرة. فعجبت الملائكة من حسن منطقه، فنام نومة فأعطي الحكمة، ~~فانتبه وهو يتكلم بها، ثم نودي داود بعده فقبلها ولم يشترط ما اشترطه ~~لقمان، فهوى في الخطيئة غير مرة، كل ذلك يعفو الله عنه، وكان لقمان ~~يؤازره بحكمته. # وعن خالد الربعي قال: كان لقمان عبدا حبشيا نجارا. وقال سعيد بن ~~المسيب: كان خياطا. وقيل: كان راعي غنم. فروي أنه لقيه رجل وهو يتكلم ~~بالحكمة فقال: ألست فلانا الراعي فبم بلغت ما بلغت؟ قال: بصدق ~~الحديث، وأداء الأمانة وترك ما لا يعنيني. وقال مجاهد: كان عبدا أسود ~~عظيم الشفتين مشقق القدمين. # قوله عز وجل: { أن اشكر لله ومن يشكر فإنما ~~يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غنى حميد }. ### || [31.13-14] # { وإذ قال لقمان لابنه } ، واسمه أنعم، ويقال: مشكم، { ~~وهو يعظه يبنى لا تشرك بالله إن الشرك ~~لظلم عظيم } ، قرأ ابن كثير: «يا بني لا تشرك بالله» بإسكان ~~الياء، وفتحها حفص، والباقون بالكسر، «يا بني إنها» بفتح الياء حفص، ~~والباقون بالكسر، { يبنى أقم الصلوة } بفتح الياء البزي عن ~~ابن كثير وحفص، وبإسكانها القواس، والباقون بكسرها. # { ووصينا الإنسن بولديه حملته أمه وهنا ~~على وهن } ، قال ابن عباس: شدة بعد شدة. وقال الضحاك: ضعفا على ~~ضعف. وقال مجاهد: مشقة على مشقة. وقال الزجاج: المرأة إذا ms1788 حملت توالى ~~عليها الضعف والمشقة. ويقال: الحمل ضعف، والطلق ضعف، والوضع ضعف. { ~~وفصاله } ، أي فطامه، { فى عامين أن اشكر لى ~~ولولديك إلى المصير } ، المرجع، قال سفيان بن عيينة في ~~هذه الآية: من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله، ومن دعا للوالدين في ~~أدبار الصلوات الخمس فقد شكر الوالدين. ### || [31.15-16] # { وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به ~~علم فلا تطعهما وصاحبهما فى الدنيا معروفا } ، ~~أي: بالمعروف، وهو البر والصلة والعشرة الجميلة، { واتبع سبيل ~~من أناب إلى } ، أي: دين من أقبل إلى طاعتي، وهو النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه. # قال عطاء عن ابن عباس: يريد أبا بكر، وذلك أنه حين أسلم أتاه عثمان ~~وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، فقالوا له: قد ~~صدقت هذا الرجل وآمنت به؟ قال: نعم هو صادق، فآمنوا به، ثم حملهم إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم حتى أسلموا، فهؤلاء لهم سابقة الإسلام، أسلموا ~~بإرشاد أبي بكر. # قال الله تعالى: { واتبع سبيل من أناب إلى } ، يعني أبا ~~بكر، { ثم إلى مرجعكم فأنبئكم بما كنتم ~~تعملون }. # وقيل: نزلت هاتان الآياتان في سعد بن أبي وقاص وأمه، وقد مضت القصة. # وقيل: الآية عامة في حق كافة الناس. # { يبنى إنهآ إن تك مثقال حبة من خردل } ، ~~الكناية في قوله: { إنها } راجعة إلى الخطيئة، وذلك أن ابن لقمان قال ~~لأبيه: يا أبت إن عملت الخطيئة حيث لا يراني أحد كيف يعلمها الله؟ فقال: ~~{ يبنى إنهآ إن تك مثقال حبة من خردل ~~فتكن فى صخرة } ، قال قتادة: تكن في جبل. وقال ابن عباس: هي ~~صخرة تحت الأرضين السبع، وهي التي تكتب فيها أعمال الفجار، وخضرة السماء ~~منها. # قال السدي: خلق الله الأرض على حوت وهو النون الذي ذكر الله عز وجل ~~في القرآن " ن والقلم " والحوت في الماء، والماء على ظهر صفاة، ~~والصفاة على ظهر ملك، والملك على صخرة، وهي الصخرة التي ذكرها لقمان ليست ~~في السماء ولا في الأرض، والصخرة على الريح. # { أو فى ms1789 السموت أو فى الأرض يأت بها الله ~~إن الله لطيف } ، باستخراجها، { خبير } ، عالم بمكانها، قال ~~الحسن: معنى الآية هي الإحاطة بالأشياء، صغيرها وكبيرها، وفي بعض ~~الكتب إن هذه الكلمة آخر كلمة تكلم بها لقمان فانشقت مرارته من هيبتها ~~فمات. ### || [31.17-19] # { يبنى أقم الصلوة وأمر بالمعروف وانه عن ~~المنكر واصبر على مآ أصابك } ، يعني من الأذى، { إن ~~ذلك من عزم الأمور } ، يريد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ~~والصبر على الأذى فيهما، من الأمور الواجبة التي أمر الله بها، أو من ~~الأمور التي يعزم عليها لوجوبها. # { ولا تصعر خدك للناس } ، قرأ ابن كثير، وابن عامر، ~~وعاصم، وأبو جعفر، ويعقوب: «ولا تصعر» بتشديد العين من غير ألف، وقرأ ~~الآخرون: «تصاعر» بالألف، يقال: صعر وجهه وصاعر: إذا مال وأعرض تكبرا، ~~ورجل أصعر: أي: مائل العنق. # قال ابن عباس: يقول: لا تتكبر فتحقر الناس وتعرض عنهم بوجهك إذا ~~كلموك. # وقال مجاهد: هو الرجل يكون بينك وبينه إحنة فتلقاه فيعرض عنك بوجهه. # وقال عكرمة: هو الذي إذا سلم عليه لوى عنقه تكبرا. # وقال الربيع بن أنس وقتادة: لا تحتقرن الفقراء ليكن الفقير والغني عندك ~~سواء، { ولا تمش فى الأرض مرحا } ، خيلاء { إن الله ~~لا يحب كل مختال } ، في مشيه { فخور } ، على الناس. # { واقصد فى مشيك } ، أي ليكن مشيك قصدا لا تخيلا ولا ~~إسراعا. وقال عطاء: امش بالوقار والسكينة، كقوله: # يمشون على الأرض هونا # [الفرقان: 63]، { واغضض من صوتك } أنقص من صوتك، وقال مقاتل: ~~اخفض صوتك، { إن أنكر الأصوت } ، أقبح الأصوات، { لصوت ~~الحمير } ، أوله زفير وآخره شهيق، وهما صوتا أهل النار. # وقال موسى بن أعين: سمعت سفيان الثوري يقول في قوله: { إن أنكر ~~الأصوت لصوت الحمير } ، قال: صياح كل شيء تسبيح لله إلا ~~الحمار. # وقال جعفر الصادق في قوله: { إن أنكر الأصوت لصوت ~~الحمير } قال: هي العطسة القبيحة المنكرة. # قال وهب: تكلم لقمان باثني عشر ألف باب من الحكمة، أدخلها الناس في ~~كلامهم وقضاياهم وحكمه: قال خالد الربعي: كان لقمان عبدا حبشيا فدفع ~~مولاه إليه شاة وقال: اذبحها ms1790 وائتني بأطيب مضغتين منها، فأتاه باللسان ~~والقلب، ثم دفع إليه شاة أخرى، وقال: اذبحها وائتني بأخبث مضغتين منها ~~فأتاه باللسان والقلب، فسأله مولاه، فقال: ليس شيء أطيب منهما إذا طابا ~~ولا أخبث منهما إذا خبثا. ### || [31.20] # قوله تعالى: { ألم تروا أن الله سخر لكم ما فى ~~السموت وما فى الأرض وأسبغ عليكم } ، أتم وأكمل، ~~{ نعمه } قرأ أهل المدينة، وأبو عمرو، وحفص: «نعمه» بفتح العين وضم ~~الهاء على الجمع، وقرأ الآخرون منونة على الواحد، ومعناه الجمع أيضا ~~كقوله: # وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها # [إبراهيم: 34]، { ظهرة وباطنة } ، قال عكرمة عن ابن عباس: ~~النعمة الظاهرة: الإسلام والقرآن، والباطنة: ما ستر عليك من الذنوب ولم ~~يعجل عليك بالنقمة. # وقال الضحاك: الظاهرة: حسن الصورة وتسوية الأعضاء، والباطنة: المعرفة. ~~وقال مقاتل: الظاهرة: تسوية الخلق والرزق، والإسلام. والباطنة: ما ستر ~~من الذنوب. # وقال الربيع: الظاهرة بالجوارح والباطنة بالقلب. # وقيل: الظاهرة: الإقرار باللسان، والباطنة: الاعتقاد بالقلب. # وقيل: الظاهرة: تمام الرزق والباطنة: حسن الخلق. وقال عطاء: الظاهرة ~~تخفيف الشرائع، والباطنة: الشفاعة. # وقال مجاهد: الظاهرة: ظهور الإسلام والنصر على الأعداء، والباطنة: ~~الإمداد بالملائكة. وقيل: الظاهرة: الإمداد بالملائكة، والباطنة: إلقاء ~~الرعب في قلوب الكفار. # وقال سهل بن عبد الله: الظاهرة: اتباع الرسول، والباطنة: محبته. # { ومن الناس من يجدل فى الله بغير علم } ، نزلت ~~في النضر بن الحارث وأبي بن خلف، وأمية بن خلف، وأشباههم كانوا يجادلون ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الله وفي صفاته بغير علم، { ولا هدى ~~ولا كتب منير }. ### || [31.21-25] # { وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله قالوا بل ~~نتبع ما وجدنا عليه ءابآءنا } ، قال الله عز وجل: { ~~أولو كان الشيطن يدعوهم إلى عذاب السعير } ، ~~وجواب " لو " محذوف، ومجازه: يدعوهم فيتبعونه، يعني: يتبعون الشيطان وإن ~~كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير. # قوله تعالى: { ومن يسلم وجهه إلى الله } ، يعني: لله، ~~أي: يخلص دينه لله، ويفوض أمره إلى الله، { وهو محسن } ، في عمله، ~~{ فقد استمسك بالعروة الوثقى } ، أي: اعتصم بالعهد ~~الأوثق الذي لا يخاف انقطاعه، { وإلى الله عقبة ms1791 الأمور ~~}. # { ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم ~~فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات ~~الصدور }. # { نمتعهم قليلا } ، أي: نمهلهم ليتمتعوا بنعيم الدنيا قليلا ~~إلى انقضاء آجالهم، { ثم نضطرهم } ثم نلجئهم ونردهم في الآخرة، ~~{ إلى عذاب غليظ } ، وهو عذاب النار. # { ولئن سألتهم من خلق السموت والأرض ~~ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا ~~يعلمون }. ### || [31.26-27] # { لله ما فى السموت والأرض إن الله هو ~~الغنى الحميد }. # قوله عز وجل: { ولو أنما فى الأرض من شجرة أقلام ~~} الآية. قال المفسرون: نزلت بمكة، قوله سبحانه وتعالى: # ويسألونك عن الروح # إلى قوله: # ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا # [الإسراء: 85]، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ~~أتاه أحبار اليهود فقالوا: يا محمد، بلغنا عنك أنك تقول: " وما أوتيتم من ~~العلم إلا قليلا " أفعنيتنا أم قومك؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ~~كلا قد عنيت، قالوا: ألست تتلوا فيما جاءك أنا أوتينا التوراة وفيها ~~علم كل شيء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هي في علم الله قليل ~~وقد آتاكم الله ما إن علمتم به انتفعتم " ، قالوا: يا محمد كيف تزعم هذا ~~وأنت تقول: # ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا # [البقرة: 269]، فكيف يجتمع هذا علم قليل وخير كثير؟ فأنزل هذه الآية. # وقال قتادة: إن المشركين قالوا: إن القرآن وما يأتي به محمد يوشك أن ~~ينفد فينقطع، فنزلت: { ولو أنما فى الأرض من شجرة ~~أقلام } ، أي: بريت أقلاما، { والبحر يمده } ، قرأ أبو ~~عمرو ويعقوب: «والبحر» بالنصب عطفا على «ما»، والباقون بالرفع على ~~الاستئناف { يمده } ، أي يزيده، وينصب فيه { من بعده } من ~~خلفه، { سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله } ، وفي ~~الآية اختصار تقديره: ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من ~~بعده سبعة أبحر يكتب بها كلام الله ما نفدت كلمات الله. # { إن الله عزيز حكيم } ، وهذه الآية على قول عطاء بن يسار ~~مدنية، وعلى قول غيره مكية، وقالوا: إنما أمر اليهود وفد قريش أن يسألوا ~~رسول الله صلى الله ms1792 عليه وسلم ويقولوا له ذلك وهو بعد بمكة، والله أعلم. ### || [31.28-32] # { ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس وحدة } ، يعني ~~كخلق نفس واحدة وبعثها لا يتعذر عليه شيء، { إن الله سميع ~~بصير }. # { ألم تر أن الله يولج اليل فى النهار ويولج ~~النهار فى اليل وسخر الشمس والقمر كل يجرى ~~إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير }. # { ذلك بأن الله هو الحق } ، أي: ذلك الذي ذكرت لتعلموا ~~أن الله هو الحق، { وأن ما يدعون من دونه البطل ~~وأن الله هو العلى الكبير }. # { ألم تر أن الفلك تجرى فى البحر بنعمت ~~الله } ، يريد أن ذلك من نعمة الله عليكم، { ليريكم من ~~ءايته } ، عجائبه، { إن فى ذلك لايت لكل ~~صبار } ، على أمر الله، { شكور } ، لنعمه. # { وإذا غشيهم موج كالظلل } , قال مقاتل: كالجبال. وقال ~~الكلبي: كالسحاب. والظل جمع الظلة شبه بها الموج في كثرتها وارتفاعها، ~~وجعل الموج، وهو واحد، كالظلل وهي جمع، لأن الموج يأتي منه شيء بعد شيء، ~~{ دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجهم ~~إلى البر فمنهم مقتصد } ، أي: عدل موف في البر بما ~~عاهد الله عليه في البحر من التوحيد له، يعني: ثبت على إيمانه. # نزلت في عكرمة بن أبي جهل هرب عام الفتح إلى البحر فجاءتهم ريح عاصف، ~~فقال عكرمة: لئن أنجاني الله من هذا لأرجعن إلى محمد صلى الله عليه وسلم ~~ولأضعن يدي في يده، فسكنت الريح، فرجع عكرمة إلى مكة فأسلم وحسن إسلامه. # وقال مجاهد: فمنهم مقتصد في القول مضمر للكفر. وقال الكلبي: مقتصد في ~~القول، أي: من الكفار، لأن بعضهم كان أشد قولا وأغلى في الافتراء من ~~بعض، { وما يجحد بئايتنآ إلا كل ختار كفور } ~~، والختر أسوأ الغدر. ### || [31.33-34] # { يأيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا ~~يجزى } ، لا يقضي ولا يغني، { والد عن ولده ولا مولود ~~هو جاز } ، مغن، { عن والده شيئا } ، قال ابن عباس: كل ~~امرىء يهمه نفسه، { إن وعد الله حق فلا تغرنكم ~~الحيوة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور } ، ~~يعني الشيطان. قال سعيد بن جبير: ms1793 هو أن يعمل المعصية ويتمنى المغفرة. # قوله: { إن الله عنده علم الساعة } ، الآية. نزلت في ~~الوارث بن عمرو، بن حارثة، بن محارب، ابن حفصة، من أهل البادية أتى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فسأله عن الساعة ووقتها وقال: إن إرضنا أجدبت فمتى ~~ينزل الغيث؟ وتركت امرأتي حبلى، فمتى تلد؟ وقد علمت أين ولدت فبأي أرض ~~أموت؟ فأنزل الله هذه الآية: { إن الله عنده علم الساعة ~~وينزل الغيث ويعلم ما فى الأرحام وما تدرى ~~نفس ماذا تكسب غدا وما تدرى نفس بأى أرض ~~تموت }. # وقرأ أبي بن كعب: «بآية أرض» والمشهور: «بأي أرض» لأن الأرض ليس فيها ~~من علامات التأنيث شيء. # وقيل: أراد بالأرض المكان: أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن ~~عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا ~~عبد العزيز بن عبد الله، أخبرنا إبراهيم بن ساعدة، عن ابن شهاب، عن سالم ~~بن عبد الله، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " مفاتيح الغيب خمس: إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم ما في ~~الأرحام، وما تدري نفس ماذا تكسب غدا، وما تدري نفس بأي أرض تموت ". # { إن الله عليم خبير }. ### | [32 - سورة السجدة] ### || [32.1-5] # { الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب ~~العالمين } , قال مقاتل: لا شك فيه أنه تنزيل من رب العالمين. # { أم يقولون } ، بل يقولون { افتراه } ، وقيل الميم صلة، أي: ~~أيقولون افتراه؟ استفهام توبيخ. وقيل: " أم " بمعنى الواو، أي: ويقولون ~~افتراه، وقيل: فيه إضمار، مجازه فهل يؤمنون، أم يقولون افتراه، ثم قال: { ~~بل هو } ، يعني القرآن، { الحق من ربك لتنذر قوما ~~مآ أتهم } ، أي: لم يأتهم، { من نذير من قبلك } ، قال ~~قتادة: كانوا أمة أمية لم يأتهم نذير قبل محمد صلى الله عليه وسلم. وقال ~~ابن عباس، ومقاتل: ذاك في الفترة التي كانت بين عيسى ومحمد صلوات الله ~~عليهما، { لعلهم يهتدون }. # { الله الذى خلق السموت والأرض وما بينهما ~~فى ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من ms1794 ~~دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون }. # { يدبر الأمر } ، أي: يحكم الأمر وينزل القضاء والقدر، { من ~~السمآء إلى الأرض } وقيل: ينزل الوحي مع جبريل من السماء إلى ~~الأرض، { ثم يعرج } ، يصعد، { إليه } ، جبريل بالأمر، { فى ~~يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون } ، أي: في ~~يوم واحد من أيام الدنيا وقدر مسيرة ألف سنة، خمسمائة نزوله، وخمسمائة ~~صعوده، لأن ما بين السماء والأرض خمسمائة عام، يقول: لو سار فيه أحد من ~~بني آدم لم يقطعه إلا في ألف سنة، والملائكة يقطعونه في يوم واحد، هذا في ~~وصف عروج الملك من الأرض إلى السماء، وأما قوله: # تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان ~~مقداره خمسين ألف سنة # [المعارج: 4]، أراد مدة المسافة من الأرض إلى سدرة المنتهى التي هي مقام ~~جبريل، يسير جبريل والملائكة الذين معه من أهل مقامه مسيرة خمسين ألف سنة ~~في يوم واحد من أيام الدنيا. هذا كله معنى قول مجاهد والضحاك، وقوله: " ~~إليه " أي: إلى الله. وقيل: على هذا التأويل، أي: إلى مكان الملك الذي ~~أمره الله عز وجل أن يعرج إليه. # وقال بعضهم: ألف سنة وخمسون ألف سنة كلها في القيامة، يكون على بعضهم ~~أطول وعلى بعضهم أقصر، معناه: يدبر الأمر من السماء إلى الأرض مدة أيام ~~الدنيا، ثم يعرج أي: يرجع الأمر والتدبير إليه بعد فناء الدنيا، وانقطاع ~~أمر الأمراء وحكم الحكام في يوم كان مقداره ألف سنة، وهو يوم القيامة، ~~وأما قوله: " خمسين ألف سنة " فإنه أراد على الكافر يجعل الله ذلك اليوم ~~عليه مقدار خمسين ألف سنة، وعلى المؤمن دون ذلك حتى جاء في الحديث # " أنه يكون على المؤمن كقدر صلاة مكتوبة صلاها في الدنيا ". # وقال إبراهيم التيمي: لا يكون على المؤمن إلا كما بين الظهر والعصر. # ويجوز أن يكون هذا إخبارا عن شدته وهوله ومشقته. وقال ابن أبي مليكة: ~~دخلت أنا وعبد الله ابن فيروز مولى عثمان بن عفان على ابن عباس فسأله ابن ~~فيروز عن هذه الآية وعن قوله خمسين ألف سنة، فقال ms1795 له ابن عباس: أيام ~~سماها الله لا أدري ما هي وأكره أن أقول في كتاب الله ما لا أعلم. ### || [32.6-10] # { ذلك عالم الغيب والشهدة } ، يعني: ذلك الذي صنع ما ~~ذكره من خلق السموات والأرض عالم ما غاب عن الخلق وما حضر، { ~~العزيز الرحيم }. # { الذى أحسن كل شىء خلقه } ، قرأ نافع وأهل الكوفة { ~~خلقه } بفتح اللام على الفعل وقرأ الآخرون بسكونها، أي: أحسن خلق كل ~~شيء، قال ابن عباس: أتقنه وأحكمه. قال قتادة حسنه. وقال مقاتل: علم كيف ~~يخلق كل شيء، من قولك: فلان يحسن كذا إذا كان يعلمه. وقيل: خلق كل حيوان ~~على صورته ثم يخلق البعض على صورة البعض، فكل حيوان كامل في خلقه حسن، ~~وكل عضو من أعضائه مقدر بما يصلح به معاشه. { وبدأ خلق ~~الإنسن من طين } ، يعني آدم. # { ثم جعل نسله } ، يعني ذريته، { من سلالة } ، نطفة، ~~سميت سلالة لأنها تسل من الإنسان { من مآء مهين } ، أي: ضعيف ~~وهو نطفة الرجل. # { ثم سواه } ، ثم سوى خلقه، { ونفخ فيه من روحه } ثم ~~عاد إلى ذريته، فقال: { وجعل لكم } ، بعد أن كنتم نطفا، { ~~السمع والأبصر والأفئدة قليلا ما تشكرون } ، ~~يعني: لا تشكرون رب هذه النعم فتوحدونه. # { وقالوا } ، يعني منكري البعث، { أءذا ضللنا } ، هلكنا، { ~~فى الأرض } ، وصرنا ترابا، وأصله من قولهم: ضل الماء في اللبن إذا ~~ذهب، { أءنا لفى خلق جديد } ، استفهام إنكار. قال الله عز ~~وجل: { بل هم بلقآء ربهم كفرون } ، أي: بالبعث بعد ~~الموت. ### || [32.11-12] # { قل يتوفكم } ، يقبض أرواحكم، { ملك الموت الذى ~~وكل بكم } ، أي: وكل بقبض أرواحكم وهو عزرائيل، والتوفي استيفاء ~~العدد، معناه أنه يقبض أرواحهم حتى لا يبقى أحد من العدد الذي كتب عليه ~~الموت. وروي أن ملك الموت جعلت له الدنيا مثل راحة اليد يأخذ منها صاحبها ~~ما أحب من غير مشقة، فهو يقبض أنفس الخلق في مشارق الأرض ومغاربها، وله ~~أعوان من ملائكة الرحمة وملائكه العذاب،. # وقال ابن عباس: إن خطوة ملك الموت ما بين المشرق والمغرب. # وقال مجاهد: جعلت له الأرض مثل طست ms1796 يتناول منها حيث يشاء. # وفي بعض الأخبار: أن ملك الموت على معراج بين السماء والأرض فينزع ~~أعوانه روح الإنسان فإذا بلغ ثغره نحره قبضه ملك الموت. # وروى خالد بن معدان عن معاذ بن جبل قال: إن لملك الموت حربة تبلغ ما بين ~~المشرق والمغرب، وهو يتصفح وجوه الناس، فما من أهل بيت إلا وملك الموت ~~يتصفحهم في كل يوم مرتين، فإذا رأى إنسانا قد انقضى أجله ضرب رأسه بتلك ~~الحربة، وقال: الآن يزار بك عسكر الأموات. # قوله: { ثم إلى ربكم ترجعون } ، أي: تصيرون إليه أحياء ~~فيجزيكم بأعمالكم. # { ولو ترى إذ المجرمون } ، المشركون، { ناكسوا ~~رءوسهم } ، مطأطؤ رؤوسهم، { عند ربهم } ، حياء منه وندما، ~~{ ربنآ } ، أي: يقولون ربنا، { أبصرنا } ، ما كنا به مكذبين، { ~~وسمعنا } ، منك تصديق ما آتتنا به رسلك. وقيل: أبصرنا معاصينا ~~وسمعنا ما قيل فينا، { فارجعنا } فأرددنا إلى الدنيا، { نعمل ~~صلحا إنا موقنون } ، وجواب لو مضمر مجازه لرأيت العجب. ### || [32.13-16] # { ولو شئنا لأتينا كل نفس هداها } ، رشدها وتوفيقها ~~للإيمان، { ولكن حق } ، وجب، { القول منى لأملأن ~~جهنم من الجنة والناس أجمعين } ، وهو قوله لإبليس: # لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين # [ ص: 85]. # ثم يقال لأهل النار وقال مقاتل: إذا دخلوا النار قالت لهم الخزنة -: { ~~فذوقوا بما نسيتم لقآء يومكم هذآ } , أي تركتم ~~الإيمان به في الدنيا، { إنا نسينكم } تركناكم، { وذوقوا ~~عذاب الخلد بما كنتم تعملون } ، من الكفر والتكذيب. # قوله عز وجل: { إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ~~ذكروا بها } ، وعظوا بها, { خروا سجدا } ، سقطوا على ~~وجوههم ساجدين، { وسبحوا بحمد ربهم } ، قيل: صلوا بأمر ~~ربهم. وقيل: قالوا سبحان الله وبحمده، { وهم لا يستكبرون } ، عن ~~الإيمان والسجود له. # { تتجافى } ، ترتفع وتنبو، { جنوبهم عن المضاجع } ، ~~جمع مضجع، وهو الموضع الذي يضطجع عليه، يعني الفرش، وهم المتهجدون ~~بالليل، الذين يقومون للصلاة. # واختلفوا في المراد بهذه الآية؛ قال أنس: نزلت فينا معشر الأنصار كنا ~~نصلي المغرب فلا نرجع إلى رحالنا حتى نصلي العشاء مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم. # وعن أنس أيضا قال: نزلت في أناس من أصحاب ms1797 النبي صلى الله عليه وسلم ~~كانوا يصلون من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء، وهو قول أبي حازم ومحمد بن ~~المنكدر، وقالا: هي صلاة الأوابين. # وروى عن ابن عباس رضي الله عنه قال: إن الملائكة لتحف بالذين يصلون بين ~~المغرب والعشاء، وهي صلاة الأوابين. # وقال عطاء: هم الذين لا ينامون حتى يصلوا العشاء الآخرة. # وعن أبي الدرداء، وأبي ذر، وعبادة بن الصامت رضي الله عنهم: هم الذين ~~يصلون العشاء الآخرة والفجر في جماعة. # وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة، ومن صلى الفجر في جماعة ~~كان كقيام ليلة ". # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق ~~الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، ~~عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا ~~عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما ~~في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا ". # وأشهر الأقاويل أن المراد منه: صلاة الليل، وهو قول الحسن، ومجاهد، ~~ومالك، والأوزاعي وجماعة. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد ~~الله بن بشران، أخبرنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار، أخبرنا أحمد بن ~~منصور الرمادي، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن عاصم بن أبي النجود، ~~عن أبي وائل، عن معاذ بن جبل قال: # " كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفرنا فأصبحت يوما قريبا منه ~~وهو يسير فقلت: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من ~~النار، قال: «قد سألت عن أمر عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه، ~~تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم ~~رمضان، وتحج البيت»، ثم قال: «ألا أدلك على أبواب الخير: الصوم جنة، ~~والصدقة تطفىء الخطيئة، وصلاة الرجل ms1798 في جوف الليل»، ثم تلا { تتجافى ~~جنوبهم عن المضاجع } حتى بلغ { جزآء بما كانوا ~~يعملون } ، ثم قال ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت: ~~بلى يا رسول الله، قال: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه ~~الجهاد، ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا نبي الله، قال: ~~فأخذ بلسانه فقال: اكفف عليك هذا، فقلت: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما ~~نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم، ~~أو قال على مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم» ". # حدثنا أبو الفضل زياد بن محمد بن زياد الحنفي، أخبرنا أبو محمد عبد ~~الرحمن بن أحمد المخلدي، أخبرنا محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، ~~أخبرنا حمد بن زنجويه، أخبرنا عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، ~~حدثني ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي أمامة الباهلي عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة لكم إلى ربكم، ~~ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، ~~حدثنا أبو جعفر محمد ابن أحمد بن عبد الجبار الرياني، أخبرنا حميد بن ~~زنجويه، أخبرنا روح بن أسلم، أخبرنا حماد بن سلمة، أخبرنا عطاء بن ~~السائب، عن مرة الهمداني، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله: # " «عجب ربنا من رجلين: رجل ثار عن وطائه ولحافه من بين حبه وأهله إلى ~~صلاته»، فيقول الله لملائكته: انظروا إلى عبدي ثار عن فراشه ووطائه من ~~بين حبه وأهله إلى صلاته رغبة فيما عندي وشفقا مما عندي، ورجل غزا في ~~سبيل الله فانهزم مع أصحابه، فعلم ما عليه في الإنهزام وما له في ~~الرجوع، فرجع فقاتل حتى أهريق دمه، فيقول الله لملائكته: «انظروا إلى ~~عبدي رجع رغبة فيما عندي وشفقا مما عندي حتى أهريق دمه ". # أخبرنا أبو عثمان الضبي، أخبرنا أبو محمد الجراحي، أخبرنا أبو العباس ~~المحبوبي، أخبرنا أبو عيسى الترمذي، أخبرنا قتيبة ms1799 بن سعيد، أخبرنا أبو ~~عوانة، عن أبي بشر، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري، عن أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة ~~صلاة الليل ". # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا ~~إسماعيل بن محمد الصفار، أخبرنا أحمد بن منصور الرمادي، أخبرنا عبد ~~الرزاق، أخبرنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن ابن معانق، عن أبي مالك ~~الأشعري قال: قال رسول الله: # " إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من ظاهرها من وباطنها، وباطنها من ~~ظاهرها، أعدها الله لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وتابع الصيام، وصلى ~~بالليل والناس نيام ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا أصبغ، أخبرني عبد الله بن ~~وهب، أخبرني يونس عن ابن شهاب، أخبرنا الهيثم بن أبي سنان، أخبرني أنه ~~سمع أبا هريرة في قصصه يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: # " إن أخا لكم لا يقول الرفث " # يعني بذلك عبد الله بن رواحة، قال: # وفينا رسول الله يتلو كتابه # إذا انشق معروف من الفجر ساطع # أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا # به موقنات أن ما قال واقع # يبيت يجافي جنبه عن فراشه # إذا استثقلت بالكافرين المضاجع # قوله عز وجل: { يدعون ربهم خوفا وطمعا } قال ابن ~~عباس: خوفا من النار وطمعا في الجنة، { ومما رزقنهم ~~ينفقون } ، قيل: أراد به الصدقة المفروضة. وقيل: هو عام في الواجب ~~والتطوع. ### || [32.17] # { فلا تعلم نفس مآ أخفى لهم } ، قرأ حمزة ويعقوب: ~~«أخفي لهم» ساكنة الياء، أي: أنا أخفي لهم، ومن حجته قراءة ابن مسعود ~~«نخفي» بالنون. وقرأ الآخرون بفتحها. { من قرة أعين } ، مما ~~تقر به أعينهم، { جزآء بما كانوا يعملون }. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا إسحاق بن نصر، أخبرنا أبو ~~أسامة عن الأعمش، أخبرنا ms1800 أبو صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " يقول الله تبارك وتعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن ~~سمعت ولا خطر على قلب بشر ذخرا بله ما اطلعتم عليه " # ، ثم قرأ { فلا تعلم نفس مآ أخفى لهم من قرة ~~أعين جزآء بما كانوا يعملون }. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: هذا مما لا تفسير له. وعن بعضهم قال: ~~أخفوا أعمالهم فأخفى الله ثوابهم. ### || [32.18-20] # قوله عز وجل: { أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا ~~يستوون } ، نزلت في علي بن أبي طالب والوليد بن عقبة بن أبي معيط ~~أخي عثمان لأمه، وذلك أنه كان بينهما تنازع وكلام في شيء، فقال الوليد ~~بن عقبة لعلي اسكت فإنك صبي وأنا والله أبسط منك لسانا، وأحد منك ~~سنانا، وأشجع منك جنانا، وأملأ منك حشوا في الكتيبة. فقال له علي: ~~اسكت فإنك فاسق، فأنزل الله تعالى: { أفمن كان مؤمنا كمن ~~كان فاسقا لا يستوون } , ولم يقل: لا يستويان، لأنه لم يرد ~~مؤمنا واحدا وفاسقا واحدا، بل أراد جميع المؤمنين وجميع الفاسقين. # { أما الذين ءامنوا وعملوا الصلحت فلهم ~~جنت المأوى } ، التي يأوي إليها المؤمنون، { نزلا بما ~~كانوا يعملون }. # { وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلمآ ~~أرادوا أن يخرجوا منهآ أعيدوا فيها وقيل لهم ~~ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون }. ### || [32.21-24] # { ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب ~~الاكبر } ، أي: سوى العذاب الأكبر، { لعلهم يرجعون } , ~~قال أبي بن كعب، والضحاك، والحسن، وإبراهيم: " العذاب الأدنى " مصائب ~~الدنيا وأسقامها، وهو رواية الوالبي عن ابن عباس رضي الله عنهما. وقال ~~عكرمة عنه: الحدود. وقال مقاتل: الجوع سبع سنين بمكة حتى أكلوا الجيف ~~والعظام والكلاب. وقال ابن مسعود: هو القتل بالسيف يوم بدر، وهو قول ~~قتادة والسدي، { دون العذاب الاكبر } ، يعني: عذاب الآخرة، { ~~لعلهم يرجعون } ، إلى الإيمان، يعني: من بقي منهم بعد بدر ~~وبعد القحط. # قوله عز وجل: { ومن أظلم ممن ذكر بئايت ربه ~~ثم أعرض عنها إنا من المجرمين } ، يعني: المشركين، ~~{ منتقمون }. # { ولقد ءاتينا ms1801 موسى الكتب فلا تكن فى مرية ~~من لقآئه } ، يعني: فلا تكن في شك من لقاء موسى ليلة المعراج، ~~قاله ابن عباس وغيره. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمد بن بشار، ~~أخبرنا غندر، عن شعبة، عن قتادة رحمه الله قال: وقال لي خليفة، أخبرنا ~~يزيد بن زريع، أخبرنا سعيد, عن قتادة، عن أبي العالية قال: أخبرنا ابن عم ~~نبيكم يعني ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " رأيت ليلة أسري بي موسى رجلا آدم طوالا جعدا كأنه من رجال شنوءة، ~~ورأيت عيسى رجلا مربوعا مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض, سبط الرأس، ~~ورأيت مالكا خازن النار، والدجال في آيات أراهن الله إياه فلا تكن في ~~مرية من لقائه ". # أخبرنا أبو صالح أحمد بن عبد الملك المؤذن، أخبرنا عبد الله المحاملي، ~~أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم البزار، أخبرنا محمد بن ~~يونس، أخبرنا عمر بن حبيب القاضي، أخبرنا سليمان التيمي، عن أنس قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لما أسري بي إلى السماء رأيت موسى يصلي في قبره ". # وروينا في المعراج أنه رآه في السماء السادسة ومراجعته في أمر الصلاة. # قال السدي: «فلا تكن في مرية من لقائه» أي: من تلقي موسى كتاب الله ~~بالرضا والقبول. # { وجعلنه } ، يعني: الكتاب وهو التوراة، وقال قتادة: موسى، { ~~هدى لبنى إسرءيل * وجعلنا منهم } ، يعني: من بني ~~إسرائيل، { أئمة } , قادة في الخير يقتدى بهم، يعني: الأنبياء الذين ~~كانوا فيهم. وقال قتادة: أتباع الأنبياء، { يهدون } ، يدعون، { ~~بأمرنا لما صبروا } ، قرأ حمزة، والكسائي، بكسر اللام وتخفيف ~~الميم، أي: لصبرهم، وقرأ الباقون بفتح اللام وتشديد الميم، أي: حين صبروا ~~على دينهم وعلى البلاء من عدوهم بمصر، { وكانوا بئايتنا ~~يوقنون }. ### || [32.25-30] # { إن ربك هو يفصل } ، يقضي، { بينهم يوم ~~القيمة فيما كانوا فيه يختلفون }. # { أولم يهد } , لم يتبين، { لهم كم أهلكنا من ~~قبلهم من القرون يمشون فى مساكنهم إن فى ms1802 ~~ذلك لايات أفلا يسمعون } ، آيات الله وعظاته فيتعظون بها. # { أولم يروا أنا نسوق المآء إلى الأرض الجرز ~~} ، أي: اليابسة الغليظة التي لا نبات فيها، قال ابن عباس: هي أرض ~~باليمن. وقال مجاهد: هي أرض بأبين، { فنخرج به زرعا تأكل ~~منه أنعمهم } ، من العشب والتبن، { وأنفسهم } ، من ~~الحبوب والأقوات، { أفلا يبصرون }. # { ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صدقين } ، ~~قيل: أراد بيوم الفتح يوم القيامة الذي فيه الحكم بين العباد، قال: قتادة ~~قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم للكفار: إن لنا يوما نتنعم فيه ~~ونستريح ويحكم بيننا وبينيكم، فقالوا استهزاء، متى هذا الفتح؟ أي: ~~القضاء والحكم، وقال الكلبي: يعني فتح مكة. وقال السدي: يوم بدر لأن ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون لهم: إن الله ناصرنا ~~ومظهرنا عليكم، فيقولون متى هذا الفتح. # { قل يوم الفتح } ، يوم القيامة، { لا ينفع الذين ~~كفروا إيمنهم } ، ومن حمل الفتح على فتح مكة أو القتل يوم ~~بدر قال: معناه لا ينفع الذين كفروا إيمانهم إذا جاءهم العذاب وقتلوا، { ~~ولا هم ينظرون } ، لا يمهلون ليتوبوا ويعتذروا. # { فأعرض عنهم } ، قال ابن عباس: نسختها آية السيف، { ~~وانتظر إنهم منتظرون } قيل: انتظر موعدي لك بالنصر إنهم ~~منتظرون بك حوادث الزمان. وقيل: انتظر عذابنا فيهم فإنهم منتظرون ذلك. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا أبو نعيم، أخبرنا سفيان، ~~عن سعد بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن أبي هريرة أنه قال: كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفجر يوم الجمعة { الم تنزيل } ~~، و { هل أتى على الإنسان }. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا ~~أبو جعفر الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أخبرنا أبو نعيم، أخبرنا ~~سفيان، عن ليث، عن أبي الزبير، عن جابر قال: كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم لا ينام حتى يقرأ " تبارك " و " الم تنزيل ". ### | [33 - سورة الأحزاب] ### || [33.1] # { يا أيها النبي اتق الله } , نزلت في ms1803 أبي سفيان بن ~~حرب، وعكرمة بن أبي جهل، وأبي الأعور وعمرو بن سفيان السلمي؛ وذلك أنهم ~~قدموا المدينة فنزلوا على عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين بعد ~~قتال أحد، وقد أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم الأمان على أن يكلموه، ~~فقام معهم عبد الله ابن سعد بن أبي سرح وطعمة بن أبيرق، فقالوا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم، وعنده عمر بن الخطاب: ارفض ذكر آلهتنا، اللات والعزى ~~ومناة، وقل: إن لها شفاعة لمن عبدها، وندعك وربك، فشق ذلك على النبي ~~صلى الله عليه وسلم قولهم، فقال عمر: يا رسول الله إئذن لنا في قتلهم، ~~فقال: إني قد أعطيتهم الأمان، فقال عمر: اخرجوا في لعنة الله وغضبه، ~~فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عمر أن يخرجهم من المدينة فأنزل الله ~~تعالى: # { يا أيها النبي اتق الله }. أي: دم على التقوى، ~~كالرجل يقول لغيره وهو قائم: قم هاهنا أي: اثبت قائما. # وقيل: الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد به الأمة. وقال ~~الضحاك: معناه اتق الله ولا تنقض العهد الذي بينك وبينهم. # { ولا تطع الكفرين } من أهل مكة، يعني: أبا سفيان، وعكرمة، ~~وأبا الأعور، { والمنفقين } ، من أهل المدينة، عبد الله بن ~~أبي، وعبد الله بن سعد، وطعمة { إن الله كان عليما } ، ~~بخلقه، قبل أن يخلقهم، { حكيما } فيما دبره لهم. ### || [33.2-4] # { واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان ~~بما تعملون خبيرا } ، قرأ أبو عمرو: «يعملون خبيرا» و«يعملون ~~بصيرا» بالياء فيهما وقرأ غيره بالتاء. # { وتوكل على الله } ثق بالله، { وكفى بالله ~~وكيلا } ، حافظا لك، وقيل: كفيلا برزقك. # قوله عز وجل: { ما جعل الله لرجل من قلبين فى ~~جوفه } ، نزلت في أبي معمر، جميل بن معمر الفهري، وكان رجلا ~~لبيبا حافظا لما يسمع، فقالت قريش: ما حفظ أبو معمر هذه الأشياء إلا ~~وله قلبان، وكان يقول: إن لي قلبين أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل ~~محمد، فلما هزم الله المشركين يوم بدر انهزم أبو معمر فيهم، فلقيه أبو ~~سفيان ms1804 وإحدى نعليه في يده، والأخرى في رجله، فقال له: يا أبا معمر ما حال ~~الناس؟ قال: انهزموا، قال: فما لك إحدى نعليك في يدك والأخرى في رجلك؟ ~~فقال أبو معمر: ما شعرت إلا أنهما في رجلي، فعلموا يومئذ أنه لو كان له ~~قلبان لما نسي نعله في يده. # وقال الزهري ومقاتل: هذا مثل ضربه الله عز وجل للمظاهر من امرأته ~~وللمتبني ولد غيره، يقول: فكما لا يكون لرجل قلبان كذلك لا تكون امرأة ~~المظاهر أمه حتى تكون له أمان، ولا يكون له ولد واحد ابن رجلين. # { وما جعل أزوجكم اللائى تظهرون منهن ~~أمهتكم } ، قر أهل الشام والكوفة: «اللائي» هاهنا وسورة الطلاق ~~بياء بعد الهمزة، وقرأ قالون عن نافع ويعقوب بغير ياء بعد الهمزة، وقرأ ~~الآخرون بتليين الهمزة، وكلها لغات معروفة، " تظاهرون " قرأ عاصم بالألف ~~وضم التاء وكسر الهاء مخففا، وقرأ حمزة والكسائي بفتح التاء والهاء ~~مخففا، وقرأ ابن عامر بفتحها وتشديد الظاء، وقرأ الآخرون بفتحها وتشديد ~~الظاء والهاء من غير ألف بينهما. # وصورة الظهار: أن يقول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي. يقول الله ~~تعالى: ما جعل نساءكم اللائي تقولون لهن هذا في التحريم كأمهاتكم، ولكنه ~~منكر وزور، وفيه كفارة نذكرها إن شاء الله تعالى في سورة المجادلة. # { وما جعل أدعيآءكم } ، يعني: من تبنيتموه { أبنآءكم ~~} ، فيه نسخ التبني، وذلك أن الرجل في الجاهلية كان يتبنى الرجل فيجعله ~~كالإبن المولود له، يدعوه الناس إليه، ويرث ميراثه، وكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم أعتق زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، وتبناه قبل الوحي، وآخى ~~بينه وبين حمزة بن عبد المطلب، فلما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~زينب بنت جحش وكانت تحت زيد بن حارثة، قال المنافقون تزوج محمد امرأة ~~ابنه وهو ينهي الناس عن ذلك، فأنزل الله هذه الآية ونسخ التبني، { ~~ذلكم قولكم بأفوهكم } ، لا حقيقة له يعني قولهم زيد بن ~~محمد صلى الله عليه وسلم وادعاء نسب لا حقيقة له، { والله يقول ~~الحق } ، أي: قوله الحق، { وهو يهدى السبيل ms1805 } ، أي يرشد ~~إلى سبيل الحق. ### || [33.5] # { ادعوهم لابآئهم } ، الذين ولدوهم، { هو أقسط } , ~~أعدل، { عند الله } , أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن ~~عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا ~~معلى بن أسد، أخبرنا عبد العزيز بن المختار، أخبرنا موسى بن عقبة، حدثني ~~سالم عن عبد الله بن عمر أن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن. # { ادعوهم لابآئهم هو أقسط عند الله } , { فإن ~~لم تعلموا ءاباءهم فإخوانكم } , أي: فهم إخوانكم, { ~~فى الدين وموليكم } ، إن كانوا محررين وليسوا ببنيكم، أي: ~~سموهم بأسماء إخوانكم في الدين. وقيل: " مواليكم " أي: أولياءكم في ~~الدين، { وليس عليكم جناح فيمآ أخطأتم به } , قبل ~~النهي فنسبتموه إلى غير أبيه، { ولكن ما تعمدت قلوبكم ~~} من دعائهم إلى غير آبائهم بعد النهي. # وقال قتادة: " فيما أخطأتم به " أن تدعوه لغير أبيه، وهو يظن أنه كذلك. ~~ومحل «ما» في قوله تعالى: { ما تعمدت } خفض ردا على «ما» التي ~~في قوله: { فيمآ أخطأتم به } مجازه: ولكن فيما تعمدت قلوبكم. # { وكان الله غفورا رحيما } , أخبرنا عبد الواحد المليحي، ~~أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن ~~إسماعيل، أخبرنا محمد بن بشار، أخبرنا غندر، أخبرنا شعبة عن عاصم، قال: ~~سمعت أبا عثمان قال: سمعت سعدا، وهو أول من رمي بسهم في سبيل الله، وأبا ~~بكرة وكان قد تسور حصن الطائف في أناس، فجاء إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقالا: سمعنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " من ادعي إلى غير أبيه وهو يعلمه فالجنة عليه حرام ". ### || [33.6] # قوله عز وجل: { النبى أولى بالمؤمنين من ~~أنفسهم } ، يعني من بعضهم ببعض في نفوذ حكمه عليهم ووجوب طاعته ~~عليهم. وقال ابن عباس وعطاء: يعني إذا دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~ودعتهم أنفسهم إلى شيء كانت طاعة النبي صلى الله عليه وسلم أولى بهم من ~~طاعتهم أنفسهم. وقال ابن زيد: النبي ms1806 أولى بالمؤمنين من أنفسهم فيما قضى ~~فيهم، كما أنت أولى بعبدك فيما قضيت عليه. وقيل: هو أولى بهم في الحمل ~~على الجهاد وبذل النفس دونه. # وقيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج إلى الجهاد فيقول قوم: نذهب ~~فنستأذن من آبائنا وأمهاتنا، فنزلت الآية. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عبد الله بن محمد، أخبرنا ~~أبو عامر، أخبرنا فليح، عن هلال بن علي عن عبد الرحمن بن أبي عمرة, عن ~~أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من مؤمن إلا أنا أولى به في الدنيا والآخرة اقرأوا إن شئتم { ~~النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم } فأيما مؤمن ~~مات وترك مالا فليرثه عصبته، ومن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا ~~مولاه ". # قوله عز وجل: { وأزوجه أمهتهم } ، وفي حرف أبي: ~~«وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم» وهن أمهات المؤمنين في تعظيم حقهن وتحريم ~~نكاحهن على التأبيد، لا في النظر إليهن والخلوة بهن، فإنه حرام في حقهن ~~كما في حق الأجانب، قال الله تعالى: # وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من ورآء حجاب # [الأحزاب: 53]، ولا يقال لبناتهن هن أخوات المؤمنين ولا لإخوانهن ~~وأخواتهن، هم أخوال المؤمنين وخالاتهم. # قال الشافعي: تزوج الزبير أسماء بنت أبي بكر، وهي أخت أم المؤمنين، ولم ~~يقل هي خالة المؤمنين. # واختلفوا في أنهن هل كن أمهات النساء المؤمنات؟ قيل: كن أمهات المؤمنين ~~والمؤمنات جميعا. وقيل: كن أمهات المؤمنين دون النساء. روى الشعبي عن ~~مسروق أن امرأة قالت لعائشة رضي الله عنها: يا أمه! فقالت لست لك بأم ~~إنما أنا أم رجالكم، فبان بهذا أن معنى هذه الأمومة تحريم نكاحهن. # قوله عز وجل: { وأولو الارحام بعضهم أولى ببعض ~~فى كتب الله } ، يعني: في الميراث، قال قتادة: كان المسلمون ~~يتوارثون بالهجرة. قال الكلبي: آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ~~الناس، فكان يؤاخي بين رجلين فإذا مات أحدهما ورثه الآخر دون عصبته، حتى ~~نزلت هذه الآية { وأولو الارحام ms1807 بعضهم أولى ببعض ~~فى كتب الله } في حكم الله، { من المؤمنين } ، الذين ~~آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم، { والمهجرين } ، يعني ~~ذوي القرابات، بعضهم أولى بميراث بعض من أن يرثوا بالإيمان والهجرة، ~~فنسخت هذه الآية الموارثة بالمآخاة والهجرة وصارت بالقرابة. # قوله: { إلا أن تفعلوا إلى أوليآئكم معروفا } ~~، أراد بالمعروف الوصية للذين يتولونه من المعاقدين، وذلك أن الله لما ~~نسخ التوارث بالحلف والهجرة أباح أن يوصي الرجل لمن يتولاه بما أحب من ~~ثلثه. # وقال مجاهد: أراد بالمعروف النصرة وحفظ الحرمة لحق الإيمان والهجرة. # وقيل: أراد بالآية إثبات الميراث بالإيمان والهجرة، يعني وأولوا ~~الأرحام من المؤمنين والمهاجرين بعضهم أولى ببعض، أي: لا توارث بين ~~المسلم والكافر ولا بين المهاجر وغير المهاجر إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم ~~معروفا، أي: إلا أن توصوا لذوي قراباتكم بشيء وإن كانوا من غير أهل ~~الإيمان والهجرة، وهذا قول قتادة وعطاء وعكرمة. # { كان ذلك فى الكتب مسطورا } ، أي: كان الذي ذكرت من أن ~~أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في اللوح المحفوظ مسطورا مكتوبا. وقال ~~القرظي: في التوراة. ### || [33.7] # قوله عز وجل: { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم } ~~، على الوفاء بما حملوا وأن يصدق بعضهم بعضا ويبشر بعضهم ببعض. قال ~~مقاتل: أخذ ميثاقهم على أن يعبدوا الله ويدعو إلى عبادته ويصدق بعضهم ~~بعضا وينصحوا لقومهم، { ومنك ومن نوح وإبرهيم وموسى ~~وعيسى ابن مريم } ، خص هؤلاء الخمسة بالذكر من بين النبيين ~~لأنهم أصحاب الكتب والشرائع وأولوا العزم من الرسل، وقدم النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الذكر لما: # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ~~الحسين بن محمد الحديثي، أخبرنا عبد الله بن أحمد بن يعقوب المقرىء، ~~أخبرنا محمد بن محمد بن سليمان الساعدي، أخبرنا هارون بن محمد بن بكار بن ~~بلال، أخبرنا أبي، أخبرنا سعيد - يعني: ابن بشير - عن قتادة عن الحسن، عن ~~أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث ". # قال قتادة: وذلك قول الله ms1808 عز وجل: { وإذ أخذنا من ~~النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح } ، فبدأ به صلى الله ~~عليه وسلم قبلهم. # { وأخذنا منهم ميثاقا غليظا } ، عهدا شديدا على ~~الوفاء بما حملوا. ### || [33.8-9] # { ليسأل الصدقين عن صدقهم } ، يقول: أخذنا ميثاقهم ~~[لكي يسأل الصادقين عن صدقهم، يعني النبيين عن تبليغهم] الرسالة ~~والحكمة في سؤالهم، مع علمه أنهم صادقون، تبكيت من أرسلوا إليهم. # وقيل: ليسأل الصادقين عن عملهم لله عز وجل. وقيل: ليسأل الصادقين ~~بأفواههم عن صدقهم في قلوبهم. { وأعد للكفرين عذابا ~~أليما }. # قوله عز وجل: { يأيها الذين ءامنوا اذكروا نعمة ~~الله عليكم } ، وذلك حين حوصر المسلمون مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أيام الخندق، { إذ جآءتكم جنود } ، يعني الأحزاب وهم ~~قريش، وغطفان، ويهود قريظة، والنضير، { فأرسلنا عليهم ريحا ~~} ، وهي الصبا، قال عكرمة: قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب انطلقي ~~ننصر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت الشمال إن الحرة لا تسري ~~بالليل، وكانت الريح التي أرسلت عليهم الصبا. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا آدم، أخبرنا شعبة، عن ~~الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور ". # قوله تعالى: { وجنودا لم تروها } ، وهم الملائكة ولم تقاتل ~~الملائكة يومئذ، فبعث الله عليهم تلك الليلة ريحا باردة فقلعت الأوتاد، ~~وقطعت أطناب الفساطيط، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وجالت الخيل بعضها ~~في بعض، وكثر تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم حتى كان سيد كل حي ~~يقول: يا بني فلان هلم إلي، فإذا اجتمعوا عنده قال: النجاء النجاء، ~~لما بعث الله عليهم من الرعب فانهزموا من غير قتال. # { وكان الله بما تعملون بصيرا }. قال محمد بن إسحاق: ~~حدثني يزيد بن رومان مولى آل الزبير، عن عروة بن الزبير، ومن لا أتهم ~~عن عبد الله بن كعب بن مالك، وعن الزهري، وعاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد ~~الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو ms1809 بن حزم، وعن محمد بن كعب القرظي، وعن ~~غيرهم من علمائنا، دخل حديث بعضهم في بعض: أن نفرا من اليهود، منهم سلام ~~بن أبي الحقيق، وحيي بن أخطب، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وهودة ~~بن قيس وأبي عمار الوائلي، في نفر من بني النضير ونفر من بني وائل، وهم ~~الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، خرجوا حتى قدموا ~~على قريش بمكة فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: إنا ~~سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فقالت لهم قريش: يا معشر يهود إنكم أهل ~~الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، فديننا خير أم ~~دينه؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منهم، قالوا: فهم ~~الذين أنزل الله فيهم: # فاستبشر المسلمون وقالوا الحمد لله موعد صدق، وعدنا النصر بعد ~~الحصر، فقال المنافقون: ألا تعجبون من محمد يعدكم ويمنيكم الباطل ويخبركم ~~أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأنها تفتح لكم وأنتم إنما ~~تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون أن تبرزوا؟ قال فنزل القرآن: { ~~وإذ يقول المنفقون والذين فى قلوبهم مرض ~~ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا } وأنزل الله في هذه ~~القصة: # قل اللهم ملك الملك # [آل عمران: 26] الآية. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عبد الله بن محمد، ~~أخبرنا معاوية بن عمرو، أخبرنا أبو إسحاق، عن حميد قال: سمعت أنسا يقول: # " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق فإذا المهاجرون والأنصار ~~يحفرون في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك عنهم، فلما رأى ما ~~بهم من النصب والجوع، قال: " اللهم إن العيش عيش الآخرة، ~~فاغفر للأنصار والمهاجرة " # فقالوا: مجيبين له: # نحن الذين بايعوا محمدا # على الجهاد ما بقينا أبدا # وأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا مسلم بن إبراهيم، ms1810 أخبرنا ~~شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينقل ~~التراب يوم الخندق حتى اغمر بطنه - أو اغبر - وهو يقول: # والله لولا الله ما اهتدينا # ولا تصدقنا ولا صلينا # فأنزلن سكينة علينا # وثبت الأقدام إن لاقينا # إن الألى قد بغوا علينا # إذا أرادوا فتنة أبينا # ويرفع بها صوته: أبينا أبينا. # رجعنا إلى حديث ابن إسحاق، قال: فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة من الجرف ~~والغابة في عشرة آلاف من أحابيشهم، ومن تابعهم من بني كنانة وأهل تهامة، ~~وأقبلت غطفان ومن تابعهم من أهل نجد، حتى نزلنا بذنب نقمى إلى جانب ~~أحد، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون، حتى جعلوا ظهورهم ~~إلى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب هنالك عسكره والخندق بينه ~~وبين القوم، وأمر بالنساء والذراري فرفعوا في الآطام. # وخرج عدو الله حيي بن أخطب من بني النضير حتى أتى كعب بن أسد ~~القرظي، صاحب عقد بني قريظة وعهدهم، وكان قد وادع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على قومه وعاهده على ذلك، فلما سمع كعب بحيي بن أخطب أغلق ~~دونه حصنه، فاستأذن عليه حيي فأبى أن يفتح له، فناداه حيي: يا كعب افتح ~~لي، فقال: ويحك يا حيي إنك امرؤ مشؤوم وإني قد عاهدت محمدا، فلست ~~بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلا وفاء وصدقا. قال: ويحك افتح لي ~~أكلمك، قال: ما أنا بفاعل، قال: والله إن أغلقت دوني إلا على حشيشتك أن ~~آكل معك منها، فأحفظ الرجل، ففتح له، فقال: ويحك يا كعب جئتك بعز ~~الدهر وببحر طام، جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع ~~الأسيال من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمى ~~إلى جانب أحد، وقد عاهدوني وعاقدوني أن لا يبرحوا حتى يستأصلوا محمدا ~~ومن معه. قال له كعب بن أسد: جئتني والله بذل الدهر وبجام قد هراق ماؤه ~~برعد وبرق، ليس ms1811 فيه شيء، فدعني ومحمدا وما أنا عليه، فإني لم أر من ~~محمد إلا صدقا ووفاء، فلم يزل حيي بن أخطب بكعب يفتله في الذروة ~~والغارب حتى سمح له، على أن أعطاه من الله عهدا وميثاقا. لئن رجعت قريش ~~وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك، فنقض ~~كعب بن أسد عهده وتبرأ مما كان عليه فيما كان بينه وبين رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. # فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر وإلى المسلمين، بعث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ، أحد بني عبد الأشهل، وهو ~~يومئذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة أحد بني ساعدة، وهو يومئذ سيد الخزرج، ~~ومعهما عبد الله بن رواحة أخو الحارث بن الخزرج، وخوات بن جبير، أخو ~~بني عمرو بن عوف، فقال: انطلقوا حتى تنظروا، أحق ما بلغنا عن هؤلاء ~~القوم أم لا؟ فإن كان حقا فالحنوا لي لحنا أعرفه، ولا تفتوا في أعضاد ~~الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به جهرا للناس، ~~فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما بلغهم منهم، ونالوا من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقالوا: لا عقد بيننا وبين محمد ولا عهد، فشاتمهم سعد ~~بن عبادة وشاتموه، وكان رجلا فيه حدة، فقال له سعد بن معاذ: دع عنك ~~مشاتمتهم فإن ما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة، ثم أقبل سعد وسعد ومن ~~معهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه وقالوا: عضل ~~والقارة، لغدر عضل والقارة بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحاب ~~الرجيع: خبيب بن عدي وأصحابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله ~~أكبر أبشروا يا معشر المسلمين. # وعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل ~~منهم حتى ظن المؤمنون كل ظن ونجم النفاق من بعض المنافقين حتى قال ~~معتب بن قشير، أخو بني عمرو بن عوف: كان محمد يعدنا أن نأكل ~~كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا ms1812 لا يقدر أن يذهب إلى الغائط، ما وعدنا الله ~~ورسوله إلا غرورا، وحتى قال أوس بن قيظي، أحد بني حارثة بن قيظي: يا ~~رسول الله إن بيوتنا عورة من العدو، وذلك على ملأ من رجال قومه، فائذن ~~لنا فلنرجع إلى ديارنا فإنها خارجة من المدينة. # فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقام المشركون بضعا وعشرين ليلة ~~قريبا من شهر، ولم يكن بين القوم حرب إلا الرمي بالنبل والحصى. # فلما اشتد البلاء على الناس بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عيينة ~~بن حصن، وإلى الحارث بن عمر، وهما قائدا غطفان، فأعطاهما ثلث ثمار ~~المدينة على أن يرجعا بمن معهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه، فجرى بينه وبينهم الصلح، حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة، ~~فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد ابن معاذ، وسعد بن عبادة، ~~واستشارهما فيه، فقالا: يا رسول الله أشيء أمرك الله به لا بد لنا من ~~العمل به أم أمر تحبه فنصنعه، أم شيء تصنعه لنا؟ قال: لا بل شيء أصنعه ~~لكم، والله ما أصنع ذلك إلا أني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة ~~وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم شوكتهم، فقال له سعد بن معاذ: ~~يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على شرك بالله وعبادة الأوثان، لا ~~نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة واحدة، إلا ~~قرى أو بيعا، فحين أكرمنا الله بالإسلام وأعزنا بك نعطيهم ~~أموالنا! ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف، حتى يحكم الله ~~بيننا وبينهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأنت وذاك. # فتناول سعد الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتابة، ثم قال: ليجهدوا علينا. # فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون، وعدوهم محاصروهم، ولم ~~يكن بينهم قتال، إلا أن فوارس من قريش، منهم عمرو بن عبد ود، أخو بني ~~عامر بن لؤي، وعكرمة بن أبي جهل، وهبيرة بن أبي ms1813 وهب المخزوميان، ونوفل بن ~~عبد الله، وضرار بن الخطاب، ومرداس أخو بني محارب بن فهر، قد تلبسوا ~~للقتال وخرجوا على خيلهم ومروا على بني كنانة فقالوا: تهيئوا للحرب يا ~~بني كنانة، فستعلمون اليوم من الفرسان، ثم أقبلوا نحو الخندق حتى ~~وقفوا على الخندق فلما رأوه قالوا: والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب ~~تكيدها. # ثم تيمموا مكانا من الخندق ضيقا فضربوا خيولهم فاقتحمت منه، فجالت بهم ~~في السبخة بين الخندق وسلع، وخرج علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين ~~حتى أخذوا عليهم الثغرة التي أقحموا منها خيلهم، وأقبلت الفرسان تعنق ~~نحوهم، وكان عمرو بن عبد و قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة، فلم ~~يشهد أحدا فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مكانه، فلما وقف هو ~~وخيله، قال له علي: يا عمرو إنك كنت تعاهد الله أن لا يدعوك رجل من قريش ~~إلى إحدى خلتين إلا أخذت منه إحداهما، قال: أجل، فقال له علي بن أبي ~~طالب: فإني أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام، قال: لا حاجة لي ~~بذلك، قال: فإني أدعوك إلى البراز، قال: ولم يا ابن أخي فوالله ما ~~أحب أن أقتلك، قال علي: ولكني والله أحب أن أقتلك، فحمي عمرو عند ذلك ~~فاقتحم عن فرسه، فعقره وضرب وجهه، ثم أقبل على علي فتناولا وتجاولا، ~~فقتله علي، فخرجت خيله منهزمة حتى اقتحمت من الخندق هاربة، وقتل مع ~~عمرو رجلان: منبه بن عثمان بن عبيد بن السباق بن عبد الدار، أصابه سهم، ~~فمات منه بمكة، ونوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي، وكان اقتحم ~~الخندق فتورط فيه فرموه بالحجارة، فقال: يا معشر العرب قتله أحسن من هذه، ~~فنزل إليه علي فقتله، فغلب المسلمون على جسده، فسألوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن يبيعهم جسده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا حاجة ~~لنا في جسد وثمنه، فشأنكم به، فخلى بينهم وبينه. # قالت عائشة أم المؤمنين: كنا يوم الخندق في حصن بني حارثة، وكان من أحرز ms1814 ~~حصون المدينة، وكانت أم سعد بن معاذ معنا في الحصن، وذلك قبل أن يضرب ~~علينا الحجاب، فمر سعد بن معاذ وعليه درع مقلصة، قد خرجت منها ذراعه ~~كلها، وفي يده حربة وهو يقول: # لبث قليلا يدرك الهيجا حمل # لا بأس بالموت إذا حان الأجل # فقالت له أمه: الحق يا بني فقد والله أجزت، قالت عائشة فقلت لها: يا أم ~~سعد والله لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هي، قالت: وخفت عليه حيث أصاب ~~السهم منه، قالت: فرمي سعد يومئذ بسهم، وقطع منه الأكحل، رماه خباب ~~بن قيس العرقة، أحد بني عامر بن لؤي، فلما أصابه قال: خذها وأنا ابن ~~العرقة، فقال سعد: عرق الله وجهك في النار، ثم قال سعد: اللهم إن كنت ~~أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلي من أن أجاهدهم ~~من قوم هم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه، وإن كنت قد وضعت الحرب بيننا ~~وبينهم فاجعله لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة ~~وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية. # وقال محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه ~~عباد قال: كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع، حصن حسان بن ثابت، قالت: ~~وكان حسان معنا فيه، مع النساء والصبيان، قالت صفية: فمر بنا رجل من ~~اليهود فجعل يطيف بالحصن، وقد حاربت بنو قريظة، فقطعت ما بيننا وبين رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا، ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والمسلمون في نحور عدوهم، لا يستطيعون أن ينصرفوا ~~إلينا عنهم، إذا أتانا آت. قالت: فقلت: يا حسان، إن هذا اليهودي كما ترى، ~~يطيف بالحصن وإني والله لم آمنه أن يدل على عورتنا من وراءنا من يهود، ~~وقد شغل عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فأنزل إليه ~~فاقتله، فقال: يغفر الله لك يا ابنة عبد المطلب، والله لقد عرفت ما أنا ~~بصاحب هذا، قالت: فلما قال لي ذلك ms1815 ولم أر عنده شيئا اعتجرت، ثم أخذت ~~عمودا، ثم نزلت من الحصن إليه، فضربته بالعمود حتى قتلته، فلما فرغت منه ~~رجعت إلى الحصن، فقلت: يا حسان انزل إليه فاسلبه فإنه لم يمنعني من سلبه ~~إلا أنه رجل، قال: ما لي بسلبه من حاجة يا بنت عبد المطلب. # قالوا: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيما وصف الله تعالى ~~من الخوف والشدة لتظاهر عدوهم وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم. # ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر من غطفان أتى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني ~~بما شئت، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما أنت فينا رجل واحد ~~فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة، فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى ~~بني قريظة، وكان لهم نديما في الجاهلية، فقال لهم: يا بني قريظة قد ~~عرفتم ودي إياكم وخاصة ما بيني وبينكم، قالوا: صدقت لست عندنا بمتهم، ~~فقال لهم: إن قريشا وغطفان جاؤوا لحرب محمد وقد ظاهرتموهم عليه، وإن ~~قريشا وغطفان ليسوا كهيئتكم، البلد بلدكم به أموالكم وأولادكم ونساؤكم، ~~لا تقدرون على أن تتحولوا منه إلى غيره، وإن قريشا وغطفان، أموالهم ~~وأبناؤهم ونساؤهم بعيدة، إن رأوا نهزة وغنيمة أصابوها، وإن كان غير ~~ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل، والرجل ببلدكم لا طاقة لكم به ~~إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم، ~~يكنون بأيديكم ثقة لكم على أن يقاتلوا معكم محمدا، حتى تناجزوه. # قالوا: لقد أشرت برأي ونصح. # ثم خرج حتى أتى قريشا فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش: يا ~~معشر قريش قد عرفتم ودي إياكم وفراقي محمدا، وقد بلغني أمر رأيت أن ~~حقا علي أن أبلغكم نصحا لكم، فاكتموا علي قالوا: نفعل، قال: تعلمون ~~أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا ~~إليه: أن قد ندمنا على ما ms1816 فعلنا، فهل يرضيك عنا أن نأخذ من ~~القبيلتين، من قريش وغطفان، رجالا من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم ثم ~~نكون معك على من بقي منهم، فأرسل إليهم: أن نعم. فإن بعثت إليكم يهود ~~يلتمسون رهنا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا. # ثم خرج حتى أتى غطفان فقال: يا معشر غطفان، أنتم أصلي وعشيرتي وأحب ~~الناس إلي، ولا أراكم تتهموني، قالوا: صدقت، قال: فاكتموا علي، قالوا: ~~نفعل، ثم قال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم ما حذرهم، فلما كانت ليلة ~~السبت من شوال سنة خمس، وكان مما صنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~أرسل أبو سفيان ورؤوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من ~~قريش وغطفان، فقالوا لهم: إنا لسنا بدار مقام، قد هلك الخف والحافر، ~~فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا ونفرغ مما بيننا وبينه، فقال بنو قريظة ~~لهم: إن اليوم يوم السبت، وهو يوم لا نعمل فيه شيئا، وقد كان أحدث فيه ~~بعضنا حدثا فأصابه ما لم يخف عليكم، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم ~~حتى تعطونا رهنا من رجالكم، يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمدا، ~~فإنا نخشى إن ضرستكم الحرب واشتد عليكم القتال أن تسيروا إلى بلادكم ~~وتتركونا، والرجل في بلدنا، ولا طاقة لنا بذلك من محمد، فلما رجعت إليهم ~~الرسل الذي قالت بنو قريظة، قالت قريش وغطفان: تعلمن والله أن الذي ~~حدثكم نعيم بن مسعود لحق، فأرسلوا إلى بني قريظة: إنا والله لا ~~ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا ~~فقاتلوا، فقالت بنو قريظة حين انتهت إليهم الرسل بهذا: إن الذي ذكر لكم ~~نعيم بن مسعود لحق ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا، فإن وجدوا فرصة ~~انتهزوها، وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم، وخلوا بينكم وبين الرجل ~~في بلادكم، فأرسلوا إلى قريش وغطفان: إنا والله لا نقاتل معكم حتى تعطونا ~~رهنا، فأبوا عليهم، وخذل الله بينهم، وبعث الله عليهم الريح في ليال ~~شاتية شديدة البرد، فجعلت ms1817 تكفأ قدورهم وتطرح آنيتهم. # فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اختلف من أمرهم دعا ~~حذيفة بن اليمان فبعثه إليهم لينظر ما فعل القوم ليلا. # روى محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي زياد، عن محمد بن كعب القرظي، وروى ~~غيره عن إبراهيم التميمي، عن أبيه قالا: قال فتى من أهل الكوفة لحذيفة بن ~~اليمان: يا أبا عبد الله رأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتموه، ~~قال نعم يا ابن أخي، قال: كيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نجهد، ~~فقال الفتى: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض ولحملناه على ~~أعناقنا ولخدمناه، وفعلنا وفعلنا، فقال حذيفة: يا ابن أخي والله لقد ~~رأيتني ليلة الأحزاب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: من يقوم ~~فيذهب إلى هؤلاء القوم فيأتينا بخبرهم أدخله الله الجنة؟ فما قام منا ~~رجل، ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هويا من الليل، ثم التفت ~~إلينا فقال مثله فسكت القوم، وما قام منا رجل ثم صلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم هويا من الليل، ثم التفت إلينا فقال: من رجل يقوم فينظر ~~ما فعل القوم على أن يكون رفيقي في الجنة، فما قام رجل من شدة الخوف وشدة ~~الجوع وشدة البرد، فلما لم يقم أحد دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: يا حذيفة، فلم يكن لي بد من القيام إليه حين دعاني، فقلت: لبيك ~~يا رسول الله، وقمت حتى أتيه، وإن جنبي ليضطربان، فمسح رأسي ووجهي، ثم ~~قال: ائت هؤلاء القوم حتى تأتيني بخبرهم ولا تحدثن شيئا حتى ترجع ~~إلي، ثم قال: اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، ~~ومن فوقه ومن تحته، فأخذت سهمي، وشددت علي سلاحي، ثم انطلقت أمشي ~~نحوهم كأنما أمشي في حمام، فذهبت فدخلت في القوم، وقد أرسل الله عليهم ~~ريحا وجنودا لله تفعل بهم ما تفعل، لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا ~~بناء، وأبو سفيان قاعد ms1818 يصطلي، فأخذت سهما فوضعته في كبد قوسي فأردت أن ~~أرميه ولو رميته لأصبته، فذكرت قول النبي صلى الله عليه وسلم لاتحدثن ~~حدثا حتى ترجع إلي فرددت سهمي في كنانتي، فلما رأى أبو سفيان ما تفعل ~~الريح وجنود الله بهم، لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء، قام فقال: ~~يا معشر قريش ليأخذ كل رجل منكم بيد جليسه فلينظر من هو، فأخذت بيد ~~جليسي فقلت من أنت، فقال: سبحان الله أما تعرفني أنا فلان ابن فلان، فإذا ~~هو رجل من هوازن. # فقال أبو سفيان: يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام ولقد هلك ~~الكراع والخف، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا منهم الذي نكره، ولقينا من ~~هذه الريح ما ترون، فارتحلوا فإني مرتحل، ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس ~~عليه، ثم ضربه فوثب به على ثلاث، فما أطلق عقاله إلا وهم قائم. وسمعت ~~غطفان بما فعلت قريش فانشمروا راجعين إلى بلادهم. # قال: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كأني أمشي في حمام فأتيته ~~وهو قائم يصلي، فلما سلم أخبرته الخبر، فضحك حتى بدت أنيابه في سواد ~~الليل، قال: فلما أخبرته وفرغت قررت وذهب عني الدفاء، فأدناني النبي صلى ~~الله عليه وسلم منه، وأنامني عند رجليه، وألقى علي طرف ثوبه، وألزق صدري ~~ببطن قدميه فلم أزل نائما حتى أصبحت فلما أصبحت قال: قم يا نومان. ### || [33.10-11] # قوله عز وجل: { إذ جآءوكم من فوقكم } ، أي: من فوق ~~الوادي من قبل المشرق، وهم أسد، وغطفان، وعليهم مالك بن عوف النصري ~~وعيينة بن حصن الفزاري في ألف من غطفان، ومعهم طليحة بن خويلد الأسدي في ~~بني أسد وحيي بن أخطب في يهود بني قريظة، { ومن أسفل منكم } ، ~~يعني: من بطن الوادي، من قبل المغرب، وهم قريش وكنانة، عليهم أبو سفيان ~~بن حرب في قريش ومن تبعه، وأبو الأعور عمرو بن سفيان السلمي من قبل ~~الخندق. # وكان الذي جر غزوة الخندق - فيما قيل - إجلاء رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بني النضير ms1819 من ديارهم. # { وإذ زاغت الأبصر } ، مالت وشخصت من الرعب، وقيل: مالت عن ~~كل شيء فلم تنظر إلا إلى عدوها، { وبلغت القلوب الحناجر } ~~، فزالت عن أماكنها حتى بلغت الحلوق من الفزع، والحنجرة: جوف الحلقوم، ~~وهذا على التمثيل، عبر به عن شدة الخوف، قال الفراء: معناه أنهم جبنوا ~~وسبيل الجبان إذا اشتد خوفه أن تنتفخ رئته فإذا انتفخت الرئة رفعت القلب ~~إلى الحنجرة، ولهذا يقال للجبان انتفخ سحره. # { وتظنون بالله الظنونا } ، أي: اختلفت الظنون؛ فظن ~~المنافقون استئصال محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي عنهم، وظن ~~المؤمنون النصر والظفر لهم. # قرأ أهل المدينة، والشام، وأبو بكر: " الظنونا " و " الرسولا " و " ~~السبيلا " بإثبات الألف وصلا ووقفا، لأنها مثبتة في المصاحف، بالألف، ~~وقرأ أهل البصرة وحمزة بغير الألف في الحالين على الأصل، وقرأ الآخرون ~~بالألف في الوقف دون الوصل لموافقة رؤوس الآي. # { هنالك ابتلى } ، أي: عند ذلك اختبر المؤمنون، بالحصر والقتال، ~~ليتبين المخلص من المنافق، { وزلزلوا زلزالا شديدا } ، ~~حركوا حركة شديدة. ### || [33.12-14] # { وإذ يقول المنفقون } ، معتب بن قشير، وقيل: عبد الله ~~بن أبي وأصحابه، { والذين فى قلوبهم مرض } شك وضعف ~~اعتقاد: { ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا } ، وهو ~~قول أهل النفاق: يعدنا محمد فتح قصور الشام وفارس وأحدنا لا يستطيع أن ~~يجاوز رحله، هذا والله الغرور. # { وإذ قالت طآئفة منهم } ، أي: من المنافقين، وهم أوس بن ~~قيظي وأصحابه، { يأهل يثرب } ، يعني المدينة، قال أبو عبيدة: " ~~يثرب " اسم أرض، ومدينة الرسول صلى الله عليه وسلم في ناحية منها. # وفي بعض الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تسمى المدينة يثرب، ~~وقال: «هي طابة»، كأنه كره هذه اللفظة. # { لا مقام لكم } ، قرأ العامة بفتح الميم، أي: لا مكان لكم ~~تنزلون وتقيمون فيه، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وحفص: بضم الميم، أي: ~~لا إقامة لكم، { فارجعوا } ، إلى منازلكم عن اتباع محمد صلى الله ~~عليه وسلم، وقيل: عن القتال إلى مساكنكم. # { ويستأذن فريق منهم النبى } ، وهم بنو حارثة وبنو ~~سلمة، { يقولون إن بيوتنا عورة } ، أي: خالية ms1820 ضائعة، وهو ~~مما يلي العدو ونخشى عليها السراق. وقرأ أبو رجاء العطاردي «عورة» ~~بكسر الواو، أي قصيرة الجدران يسهل دخول السراق عليها، فكذبهم الله فقال: ~~{ وما هى بعورة إن يريدون إلا فرارا } ، أي: ما ~~يريدون إلا الفرار. # { ولو دخلت عليهم } ، أي: لو دخلت عليهم المدينة، يعني ~~هؤلاء الجيوش الذين يريدون قتالهم، وهم الأحزاب، { من أقطارها } ~~، جوانبها ونواحيها جمع قطر، { ثم سئلوا الفتنة } ، أي ~~الشرك، { لأتوها } ، لأعطوها، وقرأ أهل الحجاز لأتوها مقصورا، أي ~~لجاؤوها وفعلوها ورجعوا عن الإسلام، { وما تلبثوا بهآ } ، أي: ~~ما احتبسوا عن الفتنة، { إلا يسيرا } ، ولأسرعوا الإجابة إلى ~~الشرك طيبة به أنفسهم، هذا قول أكثر المفسرين. # وقال الحسن والفراء: وما أقاموا بالمدينة بعد إعطاء الكفر إلا قليلا ~~حتى يهلكوا. ### || [33.15-16] # { ولقد كانوا عهدوا الله من قبل } ، أي: من قبل ~~غزوة الخندق، { لا يولون الأدبر } ، من عدوهم أي: لا ~~ينهزمون، قال يزيد بن رومان: هم بنو حارثة، هموا يوم أحد أن يفشلوا مع ~~بني سلمة، فلما نزل فيهم ما نزل عاهدوا الله أن لا يعودوا لمثلها. # وقال قتادة: هم ناس كانوا قد غابوا عن وقعة بدر ورأوا ما أعطى الله أهل ~~بدر، من الكرامة والفضيلة، قالوا: لئن أشهدنا الله قتالا لنقاتلن، ~~فساق الله إليهم ذلك. # وقال مقاتل والكلبي: # " هم سبعون رجلا بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة، ~~وقالوا: اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني ~~مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأولادكم» قالوا: فإذا فعلنا فما لنا يا ~~رسول الله؟ قال: «لكم النصر في الدنيا والجنة في الآخرة»، قالوا: قد ~~فعلنا ذلك فذلك عهدهم ". # وهذا القول ليس بمرضي، لأن الذين بايعوا ليلة العقبة كانوا سبعين ~~نفرا، لم يكن فيهم شاك ولا من يقول مثل هذا القول، وإنما الآية في ~~قوم عاهدوا الله أن يقاتلوا ولا يفروا فنقضوا العهد. # { وكان عهد الله مسئولا } ، عنه. # { قل } ، لهم، { لن ينفعكم الفرار إن فررتم من ms1821 ~~الموت أو القتل } ، الذي كتب عليم لأن من حضر أجله مات أو ~~قتل، { وإذا لا تمتعون إلا قليلا } ، أي: لا تمتعون بعد ~~هذا الفرار إلا مدة آجالكم وهي قليل. ### || [33.17-21] # { قل من ذا الذى يعصمكم من الله } ، أي: يمنعكم من ~~عذابه، { إن أراد بكم سوءا } ، هزيمة، { أو أراد بكم ~~رحمة } ، نصرة، { ولا يجدون لهم من دون الله ~~وليا } ، أي: قريبا ينفعهم، { ولا نصيرا } ، أي: ناصرا ~~يمنعهم. # { قد يعلم الله المعوقين منكم } ، أي: المثبطين ~~للناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم { والقآئلين لإخونهم ~~هلم إلينا } ، أي: ارجعوا إلينا، ودعوا محمدا، فلا تشهدوا معه ~~الحرب، فإنا نخاف عليكم الهلاك. قال قتادة: هؤلاء ناس من المنافقين، ~~كانوا يثبطون أنصار النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون لإخوانهم: ما محمد ~~وأصحابه إلا أكلة رأس، ولو كانوا لحما لالتهمهم، أي: ابتلعهم أبو سفيان ~~وأصحابه، دعوا الرجل فإنه هالك. # وقال مقاتل: نزلت في المنافقين، وذلك أن اليهود أرسلت إلى المنافقين، ~~وقالوا: ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبي سفيان ومن معه، فإنهم إن ~~قدروا عليكم في هذه المرة لم يستبقوا منكم أحدا وإنا نشفق عليكم ~~أنتم إخواننا وجيراننا هلموا إلينا، فأقبل عبد الله بن أبي وأصحابه ~~على المؤمنين يعوقونهم ويخوفونهم بأبي سفيان ومن معه، وقالوا: لئن ~~قدروا عليكم لم يستبقوا منكم أحدا ما ترجون من محمد؟ ما عنده خير، ~~ما هو إلا أن يقتلنا هاهنا، انطلقوا بنا إلى إخواننا، يعني اليهود، فلم ~~يزدد المؤمنون بقول المنافقين إلا إيمانا واحتسابا. # قوله عز وجل: { ولا يأتون البأس } ، الحرب، { إلا قليلا ~~} ، رياء وسمعة من غير احتساب، ولو كان ذلك القليل لله لكان كثيرا. # { أشحة عليكم } ، بخلاء بالنفقة في سبيل الله والنصرة، وقال ~~قتادة: بخلاء عند الغنيمة، وصفهم الله بالبخل والجبن، فقال: { فإذا ~~جآء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم } ~~في الرؤوس من الخوف والجبن، { كالذى يغشى عليه من ~~الموت } ، أي: كدوران الذي يغشى عليه من الموت، وذلك أن من قرب من ~~الموت وغشيه أسبابه يذهب عقله ويشخص بصره، ms1822 فلا يطرف، { فإذا ذهب ~~الخوف سلقوكم } ، آذوكم ورموكم في حال الأمن، { بألسنة ~~حداد } ، ذربة، جمع حديد. يقال للخطيب الفصيح: الذرب اللسان: ~~مسلق ومصلق وسلاق وصلاق. قال ابن عباس: سلقوكم أي: عضدوكم ~~وتناولوكم بالنقص والعيبة. وقال قتادة: بسطوا ألسنتهم فيكم وقت قسمة ~~الغنيمة، يقولون: أعطونا فإنا قد شهدنا معكم القتال، فلستم أحق بالغنيمة ~~منا، فهم عند الغنيمة أشح قوم وعند البأس أجبن قوم، { أشحة على ~~الخير } ، أي: عند الغنيمة يشاحون المؤمنين، { أولئك لم ~~يؤمنوا فأحبط الله أعملهم } ، قال مقاتل: أبطل الله ~~جهادهم، { وكان ذلك على الله يسيرا }. # { يحسبون } ، يعني هؤلاء المنافقين، { الأحزاب } ، يعني: ~~قريشا وغطفان اليهود، { لم يذهبوا } ، لم ينصرفوا عن قتالهم ~~جبنا وفرقا وقد انصرفوا، { وإن يأت الأحزاب } ، أي: يرجعوا ~~إليهم للقتال بعد الذهاب، { يودوا لو أنهم بادون فى ~~الأعراب } ، أي: يتمنوا لو كانوا في بادية مع الأعراب من الخوف ~~والجبن، يقال: بدا يبدو بداوة إذا خرج إلى البادية. # { يسألون عن أنبآئكم } ، أخباركم وما آل إليه أمركم، وقرأ ~~يعقوب: «يساءلون» مشددة ممدودة أي يتساءلون، { ولو كانوا } ، ~~يعني: هؤلاء المنافقين، { فيكم ما قاتلوا إلا قليلا } ، ~~تعذيرا، أي: يقاتلون قليلا يقيمون به عذرهم، فيقولون قد قاتلنا. قال ~~الكلبي: إلا قليلا أي: رميا بالحجارة. وقال مقاتل: إلا رياء وسمعة من ~~غير احتساب. # قوله عز وجل: { لقد كان لكم فى رسول الله أسوة ~~حسنة } ، قرأ عاصم: «أسوة» حيث كان، بضم الهمزة، والباقون بكسرها، ~~وهما لغتان، أي قدوة صالحة، وهي فعلة من الائتساء، كالقدوة من الاقتداء، ~~اسم وضع موضع المصدر، أي: به اقتداء حسن إن تنصروا دين الله وتوازروا ~~الرسول ولا تتخلفوا عنه، وتصبروا على ما يصيبكم كما فعل هو إذ كسرت ~~رباعيته وجرح وجهه، وقتل عمه وأوذي بضروب من الأذى، فواساكم مع ~~ذلك بنفسه، فافعلوا أنتم كذلك أيضا واستنوا بسنته، { لمن كان ~~يرجو الله } ، بدل من قوله: " لكم " وهو تخصيص بعد تعميم للمؤمنين، ~~يعني: أن الأسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم لمن كان يرجو الله، قال ~~ابن عباس: يرجو ثواب الله. وقال مقاتل: ms1823 يخشى الله، { واليوم ~~الأخر } ، أي: يخشى يوم البعث الذي فيه جزاء الأعمال، { وذكر ~~الله كثيرا } ، في جميع المواطن على السراء والضراء. ### || [33.22-23] # ثم وصف حال المؤمنين عند لقاء الأحزاب فقال: # { ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا } ، تسليما لأمر ~~الله وتصديقا لوعده: { هذا ما وعدنا الله ورسوله ~~وصدق الله ورسوله } ، وعد الله إياهم ما ذكر في سورة ~~البقرة: # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل ~~الذين خلوا من قبلكم # [البقرة: 214] إلى قوله: # ألا إن نصر الله قريب # [البقرة: 214]، فالآية تتضمن أن المؤمنين يلحقهم مثل ذلك البلاء، فلما ~~رأوا الأحزاب وما أصابهم من الشدة قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق ~~الله ورسوله، { وما زادهم إلا إيمانا وتسليما } ، أي: ~~تصديقا لله وتسليما لأمر الله. # قوله عز وجل: { من المؤمنين رجال صدقوا ما ~~عهدوا الله عليه } ، أي: قاموا بما عاهدوا الله عليه ووفوا ~~به، { فمنهم من قضى نحبه } ، أي: فرغ من نذره، ووفى ~~بعهده، فصبر على الجهاد حتى استشهد، والنحب: النذر، والنحب: الموت ~~أيضا، قال مقاتل: " قضى نحبه " يعني أجله فقتل على الوفاء، يعني حمزة ~~وأصحابه. وقيل: " قضى نحبه " أي: بذل جهده في الوفاء، بالعهد من قول ~~العرب: نحب فلان في سيره يومه وليله أجمع، إذا مد فلم ينزل، { ~~ومنهم من ينتظر } ، الشهادة. وقال محمد بن إسحاق: " فمنهم من ~~قضى نحبه " من استشهد يوم بدر وأحد، " ومنهم من ينتظر " يعني: من بقي بعد ~~هؤلاء من المؤمنين ينتظرون أحد الأمرين؛ إما الشهادة أو النصر، { وما ~~بدلوا } ، عهدهم { تبديلا }. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمد بن سعيد ~~الخزاعي، أخبرنا عبد الأعلى، عن حميد قال: سألت أنسا / ح/ وحدثني عمرو ~~بن زرارة، أخبرنا زياد، حدثني حميد الطويل، عن أنس قال: غاب عمي أنس بن ~~النضر عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، ~~لئن أشهدني الله قتال المشركين ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم ms1824 ~~أحد وانكشف المسلمون قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني ~~أصحابه - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء يعني المشركين ثم تقدم فاستقبله ~~سعد بن معاذ، فقال: يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر إني أجد ريحها من دون ~~أحد، قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع، قال أنس: فوجدنا به ~~بضعا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل ~~وقد مثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه، قال أنس: كنا نظن ~~أو نرى أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: { من المؤمنين ~~رجال صدقوا ما عهدوا الله عليه } إلى آخر الآية. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، ~~أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي، أخبرنا محمد بن حماد، أخبرنا معاوية، عن ~~الأعمش، عن شقيق، # " عن خباب بن الأرت قال: هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~سبيل الله نبتغي وجه الله فوجب أجرنا على الله، فمنا من مضى لم يأكل من ~~أجره شيئا، منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحد، فلم يوجد له شيء يكفن فيه ~~إلا نمرة، فكنا إذا وضعناها على رأسه خرجت رجلاه، وإذا وضعناها على ~~رجليه خرج رأسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ضعوها مما يلي رأسه ~~واجعلوا على رجليه شيئا من الإذخر، قال: ومن أينعت له ثمرته فهو يهد ~~بها» ". # أخبرنا أبو المظفر محمد بن أحمد التميمي، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن ~~عثمان المعروف بابن أبي نصر، أخبرنا خيثمة بن سليمان بن حيدرة ~~الأطرابلسي، أخبرنا محمد بن سليمان الجوهري بأنطاكية، أخبرنا مسلم بن ~~إبراهيم، أخبرنا الصلت بن دينار، عن أبي نضرة، عن جابر بن عبد الله قال: ~~نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى طلحة بن عبيد الله فقال: # " من أحب أن ينظر إلى رجل يمشي على وجه الأرض وقد قضى نحبه فلينظر إلى ~~هذا ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد ms1825 بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عبد الله بن أبي شيبة، ~~أخبرنا وكيع, عن إسماعيل، عن قيس قال: رأيت يد طلحة شلاء وقى بها النبي ~~صلى الله عليه وسلم يوم أحد. ### || [33.24-26] # قوله عز وجل: { ليجزى الله الصدقين بصدقهم } ، ~~أي: جزاء صدقهم، وصدقهم هو الوفاء بالعهد، { ويعذب ~~المنفقين إن شآء أو يتوب عليهم } ، فيهديهم إلى ~~الإيمان، { إن الله كان غفورا رحيما }. # { ورد الله الذين كفروا } ، من قريش وغطفان، { ~~بغيظهم } ، لم يشف صدورهم بنيل ما أرادوا، { لم ينالوا ~~خيرا } ، ظفرا، { وكفى الله المؤمنين القتال } ، ~~بالملائكة والريح، { وكان الله قويا عزيزا } ، قويا في ~~ملكه عزيزا في انتقامه. # { وأنزل الذين ظهروهم من أهل الكتب } ، أي: ~~عاونوا الأحزاب من قريش وغطفان على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمسلمين وهم بنو قريظة، { من صياصيهم } ، حصونهم ومعاقلهم، ~~واحدها صيصية، ومنه قيل للقرن ولشوكة الديك والحاكة صيصية، وذلك أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لما أصبح من الليلة التي انصرف الأحزاب راجعين ~~إلى بلادهم وانصرف النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون عن الخندق إلى ~~المدينة، ووضعوا السلاح فلما كان الظهر أتى جبريل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم معتجرا بعمامة من إستبرق على بغلة عليها رحالة وعليها قطيفة ~~من ديباج، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند زينب بنت جحش وهي تغسل رأسه ~~وقد غلست شقه، فقال: قد وضعت السلاح يا رسول الله؟ قال: " نعم " فقال ~~جبريل: عفا الله عنك ما وضعت الملائكة السلاح منذ أربعين ليلة، وما رجعت ~~الآن إلا من طلب القوم. # وروي أنه كان الغبار على وجه جبريل عليه السلام وفرسه فجعل النبي صلى ~~الله عليه وسلم يمسح الغبار عن وجهه وعن فرسه، فقال: إن الله يأمرك ~~بالسير إلى بني قريظة فانهد إليهم، فإني قد قطعت أوتارهم، وفتحت ~~أبوابهم، وتركتهم في زلزال وبلبال، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~مناديا فأذن: أن من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني ~~قريظة، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم علي ms1826 بن أبي طالب رضي الله ~~عنه برايته إليهم، وابتدرها الناس فسار علي رضي الله عنه حتى إذا دنا من ~~الحصون سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع حتى لقي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطريق، فقال: يا رسول الله لا عليك أن لا ~~تدنو من هؤلاء الأخابث، قال: لم، أظنك سمعت لي منهم أذى؟ قال: نعم يا ~~رسول الله، قال: لو قد رأوني لم يقولوا من ذلك شيئا. # فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصونهم قال: يا إخوان القردة ~~والخنازير هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته؟. # قالوا: يا أبا القاسم ما كنت جهولا. # ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه بالصورين من قبل أن ~~يصل إلى بني قريظة، فقال هل مر بكم أحد؟ قالوا: نعم يا رسول الله مر ~~بنا دحية بن خليفة الكلبي على بغلة بيضاء عليها رحالة عليها قطيفة ديباج، ~~فقال عليه السلام: ذاك جبريل بعث إلى بني قريظة يزلزل بهم حصونهم ويقذف ~~الرعب في قلوبهم. # فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني قريظة نزل على بئر من آبارها ~~في ناحية من أموالهم، فتلاحق به الناس فأتاه رجال من بعد صلاة العشاء ~~الآخرة ولم يصلوا العصر لقول رسول الله: # " لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة " # ، فصلوا العصر بها بعد العشاء الآخرة فما عابهم الله بذلك ولا عنفهم به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرعب. # وكان حيي بن أخطب دخل على بني قريظة في حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان ~~وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده. # فلما أيقنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير منصرف عنهم حتى ~~يناجزهم، قال كعب بن أسد: يا معشر يهود إنه قد نزل بكم من الأمر ما ترون ~~وإني عارض عليكم خلالا ثلاثا فخذوا أيها شئتم، قالوا: وما ms1827 هن؟ قال: ~~نتابع هذا الرجل ونصدقه فوالله لقد تبين لكم أنه نبي مرسل وأنه الذي ~~تجدونه في كتابكم، فتأمنوا على دياركم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم، قالوا: ~~لا نفارق حكم التوراة أبدا ولا نستبدل به غيره، قال: فإذا أبيتم هذه ~~فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى محمد رجالا مصلتين بالسيوف ولم ~~نترك وراءنا ثقلا يهمنا حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، فإن نهلك نهلك ~~ولم نترك وراءنا شيء نخشى عليه، وإن تظهر فلعمري لنتخذن النساء ~~والأبناء، فقالوا نقتل هؤلاء المساكين فما خير في العيش بعدهم؟ قال: فإن ~~أبيتم هذه فإن الليلة ليلة السبت وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد ~~أمنوا فيها فانزلوا لعلنا أن نصيب من محمد وأصحابه غرة. قالوا: ~~أنفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يكن أحدث فيه من كان قبلنا؟ إما من قد علمت ~~فأصابهم من المسخ ما لم يخف عليك؟ فقال: ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ~~ليلة واحدة في الدهر حازما؟ قال: ثم إنهم بعثوا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن ابعث إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بني عمرو بن عوف، ~~وكانوا حلفاء الأوس نستشيره في أمرنا، فأرسله رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إليهم، فلما رأوه قام إليه الرجال وهش إليه النساء والصبيان يبكون ~~في وجهه فرق لهم، فقالوا: يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: ~~نعم، قالوا: ماذا يفعل بنا إذا نزلنا؟ فأشار بيده إلى حلقه أنه الذبح، ~~قال أبو لبابة: فوالله ما زالت قدماي حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله، ~~ثم انطلق أبو لبابة على وجهه ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ~~ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده، وقال: لا أبرح من مكاني حتى يتوب الله ~~علي مما صنعت، وعاهد الله أن لا يطأ أرض بني قريظة أبدا ولا يراني الله ~~في بلد خنت الله ورسوله فيه أبدا، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خبره وأبطأ عليه، قال: ms1828 أما لو قد جاءني لاستغفرت له فأما إذا فعل ~~ما فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه، ثم إن الله ~~تعالى أنزل توبة أبي لبابة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيت ~~أم سلمة، قالت أم سلمة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك فقلت مم ~~تضحك يا رسول الله أضحك الله سنك؟ قال: تيب على أبي لبابة، فقلت: ألا ~~أبشره بذلك يا رسول الله؟ فقال: بلى إن شئت، فقامت على باب حجرتها وذلك ~~قبل أن يضرب عليهن الحجاب، فقالت: يا أبا لبابة أبشر فقد تاب الله عليك، ~~قال فثار الناس إليه ليطلقوه فقال: لا والله حتى يكون رسول الله هو الذي ~~يطلقني بيده، فلما مر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خارجا إلى ~~الصبح أطلقه، ثم قال: إن ثعلبة بن شعبه وأسيد بن شعبة، وأسيد بن عبيد وهم ~~نفر من بني هذيل ليسوا من قريظة ولا النضير نسبهم فوق ذلك هم بنو عم ~~القوم أسلموا تلك الليلة التي نزل فيها بنو قريظة على حكم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وخرج في تلك الليلة عمرو بن سعدى القرظي فمر بحرس ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها محمد بن مسلمة الأنصاري تلك الليلة، ~~فلما رآه قال: من هذا؟ قال: عمرو بن سعدي، وكان عمرو قد أبى أن يدخل مع ~~بني قريظة في غدرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لا أغدر بمحمد ~~أبدا، فقال محمد بن مسلمة حين عرفه: اللهم لا تحرمني عثرات الكرام ثم ~~خلى سبيله، فخرج على وجهه حتى بات في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالمدينة تلك الليلة ثم ذهب فلا يدري أين ذهب من أرض الله، فذكر لرسول ~~الله صلىالله عليه وسلم شأنه، فقال: ذاك رجل قد نجاه الله بوفائه. # وبعض الناس يزعم أنه كان قد أوثق برمة فيمن أوثق من بني قريظة حين نزلوا ~~على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ms1829 فأصبحت رمته ملقاة لا يدري أين ~~يذهب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه تلك المقالة، والله أعلم. # فلما أصبحوا نزلوا على حكم رسول الله فتواثبت الأوس فقالوا: يا رسول ~~الله إنهم موالينا دون الخزرج، وقد فعلت في موالي الخزرج بالأمس ما قد ~~علمت، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بني قريظة حاصر بني ~~قينقاع وكانوا حلفاء الخزرج، فنزلوا على حكمه فسألهم إياه عبد الله بن ~~أبي بن سلول، فوهبهم إياه فلما كلمه الأوس قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم " قالوا: بلى، ~~قال: فذاك إلى سعد بن معاذ، وكان سعد بن معاذ جعله رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في خيمة امرأة من المسلمين يقال لها رفيدة في مسجده، وكانت ~~تداوي الجرحى، وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضيعة من المسلمين، وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال لقومه حين أصابه السهم بالخندق ~~اجعلوه في خيمة رفيدة حتى أعوده من قريب، فلما حكمه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في بني قريظة أتاه قومه فاحتملوه على حمار قد وطأوا له بوسادة ~~من أدم، وكان رجلا جسيما ثم أقبلوا معه إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهم يقولون يا أبا عمرو أحسن في مواليك، فإن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم، فلما أكثروا عليه قال: قد آن لسعد ~~أن لا تأخذه في الله لومة لائم، فرجع بعض من كان معه من قومه إلى دار بني ~~عبد الأشهل فنعى لهم رجال بني قريظة من قبل أن يصل إليهم سعد بن معاذ عن ~~كلمته التي سمع منه، فلما انتهى سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: قوموا إلى سيدكم فأنزلوه، فقاموا إليه فقالوا: يا أبا عمرو إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قد ولاك مواليك لتحكم فيهم، فقال سعد: عليكم ~~بذلك عهد الله وميثاقه أن الحكم ms1830 فيها ما حكمت؟ قالوا: نعم، قال: وعلى من ~~هاهنا في الناحية التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو معرض عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إجلالا له، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: نعم، قال سعد: فإني أحكم فيهم أن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى ~~الذراري والنساء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد: # " لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة " # ، ثم استنزلوا فحبسهم رسول الله في دار بنت الحارث امرأة من بني ~~النجار، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سوق المدينة التي هي ~~سوقها اليوم، فخندق بها خندقا ثم بعث إليهم فضربت أعناقهم في تلك ~~الخنادق، يخرج بهم إليه أرسالا وفيهم عدو الله حيي بن أخطب وكعب بن أسد ~~رئيسا القوم، وهم ستمائة أو سبعمائة، والمكثر لهم يقول كانوا بين ~~ثمانمائة إلى تسعمائة، وقد قالوا لكعب بن أسد وهم يذهب بهم إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أرسالا: يا كعب ما ترى يصنع بنا فقال كعب: أفي ~~كل موطن لا تعقلون ألا ترون الداعي لا ينزع وإن من يذهب به منكم لا يرجع، ~~هو والله القتل، فلم يزل ذلك الدأب حتى فرغ منهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأتى حيي بن أخطب عدو الله عليه حلة تفاحية قد شققها عليه من كل ~~ناحية كموضع الأنملة أنملة أنملة لئلا يسلبها مجموعة يداه إلى عنقه بحبل، ~~فلما نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أما والله ما لمت نفسي في ~~عداوتك ولكنه من يخذل الله يخذل، ثم أقبل على الناس فقال أيها الناس إنه ~~لا بأس بأمر الله كتاب وقدره وملحمة كتبت على بني إسرائيل، ثم جلس فضربت ~~عنقه. # وروى عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها قالت لم يقتل من نساء بني ~~قريظة إلا امرأة واحدة قالت والله إنها عندي تتحدث معي وتضحك ظهرا ~~وبطنا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يقتل رجالهم بالسيوف ms1831 إذ ~~هتف هاتف باسمها: أين فلانة قالت: أنا والله قلت، قلت: ويلك مالك؟ قالت: ~~أقتل، قلت: ولم؟ قالت: حدث أحدثته، قالت: فانطلق بها فضربت عنقها، ~~وكانت عائشة تقول: ما أنسى عجبا منها طيب نفس وكثرة ضحك، وقد عرفت أنها ~~تقتل. قال الواقدي: وكان اسم تلك المرأة شبابة، امرأة الحكم القرظي وكانت ~~قتلت خلاد بن سويد، رمت عليه رحى فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بها فضربت عنقها بخلاد بن سويد، قال: وكان علي والزبير يضربان أعناق بني ~~قريظة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس هناك. وروى محمد بن إسحاق عن ~~الزهري أن الزبير بن باطا القرظي، وكان يكنى أبا عبد الرحمن، كان قد من ~~على ثابت بن قيس بن شماس في الجاهلية يوم بعاث، أخذه فجز ناصيته، ثم خلى ~~سبيله، فجاءه يوم قريظة وهو شيخ كبير فقال: يا أبا عبد الرحمن هل تعرفني؟ ~~قال: وهل يجهل مثلي مثلك؟ قال: إني أردت أن أجزيك بيدك عندي، قال: إن ~~الكريم يجزي الكريم، قال: ثم أتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: يا رسول الله قد كانت للزبير عندي يد وله علي منة، وقد أحببت أن ~~أجزيه بها فهب لي دمه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هو لك " ~~فأتاه فقال له إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وهب لي دمك، قال شيخ ~~كبير لا أهل له ولا ولد فما يصنع بالحياة، فأتى ثابت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: ماله يا رسول الله أهله وماله؟ قال: هم لك فأتاه فقال: ~~إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاني امرأتك وولدك فهم لك، قال: أهل ~~بيت بالحجاز لا مال لهم فما بقاؤهم على ذلك، فأتى ثابت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله؟ قال: هو لك، قال: فأتاه فقال إن رسول ~~الله قد أعطاني مالك فهو لك، فقال: أي ثابت ما فعل الله بمن كان وجهه ~~مرآة مضيئة تتراءى فيها عذارى الحي ms1832 كعب بن أسد، قال: قتل، قال: فما فعل ~~سيد الحاضر والبادي حيي بن أخطب؟ قال: قتل، قال: فما فعل مقدمنا إذا ~~شددنا وحامينا إذا كررنا عزال بن شموئيل؟ قال قتل، قال: فما فعل ~~المجلسان يعني بني كعب ابن قريظة وبني عمرو بن قريظة؟ قال: ذهبوا وقتلوا، ~~قال: فإني أسألك بيدي عندك يا ثابت إلا ما ألحقتني بالقوم، فوالله ما في ~~العيش بعد هؤلاء من خير، فما أنا بصابر لله فترة دلو نضح حتى ألقى الأحبة ~~فقدمه ثابت فضرب عنقه، فلما بلغ أبا بكر الصديق قوله ألقى الأحبة، ~~قال: يلقاهم والله في نار جهنم خالدا فيها مخلدا أبدا. # قالوا: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر بقتل من أنبت منهم، ثم ~~قسم أموال بني قريظة ونساءهم وأبناءهم على المسلمين وأعلم في ذلك اليوم ~~سهمان الخيل وسهمان الرجال وأخرج منها الخمس، فكان للفارس ثلاثة أسهم ~~للفرس سهمان ولفارسه سهم وللراجل ممن ليس له فرس سهم، وكانت الخيل ستة ~~وثلاثين فرسا وكان أول فيء وقع فيه السهمان، ثم بعث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم سعد بن زيد الأنصاري أخا بني عبد الأشهل بسبايا من سبايا بني ~~قريظة إلى نجد فابتاع لهم بهم خيلا وسلاحا، وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قد اصطفى لنفسه من نسائهم ريحانة بنت عمرو بن خنانة إحدى نساء ~~بني عمرو بن قريظة، فكانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفي ~~عنها وهي في ملكه، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص عليها أن ~~يتزوجها ويضرب عليها الحجاب، فقالت: يا رسول الله بل تتركني في ملكك فهو ~~أخف علي وعليك. فتركها وقد كانت حين سباها كرهت الإسلام وأبت إلا ~~اليهودية، فعزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجد في نفسه بذلك من ~~أمرها، فبينا هو مع أصحابه إذ سمع وقع نعلين خلفه فقال إن هذا لثعلبة بن ~~شعبة يبشرني بإسلام ريحانة، فجاءه فقال: يا رسول الله قد أسلمت ريحانة، ~~فسره ذلك. # فلما ms1833 انقضى شأن بني قريظة انفجر جرح سعد بن معاذ، وذلك أنه دعا بعد أن ~~حكم في بني قريظة ما حكم فقال: اللهم إنك قد علمت أنه لم يكن قوم أحب ~~إلي أن أجاهدهم من قوم كذبوا رسولك، اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش على ~~رسولك شيئا فأبقني لها وإن كنت قد قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك، ~~فانفجر كلمه فرجعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيمته التي ~~ضربت عليه في المسجد، قالت عائشة: فحضره رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأبو بكر وعمر فوالذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر ~~وإني لفي حجرتي، قالت: وكانوا كما قال الله تعالى: # رحمآء بينهم # [الفتح: 29]، وكان فتح بني قريظة في آخر ذي القعدة سنة خمس من الهجرة. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عبد الله بن محمد، أخبرنا ~~يحيى بن آدم، أخبرنا إسرائيل، سمعت أبا إسحاق يقول، سمعت سليمان بن صرد ~~يقول، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول حين أجلى الأحزاب عنه: # " الآن نغزوهم ولا يغزونا نحن نسير إليهم ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا قتيبة، أخبرنا الليث عن ~~سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان يقول: # " لا إله إلا الله وحده أعز جنده ونصر عبده وغلب الأحزاب وحده فلا شيء ~~بعده ". # قال الله تعالى في قصة بني قريظة: { وأنزل الذين ظهروهم ~~من أهل الكتب من صياصيهم وقذف فى قلوبهم ~~الرعب فريقا تقتلون } ، وهم الرجال، يقال: كانوا ستمائة، { ~~وتأسرون فريقا } ، وهم النساء والذراري، يقال: كانوا سبعمائة ~~وخمسين، ويقال: تسعمائة. ### || [33.27-29] # { وأورثكم أرضهم وديرهم وأمولهم وأرضا ~~لم تطئوها } ، بعد، قال ابن زيد ومقاتل: يعني خيبر، قال قتادة: ~~كنا نحدث أنها مكة. وقال الحسن: فارس والروم. وقال عكرمة: كل أرض ms1834 تفتح ~~إلى يوم القيامة. { وكان الله على كل شىء قديرا }. # قوله عز وجل: { يأيها النبى قل لأزوجك إن كنتن ~~تردن الحيوة الدنيا وزينتها فتعالين ~~أمتعكن } ، متعة الطلاق، { وأسرحكن سراحا جميلا ~~}. # { وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الأخرة ~~فإن الله أعد للمحسنت منكن أجرا عظيما } ، ~~سبب نزول هذه الآية أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم سألنه شيئا من ~~عرض الدنيا، وطلبن منه زيادة في النفقة، وآذينه بغيرة بعضهن على بعض، ~~فهجرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآلى أن لا يقربهن شهرا ولم يخرج ~~إلى أصحابه، فقالوا ما شأنه؟ وكانوا يقولون: طلق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم نساءه، فقال عمر: لأعلمن لكم شأنه، قال: فدخلت على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله أطلقتهن؟ قال: لا، قلت: يا رسول الله ~~إني دخلت المسجد والمسلمون يقولون: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نساءه، أفأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن؟ قال: نعم إن شئت، قال: فقمت على ~~باب المسجد وناديت بأعلى صوتي لم يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نساءه، فنزلت هذه الآية: # وإذا جآءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا ~~به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر ~~منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم # [النساء: 83]، فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر، وأنزل الله آية التخيير. ~~وكانت تحت رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ تسع نسوة خمس من قريش: ~~عائشة بنت أبي بكر الصديق، وحفصة بنت عمر، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وأم ~~سلمة بنت أبي أمية، وسودة بنت زمعة، وغير القرشيات: زينب بنت جحش ~~الأسدية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وصفية بنت حيي بن أخطب الخيبرية، ~~وجويرية بنت الحارث المصطلقية، رضوان الله عليهن، فلما نزلت آية ~~التخيير بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة، وكانت أحبهن إليه ~~فخيرها وقرأ عليها القرآن فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة، فرؤي ~~الفرح في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعتها على ذلك. # قال قتادة: فلما اخترن الله ورسوله شكرهن الله ms1835 على ذلك وقصره عليهن ~~فقال: { لا يحل لك النسآء من بعد }. أخبرنا إسماعيل بن ~~عبد القاهر، أخبرنا عبد الغفار بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، ~~أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، أخبرنا مسلم بن الحجاج، أخبرنا زهير بن ~~حرب، أخبرنا روح بن عبادة، أخبرنا زكريا بن إسحاق، أخبرنا أبو الزبير عن ~~جابر بن عبد الله قال: # " دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد الناس ~~جلوسا ببابه ولم يؤذن لأحد منهم، قال: فأذن لأبي بكر فدخل ثم أقبل عمر ~~فاستأذن فأذن له فوجد النبي صلى الله عليه وسلم جالسا حوله نساؤه واجما ~~ساكتا، فقال: لأقولن شيئا أضحك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا ~~رسول الله لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها، فضحك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: هن حولي كما ترى يسألنني النفقة، ~~فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها، وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها، كلاهما ~~يقول: لا تسألي رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا أبدا ليس عنده، ثم ~~اعتزلهن شهرا أو تسعا وعشرين، ثم نزلت هذه الآية: { يأيها ~~النبى قل لازوجك } ، حتى بلغ: { للمحسنت منكن ~~أجرا عظيما } ، قال: فبدأ بعائشة فقال: يا عائشة إني أريد أن أعرض ~~عليك أمرا أحب أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك، قالت: وما هو يا رسول ~~الله؟ فتلا عليها الآية، قالت: أفيك يا رسول الله أستشير أبوي؟ بل أختار ~~الله ورسوله وأختار الدار الآخرة، وأسألك أن لا تخبر امرأة من ~~نسائك بالذي قلت، قال: لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها أن الله لم ~~يبعثني معنتا ولا متعنتا ولكن بعثني معلما ميسرا ". # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا ~~إسماعيل بن محمد الصفار، أخبرنا أحمد بن منصور الرمادي، أخبرنا عبد ~~الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري # " أن النبي صلى الله عليه وسلم أقسم أن لا يدخل على نسائه شهرا، قال ~~الزهري فأخبرني عروة بن الزبير عن ms1836 عائشة أنها قالت: فلما مضت تسع وعشرون ~~أعدهن دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: حين بدأ بي: يا ~~رسول الله إنك أقسمت ألا تدخل علينا شهرا وإنك دخلت في تسع وعشرين ~~أعدهن؟ فقال: إن الشهر تسع وعشرون ". # واختلف العلماء في هذا الخيار أنه هل كان ذلك تفويض الطلاق إليهن حتى ~~يقع بنفس الاختيار أم لا؟ فذهب الحسن، وقتادة، وأكثر أهل العلم: إلى أنه ~~لم يكن تفويض الطلاق، وإنما خيرهن على أنهن إذا اخترن الدنيا فارقهن، ~~لقوله تعالى: { فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا ~~جميلا } ، بدليل أنه لم يكن جوابهن على الفور فإنه قال لعائشة: " لا ~~تعجلي حتى تستشيري أبويك " ، وفي تفويض الطلاق يكون الجواب على الفور. # وذهب قوم إلى أنه كان تفويض الطلاق لو اخترن أنفسهن كان طلاقا. # واختلف أهل العلم في حكم التخيير، فقال عمر، وابن مسعود وابن عباس: إذا ~~خير الرجل امرأته فاختارت زوجها لا يقع شيء، وإن اختارت نفسها يقع طلقة ~~واحدة، وهو قول عمر بن عبد العزيز، وابن أبي ليلى، وسفيان، والشافعي، ~~وأصحاب الرأي، إلا أن عند أصحاب الرأي تقع طلقة بائنة إذا اختارت نفسها، ~~وعند الآخرين رجعية. # وقال زيد بن ثابت: إذا اختارت الزوج تقع طلقة واحدة، وإذا اختارت نفسها ~~فثلاث، وهو قول الحسن وبه قال مالك. # وروي عن علي أيضا أنها إذا اختارت زوجها تقع طلقة واحدة وإن اختارت ~~نفسها فطلقة بائنة. # وأكثر العلماء على أنها إذا اختارت زوجها لا يقع شيء. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أحبرنا ~~محمد بن إسماعيل، أخبرنا عمر بن حفص، أخبرنا أبي، أخبرنا الأعمش، أخبرنا ~~مسلم، عن مسروق، عن عائشة قالت: خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فاخترنا الله ورسوله فلم يعد ذلك علينا شيئا. ### || [33.30] # قوله عز وجل: { ينسآء النبى من يأت منكن ~~بفحشة مبينة } ، بمعصية ظاهرة، قيل: هي كقوله عز وجل: # لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر: 65] لا أن منهن من أتت بفاحشة. وقال ابن عباس: المراد بالفاحشة ~~النشوز وسوء الخلق. ms1837 { يضاعف لها العذاب ضعفين } ، قرأ ابن ~~كثير وابن عامر: «نضعف» بالنون وكسر العين وتشديدها، «العذاب» نصب، وقرأ ~~الآخرون بالياء وفتح العين «العذاب» رفع ويشددها أبو جعفر وأهل البصرة، ~~وشدد أبو عمرو هذه وحدها لقوله: «ضعفين»، وقرأ الآخرون: «يضاعف» بالألف ~~وفتح العين، «العذاب» رفع، وهما لغتان مثل بعد وباعد، قال أبو عمرو ~~وأبو عبيدة: ضعفت الشيء إذا جعلته مثليه وضاعفته جعلته أمثاله. { وكان ~~ذلك على الله يسيرا } ، قال مقاتل: كان عذابها على الله ~~هينا وتضعيف عقوبتهن على المعصية لشرفهن كتضعيف عقوبة الحرة على الأمة ~~وتضعيف ثوابهن لرفع منزلتهن، وفيه إشارة إلى أنهن أشرف نساء العالمين. ### || [33.31-32] # { ومن يقنت } ، يطع، { منكن لله ورسوله } ، قرأ ~~يعقوب: «من تأت منكن، وتقنت» بالتاء فيهما، وقرأ العامة بالياء لأن ~~«من» أداة تقوم مقام الاسم يعبر به عن الواحد والجمع والمذكر ~~والمؤنث، { وتعمل صلحا نؤتهآ أجرها مرتين } ، ~~أي: مثلي أجر غيرها، قال مقاتل: مكان كل حسنة عشرين حسنة. # وقرأ حمزة والكسائي: «يعمل، يؤتها» بالياء فيهما نسقا على قوله: «ومن ~~يأت، ويقنت» وقرأ الآخرون بالتاء، { وأعتدنا لها رزقا ~~كريما } ، حسنا، يعني الجنة. # { ينسآء النبى لستن كأحد من النسآء } ، قال ~~ابن عباس: يريد ليس قدركن عندي مثل قدر غيركن من النساء الصالحات، ~~أنتن أكرم علي وثوابكن أعظم لدي، ولم يقل: كواحدة، لأن الأحد عام ~~يصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث، قال الله تعالى: # لا نفرق بين أحد من رسله # [البقرة: 285] وقال: # فما منكم من أحد عنه حجزين # [الحاقة: 47]. # { إن اتقيتن } ، الله فأطعتنه، { فلا تخضعن ~~بالقول } ، لا تلن بالقول للرجال ولا ترققن الكلام، { فيطمع ~~الذى فى قلبه مرض } ، أي: فجور وشهوة، وقيل نفاق، والمعنى: لا ~~تقلن قولا يجد منافق أو فاجر به سبيلا إلى الطمع فيكن. # والمرأة مندوبة إلى الغلظة في المقالة إذا خاطبت الأجانب لقطع الأطماع. # { وقلن قولا معروفا } ، لوجه الدين والإسلام بتصريح وبيان ~~من غير خضوع. ### || [33.33] # { وقرن فى بيوتكن } ، قرأ أهل المدينة وعاصم: «وقرن» بفتح ~~القاف، وقرأ الآخرون بكسرها، فمن فتح القاف فمعناه، اقررن أي: الزمن ~~بيوتكن، ms1838 من قولهم: قررت بالمكان أقر قرارا، يقال: قررت أقر وقررت ~~أقر، وهما لغتان، فحذفت الراء الأولى التي هي عين الفعل لثقل التضعيف ~~ونقلت حركتها إلى القاف كقولهم: في ظللت ظلت، قال الله تعالى: # فظلتم تفكهون # [الواقعة: 65]، # ظلت عليه عاكفا # [طه: 97]. # ومن كسر القاف فقد قيل: هو من قررت أقر، معناه وأقررن - بكسر الراء - ~~فحذفت الأولى ونقلت حركتها إلى القاف كما ذكرنا، وقيل: - وهو الأصح - أنه ~~أمر من الوقار، كقولهم من الوعد: عدن، ومن الوصل: صلن، أي: كن أهل ~~وقار وسكون، من قولهم وقر فلان يقر وقورا إذا سكن واطمأن. # { ولا تبرجن } قال مجاهد وقتادة: التبرج هو التكسر والتغنج، ~~وقال ابن أبي نجيح: هو التبختر. وقيل: هو إظهار الزينة وإبراز المحاسن ~~للرجال، { تبرج الجهلية الأولى }. اختلفوا في الجاهلية ~~الأولى. قال الشعبي: هي ما بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم. # وقال أبو العالية: هي في زمن داود وسليمان عليهما السلام، كانت المرأة ~~تلبس قميصا من الدر غير مخيط من الجانبين فيرى خلقها فيه. # وقال الكلبي: كان ذلك في زمن نمرود الجبار، كانت المرأة تتخذ الدرع من ~~اللؤلؤ فتلبسه وتمشي وسط الطريق ليس عليها شيء غيره وتعرض نفسها على ~~الرجال. # وروى عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: الجاهلية الأولى بين نوح وإدريس، ~~وكانت ألف سنة، وأن بطنين من ولد آدم كان أحدهما يسكن السهل والآخر يسكن ~~الجبل، وكان رجال الجبل صباحا وفي النساء دمامة، وكان نساء السهل ~~صباحا وفي الرجال دمامة، وأن إبليس أتى رجلا من أهل السهل وآجر نفسه ~~منه، فكان يخدمه واتخذ شيئا مثل الذي يزمر به الرعاء فجاء بصوت لم يسمع ~~الناس بمثله، فبلغ ذلك من حولهم فانتابوهم يستمعون إليه، فاتخذوا عيدا ~~يجتمعون إليه فيه في السنة، فتتبرج النساء للرجال ويتزين الرجال لهن، وإن ~~رجلا من أهل الجبل هجم عليهم في عيدهم ذلك فرأى النساء وصباحتهن فأتى ~~أصحابه فأخبرهم بذلك فتحولوا إليهم فنزلوا معهم فظهرت الفاحشة فيهم، فذلك ~~قوله تعالى: { ولا تبرجن تبرج الجهلية الأولى ~~}. # وقال قتادة: هي ms1839 ما قبل الإسلام. # وقيل: الجاهلية الأولى: ما ذكرنا، والجاهلية الأخرى: قوم يفعلون مثل ~~فعلهم في آخر الزمان. # وقيل: قد تذكر الأولى إن لم يكن لها أخرى، كقوله تعالى: # وأنه أهلك عادا الاولى # [النجم: 50]، ولم يكن لها أخرى. # قوله عز وجل: { وأقمن الصلوة وءاتين الزكوة ~~وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب ~~عنكم الرجس أهل البيت } ، أراد بالرجس: الإثم الذي نهى ~~الله النساء عنه، قاله مقاتل. # وقال ابن عباس: يعني: عمل الشيطان وما ليس لله فيه رضى، وقال قتادة: ~~يعني: السوء. وقال مجاهد: الرجس الشك. # وأراد بأهل البيت نساء النبي صلى الله عليه وسلم لأنهن في بيته، وهو ~~رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس، وتلا قوله: { واذكرن ما ~~يتلى فى بيوتكن من ءايت الله } ، وهو قول عكرمة ~~ومقاتل. # وذهب أبو سعيد الخدري، وجماعة من التابعين، منهم مجاهد، وقتادة، ~~وغيرهما: إلى أنهم علي وفاطمة والحسن والحسين. # حدثنا أبو الفضل زياد بن محمد الحنفي، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن ~~محمد الأنصاري، أخبرنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعدي، أخبرنا أبو همام ~~الوليد بن شجاع، أخبرنا يحيى بن زكريا ابن زائدة، أخبرنا أبي عن مصعب بن ~~شيبة، عن صفية بنت شيبة الحجبية، عن عائشة أم المؤمنين قالت: خرج رسول ~~الله ذات غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجلس فأتت فاطمة فأدخلها فيه ~~ثم جاء علي فأدخله فيه، ثم جاء حسن فأدخله فيه، ثم جاء حسين فأدخله فيه، ~~ثم قال: { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ~~أهل البيت ويطهركم تطهيرا }. # أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد الحميدي، أخبرنا عبد الله الحافظ، أخبرنا ~~أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا الحسن بن مكرم، أخبرنا عثمان بن عمر، ~~أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن شريك بن أبي نمر، عن عطاء بن ~~يسار، عن أم سلمة قالت: في بيتي أنزلت: { إنما يريد الله ~~ليذهب عنكم الرجس أهل البيت } ، قالت: # " فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فاطمة وعلي والحسن والحسين، ~~فقال: ms1840 «هؤلاء أهل بيتي»، قالت: فقلت يا رسول الله أما أنا من أهل البيت؟ ~~قال: «بلى إن شاء الله» ". # قال زيد بن أرقم: أهل بيته من حرم الصدقة عليه بعده، آل علي وآل ~~عقيل وآل جعفر وآل عباس. ### || [33.34-35] # قوله عز وجل: { واذكرن ما يتلى فى بيوتكن من ~~ءايت الله } ، يعني: القرآن، { والحكمة } ، قال قتادة: ~~يعني السنة. وقال مقاتل: أحكام القرآن ومواعظه. { إن الله كان ~~لطيفا خبيرا } ، أي: لطيفا بأوليائه خبيرا بجميع خلقه. # قوله عز وجل: { إن المسلمين والمسلمت } ، الآية. ~~وذلك أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قلن: يا رسول الله إن الله ذكر ~~الرجال في القرآن ولم يذكر النساء بخير، فما فينا خير نذكر به، إنا نخاف ~~أن لا يقبل الله منا طاعة، فأنزل الله هذه الآية. # قال مقاتل: قالت أم سلمة بنت أبي أمية ونيسة بنت كعب الأنصارية للنبي ~~صلى الله عليه وسلم: ما بال ربنا يذكر الرجال ولا يذكر النساء في شي من ~~كتابه، نخشى أن لا يكون فيهن خير؟ فنزلت هذه الآية. وروي أن أسماء بنت ~~عميس رجعت من الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب فدخلت على نساء النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقالت: هل نزل فينا شيء من القرآن؟ قلن: لا، فأتت النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن النساء لفي خيبة وخسار، قال: ~~ومم ذاك؟ قالت: لأنهن لا يذكرن بخير كما يذكر الرجال، فأنزل الله هذه ~~الآية { إن المسلمين والمسلمت والمؤمنين ~~والمؤمنت والقنتين } ، المطيعين، { والقنتت ~~والصدقين } ، في إيمانهم وفيما ساءهم وسرهم، { والصدقت ~~والصبرين } ، على ما أمر الله به، { والصبرت ~~والخشعين } ، المتواضعين، { والخشعت } ، وقيل: أراد به ~~الخشوع في الصلاة، ومن الخشوع أن لا يلتفت، { والمتصدقين } ، ~~مما رزقهم الله، { والمتصدقت والصئمين ~~والصئمت والحفظين فروجهم } ، عما لا يحل، { ~~والحفظت والذكرين الله كثيرا والذكرت } ، ~~قال مجاهد: لا يكون العبد من الذاكرين لله كثيرا حتى يذكر الله قائما ~~وقاعدا ومضطجعا. # وروينا أن النبي قال: # " «سبق المفردون»، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: «الذاكرون ~~لله ms1841 كثيرا والذاكرات» ". # قال عطاء بن أبي رباح من فوض أمره إلى الله عز وجل فهو داخل في قوله: ~~{ إن المسلمين والمسلمت } ، ومن أقر بأن الله ربه ~~ومحمدا رسوله ولم يخالف قلبه لسانه فهو داخل في قوله: { ~~والمؤمنين والمؤمنت } ، ومن أطاع الله في الفرض، والرسول ~~في السنة: فهو داخل في قوله: { والقنتين والقنتت } ، ~~ومن صان قوله عن الكذب فهو داخل في قوله: { والصدقين ~~والصدقت } ، ومن صبر على الطاعة، وعن المعصية، وعلى الرزية فهو ~~داخل في قوله: { والصبرين والصبرت } ، ومن صلى ولم يعرف ~~من عن يمينه وعن يساره فهو داخل في قوله: { والخشعين ~~والخشعت } ، ومن تصدق في كل أسبوع بدرهم فهو داخل في قوله: { ~~والمتصدقين والمتصدقت } ، ومن صام من كل شهر الأيام ~~البيض: الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، فهو داخل في قوله: { ~~والصئمين والصئمت } ، ومن حفظ فرجه عما لا يحل فهو داخل ~~في قوله: { والحفظين فروجهم والحفظت } ، ومن صلى ~~الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قوله: { والذكرين الله ~~كثيرا والذكرت }. # { أعد الله لهم وأجرا عظيما }. ### || [33.36] # قوله عز وجل: { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى ~~الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من ~~أمرهم }. نزلت الآية في زينب بنت جحش الأسدية وأخيها عبد الله بن ~~جحش وأمهما أمية بنت عبد المطلب عمة النبي صلى الله عليه وسلم خطب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لمولاه زيد بن حارثة وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم اشترى زيدا في الجاهلية بعكاظ فأعتقه وتبناه، فلما خطب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم زينب رضيت وظنت أنه يخطبها لنفسه فلما علمت أنه ~~يخطبها لزيد أبت وقالت: أنا ابنة عمتك يا رسول الله فلا أرضاه لنفسي، ~~وكانت بيضاء جميلة فيها حدة، وكذلك كره أخوها ذلك، فأنزل الله عز وجل: ~~{ وما كان لمؤمن } ، يعني: عبد الله بن جحش، { ولا مؤمنة ~~} يعني: أخته زينب، { إذا قضى الله ورسوله أمرا } ، أي: ~~إذا أراد الله ورسوله أمرا وهو نكاح زينب لزيد، { أن يكون لهم ~~الخيرة من أمرهم }. قرأ ms1842 أهل الكوفة: " أن يكون " بالياء، ~~للحائل بين التأنيث والفعل، وقرأ الآخرون بالتاء لتأنيث " الخيرة " من ~~أمرهم، والخيرة الاختيار. # والمعنى أن يريد غير ما أراد الله أو يمتنع مما أمر الله ورسوله به. # { ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضللا مبينا } ~~، أخطأ خطأ ظاهرا، فلما سمعا ذلك رضيا بذلك وسلما، وجعلت أمرها بيد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك أخوها، فأنكحها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم زيدا، فدخل بها وساق رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها ~~عشرة دنانير، وستين درهما، وخمارا، ودرعا، وإزارا وملحفة، وخمسين ~~مدا من طعام، وثلاثين صاعا من تمر. ### || [33.37] # قوله تعالى: { وإذ تقول للذى أنعم الله عليه ~~وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك } ، الآية. نزلت في ~~زينب، # " وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما زوج زينب من زيد مكثت عنده ~~حينا، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى زيدا ذات يوم لحاجة ~~فأبصر زينب قائمة في درع وخمار، وكانت بيضاء جميلة ذات خلق من أتم نساء ~~قريش، فوقعت في نفسه وأعجبه حسنها، فقال: سبحان الله مقلب القلوب وانصرف، ~~فلما جاء زيد ذكرت ذلك له، ففطن زيد، فألقي في نفس زيد كراهيتها في ~~الوقت، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إني أريد أن أفارق ~~صاحبتي»، قال: ما لك أرابك منها شيء؟ قال: لا والله يا رسول الله ما ~~رأيت منها إلا خيرا، ولكنها تتعظم علي لشرفها وتؤذيني بلسانها، فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «أمسك عليك زوجك» يعني: زينب بنت جحش، { ~~واتق الله } ، في أمرها، ثم طلقها زيد " # ، فذلك قوله عز وجل: # { وإذ تقول للذى أنعم الله عليه } , بالإسلام، { ~~وأنعمت عليه } , بالإعتاق، وهو زيد بن حارثة: { أمسك ~~عليك زوجك واتق الله } فيها ولا تفارقها، { وتخفى فى ~~نفسك ما الله مبديه } أي: تسر في نفسك ما الله مظهره، أي: ~~كان في قلبه لو فارقها لتزوجها. # وقال ابن عباس: حبها. وقال قتادة: ود أنه طلقها. # { وتخشى الناس } , قال ابن عباس والحسن: ms1843 تستحييهم. # وقيل: تخاف لائمة الناس أن يقولوا: أمر رجلا بطلاق امرأته ثم نكحها. # { والله أحق أن تخشه } ، قال عمر، وابن مسعود، وعائشة: ~~ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية هي أشد عليه من هذه الآية. # وروي عن مسروق قال: قالت عائشة: لو كتم النبي صلى الله عليه وسلم شيئا ~~مما أوحي إليه لكتم هذه الآية: { وتخفى فى نفسك ما الله ~~مبديه }. # وروى سفيان بن عيينة عن علي بن زيد بن جدعان قال: سألني علي بن الحسين ~~زين العابدين ما يقول الحسن في قوله: { وتخفى فى نفسك ما ~~الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشه ~~}؟ قلت: يقول لما جاء زيد إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي ~~الله إني أريد أن أطلق زينب فأعجبه ذلك، فقال: أمسك عليك زوجك واتق الله، ~~فقال علي بن الحسين: ليس كذلك، بل كان الله تعالى قد أعلمه أنها ستكون من ~~أزواجه وأن زيدا سيطلقها، فلما جاء زيد وقال: إني أريد أن أطلقها قال ~~له: أمسك عليك زوجك، فعاتبه الله وقال: لم قلت: أمسك عليك زوجك وقد ~~أعلمتك أنها ستكون من أزواجك؟. # وهذا هو الأولى والأليق بحال الأنبياء وهو مطابق للتلاوة لأن الله علم ~~أنه يبدي ويظهر ما أخفاه ولم يظهر غير تزوجيها منه فقال: " زوجناكها " ~~فلو كان الذي أضمره رسول الله صلى الله عليه وسلم محبتها أو إرادة طلاقها ~~لكان يظهر ذلك لأنه لا يجوز أن يخبر أنه يظهره ثم يكتمه فلا يظهره، فدل ~~على أنه إنما عوتب على إخفاء ما أعلمه الله أنها ستكون زوجة له، وإنما ~~أخفاه استحياء أن يقول لزيد: التي تحتك وفي نكاحك ستكون امرأتي، وهذا ~~قول حسن مرض، وإن كان القول الآخر وهو أنه أخفى محبتها ونكاحها لو طلقها ~~لا يقدح في حال الأنبياء، لأن العبد غير ملوم على ما يقع في قلبه في مثل ~~هذه الأشياء ما لم يقصد فيه المآثم، لأن الود وميل النفس من طبع البشر. # وقوله: { أمسك عليك زوجك واتق ms1844 الله } أمر بالمعروف، ~~وهو خشية لا إثم فيه. # وقوله تعالى: { والله أحق أن تخشه } ، لم يرد به أنه لم ~~يكن يخشى الله فيما سبق فإنه عليه السلام قد قال: # " أنا أخشاكم لله وأتقاكم له " # ، ولكنه لما ذكر الخشية من الناس ذكر أن الله تعالى أحق بالخشية في عموم ~~الأحوال وفي جميع الأشياء. # قوله عز وجل: { فلما قضى زيد منها وطرا } ، أي: حاجة ~~من نكاحها، { زوجنكها } ، وذكر قضاء الوطر ليعلم أن زوجة ~~المتبنى تحل بعد الدخول بها. # قال أنس: كانت زينب تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فتقول: ~~زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سموات. # وقال الشبعي: كانت زينب تقول للنبي صلى الله عليه وسلم: إني لأدل عليك ~~بثلاث ما من نسائك امرأة تدلي بهن: جدي وجدك واحد، وإني أنكحنيك الله في ~~السماء، وإن السفير لجبريل عليه السلام. أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، ~~أخبرنا عبد الغفار بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، أخبرنا إبراهيم ~~بن محمد بن سفيان، أخبرنا مسلم بن الحجاج، حدثني محمد بن حاتم بن ميمون، ~~أخبرنا بهز، أخبرنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس قال: لما انقضت ~~عدة زينب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد: «فاذكرها علي»، قال: ~~فانطلق زيد حتى أتاها وهي تخمر عجينها، قال فلما رأيتها عظمت في صدري ~~حتى ما أستطيع أن أنظر إليها لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها، ~~فوليتها ظهري ونكصت على عقبي، فقلت: يا زينب أرسل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إليك يذكرك. # قالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل ~~القرآن، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليها بغير إذن. # قال: ولقد رأيتنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أطعمنا الخبز واللحم، ~~حتى امتد النهار، فخرج الناس وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام، ~~فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعته فجعل يتتبع حجز نسائه يسلم ~~عليهن، ويقلن: يا رسول الله كيف وجدت ms1845 أهلك؟ قال: فما أدري أنا أخبرته أن ~~القوم قد خرجوا أو أخبرني. # قال: فانطلق حتى دخل البيت فذهبت أدخله معه فألقى الستر بيني وبينه، ~~ونزل الحجاب. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله ~~النعيمي، أخبرنا محمد يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا سليمان بن ~~حرب، أخبرنا حماد، عن ثابت، عن أنس قال: ما أولم النبي صلى الله عليه ~~وسلم على شيء من نسائه ما أولم على زينب، أولم بشاة. # أخبرنا محمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى ~~الصيرفي، أخبرنا أبو العباس الأصم، أخبرنا محمد بن هشام بن ملاس النمري، ~~أخبرنا مروان الفزاري، أخبرنا حميد عن أنس قال: أولم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حين ابتنى بزينب بنت جحش فأشبع المسلمين خبزا ولحما. # قوله تعالى: { لكى لا يكون على المؤمنين حرج } ، إثم، ~~{ فى أزواج أدعيآئهم إذا قضوا منهن وطرا } ، ~~و " الأدعياء ": جمع الدعي، وهو المتبنى، يقول: زوجناك زينب، وهي ~~امرأة زيد الذي تبنيته، ليعلم أن زوجة المتبنى حلال للمتبني، وإن كان قد ~~دخل بها المتبنى بخلاف امرأة ابن الصلب فإنها لا تحل للأب. # { وكان أمر الله مفعولا } ، أي: كان قضاء الله ماضيا ~~وحكمه نافذا وقد قضى في زينب أن يتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم. ### || [33.38] # قوله عز وجل: { ما كان على النبى من حرج فيما ~~فرض الله له } ، أي: فيما أحل الله له، { سنة الله } ، ~~أي: كسنة الله، نصب بنزع الخافض، وقيل: نصب على الإغراء، أي: الزموا ~~سنة الله، { فى الذين خلوا من قبل } ، أي: في الأنبياء ~~الماضين أن لا يؤاخذهم بما أحل لهم. # قال الكلبي، ومقاتل: أراد داود حين جمع بينه وبين المرأة التي هويها ~~فكذلك جمع بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين زينب. # وقيل: أشار بالسنة إلى النكاح فإنه من سنة الأنبياء عليهم السلام. # وقيل: إلى كثرة الأزواج مثل داود وسليمان عليهما السلام. # { وكان أمر الله قدرا مقدورا } ، قضاء مقضيا كائنا ~~ماضيا. ### || [33.39-40] # { الذين يبلغون رسالت الله } ، [يعني سنة ms1846 الله في ~~الأنبياء الذين يبلغون رسالات الله]، { ويخشونه ولا يخشون ~~أحدا إلا الله } ، لا يخشون قالة الناس ولائمتهم فيما أحل الله ~~لهم وفرض عليهم، { وكفى بالله حسيبا } ، حافظا لأعمال خلقه ~~ومحاسبهم. # ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوج زينب قال الناس: إن محمدا ~~تزوج امرأة ابنه فأنزل الله عز وجل: # { ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم } ، يعني: زيد بن ~~حارثة، أي ليس أبا أحد من رجالكم الذين لم يلدهم فيحرم عليه نكاح زوجته ~~بعد فراقه إياها. # فإن قيل: أليس أنه كان له أبناء: القاسم، والطيب، والطاهر، وإبراهيم، ~~وكذلك: الحسن والحسين. فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال للحسن: «إن ابني ~~هذا سيد؟». # قيل: هؤلاء كانوا صغارا لم يكونوا رجالا. # والصحيح ما قلنا: إنه أراد أبا أحد من رجالكم. # { ولكن رسول الله وخاتم النبيين } ، ختم الله به ~~النبوة. وقرأ عاصم: «خاتم» بفتح التاء على الاسم، أي: آخرهم، وقرأ ~~الآخرون بكسر التاء على الفاعل، لأنه ختم به النبيين فهو خاتمهم. # قال ابن عباس: يريد لو لم أختم به النبيين لجعلت له ابنا يكون بعده ~~نبيا. # وروي عن عطاء عن ابن عباس: أن الله تعالى لما حكم أن لا نبي بعده لم ~~يعطه ولدا ذكرا يصير رجلا، { وكان الله بكل شىء ~~عليما }. # أخبرنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني، أخبرنا أبو محمد محمد بن علي بن ~~محمد الخذاشاهي، أخبرنا عبد الله بن محمد بن مسلم، حدثنا أبكر الجوربذي، ~~أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن ~~شهاب، عن أبي سلمة قال: كان أبو هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " مثلي ومثل الأنبياء كمثل قصر أحسن بنيانه، ترك منه موضع ~~لبنة فطاف به النطار يتعجبون من حسن بنيانه إلا موضع تلك ~~اللبنة لا يعيبون سواها فكنت أنا سددت موضع تلك اللبنة، ختم بي ~~البنيان وختم بي الرسل ". # أخبرنا عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني، أخبرنا علي بن أحمد الخزاعي، ~~أخبرنا الهيثم ms1847 بن كليب الشاشي، أخبرنا أبو عيسى الترمذي، أخبرنا سعيد بن ~~عبد الرحمن المخزومي، وغير واحد قالوا، أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن محمد ~~بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن لي أسماء أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي، الذي يمحو الله بي ~~الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب، والعاقب الذي ~~ليس بعده نبي ". ### || [33.41] # قوله عز وجل: { يأيها الذين ءامنوا اذكروا الله ~~ذكرا كثيرا } ، قال ابن عباس: لم يفرض الله تعالى على عباده فريضة ~~إلا جعل لها حدا معلوما، ثم أعذر أهلها في حال العذر غير الذكر، فإنه ~~لم يجعل له حدا ينتهى إليه، ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا على ~~عقله، وأمرهم به في كل الأحوال، فقال: # فاذكروا الله قيما وقعودا وعلى جنوبكم # [النساء: 103]. وقال: { اذكروا الله ذكرا كثيرا } ، أي: ~~بالليل والنهار، في البر والبحر وفي الصحة والسقم، في السر والعلانية. ~~وقال مجاهد: الذكر الكثير أن لا تنساه أبدا. ### || [33.42-44] # { وسبحوه } ، أي: صلوا له، { بكرة } ، يعني: صلاة الصبح، { ~~وأصيلا } ، يعني: صلاة العصر. وقال الكلبي: " وأصيلا " صلاة الظهر ~~والعصر والعشاءين. # وقال مجاهد: يعني: قولوا سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، ~~والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فعبر بالتسبيح عن أخواته. # وقيل: المراد من قوله: " ذكرا كثيرا " هذه الكلمات يقولها الطاهر ~~والجنب والمحدث. # { هو الذى يصلى عليكم وملئكته } ، فالصلاة من ~~الله: الرحمة، ومن الملائكة: الاستغفار للمؤمنين. # قال السدي قالت بنو إسرائيل لموسى: أيصلي ربنا؟ فكبر هذا الكلام على ~~موسى، فأوحى الله إليه: أن قل لهم: إني أصلي، وأن صلاتي رحمتي، وقد ~~وسعت رحمتي كل شيء. # وقيل: الصلاة من الله على العبد هي إشاعة الذكر الجميل له في عباده. ~~وقيل: الثناء عليه. # قال أنس: لما نزلت: { إن الله وملئكته يصلون على ~~النبى } ، قال أبو بكر: ما خصك الله يا رسول الله بشرف إلا وقد ~~أشركنا فيه، فأنزل الله هذه الآية. # قوله: { ليخرجكم من الظلمت إلى النور ms1848 } ، أي: من ~~ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، يعني: أنه برحمته وهدايته ودعاء الملائكة ~~لكم أخرجكم من ظلمة الكفر إلى النور، { وكان بالمؤمنين ~~رحيما }. # { تحيتهم } أي: تحية المؤمنين، { يوم يلقونه } ، أي: ~~يرون الله، { سلم } ، أي: يسلم الله عليهم، ويسلمهم من جميع الآفات. # وروي عن البراء بن عازب قال: «تحيتهم يوم يلقونه»، يعني: يلقون ملك ~~الموت، لا يقبض روح مؤمن إلا يسلم عليه. # وعن ابن مسعود قال: إذا جاء ملك الموت لقبض روح المؤمن قال: إن ربك ~~يقرئك السلام. # وقيل: تسلم عليهم الملائكة وتبشرهم حين يخرجون من قبورهم، { وأعد ~~لهم أجرا كريما } ، يعني الجنة. ### || [33.45-50] # قوله عز وجل: { يأيها النبى إنآ أرسلنك شاهدا ~~ومبشرا ونذيرا } , أي: شاهدا للرسل بالتبليغ، ومبشرا لمن آمن ~~بالجنة، ونذيرا لمن كذب بآياتنا بالنار. # { وداعيا إلى الله } ، إلى توحيده وطاعته، { بإذنه } ، ~~بأمره، { وسراجا منيرا } ، سماه سراجا لأنه يهتدى به كالسراج ~~يستضاء به في الظلمة. # { وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا ~~كبيرا }. # { ولا تطع الكفرين والمنفقين } ، ذكرنا تفسيره في ~~أول السورة، { ودع أذاهم } ، قال ابن عباس وقتادة: اصبر على أذاهم. ~~وقال الزجاج: لا تجازهم عليه وهذا منسوخ بآية القتال. # { وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا } ، حافظا. # قوله عز وجل: { يأيها الذين ءامنوا إذا نكحتم ~~المؤمنت ثم طلقتموهن } ، فيه دليل على أن الطلاق قبل ~~النكاح غير واقع لأن الله تعالى رتب الطلاق على النكاح، حتى لو قال ~~لامرأة أجنبية: إذا نكحتك فأنت طالق، وقال: كل امرأة أنكحها فهي طالق، ~~فنكح، لا يقع الطلاق. وهو قول علي، وابن عباس، وجابر، ومعاذ، وعائشة، وبه ~~قال سعيد بن المسيب، وعروة، وشريح وسعيد بن جبير، والقاسم وطاووس، ~~والحسن، وعكرمة، وعطاء، وسليمان بن يسار، ومجاهد، والشعبي، وقتادة، وأكثر ~~أهل العلم رضي الله عنهم، وبه قال الشافعي. # وروي عن ابن مسعود: أنه يقع الطلاق، وهو قول إبراهيم النخعي، وأصحاب ~~الرأي. وقال ربيعة، ومالك، والأوزاعي: إن عين امرأة يقع، وإن عم فلا ~~يقع. # وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: كذبوا على ابن مسعود، إن كان ms1849 قالها ~~فزلة من عالم في الرجل يقول: إن تزوجت فلانة فهي طالق، يقول الله تعالى: ~~{ إذا نكحتم المؤمنت ثم طلقتموهن } ، ولم يقل ~~إذا طلقتموهن ثم نكحتموهن. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا الحسين بن ~~محمد الديموري، أخبرنا عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي، أخبرنا أبو بكر ~~محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري بمكة، أخبرنا الربيع بن سليمان، ~~أخبرنا أيوب بن سويد، أخبرنا ابن أبي ذئب عن عطاء، عن جابر: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " لا طلاق قبل النكاح ". # قوله عز وجل: { من قبل أن تمسوهن } ، تجامعوهن، { فما ~~لكم عليهن من عدة تعتدونها } ، تحصونها بالأقراء ~~والأشهر، { فمتعوهن } ، أي: أعطوهن ما يستمتعن به. قال ابن ~~عباس: هذا إذا لم يكن سمى لها صداقا فلها المتعة فإن كان قد فرض لها ~~صداقا فلها نصف الصداق ولا متعة لها. # وقال قتادة: هذه الآية منسوخة بقوله: # فنصف ما فرضتم # [البقرة: 237]. # وقيل: هذا أمر ندب، فالمتعة مستحبة لها مع نصف المهر. # وذهب بعضهم إلى أنها تستحق المتعة بكل حال لظاهر الآية. # { وسرحوهن سراحا جميلا } ، خلوا سبيلهن بالمعروف من غير ~~ضرار. # قوله عز وجل: { يأيها النبى إنآ أحللنا لك ~~أزوجك اللاتى ءاتيت أجورهن } , أي: مهورهن، { وما ~~ملكت يمينك ممآ أفآء الله عليك } ، رد عليك من ~~الكفار بأن تسبي فتملك مثل صفية وجويرية، وقد كانت مارية مما ملكت يمينه ~~فولدت له إبراهيم، { وبنات عمك وبنات عمتك } ، يعني: ~~نساء قريش، { وبنات خالك وبنات خلتك } ، يعني: نساء ~~بني زهرة، { اللاتى هاجرن معك } ، إلى المدينة فمن لم تهاجر ~~منهن معه لم يجز له نكاحها. # وروى أبو صالح عن أم هانىء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة ~~خطبني فأنزل الله هذه الآية فلم أحل له، لأني لم أكن من المهاجرات وكنت ~~من الطلقاء، ثم نسخ شرط الهجرة في التحليل. # { وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبى إن ~~أراد النبى أن يستنكحها خالصة لك من دون ~~المؤمنين } ، أي أحللنا لك امرأة مؤمنة وهبت نفسها لك ms1850 بغير صداق، ~~فأما غير المؤمنة فلا تحل له إذا وهبت نفسها منه. # واختلفوا في أنه هل كان يحل للنبي صلى الله عليه وسلم نكاح اليهودية ~~والنصرانية بالمهر؟ # فذهب جماعة إلى أنه كان لا يحل له ذلك، لقوله: { وامرأة ~~مؤمنة } ، وأول بعضهم الهجرة في قوله: { اللاتى هاجرن ~~معك } على الإسلام، أي: أسلمن معك، فيدل ذلك على أنه لا يحل له نكاح ~~غير المسلمة، وكان النكاح ينعقد [في حقه] بمعنى الهبة من غير ولي ولا ~~شهود ولا مهر، وكان ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم في النكاح لقوله ~~تعالى: { خالصة لك من دون المؤمنين } ، كالزيادة على ~~الأربع ووجوب تخيير النساء كان من خصائصه ولا مشاركة لأحد معه فيه. # واختلف أهل العلم في انعقاد النكاح بلفظ الهبة في حق الأمة؟ فذهب أكثرهم ~~إلى أنه لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح أو التزويج، وهو قول سعيد بن المسيب، ~~والزهري، ومجاهد، وعطاء، وبه قال ربيعة ومالك والشافعي. # وذهب قوم إلى أنه ينعقد بلفظ الهبة والتمليك، وهو قول إبرهيم النخعي، ~~وأهل الكوفة. ومن قال لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح أو التزويج اختلفوا في ~~نكاح النبي صلى الله عليه وسلم، فذهب قوم إلى أنه كان ينعقد في حقه بلفظ ~~الهبة، لقوله تعالى: { خالصة لك من دون المؤمنين }. # وذهب آخرون إلى أنه لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح أو التزويج كما في حق ~~الأمة لقوله عز وجل: { إن أراد النبى أن يستنكحها } ، ~~وكان اختصاصه صلى الله عليه وسلم في ترك المهر لا في لفظ النكاح. # واختلفوا في التي وهبت نفسها لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهل كانت ~~عنده امرأة منهن؟. # فقال عبد الله بن عباس، ومجاهد: لم يكن عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~امرأة وهبت نفسها منه، ولم يكن عنده امرأة إلا بعقد نكاح أو ملك يمين، ~~[وقوله: " إن وهبت نفسها " على طريق الشرط والجزاء. # وقال آخرون: بل كانت عنده موهوبة. واختلفوا فيها] فقال الشعبي: هي زينب ~~بنت خزيمة الهلالية، يقال لها: أم المساكين. # وقال قتادة: هي ms1851 ميمونة بنت الحارث. # وقال علي بن الحسين، والضحاك ومقاتل: هي أم شريك بنت جابر من بني أسد. # وقال عروة بن الزبير: هي خولة بنت حكيم من بني سليم. # قوله عز وجل: { قد علمنا ما فرضنا عليهم } ، أي: ~~أوجبنا على المؤمنين، { فى أزوجهم } ، من الأحكام أن لا ~~يتزوجوا أكثر من أربع ولا يتزوجوا إلا بولي وشهود ومهر، { وما ملكت ~~أيمنهم } ، أي: ما أوجبنا من الأحكام في ملك اليمين، { لكيلا ~~يكون عليك حرج } ، وهذا يرجع إلى أول الآية أي: أحللنا لك ~~أزواجك وما ملكت يمينك والموهوبة لك لكي لا يكون عليك حرج وضيق. # { وكان الله غفورا رحيما }. ### || [33.51] # { ترجى } ، أي: تؤخر، { من تشآء منهن وتؤوى } ، أي: ~~تضم، { إليك من تشآء } ، اختلف المفسرون في معنى الآية: فأشهر ~~الأقاويل أنه في القسم بينهن، وذلك أن التسوية بينهن في القسم كان واجبة ~~عليه، فلما نزلت هذه الآية سقط عنه وصار الاختيار إليه فيهن. # قال أبو رزين، وابن زيد: نزلت هذه الآية حين غار بعض أمهات المؤمنين على ~~النبي صلى الله عليه وسلم وطلب بعضهن زيادة النفقة، فهجرهن النبي صلى ~~الله عليه وسلم شهرا حتى نزلت آية التخيير، فأمره الله عز وجل أن ~~يخيرهن بين الدنيا والآخرة، وأن يخلي سبيل من اختارت الدنيا ويمسك من ~~اختارت الله ورسوله والدار الآخرة، على أنهن أمهات المؤمنين ولا ينكحن ~~أبدا، وعلى أنه يؤوي إليه من يشاء منهن، ويرجي من يشاء، فيرضين به قسم ~~لهن أو لم يقسم، أو قسم لبعضهن دون بعض، أو فضل بعضهن في النفقة ~~والقسمة، فيكون الأمر في ذلك إليه يفعل كيف يشاء، وكان ذلك من خصائصه ~~فرضين بذلك واخترنه على هذا الشرط. # واختلفوا في أنه هل أخرج أحدا منهن عن القسم؟ فقال بعضهم: لم يخرج ~~أحدا، بل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ما جعله الله له من ذلك ~~ يسوي بينهن في القسم إلا سودة فإنها رضيت بترك حقها من القسم، وجعلت ~~يومها لعائشة. # وقيل: أخرج بعضهن. # روى جرير عن منصور عن أبي ms1852 رزين قال: لما نزل التخيير أشفقن أن يطلقهن، ~~فقلن: يا نبي الله اجعل لنا من مالك ونفسك ما شئت ودعنا على حالنا، ~~فنزلت هذه الآية، فأرجى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهن وآوى إليه ~~بعضهن، وكان ممن آوى إليه: عائشة، وحفصة، وزينب، وأم سلمة، فكان يقسم ~~بينهن سواء، وأرجى منهن خمسا: أم حبيبة، وميمونة، وسودة، وصفية ~~وجويرية، فكان يقسم لهن ما شاء. # وقال مجاهد: " ترجي من تشاء منهن " يعني: تعزل من تشاء منهن بغير طلاق، ~~وترد إليك من تشاء بعد العزل بلا تجديد عقد. # وقال ابن عباس: تطلق من تشاء منهن وتمسك من تشاء. # وقال الحسن: تترك نكاح من شئت وتنكح من شئت من نساء أمتك. # وقال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب امرأة لم يكن لغيره خطبتها ~~حتى يتركها رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقيل: تقبل من تشاء من المؤمنات اللاتي يهبن أنفسهن لك فتؤويها إليك ~~وتترك من تشاء فلا تقبلها. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمد بن سلام، أخبرنا ابن ~~فضيل، أخبرنا هشام عن أبيه قال: كانت خولة بنت حكيم من اللائي وهبن ~~أنفسهن للنبي صلى الله عليه وسلم فقالت عائشة: أما تستحي المرأة أن تهب ~~نفسها للرجل؟ فلما نزلت: { ترجى من تشآء منهن } ، قلت: يا ~~رسول الله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك. # قوله عز وجل: { ومن ابتغيت ممن عزلت } ، أي: طلبت ~~وأردت أن تؤوي إليك امرأة ممن عزلتهن عن القسم، { فلا جناح عليك ~~} لا إثم عليك، فأباح الله له ترك القسم لهن حتى إنه ليؤخر من يشاء منهن ~~في نوبتها ويطأ من يشاء منهن في غير نوبتها، ويرد إلى فراشه من عزله ~~تفضيلا له على سائر الرجال، { ذلك أدنى أن تقر ~~أعينهن ولا يحزن } ، أي: التخيير الذي خيرتك في صحبتهن ~~أقرب إلى رضاهن وأطيب لأنفسهن وأقل لحزنهن إذا علمن أن ذلك من الله عز ~~وجل، { ويرضين بمآ ms1853 ءاتيتهن } ، أعطيتهن، { كلهن } ~~، من تقرير وإرجاء وعزل وإيواء، { والله يعلم ما فى قلوبكم ~~} ، من أمر النساء والميل إلى بعضهن، { وكان الله عليما ~~حليما }. ### || [33.52] # قوله عز وجل: { لا يحل لك النسآء من بعد ولا أن ~~تبدل بهن من أزواج } ، قرأ أبو عمرو ويعقوب: «لا تحل» ~~بالتاء، وقرأ الآخرون بالياء " من بعد ": يعني من بعد هؤلاء التسع اللاتي ~~خيرتهن فاخترنك، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خيرهن فاخترن الله ~~ورسوله شكر الله لهن وحرم عليه النساء سواهن ونهاه عن تطليقهن وعن ~~الاستبدال بهن، هذا قول ابن عباس وقتادة. # واختلفوا في أنه هل أبيح له النساء من بعد؟ # قالت عائشة: ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل له ~~النساء سواهن. # وقال أنس: مات على التحريم. # وقال عكرمة، والضحاك: معنى الآية لا يحل لك النساء إلا اللاتي أحللنا لك ~~وهو قوله: { إنآ أحللنا لك أزوجك } الآية، ثم قال: { ~~لا يحل لك النسآء من بعد } إلا التي أحللنا لك بالصفة ~~التي تقدم ذكرها. # وقيل لأبي بن كعب: لو مات نساء النبي صلى الله عليه وسلم أكان يحل له ~~أن يتزوج؟ قال: وما يمنعه من ذلك؟ قيل: قوله عز وجل: { لا يحل ~~لك النسآء من بعد } ، قال: إنما أحل الله له ضربا من النساء، ~~فقال: { يأيها النبى إنآ أحللنا لك أزوجك } ، ~~ثم قال: { لا يحل لك النسآء من بعد }. # قال أبو صالح: أمر أن لا يتزوج أعرابية ولا عربية، ويتزوج من نساء قومه ~~من بنات العم والعمة والخالة إن شاء ثلاثمائة: وقال مجاهد: معناه لا يحل ~~لك اليهوديات ولا النصرانيات بعد المسلمات ولا أن تبدل بهن، يقول أن تبدل ~~بالمسلمات غيرهن من اليهود والنصارى، يقول لا تكون أم المؤمنين يهودية ~~ولا نصرانية، إلا ما ملكت يمينك، أحل له ما ملكت يمينه من الكتابيات أن ~~يتسرى بهن. # وروي عن الضحاك: يعني ولا أن تبدل بهن ولا أن تبدل بأزواجك اللاتي هن ~~في حبالتك أزواجا غيرهن بأن تطلقهن فتنكح غيرهن، فحرم عليه ms1854 طلاق النساء ~~اللواتي كن عنده إذ جعلهن أمهات المؤمنين، وحرمهن على غيره حين اخترنه، ~~فأما نكاح غيرهن فلم يمنع عنه. # وقال ابن زيد في قوله: { ولا أن تبدل بهن من أزواج } ~~، كانت العرب في الجاهلية يتبادلون بأزواجهم، يقول الرجل للرجل: بادلني ~~بامرأتك، وأبادلك بامرأتي، تنزل لي عن امرأتك، وأنزل لك عن امرأتي، فأنزل ~~الله: { ولا أن تبدل بهن من أزواج } ، يعني لا تبادل ~~بأزواجك غيرك بأن تعطيه زوجك وتأخذ زوجته، إلا ما ملكت يمينك لا بأس أن ~~تبدل بجاريتك ما شئت، فأما الحرائر فلا. # وروي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال: # " دخل عيينة بن حصن على النبي صلى الله عليه وسلم بغير إذن، وعنده ~~عائشة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «يا عيينة فأين الاستئذان»؟ ~~قال: يا رسول الله ما استأذنت على رجل من مضر منذ أدركت، ثم قال: من هذه ~~الحميراء إلى جنبك؟ فقال: هذه عائشة أم المؤمنين، فقال عيينة: أفلا أنزل ~~لك عن أحسن الخلق؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله قد حرم ~~ذلك»، فلما خرج قالت عائشة: من هذا يا رسول الله؟ فقال: «هذا أحمق ~~مطاوع وإنه على ما ترين لسيد قومه» ". # قوله عز وجل: { ولو أعجبك حسنهن } ، يعني: ليس لك أن ~~تطلق أحدا من نسائك وتنكح بدلها أخرى ولو أعجبك جمالها. # قال ابن عباس: يعني أسماء بنت عميس الخثعمية امرأة جعفر بن أبي طالب، ~~فلما استشهد جعفر أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخطبها فنهي عن ~~ذلك. # { إلا ما ملكت يمينك } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ملك ~~بعد هؤلاء مارية. # { وكان الله على كل شىء رقيبا } ، حافظا. # وفي الآية دليل على جواز النظر إلى من يريد نكاحها من النساء. روي عن ~~جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى ~~نكاحها فليفعل ". # أخبرنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني، أخبرنا أبو محمد ms1855 بن محمد بن علي ~~بن شريك الشافعي، أخبرنا عبد الله بن محمد بن مسلم، أخبرنا أبو بكر ~~الجوربذي قال: أخبرنا أحمد بن حرب، أخبرنا أبو معاوية، عن عاصم هو ابن ~~سليمان، عن بكر بن عبد الله، عن المغيرة بن شعبة قال: # " خطبت امرأة، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «هل نظرت إليها»؟ ~~قلت: لا، قال: «فانظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما» ". # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا عبد الله بن ~~حامد، أخبرنا حامد بن محمد، أخبرنا بشر بن موسى، أخبرنا الحميدي، أخبرنا ~~سفيان، أخبرنا يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة # " أن رجلا أراد أن يتزوج امرأة من الأنصار، فقال له النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «انظر إليها فإن في أعين نساء الأنصار شيئا» " # ، قال الحميدي يعني الصغر. ### || [33.53] # قوله عز وجل: { يأيها الذين ءامنوا لا تدخلوا ~~بيوت النبى إلا أن يؤذن لكم } ، الآية. قال أكثر ~~المفسرين: نزلت هذه الآية في شأن وليمة زينب بنت جحش حين بنى بها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا يحيى بن بكير، أخبرنا ~~الليث عن عقيل، عن ابن شهاب، أخبرني أنس بن مالك أنه كان ابن عشر سنين ~~مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، قال: وكانت أم هانىء ~~تواظبني على خدمة النبي صلى الله عليه وسلم، فخدمته عشر سنين، وتوفي ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأنا ابن عشرين سنة، فكنت أعلم الناس بشأن ~~الحجاب حين أنزل، فكان أول ما أنزل في مبتنى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بزينب بنت جحش، أصبح النبي صلى الله عليه وسلم بها عروسا فدعا ~~القوم فأصابوا من الطعام ثم خرجوا، وبقي رهط منهم عند النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأطالوا المكث، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فخرج وخرجت معه ~~لكي يخرجوا، فمشى النبي صلى الله عليه وسلم ومشيت حتى ms1856 جاء حجرة عائشة، ثم ~~ظن أنهم قد خرجوا فرجع ورجعت معه، حتى إذا دخل على زينب فإذا هم جلوس لم ~~يخرجوا، فرجع النبي صلى الله عليه وسلم، ورجعت معه حتى إذا بلغ عتبة حجرة ~~عائشة وظن أنهم قد خرجوا فرجع ورجعت معه فإذا هم قد خرجوا، فضرب النبي ~~صلى الله عليه وسلم بيني وبينه الستر، وأنزل الحجاب. # وقال أبو عثمان واسمه الجعد عن أنس قال: فدخل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم البيت وأرخى الستر وإني لفي الحجرة، وهو يقول: { يأيها ~~الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوت النبى إلا أن ~~يؤذن لكم } إلى قوله: { والله لا يستحى من الحق ~~}. # وروي عن ابن عباس أنها نزلت في ناس من المسلمين كانوا يتحينون طعام رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فيدخلون عليه قبل الطعام إلى أن يدرك ثم ~~يأكلون ولا يخرجون، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأذى بهم، فنزلت: # { يأيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوت النبى ~~إلا أن يؤذن لكم } يقول إلا أن تدعوا، { إلى طعام } ~~، فيؤذن لكم فتأكلونه، { غير نظرين إنه } ، غير منتظرين ~~إدراكه ووقت نضجه، يقال أنى الحميم: إذا انتهى حره، وأنى أن يفعل ذلك: ~~إذا حان، إنى بكسر الهمزة مقصورة، فإذا فتحتها مددت فقلت الإناء، ~~وفيه لغتان إنى يأنى، وآن يئين، مثل حان يحين. # { ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم } ، أكلتم ~~الطعام، { فانتشروا } ، تفرقوا واخرجوا من منزله، { ولا ~~مستأنسين لحديث } ، ولا طالبين الأنس للحديث، وكانوا يجلسون ~~بعد الطعام يتحدثون طويلا فنهوا عن ذلك. # { إن ذلكم كان يؤذى النبى فيستحيى منكم ~~والله لا يستحى من الحق } ، أي: لا يترك تأديبكم وبيان ~~الحق حياء. # { وإذا سألتموهن متعا فاسئلوهن من ورآء ~~حجاب } ، أي: من وراء ستر، فبعد آية الحجاب لم يكن لأحد أن ينظر إلى ~~امرأة من نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم متنقبة كانت أو غير متنقبة، ~~{ ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن } من الريب. # وقد صح في سبب نزول آية الحجاب ما أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا ~~أحمد بن عبد ms1857 الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، ~~أنا يحيى بن بكير، أخبرنا الليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن ~~عائشة أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى ~~المناصع، وهو صعيد أفيح، وكان عمر يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: احجب ~~نساءك، فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة ~~زوج النبي صلى الله عليه وسلم ليلة من الليالي عشاء، وكانت امرأة طويلة، ~~فناداها عمر: ألا قد عرفناك يا سودة - حرصا على أن ينزل الحجاب -، فأنزل ~~الله تعالى آية الحجاب. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن الحيري، ~~أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي، أخبرنا عبد الرحيم بن منيب، أخبرنا يزيد بن ~~هارون، أخبرنا حميد، عن أنس قال: قال عمر: وافقني ربي في ثلاث، قلت: يا ~~رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟ فأنزل الله " واتخذوا من مقام ~~إبراهيم مصلى " ، وقلت: يا رسول الله إنه يدخل عليك البر والفاجر فلو ~~أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب؟ فأنزل الله آية الحجاب، قال: وبلغني بعض ما ~~آذى به رسول الله صلى الله عليه وسلم نساؤه، قال: فدخلت عليهن ~~أستقربهن واحدة واحدة، قلت: والله لتنتهن أو ليبدلنه الله أزواجا ~~خيرا منكن، حتى أتيت على زينب فقالت: يا عمر ما كان في رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت، قال: فخرجت فأنزل الله عز ~~وجل: # عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا ~~منكن # [التحريم: 5] إلى أخر الآية. # قوله عز وجل: { وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله } ، ~~ليس لكم أذاه في شيء من الأشياء، { ولا أن تنكحوا أزواجه ~~من بعده أبدا } ، نزلت في رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قال: لئن قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنكحن عائشة. # قال مقاتل بن سليمان: هو طلحة بن عبيد الله، فأخبر الله عز وجل أن ذلك ~~محرم، وقال: { إن ms1858 ذلكم كان عند الله عظيما } ، أي ~~ذنبا عظيما. # وروى معمر عن الزهري، أن العالية بنت ظبيان التي طلق النبي صلى الله ~~عليه وسلم تزوجت رجلا وولدت له، وذلك قبل تحريم أزواج النبي صلى الله ~~عليه وسلم على الناس. ### || [33.54-56] # { إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل ~~شىء عليما } ، نزلت فيمن أضمر نكاح عائشة بعد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وقيل: قال رجل من الصحابة: ما بالنا نمنع من الدخول على بنات ~~أعمامنا؟ فنزلت هذه الآية. ولما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء ~~والأقارب: ونحن أيضا نكلمهن من وراء الححاب؟ فأنزل الله: # { لا جناح عليهن فى ءابآئهن ولا أبنآئهن ~~ولا إخونهن ولا أبنآء إخونهن ولا أبنآء ~~أخوتهن } ، أي: لا إثم عليهن في ترك الاحتجاب من هؤلاء، { ولا ~~نسآئهن } ، قيل أراد به النساء المسلمات، حتى لا يجوز للكتابيات ~~الدخول عليهن، وقيل: هو عام في المسلمات والكتابيات، وإنما قال: { ولا ~~نسآئهن } ، لأنهن بين أجناسهن، { ولا ما ملكت ~~أيمانهن }. # واختلفوا في أن عبد المرأة هل يكون محرما لها أم لا؟. # فقال قوم يكون محرما لقوله عز وجل: { ولا ما ملكت ~~أيمانهن }. # وقال قوم: هو كالأجانب، والمراد من الآية الإماء دون العبيد. # { واتقين الله } أن يراكن غير هؤلاء، { إن الله كان ~~على كل شىء } ، من أعمال العباد { شهيدا }. قوله عز وجل: { ~~إن الله وملئكته يصلون على النبى } ، قال ~~ابن عباس: أراد إن الله يرحم النبي، والملائكة يدعون له. وعن ابن عباس ~~أيضا: " يصلون " يتبركون. # وقيل: الصلاة من الله: الرحمة، ومن الملائكة: الاستغفار. # { يأيها الذين ءامنوا صلوا عليه } ، ادعوا له ~~بالرحمة، { وسلموا تسليما } ، أي حيوه بتحية الإسلام. # وقال أبو العالية: صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة: ~~الدعاء. # أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن العباس الحميدي، أخبرنا أبو عبد الله ~~محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن سليمان الفقيه ببغداد، ~~أخبرنا أبو بكر أحمد بن زهير بن حرب، أخبرنا موسى بن إسماعيل، أخبرنا أبو ~~سلمة، أخبرنا عبد الواحد ms1859 بن زياد، أخبرنا أبو فروة، حدثني عبد الله بن ~~عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى سمع عبد الرحمن بن أبي ليلى يقول: # " لقيني كعب بن عجرة فقال: ألا أهدي لك هدية سمعتها من النبي صلى الله ~~عليه وسلم؟ فقلت: بلى فاهدها لي، قال: سألنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقلنا: يا رسول الله كيف الصلاة عليكم أهل البيت؟ قال: «قولوا ~~اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ~~إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم ~~وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد» ". # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق ~~الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن ~~عمرو بن حزم عن أبيه عن عمرو بن سليم الزرقي أنه قال: أخبرني أبو حميد ~~الساعدي أنهم قالوا: # " يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«قولوا اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم، وبارك ~~على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد» ". # أخبرنا أبو عمرو ومحمد بن عبد الرحمن النسوي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن ~~الحسن الحيري، أخبرنا محمد بن يعقوب، أخبرنا العباس بن محمد الدوري، ~~أخبرنا خالد بن مخلد القطواني، أخبرنا موسى بن يعقوب الزمعي، عن عبد الله ~~بن كيسان، أخبرني عبد الله بن شداد، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة ". # أخبرنا أبو عبد الله بن الفضل الخرقي، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله ~~الطيسفوني، أخبرنا عبد الله ابن عمر الجوهري، أخبرنا أحمد بن علي ~~الكشميهني، أخبرنا علي بن حجر، أخبرنا إسماعيل بن جعفر، أخبرنا العلاء ~~بن عبد الرحمن، عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " من صلى على واحدة ms1860 صلى الله عليه عشرا ". # أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد ~~بن الحارث، أخبرنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن ~~محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، أخبرنا عبد الله بن المبارك، ~~عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن سليمان مولى الحسن بن علي، عن عبد ~~الله بن أبي طلحة، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه جاء ذات ~~يوم والبشرى في وجهه، فقال: # " إنه جاءني جبريل فقال: إن ربك يقول أما يرضيك يا محمد أن لا يصل ~~عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشرا ولا يسلم عليك أحد من أمتك إلا ~~سلمت عليه عشرا ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي شريح، ~~أخبرنا أبو القاسم البغوي، أخبرنا علي بن الجعد، أخبرنا شعبة، عن عاصم هو ~~ابن عبيد الله قال: سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه أنه سمع ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " من صلى علي صلاة صلت عليه الملائكة ما صلى علي فليقل ~~العبد من ذلك أو ليكثر ". # حدثنا أبو القاسم يحيى بن علي الكشميهني، أخبرنا جناح بن يزيد المحاربي ~~بالكوفة، أخبرنا جعفر محمد بن علي بن دحيم الشيباني، أخبرنا أحمد بن ~~حازم، أخبرنا عبد الله بن موسى وأبو نعيم، عن سفيان، عن عبيد الله بن ~~السائب، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله علي ~~وسلم: # " إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام ". ### || [33.57] # قوله عز وجل: { إن الذين يؤذون الله ورسوله ~~لعنهم الله فى الدنيا والاخرة وأعد لهم ~~عذابا مهينا } ، قال ابن عباس: هم اليهود والنصارى والمشركون. ~~فأما اليهود فقالوا: عزير ابن الله، ويد الله مغلولة، وقالوا: إن الله ~~فقير، وأما النصارى فقالوا: المسيح ابن الله, وثالث ثلاثة، وأما المشركون ~~فقالوا: الملائكة بنات الله، والأصنام شركاؤه. # وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ms1861 # " يقول الله سبحانه وتعالى: شتمني عبدي، يقول: اتخذ الله ولدا، وأنا ~~الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد ". # وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: # " يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب ~~الليل والنهار ". # وقيل: معنى " يؤذون الله " يلحدون في أسمائه وصفاته. # وقال عكرمة هم أصحاب التصاوير. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمد بن العلاء، أخبرنا ~~ابن فضيل، عن عمارة، عن أبي زرعة، سمع أبا هريرة قال: سمعت النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # " قال الله تعالى ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا ~~حبة أو شعيرة ". # وقال بعضهم: " يؤذون الله " أي: يؤذون أولياء الله، كقوله تعالى: # واسئل القرية # [يوسف: 82]، أي: أهل القرية. # وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: # " من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وقال من أهان لي وليا فقد بارزني ~~بالمحاربة ". # ومعنى الأذى هو مخالفة أمر الله تعالى وارتكاب معاصيه، ذكره على ما ~~يتعارفه الناس بينهم، والله عز وجل منزه عن أن يلحقه أذى من أحد، ~~وإيذاء الرسول، قال ابن عباس: هو أنه شج في وجهه وكسرت رباعيته. وقيل: ~~شاعر، ساحر، معلم، مجنون. ### || [33.58-59] # { والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنت بغير ما ~~اكتسبوا } ، من غير أن عملوا ما أوجب أذاهم، وقال مجاهد: يقعون فيهم ~~ويرمونهم بغير جرم، { فقد احتملوا بهتنا وإثما ~~مبينا }. # وقال مقاتل: نزلت في علي بن أبي طالب وذلك أن ناسا من المنافقين كانوا ~~يؤذونه ويشتمونه. # وقيل: نزلت في شأن عائشة. # وقال الضحاك، والكلبي: نزلت في الزناة الذين كانوا يمشون في طرق المدينة ~~يتبعون النساء إذا برزن بالليل لقضاء حوائجهن، فيغمزون المرأة، فإن سكتت ~~اتبعوها، وإن زجرتهم انتهوا عنها، ولم يكونوا يطلبون إلا الإماء، ولكن ~~كانوا لا يعرفون الحرة من الأمة لأن زي الكل كان واحدا، يخرجن في درع ~~وخمار، الحرة والأمة، فشكون ذلك ms1862 إلى أزواجهن، فذكروا ذلك لرسول الله صلى ~~الله علي وسلم فنزلت هذه الآية: { والذين يؤذون المؤمنين ~~والمؤمنت } الآية. # ثم نهى الحرائر أن يتشبهن بالإماء. فقال جل ذكره: # { يأيها النبى قل لأزوجك وبناتك ونسآء ~~المؤمنين يدنين عليهن من جلبيبهن } ، جمع ~~الجلباب وهو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار. # وقال ابن عباس وأبو عبيدة: أمر نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ووجوههن ~~بالجلابيب إلا عينا واحدة ليعلم أنهن حرائر. # { ذلك أدنى أن يعرفن } ، أنهن حرائر، { فلا يؤذين ~~} ، فلا يتعرض لهن، { وكان الله غفورا رحيما } ، قال أنس: ~~مرت بعمر بن الخطاب جارية متقنعة فعلاها بالدرة، وقال يا لكاع أتتشبهين ~~بالحرائر، ألقي القناع. ### || [33.60-69] # قوله عز وجل: { لئن لم ينته المنفقون } ، عن نفاقهم، ~~{ والذين فى قلوبهم مرض } ، فجور، يعني الزناة، { ~~والمرجفون فى المدينة } ، بالكذب. وذلك أن ناسا منهم كانوا ~~إذا خرجت سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوقعون في الناس أنهم ~~قتلوا وهزموا، ويقولون: قد أتاكم العدو ونحوها. # وقال الكلبي: كانوا يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ويفشون ~~الأخبار. # { لنغرينك بهم } ، لنحرشنك بهم ولسنلطنك عليه، { ثم لا ~~يجاورنك فيها } ، لا يساكنونك في المدينة { إلا قليلا } ، ~~حتى يخرجوا منها، وقيل: لنسلطنك عليهم حتى تقتلهم وتخلي منهم المدينة. # { ملعونين } ، مطرودين، نصب على الحال، { أينما ثقفوا } ~~، وجدوا وأدركوا، { أخذوا وقتلوا تقتيلا } ، أي: الحكم ~~فيهم هذا على جهة الأمر به. # { سنة الله } ، أي: كسنة الله، { فى الذين خلوا من ~~قبل } ، من المنافقين والذين فعلوا مثل فعل هؤلاء، { ولن تجد ~~لسنة الله تبديلا }. # قوله عز وجل: { يسئلك الناس عن الساعة قل إنما ~~علمها عند الله وما يدريك } ، أي: أي شيء يعلمك أمر ~~الساعة، ومتى يكون قيامها؟ أي: أنت لا تعرفه، { لعل الساعة ~~تكون قريبا }. # { إن الله لعن الكفرين وأعد لهم سعيرا * ~~خلدين فيهآ أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا * ~~يوم تقلب وجوههم فى النار } ، ظهرا لبطن حين يسحبون ~~عليها، { يقولون يليتنآ أطعنا الله وأطعنا ~~الرسولا } ، في الدنيا. # { وقالوا ربنآ إنآ أطعنا سادتنا } , قرأ أبو عامر، ~~ويعقوب: ms1863 " ساداتنا " بكسر التاء والأف قبلها على جمع الجمع، وقرأ الآخرون ~~بفتح التاء بلا ألف قبلها، { وكبرآءنا فأضلونا السبيلا ~~}. # { ربنآ ءاتهم ضعفين من العذاب } ، أي: ضعفي عذاب ~~غيرهم, { والعنهم لعنا كبيرا } ، قرأ عاصم: «كبيرا» بالباء ~~قال الكلبي: أي: عذابا كثيرا، وقرأ الآخرون بالثاء لقوله تعالى: # أولئك عليهم لعنة الله والملئكة والناس ~~أجمعين # [البقرة: 161]، وهذا يشهد للكثرة، أي: مرة بعد مرة. # قوله عز وجل: { يأيها الذين ءامنوا لا تكونوا ~~كالذين ءاذوا موسى فبرأه الله مما قالوا } ، ~~فطهره الله مما قالوا، { وكان عند الله وجيها } ، أي كريما ~~ذا جاه، يقال: وجه الرجل يوجه وجاهة فهو وجيه، إذا كان ذا جاه وقدر. # قال ابن عباس: كان حظيا عند الله لا يسأل الله شيئا إلا أعطاه. # وقال الحسن: كان مستجاب الدعوة. # وقيل: كان محببا مقبولا. # واختلفوا فيما أوذي به موسى: # فأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا ~~روح بن عبادة، أخبرنا عوف، عن الحسن ومحمد وخلاس، عن أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن موسى كان رجلا حييا ستيرا لا يرى من جلده شيء استحياء منه ~~فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا ما يتستر هذا التستر إلا من عيب ~~بجلده، إما برص إو أدرة وإما آفة، وإن الله أراد أن يبرئه مما قالوا، ~~فخلا يوما وحده فوضع ثيابه على الحجر، ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ~~ثيابه ليأخذها وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر، فجعل ~~يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فرأوه ~~عريانا أحسن ما خلق الله، وبرأه مما يقولون، وقام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه ~~وطفق بالحجر ضربا بعصاه، فوالله إن بالحجر لندبا من أثر ضربه ثلاثا أو ~~أربعا أو خمسا ". # فذلك قوله عز وجل: { يأيها الذين ءامنوا لا تكونوا ~~كالذين ءاذوا موسى فبرأه الله مما قالوا ~~وكان عند الله وجيها }. # وقال قوم: إيذاؤهم إياه ms1864 أنه لما مات هارون في التيه ادعوا على موسى أنه ~~قتله فأمر الله الملائكة حتى مروا به على بني إسرائيل فعرفوا أنه لم ~~يقتله، فبرأ, الله مما قالوا. # وقال أبو العالية: هو أن قارون استأجر مومسة لتقذف موسى بنفسها على رأس ~~الملأ فعصمها الله وبرأ موسى من ذلك، وأهلك قارون. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا أبو الوليد، أخبرنا ~~شعبة، عن الأعمش قال: سمعت أبا وائل قال: # " سمعت عبد الله قال: قسم النبي صلى الله عليه وسلم قسما، فقال ~~رجل: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، فأتيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأخبرته، فغضب حتى رأيت الغضب في وجهه، ثم قال: «يرحم الله موسى لقد ~~أوذي أكثر من هذا فصبر» ". ### || [33.70-71] # قوله عز وجل: { يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله ~~وقولوا قولا سديدا } ، قال ابن عباس: صوابا. وقال قتادة: ~~عدلا. وقال الحسن: صدقا. وقيل: مستقيما. وقال عكرمة هو: قول لا إله ~~إلا الله. # { يصلح لكم أعملكم } ، قال ابن عباس: يتقبل حسناتكم. ~~وقال مقاتل: يزك أعمالكم، { ويغفر لكم ذنوبكم ومن ~~يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما } ، أي: ظفر ~~بالخير كله. ### || [33.72] # قوله عز وجل: { إنا عرضنا الأمانة على السموت ~~والأرض والجبال } ، الآية. أراد بالأمانة الطاعة والفرائض التي ~~فرضها الله على عباده، عرضها على السماوات والأرض والجبال على أنهم إن ~~أدوها أثابهم وإن ضيعوها عذبهم، وهذا قول ابن عباس. # وقال ابن مسعود: الأمانة: أداء الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج ~~البيت، وصدق الحديث، وقضاء الدين، والعدل في المكيال والميزان، وأشد من ~~هذا كله الودائع. # وقال مجاهد: الأمانة: الفرائض, وحدود الدين. # وقال أبو العالية: ما أمروا به ونهوا عنه. # وقال زيد بن أسلم: هو الصوم، والغسل من الجنابة، وما يخفى من الشرائع. # وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: أول ما خلق الله من الإنسان فرجه ~~وقال: هذه أمانة استودعتكها، فالفرج أمانة، والأذن أمانة، والعين أمانة، ms1865 ~~واليد أمانة، والرجل أمانة، ولا إيمان لمن لا أمانة له. # وقال بعضهم: هي أمانات الناس، والوفاء بالعهد، فحق على كل مؤمن أن لا ~~يغش مؤمنا ولا معاهدا في شيء قليل ولا كثير، وهي رواية الضحاك عن ابن ~~عباس، فعرض الله هذه الأمانة على أعيان السموات والأرض والجبال، هذا قول ~~ابن عباس وجماعة من التابعين وأكثر السلف، فقال لهن أتحملن هذه الأمانة ~~بما فيها؟ قلن: وما فيها؟ قال: إن أحسنتن جوزيتن وإن عصيتن عوقبتن، فقلن: ~~لا يا رب، نحن مسخرات لأمرك لا نريد ثوابا ولا عقابا، وقلن ذلك خوفا ~~وخشية وتعظيما لدين الله أن لا يقيموا بها لا معصية ولا مخالفة، وكان ~~العرض عليهن تخييرا لا إلزاما ولو ألزمهن لم يمتنعن من حملها، ~~والجمادات كلها خاضعة لله عز وجل مطيعة ساجدة له كما قال جل ذكره في ~~السموات والأرض: # ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا طائعين # [فصلت: 11]، وقال للحجارة: # وإن منها لما يهبط من خشية الله # [البقرة: 74] وقال تعالى: # ألم تر أن الله يسجد له من فى السموت ومن ~~فى الارض والشمس والقمر والنجوم والجبال ~~والشجر والدوآب # [الحج: 18] الآية. # وقال بعض أهل العلم: ركب الله عز وجل فيهن العقل والفهم حين عرض ~~الأمانة عليهن حتى عقلن الخطاب وأجبن بما أجبن. # وقال بعضهم: المراد من العرض على السموات والأرض هو العرض على أهل ~~السموات والأرض، عرضها على من فيها من الملائكة. # وقيل: على أهلها كلها دون أعيانها، كقوله تعالى: # واسئل القرية # [يوسف: 82]، أي: أهل القرية. # والأول أصح، وهو قول العلماء. # { فأبين أن يحملنها وأشفقن منها } ، أي: خففن من ~~الأمانة أن لا يؤدينها فيلحقهن العقاب، { وحملها الإنسن } ، ~~يعني: آدم عليه السلام، فقال الله لآدم: إني عرضت الأمانة على السموات ~~والأرض والجبال فلم تطقها فهل أنت آخذها بما فيها؟ قال: يا رب وما فيها؟ ~~قال: إن أحسنت جوزيت، وإن أسأت عوقبت، فتحملها آدم، وقال بين أذني ~~وعاتقي، قال الله تعالى: أما إذا تحملت فسأعينك، أجعل لبصرك حجابا فإذا ~~خشيت أن تنظر إلى مالا يحل ms1866 لك فأرخ عليه حجابه، وأجعل للسانك لحيين ~~غلقا فإذا خشيت فأغلق، واجعل لفرجك لباسا فلا تكشفه على ما حرمت عليك. # قال مجاهد: فما كان بين أن تحملها وبين أن خرج من الجنة إلا مقدار ما ~~بين الظهر والعصر. # وحكى النقاش بإسناده عن ابن مسعود أنه قال: مثلت الأمانة كصخرة ~~ملقاة، ودعيت السموات والأرض والجبال إليها فلم يقربوا منها، وقالوا: ~~لا نطيق حملها، وجاء آدم من غير أن يدعى، وحرك الصخرة، وقال: لو أمرت ~~بحملها لحملتها، فقلن له: احملها، فحملها إلى ركبتيه ثم وضعها، وقال ~~والله لو أردت أن أزداد لزدت، فقلن له: احملها فحملها إلى حقوه، ثم ~~وضعها، وقال: والله لو أردت أن أزداد لزدت، فقلن له: احمل فحملها حتى ~~وضعها على عاتقه، فأراد أن يضعها فقال الله: مكانك فإنها في عنقك وعنق ~~ذريتك إلى يوم القيامة. # { إنه كان ظلوما جهولا } ، قال ابن عباس: ظلوما لنفسه ~~جهولا بأمر الله وما احتمل من الأمانة. # وقال الكلبي: ظلوما حين عصى ربه، جهولا لا يدري ما العقاب في ترك ~~الأمانة. # وقال مقاتل: ظلوما لنفسه جهولا بعاقبة ما تحمل. # وذكر الزجاج وغيره من أهل المعاني، في قوله وحملها الإنسان قولان، ~~فقالوا: إن الله ائتمن آدم وأولاده على شيء وائتمن السموات والأرض ~~والجبال على شيء، فالأمانة في حق بني آدم ما ذكرنا من الطاعة والقيام ~~بالفرائض، والأمانة في حق السموات والأرض والجبال هي الخضوع والطاعة لما ~~خلقهن له. وقيل: قوله: { فأبين أن يحملنها } ، أي: أدين ~~الأمانة، يقال: فلان لم يحتمل الأمانة أي: لم يخن فيها وحملها الإنسان ~~أي: خان فيها، يقال: فلان حمل الأمانة أي: أثم فيها بالخيانة. # قال الله تعالى: # وليحملن أثقالهم # [العنكبوت: 13]، إنه كان ظلوما جهولا. # حكي عن الحسن على هذا التأويل: أنه قال وحملها الإنسان يعني الكافر ~~والمنافق، حملا الأمانة أي: خانا. # وقول السلف ما ذكرنا. ### || [33.73] # قوله عز وجل: { ليعذب الله المنفقين ~~والمنفقت والمشركين والمشركت } ، قال: مقاتل: ~~ليعذبهم بما خانوا الأمانة ونقضوا الميثاق، { ويتوب الله على ~~المؤمنين والمؤمنت وكان الله غفورا ms1867 رحيما } ~~، يهديهم ويرحمهم بما أدوا من الأمانة. # وقال ابن قتيبة: أي: عرضنا الأمانة ليظهر نفاق المنافق وشرك المشرك ~~فيعذبهما الله، ويظهر إيمان المؤمن فيتوب الله عليه أي: يعود عليه ~~بالرحمة والمغفرة إن حصل منه تقصير في بعض الطاعات. ### | [34 - سورة سبإ] ### || [34.1-2] # { الحمد لله الذى له ما فى السماوات وما فى ~~الأرض } , ملكا وخلقا، { وله الحمد فى الآخرة } ، كما هو ~~له في الدنيا، لأن النعم في الدارين كلها منه. # وقيل الحمد لله في الآخرة هو حمد أهل الجنة كما قال الله تعالى: # وقالوا الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن # [فاطر: 34]، و # الحمد لله الذى صدقنا وعده # [الزمر: 74]. { وهو الحكيم الخبير }. # { يعلم ما يلج فى الأرض } ، أي: يدخل فيها من الماء ~~والأموات، { وما يخرج منها } ، من النبات والأموات إذا حشروا، { ~~وما ينزل من السمآء } ، من الأمطار، { وما يعرج } ، ~~يصعد، { فيها } ، من الملائكة وأعمال العباد، { وهو الرحيم ~~الغفور }. ### || [34.3-6] # { وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى ~~وربى لتأتينكم علم الغيب } ، قرأ أهل المدينة ~~والشام: «عالم» بالرفع على الاستئناف، وقرأ الآخرون بالجر على نعت الرب، ~~أي: وربي عالم الغيب، وقرأ حمزة والكسائي: «علام» على وزن فعال، وجر ~~الميم، { لا يعزب } ، لا يعيب، { عنه مثقال ذرة } وزن ~~ذرة { فى السموت ولا فى الأرض ولا أصغر من ذلك ~~} ، أي: من الذرة، { ولا أكبر إلا فى كتب مبين }. # { ليجزى الذين ءامنوا وعملوا الصلحت ~~أولئك } ، يعني: الذين آمنوا، { لهم مغفرة ورزق ~~كريم } ، حسن, يعني: في الجنة. # { والذين سعوا فى ءايتنا معاجزين } ، يحسبون أنهم ~~يفوتوننا، { أولئك لهم عذاب من رجز أليم } ، قرأ ~~ابن كثير وحفص ويعقوب: «أليم» بالرفع هاهنا وفي الجاثية على نعت ~~العذاب، وقرأ الآخرون بالخفض على نعت الرجز، وقال قتادة: الرجز سوء ~~العذاب. # { ويرى الذين } ، أي: ويرى الذين، { أوتوا العلم } ، ~~يعني: مؤمني أهل الكتاب: عبد الله بن سلام وأصحابه. وقال قتادة: هم أصحاب ~~محمد صلى الله عليه وسلم، { الذى أنزل إليك من ربك } ، ~~يعني: القرآن، { هو الحق } ، يعني: أنه من عند الله، { ويهدى ~~} ، يعني: القرآن، ms1868 { إلى صراط العزيز الحميد } ، وهو ~~الإسلام. ### || [34.7-10] # { وقال الذين كفروا } ، منكرين للبعث متعجبين منه، { هل ~~ندلكم على رجل ينبئكم } ، يخبركم، يعنون محمدا صلى ~~الله عليه وسلم، { إذا مزقتم كل ممزق } ، قطعتم كل ~~تقطيع وفرقتم كل تفريق وصرتم ترابا { إنكم لفى خلق ~~جديد } ، يقول لكم: إنكم لفي خلق جديد. # { أفترى } ، ألف استفهام دخلت على ألف الوصل ولذلك نصبت، { على ~~الله كذبا أم به جنة } ، يقولون: أزعم كذبا أم به جنون؟. # قال الله تعالى ردا عليهم: { بل الذين لا يؤمنون ~~بالأخرة فى العذاب والضلل البعيد } ، من الحق في ~~الدنيا. # قوله تعالى: { أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما ~~خلفهم من السمآء والأرض } ، فيعلموا أنهم حيث كانوا فإن ~~أرضي وسمائي محيطة بهم لا يخرجون من أقطارها، وأنا القادر عليهم، { إن ~~نشأ نخسف بهم الأرض } ، قرأ الكسائي: «نخسف بهم» بإدغام ~~الفاء في الباء، { أو نسقط عليهم كسفا من السمآء } ~~، قرأ حمزة والكسائي: «إن يشأ يخسف أو يسقط»، بالياء فيهن لذكر الله من ~~قبل، وقرأ الآخرون بالنون فيهن { إن فى ذلك } ، أي: فيما ترون من ~~السماء والأرض، { لاية } ، تدل على قدرتنا على البعث، { لكل ~~عبد منيب } ، تائب راجع إلى الله بقلبه. # قوله عز وجل: { ولقد ءاتينا داوود منا فضلا } ، يعني ~~النبوة والكتاب، وقيل: الملك. وقيل: جميع ما أوتي من حسن الصوت وتليين ~~الحديد وغير ذلك مما خص به، { يجبال } ، أي: وقلنا يا جبال، { ~~أوبى } ، أي: سبحي، { معه } ، إذا سبح، وقيل: هو تفعيل من الإياب ~~وهو الرجوع أي: رجعي معه وقال القتيبي: أصله من التأويب في السير، وهو ~~أن يسير النهار كله وينزل ليلا كأنه قال أوبي النهار كله بالتسبيح معه. ~~وقال وهب: نوحي معه. # { والطير } ، عطف على موضع الجبال، لأن كل منادى في موضع ~~النصب. وقيل: معناه: وسخرنا وأمرنا الطير أن تسبح معه، وقرأ يعقوب: ~~«والطير» بالرفع ردا على الجبال، أي أوبي أنت والطير. وكان داود إذا ~~نادى بالناحية أجابته الجبال بصداها وعكفت الطير عليه من فوقه، فصدى ~~الجبال الذي يسمعه الناس اليوم من ذلك. ms1869 # وقيل: كان داود إذا تخلل الجبال فسبح الله جعلت الجبال تجاوبه بالتسبيح ~~نحو ما يسبح. وقيل: كان داود عليه السلام إذا لحقه فتور أسمعه الله تسبيح ~~الجبال تنشيطا له. # { وألنا له الحديد } ، حتى كان الحديد في يده كالشمع والعجين ~~يعمل فيه ما يشاء من غير نار ولا ضرب مطرقة. # وكان سبب ذلك على ما روي في الإخبار: أن داود عليه السلام لما ملك بني ~~إسرائيل كان من عادته أن يخرج للناس متنكرا، فإذا رأى رجلا لا يعرفه ~~تقدم إليه ويسأله عن داود فيقول له: ما تقول في داود وإليكم هذا أي رجل ~~هو؟ فيثنون عليه، ويقولون خيرا، فقيض الله له ملكا في صورة آدمي، ~~فلما رآه داود تقدم إليه على عادته فسأله، فقال الملك: نعم الرجل هو ~~لولا خصلة فيه، فراع داود ذلك وقال: ما هي يا عبد الله؟ قال: إنه يأكل ~~ويطعم عياله من بيت المال، قال فتنبه لذلك وسأل الله أن يسبب له سببا ~~يستغني به عن بيت المال، فيتقوت منه ويطعم عياله، فألان الله تعالى له ~~الحديد وعلمه صنعة الدرع، وإنه أول من اتخذها. # ويقال: إنه كان يبيع كل درع بأربعة آلاف درهم، فيأكل ويطعم منها عياله ~~ويتصدق منها على الفقراء والمساكين. # ويقال إنه كان يعمل كل يوم درعا يبيعها بستة آلاف درهم، فينفق ألفين ~~منها على نفسه وعياله، ويتصدق بأربعة آلاف على فقراء بني إسرائيل، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كان داود عليه السلام لا يأكل إلا من عمل يده ". ### || [34.11] # { أن اعمل سبغت } ، دروعا كوامل واسعات طوالا تسحب في ~~الأرض، { وقدر فى السرد } ، والسرد نسج الدروع، يقال لصانعه: ~~السراد والزراد، يقول: قدر المسامير في حلق الدرع أي: لا تجعل المسامير ~~دقاقا فتفلت ولا غلاظا فتكسر الحلق، ويقال: " السرد " المسمار في ~~الحلقة، يقال: درع مسرودة أي: مسمورة الحلق، وقدر في السرد اجعله على ~~القصد وقدر الحاجة، { واعملوا صلحا } ، يريد: داود وآله، { ~~إنى بما تعملون بصير }. ### || [34.12-13] # { ولسليمن الريح } أي: وسخرنا لسليمان الريح، وقرأ أبو ms1870 بكر ~~عن عاصم: الريح بالرفع أي: له تسخير الريح، { غدوها شهر ~~ورواحها شهر } , أي: سير غدو تلك الريح المسخرة له مسيرة شهر، ~~وسير رواحها مسيرة شهر، وكانت تسير به في يوم واحد مسيرة شهرين. # قال الحسن: كان يغدو من دمشق فيقيل بإصطخر وبينهما مسيرة شهر، ثم يروح ~~من اصطخر فيبيت بكابل وبينهما مسيرة شهر للراكب المسرع. # وقيل: إنه كان يتغدى بالري ويتعشى بسمرقند. # { وأسلنا له عين القطر } ، أي: أذبنا له عين النحاس، و ~~" القطر ": النحاس. # قال أهل التفسير: أجريت له عين النحاس ثلاثة أيام بلياليهن كجري الماء، ~~وكان بأرض اليمن، وإنما ينتفع الناس اليوم بما أخرج الله لسليمان. # { ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه } ، ~~بأمر ربه، قال ابن عباس: سخر الله الجن لسليمان وأمرهم بطاعته فيما ~~يأمرهم به، { ومن يزغ } ، أي: يعدل، { منهم } ، من الجن، { عن ~~أمرنا } ، الذي أمرنا به من طاعة سليمان، { نذقه من عذاب ~~السعير } ، في الآخرة، وقال بعضهم: في الدنيا وذلك أن الله عز وجل ~~وكل بهم ملكا بيده سوط من نار فمن زاغ منهم عن أمر سليمان ضربه ضربة ~~أحرقته. # { يعملون له ما يشآء من محريب } ، أي: مساجد، ~~والأبنية المرتفعة وكان مما عملوا له بيت المقدس ابتدأه داود ورفعه قدر ~~قامة رجل، فأوحى الله إليه إني لم أقض ذلك على يدك ولكن ابن لك أملكه ~~بعدك اسمه سليمان أقضي تمامه على يده، فلما توفاه الله استخلف سليمان ~~فأحب إتمام بناء بيت المقدس، فجمع الجن والشياطين وقسم عليهم الأعمال ~~فخص كل طائفة منهم بعمل يستخلصها له، فأرسل الجن والشياطين في تحصيل ~~الرخام والمها الأبيض من معادنه، وأمر ببناء المدينة بالرخام والصفاح، ~~وجعلها اثني عشر ربضا، وأنزل كل ربض منها سبطا من الأسباط، وكانوا ~~اثني عشر سبطا، فلما فرغ من بناء المدينة ابتدأ في بناء المسجد فوجه ~~الشياطين فرقا فرقا يستخرجون الذهب والفضة والياقوت من معادنها والدر ~~الصافي من البحر، وفرقا يقلعون الجواهر والحجارة من أماكنها، وفرقا ~~يأتونه بالمسك والعنبر وسائر الطيب من أماكنها، فأتى من ms1871 ذلك بشيء لا ~~يحصيه إلا الله عز وجل، ثم أحضر الصناعيين وأمرهم بنحت تلك الحجارة ~~المرتفعة وتصييرها ألواحا وإصلاح تلك الجواهر وثقب اليواقيت واللآلىء، ~~فبنى المسجد بالرخام الأبيض والأصفر والأخضر وعمده بأساطين المها الصافي ~~وسقفه بألواح الجواهر الثمينة وفصص سقوفه وحيطانه باللآلىء واليواقيت ~~وسائر الجواهر، وبسط أرضه بألواح الفيروزج فلم يكن يومئذ في الأرض بيت ~~أبهى ولا أنور من ذلك المسجد، وكان يضيء في الظلمة كالقمر ليلة البدر، ~~فلما فرغ منه جمع إليه أحبار بني إسرائيل فأعلمهم أنه بناه لله عز وجل، ~~وأن كل شيء فيه خالص لله، واتخذ ذلك اليوم الذي فرغ منه عيدا. # وروى عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لما فرغ سليمان من بناء بيت المقدس سأل ربه ثلاثا فأعطاه اثنين، وأنا ~~أرجو أن يكون أعطاه الثالثة، سأله حكما يصادف حكمه، فأعطاه إياه، وسأله ~~ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، فأعطاه إياه وسأله أن لا يأتي هذا البيت ~~أحد يصلي فيه ركعتين إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وأنا أرجو أن يكون ~~قد أعطاه ذلك ". # قالوا: فلم يزل بيت المقدس على ما بناه سليمان حتى غزاه بختنصر فخرب ~~المدينة وهدمها ونقض المسجد، وأخذ ما كان في سقوفه وحيطانه من الذهب ~~والفضة والدر والياقوت وسائر الجواهر، فحمله إلى دار مملكته من أرض ~~العراق، وبنى الشياطين لسليمان باليمن حصونا كثيرة عجيبة من الصخر. # قوله عز وجل: { وتمثيل } ، أي: كانوا يعملون له تماثيل، أي: ~~صورا من نحاس وصفر وشبة وزجاج ورخام. وقيل: كانوا يصورون السباع ~~والطيور. وقيل: كانوا يتخذون صور الملائكة والأنبياء والصالحين في ~~المساجد ليراها الناس فيزدادوا عبادة، ولعلها كانت مباحة في شريعتهم، كما ~~أن عيسى كان يتخذ صورا من الطين فينفخ فيها فتكون طيرا بإذن الله. # { وجفان } ، أي: قصاع واحدتها جفنة، { كالجواب } ، كالحياض ~~التي يجبى فيها الماء، أي: يجمع، واحدتها جابية، يقال: كان يقعد على ~~الجفة الواحدة ألف رجل يأكلون منها { وقدور رسيت } ثابتات لها ~~قوائم لا يحركن عن ms1872 أماكنهن لعظمهن، ولا ينزلن ولا يعطلن، وكان يصعد ~~عليها بالسلالم، وكانت باليمن. # { اعملوا ءال داوود شكرا } ، أي: وقلنا اعملوا آل داود ~~شكرا، مجازه: اعملوا يا آل داود بطاعة الله شكرا له على نعمه. # { وقليل من عبادى الشكور } ، أي العامل بطاعتي شكرا ~~لنعمتي. # قيل: المراد من " آل داود " هو داود نفسه. وقيل: داود وسليمان وأهل ~~بيته. # وقال جعفر بن سليمان: سمعت ثابتا يقول: كان داود نبي عليه السلام قد ~~جزأ ساعات الليل والنهار على أهله فلم يكن تأتي ساعة من ساعات الليل ~~والنهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي. ### || [34.14] # { فلما قضينا عليه الموت } ، أي: على سليمان. # قال أهل العلم: كان سليمان عليه السلام يتجرد في بيت المقدس السنة ~~والسنتين، والشهر والشهرين، وأقل من ذلك وأكثر يدخل فيه طعامه وشرابه، ~~فأدخله في المرة التي مات فيها، وكان بدء ذلك أنه كان لا يصبح يوما إلا ~~نبتت في محراب بيت المقدس شجرة، فيسألها: ما اسمك؟ فتقول: اسمي كذا، ~~فيقول: لأي شيء أنت؟ فتقول: لكذا وكذا، فيأمر بها فتقلع، فإن كانت نبتت ~~لغرس غرسها، وإن كانت لدواء كتب، حتى نبتت الخروبة، فقال لها: ما أنت؟ ~~قالت: الخروبة، قال: لأي شيء نبت؟ قالت: لخراب مسجدك، فقال سليمان: ~~ما كان الله ليخربه وأنا حي، أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس! ~~فنزعها وغرسها في حائط له، ثم قال: اللهم عم على الجن موتي حتى يعلم ~~الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب، وكانت الجن تخبر الإنس أنهم يعملون من ~~الغيب أشياء ويعلمون ما في غد، ثم دخل المحراب فقام يصلي متكئا على عصاه ~~فمات قائما وكان للمحراب كوى بين يديه وخلفه، فكانت الجن يعملون تلك ~~الأعمال الشاقة التي كانوا يعملون في حياته، وينظرون إليه يحسبون أنه حي، ~~ولا ينكرون احتسابه عن الخروج إلى الناس لطول صلاته قبل ذلك، فمكثوا ~~يدأبون له بعد موته حولا كاملا حتى أكلت الأرضة عصا سليمان، فخر ~~ميتا فعلموا بموته. # قال ابن عباس: فشكرت الجن الأرضة فهم يأتونها بالماء والطين ms1873 في جوف ~~الخشب, فذلك قوله: { ما دلهم على موته إلا دابة ~~الأرض } ، وهي الأرضة { تأكل منسأته } ، يعني: عصاه، قرأ ~~أهل المدينة وأبو عمرو: «منسأته» بغير همز، وقرأ الباقون بالهمز، وهما ~~لغتان، ويسكن ابن عامر الهمز، وأصلها من نسأت الغنم، أي: زجرتها وسقتها ~~ومنه: نسأ الله في أجله، أي أخره. # { فلما خر } ، أي: سقط على الأرض، { تبينت الجن } ، ~~أي: علمت الجن وأيقنت، { أن لو كانوا يعلمون الغيب ما ~~لبثوا فى العذاب المهين } ، أي: في التعب والشقاء مسخرين ~~لسليمان وهو ميت يظنونه حيا، أراد الله بذلك أن يعلم الجن أنهم لا ~~يعلمون الغيب، لأنهم كانوا يظنون أنهم يعلمون الغيب، لغلبة الجهل. وذكر ~~الأزهري: أن معنى " تبينت الجن " ، أي: ظهرت وانكشفت الجن للإنس، أي ظهر ~~أمرهم أنهم لا يعلمون الغيب لأنهم كانوا قد شبهوا على الإنس ذلك، وفي ~~قراءة ابن مسعود وابن عباس: تبينت الإنس أن لو كانوا يعلمون الغيب ما ~~لبثوا في العذاب المهين، أي: علمت الإنس وأيقنت ذلك. # وقرأ يعقوب: «تبينت» بضم التاء وكسر الياء أي: أعلمت الإنس الجن، ذكر ~~بلفظ ما لم يسم فاعله، و " تبين " لازم ومتعد. # وذكر أهل التاريخ أن سليمان كان عمره ثلاثا وخمسين سنة، ومدة ملكه ~~أربعون سنة، وملك يوم ملك وهو ابن ثلاث عشر سنة، وابتدأ في بناء بيت ~~المقدس لأربع سنين مضين من ملكه. ### || [34.15-16] # قوله عز وجل: { لقد كان لسبإ فى مسكنهم } , روى أبو ~~سبرة النخعي عن فروة بن مسيك الغطيفي، قال: # " قال رجل: يا رسول الله أخبرني عن سبأ كان رجلا أو امرأة أو أرضا؟ ~~قال: «كان رجلا من العرب وله عشرة من الولد، تيامن منهن ستة، وتشاءم ~~أربعة، فأما الذين تيامنوا فكندة، والأشعريون، وأزد، ومذحج، وأنمار، ~~وحمير، فقال رجل: وما أنمار؟ فقال الذين منهم خثعم وبجيلة: وأما الذين ~~تشاءموا: فعاملة، وجذام، ولخم وغسان، وسبأ هو ابن يشجب بن يعرب بن قحطان ~~". # { فى مسكنهم } ، قرأ حمزة وحفص: «مسكنهم» بفتح الكاف، على ~~الواحد، وقرأ الكسائي بكسر الكاف، وقرأ الآخرون: «مساكنهم» على الجمع، ~~وكانت ms1874 مساكنهم بمأرب من اليمن، { ءاية } ، دلالة على وحدانيتنا ~~وقدرتنا، ثم فسر الآية فقال: { جنتان } ، أي: هي جنتان بستانان، { ~~عن يمين وشمال } ، أي: عن يمين الوادي وشماله. وقيل: عن يمين من ~~أتاهما وشماله، وكان لهم واد قد قيل أحاطت الجنتان بذلك الوادي { ~~كلوا } ، أي قيل لهم كلوا، { من رزق ربكم } ، يعني: من ثمار ~~الجنتين، قال السدي ومقاتل: كانت المرأة تحمل مكتلها على رأسها وتمر ~~بالجنتين فيمتلىء مكتلها من أنواع الفواكه من غير أن تمس شيئا بيدها، { ~~واشكروا له } ، أي: على ما رزقكم من النعمة، والمعنى: اعملوا ~~بطاعته، { بلدة طيبة } ، أي: أرض سبأ بلدة طيبة ليست بسبخة، قال ~~ابن زيد: لم يكن يرى في بلدتهم بعوضة ولا ذباب ولا برغوث ولا عقرب ولا ~~حية، وكان الرجل يمر ببلدتهم وفي ثيابه القمل فيموت القمل كله من طيب ~~الهواء، فذلك قوله تعالى: { بلدة طيبة } ، أي: طيبة الهواء، { ~~ورب غفور } ، قال مقاتل: وربكم إن شكرتموه فيما رزقكم رب غفور ~~للذنوب. # { فأعرضوا } , قال وهب: فأرسل الله إلى سبأ ثلاثة عشر نبيا ~~فدعوهم إلى الله وذكروهم نعمه عليهم وأنذروهم عقابه فكذبوهم، وقالوا: ما ~~نعرف لله عز وجل علينا نعمة فقولوا لربكم فليحبس هذه النعم عنا إن ~~استطاع، فذلك قوله تعالى: { فأعرضوا فأرسلنا عليهم ~~سيل العرم } ، و " العرم ": جمع عرمة، وهي السكر الذي يحبس به ~~الماء. # وقال ابن الأعرابي: " العرم " السيل الذي لا يطاق, وقيل: كان ماء أحمر، ~~أرسله الله عليهم من حيث شاء, وقيل " العرم ": الوادي، وأصله من العرامة، ~~وهي الشدة والقوة. # وقال ابن عباس، ووهب، وغيرهما: كان ذلك السد بنته بلقيس، وذلك أنهم ~~كانوا يقتتلون على ماء واديهم، فأمرت بواديهم فسد بالعرم، وهو المسناة ~~بلغة حمير، فسدت بين الجبلين بالصخر والقار وجعلت له أبوابا ثلاثة بعضها ~~فوق بعض، وبنت من دونه بركة ضخمة وجعلت فيها اثني عشر مخرجا على عدة ~~أنهارهم يفتحونها إذا احتاجوا إلى الماء، وإذا استغنوا سدوها، فإذا جاء ~~المطر اجتمع إليه ماء أودية اليمن، فاحتبس السيل من وراء السد فأمرت ~~بالباب الأعلى ففتح ms1875 فجرى ماؤه في البركة، فكانوا يسقون من الباب الأعلى ~~ثم من الثاني ثم من الباب الأسفل فلا ينفذ الماء حتى يثوب الماء من السنة ~~المقبلة فكانت تقسمه بينهم على ذلك، فبقوا على ذلك بعدها مدة فلما طغوا ~~وكفروا سلط الله عليهم جرذا يسمى الخلد فنقب السد من أسفله فغرق الماء ~~جناتهم وخرب أرضهم. # قال وهب: وكان مما يزعمون ويجدون في علمهم وكهانتهم أنه يخرب سدهم فأرة، ~~فلم يتركوا فرجة بين حجرين إلا ربطوا عندها هرة فلما جاء زمانه وما أراد ~~الله عز وجل بهم من التغريق أقبلت فيما يذكرون فأرة حمراء كبيرة إلى ~~هرة من تلك الهرر فساورتها حتى استأخرت عنها الهرة، فدخلت في الفرجة التي ~~كانت عندها فتغلغلت في السد فنقبت وحفرت حتى أوهنته للسيل، وهم لا يدرون ~~بذلك فلما جاء السيل وجد خللا فدخل فيه حتى قطع السد، وفاض على أموالهم ~~فغرقها ودفن بيوتهم الرمل، ففرقوا وتمزقوا حتى صاروا مثلا عند العرب، ~~يقولون: صار بنو فلان أيدي سبأ وأيادي سبأ أي تفرقوا وتبددوا، فذلك قوله ~~تعالى: { فأرسلنا عليهم سيل العرم }. # { وبدلنهم بجنتيهم جنتين ذواتى أكل ~~خمط } , قرأ العامة بالتنوين، وقرأ أهل البصرة: «أكل خمط» ~~بالإضافة، الأكل الثمر، والخمط: الأراك وثمره يقال له البرير، هذا ~~قول أكثر المفسرين، وقال المبرد والزجاج: كل نبت قد أخذ طعما من المرارة ~~حتى لا يمكن أكله هو خمط. وقال ابن الأعرابي: الخمط: ثمر شجرة يقال له ~~فسوة الضبع، على صورة الخشخاش يتفرك ولا ينتفع به، فمن جعل ~~الخمط اسما للمأكول فالتنوين في " أكل " حسن، ومن جعله أصلا وجعل ~~الأكل ثمرة فالإضافة فيه ظاهرة، والتنوين سائغ، تقول العرب: في بستان ~~فلان أعناب كرم، يترجم الأعناب بالكرم لأنها منه. # { وأثل وشىء من سدر قليل } ، فالأثل هو الطرفاء، وقيل: ~~هو شجر يشبه الظرفاء إلا أنه أعظم منه، والسدر شجر معروف، وهو شجر النبق ~~ينتفع بورقه لغسل الرأس ويغرس في البساتين، ولم يكن هذا من ذلك، بل كان ~~سدرا بريا لا ينتفع به ولا يصلح ورقه لشيء. ms1876 # قال قتادة: كان شجر القوم من خير الشجر فصيره الله من شر الشجر ~~بأعمالهم. ### || [34.17-18] # { ذلك جزينهم بما كفروا } ، أي: ذلك الذي فعلنا بهم ~~جزيناهم بكفرهم، { وهل نجزى إلا الكفور } ، قرأ حمزة، ~~والكسائي، وحفص، ويعقوب: «وهل نجازي» بالنون وكسر الزاي، «الكفور» نصب ~~لقوله: " ذلك جزيناهم " ، وقرأ الآخرون بالياء وفتح الزاي، «الكفور» ~~رفع، أي: وهل يجازي مثل هذا الجزاء إلا الكفور. # وقال مجاهد: يجازى أي: يعاقب. ويقال في العقوبة: يجازي، وفي المثوبة ~~يجزي. # قال مقاتل: هل يكافأ بعمله السيء إلا الكفور لله في نعمه. # قال الفراء: المؤمن يجزى ولا يجازى، أي: يجزى للثواب بعمله ولا يكافأ ~~بسيئاته. # { وجعلنا بينهم وبين القرى التى باركنا فيها ~~} بالماء والشجر، هي قرى الشام، { قرى ظهرة } ، متواصلة تظهر ~~الثانية من الأولى لقربها منها، وكان متجرهم من اليمن إلى الشام فكانوا ~~يبيتون بقرية ويقيلون بأخرى وكانوا لا يحتاجون إلى حمل زاد من سبأ إلى ~~الشام. # وقيل: كانت قراهم أربعة آلاف وسبعمائة قرية متصلة من سبأ إلى الشام. # { وقدرنا فيها السير } ، أي: قدرنا سيرهم بين هذه القرى، ~~وكان مسيرهم في الغدو والرواح على قدر نصف يوم، فإذا ساروا نصف يوم وصلوا ~~إلى قرية ذات مياه وأشجار. # وقال قتادة: كانت المرأة تخرج ومعها مغزلها، وعلى رأسها مكتلها فتمتهن ~~فلا تأتي بيتها حتى يمتلىء مكتلها من الثمار، وكان ما بين اليمن والشام ~~كذلك. # { سيروا فيها } ، أي: وقلنا لهم سيروا فيها، وقيل: هو أمر بمعنى ~~الخبر أي: مكناهم من السير فكانوا يسيرون فيها، { ليالى وأياما ~~} ، أي: بالليالي والأيام أي وقت شئتم، { ءامنين } ، لا تخافون ~~عدوا ولا جوعا ولا عطشا، فبطروا وطغوا ولم يصبروا على العافية، ~~وقالوا: لو كانت جناتنا أبعد مما هي كان أجدر أن نشتهيه. ### || [34.19-20] # { فقالوا ربنا بعد بين أسفارنا } ، فاجعل بيننا ~~وبيني الشام فلوات ومفاوز لنركب فيها الرواحل ونتزود الأزواد، فعجل الله ~~لهم الإجابة. وقال مجاهد: بطروا النعمة وسئموا الراحة. # قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: بعد بالتشديد من التبعيد، وقرأ الآخرون: ~~باعد، بالألف، وكل على وجه الدعاء والسؤال، ms1877 وقرأ يعقوب: «ربنا» برفع ~~الباء، «باعد» بفتح العين والدال على الخبر، كأنهم استبعدوا أسفارهم ~~القريبة وبطروا وأشروا. # { وظلموا أنفسهم } ، بالبطر والطغيان. { فجعلنهم ~~أحاديث } ، عبرة لمن بعدهم يتحدثون بأمرهم وشأنهم، { ~~ومزقنهم كل ممزق } ، فرقناهم في كل وجه من البلاد كل ~~التفريق. قال الشعبي: لما غرقت قراهم تفرقوا في البلاد، أما غسان فلحقوا ~~بالشام ومر الأزد إلى عمان، وخزاعة إلى تهامة، ومر آل خزيمة إلى ~~العراق، والأوس والخزرج إلى يثرب، وكان الذي قدم منهم المدينة عمرو بن ~~عامر، وهو جد الأوس والخزرج. # { إن فى ذلك لآيت } ، لعبرا ودلالات، { لكل صبار } ، ~~عن معاصي الله، { شكور } ، لأنعمه، قال مقاتل: يعني المؤمن من هذه الأمة ~~صبور على البلاء شاكر للنعماء. قال مطرف: هو المؤمن إذا أعطي شكر ~~وإذا ابتلي صبر. # قوله عز وجل: { ولقد صدق عليهم إبليس ظنه } ، ~~قرأ أهل الكوفة: «صدق» بالتشديد أي: ظن فيهم ظنا حيث قال: # فبعزتك لأغوينهم أجمعين # [ص: 82] # ولا تجد أكثرهم شكرين # [الأعراف: 17] فصدق ظنه حققه بفعله ذلك بهم واتباعهم إياه, وقرأ الآخرون ~~بالتخفيف، أي: صدق عليهم في ظنه بهم، أي: على أهل سبأ. وقال مجاهد: على ~~الناس كلهم إلا من أطاع الله، { فاتبعوه إلا فريقا من ~~المؤمنين } ، قال السدي عن ابن عباس: يعني المؤمنين كلهم لأن ~~المؤمنين لم يتبعوه في أصل الدين، وقد قال الله تعالى: # إن عبادى ليس لك عليهم سلطن # [الحجر: 42]، يعني: المؤمنين. وقيل: هو خاص بالمؤمنين الذين يطيعون الله ~~ولا يعصونه. # قال ابن قتيبة: إن إبليس لما سأل النظرة فأنظره الله، قال لأغوينهم ~~ولأضلنهم، لم يكن مستيقنا وقت هذه المقالة أن ما قاله فيهم يتم وإنما ~~قاله ظنا، فلما اتبعوه وأطاعوه صدق عليهم ما ظنه فيهم. قال الحسن: إنه ~~لم يسل عليهم سيفا ولا ضربهم بسوط وإنما وعدهم ومناهم فاغتروا. ### || [34.21-23] # قال الله تعالى: { وما كان له عليهم من سلطن } ، أي: ~~ما كان تسليطنا إياه عليهم، { إلا لنعلم من يؤمن ~~بالأخرة ممن هو منها فى شك } ، أي: إلا لنعلم، لنرى ~~ونميز المؤمن من الكافر، وأراد علم ms1878 الوقوع والظهور، وقد كان معلوما عنده ~~بالغيب، { وربك على كل شىء حفيظ } ، رقيب. # { قل } ، يا محمد لكفار مكة، { ادعوا الذين زعمتم } ، ~~أنهم آلهة، { من دون الله } ، وفي الآية حذف، أي: ادعوهم ليكشفوا ~~الضر الذي نزل بكم في سني الجوع، ثم وصفها فقال: { لا يملكون ~~مثقال ذرة فى السموت ولا فى الأرض } ، من خير وشر ~~ونفع وضر { وما لهم } ، أي: للآلهة، { فيهما } ، في السموات ~~والأرض، { من شرك } ، شركة، { وما له } ، أي: وما لله، { منهم ~~من ظهير } ، عون. # { ولا تنفع الشفعة عنده إلا لمن أذن له } ، ~~الله في الشفاعة، قاله تكذيبا لهم حيث قالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، ~~ويجوز أن يكون المعنى إلا لمن أذن الله في أن يشفع له، وقرأ أبو عمرو ~~وحمزة والكسائي: { أذن } بضم الهمزة، { حتى إذا فزع عن ~~قلوبهم } ، قرأ ابن عامر، ويعقوب بفتح الفاء والزاي، وقرأ الآخرون ~~بضم الفاء وكسر الزاي أي: كشف الفزع وأخرج عن قلوبهم، فالتفزيع إزالة ~~الفزع كالتمريض والتفريد. # واختلفوا في الموصوفين بهذه الصفة، فقال قوم: هم الملائكة، ثم اختلفوا ~~في ذلك السبب فقال بعضهم: إنما يفزع عن قلوبهم من غشية نصيبهم عند سماع ~~كلام الله عز وجل. وروينا عن أبي هريرة أن نبي الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله ~~كأنه سلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم { قالوا: ماذا قال ~~ربكم قالوا الحق وهو العلى الكبير } ". # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، قال أنبأني محمد بن ~~الفضل بن محمد، أخبرنا أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، أخبرنا زكريا بن ~~يحيى بن أبان المصري، أخبرنا نعيم بن حماد، أخبرنا أبو الوليد بن مسلم، ~~عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن ابن أبي زكريا، عن رجاء بن حيوة عن ~~النواس بن سمعان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا أراد الله أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي أخذت السموات منه رجفة أو ~~قال: رعدة شديدة خوفا من الله تعالى، ms1879 فإذا سمع بذلك أهل السموات صعقوا ~~وخروا لله سجدا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما ~~أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة كلما مر بسماء سأله ملائكتها ماذا قال ~~ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحق وهو العلي الكبير، قال فيقولون ~~كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي حيث أمره الله ". # وقال بعضهم: إنما يفزعون حذرا من قيام الساعة. # قال مقاتل والكلبي والسدي: كانت الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام، ~~خمسمائة وخمسين سنة، وقيل ستمائة سنة لم تسمع الملائكة فيها وحيا، فلما ~~بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالرسالة فلما سمعت الملائكة ظنوا ~~أنها الساعة، لأن محمدا صلى الله عليه وسلم عند أهل السموات من أشراط ~~الساعة، فصعقوا مما سمعوا خوفا من قيام الساعة، فلما انحدر جبريل جعل ~~يمر بأهل كل سماء فيكشف عنهم فيرفعون رؤوسهم ويقول بعضهم لبعض: ماذا قال ~~ربكم؟ قالوا: قال الحق يعني الوحي، وهو العلي الكبير. # وقال جماعة: الموصوفون بذلك المشركون. # قال الحسن وابن زيد: حتى إذا كشف الفزع عن قلوب المشركين عند نزول الموت ~~بهم إقامة للحجة عليهم قالت لهم الملائكة ماذا قال ربكم في الدنيا؟ ~~قالوا: الحق فأقروا به حين لا ينفعهم الإقرار. ### || [34.24-28] # قوله تعالى: { قل من يرزقكم من السموت والأرض } ~~، فالرزق من السموات: المطر، ومن الأرض: النبات، { قل الله } ، أي: ~~إن لم يقولوا رازقنا الله فقل أنت إن رازقكم هو الله، { وإنآ أو ~~إياكم لعلى هدى أو فى ضلل مبين } ، ليس هذا على ~~طريق الشك ولكن على جهة الإنصاف في الحجاج، كما يقول القائل للآخر: أحدنا ~~كاذب، وهو يعلم أنه صادق وصاحبه كاذب. # والمعنى: ما نحن وأنتم على أمر واحد بل أحد الفريقين مهتد والآخر ضال، ~~فالنبي صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه على الهدى، ومن خالفه في ضلال، ~~فكذبهم من غير أن يصرح بالتكذيب. # وقال بعضهم: " أو " بمعنى الواو، والألف فيه صلة، كأنه قال: وإنا وإياكم ~~لعلى هدى أو في ضلال مبين، يعني: نحن على ms1880 الهدى وأنتم في الضلال. # { قل لا تسئلون عمآ أجرمنا ولا نسئل عما ~~تعملون }. # { قل يجمع بيننا ربنا } ، يعني: يوم القيامة، { ثم ~~يفتح } ، يقضي، { بيننا بالحق وهو الفتاح ~~العليم }. # { قل أرونى الذين ألحقتم به شركآء } ، أي: ~~أعلموني الذين ألحقتموهم به، أي: بالله شركاء في العبادة معه هل يخلقون ~~وهل يرزقون، { كلا } ، لا يخلقون ولا يرزقون، { بل هو العزيز ~~} ، الغالب على أمره، { الحكيم } ، في تدبيره لخلقه فأنى يكون له ~~شريك في ملكه. # قوله عز وجل: { ومآ أرسلنك إلا كآفة للناس } ، ~~يعني: للناس عامة أحمرهم وأسودهم، { بشيرا ونذيرا } ، أي: مبشرا ~~ومنذرا، { ولكن أكثر الناس لا يعلمون }. وروينا عن ~~جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة ". # وقيل: كافة أي: كافا يكفهم عما هم عليه من الكفر، والهاء للمبالغة. ### || [34.29-36] # { ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صدقين } , ~~يعني القيامة. { قل لكم ميعاد يوم لا تستئخرون ~~عنه ساعة ولا تستقدمون } , أي: لا تتقدمون عليه يعني يوم ~~القيامة، وقال الضحاك: يوم الموت لا تتأخرون عنه ولا تتقدمون بأن يزاد في ~~أجلكم أو ينقص منه. # { وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرءان ~~ولا بالذى بين يديه } ، يعني: التوراة والإنجيل، { ولو ~~ترى } ، يا محمد، { إذ الظلمون موقوفون } ، محبوسون، { ~~عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول } ، يرد ~~بعضهم إلى بعض القول في الجدال، { يقول الذين استضعفوا } ، ~~استحقروا وهم الأتباع، { للذين استكبروا } ، وهم القادة ~~والأشراف، { لولا أنتم لكنا مؤمنين } ، أي: أنتم منعتمونا ~~عن الإيمان بالله ورسوله. # { قال الذين استكبروا } ، أجابهم المتبوعون في الكفر، { ~~للذين استضعفوا أنحن صددنكم عن الهدى ~~بعد إذ جآءكم بل كنتم مجرمين } ، بترك الإيمان. # { وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل ~~مكر اليل والنهار } ، أي: مكركم بنا في الليل والنهار، ~~والعرب تضيف الفعل إلى الليل والنهار على توسع الكلام، كما قال الشاعر: # ونمت وما ليل المطي بنائم # وقيل: مكر الليل والنهار هو طول السلامة وطول الأمل فيهما، كقوله تعالى: # فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم # [الحديد: 16]. # { إذ تأمروننآ أن ms1881 نكفر بالله ونجعل له ~~أندادا وأسروا } ، وأظهروا { الندامة } ، وقيل: أخفوا، وهو ~~من الأضداد، { لما رأوا العذاب وجعلنا الاغلل ~~فى أعناق الذين كفروا } ، في النار الأتباع والمتبوعين ~~جميعا. { هل يجزون إلا ما كانوا يعملون } من الكفر ~~والمعاصي في الدنيا. # { ومآ أرسلنا فى قرية من نذير إلا قال ~~مترفوهآ } ، رؤساؤها وأغنياؤها، { إنا بمآ أرسلتم به ~~كفرون }. # { وقالوا } ، يعني: قال المترفون للفقراء الذين آمنوا: { نحن ~~أكثر أمولا وأولدا } ، ولو لم يكن الله راضيا بما نحن ~~عليه من الدين والعمل لم يخولنا الأموال والأولاد، { وما نحن ~~بمعذبين } ، أي: إن الله أحسن إلينا في الدنيا بالمال والولد فلا ~~يعذبنا. # { قل إن ربى يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر } ، ~~يعني: أن الله يسبط الرزق ويقدر ابتلاء وامتحانا لا يدل البسط على رضا ~~الله عنه ولا التضييق على سخطه، { ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون } ، أنها كذلك. ### || [34.37-39] # { ومآ أمولكم ولا أولدكم بالتى تقربكم ~~عندنا زلفى } ، أي: قربى، قال الأخفش: " قربى " اسم مصدر كأنه قال ~~بالتي تقربكم عندنا تقريبا، { إلا من ءامن } ، يعني: لكن من ~~آمن، { وعمل صلحا } ، قال ابن عباس: يريد إيمانه وعمله يقربه ~~مني، { فأولئك لهم جزآء الضعف بما عملوا } ، أي: ~~يضعف الله لهم حسناتهم فيجزي بالحسنة الواحدة عشرة إلى سبعمائة قرأ ~~يعقوب: «جزاء» منصوبا منونا «الضعف» رفع، تقديره: فأولئك لهم الضعف ~~جزاء، وقرأ العامة بالإضافة، { وهم فى الغرفت ءامنون } ، ~~قرأ حمزة: «في الغرفة» على واحدة، وقرأ الآخرون بالجمع لقوله: # لنبوئنهم من الجنة غرفا # [العنكبوت: 58]. # { والذين يسعون } ، يعملون، { فى ءايتنا } ، في إبطال ~~حجتنا، { معاجزين } ، معاندين يحسبون أنهم يعجزوننا ويفوتوننا، { ~~أولئك فى العذاب محضرون }. # { قل إن ربى يبسط الرزق لمن يشآء من عباده ~~ويقدر له وما أنفقتم من شىء فهو يخلفه } ، أي: ~~يعطي خلفه، قال سعيد بن جبير: ما كان في غير إسراف ولا تقتير فهو ~~يخلفه. # وقال الكلبي: ما تصدقتم من صدقة وأنفقتم في الخير من نفقة فهو يخلفه على ~~المنفق، إما أن يعجله في الدنيا وإما أن يدخره له في الآخرة. # { وهو خير الرازقين } ، خير من ms1882 يعطي ويرزق. # وروينا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله تعالى قال: أنفق أنفق عليك ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، حدثنا إسماعيل، حدثنا أبي، عن ~~سليمان هو ابن بلال، عن معاوية بن أبي مزرد، عن أبي الحباب، عن أبي هريرة ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم أعط ~~منفقا خلفا، ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، ~~أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، أخبرنا حميد بن ~~زنجويه، أخبرنا ابن أبي أويس، أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن العلاء بن ~~عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع ~~أحد لله إلا رفعه الله ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو جعفر ~~الرياني، أخبرنا حميد ابن زنجويه، أخبرنا أبو الربيع، أخبرنا عبد الحميد ~~بن الحسن الهلالي، أخبرنا محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: قال ~~رسول الله: # " «كل معروف صدقة وكل ما أنفق الرجل على نفسه وأهله كتب له صدقة، وما ~~وفى به الرجل عرضه كتب له بها صدقة»، قلت: ما يعني وقى الرجل عرضه؟ قال: ~~«ما أعطى الشاعر وذا اللسان للمتقى، وما أنفق المؤمن من نفقة فعلى الله ~~خلفها ضامنا إلا ما كان من نفقة في بنيان أو في معصية الله عز ~~وجل» ". # قوله: «قلت ما يعني» يقول عبد الحميد لمحمد بن المنكدر. # قال مجاهد: إذا كان في يد أحدكم شيء فليقتصد، ولا يتأول هذه الآية. " ~~وما أنفقتم من شيء فهو مخلفه " ، فإن الرزق مقسوم لعل رزقه قليل، وهو ~~ينفق نفقة الموسع عليه. ومعنى الآية: وما كان من ms1883 خلف فهو منه. ### || [34.40-44] # قوله تعالى: { ويوم يحشرهم } ، قرأ يعقوب وحفص: «يحشرهم»، ~~وقرأ الآخرون بالنون، { جميعا } , يعني: هؤلاء الكفار، { ثم ~~يقول للملئكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون ~~} , في الدنيا، قال قتادة: هذا استفهام تقرير، كقوله تعالى لعيسى: # أءنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون ~~الله # [المائدة: 116]، فتتبرأ منهم الملائكة. # { قالوا سبحنك } ، تنزيها لك، { أنت ولينا من ~~دونهم } ، أي: نحن نتولاك ولا نتولاهم، { بل كانوا يعبدون ~~الجن } ، يعني: الشياطين، فإن قيل هم كانوا يعبدون الملائكة فكيف وجه ~~قوله: { يعبدون الجن } ، قيل: أراد الشياطين زينوا لهم عبادة ~~الملائكة، فهم كانوا يطيعون الشياطين في عبادة الملائكة، فقوله: { ~~يعبدون } أي: يطيعون الجن، { أكثرهم بهم مؤمنون } ، ~~يعني: مصدقون للشياطين. # ثم يقول الله: { فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ~~} ، بالشفاعة، { ولا ضرا } بالعذاب، يريد أنهم عاجزون، لا نفع عندهم ~~ولا ضر، { ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار ~~التى كنتم بها تكذبون }. # { وإذا تتلى عليهم ءايتنا بينات قالوا ما ~~هذا } ، يعنون محمد صلى الله عليه وسلم، { إلا رجل يريد أن ~~يصدكم عما كان يعبد ءابآؤكم وقالوا ما هذآ ~~إلا إفك مفترى } ، يعنون القرآن، { وقال الذين ~~كفروا للحق لما جآءهم إن هذآ إلا سحر ~~مبين } ، أي بين. # { ومآ ءاتينهم } ، يعني: هؤلاء المشركين، { من كتب ~~يدرسونها } يقرؤونها، { ومآ أرسلنا إليهم قبلك ~~من نذير } ، أي: لم يأت العرب قبلك نبي ولا نزل عليهم كتاب. ### || [34.45-48] # { وكذب الذين من قبلهم } ، من الأمم رسلنا، وهم: عاد ~~وثمود، وقوم إبراهيم، وقوم لوط وغيرهم، { وما بلغوا } يعني: هؤلاء ~~المشركين، { معشار } ، أي: عشر، { مآ ءاتينهم } ، أي: ~~أعطينا الأمم الخالية من القوة والنعمة وطول العمر، { فكذبوا ~~رسلى فكيف كان نكير } ، أي: إنكاري وتغييري عليهم، يحذر ~~كفار هذه الأمة عذاب الأمم الماضية. # { قل إنمآ أعظكم بوحدة } ، آمركم وأوصيكم بواحدة, أي ~~بخصلة واحدة، ثم بين تلك الخصلة فقال: { أن تقوموا لله } ، ~~لأجل الله، { مثنى } ، أي: اثنين اثنين، { وفرادى } ، أي: ~~واحدا واحدا، { ثم تتفكروا } ، جميعا أي: تجتمعون فتنظرون ~~وتتحاورون وتنفردون، فتفكرون في حال محمد صلى الله عليه وسلم فتعلموا، ms1884 { ~~ما بصاحبكم من جنة } ، جنون، وليس المراد من القيام ~~القيام الذي هو ضد الجلوس، وإنما هو قيام بالأمر الذي هو في طلب الحق، ~~كقوله: # وأن تقوموا لليتمى بالقسط # [النساء: 127]. { إن هو } ، ما هو، { إلا نذير لكم بين ~~يدى عذاب شديد } ، قال مقاتل: تم الكلام عند قوله " ثم تتفكروا ~~" أي: في خلق السموات والأرض فتعلموا أن خالقهم واحد لا شريك له، ثم ~~ابتدأ فقال: " ما بصاحبكم من جنة ". # { قل ما سألتكم عليه } , على تبليغ الرسالة، { من أجر ~~} , جعل { فهو لكم } , يقول: قل لا أسألكم على تبليغ الرسالة ~~أجرا فتتهموني، ومعنى قوله: { فهو لكم } أي: لم أسألكم شيئا كقول ~~القائل: ما لي من هذا فقد وهبته لك يريد ليس لي فيه شيء، { إن أجرى ~~} ، ما ثوابي، { إلا على الله وهو على كل شىء ~~شهيد }. # { قل إن ربى يقذف بالحق } ، والقذف الرمي بالسهم ~~والحصى، والكلام، ومعناه: يأتي بالحق وبالوحي ينزله من السماء فيقذفه إلى ~~الأنبياء، { علم الغيوب } ، رفع بخبر أن، أي: وهو علام الغيوب. ### || [34.49-52] # { قل جآء الحق } ، يعني: القرآن والإسلام، { وما يبدىء ~~البطل وما يعيد } ، أي: ذهب الباطل وزهق فلم يبق منه بقية ~~يبدىء شيئا أو يعيد، كما قال تعالى: # بل نقذف بالحق على البطل فيدمغه # [الأنبياء: 18] وقال: قتادة: " الباطل " هو إبليس، وهو قول مقاتل ~~والكلبي، وقيل: " الباطل ": الأصنام. # { قل إن ضللت فإنمآ أضل على نفسى } ، وذلك أن ~~كفار مكة كانوا يقولون له: إنك قد ضللت حين تركت دين آبائك، قال الله ~~تعالى: { قل إن ضللت فإنمآ أضل على نفسى } أي: إثم ~~ضلالتي على نفسي، { وإن اهتديت فبما يوحى إلى ربى } ~~، من القرآن والحكمة، { إنه سميع قريب }. # { ولو ترى إذ فزعوا } ، قال قتادة عند البعث حين يخرجون من ~~قبورهم، { فلا فوت } ، أي: فلا يفوتونني كما قال: # ولات حين مناص # [ص: 3]، وقيل: إذ فزعوا فلا فوت ولا نجاة، { وأخذوا من مكان ~~قريب } ، قال الكلبي من تحت أقدامهم، وقيل: أخذوا من بطن الأرض إلى ~~ظهرها، وحيثما كانوا فهم من الله قريب، لا يفوتونه. وقيل: ms1885 من مكان قريب ~~يعني عذاب الدنيا. وقال الضحاك: يوم بدر. وقال ابن أبزي: خسف بالبيداء، ~~وفي الآية حذف تقديره: ولو ترى إذ فزعوا لرأيت أمرا تعتبر به. # { وقالوا ءامنا به } ، حين عاينوا العذاب، وقيل: عند اليأس. ~~وقيل: عند البعث. { وأنى } ، من أين، { لهم التناوش } ، قرأ ~~أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر: التناوش بالمد والهمز، وقرأ ~~الآخرون بواو صافية من غير مد ولا همز، ومعناه التناول، أي: كيف لهم ~~تناول ما بعد عنهم، وهو الإيمان والتوبة، وقد كان قريبا في الدنيا ~~فضيعوه، ومن همز قيل: معناه هذا أيضا. # وقيل التناوش بالهمزة من النبش وهو حركة في إبطاء، يقال: جاء نبشا أي: ~~مبطئا متأخرا، والمعنى من أين لهم الحركة فيما لا حيلة لهم فيه، وعن ~~ابن عباس قال: يسألون الرد إلى الدنيا فيقال وأنى لهم الرد إلى الدنيا. # { من مكان بعيد } ، أي: من الآخرة إلى الدنيا. ### || [34.53-54] # { وقد كفروا به من قبل } ، أي: بالقرآن، وقيل: بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم، من قبل أن يعاينوا العذاب وأهوال القيامة، { ~~ويقذفون بالغيب من مكان بعيد } ، قال مجاهد: يرمون ~~محمدا بالظن لا باليقين، وهو قولهم ساحر وشاعر وكاهن، ومعنى الغيب: هو ~~الظن لأنه غاب علمه عنهم، والمكان البعيد: بعدهم عن علم ما يقولون، ~~والمعنى يرمون محمدا بما لا يعلمون من حيث لا يعلمون. وقال قتادة: ~~يرجمون بالظن يقولون لا بعث ولا جنة ولا نار. # { وحيل بينهم وبين ما يشتهون } ، أي: الإيمان ~~والتوبة والرجوع إلى الدنيا. وقيل: نعيم الدنيا وزهرتها، { كما فعل ~~بأشيعهم } ، أي: بنظرائهم ومن كان على مثل حالهم من الكفار، { ~~من قبل } أي: لم يقبل منهم الإيمان والتوبة في وقت اليأس، { ~~إنهم كانوا فى شك } ، من البعث ونزول العذاب بهم، { مريب } ، ~~موقع لهم الريبة والتهمة. ### | [35 - سورة فاطر] ### || [35.1] # { الحمد لله فاطر السموت والأرض } ، خالقهما ~~ومبدعهما على غير مثال سبق، { جاعل الملئكة رسلا أولى ~~أجنحة } ، ذوي أجنحة { مثنى وثلث وربع } ، قال ~~قتادة ومقاتل: بعضهم له جناحان، وبعضهم له ثلاثة أجنحة، وبعضهم له أربعة ~~أجنحة، ويزيد ms1886 فيها ما يشاء وهو قوله: { يزيد فى الخلق ما ~~يشآء }. # وقال ابن مسعود في قوله عز وجل: # لقد رأى من ءايت ربه الكبرى # [النجم: 18]، قال رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح. # وقال ابن شهاب في قوله: " يزيد في الخلق ما يشاء " قال: حسن الصوت. # وعن قتادة قال: هو الملاحة في العينين. وقيل: هو العقل والتمييز. # { إن الله على كل شىء قدير }. ### || [35.2-5] # { ما يفتح الله للناس من رحمة } ، [قيل: من مطر ~~ورزق]، { فلا ممسك لها } ، لا يستطيع أحد على حبسها، { وما ~~يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز } ، فيما ~~أمسك { الحكيم } ، فيما أرسل. # أخبرنا الإمام أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي، أخبرنا أبو الحسن ~~أحمد بن محمد بن موسى بن الصلت، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد ~~الهاشمي، أخبرنا عبيد بن أسباط، أخبرنا أبي، أخبرنا عبد الملك بن عمير، ~~عن وراد, عن المغيرة بن شعبة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: # " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء ~~قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك ~~الجد ". # { يأيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل ~~من خلق غير الله } ، قرأ حمزة والكسائي «غير» بجر الراء، ~~وقرأ الآخرون برفعها على معنى هل خالق غير الله، لأن «من» زيادة، وهذا ~~استفهام على طريق التقرير كأنه قال: لا خالق غير الله، { يرزقكم ~~من السمآء والأرض } ، أي: من السماء المطر ومن الأرض النبات، ~~{ لا إله إلا هو فأنى تؤفكون }. # { وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك } ، يعزي ~~نبيه صلى الله عليه وسلم، { وإلى الله ترجع الامور }. # { يأيها الناس إن وعد الله حق } ، يعني وعد يوم ~~القيامة، { فلا تغرنكم الحيوة الدنيا ولا ~~يغرنكم بالله الغرور } ، وهو الشيطان. ### || [35.6-8] # { إن الشيطن لكم عدو فاتخذوه عدوا } ، أي: ~~عادوه بطاعة الله ولا تطيعوه، { إنما يدعو حزبه } ، أي: ~~أشياعه وأولياءه، { ليكونوا من ms1887 أصحب السعير } ، أي: ~~ليكونوا في السعير، ثم بين حال موافقيه ومخالفيه فقال: # { الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين ءامنوا ~~وعملوا الصلحت لهم مغفرة وأجر كبير }. # قوله تعالى: { أفمن زين له سوء عمله } ، قال ابن عباس: ~~نزلت في أبي جهل ومشركي مكة. وقال سعيد بن جبير: نزلت في أصحاب الأهواء ~~والبدع. # وقال قتادة: منهم الخوارج الذين يستحلون دماء المسلمين وأموالهم، فأما ~~أهل الكبائر فليسوا منهم لأنهم لا يستحلون الكبائر. # { أفمن زين } شبه وموه عليه وحسن { له سوء ~~عمله } أي: قبيح عمله، { فرءاه حسنا } ، زين له الشيطان ذلك ~~بالوسواس. # وفي الآية حذف مجازه: أفمن زين له سوء عمله فرأى الباطل حقا كمن هداه ~~الله فرأى الحق حقا والباطل باطلا، { فإن الله يضل من ~~يشآء ويهدى من يشآء }. # وقيل: جوابه تحت قوله: { فلا تذهب نفسك عليهم حسرت ~~} ، فيكون معناه: أفمن زين له سوء عمله فأضله الله ذهبت نفسك عليه حسرة، ~~أي تتحسر عليه فلا تذهب نفسك عليهم حسرات. # وقال الحسين بن الفضل: فيه تقديم وتأخير مجازه: أفمن زين له سوء عمله ~~فرآه حسنا فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، فإن الله يضل من يشاء ويهدي من ~~يشاء، والحسرة شدة الحزن على ما فات من الأمر، ومعنى الآية: لا تغتم ~~بكفرهم وهلاكهم إن لم يؤمنوا. # وقرأ أبو جعفر: " فلا تذهب " بضم التاء وكسر الهاء " نفسك " نصب، ~~{ إن الله عليم بما يصنعون }. ### || [35.9-10] # { والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا ~~فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد ~~موتها كذلك النشور } من القبور. # قوله عز وجل: { من كان يريد العزة فلله العزة ~~جميعا } ، قال الفراء: معنى الآية من كان يريد أن يعلم لمن العزة ~~فلله العزة جميعا. # وقال قتادة: من كان يريد العزة فليتعزز بطاعة الله معناه الدعاء إلى ~~طاعة من له العزة، أي: فليطلب العزة من عند الله بطاعته، كما يقال: من ~~كان يريد المال لفلان، أي: فليطلبه من عنده، وذلك أن الكفار عبدوا ~~الأصنام وطلبوا به التعزز كما قال الله: # واتخذوا من دون الله ءالهة ms1888 ليكونوا لهم عزا ~~كلا # [مريم: 81]، وقال: # الذين يتخذون الكافرين أوليآء من دون ~~المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة ~~لله جميعا # [النساء: 139]. # { إليه } ، أي: إلى الله، { يصعد الكلم الطيب } ، وهو ~~قوله لا إله إلا الله، وقيل: هو قول الرجل: سبحان الله والحمد لله ولا ~~إله إلا الله والله أكبر. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو جعفر ~~الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أخبرنا الحجاج بن نصر، أخبرنا المسعودي ~~عن عبد الله بن المحارق، عن أبيه، عن ابن مسعود قال: إذا حدثتكم حديثا ~~أنبأتكم بمصداقه من كتاب الله عز وجل: ما من عبد مسلم يقول خمس كلمات: ~~سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وتبارك الله، إلا ~~أخذهن ملك فجعلهن تحت جناحه ثم صعد بهن فلا يمر بهن على جمع من الملائكة ~~إلا استغفروا لقائلهن حتى يحيي بها وجه رب العالمين، ومصداقه من كتاب ~~الله عز وجل قوله: { إليه يصعد الكلم الطيب } ، ذكره ~~ابن مسعود. # وقيل: " الكلم الطيب ": ذكر الله. وعن قتادة: " إليه يصعد الكلم الطيب " ~~أي: يقبل الله الكلم الطيب. # قوله عز وجل: { والعمل الصلح يرفعه } ، أي: يرفع ~~العمل الصالح الكلام الطيب، فالهاء في قوله يرفعه راجعة إلى الكلم الطيب، ~~وهو قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، وعكرمة، وأكثر المفسرين. # وقال الحسن وقتادة: الكلم الطيب ذكر الله والعمل الصالح أداء فرائضه، ~~فمن ذكر الله ولم يؤد فرائضه رد كلامه على عمله، وليس الإيمان ~~بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال، فمن قال ~~حسنا وعمل غير صالح رد الله عليه قوله، ومن قال حسنا وعمل صالحا ~~يرفعه العمل ذلك بأن الله يقول: { إليه يصعد الكلم ~~الطيب والعمل الصلح يرفعه }. وجاء في الحديث: # " لا يقبل الله قولا إلا بعمل ولا قولا ولا عملا إلا بنية ". # وقال قوم: الهاء في قوله «يرفعه» راجعة إلى العمل الصالح أي: الكلم ~~الطيب يرفع العمل الصالح، فلا يقبل عمل إلا أن يكون صادرا عن التوحيد، ~~وهذا معنى قول ms1889 الكلبي ومقاتل. # وقيل: الرفع من صفة الله عز وجل معناه: العمل الصالح يرفعه الله عز ~~وجل. # وقال سفيان بن عيينة العمل الصالح هو الخالص، يعني أن الإخلاص سبب قبول ~~الخيرات من الأقوال والأفعال، دليله قوله عز وجل: # فليعمل عملا صلحا ولا يشرك بعبادة ربه ~~أحدا # [الكهف: 110]، فجعل نقيض الصالح الشرك والرياء، { والذين يمكرون ~~السيئات } ، قال الكلبي: أي: الذين يعملون السيئات. وقال مقاتل: يعني ~~الشرك. وقال أبو العالية: يعني الذين مكروا برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في دار الندوة، كما قال الله تعالى: # وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك # [الأنفال: 30]. # وقال مجاهد: وشهر بن حوشب: هم أصحاب الرياء. # { لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور } يبطل ~~ويهلك في الآخرة. ### || [35.11-12] # قوله عز وجل: { والله خلقكم من تراب } ، أي: آدم، { ~~ثم من نطفة } ، يعني: نسله، { ثم جعلكم أزوجا } ، ~~ذكرانا وإناثا، { وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا ~~بعلمه وما يعمر من معمر } ، لا يطول عمره، { ولا ~~ينقص من عمره } ، يعني: من عمر آخر، كما يقال لفلان عندي درهم ~~ونصفه أي: نصف درهم آخر، { إلا فى كتب } ، وقيل: قوله: " ولا ~~ينقص من عمره " منصرف إلى الأول، قال سعيد بن جبير: مكتوب في أم الكتاب ~~عمر فلان كذا وكذا سنة ثم يكتب أسفل من ذلك ذهب يوم ذهب يومان ذهب ثلاثة ~~أيام حتى ينقطع عمره. # وقال كعب الأحبار حين حضر عمر رضي الله عنه الوفاة: والله لو دعا عمر ~~ربه أن يؤخر أجله لأخر، فقيل له إن الله عز وجل يقول: # فإذا جآء أجلهم لا يستئخرون ساعة ولا ~~يستقدمون # [الأعراف: 34] فقال: هذا إذا حضر الأجل فأما قبل ذلك فيجوز أن يزاد ~~وينقص، وقرأ هذه الآية { إن ذلك على الله يسير } ، أي: ~~كتابة الآجال والأعمال على الله هين. # قوله عز وجل: { وما يستوى البحران } ، يعني: العذب ~~والمالح، ثم ذكرهما فقال: { هذا عذب فرات } ، طيب، { سآئغ ~~شرابه } ، أي: جائز في الحلق هنيء، { وهذا ملح أجاج } ، ~~شديد الملوحة. وقال الضحاك: هو المر. { ومن كل تأكلون لحما ms1890 ~~طريا } ، يعني: الحيتان من العذاب والمالح جميعا، { ~~وتستخرجون حلية } ، أي: من المالح دون العذب { ~~تلبسونها } ، يعني اللؤلؤ. وقيل: نسب اللؤلؤ إليهما لأنه يكون في ~~البحر الأجاج عيون عذبة تمتزج بالملح فيكون اللؤلؤ من ذلك، { وترى ~~الفلك فيه مواخر } ، جواري مقبلة ومدبرة بريح واحدة، { ~~لتبتغوا من فضله } ، بالتجارة، { ولعلكم تشكرون } ~~، الله على نعمه. ### || [35.13-26] # { يولج اليل فى النهار ويولج النهار فى اليل ~~وسخر الشمس والقمر كل يجرى لاجل مسمى ~~ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من ~~دونه } ، يعني: الأصنام، { ما يملكون من قطمير } ، وهو ~~لفافة النواة، وهي القشرة الرقيقة التي تكون على النواة. # { إن تدعوهم } ، يعني: إن تدعوا الأصنام، { لا يسمعوا ~~دعآءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم } ما أجابوكم، { ~~ويوم القيمة يكفرون بشرككم } يتبرؤون منكم ومن ~~عبادتكم إياها، ويقولون: ما كنتم إيانا تعبدون. { ولا ينبئك ~~مثل خبير } ، يعني: نفسه أي: لا ينبئك أحد مثلي خبير عالم ~~بالأشياء. # { يأيها الناس أنتم الفقرآء إلى الله } ، إلى فضل ~~الله والفقير المحتاج، { والله هو الغنى الحميد } ، الغني ~~عن خلقه المحمود في إحسانه إليهم. # { إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد * وما ذلك ~~على الله بعزيز } , شديد. # { ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة } ، ~~أي: نفس مثقلة بذنوبها غيرها، { إلى حملها } ، أي: حمل ما عليها ~~من الذنوب، { لا يحمل منه شىء ولو كان ذا قربى } ، ~~أي: ولو كان المدعو ذا قرابة له ابنه أو أباه أو أمه أو أخاه. قال ابن ~~عباس: يلقى الأب والأم ابنه فيقول: يا بني احمل عني بعض ذنوبي، فيقول: لا ~~أستطيع حسبي ما علي. # { إنما تنذر الذين يخشون } ، يخافون، { ربهم ~~بالغيب } ، ولم يروه. وقال الأخفش: تأويله أي: إنذارك إنما ينفع ~~الذين يخشون ربهم بالغيب، { وأقاموا الصلوة ومن تزكى } ~~، صلح وعمل خيرا، { فإنما يتزكى لنفسه } ، لها ثوابه، { ~~وإلى الله المصير }. # { وما يستوى الأعمى والبصير } ، يعني: الجاهل والعالم. ~~وقيل: الأعمى عن الهدى والبصير بالهدى، أي: المؤمن والمشرك. # { ولا الظلمات ولا النور } ، يعني: الكفر والإيمان. # { ولا الظل ولا الحرور } ، يعني: الجنة والنار، قال ms1891 ابن ~~عباس: " الحرور ": الريح الحارة بالليل، و " السموم " بالنهار. وقيل: " ~~الحرور " يكون بالنهار مع الشمس. # { وما يستوى الأحيآء ولا الأموات } ، يعني: المؤمنين ~~والكفار. وقيل: العلماء والجهال. # { إن الله يسمع من يشآء } ، حتى يتعظ ويجيب، { ومآ ~~أنت بمسمع من فى القبور } ، يعني: الكفار شبههم بالأموات ~~في القبور حين لم يجيبوا. # { إن أنت إلا نذير } ، ما أنت إلا منذر تخوفهم بالنار. # { إنآ أرسلنك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من ~~أمة } ، ما من أمة فيما مضى { إلا خلا } ، سلف، { فيها ~~نذير } ، نبي منذر. # { وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم ~~جآءتهم رسلهم بالبينت وبالزبر وبالكتب ~~المنير } ، الواضح كرر ذلك الكتاب بعد ذكر الزبر على طريق التأكيد. # { ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير }. ### || [35.27-28] # { ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء ~~فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن ~~الجبال جدد } ، طرق وخطط، واحدتها جدة، مثل: مدة ومدد، { بيض ~~وحمر مختلف ألونها وغرابيب سود } ، يعني: سود ~~غرابيب على التقديم والتأخير، يقال: أسود غربيب، أي: شديد السواد تشبيها ~~بلون الغراب، أي: طرائق سود. # { ومن الناس والدوآب والأنعم مختلف ألونه ~~} ، ذكر الكناية لأجل { من } ، وقيل: رد الكناية إلى ما في الإضمار، ~~مجازه: ومن الناس والدواب والأنعام ما هو مختلف ألوانه، { كذلك } ، ~~يعني كما اختلف ألوان الثمار والجبال، وتم الكلام هاهنا ثم ابتدأ فقال: # { إنما يخشى الله من عباده العلماء } ، قال ابن ~~عباس: يريد إنما يخافني من خلقي من علم جبروتي وعزتي وسلطاني. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عمر بن حفص، أخبرنا ~~الأعمش، أخبرنا مسلم، عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها: صنع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم شيئا فرخص فيه، فتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي صلى ~~الله عليه وسلم فخطب فحمد الله ثم قال: # " ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم ~~له خشية ". # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم ms1892 كثيرا ". # وقال مسروق: كفى بخشية الله علما وكفى بالاغترار بالله جهلا. وقال رجل ~~للشعبي: أفتني أيها العالم، فقال الشعبي: إنما العالم من خشي الله عز ~~وجل. # { إن الله عزيز غفور } ، أي: عزيز في ملكه غفور لذنوب ~~عباده. ### || [35.29-34] # قوله تعالى: { إن الذين يتلون كتب الله } ، يعني: ~~قرأوا القرآن، { وأقاموا الصلوة وأنفقوا مما ~~رزقنهم سرا وعلانية يرجون تجرة لن تبور ~~} ، لن تفسد ولن تهلك، والمراد من التجارة ما وعد الله من الثواب. # قال الفراء: قوله " يرجون " جواب لقوله: { إن الذين يتلون ~~كتب الله }. # { ليوفيهم أجورهم } ، جزاء أعمالهم بالثواب، { ~~ويزيدهم من فضله } قال ابن عباس: يعني سوى الثواب مما لم تر ~~عين ولم تسمع أذن، { إنه غفور شكور } ، قال ابن عباس: يغفر ~~العظيم من ذنوبهم ويشكر اليسير من أعمالهم. # { والذى أوحينآ إليك من الكتب } ، يعني القرآن، { ~~هو الحق مصدقا لما بين يديه } , من الكتب { إن ~~الله بعباده لخبير بصير }. # { ثم أورثنا الكتب } , يعني: الكتاب الذي أنزلناه إليك ~~الذي ذكر في الآية الأولى، وهو القرآن، جعلناه ينتهي إلى، { الذين ~~اصطفينا من عبادنا }. # ويجوز أن يكون «ثم» بمعنى الواو، أي وأورثنا، كقوله: # ثم كان من الذين ءامنوا # [البلد: 17]، أي: وكان من الذين آمنوا، ومعنى " أورثنا " أعطينا، لأن ~~الميراث عطاء، قاله مجاهد. # وقيل: «أورثنا» أي أخرنا، ومنه الميراث لأنه أخر عن الميت، ومعناه: ~~أخرنا القرآن عن الأمم السالفة وأعطيناكموه، وأهلناكم له. # { الذين اصطفينا من عبادنا } ، قال ابن عباس: يريد أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم، ثم قسمهم ورتبهم فقال: { فمنهم ظالم لنفسه ~~ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرت } , روي عن ~~أسامة بن زيد في قوله عز وجل: " فمنهم ضالم لنفسه " الآية، قال: قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " كلهم من هذه الأمة ". # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسين بن ~~محمد بن فنجويه، أخبرنا محمد بن علي بن الحسين بن القاضي، أخبرنا بكر بن ~~محمد المروزي، أخبرنا أبو قلابة، حدثنا عمرو بن الحصين، عن الفضل بن ~~عميرة، عن ميمون الكردي، عن أبي عثمان ms1893 النهدي قال: سمعت عمر بن الخطاب ~~قرأ على المنبر: { ثم أورثنا الكتب الذين اصطفينا ~~من عبادنا } ، الآية، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له " # ، قال أبو قلابة: فحدثت به يحيى بن معين فجعل يتعجب منه. # واختلف المفسرون في معنى الظالم والمقتصد والسابق. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو سعيد محمد بن عيسى ~~الصيرفي، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار، حدثنا أحمد بن ~~محمد بن عيسى البرتي، حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن الأعمش، عن ~~رجل، عن أبي ثابت أن رجلا دخل المسجد فقال: اللهم ارحم غربتي وآنس ~~وحشتي، وسق إلي جليسا صالحا، فقال أبو الدرداء: لئن كنت صادقا لأنا ~~أسعد بك منك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية: { ثم ~~أورثنا الكتب الذين اصطفينا من عبادنا ~~فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم ~~سابق بالخيرت } فقال: # " أما السابق بالخيرات فيدخل الجنة بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب ~~حسابا يسيرا، وأما الظالم لنفسه فيحبس في المقام حتى يدخله الهم، ثم ~~يدخل الجنة " # ثم قرأ هذه الآية: { وقالوا الحمد لله الذى أذهب ~~عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور }. # وقال عقبة بن صهبان سألت عائشة عن قول الله عز وجل: { ثم ~~أورثنا الكتب الذين اصطفينا من عبادنا } ~~الآية، فقالت: يا بني كلهم في الجنة أما السابق بالخيرات فمن مضى على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالجنة، وأما المقتصد فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق به، وأما الظالم ~~لنفسه فمثلي ومثلكم، فجعلت نفسها معنا. # وقال مجاهد، والحسن، وقتادة: فمنهم ظالم لنفسه وهم أصحاب المشئمة، ومنهم ~~مقتصد وهم أصحاب الميمنة، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله هم السابقون ~~المقربون من الناس كلهم. # وعن ابن عباس قال: السابق: المؤمن المخلص، والمقتصد المرائي، والظالم: ~~الكافر نعمة الله غير الجاحد لها، لأنه حكم للثلاثة بدخول الجنة فقال: { ~~جنت عدن يدخلونها }. # وقال بعضهم: يذكر ms1894 ذلك عن الحسن، قال: السابق من رجحت حسناته على سيئاته، ~~والمقتصد من استوت حسناته وسيئاته، والظالم من رجحت سيئاته على حسناته. # وقيل: الظالم من كان ظاهره خيرا من باطنه، والمقتصد الذي استوى ظاهره ~~وباطنه، والسابق الذي باطنه خير من ظاهره. # وقيل: الظالم من وحد الله بلسانه ولم يوافق فعله قوله، والمقتصد من ~~وحد الله بلسانه وأطاعه. بجوارحه، والسابق من وحد الله بلسانه وأطاعه ~~بجوارحه وأخلص له عمله. # وقيل: الظالم التالي للقرآن، والمقتصد القارىء له العالم به، والسابق ~~القارىء له العالم به العامل بما فيه. # وقيل: الظالم أصحاب الكبائر والمقتصد أصحاب الصغائر، والسابق الذي لم ~~يرتكب كبيرة ولا صغيرة. # وقال سهل بن عبد الله: السابق العالم، والمقتصد المتعلم، والظالم ~~الجاهل. # قال جعفر الصادق: بدأ بالظالمين إخبارا بأنه لا يتقرب إليه إلا بكرمه، ~~وأن الظلم لا يؤثر في الاصطفاء، ثم ثنى بالمقتصدين لأنهم بين الخوف ~~والرجاء، ثم ختم بالسابقين لئلا يأمن أحد مكره، وكلهم في الجنة. # وقال أبو بكر الوراق: رتبهم هذا الترتيب على مقامات الناس، لأن أحوال ~~العبد ثلاثة: معصية وغفلة ثم توبة ثم قربة، فإن عصى دخل في حيز الظالمين، ~~فإذا تاب دخل في جملة المقتصدين، وإذا صحت التوبة وكثرت العبادة ~~والمجاهدة دخل في عداد السابقين. # وقال بعضهم: المراد بالظالم الكافر ذكره الكلبي. # وقيل: المراد منه المنافق، فعلى هذا لا يدخل الظالم في قوله: { ~~جنت عدن يدخلونها } وحمل هذا القائل الاصطفاء على ~~الاصطفاء في الخلقة وإرسال الرسول إليهم وإنزال الكتب والأول هو المشهور ~~أن المراد من جميعهم المؤمنون، وعليه عامة أهل العلم. # قوله: { ومنهم سابق بالخيرت } أي: سابق إلى الجنة أو إلى ~~رحمة الله بالخيرات، أي: بالأعمال الصالحات، { بإذن الله } ، أي: ~~بأمر الله وإرادته، { ذلك هو الفضل الكبير } ، يعني: ~~إيراثهم الكتاب. # ثم أخبر بثوابهم فقال: { جنت عدن يدخلونها } ، يعني: ~~الأصناف الثلاثة، قرأ أبو عمرو و«يدخلونها» بضم الياء وفتح الخاء، ~~وقرأ الآخرون بفتح الياء وضم الخاء، { يحلون فيها من أساور ~~من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير }. { وقالوا } ~~, أي: ويقولون إذا دخلوا ms1895 الجنة: { الحمد لله الذى أذهب ~~عنا الحزن } , والحزن واحد كالبخل والبخل. قال ابن عباس: حزن ~~النار. وقال قتادة: حزن الموت. وقال مقاتل: حزنوا لأنهم كانوا لا يدرون ~~ما يصنع الله بهم. وقال عكرمة: حزن الذنوب والسيئات وخوف رد الطاعات. ~~وقال القاسم: حزن زوال النعم وتقليب القلب، وخوف العاقبة، وقيل: حزن ~~أهوال يوم القيامة. وقال الكلبي: ما كان يحزنهم في الدنيا من أمر يوم ~~القيامة. وقال سعيد بن جبير: هم الخبز في الدنيا. وقيل: هم المعيشة. ~~وقال الزجاج: أذهب الله عن أهل الجنة كل الأحزان ما كان منها لمعاش أو ~~لمعاد. # أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن الضحاك الخطيب، حدثنا أبو إسحاق ~~إبراهيم بن محمد الإسفرايني، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم ~~الإسماعيلي، أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد الترابي، حدثنا يحيى بن عبد ~~الحميد، حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في منشرهم، وكأني ~~بأهل لا إله إلا الله ينفضون التراب عن رؤوسهم، ويقولون الحمد لله الذي ~~أذهب عنا الحزن ". # قوله تعالى: { إن ربنا لغفور شكور }. ### || [35.35-37] # { الذى أحلنا } أنزلنا، { دار المقامة } , أي: ~~الإقامة، { من فضله لا يمسنا فيها نصب } , أي: لا ~~يصيبنا فيها عناء ومشقة، { ولا يمسنا فيها لغوب } , إعياء من ~~التعب. # قوله تعالى: { والذين كفروا لهم نار جهنم لا ~~يقضى عليهم فيموتوا } ، أي: لا يهلكون فيستريحوا كقوله عز ~~وجل: # فوكزه موسى فقضى عليه # [القصص: 15]، أي: قتله. وقيل: لا يقضي عليهم الموت فيموتوا، كقوله: # ونادوا يملك ليقض علينا ربك # [الزخرف: 77]، أي: ليقض علينا الموت فنستريح، { ولا يخفف ~~عنهم من عذابها } ، من عذاب النار، { كذلك نجزى كل ~~كفور } ، كافر، قرأ أبو عمرو: «يجزي» بالياء وضمها وفتح الزاي «كل» رفع ~~على غير تسمية الفاعل، وقرأ الآخرون بالنون وفتحها وكسر الزاي، «كل» ~~نصب. # { وهم يصطرخون } ، يستغيثون ويصيحون، { فيها } وهم يفتعلون من ~~الصراخ وهو الصياح يقولون: { ربنآ أخرجنا ms1896 } ، منها من النار، { ~~نعمل صلحا غير الذى كنا نعمل } ، في الدنيا من ~~الشرك والسيئات، فيقول الله لهم توبيخا: # { أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر } ، ~~قيل: هو البلوغ. وقال عطاء وقتادة والكلبي: ثمان عشرة سنة. وقال الحسن: ~~أربعون سنة. وقال ابن عباس: ستون سنة، يروي ذلك عن علي وهو العمر الذي ~~أعذر الله تعالى إلى ابن آدم. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عبد السلام بن مطهر، حدثنا ~~عمر بن علي، عن معن بن محمد الغفاري، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن ~~أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أعذر الله تعالى إلى امرىء أخر أجله حتى بلغه ستين سنة ". # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا الحسين بن ~~محمد بن فنجويه، حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، حدثنا إبراهيم بن سهلويه، ~~حدثنا الحسن بن عرفة، أخبرنا المحاربي عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلىالله عليه وسلم: # " أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك ". # قوله: { وجآءكم النذير } ، يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم، ~~هذا قول أكثر المفسرين. وقيل: القرآن. وقال عكرمة، وسفيان بن عيينة، ~~ووكيع: هو الشيب. معناه: أولم نعمركم حتى شبتم. ويقال: الشيب نذير ~~الموت. وفي الأثر: ما من شعرة تبيض إلا قالت لأختها استعدي فقد قرب ~~الموت. # قوله: { فذوقوا فما للظلمين من نصير }. ### || [35.38-39] # { إن الله علم غيب السموت والأرض إنه ~~عليم بذات الصدور }. # { هو الذى جعلكم خلئف فى الأرض } , أي: يخلف بعضكم ~~بعضا، وقيل: جعلكم أمة خلفت من قبلها. ورأت فيمن قبلها، ما ينبغي أن ~~تعتبر به. { فمن كفر فعليه كفره } ، أي: عليه وبال كفره { ~~ولا يزيد الكفرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ~~} ، غضبا { ولا يزيد الكفرين كفرهم إلا خسارا }. ### || [35.40-42] # { قل أرءيتم شركآءكم الذين تدعون من دون ~~الله } ، أي: جعلتموهم شركائي بزعمكم يعني: ms1897 الأصنام، { أرونى ~~ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك فى السموت ~~أم ءاتينهم كتبا } ، قال مقاتل: هل أعطينا كفار مكة ~~كتابا، { فهم على بينة منه } ، قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ~~وحمزة، وحفص، «بينة» على التوحيد، وقرأ الآخرون: «بينات» على الجمع، يعني ~~دلائل واضحة منه في ذلك الكتاب من ضروب البيان. # { بل إن يعد } ، أي: ما يعد، { الظلمون بعضهم ~~بعضا إلا غرورا } ، والغرور ما يغر الإنسان مما لا أصل له، قال ~~مقاتل: يعني ما يعد الشيطان كفار بني آدم من شفاعة الآلهة لهم في ~~الآخرة غرور وباطل. # قوله تعالى: { إن الله يمسك السموت والأرض أن ~~تزولا } ، أي: كيلا تزولا، { ولئن زالتآ إن أمسكهما ~~من أحد من بعده } ، أي: ما يمسكهما أحد من بعده، أي: أحد ~~سواه، { إنه كان حليما غفورا } ، فإن قيل: فما معنى ذكر ~~الحلم هاهنا؟ قيل: لأن السموات والأرض همت بما همت به من عقوبة الكفار ~~فأمسكهما الله تعالى عن الزوال بحلمه وغفرانه أن يعاجلهم بالعقوبة. # { وأقسموا بالله جهد أيمنهم } , يعني: كفار مكة ~~لما بلغهم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم قالوا: لعن الله اليهود والنصارى ~~أتتهم رسلهم فكذبوهم، وأقسموا بالله وقالوا لو أتانا رسول الله لنكونن ~~أهدى دينا منهم، وذلك قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، فلما بعث محمد ~~كذبوه، فأنزل الله عز وجل: { وأقسموا بالله جهد ~~أيمنهم لئن جآءهم نذير } , رسول، { ليكونن ~~أهدى من إحدى الامم } , يعني: من اليهود والنصارى, { ~~فلما جآءهم نذير } , محمد صلى الله عليه وسلم، { ما ~~زادهم إلا نفورا } ، أي ما زادهم مجيئه إلا تباعدا عن الهدى. ### || [35.43-45] # { استكبارا فى الأرض } ، نصب " استكبارا " على البدل من ~~النفور، { ومكر السيىء } , يعني: العمل القبيح، أضيف المكر إلى ~~صفته، قال الكلبي: هو اجتماعهم على الشرك وقتل النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وقرأ حمزة «مكر السيىء» ساكنة الهمزة تخفيفا وهي قراءة الأعمش، { ولا ~~يحيق المكر السيىء } , أي: لا يحل ولا يحيط المكر السيىء، { ~~إلا بأهله } , فقتلوا يوم بدر، وقال ابن عباس: عاقبة الشرك لا ~~تحل إلا بمن أشرك. ms1898 والمعنى: وبال مكرهم راجع إليهم، { فهل ينظرون ~~} , ينتظرون، { إلا سنة آلأولين } , إلا أن ينزل بهم العذاب ~~كما نزل بمن مضى من الكفار، { فلن تجد لسنة الله تبديلا ~~ولن تجد لسنة الله تحويلا }. # { أولم يسيروا فى الارض فينظروا كيف كان ~~عقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم ~~قوة وما كان الله ليعجزه } , يعني: ليفوت عنه، { من ~~شىء فى السموت ولا فى الأرض إنه كان عليما ~~قديرا }. # { ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا } , من الجرائم، { ~~ما ترك على ظهرها } , يعني: على ظهر الأرض، كناية عن غير ~~مذكور، { من دآبة } , كما كان في زمان نوح أهلك الله ما على الأرض ~~إلا من كان في سفينة نوح، { ولكن يؤخرهم إلى أجل ~~مسمى فإذا جآء أجلهم فإن الله كان بعباده ~~بصيرا } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد أهل طاعته وأهل معصيته. ### | [36 - سورة يس] ### || [36.1-4] # { يس } ، و " ن " ، قرأ بإخفاء النون فيهما: ابن عامر، والكسائي، ~~وأبو بكر. قالون: يخفي النون من " يس " ويظهر من " ن " ، والباقون ~~يظهرون فيهما. # واختلفوا في تأويل { يس } حسب اختلافهم في حروف التهجي، قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: هو قسم، ويروى عنه أن معناه: يا إنسان، بلغة طيء، يعني ~~محمدا صلى الله عليه وسلم، وهو قول الحسن، وسعيد بن جبير، وجماعة. # وقال أبو العالية: يا رجل. # وقال أبو بكر الوراق: يا سيد البشر. # { والقرءان الحكيم }. # { إنك لمن المرسلين } , أقسم بالقرآن أن محمدا صلى الله ~~عليه وسلم من المرسلين، وهو رد على الكفار حيث قالوا: # لست مرسلا # [الرعد: 43]. # { على صرط مستقيم } ، وهو خبر بعد خبر، أي أنه من المرسلين ~~وأنه على صراط مستقيم. وقيل: معناه إنك لمن المرسلين الذين هم على صراط ~~مستقيم. ### || [36.5-8] # { تنزيل العزيز الرحيم } ، قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، ~~وحفص: " تنزيل " بنصب اللام كأنه قال نزل تنزيلا، وقرأ الآخرون بالرفع، ~~أي: هو تنزيل العزيز الرحيم. # { لتنذر قوما مآ أنذر ءابآؤهم } ، قيل: " ما " للنفي ~~أي: لم ينذر آباؤهم، لأن قريشا لم يأتهم نبي قبل محمد صلى الله عليه ms1899 ~~وسلم وقيل: " ما " بمعنى الذي، أي: لتنذر قوما بالذي أنذر آباؤهم، { ~~فهم غفلون } , عن الإيمان والرشد. # { لقد حق القول } ، وجب العذاب، { على أكثرهم فهم ~~لا يؤمنون } ، هذا كقوله: # ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين # [الزمر: 71]. # { إنا جعلنا فى أعنقهم أغللا } ، نزلت في أبي جهل ~~وصاحبيه المخزوميين، وذلك أن أبا جهل كان قد حلف لئن رأى محمدا يصلي ~~ليرضخن رأسه، فأتاه وهو يصلي ومعه حجر ليدمغه، فلما رفعه أثبتت يده إلى ~~عنقه ولزق الحجر بيده، فلما عاد إلى أصحابه فأخبرهم بما رأى سقط الحجر، ~~فقال رجل من بني مخزوم: أنا أقتله بهذا الحجر، فأتاه وهو يصلي ليرميه ~~بالحجر، فأعمى الله تعالى بصره، فجعل يسمع صوته ولا يراه، فرجع إلى ~~أصحابه فلم يرهم حتى نادوه فقالوا له: ما صنعت؟ فقال: ما رأيته، ولقد ~~سمعت صوته وحال بيني وبينه شيء كهيئة الفحل يخطر بذنبه، لو دنوت منه ~~لأكلني، فأنزل الله تعالى: { إنا جعلنا فى أعنقهم ~~أغللا }. # قال أهل المعاني: هذا على طريق المثل، ولم يكن هناك غل، أراد ~~منعناهم عن الإيمان بموانع، فجعل الأغلال مثلا لذلك، قال الفراء: ~~معناه إنا حبسناهم عن الإنفاق في سبيل الله كقوله تعالى: # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك # [الإسراء: 29] معناه لا تمسكها عن النفقة. # { فهى إلى الاذقن } ، " هي " كناية عن الأيدي - وإن لم يجر ~~لها ذكر -لأن الغل يجمع اليد إلى العنق، معناه: إنا جعلنا في أيديهم ~~وأعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان، { فهم مقمحون } والمقمح: الذي ~~رفع رأسه وغض بصره، يقال: بعير قامح إذا روى من الماء فأقمح إذا رفع ~~رأسه وغض بصره. وقال الأزهري: أراد أن أيديهم لما غلت إلى أعناقهم ~~رفعت الأغلال أذقانهم ورؤوسهم، فهم مرفوعو الرؤوس برفع الأغلال إياها. ### || [36.9-12] # { وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا } ~~، قرأ حمزة والكسائي وحفص " سدا " بفتح السين، وقرأ الآخرون بضمها، { ~~فأغشينهم } ، فأعميناهم، من التغشية وهي التغطية، { فهم لا ~~يبصرون } ، سبيل الهدى. # { وسوآء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا ~~يؤمنون }. # { إنما تنذر من اتبع الذكر } , يعني إنما ms1900 ينفع إنذارك ~~من اتبع الذكر، يعني: القرآن، فعمل بما فيه، { وخشى الرحمن ~~بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم } ، حسن وهو ~~الجنة. # { إنا نحن نحى الموتى } ، عند البعث، { ونكتب ما ~~قدموا } من الأعمال من خير وشر { وءاثارهم } ، أي ما سنوا من ~~سنة حسنة أو سيئة. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " من سن في الإسلام سنة حسنة يعمل بها من بعده كان له أجرها ~~ومثل أجر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيئا، ومن سن ~~في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ~~ينقص من أوزارهم شيئا ". # وقال قوم: قوله: { ونكتب ما قدموا وءاثارهم } أي: ~~خطاهم إلى المسجد. # روي عن أبي سعد الخدري قال: شكت بنو سلمة بعد منازلهم من المسجد ~~فأنزل الله تعالى: { ونكتب ما قدموا وءاثارهم }. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، حدثنا أبو سعيد محمد بن عيسى الصيرفي، ~~حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا محمد بن هشام بن ملاس النميري، حدثنا ~~مروان الفزاري، حدثنا حميد، عن أنس رضي الله عنه قال: # " أرادت بنو سلمة أن يتحولوا إلى قرب المسجد، فكره رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن تعرى المدينة، فقال: يا بني سلمة ألا تحتسبون آثاركم؟ ~~فأقاموا ". # وأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد ابن إسماعيل، حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا أبو ~~أسامة، عن يزيد بن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى، والذي ينتظر ~~الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرا من الذي يصلي ثم ينام ". # قوله تعالى: { وكل شىء أحصينه } حفظناه وعددناه وبيناه، ~~{ فى إمام مبين } ، وهو اللوح المحفوظ. ### || [36.13-14] # قوله عز وجل: { واضرب لهم مثلا أصحب القرية } ، ~~يعني: اذكر لهم شبها مثل حالهم من قصة أصحاب القرية وهي أنطاكية، { إذ ~~جآءها المرسلون } ، يعني: رسل عيسى عليه الصلاة والسلام. # قال ms1901 العلماء بأخبار الأنبياء: بعث عيسى رسولين من الحواريين إلى أهل ~~مدينة أنطاكية، فلما قربا من المدينة رأيا شيخا يرعى غنيمات له وهو ~~حبيب النجار، صاحب يس فسلما عليه، فقال الشيخ لهما: من أنتما؟ فقالا: ~~رسولا عيسى، ندعوكم من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن، فقال: أمعكما ~~آية؟ قالا: نعم نحن نشفي المريض ونبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، فقال ~~الشيخ: إن لي ابنا مريضا منذ سنين، قالا: فانطلق بنا نطلع على حاله، ~~فأتى بهما إلى منزله، فمسحا ابنه، فقام في الوقت - بإذن الله - صحيحا، ~~ففشا الخبر في المدينة، وشفى الله على أيديهما كثيرا من المرضى، وكان ~~لهم ملك - قال وهب: اسمه انطيخس - وكان من ملوك الروم يعبد الأصنام، ~~قالوا: فانتهى الخبر إليه فدعاهما، فقال: من أنتما؟ قالا: رسولا عيسى، ~~قال: وفيم جئتما؟ قالا: ندعوك من عبادة ما لا يسمع ولا يبصر إلى عبادة ~~من يسمع ويبصر، فقال: ولكما إله دون آلهتنا؟ قالا: نعم، من أوجدك وآلهتك. ~~قال: قوما حتى أنظر في أمركما، فتبعهما الناس فأخذوهما وضربوهما في ~~السوق. # قال وهب: بعث عيسى هذين الرجلين إلى أنطاكية، فأتياها فلم يصلا إلى ~~ملكها، وطال مدة مقامهما، فخرج الملك ذات يوم فكبرا وذكرا الله، فغضب ~~الملك وأمر بهما فحبسا وجلد كل واحد منهما مائة جلدة، قالوا: فلما ~~كذب الرسولان وضربا، بعث عيسى رأس الحواريين شمعون الصفا على ~~إثرهما لينصرهما، فدخل شمعون البلد متنكرا، فجعل يعاشر حاشية الملك ~~حتى أنسوا به، فرفعوا خبره إلى الملك فدعاه فرضي عشرته وأنس به ~~وأكرمه، ثم قال له ذات يوم: أيها الملك بلغني أنك حبست رجلين في السجن ~~وضربتهما حين دعواك إلى غير دينك، فهل كلمتهما وسمعت قولهما؟ ~~فقال الملك: حال الغضب بيني وبين ذلك. قال: فإن رأى الملك دعاهما حتى ~~نطلع على ما عندهما، فدعاهما الملك، فقال لهما شمعون: من أرسلكما إلى ~~هاهنا؟ قالا: الله الذي خلق كل شيء وليس له شريك، فقال لهما شمعون: فصفاه ~~وأوجزا، فقالا إنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فقال شمعون: وما آيتكما؟ ms1902 ~~قالا: ما تتمناه، فأمر الملك حتى جاؤوا بغلام مطموس العينين وموضع عينيه ~~كالجبهة، فما زالا يدعوان ربهما حتى انشق موضع البصر، فأخذا بندقتين من ~~الطين فوضعاهما في حدقتيه فصارتا مقلتين يبصر بهما، فتعجب الملك، فقال ~~شمعون للملك: إن أنت سألت إلهك حتى يصنع صنعا مثل هذا فيكون لك الشرف ~~ولإلهك. # فقال الملك: ليس لي عنك سر إن إلهنا الذي نعبده لا يسمع ولا يبصر، ولا ~~يضر ولا ينفع، وكان شمعون إذا دخل الملك على الصنم يدخل بدخوله ويصلي ~~كثيرا، ويتضرع حتى ظنوا أنه على ملتهم، فقال الملك للرسولين: إن قدر ~~إلهكم الذي تعبدانه على إحياء ميت آمنا به وبكما، قالا: إلهنا قادر ~~على كل شيء، فقال الملك: إن هاهنا ميتا مات منذ سبعة أيام ابن لدهقان ~~وأنا أخرته فلم أدفنه حتى يرجع أبوه، وكان غائبا فجاؤوا بالميت وقد ~~تغير وأروح فجعلا يدعوان ربهما علانية، وجعل شمعون يدعو ربه سرا، فقام ~~الميت، وقال: إني قد مت منذ سبعة أيام مشركا فأدخلت في سبعة أودية ~~من النار، وأنا أحذركم ما أنتم فيه فآمنوا بالله، ثم قال: فتحت لي ~~أبواب السماء فنظرت فرأيت شابا حسن الوجه يشفع لهؤلاء الثلاثة، قال ~~الملك: ومن الثلاثة؟ قال: شمعون وهذان وأشار إلى صاحبيه، فتعجب الملك، ~~فلما علم شمعون أن قوله أثر في الملك أخبره بالحال، ودعاه فآمن الملك ~~وآمن قوم، وكفر آخرون. # وقيل: إن ابنة للملك كانت قد توفيت ودفنت، فقال شمعون للملك: اطلب من ~~هذين الرجلين أن يحييا ابنتك، فطلب منهما الملك ذلك فقاما وصليا ودعوا ~~وشمعون معهما في السر، فأحيا الله المرأة وانشق القبر عنها فخرجت، وقالت: ~~أسلموا فإنهما صادقان، قالت: ولا أظنكم تسلمون، ثم طلبت من الرسولين أن ~~يرداها إلى مكانها فذرا ترابا عل رأسها وعادت إلى قبرها كما كانت. # وقال ابن إسحاق عن كعب ووهب: بل كفر الملك، وأجمع هو وقومه على قتل ~~الرسل فبلغ ذلك حبيبا، وهو على باب المدينة الأقصى، فجاء يسعى إليهم ~~يذكرهم ويدعوهم إلى طاعة المرسلين، فذلك قوله عز ms1903 وجل: # { إذ أرسلنآ إليهم اثنين } , قال وهب: اسمهما يوحنا ~~وبولس، { فكذبوهما فعززنا } ، يعني فقوينا { بثالث } ، ~~برسول ثالث وهو شمعون، وقرأ أبو بكر عن عاصم: " فعززنا " بالتخفيف وهو ~~بمعنى الأول كقولك: شددنا وشددنا، بالتخفيف والتثقيل، وقيل: أي ~~فغلبنا، من قولهم: من عز بز. وقال كعب: الرسولان: صادق وصدوق، ~~والثالث شلوم، وإنما أضاف الله الإرسال إليه لأن عيسى عليه السلام إنما ~~بعثهم بأمره تعالى، { فقالوا } ، جميعا لأهل أنطاكية، { إنآ ~~إليكم مرسلون }. ### || [36.15-20] # { قالوا مآ أنتم إلا بشر مثلنا ومآ أنزل ~~الرحمن من شىء إن أنتم إلا تكذبون } , ما أنتم ~~إلا كاذبون فيما تزعمون. # { قالوا ربنا يعلم إنآ إليكم لمرسلون }. # { وما علينآ إلا البلغ المبين }. # { قالوا إنآ تطيرنا بكم } ، تشاءمنا بكم، وذلك أن المطر ~~حبس عنهم، فقالوا: أصابنا هذا بشؤمكم، { لئن لم تنتهوا ~~لنرجمنكم } ، لنقتلنكم، وقال قتادة: بالحجارة، { ~~وليمسنكم منا عذاب أليم }. # { قالوا طئركم معكم } , يعني: شؤمكم معكم بكفركم ~~وتكذيبكم، يعني أصابكم الشؤم من قبلكم. وقال ابن عباس والضحاك: حظكم من ~~الخير والشر، { أئن ذكرتم } ، يعني: وعظتم بالله، وهذا استفهام ~~محذوف الجواب، مجازه: إن ذكرتم ووعظتم بالله تطيرتم بنا. وقرأ أبو جعفر " ~~أن " بفتح الهمزة الملينة " ذكرتم " بالتخفيف، { بل أنتم قوم ~~مسرفون } ، مشركون مجاوزون الحد. # قوله عز وجل: { وجآء من أقصا المدينة رجل يسعى } ~~، وهو حبيب النجار، وقال السدي: كان قصارا. وقال وهب: كان رجلا يعمل ~~الحرير، وكان سقيما قد أسرع فيه الجذام، وكان منزله عند أقصى باب من ~~أبواب المدينة، وكان مؤمنا ذا صدقة يجمع كسبه إذا أمسى فيقسمه نصفين، ~~فيطعم نصفا لعياله ويتصدق بنصفه، فلما بلغه أن قومه قد قصدوا قتل الرسل ~~جاءهم، { قال يقوم اتبعوا المرسلين }. ### || [36.21-24] # { اتبعوا من لا يسئلكم أجرا وهم مهتدون } ، ~~قال قتادة: كان حبيب في غار يعبد ربه، فلما بلغه خبر الرسل أتاهم فأظهر ~~دينه، فلما انتهى حبيب إلى الرسل قال لهم: تسألون على هذا أجرا؟ قالوا: ~~لا، فأقبل على قومه فقال: { يقوم اتبعوا المرسلين * ~~اتبعوا من لا يسئلكم أجرا وهم مهتدون } , فلما ~~قال ذلك قالوا ms1904 له: وأنت مخالف لديننا ومتابع دين هؤلاء الرسل ومؤمن ~~بإلههم؟ فقال: # { وما لى لآ أعبد الذى فطرنى وإليه ترجعون } ~~، قرأ حمزة ويعقوب " ما لي " بإسكان الياء، والآخرون بفتحها. قيل: أضاف ~~الفطرة إلى نفسه والرجوع إليهم، لأن الفطرة أثر النعمة، وكانت عليه أظهر، ~~وفي الرجوع معنى الزجر وكان بهم أليق. # وقيل: إنه لما قال: اتبعوا المرسلين، أخذوه فرفعوه إلى الملك، فقال له ~~الملك: أفأنت تتبعهم؟ فقال: { وما لى لآ أعبد الذى فطرنى ~~} ، وأي شيء لي إذا لم أعبد الخالق { وإليه ترجعون } تردون عند ~~البعث فيجزيكم بأعمالكم. # { ءأتخذ من دونه ءالهة } ، استفهام بمعنى الإنكار، أي لا ~~أتخذ من دونه آلهة، { إن يردن الرحمن بضر } ، بسوء ~~ومكروه، { لا تغن عنى } ، لا تدفع عني، { شفعتهم ~~شيئا } أي: لا شفاعة لها أصلا فتغني { ولا ينقذون } من ذلك ~~المكروه، وقيل: لا ينقذون من العذاب لو عذبني الله إن فعلت ذلك. # { إنى إذا لفى ضلل مبين } ، خطأ ظاهر. ### || [36.25-29] # { إنى ءامنت بربكم فاسمعون } , يعني فاسمعوا مني، ~~فلما قال ذلك وثب القوم عليه وثبة رجل واحد فقتلوه. # قال ابن مسعود: وطئوه بأرجلهم حتى خرج قصبه من دبره. # وقال السدي: كانوا يرمونه بالحجارة وهو يقول: اللهم اهد قومي، حتى ~~قطعوه وقتلوه. # وقال الحسن: خرقوا خرقا في حلقه فعلقوه بسور من سور المدينة، وقبره ~~بأنطاكية فأدخله الله الجنة، وهو حي فيها يرزق، فذلك قوله عز وجل: # { قيل ادخل الجنة } ، فلما أفضى إلى الجنة، { قال يليت ~~قومى يعلمون بما غفر لى ربى } , يعني: بغفران ربي لي، { ~~وجعلنى من المكرمين } ، تمنى أن يعلم قومه أن الله غفر له ~~وأكرمه، ليرغبوا في دين الرسل. # فلما قتل حبيب غضب الله له وعجل لهم النقمة، فأمر جبريل عليه السلام ~~فصاح بهم صيحة واحدة، فماتوا عن آخرهم, فذلك قوله عز وجل: { ومآ ~~أنزلنا على قومه من بعده من جند من السمآء } ، ~~يعني: الملائكة، { وما كنا منزلين } ، أي وما كنا نفعل هذا، بل ~~الأمر في إهلاكهم كان أيسر مما يظنون. # وقيل: معناه { ومآ أنزلنا على قومه من ms1905 بعده } أي: على ~~قوم حبيب النجار من بعد قتله { من جند } ، وما كنا ننزلهم على الأمم ~~إذا أهلكناهم، كالطوفان والصاعقة والريح، ثم بين عقوبتهم. فقال تعالى: # { إن كانت إلا صيحة وحدة } , وقرأ أبو جعفر: صيحة ~~واحدة، بالرفع، جعل الكون بمعنى الوقوع. # قال المفسرون: أخذ جبريل بعضادتي باب المدينة، ثم صاح بهم صيحة ~~واحدة، { فإذا هم خمدون } ، ميتون. ### || [36.30-33] # { يحسرة على العباد } ، قال عكرمة: يعني يا حسرتهم على ~~أنفسهم، والحسرة: شدة الندامة، وفيه قولان: # أحدهما: يقول الله تعالى: يا حسرة وندامة وكآبة على العباد يوم القيامة ~~حين لم يؤمنوا بالرسل. # والآخر: أنه من قول الهالكين. قال أبو العالية: لما عاينوا العذاب ~~قالوا: يا حسرة أي: ندامة على العباد، يعني: الرسل الثلاثة حيث لم يؤمنوا ~~بهم، فتمنوا الإيمان حين لم ينفعهم. # قال الأزهري: الحسرة لا تدعى، ودعاؤها تنبيه المخاطبين. وقيل العرب ~~تقول: يا حسرتي! ويا عجبا! على طريق المبالغة، والنداء عندهم بمعنى ~~التنبيه، فكأنه يقول: أيها العجب هذا وقتك؟ وأيتها الحسرة هذا أوانك؟ # حقيقة المعنى: أن هذا زمان الحسرة والتعجب. ثم بين سبب الحسرة والندامة، ~~فقال: # { ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزءون ~~}. # { ألم يروا } ، ألم يخبروا، يعني: أهل مكة، { كم أهلكنا ~~قبلهم من القرون } ، والقرن: أهل كل عصر، سموا بذلك لاقترانهم ~~في الوجود، { أنهم إليهم لا يرجعون } ، أي لا يعودون إلى ~~الدنيا فلا يعتبرون بهم. # { وإن كل لما جميع } ، قرأ عاصم، وحمزة " لما " بالتشديد ~~هاهنا وفي الزخرف والطارق، ووافق ابن عامر إلا في الزخرف، ووافق أبو ~~جعفر في الطارق، وقرأ الآخرون بالتخفيف. فمن شدد جعل " إن " بمعنى الجحد، ~~و " لما " بمعنى إلا، تقديره: وما كل إلا جميع، ومن خففف جعل " إن " ~~للتحقيق و " ما " صلة، مجازه: وكل جميع، { لدينا محضرون }. # { وءاية لهم الأرض الميتة أحيينها } ، بالمطر، ~~{ وأخرجنا منها حبا } ، يعني: الحنطة والشعير وما أشبههما، { ~~فمنه يأكلون } ، أي: من الحب. ### || [36.34-38] # { وجعلنا فيها جنت } , بساتين، { من نخيل ~~وأعنب وفجرنا فيها } ، في الأرض، { من العيون }. # { ليأكلوا من ثمره } ، أي: من الثمر الحاصل ms1906 بالماء، { وما ~~عملته } ، قرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر: " عملت " بغير هاء، وقرأ ~~الآخرون " عملته " بالهاء، أي: يأكلون من الذي عملته، { أيديهم } ، ~~من الزرع والغرس، فالهاء عائدة إلى " ما " التي بمعنى الذي. وقيل: " ما " ~~للنفي في قوله " ما عملته " أي: وجدوها معمولة ولم تعملها أيديهم، ولا ~~صنع لهم فيها، وهذا معنى قول الضحاك ومقاتل. # وقيل: أراد العيون والأنهار التي لم تعملها يد خلق مثل دجلة والفرات ~~والنيل ونحوها. # { أفلا يشكرون } ، نعمة الله. # { سبحن الذى خلق الأزوج كلها } ، أي: الأصناف، { ~~مما تنبت الأرض } ، من الثمار والحبوب، { ومن أنفسهم } ~~، يعني: الذكور والإناث، { ومما لا يعلمون } ، مما خلق من ~~الأشياء من دواب البر والبحر. # { وءاية لهم } ، تدل على قدرتنا، { اليل نسلخ } ، ننزع ~~ونكشط، { منه النهار فإذا هم مظلمون } ، داخلون في ~~الظلمة، ومعناه: نذهب بالنهار ونجيء بالليل، وذلك أن الأصل هي الظلمة، ~~والنهار داخل عليها، فإذا غربت الشمس سلخ النهار من الليل، فتظهر ~~الظلمة. # { والشمس تجرى لمستقر لها } أي: إلى مستقر لها، قيل: ~~إلى انتهاء سيرها عند انقضاء الدنيا وقيام الساعة. # وقيل: إنها تسير حتى تنتهي إلى أبعد مغاربها، ثم ترجع فذلك مستقرها ~~لأنها لا تجاوزه. # وقيل: مستقرها نهاية ارتفاعها في السماء في الصيف، ونهاية هبوطها في ~~الشتاء، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " مستقرها تحت العرش ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد ابن إسماعيل، أخبرنا الحميدي، حدثنا وكيع، ~~حدثنا الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه # " عن أبي ذر قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله عز وجل: { ~~والشمس تجرى لمستقر لها } , قال: «مستقرها تحت العرش» ~~". # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي،أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل،أخبرنا الحميدي، أخبرنا وكيع، ~~حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبيه، # " عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر حين غربت ~~الشمس: «أتدري أين تذهب»؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنها ms1907 تذهب حتى ~~تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن ~~فلا يؤذن لها، فيقال لها: ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها، فذلك قوله ~~تعالى: { والشمس تجرى لمستقر لها ذلك تقدير ~~العزيز العليم } » ". # وروى عمرو بن دينار عن ابن عباس: " والشمس تجري لا مستقر لها " ، وهي ~~قراءة ابن مسعود، أي: لا قرار لها ولا وقوف فهي جارية أبدا { ذلك ~~تقدير العزيز العليم }. ### || [36.39-40] # { والقمر قدرنه منازل } , أي: قدرنا له، قرأ ابن كثير، ~~ونافع، وأهل البصرة: " القمر " برفع الراء لقوله: { وءاية لهم ~~اليل نسلخ منه النهار } ، وقرأ الآخرون بالنصب لقوله: " ~~قدرنه " أي: قدرنا القمر، { منازل } ، وقد ذكرنا أسامي ~~المنازل في سورة يونس، فإذا صار القمر إلى آخر المنازل دق فذلك قوله: { ~~حتى عاد كالعرجون القديم } ، والعرجون: عود العذق الذي ~~عليه الشماريخ، فإذا قدم و عتق يبس وتقوس واصفر، فشبه القمر في دقته ~~وصفرته في آخر المنازل به. # { لا الشمس ينبغى لهآ أن تدرك القمر } ، أي لا يدخل ~~النهار على الليل قبل انقضائه، ولا يدخل الليل على النهار قبل انقضائه، ~~وهو قوله تعالى: { ولا اليل سابق النهار } ، أي: هما ~~يتعاقبان بحساب معلوم لا يجيء أحدهما قبل وقته. # وقيل: لا يدخل أحدهما في سلطان الآخر، لا تطلع الشمس بالليل ولا يطلع ~~القمر بالنهار وله ضوء، فإذا اجتمعا وأدرك كل واحد منهما صاحبه قامت ~~القيامة. # وقيل: { لا الشمس ينبغى لهآ أن تدرك القمر } أي: تجتمع ~~معه في فلك واحد، { ولا اليل سابق النهار } أي: لا يتصل ليل ~~بليل لا يكون بينهما نهار فاصل. # { وكل فى فلك يسبحون } ، يجرون. ### || [36.41-49] # { وءاية لهم أنا حملنا ذريتهم } , قرأ أهل ~~المدينة والشام، ويعقوب: " ذرياتهم " جمع، وقرأ الآخرون: " ذريتهم " على ~~التوحيد، فمن جمع كسر التاء، ومن لم يجمع نصبها، والمراد بالذرية: الآباء ~~والأجداد، واسم الذرية يقع على الآباء كما يقع على الأولاد، { فى ~~الفلك المشحون } ، أي: المملوء، وأراد سفينة نوح عليه السلام، ~~وهؤلاء من نسل من حمل مع نوح، وكانوا في أصلابهم. # { وخلقنا لهم ms1908 من مثله ما يركبون } ، قيل: أراد به ~~السفن الصغار التي عملت بعد سفينة نوح على هيئتها. # وقيل: أراد به السفن التي تجري في الأنهار، فهي في الأنهار كالفلك ~~الكبار في البحار، وهذا قول قتادة، والضحاك وغيرهما. # وروي عن ابن عباس: أنه قال: { وخلقنا لهم من مثله ما ~~يركبون } ، يعني: الإبل، فالإبل في البر كالسفن في البحر. # { وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ } ، أي لا مغيث، { لهم ~~ولا هم ينقذون } ، ينجون من الغرق. وقال ابن عباس: ولا أحد ~~ينقذهم من عذابي. # { إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين } ، إلى انقضاء ~~آجالهم، يعني: إلا أن يرحمهم ويمتعهم إلى آجالهم. # { وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما ~~خلفكم } ، قال ابن عباس: " ما بين أيديكم " يعني الآخرة، فاعملوا ~~لها " وما خلفكم " يعني الدنيا، فاحذروها، ولا تغتروا بها. # وقيل: " ما بين أيديكم " وقائع الله فيمن كان قبلكم من الأمم، " وما ~~خلفكم " عذاب الآخرة، وهو قول قتادة ومقاتل. # { لعلكم ترحمون } ، والجواب محذوف تقديره: إذا قيل لهم هذا ~~أعرضوا عنه، دليله ما بعده: # { وما تأتيهم من ءاية من ءايت ربهم } أي: ~~دلالة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم، { إلا كانوا عنها ~~معرضين }. # { وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله } ، أعطاكم ~~الله، { قال الذين كفروا للذين ءامنوا أنطعم } ~~، أنرزق، { من لو يشآء الله أطعمه } ، وذلك أن المؤمنين ~~قالوا لكفار مكة: أنفقوا على المساكين مما زعمتم من أموالكم أنه لله، وهو ~~ما جعلوا لله من حروثهم وأنعامهم، قالوا: أنطعم، أنرزق من لو يشاء الله ~~رزقه، ثم لم يرزقه مع قدرته عليه، فنحن نوافق مشيئة الله فلا نطعم من ~~لم يطعمه الله، وهذا مما يتمسك به البخلاء، يقولون: لا نعطي من حرمه ~~الله. وهذا الذي يزعمون باطل، لأن الله أغنى بعض الخلق وأفقر بعضهم ~~ابتلاء، فمنع الدنيا من الفقير لا بخلا، وأمر الغني بالإنفاق لا ~~حاجة إلى ماله، ولكن ليبلو الغني بالفقير فيما فرض له من مال الغني، ~~ولا اعتراض لأحد على مشيئة الله وحكمه في خلقه، { إن أنتم إلا ms1909 ~~فى ضلل مبين } ، يقول الكفار للمؤمنين: ما أنتم إلا في خطأ ~~بين في اتباعكم محمدا صلى الله عليه وسلم وترك ما نحن عليه. # { ويقولون متى هذا الوعد } , أي: القيامة والبعث، { إن ~~كنتم صدقين }. # قال الله تعالى: { ما ينظرون } ، أي: ما ينتظرون، { إلا ~~صيحة وحدة } ، قال ابن عباس: يريد النفخة الأولى، { ~~تأخذهم وهم يخصمون } ، يعني: يختصمون في أمر الدنيا من ~~البيع والشراء، ويتكلمون في المجالس والأسواق. # قرأ حمزة: يخصمون " بسكون الخاء وتخفيف الصاد، أي: يغلب بعضهم ~~بعضا بالخصام، وقرأ الآخرون بتشديد الصاد، أي: يختصمون. أدغمت التاء في ~~الصاد، ثم ابن كثير ويعقوب وورش يفتحون الخاء بنقل حركة التاء المدغمة ~~إليها، ويجزمها أبو جعفر وقالون، ويروم فتحة الخاء أبو عمرو، وقرأ ~~الباقون بكسر الخاء. # وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا ~~يطويانه، ولتقومن الساعة وقد رفع الرجل أكلته إلى فيه فلا ~~يطعمها ". ### || [36.50-53] # قوله عز وجل: { فلا يستطيعون توصية } , أي: لا يقدرون ~~على الإيصاء. قال مقاتل: عجلوا عن الوصية فماتوا، { ولآ إلى ~~أهلهم يرجعون } ، ينقلبون، والمعنى أن الساعة لا تمهلهم لشيء. # { ونفخ فى الصور } ، وهي النفخة الأخيرة نفخة البعث، وبين ~~النفختين أربعون سنة، { فإذا هم من الأجداث } ، يعني: القبور، ~~واحدها: جدث، { إلى ربهم ينسلون } ، يخرجون من القبور أحياء، ~~ومنه قيل للولد: نسل لخروجه من بطن أمه. # { قالوا يويلنا من بعثنا من مرقدنا } , قال أبي ~~بن كعب وابن عباس، وقتادة: إنما يقولون هذا لأن الله تعالى يرفع عنهم ~~العذاب بين النفختين، فيرقدون فإذا بعثوا بعد النفخة الأخيرة وعاينوا ~~القيامة دعوا بالويل. # وقال أهل المعاني: إن الكفار إذا عاينوا جهنم وأنواع عذابها صار عذاب ~~القبر في جنبها كالنوم، فقالوا: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا؟ ثم قالوا: ~~{ هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون } أقروا حين لم ~~ينفعهم الإقرار. # وقيل: قالت الملائكة لهم: { هذا ما وعد الرحمن وصدق ~~المرسلون }. # قال مجاهد: يقول الكفار: { من بعثنا من مرقدنا } فيقول ~~المؤمنون: { هذا ما وعد الرحمن وصدق ms1910 المرسلون }. # { إن كانت } ، ما كانت، { إلا صيحة وحدة } ، يعني ~~النفخة الآخرة، { فإذا هم جميع لدينا محضرون }. ### || [36.54-58] # { فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ~~ما كنتم تعملون }. # { إن أصحب الجنة اليوم فى شغل } ، قرأ ابن كثير ~~ونافع وأبو عمرو " فى شغل " ، بسكون الغين، والباقون بضمها، وهما لغتان، ~~مثل السحت والسحت. # واختلفوا في معنى الشغل، قال ابن عباس: في افتضاض الأبكار. وقال وكيع بن ~~الجراح: في السماع. # وقال الكلبي: في شغل عن أهل النار وعما هم فيه لا يهمهم أمرهم ولا ~~يذكرونهم. # وقال الحسن: شغلوا بما في الجنة من النعيم عما فيه أهل النار من ~~العذاب. # وقال ابن كيسان: في زيارة بعضهم بعضا. وقيل: في ضيافة الله تعالى. # { فكهون } ، قرأ أبو جعفر: " فكهون " حيث كان، وافقه حفص في ~~المطففين؛ وهما لغتان مثل: الحاذر والحذر، أي ناعمون. قال مجاهد ~~والضحاك: معجبون بما هم فيه. وعن ابن عباس قال: فرحون. # { هم وأزوجهم } ، أي حلائلهم، { فى ظلل } ، قرأ حمزة ~~والكسائي: " ظلل " بضم الظاء من غير ألف، جمع ظلة، وقرأ العامة: " في ~~ظلال " بالألف وكسر الظاء على جمع ظل، { على الأرآئك } ، يعني ~~السرر في الحجال، واحدتها: أريكة. قال ثعلب: لا تكون أريكة حتى يكون ~~عليها حجلة. { متكئون } ، ذوو اتكاء. # { لهم فيها فكهة ولهم ما يدعون } ، يتمنون ~~ويشتهون. # { سلام قولا من رب رحيم } ، أي: يسلم الله عليهم قولا، ~~أي يقول الله لهم قولا. # أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن ~~محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرنا عبد الخالق ابن علي بن عبد الخالق ~~المؤذن، حدثني أبو بكر أحمد بن محمد بن موسى الملحمي الأصفهاني، أخبرنا ~~الحسن بن أبي علي الزعفراني، أخبرنا ابن أبي الشوارب، أخبرنا أبو عاصم ~~العباداني، أخبرنا الفضل الرقاشي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد ~~الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم، فإذا ~~الرب عز وجل قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم ms1911 يا أهل ~~الجنة، فذلك قوله: { سلام قولا من رب رحيم } ، فينظر ~~إليهم وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه ~~حتى يحتجب عنهم فيبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم ". # وقيل: تسلم عليهم الملائكة من ربهم. # قال مقاتل: تدخل الملائكة على أهل الجنة من كل باب يقولون: سلام عليكم ~~يا أهل الجنة من ربكم الرحيم. # وقيل: يعطيهم السلامة، يقول: اسلموا السلامة الأبدية. ### || [36.59-65] # { وامتازوا اليوم أيها المجرمون } ، قال مقاتل: ~~اعتزلوا اليوم من الصالحين. قال أبو العالية: تميزوا. وقال السدي: كونوا ~~على حدة. وقال الزجاج: انفردوا عن المؤمنين. قال الضحاك: إن لكل كافر في ~~النار بيتا يدخل ذلك البيت ويردم بابه بالنار فيكون فيه أبد الآبدين، ~~لا يرى ولا يرى. # { ألم أعهد إليكم يبنى ءادم } ، ألم آمركم يا بني ~~آدم، { أن لا تعبدوا الشيطن } ، أي: لا تطيعوا الشيطان في ~~معصية الله، { إنه لكم عدو مبين } ، ظاهر العداوة. # { وأن اعبدونى } ، أطيعوني ووحدوني، { هذا صرط ~~مستقيم }. # { ولقد أضل منكم جبلا كثيرا } ، قرأ أهل المدينة وعاصم ~~" جبلا " بكسر الجيم والباء وتشديد اللام، وقرأ يعقوب " جبلا " ~~بضم الجيم والباء وتشديد اللام، وقرأ ابن عامر، وأبو عمرو، بضم الجيم ~~ساكنة الباء خفيفة، وقرأ الآخرون بضم الجيم والباء خفيفة، وكلها لغات، ~~ومعناها: الخلق والجماعة أي: خلقا كثيرا، { أفلم تكونوا ~~تعقلون } ، ما أتاكم من هلاك الأمم الخالية بطاعة إبليس، ويقال لهم ~~لما دنوا من النار. # { هذه جهنم التى كنتم توعدون } ، بها في الدنيا. { ~~اصلوها } ، ادخلوها. { اليوم بما كنتم تكفرون * ~~اليوم نختم على أفوههم وتكلمنآ أيديهم ~~وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون } ، هذا حين ينكر الكفار ~~كفرهم وتكذيبهم الرسل, فيختم على أفواههم وتشهد عليهم جوارحهم. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو الحسن محمد بن عمرو بن ~~حفصويه السرخسي، سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، أخبرنا أبو يزيد حاتم بن ~~محبوب، أخبرنا عبد الجبار بن العلاء، أخبرنا سفيان عن سهيل بن أبي صالح ~~عن أبيه عن أبي هريرة قال: # " سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقالوا: ms1912 يا رسول الله هل ~~نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: " هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة ليست ~~في سحاب "؟ قالوا: لا، يا رسول الله. قال: " فهل تضارون في رؤية القمر ~~ليلة البدر ليس في سحابة "؟ قالوا: لا، قال: " والذي نفسي بيده لا ~~تضارون في رؤية ربكم كما لا تضارون في رؤية أحدهما " ، قال: " فيلقى ~~العبد قال فيقول أي عبدي ألم أكرمك؟ ألم أسودك؟ ألم أزوجك؟ ألم أسخر ~~لك الخيل والإبل وأذرك تترأس وتتربع؟ قال: بلى يا رب قال: فظننت أنك ~~ملاقي؟ قال: لا، قال: فاليوم أنساك كما نسيتني، قال: فيلقى الثاني ~~فيقول: ألم أكرمك، ألم أسودك، ألم أزوجك، ألم أسخر لك الخيل والإبل، ~~وأتركك تترأس وتتربع؟ - وقال غيره عن سفيان ترأس وتربع في الموضعين - ~~قال: فيقول: بلى يا رب، فيقول: فظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا يا رب، قال: ~~فاليوم أنساك كما نسيتني، ثم يلقي الثالث، فيقول؟ ما أنت؟ فيقول: أنا ~~عبدك آمنت بك، وبنبيك وبكتابك، وصليت وصمت وتصدقت، ويثني بخير ما ~~استطاع، قال: فيقال له: ألم نبعث عليك شاهدنا؟ قال: فيتفكر في نفسه من ~~الذي يشهد علي، فيختم علي فيه، ويقال لفخذه: أنطقي، قال: فتنطق فخذه ~~ولحمه وعظامه بما كان يعمل وذلك المنافق وذلك ليعذر من نفسه، وذلك الذي ~~سخط الله عليه ". # أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، أخبرنا جدي أبو سهل عبد ~~الصمد بن عبد الرحمن البزاز، أخبرنا محمد بن زكريا العذافري، أخبرنا ~~إسحاق بن إبراهيم الدبري، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن بهز ~~بن حكيم بن معاوية، عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إنكم تدعون فيفدم على أفواهكم بالفدام فأول ما يسأل عن أحدكم فخذه ~~وكفه ". # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، أخبرنا مسلم بن ~~الحجاج، أخبرنا أبو بكر بن أبي النضر، حدثني هاشم بن القاسم، أخبرنا عبد ~~الله الأشجعي، عن سفيان الثوري، عن عبيد المكتب، ms1913 عن فضيل، عن الشعبي، عن ~~أنس بن مالك قال: # " كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك فقال: " هل تدرون مم ~~أضحك "؟ قال: قلنا الله ورسوله أعلم، قال: " من مخاطبة العبد ربه " ~~، يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ قال: فيقول بلى، قال: فيقول: فإني لا ~~أجير على نفسي إلا شاهدا مني، قال: فيقول كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا ~~وبالكرام الكاتبين شهودا، قال: فيختم على فيه، فيقال لأركانه: انطقي، ~~قال: فتنطق بأعماله، قال: ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول: بعدا ~~لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل ". ### || [36.66-67] # قوله عز وجل { ولو نشآء لطمسنا على أعينهم } ، أي ~~أذهبنا أعينهم الظاهرة بحيث لا يبدو لها جفن ولا شق، وهو معنى الطمس كما ~~قال الله عز وجل: # ولو شآء الله لذهب بسمعهم وأبصرهم # [البقرة: 20] يقول كما أعمينا قلوبهم لو شئنا أعمينا أبصارهم الظاهرة، { ~~فاستبقوا الصرط } ، فتبادروا إلى الطريق، { فأنى ~~يبصرون } ، فكيف يبصرون وقد أعيمنا أعينهم؟ يعني: لو نشاء لأضللناهم ~~عن الهدى، وتركناهم عميا يترددون، فكيف يبصرون الطريق حينئذ؟ هذا قول ~~الحسن والسدي، وقال ابن عباس، وقتادة، ومقاتل وعطاء: معناه لو نشاء ~~لفقأنا أعين ضلالتهم، فأعميناهم عن غيهم، وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى ~~الهدى، فأبصروا رشدهم { فأنى يبصرون } ولم أفعل ذلك بهم؟. # { ولو نشآء لمسخنهم على مكنتهم } , يعني: ~~مكانهم، يريد: لو نشاء لجعلناهم قردة وخنازير في منازلهم، وقيل: لو نشاء ~~لجعلناهم حجارة، وهم قعود في منازلهم لا أرواح لهم. { فما ~~استطعوا مضيا ولا يرجعون } ، إلى ما كانوا عليه، وقيل: ~~لا يقدرون على ذهاب ولا رجوع. ### || [36.68-69] # { ومن نعمره ننكسه فى الخلق } , قرأ عاصم، وحمزة " ~~ننكسه " بالتشديد، وقرأ الآخرون بفتح النون الأولى وضم الكاف مخففا، ~~أي: نرده إلى أرذل العمر شبه الصبي في أول الخلق. # وقيل: " ننكسه في الخلق " أي: نضعف جوارحه بعد قوتها ونردها إلى نقصانها ~~بعد زيادتها. { أفلا يعقلون } ، فيعتبروا ويعلموا أن الذي قدر ~~على تصريف أحوال الإنسان يقدر على البعث بعد الموت. # قوله تعالى: { وما علمنه الشعر وما ينبغى له } ، ~~قال الكلبي: ms1914 إن كفار مكة قالوا: إن محمدا شاعر، وما يقوله شعر، فأنزل ~~الله تكذيبا لهم: { وما علمنه الشعر وما ينبغى له ~~} أي: ما يتسهل له ذلك، وما كان يتزن له بيت من الشعر، حتى إذا تمثل ببيت ~~شعر جرى على لسانه منكسرا. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسين بن ~~محمد الثقفي،حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، حدثنا يوسف بن عبد الله بن ~~ماهان، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد، عن ~~الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتمثل بهذا البيت: # كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا # فقال أبو بكر: يا رسول الله إنما قال الشاعر: # كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا # ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كفى بالإسلام والشيب للمرء ~~ناهيا، فقال أبو بكر وعمر: أشهد أنك رسول الله، يقول الله تعالى: { ~~وما علمنه الشعر وما ينبغى له }. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن شريح، أخبرنا ~~أبو القاسم البغوي، أخبرنا علي بن الجعد، حدثنا شريك، عن المقدام بن ~~شريح، عن أبيه قال: قلت لعائشة: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يتمثل بشيء من الشعر؟ قالت: كان يتمثل من شعر عبد الله بن رواحة. # قالت: وربما قال: # ويأتيك بالأخبار من لم تزود # وقال معمر عن قتادة: بلغني أن عائشة سئلت: هل كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يتمثل بشيء من الشعر؟ قالت: كان الشعر أبغض الحديث إليه، قالت: ولم ~~يتمثل بشيء من الشعر إلا ببيت أخي بني قيس، طرفة: # ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا # ويأتيك بالأخبار من لم تزود # " فجعل يقول: " ويأتيك من لم تزود بالأخبار " فقال أبو بكر رضي الله ~~عنه: ليس هكذا يا رسول الله، فقال: " إني لست بشاعر ولا ينبغي لي ". # { إن هو } ، يعني: القرآن، { إلا ذكر } ، موعظة، { ~~وقرءان مبين } ، فيه الفرائض والحدود والأحكام. ### || [36.70-72] # { لينذر } , قرأ أهل المدينة والشام ويعقوب " لتنذر " بالتاء وكذلك ~~في الأحقاف، وافق ابن كثير في الأحقاف،أي: لتنذر ms1915 يا محمد، وقرأ الآخرون ~~بالياء، أي: لينذر القرآن، { من كان حيا } , يعني: مؤمنا حي ~~القلب، لأن الكافر كالميت في أنه لا يتدبر ولا يتفكر، { ويحق ~~القول } ، ويجب حجة العذاب { على الكفرين }. # قوله عز وجل: { أولم يروا أنا خلقنا لهم مما ~~عملت أيدينآ } ، تولينا خلقه بإبداعنا من غير إعانة أحد، { ~~أنعما فهم لها ملكون } ، ضابطون قاهرون، أي: لم يخلق ~~الأنعام وحشية نافرة من بني آدم لا يقدرون على ضبطها، بل هي مسخرة لهم. # وهي قوله: { وذللنها لهم } ، سخرناها لهم، { فمنها ~~ركوبهم } ، أي: ما يركبون وهي الإبل، { ومنها يأكلون } من ~~لحمانها. ### || [36.73-77] # { ولهم فيها منفع } ، من أصوافها وأوبارها وأشعارها ونسلها، ~~{ ومشرب } ، من ألبانها، { أفلا يشكرون } رب هذه النعم. # { واتخذوا من دون الله ءالهة لعلهم ينصرون } ، ~~يعني: لتمنعهم من عذاب الله، ولا يكون ذلك قط. # { لا يستطيعون نصرهم } ، قال ابن عباس: لا تقدر الأصنام على ~~نصرهم ومنعم من العذاب. { وهم لهم جند محضرون } ، أي: ~~الكفار جند للأصنام يغضبون لها ويحضرونها في الدنيا، وهي لا تسوق إليهم ~~خيرا، ولا تستطيع لهم نصرا. وقيل: هذا في الآخرة، يؤتى بكل معبود من ~~دون الله تعالى ومعه أتباعه الذين عبدوه كأنهم جند محضرون في النار. # { فلا يحزنك قولهم } ، يعني: قول كفار مكة في تكذيبك، { ~~إنا نعلم ما يسرون } ، في ضمائرهم من التكذيب، { وما ~~يعلنون } ، من عبادة الأصنام أو ما يعلنون بألسنتهم من الأذى. # قوله تعالى: { أولم ير الإنسن أنا خلقنه من ~~نطفة فإذا هو خصيم } ، جدل بالباطل، { مبين } ، بين ~~الخصومة، يعني: إنه مخلوق من نطفة ثم يخاصم، فكيف لا يتفكر في بدء خلقه ~~حتى يدع الخصومة. # " نزلت في أبي بن خلف الجمحي خاصم النبي صلى الله عليه وسلم في إنكار ~~البعث، وأتاه بعظم قد بلي ففتته بيده، وقال: أترى يحيي الله هذا بعد ~~ما رم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " نعم ويبعثك ويدخلك النار " # ، فأنزل الله هذه الآيات. ### || [36.78-82] # { وضرب لنا مثلا ونسى خلقه } ، بدء أمره, ثم { قال ~~من يحيي العظم وهى رميم } ، بالية، ولم يقل ms1916 رميمة لأنه ~~معدول عن فاعلة، وكل ما كان معدولا عن وجهه ووزنه كان مصروفا عن ~~أخواته، كقوله: # وما كانت أمك بغيا # [مريم: 28]، أسقط الهاء لأنها كانت مصروفة عن باغية. # { قل يحييها الذى أنشأهآ } , خلقها، { أول مرة ~~وهو بكل خلق عليم }. # { الذى جعل لكم من الشجر الأخضر نارا } ، قال ابن ~~عباس: هما شجرتان يقال لأحدهما: المرخ وللأخرى: العفار، فمن أراد ~~منهم النار قطع منهما غصنين مثل السواكين وهم خضراوان يقطر منهما الماء، ~~فيسحق المرخ على العفار فيخرج منهما النار بإذن الله عز وجل. # تقول العرب: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار، وقال الحكماء: في كل ~~شجر نار إلا العناب. { فإذآ أنتم منه توقدون } ، أي: ~~تقدحون وتوقدون النار من ذلك الشجر، ثم ذكر ما هو أعظم من خلق الإنسان، ~~فقال: # { أوليس الذى خلق السموت والأرض بقدر } ، ~~قرأ يعقوب: " يقدر " بالياء على الفعل، { على أن يخلق مثلهم ~~بلى } ، أي: قل: بلى، هو قادر على ذلك، { وهو الخلق } ، [يخلق ~~خلقا بعد خلق]، { العليم } بجميع ما خلق. # { إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون }. ### || [36.83] # { فسبحن الذى بيده ملكوت كل شىء وإليه ~~ترجعون }. # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو الطاهر أخبرنا ~~أبو بكر محمد بن الحسين القطان، حدثنا علي بن الحسين الدارابجردي، حدثنا ~~عبد الله ابن عثمان، أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن سليمان التيمي، عن ~~أبي عثمان - وليس بالنهدي - عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " اقرؤا على موتاكم سورة يس " # ورواه محمد بن العلاء عن ابن المبارك، وقال عن أبي عثمان وليس بالنهدي ~~عن أبيه عن معقل بن يسار. ### | [37 - سورة الصافات] ### || [37.1-2] # { والصفت صفا } ، قال ابن عباس، والحسن، وقتادة: هم ~~الملائكة في السماء يصفون كصفوف الخلق في الدنيا للصلاة. # أخبرنا عمر بن عبد العزيز القاشاني، أخبرنا أبو عمر القاسم بن جعفر ~~الهاشمي، أخبرنا أبو علي محمد بن أحمد اللؤلؤي، حدثنا أبو داود سليمان بن ~~الأشعث، حدثنا عبد الله بن ms1917 محمد النفيلي، حدثنا زهير قال: سألت ~~سليمان الأعمش عن حديث جابر بن سمرة في الصفوف المقدمة فحدثنا عن المسيب ~~بن رافع عن تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم "؟ قلنا: وكيف تصف الملائكة عند ~~ربهم؟ قال: يتمون الصفوف المقدمة ويتراصون في الصف ". # وقيل: هم الملائكة تصف أجنحتها في الهواء واقفة حتى يأمرها الله بما ~~يريد. # وقيل: هي الطيور، دليله قوله تعالى: # والطير صآفت # [النور: 41]. قوله تعالى: { فالزجرت زجرا } ، يعني: الملائكة ~~تزجر السحاب وتسوقه، وقال قتادة: هي زواجر القرآن تنهى وتزجر عن القبائح. ### || [37.3-6] # { فالتليت ذكرا } ، هم الملائكة يتلون ذكر الله عز وجل. ~~وقيل: هم جماعة قراء القرآن، وهذا كله قسم أقسم الله تعالى به، وموضع ~~القسم قوله: # { إن إلهكم لواحد } ، وقيل: فيه إضمار، أي: ورب الصافات ~~والزاجرات والتاليات، وذلك أن كفار مكة قالوا: { أجعل الالهة ~~إلها وحدا }؟ فأقسم الله بهؤلاء: { إن إلهكم ~~لواحد }. # { رب السموت والأرض وما بينهما ورب ~~المشرق } ، أي مطالع الشمس قيل: أراد به المشارق والمغارب، كما ~~قال في موضع آخر # فلا أقسم برب المشرق والمغرب # [المعارج: 40]. # فإن قيل: قد قال في موضع: { برب المشرق والمغرب } ~~وقال في موضع: # رب المشرقين ورب المغربين # [الرحمن: 17] وقال في موضع: # رب المشرق والمغرب # [المزمل: 9]، فكيف وجه التوفيق بين هذه الآيات؟ # قيل: أما قوله: { رب المشرق والمغرب } ، أراد به الجهة، ~~فالمشرق جهة والمغرب جهة. # وقوله: { رب المشرقين ورب المغربين } أراد: مشرق ~~الشتاء ومشرق الصيف، وأراد بالمغربين: مغرب الشتاء ومغرب الصيف. # وقوله: { برب المشرق والمغرب } ، أراد الله تعالى ~~خلق للشمس ثلاثمائة وستين كوة في المشرق، وثلاثمائة وستين كوة في المغرب، ~~على عدد أيام السنة، تطلع الشمس كل يوم من كوة منها، وتغرب في كوة منها، ~~لا ترجع إلى الكوة التي تطلع منها إلى ذلك اليوم من العام المقبل، فهي ~~المشارق والمغارب، وقيل: كل موضع شرقت عليه الشمس فهو مشرق، وكل موضع ~~غربت عليه الشمس فهو مغرب، كأنه أراد ms1918 رب جميع ما أشرقت عليه الشمس ~~وغربت. # { إنا زينا السمآء الدنيا بزينة الكوكب } ، ~~قرأ عاصم، برواية أبي بكر: " بزينة " منونة، " الكواكب " نصب، أي: ~~بتزييننا الكواكب، وقرأ حمزة، وحفص: " بزينة " منونة " الكواكب " خفضا ~~على البدل، أي بزينة بالكواكب، أي زيناها بالكواكب. وقرأ الآخرون: " ~~بزينة الكواكب " ، بلا تنوين على الإضافة. # قال ابن عباس: بضوء الكواكب. ### || [37.7-11] # { وحفظا } , أي: حفظناها حفظا { من كل شيطن مارد } ~~، متمرد يرمون بها. # { لا يسمعون } ، قرأ حمزة، والكسائي، وحفص: " يسمعون " ~~بتشديد السين والميم، أي: لا يتسمعون، فأدغمت التاء في السين، وقرأ ~~الآخرون بسكون السين خفيف الميم، { إلى الملإ الأعلى } ، أي: ~~إلى الكتبة من الملائكة. # و " الملأ الأعلى " هم الملائكة لأنهم في السماء، ومعناه: أنهم لا ~~يستطيعون الاستماع إلى الملأ الأعلى، { ويقذفون } ، يرمون، { من ~~كل جانب } ، من آفاق السماء بالشهب. # { دحورا } ، يبعدونهم عن مجالس الملائكة، يقال: دحره دحرا ودحورا، ~~إذا طرده وأبعده، { ولهم عذاب واصب } ، دائم، قال مقاتل: دائم ~~إلى النفخة الأولى، لأنهم يحرقون ويتخبلون. # { إلا من خطف الخطفة } ، اختلس الكلمة من كلام الملائكة ~~مسارقة، { فأتبعه } ، لحقه، { شهاب ثاقب } ، كوكب مضيء قوي ~~لا يخطئه يقتله، أو يحرقه أو يخبله، وإنما يعودون إلى استراق السمع مع ~~علمهم بأنهم لا يصلون إليه طمعا في السلامة ونيل المراد، كراكب البحر، ~~قال عطاء: سمي النجم الذي يرمى به الشياطين ثاقبا لأنه يثقبهم. # { فاستفتهم } ، يعني سلهم، يعني: أهل مكة، { أهم أشد ~~خلقا أم من خلقنآ } ، يعني: من السموات والأرض والجبال، وهذا ~~استفهام بمعنى التقرير، أي: هذه الأشياء أشد خلقا كما قال: # لخلق السموت والأرض أكبر من خلق الناس # [غافر: 57]، وقال: # ءأنتم أشد خلقا أم السمآء بناها # [النازعات: 27]. # وقيل: { أم من خلقنآ } يعني: من الأمم الخالية، لأن " من " يذكر ~~فيمن يعقل، يقول: إن هؤلاء ليسوا بأحكم خلقا من غيرهم من الأمم، وقد ~~أهلكناهم بذنوبهم، فما الذي يؤمن هؤلاء من العذاب؟ ثم ذكر خلق الإنسان، ~~فقال: { إنا خلقنهم من طين لازب } ، يعني: جيد حر ~~لاصق يعلق باليد، ومعناه: اللازم، أبدل الميم باء كأنه يلزم اليد. وقال ms1919 ~~مجاهد والضحاك: منتن. ### || [37.12-15] # { بل عجبت } ، قرأ حمزة والكسائي: بضم التاء، وهي قراءة ابن ~~مسعود، وابن عباس. والعجب من الله عز وجل ليس كالتعجب من الآدميين، كما ~~قال: # فيسخرون منهم سخر الله منهم # [التوبة: 79]، وقال عز وجل: # نسوا الله فنسيهم # [التوبة: 67]، فالعجب من الآدميين: إنكاره وتعظيمه، والعجب من الله ~~تعالى قد يكون بمعنى الإنكار والذم، وقد يكون بمعنى الاستحسان والرضا, ~~كما جاء في الحديث: # " عجب ربكم من شاب ليست له صبوة ". # وجاء في الحديث: # " عجب ربكم من سؤالكم وقنوطكم وسرعة إجابته إياكم ". # وسئل الجنيد عن هذه الآية، فقال: إن الله لا يعجب من شيء، ولكن الله ~~وافق رسوله لما عجب رسوله فقال: # وإن تعجب فعجب قولهم # [الرعد: 5] أي هو كما تقوله. # وقرأ الآخرون بفتح التاء على خطاب النبي صلى الله عليه وسلم: أي: عجبت ~~من تكذيبهم إياك، { ويسخرون } من تعجبك. # قال قتادة: عجب النبي صلى الله عليه وسلم من هذا القرآن حين أنزل وضلال ~~بني آدم، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يظن أن كل من يسمع القرآن ~~يؤمن به، فلما سمع المشركون القرآن سخروا منه ولم يؤمنوا به، فعجب من ذلك ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الله تعالى: { بل عجبت ~~ويسخرون }. # { وإذا ذكروا لا يذكرون } ، أي: إذا وعظوا بالقرآن لا ~~يتعظون. # { وإذا رأوا ءاية } ، قال ابن عباس ومقاتل: يعني انشقاق ~~القمر، { يستسخرون } ، يسخرون ويستهزؤون، وقيل: يستدعي بعضهم عن ~~بعض السخرية. # { وقالوا إن هذآ إلا سحر مبين } ، [يعني سحر بين]. ### || [37.16-24] # { أءذا متنا وكنا ترابا وعظما أءنا ~~لمبعوثون }. # { أو ءابآؤنا الأولون } ، أي: وآباؤنا الأولون. { قل ~~نعم } ، تبعثون، { وأنتم دخرون } ، صاغرون، والدخور أشد ~~الصغار. # { فإنما هى } , أي قصة البعث أو القيامة، { زجرة } ، أي: ~~صيحة، { وحدة } ، يعني نفخة البعث، { فإذا هم ينظرون } ، ~~أحياء. # { وقالوا يويلنا هذا يوم الدين } ، أي: يوم الحساب ~~ويوم الجزاء. # { هذا يوم الفصل } ، يوم القضاء، وقيل: يوم الفصل بين المحسن ~~والمسيء، { الذى كنتم به تكذبون }. # { احشروا الذين ظلموا } أي أشركوا، اجمعوهم إلى الموقف ~~للحساب والجزاء، { وأزوجهم ms1920 } ، أشباههم وأتباعهم وأمثالهم. # قال قتادة والكلبي: كل من عمل مثل عملهم، فأهل الخمر مع أهل الخمر، وأهل ~~الزنا مع أهل الزنا. # وقال الضحاك ومقاتل: قرناءهم من الشياطين، كل كافر مع شيطانه في سلسلة. # وقال الحسن: وأزواجهم المشركات. # { وما كانوا يعبدون من دون الله } ، في الدنيا، يعني: ~~الأوثان والطواغيث. وقال مقاتل: يعني إبليس وجنوده، واحتج بقوله: # أن لا تعبدوا الشيطان # [يس: 60]. # { فاهدوهم إلى صرط الجحيم } ، قال ابن عباس: دلوهم إلى ~~طريق النار. وقال ابن كيسان: قدموهم. والعرب تسمى السابق هاديا. # { وقفوهم } ، احبسوهم، يقال: وقفته وقفا فوقف وقوفا. # قال المفسرون: لما سيقوا إلى النار حبسوا عند الصراط، لأن السؤال عند ~~الصراط، فقيل: وقفوهم { إنهم مسؤولون } ، قال ابن عباس: عن ~~جميع أقوالهم وأفعالهم. # وروي عنه عن: لا إله إلا الله. # وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة حتى يسأل عن أربعة أشياء: عن ~~شبابه فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم ~~أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به ". ### || [37.25-29] # { ما لكم لا تنصرون } ، أي: لا تتناصرون، يقال لهم توبيخا: ~~مالكم لا ينصر بعضكم بعضا، يقول لهم خزنة النار، هذا جواب لأبي جهل حين ~~قال يوم بدر: # نحن جميع منتصر # [القمر: 44]. # فقال الله تعالى: { بل هم اليوم مستسلمون } ، قال ابن ~~عباس: خاضعون. وقال الحسن: منقادون، يقال: استسلم للشيء إذا انقاد له ~~وخضع له، والمعنى: هم اليوم أذلاء منقادون لا حيلة لهم. # { وأقبل بعضهم على بعض } , أي: الرؤساء والأتباع { ~~يتسآءلون } ، يتخاصمون. # { قالوا } ، أي: الأتباع للرؤساء، { إنكم كنتم تأتوننا ~~عن اليمين } ، أي: من قبل الدين فتضلوننا عنه [وتروننا أن الدين ~~ما تضلوننا به]، قاله الضحاك. وقال مجاهد: عن الصراط الحق، واليمين عبارة ~~عن الدين والحق، كما أخبر الله تعالى عن إبليس: # ثم لأتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن ~~أيمنهم # [الأعراف: 17]، فمن أتاه الشيطان من قبل اليمين أتاه من قبل الدين ~~فلبس عليه الحق. # وقال بعضهم: كان الرؤساء يحلفون لهم أن ما يدعونهم ms1921 إليه هو الحق، فمعنى ~~قوله: { تأتوننا عن اليمين } أي: من ناحية الأيمان التي كنتم ~~تحلفونها فوثقنا بها. # وقيل: " عن اليمين " أي: عن القوة والقدرة، كقوله: # لأخذنا منه باليمين # [الحاقة:45]، والمفسرون على القول الأول. # { قالوا } ، يعني: الرؤساء للأتباع، { بل لم تكونوا ~~مؤمنين } ، لم تكونوا على الحق فنضلكم عنه، أي: إنما الكفر من ~~قبلكم. ### || [37.30-41] # { وما كان لنا عليكم من سلطن } ، من قوة وقدرة ~~فنقهركم على متابعتنا، { بل كنتم قوما طغين } ، ضالين. # { فحق } ، وجب، { علينا } ، جميعا، { قول ربنآ } ، ~~يعني: كلمة العذاب، وهي قوله: # لأملان جهنم من الجنة والناس أجمعين # [السجدة: 13]. { إنا لذآئقون } ، العذاب، أي أن الضال ~~والمضل جميعا في النار. # { فأغوينكم } ، فأضللناكم عن الهدى ودعوناكم إلى ما كنا عليه، ~~{ إنا كنا غوين } ، ضالين. قال اللهعز وجل: { فإنهم ~~يومئذ فى العذاب مشتركون } (أي) الرؤساء والأتباع. # { إنا كذلك نفعل بالمجرمين } ، قال ابن عباس: الذين ~~جعلوا لله شركاء. # { إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله ~~يستكبرون } ، يتكبرون عن كلمة التوحيد، ويمتنعون منها. # { ويقولون أءنا لتاركو ءالهتنا لشاعر مجنون ~~} يعنون النبي صلى الله عليه وسلم. # قال الله عز وجل ردا عليهم: { بل جآء } ، محمد، { بالحق ~~وصدق المرسلين } ، أي أنه أتى بما أتى به الرسول قبله. # { إنكم لذآئقوا العذاب الأليم * وما تجزون ~~إلا ما كنتم تعملون } ، في الدنيا من الشرك. { إلا ~~عباد الله المخلصين } ، الموحدين. # { أولئك لهم رزق معلوم } ، يعني: بكرة وعشيا كما ~~قال: # ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا # [مريم: 62]. ### || [37.42-49] # { فوكه } جمع الفاكهة، وهي الثمار كلها رطبها ويابسها، وهي كل طعام ~~يؤكل للتلذذ لا للقوت، { وهم مكرمون } ، بثواب الله. # { فى جنت النعيم * على سرر متقبلين } , لا ~~يرى بعضهم قفا بعض. # { يطاف عليهم بكأس } ، إناء فيه شراب ولا يكون كأسا حتى ~~يكون فيه شراب، وإلا فهو إناء، { من معين } ، خمر جارية في الأنهار ~~ظاهرة تراها العيون. # { بيضآء } ، قال الحسن: خمر الجنة أشد بياضا من اللبن، { لذة } ~~، أي: لذيذة، { للشربين }. # { لا فيها غول } ، قال الشعبي: لا تغتال عقولهم فتذهب بها. قال ~~الكلبي: إثم. وقال قتادة: وجع ms1922 البطن. وقال الحسن: صداع. # وقال أهل المعاني: " الغول " فساد يلحق في خفاء، يقال: اغتاله ~~اغتيالا إذا أفسد عليه أمره في خفية، وخمرة الدنيا يحصل منها أنواع من ~~الفساد، منها السكر وذهاب العقل، ووجع البطن، والصداع، والقيء، والبول، ~~ولا يوجد شيء من ذلك في خمر الجنة. # { ولا هم عنها ينزفون } ، قرأ حمزة والكسائي: " ينزفون " ~~بكسر الزاي وافقهما عاصم في الواقعة، وقرأ الآخرون بفتح الزاي فيهما، فمن ~~فتح الزاي فمعناه: لا يغلبهم على عقولهم ولا يسكرون، يقال: نزف الرجل فهو ~~منزوف ونزيف، إذا سكر، ومن كسر الزاي فمعناه: لا ينفد شرابهم، يقال: أنزف ~~الرجل فهو منزوف، إذا فنيت خمره. # { وعندهم قصرت الطرف } ، حابسات الأعين غاضات الجفون، ~~قصرن أعينهن على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم، { عين } ، أي: حسان ~~الأعين، يقال: رجل أعين وامرأة عيناء ونساء عين. # { كأنهن بيض } ، جمع البيضة، { مكنون } ، مصون مستور، ~~وإنما ذكر " المكنون والبيض " جمع لأنه رده إلى اللفظ. # قال الحسن: شبههن ببيض النعامة تكنها بالريش من الريح والغبار، فلونها ~~أبيض في صفرة. ويقال: هذا أحسن ألوان النساء أن تكون المرأة بيضاء مشربة ~~صفرة، والعرب تشبهها ببيضة النعامة. ### || [37.50-66] # { فأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون } , يعني: أهل ~~الجنة في الجنة يسأل بعضهم بعضا عن حاله في الدنيا. # { قال قآئل منهم } ، يعني من أهل الجنة: { إنى كان لى ~~قرين } ، في الدنيا ينكر البعث. # قال مجاهد: كان شيطانا. وقال الآخرون: كان من الإنس. وقال مقاتل: كانا ~~أخوين. وقال الباقون: كانا شريكين أحدهما كافر اسمه قطروس، والآخر مؤمن ~~اسمه يهوذا، وهما اللذان قص الله تعالى خبرهما في سورة الكهف في قوله ~~تعالى: # واضرب لهم مثلا رجلين # [الكهف: 32]. # { يقول أءنك لمن المصدقين } ، بالبعث. # { أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمدينون } ، ~~مجزيون ومحاسبون وهذا استفهام إنكار. # { قال } ، الله تعالى لأهل الجنة: { هل أنتم مطلعون } ، ~~إلى النار. وقيل: يقول المؤمن لإخوانه من أهل الجنة: هل أنتم مطلعون إلى ~~النار لننظر كيف منزلة أخي، فيقول أهل الجنة: أنت أعرف به منا. # { فاطلع } ، قال ابن عباس: إن في الجنة ms1923 كوى ينظر أهلها منها إلى ~~النار، فاطلع هذا المؤمن، { فرءاه فى سوآء الجحيم } ، فرأى ~~قرينه في وسط النار، وإنما سمي وسط الشيء سواء لاستواء الجوانب منه. # { قال } ، له: { تالله إن كدت لتردين } والله لقد كدت أن ~~تهلكني، قال مقاتل: والله لقد كدت أن تغويني، ومن أغوى إنسانا فقد ~~أهلكه. # { ولولا نعمة ربى } ، رحمته وإنعامه علي بالإسلام، { ~~لكنت من المحضرين } ، معك في النار. # { أفما نحن بميتين * إلا موتتنا الاولى } ، في ~~الدنيا، { وما نحن بمعذبين } قال بعضهم: يقول هذا أهل الجنة ~~للملائكة حين يذبح الموت: أفما نحن بميتين؟ فتقول لهم الملائكة: لا. # فيقولون: { إن هذا لهو الفوز العظيم } ، وقيل: إنما ~~يقولونه على جهة الحديث بنعمة الله عليهم في أنهم لا يموتون ولا يعذبون. ~~وقيل: يقوله المؤمن لقرينه على جهة التوبيخ بما كان ينكره. # قال الله تعالى: { لمثل هذا فليعمل العملون } ، ~~أي: لمثل هذا النعيم الذي ذكره من قوله: { أولئك لهم رزق ~~معلوم } ، إلى { فليعمل العملون }. # { أذلك } أي: ذلك الذي ذكر لأهل الجنة، { خير نزلا أم ~~شجرة الزقوم } ، التي هي نزل أهل النار، والزقوم: ثمرة شجرة ~~خبيثة مرة كريهة الطعم، يكره أهل النار على تناولها، فهم يتزقمونه ~~على أشد كراهية، ومنه قولهم: تزقم الطعام إذا تناوله على كره ومشقة. # { إنا جعلنها فتنة للظلمين } ، الكافرين وذلك ~~أنهم قالوا: كيف يكون في النار شجرة والنار تحرق الشجر؟ وقال ابن الزبعري ~~لصناديد قريش: إن محمدا يخوفنا بالزقوم، والزقوم بلسان بربر: الزبد ~~والتمر، فأدخلهم أبو جهل بيته، وقال: ياجارية زقمينا، فأتتهم بالزبد ~~والتمر، فقال: تزقموا فهذا ما يوعدكم به محمد. # فقال الله تعالى: { إنها شجرة تخرج فى أصل الجحيم ~~} ، قعر النار، قال الحسن: أصلها في قعر جهنم وأغصانها ترتفع إلى ~~دركاتها. # { طلعها } ، ثمرها سمي طلعا لطلوعه، { كأنه رءوس ~~الشيطين } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: هم الشياطين بأعيانهم ~~شبه بها لقبحها، لأن الناس إذا وصفوا شيئا بغاية القبح قالوا: كأنه ~~شيطان، وإن كانت الشياطين لا ترى لأن قبح صورتها متصور في النفس، وهذا ~~معنى قول ابن عباس ms1924 والقرظي، وقال بعضهم: أراد بالشياطين الحيات، والعرب ~~تسمى الحية القبيحة المنظر شيطانا. وقيل: هي شجرة قبيحة مرة منتنة ~~تكون في البادية، تسميها العرب رؤوس الشياطين. # { فإنهم لأكلون منها فمالئون منها البطون } ، ~~والملء: حشو الوعاء بما لا يحتمل الزيادة عليه. ### || [37.67-77] # { ثم إن لهم عليها لشوبا } ، خلطا ومزاجا، { من ~~حميم } ، من ماء حار شديد الحرارة، يقال: لهم إذا أكلوا الزقوم: ~~اشربوا عليه الحميم، فيشوب الحميم في بطونهم الزقوم فيصير شوبا لهم. # { ثم إن مرجعهم } ، بعد شرب الحميم، { لإلى الجحيم } ~~، وذلك أنهم يوردون الحميم لشربه وهو خارج من الحميم كما تورد الإبل ~~الماء، ثم يردون إلى الجحيم، دل عليه قوله تعالى: # يطوفون بينها وبين حميم ءان # [الرحمن: 44]، وقرأ ابن مسعود: (ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم). # { إنهم ألفوا } وجدوا، { ءابآءهم ضآلين * فهم ~~على ءاثارهم يهرعون } ، يسرعون، قال الكلبي: يعملون مثل ~~أعمالهم. # { ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين } ، من الأمم ~~الخالية. # { ولقد أرسلنا فيهم منذرين * فانظر كيف كان ~~عقبة المنذرين } ، الكافرين أي: كان عاقبتهم العذاب. # { إلا عباد الله المخلصين } ، الموحدين نجوا من العذاب. # قوله عز وجل: { ولقد نادانا نوح } ، دعا ربه على قومه فقال: # أنى مغلوب فانتصر # [القمر: 10] { فلنعم المجيبون } نحن، يعني: أجبنا دعاءه ~~وأهلكنا قومه. # { ونجينه وأهله من الكرب العظيم } ، الغم ~~العظيم الذي لحق قومه وهو الغرق. # { وجعلنا ذريته هم البقين } ، وأراد أن الناس كلهم ~~من نسل نوح. روى الضحاك عن ابن عباس قال: لما خرج نوح من السفينة مات من ~~كان معه من الرجال والنساء إلا ولده ونساءهم. # قال سعيد بن المسيب، كان ولد نوح ثلاثة: سام وحام ويافث، فسام أبو العرب ~~وفارس والروم، وحام أبو السودان، ويافث أبو الترك والخزر ويأجوج ومأجوج ~~وما هنالك. ### || [37.78-89] # { وتركنا عليه فى الآخرين } ، أي: أبقينا له ثناء حسنا ~~وذكرا جميلا فيمن بعده من الأنبياء والأمم إلى يوم القيامة. # { سلم على نوح فى العلمين } ، أي: سلام عليه منا في ~~العالمين. وقيل: أي تركنا عليه في الآخرين أن يصلى عليه إلى يوم القيامة. # { إنا كذلك نجزى المحسنين } ، قال ms1925 مقاتل: جزاه الله ~~بإحسانه الثناء الحسن في العالمين. # { إنه من عبادنا المؤمنين * ثم أغرقنا ~~الآخرين } ، يعني الكفار. # قوله تعالى: { وإن من شيعته } ، أي من أهل دينه وسنته، { ~~لإبرهيم * إذ جآء ربه بقلب سليم } ، مخلص من الشرك ~~والشك. # { إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون } , استفهام ~~توبيخ. # { أءفكا ءالهة دون الله تريدون } ، يعني: أتأفكون إفكا ~~وهو أسوأ الكذب، وتعبدون آلهة سوى الله. # { فما ظنكم برب العلمين } - إذا لقيتموه وقد عبدتم ~~غيره - أنه يصنع بكم. # { فنظر نظرة فى النجوم * فقال إنى سقيم } ، قال ~~ابن عباس: كان قومه يتعاطون علم النجوم فعاملهم من حيث كانوا لئلا ينكروا ~~عليه، وذلك أنه أراد أن يكايدهم في أصنامهم ليلزمهم الحجة في أنها غير ~~معبودة، وكان لهم من الغد عيد ومجمع، وكانوا يدخلون على أصنامهم ويقربون ~~لهم القرابين، ويصنعون بين أيديهم الطعام قبل خروجهم إلى عيدهم - زعموا - ~~للتبرك عليه فإذا انصرفوا من عيدهم أكلوه، فقالوا لإبراهيم: ألا تخرج ~~غدا معنا إلى عيدنا؟ فنظر إلى النجوم فقال: إني سقيم، قال ابن عباس: ~~مطعون، وكانوا يفرون من الطاعون فرارا عظيما. قال الحسن: مريض. وقال ~~مقاتل: وجع. وقال الضحاك: سأسقم. ### || [37.90-98] # { فتولوا عنه مدبرين } ، إلى عيدهم فدخل إبراهيم على ~~الأصنام فكسرها. كما قال الله تعالى: { فراغ إلى ءالهتهم } ، ~~مال إليها ميلة في خفية، ولا يقال " راغ " حتى يكون صاحبه مخفيا لذهابه ~~ومجيئه، { فقال } استهزاء بها. { ألا تأكلون } ، يعني: الطعام ~~الذي بين أيديكم. # { ما لكم لا تنطقون * فراغ عليهم } ، مال عليهم، { ~~ضربا باليمين } ، أي: كان يضربهم بيده اليمنى لأنها أقوى على ~~العمل من الشمال. وقيل: باليمين أي: بالقوة. وقيل: أراد به القسم الذي ~~سبق منه وهو قوله: # وتالله لأكيدن أصنامكم # [الأنبياء: 57]. # { فأقبلوا إليه } ، يعني إلى إبراهيم، { يزفون } ، يسرعون، ~~وذلك أنهم أخبروا بصنيع إبراهيم بآلهتهم فأسرعوا إليه ليأخذوه. # قرأ الأعمش وحمزة: " يزفون " بضم الياء وقرأ الآخرون بفتحها، وهما ~~لغتان. وقيل: بضم الياء، أي: يحملون دوابهم على الجد والإسراع. # { قال } ، لهم إبراهيم على وجه الحجاج، { أتعبدون ما ~~تنحتون } ، يعني: ما تنحتون بأيديكم. # { والله خلقكم ms1926 وما تعملون } ، بأيديكم من الأصنام، وفيه ~~دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى. # { قالوا ابنوا له بنينا فألقوه فى الجحيم } ، ~~معظم النار، قال مقاتل: بنوا له حائطا من الحجر طوله في السماء ثلاثون ~~ذراعا، وعرضه عشرون ذراعا، وملؤوه من الحطب وأوقدوا فيه النار وطرحوه ~~فيها. # { فأرادوا به كيدا } ، شرا وهو أن يحرقوه، { ~~فجعلنهم الأسفلين } ، أي المقهورين حيث سلم الله تعالى ~~إبراهيم ورد كيدهم. ### || [37.99-102] # { وقال } ، يعني إبراهيم، { إنى ذاهب إلى ربى } ، أي: ~~مهاجر إلى ربي، والمعنى: أهجر دار الكفر وأذهب إلى مرضاة ربي، قاله بعد ~~الخروج من النار، كما قال: # إنى مهاجر إلى ربى # [العنكبوت: 26]، { سيهدين } ، إلى حيث أمرني بالمصير إليه، وهو ~~الشام. # قال مقاتل: فلما قدم الأرض المقدسة سأل ربه الولد فقال: { رب هب ~~لى من الصلحين } ، يعني هب لي ولدا صالحا من الصالحين. # { فبشرنه بغلم حليم } ، قيل: بغلام في صغره، حليم في ~~كبره، ففيه بشارة أنه ابن وأنه يعيش فينتهي في السن حتى يوصف بالحلم. # { فلما بلغ معه السعى } ، قال ابن عباس وقتادة: يعني ~~المشي معه إلى الجبل. وقال مجاهد عن ابن عباس: لما شب حتى بلغ سعيه ~~سعي إبراهيم. والمعنى: بلغ أن يتصرف معه ويعينه في عمله. قال الكلبي: ~~يعني العمل لله تعالى، وهو قول الحسن ومقاتل بن حيان وابن زيد، قالوا: هو ~~العبادة لله تعالى. # واختلفوا في سنه، قيل: كان ابن ثلاث عشرة سنة. وقيل: كان ابن سبع سنين. # { قال يبنى إنى أرى فى المنام أنى أذبحك }. ~~واختلف العلماء من المسلمين في هذا الغلام الذي أمر إبراهيم بذبحه بعد ~~اتفاق أهل الكتابين على أنه إسحاق، فقال قوم: هو إسحاق وإليه ذهب من ~~الصحابة: عمر، وعلي وابن مسعود، وابن عباس، ومن التابعين وأتباعهم: كعب ~~الأحبار، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومسروق، وعكرمة، وعطاء، ومقاتل، ~~والزهري، والسدي، وهي رواية عكرمة وسعيد بن جبير عن ابن عباس، وقالوا: ~~كانت هذه القصة بالشام. # وروي عن سعيد بن جبير قال: أري إبراهيم ذبح إسحاق في المنام، فسار به ~~مسيرة شهر في ms1927 غداة واحدة حتى أتى به المنحر بمنى، فلما أمره الله تعالى ~~بذبح الكبش، ذبحه وسار به مسيرة شهر في روحة واحدة وطويت له الأودية ~~والجبال. # وقال آخرون: هو إسماعيل، وإليه ذهب عبد الله بن عمر، وهو قول سعيد بن ~~المسيب، والشعبي، والحسن البصري، ومجاهد، والربيع بن أنس، ومحمد بن كعب ~~القرظي، والكلبي، وهي رواية عطاء بن أبي رباح، ويوسف بن ماهك عن ابن ~~عباس، قال: المفدى إسماعيل. # وكلا القولين يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ذهب إلى أن ~~الذبيح إسحاق احتج من القرآن بقوله: { فبشرنه بغلم ~~حليم * فلما بلغ معه السعى } [الصافات: 101] أمره بذبح ~~من بشره به، وليس في القرآن أنه بشر بولد سوى إسحاق، كما قال في ~~سورة هود: # فبشرنها بإسحق # [ هود: 71]. # ومن ذهب إلى أنه إسماعيل احتج بأن الله تعالى ذكر البشارة بإسحاق بعد ~~الفراغ من قصة المذبوح فقال: # وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين # [الصافات: 112]، دل على أن المذبوح غيره، وأيضا قال الله تعالى في ~~سورة هود: # فبشرنها بإسحق ومن ورآء إسحق يعقوب # [هود: 71]، فكما بشره بإسحاق بشره بابنه يعقوب، فكيف يأمره بذبح إسحاق ~~وقد وعده بنافلة منه. # قال القرظي: سأل عمر بن عبد العزيز رجلا كان من علماء اليهود أسلم وحسن ~~إسلامه: أي ابني إبراهيم أمر بذبحه؟ فقال: إسماعيل، ثم قال: يا ~~أمير المؤمنين إن اليهود لتعلم ذلك، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن ~~يكون أباكم الذي كان من أمر الله تعالى بذبحه، ويزعمون أنه إسحاق. # ومن الدليل عليه: أن قرني الكبش كانا منوطين بالكعبة في أيدي بني ~~إسماعيل إلى أن احترق البيت واحترق القرنان في أيام ابن الزبير والحجاج. # قال الشعبي: رأيت قرني الكبش منوطين بالكعبة. # وعن ابن عباس قال: والذي نفسي بيده لقد كان أول الإسلام وأن رأس الكبش ~~لمعلق بقرنيه في ميزاب الكعبة، قد وحش، يعني يبس. # قال الأصمعي: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح إسحاق كان أو إسماعيل؟ ~~فقال: يا صميع أين ذهب عقلك متى كان إسحاق بمكة؟ إنما ms1928 كان إسماعيل بمكة، ~~وهو الذي بنى البيت مع أبيه. # وأما قصة الذبح قال السدي: لما دعا إبراهيم فقال: رب هب لي من ~~الصالحين، وبشر به، قال: هو إذا لله ذبيح، فلما ولد وبلغ معه السعي قيل ~~له: أوف بنذرك، هذا هو السبب في أمر الله تعالى إياه بذبح ابنه، فقال ~~عند ذلك، لإسحاق: انطلق فقرب قربانا لله تعالى فأخذ سكينا وحبلا ~~وانطلق معه حتى ذهب به بين الجبال، فقال له الغلام: يا أبت أين قربانك؟ ~~فقال: { يبنى إنى أرى فى المنام أنى أذبحك ~~فانظر ماذا ترى قال يأبت افعل ما تؤمر }. # وقال محمد بن إسحاق: كان إبراهيم إذا زار هاجر وإسماعيل حمل على ~~البراق فيغدو من الشام فيقيل بمكة، ويروح من مكة فيبيت عند أهله بالشام، ~~حتى إذا بلغ إسماعيل معه السعي، وأخذ بنفسه ورجاه لما كان يأمل فيه من ~~عبادة ربه وتعظيم حرماته، أمر في المنام أن يذبحه، وذلك أنه رأى ليلة ~~التروية كأن قائلا يقول له: إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا، فلما أصبح ~~روي في نفسه أي: فكر من الصباح إلى الرواح، أمن الله هذا الحلم أم من ~~الشيطان؟ فمن ثم سمي يوم التروية، فلما أمسى رأى في المنام ثانيا، ~~فلما أصبح عرف أن ذلك من الله عز وجل، فمن ثم سمي يوم عرفة. # قال مقاتل: رأى ذلك إبراهيم ثلاث ليال متواليات، فلما تيقن ذلك أخبر به ~~ابنه، فقال: { يبنى إنى أرى فى المنام أنى ~~أذبحك فانظر ماذا ترى }. # قرأ حمزة والكسائي: " ترى " بضم التاء وكسر الراء - ماذا تشير، وإنما ~~أمره ليعلم صبره على أمر الله تعالى، وعزيمته على طاعته. # وقرأ العامة بفتح التاء والراء إلا أبا عمرو فإنه يميل الراء. # قال له ابنه: { يأبت افعل ما تؤمر } , وقال ابن إسحاق وغيره: ~~فلما أمر إبراهيم بذلك قال لابنه: يا بني خذ الحبل والمدية ننطلق إلى ~~هذا الشعب نحتطب، فلما خلا إبراهيم بابنه في شعب ثبير أخبره بما ~~أمر، { قال يأبت افعل ما تؤمر ستجدنى إن شآء ~~الله ms1929 من الصبرين }. ### || [37.103] # { فلما أسلما } ، انقادا وخضعا لأمر الله تعالى، قال قتادة: ~~أسلم إبراهيم ابنه وأسلم الابن نفسه، { وتله للجبين } , أي: ~~صرعه على الأرض. قال ابن عباس: أضجعه على جبينه على الأرض والجبهة بين ~~الجبينين، قالوا: فقال له ابنه الذي أراد ذبحه يا أبت اشدد رباطي حتى لا ~~أضطرب، واكفف عني ثيابك حتى لا ينتضح عليها من دمي شيء فينقص أجري وتراه ~~أمي فتحزن، واشحذ شفرتك، وأسرع مر السكين على حلقي ليكون أهون علي ~~فإن الموت شديد، وإذا أتيت أمي فاقرأ عليها السلام مني، وإن رأيت أن ترد ~~قميصي على أمي فافعل، فإنه عسى أن يكون أسلى لها عني، فقال له إبراهيم ~~عليه السلام: نعم العون أنت يا بني على أمر الله، ففعل إبراهيم ما أمر ~~به ابنه، ثم أقبل عليه فقبله وقد ربطه وهو يبكي والابن أيضا يبكي، ثم ~~إنه وضع السكين على حلقه فلم تحك السكين. # ويروى: أنه كان يجر الشفرة في حلقه فلا تقطع، فشحذها مرتين أو ثلاثة ~~بالحجر، كل ذلك لا تستطيع. # قال السدي: ضرب الله تعالى صفحة من نحاس على حلقه، قالوا: فقال الابن ~~عند ذلك: يا أبت كبني لوجهي على جبيني فإنك إذا نظرت في وجهي رحمتني ~~وأدركتك رقة تحول بينك وبين أمر الله تعالى، وأنا لا أنظر إلى الشفرة ~~فأجزع، ففعل ذلك إبراهيم ثم وضع الشفرة على قفاه فانقلبت السكين ونودي: ~~أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا. # وروى أبو هريرة عن كعب الأحبار وابن إسحاق عن رجاله قال: لما رأى ~~إبراهيم ذبح ابنه قال الشيطان: لئن لم أفتن عند هذا آل إبراهيم لا أفتن ~~منهم أحدا أبدا فتمثل له الشيطان رجلا وأتى أم الغلام، فقال لها: هل ~~تدرين أين ذهب إبراهيم بابنك؟ قالت: ذهب به يحتطبان من هذا الشعب، قال: ~~لا والله ما ذهب به إلا ليذبحه، قالت: كلا هو أرحم به وأشد حبا له من ~~ذلك، قال: إنه يزعم أن الله قد أمره بذلك، قالت: فإن كان ربه أمره بذلك ~~فقد أحسن ms1930 أن يطيع ربه، فخرج الشيطان من عندها حتى أدرك الابن وهو يمشي ~~على إثر أبيه، فقال له: يا غلام هل تدري أين يذهب بك أبوك؟ قال: نحتطب ~~لأهلنا من هذا الشعب، قال: والله ما يريد إلا أن يذبحك، قال: ولم؟ قال: ~~زعم أن ربه أمره بذلك، قال: فليفعل ما أمره به ربه فسمعا وطاعة، فلما ~~امتنع منه الغلام أقبل على إبراهيم عليه السلام فقال له: أين تريد أيها ~~الشيخ؟ قال أريد هذا الشعب لحاجة لي فيه، قال: والله إني لأرى الشيطان قد ~~جاءك في منامك فأمرك بذبح ابنك هذا، فعرفه إبراهيم عليه السلام، فقال: ~~إليك عني يا عدو الله فوالله لأمضين لأمر ربي، فرجع إبليس بغيظه لم يصب ~~من إبراهيم وآله شيئا مما أراد، قد امتنعوا منه بعون الله تعالى. # وروى أبو الطفيل عن ابن عباس: أن إبراهيم لما أمر بذبح ابنه عرض له ~~الشيطان بهذا المشعر فسابقه فسبقه إبراهيم، ثم ذهب إلى جمرة العقبة فعرض ~~له الشيطان فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى ~~فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم أدركه عند الجمرة الكبرى فرماه بسبع حصيات ~~حتى ذهب، ثم مضى إبراهيم لأمر الله عز وجل. # قال الله عز وجل: { فلمآ أسلما وتله للجبين }. ### || [37.104-107] # { وندينه } ، الواو في " وناديناه " مقحمة صلة، مجازه: ~~ناديناه كقوله: # وأجمعوا أن يجعلوه فى غيابة الجب وأوحينآ ~~إليه # [يوسف: 15]، أي: أوحينا إليه، فنودي من الجبل، { أن يإبرهيم ~~قد صدقت الرؤيآ } ، تم الكلام هاهنا ثم ابتدأ فقال: { إنا ~~كذلك نجزى المحسنين } ، والمعنى: إنا كما عفونا إبراهيم عن ~~ذبح ولده نجزي من أحسن في طاعتنا، قال مقاتل: جزاه الله بإحسانه في طاعته ~~العفو عن ذبح ابنه. # { إن هذا لهو البلاء المبين } ، الاختبار الظاهر حيث ~~اختبره بذبح ابنه. وقال مقاتل: البلاء هاهنا النعمة، وهي أن فدي ابنه ~~بالكبش. # فإن قيل: كيف قال: قد صدقت الرؤيا، وكان قد رأى الذبح ولم يذبح؟. # قيل: جعله مصدقا لأنه قد أتى بما أمكنه، والمطلوب إسلامهما لأمر الله ~~تعالى ms1931 وقد فعلا. # وقيل: كان قد رأى في النوم معاجلة الذبح ولم ير إراقة الدم، وقد فعل في ~~اليقظة ما رأى في النوم، فلذلك قال له: " قد صدقت الرؤيا ". # { وفدينه بذبح عظيم } ، فنظر إبراهيم فإذا هو بجبريل ~~ومعه كبش أملح أقرن، فقال: هذا فداء لابنك فاذبحه دونه، فكبر جبريل، ~~وكبر الكبش، وكبر ابنه، فأخذ إبراهيم الكبش فأتى به المنحر من منى ~~فذبحه. # قال أكثر المفسرين: كان ذلك الكبش رعى في الجنة أربعين خريفا. # وروي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: الكبش الذي ذبحه إبراهيم هو الذي ~~قربه ابن آدم هابيل. # قال سعيد بن جبير: حق له أن يكون عظيما. قال مجاهد: سماه عظيما لأنه ~~متقبل. وقال الحسين بن الفضل: لأنه كان من عند الله. وقيل: عظيم في ~~الشخص. وقيل: في الثواب. # وقال الحسن: ما فدي إسماعيل إلا بتيس من الأروى أهبط عليه من ثبير. ### || [37.108-122] # { وتركنا عليه فى الآخرين } ، أي: تركنا له في الآخرين ~~ثناء حسنا. # { سلم على إبرهيم * كذلك نجزى المحسنين * ~~إنه من عبادنا المؤمنين * وبشرنه بإسحق ~~نبيا من الصلحين } ، فمن جعل الذبيح إسماعيل قال: بشره بعد ~~هذه القصة بإسحاق نبيا جزاء لطاعته، ومن جعل الذبيح إسحاق قال: بشر ~~إبراهيم بنبوة إسحاق. رواه عكرمة عن ابن عباس. قال: بشر به مرتين حين ولد ~~وحين نبئ. # { وبركنا عليه } ، يعني: على إبراهيم في أولاده، { وعلى ~~إسحق } ، بكون أكثر الأنبياء من نسله، { ومن ذريتهما ~~محسن } ، أي: مؤمن، { وظالم لنفسه } ، أي: كافر، { مبين ~~} ،ظاهر. # قوله تعالى: { ولقد مننا على موسى وهرون } ، أنعمنا ~~عليهما بالنبوة. # { ونجينهما وقومهما } ، بني إسرائيل، { من الكرب ~~العظيم } ، أي: الغم العظيم وهو الذي كانوا فيه من استعباد فرعون ~~إياهم. وقيل: من الغرق. # { ونصرنهم } ، يعني: موسى وهارون وقومهما، { فكانوا هم ~~الغلبين } ، على القبط. # { وءاتينهما الكتب المستبين } , أي: المستنير وهو ~~التوراة. # { وهدينهما الصرط المستقيم * وتركنا ~~عليهما فى الأخرين * سلم على موسى وهرون * ~~إنا كذلك نجزى المحسنين * إنهما من عبادنا ~~المؤمنين }. ### || [37.123] # قوله تعالى: { وإن إلياس لمن المرسلين } , روي عن عبد ~~الله ms1932 بن مسعود قال: إلياس هو إدريس. وفي مصحفه: وإن إدريس لمن المرسلين. ~~وهذا قول عكرمة. # وقال الآخرون: هو نبي من أنبياء بني إسرائيل. # قال ابن عباس: هو ابن عم اليسع. # قال محمد بن إسحاق: هو إلياس بن بشر بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن ~~عمران. # وقال أيضا محمد بن إسحاق، والعلماء من أصحاب الأخبار: لما قبض الله عز ~~وجل حزقيل النبي صلى الله عليه وسلم، عظمت الأحداث في بني إسرائيل وظهر ~~فيهم الفساد والشرك، ونصبوا الأوثان وعبدوها من دون الله، فبعث الله عز ~~وجل إليهم إلياس نبيا وكانت الأنبياء من بني إسرائيل يبعثون بعد موسى ~~بتجديد ما نسوا من التوراة، وبنو إسرائيل كانوا متفرقين في أرض الشام، ~~وكان سبب ذلك أن يوشع بن نون لما فتح الشام بوأها بني إسرائيل وقسمها ~~بينهم، فأحل سبطا منهم ببعلبك ونواحيها، وهم السبط الذين كان منهم إلياس ~~فبعثه الله تعالى إليهم نبيا، وعليهم يومئذ ملك يقال له: آجب قد أضل ~~قومه وأجبرهم على عبادة الأصنام، وكان يعبد هو وقومه صنما يقال له: بعل، ~~وكان طوله عشرين ذراعا وله أربعة وجوه، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله عز ~~وجل وهم لا يسمعون منه شيئا إلا ما كان من أمر الملك، فإنه صدقه وآمن ~~به فكان إلياس يقوم أمره ويسدده ويرشده، وكان لآجب الملك هذا امرأة ~~يقال لها: أزبيل وكان يستخلفها على رعيته إذا غاب عنهم في غزاة أو غيرها، ~~وكانت تبرز للناس وتقضي بين الناس، وكانت قتالة للأنبياء، يقال: هي ~~التي قتلت يحيى بن زكريا عليهما السلام، وكان لها كاتب رجل مؤمن حكيم ~~يكتم إيمانه، وكان قد خلص من يدها ثلثمائة نبي كانت تريد قتل كل واحد ~~منهم إذا بعث سوى الذين قتلتهم، وكانت في نفسها غير محصنة، وكانت قد ~~تزوجت سبعة من ملوك بني إسرائيل، وقتلت كلهم بالاغتيال، وكانت معمرة يقال ~~أنها ولدت سبعين ولدا. وكان لآجب هذا جار رجل صالح يقال له مزدكي، وكانت ~~له جنينة يعيش منها، ويقبل على عمارتها ومرمتها، وكانت ms1933 الجنينة إلى جانب ~~قصر الملك وامرأته، وكانا يشرفان على تلك الجنينة يتنزهان فيها ويأكلان ~~ويشربان ويقيلان فيها، وكان آجب الملك يحسن جوار صاحبها مزدكي، ويحسن ~~إليه، وامرأته أزبيل تحسده لأجل تلك الجنينة، وتحتال أن تغصبها منه لما ~~تسمع الناس يكثرون ذكرها ويتعجبون من حسنها، وتحتال أن تقتله والملك ~~ينهاها عن ذلك ولا تجد عليه سبيلا، ثم إنه اتفق خروج الملك إلى سفر بعيد ~~وطالت غيبته فاغتنمت امرأته أزبيل ذلك فجمعت جمعا من الناس وأمرتهم أن ~~يشهدوا على مزدكي أنه سب زوجها آجب فأجابوها إليه، وكان في حكمهم في ذلك ~~الزمان القتل على من سب الملك إذا قامت عليه البينة، فأحضرت مزدكي وقالت ~~له: بلغني أنك شتمت الملك فأنكر مزدكي، فأحضرت الشهود فشهدوا عليه ~~بالزور، فأمرت بقتله وأخذت جنينته، فغضب الله عليهم للعبد الصالح. # فلما قدم الملك من سفره أخبرته الخبر، فقال لها: ما أصبت ولا أرانا ~~نفلح بعده، فقد جاورنا منذ زمان فأحسنا جواره وكففنا عنه الأذى لوجوب ~~حقه علينا، فختمت أمره بأسوأ الجوار، فقالت: إنما غضبت لك وحكمت بحكمك، ~~فقال لها: أو ما كان يسعه حلمك فتحفظين له جواره؟ قالت: قد كان ما كان، ~~فبعث الله تعالى إلياس إلى آجب الملك وقومه، وأمره أن يخبرهم أن الله ~~تعالى قد غضب لوليه حين قتلوه ظلما، وآلى على نفسه أنهما إن لم يتوبا ~~عن صنيعهما ولم يردا الجنينة على ورثة مزدكي أن يهلكهما، يعني آجب ~~وامرأته، في جوف الجنينة، ثم يدعهما جيفتين ملقاتين فيها حتى تتعرى ~~عظامهما من لحومهما، ولا يتمتعان بها إلا قليلا، قال: فجاء إلياس وأخبره ~~بما أوحى الله تعالى إليه في أمره وأمر امرأته ورد والجنينة، فلما سمع ~~الملك ذلك اشتد غضبه عليه ثم قال له: يا إلياس والله ما أرى ما تدعونا ~~إليه إلا باطلا وما أرى فلانا وفلانا - سمى ملوكا منهم قد عبدوا ~~الأوثان - إلا على مثل ما نحن عليه يأكلون ويتمتعون مملكين ما ينقص من ~~دنياهم أمرهم الذي تزعم أنه باطل، وما ترى لنا عليهم ms1934 من فضل، قال: وهم ~~الملك بتعذيب إلياس وقتله، فلما أحس إلياس بالشر والمكر به رفضه وخرج ~~عنه، فلحق بشواهق الجبال، وعاد الملك إلى عبادة بعل، وارتقى إلياس إلى ~~أصعب جبل وأشمخه فدخل مغارة فيه. # ويقال: إنه بقي سبع سنين شريدا خائفا يأوي إلى الشعاب والكهوف يأكل من ~~نبات الأرض وثمار الشجر وهم في طلبه قد وضعوا عليه العيون والله يستره، ~~فلما مضى سبع سنين أذن الله في إظهاره عليهم وشفاء غيظه منهم، فأمرض الله ~~عز وجل ابنا لآجب وكان أحب ولد إليه وأشبههم به، فأدنف حتى يئس منه، ~~فدعا صنمه بعلا - وكانوا قد فتنوا ببعل وعظموه حتى جعلوا له أربعمائة ~~سادن - فوكلوهم به وجعلوهم أنبياءه، وكان الشيطان يدخل في جوف الصنم ~~فيتكلم، والأربعمائة يصغون بآذانهم إلى ما يقول الشيطان ويوسوس إليهم ~~الشيطان بشريعة من الضلال فيبثونها للناس، فيعملون بها ويسمونهم أنبياء. # فلما اشتد مرض ابن الملك طلب إليهم الملك أن يتشفعوا إلى بعل، ويطلبوا ~~لابنه من قبله الشفاء فدعوه فلم يجبهم، ومنع الله الشيطان فلم يمكنه ~~الولوج في جوفه، وهم مجتهدون في التضرع إليه، فلما طال عليهم ذلك قالوا ~~لآجب: إن في ناحية الشام آلهة أخرى فابعث إليها أنبياءك فلعلها تشفع لك ~~إلى إلهك بعل، فإنه غضبان عليك، ولولا غضبه عليك لأجابك، قال آجب: ومن ~~أجل ماذا غضب علي وأنا أطيعه؟ قالوا: من أجل أنك لم تقتل إلياس وفرطت ~~فيه حتى نجا سليما وهو كافر بإلهك، قال آجب: وكيف لي أن أقتل إلياس وأنا ~~مشغول عن طلبه بوجع ابني، وليس لإلياس مطلب ولا يعرف له موضع فيقصد، فلو ~~عوفي ابني لفرغت لطلبه حتى أجده فأقتله فأرضي إلهي، ثم إنه بعث أنبياءه ~~الأربعمائة إلى الآلهة التي بالشام يسألونها أن تشفع إلى صنم الملك ليشفي ~~ابنه، فانطلقوا حتى إذا كانوا بحيال الجبل الذي فيه إلياس أوحى الله ~~تعالى إلى إلياس عليه السلام أن يهبط من الجبل ويعارضهم ويكلمهم. # وقال له: لا تخف فإني سأصرف عنك شرهم وألقي الرعب في قلوبهم، فنزل إلياس ms1935 ~~من الجبل، فلما لقيهم استوقفهم، فلما وقفوا قال لهم: إن الله تعالى ~~أرسلني إليكم وإلى من وراءكم فاسمعوا أيها القوم رسالة ربكم لتبلغوا ~~صاحبكم فارجعوا إليه، وقولوا له: إن الله تعالى يقول لك: ألست تعلم يا ~~آجب أني أنا الله لا إله إلا أنا إله بني إسرائيل الذي خلقهم، ورزقهم ~~وأحياهم وأماتهم، فجهلك وقلة علمك حملك على أن تشرك بي، وتطلب الشفاء ~~لابنك من غيري ممن لا يملكون لأنفسهم شيئا إلا ما شئت، إني حلفت باسمي ~~لأغيظنك في ابنك ولأميتنه في فوره هذا حتى تعلم أن أحدا لا يملك له ~~شيئا دوني. # فلما قال لهم هذا رجعوا وقد ملئوا منه رعبا، فلما صاروا إلى الملك ~~أخبروه بأن إلياس قد انحط عليهم، وهو رجل نحيف طوال قد نحل وتمعط شعره ~~وتقشر جلده، عليه جبة من شعر وعباءة قد خللها على صدره بخلال فاستوقفنا، ~~فلما صار معنا قذف له في قلوبنا الهيبة والرعب، فانقطعت ألسنتنا ونحن في ~~هذا العدد الكثير فلم نقدر على أن نكلمه ونراجعه حتى رجعنا إليك، وقصوا ~~عليه كلام إلياس، فقال آجب: لا ننتفع بالحياة ما كان إلياس حيا وما يطاق ~~إلا بالمكر والخديعة، فقيض له خمسين رجلا من قومه ذوي القوة والبأس، ~~وعهد إليهم عهده، وأمرهم بالاحتيال له والاغتيال به وأن يطمعوه في أنهم ~~قد آمنوا به، هم ومن وراءهم ليستنهم إليهم ويغتر بهم فيمكنهم من نفسه ~~فيأتون به ملكهم، فانطلقوا حتى ارتقوا ذلك الجبل الذي فيه إلياس، ثم ~~تفرقوا فيه ينادونه بأعلى أصواتهم، ويقولون: يا نبي الله ابرز إلينا ~~وامنن علينا بنفسك، فإنا قد آمنا بك وصدقناك، وملكنا آجب وجميع قومنا، ~~وأنت آمن على نفسك وجميع بني إسرائيل، يقرؤون عليك السلام ويقولون: قد ~~بلغتنا رسالتك وعرفنا ما قلت، فآمنا بك وأجبناك إلى ما دعوتنا فهلم ~~إلينا وأقم بين أظهرنا وأحكم فينا فإنا ننقاد لما أمرتنا، وننتهي عما ~~نهيتنا وليس يسعك أن تتخلف عنا مع إيماننا وطاعتنا، فارجع إلينا. # وكل هذا منهم مماكرة وخديعة. # فلما سمع إلياس مقالتهم ms1936 وقعت في قلبه وطمع في إيمانهم، وخاف الله إن هو ~~لم يظهر لهم، فألهمه الله التوقف والدعاء، فقال: اللهم إن كانوا صادقين ~~فيما يقولون فأذن لي في البروز إليهم، وإن كانوا كاذبين فاكفنيهم وارمهم ~~بنار تحرقهم، فما استتم قوله حتى حصبوا بالنار من فوقهم، فاحترقوا ~~أجمعين، قال: وبلغ آجب الخبر فلم يرتدع من همه بالسوء، واحتال ثانيا في ~~أمر إلياس، وقيض له فئة أخرى مثل عدد أولئك أقوى منهم وأمكن من الحيلة ~~والرأي، فأقبلوا، أي: حتى توقلوا، أي: صعدوا قلل تلك الجبال متفرقين، ~~وجعلوا ينادون يا نبي الله إنا نعوذ بالله وبك من غضب الله وسطواته، إنا ~~لسنا كالذين أتوك قبلنا وإن أولئك فرقة نافقوا فصاروا إليك ليكيدوا بك في ~~غير رأينا، ولو علمنا بهم لقتلناهم ولكفيناك مؤنتهم، فالآن قد كفاك ربك ~~أمرهم وأهلكهم وانتقم لنا ولك منهم، فلما سمع إلياس مقالتهم دعا الله ~~بدعوته الأولى فأمطر عليهم النار، فاحترقوا عن آخرهم، وفي كل ذلك ابن ~~الملك في البلاء الشديد من وجعه, فلما سمع الملك بهلاك أصحابه ثانيا ~~ازداد غضبا على غضب، وأراد أن يخرج في طلب إلياس بنفسه، إلا أنه شغله عن ~~ذلك مرض ابنه، فلم يمكنه فوجه نحو إلياس المؤمن الذي هو كاتب امرأته رجاء ~~أن يأنس به إلياس فينزل معه، وأظهر للكاتب أنه لا يريد بإلياس سوءا، ~~وإنما أظهر له لما اطلع عليه من إيمانه، وكان الملك مع اطلاعه على إيمانه ~~مغضيا عنه لما هو عليه من الكفاية والأمانة وسداد الرأي. فلما وجهه نحوه ~~أرسل معه فئة من أصحابه، وأوعز إلى الفئة - دون الكاتب - أن يوثقوا إلياس ~~ويأتوا به إن أراد التخلف عنهم، وإن جاء مع الكاتب واثقا به لم يروعوه، ~~ثم أظهر مع الكاتب الإنابة وقال له: قد آن لي أن أتوب وقد أصابتنا بلايا ~~من حريق أصحابنا والبلاء الذي فيه ابني، وقد عرفت أن ذلك بدعوة إلياس، ~~ولست آمن أن يدعو على جميع من بقي منا فنهلك بدعوته، فانطلق إليه وأخبره ~~أنا قد تبنا وأنبنا، ms1937 وأنه لا يصلحنا في توبتنا، وما نريد من رضاء ربنا ~~وخلع أصنامنا إلا أن يكون إلياس بين أظهرنا، يأمرنا وينهانا، ويخبرنا بما ~~يرضي ربنا، وأمر قومه فاعتزلوا الأصنام، وقال له: أخبر إلياس أنا قد ~~خلعنا آلهتنا التي كنا نعبد، وأرجينا أمرها حتى ينزل إلياس فيكون هو الذي ~~يحرقها ويهلكها، وكان ذلك مكرا من الملك. # فانطلق الكاتب والفئة حتى علا الجبل الذي فيه إلياس ثم ناداه، فعرف ~~إلياس صوته. # فتاقت نفسه إليه وكان مشتاقا إلى لقائه فأوحى الله تعالى إليه أن أبرز ~~إلى أخيك الصالح فالقه، وجدد العهد به فبرز إليه وسلم عليه وصافحه، وقال ~~له: ما الخبر؟ فقال المؤمن: إنه قد بعثني إليك هذا الجبار الطاغية وقومه، ~~ثم قص عليه ما قالوا ثم قال له: وإني لخائف إن رجعت إليه ولست معي أن ~~يقتلني فمرني بما شئت أفعله، إن شئت انقطعت إليك وكنت معك وتركته، وإن ~~شئت جاهدته معك وإن شئت ترسلني إليه بما تحب فأبلغه رسالتك، وإن شئت ~~دعوت ربك يجعل لنا من أمرنا فرجا ومخرجا، فأوحى الله تعالى إلى إلياس ~~أن كل شيء جاءك منهم مكر وكذب ليظفروا بك، وإن آجب إن أخبرته رسله أنك ~~قد لقيت هذا الرجل ولم يأت بك اتهمه وعرف أنه قد داهن في أمرك، فلم يأمن ~~أن يقتله، فانطلق معه فإني سأشغل عنكما آجب فأضاعف على ابنه البلاء، حتى ~~لا يكون له هم غيره، ثم أميته على شر حال، فإذا مات فارجع عنه، قال: ~~فانطلق معهم حتى قدموا على آجب، فلما قدموا شدد الله تعالى الوجع على ~~ابنه وأخذ الموت يكظمه، فشغل الله تعالى بذلك آجب وأصحابه عن إلياس، فرجع ~~إلياس سالما إلى مكانه، فلما مات ابن آجب وفرغوا من أمره وقل جزعه ~~انتبه لإلياس، وسأل عنه الكاتب الذي جاء به، فقال: ليس لي به علم شغلني ~~عنه موت ابنك والجزع عليه، ولم أكن أحسبك إلا قد استوثقت منه، فانصرف عنه ~~آجب وتركه لما فيه من الحزن على ابنه. # فلما طال الأمر على ms1938 إلياس مل السكون في الجبال واشتاق إلى الناس نزل ~~من الجبل فانطلق حتى نزل بامرأة من بني إسرائيل، وهي أم يونس بن متى ذي ~~النون استخفى عندها ستة أشهر ويونس بن متى يومئذ مولود يرضع، فكانت أم ~~يونس تخدمه بنفسها وتواسيه بذات يدها، ثم إن إلياس سئم ضيق البيوت بعد ~~تعوده فسحة الجبال، فأحب اللحوق بالجبال فخرج وعاد إلى مكانه، فجزعت أم ~~يونس لفراقه فأوحشها فقده، ثم لم تلبث إلا يسيرا حتى مات ابنها يونس حين ~~فطمته، فعظمت مصيبتها فخرجت في طلب إلياس، فلم تزل ترقى الجبال وتطوف ~~فيها حتى عثرت عليه، فوجدته وقالت له: إني قد فجعت بعدك لموت ابني فعظمت ~~فيه مصيبتي واشتد لفقده بلائي، وليس لي ولد غيره، فارحمني وادع لي ربك جل ~~جلاله ليحيي لي ابني وإني قد تركته مسجى لم أدفنه، وقد أخفيت مكانه، ~~فقال لها إلياس: ليس هذا مما أمرت به، وإنما أنا عبد مأمور أعمل بما ~~يأمرني ربي، فجزعت المرأة وتضرعت فأعطف الله تعالى قلب إلياس لها. فقال ~~لها: متى مات ابنك؟ قالت: منذ سبعة أيام فانطلق إلياس معها وسار سبعة ~~أيام أخرى حتى انتهى إلى منزلها، فوجد ابنها ميتا له أربعة عشر يوما، ~~فتوضأ وصلى ودعا، فأحيا الله تعالى يونس بن متى. # فلما عاش وجلس وثب إلياس وتركه وعاد إلى موضعه. # فلما طال عصيان قومه ضاق بذلك إلياس ذرعا فأوحى الله تعالى إليه بعد ~~سبع سنين وهو خائف مجهود: يا إلياس ما هذا الحزن والجزع الذي أنت فيه؟ ~~ألست أميني على وحيي وحجتي في أرضي وصفوتي من خلقي؟ فسلني أعطك، فإني ذو ~~الرحمة الواسعة والفضل العظيم، قال: تميتني وتلحقني بآبائي فإني مللت ~~بني إسرائيل وملوني، فأوحى الله تعالى إليه: يا إلياس ما هذا باليوم الذي ~~أعري عنك الأرض وأهلها، وإنما قوامها وصلاحها بك وبأشباهك، وإن كنتم ~~قليلا ولكن سلني فأعطك، فقال إلياس: إن لم تمتني فأعطني ثأري من بني ~~إسرائيل. قال الله تعالى: فأي شيء تريد أن أعطيك؟ قال تمكنني من خزائن ms1939 ~~السماء سبع سنين فلا تنشر عليهم سحابة إلا بدعوتي، ولا تمطر عليهم سبع ~~سنين قطرة إلا بشفاعتي، فإنه لا يذلهم إلا ذلك، قال الله تعالى: يا إلياس ~~أنا أرحم بخلقي من ذلك، وإن كانوا ظالمين، قال: فست سنين، قال: أنا أرحم ~~بخلقي من ذلك، قال: فخمس سنين، قال: أنا أرحم بخلقي من ذلك ولكني أعطيك ~~ثأرك ثلاث سنين، أجعل خزائن المطر بيدك، قال إلياس فبأي شيء أعيش؟ قال: ~~أسخر لك جيشا من الطير ينقل إليك طعامك وشرابك من الريف والأرض التي لم ~~تقحط، قال إلياس: قد رضيت، قال: فأمسك الله تعالى عنهم المطر حتى هلكت ~~الماشية والدواب والهوام والشجر وجهد الناس جهدا شديدا، وإلياس على ~~حالته مستخف من قومه، يوضع له الرزق حيث ما كان، وقد عرف ذلك قومه ~~وكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في بيت قالوا: لقد دخل إلياس هذا المكان، ~~وطلبوه ولقي من أهل ذلك المنزل شرا. # قال ابن عباس: أصاب بني إسرائيل ثلاث سنين القحط، فمر إلياس بعجوز فقال ~~لها: هل عندك طعام؟ قالت: نعم شيء من دقيق وزيت قليل. قال: فدعا ربه ودعا ~~فيه بالبركة ومسه حتى ملأ جرابها دقيقا، وملأ خوابيها زيتا، فلما رأوا ~~ذلك عندها قالوا: من أين لك هذا؟ قالت: مر بي رجل حاله كذا وكذا فوصفته ~~بوصفه فعرفوه، فقالوا ذلك إلياس، فطلبوه فوجدوه فهرب منهم، ثم إنه أوى ~~إلى بيت امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له اليسع بن أخطوب، به ضر ~~فآوته وأخفت أمره، فدعا لولدها فعوفي من الضر الذي كان به، واتبع اليسع ~~إلياس فآمن به وصدقه ولزمه. وكان يذهب حيث ما ذهب، وكان إلياس قد أسن ~~فكبر واليسع شاب، ثم إن الله تعالى أوحى إلى إلياس: أنك قد أهلكت كثيرا ~~من الخلق ممن لم يعص من البهائم والدواب والطير والهوام بحبس المطر، ~~فيزعمون - والله أعلم - أن إلياس قال: يا رب دعني أكن أنا الذي أدعو لهم ~~وآتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء، لعلهم أن يرجعوا وينزعوا عما ms1940 هم ~~عليه من عبادة غيرك، فقيل له: نعم، جاء إلياس إلى بني إسرائيل، فقال: ~~إنكم قد هلكتم جوعا وجهدا، وهلكت البهائم والدواب والطير والهوام ~~والشجر بخطاياكم، وإنكم على باطل فإن كنتم تحبون أن تعلموا ذلك فاخرجوا ~~بأصنامكم، فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون، وإن هي لم تفعل علمتم أنكم ~~على باطل، فنزعتم ودعوت الله تعالى ففرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء، ~~قالوا: أنصفت فخرجوا بأوثانهم فدعوها، فلم تفرج عنهم ما كانوا فيه من ~~البلاء، ثم قالوا لإلياس: إنا قد هلكنا فادع الله تعالى لنا، فدعا لهم ~~إلياس ومعه اليسع بالفرج، فخرجت سحابة مثل الترس على ظهر البحر وهم ~~ينظرون، فأقبلت نحوهم وطبقت الآفاق ثم أرسل الله تعالى عليهم المطر ~~فأغاثهم، وأحييت بلادهم، فلما كشف الله تعالى عنهم الضر نقضوا العهد، ولم ~~ينزعوا عن كفرهم، وأقاموا على أخبث ما كانوا عليه، فلما رأى ذلك إلياس ~~دعا ربه عز وجل أن يريحه منهم، فقيل له فيما يزعمون: انظر يوم كذا وكذا ~~فاخرج فيه إلى موضع كذا فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج إلياس ~~ومعه اليسع حتى إذا كانا بالموضع الذي أمر أقبل فرس من نار، وقيل: لونه ~~كلون النار، حتى وقف بين يديه، فوثب عليه إلياس، فانطلق به الفرس فناداه ~~اليسع: يا إلياس، ما تأمرني؟ فقذف إليه إلياس بكسائه من الجو الأعلى، ~~فكان ذلك علامة استخلافه إياه على بني إسرائيل، فكان ذلك آخر العهد به، ~~فرفع الله تعالى إلياس من بين أظهرهم، وقطع عنه لذة المطعم والمشرب، ~~وكساه الريش فكان إنسيا ملكيا أرضيا سماويا، وسلط الله تعالى على ~~آجب الملك وقومه عدوا لهم فقصدهم من حيث لم يشعروا به حتى رهقهم، فقتل ~~آجب وامرأته أزبيل في بستان مزدكي، فلم تزل جيفتاهما ملقاتين في تلك ~~الجنينة حتى بليت لحومهما ورمت عظامهما، ونبأ الله تعالى اليسع وبعثه ~~رسولا إلى بني إسرائيل، وأوحى الله تعالى إليه وأيده، فآمنت به بنو ~~إسرائيل فكانوا يعظمونه، وحكم الله تعالى فيهم قائم إلى أن فارقهم ~~اليسع. ms1941 # وروى السري بن يحيى عن عبد العزيز بن أبي رواد، قال: الخضر وإلياس ~~يصومان شهر رمضان ببيت المقدس، ويوافيان الموسم في كل عام. # وقيل: إن إلياس موكل بالفيافي، والخضر موكل بالبحار، فذلك قوله تعالى: { ~~وإن إلياس لمن المرسلين }. ### || [37.124-128] # { إذ قال لقومه ألا تتقون * أتدعون } , أتعبدون، { ~~بعلا } ، وهو اسم صنم لهم كانوا يعبدونه، ولذلك سميت مدينتهم بعلبك، ~~قال مجاهد وعكرمة وقتادة: " البعل " الرب بلغة أهل اليمن. { ~~وتذرون أحسن الخلقين } فلا تعبدونه. # { الله ربكم ورب ءابآئكم الاولين } ، قرأ حمزة، ~~والكسائي، وحفص، ويعقوب: { الله ربكم ورب } بنصب الهاء ~~والباءين على البدل، وقرأ الآخرون برفعهن على الاستئناف. # { فكذبوه فإنهم لمحضرون } ، في النار. # { إلا عباد الله المخلصين } ، من قومه فإنهم نجوا من ~~العذاب. ### || [37.129-139] # { وتركنا عليه فى الأخرين * سلم على إل ~~ياسين } ، قرأ نافع وابن عامر: " آل ياسين " بفتح الهمزة مشبعة، وكسر ~~اللام مقطوعة، لأنها في المصحف مفصولة. [وقرأ الآخرون بكسر الهمزة وسكون ~~اللام موصولة]. # فمن قرأ " آل يس " ، مقطوعة، قيل: أراد آل محمد صلى الله عليه وسلم. ~~وهذا القول بعيد لأنه لم يسبق له ذكر. # وقيل: أراد آل إلياس. # والقراءة المعروفة بالوصل، واختلفوا فيه، فقد قيل: إلياسين لغة في ~~إلياس، مثل: إسماعيل وإسماعين وميكائيل وميكائين. # وقال الفراء: هو جمع أراد إلياس وأتباعه من المؤمنين، فيكون بمنزلة ~~الأشعرين والأعجمين بالتخفيف، وفي حرف عبد الله بن مسعود: سلام على ~~إدراسين يعني: إدريس وأتباعه، لأنه يقرأ: وإن إدريس لمن المرسلين. # { إنا كذلك نجزى المحسنين * إنه من عبادنا ~~المؤمنين * وإن لوطا لمن المرسلين * إذ ~~نجينه وأهله أجمعين * إلا عجوزا فى ~~الغبرين } ، أي: الباقين في العذاب. # { ثم دمرنا الأخرين } , والتدمير: الإهلاك. # { وإنكم لتمرون عليهم } ، على آثارهم ومنازلهم، { ~~مصبحين } ، وقت الصباح. # { وباليل } ، يريد: تمرون بالنهار والليل عليهم إذا ذهبتم إلى ~~أسفاركم ورجعتم، { أفلا تعقلون } ، فتعتبرون بهم. # قوله تعالى: { وإن يونس لمن المرسلين } ، من جملة رسل ~~الله. ### || [37.140-145] # { إذ أبق إلى الفلك المشحون } ، يعني: هرب. # قال ابن عباس رضي الله عنهما، ووهب: كان يونس وعد قومه العذاب، فلما ~~تأخر عنهم ms1942 العذاب خرج كالمشور منهم، فقصد البحر فركب السفينة، فاحتبست ~~السفينة فقال الملاحون: هاهنا عبد آبق من سيده، فاقترعوا فوقعت القرعة ~~على يونس، فاقترعوا ثلاثا فوقعت على يونس، فقال يونس: أنا الآبق، وزج ~~نفسه في الماء. # وروي في القصة: أنه لما وصل إلى البحر كانت معه امرأته وابنان له، فجاء ~~مركب فأراد أن يركب معهم فقدم امرأته ليركب بعدها، فحال الموج بينه ~~وبين المركب ومر المركب، ثم جاءت موجة أخرى وأخذت ابنه الأكبر وجاء ذئب ~~فأخذ الابن الأصغر، فبقي فريدا، فجاء مركب آخر فركبه فقعد ناحية من ~~القوم، فلما مرت السفينة في البحر ركدت، فاقترعوا، وقد ذكرنا القصة في ~~سورة يونس. # فذلك قوله عز وجل: { فسهم } ، فقارع، والمساهمة: إلقاء السهام ~~على جهة القرعة، { فكان من المدحضين } ، المقروعين. # { فالتقمه الحوت } ، ابتلعه، { وهو مليم } ، آت بما ~~يلام عليه. # { فلولآ أنه كان من المسبحين } ، من الذاكرين لله ~~قبل ذلك، وكان كثير الذكر، وقال ابن عباس: من المصلين. وقال وهب: من ~~العابدين. وقال الحسن: ما كانت له صلاة في بطن الحوت ولكنه قدم عملا ~~صالحا. وقال الضحاك: شكر الله تعالى له طاعته القديمة. # وقيل: " فلولا أنه كان من المسبحين " في بطن الحوت. قال سعيد بن جبير: ~~يعني قوله: # لآ إله إلآ أنت سبحنك إنى كنت من ~~الظلمين # [الأنبياء: 87]. # { للبث فى بطنه إلى يوم يبعثون } , لصار بطن الحوت ~~له قبرا إلى يوم القيامة. { فنبذنه } ، طرحناه، { بالعرآء ~~} ، يعني على وجه الأرض، قال السدي: بالساحل، والعراء: الأرض الخالية عن ~~الشجر والنبات. { وهو سقيم } ، عليل كالفرخ الممعط. وقيل: كان قد ~~بلي لحمه ورق عظمه ولم يبق له قوة. # واختلفوا في مدة لبثه في بطن الحوت، فقال مقاتل بن حيان: ثلاثة أيام. ~~وقال عطاء: سبعة أيام. وقال الضحاك: عشرين يوما. وقال السدي والكلبي ~~ومقاتل بن سليمان: أربعين يوما. وقال الشعبي: التقمه ضحى ولفظه عشية. ### || [37.146-147] # { وأنبتنا عليه } ، أي: له، وقيل: عنده، { شجرة من ~~يقطين } ، يعني: القرع، على قول جميع المفسرين. # وقال الحسن ومقاتل: كل نبت يمتد وينبسط على وجه الأرض ms1943 ليس له ساق ولا ~~يبقى على الشتاء نحو القرع والقثاء والبطيخ فهو يقطين. # قال مقاتل بن حيان: فكان يونس يستظل بالشجرة، وكانت وعلة تختلف إليه ~~فيشرب من لبنها بكرة وعشية حتى اشتد لحمه ونبت شعره وقوي، فنام نومة ~~فاستيقظ وقد يبست الشجرة فحزن حزنا شديدا وأصابه أذى الشمس فجعل يبكي، ~~فبعث الله تعالى إليه جبريل وقال: أتحزن على شجرة ولا تحزن على مائة ألف ~~من أمتك وقد أسلموا وتابوا. # فإن قيل: قال هاهنا: { فنبذناه بالعرآء وهو سقيم } , ~~وقال في موضع آخر: # لولآ أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعرآء # [القلم: 49]، فهذا ما يدل على أنه لم ينبذ؟. # قيل: " لولا " هناك يرجع إلى الذم، معناه: لولا نعمة من ربه لنبذ ~~بالعراء وهو مذموم، ولكن تداركه بالنعمة فنبذ، وهو غير مذموم. # قوله عز وجل: { وأرسلنه إلى مائة ألف } ، قال ~~قتادة: أرسل إلى أهل نينوى من أرض الموصل قبل أن يصيبه ما أصابه، ~~وقوله: " وأرسلناه " أي: وقد أرسلناه، وقيل: كان إرساله بعد خروجه من بطن ~~الحوت إليهم، وقيل: إلى قوم آخرين. { أو يزيدون } ، قال ابن عباس: ~~معناه ويزيدون " أو " بمعنى الواو كقوله: # عذرا أو نذرا # [المرسلات: 6], وقال مقاتل والكلبي: معناه بل يزيدون. وقال الزجاج: " أو ~~" هاهنا على أصله، ومعناه: أو يزيدون على تقديركم وظنكم، كالرجل يرى ~~قوما فيقول: هؤلاء ألف أو يزيدون، فالشك على تقدير المخلوقين، والأكثرون ~~على أن معناه: ويزيدون. # واختلفوا في مبلغ تلك الزيادة فقال ابن عباس ومقاتل: كانوا عشرين ألفا، ~~ورواه أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال الحسن: بضعا ~~وثلاثين ألفا. وقال سعيد بن جبير: سبعين ألفا. ### || [37.148-156] # { فآمنوا } , يعني: الذين أرسل إليهم يونس بعد معاينة العذاب، { ~~فمتعنهم إلى حين } ، إلى انقضاء آجالهم. # قوله تعالى: { فاستفتهم } ، فاسأل يا محمد أهل مكة وهو سؤال ~~توبيخ، { ألربك البنات ولهم البنون } ، وذلك أن جهينة ~~وبني سلمة وبن عبد الدار زعموا أن الملائكة بنات الله، يقول: جعلوا لله ~~البنات ولأنفسهم البنين. # { أم خلقنا الملئكة إنثا } ، معناه: أخلقنا الملائكة ~~إناثا، ms1944 { وهم شهدون } ، حاضرون خلقنا إياهم، نظيره قوله: # أشهدوا خلقهم # [الزخرف: 19]. # { ألآ إنهم من إفكهم } ، من كذبهم، { ليقولون ولد ~~الله وإنهم لكذبون }. # { أصطفى } ، قرأ أبو جعفر: " لكاذبون اصطفى " موصولا، على الخبر عن ~~قول المشركين، وعن الوقف يبتدئ: " اصطفى " بكسر الألف، وقراءة العامة ~~بقطع الألف، لأنها ألف استفهام دخلت على ألف الوصل، فحذفت ألف الوصل ~~وبقيت ألف الاستفهام مفتوحة مقطوعة، مثل: استكبر ونحوها، { أصطفى ~~البنات على البنين }. # { مالكم كيف تحكمون } ، لله بالبنات ولكم بالبنين. # { أفلا تذكرون } ، أفلا تتعظون. # { أم لكم سلطن مبين } ، برهان بين على أن لله ولدا. ### || [37.157-164] # { فأتوا بكتبكم } ، الذي لكم فيه حجة، { إن كنتم ~~صدقين } ، في قولكم. # { وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا }. قال مجاهد ~~وقتادة: أراد بالجنة: الملائكة، سموا جنة لاجتنانهم عن الأبصار. # وقال ابن عباس: حي من الملائكة يقال لهم الجن، ومنهم إبليس، قالوا: هم ~~بنات الله. # وقال الكلبي: قالوا - لعنهم الله - بل تزوج من الجن فخرج منها الملائكة، ~~تعالى الله عن ذلك، وقد كان زعم بعض قريش أن الملائكة بنات الله، تعالى ~~الله، فقال أبو بكر الصديق: فمن أمهاتهم؟ قالوا: سروات الجن. # وقال الحسن: معنى النسب أنهم أشركوا الشياطين في عبادة الله، { ولقد ~~علمت الجنة إنهم } ، يعني قائلي هذا القول، { لمحضرون ~~} ، في النار، ثم نزه نفسه عما قالوا فقال: # { سبحن الله عما يصفون * إلا عباد الله ~~المخلصين } ، هذا استثناء من المحضرين، أي: أنهم لا يحضرون. # قوله عز وجل: { فإنكم } ، يقول لأهل مكة: { وما تعبدون } ~~، من الأصنام. # { مآ أنتم عليه } ، على ما تعبدون، { بفتنين } ، بمضلين ~~أحدا. # { إلا من هو صال الجحيم } , إلا من قدر الله أنه سيدخل ~~النار، أي: سبق له في علم الله الشقاوة. # قوله عز وجل: { وما منآ إلا له مقام معلوم } , يقول ~~جبرائيل للنبي صلى الله عليه وسلم وما منا معشر الملائكة إلا له مقام ~~معلوم, أي: ما منا ملك إلا له مقام معلوم في السموات يعبد الله فيه. # قال ابن عباس: ما في السموات موضع شبر إلا وعليه ملك يصلي أو يسبح. # وروينا عن ms1945 أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أطت السماء، وحق لها أن تئط، والذي نفسي بيده ما فيها موضع أربعة ~~أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله ". # قال السدي: إلا له مقام معلوم في القربة والمشاهدة. # وقال أبو بكر الوراق: إلا له مقام معلوم يعبد الله عليه، كالخوف ~~والرجاء والمحبة والرضا. ### || [37.165-173] # { وإنا لنحن الصآفون } ، قال قتادة: هم الملائكة صفوا ~~أقدامهم. وقال الكلبي: صفوف الملائكة في السماء للعبادة كصفوف الناس في ~~الأرض. # { وإنا لنحن المسبحون } ، أي: المصلون المنزهون الله ~~عن السوء، يخبر جبريل عليه السلام [النبي صلى الله عليه وسلم] أنهم ~~يعبدون الله بالصلاة والتسبيح، وأنهم ليسوا بمعبودين، كما زعمت الكفار، ~~ثم أعاد الكلام إلى الإخبار عن المشركين فقال: # { وإن كانوا } ، وقد كانوا يعني: أهل مكة، { ليقولون } ، لام ~~التأكيد. # { لو أن عندنا ذكرا من الأولين } ، أي: كتابا مثل ~~كتاب الأولين. # { لكنا عباد الله المخلصين * فكفروا به } ، أي: ~~فلما أتاهم ذلك الكتاب كفروا به، { فسوف يعلمون } ، هذا تهديد ~~لهم. # { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين } ، وهي ~~قوله: # كتب الله لأغلبن أنا ورسلى # [المجادلة: 21]. # { إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم ~~الغلبون } , أي: حزب الله لهم الغلبة بالحجة والنصرة في العاقبة. ### || [37.174-182] # { فتول } ، أعرض، { عنهم حتى حين } ، قال ابن عباس: يعني ~~الموت. وقال مجاهد: يوم بدر. وقال السدي: حتى نأمرك بالقتال. وقيل: إلى ~~أن يأتيهم عذاب الله. قال مقاتل بن حيان: نسختها آية القتال. # { وأبصرهم } ، إذا نزل بهم العذاب، { فسوف يبصرون } ، ~~ذلك فقالوا: متى هذا العذاب؟ # قال الله عز وجل: { أفبعذابنا يستعجلون * فإذا ~~نزل } ، يعني: العذاب، { بساحتهم } ، قال مقاتل: بحضرتهم. وقيل: ~~بفنائهم. وقال الفراء: العرب تكتفي بذكر الساحة عن القوم، { فسآء ~~صباح المنذرين } ، فبئس صباح الكافرين الذين أنذروا بالعذاب. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق ~~الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، أخبرنا مالك، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك: ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج إلى خيبر، أتاها ليلا، وكان ~~إذا جاء قوما بليل لم ms1946 يغز حتى يصبح، قال: فلما أصبح خرجت يهود خيبر ~~بمساحيها ومكاتلها، فلما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: محمد، ~~والله، محمد والخميس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ". # ثم كرر ما ذكرنا تأكيدا لوعيد العذاب فقال: # { وتول عنهم حتى حين * وأبصر } ، العذاب إذا نزل ~~بهم، { فسوف يبصرون }. ثم نزه نفسه فقال: # { سبحن ربك رب العزة } ، الغلبة والقوة، { عما ~~يصفون } ، من اتخاذ الصاحبة والأولاد. # { وسلم على المرسلين } ، الذين بلغوا عن الله التوحيد ~~والشرائع. # { والحمد لله رب العالمين } ، على هلاك الأعداء ونصرة ~~الأنبياء عليهم السلام. # أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، ~~أخبرني ابن فنجويه، أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان حدثنا إبراهيم بن ~~سهلويه، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا وكيع، عن ثابت بن أبي صفية، ~~عن أصبغ ابن نباتة عن علي قال: " من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من ~~الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه من مجلسه: سبحان ربك رب العزة ~~عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين ". ### | [38 - سورة ص] ### || [38.1-2] # { ص } قيل: هو قسم، وقيل: اسم السورة كما ذكرنا في سائر حروف التهجي في ~~أوائل السور. # وقال محمد بن كعب القرظي: " ص " مفتاح اسم الصمد، وصادق الوعد. # وقال الضحاك: معناه صدق الله. # وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما: صدق محمد صلى الله عليه وسلم. # { والقرءان ذى } ، أي ذي البيان، قال ابن عباس ومقاتل. وقال ~~الضحاك: ذي الشرف، دليله قوله تعالى: # وإنه لذكر لك ولقومك # [الزخرف: 44]، وهو قسم. # واختلفوا في جواب القسم، قيل: جوابه قد تقدم، وهو قوله " ص " أقسم الله ~~تعالى بالقرآن أن محمدا قد صدق. # وقال الفراء: " ص " معناها: وجب وحق، وهو جواب قوله: " والقرآن " ، كما ~~تقول: نزل الله. وقيل: جواب القسم محذوف تقديره: والقرآن ذي الذكر ما ~~الأمر كما يقول الكفار، ودل على هذا المحذوف. قوله تعالى: { بل ~~الذين كفروا }. # قال قتادة: موضع القسم قوله: ms1947 { بل الذين كفروا } ، كما قال: # والقرءان المجيد * بل عجبوا # [ق: 1-2]. وقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديره: بل الذين كفروا، { فى ~~عزة وشقاق } ، والقرآن ذي الذكر. # وقال الأخفش: جوابه قوله تعالى: # إن كل إلا كذب الرسل # [ص: 14]، كقوله: # تالله إن كنا # [الشعراء: 97]، وقوله: # والسمآء والطارق... إن كل نفس # [الطارق:1-4] # وقيل: جوابه قوله: # إن هذا لرزقنا # [ص: 54]. # وقال الكسائي: قوله: # إن ذلك لحق تخاصم أهل النار # [ص: 64]، وهذا ضعيف لأنه تخلل بين هذا القسم وبين الجواب أقاصيص وأخبار ~~كثيرة. # وقال القتيبي: بل لتدارك كلام ونفي آخر، ومجاز الآية: إن الله أقسم ب ~~ص والقرآن ذي الذكر أن الذين كفروا من أهل مكة في عزة حمية جاهلية وتكبر ~~عن الحق وشقاق وخلاف وعداوة لمحمد صلى الله عليه وسلم. # وقال مجاهد: " في عزة " معازين. ### || [38.3] # { كم أهلكنا من قبلهم من قرن } ، يعني: من الأمم ~~الخالية، { فنادوا } ، استغاثوا عند نزول العذاب وحلول النقمة، { ~~ولات حين مناص } ، قوة ولا فرار، و " المناص " مصدر ناص ينوص، ~~وهو الفوت والتأخر، يقال: ناص ينوص إذا تأخر، وباص يبوص إذا تقدم، و " ~~لات " بمعنى ليس بلغة أهل اليمن. # وقال النحويون: هي " لا " ، زيدت فيها التاء، كقولهم: رب وربت ~~وتم وثمت، وأصلها هاء وصلت بلا، فقالوا: " لاة " ، كما قالوا: ثمة، ~~فجعلوها في الوصل تاء، والوقف عليها بالتاء عند الزجاج، وعند الكسائي ~~بالهاء: ولاة. ذهب جماعة إلى أن التاء زيدت في " حين " ، والوقف على " ~~ولا " ،ثم يبتدئ: " تحين " ، وهو اختيار أبي عبيدة، وقال: كذلك وجدت ~~في مصحف عثمان، وهذا كقول أبي وجرة السعدي: # العاطفون تحين ما من عاطف # والمطعمون زمان ما من مطعم # وفي حديث ابن عمر، وسأله رجل عن عثمان، فذكر مناقبه ثم قال: اذهب بها ~~تلان إلى أصحابك، يريد: الآن. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان كفار مكة إذا قاتلوا فاضطروا في ~~الحرب، قال بعضهم لبعض: مناص، أي: اهربوا وخذوا حذركم، فلما نزل بهم ~~العذاب ببدر قالوا: مناص، فأنزل الله تعالى: { ولات حين مناص } ~~أي ليس حين هذا القول. ms1948 ### || [38.4-5] # { وعجبوا } ، يعني: الكفار الذين ذكرهم الله عز وجل في قوله: { ~~بل الذين كفروا } ، { أن جآءهم منذر منهم } ، ~~يعني: رسولا من أنفسهم ينذرهم، { وقال الكفرون هذا ~~سحر كذاب }. # { أجعل الألهة إلها وحدا } , وذلك # " أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أسلم، فشق ذلك على قريش، وفرح به ~~المؤمنون. فقال الوليد ابن المغيرة للملأ من قريش، وهم الصناديد ~~والأشراف، وكانوا خمسة وعشرين رجلا أكبرهم سنا الوليد ابن المغيرة، قال ~~لهم: امشوا إلى أبي طالب، فأتوا أبا طالب، وقالوا له: أنت شيخنا ~~وكبيرنا وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء، وإنا قد أتيناك لتقضي بيننا ~~وبين ابن أخيك، فأرسل أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فدعاه، ~~فقال: يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألونك السواء، فلا تمل كل الميل ~~على قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ماذا يسألوني؟ قالوا: ارفض ~~ذكر آلهتنا وندعك وإلهك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أتعطوني كلمة ~~واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم؟ فقال أبو جهل: لله أبوك ~~لنعطيكها وعشر أمثالها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا لا ~~إله إلا الله، فنفروا من ذلك وقاموا " # ، وقالوا: أجعل الآلهة إلها واحدا؟ كيف يسع الخلق كلهم إله واحد؟. # { إن هذا لشىء عجاب } ، أي: عجيب، والعجب والعجاب ~~واحد، كقولهم: رجل كريم وكرام، وكبير وكبار، وطويل وطوال، وعريض ~~وعراض. ### || [38.6-9] # { وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على ~~ءالهتكم } ، أي: انطلقوا من مجلسهم الذي كانوا فيه عند أبي طالب، ~~يقول بعضهم لبعض: امشوا واصبروا على آلهتكم، أي: اثبتوا على عبادة ~~آلهتكم، { إن هذا لشىء يراد } ، أي لأمر يراد بنا، وذلك أن ~~عمر لما أسلم وحصل للمسلمين قوة بمكانه قالوا: إن هذا الذي نراه من زيادة ~~أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لشيء يراد بنا. # وقيل: يراد بأهل الأرض، وقيل: يراد بمحمد أن يملك علينا. # { ما سمعنا بهذا } ، أي بهذا الذي يقوله محمد من التوحيد، { ~~فى الملة الأخرة } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما، والكلبي، ~~ومقاتل: يعنون ms1949 النصرانية، لأنها آخر الملل وهم لا يوحدون، بل يقولون ~~ثالث ثلاثة. # وقال مجاهد وقتادة: يعنون ملة قريش ودينهم الذي هم عليه. # { إن هذا إلا اختلاق } ، كذب وافتعال. # { أءنزل عليه الذكر } ، # القرآن، { من بيننا } ، وليس بأكبرنا ولا أشرفنا، يقوله أهل مكة، ~~قال الله عز وجل: # { بل هم فى شك من ذكرى } ، أي وحيي وما أنزلت، { بل ~~لما يذوقوا عذاب } ، ولو ذاقوه لما قالوا هذا القول. # { أم عندهم } , أعندهم، { خزآئن رحمة ربك } ،أي: نعمة ~~ربك يعني: مفاتيح النبوة يعطونها من شاؤوا، نظيره: # أهم يقسمون رحمت ربك # [الزخرف:32] أي نبوة ربك، { العزيز الوهاب } ، العزيز في ملكه، ~~الوهاب وهب النبوة لمحمد صلى الله عليه وسلم. ### || [38.10-12] # { أم لهم ملك السموت والأرض وما بينهما } ، ~~أي: ليس لهم ذلك، { فليرتقوا فى الأسباب } ، أي: إن ادعوا ~~شيئا من ذلك فليصعدوا في الأسباب التي توصلهم إلى السماء، وليأتوا منها ~~بالوحي إلى من يختارون، قال مجاهد وقتادة: أراد بالأسباب: أبواب السماء ~~وطرقها من سماء إلى سماء، وكل ما يوصلك إلى شيء من باب أو طريق فهو سببه، ~~وهذا أمر توبيخ وتعجيز. # { جند ما هنالك } , أي: هؤلاء الذين يقولون هذا القول جند ~~هنالك، و " ما " صلة، { مهزوم } مغلوب، { من الاحزاب } ، أي: ~~من جملة الأجناد، يعني: قريشا. # قال قتادة: أخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم وهو بمكة أنه ~~سيهزم جند المشركين، فقال # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45]، فجاء تأويلها يوم بدر، و " هنالك " إشارة إلى بدر ~~ومصارعهم، " من الأحزاب " ، أي: من جملة الأحزاب، أي: هم من القرون ~~الماضية الذين تحزبوا وتجمعوا على الأنبياء بالتكذيب، فقهروا وأهلكوا. ثم ~~قال معزيا لنبيه صلى الله عليه وسلم: { كذبت قبلهم قوم ~~نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد } قال ابن عباس، ومحمد بن ~~كعب: ذو البناء المحكم، وقيل: أراد ذو الملك الشديد الثابت. # وقال القتيبي: تقول العرب: هم في عز ثابت الأوتاد، يريدون أنه دائم ~~شديد. # وقال الأسود بن يعفر: # ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة # في ظل ملك ثابت الأوتاد # فأصل هذا أن بيوتهم كانت ms1950 تثبت بالأوتاد. # وقال الضحاك: ذو القوة والبطش. وقال عطية: ذو الجنود والجموع الكثيرة، ~~يعني: أنهم كانوا يقوون أمره، ويشدون ملكه، كما يقوي الوتد الشيء، وسميت ~~الأجناد أوتادا لكثرة المضارب التي كانوا يضربونها ويوتدونها في ~~أسفارهم، وهو رواية عطية عن ابن عباس. # وقال الكلبي ومقاتل: " الأوتاد ": جمع الوتد، وكانت له أوتاد يعذب الناس ~~عليها، وكان إذا غضب على أحد مده مستلقيا بين أربعة أوتاد، وشد كل يد ~~ورجل منه إلى سارية، ويتركه كذلك في الهواء بين السماء والأرض حتى يموت. # وقال مجاهد، ومقاتل بن حيان: كان يمد الرجل مستلقيا على الأرض، يشد ~~يديه ورجليه ورأسه على الأرض بالأوتاد. # وقال السدي: كان يمد الرجل ويشده بالأوتاد ويرسل عليه العقارب والحيات. # وقال قتادة وعطاء: كانت له أوتاد وأرسان وملاعب يلعب عليها بين يديه. ### || [38.13-15] # { وثمود وقوم لوط وأصحاب لأيكة أولئك ~~الأحزاب } ، الذين تحزبوا على الأنبياء، فأعلم أن مشركي قريش حزب من ~~هؤلاء الأحزاب. # { إن كل } ، ما كل، { إلا كذب الرسل فحق عقاب } ، ~~وجب عليهم ونزل بهم عذابي. # { وما ينظر } , ينتظر، { هؤلآء } ، يعني: كفار مكة، { إلا ~~صيحة وحدة } ، وهي نفخة الصور، { ما لها من فواق } ، قرأ ~~حمزة، والكسائي: " فواق " بضم الفاء، وقرأ الآخرون بفتحها وهما لغتان، ~~فالفتح لغة قريش، والضم لغة تميم. # قال ابن عباس وقتادة: من رجوع، أي: ما يرد ذلك الصوت فيكون له رجوع. ~~وقال مجاهد: نظرة. وقال الضحاك: مثنوية، أي صرف ورد. # والمعنى: أن تلك الصيحة التي هي ميعاد عذابهم إذا جاءت لم ترد ولم تصرف. # وفرق بعضهم بين الفتح والضم، فقال الفراء، وأبو عبيدة: الفتح بمعنى ~~الراحة والإفاقة، كالجواب من الإجابة، ذهبا بها إلى إفاقة المريض من ~~علته، والفواق بالضم ما بين الحلبتين، وهو أن تحلب الناقة ثم تترك ~~ساعة حتى يجتمع اللبن، فما بين الحلبتين فواق، أي أن العذاب لا ~~يمهلهم بذلك القدر. # وقيل: هما أيضا مستعارتان من الرجوع، لأن اللبن يعود إلى الضرع بين ~~الحلبتين، وإفاقة المريض: رجوعه إلى الصحة. ### || [38.16-17] # { وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم ms1951 الحساب ~~} ، قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: يعني كتابنا، و " القط " الصحيفة ~~التي أحصت كل شيء. # قال الكلبي: لما نزلت في الحاقة: # فأما من أوتى كتبه بيمينه # [الحاقة 19]، # وأما من أوتى كتبه بشماله # [الحاقة: 25]، قالوا استهزاء: عجل لنا كتابنا في الدنيا قبل يوم ~~الحساب. وقال سعيد بن جبير: يعنون حظنا ونصيبنا من الجنة التي تقول. # وقال الحسن، وقتادة، ومجاهد، والسدي: يعني عقوبتنا ونصيبنا من العذاب. # قال عطاء: قاله النضر بن الحارث، وهو قوله: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء # [الأنفال: 32]. # وعن مجاهد قال: " قطنا " حسابنا، ويقال لكتاب الحساب قط. # وقال أبو عبيدة والكسائي: " القط ": الكتاب بالجوائز. # قال الله تعالى: { اصبر على ما يقولون } ، أي على ما يقوله ~~الكفار من تكذيبك، { واذكر عبدنا داوود ذا الأيد } ، قال ~~ابن عباس: أي القوة في العبادة. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو جعفر ~~الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان بن عيينة، ~~عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن أوس، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " " إن أحب الصيام إلى الله صيام داود، وأحب الصلاة إلى الله ~~صلاة داود، كان يصوم يوما ويفطر يوما، وكان ينام نصف الليل ويقوم ~~ثلثه، وينام سدسه ". # وقيل: ذو القوة في الملك. # { إنه أواب } ، رجاع إلى الله عز وجل بالتوبة عن كل ما ~~يكره، قال ابن عباس: مطيع. قال سعيد بن جبير: مسبح بلغة الحبش. ### || [38.18-20] # { إنا سخرنا الجبال معه } , كما قال: # وسخرنا مع داوود الجبال # [الأنبياء: 79]. { يسبحن } ، بتسبيحه، { بالعشى ~~والإشراق } ، قال الكلبي: غدوة وعشية. والإشراق: هو أن تشرق الشمس ~~ويتناهى ضوؤها. وفسره ابن عباس: بصلاة الضحى. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن فنجويه، ~~حدثنا ابن أبي شيبة، حدثنا أبو أمية محمد بن إبراهيم، حدثنا الحجاج بن ~~نصير، أخبرنا أبو بكر الهذلي، عن عطاء بن أبي رباح، # " عن ابن عباس في قوله: { بالعشى ms1952 والإشراق } ، قال: كنت أمر ~~بهذه الآية ولا أدري ماهي حتى حدثتني أما هانئ بنت أبي طالب أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم دخل عليها فدعا بوضوء فتوضأ، ثم صلى الضحى، فقال: ~~«يا أم هانئ هذه صلاة الإشراق» ". # قوله عز وجل: { والطير } ، أي: وسخرنا له الطير، { محشورة } ~~، مجموعة إليه تسبح معه، { كل له أواب } ، مطيع رجاع إلى ~~طاعته بالتسبيح، وقيل: أواب معه أي مسبح. # { وشددنا ملكه } ، أي: قويناه بالحرس والجنود، قال ابن عباس: ~~كان أشد ملوك الأرض سلطانا، كان يحرس محرابه كل ليلة ستة وثلاثون ألف ~~رجل. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا عبد الله بن ~~حامد، أخبرنا محمد بن خالد بن الحسن، حدثنا داود بن سليمان، حدثنا محمد ~~بن حميد، حدثنا محمد بن الفضل، حدثنا داود بن أبي الفرات، عن علي بن ~~أحمد، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رجلا من بني إسرائيل استعدى على رجل من ~~عظمائهم عند داود عليه السلام أن هذا غصبني بقرا، فسأله داود فجحد، فقال ~~للآخر: البينة؟ فلم يكن له بينة، فقال لهما داود: قوما حتى أنظر في ~~أمركما، فأوحى الله إلى داود في منامه أن يقتل الذي استعدى عليه، فقال: ~~هذه رؤيا ولست أعجل حتى أتثبت، فأوحى الله إليه مرة أخرى فلم يفعل، فأوحى ~~الله إليه الثالثة أن يقتله أو تأتيه العقوبة، فأرسل داود إليه فقال: إن ~~الله أوحى إلي أن أقتلك، فقال: تقتلني بغير بينة؟ فقال داود: نعم ~~والله لأنفذن أمر الله فيك، فلما عرف الرجل أنه قاتله، قال: لا تعجل حتى ~~أخبرك، إني والله ما أخذت بهذا الذنب ولكني كنت اغتلت والد هذا فقتلته، ~~فلذلك أخذت، فأمر به داود فقتل، فاشتدت هيبة بني إسرائيل عند ذلك ~~لداود، واشتد به ملكه فذلك قوله عز وجل: { وشددنا ملكه }. # { وءاتينه الحكمة } ، يعني: النبوة والإصابة في الأمور، { ~~وفصل الخطاب } ، قال ابن عباس: بيان الكلام. # وقال ابن مسعود، والحسن، والكلبي، ومقاتل: علم الحكم والتبصر في القضاء. # وقال علي بن أبي طالب: هو أن ms1953 البينة على المدعي واليمين على من أنكر، ~~لأن كلام الخصوم ينقطع وينفصل به. # ويروى ذلك عن أبي بن كعب قال: " فصل الخطاب " الشهود والأيمان. وهو ~~قول مجاهد وعطاء بن أبي رباح. # وروي عن الشعبي: أن فصل الخطاب: هو قول الإنسان بعد حمد الله والثناء ~~عليه: " أما بعد " إذا أراد الشروع في كلام آخر، وأول [من قاله داود عليه ~~السلام. ### || [38.21] # قوله عز وجل: { وهل أتاك نبؤا الخصم إذ تسوروا ~~المحراب } ، هذه الآية من قصة امتحان داود عليه السلام، واختلف ~~العلماء بأخبار الأنبياء عليهم السلام في سببه: # فقال قوم: كان سبب ذلك أنه عليه السلام تمنى يوما من الأيام منزلة ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وسأل ربه أن يمتحنه كما امتحنهم، ويعطيه من ~~الفضل مثل ما أعطاهم. # فروى السدي، والكلبي، ومقاتل: عن أشياخهم دخل حديث بعضهم في بعض، قالوا: ~~كان داود قد قسم الدهر ثلاثة أيام يوما يقضي فيه بين الناس، ويوما ~~يخلو فيه لعبادة ربه، ويوما لنسائه وأشغاله، وكان يجد فيما يقرأ من ~~الكتب فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فقال: يا رب أرى الخير كله وقد ذهب به ~~آبائي الذين كانوا قبلي، فأوحى الله إليه: أنهم ابتلوا ببلايا لم تبتل ~~بها فصبروا عليها، ابتلي إبراهيم بنمرود وبذبح ابنه، وابتلي إسحاق ~~بالذبح وبذهاب بصره، وابتلي يعقوب بالحزن على يوسف، فقال: رب لو ~~ابتليتني بمثل ما ابتليتهم صبرت أيضا. فأوحى الله إليه إنك مبتلى في شهر ~~كذا وفي يوم كذا فاحترس، فلما كان ذلك اليوم الذي وعده الله دخل داود ~~محرابه وأغلق بابه، وجعل يصلي ويقرأ الزبور، فبينا هو كذلك إذ جاءه ~~الشيطان قد تمثل في صورة حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن - وقيل: كان ~~جناحاها لها من الدر والزبرجد - فوقعت بين رجليه فأعجبه حسنها، فمد يده ~~ليأخذها ويريها بني إسرائيل فينظروا إلى قدرة الله تعالى، فلما قصد أخذها ~~طارت غير بعيد من غير أن تؤيسه من نفسها، فامتد إليها ليأخذها، فتنحت، ~~فتبعها فطارت حتى وقعت في كوة، فذهب ليأخذها، فطارت من الكوة، ms1954 فنظر داود ~~أين تقع فيبعث من يصيدها، فأبصر امرأة في بستان على شط بركة لها تغتسل, ~~هذا قول الكلبي. # وقال السدي: رآها تغتسل على سطح لها فرأى امرأة من أجمل النساء خلقا، ~~فعجب داود من حسنها وحانت منها التفاتة فأبصرت ظله فنقضت شعرها فغطى ~~بدنها، فزاده ذلك إعجابا بها فسأل عنها، فقيل هي تيشايع بنت شايع امرأة ~~أوريا بن حنانا، وزوجها في غزاة بالبلقاء مع أيوب بن صوريا ابن أخت داود. # وذكر بعضهم أنه أحب أن يقتل أوريا ويتزوج امرأته، فكان ذنبه هذا القدر. # وذكر بعضهم أنه كتب داود إلى ابن أخته أيوب أن ابعث أوريا إلى موضع كذا، ~~وقدمه قبل التابوت، وكان من قدم على التابوت لا يحل له أن يرجع وراءه ~~حتى يفتح الله على يديه أو يستشهد، فبعثه وقدمه ففتح له، فكتب إلى ~~داود بذلك فكتب إليه أيضا أن يبعثه إلى عدو كذا وكذا، فبعثه ففتح له، ~~فكتب إلى داود بذلك فكتب له أيضا أن يبعثه إلى عدو كذا وكذا أشد منه ~~بأسا، فبعثه فقتل في المرة الثالثة، فلما انقضت عدة المرأة تزوجها ~~داود، فهي أم سليمان عليهما السلام. # وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: كان ذلك ذنب داود أنه التمس من ~~الرجل أن ينزل له عن امرأته. # قال أهل التفسير: كان ذلك مباحا لهم غير أن الله تعالى لم يرض له ذلك ~~لأنه كان ذا رغبة في الدنيا، وازديادا للنساء، وقد أغناه الله عنها بما ~~أعطاه من غيرها. # وروي عن الحسن في سبب امتحان داود عليه السلام: أنه كان قد جزأ الدهر ~~أجزاء، يوما لنسائه، ويوما للعبادة، ويوما للقضاء من بني إسرائيل، ~~ويوما لبني إسرائيل، يذاكرهم ويذاكرونه ويبكيهم ويبكونه، فلما كان يوم ~~بني إسرائيل ذكروه فقالوا: هل يأتي على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنبا، ~~فأضمر داود في نفسه أنه سيطيق ذلك. # وقيل: إنهم ذكروا فتنة النساء فأضمر داود في نفسه أنه إن ابتلي اعتصم، ~~فلما كان يوم عبادته أغلق أبوابه وأمر أن ms1955 لا يدخل عليه أحد، وأكب على ~~التوراة فبينما هو يقرأ إذ دخلت عليه حمامة من ذهب كما ذكرنا، قال: وكان ~~قد بعث زوجها على بعض جيوشه، فكتب إليه أن يسير إلى مكان كذا وكذا إذا ~~سار إليه قتل، ففعل فأصيب فتزوج امرأته. # قالوا: فلما دخل داود بامرأة أوريا لم يلبث إلا يسيرا حتى بعث الله ~~إليه ملكين في صورة رجلين في يوم عبادته، فطلبا أن يدخلا عليه، فمنعهما ~~الحرس فتسورا المحراب عليه، فما شعر وهو يصلي إلا وهما بين يديه جالسين، ~~يقال: كانا جبريل وميكائيل، فذلك قوله عز وجل: # { وهل أتاك نبؤا الخصم } ، خبر الخصم، { إذ تسوروا ~~المحراب } ، صعدوا وعلوا، يقال: تسورت الحائط والسور إذا علوته، ~~وإنما جمع الفعل وهما اثنان لأن الخصم اسم يصلح للواحد والاثنين والجمع ~~والمذكر والمؤنث، ومعنى الجمع في الاثنين موجود، لأن معنى الجمع ضم شيء ~~إلى شيء، هذا كما قال الله تعالى: # فقد صغت قلوبكما # [التحريم: 4]. ### || [38.22-23] # { إذ دخلوا على داوود ففزع منهم } ، خاف منهما حين ~~هجما عليه في محرابه بغير إذنه، فقال: ما أدخلكما علي، { قالوا لا ~~تخف خصمان } ، أي نحن خصمان { بغى بعضنا على بعض } ~~جئناك لتقضي بيننا، فإن قيل: كيف قالا: { بغى بعضنا على بعض ~~} وهما ملكان لا يبغيان؟ قيل: معناه: أرأيت خصمين بغى أحدهما على الآخر، ~~وهذا من معاريض الكلام لا على تحقيق البغي من أحدهما. # { فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط } ، أي لا تجر، ~~يقال: شط الرجل شططا وأشط إشطاطا إذا جار في حكمه، ومعناه ~~مجاوزة الحد، وأصل الكلمة من شطت الدار وأشطت، إذا بعدت. { ~~واهدنآ إلى سوآء الصرط } ، أرشدنا إلى طريق الصواب ~~والعدل، فقال داود لهما: تكلما. # فقال أحدهما: { إن هذآ أخى } ، أي: على ديني وطريقتي، { له ~~تسع وتسعون نعجة } ، يعني امرأة، { ولى نعجة ~~وحدة } ، أي امرأة واحدة، والعرب تكني بالنعجة عن المرأة، قال ~~الحسين بن الفضل: هذا تعريض للتنبيه والتفهيم، لأنه لم يكن هناك نعاج ولا ~~بغي فهو كقولهم: ضرب زيد عمرا، أو اشترى بكر دارا، ولا ضرب هنالك ms1956 ولا ~~شراء. # { فقال أكفلنيها } ، قال ابن عباس: أعطنيها. قال مجاهد: انزل ~~لي عنها. وحقيقته: ضمها إلي فاجعلني كافلها، وهو الذي يعولها وينفق ~~عليها، والمعنى: طلقها لأتزوجها. { وعزنى } ، غلبني، { فى ~~الخطاب } ، أي: في القول. وقيل: قهرني لقوة ملكه. قال الضحاك: يقول ~~إن تكلم كان أفصح مني، وإن حارب كان أبطش مني. # وحقيقة المعنى: أن الغلبة كانت له لضعفي في يده، وإن كان الحق معي. وهذا ~~كله تمثيل لأمر داود مع أوريا زوج المرأة التي تزوجها داود حيث كان لداود ~~تسع وتسعون امرأة ولأوريا امرأة واحدة فضمها إلى نسائه. ### || [38.24] # { قال } ، داود: { لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى ~~نعاجه } ، أي: بسؤاله نعجتك ليضمها إلى نعاجه. # فإن قيل: كيف قال لقد ظلمك ولم يكن سمع قول صاحبه؟. # قيل: معناه إن كان الأمر كما تقول فقد ظلمك، وقيل: قال ذلك بعد اعتراف ~~صاحبه بما يقول. # { وإن كثيرا من الخلطآء } ، الشركاء، { ليبغى ~~بعضهم على بعض } ، يظلم بعضهم بعضا، { إلا الذين ~~ءامنوا وعملوا الصلحت } ، فإنهم لا يظلمون أحدا. { ~~وقليل ما هم } ، أي: قليل هم, و " ما " صلة يعني: الصالحين ~~الذين لا يظلمون قليل. # قالوا: فلما قضى بينهما داود نظر أحدهما إلى صاحبه فضحك وصعد إلى ~~السماء، فعلم داود أن الله تعالى قد ابتلاه، وذلك قوله: # { وظن داوود } ، أيقن وعلم، { أنما فتناه } ، إنما ~~ابتليناه. # وقال السدي بإسناده: أن أحدهما لما قال: { هذآ أخى } الآية، قال ~~داود للآخر: ما تقول؟ فقال: إن لي تسعا وتسعين نعجة ولأخي نعجة واحدة ~~وأنا أريد أن آخذها منه فأكمل نعاجي مائة، قال وهو كاره، إذا لا ندعك ~~وإن رمت ذلك ضربت منك هذا وهذا وهذا، يعني: طرف الأنف وأصله والجبهة، ~~فقال: يا داود أنت أحق بذلك حيث لم يكن لأوريا إلا امرأة واحدة، ولك ~~تسع وتسعون امرأة، فلم تزل تعرضه للقتل حتى قتل وتزوجت امرأته، فنظر داود ~~فلم ير أحدا فعرف ما وقع فيه. # وقال القائلون بتنزيه الأنبياء في هذه القصة: إن ذنب داود إنما كان أنه ~~تمنى أن تكون امرأة أوريا حلالا ms1957 له، فاتفق غزو أوريا وتقدمه في الحرب ~~وهلاكه، فلما بلغ قتله داود لم يجزع عليه كما جزع على غيره من جنده إذا ~~هلك، ثم تزوج امرأته، فعاتبه الله على ذلك، لأن ذنوب الأنبياء وإن صغرت ~~فهي عظمية عند الله. # وقيل: كان ذنب داود أن أوريا كان خطب تلك المرأة ووطن نفسه عليها، فلما ~~غاب في غزاته خطبها داود فتزوجت منه لجلالته، فاغتم لذلك أوريا، فعاتبه ~~الله على ذلك حيث لم يترك هذه الواحدة لخاطبها وعنده تسع وتسعون امرأة. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي قال: ومما يصدق ما ~~ذكرنا عن المتقدمين ما أخبرني عقيل بن محمد بن أحمد الفقيه أن المعافى بن ~~زكريا القاضي ببغداد أخبره عن محمد بن جرير الطبري، قال: حدثني يونس بن ~~عبد الأعلى الصيرفي، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة، عن أبي صخر، عن ~~يزيد الرقاشي، عن أنس ابن مالك رضي الله عنه سمعه يقول: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن داود النبي عليه السلام حين نظر إلى المرأة فهم أن يجمع على ~~بني إسرائيل وأوصى صاحب البعث، فقال: إذا حضر العدو فقرب فلانا بين ~~يدي التابوت، وكان التابوت في ذلك الزمان يستنصر به وبمن قدم بين يدي ~~التابوت، فلم يرجع حتى يقتل أو ينهزم عنه الجيش فقتل زوج المرأة، ونزل ~~الملكان يقصان عليه قصته، ففطن داود فسجد ومكث أربعين ليلة ساجدا حتى ~~نبت الزرع من دمومه على رأسه وأكلت الأرض من جبينه. وهو يقول في سجوده: ~~رب زل داود زلة أبعد مما بين المشرق والمغرب، رب إن لم ترحم ضعف ~~داود، ولم تغفر ذنبه جعلت ذنبه حديثا في الخلق من بعده، فجاءه جبريل من ~~بعد أربعين ليلة فقال: يا داود إن الله قد غفر لك الهم الذي هممت به، ~~فقال داود: إن الرب قادر على أن يغفر لي الهم الذي هممت به، وقد عرفت أن ~~الله عدل لا يميل، فكيف بفلان إذا جاء يوم القيامة، فقال: يا رب دمي الذي ms1958 ~~عند داود، فقال جبريل: ما سألت ربك عن ذلك وإن شئت لأفعلن، فقال: نعم، ~~فعرج جبريل وسجد داود، فمكث ما شاء الله ثم نزل جبريل، فقال: سألت الله ~~يا داود عن الذي أرسلتني فيه، فقال: قل لداود إن الله يجمعكما يوم ~~القيامة، فيقول له: هب لي دمك الذي عند داود فيقول: هو لك يا رب، ~~فيقول: إن لك في الجنة ما شئت وما اشتهيت عوضا عنه ". # وروي عن ابن عباس، وعن كعب الأحبار، ووهب بن منبه قالوا جميعا: إن داود ~~لما دخل عليه الملكان فقضى على نفسه، فتحولا في صورتهما فعرجا وهما ~~يقولان: قضى الرجل على نفسه، وعلم داود إنما عني به فخر ساجدا أربعين ~~يوما، لا يرفع رأسه إلا لحاجة ولوقت صلاة مكتوبة، ثم يعود ساجدا تمام ~~أربعين يوما، لا يأكل ولا يشرب، وهو يبكي حتى نبت العشب حول رأسه وهو ~~ينادي ربه عز وجل، ويسأله التوبة، وكان من دعائه في سجوده: سبحان الملك ~~الأعظم الذي يبتلي الخلق بما يشاء، سبحان خالق النور، سبحان الحائل بين ~~القلوب، سبحان خالق النور، إلهي أنت خليت بيني وبين عدوي إبليس فلم أقم ~~لفتنته إذ نزلت بي، سبحان خالق النور، إلهي أنت خلقتني وكان من سابق ~~علمك ما أنا إليه صائر، سبحان خالق النور، إلهي الويل لداود إذا كشف عنه ~~الغطاء، فيقال: هذا داود الخاطئ، سبحان خالق النور، إلهي بأي عين أنظر ~~إليك يوم القيامة، وإنما ينظر الظالمون من طرف خفي، سبحان خالق النور، ~~إلهي بأي قدم أمشي أمامك وأقوم بين يديك يوم القيامة يوم تزول أقدام ~~الخاطئين، سبحان خالق النور، إلهي من أين يطلب العبد المغفرة إلا من ~~عند سيده؟ سبحان خالق النور، إلهي أنا الذي لا أطيق حر شمسك، فكيف أطيق ~~حر نارك؟ سبحان خالق النور، إلهي أنا الذي لا أطيق صوت رعدك؟ فكيف أطيق ~~سوط جهنم؟ سبحان خالق النور، إلهي الويل لداود من الذنب العظيم الذي ~~أصاب، سبحان خالق النور، إلهي قد تعلم سري وعلانيتي فاقبل عذري، سبحان ~~خالق النور، ms1959 إلهي برحمتك اغفر لي ذنوبي ولا تباعدني من رحمتك لهواي، ~~سبحان خالق النور، إلهي أعوذ بنور وجهك الكريم من ذنوبي التي ~~أوبقتني، سبحان خالق النور، فررت إليك بذنوبي واعترفت بخطيئتي فلا ~~تجعلني من القانطين، ولا تخزني يوم الدين، سبحان خالق النور. # وقال مجاهد: مكث أربعين يوما ساجدا لا يرفع رأسه حتى نبت المرعى من ~~دموع عينيه حتى غطى رأسه، فنودي: يا داود أجائع فتطعم؟ أم ظمآن فتسقى؟ ~~أو عار فتكسى؟ فأجيب في غير ما طلب. قال: فنحب نحبة هاج لها العود ~~فاحترق من حر جوفه، ثم أنزل الله له التوبة والمغفرة. # قال وهب: إن داود أتاه نداء: أني قد غفرت لك، قال: يا رب كيف وأنت لا ~~تظلم أحدا؟ قال: اذهب إلى قبر أوريا فناده، فأنا أسمعه نداءك ~~فتحلل منه، قال: فانطلق وقد لبس المسوح حتى جلس عند قبره، ثم نادى أوريا، ~~فقال: لبيك من هذا الذي قطع علي لذتي وأيقظني؟ قال: أنا داود، قال: ما ~~جاء بك يا نبي الله، قال: أسألك أن تجعلني في حل مما كان مني إليك، ~~قال: وما كان منك إلي؟ قال: عرضتك للقتل، قال: عرضتني للجنة فأنت في ~~حل، فأوحى الله إليه: يا داود ألم تعلم أني حكم عدل لا أقضي بالعنت، ألا ~~أعلمته أنك قد تزوجت امرأته؟ قال: فرجع إليه فناداه فأجابه فقال: من هذا ~~الذي قطع علي لذتي؟ قال: أنا داود، قال: يا نبي الله أليس قد عفوت ~~عنك؟ قال: نعم ولكن إنما فعلت ذلك بك لمكان امرأتك وقد تزوجتها، قال: ~~فسكت ولم يجبه، ودعاه فلم يجبه، وعاوده فلم يجبه، فقام على قبره وجعل ~~التراب على رأسه، ثم نادى: الويل لداود ثم الويل الطويل لداود، سبحان ~~خالق النور، والويل لداود إذا نصبت الموازين بالقسط، سبحان خالق النور، ~~الويل لداود ثم الويل الطويلله حين يؤخذ بذقنه فيدفع إلى المظلوم، سبحان ~~خالق النور، الويل ثم الويل الطويل له حين يسحب على وجهه مع الخاطئين إلى ~~النار، سبحان خالق النور، فأتاه نداء من السماء: يا ms1960 داود قد غفرت لك ذنبك ~~ورحمت بكاءك واستجبت دعاءك وأقلت عثرتك، قال: يا رب كيف وصاحبي لم يعف ~~عني؟ قال: يا داود أعطيه من الثواب يوم القيامة ما لم تر عيناه ولم تسمع ~~أذناه، فأقول له رضي عبدي؟ فيقول: يا رب من أين لي هذا ولم يبلغه عملي؟ ~~فأقول: هذا عوض من عبدي داود فأستوهبك منه فيهبك لي، قال: يا رب الآن قد ~~عرفت أنك قد غفرت لي. فذلك قوله تعالى: # { فاستغفر ربه وخر راكعا } ، أي ساجدا، عبر بالركوع ~~عن السجود، لأن كل واحد فيه انحناء. # قال الحسين بن الفضل: سألني عبد الله بن طاهر عن قوله: { وخر ~~راكعا } هل يقال للراكع: خر؟ قلت: لا، ومعناه، فخر بعدما كان ~~راكعا، أي: سجد. { وأناب } ، أي: رجع وتاب. ### || [38.25] # { فغفرنا له ذلك } ، يعني: ذلك الذنب، { وإن له } ، ~~بعد المغفرة، { عندنا } ، يوم القيامة، { لزلفى } ، لقربة ~~ومكانة، { وحسن مآب } ، أي: حسن مرجع ومنقلب. # قال وهب بن منبه: إن داود لما تاب الله عليه بكى على خطيئته ثلاثين سنة ~~لا يرقأ دمعه ليلا ولا نهارا، وكان أصاب الخطيئة وهو ابن سبعين سنة، ~~فقسم الدهر بعد الخطيئة على أربعة أيام: يوم للقضاء بين بني إسرائيل، ~~ويوم لنسائه، ويوم يسبح في الفيافي والجبال والسواحل، ويوم يخلو في دار ~~له فيها أربعة آلاف محراب، فيجتمع إليه الرهبان فينوح معهم على نفسه، ~~فيساعدونه على ذلك، فإذا كان يوم نياحته يخرج في الفيافي فيرفع صوته ~~بالمزامير فيبكي ويبكي معه الشجر والرمال والطير والوحوش حتى يسيل من ~~دموعهم مثل الأنهار، ثم يجيء إلى الجبال فيرفع صوته بالمزامير فيبكي ~~ويبكي معه الجبال والحجارة والدواب والطير، حتى تسيل من بكائهم ~~الأودية، ثم يجيء إلى الساحل فيرفع صوته بالمزامير فيبكي وتبكي معه ~~الحيتان ودواب البحر وطير الماء والسباع، فإذا أمسى رجع، فإذا كان يوم ~~نوحه على نفسه نادى مناديه أن اليوم يوم نوح داود على نفسه فليحضر من ~~يساعده، فيدخل الدار التي فيها المحاريب، فيبسط له ثلاثة فرش مسوح حشوها ~~ليف، فيجلس عليها ويجيء ms1961 أربعة آلاف راهب عليهم البرانس وفي أيديهم العصي، ~~فيجلسون في تلك المحاريب ثم يرفع داود صوته بالبكاء والنوح على نفسه، ~~ويرفع الرهبان معه أصواتهم، فلا يزال يبكي حتى تغرق الفرش من دموعه، ~~ويقع داود فيها مثل الفرخ يضطرب، فيجيء ابنه سليمان فيحمله فيأخذ داود من ~~تلك الدموع بكفيه، ثم يمسح بها وجهه، ويقول: يا رب اغفر لي ما ترى، فلو ~~عدل بكاء داود ببكاء أهل الدنيا لعدله. # وقال وهب: ما رفع داود رأسه حتى قال له الملك: أول أمرك ذنب وآخره ~~معصية، ارفع رأسك فرفع رأسه فمكث حياته لا يشرب ماء إلا مزجه بدموعه، ~~ولا يأكل طعاما إلا بله بدموعه. # وذكر الأوزاعي مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن مثل عيني داود كقربتين تنطفان ماء، ولقد خدت الدموع في وجهه ~~كخديد الماء في الأرض ". # قال وهب: لما تاب الله على داود قال: يا رب غفرت لي فكيف لي أن لا أنسى ~~خطيئتي فأستغفر منها وللخاطئين إلى يوم القيامة؟ قال: فوسم الله خطيئته ~~في يده اليمنى، فما رفع فيها طعاما ولا شرابا إلا بكى إذا رآها، وما ~~قام خطيبا في الناس إلا بسط راحته فاستقبل الناس ليروا وسم خطيئته، وكان ~~يبدأ إذا دعا فاستغفر للخاطئين قبل نفسه. # وقال قتادة عن الحسن: كان داود بعد الخطيئة لا يجالس إلا الخاطئين، ~~يقول: تعالوا إلى داود الخاطئ فلا يشرب شرابا إلا مزجه بدموع عينيه، ~~وكان يجعل خبز الشعير اليابس في قصعة فلا يزال يبكي عليه حتى يبتل بدموع ~~عينيه، وكان يذر عليه الملح والرماد فيأكل ويقول: هذا أكل الخاطئين, ~~قال: وكان داود قبل الخطيئة يقوم نصف الليل ويصوم نصف الدهر، فلما كان من ~~خطيئته ما كان، صام الدهر كله وقام الليل كله. # وقال ثابت: كان داود إذا ذكر عقاب الله تخلعت أوصاله، فلا يشدها إلا ~~الأسر، وإذا ذكر رحمة الله تراجعت. # وفي القصة: أن الوحوش والطير كانت تستمع إلى قراءته، فلما فعل ما فعل ~~كانت لا تصغي إلى قراءته، فروي أنها قالت: ms1962 يا داود ذهبت خطيئتك بحلاوة ~~صوتك. # وأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد ابن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا سليمان بن حرب وأبوالنعمان ~~قالا: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~قال: " سجدة ص ليست من عزائم السجود، وقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ~~يسجد فيها ". # وأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا ~~محمد ابن عبيد الطنافسي، عن العوام قال: سألت مجاهدا عن سجدة ص فقال: ~~سألت ابن عباس من أين سجدت؟ قال: أوما تقرأ: # ومن ذريته داوود وسليمن # [الأنعام: 84] إلى: # أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده # [الأنعام: 90]، وكان داود ممن أمر نبيكم أن يقتدي به، فسجدها ~~داود، فسجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم. # أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي، أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن ~~محمد الجراحي، حدثنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي، حدثنا أبو عيسى ~~الترمذي، حدثنا قتيبة محمد بن زيد بن خنيس، حدثنا الحسن بن محمد بن عبيد ~~الله بن أبي يزيد قال: قال لي ابن جريج: أخبرني عبيد الله بن أبي يزيد، ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: يا رسول الله إني رأيتني الليلة وأنا نائم كأني أصلي خلف ~~شجرة، فسجدت فسجدت الشجرة لسجودي، فسمعتها وهي تقول: اللهم اكتب لي بها ~~عندك أجرا، وضع عني بها وزرا، واجعلها لي عندك ذخرا، وتقبلها مني كما ~~تقبلتها من عبدك داود. قال الحسن: قال ابن جريج: قال لي جدك: قال ابن ~~عباس: فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم سجدة ثم سجد، فسمعته وهو يقول مثل ~~ذلك، ما أخبره الرجل عن قول الشجرة ". ### || [38.26-28] # قوله تعالى: { يداوود إنا جعلنك خليفة فى الأرض ~~} تدبر أمور العباد بأمرنا، { فاحكم بين الناس بالحق } ، ~~بالعدل، { ولا تتبع الهوى فيضلك عن ms1963 سبيل الله * ~~إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد ~~بما نسوا يوم الحساب } ، أي بأن تركوا الإيمان بيوم الحساب. ~~وقال الزجاج: بتركهم العمل لذلك اليوم. # وقال عكرمة والسدي: في الآية تقديم وتأخير، تقديره: لهم عذاب شديد يوم ~~الحساب بما نسوا، أي: تركوا القضاء بالعدل. # { وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما بطلا } ~~، قال ابن عباس: لا لثواب ولا لعقاب. { ذلك ظن الذين ~~كفروا } ، يعني: أهل مكة هم الذين ظنوا أنهما خلقا لغير شيء، وأنه لا ~~بعث ولا حساب. { فويل للذين كفروا من النار }. # { أم نجعل الذين ءامنوا وعملوا الصلحت ~~كالمفسدين فى الأرض } , قال مقاتل: قال كفار قريش للمؤمنين ~~إنا نعطى في الآخرة من الخير ما يعطون، فنزلت هذه الآية: { أم ~~نجعل المتقين كالفجار } ، أي المؤمنين كالكفار. وقيل: ~~أراد بالمتقين أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، أي: لا نجعل ذلك. ### || [38.29-31] # { كتب أنزلنه إليك } ، أي: هذا الكتاب أنزلناه إليك، { ~~مبرك } ، كثير خيره ونفعه، { ليدبروا } ، أي ليتدبروا، { ~~آياته } ، وليتفكروا فيها، وقرأ أبو جعفر " لتدبروا " بتاء واحدة ~~وتخفيف الدال، قال الحسن: تدبر آياته اتباعه، { وليتذكر } ، ~~ليتعظ، { أولوا الألبب }. قوله عز وجل: { ووهبنا ~~لداوود سليمن نعم العبد إنه أواب * إذ ~~عرض عليه بالعشى الصفنت الجياد }. # قال الكلبي: غزا سليمان أهل دمشق ونصيبين، فأصاب منهم ألف فرس. # وقال مقاتل: وورث من أبيه داود ألف فرس. # وقال عوف عن الحسن: بلغني أنها كانت خيلا أخرجت من البحر لها أجنحة. # قالوا: فصلى سليمان الصلاة الأولى، وقعد على كرسيه وهي تعرض عليه، فعرضت ~~عليه تسعمائة، فتنبه لصلاة العصر فإذا الشمس قد غربت، وفاتته الصلاة، ولم ~~يعلم بذلك فاغتم لذلك هيبة لله، فقال: ردوها علي، فردوها عليه، فأقبل ~~يضرب سوقها وأعناقها بالسيف تقربا إلى الله عز وجل، وطلبا لمرضاته، ~~حيث اشتغل بها عن طاعته، وكان ذلك مباحا له وإن كان حراما علينا، كما ~~أبيح لنا ذبح بهيمة الأنعام، وبقي منها مائة فرس، فما بقي في أيدي الناس ~~اليوم من الخيل يقال من نسل تلك المائة. # قال الحسن: فلما ms1964 عقر الخيل أبدله الله عز وجل خيرا منها وأسرع، وهي ~~الريح تجري بأمره كيف يشاء. # وقال إبراهيم التيمي: كانت عشرين فرسا. وعن عكرمة: كانت عشرين ألف فرس، ~~لها أجنحة. # قال الله تعالى: { إذ عرض عليه بالعشى الصفنت ~~الجياد } ، و " الصافنات ": هي الخيل القائمة على ثلاث قوائم وأقامت ~~واحدة على طرف الحافر من يد أو رجل، يقال: صفن الفرس يصفن صفونا: إذا ~~قام على ثلاثة قوائم، وقلب أحد حوافره. وقيل: الصافن في اللغة القائم. ~~وجاء في الحديث: # " من سره أن يقوم له الرجال صفونا فليتبوأ مقعده من النار " # أي قياما. والجياد: الخيار السراع، واحدها جواد. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد الخيل السوابق. ### || [38.32-33] # { فقال إنى أحببت حب الخير } ، أي: آثرت حب الخير، ~~وأراد بالخير الخيل، والعرب تعاقب بين الراء واللام، فتقول: ختلت الرجل ~~وخترته، أي: خدعته، وسميت الخيل خيرا لأنه معقود بنواصيها الخير، الأجر ~~والمغنم، قال مقاتل:حب الخير يعني: المال، فهي الخيل التي عرضت عليه. { ~~عن ذكر ربي } ، يعني: عن الصلاة وهي صلاة العصر. { حتى ~~توارت بالحجاب } ، أي: توارت الشمس بالحجاب: استترت بما يحجبها ~~عن الأبصار، يقال: الحاجب جبل دون قاف، بمسيرة سنة، والشمس تغرب من ~~ورائه. # { ردوها على } , أي: ردوا الخيل علي، فردوها، { فطفق ~~مسحا بالسوق والأعناق } ، قال أبو عبيدة: طفق يفعل، مثل: ما ~~زال يفعل، والمراد بالمسح: القطع، فجعل يضرب سوقها وأعناقها بالسيف، هذا ~~قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، ومقاتل وأكثر المفسرين، وكان ذلك مباحا ~~له، لأن نبي الله لم يكن يقدم على محرم، ولم يكن يتوب عن ذنب بذنب آخر. # وقال محمد بن إسحاق: لم يعنفه الله على عقر الخيل إذا كان ذلك أسفا ~~على ما فاته من فريضة ربه عز وجل. # وقال بعضهم: إنه ذبحها ذبحا وتصدق بلحومها، وكان الذبح على ذلك الوجه ~~مباحا في شريعته. # وقال قوم: معناه أنه حبسها في سبيل الله وكوى سوقها وأعناقها بكي ~~الصدقة. # وقال الزهري وابن كيسان: إنه كان يمسح سوقها وأعناقها بيده، يكشف الغبار ~~عنها حبا لها وشفقة ms1965 عليها، وهذا قول ضعيف، والمشهور هو الأول. # وحكي عن علي أنه قال في معنى قوله: { ردوها على } يقول سليمان ~~بأمر الله عز وجل للملائكة الموكلين بالشمس: { ردوها على } ~~يعني: الشمس، فردوها عليه حتى صلى العصر في وقتها، وذلك أنه كان يعرض ~~عليه الخيل لجهاد عدو، حتى توارت بالحجاب. ### || [38.34-35] # قوله عز وجل: { ولقد فتنا سليمن } ، اختبرناه ~~وابتليناه بسلب ملكه. # وكان سبب ذلك ما ذكر محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه قال: سمع سليمان عليه ~~السلام بمدينة في جزيرة من جزائر البحر يقال لها صيدون، بها ملك عظيم ~~الشأن، لم يكن للناس إليه سبيلا لمكانه في البحر، وكان الله قد آتى ~~سليمان في ملكه سلطانا لا يمتنع عليه شيء في بر ولا بحر، إنما يركب إليه ~~الريح، فخرج إلى تلك المدينة تحمله الريح على ظهر الماء، حتى نزل بها ~~بجنوده من الجن والإنس، فقتل ملكها واستولى واستفاء وسبى ما فيها، ~~وأصاب فيما أصاب بنتا لذلك الملك، يقال لها: جرادة، لم ير مثلها حسنا ~~وجمالا، فاصطفاها لنفسه، ودعاها إلى الإسلام فأسلمت على جفاء منها وقلة ~~فقه، وأحبها حبا لم يحبه شيئا من نسائه، وكانت على منزلتها عنده لا ~~يذهب حزنها ولا يرقأ دمعها، فشق ذلك على سليمان فقال لها: ويحك ما هذا ~~الحزن الذي لا يذهب، والدمع الذي لا يرقأ؟ قالت: إن أبي أذكره وأذكر ملكه ~~وما كان فيه وما أصابه فيحزنني ذلك، قال سليمان: فقد أبدلك الله به ~~ملكا هو أعظم من ملكه، وسلطانا هو أعظم من سلطانه، وهداك للإسلام ~~وهو خير من ذلك كله، قالت: إن ذلك كذلك، ولكني إذا ذكرته أصابني ما ترى ~~من الحزن، فلو أنك أمرت الشياطين فصوروا صورته في داري التي أنا فيها ~~أراها بكرة وعشيا لرجوت أن يذهب ذلك حزني، وأن يسلي عني بعض ما أجد ~~في نفسي، فأمر سليمان الشياطين، فقال: مثلوا لها صورة أبيها في دارها حتى ~~لا تنكر منه شيئا، فمثلوه لها حتى نظرت إلى أبيها بعينه إلا أنه لا روح ms1966 ~~فيه، فعمدت إليه حين صنعوه فأزرته وقمصته وعممته وردته بمثل ثيابه ~~التي كان يلبس، ثم كانت إذا خرج سليمان من دارها تغدو عليه في ولائدها ~~حتى تسجد له، ويسجدن له كما كانت تصنع به في ملكه، وتروح كل عشية بمثل ~~ذلك وسليمان لا يعلم بشيء من ذلك أربعين صباحا، وبلغ ذلك آصف بن برخيا، ~~وكان صديقا، وكان لا يرد عن أبواب سليمان، أي ساعة أراد دخول شيء من ~~بيوته دخل، حاضرا كان سليمان أو غائبا، فأتاه فقال: يا نبي الله كبر ~~سني، ورق عظمي، ونفد عمري، وقد حان مني الذهاب، فقد أحببت أن أقوم مقاما ~~قبل الموت أذكر فيه من مضى من أنبياء الله وأثني عليهم بعلمي فيهم، ~~وأعلم الناس بعض ما كانوا يجهلون من كثير من أمورهم، فقال: افعل، ~~فجمع له سليمان الناس فقام فيهم خطيبا فذكر من مضى من أنبياء الله ~~تعالى، فأثنى على كل نبي بما فيه، فذكر ما فضله الله حتى انتهى إلى ~~سليمان، فقال: ما أحلمك في صغرك، وأورعك في صغرك، وأفضلك في صغرك، وأحكم ~~أمرك في صغرك، وأبعدك من كل ما تكره في صغرك، ثم انصرف، فوجد سليمان عليه ~~السلام في نفسه من ذلك حتى ملأه غضبا، فلما دخل سليمان داره أرسل إليه. # فقال: يا آصف ذكرت من مضى من أنبياء الله، فأثنيت عليهم خيرا في كل ~~زمانهم، وعلى كل حال من أمرهم، فلما ذكرتني جعلت تثني علي بخير في ~~صغري، وسكت عما سوى ذلك من أمري في كبري؟ فما الذي أحدثت في آخر أمري؟ ~~فقال: إن غير الله ليعبد في دارك منذ أربعين صباحا في هوى امرأة، فقال: ~~في داري؟ فقال: في دارك، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، لقد عرفت أنك ~~ما قلت الذي قلت إلا عن شيء بلغك، ثم رجع سليمان إلى داره وكسر ذلك ~~الصنم، وعاقب تلك المرأة وولائدها، ثم أمر بثياب الطهرة فأتى بها وهي ~~ثياب لا يغزلها إلا الأبكار، ولا ينسجها إلا الأبكار، ولا يغسلها إلا ~~الأبكار، لم ms1967 تمسسها امرأة قد رأت الدم، فلبسها ثم خرج إلى فلاة من الأرض ~~وحده، فأمر برماد ففرش له، ثم أقبل تائبا إلى الله عز وجل، حتى جلس ~~على ذلك الرماد وتمعك فيه بثيابه تذللا لله تعالى، وتضرعا إليه يبكي ~~ويدعو، ويستغفر مما كان في داره، فلم يزل كذلك يومه حتى أمسى، ثم رجع إلى ~~داره، وكانت له أم ولد يقال لها الأمينة، كان إذا دخل مذهبه أو أراد ~~إصابة امرأة من نسائه وضع خاتمه عندها حتى يتطهر، وكان لا يمس خاتمه إلا ~~وهو طاهر، وكان ملكه في خاتمه فوضعه يوما عندها، ثم دخل مذهبه فأتاها ~~الشيطان صاحب البحر، واسمه صخر، على صورة سليمان لا تنكر منه شيئا، ~~فقال: خاتمي أمينة! فناولته إياه، فجعله في يده ثم خرج حتى جلس على سرير ~~سليمان، وعكفت عليه الطير والجن والإنس، وخرج سليمان فأتى الأمينة وقد ~~غيرت حاله، وهيئته عند كل من رآه، فقال: يا أمينة خاتمي، قالت: من أنت؟ ~~قال: أنا سليمان بن داود، قالت: كذبت فقد جاء سليمان فأخذ خاتمه وهو جالس ~~على سرير ملكه، فعرف سليمان أن خطيئته قد أدركته، فخرج فجعل يقف على ~~الدار من دور بني إسرائيل فيقول: أنا سليمان بن داود، فيحثون عليه التراب ~~ويسبونه، ويقولون: انظروا إلى هذا المجنون أي شيء يقول يزعم أنه سليمان، ~~فلما رأى سليمان ذلك عمد إلى البحر، فكان ينقل الحيتان لأصحاب البحر إلى ~~السوق فيعطونه كل يوم سمكتين، فإذا أمسى باع إحدى سمكتيه بأرغفة وشوى ~~الأخرى فأكلها، فمكث بذلك أربعين صباحا عدة ما كان عبد الوثن في ~~داره، فأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم عدو الله الشيطان في تلك ~~الأربعين، فقال آصف: يا معشر بني إسرائيل هل رأيتم من اختلاف حكم ابن ~~داود ما رأيت؟ قالوا: نعم، قال: أمهلوني حتى أدخل على نسائه فأسألهن فهل ~~أنكرتن منه في خاصة أمره ما أنكرناه في عامة الناس وعلانيته، فدخل على ~~نسائه، فقال: ويحكن هل أنكرتن من أمر ابن داود ما أنكرنا؟ فقلن: أشده ~~ما يدع ms1968 منا امرأة في دمها ولا يغتسل من الجنابة، فقال: إنا لله وإنا إليه ~~راجعون إن هذا لهو البلاء المبين، ثم خرج على بني إسرائيل فقال: ما في ~~الخاصة أعظم مما في العامة، فلما مضى أربعون صباحا طار الشيطان عن ~~مجلسه، ثم مر بالبحر فقذف الخاتم فيه، فبلعته سمكة فأخذها بعض الصيادين، ~~وقد عمل له سليمان صدر يومه ذلك، حتى إذا كان العشي أعطاه سمكتيه وأعطاه ~~السمكة التي أخذت الخاتم، وخرج سليمان بسمكتيه، فباع التي ليس في بطنها ~~الخاتم بالأرغفة، ثم عمد إلى السمكة الأخرى فبقرها ليشويها فاستقبله ~~خاتمه في جوفها، فأخذه فجعله في يده، ووقع ساجدا، وعكفت عليه الطير ~~والجن، وأقبل عليه الناس، وعرف الذي كان قد دخل عليه لما كان حدث في ~~داره، فرجع إلى ملكه وأظهر التوبة من ذنبه، وأمر الشياطين فقال: ائتوني ~~بصخر فطلبته الشياطين حتى أخذته، فأتي به وجاؤوا له بصخرة فنقرها فأدخله ~~فيها ثم شد عليه بأخرى، ثم أوثقها بالحديد والرصاص، ثم أمر به فقذف في ~~البحر. # هذا حديث وهب. # وقال الحسن: ما كان الله ليسلط الشيطان على نسائه. # وقال السدي: كان سبب فتنة سليمان أنه كان له مائة امرأة، وكانت امرأة ~~منهن يقال لها جرادة هي آثر نسائه وآمنهن عنده، وكان يأتمنها على خاتمه ~~إذا أتى حاجته، فقالت له يوما: إن أخي كان بينه وبين فلان خصومة، وأنا ~~أحب أن تقضي له إذا جاءك، فقال: نعم، ولم يفعل فابتلي بقوله، فأعطاه ~~خاتمه ودخل المخرج، فجاء الشيطان في صورته فأخذه وجلس على مجلس سليمان، ~~وخرج سليمان عليه السلام فسألها خاتمه فقالت: ألم تأخذه؟ قال: لا، وخرج ~~مكانه ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يوما، فأنكر الناس حكمه، ~~فاجتمع قراء بني إسرائيل وعلماؤهم حتى دخلوا على نسائه. فقالوا: إنا قد ~~أنكرنا هذا، فإن كان سليمان فقد ذهب عقله، فبكى النساء عند ذلك فأقبلوا ~~حتى أحدقوا به، ونشروا التوراة فقرؤوها فطار من بين أيديهم، حتى وقع ~~على شرفة، والخاتم معه، ثم طار حتى ذهب إلى البحر، فوقع ms1969 الخاتم منه في ~~البحر، فابتلعه حوت، وأقبل سليمان حتى انتهى إلى صياد من صيادي البحر وهو ~~جائع قد اشتد جوعه، فاستطعمه من صيده، وقال: إني أنا سليمان، فقام إليه ~~بعضهم فضربه بعصا فشجعه، فجعل يغسل دمه على شاطئ البحر، فلام الصيادون ~~صاحبهم الذي ضربه، وأعطوه سمكتين مما قد مذر عندهم، فشق بطونهما وجعل ~~يغسلهما، فوجد خاتمه في بطن إحداهما، فلبسه فرد الله عليه ملكه وبهاءه. # وحامت عليه الطير فعرف القوم أنه سليمان، فقاموا يعتذرون مما صنعوا. ~~فقال: ما أحمدكم على عذركم ولا ألومكم على ما كان منكم، هذا أمر كائن لا ~~بد منه، ثم جاء حتى أتى مملكته أمر حتى أتى بالشيطان الذي أخذ خاتمه ~~وجعله في صندوق من حديد، وأطبق عليه بقفل، وختم عليه بخاتمه، وأمر به ~~فألقي في البحر وهو حي كذلك حتى الساعة. # وفي بعض الروايات: أن سليمان لما افتتن سقط الخاتم من يده، وكان فيه ~~ملكه فأعاده سليمان إلى يده فسقط فأيقن سليمان بالفتنة، فأتى آصف فقال ~~لسليمان: إنك مفتون بذنبك، والخاتم لا يتماسك في يدك أربعة عشر يوما، ~~ففر إلى الله تائبا، فإني أقوم مقامك، وأسير بسيرتك إلى أن يتوب الله ~~عليك، ففر سليمان هاربا إلى ربه، وأخذ آصف الخاتم، فوضعه في أصبعه فثبت ~~فهو الجسد الذي قال الله تعالى: { وألقينا على كرسيه ~~جسدا } فأقام آصف في ملكه يسير بسيرته أربعة عشر يوما إلى أن رد الله ~~على سليمان ملكه، فجلس على كرسيه وأعاد الخاتم في يده فثبت. # وروي عن سعيد بن المسيب قال: احتجب سليمان عن الناس ثلاثة أيام، فأوحى ~~الله إليه احتجبت عن الناس ثلاثة أيام؟ فلم تنظر في أمور عبادي؟ فابتلاه ~~الله عز وجل. فذكر حديث الخاتم وأخذ الشيطان إياه كما روينا. # وقيل: قال سليمان يوما لأطوفن الليلة على نسائي كلهن، فتأتي كل واحدة ~~بابن يجاهد في سبيل الله، ولم يستثن، فجامعهن فما خرج له منهن إلا شق ~~مولود، فجاءت به القابلة فألقته على كرسيه، فذلك قوله تعالى: { ~~وألقينا على كرسيه جسدا ms1970 }. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا ~~شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " قال سليمان لأطوفن الليلة على تسعين امرأة كلهن تأتي بفارس يجاهد في ~~سبيل الله، فقال له صاحبه: قل إن شاء الله، فلم يقل إن شاء الله ونسي، ~~فطاف عليهن جميعا، فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة، جاءت بشق رجل، وايم ~~الله الذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله ~~فرسانا أجمعون ". # وقال طاووس عن أبي هريرة: لأطوفن اليلة بمائة امرأة، قال له الملك: قل ~~إن شاء الله، فلم يقل ونسي. وأشهر الأقاويل أن الجسد الذي ألقي على كرسيه ~~هو صخر الجني، فذلك قوله عز وجل: { وألقينا على كرسيه ~~جسدا ثم أناب } ، أي رجع إلى ملكه بعد أربعين يوما فلما رجع # { قال رب اغفر لى وهب لى ملكا لا ينبغى لأحد ~~من بعدى } ، قال مقاتل وابن كيسان: لا يكون لأحد من بعدي، قال عطاء ~~بن أبي رباح: يريد هب لي ملكا لا تسلبنيه في باقي عمري، وتعطيه غيري ~~كما استلبته في ما مضى من عمري. # { إنك أنت الوهاب } ، قيل: سأل ذلك ليكون آية لنبوته، ودلالة ~~على رسالته، ومعجزة. وقيل: سأل ذلك ليكون علما على قبول توبته حيث ~~أجاب الله دعاءه ورد إليه ملكه، وزاد فيه. # وقال مقاتل بن حيان: كان لسليمان ملكا ولكنه أراد بقول: { لا ~~ينبغى لأحد من بعدى } تسخير الرياح والطير والشياطين، بدليل ~~ما بعده. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن ~~جعفر، حدثنا شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " إن عفريتا من الجن تفلت البارحة ليقطع علي صلاتي، فأمكنني الله ~~منه، فأخذته فأردت أن أربطه ms1971 على سارية من سواري المسجد، حتى تنظروا إليه ~~كلكم، فذكرت دعوة أخي سليمان: " رب هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي ~~" ، فرددته خاسئا ". ### || [38.36-39] # قوله عز وجل: { فسخرنا له الريح تجرى بأمره ~~رخآء } ، لينة ليست بعاصفة، { حيث أصاب } ، [حيث أراد]، تقول ~~العرب: أصاب الصواب [فأخطأ الجواب، تريد أراد الصواب]. # { والشيطين } ، أي: وسخرنا له الشياطين، { كل بنآء } ، ~~يبنون له ما يشاء من محاريب وتماثيل، { وغواص } ، يستخرجون له ~~اللآليء من البحر، وهو أول من استخرج اللؤلؤ من البحر. # { وءاخرين مقرنين فى الأصفاد } ، مشدودين في القيود، ~~أي: وسخرنا له آخرين، يعني: مردة الشياطين، سخروا له حتى قرنهم في ~~الأصفاد. # { هذا عطآؤنا } ، أي قلنا له هذا عطاؤنا، { فامنن أو ~~أمسك بغير حساب } ، المن: هو الإحسان إلى من لا يستثنيه، ~~معناه: أعط من شئت وأمسك عمن شئت، { بغير حساب } ، لا حرج عليك ~~فيما أعطيت وفيما أمسكت. # قال الحسن: ما أنعم الله على أحد نعمة إلا عليه تبعة، إلا سليمان فإنه ~~أعطى أجر، وإن لم يعط لم يكن عليه تبعة. # وقال مقاتل: هذا في أمر الشياطين، يعني: خل من شئت منهم، وأمسك من شئت ~~في وثاقك، لا تبعة عليك فيما تتعاطاه. ### || [38.40-44] # { وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب }. # قوله عز وجل: { واذكر عبدنآ أيوب إذ نادى ربه ~~أنى مسنى الشيطان بنصب وعذاب } ، بمشقة وضر. # قرأ أبو جعفر: " بنصب " بضم النون والصاد، وقرأ يعقوب بفتحهما، وقرأ ~~الآخرون بضم النون وسكون الصاد، ومعنى الكل واحد. # قال قتادة ومقاتل: بنصب في الجسد، وعذاب في المال. وقد ذكرنا قصة أيوب ~~ومدة بلائه في سورة الأنبياء عليهم السلام. # فلما انقضت مدة بلائه قيل له: { اركض برجلك } ، اضرب برجلك ~~الأرض ففعل فنبعت عين ماء، { هذا مغتسل } ، فأمره الله أن يغتسل ~~منها، ففعل فذهب كل داء كان بظاهره، ثم مشى أربعين خطوة، فركض الأرض ~~برجله الأخرى، فنبعت عين أخرى، ماء عذب بارد، فشرب منه، فذهب كل داء كان ~~بباطنه، فقوله: { هذا مغتسل بارد } ، يعني: الذي اغتسل منه، ~~{ وشراب } أراد الذي شرب منه. ms1972 # { ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا ~~وذكرى لأولى الألبب * وخذ بيدك ضغثا } ، وهو ملء ~~الكف من الشجر أو الحشيش، { فاضرب به ولا تحنث } ، في يمينك، ~~وكان قد حلف أن يضرب امرأته مائة سوط، فأمره الله أن يأخذ ضغثا يشتمل ~~على مائة عود صغار، ويضربها به ضربة واحدة، { إنا وجدنه ~~صابرا نعم العبد إنه أواب }. ### || [38.45-49] # { واذكر عبادنآ } ، قرأ ابن كثير " عبدنا " على التوحيد، وقرأ ~~الآخرون " عبادنا " بالجمع، { إبرهيم وإسحق ويعقوب ~~أولى الأيدى } ، قال ابن عباس: أولي القوة في طاعة الله تعالى، { ~~والأبصر } في المعرفة بالله، أي: البصائر في الدين، قال قتادة ~~ومجاهد: أعطو قوة في العبادة وبصرا في الدين. # { إنآ أخلصنهم } ، اصطفيناهم، { بخالصة ذكرى ~~الدار } ، قرأ أهل المدينة: " بخالصة " مضافا، وقرأ الآخرون ~~بالتنوين، فمن أضاف فمعناه: أخلصناهم بذكر الدار الآخرة، وأن يعملوا لها، ~~والذكرى: بمعنى الذكر. قال مالك بن دينار: نزعنا من قلوبهم حب الدنيا ~~وذكرها، وأخلصناهم بحب الآخرة وذكرها. # وقال قتادة: كانوا يدعون إلى الآخرة وإلى الله عز وجل. # وقال السدي: أخلصوا بخوف الآخرة. # وقيل: معناه أخلصناهم بأفضل ما في الآخرة. # قال ابن زيد: ومن قرأ بالتنوين: فمعناه بخلة خالصة، وهي ذكرى الدار، ~~فيكون " ذكرى " بدلا عن الخالصة. # وقيل: " أخلصناهم ": جعلناهم مخلصين، بما أخبرنا عنهم من ذكر الآخرة. # { وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار * واذكر ~~إسمعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار * ~~هذا ذكر } ، أي: هذا الذي يتلى عليكم ذكر، أي: شرف، وذكر جميل ~~تذكرون به { وإن للمتقين لحسن مآب }. ### || [38.50-57] # { جنت عدن مفتحة لهم الأبواب } ، أي أبوابها ~~[مفتحة لهم]. # { متكئين فيها يدعون فيها بفكهة كثيرة ~~وشراب * وعندهم قصرت الطرف أتراب } ، مستويات ~~الأسنان، بنات ثلاث وثلاثين سنة، واحدها ترب. وعن مجاهد قال: متواخيات ~~لا يتباغضن ولا يتغايرن. # { هذا ما توعدون } ، قرأ ابن كثير: " يوعدون " بالياء هاهنا ~~وفي " ق " أي: ما يوعد المتقون، وافق أبو عمرو هاهنا، وقرأ الباقون ~~بالتاء فيهما، أي قل للمؤمنين: هذا ما توعدون، { ليوم الحساب } ، ~~أي في يوم الحساب. # { إن هذا لرزقنا ما له من نفاد ms1973 } ، فناء وانقطاع. # { هذا } أي الأمر هذا { وإن للطغين } ، للكافرين، { ~~لشر مآب } ، مرجع. # { جهنم يصلونها } ، يدخلونها، { فبئس المهاد }. # { هذا } ، أي هذا العذاب، { فليذوقوه حميم وغساق } ، ~~قال الفراء: أي هذا حميم وغساق فليذوقوه، والحميم: الماء الحار الذي ~~انتهى حره. # " وغساق ": قرأ حمزة، والكسائي وحفص: " وغساق " حيث كان بالتشديد، ~~وخففها الآخرون، فمن شدد جعله اسما على فعال، نحو: الخباز والطباخ، ~~ومن خفف جعله اسما على فعال نحو العذاب. # واختلفوا في معنى الغساق، قال ابن عباس: هو الزمهرير يحرقهم ببرده، كما ~~تحرقهم النار بحرها. # وقال مقاتل ومجاهد: هو الذي انتهى برده. # وقيل: هو المنتن بلغة الترك. # وقال قتادة: هو ما يغسق أي: ما يسيل من القيح والصديد من جلود أهل ~~النار، ولحومهم، وفروج الزناة، من قوله: غسقت عينه إذا انصبت، ~~والغسقان الانصباب. ### || [38.58-60] # { وءاخر } , قرأ أهل البصرة: " وأخر " بضم الألف على جمع أخرى، ~~مثل: الكبرى والكبر، واختاره أبو عبيدة لأنه نعته بالجمع، فقال: أزواج، ~~وقرأ الآخرون بفتح الهمزة مشبعة على الواحد. { من شكله } ، مثله أي: ~~مثل الحميم والغساق، { أزوج } ، أي: أصناف أخر من العذاب. # { هذا فوج مقتحم معكم } ، قال ابن عباس: " هذا " هو ~~أن القادة إذا دخلوا النار ثم دخل بعدهم الأتباع قالت الخزنة للقادة. هذا ~~يعني: الأتباع، فوج: جماعة مقتحم معكم النار، أي: داخلوها كما أنتم ~~دخلتموها، والفوج: القطيع من الناس وجمعه أفواج، والاقتحام الدخول في ~~الشيء رميا بنفسه فيه، قال الكلبي: إنهم يضربون بالمقامع حتى يوقعوا ~~أنفسهم في النار، خوفا من تلك المقامع، فقالت القادة: { لا مرحبا ~~بهم } ، يعني: بالأتباع، { إنهم صالوا النار } ، أي: ~~داخلوها كما صلينا. # { قالوا } ، فقال الأتباع للقادة، { بل أنتم لا مرحبا ~~بكم } ، والمرحب، والرحب: السعة، تقول العرب: مرحبا وأهلا وسهلا، ~~أي: أتيت رحبا وسعة، وتقول: لا مرحبا بك، أي: لا رحبت عليك الأرض. { ~~أنتم قدمتموه لنا } ، يقول الأتباع للقادة: أنتم بدأتم ~~بالكفر قبلنا، وشرعتم وسننتموه لنا. وقيل: أنتم قدمتم هذا العذاب لنا، ~~بدعائكم إيانا إلى الكفر، { فبئس القرار } ، أي: فبئس دار ~~القرار جهنم. ### || [38.61-65] # { قالوا } ، يعني: الأتباع، { ربنا ms1974 من قدم لنا هذا } ~~، أي: شرعه وسنه لنا، { فزده عذابا ضعفا فى النار } ، ~~أي: ضعف عليه العذاب في النار. قال ابن مسعود: يعني: حيات وأفاعي. # { وقالوا } ، يعني صناديد قريش وهم في النار، { ما لنا لا ~~نرى رجالا كنا نعدهم } ، في الدنيا، { من الأشرار ~~} ، يعنون فقراء المؤمنين: عمارا، وخبابا، وصهيبا، وبلالا، وسلمان ~~رضي الله عنهم، ثم ذكروا أنهم كانوا يسخرون من هؤلاء، فقالوا: { ~~أتخذنهم سخريا } ، قرأ أهل البصرة، وحمزة، والكسائي: # { من الأشرار * أتخذنهم } وصل، ويكسرون الألف عند ~~الابتداء، وقرأ الآخرون بقطع الألف وفتحها على الاستفهام. # قال أهل المعاني: القراءة الأولى أولى؛ لأنهم علموا أنهم اتخذوهم ~~سخريا فلا يستقيم الاستفهام، وتكون " أم " على هذه القراءة بمعنى " بل ~~" ، ومن فتح الألف قال: هو على اللفظ لا على المعنى ليعادل " أم " في ~~قوله: { أم زاغت عنهم الأبصر } ، قال الفراء: هذا من ~~الاستفهام الذي معناه التوبيخ والتعجب، " أم زاغت " ، أي: مالت، { ~~عنهم الأبصر } ، ومجاز الآية: ما لنا لا نرى هؤلاء الذين ~~اتخذناهم سخريا لم يدخلوا معنا النار؟ أم دخلوها فزاغت عنهم أبصارنا، ~~فلم نرهم حين دخلوها. # وقيل: أم هم في النار ولكن احتجبوا عن أبصارنا؟ # وقال ابن كيسان: أم كانوا خيرا منا ولكن نحن لا نعلم، فكانت أبصارنا ~~تزيغ عنهم في الدنيا فلا نعدهم شيئا. # { إن ذلك } ، الذي ذكرت، { لحق } ثم بين فقال، { تخاصم ~~أهل النار } ، أي: تخاصم أهل النار في النار لحق. # { قل } ، يا محمد لمشركي مكة، { إنمآ أنا منذر } ، مخوف، { ~~وما من إله إلا الله الوحد القهار }. ### || [38.66-70] # { رب السموت والأرض وما بينهما العزيز ~~الغفار }. # { قل } ، يا محمد، { هو } ، يعني: القرآن، { نبأ عظيم } ، ~~قاله ابن عباس ومجاهد، وقتادة، وقيل: يعني: القيامة كقوله: # عم يتسآءلون عن النبإ العظيم # [النبأ:1-2]. # { أنتم عنه معرضون *ما كان لي من علم بالملإ ~~الأعلى } ، يعني: الملائكة، { إذ يختصمون } يعني: في شأن آدم ~~عليه السلام، حين قال الله تعالى: # إني جاعل فى الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من ~~يفسد فيها # [البقرة: 30]. # { إن يوحى إلى إلآ أنمآ أنا نذير مبين } ، قال ms1975 ~~الفراء: إن شئت جعلت " أنما " في موضع رفع، أي: ما يوحى إلي إلا ~~الإنذار، وإن شئت جعلت المعنى: ما يوحى إلي إلا أني نذير مبين. # وقرأ أبو جعفر: " إنما " بكسر الألف، لأن الوحي قول. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، حدثنا ~~أبو جعفر الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة ~~بن خالد، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال مر خالد بن اللجلاج، ~~فدعاه مكحول فقال: يا إبراهيم حدثنا حديث عبد الرحمن بن عائش، قال: سمعت ~~عبد الرحمن بن عائش الحضرمي يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " رأيت ربي عز وجل في أحسن صورة، فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى ~~يا محمد؟ قلت: أنت أعلم أي رب، مرتين، قال: فوضع كفه بين كتفي فوجدت ~~بردها بين ثديي، فعلمت ما في السماء والأرض " # ، قال: ثم تلا هذه الآية: # وكذلك نرى إبرهيم ملكوت السموت والأرض ~~وليكون من الموقنين # [الأنعام: 75]، ثم قال: # " فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ قلت: في الكفارات، قال: وما هن؟ ~~قلت: المشي على الأقدام إلى الجماعات، والجلوس في المساجد خلف الصلوات، ~~وإبلاغ الوضوء أماكنه في المكاره، قال: ومن يفعل ذلك يعش بخير ويمت ~~بخير، ويكن من خطيئته كيوم ولدته أمه، ومن الدرجات إطعام الطعام، وبذل ~~السلام، وأن يقوم بالليل والناس نيام، قال: قل اللهم إني أسألك ~~الطيبات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي، وترحمني، وتتوب ~~علي، وإذا أردت فتنة في قوم فتوفني غير مفتون، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: تعلموهن، فوالذي نفس بيده إنهن لحق ". ### || [38.71-81] # قوله عز وجل: { إذ قال ربك للملئكة إنى خلق ~~بشرا من طين } ، يعني: آدم عليه السلام. { فإذا سويته } ~~, أتممت خلقه، { ونفخت فيه من روحى فقعوا له ~~سجدين فسجد الملئكة كلهم أجمعون * إلآ ~~إبليس استكبر وكان من الكفرين * قال يإبليس ~~ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى أستكبرت } ، ~~ألف استفهام دخلت على ألف الوصل، { أم كنت من العلين } ، ~~المتكبرين. استفهام توبيخ وإنكار، ms1976 يقول: أستكبرت بنفسك حتى أبيت السجود؟ ~~أم كنت من القوم الذين يتكبرون فتكبرت عن السجود لكونك منهم؟ # { قال أنا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من ~~طين * قال فاخرج منها } ، أي: من الجنة، وقيل: من السموات. ~~وقال الحسن وأبو العالية: أي من الخلقة التي أنت فيها. قال الحسين بن ~~الفضل: هذا تأويل صحيح لأن إبليس تجبر وافتخر بالخلقة، فغير الله ~~خلقته، فاسود وقبح بعد حسنه, { فإنك رجيم } ، مطرود. # { وإن عليك لعنتى إلى يوم الدين * قال رب ~~فأنظرنى إلى يوم يبعثون * قال فإنك من ~~المنظرين * إلى يوم الوقت المعلوم } ، وهو النفخة ~~الأولى. ### || [38.82-88] # { قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك ~~منهم المخلصين * قال فالحق والحق أقول } ، قرأ ~~عاصم وحمزة ويعقوب: " فالحق " برفع القاف على الابتداء، وخبره محذوف ~~تقديره: الحق مني، ونصب الثانية أي: وأنا أقول الحق، قاله مجاهد، وقرأ ~~الآخرون بنصبهما، واختلفوا في وجههما، قيل: نصب الأولى على الإغراء كأنه ~~قال: الزم الحق، والثاني بإيقاع القول عليه أي: أقول الحق. وقيل: الأول ~~قسم، أي: فبالحق وهو الله عز وجل، فانتصب بنزع الخافض، وهو حرف الصفة، ~~وانتصاب الثاني بإيقاع القول عليه. وقيل: الثاني تكرار القسم، أقسم الله ~~بنفسه. # { لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين ~~* قل مآ أسألكم عليه } ، على تبليغ الرسالة، { من أجر ~~} ، جعل، { ومآ أنا من المتكلفين } ، المتقولين القرآن ~~من تلقاء نفسي، وكل من قال شيئا من تلقاء نفسه فقد تكلف له. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي ~~الضحى، عن مسروق قال: دخلنا على عبد الله بن مسعود فقال: يا أيها الناس ~~من علم شيئا فليقل به، ومن لم يعلم فليقل الله أعلم، فإن من العلم أن ~~يقول لما لا يعلم: الله أعلم، قال الله تعالى لنبيه: { قل مآ ~~أسألكم عليه من أجر ومآ أنا من المتكلفين ~~}. # قوله: { إن هو } , ما هو، يعني: القرآن، { إلا ذكر } ، موعظة، ~~{ للعلمين } ، للخلق أجمعين. { ولتعلمن } ، أنتم يا ms1977 ~~كفار مكة، { نبأه } ، خبر صدقه، { بعد حين } ، قال ابن عباس ~~وقتادة: بعد الموت: وقال عكرمة: يعني يوم القيامة. وقال الكلبي: من بقي ~~علم ذلك إذا ظهر أمره وعلا، ومن مات علمه بعد موته. قال الحسن: ~~ابن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين. ### | [39 - سورة الزمر] ### || [39.1-3] # { تنزيل الكتاب من الله } ، أي: هذا تنزيل الكتاب من الله. ~~وقيل: تنزيل الكتاب مبتدأ وخبره: { من الله العزيز الحكيم } ، ~~أي: تنزيل الكتاب من الله لا من غيره. # { إنآ أنزلنآ إليك الكتب بالحق } ، قال مقاتل: لم ~~ينزله باطلا لغير شيء، { فاعبد الله مخلصا له الدين } ، ~~الطاعة. # { ألا لله الدين الخالص } ، قال قتادة: شهادة أن لا إله إلا ~~الله. وقيل: لا يستحق الدين الخالص إلا الله. وقيل: الدين الخالص من ~~الشرك هو لله. # { والذين اتخذوا من دونه } ، أي: من دون الله، { ~~أوليآء } ، يعني: الأصنام، { ما نعبدهم } ، أي قالوا: ما ~~نعبدهم، { إلا ليقربونآ إلى الله زلفى } ، وكذلك قرأ ~~ابن مسعود، وابن عباس. # قال قتادة: وذلك أنهم إذا قيل لهم: من ربكم، ومن خلقكم، ومن خلق ~~السموات والأرض؟ قالوا: الله، فيقال لهم: فما معنى عبادتكم الأوثان؟ ~~قالوا: ليقربونا إلى الله زلفى، أي: قربى، وهو اسم أقيم في مقام المصدر، ~~كأنه قال: إلا ليقربونا إلى الله تقريبا ويشفعوا لنا عند الله، { إن ~~الله يحكم بينهم } ، يوم القيامة، { فى ما هم فيه ~~يختلفون } ، من أمر الدين، { إن الله لا يهدى من هو ~~كذب كفار } ، لا يرشد لدينه من كذب فقال: إن الآلهة تشفع. وكفى ~~باتخاذ الآلهة دونه كذبا وكفرا. ### || [39.4-9] # { لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى } , لاختار، ~~{ مما يخلق ما يشآء } ، يعني: الملائكة، كما قال: # لو أردنآ أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنآ # [الأنبياء: 17]، ثم نزه نفسه فقال: { سبحنه } ، تنزيها له عن ~~ذلك، وعما لا يليق بطهارته، { هو الله الوحد القهار }. # { خلق السموت والأرض بالحق يكور اليل ~~على النهار ويكور النهار على اليل } ، قال ~~قتادة: يغشي هذا هذا، كما قال: # يغشى اليل النهار # [الأعراف:54] وقيل: يدخل أحدهما على الآخر ms1978 كما قال: # يولج اليل فى النهار ويولج النهار فى اليل # [الحج: 61]. # وقال الحسن، والكلبي: ينقص من الليل فيزيد في النهار، وينقص من النهار ~~فيزيد في الليل، فما نقص من الليل دخل في النهار، وما نقص من النهار دخل ~~في الليل، ومنتهى النقصان تسع ساعات، ومنتهى الزيادة خمس عشرة ساعة، وأصل ~~التكوير اللف والجمع، ومنه: كور العمامة. { وسخر الشمس ~~والقمر كل يجرى لأجل مسمى ألا هو العزيز ~~الغفار }. # { خلقكم من نفس وحدة } ، يعني: آدم، { ثم جعل ~~منها زوجها } ، يعني حواء، { وأنزل لكم من الأنعم ~~} ، معنى الإنزال هاهنا: الإحداث والإنشاء، كقوله تعالى: # أنزلنا عليكم لباسا يورى سوءتكم # [الأعراف: 26]. # وقيل: إنه أنزل الماء الذي هو سبب نبات القطن الذي يكون منه اللباس، ~~وسبب النبات الذي تبقى به الأنعام. # وقيل: { وأنزل لكم من الأنعم } جعلها لكم نزلا ورزقا. ~~{ ثمانية أزوج } ، أصناف، تفسيرها في سورة الأنعام. { ~~يخلقكم فى بطون أمهتكم خلقا من بعد خلق } ~~، نطفة ثم علقة ثم مضغة، كما قال الله تعالى: # وقد خلقكم أطوارا # [نوح: 14]، { فى ظلمت ثلث } ، قال ابن عباس: ظلمة البطن، ~~وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، { ذلكم الله } ، الذي خلق هذه الأشياء، ~~{ ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى ~~تصرفون } ، عن طريق الحق بعد هذا البيان. # { إن تكفروا فإن الله غنى عنكم ولا يرضى ~~لعباده الكفر } ، قال ابن عباس والسدي: لا يرضى لعباده المؤمنين ~~الكفر، وهم الذين قال الله تعالى: # إن عبادى ليس لك عليهم سلطن # [الحجر: 42]، فيكون عاما في اللفظ خاصا في المعنى، كقوله تعالى: # عينا يشرب بها عباد الله # [الإنسان:6]، يريد بعض العباد، وأجراه قوم على العموم، وقالوا: لا يرضى ~~لأحد من عباده الكفر، ومعنى الآية: لا يرضى لعباده أن يكفروا به. يروى ~~ذلك عن قتادة، وهو قول السلف، قالوا: كفر الكافر غير مرضي لله عز وجل، ~~وإن كان بإرادته، { وإن تشكروا } ، تؤمنوا بربكم وتطيعوه، { ~~يرضه لكم } ، فيثيبكم عليه. قرأ أبو عمرو: " يرضه لكم " ساكنة ~~الهاء، ويختلسها أهل المدينة وعاصم وحمزة، والباقون بالإشباع، { ولا ~~تزر وازرة وزر أخرى ثم ms1979 إلى ربكم مرجعكم ~~فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات ~~الصدور }. # { وإذا مس الإنسن ضر دعا ربه منيبا إليه } ~~راجعا إليه مستغيثا به، { ثم إذا خوله نعمة منه } ، ~~أعطاه نعمة منه، { نسى } ، ترك، { ما كان يدعو إليه من ~~قبل } ، أي: نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه، { وجعل لله ~~أندادا } ، يعني: الأوثان، { ليضل عن سبيله } ، ليزل عن دين ~~الله. # { قل } ، لهذا الكافر: { تمتع بكفرك قليلا } ، في الدنيا ~~إلى أجلك، { إنك من أصحب النار } ، قيل: نزلت في عتبة ابن ~~ربيعة، وقال مقاتل: نزلت في أبي حذيفة بن المغيرة المخزومي، وقيل: عام في ~~كل كافر. # { أمن هو قانت } ، قرأ ابن كثير ونافع وحمزة: " أمن " بتخفيف ~~الميم، وقرأ الآخرون بتشديدها، فمن شدد فله وجهان: # أحدهما: أن تكون الميم في " أم " صلة، فيكون معنى الكلام استفهاما ~~وجوابه محذوفا، مجازه: أمن هو قانت كمن هو غير قانت؟ كقوله: # أفمن شرح الله صدره للإسلم # [الزمر: 22]، يعني كمن لم يشرح صدره. # والوجه الآخر: أنه عطف على الاستفهام، مجازه: الذي جعل لله أندادا خير ~~أمن هو قانت؟ # ومن قرأ بالتخفيف فهو ألف استفهام دخلت على من، معناه: أهذا كالذي جعل ~~لله أندادا؟ # وقيل: الألف في { أمن } بمعنى حرف النداء، تقديره: يا من هو قانت، ~~والعرب تنادي بالألف كما تنادي بالياء، فتقول: أبني فلان ويا بني فلان، ~~فيكون معنى الآية: قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار، يامن هو ~~قانت { ءانآء اليل } ، إنك من أهل الجنة. قاله ابن عباس. # وفي رواية عطاء: نزلت في أبي بكر الصديق. # وقال الضحاك: نزلت في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. # وعن ابن عمر أنها نزلت في عثمان. # وعن الكلبي أنها نزلت في ابن مسعود وعمار وسلمان. # والقانت: المقيم على الطاعة. قال ابن عمر: " القنوت " قراءة القرآن وطول ~~القيام، و " آناء الليل ": ساعاته، { سجدا وقآئما } ، يعني: في ~~الصلاة، { يحذر الأخرة } ، يخاف الآخرة، { ويرجوا رحمة ~~ربه } ، يعني: كمن لا يفعل شيئا من ذلك، { قل هل يستوى ~~الذين يعلمون والذين لا يعلمون } ، قيل: ms1980 " الذين ~~يعلمون " عمار، و " الذين لا يعلمون " أبو حذيفة المخزومي، { إنما ~~يتذكر أولوا الألبب }. ### || [39.10] # { قل يعباد الذين ءامنوا اتقوا ربكم } ، بطاعته ~~واجتناب معصيته، { للذين أحسنوا فى هذه الدنيا } ، ~~أي: آمنوا وأحسنوا العمل، { حسنة } ، يعني: الجنة، قاله مقاتل. وقال ~~السدي: في هذه الدنيا حسنة يعني ": الصحة والعافية، { وأرض الله ~~واسعة } ، قال ابن عباس: يعني ارتحلوا من مكة. وفيه حث على الهجرة من ~~البلد الذي يظهر فيه المعاصي. # وقيل: نزلت في مهاجري الحبشة. # وقال سعيد بن جبير: من أمر بالمعاصي فليهرب { إنما يوفى ~~الصبرون أجرهم بغير حساب } ، الذين صبروا على دينهم ~~فلم يتركوه للأذى. # وقيل: نزلت في جعفر بن أبي طالب وأصحابه، حيث لم يتركوا دينهم لما اشتد ~~بهم البلاء، وصبروا وهاجروا. # قال علي رضي الله عنه: كل مطيع يكال له كيلا ويوزن له وزنا إلا ~~الصابرين، فإنه يحثي لهم حثيا. # ويروى: # " يؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم الميزان ولا ينشر لهم ديوان، ويصب ~~عليهم الأجر صبا بغير حساب " # ، قال الله تعالى { إنما يوفى الصبرون أجرهم ~~بغير حساب } ، حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض ~~بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل. ### || [39.11-20] # { قل إنى أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين ~~} ، مخلصا له التوحيد لا أشرك به شيئا. # { وأمرت لأن أكون أول المسلمين } ، من هذه الأمة. # { قل إنى أخاف إن عصيت ربى } ، وعبدت غيره، { عذاب ~~يوم عظيم } ، وهذا حين دعي إلى دين آبائه. # { قل الله أعبد مخلصا له دينى * فاعبدوا ما ~~شئتم من دونه } ، أمر توبيخ وتهديد، كقوله: # اعملوا ما شئتم # [فصلت: 40]، { قل إن الخسرين الذين خسروا ~~أنفسهم وأهليهم } ، أزواجهم وخدمهم، { يوم القيمة } ~~, قال ابن عباس: وذلك أن الله جعل لكل إنسان منزلا في الجنة وأهلا، فمن ~~عمل بطاعة الله كان ذلك المنزل والأهل له، ومن عمل بمعصية الله دخل ~~النار، وكان ذلك المنزل والأهل لغيره ممن عمل بطاعة الله. وقيل: خسران ~~النفس بدخول النار، وخسران الأهل بأن يفرق بينه وبين أهله، { ألا ~~ذلك هو الخسران المبين ms1981 }. # { لهم من فوقهم ظلل من النار } ، أطباق سرادقات من ~~النار ودخانها، { ومن تحتهم ظلل } ، فراش ومهاد من نار إلى أن ~~ينتهي إلى القعر، وسمي الأسفل ظللا لأنها ظلل لمن تحتهم نظيرها قوله ~~عز وجل: # لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش # [الأعراف: 41]. # { ذلك يخوف الله به عباده يعباد فاتقون }. # { والذين اجتنبوا الطغوت } ، الأوثان، { أن ~~يعبدوها وأنابوا إلى الله } ، رجعوا إلى عبادة الله، { ~~لهم البشرى } ، في الدنيا والجنة في العقبى، { فبشر عباد ~~* الذين يستمعون القول } ، القرآن، { فيتبعون ~~أحسنه } , قال السدي: أحسن ما يؤمرون به فيعملون به. وقيل: هو أن ~~الله تعالى ذكر في القرآن الانتصار من الظالم وذكر العفو، والعفو أحسن ~~الأمرين. وقيل: ذكر العزائم والرخص فيتبعون الأحسن وهو العزائم. وقيل: ~~يستمعون القرآن وغير القرآن فيتبعون القرآن. # وقال عطاء عن ابن عباس: آمن أبو بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم فجاءه ~~عثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن ~~زيد، فسألوه فأخبرهم بإيمانه فآمنوا، فنزلت فيهم: { فبشر عباد * ~~الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه } ، وكله ~~حسن. { أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم ~~أولوا الألبب }. # وقال ابن زيد: نزلت { والذين اجتنبوا الطغوت } الآيتان، ~~في ثلاثة نفر كانوا في الجاهلية يقولون: لا إله إلا الله، زيد بن عمرو بن ~~نفيل، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي. والأحسن: قول لا إله إلا الله. # { أفمن حق عليه كلمة العذاب } ، قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: من سبق في علم الله أنه من أهل النار. وقيل: كلمة العذاب ~~قوله: { لأملأن جهنم } وقيل: قوله: " هؤلاء في النار ولا أبالي ~~". { أفأنت تنقذ من فى النار } ، أي: لا تقدر عليه. # قال ابن عباس: يريد أبا لهب وولده. # { لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها ~~غرف مبنية } ، أي: منازل في الجنة رفيعة، وفوقها منازل أرفع ~~منها، { تجرى من تحتها الأنهر وعد الله لا يخلف ~~الله الميعاد } ، أي: وعدهم الله تلك الغرف والمنازل وعدا لا ~~يخلفه. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد ابن عبد الله النعيمي، أخبرنا ms1982 ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني عبد العزيز بن عبد الله، ~~حدثني مالك عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " «إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري ~~الغابر في الأفق من المشرق والمغرب لتفاضل ما بينهم»، قالوا: يا رسول ~~الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم، قال:«بلى والذي نفسي بيده، ~~رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين» ". ### || [39.21-22] # قوله عز وجل: { ألم تر أن الله أنزل من السمآء ~~مآء فسلكه } ، أدخل ذلك الماء، { ينابيع } ، عيونا وركايا، ~~{ فى الأرض } ، قال الشعبي: كل ماء في الأرض فمن السماء نزل، { ثم ~~يخرج به } ، أي: بالماء { زرعا مختلفا ألوانه } ، ~~أحمر وأصفر وأخضر، { ثم يهيج } ، ييبس، { فتراه } ، بعد ~~خضرته ونضرته، { مصفرا ثم يجعله حطما } ، فتاتا ~~متكسرا، { إن فى ذلك لذكرى لأولى الألبب }. # قوله عز وجل: { أفمن شرح الله صدره للإسلم } ، ~~وسعه لقبول الحق، { فهو على نور من ربه } ، ليس كمن ~~أقسى الله قلبه. # أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن ~~محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرنا ابن فنجويه، حدثنا عبد الله بن محمد بن ~~شيبة، حدثنا أبو جعفر محمد بن الحسن بن يزيد الموصلي ببغداد، حدثنا أبو ~~فروة واسمه يزيد بن محمد، حدثني أبي عن أبيه، حدثنا زيد بن أبي أنيسة، عن ~~عمرو بن مرة، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن مسعود قال: # " تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: { أفمن شرح الله صدره ~~للإسلم فهو على نور من ربه } قلنا: يا رسول الله ~~كيف انشراح صدره؟ قال: " إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح " ، قلنا: يا ~~رسول الله وما علامة ذلك؟ قال: " الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن ~~دار الغرور، والتأهب للموت قبل نزول الموت ". # قوله عز وجل: { فويل للقسية قلوبهم من ذكر ~~الله أولئك فى ضلل مبين } ، قال مالك بن دينار: ما ~~ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة قلب، وما ms1983 غضب الله عز وجل على قوم إلا ~~نزع منهم الرحمة. ### || [39.23] # قوله عز وجل: { الله نزل أحسن الحديث كتبا ~~متشبها } ، يشبه بعضه بعضا في الحسن، ويصدق بعضه بعضا ليس فيه ~~تناقض ولا اختلاف. { مثاني } ، يثنى فيه ذكر الوعد والوعيد، ~~والأمر والنهي، والأخبار والأحكام، { تقشعر } ، تضطرب وتشمئز، { ~~منه جلود الذين يخشون ربهم } ، والاقشعرار تغير في ~~جلد الإنسان عند الوجل والخوف، وقيل: المراد من الجلود والقلوب، أي: ~~قلوب الذين يخشون ربهم، { ثم تلين جلودهم وقلوبهم ~~إلى ذكر الله } ، أي: لذكر الله، أي: إذا ذكرت آيات العذاب اقشعرت ~~جلود الخائفين لله، وإذا ذكرت آيات الرحمة لانت وسكنت قلوبهم، كما قال ~~الله تعالى: # ألا بذكر الله تطمئن القلوب # [الرعد: 28]. # وحقيقة المعنى: أن قلوبهم تقشعر عند الخوف، وتلين عند الرجاء. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسين بن ~~محمد، حدثنا موسى بن محمد بن علي، حدثنا محمد بن عبدوس بن كامل، حدثنا ~~يحيى بن عبد الحميد الحماني، حدثنا عبد العزيز بن محمد عن يزيد بن الهاد، ~~عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أم كلثوم بنت العباس، عن العباس بن عبد ~~المطلب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله تحاتت عنه ذنوبه كما يتحات عن ~~الشجرة اليابسة ورقها ". # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسين بن ~~محمد، حدثنا أحمد بن جعفر ابن حمدان، حدثنا موسى بن إسحاق الأنصاري، ~~حدثنا محمد بن معاوية، حدثنا الليث بن سعد، حدثنا يزيد بن عبد الله بن ~~الهاد بهذا الإسناد، وقال: # " إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله حرمه الله على النار ". # قال قتادة: هذا نعت أولياء الله نعتهم الله بأن تقشعر جلودهم وتطمئن ~~قلوبهم بذكر الله، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم، إنما ذلك في ~~أهل البدع، وهو من الشيطان. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا الحسين بن ~~محمد بن فنجويه، حدثنا ابن شيبة، حدثنا حمدان بن داود، حدثنا سلمة بن ~~شيبة، حدثنا ms1984 خلف بن سلمة، حدثنا هشيم عن حصين عن عبد الله بن عروة بن ~~الزبير قال: قلت لجدتي أسماء بنت أبي بكر: كيف كان أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يفعلون إذا قرئ عليهم القرآن؟ قالت: كانوا كما نعتهم ~~الله عز وجل تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم، قال فقلت لها: إن ناسا اليوم ~~إذا قرئ عليهم القرآن خر أحدهم مغشيا عليه، فقالت: أعوذ بالله من ~~الشيطان الرجيم. # وبه عن سليمان بن سلمة حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا سعيد بن عبد الرحمن ~~الجمحي أن ابن عمر: مر برجل من أهل العراق ساقطا فقال: ما بال هذا؟ ~~قالوا: إنه إذا قرئ عليه القرآن أو سمع ذكر الله سقط، قال ابن عمر: إنا ~~لنخشى الله وما نسقط! # وقال ابن عمر: إن الشيطان ليدخل في جوف أحدهم، ما كان هذا صنيع أصحاب ~~محمد صلى الله عليه وسلم. # وذكر عند ابن سيرين: الذين يصرعون إذ قرئ عليهم القرآن، فقال: بيننا ~~وبينهم أن يقعد أحدهم على ظهر بيت باسطا رجليه ثم يقرأ عليه القرآن من ~~أوله إلى آخره، فإن رمى بنفسه فهو صادق. # { ذلك } ، يعني: أحسن الحديث، { هدى الله يهدى به من ~~يشآء ومن يضلل الله فما له من هاد }. ### || [39.24-28] # { أفمن يتقى بوجهه سوء العذاب } , أي: شدته، { ~~يوم القيمة } ، قال مجاهد: يجر على وجهه في النار. وقال ~~عطاء: يرمى به في النار منكوسا فأول شيء منه تمسه النار وجهه. قال ~~مقاتل: هو أن الكافر يرمى به في النار مغلولة يداه إلى عنقه، وفي عنقه ~~صخرة مثل جبل عظيم من الكبريت، فتشتعل النار في الحجر، وهو معلق في عنقه ~~فخر ووهجها على وجهه لا يطيق دفعها عن وجهه، للأغلال التي في عنقه ويده. # ومجاز الآية: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب كمن هو آمن من العذاب؟ # { وقيل } ، يعني: تقول الخزنة، { للظالمين ذوقوا ما ~~كنتم تكسبون } ، أي: وباله. # { كذب الذين من قبلهم } ، من قبل كفار مكة كذبوا الرسل، { ~~فأتهم العذاب من حيث لا يشعرون } ، يعني: هم ~~آمنون غافلون من ms1985 العذاب. # { فأذاقهم الله الخزى } ، العذاب والهوان، { فى الحيوة ~~الدنيا ولعذاب الأخرة أكبر لو كانوا يعلمون ~~}. # { ولقد ضربنا للناس فى هذا القرءان من كل ~~مثل لعلهم يتذكرون } ، يتعظون. # { قرءانا عربيا } ، نصب على الحال، { غير ذى عوج } ، ~~قال ابن عباس: غير مختلف. قال مجاهد: غير ذي لبس. قال السدي: غير ~~مخلوق. ويروى ذلك عن مالك بن أنس، وحكي عن سفيان بن عيينة عن سبعين من ~~التابعين أن القرآن ليس بخالق ولا مخلوق. { لعلهم يتقون } ، ~~الكفر والتكذيب به. ### || [39.29-31] # { ضرب الله مثلا رجلا } ، قال الكسائي: نصب رجلا لأنه تفسير ~~للمثل، { فيه شركآء متشكسون } ، متنازعون مختلفون سيئة ~~أخلاقهم، يقال: رجل شكس شرس، إذا كان سيء الخلق، مخالفا للناس لا ~~يرضى بالإنصاف، { ورجلا سلما لرجل } ، قرأ أهل مكة والبصرة: ~~" سالما " بالألف أي: خالصا له لا شريك ولا منازع له فيه، وقرأ ~~الآخرون: " سلما " بفتح اللام من غير ألف، وهو الذي لا ينازع فيه، من ~~قولهم: هو لك سلم، أي: مسلم، لا منازع لك فيه. { هل يستويان ~~مثلا } ، هذا مثل ضربه الله عز وجل للكافر الذي يعبد آلهة شتى، ~~والمؤمن الذي لا يعبد إلا الله الواحد، وهذا استفهام إنكارأي: لا ~~يستويان، ثم قال: { الحمد لله } أي: لله الحمد كله دون غيره من ~~المعبودين. { بل أكثرهم لا يعلمون } ، ما يصيرون إليه. ~~والمراد بالأكثر الكل. # { إنك ميت } ، أي: ستموت، { وإنهم ميتون }. أي: ~~سيموتون، قال الفراء والكسائي: الميت - بالتشديد - من لم يمت وسيموت، ~~الميت - بالتخفيف - من فارقه الروح، ولذلك لم يخفف هاهنا. # { ثم إنكم يوم القيمة عند ربكم تختصمون ~~} ، قال ابن عباس: يعني: المحق والمبطل، والظالم والمظلوم. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا ابن فنجويه، ~~حدثنا ابن مالك، حدثنا ابن حنبل، حدثني أبي، حدثنا ابن نمير، حدثنا محمد ~~يعني ابن عمرو عن يحيى بن عبدالرحمن بن حاطب، عن عبدالله بن الزبير، # " عن الزبير بن العوام قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~{ ثم إنكم يوم القيمة عند ربكم تختصمون } ~~قال الزبير: يا رسول ms1986 الله أيكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص ~~الذنوب؟ قال: " نعم ليكررن عليكم حتى يؤدى إلى كل ذي حق حقه " # قال الزبير: والله إن الأمر لشديد. # وقال ابن عمر: عشنا برهة من الدهر وكنا نرى أن هذه الآية أنزلت فينا وفي ~~أهل الكتابين { ثم إنكم يوم القيمة عند ربكم ~~تختصمون } ، قلنا: كيف نختصم وديننا وكتابنا واحد؟ حتى رأيت بعضنا ~~يضرب وجوه بعض بالسيف، فعرفت أنها نزلت فينا. # وعن أبي سعيد الخدري في هذه الآية قال: كنا نقول ربنا واحد وديننا واحد ~~ونبينا واحد فما هذه الخصومة؟ فلما كان يوم صفين وشد بعضنا على بعض ~~بالسيوف قلنا: نعم هو هذا. # وعن إبراهيم قال: لما نزلت: { ثم إنكم يوم القيمة ~~عند ربكم تختصمون } قالوا: كيف نختصم ونحن إخوان؟ فلما قتل ~~عثمان قالوا: هذه خصومتنا؟ # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو محمد عبدالرحمن بن أبي ~~شريح، أخبرنا أبو القاسم عبدالله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، حدثنا ~~علي بن الجعد، حدثنا ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من كانت لأخيه عنده مظلمة من عرض أو مال فليتحلله اليوم قبل أن يؤخذ ~~منه يوم لا دينار ولا درهم، فإن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، ~~وإن لم يكن له أخذ من سيئاته فجعلت عليه ". # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أخبرنا أبو الحسن الطيسفوني، ~~أخبرنا عبدالله بن عمر الجوهري، حدثنا أحمد بن علي الكشميهني، حدثنا علي ~~بن حجر، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " " أتدرون من المفلس "؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، ~~قال: " إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، وقد ~~كان شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيقضى هذا ~~من حسناته وهذا من حسناته، قال: فإن فنيت حسناته ms1987 قبل أن يقضي ما عليه ~~أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار ". ### || [39.32-42] # قوله عز وجل: { فمن أظلم ممن كذب على الله } ، فزعم أن ~~له ولدا وشريكا، { وكذب بالصدق } ، بالقرآن { إذ جآءه ~~أليس فى جهنم مثوى } ، منزل ومقام، { للكفرين } ، ~~استفهام بمعنى التقرير. # { والذى جآء بالصدق وصدق به }. قال ابن عباس: " والذي ~~جاء بالصدق " يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بلا إله إلا الله " ~~وصدق به " الرسول أيضا بلغه إلى الخلق. وقال السدي: " والذي جاء ~~بالصدق " جبريل جاء بالقرآن، " وصدق به " محمد صلى الله عليه وسلم تلقاه ~~بالقبول. وقال الكلبي وأبو العالية: " والذي جاء بالصدق " رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، " وصدق به " أبو بكر رضي الله عنه. وقال قتادة ومقاتل: ~~" والذي جاء بالصدق " رسول الله صلى الله عليه وسلم، " وصدق به " هم ~~المؤمنون، لقوله عز وجل: { أولئك هم المتقون }. وقال ~~عطاء: " والذي جاء بالصدق " الأنبياء " وصدق به " الأتباع، وحينئذ يكون ~~الذي بمعنى: الذين، كقوله تعالى: # مثلهم كمثل الذى استوقد نارا # [البقرة: 17]، ثم قال: # ذهب الله بنورهم # [البقرة: 17]. وقال الحسن: هم المؤمنون صدقوا به في الدنيا وجاؤوا به في ~~الآخرة. وفي قراءة عبد الله بن مسعود: والذين جاؤوا بالصدق وصدقوا به. { ~~أولئك هم المتقون }. # { لهم ما يشآءون عند ربهم ذلك جزآء المحسنين ~~* ليكفر الله عنهم أسوأ الذى عملوا } ، يسترها ~~عليهم بالمغفرة، { ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي ~~كانوا يعملون } ، قال مقاتل: يجزيهم بالمحاسن من أعمالهم ولا ~~يجزيهم بالمساوئ. # قوله عز وجل: { أليس الله بكاف عبده }؟ يعني: محمدا صلى ~~الله عليه وسلم، وقرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي، " عباده " بالجمع يعني: ~~الأنبياء عليهم السلام، قصدهم قومهم بالسوء كما قال: # وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه # [غافر: 5]، فكفاهم الله شر من عاداهم، { ويخوفونك بالذين ~~من دونه } ، وذلك أنهم خوفوا النبي صلى الله عليه وسلم معرة ~~الأوثان. وقالوا: لتكفن عن شتم آلهتنا أو ليصيبنك منهم خبل أو جنون، { ~~ومن يضلل الله فما له من هاد }. # { ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله ms1988 بعزيز ~~ذى انتقام } ، منيع في ملكه، منتقم من أعدائه. # { ولئن سألتهم من خلق السموت والأرض ~~ليقولن الله قل أفرءيتم ما تدعون من دون الله إن ~~أرادنى الله بضر } ، بشدة وبلاء، { هل هن كشفت ~~ضره أو أرادنى برحمة } ، بنعمة وبركة، { هل هن ~~ممسكت رحمته } ، قرأ أهل البصرة: " كاشفات " و " ممسكات " ~~بالتنوين، " ضره " " ورحمته " بنصب الراء والتاء، وقرأ الآخرون بلا ~~تنوين وجر الراء والتاء على الإضافة، قال مقاتل: فسألهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن ذلك فسكتوا، فقال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: { ~~قل حسبى الله } ، ثقتي به واعتمادي عليه، { عليه يتوكل ~~المتوكلون } ، يثق به الواثقون. # { قل يقوم اعملوا على مكانتكم إنى عمل ~~فسوف تعلمون * من يأتيه عذاب يخزيه ويحل ~~عليه عذاب مقيم } ، أي: ينزل عليه عذاب دائم. # { إنآ أنزلنا عليك الكتب للناس بالحق ~~فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل ~~عليها } ، وبال ضلالته عليه، { ومآ أنت عليهم بوكيل } ، ~~بحفيظ ورقيب لم توكل بهم ولا تؤاخذ بهم. # قوله عز وجل: { الله يتوفى الأنفس } ، أي: الأرواح، { حين ~~موتها } ، فيقبضها عند فناء أكلها وانقضاء أجلها، وقوله: { حين ~~موتها } يريد موت أجسادها. { والتى لم تمت } ، يريد يتوفى ~~الأنفس التي لم تمت، { فى منامها } ، والتي تتوفى عند النوم هي ~~النفس التي يكون بها العقل والتمييز، ولكل إنسان نفسان: إحداهما نفس ~~الحياة وهي التي تفارقه عند الموت فتزول بزوالها النفس، والأخرى نفس ~~التمييز وهي التي تفارقه إذا نام، وهو بعد النوم يتنفس. { فيمسك ~~التى قضى عليها الموت } ، فلا يردها إلى الجسد. # قرأ حمزة والكسائي " قضي " بضم القاف وكسر الضاد وفتح الياء، " ~~الموت " رفع على ما لم يسم فاعله، وقرأ الآخرون بفتح القاف والضاد، " ~~الموت " نصب لقوله عز وجل: { الله يتوفى الأنفس }. { ~~ويرسل الأخرى } ، ويرد الأخرى وهي التي لم يقض عليها الموت إلى ~~الجسد، { إلى أجل مسمى } ، إلى أن يأتي وقت موته. # ويقال: للإنسان نفس وروح، فعند النوم تخرج النفس وتبقي الروح. وعن علي ~~قال: تخرج الروح عند النوم ويبقى شعاعه في الجسد، فبذلك يرى الرؤيا، ms1989 فإذا ~~انتبه من النوم عاد الروح إلى جسده بأسرع من لحظة. ويقال: إن أرواح ~~الأحياء والأموات تلتقي في المنام فتتعارف ما شاء الله، فإذا أرادت ~~الرجوع إلى أجسادها أمسك الله أرواح الأموات عنده، وأرسل أرواح الأحياء ~~حتى ترجع إلى أجسادها إلى انقضاء مدة حياتها. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زهير، ~~حدثنا عبد الله بن عمر حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفض فراشه بداخلة إزاره فإنه لا يدري ما ~~خلفه عليه، ثم يقول: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي ~~فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين ". # { إن فى ذلك لأيت لقوم يتفكرون } ، لدلالات على ~~قدرته حيث لم يغلط في إمساك ما يمسك من الأرواح، وإرسال ما يرسل منها. # قال مقاتل: لعلامات لقوم يتفكرون في أمر البعث، يعني: إن توفي نفس ~~النائم وإرسالها بعد التوفي دليل على البعث. ### || [39.43-46] # { أم اتخذوا من دون الله شفعآء قل } ، يا محمد، { ~~أولو كانوا } ، وإن كانوا يعني الآلهة، { لا يملكون ~~شيئا } ، من الشفاعة، { ولا يعقلون } ، أنكم تعبدونهم. وجواب ~~هذا محذوف تقديره: وإن كانوا بهذه الصفة تتخذونهم. # { قل لله الشفعة جميعا } ، قال مجاهد: لا يشفع أحد إلا ~~بإذنه، { له ملك السموت والأرض ثم إليه ~~ترجعون * وإذا ذكر الله وحده اشمأزت } ، نفرت، ~~وقال ابن عباس ومجاهد ومقاتل: انقبضت عن التوحيد. وقال قتادة: استكبرت. ~~وأصل الاشمئزاز النفور والاستكبار, { قلوب الذين لا يؤمنون ~~بالأخرة }. # { وإذا ذكر الذين من دونه } , يعني: الأصنام, { إذا ~~هم يستبشرون } , يفرحون، قال مجاهد ومقاتل: وذلك حين قرأ النبي ~~صلى الله عليه وسلم سورة والنجم فألقى الشيطان في أمنيته: تلك الغرانيق ~~العلى، ففرح به الكفار. # { قل اللهم فاطر السموت والأرض عالم الغيب ~~والشهدة أنت تحكم بين عبادك فى ما كانوا فيه ~~يختلفون } , أخبرنا الإمام أبو ms1990 علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا ~~أبو نعيم الإسفرايني، أخبرنا أبو عوانة، حدثنا السلمي، حدثنا النصر بن ~~محمد، حدثنا عكرمة بن عمار، أخبرنا يحيى بن أبي كثير، # " حدثنا أبو سلمة قال: سألت عائشة رضي الله عنها بم كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يفتتح الصلاة من الليل؟ قالت: كان يقول: " اللهم رب ~~جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت ~~تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق ~~بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ". ### || [39.47-50] # قوله عز وجل: { ولو أن للذين ظلموا ما فى الأرض ~~جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب ~~يوم القيمة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا ~~يحتسبون } ، قال مقاتل: ظهر لهم حين بعثوا ما لم يحتسبوا في الدنيا ~~أنه نازل بهم في الآخرة. قال السدي: ظنوا أنها حسنات فبدت لهم سيئات، ~~والمعنى: أنهم كانوا يتقربون إلى الله بعبادة الأصنام، فلما عوقبوا عليها ~~بدا لهم من الله ما لم يحتسبوا. وروي أن محمد بن المنكدر جزع عند ~~الموت، فقيل له في ذلك فقال: أخشى أن يبدو لي ما لم أحتسب. # { وبدا لهم سيئات ما كسبوا } ، أي: مساوئ أعمالهم من ~~الشرك والظلم بأولياء الله. { وحاق بهم ما كانوا به ~~يستهزءون }. # { فإذا مس الإنسن ضر } ، شدة، { دعانا ثم إذا ~~خولنه } ، أعطيناه، { نعمة منا قال إنمآ ~~أوتيته على علم } ، أي: على علم من الله أني له أهل. وقال ~~مقاتل: على خير علمه الله عندي، وذكر الكناية لأن المراد من النعمة ~~الإنعام، { بل هى فتنة } ، يعني: تلك النعمة فتنة استدراج من ~~الله تعالى وامتحان وبلية. وقيل: بل كلمته التي قالها فتنة. { ~~ولكن أكثرهم لا يعلمون } ، أنه استدراج وامتحان. # { قد قالها الذين من قبلهم } ، قال مقاتل: يعني قارون ~~فإنه قال: # إنمآ أوتيته على علم عندى # [القصص: 78] { فمآ أغنى عنهم ما كانوا يكسبون } ، ~~فما أغنى عنهم الكفر من العذاب شيئا. ### || [39.51-53] # { فأصبهم سيئات ما كسبوا } ، أي: جزاؤها يعني العذاب. ~~ثم أوعد ms1991 كفار مكة فقال: { والذين ظلموا من هؤلاء ~~سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين } ، ~~بفائتين لأن مرجعهم إلى الله عز وجل. # { أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشآء ~~} أي: يوسع الرزق لمن يشاء { ويقدر } ، أي: يقتر على من يشاء، { ~~إن فى ذلك للأيت لقوم يؤمنون }. # قوله عز وجل: { قل يعبادى الذين أسرفوا على ~~أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله }. روى سعيد بن جبير عن ~~ابن عباس: أن ناسا من أهل الشرك كانوا قتلوا وأكثروا، وزنوا وأكثروا، ~~فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: إن الذي تدعو إليه لحسن لو ~~تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزلت هذه الآية. # وقال عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس رضي الله عنهما: بعث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى وحشي يدعوه إلى الإسلام، فأرسل إليه: كيف تدعوني إلى ~~دينك وأنت تزعم أن من قتل أو أشرك أو زنى يلق آثاما، يضاعف له العذاب، ~~وأنا قد فعلت ذلك كله، فأنزل الله عز وجل: # إلا من تاب وءامن وعمل صلحا # [مريم: 60] فقال وحشي: هذا شرط شديد لعلي لا أقدر عليه فهل غير ذلك؟ ~~فأنزل الله تعالى: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء: 48 و116]، فقال وحشي: أراني بعد في شبهة، فلا أدري يغفر لي أم ~~لا؟ فأنزل الله تعالى: { قل يعبادى الذين أسرفوا على ~~أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله } ، فقال وحشي: نعم ~~هذا، فجاء وأسلم، فقال المسلمون: هذا له خاصة أم للمسلمين عامة؟ فقال: بل ~~للمسلمين عامة. # وروي عن ابن عمر قال: نزلت هذه الآيات في عياش بن أبي ربيعة والوليد بن ~~الوليد ونفر من المسلمين كانوا قد أسلموا ثم فتنوا وعذبوا، فافتتنوا ~~فكنا نقول: لا يقبل الله من هؤلاء صرفا ولا عدلا أبدا، وقوم أسلموا ~~ثم تركوا دينهم لعذاب عذبوا فيه، فأنزل الله تعالى هذه الآيات، فكتبها ~~عمر بن الخطاب بيده ثم بعث بها إلى عياش بن ربيعة والوليد بن الوليد وإلى ~~أولئك النفر ms1992 فأسلموا وهاجروا. # وروى مقاتل بن حيان عن نافع عن ابن عمر قال: كنا معاشر أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم نرى أو نقول: ليس بشيء من حسناتنا إلا وهي مقبولة ~~حتى نزلت: # أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا ~~أعمالكم # [محمد: 33]، فلما نزلت هذه الآية قلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا ~~الكبائر والفواحش، قال: فكنا إذا رأينا من أصاب شيئا منها قلنا قد هلك، ~~فنزلت هذه الآية، فكففنا عن القول في ذلك، فكنا إذا رأينا أحدا أصاب ~~منها شيئا خفنا عليه، وإن لم يصب منها شيئا رجونا له. # وأراد بالإسراف ارتكاب الكبائر. # وروي عن ابن مسعود أنه دخل المسجد فإذا قاص يقص وهو يذكر النار ~~والأغلال، فقام على رأسه فقال: يا مذكر لم تقنط الناس؟ ثم قرأ: { ~~يعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا ~~من رحمة الله }. # أخبرنا أبو بكر بن أبي الهيثم الترابي، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن ~~أحمد الحموي، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن خزيم الشاشي، حدثنا عبدالله بن ~~حميد، حدثنا حيان بن هلال وسليمان بن حرب وحجاج بن منهال قالوا: حدثنا ~~حماد بن سلمة عن ثابت، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " { يعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا } ولا يبالي ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن ~~أبي عدي عن شعبة عن قتادة عن أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد الخدري ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " كان في بني إسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنسانا، ثم خرج يسأل فأتى ~~راهبا فسأله، فقال: هل لي من توبة؟ فقال: لا، فقتله فكمل به المائة، ~~فقال له رجل: ائت قرية كذا وكذا، فأدركه الموت فنأى بصدره نحوها، ~~فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأوحى الله تعالى إلى هذه أن ms1993 ~~تقربي وأوحى إلى هذه أن تباعدي، وقال: قيسوا ما بينهما فوجد إلى هذه ~~أقرب بشبر فغفر له ". # ورواه مسلم بن الحجاج عن محمد بن المثني العنبري عن معاذ بن هشام عن ~~أبيه عن قتادة بهذا الإسناد، وقال: # " فدل على راهب فأتاه فقال إنه قتل تسعة وتسعين نفسا فهل له من ~~توبة؟ فقال له: لا فقتله وكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على ~~رجل عالم، فقال له: قتلت مائة نفس فهل لي من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول ~~بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسا يعبدون الله ~~فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا كان ~~نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، ~~فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى ~~أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ~~ملائكة الرحمة ". # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق ~~إبراهيم بن عبدالصمد الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك عن أبي الزناد عن ~~الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " قال رجل - لم يعمل خيرا قط - لأهله إذا مات فحرقوه، ثم اذروا نصفه ~~في البر ونصفه في البحر فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابا لا ~~يعذبه أحدا من العالمين، قال: فلما مات فعلوا ما أمرهم، فأمر الله البحر ~~فجمع ما فيه وأمر البر فجمع ما فيه، ثم قال له: لم فعلت هذا؟ قال: من ~~خشيتك يا رب وأنت أعلم، فغفر له ". # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبدالله بن أبي توبة، أخبرنا أبو طاهر محمد بن ~~أحمد بن الحارث، أخبرنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبدالله ~~بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبدالله الخلال، حدثنا عبدالله بن المبارك ~~عن عكرمة بن عمار، حدثنا ضمضم بن جوس قال: دخلت مسجد المدينة فناداني ~~شيخ، فقال: يا يماني تعال، وما ms1994 أعرفه، فقال: لا تقولن لرجل: والله لا ~~يغفر الله لك أبدا، ولا يدخلك الله الجنة، قلت: ومن أنت يرحمك الله؟ ~~قال: أبو هريرة، قال فقلت: إن هذه الكلمة يقولها أحدنا لبعض أهله إذا غضب ~~أو لزوجته أو لخادمه، قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن رجلين كانا في بني إسرائيل متحابين أحدهما مجتهد في العبادة والآخر ~~يقول كأنه مذنب، فجعل يقول: أقصر أقصر عما أنت فيه، قال فيقول ~~خلني وربي، قال: حتى وجده يوما على ذنب استعظمه، فقال: اقصر، فقال: ~~خلني وربي أبعثت علي رقيبا؟ فقال: والله لا يغفر الله لك أبدا، ~~ولا يدخلك الجنة أبدا. قال: فبعث الله إليهما ملكا فقبض أرواحهما ~~فاجتمعا عنده، فقال للمذنب: ادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: أتستطيع أن ~~تحظر على عبدي رحمتي؟ فقال: لا يا رب، فقال اذهبوا به إلى النار " # قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته. # قوله عز وجل: { إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه ~~هو الغفور الرحيم }. # أخبرنا عبد الرحمن بن أبي بكر القفال، أخبرنا أبو مسعود محمد ابن ~~أحمد بن يونس الخطيب، حدثنا محمد بن يعقوب الأصم، حدثنا أبو قلابة، حدثنا ~~أبو عاصم، حدثنا زكريا بن إسحاق عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس في ~~قوله تعالى # إلا اللمم # [النجم: 32] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن تغفر اللهم تغفر جما # وأي عبد لك إلا ألما " ### || [39.54-55] # قوله عز وجل: { وأنيبوا إلى ربكم } ، أقبلوا وارجعوا ~~إليه بالطاعة، { وأسلموا له } ، أخلصوا له التوحيد، { من قبل ~~أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون }. # { واتبعوا أحسن مآ أنزل إليكم من ربكم } ، ~~يعني: القرآن، والقرآن كله حسن، ومعنى الآية ما قاله الحسن: التزموا ~~طاعته واجتنبوا معصيته، فإن القرآن ذكر القبيح لتجتنبه، وذكر الأدون ~~لئلا ترغب فيه، وذكر الأحسن لتؤثره. قال السدي: " الأحسن " ما أمر الله ~~به في الكتاب، { من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة ~~وأنتم لا تشعرون }. ### || [39.56-67] # { أن تقول نفس } ، يعني: لئلا تقول ms1995 نفس، كقوله: # وألقى فى الأرض رواسى أن تميد بكم # [النحل: 15] أي: لئلا تميد بكم، قال المبرد: أي بادروا واحذروا أن ~~تقول نفس. وقال الزجاج: خوف أن تصيروا إلى حال تقولون هذا القول، { ~~يحسرتى } يا ندامتا، والتحسر الإغتمام على ما فات، وأراد: يا ~~حسرتي، على الإضافة، لكن العرب تحول ياء الكناية ألفا في الاستغاثة، ~~فتقول: يا حسرتا ويا ندامتا، وربما ألحقوا بها الياء بعد الألف ليدل على ~~الإضافة، وكذلك قرأ أبو جعفر يا (حسرتاي)، وقيل: معنى قوله " يا حسرتا " ~~يا أيتها الحسرة هذا وقتك، { على ما فرطت فى جنب الله } ، ~~قال الحسن: قصرت في طاعة الله. وقال مجاهد: في أمر الله. وقال سعيد بن ~~جبير: في حق الله. وقيل: ضيعت في ذات الله. وقيل: معناه قصرت في الجانب ~~الذي يؤدي إلى رضاء الله. والعرب تسمي الجنب جانبا. { وإن كنت ~~لمن السخرين } ، المستهزئين بدين الله وكتابه ورسوله والمؤمنين ~~قال قتادة: لم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى جعل يسخر بأهل طاعته. # { أو تقول لو أن الله هدانى لكنت من المتقين ~~* أو تقول حين ترى العذاب } ، عيانا، { لو أن لى ~~كرة } ، رجعة إلى الدنيا، { فأكون من المحسنين } ، ~~الموحدين. # ثم يقال لهذا القائل: { بلى قد جآءتك ءايتى } ، يعني: ~~القرآن، { فكذبت بها } ، وقلت إنها ليست من الله، { ~~واستكبرت } ، تكبرت عن الإيمان بها، { وكنت من ~~الكفرين }. # { ويوم القيمة ترى الذين كذبوا على الله } ، ~~فزعموا أن له ولدا وشريكا، { وجوههم مسودة أليس فى ~~جهنم مثوى للمتكبرين } ، عن الإيمان. # { وينجى الله الذين اتقوا بمفازتهم } ، قرأ حمزة، ~~والكسائي، وأبو بكر: " بمفازاتهم " بالألف على الجمع، أي: بالطرق التي ~~تؤديهم إلى الفوز والنجاة، وقرأ الآخرون: " بمفازتهم " على الواحد لأن ~~المفازة بمعنى الفوز، أي: ينجيهم بفوزهم من النار بأعمالهم الحسنة. قال ~~المبرد: المفازة مفعلة من الفوز، والجمع حسن كالسعادة والسعادات. { لا ~~يمسهم السوء } ، لا يصيبهم المكروه، { ولا هم يحزنون ~~}. # { الله خلق كل شىء وهو على كل شىء وكيل } ، ~~أي: الأشياء كلها موكولة إليه فهو القائم بحفظها. { له مقاليد ~~السموت والأرض } ، مفاتيح خزائن ms1996 السموات والأرض، واحدها ~~مقلاد، مثل مفتاح، ومقليد مثل منديل ومناديل. وقال قتادة ومقاتل: مفاتيح ~~السموات والأرض بالرزق والرحمة. وقال الكلبي: خزائن المطر وخزائن النبات. ~~{ والذين كفروا بئايت الله أولئك هم ~~الخسرون }. # قوله عز وجل: { قل أفغير الله تأمرونى أعبد ~~أيها الجهلون }؟ قال مقاتل: وذلك أن كفار قريش دعوه إلى دين ~~آبائه. قرأ أهل الشام " تأمرونني " بنونين خفيفتين على الأصل، وقرأ أهل ~~المدينة بنون واحدة خفيفة على الحذف، وقرأ الآخرون بنون واحدة مشددة على ~~الإدغام. # { ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئن ~~أشركت ليحبطن عملك } ، الذي عملته قبل الشرك وهذا خطاب مع ~~الرسول صلى الله عليه وسلم، والمراد منه غيره. وقيل: هذا أدب من الله عز ~~وجل لنبيه وتهديد لغيره، لأن الله تعالى عصمه من الشرك. { ~~ولتكونن من الخسرين }. # { بل الله فاعبد وكن من الشكرين } ، لإنعامه عليك. # قوله عز وجل: { وما قدروا الله حق قدره } ، ما عظموه ~~حق عظمته حين أشركوا به غيره، ثم أخبر عن عظمته فقال: { والأرض ~~جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات ~~بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون }. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا آدم، حدثنا شيبان عن منصور ~~عن إبراهيم عن عبيدة عن عبدالله بن مسعود قال: جاء حبر من الأحبار إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يا محمد إنا نجد أن الله يجعل ~~السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى ~~على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيقول: أنا الملك، فضحك النبي صلى الله ~~عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقا لقول الحبر، ثم قرأ: { وما قدروا ~~الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ~~}. # ورواه مسلم بن الحجاج عن أحمد بن عبدالله بن يونس عن فضيل ابن عياض عن ~~منصور، وقال: " والجبال والشجر على إصبع، وقال ثم يهزهن هزا، فيقول (أنا ~~الملك أنا الله) ". # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم ~~الثعلبي، أخبرني الحسين ms1997 بن فنجويه، حدثنا عمر بن الخطاب، حدثنا عبد الله ~~بن الفضل، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة، عن عمر بن حمزة، ~~عن سالم بن عبدالله، أخبرني عبدالله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " يطوي الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا ~~الملك أين الجبارون أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين ثم يأخذهن بشماله، ثم ~~يقول: أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون " # هذا حديث صحيح أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة. # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبدالله بن أبي توبة الكشميهني، حدثنا أبو طاهر ~~محمد بن أحمد بن الحارث، حدثنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله ~~بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبدالله بن المبارك، ~~عن يونس عن الزهري، حدثني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك ~~أين ملوك الأرض ". ### || [39.68-73] # قوله عز وجل: { ونفخ فى الصور فصعق من فى ~~السموت ومن فى الأرض } ، ماتوا من الفزع، وهي النفخة ~~الأولى، { إلا من شآء الله } ، اختلفوا في الذين استثناهم الله ~~عز وجل، وقد ذكرناهم في سورة النمل، قال الحسن: إلا من شاء الله يعني ~~الله وحده، { ثم نفخ فيه } ، أي: في الصور، { أخرى } ، أي: ~~مرة أخرى، { فإذا هم قيام ينظرون } ، من قبورهم ينتظرون أمر ~~الله فيهم.. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد، حدثنا أبو معاوية عن ~~الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما بين النفختين أربعون، قالوا: أربعون يوما؟ قال: «أبيت»، قالوا: ~~أربعون شهرا؟ قال: «أبيت»، قالوا: أربعون سنة؟ قال: «أبيت»، قال: " ثم ~~ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل ليس من الإنسان شيء إلا ~~يبلى إلا عظم واحد، وهو عجب الذنب ومنه يتركب ms1998 الخلق يوم القيامة ". # قوله عز وجل: { وأشرقت الأرض } ، أضاءت، { بنور ربها ~~} بنور خالقها، وذلك حين يتجلى الرب لفصل القضاء بين خلقه، فما يتضارون ~~في نوره كما لا يتضارون في الشمس في اليوم الصحو. وقال الحسن والسدي: ~~بعدل ربها، وأراد بالأرض عرصات القيامة، { ووضع الكتب } ، ~~أي كتاب الأعمال، { وجيء بالنبيين والشهدآء } ، قال ابن ~~عباس: يعني الذين يشهدون للرسل بتبليغ الرسالة، وهم أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم. وقال عطاء: يعني الحفظة، يدل عليه قوله تعالى: # وجآءت كل نفس معها سآئق وشهيد # [ق: 21]، { وقضى بينهم بالحق } ، أي: بالعدل، { وهم لا ~~يظلمون } ، أي: لا يزاد في سيئاتهم ولا ينقص من حسناتهم. # { ووفيت كل نفس ما عملت } ، أي: ثواب ما عملت، { ~~وهو أعلم بما يفعلون } ، قال عطاء: يريد أني عالم بأفعالهم ~~لا أحتاج إلى كاتب ولا إلى شاهد. # { وسيق الذين كفروا إلى جهنم } سوقا عنيفا، { ~~زمرا } ، أفواجا بعضها على إثر بعض، كل أمة على حدة. قال أبو عبيدة ~~والأخفش: " زمرا " أي جماعات في تفرقة، واحدتها زمرة. { حتى إذا ~~جآءوها فتحت أبوبها } ، السبعة وكانت مغلقة قبل ذلك، قرأ ~~أهل الكوفة " فتحت، وفتحت " بالتخفيف، وقرأ الآخرون بالتشديد على ~~التكثير { وقال لهم خزنتهآ } ، توبيخا وتقريعا لهم، { ~~ألم يأتكم رسل منكم } ، من أنفسكم، { يتلون ~~عليكم ءايت ربكم وينذرونكم لقآء يومكم ~~هذا قالوا بلى ولكن حقت } ، وجبت، { كلمة ~~العذاب على الكفرين } ، وهو قوله عز وجل: # لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين # [هود: 119]. # { قيل ادخلوا أبوب جهنم خلدين فيها فبئس ~~مثوى المتكبرين * وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة ~~زمرا حتى إذا جآءوها وفتحت أبوبها } ، قال ~~الكوفيون: هذه الواو زائدة حتى تكون جوابا لقوله: { حتى إذا ~~جآءوها } كما في سوق الكفار، وهذا كما قال الله تعالى: # ولقد ءاتينا موسى وهرون الفرقان وضيآء # [الأنبياء: 48]، [أي ضياء]، والواو زائدة. # وقيل: الواو واو الحال، مجازه: وقد فتحت أبوابها، فأدخل الواو لبيان ~~أنها كانت مفتحة قبل مجيئهم، وحذفها في الآية الأولى لبيان أنها كانت ~~مغلقة قبل مجيئهم. # فإذا لم تجعل الواو زائدة في قوله: " وفتحت ms1999 " اختلفوا في جواب قوله: # { وقال لهم خزنتها } ، والواو فيه ملغاة تقديره: حتى إذا ~~جاؤوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها. # وقال الزجاج: القول عندي أن الجواب محذوف، تقديره: { حتى إذا ~~جآءوها وفتحت أبوبها. وقال لهم خزنتها سلم ~~عليكم طبتم فادخلوها خلدين } ، دخلوها فحذف " ~~دخلوها " لدلالة الكلام عليه. # { وقال لهم خزنتها سلم عليكم طبتم } ، يريد ~~أن خزنة الجنة يسلمون عليهم ويقولون: طبتم. قال ابن عباس: طاب لكم ~~المقام. قال قتادة: هم إذا قطعوا النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار ~~فيقتص بعضهم من بعض حتى إذا هذبوا وطيبوا أدخلوا الجنة، فقال لهم ~~رضوان وأصحابه: { سلم عليكم طبتم فادخلوها ~~خلدين }. # وروي عن علي عليه السلام قال: سيقوا إلى الجنة فإذا انتهوا إليها وجدوا ~~عند بابها شجرة يخرج من تحت ساقها عينان فيغتسل المؤمن من إحداهما فيطهر ~~ظاهره، ويشرب من الأخرى فيطهر باطنه، وتلقيهم الملائكة على أبواب الجنة ~~يقولون: { سلم عليكم طبتم فادخلوها خلدين }. ### || [39.74-75] # { وقالوا الحمد لله الذى صدقنا وعده ~~وأورثنا الأرض } ، أي: أرض الجنة. وهو قوله عز وجل: # ولقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر أن الأرض ~~يرثها عبادى الصلحون # [الأنبياء: 105]. { نتبوأ } ، ننزل، { من الجنة حيث ~~نشآء } ، قال الله تعالى: { فنعم أجر العملين } ، ثواب ~~المطيعين. # { وترى الملئكة حآفين من حول العرش } ، أي: ~~محدقين محيطين بالعرش، مطيفين بحوافيه أي: بجوانبه، { يسبحون ~~بحمد ربهم } ، قيل: هذا تسبيح تلذذ لا تسبيح تعبد، لأن التكليف ~~يزول في ذلك اليوم، { وقضى بينهم بالحق } ، أي: قضي بين أهل ~~الجنة والنار بالعدل، { وقيل الحمد لله رب العلمين } ، ~~يقول أهل الجنة: شكرا لله، حين تم وعد الله لهم. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي, أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن ~~سمعان, حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني, حدثنا حميد ~~بن زنجويه, حدثنا عبيد الله بن موسى, حدثنا إسرائيل, عن أبي إسحاق عن أبي ~~الأحوص عن عبد الله قال: إن مثل القرآن كمثل رجل انطلق يرتاد لأهله ~~منزلا فمر بأثر غيث فبينما هو يسير فيه ويتعجب ms2000 منه إذ هبط على روضات ~~دمثات, فقال: عجبت من الغيث الأول فهذا أعجب منه وأعجب, فقيل له: إن مثل ~~الغيث الأول مثل عظم القرآن, وإن مثل هؤلاء الروضات الدمثات مثل ال ~~حم في القرآن. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي, أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي, أخبرنا أبو محمد ~~الرومي, حدثنا أبو العباس السراج، حدثنا قتيبة, حدثنا ابن لهيعة, عن يزيد ~~بن أبي حبيب أن الجراح بن أبي الجراح حدثه عن ابن عباس قال: لكل شيء لباب ~~ولباب القرآن الحواميم. وقال ابن مسعود: إذا وقعت في آل حم وقعت في ~~روضات دمثات أتأنق فيهن. وقال سعد بن إبراهيم: كن - آل حم - يسمين ~~العرائس. ### | [40 - سورة غافر] ### || [40.1-4] # قوله عز وجل: { حم } ، قد سبق الكلام في حروف التهجي. قال السدي عن ~~ابن عباس: حم اسم الله الأعظم. وروى عكرمة عنه قال: # الر، وحم، ونون، حروف " الرحمن " مقطعة. وقال سعيد بن جبير وعطاء ~~الخراساني: الحاء افتتاح أسمائه: حكيم حميد حي حليم حنان، والميم افتتاح ~~أسمائه: ملك مجيد منان. وقال الضحاك والكسائي: معناه قضى ما هو كائن ~~كأنهما أشارا إلى أن معناه: حم، بضم الحاء وتشديد الميم، وقرأ حمزة ~~والكسائي وأبو بكر حم بكسر الحاء، والباقون بفتحها. # { تنزيل الكتب من الله العزيز العليم * غافر ~~الذنب } ، ساتر الذنب، { وقابل التوب } ، يعني التوبة، مصدر ~~تاب يتوب توبا. وقيل: التوب جمع توبة مثل دومة ودوم وحومة وحوم. قال ~~ابن عباس: غافر الذنب لمن قال لا إله إلا الله، [وقابل التوب ممن قال لا ~~إله إلا الله]. { شديد العقاب } ، لمن لا يقول لا إله إلا الله، { ~~ذى الطول } ، ذي الغنى عمن لا يقول لا إله إلا الله. قال مجاهد: " ~~ذي الطول ": ذي السعة والغنى. وقال الحسن: ذو الفضل. وقال قتادة: ذو ~~النعم. وقيل: ذو القدرة. وأصل الطول الإنعام الذي تطول مدته على ~~صاحبه. { لآ إله إلا هو إليه المصير }. # { ما يجدل فى ءايت الله } ، في دفع آيات الله بالتكذيب ~~والإنكار، { إلا الذين كفروا } ، قال أبو العالية: آيتان ما ~~أشدهما على الذين ms2001 يجادلون في القرآن: { ما يجدل فى ءايت ~~الله إلا الذين كفروا } و # وإن الذين اختلفوا فى الكتب لفى شقاق بعيد # [البقرة: 176]. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا عبد الله بن ~~أحمد، حدثنا محمد بن خالد، أخبرنا داود بن سليمان، أخبرنا عبد الله بن ~~حميد، حدثنا الحسين بن علي الجعفي، عن زائدة، عن ليث، عن سعد بن إبراهيم، ~~عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن جدالا في القرآن كفر ". # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا ~~إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد الرزاق، ~~أخبرنا معمر عن الزهري عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سمع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قوما يتمارون في القرآن، فقال: # " إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله عز وجل بعضه ببعض، وإنما ~~نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضا، فلا تكذبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه ~~فقولوه، وما جهلتم منه فكلوه إلى عالمه ". # قوله تعالى: { فلا يغررك تقلبهم فى البلاد } ، ~~تصرفهم في البلاد للتجارات وسلامتهم فيها مع كفرهم، فإن عاقبة أمرهم ~~العذاب، نظيره قوله عز وجل: # لا يغرنك تقلب الذين كفروا فى البلد # [آل عمران: 196]. ### || [40.5-7] # { كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم } ، ~~وهم الكفار الذين تحزبوا على أنبيائهم بالتكذيب من بعد قوم نوح، { ~~وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه } ، قال ابن عباس: ~~ليقتلوه ويهلكوه. وقيل: ليأسروه. والعرب تسمي الأسير أخيذا، { ~~وجدلوا بالبطل ليدحضوا } ، ليبطلوا، { به الحق ~~} ، الذي جاء به الرسل ومجادلتهم مثل قولهم: # إن أنتم إلا بشر مثلنا # [إبراهيم: 10]، و # لولا أنزل علينا الملائكة # [الفرقان: 21] ونحو ذلك، { فأخذتهم فكيف كان عقاب }. # { وكذلك حقت كلمة ربك } ، يعني: كما حقت كلمة العذاب ~~على الأمم المكذبة حقت، { على الذين كفروا } ، من قومك، { ~~أنهم أصحب النار } ، قال الأخفش: لأنهم أو بأنهم أصحاب ~~النار. # قوله عز وجل: { الذين يحملون العرش ومن حوله } ، ~~حملة العرش والطائفون به وهم ms2002 الكروبيون، وهم سادة الملائكة. قال ابن ~~عباس: حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى أسفل قدميه مسيرة خمسمائة عام. ~~ويروى: أن أقدامهم في تخوم الأرضين، والأرضون والسموات إلى حجزهم، وهم ~~يقولون: سبحان ذي العزة والجبروت، سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان الحي ~~الذي لا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح. # وقال ميسرة بن عروبة: أرجلهم في الأرض السفلى، ورؤوسهم خرقت العرش، وهم ~~خشوع لا يرفعون طرفهم، وهم أشد خوفا من أهل السماء السابعة، وأهل السماء ~~السابعة أشد خوفا من أهل السماء التي تليها، والتي تليها أشد خوفا من ~~التي تليها. وقال مجاهد: بين الملائكة والعرش سبعون حجابا من نور. # وروى محمد بن المنكدر عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش ما بين شحمة ~~أذنيه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام ". # وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أنه قال: إن ما بين القائمة من قوائم ~~العرش والقائمة الثانية خفقان الطير المسرع ثلاثين ألف عام، والعرش يكسى ~~كل يوم سبعين ألف لون من النور، لا يستطيع أن ينظر إليه خلق من خلق الله، ~~والأشياء كلها في العرش كحلقة في فلاة. # وقال مجاهد: بين السماء السابعة وبين العرش سبعون ألف حجاب من نور، ~~وحجاب من ظلمة وحجاب نور وحجاب ظلمة. # وقال وهب بن منبه: إن حول العرش سبعين ألف صف من الملائكة، صف خلف صف ~~يطوفون بالعرش، يقبل هؤلاء ويدبر هؤلاء، فإذا استقبل بعضهم بعضا هلل ~~هؤلاء وكبر هؤلاء، ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام، أيديهم إلى أعناقهم قد ~~وضعوها على عواتقهم، فإذا سمعوا تكبير أولئك وتهليلهم رفعوا أصواتهم، ~~فقالوا: سبحانك وبحمدك ما أعظمك وأجلك أنت الله لا إله غيرك، أنت ~~الأكبر، الخلق كلهم لك راجعون، ومن وراء هؤلاء مائة ألف صف من الملائكة ~~قد وضعو اليمنى على اليسرى ليس منهم أحد إلا وهو يسبح بتحميد لا يسبحه ~~الآخر، ما بين جناحي أحدهم مسيرة ثلثمائة عام، وما بين ms2003 شحمة أذنه إلى ~~عاتقه أربعمائة عام، واحتجب الله من الملائكة الذين حول العرش بسبعين ~~حجابا من نار، وسبعين حجابا من ظلمة، وسبعين حجابا من نور، وسبعين ~~حجابا من در أبيض، وسبعين حجابا من ياقوت أحمر، وسبعين حجابا من ~~ياقوت أصفر، وسبعين حجابا من زبرجد أخضر، وسبعين حجابا من ثلج، وسبعين ~~حجابا من ماء، وسبعين حجابا من برد، وما لا يعلمه إلا الله تعالى. # قال: ولكل واحد من حملة العرش ومن حوله أربعة وجوه، وجه ثور ووجه أسد ~~ووجه نسر ووجه إنسان، ولكل واحد منهم أربعة أجنحة، أما جناحان فعلى وجهه ~~مخافة أن ينظر إلى العرش فيصعق، وأما جناحان فيهفو بهما، ليس لهم كلام ~~إلا التسبيح والتحميد والتكبير والتمجيد. # قوله عز وجل: { يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به } ~~، يصدقون بأنه واحد لا شريك له. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أبو منصور السمعاني، حدثنا أبو جعفر ~~الرياني، حدثنا حميد ابن زنجويه، حدثنا عمر بن عبدالله الرقاشي، حدثنا ~~جعفر بن سليمان، حدثنا هارون بن رباب، حدثنا شهر بن حوشب قال: حملة العرش ~~ثمانية، فأربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد ~~علمك، وأربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد ~~قدرتك، قال: وكأنهم ينظرون ذنوب بني آدم. # قوله عز وجل: { ويستغفرون للذين ءامنوا ربنا } ، ~~يعني يقولون ربنا، { وسعت كل شىء رحمة وعلما } ، ~~قيل: نصب على التفسير، وقيل: على النقل، أي: وسعت رحمتك وعلمك كل شيء، { ~~فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك } ، دينك. { ~~وقهم عذاب الجحيم } ، قال مطرف: أنصح عباد الله للمؤمنين ~~هم الملائكة، وأغش الخلق للمؤمنين هم الشياطين. ### || [40.8-11] # { ربنا وأدخلهم جنت عدن التى وعدتهم ~~ومن صلح من ءابآئهم وأزوجهم وذريتهم ~~إنك أنت العزيز الحكيم } ، قال سعيد بن جبير: يدخل المؤمن ~~الجنة فيقول: أين أبي؟ أين أمي، أين ولدي أين زوجتي؟ فيقال: إنهم لم ~~يعملوا مثل عملك، فيقول: إني كنت أعمل لي ولهم، فيقال: أدخلوهم الجنة. # { وقهم السيئت } ، العقوبات، { ومن تق السيئت } ~~، أي: ومن تقه السيئات يعني العقوبات، وقيل: ms2004 جزاء السيئات، { يومئذ ~~فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم }. # قوله عز وجل: { إن الذين كفروا ينادون } ، يوم ~~القيامة وهم في النار وقد مقتوا أنفسهم حين عرضت عليهم سيئاتهم، ~~وعاينوا العذاب، فيقال لهم: { لمقت الله أكبر من مقتكم ~~أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمن فتكفرون } ، يعني ~~لمقت الله إياكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من ~~مقتكم اليوم أنفسكم عند حلول العذاب بكم. # { قالوا ربنآ أمتنا اثنتين وأحييتنا ~~اثنتين } ، قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما- وقتادة والضحاك: ~~كانوا أمواتا في أصلاب آبائهم فأحياهم الله في الدنيا، ثم أماتهم الموتة ~~التي لا بد منها، ثم أحياهم للبعث يوم القيامة، فهما موتتان وحياتان، ~~وهذا كقوله تعالى: # كيف تكفرون بالله وكنتم أموتا فأحيكم ثم ~~يميتكم ثم يحييكم # [البقرة: 28]، وقال السدي: أميتوا في الدنيا ثم أحيوا في قبورهم ~~للسؤال، ثم أميتوا في قبورهم ثم أحيوا في الآخرة. { فاعترفنا ~~بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل } ، أي: من خروج من ~~النار إلى الدنيا فنصلح أعمالنا ونعمل بطاعتك، نظيره: # هل إلى مرد من سبيل # [الشورى: 44]. ### || [40.12-16] # قال الله تعالى: { ذلكم بأنه إذا دعى الله وحده ~~كفرتم } ، فيه متروك استغني عنه لدلالة الظاهر عليه، مجازه: ~~فأجيبوا أن لا سبيل إلى ذلك، وهذا العذاب والخلود في النار بأنكم إذا ~~دعي الله وحده كفرتم، أي إذا قيل لا إله إلا الله [كفرتم]، وقلتم: # أجعل الألهة إلها وحدا # [ص: 5]، { وإن يشرك به } ، غيره { تؤمنوا } ، تصدقوا ذلك ~~الشرك، { فالحكم لله العلى الكبير }. الذي لا أعلى منه ~~ولا أكبر. # { هو الذى يريكم ءايته وينزل لكم من ~~السمآء رزقا } ، يعني: المطر الذي هو سبب الأرزاق، { وما ~~يتذكر } ، وما يتعظ بهذه الآيات، { إلا من ينيب } ، يرجع ~~إلى الله تعالى في جميع أموره. # { فادعوا الله مخلصين له الدين } ، الطاعة والعبادة. { ~~ولو كره الكفرون }. # { رفيع الدرجت } ، رافع درجات الأنبياء والأولياء في الجنة، { ~~ذو العرش } ، خالقه ومالكه، { يلقى الروح } ، ينزل الوحي، ~~سماه روحا لأنه تحيا به القلوب كما تحيا الأبدان بالأرواح، { من ~~أمره } ، قال ابن عباس: من قضائه. ms2005 وقيل: من قوله. وقال مقاتل: بأمره. ~~{ على من يشآء من عباده لينذر } ، أي: لينذر النبي ~~بالوحي، { يوم التلاق } ، وقرأ يعقوب بالتاء أي: لتنذر أنت يا ~~محمد يوم التلاق، يوم يلتقي أهل السماء وأهل الأرض. قال قتادة ومقاتل: ~~يلتقي فيه الخلق والخالق. قال ابن زيد: يتلاقى العباد. وقال ميمون بن ~~مهران: يلتقي الظالم والمظلوم والخصوم. وقيل: يلتقي العابدون والمعبودون. ~~وقيل: يلتقي فيه المرء مع عمله. # { يوم هم برزون } ، خارجون من قبورهم ظاهرون لا يسترهم شيء، { ~~لا يخفى على الله منهم } ، من أعمالهم وأحوالهم، { شىء } ~~، يقول الله تعالى في ذلك اليوم بعد فناء الخلق، { لمن الملك ~~اليوم } ، فلا أحد يجيبه، فيجيب نفسه فيقول، { لله الوحد ~~القهار } ، الذي قهر الخلق بالموت. ### || [40.17-26] # { اليوم تجزى كل نفس بما كسبت } ، يجزى المحسن ~~بإحسانه والمسيء بإساءته، { لا ظلم اليوم إن الله سريع ~~الحساب }. # { وأنذرهم يوم الأزفة } ، يعني: يوم القيامة سميت بذلك ~~لأنها قريبة إذ كل ما هو آت قريب، نظيره قوله عز وجل: # أزفت الأزفة # [النجم: 57]، أي قربت القيامة. { إذ القلوب لدى الحناجر } ~~، وذلك أنها تزول عن أماكنها من الخوف حتى تصير إلى الحناجر، فهي لا تعود ~~إلى أماكنها، ولا هي تخرج من أفواههم فيموتوا ويستريحوا. { كظمين } ~~، مكروبين ممتلئين خوفا وحزنا، والكظم تردد الغيظ والخوف والحزن في ~~القلب حتى يضيق به. { ما للظلمين من حميم } ، قريب ينفعهم، ~~{ ولا شفيع يطاع } ، فيشفع فيهم. # { يعلم خآئنة الأعين } ، أي: خيانتها وهي مسارقة النظر إلى ~~ما لا يحل. قال مجاهد: وهو نظر الأعين إلى ما نهى الله عنه. { وما ~~تخفى الصدور }. # { والله يقضى بالحق والذين يدعون من دونه } ، ~~يعني الأوثان، { لا يقضون بشىء } ، لأنها لا تعلم شيئا ولا ~~تقدر على شيء. قرأ نافع وابن عامر: " تدعون " ، بالتاء، وقرأ الآخرون ~~بالياء. { إن الله هو السميع البصير }. # { أولم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان ~~عقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد ~~منهم قوة } ، قرأ ابن عامر: " منكم " بالكاف، وكذلك هو في ~~مصاحفهم، { وءاثارا فى الأرض } ، فلم ينفعهم ذلك. { فأخذهم ~~الله بذنوبهم ms2006 وما كان لهم من الله من واق } ، يدفع ~~عنهم العذاب. # { ذلك } أي: ذلك العذاب الذي نزل بهم، { بأنهم كانت ~~تأتيهم رسلهم بالبينت فكفروا فأخذهم الله ~~إنه قوى شديد العقاب }. # قوله عز وجل: { ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان ~~مبين * إلى فرعون وهمن وقرون فقالوا ~~سحر كذاب * فلما جآءهم بالحق من عندنا ~~قالوا } ، يعني فرعون وقومه، { اقتلوا أبنآء الذين ~~ءامنوا معه } , قال قتادة: هذا غير القتل الأول، لأن فرعون كان قد ~~أمسك عن قتل الولدان، فلما بعث موسى عليه السلام أعاد القتل عليهم، ~~فمعناه أعيدوا عليهم القتل، { واستحيوا نسآءهم } ، ليصدوهم ~~بذلك عن متابعة موسى ومظاهرته، { وما كيد الكفرين } ، وما ~~مكر فرعون وقومه واحتيالهم، { إلا فى ضلل } ، أي: يذهب كيدهم ~~باطلا، ويحيق بهم ما يريده الله عز وجل. # { وقال فرعون } , لملئه، { ذرونى أقتل موسى } ، ~~وإنما قال هذا لأنه كان في خاصة قوم فرعون من يمنعه من قتله خوفا من ~~الهلاك، { وليدع ربه } ، أي: وليدع موسى ربه الذي يزعم أنه ~~أرسله إلينا فيمنعه منا، { إنى أخاف أن يبدل } يغير، { ~~دينكم } ، الذي أنتم عليه، { أو أن يظهر فى الأرض ~~الفساد } ، قرأ يعقوب وأهل الكوفة " أو أن يظهر " ، وقرأ الآخرون ~~" وأن يظهر " ، وقرأ أهل المدينة والبصرة وحفص " يظهر " بضم الياء ~~وكسر الهاء على التعدية، { الفساد } نصب لقوله: { أن يبدل دينكم } ، ~~حتى يكون الفعلان على نسق واحد، وقرأ الآخرون بفتح الياء والهاء على ~~اللزوم، " الفساد " ، رفع وأراد بالفساد تبديل الدين وعبادة غيره. ### || [40.27-28] # { وقال موسى } ، لما توعده فرعون بالقتل، { إنى عذت ~~بربى وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم ~~الحساب * وقال رجل مؤمن من ءال فرعون يكتم ~~إيمنه }. # واختلفوا في هذا المؤمن: قال مقاتل والسدي: كان قبطيا ابن عم فرعون وهو ~~الذي حكى الله عنه فقال: # وجآء رجل من أقصى المدينة يسعى # [القصص: 20]، وقال قوم: كان إسرائيليا، ومجاز الآية: وقال رجل مؤمن ~~يكتم إيمانه من آل فرعون، وكان اسمه حزبيل عند ابن عباس، وأكثر العلماء. ~~وقال ابن إسحاق: كان اسمه جبران. وقيل: كان اسم الرجل الذي آمن ms2007 من آل ~~فرعون حبيبا. { أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله } ، ~~لأن يقول ربي الله، { وقد جآءكم بالبينت من ربكم ~~} ، أي: بما يدل على صدقه، { وإن يك كذبا فعليه كذبه } ~~، لا يضركم ذلك، { وإن يك صدقا } ، فكذبتموه، وهو صادق، { ~~يصبكم بعض الذى يعدكم }. قال أبو عبيد: المراد بالبعض ~~الكل، أي: إن قتلتموه وهو صادق أصابكم ما يتوعدكم به من العذاب. قال ~~الليث: " بعض " صلة، يريد: يصبكم الذي يعدكم. وقال أهل المعاني: هذا ~~على الظاهر في الحجاج كأنه قال: أقل ما في صدقه أن يصيبكم بعض الذي ~~يعدكم وفي بعض ذلك هلاككم، فذكر البعض ليوجب الكل، { إن الله لا ~~يهدى } ، إلى دينه { من هو مسرف } ، مشرك، { كذاب } ، على ~~الله. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد ابن عبدالله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا علي بن عبد الله، ~~حدثنا الوليد بن مسلم، حدثني الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني ~~محمد بن إبراهيم التيمي، حدثني عروة بن الزبير قال: قلت لعبد الله بن ~~عمرو بن العاص: أخبرني بأشد ما صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل ~~عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولوى ثوبه في ~~عنقه، فخنقه به خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفعه عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وقال: { أتقتلون رجلا أن يقول ~~ربى الله وقد جآءكم بالبينت من ربكم }. ### || [40.29-32] # { يقوم لكم الملك اليوم ظهرين فى الأرض } ، ~~غالبين في أرض مصر، { فمن ينصرنا من بأس الله } ، من يمنعنا ~~من عذاب الله، { إن جآءنا } ، والمعنى لكم الملك اليوم فلا تتعرضوا ~~لعذاب الله بالتكذيب، وقتل النبي فإنه لا مانع من عذاب الله إن حل بكم، { ~~قال فرعون مآ أريكم } ، من الرأي والنصيحة، { إلا مآ ~~أرى } ، لنفسي. وقال الضحاك: ما أعلمكم إلا ما أعلم، { ومآ ~~أهديكم إلا سبيل الرشاد } ، ما أدعوكم إلا إلى طريق ms2008 ~~الهدى. # { وقال الذى ءامن يقوم إنى أخاف عليكم ~~مثل يوم الأحزاب * مثل دأب قوم نوح وعاد ~~وثمود والذين من بعدهم } ، أي: مثل عادتهم في الإقامة على ~~التكذيب حتى أتاهم العذاب، { وما الله يريد ظلما للعباد } ~~، أي: لا يهلكهم قبل اتخاذ الحجة عليهم. # { ويقوم إنى أخاف عليكم يوم التناد } ، يوم ~~القيامة يدعى كل أناس بإمامهم وينادي بعضهم بعضا، فينادي أصحاب الجنة ~~أصحاب النار، وأصحاب النار أصحاب الجنة، وينادي أصحاب الأعراف، ~~وينادى بالسعادة والشقاوة، ألا إن فلان بن فلان قد سعد سعادة لا يشقى ~~بعدها أبدا، وفلان ابن فلان قد شقى شقاوة لا يسعد بعدها أبدا، وينادى ~~حين يذبح الموت: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا ~~موت. # وقرأ ابن عباس والضحاك: " يوم التناد " بتشديد الدال أي: يوم التنافر، ~~وذلك أنهم هربوا فندوا في الأرض كما تند الإبل إذا شردت عن ~~أربابها. # قال الضحاك: وكذلك إذا سمعوا زفير النار ندوا هربا فلا يأتون قطرا ~~من الأقطار إلا وجدوا الملائكة صفوفا، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا ~~فيه، فذلك قوله تعالى: # والملك على أرجآئهآ # [الحاقة: 17]، وقوله: # يمعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من ~~أقطار السماوات والأرض فانفذوا # [الرحمن: 33]. ### || [40.33-35] # { يوم تولون مدبرين } ، منصرفين عن موقف الحساب إلى النار. ~~وقال مجاهد: فارين غير معجزين، { ما لكم من الله من عاصم } ~~، يعصمكم من عذابه، { ومن يضلل الله فما له من هاد * ~~ولقد جآءكم يوسف من قبل } ، يعني يوسف بن يعقوب " من قبل ~~" ، أي: من قبل موسى، { بالبينات } ، يعني قوله # ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار # [يوسف: 39]، { فما زلتم في شك مما جآءكم به } ، ~~قال ابن عباس: من عبادة الله وحده لا شريك له، { حتى إذا هلك } ~~، مات، { قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا } ، أي: ~~أقمتم على كفركم وظننتم أن الله لا يجدد عليكم الحجة، { كذلك يضل ~~الله من هو مسرف } ، مشرك، { مرتاب } ، شاك. # { الذين يجدلون فى ءايت الله } ، قال الزجاج: هذا ~~تفسير للمسرف المرتاب يعني الذين يجادلون في آيات ms2009 الله أي: في إبطالها ~~بالتكذيب، { بغير سلطن } ، حجة، { أتهم } ، من الله، { ~~كبر مقتا } ، أي: كبر ذلك الجدال مقتا، { عند الله وعند ~~الذين ءامنوا كذلك يطبع الله على كل قلب ~~متكبر جبار } ، قرأ أبو عمرو وابن عامر " قلب " بالتنوين، ~~وقرأ الآخرون بالإضافة، دليله قراءة عبدالله بن مسعود " على قلب كل متكبر ~~جبار ". ### || [40.36-46] # { وقال فرعون } ، لوزيره: { يهمن ابن لى صرحا } ~~، والصرح: البناء الظاهر الذي لا يخفى على الناظر وإن بعد، وأصله من ~~التصريح وهو الإظهار، { لعلى أبلغ الأسباب * أسباب ~~السموت } ، يعني: طرقها وأبوابها من سماء إلى سماء، { ~~فأطلع إلى إله موسى } ، قراءة العامة برفع العين نسقا ~~على قوله: " أبلغ الأسباب " ، وقرأ حفص عن عاصم بنصب العين وهي قراءة ~~حميد الأعرج، على جواب " لعل " بالفاء { وإنى لأظنه } ، يعني ~~موسى { كذبا } ، فيما يقول أن له ربا غيري، { وكذلك زين ~~لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل } ، قرأ أهل ~~الكوفة ويعقوب: " وصد " بضم الصاد نسقا على قوله: " زين لفرعون " ~~قال ابن عباس: صده الله عن سبيل الهدى. وقرأ الآخرون بالفتح أي: صد ~~فرعون الناس عن السبيل. { وما كيد فرعون إلا فى تباب ~~} ، يعني: وما كيده في إبطال آيات موسى إلا في خسار وهلاك. # { وقال الذى ءامن يقوم اتبعون أهدكم سبيل ~~الرشاد } ، طريق الهدى. # { يقوم إنما هذه الحيوة الدنيا متع } ، ~~متعة تنتفعون بها مدة ثم تنقطع، { وإن الأخرة هى دار ~~القرار } ، التي لا تزول. # { من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن ~~عمل صلحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك ~~يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب } ، قال ~~مقاتل: لا تبعة عليهم فيما يعطون في الجنة من الخير. # { ويقوم ما لى أدعوكم إلى النجوة } ، يعني: مالكم، ~~كما تقول العرب: مالي أراك حزينا؟ أي: مالك؟ يقول: أخبروني عنكم؟ كيف ~~هذه الحال أدعوكم إلى النجاة من النار بالإيمان بالله، { وتدعوننى ~~إلى النار }؟ إلى الشرك الذي يوجب النار، ثم فسر فقال: # { تدعوننى لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لى به ~~علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار } ، في انتقامه ~~ممن ms2010 كفر، الغفار لذنوب أهل التوحيد. # { لا جرم } ، حقا، { أنما تدعوننى إليه } ، أي: إلى ~~الوثن، { ليس له دعوة فى الدنيا ولا فى الأخرة } ، ~~قال السدي: لا يستجيب لأحد في الدنيا ولا في الآخرة، يعني ليست له ~~استجابة دعوة. وقيل: ليست له دعوة إلى عبادته في الدنيا لأن الأوثان لا ~~تدعي الربوبية، ولا تدعو إلى عبادتها، وفي الآخرة تتبرأ من عابديها. { ~~وأن مردنآ إلى الله } ، مرجعنا إلى الله فيجازي كلا بما ~~يستحقه، { وأن المسرفين } ، المشركين، { هم أصحب ~~النار }. # { فستذكرون مآ أقول لكم } ، إذا عاينتم العذاب حين لا ~~ينفعكم الذكر، { وأفوض أمرى إلى الله } ، وذلك أنهم توعدوه ~~لمخالفته دينهم، { إن الله بصير بالعباد } ، يعلم المحق من ~~المبطل، ثم خرج المؤمن من بينهم، فطلبوه فلم يقدروا عليه. # وذلك قوله عز وجل: { فوقاه الله سيئات ما مكروا } ، ما ~~أرادوا به من الشر، قال قتادة: نجا مع موسى وكان قبطيا، { وحاق } ، ~~نزل، { بآل فرعون سوء العذاب } ، الغرق في الدنيا، والنار ~~في الآخرة. # وذلك قوله: { النار } ، هي رفع على البدل من السوء، { يعرضون ~~عليها غدوا وعشيا } ، صباحا ومساء، قال ابن مسعود: أرواح ~~آل فرعون في أجواف طيور سود يعرضون على النار كل يوم مرتين، تغدو وتروح ~~إلى النار، ويقال: يا آل فرعون هذه منازلكم حتى تقوم الساعة. # وقال قتادة: ومقاتل، والسدي، والكلبي: تعرض روح كل كافر على النار بكرة ~~وعشيا ما دامت الدنيا. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق ~~الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل ~~الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال له: ~~هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة ". # ثم أخبر الله تعالى عن مستقرهم يوم القيامة فقال: { ويوم تقوم ~~الساعة أدخلوا } ، قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو بكر: ~~" الساعة " ، " ادخلوا " ، بحذف الألف والوصل، ms2011 وبضمها في الابتداء، وضم ~~الخاء من الدخول، أي: يقال لهم: ادخلوا يا { ءال فرعون أشد ~~العذاب } ، وقرأ الآخرون " أدخلوا " بقطع الألف وكسر الخاء من ~~الإدخال، أي: يقال للملائكة: أدخلوا آل فرعون أشد العذاب. قال ابن عباس: ~~يريد ألوان العذاب غير الذي كانوا يعذبون به منذ أغرقوا. ### || [40.47-57] # { وإذ يتحآجون فى النار } ، أي: اذكر يا محمد لقومك إذ ~~يختصمون، يعني أهل النار في النار، { فيقول الضعفاء للذين ~~استكبروا إنا كنا لكم تبعا } ، في الدنيا، { فهل ~~أنتم مغنون عنا نصيبا من النار } ، والتبع يكون ~~واحدا وجمعا في قول أهل البصرة، وواحدة تابع، وقال أهل الكوفة: هو جمع ~~لا واحد له وجمعه أتباع. # { قال الذين استكبروا إنا كل فيهآ إن الله ~~قد حكم بين العباد * وقال الذين فى النار } ، حين ~~اشتد عليهم العذاب، { لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف ~~عنا يوما من العذاب }. # { قالوا } ، يعني خزنة جهنم لهم، { أولم تك تأتيكم ~~رسلكم بالبينت قالوا بلى قالوا فادعوا } ، ~~أنتم إذا ربكم، إنا لا ندعو لكم، لأنهم علموا أنه لا يخفف عنهم العذاب. ~~قال الله تعالى: { وما دعاء الكفرين إلا فى ضلل } ، ~~أي: يبطل ويضل ولا ينفعهم. # قوله عز وجل: { إنا لننصر رسلنا والذين ءامنوا ~~فى الحيوة الدنيا } ، قال ابن عباس: بالغلبة والقهر. وقال ~~الضحاك: بالحجة، وفي الآخرة بالعذر. وقيل: بالانتقام من الأعداء في ~~الدنيا والآخرة، وكل ذلك قد كان للأنبياء والمؤمنين، فهم منصورون بالحجة ~~على من خالفهم، وقد نصرهم الله بالقهر على من ناوأهم وإهلاك أعدائهم، ~~ونصرهم بعد أن قتلوا بالانتقام من أعدائهم، كما نصر يحيى بن زكريا لما ~~قتل، قتل به سبعون ألفا، فهم منصورون بأحد هذه الوجوه، { ويوم ~~يقوم الأشهد } ، يعني: يوم القيامة يقوم الحفظة من الملائكة ~~يشهدون للرسل بالتبليغ وعلى الكفار بالتكذيب. # { يوم لا ينفع الظلمين معذرتهم } ، إن اعتذروا عن ~~كفرهم لم يقبل منهم، وإن تابوا لم ينفعهم، { ولهم اللعنة } ، ~~البعد من الرحمة، { ولهم سوء الدار } ، يعني جهنم. # { ولقد ءاتينا موسى الهدى } ، قال مقاتل: الهدى من ~~الضلالة، يعني التوراة، { وأورثنا بنى إسرءيل ms2012 الكتب ~~} ، [التوراة]. # { هدى وذكرى لأولى الألبب }. # { فاصبر } ، يا محمد على أذاهم، { إن وعد الله } ، في إظهار ~~دينك وإهلاك أعدائك، { حق } ، قال الكلبي: نسخت آية القتال آية الصبر، ~~{ واستغفر لذنبك } ، هذا تعبد من الله ليزيده به درجة وليصير ~~سنة لمن بعده، { وسبح بحمد ربك } ، صل شاكرا لربك، { ~~بالعشى والإبكار } ، قال الحسن: يعني صلاة العصر وصلاة الفجر. ~~وقال ابن عباس: الصلوات الخمس. # { إن الذين يجدلون فى ءايت الله بغير ~~سلطن أتهم إن فى صدورهم } ، ما في قلوبهم، والصدر ~~موضع القلب، فكنى به عن القلب لقرب الجوار، { إلا كبر } ، قال ابن ~~عباس: ما يحملهم على تكذيبك إلا ما في صدورهم من الكبر والعظمة، { ~~ماهم ببلغيه } ، قال مجاهد: ما هم ببالغي مقتضى ذلك الكبر، ~~لأن الله عز وجل مذلهم. # قال ابن قتيبة: إن في صدورهم إلا تكبر على محمد صلى الله عليه وسلم، ~~وطمع في أن يغلبوه وما هم ببالغي ذلك. # قال أهل التفسير: نزلت في اليهود، وذلك أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: إن صاحبنا المسيح بن داود - يعنون الدجال - يخرج في آخر الزمان، ~~فيبلغ سلطانه البر والبحر، ويرد الملك إلينا، قال الله تعالى: { ~~فاستعذ بالله } ، من فتنة الدجال، { إنه هو السميع ~~البصير }. # { لخلق السموت والأرض } ، مع عظمهما، { أكبر } ، ~~أعظم في الصدور، { من خلق الناس } ، أي: من إعادتهم بعد الموت، { ~~ولكن أكثر الناس } ، يعني الكفار، { لا يعلمون } ، ~~حيث لا يستدلون بذلك على توحيد خالقها. وقال قوم: " أكبر " أي: أعظم من ~~خلق الدجال، { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ، يعني ~~اليهود الذي يخاصمون في أمر الدجال. # وروي عن هشام بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من خلق الدجال ". # أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، أخبرنا جدي عبدالرحمن ~~البزار، أخبرنا محمد بن زكريا العذافري، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، ~~حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن قتادة عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت ~~يزيد الأنصارية قالت: كان رسول الله ms2013 صلى الله عليه وسلم في بيتي فذكر ~~الدجال. فقال: # " إن بين يديه ثلاث سنين: سنة تمسك السماء ثلث قطرها، والأرض ثلث ~~نباتها، والثانية تمسك السماء ثلثي قطرها، والأرض ثلثي نباتها، والثالثة ~~تمسك السماء قطرها كله، والأرض نباتها كله، فلا يبقى ذات ظلف ولا ذات ضرس ~~من البهائم إلا هلك، وإن من أشد فتنته أنه يأتي الأعرابي فيقول: أرأيت ~~إن أحييت لك إبلك ألست تعلم أني ربك؟ قال: فيقول: بلى، فيتمثل له نحو ~~إبله كأحسن ما يكون ضروعا وأعظمه أسنمة، قال: ويأتي الرجل قد مات أخوه ~~ومات أبوه فيقول: أرأيت إن أحييت لك أباك وأخاك ألست تعلم أني ربك؟ ~~فيقول: بلى، فيتمثل له الشياطين نحو أبيه ونحو أخيه " # قالت: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته، ثم رجع والقوم في ~~اهتمام وغم مما حدثهم، قالت: فأخذ بلحمتي الباب فقال: مهيم أسماء؟ ~~فقلت: يا رسول الله لقد خلعت أفئدتنا بذكر الدجال، قال: # " إن يخرج وأنا حي فأنا حجيجه، وإلا فإن ربي خليفتي على كل مؤمن، ~~قالت أسماء فقلت: يا رسول الله والله إنا لنعجن عجينا فما نخبزه حتى ~~نجوع فكيف بالمؤمنين يومئذ؟ قال: يجزيهم ما يجزئ أهل السماء من التسبيح ~~والتقديس ". # وبهذا الإسناد قال: أخبرنا معمر، عن ابن خثيم، عن شهر بن حوشب، عن أسماء ~~بنت يزيد قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يمكث الدجال في الأرض أربعين سنة، السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، ~~والجمعة كاليوم، واليوم كاضطرام السعفة في النار ". # أخبرنا أبو سعيد الطاهري، أخبرنا جدي عبدالصمد بن عبدالرحمن البزار، ~~أخبرنا محمد بن زكريا العذافري، أخبرنا إسحاق الدبري، حدثنا عبدالرزاق، ~~أخبرنا معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال: قام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في الناس فأثنى على الله بما هو أهله، ثم ذكر الدجال فقال: # " إني لأنذركموه، وما من نبي إلا أنذر قومه، لقد أنذر نوح قومه، ولكني ~~سأقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه: تعلمون أنه أعور وإن الله ليس ~~بأعور ". # أخبرنا ms2014 عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا ~~جويرية عن نافع عن عبدالله قال: ذكر الدجال عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: # " إن الله لا يخفى عليكم، إن الله ليس بأعور، وأشار بيده إلى عينيه، وإن ~~المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية ". # أخبرنا إسماعيل بن عبدالقاهر الجرجاني، أخبرنا عبدالغافر بن محمد ~~الفارسي، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، ~~حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا علي بن حجر، حدثنا شعيب ابن صفوان عن ~~عبدالملك بن عمير عن ربعي بن حراش عن عقبة بن عمرو بن مسعود الأنصاري ~~قال: انطلقت معه إلى حذيفة بن اليمان فقال له عقبة: حدثني ما سمعت من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدجال؟ قال: # " إن الدجال يخرج وإن معه ماء ونارا، فأما الذي يراه الناس ماء ~~فنار تحرق، وأما الذي يراه الناس نارا فماء بارد عذب، فمن أدرك ذلك ~~منكم فليقع في الذي يراه نارا فإنه ماء عذب طيب " # فقال عقبة: وأنا قد سمعته تصديقا لحذيفة. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني إبراهيم بن المنذر، حدثنا ~~ابن الوليد، حدثنا ابن عمرو وهو الأوزاعي، حدثنا إسحاق، حدثني أنس بن ~~مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة، ليس من نقابها إلا ~~عليه الملائكة صافين يحرسونها، ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فيخرج ~~إليه كل كافر ومنافق ". # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أخبرنا أبو الحسن علي بن ~~عبدالله الطيسفوني، أخبرنا عبدالله بن عمر الجوهري، حدثنا أحمد بن علي ~~الكشميهني، حدثنا علي بن حجر، حدثنا إسماعيل بن جعفر عن العلاء عن أبيه ~~عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " يأتي المسيح من قبل المشرق وهمته المدينة، حتى ينزل دبر ms2015 أحد، ثم ~~تصرف الملائكة وجهه قبل الشام، وهناك يهلك ". # أخبرنا أبو سعيد الطاهري، أخبرنا جدي عبد الصمد البزار، أخبرنا محمد بن ~~زكريا العذافري، أخبرنا إسحاق الدبري، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن ~~أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " يتبع الدجال من أمتي سبعون ألفا عليهم التيجان " # ويرويه أبو أمامة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " مع الدجال يومئذ سبعون ألف يهودي كلهم ذو تاج وسيف محلى ". ### || [40.58-60] # قوله تعالى: { وما يستوى الأعمى والبصير والذين ~~ءامنوا وعملوا الصلحت ولا المسىء قليلا ~~ما تتذكرون } ، قرأ أهل الكوفة " تتذكرون " بالتاء، وقرأ ~~الآخرون بالياء، لأن أول الآيات وآخرها خبر عن قوم. { إن الساعة } ~~، أي: القيامة, { لأتية لا ريب فيها ولكن أكثر ~~الناس لا يؤمنون }. # { وقال ربكم ادعونى أستجب لكم } ، أي: اعبدوني دون ~~غيري أجبكم وأثبكم وأغفر لكم، فلما عبر عن العبادة بالدعاء جعل ~~الإنابة استجابة. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن سمعان، حدثنا أبو ~~جعفر محمد بن أحمد بن عبدالجبار الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا سفيان عن منصور، عن ذر عن يسيع الكندي عن النعمان ~~بن بشير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: # " إن الدعاء هو العبادة " # ، ثم قرأ: { ادعونى أستجب لكم إن الذين ~~يستكبرون عن عبادتى سيدخلون جهنم دخرين }. # أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن علي الدورقي، حدثنا أبو الحسن علي بن ~~يوسف الشيرازي، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى القرشي ببغداد، ~~حدثنا محمد بن عبيد بن العلاء، حدثنا أحمد بن بديل، حدثنا وكيع، حدثنا ~~أبو المليح قال: سمعت أبا صالح يذكر عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " من لم يدع الله غضب الله عليه ". # وقيل: الدعاء: هو الذكر والسؤال، { إن الذين يستكبرون ~~عن عبادتى سيدخلون جهنم دخرين } ، قرأ ابن كثير ~~وأبو جعفر وأبو بكر: " سيدخلون " بضم الياء وفتح ms2016 الخاء، وقرأ الآخرون ~~بفتح الياء وضم الخاء، " داخرين " صاغرين ذليلين. ### || [40.61-65] # { الله الذى جعل لكم اليل لتسكنوا فيه ~~والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على الناس ~~ولكن أكثر الناس لا يشكرون * ذلكم الله ~~ربكم خلق كل شىء لآ إله إلا هو فأنى ~~تؤفكون }. # { كذلك } ، يعني كما أفكتم عن الحق مع قيام الدلائل كذلك، { ~~يؤفك الذين كانوا بآيت الله يجحدون }. # { الله الذى جعل لكم الأرض قرارا } ، فراشا، { ~~والسمآء بنآء } ، سقفا كالقبة، { وصوركم فأحسن ~~صوركم } ، قال مقاتل: خلقكم فأحسن خلقكم. قال ابن عباس: خلق ابن ~~آدم قائما معتدلا يأكل ويتناول بيده، وغير ابن آدم يتناول بفيه. { ~~ورزقكم من الطيبت } ، قيل: من غير رزق الدواب { ~~ذلكم الله ربكم فتبرك الله رب العلمين * ~~هو الحى لآ إله إلا هو فادعوه مخلصين له ~~الدين الحمد لله رب العلمين } ، قال الفراء: هو خبر ~~وفيه إضمار الأمر، مجازه: فادعوه واحمدوه. وروي عن مجاهد عن ابن عباس ~~قال: من قال لا إله إلا الله فليقل على إثرها الحمد لله رب العالمين، ~~فذلك قوله عز وجل: { فادعوه مخلصين له الدين الحمد ~~لله رب العلمين }. ### || [40.66-71] # { قل إنى نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون ~~الله لما جآءنى البينت من ربى وأمرت أن ~~أسلم لرب العلمين } ، وذلك حين دعي إلى الكفر. # { هو الذى خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من ~~علقة ثم يخرجكم طفلا } ، أي: أطفالا، { ثم ~~لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم ~~من يتوفى من قبل } ، أي: من قبل أن يصير شيخا، { ~~ولتبلغوا } ، جميعا، { أجلا مسمى } ، وقتا معلوما ~~محدودا لا تجاوزونه، يريد أجل الحياة إلى الموت، { ولعلكم ~~تعقلون } ، أي: لكي تعقلوا توحيد ربكم وقدرته. # { هو الذى يحيي ويميت فإذا قضى أمرا فإنما ~~يقول له كن فيكون * ألم تر إلى الذين يجدلون ~~فى ءايت الله } ، يعني: القرآن، يقولون ليس من عند الله، { ~~أنى يصرفون } ، كيف يصرفون عن دين الحق. قيل: هم المشركون. وعن ~~محمد بن سيرين وجماعة: أنها نزلت في القدرية. { الذين كذبوا ~~بالكتب وبمآ أرسلنا به رسلنا فسوف ms2017 يعلمون ~~* إذ الأغلل فى أعنقهم والسلسل يسحبون } , ~~يجرون. ### || [40.72-85] # { فى الحميم ثم فى النار يسجرون } ، قال مقاتل: توقد ~~بهم النار. وقال مجاهد: يصيرون وقودا للنار. # { ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون * من دون الله ~~}؟ يعني الأصنام, { قالوا ضلوا عنا } ، فقدناهم فلا نراهم، { ~~بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا } ، قيل: أنكروا. وقيل: ~~معناه بل لم نكن ندعو من قبل شيئا ينفع ويضر. وقال الحسين بن الفضل: أي: ~~لم نكن نصنع من قبل شيئا، أي ضاعت عبادتنا لها، كما يقول من ضاع ~~عمله: ما كنت أعمل شيئا. قال الله عز وجل: { كذلك } أي: كما أضل ~~هؤلاء، { يضل الله الكافرين }. # { ذلكم } العذاب الذي نزل بكم، { بما كنتم تفرحون } ~~تبطرون وتأشرون، { فى الأرض بغير الحق وبما كنتم ~~تمرحون } تفرحون وتختالون. # { ادخلوا أبوب جهنم خلدين فيها فبئس مثوى ~~المتكبرين * فاصبر إن وعد الله } ، بنصرك، { حق ~~فإما نرينك بعض الذي نعدهم } ، من العذاب في حياتك، { ~~أو نتوفينك } ، قبل أن يحل ذلك بهم، { فإلينا ~~يرجعون }. # { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا ~~عليك } ، خبرهم في القرآن، { ومنهم من لم نقصص عليك ~~وما كان لرسول أن يأتى بآية إلا بإذن الله } ، ~~بأمر الله وإرادته { فإذا جآء أمر الله } ، قضاؤه بين الأنبياء ~~والأمم، { قضى بالحق وخسر هنالك المبطلون }. # { الله الذى جعل لكم الأنعم لتركبوا منها } ، ~~بعضها، { ومنها تأكلون * ولكم فيها منفع } ، في ~~أصوافها وأوبارها وأشعارها وألبانها. { ولتبلغوا عليها ~~حاجة فى صدوركم } ، تحمل أثقالكم من بلد إلى بلد ولتبلغوا ~~عليها حاجاتكم، { وعليها وعلى الفلك تحملون } ، أي: على ~~الإبل في البر وعلى السفن في البحر، نظيره: قوله تعالى: # وحملنهم فى البر والبحر # [الإسراء: 70]. # { ويريكم ءايته } ، دلائل قدرته، { فأى ءايت الله ~~تنكرون }. # { أفلم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان ~~عقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم ~~وأشد قوة وءاثارا فى الأرض } ، يعني: مصانعهم وقصورهم، ~~{ فمآ أغنى عنهم } ، لم ينفعهم، { ما كانوا يكسبون } ~~وقيل: هو بمعنى الاستفهام، مجازه: أي شيء أغنى عنهم كسبهم؟ # { فلما جآءتهم رسلهم بالبينت فرحوا } ، رضوا، ~~{ بما ms2018 عندهم من العلم } ، قال مجاهد: هو قولهم نحن أعلم، لن ~~نبعث ولن نعذب، سمي ذلك علما على ما يدعونه ويزعمونه وهو في الحقيقة ~~جهل. { وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون * فلما ~~رأوا بأسنا قالوا ءامنا بالله وحده وكفرنا ~~بما كنا به مشركين } ، يعني: تبرأنا مما كنا نعدل بالله. # { فلم يك ينفعهم إيمنهم لما رأوا بأسنا } ، ~~عذابنا، # { سنت الله } ، قيل: نصبها بنزع الخافض، أي: كسنة الله. وقيل: على ~~المصدر. وقيل: على الإغراء، أي: احذروا سنة الله، { التى قد خلت ~~فى عباده } ، وتلك السنة أنهم إذا عاينوا عذاب الله آمنوا، ولا ~~ينفعهم إيمانهم عند معاينة العذاب. { وخسر هنالك الكافرون } ، ~~بذهاب الدارين، قال الزجاج: الكافر خاسر في كل وقت، ولكنه يتبين لهم ~~خسرانهم إذا رأوا العذاب. ### | [41 - سورة فصلت] ### || [41.1-5] # { حم * تنزيل من الرحمن الرحيم } ، قال الأخفش: " ~~تنزيل " مبتدأ، وخبرة قوله عز وجل. { كتب فصلت ءايته } ~~بينت آياته { قرءانا عربيا لقوم يعلمون } ، اللسان ~~العربي، ولو كان بغير لسانهم ما علموه ونصب قرآنا بوقوع البيان عليه أي: ~~فصلناه قرآنا. # { بشيرا ونذيرا } ، نعتان للقرآن أي: بشيرا لأولياء الله، ~~ونذيرا لأعدائه، { فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون } ، ~~لا يصغون إليه تكبرا. # { وقالوا } ، يعني مشركي مكة، { قلوبنا فى أكنة } ، في ~~أغطية، { مما تدعونآ إليه } ، فلا نفقه ما تقول، { وفى ~~ءاذاننا وقر } ، صمم فلا نسمع ما تقول، والمعنى: إنا في ترك القبول ~~عندك بمنزلة من لا يفهم ولا يسمع، { ومن بيننا وبينك حجاب ~~} ، خلاف في الدنيا وحاجز في الملة فلا نوافقك على ما تقول، { فاعمل ~~} ، أنت على دينك، { إننا عملون } ، على ديننا. ### || [41.6-8] # { قل إنمآ أنا بشر مثلكم } ، يعني كواحد منكم ولولا ~~الوحي ما دعوتكم، وهو قوله: { يوحى إلى أنمآ إلهكم ~~إله وحد } ، قال الحسن: علمه الله التواضع، { فاستقيموا ~~إليه } ، توجهوا إليه بالطاعة ولا تميلوا عن سبيله، { ~~واستغفروه } ، من ذنوبكم، { وويل للمشركين }. # { الذين لا يؤتون الزكوة } ، قال ابن عباس: الذين لا ~~يقولون لا إله إلا الله وهي زكاة الأنفس، والمعنى: لا يطهرون أنفسهم من ~~الشرك بالتوحيد. وقال الحسن وقتادة: ms2019 لا تقرون بالزكاة، ولا يرون إيتاءها ~~واجبا، وكان يقال: الزكاة قنطرة الإسلام فمن قطعها نجا ومن تخلف عنها ~~هلك. وقال الضحاك ومقاتل: لا ينفقون في الطاقة ولا يتصدقون. وقال مجاهد: ~~لا يزكون أعمالهم { وهم بالأخرة هم كفرون }. # { إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت لهم أجر ~~غير ممنون } ، قال ابن عباس: غير مقطوع. وقال مقاتل: غير منقوص، ~~ومنه " المنون " لأنه ينقص منة الإنسان وقوته، وقيل: غير ممنون عليهم ~~به. وقال مجاهد: غير محسوب. # وقال السدي: نزلت هذه الآية في المرضى والزمنى والهرمى، إذا عجزوا عن ~~الطاعة يكتب لهم الأجر كأصح ما كانوا يعلمون فيه. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا ~~إسماعيل ابن محمد الصفار، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد ~~الرزاق، أخبرنا معمر عن عاصم بن أبي النجود عن خيثمة بن عبدالرحمن عن ~~عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن العبد إذا كان على طريقة حسنة من العبادة، ثم مرض قيل للملك الموكل ~~به: اكتب له مثل عمله إذا كان طليقا حتى أطلقه أو أكفته إلي ". ### || [41.9-11] # قوله عز وجل: { قل أءنكم لتكفرون بالذى خلق ~~الأرض فى يومين } ، يوم الأحد والاثنين، { وتجعلون له ~~أندادا ذلك رب العلمين }. # { وجعل فيها } أي: في الأرض، { رواسى } جبالا ثوابت، { من ~~فوقها } ، من فوق الأرض، { وبرك فيها } ، أي: في الأرض، بما ~~خلق فيها من البحار والأنهار والأشجار والثمار، { وقدر فيهآ ~~أقوتها }. قال الحسن ومقاتل: قسم في الأرض أرزاق العباد والبهائم. ~~وقال عكرمة والضحاك: قدر في كل بلدة ما لم يجعله في الأخرى ليعيش بعضهم ~~من بعض بالتجارة من بلد إلى بلد. قال الكلبي: قدر الخبز لأهل قطر، والتمر ~~لأهل قطر، والذرة لأهل قطر، والسمك لأهل قطر، وكذلك أقواتها. # { فى أربعة أيام } ، يريد خلق ما في الأرض، وقدر الأقوات في ~~يومين يوم الثلاثاء والأربعاء فهما مع الأحد والاثنين أربعة أيام، رد ~~الآخر على الأول في الذكر، كما تقول: تزوجت أمس امرأة واليوم ثنتين، ~~وإحداهما هي التي ms2020 تزوجتها بالأمس. { سوآء للسآئلين } قرأ أبو ~~جعفر " سواء " رفع على الابتداء، أي: هي سواء، وقرأ يعقوب بالجر على نعت ~~قوله: { فى أربعة أيام } ، وقرأ الآخرون " سواء " نصب على ~~المصدر، أي: استوت سواء أي: استواء، ومعناه: سواء للسائلين عن ذلك. قال ~~قتادة والسدي: من سأل عنه فهكذا الأمر سواء لا زيادة ولا نقصان جوابا ~~لمن سأل: في كم خلقت الأرض والأقوات؟ # { ثم استوى إلى السمآء } ، أي: عمد إلى خلق السماء، { ~~وهى دخان } ، وكان ذلك الدخان بخار الماء، { فقال لها ~~وللأرض ائتيا طوعا أو كرها } ، أي: ائتيا ما آمركما أي: ~~افعلاه، كما يقال: ائت ما هو الأحسن أي: افعله. # وقال طاووس عن ابن عباس: ائتيا: أعطيا، يعني أخرجا ما خلقت فيكما من ~~المنافع لمصالح العباد. # قال ابن عباس: قال الله عز وجل: أما أنت يا سماء فأطلعي شمسك وقمرك ~~ونجومك، وأنت يا أرض فشقي أنهارك وأخرجي ثمارك ونباتك، وقال لهما: افعلا ~~ما آمركما طوعا وإلا ألجأتكما إلى ذلك حتى تفعلاه كرها فأجابتا بالطوع، ~~و { قالتآ أتينا طآئعين } ، ولم يقل طائعتين، لأنه ذهب به إلى ~~السموات والأرض ومن فيهن، مجازه: أتينا بما فينا طائعين، فلما وصفهما ~~بالقول أجراهما في الجمع مجرى من يعقل. ### || [41.12-14] # { فقضاهن سبع سموت فى يومين } ، أي: أتمهن وفرغ ~~من خلقهن، { وأوحى فى كل سمآء أمرها } ، قال عطاء عن ابن ~~عباس: خلق في كل سماء خلقها من الملائكة وما فيها من البحار وجبال ~~البرد وما لا يعلمه إلا الله. # وقال قتادة والسدي: يعني خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها. # وقال مقاتل: وأوحى إلى كل سماء ما أراد من الأمر والنهي، وذلك يوم ~~الخميس والجمعة. { وزينا السمآء الدنيا بمصبيح } ، ~~كواكب، { وحفظا } ، لها ونصب " حفظا " على المصدر، أي: حفظناها ~~بالكواكب حفظا من الشياطين الذين يسترقون السمع، { ذلك } ، الذي ذكر ~~من صنعه، { تقدير العزيز } ، في ملكه، { العليم } ، بحفظه. # قوله عز وجل: { فإن أعرضوا } ، يعني: هؤلاء المشركين عن ~~الإيمان بعد هذا البيان، { فقل أنذرتكم } ، خوفتكم، { ~~صعقة مثل صعقة عاد وثمود } ، أي: هلاكا مثل ~~هلاكهم، والصاعقة ms2021 المهلكة من كل شيء. # { إذ جآءتهم } , يعني: عادا وثمودا، { الرسل من بين ~~أيديهم ومن خلفهم } ، أراد بقوله: { من بين أيديهم } ~~الرسل الذين أرسلوا إلى آبائهم من قبلهم، { ومن خلفهم } يعني: من بعد ~~الرسل الذين أرسلوا إلى آبائهم الذين أرسلوا إليهم، هود وصالح، فالكناية ~~في قوله من بين أيديهم راجعة إلى عاد وثمود وفي قوله: { ومن ~~خلفهم } راجعة إلى الرسل، { أن لا } بأن لا، { تعبدوا إلا ~~الله قالوا لو شآء ربنا } ، بدل هؤلاء الرسل، { ملئكة ~~} ، أي: لو شاء ربنا دعوة الخلق لأنزل ملائكة، { فإنا بمآ ~~أرسلتم به كفرون }. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، حدثنا عبدالله بن ~~حامد الأصفهاني، حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى العبيدي، أخبرنا أحمد بن ~~مجدة بن العريان، حدثنا الحماني، حدثنا ابن فضيل، عن الأجلح، عن الذيال ~~بن حرملة، عن جابر بن عبدالله قال: قال الملأ من قريش وأبو جهل: قد التبس ~~علينا أمر محمد، فلو التمستم رجلا عالما بالشعر والكهانة والسحر، فأتاه ~~فكلمه، ثم أتانا ببيان من أمره، فقال عتبة ابن ربيعة: والله لقد سمعت ~~الشعر والكهانة والسحر، وعلمت من ذلك علما، وما يخفى علي إن كان كذلك ~~أو لا، فأتاه فلما خرج إليه قال: يا محمد أنت خير أم هاشم؟ أنت خير أم ~~عبدالمطلب؟ أنت خير أم عبدالله؟ فبم تشتم آلهتنا؟ وتضلل آباءنا؟ فإن ~~كنت تريد الرياسة عقدنا لك ألويتنا فكنت رأسا ما بقيت، وإن كان بك ~~الباءة زوجناك عشر نسوة تختار من أي بنات قريش؟ وإن كان بك المال جمعنا ~~لك ما تستغي أنت وعقبك من بعدك؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت لا ~~يتكلم، فلما فرغ، قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: { بسم الله ~~الرحمن الرحيم } { حم (*) تنزيل من الرحمن ~~الرحيم (*) كتاب فصلت آياته } ، إلى قوله { فإن ~~أعرضوا فقل أنذرتكم صعقة مثل صعقة عاد ~~وثمود } ، الآية. # فأمسك عتبة على فيه وناشده بالرحم ورجع إلى أهله، ولم يخرج إلى قريش ~~فاحتبس عنهم فقال أبو جهل: يا معشر قريش والله ما ms2022 نرى عتبة إلا قد صبأ ~~إلى دين محمد، وقد أعجبه طعامه وما ذاك إلا من حاجة أصابته، فانطلقوا بنا ~~إليه، فانطلقوا إليه، فقال أبو جهل: والله يا عتبة ما حبسك عنا إلا أنك ~~صبوت إلى دين محمد وأعجبك طعامه،قال: فإن كانت بك حاجة جمعنا لك من ~~أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد، فغضب عتبة وأقسم أن لا يكلم محمدا ~~أبدا، وقال: والله لقد علمتم أني من أكثر قريش مالا، ولكني أتيته وقصصت ~~عليه القصة فأجابني بشيء، والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر، وقرأ ~~السورة إلى قوله: { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صعقة ~~مثل صعقة عاد وثمود } الآية فأمسكت بفيه وناشدته بالرحم ~~أن يكف، وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب، فخفت أن ينزل بكم ~~العذاب. # وقال محمد بن كعب القرظي: حدثت أن عتبة بن ربيعة كان سيدا حليما، ~~قال يوما وهو جالس في نادي قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس ~~وحده في المسجد: يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد وأكلمه وأعرض عليه ~~أمورا لعله يقبل منا بعضها، فنعطيه ويكف عنا، وذلك حين أسلم حمزة ورأوا ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون، فقالوا: بلى يا أبا ~~الوليد فقم إليه فكلمه، فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقال: يا ابن أخي إنك منا حيث علمت من البسطة في العشيرة والمكان ~~في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت جماعتهم، وسفهت أحلامهم، ~~وعبت آلهتهم، وكفرت من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر ~~فيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قل يا أبا الوليد، فقال: يابن ~~أخي إن كنت إنما يريد بما جئت به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون ~~أكثرنا مالا، وإن كنت تريد شرفا سودناك علينا، وإن كان هذا الذي بك ~~رئيا تراه لا تستطيع رده طلبنا لك الطب، ولعل هذا شعر جاش به صدرك، ~~فإنكم لعمري بني عبدالمطلب يقدرون على ذلك ms2023 ما لا يقدر عليه غيركم، حتى ~~إذا فرغ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو قد فرغت يا أبا ~~الوليد؟ قال: نعم، قال: فاستمع مني، قال: أفعل، فقال صلى الله عليه ~~وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم { حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت ~~آياته قرآنا عربيا } ، ثم مضى فيها يقرأ فلما سمعها عتبة أنصت له، ~~وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما يستمع منه، حتى انتهى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى السجدة فسجد، ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد فأنت ~~وذاك، فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو ~~الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا: وما وراءك يا أبا ~~الوليد؟ فقال: ورائي أني قد سمعت قولا والله ما سمعت بمثله قط، ما هو ~~بالشعر ولا السحر ولا الكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني خلوا ما بين هذا ~~الرجل وبين ما هو فيه واعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، فإن ~~تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه ~~عزكم، فأنتم أسعد الناس به، فقالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، ~~قال: هذا رأيي لكم، فاصنعوا ما بدا لكم. ### || [41.15-19] # قوله عز وجل: { فأما عاد فاستكبروا فى الأرض ~~بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة } ، وذلك أن ~~هودا عليه السلام هددهم بالعذاب، فقالوا: من أشد منا قوة؟ نحن نقدر على ~~دفع العذاب عنا بفضل قوتنا، وكانوا ذوي أجسام طوال، قال الله تعالى ردا ~~عليهم: { أولم يروا أن الله الذى خلقهم هو أشد ~~منهم قوة وكانوا بئايتنا يجحدون }. # { فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا } ، عاصفا شديدة الصوت، من ~~الصرة وهي الصيحة. وقيل: هي الباردة من الصر وهو البرد، { فى ~~أيام نحسات } ، قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب " نحسات ~~" بسكون الحاء، وقرأ الآخرون بكسرها أي: نكدات مشؤومات ذات نحوس. وقال ~~الضحاك: أمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين، ودامت الرياح عليهم من غير مطر، ~~{ لنذيقهم عذاب الخزى } ، أي: عذاب الهون ms2024 والذل، { فى ~~الحيوة الدنيا ولعذاب الأخرة أخزى } ، أشد إهانة { ~~وهم لا ينصرون }. # { وأما ثمود فهدينهم } ، دعوناهم، قاله مجاهد، وقال ابن ~~عباس: بينا لهم سبيل الهدى. وقيل: دللناهم على الخير والشر، كقوله: # هدينه السبيل # [الإنسان:3]، { فاستحبوا العمى على الهدى } ، فاختاروا ~~الكفر على الإيمان، { فأخذتهم صعقة العذاب } ، أي: هلكة ~~العذاب، { الهون } ، أي: ذي الهون، أي: الهوان، وهو الذي يهينهم ~~ويخزيهم، { بما كانوا يكسبون }. # { ونجينا الذين ءامنوا وكانوا يتقون * ويوم ~~يحشر أعدآء الله إلى النار } ، قرأ نافع ويعقوب: " نحشر " ~~بالنون، " أعداء " نصب، وقرأ الآخرون بالياء ورفعها وفتح الشين " أعداء ~~" رفع أي: يجمع إلى النار، { فهم يوزعون } ، يساقون ويدفعون إلى ~~النار، وقال قتادة والسدي: يحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا. ### || [41.20-22] # { حتى إذا ما جآءوها } ، جاؤوا النار { شهد عليهم ~~سمعهم وأبصرهم وجلودهم } ، أي: بشراتهم، { بما ~~كانوا يعملون } ، قال السدي وجماعة: المراد بالجلود الفروج. وقال ~~مقاتل: تنطق جوارحهم بما كتمت الألسن من عملهم. # { وقالوا } ، يعني الكفار الذين يحشرون إلى النار، { لجلودهم ~~لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذى أنطق ~~كل شىء } ، تم الكلام ههنا. وقال الله تعالى: { وهو خلقكم ~~أول مرة } ، وليس هذا من جواب الجلود، { وإليه ترجعون ~~}. # { وما كنتم تستترون } ، أي: تستخفون عند أكثر أهل العلم. ~~وقال مجاهد: تتقون. وقال قتادة: تظنون. { أن يشهد عليكم ~~سمعكم ولآ أبصركم ولا جلودكم ولكن ظننتم ~~أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون }. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا الحميدي، أخبرنا سفيان، ~~أخبرنا منصور، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبدالله بن مسعود، قال: اجتمع ~~عند البيت ثقفيان وقرشي، أو قرشيان وثقفي كثير شحم بطونهم، قليل فقه ~~قلوبهم، فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع ما نقول؟ قال الآخر: يسمع إن ~~جهرنا ولا يسمع إن أخفينا، وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع ~~إذا أخفينا، فأنزل الله تعالى: { وما كنتم تستترون أن ~~يشهد عليكم سمعكم ولآ أبصركم ولا جلودكم ~~ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا ms2025 مما ~~تعملون }. قيل: الثقفي، عبد ياليل، وختناه القرشيان: ربيعة، وصفوان ~~بن أمية. ### || [41.23-27] # قوله تعالى: { وذلكم ظنكم الذى ظننتم بربكم ~~أرداكم } ، أهلككم، أي: ظنكم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون، ~~أرداكم. قال ابن عباس: طرحكم في النار، { فأصبحتم من ~~الخسرين } ، ثم أخبر عن حالهم فقال: # { فإن يصبروا فالنار مثوى لهم } ، مسكن لهم، { وإن ~~يستعتبوا } ، يسترضوا ويطلبوا العتبى، { فما هم من ~~المعتبين } ، المرضين، والمعتب الذي قبل عتابه وأجيب إلى ما ~~سأل، يقال: أعتبني فلان، أي: أرضاني بعد إسخاطه إياي، واستعتبته: طلبت ~~منه أن يعتب، أي: يرضى. # { وقيضنا لهم } ، أي: بعثنا ووكلنا، وقال مقاتل: هيأنا. وقال ~~الزجاج: سببنا لهم. { قرنآء } ، نظراء من الشياطين حتى أضلوهم، { ~~فزينوا لهم ما بين أيديهم } ، من أمر الدنيا حتى آثروه ~~على الآخرة، { وما خلفهم } ، من أمر الآخرة فدعوهم إلى التكذيب به ~~وإنكار البعث، { وحق عليهم القول فى أمم } ، مع أمم، { ~~قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا ~~خسرين }. # { وقال الذين كفروا } ، من مشركي قريش، { لا تسمعوا ~~لهذا القرءان والغوا فيه } ، قال ابن عباس: يعني الغطوا ~~فيه، وكان بعضهم يوصي إلى بعض إذا رأيتم محمدا يقرأ فعارضوه بالرجز ~~والشعر واللغو. قال مجاهد: والغوا فيه بالمكاء والصفير. وقال الضحاك: ~~أكثروا الكلام فيختلط عليه ما يقول: وقال السدي: صيحوا في وجهه. { ~~لعلكم تغلبون } ، محمدا على قراءته. # { فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ~~ولنجزينهم أسوأ الذى } ، يعني بأسوأ الذي، أي: بأقبح ~~الذي، { كانوا يعملون } ، في الدنيا وهو الشرك بالله. ### || [41.28-33] # { ذلك } ، الذي ذكرت من العذاب الشديد، { جزآء أعدآء الله } ~~، ثم بين ذلك الجزاء فقال: { النار } ، أي: هو النار، { لهم فيها ~~} ، أي: في النار، { دار الخلد } ، دار الإقامة لا انتقال منها، { ~~جزآء بما كانوا بآياتنا يجحدون }. # { وقال الذين كفروا } ، أي: في النار يقولون. { ربنآ ~~أرنا الذين أضلنا من الجن والإنس } ، يعنون ~~إبليس وقابيل بن آدم الذي قتل أخاه لأنهما سنا المعصية، { نجعلهما ~~تحت أقدامنا } ، في النار، { ليكونا من الأسفلين } ، ~~ليكونا في الدرك الأسفل من النار. قال ابن عباس: ليكونا أشد ms2026 عذابا منا. # قوله عز وجل: { إن الذين قالوا ربنا الله ثم ~~استقموا } ، سئل أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه عن الاستقامة ~~فقال: أن لا تشرك بالله شيئا. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: " ~~الاستقامة " أن تستقيم عل الأمر والنهي، ولا تروغ روغان الثعلب. وقال ~~عثمان بن عفان رضي الله عنه: أخلصوا العمل لله. وقال علي رضي الله عنه: ~~أدوا الفرائض. وقال ابن عباس: استقاموا على أداء الفرائض. # وقال الحسن: استقاموا على أمر الله تعالى، فعملوا بطاعته، واجتنبوا ~~معصيته. # وقال مجاهد وعكرمة: استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى لحقوا ~~بالله. # وقال مقاتل: استقاموا على المعرفة ولم يرتدوا. وقال قتادة: كان الحسن ~~إذا تلا هذه الآية قال: اللهم أنت ربنا فارزقنا الاستقامة. # قوله عز وجل: { تتنزل عليهم الملئكة } ، قال ابن ~~عباس: عند الموت. وقال قتادة ومقاتل: إذا قاموا من قبورهم. قال وكيع بن ~~الجراح: البشرى تكون في ثلاث مواطن: عند الموت وفي المقبر وعند البعث { ~~ألا تخافوا } ، من الموت. وقال مجاهد: لا تخافوا على ما تقدمون ~~عليه من أمر الآخرة. { ولا تحزنوا } ، على ما خلفتم من أهل وولد، ~~فإنا نخلفكم في ذلك كله. وقال عطاء بن أبي رباح: لا تخافوا ولا تحزنوا ~~على ذنوبكم فإني أغفرها لكم، { وأبشروا بالجنة التى ~~كنتم توعدون }. # { نحن أوليآؤكم } ، تقول لهم الملائكة الذين تتنزل عليهم ~~بالبشارة: نحن أولياؤكم أنصاركم وأحباؤكم، { فى الحيوة الدنيا ~~وفى الأخرة } ،أي: في الدنيا والآخرة. وقال السدي: تقول الملائكة ~~نحن الحفظة الذين كنا معكم في الدنيا، ونحن أولياؤكم في الآخرة يقولون لا ~~نفارقكم حتى تدخلوا الجنة. { ولكم فيها ما تشتهى أنفسكم ~~} ، من الكرامات واللذات، { ولكم فيها } ، في الجنة { ما ~~تدعون } ، تتمنون. # { نزلا } ، رزقا، { من غفور رحيم }. # قوله عز وجل: { ومن أحسن قولا ممن دعآ إلى الله } ~~، إلى طاعته, { وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين ~~} ، قال ابن سيرين والسدي وابن عباس: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~دعا إلى شهادة أن لا إله إلا الله. # وقال الحسن: هو ms2027 المؤمن الذي أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب ~~إليه، وعمل صالحا في إجابته، وقال: إنني من المسلمين. # وقالت عائشة: أرى هذه الآية نزلت في المؤذنين. # وقال عكرمة: هو المؤذن أبو أمامة الباهلي، " وعمل صالحا ": صلى ركعتين ~~بين الأذان والإقامة. # وقال قيس بن أبي حازم: هو الصلاة بين الأذان والإقامة. # أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن العباس الحميدي، أخبرنا أبو عبدالله ~~محمد بن عبدالله الحافظ، حدثنا أبو عبدالله الحسين بن الحسن بن أيوب ~~الطوسي، حدثنا أبو يحيى ابن أبي ميسرة، حدثنا عبدالله بن زيد المقري، ~~حدثنا كهمس بن الحسن عن عبدالله بن بريدة عن عبدالله بن مغفل قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " بين كل أذانين صلاة " ، ثلاث مرات ثم قال في الثالثة: " لمن شاء ~~". # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، حدثنا أبو جعفر ~~الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان عن زيد ~~العمي عن أبي إياس معاوية بن قرة عن أنس ابن مالك قال سفيان: لا أعلمه ~~إلا وقد رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة ". ### || [41.34] # قوله عز وجل: { ولا تستوى الحسنة ولا السيئة } ، ~~قال الفراء: " لا " هاهنا صلة، معناه: ولا تستوي الحسنة والسيئة، يعني ~~الصبر والغضب، والحلم والجهل، والعفو والإساءة. { ادفع بالتى هى ~~أحسن } ، قال ابن عباس: أمر بالصبر عند الغضب، وبالحلم عند الجهل، ~~وبالعفو عند الإساءة. { فإذا الذى بينك وبينه عداوة ~~}؛ يعني: إذا فعلت ذلك خضع لك عدوك، وصار الذي بينك وبينه عداوة، { ~~كأنه ولى حميم } ، كالصديق القريب. قال مقاتل بن حيان: نزلت ~~في أبي سفيان بن حرب، وذلك أنه لان للمسلمين بعد شدة عداوته بالمصاهرة ~~التي حصلت بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أسلم فصار وليا ~~بالإسلام، حميما بالقرابة. ### || [41.35-54] # { وما يلقاهآ } ، ما يلقى هذه الخصلة وهي دفع السيئة بالحسنة، { ~~إلا الذين صبروا } ، على كظم الغيظ واحتمال المكروه، { وما ~~يلقاهآ إلا ذو حظ عظيم } ، في ms2028 الخير والثواب، وقال قتادة: ~~" الحظ العظيم ": الجنة، أي: ما يلقاها إلا من وجبت له الجنة. # { وإما ينزغنك من الشيطن نزغ فاستعذ بالله ~~إنه هو السميع } ، لاستعاذتك وأقوالك { العليم } ، بأفعالك ~~وأحوالك. # قوله عز وجل: { ومن ءايته اليل والنهار والشمس ~~والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا ~~لله الذي خلقهن } ، إنما قال " خلقهن " بالتأنيث لأنه أجراها ~~على طريق جمع التكسير، ولم يجرها على طريق التغليب للمذكر على المؤنث، { ~~إن كنتم إياه تعبدون }. # { فإن استكبروا } ، عن السجود، { فالذين عند ربك } ~~، يعني الملائكة { يسبحون له بالليل والنهار وهم ~~لا يسئمون } ، لا يملون ولا يفترون. # { ومن ءايته } ، دلائل قدرته، { أنك ترى الأرض ~~خشعة } ، يابسة غبراء لا نبات فيها، { فإذآ أنزلنا ~~عليها المآء اهتزت وربت إن الذى أحيها ~~لمحى الموتى إنه على كل شىء قدير }. # { إن الذين يلحدون فى ءايتنا } ، يميلون عن الحق في ~~أدلتنا، قال مجاهد: يلحدون في آياتنا بالمكاء والتصدية واللغو واللغط. ~~قال قتادة: يكذبون في آياتنا. قال السدي: يعاندون ويشاقون. قال مقاتل. ~~نزلت في أبي جهل. # { لا يخفون علينآ أفمن يلقى فى النار } ، وهو أبو ~~جهل، { خير أم من يأتى ءامنا يوم القيمة } ، قيل: ~~هو حمزة، وقيل: عثمان. وقيل: عمار بن ياسر. { اعملوا ما شئتم } ~~، أمر تهديد ووعيد، { إنه بما تعملون بصير } ، عالم ~~فيجازيكم به. { إن الذين كفروا بالذكر } ، بالقرآن، { ~~لما جآءهم } ، ثم أخذ في وصف الذكر وترك جواب: { إن الذين ~~كفروا } ، على تقدير: الذين كفروا بالذكر يجازون بكفرهم. وقيل: خبره ~~قوله من بعد: { أولئك ينادون من مكان بعيد }. { ~~وإنه لكتب عزيز } ، قال الكلبي عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما: كريم على الله: قال قتادة: أعزه الله عز وجل فلا يجد الباطل ~~إليه سبيلا. # وهو قوله: { لا يأتيه البطل من بين يديه ولا من ~~خلفه } ، قال قتادة والسدي: الباطل: هو الشيطان، لا يستطيع أن يغيره ~~أو يزيد فيه أو ينقص منه. # قال الزجاج: معناه أنه محفوظ من أن ينقص منه، فيأتيه الباطل من بين يديه ~~أو يزاد فيه فيأتيه الباطل من خلفه، وعلى ms2029 هذا معنى " الباطل ": الزيادة ~~والنقصان. # وقال مقاتل: لا يأتيه التكذيب من الكتب التي قبله، ولا يجيء من بعده ~~كتاب فيبطله، { تنزيل من حكيم حميد } ، ثم عزى نبيه صلى ~~الله عليه وسلم على تكذيبهم. # فقال: { ما يقال لك } ، من الأذى، { إلا ما قد قيل ~~للرسل من قبلك } ، يقول: إنه قد قيل للأنبياء والرسل قبلك: ~~ساحر، كما يقال لك وكذبوا كما كذبت، { إن ربك لذو ~~مغفرة } ، لمن تاب وآمن بك { وذو عقاب أليم } ، لمن أصر على ~~التكذيب. # { ولو جعلنه } ، أي: جعلنا هذا الكتاب الذي تقرؤه على الناس، ~~{ قرءانا أعجميا } ، بغير لغة العرب، { لقالوا لولا ~~فصلت ءاياته } ، هلا بينت آياته بالعربية حتى نفهمها، { ~~ءأعجمي وعربي } ، يعني: أكتاب أعجمي ورسول عربي؟ وهذا استفهام ~~على وجه الإنكار، أي: أنهم كانوا يقولون: المنزل عليه عربي والمنزل ~~أعجمي. # قال مقاتل: وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدخل على يسار، ~~غلام عامر بن الحضرمي، وكان يهوديا أعجميا، يكنى أبا فكيهة، فقال ~~المشركون: إنما يعلمه يسار فضربه سيده، وقال: إنك تعلم محمدا، فقال ~~يسار: هو يعلمني، فأنزل الله تعالى هذه الآية: # { قل } ، يا محمد، { هو } ، يعني القرآن، { للذين ءامنوا ~~هدى وشفآء } ، هدى من الضلالة وشفاء لما في القلوب، وقيل: شفاء من ~~الأوجاع. # { والذين لا يؤمنون فى ءاذانهم وقر وهو ~~عليهم عمى } ، قال قتادة: عموا عن القرآن وصموا عنه فلا ~~ينتفعون به، { أولئك ينادون من مكان بعيد } ، أي: ~~أنهم لا يسمعون ولا يفهمون كما أن من دعي من مكان بعيد لم يسمع ولم يفهم، ~~وهذا مثل لقلة انتفاعهم بما يوعظون به كأنهم ينادون من حيث لا يسمعون. # { ولقد ءاتينا موسى الكتب فاختلف فيه } ، فمصدق ~~ومكذب كما اختلف قومك في كتابك، { ولولا كلمة سبقت من ~~ربك } ، في تأخير العذاب عن المكذبين بالقرآن { لقضى بينهم ~~} ، لفرغ من عذابهم وعجل إهلاكهم، { وإنهم لفى شك منه ~~} ، من صدقك، { مريب } ، موقع لهم الريبة. # { من عمل صلحا فلنفسه ومن أسآء فعليها ~~وما ربك بظلم للعبيد }. # { إليه يرد علم الساعة } ، أي: علمها إذا سئل ms2030 عنها مردود ~~إليه لا يعلمه غيره، { وما تخرج من ثمرت من أكمامها ~~} ، قرأ أهل المدينة والشام وحفص: " ثمرات " ، على الجمع، وقرأ الآخرون " ~~ثمرة " على التوحيد، { من أكمامها } أوعيتها واحدها: كم. قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: يعني الكفرى قبل أن تنشق. { وما تحمل ~~من أنثى ولا تضع إلا بعلمه } ، [إلا بإذنه]، يقول: يرد ~~إليه علم الساعة كما يرد إليه علم الثمار والنتاج. { ويوم ~~يناديهم } ، ينادي الله المشركين، { أين شركآئي } ، الذين ~~كنتم تزعمون أنها آلهة، { قالوا } ، يعني المشركين، { ءاذناك } ، ~~أعلمناك، { ما منا من شهيد } ، أي: من شاهد بأن لك شريكا لما ~~عاينوا العذاب تبرأوا من الأصنام. # { وضل عنهم ما كانوا يدعون } ، يعبدون، { من قبل } ~~، في الدنيا { وظنوا } ، أيقنوا، { ما لهم من محيص } ، ~~مهرب. # { لا يسئم الإنسن } ، لا يمل الكافر، { من دعآء ~~الخير } ، أي: لا يزال يسأل ربه الخير، يعني المال والغنى والصحة، ~~{ وإن مسه الشر } ، الشدة والفقر، { فيؤوس } ، من روح الله، ~~{ قنوط } ، من رحمته. # { ولئن أذقنه رحمة منا } ، آتيناه خيرا وعافية ~~وغنى، { من بعد ضرآء مسته } ، من بعد شدة وبلاء أصابته، { ~~ليقولن هذا لى } ، أي: بعملي وأنا محقوق بهذا، { ومآ ~~أظن الساعة قآئمة ولئن رجعت إلى ربى إن ~~لى عنده للحسنى } ، يقول هذا الكافر: لست على يقين من البعث، ~~فإن كان الأمر على ذلك، ورددت إلى ربي إن لي عنده للحسنى، أي: الجنة، ~~أي: كما أعطاني في الدنيا سيعطيني في الآخرة { فلننبئن ~~الذين كفروا بما عملوا } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~لنقفنهم على مساوئ أعمالهم، { ولنذيقنهم من عذاب ~~غليظ }. # { وإذآ أنعمنا على الإنسن أعرض ونأى بجانبه ~~وإذا مسه الشر فذو دعآء عريض } ، كثير والعرب تستعمل ~~الطول والعرض في الكثرة، فيقال: أطال فلان الكلام والدعاء وأعرض، أي: ~~أكثر. { قل أرءيتم إن كان } ، هذا القرآن { من عند الله ~~ثم كفرتم به من أضل ممن هو فى شقاق بعيد } ~~، خلاف للحق بعيد عنه، أي: فلا أحد أضل منكم. # { سنريهم ءايتنا فى الأفاق } ، قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: يعني منازل الأمم الخالية. { وفى ms2031 أنفسهم } ، بالبلاء ~~والأمراض. # وقال قتادة: في الآفاق يعني: وقائع الله في الأمم، وفي أنفسهم يوم بدر. ~~وقال مجاهد، والحسن، والسدي: " في الآفاق ": ما يفتح من القرى على محمد ~~صلى الله عليه وسلم والمسلمين، " وفي أنفسهم ": فتح مكة. { حتى ~~يتبين لهم أنه الحق } ، يعني: دين الإسلام. وقيل: ~~القرآن يتبين لهم أنه من عند الله. وقيل: محمد صلى الله عليه وسلم، يتبين ~~لهم أنه مؤيد من قبل الله تعالى. # وقال عطاء وابن زيد: " في الآفاق " يعني: أقطار السماء والأرض من الشمس ~~والقمر والنجوم والنبات والأشجار والأنهار، " وفي أنفسهم " من لطيف ~~الصنعة وبديع الحكمة، حتى يتبين لهم أنه الحق. # { أولم يكف بربك أنه على كل شىء شهيد } ، ~~قال مقاتل: أو لم يكف بربك شاهدا أن القرآن من الله تعالى. قال ~~الزجاج: معنى الكفاية ها هنا: أن الله عز وجل قد بين من الدلائل ما فيه ~~كفاية، يعني: أو لم يكف بربك لأنه على كل شيء شهيد، شاهد لا يغيب عنه ~~شيء. # { ألآ إنهم فى مرية من لقآء ربهم } ، في شك من ~~البعث، { ألآ إنه بكل شىء محيط } ، أحاط بكل شيء علما. ### | [42 - سورة الشورى] ### || [42.1-3] # { حم عسق } ، سئل الحسين بن الفضل: لم يقطع حم عسق ولم ~~يقطع كهيعص؟ فقال: لأنها سورة أوائلها حم، فجرت مجرى نظائرها، ~~فكان { حم } مبتدأ و { عسق } خبره، ولأنهما عدا آيتين، وأخواتها ~~مثل: { كهيعص } و { المص } و { المر } عدت آية واحدة. # وقيل: لأن أهل التأويل لم يختلفوا في { كهيعص } وأخواتها أنها حروف ~~التهجي لا غير. واختلفوا في { حم } فاخرجها بعضهم من حيز الحروف ~~وجعلها فعلا، وقال: معناها حم أي: قضى ما هو كائن. # وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ح حلمه، م مجده، ع ~~علمه، س سناؤه، ق قدرته، أقسم الله بها. # وقال شهر بن حوشب وعطاء بن أبي رباح: ح حرب يعز فيها الذليل ويذل فيها ~~العزيز من قريش، م ملك يتحول من قوم إلى قوم، ع عدو لقريش يقصدهم، س ~~سيء، يكون فيهم، ms2032 ق قدرة الله النافذة في خلقه. # وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ليس من نبي صاحب كتاب إلا وقد ~~أوحيت إليه { حم عسق }. فلذلك قال: # { كذلك يوحى إليك } ، قرأ ابن كثير " يوحى " بفتح الحاء ~~وحجته قوله: # ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك # [الزمر:65]، فعلى هذه القراءة قوله، { الله العزيز الحكيم } ، ~~[تبين للفاعل كأنه قيل: من يوحي؟ فقيل: الله العزيز الحكيم]. # وقرأ الآخرون " يوحي " بكسر الحاء، إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز ~~الحكيم. # قال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: يريد أخبار الغيب. ### || [42.4-7] # { له ما فى السموت وما فى الأرض وهو العلى ~~العظيم * تكاد السموت يتفطرن من فوقهن } , ~~أي: كل واحدة منها تتفطر فوق التي تليها من قول المشركين: { اتخذ الله ~~ولدا } نظيره في سورة مريم: # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا * لقد جئتم شيئا ~~إدا * تكاد السموت يتفطرن منه # [مريم: 88-90]. { والملئكة يسبحون بحمد ربهم ~~ويستغفرون لمن فى الأرض } ، من المؤمنين، { ألا إن ~~الله هو الغفور الرحيم }. # { والذين اتخذوا من دونه أوليآء الله حفيظ ~~عليهم } ، يحفظ أعمالهم ويحصيها عليهم ليجازيهم بها، { ومآ أنت ~~عليهم بوكيل } ، لم يوكلك الله بهم حتى تؤخذ بهم. # { وكذلك } ، مثل ما ذكرنا، { أوحينآ إليك قرءانا ~~عربيا لتنذر أم القرى } ، مكة، يعني: أهلها، { ومن ~~حولها } ، يعني قرى الأرض كلها، { وتنذر يوم الجمع } ، ~~أي: تنذرهم بيوم الجمع وهو يوم القيامة يجمع الله الأولين والآخرين وأهل ~~السموات والأرضين، { لا ريب فيه } ، لا شك في الجمع أنه كائن ثم ~~بعد الجمع يتفرقون. { فريق فى الجنة وفريق فى السعير ~~}. # أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، ~~حدثنا أبو منصور الخشماذي، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا أبو عثمان سعيد ~~بن عثمان التنوخي، حدثنا بشر بن بكر، حدثني سعيد بن عثمان عن أبي الزاهر، ~~حدثنا جرير بن كريب عن عبدالله بن عمرو بن العاص، قال الثعلبي: وأخبرنا ~~أبو عبدالله بن فنجويه الدينوري، حدثنا أبو بكر بن مالك القطيعي، حدثنا ~~عبدالله بن أحمد بن حنبل، ms2033 حدثني أبي، حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا ليث، ~~حدثني أبو قبيل المعافري عن شفي الأصبحي عن عبدالله بن عمرو قال: # " خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم قابضا على كفيه ومعه ~~كتابان،. فقال: " أتدرون ما هذان الكتابان؟ " قلنا: لا يا رسول الله، ~~فقال: " للذي في يده اليمنى: هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل ~~الجنة وأسماء آبائهم وعشائرهم وعدتهم قبل أن يستقروا نطفا في الأصلاب، ~~وقبل أن يستقروا نطفا في الأرحام إذ هم في الطينة منجدلون فليس بزائد ~~فيهم ولا ناقص منهم، إجمال من الله عليهم إلى يوم القيامة، [ثم قال للذي ~~في يساره: هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم ~~وعشائرهم وعدتهم قبل أن يستقروا نطفا في الأصلاب، وقبل أن يستقروا نطفا ~~في الأرحام إذ هم في الطينة منجدلون، فليس بزائد فيهم ولا بناقص منهم، ~~إجمال من الله عليهم إلى يوم القيامة]، فقال عبد الله بن عمرو: ففيم ~~العمل إذا يا رسول الله؟ فقال: " اعملوا وسددوا وقاربوا، فإن صاحب الجنة ~~يختم له بعمل أهل الجنة، وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل ~~أهل النار وإن عمل أي عمل، ثم قال: { فريق فى الجنة } فضل من ~~الله، { وفريق فى السعير } ، عدل من الله عز وجل ". ### || [42.8] # قوله عز وجل: { ولو شآء الله لجعلهم أمة وحدة } ~~، قال ابن عباس رضي الله عنهما: على دين واحد. وقال مقاتل: على ملة ~~الإسلام لقوله تعالى: # ولو شآء الله لجمعهم على الهدى # [الأنعام: 35]، { ولكن يدخل من يشآء فى رحمته } ، في ~~دين الإسلام، { والظلمون } ، الكافرون، { ما لهم من ولى ~~} ، يدفع عنهم العذاب، { ولا نصير } ، يمنعهم من النار. ### || [42.9-20] # { أم اتخذوا } ، [بل اتخذوا، أي: الكافرون]، { من دونه } ، ~~[أي: من دون الله]، { أوليآء فالله هو الولى } ، [قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما]: وليك يا محمد وولي من اتبعك، { وهو يحيي ~~الموتى وهو على كل شىء قدير }. # { وما اختلفتم فيه من شىء } ، من أمر الدين، { فحكمه ~~إلى الله ms2034 } ، يقضي فيه ويحكم يوم القيامة بالفصل الذي يزيل الريب، { ~~ذلكم الله } ، الذي يحكم بين المختلفين هو، { ربى عليه ~~توكلت وإليه أنيب }. # { فاطر السموت والأرض جعل لكم من أنفسكم ~~أزوجا } ، من مثل خلقكم حلائل، قيل: إنما قال " من أنفسكم " لأنه ~~خلق حواء من ضلع آدم. { ومن الأنعم أزوجا } ، أصنافا ~~ذكورا وإناثا، { يذرؤكم } ، يخلقكم، { فيه } ، أي: في الرحم. ~~وقيل: في البطن. وقيل: على هذا الوجه من الخلقة. قال مجاهد: نسلا بعد ~~نسل من الناس والأنعام. وقيل: " في " بمعنى الباء أي: يذرؤكم به. وقيل: ~~معناه يكثركم بالتزويج. { ليس كمثله شىء } ، " مثل " صلة، أي: ~~ليس هو كشيء، فأدخل المثل للتوكيد، كقوله: # فإن ءامنوا بمثل مآ ءامنتم به # [البقرة: 137]، وقيل: الكاف صلة، مجازه: ليس مثله شيء. قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: ليس له نظير { وهو السميع البصير }. # { له مقاليد السموت والأرض } ، مفاتيح الرزق في ~~السموات والأرض. قال الكلبي: المطر والنبات { يبسط الرزق لمن ~~يشآء ويقدر } لأن مفاتيح الرزق بيده، { إنه بكل شىء ~~عليم }. قوله عز وجل: { شرع لكم من الدين } ، بين لكم ~~وسن لكم { ما وصى به نوحا } ، وهو أول أنبياء الشريعة. قال ~~مجاهد: أوصيناك وإياه يا محمد دينا واحدا. { والذى أوحينآ ~~إليك } ، من القرآن وشرائع الإسلام، { وما وصينا به ~~إبراهيم وموسى وعيسى } ، واختلفوا في وجه الآية: فقال ~~قتادة: تحليل الحلال وتحريم الحرام. وقال الحكم: تحريم الأمهات والبنات ~~والأخوات. # وقال مجاهد: لم يبعث الله نبيا إلا وصاه بإقام الصلاة وإيتاء ~~الزكاة والإقرار لله بالطاعة له، فذلك دينه الذي شرع لهم. # وقيل: هو التوحيد والبراءة من الشرك. وقيل: هو ما ذكر من بعد، وهو ~~قوله: { أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه } ، بعث ~~الله الأنبياء كلهم بإقامة الدين والألفة والجماعة وترك الفرقة ~~والمخالفة. # { كبر على المشركين ما تدعوهم إليه } ، من التوحيد ~~ورفض الأوثان ثم قال: { الله يجتبى إليه من يشآء } ، يصطفي ~~إليه من عباده من يشاء، { ويهدى إليه من ينيب } ، يقبل إلى ~~طاعته. # { وما تفرقوا } ، يعني أهل الأديان المختلفة، وقال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: يعني ms2035 أهل الكتاب كما ذكر في سورة المنفكين. { إلا من ~~بعد ما جآءهم العلم } ، بأن الفرقة ضلالة ولكنهم فعلوا ذلك، ~~{ بغيا بينهم } ، أي: للبغي، قال عطاء: يعني بغيا بينهم على ~~محمد صلى الله عليه وسلم، { ولولا كلمة سبقت من ربك } ~~، في تأخير العذاب عنهم، { إلى أجل مسمى } ، وهو يوم القيامة، ~~{ لقضى بينهم } ، بين من آمن وكفر، يعني أنزل العذاب بالمكذبين ~~في الدنيا، { وإن الذين أورثوا الكتب } ، يعني اليهود ~~والنصارى، { من بعدهم } ، من بعد أنبيائهم، وقيل: من بعد الأمم ~~الخالية. # وقال قتادة: معناه من قبلهم أي: من قبل مشركي مكة. { لفى شك ~~منه مريب } ، أي: من محمد صلى الله عليه وسلم. { فلذلك ~~فادع } ، أي: فإلى ذلك كما يقال دعوت إلى فلان ولفلان، وذلك إشارة إلى ~~ما وصى به الأنبياء من التوحيد، { واستقم كمآ أمرت } ، أثبت ~~على الدين الذي أمرت به، { ولا تتبع أهوآءهم وقل ~~ءامنت بمآ أنزل الله من كتب } ، أي: آمنت بكتب الله ~~كلها، { وأمرت لأعدل بينكم } ، أن أعدل بينكم، قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: أمرت أن لا أحيف عليكم بأكثر مما افترض الله ~~عليكم من الأحكام. وقيل: لأعدل بينكم في جميع الأحوال والأشياء، { الله ~~ربنا وربكم لنآ أعملنا ولكم أعملكم } ، ~~يعني: إلهنا واحد، وإن اختلفت أعمالنا، فكل يجازى بعمله، { لا ~~حجة } ، لا خصومة، { بيننا وبينكم } ، نسختها آية القتال، ~~فإذا لم يؤمر بالقتال وأمر بالدعوة لم يكن بينه وبين من لا يجيب خصومة، { ~~الله يجمع بيننا } ، في المعاد لفصل القضاء، { وإليه ~~المصير }. # { والذين يحآجون فى الله } ، يخاصمون في دين الله تعالى ~~نبيه صلى الله عليه وسلم، وقال قتادة: هم اليهود قالوا: كتابنا قبل ~~كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، فنحن خير منكم، فهذه خصومتهم، { من بعد ~~ما استجيب له } ، أي: استجاب له الناس فأسلموا ودخلوا في دينه ~~لظهور معجزته، { حجتهم داحضة } ، خصومتهم باطلة، { عند ~~ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد } ، في الآخرة. # { الله الذى أنزل الكتب بالحق والميزان } ، قال ~~قتادة، ومجاهد، ومقاتل: سمي العدل ميزانا لأن الميزان آلة الإنصاف ~~والتسوية. قال ابن ms2036 عباس رضي الله عنهما: أمر الله تعالى بالوفاء، ونهى عن ~~البخس. { وما يدريك لعل الساعة قريب } ، ولم يقل ~~قريبة لأن تأنيثها غير حقيقي، ومجازه: الوقت. وقال الكسائي: إتيانها ~~قريب. قال مقاتل: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الساعة وعنده قوم من ~~المشركين، قالوا تكذيبا: متى تكون الساعة؟ فأنزل الله هذه الآية { ~~يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها } ، ظنا منهم أنها ~~غير آتية، { والذين ءامنوا مشفقون } ، أي: خائفون، { ~~منها ويعلمون أنها الحق } ، أنها آتية لا ريب فيها، { ~~ألآ إن الذين يمارون } ، يخاصمون، وقيل: تدخلهم المرية ~~والشك، { فى الساعة لفى ضلل بعيد }. # قوله عز وجل { الله لطيف بعباده } ، قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: حفي بهم. قال عكرمة: بار بهم. قال السدي: رفيق. قال مقاتل: ~~لطيف بالبر والفاجر حيث لم يهلكهم جوعا بمعاصيهم، يدل عليه: قوله # يرزق من يشآء # [البقرة: 212]، وكل من رزقه الله من مؤمن وكافر وذي روح فهو ممن يشاء ~~الله أن يرزقه. قال جعفر الصادق: اللطف في الرزق من وجهين: أحدهما: أنه ~~جعل رزقك من الطيبات، والثاني: أنه لم يدفعه إليك بمرة واحدة. { وهو ~~القوى العزيز }. # { من كان يريد حرث الأخرة } ، الحرث في اللغة: الكسب، ~~يعني: من كان يريد بعمله الآخرة، { نزد له فى حرثه } ، ~~بالتضعيف بالواحد عشرة إلى ما شاء الله من الزيادة، { ومن كان ~~يريد حرث الدنيا } ، يريد بعمله الدنيا، { نؤته منها } ~~، قال قتادة: أي: نؤته بقدر ما قسم الله له، كما قال: # عجلنا له فيها ما نشآء لمن نريد # [الإسراء: 18]. { وما له فى الأخرة من نصيب } ، لأنه لم ~~يعمل للآخرة. # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين ابن محمد القاضي، أخبرنا أبو طاهر ~~الزيادي، أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن يحيى بن بلال، حدثنا أبو ~~الأزهر أحمد بن منيع العبدي، حدثنا محمد بن يوسف الفريابي، حدثنا سفيان ~~عن المغيرة عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " بشر هذه الأمة بالسنا والرفعة والنصرة والتمكين في الأرض، فمن عمل ~~منهم عمل ms2037 الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب ". ### || [42.21-25] # قوله تعالى: { أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ~~ما لم يأذن به الله } ، يعني كفار مكة، يقول: أم لهم آلهة ~~سنوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله؟ # قال ابن عباس رضي الله عنهما: شرعوا لهم دينا غير دين الإسلام. # { ولولا كلمة الفصل } ، لولا أن الله حكم في كلمة الفصل بين ~~الخلق بتأخير العذاب عنهم إلى يوم القيامة، حيث قال: # بل الساعة موعدهم # [القمر: 46]، { لقضي بينهم } ، لفرغ من عذاب الذين يكذبونك في ~~الدنيا، { وإن الظلمين } ، المشركين، { لهم عذاب ~~أليم } ، في الآخرة. { ترى الظلمين } ، المشركين يوم ~~القيامة، { مشفقين } ، وجلين، { مما كسبوا وهو واقع ~~بهم } ، جزاء كسبهم واقع بهم، { والذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت فى روضت الجنت لهم ما يشآءون ~~عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير }. # { ذلك الذى } ، ذكرت من نعيم الجنة، { يبشر الله عباده ~~الذين ءامنوا وعملوا الصلحت } ، فإنهم أهله، { قل ~~لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة فى ~~القربى }. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا ~~محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة قال: سمعت طاووسا عن ~~ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه سئل عن قوله: { إلا المودة فى ~~القربى } ، قال سعيد بن جبير: قربى آل محمد صلى الله عليه وسلم، ~~فقال ابن عباس رضي الله عنهما: عجلت، إن النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بيني ~~وبينكم من القرابة. # وكذلك روى الشعبي وطاووس عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: { إلا ~~المودة فى القربى } يعني أن تحفظوا قرابتي وتودوني وتصلوا ~~رحمي. وإليه ذهب مجاهد، وقتادة، وعكرمة، ومقاتل، والسدي، والضحاك، رضي ~~الله عنهم. # وقال عكرمة: لا أسألكم على ما أدعوكم إليه أجرا إلا أن تحفظوني في ~~قرابتي بيني وبينكم، وليس كما يقول الكذابون. # وروى ابن أبي نجيح عن ms2038 مجاهد عن ابن عباس في معنى الآية: إلا أن تودوا ~~الله وتتقربوا إليه بطاعته، وهذا قول الحسن، قال: هو القربى إلى الله، ~~يقول: إلا التقرب إلى الله والتودد إليه بالطاعة والعمل الصالح. # وقال بعضهم: معناه إلا أن تودوا قرابتي وعترتي وتحفظوني فيهم، وهو قول ~~سعيد بن جبير وعمرو بن شعيب. # واختلفوا في قرابته قيل: هم فاطمة وعلي وأبناؤهما، وفيهم نزل: # إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت # [الأحزاب: 33]. # وروينا عن يزيد بن حيان عن زيد بن أرقم عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي " # ، قيل لزيد بن أرقم: من أهل بيته؟ قال: هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر ~~وآل عباس. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبدالله بن عبدالوهاب، حدثنا ~~خالد، حدثنا شعبة عن واقد قال: سمعت أبي يحدث عن ابن عمر عن أبي بكر قال: ~~ارقبوا محمدا في أهل بيته. # وقيل: هم الذين تحرم عليهم الصدقة من أقاربه ويقسم فيهم الخمس، وهم بنو ~~هاشم، وبنو المطلب، الذين لم يتفرقوا في جاهلية ولا في إسلام. # وقال قوم: هذه الآية منسوخة وإنما نزلت بمكة، وكان المشركون يؤذون رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآية فأمرهم فيها بمودة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وصلة رحمه، فلما هاجر إلى المدينة وآواه ~~الأنصار ونصروه أحب الله عز وجل أن يلحقه بإخوانه من الأنبياء عليهم ~~السلام حيث قالوا: # ومآ أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على ~~رب العالمين # [الشعراء: 109]، فأنزل الله تعالى { قل ما سألتكم من أجر ~~فهو لكم إن أجرى إلا على الله } ، فهي منسوخة بهذه ~~الآية، وبقوله: # قل مآ أسئلكم عليه من أجر ومآ أنآ من ~~المتكلفين # [ص: 86]، وغيرها من الآيات. وإلى هذا ذهب الضحاك بن مزاحم، والحسين بن ~~الفضل. # وهذا قول غير مرضي؛ لأن مودة النبي صلى الله عليه وسلم ms2039 وكف الأذى عنه ~~ومودة أقاربه، والتقرب إلى الله بالطاعة، والعمل الصالح من فرائض الدين، ~~وهذه أقاويل السلف في معنى الآية، فلا يجوز المصير إلى نسخ شيء من هذه ~~الأشياء. # وقوله: { إلا المودة فى القربى } ، ليس باستثناء متصل ~~بالأول حتى يكون ذلك أجرا في مقابلة أداء الرسالة، بل هو منقطع، ومعناه: ~~ولكني أذكركم المودة في القربى وأذكركم قرابتي منكم. كما روينا في حديث ~~زيد بن أرقم: # " أذكركم الله في أهل بيتي ". # قوله عز وجل: { ومن يقترف حسنة نزد له فيها ~~حسنا } ، أي: من يزد طاعة نزد له فيها حسنا بالتضعيف، { إن الله ~~غفور } ، للذنوب، { شكور } ، للقليل حتى يضاعفها. # { أم يقولون } ، بل يقولون يعني: كفار مكة، { افترى على ~~الله كذبا فإن يشإ الله يختم على قلبك } ، قال ~~مجاهد: يربط على قلبك بالصبر حتى لا يشق عليك أذاهم، وقولهم إنه مفتر، ~~قال قتادة: يعني يطبع على قلبك فينسيك القرآن وما أتاك، فأخبرهم أنه لو ~~افترى على الله لفعل به ما أخبر عنه في هذه الآية، ثم ابتدأ فقال: { ~~ويمح الله البطل } ، قال الكسائي: فيه تقديم وتأخير مجازه: ~~والله يمحو الباطل. وهو في محل رفع، ولكنه حذف منه الواو في المصحف على ~~اللفظ كما حذفت من قوله: # ويدع الإنسن # [الإسراء: 11] و # سندع الزبانية # [العلق: 18] أخبر أن ما يقولونه باطل يمحوه الله، { ويحق الحق ~~بكلمته } ، أي: الإسلام بما أنزل من كتابه، وقد فعل الله ذلك ~~فمحا باطلهم وأعلى كلمة الإسلام، { إنه عليم بذات الصدور } ~~، قال ابن عباس: لما نزلت: { قل لا أسئلكم عليه أجرا ~~إلا المودة فى القربى } ، وقع في قلوب قوم منها شيء ~~وقالوا يريد أن يحثنا على أقاربه من بعده، فنزل جبريل فأخبره أنهم اتهموه ~~وأنزل هذه الآية، فقال القوم: يا رسول الله فإنا نشهد أنك صادق؟ فنزل: # { وهو الذى يقبل التوبة عن عباده } ، قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: يريد أولياءه وأهل طاعته، قيل: التوبة ترك المعاصي نية ~~وفعلا، والإقبال على الطاعة نية وفعلا، قال سهل بن عبدالله: التوبة ~~الانتقال من الأحوال ms2040 المذمومة إلى الأحوال المحمودة. { ويعفوا عن ~~السيئت } ، إذا تابوا. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن سمعان، حدثنا أبو ~~جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، حدثنا ~~يحيى بن حماد، حدثنا أبو عوانة عن سليمان عن الأعمش عن عمارة بن عمير عن ~~الحارث بن سويد قال: دخلت على عبدالله أعوده، فقال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # " لله أفرح بتوبة عبده من رجل، أظنه قال: في برية مهلكة معه راحلته ~~عليها طعامه وشرابه، فنزل فنام فاستيقظ وقد ضلت راحلته، فطاف عليها حتى ~~أدركه العطش، فقال: أرجع إلى حيث كانت راحلتي فأموت عليه، فرجع فأغفى ~~فاستيقظ فإذ هو بها عنده عليها طعامه وشرابه ". # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، ~~حدثنا محمد بن الصباح وزهير بن حرب قالا: حدثنا عمر بن يونس، حدثنا عكرمة ~~بن عمار، حدثنا إسحاق بن أبي طلحة، حدثني أنس بن مالك وهو عمه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض ~~فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ~~ظلها، وقد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ ~~بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة ~~الفرح ". # { ويعفوا عن السيئت } فيمحوها إذا تابوا. { ويعلم ~~ما تفعلون } ، قرأ حمزة والكسائي وحفص " تفعلون " بالتاء، وقالوا: ~~هو خطاب للمشركين، وقرأ الآخرون بالياء لأنه بين خبرين عن قوم، فقال: ~~قبله عن عباده, وبعده ويزيدهم من فضله. ### || [42.26-27] # { ويستجيب الذين ءامنوا } ، أي: ويجيب الذين آمنوا، { ~~وعملوا الصلحت } ، إذا دعوه, وقال عطاء عن ابن عباس: ويثيب ~~الذين آمنوا. { ويزيدهم من فضله } ، سوى ثواب أعمالهم تفضلا ~~منه. قال أبو صالح عنه: يشفعهم في إخوانهم، ويزيدهم من فضله. قال: ms2041 في ~~إخوان إخوانهم. { والكفرون لهم عذاب شديد }. # { ولو بسط الله الرزق لعباده } ، قال خباب بن الأرت: ~~فينا نزلت هذه الآية، وذلك أنا نظرنا إلى أموال بني قريظة وبني النضير ~~وبني قينقاع فتمنيناها فأنزل الله عز وجل هذه الآية { ولو بسط ~~الله الرزق } وسع الله الرزق { لعباده } ، { لبغوا } ، ~~لطغوا وعتوا، { فى الأرض }. # قال ابن عباس: بغيهم طلبهم منزلة بعد منزلة ومركبا بعد مركب وملبسا ~~بعد ملبس. # { ولكن ينزل } ، أرزاقهم، { بقدر ما يشآء } ، كما ~~يشاء نظرا منه لعباده، { إنه بعباده خبير بصير }. # أخبرنا أحمد بن عبدالله الصالحي، أخبرنا أبو عمر بكر ابن محمد المزني، ~~حدثنا أبو بكر محمد بن عبدالله حفيد العباس بن حمزة، حدثنا الحسين بن ~~الفضل البجلي، حدثنا أبو حفص عمر بن سعيد الدمشقي، حدثنا صدقة عن ~~عبدالله، حدثنا هشام الكناني عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن جبريل عن الله عز وجل قال: # " يقول الله عز وجل من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، وإني ~~لأغضب لأوليائي كما يغضب الليث الحرد، وما تقرب إلي عبدي المؤمن ~~بمثل أداء ما افترضت عليه، وما يزال عبدي المؤمن يتقرب إلي بالنوافل حتى ~~أحبه، فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا ومؤيدا، إن دعاني ~~أجبته، وإن سألني أعطيته وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض روح ~~عبدي المؤمن يكره الموت، وأنا أكره مساءته ولا بد له منه، وإن من عبادي ~~المؤمنين لمن يسألني الباب من العبادة فأكفه عنه أن لا يدخله عجب ~~فيفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا الغنى ولو ~~أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا الفقر ~~ولو أغنيته لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا ~~الصحة ولو أسقمته لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه ~~إلا السقم ولو أصححته لأفسده ذلك، إني أدبر أمر عبادي بعلمي بقلوبهم ~~إني عليم خبير ". ### || [42.28-30] # قوله عز وجل: ms2042 { وهو الذى ينزل الغيث } ، المطر، { من ~~بعد ما قنطوا } ، يعني: من بعد ما يئس الناس منه، وذلك أدعى لهم ~~إلى الشكر، قال مقاتل: حبس الله المطر عن أهل مكة سبع سنين حتى قنطوا، ثم ~~أنزل الله المطر فذكرهم الله نعمته، { وينشر رحمته } ، يبسط ~~مطره، كما قال: # وهو الذى يرسل الرياح بشرا بين يدى رحمته # [الأعراف: 57]. { وهو الولى } ، لأهل طاعته، { الحميد } ، ~~عند خلقه. # { ومن ءايته خلق السموت والأرض وما بث ~~فيهما من دآبة وهو على جمعهم إذا يشآء قدير } ~~، يعني: يوم القيامة. # { ومآ أصبكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم } ، ~~قرأ أهل المدينة والشام " بما كسبت " ، بغير فاء، وكذلك هو في مصاحفهم، ~~فمن حذف الفاء جعل " ما " في أول الآية بمعنى الذي أصابكم بما كسبت ~~أيديكم. { ويعفوا عن كثير } , قال الحسن: لما نزلت هذه الآية ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " والذي نفس محمد بيده ما من خدش عود ولا عثرة قدم، ولا اختلاج عرق ~~إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر ". # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني أبو عبدالله ~~بن فنجويه، حدثنا أبو بكر ابن مالك القطيعي، حدثنا بشر بن موسى الأسدي، ~~حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا مروان بن معاوية، أخبرني الأزهر بن راشد ~~الباهلي عن الخضر بن القواس البجلي عن أبي سخيلة قال: قال علي بن أبي ~~طالب: ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله عز وجل حدثنا بها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم؟ { ومآ أصبكم من مصيبة فبما كسبت ~~أيديكم ويعفوا عن كثير } ، قال: وسأفسرها لك يا علي: # " ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم، والله ~~عز وجل أكرم من أن يثني عليهم العقوبة في الآخرة، وما عفا الله عنكم ~~في الدنيا فالله أحلم من أن يعود بعد عفوه ". # قال عكرمة: ما من نكبة أصابت عبدا فما فوقها إلا بذنب لم يكن الله ~~ليغفر له إلا بها، أو درجة لم يكن الله ليبلغها إلا بها. ### || [42.31-35] # { ومآ أنتم ms2043 بمعجزين } ، بفائتين، { فى الأرض } ، هربا ~~يعني لا تعجزونني حيث ما كنتم ولا تسبقونني، { وما لكم من دون ~~الله من ولى ولا نصير }. # قوله عز وجل: { ومن ءايته الجوار } ، يعني: السفن، ~~واحدتها جارية وهي السائرة، { فى البحر كالأعلم } ، أي: ~~الجبال، قال مجاهد: القصور واحدها علم، وقال الخليل بن أحمد: كل شيء ~~مرتفع عند العرب فهو علم. # { إن يشأ يسكن الريح } ، التي تجريها، { فيظللن } ، ~~يعني: الجواري، { رواكد } ، ثوابت، { على ظهره } ، على ظهر ~~البحر لا تجري، { إن فى ذلك لأيت لكل صبار شكور ~~} ، أي: لكل مؤمن لأن صفة المؤمن الصبر في الشدة والشكر في الرخاء. # { أو يوبقهن } ، يهلكهن ويغرقهن، { بما كسبوا } ، أي: بما ~~كسبت ركبانها من الذنوب، { ويعف عن كثير } ، من ذنوبهم فلا يعاقب ~~عليها. # { ويعلم } ، قرأ أهل المدينة والشام: " ويعلم " برفع الميم على ~~الاستئناف كقوله عز وجل في سورة براءة: # ويتوب الله على من يشآء # [التوبة: 15]، وقرأ الآخرون بالنصب على الصرف، والجزم إذا صرف عنه ~~معطوفه نصب، وهو كقوله تعالى: # ويعلم الصبرين # [آل عمران: 142]، صرف من حال الجزم إلى النصب استخفافا وكراهية لتوالي ~~الجزم. { الذين يجدلون فى ءايتنا ما لهم من ~~محيص } ، أي: يعلم الذين يكذبون بالقرآن إذا صاروا إلى الله بعد ~~البعث أن لا مهرب لهم من عذاب الله. ### || [42.36-43] # { فمآ أوتيتم من شىء } ، من رياش الدنيا، { فمتع ~~الحيوة الدنيا } ، ليس من زاد المعاد، { وما عند الله } ، ~~[من الثواب]، { خير وأبقى للذين ءامنوا وعلى ~~ربهم يتوكلون } ، فيه بيان أن المؤمن والكافر يستويان في أن ~~الدنيا متاع قليل لهما يتمتعان بها فإذا صارا إلى الآخرة كان ما عند الله ~~خير للمؤمن. # { والذين يجتنبون كبئر الإثم } قرأ حمزة والكسائي: ~~" كبير الإثم " على الواحد هاهنا، وفي سورة النجم، وقرأ الآخرون: " كبائر ~~" بالجمع، وقد ذكرنا معنى الكبائر في سورة النساء. # { والفوحش } ، قال السدي: يعني الزنا. وقال مجاهد ومقاتل: ما ~~يوجب الحد. { وإذا ما غضبوا هم يغفرون } ، يحلمون ~~ويكظمون الغيظ ويتجاوزون. # { والذين استجابوا لربهم } ، أجابوه إلى ما دعاهم إليه ~~من طاعته، { وأقاموا الصلوة وأمرهم شورى بينهم ms2044 } ~~، يتشاورون فيما يبدوا لهم ولا يعجلون { ومما رزقنهم ~~ينفقون }. # { والذين إذآ أصابهم البغى } ، الظلم والعدوان، { هم ~~ينتصرون } ، ينتقمون من ظالميهم من غير أن يعتدوا. قال ابن زيد: جعل ~~الله المؤمنين صنفين: صنف يعفون عن ظالميهم فبدأ بذكرهم، وهو قوله { ~~وإذا ما غضبوا هم يغفرون } ، وصنف ينتصرون من ظالميهم، ~~وهم الذين ذكروا في هذه الآية. # قال إبراهيم في هذه الآية: كانوا يكرهون أن يستذلوا فإذا قدروا عفوا. # قال عطاء: هم المؤمنون الذين أخرجهم الكفار من مكة وبغوا عليهم، ثم ~~مكنهم الله في الأرض حتى انتصروا ممن ظلمهم، ثم ذكر الله الانتصار فقال: # { وجزآء سيئة سيئة مثلها } ، سمى الجزاء سيئة وإن لم ~~تكن سيئة لتشابههما في الصورة. قال مقاتل: يعني القصاص في الجراحات ~~والدماء. # قال مجاهد والسدي: هو جواب القبيح إذا قال: أخزاك الله تقول: أخزاك ~~الله، وإذا شتمك فاشتمه بمثلها من غير أن تعتدي. # قال سفيان بن عيينة: قلت لسفيان الثوري ما قوله عز وجل: { وجزآء ~~سيئة سيئة مثلها }؟ قال: أن يشتمك رجل فتشتمه، وأن يفعل ~~بك فتفعل به، فلم أجد عنده شيئا، فسألت هشام بن حجيرة عن هذه الآية؟ ~~فقال: الجارح إذا جرح يقتص منه، وليس هو أن يشتمك فتشتمه. # ثم ذكر العفو فقال: { فمن عفا } ، عمن ظلمه، { وأصلح } ، ~~بالعفو بينه وبين ظالمه، { فأجره على الله } ، قال الحسن: إذا ~~كان يوم القيامة نادى مناد: من كان له على الله أجر فليقم. فلا يقوم إلا ~~من عفا، ثم قرأ هذه الآية. { إنه لا يحب الظلمين } ، قال ~~ابن عباس: الذين يبدؤون بالظلم. # { ولمن انتصر بعد ظلمه } ، أي: بعد ظلم الظالم إياه، { ~~فأولئك } ، يعني المنتصرين، { ما عليهم من سبيل } ، ~~بعقوبة ومؤاخذة. # { إنما السبيل على الذين يظلمون الناس } ، يبدؤون ~~بالظلم، { ويبغون فى الأرض بغير الحق } ، يعملون فيها ~~بالمعاصي، { أولئك لهم عذاب أليم }. # { ولمن صبر وغفر } ، فلم ينتصر، { إن ذلك } ، الصبر ~~والتجاوز، { لمن عزم الأمور } ، حقها وجزمها. قال مقاتل: من ~~الأمور التي أمر الله بها. قال الزجاج: الصابر يؤتى بصبره الثواب ~~فالرغبة في الثواب أتم ms2045 عزما. ### || [42.44-47] # { ومن يضلل الله فما له من ولى من بعده } ، فماله ~~من أحد يلي هدايته بعد إضلال الله إياه و يمنعه من عذاب الله، { وترى ~~الظلمين لما رأوا العذاب } ، يوم القيامة، { ~~يقولون هل إلى مرد من سبيل } ، يسألون الرجعة في ~~الدنيا. # { وتراهم يعرضون عليها } ، أي: على النار، { خشعين ~~} ، خاضعين متواضعين، { من الذل ينظرون من طرف خفى } ، ~~خفي النظر لما عليهم من الذل يسارقون النظر إلى النار خوفا منها وذلة ~~في أنفسهم. وقيل: " من " بمعنى الباء أي: بطرف خفي ضعيف من الذل. وقيل: ~~إنما قال: " من طرف خفى } لأنه لا يفتح عينه إنما ينظر ببعضها. وقيل: ~~معناه ينظرون إلى النار بقلوبهم لأنهم يحشرون عميا، والنظر بالقلب خفي. ~~{ وقال الذين ءامنوا إن الخسرين الذين ~~خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيمة } ، قيل: ~~خسروا أنفسهم بأن صاروا إلى النار، وأهليهم بأن صاروا لغيرهم في الجنة. { ~~ألا إن الظلمين فى عذاب مقيم }. # { وما كان لهم من أوليآء ينصرونهم من دون الله ~~ومن يضلل الله فما له من سبيل } ، طريق إلى الصواب وإلى ~~الوصول إلى الحق في الدنيا والجنة في العقبى، قد انسد عليهم طريق ~~الخير. # { استجيبوا لربكم } ، أجيبوا داعي الله يعني محمدا صلى الله ~~عليه وسلم، { من قبل أن يأتى يوم لا مرد له من ~~الله } ، لا يقدر أحد على دفعه وهو يوم القيامة { ما لكم من ~~ملجأ } تلجأون إليه { يومئذ وما لكم من نكير } من ~~منكر يغير ما بكم. ### || [42.48-53] # { فإن أعرضوا } ، عن الإجابة، { فمآ أرسلنك ~~عليهم حفيظا إن عليك } ، ما عليك، { إلا البلغ ~~وإنآ إذآ أذقنا الإنسن منا رحمة } ، قال ابن عباس: ~~يعني الغنى والصحة. { فرح بها وإن تصبهم سيئة } ، قحط، ~~{ بما قدمت أيديهم فإن الإنسن كفور } ، أي: لما ~~تقدم من نعمة الله عليه ينسى ويجحد بأول شدة جميع ما سلف من النعم. # { لله ملك السموت والأرض } ، له التصرف فيهما بما يريد، ~~{ يخلق ما يشآء يهب لمن يشآء إنثا } ، فلا يكون له ~~ولد ذكر، قيل: من يمن المرأة تبكيرها بالأنثى قبل الذكر، لأن ms2046 الله تعالى ~~بدأ بالإناث، { ويهب لمن يشآء الذكور } ، فلا يكون له أنثى. # { أو يزوجهم ذكرانا وإنثا } ، يجمع له بينهما فيولد ~~له الذكور والإناث، { ويجعل من يشآء عقيما } ، فلا يلد ولا ~~يولد له. قيل: هذا في الأنبياء عليهم السلام { يهب لمن يشآء ~~إنثا } يعني: لوطا لم يولد له ذكر إنما ولد له ابنتان، { ويهب ~~لمن يشآء الذكور } ، يعني: إبراهيم عليه السلام لم يولد له ~~أنثى، { أو يزوجهم ذكرانا وإنثا } يعني: محمدا صلى ~~الله عليه وسلم ولد له بنون وبنات، { ويجعل من يشآء عقيما } ~~يحيى وعيسى عليهما السلام لم يولد لهما، وهذا على وجه التمثيل، والآية ~~عامة في حق كافة الناس. { إنه عليم قدير }. # قوله عز وجل: { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا ~~وحيا } ، وذلك أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا تكلم ~~الله وتنظر إليه، إن كنت نبيا، كما كلمه موسى ونظر إليه؟ فقال: لم ~~ينظر موسى إلى الله عز وجل، فأنزل الله تعالى: { وما كان لبشر ~~أن يكلمه الله إلا وحيا } يوحي إليه في المنام أو ~~بالإلهام، { أو من ورآء حجاب } ، يسمعه كلامه ولا يراه، كما ~~كلمه موسى عليه الصلاة والسلام، { أو يرسل رسولا } ، إما جبريل ~~أو غيره من الملائكة، { فيوحى بإذنه ما يشآء } ، أي: يوحي ~~ذلك الرسول إلى المرسل إليه بإذن الله ما يشاء. # قرأ نافع: " أو يرسل " برفع اللام على الابتداء، " فيوحي " ساكنة ~~الياء، وقرأ الآخرون بنصب اللام والياء عطفا على محل الوحي لأن معناه: ~~وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحي إليه أو يرسل رسولا. { إنه ~~على حكيم }. # { وكذلك } ، أي: كما أوحينا إلى سائر رسلنا، { أوحينآ ~~إليك روحا من أمرنا } ، قال ابن عباس: نبوة. وقال الحسن: ~~رحمة. وقال السدي ومقاتل: وحيا. وقال الكلبي: كتابا، وقال الربيع: ~~جبريل. وقال مالك بن دينار: يعني القرآن. { ما كنت تدرى } ، قبل ~~الوحي، { ما الكتب ولا الإيمن } ، يعني شرائع الإيمان ~~ومعالمه. قال محمد بن إسحاق بن خزيمة: " الإيمان " في هذا الموضع: ~~الصلاة، ودليله: قوله عز وجل: # وما ms2047 كان الله ليضيع إيمنكم # [البقرة: 143]. # وأهل الأصول على أن الأنبياء عليهم السلام كانوا مؤمنين قبل الوحي، وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يعبد الله قبل الوحي على دين إبراهيم، ولم ~~يتبين له شرائع دينه. # { ولكن جعلنه نورا } ، قال ابن عباس: يعني الإيمان. وقال ~~السدي: يعني القرآن. { نهدى به } ، نرشد به، { من نشآء من ~~عبادنا وإنك لتهدى } ، أي لتدعو، { إلى صرط ~~مستقيم } ، يعني الإسلام. { صرط الله الذى له ما فى ~~السموت وما فى الأرض ألا إلى الله تصير الأمور ~~} ، أي: أمور الخلائق كلها في الآخرة. ### | [43 - سورة الزخرف] ### || [43.1-4] # { حم * والكتب المبين } , أقسم بالكتاب الذي أبان طريق ~~الهدى من طريق الضلالة، وأبان ما تحتاج إليه الأمة من الشريعة. # { إنا جعلناه قرءانا عربيا لعلكم تعقلون } ~~, قوله: " جعلناه " أي: صيرنا قراءة هذا الكتاب عربيا. وقيل: بيناه. ~~وقيل: سميناه. وقيل: وصفناه، يقال: جعل فلان زيدا أعلم الناس، أي وصفه، ~~هذا كقوله تعالى: # وجعلوا الملئكة الذين هم عباد الرحمن ~~إنثا # [الزخرف: 19] وقوله: # جعلوا القرءان عضين # [الحجر: 91]، وقال: # أجعلتم سقاية الحآج # [التوبة: 19]، كلها بمعنى الوصف والتسمية. # { وإنه } ، يعني القرآن، { فى أم الكتب } ، في اللوح ~~المحفوظ. قال قتادة: " أم الكتاب ": أصل الكتاب، وأم كل شيء: أصله. قال ~~ابن عباس: أول ما خلق الله القلم فأمره أن يكتب بما يريد أن يخلق، ~~فالكتاب عنده، ثم قرأ { وإنه فى أم الكتب لدينا } ، ~~فالقرآن مثبت عند الله في اللوح المحفوظ كما قال: # بل هو قرءان مجيد فى لوح محفوظ # [البروج: 21]. { لعلى حكيم } قال قتادة: يخبر عن منزلته وشرفه، ~~أي: إن كذبتم بالقرآن يا أهل مكة فإنه عندنا لعلي رفيع شريف محكم من ~~الباطل. ### || [43.5-14] # { أفنضرب عنكم الذكر صفحا } ، يقال: ضربت عنه وأضربت ~~عنه إذا تركته وأمسكت عنه و " الصفح " مصدر قولهم صفحت عنه إذا أعرضت ~~عنه، وذلك بأن توليه صفحة وجهك وعنقك، والمراد بالذكر القرآن، ومعناه: ~~أفنترك عنكم الوحي ونمسك عن إنزال القرآن فلا نأمركم ولا ننهاكم من أجل ~~أنكم أسرفتم في كفركم وتركتم الإيمان؟ استفهام بمعنى الإنكار، أي: لا ms2048 ~~نفعل ذلك، وهذا قول قتادة وجماعة. # قال قتادة: والله لو كان هذا القرآن رفع حين رده أوائل هذه الأمة ~~لهلكوا، ولكن الله عاد عليهم بعائدته ورحمته، فكرره عليهم عشرين سنة أو ~~ما شاء الله. # وقيل: معناه أفنضرب عنكم بذكيرنا إياكم صافحين معرضين. # قال الكسائي: أفنطوي عنكم الذكر طيا فلا تدعون ولا توعظون. وقال ~~الكلبي: أفنترككم سدى لا نأمركم ولا ننهاكم. وقال مجاهد والسدي: أفنعرض ~~عنكم ونترككم فلا نعاقبكم على كفركم. { أن كنتم قوما مسرفين ~~} ، قرأ أهل المدينة وحمزة والكسائي: " إن كنتم " بكسر الهمزة، { أن ~~كنتم قوما مسرفين } على معنى: إذ كنتم، كقوله: # وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين # [آل عمران: 139]، وقرأ الآخرون بالفتح، على معنى: لأن كنتم قوما مسرفين ~~مشركين. # { وكم أرسلنا من نبي فى الأولين * وما يأتيهم ~~} , أي وما كان يأتيهم، { من نبى إلا كانوا به ~~يستهزءون } ، كاستهزاء قومك بك، يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم. # { فأهلكنآ أشد منهم بطشا } ، أي أقوى من قومك، يعني ~~الأولين الذين أهلكوا بتكذيب الرسل، { ومضى مثل الأولين } ، ~~أي صفتهم وسنتهم وعقوبتهم، فعاقبة هؤلاء كذلك في الإهلاك. # { ولئن سألتهم } ، أي سألت قومك، { من خلق السموت ~~والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم } ، أقروا ~~بأن الله خالقها، وأقروا بعزه وعلمه ثم عبدوا غيره وأنكروا قدرته على ~~البعث لفرط جهلهم. إلى هاهنا تم الإخبار عنهم، ثم ابتدأ دالا على نفسه ~~بصنعه فقال: # { الذى جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها ~~سبلا لعلكم تهتدون }. إلى مقاصدكم في أسفاركم. # { والذى نزل من السمآء مآء بقدر } ، أي بقدر حاجتكم ~~إليه لا كما أنزل على قوم نوح بغير قدر حتى أهلكهم. { فأنشرنا به ~~بلدة ميتا كذلك } ، أي كما أحيينا هذه البلدة الميتة بالمطر ~~كذلك، { تخرجون } ، من قبوركم أحياء. # { والذى خلق الأزوج } ، أي الأصناف { كلها }: { ~~وجعل لكم من الفلك والأنعم ما تركبون } ، في ~~البر والبحر. # { لتستووا على ظهوره } , ذكر الكناية لأنه ردها إلى " ما ~~". { ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه ~~} , بتسخير المراكب في البر والبحر, { وتقولوا سبحن الذى ~~سخر لنا هذا } , ذلل لنا ms2049 هذا { وما كنا له مقرنين ~~} , مطيقين, وقيل: ضابطين. # { وإنآ إلى ربنا لمنقلبون } , لمنصرفون في المعاد. # أخبرنا أحمد بن عبدالله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد ~~الله بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، أخبرنا أحمد بن منصور ~~الرمادي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، أخبرني علي بن ~~ربيعة أنه شهد عليا رضى الله عنه حين ركب فلما وضع رجله في الركاب قال: ~~بسم الله، فلما استوى قال: الحمد لله، ثم قال: سبحان الذي سخر لنا هذا ~~وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، ثم حمد ثلاثا وكبر ثلاثا، ~~ثم قال: لا إله إلا الله ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ~~ثم ضحك، فقال: ما يضحكك يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فعل ما فعلت، وقال مثل ما قلت، ثم ضحك، فقلنا: ما يضحكك يا نبي ~~الله؟ قال: " العبد " ، أو قال: # " عجبت للعبد إذا قال لا إله إلا الله ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر ~~الذنوب إلا أنت، يعلم أنه لا يغفر الذنوب إلا هو ". ### || [43.15-18] # قوله تعالى: { وجعلوا له من عباده جزءا } ، أي نصيبا ~~وبعضا وهو قولهم: الملائكة بنات الله، ومعنى الجعل - هاهنا - الحكم ~~بالشيء والقول، كما تقول: جعلت زيدا أفضل الناس، أي وصفته وحكمت به، { ~~إن الإنسن } ، يعني الكافر، { لكفور } ، جحود لنعم الله، { ~~مبين } ، ظاهر الكفران. # { أم اتخذ مما يخلق بنات } ، هذا استفهام توبيخ وإنكار، ~~يقول: اتخذ ربكم لنفسه البنات، { وأصفكم بالبنين } ، ~~كقوله: # أفأصفكم ربكم بالبنين # [الإسراء: 40]. # { وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا } ، ~~بما جعل لله شبها، وذلك أن ولد كل شيء يشبهه، يعني إذا بشر أحدهم ~~بالبنات كما ذكر في سورة النحل: # وإذا بشر أحدهم بالأنثى، ظل وجهه مسودا ~~وهو كظيم # [النحل: 58]، من الحزن والغيظ. # { أومن ينشؤا } ، قرأ حمزة والكسائي وحفص: " ينشأ " بضم ~~الياء وفتح النون وتشديد الشين، أي يربى، وقرأ الآخرون بفتح الياء ~~وسكون النون وتخفيف الشين، أي ينبت ويكبر، ms2050 { فى الحلية } ، في ~~الزينة يعني النساء، { وهو فى الخصام غير مبين } ، في ~~المخاصمة غير مبين للحجة من ضعفهن وسفههن، قال قتادة: في هذه الآية: ~~قلما تتكلم امرأة تريد أن تتكلم بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها. # وفي محل " من " ثلاثة أوجه: الرفع على الابتداء، والنصب على الإضمار، ~~مجازه: أو من ينشؤ في الحلية يجعلونه بنات الله، والخفض ردا على ~~قوله: " مما يخلق " ، وقوله: " بما ضرب ". ### || [43.19-21] # { وجعلوا الملئكة الذين هم عباد الرحمن ~~إنثا } ، قرأ أهل الكوفة، وأبو عمرو { عباد الرحمن } ~~بالباء والألف بعدها ورفع الدال كقوله تعالى: # بل عباد مكرمون # [الأنبياء: 26]، وقرأ الآخرون: " عند الرحمن " بالنون ونصب ~~الدال على الظرف، وتصديقه قوله عز وجل: # إن الذين عند ربك # [الأعراف: 206] الآية: { أشهدوا خلقهم } ، قرأ أهل المدينة ~~على ما لم يسم فاعله، ولين الهمزة الثانية بعد همزة الاستفهام، أي ~~أحضروا خلقهم، وقرأ الآخرون بفتح الشين أي أحضروا خلقهم حين خلقوا، ~~وهذا كقوله: # أم خلقنا الملئكة إنثا وهم شاهدون # [الصافات: 150]، { ستكتب شهدتهم } ، على الملائكة أنهم ~~بنات الله، { ويسئلون } ، عنها. # قال الكلبي ومقاتل: # " لما قالوا هذا القول سألهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ما ~~يدريكم أنهم إناث؟ قالوا: سمعنا من آبائنا ونحن نشهد أنهم لم يكذبوا، ~~فقال الله تعالى: { ستكتب شهدتهم ويسئلون } ، عنها في ~~الآخرة ". # { وقالوا لو شآء الرحمن ما عبدنهم } ، يعني ~~الملائكة، قاله قتادة ومقاتل والكلبي، قال مجاهد: يعني الأوثان، وإنما لم ~~يعجل عقوبتنا على عبادتنا إياها لرضاه منا بعبادتها. قال الله تعالى: { ~~ما لهم بذلك من علم } ، فيما يقولون { إن هم إلا ~~يخرصون } ما هم إلا كاذبون في قولهم: إن الله تعالى رضي منا ~~بعبادتها، وقيل: إن هم إلا يخرصون في قولهم: إن الملائكة إناث وإنهم ~~بنات الله. # { أم ءاتينهم كتبا من قبله } ، أي من قبل القرآن ~~بأن يعبدوا غير الله، { فهم به مستمسكون }. ### || [43.22-35] # { بل قالوا إنا وجدنآ ءابآءنا على أمة } ، على ~~دين وملة، قال مجاهد: على إمام. { وإنا على ءاثرهم ~~مهتدون } ، جعلوا أنفسهم باتباع آبائهم مهتدين. # { وكذلك مآ أرسلنا من ms2051 قبلك فى قرية من نذير ~~إلا قال مترفوهآ } ، أغنياؤها ورؤساؤها، { إنا وجدنآ ~~ءابآءنا على أمة وإنا على ءاثرهم مقتدون } ~~، بهم. # { قل } ، قرأ ابن عامر وحفص: " قال " على الخبر، وقرأ الآخرون " قل " ~~على الأمر، { أولو جئتكم } ، قرأ أبو جعفر: " جئناكم " على الجمع، ~~والآخرون " جئتكم " على الواحد، { بأهدى } ، بدين أصوب، { مما ~~وجدتم عليه ءابآءكم } ، قال الزجاج: قل لهم يا محمد ~~أتتبعون ما وجدتم عليه آباءكم وإن جئتكم بأهدى منه؟ فأبوا أن يقبلوا, و { ~~قالوا إنا بمآ أرسلتم به كفرون }. # { فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عقبة ~~المكذبين }. # قوله عز وجل: { وإذ قال إبرهيم لأبيه وقومه ~~إننى برآء } ، أي بريء، ولا يثنى " البراء " ولا يجمع ولا يؤنث ~~لأنه مصدر وضع موضع النعت. { مما تعبدون إلا الذى ~~فطرنى } ، خلقني { فإنه سيهدين } يرشدني لدينه. # { وجعلها } ، يعني هذه الكلمة، { كلمة بقية فى عقبه ~~} ، قال مجاهد وقتادة: يعني كلمة التوحيد، وهي " لا إله إلا الله " كلمة ~~باقية في عقبه في ذريته. قال قتادة: لا يزال في ذريته من يعبد الله ~~ويوحده. وقال القرظي: يعني: وجعل وصية إبراهيم التي أوصى بها بنيه باقية ~~في نسله وذريته، وهو قوله عز وجل: # ووصى بهآ إبرهيم بنيه # [البقرة: 132]. # وقال ابن زيد: يعني قوله: # أسلمت لرب العلمين # [البقرة: 131]، وقرأ: # هو سمكم المسلمين # [الحج: 78]. # { لعلهم يرجعون } ، لعل أهل مكة يتبعون هذا الدين ويرجعون ~~عما هم عليه إلى دين إبراهيم، وقال السدي: لعلهم يتوبون ويرجعون إلى طاعة ~~الله عز وجل. # { بل متعت هؤلاء وءابآءهم } ، يعني: المشركين في ~~الدنيا، ولم أعاجلهم بالعقوبة على الكفر، { حتى جآءهم الحق } ~~، يعني القرآن، وقال الضحاك: الإسلام. { ورسول مبين } ، يبين لهم ~~الأحكام وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وكان من حق هذا الإنعام أن يطيعوه، ~~فلم يفعلوا، وعصوا. # وهو قوله عز وجل: { ولما جآءهم الحق } ، يعني القرآن، { ~~قالوا هذا سحر وإنا به كفرون * وقالوا لولا ~~نزل هذا القرءان على رجل من القريتين ~~عظيم } ، يعنون الوليد بن المغيرة من مكة، وعروة بن مسعود الثقفي ~~بالطائف، قاله قتادة. # وقال مجاهد: عتبة بن ربيعة ms2052 من مكة، وابن عبد ياليل الثقفي من الطائف. # وقيل: الوليد بن المغيرة من مكة، ومن الطائف: حبيب بن عمرو بن عمير ~~الثقفي. ويروى هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. # قال الله تعالى: { أهم يقسمون رحمت ربك } ، يعني ~~النبوة، قال مقاتل: يقول: بأيديهم مفاتيح الرسالة فيضعونها حيث شاؤوا؟ ثم ~~قال: # { نحن قسمنا بينهم معيشتهم فى الحيوة ~~الدنيا } ، فجعلنا هذا غنيا وهذا فقيرا وهذا مالكا وهذا مملوكا، ~~فكما فضلنا بعضهم على بعض في الرزق كما شئنا، كذلك اصطفينا بالرسالة من ~~شئنا. # { ورفعنا بعضهم فوق بعض درجت } ، بالغنى والمال، ~~{ ليتخذ بعضهم بعضا سخريا } ، ليستخدم بعضهم بعضا ~~فيسخر الأغنياء بأموالهم الأجراء الفقراء بالعمل، فيكون بعضهم لبعض سبب ~~المعاش، هذا بماله، وهذا بأعماله، فيلتئم قوام أمر العالم. وقال قتادة ~~والضحاك: يملك بعضهم بمالهم بعضا بالعبودية والملك. { ورحمت ربك ~~} ، [يعني الجنة]، { خير } ، للمؤمنين، { مما يجمعون } ، مما ~~يجمع الكفار من الأموال. # { ولولآ أن يكون الناس أمة وحدة } ، أي: لولا أن ~~يصيروا كلهم كفارا فيجتمعون على الكفر، { لجعلنا لمن يكفر ~~بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة } ، قرأ ابن كثير، ~~وأبو جعفر، وأبو عمرو: " سقفا " بفتح السين وسكون القاف على الواحد، ~~ومعناه الجمع، كقوله تعالى: # فخر عليهم السقف من فوقهم # [النحل: 26]، وقرأ الباقون بضم السين والقاف على الجمع، وهي جمع " سقف " ~~مثل رهن ورهن، قال أبو عبيدة: ولا ثالث لهما. وقيل: هو جمع سقيف. ~~وقيل: جمع سقوف جمع الجمع. { ومعارج } ، مصاعد ودرجا من فضة، { ~~عليها يظهرون } ، يعلون ويرتقون، يقال: ظهرت على السطح إذا ~~علوته. # { ولبيوتهم أبوبا } ، من فضة، { وسررا } أي: وجعلنا لهم ~~سررا من فضة، { عليها يتكئون }. # { وزخرفا } ، أي وجعلنا مع ذلك لهم زخرفا وهو الذهب، نظيره: # أو يكون لك بيت من زخرف # [الإسراء: 93]، { وإن كل ذلك لما متع الحيوة ~~الدنيا } ، قرأ حمزة وعاصم " لما " بالتشديد على معنى: وما كل ذلك ~~إلا متاع الحياة الدنيا، فكان: " لما " بمعنى إلا، وخففه الآخرون على ~~معنى: وكل ذلك متاع الحياة الدنيا، فيكون: " إن " للابتداء، و " ما " ~~صلة، يريد: إن هذا كله ms2053 متاع الحياة الدنيا يزول ويذهب، { والأخرة ~~عند ربك للمتقين } ، خاصة يعني الجنة. # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو العباس عبد ~~الله بن محمد بن هارون الطيسفوني، أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد ~~الترابي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عمر بن بسطام، أخبرنا أحمد بن ~~سيار القرشي، حدثنا عبد الرحمن بن يونس أبو مسلم، حدثنا أبو بكر بن ~~منظور، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها قطرة ماء ~~". # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا أبو طاهر محمد بن ~~أحمد بن الحارث، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله، أخبرنا ~~محمد بن إبراهيم بن عبد الله الخلال، أخبرنا عبد الله ابن المبارك، عن ~~مجالد بن سعيد، عن قيس بن أبي حازم، عن المستورد بن شداد أخي بني فهر ~~قال: كنت في الركب الذين وقفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~السخلة الميتة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أترون هذه هانت على أهلها حتى ألقوها؟ قالوا ": من هوانها ألقوها، ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فالدنيا أهون على الله من هذه على ~~أهلها ". ### || [43.36-45] # قوله عز وجل: { ومن يعش عن ذكر الرحمن } ، أي يعرض عن ~~ذكر الرحمن فلم يخف عقابه، ولم يرج ثوابه، يقال: عشوت إلى النار أعشو ~~عشوا، إذا قصدتها مهتديا بها، وعشوت عنها: أعرضت عنها، كما يقول: عدلت ~~إلى فلان، وعدلت عنه، وملت إليه، وملت عنه. قال القرظي: يولي ظهره عن ذكر ~~الرحمن وهو القرآن. قال أبو عبيدة والأخفش: يظلم بصرف بصره عنه. قال ~~الخليل بن أحمد: أصل العشو النظر ببصر ضعيف. وقرأ ابن عباس: " ومن يعش " ~~بفتح الشين أي يعم، يقال عشى يعشى عشا إذا عمي فهو أعشى، وامرأة عشواء. ~~{ نقيض له شيطانا } ، قرأ يعقوب: " يقيض " بالياء، والباقون ~~بالنون، نسبب له شيطانا ونضمه ms2054 إليه ونسلطه عليه. { فهو له قرين ~~} ، لا يفارقه، يزين له العمى ويخيل إليه أنه على الهدى. # { وإنهم } ، يعني الشياطين، { ليصدونهم عن السبيل } ~~، أي ليمنعونهم عن الهدى وجمع الكناية لأن قوله: { ومن يعش عن ~~ذكر الرحمن نقيض له شيطانا } في مذهب جمع وإن كان ~~اللفظ على الواحد، { ويحسبون أنهم مهتدون } ، ويحسب ~~كفار بني آدم أنهم على الهدى. # { حتى إذا جآءنا } ، قرأ أهل العراق غير أبي بكر: " جاءنا " ~~على الواحد يعنون الكافر، وقرأ الآخرون: جاءانا، على التثنية يعنون ~~الكافر وقرينه، قد جعلا في سلسلة واحدة. { قال } ، الكافر لقرينه ~~الشيطان، { يليت بيني وبينك بعد المشرقين } ، أي ~~بعد ما بين المشرق والمغرب فغلب اسم أحدهما على الآخر كما يقال للشمس ~~والقمر: القمران، ولأبي بكر وعمر: العمران. وقيل: أراد بالمشرقين مشرق ~~الصيف ومشرق الشتاء، والأول أصح، { فبئس القرين } ، قال أبو سعيد ~~الخدري: إذا بعث الكافر زوج بقرينه من الشياطين فلا يفارقه حتى يصير ~~إلى النار. # { ولن ينفعكم اليوم } ، في الآخرة، { إذ ظلمتم } ، ~~أشركتم في الدنيا، { أنكم فى العذاب مشتركون } ، يعني لا ~~ينفعكم الاشتراك في العذاب ولا يخفف الاشتراك عنكم شيئا من العذاب، لأن ~~لكل واحد من الكفار والشياطين الحظ الأوفر من العذاب. وقال مقاتل: لن ~~ينفعكم الاعتذار والندم اليوم فأنتم وقرناؤكم اليوم مشتركون في العذاب ~~كما كنتم مشتركين في الدنيا في الكفر. # { أفأنت تسمع الصم أو تهدى العمى ومن كان فى ~~ضلل مبين } ، يعني الكافرين الذين حقت عليهم كلمة العذاب لا ~~يؤمنون. # { فإما نذهبن بك } ، بأن نميتك قبل أن نعذبهم، { فإنا ~~منهم منتقمون } ، بالقتل بعدك. # { أو نرينك } ، في حياتك، { الذى وعدنهم } ، من ~~العذاب، { فإنا عليهم مقتدرون } ، قادرون، متى شئنا ~~عذبناهم، وأراد به مشركي مكة انتقم منهم يوم بدر، هذا قول أكثر المفسرين، ~~وقال الحسن وقتادة: عنى به أهل الإسلام من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ~~وقد كان بعد النبي صلى الله عليه وسلم نقمة شديدة في أمته، فأكرم الله ~~نبيه وذهب به ولم يره في أمته إلا الذي يقر عينه، وأبقى النقمة بعده. # وروي ms2055 أن النبي صلى الله عليه وسلم أري ما يصيب أمته بعده فما رئي ~~ضاحكا منبسطا حتى قبضه الله. # { فاستمسك بالذى أوحى إليك إنك على صرط ~~مستقيم }. { وإنه } ، يعني القرآن، { لذكر لك } ، لشرف ~~لك، { ولقومك } ، من قريش، نظيره: # لقد أنزلنآ إليكم كتبا فيه ذكركم # [الأنبياء: 10]، أي شرفكم، { وسوف تسئلون } ، عن حقه وأداء ~~شكره. روى الضحاك عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سئل ~~لمن هذا الأمر بعدك؟ لم يخبر بشيء حتى نزلت هذه الآية، فكان بعد ذلك إذا ~~سئل لمن هذا؟ قال: لقريش. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا عبد الرحمن بن شريح، أخبرنا أبو ~~القاسم البغوي، حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا عاصم بن محمد بن زيد، عن ~~أبيه، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي اثنان ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن ~~الزهري قال: كان محمد بن جبير بن مطعم يحدث عن معاوية قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه ما ~~أقاموا الدين ". # وقال مجاهد: القوم هم العرب، فالقرآن لهم شرف إذ نزل بلغتهم، ثم يختص ~~بذلك الشرف الأخص فالأخص من العرب، حتى يكون الأكثر لقريش ولبني هاشم. # وقيل: " ذكر ذلك ": شرف لك بما أعطاك من الحكمة، " ولقومك " المؤمنين ~~بما هداهم الله به، { وسوف تسألون } عن القرآن وعما يلزمكم من ~~القيام بحقه. # قوله عز وجل: { وسئل من أرسلنا من قبلك من ~~رسلنآ أجعلنا من دون الرحمن ءالهة يعبدون } ~~، اختلفوا في هؤلاء المسئولين: # قال عطاء عن ابن عباس: لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم بعث الله له ~~آدم وولده من المرسلين، فأذن جبريل ثم أقام، وقال: يا محمد تقدم فصل ~~بهم، فلما فرغ من الصلاة قال له جبريل: سل يا محمد { من ms2056 أرسلنا ~~من قبلك من رسلنآ } الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " لا أسأل فقد اكتفيت " # وهذا قول الزهري وسعيد بن جبير وابن زيد، قالوا: جمع الله له الرسل ليلة ~~أسري به وأمره أن يسئلهم فلم يشك ولم يسأل. # وقال أكثر المفسرين: سل مؤمني أهل الكتاب الذين أرسلت إليهم الأنبياء ~~هل جاءتهم الرسل إلا بالتوحيد؟ وهو قول ابن عباس في سائر الروايات، ~~ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي والحسن والمقاتليين. يدل عليه قراءة عبد ~~الله وأبي: " واسئل الذين أرسلنا إليهم قبلك رسلنا " ، ومعنى الأمر ~~بالسؤال التقرير لمشركي قريش أنه لم يأت رسول ولا كتاب بعبادة غير الله ~~عز وجل. ### || [43.46-66] # قوله عز وجل: { ولقد أرسلنا موسى بئايتنآ إلى ~~فرعون وملإيه فقال إنى رسول رب العلمين * ~~فلما جآءهم بئايتنآ إذا هم منها يضحكون } , ~~استهزاء. # { وما نريهم من ءاية إلا هى أكبر من أختها } ~~، قرينتها وصاحبتها التي كانت قبلها، { وأخذنهم بالعذاب } ، ~~بالسنين والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمس، فكانت هذه ~~دلالات لموسى، وعذابا لهم، فكانت كل واحدة أكبر من التي قبلها، { ~~لعلهم يرجعون } ، عن كفرهم. # { وقالوا } ، لموسى لما عاينوا العذاب، { يأيه الساحر } ، ~~يا أيها العالم الكامل الحاذق، وإنما قالوا هذا توقيرا وتعظيما له، لأن ~~السحر عندهم كان علما عظيما وصفة ممدوحة، وقيل: معناه يا أيها الذي ~~غلبنا بسحره. وقال الزجاج: خاطبوه به لما تقدم له عندهم من التسمية ~~بالساحر. { ادع لنا ربك بما عهد عندك } ، أي بما أخبرتنا ~~من عهده إليك إن آمنا كشف عنا العذاب فاسأله يكشف عنا العذاب، { إننا ~~لمهتدون } ، مؤمنون، فدعى موسى فكشف عنهم فلم يؤمنوا، فذلك قوله ~~عز وجل: # { فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون } ، ~~ينقضون عهدهم ويصرون على كفرهم. # { ونادى فرعون فى قومه قال يقوم أليس لى ~~ملك مصر وهذه الأنهر } ، أنهار النيل، { تجرى من ~~تحتى } ، من تحت قصوري، وقال قتادة: تجري بين يدي في جناني وبساتيني. ~~وقال الحسن: بأمري. { أفلا تبصرون } ، عظمتي وشدة ملكي. # { أم أنآ خير } ، بل أنا خير، " أم " بمعنى " بل " وليس بحرف عطف ms2057 ~~على قول أكثر المفسرين، وقال الفراء: الوقف على قوله: " أم " ، وفيه ~~إضمار، مجازه: أفلا تبصرون أم تبصرون، ثم ابتدأ فقال: أنا خير، { من ~~هذا الذى هو مهين } ، ضعيف حقير يعني موسى، قوله: { ولا ~~يكاد يبين } يفصح بكلامه للثغته التي في لسانه. # { فلولآ ألقى عليه } ، إن كان صادقا، { أسورة من ~~ذهب } ، قرأ حفص ويعقوب " أسورة " جمع سوار، وقرأ الآخرون " أساورة " ~~على جمع الأسورة، وهي جمع الجمع. قال مجاهد: كانوا إذا سودوا رجلا ~~سوروه بسوار وطوقوه بطوق من ذهب يكون ذلك دلالة لسيادته، فقال فرعون: ~~هلا ألقى رب موسى عليه أسورة من ذهب إن كان سيدا تجب علينا طاعته. { ~~أو جآء معه الملئكة مقترنين } ، متتابعين يقارن ~~بعضهم بعضا يشهدون له بصدقه ويعينونه على أمره. # قال الله تعالى: { فاستخف قومه } ، أي استخف فرعون قومه ~~القبط، أي وجدهم جهالا، وقيل: حملهم على الخفة والجهل. يقال استخفه عن ~~رأيه، إذا حمله على الجهل وأزاله عن الصواب، { فأطاعوه } ، على ~~تكذيب موسى، { إنهم كانوا قوما فسقين }. # { فلمآ ءاسفونا } ، أغضبونا، { انتقمنا منهم ~~فأغرقنهم أجمعين * فجعلنهم سلفا } ، قرأ حمزة ~~والكسائي " سلفا " بضم السين واللام، قال الفراء: هو جمع سليف من سلف ~~بضم اللام يسلف، أي تقدم، وقرأ الآخرون بفتح السين واللام على جمع ~~السالف، مثل حارس وحرس وخادم وخدم، وراصد ورصد، وهما جميعا الماضون ~~المتقدمون من الأمم، يقال: سلف يسلف، إذا تقدم والسلف من تقدم من الآباء، ~~فجعلناهم متقدمين ليتعظ بهم الآخرون. # { ومثلا للأخرين } ، عبرة وعظة لمن بقي بعدهم. وقيل: سلفا ~~لكفار هذه الأمة إلى النار ومثلا لمن يجيء بعدهم. # { ولما ضرب ابن مريم مثلا } , قال ابن عباس وأكثر ~~المفسرين: إن الآية نزلت في مجادلة عبد الله بن الزبعري مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم في شأن عيسى عليه السلام، لما نزل قوله عز وجل: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # [الأنبياء: 98]، وقد ذكرناه في سورة الأنبياء عليهم السلام. { إذا ~~قومك منه يصدون } ، قرأ أهل المدينة والشام والكسائي " يصدون ~~" بضم الصاد، أي يعرضون، نظيره قوله تعالى: # يصدون ms2058 عنك صدودا # [النساء: 61]، وقرأ الآخرون بكسر الصاد. # واختلفوا في معناه، قال الكسائي: هما لغتان مثل يعرشون ويعرشون، وشد ~~عليه يشد ويشد، ونم بالحديث ينم وينم. # وقال ابن عباس: معناه يضجون. وقال سعيد ابن المسيب: يصيحون. وقال ~~الضحاك: يعجون. وقال قتادة: يجزعون.وقال القرظي: يضجرون: ولما ضرب ~~ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون يقولون ما يريد محمد منا إلا أن ~~نعبده ونتخذه إلها كما عبدت النصارى عيسى. # { وقالوا أآلهتنا خير أم هو } ، قال قتادة: " أم هو " ~~يعنون محمدا، فنعبده ونطيعه ونترك آلهتنا. وقال السدي وابن زيد: " أم ~~هو " يعنون عيسى، قالوا: يزعم محمد أن كل ما عبد من دون الله في النار ~~فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عيسى وعزير والملائكة في النار، وقال الله ~~تعالى: { ما ضربوه } ، يعني هذا المثل، { لك إلا جدلا } ، ~~خصومة بالباطل وقد علموا أن المراد من قوله: # وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # [الأنبياء: 98] هؤلاء الأصنام. { بل هم قوم خصمون }. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو بكر عبد ~~الرحمن بن عبد الله الحمشادي، أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي، ~~حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا عبد الله بن نمير، ~~حدثنا حجاج بن دينار الواسطي، عن أبي غالب عن أبي أمامة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل " # ، ثم قرأ: { ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم ~~خصمون }. # ثم ذكر عيسى فقال: { إن هو } ، ما هو، يعني عيسى عليه السلام، { ~~إلا عبد أنعمنا عليه } ، بالنبوة، { وجعلنه ~~مثلا } آية وعبرة، { لبنى إسرءيل } ، يعرفون به قدرة الله ~~عز وجل على ما يشاء حيث خلقه من غير أب. # { ولو نشآء لجعلنا منكم ملئكة } ، أي ولو نشاء ~~لأهلكناكم وجعلنا بدلا منكم ملائكة، { فى الأرض يخلفون } ، ~~يكونون خلفاء منكم يعمرون الأرض ويعبدونني ويطيعونني. وقيل: يخلف بعضهم ~~بعضا. # { وإنه } ، يعني عيسى عليه السلام، { لعلم للساعة } ، ~~يعني نزوله من أشراط الساعة يعلم ms2059 به قربها، وقرأ ابن عباس وأبو هريرة ~~وقتادة: " وإنه لعلم للساعة " ، بفتح اللام والعين أي أمارة وعلامة. # وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا يكسر الصليب، ويقتل ~~الخنزير ويضع الجزية، وتهلك في زمانه الملل كلها إلا الإسلام ". # ويروى: " أنه ينزل على ثنية بالأرض المقدسة، وعليه ممصرتان، وشعر رأسه ~~دهين، وبيده حربة وهي التي يقتل بها الدجال، فيأتي بيت المقدس والناس في ~~صلاة العصر، فيتأخر الإمام فيقدمه عيسى ويصلي خلفه على شريعة محمد صلى ~~الله عليه وسلم، ثم يقتل الخنازير ويكسر الصليب، ويخرب البيع والكنائس، ~~ويقتل النصارى إلا من آمن به ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا ابن بكير، حدثنا الليث، عن ~~يونس، عن ابن شهاب، عن نافع مولى أبي قتادة الأنصاري أن أبا هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم " # وقال الحسن وجماعة: " وإنه " يعني وإن القرآن لعلم للساعة يعلمكم ~~قيامها. ويخبركم بأحوالها وأهوالها، { فلا تمترن بها } ، فلا ~~تشكن فيها، قال ابن عباس: لا تكذبوا بها، { واتبعون } ، على ~~التوحيد، { هذا } ، الذي أنا عليه، { صرط مستقيم }. # { ولا يصدنكم } ، لا يصرفنكم، { الشيطن } ، عن دين ~~الله، { إنه لكم عدو مبين }. # { ولما جآء عيسى بالبينت قال قد جئتكم ~~بالحكمة } ، بالنبوة، { ولأبين لكم بعض الذى ~~تختلفون فيه } ، من أحكام التوراة، قال قتادة: يعني اختلاف الفرق ~~الذين تحزبوا على أمر عيسى. قال الزجاج: الذي جاء به عيسى في الإنجيل ~~إنما هو بعض الذي اختلفوا فيه، وبين لهم في غير الإنجيل ما احتاجوا ~~إليه. { فاتقوا الله وأطيعون }. # { إن الله هو ربى وربكم فاعبدوه هذا صرط ~~مستقيم * فاختلف الأحزاب من بينهم فويل ~~للذين ظلموا من عذاب يوم أليم * هل ينظرون ~~إلا الساعة } ، يعني أنها تأتيهم لا محالة فكأنهم ينتظرونها، { ~~أن تأتيهم بغتة } ، فجأة، { وهم لا يشعرون }. ### || [43.67-77] # { الأخلاء } ، على المعصية في الدنيا، { يومئذ } ، يوم ~~القيامة، { بعضهم ms2060 لبعض عدو إلا المتقين } ، إلا ~~المتحابين في الله عز وجل على طاعة الله عز وجل. # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن ~~إبراهيم الثعلبي، أخبرني عقيل بن محمد بن أحمد، أن أبا الفرج البغدادي ~~القاضي أخبرهم عن محمد بن جرير، حدثنا ابن عبد الأعلى، عن قتادة، حدثنا ~~أبو ثور عن معمر عن قتادة عن أبي إسحاق أن عليا قال في هذه الآية: ~~خليلان مؤمنان وخليلان كافران، فمات أحد المؤمنين فقال: يا رب إن فلانا ~~كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك، ويأمرني بالخير وينهاني عن الشر، ويخبرني ~~أني ملاقيك، يا رب فلا تضله بعدي واهده كما هديتني وأكرمه كما أكرمتني، ~~فإذا مات خليله المؤمن جمع بينهما، فيقول: ليثن أحدكما على صاحبه، ~~فيقول: نعم الأخ، ونعم الخليل، ونعم الصاحب، قال: ويموت أحد الكافرين، ~~فيقول: يا رب إن فلانا كان ينهاني عن طاعتك وطاعة رسولك، ويأمرني بالشر ~~وينهاني عن الخير، ويخبرني أني غير ملاقيك، فيقول بئس الأخ، وبئس الخليل، ~~وبئس الصاحب. # { يعباد } ، أي فيقال لهم: يا عبادي، { لا خوف عليكم ~~اليوم ولا أنتم تحزنون } ، وروي عن المعتمر بن سليمان عن ~~أبيه قال: سمعت أن الناس حين يبعثون ليس منهم أحد إلا فزع، فينادي مناد: ~~{ يعباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون ~~} ، فيرجوها الناس كلهم فيتبعها: { الذين ءامنوا بئايتنا ~~وكانوا مسلمين } ، فييأس الناس منها غير المسلمين. فيقال لهم: ~~{ ادخلوا الجنة أنتم وأزوجكم تحبرون } ، تسرون ~~وتنعمون. # { يطاف عليهم بصحف } ، جمع صحفة وهي القصعة الواسعة، { ~~من ذهب وأكواب } ، جمع كوب وهو إناء مستدير مدور الرأس لا عرى لها، ~~{ وفيها } ، أي في الجنة، { ما تشتهى الأنفس } ، قرأ أهل ~~المدينة والشام وحفص (تشتهيه)، وكذلك في مصاحفهم، وقرأ الآخرون بحذف ~~الهاء. { وتلذ الأعين وأنتم فيها خلدون }. # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا أبو طاهر محمد بن ~~أحمد بن الحارث، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن ~~محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن ms2061 المبارك، ~~عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن عبد الرحمن بن سابط قال: # " قال رجل: يا رسول الله أفي الجنة خيل؟ فإني أحب الخيل، فقال: «إن ~~يدخلك الله الجنة لا تشاء أن تركب فرسا من ياقوتة حمراء فتطير بك في أي ~~الجنة شئت، إلا فعلت»، فقال أعرابي: يا رسول الله أفي الجنة إبل؟ فقال: ~~«يا أعرابي إن يدخلك الله الجنة أصبت فيها ما اشتهت نفسك ولذت عينك» ". # { وتلك الجنة التى أورثتموها بما كنتم ~~تعملون * لكم فيها فكهة كثيرة منها تأكلون ~~} وفي الحديث: # " لا ينزع رجل من الجنة من ثمرة إلا نبت مكانها مثلاها ". # { إن المجرمين } ، المشركين، { فى عذاب جهنم ~~خلدون * لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون * وما ~~ظلمنهم ولكن كانوا هم الظلمين * ونادوا ~~يملك } ، يدعون خازن النار، { ليقض علينا ربك } ، ~~ليمتنا ربك فنستريح فيجيبهم مالك بعد ألف سنة، { قال إنكم ~~مكثون } ، مقيمون في العذاب. # أخبرنا محمد ابن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا محمد بن أحمد بن الحارث، ~~أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، أخبرنا إبراهيم ~~بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن سعيد بن أبي عروبة، ~~عن قتادة يذكره عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: إن أهل النار يدعون مالكا فلا يجيبهم أربعين عاما، ثم ~~يرد عليهم إنكم ماكثون، قال: هانت - والله - دعوتهم على مالك وعلى رب ~~مالك، ثم يدعون ربهم فيقولون: ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين ~~ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون، قال: فيسكت عنهم قدر الدنيا ~~مرتين، ثم يرد عليهم: اخسؤوا فيها ولا تكلمون، قال: فوالله ما نبس القوم ~~بعدها بكلمة، وما هو إلا الزفير والشهيق في نار جهنم، فشبه أصواتهم ~~بأصوات الحمير، أولها زفير وآخرها شهيق. ### || [43.78-83] # { لقد جئنكم بالحق } ، يقول أرسلنا إليكم يا معشر قريش ~~رسولنا بالحق، { ولكن أكثركم للحق كرهون }. # { أم أبرموا } ، أم أحكموا، { أمرا } ، في المكر برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، { فإنا ms2062 مبرمون } ، محكمون أمرا في ~~مجازاتهم، قال مجاهد: إن كادوا شرا كدتهم مثله. # { أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم } ، ما ~~يسرونه من غيرهم ويتناجون به بينهم، { بلى } ، نسمع ذلك ونعلم، { ~~ورسلنا } ، أيضا من الملائكة يعني الحفظة، { لديهم ~~يكتبون }. # { قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول ~~العبدين } ، يعني إن كان للرحمن ولد في قولكم وعلى زعمكم، فأنا ~~أول من عبده فإنه واحد لا شريك له ولا ولد. وروي عن ابن عباس: { إن ~~كان } أي ما كان للرحمن ولد، فأنا أول العابدين الشاهدين له بذلك، جعل: ~~" إن " بمعنى الجحد. # وقال السدي: معناه لو كان للرحمن ولد فأنا أول من عبده بذلك، ولكن لا ~~ولد له. # وقيل: " العابدين " بمعنى الآنفين، أي أنا أول الجاحدين والمنكرين لما ~~قلتم. # ويقال: معناه: أنا أول من غضب للرحمن أن يقال له ولد، يقال: عبد يعبد ~~إذا أنف وغضب. # وقال قوم: قل ما يقال: عبد فهو عابد، إنما يقال: فهو عبد. # ثم نزه نفسه فقال: { سبحن رب السموت والأرض رب ~~العرش عما يصفون } عما يقولون من الكذب. # { فذرهم يخوضوا } ، في باطلهم، { ويلعبوا } ، في دنياهم، ~~{ حتى يلقوا يومهم الذى يوعدون } ، يعني يوم ~~القيامة. ### || [43.84-89] # { وهو الذى فى السمآء إله وفى الأرض إله } ، ~~قال قتادة: يعبد في السماء وفي الأرض لا إله إلا هو، { وهو الحكيم } ~~، في تدبير خلقه، { العليم } ، بمصالحهم. # { وتبارك الذى له ملك السموت والأرض وما ~~بينهما وعنده علم الساعة وإليه ترجعون } ، قرأ ~~ابن كثير والكسائي " يرجعون " بالياء، والآخرون بالتاء. # { ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفعة إلا ~~من شهد بالحق } ، وهم عيسى وعزير والملائكة فإنهم عبدوا من دون ~~الله، ولهم الشفاعة، وعلى هذا يكون " من " في محل الرفع، وقيل: " من " في ~~محل الخفض، وأراد بالذين يدعون عيسى وعزير والملائكة، يعني أنهم لا ~~يملكون الشفاعة إلا من شهد بالحق، والأول أصح، وأراد بشهادة الحق قوله لا ~~إله إلا الله كلمة التوحيد، { وهم يعلمون } ، بقلوبهم ما شهدوا ~~به بألسنتهم. # { ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى ~~يؤفكون } ، يصرفون عن ms2063 عبادته. # { وقيله يرب } ، يعني قول محمد صلى الله عليه وسلم شاكيا إلى ~~ربه: يا رب، { إن هؤلآء قوم لا يؤمنون } ، قرأ عاصم ~~وحمزة " وقيله " بجر اللام والهاء، على معنى: وعنده علم الساعة وعلم قيله ~~يا رب، وقرأ الآخرون بالنصب، وله وجهان: أحدهما معناه: أم يحسبون أنا لا ~~نسمع سرهم ونجواهم وقيله يا رب، والثاني: وقال قيله. # { فاصفح عنهم } ، أعرض عنهم، { وقل سلم } ، معناه: ~~المتاركة، كقوله تعالى: # سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين # [القصص: 55]، { فسوف يعلمون } ، قرأ أهل المدينة والشام ~~بالتاء، وقرأ والباقون بالياء، قال مقاتل: نسختها آية السيف. ### | [44 - سورة الدخان] ### || [44.1-4] # { حم * والكتب المبين إنآ أنزلنه في ليلة ~~مبركة } ، قال قتادة وابن زيد: هي ليلة القدر أنزل الله القرآن ~~في ليلة القدر من أم الكتاب إلى السماء الدنيا، ثم نزل به جبريل على ~~النبي صلى الله عليه وسلم نجوما في عشرين سنة. وقال آخرون: هي ليلة ~~النصف من شعبان. # أخبرنا عبد الوحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، حدثنا أبو جعفر ~~الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا الأصبغ بن الفرج، أخبرني ابن وهب، ~~أخبرني عمرو بن الحارث أن عبد الملك بن عبد الملك حدثه أن ابن أبي ذئب ~~واسمه مصعب حدثه عن القاسم بن محمد عن أبيه أو عمه عن جده أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " ينزل الله جل ثناؤه ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا فيغفر لكل ~~نفس إلا إنسانا في قلبه شحناء أو مشركا بالله " # { إنا كنا منذرين }. # { فيها } ، أي في الليلة المباركة، { يفرق } ، يفصل، { كل ~~أمر حكيم } ، محكم، وقال ابن عباس: يكتب من أم الكتاب في ليلة ~~القدر ما هو كائن في السنة من الخير والشر والأرزاق والآجال حتى الحجاج، ~~يقال: يحج فلان ويحج فلان، قال الحسن ومجاهد وقتادة: يبرم في ليلة القدر ~~في شهر رمضان كل أجل وعمل وخلق ورزق، وما يكون في تلك السنة. # وقال عكرمة: هي ليلة النصف من شعبان يبرم فيها أمر السنة وتنسخ الأحياء ~~من الأموات فلا يزاد فيهم ms2064 أحد ولا ينقص منهم أحد. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، حدثنا أبوجعفر ~~الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث، ~~حدثني عقيل، عن ابن شهاب، أخبرني عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان، حتى إن الرجل لينكح ويولد له ولقد ~~أخرج اسمه في الموتى ". # وروى أبو الضحى عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن الله يقضي الأقضية في ~~ليلة النصف من شعبان، ويسلمها إلى أربابها في ليلة القدر. ### || [44.5-9] # { أمرا } ، أي أنزلنا أمرا، { من عندنآ } ، قال الفراء: نصب ~~على معنى: فيها يفرق كل أمر فرقا وأمرا، أي نأمر ببيان ذلك أمرا. { ~~إنا كنا مرسلين } ، محمدا صلى الله عليه وسلم ومن قبله من ~~الأنبياء. # { رحمة من ربك } ، قال ابن عباس: رأفة مني بخلقي ونعمتي ~~عليهم بما بعثنا إليهم من الرسل. وقال الزجاج: أنزلناه في ليلة مباركة ~~للرحمة، { إنه هو السميع العليم * رب السموت ~~والأرض وما بينهمآ } ، قرأ أهل الكوفة: " رب " جرا، ردا ~~على قوله: " من ربك " ، ورفعه الآخرون ردا على قوله: { هو السميع ~~العليم } ، وقيل: على الابتداء، { إن كنتم موقنين } ، أن ~~الله رب السموات والأرض. # { لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب ~~ءابآئكم الأولين بل هم في شك يلعبون } ، من هذا ~~القرآن، { يلعبون } يهزؤون به لاهون عنه. ### || [44.10-12] # { فارتقب يوم تأتى السمآء بدخان مبين } اختلفوا ~~في هذا الدخان: # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن كثير، عن سفيان، ~~حدثنا منصور والأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: بينما رجل يحدث في ~~كندة، فقال: يجيء دخان يوم القيامة فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم، ~~ويأخذ المؤمن [كهيئة] الزكام، ففزعنا فأتيت ابن مسعود وكان متكئا فغضب ~~فجلس؟ فقال: من علم فليقل، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم ~~أن يقول لما لا يعلم: لا أعلم، فإن الله ms2065 قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: # قل مآ أسألكم عليه من أجر ومآ أنآ من ~~المتكلفين # [ص: 86]، # " وإن قريشا أبطؤوا عن الإسلام فدعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: " اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف " " # ، فأخذتهم سنة حتى هلكوا فيها وأكلوا الميتة والعظام، ويرى الرجل ما ~~بين السماء والأرض كهيئة الدخان، فجاء أبو سفيان فقال: يا محمد جئت تأمر ~~بصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا فادع الله لهم، فقرأ: { فارتقب ~~يوم تأتى السمآء بدخان مبين } إلى قوله: { إنكم ~~عآئدون } ، أفيكشف عنهم عذاب الآخرة إذا جاء؟ ثم عادوا إلى كفرهم، ~~فذلك قوله: { يوم نبطش البطشة الكبرى } ، يوم بدر، ~~و(لزاما) يوم بدر، { الم غلبت الروم } إلى قوله # سيغلبون # [الروم: 3]، والروم قد مضى. # ورواه محمد بن إسماعيل عن يحيى عن وكيع عن الأعمش، قال: قالوا: { ~~ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون } ، فقيل له: إن ~~كشفنا عنهم عادوا إلى كفرهم، فدعا ربه فكشف عنهم فعادوا فانتقم الله منهم ~~يوم بدر، فذلك قوله: { فارتقب يوم تأتى السمآء بدخان ~~مبين } إلى قوله: { إنا منتقمون }. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن مسلم، ~~عن مسروق، عن عبد الله قال: خمس قد مضين اللزام والروم والبطشة ~~والقمر والدخان. # وقال قوم: هو دخان يجيء قبل قيام الساعة ولم يأت بعد، فيدخل في أسماع ~~الكفار والمنافقين حتى يكون كالرأس الحنيذ، ويعتري المؤمن منه كهيئة ~~الزكام وتكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه النار، وهو قول ابن عباس وابن عمر ~~والحسن. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا عقيل بن ~~محمد الجرجاني، حدثنا أبو الفرج المعافى بن زكريا البغدادي، حدثنا محمد ~~بن جرير الطبري، حدثني عصام بن رواد بن الجراح، حدثنا أبي، أخبرنا أبو ~~سفيان بن سعيد، حدثنا منصور بن المعتمر عن ربعي بن حراش قال: سمعت حذيفة ~~بن اليمان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أول الآيات الدخان، ونزول عيسى ms2066 ابن مريم، ونار تخرج من قعر عدن أبين، ~~تسوق الناس إلى المحشر تقيل معهم إذا قالوا، قال حذيفة: يا رسول الله وما ~~الدخان؟ فتلا هذه الآية: { يوم تأتى السمآء بدخان مبين ~~} ، يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوما وليلة، أما المؤمن ~~فيصيبه منه كهيئة الزكام، وأما الكافر فكمنزلة السكران يخرج من منخريه ~~وأذنيه ودبره ". ### || [44.13-18] # { أنى لهم الذكرى } ، من أين لهم التذكرة والاتعاظ؟ يقول: ~~كيف يتذكرون ويتعظون؟ { وقد جآءهم رسول مبين } ، ظاهر ~~الصدق يعني محمدا صلى الله عليه وسلم. # { ثم تولوا عنه } ، أعرضوا عنه، { وقالوا معلم } ، ~~أي يعلمه بشر، { مجنون }. # قال الله تعالى: { إنا كاشفوا العذاب } ، أي عذاب الجوع، { ~~قليلا } ، أي زمانا يسيرا، قال مقاتل: إلى يوم بدر. { إنكم ~~عآئدون } ، إلى كفركم. # { يوم نبطش البطشة الكبرى } ، وهو يوم بدر، { إنا ~~منتقمون } ، وهذا قول ابن مسعود وأكثر العلماء، وقال الحسن: يوم ~~القيامة، وروى عكرمة ذلك عن ابن عباس. # { ولقد فتنا } ، بلونا، { قبلهم } ، قبل هؤلاء، { قوم ~~فرعون وجآءهم رسول كريم } ، على الله وهو موسى بن عمران. # { أن أدوا إلى عباد الله } ، يعني بني إسرائيل أطلقهم ~~ولا تعذبهم، { إنى لكم رسول أمين } ، على الوحي. ### || [44.19-27] # { وأن لا تعلوا على الله } ، أي لا تتجبروا عليه بترك طاعته، ~~{ إنى ءاتيكم بسلطان مبين } ، ببرهان بين على صدق ~~قولي، فلما قال ذلك توعدوه بالقتل. فقال: # { وإنى عذت بربى وربكم أن ترجمون } ، أي: ~~تقتلوني، وقال ابن عباس: تشتموني وتقولوا هو ساحر. وقال قتادة: ~~ترجموني بالحجارة. # { وإن لم تؤمنوا لى فاعتزلون } ، فاتركوني لا معي ولا ~~علي. وقال ابن عباس: فاعتزلوا أذاي باليد واللسان، فلم يؤمنوا. # { فدعا ربه أن هؤلآء قوم مجرمون } ، مشركون ~~فأجابه الله وأمره أن يسري, فقال: # { فأسر بعبادى ليلا } ، أي ببني إسرائيل، { إنكم ~~متبعون } ، يتبعكم فرعون وقومه. # { واترك البحر } ، إذا قطعته أنت وأصحابك، { رهوا } ، ساكنا ~~على حالته وهيئته، بعد أن ضربته ودخلته، معناه: لا تأمره أن يرجع، اتركه ~~حتى يدخله آل فرعون، وأصل " الرهو ": السكون. وقال مقاتل: معناه اترك ~~البحر رهوا راهيا أي: ساكنا، فسمي بالمصدر، ms2067 أي ذا رهو، وقال كعب: ~~اتركه طريقا. قال قتادة: طريقا يابسا. قال قتادة: لما قطع موسى البحر ~~عطف ليضرب البحر بعصاه ليلتئم وخاف أن يتبعه فرعون وجنوده، فقيل له: اترك ~~البحر رهوا كما هو، { إنهم جند مغرقون } ، أخبر موسى أنه ~~يغرقهم ليطمئن قلبه في تركه البحر كما جاوزه، ثم ذكر ما تركوا بمصر. # فقال: { كم تركوا } ، يعني بعد الغرق، { من جنت وعيون ~~* وزروع ومقام كريم } ، مجلس شريف، قال قتادة: الكريم الحسن. # { ونعمة } ، ومتعة وعيش لين، { كانوا فيها فكهين } ، ~~ناعمين وفكهين أشرين بطرين. ### || [44.28-32] # { كذلك } ، قال الكلبي: كذلك أفعل بمن عصاني، { وأورثنها ~~قوما ءاخرين } ، يعني بني إسرائيل. # { فما بكت عليهم السمآء والأرض } ، وذلك أن المؤمن ~~إذا مات تبكي عليه السماء والأرض أربعين صباحا، وهؤلاء لم يكن يصعد لهم ~~عمل صالح فتبكي السماء على فقده، ولا لهم على الأرض عمل صالح فتبكي الأرض ~~عليه. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو عبد ~~الله الفنجوي، حدثنا أبو علي المقري، حدثنا أبو يعلي الموصلي، حدثنا أحمد ~~بن إسحاق البصري، حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا موسى بن عبيدة الربذي، ~~أخبرني يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " ما من عبد إلا له في السماء بابان يخرج منه رزقه، وباب يدخل فيه ~~عمله، فإذا مات فقداه وبكيا عليه " # ، وتلا: { فما بكت عليهم السمآء والأرض }. # قال عطاء: بكاء السماء حمرة أطرافها. # قال السدي: لما قتل الحسين بن علي بكت عليه السماء وبكاؤها: حمرتها. # { وما كانوا منظرين } ، لم ينظروا حين أخذهم العذاب لتوبة ولا ~~لغيرها. # { ولقد نجينا بنى إسرءيل من العذاب المهين ~~} ، قتل الأبناء واستحياء النساء والتعب في العمل. # { من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين * ~~ولقد اخترنهم } ، يعني مؤمني بني إسرائيل، { على علم } ~~، بهم، { على العلمين } ، على عالمي زمانهم. ### || [44.33-37] # { وءاتينهم من الأيت ما فيه بلاء مبين } ، قال ~~قتادة: نعمة بينة من فلق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى، ~~والنعم التي أنعمها عليهم. وقال ابن زيد: ابتلاهم ms2068 بالرخاء والشدة، وقرأ: # ونبلوكم بالشر والخير فتنة # [الأنبياء: 35]. # { إن هؤلآء } ، يعني مشركي مكة { ليقولون إن هى إلا ~~موتتنا الأولى } ، أي لا موتة إلا هذه التي نموتها في الدنيا، ثم ~~لا بعث بعدها، وهو قوله: { وما نحن بمنشرين } ، بمبعوثين بعد ~~موتتنا. # { فأتوا بآبآئنا إن كنتم صادقين } ، [الذين ماتوا]، { ~~إن كنتم صدقين } ، أنا نبعث أحياء بعد الموت، ثم خوفهم مثل ~~عذاب الأمم الخالية فقال: { أهم خير أم قوم تبع } ، أي ~~ليسوا خيرا منهم، يعني أقوى وأشد وأكثر من قوم تبع. قال قتادة: هو ~~تبع الحميري، وكان سار بالجيوش حتى حير الحيرة، وبني سمرقند وكان من ~~ملوك اليمن، سمي تبعا لكثرة أتباعه، وكل واحد منهم يسمى: " تبعا " ~~لأنه يتبع صاحبه، وكان هذا يعبد النار فأسلم ودعا قومه إلى الإسلام وهم ~~حمير، فكذبوه. وكان من خبره ما ذكره محمد بن إسحاق وغيره. # وذكر عكرمة عن ابن عباس قالوا: كان تبع الآخر وهو أسعد أبو كرب بن ~~مليك جاء بكرب حين أقبل من المشرق وجعل طريقه على المدينة، وقد كان حين ~~مر بها خلف بين أظهرهم ابنا له فقتل غيلة، فقدمها وهو مجمع ~~لإخرابها واستئصال أهلها، فجمع له هذا الحي من الأنصار حين سمعوا ذلك من ~~أمره، فخرجوا لقتاله وكان الأنصار يقاتلونه بالنهار ويقرونه بالليل، ~~فأعجبه ذلك وقال: إن هؤلاء لكرام، إذ جاءه حبران اسمهما: كعب وأسد من ~~أحبار بني قريظة، عالمان وكانا ابني عم، حين سمعا ما يريد من إهلاك ~~المدينة وأهلها، فقالا له: أيها الملك لا تفعل فإنك إن أبيت إلا ما تريد ~~حيل بينك وبينها، ولم نأمن عليك عاجل العقوبة. فإنها مهاجر نبي يخرج من ~~هذا الحي من قريش اسمه محمد، مولده مكة، وهذه دار هجرته ومنزلك الذي أنت ~~به يكون به من القتل والجراح أمر كبير في أصحابه، وفي عدوهم. قال تبع: ~~من يقاتله وهو نبي؟ قالا: يسير إليه قومه فيقتلون هاهنا، فتناهى لقولهما ~~عما كان يريد بالمدينة، ثم إنهما دعواه إلى دينهما فأجابهما واتبعهما ~~على دينهما وأكرمهما وانصرف عن المدينة، ms2069 وخرج بهما ونفر من اليهود عامدين ~~إلى اليمن، فأتاه في الطريق نفر من هذيل وقالوا: إنا ندلك على بيت فيه ~~كنز من لؤلؤ وزبرجد وفضة، قال: أي بيت؟ قالوا: بيت بمكة، وإنما تريد ~~هذيل هلاكه لأنهم عرفوا أنه لم يرده أحد قط بسوء إلا هلك، فذكر ذلك ~~للأحبار، فقالوا: ما نعلم لله في الأرض بيتا غير هذا البيت، فاتخذه ~~مسجدا وانسك عنده وانحر واحلق رأسك، وما أراد القوم إلا هلاكك لأنه ما ~~ناوأهم أحد قط إلا هلك، فأكرمه واصنع عنده ما يصنع أهله، فلما قالوا ~~له ذلك أخذ النفر من هذيل فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم ثم صلبهم، ~~فلما قدم مكة نزل الشعب شعب البطائح، وكسا البيت الوصائل، وهو أول من كسا ~~البيت، ونحر بالشعب ستة آلاف بدنة، وأقام به ستة أيام وطاف به وحلق ~~وانصرف. # فلما دنا من اليمن ليدخلها حالت حمير بين ذلك وبينه، قالوا: لا تدخل ~~علينا وقد فارقت ديننا، فدعاهم إلى دينه وقال إنه دين خير من دينكم، ~~قالوا: فحاكمنا إلى النار. وكانت باليمن نار في أسفل جبل يتحاكمون ~~إليها فيما يختلفون فيه، فتأكل الظالم ولا تضر المظلوم، فقال تبع: ~~أنصفتم، فخرج القوم بأوثانهم وما يتقربون به في دينهم وخرج الحبران ~~بمصاحفهما في أعناقهما حتى قعدوا للنار عند مخرجها الذي تخرج منه، فخرجت ~~النار فأقبلت حتى غشيتهم، فأكلت الأوثان وما قربوا معها، ومن حمل ذلك من ~~رجال حمير. وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما، يتلوان التوراة تعرق ~~جباههما لم تضرهما، ونكصت النار حتى رجعت إلى مخرجها الذي خرجت منه ~~فأصفقت عند ذلك حمير على دينهما، فمن هنالك كان أصل اليهودية في اليمن. # وذكر أبو حاتم عن الرقاشي قال: كان أبو كرب أسعد الحميري من التبابعة، ~~آمن بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث بسبعمائة سنة. # وذكر لنا أن كعبا كان يقول: ذم الله قومه ولم يذمه. # وكانت عائشة تقول: لا تسبوا تبعا فإنه كان رجلا صالحا. # وقال سعيد بن جبير: هو الذي كسا البيت. # أخبرنا ms2070 أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو عبد ~~الله بن فنجويه الدينوري، حدثنا أبو بكر بن مالك القطيعي، حدثنا عبد الله ~~بن أحمد بن حنبل، حدثنا أبي، حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا ~~أبو زرعة بن عمرو بن جرير عن سهل بن سعد قال: سمعت النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # " لا تسبوا تبعا فإنه كان قد أسلم ". # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن فنجويه، ~~حدثنا ابن أبي شيبة، حدثنا محمد بن علي بن سالم الهمداني، حدثنا أبو ~~الأزهر أحمد بن الأزهر النيسابوري، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن ابن ~~أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " ما أدري تبع نبيا كان أو غير نبي " # { والذين من قبلهم } ، من الأمم الكافرة، { أهلكنهم ~~إنهم كانوا مجرمين }. ### || [44.38-44] # { وما خلقنا السموت والأرض وما بينهما ~~لعبين * ما خلقنهمآ إلا بالحق } ، قيل: يعني للحق ~~وهو الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية. { ولكن أكثرهم ~~لا يعلمون }. # { إن يوم الفصل } ، يوم يفصل الرحمن بين العباد، { ~~ميقتهم أجمعين } ، يوافي يوم القيامة الأولون والآخرون. # { يوم لا يغنى مولى عن مولى شيئا } ، لا ينفع قريب ~~قريبه ولا يدفع عنه شيئا، { ولا هم ينصرون } ، لا يمنعون من ~~عذاب الله. # { إلا من رحم الله } ، يريد المؤمنين فإنه يشفع بعضهم لبعض، { ~~إنه هو العزيز } ، في انتقامه من أعدائه، { الرحيم } ، ~~بالمؤمنين. # { إن شجرت الزقوم * طعام الأثيم } ، أي ذي الإثم، وهو ~~أبو جهل. ### || [44.45-51] # { كالمهل } ، هو دردي الزيت الأسود، { يغلى فى البطون } ~~، قرأ ابن كثير وحفص " يغلي " بالياء، جعلوا الفعل للمهل، وقرأ الآخرون ~~بالتاء لتأنيث الشجرة، { فى البطون } ، أي بطون الكفار، { كغلى ~~الحميم } ، كالماء الحار إذا اشتد غليانه. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو بكر العبدوسي، أخبرنا ~~أبو بكر محمد بن حمدون بن خالد بن يزيد، حدثنا سليمان بن يوسف، حدثنا وهب ~~بن جرير، حدثنا شعبة عن الأعمش، عن مجاهد، عن عبد الله بن عباس قال: ms2071 قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أيها الناس اتقوا الله حق تقاته، فلو أن قطرة من الزقوم قطرت على ~~الأرض لأمرت على أهل الدنيا معيشتهم، فكيف بمن تكون طعامه وليس لهم ~~طعام غيره ". # قوله تعالى: { خذوه } ، أي يقال للزبانية: خذوه، يعني الأثيم، { ~~فاعتلوه } ، قرأ أهل الكوفة، وأبو جعفر وأبو عمرو: بكسر التاء، وقرأ ~~الباقون بضمها، وهما لغتان، أي ادفعوه وسوقوه، يقال: عتله يعتله ~~عتلا، إذا ساقه بالعنف والدفع والجذب، { إلى سوآء الجحيم } ~~، وسطه. # { ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم } ، قال ~~مقاتل: إن خازن النار يضربه على رأسه فينقب رأسه عن دماغه، ثم يصب فيه ~~ماء حميما قد انتهى حره. # ثم يقال له: { ذق } ، هذا العذاب، { إنك } ، قرأ الكسائي " أنك " ~~بفتح الألف، أي لأنك كنت تقول: أنا العزيز، وقرأ الآخرون بكسرها على ~~الابتداء، { إنك أنت العزيز الكريم } ، عند قومك بزعمك، ~~وذلك أن أبا جهل كان يقول: أنا أعز أهل الوادي وأكرمهم، فيقول له هذا ~~خزنة النار، على طريق الاستحقار والتوبيخ. # { إن هذا ما كنتم به تمترون } ، تشكون فيه ولا ~~تؤمنون به ثم ذكر مستقر المتقين، فقال: # { إن المتقين فى مقام أمين } ، قرأ أهل المدينة والشام: ~~" فى مقام " بضم الميم على المصدر، أي في إقامة، وقرأ الآخرون بفتح ~~الميم، أي في مجلس أمين، أمنوا فيه من الغير، أي من الموت ومن الخروج ~~منه. ### || [44.52-59] # { فى جنت وعيون * يلبسون من سندس وإستبرق ~~متقبلين * كذلك وزوجنهم } ، أي كما أكرمناهم بما ~~وصفنا من الجنات والعيون واللباس كذلك أكرمناهم بأن زوجناهم، { بحور ~~عين } ، أي قرناهم بهن، ليس من عقد التزويج، لأنه لا يقال: زوجته ~~بامرأة. قال أبو عبيدة: جعلناهم أزواجا لهن كما يزوج البعل بالبعل، أي ~~جعلناهم اثنين اثنين، و " الحور ": هن النساء النقيات البياض. قال مجاهد: ~~يحار فيهن الطرف من بياضهن وصفاء لونهن. وقال أبو عبيدة: " الحور " هن ~~شديدات بياض الأعين الشديدات سوادها، واحدها أحور، والمرأة حوراء، و " ~~العين " جمع العيناء، وهي عظيمة العينين. # { يدعون فيها بكل فكهة } ، اشتهوها، { ءامنين } ، من ~~نفادها ومن ms2072 مضرتها. وقال قتادة: آمنين من الموت والأوصاب والشياطين. # { لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ~~ووقاهم عذاب الجحيم } ، أي سوى الموتة الأولى التي ذاقوها في ~~الدنيا، وبعدها وضع: " إلا " موضع سوى وبعد، وهذا كقوله تعالى: # ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم من النسآء إلا ما ~~قد سلف # [النساء: 22]، أي سوى ما قد سلف، وبعد ما قد سلف، وقيل: إنما استثنى ~~الموتة الأولى وهي في الدنيا من موت في الجنة لأن السعداء حين يموتون ~~يصيرون بلطف الله إلى أسباب الجنة، يلقون الروح والريحان ويرون منازلهم ~~في الجنة، فكان موتهم في الدنيا كأنهم في الجنة لاتصالهم بأسبابها ~~ومشاهدتهم إياها. { ووقهم عذاب الجحيم }. # { فضلا من ربك } ، أي فعل ذلك بهم فضلا منه، { ذلك هو ~~الفوز العظيم }. # { فإنما يسرنه } ، سهلنا القرآن، كناية عن غير مذكور، { ~~بلسنك } ، أي على لسانك، { لعلهم يتذكرون } ، ~~يتعظون. # { فارتقب } ، فانتظر النصر من ربك. وقيل: فانتظر لهم العذاب. { ~~إنهم مرتقبون } ، منتظرون قهرك بزعمهم. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسين بن ~~فنجويه، حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى، حدثنا أبو عيسى موسى بن علي الختلي، ~~حدثنا أبو هشام الرفاعي، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا عمر بن عبد الله بن ~~أبي خثعم، عن يحيى بن كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ حم الدخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك " ### | [45 - سورة الجاثية] ### || [45.1-7] # { حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم * إن ~~في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين * وفي ~~خلقكم وما يبث من دآبة آيات } ، قرأ حمزة، والكسائي، ~~ويعقوب: " آيات " { وتصريف الرياح آيات } بكسر التاء فيهما ردا على ~~قوله: " لآيات " وهو في موضع النصب، وقرأ الآخرون برفعهما على الاستئناف، ~~على أن العرب تقول: إن لي عليك مالا وعلى أخيك مال، ينصبون الثاني ~~ويرفعونه، { لقوم يوقنون } ، أنه لا إله غيره. # { واختلف اليل والنهار ومآ أنزل الله من ~~السمآء من رزق } ، يعني الغيث الذي هو سبب أرزاق العباد، { ~~فأحيا به الأرض ms2073 بعد موتها وتصريف الرياح ~~ءايت لقوم يعقلون }. # { تلك ءايت الله نتلوها عليك بالحق } ، يريد هذا ~~الذي قصصنا عليك من آيات الله نقصها عليك بالحق، { فبأى حديث ~~بعد الله } ، بعد كتاب الله، { وءايته يؤمنون } ، قرأ ابن ~~عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر ويعقوب: " تؤمنون " بالتاء، على معنى قل ~~لهم يا محمد: فبأي حديث تؤمنون، وقرأ الآخرون بالياء. # { ويل لكل أفاك أثيم } ، كذاب صاحب إثم يعني النضر بن ~~الحارث. ### || [45.8-22] # { يسمع ءايت الله تتلى ثم يصر مستكبرا كأن ~~لم يسمعها فبشره بعذاب أليم * وإذا علم من ~~ءايتنا } ، قال مقاتل: من القرآن، { شيئا اتخذها هزوا ~~أولئك لهم عذاب مهين } ، وذكر بلفظ الجمع ردا إلى " ~~كل " في قوله: { لكل أفاك أثيم }. # { من ورآئهم } ، أمامهم، { جهنم } ، يعني أنهم في الدنيا ~~ممتعون بأموالهم ولهم في الآخرة النار يدخلونها، { ولا يغنى عنهم ~~ما كسبوا } ، من الأموال، { شيئا ولا ما اتخذوا من ~~دون الله أوليآء } ، ولا ما عبدوا من دون الله من الآلهة، { ~~ولهم عذاب عظيم }. # { هذا } ، يعني هذا القرآن، { هدى } ، بيان من الضلالة، { ~~والذين كفروا بئايت ربهم لهم عذاب من ~~رجز أليم }. { الله الذى سخر لكم البحر لتجرى ~~الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم ~~تشكرون * وسخر لكم ما فى السموت وما فى ~~الأرض } ، ومعنى تسخيرها أنه خلقها لمنافعنا فهو مسخر لنا من حيث إنا ~~ننتفع به، { جميعا منه } ، فلا تجعلوا لله أندادا، قال ابن عباس: ~~" جميعا منه " كل ذلك رحمة منه. قال الزجاج: كل ذلك تفضل منه وإحسان. { ~~إن فى ذلك لأيت لقوم يتفكرون }. # { قل للذين ءامنوا يغفروا للذين لا يرجون ~~أيام الله } ، أي لا يخافون وقائع الله ولا يبالون نقمته. قال ابن ~~عباس ومقاتل: نزلت في عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وذلك أن رجلا ~~من بني غفار شتمه بمكة فهم عمر - رضي الله تعالى عنه - أن يبطش به، ~~فأنزل الله هذه الآية، وأمره أن يعفو عنه. # وقال القرظي والسدي: نزلت في أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من أهل مكة كانوا ms2074 في أذى شديد من المشركين، من قبل أن يؤمروا ~~بالقتال، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه ~~الآية ثم نسختها آية القتال. { ليجزى قوما } ، قرأ ابن عامر ~~وحمزة والكسائي " لنجزي " بالنون، وقرأ الآخرون بالياء، أي ليجزي الله، ~~وقرأ أبو جعفر " ليجزي " بضم الياء الأولى وسكون الثانية وفتح الزاي، ~~قال أبو عمرو: وهو لحن. قال الكسائي: معناه ليجزي الجزاء قوما، { بما ~~كانوا يكسبون }. # { من عمل صلحا فلنفسه ومن أسآء فعليها ثم ~~إلى ربكم ترجعون * ولقد ءاتينا بنى إسرءيل ~~الكتب } , التوراة، { والحكم والنبوة ورزقنهم ~~من الطيبت } , الحلالات، يعني المن والسلوى، { ~~وفضلنهم على العلمين } ، أي عالمي زمانهم، قال ابن ~~عباس: لم يكن أحد من العالمين في زمانهم أكرم على الله ولا أحب إليه ~~منهم. # { وءاتينهم بينت من الأمر } ، يعني العلم بمبعث ~~محمد صلى الله عليه وسلم وما بين لهم من أمره، { فما اختلفوا ~~إلا من بعد ما جآءهم العلم بغيا بينهم إن ~~ربك يقضى بينهم يوم القيمة فيما كانوا فيه ~~يختلفون }. # { ثم جعلنك } ، يا محمد { على شريعة } ، سنة وطريقة بعد ~~موسى، { من الأمر } ، من الدين، { فاتبعها ولا تتبع ~~أهوآء الذين لا يعلمون } ، يعني مراد الكافرين، وذلك أنهم ~~كانوا يقولون له: ارجع إلى دين آبائك، فإنهم كانوا أفضل منك. فقال جل ~~ذكره: # { إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا } ، لن يدفعوا عنك ~~من عذاب الله شيئا إن اتبعت أهواءهم، { وإن الظلمين ~~بعضهم أوليآء بعض والله ولى المتقين }. # { هذا } ، يعني القرآن، { بصائر للناس } ، معالم للناس، في ~~الحدود والأحكام يبصرون بها، { وهدى ورحمة لقوم يوقنون ~~}. # { أم حسب } ، بل حسب، { الذين اجترحوا السيئت } ، ~~اكتسبوا المعاصي والكفر { أن نجعلهم كالذين ءامنوا ~~وعملوا الصلحت } ، نزلت في نفر من مشركي مكة، قالوا ~~للمؤمنين: لئن كان ما تقولون حقا لنفضلن عليكم في الآخرة كما فضلنا ~~عليكم في الدنيا. { سوآء محياهم } قرأ حمزة والكسائي وحفص ~~ويعقوب: " سواء " بالنصب أي: نجعلهم سواء، يعني أحسبوا أن حياة الكافرين ~~{ وممتهم } كحياة المؤمنين وموتهم سواء كلا، وقرأ الآخرون بالرفع ~~على الابتداء ms2075 والخبر أي محياهم ومماتهم سواء فالضمير فيهما يرجع إلى ~~المؤمنين والكافرين جميعا، معناه: المؤمن مؤمن محياه ومماته أي في ~~الدنيا والآخرة، والكافر كافر في الدنيا والآخرة، { سآء ما ~~يحكمون } ، بئس ما يقضون، قال مسروق: قال لي رجل من أهل مكة: هذا ~~مقام أخيك تميم الداري، لقد رأيته ذات ليلة حتى أصبح أو كاد أن يصبح يقرأ ~~آية من كتاب الله يركع بها ويسجد ويبكي: { أم حسب الذين ~~اجترحوا السيئت أن نجعلهم كالذين ءامنوا ~~وعملوا الصلحت } الآية. # { وخلق الله السموت والأرض بالحق ولتجزى ~~كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون }. ### || [45.23-24] # { أفرءيت من اتخذ إلهه هواه } ، قال ابن عباس ~~والحسن وقتادة: ذلك الكافر اتخذ دينه ما يهواه، فلا يهوى شيئا إلا ركبه ~~لأنه لا يؤمن بالله ولا يخافه، ولا يحرم ما حرم الله. وقال آخرون: معناه ~~اتخذ معبوده هواه فيعبد ما تهواه نفسه. # قال سعيد بن جبير: كانت العرب يعبدون الحجارة والذهب والفضة، فإذا وجدوا ~~شيئا أحسن من الأول رموه أو كسروه، وعبدوا الآخر. # قال الشعبي: إنما سمي الهوى لأنه يهوي بصاحبه في النار. # { وأضله الله على علم } ، منه بعاقبة أمره، وقيل على ما سبق ~~في علمه أنه ضال قبل أن يخلقه، { وختم } ، طبع، { على سمعه } ~~فلم يسمع الهدى، { وقلبه } ، فلم يعقل الهدى، { وجعل على ~~بصره غشوة } ، قرأ حمزة والكسائي " غشوة " بفتح الغين وسكون ~~الشين، والباقون " غشاوة " ظلمة فهو لا يبصر الهدى، { فمن يهديه ~~من بعد الله } ، أي فمن يهديه بعد أن أضله الله، { أفلا ~~تذكرون }. # { وقالوا } ، يعني منكري البعث، { ما هى إلا حياتنا ~~الدنيا } ، أي ما الحياة إلا حياتنا الدنيا، { نموت ونحيا } ~~، أي يموت الآباء ويحيا الأبناء، وقال الزجاج: يعني نموت ونحيا، فالواو ~~للاجتماع، { وما يهلكنآ إلا الدهر } ، أي وما يفنينا إلا ~~مر الزمان وطول العمر واختلاف الليل والنهار. { وما لهم بذلك } ~~، الذي قالوه، { من علم } ، أي لم يقولوه عن علم علموه، { إن هم ~~إلا يظنون }. # أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد ~~محمش ms2076 الزيادي، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، حدثنا أبو الحسن ~~أحمد بن يوسف السلمي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن همام بن منبه، ~~حدثنا أبو هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " قال الله تعالى: لا يقل ابن آدم يا خيبة الدهر، فإني أنا الدهر، أرسل ~~الليل والنهار، فإذا شئت قبضتهما ". # أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، حدثنا جدي عبد الصمد بن عبد ~~الرحمن البزاز، أخبرنا محمد بن زكريا العذافري، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ~~الديري، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن أيوب عن ابن سيرين، عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يسب أحدكم الدهر فإن الله هو الدهر، ولا يقولن للعنب الكرم، فإن ~~الكرم هو الرجل المسلم ". # ومعنى الحديث: أن العرب كان من شأنهم ذم الدهر، وسبه عند النوازل، ~~لأنهم كانوا ينسبون إليه ما يصيبهم من المصائب والمكاره، فيقولون: ~~أصابتهم قوارع الدهر، وأبادهم الدهر. كما أخبر الله تعالى عنهم: { وما ~~يهلكنآ إلا الدهر } فإذا أضافوا إلى الدهر ما نالهم من ~~الشدائد سبو فاعلها، فكان مرجع سبهم إلى الله عز وجل، إذ هو الفاعل في ~~الحقيقة للأمور التي يضيفونها إلى الدهر، فنهوا عن سب الدهر. ### || [45.25-28] # { وإذا تتلى عليهم ءايتنا بينت ما كان ~~حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بئابآئنآ إن كنتم ~~صدقين * قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم ~~يجمعكم إلى يوم القيمة } ، أي ليوم القيامة، { لا ~~ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون * ولله ~~ملك السموت والأرض ويوم تقوم الساعة ~~يومئذ يخسر المبطلون } ، يعني الكافرين الذين هم أصحاب ~~الأباطيل، يظهر في ذلك اليوم خسرانهم بأن يصيروا إلى النار. # { وترى كل أمة جاثية } ، باركة على الركب، وهي جلسة ~~المخاصم بين يدي الحاكم ينتظر القضاء. # قال سلمان الفارسي: إن في القيامة ساعة هي عشر سنين، يخر الناس فيها ~~جثاة على ركبهم حتى إبراهيم عليه السلام ينادي ربه: لا أسألك إلا نفسي. # { كل أمة تدعى إلى كتبها } ، الذي ms2077 فيه أعمالها، وقرأ ~~يعقوب " كل أمة " نصب، ويقال لهم، { اليوم تجزون ما كنتم ~~تعملون }. ### || [45.29-32] # { هذا كتبنا } ، يعني ديوان الحفظة، { ينطق عليكم ~~بالحق } ، يشهد عليكم ببيان شاف، فكأنه ينطق. وقيل: المراد بالكتاب ~~اللوح المحفوظ. { إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون } ، ~~أي نأمر الملائكة بنسخ أعمالكم أي بكتبها وإثباتها عليكم. # وقيل: " تستنسخ " أي تأخذ نسخته، وذلك أن الملكين يرفعان عمل الإنسان، ~~فيثبت الله منه ما كان له فيه ثواب أو عقاب، ويطرح منه اللغو نحو قولهم ~~هلم واذهب. # وقيل: الاستنساخ من اللوح المحفوظ تنسخ الملائكة كل عام ما يكون من ~~أعمال بني آدم، والاستنساخ لا يكون إلا من أصل، فينسخ كتاب من كتاب. # وقال الضحاك: نستنسخ أي نثبت. وقال السدي: نكتب. وقال الحسن: نحفظ. # { فأما الذين ءامنوا وعملوا الصلحت ~~فيدخلهم ربهم فى رحمته ذلك هو الفوز المبين ~~} ، الظفر الظاهر. # { وأما الذين كفروا } ، يقال لهم، { أفلم تكن ~~ءايتى تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم قوما ~~مجرمين } ، متكبرين كافرين. # { وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب ~~فيها } ، قرأ حمزة: " والساعة " نصب عطفها على الوعد، وقرأ الآخرون ~~بالرفع على الابتداء، { قلتم ما ندرى ما الساعة إن ~~نظن إلا ظنا } ، أي ما نعلم ذلك إلا حدسا وتوهما. { وما ~~نحن بمستيقنين } ، أنها كائنة. ### || [45.33-37] # { وبدا لهم } في الآخرة، { سيئت ما عملوا } ، في ~~الدنيا أي جزاؤها { وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون }. # { وقيل اليوم ننساكم } ، نترككم في النار، { كما نسيتم ~~لقآء يومكم هذا } ، تركتم الإيمان والعمل للقاء هذا اليوم، { ~~ومأواكم النار وما لكم من نصرين * ذلكم ~~بأنكم اتخذتم ءايت الله هزوا وغرتكم ~~الحيوة الدنيا } ، حتى قلتم: لا بعث ولا حساب، { فاليوم ~~لا يخرجون منها } ، قرأ حمزة والكسائي بفتح الياء وضم الراء، ~~وقرأ الآخرون بضم الياء وفتح الراء، { ولا هم يستعتبون } ، لا ~~يطلب منهم أن يرجعوا إلى طاعة الله، لأنه لا يقبل ذلك اليوم عذرا ولا ~~توبة. # { فلله الحمد رب السموت ورب الأرض رب ~~العلمين * وله الكبريآء } , العظمة، { فى ~~السموت والأرض وهو العزيز الحكيم }. # أخبرنا الإمام أبو علي ms2078 الحسين ابن محمد القاضي، حدثنا السيد أبو الحسن ~~محمد بن الحسين العلوي، أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد ابن الحسن الشرقي، ~~حدثنا أحمد بن حفص وعبد الله بن محمد الفراء وقطن بن إبراهيم قالوا، ~~أخبرنا حفص بن عبد الله، حدثني إبراهيم بن طهمان، عن عطاء بن السائب، عن ~~الأغر أبي مسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " يقول الله عز وجل: الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا ~~منهما أدخلته النار ". ### | [46 - سورة الأحقاف] ### || [46.1-5] # { حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم * ما ~~خلقنا السماوات والأرض وما بينهمآ إلا بالحق ~~وأجل مسمى } ، يعني يوم القيامة، وهو الأجل الذي تنتهي إليه ~~السموات والأرض، وهو إشارة إلى فنائهما، { والذين كفروا عمآ ~~أنذروا } خوفوا به في القرآن من البعث والحساب، { معرضون }. # { قل أرءيتم ما تدعون من دون الله أرونى ماذا ~~خلقوا من الأرض أم لهم شرك فى السموت ~~ائتونى بكتب من قبل هذآ } ، أي بكتاب جاءكم من الله ~~قبل القرآن فيه بيان ما تقولون، { أو أثرة من علم } قال ~~الكلبي: أي بقية من علم يؤثر على الأولين، أي يسند إليهم. قال مجاهد ~~وعكرمة ومقاتل: رواية عن الأنبياء. وقال قتادة: خاصة من علم. وأصل الكلمة ~~من الأثر وهو الرواية، يقال: أثرت الحديث أثرا وأثارة، ومنه قيل للخبر: ~~أثر { إن كنتم صادقين }. # { ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا ~~يستجيب له } ، يعني الأصنام لا تجيب عابديها إلى شيء يسألونها، { ~~إلى يوم القيمة } ، أبدا ما دامت الدنيا، { وهم عن ~~دعآئهم غفلون } ، لأنها جماد لا تسمع ولا تفهم. ### || [46.6-9] # { وإذا حشر الناس كانوا لهم أعدآء وكانوا ~~بعبادتهم كفرين } , جاحدين، بيانه قوله: # تبرأنآ إليك ما كانوا إيانا يعبدون # [القصص: 63]. # { وإذا تتلى عليهم ءايتنا بينت قال ~~الذين كفروا للحق لما جآءهم هذا سحر مبين ~~} , يسمون القرآن سحرا. # { أم يقولون افتراه } ، محمد من قبل نفسه، فقال الله عز ~~وجل: { قل إن افتريته فلا تملكون لى من الله ~~شيئا } ، لا تقدرون ms2079 أن تردوا عني عذابه إن عذبني على افترائي، فكيف ~~أفتري على الله من أجلكم، { هو أعلم بما تفيضون فيه } ، ~~تخوضون فيه من التكذيب بالقرآن والقول فيه إنه سحر. { كفى به ~~شهيدا بينى وبينكم } ، أن القرآن جاء من عنده، { وهو ~~الغفور الرحيم } ، في تأخير العذاب عنكم، قال الزجاج: هذا دعاء ~~لهم إلى التوبة، معناه: إن الله عز وجل غفور لمن تاب منكم رحيم به. # { قل ما كنت بدعا من الرسل } ، أي بديعا، مثل نصف ~~ونصيف، وجمع البدع أبداع، أي لست بأول مرسل، قد بعث قبلي كثير من ~~الأنبياء، فكيف تنكرون نبوتي. { ومآ أدرى ما يفعل بى ولا ~~بكم } ، اختلف العلماء في معنى هذه الآية: # فقال بعضهم: معناه ما أدري ما يفعل بي ولا بكم يوم القيامة، فلما نزلت ~~هذه الآية فرح المشركون، فقالوا: واللات والعزى ما أمرنا وأمر محمد عند ~~الله إلا واحد، وما له علينا من مزية وفضل، ولولا أنه ابتدع ما يقوله من ~~ذات نفسه لأخبره الذي بعثه بما يفعل به، فأنزل الله # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر # [الفتح:2]، فقالت الصحابة: هنيئا لك يا نبي الله قد علمنا ما يفعل بك، ~~فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله تعالى: # ليدخل المؤمنين والمؤمنت جنت # الآية، [الفتح:5]، وأنزل: # وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا # [الأحزاب:47]، فبين الله تعالى ما يفعل به وبهم، وهذا قول أنس وقتادة ~~والحسن وعكرمة، قالوا: إنما قال هذا قبل أن يخبر بغفران ذنبه وإنما أخبر ~~بغفران ذنبه عام الحديبية، فنسخ ذلك. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد ~~الله بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا أحمد بن منصور ~~الرمادي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري، عن خارجة ابن زيد ~~قال: # " كانت أم العلاء الأنصارية تقول لما قدم المهاجرون المدينة: اقترعت ~~الأنصار على سكنتهم، قالت: فطار لنا عثمان بن مظعون في السكنى، فمرض ~~فمرضناه، ثم توفي فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل ms2080 فقلت: رحمة ~~الله عليك أبا السائب فشهادتي قد أكرمك الله، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " وما يدريك أن الله قد أكرمه "؟ فقلت: لا والله لا أدري فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " أما هو فقد أتاه اليقين من ربه وإني لأرجو ~~له الخير والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم " قالت: ~~فوالله لا أزكي بعده أحدا أبدا، قالت: ثم رأيت لعثمان بعد في النوم ~~عينا تجري فقصصتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " ذاك عمله ~~". # وقالت جماعة: قوله { ومآ أدرى ما يفعل بى ولا بكم } في ~~الدنيا، أما في الآخرة فقد علم أنه في الجنة، وأن من كذبه فهو في النار، ~~ثم اختلفوا فيه: # قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما اشتد البلاء بأصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرى النائم وهو ~~بمكة أرضا ذات سباخ ونخل رفعت له، يهاجر إليها، فقال له أصحابه: متى ~~تهاجر إلى الأرض التي أريت فسكت، فأنزل الله تعالى هذه الآية { ومآ ~~أدرى ما يفعل بى ولا بكم } ، أأترك في مكاني أم أخرج وإياكم ~~إلى الأرض التي رفعت لي؟. # وقال بعضهم { ومآ أدرى ما يفعل بى ولا بكم } إلى ماذا ~~يصير أمري وأمركم في الدنيا، إما أن أخرج كما أخرجت الأنبياء من قبلي، أم ~~أقتل كما قتل من قبلي الأنبياء، وأنتم أيها المصدقون لا أدري تخرجون ~~معي أم تتركون، أم ماذا يفعل بكم وأنتم أيها المكذبون، أترمون ~~بالحجارة من السماء أم يخسف بكم، أم أي شيء يفعل بكم، مما فعل بالأمم ~~المكذبة؟. # ثم أخبر الله عز وجل أنه يظهر دينه على الأديان، فقال: # هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله # [الصف:9]، وقال في أمته: # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله ~~معذبهم وهم يستغفرون # [الأنفال:33]، فأخبر الله ما يصنع به وبأمته، هذا قول السدي. # { إن أتبع إلا ما يوحى إلى } ، أي ما أتبع ms2081 إلا ~~القرآن، ولا أبتدع من عندي شيئا، { ومآ أنا إلا نذير مبين ~~}. ### || [46.10] # { قل أرءيتم } ، معناه: أخبروني ماذا تقولون، { إن كان } ، ~~يعني القرآن، { من عند الله وكفرتم به } ، أيها المشركون، { ~~وشهد شاهد من بنى إسرءيل على مثله } ، المثل: ~~صلة، يعني عليه، أي على أنه من عند الله { فآمن } ، يعني الشاهد، { ~~واستكبرتم } ، عن الإيمان به، وجواب قوله: { إن كان من ~~عند الله } محذوف، على تقدير: أليس قد ظلمتم؟ يدل على هذا المحذوف ~~قوله: { إن الله لا يهدى القوم الظلمين } ، وقال ~~الحسن: جوابه: فمن أضل منكم، كما قال في سورة السجدة. # واختلفوا في هذا الشاهد قال قتادة والضحاك: هو عبد الله بن سلام، شهد ~~على نبوة المصطفى صلى الله عليه وسلم وآمن به، واستكبر اليهود فلم ~~يؤمنوا. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبد الله بن منير سمع عبد ~~الله بن بكير، حدثنا حميد، عن أنس قال: # " سمع عبد الله بن سلام بمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في أرض ~~يخترف فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن ~~إلا نبي: فما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام أهل الجنة؟ وما ينزع الولد ~~إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: أخبرني بهن جبريل آنفا، قال: جبريل؟ قال: ~~نعم، قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقرأ هذه الآية: { قل من كان ~~عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن ~~الله } [البقرة: 97]، فأما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق ~~إلى المغرب، وأما أول الطعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت، وإذا سبق ~~ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت، قال: ~~أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، يا رسول الله إن اليهود قوم ~~بهت، وإنهم أن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم يبهتوني، فجاءت اليهود، ~~فقال: أي رجل عبد الله فيكم؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن ~~سيدنا، قال: ms2082 أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك، ~~فخرج عبد الله، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ~~فقالوا: شرنا وابن شرنا، فانتقصوه، قال: هذا الذي كنت أخاف يا رسول ~~الله ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبد الله بن يوسف قال: سمعت ~~مالكا يحدث عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن عامر بن سعد بن أبي ~~وقاص، عن أبيه قال: ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على ~~الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام، وفيه نزلت هذه الآية: { ~~وشهد شاهد من بنى إسرءيل على مثله } ، قال: لا ~~أدري قال مالك الآية أو في الحديث. # وقال الآخرون الشاهد هو موسى بن عمران. # وقال الشعبي قال مسروق في هذه الآية: والله ما نزلت في عبد الله بن سلام ~~لأن أل حم نزلت بمكة، وإنما أسلم عبد الله بن سلام بالمدينة، ونزلت هذه ~~الآية في محاجة كانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم لقومه، ومثل القرآن ~~التوراة فشهد موسى على التوراة ومحمد صلى الله عليه وسلم على الفرقان، ~~وكل واحد يصدق الآخر. # وقيل: هو نبي من بني إسرائيل فآمن واستكبرتم فلم تؤمنوا { إن الله ~~لا يهدى القوم الظلمين }. ### || [46.11-19] # { وقال الذين كفروا } ، من اليهود، { للذين ءامنوا ~~لو كان } ، دين محمد صلى الله عليه وسلم، { خيرا ما سبقونآ ~~إليه } ، يعني عبد الله بن سلام وأصحابه. # وقال قتادة: نزلت في مشركي مكة، قالوا: لو كان ما يدعونا إليه محمد ~~خيرا ما سبقنا إليه فلان وفلان. # وقال الكلبي: الذين كفروا: أسد وغطفان، قالوا للذين آمنوا يعني: جهينة ~~ومزينة: لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقنا إليه رعاء البهم. # قال الله تعالى: { وإذ لم يهتدوا به } ، يعني بالقرآن كما ~~اهتدى به أهل الإيمان { فسيقولون هذآ إفك قديم } ، كما ~~قالوا أساطير الأولين. # { ومن قبله ms2083 } أي ومن قبل القرآن، { كتب موسى } ، يعني ~~التوراة، { إماما } ، يقتدى به، { ورحمة } ، من الله لمن آمن به، ~~ونصبا على الحال عن الكسائي، وقال أبو عبيدة: فيه إضمار، أي جعلناه ~~إماما ورحمة، وفي الكلام محذوف، تقديره: وتقدمه كتاب موسى إماما ولم ~~يهتدوا به، كما قال في الآية الأولى: { وإذ لم يهتدوا به }. # { وهذا كتب مصدق } ، أي القرآن مصدق للكتب التي قبله، { ~~لسانا عربيا } ، نصب على الحال، وقيل بلسان عربي، { لينذر ~~الذين ظلموا } ، يعني مشركي مكة، قرأ أهل الحجاز والشام ويعقوب: ~~" لتنذر " بالتاء على خطاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ الآخرون ~~بالياء يعني الكتاب، { وبشرى للمحسنين } ، " وبشرى " في محل ~~الرفع، أي هذا كتاب مصدق وبشرى. # { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقموا فلا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون * أولئك أصحب ~~الجنة خلدين فيها جزآء بما كانوا يعملون }. # قوله عز وجل: { ووصينا الإنسان بوالديه حسنا }. قرأ ~~أهل الكوفة: " إحسانا " كقوله تعالى: # وبالولدين إحسانا # [البقرة: 83]، { حملته أمه كرها ووضعته كرها } ، ~~يريد شدة الطلق، قرأ أهل الحجاز وأبو عمرو " كرها " بفتح الكاف فيهما، ~~وقرأ الآخرون بضمهما. { وحمله وفصله } ، فطامه، وقرأ يعقوب: ~~" وفصله " بغير ألف، { ثلاثون شهرا } ، يريد أقل مدة الحمل، وهي ~~ستة أشهر، وأكثر مدة الرضاع أربعة وعشرون شهرا. # وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه قال: إذا حملت المرأة تسعة أشهر ~~أرضعت إحدى وعشرين شهرا، وإذا حملت ستة أشهر أرضعت أربعة وعشرين شهرا: ~~{ حتى إذا بلغ أشده } ، نهاية قوته، وغاية شبابه واستوائه، ~~وهو ما بين ثماني عشرة سنة إلى أربعين سنة، فذلك قوله: { وبلغ ~~أربعين سنة }. # وقال السدي والضحاك: نزلت في سعد بن أبي وقاص، وقد مضت القصة. # وقال الآخرون: نزلت في أبي بكر الصديق وأبيه أبي قحافة عثمان بن عمرو، ~~وأمه أم الخير بنت صخر بن عمرو. # قال علي بن أبي طالب: الآية نزلت في أبي بكر، أسلم أبواه جميعا ولم ~~يجتمع لأحد من المهاجرين أبواه غيره، أوصاه الله بهما، ولزم ذلك من بعده. # وكان أبوبكر صحب النبي صلى الله عليه ms2084 وسلم وهو ابن ثمان عشرة سنة، ~~والنبي صلى الله عليه وسلم ابن عشرين سنة، في تجارة إلى الشام، فلما بلغ ~~أربعين سنة ونبئ النبي صلى الله عليه وسلم آمن به ودعا ربه ف { قال ~~رب أوزعنى } ، ألهمني، { أن أشكر نعمتك التى ~~أنعمت على وعلى ولدى } ، بالهداية والإيمان، { وأن ~~أعمل صلحا ترضه } ، قال ابن عباس: وأجابه الله عز وجل، ~~فأعتق تسعة من المؤمنين يعذبون في الله ولم يرد شيئا من الخير إلا ~~أعانه الله عليه، ودعا أيضا فقال: { وأصلح لى فى ذريتى } ~~، فأجابه الله، فلم يكن له ولد إلا آمنوا جميعا، فاجتمع له إسلام أبويه ~~وأولاده جميعا، فأدرك أبو قحافة النبي صلى الله عليه وسلم وابنه أبو بكر ~~وابنه عبد الرحمن بن أبي بكر وابن عبد الرحمن أبو عتيق كلهم أدركوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم، ولم يكن ذلك لأحد من الصحابة. قوله: { إنى تبت ~~إليك وإنى من المسلمين }. # { أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ~~} ، يعني أعمالهم الصالحة التي عملوها في الدنيا، وكلها حسن، و " الأحسن ~~" بمعنى الحسن، فيثيبهم عليها، { ونتجاوز عن سيئتهم } ، ~~فلا نعاقبهم عليها، قرأ حمزة والكسائي وحفص " نتقبل " " ونتجاوز " ~~بالنون، " أحسن " نصب، وقرأ الآخرون بالياء، وضمها " أحسن " رفع. { ~~فى أصحب الجنة } ، مع أصحاب الجنة، { وعد الصدق ~~الذى كانوا يوعدون } ، وهو قوله عز وجل: # وعد الله المؤمنين والمؤمنت جنت تجري من ~~تحتها الأنهر # [التوبة: 72]. # { والذى قال لولديه } ، إذ دعواه إلى الإيمان بالله ~~والإقرار بالبعث، { أف لكمآ } ، وهي كلمة كراهية، { ~~أتعداننى أن أخرج } ، من قبري حيا، { وقد خلت ~~القرون من قبلى } ، فلم يبعث منهم أحد، { وهما يستغيثان ~~الله } ، يستصرخان ويستغيثان الله عليه، ويقولان له: { ويلك ءامن ~~إن وعد الله حق فيقول ما هذآ } ، ما هذا الذي تدعواني ~~إليه، { إلا أسطير الأولين } ، قال ابن عباس، والسدي، ~~ومجاهد: نزلت في عبد الله. # وقيل: في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه، كان أبواه يدعوانه إلى ~~الإسلام وهو يأبى، ويقول: أحيوا لي عبد الله بن جدعان وعامر بن كعب ~~ومشايخ قريش حتى ms2085 أسألهم عما تقولون، وأنكرت عائشة رضي الله عنها أن يكون ~~هذا في عبد الرحمن بن أبي بكر. # والصحيح أنها نزلت في كافر عاق لوالديه، قاله الحسن وقتادة، وقال ~~الزجاج: قول من قال إنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه، ~~يبطله قوله. { أولئك الذين حق عليهم القول } ، ~~الآية، أعلم الله تعالى أن هؤلاء قد حقت عليهم كلمة العذاب، وعبد الرحمن ~~مؤمن من أفاضل المسلمين فلا يكون ممن حقت عليه كلمة العذاب. # ومعنى { أولئك الذين حق عليهم القول } وجب عليهم ~~العذاب، { فى أمم } ، مع أمم، { قد خلت من قبلهم من ~~الجن والإنس إنهم كانوا خسرين }. # { ولكل درجت مما عملوا } ، قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: يريد من سبق إلى الإسلام، فهو أفضل ممن تخلف عنه ولو بساعة، وقال ~~مقاتل: ولكل فضائل أعمالهم فيوفيهم الله جزاء أعمالهم. وقيل: " ولكل " ~~يعني ولكل واحد من الفريقين المؤمنين والكافرين " درجات " ، منازل ومراتب ~~عند الله يوم القيامة بأعمالهم، فيجازيهم عليها. قال ابن زيد: في هذه ~~الآية: درج أهل النار تذهب سفلا، ودرج أهل الجنة تذهب علوا. # { وليوفيهم } ، قرأ ابن كثير، وأهل البصرة، وعاصم: بالياء، ~~وقرأ الباقون بالنون. { أعملهم وهم لا يظلمون }. ### || [46.20] # { ويوم يعرض الذين كفروا على النار } ، فيقال لهم: ~~{ أذهبتم طيبتكم فى حيتكم الدنيا } ، قرأ ابن ~~كثير، وابن عامر، وأبو جعفر، ويعقوب: " أأذهبتم " ، بالاستفهام، ويهمز ~~ابن عامر همزتين، والآخرون بلا استفهام على الخبر، وكلاهما فصيحان، لأن ~~العرب تستفهم بالتوبيخ، وترك الاستفهام فتقول: أذهبت ففعلت كذا؟ وذهبت ~~ففعلت كذا؟ { واستمتعتم بها } ، يقول: أذهبتم طيباتكم يعني ~~اللذات وتمتعتم بها؟ { فاليوم تجزون عذاب الهون } ، أي ~~العذاب الذي فيه ذل وخزي، { بما كنتم تستكبرون } ، تتكبرون، ~~{ فى الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون } ، فلما ~~وبخ الله الكافرين بالتمتع بالطيبات في الدنيا آثر النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه والصالحون اجتناب اللذات في الدنيا رجاء ثواب الآخرة. # " وروينا عن عمر قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو ~~مضطجع على رمال حصير قد أثر الرمال بجنبه، ms2086 فقلت: يا رسول الله ادع ~~الله فليوسع على أمتك، فإن فارس والروم قد وسع عليهم وهم لا يعبدون ~~الله، فقال: " أولئك قوم عجلوا طيباتهم في الحياة الدنيا ". # أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني، أخبرنا أبو القاسم ~~علي بن أحمد الخزاعي، أخبرنا أبو سعيد الهيثم بن كليب، حدثنا أبو عيسى ~~الترمذي، حدثنا محمد بن المثنى ومحمد ابن بشار قالا حدثنا محمد بن جعفر، ~~حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال سمعت عبد الرحمن بن يزيد يحدث، عن الأسود بن ~~يزيد عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ما شبع آل محمد صلى الله عليه ~~وسلم من خبز الشعير يومين متتابعين حتى قبض رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا ~~إسماعيل بن محمد بن الصفار، حدثنا أحمد بن المنصور الرمادي، حدثنا عبد ~~الرزاق، حدثنا معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها ~~قالت: لقد كان يأتي علينا الشهر ما نوقد فيه نارا وما هو إلا الماء ~~والتمر، غير أن جزى الله نساء من الأنصار خيرا، كن ربما أهدين لنا ~~شيئا من اللبن. # أخبرنا عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني، أخبرنا أبو القاسم الخزاعي، ~~أخبرنا الهيثم بن كليب، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا عبد الله بن ~~معاوية الجمحي، حدثنا ثابت بن يزيد، عن هلال ابن خباب عن عكرمة، عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبيت الليالي ~~المتتابعة طاويا، وأهله لا يجدون عشاء، وكان أكثر خبزهم خبز الشعير. # أخبرنا عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني، أخبرنا أبو القاسم الخزاعي، ~~أخبرنا الهيثم بن كليب، حدثنا أبو عيسى، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، ~~حدثنا روح بن أسلم، حدثنا أبو حاتم البصري، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا ~~ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لقد أخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما يؤذى ms2087 أحد ~~ولقد أتت علي ثلاثون من بين ليلة ويوم ومالي ولبلال طعام يأكله ذو كبد ~~إلا شيء يواريه إبط بلال ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا يوسف بن عيسى، حدثنا ابن ~~فضيل، عن أبيه، عن أبي حازم، عن أبي هريرة أنه قال: لقد رأيت سبعين من ~~أصحاب الصفة ما منهم رجل عليه رداء، إما إزار وإما كساء، قد ~~ربطوا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين ~~فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته. # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة الكشميهني، حدثنا أبو طاهر ~~محمد بن الحارث، حدثنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله ~~بن محمود، أحبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن مبارك، ~~عن شعبة بن الحجاج، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم أن عبد الرحمن بن ~~عوف أتي بطعام وكان صائما، فقال: قتل مصعب بن عمير وهو خير مني فكفن ~~في بردة إن غطي بها رأسه بدت رجلاه، وإن غطي بها رجلاه بدا ~~رأسه، قال: وأراه قال: وقتل حمزة وهو خير مني. فلم يوجد ما يكفن ~~فيه إلا بردة، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط، أو قال أعطينا من الدنيا ما ~~أعطينا وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك ~~الطعام. # وقال جابر بن عبد الله: رأى عمر بن الخطاب لحما معلقا في يدي، فقال: ~~ما هذا يا جابر؟ قلت: اشتهيت لحما فاشتريته، فقال عمر: أوكلما اشتهيت ~~شيئا يا جابر اشتريت، أما تخاف هذه الآية: { أذهبتم ~~طيبتكم فى حيتكم الدنيا }. ### || [46.21-22] # قوله عز وجل: { واذكر أخا عاد } ، يعني هودا عليه السلام، { ~~إذ أنذر قومه بالأحقاف } ، قال ابن عباس: " الأحقاف " واد ~~بين عمان ومهرة. # وقال مقاتل: كانت منازل عاد باليمن في حضرموت بموضع يقال له " مهرة " ~~، وإليها تنسب الإبل المهرية، وكانوا أهل عمد سيارة في الربيع فإذا هاج ms2088 ~~العود رجعوا إلى منازلهم، وكانوا من قبيلة إرم. # قال قتادة: ذكر لنا أن عادا كانوا أحياء باليمن، وكانوا أهل رمل مشرفين ~~على البحر بأرض يقال لها " الشحر " و " الأحقاف " جمع حقف، وهي ~~المستطيل المعوج من الرمال. قال ابن زيد هي ما استطال من الرمل كهيئة ~~الجبل ولم يبلغ أن يكون جبلا، قال الكسائي: هي ما استدار من الرمل،. # { وقد خلت النذر } ، مضت الرسل، { من بين يديه } ، أي ~~من قبل هود، { ومن خلفه } ، إلى قومهم، { ألا تعبدوا ~~إلا الله إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم }. # { قالوا أجئتنا لتأفكنا } ، لتصرفنا، { عن ~~ءالهتنا } ، أي عن عبادتها، { فأتنا بما تعدنآ } ، من ~~العذاب، { إن كنت من الصدقين } ، أن العذاب نازل بنا. ### || [46.23-28] # { قال } ، هود، { إنما العلم عند الله } ، وهو يعلم متى ~~يأتيكم العذاب { وأبلغكم مآ أرسلت به } ، من الوحي، { ~~ولكنى أراكم قوما تجهلون }. # { فلما رأوه } ، يعني ما يوعدون به من العذاب، { عارضا } ~~، سحابا يعرض أي يبدو في ناحية من السماء، ثم يطبق السماء، { ~~مستقبل أوديتهم } ، فخرجت عليهم سحابة سوداء من واد لهم ~~يقال له " المغيث " ، وكانوا قد حبس عنهم المطر، فلما رأوها استبشروا، { ~~قالوا هذا عارض ممطرنا } ، يقول الله تعالى: { بل هو ~~ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم } ، فجعلت الريح ~~تحمل الفسطاط وتحمل الظعينة حتى ترى كأنها جرادة. # { تدمر كل شىء } ، مرت به من رجال عاد وأموالها، { بأمر ~~ربها } ، فأول ما عرفوا أنها عذاب رأوا ما كان خارجا من ديارهم من ~~الرجال والمواشي تطير بهم الريح بين السماء والأرض، فدخلوا بيوتهم ~~وأغلقوا أبوابهم فجاء الريح فقلعت أبوابهم وصرعتهم، وأمر الله الريح ~~فأمالت عليهم الرمال، وكانوا تحت الرمل سبع ليال وثمانية أيام، لهم ~~أنين، ثم أمر الله الريح فكشفت عنهم الرمال فاحتملتهم فرمت بهم في ~~البحر. # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو نعيم عبد ~~الملك بن الحسن الأسفرايني، أخبرنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الحافظ، ~~أخبرنا يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا عمرو بن الحارث، أخبرنا النضر. حدثه ~~عن سليمان بن يسار، ms2089 # " عن عائشة أنها قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعا ~~ضاحكا حتى أرى منه بياض لهواته، وكان إذا رأى غيما أو ريحا عرف ذلك ~~في وجهه، فقلت: يا رسول الله إن الناس إذا رأوا الغيم فرحوا، رجاء أن ~~يكون فيه المطر، وإذا رأيته عرف في وجهك الكراهية، فقال: " يا عائشة ما ~~يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: ~~{ هذا عارض ممطرنا } ، الآية ". # { فأصبحوا لا يرى إلا مسكنهم } ، قرأ عاصم، وحمزة، ~~ويعقوب: " يرى " ، بضم الياء " مساكنهم " برفع النون، يعني: لا يرى ~~شيء إلا مساكنهم، وقرأ الآخرون بالتاء وفتحها، " مساكنهم " نصب يعني ~~لا ترى أنت يا محمد إلا مساكنهم لأن السكان والأنعام بادت بالريح، فلم ~~يبق إلا هود ومن آمن معه. { كذلك نجزى القوم المجرمين ~~}. # { ولقد مكنهم فيمآ إن مكنكم فيه } , يعني ~~فيما لم نمكنكم فيه من قوة الأبدان وطول العمر وكثرة المال. # قال المبرد: " ما " في قوله " فيما " بمنزلة الذي، و " إن " بمنزلة ما، ~~وتقديره: ولقد مكناهم في الذي ما مكناكم فيه. # { وجعلنا لهم سمعا وأبصرا وأفئدة فمآ ~~أغنى عنهم سمعهم ولآ أبصرهم ولآ أفئدتهم ~~من شىء إذ كانوا يجحدون بئايت الله وحاق بهم ~~ما كانوا به يستهزءون }. # { ولقد أهلكنا ما حولكم } ، يا أهل مكة، { من ~~القرى } ، كحجر ثمود وأرض سدوم ونحوهما، { وصرفنا الأيت } ~~الحجج والبينات، { لعلهم يرجعون } ، عن كفرهم فلم يرجعوا، ~~فأهلكناهم يخوف مشركي مكة. # { فلولا } ، فهلا { نصرهم الذين اتخذوا من دون ~~الله قربانا ءالهة } ، يعني الأوثان، اتخذوها آلهة يتقربون بها ~~إلى الله عز وجل، " القربان ": كل ما يتقرب به إلى الله عز وجل، ~~وجمعه: " قرابين " ، كالرهبان والرهابين. # { بل ضلوا عنهم } ، قال مقاتل: بل ضلت الآلهة عنهم فلم تنفعهم ~~عند نزول العذاب بهم، { وذلك إفكهم } ، أي كذبهم الذي كانوا ~~يقولون إنها تقربهم إلى الله عز وجل وتشفع لهم، { وما كانوا ~~يفترون } ، يكذبون أنها آلهة. ### || [46.29-31] # قوله عز وجل: { وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن ~~يستمعون القرءان } ، الآية، قال المفسرون: لما ms2090 مات أبو طالب ~~خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده إلى الطائف يلتمس من ثقيف النصر ~~والمنعة له من قومه. فروى محمد بن إسحاق عن يزيد بن زياد عن محمد بن كعب ~~القرظي قال: لما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف إلى نفر ~~من ثقيف، وهم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم، وهم إخوة ثلاثة: عبد ياليل ~~ومسعود، وحبيب بنو عمرو بن عمير، وعند أحدهم امرأة من قريش من بني جمح، ~~فجلس إليهم فدعاهم إلى الله وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام، ~~والقيام معه على من خالفه من قومه. # فقال له أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة: إن كان الله أرسلك، وقال الآخر: ما ~~وجد الله أحدا يرسله غيرك؟ وقال الثالث: والله ما أكلمك كلمة أبدا، لئن ~~كنت رسولا من الله كما تقول لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام، ~~ولئن كنت تكذب على الله فيما ينبغي لي أن أكلمك. # فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندهم، وقد يئس من خير ثقيف، وقال ~~لهم: إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا علي سري، وكره رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يبلغ قومه فيزيدهم عليه ذلك، فلم يفعلوا وأغروا به سفهاءهم ~~وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس، وألجأوه إلى حائط ~~لعتبة وشيبة ابني ربيعة، وهما فيه فرجع عنه سفهاء ثقيف ومن كان تبعه، ~~فعمد إلى ظل حبلة من عنب، فجلس فيه، وابنا ربيعة ينظران إليه، ويريان ما ~~لقي من سفهاء ثقيف، ولقد لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك المرأة ~~التي من بني جمح، فقال لها: ماذا لقينا من أحمائك؟. # فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت ~~أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد ~~يتجهمني أو إلى عدو ملكته أمري؟، إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن ~~عافيتك هي أوسع لي، أعوذ ms2091 بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر ~~الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ~~ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك ". # فلما رأى ابنا ربيعة ما لقي تحركت له رحمهما فدعوا غلاما لهما نصرانيا ~~يقال له: عداس، فقالا له: خذ قطفا من هذا العنب وضعه في ذلك الطبق ثم ~~اذهب به إلى ذلك الرجل، فقل له يأكل منه، ففعل ذلك عداس، ثم أقبل به حتى ~~وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما وضع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يده قال: بسم الله، ثم أكل، فنظر عداس إلى وجهه ثم قال: والله ~~إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة، فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: من أي البلاد أنت يا عداس؟ وما دينك؟ قال: أنا نصراني، وأنا رجل من ~~أهل نينوي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمن قرية الرجل ~~الصالح يونس بن متى؟ قال له: وما يدريك ما يونس بن متى؟ فقال له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ذاك أخي كان نبيا وأنا نبي، فأكب عداس على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل رأسه ويديه وقدميه. # قال: فيقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه: أما غلامك فقد أفسده عليك، فلما ~~جاءهم عداس قالا له: ويلك يا عداس مالك تقبل هذا الرجل ويديه وقدميه؟ ~~قال: يا سيدي ما في الأرض خير من هذا الرجل، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه ~~إلا نبي، فقالا: ويحك يا عداس لا يصرفك عن دينك فإن دينك خير من دينه. # ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من الطائف راجعا إلى مكة حين ~~يئس من خير ثقيف، حتى إذا كان بنخلة قام من جوف الليل يصلي فمر به نفر ~~من جن أهل نصيبين اليمن، فاستمعوا له، فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم ~~منذرين، قد آمنوا وأجابوا لما سمعوا، فقص الله خبرهم عليه، فقال: { ~~وإذ صرفنآ إليك ms2092 نفرا من الجن }. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا مسدد، حدثنا أبو عوانة، عن ~~أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: انطلق النبي صلى الله عليه ~~وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين ~~وبين خبر السماء، فأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ~~ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب، قالوا: ما ~~حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، ~~فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فانصرف أولئك الذين ~~توجهوا نحو تهامة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بنخلة، عامدين إلى ~~سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، ~~فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك رجعوا إلى ~~قومهم فقالوا: يا قومنا # إنا سمعنا قرءانا عجبا * يهدي إلى الرشد ~~فآمنا به ولن نشرك بربنآ أحدا # [الجن:2]، فأنزل الله على نبيه: # قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن # [الجن:1] وإنما أوحي إليه قول الجن. # وروي أنهم لما رجموا بالشهب بعث إبليس سراياه لتعرف الخبر، وكان أول ~~بعث بعث ركبا من أهل نصيبين، وهم أشراف الجن وساداتهم، فبعثهم إلى ~~تهامة. # وقال أبو حمزة الثمالي: بلغنا أنهم من الشيصبان وهم أكثر الجن عددا، ~~وهم عامة جنود إبليس، فلما رجعوا قالوا: { إنا سمعنا قرءانا ~~عجبا }. # وقال جماعة: بل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينذر الجن ويدعوهم ~~إلى الله تعالى ويقرأ عليهم القرآن، فصرف إليه نفرا من الجن من نينوي، ~~وجمعهم له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إني أمرت أن أقرأ على الجن الليلة، فأيكم يتبعني؟ فأطرقوا، ثم ~~استتبعهم فأطرقوا، ثم استتبعهم الثالثة فأطرقوا، فاتبعه عبد الله بن ~~مسعود، قال عبد الله: ولم يحضر معه أحد غيري، فانطلقنا حتى إذا كنا على ~~مكة دخل نبي الله صلى ms2093 الله عليه وسلم شعبا يقال له: شعب الحجون، وخط لي ~~خطا ثم أمرني أن أجلس فيه، وقال: لا تخرج منه حتى أعود إليك، ثم انطلق ~~حتى قام فافتتح القرآن فجعلت أرى أمثال النسور تهوي، وسمعت لغطا شديدا ~~حتى خفت على نبي الله صلى الله عليه وسلم، وغشيته أسودة كثيرة حالت بيني ~~وبينه، حتى ما أسمع صوته ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين، ففرغ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الفجر، فانطلق إلي وقال: أنمت؟ فقلت: ~~لا والله يا رسول الله، وقد هممت مرارا أن أستغيث بالناس حتى سمعتك ~~تقرعهم بعصاك تقول: اجلسوا، قال: لو خرجت لم آمن عليك أن يتخطفك بعضهم، ~~ثم قال: هل رأيت شيئا؟ قلت: نعم يا رسول الله رأيت رجالا سودا ~~مستثفري ثياب بيض، قال: أولئك جن نصيبين سألوني المتاع - والمتاع الزاد - ~~فمتعتهم بكل عظم حائل وروثة وبعرة. # قال: فقالوا: يا رسول الله تقذرها الناس، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن يستنجي بالعظم والروث. # قال فقلت: يا رسول الله وما يغني ذلك عنهم؟ قال: إنهم لا يجدون عظما ~~إلا وجدوا عليه لحمه يوم أكل، ولا روثة إلا وجدوا فيها حبها يوم أكلت، ~~قال فقلت: يا رسول الله سمعت لغطا شديدا؟ فقال: إن الجن تدارأت في ~~قتيل قتل بينهم فتحاكموا إلي فقضيت بينهم بالحق، قال: ثم تبرز رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ثم أتاني، فقال: هل معك ماء؟ قلت: يا رسول الله معي ~~إداوة فيها شيء من نبيذ التمر، فاستدعاه فصببت على يده فتوضأ وقال: ~~«تمرة طيبة وماء طهور» ". # قال قتادة: ذكر لنا أن ابن مسعود لما قدم الكوفة رأى شيوخا شمطا من ~~الزط فأفزعوه حين رآهم، فقال: أظهروا، فقيل له: إن هؤلاء قوم من ~~الزط، فقال: ما أشبههم بالنفر الذي صرفوا إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، يريد الجن. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغفار بن محمد، حدثنا محمد ~~ابن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم ms2094 بن ~~الحجاج، حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود وهو ابن أبي ~~هند، عن عامر قال: سألت علقمة هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله ليلة ~~الجن؟ قال فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود فقلت: هل شهد أحد منكم مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، ففقدناه فالتمسناه في الأودية ~~والشعاب، فقلنا: استطير أو اغتيل، قال فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما ~~أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء، قال فقلنا: يا رسول الله فقدناك فطلبناك ~~فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم فقال: أتاني داعي الجن فذهبت معه ~~فقرأت عليهم القرآن. # قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم. # قال: وسألوه الزاد، فقال: # " لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما وكل ~~بعرة علف لدوابكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فلا تستنجوا بهما ~~فإنهما طعام إخوانكم من الجن» ". # ورواه مسلم عن علي بن حجر، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن داود بهذا ~~الإسناد إلى قوله: " وأثار نيرانهم ". # قال الشعبي: وسألوه الزاد وكانوا من جن الجزيرة إلى آخر الحديث من قول ~~الشعبي مفصلا من حديث عبد الله. # قوله عز وجل: { وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن ~~يستمعون القرءان } ، اختلفوا في عدد ذلك النفر، فقال ابن ~~عباس: كانوا سبعة من جن نصيبين، فجعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~رسلا إلى قومهم. وقال آخرون: كانوا تسعة. وروى عاصم عن زر بن حبيش: كان ~~زوبعة من التسعة الذين استمعوا القرآن. { فلما حضروه قالوا ~~أنصتوا } ، قالوا: صه. # وروي في الحديث: # " أن الجن ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون بها في الهواء، وصنف حيات ~~وكلاب، وصنف يحلون ويظعنون " # فلما حضروه قال بعضهم لبعض: أنصتوا واسكتوا لنستمع إلى قراءته، فلا ~~يحول بيننا وبين الاستماع شيء، فأنصتوا واستمعوا القرآن حتى كاد يقع ~~بعضهم على بعض من شدة حرصهم. { فلما قضى ms2095 } ، فرغ من تلاوته، { ~~ولوا إلى قومهم } ، انصرفوا إليهم، { منذرين } ، ~~مخوفين داعين بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. # { قالوا يقومنآ إنا سمعنا كتبا أنزل من بعد ~~موسى مصدقا لما بين يديه يهدى إلى الحق ~~وإلى طريق مستقيم } ، قال عطاء: كان دينهم اليهودية، لذلك ~~قالوا: إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى. # { يقومنآ أجيبوا داعى الله } يعني محمدا صلى الله عليه ~~وسلم، { وءامنوا به يغفر لكم من ذنوبكم } " من " ~~صلة، أي ذنوبكم، { ويجركم من عذاب أليم } ، قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: فاستجاب لهم من قومهم نحو من سبعين رجلا من الجن، ~~فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوافقوه في البطحاء، فقرأ عليهم ~~القرآن وأمرهم ونهاهم، وفيه دليل على أنه صلى الله عليه وسلم كان مبعوثا ~~إلى الجن والإنس جميعا. # قال مقاتل: لم يبعث قبله نبي إلى الإنس والجن جميعا. # واختلف العلماء في حكم مؤمني الجن، فقال قوم: ليس لهم ثواب إلا نجاتهم ~~من النار، وتأولوا قوله: { يغفر لكم من ذنوبكم ~~ويجركم من عذاب أليم } ، وإليه ذهب أبو حنيفة رضي الله ~~تعالى عنه. # وحكى سفيان عن ليث قال: الجن ثوابهم أن يجاروا من النار، ثم يقال لهم: ~~كونوا ترابا، وهذا مثل البهائم. # وعن أبي الزناد قال: إذا قضي بين الناس قيل لمؤمني الجن عودوا ترابا، ~~فيعودون ترابا، فعند ذلك يقول الكافر: # يليتنى كنت ترابا # [النبأ:40]. # وقال الآخرون: يكون لهم الثواب في الإحسان كما يكون عليهم العقاب في ~~الإساءة كالإنس، وإليه ذهب مالك وابن أبي ليلى. # وقال جرير عن الضحاك: الجن يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون. # وذكر النقاش في " تفسيره " حديث أنهم يدخلون الجنة. فقيل: هل يصيبون من ~~نعيمها؟ قال: يلهمهم الله تسبيحه وذكره، فيصيبون من لذته ما يصيبه بنو ~~آدم من نعيم الجنة. وقال أرطأة بن المنذر: سألت ضمرة بن حبيب: هل للجن ~~ثواب؟ قال: نعم، وقرأ: # لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن # [الرحمن:74]، قال فالإنسيات للإنس والجنيات للجن. # وقال عمر بن عبد العزيز: إن مؤمني الجن حول الجنة، في ms2096 ربض ورحاب، وليسوا ~~فيها. ### || [46.32] # { ومن لا يجب داعى الله فليس بمعجز فى الأرض } ~~، لا يعجز الله فيفوته، { وليس له من دونه أوليآء } ، ~~أنصار يمنعونه من الله، { أولئك فى ضلل مبين }. ### || [46.33-35] # { أولم يروا أن الله الذى خلق السموت ~~والأرض ولم يعى بخلقهن } ، لم يعجز عن إبداعهن، { ~~بقادر } ، هكذا قراءة العامة، واختلفوا في وجه دخول الباء فيه، فقال ~~أبو عبيدة والأخفش: الباء زائدة للتأكيد، كقوله: { تنبت بالدهن ~~}.، وقال الكسائي والفراء: العرب تدخل الباء في الاستفهام مع الجحد، ~~فتقول: ما أظنك بقائم. # وقرأ يعقوب: " يقدر " بالياء على الفعل، واختار أبو عبيدة قراءة العامة ~~لأنها في قراءة عبد الله قادر بغير باء. # { على أن يحى الموتى بلى إنه على كل شىء ~~قدير }. # { ويوم يعرض الذين كفروا على النار } ، فيقال لهم، ~~{ أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال } ، أي ~~فيقال لهم، { فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون }. # { فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل } ، قال ~~ابن عباس: ذوو الحزم. وقال الضحاك: ذوو الجد والصبر. # واختلفوا فيهم، فقال ابن زيد: كل الرسل. كانوا أولي عزم، لم يبعث الله ~~نبيا إلا كان ذا عزم وحزم، ورأي وكمال عقل، وإنما أدخلت " من " للتجنيس ~~لا للتبعيض، كما يقال: اشتريت أكسية من الخز وأردية من البز. # وقال بعضهم: الأنبياء كلهم أولو عزم إلا يونس بن متى، لعجلة كانت منه، ~~ألا ترى أنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: { ولا تكن كصحب ~~الحوت }؟. # وقال قوم: هم نجباء الرسل المذكورون في سورة الأنعام، وهم ثمانية عشر ~~لقوله تعالى بعد ذكرهم: # أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده # [الأنعام:90]. # وقال الكلبي: هم الذين أمروا بالجهاد وأظهروا المكاشفة مع أعداء الدين. # وقيل: هم ستة: نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، وموسى، عليهم السلام، وهم ~~المذكورون على النسق في سورة الأعراف والشعراء. # وقال مقاتل: هم ستة: نوح، صبر على أذى قومه، وإبراهيم، صبر على النار، ~~وإسحاق، صبر على الذبح، ويعقوب، صبر على فقد ولده وذهاب بصره، ويوسف، صبر ~~على البئر والسجن، وأيوب صبر على الضر. # وقال ms2097 ابن عباس وقتادة: هم نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، أصحاب الشرائع، ~~فهم مع محمد صلى الله عليه وسلم خمسة. # قلت: ذكرهم الله على التخصيص في قوله: # وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح ~~وإبرهيم وموسى وعيسى ابن مريم # [الأحزاب: 7]، وفي قوله تعالى: # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا # [الشورى:13]. # أخبرنا أبو طاهر المطهر بن علي بن عبيد الله الفارسي، حدثنا أبو ذر محمد ~~بن إبراهيم سبط الصالحاني، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن ~~حيان المعروف بأبي الشيخ الحافظ، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، أخبرنا ~~محمد بن الحجاج، أخبرنا السري بن حيان، أخبرنا عباد بن عباد، حدثنا مجالد ~~بن سعيد، عن الشعبي، عن مسروق قال: قالت عائشة قال لي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " يا عائشة إن الدنيا لا تنبغي لمحمد، ولا لآل محمد، يا عائشة إن الله ~~لم يرض من أولي العزم إلا بالصبر على مكروهها، والصبر على مجهودها، ولم ~~يرض إلا أن كلفني ما كلفهم، وقال: " فاصبر كما صبر أولوا ~~العزم من الرسل } وإني والله لا بد لي من طاعته، والله ~~لأصبرن كما صبروا، وأجهدن كما جهدوا، ولا قوة إلا بالله ". # قول تعالى: { ولا تستعجل لهم } ، أي ولا تستعجل العذاب لهم، ~~فإنه نازل بهم لا محالة، كأنه ضجر بعض الضجر فأحب أن ينزل العذاب بمن أبى ~~منهم، فأمر بالصبر وترك الاستعجال. # ثم أخبر عن قرب العذاب فقال: { كأنهم يوم يرون ما ~~يوعدون } ، من العذاب في الآخرة، { لم يلبثوا } ، في الدنيا، ~~{ إلا ساعة من نهار } ، أي إذا عاينوا العذاب صار طول لبثهم ~~في الدنيا والبرزخ كأنه ساعة من نهار، لأن ما مضى وإن كان طويلا كأن لم ~~يكن. # ثم قال: { بلاغ } ، أي هذا القرآن وما فيه من البيان بلاغ من الله ~~إليكم، والبلاغ بمعنى التبليغ، { فهل يهلك } ، بالعذاب إذا نزل { ~~إلا القوم الفاسقون } ، الخارجون من أمر الله. # قال الزجاج: تأويله: لا يهلك مع رحمة الله وفضله إلا القوم الفاسقون، ~~ولهذا قال قوم: ms2098 ما في الرجاء لرحمة الله آية أقوى من هذه الآية. ### | [47 - سورة محمد] ### || [47.1-6] # { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل ~~أعملهم } أبطلها فلم يقبلها وأراد بالأعمال ما فعلوا من إطعام ~~الطعام وصلة الأرحام، قال الضحاك: أبطل كيدهم ومكرهم بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم، وجعل الدائرة عليهم. # { والذين ءامنوا وعملوا الصلحت وءامنوا ~~بما نزل على محمد } ، قال سفيان الثوري: يعني لم يخالفوه ~~في شيء، { وهو الحق من ربهم } ، قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: { الذين كفروا وصدوا } مشركو مكة, { والذين ~~ءامنوا وعملوا الصلحت } الأنصار. { كفر عنهم ~~سيئتهم وأصلح بالهم } ، حالهم، قال ابن عباس رضي الله ~~تعالى عنهما: عصمهم أيام حياتهم، يعني أن هذا الإصلاح يعود إلى إصلاح ~~أعمالهم حتى لا يعصوا. # { ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا البطل } ، ~~الشيطان، { وأن الذين ءامنوا اتبعوا الحق من ~~ربهم } ، يعني القرآن { كذلك يضرب الله للناس ~~أمثلهم } ، أشكالهم، قال الزجاج: كذلك يبين الله أمثال حسنات ~~المؤمنين، وإضلال أعمال الكافرين. # { فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب } ، نصب ~~على الإغراء، أي فاضربوا رقابهم يعني أعناقهم. { حتى إذآ ~~أثخنتموهم } ، بالغتم في القتل وقهرتموهم، { فشدوا ~~الوثاق } ، يعني في الأسر حتى لا يفلتوا منكم، والأسر يكون بعد ~~المبالغة في القتل، كما قال: # ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن في ~~الأرض # [الأنفال:67]، { فإما منا بعد وإما فدآء } ، يعني: بعد ~~أن تأسروهم فإما أن تمنوا عليهم منا بإطلاقهم من غير عوض، وإما أن ~~تفادوهم فداء. # واختلف العلماء في حكم هذه الآية، فقال قوم: هي منسوخة بقوله: # فإما تثقفنهم فى الحرب فشرد بهم من ~~خلفهم # [الأنفال:57]، وبقوله: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة:5]، وإلى هذا القول ذهب قتادة والضحاك والسدي وابن جريج، وهو ~~قول الأوزاعي وأصحاب الرأي، قالوا: لا يجوز المن على من وقع في الأسر من ~~الكفار ولا الفداء. # وذهب آخرون إلى أن الآية محكمة والإمام بالخيار في الرجال العاقلين من ~~الكفار إذا وقعوا في الأسر بين أن يقتلهم أو يسترقهم أو يمن عليهم، ~~فيطلقهم بلا عوض أو يفاديهم بالمال، ms2099 أو بأسارى المسلمين، وإليه ذهب ابن ~~عمر، وبه قال الحسن، وعطاء وأكثر الصحابة والعلماء، وهو قول الثوري، ~~والشافعي، وأحمد وإسحاق. # قال ابن عباس: لما كثر المسلمون واشتد سلطانهم أنزل الله عز وجل في ~~الأسارى { فإما منا بعد وإما فدآء }. # وهذا هو الأصح والاختيار، لأنه عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والخلفاء بعده: # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبد الله بن يوسف ~~حدثنا الليث، حدثنا سعيد بن أبي سعيد سمع أبا هريرة قال # " بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بني ~~حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال،فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي خير يا ~~محمد إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال ~~فسل منه ما شئت، حتى كان الغد، فقال له: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي ما ~~قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر،إن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال ~~سل تعط فتركه حتى كان بعد الغد، فقال له: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي ~~ما قلت لك، فقال: " أطلقوا ثمامة " ، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد ~~فاغتسل، ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا ~~عبده ورسوله، يا محمد والله ما كان على وجه الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، ~~فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي، والله ما كان من دين أبغض إلي من ~~دينك، فأصبح دينك أحب الدين إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من ~~بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد إلي، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، ~~فماذا ترى؟ فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أن يعتمر، فلما قدم ~~مكة قال له قائل: أصبوت؟ فقال: لا، ولكن أسلمت مع رسول الله صلى ms2100 ~~الله عليه وسلم ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ". # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، ~~حدثنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا عبد ~~الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن ~~عمران بن حصين قال: أسر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من بني ~~عقيل فأوثقوه، وكانت ثقيف قد أسرت رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ففداه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجلين اللذين أسرتهما ثقيف. # قوله عز وجل: { حتى تضع الحرب أوزارها } ، أي أثقالها ~~وأحمالها، يعني حتى تضع أهل الحرب السلاح، فيمسكوا عن الحرب. # وأصل " الوزر " ، ما يحتمل الإنسان، فسمى الأسلحة أوزارا لأنها تحمل. # وقيل: " الحرب " هم المحاربون، كالشرب والركب. # وقيل: " الأوزار " الآثام، ومعناه حتى يضع المحاربون آثامها، بأن يتوبوا ~~من كفرهم فيؤمنوا بالله ورسوله. # وقيل: حتى تضع حربكم وقتالكم أوزار المشركين وقبائح أعمالهم بأن يسلموا، ~~ومعنى الآية: أثخنوا المشركين بالقتل والأسر حتى يدخل أهل الملل كلها في ~~الإسلام، ويكون الدين كله لله فلا يكون بعده جهاد ولا قتال، وذلك عند ~~نزول عيسى بن مريم عليهما السلام. # وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " الجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال ". # وقال الكلبي: حتى يسلموا أو يسالموا. # وقال الفراء: حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم. # { ذلك } ، الذي ذكرت وبينت من حكم الكفار، { ولو يشآء الله ~~لانتصر منهم } ، فأهلكهم وكفاكم أمرهم بغير قتال، { ولكن } ~~، أمركم بالقتال، { ليبلوا بعضكم ببعض } ، فيصير من قتل ~~من المؤمنين إلى الثواب ومن قتل من الكافرين إلى العذاب، { والذين ~~قتلوا فى سبيل الله } ، قرأ أهل البصرة وحفص: " قتلوا " بضم ~~القاف وكسر التاء خفيف، يعني الشهداء، وقرأ الآخرون: " قاتلوا " بالألف ~~من المقاتلة، وهم المجاهدون، { فلن يضل أعملهم } ، قال ~~قتادة: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت يوم أحد، وقد فشت في ms2101 المسلمين ~~الجراحات والقتل. # { سيهديهم } ، أيام حياتهم في الدنيا إلى أرشد الأمور، وفي الآخرة ~~إلى الدرجات، { ويصلح بالهم } ، يرضي خصماءهم ويقبل أعمالهم. # { ويدخلهم الجنة عرفها لهم } ، أي بين لهم ~~منازلهم في الجنة حتى يهتدوا إلى مساكنهم لا يخطؤون ولا يستدلون عليها ~~أحدا كأنهم سكانها منذ خلقوا، فيكون المؤمن أهدى إلى درجته، وزوجته ~~وخدمه إلى منزله وأهله في الدنيا، هذا قول أكثر المفسرين. # وروى عطاء عن ابن عباس: { عرفها لهم } أي طيبها لهم، من ~~العرف، وهو الريح الطيبة وطعام معرف أي: مطيب. ### || [47.7-12] # { يأيها الذين ءامنوا إن تنصروا الله } ، أي دينه ~~ورسوله، { ينصركم } ، على عدوكم، { ويثبت أقدامكم } ، ~~عند القتال. # { والذين كفروا فتعسا لهم } ، قال ابن عباس: بعدا ~~لهم. وقال أبو العالية: سقوطا لهم. وقال الضحاك: خيبة لهم. وقال ابن ~~زيد: شقاء لهم. قال الفراء: هو نصب على المصدر، على سبيل الدعاء. وقيل: ~~في الدنيا العثرة، وفي الآخرة التردي في النار. ويقال للعاثر: تعسا إذا ~~لم يريدوا قيامه، وضده لعا إذا أرادوا قيامه، { وأضل ~~أعملهم } ، لأنها كانت في طاعة الشيطان. # { ذلك } التعس والإضلال، { بأنهم كرهوا مآ أنزل الله ~~فأحبط أعملهم }. # ثم خوف الكفار فقال: { أفلم يسيروا فى الأرض فينظروا ~~كيف كان عقبة الذين من قبلهم دمر الله ~~عليهم } ، أي أهلكهم، { وللكفرين أمثلها } ، إن لم ~~يؤمنوا، يتوعد مشركي مكة. # { ذلك } ، الذي ذكرت، { بأن الله مولى الذين ءامنوا ~~} ، وليهم وناصرهم، { وأن الكفرين لا مولى لهم } ، لا ~~ناصر لهم. ثم ذكر مآل الفريقين فقال: # { إن الله يدخل الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت جنت تجرى من تحتها الأنهر ~~ولذين كفروا يتمتعون } ، في الدنيا، { ويأكلون ~~كما تأكل الأنعم } ، ليس لهم همة إلا بطونهم وفروجهم، وهم ~~لا هون ساهون عما في غد، قيل: المؤمن في الدنيا يتزود والمنافق يتزين، ~~والكافر يتمتع، { والنار مثوى لهم }. ### || [47.13-18] # { وكأين من قرية هى أشد قوة من قريتك ~~التى أخرجتك } ، أي أخرجك أهلها، قال ابن عباس: كم رجال هم أشد ~~من أهل مكة؟ يدل عليه قوله: { أهلكنهم } ولم يقل: أهلكناها، { ~~فلا نصر لهم } , # " قال ابن ms2102 عباس: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى الغار ~~التفت إلى مكة وقال: " أنت أحب بلاد الله إلى الله وأحب بلاد الله ~~إلي ولو أن المشركين لم يخرجوني لم أخرج منك " # فأنزل الله هذه الآية. # { أفمن كان على بينة من ربه } ، يقين من دينه، ~~محمد والمؤمنون، { كمن زين له سوء عمله واتبعوا ~~أهوآءهم } ، يعني عبادة الأوثان، وهم أبو جهل والمشركون. # { مثل الجنة التى وعد المتقون } ، أي صفتها، { ~~فيهآ أنهار من مآء غير ءاسن } ، آجن متغير منتن، قرأ ~~ابن كثير " أسن " بالقصر، والآخرون بالمد، وهما لغتان يقال: أسن الماء ~~يأسن أسنا، وأجن يأجن، أسونا وأجونا إذا تغير، { وأنهار من ~~لبن لم يتغير طعمه وأنهر من خمر لذة ~~} ، لذيذة، { للشربين } ، لم تدنسها الأرجل ولم تدنسها الأيدي، ~~{ وأنهر من عسل مصفى }. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، ~~حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، أخبرنا أبو أسامة وعبد الله بن نمير وعلي بن ~~مسهر، عن عبيد الله بن عمر، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن ~~أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " سيحان وجيحان والنيل والفرات كل من أنهار الجنة ". # قال كعب الأحبار: نهر دجلة نهر ماء أهل الجنة، ونهر الفرات نهر لبنهم، ~~ونهر مصر نهر خمرهم، ونهر سيحان نهر عسلهم، وهذه الأنهار الأربعة تخرج من ~~نهر الكوثر. # { ولهم فيها من كل الثمرت ومغفرة من ربهم ~~كمن هو خلد فى النار } ، أي من كان في هذا النعيم كمن هو ~~خالد في النار، { وسقوا مآء حميما } ، شديد الحر تسعر عليهم ~~جهنم منذ خلقت إذا أدني منهم شوى وجوههم ووقعت فروة رؤوسهم فإذا شربوه، ~~{ فقطع أمعآءهم } ، فخرجت من أدبارهم، والأمعاء جميع ما في ~~البطن من الحوايا واحدها معي. # { ومنهم } ، يعني من هؤلاء الكفار، { من يستمع إليك } ، ~~وهم المنافقون، يستمعون قولك فلا يعونه ولا يفهمونه، تهاونا به ms2103 ~~وتغافلا، { حتى إذا خرجوا من عندك } ، يعني فإذا خرجوا ~~من عندك، { قالوا للذين أوتوا العلم } ، من الصحابة: { ~~ماذا قال } ، محمد، { ءانفا }؟ يعني الآن، وهو من الائتناف ويقال: ~~ائتنفت الأمر أي ابتدأته وأنف الشيء أوله. # قال مقاتل: وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب ويعيب المنافقين، ~~فإذا خرجوا من المسجد سألوا عبد الله بن مسعود استهزاء ماذا قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم؟ # قال ابن عباس: وقد سئلت فيمن سئل. # { أولئك الذين طبع الله على قلوبهم } ، فلم يؤمنوا، ~~{ واتبعوا أهوآءهم } ، في الكفر والنفاق. # { والذين اهتدوا } ، يعني المؤمنين، { زادهم } ، ما قال ~~الرسول صلى الله عليه وسلم، { هدى وءاتهم تقواهم } ، وفقهم ~~للعمل بما أمرهم به، وهو التقوى، قال سعيد بن جبير: وآتاهم ثواب تقواهم. # { فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة }. # أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن ~~محمد بن موسى ابن الصلت، حدثنا أبو إسحاق الهاشمي، حدثنا الحسين بن ~~الحسن، حدثنا ابن المبارك، أخبرنا معمر ابن راشد، عمن سمع المقبري يحدث ~~عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ما ينتظر أحدكم من الدنيا إلا غنى مطغيا، أو فقرا منسيا، أو ~~مرضا مفسدا، أو هرما مفندا، أو موتا مجهزا، أو الدجال فالدجال ~~شر غائب ينتظر، أو الساعة والساعة أدهى وأمر ". # قوله عز وجل: { فقد جآء أشراطها } ، أي أماراتها وعلاماتها، ~~واحدها: شرط، وكان النبي صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد ابن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أحمد بن المقدام، حدثنا فضل ~~بن سليمان، حدثنا أبو حازم، حدثنا سهل ابن سعد قال: رأيت النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال بأصبعيه هكذا بالوسطى والتي تلي الإبهام: # " بعثت أنا والساعة كهاتين ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن ويوسف، حدثنا محمد ابن إسماعيل، حدثنا حفص بن عمر الحوضي، حدثنا ~~هشام، عن قتادة، عن أنس ms2104 قال: لأحدثنكم بحديث سمعته من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لا يحدثنكم به أحد غيري، سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # " إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويكثر الجهل، ويكثر الزنا، ويكثر ~~شرب الخمر، ويقل الرجال ويكثر النساء، حتى يكون لخمسين امرأة القيم ~~الواحد ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن سنان، حدثنا فليح، ~~حدثني هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: # " بينما النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس يحدث القوم إذ جاءه أعرابي ~~فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث، فقال بعض ~~القوم: سمع ما قال فكره ما قال: وقال بعضهم: بل لم يسمع حتى إذا قضى ~~حديثه، قال: أين السائل عن الساعة؟ قال: ها أنا يا رسول الله، قال: " إذا ~~ضيعت الأمانة فانتظر الساعة ": قال: كيف إضاعتها؟ قال: " إذا وسد ~~الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة ". # قوله عز وجل: { فأنى لهم إذا جآءتهم ذكراهم } ، ~~فمن أين لهم التذكر والاتعاظ والتوبة إذا جاءتهم الساعة؟ نظيره: # يومئذ يتذكر الإنسن وأنى له الذكرى # [الفجر: 23]. ### || [47.19] # قوله عز وجل: { فاعلم أنه لآ إله إلا الله } ، قيل: ~~الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره، وقيل: معناه فاثبت ~~عليه. وقال الحسين بن الفضل: فازدد علما على علمك. وقال أبو العالية ~~وابن عيينة: هو متصل بما قبله معناه: إذا جاءتهم الساعة فاعلم أنه لا ~~ملجأ ولا مفزع عند قيامها إلا إلى الله. وقيل فاعلم أنه لا إله إلا ~~الله، أن الممالك تبطل عند قيامها، فلا ملك ولا حكم لأحد إلا الله. { ~~واستغفر لذنبك } ، أمر بالاستغفار مع أنه مغفور له لتستن به ~~أمته. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو جعفر ~~الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، ~~عن ثابت، عن أبي بردة، عن ms2105 الأغر المزني قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في كل يوم مائة مرة ". # قوله عز وجل: { وللمؤمنين والمؤمنت } ، هذا إكرام من ~~الله تعالى لهذه الأمة حيث أمر نبيهم صلى الله عليه وسلم أن يستغفر ~~لذنوبهم وهو الشفيع المجاب فيهم، { والله يعلم متقلبكم ~~ومثواكم } ، قال ابن عباس والضحاك: " متقلبكم " متصرفكم ومنتشركم ~~في أعمالكم في الدنيا، " ومثواكم " مصيركم في الآخرة إلى الجنة أو إلى ~~النار. # وقال مقاتل وابن جرير: " متقلبكم " منصرفكم لأشغالكم بالنهار، " ومثواكم ~~" مأواكم إلى مضاجعكم بالليل. # وقال عكرمة: " متقلبكم " من أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات. " ومثواكم ~~" مقامكم في الأرض. # وقال ابن كيسان: " متقلبكم " من ظهر إلى بطن، " ومثواكم " مقامكم في ~~القبور. # والمعنى: أنه عالم بجميع أحوالكم فلا يخفى عليه شيء منها. ### || [47.20-21] # { ويقول الذين ءامنوا } ، حرصا منهم على الجهاد، { ~~لولا نزلت سورة } ، تأمرنا بالجهاد، { فإذآ أنزلت ~~سورة محكمة وذكر فيها القتال } ، قال قتادة: كل سورة ~~ذكر فيها الجهاد فهي محكمة، وهي أشد القرآن على المنافقين، { رأيت ~~الذين فى قلوبهم مرض } ، يعني المنافقين، { ينظرون ~~إليك } ، شزرا بتحديق شديد، كراهية منهم للجهاد وجبنا عن لقاء ~~العدو، { نظر المغشى عليه من الموت } ، كما ينظر ~~الشاخص بصره عند الموت، { فأولى لهم } ، وعيد وتهديد، ومعنى ~~قولهم في التهديد: " أولى لك " أي: وليك وقاربك ما تكره. # ثم قال: { طاعة وقول معروف } ، وهذا ابتداء محذوف الخبر ~~تقديره: طاعة، وقول معروف أمثل، أي لو أطاعوا وقالوا قولا معروفا كان ~~أمثل وأحسن. # وقيل: مجازه: يقول هؤلاء المنافقون قبل نزول السورة المحكمة: طاعة، رفع ~~على الحكاية أي أمرنا طاعة أو منا طاعة، " وقول معروف ": حسن. # وقيل: هو متصل بما قبله، واللام في قوله: " لهم " بمعنى الباء، مجازه: ~~فأولى بهم طاعة الله ورسوله، وقول معروف بالإجابة، أي لو أطاعوا كانت ~~الطاعة والإجابة أولى بهم، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء. # { فإذا عزم الأمر } ، أي جد الأمر ولزم فرض القتال وصار ~~الأمر معزوما، { فلو صدقوا الله } ، في إظهار الإيمان والطاعة، ~~{ لكان ms2106 خيرا لهم } ، وقيل: جواب " إذا " محذوف تقديره فإذا عزم ~~الأمر نكلوا وكذبوا فيما وعدوا ولو صدقوا الله لكان خيرا لهم. ### || [47.22-38] # { فهل عسيتم } ، فلعلكم، { إن توليتم } ، أعرضتم عن ~~القرآن وفارقتم أحكامه، { أن تفسدوا فى الأرض } ، تعودوا إلى ~~ما كنتم عليه في الجاهلية فتفسدوا في الأرض بالمعصية والبغي وسفك الدماء، ~~وترجعوا إلى الفرقة بعدما جمعكم الله بالإسلام. { وتقطعوا ~~أرحامكم } ، قرأ يعقوب: " وتقطعوا " بفتح التاء خفيف، والآخرون ~~بالتشديد و " تقطعوا " من التقطيع، على التكثير، لأجل الأرحام، قال ~~قتادة: كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله ألم يسفكوا الدم الحرام، ~~وقطعوا الأرحام، وعصوا الرحمن؟ وقال بعضهم: هو من الولاية. وقال المسيب ~~ابن شريك والفراء: يقول فهل عسيتم إن وليتم أمر الناس أن تفسدوا في ~~الأرض بالظلم، نزلت في بني أمية وبني هاشم، يدل عليه قراءة علي بن أبي ~~طالب " توليتم " بضم التاء والواو وكسر اللام، يقول: إن وليتكم ولاة ~~جائرة خرجتم معهم في الفتنة وعاونتوهم. # { أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى ~~أبصرهم } ، عن الحق. # { أفلا يتدبرون القرءان أم على قلوب ~~أقفالهآ } ، فلا تفهم مواعظ القرآن وأحكامه، و " أم " بمعنى " بل ". # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أنبأني عقيل ~~بن محمد، أخبرنا المعافى بن زكريا، أخبرنا محمد بن جرير، حدثنا بشر، ~~حدثنا حماد بن زيد، حدثنا هشام بن عروة عن أبيه قال: تلا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: { أفلا يتدبرون القرءان أم على ~~قلوب أقفالهآ } فقال شاب من أهل اليمن: بل على قلوب أقفالها ~~حتى يكون الله يفتحها أو يفرجها، فما زال الشاب في نفس عمر حتى ولي ~~فاستعان به. # { إن الذين ارتدوا على أدبرهم } ، رجعوا كفارا، ~~{ من بعد ما تبين لهم الهدى } ، قال قتادة: هم كفار ~~أهل الكتاب كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد ما عرفوه ووجدوا نعته في ~~كتابهم. # وقال ابن عباس والضحاك والسدي: هم المنافقون. # { الشيطن سول لهم } ، زين لهم القبيح، { وأملى ~~لهم } ، قرأ أهل البصرة بضم الألف وكسر اللام وفتح الياء على ما لم ms2107 ~~يسم فاعله، وقرأ مجاهد بإرسال الياء على وجه الخبر من الله عز وجل عن ~~نفسه أنه يفعل ذلك، وتروى هذه القراءة عن يعقوب، وقرأ الآخرون: { ~~وأملى لهم } بفتح الألف، أي: وأملى الشيطان لهم، مد لهم في ~~الأمل. # { ذلك بأنهم } ، يعني المنافقين أو اليهود، { قالوا ~~للذين كرهوا ما نزل الله } ، وهم المشركون، { ~~سنطيعكم فى بعض الأمر } ، في التعاون على عداوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم والقعود عن الجهاد، وكانوا يقولونه سرا فأخبر الله تعالى ~~عنهم، { والله يعلم إسرارهم } ، قرأ أهل الكوفة غير أبي بكر: ~~بكسر الهمزة على المصدر، والباقون بفتحها على جمع السر. # { فكيف إذا توفتهم الملئكة يضربون ~~وجوههم وأدبرهم * ذلك } ، الضرب، { بأنهم ~~اتبعوا مآ أسخط الله } ، قال ابن عباس: بما كتموا من التوراة ~~وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، { وكرهوا رضوانه } ، كرهوا ~~ما فيه رضوان الله، وهو الطاعة والإيمان. { فأحبط أعملهم }. # { أم حسب الذين فى قلوبهم مرض } ، يعني المنافقين، { ~~أن لن يخرج الله أضغنهم } ، لن يظهر أحقادهم على ~~المؤمنين فيبديها حتى يعرفوا نفاقهم، واحدها: " ضغن " ، قال ابن عباس: ~~حسدهم. # { ولو نشآء لأرينكهم } ، أي لأعلمناكهم وعرفناكهم، { ~~فلعرفتهم بسيمهم } ، بعلامتهم، قال الزجاج: المعنى: لو ~~نشاء لجعلنا على المنافقين علامة تعرفهم بها. # قال أنس: ما خفي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية ~~شيء من المنافقين، كان يعرفهم بسيماهم. # { ولتعرفنهم فى لحن القول } ، في معناه ومقصده. # " واللحن ": وجهان صواب وخطأ، فالفعل من الصواب: لحن يلحن ~~لحنا فهو لحن إذا فطن للشيء، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ". # والفعل من الخطأ لحن يلحن لحنا فهو لاحن. والأصل فيه: ~~إزالة الكلام عن جهته. # والمعنى: إنك تعرفهم فيما يعرضون به من تهجين أمرك وأمر المسلمين ~~والاستهزاء بهم، فكان بعد هذا لا يتكلم منافق عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلا عرفه بقوله، ويستدل بفحوى كلامه على فساد دخيلته. # { والله يعلم أعملكم }. # { ولنبلونكم } ، ولنعاملنكم معاملة المختبر بأن نأمركم ~~بالجهاد والقتال، { حتى نعلم المجهدين منكم ms2108 ~~والصبرين } ، أي: علم الوجود، يريد: حتى يتبين المجاهد والصابر ~~على دينه من غيره، { ونبلوا أخبركم } ، أي نظهرها ونكشفها ~~بإباء من يأبى القتال، ولا يصبر على الجهاد. # وقرأ أبو بكر عن عاصم " وليبلونكم حتى يعلم " ، ويبلو بالياء فيهن، ~~لقوله تعالى: { والله يعلم أعملكم } ، وقرأ الآخرون بالنون ~~فيهن، لقوله تعالى { ولو نشآء لأرينكهم } ، وقرأ يعقوب " ~~ونبلوا " ساكنة الواو، ردا على قوله: " ولنبلونكم " وقرأ الآخرون بالفتح ~~ردا على قوله { حتى نعلم }. # { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشآقوا ~~الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا ~~الله شيئا } ، إنما يضرون أنفسهم، { وسيحبط أعملهم } ، ~~فلا يرون لها ثوابا في الآخرة، قال ابن عباس رضي الله عنهما: هم ~~المطعمون يوم بدر، نظيرها قوله عز وجل: # إن الذين كفروا ينفقون أمولهم ليصدوا عن ~~سبيل الله # [الأنفال:36] الآية. # { يأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول ولا تبطلوا أعملكم } ، قال عطاء: بالشك ~~والنفاق، وقال الكلبي: بالرياء والسمعة. وقال الحسن: بالمعاصي والكبائر. # وقال أبو العالية: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون أنه لا ~~يضر مع الإخلاص ذنب كما لا ينفع مع الشرك عمل، فنزلت هذه الآية فخافوا ~~الكبائر بعده أن تحبط الأعمال. # وقال مقاتل: لا تمنوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتبطلوا ~~أعمالكم، نزلت في بني أسد، وسنذكره في سورة الحجرات إن شاء الله تعالى. # { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ~~ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم } ، قيل: هم ~~أصحاب القليب. وحكمها عام. # { فلا تهنوا } ، لا تضعفوا { وتدعوا إلى السلم } ، أي ~~لا تدعوا إلى الصلح ابتداء، منع الله المسلمين أن يدعوا الكفار إلى ~~الصلح، وأمرهم بحربهم حتى يسلموا، { وأنتم الأعلون } ، ~~الغالبون، قال الكلبي: آخر الأمر لكم وإن غلبوكم في بعض الأوقات، { ~~والله معكم } ، بالعون والنصرة، { ولن يتركم أعملكم ~~} ، لن ينقصكم شيئا من ثواب أعمالكم، يقال: وتره يتره وترا وترة: ~~إذا نقص حقه، قال ابن عباس، وقتادة، ومقاتل والضحاك: لن يظلمكم أعمالكم ~~الصالحة بل يؤتيكم أجورها. ثم حض على طلب ms2109 الآخرة فقال: # { إنما الحيوة الدنيا لعب ولهو } ، باطل وغرور، { ~~وإن تؤمنوا وتتقوا } ، الفواحش، { يؤتكم أجوركم } ~~، جزاء أعمالكم في الآخرة، { ولا يسئلكم } ، ربكم، { ~~أمولكم } ، لإيتاء الأجر بل يأمركم بالإيمان والطاعة ليثيبكم ~~عليها الجنة، نظيره قوله: # مآ أريد منهم من رزق # [الذاريات:57]، وقيل: لا يسألكم محمد أموالكم، نظيره: # قل مآ أسألكم عليه من أجر # [الفرقان:57]. # وقيل: معنى الآية: لا يسألكم الله ورسوله أموالكم كلها في الصدقات، إنما ~~يسألانكم غيضا من فيض، ربع العشر فطيبوا بها نفسا. وإلى هذا القول ذهب ~~ابن عيينة، يدل عليه سياق الآية: { إن يسألكموها فيحفكم } ~~، أي يجهدكم ويلحف عليكم بمسألة جميعها، يقال: أحفى فلان فلانا إذا ~~جهده، وألحف عليه بالمسألة. # { تبخلوا } ، بها فلا تعطوها. # { ويخرج أضغنكم } ، بغضكم وعدواتكم، قال قتادة: علم الله ~~أن في مسألة الأموال خروج الأضغان. # { هآ أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا فى سبيل الله } ~~، يعني إخراج ما فرض الله عليكم، { فمنكم من يبخل } ، بما فرض ~~عليه من الزكاة، { ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه ~~والله الغنى } ، عن صدقاتكم وطاعتكم، { وأنتم الفقرآء } ~~، إليه وإلى ما عنده من الخير. { وإن تتولوا يستبدل ~~قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثلكم } ، بل يكونوا ~~أمثل منكم وأطوع لله منكم. # قال الكلبي: هم كندة والنحع، وقال الحسن: هم العجم. وقال عكرمة: فارس ~~والروم. # أخبرنا أبو بكر أحمد بن أبي نصر الكوفاني، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن ~~بن عمر، حدثنا إسحاق النجيبي المصري المعروف بابن النحاس، أخبرنا أبو ~~الطيب الحسن بن محمد الرياش، حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، ~~حدثنا مسلم بن خالد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية: { وإن ~~تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا ~~أمثلكم } ، قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين إن تولينا ~~استبدلوا بنا ثم لا يكونوا أمثالنا؟ فضرب على فخذ سلمان الفارسي ثم قال: ~~" هذا وقومه، ولو كان الدين عند الثريا لتناوله رجال من الفرس ". ### | [48 - سورة الفتح] ### || [48.1-4] # بسم الله الرحمن ms2110 الرحيم. { إنا فتحنا لك فتحا ~~مبينا } ، اختلفوا في هذا الفتح: روي عن أبي جعفر الرازي عن قتادة عن ~~أنس: أنه فتح مكة، وقال مجاهد: فتح خيبر. # والأكثرون على أنه صلح الحديبية. # ومعنى الفتح فتح المنغلق، والصلح مع المشركين بالحديبية كان متعذرا حتى ~~فتحه الله عز وجل. ورواه شعبة عن قتادة عن أنس: { إنا فتحنا ~~لك فتحا مبينا } ، قال: الحديبية. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن ~~إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد ~~كان فتح مكة فتحا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان، يوم الحديبية كنا مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم أربع عشرة مائة، والحديبية بئر، فنزحناها فلم ~~نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأتاها فجلس على ~~شفيرها، ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم تمضمض ودعا ثم صبه فيها فتركناها ~~غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا. # وقال الشعبي في قوله: { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } ، ~~قال: فتح الحديبية، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأطعموا نخل خيبر ~~وبلغ الهدي محله، وظهرت الروم على فارس، ففرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب ~~على المجوس. # قال الزهري: لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية، وذلك أن المشركين اختلطوا ~~بالمسلمين فسمعوا كلامهم فتمكن الإسلام في قلوبهم، أسلم في ثلاث سنين خلق ~~كثير، وكثر بهم سواد الإسلام. # قوله عز وجل: { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } ، أي قضينا ~~لك قضاء بينا. وقال الضحاك: إنا فتحنا لك فتحا مبينا بغير قتال، وكان ~~الصلح من الفتح. # قيل: اللام في قوله: " ليغفر " لام كي, معناه: إنا فتحنا لك فتحا ~~مبينا لكي يجتمع لك مع المغفرة تمام النعمة في الفتح. # وقال الحسين ابن الفضل: هو مردود إلى قوله: # واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات # [محمد:19]. { ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما ~~تأخر } ، و { ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات ~~} الآية. ms2111 # وقال محمد بن جرير: هو راجع إلى قوله: # إذا جآء نصر الله والفتح * ورأيت الناس ~~يدخلون في دين الله أفواجا * فسبح بحمد ربك ~~واستغفره # [النصر:1-3]، ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك في الجاهلية قبل الرسالة، ~~وما تأخر إلى وقت نزول هذه السورة. # وقيل: " ما تأخر " مما يكون، وهذا على طريقة من يجوز الصغائر على ~~الأنبياء. # وقال سفيان الثوري: " ما تقدم " مما عملت في الجاهلية، " وما تأخر " كل ~~شيء لم تعمله، ويذكر مثل ذلك على طريق التأكيد، كما يقال أعطى من رآه ولم ~~يره، وضرب من لقيه ومن لم يلقه. # وقال عطاء الخراساني: { ما تقدم من ذنبك }: يعني ذنب أبويك ~~آدم وحواء ببركتك، { وما تأخر } ذنوب أمتك بدعوتك. # { ويتم نعمته عليك } ، بالنبوة والحكمة، { ويهديك ~~صرطا مستقيما } ، أي يثبتك عليه، والمعنى ليجتمع لك مع الفتح ~~تمام النعمة بالمغفرة والهداية إلى الصراط المستقيم وهو الإسلام. وقيل: ~~ويهديك أي يهدي بك. # { وينصرك الله نصرا عزيزا } غالبا. وقيل: معزا. # { هو الذى أنزل السكينة } ، الطمأنينة والوقار، { فى ~~قلوب المؤمنين } ، لئلا تنزعج نفوسهم لما يرد عليهم، قال ابن ~~عباس: كل سكينة في القرآن فهي طمأنينة إلا التي في سورة البقرة، { ~~ليزدادوا إيمنا مع إيمنهم }. # قال ابن عباس: بعث الله رسوله بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صدقوه ~~زادهم الصلاة ثم الزكاة ثم الصيام ثم الحج ثم الجهاد، حتى أكمل لهم ~~دينهم، فكلما أمروا بشيء فصدقوه ازدادوا تصديقا إلى تصديقهم. # وقال الضحاك: يقينا مع يقينهم. # قال الكلبي: هذا في أمر الحديبية حين صدق الله رسوله الرؤيا بالحق. # { ولله جنود السموت والأرض وكان الله عزيزا ~~حكيما }. ### || [48.5-10] # { ليدخل المؤمنين والمؤمنت جنت تجرى من ~~تحتها الأنهر خلدين فيها ويكفر عنهم ~~سيئتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما } , وقد ~~ذكرنا عن أنس أن الصحابة قالوا لما نزل { ليغفر لك الله }: ~~هنيئا مريئا فما يفعل بنا فنزل: { ليدخل المؤمنين ~~والمؤمنت جنت } الآية. # { ويعذب المنفقين والمنفقت والمشركين ~~والمشركت } ، أهل النفاق بالمدينة وأهل الشرك بمكة، { ~~الظآنين بالله ظن السوء } ، أن لن ينصر ms2112 محمدا والمؤمنين، ~~{ عليهم دآئرة السوء } ، بالعذاب والهلاك، { وغضب الله ~~عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وسآءت مصيرا ~~}. # { ولله جنود السموت والأرض وكان الله عزيزا ~~حكيما * إنآ أرسلنك شهدا ومبشرا ونذيرا * ~~لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه } ، أي تعينوه ~~وتنصروه، { وتوقروه } ، تعظموه وتفخموه هذه الكنايات راجعة إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم وههنا وقف، { وتسبحوه } ، أي تسبحوا ~~الله يريد تصلوا له، { بكرة وأصيلا } ، بالغداة والعشي، قرأ ابن ~~كثير، وأبو عمرو " وليؤمنوا، ويعزروه، ويوقروه، ويسبحوه " بالياء فيهن ~~لقوله: { فى قلوب المؤمنين } ، وقرأ الآخرون بالتاء فيهن. # { إن الذين يبايعونك } ، يا محمد بالحديبية على أن لا ~~يفروا، { إنما يبايعون الله } ، لأنهم باعوا أنفسهم من الله ~~بالجنة. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا حاتم ~~بن إسماعيل، عن يزيد بن أبي عبيد قال: قلت لسلمة بن الأكوع: على أي شيء ~~بايعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية؟ قال: على الموت. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، عن مسلم بن الحجاج، ~~حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا يزيد بن زريع، عن خالد، عن الحكم بن عبد الله ~~بن الأعرج، عن معقل بن يسار، قال لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي صلى الله ~~عليه وسلم يبايع الناس، وأنا رافع غصنا من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع ~~عشرة مائة، قال: لم نبايعه على الموت ولكن بايعناه على أن لا نفر. # قال أبو عيسى: معنى الحديثين صحيح بايعه جماعة على الموت، أي لا نزال ~~نقاتل بين يديك ما لم نقتل، وبايعه آخرون، وقالوا: لا نفر. # { يد الله فوق أيديهم } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يد ~~الله بالوفاء بما وعدهم من الخير فوق أيديهم. # وقال السدي: كانوا يأخذون بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبايعونه، ~~ويد الله فوق أيديهم في المبايعة. # قال الكلبي: نعمة الله عليهم في الهداية فوق ما ms2113 صنعوا من البيعة. # { فمن نكث } ، نقض البيعة، { فإنما ينكث على نفسه ~~} ، عليه وباله، { ومن أوفى بما عهد عليه الله } ، ~~ثبت على البيعة، { فسيؤتيه } ، قرأ أهل العراق " فسيؤتيه " بالياء، ~~وقرأ الآخرون بالنون، { أجرا عظيما } ، وهو الجنة. ### || [48.11-17] # { سيقول لك المخلفون من الأعراب } , قال ابن عباس، ~~ومجاهد: يعني أعراب غفار ومزينة وجهينة، وأشجع وأسلم، وذلك أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حين أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمرا استنفر ~~من حول المدينة من الأعراب وأهل البوادي ليخرجوا معه حذرا من قريش أن ~~يعرضوا له بحرب، أو يصدوه عن البيت، فأحرم بالعمرة وساق معه الهدي ليعلم ~~الناس أنه لا يريد حربا، فتثاقل عن كثير من الأعراب وتخلفوا واعتلوا ~~بالشغل، فأنزل الله تعالى فيهم: { سيقول لك المخلفون من ~~الأعراب } يعني الذين خلفهم الله عز وجل عن صحبتك، إذا انصرفت ~~إليهم فعاتبهم على التخلف. # { شغلتنآ أمولنا وأهلونا } ، يعني النساء والذراري، أي ~~لم يكن لنا من يخلفنا فيهم { فاستغفر لنا } ، تخلفنا عنك، ~~فكذبهم الله عز وجل في اعتذارهم، فقال: # { يقولون بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم } ، من أمر ~~الاستغفار، فإنهم لا يبالون استغفر لهم النبي صلى الله عليه وسلم أو لا. # { قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ~~ضرا } ، سوءا، { أو أراد بكم نفعا } ، قرأ حمزة والكسائي: ~~" ضرا " بضم الضاد، وقرأ الآخرون بفتحها لأنه قابله بالنفع والنفع ضد ~~الضر، وذلك أنهم ظنوا أن تخلفهم عن النبي صلى الله عليه وسلم يدفع عنهم ~~الضر، ويعجل لهم النفع بالسلامة في أنفسهم وأموالهم، فأخبرهم أنه: إن ~~أراد بهم شيئا من ذلك لم يقدر أحد على دفعه. { بل كان الله بما ~~تعملون خبيرا }. # { بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون ~~إلى أهليهم أبدا } ، أي ظننتم أن العدو يستأصلهم فلا يرجعون، ~~{ وزين ذلك فى قلوبكم } ، زين الشيطان ذلك الظن في قلوبكم، ~~{ وظننتم ظن السوء } ، وذلك أنهم قالوا: إن محمدا وأصحابه ~~أكلة رأس، فلا يرجعون، فأين تذهبون معه، انتظروا ما يكون من أمرهم. { ~~وكنتم قوما بورا } ، هلكى لا ms2114 تصلحون لخير. # { ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنآ أعتدنا ~~للكفرين سعيرا * ولله ملك السموت والأرض ~~يغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء وكان الله غفورا ~~رحيما }. # { سيقول المخلفون } ، يعني هؤلاء الذين تخلفوا عن الحديبية، ~~{ إذا انطلقتم } ، سرتم وذهبتم أيها المؤمنون، { إلى مغانم ~~لتأخذوها } ، يعني غنائم خيبر، { ذرونا نتبعكم } ، إلى ~~خيبر لنشهد معكم قتال أهلها، وذلك أنهم لما انصرفوا من الحديبية وعدهم ~~الله فتح خيبر وجعل غنائمها لمن شهد الحديبية خاصة عوضا عن غنائم أهل ~~مكة إذا انصرفوا عنهم على صلح ولم يصيبوا منهم شيئا. # قال الله تعالى: { يريدون أن يبدلوا كلم الله } ، قرأ ~~حمزة والكسائي: " كلم الله " بغير ألف جمع كلمة، وقرأ الآخرون: { ~~كلم الله } ، يريدون أن يغيروا مواعيد الله تعالى لأهل الحديبية ~~بغنيمة خيبر خاصة. # وقال مقاتل: يعني أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن لا يسير منهم ~~أحد. # وقال ابن زيد: هو قول الله عز وجل: # فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معى أبدا # [التوبة:83]، والأول أصوب، وعليه عامة أهل التأويل. # { قل لن تتبعونا } ، إلى خيبر، { كذلكم قال الله من ~~قبل } ، أي من قبل مرجعنا إليكم أن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية ليس ~~لغيرهم فيها نصيب، { فسيقولون بل تحسدوننا } ، أي يمنعكم ~~الحسد من أن نصيب معكم الغنائم، { بل كانوا لا يفقهون } ، لا ~~يعلمون عن الله ما لهم وعليهم من الدين، { إلا قليلا } ، منهم وهو ~~من صدق الله والرسول. # { قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم ~~أولى بأس شديد } ، قال ابن عباس، ومجاهد، وعطاء: هم أهل فارس. ~~وقال كعب: هم الروم: وقال الحسن: فارس والروم. وقال سعيد بن جبير: هوازن ~~وثقيف. وقال قتادة: هوازن وغطفان يوم حنين. وقال الزهري، ومقاتل، وجماعة: ~~هم بنو حنيفة أهل اليمامة أصحاب مسيلمة الكذاب. # قال رافع بن خديج: كنا نقرأ هذه الآية ولا نعلم من هم حتى دعا أبو بكر ~~إلى قتال بني حنيفة، فعلمنا أنهم هم. # وقال ابن جريج: دعاهم عمر رضي الله عنه إلى قتال فارس. # وقال أبو هريرة: لم تأت هذه الآية ms2115 بعد. # { تقتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم ~~الله أجرا حسنا } ، يعني الجنة، { وإن تتولوا } ، تعرضوا ~~{ كما توليتم من قبل } ، عام الحديبية، { يعذبكم ~~عذابا أليما } ، وهو النار، فلما نزلت هذه الآية قال أهل الزمانة: ~~كيف بنا يا رسول الله؟. فأنزل الله تعالى: { ليس على الأعمى ~~حرج } ، يعني في التخلف عن الجهاد، { ولا على الأعرج حرج ~~ولا على المريض حرج ومن يطع الله ورسوله ~~يدخله جنت تجرى من تحتها الانهر ومن ~~يتول يعذبه عذابا أليما } ، قرأ أهل المدينة والشام " ~~ندخله " و " نعذبه " ، بالنون فيهما، وقرأ الآخرون بالياء لقوله: { ومن ~~يطع الله }. ### || [48.18-20] # { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك } ، ~~بالحديبية على أن يناجزوا قريشا ولا يفروا، { تحت الشجرة } ، ~~وكانت سمرة, قال سعيد ابن المسيب: حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، قال: فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها ~~فلم نقدر عليها. # وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر بذلك المكان بعد أن ذهبت ~~الشجرة، فقال: أين كانت؟ فجعل بعضهم يقول: هاهنا وبعضهم: هاهنا، فلما كثر ~~اختلافهم قال: سيروا، قد ذهبت الشجرة. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا علي بن عبد الله، ~~حدثنا سفيان # " قال عمرو: سمعت جابر بن عبد الله قال: قال لنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يوم الحديبية: «أنتم خير أهل الأرض» " # ، وكنا ألفا وأربع مائة، ولو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، عن مسلم بن الحجاج، ~~حدثنا محمد بن حاتم، حدثنا حجاج، عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع ~~جابرا يسأل: كم كانوا يوم الحديبية؟ قال: كنا أربع عشرة مائة فبايعناه، ~~وعمر آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة، فبايعناه غير جد بن قيس الأنصاري ~~أختبأ تحت بطن بعيره. # وروى سالم عن جابر ms2116 قال: كنا خمس عشرة مائة. # وقال عبد الله بن أبي أوفى: كان أصحاب الشجرة ألفا وثلثمائة، وكانت ~~أسلم ثمن المهاجرين،. # وكان سبب هذه البيعة - على ما ذكره محمد بن إسحاق عن أهل العلم - # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا خراش بن أبي أمية الخزاعي حين ~~نزل الحديبية، فبعثه إلى قريش بمكة وحمله على جمل له، يقال له الثعلب ~~ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له، فعقروا به جمل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأرادوا قتله فمنعته الأحابيش، فخلوا سبيله حتى أتى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب ليبعثه ~~إلى مكة، فقال: يا رسول الله إني أخاف قريشا على نفسي وليس بمكة من بني ~~عدي بن كعب أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها، ولكن ~~أدلك على رجل هو أعز بها مني: عثمان بن عفان، فدعا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عثمان، فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت ~~لحرب، وإنما جاء زائرا لهذا البيت معظما لحرمته، فخرج عثمان إلى مكة، ~~فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة، أو قبل أن يدخلها، فنزل عن ~~دابته وحمله بين يديه، ثم أردفه وأجاره حتى بلغ رسالة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فقال عظماء قريش لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به، قال: ما كنت لأفعل ~~حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاحتبسته قريش عندها، فبلغ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين أن عثمان قد قتل، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «لا نبرح حتى نناجز القوم»، ودعا الناس إلى ~~البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة ". # وكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت، قال ~~بكر بن الأشج: بايعوه على الموت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل ~~على ما استطعتم. # وقال ms2117 جابر عبد الله ومعقل بن يسار: لم نبايعه على الموت ولكن بايعناه ~~على أن لا نفر، فكان أول من بايع بيعة الرضوان من بني أسد يقال له أبو ~~سنان بن وهب، ولم يتخلف عنه أحد من المسلمين حضرها إلا جد بن قيس أخو ~~بني سلمة، قال جابر: لكأني أنظر إليه لاصقا بإبط ناقته مستترا بها من ~~الناس، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذي ذكر من أمر عثمان ~~باطل. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسين بن ~~محمد ابن فنجويه، حدثنا علي بن أحمد بن نصرويه، حدثنا أبو عمران موسى بن ~~سهل بن عبد الحميد الجوني، حدثنا محمد بن رمح، حدثنا الليث بن سعد، عن ~~أبي الزبير، عن جابر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة ". # قوله عز وجل: { فعلم ما فى قلوبهم } ، من الصدق والوفاء، { ~~فأنزل السكينة } ، الطمأنينة والرضا، { عليهم ~~وأثبهم فتحا قريبا } ، يعني فتح خيبر. { ومغانم ~~كثيرة يأخذونها } ، من أموال يهود خيبر، وكانت خيبر ذات عقار ~~وأموال، فاقتسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم، { وكان الله ~~عزيزا حكيما }. # { وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها } ، وهي الفتوح ~~التي تفتح لهم إلى يوم القيامة، { فعجل لكم هذه } ، يعني ~~خيبر، { وكف أيدى الناس عنكم } ، وذلك أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما قصد خيبر وحاصر أهلها همت قبائل من أسد وغطفان أن ~~يغيروا على عيال المسلمين وذراريهم بالمدينة، فكف الله أيديهم بإلقاء ~~الرعب في قلوبهم، وقيل: كف أيدي الناس عنكم يعني أهل مكة بالصلح، { ~~ولتكون } ، كفهم وسلامتكم، { ءاية للمؤمنين } ، على صدقك ~~ويعلموا أن الله هو المتولي حياطتهم وحراستهم في مشهدهم ومغيبهم، { ~~ويهديكم صرطا مستقيما } ، يثبتكم على الإسلام ويزيدكم ~~بصيرة ويقينا بصلح الحديبية، وفتح خيبر وذلك أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لما رجع من الحديبية أقام بالمدينة بقية ذي الحجة وبعض المحرم ثم ~~خرج في بقية المحرم سنة سبع إلى خيبر. # أخبرنا عبد الواحد ms2118 المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ~~إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~كان إذا غزا بنا قوما لم يكن يغير بنا حتى يصبح وينظر، فإن سمع ~~أذانا كف عنهم، وإن لم يسمع أذانا أغار عليهم قال: فخرجنا إلى خيبر ~~فانتهيا إليهم ليلا فلما أصبح ولم يسمع أذانا ركب وركبت خلف أبي طلحة ~~وإن قدمي لتمس قدم النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فخرجوا إلينا ~~بمكاتلهم ومساحيهم، فلما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: محمد - ~~والله - محمد والخميس، فلما رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " الله أكبر، الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح ~~المنذرين ". # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، ~~حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، أخبرنا أبو علي الحنفي عبيد ~~الله بن عبد المجيد، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا إياس بن سلمة، حدثني ~~أبي قال:... خرجنا إلى خيبر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فجعل ~~عمي عامر يرتجز بالقوم. # تالله لولا الله ما اهتدينا # ولا تصدقنا ولا صلينا # ونحن عن فضلك ما استغنينا # فثبت الأقدام إن لاقينا # وأنزلن سكينة علينا # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من هذا؟ فقال: أنا عامر، غفر لك ~~ربك، قال: وما استغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم لإنسان يخصه إلا ~~استشهد، قال: فنادى عمر بن الخطاب وهو على جمل له: يا نبي الله لولا ~~متعتنا بعامر، قال: فلما قدمنا خيبر خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه يقول: # قد علمت خيبر أني مرحب # شاكي السلاح بطل مجرب # إذا الحروب أقبلت تلهب # قال: وبرز له عمي عامر، فقال: # قد علمت خيبر أني عامر # شاكي السلاح بطل مغامر # قال فاختلفا ضربتين، فوقع سيف مرحب ms2119 في ترس عامر وذهب عامر يسفل له، فرجع ~~سيفه على نفسه فقطع أكحله، وكانت فيها نفسه. قال سلمة: فخرجت فإذا نفر من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: بطل عمل عامر قتل نفسه، ~~قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي، فقلت: يا رسول الله ~~بطل عمل عامر قتل نفسه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " من قال ذلك "؟ قلت: ناس من أصحابك، قال: " كذب من قال ذلك، بل له ~~أجره مرتين " # ، ثم أرسلني إلى علي رضي الله عنه - وهو أرمد - فقال: لأعطين الراية ~~رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، قال: فأتيت عليا رضي الله ~~عنه فجئت به أقوده وهو أرمد، حتى أتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فبصق في عينيه فبرأ، وأعطاه الراية، وخرج مرحب فقال: # قد علمت خيبر أني مرحب # شاكي السلاح بطل مجرب # إذا الحروب أقبلت تلهب # فقال علي رضي الله عنه: # أنا الذي سمتني أمي حيدره # كليث غابات كريه المنظره # أو فيهم بالصاع كيل السندره # قال: فضرب رأس مرحب فقتله، ثم كان الفتح على يديه. # وروى حديث خيبر جماعة: سهل بن سعد، وأنس، وأبو هريرة، يزيدون وينقصون، ~~وفيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد أخذته الشقيقة فلم يخرج ~~إلى الناس، فأخذ أبو بكر رضي الله عنه راية رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ثم نهض فقاتل قتالا شديدا، ثم رجع فأخذها عمر رضي الله عنه فقاتل ~~قتالا شديدا، هو أشد من القتال الأول، ثم رجع، فأخبر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بذلك فقال: # " «لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ~~يفتح الله على يديه»، فدعا علي بن أبي طالب فأعطاه إياها وقال: امش ~~ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك " # ، فأتى مدينة خيبر، فخرج مرحب، صاحب الحصن، وعليه مغفر وحجر قد ثقبه مثل ~~البيضة على رأسه، وهو يرتجز، فبرز إليه علي فضربه فقد الحجر والمغفر ~~وفلق رأسه حتى أخذ السيف في الأضراس، ثم خرج ms2120 بعد مرحب أخوه ياسر، يرتجز ~~فخرج إليه الزبير بن العوام، فقالت أمه صفية بنت عبد المطلب: أيقتل ابني ~~يا رسول الله؟ قال: بل ابنك يقتله إن شاء الله، ثم التقيا فقتله الزبير، ~~ثم لم يزل رسول الله يفتح الحصون، ويقتل المقاتلة ويسبي الذرية، ويحوز ~~الأموال. # قال محمد بن إسحاق: وكان أول حصونهم افتتح حصن ناعم، وعنده قتل محمود بن ~~سلمة، ألقت عليه اليهود حجرا فقتله، ثم فتح العموص، حصن ابن أبي الحقيق، ~~فأصاب منه سبايا، منهم صفية بنت حيي بن أخطب، جاء بلال بها وبأخرى معها، ~~فمر بهما على قتلى من قتلى يهود، فلما رأتهم التي مع صفية صاحت وصكت ~~وجهها وحثت التراب على رأسها، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: أعزبوا عني هذه الشيطانة، وأمر بصفية فحيزت خلفه، وألقى عليها ~~رداءه، فعرف المسلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اصطفاها لنفسه، ~~وقال رسول الله لبلال، لما رأى من تلك اليهودية ما رأى: أنزعت منك الرحمة ~~يا بلال حيث تمر بامرأتين على قتلى رجالهما، وكانت صفية قد رأت في ~~المنام وهي عروس بكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق أن قمرا وقع في حجرها، ~~فعرضت رؤياها على زوجها، فقال: ما هذا إلا أنك تتمنين ملك الحجاز ~~محمدا، فلطم وجهها لطمة اخضرت عينها منها، فأتي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بها وبها أثر منها فسألها ما هو؟ فأخبرته هذا الخبر، وأتى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بزوجها كنانة بن الربيع، وكان عنده كنز بني ~~النضر فسأله، فجحده أن يكون يعلم مكانه، فأتى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم برجل من اليهود فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني قد رأيت ~~كنانة يطوف بهذه الخربة كل غداة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لكنانة: أرأيت إن وجدناه عندك أنقتلك؟قال: نعم؟ فأمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالخربة فحفرت، فأخرج منها بعض كنزهم، ثم سأله ما بقي فأبى أن ~~يؤديه، فأمر رسول الله صلى الله ms2121 عليه وسلم الزبير بن العوام فقال: عذبه ~~حتى تستأصل ما عنده، فكان الزبير يقدح بزند في صدره حتى أشرف على نفسه، ~~ثم دفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى محمد بن مسلمة فضرب عنقه بأخيه ~~محمود بن مسلمة. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا ابن ~~علية، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~غزا خيبر، فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس، فركب نبي الله صلى الله عليه ~~وسلم، وركب أبو طلحة، وأنا رديف أبي طلحة، فأجرى نبي الله صلى الله عليه ~~وسلم في زقاق خيبر وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم، ثم ~~حسر الإزار عن فخذه حتى إني لأنظر إلى بياض فخذ نبي الله صلى الله عليه ~~وسلم، فلما دخل القرية قال: # " الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين " # ، قالها ثلاثا، وخرج القوم إلى أعمالهم، فقالوا: محمد. قال عبد العزيز، ~~وقال بعض أصحابنا: والخميس يعني: الجيش، قال: فأصبناها عنوة، فجمع السبي ~~فجاء دحية فقال: يا نبي الله أعطني جارية من السبي، قال: اذهب فخذ جارية ~~فأخذ صفية بنت حيي، فجاء رجل إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ~~نبي الله أعطيت دحية صفية بنت حيي سيدة قريظة والنضير، لا تصلح إلا لك، ~~قال: ادعوه بها، فجاء بها، فلما نظر إليها النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~خذ جارية من السبي غيرها، قال: فأعتقها النبي صلى الله عليه وسلم ~~وتزوجها، فقال له ثابت: يا أبا حمزة ما أصدقها؟ قال: نفسها، أعتقها ~~وتزوجها، حتى إذا كان بالطريق جهزتها له أم سليم، فأهدتها له من الليل، ~~فأصبح النبي صلى الله عليه وسلم عروسا، فقال: من كان عنده شيء فليجيء ~~به، وبسط نطعا فجعل الرجل يجيء بالتمر وجعل الآخر يجيء بالسمن، قال: ~~وأحسبه قد ذكر السويق، قال: فحاسوا حيسا ms2122 فكانت وليمة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا موسى بن إسماعيل، ~~حدثنا عبد الواحد الشيباني قال: سمعت ابن أبي أوفى يقول: أصابتنا مجاعة ~~ليالي خيبر، فلما كان يوم خيبر وقعنا في الحمر الأهلية فانتحرناها، ~~فلما غلت القدور نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم أكفئوا القدور ~~ولا تطعموا من لحوم الحمر شيئا، قال عبد الله: فقلنا إنما نهى النبي صلى ~~الله عليه وسلم لأنها لم تخمس. وقال آخرون: حرمها البتة، وسألت سعيد بن ~~جبير فقال: حرمها البتة. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، ~~حدثنا يحيى بن حبيب الحارثي، أخبرنا خالد بن الحارث، حدثنا شعبة، عن هشام ~~بن زيد، عن أنس أن امرأة يهودية أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة ~~مسمومة، فأكل منها، فجيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألها ~~عن ذلك، فقالت: أردت لأقتلك، قال: ما كان الله ليسلطك على ذلك، أو قال ~~علي: قال: قالوا ألا تقتلها؟ قال: لا، قال: فما زلت أعرفها في لهوات ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقال محمد بن إسماعيل: قال يونس، عن الزهري قال عروة، قالت عائشة: كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول في مرضه الذي مات فيه: # " يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت ~~انقطاع أبهري من ذلك السم ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمد بن بشار، أخبرنا حرمي، ~~أخبرنا شعبة قال أخبرني عمارة، عن عكرمة، عن عائشة قالت: لما فتحت خيبر ~~قلنا: الآن نشبع من التمر. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، ms2123 حدثنا أحمد بن المقدام، حدثنا فضيل ~~بن سليمان، حدثنا موسى بن عقبة، أخبرني نافع، عن ابن عمر أن عمر بن ~~الخطاب أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز، وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لما ظهر على أهل خيبر أراد أن يخرج اليهود منها، وكانت الأرض ~~حين ظهر عليها لله ولرسوله وللمسلمين، فسأل اليهود رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن يتركهم على أن يكفوا العمل ولهم نصف التمر، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: نقركم على ذلك ما شئنا. # فأقروا حتى أجلاهم عمر في إمارته إلى تيماء وأريحاء. # قال محمد بن إسحاق: فلما سمع أهل فدك بما صنع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بخيبر بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه أن يسيرهم ~~ويحقن لهم دماءهم، ويخلوا له الأموال، ففعل. ثم إن أهل خيبر سألوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن يعاملهم الأموال على النصف، ففعل على أنا إذا ~~شئنا أخرجناكم، فصالحه أهل فدك على مثل ذلك، فكانت خيبر للمسلمين وكانت ~~فدك خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنهم لم يجلبوا عليها بخيل ~~ولا ركاب. # فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدت له زينب بنت الحارث امرأة ~~سلام بن مشكم شاة مصلية، وقد سألت أي عضو من الشاة أحب إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم؟ فقيل لها: الذراع، فأكثرت فيها السم، وسممت سائر ~~الشاة، ثم جاءت بها فلما وضعتها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~تناول الذراع فأخذها فلاك منها مضغة فلم يسغها، ومعه بشر بن البراء بن ~~معرور، وقد أخذ منها كما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما بشر ~~فأساغها، وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلفظها، ثم قال: إن هذا ~~العظم ليخبرني أنه مسموم، ثم دعا بها فاعترفت، فقال: ما حملك على ذلك؟ ~~قالت: بلغت من قومي ما لم يخف عليك، فقلت: إن كان ملكا استرحت منه، ~~وإن كان نبيا فسيخبر، فتجاوز عنها ms2124 رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومات ~~بشر ابن البراء من أكلته التي أكل. # قال: ودخلت أم بشر بن البراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم تعوده في ~~مرضه الذي توفي فيه، فقال: # " يا أم بشر ما زالت أكلة خيبر التي أكلت بخيبر مع ابنك تعاودني فهذا ~~أوان انقطاع أبهري " # وكان المسلمون يرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات شهيدا مع ما ~~أكرمه الله من النبوة. ### || [48.21-25] # قوله عز وجل: { وأخرى لم تقدروا عليها } ، أي وعدكم ~~الله فتح بلدة أخرى لم تقدروا عليها، { قد أحاط الله بها } ، حتى ~~يفتحها لكم كأنه حفظها لكم ومنعها من غيركم حتى تأخذوها، قال ابن عباس: ~~علم الله أنه يفتحها لكم. # واختلفوا فيها، فقال ابن عباس، ومقاتل: هي فارس والروم، وما كانت العرب ~~تقدر على قتال فارس والروم، بل كانوا خولا لهم حتى قدروا عليها ~~بالإسلام. # وقال الضحاك وابن زيد: هي خيبر وعدها الله نبيه صلى الله عليه وسلم ~~قبل أن يصيبها، ولم يكونوا يرجونها. # وقال قتادة: هي مكة. وقال عكرمة: حنين. وقال مجاهد: ما فتحوا حتى اليوم. # { وكان الله على كل شىء قديرا }. { ولو قتلكم ~~الذين كفروا } يعني: أسد، وغطفان، وأهل خيبر، { لولوا ~~الأدبر } ، لانهزموا، { ثم لا يجدون وليا ولا ~~نصيرا }. # { سنة الله التى قد خلت من قبل } ، أي كسنة الله في ~~نصر أوليائه وقهر أعدائه، { ولن تجد لسنة الله تبديلا }. # قوله عز وجل: { وهو الذى كف أيديهم عنكم ~~وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم ~~عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا } ، قرأ أبو عمرو ~~بالياء، وقرأ الآخرون بالتاء، واختلفوا في هؤلاء: # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، ~~حدثنا عمرو بن محمد الناقد، حدثنا يزيد ابن هارون، أخبرنا حماد بن سلمة، ~~عن ثابت، عن أنس بن مالك رضي الله عنهم: أن ثمانين رجلا من أهل مكة، ~~هبطوا على رسول الله صلى ms2125 الله عليه وسلم من جبل التنعيم متسلحين يريدون ~~غدر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فأخذوا سلما فاستحياهم، وأنزل ~~الله عز وجل هذه الآية: { وهو الذى كف أيديهم عنكم ~~وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم ~~عليهم }. # قال عبد الله بن مغفل المزني: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالحديبية في أصل الشجرة التي قال الله تعالى في القرآن، وعلى ظهره غصن ~~من أغصان تلك الشجرة فرفعته عن ظهره، وعلي بن أبي طالب بين يديه يكتب ~~كتاب الصلح، فخرج علينا ثلاثون شابا عليهم السلاح فثاروا في وجوهنا، ~~فدعا عليهم نبي الله صلى الله عليه وسلم فأخذ الله بأبصارهم فقمنا إليهم ~~فأخذناهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: جئتم في عهد؟ أو هل ~~جعل لكم أحد أمانا؟ فقالوا: اللهم لا، فخلى سبيلهم، فأنزل الله عز ~~وجل هذه الآية. # قوله عز وجل: { هم الذين كفروا وصدوكم عن ~~المسجد الحرام } , الآية. روى الزهري، عن عروة عن الزبير، عن ~~المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من المدينة عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه، يريدون زيارة ~~البيت، لا يريدون قتالا، وساق معه سبعين بدنة، والناس سبعمائة رجل، ~~وكانت كل بدنة عن عشرة نفر، فلما أتى ذا الحليفة قلد الهدي وأشعره ~~وأحرم منها بعمرة، وبعث عينا له من خزاعة يخبره عن قريش، وسار النبي صلى ~~الله عليه وسلم حتى كان بغدير الأشطاط قريبا من عسفان، أتاه عينة ~~الخزاعي وقال: إن قريشا قد جمعوا لك جموعا، وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم ~~مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أشيروا علي ~~أيها الناس، أترون أن أميل على ذراري هؤلاء الذين عاونوهم فنصيبهم؟ فإن ~~قعدوا قعدوا موتورين، وإن نجوا تكن عنقا قطعها الله؟ أو ترون أن نؤم ~~البيت فمن صدنا عنه قاتلناه؟ # فقال أبو بكر: يا رسول الله إنما خرجت عامدا لهذا البيت لا تريد قتال ~~أحد ولا حربا، فتوجه له فمن ms2126 صدنا عنه قاتلناه. # فقال: امضوا على اسم الله، فنفروا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن ~~خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين فوالله ~~ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش فانطلق يركض نذيرا لقريش، وسار ~~النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت ~~به راحلته، فقال الناس: حل حل، فألحت، فقالوا: خلأت القصواء، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها ~~حابس الفيل، ثم قال: والذي نفسي بيده لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة ~~يعظمون فيها حرمات الله وفيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياه، ثم زجرها ~~فوثبت. # قال: فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء، يتبرضه ~~الناس تبرضا، فلم يلبث الناس أن نزحوه، وشكا الناس إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم العطش، فنزع سهما من كنانته وأعطاه رجلا من أصحابه يقال له ~~ناجية بن عمير، وهو سائق بدن النبي صلى الله عليه وسلم، فنزل في البئر ~~فغرزه في جوفه، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه، فبينما هم ~~كذلك إذ جاءه بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه وكانت خزاعة عيبة نصح ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة، فقال: إني تركت كعب ابن لؤي ~~نزلوا أعداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن ~~البيت. # فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنا لم نجيء لقتال أحد، ولكنا جئنا ~~معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاؤوا ماددتهم مدة ~~ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه ~~الناس فعلوا، وإلا قد جموا وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم ~~على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، أو لينفذن الله أمره. # فقال بديل: سأبلغهم ما تقول، فانطلق حتى أتى قريشا، قال: إنا قد جئناكم ~~من عند هذا الرجل، وسمعناه يقول قولا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم ms2127 فعلنا، ~~قال: فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء، وقال ذووا الرأي ~~منهم: هات ما سمعته يقول. # قال: سمعته يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قال النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقام عروة بن مسعود الثقفي فقال: أي قوم ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى، ~~قال: أولست بالولد؟ قالوا: بلى، قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا، قال: ~~ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ، فلما بلحوا علي جئتكم بأهلي ~~وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى، قال: فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد ~~فاقبلوها ودعوني آته، قالوا: ائته. فأتاه فجعل يكلم النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم نحوا من قوله لبديل، فقال عروة: ~~عند ذلك يا محمد أرأيت إن استأصلت قومك فهل سمعت بأحد من العرب اجتاح ~~أصله قبلك؟ وإن تكن الأخرى، فإني والله لأرى وجوها وأشوابا من الناس ~~خليقا أن يفروا ويدعوك. # فقال له أبو بكر الصديق: امصص بظر اللات، أنحن نفر عنه وندعه؟. # فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر، فقال: أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت ~~لك عندي لم أجزك بها لأجبتك. # قال وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فكلما كلمه أخذ بلحيته، ~~والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي صلى الله عليه وسلم ومعه السيف ~~وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ~~ضرب يده بنعل السيف، وقال أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة، فقال: أي ~~غدر ألست أسعى في غدرتك. # وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست ~~منه في شيء. # ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: فوالله - ما ~~تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، ~~فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا ms2128 توضأ كادوا ~~يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه ~~النظر تعظيما له، فرجع عروة إلى أصحابه، فقال: أي قوم والله لقد وفدت ~~على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت ملكا قط ~~يعظمه أصحابه مايعظم أصحاب محمد محمدا، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت ~~في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، ~~وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما ~~يحدون إليه النظرة تعظيما له، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها. # فقال رجل من بني كنانة: دعوني آته، فقالوا: ائته، فلما أشرف على النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا فلان ~~وهو من قوم يعظمون البدن، فابعثوها له، فبعث له واستقبله الناس ~~يلبون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن ~~البيت؟ # فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، فما ~~أرى أن يصدوا عن البيت. # ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة وكان يومئذ سيد الأحابيش، فلما رآه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: إن هذا من قوم يتألهون فابعثوا بالهدي في ~~وجهه حتى يراه، فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده قد أكل ~~أوباره من طول الحبس، رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إعظاما لما رأى، فقال: يا معشر قريش إني قد رأيت ما لا يحل صد ~~الهدي في قلائده، وقد أكل أوباره من طول الحبس عن محله، فقالوا له: اجلس ~~إنما أنت رجل أعرابي لا علم لك، فغضب الحليس عند ذلك، فقال: يا معشر ~~والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاقدناكم، أن تصدوا عن بيت الله ~~من جاءه معظما له، والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء ~~له، أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد، فقالوا له: مه، كف عنا يا ~~حليس حتى نأخذ لأنفسنا بما ms2129 نرضى به. # فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص، فقال: دعوني آته، فقالوا: ائته، ~~فلما أشرف عليهم قال النبي صلى الله عليه وسلم هذا مكرز وهو رجل فاجر، ~~فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل ابن ~~عمرو. وقال عكرمة فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " قد سهل لكم من أمركم ". # قال الزهري في حديثه: # " فجاء سهيل بن عمرو، فقال: هات نكتب بيننا وبينك كتابا، فدعى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال له: اكتب ~~بسم الله الرحمن الرحيم. # فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهم، ~~كما كنت تكتب. # فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم. # فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: اكتب باسمك اللهم، ثم قال: اكتب ~~هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. # فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا ~~قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، ~~اكتب يا علي محمد بن عبد الله. # قال الزهري: وذلك لقوله: لا يسألون خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا ~~أعطيتهم إياها، فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد ابن عبد الله سهيل بن عمرو ~~واصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، يأمن فيه الناس ويكف بعضهم عن ~~بعض، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: وعلى أن تخلوا بيننا وبين البيت، ~~فنطوف به، فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب إنا أخذنا ضغطة ولكن ذلك ~~من العام المقبل، فكتب، فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل - وإن كان ~~على دينك - إلا رددته إلينا، قال المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى ~~المشركين وقد جاء مسلما؟. # وروى أبو إسحاق عن البراء قصة الصلح وفيه قالوا: لو نعلم أنك رسول الله ~~ما منعناك شيئا ولكن ms2130 أنت محمد بن عبد الله، قال: أنا رسول الله وأنا ~~محمد بن عبد الله، ثم قال لعلي رضي الله عنه: امح رسول الله، قال علي: ~~لا والله لا أمحوك أبدا، قال: فأرنيه فأراه إياه، فمحاه النبي صلى الله ~~عليه وسلم بيده، وفي روايته: فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب ~~وليس يحسن أن يكتب، فكتب هذا ما قاضى محمد بن عبد الله. # قال البراء: صالح على ثلاثة أشياء: على أن من أتاه من المشركين رده ~~إليهم، ومن أتاهم من المسلمين لم يرده، وعلى أن يدخلها من قابل، ويقيم ~~بها ثلاثة أيام، ولا يدخلها إلا بجلبان السلاح السيف والقوس ونحوه. # وروى ثابت عن أنس: أن قريشا صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم فاشترطوا: ~~أن من جاءنا منكم لم نرده عليكم، ومن جاءكم منا رددتموه علينا، فقالوا: ~~يا رسول الله أنكتب هذا؟ قال: " نعم إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ~~ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجا، ومخرجا ". # رجعنا إلى حديث الزهري قال: # " فبينا هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو، يرسف في قيوده قد ~~انفلت وخرج من أسفل مكة، حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: ~~هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إلي، فقال النبي: إنا لم نقض ~~الكتاب بعد، قال فوالله إذا لا أصالحك على شيء أبدا، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: فأجره لي، فقال: فما أنا بمجيره لك، قال: بلى فافعل، ~~قال: ما أنا بفاعل، ثم جعل سهيل يجره ليرده إلى قريش، قال أبو جندل: أي ~~معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما ألا ترون ما لقيت؟ وكان ~~قد عذب عذابا شديدا في الله. # وفي الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا أبا جندل احتسب ~~فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، إنا قد عقدنا ~~بيننا وبين القوم عقدا وصلحا وإنا لا نغدر فوثب عمر يمشي إلى جنب أبي ~~جندل، ويقول: اصبر ms2131 فإنما هم المشركون ودم أحدهم كدم كلب، ويدني قائم ~~السيف منه، قال عمر: رجوت أن يأخذ السف فيضرب به أباه فضن الرجل بأبيه، ~~وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا وهم لا يشكون في ~~الفتح، لرؤيا رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوا ذلك دخل ~~الناس أمر عظيم حتى كادوا يهلكون، وزادهم أمر أبي جندل شرا إلى ما ~~بهم. # قال عمر: والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ. # قال الزهري في حديثه عن عروة عن مروان والمسور، ورواه أبو وائل عن سهل ~~بن حنيف قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: فأتيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقلت: ألست نبي الله حقا؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق ~~وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في ~~النار؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذن؟ قال: إني رسول ~~الله ولست أعصيه وهو ناصري، قلت: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي في البيت ~~فنطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرتك أنا تأتيه العام؟ قلت: لا، قال: فإنك ~~آتيه ومطوف به، قال: فأتيت أبا بكر، فقلت: يا أبا بكر أليس هذا نبي ~~الله حقا؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: ~~بلى. قلت: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى، قلت: فلم ~~نعطي الدنية في ديننا إذن؟ قال: أيها الرجل إنه رسول الله ليس يعصي ربه ~~وهو ناصره، فاستمسك بغرزه فوالله إنه على الحق، قلت: أليس كان يحدثنا ~~أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: ~~لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به. # قال الزهري: قال عمر: فعملت لذلك أعمالا. # قال: فلما فرغ من قضية الكتاب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لأصحابه: قوموا فانحروا، ثم احلقوا، قال: فوالله ما قام رجل منهم، حتى ~~قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد، قام فدخل على أم سلمة، فذكر ~~لها ما لقي من الناس، فقالت ms2132 أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا ~~تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم ~~أحدا منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا ~~فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كان بعضهم أن يقتل بعضا غما. # قال ابن عمر وابن عباس: حلق رجال يوم الحديبية وقصر آخرون، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: يرحم الله المحلقين قالوا: والمقصرين؟ قال: ~~يرحم الله المحلقين. قالوا: يا رسول الله والمقصرين؟ قال: والمقصرين، ~~قالوا: يا رسول الله فلم ظاهرت الترحم للمحلقين دون المقصرين؟ قال ~~لأنهم لم يشكوا " # قال ابن عمر: وذلك لأنه تربص قوم وقالوا لعلنا نطوف بالبيت. # قال ابن عباس: # " وأهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية في هداياه جملا ~~لأبي جهل في رأسه برة من فضة ليغيظ المشركين بذلك ". # وقال الزهري في حديثه: # " ثم جاءه نسوة مؤمنات فأنزل الله تعالى: { يأيها الذين ~~ءامنوا إذا جآءكم المؤمنت مهجرت } ، حتى بلغ { ~~بعصم الكوافر } [الممتحنة:10]، فطلق عمر رضي الله عنه يومئذ ~~امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية ابن أبي سفيان، والأخرى ~~صفوان بن أمية، قال: فنهاهم أن يردوا النساء، وأمر برد الصداق. # قال: ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فجاءه أبو بصير عتبة ~~بن أسيد، رجل من قريش وهو مسلم، وكان ممن حبس بمكة فكتب فيه أزهر بن عبد ~~عوف والأخنس بن شريق الثقفي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعثا في ~~طلبه رجلا من بني عامر بن لؤي، ومعه مولى لهم، فقدما على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وقالا: العهد الذي جعلت لنا، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: يا أبا بصير إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت، ولا ~~يصلح في ديننا الغدر، وإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ~~ومخرجا، ثم دفعه إلى الرجلين فخرجا به حتى بلغنا ذا الحليفة، فنزلوا ~~يأكلون من تمر لهم، ms2133 فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك ~~هذا جيدا فاستله الآخر، فقال: أجل والله إنه لجيد لقد جربت به ثم جربت ~~به، فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأخذوه وعلاه به فضربه حتى برد، ~~وفر الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حين رآه: لقد رأى هذا ذعرا، فلما انتهى إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: ويلك مالك؟ قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول، فوالله ~~ما برح حتى طلع أبو بصير متوشحا السيف حتى وقف على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقال: يا نبي الله أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم ثم ~~أنجاني الله منهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ويل أمه مسعر حرب، ~~لو كان معه أحد " # ، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر، وبلغ ~~المسلمين الذين كانوا حبسوا بمكة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لأبي بصير: ويل أمه مسعر حرب لو كان معه أحد، فخرج عصابة منهم إليه، ~~وانفلت أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير، حتى اجتمع إليه قريب من سبعين ~~رجلا، فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها ~~فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم، فمن أتاه فهو آمن، فأرسل إليهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فقدموا عليه بالمدينة، فأنزل الله تعالى: { ~~وهو الذى كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ~~ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله ~~بما تعملون بصيرا } حتى بلغ { حمية الجهلية } ، ~~وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله صلى الله عليه وسلم، ولم ~~يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينه وبين البيت. # قال الله عز وجل: { هم الذين كفروا } ، يعني كفار مكة، { ~~وصدوكم عن المسجد الحرام } ، أن تطوفوا به، { ~~والهدي } ، أي: وصدوا الهدي، وهي البدن التي ساقها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وكانت سبعين بدنة، { معكوفا } ، محبوسا، ms2134 يقال: عكفته ~~عكفا إذا حبسته وعكوفا للازم، كما يقال: رجع رجعا ورجوعا، { أن ~~يبلغ محله } ، منحره وحيث يحل نحره يعني الحرم، { ولولا ~~رجال مؤمنون ونسآء مؤمنت } ، يعني المستضعفين بمكة، ~~{ لم تعلموهم } ، لم تعرفوهم، { أن تطئوهم } ، بالقتل ~~وتوقعوا بهم، { فتصيبكم منهم معرة بغير علم } ، قال ~~ابن زيد: معرة إثم. وقال ابن إسحاق: غرم الدية. # وقيل: الكفارة لأن الله عز وجل أوجب على قاتل المؤمن في دار الحرب إذا ~~لم يعلم إيمانه الكفارة دون الدية، فقال: # فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير ~~رقبة مؤمنة # [النساء:92]. # وقيل: هو أن المشركين يعيبونكم ويقولون قتلوا أهل دينهم، والمعرة: ~~المشقة، يقول: لولا أن تطؤوا رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات لم تعلموهم ~~فيلزمكم بهم كفارة أو يلحقكم سبة، وجواب لولا محذوف، تقديره: لأذن لكم في ~~دخولها ولكنه حال بينكم وبين ذلك. # { ليدخل الله فى رحمته من يشآء } ، فاللام في " ليدخل ~~" متعلق بمحذوف دل عليه معنى الكلام، يعني: حال بينكم وبين ذلك ليدخل ~~الله في رحمته في دين الإسلام من يشاء من أهل مكة بعد الصلح قبل أن ~~تدخولها، { لو تزيلوا } ، لو تميزوا يعني المؤمنين من الكفار، { ~~لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما } ، بالسبي ~~والقتل بأيديكم. # وقال بعض أهل العلم: " لعذبنا " جواب لكلامين أحدهما: " لولا رجال " ، ~~والثاني: " لو تزيلوا " ، ثم قال: { ليدخل الله فى رحمته ~~من يشآء } ، يعني المؤمنين والمؤمنات. # وقوله: { فى رحمته } ، أي جنته. وقال قتادة في هذه الآية: إن الله ~~يدفع بالمؤمنين عن الكفار كما دفع بالمستضعفين من المؤمنين عن مشركي مكة. ### || [48.26-29] # { إذ جعل الذين كفروا فى قلوبهم الحمية } ، ~~حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن البيت، ولم يقروا ببسم ~~الله الرحمن الرحيم، وأنكروا محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~والحمية: الأنفة، يقال: فلان ذو حمية إذا كان ذا غضب وأنفة. # قال مقاتل: قال أهل مكة: قد قتلوا أبناءنا وإخواننا ثم يدخلون علينا، ~~فتتحدث العرب أنهم دخلوا علينا على رغم أنفنا، واللات والعزى لا يدخلونها ~~علينا، فهذه { حمية الجهلية ms2135 } ، التي دخلت قلوبهم. # { فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ~~} ، حتى لم يدخلهم ما دخلهم من الحمية فيعصوا الله في قتالهم، { ~~وألزمهم كلمة التقوى }. قال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، ~~وقتادة، وعكرمة، والسدي، وابن زيد، وأكثر المفسرين: كلمة التقوى " لا إله ~~إلا الله ". # وروي عن أبي بن كعب مرفوعا. # وقال علي وابن عمر: " كلمة التقوى " لا إله إلا الله والله أكبر. # وقال عطاء بن أبي رباح: هي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك ~~وله الحمد وهو على كل شيء قدير. # وقال عطاء الخراساني: هي لا إله إلا الله محمد رسول الله. # وقال الزهري: هي بسم الله الرحيم الرحيم. # { وكانوا أحق بها } ، من كفار مكة، { وأهلها } ، أي ~~وكانوا أهلها في علم الله، لأن الله تعالى اختار لدينه وصحبة نبيه أهل ~~الخير، { وكان الله بكل شىء عليما }. # { لقد صدق الله رسوله الرءيا بالحق لتدخلن ~~المسجد الحرام إن شآء الله ءامنين } ، وذلك أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أري في المنام بالمدينة قبل أن يخرج إلى الحديبية ~~أنه يدخل هو وأصحابه المسجد الحرام آمنين، ويحلقون رؤوسهم ويقصرون، فأخبر ~~بذلك أصحابه، ففرحوا وحسبوا أنهم داخلو مكة عامهم ذلك، فلما انصرفوا ولم ~~يدخلوا شق عليهم، فأنزل الله هذه الآية. # وروي عن مجمع بن جارية الأنصاري: قال شهدنا الحديبية مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فلما انصرفنا عنها إذا الناس يهزون الأباعر، فقال بعضهم: ~~ما بال الناس؟ فقالوا: أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ~~فخرجنا نوجف، فوجدنا النبي صلى الله عليه وسلم واقفا على راحلته عند ~~كراع الغميم، فلما اجتمع إليه الناس قرأ: { إنا فتحنا لك ~~فتحا مبينا } فقال عمر: أو فتح هو يا رسول الله؟ قال: # " نعم والذي نفسي بيده ". # ففيه دليل على أن المراد بالفتح صلح الحديبية، وتحقق الرؤيا كان في ~~العام المقبل، فقال جل ذكره: # { لقد صدق الله رسوله الرءيا بالحق } ، أخبر أن ~~الرؤية التي أراه إياها في مخرجه إلى الحديبية أنه يدخل هو وأصحابه ~~المسجد ms2136 الحرام صدق وحق. # قوله { لتدخلن } يعني وقال: لتدخلن. وقال ابن كيسان: " لتدخلن " ~~من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه حكاية عن رؤياه، فأخبر الله ~~عن رسوله أنه قال ذلك، وإنما استثنى مع علمه بدخولها بإخبار الله تعالى، ~~تأدبا بآداب الله، حيث قال له: # ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن ~~يشآء الله # [الكهف:23-24]. # وقال أبو عبيدة: " إن " بمعنى إذ، مجازه: إذ شاء الله، كقوله " إن ~~كنتم مؤمنين " ، وقال الحسين بن الفضل: يجوز أن يكون الاستثناء من ~~الدخول، لأن بين الرؤيا وتصديقها سنة، ومات في تلك السنة ناس فمجاز ~~الآية: لتدخلن المسجد الحرام كلكم إن شاء الله. # وقيل الاستثناء واقع على الأمن لا على الدخول، لأن الدخول لم يكن فيه ~~شك. كقول النبي صلى الله عليه وسلم عند دخول المقبرة: # " وإنا إن شاء الله بكم لاحقون " # ، فالاستثناء راجع إلى اللحوق لا إلى الموت. # { محلقين رءوسكم } ، كلها، { ومقصرين } ، بأخذ بعض ~~شعورها، { لا تخفون فعلم ما لم تعلموا } ، أن الصلاح ~~كان في الصلح وتأخير الدخول، وهو قوله تعالى: # ولولا رجال مؤمنون ونسآء مؤمنات # الآية [الفتح:25]. { فجعل من دون ذلك } ، أي من قبل دخولكم ~~المسجد الحرام، { فتحا قريبا } ، وهو صلح الحديبية عند الأكثرين، ~~وقيل: فتح خيبر. # { هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا } ، على ~~أنك نبي صادق فيما تخبر. # { محمد رسول الله } ، تم الكلام هاهنا، قاله ابن عباس، شهد ~~له بالرسالة، ثم قال مبتدئا { والذين معه } ، فالواو فيه ~~للإستئناف، أي: والذين معه من المؤمنين، { أشدآء على الكفار ~~} ، غلاظ عليهم كالأسد على فريسته لا تأخذهم فيهم رأفة، { رحمآء ~~بينهم } ، متعاطفون متوادون بعضهم لبعض، كالولد مع الوالد، كما قال: # أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين # [المائدة:54]: { تراهم ركعا سجدا } ، أخبر عن كثرة صلاتهم ~~ومداومتهم عليها، { يبتغون فضلا من الله } ، أن يدخلهم ~~الجنة، { ورضونا } ، أن يرضى عنهم، { سيمهم } ، أي علامتهم، ~~{ فى وجوههم من أثر السجود }. اختلفوا في هذه السيما: ~~فقال قوم: هو نور وبياض في وجوههم ms2137 يوم القيامة يعرفون به أنهم سجدوا في ~~الدنيا، وهو رواية عطية العوفي عن ابن عباس، قال عطاء بن أبي رباح ~~والربيع بن أنس: استنارت وجوههم من كثرة ما صلوا. وقال شهر بن حوشب: ~~تكون مواضع السجود من وجوههم كالقمر ليلة البدر. # وقال آخرون: هو السمت الحسن والخشوع والتواضع. وهو رواية الوالبي عن ابن ~~عباس قال: ليس بالذي ترون ولكنه سيماء الإسلام وسجيته وسمته وخشوعه. وهو ~~قول مجاهد: والمعنى أن السجود أورثهم الخشوع والسمت الحسن الذي يعرفون ~~به. # وقال الضحاك: هو صفرة الوجه من السهر. # وقال الحسن: إذا رأيتهم حسبتهم مرضى وما هو بمرضى. # قال عكرمة وسعيد بن جبير: هو أثر التراب على الجباه. # قال أبو العالية: إنهم يسجدون على التراب لا على الأثواب. # وقال عطاء الخراساني: دخل في هذه الآية كل من حافظ على الصلوات الخمس. # { ذلك } ، الذي ذكرت، { مثلهم } ، صفتهم { في التوراة } ، ~~هاهنا تم الكلام، ثم ذكر نعتهم في الإنجيل، فقال: { ومثلهم } ، ~~صفتهم، { فى الإنجيل كزرع أخرج شطأه }. قرأ ابن كثير، ~~وابن عامر: " شطأه " بفتح الطاء، وقرأ الآخرون بسكونها، وهما لغتان ~~كالنهر والنهر، وأراد أفراخه، يقال: أشطأ الزرع فهو مشطئ، إذا ~~أفرخ، قال مقاتل: هو نبت واحد، فإذا خرج بعده فهو شطؤه. وقال السدي: هو ~~أن يخرج معه الطاقة الأخرى. # قوله: { فآزره } ، قرأ ابن عامر: " فأزره " بالقصر والباقون بالمد، ~~أي: قواه وأعانه وشد أزره، { فاستغلظ } ، غلظ ذلك الزرع، { ~~فاستوى } ، أي تم وتلاحق نباته وقام، { على سوقه } ، أصوله { ~~يعجب الزراع } ، أعجب ذلك زراعه. # هذا مثل ضربه الله عز وجل لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الإنجيل ~~أنهم يكونون قليلا، ثم يزدادون ويكثرون. # قال قتادة: مثل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإنجيل مكتوب ~~أنه سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. # وقيل: " الزرع " محمد صلى الله عليه وسلم " والشطء ": أصحابه والمؤمنون. # وروي عن مبارك بن فضالة عن الحسن قال: { محمد رسول الله ~~والذين معه }: أبو بكر الصديق رضي الله عنه، { أشدآء على ~~الكفار } عمر ms2138 بن الخطاب رضي الله عنه، { رحمآء بينهم } ~~عثمان بن عفان رضي الله عنه، { تراهم ركعا سجدا } علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه، { يبتغون فضلا من الله } بقية العشرة ~~المبشرين بالجنة. # وقيل: " كمثل زرع " محمد " أخرج شطأه " ، أبو بكر " فآزره " عمر " ~~فاستغلظ " عثمان، للإسلام " فاستوى على سوقه " علي بن أبي طالب استقام ~~الإسلام بسيفه، " يعجب الزراع " قال: هم المؤمنون. # { ليغيظ بهم الكفار } ، قول عمر لأهل مكة بعدما أسلم: لا ~~تعبدوا الله سرا بعد اليوم: # حدثنا أبو حامد أحمد بن محمد الشجاعي السرخسي إملاء، أخبرنا أبو بكر ~~عبد الله بن أحمد القفال، حدثنا أبو أحمد عبد الله بن محمد الفضل ~~السمرقندي، حدثنا شيخي أبو عبد الله محمد ابن الفضل البلخي، حدثنا أبو ~~رجاء قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عبد الرحمن ~~بن حميد، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف: أن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~قال: # " أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، ~~وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن ابن عوف في الجنة، وسعد ~~بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة وأبو عبيدة بن الجراح في ~~الجنة ". # حدثنا أبو المظفر محمد بن أحمد التميمي، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن ~~عثمان بن قاسم، حدثنا خيثمة بن سليمان بن حيدرة الأطرابلسي، حدثنا أحمد ~~بن هاشم الأنطاكي، حدثنا قطبة بن العلاء، حدثنا سفيان الثوري، عن خالد ~~الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أرحم أمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، ~~وأفرضهم زيد، وأقرؤهم أبي، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ولكل ~~أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح ". # ورواه معمر عن قتادة مرسلا وفيه: # " وأقضاهم علي ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا معلى بن أسد، حدثنا عبد ~~العزيز المختار ms2139 قال خالد الحذاء، حدثنا عن أبي عثمان قال حدثني عمرو بن ~~العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه على جيش ذات السلاسل قال: فأتيته ~~فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، فقلت: من الرجال؟ فقال: أبوها، ~~قلت: ثم من؟ قال: عمر ابن الخطاب فعد رجالا فسكت مخافة أن يجعلني ~~في آخرهم. # أخبرنا أبو منصور عبد الملك وأبو الفتح نصر، ابنا علي بن أحمد بن ~~منصورومحمد بن الحسين بن شاذويه الطوسي بها قالا: حدثنا أبو الحسن محمد ~~بن يعقوب، أخبرنا الحسن بن محمد بن أحمد بن كيسان النحوي، حدثنا أبو ~~إسحاق إبراهيم بن شريك الأسدي، حدثنا إبراهيم بن إسماعيل هو ابن يحيى بن ~~سلمة بن كهيل، حدثنا أبي عن أبيه عن سلمة عن أبي الزعراء عن ابن مسعود عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " اقتدوا باللذين من بعدي من أصحابي: أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمار، ~~وتمسكوا بعهد عبد الله بن مسعود ". # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن ~~بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، ~~حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن أبي حازم، عن سهل بن سعد أن أحدا ~~ارتج وعليه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعثمان، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " اثبت أحد ما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد ". # أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن ~~محمد بن موسى ابن الصلت، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، ~~حدثنا أبو سعيد الأشج، أخبرنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن عدي بن ثابت، عن زر ~~بن حبيش، عن علي قال: عهد إلي النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يحبك ~~إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق. # حدثنا أبو المظفر التميمي، أخبرنا عبد الرحمن بن عثمان، أخبرنا خيثمة بن ~~سليمان، حدثنا محمد بن عيسى بن حيان المدائني، حدثنا محمد بن الفضل بن ~~عطية، عن عبد الله بن مسلم ms2140 عن ابن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " من مات من أصحابي بأرض كان نورهم وقائدهم يوم القيامة ". # قوله عز وجل: { ليغيظ بهم الكفار } ، أي إنما كثرهم ~~وقواهم ليكونوا غيظا للكافرين. # قال مالك بن أنس: من أصبح وفي قلبه غيظ على أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقد أصابته هذه الآية. # أخبرنا أبو الطيب طاهر بن محمد بن العلاء البغوي، حدثنا أبو معمر المفضل ~~بن إسماعيل بن إبراهيم الإسماعيلي، أخبرنا جدي أبو بكر أحمد بن إبراهيم ~~الإسماعيلي، أخبرني الهيثم بن خلف الدوري، حدثنا المفضل بن غسان بن ~~المفضل الغلابي، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا عبيدة بن أبي ~~رائطة عن عبد الرحمن بن زياد عن عبد الله بن مغفل المزني قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " الله الله في أصحابي، الله الله في أصحابي، الله الله في ~~أصحابي، لا تتخذوهم غرضا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم ~~فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى ~~الله فيوشك أن يأخذه ". # حدثنا أبو المظفر بن محمد بن أحمد بن حامد التميمي، أخبرنا أبو محمد عبد ~~الرحمن بن عثمان بن القاسم، أخبرنا أبو الحسن خيثمة بن سليمان، حدثنا ~~إبراهيم بن عبد الله العبسي القصار بالكوفة، أخبرنا وكيع بن الجراح، عن ~~الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ~~ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الحسين ~~الزعفراني، حدثنا أبو محمد عبد الله ابن عروة، حدثنا محمد بن الحسين بن ~~محمد بن إشكاب، حدثنا شبابة بن سوار، حدثنا فضيل بن مرزوق عن أبي خباب ~~عن أبي سليم الهمداني، عن أبيه عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن سرك أن تكون من أهل الجنة فإن قوما يتنحلون ms2141 حبك يقرؤون القرآن لا ~~يجاوز تراقيهم، نبزهم الرافضة، فإن أدركتهم فجاهدهم فإنهم مشركون " # ، في إسناد هذا الحديث نظر. # قول الله عز وجل: { وعد الله الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت منهم } ، قال ابن جرير: يعني من الشطء الذي أخرجه ~~الزرع، وهم الداخلون في الإسلام بعد الزرع إلى يوم القيامة، ورد الهاء ~~والميم على معنى الشطء لا على لفظه، ولذلك لم يقل: " منه " { مغفرة ~~وأجرا عظيما } ، يعني الجنة. ### | [49 - سورة الحجرات] ### || [49.1-5] # { يأيها الذين ءامنوا لا تقدموا بين يدى ~~الله ورسوله } قرأ يعقوب: " لا تقدموا " بفتح التاء والدال، ~~من التقدم أي لا تتقدموا، وقرأ الآخرون بضم التاء وكسر الدال، من ~~التقديم، وهو لازم بمعنى التقدم، قال أبو عبيدة تقول العرب: لا تقدم بين ~~يدي الإمام وبين يدي الأب، أي لا تعجل بالأمر والنهي دونه، والمعنى: بين ~~اليدين الأمام. والقدام: أي لا تقدموا بين يدي أمرهما ونهيهما. واختلفوا ~~في معناه: روى الشعبي عن جابر أنه في الذبح يوم الأضحى، وهو قول الحسن، ~~أي لا تذبحوا قبل أن يذبح النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أن ناسا ذبحوا ~~قبل صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، فأمرهم أن يعيدوا الذبح. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا محمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا شعبة، ~~عن زيد، عن الشعبي، # " عن البراء قال خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر، قال: «إن ~~أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد ~~أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل أن نصلي فإنما هو لحم عجله لأهله ليس من النسك ~~في شيء» ". # وروى مسروق عن عائشة أنه في النهي عن صوم يوم الشك، أي: لا تصوموا قبل ~~أن يصوم نبيكم. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام ~~بن يوسف أن ابن جريج أخبرهم عن ابن أبي مليكة، ms2142 أن عبد الله بن الزبير ~~أخبرهم، أنه قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو ~~بكر: أمر القعقاع معبد بن زرارة، قال عمر: بل أمر الأقرع بن حابس، ~~قال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي، قال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتى ~~ارتفعت أصواتهما، فنزلت في ذلك: { يأيها الذين ءامنوا لا ~~تقدموا بين يدى الله ورسوله } حتى انقضت. # ورواه نافع عن ابن أبي مليكة، قال: فنزلت: { يأيها الذين ~~ءامنوا لا ترفعوا أصوتكم فوق صوت النبى } ~~إلى قوله: { وأجر عظيم } ، وزاد: قال ابن الزبير: فما كان عمر ~~يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه, ولم يذكر ~~عن أبيه، يعني أبا بكر. # وقال قتادة: نزلت الآية في ناس كانوا يقولون: لو أنزل في كذا، أو صنع ~~في كذا وكذا، فكره الله ذلك. # وقال مجاهد: لا تفتاتوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء حتى ~~يقضيه الله على لسانه. # وقال الضحاك: يعني في القتال وشرائع الذين لا تقضوا أمرا دون الله ~~ورسوله. # { واتقوا الله } ، في تضييع حقه ومخالفة أمره، { إن الله ~~سميع } ، لأقوالكم، { عليم } بأفعالكم. # { يأيها الذين ءامنوا لا ترفعوا أصوتكم ~~فوق صوت النبى ولا تجهروا له بالقول كجهر ~~بعضكم لبعض } ، أمرهم أن يبجلوه ويفخموه ولا يرفعوا أصواتهم ~~عنده، ولا ينادونه كما ينادي بعضهم بعضا، { أن تحبط أعملكم ~~} ، لئلا تحبط حسناتكم. وقيل: مخافة أن تحبط حسناتكم، { وأنتم لا ~~تشعرون }. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد أخبرنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، ~~حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا الحسن ابن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، ~~عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك قال: # " لما نزلت هذه الآية: { يأيها الذين ءامنوا لا ~~ترفعوا أصوتكم فوق صوت النبى } الآية، جلس ثابت ~~بن قيس في بيته وقال: أنا من أهل النار واحتبس عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فسأل النبي صلى الله ms2143 عليه وسلم سعد بن معاذ فقال: يا أبا عمر ما ~~شأن ثابت أشتكى؟ فقال سعد: إنه لجاري وما علمت له شكوى، قال: فأتاه سعد ~~فذكر له قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ثابت: أنزلت هذه الآية، ~~ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنا ~~من أهل النار، فذكر ذلك سعد للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «بل هو من أهل الجنة». # وروي أنه لما نزلت هذه الآية قعد ثابت في الطريق يبكي، فمر به عاصم بن ~~عدي فقال: ما يبكيك يا ثابت؟ فقال: هذه الآية أتخوف أن تكون نزلت في، ~~وأنا رفيع الصوت أخاف أن يحبط عملي، وأن أكون من أهل النار، فمضى عاصم ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغلب ثابتا البكاء، فأتى امرأته ~~جميلة بنت عبد الله بن أبي بن سلول، فقال لها: إذا دخلت بيت فرسي فشدي ~~علي الضبة بمسمار، وقال: لا أخرج حتى يتوفاني الله أو يرضى عني رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فأتى عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فأخبره خبره فقال له: اذهب فادعه، فجاء عاصم إلى المكان الذي رآه فلم ~~يجده، فجاء إلى أهله فوجده في بيت الفرس، فقال له: إن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يدعوك، فقال: اكسر الضبة فكسرها، فأتيا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما يبكيك يا ثابت "؟ ~~فقال: أنا صيت وأتخوف أن تكون هذه الآية نزلت في، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " أما ترضى أن تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة "؟ ~~فقال: رضيت ببشرى الله ورسوله ولا أرفع صوتي أبدا على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأنزل الله: { إن الذين يغضون أصوتهم ~~عند رسول الله } الآية ". # قال أنس: فكنا ننظر إلى رجل من أهل الجنة يمشي بين أيدينا، فلما كان ~~يوم اليمامة في حرب مسيلمة الكذاب، رأى ثابت من المسلمين ms2144 بعض الانكسار ~~وانهزمت طائفة منهم، فقال: أف لهؤلاء، ثم قال ثابت لسالم مولى أبي ~~حذيفة: ما كنا نقاتل أعداء الله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ~~هذا، ثم ثبتا وقاتلا حتى قتلا، واستشهد ثابت وعليه درع، فرآه رجل من ~~الصحابة بعد موته في المنام وأنه قال له: اعلم أن فلانا رجل من المسلمين ~~نزع درعي فذهب بها وهي في ناحية من المعسكر عند فرس يسير في طوله، ~~وقد وضع على درعي برمة فأت خالد بن الوليد وأخبره حتى يسترد درعي، ~~وأت أبا بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقل له: إن علي دينا ~~حتى يقضى، وفلان وفلان من رقيقي عتيق، فأخبر الرجل خالدا فوجد درعه ~~والفرس على ما وصفه له، فاسترد الدرع، وأخبر خالد أبا بكر بتلك الرؤيا ~~فأجاز أبو بكر وصيته. # قال مالك بن أنس: لا أعلم وصية أجيزت بعد موت صاحبها إلا هذه. # قال أبو هريرة وابن عباس: لما نزلت هذه الآية كان أبو بكر لا يكلم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلا كأخي السرار. # وقال ابن الزبير: لما نزلت هذه الآية ما حدث عمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بعد ذلك فيسمع النبي صلى الله عليه وسلم كلامه حتى يستفهمه مما يخفض ~~صوته، فأنزل الله تعالى: { إن الذين يغضون أصوتهم } ، ~~يخفضون { أصوتهم عند رسول الله } ، إجلالا له، { ~~أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى } ، ~~اختبرها وأخلصها كما يمتحن الذهب بالنار فيخرج خالصه، { لهم ~~مغفرة وأجر عظيم }. # { إن الذين ينادونك من ورآء الحجرت } ، قرأ ~~العامة بضم الجيم، وقرأ أبو جعفر بفتح الجيم، وهما لغتان، وهي جمع ~~الحجر، والحجر جمع الحجرة فهي جمع الجمع. # قال ابن عباس: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى بني العنبر ~~وأمر عليهم عيينة بن حفص الفزاري، فلما علموا أنه توجه نحوهم هربوا ~~وتركوا عيالهم، فسباهم عيينة بن حصن وقدم بهم على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فجاء بعد ذلك رجالهم يفدون الذراري، فقدموا وقت الظهيرة، ~~ووافقوا ms2145 رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا في أهله، فلما رأتهم ~~الذراري أجهشوا إلى آبائهم يبكون، وكان لكل امرأة من نساء رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حجرة، فعجلوا قبل أن يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فجعلوا ينادون: يا محمد اخرج إلينا، حتى أيقظوه من نومه، فخرج ~~إليهم فقالوا: يا محمد فادنا عيالنا، فنزل جبريل عليه السلام فقال: إن ~~الله يأمرك أن تجعل بينك وبينهم رجلا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أترضون أن يكون بيني وبينكم سبرة بن عمرو، وهو على دينكم؟ فقالوا: ~~نعم، فقال سبرة: أنا لا أحكم بينهم إلا وعمي شاهد، وهو الأعور بن بشامة، ~~فرضوا به، فقال الأعور: أرى أن تفادي نصفهم وتعتق نصفهم، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: قد رضيت، ففادى نصفهم وأعتق نصفهم. # فأنزل الله تعالى: { إن الذين ينادونك من ورآء ~~الحجرت أكثرهم لا يعقلون } ، وصفهم بالجهل وقلة العقل. # { ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان ~~خيرا لهم } ، قال مقاتل: لكان خيرا لهم لأنك كنت تعتقهم جميعا ~~وتطلقهم بلا فداء، { والله غفور رحيم }. # وقال قتادة: نزلت في ناس من أعراب بني تميم جاؤوا إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فنادوا على الباب. # ويروى ذلك عن جابر قال: جاءت بنو تميم فنادوا على الباب: اخرج إلينا يا ~~محمد، فإن مدحنا زين، وذمنا شين، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~يقول: # " إنما ذلكم الله الذي مدحه زين وذمه شين " # ، فقالوا: نحن ناس من بني تميم جئنا بشعرائنا وخطبائنا لنشاعرك ونفاخرك، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " ما بالشعر بعثت ولا بالفخار أمرت، ولكن هاتوا " # ، فقام شاب منهم فذكر فضله وفضل قومه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~لثابت بن قيس بن شماس، وكان خطيب النبي صلى الله عليه وسلم: # " قم فأجبه " # ، فأجابه، وقام شاعرهم فذكر أبياتا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~لحسان بن ثابت: # " أجبه فأجابه " # ، فقام الأقرع بن حابس، فقال: إن محمدا لمؤتى له والله ما ms2146 أدري ما ~~هذا الأمر، تكلم خطيبنا، فكان خطيبهم أحسن قولا، وتكلم شاعرنا فكان ~~شاعرهم أشعر وأحسن قولا، ثم دنا من النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أشهد ~~أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: # " ما يضرك ما كان قبل هذا " # ثم أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكساهم، وكان قد تخلف في ركابهم ~~عمرو بن الأهتم لحداثة سنة، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما ~~أعطاهم، وأزرى به بعضهم وارتفعت الأصوات وكثر اللغط عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فنزل فيهم: { يأيها الذين ءامنوا لا ~~ترفعوا أصوتكم } الآيات الأربع إلى قوله: { غفور ~~رحيم }. # وقال زيد بن أرقم: جاء ناس من العرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل فإن يكن نبيا فنحن أسعد الناس ~~به، وإن يكن ملكا نعش في جنابه، فجاؤوا فجعلوا ينادونه، يا محمد يا ~~محمد، فأنزل الله: { إن الذين ينادونك من ورآء ~~الحجرت أكثرهم لا يعقلون * ولو أنهم صبروا ~~حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور ~~رحيم }. ### || [49.6-7] # قوله عز وجل: { يأيها الذين ءامنوا إن جآءكم ~~فاسق بنبإ فتبينوا } ، الآية, نزلت في الوليد ابن عقبة بن ~~أبي معيط، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق بعد ~~الوقعة مصدقا، وكان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية، فلما سمع به القوم ~~تلقوه تعظيما لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحدثه الشيطان أنهم ~~يريدون قتله فهابهم فرجع من الطريق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: إن بني المصطلق قد منعوا صدقاتهم وأرادوا قتلي، فغضب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهم أن يغزوهم، فبلغ القوم رجوعه فأتوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك فخرجنا نتلقاه ونكرمه ~~ونؤدي إليه ما قبلناه من حق الله عز وجل، فبدا له الرجوع، فخشينا أنه ~~إنما رده من الطريق كتاب جاءه منك لغضب غضبته ms2147 علينا، وإنا نعوذ بالله من ~~غضبه وغضب رسوله، فاتهمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعث خالد بن ~~الوليد إليهم خفية في عسكر وأمره أن يخفي عليهم قدومه، وقال له: # " انظر فإن رأيت منهم ما يدل على إيمانهم فخذ منهم زكاة أموالهم، وإن لم ~~تر ذلك فاستعمل فيهم ما يستعمل في الكفار " # ، ففعل ذلك خالد، ووافاهم فسمع منهم أذان صلاتي المغرب والعشاء، فأخذ ~~منهم صدقاتهم، ولم ير منهم إلا الطاعة والخير، فانصرف إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأخبره الخبر، فأنزل الله تعالى: { يأيها الذين ~~ءامنوا إن جآءكم فاسق } يعني الوليد بن عقبة، { بنبإ } ~~، بخبر، { فتبينوا أن تصيبوا } ، كي لا تصيبوا بالقتل ~~والقتال، { قوما } ، برآء، { بجهالة فتصبحوا على ما ~~فعلتم ندمين } ، من إصابتكم بالخطأ. # { واعلموا أن فيكم رسول الله } ، فاتقوا الله أن تقولوا ~~باطلا أو تكذبوه، فإن الله يخبره ويعرفه أحوالكم فتفتضحوا، { لو ~~يطيعكم } ، أي الرسول، { فى كثير من الأمر } ، مما ~~تخبرونه به فيحكم برأيكم، { لعنتم } ، لأثمتم وهلكتم، والعنت: ~~الإثم والهلاك. { ولكن الله حبب إليكم الإيمان } ، ~~فجعله أحب الأديان إليكم، { وزينه } ، حسنه { فى قلوبكم } ، ~~حتى اخترتموه، وتطيعون رسول الله صلى الله عليه وسلم، { وكره ~~إليكم الكفر والفسوق } ، قال ابن عباس: يريد الكذب، { ~~والعصيان } ، جميع معاصي الله. ثم عاد من الخطاب إلى الخبر، وقال: ~~{ أولئك هم الراشدون } ، المهتدون. ### || [49.8-10] # { فضلا } ، أي كان هذا فضلا، { من الله ونعمة والله ~~عليم حكيم }. # قوله عز وجل: { وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا ~~فأصلحوا بينهما } ، الآية. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا مسدد، حدثنا معتمر قال ~~سمعت أبي يقول: إن أنسا قال: # " قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: لو أتيت عبد الله بن أبي، فانطلق ~~إليه النبي صلى الله عليه وسلم وركب حمارا وانطلق المسلمون يمشون معه، ~~وهي أرض سبخة، فلما أتاهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إليك عني، ~~والله لقد آذاني نتن حمارك، فقال رجل من الأنصار منهم: ms2148 والله لحمار رسول ~~الله أطيب ريحا منك، فغضب لعبد الله رجل من قومه فتشاتما، فغضب لكل ~~واحد منهما أصحابه، فكان بينهما ضرب بالجريد والأيدي والنعال، فبلغنا ~~أنها نزلت: { وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا ~~فأصلحوا بينهما } ". # ويروى أنها لما نزلت قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاصطلحوا ~~وكف بعضهم عن بعض. # وقال قتادة: نزلت في رجلين من الأنصار كانت بينهما مداراة في حق ~~بينهما، فقال أحدهما للآخر: لآخذن حقي منك عنوة، لكثرة عشيرته، وإن ~~الآخر دعاه ليحاكمه إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فأبى أن يتبعه، فلم ~~يزل الأمر بينهما حتى تدافعوا وتناول بعضهم بعضا بالأيدي والنعال، ولم ~~يكن قتال بالسيوف. # وقال سفيان عن السدي: كانت امرأة من الأنصار يقال لها أم زيد تحت رجل، ~~وكان بينها وبين زوجها شيء فرقى بها إلى علية وحبسها، فبلغ ذلك قومها ~~فجاؤوا، وجاء قومه فاقتتلوا بالأيدي والنعال، فأنزل الله عز وجل: { ~~وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا ~~بينهما } بالدعاء إلى حكم كتاب الله والرضا بما فيه لهما وعليهما، { ~~فإن بغت إحداهما } ، تعدت إحداهما، { على الأخرى } ، ~~وأبت الإجابة إلى حكم كتاب الله، { فقتلوا التى تبغى ~~حتى تفىء } ، ترجع، { إلى أمر الله } ، في كتابه { فإن ~~فآءت } ، رجعت إلى الحق، { فأصلحوا بينهما بالعدل } ~~، بحملهما على الإنصاف والرضا بحكم الله، { وأقسطوا } ، اعدلوا، { ~~إن الله يحب المقسطين }. # { إنما المؤمنون إخوة } ، في الدين والولاية، { ~~فأصلحوا بين أخويكم } ، إذا اختلفا واقتتلا، قرأ يعقوب " ~~بين إخوتكم " بالتاء على الجمع، { واتقوا الله } ، فلا تعصوه ولا ~~تخالفوا أمره، { لعلكم ترحمون }. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو محمد الحسين بن أحمد ~~المخلدي، أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج، حدثنا قتيبة بن سعيد، ~~حدثنا الليث، عن عقيل، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يشتمه، من كان في حاجة أخيه كان الله ~~في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله بها عنه كربة من كرب يوم ~~القيامة، ms2149 ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة ". # وفي هاتين الآيتين دليل على أن البغي لا يزيل اسم الإيمان، لأن الله ~~تعالى سماهم إخوة مؤمنين مع كونهم باغين، يدل عليه ما روي عن الحارث ~~الأعور أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه سئل - وهو القدوة - في قتال أهل ~~البغي، عن أهل الجمل وصفين: أمشركون هم؟ فقال: لا، من الشرك فروا، ~~فقيل: أمنافقون هم؟ فقال: لا، إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا، ~~قيل: فما حالهم؟ قال: إخواننا بغوا علينا. # والباغي في الشرع هو الخارج على الإمام العدل، فإذا اجتمعت طائفة لهم ~~قوة ومنعة فامتنعوا عن طاعة الإمام العدل بتأويل محتمل، ونصبوا إماما ~~فالحكم فيهم أن يبعث الإمام إليهم ويدعوهم إلى طاعته، فإن أظهروا مظلمة ~~أزالها عنهم، وإن لم يذكروا مظلمة، وأصروا على بغيهم، قاتلهم الإمام حتى ~~يفيئوا إلى طاعته، ثم الحكم في قتالهم أن لا يتبع مدبرهم ولا يقتل ~~أسيرهم، ولا يذفف على جريحهم، نادى منادي علي رضي الله عنه يوم الجمل: ~~ألا لا يتبع مدبر ولا يذفف على جريح. وأتي علي رضي الله عنه يوم صفين ~~بأسير فقال له: لا أقتلك صبرا إني أخاف الله رب العالمين. وما أتلفت ~~إحدى الطائفتين على الأخرى في حال القتال من نفس أو مال فلا ضمان عليه. # قال ابن شهاب: كانت في تلك الفتنة دماء يعرف في بعضها القاتل والمقتول، ~~وأتلف فيها أموال كثيرة، ثم صار الناس إلى أن سكنت الحرب بينهم، وجرى ~~الحكم عليهم فما علمته اقتص من أحد ولا أغرم مالا أتلفه. # أما من لم يجتمع فيهم هذه الشرائط الثلاث بأن كانوا جماعة قليلين لا ~~منعة لهم، أو لم يكن لهم تأويل، أو لم ينصبوا إماما فلا يتعرض لهم إن لم ~~ينصبوا قتالا أو لم يتعرضوا للمسلمين، فإن فعلوا فهم كقطاع الطريق. # روي أن عليا رضي الله عنه سمع رجلا يقول في ناحية المسجد: لا حكم ~~إلا لله تعالى، فقال علي: كلمة حق أريد بها باطل، لكم علينا ثلاث: لا ~~نمنعكم ms2150 من مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم الفيء ما دامت ~~أيديكم مع أيدينا، ولا نبدؤكم بقتال. ### || [49.11-13] # وقوله عز وجل: { يأيها الذين ءامنوا لا يسخر قوم ~~من قوم } ، الآية. قال ابن عباس نزلت في ثابت بن قيس بن شماس وذلك ~~أنه كان في أذنه وقر، فكان إذا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ~~سبقوه بالمجلس أوسعوا له حتى يجلس إلى جنبه، فيسمع ما يقول، فأقبل ذات ~~يوم وقد فاتته ركعة من صلاة الفجر، فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم ~~من الصلاة أخذ أصحابه مجالسهم، فضن كل رجل بمجلسه فلا يكاد يوسع أحد ~~لأحد، فكان الرجل إذا جاء فلم يجد مجلسا يجلس فيه قام قائما كما هو، ~~فلما فرغ ثابت من الصلاة أقبل نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخطى ~~رقاب الناس، ويقول: تفسحوا تفسحوا، فجعلوا يتفسحون له حتى انتهى إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وبينه وبينه رجل، فقال له: تفسح، فقال الرجل: قد ~~أصبت مجلسا فاجلس، فجلس ثابت خلفه مغضبا، فلما انجلت الظلمة غمز ثابت ~~الرجل، فقال: من هذا؟ قال: أنا فلان، فقال ثابت: ابن فلانة، وذكر أما ~~له كان يعير بها في الجاهلية، فنكس الرجل رأسه واستحيا، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية. # وقال الضحاك: نزلت في وفد بني تميم الذين ذكرناهم، كانوا يستهزؤون ~~بفقراء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مثل عمار وخباب وبلال وصهيب ~~وسلمان وسالم مولى أبي حذيفة، لما رأوا من رثاثة حالهم، فأنزل الله تعالى ~~في الذين آمنوا منهم: { يأيها الذين ءامنوا لا يسخر ~~قوم من قوم } أي رجال من رجال، و " القوم ": اسم يجمع الرجال ~~والنساء، وقد يختص بجمع الرجال، { عسى أن يكونوا خيرا ~~منهم ولا نسآء من نسآء عسى أن يكن خيرا ~~منهن }. # روي عن أنس أنها نزلت في نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ~~عيرن أم سلمة بالقصر. # وعن عكرمة عن ابن عباس: أنها نزلت في صفية بنت حيي بن أخطب، قال ms2151 لها ~~النساء: يهودية بنت يهوديين. { ولا تلمزوا أنفسكم } ، أي لا ~~يعب بعضكم بعضا، ولا يطعن بعضكم على بعض، { ولا تنابزوا ~~بالألقب } ، التنابز: التفاعل من النبز وهو اللقب، وهو أن يدعى ~~الإنسان بغير ما سمي به. # قال عكرمة: هو قول الرجل للرجل يا فاسق يا منافق يا كافر. # وقال الحسن: كان اليهودي والنصراني يسلم، فيقال له بعد إسلامه يا يهودي ~~يا نصراني، فنهوا عن ذلك. # قال عطاء: هو أن تقول لأخيك: يا كلب يا حمار يا خنزير. # وروي عن ابن عباس: قال: " التنابز بالألقاب ": أن يكون الرجل عمل ~~السيئات ثم تاب عنها فنهي أن يعير بما سلف عن عمله. # { بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان } ، أي بئس الاسم أن ~~يقول: يا يهودي أو يا فاسق بعد ما آمن وتاب، وقيل معناه: إن من فعل ما ~~نهي عنه من السخرية واللمز والنبز فهو فاسق، وبئس الاسم الفسوق بعد ~~الإيمان، فلا تفعلوا ذلك فتستحقوا اسم الفسوق، { ومن لم يتب } ، ~~من ذلك، { فأولئك هم الظلمون }. # { يأيها الذين ءامنوا اجتنبوا كثيرا من ~~الظن } , قيل: نزلت الآية في رجلين اغتابا رفيقهما، وذلك # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا أو سافر ضم الرجل ~~المحتاج إلى رجلين موسرين يخدمهما، ويتقدم لهما إلى المنزل فيهيئ لهما ~~ما يصلحهما من الطعام والشراب، فضم سلمان الفارسي إلى رجلين في بعض ~~أسفاره، فتقدم سلمان إلى المنزل فغلبته عيناه فلم يهيئ لهما شيئا، فلما ~~قدما قالا له: ما صنعت شيئا؟ قال: لا، غلبتني عيناي، قالا له: انطلق إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطلب لنا منه طعاما، فجاء سلمان إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وسأله طعاما، فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " انطلق إلى أسامة بن زيد، وقل له: إن كان عنده فضل من طعام وإدام ~~فليعطك " وكان أسامة خازن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى رحله، فأتاه ~~فقال: ما عندي شيء، فرجع سلمان إليهما وأخبرهما، فقالا: كان عند أسامة ~~طعام ولكن بخل، فبعثا ms2152 سلمان إلى طائفة من الصحابة فلم يجد عندهم شيئا، ~~فلما رجع قالا: لو بعثناك إلى بئر سميحة لغار ماؤها، ثم انطلقا يتجسسان، ~~هل عند أسامة ما أمر لهما به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما جاءا ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما: " مالي أرى خضرة اللحم في ~~أفواهكما " قالا: والله يا رسول الله ما تناولنا يومنا هذا لحما، قال: " ~~بل ظللتم تأكلون لحم سلمان وأسامة " فأنزل الله عز وجل: { يأيها ~~الذين ءامنوا اجتنبوا كثيرا من الظن } " # وأراد: أن يظن بأهل الخير سوءا، { إن بعض الظن إثم } ، ~~قال سفيان الثوري: الظن ظنان: أحدهما: إثم، وهو أن تظن وتتكلم به، ~~والآخر: ليس بإثم وهو أن تظن ولا تتكلم. # { ولا تجسسوا } ، التجسس: هو البحث عن عيوب الناس، نهى الله ~~تعالى عن البحث عن المستور من أمور الناس وتتبع عوارتهم حتى لا يظهر على ~~ما ستره الله منها. # أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا ~~أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك، عن ~~أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا ~~تحاسدوا ولا تباغضوا، ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا ". # أخبرنا أبو بكر محمد بن محمد بن علي بن الحسن الطوسي بها، أخبرنا أبو ~~إسحاق إبراهيم بن محمد ابن إبراهيم الإسفراييني، أخبرنا أبو بكر أحمد بن ~~إبراهيم الإسماعيلي، أخبرنا عبد الله بن ناجية، حدثنا يحيى بن أكثم، ~~أخبرنا الفضل بن موسى الشيباني، عن الحسين بن واقد، عن أوفى ابن دلهم، عن ~~نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يا معشر من آمن بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه، ولا تغتابوا ~~المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورات المسلمين، يتتبع الله ~~عورته، ومن يتتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله ". # قال: ونظر ابن عمر ms2153 يوما إلى الكعبة فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك، ~~والمؤمن أعظم عند الله حرمه منك. # وقال زيد بن وهب: قيل لابن مسعود: هل لك في الوليد بن عقبة تقطر لحيته ~~خمرا، فقال: إنا قد نهينا عن التجسس، فإن يظهر لنا شيء نأخذه به { ~~ولا يغتب بعضكم بعضا } ، يقول: لا يتناول بعضكم بعضا بظهر ~~الغيب بما يسوءه مما هو فيه. # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد ~~الله الطيسفوني، أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري، حدثنا أحمد بن علي ~~الكشميهني، حدثنا علي بن حجر، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد ~~الرحمن، عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما ~~يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد ~~اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته ". # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا أبو الطاهر ~~الحارثي، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، ~~أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن ~~المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده # " أنهم ذكروا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا فقالوا: لا يأكل ~~حتى يطعم، ولا يرحل حتى يرحل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~اغتبتموه، فقالوا: إنما حدثنا بما فيه، قال: حسبك إذا ذكرت أخاك بما فيه ~~". # قوله عز وجل: { أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ~~ميتا فكرهتموه } ، قال مجاهد: لما قيل لهم { أيحب ~~أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا } قالوا: لا، قيل: { ~~فكرهتموه } أي فكما كرهتم هذا فاجتنبوا ذكره بالسوء غائبا. # قال الزجاج: تأويله: إن ذكرك من لم يحضرك بسوء بمنزلة أكل لحم ~~أخيك، وهو ميت لا يحس بذلك. # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن ~~فنجويه، حدثنا ابن أبي ms2154 شيبة، حدثنا الفريابي، حدثنا محمد بن المصفى، ~~حدثنا أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج، حدثني صفوان بن عمرو، حدثنا ~~راشد بن سعد وعبد الرحمن بن جبير، عن أنس بن مالك # " عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار ~~من نحاس يخمشون بها وجوههم ولحومهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: ~~هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم» ". # قال ميمون بن سياه: بينا أنا نائم إذا أنا بجيفة زنجي وقائل يقول: كل، ~~قلت: يا عبد الله ولم آكل؟ قال: بما اغتبت عبد فلان، فقلت: والله ما ~~ذكرت فيه خيرا ولا شرا، قال لكنك استمعت ورضيت به، فكان ميمون لا يغتاب ~~أحدا ولا يدع أحدا يغتاب عنده أحدا. # { واتقوا الله إن الله تواب رحيم }. # { يأيها الناس إنا خلقنكم من ذكر وأنثى } ، ~~الآية. قال ابن عباس: # " نزلت في ثابت بن قيس، وقوله للرجل الذي لم يفسح له: ابن فلانة يعيره ~~بأمه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: من الذاكر فلانة؟ فقال ثابت: أنا يا ~~رسول الله فقال: انظر في وجوه القوم فنظر فقال: ما رأيت يا ثابت؟ قال: ~~رأيت أبيض وأحمر وأسود، قال: فإنك لا تفضلهم إلا في الدين والتقوى " # ، فنزلت في ثابت هذه الآية، وفي الذي لم يتفسح: # يأيها الذين ءامنوا إذا قيل لكم تفسحوا فى ~~المجلس فافسحوا # [المجادلة:11]. # وقال مقاتل: لما كان يوم فتح مكة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بلالا حتى علا ظهر الكعبة وأذن، فقال عتاب بن أسيد بن أبي العيص: الحمد ~~لله الذي قبض أبي حتى لم ير هذا اليوم، وقال الحارث بن هاشم: أما وجد ~~محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذنا، وقال سهيل بن عمرو: إن يرد الله ~~شيئا بعيره. وقال أبو سفيان: إني لا أقول شيئا أخاف أن يخبر به رب ~~السماء، فأتى جبريل فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قالوا، ~~فدعاهم وسألهم عما قالوا فأقروا فأنزل الله تعالى هذه الآية، وزجرهم عن ~~التفاخر بالأنساب ms2155 والتكاثر بالأموال والإزراء بالفقراء. فقال: # { يأيها الناس إنا خلقنكم من ذكر وأنثى } ~~يعني آدم وحواء أي إنكم متساوون في النسب. { وجعلنكم شعوبا } ~~، جمع شعب بفتح الشين، وهي رؤوس القبائل مثل ربيعة ومضر والأوس ~~والخزرج، سموا شعوبا لتشعبهم واجتماعهم، كشعب أغصان الشجر، والشعب من ~~الأضداد يقال: شعب أي: جمع، وشعب، أي: فرق. { وقبآئل } ، وهي دون ~~الشعوب، واحدتها قبيلة وهي كبكر من ربيعة وتميم من مضر، ودون القبائل ~~العمائر، واحدتها عمارة، بفتح العين، هم كشيبان من بكر، ودارم من تميم، ~~ودون العمائر البطون، واحدتها بطن، وهم كبني غالب ولؤي من قريش، ودون ~~البطون الأفخاذ واحدتها فخذ وهم كبني هاشم وأمية من بني لؤي، ثم الفصائل، ~~والعشائر واحدتها فصيلة وعشيرة، وليس بعد العشيرة حي يوصف به. # وقيل: الشعوب من العجم، والقبائل من العرب، والأسباط من بني إسرائيل. # وقال أبو روق: " الشعوب " الذين لا يعتزون إلى أحد، بل ينتسبون إلى ~~المدائن والقرى، " والقبائل " العرب الذين ينتسبون إلى آبائهم. # { لتعرفوا } ، ليعرف بعضكم بعضا في قرب النسب وبعده، لا ~~ليتفاخروا. ثم أخبر أن أرفعهم منزلة عند الله أتقاهم فقال: # { إن أكرمكم عند الله أتقكم إن الله عليم ~~خبير } ، قال قتادة: في هذه الآية: إن أكرم الكرم التقوى، وألأم اللؤم ~~الفجور. # أخبرنا أبو بكر بن أبي الهيثم الترابي، أخبرنا أبو محمد عبد الله ابن ~~أحمد بن حمويه، أخبرنا إبراهيم بن خزيم الشاشي، حدثنا عبد بن حميد، حدثنا ~~يونس بن محمد، حدثنا سلام بن أبي مطيع، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن ~~جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الحسب المال، والكرم التقوى ". # وقال ابن عباس: كرم الدنيا الغنى، وكرم الآخرة التقوى. # أخبرنا أبو بكر بن أبي الهيثم، أنا عبد الله بن أحمد بن حمويه، أخبرنا ~~إبراهيم بن خزيم، حدثنا عبد بن حميد، أخبرنا الضحاك بن مخلد، عن موسى ابن ~~عبيدة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر # " أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف يوم الفتح على راحلته يستلم الأركان ~~بمحجنه، فلما خرج ms2156 لم يجد مناخا، فنزل على أيدي الرجال، ثم قام فخطبهم ~~فحمد الله وأثنى عليه، وقال: «الحمد لله الذي أذهب عنكم عبية الجاهلية ~~وتكبرها بآبائها، الناس رجلان بر تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين ~~على الله، ثم تلا { يأيها الناس إنا خلقنكم من ~~ذكر وأنثى } ، ثم قال: أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم» ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد هو ابن سلام حدثنا عبدة ~~عن عبيد الله، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة قال: # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس أكرم؟ قال: أكرمهم عند ~~الله أتقاهم، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فأكرم الناس يوسف نبي الله ~~ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله. قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال ~~فعن معادن العرب تسألوني؟ قالوا: نعم، قال: " فخياركم في الجاهلية خياركم ~~في الإسلام إذا فقهوا ". # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج ~~حدثنا عمرو الناقد، حدثنا كثير بن هشام، حدثنا جعفر بن برقان، عن يزيد بن ~~الأصم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ~~". ### || [49.14-18] # قوله عز وجل: { قالت الأعراب ءامنا } ، الآية. نزلت في نفر ~~من بني أسد بن خزيمة قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنة جدبة ~~فأظهروا الإسلام ولم يكونوا مؤمنين في السر، فأفسدوا طرق المدينة ~~بالعذرات وأغلوا أسعارها وكانوا يغدون ويروحون إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ويقولون: أتتك العرب بأنفسها على ظهور رواحلها، وجئناك ~~بالأثقال والعيال والذراري، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان، ~~يمنون على النبي صلى الله عليه وسلم، ويريدون الصدقة، ويقولون: أعطنا، ~~فأنزل الله فيهم هذه الآية. # وقال السدي: نزلت في الأعراب ms2157 الذين ذكرهم الله في سورة الفتح، وهم أعراب ~~من جهينة ومزينة وأسلم وأشجع وغفار، كانوا يقولون: آمنا ليأمنوا على ~~أنفسهم وأموالهم، فلما استنفروا إلى الحديبية تخلفوا، فأنزل الله عز وجل ~~{ قالت الأعراب ءامنا } صدقنا. # { قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا } ، انقدنا ~~واستسلمنا مخافة القتل والسبي، { ولما يدخل الإيمن فى ~~قلوبكم } ، فأخبر أن حقيقة الإيمان التصديق بالقلب، وأن الإقرار ~~باللسان وإظهار شرائعه بالأبدان لا يكون إيمانا دون التصديق بالقلب ~~والإخلاص. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن غرير الزهري، ~~حدثنا يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح، عن ابن شهاب، أخبرني عامر بن ~~سعد عن أبيه قال # " أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم رهطا وأنا جالس فيهم، قال: فترك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم رجلا لم يعطه وهو أعجبهم إلي، فقمت ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فساررته، فقلت: مالك عن فلان؟ والله ~~إني لأراه مؤمنا، قال: أو مسلما قال: فسكت قليلا ثم غلبني ما أعلم ~~منه، فقلت: يا رسول الله مالك عن فلان فوالله إني لأراه مؤمنا؟ قال: أو ~~مسلما، قال: " إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يكب في ~~النار على وجهه ". # فالإسلام هو الدخول في السلم وهو الانقياد والطاعة، يقال: أسلم الرجل ~~إذا دخل في السلم كما يقال: أشتى الرجل إذا دخل في الشتاء، وأصاف إذا دخل ~~في الصيف، وأربع إذا دخل في الربيع، فمن الإسلام ما هو طاعة على الحقيقة ~~باللسان، والأبدان والجنان، كقوله عز وجل لإبراهيم عليه السلام: # أسلم قال أسلمت لرب العلمين # [البقرة:131]، ومنه ما هو انقياد باللسان دون القلب، وذلك قوله: { ~~ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمن فى ~~قلوبكم }. # { وإن تطيعوا الله ورسوله } ، ظاهرا وباطنا سرا وعلانية. ~~قال ابن عباس تخلصوا الإيمان، { لا يلتكم } قرأ أبو عمرو " يالتكم ~~" بالألف لقوله تعالى: # ومآ ألتناهم # [الطور:21] والآخرون بغير ألف، وهما لغتان: معناهما: لا ينقصكم، يقال: ~~ألت ms2158 يألت ألتا ولات يليت ليتا إذا نقص، { من أعملكم ~~شيئا } ، أي لا ينقص من ثواب أعمالكم شيئا، { إن الله غفور ~~رحيم } ، ثم بين حقيقة الإيمان. فقال: # { إنما المؤمنون الذين ءامنوا بالله ورسوله ~~ثم لم يرتابوا } ، لم يشكوا في دينهم، { وجهدوا ~~بأمولهم وأنفسهم فى سبيل الله أولئك هم ~~الصدقون } ، في إيمانهم. # فلما نزلت هاتان الآيتان أتت الأعراب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يحلفون بالله إنهم مؤمنون صادقون، وعرف الله غير ذلك منهم, فأنزل الله عز ~~وجل: # { قل أتعلمون الله بدينكم } ، والتعليم هاهنا بمعنى ~~الإعلام، ولذلك قال: " بدينكم " وأدخل الباء فيه، يقول: أتخبرون الله ~~بدينكم الذي أنتم عليه، { والله يعلم ما فى السموت وما ~~فى الأرض والله بكل شىء عليم } ، لا يحتاج إلى إخباركم. # { يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا على ~~إسلمكم } ، أي بإسلامكم، { بل الله يمن عليكم أن ~~هداكم للإيمن } ، وفي مصحف عبد الله " إذ هداكم للإيمان " { ~~إن كنتم صدقين } ، إنكم مؤمنون. # { إن الله يعلم غيب السموت والأرض والله ~~بصير بما تعملون } ، قرأ ابن كثير " يعملون " بالياء، وقرأ ~~الآخرون بالتاء. ### | [50 - سورة ق] ### || [50.1-6] # { ق } قال ابن عباس: هو قسم، وقيل: هو اسم للسورة، وقيل: هو اسم من ~~أسماء القرآن. # وقال القرظي: هو مفتاح اسمه " القدير " ، و " القادر " و " القاهر " و ~~" القريب " و " القابض ". # وقال عكرمة والضحاك: هو جبل محيط بالأرض من زمردة خضراء، منه خضرة ~~السماء والسماء مقببة عليه، وعليه كتفاها، ويقال هو وراء الحجاب الذي ~~تغيب الشمس من ورائه بمسيرة سنة. # وقيل: معناه قضي الأمر، أو قضي ما هو كائن، كما قالوا في حم. # { والقرءان المجيد } ، الشريف الكريم على الله، الكثير الخير. # واختلفوا في جواب القسم، فقال أهل الكوفة: جوابه: " بل عجبوا " ، وقيل: ~~جوابه محذوف، مجازه: والقرآن المجيد لتبعثن. وقيل: جوابه قوله: " ما ~~يلفظ من قول ". وقيل: " قد علمنا " ، وجوابات القسم سبعة: " إن " ~~الشديدة كقوله: # والفجر - إن ربك لبالمرصاد # [الفجر:1-14] و " ما " النفي كقوله: # والضحى - ما ودعك ربك # [الضحى:1-3]، و " اللام " المفتوحة كقوله: # فوربك لنسألنهم أجمعين # [الحجر:92] ms2159 و " إن " الخفيفة كقوله تعالى: # إن كنا لفى ضلل مبين # [الشعراء:38] و " لا " كقوله: # وأقسموا بالله جهد أيمنهم لا يبعث الله من ~~يموت # [النحل:38]، و " قد " كقوله تعالى: # والشمس وضحاها - قد أفلح من زكاها # [الشمس:1-9]، و " بل " كقوله: { والقرآن المجيد - بل ~~عجبوا }. # { أن جآءهم منذر } ، مخوف، { منهم } ، يعرفون نسبه وصدقه ~~وأمانته، { فقال الكفرون هذا شىء عجيب } ، غريب. # { أءذا متنا وكنا ترابا } ، نبعث، ترك ذكر البعث لدلالة ~~الكلام عليه، { ذلك رجع } ، أي رد إلى الحياة { بعيد } ، وغير ~~كائن، أي: يبعد أن نبعث بعد الموت. # قال الله عز وجل: { قد علمنا ما تنقص الأرض منهم } ، ~~أي تأكل من لحومهم ودمائهم وعظامهم لا يعزب عن علمه شيء. قال السدي: هو ~~الموت، يقول: قد علمنا من يموت منهم ومن يبقى، { وعندنا كتب ~~حفيظ } ، محفوظ من الشياطين ومن أن يدس ويتغير وهو اللوح المحفوظ، ~~وقيل: حفيظ أي: حافظ لعدتهم وأسمائهم. # { بل كذبوا بالحق } ، بالقرآن، { لما جآءهم فهم ~~فى أمر مريج } ، مختلط، قال سعيد بن جبير ومجاهد: ملتبس. قال ~~قتادة: في هذه الآية: من ترك الحق مرج عليه أمره والتبس عليه ~~دينه. وقال الحسن: ما ترك قوم الحق إلا مرج أمرهم. وذكر الزجاج معنى ~~اختلاط أمرهم، فقال: هو أنهم يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم، مرة شاعر، ~~ومرة ساحر، ومرة معلم، ويقولون للقرآن مرة سحر، ومرة رجز، ومرة ~~مفترى، فكان أمرهم مختلطا ملتبسا عليهم. ثم دلهم على قدرته, فقال: # { أفلم ينظروا إلى السمآء فوقهم كيف ~~بنينها } ، بغير عمد، { وزينها } ، بالكواكب، { وما ~~لها من فروج } ، شقوق وفتوق وصدوع واحدها فرج. # { والأرض مددنها } ، بسطناها على وجه الماء، { وألقينا ~~فيها روسى } ، جبالا ثوابت، { وأنبتنا فيها من كل ~~زوج بهيج } ، حسن كريم يبهج به، أي: يسر. ### || [50.7-11] # { تبصرة } ، أي جعلنا ذلك تبصرة، { وذكرى } ، أي تبصيرا ~~وتذكيرا، { لكل عبد منيب } ، أي: ليبصر ويذكر به. # { ونزلنا من السمآء مآء مبركا } ، كثير الخير وفيه ~~حياة كل شيء، وهو المطر، { فأنبتنا به جنت وحب ~~الحصيد } ، يعني البر والشعير وسائر الحبوب التي تحصد، فأضاف الحب ms2160 ~~إلى الحصيد، وهما واحد لاختلاف اللفظين، كما يقال: مسجد الجامع وربيع ~~الأول. وقيل: " وحب الحصيد " أي: وحب النبت الحصيد. # { والنخل بسقت } ، قال مجاهد وعكرمة وقتادة: طوالا، يقال: ~~بسقت النخلة بسوقا إذا طالت. وقال سعيد بن جبير: مستويات. { لها ~~طلع } ثمر وحمل، سمي بذلك لأنه يطلع، والطلع أول ما يظهر قبل أن ينشق، ~~{ نضيد } ، متراكب متراكم منضود بعضه على بعض في أكمامه، فإذا خرج من ~~أكمامه فليس بنضيد. # { رزقا للعباد } ، أي جعلناها رزقا للعباد، { وأحيينا ~~به } ، أي بالمطر، { بلدة ميتا } ، أنبتنا فيها الكلأ، { ~~كذلك الخروج } ، من القبور. ### || [50.12-17] # قوله عز وجل: { كذبت قبلهم قوم نوح وأصحب ~~الرس وثمود * وعاد وفرعون وإخون لوط * ~~وأصحب الأيكة وقوم تبع } ، وهو تبع الحميري، ~~واسمه أسعد أبو كرب، قال قتادة: ذم الله تعالى قوم تبع ولم يذمه، ذكرنا ~~قصته في سورة الدخان. # { كل كذب الرسل } ، أي: كل من هؤلاء المذكورين كذب الرسل، { ~~فحق وعيد } ، وجب لهم عذابي. ثم أنزل جوابا لقولهم " ذلك رجع ~~بعيد ". # { أفعيينا بالخلق الأول } ، يعني: أعجزنا حين خلقناهم ~~أولا فنعيا بالإعادة. وهذا تقرير لهم لأنهم اعترفوا بالخلق الأول ~~وأنكروا البعث، ويقال لكل من عجز عن شيء: عيي به. { بل هم فى لبس ~~} ، أي في شك، { من خلق جديد } ، وهو البعث. # { ولقد خلقنا الإنسن ونعلم ما توسوس به ~~نفسه } ، يحدث به قلبه ولا يخفى علينا سرائره وضمائره، { ونحن ~~أقرب إليه } ، أعلم به، { من حبل الوريد } ، لأن أبعاضه ~~وأجزاءه يحجب بعضها بعضا، ولا يحجب علم الله شيء و " حبل الوريد ": ~~عرق العنق، وهو عرق بين الحلقوم والعلباوين، يتفرق في البدن، والحبل هو ~~الوريد، فأضيف إلى نفسه لاختلاف اللفظين. # { إذ يتلقى المتلقيان } ، أي: يتلقى ويأخذ الملكان ~~الموكلان بالإنسان عمله ومنطقه يحفظانه ويكتبانه، { عن اليمين ~~وعن الشمال } ، أي أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، فالذي عن ~~اليمين يكتب الحسنات، والذي عن الشمال يكتب السيئات. { قعيد } ، أي: ~~قاعد، ولم يقل قعيدان، لأنه أراد: عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد، ~~فاكتفى بأحدهما عن الآخر، هذا قول أهل البصرة، وقال ms2161 أهل الكوفة: أراد: ~~قعودا، كالرسول فجعل للاثنين والجمع، كما قال الله تعالى في الاثنين: # فقولا إنا رسول رب العلمين # [الشعراء:16]، وقيل: أراد بالعقيد الملازم الذي لا يبرح، لا القاعد الذي ~~هو ضد القائم. وقال مجاهد: القعيد الرصيد. ### || [50.18-24] # { ما يلفظ من قول } ، ما يتكلم من كلام فيلفظه أي: يرميه من ~~فيه، { إلا لديه رقيب } ، حافظ، { عتيد } ، حاضر أينما كان. ~~قال الحسن: إن الملائكة يجتنبون الإنسان على حالين: عند غائطه، وعند ~~جماعه. # وقال مجاهد يكتبان عليه حتى أنينه في مرضه. وقال عكرمة: لا يكتبان إلا ~~ما يؤجر عليه أو يؤزر فيه. # وقال الضحاك: مجلسهما تحت الضرس على الحنك، ومثله عن الحسن، وكان الحسن ~~يعجبه أن ينظف عنفقته. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا الحسين بن ~~محمد الدينوري، حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، حدثنا الفضل بن عباس بن ~~مهران، حدثنا طالوت حدثنا حماد ابن سلمة أخبرنا جعفر بن الزبير عن القاسم ~~بن محمد عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كاتب الحسنات على يمين الرجل، وكاتب السيئات على يسار الرجل، وكاتب ~~الحسنات أمير على كاتب السيئات، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا، ~~وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: دعه سبع ساعات لعله يسبح أو ~~يستغفر " # { وجآءت سكرة الموت } ، غمرته وشدته التي تغشى الإنسان ~~وتغلب على عقله، { بالحق } ، أي بحقيقة الموت، وقيل: بالحق من أمر ~~الآخرة حتى يتبينه الإنسان ويراه بالعيان. وقيل: بما يؤول إليه أمر ~~الإنسان من السعادة والشقاوة. ويقال: لمن جاءته سكرة الموت، { ذلك ~~ما كنت منه تحيد } ، تميل، قال الحسن: تهرب. وقال ابن عباس: ~~تكره، وأصل الحيد الميل، يقال: حدت عن الشيء أحيد حيدا ومحيدا ~~إذا ملت عنه. # { ونفخ فى الصور } ، يعني نفخة البعث، { ذلك يوم ~~الوعيد } ، أي: ذلك اليوم يوم الوعيد الذي وعده الله للكفار أن ~~يعذبهم فيه. قال مقاتل: يعني بالوعيد العذاب، أي: يوم وقوع الوعيد. # { وجآءت } ، ذلك اليوم، { كل نفس معها سآئق } ، يسوقها ~~إلى المحشر، { وشهيد ms2162 } ، يشهد عليها بما عملت، قال الضحاك: السائق من ~~الملائكة، والشاهد من أنفسهم الأيدي والأرجل، وهي رواية العوفي عن ابن ~~عباس. وقال الآخرون: هما جميعا من الملائكة، فيقول الله: { لقد ~~كنت فى غفلة من هذا } ، اليوم في الدنيا، { فكشفنا ~~عنك غطآءك } ، الذي كان في الدنيا على قلبك وسمعك وبصرك، { ~~فبصرك اليوم حديد } ، نافذ تبصر ما كنت تنكر في الدنيا. وروي ~~عن مجاهد قال: يعني نظرك إلى لسان ميزانك حين توزن حسناتك وسيئاتك. # { وقال قرينه } ، الملك الموكل به، { هذا ما لدى ~~عتيد } ، معد محضر، وقيل: " ما " بمعنى (من)، قال مجاهد: يقول هذا ~~الذي وكلتني به من ابن آدم حاضر عندي قد أحضرته وأحضرت ديوان أعماله، ~~فيقول الله عز وجل لقرينه: # { ألقيا فى جهنم } ، هو خطاب للواحد بلفظ التثنية على عادة ~~العرب، تقول: ويحك ويلك ارحلاها وازجراها وخذاها وأطلقاها، للواحد، قال ~~الفراء: وأصل ذلك أن أدنى أعوان الرجل في إبله وغنمه وسفره اثنان، فجرى ~~كلام الواحد على صاحبيه، ومنه قولهم في الشعر للواحد خليلي. وقال ~~الزجاج: هذا أمر للسائق والشهيد، وقيل: للمتلقيين. { كل كفار ~~عنيد } ، عاص معرض عن الحق. قال عكرمة ومجاهد: مجانب للحق معاند لله. ### || [50.25-32] # { منع للخير } , أي للزكاة المفروضة وكل حق وجب في ~~ماله، { معتد } ، ظالم لا يقر بتوحيد الله، { مريب } ، شاك في ~~التوحيد، ومعناه: داخل في الريب. # { الذى جعل مع الله إلها ءاخر فألقيه فى ~~العذاب الشديد } ، وهو النار. # { قال قرينه } ، يعني الشيطان الذي قيض لهذا الكافر، { ~~ربنا مآ أطغيته } ، ما أضللته وما أغويته، { ولكن كان ~~فى ضلل بعيد } ، عن الحق فيتبرأ عنه شيطانه، قال ابن عباس وسعيد ~~بن جبير ومقاتل: " قال قرينه " يعني الملك، قال سعيد بن جبير: يقول ~~الكافر يا رب إن الملك زاد علي في الكتابة، فيقول الملك: " ربنا ما ~~أطغيته " ، يعني ما زدت عليه وما كتبت إلا ما قال وعمل، ولكن كان في ~~ضلال بعيد، طويل لا يرجع عنه إلى الحق. # { قال } ، فيقول الله { لا تختصموا لدى وقد قدمت ~~إليكم بالوعيد } ، في القرآن وأنذرتكم وحذرتكم ms2163 على لسان الرسول، ~~وقضيت عليكم ما أنا قاض. # { ما يبدل القول لدى } ، لا تبديل لقولي، وهو قوله: # لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين # [السجدة:13]، وقال قوم: معنى قوله: { ما يبدل القول لدى } ~~أي: لا يكذب عندي، ولا يغير القول عن وجهه لأني أعلم الغيب. وهذا قول ~~الكلبي، واختيار الفراء لأنه قال: { ما يبدل القول لدى } ~~ولم يقل ما يبدل قولي. # { ومآ أنا بظلم للعبيد } ، فأعاقبهم بغير جرم. # { يوم نقول لجهنم } ، قرأ نافع وأبو بكر " يقول " بالياء، ~~أي: يقول الله، لقوله: { قال لا تختصموا } ، وقرأ الآخرون ~~بالنون، { هل امتلأت } ، وذلك لما سبق لها من وعده إياها إنه ~~يملؤها من الجنة والناس، وهذا السؤال من الله عز وجل لتصديق خبره ~~وتحقيق وعده، { وتقول } ، جهنم، { هل من مزيد } ، قيل: معناه ~~قد امتلأت ولم يبق في موضع لم يمتلئ، فهو استفهام إنكار، هذا قول ~~عطاء ومجاهد ومقاتل بن سليمان، وقيل: هذا استفهام بمعنى الاستزادة، وهو ~~قول ابن عباس في رواية أبي صالح، وعلى هذا يكون السؤال بقوله: " هل ~~امتلأت " ، قبل دخول جميع أهلها فيها. وروي عن ابن عباس: أن الله ~~تعالى سبقت كلمته # لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين # [السجدة:13]، فلما سيق أعداء الله إليها لا يلقى فيها فوج إلا ذهب فيها ~~ولا يملؤها شيء، فتقول: ألست قد أقسمت لتملأني؟ فيضع قدمه عليها، ثم ~~يقول: هل امتلأت؟ فتقول: قط قط قد امتلأت فليس في مزيد. # أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن العباس الحميدي، أخبرنا أبو عبد الله ~~محمد بن عبد الله الحافظ حدثنا أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن أيوب ~~الطوسي، أخبرنا أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي، حدثنا آدم بن أبي إياس ~~العسقلاني، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تزال جهنم تقول هل من مزيد، حتى يضع رب العزة فيها قدمه، ~~فتقول قط قط وعزتك، ويزوى بعضها إلى بعض، ولا يزال في الجنة فضل حتى ~~ينشئ الله ms2164 خلقا فيسكنه فضول الجنة ". # { وأزلفت الجنة } ، قربت وأدنيت، { للمتقين } ، ~~الشرك، { غير بعيد } ، ينظرون إليها قبل أن يدخلوها. # { هذا ما توعدون } ، قرأ ابن كثير بالياء والآخرون بالتاء، ~~يقال لهم: هذا الذي ترونه ما توعدون على ألسنة الأنبياء عليهم السلام، { ~~لكل أواب } ، رجاع إلى الطاعة عن المعاصي. قال سعيد ابن المسيب: ~~هو الذي يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب. وقال الشعبي ومجاهد: الذي يذكر ~~ذنوبه في الخلاء فيستغفر منها. وقال الضحاك: هو التواب. وقال ابن عباس ~~وعطاء: هو المسبح، من قوله: # يجبال أوبي معه # [سبأ:10] وقال قتادة: هو المصلي. { حفيظ } ، قال ابن عباس: الحافظ ~~لأمر الله، وعنه أيضا: هو الذي يحفظ ذنوبه حتى يرجع عنها ويستغفر منها. ~~قال قتادة: حفيظ لما استودعه الله من حقه. قال الضحاك: الحافظ على نفسه ~~والمتعهد لها. قال الشعبي: المراقب، قال سهل بن عبد الله: هو المحافظ على ~~الطاعات والأوامر. ### || [50.33-40] # { من خشى الرحمن بالغيب } ، محل " من " جر على نعت ~~الأواب. ومعنى الآية: من خاف الرحمن وأطاعه بالغيب ولم يره. وقال الضحاك ~~والسدي: يعني في الخلوة حيث لا يراه أحد. قال الحسن: إذا أرخى الستر ~~وأغلق الباب. { وجآء بقلب منيب } ، مخلص مقبل إلى طاعة الله. # { ادخلوها } ، أي: يقال لأهل هذه الصفة: ادخلوها، أي: ادخلوا ~~الجنة. { بسلم } ، بسلامة من العذاب والهموم. وقيل: بسلام من الله ~~وملائكته عليهم. وقيل: بسلامة من زوال النعم، { ذلك يوم ~~الخلود }. # { لهم ما يشآءون فيها } ، وذلك أنهم يسألون الله تعالى حتى ~~تنتهي مسألتهم فيعطون ما شاؤوا، ثم يزيدهم الله من عنده ما لم يسألوه، ~~وهو قوله: { ولدينا مزيد } ، يعني الزيادة لهم في النعيم ما لم ~~يخطر ببالهم. وقال جابر وأنس هو النظر إلى وجه الله الكريم. # قوله عز وجل: { وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم ~~أشد منهم بطشا فنقبوا فى البلد } ، ضربوا وساروا ~~وتقلبوا وطافوا، وأصله من النقب، وهو الطريق كأنهم سلكوا كل طريق، { هل ~~من محيص } ، فلم يجدوا محيصا من أمر الله. وقيل: " هل من محيص " ~~مفر من الموت؟ فلم يجدوا منه ms2165 مفرا، وهذا إنذار لأهل مكة وأنهم على مثل ~~سبيلهم لا يجدون مفرا عن الموت يموتون، فيصيرون إلى عذاب الله. # { إن فى ذلك } ، فيما ذكرت من العبر والعذاب وإهلاك القرى، { ~~لذكرى } ، تذكرة وعظة، { لمن كان له قلب } ، قال ابن عباس: ~~أي عقل. قال الفراء: هذا جائز في العربية، تقول: مالك قلب، وما قلبك ~~معك، أي ما عقلك معك. وقيل: له قلب حاضر مع الله. { أو ألقى ~~السمع } ، استمع القرآن، واستمع ما يقال له، لا يحدث نفسه بغيره، ~~تقول العرب: ألق إلي سمعك، أي استمع، { وهو شهيد } ، أي حاضر ~~القلب ليس بغافل ولا ساه. # قوله عز وجل: { ولقد خلقنا السموت والأرض وما ~~بينهما فى ستة أيام وما مسنا من لغوب } ، إعياء ~~وتعب. # نزلت في اليهود حيث قالوا يا محمد أخبرنا بما خلق الله من الخلق في هذه ~~الأيام الستة، فقال: # " خلق الله الأرض يوم الأحد والاثنين، والجبال يوم الثلاثاء، والمدائن ~~والأنهار والأقوات يوم الأربعاء، والسموات والملائكة يوم الخميس إلى ثلاث ~~ساعات من يوم الجمعة، وخلق في أول الثلاث الساعات الآجال، وفي الثانية ~~الآفة، وفي الثالثة آدم " # قالوا: صدقت إن أتممت، قال: وما ذاك؟ قالوا: ثم استراح يوم السبت، ~~واستلقى على العرش، فأنزل الله تعالى هذه الآية ردا عليهم. # { فاصبر على ما يقولون } ، من كذبهم فإن الله لهم بالمرصاد، ~~وهذا قبل الأمر بقتالهم، { وسبح بحمد ربك } ، أي: صل ~~حمدا لله، { قبل طلوع الشمس } ، يعني: صلاة الصبح، { وقبل ~~الغروب } ، يعني: صلاة العصر. # وروي عن ابن عباس قال: " قبل الغروب ": الظهر العصر. # { ومن اليل فسبحه } ، يعني: صلاة المغرب والعشاء. وقال ~~مجاهد: " ومن الليل " أي: صلاة الليل أي وقت صلى. { وأدبر ~~السجود } قرأ أهل الحجاز وحمزة: " وإدبار السجود " بكسر الهمزة، ~~مصدر أدبر إدبارا، وقرأ الآخرون بفتحها على جمع الدبر. # قال عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، والحسن، والشعبي، والنخعي، ~~والأوزاعي: " أدبار السجود " الركعتان بعد صلاة المغرب، وأدبار النجوم ~~الركعتان قبل صلاة الفجر. وهي رواية العوفي عن ابن عباس. وروي عنه ~~مرفوعا، هذا قول أكثر المفسرين. ms2166 # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، ~~أخبرنا أو جعفر محمد بن عبد الجبار الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا ~~أبو أيوب الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ابن جريج عن عطاء عن عبيد ~~بن عمير عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على شيء من النوافل أشد معاهدة منه على الركعتين أمام الصبح. # أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي، أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن ~~محمد الجراحي، حدثنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي، حدثنا أبو عيسى ~~الترمذي، حدثنا صالح بن عبد الله، حدثنا أبو عوانة عن قتادة، عن زرارة ~~بن أبي أوفى، عن سعيد بن هشام عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها ". # أخبرنا أبو عثمان الضبي، أخبرنا أبو محمد الجراحي، أخبرنا أبو العباس ~~المحبوبي، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا بدل بن ~~المحب، حدثنا عبد الملك بن معدان عن عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن عبد ~~الله بن مسعود أنه قال: ما أحصي ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقرأ في الركعتين بعد المغرب وفي الركعتين قبل صلاة الفجر: بقل يا أيها ~~الكافرون، وقل هو الله أحد. # قال مجاهد: { وأدبر السجود } هو التسبيح باللسان في أدبار ~~الصلوات المكتوبات. # أخبرنا أبو الحسن طاهر بن الحسين الروقي الطوسي بها، أخبرنا أبو الحسن ~~محمد بن يعقوب، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن أيوب، أخبرنا مسدد، ~~حدثنا خالد هو ابن عبد الله، حدثنا سهيل عن أبي عبيد عن عطاء بن يزيد عن ~~أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من سبح في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وكبر الله ثلاثا ~~وثلاثين، وحمد الله ثلاثا وثلاثين، فذلك تسعة وتسعون، ثم قال تمام ~~المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو ms2167 على كل ~~شيء قدير، غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا إسحاق، أخبرنا يزيد أخبرنا ~~ورقاء عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: # " قالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالدرجات والنعيم المقيم، قال: ~~كيف ذاك؟ قالوا: صلوا كما صلينا وجاهدوا كما جاهدنا، وأنفقوا من فضول ~~أموالهم وليست لنا أموال، قال: " أفلا أخبركم بأمر تدركون من كان قبلكم ~~وتسبقون من جاء بعدكم، ولا يأتي أحد بمثل ما جئتم به إلا من جاء بمثله: ~~تسبحون في دبر كل صلاة عشرا، وتحمدون عشرا، وتكبرون عشرا ". ### || [50.41-45] # قوله عز وجل: { واستمع يوم يناد المناد من مكان ~~قريب } ، أي: واستمع يا محمد صيحة القيامة والنشور يوم ينادي المنادي، ~~قال مقاتل: يعني إسرافيل ينادي بالحشر يا أيتها العظام البالية والأوصال ~~المتقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة، إن الله يأمركن أن تجتمعن ~~لفصل القضاء { من مكان قريب } من صخرة بيت المقدس، وهي وسط ~~الأرض. قال الكلبي: هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا. # { يوم يسمعون الصيحة بالحق } ، وهي الصيحة الأخيرة، { ~~ذلك يوم الخروج } ، من القبور. # { إنا نحن نحى ونميت وإلينا المصير * يوم ~~تشقق الأرض عنهم سراعا } ، جمع سريع، أي: يخرجون سراعا، ~~{ ذلك حشر علينا } ، جمع علينا { يسير }. # { نحن أعلم بما يقولون } ، يعني: كفار مكة في تكذيبك، { ~~ومآ أنت عليهم بجبار } ، بمسلط تجبرهم على الإسلام إنما ~~بعثت مذكرا، { فذكر بالقرءان من يخاف وعيد } ، ~~أي: ما أوعدت من عصاني من العذاب. # قال ابن عباس: قالوا: يا رسول الله لو خوفتنا، فنزلت: { فذكر ~~بالقرءان من يخاف وعيد }. ### | [51 - سورة الذاريات] ### || [51.1-14] # { والذريت ذروا } ، يعني: الرياح التي تذرو التراب ذروا، ~~يقال: ذرت الريح التراب وأذرت. # { فالحملت وقرا } ، يعني: السحاب تحمل ثقلا من الماء. # { فالجريت يسرا } ، هي السفن تجري في الماء جريا سهلا. # { فالمقسمت أمرا } ، هي الملائكة يقسمون الأمور بين الخلق ~~على ما أمروا به، أقسم بهذه الأشياء لما فيها ms2168 من الدلالة على صنعه ~~وقدرته. # ثم ذكر المقسم عليه فقال: { إنما توعدون } ، من الثواب ~~والعقاب، { لصدق }. # { وإن الدين } ، الحساب والجزاء، { لواقع } ، لكائن. ثم ~~ابتدأ قسما آخر فقال: # { والسمآء ذات الحبك } ، قال ابن عباس وقتادة وعكرمة: ذات ~~الخلق الحسن المستوي، يقال للنساج إذا نسج الثوب فأجاد: ما أحسن حبكه! ~~قال سعيد بن جبير: ذات الزينة. قال الحسن: حبكت بالنجوم. قال مجاهد: هي ~~المتقنة البنيان. وقال مقاتل والكلبي والضحاك: ذات الطرائق كحبك الماء ~~إذا ضربته الريح، وحبك الرمل والشعر الجعد، ولكنها لا ترى لبعدها من ~~الناس، وهي جمع حباك وحبيكة، وجواب القسم قوله: # { إنكم } ، أي: يا أهل مكة، { لفى قول مختلف } ، في ~~القرآن وفي محمد صلى الله عليه وسلم، تقولون في القرآن: سحر وكهانة ~~وأساطير الأولين، وفي محمد صلى الله عليه وسلم: ساحر وشاعر ومجنون. وقيل: ~~" لفي قول مختلف " أي: مصدق ومكذب. # { يؤفك عنه من أفك } ، يصرف عن الإيمان به من صرف حتى ~~يكذبه، يعني: من حرمه الله الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن. ~~وقيل " عن " بمعنى: من أجل، أي يصرف من أجل هذا القول المختلف أو بسببه ~~عن الإيمان من صرف. وذلك أنهم كانوا يتلقون الرجل إذا أراد الإيمان ~~فيقولون: إنه ساحر وكاهن ومجنون، فيصرفونه عن الإيمان، وهذا معنى قول ~~مجاهد. # { قتل الخرصون } ، لعن الكذابون، يقال: تخرص على فلان ~~الباطل، وهم المقتسمون الذين اقتسموا عقاب مكة، واقتسموا القول في ~~النبي صلى الله عليه وسلم ليصرفوا الناس عن دين الإسلام. وقال مجاهد: هم ~~الكهنة. # { الذين هم فى غمرة } ، غفلة وعمى وجهالة { سهون } ~~لاهون غافلون عن أمر الآخرة، والسهو: الغفلة عن الشيء، وهو ذهاب القلب ~~عنه. # { يسئلون أيان يوم الدين } ، يقولون: يا محمد متى يوم ~~الجزاء، يعني: يوم القيامة تكذيبا واستهزاء. # قال الله عز وجل: { يوم هم } ، أي يكون هذا الجزاء في يوم هم { ~~على النار يفتنون } ، أي: يعذبون ويحرقون بها كما يفتن الذهب ~~بالنار. وقيل: " على " بمعنى الباء أي بالنار، وتقول لهم خزنة النار: # { ذوقوا فتنتكم } ، عذابكم، { هذا الذى كنتم به ms2169 ~~تستعجلون } ، في الدنيا تكذيبا به. ### || [51.15-18] # { إن المتقين فى جنت وعيون * ءاخذين مآ ~~ءاتهم } , أعطاهم، { ربهم } ، من الخير والكرامة، { إنهم ~~كانوا قبل ذلك } ، قبل دخولهم الجنة، { محسنين } ، في ~~الدنيا. # { كانوا قليلا من اليل ما يهجعون } ، والهجوع النوم ~~بالليل دون النهار، " وما " صلة، والمعنى: كانوا يهجعون قليلا من الليل، ~~أي يصلون أكثر الليل. # وقيل: معناه كان الليل الذي ينامون فيه كله قليلا، وهذا معنى قول سعيد ~~بن جبير عن ابن عباس، يعني: كانوا قل ليلة تمر بهم إلا صلوا فيها ~~شيئا، إما من أولها أو من أوسطها. قال أنس ابن مالك: كانوا يصلون ما ~~بين المغرب والعشاء. وقال محمد بن علي: كانوا لا ينامون حتى يصلوا ~~العتمة. قال مطرف بن عبد الله بن الشخير: قل ليلة أتت عليهم هجعوها ~~كلها. قال مجاهد: كانوا لا ينامون كل الليل. # ووقف بعضهم على قوله: " قليلا " أي: كانوا من الناس قليلا ثم ابتدأ: { ~~من اليل ما يهجعون } ، وجعله جحدا أي: لا ينامون بالليل ~~البتة، بل يقومون للصلاة والعبادة، وهو قول الضحاك ومقاتل. # { وبالأسحر هم يستغفرون } ، قال الحسن: لا ينامون من ~~الليل إلا أقله، وربما نشطوا فمدوا إلى السحر، ثم أخذوا بالأسحار في ~~الاستغفار. وقال الكلبي ومجاهد ومقاتل: وبالأسحار يصلون، وذلك أن صلاتهم ~~بالأسحار لطلب المغفرة. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو محمد الحسن بن أحمد بن ~~محمد المخلدي، أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج، حدثنا ~~قتيبة، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن سهل ابن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ينزل الله إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل فيقول: أنا ~~الملك، أنا الملك، من الذي يدعوني فأستجيب له؟ من الذي يسألني ~~فأعطيه؟ من الذي يستغفرني فأغفر له ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا ~~سفيان، حدثنا سليمان بن أبي مسلم عن طاووس سمع ms2170 ابن عباس قال: كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يتهجد، قال: # " اللهم لك الحمد أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت ~~نور السموات والأرض، ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض ومن فيهن، ولك ~~الحمد أنت الحق ووعدك الحق، ولقاؤك حق، وقولك حق، والجنة حق والنار حق، ~~والنبيون حق، ومحمد صلى الله عليه وسلم حق، والساعة حق، اللهم لك ~~أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت، وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت، ~~فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت ~~المؤخر، لا إله إلا أنت ولا إله غيرك " # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا صدقة، أخبرنا الوليد عن ~~الأوزاعي، حدثني عمير بن هانئ، حدثني جنادة بن أبي أمية، حدثني عبادة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من تعار من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك ~~وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا ~~الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ثم قال: اللهم ~~اغفر لي، أو دعا استجيب له، فإن توضأ وصلى قبلت صلاته ". ### || [51.19] # قوله عز وجل: { وفى أمولهم حق للسآئل ~~والمحروم } ، السائل: الذي يسأل الناس، والمحروم: الذي ليس له في ~~الغنائم سهم، ولا يجري عليه من الفيء شيء، هذا قول ابن عباس وسعيد بن ~~المسيب، قالا: المحروم الذي ليس له في الإسلام سهم، ومعناه في اللغة: ~~الذي منع الخير والعطاء. # وقال قتادة والزهري: " المحروم " المتعفف الذي لا يسأل. # وقال زيد بن أسلم: هو المصاب ثمره أو زرعه أو نسل ماشيته. وهو قول محمد ~~بن كعب القرظي، قال: المحروم صاحب الجائحة، ثم قرأ: # إنا لمغرمون * بل نحن محرومون # [الواقعة:66 -67]. ### || [51.20-23] # { وفى الأرض ءايات } ، عبر، { للموقنين } ، إذا ~~ساروا فيها من الجبال والبحار والأشجار والثمار وأنواع النبات. { ~~وفى أنفسكم } ، آيات، إذ كانت نطفة ms2171 ثم علقة ثم مضغة ثم ~~عظما إلى أن نفخ فيها الروح. # قال عطاء عن ابن عباس: يريد اختلاف الألسنة والصور والألوان والطبائع. # وقال ابن الزبير: يريد سبيل الغائط والبول يأكل ويشرب من مدخل واحد ~~ويخرج من سبيلين. # { أفلا تبصرون } ، [قال مقاتل]: أفلا تبصرون كيف خلقكم فتعرفوا ~~قدرته على البعث. # { وفى السمآء رزقكم } ، قال ابن عباس ومجاهد ومقاتل: يعني ~~المطر الذي هو سبب الأرزاق، { وما توعدون } ، قال عطاء: من الثواب ~~والعقاب. وقال مجاهد: من الخير والشر. وقال الضحاك: وما توعدون من الجنة ~~والنار، ثم أقسم بنفسه فقال: # { فورب السمآء والأرض إنه لحق } ، أي: ما ذكرت من ~~أمر الرزق لحق، { مثل } ، قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: " ~~مثل " برفع اللام بدلا من " الحق " ، وقرأ الآخرون بالنصب أي كمثل، { ~~مآ أنكم تنطقون } ، فتقولون: لا إله إلا الله. وقيل: شبه ~~تحقيق ما أخبر عنه بتحقيق نطق الآدمي، كما تقول: إنه لحق كما أنت هاهنا، ~~وإنه لحق كما أنك تتكلم، والمعنى: إنه في صدقه ووجوه كالذي تعرفه ضرورة: ~~وقال بعض الحكماء: يعني: كما أن كل إنسان ينطق بلسان نفسه لا يمكنه أن ~~ينطق بلسان غيره فكذلك كل إنسان يأكل رزق نفسه الذي قسم له، ولا يقدر أن ~~يأكل رزق غيره. ### || [51.24-37] # قوله عز وجل: { هل أتاك حديث ضيف إبرهيم } ، ذكرنا ~~عددهم في سورة هود، { المكرمين } ، [قيل: سماهم مكرمين] لأنهم ~~كانوا ملائكة كراما عند الله، وقد قال الله تعالى في وصفهم: # بل عباد مكرمون # [الأنبياء:26]، وقيل: لأنهم كانوا ضيف إبراهيم وكان إبراهيم أكرم ~~الخليقة، وضيف الكرام مكرمون. # وقيل: لأن إبراهيم عليه السلام أكرمهم بتعجيل قراهم، والقيام بنفسه ~~عليهم بطلاقة الوجه. # وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: خدمته إياهم بنفسه. # وروي عن ابن عباس: سماهم مكرمين لأنهم جاؤوا غير مدعوين. وروينا عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ". # { إذ دخلوا عليه فقالوا سلما قال سلم قوم ~~منكرون } ، أي: غرباء لا نعرفكم، قال ابن عباس: قال في نفسه ms2172 هؤلاء ~~قوم لا نعرفهم. وقيل: إنما أنكر أمرهم لأنهم دخلوا عليه من غير استئذان. ~~وقال أبو العالية: أنكر سلامهم في ذلك الزمان وفي تلك الأرض. # { فراغ } ، فعدل ومال، { إلى أهله فجآء بعجل سمين } ~~، مشوي. # { فقربه إليهم } ، ليأكلوا فلم يأكلوا، { قال ألا ~~تأكلون * فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف ~~وبشروه بغلم عليم * فأقبلت امرأته فى صرة ~~} ، أي: صيحة، قيل: لم يكن ذلك إقبالا من مكان إلى مكان، وإنما هو كقول ~~القائل: أقبل يشتمني، بمعنى أخذ في شتمي، أي أخذت تولول كما قال ~~الله تعالى: # قالت يويلتى # [هود:72]، { فصكت وجهها } ، قال ابن عباس: لطمت وجهها. وقال ~~الآخرون: جمعت أصابعها فضربت جبينها تعجبا، كعادة النساء إذا أنكرن ~~شيئا، وأصل الصك: ضرب الشيء بالشيء العريض. # { وقالت عجوز عقيم } ، مجازه: أتلد عجوز عقيم؟ وكانت سارة لم ~~تلد قبل ذلك. { قالوا كذلك قال ربك } ، أي كما قلنا لك قال ~~ربك إنك ستلدين غلاما، { إنه هو الحكيم العليم }. # { قال } ، يعني: إبراهيم، { فما خطبكم أيها المرسلون ~~* قالوا إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين } ، يعني: ~~قوم لوط. # { لنرسل عليهم حجارة من طين * مسومة } ، ~~معلمة، { عند ربك للمسرفين } ، قال ابن عباس: للمشركين، ~~والشرك أسرف الذنوب وأعظمها. # { فأخرجنا من كان فيها } ، أي: في قرى قوم لوط، { من ~~المؤمنين } ، وذلك قوله: # فأسر بأهلك بقطع من اليل # [هود:81]. # { فما وجدنا فيها غير بيت } ، أي غير أهل بيت، { من ~~المسلمين } ، يعني لوطا وابنتيه، وصفهم الله تعالى بالإيمان ~~والإسلام جميعا لأنه ما من مؤمن إلا وهو مسلم. # { وتركنا فيهآ } ، أي في مدينة قوم لوط، { ءاية } ، عبرة، { ~~للذين يخافون العذاب الأليم } ، أي: علامة للخائفين ~~تدلهم على أن الله تعالى أهلكهم فيخافون مثل عذابهم. ### || [51.38-45] # { وفى موسى } ، أي: وتركنا في إرسال موسى آية وعبرة. وقيل: هو ~~معطوف على قوله: { وفى الأرض ءايت للموقنين } ، وفي ~~موسى، { إذ أرسلنه إلى فرعون بسلطن مبين } ~~، بحجة ظاهرة. # { فتولى } ، فأعرض وأدبر عن الإيمان، { بركنه } ، أي بجمعه ~~وجنوده الذين كان يتقوى بهم، كالركن الذي يقوى به البنيان، نظيره: # أو آوى إلى ركن شديد # [هود:80]، ms2173 { وقال سحر أو مجنون } ، قال أبو عبيدة: " أو " ~~، بمعنى الواو. # { فأخذنه وجنوده فنبذنهم فى اليم } ، ~~أغرقناهم فيه، { وهو مليم } ، أي: آت بما يلام عليه من دعوى ~~الربوبية وتكذيب الرسول. # { وفى عاد } ، أي: في إهلاك عاد أيضا آية، { إذ أرسلنا ~~عليهم الريح العقيم } ، وهي التي لا خير فيها ولا بركة ولا ~~تلقح شجرا ولا تحمل مطرا. # { ما تذر من شىء أتت عليه } ، من أنفسهم وأنعامهم ~~وأموالهم، { إلا جعلته كالرميم } ، كالشيء الهالك البالي، ~~وهو نبات الأرض إذا يبس وديس. قال مجاهد: كالتبن اليابس. قال قتادة: ~~كرميم الشجر. قال أبو العالية: كالتراب المدقوق. وقيل: أصله من العظم ~~البالي. # { وفى ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين } , يعني ~~وقت فناء آجالهم, وذلك أنهم لما عقروا الناقة قيل لهم: تمتعوا ثلاثة ~~أيام. # { فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة } ، ~~بعد مضي الأيام الثلاثة، وهي الموت في قول ابن عباس، قال مقاتل: يعني ~~العذاب، و { الصاعقة }: كل عذاب مهلك، وقرأ الكسائي: " الصعقة " ، ~~وهي الصوت الذي يكون من الصاعقة، { وهم ينظرون } ، يرون ذلك ~~عيانا. # { فما استطعوا من قيام } ، فما قاموا بعد نزول العذاب بهم ~~ولا قدروا على نهوض. قال قتادة: لم ينهضوا من تلك الصرعة، { وما ~~كانوا منتصرين } ، ممتنعين منا. قال قتادة: ما كانت عندهم قوة ~~يمتنعون بها من الله. ### || [51.46-56] # { وقوم نوح } ، قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي: " وقوم " ، بجر ~~الميم، أي: وفي قوم نوح، وقرأ الآخرون بنصبها بالحمل على المعنى، وهو أن ~~قوله: { فأخذنه وجنوده فنبذنهم فى اليم } ، ~~معناه: أغرقناهم وأغرقنا قوم نوح. { من قبل } ، أي: من قبل هؤلاء، ~~وهم عاد وثمود وقوم فرعون. { إنهم كانوا قوما فسقين }. # { والسمآء بنينها بأييد } ، بقوة وقدرة، { وإنا ~~لموسعون } ، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: قادرون. وعنه ~~أيضا: لموسعون الرزق على خلقنا. وقيل: ذو سعة. وقال الضحاك: أغنياء، ~~دليله قوله عز وجل: # على الموسع قدره # [البقرة:236]، قال الحسن: مطيقون. # { والأرض فرشنها } ، بسطناها ومهدناها لكم، { فنعم ~~المهدون } ، الباسطون نحن: قال ابن عباس: نعم ما وطأت لعبادي. # { ومن كل شىء خلقنا زوجين ms2174 } ، صنفين ونوعين مختلفين ~~كالسماء والأرض. والشمس والقمر، والليل والنهار، والبر والبحر، والسهل ~~والجبل، والشتاء والصيف، والجن والإنس، والذكر والأنثى، والنور والظلمة، ~~والإيمان والكفر، والسعادة والشقاوة، والحق والباطل، والحلو والمر. { ~~لعلكم تذكرون } ، فتعملون أن خالق الأزواج فرد. # { ففروا إلى الله } ، فاهربوا من عذاب الله إلى ثوابه، ~~بالإيمان والطاعة. قال ابن عباس: فروا منه إليه واعملوا بطاعته. وقال سهل ~~بن عبد الله: فروا مما سوى الله إلى الله. { إنى لكم منه ~~نذير مبين * ولا تجعلوا مع الله إلها ءاخر ~~إني لكم منه نذير مبين }. # { كذلك } ، أي: كما كذبك قومك وقالوا ساحر أو مجنون كذلك، { مآ ~~أتى الذين من قبلهم } ، من قبل كفار مكة، { من رسول ~~إلا قالوا سحر أو مجنون }. # قال الله تعالى: { أتواصوا به } ، أي: أوصى أولهم آخرهم ~~وبعضهم بعضا بالتكذيب وتواطؤا عليه؟ والألف فيه للتوبيخ، { بل هم ~~قوم طغون } ، قال ابن عباس: حملهم الطغيان فيما أعطيتهم ووسعت ~~عليهم على تكذيبك، { فتول عنهم } فأعرض عنهم، { فمآ أنت ~~بملوم } ، لا لوم عليك فقد أديت الرسالة وما قصرت فيما أمرت به. # قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~واشتد ذلك على أصحابه، وظنوا أن الوحي قد انقطع، وأن العذاب قد حضر إذ ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتولى عنهم. فأنزل الله تعالى: { ~~وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين } ، فطابت أنفسهم. # قال مقاتل: معناه عظ بالقرآن كفار مكة، فإن الذكرى تنفع من [سبق] في ~~علم الله أن يؤمن منهم. وقال الكلبي: عظ بالقرآن من آمن من قومك فإن ~~الذكرى تنفعهم. # { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ، قال ~~الكلبي والضحاك وسفيان: هذا خاص لأهل طاعته من الفريقين، يدل عليه قراءة ~~ابن عباس: { وما خلقت الجن والإنس } من المؤمنين { إلا ~~ليعبدون } ، ثم قال في أخرى: # ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس # [الأعراف:179]. # وقال بعضهم: وماخلقت السعداء من الجن والإنس إلا لعبادتي والأشقياء ~~منهم إلا لمعصيتي، وهذا معنى قول زيد بن أسلم، قال: هو على ما جبلوا ~~عليه من ms2175 الشقاوة والسعادة. # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: " إلا ليعبدون ". أي إلا ~~لآمرهم أن يعبدوني وأدعوهم إلى عبادتي، يؤيده قوله عز وجل: # ومآ أمروا إلا ليعبدوا إلها وحدا # [التوبة:31]. # وقال مجاهد: إلا ليعرفوني. وهذا أحسن لأنه لو لم يخلقهم لم يعرف وجوده ~~وتوحيده، دليله: قوله تعالى: # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله # [الزخرف:87]. # وقيل: معناه إلا ليخضعوا إلي ويتذللوا، ومعنى العبادة في اللغة: ~~التذلل والانقياد، فكل مخلوق من الجن والإنس خاضع لقضاء الله، ومتذلل ~~لمشيئته لا يملك أحد لنفسه خروجا عما خلق عليه. # وقيل: " إلا ليعبدوني " إلا ليوحدوني، فأما المؤمن فيوحده في الشدة ~~والرخاء، وأما الكافر فيوحده في الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء، بيانه ~~قوله عز وجل: # فإذا ركبوا فى الفلك دعوا الله مخلصين له ~~الدين # [العنكبوت:65]. ### || [51.57-60] # { مآ أريد منهم من رزق } ، أي: أن يرزقوا أحدا من خلقي ~~ولا أن يرزقوا أنفسهم، { ومآ أريد أن يطعمون } ، أي: أن ~~يطعموا أحدا من خلقي، وإنما أسند الإطعام إلى نفسه، لأن الخلق عيال ~~الله ومن أطعم عيال أحد فقد أطعمه. كما جاء في الحديث: يقول الله تعالى: # " استطعمتك فلم تطعمني " # ، أي: لم تطعم عبدي، ثم بين أن الرازق هو لا غيره فقال: # { إن الله هو الرزاق } ، يعني: لجميع خلقه، { ذو القوة ~~المتين } ، وهو القوى المتقدر المبالغ في القوة والقدرة. # { فإن للذين ظلموا } ، كفروا من أهل مكة، { ذنوبا } ، ~~نصيبا من العذاب، { مثل ذنوب أصحبهم } ، مثل نصيب ~~أصحابهم الذين هلكوا من قوم نوح وعاد وثمود، وأصل " الذنوب " في ~~اللغة: الدلو العظيمة المملوءة ماء، ثم استعمل في الحظ والنصيب، { فلا ~~يستعجلون } ، بالعذاب يعني أنهم أخروا إلى يوم القيامة. # يدل عليه قوله عز وجل: { فويل للذين كفروا من ~~يومهم الذى يوعدون } ، يعني: يوم القيامة، وقيل: يوم بدر. ### | [52 - سورة الطور] ### || [52.1-5] # { والطور } ، أراد به الجبل الذي كلم الله تعالى عليه وموسى عليه ~~السلام بالأرض المقدسة أقسم الله تعالى به. # { وكتب مسطور } ، مكتوب. # { فى رق منشور } ، " والرق ": ما يكتب فيه، وهو أديم الصحف ~~و " المنشور ms2176 ": المبسوط، واختلفوا في هذا الكتاب، قال الكلبي: هو ما كتب ~~الله بيده لموسى من التوراة وموسى يسمع صرير القلم. # وقيل: هو اللوح المحفوظ. وقيل: دواوين الحفظة تخرج إليهم يوم القيامة ~~منشورة، فأخذ بيمينه وأخذ بشماله. دليله قوله عز وجل: # ونخرج له يوم القيمة كتابا يلقه منشورا # [الإسراء:13]. { والبيت المعمور } ، بكثرة الغاشية والأهل، ~~وهو بيت في السماء حذاء العرش بحيال الكعبة يقال له: الصراح، حرمته في ~~السماء كحرمة الكعبة في الأرض، يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة ~~يطوفون به ويصلون فيه ثم لا يعودون إليه أبدا. # { والسقف المرفوع } ، يعني: السماء نظيره قوله عز وجل: # وجعلنا السمآء سقفا محفوظا # [الأنبياء:32]. ### || [52.6-16] # { والبحر المسجور } ، قال محمد بن كعب القرظي والضحاك: يعني ~~الموقد المحمى بمنزلة التنور المسجور، وهو قول ابن عباس: وذلك ما روي أن ~~الله تعالى يجعل البحار كلها يوم القيامة نارا فيزاد بها في نار جهنم، ~~كما قال الله تعالى: # وإذا البحار سجرت # [التكوير:6] وجاء في الحديث عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " لا يركبن رجل بحرا إلا غازيا أو معتمرا أو حاجا، فإن تحت ~~البحر نارا وتحت النار بحرا ". # وقال مجاهد والكلبي: " المسجور ": المملوء، يقال: سجرت الإناء إذا ~~ملأته. وقال الحسن، وقتادة، وأبو العالية: هو اليابس الذي قد ذهب ماؤه ~~ونضب. # وقال الربيع بن أنس: المختلط العذب بالمالح. # وروى الضحاك عن النزال بن سبرة عن علي أنه قال في البحر المسجور: هو بحر ~~تحت العرش، غمره كما بين سبع سموات إلى سبع أرضين، فيه ماء غليظ يقال له: ~~بحر الحيوان. يمطر العباد بعد النفخة الأولى منه أربعين صباحا فينبتون ~~في قبورهم. هذا قول مقاتل: أقسم الله بهذه الأشياء. # { إن عذاب ربك لواقع } ، نازل كائن. # { ما له من دافع } ، مانع. قال جبير بن مطعم: قدمت المدينة ~~لأكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسارى بدر فدفعت إليه وهو يصلي ~~بأصحابه المغرب، وصوته يخرج من المسجد فسمعته يقرأ { والطور } إلى ~~قوله { إن عذاب ربك ms2177 لواقع ما له من دافع } ، ~~فكأنما صدع قلبي حين سمعته، ولم يكن أسلم يومئذ، قال: فأسلمت خوفا من ~~نزول العذاب، وما كنت أظن أني أقوم من مكاني حتى يقع بي العذاب. # ثم بين أنه متى يقع فقال: { يوم تمور السماء مورا } ، أي: ~~تدور كدوران الرحى وتتكفأ بأهلها تكفؤ السفينة. قال قتادة: تتحرك. قال ~~عطاء الخراساني: تختلف أجزاؤها بعضها في بعض. وقيل: تضطرب، و " المور " ~~يجمع هذه المعاني، فهو في اللغة: الذهاب والمجيء والتردد والدوران ~~والاضطراب. # { وتسير الجبال سيرا } ، فتزول عن أماكنها وتصير هباء ~~منثورا. # { فويل } , فشدة عذاب، { يومئذ للمكذبين * الذين ~~هم فى خوض يلعبون } ، يخوضون في الباطل يلعبون غافلين لاهين. # { يوم يدعون } ، يدفعون، { إلى نار جهنم دعا } ، ~~دفعا بعنف وجفوة، وذلك أن خزنة جهنم يغلون أيديهم إلى أعناقهم، ويجمعون ~~نواصيهم إلى أقدامهم، ثم يدفعون بهم إلى النار دفعا على وجوههم، وزجا ~~في أقفيتهم حتى يردوا النار، فإذا دنوا منها قال لهم خزنتها: # { هذه النار التى كنتم بها تكذبون } ، في الدنيا. ~~{ أفسحر هذا } ، وذلك أنهم كانوا ينسبون محمدا صلى الله عليه ~~وسلم إلى السحر، وإلى أنه يغطي على الأبصار بالسحر، فوبخوا، به، وقيل ~~لهم: { أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون }. # { اصلوها } ، قاسوا شدتها، { فاصبروا أو لا تصبروا ~~سوآء عليكم } ، الصبر والجزع، { إنما تجزون ما كنتم ~~تعملون }. ### || [52.17-22] # { إن المتقين فى جنت ونعيم * فكهين } معجبين ~~بذلك ناعمين، { بمآءاتهم ربهم ووقهم ربهم ~~عذاب الجحيم } ، ويقال لهم: # { كلوا واشربوا هنيئا } ، مأمون العاقبة من التخمة والسقم، { ~~بما كنتم تعملون }. # { متكئين على سرر مصفوفة } ، موضوعة بعضها إلى جنب ~~بعض، { وزوجنهم بحور عين }. # { والذين ءامنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمن } ~~، قرأ أبو عمرو: " وأتبعناهم " ، بقطع الألف على التعظيم، " ذرياتهم " ، ~~بالألف وكسر التاء فيهما لقوله: " ألحقنا بهم " " وما ألتناهم " ، ليكون ~~الكلام على نسق واحد. # وقرأ الآخرون: " واتبعتهم " بوصل الألف وتشديد التاء بعدها وسكون التاء ~~الأخيرة. # ثم اختلفوا في " ذريتهم ": قرأ أهل المدينة الأولى بغير ألف وضم التاء، ~~والثانية بالألف وكسر التاء، وقرأ أهل الشام ويعقوب كلاهما بالألف وكسر ~~التاء في ms2178 الثانية. وقرأ الآخرون بغير ألف فيهما ورفع التاء في الأولى ~~ونصبها في الثانية. # واختلفوا في معنى الآية: فقال قوم: معناها والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم ~~بإيمان يعنى: أولادهم الصغار والكبار، فالكبار بإيمانهم بأنفسهم، والصغار ~~بإيمان آبائهم، فإن الولد الصغير يحكم بإسلامه تبعا لأحد الأبوين { ~~ألحقنا بهم ذريتهم } المؤمنين في الجنة بدرجاتهم وإن لم ~~يبلغوا بأعمالهم درجات آبائهم تكرمة لآبائهم لتقر بذلك أعينهم. وهي ~~رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم. # وقال آخرون: معناه والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم البالغون بإيمان ألحقنا ~~بهم ذريتهم الصغار الذين لم يبلغوا الإيمان بإيمان آبائهم. وهو قول ~~الضحاك، ورواية العوفي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أخبر الله عز ~~وجل أنه يجمع لعبده المؤمن ذريته في الجنة كما كان يحب في الدنيا أن ~~يجتمعوا إليه، يدخلهم الجنة بفضله ويلحقهم بدرجته بعمل أبيه، من غير أن ~~ينقص الآباء من أعمالهم شيئا، فذلك قوله: { ومآ ألتنهم } ، ~~قرأ ابن كثير بكسر اللام، والباقون بفتحها أي ما نقصناهم يعني الآباء، { ~~من عملهم من شىء }. # أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، ~~أخبرني الحسين بن محمد بن عبد الله الحديثي، حدثنا سعيد بن محمد بن إسحاق ~~الصيرفي، حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة حدثنا جبارة من المغلس حدثنا ~~قيس بن الربيع حدثنا عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله ~~تعالى عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه في العمل، لتقر ~~بهم عينه " # ، ثم قرأ: { والذين ءامنوا واتبعتهم ذريتهم ~~بإيمن ألحقنا بهم ذريتهم } ، إلى آخر الآية. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا عبد الله بن ~~فنجويه الدينوري، حدثنا أبو بكر بن مالك القطيعي حدثنا عبد الله بن أحمد ~~بن حنبل، حدثني عثمان بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن فضيل عن محمد بن عثمان ~~عن زاذان عن علي رضي الله عنه قال: # " سألت خديجة ms2179 رضي الله تعالى عنها النبي صلى الله عليه وسلم عن ولدين ~~ماتا لها في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هما في ~~النار " ، فلما رأى الكراهة في وجهها، قال: " لو رأيت مكانهما ~~لأبغضتهما " ، قالت: يا رسول الله فولدي منك؟ قال: " في الجنة " ثم قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإن ~~المشركين وأولادهم في النار " # ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { والذين ءامنوا ~~واتبعتهم ذريتهم بإيمن ألحقنا بهم ~~ذريتهم }. # { كل امرىء بما كسب رهين } ، قال مقاتل: كل امرئ كافر بما ~~عمل من الشرك مرتهن في النار، والمؤمن لا يكون مرتهنا، لقوله عز وجل: ~~{ كل نفس بما كسبت رهينة * إلا أصحب اليمين ~~} ثم ذكر ما يزيدهم من الخير والنعمة فقال: { وأمددنهم ~~بفكهة } ، زيادة على ما كان لهم { ولحم مما يشتهون } ~~، من أنواع اللحمان. ### || [52.23-26] # { يتنزعون } ، يتعاطون ويتناولون، { فيها كأسا لا لغو ~~فيها } ، وهو الباطل، وروي ذلك عن قتادة، وقال مقاتل بن حيان: لا فضول ~~فيها. وقال سعيد بن المسيب: لا رفث فيها. وقال ابن زيد: لا سباب ولا ~~تخاصم فيها. وقال القتيبي: لا تذهب عقولهم فيلغوا ويرفثوا، { ولا ~~تأثيم } ، أي لا يكون منهم ما يؤثمهم. قال الزجاج: لا يجري بينهم ~~ما يلغي ولا ما فيه إثم كما يجري في الدنيا لشرية الخمر وقيل: لا يأثمون ~~في شربها. # { ويطوف عليهم } ، بالخدمة، { غلمان لهم كأنهم } ~~، في الحسن والبياض والصفاء، { لؤلؤ مكنون } ، مخزون مصون لم ~~تمسه الأيدي. قال سعيد بن جبير: يعني في الصدف. # قال عبد الله بن عمر: وما من أحد من أهل الجنة إلا يسعى عليه ألف غلام، ~~وكل غلام على عمل ما عليه صاحبه. # وروي عن الحسن أنه لما تلا هذه الآية قال: قالوا يا رسول الله: الخادم ~~كاللؤلؤ المكنون، فكيف المخدوم؟ # وعن قتادة أيضا قال: ذكر لنا أن رجلا قال: يا نبي الله هذا الخادم ~~فكيف المخدوم؟ قال: # " فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ". # { وأقبل بعضهم ms2180 على بعض يتسآءلون } ، يسأل بعضهم ~~بعضا في الجنة. قال ابن عباس: يتذاكرون ما كانوا فيه من التعب والخوف في ~~الدنيا. # { قالوا إنا كنا قبل فى أهلنا } ، في الدنيا، { ~~مشفقين } ، خائفين من العذاب. ### || [52.27-32] # { فمن الله علينا } ، بالمغفرة، { ووقنا عذاب ~~السموم } ، قال الكلبي: عذاب النار. وقال الحسن: " السموم " اسم من ~~أسماء جهنم. # { إنا كنا من قبل } ، في الدنيا، { ندعوه } ، نخلص له ~~العبادة، { إنه } ، قرأ أهل المدينة [والكسائي]: " أنه " بفتح الألف، ~~أي: لأنه أو بأنه، وقرأ الآخرون بالكسر على الاستئناف، { هو البر } ~~، قال ابن عباس: اللطيف. وقال الضحاك: الصادق فيما وعد { الرحيم }. { ~~فذكر } ، يا محمد بالقرآن أهل مكة، { فمآ أنت بنعمت ~~ربك } ، برحمته وعصمته، { بكهن } ، تبتدع القول وتخبر بما في ~~غد من غير وحي، { ولا مجنون } ، نزلت في الذين اقتسموا عقاب مكة ~~يرمون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكهانة والسحر والجنون والشعر. # { أم يقولون } ، بل يقولون، يعني: هؤلاء المقتسمين الخراصين، { ~~شاعر } ، أي: هو شاعر، { نتربص به ريب المنون } ، ~~حوادث الدهر وصروفه فيموت ويهلك كما هلك من قبله من الشعراء، و يتفرق ~~أصحابه وأن أباه مات شابا ونحن نرجو أن يكون موته كموت أبيه، و " المنون ~~" يكون بمعنى الدهر، ويكون بمعنى الموت، سميا بذلك لأنهما يقطعان ~~الأجل. # { قل تربصوا } ، انتظروا بي الموت، { فإنى معكم من ~~المتربصين } ، من المنتظرين حتى يأتي أمر الله فيكم، فعذبوا ~~يوم بدر السيف. # { أم تأمرهم أحلمهم } ، عقولهم، { بهذآ } ، وذلك ~~أن عظماء قريش كانوا يوصفون بالأحلام والعقول، فأزرى الله بعقولهم ~~حين لم تتميز لهم معرفة الحق من الباطل، { أم هم } ، بل هم، { قوم ~~طاغون }. ### || [52.33-37] # { أم يقولون تقوله } ، أي: يخلق القرآن من تلقاء نفسه، " ~~والتقول ": تكلف القول، ولا يستعمل ذلك إلا في الكذب، ليس الأمر ~~كما زعموا، { بل لا يؤمنون } ، بالقرآن استكبارا. ثم ألزمهم ~~الحجة فقال: # { فليأتوا بحديث مثله } ، أي: مثل القرآن ونظمه وحسن ~~بيانه، { إن كانوا صدقين } ، أن محمدا يقوله من قبل نفسه. # { أم خلقوا من غير شىء } ، قال ابن عباس: من غير رب، ~~ومعناه: أخلقوا من غير ms2181 شيء خلقهم فوجدوا بلا خالق؟ وذلك مما لا ~~يجوز أن يكون، لأن تعلق الخلق بالخالق من ضرورة الاسم، فإن أنكروا الخالق ~~لم يجز أن يوجدوا بلا خالق، { أم هم الخلقون } ، لأنفسهم وذلك ~~في البطلان أشد، لأن ما لا وجود له كيف يخلق. # فإذا بطل الوجهان قامت الحجة عليهم بأن لهم خالقا فليؤمنوا به، ذكر ~~هذا المعنى أبو سليمان الخطابي. # وقال الزجاج: معناه أخلقوا باطلا لا يحاسبون ولا يؤمرون؟ وقال ~~ابن كيسان: أخلقوا عبثا وتركوا سدى لا يؤمرون ولا ينهون، فهو كقول ~~القائل: فعلت كذا وكذا من غير شيء، أي: لغير شيء، أم هم الخالقون لأنفسهم ~~فلا يجب عليهم لله أمر؟ # { أم خلقوا السموت والأرض } ، فيكونوا هم الخالقين، ~~ليس الأمر كذلك، { بل لا يوقنون }. # { أم عندهم خزآئن ربك } ، قال عكرمة: يعني النبوة. قال ~~مقاتل: أبأيديهم مفاتيح ربك بالرسالة فيضعونها حيث شاؤوا؟ قال الكلبي: ~~خزائن المطر والرزق، { أم هم المسيطرون } ، المسلطون ~~الجبارون، قال عطاء: أرباب قاهرون فلا يكونوا تحت أمر ونهي، يفعلون ما ~~شاؤوا، ويجوز بالسين والصاد جميعا، وقرأ ابن عامر بالسين هاهنا وفي ~~قوله: " بمسيطر " ، وقرأ حمزة بإشمام الزاي فيهما، وقرأ ابن كثير هاهنا ~~بالسين و " بمصيطر " بالصاد، وقرأ الآخرون بالصاد فيهما. ### || [52.38-42] # { أم لهم سلم } ، مرقى ومصعد إلى السماء، { يستمعون ~~فيه } ، أي يستمعون عليه الوحي، كقوله: # ولأصلبنكم فى جذوع النخل # [طه:71] أي: عليها، معناه: ألهم سلم يرتقون به إلى السماء، فيستمعون ~~الوحي ويعلمون أن ما هم عليه حق بالوحي، فهم مستمسكون به كذلك؟ { ~~فليأت مستمعهم } ، إن ادعوا ذلك، { بسلطن مبين } ، ~~حجة بينة. # { أم له البنت ولكم البنون } ، هذا إنكار عليهم حين ~~جعلوا لله ما يكرهون، كقوله: # فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون # [الصافات:149]. # { أم تسئلهم أجرا } ، جعلا على ما جئتهم به ودعوتهم إليه ~~من الدين، { فهم من مغرم مثقلون } ، أثقلهم ذلك المغرم ~~الذي تسألهم، فمنعهم ذلك عن الإسلام. # { أم عندهم الغيب } ، أي: علم ما غاب عنهم، حتى عملوا أن ما ~~يخبرهم الرسول من أمر القيامة والبعث باطل. # وقال قتادة: هذا جواب ms2182 لقولهم: { نتربص به ريب المنون } ، ~~يقول: أعندهم علم الغيب حتى علموا أن محمدا صلى الله عليه وسلم يموت ~~قبلهم؟ { فهم يكتبون } ، أي: يحكمون، والكتاب: الحكم، # " قال النبي صلى الله عليه وسلم للرجلين اللذين تخاصما إليه: «أقضي ~~بينكما بكتاب الله» " # أي بحكم الله. # وقال ابن عباس: معناه أم عندهم اللوح المحفوظ فهم يكتبون ما فيه ويخبرون ~~الناس به؟ # { أم يريدون كيدا } ، مكرا بك ليهلكوك، { فالذين ~~كفروا هم المكيدون } ، أي: هم المجزيون بكيدهم يريد أن ضرر ~~ذلك يعود عليهم، ويحيق مكرهم بهم، وذلك أنهم مكروا به في دار الندوة ~~فقتلوا ببدر. ### || [52.43-48] # { أم لهم إله غير الله } ، يرزقهم وينصرهم؟ { سبحن ~~الله عما يشركون } ، قال الخليل: ما في هذه السورة من ذكر " أم ~~" كله استفهام وليس بعطف. # { وإن يروا كسفا } ، قطعة، { من السمآء ساقطا } ، ~~هذا جواب لقولهم: { فأسقط علينا كسفا من السمآء } ، ~~يقول: لو عذبناهم بسقوط بعض من السماء عليهم لم ينتهوا عن كفرهم، { ~~يقولوا } ، لمعاندتهم - هذا، { سحب مركوم } ، بعضه على بعض ~~يسقينا. # { فذرهم حتى يلقوا } ، يعاينوا، { يومهم الذى ~~فيه يصعقون } ، أي: يموتون، حتى يعاينوا الموت، قرأ ابن عامر ~~وعاصم يصعقون بضم الياء، أي: يهلكون. # { يوم لا يغنى عنهم كيدهم شيئا ولا هم ~~ينصرون } ، أي: لا ينفعهم كيدهم يوم الموت ولا يمنعهم من العذاب ~~مانع. # { وإن للذين ظلموا } ، كفروا، { عذابا دون ذلك } ، ~~أي: عذابا في الدنيا قبل عذاب الآخرة. قال ابن عباس: يعني القتل يوم ~~بدر، وقال الضحاك: هو الجوع والقحط سبع سنين. وقال البراء بن عازب: هو ~~عذاب القبر. { ولكن أكثرهم لا يعلمون } ، أن العذاب ~~نازل بهم. # { واصبر لحكم ربك } ، إلى أن يقع بهم العذاب الذي حكمنا ~~عليهم، { فإنك بأعيننا } ، أي بمرأى منا، قال ابن عباس: نرى ~~ما يعمل بك. وقال الزجاج: إنك بحيث نراك ونحفظك فلا يصلون إلى ~~مكروهك. { وسبح بحمد ربك حين تقوم } ، قال سعيد بن ~~جبير وعطاء: أي: قل حين تقوم من مجلسك: سبحانك اللهم وبحمدك، فإن كان ~~المجلس خيرا ازددت فيه إحسانا، وإن كان غير ذلك كان كفارة ms2183 له. # أخبرنا أبو عبد الله عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد القفال، أخبرنا أبو ~~منصور أحمد بن الفضل البرونجردي، أخبرنا أبو أحمد بكر بن محمد ~~الصيرفي، حدثنا أحمد بن عبيد الله القرشي، حدثنا حجاج بن محمد عن ابن ~~جريج، عن موسى بن عقبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي ~~الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من جلس مجلسا فكثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم: سبحانك اللهم ~~وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، إلا كان كفارة ~~لما بينهما ". # وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: معناه صل لله حين تقوم من مقامك. # وقال الضحاك والربيع: إذا قمت إلى الصلاة فقل: " سبحانك اللهم وبحمدك ~~وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ". # أخبرنا أبو عثمان الضبي، أخبرنا أبو محمد الجراحي، حدثنا أبو العباس ~~المحبوبي، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا الحسن بن عرفة ويحيى بن موسى ~~قال حدثنا أبو معاوية عن حارثة بن أبي الرجال، عن عمرة عن عائشة قالت: # " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة قال: «سبحانك اللهم ~~وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك» ". # وقال الكلبي: هو ذكر الله باللسان حين تقوم من الفراش إلى أن تدخل في ~~الصلاة. # أخبرنا أبو طاهر عمر بن عبد العزيز القاشاني، أخبرنا أبو عمر القاسم بن ~~جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، أخبرنا أبو علي محمد بن أحمد بن عمر ~~اللؤلؤي، حدثنا أبو داود سليمان الأشعث، حدثنا محمد بن نافع حدثنا زيد بن ~~حباب، أخبرني معاوية بن صالح، أخبرنا أزهر بن سعيد الحرازي # " عن عاصم بن حميد قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها بأي شيء كان ~~يفتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم قيام الليل؟ فقالت: كان إذا قام ~~كبر الله عشرا، وحمد الله عشرا، وسبح الله عشرا، وهلل عشرا، ~~واستغفر عشرا، وقال: اللهم اغفر لي واهدني وارزقني وعافني ويتعوذ من ضيق ~~المقام يوم القيامة ". ### || [52.49] ms2184 # { ومن اليل فسبحه } ، أي: صل له، قال مقاتل: يعني صلاة ~~المغرب والعشاء، { وإدبر النجوم } ، يعني الركعتين قبل صلاة ~~الفجر، وذلك حين تدبر النجوم أن تغيب بضوء الصبح، هذا قول أكثر المفسرين. ~~وقال الضحاك: هو فريضة صلاة الصبح. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق ~~الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك عن ابن شهاب، عن محمد بن جبير بن ~~مطعم، عن أبيه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب ~~بالطور. ### | [53 - سورة النجم] ### || [53.1-7] # { والنجم إذا هوى } قال ابن عباس في رواية الوالبي والعوفي: ~~يعني الثريا إذا سقطت وغابت، وهويه مغيبه، والعرب تسمي الثريا ~~نجما. # وجاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: # " ما طلع النجم قط وفي الأرض من العاهة شيء إلا رفع " # وأراد بالنجم الثريا. # وقال مجاهد: هي نجوم السماء كلها حين تغرب، لفظه واحد ومعناه الجمع، ~~سمي الكوكب نجما لطلوعه، وكل طالع نجم، يقال: نجم السن، والقرن ~~والنبت: إذا طلع. # وروي عن عكرمة عن ابن عباس: أنه الرجوم من النجوم، يعني ما ترمى بها ~~الشياطين عند استراقهم السمع. # وقال أبو حمزة: الثمالي هي النجوم إذا انتثرت يوم القيامة. وقيل: المراد ~~بالنجم القرآن، سمي نجما لأنه نزل نجوما متفرقة في عشرين سنة، وسمي ~~التفريق: تنجيما، والمفرق: منجما، هذا قول ابن عباس في رواية عطاء، ~~وهو قول الكلبي. # " الهوي ": النزول من أعلى إلى أسفل. وقال الأخفش: " النجم " هو ~~النبت الذي لا ساق له، ومنه قوله عز وجل: # والنجم والشجر يسجدان # [الرحمن:6]، وهويه سقوطه على الأرض. وقال جعفر الصادق: يعني محمدا ~~صلى الله عليه وسلم إذ نزل من السماء ليلة المعراج، و " الهوي ":، ~~النزول، يقال: هوى يهوي هويا إذا نزل، مثل مضى يمضي مضيا. # وجواب القسم. قوله: { ما ضل صحبكم } ، يعني: محمدا صلى الله ~~عليه وسلم ما ضل عن طريق الهدى، { وما غوى * وما ينطق عن ~~الهوى } ، أي: بالهوى يريد لا يتكلم بالباطل، وذلك أنهم قالوا: إن ~~محمدا صلى الله ms2185 عليه وسلم يقول القرآن من تلقاء نفسه. # { إن هو } ، ما نطقه في الدين، وقيل: القرآن، { إلا وحى ~~يوحى } ، أي: وحي من الله يوحى إليه. # { علمه شديد القوى } ، وهو جبريل، والقوى جمع القوة. # { ذو مرة } ، قوة وشدة في خلقه، يعني جبريل. قال ابن عباس: ذو مرة ~~يعني: ذو منظر حسن. وقال مقاتل: ذو خلق طويل حسن. { فاستوى } ، ~~يعني: جبريل. # { وهو } ، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، وأكثر كلام العرب إذا ~~أرادوا العطف في مثل هذا أن يظهروا كناية المعطوف عليه، فيقولون: استوى ~~هو وفلان، وقلما يقولون: استوى وفلان، نظير هذا قوله: # أإذا كنا ترابا وآبآؤنآ # [النمل:67]، عطف الآباء على المكنى في " كنا " من غير إظهار نحن، ومعنى ~~الآية: استوى جبريل ومحمد عليهما السلام ليلة المعراج، { بالافق ~~الأعلى } ، وهو أقصى الدنيا عند مطلع الشمس، وقيل: " فاستوى " يعني ~~جبريل، وهو كناية عن جبريل أيضا أي: قام في صورته التي خلقه الله، وهو ~~بالأفق الأعلى، وذلك أن جبريل كان يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~صورة الآدميين كما كان يأتي النبيين، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن يريه نفسه على الصورة التي جبل عليها فأراه نفسه مرتين:مرة في الأرض ~~ومرة في السماء، فأما في الأرض ففي الأفق الأعلى، والمراد بالأعلى جانب ~~المشرق، وذلك أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان بحراء فطلع له جبريل من ~~المشرق فسد الأفق إلى المغرب، فخر رسول الله صلى الله عليه وسلم مغشيا ~~عليه، فنزل جبريل في صورة الآدميين فضمه إلى نفسه، وجعل يمسح الغبار عن ~~وجهه، وهو قوله: { ثم دنا فتدلى } ، وأما في السماء فعند سدرة ~~المنتهى، ولم يره أحد من الأنبياء على تلك الصورة إلا نبينا محمد صلى ~~الله عليه وسلم. ### || [53.8-9] # قوله عز وجل: { ثم دنا فتدلى * فكان قاب قوسين ~~أو أدنى } ، اختلفوا في معناه: # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد ابن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة، حدثنا زكريا بن ~~أبي زائدة عن ms2186 ابن الأشوع عن الشعبي عن مسروق قال: قلت لعائشة فأين قوله: ~~{ ثم دنا فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى }؟ ~~قالت: " ذلك جبريل كان يأتيه في صورة الرجل، وإنه أتاه هذه المرة في ~~صورته التي هي صورته، فسد الأفق ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا طلق بن غنام، حدثنا زائدة ~~عن الشيباني قال: سألت زرا عن قوله: { فكان قاب قوسين أو ~~أدنى } ، قال: أخبرنا عبد الله - يعني ابن مسعود - أن محمدا صلى ~~الله عليه وسلم رأى جبريل له ستمائة جناح. # فمعنى الآية: ثم دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى من الأرض، " فتدلى ~~" فنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فكان منه " قاب قوسين أو أدنى " ، ~~بل أدنى، وبه قال ابن عباس والحسن وقتادة، قيل: في الكلام تقديم وتأخير، ~~تقديره: ثم تدلى فدنا، لأن التدلي سبب الدنو. # وقال آخرون: ثم دنا الرب عز وجل من محمد صلى الله عليه وسلم فتدلى، ~~فقرب منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى. وروينا في قصة المعراج عن شريك بن ~~عبد الله عن أنس: ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو ~~أدنى. وهذا رواية ابن سلمة عن ابن عباس، " والتدلي " هو النزول إلى ~~الشيء، حتى يقرب منه. # وقال مجاهد: دنا جبريل من ربه. # وقال الضحاك: دنا محمد صلى الله عليه وسلم من ربه فتدلى فأهوى للسجود، ~~فكان منه قاب قوسين أو أدنى. # ومعنى قوله: { قاب قوسين } أي قدر قوسين، و " القاب " و " القيب ~~" و " القاد " و " القيد ": عبارة عن المقدار، و " القوس ": ما يرمى به ~~في قول الضحاك ومجاهد وعكرمة وعطاء عن ابن عباس، فأخبر أنه كان بين جبريل ~~وبين محمد عليهما السلام مقدار قوسين، قال مجاهد: معناه حيث الوتر من ~~القوس. وهذا إشارة إلى تأكيد القرب. وأصله: أن الحليفين من العرب كانا ~~إذا أرادا عقد الصفاء والعهد خرجا بقوسيهما فألصقا بينهما، يريدان بذلك ~~أنهما متظاهران يحامي كل واحد ms2187 منهما عن صاحبه. # وقال عبد الله بن مسعود: " قاب قوسين " أي: قدر ذراعين، وهو قول سعيد بن ~~جبير وشقيق ابن سلمة، و " القوس ": الذراع يقاس بها كل شيء، " أو أدنى ": ~~بل أقرب. ### || [53.10] # { فأوحى } ، أي: أوحى الله، { إلى عبده } ، محمد صلى الله ~~عليه وسلم ما أوحى، قال ابن عباس في رواية عطاء، والكلبي، والحسن، ~~والربيع، وابن زيد: معناه: أوحى جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ما أوحى إليه ربه عز وجل. # قال سعيد بن جبير: أوحى إليه: # ألم يجدك يتيما فآوى # [الضحى:6] إلى قوله تعالى: # ورفعنا لك ذكرك # [الشرح:4]، وقيل: أوحى إليه إن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها ~~أنت، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك. ### || [53.11] # { ما كذب الفؤاد ما رأى } ، قرأ أبو جعفر " ما كذب الفؤاد ~~" بتشديد الذال، أي: ما كذب قلب محمد صلى الله عليه وسلم ما رأى بعينه ~~تلك الليلة، بل صدقه وحققه، وقرأ الآخرون بالتخفيف، أي: ما كذب فؤاد محمد ~~صلى الله عليه وسلم الذي رأى، بل صدقه، يقال: كذبه إذا قال له الكذب، ~~مجازه: ما كذب الفؤاد فيما رأى، واختلفوا في الذي رآه، فقال قوم: رأى ~~جبريل، وهو قول ابن مسعود وعائشة. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد ~~بن عيسى، حدثنا إبراهيم ابن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا ~~أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حفص هو ابن غياث عن الشيباني عن زر عن عبد ~~الله قال: { ما كذب الفؤاد ما رأى } قال: رأى جبريل له ~~ستمائة جناح. # وقال آخرون: هو الله عز وجل. ثم اختلفوا في معنى الرؤية، فقال بعضهم: ~~جعل بصره في فؤاده فرآه بفؤاده، وهو قول ابن عباس. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن حجاج، ~~حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش عن زياد بن الحصين عن ~~أبي العالية عن ابن عباس: { ما ms2188 كذب الفؤاد ما رأى }. { ~~ولقد رءاه نزلة أخرى } قال: رآه بفؤاده مرتين. # وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه، وهو قول أنس والحسن وعكرمة، قالوا: رأى ~~محمد ربه، وروى عكرمة عن ابن عباس قال: إن الله اصطفى إبراهيم بالخلة ~~واصطفى موسى بالكلام واصطفى محمدا صلى الله عليه وسلم بالرؤية. # وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ربه. وتحمل الآية على رؤيته جبريل عليه السلام: # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا يحيى، حدثنا وكيع عن إسماعيل ~~بن أبي خالد عن عامر عن مسروق قال: قلت لعائشة يا أماه هل رأى محمد صلى ~~الله عليه وسلم ربه؟ فقالت: لقد قف شعري مما قلت، أين أنت من ثلاث من ~~حدثكهن فقد كذب؟ من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب، ثم قرأت # لا تدركه الأبصر وهو يدرك الأبصر وهو ~~اللطيف الخبير # [الأنعام:103]، # وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ~~ورآء حجاب # [الشورى:51]، ومن حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب، ثم قرأت: # وما تدري نفس ماذا تكسب غدا # [لقمان:34]، ومن حدثك أنه كتم شيئا فقد كذب، ثم قرأت: # يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك # [المائدة:67] الآية، ولكنه رأى جبريل في صورته مرتين. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، ~~حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع عن يزيد بن إبراهيم عن قتادة عن ~~عبد الله بن [شقيق] بن أبي ذر قال: # " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل رأيت ربك؟ قال: " نور ~~أنى أراه ". ### || [53.12-14] # { أفتمرونه على ما يرى } ، قرأ حمزة والكسائي ويعقوب: " ~~أفتمرونه " بفتح التاءوسكون الميم بلا ألف، أي: أفتجحدونه، تقول ~~العرب: مريت الرجل حقه إذا جحدته. وقرأ الآخرون: " أفتمارونه " بالألف ~~وضم التاء، على معنى أفتجادلونه على ms2189 ما يرى، وذلك أنهم جادلوه حين أسري ~~به، فقالوا: صف لنا بيت المقدس، وأخبرنا عن عيرنا في الطريق، وغير ذلك ~~مما جادلوه به، والمعنى: أفتجادلونه جدالا ترومون به دفعه عما رآه ~~وعلمه. # { ولقد رءاه نزلة أخرى } ، يعني: رأى جبريل في صورته ~~التي خلق عليه نازلا من السماء نزلة أخرى، وذلك أنه رآه في صورته ~~مرتين، مرة في الأرض ومرة في السماء. # { عند سدرة المنتهى } ، وعلى قول ابن عباس معنى: { نزلة ~~أخرى } هو أنه كانت للنبي صلى الله عليه وسلم عرجات في تلك الليلة ~~لمسألة التخفيف من أعداد الصلوات، فيكون لكل عرجة نزلة، فرأى ربه في ~~بعضها. وروينا عنه: " أنه رأى ربه بفؤاده مرتين ". وعنه: " أنه رأى ~~بعينه " ، قوله: { عند سدرة المنتهى }. روينا عن عبد الله بن ~~مسعود قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سدرة المنتهى ~~وهي في السماء السابعة إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض فيقبض منها، ~~وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها، قال: { عندها جنة ~~المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى } قال: فراش من ذهب. # وروينا في حديث المعراج: # " ثم صعد بي إلى السماء السابعة فإذا أنا بإبراهيم عليه السلام فسلمت ~~عليه، ثم رفعت لي سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل ~~آذان الفيلة ". # " والسدرة " شجر النبق، وقيل لها: سدرة المنتهى لأنه إليها ينتهي علم ~~الخلق. قال هلال بن يساف: سأل ابن عباس كعبا عن سدرة المنتهى وأنا ~~حاضر، فقال كعب: إنها سدرة في أصل العرش على رؤوس حملة العرش وإليها ~~ينتهي علم الخلائق، وما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن فنجويه ~~حدثنا ابن شيبة حدثنا المسوحي، حدثنا عبيد بن يعيش، حدثنا يونس بن بكير، ~~أخبرنا محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن ~~جدته # " أسماء بنت أبي بكر قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يذكر سدرة ~~المنتهى، قال: «يسير ms2190 الراكب في ظل الفنن منها مائة عام ويستظل في الفنن ~~منها مائة ألف راكب، فيها فراش من ذهب، كأن ثمرها القلال» ". # وقال مقاتل: هي شجرة تحمل الحلي والحلل والثمار من جميع الألوان، لو أن ~~ورقة وضعت منها في الأرض لأضاءت لأهل الأرض، وهي طوبى التي ذكرها الله ~~تعالى في سورة الرعد. ### || [53.15-18] # { عندها جنة المأوى } ، قال عطاء عن ابن عباس: جنة يأوي ~~إليها جبريل والملائكة. وقال مقاتل والكلبي: يأوي إليها أرواح الشهداء. # { إذ يغشى السدرة ما يغشى } ، قال ابن مسعود: فراش من ~~ذهب. # وروينا في حديث المعراج عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى فإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها ~~كالقلال، فلما غشى من أمر الله ما غشى تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع ~~أن ينعتها من حسنها، وأوحي إلي ما أوحي ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم ~~وليلة ". # وقال مقاتل: تغشاها الملائكة أمثال الغربان. وقال السدي: من الطيور. ~~وروي عن أبي العالية عن أبي هريرة رضي الله عنه أو غيره قال: غشيها نور ~~الخلائق وغشيتها الملائكة من حب الله أمثال الغربان، حين يقعن على ~~الشجرة، قال: فكلمه عند ذلك، فقال له: سل. وعن الحسن قال: غشيها نور ~~رب العزة فاستنارت. ويروى في الحديث: # " رأيت على كل ورقة منها ملكا قائما يسبح الله تعالى ". # { ما زاغ البصر وما طغى } ، أى: ما مال بصر النبي صلى الله ~~عليه وسلم يمينا ولا شمالا وما طغى، أي ما جاوز ما رأى. وقيل: ما جاوز ~~ما أمر به وهذا وصف أدبه في ذلك المقام إذ لم يلتفت جانبا. # { لقد رأى من ءايت ربه الكبرى } يعني: الآيات ~~العظام. وقيل: أراد ما رأى تلك الليلة في مسيره وعوده، دليله قوله: # لنريه من ءايتنآ # [الإسراء:1]، وقيل: معناه لقد رأى من آيات ربه الآية الكبرى. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم ms2191 بن الحجاج، ~~حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، حدثنا أبي، حدثنا شعبة عن سليمان ~~الشيباني سمع زر بن حبيش عن عبد الله قال: { لقد رأى من ~~ءايت ربه الكبرى } قال: رأى جبريل في صورته له ستمائة ~~جناح. # وأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا حفص بن عمرو، حدثنا شعبة عن ~~الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله: { لقد رأى من ءايت ~~ربه الكبرى } قال: رأى رفرفا أخضر سد أفق السماء. ### || [53.19] # قوله: { أفرءيتم اللت والعزى } ، هذه أسماء أصنام ~~اتخذوها آلهة يعبدونها، اشتقوا لها أسماء من أسماء الله تعالى فقالوا: من ~~الله: اللات، ومن العزيز: العزى. وقيل: العزى: تأنيث الأعز، أما " اللات ~~" قال قتادة: كانت بالطائف، وقال ابن زيد: بيت بنخلة كانت قريش تعبده. # وقرأ ابن عباس ومجاهد وأبو صالح: " اللات " بتشديد التاء، وقالوا: كان ~~رجلا يلت السويق للحاج، فلما مات عكفوا على قبره يعبدونه. # وقال مجاهد، كان في رأس جبل له غنيمة يسلأ منها السمن ويأخذ منها ~~الأقط، ويجمع رسلها ثم يتخذ منها حيسا فيطعم منه الحاج، وكان ببطن ~~نخلة، فلما مات عبدوه، وهو اللات. # وقال الكلبي: كان رجلا من ثقيف يقال له صرمة بن غنم، وكان يسلأ السمن ~~فيضعها على صخرة ثم تأتيه العرب فتلت به أسوقتهم، فلما مات الرجل ~~حولتها ثقيف إلى منازلها فعبدتها، فسدرة الطائف على موضع اللات. # وأما " العزى " قال مجاهد: هي شجرة بغطفان كانوا يعبدونها, فبعث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خالد ابن الوليد فقطعها فجعل خالد بن الوليد ~~يضربها بالفأس ويقول # يا عز كفرانك لا سبحانك # إني رأيت الله قد أهانك # فخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها داعية ويلها واضعة يدها على رأسها. # ويقال: إن خالدا رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قد قلعتها، ~~فقال: ما رأيت؟ قال: ما رأيت شيئا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما ~~قلعت، فعاودها فعاد إليها ومعه المعول فقلعها واجتث أصلها فخرجت منها ms2192 ~~امرأة عريانة، فقتلها ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك، ~~فقال: # " تلك العزى ولن تعبد أبدا ". # وقال الضحاك: هي صنم لغطفان وضعها لهم سعد بن ظالم الغطفاني، وذلك أنه ~~قدم مكة فرأى الصفا والمروة، ورأى أهل مكة يطوفون بينهما، فعاد إلى بطن ~~نخلة، وقال لقومه: إن لأهل مكة الصفا والمروة وليستا لكم ولهم إله ~~يعبدونه وليس لكم، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: أنا أصنع لكم كذلك، فأخذ ~~حجرا من الصفا وحجرا من المروة ونقلهما إلى نخلة، فوضع الذي أخذ من ~~الصفا، فقال: هذا الصفا، ثم وضع الذي أخذه من المروة، فقال: هذه المروة، ~~ثم أخذ ثلاثة أحجار فأسندها إلى شجرة، فقال: هذا ربكم، فجعلوا يطوفون بين ~~الحجرين ويعبدون الحجارة، حتى افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، ~~فأمر برفع الحجارة، وبعث خالد بن الوليد إلى العزى فقطعها. وقال ابن زيد: ~~هي بيت بالطائف كانت تعبده ثقيف. ### || [53.20-23] # { ومنوة } ، قرأ ابن كثير بالمد والهمزة، وقرأ العامة بالقصر غير ~~مهموز، لأن العرب سمت زيد مناة وعبد مناة، ولم يسمع فيها المد. قال ~~قتادة: هي لخزاعة كانت بقديد، قالت عائشة رضي الله عنها في الأنصار: ~~كانوا يهلون لمناة، وكانت حذو قديد. قال ابن زيد: بيت كان بالمشلل يعبده ~~بنو كعب. قال الضحاك: مناة صنم لهذيل وخزاعة يعبدها أهل مكة. وقال بعضهم: ~~اللات والعزى ومناة: أصنام من حجارة كانت في جوف الكعبة يعبدونها. # واختلف القراء في الوقف على اللات ومناة: فوقف بعضهم عليهما بالهاء ~~وبعضهم بالتاء. وقال بعضهم: ما كتب في المصحف بالتاء يوقف عليه بالتاء، ~~وما كتب بالهاء فيوقف عليه بالهاء. # وأما قوله: { الثالثة الأخرى } ، فالثالثة نعت لمناة أي: ~~الثالثة للصنمين في الذكر، وأما الأخرى فإن العرب لا تقول الثالثة أخرى، ~~إنما الأخرى هاهنا نعت للثانية. قال الخليل: فالياء لوفاق رؤوس الآي، ~~كقوله: # مآرب أخرى # [طه:18] ولم يقل: أخر: وقيل: في الآية تقديم وتأخير، تقديرها: أفرأيتم ~~اللات والعزى الأخرى ومناة الثالثة. # ومعنى الآية: " أفرأيتم " أخبرونا يا أيها الزاعمون أن اللات ms2193 والعزى ~~ومناة بنات الله، قال الكلبي: كان المشركون بمكة يقولون: الأصنام ~~والملائكة بنات الله، وكان الرجل منهم إذا بشر بالأنثى كره ذلك. فقال ~~الله تعالى منكرا عليهم: # { ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى ~~} ، قال ابن عباس وقتادة: أي قسمة جائرة حيث جعلتم لربكم ما تكرهون ~~لأنفسكم. قال مجاهد ومقاتل: قسمة عوجاء. وقال الحسن: غير معتدلة. # قرأ ابن كثير: " ضئزى " بالهمز، وقرأ الآخرون بغير همز. # قال الكسائي: يقال منه ضاز يضيز ضيزا، وضاز يضوز ضوزا، وضاز يضاز ~~ضازا إذا ظلم ونقص، وتقدير ضيزى من لكلام فعلى بضم الفاء، لأنها صفة ~~والصفات لا تكون إلا على فعلى بضم الفاء، نحو حبلى وأنثى وبشرى، أو ~~فعلى بفتح الفاء، نحو غضبى وسكرى وعطشى، وليس في كلام العرب فعلى ~~بكسر الفاء في النعوت، إنما يكون في الأسماء، مثل: ذكرى وشعرى، وكسرالضاد ~~هاهنا لئلا تنقلب الياء واوا وهي من بنات الياء كما قالوا في جمع أبيض ~~بيض، والأصل بوض مثل حمر وصفر، فأما من قال: ضاز يضوز فالاسم منه ضوزى ~~مثل شورى. # { إن هى } ، ما هذه الأصنام، { إلا أسمآء سميتموهآ ~~أنتم وءابآؤكم مآ أنزل الله بها من سلطن } ، حجة ~~بما تقولون إنها آلهة، ثم رجع إلى الخبر بعد المخاطبة فقال: { إن ~~يتبعون إلا الظن } ، في قولهم إنها آلهة، { وما تهوى ~~الأنفس } ، وهو ما زين لهم الشيطان، { ولقد جآءهم من ~~ربهم الهدى } ، البيان بالكتاب والرسول أنها ليست بآلهة، فإن ~~العبادة لا تصلح إلا لله الواحد القهار. ### || [53.24-28] # { أم للإنسن ما تمنى } ، أيظن الكافر أن له ما يتمنى ~~ويشتهي من شفاعة الأصنام؟ # { فلله الأخرة والأولى } ، ليس كما ظن الكافر وتمنى، بل لله ~~الآخرة والأولى لا يملك أحد فيهما شيئا إلا بإذنه. # { وكم من ملك فى السموت } ، ممن يعبدهم هؤلاء الكفار ~~ويرجون شفاعتهم عند الله، { لا تغنى شفعتهم شيئا إلا ~~من بعد أن يأذن الله } ، في الشفاعة، { لمن يشآء ~~ويرضى } ، أي: من أهل التوحيد. قال ابن عباس: يريد لا تشفع الملائكة ~~إلا لمن رضي الله عنه، وجمع ms2194 الكناية في قوله: " شفاعتهم " والملك ~~واحد، لأن المراد من قوله: { وكم من ملك } ، الكثرة فهو كقوله: # فما منكم من أحد عنه حجزين # [الحاقة:47]. # { إن الذين لا يؤمنون بالأخرة ليسمون ~~الملئكة تسمية الأنثى } ، أي: بتسمية الأنثى حين قالوا: ~~إنهم بنات الله. # { وما لهم به من علم } ، قال مقاتل: معناه ما يستيقنون أنهم ~~[بنات الله]، { إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا ~~يغنى من الحق شيئا } ، " والحق " بمعنى العلم، أي: لا يقوم ~~الظن مقام العلم. وقيل: " الحق " بمعنى العذاب، أي: أظنهم لا ينقذهم من ~~العذاب شيء. ### || [53.29-38] # { فأعرض عن من تولى عن ذكرنا } ، يعني القرآن. وقيل: ~~الإيمان، { ولم يرد إلا الحيوة الدنيا }. # ثم صغر رأيهم فقال: { ذلك مبلغهم من العلم } ، أي: ذلك ~~نهاية علمهم وقدر عقولهم أن آثروا الدنيا على الآخرة. # وقيل: لم يبلغوا من العلم إلا ظنهم أن الملائكة بنات الله، وأنها تشفع ~~لهم، فاعتمدوا على ذلك وأعرضوا عن القرآن. # { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو ~~أعلم بمن اهتدى } ، أي: هو عالم بالفريقين فيجازيهم. # { ولله ما فى السموت وما فى الأرض } ، وهذا معترض بين ~~الآية الأولى وبين قوله: { ليجزى الذين أساءوا بما ~~عملوا } ، فاللام في قوله: " ليجزي " متعلق بمعنى الآية الأولى، لأنه ~~إذا كان أعلم بهم جازى كلا بما يستحقه، الذين أساؤوا وأشركوا: بما عملوا ~~من الشرك، { ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى } ، وحدوا ~~ربهم: " بالحسنى " بالجنة. وإنما يقدر على مجازاة المحسن والمسيء إذا كان ~~كثير الملك، ولذلك قال: { ولله ما فى السموت وما فى ~~الأرض }. # ثم وصفهم فقال: { الذين يجتنبون كبئر الإثم ~~والفوحش إلا اللمم } ، اختلفوا في معنى الآية، فقال قوم: ~~هذا استثناء صحيح، واللمم: من الكبائر والفواحش، ومعنى الآية: إلا أن ~~يلم بالفاحشة مرة ثم يتوب، ويقع الوقعة ثم ينتهي وهو قول أبي هريرة ~~ومجاهد والحسن، ورواية عطاء عن ابن عباس. # قال عبد الله بن عمرو بن العاص: اللمم ما دون الشرك. # وقال السدي قال أبو صالح: سئلت عن قول الله تعالى: { إلا اللمم } ~~، فقلت: هو الرجل يلم ms2195 بالذنب ثم لا يعاوده، فذكرت ذلك لابن عباس فقال: ~~لقد أعانك عليهما ملك كريم. # وروينا عن عطاء عن ابن عباس في قوله: { إلا اللمم } ، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك إلا ألما ". # وأصل " اللمم والإلمام ": ما يعمله الإنسان الحين بعد الحين، ولا يكون ~~إعادة، ولا إقامة. # وقال آخرون: هذا استثناء منقطع، مجازه: لكن اللمم، ولم يجعلوا اللمم من ~~الكبائر والفواحش، ثم اختلفوا في معناه، فقال بعضهم: هو ما سلف في ~~الجاهلية فلا يؤاخذهم الله به، وذلك أن المشركين قالوا للمسلمين: إنهم ~~كانوا بالأمس يعملون معنا؟ فأنزل الله هذه الآية. وهذا قول زيد بن ثابت ~~وزيد بن أسلم. # وقال بعضهم: هو صغار الذنوب كالنظرة والغمزة والقبلة وما كان دون الزنا، ~~وهو قول ابن مسعود، وأبي هريرة، ومسروق، والشعبي، ورواية طاووس عن ابن ~~عباس. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمود بن عيلان، أخبرنا ~~عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس قال: ما رأيت ~~أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا ~~العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك ~~ويكذبه ". # ورواه سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وزاد: # " العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه ~~الكلام، واليد زناها البطش. والرجل زناها الخطى ". # وقال الكلبي: " اللمم " على وجهين: كل ذنب لم يذكر الله عليه حدا في ~~الدنيا ولا عذابا في الآخرة، فذلك الذي تكفره الصلوات ما لم يبلغ ~~الكبائر والفواحش، والوجه الآخر هو: الذنب العظيم يلم به المسلم المرة ~~بعد المرة فيتوب منه. # وقال سعيد بن المسيب: هو ما لم على القلب أي خطر. # وقال الحسين بن الفضل: " اللمم " النظرة من غير تعمد ms2196 فهو مغفور، فإن ~~أعاد النظرة فليس بلمم وهو ذنب. # { إن ربك وسع المغفرة } ، قال ابن عباس: لمن فعل ذلك ~~وتاب، تم الكلام هاهنا، ثم قال: { هو أعلم بكم إذ أنشأكم ~~من الأرض } ، أي خلق أباكم آدم من التراب، { وإذ أنتم ~~أجنة } ، جمع جنين، سمي جنينا لاجتنانه في البطن، { فى بطون ~~أمهتكم فلا تزكوا أنفسكم } ، قال ابن عباس: لا ~~تمدحوها. قال الحسن: علم الله من كل نفس ما هي صانعة وإلى ما هي صائرة، ~~فلا تزكوا أنفسكم، فلا تبرؤوها عن الآثام، ولا تمدحوها بحسن أعمالها. # قال الكلبي ومقاتل: كان الناس يعملون أعمالا حسنة ثم يقولون: صلاتنا ~~وصيامنا وحجنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. { هو أعلم بمن ~~اتقى } ، أي: بر وأطاع وأخلص العمل لله تعالى. # قوله عز وجل: { أفرءيت الذى تولى } ، نزلت في الوليد بن ~~المغيرة، كان قد اتبع النبي صلى الله عليه وسلم على دينه فعيره بعض ~~المشركين، وقال له: أتركت دين الأشياخ وضللتهم؟ قال: إني خشيت عذاب ~~الله فضمن الذي عاتبه إن هو وافقه أعطاه كذا من ماله ورجع إلى شكره أن ~~يتحمل عنه عذاب الله، فرجع الوليد إلى الشرك وأعطى الذي عيره بعض ذلك ~~المال الذي ضمن ومنعه تمامه، فأنزل الله عز وجل: { أفرأيت ~~الذى تولى } أدبر عن الإيمان { وأعطى } ، صاحبه، { ~~قليلا وأكدى } ، بخل بالباقي. # وقال مقاتل: " أعطى " يعني الوليد " قليلا " من الخير بلسانه، ثم " ~~أكدى ": يعني قطعه ولم يقم على العطية. # وقال السدي: نزلت في العاص بن وائل السهمي، وذلك أنه كان ربما يوافق ~~النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأمور. # وقال محمد بن كعب القرظي: نزلت في أبي جهل وذلك أنه قال: والله ما ~~يأمرنا محمد إلا بمكارم الأخلاق، فذلك قوله: { وأعطى قليلا ~~وأكدى } ، أي لم يؤمن به، ومعنى " أكدى ": يعني قطع، وأصله من ~~الكدية، وهي حجر يظهر في البئر يمنع من الحفر، تقول العرب: أكدى الحافر ~~وأجبل، إذا بلغ في الحفر الكدية والجبل. # { أعنده علم الغيب فهو يرى } ، ما غاب عنه ويعلم أن ~~صاحبه يتحمل ms2197 عنه عذابه. # { أم لم ينبأ } ، لم يخبر، { بما فى صحف موسى } ، ~~يعني: أسفار التوراة. # { وإبرهيم } ، وفي صحف إبراهيم عليه السلام، { الذى وفى } ~~، تمم وأكمل ما أمر به. # قال الحسن، وسعيد بن جبير وقتادة: عمل بما أمر به وبلغ رسالات ربه إلى ~~خلقه. # قال مجاهد: وفى بما فرض عليه. # قال الربيع: وفى رؤياه وقام بذبح ابنه. # وقال عطاء الخراساني: استكمل الطاعة. وقال أبو العالية: وفى سهام ~~الإسلام. وهو قوله: # وإذ ابتلى إبرهيم ربه بكلمت فأتمهن # [البقرة:124]، والتوفية الإتمام. وقال الضحاك: وفى ميثاق المناسك. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، ~~أخبرنا أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم الشيباني، حدثنا إبراهيم بن إسحاق ~~الزهري، حدثنا إسحاق بن منصور عن إسرائيل عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن ~~أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إبرهيم الذى وفى صلى أربع ركعات أول النهار ". # أخبرنا أبو عثمان الضبي، أخبرنا أبو محمد الجراحي، حدثنا أبو العباس ~~المحبوبي، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا أبو جعفر السمناني، حدثنا أبو ~~مسهر، حدثنا إسماعيل بن عياش عن بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن جبير بن ~~نفير عن أبي الدرداء وأبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله ~~تبارك وتعالى أنه قال: # " ابن آدم اركع لي أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره ". # ثم بين ما في صحفهما فقال: # { ألا تزر وزرة وزر أخرى } ، أي: لا تحمل نفس حاملة ~~حمل أخرى، ومعناه: لا تؤخذ نفس بإثم غيرها، وفي هذا إبطال قول من ضمن ~~للوليد بن المغيرة بأنه يحمل عنه الإثم. وروى عكرمة عن ابن عباس قال: ~~كانوا قبل إبراهيم عليه السلام يأخذون الرجل بذنب غيره، كان الرجل يقتل ~~بقتل أبيه وابنه وأخيه وامرأته وعبده، حتى كان إبراهيم عليه السلام ~~فنهاهم عن ذلك، وبلغهم عن الله { ألا تزر وزرة وزر ~~أخرى }. ### || [53.39] # { وأن ليس للإنسن إلا ما سعى } ، أي: عمل، كقوله: # إن سعيكم لشتى # [الليل:4]، وهذا أيضا ms2198 في صحف إبراهيم وموسى. # وقال ابن عباس: هذا منسوخ الحكم في هذه الشريعة، بقوله: # ألحقنا بهم ذريتهم # [الطور:21]، فأدخل الأبناء الجنة بصلاح الآباء. # وقال عكرمة: كان ذلك لقوم إبراهيم وموسى، فأما هذه الأمة فلهم ما ~~سعوا وما سعى لهم غيرهم. لما # " روي أن امرأة رفعت صبيا لها فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: " ~~نعم ولك أجر ". # وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أمي افتلتت نفسها، فهل لها أجر ~~إن تصدقت عنها؟ قال: " نعم ". # وقال الربيع بن أنس: { وأن ليس للإنسن إلا ما سعى } ~~يعني الكافر، فأما المؤمن فله ما سعى وما سعي له. # وقيل: ليس للكافر من الخير إلا ما هو عمل، فيثاب عليه في الدنيا حتى لا ~~يبقى له في الآخرة خير. # ويروى أن عبد الله بن أبي كان أعطى العباس قميصا ألبسه إياه، فلما ~~مات أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه ليكفنه فيه. فلم يبق له ~~حسنة في الآخرة يثاب عليها. ### || [53.40-42] # { وأن سعيه سوف يرى } ، في ميزانه يوم القيامة، مأخوذة ~~من: أريته الشيء. # { ثم يجزاه الجزآء الأوفى } ، الأكمل والأتم أي: يجزى ~~الإنسان بسعيه، يقال: جزيت فلانا سعيه وبسعيه، قال الشاعر: # إن أجز علقمة بن سعد سعيه # لم أجزه ببلاء يوم واحد # فجمع بين اللغتين. # { وأن إلى ربك المنتهى } ، أي: منتهى الخلق ومصيرهم ~~إليه، وهو مجازيهم بأعمالهم. وقيل: منه ابتداء المنة وإليه انتهاء ~~الآمال. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسن بن ~~محمد الشيباني أخبرنا محمد بن سليمان بن الفتح الحنبلي، حدثنا علي بن ~~محمد المصري، أخبرنا إسحاق بن منصور الصعدي، أخبرنا العباس بن زفر، عن ~~أبي جعفر الرازي، عن أبيه عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن ~~كعب # " عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: { وأن إلى ربك ~~المنتهى } ، قال: «لا فكرة في الرب» " # وهذا مثل ما روي عن أبي هريرة مرفوعا: # " تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق فإنه لا تحيط به الفكرة ". ### || [53.43-47] ms2199 # { وأنه هو أضحك وأبكى } ، فهذا يدل على أن كل ما يعمله ~~الإنسان فبقضائه وخلقه حتى الضحك والبكاء، قال مجاهد والكلبي: أضحك أهل ~~الجنة في الجنة، وأبكى أهل النار في النار. وقال الضحاك: أضحك الأرض ~~بالنبات، وأبكى السماء بالمطر. # قال عطاء بن أبي مسلم: يعني أفرح وأحزن، لأن الفرح يجلب الضحك، والحزن ~~يجلب البكاء. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح، ~~أخبرنا أبو القاسم البغوي، حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا قيس، هو ابن ~~الربيع الأسدي، حدثنا سماك بن حرب قال: قلت لجابر ابن سمرة: أكنت تجالس ~~النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم وكان أصحابه يجلسون ويتناشدون الشعر، ~~ويذكرون أشياء من أمر الجاهلية، فيضحكون ويتبسم معهم إذا ضحكوا - يعني ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # وقال معمر عن قتادة: سئل ابن عمر هل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يضحكون؟ قال: نعم والإيمان في قلوبهم أعظم من الجبل. # { وأنه هو أمات وأحيا } ، أي: أمات في الدنيا وأحيا ~~للبعث. وقيل: أمات الآباء وأحيا الأبناء. وقيل: أمات الكافر بالنكرة ~~وأحياء المؤمن بالمعرفة. # { وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى } ، من كل ~~حيوان. # { من نطفة إذا تمنى } ، أي: تصب في الرحم، يقال: منى ~~الرجل وأمنى. قاله الضحاك وعطاء بن أبي رباح وقال آخرون: تقدر، يقال: ~~منيت الشيء إذا قدرته. # { وأن عليه النشأة الأخرى } ، أي: الخلق الثاني للبعث ~~يوم القيامة. ### || [53.48-50] # { وأنه هو أغنى وأقنى } ، قال أبو صالح: أغنى الناس ~~بالأموال وأقنى، أي: أعطى القنية وأصول الأموال وما يدخرونه بعد الكفاية. # قال الضحاك: أغنى بالذهب والفضة وصنوف الأموال وأقنى بالإبل والبقر ~~والغنم. # وقال قتادة والحسن: " أقنى ": أخدم. # وقال ابن عباس: " أغنى وأقنى ": أعطى فأرضى. # قال مجاهد ومقاتل: " أقنى ": أرضى بما أعطى وقنع. # وقال ابن زيد: " أغنى ": أكثر " وأقنى ": أقل، وقرأ: # يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر # [الإسراء:30]، وقال الأخفش: " أقنى ": أفقر. وقال ابن كيسان: أولد. # { وأنه هو رب الشعرى } ، وهو كوكب خلف الجوزاء وهما ~~شعريان، يقال لإحداهما العبور وللأخرى الغميصاء، سميت بذلك ms2200 لأنها أخفى ~~من الأخرى، والمجرة بينهما. وأراد هاهنا الشعرى العبور، وكانت خزاعة ~~تعبدها، وأول من سن لهم ذلك رجل من أشرافهم يقال له أبو كبشة عبدها، ~~وقال: لأن النجوم تقطع السماء عرضا، والشعري طولا فهي مخالفة لها، ~~فعبدتها خزاعة، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على خلاف العرب ~~في الدين سموه بن أبي كبشة لخلافه إياهم، كخلاف أبي كبشة في عبادة ~~الشعرى. # { وأنه أهلك عادا الأولى } ، قرأ أهل المدينة والبصرة ~~بلام مشددة بعد الدال، ويهمز واوه قالون عن نافع، والعرب تفعل ذلك ~~فتقول: قم لأن عنا، تريد: قم الآن، ويكون الوقف عند " عادا " ، ~~والابتداء " أولى " ، بهمزة واحدة مفتوحة بعدها لام مضمومة، ويجوز ~~الابتداء: لولى، بحذف الهمزة المفتوحة. # وقرأ الآخرون: { عادا الأولى } ، وهو قوم هود أهلكوا بريح صرصر، ~~فكان لهم عقب، فكانوا عادا الأخرى. ### || [53.51-60] # { وثمودا } ، وهم قوم صالح أهلكهم الله بالصيحة، { فمآ أبقى } ~~، منهم أحدا. # { وقوم نوح من قبل } ، أي: أهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود، { ~~إنهم كانوا هم أظلم وأطغى } ، لطول دعوة نوح إياهم ~~وعتوهم على الله بالمعصية والتكذيب. # { والمؤتفكة } ، قرى قوم لوط، { أهوى } ، أسقط أي: أهواها ~~جبريل بعدما رفعها إلى السماء. { فغشها } ، ألبسها الله، { ما ~~غشى } ، يعني: الحجارة المنضودة المسومة. # { فبأى آلاء ربك تتمارى } ، نعم ربك أيها الإنسان، ~~وقيل: أراد الوليد بن المغيرة، { تتمارى } ، تشك، وتجادل، وقال ابن ~~عباس: تكذب. # { هذا نذير } ، يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم، { من ~~النذر الأولى } ، أي رسول من الرسل أرسل إليكم كما أرسلوا إلى ~~أقوامهم، وقال قتادة يقول: أنذر محمد كما أنذر الرسل من قبله. # { أزفت الأزفة } ، دنت القيامة واقتربت الساعة. # { ليس لها من دون الله كاشفة } ، أي: مظهرة مقيمة كقوله ~~تعالى: # لا يجليها لوقتهآ إلا هو # [الأعراف:187]، والهاء فيه للمبالغة أو على تقدير: نفس كاشفة. ويجوز أن ~~تكون الكاشفة مصدرا كالخافية والعافية، والمعنى: ليس لها من دون الله ~~كاشف، أي لا يكشف عنها ولا يظهرها غيره. وقيل: معناه: ليس لها راد يعني: ~~إذا غشيت الخلق أهوالها وشدائدها لم ms2201 يكشفها ولم يردها عنهم أحد، وهذا ~~قول عطاء وقتادة والضحاك. # { أفمن هذا الحديث } ، يعني القرآن، { تعجبون * ~~وتضحكون } ، يعني: استهزاء، { ولا تبكون } ، مما فيه من ~~الوعيد. ### || [53.61-62] # { وأنتم سمدون } ، لاهون غافلون، و " السمود ": الغفلة عن ~~الشيء واللهو، يقال: دع عنك سمودك أي لهوك، هذا رواية الوالبي والعوفي عن ~~ابن عباس، وقال عكرمة عنه: هو الغناء بلغة أهل اليمن، وكانوا إذا سمعوا ~~القرآن تغنوا ولعبوا، وقال الضحاك: أشرون بطرون. وقال مجاهد غضاب ~~مبرطمون. فقيل له: ما البرطمة؟ قال: الإعراض. # { فاسجدوا لله واعبدوا } ، أي: واعبدوه. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا مسدد، حدثنا عبد الوارث، ~~حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم: سجد ~~بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، حدثنا نصر بن علي، أخبرني أبو ~~أحمد، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن الأسود ابن يزيد عن عبد الله قال: ~~أول سورة أنزلت فيها سجدة: النجم، قال: فسجد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وسجد من خلفه إلا رجلا رأيته أخذ كفا من تراب فسجد عليه، فرأيته ~~بعد ذلك قتل كافرا، وهو أمية بن خلف. # وأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا آدم بن أبي إياس، أخبرنا ~~ابن أبي ذئب، أخبرنا يزيد بن عبد الله بن قسيط عن عطاء بن يسار عن زيد بن ~~ثابت قال: قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم " والنجم " فلم يسجد فيها. # قلت: فهذا دليل على أن سجود التلاوة غير واجب. قال عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه: إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء. وهو قول الشافعي وأحمد. # وذهب قوم إلى أن وجوب سجود التلاوة على القارئ والمستمع جميعا، وهو قول ~~سفيان الثوري وأصحاب الرأي. ### | [54 - سورة ms2202 القمر] ### || [54.1] # { اقتربت الساعة } ، دنت القيامة، { وانشق القمر }. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعميمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، ~~أخبرنا بشر بن المفضل، حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك ~~أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم ~~القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما. # وقال شيبان عن قتادة: فأراهم انشقاق القمر مرتين. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد ابن إسماعيل، حدثنا مسدد، حدثنا يحيى عن شعبة ~~وسفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر عن ابن مسعود قال: انشق القمر ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين، فرقة فوق الجبل وفرقة ~~دونه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اشهدوا ". # وقال أبو الضحى عن مسروق عبد الله قال: انشق القمر بمكة. وقال مقاتل: ~~انشق القمر ثم التأم بعد ذلك. # وروى أبو الضحى عن مسروق عن عبد الله قال: انشق القمر على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقالت قريش: سحركم ابن أبي كبشة، فاسألوا السفار، ~~فسألوهم، فقالوا: نعم قد رأيناه، فأنزل الله عز وجل: { اقتربت ~~الساعة وانشق القمر }. ### || [54.2-3] # { وإن يروا ءاية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر } ~~، أي: ذاهب وسوف يذهب ويبطل، من قولهم: مر الشيء واستمر إذا ذهب، مثل ~~قولهم: قر واستقر، قال هذا قول مجاهد وقتادة، وقال أبو العالية والضحاك: ~~" مستمر " ، أي: قوي شديد يعلو كل سحر، من قولهم: مر الحبل، إذا صلب ~~واشتد، وأمررته إذا أحكمت فتله واستمر الشيء إذا قوي واستحكم. # { وكذبوا واتبعوا أهوآءهم } ، أي: كذبوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم وما عاينوا من قدرة الله عز وجل، واتبعوا ما زين لهم ~~الشيطان من الباطل، { وكل أمر مستقر } ، قال الكلبي: لكل ~~أمر حقيقة، ما كان منه في الدنيا فسيظهر، وما كان منه في الآخرة فسيعرف. ~~وقال قتادة: كل أمر مستقر فالخير ms2203 مستقر بأهل الخير، والشر مستقر بأهل ~~الشر. # وقيل: كل أمر من خير أو شر مستقر قراره. فالخير مستقر بأهله في الجنة، ~~والشر مستقر بأهله في النار. # وقيل: يستقر قول المصدقين والمكذبين حتى يعرفوا حقيقته بالثواب والعقاب. ~~وقال مقاتل: لكل حديث منتهى. وقيل: كل ما قدر كائن واقع لا محالة. # وقرأ أبو جعفر " مستقر " ، بكسر الراء، ولا وجه له. ### || [54.4-7] # { ولقد جآءهم } ، يعني: أهل مكة، { من الأنبآء } ، من ~~أخبار الأمم المكذبة في القرآن، { ما فيه مزدجر } ، [متناهي]، ~~مصدر بمعنى الازدجار، أي: نهي وعظة، يقال: زجرته وازدجرته إذا نهيته عن ~~السوء، وأصله: مزتجر، قلبت التاء دالا. # { حكمة بلغة } ، يعني: القرآن حكمة تامة قد بلغت الغاية { ~~فما تغنى النذر } ، يجوز أن تكون " ما " نفيا، على معنى: ~~فليست تغني النذر، ويجوز أن يكون استفهاما، والمعنى: فأي شيء تغني النذر ~~إذا خالفوهم وكذبوهم؟ كقوله: # وما تغنى الآيت والنذر عن قوم لا يؤمنون # [يونس:101]، و " النذر ": جمع نذير. # { فتول عنهم } ، أعرض عنهم نسختها آية القتال. قيل: هاهنا وقف ~~تام. وقيل: { فتول عنهم يوم يدع الداع } ، أي: إلى يوم ~~الداعي، قال مقاتل: هو إسرافيل ينفخ قائما على صخرة بيت المقدس، { ~~إلى شىء نكر } ، منكر فظيع لم يروا مثله فينكرونه استعظاما، ~~قرأ ابن كثير: " نكر " بسكون الكاف، والآخرون بضمها. # { خشعا أبصرهم } ، قرأ أبو عمرو، ويعقوب، وحمزة، والكسائي: ~~" خاشعا " على الواحد، وقرأ الآخرون: " خشعا " - بضم الخاء وتشديد ~~الشين - على الجمع. ويجوز في أسماء الفاعلين إذا تقدمت على الجماعة ~~التوحيد والجمع والتذكير والتأنيث، تقول: مررت برجال حسن أوجههم وحسنة ~~أوجههم، وحسان أوجههم، قال الشاعر: # ورجال حسن أوجههم # من إياد بن نزار بن معد # وفي قراءة عبد الله: " خاشعة أبصارهم " ، أي: ذليلة خاضعة عند رؤية ~~العذاب. # { يخرجون من الأجداث } ، من القبور، { كأنهم جراد ~~منتشر } ، منبث حيارى، وذكر المنتشر على لفظ الجراد، نظيرها: # كالفراش المبثوث # [القارعة:4]، وأراد أنهم يخرجون فزعين لا جهة لأحد منهم يقصدها، كالجراد ~~لا جهة لها، تكون مختلطة بعضها في بعض. ### || [54.8-13] # { مهطعين } ، مسرعين مقبلين، { إلى الداع } ، إلى صوت ms2204 ~~إسرافيل، { يقول الكفرون هذا يوم عسر } ، يوم صعب ~~شديد. # قوله عز وجل: { كذبت قبلهم } ، أي: قبل أهل مكة، { قوم ~~نوح فكذبوا عبدنا } ، نوحا، { وقالوا مجنون ~~وازدجر } ، أي: زجروه عن دعوته ومقالته بالشتم والوعيد، وقالوا: # لئن لم تنته ينوح لتكونن من المرجومين # [الشعراء:116]، وقال مجاهد معنى: ازدجر أي: استطير جنونا. # { فدعا } ، نوح، { ربه } ، وقال، { أنى مغلوب } ، مقهور، ~~{ فانتصر } ، فانتقم لي منهم. # { ففتحنآ أبوب السمآء بمآء منهمر } ، منصب ~~انصبابا شديدا، لم ينقطع أربعين يوما، وقال يمان: قد طبق ما بين ~~السماء والأرض. # { وفجرنا الأرض عيونا فالتقى المآء } ، يعني ماء ~~السماء وماء الأرض، وإنما قال: " فالتقى الماء " والالتقاء لا يكون من ~~واحد، إنما يكون بين اثنين فصاعدا، لأن الماء يكون جمعا وواحدا، وقرأ ~~عاصم الجحدري: فالتقى الماآن. { على أمر قد قدر } ، أي: قضى ~~عليهم في أم الكتاب. وقال مقاتل: قدر الله أن يكون الماآن سواء فكانا على ~~ما قدر. # { وحملناه } ، يعني: نوحا، { على ذات ألوح ودسر } ~~، أي سفينة ذات ألواح، ذكر النعت وترك الاسم، أراد بالألواح خشب السفينة ~~العريضة، { ودسر } أي: المسامير التي تشد بها الألواح، واحدها دسار ~~ودسير، يقال: دسرت السفينة إذا شددتها بالمسامير. وقال الحسن: الدسر ~~صدر السفينة سميت بذلك لأنها تدسر الماء بجؤجؤها، أي تدفع. وقال مجاهد: ~~هي عوارض السفينة. وقيل: أضلاعها وقال الضحاك: الألواح جانباها، والدسر ~~أصلها وطرفاها. ### || [54.14-17] # { تجرى بأعيننا } ، أي: بمرأى منا. وقال مقاتل بن حيان: ~~بحفظنا، ومنه قولهم للمودع: عين الله عليك. وقال سفيان: بأمرنا. { ~~جزآء لمن كان كفر } ، قال مقاتل بن حيان يعني: فعلنا به وبهم ~~من إنجاء نوح وإغراق قومه ثوابا لمن كان كفر به وجحد أمره، وهو نوح عليه ~~السلام، وقيل: " من " بمعنى ما، أي: جزاء لما كان كفر من أيادي الله ~~ونعمه عند الذين أغرقهم، أو جزاء لما صنع بنوح وأصحابه. وقرأ مجاهد: " ~~جزاء لمن كان كفر " بفتح الكاف والفاء، يعني كان الغرق جزاء لمن كان ~~كفر بالله وكذب رسوله. # { ولقد تركنهآ } ، يعني: الفعلة التي فعلنا، { ءاية } ، ~~يعتبر بها. وقيل: أراد السفينة. ms2205 قال قتادة: أبقاها الله بباقر دي من ~~أرض الجزيرة. عبرة وآية حتى نظرت إليها أوائل هذه الأمة، { فهل من ~~مدكر } ، أي: متذكر متعظ معتبر خائف مثل عقوبتهم. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو نعيم، حدثنا زهير عن أبي ~~إسحاق أنه سمع رجلا سأل الأسود عن قوله: { فهل من مدكر } ، أو ~~مذكر؟ قال: سمعت عبد الله يقرؤها " فهل من مدكر " ، وقال سمعت النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقرؤها: " فهل من مدكر " ، دالا. # { فكيف كان عذابى ونذر } ، أي: إنداري. قال الفراء: ~~الإنذار والنذر مصدران، تقول العرب: أنذرت إنذارا ونذرا، كقولهم أنفقت ~~إنفاقا ونفقة، وأيقنت إيقانا ويقينا، أقيم الاسم مقام المصدر. # { ولقد يسرنا } ، سهلنا، { القرءان للذكر } ، ليتذكر ~~ويعتبر به، وقال سعيد بن جبير: يسرناه للحفظ والقراءة، وليس شيء من كتب ~~الله يقرأ كله ظاهرا إلا القرآن. { فهل من مدكر } ، متعظ ~~بمواعظه. ### || [54.18-25] # { كذبت عاد فكيف كان عذابى ونذر * إنآ ~~أرسلنا عليهم ريحا صرصرا } ، شديدة الهبوب, { فى يوم ~~نحس مستمر } شديد دائم الشؤم، استمر عليهم بنحو سنة فلم يبق ~~منهم أحدا إلا أهلكه، قيل: كان ذلك يوم الأربعاء في آخر الشهر. # { تنزع الناس } ، تقلعهم ثم ترمي بهم على رؤوسهم فتدق رقابهم. ~~وروي أنها كانت تنزع الناس من قبورهم، { كأنهم أعجاز نخل } ~~، قال ابن عباس: أصولها، وقال الضحاك: أوراك نخل. { منقعر } ، منقطع ~~من مكانه، ساقط على الأرض. وواحد الأعجاز عجز، مثل عضد وأعضاد، وإنما ~~قال: " أعجاز نخل " وهي أصولها التي قطعت فروعها، لأن الريح كانت تبين ~~رؤوسهم من أجسادهم، فتبقى أجسام بلا رؤوس. # { فكيف كان عذابى ونذر * ولقد يسرنا القرءان ~~للذكر فهل من مدكر * كذبت ثمود بالنذر } ، ~~بالإنذار الذي جاءهم به صالح. # { فقالوا أبشرا } ، آدميا، { منا وحدا نتبعه } ~~، ونحن جماعة كثيرة وهو واحد، { إنآ إذا لفى ضلل } ، خطأ ~~وذهاب عن الصواب، { وسعر } ، قال ابن عباس: عذاب، وقال الحسن: شدة ~~عذاب. وقال قتادة: عناء، يقولون: إنا إذا لفي عناء وعذاب مما يلزمنا ms2206 من ~~طاعته. قال سفيان بن عيينة: هو جمع سعير. وقال الفراء: جنون، يقال ناقة ~~مسعورة إذا كانت خفيفة الرأس هائمة على وجهها. وقال وهب: وسعر: أي: ~~بعد عن الحق. # { أءلقى الذكر عليه } ، أأنزل الذكر الوحي، { من ~~بيننا بل هو كذاب أشر } ، بطر متكبر يريد أن يتعظم علينا ~~بادعائه النبوة، " والأشر ": المرح والتجبر. ### || [54.26-31] # { سيعلمون } ، قرأ ابن عامر وحمزة: " ستعلمون " ، بالتاء على معنى ~~قال صالح لهم، وقرأ الآخرون بالياء، يقول الله تعالى: { سيعلمون ~~غدا } ، حين ينزل بهم العذاب. وقال الكلبي: يعني يوم القيامة. وذكر " ~~الغد " للتقريب على عادة الناس، يقولون: إن مع اليوم غدا، { من ~~الكذاب الأشر }. # { إنا مرسلوا الناقة } ، أي: باعثوها ومخرجوها من الهضبة ~~التي سألوا، وذلك أنهم تعنتوا على صالح، فسألوه أن يخرج لهم من صخرة ~~ناقة حمراء عشراء، فقال الله تعالى: { إنا مرسلوا الناقة ~~فتنة لهم } ، محنة واختبارا لهم، { فارتقبهم } ، فانتظر ~~ما هم صانعون، { واصطبر } ، واصبر على ارتقابهم، وقيل: على ما يصيبك ~~من الأذى. # { ونبئهم أن المآء قسمة بينهم } ، وبين الناقة، ~~يوم لها ويوم لهم، وإنما قال نبيهم لأن العرب إذا أخبرت عن بني آدم وعن ~~البهائم غلبت بني آدم على البهائم، { كل شرب } ، نصيب من الماء، ~~{ محتضر } , يحضره من كانت نوبته، فإذا كان يومها حضرت شربها، وإذا ~~كان يومهم حضروا شربهم، وحضر واحتضر بمعنى واحد، قال مجاهد: يعني يحضرون ~~الماء إذا غابت الناقة، فإذا جاءت الناقة حضروا اللبن. # { فنادوا صحبهم } ، وهو قدار بن سالف، { فتعاطى } ، ~~فتناول الناقة بسيفه { فعقر } ، أي فعقرها. # { فكيف كان عذابى ونذر } ، ثم بين عذابهم. فقال: # { إنآ أرسلنا عليهم صيحة وحدة } ، قال عطاء: يريد ~~صيحة جبريل عليه السلام، { فكانوا كهشيم المحتظر } ، قال ~~ابن عباس: هو الرجل يجعل لغنمه حظيرة من الشجر والشوك دون السباع، فما ~~سقط من ذلك فداسته الغنم فهو الهشيم. # وقال ابن زيد: هو الشجر البالي الذي تهشم حتى ذرته الريح، والمعنى: ~~أنهم صاروا كيبس الشجر إذا تحطم، والعرب تسمي كل شيء كان رطبا فيبس ~~هشيما. # وقال قتادة: كالعظام النخرة المحترقة. وقال ms2207 سعيد بن جبير: هو التراب ~~الذي يتناثر من الحائط. ### || [54.32-49] # { ولقد يسرنا القرءان للذكر فهل من مدكر * ~~كذبت قوم لوط بالنذر * إنآ أرسلنا عليهم ~~حصبا } ، ريحا ترميهم بالحصباء، وهي الحصى، وقال الضحاك: يعني صغار ~~الحصى. وقيل: " الحصباء " هي الحجر الذي دون ملء الكف، وقد يكون الحاصب ~~الرامي، فيكون المعنى على هذا، أرسلنا عليهم عذابا يحصبهم، أي: يرميهم ~~بالحجارة، ثم استثنى فقال: { إلا آل لوط } ، يعني لوطا وابنتيه، { ~~نجينهم } ، من العذاب، { بسحر }. # { نعمة من عندنا } ، أي: جعلناه نعمة منا عليهم حيث ~~أنجيناهم، { كذلك } ، كما أنعمنا على آل لوط، { نجزى من شكر } ~~، قال مقاتل: من وحد الله لم يعذبه مع المشركين. # { ولقد أنذرهم } ، لوط، { بطشتنا } ، أخذنا إياهم ~~بالعقوبة، { فتماروا بالنذر } ، شكوا بالإنذار وكذبوا ولم ~~يصدقوا. # { ولقد راودوه عن ضيفه } ، طلبوا أن يسلم إليهم أضيافه { ~~فطمسنآ أعينهم } ، وذلك أنهم لما قصدوا دار لوط وعالجوا ~~الباب ليدخلوا، قالت الرسل [للوط]: خل بينهم وبين الدخول فإنا رسل ربك ~~لن يصلوا إليك، فدخلوا الدار فصفقهم جبريل بجناحه بإذن الله فتركهم عميا ~~يترددون متحيرين لا يهتدون إلى الباب، فأخرجهم لوط عميا لا يبصرون. ~~قوله: { فطمسنآ أعينهم } ، يعني صيرناها كسائر الوجه لا يرى ~~لها شق، هذا قول أكثر المفسرين. وقال الضحاك: طمس الله أبصارهم فلم يروا ~~الرسل، فقالوا: قد رأيناهم حين دخلوا البيت فأين ذهبوا، فلم يروهم ~~فرجعوا. { فذوقوا عذابى ونذر } ، أي: ما أنذركم به لوط من ~~العذاب. # { ولقد صبحهم بكرة } ، جاءهم وقت الصبح، { عذاب ~~مستقر } ، دائم استقر فيهم حتى أفضى بهم إلى عذاب الآخرة، وقيل: ~~عذاب حق. # { فذوقوا عذابى ونذر * ولقد يسرنا القرءان ~~للذكر فهل من مدكر * ولقد جآء ءال فرعون ~~النذر } ، يعني: موسى وهارون عليهما السلام، وقيل: هي الآيات التي ~~أنذرهم بها موسى. # { كذبوا بئايتنا كلها } ، وهي الآيات التسع، { ~~فأخذنهم } ، بالعذاب، { أخذ عزيز } ، غالب في انتقامه، { ~~مقتدر } ، قادر على إهلاكهم، لا يعجزه ما أراد، ثم خوف أهل مكة ~~فقال: # { أكفركم خير من أولئكم } ، أشد وأقوى من الذين ~~أحللت بهم نقمتي من قوم نوح وعاد وثمود وقوم ms2208 لوط وآل فرعون؟ وهذا استفهام ~~بمعنى الإنكار أي: ليسوا بأقوى منهم، { أم لكم برآءة } ، من ~~العذاب، { فى الزبر } ، في الكتب أنه لن يصيبكم ما أصاب الأمم ~~الخالية. # { أم يقولون } ، يعني: كفار مكة، { نحن جميع منتصر } ، ~~قال الكلبي: نحن جميع أمرنا منتصر من أعدائنا، والمعنى: نحن يد واحدة ~~على من خالفنا، منتصر ممن عادانا، ولم يقل منتصرون لموافقة رؤوس الآي. # قال الله تعالى: { سيهزم الجمع } ، قرأ يعقوب: " سنهزم " ~~بالنون، " الجمع " نصب، وقرأ الآخرون بالياء وضمها " الجمع " رفع على ~~غير تسمية الفاعل، يعني: كفار مكة، { ويولون الدبر } ، يعني: ~~الأدبار فوحد لأجل رؤوس الآي، كما يقال: ضربنا منهم الرؤوس وضربنا منهم ~~الرأس إذا كان الواحد يؤدي معنى الجمع، أخبر الله أنهم يولون أدبارهم ~~منهزمين فصدق الله وعده وهزمهم يوم بدر. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد ~~الوهاب، حدثنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس قال: # " قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قبته يوم بدر: «اللهم إني أنشدك ~~عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم» " # ، فأخذ أبو بكر بيده، فقال: حسبك يا رسول الله، فقد ألححت على ربك، - ~~وهو في الدرع - فخرج وهو يقول: { سيهزم الجمع ويولون ~~الدبر } { بل الساعة موعدهم * والساعة أدهى ~~وأمر } , قال سعيد بن المسيب: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~يقول: لما نزلت: { سيهزم الجمع ويولون الدبر } كنت لا ~~أدري أي جمع يهزم، فلما كان يوم بدر رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يثب ~~في درعه ويقول: { سيهزم الجمع ويولون الدبر بل ~~الساعة موعدهم } جميعا، { والساعة أدهى وأمر } ~~، أي أعظم داهية وأشد مرارة من الأسر والقتل يوم بدر. # { إن المجرمين } ، المشركين، { فى ضلل وسعر } ، قيل: ~~" في ضلال " بعد عن الحق. قال الضحاك: " وسعر " أي: نار تسعر عليهم: ~~وقيل: " ضلال " ذهاب عن طريق الجنة في الآخرة، " وسعر ": نار مسعرة، ~~قال الحسين بن الفضل: إن المجرمين في ضلال في ms2209 الدنيا ونار في الآخرة. ~~وقال قتادة: في عناء وعذاب. # ثم بين عذابهم فقال: { يوم يسحبون } ، يجرون، { فى ~~النار على وجوههم } ، ويقال لهم { ذوقوا مس سقر }. # { إنا كل شىء خلقنه بقدر } ، أي: ما خلقناه فمقدور ~~ومكتوب في اللوح المحفوظ، قال الحسن: قدر الله لكل شيء من خلقه قدره الذي ~~ينبغي له. # أخبرنا أبو الحسن علي بن الحسين القرشي، أخبرنا أبو مسلم غالب بن علي ~~الرازي، أخبرنا أبو معشر يعقوب بن عبد الجليل بن يعقوب، حدثنا أبو يزيد ~~حاتم بن محبوب، أخبرنا أحمد بن نصر النيسابوري، أخبرنا عبد الله بن ~~الوليد العدني، أخبرنا الثوري عن زياد بن إسماعيل السهمي عن محمد ابن ~~عباد المخزومي عن أبي هريرة قال: جاءت مشركو قريش إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم يخاصمونه في القدر فنزلت هذه الآية: { إن المجرمين ~~فى ضلل وسعر } إلى قوله: { إنا كل شىء خلقنه ~~بقدر }. # أخبرنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني، أخبرنا أبو محمد محمد بن علي بن ~~محمد بن شريك الشافعي الخدشاهي، أخبرنا عبد الله بن محمد بن مسلم أبو بكر ~~الجوربذي، أخبرنا يونس بن عبد الأعلى الصدفي، أخبرنا عبد الله بن وهب، ~~أخبرني أبو هانيء الخولاني عن أبي عبد الرحمن الحبلى عن عبد الله بن ~~عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، ~~قال: وكان عرشه على الماء ". # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق ~~الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن زياد بن سعد عن عمرو بن مسلم عن ~~طاووس اليماني قال: أدركت ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقولون: " كل شيء بقدر الله " ، قال وسمعت عبد الله بن عمر رضي الله عنه ~~يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كل شيء بقدر حتى العجز والكيس، أو الكيس والعجز ". # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، ~~أخبرنا أبو ms2210 جعفر محمد بن علي بن دحيم الشيباني، أخبرنا أحمد بن حازم بن ~~أبي غرزة أخبرنا يعلى بن عبيد وعبيد الله بن موسى وأبو نعيم عن سفيان عن ~~منصور عن ربعي بن حراش عن رجل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ~~بعثني بالحق، ويؤمن بالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر زاد عبيد الله خيره ~~وشره ". # ورواه أبو داود عن شعبة عن منصور وقال: عن ربعي عن علي ولم يقل: عن رجل، ~~وهذا أصح. ### || [54.50-53] # { ومآ أمرنآ إلا وحدة كلمح بالبصر } ، قوله: { ~~واحدة } ، يرجع إلى المعنى دون اللفظ، أي: وما أمرنا إلا مرة واحدة. # وقيل: معناه: وما أمرنا للشيء إذا أردنا تكوينه إلا كلمة واحدة: كن ~~فيكون، لا مراجعة فيها كلمح بالبصر. قال عطاء عن ابن عباس: يريد أن قضائي ~~في خلقي أسرع من لمح البصر وقال الكلبي عنه: وما أمرنا لمجيء الساعة في ~~السرعة إلا كطرف البصر. # { ولقد أهلكنآ أشيعكم } ، أشباهكم ونظراءكم في الكفر ~~من الأمم السالفة. # { فهل من مدكر } ، متعظ يعلم أن ذلك حق فيخاف ويعتبر. # { وكل شىء فعلوه } ، يعني فعله الأشياع من خير وشر، { فى ~~الزبر } ، في كتاب الحفظة، وقيل: في اللوح المحفوظ. # { وكل صغير وكبير } ، من الخلق وأعمالهم وآجالهم، { ~~مستطر } ، مكتوب، يقال: سطرت واستطرت وكتبت واكتتبت. ### || [54.54-55] # { إن المتقين فى جنت } ، بساتين، { ونهر } ، أي ~~أنهار، ووحده لأجل رؤوس الآي، وأراد أنهار الجنة من الماء والخمر واللبن ~~والعسل. وقال الضحاك: يعني في ضياء وسعة ومنه النهار. وقرأ الأعرج: " ~~ونهر " بضمتين جمع نهار يعني: نهارا لا ليل لهم. # { فى مقعد صدق } ، في مجلس حق لا لغو فيه ولا تأثيم، { عند ~~مليك مقتدر } ، ملك قادر لا يعجزه شيء. قال جعفر الصادق: مدح ~~الله المكان بالصدق فلا يقعد فيه إلا أهل الصدق. ### | [55 - سورة الرحمن] ### || [55.1-4] # { الرحمن } ، قيل: نزلت حين قالوا وما الرحمن؟. وقيل: هو جواب ~~لأهل مكة ms2211 حين قالوا: إنما يعلمه بشر. # { علم القرءان } ، قال الكلبي: علم القرآن محمدا. وقيل: " علم ~~القرآن " يسره للذكر. # { خلق الإنسن } ، يعني: آدم عليه السلام، قاله ابن عباس وقتادة ~~{ علمه البيان } ، أسماء كل شيء، وقيل: علمه اللغات كلها، وكان ~~آدم يتكلم بسبعمائة ألف لغة أفضلها العربية. # وقال الآخرون: " الإنسان " اسم جنس، وأراد به جميع الناس، " علمه البيان ~~" النطق والكتابة والفهم والإفهام حتى عرف ما يقول وما يقال له، هذا قول ~~أبي العالية وابن زيد والحسن. # وقال السدي: علم كل قوم لسانهم الذي يتكلمون به. # وقال ابن كيسان: { خلق الإنسن } يعني: محمدا صلى الله عليه ~~وسلم { علمه البيان } يعني: بيان ما كان وما يكون لأنه كان يبين ~~عن الأولين والآخرين وعن يوم الدين. ### || [55.5-11] # { الشمس والقمر بحسبان } ، قال مجاهد: كحسبان الرحى. وقال ~~غيره: أي يجريان بحساب ومنازل لا يعدوانها، قاله ابن عباس وقتادة. وقال ~~ابن زيد وابن كيسان: يعني بهما تحسب الأوقات والآجال لولا الليل والنهار ~~والشمس والقمر لم يدر أحد كيف يحسب شيئا. وقال الضحاك: يجريان بقدر، ~~والحسبان يكون مصدر حسبت حسابا وحسبانا مثل الغفران والكفران، ~~والرجحان، والنقصان، وقد يكون الحساب كالشهبان والركبان. # { والنجم والشجر يسجدان } ، النجم ما ليس له ساق من ~~النبات، والشجر ما له ساق يبقى في الشتاء، وسجودهما سجود ظلهما كما قال: # يتفيأ ظلله عن اليمين والشمآئل سجدا لله # [النحل:48] قال مجاهد: النجم هو الكوكب وسجوده طلوعه. # { والسمآء رفعها } ، فوق الأرض، { ووضع الميزان } ، ~~قال مجاهد: أراد بالميزان العدل. المعنى: أنه أمر بالعدل، يدل عليه قوله ~~تعالى. { ألا تطغوا فى الميزان } ، أي: لا تجاوزوا العدل. ~~وقال الحسن وقتادة والضحاك: أراد به الذي يوزن به ليوصل به الإنصاف ~~والانتصاف، وأصل الوزن التقدير " ألا تطغوا " يعني لئلا تميلوا وتظلموا ~~وتجاوزوا الحق في الميزان. # { وأقيموا الوزن بالقسط } ، بالعدل، قال أبو الدرداء ~~وعطاء: معناه أقيموا لسان الميزان بالعدل. قال ابن عيينة: الإقامة باليد ~~والقسط بالقلب، { ولا تخسروا } ، ولا تنقصوا { الميزان } ، ولا ~~تطففوا في الكيل والوزن. # { والأرض وضعها للأنام } ، للخلق الذين بثهم فيها. # { فيها فكهة ms2212 } ، يعني: أنواع الفواكه، قال ابن كيسان: يعني: ما ~~يتفكهون به من النعم التي لا تحصى، { والنخل ذات الأكمام } ~~الأوعية التي يكون فيها الثمر لأن ثمر النخل يكون في غلاف ما لم ينشق، ~~واحدها كم، وكل ما ستر شيئا فهو كم وكمة، ومنه كم القميص، ويقال ~~للقلنسوة كمة، قال الضحاك: " ذات الأكمام " أي ذات الغلف. وقال ~~الحسن: أكمامها: ليفها. وقال ابن زيد: هو الطلع قبل أن ينشق. ### || [55.12-13] # { والحب ذو العصف } ، أراد بالحب جميع الحبوب التي تحرث في ~~الأرض قال مجاهد: هو ورق الزرع. قال ابن كيسان: " العصف " ورق كل شيء ~~يخرج منه الحب، يبدو أولا ورقا وهو العصف ثم يكون سوقا، ثم يحدث الله ~~فيه أكماما، ثم يحدث في الأكمام الحب. وقال ابن عباس في رواية الوالبي: ~~هو التبن. وهو قول الضحاك وقتادة. وقال عطية عنه: هو ورق الزرع الأخضر ~~إذا قطع رؤوسه ويبس، نظيره: # كعصف مأكول # [الفيل:5]. # { والريحان } ، هو الرزق في قول الأكثرين، قال ابن عباس: كل ريحان ~~في القرآن فهو رزق. وقال الحسن وابن زيد هو ريحانكم الذي يشم، قال ~~الضحاك: " العصف ": هو التبن و " الريحان " ثمرته. # وقراءة العامة: { والحب ذو العصف والريحان } ، كلها ~~مرفوعات بالرد على الفاكهة، وقرأ ابن عامر " والحب ذا العصف والريحان " ~~بنصب الباء والنون وذا بالألف على معنى: خلق الإنسان وخلق هذه الأشياء، ~~وقرأ حمزة والكسائي " والريحان " بالجر عطفا على العصف فذكر قوت الناس ~~والأنعام، ثم خاطب الجن والإنس فقال: # { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } ، أيها الثقلان، يريد ~~من هذه الأشياء المذكورة وكرر هذه الآية في هذه السورة تقريرا للنعمة ~~وتأكيدا في التذكير بها على عادة العرب في الإبلاغ والإشباع، يعدد ~~على الخلق آلاءه، ويفصل بين كل نعمتين بما ينبههم عليها، كقول الرجل لمن ~~أحسن إليه وتابع عليه بالأيادي وهو ينكرها ويكفرها: ألم تكن فقيرا ~~فأغنيتك أفتنكر هذا؟ ألم تكن عريانا فكسوتك أفتنكر هذا؟ ألم تك خاملا؟ ~~فعززتك أفتنكر هذا؟ ومثل هذا التكرار شائع في كلام العرب حسن تقريرا. # وقيل: خاطب بلفظ التثنية على عادة ms2213 العرب تخاطب الواحد بلفظ التثنية ~~كقوله تعالى: # ألقيا فى جهنم # [ق:24]. # وروي عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله # " قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الرحمن حتى ختمها، ثم ~~قال: " مالي أراكم سكوتا للجن كانوا أحسن منكم ردا، ما قرأت عليهم ~~هذه الآية من مرة { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } إلا ~~قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد ". ### || [55.14-21] # { خلق الإنسن من صلصل كالفخار }. # { وخلق الجآن } ، وهو أبو الجن. وقال الضحاك: هو إبليس، { من ~~مارج من نار } ، وهو الصافي من لهب النار الذي لا دخان فيه. قال ~~مجاهد: وهو ما اختلط بعضه ببعض من اللهب الأحمر والأصفر والأخضر الذي ~~يعلو النار إذا أوقدت، من قولهم: مرج أمر القوم، إذا اختلط. # { فبأى ءالاء ربكما تكذبان * رب المشرقين ~~} ، مشرق الصيف ومشرق الشتاء، { رب المشرقين ورب ~~المغربين } ، مغرب الصيف ومغرب الشتاء. { فبأى ءالاء ~~ربكما تكذبان }. # { مرج البحرين } ، العذب والمالح أرسلهما وخلاهما { ~~يلتقيان }. # { بينهما برزخ } ، حاجز من قدرة الله تعالى، { لا يبغيان ~~} ، لا يختلطان ولا يتغيران ولا يبغي أحدهما على صاحبه. وقال قتادة: لا ~~يطغيان على الناس بالغرق. وقال الحسن " مرج البحرين " بحر الروم وبحر ~~الهند، وأنتم الحاجز بينهما. وعن قتادة أيضا: بحر فارس وبحر الروم ~~بينهما برزخ يعني الجزائر. قال مجاهد والضحاك: بحر السماء وبحر الأرض ~~يلتقيان كل عام. { فبأى ءالاء ربكما تكذبان }. ### || [55.22-28] # { يخرج منهما } ، قرأ أهل المدينة والبصرة " يخرج " بضم ~~الياء وفتح الراء، وقرأ الآخرون بفتح الياء وضم الراء، { اللؤلؤ ~~والمرجان } ، وإنما يخرج من المالح دون العذب، وهذا جائز في كلام ~~العرب أن يذكر شيئان ثم يخص أحدهما بفعل، كما قال عز وجل: # يمعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم # [الأنعام:130] وكانت الرسل من الإنس دون الجن. وقال بعضهم يخرج من ماء ~~السماء وماء البحر. قال ابن جريج: إذا أمطرت السماء فتحت الأصداف أفواهها ~~فحيثما وقعت قطرة لؤلؤة. واللؤلؤة: ما عظم من الدر، والمرجان: صغارها. ~~وقال مقاتل ومجاهد على الضد من هذا. وقيل: " المرجان " الخرز ms2214 الأحمر. ~~وقال عطاء الخراساني: هو اليسر. { فبأى ءالاء ربكما ~~تكذبان }. # { وله الجوار } ، السفن الكبار، { المنشئات } ، قرأ حمزة ~~وأبو بكر " المنشئات " بكسر الشين أي: المنشئات السير يعني اللاتي ~~ابتدأن وأنشأن السير. وقرأ الآخرون بفتح الشين، أي المرفوعات، وهي التي ~~رفع خشبها بعضها على بعض. وقيل: هي ما رفع قلعه من السفن وأما ما لم ~~يرفع قلعه فليس من المنشئات. وقيل: المخلوقات المسخرات، { فى البحر ~~كالأعلم } ، كالجبال جمع علم وهو الجبل الطويل، شبه السفن في ~~البحر، وبالجبال في البر. { فبأى ءالاء ربكما تكذبان ~~}. # { كل من عليها } ، أي على الأرض من حيوان فإنه هالك { فان }. # { ويبقى وجه ربك ذو الجلل } ، ذو العظمة والكبرياء، ~~{ والإكرام } ، مكرم أنبيائه وأوليائه بلطفه مع جلاله وعظمته. { ~~فبأى ءالاء ربكما تكذبان }. ### || [55.29] # { يسأله من فى السموت والأرض } ، من ملك وإنس وجن. ~~وقال قتادة: لا يستغني عنه أهل السماء والأرض. قال ابن عباس: فأهل ~~السموات يسألونه المغفرة، وأهل الأرض يسألونه الرحمة والرزق والتوبة ~~والمغفرة. وقال مقاتل: يسأله أهل الأرض الرزق والمغفرة، وتسأله الملائكة ~~أيضا لهم الرزق والمغفرة. # { كل يوم هو فى شأن } ، قال مقاتل: نزلت في اليهود حين ~~قالوا إن الله لا يقضي يوم السبت شيئا. # قال المفسرون: من شأنه أن يحيي ويميت، ويرزق، ويعز قوما، ويذل قوما، ~~ويشفي مريضا، ويفك عانيا ويفرج مكروبا، ويجيب داعيا، ويعطي سائلا، ~~ويغفر ذنبا إلى ما لا يحصى من أفعاله وإحداثه في خلقه ما يشاء. # أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أحمد بن محمد بن ~~إبراهيم الثعلبي، أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن عبدوس المزكي - إملاء ~~- أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن يحيى البزاز، أخبرنا يحيى بن الربيع ~~المكي، أخبرنا سفيان بن عيينة، أخبرنا أبو حمزة الثمالي عن سعيد بن جبير ~~عن ابن عباس قال: إن مما خلق الله عز وجل لوحا من درة بيضاء، دفتاه ~~ياقوتة حمراء قلمه نور وكتابه نور، ينظر الله عز وجل فيه كل يوم ثلاث ~~مائة وستين نظرة، يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ms2215 ما يشاء، ~~فذلك قوله: { كل يوم هو فى شأن }. # قال سفيان بن عيينة: الدهر كله عند الله يومان أحدهما مدة أيام الدنيا ~~والآخر يوم القيامة، فالشأن الذي هو فيه اليوم الذي هو مدة الدنيا: ~~الإخبار بالأمر والنهي، والإحياء والإماتة، والإعطاء والمنع، وشأن ~~يوم القيامة: الجزاء والحساب، والثواب والعقاب. # وقيل: شأنه جل ذكره أنه يخرج في كل يوم وليلة ثلاثة عساكر، عسكرا من ~~أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات، وعسكرا من الأرحام إلى الدنيا، وعسكرا ~~من الدنيا إلى القبور، ثم يرتحلون جميعا إلى الله عز وجل. # قال الحسين بن الفضل: هو سوق المقادير إلى المواقيت. وقال أبو سليمان ~~الداراني في هذه الآية: كل يوم له إلى العبيد بر جديد. ### || [55.30-36] # { فبأى ءالاء ربكما تكذبان * سنفرغ لكم } ، ~~قرأ حمزة والكسائي: سيفرغ بالياء لقوله: { يسأله من فى ~~السموت والأرض } ، { ويبقى وجه ربك } ، { وله ~~الجوار } ، فأتبع الخبر. # وقرأ الآخرون بالنون، وليس المراد منه الفراغ عن شغل، لأن الله تعالى لا ~~يشغله شأن عن شأن، ولكنه وعيد من الله تعالى للخلق بالمحاسبة، كقول ~~القائل لأتفرغن لك، وما به شغل، وهذا قول ابن عباس والضحاك، وإنما حسن ~~هذا الفراغ لسبق ذكر الشأن. # وقال آخرون: معناه سنقصدكم بعد الترك والإمهال ونأخذ في أمركم، كقول ~~القائل للذي لا شغل له قد فرغت لي. # وقال بعضهم: إن الله وعد أهل التقوى وأوعد أهل الفجور، ثم قال سنفرغ لكم ~~مما وعدناكم، وأخبرناكم، فنحاسبكم ونجازيكم وننجز لكم ما وعدناكم، فنتم ~~ذلك ويفرغ منه، وإلى هذا ذهب الحسن ومقاتل. # { أيها الثقلان } ، أي الجن والإنس، سميا ثقلين لأنهما ثقلا ~~على الأرض أحياء وأمواتا، قال الله تعالى: # وأخرجت الأرض أثقالها # [الزلزلة:2]، وقال أهل المعاني: كل شيء له قدر ووزن ينافس فيه فهو ثقل. ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي " # فجعلهما ثقلين إعظاما لقدرهما. # وقال جعفر بن محمد الصادق: سمي الجن والإنس ثقلين لأنهما مثقلان ~~بالذنوب { فبأى ءالاء ربكما تكذبان }. # { يمعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا } ، ~~أي تجوزوا ms2216 وتخرجوا، { من أقطر السموت والأرض } ، أي ~~من جوانبهما وأطرافهما، { فانفذوا } ، معناه إن استطعتم أن تهربوا من ~~الموت بالخروج من أقطار السموات والأرض: فاهربوا واخرجوا منها، والمعنى: ~~حيثما كنتم أدرككم الموت، كما قال جل ذكره: # أينما تكونوا يدرككم الموت # [النساء:78]. وقيل: يقال لهم هذا يوم القيامة إن استطعتم أن تجوزوا ~~أطراف السموات والأرض فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم فجوزوا، { ~~فانفذوا لا تنفذون إلا } ، أي: بملك، وقيل: بحجة، والسلطان: ~~القوة التي يتسلط بها على الأمر، فالملك والقدرة والحجة كلها سلطان، يريد ~~حيثما توجهتم كنتم في ملكي وسلطاني. وروي عن ابن عباس قال: معناه: إن ~~استطعتم أن تعلموا ما في السموات والأرض فاعلموا ولن تعلموه إلا بسلطان ~~أي ببينة من الله عز وجل. وقيل قوله: " إلا بسلطان " أي إلى سلطان ~~كقوله: # وقد أحسن بى # [يوسف:100] أي إلي. # { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } ، وفي الخبر: يحاط على ~~الخلق بالملائكة وبلسان من نار ثم ينادون { يمعشر الجن ~~والإنس إن استطعتم أن تنفذوا } ، الآية. فذلك قوله عز ~~وجل: # { يرسل عليكما شواظ من نار } ، قرأ ابن كثير: شواظ ~~بكسر الشين والآخرون بضمها، وهما لغتان، مثل صوار من البقر وصوار. وهو ~~اللهب الذي لا دخان فيه هذا قول أكثر المفسرين. وقال مجاهد: هو اللهب ~~الأخضر المنقطع من النار، { ونحاس } ، قرأ ابن كثير وأبو عمر " ~~ونحاس " بجر السين عطفا على النار، وقرأ الباقون برفعها عطفا على ~~الشواظ. # قال سعيد بن جبير والكلبي: " النحاس ": الدخان، وهو رواية عطاء عن ابن ~~عباس. # ومعنى الرفع يرسل عليكما شواظ، ويرسل نحاس، أي يرسل هذا مرة وهذا مرة، ~~ويجوز أن يرسلا معا من غير أن يمتزج أحدهما بالآخر، ومن كسر بالعطف على ~~النار يكون ضعيفا لأنه يكون شواظ من نحاس، فيجوز أن يكون تقديره: شواظ ~~من نار وشيء من نحاس، على أنه حكي أن الشواظ لا يكون إلا من النار ~~والدخان جميعا. # قال مجاهد وقتادة: النحاس هو الصفر المذاب يصب على رؤوسهم، وهو رواية ~~العوفي عن ابن عباس. وقال عبد الله بن مسعود: النحاس ms2217 هو المهل. # { فلا تنتصران } ، أي فلا تمتنعان من الله ولا يكون لكم ناصر ~~منه. { فبأى ءالاء ربكما تكذبان }. ### || [55.37-40] # { فإذا انشقت } ، انفرجت، { السمآء } ، فصارت أبوابا لنزول ~~الملائكة { فكانت وردة كالدهان } ، أي كلون الفرس الورد، ~~وهو الأبيض الذي يضرب إلى الحمرة والصفرة، قال قتادة: إنها اليوم خضراء ~~ويكون لها يومئذ لون آخر إلى الحمرة. # وقيل: إنها تتلون ألوانا يومئذ كلون الفرس الورد يكون في الربيع أصفر ~~وفي أول الشتاء أحمر فإذا اشتد الشتاء كان أغبر فشبه السماء في تلونها ~~عند انشقاقها بهذا الفرس في تلونه. # { كالدهان } ، جمع دهن. شبه تلون السماء بتلون الورد من الخيل، ~~وشبه الوردة في اختلاف ألوانها بالدهن واختلاف ألوانه، وهو قول الضحاك ~~ومجاهد وقتادة والربيع. # وقال عطاء بن أبي رباح: " كالدهان " كعصير الزيت يتلون في الساعة ~~ألوانا. # وقال مقاتل: كدهن الورد الصافي. وقال ابن جريج تصير السماء كالدهن ~~الذائب وذلك حين يصيبها حر جهنم. # وقال الكلبي: كالدهان أي كالأديم الأحمر وجمعه أدهنة ودهن { فبأى ~~ءالاء ربكما تكذبان }. # { فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جآن } ، قال ~~الحسن وقتادة: لا يسألون عن ذنوبهم لتعلم من جهتهم، لأن الله عز وجل ~~علمها منهم، وكتبت الملائكة عليهم، وهي رواية العوفي عن ابن عباس. # وعنه أيضا لا تسأل الملائكة المجرمين لأنهم يعرفونهم بسيماهم. دليله: ~~ما بعده، وهذا قول مجاهد. # وعن ابن عباس في الجمع بين هذه الآية وبين قوله: # فوربك لنسألنهم أجمعين # [الحجر:92]، قال: لا يسألهم هل عملتم كذا وكذا؟ لأنه أعلم بذلك منهم، ~~ولكن يسألهم لم عملتم كذا وكذا؟ # وعن عكرمة أنه قال: إنها مواطن، يسأل في بعضها ولا يسأل في بعضها. # وعن ابن عباس أيضا: لا يسألون سؤال شفقة ورحمة وإنما يسألون سؤال ~~تقريع وتوبيخ. # وقال أبو العالية لا يسأل غير المجرم عن ذنب المجرم. { فبأى ~~ءالاء ربكما تكذبان }. ### || [55.41-46] # { يعرف المجرمون بسيمهم } ، وهو سواد الوجوه وزرقة ~~العيون، كما قال جل ذكره: # يوم تبيض وجوه وتسود وجوه # [آل عمران:106]، { فيؤخذ بالنواصى والأقدام }. تجعل ~~الأقدام مضمومة إلى النواصي من خلف ms2218 ويلقون في النار, { فبأى ~~ءالاء ربكما تكذبان }. # ثم يقال لهم: { هذه جهنم التي يكذب بها ~~المجرمون } ، المشركون. { يطوفون بينها وبين حميم ~~ءان } ، قد انتهى حره، قال الزجاج: أنى يأنى فهو آن إذا انتهى في ~~النضج، والمعنى: أنهم يسعون بين الجحيم والحميم فإذا استغاثوا من حر ~~النار جعل عذابهم الحميم الآني الذي صار كالمهل، وهو قوله: # وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل # [الكهف:29] وقال كعب الأحبار: " آن " واد من أودية جهنم يجتمع فيه صديد ~~أهل النار فينطلق بهم في الأغلال فيغمسون في ذلك الوادي حتى تنخلع ~~أوصالهم، ثم يخرجون منه وقد أحدث الله تعالى لهم خلقا جديدا فيلقون في ~~النار، وذلك قوله: { يطوفون بينها وبين حميم ءان }. # { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } ، وكل ماذكر الله تعالى ~~من قوله: { كل من عليها فان } إلى هاهنا مواعظ وزواجر وتخويف. ~~وكل ذلك نعمة من الله تعالى، لأنها تزجر عن المعاصي، ولذلك ختم كل آية ~~بقوله { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } ، ثم ذكر ما أعده ~~لمن اتقاه وخافه. فقال: # { ولمن خاف مقام ربه } ، أي: مقامه بين يدي ربه للحساب ~~فترك المعصية والشهوة. وقيل: قيام ربه عليه، بيانه قوله: # أفمن هو قآئم على كل نفس بما كسبت # [الرعد:33] وقال إبراهيم ومجاهد: هو الذي يهم بالمعصية فيذكر الله ~~فيدعها من مخافة الله. وقوله: { جنتان } قال مقاتل: جنة عدن وجنة ~~نعيم. قال محمد بن علي الترمذي: جنة لخوفه ربه وجنة لتركه شهوته. # قال الضحاك: هذا لمن راقب الله في السر والعلانية بعلمه ما عرض له من ~~محرم تركه من خشية الله وما عمل من خير أفضى به إلى الله، لا يحب أن يطلع ~~عليه أحد. # وقال قتادة: إن المؤمنين خافوا ذلك المقام فعملوا لله ودأبوا بالليل ~~والنهار. # أخبرنا أبو الحسن علي بن الحسين القرشي، أخبرنا أبو مسلم غالب بن علي ~~الرازي، حدثنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن يونس، أخبرنا أبو جعفر محمد بن ~~موسى بن عيسى الحلواني، وأخبرنا محمد بن عبيد الهمداني، أخبرنا هاشم بن ~~القاسم عن أبي عقيل هو ms2219 الثقفي عن يزيد بن سنان سمعت بكير بن فيروز قال ~~سمعت أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن ~~سلعة الله الجنة ". # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد ~~الله الطيسفوني، أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري، أخبرنا أحمد بن علي ~~الكشميهني، أخبرنا علي بن حجر، أخبرنا إسماعيل بن جعفر عن محمد بن أبي ~~حرملة مولى حويطب بن عبد العزى. # عن عطاء بن يسار، # " عن أبي الدرداء أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقص على المنبر ~~وهو يقول: { ولمن خاف مقام ربه جنتان } ، قلت: وإن زنى ~~وإن سرق يا رسول الله؟ فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: { ولمن ~~خاف مقام ربه جنتان } ، فقلت الثانية: وإن زنى وإن سرق يا ~~رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم { ولمن خاف مقام ~~ربه جنتان } ، فقلت الثالثة: " وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ ~~قال: «وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي الدرداء» ". ### || [55.47-53] # { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } ، ثم وصف الجنتين. ~~فقال: # { ذواتآ أفنان } ، أغصان واحدها فنن، وهو الغصن المستقيم ~~طولا. وهذا قول مجاهد وعكرمة والكلبي. وقال عكرمة: ظل الأغصان على ~~الحيطان. قال الحسن: ذواتا ظلال. قال ابن عباس: ألوان. قال سعيد بن جبير ~~والضحاك: ألوان الفاكهة واحدها فن من قولهم أفنن فلان في حديثه إذا أخذ ~~في فنون منه وضروب. وجمع عطاء بين القولين فقال: في كل غصن فنون من ~~الفاكهة. وقال قتادة: ذواتا فضل وسعة على ما سواهما { فبأى ءالاء ~~ربكما تكذبان }. # { فيهما عينان تجريان } ، قال ابن عباس: بالكرامة والزيادة ~~على أهل الجنة. قال الحسن: تجريان بالماء الزلال، إحداهما التسنيم ~~والأخرى السلسبيل. وقال عطية إحداهما من ماء غير آسن والأخرى من خمر لذة ~~للشاربين { فبأى ءالاء ربكما تكذبان }. # { فيهما من كل فكهة زوجان } ، صنفان ونوعان، قيل: ~~معناه: إن فيهما من كل ما يتفكه ms2220 به ضربين رطبا ويابسا. قال ابن عباس: ~~ما في الدنيا ثمرة حلوة ولا مرة إلا وهي في الجنة حتى الحنظل إلا أنه ~~حلو. { فبأى ءالاء ربكما تكذبان }. ### || [55.54-56] # { متكئين على فرش } جمع فراش، { بطآئنها } ، جمع بطانة ~~وهي التي تحت الظهارة. وقال الزجاج: وهي مما يلي الأرض. { من ~~إستبرق } ، وهو ما غلظ من الديباج. قال ابن مسعود وأبو هريرة: هذه ~~البطائن فما ظنكم بالظواهر؟ وقيل لسعيد بن جبير: البطائن من إستبرق، فما ~~الظواهر؟ قال: هذا مما قال الله عز وجل: # فلا تعلم نفس مآ أخفى لهم من قرة أعين # [السجدة:17]، وعنه أيضا قال: بطائنها من إستبرق فظواهرها من نور جامد. ~~وقال ابن عباس: وصف البطائن وترك الظواهر لأنه ليس في الأرض أحد يعرف ما ~~الظواهر. # { وجنى الجنتين دان } ، الجنى ما يجتنى من الثمار، يريد: ~~ثمرهما دان قريب يناله القائم والقاعد والنائم. قال ابن عباس: تدنو ~~الشجرة حتى يجتنبها ولي الله، إن شاء قائما وإن شاء قاعدا. قال قتادة: ~~لا يرد أيديهم عنها بعد ولا شوك. { فبأى ءالاء ربكما ~~تكذبان }. # { فيهن قصرت الطرف } ، غاضات الأعين، قصرن طرفهن على ~~أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم ولا يردن غيرهم. قال ابن زيد: تقول لزوجها ~~وعزة ربي ما أرى في الجنة شيئا أحسن منك، فالحمد لله الذي جعلك زوجي ~~وجعلني زوجتك. { لم يطمثهن } لم يجامعهن ولم يفترعهن، وأصله من ~~الطمث، وهو الدم ومنه قيل للحائض: طامث، كأنه قال: لم تدمهن بالجماع، { ~~إنس قبلهم ولا جآن } ، قال الزجاج: فيه دليل على أن الجني ~~يغشى كما يغشى الإنسي. قال مجاهد: إذا جامع الرجل ولم يسم انطوى الجان ~~على إحليله فجامع معه. # قال مقاتل في قوله: { لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن ~~}: لأنهن خلقن في الجنة. فعلى قوله: هؤلاء من حور الجنة. # وقال الشعبي: هن من نساء الدنيا لم يمسسن منذ أنشئن خلقا، وهو ~~قول الكلبي يعني: لم يجامعهن في هذا الخلق الذي أنشئن فيه إنس ولا جان. # وقرأ طلحة مصرف: " لم يطمثهن " بضم الميم فيهما. # وقرأ الكسائي إحداهما ms2221 بالضم فإن كسر الأولى ضم الثانية وإن ضم الأولى ~~كسر الثانية، لما روى أبو إسحاق السبيعي قال: كنت أصلي خلف أصحاب علي رضي ~~الله عنه فأسمعهم يقرؤون " لم يطمثهن " بالرفع، وكنت أصلي خلف أصحاب عبد ~~الله بن مسعود فأسمعهم يقرؤون بكسر الميم، وكان الكسائي يضم إحداهما ~~ويكسر الأخرى لئلا يخرج عن هذين الأثرين. ### || [55.57-58] # { فبأى ءالاء ربكما تكذبان * كأنهن ~~الياقوت والمرجان } ، قال قتادة: صفاء الياقوت في بياض ~~المرجان. # وروينا عن أبي سعيد في صفة أهل الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لكل رجل منهم زوجتان على كل زوجة سبعون حلة، يرى مخ سوقهن دون لحمهما ~~ودمائهما وجلدهما ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا أبو اليمان أنا شعيب، ~~أخبرنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر والذين على إثرهم ~~كأشد كوكب إضاءة، قلوبهم على قلب رجل واحد لا اختلاف بينهم ولا تباغض، ~~لكل امرئ منهم زوجتان كل واحدة منها يرى مخ ساقها من وراء لحمها من ~~الحسن، يسبحون الله بكرة وعشيا لا يسقمون ولا يبولون، ولا يتغوطون، ~~ولا يتفلون، ولا يتمخطون، آنيتهم الذهب والفضة وأمشاطهم الذهب، ووقود ~~مجامرهم الألوة ورشحهم المسك ". # أخبرنا أبو سعيد الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا الحسين بن ~~محمد بن الحسين، أخبرنا هارون بن محمد بن هارون، أخبرنا حازم بن يحيى ~~الحلواني، أخبرنا سهيل بن عثمان العسكري، أخبرنا عبيدة بن حميد، عن عطاء ~~بن السائب، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " إن المرأة من أهل الجنة ليرى بياض ساقها من وراء سبعين حلة من حرير، ~~ومخها، إن الله تعالى يقول: { كأنهن الياقوت والمرجان } ~~، فأما الياقوت فإنه حجر لو أدخلت فيه سلكا ثم استصفيته لرأيته من ورائه ~~". # وقال عمرو بن ميمون: " إن المرأة من الحور العين ms2222 لتلبس سبعين حلة فيرى ~~مخ ساقها من ورائها كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء. ### || [55.59-60] # { فبأى ءالاء ربكما تكذبان * هل جزآء ~~الإحسن إلا الإحسن } ، أي ما جزاء من أحسن في الدنيا إلا ~~أن يحسن إليه في الآخرة. وقال ابن عباس: هل جزاء من قال: لا إله إلا الله ~~وعمل بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم إلا الجنة؟ # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن فنجويه، ~~أخبرنا ابن أبي شيبة أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن بهرام، أخبرنا الحجاج بن ~~يوسف المكتب، أخبرنا بشر بن الحسين، عن الزبير بن عدي، عن أنس بن مالك ~~قال # " قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: { هل جزآء الإحسن ~~إلا الإحسن } ثم قال: هل تدرون ما قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله ~~أعلم، قال: " يقول هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة ". " ### || [55.61-68] # { فبأى ءالاء ربكما تكذبان * ومن دونهما ~~جنتان } ، أي من دون الجنتين الأوليين جنتان أخريان. قال ابن عباس: ~~من دونهما في الدرج. وقال ابن زيد: من دونهما في الفضل. وقال أبو موسى ~~الأشعري: جنتان من ذهب للسابقين وجنتان من فضة للتابعين. وقال ابن جريج: ~~هن أربع جنتان للمقربين السابقين فيهما من كل فاكهة زوجان وجنتان لأصحاب ~~اليمين والتابعين { فيهما فكهة ونخل ورمان }. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا علي بن عبد الله، أخبرنا ~~عبد العزيز بن عبد الصمد، عن أبي عمران، عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس، ~~عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، ~~وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في ~~جنة عدن ". # وقال الكسائي: { ومن دونهما جنتان } أي أمامهما وقبلهما، يدل ~~عليه قول الضحاك: الجنتان الأوليان من ذهب وفضة والأخريان من ياقوت. # { فبأى ءالاء ربكما تكذبان * مدهآمتان } ، ~~ناعمتان سوداوان من ريهما ms2223 وشدة خضرتهما، لأن الخضرة إذا اشتدت ضربت إلى ~~السواد، يقال: ادهام الزرع إذا علاه السواد ريا ادهيماما فهو مدهام. # { فبأى ءالاء ربكما تكذبان * فيهما عينان ~~نضاختان } ، فوارتان بالماء لا تنقطعان. " والنضخ ": فوران الماء ~~من العين، قال ابن عباس: تنضخان بالخير والبركة على أهل الجنة، وقال ابن ~~مسعود: تنضخان بالمسك والكافور على أولياء الله. وقال أنس بن مالك: ~~تنضخان بالمسك والعنبر في دور أهل الجنة كطش المطر. # { فبأى ءالاء ربكما تكذبان * فيهما فكهة ~~ونخل ورمان } ، قال بعضهم: ليس النخل والرمان من الفاكهة ~~والعامة على أنهما من الفاكهة، وإنما أعاد ذكر النخل والرمان وهما من ~~جملة الفواكه للتخصيص والتفصيل، كما قال تعالى # من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل ~~وميكال # [البقرة: 98]. # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا أبو طاهر محمد بن ~~أحمد بن الحارث، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن ~~محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، أخبرنا عبد الله بن المبارك، ~~عن سفيان، عن حماد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: نخل الجنة جذوعها ~~زمرد أخضر، وورقها ذهب أحمر، وسعفها كسوة لأهل الجنة فيها مقطعاتهم ~~وحللهم، وثمرها أمثال القلال أو الدلاء أشد بياضا من اللبن وأحلى من ~~العسل وألين من الزبد ليس له عجم. ### || [55.69-78] # { فبأى ءالاء ربكما تكذبان فيهن } ، يعني في ~~الجنات الأربع، { خيرت حسان } ، روى الحسن عن أبيه # " عن أم سلمة قالت: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبرني عن قوله: ~~{ خيرت حسان } , قال: «خيرات الأخلاق حسان الوجوه» ". # { فبأى ءالاء ربكما تكذبان * حور مقصورت } ~~، محبوسات مستورات في الحجال، يقال: امرأة مقصورة وقصيرة إذا كانت مخدرة ~~مستورة لا تخرج. وقال مجاهد: يعني قصرن طرفهن وأنفسهن على أزواجهن فلا ~~يبغين لهم بدلا. # وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بين ~~السماء والأرض ولملأت ما بينهما ريحا، ولنصيفها على رأسها خير من ~~الدنيا وما فيها ". # { فى الخيام ms2224 } ، جمع خيمة، أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد ~~بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا ~~محمد بن المثنى، أخبرنا عبد العزيز بن عبد الصمد، أخبرنا عمران الجوني، ~~عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة عرضها ستون ميلا، في ~~كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين يطوف عليهم المؤمن ". # { فبأى ءالاء ربكما تكذبان * لم يطمثهن ~~إنس قبلهم ولا جآن * فبأى ءالاء ربكما ~~تكذبان * متكئين على رفرف خضر } ، قال سعيد بن ~~جبير: " الرفرف ": رياض الجنة. " خضر " مخصبة. ويروى ذلك عن ابن عباس، ~~واحدتها رفرفة، وقال: الرفارف جمع الجمع، وقيل: " الرفرف ": البسط، وهو ~~قول الحسن ومقاتل والقرظي. وروى العوفي عن ابن عباس: " الرفرف ": فضول ~~المجالس والبسط، وقال الضحاك وقتادة: هي مجالس خضر فوق الفرش. وقال ابن ~~كيسان: هي المرافق. وقال ابن عيينة الزرابي. وقال غيره: كل ثوب عريض عند ~~العرب فهو رفرف. # { وعبقرى حسان } ، هي الزرابي والطنافس الثخان، وهي جمع، ~~واحدتها عبقرية، وقال قتادة: " العبقري ": عتاق الزرابي. وقال أبو ~~العالية: هي الطنافس المخملة إلى الرقة ما هي. وقال القتيبي: كل ثوب ~~موشى عند العرب: عبقري. # وقال أبو عبيدة: هو منسوب إلى أرض يعمل بها الوشي. # قال الخليل: كل جليل نفيس فاخر من الرجال وغيرهم عند العرب: عبقري، # " ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في عمر رضي الله عنه: «فلم أر ~~عبقريا يفري فريه» ". # { فبأى ءالاء ربكما تكذبان * تبرك اسم ~~ربك ذى الجلل والإكرام } ، قرأ أهل الشام " ذو الجلال " ~~بالواو وكذلك هو في مصاحفهم إجراء على الاسم. # أخبرنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني، أخبرنا أبو محمد بن محمد بن علي ~~بن محمد بن شريك الشافعي، أخبرنا عبد الله بن محمد بن مسلم، حدثنا أبو ~~بكر الجوربذي، أخبرنا أحمد بن حرب، أخبرنا أبو معاوية الضرير عن عاصم عن ~~عبد الله بن الحارث عن عائشة قالت: # " كان رسول الله ms2225 صلى الله عليه وسلم إذا سلم من الصلاة لم يقعد إلا ~~مقدار ما يقول: «اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال ~~والإكرام» ". ### | [56 - سورة الواقعة] ### || [56.1-5] # { إذا وقعت الواقعة } إذا قامت القيامة. وقيل: إذا نزلت صيحة ~~القيامة، وهي النفخة الأخيرة. # { ليس لوقعتها } ، لمجيئها، { كاذبة } ، كذب، كقوله: # لا تسمع فيها لاغية # [الغاشية: 11]، أي لغو يعني أنها تقع صدقا وحقا. و " الكاذبة " اسم ~~كالعافية والنازلة. # { خافضة رافعة } ، تخفض أقواما إلى النار وترفع آخرين إلى ~~الجنة. وقال عطاء عن ابن عباس: تخفض أقواما كانوا في الدنيا مرتفعين, ~~وترفع أقواما كانوا في الدنيا مستضعفين. # { إذا رجت الأرض رجا } ، حركت وزلزلت زلزالا، قال الكلبي: ~~إن الله إذا أوحى إليها اضطربت فرقا. قال المفسرون: ترج كما يرج الصبي ~~في المهد حتى ينهدم كل بناء عليها وينكسر كل ما عليها من الجبال وغيرها. ~~وأصل " الرج " في اللغة: التحريك، يقال: رججته فارتج. # { وبست الجبال بسا } ، قال عطاء ومقاتل ومجاهد: فتت ~~فتا فصارت كالدقيق المبسوس وهو المبلول. قال سعيد بن المسيب والسدي: ~~كسرت كسرا. وقال الكلبي: سيرت على وجه الأرض تسييرا. وقال الحسن: قلعت ~~من أصلها فذهبت، نظيرها: # فقل ينسفها ربي نسفا # [طه: 105] قال ابن كيسان: جعلت كثيبا مهيلا بعد أن كانت شامخة طويلة. ### || [56.6-10] # { فكانت هبآء منبثا } ، غبارا متفرقا كالذي يرى في شعاع ~~الشمس إذا دخل الكوة وهو الهباء. # { وكنتم أزواجا } ، أصنافا، { ثلاثة }. ثم فسرها فقال: # { فأصحب الميمنة } ، هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى ~~الجنة، وقال ابن عباس: هم الذين كانوا على يمين آدم حين أخرجت الذرية من ~~صلبه، وقال الله تعالى لهم: هؤلاء في الجنة ولا أبالي. وقال الضحاك: هم ~~الذين يعطون كتبهم بأيمانهم. وقال الحسن والربيع: هم الذين كانوا ميامين ~~مباركين على أنفسهم، وكانت أعمارهم في طاعة الله وهم التابعون بإحسان، ثم ~~عجب نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال: { مآ أصحب الميمنة } ~~، وهذا كما يقال: زيد ما زيد! يراد زيد شديد. # { وأصحب المشئمة مآ أصحب المشئمة } ، يعني ~~أصحاب الشمال، والعرب تسمي اليد اليسرى ms2226 الشؤمى، ومنه يسمى الشام واليمن، ~~لأن اليمن عن يمين الكعبة والشام عن شمالها، وهم الذين يؤخذ بهم ذات ~~الشمال إلى النار. # وقال ابن عباس: هم الذين كانوا على شمال آدم عند إخراج الذرية وقال الله ~~لهم: هؤلاء في النار ولا أبالي. # وقال الضحاك: هم الذين يؤتون كتبهم بشمالهم. وقال الحسن: هم المشائيم ~~على أنفسهم وكانت أعمارهم في المعاصي. # { والسبقون السبقون } ، قال ابن عباس: السابقون إلى ~~الهجرة هم السابقون في الآخرة. وقال عكرمة: السابقون إلى الإسلام. قال ~~ابن سيرين: هم الذين صلوا إلى القبلتين، دليله قوله: # والسبقون الأولون من المهجرين والأنصر # [التوبة: 100]. # قال الربيع بن أنس: السابقون إلى إجابة الرسول صلى الله عليه وسلم في ~~الدنيا هم السابقون إلى الجنة في العقبى. # وقال مقاتل: إلى إجابة الأنبياء بالإيمان. # وقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: إلى الصلوات الخمس. وقال ~~الضحاك: إلى الجهاد. # وقال سعيد بن جبير: هم المسارعون إلى التوبة وإلى أعمال البر. قال الله ~~تعالى: # سابقوا إلى مغفرة من ربكم # [الحديد: 21]، # وسارعوا إلى مغفرة من ربكم # [آل عمران: 133]. # ثم أثنى عليهم فقال: { أولئك يسرعون في الخيرت ~~وهم لها سبقون } ، قال ابن كيسان: والسابقون إلى كل ما دعا ~~الله إليه. # وروي عن كعب قال: هم أهل القرآن المتوجون يوم القيامة. وقيل: هم أولهم ~~رواحا إلى المسجد وأولهم خروجا في سبيل الله. وقال القرظي: إلى كل خير. ### || [56.11-16] # { أولئك المقربون } ، من الله, { في جنات النعيم ~~* ثلة من الأولين } ، أي من الأمم الماضية، من لدن آدم عليه ~~السلام إلى زمان نبينا صلى الله عليه وسلم، والثلة: الجماعة غير محصورة ~~العدد. # { وقليل من الآخرين } ، يعني من هذه الأمة، قال الزجاج: الذين ~~عاينوا جميع النبيين من لدن آدم عليه الصلاة والسلام وصدقوهم، أكثر ممن ~~عاين النبي صلى الله عليه وسلم. # { على سرر موضونة } ، منسوجة كما توضن حلق الدرع فيدخل ~~بعضها في بعض. قال المفسرون: هي موصولة منسوجة بالذهب والجواهر. وقال ~~الضحاك: موضونة مصفوفة. # { متكئين عليها متقبلين } ، لا ينظر بعضهم في قفا ~~بعض. ### || [56.17-21] ms2227 # { يطوف عليهم } للخدمة، { ولدن } ، غلمان، { مخلدون } ~~، لا يموتون ولا يهرمون ولا يتغيرون. وقال الفراء: تقول العرب لمن كبر ~~ولم يشمط: إنه مخلد. # قال ابن كيسان: يعني ولدانا لا يحولون من حالة إلى حالة. # قال سعيد بن جبير: مقرطون, يقال: خلد جاريته إذا حلاها بالخلد، ~~وهو القرط. # قال الحسن: هم أولاد أهل الدنيا لم تكن لهم حسنات فيثابوا عليها ولا ~~سيئات فيعاقبوا عليها لأن الجنة لا ولادة فيها فهم خدام أهل الجنة. # { بأكواب وأباريق } ، فالأكواب جمع كوب، وهي الأقداح ~~المستديرة الأفواه, لا آذان لها ولا عرى، والأباريق وهي: ذوات الخراطيم، ~~سميت أباريق لبريق لونها من الصفاء. # { وكأس من معين } ، خمر جارية. { لا يصدعون عنها } ، ~~لا تصدع رؤوسهم من شربها، { ولا ينزفون } أي لا يسكرون هذا إذا قرئ ~~بفتح الزاي, ومن كسر فمعناه لا ينفد شرابهم. # { وفكهة مما يتخيرون } ، يختارون ما يشتهون يقال ~~تخيرت الشيء إذا أخذت خيره. # { ولحم طير مما يشتهون } ، قال ابن عباس يخطر على قلبه ~~لحم الطير فيصير ممثلا بين يديه على ما اشتهى، ويقال: إنه يقع على صحفة ~~الرجل فيأكل منه ما يشتهي ثم يطير فيذهب. # { وحور عين } ، قرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي بكسر الراء والنون، أي ~~وبحور عين، أتبعه قوله: " بأكواب وأباريق " , " وفاكهة ولحم طير " في ~~الإعراب وإن اختلفا في المعنى، لأن الحور لا يطاف بهن. كقول الشاعر: # إذا ما الغانيات برزن يوما # وزججن الحواجب والعيونا # والعين لا تزجج وإنما تكحل, ومثله كثير. وقيل: معناه ويكرمون بفاكهة ~~ولحم طير وحور عين. # وقرأ الباقون بالرفع أي: ويطوف عليهم حور عين. وقال الأخفش رفع على معنى ~~لهم حور عين, وجاء في تفسيره " حور عين " بيض ضخام العيون. ### || [56.22-28] # { كأمثل اللؤلؤ المكنون } ، المخزون في الصدف لم تمسه ~~الأيدي. ويروى: أنه يسطع نور في الجنة, قالوا: وما هذا؟ قالوا: ضوء ثغر ~~حوراء ضحكت في وجه زوجها. # ويروى: أن الحوراء إذا مشت يسمع تقديس الخلاخل من ساقيها وتمجيد الأسورة ~~من ساعديها، وإن عقد الياقوت ليضحك من نحرها، وفي رجليها نعلان من ذهب ms2228 ~~شراكهما من لؤلؤ يصران بالتسبيح. # { جزآء بما كانوا يعملون }. # { لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما * إلا قيلا } ، ~~أي قولا: { سلاما سلاما } نصبهما اتباعا لقوله " قيلا " أي ~~يسمعون قيلا سلاما سلاما. قال عطاء: يحيي بعضهم بعضا بالسلام. ثم ~~ذكر أصحاب اليمين وعجب من شأنهم فقال جل ذكره: # { وأصحاب اليمين مآ أصحاب اليمين في سدر ~~مخضود } ، لا شوك فيه، كأنه خضد شوكه، أي قطع ونزع منه، هذا قول ~~ابن عباس وعكرمة. وقال الحسن: لا يعقر الأيدي. قال ابن كيسان: هو الذي لا ~~أذى فيه. قال: وليس شيء من ثمرة الجنة في غلف كما يكون في الدنيا من ~~الباقلاء وغيره بل كلها مأكول ومشروب ومشموم ومنظور إليه. قال الضحاك ~~ومجاهد: هو الموقر حملا. قال سعيد بن جبير: ثمارها أعظم من القلال. قال ~~أبو العالية والضحاك: نظر المسلمون إلى وج - وهو واد مخصب بالطائف - ~~فأعجبهم سدرها، وقالوا: يا ليت لنا مثل هذا فأنزل الله هذه الآية. ### || [56.29-31] # { وطلح } ، أي موز, واحدتها طلحة، عن أكثر المفسرين. وقال الحسن: ~~ليس هو بالموز ولكنه شجر له ظل بارد طيب. قال الفراء, وأبو عبيدة: ~~الطلح عند العرب: شجر عظام لها شوك. # وروى مجاهد عن الحسن بن سعد قال: قرأ رجل عند علي رضي الله, عنه: " وطلح ~~منضود " ، فقال: وما شأن الطلح؟ إنما هو طلع منضود, ثم قرأ " طلعها هضيم ~~" ، قلت: يا أمير المؤمنين إنها في المصحف بالحاء أفلا تحولها؟ فقال: إن ~~القرآن لا يهاج اليوم ولا يحول. # و " المنضود " المتراكم الذي قد نضد بالحمل من أوله إلى آخره، ليست له ~~سوق بارزة: قال مسروق أشجار الجنة من عروقها إلى أفنانها ثمر كله. # { وظل ممدود } ، دائم لا تنسخه الشمس والعرب تقول للشيء الذي ~~لا ينقطع: ممدود. # أخبرنا أبو علي بن حسان بن سعيد المنيعي, أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد ~~بن محمش الزيادي، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان, حدثنا أبو الحسن ~~أحمد بن يوسف السلمي، حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن همام بن منبه قال: ~~حدثنا أبو ms2229 هريرة قال: قال رسول الله: # " في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها ". # وروى عكرمة عن ابن عباس في قوله: { وظل ممدود } قال: شجرة في ~~الجنة على ساق يخرج إليها أهل الجنة فيتحدثون في أصلها ويشتهي بعضهم لهو ~~الدنيا فيرسل الله عز وجل عليها ريحا من الجنة فتحرك تلك الشجرة بكل ~~لهو في الدنيا. # { ومآء مسكوب } ، مصبوب يجري دائما في غير أخدود لا ينقطع. ### || [56.32-36] # { وفكهة كثيرة * لا مقطوعة ولا ممنوعة } ، قال ~~ابن عباس: لا تنقطع إذا جنيت, ولا تمتنع من أحد أراد أخذها. وقال بعضهم: ~~لا مقطوعة بالأزمان ولا ممنوعة بالأثمان، كما ينقطع أكثر ثمار الدنيا إذا ~~جاء الشتاء، ولا يتوصل إليها إلا بالثمن. وقال القتيبي: يعني لا يحظر ~~عليها كما يحظر على بساتين الدنيا. # وجاء في الحديث: # " ما قطعت ثمرة من ثمار الجنة إلا أبدل الله مكانها ضعفين ". # { وفرش مرفوعة } ، قال علي: { وفرش مرفوعة } على ~~الأسرة. وقال جماعة من المفسرين: بعضها فوق بعض فهي مرفوعة عالية. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي, أخبرني ابن فنجويه, ~~حدثنا ابن حبيش, حدثنا أبو عبد الرحمن النسائي, حدثنا أبو كريب, رشدين ~~بن سعد, عن عمرو بن الحارث عن دراج أبي السمح, عن أبي الهيثم عن أبي سعيد ~~الخدري وأبي هريرة قالا: # " قال رسول الله في قوله تعالى: { وفرش مرفوعة } قال: «إن ~~ارتفاعها لكما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض لمسيرة ~~خمسمائة عام» ". # وقيل: أراد بالفرش النساء، والعرب تسمي المرأة فراشا ولباسا على ~~الاستعارة، " مرفوعة " رفعن بالجمال والفضل على نساء الدنيا, دليل هذا ~~التأويل قوله في عقبه: # { إنآ أنشأنهن إنشآء } ، خلقناهن خلقا جديدا، قال ابن ~~عباس: يعني الآدميات العجز الشمط، يقول خلقناهن بعد الهرم خلقا آخر. # { فجعلنهن أبكرا } عذارى. # أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني, أخبرنا أبو القاسم ~~علي بن أحمد الخزاعي, عن الهيثم بن كليب الشاشي, أخبرنا أبو عيسى ~~الترمذي, أخبرنا عبد بن حميد, أخبرنا مصعب بن المقدام, أخبرنا المبارك بن ~~فضالة ms2230 عن الحسن قال: # " أتت عجوز النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ادع الله أن ~~يدخلني الجنة، فقال: " يا أم فلان إن الجنة لا يدخلها عجوز " ، قال: فولت ~~تبكي، قال: " أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، إن الله تعالى يقول: { ~~إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا } » ". # أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن ~~محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد الخطيب, ~~أخبرنا أبو سعيد عمرو بن محمد بن منصور, أخبرنا أبو بكر ابن محمد بن ~~سليمان بن الحارث الواسطي ببغداد, أخبرنا خلاد بن يحيى بن صفوان السلمي, ~~حدثنا سفيان الثوري عن يزيد عن أبان، عن أنس بن مالك # " عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: { إنآ أنشأنهن ~~إنشآء } ، قال: «عجائز كن في الدنيا عمشا رمصا. فجعلهن أبكارا» ~~". # وقال المسيب بن شريك: هن عجائز الدنيا أنشأهن الله تعالى خلقا جديدا ~~كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا. # وذكر المسيب عن غيره: أنهن فضلن على الحور العين بصلاتهن في الدنيا. # وقال مقاتل وغيره: هن الحور العين أنشأهن الله, لم يقع عليهن ولادة ~~فجعلناهن أبكارا عذارى وليس هناك وجع. ### || [56.37] # { عربا } قرأ حمزة وإسماعيل عن نافع وأبو بكر: " عربا " ساكنة ~~الراء, الباقون بضمها وهي جمع " عروب " أي: عواشق متحببات إلى أزواجهن. ~~قال الحسن ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير, وهي رواية الوالبي عن ابن عباس. # وقال عكرمة عنه: ملقة. وقال عكرمة: غنجة. وقال أسامة بن زيد عن ~~أبيه: " عربا " حسنات الكلام. # { أترابا } ، مستويات في السن على سن واحد. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي, أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي, أخبرني ابن فنجويه, ~~حدثنا ابن شيبة حدثنا الفريابي عن علي بن أبي شيبة, أخبرنا يزيد بن هارون ~~عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ~~قال: # " يدخل أهل الجنة الجنة جردا مردا بيضا جعادا مكحلين أبناء ثلاث ~~وثلاثين، على خلق آدم طوله ستون ذراعا في سبعة أذرع ". # أخبرنا أبو بكر ms2231 محمد بن عبد الله بن أبي توبة, أخبرنا أبو طاهر محمد بن ~~أحمد الحارث, أخبرنا محمد ابن يعقوب الكسائي, أخبرنا عبد الله بن محمود, ~~حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الخلال, حدثنا عبد الله بن المبارك ~~عن رشدين بن سعد, حدثني عمرو بن الحارث عن دراج أبي السمح عن أبي الهيثم, ~~عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أدنى أهل الجنة الذي له ثمانون ألف خادم واثنتان وسبعون زوجة، وتنصب ~~له قبة من لؤلؤ وزبرجد وياقوت كما بين الجابية إلى صنعاء ". # وبهذا الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ينظر إلى وجهه في خدها أصفى من المرآة، وإن أدنى لؤلؤة عليها تضيء ما ~~بين المشرق والمغرب، وإنه ليكون عليها سبعون ثوبا ينفذها بصره حتى يرى ~~مخ ساقها من وراء ذلك ". # وبهذا الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من مات من أهل الجنة من صغير أو كبير يردون أبناء ثلاثين سنة في ~~الجنة لا يزيدون عليها أبدا، وكذلك أهل النار ". # وبهذا الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن عليهم التيجان، إن أدنى لؤلؤة فيها تضيء ما بين المشرق والمغرب ". # أخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي توبة, أخبرنا أبو طاهر الحارثي, أخبرنا ~~محمد بن يعقوب, أخبرنا عبد الله بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله ~~الخلال, أخبرنا عبد الله بن المبارك عن محمد بن سليم عن الحجاج بن عتاب ~~العبدي عن عبد الله بن معبد الرماني, عن أبي هريرة قال: أدنى أهل الجنة ~~منزلة - وما منهم دنيء - لمن يغدو عليه ويروح عشرة آلاف خادم، مع كل ~~واحد منهم طريفة ليست مع صاحبه. ### || [56.38-40] # قوله عز وجل: { لأصحب اليمين } ، يريد أنشأناهن لأصحاب ~~اليمين. { ثلة من الأولين } ، من المؤمنين الذين كانوا قبل ~~هذه الأمة. { وثلة من الأخرين } ، من مؤمني هذه الأمة، هذا ~~قول عطاء ومقاتل. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي, أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي, أخبرني الحسين بن ~~محمد العدل, حدثنا عبد الله بن ms2232 عبد الرحمن الدقاق، حدثنا محمد بن عبد ~~العزيز, حدثنا عيسى بن المساور, حدثنا الوليد بن مسلم, حدثنا عيسى بن ~~موسى, # " عن عروة بن رويم قال: لما أنزل الله على رسوله { ثلة من ~~الأولين * وقليل من الأخرين } بكى عمر رضي الله عنه، وقال: ~~يا نبي الله آمنا برسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقناه ومن ينجو منا ~~قليل؟ فأنزل الله عز وجل: { ثلة من الأولين * وثلة ~~من الأخرين } ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر فقال: " قد ~~أنزل الله عز وجل فيما قلت " فقال عمر رضي الله عنه: رضينا عن ربنا ~~وتصديق نبينا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من آدم إلينا ~~ثلة، ومني إلى يوم القيامة ثلة، ولا يستتمها إلا سودان من رعاة الإبل ~~ممن قال لا إله إلا الله ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا مسدد حدثنا حصين بن ~~نمير عن حصين بن عبد الرحمن عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: خرج علينا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال: # " عرضت علي الأمم فجعل يمر النبي ومعه الرجل, والنبي ومعه الرجلان, ~~والنبي معه الرهط, والنبي ليس معه أحد، ورأيت سوادا كثيرا سد الأفق ~~فرجوت أن يكونوا أمتي، فقيل هذا موسى في قومه، ثم قيل لي: انظر فرأيت ~~سوادا كثيرا سد فقيل لي: أنظر هكذا وهكذا فرأيت سوادا كثيرا سد ~~الأفق، فقيل: هؤلاء أمتك, ومع هؤلاء سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب, ~~فتفرق الناس ولم يبين لهم فتذاكر أصحاب النبي فقالوا: أما نحن فولدنا في ~~الشرك، ولكنا آمنا بالله ورسوله, ولكن هؤلاء هم أبناؤنا فبلغ النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: " هم الذين لا يتطيرون ولا يسترقون ولا يكتوون وعلى ~~ربهم يتوكلون " فقام عكاشة ابن محصن فقال: أمنهم أنا يا رسول الله؟ فقال: ~~نعم، فقام آخر فقال: أمنهم أنا؟ قال عليه السلام: " قد سبقك بها عكاشة ". # ورواه عبد الله بن مسعود عن ms2233 رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " عرضت علي الأنبياء الليلة بأتباعها حتى أتى علي موسى عليه السلام في ~~كبكبة بني إسرائيل فلما رأيتهم أعجبوني، فقلت: أي رب هؤلاء؟ قيل: هذا ~~أخوك موسى ومن معه من بني إسرائيل، قلت: رب فأين أمتي؟ قيل: انظر عن ~~يمينك, فإذا ظراب مكة قد سدت بوجوه الرجال، قيل: هؤلاء أمتك أرضيت؟ قلت ~~رب رضيت, رب رضيت، قيل: انظر عن يسارك, فإذا الأفق قد سد بوجوه الرجال، ~~قيل: هؤلاء أمتك أرضيت؟ قلت: رب رضيت، فقيل: إن مع هؤلاء سبعين ألفا ~~يدخلون الجنة لا حساب لهم، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم إن استطعتم ~~أن تكونوا من السبعين فكونوا, وإن عجزتم وقصرتم فكونوا من أهل الظراب, ~~وإن عجزتم فكونوا من أهل الأفق, فإني قد رأيت ثم أناسا يتهاوشون ~~كثيرا ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا ~~محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا محمد بن بشار, حدثنا غندر, ~~حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله قال: # " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبة فقال: أترضون أن تكونوا ~~ربع أهل الجنة؟ قلنا نعم، قال: أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قلنا: ~~نعم, قال: والذي نفس محمد بيده إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، وذلك ~~أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وما أنتم من أهل الشرك إلا كالشعرة ~~البيضاء في جلد الثور الأسود أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر ". # وذهب جماعة إلى أن الثلثين جميعا من هذه الأمة، وهو قول أبي ~~العالية ومجاهد وعطاء بن أبي رباح والضحاك، قالوا: { ثلة من ~~الأولين } من سابقي هذه الأمة { وثلة من الأخرين } من ~~آخر هذه الأمة في آخر الزمان. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي, أخبرني الحسين بن ~~محمد الدينوري, حدثنا أحمد بن محمد بن إسحاق السني, أخبرنا أبو خليفة ~~الفضل بن الحباب, حدثنا محمد بن كثير, أخبرنا سفيان عن أبان بن ms2234 أبي عياش ~~عن سعيد بن جبير # " عن ابن عباس في هذه الآية: { ثلة من الأولين * وثلة ~~من الأخرين } قال رسول الله: «هما جميعا من أمتي ". ### || [56.41-47] # قوله تعالى: { وأصحب الشمال مآ أصحب الشمال * فى ~~سموم } ، ريح حارة، { وحميم } ، ماء حار, { وظل من ~~يحموم } ، دخان شديد السواد، تقول العرب: أسود يحموم إذا كان شديد ~~السواد، وقال الضحاك: النار سوداء وأهلها سود، وكل شيء فيها أسود. وقال ~~ابن كيسان: " اليحموم " اسم من أسماء النار. # { لا بارد ولا كريم } ، قال قتادة: لا بارد المنزل ولا كريم ~~المنظر. وقال سعيد بن المسيب: ولا كريم ولا حسن، نظيره # من كل زوج كريم # [الشعراء: 7]. وقال مقاتل: طيب. # { إنهم كانوا قبل ذلك } ، يعني في الدنيا، { مترفين ~~} ، منعمين. # { وكانوا يصرون } ، يقيمون { على الحنث العظيم } ، على ~~الذنب الكبير وهو الشرك. وقال الشعبي: " الحنث العظيم " اليمين الغموس. ~~ومعنى هذا: أنهم كانوا يحلفون أنهم لا يبعثون وكذبوا في ذلك. # { وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا وعظما ~~أئنا لمبعوثون } ، قرأ أبو جعفر, ونافع, والكسائي, ويعقوب: { أئذا ~~} مستفهما " إنا " بتركه، وقرأ الآخرون بالاستفهام فيهما. ### || [56.48-60] # { أو ءابآؤنا الأولون * قل إن الأولين ~~والأخرين * لمجموعون إلى ميقت يوم معلوم * ~~ثم إنكم أيها الضآلون المكذبون * لأكلون من ~~شجر من زقوم * فمالئون منها البطون * ~~فشربون عليه من الحميم * فشربون شرب الهيم ~~} ، قرأ أهل المدينة, وعاصم, وحمزة: " شرب " بضم الشين. وقرأ الباقون ~~بفتحها وهما لغتان, فالفتح على المصدر, والضم اسم بمعنى المصدر كالضعف ~~والضعف و " الهيم " الإبل العطاش، قال عكرمة وقتادة: الهيام داء يصيب ~~الإبل لا تروى معه, ولا تزال تشرب حتى تهلك. يقال: جمل أهيم، وناقة ~~هيماء، والإبل هيم. وقال الضحاك وابن عيينة: " الهيم " الأرض السهلة ذات ~~الرمل. # { هذا نزلهم } ، يعني ما ذكر من الزقوم والحميم، أي رزقهم ~~وغذاؤهم وما أعدلهم، { يوم الدين } ، يوم يجازون بأعمالهم ثم احتج ~~عليهم في البعث بقوله: # { نحن خلقنكم } ، قال مقاتل خلقناكم ولم تكونوا شيئا, وأنتم ~~تعلمون ذلك، { فلولا } فهلا { تصدقون } ، بالبعث. # { أفرأيتم ما تمنون } ، تصبون في الأرحام من النطف. # { ءأنتم تخلقونه ms2235 } ، يعني أأنتم تخلقون ما تمنون بشرا. { أم ~~نحن الخالقون * نحن قدرنا } ، قرأ ابن كثير بتخفيف الدال ~~والباقون بتشديدها وهما لغتان، { بينكم الموت } ، قال مقاتل ~~فمنكم من يبلغ الهرم ومنكم من يموت صبيا وشابا. وقال الضحاك: تقديره: ~~إنه جعل أهل السماء وأهل الأرض فيه سواء, فعلى هذا يكون معنى " قدرنا ~~": قضينا. # { وما نحن بمسبوقين } ، بمغلوبين عاجزين عن إهلاككم وإبدالكم ~~بأمثالكم. ### || [56.61-66] # قوله عز وجل: { على أن نبدل أمثلكم } ، يعني: نأتي ~~بخلق مثلكم بدلا منكم، { وننشئكم } ، نخلقكم { فيما لا ~~تعلمون } ، من الصور، قال مجاهد: في أي خلق شئنا. وقال الحسن: أي ~~نبدل صفاتكم فنجعلكم قردة وخنازير, كما فعلنا بمن كان قبلكم، يعني: إن ~~أردنا أن نفعل ذلك ما فاتنا ذلك. وقال سعيد بن المسيب: " فيما لا تعلمون ~~" يعني: في حواصل طير سود, تكون ببرهوت كأنها الخطاطيف, وبرهوت واد ~~باليمن. # { ولقد علمتم النشأة الأولى } ، الخلقة الأولى ولم ~~تكونوا شيئا. { فلولا تذكرون } ، أني قادر على إعادتكم كما ~~قدرت على إبدائكم. # { أفرءيتم ما تحرثون } ، يعني: تثيرون من الأرض وتلقون ~~فيها من البذر. # { ءأنتم تزرعونه } ، تنبتونه، { أم نحن الزرعون } ~~، المنبتون. # { لو نشآء لجعلنه حطما } ، قال عطاء: تبنا لا قمح ~~فيه، وقيل: هشيما لا ينتفع به في مطعم وغذاء, { فظلتم } ، وأصله: ~~فظللتم، حذفت إحدى اللامين تخفيفا. { تفكهون } ، تتعجبون بما نزل ~~بكم في زرعكم، وهو قول عطاء والكلبي ومقاتل: وقيل: تندمون على نفقاتكم، ~~وهو قول يمان، نظيره: # فأصبح يقلب كفيه على مآ أنفق فيها # [الكهف: 42]، وقال الحسن: تندمون على ما سلف منكم من المعصية التي أوجبت ~~تلك العقوبة. وقال عكرمة: تتلاومون. قال ابن كيسان: تحزنون. قال الكسائي: ~~هو تلهف على ما فات, وهو من الأضداد، تقول العرب: " تفكهت " أي: تنعمت و ~~" تفكهت " أي حزنت. # { إنا لمغرمون } ، قرأ أبو بكر عن عاصم " أئنا " بهمزتين, وقرأ ~~الآخرون على الخبر، ومجاز الآية: فظلتم تفكهون وتقولون إنا لمغرومون. ~~وقال مجاهد وعكرمة لمولع بنا. وقال ابن عباس وقتادة: معذبون، والغرام ~~العذاب. وقال الضحاك وابن كيسان: غرمنا أموالنا وصار ما أنفقنا غرما ~~علينا، والمغرم ms2236 الذي ذهب ماله بغير عوض. ### || [56.67-73] # { بل نحن محرومون } ، محدودون ممنوعون، أي حرمنا ما كنا نطلبه ~~من الريع في الزرع. # { أفرءيتم المآء الذى تشربون * ءأنتم ~~أنزلتموه من المزن } ، السحاب، واحدتها: مزنة، { أم ~~نحن المنزلون * لو نشاء جعلنه أجاجا } قال ابن ~~عباس: شديد الملوحة، قال الحسن: مرا. { فلولا تشكرون }. # { أفرأيتم النار التي تورون } تقدحون وتستخرجون من زندكم. # { ءأنتم أنشأتم شجرتهآ } ، التي تقدح منها النار, وهي ~~المرخ والعفار، { أم نحن المنشئون * نحن جعلنها ~~تذكرة } ، يعني نار الدنيا, تذكرة للنار الكبرى إذا رآها الرائي ذكر ~~جهنم، قاله عكرمة ومجاهد ومقاتل. وقال عطاء: موعظة يتعظ بها المؤمن. # أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي, أنا أبو علي زاهر بن أحمد ~~الفقيه, حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب ~~عن مالك. عن أبي الزناد عن الأعرج, عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " «نار بني آدم التي يوقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم»، قالوا: يا ~~رسول الله إن كانت لكافية، قال: «فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا» ". # { ومتعا } ، بلغة ومنفعة، { للمقوين } ، المسافرين, و " ~~المقوي ": النازل في الأرض والقي والقوا هو: القفر الخالية البعيدة من ~~العمران, يقال: أقوت الدار إذا خلت من سكانها. والمعنى: أنه ينتفع بها ~~أهل البوادي والأسفار، فإن منفعتهم بها أكثر من منفعة المقيم وذلك أنهم ~~يوقدونها ليلا لتهرب منهم السباع ويهتدي بها الضلال وغير ذلك من ~~المنافع، هذا قول أكثر المفسرين. # وقال مجاهد وعكرمة: " للمقوين " يعني للمستمتعين بها من الناس أجمعين، ~~المسافرين والحاضرين, يستضيئون بها في الظلمة ويصطلون من البرد، وينتفعون ~~بها في الطبخ والخبز. # قال الحسن: بلغة للمسافرين, يتبلغون بها إلى أسفارهم, يحملونها في ~~الخرق والجواليق. # وقال ابن زيد: للجائعين, تقول العرب: أقويت منذ كذا وكذا, أي: ما أكلت ~~شيئا. # قال قطرب: " المقوي " من الأضداد, يقال للفقير: مقو لخلوه من المال، ~~ويقال للغني: مقو، لقوته على ما يريد، يقال: أقوى الرجل إذا قويت ~~دوابه وكثر ماله، وصار إلى حالة القوة. والمعنى ms2237 أن فيها متاعا للأغنياء ~~والفقراء جميعا لا غنى لأحد عنها. ### || [56.74-78] # { فسبح باسم ربك العظيم }. # قوله عز وجل: { فلا أقسم بموقع النجوم } ، قال أكثر ~~المفسرين: معناه أقسم, و " لا " صلة، وكان عيسى بن عمر يقرأ: فلأ ~~قسم، على التحقيق. وقيل: قوله " فلا " رد لما قاله الكفار في القرآن ~~إنه سحر وشعر وكهانة، معناه ليس الأمر كما يقولون, ثم استأنف القسم، فقال ~~{ أقسم بموقع النجوم }. قرأ حمزة والكسائي " بموقع " على ~~التوحيد. وقرأ الآخرون بمواقع على الجمع. قال ابن عباس: أراد نجوم ~~القرآن, فإنه كان ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم متفرقا نجوما. ~~وقال جماعة من المفسرين: أراد مغارب النجوم ومساقطها. وقال عطاء بن أبي ~~رباح: أراد منازلها. وقال الحسن: أراد انكدارها وانتثارها يوم القيامة. # { وإنه لقسم لو تعلمون عظيم * إنه } ، يعني هذا ~~الكتاب وهو موضع القسم. { لقرءان كريم } ، عزيز مكرم لأنه كلام ~~الله. قال بعض أهل المعاني: الكريم الذي من شأنه أن يعطي الخير الكثير. # { في كتب مكنون } ، مصون عند الله في اللوح المحفوظ, محفوظ ~~من الشياطين. ### || [56.79] # { لا يمسه } ، أي ذلك الكتاب المكنون، { إلا المطهرون } ، ~~وهم الملائكة الموصوفون بالطهارة، يروى هذا عن أنس، وهو قول سعيد بن ~~جبير، وأبي العالية، وقتادة وابن زيد: أنهم الملائكة. وروى حيان عن ~~الكلبي قال: هم السفرة الكرام البررة. # وروى محمد بن فضيل عنه لا يقرؤه إلا الموحدون. قال عكرمة: وكان ابن عباس ~~ينهى أن يمكن اليهود والنصارى من قراءة القرآن. قال الفراء: لا يجد طعمه ~~ونفعه إلا من آمن به. وقال قوم: معناه لا يمسه إلا المطهرون من الأحداث ~~والجنابات. وظاهر الآية نفي ومعناها نهي، قالوا: لا يجوز للجنب ولا ~~للحائض ولا المحدث حمل المصحف ولا مسه، وهو قول عطاء، وطاوس، وسالم، ~~والقاسم، وأكثر أهل العلم، وبه قال مالك والشافعي. وقال الحكم، وحماد، ~~وأبو حنيفة: يجوز للمحدث والجنب حمل المصحف ومسه بغلاف. # والأول قول أكثر الفقهاء. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي, أخبرنا زاهر بن أحمد, أخبرنا أبو إسحاق ~~الهاشمي, أخبرنا أبو مصعب عن ms2238 مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن ~~عمرو بن حزم أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو ~~بن حزم أن لا يمس القرآن إلا طاهر. # والمراد بالقرآن: المصحف، سماه قرآنا على قرب الجوار والاتساع. كما روي ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو " # وأراد به المصحف. ### || [56.80-82] # { تنزيل من رب العلمين } ، أي القرآن منزل من عند رب ~~العالمين. سمي المنزل: تنزيلا, على اتساع اللغة، كما يقال للمقدور: ~~قدر, وللمخلوق خلق. # { أفبهذا الحديث } ، يعني القرآن { أنتم } ، يا أهل مكة، { ~~مدهنون } ، قال ابن عباس: مكذبون. وقال مقاتل بن حيان: كافرون, ~~نظيره: # ودوا لو تدهن فيدهنون # [القلم: 9]، والمدهن والمداهن الكذاب والمنافق، وهو من الإدهان, وهو ~~الجري في الباطن على خلاف الظاهر، هذا أصله, ثم قيل للمكذب: مدهن, وإن ~~صرح بالتكذيب والكفر. # { وتجعلون رزقكم } ، حظكم ونصيبكم من القرآن، { أنكم ~~تكذبون } ، قال الحسن في هذه الآية: خسر عبد لا يكون حظه من كتاب ~~الله إلا التكذيب به. # وقال جماعة من المفسرين: معناه وتجعلون شكركم أنكم تكذبون. # وقال الهيثم بن عدي: إن من لغة أزد شنوءة: ما رزق فلان, بمعنى ما شكر, ~~وهذا في الاستسقاء بالأنواء, وذلك أنهم كانوا يقولون إذا مطروا: مطرنا ~~بنوء كذا، ولا يرون ذلك من فضل الله تعالى، فقيل لهم: أتجعلون رزقكم, ~~أي شكركم بما رزقتم, يعني شكر رزقكم التكذيب، فحذف المضاف وأقام المضاف ~~إليه مقامه. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي, أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق ~~الهاشمي, أخبرنا أبو مصعب عن مالك, عن صالح بن كيسان, عن عبيد الله بن ~~عبد الله بن عتبة بن مسعود, # " عن زيد بن خالد الجهني قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~صلاة الصبح بالحديبية على أثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على ~~الناس فقال: «هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ~~قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا ms2239 بفضل الله ورحمته ~~فذلك مؤمن بي، وكافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا, فذلك ~~كافر بي ومؤمن بالكواكب» ". # ورواه ابن عباس عن رسول الله صلى الله صلى عليه وسلم وزاد: فنزلت هذه ~~الآية { فلا أقسم بموقع النجوم } إلى قوله: # وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون # [الواقعة: 82]. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر, أخبرنا عبد الغافر بن محمد, أخبرنا محمد ~~بن عيسى الجلودي, أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان, حدثنا مسلم بن ~~الحجاج, حدثني محمد بن سلمة المرادي, حدثنا عبد الله بن وهب عن عمرو بن ~~الحارث, أخبرنا أبو يونس حدثه عن أبي هريرة عن رسول الله أنه قال: # " ما أنزل الله من السماء من بركة إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين، ~~ينزل الله تعالى الغيث فيقولون: مطرنا بكوكب كذا وكذا ". ### || [56.83-89] # قوله عز وجل: { فلولا } ، فهلا، { إذا بلغت الحلقوم } ، ~~أي بلغت النفس الحلقوم عند الموت. # { وأنتم حينئذ تنظرون } ، يريد وأنتم يا أهل الميت تنظرون ~~إليه متى تخرج نفسه. وقيل: معنى قوله " تنظرون " أي إلى أمري وسلطاني لا ~~يمكنكم الدفع ولا تملكون شيئا. { ونحن أقرب إليه منكم } ~~، بالعلم والقدرة والرؤية. وقيل: ورسلنا الذين يقبضون روحه أقرب إليه ~~منكم، { ولكن لا تبصرون } ، الذين حضروه. # { فلولا } ، فهلا { إن كنتم غير مدينين } ، مملوكين، وقال ~~أكثرهم: محاسبين ومجزيين. { ترجعونهآ إن كنتم صدقين } ، ~~أي تردون نفس هذا الميت إلى جسده بعدما بلغت الحلقوم, فأجاب عن قوله: { ~~فلولا إذا بلغت الحلقوم } ، وعن قوله { فلولا إن ~~كنتم غير مدينين } بجواب واحد، ومثله قوله عز وجل: # فإما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداي فلا ~~خوف عليهم # [البقرة: 38] أجيبا بجواب واحد، معناه: إن كان الأمر كما تقولون - أنه ~~لا بعث ولا حساب ولا إله يجازي - فهلا تردون نفس من يعز عليكم إذا بلغت ~~الحلقوم، وإذ لم يمكنكم ذلك فاعلموا أن الأمر إلى غيركم وهو الله عز ~~وجل فآمنوا به. ثم ذكر طبقات الخلق عند الموت وبين درجاتهم فقال: # { فأمآ إن كان من المقربين } ، وهم السابقون, { فروح ~~} قرأ يعقوب { فروح } ، بضم ms2240 الراء, والباقون بفتحها, فمن قرأ بالضم، ~~قال الحسن معناه: تخرج روحه في الريحان، وقال قتادة: الروح الرحمة أي له ~~الرحمة، وقيل: معناه فحياة وبقاء لهم. # ومن قرأ بالفتح, معناه: فله روح وهو الراحة، وهو قول مجاهد. وقال سعيد ~~بن جبير: فرح. وقال الضحاك: مغفرة ورحمة. # { وريحان } ، استراحة. وقال مجاهد وسعيد بن جبير: رزق. وقال مقاتل: ~~هو الرزق بلسان حمير، يقال: خرجت أطلب ريحان الله, أي رزق الله. # وقال آخرون: هو الريحان الذي يشم. قال أبو العالية: لا يفارق أحد من ~~المقربين الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم تقبض روحه. # { وجنة نعيم } ، قال أبو بكر الوراق: " الروح " النجاة من ~~النار, و " الريحان " دخول دار القرار. ### || [56.90-92] # { وأمآ إن كان } المتوفى، { من أصحب اليمين * ~~فسلم لك من أصحب اليمين } ، أي سلامة لك يا محمد منهم, ~~فلا تهتم لهم, فإنهم سلموا من عذاب الله أو أنك ترى فيهم ما تحب من ~~السلامة. # قال مقاتل: هو أن الله تعالى يتجاوز عن سيئاتهم ويقبل حسناتهم. # وقال الفراء وغيره: مسلم لك أنهم من أصحاب اليمين، أو يقال لصاحب ~~اليمين: مسلم لك إنك من أصحاب اليمين وألقيت إن كالرجل يقول إني مسافر ~~عن قليل, فيقول له: أنت مصدق مسافر عن قليل، وقيل: " فسلام لك " أي عليك ~~من أصحاب اليمين. # { وأمآ إن كان من المكذبين } ، بالبعث، { الضآلين ~~} ، عن الهدى وهم أصحاب المشأمة. ### || [56.93-96] # { فنزل من حميم } ، فالذي يعد لهم حميم جهنم, { ~~وتصلية جحيم } ، وإدخال نار عظيمة. # { إن هذا } ، يعني ما ذكر من قصة المحتضرين، { لهو حق ~~اليقين } ، أي الحق اليقين, أضافه إلى نفسه. # { فسبح باسم ربك العظيم } ، قيل: فصل بذكر ربك ~~وأمره، وقيل: الباء زائدة أي فسبح اسم ربك العظيم. # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي, أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم ~~الثعلبي, أخبرنا ابن فنجويه, أخبرنا ابن أبي شيبة, حدثنا حمزة بن محمد ~~الكاتب, حدثنا نعيم بن حماد, حدثنا عبد الله بن المبارك عن موسى بن أيوب ~~الغافقي عن عمه وهو إياس بن عامر، عن ms2241 عقبة بن عامر الجهني قال: # " لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم { فسبح باسم ~~ربك العظيم } ، قال: " اجعلوها في ركوعكم " , ولما نزلت { ~~سبح اسم ربك الأعلى } ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~اجعلوها في سجودكم ". # أخبرنا أبو عثمان الضبي, أخبرنا أبو محمد الجراحي, حدثنا أبو العباس ~~المحبوبي, ثنا أبو عيسى الترمذي, حدثنا محمود بن غيلان, حدثنا أبو داود, ~~قال أخبرنا شعبة عن الأعمش قال: سمعت سعد بن عبيدة يحدث عن ~~المستورد، عن صلة بن زفر، # " عن حذيفة أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان يقول في ركوعه: " ~~سبحان ربي العظيم وفي سجوده سبحان ربي الأعلى، وما أتى على آية رحمة إلا ~~وقف وسأل، وما أتى على آية عذاب إلا وقف وتعوذ ". # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا قتيبة بن سعيد, حدثنا ~~محمد بن فضيل, أخبرنا عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: ~~سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ". # أخبرنا أبو نصر محمد بن الحسن الجلفري, حدثني أبو القاسم تمام بن محمد ~~بن عبد الله الرازي بدمشق, حدثنا علي بن الحسين البزاز وأحمد بن سليمان ~~بن حذلم وابن راشد قالوا: أخبرنا بكار بن قتيبة, حدثنا روح بن عبادة, ~~حدثنا حجاج الصواف عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من قال سبحان الله العظيم وبحمده, غرست له نخلة في الجنة ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي, قال أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن ~~سمعان, حدثنا أبو جعفر محمد ابن أحمد بن عبد الجبار الرياني, حدثنا حميد ~~بن زنجويه, حدثنا يونس بن عبد الأعلى, أخبرنا ابن وهب، أخبرني السري بن ~~يحيى أن شجاعا حدثه عن أبي طيبة عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله ms2242 عليه وسلم يقول: # " من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقه أبدا " # وكان أبو طيبة لا يدعها أبدا. ### | [57 - سورة الحديد] ### || [57.1-7] # { سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز ~~الحكيم له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت ~~وهو على كل شيء قدير هو الأول والآخر ~~والظاهر والباطن } , يعني هو " الأول " قبل كل شيء بلا ابتداء, ~~كان هو ولم يكن شيء موجودا, و " الآخر " بعد فناء كل شيء, بلا انتهاء ~~تفنى الأشياء ويبقى هو, و " الظاهر " الغالب العالي على كل شيء، و " ~~الباطن " العالم بكل شيء، هذا معنى قول ابن عباس. # وقال يمان: " هو الأول " القديم و " الآخر " الرحيم، و " الظاهر " ~~الحليم، و " الباطن " العليم. # وقال السدي: هو الأول ببره إذ عرفك توحيده, والآخر بجوده إذ عرفك ~~التوبة على ما جنيت، والظاهر بتوفيقه إذ وفقك للسجود له، والباطن بستره ~~إذا عصيته فستر عليك. # وقال الجنيد: هو الأول بشرح القلوب، والآخر بغفران الذنوب، والظاهر بكشف ~~الكروب، والباطن بعلم الغيوب. # وسأل عمر - رضي الله تعالى عنه - كعبا عن هذه الآية فقال: معناها إن ~~علمه بالأول كعلمه بالآخر، وعلمه بالظاهر كعلمه بالباطن. # { وهو بكل شىء عليم } , أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر, ~~أخبرنا عبد الغفار بن محمد, أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي, حدثنا إبراهيم ~~بن محمد بن سفيان, حدثنا مسلم بن الحجاج, حدثني زهير بن حرب, حدثنا جرير ~~عن سهيل قال: كان أبو صالح يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام أن يضطجع على ~~شقه الأيمن ثم يقول: " اللهم رب السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم ربنا ~~ورب كل شيء، فالق الحب والنوى, منزل التوراة والإنجيل والقرآن, أعوذ بك ~~من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته، أنت الأول فليس قبلك شيء, وأنت الآخر ~~فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء, وأنت الباطن فليس دونك شيء، ~~اقض عني الدين واغنني من الفقر " وكان يروى ذلك عن أبي هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم. # { هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ~~ثم استوى ms2243 على العرش، يعلم ما يلج في الأرض ~~وما يخرج منها وما ينزل من السمآء وما يعرج ~~فيها، وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون ~~بصير، له ملك السماوات والأرض وإلى الله ~~ترجع الأمور، يولج الليل في النهار ويولج ~~النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور }. # { ءامنوا بالله ورسوله } ، يخاطب كفار مكة، { وأنفقوا ~~مما جعلكم مستخلفين فيه } ، مملكين فيه يعني المال الذي ~~كان بيد غيرهم فأهلكهم وأعطاه قريشا، فكانوا في ذلك المال خلفاء عمن ~~مضوا. { فالذين ءامنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير ~~}. ### || [57.8-14] # { وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم ~~لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثقكم } ، قرأ أبو عمرو ~~{ أخذ } بضم الهمزة وكسر الخاء { ميثاقكم } برفع القاف على ما لم ~~يسم فاعله. وقرأ الآخرون بفتح الهمزة والخاء والقاف، أي: أخذ الله ~~ميثاقكم حين أخرجكم من ظهر آدم عليه السلام، بأن الله ربكم لا إله لكم ~~سواه، قاله مجاهد. # وقيل: أخذ ميثاقكم بإقامة الحجج والدلائل التي تدعو إلى متابعة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم. # { إن كنتم مؤمنين } يوما، فالآن أحرى الأوقات أن تؤمنوا لقيام ~~الحجج والإعلام ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم ونزول القرآن. # { هو الذى ينزل على عبده } ، محمد صلى الله عليه وسلم, ~~{ ءايات بينات } ، يعني القرآن، { ليخرجكم } ، الله ~~بالقرآن، { من الظلمت إلى النور } ، وقيل: ليخرجكم الرسول ~~بالدعوة من الظلمات إلى النور أي من ظلمات الشرك إلى نور الإيمان، { ~~وإن الله بكم لرءوف رحيم }. # { وما لكم ألا تنفقوا فى سبيل الله ولله ~~ميراث السموت والأرض } ، يقول: أي شيء لكم في ترك الإنفاق ~~فيما يقرب من الله وأنتم ميتون تاركون أموالكم، ثم بين فضل من سبق ~~بالإنفاق في سبيل الله وبالجهاد فقال: { لا يستوى منكم من ~~أنفق من قبل الفتح } ، يعني فتح مكة في قول أكثر المفسرين، وقال ~~الشعبي: هو صلح الحديبية، { وقتل } ، يقول: لا يستوي في الفضل من ~~أنفق ماله وقاتل العدو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل فتح مكة مع ~~من أنفق وقاتل بعده، { أولئك أعظم درجة من ms2244 الذين ~~أنفقوا من بعد وقتلوا }. وروى محمد بن فضيل عن الكلبي أن ~~هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - فإنه أول من أسلم ~~وأول من أنفق ماله في سبيل الله. وقال عبد الله بن مسعود: أول من أظهر ~~إسلامه بسيفه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر. # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي, أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن ~~إبراهيم الثعلبي, أخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد, أخبرنا أحمد بن إسحاق ~~بن أيوب, أخبرنا محمد بن يونس, حدثنا العلاء بن عمرو الشيباني, حدثنا أبو ~~إسحاق الفزاري, حدثنا سفيان بن سعيد عن آدم بن علي عن ابن عمر قال: # " كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده أبو بكر الصديق رضي الله ~~عنه، وعليه عباءة قد خلها في صدره بخلال، فنزل عليه جبريل فقال: مالي أرى ~~أبا بكر عليه عباءة قد خلها في صدره بخلال؟ فقال: " أنفق ماله علي قبل ~~الفتح " قال: فإن الله عز وجل يقول: اقرأ عليه السلام وقل له: أراض أنت ~~عني في فقرك هذا أم ساخط؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا أبا ~~بكر إن الله عز وجل يقرأ عليك السلام ويقول لك: أراض أنت في فقرك هذا ~~أم ساخط؟ " فقال أبو بكر: أأسخط على ربي؟ إني عن ربي راض إني عن ربي ~~راض ". # { وكلا وعد الله الحسنى } ، أي كلا الفريقين وعدهم الله ~~الجنة. قال عطاء: درجات الجنة تتفاضل، فالذين أنفقوا قبل الفتح في ~~أفضلها. وقرأ ابن عامر: " وكل " بالرفع، { والله بما تعملون ~~خبير }. # { من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا فيضعفه ~~له وله أجر كريم * يوم ترى المؤمنين ~~والمؤمنت يسعى نورهم } ، يعني على الصراط، { بين ~~أيديهم وبأيمنهم } ، يعني عن أيمانهم. قال بعضهم: أراد ~~جميع جوانبهم, فعبر بالبعض عن الكل وذلك دليلهم إلى الجنة. # وقال قتادة: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن أبين وصنعاء ودون ~~ذلك، حتى ms2245 أن من المؤمنين من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه ". # وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم ~~فمنهم من يؤتى نوره كالنخلة، ومنهم من يؤتى نوره كالرجل القائم, وأدناهم ~~نورا من نوره أعلى إبهامه فيطفأ مرة ويقد مرة. # وقال الضحاك ومقاتل: " يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم " كتبهم, يريد ~~أن كتبهم التي أعطوها بأيمانهم ونورهم بين أيديهم، وتقول لهم الملائكة: { ~~بشراكم اليوم جنت تجرى من تحتها الأنهر ~~خلدين فيها ذلك هو الفوز العظيم }. # { يوم يقول المنفقون والمنفقت للذين ~~ءامنوا انظرونا } ، قرأ الأعمش وحمزة: " أنظرونا " بفتح الهمزة ~~وكسر الظاء يعني أمهلونا. وقيل: انتظرونا. وقرأ الآخرون بحذف الألف في ~~الوصل وضمها في الابتداء وضم الظاء، تقول العرب: انظرني وأنظرني يعني ~~انتظرني. { نقتبس من نوركم } ، نستضيء من نوركم، وذلك أن الله ~~تعالى يعطي المؤمنين نورا على قدر أعمالهم يمشون به على الصراط، ويعطي ~~المنافقين أيضا نورا خديعة لهم، وهو قوله عز وجل: # وهو خادعهم # [النساء: 141]، فبينما هم يمشون إذ بعث الله عليهم ريحا وظلمة فأطفأ ~~نور المنافقين، فذلك قوله: # يوم لا يخزى الله النبى والذين ءامنوا معه ~~نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا ~~أتمم لنا نورنا # [التحريم: 8] مخافة أن يسلبوا نورهم كما سلب نور المنافقين. # وقال الكلبي: بل يستضيء المنافقون بنور المؤمنين ولا يعطون النور فإذا ~~سبقهم المؤمنون وبقوا في الظلمة قالوا للمؤمنين: انظرونا نقتبس من نوركم، ~~{ قيل ارجعوا وراءكم } ، قال ابن عباس: يقول لهم المؤمنون، وقال ~~قتادة: تقول لهم الملائكة: ارجعوا وراءكم من حيث جئتم، { فالتمسوا ~~نورا } ، فاطلبوا هناك لأنفسكم نورا فإنه لا سبيل لكم إلى الاقتباس من ~~نورنا، فيرجعون في طلب النور فلا يجدون شيئا فينصرفون إليهم ليلقوهم ~~فيميز بينهم وبين المؤمنين، وهو قوله: { فضرب بينهم بسور } ، أي ~~سور، و " الباء " صلة يعني بين المؤمنين والمنافقين، وهو حائط بين الجنة ~~والنار، { له } أي لذلك السور، { باب باطنه فيه الرحمة } ، ~~أي في باطن ذلك السور الرحمة وهي الجنة، { وظاهره } ، أي خارج ذلك ~~السور، { من قبله } ، أي ms2246 من قبل ذلك الظاهر، { العذاب } ، وهو ~~النار. # { ينادونهم } روي عن عبد الله بن عمرو قال: إن السور الذي ذكر ~~الله تعالى في القرآن { فضرب بينهم بسور له باب } هو سور ~~بيت المقدس الشرقي, باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، وادي جهنم. # وقال شريح: كان كعب يقول: في الباب الذي يسمى " باب الرحمة " في بيت ~~المقدس: إنه الباب الذي قال الله عز وجل: { فضرب بينهم بسور ~~له باب } الآية، " ينادونهم " يعني: ينادي المنافقون المؤمنين من وراء ~~السور حين حجز بينهم بالسور وبقوا في الظلمة: # { ألم نكن معكم } في الدنيا نصلي ونصوم؟ { قالوا بلى ~~ولكنكم فتنتم أنفسكم } ، أهلكتموها بالنفاق والكفر ~~واستعملتموها في المعاصي والشهوات، وكلها فتنة، { وتربصتم } ، ~~بالإيمان والتوبة. قال مقاتل: وتربصتم بمحمد الموت وقلتم يوشك أن يموت ~~فنستريح منه، { وارتبتم } ، شككتم في نبوته وفيما أوعدكم به, { ~~وغرتكم الأمانى } ، الأباطيل وما كنتم تتمنون من نزول الدوائر ~~بالمؤمنين { حتى جآء أمر الله } ، يعني الموت، { وغركم ~~بالله الغرور } ، يعني الشيطان، قال قتادة: ما زالوا على خدعة من ~~الشيطان حتى قذفهم الله في النار. ### || [57.15-20] # { فاليوم لا يؤخذ منكم فدية } ، قرأ أبو جعفر, وابن ~~عامر ويعقوب: " تؤخذ " بالتاء، وقرأ الآخرون بالياء، { فدية } بدل ~~وعوض بأن تفدوا أنفسكم من العذاب، { ولا من الذين كفروا } ، ~~يعني المشركين، { مأوكم النار هي مولكم } ، صاحبكم ~~وأولى بكم, لما أسلفتم من الذنوب، { وبئس المصير }. # قوله عز وجل: { ألم يأن للذين ءامنوا أن تخشع ~~قلوبهم لذكر الله } ، قال الكلبي ومقاتل: نزلت في المنافقين ~~بعد الهجرة بسنة، وذلك أنهم سألوا سلمان الفارسي ذات يوم فقالوا: حدثنا ~~عن التوراة، فإن فيها العجائب، فنزلت: # نحن نقص عليك أحسن القصص # [يوسف: 3]، فأخبرهم أن القرآن أحسن قصصا من غيره فكفوا عن سؤال سلمان ~~ما شاء الله، ثم عادوا فسألوا سلمان عن مثل ذلك فنزل: # الله نزل أحسن الحديث كتبا متشبها # [الزمر: 23]، فكفوا عن سؤاله ما شاء الله ثم عادوا فقالوا: حدثنا عن ~~التوراة فإن فيها العجائب فنزلت هذه الآية. # فعلى هذا التأويل, قوله: { ألم يأن للذين ms2247 ءامنوا أن ~~تخشع قلوبهم لذكر الله } ، يعني في العلانية وباللسان. # وقال الآخرون: نزلت في المؤمنين. قال عبد الله بن مسعود: ما كان بين ~~إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية: { ألم يأن للذين ~~ءامنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله } ، إلا أربع ~~سنين. # وقال ابن عباس: إن الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة ~~سنة من نزول القرآن, فقال: " ألم يأن " ، ألم يحن للذين آمنوا أن ~~تخشع: ترق وتلين وتخضع قلوبهم لذكر الله، { وما نزل } ، قرأ ~~نافع, وحفص عن عاصم بتخفيف الزاي، وقرأ الآخرون بتشديدها، { من الحق ~~} ، وهو القرآن، { ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتب من ~~قبل } ، وهم اليهود والنصارى، { فطال عليهم الأمد } ، الزمان ~~بينهم وبين أنبيائهم، { فقست قلوبهم } ، قال ابن عباس: مالوا ~~إلى الدنيا وأعرضوا عن مواعظ الله، والمعنى: أن الله عز وجل ينهى ~~المؤمنين أن يكونوا في صحبة القرآن كاليهود الذين قست قلوبهم لما طال ~~عليهم الدهر. # روي أن أبا موسى الأشعري بعث إلى قراء أهل البصرة فدخل عليه ثلثمائة ~~رجل قد قرؤوا القرآن فقال لهم: أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم فاتلوه ولا ~~يطولن عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم. # { وكثير منهم فسقون } ، يعني الذين تركوا الإيمان بعيسى ~~ومحمد عليهما الصلاة والسلام. # وقوله عز وجل: { اعلموا أن الله يحيى الأرض بعد موتها ~~قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون * إن ~~المصدقين والمصدقات } ، قرأ ابن كثير، وأبو بكر عن عاصم ~~بتخفيف الصاد فيهما من " التصديق " أي: المؤمنين والمؤمنات، وقرأ الآخرون ~~بتشديدهما أي المتصدقين والمتصدقات أدغمت التاء في الصاد، { ~~وأقرضوا الله قرضا حسنا } ، بالصدقة والنفقة في سبيل الله ~~عز وجل: { يضعف لهم } ، ذلك القرض { ولهم أجر كريم ~~} ، ثواب حسن وهو الجنة. # { والذين ءامنوا بالله ورسله أولئك هم ~~الصديقون } ، والصديق: الكثير الصدق، قال مجاهد: كل من آمن بالله ~~ورسله فهو صديق وتلا هذه الآية. # قال الضحاك: هم ثمانية نفر من هذه الأمة سبقوا أهل الأرض في زمانهم إلى ~~الإسلام: أبو بكر, وعلي, وزيد, وعثمان, وطلحة, والزبير, وسعد, وحمزة، ms2248 ~~وتاسعهم عمر بن الخطاب رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ألحقه الله بهم لما ~~عرف من صدق نيته. # { والشهدآء عند ربهم } ، اختلفوا في نظم هذه الآية، منهم ~~من قال: هي متصلة بما قبلها، و " الواو " واو النسق، وأراد بالشهداء ~~المؤمنين المخلصين. قال الضحاك: هم الذين سميناهم. وقال مجاهد: كل مؤمن ~~صديق شهيد، وتلا هذه الآية. # وقال قوم: تم الكلام عند قوله: " هم الصديقون " ثم ابتدأ فقال: ~~والشهدآء عند ربهم، و " الواو " واو الاستئناف، وهو قول ابن عباس ~~ومسروق وجماعة. ثم اختلفوا فيهم فقال قوم: هم الأنبياء الذين يشهدون على ~~الأمم يوم القيامة، يروى ذلك عن ابن عباس وهو قول مقاتل بن حيان. # وقال مقاتل بن سليمان: هم الذين استشهدوا في سبيل الله. # { لهم أجرهم } ، بما عملوا من العمل الصالح، { ونورهم } على ~~الصراط { والذين كفروا وكذبوا بآيتنآ أولئك ~~أصحب الجحيم }. # قوله عز وجل: { اعلموا أنما الحيوة الدنيا } ، أي ~~أن الحياة الدنيا، و " ما " صلة أي إن الحياة في هذه الدار، { لعب } ، ~~باطل لا حاصل له، { ولهو } ، فرح ثم ينقضي، { وزينة } ، منظر ~~تتزينون به، { وتفاخر بينكم } ، تفخر به بعضكم على بعض, { ~~وتكاثر في الأمول والأولد } ، أي مباهاة بكثرة الأموال ~~والأولاد، ثم ضرب لها مثلا فقال: { كمثل غيث أعجب الكفار ~~} ، أي الزراع، { نباته } ، ما نبت من ذلك الغيث، { ثم يهيج } ~~، ييبس، { فتراه مصفرا } ، بعد خضرته ونضرته، { ثم يكون ~~حطما } ، يتحطم ويتكسر بعد يبسه ويفنى، { وفي الآخرة عذاب ~~شديد } ، قال مقاتل: لأعداء الله، { ومغفرة من الله ~~ورضوان } ، لأوليائه وأهل طاعته. # { وما الحيوة الدنيآ إلا متع الغرور } ، قال سعيد ~~بن جبير: متاع الغرور لمن لم يشتغل فيها بطلب الآخرة، ومن اشتغل بطلبها ~~فله متاع بلاغ إلى ما هو خير منه. ### || [57.21-24] # { سابقوا } سارعوا، { إلى مغفرة من ربكم وجنة ~~عرضها كعرض السمآء والأرض } لو وصل بعضها ببعض، { ~~أعدت للذين ءامنوا بالله ورسله، ذلك فضل ~~الله يؤتيه من يشآء والله ذو الفضل العظيم } ~~فبين أن أحدا لا يدخل الجنة إلا بفضل الله. # قوله عز وجل: { مآ أصاب من ms2249 مصيبة فى الأرض } يعني: قحط ~~المطر، وقلة النبات، ونقص الثمار، { ولا فى أنفسكم } يعني: ~~الأمراض وفقد الأولاد، { إلا فى كتب } يعني: اللوح المحفوظ، { ~~من قبل أن نبرأها } من قبل أن نخلق الأرض والأنفس. قال ابن ~~عباس: من قبل أن نبرأ المصيبة. وقال أبو العالية: يعني النسمة، { ~~إن ذلك على الله يسير } ، أي إثبات ذلك على كثرته هين على ~~الله عز وجل. # { لكيلا تأسوا } ، تحزنوا، { على ما فاتكم } ، من الدنيا، ~~{ ولا تفرحوا بمآ آتكم } ، قرأ أبو عمرو بقصر الألف, لقوله ~~" فاتكم " فجعل الفعل له، وقرأ الآخرون { آتاكم } بمد الألف، أي: أعطاكم. ~~قال عكرمة: ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن ولكن اجعلوا الفرح شكرا والحزن ~~صبرا, { والله لا يحب كل مختال فخور } ، متكبر بما ~~أوتي من الدنيا، " فخور " يفخر به على الناس. # قال جعفر بن محمد الصادق: يا ابن آدم مالك تأسف على مفقود لا يرده إليك ~~الفوت، ومالك تفرح بموجود لا يتركه في يدك الموت. # { الذين يبخلون } ، قيل: هو في محل الخفض على نعت المختال. ~~وقيل: هو رفع بالابتداء وخبره فيما بعده. { ويأمرون الناس ~~بالبخل ومن يتول } ، أي يعرض عن الإيمان, { فإن الله ~~هو الغنى الحميد } ، قرأ أهل المدينة والشام: { فإن الله ~~الغني } ، بإسقاط هو، وكذلك هو في مصاحفهم. ### || [57.25] # قوله عز وجل: { لقد أرسلنا رسلنا بالبينت } , ~~بالآيات والحجج، { وأنزلنا معهم الكتب والميزان } ~~يعني العدل. وقال مقاتل بن سليمان: هو ما يوزن به، أي: ووضعنا الميزان ~~كما قال: # والسمآء رفعها ووضع الميزان # [الرحمن: 7] { ليقوم الناس بالقسط } ، ليتعاملوا بينهم ~~بالعدل. # { وأنزلنا الحديد } , روي عن ابن عمر يرفعه: إن الله أنزل أربع ~~بركات من السماء إلى الأرض: الحديد, والنار, والماء, والملح. # وقال أهل المعاني معنى قوله: { أنزلنا الحديد } ، أنشأنا ~~وأحدثنا، أي: أخرج لهم الحديد من المعادن وعلمهم صنعته بوحيه. # وقال قطرب: هذا من النزل كما يقال: أنزل الأمير على فلان نزلا ~~حسنا, فمعنى الآية: أنه جعل ذلك نزلا لهم. ومثله قوله: # وأنزل لكم من الأنعم ثمنية أزواج # [الزمر: 6]. # { فيه بأس شديد } ، قوة شديدة ms2250 يعني: السلاح للحرب. قال مجاهد: ~~فيه جنة وسلاح يعني آلة الدفع وآلة الضرب، { ومنفع للناس } ، ~~مما ينتفعون به في مصالحهم كالسكين والفأس والإبرة ونحوها، إذ هو آلة لكل ~~صنعة، { وليعلم الله } ، أي: أرسلنا رسلنا وأنزلنا معهم هذه ~~الأشياء ليتعامل الناس بالحق والعدل وليعلم الله وليرى الله، { من ~~ينصره } ، أي دينه, { ورسله بالغيب } ، أي: قام بنصرة الدين ~~ولم ير الله ولا الآخرة، وإنما يحمد ويثاب من أطاع الله بالغيب, { إن ~~الله قوي عزيز } ، قوي في أمره، عزيز في ملكه. ### || [57.26-29] # { ولقد أرسلنا نوحا وإبرهيم وجعلنا في ~~ذريتهما النبوة والكتب فمنهم مهتد ~~وكثير منهم فسقون * ثم قفينا على ءاثرهم ~~برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وءاتينه ~~الإنجيل وجعلنا فى قلوب الذين اتبعوه } ، على دينه، ~~{ رأفة } ، وهي أشد الرقة، { ورحمة } ، كانوا متوادين بعضهم ~~لبعض، كما قال الله تعالى في وصف أصحاب النبي: # رحمآء بينهم # ، [الفتح: 29], { ورهبانية ابتدعوها } ، من قبل أنفسهم ~~وليس هذا بعطف على ما قبله، وانتصابه بفعل مضمر كأنه قال: وابتدعوا ~~رهبانية أي جاؤوا بها من قبل أنفسهم، { ما كتبناها } ، أي ما ~~فرضناها، { عليهم إلا ابتغآء رضون الله } ، يعني: ~~ولكنهم ابتغوا رضوان الله بتلك الرهبانية، وتلك الرهبانية ما حملوا ~~أنفسهم من المشاق في الامتناع من المطعم والمشرب والملبس والنكاح ~~والتعبد في الجبال، { فما رعوها حق رعايتها } ، أي لم ~~يرعوا الرهبانية حق رعايتها بل ضيعوها وكفروا بدين عيسى, فتهودوا ~~وتنصروا, ودخلوا في دين ملوكهم, وتركوا الترهب، وأقام منهم أناس على ~~دين عيسى عليه الصلاة والسلام حتى أدركوا محمدا صلى الله عليه وسلم ~~فآمنوا به، وذلك قوله تعالى: { فآتينا الذين ءامنوا منهم ~~أجرهم } ، وهم الذين ثبتوا عليها وهم أهل الرأفة والرحمة، { ~~وكثير منهم فاسقون } ، وهم الذين تركوا الرهبانية وكفروا ~~بدين عيسى عليه الصلاة والسلام. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي, أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي, أنبأني عبد الله بن ~~حامد, أخبرنا أحمد بن عبد الله المزني, حدثنا محمد بن عبد الله بن سليمان ~~حدثنا شيبان بن فروخ, حدثنا الصعق بن حزن، عن عقيل الجعدي, عن أبي ~~إسحاق عن ms2251 سويد بن غفلة, # " عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: دخلت على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: يا ابن مسعود اختلف من كان قبلكم على اثنتين وسبعين ~~فرقة, نجا منها ثلاث وهلك سائرهن, فرقة آزت الملوك وقاتلوهم على دين عيسى ~~عليه الصلاة والسلام، فأخذوهم وقتلوهم, وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازاة ~~الملوك ولا بأن يقيموا بين ظهرانيهم يدعونهم إلى دين الله ودين عيسى عليه ~~السلام فساحوا في البلاد وترهبوا، وهم الذين قال الله عز وجل فيهم: { ~~ورهبانية ابتدعوها ما كتبنها عليهم } فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " من آمن بي وصدقني واتبعني فقد رعاها حق رعايتها، ومن ~~لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون ". # وروي # " عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم ~~على حمار فقال لي: يا ابن أم عبد هل تدري من أين اتخذت بنو إسرائيل ~~الرهبانية؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى ~~عليه السلام يعملون بالمعاصي, فغضب أهل الإيمان فقاتلوهم, فهزم أهل ~~الإيمان ثلاث مرات, فلم يبق منهم إلا القليل، فقالوا: إن ظهرنا لهؤلاء ~~أفنونا ولم يبق للدين أحد يدعو له، فقالوا: تعالوا نتفرق في الأرض إلى أن ~~يبعث الله النبي الذي وعدنا به عيسى عليه السلام، يعنون محمدا صلى الله ~~عليه وسلم, فتفرقوا في غيران الجبال، وأحدثوا رهبانية فمنهم من تمسك ~~بدينه ومنهم من كفر، ثم تلا هذه الآية: { ورهبانية ابتدعوها ~~} الآية، { فآتينا الذين ءامنوا منهم } يعني من ثبتوا ~~عليها أجرهم، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: " يا ابن أم عبد أتدري ما ~~رهبانية أمتي؟ قلت: الله ورسله أعلم، قال: الهجرة والجهاد والصلاة والصوم ~~والحج والعمرة، والتكبير على التلاع ". # وروي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن لكل أمة رهبانية, ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله ". # وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت ملوك بعد عيسى ~~عليه السلام بدلوا التوراة والإنجيل، وكان فيهم مؤمنون ms2252 يقرؤون التوراة ~~والإنجيل ويدعونهم إلى دين الله فقيل لملوكهم: لو جمعتهم هؤلاء الذين ~~شقوا عليكم فقتلتموهم أو دخلوا فيما نحن فيه، فجمعهم ملكهم وعرض عليهم ~~القتل أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل إلا ما بدلوا منها، فقالوا: نحن ~~نكفيكم أنفسنا, فقالت طائفة: ابنوا لنا اسطوانة، ثم ارفعونا إليها, ثم ~~أعطونا شيئا نرفع به طعامنا وشرابنا، ولا نرد عليكم، وقالت طائفة: دعونا ~~نسيح في الأرض ونهيم ونشرب كما يشرب الوحش، فإن قدرتم علينا بأرض ~~فاقتلونا، وقالت طائفة: ابنوا لنا دورا في الفيافي نحتفر الآبار ونحترث ~~البقول فلا نرد عليكم ولا نمر بكم، ففعلوا بهم ذلك فمضى أولئك على ~~منهاج عيسى عليه الصلاة والسلام، وخلف قوم من بعدهم ممن قد غير الكتاب، ~~فجعل الرجل يقول: نكون في مكان فلان فنتعبد كما تعبد فلان ونسيح كما ساح ~~فلان ونتخذ دورا كما اتخذ فلان وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان الذين ~~اقتدوا بهم، فذلك قوله عز وجل: { ورهبانية ابتدعوها } أي ~~ابتدعها هؤلاء الصالحون { فما رعوها حق رعايتها } ، يعني ~~الآخرين الذين جاؤوا من بعدهم، { فآتينا الذين ءامنوا ~~منهم أجرهم } ، يعني الذين ابتدعوها ابتغاء رضوان الله, { ~~وكثير منهم فاسقون } , هم الذين جاؤوا من بعدهم، قال: فلما ~~بعث النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبق منهم إلا قليل حتى انحط رجل من ~~صومعته وجاء سياح من سياحته وصاحب دير من ديره, وآمنوا به فقال الله عز ~~وجل: # { يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله } ، الخطاب لأهل ~~الكتابين من اليهود والنصارى، يقول: يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى ~~اتقوا الله في محمد صلى الله عليه وسلم { وءامنوا برسوله } ، ~~محمد صلى الله عليه وسلم، { يؤتكم كفلين } ، نصيبين، { من ~~رحمته } ، يعني يؤتكم أجرين لإيمانكم بعيسى عليه الصلاة والسلام، ~~والإنجيل وبمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. # وقال قوم: انقطع الكلام عند قوله " ورحمة " ثم ابتدأ: ورهبانية ~~ابتدعوها, وذلك أنهم تركوا الحق فأكلوا الخنزير وشربوا الخمر وتركوا ~~الوضوء والغسل من الجنابة والختان، فما رعوها يعني: الطاعة والملة { ~~حق رعايتها } كناية عن غير مذكور, { فآتينا ms2253 الذين ~~ءامنوا منهم أجرهم } ، وهم أهل الرأفة والرحمة { وكثير ~~منهم فسقون } ، وهم الذين ابتدعوا الرهبانية، وإليه ذهب مجاهد. # معنى قوله: { إلا ابتغآء رضون الله } على هذا التأويل: ما ~~أمرناهم وما كتبنا عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، وما أمرناهم بالترهب. # قوله عز وجل: { يأيها الذين ءامنوا } بموسى وعيسى { ~~اتقوا الله } وآمنوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم { يؤتكم ~~كفلين من رحمته }. # وروينا عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل كانت له جارية فأدبها فأحسن تأديبها ثم ~~أعتقها وتزوجها، ورجل من أهل الكتاب آمن بكتابه وآمن بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم، وعبد أحسن عبادة الله ونصح سيده ". # { ويجعل لكم نورا تمشون به } ، قال ابن عباس ومقاتل: ~~يعني على الصراط، كما قال: # نورهم يسعى بين أيديهم # [التحريم: 8], ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النور هو القرآن. ~~وقال مجاهد: هو الهدى والبيان، أي يجعل لكم سبيلا واضحا في الدين ~~تهتدون به، { ويغفر لكم والله غفور رحيم } ، وقيل: ~~لما سمع من لم يؤمن من أهل الكتاب قوله عز وجل: # أولئك يؤتون أجرهم مرتين # [القصص: 54] قالوا للمسلمين: أما من آمن منا بكتابكم فله أجره مرتين ~~لإيمانه بكتابكم وبكتابنا، وأما من لم يؤمن منا فله أجر كأجوركم فما ~~فضلكم علينا؟ فأنزل الله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا ~~اتقوا الله وءامنوا برسوله يؤتكم كفلين من ~~رحمته } فجعل لهم الأجرين إذا آمنوا برسوله محمد صلى الله عليه ~~وسلم وزادهم النور والمغفرة. ثم قال: # { لئلا يعلم أهل الكتب } ، قال قتادة: حسد الذين لم ~~يؤمنوا من أهل الكتاب المؤمنين منهم، فأنزل الله تعالى: { لئلا ~~يعلم أهل الكتب }. # قال مجاهد: قالت اليهود يوشك أن يخرج منا نبي يقطع الأيدي والأرجل، فلما ~~خرج من العرب كفروا به، فأنزل الله تعالى: { لئلا يعلم أهل ~~الكتب } أي ليعلم و " لا " صلة، { ألا يقدرون على ~~شيء من فضل الله } ، أي ليعلم الذين لم يؤمنوا أنهم لا أجر لهم ~~ولا نصيب لهم في فضل الله، { وأن الفضل ms2254 بيد الله يؤتيه ~~من يشآء والله ذو الفضل العظيم } , أخبرنا عبد الواحد ~~المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف, حدثنا ~~محمد بن إسماعيل, حدثنا قتيبة بن سعيد, حدثنا الليث عن نافع, عن ابن عمر ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم كما بين صلاة العصر إلى مغرب ~~الشمس, وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل استعمل عمالا, فقال: من ~~يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط؟ فعملت اليهود إلى نصف النهار ~~على قيراط قيراط، ثم قال من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على ~~قيراط قيراط؟ فعملت النصارى من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط ~~قيراط، ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين ~~قيراطين، ألا فأنتم الذين تعملون من صلاة العصر إلى مغرب الشمس ألا لكم ~~الأجر مرتين، فغضبت اليهود والنصارى وقالوا: نحن أكثر عملا وأقل عطاء؟ ~~قال الله تعالى: " هل ظلمتكم من حقكم شيئا؟ " قالوا: لا قال: " فإنه ~~فضلي أعطيته من شئت ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا ~~محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثني محمد بن العلاء, حدثنا أبو ~~أسامة عن يزيد عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قوما يعملون له عملا ~~إلى الليل على أجر معلوم فعملوا إلى نصف النهار، فقالوا: لا حاجة لنا إلى ~~أجرك الذي شرطت لنا, وما عملناه باطل، فقال لهم: لا تفعلوا، أكملوا بقية ~~عملكم, وخذوا أجركم كاملا، فأبوا وتركوا, واستأجر قوما آخرين بعدهم، ~~فقال: أكملوا بقية يومكم هذا، ولكم الذي شرطت لهم من الأجر, فعملوا حتى ~~إذا كان حين صلاة العصر قالوا: ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جلعت لنا ~~فيه، فقال: أكملوا بقية عملكم فإنما بقي من النهار شيء يسير، فأبوا ~~فاستأجر قوما أن يعملوا له بقية يومهم فعملوا ms2255 بقية يومهم حتى غابت ~~الشمس، فاستكملوا أجر الفريقين كليهما فذلك مثلهم ومثل ما قبلوا من هذا ~~النور ". ### | [58 - سورة المجادلة] ### || [58.1-2] # { قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها } , ~~الآية. نزلت في خولة بنت ثعلبة كانت تحت أوس بن الصامت, وكانت حسنة ~~الجسم, وكان به لمم فأرادها فأبت, فقال لها: أنت علي كظهر أمي، ثم ندم ~~على ما قال. وكان الظهار والإيلاء من طلاق أهل الجاهلية، فقال لها: ما ~~أظنك إلا قد حرمت علي. فقالت: والله ما ذاك طلاق, وأتت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم - وعائشة رضي الله عنها تغسل شق رأسه - فقالت: يا رسول ~~الله إن زوجي أوس بن الصامت تزوجني وأنا شابة غنية ذات مال وأهل حتى إذا ~~أكل مالي وأفنى شبابي وتفرق أهلي وكبر سني ظاهر مني، وقد ندم، فهل من شيء ~~يجمعني وإياه تنعشني به؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حرمت عليه، ~~فقالت: يا رسول الله والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقا وإنه أبو ولدي ~~وأحب الناس إلي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حرمت عليه، فقالت: ~~أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي فقد طالت صحبتي ونفضت له بطني، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ما أراك إلا قد حرمت عليه، ولم أومر في شأنك ~~بشيء، فجعلت تراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا قال لها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: حرمت عليه هتفت وقالت: أشكوا إلى الله فاقتي وشدة ~~حالي وإن لي صبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إلي جاعوا، ~~وجعلت ترفع رأسها إلى السماء وتقول: اللهم إني أشكو إليك، اللهم فأنزل ~~على لسان نبيك، وكان هذا أول ظهار في الإسلام، فقامت عائشة تغسل شق رأسه ~~الآخر، فقالت: انظر في أمري جعلني الله فداءك يا نبي الله، فقالت عائشة: ~~اقصري حديثك ومجادلتك أما ترين وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه أخذه مثل السبات -، فلما قضى ms2256 ~~الوحي قال لها: ادعي زوجك فدعته، فتلا عليه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: { قد سمع الله قول التي تجادلك } ، الآيات. # قالت عائشة: تبارك الذي وسع سمعه الأصوات كلها, إن المرأة لتحاور رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأنا في ناحية البيت أسمع بعض كلامها، ويخفى ~~علي بعضه إذ أنزل الله: { قد سمع الله } الآيات. # ومعنى قوله { قول التى تجادلك } تخاصمك وتحاورك وتراجعك في ~~زوجها، { وتشتكى إلى الله والله يسمع تحاوركما } ~~، مراجعتكما الكلام، { إن الله سميع بصير } ، سميع لما ~~تناجيه وتتضرع إليه, بصير بمن يشكوا إليه، ثم ذم الظهار فقال: # { الذين يظهرون منكم من نسآئهم } ، قرأ عاصم: " ~~يظاهرون " فيها بضم الياء وتخفيف الظاء وألف بعدها وكسر الهاء، وقرأ ابن ~~عامر, وأبو جعفر وحمزة, والكسائي: بفتح الياء والهاء، وتشديد الظاء ألف ~~بعدها، وقرأ الآخرون بفتح الياء وتشديد الظاء والهاء من غير ألف. # { ما هن أمهتهم } ، أي ما اللواتي يجعلونهن من زوجاتهم ~~كالأمهات بأمهات. وخفض التاء في " أمهاتهم " على خبر " ما " ومحله نصب ~~كقوله: # ما هذا بشرا # [يوسف: 31] المعنى: ليس هن بأمهاتهم، { إن أمهتهم } أي ما ~~أمهاتهم، { إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون ~~منكرا من القول } ، لا يعرف في شرع { وزورا } ، كذبا، { ~~وإن الله لعفو غفور } ، عفا عنهم وغفر لهم بإيجاب الكفارة ~~عليهم. # وصورة الظهار: أن يقول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي، أو أنت مني أو ~~معي أو عندي كظهر أمي، وكذلك لو قال: أنت علي كبطن أمي أو كرأس أمي أو ~~كيد أمي أو قال بطنك أو رأسك أو يدك علي كظهر أمي, أو شبه عضوا منها ~~بعضو آخر من أعضاء أمه فيكون ظهارا. # وعند أبي حنيفة - رضي الله عنه - إن شبهها ببطن الأم أو فرجها أو فخذها ~~يكون ظهارا, وإن شبهها بعضو آخر لا يكون ظهارا. # ولو قال أنت علي كأمي أو كروح أمي, وأراد به الإعزاز والكرامة فلا يكون ~~ظهارا حتى يريده، ولو شبهها بجدته فقال: أنت علي كظهر جدتي يكون ~~ظهارا, وكذلك لو شبهها بامرأة محرمة عليه بالقرابة ms2257 بأن قال: أنت علي ~~كظهر أختي أو عمتي أو خالتي, أو شبهها بامرأة محرمة عليه بالرضاع يكون ~~ظهارا - على الأصح من الأقاويل -. ### || [58.3] # { والذين يظهرون من نسآئهم ثم يعودون لما ~~قالوا فتحرير رقبة } ، ثم حكم الظهار: أنه يحرم على ~~الزوج وطؤها بعد الظهار ما لم يكفر، والكفارة تجب بالعود بعد ~~الظهار. لقوله تعالى: { ثم يعودون لما قالوا فتحرير ~~رقبة }. # واختلف أهل العلم في " العود " فقال أهل الظاهر: هو إعادة لفظ الظهار، ~~وهو قول أبي العالية، لقوله تعالى: " ثم يعودون لما قالوا " أي إلى ما ~~قالوا أي أعادوه مرة أخرى, فإن لم يكرر اللفظ فلا كفارة عليه. # وذهب قوم إلى أن الكفارة تجب بنفس الظهار, والمراد من " العود " هو: ~~العود إلى ما كانوا عليه في الجاهلية من نفس الظهار، وهو قول مجاهد ~~والثوري. # وقال قوم: المراد من " العود " الوطء، وهو قول الحسن وقتادة وطاووس ~~والزهري، وقالوا لا كفارة عليه ما لم يطأها. # وقال قوم: هو العزم على الوطء، وهو قول مالك وأصحاب الرأي. # وذهب الشافعي إلى أن العود هو أن يمسكها عقيب الظهار زمانا يمكنه أن ~~يفارقها، فلم يفعل، فإن طلقها عقيب الظهار في الحال أو مات أحدهما في ~~الوقت فلا كفارة عليه لأن العود للقول هو المخالفة. # وفسر ابن عباس " العود " بالندم، فقال: يندمون فيرجعون إلى الألفة ~~ومعناه هذا. # قال الفراء: يقال: عاد فلان لما قال، أي فيما قال, وفي نقض ما قال, ~~يعني: رجع عما قال. # وهذا يبين ما قال الشافعي وذلك أن قصده بالظهار التحريم, فإذا أمسكها ~~على النكاح فقد خالف قوله ورجع عما قاله فتلزمه الكفارة, حتى قال: لو ~~ظاهر عن امرأته الرجعية ينعقد ظهاره ولا كفارة عليه حتى يراجعها, فإن ~~راجعها صار عائدا ولزمته الكفارة. # قوله: { فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا } والمراد ب ~~" التماس ": المجامعة, فلا يحل للمظاهر وطء امرأته التي ظاهر منها ما لم ~~يكفر, سواء أراد التكفير بالإعتاق أو بالصيام أو بالإطعام، وعند مالك: ~~إن أراد التكفير بالإطعام يجوز له الوطء قبله؛ لأن ms2258 الله تعالى قيد العتق ~~والصوم بما قبل المسيس وقال في الإطعام: { فمن لم يستطع ~~فإطعام ستين مسكينا } ولم يقل: من قبل أن يتماسا. # وعند الآخرين: الإطلاق في الطعام محمول على المقيد في العتق والصيام. # واختلفوا في تحريم ما سوى الوطء من المباشرات قبل التكفير، كالقبلة ~~والتلذذ: فذهب أكثرهم إلى أنه لا يحرم سوى الوطء, وهو قول الحسن, وسفيان ~~الثوري, وأظهر قولي الشافعي، كما أن الحيض يحرم الوطء دون سائر ~~الاستمتاعات. # وذهب بعضهم إلى أنه يحرم, لأن اسم " التماس " يتناول الكل, ولو جامع ~~المظاهر قبل التكفير يعصي الله تعالى، والكفارة في ذمته. ولا يجوز أن ~~يعود ما لم يكفر, ولا يجب بالجماع كفارة أخرى. # وقال بعض أهل العلم: إذا واقعها قبل التكفير عليه كفارتان. # وكفارة الظهار مرتبة يجب عليه عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فعليه صيام ~~شهرين متتابعين، فإن أفطر يوما متعمدا أو نسي النية يجب عليه استئناف ~~الشهرين، فإن عجز عن الصوم يجب عليه أن يطعم ستين مسكينا. # وقد ذكرنا في سورة المائدة مقدار ما يطعم كل مسكين. # { ذلكم توعظون به } ، تؤمرون به، { والله بما ~~تعملون خبير }. ### || [58.4] # { فمن لم يجد } ، يعني الرقبة، { فصيام شهرين ~~متتابعين من قبل أن يتمآسا } ، فإن كانت له رقبة إلا ~~أنه محتاج إلى خدمته، أو له ثمن رقبة لكنه محتاج إليه لنفقته ونفقة ~~عياله فله أن ينتقل إلى الصوم. وقال مالك والأوزاعي: يلزم الإعتاق إذا ~~كان واجدا للرقبة أو ثمنها وإن كان محتاجا إليه. وقال أبو حنيفة: إن ~~كان واجدا لعين الرقبة يجب عليه اعتاقها، وإن كان محتاجا إليها, فأما ~~إذا كان واجدا لثمن الرقبة وهو محتاج إليه فله أن يصوم, فلو شرع المظاهر ~~في صوم شهرين ثم جامع في خلال الشهر بالليل يعصي الله تعالى بتقديم ~~الجماع على الكفارة، ولكن لا يجب عليه استئناف الشهرين، وعند أبي حنيفة ~~يجب عليه استئناف الشهرين. # قوله عز وجل: { فمن لم يستطع فإطعام ستين ~~مسكينا } ، يعني المظاهر إذا لم يستطع الصوم لمرض أو كبر أو فرط ~~شهوة ms2259 لا يصبر عن الجماع يجب عليه إطعام ستين مسكينا. # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي, أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد ~~الله الطيسفوني, أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري, حدثنا أحمد بن علي ~~الكشميهني حدثنا علي بن حجر, حدثنا إسماعيل بن جعفر, عن محمد بن أبي ~~حرملة, عن عطاء بن يسار أن خولة بنت ثعلبة كانت تحت أوس بن الصامت، فظاهر ~~منها وكان به لمم، فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أوسا ~~ظاهر مني, وذكرت أن به لمما فقالت: والذي بعثك بالحق ما جئتك إلا رحمة ~~له إن له في منافع، فأنزل القرآن فيهما فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " مريه فليعتق رقبة، قالت: والذي بعثك بالحق ما عنده رقبة ولا ~~ثمنها، قال: مريه فليصم شهرين متتابعين، فقالت: والذي بعثك بالحق لو ~~كلفته ثلاثة أيام ما استطاع، قال: مريه فليطعم ستين مسكينا، قالت: والذي ~~بعثك بالحق ما يقدر عليه، قال: مريه فليذهب إلى فلان ابن فلان فقد أخبرني ~~أن عنده شطر تمر صدقة, فليأخذه صدقة عليه ثم ليتصدق به على ستين ~~مسكينا ". # وروى سليمان بن يسار # " عن سلمة بن صخر قال: كنت أمرأ أصيب من النساء ما لا يصب غيري فلما دخل ~~شهر رمضان، خفت أن أصيب من امرأتي شيئا فظاهرت منها حتى ينسلخ شهر رمضان ~~فبينما هي تحدثني ذات ليلة إذ تكشف لي منها شيء فلم ألبث أن وقعت عليها، ~~فانطلقت إلى رسول الله فأخبرته فقال: أنت بذاك؟ فقلت: أنا بذاك - قاله ~~ثلاثا - قلت: أنا بذاك وها أنا ذا فأمض في حكم الله, فإني صابر لذلك، ~~قال: فاعتق رقبة. فضربت صفحة عنقي بيدي فقلت: لا والذي بعثك بالحق ما ~~أملك غيرها، قال: فصم شهرين متتابعين، فقلت: يا رسول الله وهل أصابني ما ~~أصابني إلا من الصيام؟ قال: فأطعم ستين مسكينا، قلت: والذي بعثك بالحق ~~لقد بتنا ليلتنا هذه وحشين, ما لنا عشاء، قال: اذهب إلى صاحب صدقة بني ~~زريق فقل له فليدفعها إليك ms2260 فأطعم عنك منها وسقا ستين مسكينا، ثم استعن ~~بسائره عليك وعلى عيالك، قال: فرجعت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيق ~~وسوء الرأي، ووجدت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم السعة والبركة, أمر ~~لي بصدقتكم فادفعوها إلي، قال: فدفعوها إليه ". # { ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله } ، لتصدقوا ما أتى به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم من الله عز وجل، { وتلك حدود الله } ~~، يعني ما وصف من الكفارات في الظهار، { وللكفرين عذاب ~~أليم } ، قال ابن عباس: لمن جحده وكذب به. ### || [58.5-10] # { إن الذين يحآدون الله ورسوله } ، أي يعادون الله ~~ورسوله ويشاقون ويخالفون أمرهما، { كبتوا } ، أذلوا وأخزوا ~~وأهلكوا، { كما كبت الذين من قبلهم وقد أنزلنآ ~~ءايت بينت وللكفرين عذاب مهين }. # { يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما ~~عملوا أحصاه الله } , حفظ الله أعمالهم، { ونسوه، ~~والله على كل شىء شهيد * ألم تر أن الله ~~يعلم ما فى السموت وما فى الأرض ما يكون } ، قرأ ~~أبو جعفر بالتاء, لتأنيث النجوى، وقرأ الآخرون بالياء لأجل الحائل، { من ~~نجوى ثلثة } ، أي من سرار ثلاثة, يعني من المسارة، أي: ما ~~من شيء يناجي به الرجل صاحبيه، { إلا هو رابعهم } ، بالعلم ~~وقيل: معناه ما يكون من متناجين ثلاثة يسار بعضهم بعضا إلا هو رابعهم ~~بالعلم يعلم نجواهم, { ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا ~~أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما ~~كانوا } قرأ يعقوب " أكثر " بالرفع على محل الكلام قبل دخول " من " ~~{ ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيمة إن ~~الله بكل شىء عليم }. # { ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى } , نزلت في ~~اليهود والمنافقين, وذلك أنهم كانوا يتناجون فيما بينهم دون المؤمنين ~~وينظرون إلى المؤمنين ويتغامزون بأعينهم, يوهمون المؤمنين أنهم يتناجون ~~فيما يسؤوهم، فيحزنون لذلك ويقولون ما نراهم إلا وقد بلغهم عن إخواننا ~~الذين خرجوا في السرايا قتل أو موت أو هزيمة, فيقع ذلك في قلوبهم ~~ويحزنهم، فلما طال ذلك عليهم وكثر شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأمرهم أن لا يتناجوا دون المسلمين، فلم ينتهوا عن ms2261 ذلك وعادوا إلى ~~مناجاتهم فأنزل الله: { ألم تر إلى الذين نهوا عن ~~النجوى } أي المناجاة { ثم يعودون لما نهوا عنه } ، أي ~~يرجعون إلى المناجاة التي نهوا عنها { ويتنجون } ، قرأ الأعمش ~~وحمزة: و " وينتجون " على وزن يفتعلون، وقرأ الآخرون " يتناجون " , ~~لقوله: { إذا تناجيتم فلا تتنجوا بالإثم ~~والعدوان ومعصيت الرسول } ، وذلك أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان قد نهاهم عن النجوى فعصوه، { وإذا جآءوك حيوك بما ~~لم يحيك به الله } ، وذلك أن اليهود كانوا يدخلون على النبي ~~صلى الله عليه وسلم { ويقولون }: السام عليك، " والسام ": الموت, وهم ~~يوهمونه أنهم يقولون: السلام عليك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرد ~~عليهم فيقول: عليكم, فإذا خرجوا قالوا: { في أنفسهم لولا ~~يعذبنا الله بما نقول } ، يريدون لو كان نبيا حقا لعذبنا ~~الله بما نقول، قال الله عز وجل: { حسبهم جهنم يصلونها ~~فبئس المصير }. # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا ~~محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا قتيبة بن سعيد, حدثنا عبد ~~الوهاب, حدثنا أبو أيوب عن ابن أبي مليكة, عن عائشة: # " أن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: السام عليك, قال ~~وعليكم، فقالت عائشة: السام عليكم ولعنكم الله وغضب عليكم، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: مهلا يا عائشة عليك بالرفق وإياك والعنف ~~والفحش, قالت: أو لم تسمع ما قالوا؟ قال: أو لم تسمعي ما قلت؟ رددت ~~عليهم، فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم في ". # ثم إن الله نهى المؤمنين أن يتناجوا فيما بينهم كفعل المنافقين واليهود ~~فقال: # { يأيها الذين ءامنوا إذا تنجيتم فلا ~~تتنجوا بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول } ، ~~أي كفعل المنافقين واليهود وقال مقاتل أراد بقوله: " آمنوا " المنافقين, ~~أي آمنوا بلسانهم. قال عطاء: يريد الذين آمنوا يزعمهم, قال لهم لا ~~تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، { وتنجوا بالبر ~~والتقوى واتقوا الله الذى إليه تحشرون }. # { إنما النجوى من الشيطن } ، أي من تزيين الشيطان، { ~~ليحزن الذين آمنوا } ، أي إنما يزين لهم ذلك ليحزن المؤمنين، ~~{ وليس } ، التناجي، { بضآرهم ms2262 شيئا } ، وقيل: ليس الشيطان ~~بضارهم شيئا، { إلا بإذن الله وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون }. # أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري, أخبرنا جدي أبو سهل عبد ~~الصمد ابن عبد الرحمن البزار, أخبرنا أبو بكر محمد بن زكريا العذافري, ~~أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الدبري, حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ~~أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث إلا بإذنه، فإن ذلك يحزنه ~~". ### || [58.11] # قوله عز وجل: { يأيها الذين ءامنوا إذا قيل لكم ~~تفسحوا فى المجلس فافسحوا } ، الآية, قال مقاتل بن ~~حيان: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار ~~فجاء ناس منهم يوما وقد سبقوا إلى المجلس فقاموا حيال النبي صلى الله ~~عليه وسلم وسلموا عليه, فرد عليهم, ثم سلموا على القوم فردوا عليهم, ~~فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم، فلم يفسحوا لهم فشق ذلك على ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لمن حوله: قم يا فلان وأنت يا فلان, ~~فأقام من المجلس بقدر النفر الذين قاموا بين يديه من أهل بدر، فشق ذلك ~~على من أقيم من مجلسه وعرف النبي صلى الله عليه وسلم الكراهية في وجوههم ~~فأنزل الله هذه الآية. # وقال الكلبي: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس, وقد ذكرنا في سورة الحجرات ~~قصته. # وقال قتادة: كانوا يتنافسون في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا ~~إذا رأوا من جاءهم مقبلا ضنوا بمجلسهم فأمرهم الله أن يفسح بعضهم لبعض. # وقيل: كان ذلك يوم الجمعة, فأنزل الله عز وجل: # { يأيها الذين ءامنوا إذا قيل لكم تفسحوا } , ~~أي توسعوا في المجلس، قرأ الحسن, وعاصم: " في المجالس " لأن الكل جالس ~~مجلسا, معناه ليتفسح كل رجل في مجلسه. وقرأ الآخرون " في المجلس " على ~~التوحيد، لأن المراد منه مجلس النبي صلى الله عليه وسلم { فافسحوا }: ~~أوسعوا، يقال: فسح يفسح فسحا: إذا وسع في المجلس، { يفسح الله ~~لكم } ، يوسع الله لكم الجنة، والمجالس فيها. ms2263 # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب, أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال, ~~حدثنا أبو العباس الأصم, أخبرنا الربيع, أخبرنا الشافعي, أخبرنا سفيان بن ~~عيينة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه تعالى عنهما ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يقيمن أحدكم الرجل من مجلسه ثم يخلفه فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا ". # أخبرنا عبد الوهاب بن الخطيب, أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال, أخبرنا ~~أبو العباس الأصم, أخبرنا الربيع, أخبرنا الشافعي أخبرنا عبد المجيد عن ~~ابن جريج قال: قال سليمان بن موسى عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة ولكن ليقل افسحوا ". # وقال أبو العالية, والقرظي, والحسن: هذا في مجالس الحرب ومقاعد القتال، ~~كان الرجل يأتي القوم في الصف فيقول توسعوا فيأبون عليه لحرصهم على ~~القتال ورغبتهم في الشهادة { وإذا قيل انشزوا فانشزوا } ، قرأ ~~أهل المدينة والشام وعاصم بضم الشين، وقرأ الآخرون بكسرها، وهما لغتان أي ~~ارتفعوا، قيل: ارتفعوا عن مواضعكم حتى توسعوا لإخوانكم. # وقال عكرمة والضحاك: كان رجال يتثقالون عن الصلاة إذا نودي لها فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية، معناه: إذا نودي للصلاة فانهضوا لها. # وقال مجاهد وأكثر المفسرين: معناه إذا قيل لكم انهضوا إلى الصلاة وإلى ~~الجهاد وإلى مجالس كل خير وحق فقوموا لها ولا تقصروا. # { يرفع الله الذين ءامنوا منكم } ، بطاعتهم لرسوله صلى ~~الله عليه وسلم وقيامهم من مجالسهم وتوسعتهم لإخوانهم، { والذين ~~أوتوا العلم } ، من المؤمنين بفضل علمهم سابقتهم، " درجات " ، ~~فأخبر الله عز وجل أن رسوله صلى الله عليه وسلم مصيب فيما أمر وأن ~~أولئك المؤمنين مثابون فيما ائتمروا، وأن النفر من أهل بدر مستحقون لما ~~عوملوا من الإكرام. # { والله بما تعملون خبير } , قال الحسن: قرأ ابن مسعود ~~هذه الآية وقال: أيها الناس افهموا هذه الآية ولنرغبنكم في العلم, فإن ~~الله تعالى يقول: { يرفع الله الذين ءامنوا منكم ~~والذين أوتوا العلم درجت } المؤمن العالم فوق الذي لا ~~يعلم درجات. ms2264 # [أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي, حدثنا الإمام أبو الطيب ~~سهل بن محمد ابن سليمان] خدثنا أبو علي حامد بن محمد بن عبد الله الهروي, ~~أخبرنا محمد بن يونس القرشي, أخبرنا عبيد الله بن داود, حدثنا عاصم بن ~~رجاء بن حيوة, حدثني داود بن جميل عن كثير بن قيس قال: كنت جالسا مع أبي ~~الدرداء في مسجد دمشق فجاء رجل فقال: يا أبا الدرداء إني جئتك من مدينة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم لحديث بلغني أنك تحدثه عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، قال: ما كانت لك حاجة غيره؟ قال: لا، قال: ولا جئت لتجارة؟ ~~قال: لا، قال: ولا جئت إلا رغبة فيه؟ قال: نعم, قال: فإني سمعت رسول الله ~~يقول: # " من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا من طرق الجنة، وإن ~~الملائكة لتضع أجنحتها رضى لطالب العلم، وإن السموات والأرض والحوت في ~~الماء لتدعوا له، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على ~~سائر الكواكب, وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ~~ولا درهما، وإنما ورثوا العلم فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أبو علي الحسين بن أحمد بن إبراهيم ~~السراج, أخبرنا الحسن بن يعقوب العدل, حدثنا محمد بن عبد الوهاب الفراء, ~~حدثنا جعفر بن عون، أخبرنا عبد الرحمن بن زياد عن عبد الرحمن بن رافع, عن ~~عبد الله بن عمرو # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بمجلسين في مسجده, أحد المجلسين ~~يدعون الله ويرغبون إليه, والآخر يتعلمون الفقه ويعلمونه، قال: " كلا ~~المجلسين على خير, وأحدهما أفضل من صاحبه، أما هؤلاء فيدعون الله ويرغبون ~~إليه وأما هؤلاء فيتعلمون الفقه ويعلمون الجاهل، فهؤلاء أفضل وإنما بعثت ~~معلما، ثم جلس فيهم ". ### || [58.12] # قوله عز وجل: { يأيها الذين ءامنوا إذا نجيتم ~~الرسول فقدموا بين يدي نجوكم صدقة } ، أمام ~~مناجاتكم، قال ابن عباس: وذلك أن الناس سألوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأكثروا حتى شقوا ms2265 عليه، فأراد الله أن يخفف على نبيه ويثبطهم ~~ويردعهم عن ذلك فأمرهم أن يقدموا صدقة على المناجاة مع الرسول صلى الله ~~عليه وسلم. # وقال مقاتل بن حيان: نزلت في الأغنياء، وذلك أنهم كانوا يأتون النبي صلى ~~الله عليه وسلم فيكثرون مناجاته ويغلبون الفقراء على المجالس، حتى كره ~~النبي صلى الله عليه وسلم طول جلوسهم ومناجاتهم، فلما رأوا ذلك انتهوا عن ~~مناجاته, فأما أهل العسرة فلم يجدوا شيئا وأما أهل الميسرة فضنوا واشتد ~~ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت الرخصة. # قال مجاهد: نهوا عن المناجاة حتى يتصدقوا, فلم يناجه إلا علي رضي الله ~~عنه, تصدق بدينار وناجاه، ثم نزلت الرخصة فكان علي رضي الله عنه يقول: ~~آية في كتاب الله لم يعمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي وهي آية ~~المناجاة. # وروي عن علي رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية دعاني رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: أما ترى دينارا؟ قلت: لا يطيقونه، قال: فكم قلت: ~~حبة أو شعيرة، قال: إنك لزهيد, فنزلت: { ءأشفقتم أن تقدموا ~~بين يدى نجوكم صدقت } ، قال علي رضي الله تعالى عنه: ~~فبي قد خفف الله عن هذه الأمة. # { ذلك خير لكم } ، يعني: تقديم الصدقة على المناجاة، { ~~وأطهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم } ، ~~يعني الفقراء الذين لا يجدون ما يتصدقون به معفو عنهم. ### || [58.13-21] # { ءأشفقتم أن تقدموا } ، قال ابن عباس: أبخلتم؟ والمعنى: ~~أخفتم العيلة والفاقة إن قدمتم، { بين يدي نجوكم صدقت ~~فإذ لم تفعلوا } ، ما أمرتم به، { وتاب الله عليكم ~~}: تجاوز عنكم ولم يعاقبكم بترك الصدقة، وقيل: " الواو " صلة, مجازه: فإن ~~لم تفعلوا تاب الله عليكم ونسخ الصدقة. قال مقاتل بن حيان: كان ذلك عشر ~~ليال ثم نسخ. وقال الكلبي: ما كانت إلا ساعة من نهار. { فأقيموا ~~الصلوة } ، المفروضة، { وءاتوا الزكوة } ، الواجبة، { ~~وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون ~~}. # { ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله ~~عليهم } ، نزلت في المنافقين تولوا اليهود وناصحوهم ونقلوا أسرار ~~المؤمنين ms2266 إليهم. وأراد بقوله: { غضب الله عليهم } اليهود، { ~~ما هم منكم ولا منهم } ، يعني المنافقين ليسوا من المؤمنين ~~في الدين والولاءة ولا من اليهود والكافرين، كما قال: # مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى ~~هؤلاء # [النساء: 143]. # { ويحلفون على الكذب وهم يعلمون } , قال السدي ~~ومقاتل: نزلت في عبد الله بن نبتل المنافق كان يجالس رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثم يرفع حديثه إلى اليهود، # " فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجرة من حجره إذ قال: يدخل ~~عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار وينظر بعيني شيطان, فدخل عبد الله بن نبتل ~~وكان أزرق العينين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " علام تشتمني أنت ~~وأصحابك؟ " فحلف بالله ما فعل وجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه " # ، فأنزل الله عز وجل هذه الآيات، فقال: { ويحلفون على ~~الكذب وهم يعلمون } أنهم كذبة. # { أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم سآء ما ~~كانوا يعملون * اتخذوا أيمنهم } ، الكاذبة، { ~~جنة } ، يستجنون بها من القتل ويدفعون بها عن أنفسهم وأموالهم، { ~~فصدوا عن سبيل الله } ، صدوا المؤمنين عن جهادهم بالقتل وأخذ ~~أموالهم، { فلهم عذاب مهين }. # { لن تغنى عنهم } ، يوم القيامة، { أمولهم ولا ~~أولدهم من الله شيئا أولئك أصحب النار ~~هم فيها خلدون * يوم يبعثهم الله جميعا ~~فيحلفون له } ، كاذبين ما كانوا مشركين، { كما يحلفون ~~لكم } ، في الدنيا، { ويحسبون أنهم على شىء } من ~~أيمانهم الكاذبة، { ألا إنهم هم الكاذبون }. # { استحوذ } ، غلب واستولى، { عليهم الشيطن ~~فأنسهم ذكر الله أولئك حزب الشيطن ألا ~~إن حزب الشيطن هم الخسرون * إن الذين ~~يحآدون الله ورسوله أولئك فى الأذلين } ، ~~الأسفلين. أي: هم في جملة من يلحقهم الذل في الدنيا والآخرة. # { كتب الله } ، قضى الله قضاءا ثابتا، { لأغلبن أنا ~~ورسلى إن الله قوي عزيز } ، نظيره قوله: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم ~~لهم المنصورون # [الصافات:71 - 72]، قال الزجاج: غلبة الرسل على نوعين من بعث منهم ~~بالحرب فهو غالب بالحرب، ومن لم يؤمر بالحرب فهو غالب بالحجة. ### || [58.22] # قوله عز وجل: { لا تجد قوما يؤمنون بالله ~~واليوم الآخر ms2267 يوادون من حآد الله ورسوله ولو ~~كانوا آبآءهم أو أبنآءهم أو إخوانهم أو ~~عشيرتهم } ، الآية. أخبر أن إيمان المؤمنين يفسد بموادة الكفار وأن ~~من كان مؤمنا لا يوالي من كفر، وإن كان من عشيرته. # قيل: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة وسيأتي في سورة ~~الممتحنة، إن شاء الله عز وجل. # وروى مقاتل بن حيان عن مرة الهمداني عن عبد الله بن مسعود في هذه ~~الآية قال: { ولو كانوا ءابآءهم } يعني: أبا عبيدة بن الجراح، ~~قتل أباه عبد الله بن الجراح يوم أحد " أو أبناءهم " ، يعني: أبا بكر دعا ~~ابنه يوم بدر إلى البراز، وقال: يا رسول الله دعني أكن في الرحلة الأولى، ~~فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " متعنا بنفسك يا أبا بكر ". # " أو إخوانهم " يعني مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير يوم أحد " أو ~~عشيرتهم " يعني عمر قتل خاله العاص بن هشام بن المغيرة يوم بدر، وعليا ~~وحمزة وعبيدة قتلوا يوم بدر عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة. # { أولئك كتب فى قلوبهم الإيمن } ، أثبت التصديق في ~~قلوبهم فهي موقنة مخلصة, وقيل: حكم لهم بالإيمان فذكر القلوب لأنها موضعه ~~{ وأيدهم بروح منه } ، قواهم بنصر منه. قال الحسن: سمى نصره ~~إياهم روحا لأن أمرهم يحيا به. وقال السدي: يعني بالإيمان. وقال الربيع: ~~يعني بالقرآن وحجته، كما قال: # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا # [الشورى: 52]، وقيل: برحمة منه. وقيل: أمدهم بجبريل عليه السلام. { ~~ويدخلهم جنت تجرى من تحتها الأنهر ~~خلدين فيها رضى الله عنهم ورضوا عنه ~~أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم ~~المفلحون }. ### | [59 - سورة الحشر] ### || [59.1] # { سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو ~~العزيز الحكيم } , قال المفسرون: نزلت هذه السورة في بني النضير، ~~وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المدينة فصالحه بنو النضير على أن ~~لا يقاتلوه ولا يقاتلوا معه، فقيل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~منهم, فلما غزا رسول الله صلى الله ms2268 عليه وسلم بدرا وظهر على المشركين ~~قالت بنو النضير: والله إنه النبي الذي وجدنا نعته في التوراة لا ترد له ~~راية، فلما غزا أحدا وهزم المسلمون ارتابوا وأظهروا العداوة لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والمؤمنين, ونقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وركب كعب بن الأشرف في أربعين راكبا من اليهود ~~إلى مكة فأتوا قريشا فحالفوهم وعاقدوهم على أن تكون كلمتهم واحدة على ~~محمد صلى الله عليه وسلم، ودخل أبو سفيان في أربعين وكعب في أربعين من ~~اليهود المسجد الحرام, وأخذ بعضهم على بعض الميثاق بين الأستار والكعبة، ~~ثم رجع كعب وأصحابه إلى المدينة, ونزل جبريل فأخبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بما تعاقد عليه كعب وأبو سفيان، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل ~~كعب بن الأشرف، فقتله محمد بن مسلمة - ذكرناه في سورة آل عمران. # وكان النبي صلى الله عليه وسلم اطلع منهم على خيانة حين أتاهم في دية ~~المسلمين اللذين قتلهما عمرو ابن أمية الضمري في منصرفه من بئر ~~معونة، فهموا بطرح حجر عليه من فوق الحصن، فعصمه الله وأخبره بذلك - ~~ذكرناه في سورة المائدة. # فلما قتل كعب بن الأشرف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر الناس ~~بالمسير إلى بني النضير، وكانوا بقرية يقال لها زهرة, فلما سار إليهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم وجدهم ينوحون على كعب بن الأشرف، فقالوا: يا ~~محمد واعية على أثر واعية وباكية على أثر باكية؟ قال: نعم، قالوا ذرنا ~~نبكي شجونا ثم ائتمر أمرك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " اخرجوا من المدينة " # فقالوا: الموت أقرب إلينا من ذلك, فتنادوا بالحرب وأذنوا بالقتال، ودس ~~المنافقون - عبد الله بن أبي وأصحابه - إليهم: أن لا تخرجوا من الحصن، ~~فإن قاتلوكم فنحن معكم ولا نخذلكم ولننصرنكم، ولئن أخرجتم لنخرجن معكم. ~~فدربوا على الأزقة وحصنوها، ثم إنهم أجمعوا على الغدر برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأرسلوا إليه: أن اخرج في ثلاثين رجلا من أصحابك, وليخرج ~~منا ms2269 ثلاثون حتى نلتقي بمكان نصف بيننا وبينك، فيستمعوا منك, فإن صدقوك ~~وآمنوا بك آمنا كلنا، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثين من أصحابه ~~وخرج إليه ثلاثون حبرا من اليهود حتى إذا كانوا في براز من الأرض قال ~~بعض اليهود لبعض: كيف تخلصون إليه ومعه ثلاثون رجلا من أصحابه كلهم يحب ~~أن يموت قبله؟ فأرسلوا إليه كيف نفهم ونحن ستون رجلا؟ أخرج في ثلاثة من ~~أصحابك ونخرج إليك في ثلاثة من علمائنا فيستمعوا منك، فإن آمنوا بك آمنا ~~كلنا بك وصدقناك، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثة من أصحابه، ~~وخرج ثلاثة من اليهود، واشتملوا على الخناجر وأرادوا الفتك برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فأرسلت امرأة ناصحة من بني النضير إلى أخيها وهو رجل ~~مسلم من الأنصار فأخبرته بما أراد بنو النضير من الغدر برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأقبل أخوها سريعا حتى أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فساره بخبرهم قبل أن يصل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، فرجع النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فلما كان (من) الغد غدا عليهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالكتائب فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة، فقذف الله في قلوبهم الرعب ~~وأيسوا من نصر المنافقين، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلح، ~~فأبى عليهم إلا أن يخرجوا من المدينة على ما يأمرهم به النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فقبلوا ذلك فصالحهم على الجلاء وعلى أن لهم ما أقلت الإبل من ~~أموالهم إلا الحقلة وهي السلاح، وعلى أن يخلوا لهم ديارهم وعقارهم وسائر ~~أموالهم. # وقال ابن عباس: على أن يحمل كل أهل ثلاثة أبيات على بعير ما شاؤوا من ~~متاعهم، ولنبي الله صلى الله عليه وسلم ما بقي. # وقال الضحاك: أعطي كل ثلاثة نفر بعيرا وسقا (من طعام) ففعلوا وخرجوا ~~من المدينة إلى الشام إلى أذرعات وأريحاء إلا أهل بيتين منهم آل أبي ~~الحقيق وآل حيي بن أخطب فإنهم لحقوا بخيبر، ولحقت طائفة منهم بالحيرة. ### || [59.2-5] # قوله عز وجل: ms2270 { هو الذى أخرج الذين كفروا من ~~أهل الكتب } ، يعني بني النضير، { من ديرهم } ، التي ~~كانت بيثرب، قال ابن إسحاق: كان إجلاء بني النضير بعد مرجع النبي صلى ~~الله عليه وسلم من أحد وفتح قريظة عند مرجعه من الأحزاب وبينهما سنتان. { ~~لأول الحشر } ، قال الزهري: كانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما ~~مضى، وكان الله عز وجل قد كتب عليهم الجلاء، ولولا ذلك لعذبهم في ~~الدنيا. # قال ابن عباس: من شك أن المحشر بالشام فليقرأ هذه الآية, فكان هذا أول ~~حشر إلى الشام، قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: # " أخرجوا, قالوا إلى أين؟ قال: إلى أرض المحشر ثم " # ، يحشر الخلق يوم القيامة إلى الشام. # وقال الكلبي: إنما قال: " لأول الحشر " لأنهم كانوا أول من أجلى من أهل ~~الكتاب من جزيرة العرب، ثم أجلي آخرهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه. # قال مرة الهمداني: كان أول الحشر من المدينة, والحشر الثاني من خيبر ~~وجميع جزيرة العرب إلى أذرعات وأريحاء من الشام في أيام عمر. # وقال قتادة: كان هذا أول الحشر, والحشر الثاني نار تحشرهم من المشرق إلى ~~المغرب تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا. # { ما ظننتم } ، أيها المؤمنون { أن يخرجوا } ، من المدينة ~~لعزتهم ومنعتهم، وذلك أنهم كانوا أهل حصون وعقار ونخيل كثيرة، { ~~وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله } ، أي ~~وظن بنو النضير أن حصونهم تمنعهم من سلطان الله، { فأتهم الله ~~} ، أي أمر الله وعذابه، { من حيث لم يحتسبوا } ، وهو أنه ~~أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بقتالهم وإجلائهم وكانوا لا يظنون ذلك، { ~~وقذف فى قلوبهم الرعب } ، بقتل سيدهم كعب بن الأشرف. # { يخربون } ، قرأ أبو عمرو: بالتشديد, والآخرون بالتخفيف, ومعناهما ~~واحد، { بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين } , قال ~~الزهري: وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صالحهم على أن لهم ما ~~أقلت الإبل، كانوا ينظرون إلى الخشب في منازلهم فيهدمونها وينزعون منها ~~ما يستحسنونه فيحملونه على إبلهم، ويخرب المؤمنون باقيها. # قال ابن زيد: كانوا يقلعون العمد, وينقضون السقوف, وينقبون الجدران, ~~ويقلعون ms2271 الخشب حتى الأوتاد, يخربونها لئلا يسكنها المؤمنون حسدا منهم ~~وبغضا. # قال قتادة: كان المسلمون يخربون ما يليهم من ظاهرها ويخربها اليهود من ~~داخلها. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: كلما ظهر المسلمون على دار من دورهم ~~هدموها لتتسع لهم المقاتل، وجعل أعداء الله ينقبون دورهم في أدبارها ~~فيخرجون إلى التي بعدها فيتحصنون فيها ويكسرون ما يليهم، ويرمون بالتي ~~خرجوا منها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذلك قوله عز وجل: { ~~يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدى المؤمنين ~~فاعتبروا } ، فاتعظوا وانظروا فيما نزل بهم، { يأولى ~~الأبصر } ، يا ذوي العقول والبصائر. # { ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء } ، الخروج من ~~الوطن، { لعذبهم في الدنيا } ، بالقتل والسبي كما فعل ببني ~~قريظة، { ولهم فى الآخرة عذاب النار * ذلك } ، الذي ~~لحقهم، { بأنهم شآقوا الله ورسوله ومن يشآق ~~الله فإن الله شديد العقاب }. # { ما قطعتم من لينة } ، الآية. وذلك أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لما نزل ببني النضير وتحصنوا بحصونهم أمر بقطع نخيلهم ~~وإحراقها، فجزع أعداء الله عند ذلك وقالوا: يا محمد زعمت أنك تريد ~~الصلاح! أفمن الصلاح عقر الشجر وقطع النخيل؟ فهل وجدت فيما زعمت أنه ~~أنزل عليك الفساد في الأرض، فوجد المسلمون في أنفسهم من قولهم, وخشوا أن ~~يكون ذلك فسادا، واختلفوا في ذلك, فقال بعضهم: لا تقطعوا فإنه مما أفاء ~~الله علينا. وقال بعضهم: بل نغيظهم بقطعها، فأنزل الله هذه الآية بتصديق ~~من نهى عن قطعه وتحليل من قطعه من الإثم. # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا ~~محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا آدم, حدثنا الليث عن نافع عن ~~ابن عمر قال: حرق رسول الله صلى الله عليه وسلم نخل بني النضير وقطع ~~وهي البويرة: فنزلت: # { ما قطعتم من لينة أو تركتموها قآئمة على ~~أصولها فبإذن الله } , أخبر الله في هذه الآية أن ما قطعوه ~~وما تركوه فبإذن الله، { وليخزى الفاسقين }. # واختلفوا في " اللينة " , فقال قوم: النخل كلها لينة ما خلا ~~العجوة، وهو قول عكرمة وقتادة. ms2272 ورواه زاذان عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقطع نخلهم إلا العجوة وأهل المدينة ~~يسمون ما خلا العجوة من التمرة: الألوان, واحدها لون ولينة. # وقال الزهري: هي ألوان النخل كلها إلا العجوة والبرنية. # وقال مجاهد وعطية: هي النخل كلها من غير استثناء. وقال العوفي عن ابن ~~عباس رضي الله عنهم: هي لون من النخل. وقال سفيان: هي كرام النخل. # وقال مقاتل: هي ضرب من النخل يقال لثمرها اللون، وهو شديد الصفرة يرى ~~نواه من خارج يغيب فيها الضرس، وكان من أجود تمرهم وأعجبها إليهم، وكانت ~~النخلة الواحدة منها ثمنها ثمن وصيف، وأحب إليهم من وصيف، فلما رأوهم ~~يقطعونها شق ذلك عليهم وقالوا للمؤمنين إنكم تكرهون الفساد في الأرض ~~وأنتم تفسدون دعوا هذا النخل قائما هو لمن غلب عليها، فأخبر الله تعالى ~~أن ذلك بإذنه. ### || [59.6-8] # { ومآ أفآء الله على رسوله } ، أي رده على رسوله. يقال ~~أفاء يفيء أي رجع، وأفاء الله، { منهم } أي من يهود بني النضير، { فمآ ~~أوجفتم } أوضعتم، { عليه من خيل ولا ركاب } ، يقال: ~~وجف الفرس والبعير يجف وجيفا وهو سرعة السير، وأوجفه صاحبه إذا حمله على ~~السير، وأراد بالركاب الإبل التي تحمل القوم. وذلك أن بني النضير لما ~~تركوا رباعهم وضياعهم طلب المسلمون من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يقسمها بينهم، كما فعل بغنائم خيبر، فبين الله تعالى في هذه الآية أنها ~~فيء لم يوجف المسلمون عليها خيلا ولا ركابا ولم يقطعوا إليها شقة ولا ~~نالوا مشقة ولم يلقوا حربا، { ولكن الله يسلط رسله ~~على من يشآء والله على كل شىء قدير } ، فجعل أموال ~~بني النضير لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة يضعها حيث يشاء، فقسمها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئا ~~إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة، وهم أبو دجانة سماك بن خرشة, وسهل بن حنيف, ~~والحارث بن الصمة. # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, ms2273 أخبرنا ~~محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا أبو اليمان, أخبرنا شعيب عن ~~الزهري, أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان النضري, أن عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه دعاه إذ جاءه حاجبه يرفأ، فقال: هل لك في عثمان وعبد ~~الرحمن والزبير وسعد يستأذنون؟ قال: نعم، فأدخلهم فلبث يرفأ قليلا ثم ~~جاء فقال: هل لك في عباس وعلي يستأذنان؟ قال: نعم، فلما دخلا قال عباس: ~~يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا, - وهما يختصمان في الذي أفاء الله ~~على رسوله من بني النضير - فقال الرهط: يا أمير المؤمنين اقض بينهما ~~وأرح أحدهما من الآخر, قال: اتئدوا, أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم ~~السماء والأرض هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا نورث ما تركنا صدقة " # يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه؟ قالوا: قد قال ذلك، فأقبل عمر ~~على علي وعباس، فقال: أنشدكما بالله هل تعلمان أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال ذلك؟ قالا: نعم، قال: فإني أحدثكم عن هذا الأمر أن الله ~~كان خص رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدا ~~غيره، فقال: { ومآ أفآء الله على رسوله منهم فمآ ~~أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب } ، إلى قوله: { قدير } ~~، وكانت هذه خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما احتازها دونكم ولا ~~استأثرها عليكم لقد أعطاكموها وبثها فيكم حتى بقي منها هذا المال، فكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال ثم ~~يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله، فعمل بذلك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حياته، ثم توفي النبي صلى الله عليه وسلم, فقال أبو بكر: أنا ولي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبضها أبو بكر رضي الله تعالى عنه فعمل ~~بها بما عمل به فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنتم حينئذ جميع، ~~وأقبل على علي وعباس: تذكران أن أبا بكر فعل فيه كما تقولان ms2274 والله يعلم ~~إنه فيها صادق بار راشد تابع للحق، ثم توفى الله أبا بكر, فقلت: أنا ولي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر فقبضتها سنتين من إمارتي أعمل ~~فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر والله يعلم أني فيه ~~صادق بار راشد تابع للحق، ثم جئتماني كلاكما وكلمتكما واحدة، وأمركما ~~جميع فقلت لكما: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا نورث ما تركنا صدقة " # فلما بدا لي أن أدفعه إليكما قلت: إن شئتما دفعته إليكما على أن عليكما ~~عهد الله وميثاقه لتعملان فيها بما عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأبو بكر، وبما عملت به فيها منذ وليتها، وإلا فلا تكلماني فيها، فقلتما ~~ادفعها إلينا بذلك فدفعتها إليكما؟ أفتلتمسان مني قضاء غير ذلك؟ فوالله ~~الذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي فيها قضاء غير ذلك حتى تقوم ~~الساعة، فإن عجزتما عنها فادفعاها إلي فإني أكفيكما. # قوله عز وجل { مآ أفآء الله على رسوله من أهل ~~القرى } ، يعني من أموال كفار أهل القرى، قال ابن عباس: هي قريظة ~~والنضير وفدك وخيبر وقرى عرينة، { فلله وللرسول ولذى ~~القربى واليتامى والمسكين وابن السبيل } ، قد ~~ذكرنا في سورة الأنفال حكم الغنيمة وحكم الفيء. إن مال الفيء كان لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في حياته يضعه حيث يشاء وكان ينفق منه على أهله ~~نفقة سنتهم ويجعل ما بقي مجعل مال الله. # واختلف أهل العلم في مصرف الفيء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ~~قوم: هو للأئمة بعده. # وللشافعي فيه قولان: أحدهما - هو للمقاتلة، والثاني لمصالح المسلمين، ~~ويبدأ بالمقاتلة ثم بالأهم فالأهم من المصالح. # واختلفوا في تخميس مال الفيء: فذهب بعضهم إلى أنه يخمس فخمسه لأهل خمس ~~الغنيمة, وأربعة أخماسه للمقاتلة وللمصالح، وذهب الأكثرون إلى أنه لا ~~يخمس بل مصرف جميعه واحد، ولجميع المسلمين فيه حق، قرأ عمر بن الخطاب: { ~~مآ أفآء الله على رسوله من أهل القرى } ، حتى ~~بلغ: { للفقرآء المهاجرين الذين ms2275 أخرجوا من ~~ديارهم وأموالهم. # .. والذين جآءوا من بعدهم } ، ثم قال: هذه استوعبت ~~المسلمين عامة، وقال: ما على وجه الأرض مسلم إلا له في هذا الفيء حق إلا ~~ما ملكت أيمانكم. # { كي لا يكون دولة } ، قرأ العامة بالياء، " دولة " نصب, أي: ~~لكيلا يكون الفيء دولة، وقرأ أبو جعفر: " تكون " بالتاء " دولة " بالرفع ~~على اسم كان أي كيلا يكون الأمر إلى دولة، وجعل الكينونة بمعنى الوقوع ~~وحينئذ لا خبر له. " والدولة " اسم للشىء الذي يتداوله القوم بنيهم، { ~~بين الأغنيآء منكم } ، يعني بين الرؤساء والأقوياء, فيغلبوا ~~عليه الفقراء والضعفاء، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا إذا اغتنموا غنيمة ~~أخذ الرئيس ربعها لنفسه، وهو المرباع، ثم يصطفى منها بعد المرباع ما شاء، ~~فجعله الله لرسوله صلى الله عليه وسلم يقسمه فيما أمر به، ثم قال: # { ومآ آتاكم } ، أعطاكم، { الرسول } ، من الفيء والغنيمة، { ~~فخذوه وما نهكم عنه } ، من الغلول وغيره، { فانتهوا } ~~، وهذا نازل في أموال الفيء، وهو عام في كل ما أمر به النبي صلى الله ~~عليه وسلم ونهى عنه. # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا ~~محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, عن محمد بن يوسف, حدثنا سفيان عن ~~منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: لعن الله الواشمات ~~والمستوشمات والمتنمصات والمتلفجات للحسن المغيرات خلق الله. فبلغ ذلك ~~امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب، فجاءت فقالت: إنه بلغني أنك لعنت ~~كيت وكيت، فقال: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~في كتاب الله تعالى؟ فقالت: لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما ~~تقول: قال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه أما قرأت: { ومآ ءاتكم ~~الرسول فخذوه وما نهكم عنه فانتهوا } [الحشر: 7]؟ ~~قالت: بلى، قال: فإنه قد نهى عنه. # { واتقوا الله إن الله شديد العقاب } ، ثم بين من له ~~الحق في الفيء فقال: # { للفقرآء المهجرين الذين أخرجوا من ~~ديرهم وأمولهم يبتغون فضلا } رزقا { من ~~الله ورضونا } ، أي خرجوا إلى دار ms2276 الهجرة طلبا لرضا الله عز ~~وجل، { وينصرون الله ورسوله أولئك هم ~~الصدقون } ، في إيمانهم. قال قتادة: هؤلاء المهاجرون الذين تركوا ~~الديار والأموال والعشائر وخرجوا حبا لله ولرسوله، واختاروا الإسلام على ~~ما كانوا فيه من شدة، حتى ذكر لنا أن الرجل كان يعصب الحجر على بطنه ~~ليقيم به صلبه من الجوع، وكان الرجل يتخذ الحفيرة في الشتاء ما له دثار ~~غيرها. # أخبرنا محمد بن الحسن المروزي, أخبرنا أبو العباس الطحان, أخبرنا أبو ~~أحمد بن محمد بن قريش بن سليمان, أخبرنا علي بن عبد العزيز المكي, أخبرنا ~~أبو عبيد القاسم بن سلام, حدثني عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن أبي ~~إسحاق عن أمية بن خالد بن عبد الله بن أسيد عن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~أنه كان يستفتح بصعاليك المهاجرين. قال أبو عبيد: هكذا قال عبد الرحمن ~~وهو عندي أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد. # وروينا عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أبشروا يا معشر صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة، تدخلون ~~الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم، وذلك مقدار خمسمائة سنة ". ### || [59.9] # { والذين تبوءو الدار والإيمان } ، وهم الأنصار تبوؤا ~~الدار توطنوا الدار، أي: المدينة، اتخذوها دار الهجرة والإيمان، { من ~~قبلهم } ، أي أسلموا في ديارهم وآثروا الإيمان وابتنوا المساجد قبل ~~قدوم النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين. # ونظم الآية: والذين تبوؤا الدار من قبلهم أي من قبل قدوم المهاجرين ~~عليهم، وقد آمنوا لأن الإيمان ليس بمكان تبوء. # { يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون فى صدورهم ~~حاجة } ، حزازة وغيظا وحسدا، { ممآ أوتوا } ، أي مما أعطي ~~المهاجرين دونهم من الفيء، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم ~~أموال بني النضير بين المهاجرين، ولم يعط منها الأنصار فطابت أنفس ~~الأنصار بذلك، { ويؤثرون على أنفسهم } ، أي يؤثرون على ~~إخوانهم من المهاجرين بأموالهم ومنازلهم على أنفسهم، { ولو كان ~~بهم خصاصة } ، فاقة وحاجة إلى ما يؤثرون، وذلك أنهم قاسموهم ~~ديارهم وأموالهم: # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد ms2277 بن عبد الله النعيمي, أخبرنا ~~محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا مسدد, حدثنا عبد الله بن ~~داود عن فضيل بن غزوان عن أبي حازم عن أبي هريرة أن رجلا أتى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فاستضافه فبعث إلى نسائه هل عندكن من شيء؟ فقلن: ما ~~معناه: إلا الماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يضم أو يضيف ~~هذا؟ فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى امرأته فقال: ~~أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: ما عندنا إلا قوت ~~الصبيان، فقال: هيئي طعامك وأصبحي سراجك ونومي صبيانك، إذا أرادوا ~~عشاء، فهيأت طعامها وأصبحت سراجها، ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح ~~سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان، فباتا طاويين، فلما أصبح غدا ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ضحك الله الليلة أو عجب من ~~فعالكما، فأنزل الله عز وجل: { ويؤثرون على أنفسهم ~~ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك ~~هم المفلحون }. # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا ~~محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا الحكم بن نافع, أخبرنا شعيب, ~~حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قالت الأنصار: اقسم بيننا ~~وبين إخواننا النخيل، قال: لا، فقالوا: تكفونا المؤنة ونشرككم في الثمرة، ~~قالوا: سمعنا وأطعنا. # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا ~~محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا عبد الله بن محمد, حدثنا ~~سفيان عن يحيى بن سعيد سمع أنس بن مالك حين خرج معه إلى الوليد قال: # " دعا النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار إلى أن يقطع لهم البحرين، ~~فقالوا: لا إلا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها، قال: " ألا فاصبروا ~~حتى تلقوني على الحوض، فإنه سيصيبكم أثرة بعدي ". # وروي عن ابن عباس قال: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النضير للأنصار:«إن شئتم قسمتم ~~للمهاجرين من أموالكم ودياركم وتشاركونهم في هذه الغنيمة، ms2278 وإن شئتم كانت ~~لكم دياركم وأموالكم ولم يقسم لكم شيء من الغنيمة» " # ، فقالت الأنصار: بل نقسم لهم من أموالنا وديارنا ونؤثرهم بالغنيمة ولا ~~نشاركهم فيها، فأنزل الله عز وجل: { ويؤثرون على أنفسهم ~~ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه ~~فأولئك هم المفلحون }. # والشح في كلام العرب: البخل ومنع الفضل. وفرق العلماء بين الشح والبخل. ~~روي أن رجلا قال لعبد الله بن مسعود: إني أخاف أن أكون قد هلكت، فقال: ~~وما ذاك؟ قال: أسمع الله يقول: { ومن يوق شح نفسه ~~فأولئك هم المفلحون } ، وأنا رجل شحيح، لا يكاد يخرج من ~~يدي شيء، فقال عبد الله: ليس ذاك بالشح الذي ذكر الله عز وجل في ~~القرآن، ولكن الشح أن تأكل مال أخيك ظلما ولكن ذلك البخل وبئس الشيء ~~البخل. # وقال ابن عمر: ليس الشح أن يمنع الرجل ماله, إنما الشح أن تطمح عين ~~الرجل إلى ما ليس له. # وقال سعيد بن جبير: " الشح " هو أخذ الحرام ومنع الزكاة. وقيل: الشح هو ~~الحرص الشديد الذي يحمله على ارتكاب المحارم. # قال ابن زيد: من لم يأخذ شيئا نهاه الله عنه، ولم يدعه الشح إلى أن ~~يمنع شيئا من شيء أمره الله به فقد وقاه شح نفسه. # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي, أخبرنا أبو سعيد خلف بن ~~عبد الرحمن بن محمد بن أبي نزار, حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد ابن ~~حزاز القهندري, حدثنا أبو عبد الله محمد بن إسحاق السعدي, حدثنا أحمد بن ~~منصور الرمادي, حدثنا القعنبي, حدثنا داود بن قيس الفراء عن عبيد الله بن ~~مقسم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك ~~من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم ". # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي, أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى ~~الصيرفي, حدثنا أبو العباس الأصم, أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم, ~~أخبرنا ms2279 أبي وشعيب قالا: أخبرنا الليث عن يزيد بن الهاد عن سهيل بن أبي ~~صالح عن صفوان بن يزيد عن القعقاع هو ابن اللجلاج عن أبي هريرة أنه سمع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد أبدا، ولا يجتمع ~~الشح والإيمان في قلب عبد أبدا ". ### || [59.10-11] # قوله عز وجل: { والذين جآءو من بعدهم } ، يعني التابعين ~~وهم الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة، ثم ذكر أنهم ~~يدعون لأنفسهم ولمن سبقهم بالإيمان والمغفرة، فقال: { يقولون ~~ربنا اغفر لنا ولإخوننا الذين سبقونا ~~بالإيمن ولا تجعل فى قلوبنا غلا } , غشا وحسدا ~~وبغضا، { للذين ءامنوا ربنآ إنك رءوف رحيم } ، ~~فكل من كان في قلبه غل على أحد من الصحابة ولم يترحم على جميعهم فإنه ~~ليس ممن عناه الله بهذه الآية، لأن الله تعالى رتب المؤمنين على ثلاثة ~~منازل: المهاجرين والأنصار والتابعين الموصوفين بما ذكر الله، فمن لم يكن ~~من التابعين بهذه الصفة كان خارجا من أقسام المؤمنين. # قال ابن أبي ليلى: الناس على ثلاثة منازل: الفقراء المهاجرين، والذين ~~تبوؤا الدار والإيمان، والذين جاؤوا من بعدهم، فاجتهد أن لا تكون خارجا ~~من هذه المنازل. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي, أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي, أخبرنا عبد الله بن ~~حامد, أخبرنا أحمد بن عبد الله بن سليمان حدثنا ابن نمير, حدثنا أبي عن ~~إسماعيل بن إبراهيم عن عبد الملك بن عمير عن مسروق عن عائشة رضي الله ~~عنها قالت: أمرتم بالاستغفار لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فسببتموهم ~~سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: # " لا تذهب هذه الأمة حتى يلعن آخرها أولها ". # وقال مالك بن مغول: قال عامر بن شراحيل الشعبي: يا مالك تفاضلت اليهود ~~والنصارى على الرافضة بخصلة, سئلت اليهود: من خير أهل ملتكم؟ فقالت: ~~أصحاب موسى عليه السلام. وسئلت النصارى: من خير من أهل ملتكم؟ فقالوا: ~~حواري عيسى عليه السلام. وسئلت الرافضة: من شر أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب ~~محمد صلى الله عليه وسلم أمروا ms2280 بالاستغفار لهم فسبوهم، فالسيف عليهم ~~مسلول إلى يوم القيامة, لا تقوم لهم راية ولا يثبت لهم قدم، ولا تجتمع ~~لهم كلمة, كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله بسفك دمائهم وتفريق شملهم ~~وإدحاض حجتهم، أعاذنا الله وإياكم من الأهواء المضلة. # قال مالك بن أنس: من يبغض أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, ~~أو كان في قلبه عليهم غل فليس له حق في فيء المسلمين، ثم تلا: { مآ ~~أفآء الله على رسوله من أهل القرى } ، حتى أتى على ~~هذه الآية: { للفقرآء المهجرين... والذين تبوءوا ~~الدار والإيمان... والذين جآءو من بعدهم } إلى قوله: ~~{ رؤوف رحيم }. # قوله عز وجل: { ألم تر إلى الذين نفقوا } ، أي ~~أظهروا خلاف ما أضمروا: يعني: عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه، { ~~يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتب ~~} ، وهم اليهود من بني قريظة والنضير, جعل المنافقين إخوانهم في الدين، ~~لأنهم كفار مثلهم. { لئن أخرجتم } ، من المدينة، { ~~لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا } ، يسألنا خذلانكم ~~وخلافكم، { أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله ~~يشهد إنهم } يعني المنافقين { لكذبون }. ### || [59.12-14] # { لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ~~ينصرونهم } , وكان الأمر كذلك، فإنهم أخرجوا من ديارهم فلم يخرج ~~المنافقون معهم، وقوتلوا فلم ينصروهم: # قوله تعالى: { ولئن نصروهم ليولن الأدبر } ، أي لو ~~قدر وجود نصرهم. قال الزجاج: معناه لو قصدوا نصر اليهود لولوا الأدبار ~~منهزمين، { ثم لا ينصرون } ، يعني بني النضير لا يصيرون منصورين ~~إذا انهزم ناصرهم. # { لأنتم } , يا معشر المسلمين، { أشد رهبة فى صدورهم ~~من الله } ، أي يرهبونكم أشد من رهبتهم من الله، { ذلك } ، أي ذلك ~~الخوف منكم، { بأنهم قوم لا يفقهون } ، عظمة الله. # { لا يقتلونكم } ، يعني اليهود، { جميعا إلا فى قرى ~~محصنة } ، أي لا يبرزون لقتالكم إنما يقاتلونكم متحصنين بالقرى ~~والجدران، وهو قوله: { أو من ورآء جدر } ، قرأ ابن كثير وأبو ~~عمرو: " جدار " على الواحد، وقرأ الآخرون " جدر " بضم الجيم والدال على ~~الجمع. { بأسهم بينهم شديد } ، أي: بعضهم فظ على بعض, ~~وعداوة بعضهم بعضا شديدة. وقيل: بأسهم فيما ms2281 بينهم من وراء الحيطان ~~والحصون شديد، فإذا خرجوا لكم فهم أجبن خلق الله، { تحسبهم ~~جميعا وقلوبهم شتى } ، متفرقة مختلفة، قال قتادة: أهل الباطل ~~مختلفة أهواؤهم، مختلفة شهادتهم، مختلفة أعمالهم، وهم مجتمعون في عداوة ~~أهل الحق. وقال مجاهد: أراد أن دين المنافقين يخالف دين اليهود. { ذلك ~~بأنهم قوم لا يعقلون }. ### || [59.15-16] # { كمثل الذين من قبلهم } ، يعني مثل هؤلاء اليهود كمثل ~~الذين من قبلهم، { قريبا } ، يعني مشركي مكة، { ذاقوا وبال ~~أمرهم } ، يعني القتل ببدر، وكان ذلك قبل غزوة بني النضير، قاله ~~مجاهد. وقال ابن عباس: كمثل الذين من قبلهم يعني بني قينقاع. وقيل: مثل ~~قريظة كمثل بني النضير وكان بينهما سنتان. { ولهم عذاب أليم } ~~، ثم ضرب مثلا للمنافقين واليهود جميعا في تخادلهم فقال: # { كمثل الشيطن } ، أي: مثل المنافقين في غرورهم بني النضير ~~وخذلانهم كمثل الشيطان, { إذ قال للإنسن اكفر فلما ~~كفر قال إنى برىء منك }. # وذلك ما روى عطاء وغيره عن ابن عباس قال: كان راهب في الفترة يقال له " ~~برصيصا " تعبد في صومعة له سبعين سنة, لم يعص الله فيها طرفة عين، وإن ~~إبليس أعياه في أمر الحيل، فجمع ذات يوم مردة الشياطين فقال: ألا أجد ~~أحدا منكم يكفيني أمر برصيصا؟ فقال الأبيض - وهو صاحب الأنبياء وهو الذي ~~تصدى للنبي صلى الله عليه وسلم، جاءه في صورة جبرائيل ليوسوس إليه على ~~جهة الوحي فدفعه جبرائيل إلى أقصى أرض الهند - فقال الأبيض لإبليس: أنا ~~أكفيك أمره، فانطلق فتزين بزينة الرهبان وحلق وسط رأسه وأتى صومعة برصيصا ~~فناداه فلم يجبه، وكان لا ينفتل عن صلاته إلا في كل عشرة أيام ولا يفطر ~~إلا في عشرة أيام مرة. # فلما رأى الأبيض أنه لا يجيبه أقبل على العبادة في أصل صومعته، فلما ~~انفتل برصيصا اطلع من صومعته فرأى الأبيض قائما يصلي في هيئة حسنة من ~~هيئة الرهبان، فلما رأى ذلك من حاله ندم في نفسه حين لم يجبه، فقال له: ~~إنك ناديتني وكنت مشتغلا عنك، فما حاجتك؟ قال: حاجتي أني أحببت أن أكون ~~معك، فأتأدب ms2282 بك وأقتبس من عملك وعلمك، ونجتمع على العبادة فتدعو لي وأدعو ~~لك، فقال برصيصا: إني لفي شغل عنك فإن كنت مؤمنا فإن الله سيجعل لك فيما ~~أدعو للمؤمنين نصيبا إن استجاب لي، ثم أقبل على صلاته وترك الأبيض، ~~وأقبل الأبيض يصلي فلم يلتفت إليه برصيصا أربعين يوما بعدها، فلما انفتل ~~رآه قائما يصلي فلما رأى برصيصا شدة اجتهاده قال له: ما حاجتك؟ قال: ~~حاجتي أن تأذن لي فأرتفع إليك فأذن له فارتفع إليه في صومعته، فأقام معه ~~حولا يتعبد لا يفطر إلا في كل أربعين يوما ولا ينفتل عن صلاته إلا في ~~كل أربعين يوما مرة، وربما مد إلى الثمانين، فلما رأى برصيصا اجتهاده ~~تقاصرت إليه نفسه وأعجبه شأن الأبيض. # فلما حال الحول قال الأبيض لبرصيصا: إني منطلق فإن لي صاحبا غيرك ظننت ~~أنك أشد اجتهادا مما أرى، وكان يبلغنا عنك غير الذي رأيت، فدخل من ذلك ~~على برصيصا أمر شديد وكره مفارقته للذي رأى من شدة اجتهاده، فلما ودعه ~~قال له الأبيض: إن عندي دعوات أعلمكها تدعو بهن فهن خير مما أنت فيه يشفي ~~الله بها السقيم ويعافي بها المبتلى والمجنون، قال برصيصا: إني أكره هذه ~~المنزلة لأن لي في نفسي شغلا وإني أخاف إن علم به الناس شغلوني عن ~~العبادة، فلم يزل به الأبيض حتى علمه. # ثم انطلق حتى أتى إبليس فقال: قد والله أهلكت الرجل. # قال: فانطلق الأبيض فتعرض لرجل فخنقه ثم جاء في صورة رجل متطبب فقال ~~لأهله إن بصاحبكم جنونا أفأعالجه؟ قالوا: نعم، فقال لهم: إني لا أقوى ~~على جنته ولكن سأرشدكم إلى من يدعو الله فيعافيه، انطلقوا إلى برصيصا فإن ~~عنده الاسم الأعظم الذي إذا دعا به أجيب، فانطلقوا إليه فسألوه ذلك فدعا ~~بتلك الكلمات فذهب عنه الشيطان، فكان الأبيض يفعل مثل ذلك بالناس ويرشدهم ~~إلى برصيصا، فيدعو فيعافون، فانطلق الأبيض فتعرض لجارية من بنات ملوك بني ~~إسرائيل بين ثلاثة إخوة وكان أبوهم ملكهم، فمات واستخلف أخاه فكان عمها ~~ملك بني إسرائيل، فعذبها وخنقها ms2283 ثم جاء إليهم في صورة متطبب فقال لهم: ~~أتريدون أن أعالجها؟ قالوا: نعم، قال: إن الذي عرض لها مارد لا يطاق، ~~ولكن سأرشدكم إلى رجل تثقون به تدعونها عنده إذا جاء شيطانها دعا لها حتى ~~تعلموا أنها قد عوفيت وتردونها صحيحة، قالوا: ومن هو؟ قال برصيصا، قالوا: ~~وكيف لنا أن يجيبنا إلى هذا وهو أعظم شأنا من ذلك؟ قال: فانطلقوا فابنوا ~~صومعة إلى جانب صومعته حتى تشرفوا عليه، فإن قبلها وإلا فضعوها في ~~صومعتها، ثم قولوا له هي أمانة عندك، فاحتسب فيها. # قال: فانطلقوا إليه فسألوه فأبى عليهم، فبنوا صومعة على ما أمرهم الأبيض ~~ووضعوا الجارية في صومعته، وقالوا هذه أختنا أمانة فاحتسب فيها، ثم ~~انصرفوا فلما انفتل برصيصا عن صلاته عاين الجارية وما بها من الحسن ~~والجمال، فوقعت في قلبه ودخل عليه أمر عظيم، ثم أقبل في صلاته فجاءها ~~الشيطان فخنقها فدعا برصيصا بتلك الدعوات فذهب عنها الشيطان، ثم أقبل على ~~صلاته فجاءها الشيطان فخنقها فدعا برصيصا بتلك الدعوات، ثم أقبل على ~~صلاته فجاءها الشيطان فخنقها، وكانت تكشف عن نفسها، فجاءه الشيطان وقال ~~واقعها فستتوب بعد ذلك فتدرك ما تريد من الأمر، فلم يزل به حتى واقعها ~~فلم يزل على ذلك يأتيها حتى حملت وظهر حملها، فقال له الشيطان: ويحك يا ~~برصيصا قد افتضحت فهل لك أن تقتلها وتتوب؟ فإن سألوك فقل: ذهب بها ~~شيطانها, فلم أقدر عليه، فدخل فقتلها ثم انطلق بها فدفنها إلى جانب ~~الجبل, فجاء الشيطان, وهو يدفنها ليلا, فأخذ بطرف إزارها, فبقي طرف ~~إزارها خارجا من التراب، ثم رجع برصيصا إلى صومعته فأقبل على صلاته, إذ ~~جاء إخوتها يتعاهدون أختهم, وكانوا يجيئون في طرف الأيام يسألون عنها ~~ويوصونه بها، فقالوا: يا برصيصا ما فعلت أختنا؟ قال: قد جاء شيطانها فذهب ~~بها ولم أطقه, فصدقوه وانصرفوا, فلما أمسوا وهم مكروبون جاء الشيطان إلى ~~أكبرهم في منامه فقال: ويحك إن برصيصا فعل بأختك كذا وكذا وإنه دفنها في ~~موضع كذا وكذا فقال الأخ في نفسه: هذا حلم, ms2284 وهو من عمل الشيطان، فإن ~~برصيصا خير من ذلك، قال فتتابع عليه ثلاث ليال فلم يكترث. # فانطلق إلى الأوسط بمثل ذلك فقال الأوسط مثل ماقاله الأكبر, فلم يخبر ~~أحدا, فانطلق إلى أصغرهم بمثل ذلك, فقال أصغرهم لأخويه: والله لقد رأيت ~~كذا وكذا، وقال الأوسط وأنا والله قد رأيت مثله، وقال الأكبر وأنا رأيت ~~مثله، فانطلقوا إلى برصيصا وقالوا: يا برصيصا ما فعلت أختنا؟ قال: أليس ~~قد أعلمتكم بحالها؟ فكأنكم اتهمتموني، فقالوا: والله لا نتهمك واستحيوا ~~منه فانصرفوا، فجاءهم الشيطان فقال: ويحكم إنها لمدفونة في موضع كذا, وإن ~~طرف إزارها خارج من التراب. فانطلقوا فرأوا أختهم على ما رأوا في النوم، ~~فمشوا في مواليهم وغلمانهم, ومعهم الفؤوس والمساحي, فهدموا صومعته ~~وأنزلوه, ثم كتفوه فانطلقوا به إلى الملك فأقر على نفسه، وذلك أن الشيطان ~~أتاه فقال: تقتلها ثم تكابر, يجتمع عليك أمران: قتل ومكابرة, اعترف، ~~فلما اعترف أمر الملك بقتله وصلبه على خشبة، فلما صلب أتاه الأبيض فقال: ~~يا برصيصا أتعرفني؟ قال: لا، قال: أنا صاحبك الذي علمتك الدعوات فاستجيب ~~لك، ويحك ما اتقيت الله في أمانتك! خنت أهلها وإنك زعمت أنك أعبد بني ~~إسرائيل، أما استحييت؟ فلم يزل يعيره، ثم قال في آخر ذلك: ألم يكفك ما ~~صنعت حتى أقررت على نفسك وفضحت نفسك وفضحت أشباهك من الناس؟ فإن مت على ~~هذه الحالة لم يفلح أحد من نظرائك، قال: فكيف أصنع قال: تطيعني في خصلة ~~واحدة حتى أنجيك مما أنت فيه فآخذ بأعينهم فأخرجك من مكانك! قال: وما هي ~~قال تسجد لي، قال ما أستطيع أفعل، قال: بطرفك افعل فسجد له فقال: يا ~~برصيصا هذا الذي كنت أردت منك، صارت عاقبة أمرك إلى أن كفرت بربك، إني ~~بريء منك { إنى أخاف الله رب العالمين }. ### || [59.17] # يقول الله تعالى: { فكان عقبتهما } ، يعني الشيطان وذلك ~~الإنسان { أنهما فى النار خلدين فيها وذلك جزآء ~~الظلمين } قال ابن عباس: ضرب الله هذا المثل ليهود بني النضير ~~والمنافقين من أهل المدينة، وذلك أن الله عز وجل ms2285 أمر نبيه صلى الله ~~عليه وسلم بإجلاء بني النضير عن المدينة فدس المنافقون إليهم، وقالوا: ~~لا تجيبوا محمدا إلى ما دعاكم ولا تخرجوا من دياركم, فإن قاتلكم فإنا ~~معكم وإن أخرجكم خرجنا معكم، فأجابوهم فدربوا على حصونهم وتحصنوا في ~~ديارهم رجاء نصر المنافقين، حتى جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم فناصبوه ~~الحرب يرجون نصر المنافقين، فخذلوهم وتبرؤوا منهم كما تبرأ الشيطان من ~~برصيصا وخذله، فكان عاقبة الفريقين النار. # قال ابن عباس رضي الله عنه: فكان الرهبان بعد ذلك في بني إسرائيل لا ~~يمشون إلا بالتقية والكتمان، وطمع أهل الفسق والفجور في الأحبار, ~~ورموهم بالبهتان والقبيح حتى كان أمر جريج الراهب، فلما برأه الله مما ~~رموه به انبسطت بعده الرهبان وظهروا للناس, وكانت قصة جريج على ما: # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر, أخبرنا عبد الغافر بن محمد, حدثنا محمد ~~بن عيسى الجلودي, حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان, حدثنا مسلم بن الحجاج, ~~حدثني زهير بن حرب, حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا جرير بن حازم, حدثنا محمد ~~بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى ابن مريم عليه السلام، وصاحب جريج، ~~وصاحب يوسف ". # وكان جريج رجلا عابدا فاتخذ صومعة فكان فيها فأتته أمه وهو يصلي ~~فقالت: يا جريج، فقال: يا رب أمي وصلاتي؟ فأقبل على صلاته، فانصرفت، فلما ~~كان من الغد أتته وهو يصلي، فقالت: يا جريج، فقال: أي رب أمي وصلاتي؟ ~~فأقبل على صلاته، فقالت: اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات. # فتذاكر بنو إسرائيل جريجا وعبادته، وكانت امرأة بغي يتمثل بحسنها، ~~فقالت: إن شئتم لأفتننه لكم. قال: فتعرضت له فلم يلتفت إليها، فأتت ~~راعيا كان يأوي إلى صومعته فأمكنته من نفسها فوقع عليها فحملت فلما ولدت ~~قالت: هو من جريج، فأتوه فاستنزلوه من صومعته وهدموا صومعته وجعلوا ~~يضربونه، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: زنيت بهذه البغية فولدت منك، فقال: أين ~~الصبي؟ فجاؤوا به، فقال: دعوني حتى أصلي فصلى فلما ms2286 انصرف أتى الصبي فطعن ~~في بطنه وقال: يا غلام من أبوك؟ قال: فلان الراعي، قال فأقبلوا على جريج ~~يقبلونه ويتمسحون به، وقالوا نبني لك صومعتك من ذهب، قال: لا، أعيدوها من ~~طين كما كانت، ففعلوا. # وبينا صبي يرضع من أمه فمر رجل راكب على دابة فارهة وشارة حسنة، فقالت ~~أمه: اللهم اجعل ابني مثل هذا، فترك الثدي وأقبل عليه ونظر إليه, فقال: ~~اللهم لا تجعلني مثله. # ثم أقبل على ثديه فجعل يرضع. قال: فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو يحكي ارتضاعه بأصبعه السبابة في فمه، فجعل يمصها. # قال: ومروا بجارية وهم يضربونها ويقولون: زنيت وسرقت، وهي تقول: حسبي ~~الله ونعم الوكيل، فقالت أمه: اللهم لا تجعل ابني مثلها, فترك الرضاع ~~ونظر إليها فقال: اللهم اجعلني مثلها، فهناك تراجعا الحديث، فقالت: مر ~~رجل حسن الهيئة فقلت: اللهم اجعل ابني مثله، فقلت: اللهم لا تجعلني ~~مثله، ومروا بهذه الأمة وهم يضربونها ويقولون زنيت سرقت، فقلت: اللهم لا ~~تجعل ابني مثلها، فقلت: اللهم اجعلني مثلها، قال: إن ذاك الرجل كان ~~جبارا فقلت: اللهم لا تجعلني مثله، وإن هذه يقولون لها: زنيت, ولم ~~تزن, وسرقت, ولم تسرق، فقلت: اللهم اجعلني مثلها». ### || [59.18-21] # قوله عز وجل { يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله ~~ولتنظر نفس ما قدمت لغد } ، يعني ليوم القيامة، أي: ~~لينظر أحدكم أي شيء قدم لنفسه، عملا صالحا ينجيه أم سيئا يوبقه؟ { ~~واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون }. # { ولا تكونوا كالذين نسوا الله } ، تركوا أمر الله، { ~~فأنسهم أنفسهم } ، أي حظوظ أنفسهم حتى لم يقدموا لها خيرا، { ~~أولئك هم الفسقون }. # { لا يستوي أصحب النار وأصحب الجنة ~~أصحب الجنة هم الفآئزون }. # قوله عز وجل: { لو أنزلنا هذا القرءان على جبل ~~لرأيته خشعا متصدعا من خشية الله } ، قيل: ~~لو جعل في الجبل تمييز وأنزل عليه القرآن لخشع وتشقق وتصدع من خشية الله ~~مع صلابته ورزانته، حذرا من أن لا يؤدي حق الله عز وجل في تعظيم ~~القرآن، والكافر يعرض عما فيه من العبر ms2287 كأن لم يسمعها، يصفه بقساوة ~~القلب، { وتلك الأمثل نضربها للناس لعلهم ~~يتفكرون }. ### || [59.22-23] # { هو الله الذي لا إله إلا هو علم الغيب ~~والشهدة } ، " الغيب ": ما غاب عن العباد مما لم يعاينوه ولم ~~يعلموه، والشهادة ما شاهدوه وما علموه، { هو الرحمن الرحيم ~~}. # { هو الله الذى لا إله إلا هو الملك القدوس ~~} ، الطاهر من كل عيب, المنزه عما لا يليق به، { السلام } ، الذي سلم من ~~النقائص، { المؤمن } ، قال ابن عباس: هو الذي أمن الناس من ظلمه وأمن من ~~آمن به من عذابه، هو من الأمان الذي هو ضد التخويف كما قال: # وءامنهم من خوف # [قريش: 4]، وقيل: معناه المصدق لرسله بإظهار المعجزات، والمصدق ~~للمؤمنين بما وعدهم من الثواب، وللكافرين بما أوعدهم من العقاب. # { المهيمن } ، الشهيد على عباده بأعمالهم، وهوقول ابن عباس, ~~ومجاهد, وقتادة, والسدي, ومقاتل. يقال: هيمن يهيمن فهو مهيمن, إذا كان ~~رقيبا على الشيء، وقيل: هو في الأصل مؤيمن قلبت الهمزة هاء، كقولهم: ~~أرقت وهرقت، ومعناه, المؤمن. وقال الحسن: الأمين. وقال الخليل: هوالرقيب ~~الحافظ. وقال ابن زيد: المصدق. وقال سعيد بن المسيب, والضحاك: القاضي. ~~وقال ابن كيسان: هو اسم من أسماء الله تعالى في الكتب والله أعلم ~~بتأويله. # { العزيز الجبار } ، قال ابن عباس: " الجبار " هو العظيم، ~~وجبروت الله عظمته، وهو على هذا القول صفة ذات الله، وقيل: هو من الجبر ~~وهو الإصلاح، يقال: جبرت الأمر، وجبرت العظم إذا أصلحته بعد الكسر، فهو ~~يغني الفقير ويصلح الكسير. وقال السدي ومقاتل: هو الذي يقهر الناس ~~ويجبرهم على ما أراد. وسئل بعضهم عن معنى الجبار فقال: هو القهار الذي ~~إذا أراد أمرا فعله لا يحجزه عنه حاجز. # { المتكبر } ، الذي تكبر عن كل سوء. وقيل: المتعظم عما لا يليق ~~به. وأصل الكبر, والكبرياء: الامتناع. وقيل: ذوالكبرياء وهو الملك، { ~~سبحن الله عما يشركون }. ### || [59.24] # { هو الله الخلق } ، المقدر والمقلب للشيء بالتدبير إلى ~~غيره، كما قال: # يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق # [الزمر: 6] { البارئ } ، المنشئ للأعيان من العدم إلى الوجود { ~~المصور } ، الممثل للمخلوقات بالعلامات التي يتميز ms2288 بعضها عن بعض. ~~يقال: هذه صورة الأمر أي مثاله، فأولا يكون خلقا ثم برءا ثم ~~تصويرا. { له الأسمآء الحسنى يسبح له ما فى ~~السموت والأرض وهو العزيز الحكيم }. # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي, أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن ~~إبراهيم الثعلبي, أخبرني ابن فنجويه, حدثنا ابن شيبة, حدثنا ابن وهب, ~~حدثنا أحمد بن أبي شريح وأحمد بن منصور الرمادي قالا أخبرنا أبو أحمد ~~الزبيري, حدثنا خالد بن طهمان, حدثني نافع بن أبي نافع عن معقل بن يسار ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من قال حين يصبح - ثلاث مرات - أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان ~~الرجيم، وقرأ الثلاث الآيات من آخر سورة الحشر وكل الله به سبعين ألف ~~ملك يصلون عليه حتى يمسي، فإن مات في ذلك اليوم مات شهيدا، ومن قال حين ~~يمسي كان بتلك المنزلة ". # ورواه أبو عيسى عن محمود بن غيلان عن أبي أحمد الزبيري بهذا الإسناد، ~~وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. ### | [60 - سورة الممتحنة] ### || [60.1] # { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي ~~وعدوكم أوليآء } ، الآية. # أخبرنا عبد الواحد المليحي, حدثنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا ~~محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا قتيبة بن سعيد, حدثنا سفيان ~~عن عمرو بن دينار, أخبرني الحسن بن محمد أنه سمع عبيد الله بن أبي رافع ~~يقول سمعت عليا رضي الله عنه يقول: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنا والزبير والمقداد فقال: # " انطلقوا حتى تأتوا (روضة خاخ) فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها، ~~قال: فانطلقنا تتعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة، ~~فقلنا: أخرجي الكتاب فقالت: ما معي كتاب فقلنا: لتخرجن الكتاب أو ~~لتلقين الثياب، قال: فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس بمكة من المشركين ~~يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا حاطب ما هذا؟ ~~قال: يا رسول ms2289 الله لا تعجل علي إني كنت أمرا ملصقا في قريش - يقول: ~~كنت حليفا ولم أكن من أنفسها - وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات ~~يحمون بها أهليهم وأموالهم فأحببت - إذ فاتني ذلك من النسب فيهم - أن ~~أتخذ عندهم يدا يحمون قرابتي, ولم أفعله ارتدادا عن ديني ولا رضا ~~بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أنه قد ~~صدقكم، فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال: إنه قد ~~شهد بدرا، وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرا فقال: اعملوا ما ~~شئتم فقد غفرت لكم، فأنزل الله تعالى هذه السورة: { يأيها الذين ~~آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أوليآء تلقون ~~إليهم بالمودة } إلى قوله: { سوآء السبيل } ". # قال المفسرون: نزلت الآية في حاطب بن أبي بلتعة كما جاء في الحديث، وذلك ~~أن سارة مولاة أبي عمرو بن صيفي بن هاشم بن عبد مناف أتت المدينة من مكة، ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتجهز لفتح مكة، فقال لها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: أمسلمة جئت؟ قالت: لا، قال: أمهاجرة جئت؟ قالت: لا، قال: ~~فما جاء بك؟ قالت: كنتم الأصل والعشيرة والموالي وقد ذهبت موالي وقد ~~احتجت حاجة شديدة فقدمت عليكم لتعطوني وتكسوني وتحملوني، فقال لها: وأين ~~أنت من شبان مكة؟ وكانت مغنية نائحة، قالت: ما طلب مني شيء بعد وقعة بدر، ~~فحث رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب وبني المطلب فأعطوها ~~نفقة وكسوها وحملوها، فأتاها حاطب بن أبي بلتعة حليف بني أسد بن عبد ~~العزى، فكتب معها إلى أهل مكة, وأعطاها عشرة دنانير, وكساها بردا, على ~~أن توصل الكتاب إلى أهل مكة, وكتب في الكتاب: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ~~أهل مكة, إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدكم, فخذوا حذركم. # فخرجت سارة، ونزل جبريل فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما فعل, فبعث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وعمارا والزبير وطلحة والمقداد بن ~~الأسود وأبا ms2290 مرثد فرسانا، فقال لهم: انطلقوا حتى تأتوا " روضة خاخ " فإن ~~بها ظعينة معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين، فخذوه منها ~~وخلوا سبيلها، وإن لم تدفعه إليكم فاضربوا عنقها. # قال: فخرجوا حتى أدركوها في ذلك المكان الذي قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقالوا لها: أين الكتاب فحلفت بالله ما معها (من) كتاب ففتحوا ~~متاعها (ونبشوها) فلم يجدوا معها كتابا، فهموا بالرجوع، فقال (علي) رضي ~~الله عنه: والله ما كذبنا ولا كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسل ~~سيفه فقال: أخرجي الكتاب وإلا لأجردنك ولأضربن عنقك، فلما رأت الجد ~~أخرجته من ذؤابتها، وكانت قد خبأته في شعرها، فخلوا سبيلها ولم يتعرضوا ~~لها ولا لما معها، فرجعوا بالكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. # فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حاطب، فأتاه فقال: هل تعرف ~~الكتاب؟ قال: نعم، قال: فما حملك على ما صنعت؟ فقال: يا رسول الله والله ~~ما كفرت منذ أسلمت ولا غششتك منذ نصحتك، ولا أحببتهم منذ فارقتهم، ولكن ~~لم يكن أحد من المهاجرين إلا وله بمكة من يمنع عشيرته, وكنت غريبا فيهم، ~~وكان أهلي بين ظهرانيهم، فخشيت على أهلي، فأردت أن أتخذ عندهم يدا, وقد ~~علمت أن الله ينزل بهم بأسه، وأن كتابي لا يغني عنهم شيئا، فصدقه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وعذره. # فقام عمر بن الخطاب فقال: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق. # فقال رسول الله: # " وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال لهم: اعملوا ما ~~شئتم فقد غفرت لكم " # ؟ فأنزل الله عز وجل في شأن حاطب: { يأيها الذين آمنوا ~~لا تتخذوا عدوي وعدوكم أوليآء }. # { تلقون إليهم بالمودة } ، قيل: أي المودة، " والباء " ~~زائدة كقوله: # ومن يرد فيه بإلحاد بظلم # [الحج: 25]، وقال الزجاج: معناه تلقون إليهم أخبار النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وسره بالمودة التي بينكم وبينهم، { وقد كفروا } ، " الواو ~~" للحال, أي: وحالهم أنهم كفروا، { بما جآءكم من الحق، يعني ~~القرآن ms2291 { يخرجون الرسول وإيكم } ، من مكة، { أن ~~تؤمنوا } ، أي لأن آمنتم، كأنه قال: يفعلون ذلك لإيمانكم، { ~~بالله ربكم إن كنتم خرجتم } ، هذا شرط جوابه متقدم وهو ~~قوله: { لا تتخذوا عدوى وعدوكم أوليآء تلقون ~~إليهم بالمودة وقد كفروا بما جآءكم من ~~الحق إن كنتم خرجتم } ، { جهادا فى سبيلى ~~وابتغآء مرضاتى تسرون إليهم بالمودة } ، قال ~~مقاتل بالنصيحة، { وأنا أعلم بمآ أخفيتم } ، من المودة ~~للكفار، { ومآ أعلنتم } ، أظهرتم بألسنتكم { ومن يفعله ~~منكم فقد ضل سوآء السبيل } ، أخطأ طريق الهدى. ### || [60.2] # { إن يثقفوكم } ، يظفرواو بكم ويروكم، { يكونوا لكم ~~أعدآء ويبسطوا إليكم أيديهم } ، بالضرب والقتل، { ~~وألسنتهم بالسوء } ، بالشتم، { وودوا لو تكفرون } ~~، كما كفروا يقول: لا تناصحوهم فإنهم لا يناصحونكم ولا يوادونكم. ### || [60.3-4] # { لن تنفعكم أرحمكم } ، معناه: لا يدعونكم ولا ~~يحملنكم ذوو أرحامكم وقراباتكم وأولادكم الذين بمكة إلى خيانة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وترك مناصحتهم وموالاة أعدائهم فلن تنفعكم ~~أرحامكم، { ولا أولدكم } ، الذين عصيتم الله لأجلهم، { يوم ~~القيمة يفصل بينكم } ، فيدخل أهل طاعته الجنة وأهل معصيته ~~النار. قرأ عاصم ويعقوب { يفصل } بفتح الياء وكسر الصاد مخففا, وقرأ ~~حمزة والكسائي بضم الياء وكسر الصاد مشددا، وقرأ ابن عامر بضم الياء ~~وفتح الصاد مشددا، وقرأ الآخرون بضم الياء وفتح الصاد مخففا. { ~~والله بما تعملون بصير }. # { قد كانت لكم أسوة } ، قدوة، { حسنة في إبرهيم ~~والذين معه } ، من أهل الإيمان { إذ قالوا لقومهم } ، من ~~المشركين، { إنا برءآؤا منكم } ، جمع بريء، { ومما ~~تعبدون من دون الله كفرنا بكم } ، جحدنا وأنكرنا ~~دينكم، { وبدا بيننا وبينكم العدوة والبغضآء ~~أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده } ، يأمر حاطبا ~~والمؤمنين بالاقتداء بإبراهيم عليه الصلاة والسلام، والذين معه من ~~المؤمنين في التبرؤ من المشركين، { إلا قول إبرهيم لأبيه ~~لأستغفرن لك } ، يعني: لكم أسوة حسنة في إبراهيم وأموره إلا في ~~استغفاره لأبيه المشرك، فإن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان قد قال ~~لأبيه: لأستغفرن لك، ثم تبرأ منه - على ما ذكرناه في سورة التوبة - { ~~ومآ أملك لك من الله من شيء } ، يقول إبراهيم عليه ~~السلام لأبيه: ما أغني عنك ms2292 ولا أدفع عنك عذاب الله إن عصيته وأشركت به، { ~~ربنا عليك توكلنا } ، يقوله إبراهيم ومن معه من المؤمنين، ~~{ وإليك أنبنا وإليك المصير }. ### || [60.5-9] # { ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا } ، قال ~~الزجاج: لا تظهرهم علينا فيظنوا أنهم على الحق فيفتنوا وقال مجاهد: لا ~~تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك فيقولون: لو كان هؤلاء على الحق ما ~~أصابهم ذلك { واغفر لنا ربنآ إنك أنت العزيز ~~الحكيم }. # { لقد كان لكم فيهم } ، أي في إبراهيم ومن معه { أسوة ~~حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الأخر } ، هذا بدل ~~من قوله " لكم " وبيان أن هذه الأسوة لمن يخاف الله ويخاف عذاب الآخرة، { ~~ومن يتول } ، يعرض عن الإيمان ويوال الكفار، { فإن الله ~~هو الغني } ، عن خلقه، { الحميد } ، إلى أوليائه، وأهل طاعته. # قال مقاتل: فلما أمر الله المؤمنين بعداوة الكفار عادى المؤمنون ~~أقرباءهم المشركين, وأظهروا لهم العداوة والبراءة. ويعلم الله شدة وجد ~~المؤمنين بذلك فأنزل الله: # { عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم ~~منهم } ، أي من كفار مكة، { مودة } ، ففعل الله ذلك بأن أسلم ~~كثير منهم، فصاروا لهم أولياء وإخوانا، وخالطوهم وناكحوهم، { والله ~~قدير والله غفور رحيم } ، ثم رخص الله تعالى في صلة الذين لم ~~يعادوا المؤمنين ولم يقاتلوهم فقال: # { لا ينهكم الله عن الذين لم يقتلوكم فى ~~الدين ولم يخرجوكم من ديركم أن تبروهم } ، ~~أي لا ينهاكم الله عن بر الذين لم يقاتلوكم، { وتقسطوا إليهم ~~} ، تعدلوا فيهم بالإحسان والبر، { إن الله يحب المقسطين } ~~، قال ابن عباس: نزلت في خزاعة كانوا قد صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~على أن لا يقاتلوه ولا يعينوا عليه أحدا، فرخص الله في برهم. # وقال عبد الله بن الزبير: نزلت في أسماء بنت أبي بكر, وذلك أن أمها ~~قتيلة بنت عبد العزى قدمت عليها المدينة بهدايا، ضبابا وأقطا وسمنا، ~~وهي مشركة، فقالت أسماء: لا أقبل منك هدية ولا تدخلي علي بيتي حتى ~~أستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأنزل الله هذه الآية، فأمرها ms2293 رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~تدخلها منزلها وتقبل هديتها وتكرمها وتحسن إليها. # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا ~~محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا قتيبة, حدثنا حاتم عن هشام ~~بن عروة عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: # " قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ومدتهم مع أبيها فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقلت: يا رسول الله إن أمي قدمت علي وهي راغبة أفأصلها؟ قال: صليها ". # وروي عن ابن عيينة قال: فأنزل الله فيها { لا ينهكم الله ~~عن الذين لم يقتلوكم فى الدين }. # ثم ذكر الذين نهاهم عن صلتهم فقال: # { إنما ينهكم الله عن الذين قتلوكم فى ~~الدين وأخرجوكم من ديركم وظهروا على ~~إخرجكم } ، وهم مشركو مكة، { أن تولوهم ومن ~~يتولهم فأولئك هم الظلمون }. ### || [60.10-11] # قوله عز وجل: { يأيها الذين ءامنوا إذا جآءكم ~~المؤمنت مهجرت فامتحنوهن } ، الآية. # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا ~~محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا يحيى بن بكير, حدثنا الليث ~~عن عقيل عن ابن شهاب, أخبرني عروة بن الزبير أنه سمع مروان والمسور بن ~~مخزمة يخبران عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالا: لما كاتب سهيل ~~بن عمرو يومئذ, كان فيما اشترط سهيل بن عمرو على النبي صلى الله عليه ~~وسلم: أنه لا يأتيك منا أحد - وإن كان على دينك - إلا رددته إلينا، وخليت ~~بيننا وبينه، فكره المؤمنون ذلك وأبى سهيل إلا ذلك, فكاتبه النبي صلى ~~الله عليه وسلم على ذلك، فرد النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ أبا جندل ~~إلى أبيه سهيل بن عمرو, ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة وإن ~~كان مسلما، وجاءت المؤمنات مهاجرات، وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي ~~معيط ممن خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ مهاجرة وهي عاتق، ~~فجاء ms2294 أهلها يسألون النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجعها إليهم فلم يرجعها ~~إليهم لما أنزل الله فيهن: { إذا جآءكم المؤمنت ~~مهجرت فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن } إلى { ~~ولا هم يحلون لهن }. # قال عروة فأخبرتني عائشة رضي الله تعالى عنها: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان يمتحنهن بهذه الآية: { يأيها النبى إذا ~~جآءك المؤمنت } إلى قوله { غفور رحيم }. # قال عروة: قالت عائشة رضي الله عنها: فمن أقرت بهذا الشرط منهن قال لها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد بايعتك كلاما يكلمها به, والله ما مست ~~يده يد امرأة قط في المبايعة ما بايعهن إلا بقوله. # قال ابن عباس: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمرا حتى إذا كان ~~بالحديبية صالحه مشركو مكة على أن من أتاه من أهل مكة رده إليهم ومن أتى ~~أهل مكة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يردوه إليه, وكتبوا ~~بذلك كتابا وختموا عليه، فجاءت سبيعة بنت الحارث الأسلمية مسلمة بعد ~~الفراغ من الكتاب، فأقبل زوجها مسافر من بني مخزوم - وقال مقاتل هو: صيفي ~~بن الراهب - في طلبها، وكان كافرا، فقال: يا محمد رد على امرأتي فإنك ~~قد شرطت أن ترد علينا من أتاك منا، وهذه طية الكتاب لم تجف بعد، فأنزل ~~الله عز وجل: { يأيها الذين ءامنوا إذا جآءكم ~~المؤمنت مهجرت } ، من دار الكفر إلى دار الإسلام، { ~~فامتحنوهن }. # قال ابن عباس: امتحانها أن تستحلف ما خرجت لبغض زوج ولا عشقا لرجل من ~~المسلمين ولا رغبة عن أرض إلى أرض ولا لحدث أحدثته ولا لالتماس دنيا، وما ~~خرجت إلا رغبة في الإسلام وحبا لله ولرسوله. # قال: فاستحلفها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك فحلفت فلم ~~يردها، وأعطى زوجها مهرها وما أنفق عليها؛ فتزوجها عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه وكان يرد من جاءه من الرجال، ويحبس من جاءه من النساء بعد ~~الامتحان ويعطي أزواجهن مهورهن. # { الله أعلم بإيمنهن } أي هذا الامتحان لكم, والله أعلم ~~بهن، { فإن علمتموهن مؤمنت فلا ms2295 ترجعوهن ~~إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن } ~~، ما أحل الله مؤمنة لكافر، { وآتوهم } ، يعني أزواجهن الكفار، { مآ ~~أنفقوا } ، عليهن يعني المهر الذي دفعوا إليهن، { ولا جناح ~~عليكم أن تنكحوهن إذآ ءاتيتموهن أجورهن } ، أي ~~مهورهن، أباح الله نكاحهن للمسلمين، وإن كان لهن أزواج في دار الكفر لأن ~~الإسلام فرق بينهن وبين أزواجهن الكفار، { ولا تمسكوا } ، قرأ أبو ~~عمرو, ويعقوب: بالتشديد، والآخرون: بالتخفيف من الإمساك، { بعصم ~~الكوافر } ، " والعصم ": جمع العصمة، وهي ما يعتصم به من العقد ~~والنسب، " والكوافر ": جمع الكافرة. # نهى الله المؤمنين عن المقام على نكاح المشركات، يقول من كانت له امرأة ~~كافرة بمكة فلا يعتد بها فقد انقطعت عصمة الزوجية بينهما. # قال الزهري: فلما نزلت هذه الآية طلق عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~امرأتين كانتا له بمكة مشركتين: قريبة بنت أبي أمية بن المغيرة، ~~فتزوجها بعده معاوية بن أبي سفيان، وهما على شركهما بمكة، والأخرى أم ~~كلثوم بنت عمرو بن جرول الخزاعية أم ابنه عبد الله بن عمر، فتزوجها أبو ~~جهم بن حذافة بن غانم, وهما على شركهما. وكانت أروى بنت ربيعة بن الحارث ~~بن عبد المطلب تحت طلحة بن عبيد الله, فهاجر طلحة وهي بمكة على دين ~~قومها، ففرق الإسلام بينهما، فتزوجها في الإسلام خالد بن سعيد بن العاص ~~بن أمية. # قال الشعبي: وكانت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة أبي ~~العاص بن الربيع أسلمت ولحقت بالنبي صلى الله عليه وسلم, وأقام أبو العاص ~~بمكة مشركا, ثم أتى المدينة فأسلم, فردها عليه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. # { وسئلوا } ، أيها المؤمنون، { مآ أنفقتم } ، أي إن لحقت ~~امرأة منكم بالمشركين مرتدة فاسألوا ما أنفقتم من المهر إذا منعوها ممن ~~تزوجها منهم، { وليسألوا } ، يعني المشركين الذين لحقت أزواجهم بكم { ~~مآ أنفقوا } ، من المهر ممن تزوجها منكم، { ذلكم حكم الله ~~يحكم بينكم والله عليم حكيم } ، قال الزهري: لولا ~~الهدنة والعهد الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش يوم ~~الحديبية لأمسك ms2296 النساء ولم يرد الصداق، وكذلك كان يصنع بمن جاءه من ~~المسلمات قبل العهد. # فلما نزلت هذه الآية أقر المؤمنون بحكم الله عز وجل وأدوا ما أمروا به ~~من نفقات المشركين على نسائهم، وأبى المشركون أن يقروا بحكم الله فيما ~~أمروا به من أداء نفقات المسلمين على نسائهم, فأنزل الله عز وجل: # { وإن فاتكم } ، أيها المؤمنون، { شيء من أزوجكم ~~إلى الكفار } ، فلحقن بهم مرتدات، { فعاقبتم } , قال المفسرون: ~~معناه غنمتم, أي غزوتم فأصبتم من الكفار عقبى وهي الغنيمة، وقيل: ظهرتم ~~وكانت العاقبة لكم، وقيل: أصبتموهم في القتال بعقوبة حتى غنمتم، قرأ حميد ~~الأعرج " فعقبتم " بالتشديد وقرأ الزهري: " فعقبتم " خفيفة بغير ألف، ~~وقرأ مجاهد { فأعقبتم } أي صنعتم بهم كما صنعوا بكم, وكلها لغات بمعنى ~~واحد، يقال: عاقب وعقب وعقب وأعقب وتعقب وتعاقب واعتقب: إذا غنم، ~~وقيل: " التعقيب " غزوة بعد غزوة، { فآتوا الذين ذهبت ~~أزوجهم } ، إلى الكفار منكم، { مثل مآ أنفقوا } ، عليهن ~~من الغنائم التي صارت في أيديكم من أموال الكفار. وقيل: فعاقبتم المرتدة ~~بالقتل. # وروي عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لحق بالمشركين من نساء المؤمنين ~~المهاجرين ست نسوة: أم الحكم بنت أبي سفيان, كانت تحت عياض بن شداد ~~الفهري, وفاطمة بنت أبي أمية بن المغيرة أخت أم سلمة, كانت تحت عمر بن ~~الخطاب، فلما أراد عمر أن يهاجر أبت وارتدت، وبروع بنت عقبة كانت تحت ~~شماس بن عثمان، وعزة بنت عبد العزيز بن نضلة, وزوجها عمرو بن عبد ود، ~~وهند بنت أبي جهل بن هشام, كانت تحت هشام بن العاص بن وائل، وأم كلثوم ~~بنت جرول كانت تحت عمر بن الخطاب، فكلهن رجعن عن الإسلام، فأعطى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أزاوجهن مهور نسائهم من الغنيمة. # { واتقوا الله الذى أنتم به مؤمنون } ، واختلف ~~القول في أن رد مهر من أسلمت من النساء إلى أزواجهن، كان واجبا أو ~~مندوبا؟. # وأصله أن الصلح هل كان وقع على رد النساء؟ فيه قولان: أحدهما أنه وقع ~~على رد الرجال والنساء جميعا, لما روينا أنه ms2297 لا يأتيك منا أحد وإن كان ~~على دينك إلا رددته إلينا, ثم صار الحكم في رد النساء منسوخا بقوله: { ~~فلا ترجعوهن إلى الكفار } ، فعلى هذا كان رد المهر واجبا. # والقول الآخر: أن الصلح لم يقع على رد النساء، لأنه روي عن علي: أنه لا ~~يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، وذلك لأن الرجل لا يخشى ~~عليه من الفتنة في الرد ما يخشى على المرأة من إصابة المشرك إياها، وأنه ~~لا يؤمن عليها الردة إذا خوفت، وأكرهت عليها لضعف قلبها، وقلة هدايتها ~~إلى المخرج منها بإظهار كلمة الكفر مع التورية، وإضمار الإيمان، ولا يخشى ~~ذلك على الرجل لقوته وهدايته إلى التقية، فعلى هذا كان رد المهر مندوبا. # واختلفوا في أنه هل يجب العمل به اليوم في رد المال إذا شرط في معاقدة ~~الكفار؟. # فقال قوم: لا يجب وزعموا أن الآية منسوخة، وهو قول عطاء ومجاهد وقتادة. # وقال قوم: هي غير منسوخة ويرد إليهم ما أنفقوا. ### || [60.12] # قوله عز وجل: { يأيها النبى إذا جآءك المؤمنت ~~يبايعنك } ، الآية. # " وذلك يوم فتح مكة لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيعة ~~الرجال، وهو على الصفا وعمر بن الخطاب أسفل منه، وهو يبايع النساء بأمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبلغهن عنه، وهند بنت عتبة امرأة أبي ~~سفيان متنقبة متنكرة مع النساء خوفا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يعرفها, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبايعكن " على أن لا تشركن ~~بالله شيئا " ، فرفعت هند رأسها وقالت: والله إنك لتأخذ علينا أمرا ما ~~رأيناك أخذته على الرجال، وبايع الرجال يومئذ على الإسلام والجهاد فقط، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ولا يسرقن " , فقالت هند: إن أبا سفيان ~~رجل شحيح وإني أصبت من ماله هنات, فلا أدري أيحل لي أم لا؟ فقال أبو ~~سفيان: ما أصبت من شيء فيما مضى وفيما غبر فهو لك حلال، فضحك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وعرفها، فقال لها: وإنك ms2298 لهند بنت عتبة قالت: نعم، ~~فاعف عما سلف عفا الله عنك، فقال: " ولا يزنين " فقالت هند: أو تزني ~~الحرة؟ فقال: " ولا يقتلن أولادهن " ، فقالت هند: ربيناهم صغارا ~~وقتلتموهم كبارا فأنتم وهم أعلم، وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قد قتل ~~يوم بدر، فضحك عمر رضي الله عنه حتى استلقى، وتبسم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقال: " ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن " - وهي ~~أن تقذف ولدا على زوجها ليس منه - قالت هند: والله إن البهتان لقبيح وما ~~تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق، فقال: " ولا يعصينك في معروف " , قالت ~~هند: ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء، فأقر النسوة بما ~~أخذ عليهن ". # قوله: { ولا يقتلن أولدهن } أراد وأد البنات الذي كان ~~يفعله أهل الجاهلية. # قوله: { ولا يأتين ببهتن يفترينه بين ~~أيديهن وأرجلهن }: ليس المراد منه نهيهن عن الزنا، لأن ~~النهي عن الزنا قد تقدم ذكره، بل المراد منه أن تلتقط مولودا وتقول ~~لزوجها هذا ولدي منك، فهو البهتان المفترى بين أيديهن وأرجلهن، لأن الولد ~~إذا وضعته الأم سقط بين يديها ورجليها. # قوله { ولا يعصينك فى معروف }: أي في كل أمر وافق طاعة ~~الله. قال بكر بن عبد الله المزني: في كل أمر فيه رشدهن. وقال مجاهد: لا ~~تخلو المرأة بالرجال. وقال سعيد بن المسيب والكلبي وعبد الرحمن بن زيد: ~~هو النهي عن النوح والدعاء بالويل وتمزيق الثوب وحلق الشعر ونتفه وخمش ~~الوجه، ولا تحدث المرأة الرجال إلا ذا محرم، ولا تخلو برجل غير ذي ~~محرم، ولا تسافر إلا مع ذي محرم. # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا ~~محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا أبو معمر, حدثنا عبد الوارث, ~~حدثنا أيوب عن حفصة بنت سيرين عن أم عطية قالت: بايعنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقرأ علينا { أن لا يشركن بالله شيئا } ، ~~ونهانا عن النياحة، فقبضت امرأة يدها فقالت: أسعدتني فلانة أريد أن ~~أجزيها، فما قال لها النبي صلى ms2299 الله عليه وسلم شيئا، فانطلقت ورجعت ~~وبايعها. # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي, أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم ~~الثعلبي, أخبرنا الحسين بن محمد بن الحسين الدينوري, حدثنا أحمد بن محمد ~~بن إسحاق, حدثنا أبو يعلى الموصلي, حدثنا هدبة بن خالد, حدثنا أبان بن ~~يزيد, حدثنا يحيى بن أبي كثير, أن زيدا حدثه, أن أبا سلام حدثه, أن ~~أبا مالك الأشعري حدثه, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن ~~في الأنساب, والاستسقاء بالنجوم، والنياحة " # وقال: # " النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقوم يوم القيامة وعليها سربال من ~~قطران، ودرع من جرب ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا ~~محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا عمر بن حفص, حدثنا أبي ~~أخبرنا الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله قال: قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية ". # قوله: { فبايعهن } ، يعني إذا بايعنك فبايعهن، { واستغفر ~~لهن الله إن الله غفوررحيم }. # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا ~~محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثني محمود, حدثنا عبد الرزاق, ~~أخبرنا معمر عن الزهري, عن عروة, عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يبايع النساء بالكلام بهذه الآية: { لا يشركن ~~بالله شيئا } قالت: وما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد ~~امرأة إلا امرأة يملكها. # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي, أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي, أخبرنا محمد ~~بن عبد الله بن حمدون, أخبرنا مكي بن عبدان, حدثنا عبد الرحمن بن بشر, ~~حدثنا سفيان بن عيينة, عن محمد بن المنكدر, # " سمع أميمة بنت رقيقة تقول: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~نسوة، فقال لنا: فيما استطعتن وأطقتن, فقلت: رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أرحم بنا من أنفسنا، قلت: يا رسول الله ms2300 بايعنا, قال سفيان يعني ~~صافحنا, فقال: " إني لا أصافح النساء، إنما قولي لامرأة كقولي لمائة ~~امرأة ". ### || [60.13] # قوله عز وجل: { يأيها الذين ءامنوا لا تتولوا ~~قوما غضب الله عليهم } ، وهم اليهود، وذلك أن أناسا من ~~فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود أخبار المسلمين، يتوصلون إليهم بذلك ~~فيصيبون من ثمارهم، فنهاهم الله عن ذلك، { قد يئسوا } ، يعني هؤلاء ~~اليهود، { من الآخرة } ، بأن يكون لهم فيها ثواب وخير، { كما ~~يئس الكفر من أصحب القبور } ، أي: كما يئس الكفار ~~الذين ماتوا وصاروا في القبور من أن يكون لهم حظ وثواب في الآخرة. قال ~~مجاهد: الكفار حين دخلوا قبورهم أيسوا من رحمة الله. قال سعيد بن جبير: ~~يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار الذين ماتوا فعاينوا الآخرة. وقيل: كما ~~يئس الكفار من أصحاب القبور أن يرجعوا إليهم. ### | [61 - سورة الصف] ### || [61.1-3] # { سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو ~~العزيز الحكيم * يأيها الذين آمنوا لم تقولون ~~ما لا تفعلون } قال المفسرون: إن المؤمنين قالوا: لو علمنا أحب ~~الأعمال أحب إلى الله عز وجل لعملناه, ولبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا، ~~فأنزل الله عز وجل: { إن الله يحب الذين يقاتلون ~~في سبيله صفا } فابتلوا بذلك يوم أحد فولوا مدبرين, فأنزل الله ~~تعالى { لم تقولون ما لا تفعلون }. # وقال محمد بن كعب: لما أخبر الله تعالى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بثواب شهداء بدر، [قالت الصحابة] لئن لقينا بعده قتالا لنفرغن فيه ~~وسعنا، ففروا يوم أحد فعيرهم الله بهذه الآية. # وقال قتادة والضحاك: نزلت في شأن القتال، كان الرجل يقول: قاتلت ولم ~~يقاتل, وطعنت ولم يطعن، وضربت ولم يضرب، فنزلت هذه الآية. # قال ابن زيد: نزلت في المنافقين كانوا يعدون النصر للمؤمنين وهم كاذبون. # { كبر مقتا عند الله أن تقولوا } ، في موضع رفع فهو ~~كقولك: بئس رجلا أخوك، ومعنى الآية: أي عظم ذلك في المقت والبغض عند ~~الله, أي: إن الله يبغض بغضا شديدا أن تقولوا، { ما لا تفعلون } ، أن ~~تعدوا من أنفسكم شيئا ثم لم توفوا ms2301 به. ### || [61.4-5] # { إن الله يحب الذين يقتلون فى سبيله صفا ~~} ، أي يصفون أنفسهم عند القتال صفا ولا يزولون عن أماكنهم, { ~~كأنهم بنين مرصوص } ، قد رص بعضه ببعض أي ألزق بعضه ~~ببعض وأحكم فليس فيه فرجة ولا خلل. وقيل أحكم كالرصاص. # { وإذ قال موسى لقومه } ، من بني إسرائيل: { يقوم لم ~~تؤذونني } ، وذلك حين رموه بالأدرة، { وقد تعلمون أني ~~رسول الله إليكم } ، والرسول يعظم ويكرم ويحترم، { فلما ~~زاغو } ، عدلوا عن الحق، { أزاغ الله قلوبهم } ، أمالها عن ~~الحق، يعني أنهم لما تركوا الحق بإيذاء نبيهم أمال الله قلوبهم عن الحق، ~~{ والله لا يهدى القوم الفاسقين } ، قال الزجاج: يعني لا ~~يهدي من سبق في علمه أنه فاسق. ### || [61.6-14] # { وإذ قال عيسى ابن مريم يبنى إسرءيل إنى ~~رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من ~~التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدى اسمه ~~أحمد } ، والألف فيه للمبالغة في الحمد، وله وجهان: أحدهما: أنه ~~مبالغة من الفاعل، أي الأنبياء كلهم حمادون لله عز وجل، وهو أكثر حمدا ~~لله من غيره, والثاني: أنه مبالغة في المفعول, أي الأنبياء كلهم محمودون ~~لما فيهم من الخصال الحميدة وهو أكثرهم مبالغة وأجمع للفضائل والمحاسن ~~التي يحمد بها. # { فلما جاءهم بالبينت قالوا هذا سحر مبين ~~}. # { ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو ~~يدعى إلى الإسلم والله لا يهدى القوم ~~الظلمين * يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ~~والله متم نوره ولو كره الكافرون }. # { هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون }. # { يأيها الذين ءامنوا هل أدلكم على تجرة ~~تنجيكم } ، قرأ ابن عامر " تنجيكم " بالتشديد, والآخرون بالتخفيف، ~~{ من عذاب أليم } ، نزل هذا حين قالوا: لو نعلم أي الأعمال أحب ~~إلى الله عز وجل لعملناه، وجعل ذلك بمنزلة التجارة لأنهم يربحون فيها ~~رضا الله ونيل جنته والنجاة من النار. ثم بين تلك التجارة فقال: # { تؤمنون بالله ورسوله وتجهدون فى سبيل ~~الله بأمولكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن ~~كنتم تعلمون * يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم ~~جنت تجرى من تحتها الأنهر ومسكن ms2302 طيبة ~~فى جنت عدن ذلك الفوز العظيم }. # { وأخرى تحبونها } ، أي: ولكم خصلة أخرى في العاجل مع ثواب ~~الآخرة تحبونها, وتلك الخصلة: { نصر من الله وفتح قريب } ~~، قال الكلبي: هو النصر على قريش، وفتح مكة. وقال عطاء: يريد فتح فارس ~~والروم. { وبشر المؤمنين } ، يا محمد بالنصر في الدنيا والجنة في ~~الآخرة، ثم حضهم على نصرة الدين وجهاد المخالفين. فقال: { يأيها ~~الذين ءامنوا كونوا أنصر الله } ، قرأ أهل الحجاز ~~وأبو عمرو: " أنصارا " بالتنوين " لله " بلام الإضافة، وقرأ الآخرون " ~~أنصار الله " مضافا لقوله: { نحن أنصر الله }. # { كما قال عيسى ابن مريم للحواريين } ، أي انصروا ~~دين الله مثل نصرة الحواريين لما قال لهم عيسى عليه السلام: { من ~~أنصري إلى الله } ، أي: من ينصرني مع الله؟ { قال ~~الحوريون نحن أنصر الله فآمنت طآئفة من ~~بني إسرءيل وكفرت طآئفة } ، قال ابن عباس: يعني في زمن ~~عيسى عليه السلام, وذلك أنه لما رفع تفرق قومه ثلاث فرق: فرقة قالوا: كان ~~الله فارتفع، وفرقة قالوا: كان ابن الله فرفعه الله إليه، وفرقة قالوا: ~~كان عبد الله ورسوله فرفعه إليه وهم المؤمنون، واتبع كل فرقة منهم طائفة ~~من الناس، فاقتتلوا فظهرت الفرقتان الكافرتان على المؤمنين، حتى بعث الله ~~محمدا فظهرت الفرقة المؤمنة على الكافرة، فذلك قوله تعالى: { ~~فأيدنا الذين ءامنوا على عدوهم فأصبحوا ~~ظاهرين } ، غالبين عالين. وروى مغيرة عن إبراهيم قال: فأصبحت حجة من ~~آمن بعيسى ظاهرة بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم أن عيسى كلمة الله ~~وروحه. ### | [62 - سورة الجمعة] ### || [62.1-9] # { يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض ~~الملك القدوس العزيز الحكيم * هو الذي بعث في ~~الأميين } ، يعني العرب كانت أمة أمية لا تكتب ولا تقرأ، { ~~رسولا منهم } ، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم نسبه نسبهم ~~ولسانه لسانهم ليكون أبلغ في إقامة الحجة عليهم { يتلو عليهم ~~ءايته ويزكيهم ويعلمهم الكتب والحكمة ~~وإن كانوا من قبل لفي ضلل مبين } ، أي ما كانوا قبل ~~بعثة الرسول إلا في ضلال مبين يعبدون الأوثان. # { وآخرين منهم } ، وفي " آخرين " وجهان من الإعراب: ms2303 أحدهما ~~الخفض, على الرد إلى الأميين, مجازه: وفي آخرين. والثاني النصب, على الرد ~~إلى الهاء والميم في قوله " ويعلمهم " أي: ويعلم آخرين منهم، أي من ~~المؤمنين الذين يدينون بدينهم، لأنهم إذا أسلموا صاروا منهم، فإن ~~المسلمين كلهم أمة واحدة. # واختلف العلماء فيهم, فقال قوم: هم العجم، وهو قول ابن عمر وسعيد بن ~~جبير ورواية ليث عن مجاهد، والدليل عليه ما: # أخبرنا أبو جعفر محمد بن عبد الله بن المعلم الطوسي بها, حدثنا أبو ~~الحسن محمد بن يعقوب, أخبرنا أبو النضر محمد بن محمد بن يوسف, حدثنا ~~الحسن بن سفيان, وعلي بن طيفور, وأبو العباس الثقفي قالوا: حدثنا قتيبة, ~~حدثنا عبد العزيز, عن ثور, عن أبي الغيث, عن أبي هريرة قال: كنا جلوسا ~~عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ نزلت عليه سورة الجمعة، فلما قرأ: { ~~وءاخرين منهم لما يلحقوا بهم } قال رجل: من هؤلاء يا ~~رسول الله؟ فلم يراجعه النبي صلى الله عليه وسلم حتى سأله مرتين أو ~~ثلاثا، قال: وفينا سلمان الفارسي, قال: فوضع النبي صلى الله عليه وسلم ~~يده على سلمان، ثم قال: # " لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء ". # أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري, أخبرنا جدي عبد الصمد بن عبد ~~الرحمن البزار, أخبرنا محمد بن زكريا العذافري, أخبرنا إسحاق الدبري, ~~حدثنا عبد الرزاق, أخبرنا معمر, عن جعفر الجزري عن يزيد بن الأصم عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لو كان الدين عند الثريا لذهب إليه رجل, أو قال: رجال, من أبناء فارس ~~حتى يتناولوه ". # وقال عكرمة ومقاتل: هم التابعون. وقال ابن زيد: هم جميع من دخل في ~~الإسلام بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة وهي رواية ابن أبي ~~نجيح عن مجاهد. # قوله: { لما يلحقوا بهم } ، أي لم يدركوهم ولكنهم يكونون بعدهم. ~~وقيل: { لما يلحقوا بهم } أي في الفضل والسابقة لأن التابعين لا ~~يدركون شأو الصحابة. { وهو العزيز الحكيم }. # { ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء ms2304 } ، يعني الإسلام ~~والهداية. { والله ذو الفضل العظيم }. # قوله عز وجل: { مثل الذين حملوا التوراة } ، أي ~~كلفوا القيام بها والعمل بما فيها، { ثم لم يحملوها } ، لم ~~يعملوا بما فيها ولم يؤدوا حقها، { كمثل الحمار يحمل ~~أسفارا } ، أي كتبا من العلم واحدها سفر، قال الفراء: هي الكتب ~~العظام يعني كما أن الحمار يحملها ولا يدري ما فيها ولا ينتفع بها، كذلك ~~اليهود يقرؤون التوراة ولا ينتفعون بها لأنهم خالفوا ما فيها، { بئس ~~مثل القوم الذين كذبوا بآيت الله والله لا ~~يهدي القوم الظلمين } ، الذين ظلموا أنفسهم بتكذيب الأنبياء ~~عليهم السلام يعني: من سبق في علمه أنه لا يهديهم. # { قل يأيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم ~~أوليآء لله من دون الناس } ، من دون محمد صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه، { فتمنوا الموت } ، فادعوا بالموت على أنفسكم، ~~{ إن كنتم صدقين } ، أنكم أبناء الله وأحباؤه فإن الموت هو الذي ~~يوصلكم إليه. # { ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله ~~عليم بالظلمين * قل إن الموت الذي تفرون ~~منه فإنه ملقيكم ثم تردون إلى علم ~~الغيب والشهدة فينبئكم بما كنتم تعملون }. # قوله عز وجل: { يأيها الذين ءامنوا إذا نودى ~~للصلوة من يوم الجمعة } ، أي في يوم الجمعة كقوله: { ~~أروني ماذا خلقوا من الأرض } أي في الأرض، وأراد بهذا ~~النداء الأذان عند قعود الإمام على المنبر للخطبة. # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا ~~محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا آدم, حدثنا ابن أبي ذئب, عن ~~الزهري, عن السائب بن يزيد قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس ~~الإمام على المنبر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فلما ~~كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثاني على الزوراء. # قرأ الأعمش: { من يوم الجمعة } بسكون الميم، وقرأ العامة بضمها. # واختلفوا في تسمية هذا اليوم جمعة، منهم من قال: لأن الله تعالى جمع ~~فيه خلق آدم عليه السلام. وقيل: لأن الله تعالى فرغ من خلق جميع الأشياء ~~فاجتمعت فيه المخلوقات. وقيل: لاجتماع ms2305 الجماعات فيها. وقيل: لاجتماع ~~الناس فيها للصلاة. # وقيل: أول من سماها جمعة كعب بن لؤي قال أبو سلمة: أول من قال " أما بعد ~~" كعب بن لؤي، وكان أول من سمى الجمعة جمعة، وكان يقال له: يوم العروبة. # وعن ابن سيرين قال: جمع أهل المدينة قبل أن يقدم النبي صلى الله عليه ~~وسلم المدينة، وقبل أن ينزل الجمعة وهم الذين سموها الجمعة. وقالوا: ~~لليهود يوم يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى يوم، فهلم فلنجعل يوما ~~نجتمع فيه، فنذكر الله ونصلي فيه، فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد ~~للنصارى، فاجعلوه يوم العروبة، فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم ~~ركعتين وذكرهم فسموه يوم الجمعة، ثم أنزل الله عز وجل في ذلك بعد. # وروي عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه عن كعب أنه كان إذا سمع ~~النداء يوم الجمعة ترحم لأسعد بن زرارة، فقلت له: إذا سمعت النداء ترحمت ~~لأسعد بن زرارة؟ قال: لأنه أول من جمع بنا في هزم النبيت من حرة بني ~~بياضة في بقيع يقال له: بقيع الخضمات، قلت له: كم كنتم يومئذ؟ قال: ~~أربعون. وأما أول جمعة جمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه على ~~ما ذكر أهل السير: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة ~~مهاجرا نزل قباء على بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلة ~~خلت من شهر ربيع الأول حين امتد الضحى، فأقام بقباء يوم الاثنين ~~والثلاثاء والأربعاء ويوم الخميس، وأسس مسجدهم، ثم خرج من بين أظهرهم ~~يوم الجمعة عامدا المدينة, فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في ~~بطن واد لهم، وقد اتخذوا في ذلك الموضع مسجدا, فجمع هناك وخطب. # عز وجل: { فاسعوا إلى ذكر الله } ، أي: فامضوا إليه ~~واعملوا له، وليس المراد من السعي الإسراع, إنما المراد منها العمل ~~والفعل، كما قال: # وإذا تولى سعى فى الأرض # [البقرة: 205]، وقال: # إن سعيكم لشتى # [الليل: 4]. # وكان عمر بن الخطاب يقرأ: فامضوا إلى ذكر الله، وكذلك هي ms2306 في قراءة عبد ~~الله بن مسعود. وقال الحسن: أما والله ما هو بالسعي على الأقدام, ولقد ~~نهوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار، ولكن بالقلوب والنية ~~والخشوع. # وقال قتادة في هذه الآية: { فاسعوا إلى ذكر الله } قال: ~~فالسعي أن تسعى بقلبك وعملك وهو المشي إليها، وكان يتأول قوله: # فلما بلغ معه السعي # [الصافات: 102] يقول فلما مشى معه. # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي, أخبرنا أبو بكر أحمد بن ~~الحسن الحيري, أخبرنا محمد بن أحمد بن معقل الميداني, حدثنا محمد بن ~~يحيى, حدثنا عبد الرزاق, أخبرنا معمر, عن الزهري, عن ابن المسيب, عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، ولكن ائتوها تمشون وعليكم السكينة ~~[والوقار]، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا ". # قوله: { إلى ذكر الله } , أي إلى الصلاة، وقال سعيد بن المسيب: ~~{ فاسعوا إلى ذكر الله } قال هو موعظة الإمام، { وذروا ~~البيع } ، يعني البيع والشراء لأن اسم البيع يتناولهما جميعا. وإنما ~~يحرم البيع والشراء عند الأذان الثاني، وقال الزهري عند خروج الإمام. ~~وقال الضحاك: إذا زالت الشمس حرم البيع والشراء، { ذلكم } ، الذي ذكرت ~~من حضور الجمعة وترك البيع، { خير لكم } ، من المبايعة، { إن ~~كنتم تعلمون } ، مصالح أنفسكم. # واعلم أن صلاة الجمعة من فروض الأعيان, فتجب على كل من جمع العقل, ~~والبلوغ, والحرية, والذكورة, والإقامة, إذا لم يكن له عذر. فمن تركها ~~استحق الوعيد. # وأما الصبي والمجنون فلا جمعة عليهما، لأنهما ليسا من أهل أن يلزمهما ~~فروض الأبدان لنقصان أبدانهما، ولا جمعة على النساء بالاتفاق: # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب, أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال, ~~أخبرنا أبو العباس الأصم, أخبرنا الربيع, أخبرنا الشافعي, أخبرنا إبراهيم ~~بن محمد, حدثني سلمة بن عبد الله الخطمي, عن محمد بن كعب أنه سمع رجلا ~~من بني وائل يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " تجب الجمعة على كل مسلم إلا امرأة أو صبيا أو مملوكا ". # وذهب أكثرهم إلى أنه لا جمعة ms2307 على العبيد. # وقال الحسن وقتادة والأوزاعي: تجب على العبد المخارج, ولا تجب على ~~المسافر عند الأكثرين. # وقال النخعي والزهري: تجب على المسافر إذا سمع النداء، وكل من له عذر من ~~مرض أو تعهد مريض أو خوف، جاز له ترك الجمعة، وكذلك له تركها بعذر المطر ~~والوحل. # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا ~~محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا مسدد حدثنا إسماعيل أخبرني ~~عبد الحميد صاحب الزيادي, حدثنا عبد الله بن الحارث بن عمر, حدثنا محمد ~~بن سيرين قال ابن عباس لمؤذنه في يوم مطير: إذا قلت: أشهد أن محمدا رسول ~~الله, فلا تقل: حي على الصلاة. قل صلوا في بيوتكم. فكأن الناس ~~استنكروا، فقال: فعله من هو خير مني, إن الجمعة عزمة, وإني كرهت أن ~~أخرجكم فتمشوا في الطين والدحض. # وكل من لا يجب عليه حضور الجمعة، فإذا حضر وصلى مع الإمام الجمعة سقط ~~عنه فرض الظهر، ولكن لا يكمل به عدد الجمعة إلا صاحب العذر، فإنه إذا حضر ~~يكمل به العدد. # أخبرنا الإمام أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي, أخبرنا أبو محمد ~~عبد الله بن أحمد ابن حمويه السرخسي في سنة إحدى وثمانين وثلثمائة, ~~أخبرنا عيسى بن عمر بن العباس السمرقندي, حدثنا أبو محمد عبد الله بن عبد ~~الرحمن الدارمي السمرقندي, أخبرنا يحيى بن حسان حدثنا معاوية بن سلام, ~~أخبرني زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام يقول حدثني الحكم بن مينا أن ابن ~~عمر حدثه وأبا هريرة أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو ~~على أعواد منبره: # " لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ~~ليكونن من الغافلين ". # أخبرنا أبو عثمان الضبي, أخبرنا أبو محمد الجراحي, حدثنا أبو العباس ~~المحبوبي, حدثنا أبو عيسى الترمذي, حدثنا علي بن خشرم, أخبرنا عيسى بن ~~يونس, عن محمد بن عمرو, عن عبيدة بن سفيان, عن أبي الجعد يعني الضمري ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من ms2308 ترك الجمعة ثلاث مرات تهاونا بها طبع الله على قلبه ". # واختلف أهل العلم في موضع إقامة الجمعة, وفي العدد الذي تنعقد به ~~الجمعة، وفي المسافة التي يجب أن يؤتى منها: # أما الموضع: فذهب قوم إلى أن كل قرية اجتمع فيها أربعون رجلا من أهل ~~الكمال، بأن يكونوا أحرارا عاقلين بالغين مقيمين لا يظعنون عنها شتاء ~~ولا صيفا إلا ظعن حاجة، تجب عليهم إقامة الجمعة فيها. وهو قول عبيد الله ~~بن عبد الله, وعمر بن عبد العزيز، وبه قال الشافعي, وأحمد, وإسحاق. ~~وقالوا: لا تنعقد الجمعة بأقل من أربعين رجلا على هذه الصفة, وشرط عمر ~~بن عبد العزيز مع عدد الأربعين أن يكون فيهم وال، والوالي غير شرط عند ~~الشافعي. # وقال علي: لا جمعة إلا في مصر جامع وهو قول أصحاب الرأي. # ثم عند أبي حنيفة, رضي الله عنه, تنعقد بأربعة, والوالي شرط، وقال ~~الأوزاعي وأبو يوسف: تنعقد بثلاثة إذا كان فيهم وال. وقال الحسن وأبو ~~ثور: تنعقد باثنين كسائر الصلوات. وقال ربيعة: تنعقد باثني عشر رجلا، ~~والدليل على جواز إقامتها في القرى ما: # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا ~~محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا محمد بن المثنى, أخبرنا أبو ~~عامر العقدي, حدثنا إبراهيم بن طهمان, عن أبي حمزة الضبعي عن ابن عباس ~~قال: إن أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~مسجد عبد القيس بجواثى من البحرين. # وإذا كان الرجل مقيما في قرية لا تقام فيها الجمعة، أو كان مقيما في ~~برية، فذهب قوم إلى أنه إن كان يبلغهم النداء من موضع الجمعة يلزمهم حضور ~~الجمعة، وإن كان لا يبلغهم النداء فلا جمعة عليهم. وهو قول الشافعي وأحمد ~~وإسحاق. والشرط أن يبلغهم نداء مؤذن جهوري الصوت, يؤذن في وقت تكون ~~الأصوات فيه هادئة والرياح ساكنة، وكل قرية تكون من موضع الجمعة في القرب ~~على هذا القدر يجب على أهلها حضور الجمعة. # وقال سعيد بن المسيب: ms2309 تجب على كل من آواه المبيت. وقال الزهري: تجب على ~~من كان على ستة أميال. وقال ربيعة: على أربعة أميال. وقال مالك والليث: ~~على ثلاثة أميال. وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: لا جمعة على أهل السواد ~~قريبة كانت القرية أو بعيدة. # وكل من تلزمه صلاة الجمعة لا يجوز له أن يسافر يوم الجمعة بعد الزوال ~~قبل أن يصلي الجمعة، وجوز أصحاب الرأي أن يسافر بعد الزوال إذا كان ~~يفارق البلد قبل خروج الوقت. # أما إذا سافر قبل الزوال بعد طلوع الفجر فيجوز، غير أنه يكره إلا أن ~~يكون سفره سفر طاعة من حج أو غزو، وذهب بعضهم إلى أنه إذا أصبح يوم ~~الجمعة مقيما فلا يسافر حتى يصلي الجمعة، والدليل على جوازه ما: # أخبرنا أبو عثمان الضبي, أخبرنا أبو محمد الجراحي, أخبرنا أبو العباس ~~المحبوبي, أخبرنا أبو عيسى, حدثنا أحمد بن منيع, حدثنا أبو معاوية, عن ~~الحجاج, عن الحكم, عن مقسم, عن ابن عباس قال: # " بعث النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة في سرية فوافق ذلك ~~يوم الجمعة, فغدا أصحابه وقال: أتخلف فأصلي مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ثم ألحقهم، فلما صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم رآه فقال: ما منعك ~~أن تغدو مع أصحابك؟ قال: أردت أن أصلي معك ثم ألحقهم، فقال: لو أنفقت ما ~~في الأرض جميعا ما أدركت فضل غدوتهم ". # وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمع رجلا عليه هيئة السفر يقول: ~~لولا أن اليوم يوم الجمعة لخرجت، فقال عمر: اخرج فإن الجمعة لا تحبس ~~أحدا عن سفر. # وقد ورد أخبار في سنن يوم الجمعة وفضله منها: # ما أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي, أخبرنا زاهر بن أحمد الفقيه, ~~أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي, أخبرنا أبو مصعب, عن ~~مالك عن يزيد بن عبد الله بن الهاد, عن محمد بن إبراهيم بن الحارث ~~التيمي, عن أبي سلمة بن عبد الرحمن, عن أبي هريرة أنه قال: ms2310 خرجت إلى ~~الطور فلقيت كعب الأحبار, فجلست معه فحدثني عن التوراة, وحدثته عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فكان فيما حدثته أن قلت له: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم، وفيه أهبط وفيه تيب ~~عليه، وفيه مات وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة ~~من حين تصبح حين تطلع الشمس شفقا من الساعة إلا الجن والإنس، وفيه ساعة ~~لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه " # ، قال كعب: ذلك في كل سنة يوم، فقلت, بل في كل جمعة، قال: فقرأ كعب ~~التوراة فقال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أبو هريرة: ثم لقيت ~~عبد الله بن سلام فحدثته بمجلسي مع كعب الأحبار وما حدثته في يوم الجمعة، ~~فقال عبد الله بن سلام: قد علمت أية ساعة هي, هي آخر ساعة في يوم الجمعة، ~~قال أبو هريرة: وكيف تكون آخر ساعة في يوم الجمعة! وقد قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي " # وتلك ساعة لا يصلى فيها؟ فقال عبد الله بن سلام: ألم يقل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصليها؟ قال ~~أبو هريرة: بلى، قال: فهو ذاك. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي, أخبرنا زاهر بن أحمد, أخبرنا أبو إسحاق ~~الهاشمي, أخبرنا أبو مصعب عن مالك, عن نافع, عن عبد الله بن عمر أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا ~~محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا آدم, حدثنا ابن أبي ذئب, عن ~~سعيد المقبري, أخبرني أبي, عن عبد الله بن وديعة عن سلمان الفارسي قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه, ~~أو ms2311 يمس من طيب بيته, ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين, ثم يصلي ما كتب له، ~~ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان, ~~حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني, حدثنا حميد بن ~~زنجويه, حدثنا أحمد بن خالد, حدثنا محمد بن إسحاق, عن محمد بن إبراهيم, ~~عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعن أبي أمامة يعني ابن سهل بن حنيف حدثاه عن ~~أبي سعيد وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من اغتسل يوم الجمعة واستن ومس من طيب إن كان عنده ولبس من أحسن ثيابه ~~ثم خرج حتى يأتي المسجد، فلم يتخط رقاب الناس ثم ركع ما شاء الله أن ~~يركع، وأنصت إذا خرج الإمام كانت كفارة ما بينها وبين الجمعة التي كانت ~~قبلها " # ،قال أبو هريرة: وزيادة ثلاثة أيام لأن الله تعالى يقول: # من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها # [الأنعام: 160]. # أخبرنا أبو طاهر عمر بن عبد العزيز القاشاني, أخبرنا أبو القاسم بن جعفر ~~الهاشمي, أخبرنا أبو علي محمد بن أحمد بن عمر اللؤلؤي, حدثنا أبو داود ~~سليمان بن الأشعث السجستاني, حدثنا محمد بن حاتم الجرجرائي, حدثنا ~~ابن المبارك عن الأوزاعي, حدثني حسان بن عطية, حدثني أبو الأشعث ~~الصنعاني, حدثني أوس بن أوس الثقفي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # " من غسل يوم الجمعة واغتسل ثم بكر وابتكر ومشى ولم يركب، ودنا من ~~الإمام واستمع، ولم يلغ كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها ". # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب, أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال, ~~حدثنا أبو العباس الأصم, أخبرنا الربيع, أخبرنا الشافعي, أخبرنا سفيان, ~~عن الزهري, عن سعيد بن المسيب, عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون ~~الناس على منازلهم، الأول ms2312 فالأول فإذا خرج الإمام طويت الصحف واستمعوا ~~الخطبة والمهجر إلى الصلاة كالمهدي بدنة، ثم الذي يليه كالمهدي بقرة، ~~ثم الذي يليه كالمهدي شاة ثم الذي يليه كالمهدي كبشا حتى ذكر الدجاجة ~~والبيضة ". ### || [62.10-11] # قوله عز وجل: { فإذا قضيت الصلوة فانتشروا في ~~الأرض } ، أي إذا فرغ من الصلاة فانتشروا في الأرض للتجارة والتصرف في ~~حوائجكم، { وابتغوا من فضل الله } ، يعني الرزق وهذا أمر ~~إباحة، كقوله: # وإذا حللتم فاصطدوا # [المائدة: 2]، قال ابن عباس: إن شئت فاخرج وإن شئت فاقعد وإن شئت فصل ~~إلى العصر، وقيل: فانتشروا في الأرض ليس لطلب الدنيا ولكن لعيادة مريض ~~وحضور جنازة وزيارة أخ في الله. # وقال الحسن وسعيد بن جبير ومكحول: { وابتغوا من فضل الله } ~~هو طلب العلم. # { واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون }. # قوله عز وجل: { وإذا رأوا تجرة أو لهوا انفضوا ~~إليها وتركوك قآئما } الآية, أخبرنا عبد الواحد المليحي, ~~أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن ~~إسماعيل, حدثنا حفص بن عمر, حدثنا خالد بن عبد الله, أخبرنا حصين عن سالم ~~بن أبي الجعد وعن أبي سفيان عن جابر بن عبد الله قال: أقبلت عير يوم ~~الجمعة ونحن مع النبي صلى الله عليه وسلم، فثار الناس إلا اثني عشر رجلا ~~فأنزل الله: { وإذا رأوا تجرة أو لهوا انفضوا ~~إليها }. # ويحتج بهذا الحديث من يرى إقامة الجمعة باثني عشر رجلا. وليس فيه بيان ~~أنه أقام بهم الجمعة حتى يكون حجة، لاشتراط هذا العدد. وقال ابن عباس في ~~رواية الكلبي: لم يبق في المسجد إلا ثمانية رهط. # وقال الحسن وأبو مالك: أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر فقدم دحية بن ~~خليفة بتجارة زيت من الشام والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، ~~فلما رأوه قامو إليه بالبقيع خشوا أن يسبقوا إليه، فلم يبق مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلا رهط منهم أبو بكر وعمر فنزلت هذه الآية، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " والذي نفس محمد بيده لو تتابعتم حتى ms2313 لا يبقى منكم أحد لسال بكم الوادي ~~نارا ". # و # قال مقاتل: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إذ قدم ~~دحية بن خليفة الكلبي من الشام بالتجارة، وكان إذا قدم لم تبق بالمدينة ~~عاتق إلا أتته، وكان يقدم إذا قدم بكل ما يحتاج إليه من دقيق وبر ~~وغيره، فينزل عند أحجار الزيت, وهو مكان في سوق المدينة, ثم يضرب بالطبل ~~ليؤذن الناس بقدومه فيخرج إليه الناس ليبتاعوا منه، فقدم ذات جمعة, وكان ~~ذلك قبل أن يسلم, # " ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر يخطب، فخرج إليه الناس ~~فلم يبق في المسجد إلا اثنا عشرة رجلا وامرأة، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " كم بقي في المسجد "؟ فقالوا: اثني عشر رجلا وامرأة، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: " لولا هؤلاء لسومت لهم الحجارة من السماء " # فأنزل الله هذه الآية. وأراد باللهو الطبل. # وقيل: كانت العير إذا قدمت المدينة استقبلوها بالطبل والتصفيق. # وقوله: { انفضوا إليها } رد الكناية إلى التجارة لأنها أهم. ~~وقال علقمة: سئل عبد الله بن عمر: أكان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب ~~قائما أو قاعدا؟ قال: أما تقرأ { وتركوك قائما }. # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب, أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال, ~~حدثنا أبو العباس الأصم, أخبرنا الربيع, أخبرنا الشافعي, أخبرنا إبراهيم ~~بن محمد, أخبرني جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله: كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة خطبتين قائما يفصل بينهما بجلوس. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر, أخبرنا عبد الغافر بن محمد, أخبرنا محمد ~~بن عيسى, حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان, حدثنا مسلم بن الحجاج, حدثنا ~~أبو بكر بن أبي شيبة, أخبرنا أبو الأحوص, عن سماك عن جابر بن سمرة قال: ~~كانت للنبي صلى الله عليه وسلم خطبتان يجلس بينهما يقرأ القرآن ويذكر ~~الناس. # وبهذا الإسناد عن جابر بن سمرة قال: «كنت أصلي مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فكانت صلاته قصدا وخطبته قصدا». # والخطبة فريضة ms2314 في صلاة الجمعة، ويجب أن يخطب قائما خطبتين, وأقل ما ~~يقع عليه اسم الخطبة: أن يحمد الله, ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ~~ويوصي بتقوى الله، هذه الثلاثة فرض في الخطبتين جميعا، ويجب أن يقرأ في ~~الأولى آية من القرآن، ويدعو للمؤمنين في الثانية, فلو ترك واحدة من هذه ~~الخمس لا تصح جمعته عند الشافعي، وذهب أبو حنيفة رضي الله عنه إلى أنه لو ~~أتى بتسبيحة أو تحميدة أو تكبيرة أجزأه. # وهذا القدر لا يقع عليه اسم الخطبة، وهو مأمور بالخطبة. # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي, أخبرنا عبد الله بن يوسف ~~بن محمد بن مامويه, أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد البصري, بمكة, ~~حدثنا الحسن بن الصباح الزعفراني, حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد ~~الثقفي, عن جعفر بن محمد عن أبيه عن عبيد الله بن أبي رافع أن مروان ~~استخلف أبا هريرة على المدينة، فصلى بهم أبو هريرة الجمعة فقرأ سورة ~~الجمعة في الركعة الأولى وفي الثانية: # إذا جاءك المنافقون # [المنافقون: 1] فقال عبيد الله: فلما انصرف مشيت إلى جنبه فقلت له: لقد ~~قرأت بسورتين سمعت علي بن أبي طالب يقرأ بهما في الصلاة؟ فقال: سمعت ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بهما. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي, أخبرنا زاهر بن أحمد, أخبرنا أبو إسحاق ~~الهاشمي, أخبرنا أبو مصعب, عن مالك, عن ضمرة بن سعيد المازني, عن عبيد ~~الله بن عبد الله بن عتبة أن الضحاك بن قيس سأل النعمان بن بشير: ماذا ~~كان يقرأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة على أثر سورة ~~الجمعة؟ فقال: كان يقرأ ب " هل أتاك حديث الغاشية ". # أخبرنا أبو عثمان الضبي, أخبرنا أبو محمد الجراحي, حدثنا أبو العباس ~~المحبوبي, حدثنا أبو عيسى, حدثنا قتيبة, حدثنا أبو عوانة عن إبراهيم بن ~~محمد بن المنتشر عن أبيه عن حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير قال: كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة ب " سبح ms2315 اسم ربك ~~الأعلى " ، و " هل أتاك حديث الغاشية " , وربما اجتمع في يوم واحد فيقرأ ~~بهما. # ولجواز الجمعة خمس شرائط: الوقت وهو: وقت الظهر ما بين زوال الشمس إلى ~~دخول وقت العصر، والعدد، والإمام، والخطبة، ودار الإقامة، فإذا فقد شرط ~~من هذه الخمسة يجب أن يصلوها ظهرا. # ولا يجوز للإمام أن يبتدئ الخطبة قبل اجتماع العدد، وهو عدد الأربعين ~~عند الشافعي، فلو اجتمعوا وخطب بهم ثم انفضوا قبل افتتاح الصلاة أو انتقص ~~واحد من العدد لا يجوز أن يصلي بهم الجمعة، بل يصلي الظهر ولو افتتح بهم ~~الصلاة ثم انفضوا، فأصح أقوال الشافعي: أن بقاء الأربعين شرط إلى آخر ~~الصلاة، كما أن بقاء الوقت شرط إلى آخر الصلاة فلو انتقص واحد منهم قبل ~~أن يسلم الإمام يجب على الباقين أن يصلوها أربعا. وفيه قول آخر: إن ~~بقي معه اثنان أتمها جمعة. وقيل: إن بقي معه واحد أتمها جمعة، وعند ~~المزني إن نقصوا بعد ما صلى الإمام بهم ركعة أتمها جمعة، وإن بقي وحده ~~فإن كان في الركعة الأولى يتمها أربعا وإن انتقص من العدد واحد، وبه قال ~~أبو حنيفة في العدد الذي شرطه كالمسبوق إذا أدرك مع الإمام ركعة من ~~الجمعة فإذا سلم الإمام أتمها جمعة وإن أدرك أقل من ركعة أتمها أربعا. # قوله عز وجل: { قل ما عند الله خير من اللهو ومن ~~التجرة } ، أي ما عند الله من الثواب على الصلاة والثبات مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم خير من اللهو ومن التجارة، { والله خير ~~الرزقين } ، لأنه موجد الأرزاق فإياه فاسألوا ومنه فاطلبوا. ### | [63 - سورة المنافقون] ### || [63.1-6] # { إذ جاءك المنافقون } يعني عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه، ~~{ قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم ~~إنك لرسوله والله يشهد إن المنفقين ~~لكذبون } ، لأنهم أضمروا خلاف ما أظهروا. # { اتخذوا أيمنهم جنة } ، سترة، { فصدوا عن ~~سبيل الله } ، منعوا الناس عن الجهاد والإيمان بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم. # { إنهم سآء ما كانوا يعملون }. # { ذلك بأنهم ءامنوا } ، أقروا باللسان إذا رأوا المؤمنين، ~~{ ثم ms2316 كفروا } ، إذا خلوا إلى المشركين, { فطبع على ~~قلوبهم } ، بالكفر، { فهم لا يفقهون } ، الإيمان. # { وإذا رأيتهم تعجبك أجسمهم } ، يعني أن لهم ~~أجساما ومناظر، { وإن يقولوا تسمع لقولهم } ، فتحسب أنه ~~صدق. قال عبد الله بن عباس: كان عبد الله بن أبي جسيما فصيحا ذلق ~~اللسان، فإذا قال سمع النبي صلى الله عليه وسلم قوله: { كأنهم ~~خشب مسندة } ، أشباح بلا أرواح وأجسام بلا أحلام. # قرأ أبو عمرو والكسائي: " خشب " بسكون الشين، وقرأ الباقون بضمها. # { مسندة } ممالة إلى جدار, من قولهم: أسندت الشيء, إذا أملته، ~~والتثقيل للتكثير، وأراد أنها ليست بأشجار تثمر, ولكنها خشب مسندة إلى ~~حائط، { يحسبون كل صيحة عليهم } ، أي لا يسمعون صوتا ~~في العسكر بأن نادى مناد أو انفلتت دابة أو أنشدت ضالة, إلا ظنوا - من ~~جبنهم وسوء ظنهم - أنهم يرادون بذلك, وظنوا أنهم قد أتوا, لما في ~~قلوبهم من الرعب. # وقيل: ذلك لكونهم على وجل من أن ينزل الله فيهم أمرا يهتك أستارهم ~~ويبيح دماءهم ثم قال، { هم العدو } ، هذا ابتداء وخبره، { ~~فاحذرهم } ، ولا تأمنهم، { قاتلهم الله } ، لعنهم الله { ~~أنى يؤفكون } ، يصرفون عن الحق. # { وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول ~~الله لووا رءوسهم } ، أي عطفوا وأعرضوا بوجوههم رغبة عن ~~الاستغفار. # قرأ نافع ويعقوب " لووا " بالتخفيف, وقرأ الآخرون بالتشديد، لأنهم ~~فعلوه مرة بعد مرة. # { ورأيتهم يصدون } ، يعرضون عما دعوا إليه، { وهم ~~مستكبرون } ، متكبرون عن استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لهم. # { سوآء عليهم أستغفرت لهم } ، يا محمد، { أم لم ~~تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا ~~يهدي القوم الفسقين } , ذكر محمد بن إسحاق وغيره عن جماعة, ~~من أصحاب السير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه: أن بني ~~المصطلق يجتمعون لحربه وقائدهم الحارث بن أبي ضرار أبو جويرة زوج النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ~~إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له المريسيع من ناحية قديد ~~إلى الساحل، فتزاحف الناس واقتتلوا فهزم الله بني المصطلق، ms2317 وقتل من قتل ~~منهم، ونقل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبناءهم ونساءهم وأموالهم ~~فأفاءها عليهم، فبينما الناس على ذلك الماء إذ وردت واردة الناس ومع عمر ~~بن الخطاب أجير له من بني غفار، يقال له جهجاه بن سعيد الغفاري يقود له ~~فرسه فازدحم جهجاه وسنان بن وبرة الجهني, حليف بني عوف بن الخزرج, على ~~ذلك الماء فاقتتلا، فصرخ الجهني: يا معشر الأنصار! وصرخ الغفاري: يا معشر ~~المهاجرين! وأعان جهجاها الغفاري رجل من المهاجرين يقال له جعال، ~~وكان فقيرا, فغضب عبد الله بن أبي بن سلول وعنده رهط من قومه فيهم زيد ~~بن أرقم, غلام حديث السن، فقال ابن أبي: أفعلوها؟ قد نافرونا وكاثرونا ~~في بلادنا, والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال القائل: سمن كلبك ~~يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها ~~الأذل، يعني بالأعز نفسه وبالأذل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ~~أقبل على من حضره من قومه فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم, أحللتموهم بلادكم، ~~وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عن جعال وذويه فضل الطعام لم ~~يركبوا رقابكم, ولتحولوا إلى غير بلادكم، فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا ~~من حول محمد، فقال زيد بن أرقم: أنت - والله - الذليل القليل المبغض في ~~قومك, ومحمد صلى الله عليه وسلم في عز من الرحمن عز وجل ومودة من ~~المسلمين، فقال عبد الله بن أبي: أسكت, فإنما كنت ألعب. # قال: فمشى زيد بن أرقم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك بعد ~~فراغه من العدو, فأخبره الخبر, وعنده عمر بن الخطاب, فقال: دعني أضرب ~~عنقه يا رسول الله، قال: كيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل ~~أصحابه؟ ولكن أذن بالرحيل وذلك في ساعة لم يكن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يرتحل فيها فارتحل الناس. # وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله بن أبي فأتاه فقال: ~~أنت صاحب هذا الكلام الذي بلغني؟ فقال عبد الله: والذي أنزل عليك الكتاب ~~ما قلت شيئا ms2318 من ذلك، وإن زيدا لكاذب، وكان عبد الله في قومه شريفا ~~عظيما، فقال من حضر من الأنصار من أصحابه: يا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عسى أن يكون الغلام أوهم في حديثه ولم يحفظ ما قاله. فعذره النبي ~~صلى الله عليه وسلم وفشت الملامة في الأنصار لزيد, وكذبوه، وقال ~~له عمه وكان زيد معه: ما أردت إلى أن كذبك رسول الله صلى الله عليه وسلم, ~~والناس مقتوك, وكان زيد يساير النبي صلى الله عليه وسلم فاستحيا أن ~~يدنو من النبي صلى الله عليه وسلم. # فلما استقل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار لقيه أسيد بن حضير ~~فحياه بتحية النبوة وسلم عليه، ثم قال: يا رسول الله لقد رحت في ساعة ~~منكرة ما كنت تروح فيها. # فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أو ما بلغك ما قال صاحبكم عبد الله بن أبي؟ قال: وما قال؟ قال: زعم ~~إن رجع إلى المدينة أخرج الأعز منها الأذل. فقال أسيد: فأنت والله يا ~~رسول الله تخرجه إن شئت، هو والله الذليل وأنت العزيز، ثم قال: يا رسول ~~الله أرفق به فوالله لقد جاء الله بك، وإن قومه ينظمون له الخرز ليتوجوه ~~فإنه ليرى أنك قد استلبته ملكا ". # وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبي ما كان من أمر أبيه فأتى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله ~~بن أبي لما بلغك عنه، فإن كنت فاعلا فمرني به, فأنا أحمل إليك ~~رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان بها رجل أبر بوالديه مني, وإني ~~أخشى أن تأمر به غيري فيقتله, فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبد الله ~~بن أبي يمشي في الناس فأقتله، فأقتل مؤمنا بكافر. فأدخل النار. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " بل نرفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا ". # قالوا: وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم يومهم ذلك حتى أمسى, وليلتهم ~~حتى أصبح, ms2319 وصدر يومهم حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس فلم يكن إلا أن ~~وجدوا مس الأرض وقعوا نياما. وإنما فعل ذلك ليشغل الناس عن الحديث ~~الذي كان بالأمس من حديث عبد الله بن أبي. # ثم راح بالناس حتى نزل على ماء ب الحجاز فويق النقيع، يقال له ~~نقعا فهاجت ريح شديدة آذتهم وتخوفوها، وضلت ناقة النبي صلى الله عليه ~~وسلم وذلك ليلا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تخافوا فإنما هبت لموت عظيم من عظماء الكفار توفي بالمدينة، ~~قيل: من هو؟ قال: رفاعة بن زيد بن التابوت، فقال رجل من المنافقين: كيف ~~يزعم أنه يعلم الغيب ولا يعلم مكان ناقته؟ ألا يخبره الذي يأتيه بالوحي! ~~فأتاه جبريل فأخبره بقول المنافق وبمكان الناقة، وأخبر بذلك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أصحابه، وقال: ما أزعم أني أعلم الغيب وما أعلمه، ~~ولكن الله أخبرني بقول المنافق وبمكان ناقتي، هي في الشعب قد تعلق زمامها ~~بشجرة فخرجوا يسعون قبل الشعب فإذا هي كما قال، فجاؤوا بها من ذلك الشعب ~~وآمن ذلك المنافق. # فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد بن التابوت قد مات ذلك اليوم، ~~وكان من عظماء اليهود وكهفا للمنافقين، فلما وافى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم المدينة, قال زيد بن أرقم: جلست في البيت لما بي من الهم ~~والحياء، فأنزل الله تعالى سورة المنافقين في تصديق زيد وتكذيب عبد الله. ~~فلما نزلت أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذن زيد وقال: " يا زيد إن ~~الله قد صدقك وأوفى بأذنك ". # وكان عبد الله بن أبي بقرب المدينة، فلما أراد أن يدخلها جاءه ابنه عبد ~~الله بن عبد الله حتى أناخ (راحلته) على مجامع طرق المدينة، فلما جاء عبد ~~الله بن أبي قال: وراءك، قال: مالك ويلك؟ قال: لا والله لا تدخلها أبدا ~~إلا بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولتعلمن اليوم من الأعز من ~~الأذل، فشكا عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنع ابنه، ms2320 ~~فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن خل عنه حتى يدخل، فقال: أما إذا ~~جاء أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فنعم، فدخل فلم يلبث إلا أياما ~~قلائل حتى اشتكى ومات. # قالوا: فلما نزلت الآية وبان كذب عبد الله بن أبي قيل له: يا أبا حباب ~~إنه قد نزل فيك آي شداد فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر ~~لك، فلوى رأسه ثم قال: أمرتموني أن أؤمن فآمنت، وأمرتموني أن أعطي زكاة ~~مالي فقد أعطيت فما بقي إلا أن أسجد لمحمد فأنزل الله تعالى: { وإذا ~~قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا ~~رءوسهم } الآية. ### || [63.7-8] # { هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول ~~الله حتى ينفضوا } ، يتفرقوا، { ولله خزآئن ~~السموت والأرض } ، فلا يعطي أحد أحدا شيئا إلا بإذنه ولا ~~يمنعه إلا بمشيئته، { ولكن المنفقين لا يفقهون } ، ~~أن أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون. # { يقولون لئن رجعنآ إلى المدينة } ، من غزوة بني ~~المصطلق، { ليخرجن الأعز منها الأذل ولله ~~العزة ولرسوله وللمؤمنين } ، فعزة الله: قهره من دونه، ~~وعزة رسوله: إظهار دينه على الأديان كلها، وعزة المؤمنين: نصر الله ~~إياهم على أعدائهم. { ولكن المنفقين لا يعلمون } ~~ذلك ولو علموا ما قالوا هذه المقالة. ### || [63.9-10] # قوله عز وجل: { يأيها الذين ءامنوا لا تلهكم } ، ~~لا تشغلكم { أمولكم ولا أولدكم عن ذكر الله } ~~قال المفسرون يعني الصلوات الخمس, نظيره قوله: # لا تلهيهم تجرة ولا بيع عن ذكر الله # [النور: 37] { ومن يفعل ذلك } أي من شغله ماله وولده عن ذكر ~~الله { فأولئك هم الخسرون }. # { وأنفقوا من ما رزقنكم } ، قال ابن عباس: يريد زكاة ~~الأموال، { من قبل أن يأتي أحدكم الموت } ، فيسأل ~~الرجعة، { فيقول رب لولا أخرتني } ، هلا أخرتني أمهلتني، ~~وقيل: " لا " صلة, فيكون الكلام بمعنى التمني, أي: لو أخرتني، { إلى ~~أجل قريب فأصدق } ، فأتصدق وأزكي مالي، { وأكن من ~~الصلحين } ، أي من المؤمنين. # نظيره قوله تعالى: # ومن صلح من ءابائهم # [الرعد: 23] [غافر: 8]، هذا قول مقاتل وجماعة، وقالوا: نزلت الآية ms2321 في ~~المنافقين. # وقيل: نزلت الآية في المؤمنين. # والمراد بالصلاح هنا: الحج. وروى الضحاك, وعطية عن ابن عباس قال: ما من ~~أحد يموت وكان له مال لم يؤد زكاته وأطاق الحج فلم يحج إلا سأل الرجعة ~~عند الموت. وقرأ هذه الآية. # وقال: { وأكن من الصلحين } قرأ أبو عمرو " وأكون " بالواو ~~ونصب النون على جواب التمني وعلى لفظ فأصدق، قال: إنما حذفت الواو من ~~المصحف اختصارا. # وقرأ الآخرون: " وأكن " بالجزم عطفا على قوله " فأصدق " لو لم يكن ~~فيه الفاء, لأنه لو لم يكن فيه فاء كان جزما. يعني: إن أخرتني أصدق ~~وأكن، ولأنه مكتوب في المصحف بحذف الواو. ### || [63.11] # { ولن يؤخر الله نفسا إذا جآء أجلهآ والله ~~خبير بما تعملون } ، قرأ أبو بكر: " يعملون " بالياء وقرأ ~~الآخرون بالتاء. ### | [64 - سورة التغابن] ### || [64.1-2] # قال عطاء هي مكية إلا ثلاث آيات من قوله: { يأيها الذين ~~آمنوا إن من أزواجكم وأولدكم } إلى آخرهن. # { يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له ~~الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير * هو ~~الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله ~~بما تعملون بصير } , قال ابن عباس: إن الله خلق بني آدم مؤمنا ~~وكافرا, ثم يعيدهم يوم القيامة كما خلقهم مؤمنا وكافرا. # وروينا عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن الغلام الذي قتله الخضر عليه السلام طبع كافرا ". # وقال جل ذكره: # ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا # [نوح: 27]. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, ~~أخبرنا محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا سليمان بن حرب, حدثنا ~~حماد, عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس [عن أنس] عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " وكل الله بالرحم ملكا فيقول: أي رب نطفة، أي رب علقة، أي ~~رب مضغة، فإذا أراد الله أن يقضي خلقها قال: يا رب أذكر أم أنثى، ~~أشقي أم سعيد؟ فما الرزق فما الأجل؟ فيكتب كذلك في بطن أمه ". # وقال ms2322 جماعة: معنى الآية: إن الله خلق الخلق ثم كفروا وآمنوا، لأن الله ~~تعالى ذكر الخلق ثم وصفهم بفعلهم، فقال { فمنكم كافر ومنكم ~~مؤمن } ، كما قال الله تعالى: # والله خلق كل دآبة من مآء فمنهم من يمشي # [النور: 45] والله خلقهم والمشي فعلهم. ثم اختلفوا في تأويلها. # روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: " فمنكم كافر " في حياته " مؤمن " في ~~العاقبة، " ومنكم مؤمن " في حياته كافر في العاقبة. # وقال عطاء بن أبي رياح: فمنكم كافر بالله مؤمن بالكواكب، ومنكم مؤمن ~~بالله كافر بالكواكب. # وقيل: فمنكم كافر بأن الله تعالى خلقه وهو مذهب الدهرية، ومنكم مؤمن بأن ~~الله خلقه. # وجملة القول فيه: أن الله خلق الكافر، وكفره فعل له وكسب، وخلق المؤمن، ~~وإيمانه فعل له وكسب، فلكل واحد من الفريقين كسب واختيار, وكسبه واختياره ~~بتقدير الله ومشيئته, فالمؤمن بعد خلق الله إياه يختار الإيمان، لأن ~~الله تعالى أراد ذلك منه, وقدره عليه, وعلمه منه، والكافر بعد خلق الله ~~تعالى إياه يختار الكفر, لأن الله تعالى أراد ذلك منه, وقدره عليه, ~~وعلمه منه. وهذا طريق أهل السنة والجماعة من سلكه أصاب الحق وسلم من ~~الجبر والقدر. ### || [64.3-8] # { خلق السموت والأرض بالحق وصوركم ~~فأحسن صوركم وإليه المصير * يعلم ما في ~~السموت والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون ~~والله عليم بذات الصدور }. # { ألم يأتكم } ، يخاطب كفار مكة، { نبؤا الذين ~~كفروا من قبل } ، يعني الأمم الخالية، { فذاقوا وبال ~~أمرهم } ، يعني ما لحقهم من العذاب في الدنيا، { ولهم عذاب ~~أليم } ، في الآخرة. # { ذلك } ، العذاب، { بأنه كانت تأتيهم رسلهم ~~بالبينت فقالوا أبشر يهدوننا } ، ولم يقل: ~~يهدينا, لأن البشر, وإن كان لفظه واحدا, فإنه في معنى الجمع، وهو اسم ~~الجنس لا واحد له من لفظه، وواحده إنسان، ومعناها: ينكرون ويقولون آدمي ~~مثلنا يهدينا! { فكفروا وتولوا واستغنى الله } ، عن ~~إيمانهم، { والله غني } ، عن خلقه، { حميد } ، في أفعاله. ثم ~~أخبر عن إنكارهم البعث فقال جل ذكره: # { زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل } ، يا محمد، ~~{ بلى وربى لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم ms2323 ~~وذلك على الله يسير * فآمنوا بالله ورسوله ~~والنور الذى أنزلنا } ، وهو القرآن، { والله بما ~~تعملون خبير }. ### || [64.9-15] # { يوم يجمعكم ليوم الجمع } ، يعني يوم القيامة يجمع ~~فيه أهل السموات والأرض، { ذلك يوم التغابن } ، وهو تفاعل من ~~الغبن، وهو فوت الحظ، والمراد بالمغبون من غبن في أهله ومنازله في ~~الجنة, فيظهر يومئذ غبن كل كافر بتركه الإيمان، وغبن كل مؤمن بتقصيره في ~~الإحسان، { ومن يؤمن بالله ويعمل صلحا يكفر ~~عنه سيئته ويدخله جنت تجرى من تحتها ~~الأنهر } ، قرأ أهل المدينة والشام: " نكفر " " وندخله " ، وفي سورة ~~الطلاق " ندخله " بالنون فيهن, وقرأ الآخرون بالياء، { خلدين ~~فيهآ أبدا ذلك الفوز العظيم }. # { والذين كفروا وكذبوا بآيتنآ أولئك ~~أصحب النار خلدين فيها وبئس المصير }. # { مآ أصاب من مصيبة إلا بإذن الله } , بإرادته ~~وقضائه { ومن يؤمن بالله } ، فيصدق أنه لا يصيبه مصيبة إلا ~~بإذن الله، { يهد قلبه } ، يوفقه لليقين حتى يعلم أن ما أصابه لم ~~يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه فيسلم لقضائه { والله بكل ~~شىء عليم }. # { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم ~~فإنما على رسولنا البلغ المبين }. # { الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون }. # قوله عز وجل: { يأيها الذين ءامنوا إن من ~~أزوجكم وأولدكم عدوا لكم فاحذروهم }. قال ابن ~~عباس: هؤلاء رجال من أهل مكة أسلموا، وأرادوا أن يهاجروا إلى المدينة، ~~فمنعهم أزواجهم وأولادهم، وقالوا صبرنا على إسلامكم فلا نصبر على فراقكم, ~~فأطاعوهم، وتركوا الهجرة [فقال تعالى { فاحذروهم } أن تطيعوهم ~~وتدعوا الهجرة]. # { وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور ~~رحيم } ، هذا فيمن أقام على الأهل والولد ولم يهاجر، فإذا هاجر رأى ~~الذين سبقوه بالهجرة قد فقهوا في الدين هم أن يعاقب زوجته وولده الذين ~~ثبطوه عن الهجرة، وإن لحقوا في دار الهجرة لم ينفق عليهم ولم يصبهم بخير، ~~فأمرهم الله عز وجل بالعفو عنهم والصفح. # وقال عطاء بن يسار: نزلت في عوف بن مالك الأشجعي: كان ذا أهل وولد, وكان ~~إذا أراد الغزو بكوا إليه ورققوه، وقالوا: إلى من تدعنا؟ فيرق لهم ~~ويقيم، فأنزل ms2324 الله { إن من أزوجكم وأولدكم عدوا ~~لكم } بحملهم إياكم على ترك الطاعة، فاحذروهم أن تقبلوا منهم. # { وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا } فلا تعاقبوهم على خلافهم ~~إياكم فإن الله غفور رحيم. # { إنمآ أمولكم وأولدكم فتنة } ، بلاء واختبار ~~وشغل عن الآخرة، يقع بسببها الإنسان في العظائم ومنع الحق وتناول الحرام، ~~{ والله عنده أجر عظيم } ، قال بعضهم: لما ذكر الله ~~العداوة أدخل فيه " من " للتبعيض، فقال: " إن من أزواجكم وأولادكم عدوا ~~لكم " لأن كلهم ليسوا بأعداء، ولم يذكر " من " في قوله: { إنمآ ~~أمولكم وأولدكم فتنة } لأنها لا تخلو عن الفتنة ~~واشتغال القلب. # وكان عبد الله بن مسعود يقول: لا يقولن أحدكم: اللهم إني أعوذ بك من ~~الفتنة, فإنه ليس منكم أحد يرجع إلى مال وأهل وولد إلا وهو مشتمل على ~~فتنة، ولكن ليقل: اللهم إني أعوذ بك من مضلات الفتن. # أخبرنا أبو منصور محمد بن عبد الملك المظفري, أخيرنا أبو سعيد أحمد بن ~~محمد بن الفضل الفقيه, أخيرنا أبو الحسن أحمد بن إسحاق الفقيه, حدثنا ~~أحمد بن بكر بن سيف حدثنا علي بن الحسين, أخبرنا الحسين بن واقد, عن عبد ~~الله بن بريدة قال سمعت أبي بريدة يقول: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يخطبنا, فجاء الحسن والحسين, وعليهما قميصان أحمران, يمشيان ~~ويعثران, فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنبر فحملهما فوضعهما ~~بين يديه ثم قال: # " صدق الله: إنما أموالكم وأولادكم فتنة, نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ~~ويعثران, فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما ". ### || [64.16-18] # { فاتقوا الله ما استطعتم } ، أطقتم، هذه الآية ناسخة ~~لقوله تعالى: # اتقوا الله حق تقاته # [آل عمران: 102] { واسمعوا وأطيعوا } ، الله ورسوله، { ~~وأنفقوا خيرا لأنفسكم } ، أنفقوا من أموالكم خيرا ~~لأنفسكم. { ومن يوق شح نفسه } حتى يعطي حق الله من ماله { ~~فأولئك هم المفلحون }. # { إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضعفه لكم ~~ويغفر لكم والله شكور حليم * علم الغيب ~~والشهادة العزيز الحكيم }. ### | [65 - سورة الطلاق] ### || [65.1-3] # { يأيها النبي إذا طلقتم النسآء } نادى النبي صلى ~~الله عليه وسلم، ثم خاطب أمته, ms2325 لأنه السيد المقدم، فخطاب الجميع معه. # وقيل: مجازه: يا أيها النبي قل لأمتك " إذا طلقتم النساء ": إذا أردتم ~~تطليقهن، كقوله عز وجل: # فإذا قرأت القرءان فاستعذ بالله # [النحل: 98] أي: إذا أردت القراءة. # { فطلقوهن لعدتهن } ، أي لطهرهن بالذي يحصينه من عدتهن. ~~وكان ابن عباس وابن عمر يقرآن: " فطلقوهن في قبل عدتهن ". نزلت هذه ~~الآية في عبد الله بن عمر كان قد طلق امرأته في حال الحيض. # أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد الفقيه, ~~أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي, أخبرنا أبو مصعب, عن ~~مالك, عن نافع, عن عبد الله بن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض في عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فسأل عمر بن الخطاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن ذلك، فقال: مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر, ثم تحيض ~~ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة ~~التي أمر الله أن تطلق لها النساء. # ورواه سالم عن ابن عمر قال: " مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرا أو ~~حاملا ". # ورواه يونس بن جبير وأنس بن سيرين عن ابن عمر, ولم يقولا: ثم تحيض ثم ~~تطهر. # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب, أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال, ~~أخبرنا أبو العباس الأصم, أخبرنا الربيع, أخبرنا الشافعي, أخبرنا مسلم ~~وسعيد بن سالم, عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع عبد الرحمن ~~بن أيمن مولى عزة يسأل عبد الله بن عمر - وأبو الزبير يسمع - فقال: كيف ~~ترى في رجل طلق امرأته حائضا؟ فقال ابن عمر: # " طلق عبد الله بن عمر امرأته حائضا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«مره فليراجعها فإذا طهرت فليطلق أو ليمسك» " # ، قال ابن عمر: وقال الله عز وجل: " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ~~فطلقوهن في قبل عدتهن أو لقبل عدتهن " الشافعي يشك. # ورواه حجاج بن محمد عن ابن جريج. وقال: قال ابن عمر: وقرأ النبي صلى ~~الله عليه وسلم: ms2326 يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن. # اعلم أن الطلاق في حال الحيض والنفاس بدعة، وكذلك في الطهر الذي جامعها ~~فيه. لقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " وإن شاء طلق قبل أن يمس " # والطلاق السني: أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه. # وهذا في حق امرأة تلزمها العدة بالأقراء. فأما إذا طلق غير المدخول ~~بها في حال الحيض, أو طلق الصغيرة التي لم تحض قط, أو الآيسة بعدما ~~جامعها، أو طلق الحامل بعد ما جامعها، أو في حال رؤية الدم, لا يكون ~~بدعيا. ولا سنة ولا بدعة في طلاق هؤلاء, لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا ". # والخلع في حال الحيض أو في طهر جامعها [فيه] لا يكون بدعيا لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أذن لثابت بن قيس في مخالعة زوجته من غير أن يعرف ~~حالها، ولولا جوازه في جميع الأحوال لأشبه أن يتعرف الحال. # ولو طلق امرأته في حال الحيض أو في طهر جامعها فيه قصدا يعصي الله ~~تعالى, ولكن يقع الطلاق لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ابن عمر ~~بالمراجعة فلولا وقوع الطلاق لكان لا يأمر بالمراجعة، وإذا راجعها في حال ~~الحيض يجوز أن يطلقها في الطهر الذي يعقب تلك الحيضة قبل المسيس, كما ~~رواه يونس بن جبير وأنس بن سيرين عن ابن عمر. # وما رواه نافع عن ابن عمر: " ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر " ~~فاستحباب, استحب تأخير الطلاق إلى الطهر الثاني حتى لا يكون مراجعته ~~إياها للطلاق, كما يكره النكاح للطلاق. # ولا بدعة في الجمع بين الطلقات الثلاث, عند بعض أهل العلم، حتى لو طلق ~~امرأته في حال الطهر ثلاثا لا يكون بدعيا، وهو قول الشافعي وأحمد. وذهب ~~بعضهم إلى أنه بدعة, وهو قول مالك وأصحاب الرأي. # قوله عز وجل: { وأحصوا العدة } ، أي عدد أقرائها, احفظوها، ~~قيل: أمر بإحصاء العدة لتفريق الطلاق على الأقراء إذا أراد أن يطلق ~~ثلاثا. وقيل: للعلم ببقاء زمان الرجعة ms2327 ومراعاة أمر النفقة والسكنى. # { واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن } ~~، أراد به إذا كان المسكن الذي طلقها فيه للزوج لا يجوز له أن يخرجها ~~منه، { ولا يخرجن } ، ولا يجوز لها أن تخرج ما لم تنقض عدتها فإن ~~خرجت لغير ضرورة أو حاجة أثمت، فإن وقعت ضرورة - وإن خافت هدما أو ~~غرقا - لها أن تخرج إلى منزل آخر، وكذلك إن كانت لها حاجة من بيع غزل أو ~~شراء قطن فيجوز لها الخروج نهارا ولا يجوز ليلا فإن رجالا ~~استشهدوا بأحد فقالت نساؤهم: نستوحش في بيوتنا، فأذن لهن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن يتحدثن عند إحداهن، فإذا كان وقت النوم تأوي كل امرأة ~~إلى بيتها, وأذن النبي صلى الله عليه وسلم لخالة جابر حين طلقها زوجها أن ~~تخرج لجذاذ نخلها. # وإذا لزمتها العدة في السفر تعتد ذاهبة وجائية، والبدوية تتبوأ حيث ~~يتبوأ أهلها في العدة، لأن الانتقال في حقهم كالإقامة في حق المقيم. # قوله: { إلا أن يأتين بفحشة مبينة } ، قال ابن ~~عباس: " الفاحشة المبينة ": أن تبدو على أهل زوجها، فيحل إخراجها. # وقال جماعة: أراد بالفاحشة: أن تزني, فتخرج لإقامة الحد عليها، ثم ترد ~~إلى منزلها، يروى ذلك عن ابن مسعود. # وقال قتادة: معناه إلا أن يطلقها على نشوزها, فلها أن تتحول من بيت ~~زوجها والفاحشة: النشوز. # وقال ابن عمر, والسدي: خروجها قبل انقضاء العدة فاحشة. # { وتلك حدود الله } ، يعني: ما ذكر من سنة الطلاق وما بعدها، ~~{ ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري ~~لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } ، يوقع في قلب الزوج ~~مراجعتها بعد الطلقة والطلقتين، وهذا يدل على أن المستحب أن يفرق ~~الطلقات، ولا يوقع الثلاث دفعة واحدة, حتى إذا ندم أمكنه المراجعة. # { فإذا بلغن أجلهن } ، أي قربن من انقضاء عدتهن، { ~~فأمسكوهن } ، أي راجعوهن، { بمعروف أو فارقوهن بمعروف ~~} ، أي اتركوهن حتى تنقضي عدتهن فتبين منكم، { وأشهدوا ذوى ~~عدل منكم } ، على الرجعة والفراق. أمر بالإشهاد على الرجعة وعلى ~~الطلاق. { وأقيموا الشهدة } ، أيها الشهود { لله }. # { ذلكم يوعظ به ms2328 من كان يؤمن بالله واليوم ~~الأخر ومن يتق الله يجعل له مخرجا } , قال عكرمة ~~والشعبي والضحاك: ومن يتق الله فيطلق للسنة يجعل له مخرجا إلى الرجعة. # وأكثر المفسرين قالوا: نزلت في عوف بن مالك الأشجعي, أسر المشركون ابنا ~~له يسمى مالكا فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أسر ~~العدو ابني, وشكا إليه أيضا الفاقة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: # " اتق الله واصبر وأكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله " # ، ففعل الرجل [ذلك] فبينما هو في بيته إذ أتاه ابنه وقد غفل عنه العدو، ~~فأصاب إبلا وجاء بها إلى أبيه. # وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: فغفل عنه العدو, فاستاق ~~غنمهم، فجاء بها إلى أبيه، وهي أربعة آلاف شاة. فنزلت: { ومن يتق ~~الله يجعل له مخرجا } في ابنه. { ويرزقه من حيث ~~لا يحتسب } ، ما ساق من الغنم. # وقال مقاتل: أصاب غنما ومتاعا ثم رجع إلى أبيه, فانطلق أبوه إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأخبره الخبر، وسأله: أيحل له أن يأكل ما أتى به ~~ابنه؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: نعم، وأنزل الله هذه الآية. # قال ابن مسعود: { ومن يتق الله يجعل له مخرجا } هو ~~أن يعلم أنه من قبل الله وأن الله رازقه. # وقال الربيع بن خثيم: { يجعل له مخرجا } من كل شيء ضاق على ~~الناس. # وقال أبو العالية: " مخرجا " من كل شدة. # وقال الحسن: " مخرجا " عما نهاه عنه. { ومن يتوكل على ~~الله فهو حسبه } ، يتق الله فيما نابه كفاه ما أهمه. # وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو ~~خماصا وتروح بطانا ". # { إن الله بلغ أمره } ، قرأ طلحة بن مصرف, وحفص عن ~~عاصم: { بالغ أمره } بالإضافة، وقرأ الآخرون " بالغ " بالتنوين " ~~أمره " نصب، أي منفذ أمره, ممض في خلقه قضاءه. { قد جعل ~~الله لكل شيء قدرا } ، أي جعل الله لكل شيء من الشدة ~~والرخاء أجلا ms2329 ينتهي إليه. # قال مسروق: في هذه الآية { إن الله بلغ أمره } ، توكل ~~عليه أو لم يتوكل، غير أن المتوكل عليه يكفر عنه سيئاته ويعظم له ~~أجرا. ### || [65.4] # قوله عز وجل: { واللائي يئسن من المحيض من ~~نسآئكم } ، فلا ترجون أن يحضن، { إن ارتبتم } ، أي شككتم ~~فلم تدروا ما عدتهن، { فعدتهن ثلثة أشهر }. # قال مقاتل: لما نزلت: # والمطلقت يتربصن بأنفسهن ثلثة قروء # [البقرة: 228]، قال خلاد بن النعمان بن قيس الأنصاري: يا رسول الله فما ~~عدة من لا تحيض، والتي لم تحض، وعدة الحبلى؟ فأنزل الله: { واللائي ~~يئسن من المحيض من نسآئكم } يعني القواعد اللائي قعدن ~~عن المحيض { إن ارتبتم } شككتم في حكمها { فعدتهن ~~ثلثة أشهر }. # { واللئي لم يحضن } ، يعني الصغار اللائي لم يحضن فعدتهن ~~أيضا ثلاثة أشهر. أما الشابة التي كانت تحيض فارتفع حيضها قبل بلوغها سن ~~الآيسات: فذهب أكثر أهل العلم إلى أن عدتها لا تنقضي حتى يعاودها الدم, ~~فتعتد بثلاثة أقراء, أو تبلغ سن الآيسات فتعتد بثلاثة أشهر، وهو قول ~~عثمان, وعلي, وزيد بن ثابت, وعبد الله بن مسعود، وبه قال عطاء, وإليه ذهب ~~الشافعي وأصحاب الرأي. # وحكي عن عمر: أنها تتربص تسعة أشهر, فإن لم تحض تعتد بثلاثة أشهر وهو ~~قول مالك. # وقال الحسن: تتربص سنة فإن لم تحض تعتد بثلاثة أشهر. وهذا كله في عدة ~~الطلاق. # أما المتوفى عنها زوجها فعدتها أربعة أشهر وعشرا سواء كانت ممن تحيض أو ~~لا تحيض. # أما الحامل فعدتها بوضع الحمل سواء طلقها زوجها أو مات عنها, لقوله ~~تعالى: { وأولت الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن }. # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب, أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال, ~~أخبرنا أبو العباس الأصم, أخبرنا الربيع, أخبرنا الشافعي, أخبرنا سفيان ~~عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه: # " أن سبيعة بنت الحارث وضعت بعد وفاة زوجها بليال فمر بها أبو ~~السنابل بن بعكك فقال: قد تصنعت للأزواج, إنها أربعة أشهر ~~وعشر، فذكرت ذلك سبيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " كذب أبو ~~السنابل ms2330 - أو: ليس كما قال أبو السنابل - قد حللت فتزوجي " # { ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا } ، أي ~~يسهل عليه أمر الدنيا والآخرة. ### || [65.5-6] # { ذلك } ، يعني ما ذكر من الأحكام، { أمر الله أنزله ~~إليكم ومن يتق الله يكفر عنه سيئته ~~ويعظم له أجرا }. # { أسكنوهن } ، يعني مطلقات نسائكم { من حيث سكنتم } ، ~~" من " صلة, أي: أسكنوهن حيث سكنتم، { من وجدكم } ،يعني سعتكم ~~وطاقتكم, يعني: إن كان موسرا يوسع عليها في المسكن والنفقة، وإن كان ~~فقيرا فعلى قدر الطاقة، { ولا تضآروهن } ، لا تؤذوهن، { ~~لتضيقوا عليهن } ، مساكنهن فيخرجن، { وإن كن أولت ~~حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن } ، فيخرجن ~~من عدتهن. # اعلم أن المعتدة الرجعية تستحق على الزوج النفقة والسكنى ما دامت في ~~العدة. ونعني بالسكنى: مؤنة السكنى, فإن كانت الدار التي طلقها فيها ~~ملكا للزوج يجب على الزوج أن يخرج ويترك الدار لها مدة عدتها، وإن كانت ~~بإجارة فعلى الزوج الأجرة, وإن كانت عارية فرجع المعير فعليه أن يكتري ~~لها دارا تسكنها. # فأما المعتدة البائنة بالخلع أو بالطلقات الثلاث أو باللعان, فلها ~~السكنى, حاملا كانت أو حائلا, عند أكثر أهل العلم. # روي عن ابن عباس أنه قال: لا سكنى لها إلا أن تكون حاملا وهو قول الحسن ~~وعطاء والشعبي. # واختلفوا في نفقتها: فذهب قوم إلى أنه لا نفقة لها إلا أن تكون حاملا. ~~روي ذلك عن ابن عباس وهو قول الحسن, وعطاء, والشعبي، وبه قال الشافعي, ~~وأحمد. # ومنهم من أوجبها بكل حال, روي ذلك عن ابن مسعود، وهو قول إبراهيم ~~النخعي, وبه قال الثوري وأصحاب الرأي. # وظاهر القرآن يدل على أنها لا تستحق إلا أن تكون حاملا, لأن الله تعالى ~~قال: { وإن كن أولت حمل فأنفقوا عليهن }. # والدليل عليه من جهة السنة ما: # أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي, أخبرنا زاهر بن أحمد, أخبرنا ~~أبو إسحاق الهاشمي, أخبرنا أبو مصعب, عن مالك, عن عبد الله بن يزيد مولى ~~الأسود بن سفيان, عن أبي سلمة بن عبد الرحمن, عن فاطمة بنت قيس, # " أن أبا ms2331 عمرو بن حفص طلقها البتة, وهو غائب بالشام, فأرسل إليها ~~وكيله بشعير فسخطته، فقال: والله مالك علينا من شيء فجاءت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال لها: ليس لك عليه نفقة، ~~وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: تلك امرأة يغشاها أصحابي ~~فاعتدي عند ابن أم مكتوم, فإنه رجل أعمى, تضعين ثيابك, فإذا حللت ~~فآذنيني قالت: فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان ~~وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أبو جهم فلا ~~يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له, انكحي أسامة بن ~~زيد, قالت: فكرهته، ثم قال: انكحي أسامة, فنكحته فجعل الله فيه ~~خيرا واغتبطت به ". # واحتج من لم يجعل لها السكنى بحديث فاطمة بنت قيس: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أمرها أن تعتد في بيت عمر بن أم مكتوم. # ولا حجة فيه, لما روي عن عائشة أنها قالت: كانت فاطمة في مكان وحش, ~~فخيف على ناحيتها. # وقال سعيد بن المسيب: إنما نقلت فاطمة لطول لسانها على أحمائها, وكانت ~~للسانها ذرابة. # أما المعتدة عن وطء الشبهة والمفسوخ نكاحها بعيب أو خيار عتق فلا سكنى ~~لها ولا نفقة وإن كانت حاملا. # والمعتدة عن وفاة الزوج لا نفقة لها حاملا كانت أو حائلا, عند أكثر ~~أهل العلم, وروي عن علي رضي الله تعالى عنه أن لها النفقة, إن كانت ~~حاملا, من التركة حتى تضع، وهو قول شريح, والشعبي, والنخعي, والثوري. # واختلفوا في سكناها, وللشافعي رضي الله عنه فيه قولان: أحدهما لا سكنى ~~لها, بل تعتد حيث تشاء، وهو قول علي, وابن عباس, وعائشة. وبه قال عطاء, ~~والحسن, وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه. # والثاني: لها السكنى وهو قول عمر, وعثمان, وعبد الله بن مسعود, وعبد ~~الله بن عمر، وبه قال مالك, وسفيان الثوري, وأحمد, وإسحاق. # واحتج من أوجب لها السكنى بما: # أخبرنا أبو الحسن السرخسي, أخبرنا زاهر بن أحمد, أخبرنا أبو إسحاق ~~الهاشمي, أخبرنا ms2332 أبو مصعب عن مالك, عن سعيد بن إسحاق بن كعب بن عجرة, عن ~~عمته زينب بنت كعب: أن الفريعة بنت مالك بن سنان وهي أخت أبي سعيد الخدري ~~أخبرتها: # " أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله أن ترجع إلى أهلها ~~في بني خدرة, فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا حتى إذا كان بطرف ~~القدوم لحقهم، فقتلوه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن أرجع إلى ~~أهلي فإن زوجي لم يتركني في منزل يملكه ولا نفقة؟ فقالت: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: نعم، فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد ~~دعاني أو أمر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعيت له، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: كيف قلت؟ قالت: فرددت عليه القصة التي ذكرت من شأن ~~زوجي، فقال: امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله. قالت: فاعتددت فيه ~~أربعة أشهر وعشرا. قالت: فلما كان عثمان أرسل إلي فسألني عن ذلك ~~فأخبرته فاتبعه وقضى به ". # فمن قال بهذا القول قال: إذنه لفريعة أولا بالرجوع إلى أهلها صار ~~منسوخا بقوله آخرا: " امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله ". # ومن لم يوجب السكنى قال: أمرها بالمكث في بيتها آخرا استحبابا لا ~~وجوبا. # قوله عز وجل: { فإن أرضعن لكم } ، أي أرضعن أولادكم، { ~~فآتوهن أجورهن } ، على إرضاعهن، { وأتمروا بينكم ~~بمعروف } ، ليقبل بعضكم من بعض إذا أمره بالمعروف، قال الكسائي: ~~شاوروا، قال مقاتل: بتراضي الأب والأم على أجر مسمى، والخطاب للزوجين ~~جميعا, يأمرهم أن يأتوا بالمعروف وبما هو الأحسن, ولا يقصدوا الضرار، { ~~وإن تعاسرتم } ، في الرضاع والأجرة فأبى الزوج أن يعطي المرأة ~~رضاها وأبت الأم أن ترضعه فليس له إكراهها على إرضاعه، ولكنه يستأجر ~~للصبي مرضعا غير أمه وذلك قوله: { فسترضع له أخرى }. ### || [65.7-12] # { لينفق ذو سعة من سعته } ، على قدر غناه، { ومن قدر ~~عليه رزقه فلينفق ممآ ءاتاه الله } ، من المال، { ~~لا يكلف الله نفسا } ، في النفقة، { إلا مآ آتاها } ، ~~أعطاها من المال، ms2333 { سيجعل الله بعد عسر يسرا } ، بعد ضيق ~~وشدة غنى وسعة. # قوله عز وجل: { وكأين من قرية عتت } ، عصت وطغت، { عن ~~أمر ربها ورسله } ، أي وأمر رسله، { فحاسبنها حسابا ~~شديدا } ، بالمناقشة والاستقصاء، قال مقاتل: حاسبها بعملها في الدنيا ~~فجازاها بالعذاب، وهو قوله: { وعذبنها عذابا نكرا } ، ~~منكرا فظيعا, وهو عذاب النار. لفظهما ماض ومعناهما الاستقبال. # وقيل: في الآية تقديم وتأخير, مجازها: فعذبناها في الدنيا بالجوع والقحط ~~والسيف وسائر البلايا, وحاسبناها في الآخرة حسابا شديدا. # { فذاقت وبال أمرها } ، جزاء أمرها، وقيل: ثقل عاقبة كفرها، ~~{ وكان عقبة أمرها خسرا } ، خسرانا في الدنيا والآخرة. # { أعد الله لهم عذابا شديدا فاتقوا الله ~~يأولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله ~~إليكم ذكرا } ، يعني القرآن. # { رسولا } بدل من الذكر، وقيل: أنزل إليكم قرآنا وأرسل رسولا. ~~وقيل: مع الرسول، وقيل: " الذكر " هو الرسول. # وقيل: " ذكرا " أي شرفا. ثم بين ما هو فقال: { رسولا يتلو ~~عليكم ءايت الله مبينت ليخرج الذين ~~ءامنوا وعملوا الصلحت من الظلمت إلى ~~النور ومن يؤمن بالله ويعمل صلحا يدخله ~~جنت تجرى من تحتها الأنهر خلدين فيهآ ~~أبدا قد أحسن الله له رزقا } ، يعني الجنة التي لا ~~ينقطع نعيمها. # { الله الذى خلق سبع سموت ومن الأرض ~~مثلهن } في العدد, { يتنزل الأمر بينهن } ، بالوحي من ~~السماء السابعة إلى الأرض السفلى. # قال أهل المعاني: هو ما يدبر فيهن من عجيب تدبيره, فينزل المطر ويخرج ~~النبات، ويأتي بالليل والنهار والصيف والشتاء، ويخلق الحيوان على اختلاف ~~هيئاتها، وينقلها من حال إلى حال. # وقال قتادة: في كل أرض من أرضه وسماء من سمائه خلق من خلقه وأمر ~~من أمره وقضاء من قضائه. # { لتعلموا أن الله على كل شىء قدير وأن ~~الله قد أحاط بكل شىء علما } ، فلا يخفى عليه شيء. ### | [66 - سورة التحريم] ### || [66.1-3] # { يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك ~~تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم } , وسبب ~~نزولها ما أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله ~~النعيمي, أخبرنا محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, ms2334 حدثنا عبيد الله ~~بن إسماعيل, حدثنا أبو أسامة, عن هشام, عن أبيه, عن عائشة رضي الله عنها ~~قالت: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء ويحب العسل, وكان إذا ~~صلى العصر جاز على نسائه فيدنو منهن, فدخل على حفصة فاحتبس عندها أكثر ~~مما كان يحتبس, فسألت عن ذلك، فقيل لي: أهدت لها امرأة من قومها عكة عسل ~~فسقت رسول الله صلى الله عليه وسلم منها شربة, فقلت: أما والله لنحتالن ~~له, فذكرت ذلك لسودة، وقلت إذا دخل عليك فإنه سيدنو منك فقولي له: يا ~~رسول الله أكلت مغافير؟ فإنه سيقول: لا, فقولي له: ما هذه الريح وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتد عليه أن يوجد منه الريح, فإنه سيقول: ~~سقتني حفصة شربة عسل، فقولي له: جرست نحله العرفط، وسأقول ذلك وقوليه ~~أنت يا صفية، فلما دخل على سودة, تقول سودة: والله الذي لا إله إلا هو ~~لقد كدت أن أباديه بالذي قلت لي وإنه لعلى الباب, فرقا منك، فلما دنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: يا رسول الله أكلت مغافير؟ قال: لا, ~~قلت: فما بال هذه الريح! قال:سقتني حفصة شربة عسل, قالت: جرست نحله ~~العرفط، فلما دخل علي قلت له مثل ذلك، ودخل على صفية فقالت له مثل ذلك، ~~فلما دخل على حفصة قالت له: يا رسول الله ألا أسقيك منه قال: لا حاجة لي ~~به, قالت: تقول سودة: سبحان الله لقد حرمناه، قالت: قلت لها اسكتي ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا ~~محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا الحسن بن محمد الصباح, ~~حدثنا الحجاج عن ابن جريج قال: زعم عطاء أنه سمع عبيد بن عمير يقول سمعت ~~عائشة رضي الله عنها تقول: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها ~~عسلا فتواصيت أنا وحفصة أن أيتنا دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم ~~فلتقل إني أجد منك ريح مغافير، أكلت ms2335 مغافير، فدخل على إحداهما فقالت له ~~ذلك، فقال: لا بأس شربت عسلا عند زينب بنت جحش ولن أعود له " # فنزلت: { يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله ~~لك تبتغي مرضاة أزواجك } إلى قوله: { إن تتوبآ إلى ~~الله } لعائشة وحفصة. { وإذ أسر النبى إلى بعض ~~أزوجه حديثا } لقوله: بل شربت عسلا. # وبهذا الإسناد قال: حدثنا محمد بن إسماعيل, أخبرنا إبراهيم بن موسى, ~~أخبرنا هشام بن يوسف, عن ابن جريج, عن عطاء بإسناده وقال: قال: # " لا ولكن كنت أشرب عسلا عند زينب بنت جحش فلن أعود له، وقد حلفت لا ~~تخبري بذلك أحدا " # يبتغي بذلك مرضات أزواجه. # وقال المفسرون: # " وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه، فلما كان يوم حفصة ~~استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في زيارة أبيها فأذن لها، فلما ~~خرجت أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جاريته مارية القبطية ~~فأدخلها بيت حفصة، فوقع عليها فلما رجعت حفصة وجدت الباب مغلقا، فجلست ~~عند الباب فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجهه يقطر عرقا، وحفصة ~~تبكي فقال: ما يبكيك؟ فقالت: إنما أذنت لي من أجل هذا, أدخلت أمتك ~~بيتي، ثم وقعت عليها في يومي وعلى فراشي, أما رأيت لي حرمة وحقا؟ ما كنت ~~تصنع هذا بامرأة منهن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليست هي ~~جاريتي أحلها الله لي؟ اسكتي فهي حرام علي ألتمس بذاك رضاك، فلا تخبري ~~بذلك امرأة منهن. فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قرعت حفصة ~~الجدار الذي بينها وبين عائشة فقالت: ألا أبشرك أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قد حرم عليه أمته مارية، وقد أراحنا الله منها, وأخبرت عائشة ~~بما رأت, وكانتا متصافيتين متظاهرتين على سائر أزواج النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فغضبت عائشة فلم تزل بنبي الله صلى الله عليه وسلم حتى حلف أن لا ~~يقربها، فأنزل الله عز وجل: { يا أيها النبي لم تحرم ما ~~أحل الله لك } يعني العسل ومارية { تبتغى مرضات ms2336 أزوجك ~~والله غفور رحيم } وأمره أن يكفر يمينه ويراجع أمته " # ، فقال: # { قد فرض الله لكم تحلة أيمنكم } ، أي بين ~~وأوجب أن تكفروها إذا حنثتم وهي ما ذكر في سورة المائدة { والله ~~مولاكم } ، وليكم ونصاركم، { وهو العليم الحكيم }. # واختلف أهل العلم في لفظ التحريم، فقال قوم: ليس هو بيمين, فإن قال ~~لزوجته: أنت علي حرام, أو حرمتك, فإن نوى به طلاقا فهو طلاق، وإن نوى ~~به ظهارا فظهار. وإن نوى تحريم ذاتها أو أطلق فعليه كفارة اليمين بنفس ~~اللفظ. وإن قال ذلك لجاريته فإن نوى عتقا عتقت، وإن نوى تحريم ذاتها أو ~~أطلق فعليه كفارة اليمين، وإن قال لطعام: حرمته على نفسي فلا شيء ~~عليه، وهذا قول ابن مسعود وإليه ذهب الشافعي. # وذهب جماعة إلى أنه يمين، فإن قال ذلك لزوجته أو جاريته فلا تجب عليه ~~الكفارة ما لم يقربها، كما لو حلف أن لا يطأها. # وإن حرم طعاما فهو كما لو حلف أن لا يأكله, فلا كفارة عليه ما لم ~~يأكل، يروى ذلك عن أبي بكر, وعائشة، وبه قال الأوزاعي, وأبو حنيفة رضي ~~الله عنه: # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا ~~محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا معاذ بن فضالة, حدثنا هشام ~~عن يحيى, عن ابن حكيم, وهو يعلى بن حكيم, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما قال في الحرام: يكفر، وقال ابن عباس: # لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة # [الأحزاب: 21]. # { وإذ أسر النبى إلى بعض أزوجه حديثا } ، ~~وهو تحريم فتاته على نفسه، وقوله لحفصة: لا تخبري بذلك أحدا. # وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: أسر أمر الخلافة بعده فحدثت به حفصة. ~~قال الكلبي: أسر إليها أن أباك وأبا عائشة يكونان خليفتين على أمتي من ~~بعدي. وقال ميمون بن مهران: أسر إليها أن أبا بكر خليفتي من بعدي. # { فلما نبأت به } ، أخبرت به حفصة عائشة، { وأظهره ~~الله عليه } ، أي أطلع الله تعالى نبيه على أنها أنبأت ms2337 به، { ~~عرف بعضه } ، قرأ عبد الرحمن السلمي والكسائي: " عرف " بتخفيف ~~الراء, أي: عرف بعض الفعل الذي فعلته من إفشاء سره، أي: غضب من ذلك عليها ~~وجازاها به، من قول القائل لمن أساء إليه: لأعرفن لك ما فعلت، أي ~~لأجازينك عليه، وجازاها به عليه بأن طلقها, فلما بلغ ذلك عمر قال: لو ~~كان في آل الخطاب خير لما طلقك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجاء جبريل ~~وأمره بمراجعتها. فاعتزل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه شهرا وقعد ~~في مشربة أم إبراهيم مارية، حتى نزلت آية التخيير. # وقال مقاتل بن حيان: لم يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة وإنما ~~هم بطلاقها فأتاه جبريل عليه السلام، وقال: لا تطلقها فإنها صوامة قوامة ~~وإنها من جملة نسائك في الجنة، فلم يطلقها. # وقرأ الآخرون " عرف " بالتشديد, أي عرف حفصة بعد ذلك الحديث، أي ~~أخبرها ببعض القول الذي كان منها. # { وأعرض عن بعض } ، يعني لم يعرفها إياه، ولم يخبرها به. قال ~~الحسن: ما استقصى كريم قط، قال الله تعالى: { عرف بعضه ~~وأعرض عن بعض } , وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى ~~الكراهية في وجه حفصة أراد أن يتراضاها فأسر إليها شيئين: تحريم الأمة ~~على نفسه, وتبشيرها بأن الخلافة بعده في أبي بكر وفي أبيها عمر رضي الله ~~عنهما، فأخبرت به حفصة عائشة وأطلع الله تعالى نبيه عليه، عرف بعضه حفصة ~~وأخبرها ببعض ما أخبرت به عائشة وهو تحريم الأمة, وأعرض عن بعض يعني ذكر ~~الخلافة، كره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينتشر ذلك في الناس، { ~~فلما نبأها به } ، أي أخبر حفصة بما أظهره الله عليه، { قالت } ~~، حفصة، { من أنبأك هذا } ، أي: من أخبرك بأني أفشيت السر؟ { قال ~~نبأنى العليم الخبير }. ### || [66.4-5] # { إن تتوبآ إلى الله } أي من التعاون على النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالإيذاء. يخاطب عائشة وحفصة, { فقد صغت قلوبكما } ، أي ~~زاغت ومالت عن الحق واستوجبتما التوبة. قال ابن زيد: مالت قلوبهما بأن ~~سرهما ما كره رسول ms2338 الله صلى الله عليه وسلم من اجتناب جاريته. # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا ~~محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا أبو اليمان, أخبرنا شعيب عن ~~الزهري, أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور عن عبد الله بن عباس ~~قال: لم أزل حريصا على أن أسأل عمر بن الخطاب عن المرأتين من أزواج ~~النبي صلى الله عليه وسلم اللتين قال الله تعالى لهما: { إن تتوبآ ~~إلى الله فقد صغت قلوبكما } ، حتى حج وحججت معه, وعدل ~~وعدلت معه بإداوة, فتبرز ثم جاء، فسكبت على يديه منها، فتوضأ, فقلت له: ~~يا أمير المؤمنين من المرأتان من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتان ~~قال الله عز وجل لهما: { إن تتوبآ إلى الله فقد صغت ~~قلوبكما }؟ فقال: واعجبا لك يا ابن عباس هما عائشة وحفصة. # ثم استقبل عمر الحديث يسوقه فقال: إني كنت أنا وجار لي من الأنصار في ~~بني أمية بن زيد, وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على النبي ~~صلى الله عليه وسلم فينزل يوما وأنزل يوما, فإذا نزلت جئته بما حدث من ~~خبر ذلك اليوم من الوحي أو غيره, وإذا نزل فعل مثل ذلك. # وكنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا على الأنصار إذا هم قوم تغلبهم ~~نساؤهم، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار فصخبت على امرأتي ~~فراجعتني فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ولم تنكر أن أراجعك! فوالله إن ~~أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه، وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى ~~الليل. فأفزعني وقلت: خابت من فعلت منهن. # ثم جمعت علي ثيابي فنزلت فدخلت على حفصة، فقلت لها: أي حفصة أتغاضب ~~إحداكن النبي صلى الله عليه وسلم اليوم حتى الليل؟ قالت: نعم، فقلت: خبت ~~وخسرت، أفتأمنين أن يغضب الله تعالى لغضب رسوله فتهلكي, لا تستكثري ~~للنبي صلى الله عليه وسلم ولا تراجعيه في شيء، ولا تهجريه وسليني ما بدا ~~لك، ولا يغرنك أن كانت جارتك أوضأ منك وأحب إلى النبي صلى ms2339 الله عليه ~~وسلم - يريد عائشة -. # قال عمر: وكنا تحدثنا أن غسان تنغل الخيل لتغزونا فنزل صاحبي الأنصاري ~~يوم نوبته، فرجع إلينا عشاء فضرب بابي ضربا شديدا وقال: أثم هو؟ # ففزعت فخرجت إليه فقال: حدث اليوم أمر عظيم؟ فقلت: ما هو أجاء غسان! ~~قال: لا بل أعظم منه وأهول, طلق النبي صلى الله عليه وسلم نساءه، فقلت: ~~قد خابت حفصة وخسرت كنت أظن أن هذا يوشك أن يكون. # فجمعت علي ثيابي وصليت صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مشربة له فاعتزل فيها فدخلت على حفصة ~~فإذا هي تبكي، فقلت: ما يبكيك ألم أكن حذرتك؟ أطلقكن النبي صلى الله عليه ~~وسلم؟ # قالت: لا أدري ها هو ذا معتزل في المشربة، فجئت المنبر فإذا حوله رهط ~~يبكي بعضهم، فجلست معهم قليلا ثم غلبني ما أجد، فجئت المشربة التي فيها ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقلت لغلام له أسود: استأذن لعمر، فدخل فكلم ~~النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجع فقال: كلمت النبي صلى الله عليه وسلم ~~فذكرتك له فصمت، فانصرفت حتى جلست مع الرهط الذين عند المنبر، ثم غلبني ~~ما أجد فجئت إلى الغلام فقلت: استأذن فاستأذن ثم رجع إلي فقال: قد ذكرتك ~~له فصمت، فرجعت فجلست مع الرهط الذين عند المنبر، ثم غلبني ما أجد فجئت ~~الغلام فقلت: استأذن لعمر، فاستأذن ثم رجع إلي فقال: قد ذكرتك له فصمت. # فلما وليت منصرفا فإذا الغلام يدعوني، فقال: قد أذن لك النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو مضطجع على ~~رمال حصير ليس بينه وبينه فراش، قد أثر الرمال بجنبه متكئا على وسادة ~~من أدم حشوها ليف، فسلمت عليه ثم قلت وأنا قائم: يا رسول الله أطلقت ~~نساءك؟ فرفع إلي بصره فقال: لا، فقلت: الله أكبر، ثم قلت وأنا قائم: ~~أستأنس يا رسول الله لو رأيتني، وكنا معشر قريش نغلب النساء فلما قدمنا ~~المدينة إذا قوم ms2340 تغلبهم نساؤهم، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قلت: ~~يا رسول الله لو رأيتني، ودخلت على حفصة فقلت لها: لا يغرنك أن كانت ~~جارتك أوضأ منك وأحب إلى النبي صلى الله عليه وسلم - يريد عائشة - فتبسم ~~النبي صلى الله عليه وسلم تبسمة أخرى، فجلست حين رأيته يبتسم فرفعت بصري ~~في بيته, فوالله ما رأيت فيه شيئا يرد البصر غير أهبة ثلاثة، فقلت: يا ~~رسول الله ادع الله فليوسع على أمتك فإن فارس والروم قد وسع عليهم ~~وأعطوا من الدنيا وهم لا يعبدون الله. # فجلس النبي صلى الله عليه وسلم وكان متكئا فقال: # " أوفي هذا أنت يا ابن الخطاب؟ إن أولئك قوم عجلوا طيباتهم في الحياة ~~الدنيا ". # فقلت: يا رسول الله استغفر لي. # فاعتزل النبي صلى الله عليه وسلم، نساءه من أجل ذلك الحديث حين أفشته ~~حفصة إلى عائشة تسعا وعشرين ليلة، وكان يقول: ما أنا بداخل عليهن شهرا ~~- من شدة موجدته عليهن حين عاتبه الله عز وجل. # فلما مضت تسعا وعشرون ليلة، دخل على عائشة رضي الله عنها فبدأ بها، ~~فقالت له عائشة: يا رسول الله إنك كنت أقسمت أن لا تدخل علينا شهرا ~~وإنما أصبحت من تسع وعشرين ليلة أعدها عدا! فقال: الشهر تسع وعشرون، ~~وكان ذلك الشهر تعسا وعشرين ليلة. # قالت عائشة: ثم أنزل الله التخيير فبدأ بي أول امرأة من نسائه، فاخترته, ~~ثم خير نساءه كلهن فقلن مثل ما قالت عائشة. # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا ~~محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان, أخبرنا شعيب عن ~~الزهري, أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن # " أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم جاءها حين أمره الله تعالى أن يخير أزواجه فبدأ بي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقال: إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن لا تعجلي ~~بالجواب حتى تستأمري أبويك، وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه ms2341 ~~قالت ثم قال إن الله قال: { يأيها النبى قل لأزوجك } ~~إلى تمام الآيتين، فقلت: أوفي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله ~~والدار الآخرة ". # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر, أخبرنا عبد الغافر بن محمد, أخبرنا محمد ~~بن عيسى, حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان, حدثنا مسلم بن الحجاج, حدثني ~~زهير بن حرب, حدثنا عمر بن يونس الحنفي, حدثنا عكرمة بن عمار, عن سماك ~~[بن زميل] حدثنا عبد الله بن عباس, حدثني عمر بن الخطاب قال: لما اعتزل ~~النبي صلى الله عليه وسلم نساءه وذكر الحديث. وقال: دخلت عليه فقلت: يا ~~رسول الله ما يشق عليك من شأن النساء؟ فإن كنت طلقتهن فإن الله معك ~~وملائكته وجبريل وميكائيل وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك. وقلما تكلمت - ~~وأحمد الله تعالى - بكلام إلا رجوت أن الله يصدق قولي الذي أقول، ونزلت ~~هذه الآية: { عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزوجا ~~خيرا منكن }. { وإن تظاهرا عليه فإن الله هو ~~موله وجبريل وصلح المؤمنين والملئكة ~~بعد ذلك ظهير }. # قوله: { وإن تظاهرا عليه } ، أي تتظاهرا أو تتعاونا على أذى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، قرأ أهل الكوفة بتخفيف الظاء، والآخرون ~~بتشديدها. # { فإن الله هو موله } ، أي وليه وناصره: { وجبريل ~~وصلح المؤمنين } ، روي عن ابن مسعود وأبي بن كعب: { ~~وصلح المؤمنين } , أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وقال الكلبي: ~~هم المخلصون الذين ليسوا بمنافقين. { والملئكة بعد ذلك ~~ظهير } ، قال مقاتل: بعد الله وجبريل { وصلح المؤمنين ~~والملئكة بعد ذلك ظهير } ، أي: أعوان للنبي صلى الله ~~عليه وسلم، وهذا من الواحد الذي يؤدي عن الجمع، كقوله: # وحسن أولئك رفيقا # [النساء: 69]. # { عسى ربه إن طلقكن } ، أي: واجب من الله إن طلقكن ~~رسوله، { أن يبدله أزوجا خيرا منكن مسلمات } ، ~~خاضعات لله بالطاعة، { مؤمنات } ، مصدقات بتوحيد الله، { قانتات } ، ~~طائعات، وقيل: داعيات. وقيل: مصليات، { تئبت عبدت ~~سئحت } ، صائمات، وقال زيد بن أسلم: مهاجرات وقيل: يسحن معه حيث ~~ما ساح { ثيبت وأبكارا } ، وهذا في الإخبار عن القدرة لا عن ~~الكون لأنه قال: " إن طلقكن " وقد ms2342 علم أنه لا يطلقهن وهذا كقوله: # وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا ~~يكونوا أمثالكم # [محمد: 38]، وهذا الإخبار عن القدرة لأنه ليس في الوجود أمة خير من أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم. ### || [66.6-12] # قوله عز وجل: { يأيها الذين ءامنوا قوا أنفسكم } ~~، قال عطاء عن ابن عباس: أي بالانتهاء عما نهاكم الله تعالى عنه والعمل ~~بطاعته، { وأهليكم نارا } ، يعني: مروهم بالخير وانهوهم عن الشر، ~~وعلموهم وأدبوهم, تقوهم بذلك نارا، { وقودها الناس ~~والحجارة عليها ملائكة } ، يعني خزنة النار، { غلاظ } ، ~~فظاظ على أهل النار، { شداد } ، أقوياء يدفع الواحد منهم بالدفعة الواحدة ~~سبعين ألفا في النار, وهم الزبانية, لم يخلق الله فيهم الرحمة، { لا ~~يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون }. # { يأيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما ~~تجزون ما كنتم تعملون * يأيها الذين ءامنوا ~~توبوا إلى الله توبة نصوحا } ، قرأ الحسن, وأبو بكر عن ~~عاصم " نصوحا " بضم النون، وقرأ العامة بفتحها, أي: توبة ذات نصح تنصح ~~صاحبها بترك العود إلى ما تاب منه. # واختلفوا في معناها قال عمر, وأبي, ومعاذ: " التوبة النصوح " أن يتوب ~~ثم لا يعود إلى الذنب، كما لا يعود اللبن إلى الضرع. # قال الحسن: هي أن يكون العبد نادما على ما مضى؛ مجمعا على ألا يعود ~~فيه. # قال الكلبي أن يستغفر باللسان ويندم بالقلب ويمسك بالبدن. # قال سعيد بن المسيب: توبة تنصحون بها أنفسكم. # قال القرظي: يجمعها أربعة أشياء: الاستغفار باللسان, والإقلاع بالأبدان, ~~وإضمار ترك العود بالجنان, ومهاجرة سيئ الإخوان. # { عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئتكم ~~ويدخلكم جنت تجرى من تحتها الأنهر يوم لا ~~يخزى الله النبى والذين ءامنوا معه } ، أي لا ~~يعذبهم الله بدخول النار، { نورهم يسعى بين أيديهم ~~وبأيمانهم } ، على الصراط، { يقولون } ، إذ طفئ نور المنافقين، { ~~ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء ~~قدير }. # { يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين ~~واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير } ، ~~ثم ضرب الله مثلا للصالحين والصالحات من النساء فقال جل ذكره: # { ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح } ، ~~واسمها ms2343 واعلة، { وامرأت لوط } ، واسمها واهلة. وقال مقاتل: والعة ~~ووالهة. # { كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين } ، وهما نوح ~~ولوط عليهما السلام، { فخانتاهما } ، قال ابن عباس: ما بغت امرأة ~~نبي قط وإنما كانت خيانتهما أنهما كانتا على غير دينهما، فكانت امرأة نوح ~~تقول للناس: إنه مجنون, وإذا آمن به أحد أخبرت به الجبابرة، وأما امرأة ~~لوط فإنها كانت تدل قومه على أضيافه, إذا نزل به ضيف بالليل أوقدت النار، ~~وإذا نزل بالنهار دخنت ليعلم قومه أنه نزل به ضيف. # وقال الكلبي: أسرتا النفاق وأظهرتا الإيمان. # { فلم يغنيا عنهما من الله شيئا } لم يدفعا عنهما مع ~~نبوتهما عذاب الله، { وقيل ادخلا النار مع الدخلين } ، ~~قطع الله بهذه الآية طمع كل من يركب المعصية أن ينفعه صلاح غيره، ثم أخبر ~~أن معصية غيره لا تضره إذا كان مطيعا. # فقال: { وضرب الله مثلا للذين ءامنوا امرأت ~~فرعون } ، وهي آسية بنت مزاحم. # قال المفسرون: لما غلب موسى السحرة آمنت امرأة فرعون, ولما تبين لفرعون ~~إسلامها أوتد يديها ورجليها بأربعة أوتاد وألقاها في الشمس. # قال سلمان: كانت امرأة فرعون تعذب بالشمس فإذا انصرفوا عنها ظلتها ~~الملائكة. # { إذ قالت رب ابن لى عندك بيتا فى الجنة } ، فكشف ~~الله لها عن بيتها في الجنة حتى رأته. # وفي القصة: أن فرعون أمر بصخرة عظيمة لتلقى عليها، فلما أتوها بالصخرة ~~قالت: رب ابن لي عندك بيتا في الجنة فأبصرت بيتها في الجنة من درة ~~بيضاء، وانتزع روحها فألقيت الصخرة على جسد لا روح فيه، ولم تجد ألما. # وقال الحسن وابن كيسان: رفع الله امرأة فرعون إلى الجنة فهي فيها تأكل ~~وتشرب. # { ونجنى من فرعون وعمله } ، قال مقاتل: وعمله يعني ~~الشرك. وقال أبو صالح عن ابن عباس: وعمله، قال: جماعه. { ونجنى ~~من القوم الظلمين } ، الكافرين. # { ومريم ابنت عمران التى أحصنت فرجها ~~فنفخنا فيه } ، أي في جيب درعها، ولذلك ذكر الكناية، { من ~~روحنا وصدقت بكلمت ربها } ، يعني الشرائع التي شرعها ~~الله للعباد بكلماته المنزلة، { وكتبه } ، قرأ أهل البصرة وحفص: " ~~وكتبه " على الجمع، وقرأ ms2344 الآخرون: " وكتابه " على التوحيد. والمراد منه ~~الكثرة أيضا. وأراد بكتبه التي أنزلت على إبراهيم, وموسى, وداود, وعيسى ~~عليهم السلام. { وكانت من القنتين } ، أي من القوم القانتين ~~المطيعين لربها ولذلك لم يقل من القانتات. # وقال عطاء: " من القانتين " أي من المصلين. ويجوز أن يريد بالقانتين ~~رهطها وعشيرتها, فإنهم كانوا أهل صلاح مطيعين لله. # وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " حسبك من نساء العالمين: مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت ~~محمد وآسية امرأة فرعون ". ### | [67 - سورة الملك] ### || [67.1-2] # { تبرك الذي بيده الملك وهو على كل شيء ~~قدير * الذي خلق الموت والحياة } ، قال عطاء عن ابن ~~عباس: يريد الموت في الدنيا والحياة في الآخرة. # وقال قتادة: أراد موت الإنسان وحياته في الدنيا، جعل الله الدنيا دار ~~حياة وفناء، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء. # قيل: إنما قدم الموت لأنه إلى القهر أقرب: وقيل: قدمه لأنه أقدم لأن ~~الأشياء في الابتداء كانت في حكم الموت كالنطفة والتراب ونحوهما، ثم ~~اعترضت عليها الحياة. # وقال ابن عباس: خلق الموت على صورة كبش أملح لا يمر بشيء ولا يجد ريحه ~~شيء إلا مات وخلق الحياة على صورة فرس بلقاء أنثى وهي التي كان جبريل ~~والأنبياء يركبونها لا تمر بشيء ولا يجد ريحها شيء إلا حيي، وهي التي ~~أخذ السامري قبضة من أثرها فألقى على العجل فحيي. # { ليبلوكم } ، فيما بين الحياة إلى الموت، { أيكم أحسن ~~عملا } , روي عن ابن عمر مرفوعا: " أحسن عملا " أحسن عقلا، وأورع عن ~~محارم الله، وأسرع في طاعة الله. # وقال فضيل بن عياض " أحسن عملا " أخلصه وأصوبه. وقال: العمل لا يقبل ~~حتى يكون خالصا صوابا, الخالص: إذا كان لله, والصواب: إذا كان على ~~السنة. # وقال الحسن: أيكم أزهد في الدنيا وأترك لها. # وقال الفراء: لم تقع البلوى على " أي " إلا وبينهما إضمار كما تقول ~~بلوتكم لأنظر أيكم أطوع ومثله: # سلهم أيهم بذلك زعيم # [القلم: 40] أي: سلهم وانظر أيهم، ف " أي ": رفع على الابتداء " وأحسن ~~" خبره، { وهو العزيز } ، في انتقامه ممن عصاه، ms2345 { الغفور } ، لمن ~~تاب إليه. ### || [67.3-4] # { الذى خلق سبع سموت طباقا } ، طبقا على طبق بعضها ~~فوق بعض، { ما ترى فى خلق الرحمن من تفاوت } ، قرأ ~~حمزة والكسائي: " من تفوت " بتشديد الواو بلا ألف، وقرأ الآخرون ~~بتخفيف الواو وألف قبلها، وهما لغتان كالتحمل والتحامل, والتطهر ~~والتطاهر. ومعناه: ما ترى يا ابن آدم في خلق الرحمن من اعوجاج واختلاف ~~وتناقض، بل هي مستقيمة مستوية. وأصله من " الفوت " وهو أن يفوت بعضها ~~بعضا لقلة استوائها، { فارجع البصر } ، كرر النظر، معناه: انظر ~~ثم ارجع، { هل ترى من فطور } ، شقوق وصدوع. # { ثم ارجع البصر كرتين } ، قال ابن عباس: مرة بعد مرة، { ~~ينقلب } ، ينصرف ويرجع، { إليك البصر خاسئا } ، صاغرا ~~ذليلا مبعدا لم ير ما يهوى، { وهو حسير } ، كليل منقطع لم يدرك ~~ما طلب. وروي عن كعب أنه قال: السماء الدنيا موج مكفوف، والثانية مرمرة ~~بيضاء، والثالثة حديد، والرابعة صفراء، وقال: نحاس، والخامسة فضة، ~~والسادسة ذهب، والسابعة ياقوتة حمراء، بين السماء السابعة إلى الحجب ~~السبعة صحارى من نور. ### || [67.5-11] # { ولقد زينا السمآء الدنيا } ، أراد الأدنى من الأرض ~~وهي التي يراها الناس. { بمصبيح } أي: الكواكب، واحدها: مصباح، ~~وهو السراج سمي الكوكب مصباحا لإضاءته، { وجعلنها رجوما } ، ~~مرامي، { للشيطين } ، إذا استرقوا السمع، { وأعتدنا ~~لهم } ، في الآخرة، { عذاب السعير } ، النار الموقدة. # { وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس ~~المصير * إذآ ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا } ، وهو ~~أول نهيق الحمار وذلك أقبح الأصوات، { وهى تفور } ، تغلي بهم كغلي ~~المرجل. وقال مجاهد: تفور بهم كما يفور الماء الكثير بالحب القليل. # { تكاد تميز } ، تنقطع، { من الغيظ } ، من تغيظها عليهم، قال ~~ابن قتيبة: تكاد تنشق غيظا على الكفار، { كلما ألقى فيها فوج ~~} ، جماعة منهم، { سألهم خزنتها } ، سؤال توبيخ، { ألم ~~يأتكم نذير } ، رسول ينذركم. # { قالوا بلى قد جآءنا نذير فكذبنا وقلنا } ، ~~للرسل: { ما نزل الله من شىء إن أنتم إلا فى ~~ضلل كبير }. # { وقالوا لو كنا نسمع } ، من الرسل ما جاؤونا به، { أو ~~نعقل } ، منهم. وقال ابن عباس: لو كنا نسمع الهدى أو نعقله فنعمل به. { ~~ما كنا ms2346 فى أصحب السعير } ، قال الزجاج: لو كنا نسمع ~~سمع من يعي ويتفكر أو نعقل عقل من يميز وينظر ما كنا في أهل النار. # { فاعترفوا بذنبهم فسحقا } ، بعدا، { لأصحب ~~السعير } ، قرأ أبو جعفر والكسائي " فسحقا " بضم الحاء، وقرأ ~~الباقون بسكونها، وهما لغتان مثل الرعب والرعب والسحت والسحت. ### || [67.12-22] # { إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة ~~وأجر كبير * وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه ~~عليم بذات الصدور } ، قال ابن عباس: نزلت في المشركين كانوا ~~ينالون من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخبره جبريل عليه السلام بما ~~قالوا، فقال بعضهم لبعض: أسروا قولكم كي لا يسمع إله محمد. # فقال الله جل ذكره: { ألا يعلم من خلق } ، ألا يعلم ما في ~~الصدور من خلقها، { وهو اللطيف الخبير } ، لطيف علمه في القلوب ~~الخبير بما فيها من الخير والشر والوسوسة. وقيل: " من " يرجع إلى ~~المخلوق، أي ألا يعلم الله مخلوقه؟ # { هو الذى جعل لكم الأرض ذلولا } ، سهلا لا يمتنع ~~المشي فيها بالحزونة، { فامشوا فى مناكبها } ، قال ابن عباس ~~وقتادة: في جبالها. وقال الضحاك: في آكامها. وقال مجاهد: في طرقها ~~وفجاجها. قال الحسن: في سبلها. وقال الكلبي: في أطرافها. وقال مقاتل: في ~~نواحيها. قال الفراء: في جوانبها. والأصل في الكلمة الجانب، ومنه منكب ~~الرجل والريح النكباء وتنكب فلان أي جانب. { وكلوا من رزقه } ، ~~مما خلقه رزقا لكم في الأرض، { وإليه النشور } ، أي: وإليه ~~تبعثون من قبوركم. ثم خوف الكفار فقال: # { ءأمنتم من فى السمآء } ، قال ابن عباس: أي: عذاب من في ~~السماء إن عصيتموه، { أن يخسف بكم الأرض فإذا هى ~~تمور } ، قال الحسن: تتحرك بأهلها. وقيل: تهوي بهم. والمعنى: أن الله ~~تعالى يحرك الأرض عند الخسف بهم حتى تلقيهم إلى أسفل, تعلو عليهم وتمر ~~فوقهم. يقال: مار يمور, أي: جاء وذهب. # { أم أمنتم من فى السمآء أن يرسل عليكم ~~حصبا } ، ريحا ذات حجارة كما فعل بقوم لوط. { فستعلمون } ، ~~في الآخرة وعند الموت، { كيف نذير } ، أي إنذاري إذا عاينتم العذاب. # { ولقد كذب الذين من قبلهم } ، يعني كفار ms2347 الأمم ~~الماضية، { فكيف كان نكير } ، أي إنكاري عليهم بالعذاب. # { أولم يروا إلى الطير فوقهم صفت } ، تصف ~~أجنحتها في الهواء، { ويقبضن } ، أجنحتها بعد البسط، { ما ~~يمسكهن } ، في حال القبض والبسط أن يسقطن، { إلا الرحمن ~~إنه بكل شىء بصير }. # { أمن هذا الذى هو جند لكم } ، استفهام إنكار. قال ~~ابن عباس: أي منعة لكم، { ينصركم من دون الرحمن } ، ~~يمنعكم من عذابه ويدفع عنكم ما أراد بكم. { إن الكفرون إلا ~~فى غرور } ، أي في غرور من الشيطان يغرهم بأن العذاب لا ينزل بهم. # { أمن هذا الذى يرزقكم إن أمسك رزقه } ، أي ~~من الذي يرزقكم المطر إن أمسك الله عنكم، { بل لجوا فى عتو } ، ~~تماد في الضلال، { ونفور } ، تباعد من الحق. وقال مجاهد: كفور. ثم ~~ضرب مثلا فقال: # { أفمن يمشى مكبا على وجهه } ، راكبا رأسه في الضلالة ~~والجهالة أعمى القلب والعين لا يبصر يمينا ولا شمالا وهو الكافر. قال ~~قتادة: أكب على المعاصي في الدنيا فحشره الله على وجهه يوم القيامة، { ~~أهدى أمن يمشى سويا } ، معتدلا يبصر الطريق وهو، { على ~~صرط مستقم } ، وهو المؤمن. قال قتادة: يمشي يوم القيامة سويا. ### || [67.23-30] # { قل هو الذى أنشأكم وجعل لكم السمع ~~والأبصر والأفئدة قليلا ما تشكرون } ، قال مقاتل: ~~يعني أنهم لا يشكرون رب هذه النعم. # { قل هو الذى ذرأكم فى الأرض وإليه تحشرون * ~~ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صدقين * قل ~~إنما العلم عند الله وإنمآ أنا نذير مبين * ~~فلما رأوه } ، يعني: العذاب في الآخرة - على قول أكثر المفسرين - ~~وقال مجاهد: يعني العذاب ببدر، { زلفة } ، أي قريبا وهو اسم يوصف به ~~المصدر يستوي فيه المذكر والمؤنث والواحد والاثنان والجميع، { سيئت ~~وجوه الذين كفروا } ، اسودت وعليها كآبة، والمعنى قبحت وجوههم ~~بالسواد, يقال: ساء الشيء يسوء فهو سيىء إذا قبح، وسيئ يساء إذا قبح، { ~~وقيل } , لها أي قال لهم الخزنة، { هذا } ، أي هذا العذاب، { الذى ~~كنتم به تدعون } ، تفتعلون، من الدعاء تدعون وتتمنون أن يعجل ~~لكم، وقرأ يعقوب تدعون بالتخفيف، وهي قراءة قتادة ومعناهما واحد مثل ~~تذكرون وتذكرون. # { قل } ، يا ms2348 محمد لمشركي مكة الذين يتمنون هلاكك، { أرءيتم إن ~~أهلكنى الله ومن معي } ، من المؤمنين، { أو رحمنا } ، ~~فأبقانا وأخر آجالنا، { فمن يجير الكفرين من عذاب ~~أليم } ، فإنه واقع بهم لا محالة. وقيل: معناه أرأيتم إن أهلكني الله ~~فعذبني ومن معي أو رحمنا فغفر لنا، فنحن - مع إيماننا - خائفون أن يهلكنا ~~بذنوبنا, لأن حكمه نافذ فينا, فمن يجيركم ويمنعكم من عذابه وأنتم كافرون؟ ~~وهذا معنى قول ابن عباس. # { قل هو الرحمن } ، الذي نعبده، { ءامنا به وعليه ~~توكلنا فستعلمون } ، قرأ الكسائي بالياء وقرأ الباقون ~~بالتاء. { من هو فى ضلل مبين } ، أي ستعلمون عند معاينة ~~العذاب من الضال منا، نحن أم أنتم. # { قل أرءيتم إن أصبح مآؤكم غورا } ، غائرا ذاهبا ~~في الأرض لا تناله الأيدي والدلاء. قال الكلبي ومقاتل: يعني ماء زمزم، { ~~فمن يأتيكم بمآء معين } ، ظاهر تراه العيون وتناله الأيدي ~~والدلاء. وقال عطاء عن ابن عباس: معين أي جار. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي, أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي, أخبرني أبو الحسن ~~الفارسي, حدثنا أبو عبد الله محمد بن يزيد, حدثنا أبو يحيى البزاز, حدثنا ~~محمد بن يحيى, حدثنا أبو داود, حدثنا عمران, عن قتادة, عن عباس الجشمي, ~~عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن سورة من كتاب الله ما هي إلا ثلاثون آية شفعت لرجل فأخرجته من ~~النار يوم القيامة وأدخلته الجنة، وهي سورة تبارك ". ### | [68 - سورة القلم] ### || [68.1] # { ن } , اختلفوا فيه فقال ابن عباس: هو الحوت الذي على ظهره الأرض. وهو ~~قول مجاهد ومقاتل, والسدي, والكلبي. # وروى أبو ظبيان عن ابن عباس قال: أول ما خلق الله القلم، فجرى بما هو ~~كائن إلى يوم القيامة، ثم خلق النون فبسط الأرض على ظهره فتحرك النون ~~فمادت الأرض، فأثبتت بالجبال وإن الجبال لتفخر على الأرض، ثم قرأ ابن ~~عباس: { ن والقلم وما يسطرون }. # واختلفوا في اسمه، فقال الكلبي ومقاتل: اسمه يهموت. وقال الواقدي: ~~ليوثا. وقال كعب: لويثا. وعن علي: اسمه بلهوث. # وقالت الرواة: لما خلق الله الأرض وفتقها بعث من ms2349 تحت العرش ملكا فهبط ~~إلى الأرض حتى دخل تحت الأرضين السبع فوضعها على عاتقه, إحدى يديه ~~بالمشرق والأخرى بالمغرب, باسطتين قابضتين على الأرضين السبع، حتى ضبطها ~~فلم يكن لقدميه موضع قرار، فأهبط الله عز وجل من الفردوس ثورا له ~~أربعون ألف قرن وأربعون ألف قائمة، وجعل قرار قدمي الملك على سنامه، فلم ~~تستقر قدماه فأخذ ياقوتة خضراء من أعلى درجة في الفردوس غلظها مسيرة ~~خمسمائة عام فوضعها بين سنام الثور إلى أذنه فاستقرت عليها قدماه، وقرون ~~ذلك الثور خارجة من أقطار الأرض، ومنخراه في البحر فهو يتنفس كل يوم ~~نفسا فإذا تنفس مد البحر وإذا رد نفسه جزر البحر فلم يكن لقوائم الثور ~~موضع قرار، فخلق الله تعالى صخرة كغلظ سبع سموات وسبع أرضين فاستقرت ~~قوائم الثور عليها وهي الصخرة التي قال لقمان لابنه: # يبني إنهآ إن تك مثقال حبة من خردل فتكن ~~في صخرة # [لقمان: 16] ولم يكن للصخرة مستقر، فخلق الله نونا وهو الحوت العظيم، ~~فوضع الصخرة على ظهره وسائر جسده خال والحوت على البحر، والبحر على متن ~~الريح، والريح على القدرة. يقال: فكل الدنيا كلها بما عليها حرفان قال ~~لها الجبار: جل جلاله كوني فكانت. # قال كعب الأحبار: إن إبليس تغلغل إلى الحوت الذي على ظهره الأرض فوسوس ~~إليه، فقال له: أتدري ما على ظهرك يا لويثا من الأمم والدواب والشجر ~~والجبال لو نفضتهم ألقيتهم عن ظهرك، فهم لويثا أن يفعل ذلك فبعث الله ~~دابة فدخلت منخره فوصلت إلى دماغه فعج الحوت إلى الله منها فأذن لها ~~فخرجت. قال كعب: فوالذي نفسي بيده إنه لينظر إليها وتنظر إليه إن هم ~~بشيء من ذلك عادت إلى ذلك كما كانت. # وقال بعضهم: إن نون آخر حروف الرحمن، وهي رواية عكرمة عن ابن عباس. # وقال الحسن وقتادة والضحاك: النون الدواة. # وقيل: هو قسم أقسم الله به. وقيل: فاتحة السورة. وقال عطاء: افتتاح اسمه ~~نور وناصر. # وقال محمد بن كعب: أقسم الله بنصرته المؤمنين. # والقلم، هو الذي كتب الله به الذكر، وهو ms2350 قلم من نور طوله ما بين السماء ~~والأرض. ويقال: أول ما خلق الله القلم ونظر إليه فانشق بنصفين، ثم قال: ~~أجر بما هو كائن إلى يوم القيامة فجرى على اللوح المحفوظ بذلك. { وما ~~يسطرون } ، يكتبون أي ما تكتب الملائكة الحفظة من أعمال بني آدم. ### || [68.2-4] # { مآ أنت بنعمة ربك بمجنون } ، هو جواب لقولهم # يأيها الذى نزل عليه الذكر إنك لمجنون # [الحجر: 6] فأقسم الله بالنون والقلم وما يكتب من الأعمال فقال: { مآ ~~أنت بنعمة ربك } ، بنبوة ربك { بمجنون } ، أي: إنك لا تكون ~~مجنونا وقد أنعم الله عليك بالنبوة والحكمة. وقيل: بعصمة ربك. وقيل: هو ~~كما يقال: ما أنت بمجنون والحمد لله. وقيل: معناه ما أنت بمجنون والنعمة ~~لربك، كقولهم: سبحانك اللهم وبحمدك, أي والحمد لك. # { وإن لك لأجرا غير ممنون } ، أي: منقوص ولا مقطوع ~~بصبرك على افترائهم عليك. # { وإنك لعلى خلق عظيم } ، قال ابن عباس ومجاهد: دين عظيم ~~لا دين أحب إلي ولا أرضى عندي منه، وهو دين الإسلام. وقال الحسن: هو ~~آداب القرآن. # سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ~~كان خلقه القرآن. # وقال قتادة: هو ما كان يأتمر به من أمر الله وينتهي عنه من نهي الله، ~~والمعنى إنك لعلى الخلق الذي أمرك الله به في القرآن. # وقيل: سمى الله خلقه عظيما لأنه امتثل تأديب الله إياه بقوله: # خذ العفو # [الأعراف: 199] الآية. # وروينا عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله بعثني لتمام مكارم الأخلاق، وتمام محاسن الأفعال ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا ~~محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا أحمد بن سعيد أبو عبد الله, ~~حدثنا إسحاق بن منصور, حدثنا إبراهيم ابن يوسف, عن أبيه عن أبي إسحاق ~~قال: سمعت البراء يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس ~~وجها وأحسنهم خلقا ليس بالطويل البائن ولا بالقصير. # أخبرنا عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني, أخبرنا أبو القاسم علي بن ms2351 أحمد ~~الخزاعي, أخبرنا أبو سعيد الهيثم بن كليب الشاشي, حدثنا أبو عيسى ~~الترمذي, حدثنا قتيبة بن سعيد, حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي, عن ثابت, عن ~~أنس بن مالك قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين, فما قال ~~لي أف قط وما قال لشيء صنعته: لم صنعته؟ ولا لشيء تركته، وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقا, وما مسست خزا قط ~~ولا حريرا ولا شيئا كان ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ~~شممت مسكا ولا عطرا كان أطيب من عرق رسول الله صلى الله عليه وسلم. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي, أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى ~~الصيرفي, أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار, حدثنا أحمد بن ~~محمد بن عيسى البرني, حدثنا محمد بن كثير, حدثنا سفيان الثوري, عن ~~الأعمش, عن أبي وائل, عن مسروق, عن عبد الله بن عمرو قال: إن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لم يكن فحاشا ولا متفحشا وكان يقول: # " خياركم أحسنكم أخلاقا ". # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي, أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى ~~الصيرفي, أخبرنا أبو العباس الأصم, حدثنا محمد بن هشام بن ملاس, حدثنا ~~مروان الفزاري, حدثنا حميد الطويل, عن أنس # " أن امرأة عرضت لرسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق من طرق المدينة ~~فقالت: يا رسول الله إن لي إليك حاجة فقال: يا أم فلان اجلسي في أي سكك ~~المدينة شئت أجلس إليك، قال: ففعلت فقعد إليها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، حتى قضى حاجتها ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا ~~محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل قال: حدثنا محمد بن عيسى, حدثنا ~~هشيم, أخبرنا حميد الطويل, حدثنا أنس بن مالك قال: إن كانت الأمة من إماء ~~أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت. # وأخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أبو محمد عبد ms2352 الرحمن بن أبي شريح, ~~أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي, حدثنا علي بن ~~الجعد, أخبرنا عمران بن زيد التغلبي, عن زيد ابن العمي عن أنس بن مالك ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صافح الرجل لم ينزع يده من يده ~~حتى يكون هو الذي ينزع يده ولا يصرف وجهه عن وجهه حتى يكون هو الذي يصرف ~~وجهه عن وجهه، ولم ير مقدما ركبتيه بين يدي جليس له. # أخبرنا عبد الله بن عبد الصمد, أخبرنا أبو القاسم الخزاعي, أخبرنا ~~الهثيم بن كليب, حدثنا أبو عيسى, حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني, حدثنا ~~عبيدة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: ما ضرب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بيده شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا ضرب خادما ولا ~~امرأة. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, ~~أخبرنا محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, أخبرنا إسماعيل بن عبد ~~الله, حدثني مالك عن إسحاق عن عبد الله بن أبي طلحة, عن أنس قال كنت أمشي ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية فأدركه ~~أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد ~~مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ثم ضحك ثم أمر له بعطاء. # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان, ~~أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني, حدثنا حميد بن ~~زنجويه, حدثنا علي بن المديني, حدثنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار, عن ابن ~~أبي مليكة, عن يعلى بن مملك, عن أم الدرداء تحدث عن أبي الدرداء عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " إن أثقل شيء يوضع في ميزان المؤمن يوم القيامة ms2353 خلق حسن، والله تعالى ~~يبغض الفاحش البذيء ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أبو منصور السمعاني, أخبرنا أبو جعفر ~~الرياني, حدثنا حميد بن زنجويه, حدثنا أبو نعيم, حدثنا داود بن يزيد ~~الأودي سمعت أبي يقول سمعت أبي هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لأصحابه: # " أتدرون ما أكثر ما يدخل الناس النار؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ~~فإن أكثر ما يدخل الناس النار الأجوفان: الفرج والفم, أتدرون ما أكثر ما ~~يدخل الناس الجنة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإن أكثر ما يدخل الناس ~~الجنة: تقوى الله وحسن الخلق ". # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي, أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى ~~الصيرفي, حدثنا أبو العباس الأصم, حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم, ~~أخبرنا أبي وشعيب قالا حدثنا الليث عن ابن الهاد عن عمرو بن أبي عمرو عن ~~المطلب بن عبد الله عن عائشة، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة قائم الليل وصائم النهار ". ### || [68.5-6] # قوله عز وجل { فستبصر ويبصرون } ، فسترى يا محمد ويرون ~~يعني أهل مكة إذا نزل بهم العذاب. # { بأييكم المفتون } ، قيل معناه: بأيكم المجنون ف " المفتون ~~" مفعول بمعنى المصدر، كما يقال: ما بفلان مجلود ومعقول، أي جلادة وعقل. ~~وهذا معنى قول الضحاك ورواية العوفي عن ابن عباس. # وقيل: الباء بمعنى " في " ، مجازة: فستبصر ويبصرون في أي الفريقين ~~المجنون في فريقك أم في فريقهم؟. # وقيل: الباء بمعنى " مع " , و " المفتون " هو الشيطان. والمعنى: مع أيكم ~~الشيطان مع المؤمنين أم مع الكافرين؟ وهذا معنى قول مجاهد. # وقال آخرون: زائدة, معناه: أيكم المفتون؟ أي المجنون الذي فتن بالجنون، ~~وهذا قول قتادة. ### || [68.7-13] # { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو ~~أعلم بالمهتدين * فلا تطع المكذبين } ، يعني مشركي ~~مكة فإنهم كانوا يدعونه إلى دين آبائه فنهاه أن يطيعهم. # { ودوا لو تدهن فيدهنون } , قال: الضحاك لو تكفر فيكفرون. ~~قال الكلبي: لو تلين لهم فيلينون لك. قال الحسن: لو تصانعهم في دينك ms2354 ~~فيصانعونك في دينهم. قال زيد بن أسلم: لو تنافق وترائي فينافقون ويراؤون. ~~قال ابن قتيبة: أرادوا على أن تعبد آلهتهم مدة ويعبدون الله مدة. # { ولا تطع كل حلاف مهين } ، كثير الحلف بالباطل. قال ~~مقاتل: يعني الوليد بن المغيرة. وقيل: الأسود بن عبد يغوث: وقال عطاء: ~~الأخنس بن شريق. { مهين } ، ضعيف حقير. قيل: هو فعيل من المهانة وهي قلة ~~الرأي والتمييز. وقال ابن عباس: كذاب، وهو قريب من الأول, لأن الإنسان ~~إنما يكذب لمهانة نفسه عليه. # { هماز } ، مغتاب يأكل لحوم الناس بالطعن والغيبة. وقال الحسن: هو ~~الذي يغمز بأخيه في المجلس، كقوله " همزة " { مشآء بنميم } ، ~~قتات يسعى بالنميمة بين الناس ليفسد بينهم. # { مناع للخير } ، بخيل بالمال. # قال ابن عباس: " مناع للخير " أي للإسلام, يمنع ولده وعشيرته عن ~~الإسلام، يقول: لئن دخل واحد منكم في دين محمد لا أنفعه بشيء أبدا. { ~~معتد } ، ظلوم يتعدى الحق، { أثيم } ، فاجر. # { عتل } ، العتل: الغليظ الجافي. وقال الحسن: هو الفاحش الخلق ~~السيىء الخلق. قال الفراء: هو الشديد الخصومة في الباطل. وقال ~~الكلبي: هو الشديد في كفره، وكل شديد عند العرب عتل، وأصله من العتل ~~وهو الدفع بالعنف. قال عبيد بن عمير: " العتل " الأكول الشروب القوي ~~الشديد في كفره لا يزن في الميزان شعيرة، يدفع الملك من أولئك سبعين ~~ألفا في النار دفعة واحدة, { بعد ذلك } ، أي مع ذلك يريد مع ما ~~وصفناه به { زنيم } ، وهو الدعي الملصق بالقوم، وليس منهم. قال ~~عطاء عن ابن عباس: يريد مع هذا هو دعي في قريش وليس منهم. قال مرة ~~الهمداني: إنما ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة. وقيل: " الزنيم " الذي له ~~زنمة كزنمة الشاة. # وروي عكرمة عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: نعت فلم يعرف حتى قيل ~~زنيم فعرف، وكانت له زنمة في عنقه يعرف بها. # وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها. # قال ابن قتيبة: لا نعلم أن الله وصف أحدا ولا ذكر من عيوبه ما ذكر من ~~عيوب الوليد ms2355 بن المغيرة، فألحق به عارا لا يفارقه في الدنيا والآخرة. # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان ~~الواعظ, حدثني أبو محمد بن زنجويه بن محمد, حدثنا علي بن الحسن الهلالي, ~~حدثنا عبد الله بن الوليد العدني عن سفيان, حدثني معبد بن خالد القيسي, ~~عن حارثة بن وهب الخزاعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره، ألا ~~أخبركم بأهل النار كل عتل جواظ مستكبر ". ### || [68.14] # { أن كان ذا مال وبنين } ، قرأ أبو جعفر, وابن عامر, وحمزة, ~~وأبو بكر, ويعقوب: " أأن " بالاستفهام. ثم حمزة وأبو بكر يخففان ~~الهمزتين بلا مد، ويمد الهمزة الأولى أبو جعفر وابن عامر ويعقوب، ويلينون ~~الثانية. وقرأ الآخرون بلا استفهام على الخبر، فمن قرأ بالاستفهام ~~فمعناه: ألأن كان ذا مال وبنين؟. ### || [68.15-18] # { إذا تتلى عليه ءايتنا قال أسطير الأولين ~~} ، أي: جعل مجازاة النعم التي خولها من البنين والمال الكفر بآياتنا. ~~وقيل: معناه ألأن كان ذا مال وبنين تطيعه. # ومن قرأ على الخبر فمعناه: لا تطع كل حلاف مهين لأن كان ذا مال وبنين، ~~أي: لا تطعه لماله وبنيه، { إذا تتلى عليه ءايتنا قال ~~أسطير الأولين }. # ثم أوعده فقال: { سنسمه على الخرطوم } ، و " الخرطوم ": ~~الأنف. قال أبو العالية ومجاهد: أي نسود وجهه, فنجعل له علما في الآخرة ~~يعرف به, وهو سواد الوجه. # قال الفراء: خص الخرطوم بالسمة وأنه في مذهب الوجه لأن بعض الشيء يعبر ~~به عن كله. # وقال ابن عباس: سنخطمه بالسيف، وقد فعل ذلك يوم بدر. وقال قتادة: سنلحق ~~به شيئا لا يفارقه. # قال القتيبي تقول العرب للرجل سب الرجل سبة قبيحة: قد وسمه ميسم سوء، ~~يريد: ألصق به عارا لا يفارقه، كما أن السمة لا ينمحي ولا يعفو أثرها، ~~وقد ألحق الله بما ذكر من عيوبه عارا لا يفارقه في الدنيا والآخرة، ~~كالوسم على الخرطوم. # وقال الضحاك والكسائي: سنكويه على وجهه. # { إنا بلونهم } ، يعني اختبرنا أهل مكة بالقحط ms2356 والجوع، { ~~كما بلونآ } ، ابتلينا، { أصحب الجنة } , روى محمد بن ~~مروان, عن الكلبي, عن أبي صالح, عن ابن عباس: في قوله عز وجل: { إنا ~~بلونهم كما بلونآ أصحب الجنة } ، قال: كان بستان ~~باليمن يقال له الضروان, دون صنعاء بفرسخين, يطؤه أهل الطريق, كان غرسه ~~قوم من أهل الصلاة, وكان لرجل فمات فورثه ثلاثة بنين له, وكان يكون ~~للمساكين إذا صرموا نخلهم كل شيء تعداه المنجل فلم يجزه وإذا طرح من فوق ~~النخل إلى البساط فكل شيء يسقط عن البساط فهو أيضا للمساكين، وإذا حصدوا ~~زرعهم فكل شيء تعداه المنجل فهو للمساكين وإذا داسوه كان لهم كل شيء ~~ينتثر أيضا، فلما مات الأب وورثه هؤلاء الإخوة عن أبيهم، فقالوا: والله ~~إن المال لقليل, وإن العيال لكثير، وإنما كان هذا الأمر يفعل إذ كان ~~المال كثيرا والعيال قليلا, فأما إذ قل المال وكثر العيال فإنا لا ~~نستطيع أن نفعل هذا، فتحالفوا بينهم يوما ليغدون غدوة قبل خروج الناس ~~فليصرمن نخلهم ولم يستثنوا، يقول: لم يقولوا إن شاء الله، فغدا القوم ~~بسدفة من الليل إلى جنتهم ليصرموها قبل أن يخرج المساكين، فرأوها مسودة, ~~وقد طاف عليها من الليل طائف من العذاب فأحرقها, فأصبحت كالصريم, فذلك ~~قوله عز وجل: { إذ أقسموا } ، حلفوا، { ليصرمنها ~~مصبحين }. ليجذنها وليقطعن ثمرها إذا أصبحوا قبل أن يعلم ~~المساكين، { ولا يستثنون } ، ولا يقولون إن شاء الله. ### || [68.19-22] # { فطاف عليها طائف } ، عذاب، { من ربك } ، ليلا, ولا ~~يكون الطائف إلا بالليل, وكان ذلك الطائف نارا نزلت من السماء فأحرقتها، ~~{ وهم نائمون }. # { فأصبحت كالصريم } ، كالليل المظلم الأسود. قال الحسن: أي ~~صرم منها الخير فليس فيها شيء. # وقال الأخفش: كالصبح الصريم من الليل وأصل " الصريم ": المصروم، مثل: ~~قتيل ومقتول, وكل شيء قطع فهو صريم فالليل صريم والصبح صريم، لأن كل واحد ~~منهما ينصرم عن صاحبه. # وقال ابن عباس: كالرماد الأسود بلغة خزيمة. # { فتنادوا مصبحين } ، نادى بعضهم بعضا لما أصبحوا. # { أن اغدوا على حرثكم } يعني الثمار والزروع والأعناب، { ~~إن كنتم صارمين } ، قاطعين للنخل. ### || [68.23-28] # { فانطلقوا } ، مشوا ms2357 إليها، { وهم يتخافتون } ، يتسارون, ~~يقول بعضهم لبعض سرا: { أن لا يدخلنها اليوم عليكم ~~مسكين }. # { وغدوا على حرد } ، " الحرد " في اللغة يكون بمعنى القصد ~~والمنع والغضب، قال الحسن, وقتادة, وأبو العالية: على جد وجهد. # وقال القرظي, ومجاهد, وعكرمة: على أمر مجتمع عليه قد أسسوه بينهم. وهذا ~~على معنى القصد لأن القاصد إلى الشيء جاد مجمع على الأمر. # وقال أبو عبيدة والقتيبي: غدوا من بيتهم على منع المساكين، يقال: ~~حاردت السنة, إذا لم يكن لها مطر، وحاردت الناقة إذا لم يكن لها لبن. # وقال الشعبي وسفيان: على حنق وغضب من المساكين. # وعن ابن عباس قال: على قدرة، { قادرين } ، عند أنفسهم على جنتهم ~~وثمارها, لا يحول بينها وبينهم أحد. # { فلما رأوها قالوا إنا لضالون } ، أي لما رأوا الجنة ~~محترقة قالوا: إنا لمخطئون الطريق, أضللنا مكان جنتنا، ليست هذه بجنتنا. ~~فقال بعضهم: # { بل نحن محرومون } ، حرمنا خيرها ونفعها بمنعنا المساكين ~~وتركنا الاستثناء. # { قال أوسطهم } ، أعدلهم وأعقلهم وأفضلهم: { ألم أقل ~~لكم لولا تسبحون } ، هلا تستثنون، أنكر عليهم ترك الاستثناء في ~~قولهم: " ليصرمنها مصبحين " ، وسمي الاستثناء تسبيحا لأنه تعظيم لله, ~~وإقرار بأنه لا يقدر أحد على شيء إلا بمشيئته. # وقال أبو صالح: كان استثناؤهم سبحان الله، وقيل: هلا تسبحون الله ~~وتقولون: سبحان الله, وتشكرونه على ما أعطاكم. وقيل: هلا تستغفرونه من ~~فعلكم. ### || [68.29-38] # { قالوا سبحن ربنآ } ، نزهوه عن أن يكون ظالما فيما ~~فعل, وأقروا على أنفسهم بالظلم فقالوا: { إنا كنا ظالمين } ، ~~بمنعنا المساكين. # { فأقبل بعضهم على بعض يتلومون } ، يلوم بعضهم ~~بعضا في منع المساكين حقوقهم, ونادوا على أنفسهم بالويل: # { قالوا يويلنآ إنا كنا طغين } ، في منعنا حق ~~الفقراء. وقال ابن كيسان: طغينا نعم الله فلم نشكرها ولم نصنع ما صنع ~~آباؤنا من قبل. # ثم رجعوا إلى أنفسهم فقالوا: { عسى ربنآ أن يبدلنا خيرا ~~منهآ إنآ إلى ربنا رغبون } ، قال عبد الله بن مسعود: ~~بلغني أن القوم أخلصوا, وعرف الله منهم الصدق, فأبدلهم بها جنة يقال لها ~~الحيوان، فيها عنب يحمل البغل منه عنقودا واحدا. # قال الله ms2358 تعالى: { كذلك العذاب } ، أي: كفعلنا بهم نفعل بمن ~~تعدى حدودنا وخالف أمرنا، { ولعذاب الأخرة أكبر لو ~~كانوا يعلمون }. ثم أخبر بما عنده للمتقين فقال: # { إن للمتقين عند ربهم جنت النعيم } ، ~~فقال المشركون: إنا نعطى في الآخرة أفضل مما تعطون فقال الله تكذيبا ~~لهم: # { أفنجعل المسلمين كالمجرمين * ما لكم كيف ~~تحكمون * أم لكم كتب } ، نزل من عند الله، { فيه } ، في ~~هذا الكتاب، { تدرسون } ، تقرؤون. # { إن لكم فيه } ، في ذلك الكتاب، { لما تخيرون } ، ~~تختارون وتشتهون. ### || [68.39-43] # { أم لكم أيمن } ، عهود ومواثيق، { علينا بلغة } ، ~~مؤكدة عاهدناكم عليها، فاستوثقتم بها منا فلا ينقطع عهدكم، { إلى ~~يوم القيمة إن لكم } ، في ذلك العهد، { لما تحكمون } ~~لأنفسكم من الخير والكرامة عند الله. وكسر " إن " في الآيتين لدخول ~~اللام في خبرهما. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: # { سلهم أيهم بذلك زعيم } ، كفيل لهم بأن لهم في الآخرة ~~ما للمسلمين؟ # { أم لهم شركآء } ، أي عندهم شركاء لله أرباب تفعل هذا. وقيل: ~~شهداء يشهدون لهم بصدق ما يدعونه. { فليأتوا بشركآئهم إن ~~كانوا صادقين }. # { يوم يكشف عن ساق } ، قيل: " يوم " ظرف لقوله فليأتوا ~~بشركائهم, أي: فليأتوا بها في ذلك اليوم لتنفعهم وتشفع لهم, { يوم ~~يكشف عن ساق } قيل: عن أمر فظيع شديد، قال ابن عباس: هو أشد ساعة ~~في القيامة. # قال سعيد بن جبير: { يوم يكشف عن ساق } عن شدة الأمر. # وقال ابن قتيبة: تقول العرب للرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج فيه إلى ~~الجد ومقاساة الشدة: شمر عن ساقه، ويقال: إذا اشتد الأمر في الحرب: ~~كشفت الحرب عن ساق. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر, أخبرنا عبد الغافر بن محمد, حدثنا محمد ~~بن عيسى الجلودي, أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان, حدثنا مسلم بن ~~الحجاج, حدثني سويد بن سعيد, حدثني جعفر، حفص بن ميسرة, عن زيد بن أسلم, ~~عن عطاء بن يسار, عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه # " أن أناسا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله هل ~~نرى ربنا يوم القيامة؟ قال ms2359 رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم هل ~~تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوا ليس معها سحاب؟ وهل تضارون ~~في رؤية القمر ليلة البدر صحوا ليس فيها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول ~~الله، قال: ما تضارون في رؤية الله يوم القيامة إلا كما ~~تضارون في رؤية أحدهما، إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن ~~لتتبع كل أمة ما كانت تعبد فلا يبقى أحد كان يعبد الله من بر ~~وفاجر وغير أهل الكتاب فتدعى اليهود فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ ~~قالوا: كنا نعبد عزير ابن الله فيقال كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ~~ولا ولد، فماذا تبغون؟ فقالوا: عطشنا يا ربنا فاسقنا, فيشار ~~إليهم: ألا تردون؟ فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها ~~بعضا, فيتساقطون في النار، ثم تدعى النصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ ~~قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله, فيقال لهم: ما اتخذ الله من ~~صاحبة ولا ولد، فيقال لهم: ماذا تبغون؟ فيقولون: عطشنا يا ربنا ~~فاسقنا فيشار إليهم: ألا تردون؟ فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب ~~يحطم بعضها بعضا، فيتساقطون في النار, حتى إذا لم يبق إلا من كان ~~يعبد الله من بر وفاجر, أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي ~~رأوه فيها، قال: فماذا تنتظرون؟ لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، ~~قالوا يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم ~~نصاحبهم. فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك, لا نشرك بالله ~~شيئا, مرتين أو ثلاثا, حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب, فيقول: هل ~~بينكم وبينه آية تعرفونه بها، فيقولون: نعم فيكشف عن ساق, فلا يبقى ~~من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، فلا ~~يبقى من كان يسجد نفاقا ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة ~~كلما أراد أن يسجد خر على قفاه ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في ~~الصورة التي رأوه فيها أول مرة فقال: أنا ربكم، فيقولون أنت ربنا، ثم ~~يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة، ويقولون: اللهم سلم ms2360 سلم، قيل: ~~يا رسول الله وما الجسر؟ قال: دحض مزلة فيه خطاطيف وكلاليب وحسكة ~~يكون بنجد فيها شويكة يقال لها السعدان, فيمر المؤمنون كطرف العين ~~وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم ~~ومخدوش مرسل, ومكردس في نار جهنم, حتى إذا خلص المؤمنون من النار ~~فوالذي نفسي بيده ما من أحد منكم بأشد لله في استيفاء الحق من ~~المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون: ربنا كانوا ~~يصومون معنا ويصلون ويحجون، فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم, فتحرم ~~صورهم على النار فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذت النار إلى نصف ساقه ~~وإلى ركبتيه، ثم يقولون: ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به، فيقول: ~~ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا ~~كثيرا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا به، ثم يقول: ~~ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون ~~خلقا كثيرا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا به أحدا، ثم ~~يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون ~~خلقا كثيرا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها أحدا فيه خير ممن أمرتنا به، ~~وكان أبو سعيد الخدري يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرؤوا إن شئتم { ~~إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة ~~يضعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما } [النساء: 40]، ~~فيقول الله: شفعت الملائكة, وشفع النبيون, وشفع المؤمنون, ولم يبق إلا ~~أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط ~~قد عادوا حمما فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له نهر الحياة، ~~فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل, ألا ترونها تكون إلى الحجر ~~أو إلى الشجر ما يكون إلى الشمس أصيفر وأخيضر، وما يكون منها إلى الظل ~~يكون أبيض؟ قال: فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتيم يعرفهم أهل الجنة ~~هؤلاء عتقاء الله من النار الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا ~~خير قدموه، ثم يقول: ms2361 " ادخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم فيقولون ربنا: ~~أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين، فيقول: لكم عندي أفضل من هذا ~~فيقولون: يا ربنا أي شيء أفضل من هذا؟ فيقول: رضائي فلا أسخط عليكم بعده ~~أبدا ". # وروى محمد بن إسماعيل هذا الحديث عن يحيى بن بكير عن الليث عن خالد بن ~~يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم بهذا المعنى, أخبرنا عبد الواحد ~~المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا محمد بن يوسف, حدثنا ~~محمد بن إسماعيل, حدثنا آدم, حدثنا الليث, عن خالد بن يزيد, عن سعيد بن ~~أبي هلال, عن زيد بن أسلم, عن عطاء بن يسار, عن أبي سعيد الخدري رضي الله ~~عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في ~~الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقا واحدا ". # قوله عز وجل: { ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون } ~~، يعني: الكفار والمنافقين، تصير أصلابهم كصياصي البقر, فلا يستطيعون ~~السجود. # { خشعة أبصرهم } , وذلك أن المؤمنين يرفعون رؤوسهم من ~~السجود ووجوهم أشد بياضا من الثلج, وتسود وجوه الكافرين والمنافقين, { ~~ترهقهم ذلة } ، يغشاهم ذلة الندامة والحسرة، { وقد كانوا ~~يدعون إلى السجود } ، قال إبراهيم التيمي: يعني إلى الصلاة ~~المكتوبة بالأذان والإقامة وقال سعيد بن جبير: كانوا يسمعون حي على ~~الصلاة حي على الفلاح فلا يجيبون، { وهم سالمون } ، أصحاء فلا ~~يأتونه، قال كعب الأحبار: والله ما نزلت هذه الآية إلا في الذين يتخلفون ~~عن الجماعات. ### || [68.44-52] # { فذرنى ومن يكذب بهذا الحديث } ، أي فدعني ~~والمكذبين بالقرآن، وخل بيني وبينهم. قال الزجاج: معناه لا تشغل قلبك ~~بهم كلهم إلي فإني أكفيكهم، قال ومثله: { ذرنى ومن خلقت ~~وحيدا } ، معناه في اللغة: لا تشغل قلبك به وكله إلي فإني أجازيه. ~~ومثله قول الرجل: ذرني وإياه، ليس أنه منعه منه ولكن تأويله كله فإني ~~أكفيك أمره. # قوله تعالى: { سنستدرجهم } ، سنأخذهم بالعذاب، { من حيث ~~لا يعلمون } ، فعذبوا يوم بدر. # { وأملى لهم إن ms2362 كيدى متين * أم تسألهم أجرا ~~فهم من مغرم مثقلون * أم عندهم الغيب فهم ~~يكتبون * فاصبر لحكم ربك } ، اصبر على أذاهم لقضاء ربك، ~~{ ولا تكن } ، في الضجر والعجلة، { كصحب الحوت } ، وهو يونس ~~بن متى، { إذ نادى } ، ربه في بطن الحوت، { وهو مكظوم } ، ~~مملوء غما. # { لولا أن تداركه } ، أدركته { نعمة من ربه } ، حين ~~رحمه وتاب عليه، { لنبذ بالعراء } ، لطرح بالفضاء من بطن الحوت، { ~~وهو مذموم } ، يذم ويلام بالذنب يذنبه. # { فاجتبه ربه } ، اصطفاه، { فجعله من الصالحين * ~~وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم } ، ~~وذلك أن الكفار أرادوا أن يصيبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعين, ~~فنظر إليه قوم من قريش وقالوا: ما رأينا مثله ولا مثل حججه. # وقيل: كانت العين في بني أسد حتى كانت الناقة والبقرة السمينة تمر ~~بأحدهم فيعاينها ثم يقول: يا جارية خذي المكتل والدرهم فأتينا بشيىء من ~~لحم هذه فما تبرح حتى تقع بالموت، فتنحر. # وقال الكلبي: كان رجل من العرب يمكث لا يأكل يومين أو ثلاثا ثم يرفع ~~جانب خبائه فتمر به الإبل فيقول لم أر كاليوم إبلا ولا غنما أحسن من ~~هذه، فما تذهب إلا قليلا حتى تسقط منها طائفة وعدة، فسأل الكفار هذا ~~الرجل أن يصيب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعين ويفعل به مثل ذلك، ~~فعصم الله نبيه وأنزل: { وإن يكاد الذين كفروا ~~ليزلقونك بأبصارهم } ، أي ويكاد، ودخلت اللام في { ~~ليزلقونك } لمكان " إن " ، وقرأ أهل المدينة: " ليزلقونك " بفتح ~~الياء، والآخرون بضمها، وهما لغتان، يقال: زلقه يزلقه زلقا وأزلقه ~~يزلقه إزلاقا. # قال ابن عباس: معناه: ينفذونك، ويقال: زلق السهم: إذا أنفذ. # قال السدي: يصيبونك بعيونهم. قال النضر بن شميل: يعينونك. وقيل: ~~يزيلونك. # وقال الكلبي: يصرعونك. وقيل: يصرفونك عما أنت عليه من تبليغ الرسالة. # قال ابن قتيبة: ليس يريد أنهم يصيبونك بأعينهم كما يصيب العائن بعينه ما ~~يعجبه، وإنما أراد أنهم ينظرون إليك إذا قرأت القرآن نظرا شديدا ~~بالعداوة والبغضاء، يكاد يسقطك. # وقال الزجاج: يعني من شدة عداوتهم يكادون بنظرهم نظر البغضاء أن يصرعوك. # وهذا مستعمل ms2363 في كلام العرب يقول القائل: نظر إلي نظرا يكاد يصرعني، ~~ونظرا يكاد يأكلني. يدل على صحة هذا المعنى: أنه قرن هذا النظر بسماع ~~القرآن, وهو قوله: { لما سمعوا الذكر } ، وهم كانوا يكرهون ذلك ~~أشد الكراهية فيحدون إليه النظر بالبغضاء، { ويقولون إنه ~~لمجنون } ، أي ينسبونه إلى الجنون إذا سمعوه يقرأ القرآن. فقال الله ~~تعالى: # { وما هو } ، يعني القرآن، { إلا ذكر للعالمين } ، قال ~~ابن عباس: موعظة للمؤمنين. قال الحسن: دواء إصابة العين أن يقرأ ~~الإنسان هذه الآية. # أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي, أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن ~~محمش الزيادي, حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان, أخبرنا أحمد بن يوسف ~~السلمي, حدثنا عبد الرزاق, أخبرنا معمر عن همام بن منبه قال حدثنا أبو ~~هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " العين حق " # ونهى عن الوشم. # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي, حدثنا السيد أبو الحسن ~~محمد بن الحسين بن داود العلوي، أخبرنا أبو نصر محمد بن حمدويه بن سهل ~~المروزي, حدثنا محمود بن آدم المروزي, حدثنا سفيان بن عيينة, عن عمرو بن ~~دينار, عن عروة بن عامر, عن عبيد بن رفاعة الزرقي أن أسماء بنت عميس ~~قالت: يا رسول الله إن بني جعفر تصيبهم العين أفأسترقي لهم؟ قال: # " نعم, فلو كان شيء يسبق القضاء لسبقته العين ". ### | [69 - سورة الحاقة] ### || [69.1-5] # { الحاقة } ، يعني القيامة, سميت حاقة لأنها حقت فلا كاذبة لها. ~~وقيل: لأن فيها حواق الأمور وحقائقها، ولأن فيها يحق الجزاء على الأعمال، ~~أي يجب، يقال: حق عليه الشيء إذا وجب يحق حقوقا، قال الله تعالى: # ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين # [الزمر: 71] قال الكسائي: " الحاقة " يوم الحق. # { ما الحاقة }. هذا استفهام معناه التفخيم لشأنها، كما يقال: زيد ~~ما زيد، على التعظيم لشأنه. # { ومآ أدراك ما الحاقة } ، أي أنك لا تعلمها إذ لم تعاينها ~~ولم تر ما فيها من الأهوال. # { كذبت ثمود وعاد بالقارعة } ، قال ابن عباس وقتادة: ~~بالقيامة سميت ms2364 قارعة لأنها تقرع قلوب العباد بالمخافة. وقيل: كذبت ~~بالعذاب الذي أوعدهم نبيهم حتى نزل فقرع قلوبهم. # { فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية } ، أي بطغيانهم ~~وكفرهم. قيل: هي مصدر، وقيل: نعت، أي بفعلهم الطاغية، وهذا معنى قول ~~مجاهد: كما قال: # كذبت ثمود بطغواهآ # [الشمس: 11] وقال قتادة: بالصيحة الطاغية، وهي التي جاوزت مقادير الصياح ~~فأهلكتهم. وقيل: طغت على الخزان فلم يكن لهم عليها سبيل ولم يعرفوا كم ~~خرج منها كما طغى الماء على قوم نوح. ### || [69.6-11] # { وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية } ، عتت على ~~خزانها فلم تطعهم ولم يكن لهم عليها سبيل، وجاوزت المقدار فلم يعرفوا ~~كم خرج منها. # { سخرها عليهم } , أرسلها عليهم. وقال مقاتل: سلطها عليهم. { ~~سبع ليال وثمنية أيام } ، قال وهب: هي الأيام التي تسميها ~~العرب أيام العجوز, ذات برد ورياح شديدة. قيل: سميت عجوزا لأنها عجز ~~الشتاء. وقيل: سميت بذلك لأن عجوزا من قوم عاد دخلت سربا فتبعتها ~~الريح، فقتلتها اليوم الثامن من نزول العذاب وانقطع العذاب. { حسوما } ~~، قال مجاهد وقتادة: متتابعة ليس لها فترة، فعلى هذا فهو من حسم ~~الكي، وهو أن يتابع على موضع الداء بالمكوة حتى يبرأ، ثم قيل لكل شيء ~~توبع: حاسم، وجمعه حسوم، مثل شاهد وشهود، وقال الكلبي ومقاتل: حسوما ~~دائمة. وقال النضر بن شميل: حسمتهم قطعتهم وأهلكتهم، والحسم: القطع ~~والمنع ومنه حسم الداء. قال الزجاج: الذي توجبه الآية فعلى معنى تحسمهم ~~حسوما تفنيهم وتذهبهم. وقال عطية: حسوما كأنها حسمت الخير عن أهلها, { ~~فترى القوم فيها } ، أي في تلك الليالي والأيام، { صرعى } ، ~~هلكى جمع صريع، { كأنهم أعجاز نخل خاوية } ، ساقطة، ~~وقيل: خالية الأجواف. # { فهل ترى لهم من باقية } ، أي من نفس باقية, يعني: لم ~~يبق منهم أحد. # { وجآء فرعون ومن قبله } ، قرأ أهل البصرة والكسائي بكسر ~~القاف، وفتح الباء, أي ومن معه من جنوده وأتباعه، وقرأ الآخرون بفتح ~~القاف وسكون الباء، أي ومن قبله من الأمم الكافرة، { والمؤتفكات ~~} ، أي: قرى قوم لوط, يريد: أهل المؤتفكات. وقيل: يريد الأمم الذين ~~ائتفكوا بخطيئتهم، أي أهلكوا بذنوبهم، { بالخاطئة } ، أي ms2365 بالخطيئة ~~والمعصية وهي الشرك. # { فعصوا رسول ربهم } ، يعني لوطا وموسى، { فأخذهم ~~أخذة رابية } ، نامية. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ~~شديدة. وقيل: زائدة على عذاب الأمم. { إنا لما طغا المآء } ، ~~أي عتا وجاوز حده حتى علا على كل شيء وارتفع فوقه, يعني زمن نوح عليه ~~السلام. { حملنكم } ، أي حملنا آباءكم وأنتم في أصلابهم، { فى ~~الجارية } ، في السفينة التي تجري في الماء. ### || [69.12-17] # { لنجعلها } ، أي لنجعل تلك الفعلة التي فعلنا, من إغراق قوم ~~نوح ونجاة من حملنا معه، { لكم تذكرة } ، عبرة وموعظة { ~~وتعيهآ } ، قرأ القواس عن ابن كثير وسليم عن حمزة, باختلاس العين، ~~وقرأ الآخرون بكسرها أي تحفظها, { أذن واعية } ، أي: حافظة لما جاء ~~من عند الله. قال قتادة: أذن سمعت وعقلت ما سمعت. قال الفراء: لتحفظها ~~كل أذن فتكون عبرة وموعظة لمن يأتي بعد. # { فإذا نفخ فى الصور نفخة وحدة } ، وهي النفخة ~~الأولى. # { وحملت الأرض والجبال } ، رفعت من أماكنها، { فدكتا ~~} ، كسرتا، { دكة } كسرة، { واحدة } ، فصارتا هباء منثورا. { ~~فيومئذ وقعت الواقعة } ، قامت القيامة. # { وانشقت السمآء فهى يومئذ واهية } ، ضعيفة قال ~~الفراء: وهيها: تشققها. # { والملك } ، يعني الملائكة، { على أرجائها } ، نواحيها ~~وأقطارها ما لم ينشق منها, واحدها: " رجا " مقصورا وتثنيته رجوان. ~~قال الضحاك: تكون الملائكة على حافتها حتى يأمرهم الرب فينزلون, فيحيطون ~~بالأرض ومن عليها, { ويحمل عرش ربك فوقهم } ، أي فوق ~~رؤوسهم يعني الحملة، { يومئذ } ، يوم القيامة، { ثمانية } ، أي ثمانية ~~أملاك. # جاء في الحديث: # " إنهم اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أيدهم الله بأربعة أخرى، ~~فكانوا ثمانية، على صورة الأوعال، ما بين أظلافهم إلى ركبهم كما بين سماء ~~إلى سماء ". # وجاء في الحديث: # " لكل ملك منهم وجه رجل ووجه أسد ووجه ثور ووجه نسر ". # أخبرنا أبو بكر بن الهيثم الترابي, أخبرنا أبو الفضل محمد بن الحسين ~~الحدادي, أخبرنا محمد بن يحيى الخالدي, أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي, ~~حدثنا عبد الرزاق, حدثنا يحيى بن العلاء, عن عمه شعيب بن خالد, حدثنا ~~سماك بن حرب, عن عبد الله بن عميرة, # " عن العباس بن عبد ms2366 المطلب قال: كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالبطحاء فمرت سحابة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أتدرون ما ~~هذا؟ قلنا: السحاب، قال: والمزن؟ قلنا: والمزن، قال: والعنان؟ فسكتنا, ~~فقال: هل تدرون كم بين السماء والأرض؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: ~~بينهما مسيرة خمسمائة سنة، وبين كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة، ~~وكذلك غلظ كل سماء خسمائة سنة، وفوق السماء السابعة بحر بين أعلاه وأسفله ~~كما بين السماء والأرض، ثم بين ذلك ثمانية أوعال بين أظلافهن وركبهن كما ~~بين السماء والأرض, ثم فوق ذلك العرش بين أسفله وأعلاه كما بين السماء ~~والأرض والله تعالى فوق ذلك، ليس يخفى عليه من أعمال بني آدم شيء ". # ويروى هذا عن عبد الله بن عميرة عن الأحنف بن قيس عن العباس. # وروي عن ابن عباس أنه قال: { فوقهم يومئذ ثمانية } أي: ~~ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله. ### || [69.18-23] # { يومئذ تعرضون } ، على الله، { لا تخفى } ، قرأ حمزة ~~والكسائي: " لا يخفى " بالياء، وقرأ الآخرون بالتاء، { منكم خافية ~~} ، أي فعلة خافية. قال الكلبي: لا يخفى على الله منكم شيء. قال أبو ~~موسى: يعرض الناس ثلاث عرضات، فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما العرضة ~~الثالثة فعندها تطاير الصحف فآخذ بيمينه وآخذ بشماله وذلك قوله عز وجل: # { فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هآؤم ~~اقرؤا كتابيه } ، تعالوا اقرؤوا كتابيه، الهاء في " كتابيه " هاء ~~الوقف. # { إنى ظننت } ، علمت وأيقنت، { أني ملاق حسابيه } ، أي: أني ~~أحاسب في الآخرة. # { فهو فى عيشة } ، يعني حالة من العيش، { راضية } ، مرضية كقوله: # مآء دافق # [الطارق: 6] يريد يرضاها, بأن لقي الثواب وأمن العقاب. # { في جنة عالية } ، رفيعة. # { قطوفها دانية } ، ثمارها قريبة لمن يتناولها في كل أحواله ~~ينالها قائما وقاعدا ومضطجعا يقطعون كيف شاؤوا. ### || [69.24-32] # قال لهم: { كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم } ، قدمتم ~~لآخرتكم من الأعمال الصالحة، { فى الأيام الخالية } ، الماضية ~~يريد أيام الدنيا. # { وأما من أوتى كتبه بشماله } ، قال ابن السائب ~~تلوى يده اليسرى من صدره خلف ظهره ثم يعطى كتابه. ms2367 وقيل: تنزع يده ~~اليسرى من صدره إلى خلف ظهره ثم يعطى كتابه؛ { فيقول يليتني ~~لم أوت كتابيه } ، يتمنى أنه لم يؤت كتابه لما يرى فيه من قبائح ~~أعماله. # { ولم أدر ما حسابيه * يليتها كانت القاضية } ~~، يقول: يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت القاضية الفارغة من كل ~~ما بعدها، والقاطعة للحياة، فلم أحي بعدها. و " القاضية ": موت لا حياة ~~بعده, يتمنى أنه لم يبعث للحساب. قال قتادة: يتمنى الموت وإن لم يكن عنده ~~في الدنيا شيء أكره من الموت. # { مآ أغنى عنى ماليه } ، لم يدفع عني من عذاب الله شيئا. # { هلك عنى سلطنيه } ، ضلت عني حجتي، عن أكثر المفسرين، ~~وقال ابن زيد: زال عني ملكي وقوتي. قال مقاتل: يعني حين شهدت عليه ~~الجوارح بالشرك يقول الله لخزنة جهنم: # { خذوه فغلوه } ، اجمعوا يده إلى عنقه. # { ثم الجحيم صلوه } ، أي أدخلوه الجحيم. # { ثم فى سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه } ، ~~فأدخلوه فيها. قال ابن عباس: سبعون ذراعا بذراع الملك، فتدخل في دبره ~~وتخرج من منخره. وقيل: تدخل في فيه وتخرج من دبره. وقال نوف البكالي: ~~سبعون ذراعا, كل ذراع سبعون باعا, كل باع أبعد مما بينك وبين مكة، وكان ~~في رحبة الكوفة. وقال سفيان: كل ذراع سبعون ذراعا. وقال الحسن: الله ~~أعلم أي ذراع هو. # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة, أخبرنا أبو طاهر محمد بن ~~أحمد بن الحارث, أخبرنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي, أخبرنا عبد ~~الله بن محمود, حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الخلال, حدثنا عبد ~~الله بن المبارك, عن سعيد بن يزيد, عن أبي السمح, عن عيسى بن هلال ~~الصدفي, عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " لو أن رضاضة مثل هذه - وأشار إلى مثل الجمجمة - أرسلت من السماء إلى ~~الأرض, وهي مسيرة خمسمائة سنة، لبلغت الأرض قبل الليل، ولو أنها أرسلت من ~~رأس السلسلة لسارت أربعين خريفا الليل والنهار قبل أن تبلغ أصلها ms2368 أو ~~قعرها ". # وعن كعب قال: لو جمع حديد الدنيا ما وزن حلقة منها. ### || [69.33-39] # { إنه كان لا يؤمن بالله العظيم * ولا يحض ~~على طعام المسكين } ، لا يطعم المسكين في الدنيا ولا يأمر أهله ~~بذلك. # { فليس له اليوم ههنا حميم } ، قريب ينفعه ويشفع له. # { ولا طعام إلا من غسلين } ، وهو صديد أهل النار, مأخوذ ~~من الغسل، كأنه غسالة جروحهم وقروحهم. قال الضحاك والربيع: هو شجر يأكله ~~أهل النار. # { لا يأكله إلا الخطئون } ، أي: الكافرون. # { فلا أقسم } ، " لا " رد لكلام المشركين, كأنه قال: ليس كما ~~يقول المشركون أقسم، { بما تبصرون * وما لا تبصرون } أي ~~بما ترون وبما لا ترون. قال قتادة: أقسم بالأشياء كلها فيدخل فيه جميع ~~المخلوقات والموجودات. وقال: أقسم بالدنيا والآخرة. وقيل: " ما تبصرون ": ~~ما على وجه الأرض و " ما لا تبصرون ": ما في بطنها. وقيل: " ما تبصرون ": ~~من الأجسام و " ما لا تبصرون ": من الأرواح. وقيل: " ما تبصرون ": الإنس ~~و " ما لا تبصرون ": الملائكة والجن. وقيل: النعم الظاهرة والباطنة. ~~وقيل: " ما تبصرون ": ما أظهر الله للملائكة واللوح والقلم: و " ما لا ~~تبصرون ": ما استأثر بعلمه فلم يطلع عليه أحدا. ### || [69.40-45] # { إنه } يعني القرآن، { لقول رسول كريم } ، أي تلاوة رسول ~~كريم، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم. # { وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون * ولا ~~بقول كاهن قليلا ما تذكرون } ، قرأ ابن كثير, وابن ~~عامر, ويعقوب: " يؤمنون ويذكرون " ، بالياء فيهما، وقرأ الآخرون بالتاء، ~~وأراد بالقليل نفي إيمانهم أصلا كقولك لمن لا يزورك: قلما تأتينا، وأنت ~~تريد: لا تأتينا أصلا. # { تنزيل من رب العلمين * ولو تقول } ، تخرص ~~واختلق، { علينا } ، محمد، { بعض الأقاويل } ، وأتى بشيء من عند ~~نفسه. # { لأخذنا منه باليمين } ، قيل " من " صلة، مجازه: لأخذناه ~~وانتقمنا منه باليمين أي بالحق، كقوله: # كنتم تأتوننا عن اليمين # [الصافات: 28] أي: من قبل الحق. وقال ابن عباس: لأخذناه بالقوة والقدرة. ~~قال الشماخ في عرابة ملك اليمن: # إذا ما راية رفعت لمجد # تلقاها عرابة باليمين # أي: بالقوة، عبر عن القوة باليمين، لأن قوة كل شيء في ms2369 ميامنه. # وقيل: معناه لأخذنا بيده اليمنى، وهو مثل معناه: لأذللناه، وأهناه, ~~كالسلطان إذا أراد الاستخفاف ببعض من يريد، يقول لبعض أعوانه: خذ بيده ~~فأقمه. ### || [69.46-52] # { ثم لقطعنا منه الوتين } ، قال ابن عباس: أي نياط ~~القلب، وهو قول أكثر المفسرين: وقال مجاهد: الحبل الذي في الظهر. وقيل هو ~~عرق يجري في الظهر حتى يتصل بالقلب، فإذا انقطع مات صاحبه. # { فما منكم من أحد عنه حجزين } ، مانعين يحجزوننا عن ~~عقوبته، والمعنى: أن محمدا لا يتكلف الكذب لأجلكم مع علمه بأنه لو تكلفه ~~لعاقبناه ولا يقدر أحد على دفع عقوبتنا عنه، وإنما قال: " حاجزين " ~~بالجمع هو فعل واحد ردا على معناه كقوله: # لا نفرق بين أحد من رسله # [البقرة: 285]. # { وإنه } ، يعني القرآن، { لتذكرة للمتقين } ، أي ~~لعظة لمن اتقى عقاب الله. # { وإنا لنعلم أن منكم مكذبين * وإنه ~~لحسرة على الكافرين } ، يوم القيامة يندمون على ترك الإيمان ~~به. # { وإنه لحق اليقين } ، أضافه إلى نفسه لاختلاف اللفظين. # { فسبح باسم ربك العظيم }. ### | [70 - سورة المعارج] ### || [70.1-2] # { سأل سآئل } قرأ أهل المدينة والشام: " سال " بغير همز وقرأ ~~الآخرون بالهمز، فمن همز فهو من السؤال، ومن قرأ بغير همز قيل: هو لغة في ~~السؤال، يقال: سال يسال مثل خاف يخاف، يعني سال يسال خفف الهمزة وجعلها ~~ألفا. # وقيل: هو من السيل، والسايل واد من أودية جهنم، يروى ذلك عن عبد الرحمن ~~بن زيد بن أسلم، والأول أصح. # واختلفوا في الباء في قوله: " بعذاب " قيل: هو بمعنى " عن " كقوله: # فاسأل به خبيرا # [الفرقان: 59] أي عنه خبيرا. # ومعنى الآية: سأل سائل عن عذاب، { واقع } ، نازل كائن على من ينزل ولمن ~~ذلك العذاب فقال الله مبينا مجيبا لذلك السائل: # { للكفرين } ، وذلك أن أهل مكة لما خوفهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالعذاب قال بعضهم لبعض: من أهل هذا العذاب؟ ولمن هو؟ سلوا عنه ~~محمدا فسألوه فأنزل الله: { سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ~~} أي: هو للكافرين، هذا قول الحسن وقتادة. وقيل: الباء صلة ومعنى الآية: ~~دعا داع وسأل سائل عذابا واقعا للكافرين, أي: ms2370 على الكافرين، اللام ~~بمعنى " على " ، وهو النضر بن الحارث حيث دعا على نفسه وسأل العذاب، ~~فقال: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك # الآية [الأنفال: 32]، فنزل به ما سأل يوم بدر, فقتل صبرا, وهذا قول ابن ~~عباس ومجاهد: { ليس له } ، أي للعذاب، { دافع } ، مانع. ### || [70.3-4] # { من الله ذي المعارج } ، قال ابن عباس: أي ذي السماوات، سماها ~~معارج لأن الملائكة تعرج فيها. وقال سعيد بن جبير: ذي الدرجات. وقال ~~قتادة: ذي الفواضل والنعم، ومعارج: الملائكة. # { تعرج الملئكة } ، قرأ الكسائي " يعرج " بالياء، وهي قراءة ~~ابن مسعود، وقرأ الآخرون " تعرج " بالتاء، { والروح } ، يعني جبريل ~~عليه السلام، { إليه } أي إلى الله عز وجل: { فى يوم كان ~~مقداره خمسين ألف سنة } ، من سني الدنيا لو صعد غير الملك ~~وذلك أنها تصعد منتهى أمر الله تعالى من أسفل الأرض السابعة إلى منتهى ~~أمر الله تعالى من فوق السماء السابعة. # روى ليث عن مجاهد أن مقدار هذا خمسون ألف سنة. # وقال محمد بن إسحاق: لو سار بنو آدم من الدنيا إلى موضع العرش ساروا ~~خمسين ألف سنة من سني الدنيا. # وقال عكرمة وقتادة: هو يوم القيامة. وقال الحسن أيضا: هو يوم القيامة. ~~وأراد أن موقفهم للحساب حتى يفصل بين الناس خمسون ألف سنة من سني الدنيا، ~~ليس يعني به مقدار طوله هذا دون غيره, لأن يوم القيامة له أول وليس له ~~آخر لأنه يوم ممدود، ولو كان له آخر لكان منقطعا. # وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: هو يوم القيامة يكون على الكافرين ~~مقدار خمسين ألف سنة. # أخبرنا أبو الفرج المظفر بن إسماعيل التميمي, أخبرنا أبو القاسم حمزة بن ~~يوسف السهمي, أخبرنا أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ, حدثنا عبد الله بن ~~سعيد, حدثنا أسد بن موسى, حدثنا ابن لهيعة, عن دراج أبي السمح, عن أبي ~~الهيثم عن أبي سعيد الخدري قال # " قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة: ~~فما أطول هذا اليوم؟ فقال رسول الله ms2371 صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده ~~إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا ~~". # وقيل: معناه لو ولي محاسبة العباد في ذلك اليوم غير الله لم يفرغ منه في ~~خمسين ألف سنة. وهذا معنى قول عطاء عن ابن عباس ومقاتل: قال عطاء: ويفرغ ~~الله منه في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا. # وروى محمد بن الفضل عن الكلبي قال: يقول لو وليت حساب ذلك اليوم ~~الملائكة والجن والإنس وطوقتهم محاسبتهم لم يفرغوا منه إلا بعد خمسين ~~ألف سنة، وأنا أفرغ منها في ساعة واحدة من النهار. # وقال يمان: هو يوم القيامة, فيه خمسون موطنا, كل موطن ألف سنة. وفيه ~~تقديم وتأخير كأنه قال: ليس له دافع من الله ذي المعارج في يوم كان ~~مقداره خمسين ألف سنة تعرج الملائكة والروح إليه. ### || [70.5-9] # { فاصبر صبرا جميلا } ، يا محمد على تكذيبهم، وهذا قبل أن ~~يؤمر بالقتال. # { إنهم يرونه بعيدا } ، يعني العذاب، { ونراه قريبا ~~} ، لأن ما هو آت قريب. # { يوم تكون السماء كالمهل } ، كعكر الزيت. وقال الحسن: ~~كالفضة إذا أذيبت. # { وتكون الجبال كالعهن } ، كالصوف المصبوغ. ولا يقال: " ~~عهن " إلا للمصبوغ. وقال مقاتل: كالصوف المنفوش. وقال الحسن: كالصوف ~~الأحمر وهو أضعف الصوف، وأول ما تتغير الجبال تصير رملا مهيلا، ثم ~~عهنا منفوشا، ثم تصير هباء منثورا. ### || [70.10-16] # { ولا يسأل حميم حميما } ، قرأ البزي عن ابن كثير " لا ~~يسأل " بضم الياء أي: لا يسأل حميم عن حميم، أي لا يقال له أين ~~حميمك؟ وقرأ الآخرون بفتح الياء، أي: لا يسأل قريب قريبا لشغله بشأن ~~نفسه. # { يبصرونهم } ، يرونهم, وليس في القيامة مخلوق إلا وهو نصب عين ~~صاحبه من الجن والإنس, فيبصر الرجل أباه وأخاه وقرابته فلا يسأله، ويبصر ~~حميمه فلا يكلمه لاشتغاله بنفسه. # قال ابن عباس: يتعارفون ساعة من النهار ثم لا يتعارفون بعده. # وقيل: " يبصرونهم ": يعرفونهم, أي: يعرف الحميم حميمه حتى ~~يعرفه، ومع ذلك لا يسأله عن شأنه لشغله بنفسه. # وقال السدي: يعرفونهم أما المؤمن فببياض وجهه، وأما ms2372 الكافر فبسواد ~~وجهه، { يود المجرم } ، يتمنى المشرك، { لو يفتدي من ~~عذاب يومئذ ببنيه }. # { وصاحبته } ، زوجته، { وأخيه * وفصيلته } ، عشيرته التي ~~فصل منهم. قال مجاهد: قبيلته. وقال غيره: أقرباؤه الأقربون. { التى ~~تؤويه } ، أي التي تضمه ويأوي إليها. # { ومن فى الأرض جميعا ثم ينجيه } ، ذلك الفداء من عذاب ~~ربك. # { كلا } ، لا ينجيه من عذاب الله شيء، ثم ابتدأ فقال: { إنها ~~لظى } ، وهي اسم من أسماء جهنم. قيل: هي الدركة الثانية، سميت بذلك ~~لأنها تتلظى, أي: تتلهب. # { نزاعة للشوى } ، قرأ حفص عن عاصم " نزاعة " نصب على الحال ~~والقطع، وقرأ الآخرون بالرفع أي هي نزاعة للشوى، وهي الأطراف: اليدان، ~~والرجلان، وسائر والأطراف. قال مجاهد: لجلود الرأس. وروى إبراهيم بن ~~المهاجر عنه: تنزع اللحم دون العظام. # قال مقاتل: تنزع النار الأطراف فلا تترك لحما ولا جلدا. # وقال الضحاك: تنزع الجلد واللحم عن العظم. # وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: العصب والعقب. # وقال الكلبي: لأم الرأس, تأكل الدماغ كله ثم يعود كما كان، ثم تعود ~~لأكله فذلك دأبها. # وقال قتادة: لمكارم خلقه وأطرافه. وقال أبو العالية: لمحاسن وجهه. # وقال ابن جرير: " الشوى ": جوارح الإنسان ما لم يكن مقتلا، يقال: رمى ~~فأشوى إذا أصاب الأطراف ولم يصب المقتل. ### || [70.17-33] # { تدعو } ، أي: النار إلى نفسها، { من أدبر } ، عن الإيمان، { ~~وتولى } ، عن الحق فتقول إلي يا مشرك إلي يا منافق إلي ~~إلي. قال ابن عباس: تدعو الكافرين والمنافقين بأسمائهم بلسان فصيح ثم ~~تلتقطهم كما يلتقط الطير الحب. حكي عن الخليل: أنه قال: تدعو أي تعذب. ~~وقال: قال أعرابي لآخر: دعاك الله أي عذبك الله. # { وجمع } ، أي جمع المال، { فأوعى } ، أمسكه في الوعاء ولم ~~يؤد حق الله منه. # { إن الإنسن خلق هلوعا } ، روى السدي عن أبي صالح عن ابن ~~عباس قال: " الهلوع ": الحريص على ما لا يحل له. وقال سعيد بن جبير: ~~شحيحا. وقال عكرمة: ضجورا. وقال الضحاك والحسن: بخيلا. وقال قتادة: ~~جزوعا. وقال مقاتل: ضيق القلب. والهلع: شدة الحرص، وقلة الصبر. وقال ~~عطية عن ابن عباس: تفسيره ما بعده. ms2373 وهو قوله: { إذا مسه الشر ~~جزوعا * وإذا مسه الخير منوعا } ، أي: إذا أصابه الفقر ~~لم يصبر، وإذا أصاب المال لم ينفق. قال ابن كيسان: خلق الله الإنسان يحب ~~ما يسره ويهرب مما يكره، ثم تعبده بإنفاق ما يحب والصبر على ما يكره. ~~ثم استثنى فقال: # { إلا المصلين } ، استثنى الجمع من الوحدان لأن الإنسان في معنى ~~الجمع كقوله: { إن الإنسان لفى خسر إلا الذين آمنوا }. # { الذين هم على صلاتهم دائمون } ، يقيمونها في أوقاتها ~~يعنى الفرائض. # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة, حدثنا أبو طاهر محمد بن ~~أحمد بن الحارث, أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي, أخبرنا عبد الله بن ~~محمود, أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الخلال, حدثنا عبد الله بن ~~المبارك, عن ابن لهيعة, حدثني يزيد بن أبي حبيب: أن أبا الخير أخبره قال: ~~سألنا عقبة بن عامر عن قول الله تعالى: { الذين هم على ~~صلاتهم دائمون } أهم الذين يصلون أبدا؟ قال: لا, ولكنه إذا صلى ~~لم يلتفت عن يمينه ولا عن شماله ولا خلفه. # { والذين فى أمولهم حق معلوم * للسآئل ~~والمحروم * والذين يصدقون بيوم الدين * ~~والذين هم من عذاب ربهم مشفقون * إن عذاب ~~ربهم غير مأمون * والذين هم لفروجهم ~~حفظون * إلا على أزوجهم أو ما ملكت ~~أيمنهم فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى ~~ورآء ذلك فأولئك هم العادون * والذين هم ~~لأمنتهم وعهدهم رعون * والذين هم ~~بشهدتهم قائمون } ، قرأ حفص عن عاصم ويعقوب " بشهاداتهم ": ~~على الجمع، وقرأ الآخرون بشهادتهم على التوحيد, { قائمون } أي يقومون ~~فيها بالحق أولا يكتمونها ولا يغيرونها. ### || [70.34-39] # { والذين هم على صلاتهم يحافظون * أولئك فى ~~جنات مكرمون }. # { فمال الذين كفروا } ، أي: فما بال الذين كفروا، كقوله: # فما لهم عن التذكرة معرضين # [المدثر: 49]، { قبلك مهطعين } ، مسرعين مقبلين إليك مادي ~~أعناقهم ومديمي النظر إليك متطلعين نحوك. # نزلت في جماعة من الكفار, كانوا يجتمعون حول النبي صلى الله عليه وسلم ~~يستمعون كلامه ويستهزئون به ويكذبونه، فقال الله تعالى: ما لهم ينظرون ~~إليك ويجلسون عندك وهم لا ينتفعون ms2374 بما يستمعون. # { عن اليمين وعن الشمال عزين } ، حلقا وفرقا، " ~~والعزين ": جماعات في تفرقة، واحدتها عزة. # { أيطمع كل امرىء منهم أن يدخل جنة نعيم } ~~، قال ابن عباس: معناه أيطمع كل رجل منهم أن يدخل جنتي كما يدخلها ~~المسلمون ويتنعم فيها وقد كذب نبيي؟ # { كلا } ، لا يدخلونها، ثم ابتدأ فقال: { إنا خلقنهم مما ~~يعلمون } ، أي: من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة، نبه الناس على أنهم ~~خلقوا من أصل واحد وإنما يتفاضلون ويستوجبون الجنة بالإيمان والطاعة. # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي, أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم ~~الثعلبي, أخبرنا الحسين بن محمد بن فنجويه, حدثنا موسى بن محمد بن علي, ~~حدثنا جعفر بن محمد الفريابي, حدثنا صفوان بن صالح, حدثنا الوليد بن ~~مسلم, حدثنا جرير بن عثمان الرحبي, عن عبد الرحمن بن ميسرة, عن جبير بن ~~نفير, عن بشر بن جحاش القرشي قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم وبصق ~~يوما في كفه ووضع عليها إصبعه فقال: # " يقول الله عز وجل: " ابن آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه، ~~حتى إذا سويتك وعدلتك، ومشيت بين بردين، وللأرض منك وئيد فجمعت ومنعت ~~حتى إذا بلغت التراقي قلت أتصدق، وأنى أوان الصدقة ". # وقيل: معناه إنا خلقناهم من أجل ما يعملون وهو الأمر والنهي والثواب ~~والعقاب. # وقيل: " ما " بمعنى " من " ، مجازه: إنا خلقناهم ممن يعلمون ويعقلون لا ~~كالبهائم. ### || [70.40-44] # { فلا أقسم برب المشرق والمغرب } ، يعني مشرق ~~كل يوم من أيام السنة ومغربه، { إنا لقدرون * على أن ~~نبدل خيرا منهم } , على أن نخلق أمثل منهم وأطوع لله ~~ورسوله، { وما نحن بمسبوقين }. # { فذرهم يخوضوا } ، في باطلهم، { ويلعبوا } ، في دنياهم، { ~~حتى يلقوا يومهم الذى يوعدون } ، نسختها آية ~~القتال. # { يوم يخرجون من الأجداث } ، من القبور، { سراعا } ، ~~إلى إجابة الداعي، { كأنهم إلى نصب } ، قرأ ابن عامر وابن ~~عباس وحفص: " نصب " بضم النون والصاد، وقرأ الآخرون بفتح النون وسكون ~~الصاد، يعنون إلى شيء منصوب، يقال: فلان نصب عيني. وقال الكلبي: إلى ~~علم وراية. ومن قرأ بالضم. قال مقاتل والكسائي: ms2375 يعني إلى أوثانهم التي ~~كانوا يعبدونها من دون الله. كقوله: # وما ذبح على النصب # [المائدة: 3]. قال الحسن: يسرعون إليها أيهم يتسلمها أولا. { يوفضون ~~} ، يسرعون. # { خاشعة } ، ذليلة خاضعة, { أبصرهم ترهقهم ذلة } ، ~~يغشاهم هوان، { ذلك اليوم الذى كانوا يوعدون } ، يعني يوم ~~القيامة. ### | [71 - سورة نوح] ### || [71.1-6] # { إنآ أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك } ، ~~أي: بأن أنذر قومك، { من قبل أن يأتيهم عذاب أليم } ، ~~المعنى: إنا أرسلناه لينذرهم بالعذاب إن لم يؤمنوا. # { قال يقوم إنى لكم نذير مبين } ، أنذركم وأبين ~~لكم. رسالة الله بلغة تعرفونها. # { أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون * يغفر لكم ~~من ذنوبكم } ، " من " صلة, أي: يغفر لكم ذنوبكم. وقيل: يعني ما ~~سلف من ذنوبكم إلى وقت الإيمان، وذلك بعض ذنوبهم، { ويؤخركم ~~إلى أجل مسمى } ، أي: يعافيكم إلى منتهى آجالكم فلا يعاقبكم، ~~{ إن أجل الله إذا جآء لا يؤخر لو كنتم ~~تعلمون } ، يقول: آمنوا قبل الموت، تسلموا من العذاب، فإن أجل الله ~~إذا جاء لا يؤخر ولا يمكنكم الإيمان. # { قال رب إنى دعوت قومى ليلا ونهارا * فلم ~~يزدهم دعائى إلا فرارا } ، نفارا وإدبارا عن الإيمان ~~والحق. ### || [71.7-11] # { وإنى كلما دعوتهم } ، إلى الإيمان بك، { لتغفر ~~لهم جعلوا أصبعهم فى آذانهم } ، لئلا يسمعوا ~~دعوتي، { واستغشوا ثيابهم } ، غطوا بها وجوههم لئلا يروني، { ~~وأصروا } على كفرهم، { واستكبروا } ، عن الإيمان بك، { ~~استكبارا }. # { ثم إنى دعوتهم جهرا } ، معلنا بالدعاء. قال ابن ~~عباس: بأعلى صوتي. # { ثم إنى أعلنت لهم } ، كررت الدعاء معلنا، { ~~وأسررت لهم إسرارا } ، قال ابن عباس: يريد الرجل بعد الرجل, ~~أكلمه سرا بيني وبينه، أدعوه إلى عبادتك وتوحيدك. # { فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا * ~~يرسل السمآء عليكم مدرارا } ، وذلك أن قوم نوح لما ~~كذبوه زمانا طويلا حبس الله عنهم المطر وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة، ~~فهلكت أموالهم ومواشيهم، فقال لهم نوح: استغفروا ربكم من الشرك، أي ~~استدعوا المغفرة بالتوحيد، يرسل السماء عليكم مدرارا. # روى مطرف عن الشعبي أن عمر رضي الله تعالى عنه خرج يستسقي بالناس، فلم ~~يزد على الاستغفار حتى رجع، فقيل له: ما سمعناك ms2376 استسقيت؟ فقال: طلبت ~~الغيث بمجاديح السماء التي يستنزل بها المطر، ثم قرأ: { استغفروا ~~ربكم إنه كان غفارا * يرسل السمآء عليكم ~~مدرارا }. ### || [71.12-19] # { ويمددكم بأمول وبنين } ، قال عطاء: يكثر أموالكم ~~وأولادكم، { ويجعل لكم جنت ويجعل لكم أنهارا * ~~ما لكم لا ترجون لله وقارا } ، قال ابن عباس ومجاهد: لا ~~ترون لله عظمة. وقال سعيد بن جبير: ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته. وقال ~~الكلبي: لا تخافون الله حق عظمته. # و " الرجاء ": بمعنى الخوف، و " الوقار ": العظمة، اسم من التوقير وهو ~~التعظيم. # قال الحسن: لا تعرفون لله حقا ولا تشكرون له نعمة. # قال ابن كيسان: ما لكم لا ترجون في عبادة الله أن يثيبكم على توقيركم ~~إياه خيرا. # { وقد خلقكم أطوارا } ، تارات، حالا بعد حال، نطفة ثم علقة ~~ثم مضغة إلى تمام الخلق. # { ألم تروا كيف خلق الله سبع سموت طباقا * ~~وجعل القمر فيهن نورا } قال الحسن: يعني في السماء الدنيا، ~~كما يقال: أتيت بني تميم, وإنما أتى بعضهم، وفلان متوار في دور فلان ~~وإ نما هو في دار واحدة. وقال عبد الله بن عمرو: إن الشمس والقمر وجوههما ~~إلى السماوات, وضوء الشمس ونور القمر فيهن وأقفيتهما إلى الأرض. ويروى ~~هذا عن ابن عباس. # { وجعل الشمس سراجا } ، مصباحا مضيئا. # { والله أنبتكم من الأرض نباتا } ، أراد مبدأ خلق ~~آدم, خلقه من الأرض، والناس ولده، وقوله: " نباتا " اسم جعل في موضع ~~المصدر أي إنباتا، قال الخليل: مجازه: أنبتكم فنبتم نباتا. # { ثم يعيدكم فيها } ، بعد الموت، { ويخرجكم } ، منها ~~يوم البعث أحياء، { إخراجا }. # { والله جعل لكم الأرض بساطا } ، فرشها وبسطها لكم. ### || [71.20-23] # { لتسلكوا منها سبلا فجاجا } ، طرقا واسعة. # { قال نوح رب إنهم عصونى } ، لم يجيبوا دعوتي، { ~~واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا } ~~، يعني: اتبع السفلة والفقراء القادة والرؤساء الذين لم يزدهم كثرة ~~المال والولد إلا ضلالا في الدنيا وعقوبة في الآخرة. # { ومكروا مكرا كبارا } ، أي كبيرا عظيما، يقال: كبير ~~وكبار، بالتخفيف، كبار بالتشديد، كلها بمعنى واحد, كما يقال: أمر ~~عجيب وعجاب وعجاب بالتشديد أشد ms2377 في المبالغة. # واختلفوا في مكرهم. قال ابن عباس: قالوا قولا عظيما. وقال الضحاك: ~~افتروا على الله وكذبوا رسله وقيل: منع الرؤساء أتباعهم عن الإيمان ~~بنوح وحرضوهم على قتله. # { وقالوا } ، لهم: { لا تذرن ءالهتكم } ، أي لا تتركوا ~~عبادتها، { ولا تذرن ودا } ، قرأ أهل المدينة بضم الواو ~~والباقون بفتحها، { ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا } ، ~~هذه أسماء آلهتهم. # قال محمد بن كعب: هذه أسماء قوم صالحين كانوا بين آدم ونوح، فلما ماتوا ~~كان لهم أتباع يقتدون بهم ويأخذون بعدهم بأخذهم في العبادة فجاءهم إبليس ~~وقال لهم: لو صورتم صورهم كان أنشط لكم وأشوق إلى العبادة، ففعلوا ثم نشأ ~~قوم بعدهم فقال لهم إبليس: إن الذين من قبلكم كانوا يعبدونهم فعبدوهم، ~~فابتداء عبادة الأوثان كان من ذلك. # وسميت تلك الصور بهذه الأسماء لأنهم صوروها على صور أولئك القوم من ~~المسلمين. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, ~~أخبرنا محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا إبراهيم بن موسى, ~~حدثنا هشام عن ابن جريج وقال عطاء عن ابن عباس: صارت الأوثان التي كانت ~~تعبد في قوم نوح تعبد في العرب بعده، أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل، ~~وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجرف ~~عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي ~~الكلاع ذكره في تفسيره. # وروى سفيان عن موسى عن محمد بن قيس قوله تعالى: { ولا تذرن ~~ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا } قال: كانت ~~أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن ~~انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم، ~~ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت. # وروي عن ابن عباس: أن تلك الأوثان دفنها الطوفان وطمها التراب، فلم تزل ~~مدفونة حتى أخرجها الشيطان لمشركي العرب، وكانت للعرب أصنام أخر، فاللات ~~كانت لثقيف، والعزى لسليم وغطفان وجشم، ومناة لقديد، وإساف ونائلة ~~وهبل لأهل مكة. ### || [71.24-25] # { وقد ms2378 أضلوا كثيرا } ، أي: ضل بسبب الأصنام كثير من الناس ~~كقوله عز وجل: # رب إنهن أضللن كثيرا من الناس # [إبراهيم: 36]، وقال مقاتل: أضل كبراؤهم كثيرا من الناس. { ولا ~~تزد الظلمين إلا ضلالا } ، هذا دعاء عليهم بعدما أعلم ~~الله نوحا أنهم لا يؤمنون، وهو قوله: # أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد ءامن # [هود: 36]. # { مما خطيئتهم } ، أي: من خطيئاتهم، و " ما " صلة, وقرأ ~~أبو عمرو: " خطاياهم " وكلاهما جمع خطيئة, { أغرقوا } ، بالطوفان، { ~~فأدخلوا نارا } ، قال الضحاك: هي في حالة واحدة في الدنيا يغرقون ~~من جانب ويحترقون من جانب، وقال مقاتل: فأدخلوا نارا في الآخرة، { ~~فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا } ، لم يجدوا ~~أحدا يمنعهم من عذاب الله. ### || [71.26-28] # { وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكفرين ~~ديارا } ، أحدا يدور في الأرض فيذهب ويجيء أصله من الدوران، وقال ~~ابن قتيبة: إن أصله من الدار أي نازل دار. # { إنك إن تذرهم يضلوا عبادك } ، قال ابن عباس, ~~والكلبي, ومقاتل: كان الرجل ينطلق بابنه إلى نوح فيقول: احذر هذا فإنه ~~كذاب، وإن أبي حذرنيه, فيموت الكبير وينشأ الصغير عليه، { ولا ~~يلدوا إلا فاجرا كفارا } ، قال محمد بن كعب, ومقاتل, ~~والربيع, وغيرهم: إنما قال نوح هذا حين أخرج الله كل مؤمن من أصلابهم ~~وأرحام نسائهم وأعقم أرحام نسائهم وأيبس أصلاب رجالهم قبل العذاب بأربعين ~~سنة. وقيل: سبعين سنة وأخبر الله نوحا أنهم لا يؤمنون ولا يلدون مؤمنا ~~فحينئذ دعا عليهم نوح فأجاب الله دعاءه، وأهلكهم كلهم ولم يكن فيهم صبي ~~وقت العذاب لأن الله تعالى قال: # وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقنهم # [الفرقان: 37]، ولم يوجد التكذيب من الأطفال. # { رب اغفر لى ولولدى } ، واسم أبيه: لمك بن متوشلخ واسم ~~أمه: سمحاء بنت أنوش, وكانا مؤمنين، وقيل اسمها هيجل بنت لاموش بن ~~متوشلخ فكانت بنت عمه، { ولمن دخل بيتى } ، داري، { مؤمنا ~~} ، وقال الضحاك والكلبي: مسجدي. وقيل: سفينتي. { وللمؤمنين ~~والمؤمنات } ، هذا عام في كل من آمن بالله وصدق الرسل، { ولا ~~تزد الظلمين إلا تبارا } ، هلاكا ودمارا, فاستجاب الله ms2379 ~~دعاءه فأهلكهم. ### | [72 - سورة الجن] ### || [72.1-3] # { قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن } , ~~وكانوا تسعة من جن نصيبين. وقيل: سبعة، استمعوا قراءة النبي صلى الله ~~عليه وسلم ذكرنا خبرهم في سورة الأحقاف { فقالوا } ، لما رجعوا إلى ~~قومهم: { إنا سمعنا قرءانا عجبا } ، قال ابن عباس: بليغا، ~~أي قرآنا ذا عجب يعجب منه لبلاغته. # { يهدى إلى الرشد } ، يدعو إلى الصواب من التوحيد والإيمان، { ~~فآمنا به ولن نشرك بربنآ أحدا }. # { وأنه تعلى جد ربنا } ، قرأ أهل الشام والكوفة غير ~~أبي بكر عن عاصم: { وأنه تعلى } بفتح الهمزة وكذلك ما بعده ~~إلى قوله: { وأنا منا المسلمون } ، وقرأ الآخرون بكسرهن, ~~وفتح أبو جعفر منها " وأنه " وهو ما كان مردودا إلى الوحي، وكسر ما كان ~~حكاية عن الجن. # والاختيار كسر الكل لأنه من قول الجن لقومهم، فهو معطوف على قوله: { ~~فقالوا إنا سمعنا قرءانا عجبا } ، وقالوا: { ~~وأنه تعلى }. # ومن فتح رده على قوله: " فآمنا به " وآمنا بكل ذلك؛ ففتح " أن " ~~لوقوع الإيمان عليه. # { جد ربنا } ، جلال ربنا وعظمته، قاله مجاهد وعكرمة وقتادة. يقال: ~~جد الرجل, أي: عظم، ومنه قول أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل ~~عمران جد فينا، أي: عظم قدره. # وقال السدي: " جد ربنا " أي أمر ربنا: وقال الحسن: غنى ربنا. ومنه ~~قيل للجد: حظ، ورجل مجدود. # وقال ابن عباس: قدرة ربنا. قال الضحاك: فعله. # وقال القرظي: آلاؤه ونعماؤه على خلقه. # وقال الأخفش: علا ملك ربنا. { ما اتخذ صحبة ولا ولدا } ، ~~قيل: تعالى جل جلاله وعظمته عن أن يتخذ صاحبة أو ولدا. ### || [72.4-6] # { وأنه كان يقول سفيهنا } ، جاهلنا، قال مجاهد وقتادة: هو ~~إبليس، { على الله شططا } ، كذبا وعدوانا وهو وصفه بالشريك ~~والولد. # { وأنا ظننآ } ، حسبنا، { أن لن تقول الإنس والجن ~~} ، قرأ يعقوب " تقول " بفتح الواو وتشديدها, { على الله ~~كذبا } ، أي: كنا نظنهم في قولهم إن لله صاحبة وولدا حتى سمعنا ~~القرآن. # قال الله تعالى: { وأنه كان رجال من الإنس يعوذون ~~برجال من الجن } ، وذلك أن الرجل من العرب في الجاهلية كان ~~إذا سافر ms2380 فأمسى في أرض قفر, قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه، ~~فيبيت في أمن وجوار منهم حتى يصبح. # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي, أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي, أخبرنا ابن ~~فنجويه, حدثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك, حدثنا أبو القاسم عبد ~~الرحمن بن محمد بن إسحاق المروزي, حدثنا موسى بن سعيد بن النعمان بطرسوس, ~~حدثنا فروة بن أبي المغراء الكندي, حدثنا القاسم بن مالك, عن عبد الرحمن ~~بن إسحاق, عن أبيه, عن كردم بن أبي سائب الأنصاري قال: خرجت مع أبي إلى ~~المدينة في حاجة وذلك أول ما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، ~~فآوانا المبيت إلى راعي غنم، فلما انتصف الليل جاء ذئب فأخذ حملا من ~~الغنم، فوثب الراعي فقال: يا عامر الوادي جارك, فنادى مناد لا نراه، ~~يقول: يا سرحان أرسله، فأتى الحمل يشتد حتى دخل الغنم ولم تصبه كدمة، ~~فأنزل الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم بمكة { وأنه ~~كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن } ، { ~~فزادوهم رهقا } ، يعني زاد الإنس الجن باستعاذتهم بقادتهم ~~رهقا. # قال ابن عباس: إثما. قال مجاهد: طغيانا. قال مقاتل: غيا. قال الحسن: ~~شرا قال إبراهيم: عظمة وذلك أنهم كانوا يزدادون بهذا التعوذ طغيانا، ~~يقولون: سدنا الجن والإنس، و " الرهق " في كلام العرب: الإثم وغشيان ~~المحارم. ### || [72.7-11] # { وأنهم ظنوا } ، يقول الله تعالى: إن الجن ظنوا، { كما ~~ظننتم } ، يا معشر الكفار من الإنس، { أن لن يبعث الله ~~أحدا } ، بعد موته. # { وأنا } ، تقول الجن: { لمسنا السمآء } ، قال الكلبي: ~~السماء الدنيا، { فوجدنها ملئت حرسا شديدا } ، من ~~الملائكة { وشهبا } ، من النجوم. # { وأنا كنا نقعد منها } , من السماء، { مقعد ~~للسمع } ، أي: كنا نستمع، { فمن يستمع الأن يجد له ~~شهابا رصدا } ، أرصد له ليرمى به. # قال ابن قتيبة: إن الرجم كان قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ولكن لم ~~يكن مثل ما كان بعد مبعثه في شدة الحراسة، وكانوا يسترقون في بعض ~~الأحوال، فلما بعث النبي صلى الله عليه ms2381 وسلم منعوا من ذلك أصلا ثم ~~قالوا: # { وأنا لا ندرى أشر أريد بمن فى الأرض } ، برمي ~~الشهب، { أم أراد بهم ربهم رشدا }. # { وأنا منا الصلحون ومنا دون ذلك } ، دون ~~الصالحين, { كنا طرآئق قددا } ، أي: جماعات متفرقين وأصنافا ~~مختلفة، والقدة: القطعة من الشيء، يقال: صار القوم قددا إذا اختلفت ~~حالاتهم، وأصلها من القد وهو القطع. قال مجاهد: يعنون: مسلمين وكافرين. # وقيل: ذوو أهواء مختلفة, وقال الحسن والسدي: الجن أمثالكم فمنهم قدرية ~~ومرجئة ورافضة. # وقال ابن كيسان: شيعا وفرقا لكل فرقة هوى كأهواء الناس. # وقال سعيد بن جبير: ألوانا شتى, وقال أبو عبيدة: أصنافا. ### || [72.12-17] # { وأنا ظننآ } ، علمنا وأيقنا، { أن لن نعجز الله ~~فى الأرض } ، أي: لن نفوته إن أراد بنا أمرا، { ولن نعجزه ~~هربا } ، إن طلبنا. # { وأنا لما سمعنا الهدى } ، القرآن وما أتى به محمد، { ~~ءامنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا } ، ~~نقصانا من عمله وثوابه، { ولا رهقا } ، ظلما. وقيل: مكروها ~~يغشاه. # { وأنا منا المسلمون } ، وهم الذين آمنوا بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم، { ومنا القسطون } ، الجائرون العادلون عن الحق. قال ~~ابن عباس: هم الذين جعلوا لله ندا، يقال: أقسط الرجل إذا عدل فهو مقسط، ~~وقسط إذا جار فهو قاسط, { فمن أسلم فأولئك تحروا ~~رشدا } ، أي قصدوا طريق الحق وتوخوه. # { وأما القسطون } ، الذين كفروا، { فكانوا لجهنم ~~حطبا } ، كانوا وقود النار يوم القيامة. ثم رجل إلى كفار مكة فقال: # { وأن لو استقموا على الطريقة } ، اختلفوا في ~~تأويلها، فقال قوم: لو استقاموا على طريقة الحق والإيمان والهدى فكانوا ~~مؤمنين مطيعين، { لأسقينهم مآء غدقا } ، كثيرا، قال ~~مقاتل: وذلك بعدما رفع عنهم المطر سبع سنين. وقالوا معناه لو آمنوا ~~لوسعنا عليهم في الدنيا وأعطيناهم مالا كثيرا وعيشا رغدا، وضرب ~~الماء الغدق مثلا, لأن الخير والرزق كله في المطر، كما قال: # ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ومآ أنزل ~~إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم # [المائدة: 66]. وقال: # ولو أن أهل القرى ءامنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركت من السمآء # [الأعراف: 96]. # وقوله تعالى: { لنفتنهم فيه } ، أي: لنختبرهم كيف شكرهم ms2382 فيما ~~خولوا. وهذا قول سعيد ابن المسيب وعطاء بن أبي رباح والضحاك وقتادة ~~ومقاتل والحسن. # وقال آخرون: معناها وأن لو استقاموا على طريقة الكفر والضلالة لأعطيناهم ~~مالا كثيرا, ولوسعنا عليهم لنفتنهم فيه عقوبة لهم واستدراجا حتى ~~يفتتنوا بها فنعذبهم، وهذا قول الربيع بن أنس وزيد بن أسلم والكلبي وابن ~~كيسان، كما قال الله: # فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب ~~كل شىء # الآية [الأنعام: 44]. # { ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه } ، قرأ أهل الكوفة ~~ويعقوب: " يسلكه " بالياء، وقرأ الآخرون بالنون، أي: ندخله، { عذابا ~~صعدا } ، قال ابن عباس: شاقا، والمعنى ذا صعد, أي: ذا مشقة. قال ~~قتادة: لا راحة فيه. وقال مقاتل: لا فرح فيه. قال الحسن: لا يزداد إلا ~~شدة. والأصل فيه أن الصعود يشق على الناس. ### || [72.18-19] # { وأن المسجد لله } ، يعني المواضع التي بنيت للصلاة ~~وذكر الله، { فلا تدعوا مع الله أحدا } ، قال قتادة: كانت ~~اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا بالله، فأمر الله ~~المؤمنين أن يخلصوا لله الدعوة إذا دخلوا المساجد وأراد بها المساجد ~~كلها. # وقال الحسن: أراد بها البقاع كلها لأن الأرض جعلت كلها مسجدا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم. # وقال سعيد بن جبير: قالت الجن للنبي صلى الله عليه وسلم: كيف لنا أن ~~نأتي المسجد وأن نشهد معك الصلاة ونحن ناؤون؟ فنزلت: { وأن ~~المسجد لله }. # وروي عن سعيد بن جبير أيضا: أن المراد بالمساجد الأعضاء التي يسجد ~~عليها الإنسان وهي سبعة: الجبهة واليدان والركبتان والقدمان؟ يقول: هذه ~~الأعضاء التي يقع عليها السجود مخلوقة لله فلا تسجدوا عليها لغيره. # أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن العباس الحميدي, أخبرنا أبو عبد الله ~~محمد بن عبد الله الحافظ, أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب, حدثنا علي ~~بن الحسن الهلالي والسري بن خزيمة قالا: حدثنا يعلى بن أسد, حدثنا وهيب, ~~عن عبد الله بن طاووس, عن أبيه, عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء: الجبهة - وأشار بيده ms2383 إليها - واليدين, ~~والركبتين, وأطراف القدمين ولا أكف الثوب ولا الشعر ". # فإن جعلت المساجد مواضع الصلاة, فواحدها مسجد, بكسر الجيم، وإن جعلتها ~~الأعضاء فواحدها مسجد, بفتح الجيم. # { وأنه لما قام عبد الله } ، قرأ نافع وأبو بكر بكسر ~~الهمزة، وقرأ الباقون بفتحها، { لما قام عبد الله } ، يعني ~~النبي صلى الله عليه وسلم، { يدعوه } ، يعني يعبده ويقرأ القرآن, وذلك ~~حين كان يصلي ببطن نخلة ويقرأ القرآن، { كادوا } ، يعني الجن، { ~~يكونون عليه لبدا } ، أي يركب بعضهم بعضا، ويزدحمون حرصا على ~~استماع القرآن. هذا قول الضحاك ورواية عطية عن ابن عباس. # وقال سعيد بن جبير عنه: هذا من قول النفر الذين رجعوا إلى قومهم من الجن ~~أخبروهم بما رأوا من طاعة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم واقتدائهم به ~~في الصلاة. # وقال الحسن وقتادة وابن زيد يعني لما قام عبد الله بالدعوة تلبدت الإنس ~~والجن، وتظاهروا عليه ليبطلوا الحق الذي جاءهم به، ويطفئوا نور الله, ~~فأبى الله إلا أن يتم نوره، ويتم هذا الأمر, وينصره على من ناوأه. # وقرأ هشام عن ابن عامر " لبدا " بضم اللام، وأصل " اللبد ": الجماعات ~~بعضها فوق بعض، ومنه سمى اللبد الذي يفرش لتراكمه, وتلبد الشعر: إذا ~~تراكم. ### || [72.20-28] # { قل إنمآ أدعو ربى } ، قرأ أبو جعفر, وعاصم, وحمزة: " قل " ~~على الأمر، وقرأ الآخرون: " قال " يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~إنما أدعو ربي " , قال مقاتل: وذلك أن كفار مكة قالوا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم: لقد جئت بأمر عظيم فارجع عنه فنحن نجيرك، فقال لهم: إنما أدعو ~~ربي، { ولا أشرك به أحدا }. # { قل إنى لا أملك لكم ضرا } ، لا أقدر أن أدفع عنكم ~~ضرا، { ولا رشدا } ، أي لا أسوق إليكم رشدا، أي: خيرا يعني أن ~~الله يملكه. # { قل إنى لن يجيرنى من الله أحد } ، لن يمنعني منه ~~أحد إن عصيته. { ولن أجد من دونه ملتحدا } ، ملجأ أميل إليه. ~~ومعنى " الملتحد " أي: المائل، قال السدي: حرزا. وقال الكلبي: مدخلا في ~~الأرض مثل السرب. # { إلا بلاغا من الله ورسلته } ، ففيه الجوار ~~والأمن ms2384 والنجاة، قاله الحسن. قال مقاتل: ذلك الذي يجيرني من عذاب الله، ~~يعني التبليغ. وقال قتادة: إلا بلاغا من الله فذلك الذي أملكه بعون الله ~~وتوفيقه. وقيل: لا أملك لكم ضرا ولا رشدا لكن أبلغ بلاغا من الله ~~فإنما أنا مرسل به لا أملك إلا ما ملكت. { ومن يعص الله ورسوله ~~} ، ولم يؤمن، { فإن له نار جهنم خلدين فيهآ ~~أبدا }. # { حتى إذا رأوا ما يوعدون } ، يعني العذاب يوم القيامة، ~~{ فسيعلمون } ، عند نزول العذاب، { من أضعف ناصرا ~~وأقل عددا } ، أهم أم المؤمنون. # { قل إن أدرى } ، أي ما أدري، { أقريب ما توعدون } ، ~~يعني العذاب وقيل القيامة، { أم يجعل له ربى أمدا } , ~~أجلا وغاية تطول مدتها يعني: أن علم وقت العذاب غيب لا يعلمه إلا الله. # { علم الغيب } رفع على نعت، قوله " ربي " ، وقيل: هو عالم ~~الغيب: { فلا يظهر } ، لا يطلع، { على غيبه أحدا * إلا ~~من ارتضى من رسول } ، إلا من يصطفيه لرسالته فيظهره على ما يشاء ~~من الغيب لأنه يستدل على نبوته بالآية المعجزة بان يخبر عن الغيب، { ~~فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا } ، ذكر ~~بعض الجهات دلالة على جميعها رصدا أي: يجعل بين يديه وخلفه حفظة من ~~الملائكة يحفظونه من الشياطين أن يسترقوا السمع، ومن الجن أن يستمعوا ~~الوحي فيلقوا إلى الكهنة. # قال مقاتل وغيره: كان الله إذا بعث رسولا أتاه إبليس في صورة ملك ~~يخبره فيبعث الله من بين يديه ومن خلفه رصدا من الملائكة يحرسونه ~~ويطردون الشياطين، فإذا جاءه شيطان في صورة ملك أخبروه بأنه شيطان، ~~فاحذره وإذا جاءه ملك قالوا له: هذا رسول ربك. # { ليعلم } ، قرأ يعقوب: " ليعلم " بضم الياء أي ليعلم الناس، { ~~أن } الرسل، { قد أبلغوا } ، وقرأ الآخرون بفتح الياء أي: " ليعلم ~~" الرسول أن الملائكة قد أبلغوا، { رسلت ربهم وأحاط ~~بما لديهم } ، أي: علم الله ما عند الرسل فلم يخف عليه شيء، { ~~وأحصى كل شىء عددا } ، قال ابن عباس: أحصى ما خلق وعرف عدد ~~ما خلق فلم يفته علم شيء حتى مثاقيل الدر والخردل، ونصب " عددا ms2385 " ~~على الحال، وإن شئت على المصدر، أي عد عدا. ### | [73 - سورة المزمل] ### || [73.1-4] # { يأيها المزمل } ، أي الملتفف بثوبه، وأصله: المتزمل, ~~أدغمت التاء في الزاي، ومثله المدثر, أي: المتدثر ادغمت التاء في الدال، ~~يقال: تزمل وتدثر بثوبه, إذا تغطى به. # وقال السدي: أراد يا أيها النائم قم فصل. # قال العلماء: كان هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم في أول الوحي قبل ~~تبليغ الرسالة, ثم خوطب بعد بالنبي والرسول. # { قم اليل } ، أي للصلاة، { إلا قليلا } ، وكان قيام الليل ~~فريضة في الابتداء وبين قدره فقال: { نصفه أو انقص منه ~~قليلا } ، إلى الثلث. # { أو زد عليه } ، على النصف إلى الثلثين، خيره بين هذه ~~المنازل، وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يقومون على هذه ~~المقادير، وكان الرجل لا يدري متى ثلث الليل ومتى نصف الليل ومتى ~~الثلثان، فكان الرجل يقوم حتى يصبح مخافة أن لا يحفظ القدر الواجب، ~~واشتد ذلك عليهم حتى انتفخت أقدامهم فرحمهم الله وخفف عنهم ونسخها بقوله: ~~{ فاقرءوا ما تيسر من القرءان علم أن سيكون ~~منكم مرضى } الآية. فكان بين أول السورة وآخرها سنة. # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي, أخبرنا أبو نعيم عبد ~~الملك بن الحسن الإسفراييني, أخبرنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الحافظ, ~~حدثنا الحسن بن علي بن عفان, حدثنا يحيى بن بشير, حدثنا سعيد - يعني ابن ~~أبي عروبة - حدثنا قتادة عن زرارة بن أبي أوفى عن سعيد بن هشام قال: ~~انطلقت إلى عائشة رضي الله عنها فقلت: يا أم المؤمنين انبئيني عن خلق ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، ~~قالت: فإن خلق نبي الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن، قلت: فقيام رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يا أم المؤمنين؟ قالت: ألست تقرأ { يأيها ~~المزمل } , قلت: بلى, قالت: فإن الله افترض القيام في أول هذه ~~السورة، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولا حتى انتفخت ~~أقدامهم وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرا في السماء، ثم أنزل ms2386 الله ~~التخفيف في آخر هذه السورة، فصار قيام الليل تطوعا بعد الفريضة. # قال مقاتل وابن كيسان: كان هذا بمكة قبل أن تفرض الصلوات الخمس، ثم نسخ ~~ذلك بالصلوات الخمس. # { ورتل القرءان ترتيلا } ، قال ابن عباس: بينه ~~بيانا. وقال الحسن: اقرأه قراءة بينة. وقال مجاهد: ترسل فيه ~~ترسلا. وقال قتادة: تثبت فيه تثبتا. وعن ابن عباس أيضا: اقرأه على ~~هينتك ثلاث آيات أو أربعا أو خمسا. # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا ~~محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا عمرو بن عاصم, حدثنا همام عن ~~قتادة قال: سئل أنس كيف كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كانت ~~مدا مدا, ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم, يمد بسم الله, ويمد الرحمن ~~ويمد بالرحيم. # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا ~~محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا آدم, حدثنا شعبة, حدثنا عمرو ~~بن مرة قال: سمعت أبا وائل قال: جاء رجل إلى ابن مسعود، قال: قرأت المفصل ~~الليلة في ركعة، فقال: هذا كهذ الشعر؟ لقد عرفت النظائر التي كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقرن بينهن, فذكر عشرين سورة من المفصل سورتين ~~من آل حاميم في كل ركعة. # أخبرنا أبو جعفر أحمد بن أبي أحمد بن مثويه, أخبرنا الشريف أبو القاسم ~~علي بن محمد بن علي بن الحسين الحراني فيما كتبه إلي، أخبرنا أبو بكر ~~محمد بن الحسين الآجري أخبرنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن حميد الواسطي, ~~حدثنا زيد بن أخزم, حدثنا محمد بن الفضل, حدثنا سعيد بن زيد, عن أبي ~~حمزة, عن إبراهيم, عن علقمة, عن عبد الله - يعني ابن مسعود - قال: لا ~~تنثروه نثر الدقل ولا تهذوه هذ الشعر، قفوا عند عجائبه وحركوا به ~~القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة. # أخبرنا أبو جعفر أحمد بن أبي أحمد بن مثويه, أخبرنا الشريف أبو القاسم ~~علي بن محمد بن علي بن الحسين الحراني فيما كتب إلي, ms2387 حدثنا أبو بكر محمد ~~بن الحسين الآجري, حدثنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد, حدثنا الحسين بن ~~الحسن المروزي, حدثنا ابن المبارك, ح، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله ~~بن أبي توبة, أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث, أخبرنا أبو الحسن ~~محمد بن يعقوب الكسائي, أخبرنا عبد الله بن محمد, أخبرنا إبراهيم بن عبد ~~الله الخلال, حدثنا عبد الله بن المبارك عن موسى بن عبيدة, عن عبيد الله ~~بن عبيدة وهو أخوه عن سهل بن سعد الساعدي قال: بينا نحن نقرأ إذ خرج ~~علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: # " الحمد لله كتاب الله واحد وفيكم الأخيار وفيكم الأحمر والأسود والأبيض ~~اقرؤوا القرآن قبل أن يأتي أقوام يقرؤونه، يقيمون حروفه كما يقام السهم ~~لا يجاوز تراقيهم، يتعجلون أجره ولا يتأجلونه ". # أخبرنا أبو عثمان الضبي, أخبرنا أبو محمد الجراحي, حدثنا أبو العباس ~~المحبوبي, حدثنا أبو عيسى الترمذي, حدثنا أبو بكر محمد بن نافع البصري, ~~حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث, عن إسماعيل بن مسلم العبدي, عن أبي ~~المتوكل الناجي, عن عائشة رضي الله عنها قالت: قام النبي صلى الله عليه ~~وسلم بآية من القرآن ليلة. # ورواه أبو ذر، قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم ليلة حتى أصبح بآية من ~~القرآن، والآية: # إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم ~~فإنك أنت العزيز الحكيم # [المائدة: 118]. ### || [73.5] # { إنا سنلقى عليك قولا ثقيلا } ، قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: شديدا. قال الحسن: إن الرجل ليهذ السورة ولكن العمل بها ~~ثقيل. # وقال قتادة: ثقيل والله فرائضه وحدوده. وقال مقاتل: ثقيل لما فيه من ~~الأمر والنهي والحدود. # وقال أبو العالية: ثقيل بالوعد والوعيد والحلال والحرام. وقال محمد بن ~~كعب: ثقيل على المنافقين. # وقال الحسين بن الفضل: قولا خفيفا على اللسان ثقيلا في الميزان. # قال الفراء: ثقيل ليس بخفيف السفساف لأنه كلام ربنا. # وقال ابن زيد: هو والله ثقيل مبارك, كما ثقل في الدنيا ثقل في الموازين ~~يوم القيامة. # أخبرنا أبو الحسن ms2388 السرخسي, أخبرنا زاهر بن أحمد, أخبرنا أبو إسحاق ~~الهاشمي, أخبرنا أبو مصعب, عن مالك, عن هشام بن عروة عن أبيه # " عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن الحارث بن هشام سأل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «أحيانا يأتيني في مثل صلصلة الجرس، وهو أشده ~~علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني ~~فأعي ما يقول» " # قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشاتي الشديد البرد ~~فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا. ### || [73.6] # قوله عز وجل: { إن ناشئة اليل } ، أي: ساعاته كلها, وكل ~~ساعة منه ناشئة، سميت بذلك لأنها تنشأ, أي تبدو, ومنه نشأت السحابة إذا ~~بدت, وكل ما حدث بالليل وبدأ فقد نشأ فهو ناشىء، والجمع ناشئة. # وقال ابن أبي مليكة: سألت ابن عباس وابن الزبير عنها، فقالا: الليل كله ~~ناشئة. # وقال سعيد بن جبير وابن زيد: أي: ساعة قام من الليل فقد نشأ وهو بلسان ~~الحبش القيام، يقال: نشأ فلان أي قام. # وقالت عائشة: الناشئة القيام بعد النوم. # وقال ابن كيسان: هي القيام من آخر الليل. # وقال عكرمة: هي القيام من أول الليل. # روي عن علي بن الحسين أنه كان يصلي بين المغرب والعشاء، ويقول: هذه ~~ناشئة الليل. وقال الحسن: كل صلاة بعد العشاء الآخرة فهي ناشئة من الليل. # وقال الأزهري: " ناشئة الليل ": قيام الليل، مصدر جاء على فاعلة ~~كالعافية بمعنى العفو. # { هى أشد وطأ } ، قرأ ابن عامر, وأبو عمرو: وطاء بكسر الواو ~~ممدودا بمعنى المواطأة والموافقة، يقال واطأت فلانا مواطأة ووطئا, إذا ~~وافقته, وذلك أن مواطأة القلب والسمع والبصر واللسان، بالليل تكون أكثر ~~مما يكون بالنهار. # وقرأ الآخرون: وطئا بفتح الواو وسكون الطاء, أي: أشد على المصلي ~~وأثقل من صلاة النهار، لأن الليل للنوم والراحة, ومنه قوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " اللهم اشدد وطأتك على مضر ". # وقال ابن عباس: كانت صلاتهم أول الليل هي ms2389 أشد وطأ، يقول هي أجدر أن ~~تحصوا ما فرض الله عليكم من القيام، وذلك أن الإنسان إذا نام لم يدر متى ~~يستيقظ. # وقال قتادة: أثبت في الخير وأحفظ للقراءة. # وقال الفراء: أثبت قياما, أي: أوطأ للقيام وأسهل للمصلي من ساعات ~~النهار، لأن النهار خلق لتصرف العباد، والليل للخلوة فالعبادة فيه أسهل. ~~وقيل: أشد نشاطا. # وقال ابن زيد: أفرغ له قلبا من النهار لأنه لا تعرض له حوائج. # وقال الحسن: أشد وطأ للخير وأمنع من الشيطان. # { وأقوم قيلا } ، وأصوب قراءة وأصح قولا لهدأة الناس وسكون ~~الأصوات. # وقال الكلبي: أبين قولا بالقرآن. # وفي الجملة: عبادة الليل أشد نشاطا وأتم إخلاصا وأكثر بركة وأبلغ ~~في الثواب من عبادة النهار. ### || [73.7] # { إن لك فى النهار سبحا طويلا } ، أي: تصرفا وتقلبا ~~وإقبالا وإدبارا في حوائجك وأشغالك، وأصل " السبح ": سرعة الذهاب، ومنه ~~السباحة في الماء، وقيل: " سبحا طويلا ": أي: فراغا وسعة لنومك وتصرفك ~~في حوائجك فصل من الليل. # وقرأ يحيى بن يعمر " سبخا " بالخاء المجمعة أي: استراحة وتخفيفا ~~للبدن, ومنه # " قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة، وقد دعت على سارق: «لا ~~تسبخي عنه بدعائك عليه» " # ، أي لا تخففي. ### || [73.8-14] # { واذكر اسم ربك } ، بالتوحيد والتعظيم، { وتبتل ~~إليه تبتيلا } ، قال ابن عباس وغيره: أخلص إليه إخلاصا. وقال ~~الحسن: اجتهد. وقال ابن زيد: تفرغ لعبادته. قال سفيان: توكل عليه توكلا. ~~وقيل: انقطع إليه في العبادة انقطاعا، وهو الأصل في الباب، يقال: تبتلت ~~الشيء أي: قطعته، وصدقه بتة: أي: مقطوعة عن صاحبها لا سبيل له عليها، ~~والتبتيل: التقطيع تفعيل، منه يقال: بتلته فتبتل، والمعنى: بتل نفسك ~~إليه، ولذلك قال: تبتيلا. قال زيد ابن أسلم: التبتل رفض الدنيا وما ~~فيها، والتماس ما عند الله تعالى. # { رب المشرق والمغرب } ، قرأ أهل الحجاز وأبو عمرو وحفص: ~~" رب " برفع الباء على الابتداء، وقرأ الآخرون بالجر على نعت الرب في ~~قوله: { واذكر اسم ربك } ، { لا إله إلا هو ~~فاتخذه وكيلا } ، قيما بأمورك ففوضها إليه. # { واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا } ، ~~نسختها آية القتال. ms2390 # { وذرنى والمكذبين أولى النعمة ومهلهم ~~قليلا } ، نزلت في صناديد قريش المستهزئين. وقال مقاتل بن حيان: نزلت ~~في المطعمين ببدر فلم يكن إلا يسير حتى قتلوا ببدر. # { إن لدينآ } ، عندنا في الآخرة، { أنكالا } ، قيودا عظاما ~~لا تنفك أبدا واحدها نكل. قال الكلبي: أغلالا من حديد، { وجحيما }. # { وطعاما ذا غصة } ، غير سائغة تأخذ بالحلق لا ينزل ولا يخرج ~~وهو الزقوم والضريع. { وعذابا أليما }. # { يوم ترجف الأرض والجبال } ، أي: تتزلزل وتتحرك، { ~~وكانت الجبال كثيبا مهيلا } ، رملا سائلا. قال الكلبي: ~~هو الرمل الذي أخذت منه شيئا تبعك ما بعده، يقال: أهلت الرمل أهيله ~~هيلا إذا حركت أسفله حتى انهال من أعلاه. ### || [73.15-20] # { إنآ أرسلنآ إليكم رسولا شهدا عليكم كمآ ~~أرسلنآ إلى فرعون رسولا }. # { فعصى فرعون الرسول فأخذنه أخذا وبيلا } ، ~~شديدا ثقيلا، يعني عاقبناه عقوبة غليظة يخوف كفار مكة. # { فكيف تتقون إن كفرتم } ، أي: كيف لكم بالتقوى يوم ~~القيامة إذ كفرتم في الدنيا يعني لا سبيل لكم إلى التقوى إذا وافيتم يوم ~~القيامة؟ وقيل: معناه كيف تتقون العذاب يوم القيامة وبأي شيء تتحصنون منه ~~إذا كفرتم؟ { يوما يجعل الولدن شيبا } ، شمطا من هوله ~~وشدته، وذلك حين يقال لآدم قم فابعث بعث النار من ذريتك. # ثم وصف هول ذلك اليوم فقال: { السمآء منفطر به } ، متشقق ~~لنزول الملائكة به أي: بذلك المكان. وقيل: الهاء ترجع إلى الرب أي: بأمره ~~وهيبته، { كان وعده مفعولا } ، كائنا. # { إن هذه } ، أي: آيات القرآن { تذكرة } ، تذكير وموعظة { ~~فمن شآء اتخذ إلى ربه سبيلا } ، بالإيمان والطاعة. # { إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى } ، أقل من، { ~~ثلثى اليل ونصفه وثلثه } ، قرأ أهل مكة والكوفة: " ~~نصفه وثلثه " ، بنصب الفاء والثاء وإشباع الهاءين ضما، أي: وتقوم ~~نصفه وثلثه وقرأ الآخرون بجر الفاء والثاء وإشباع الهاءين كسرا, عطفا ~~على ثلثي، { وطآئفة من الذين معك } , يعني المؤمنين وكانوا ~~يقومون معه، { والله يقدر اليل والنهار } ، قال عطاء: ~~يريد لا يفوته علم ما تفعلون، أي أنه يعلم مقادير الليل والنهار فيعلم ~~القدر الذي تقومون من الليل، { علم أن لن تحصوه } ، قال ms2391 الحسن: ~~قاموا حتى انتفخت أقدامهم، فنزل: { علم أن لن تحصوه } أي، لن ~~تطيقوا معرفة ذلك. وقال مقاتل: كان الرجل يصلي الليل كله، مخافة أن لا ~~يصيب ما أمر به من القيام، فقال: علم أن لن تحصوه لن تطيقوا معرفة ذلك. { ~~فتاب عليكم } ، فعاد عليكم بالعفو والتخفيف، { فاقرءوا ما ~~تيسر من القرءان } ، يعني في الصلاة، قال الحسن: يعني في ~~صلاة المغرب والعشاء. # قال قيس بن أبي حازم: صليت خلف ابن عباس بالبصرة فقرأ في أول ركعة ~~بالحمد وأول آية من البقرة، ثم قام في الثانية فقرأ بالحمد والآية ~~الثانية من البقرة، ثم ركع، فلما انصرف أقبل علينا فقال: إن الله عز ~~وجل يقول: فاقرؤوا ما تيسر منه. # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أبو منصور السمعاني, حدثنا أبو جعفر ~~الرياني, حدثنا حميد بن زنجويه, حدثنا عثمان بن أبي صالح, حدثنا ابن ~~لهيعة, حدثني حميد بن مخراق, عن أنس بن مالك أنه سمع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # " من قرأ خمسين آية في يوم أو في ليلة لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ ~~مائة آية كتب من القانتين، ومن قرأ مائتي آية لم يحاجه القرآن يوم ~~القيامة، ومن قرأ خمسمائة آية كتب له قنطار من الأجر ". # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر, أخبرنا عبد الغافر بن محمد, أخبرنا محمد ~~بن عيسى, حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان, حدثنا مسلم بن الحجاج, حدثني ~~القاسم بن زكريا, حدثنا عبيد الله بن موسى عن شيبان عن يحيى بن كثير عن ~~محمد عبد الله بن عبد الرحمن مولى بني زهرة عن أبي سلمة # " عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اقرأ ~~القرآن في كل شهر " قال قلت: إني أجد قوة، قال: " فاقرأه في كل عشرين ~~ليلة " , قال قلت: إني أجد قوة، قال: " فاقرأه في كل سبع ولا تزد على ذلك ~~". # قوله عز وجل: { علم أن سيكون منكم مرضى وءاخرون ~~يضربون فى الأرض يبتغون من فضل الله } ، يعني ~~المسافرين للتجارة يطلبون ms2392 من رزق الله، { وءاخرون يقتلون فى ~~سبيل الله } ، لا يطيقون قيام الليل. # روى إبراهيم عن ابن مسعود قال: أيما رجل جلب شيئا ما إلى مدينة من ~~مدائن المسلمين صابرا محتسبا فباعه بسعر يومه كان عند الله بمنزلة ~~الشهداء، ثم قرأ عبد الله: { وءاخرون يضربون فى الأرض ~~يبتغون من فضل الله } يعني المسافرين للتجارة يطلبون رزق ~~الله، { وءاخرون يقتلون فى سبيل الله }. # { فاقرءوا ما تيسر منه } ، أي ما تيسر عليكم من القرآن. ~~قال أهل التفسير كان هذا في صدر الإسلام ثم نسخ بالصلوات الخمس، وذلك ~~قوله { وأقيموا الصلوة وءاتوا الزكوة وأقرضوا ~~الله قرضا حسنا } ، قال ابن عباس: يريد ما سوى الزكاة من صلة ~~الرحم، وقرى الضيف. { وما تقدموا لأنفسكم من خير ~~تجدوه عند الله هو خيرا } ، تجدوا ثوابه في الآخرة أفضل ~~مما أعطيتم، { وأعظم أجرا } ، من الذي أخرتم، ولم تقدموه، ونصب " ~~خيرا وأعظم " على المفعول الثاني، فإن الوجود إذا كان بمعنى ~~الرؤية يتعدى إلى مفعولين، وهو فصل في قول البصريين، وعماد في قول ~~الكوفيين، لا محل له في الإعراب. # أخبرنا أبو القاسم يحيى بن علي الكشميهني, أخبرنا أبو نصر أحمد بن علي ~~البخاري بالكوفة, أخبرنا أبو القاسم نصر بن أحمد الفقيه بالموصل, حدثنا ~~أبو يعلى الموصلي, حدثنا أبو خيثمة, حدثنا جرير, عن الأعمش, عن إبراهيم ~~التيمي, عن الحارث بن سويد قال: قال عبد الله: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " " أيكم ماله أحب إليه من مال وارثه "؟ قالوا: يا رسول الله ما منا من ~~أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه، قال: " اعلموا ما تقولون " ، قالوا: ~~ما نعلم إلا ذلك يا رسول الله، قال: " ما منكم رجل إلا مال وارثه أحب ~~إليه من ماله " , قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: " إنما مال أحدكم ما قدم ~~ومال وارثه ما أخر ". # { واستغفروا الله } ، لذنوبكم، { إن الله غفور ~~رحيم }. ### | [74 - سورة المدثر] ### || [74.1-4] # { يأيها المدثر } أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد ~~بن عبد الله النعيمي, أخبرنا محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن ms2393 إسماعيل, حدثنا ~~يحيى, حدثنا وكيع, عن علي بن المبارك, عن يحيى بن أبي كثير قال: سألت أبا ~~سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن؟ قال: { يا أيها ~~المدثر } ، قلت: يقولون: # اقرأ باسم ربك الذي خلق # [العلق: 1]؟ فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله عن ذلك، فقلت له مثل ~~الذي قلت، فقال جابر: لا أحدثك إلا بما حدثنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، قال: # " جاورت بحراء فلما قضيت جواري هبطت, فنوديت فنظرت عن يميني فلم أر ~~شيئا, ونظرت عن شمالي فلم أر شيئا, ونظرت أمامي فلم أر شيئا, ونظرت ~~خلفي فلم أر شيئا، فرفعت رأسي فرأيت شيئا, فأتيت خديجة فقلت: دثروني ~~وصبوا علي ماء باردا، قال: فدثروني وصبوا علي ماء باردا، قال فنزلت: { ~~يأيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر } ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا ~~محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا عبد الله بن يوسف, حدثنا ~~الليث, عن عقيل قال ابن شهاب: سمعت أبا سلمة قال: أخبرني جابر بن عبد ~~الله: قال: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث عن فترة الوحي: # " فبينا أنا أمشي سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري قبل السماء فإذا ~~الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فخشيت حتى هويت ~~إلى الأرض، فجئت أهلي فقلت: زملوني زملوني فزملوني، فأنزل الله تعالى: { ~~يأيها المدثر قم فأنذر } ، إلى قوله: { فاهجر } ~~قال أبو سلمة: والرجز الأوثان، ثم حمي الوحي وتتابع ". # قوله عز وجل: { يأيها المدثر قم فأنذر } أي: أنذر ~~كفار مكة. # { وربك فكبر } عظمه عما يقوله عبدة الأوثان. # { وثيابك فطهر } ، قال قتادة ومجاهد: نفسك فطهر عن الذنب، ~~فكنى عن النفس بالثوب، وهو قول إبراهيم والضحاك والشعبي والزهري. وقال ~~عكرمة: سئل ابن عباس عن قوله: { وثيابك فطهر } ، فقال: لا ~~تلبسها على معصية ولا على غدر، ثم قال: أما سمعت قول غيلان بن سلمة ~~الثقفي: # وإني بحمد الله لا ثوب فاجر # لبست ولا من غدرة ms2394 أتقنع # والعرب تقول في وصف الرجل بالصدق والوفاء: إنه طاهر الثياب، وتقول لمن ~~غدر: إنه لدنس الثياب، وقال أبي بن كعب: لا تلبسها على غدر ولا على ~~ظلم ولا إثم، البسها وأنت بر جواد طاهر. # وروى أبو روق عن الضحاك معناه: وعملك فأصلح. # قال السدي: يقال للرجل إذا كان صالحا: إنه لطاهر الثياب، وإذا كان ~~فاجرا إنه لخبيث الثياب. # وقال سعيد بن جبير: وقلبك ونيتك فطهر. وقال الحسن والقرظي: وخلقك ~~فحسن. # وقال ابن سيرين وابن زيد: أمر بتطهير الثياب من النجاسات التي لا تجوز ~~الصلاة معها، وذلك أن المشركين كانوا لا يتطهرون ولا يطهرون ثيابهم. # وقال طاووس: وثيابك فقصر لأن تقصير الثياب طهرة لها. ### || [74.5-6] # { والرجز فاهجر } ، قرأ أبو جعفر وحفص عن عاصم ويعقوب: " ~~والرجز " بضم الراء، وقرأ الآخرون بكسرها وهما لغتان ومعناهما واحد. ~~قال مجاهد, وعكرمة, وقتادة, والزهري, وابن زيد, وأبو سلمة: المراد بالرجز ~~الأوثان، قال: فاهجرها ولا تقربها. # وقيل: الزاي فيه منقلبة عن السين، والعرب تعاقب بين السين والزاي لقرب ~~مخرجهما، ودليل هذا التأويل قوله: # فاجتنبوا الرجس من الأوثن # [الحج: 30]. # وروي عن ابن عباس أن معناه: اترك المآثم. # وقال أبو العالية والربيع: " الرجز " بضم الراء الصنم، وبالكسر: ~~النجاسة والمعصية. # وقال الضحاك: يعني الشرك. وقال الكلبي: يعني العذاب. # ومجاز الآية: اهجر ما أوجب لك العذاب من الأعمال. # { ولا تمنن تستكثر } ، أي: لا تعط مالك مصانعة لتعطى ~~أكثر منه، وهذا قول أكثر المفسرين، قال الضحاك ومجاهد: كان هذا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم خاصة. قال الضحاك: هما رباءان حلال وحرام، فأما الحلال ~~فالهدايا، وأما الحرام فالربا. قال قتادة: لا تعط شيئا طمعا لمجازاة ~~الدنيا، يعني أعط لربك وأرد به الله. وقال الحسن: معناه لا تمنن على ~~الله بعملك فستكثره، قال الربيع: لا تكثرن عملك في عينك فإنه فيما أنعم ~~الله عليك وأعطاك قليل. وروى خصيف عن مجاهد: ولا تضعف أن تستكثر من ~~الخير، من قولهم: حبل متين إذاكان ضعيفا، دليله قراءة ابن مسعود: " ولا ~~تمنن أن تستكثر " , قال ابن زيد ms2395 معناه: لا تمنن بالنبوة على الناس فتأخذ ~~عليها أجرا أو عرضا من الدنيا. ### || [74.7-12] # { ولربك فاصبر } ، قيل: فاصبر على طاعته وأوامره ونواهيه لأجل ~~ثواب الله. # قال مجاهد: فاصبر لله على ما أوذيت. وقال ابن زيد: معناه حملت أمرا ~~عظيما محاربة العرب والعجم فاصبر عليه لله عز وجل. وقيل: فاصبر تحت ~~موارد القضاء لأجل الله. # { فإذا نقر فى الناقور } ، أي: نفخ في الصور، وهو القرن الذي ~~ينفخ فيه إسرافيل, يعني النفخة الثانية. # { فذلك } ، يعني النفخ في الصور، { يومئذ } ، يعني يوم القيامة، { ~~يوم عسير } ، شديد. # { على الكفرين } ، يعسر فيه الأمر عليهم، { غير يسير } ، ~~غير هين. # قوله عز وجل: { ذرنى ومن خلقت وحيدا } ، أي: خلقته في ~~بطن أمه وحيدا فريدا لا مال له ولا ولد. نزلت في الوليد بن المغيرة ~~المخزومي, كان يسمى الوحيد في قومه. # { وجعلت له مالا ممدودا }. أي: كثيرا. قيل: هو ما يمد ~~بالنماء كالزرع والضرع والتجارة. واختلفوا في مبلغه، قال مجاهد وسعيد بن ~~جبير: ألف دينار. وقال قتادة: أربعة آلاف دينار. وقال سفيان الثوري: ألف ~~ألف دينار. وقال ابن عباس: تسعة آلاف مثقال فضة. وقال مقاتل: كان له ~~بستان بالطائف لا تنقطع ثماره شتاء ولا صيفا. وقال عطاء عن ابن عباس: ~~كان له بين مكة والطائف إبل وخيل ونعم وغنم، وكان له عير كثيرة وعبيد ~~وجوار. وقيل: مالا ممدودا غلة شهر بشهر. ### || [74.13-17] # { وبنين شهودا } حصورا بمكة لا يغيبون عنه وكانوا عشرة، قال ~~مجاهد وقتادة. وقال مقاتل: كانوا سبعة وهم الوليد بن الوليد, وخالد, ~~وعمارة, وهشام, والعاص, وقيس, وعبد شمس، أسلم منهم ثلاثة خالد وهشام ~~وعمارة. { ومهدت له تمهيدا } ، أي: بسطت له في العيش وطول ~~العمر بسطا. وقال الكلبي: يعني المال بعضه عل بعض كما يمهد الفرش. # { ثم يطمع } ، يرجو، { أن أزيد } ، أي أن أزيده مالا وولدا، ~~وتمهيدا. # { كلا } ، لا أفعل ولا أزيده، قالوا: فما زال الوليد بعد نزول هذه ~~الآية في نقصان من ماله وولده حتى هلك. { إنه كان لأيتنا ~~عنيدا } ، معاندا. # { سأرهقه صعودا } ، سأكلفه مشقة من العذاب ms2396 لا راحة له فيها. # وروينا عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " الصعود جبل من نار يتصعد فيه الكافر سبعين خريفا، ثم يهوي ". # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي, أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي, أخبرني ابن ~~فنجويه, حدثنا عمر بن الخطاب, حدثنا عبد الله بن الفضل, أخبرنا منجاب بن ~~الحارث, أخبرنا شريك, عن عمار الدهني, عن عطية, # " عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: " سأرهقه ~~صعودا " قال: «هو جبل في النار من نار يكلف أن يصعده فإذا وضع يده ~~ذابت، فإذا رفعها عادت فإذا وضع رجله ذابت، وإذا رفعها عادت» ". # وقال الكلبي: " الصعود ": صخرة ملساء في النار يكلف أن يصعدها، لا يترك ~~أن يتنفس في صعوده, ويجذب من أمامه بسلاسل من حديد, ويضرب من خلفه بمقامع ~~من حديد، فيصعدها في أربعين عاما, فإذا بلغ ذروتها أحدر إلى أسفلها، ثم ~~يكلف أن يصعدها ويجذب من أمامه ويضرب من خلفه فذلك دأبه أبدا أبدا. ### || [74.18] # { إنه فكر وقدر } الآيات, وذلك أن الله تعالى لما أنزل على ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم # إلى قوله: # المصير # [غافر: 1 - 3] قام النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد والوليد بن ~~المغيرة قريب منه يسمع قراءته، فلما فطن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لاستماعه لقراءته القرآن أعاد قراءة الآية، فانطلق الوليد حتى أتى مجلس ~~قومه بني مخزوم، فقال: والله لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من ~~كلام الإنس ولا من كلام الجن، وإن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه ~~لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو وما يعلى، ثم انصرف إلى منزله فقالت ~~قريش: سحره محمد صبأ والله الوليد، والله لتصبون قريش كلهم، وكان يقال ~~للوليد: ريحانة قريش، فقال لهم أبو جهل: أنا أكفيكموه فانطلق فقعد إلى ~~جنب الوليد حزينا، فقال له الوليد: مالي أراك حزينا يا ابن أخي؟ قال: ~~وما يمنعني أن لا أحزن وهذه قريش يجمعون لك النفقة يعينونك على ms2397 كبر سنك ~~ويزعمون أنك زينت كلام محمد وأنك تدخل على ابن أبي كبشة، وابن أبي ~~قحافة, لتنال من فضل طعامهم، فغضب الوليد، فقال: ألم تعلم قريش أني من ~~أكثرهم مالا وولدا، وهل شبع محمد وأصحابه من الطعام فيكون لهم فضل من ~~الطعام؟ ثم قام مع أبي جهل حتى أتى مجلس قومه، فقال لهم: تزعمون أن ~~محمدا مجنون, فهل رأيتموه يخنق قط؟ قالوا: اللهم لا، قال: تزعمون أنه ~~كاهن فهل رأيتموه قط تكهن؟ قالوا: اللهم لا، قال: تزعمون أنه شاعر فهل ~~رأيتموه ينطق بشعر قط؟ قالوا: اللهم لا، قال: تزعمون أنه كذاب فهل جربتم ~~عليه شيئا من الكذب؟ قالوا: لا - وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يسمى الأمين قبل النبوة, من صدقه - فقالت قريش للوليد: فما هو؟ فتفكر في ~~نفسه ثم نظر ثم عبس، فقال: ما هو إلا ساحر، أما رأيتموه يفرق بين الرجل ~~وأهله ومواليه وولده؟ فهو ساحر وما يقوله سحر يؤثر، فذلك قوله عز وجل: # { إنه فكر } في محمد والقرآن { وقدر } في نفسه ماذا يمكنه ~~أن يقول في محمد والقرآن. ### || [74.19-26] # { فقتل } ، لعن، وقال الزهري: عذب، { كيف قدر } ، على طريق ~~التعجب والإنكار والتوبيخ. # { ثم قتل كيف قدر } ، كرره للتأكيد، وقيل: معناه لعن على أي ~~حال قدر من الكلام، كما يقال لأخربنه كيف صنع أي على أي حال صنع. # { ثم نظر } , في طلب ما يدفع به القرآن ويرده. # { ثم عبس وبسر } ، كلح وقطب وجهه ونظر بكراهية شديدة كالمهتم ~~المتفكر في شيء. # { ثم أدبر } ، عن الإيمان، { واستكبر } ، تكبر حين دعى ~~إليه. # { فقال إن هذآ } ، ما هذا الذي يقرأه محمد، { إلا سحر ~~يؤثر } ، يروى ويحكى عن السحرة. # { إن هذآ إلا قول البشر } ، يعني يسارا وجبرا فهو ~~يأثره عنهما. وقيل: يرويه عن مسيلمة صاحب اليمامة. # قال الله تعالى: { سأصليه } ، سأدخله، { سقر } ، وسقر اسم من ~~أسماء جهنم. ### || [74.27-34] # { وما أدراك ما سقر * لا تبقى ولا تذر } ، أي لا تبقي ~~ولا تذر فيها شيئا إلا أكلته وأهلكته. وقال مجاهد: لا تميت ولا تحيي ~~يعني ms2398 لا تبقي من فيها حيا ولا تذر من فيها ميتا كلما احترقوا جددوا. ~~وقال السدي: لا تبقي لهم لحما ولا تذر لهم عظما. وقال الضحاك: إذا أخذت ~~فيهم لم تبق منهم شيئا وإذا أعيدوا لم تذرهم حتى تفنيهم، ولكل شيء ملالة ~~وفترة إلا لجهنم. # { لواحة للبشر } ، مغيرة للجلد حتى تجعله أسود، يقال: لاحة ~~السقم والحزن إذ غيره، وقال مجاهد: تلفح الجلد حتى تدعه أشد سوادا من ~~الليل. وقال ابن عباس: وزيد بن أسلم: محرقة للجلد. وقال الحسن وابن ~~كيسان: تلوح لهم جهنم حتى يروها عيانا نظيره قوله: # وبرزت الجحيم للغاوين # [الشعراء: 91]، و { لواحة } رفع على نعت، " سقر " في قوله: { ومآ ~~أدراك ما سقر } ، و { البشر } جمع بشرة وجمع البشر أبشار. # { عليها تسعة عشر } ، أي: على النار تسعة عشر من الملائكة، ~~وهم خزنتها: مالك ومعه ثمانية عشر. وجاء في الأثر: أعينهم كالبرق الخاطف, ~~وأنيابهم كالصياصي, يخرج لهب النار من أفواههم, ما بين منكبي أحدهم مسيرة ~~سنة، نزعت منهم الرحمة, يرفع أحدهم سبعين ألف فيرميهم حيث أراد من جهنم. # قال عمرو بن دينار: إن واحدا منهم يدفع بالدفعة الواحدة في جهنم أكثر ~~من ربيعة ومضر. # قال ابن عباس, وقتادة, والضحاك: لما نزلت هذه الآية قال أبو جهل لقريش: ~~ثكلتكم أمهاتكم, أسمع ابن أبي كبشة يخبر أن خزنة النار تسعة عشر وأنتم ~~الدهم أي: الشجعان, أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد من خزنة جهنم؟ ~~قال أبو الأشد أسيد بن كلدة بن خلف الجمحي: أنا أكفيكم منهم سبعة عشر، ~~عشرة على ظهري وسبعة على بطني، فاكفوني أنتم اثنين. # وروي أنه قال: أنا أمشي بين أيديكم على الصراط فأدفع عشرة بمنكبي الأيمن ~~وتسعة بمنكبي الأيسر في النار ونمضي فندخل الجنة. فأنزل الله عز وجل: # { وما جعلنآ أصحب النار إلا ملئكة } ، لا رجالا ~~آدميين, فمن ذا يغلب الملائكة؟ { وما جعلنا عدتهم } ، أي ~~عددهم في القلة، { إلا فتنة للذين كفروا } ، أي ضلالة ~~لهم حتى قالوا ما قالوا، { ليستيقن الذين أوتوا الكتب ~~} ، لأنه مكتوب في التوراة والإنجيل ms2399 إنهم تسعة عشر، { ويزداد ~~الذين ءامنوا إيمنا } ، يعني من آمن من أهل الكتاب يزدادون ~~تصديقا بمحمد صلى الله عليه وسلم إذا وجدوا ما قاله موافقا لما في ~~كتبهم، { ولا يرتاب } ،ولا يشك، { الذين أوتوا الكتب ~~والمؤمنون } ، في عددهم، { وليقول الذين فى قلوبهم ~~مرض } ، شك ونفاق، { والكفرون } ، مشركو مكة, { ماذآ أراد ~~الله بهذا مثلا } ، أي شيء أراد بهذا الحديث؟ وأراد بالمثل ~~الحديث نفسه. # { كذلك } ، أي كما أضل الله من أنكر عدد الخزنة وهدى من صدق كذلك، { ~~يضل الله من يشآء ويهدى من يشآء وما يعلم ~~جنود ربك إلا هو } ، قال مقاتل: هذا جواب أبي جهل حين قال: ~~أما لمحمد أعوان إلا تسعة عشر؟ قال عطاء: وما يعلم جنود ربك إلا هو يعني ~~من الملائكة الذين خلقهم لتعذيب أهل النار، لا يعلم عدتهم إلا الله، ~~والمعنى إن تسعة عشرهم خزنة النار، ولهم من الأعوان والجنود من الملائكة ~~ما لا يعلمهم إلا الله عز وجل، ثم رجع إلى ذكر سقر فقال: { وما هي ~~} ، يعني سقر، { إلا ذكرى للبشر } ، إلا تذكرة وموعظة للناس. # { كلا والقمر } ، هذا قسم, يقول: حقا. # { والقمر * واليل إذ أدبر } ، قرأ نافع وحمزة وحفص ~~ويعقوب " إذ " بغير ألف، " أدبر " ، بالألف، وقرأ الآخرون " إذا " ~~بالألف، " دبر " بلا ألف، لأنه أشد موافقة لما يليه، وهو قوله: { ~~والصبح إذآ أسفر } ، ولأنه ليس في القرآن قسم بجانبه إذ وإنما ~~بجانب الأقسام إذا, ودبر وأدبر وكلاهما لغة، يقال: دبر الليل وأدبر إذا ~~ولى ذاهبا. قال أبو عمرو: دبر لغة قريش، وقال قطرب: دبر أي أقبل، تقول ~~العرب: دبرني فلان أي جاء خلفي، فالليل يأتي خلف النهار. # { والصبح إذآ أسفر } ، أضاء وتبين. ### || [74.35-39] # { إنها لإحدى الكبر } ، يعني أن سقر لإحدى الأمور العظام، ~~وواحد الكبر: كبرى، قال مقاتل والكلبي: أراد بالكبر: دركات جهنم وهي ~~سبعة: جهنم, ولظى, والحطمة, والسعير, وسقر, والجحيم, والهاوية. # { نذيرا للبشر } ، يعني النار نذيرا للبشر, قال الحسن: والله ~~ما أنذر الله بشيء أدهى منها. وهو نصب على القطع من قوله: " لإحدى الكبر ~~" لأنها معرفة، و ms2400 " نذيرا " نكرة، قال الخليل: النذير مصدر كالنكير، ~~ولذلك وصف به المؤنث، وقيل: هو من صفة الله سبحانه وتعالى، مجازه: وما ~~جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة نذيرا للبشر أي إنذارا لهم. قال أبو رزين ~~يقول أنا لكم منها نذير، فاتقوها. وقيل: هو صفة محمد صلى الله عليه وسلم ~~معناه: يا أيها المدثر قم نذيرا للبشر، فأنذر، وهذا معنى قول ابن زيد. # { لمن شآء } ، بدل من قوله " للبشر ": { منكم أن يتقدم } ، ~~في الخير والطاعة، { أو يتأخر } ، عنها في الشر والمعصية، ~~والمعنى: أن الإنذار قد حصل لكل واحد ممن آمن أو كفر. # { كل نفس بما كسبت رهينة } ، مرتهنة في النار بكسبها ~~مأخوذة بعملها. # { إلا أصحب اليمين } ، فإنهم لا يرتهنون بذنوبهم في النار ~~ولكن يغفرها الله لهم. قال قتادة: علق الناس كلهم إلا أصحاب اليمين. ~~واختلفوا فيهم: روي عن علي رضي الله عنه أنهم أطفال المسلمين. # وروى أبو ظبيان عن ابن عباس: هم الملائكة. # وقال مقاتل: هم أصحاب الجنة الذين كانوا على يمين آدم يوم الميثاق، حين ~~قال الله لهم: هؤلاء في الجنة ولا أبالي. وعنه أيضا: هم الذين أعطوا ~~كتبهم بأيمانهم، وعنه أيضا: هم الذين كانوا ميامين على أنفسهم. # وقال الحسن: هم المسلمون المخلصون. وقال القاسم: كل نفس مأخوذة بكسبها ~~من خير أو شر إلا من اعتمد على الفضل، وكل من اعتمد على الكسب فهو رهين ~~به، ومن اعتمد على الفضل فهو غير مأخوذ به. ### || [74.40-48] # { فى جنت يتسآءلون * عن المجرمين } ، المشركين. # { ما سلككم } ، أدخلكم، { فى سقر } ، فأجابوا. # { قالوا لم نك من المصلين } ، لله. # { ولم نك نطعم المسكين * وكنا نخوض } في الباطل، { ~~مع الخآئضين * وكنا نكذب بيوم الدين حتى ~~أتنا اليقين } ، وهو الموت. # قال الله عز وجل: { فما تنفعهم شفعة الشفعين }. ~~قال ابن مسعود: تشفع الملائكة والنبيون والشهداء والصالحون وجميع ~~المؤمنين، فلا يبقى في النار إلا أربعة، ثم تلا: { قالوا لم نك ~~من المصلين } إلى قوله: { بيوم الدين } ، قال عمران بن ~~الحصين: الشفاعة نافعة لكل واحد دون هؤلاء الذين تسمعون. # أخبرنا أحمد بن ms2401 عبد الله الصالحي, أخبرنا أحمد بن الحسن الحيري, أخبرنا ~~حاجب بن أحمد الطوسي, حدثنا محمد بن حماد, حدثنا أبو معاوية, عن الأعمش, ~~عن يزيد الرقاشي, عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يصف أهل النار فيعذبون قال: " فيمر فيهم الرجل من أهل الجنة فيقول ~~الرجل منهم: يا فلان قال فيقول: ما تريد فيقول: أما تذكر رجلا سقاك شربة ~~ماء يوم كذا وكذا؟ قال فيقول: وإنك لأنت هو؟ فيقول: نعم، فيشفع له ~~فيشفع فيه. قال: ثم يمر بهم الرجل من أهل الجنة فيقول: يا فلان، فيقول: ~~ما تريد؟ فيقول: أما تذكر رجلا وهب لك وضوءا يوم كذا وكذا؟ فيقول: إنك ~~لأنت هو؟ فيقول: نعم، فيشفع له فيشفع فيه ". ### || [74.49-52] # { فما لهم عن التذكرة معرضين } ، مواعظ القرآن معرضين ~~نصب على الحال، وقيل صاروا معرضين. # { كأنهم حمر } جمع حمار, { مستنفرة } ، قرأ أهل المدينة ~~والشام بفتح الفاء، وقرأ الباقون بكسرها، فمن قرأ بالفتح فمعناها منفرة ~~مذعورة، ومن قرأ بالكسر فمعناها نافرة، يقال: نفر واستنفر بمعنى واحد، ~~كما يقال عجب واستعجب. # { فرت من قسورة } ، قال مجاهد وقتادة والضحاك: " القسورة ": ~~الرماة, لا واحد لها من لفظها، وهي رواية عطاء عن ابن عباس. وقال سعيد بن ~~جبير: هم القناص وهي رواية عطية عن ابن عباس. # وقال زيد بن أسلم: هم رجال أقوياء, وكل ضخم شديد عند العرب: قسور ~~وقسورة. وعن أبي المتوكل قال: هي لغط القوم وأصواتهم. وروى عكرمة عن ابن ~~عباس قال: هي حبال الصيادين. # وقال أبو هريرة: هي الأسد، وهو قول عطاء والكلبي، وذلك أن الحمر الوحشية ~~إذا عاينت الأسد هربت، كذلك هؤلاء المشركين إذا سمعوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقرأ القرآن هربوا منه. # قال عكرمة: هي ظلمة الليل، ويقال لسواد أول الليل قسورة. # { بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفا ~~منشرة } ، قال المفسرون: إن كفار قريش قالوا لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ليصبح عند رأس كل رجل منا كتاب منشور من الله أنك لرسوله نؤمر ~~فيه باتباعك. # قال ms2402 الكلبي: إن المشركين قالوا: يا محمد بلغنا أن الرجل من بني إسرائيل ~~كان يصبح مكتوبا عند رأسه ذنبه وكفارته، فاتنا بمثل ذلك، و " الصحف ": ~~الكتب, وهي جمع الصحيفة, و " منشرة ": منشورة. ### || [74.53-56] # فقال الله تعالى: { كلا } ، لا يؤتون الصحف. وقيل: حقا, وكل ما ~~ورد عليك منه فهذا وجهه, { بل لا يخافون الأخرة } ، أي لا ~~يخافون عذاب الآخرة، والمعنى أنهم لو خافوا النار لما اقترحوا هذه الآيات ~~بعد قيام الأدلة. # { كلا } ، حقا، { إنه } ، يعني القرآن، { تذكرة } ، موعظة. # { فمن شآء ذكره } ، اتعظ به. # { وما يذكرون } ، قرأ نافع ويعقوب تذكرون بالتاء والآخرون ~~بالياء، { إلا أن يشآء الله } ، قال مقاتل: إلا أن يشاء الله ~~لهم الهدى. { هو أهل التقوى وأهل المغفرة } ، أي أهل ~~أن تتقى محارمه وأهل أن يغفر لمن اتقاه. # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي, أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي, أخبرنا ابن ~~فنجويه, حدثنا عمر بن الخطاب, حدثنا عبد الله بن الفضل, حدثنا هدبة بن ~~خالد, حدثنا سهيل بن أبي حزم, عن ثابت, عن أنس أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال في هذه الآية: { هو أهل التقوى وأهل ~~المغفرة } قال: # " قال ربكم عز وجل: أنا أهل أن أتقى ولا يشرك بي غيري، وأنا أهل لمن ~~اتقى أن يشرك بي أن أغفر له " # وسهيل هو ابن عبد الرحمن القطعي, أخو حزم القطعي. ### | [75 - سورة القيامة] ### || [75.1-2] # { لآ أقسم بيوم القيمة } , قرأ القواس عن ابن كثير: " لا ~~أقسم " الحرف الأول بلا ألف قبل الهمزة. # { ولا أقسم بالنفس اللوامة } ، بالألف, وكذلك قرأ عبد ~~الرحمن الأعرج، على معنى أنه أقسم بيوم القيامة، ولم يقسم بالنفس ~~اللوامة, والصحيح أنه أقسم بهما جميعا و " لا " صلة فيهما أي أقسم بيوم ~~القيامة وبالنفس اللوامة. # وقال أبو بكر بن عياش: هو تأكيد للقسم كقولك: لا والله. # وقال الفراء: " لا " رد لكلام المشركين المنكرين، ثم ابتدأ فقال: ~~أقسم بيوم القيامة وأقسم بالنفس اللوامة. # وقال المغيرة بن شعبة: يقولون: القيامة, وقيامة أحدهم موته، وشهد علقمة ~~جنازة فلما دفنت قال: أما هذا فقد ms2403 قامت قيامته. # { ولا أقسم بالنفس اللوامة } قال سعيد بن جبير وعكرمة: ~~تلوم على الخير والشر, ولا تصبر على السراء والضراء. # وقال قتادة: اللوامة الفاجرة. # وقال مجاهد: تندم على ما فات وتقول: لو فعلت, ولو لم أفعل. # قال الفراء: ليس من نفس برة ولا فاجرة إلا وهي تلوم نفسها، إن كانت ~~عملت خيرا قالت: هلا ازددت، وإن عملت شرا قالت: ياليتني لم أفعل. قال ~~الحسن: هي النفس المؤمنة, قال: إن المؤمن - والله - ما تراه إلا يلوم ~~نفسه, ما أردت بكلامي؟ ما أردت بأكلتى؟ وإن الفاجر يمضى قدما لا يحاسب ~~نفسه ولا يعاتبها. # وقال مقاتل: هي النفس الكافرة تلوم نفسها في الآخرة على ما فرطت في ~~أمر الله في الدنيا. ### || [75.3-4] # { أيحسب الإنسن ألن نجمع عظامه } , نزلت في عدي ~~بن ربيعة, حليف بني زهرة, ختن الأخنس بن شريق الثقفي، وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # " اللهم اكفني جاري السوء " # ، يعني: عديا والأخنس. وذلك أن عدي بن ربيعة أتى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: يا محمد حدثني عن القيامة متى تكون وكيف أمرها وحالها؟ فأخبره ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك ولم أؤمن بك ~~أو يجمع الله العظام؟ فأنزل الله عز وجل: { أيحسب الإنسن } ~~يعني الكافر { ألن نجمع عظامه } بعد التفرق والبلى فنحييه، ~~قيل: ذكر العظام وأراد نفسه لأن العظام قالب النفس لا يستوي الخلق إلا ~~باستوائها. وقيل: هو خارج على قول المنكر أو يجمع الله العظام كقوله: # قال من يحى العظم وهى رميم # [يس: 78]. # { بلى قدرين } ، أي نقدر, استقبال صرف إلى الحال، قال ~~الفراء " قادرين " نصب على الخروج من نجمع, كما تقول في الكلام أتحسب ~~أن لا نقوى عليك؟ بلى قادرين على أقوى منك، يريد: بل قادرين على أكثر من ~~ذا. # مجاز الآية: بلى نقدر على جمع عظامه وعلى ما هو أعظم من ذلك، وهو: { ~~على أن نسوى بنانه } أنامله, فنجعل أصابع يديه ورجليه شيئا ~~واحدا كخف البعير وحافر الحمار, فلا يرتفق بها بالقبض ms2404 والبسط والأعمال ~~اللطيفة كالكتابة والخياطة وغيرها، هذا قول أكثر المفسرين. # وقال الزجاج وابن قتيبة: معناه: ظن الكافر أنا لا نقدر على جمع ~~عظامه, بلى نقدر على أن نعيد السلاميات على صغرها, فنؤلف بينها حتى نسوي ~~البنان، فمن قدر على جمع صغار العظام فهو على جمع كبارها أقدر. ### || [75.5-7] # { بل يريد الإنسن ليفجر أمامه } ، يقول لا يجهل ابن ~~آدم أن ربه قادر على جمع عظامه لكنه يريد أن يفجر أمامه, أي: يمضي قدما ~~على معاصي الله ما عاش راكبا رأسه لا ينزع عنها ولا يتوب، هذا قول ~~مجاهد, والحسن, وعكرمة, والسدي. # وقال سعيد بن جبير: " ليفجر أمامه ": يقدم الذنب ويؤخر التوبة, فيقول: ~~سوف أتوب, سوف أعمل حتى يأتيه الموت على شر أحواله وأسوأ أعماله. # وقال الضحاك: هو الأمل, يقول: أعيش فأصيب من الدنيا كذا وكذا ولا يذكر ~~الموت. # وقال ابن عباس, وابن زيد: يكذب بما أمامه من البعث والحساب. وأصل " ~~الفجور ": الميل, وسمي الفاسق والكافر: فاجرا, لميله عن الحق. # { يسأل أيان يوم القيمة } ، أي متى يكون ذلك, ~~تكذيبا به. # قال الله تعالى: { فإذا برق البصر } ، قرأ أهل المدينة " ~~برق " بفتح الراء, وقرأ الآخرون بكسرها, وهما لغتان. # قال قتادة ومقاتل: شخص البصر فلا يطرف مما يرى من العجائب التي كان يكذب ~~بها في الدنيا. قيل: ذلك عند الموت. # وقال الكلبي: عند رؤية جهنم برق أبصار الكفار. # وقال الفراء والخليل " برق " - بالكسر - أي: فزع وتحير لما يرى من ~~العجائب، و " برق " بالفتح, أي: شق عينه وفتحها, من البريق, وهو ~~التلألؤ. ### || [75.8-13] # { وخسف القمر } ، أظلم وذهب نوره وضوءه. # { وجمع الشمس والقمر } ، أسودين مكورين كأنهما ثوران عقيران. ~~وقيل: يجمع بينهما في ذهاب الضياء. وقال عطاء بن يسار: يجمعان يوم ~~القيامة ثم يقذفان في البحر فيكونان نار الله الكبرى. # { يقول الإنسن } ، أي الكافر المكذب { يومئذ أين ~~المفر } ، أي: المهرب, وهو موضع الفرار. وقيل: هو مصدر, أي: أين ~~الفرار. # قال الله تعالى: { كلا لا وزر } ، لا حصن ولا حرز ولا ملجأ. وقال ~~السدي: لا جبل وكانوا إذا ms2405 فزعوا لجؤوا إلى الجبل فتحصنوا به. فقال الله ~~تعالى: لا جبل يومئذ يمنعهم. # { إلى ربك يومئذ المستقر } ، أي مستقر الخلق. # وقال عبد الله بن مسعود: المصير والمرجع نظيره: قوله تعالى: # إلى ربك الرجعى # [العلق: 8] # وإلى الله المصير # [آل عمران: 28]، [النور: 42]، [فاطر: 18]. # وقال السدي: المنتهى، نظيره: # وأن إلى ربك المنتهى # [النجم: 42]. # { ينبأ الإنسن يومئذ بما قدم وأخر } ، قال ابن ~~مسعود وابن عباس: " بما قدم " قبل موته من عمل صالح وسيىء، وما أخر: بعد ~~موته من سنة حسنة أو سيئة يعمل بها. # وقال عطية عن ابن عباس: " بما قدم " من المعصية " وأخر " من الطاعة. # وقال قتادة: بما قدم من طاعة الله, وأخر من حق الله فضيعه. # وقال مجاهد: بأول عمله وآخره. وقال عطاء: بما قدم في أول عمره وما أخر ~~في آخر عمره. # وقال زيد بن أسلم بما قدم من أمواله لنفسه وما أخر خلفه للورثة. ### || [75.14-16] # { بل الإنسن على نفسه بصيرة } ، قال عكرمة, ومقاتل, ~~والكلبي: معناه بل الإنسان على نفسه من نفسه رقباء يرقبونه ويشهدون عليه ~~بعمله, وهو سمعه وبصره وجوارحه، ودخول الهاء في البصيرة لأن المراد ~~بالإنسان ها هنا جوارحه, ويحتمل أن يكون معناه { بل الإنسن على ~~نفسه بصيرة } ، يعني: لجوارحه، فحذف حرف الجر كقوله: # وإن أردتم أن تسترضعوا أولدكم # [البقرة: 233] أي لأولادكم. ويجوز أن يكون نعتا لاسم مؤنث أي بل ~~الإنسان على نفسه عين بصيرة. # وقال أبو العالية, وعطاء: بل الإنسان على نفسه شاهد, وهي رواية العوفي ~~عن ابن عباس, والهاء في " بصيرة " للمبالغة, دليل هذا التأويل. قوله عز ~~وجل: # كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # [الإسراء: 14]. # { ولو ألقى معاذيره } ، يعني يشهد عليه الشاهد ولو اعتذر ~~وجادل عن نفسه لم ينفعه، كما قال تعالى: # يوم لا ينفع الظلمين معذرتهم # [غافر: 52]، وهذا قول مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير وابن زيد وعطاء: قال ~~الفراء: ولو اعتذر فعليه من نفسه من يكذب عذره ومعنى الإلقاء: القول, كما ~~قال: # فألقوا إليهم القول إنكم لكذبون # [النحل: 86]. وقال الضحاك والسدي: { ولو ألقى معاذيره } ~~يعني: ولو أرخى ms2406 الستور وأغلق الأبواب. وأهل اليمن يسمون الستر: معذارا ~~وجمعه: معاذير، ومعناه على هذا القول: وإن أسبل الستر ليخفي ما يعمل فإن ~~نفسه شاهدة عليه. # قوله عز وجل: { لا تحرك به لسانك لتعجل به }. # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, حدثنا ~~محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا قتيبة بن سعيد, حدثنا جرير, ~~عن موسى بن أبي عائشة, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس رضي الله عنهما في ~~قوله عز وجل: { لا تحرك به لسانك لتعجل به } قال: ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه جبريل بالوحي كان يحرك ~~لسانه وشفتيه فيشتد عليه، وكان يعرف منه, فأنزل الله عز وجل الآية التي ~~في لا أقسم بيوم القيامة { لا تحرك به لسانك ~~لتعجل به }. ### || [75.17-23] # { إن علينا جمعه وقرآنه } ، قال علينا أن نجمعه في صدرك ~~وقرأنه. # { فإذا قرأناه فاتبع قرآنه } ، فإذا أنزلناه فاستمع. # { ثم إن علينا بيانه } ، علينا أن نبينه بلسانك. قال: فكان ~~إذا أتاه جبريل عليه السلام أطرق فإذا ذهب قرأه كما وعده الله عز وجل, ~~ورواه محمد بن إسماعيل, عن عبد الله بن موسى, عن إسرائيل, عن موسى بن أبي ~~عائشة بهذا الإسناد وقال: كان يحرك شفتيه إذا نزل عليه, يخشى أن ينفلت ~~منه، فقيل له: { لا تحرك به لسانك } { إن علينا ~~جمعه } ، أن نجمعه في صدرك { وقرآنه } أن تقرأه. # { كلا بل تحبون العاجلة * وتذرون الآخرة }. قرأ ~~أهل المدينة والكوفة " تحبون وتذرون " بالتاء فيهما، وقرأ الآخرون بالياء ~~أي يختارون الدنيا على العقبى, ويعملون لها, يعني: كفار مكة، ومن قرأ ~~بالتاء فعلى تقدير: قل لهم يا محمد: بل تحبون وتذرون. # { وجوه يومئذ } ، يعني يوم القيامة { ناضرة } ، قال ابن ~~عباس: حسنة، وقال مجاهد: مسرورة. وقال ابن زيد: ناعمة. وقال مقاتل: بيض ~~يعلوها النور. وقال السدي: مضيئة. وقال يمان: مسفرة. وقال الفراء: مشرقة ~~بالنعيم. يقال: نضر الله وجهه ينضره نضرا، ونضره الله وأنضره ونضر ~~وجهه ينضر نضرة ونضارة. قال الله تعالى: # تعرف فى وجوههم ms2407 نضرة النعيم # [المطففين: 24]، { إلى ربها ناظرة } ، قال ابن عباس: وأكثر ~~الناس تنظر إلى ربها عيانا بلا حجاب. قال الحسن: تنظر إلى الخالق وحق ~~لها أن تنضر وهي تنظر إلى الخالق. # أخبرنا أبو بكر بن أبي الهيثم الترابي, أخبرنا عبد الله بن أحمد الحموي, ~~أخبرنا إبراهيم بن خزيم الشاشي, أخبرنا عبد بن حميد, حدثنا شبابة, عن ~~إسرائيل, عن ثوير قال: سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " " إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه ~~وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة ~~وعشية " ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: { وجوه يومئذ ~~ناضرة إلى ربها ناظرة } ". ### || [75.24-28] # { ووجوه يومئذ باسرة } ، عابسة كالحة مغبرة مسودة. # { تظن أن يفعل بها فاقرة } ، تستيقن أن يعمل بها عظيمة ~~من العذاب، والفاقرة: الداهية العظيمة، والأمر الشديد يكسر فقار الظهر. ~~قال سعيد بن المسيب: قاصمة الظهر. قال ابن زيد: هي دخول النار. وقال ~~الكلبي: هي أن تحجب عن رؤية الرب عز وجل. # { كلا إذا بلغت } ، يعني النفس, كناية عن غير مذكور { ~~التراقى } ، فحشرج بها عند الموت, و " التراقي ": جمع الترقوة، وهي ~~العظام بين ثغرة النحر والعاتق, ويكنى ببلوغ النفس التراقي عن الإشراف ~~على الموت. # { وقيل } ، أي قال من حضره الموت: هل " من راق " هل من طبيب يرقيه ~~ويداويه فيشفيه برقيته أو دوائه. # وقال قتادة: التمسوا له الأطباء فلم يغنوا عنه من قضاء الله شيئا. # وقال سليمان التيمي, ومقاتل بن سليمان: هذا من قول الملائكة, يقول ~~بعضم لبعض: من يرقى بروحه؟ فتصعد بها ملائكة الرحمة أوملائكة العذاب. # { وظن } ، أيقن الذي بلغت روحه التراقي، { أنه الفراق } ، من ~~الدنيا. ### || [75.29-35] # { والتفت الساق بالساق } ، قال قتادة: الشدة بالشدة. وقال ~~عطاء: شدة الموت بشدة الآخرة، قال سعيد بن جبير: تتابعت عليه الشدائد، ~~وقال السدي: لا يخرج من كرب إلا جاءه أشد منه. # قال ابن عباس: أمر الدنيا بأمر الآخرة, فكان في آخر يوم من الدنيا وأول ~~يوم من ms2408 أيام الآخرة. وقال مجاهد: اجتمع فيه الحياة والموت. # وقال الضحاك: الناس يجهزون جسده والملائكة يجهزون روحه. # وقال الحسن: هما ساقاه إذا التفتا في الكفن. وقال الشعبي: هما ساقاه ~~عند الموت. # { إلى ربك يومئذ المساق } ، أي مرجع العباد يومئذ إلى ~~الله يساقون إليه. # { فلا صدق ولا صلى } ، يعني: أبا جهل, لم يصدق بالقرآن ~~ولا صلى لله. # { ولكن كذب وتولى } عن الإيمان. # { ثم ذهب إلى أهله } ، رجع إليهم، { يتمطى } ، يتبختر ~~ويختال في مشيته, وقيل: أصله: " يتمطط " أي: يتمدد, والمط هو المد. # { أولى لك فأولى * ثم أولى لك فأولى } ، هذا وعيد على ~~وعيد من الله عز وجل لأبي جهل، وهي كلمة موضوعة للتهديد والوعيد. # وقال بعض العلماء: معناه إنك أجدر بهذا العذاب وأحق وأولى به، تقال ~~للرجل يصيبه مكروه يستوجبه. # وقيل: هي كلمة تقولها العرب لمن قاربه المكروه وأصلها من الولاء من ~~المولى وهو القرب, قال الله تعالى: # قاتلوا الذين يلونكم من الكفار # [التوبة: 123]. # وقال قتادة: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية ~~أخذ بمجامع ثوب أبي جهل بالبطحاء وقال له: { أولى لك فأولى * ثم ~~أولى لك فأولى } ، فقال أبو جهل: أتوعدني يا محمد؟ والله ما ~~تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئا, وإني لأعز من مشى بين جبليها! ~~فلما كان يوم بدر صرعه الله شر مصرع، وقتله أسوأ قتلة. وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # " إن لكل أمة فرعونا وإن فرعون هذه الأمة أبو جهل ". ### || [75.36-40] # { أيحسب الإنسن أن يترك سدى } ، هملا لا يؤمر ولا ~~ينهى، وقال السدي: معناه المهمل وإبل سدى إذا كانت ترعى حيث شاءت بلا ~~راع. # { ألم يك نطفة من منى يمنى } ، تصب في الرحم، ~~قرأ حفص عن عاصم " يمنى " بالياء, وهي قراءة الحسن، وقرأ الآخرون بالتاء, ~~لأجل النطفة. # { ثم كان علقة فخلق فسوى } ، فجعل فيه الروح فسوى ~~خلقه. # { فجعل منه الزوجين الذكر والانثى } ، خلق من ~~مائه أولادا ذكورا وإناثا. # { أليس ذلك } ، الذي فعل هذا، { بقدر على أن يحيى ~~الموتى }. # أخبرنا أبو ms2409 طاهر عمر بن عبد العزيز القاشاني, أخبرنا أبو عمرو القاسم بن ~~جعفر الهاشمي, أخبرنا أبو علي محمد بن أحمد بن عمر اللؤلؤي, حدثنا أبو ~~داود سليمان بن أشعث, حدثنا عبد الله بن محمد الزهري, حدثنا سفيان, حدثني ~~إسماعيل بن أمية قال: سمعت أعرابيا يقول سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ منكم والتين والزيتون فانتهى إلى آخرها: { أليس الله ~~بأحكم الحاكمين } التين: 8] فليقل: بلى، وأنا على ذلك من ~~الشاهدين، ومن قرأ: { لا أقسم بيوم القيامة } [القيامة: 1] ~~فانتهى إلى { أليس ذلك بقدر على أن يحيى الموتى } ~~فليقل: بلى، ومن قرأ: { والمرسلات } ، فبلغ { فبأي حديث ~~بعده يؤمنون } فليقل: { ءامنا بالله } ". # أخبرنا عمر بن العزيز, أخبرنا القاسم بن جعفر, أخبرنا أبو علي اللؤلؤي, ~~أخبرنا أبو داود, حدثنا محمد بن المثنى, حدثنا محمد بن جعفر, حدثنا شعبة ~~عن موسى بن أبي عائشة قال: كان رجل يصلي فوق بيته وكان إذا قرأ: { ~~أليس ذلك بقدر على أن يحيى الموتى } قال: سبحانك ~~بلى، فسألوه عن ذلك فقال: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ### | [76 - سورة الانسان] ### || [76.1-2] # { هل أتى على الإنسن } ، يعني آدم عليه السلام، { حين من ~~الدهر } ، أربعون سنة ملقى من طين بين مكة والطائف قبل أن ينفخ فيه ~~الروح، { لم يكن شيئا مذكورا } ، لا يذكر ولا يعرف ولا يدري ~~ما اسمه ولا ما يراد به، يريد: كان شيئا ولم يكن مذكورا، وذلك من حين ~~خلقه من طين إلى أن ينفخ فيه الروح. # روي أن عمر سمع رجلا يقرأ هذه الآية: { لم يكن شيئا مذكورا ~~} فقال عمر: ليتها تمت, يريد: ليته بقي على ما كان، قال ابن عباس: ثم ~~خلقه بعد عشرين ومائة سنة. # { إنا خلقنا الإنسن } ، يعني ولد آدم، { من نطفة } ، ~~يعني: مني الرجل ومني المرأة. { أمشاج }: أخلاط, واحدها: مشج ~~ومشيج، مثل خدن وخدين. # قال ابن عباس, والحسن, ومجاهد, والربيع: يعني ماء الرجل وماء المرأة ~~يختلطان في الرحم فيكون منهما الولد، فماء الرجل أبيض غليظ وماء ms2410 المرأة ~~أصفر رقيق، فأيهما علا صاحبه كان الشبه له, وما كان من عصب وعظم فهو من ~~نطفة الرجل، وما كان من لحم ودم وشعر فمن ماء المرأة. # وقال الضحاك: أراد بالأمشاج اختلاف ألوان النطفة, فنطفة الرجل بيضاء ~~وحمراء وصفراء، ونطفة المرأة خضراء وحمراء وصفراء، وهي رواية الوالبي عن ~~ابن عباس. وكذلك قال الكلبي: قال: الأمشاج البياض في الحمرة والصفرة. ~~وقال يمان: كل لونين اختلطا فهو أمشاج. وقال ابن مسعود: هي العروق التي ~~تكون في النطفة. # وقال الحسن: نطفة مشجت بدم, وهو دم الحيضة, فإذا حبلت ارتفع الحيض. # وقال قتادة: هي أطوار الخلق نطفة، ثم علقة, ثم مضغة، ثم عظما ثم يكسوه ~~لحما ثم ينشئه خلقا آخر. # { نبتليه } نختبره بالأمر والنهي، { فجعلنه سميعا ~~بصيرا } قال بعض أهل العربية: فيه تقديم وتأخير، مجازه: فجعلناه ~~سميعا بصيرا لنبتليه، لأن الابتلاء لا يقع إلا بعد تمام الخلقة. ### || [76.3-4] # { إنا هدينه السبيل } ، أي بينا له سبيل الحق والباطل ~~والهدى والضلالة، وعرفناه طريق الخير والشر. { إما شاكرا ~~وإما كفورا } ، إما مؤمنا سعيدا وإما كافرا شقيا. وقيل: معنى ~~الكلام الجزاء, يعني: بينا له الطريق إن شكر أو كفر. # ثم بين ما للفريقين فقال: { إنآ أعتدنا للكفرين ~~سلسل } ، يعني: في جهنم، قرأ أهل المدينة والكسائي, وأبو بكر عن ~~عاصم: " سلاسلا: و " قواريرا " فقوارير بالألف في الوقف، وبالتنوين في ~~الوصل فيهن جميعا، وقرأ حمزة ويعقوب بلا ألف في الوقف، ولا تنوين في ~~الوصل فيهن، وقرأ ابن كثير " قوارير " الأولى بالألف في الوقف وبالتنوين ~~في الوصل، و " سلاسل " و " قوارير " الثانية بلا ألف ولا تنوين وقرأ أبو ~~عمرو وابن عامر وحفص " سلاسلا " و " قواريرا " الأولى بالألف في الوقف ~~على الخط وبغير تنوين في الوصل، و " قوارير " الثانية بغير ألف ولا ~~تنوين. قوله { وأغلالا } يعني في أيديهم, تغل في أعناقهم, { وسعيرا } ، ~~وقودا شديدا. ### || [76.5-8] # { إن الأبرار } ، يعني المؤمنين الصادقين في إيمانهم المطيعين ~~لربهم, واحدهم بار، مثل شاهد وأشهاد, وناصر وأنصار، و " بر " أيضا مثل: ~~نهر وأنهار، { يشربون } ، في الآخرة، { من كأس ms2411 } ، فيها شراب { ~~كان مزاجها كفورا } ، قال قتادة: يمزج لهم بالكافور ويختم ~~بالمسك، قال عكرمة " مزاجها ": طعمها، وقال أهل المعاني: أراد كالكافور ~~في بياضه وطيب ريحه وبرده, لأن الكافور لا يشرب، وهو كقوله: # حتى إذا جعله نارا # [الكهف: 96] أي كنار. وهذا معنى قول قتادة ومجاهد: يمازجه ريح الكافور. ~~وقال ابن كيسان: طيبت بالكافور والمسك والزنجبيل. وقال عطاء والكلبي: ~~الكافور اسم لعين ماء في الجنة. # { عينا } ، نصب تبعا للكافور. وقيل: هو نصب على المدح. وقيل: أعني ~~عينا. وقال الزجاج: الأجود أن يكون المعنى من عين، { يشرب بها } ، ~~قيل: يشربها والباء صلة وقيل بها أي منها، { عباد الله } ، قال ابن ~~عباس أولياء الله، { يفجرونها تفجيرا } ، أي يقودونها حيث ~~شاؤوا من منازلهم وقصورهم، كمن يكون له نهر يفجره ها هنا وها هنا إلى حيث ~~يريد. # { يوفون بالنذر } ، هذا من صفاتهم في الدنيا أي كانوا في الدنيا ~~كذلك. # قال قتادة: أراد يوفون بما فرض الله عليهم من الصلاة ووالزكاة والصوم ~~والحج والعمرة، وغيرها من الواجبات، ومعنى النذر: الإيجاب. # وقال مجاهد وعكرمة: إذا نذروا في طاعة الله وفوا به. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي, أخبرنا زاهر بن أحمد, أخبرنا أبو إسحاق ~~الهاشمي, أخبرنا أبو مصعب, عن مالك, عن طلحة بن عبد الملك الأيلي, عن ~~القاسم بن محمد, عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه ". # { ويخفون يوما كان شره مستطيرا } ، فاشيا ممتدا، ~~يقال: استطار الصبح, إذا امتد وانتشر. # قال مقاتل: كان شره فاشيا في السموات فانشقت، وتناثرت الكواكب, وكورت ~~الشمس والقمر, وفزعت الملائكة، وفي الأرض: فنسفت الجبال, وغارت المياه, ~~وتكسر كل شيء على الأرض من جبل وبناء. # { ويطعمون الطعام على حبه } ، أي على حب الطعام وقلته ~~وشهوتهم له وحاجتهم إليه. وقيل: على حب الله عز وجل، { مسكينا } ، ~~فقيرا لا مال له، { ويتيما } ، صغيرا لا أب له { وأسيرا } ، ~~قال مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء: هو المسجون من ms2412 أهل القبلة. وقال قتادة: ~~أمر الله بالأسراء أن يحسن إليهم, وإن أسراهم يومئذ لأهل الشرك. وقيل: ~~الأسير المملوك. وقيل: المرأة, يقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " اتقوا الله في النساء فإنهن عندكم عوان " # أي أسراء. # واختلفوا في سبب نزول هذه الآية، قال مقاتل: نزلت في رجل من الأنصار ~~أطعم في يوم واحد مسكينا ويتيما وأسيرا. # وروى مجاهد وعطاء عن ابن عباس: أنها نزلت في علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه، وذلك أنه عمل ليهودي بشيء من شعير، فقبض الشعير فطحن ثلثه فجعلوه ~~منه شيئا ليأكلوه، فلما تم إنضاجه أتى مسكين فسأل فأخرجوا إليه الطعام، ~~ثم عمل الثلث الثاني فلما تم إنضاجه أتى يتيم فسأل فأطعموه، ثم عمل ~~الثلث الباقي فلما تم إنضاجه أتى أسير من المشركين، فسأل فأطعموه، وطووا ~~يومهم ذلك: وهذا قول الحسن وقتادة، أن الأسير كان من أهل الشرك، وفيه ~~دليل على أن إطعام الأسارى, وإن كانوا من أهل الشرك, حسن يرجى ~~ثوابه. ### || [76.9-18] # { إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزآء ~~ولا شكورا } ، والشكور مصدر كالعقود والدخول والخروج. قال مجاهد ~~وسعيد بن جبير: إنهم لم يتكلموا به ولكن علم الله ذلك من قلوبهم، فأثنى ~~عليهم. # { إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا } ، تعبس فيه الوجوه ~~من هوله وشدته، ونسب العبوس إلى اليوم، كما يقال: يوم صائم وليل قائم. ~~وقيل: وصف اليوم بالعبوس لما فيه من الشدة، { قمطريرا } ، قال ~~قتادة, ومجاهد, ومقاتل: " القمطرير ": الذي يقبض الوجوه والجباه ~~بالتعبيس. قال الكلبي: العبوس الذي لا انبساط فيه، و " القمطرير ": ~~الشديد، قال الأخفش: " القمطرير ": أشد ما يكون من الأيام وأطوله في ~~البلاء، يقال: يوم قمطرير وقماطر, إذا كان شديدا كريها، واقمطر ~~اليوم فهو مقمطر. # { فوقهم الله شر ذلك اليوم } , الذي يخافون، { ~~ولقهم نضرة } ، حسنا في وجوههم، { وسرورا } ، في ~~قلوبهم. # { وجزهم بما صبروا } ، على طاعة الله واجتباب معصيته، وقال ~~الضحاك: على الفقر. وقال عطاء: على الجوع. { جنة وحريرا } ، قال ~~الحسن: أدخلهم الله الجنة وألبسهم الحرير. # { متكئين } ، نصب على الحال، { فيها } في الجنة، ms2413 { على ~~الأرآئك } ، السرر في الحجال، ولا تكون أريكة إلا إذا اجتمعا، { ~~لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا } ، أي صيفا ولا شتاء. ~~قال مقاتل: يعني شمسا يؤذيهم حرها ولا زمهريرا يؤذيهم برده، لأنهما ~~يؤذيان في الدنيا. والزمهرير: البرد الشديد. # { ودانية عليهم ظللها } , أي قريبة منهم ظلال أشجارها، ~~ونصب " دانية " ، بالعطف على قوله: " متكئين " ، وقيل: على موضع قوله: { ~~لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا } ، ويرون { دانية } ، ~~وقيل: على المدح، { وذللت } ، سخرت وقربت، { قطوفها } ، ~~ثمارها، { تذليلا } ، يأكلون من ثمارها قياما وقعودا ومضطجعين ~~ويتناولونها كيف شاؤوا على أي حال كانوا. # { ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت ~~قواريرا * قواريرا من فضة } , قال المفسرون: أراد بياض ~~الفضة في صفاء القوارير، فهي من فضة في صفاء الزجاج، يرى ما في داخلها من ~~خارجها. # قال الكلبي: إن الله جعل قوارير كل قوم من تراب أرضهم، وإن أرض الجنة من ~~فضة، فجعل منها قوارير يشربون فيها، { قدروها تقديرا } ، قدروا ~~الكأس على قدر ريهم لا يزيد ولا ينقص، أي قدرها لهم السقاة والخدم ~~الذين يطوفون عليهم يقدرونها ثم يسقون. # { ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا } ، يشوق ~~ويطرب، والزنجبيل: مما كانت العرب تستطيبه جدا، فوعدهم الله تعالى أنهم ~~يسقون في الجنة الكأس الممزوجة بزنجبيل الجنة. قال مقاتل: لا يشبه زنجبيل ~~الدنيا. قال ابن عباس: كل ما ذكر الله في القرآن مما في الجنة وسماه ليس ~~له في الدنيا مثل. وقيل: هو عين في الجنة يوجد منها طعم الزنجبيل. قال ~~قتادة: يشربها المقربون صرفا، ويمزج لسائر أهل الجنة. # { عينا فيها تسمى سلسبيلا } ، قال قتادة: سلسة منقادة ~~لهم يصرفونها حيث شاؤوا، وقال مجاهد: حديدة شديدة الجرية. وقال أبو ~~العالية ومقاتل بن حيان: سميت سلسبيلا لأنها تسيل عليهم في الطرق وفي ~~منازلهم تنبع من أصل العرش من جنة عدن إلى أهل الجنان وشراب الجنة على ~~برد الكافور وطعم الزنجبيل وريح المسك. قال الزجاج: سميت سلسبيلا ~~لأنها في غاية السلاسة تتسلسل في الحلق، ومعنى قوله: " تسمى " أي توصف ~~لأن أكثر العلماء على أن سلسبيلا ms2414 صفة لا اسم. ### || [76.19-24] # { ويطوف عليهم ولدن مخلدون إذا رأيتهم ~~حسبتهم لؤلؤا منثورا } ، قال عطاء: يريد في بياض اللؤلؤ ~~وحسنه, واللؤلؤ إذا نثر من الخيط على البساط، كان أحسن منه منظوما. وقال ~~أهل المعاني: إنما شبهوا بالمنثور لانتثارهم في الخدمة، فلو كانوا ~~صفا لشبهوا بالمنظوم. # { وإذا رأيت ثم } ، أي إذا رأيت ببصرك ونظرت به ثم يعني في ~~الجنة، { رأيت نعيما } ، لا يوصف، { وملكا كبيرا } ، وهو ~~أن أدناهم منزلة ينظر إلى ملكه في مسيرة ألف عام يرى أقصاه كما يرى ~~أدناه. قال مقاتل والكلبي: هو أن رسول رب العزة من الملائكة لا يدخل ~~عليه إلا بإذنه. وقيل: ملكا لا زوال له. # { عليهم ثياب سندس } ، قرأ أهل المدينة وحمزة: " عاليهم ~~" ساكنة الياء مكسورة الهاء، فيكون في موضع رفع بالابتداء، وخبره: ثياب ~~سندس، وقرأ الآخرون بنصب الياء وضم الهاء على الصفة، أي فوقهم وهو نصب ~~على الظرف { ثياب سندس خضر وإستبرق } ، قرأ نافع وحفص { ~~خضر وإستبرق } مرفوعا عطفا على الثياب، وقرأهما حمزة ~~والكسائي مجرورين، وقرأ ابن كثير وأبو بكر " خضر " بالجر " واستبرق " ~~بالرفع، وقرأ أبو جعفر وأهل البصرة والشام على ضده فالرفع على نعت الثياب ~~والجر على نعت السندس. وإستبرق بالرفع على أنه معطوف على وثياب إستبرق ~~فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه كقوله " وأسأل القرية " أي أهل ~~القرية، ومثله قوله: خز أي ثوب خز, وأما جر إستبرق فعلى أنه معطوف على ~~سندس وهو جر بإضافة الثياب إليه, وهما جنسان أضيفت الثياب إليهما كما ~~تقول: ثوب خز وكتان فتضيفه إلى الجنسين. # { وحلوا أساور من فضة وسقهم ربهم شرابا ~~طهورا } ، قيل: طاهرا من الأقذار والأقذاء لم تدنسه الأيدي والأرجل ~~كخمر الدنيا. # وقال أبو قلابة وإبراهيم: إنه لا يصير بولا نجسا ولكنه يصير رشحا في ~~أبدانهم، ريحه كريح المسك، وذلك أنهم يؤتون بالطعام, فإذا كان آخر ذلك ~~أتوا بالشراب الطهور، فيشربون فتطهر بطونهم ويصير ما أكلوا رشحا يخرج من ~~جلدوهم ريحا أطيب من المسك الإذفر، وتضمر بطونهم وتعود شهوتهم. # وقال مقاتل: هو عين ماء على ms2415 باب الجنة من شرب منها نزع الله ما كان في ~~قلبه من غل وغش وحسد. # { إن هذا كان لكم جزآء وكان سعيكم مشكورا } ~~, أي ما وصف من نعيم الجنة كان لكم جزاء بأعمالكم وكان سعيكم عملكم في ~~الدنيا بطاعة الله مشكورا، قال عطاء: شكرتم عليه فأثيبكم أفضل الثواب. # قوله عز وجل: { إنا نحن نزلنا عليك القرءان ~~تنزيلا } ، قال ابن عباس: متفرقا آية بعد آية، ولم ينزل جملة واحدة. # { فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم } ، يعني من مشركي ~~مكة، { ءاثما أو كفورا } ، يعني وكفورا، والألف صلة. # قال قتادة: أراد بالآثم الكفور أبا جهل وذلك أنه لما فرضت الصلاة على ~~النبي صلى الله عليه وسلم نهاه أبو جهل عنها، وقال: لئن رأيت محمدا يصلي ~~لأطأن عنقه. # وقال مقاتل: أراد ب " الآثم ": عتبة بن ربيعة، وب " الكفور " الوليد ~~بن المغيرة، قالا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت صنعت ما صنعت لأجل ~~النساء والمال فارجع عن هذا الأمر، قال عتبة: فأنا أزوجك ابنتي وأسوقها ~~إليك بغير مهر، وقال الوليد: أنا أعطيك من المال حتى ترضى، فارجع عن هذا ~~الأمر، فأنزل الله هذه الآية. ### || [76.25-28] # قوله عز وجل: { واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا * ومن ~~اليل فاسجد له } ، يعني صلاة المغرب والعشاء، { وسبحه ~~ليلا طويلا } ، يعني التطوع بعد المكتوبة. # { إن هؤلاء } ، يعني كفار مكة { يحبون العاجلة } أي ~~الدار العاجلة وهي الدنيا { ويذرون ورآءهم } , يعني أمامهم، { ~~يوما ثقيلا } ، شديدا وهو يوم القيامة. أي يتركونه فلا يؤمنون به ~~ولا يعملون له. # { نحن خلقنهم وشددنا } ، قوينا وأحكمنا، { أسرهم ~~} ، قال مجاهد وقتادة ومقاتل: " أسرهم " أي: خلقهم، يقال رجل حسن الأسر ~~أي الخلق. # وقال الحسن: يعني أوصالهم شددنا بعضها إلى بعض بالعروق والعصب. # وروي عن مجاهد في تفسير " الأسر " قال: الشرج, يعني موضع مصرفي ~~البول والغائط, إذا خرج الأذى تقبضا. { وإذا شئنا بدلنآ ~~أمثلهم تبديلا } ، أي: إذا شئنا أهلكناهم. وأتينا بأشباههم ~~فجعلناهم بدلا منهم. ### || [76.29-31] # { إن هذه } ، يعني هذه السورة، { تذكرة } ، تذكير وعظة، { ~~فمن شآء اتخذ إلى ربه سبيلا } ، وسيلة ms2416 بالطاعة. # { وما تشآءون } , قرأ ابن كثير, وابن عامر, وأبو عمرو: " يشاؤون " ~~بالياء، وقرأ الآخرون بالتاء، { إلا أن يشآء الله } أي لستم ~~تشاؤون إلا بمشيئة الله عز وجل، لأن الأمر إليه { إن الله كان ~~عليما حكيما * يدخل من يشآء فى رحمته ~~والظلمين } ، أي المشركين. { أعد لهم عذابا أليما ~~}. ### | [77 - سورة المرسلات] ### || [77.1-4] # { والمرسلات عرفا } , يعني الرياح أرسلت متتابعة كعرف الفرس. ~~وقيل: عرفا أي كثيرا تقول العرب: الناس إلى فلان عرف واحد، إذا توجهوا ~~إليه فأكثروا، هذا معنى قول مجاهد وقتادة وقال مقاتل: يعني الملائكة التي ~~أرسلت بالمعروف من أمر الله ونهيه، وهي رواية مسروق عن ابن مسعود. # { فالعصفت عصفا } ، يعني الرياح الشديدة الهبوب. # { والنشرت نشرا } ، يعني الرياح اللينة. وقال الحسن: هي ~~الرياح التي يرسلها الله بشرا بين يدي رحمته. وقيل: هي الرياح التي تنشر ~~السحاب وتأتي بالمطر. وقال مقاتل: هم الملائكة ينشرون الكتب. # { فالفرقت فرقا } ، قال ابن عباس, ومجاهد, والضحاك: يعني ~~الملائكة تأتي بما يفرق بين الحق والباطل. وقال قتادة والحسن: هي آي ~~القرآن تفرق بين الحلال والحرام. وروي عن مجاهد قال: هي الرياح تفرق ~~السحاب وتبدده. ### || [77.5-10] # { فالملقيت ذكرا } ، يعني الملائكة تلقي الذكر إلى ~~الأنبياء، نظيرها: # يلقى الروح من أمره # [غافر: 15]. # { عذرا أو نذرا } ، أي للإعذار والإنذار، وقرأ الحسن " عذرا ~~" بضم الذال واختلف فيه عن أبي بكر عن عاصم، وقراءة العامة بسكونها، وقرأ ~~أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص " عذرا أو نذرا " ساكنة الذال فيهما، ~~وقرأ الباقون بضمها، ومن سكن قال: لأنهما في موضع مصدرين بمعنى الإنذار ~~والإعذار, وليسا بجمع فينقلا وقال ابن كثير ونافع, وابن عامر, وأبو بكر ~~عن عاصم ويعقوب برواية رويس بن حسان: " عذرا " سكون الذال, و " نذرا ~~" بضم الذال, وقرأ روح بالضم في العذر والنذر جميعا, وهي قراءة الحسن, ~~والوجه فيهما أن العذر والنذر بضمتين كالأذن والعنق هو الأصل ويجوز ~~التخفيف فيهما كما يجوز التخفيف في العنق والأذن, يقال: عذر ونذر, ~~وعذر ونذر, كما يقال: عنق وعنق, وأذن وأذن, والعذر والنذر ~~مصدران بمعنى الإعذار والإنذار كالنكير والعذير ms2417 والنذير, ويجوز أن يكونا ~~جمعين لعذير ونذير, ويجوز أن يكون العذر جمع عاذر, كشارف وشرف, والمعنى ~~في التحريك والتسكين واحد ما بينا إلى ها هنا أقسام. ذكرها على قوله: { ~~إنما توعدون } ، من أمر الساعة والبعث، { لواقع } ، لكائن ثم ذكر ~~متى يقع. # فقال: { فإذا النجوم طمست } ، محي نورها. # { وإذا السمآء فرجت } ، شقت. # { وإذا الجبال نسفت } ، قلعت من أماكنها. ### || [77.11-32] # { وإذا الرسل أقتت } ، قرأ أهل البصرة " وقتت " بالواو، ~~وقرأ أبو جعفر بالواو وتخفيف القاف، وقرأ الآخرون بالألف وتشديد القاف، ~~وهما لغتان. والعرب تعاقبت بين الواو والهمزة كقولهم: وكدت وأكدت، ~~ورخت وأرخت، ومعناهما: جمعت لميقات يوم معلوم، وهو يوم القيامة ليشهدوا ~~على الأمم. # { لأي يوم أجلت } ، أي أخرت، وضرب الأجل لجمعهم فعجب العباد ~~من ذلك اليوم, ثم بين فقال: { ليوم الفصل } ، قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: يوم يفصل الرحمن عز وجل بين الخلائق. # { ومآ أدراك ما يوم الفصل * ويل يومئذ ~~للمكذبين * ألم نهلك الأولين } ، يعني الأمم ~~الماضية بالعذاب في الدنيا حين كذبوا رسلهم. # { ثم نتبعهم الأخرين } ، السالكين سبيلهم في الكفر ~~والتكذيب يعني كفار مكة بتكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم. # { كذلك نفعل بالمجرمين * ويل يومئذ ~~للمكذبين * ألم نخلقكم من مآء مهين } ، يعني ~~النطفة. # { فجعلنه فى قرار مكين } ، يعني الرحم. # { إلى قدر معلوم } وهو وقت الولادة. # { فقدرنا } , قرأ أهل المدينة والكسائي: " فقدرنا " بالتشديد من ~~التقدير، وقرأ الآخرون بالتخفيف من القدرة، لقوله: " فنعم القادرون " ، ~~وقيل: معناهما واحد، وقوله: { فنعم القدرون } ، أي المقدرون. # { ويل يومئذ للمكذبين * ألم نجعل الأرض ~~كفاتا } وعاء، ومعنى الكفت: الضم والجمع، يقال: كفت الشيء: إذا ضمه ~~وجمعه. وقال الفراء: يريد تكفتهم أحياء على ظهرها في دورهم ومنازلهم, ~~وتكفتهم أمواتا في بطنها, أي: تحوزهم. # وهو قوله: { أحيآء وأموتا * وجعلنا فيها رواسى } , ~~جبالا { شمخت } , عاليات، { وأسقينكم مآء فراتا ~~} , عذبا. # { ويل يومئذ للمكذبين } قال مقاتل: وهذا كله أعجب من ~~البعث, ثم أخبر أنه يقال لهم يوم القيامة. # { انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون } في الدنيا. # { انطلقوا إلى ظل ذى ثلث شعب } , يعني دخان جهنم ms2418 ~~إذا ارتفع انشعب وافترق ثلاث فرق. وقيل: يخرج عنق من النار فيتشعب ثلاث ~~شعب, أما النور فيقف على رؤوس المؤمنين، والدخان يقف على رؤوس المنافقين، ~~واللهب الصافي يقف على رؤوس الكافرين. # ثم وصف ذلك الظل فقال عز وجل: { لا ظليل } لا يظل من الحر، { ولا ~~يغنى من اللهب } , قال الكلبي: لا يرد لهب جهنم عنكم، والمعنى ~~أنهم إذا استظلوا بذلك الظل لم يدفع عنهم حر اللهب. # { إنها } ، يعني جهنم، { ترمى بشرر } ، وهو ما تطاير من النار، ~~واحدها شررة، { كالقصر } ، وهو البناء العظيم، قال ابن مسعود: يعني ~~الحصون. # وقال عبد الرحمن بن عياش سألت ابن عباس عن قوله: { إنها ترمى ~~بشرر كالقصر } قال: هي الخشب العظام المقطعة، وكنا نعمد إلى ~~الخشب فنقطعها ثلاثة أذرع وفوق ذلك ودونه ندخرها للشتاء، فكنا نسميها ~~القصر. # وقال سعيد بن جبير, والضحاك: هي أصول النخل والشجر العظام، واحدتها ~~قصرة، مثل تمرة وتمر، وجمرة وجمر. وقرأ علي وابن عباس " كالقصر " بفتح ~~الصاد، أي أعناق النخل، والقصرة العنق، وجمعها قصر وقصرات. ### || [77.33-50] # { كأنه } رد الكناية إلى اللفظ، { جمالة } ، قرأ حمزة والكسائي ~~وحفص: " جمالة " على جمع الجمل, مثل حجر وحجارة، وقرأ يعقوب بضم الجيم ~~بلا ألف, أراد: الأشياء العظام المجموعة، وقرأ الآخرون: " جمالات " ~~بالألف وكسر الجيم على جمع الجمال، وقال ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد ~~بن جبير: هي حبال السفن يجمع بعضها إلى بعض، حتى تكون كأوساط الرجال، { ~~صفر } ، جمع الأصفر، يعني لون النار. وقيل: " الصفر " معناه: السود, ~~لأنه جاء في الحديث أن شرر نار جهنم أسود كالقير, والعرب تسمي سود الإبل ~~صفرا لأنه يشوب سوادها شيء من صفرة كما يقال لبيض الظباء: أدم, لأن ~~بياضها يعلوه كدرة. # { ويل يومئذ للمكذبين * هذا يوم لا ينطقون ~~} ، وفي القيامة مواقف، ففي بعضها يختصمون ويتكلمون, وفي بعضها يختم على ~~أفواههم فلا ينطقون. # { ولا يؤذن لهم فيعتذرون } ، رفع عطف على قوله: " يؤذن ~~" , قال الجنيد: أي لا عذر لمن أعرض عن منعمه وكفر بأياديه ونعمه. # { ويل يومئذ للمكذبين * هذا يوم الفصل } ، ~~بين أهل ms2419 الجنة والنار، { جمعناكم والأولين } ، يعني مكذبي ~~هذه الأمة والأولين الذين كذبوا أنبياءهم. # { فإن كان لكم كيد فكيدون } ، قال مقاتل: إن كانت لكم حيلة ~~فاحتالوا لأنفسكم. # { ويل يومئذ للمكذبين * إن المتقين فى ~~ظلل } ، جمع ظل أي في ظلال الشجر، { وعيون } , الماء. # { وفوكه مما يشتهون }. # ويقال لهم: { كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم ~~تعملون } ، في الدنيا بطاعتي. # { إنا كذلك نجزى المحسنين * ويل يومئذ ~~للمكذبين }. # ثم قال لكفار مكة: { كلوا وتمتعوا قليلا } ، في الدنيا، { ~~إنكم مجرمون } , مشركون بالله عز وجل مستحقون للعذاب. # { ويل يومئذ للمكذبين * إذا قيل لهم اركعوا ~~} صلوا, { لا يركعون } , لا يصلون، وقال ابن عباس رضي الله ~~تعالى عنهما: إنما يقال لهم هذا يوم القيامة حين يدعون إلى السجود فلا ~~يستطيعون. # { ويل يومئذ للمكذبين * فبأي حديث بعده } ~~بعد القرآن، { يؤمنون } , إذا لم يؤمنوا به. ### | [78 - سورة النبإ] ### || [78.1-19] # { عم } ، أصله: " عن ما " فأدغمت النون في الميم وحذفت ألف " ما " ~~كقوله: " فيم " ، و " بم "؟ { يتسآءلون } ، أي: عن أي شيء ~~يتساءلون, هؤلاء المشركون؟ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دعاهم ~~إلى التوحيد وأخبرهم بالبعث بعد الموت، وتلا عليهم القرآن جعلوا يتساءلون ~~بينهم فيقولون: ماذا جاء به محمد؟ قال الزجاج: اللفظ لفظ استفهام ~~ومعناه التفخيم، كما تقول: أي شيء زيد؟ إذا عظمت أمره وشأنه. # ثم ذكر أن تساؤلهم عماذا فقال: { عن النبإ العظيم } ، قال ~~مجاهد والأكثرون: هو القرآن، دليله قوله: # قل هو نبأ عظيم # [ص: 67]، وقال قتادة: هو البعث. # { الذى هم فيه مختلفون } ، فمصدق ومكذب، { كلا ~~سيعلمون } ، " كلا " نفي لقولهم, " سيعلمون " عاقبة تكذيبهم حتى ~~تنكشف الأمور. # { ثم كلا سيعلمون } ، وعيد لهم على أثر وعيد. وقال الضحاك: ~~" كلا سيعلمون " يعني: الكافرين, " ثم كلا سيعلمون " يعني: المؤمنين, ثم ~~ذكر صنائعه ليعلموا توحيده فقال: # { ألم نجعل الأرض مهدا } ، فراشا. # { والجبال أوتادا } ، للأرض حتى لا تميد. # { وخلقنكم أزوجا } , أصنافا ذكورا وإناثا. # { وجعلنا نومكم سباتا } ، أي راحة لأبدانكم. قال الزجاج: " ~~السبات ": أن ينقطع عن الحركة والروح فيه. وقيل: معناه جعلنا نومكم ~~قطعا لأعمالكم, لأن أصل السبت: القطع. # { وجعلنا ms2420 اليل لباسا } ، غطاء وغشاء يستر كل شيء بظلمته. # { وجعلنا النهار معاشا } ، المعاش: العيش, وكل ما يعاش فيه ~~فهو معاش، أي جعلنا النهار سببا للمعاش والتصرف في المصالح. قال ابن ~~عباس: يريد: تبتغون من فضل الله، وما قسم لكم من رزقه. # { وبنينا فوقكم سبعا شدادا } ، يريد سبع سموات. # { وجعلنا سراجا } ، يعني الشمس، { وهاجا } ، مضيئا منيرا. ~~قال الزجاج: الوهاج: الوقاد. قال مقاتل: جعل فيه نورا وحرارة، والوهج ~~يجمع النور والحرارة. # { وأنزلنا من المعصرات } ، قال مجاهد, وقتادة, ومقاتل, ~~والكلبي: يعني الرياح التي تعصر السحاب، وهي رواية العوفي عن ابن عباس. # قال الأزهري: هي الرياح ذوات الأعاصير، فعلى هذا التأويل تكون " من " ~~بمعنى الباء أي بالمعصرات، وذلك أن الريح تستدر المطر. # وقال أبو العالية, والربيع, والضحاك: المعصرات هي السحاب وهي رواية ~~الوالبي عن ابن عباس. # قال الفراء: المعصرات السحائب التي تتحلب بالمطر ولا تمطر، كالمرأة ~~المعصر هي التي دنا حيضها ولم تحض. # وقال ابن كيسان: هي المغيثات من قوله: # فيه يغاث الناس وفيه يعصرون # [يوسف:49]. # وقال الحسن, وسعيد بن جبير, وزيد بن أسلم, ومقاتل بن حيان: " من ~~المعصرات " أي من السموات. # { مآء ثجاجا } ، أي صبابا، وقال مجاهد: مدرارا. # وقال قتادة: متتابعا يتلو بعضه بعضا. وقال ابن زيد: كثيرا. # { لنخرج به } ، أي بذلك الماء، { حبا } ، وهو ما يأكله الناس، ~~{ ونباتا } ، ما تنبته الأرض مما تأكله الأنعام. # { وجنت ألفافا } ، ملتفة بالشجر, واحدها لف ولفيف، وقيل: ~~هو جمع الجمع، يقال: جنة لفا, وجمعها لف، بضم اللام, وجمع الجمع ~~ألفاف. # { إن يوم الفصل } ، يوم القضاء بين الخلق، { كان ميقتا ~~} ، لما وعد الله تعالى من الثواب والعقاب. # { يوم ينفخ فى الصور فتأتون أفواجا } ، زمرا زمرا ~~من كل مكان للحساب. # { وفتحت السمآء } ، قرأ أهل الكوفة: " فتحت " بالتخفيف، ~~وقرأ الآخرون بالتشديد، أي شقت لنزول الملائكة، { فكانت ~~أبوبا } ، أي ذات أبواب. وقيل: تنحل وتتناثر حتى تصير فيها أبواب ~~وطرق. ### || [78.20-40] # { وسيرت الجبال } ، عن وجه الأرض، { فكانت سرابا } , ~~أي هباء منبثا لعين الناظر كالسراب. # { إن جهنم كانت مرصادا } , طريقا وممرا فلا سبيل لأحد ms2421 ~~إلى الجنة حتى يقطع النار. # وقيل: " كانت مرصادا " أي: معدة لهم، يقال: أرصدت له الشيء إذا أعددته ~~له. # وقيل: هو من رصدت الشيء أرصده إذا ترقبته. " والمرصاد ": المكان الذي ~~يرصد الراصد فيه العدو. وقوله: { إن جهنم كانت مرصادا } ، ~~أي ترصد الكفار. # وروى مقسم عن ابن عباس: أن على جسر جهنم سبعة محابس يسأل العبد عند ~~أولها عن شهادة أن لا إله إلا الله, فإن أجابها تامة جاز إلى الثاني، ~~فيسأل عن الصلاة, فإن أجابها تامة جاز إلى الثالث، فيسأل عن الزكاة, فإن ~~أجابها تامة جاز إلى الرابع، فيسأل عن الصوم فإن جاء به تاما جاز إلى ~~الخامس، فيسأل عن الحج فإن جاء به تاما جاز إلى السادس، فيسأل عن العمرة ~~فإن أجابها تامة جاز إلى السابع، فيسأل عن المظالم فإن خرج منها وإلا ~~يقال: انظروا فإن كان له تطوع أكمل بها أعماله، فإذا فرغ منه انطلق به ~~إلى الجنة. # { للطاغين } ، للكافرين، { مآبا } ، مرجعا يرجعون إليه. # { لبثين } ، قرأ حمزة ويعقوب: " لبثين " بغير ألف، وقرأ ~~العامة: " لابثين " بالألف وهما لغتان. { فيهآ أحقابا } ، جمع ~~حقب، والحقب الواحد: ثمانون سنة، كل سنة اثنا عشر شهرا، كل شهر ثلاثون ~~يوما، كل يوم ألف سنة. روي ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. # وقال مجاهد: " الأحقاب " ثلاثة وأربعون حقبا، كل حقب سبعون خريفا، كل ~~خريف سبعمائة سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوما، وكل يوم ألف سنة. # قال الحسن: إن الله لم يجعل لأهل النار مدة، بل قال: { لبثين ~~فيهآ أحقابا } فوالله ما هو إلا إذا مضى حقب دخل آخر ثم آخر إلى ~~الأبد، فليس للأحقاب عدة إلا الخلود. # روى السدي عن مرة عن عبد الله قال: لو علم أهل النار أنهم يلبثون في ~~النار عدد حصى الدنيا لفرحوا، ولو علم أهل الجنة أنهم يلبثون في الجنة ~~عدد حصى الدنيا لحزنوا. # وقال مقاتل بن حيان: الحقب الواحد سبع عشرة ألف سنة. قال: وهذه الآية ~~منسوخة نسختها { فلن نزيدكم إلا عذابا } يعني أن العدد قد ~~ارتفع ms2422 والخلود قد حصل. # { لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا } ، روي عن ابن عباس: ~~أن البرد النوم، ومثله قال الكسائي و قال أبو عبيدة، تقول العرب: منع ~~البرد البرد أي أذهب البرد النوم. وقال الحسن وعطاء: { لا يذوقون ~~فيها بردا } أي: روحا وراحة. # وقال مقاتل: { لا يذوقون فيها بردا } ينفعهم من حر, { ولا ~~شرابا } ينفعهم من عطش. # { إلا حميما وغساقا } ، قال ابن عباس: " الغساق " الزمهرير ~~يحرقهم ببرده. وقيل: صديد أهل النار، وقد ذكرناه في سورة " ص ". # { جزآء وفقا } ، أي جزيناهم جزاء وافق أعمالهم. وقال مقاتل: ~~وافق العذاب الذنب, فلا ذنب أعظم من الشرك, ولا عذاب أعظم من النار. # { إنهم كانوا لا يرجون حسابا } ، لا يخافون أن يحاسبوا، ~~والمعنى: أنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث ولا بأنهم محاسبون. # { وكذبوا بآيتنا } ، أي بما جاءت به الأنبياء، { كذابا ~~} ، يعني تكذيبا، قال الفراء: هي لغة يمانية فصيحة، يقولون في مصدر ~~التفعيل فعال وقال: قال لي أعرابي منهم على المروة يستفتيني: الحلق ~~أحب إليك أم القصار؟. # { وكل شىء أحصينه كتبا } ، أي وكل شيء من الأعمال ~~بيناه في اللوح المحفوظ، كقوله: # وكل شىء أحصينه فى إمام مبين # [يس: 12]. # { فذوقوا } ، أي يقال لهم: فذوقوا، { فلن نزيدكم إلا ~~عذابا }. # قوله عز وجل: { إن للمتقين مفازا } ، فوزا ونجاة من ~~النار، وقال الضحاك: متنزها. # { حدآئق وأعنبا } ، يريد أشجار الجنة وثمارها. # { وكواعب } ، جواري نواهد قد تكعبت ثديهن، واحدتها كاعب، { ~~أترابا } ، مستويات في السن. # { وكأسا دهاقا } ، قال ابن عباس والحسن وقتادة وابن زيد: مترعة ~~مملوءة. وقال سعيد بن جبير ومجاهد: متتابعة. قال عكرمة: صافية. # { لا يسمعون فيها لغوا } ، باطلا من الكلام، { ولا ~~كذبا } ، تكذيبا، لا يكذب بعضهم بعضا. وقرأ الكسائي " كذابا " ، ~~بالتخفيف مصدر كاذب كالمكاذبة، وقيل: هو الكذب. وقيل: هو بمعنى التكذيب ~~كالمشدد. # { جزآء من ربك عطآء حسابا } ، أي جازاهم جزاء وأعطاهم ~~عطاء " حسابا " أي: كافيا وافيا، يقال: أحسبت فلانا, أي أعطيته ما ~~يكفيه حتى قال حسبي. وقال ابن قتيبة: " عطاء حسابا " أي كثيرا. وقيل: ~~هو جزاء بقدر أعمالهم. # { رب السموت والأرض وما بينهما ms2423 الرحمن } ~~، قرأ أهل الحجاز وأبو عمرو: " رب " رفع على الاستئناف و " الرحمن " ~~خبره. وقرأ الآخرون بالجر اتباعا لقوله: " من ربك " وقرأ ابن عامر, ~~وعاصم, ويعقوب: " الرحمن " جرا اتباعا لقوله: { رب السموت ~~} ، وقرأ الآخرون بالرفع، فحمزة والكسائي يقرآن " رب " بالخفض لقربه من ~~قوله: " جزاء من ربك " ويقرآن " الرحمن " بالرفع لبعده منه على ~~الاستئناف، وقوله: { لا يملكون } في موضع رفع خبره. # ومعنى: { لا يملكون منه خطابا } ، قال مقاتل: لا يقدر الخلق ~~على أن يكلموا الرب إلا بإذنه. وقال الكلبي: لا يملكون شفاعة إلا بإذنه. # { يوم يقوم الروح } ، أي في ذلك اليوم، { والملئكة ~~صفا } ، واختلفوا في هذا الروح، قال الشعبي والضحاك: هو جبريل. # وقال عطاء عن ابن عباس: " الروح " ملك من الملائكة ما خلق الله مخلوقا ~~أعظم منه، فإذا كان يوم القيامة قام وحده صفا وقامت الملائكة كلهم صفا ~~واحدا، فيكون عظم خلقه مثلهم. # وعن ابن مسعود قال: الروح ملك أعظم من السموات ومن الجبال، ومن الملائكة ~~وهو في السماء الرابعة، يسبح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة، يخلق من كل ~~تسبيحة ملك يجيء يوم القيامة صفا وحده. # وقال مجاهد, وقتادة, وأبو صالح: " الروح " خلق على صورة بني آدم وليسوا ~~بناس يقومون صفا والملائكة صفا، هؤلاء جند وهؤلاء جند. # وروى مجاهد عن ابن عباس قال: هم خلق على صورة بني آدم وما ينزل من ~~السماء ملك إلا معه واحد منهم. # وقال الحسن: هم بنو آدم. ورواه قتادة عن ابن عباس، وقال: هذا مما كان ~~يكتمه ابن عباس. # { والملئكة صفا } قال الشعبي: هما سماطا رب العالمين، يوم ~~يقوم سماط من الروح وسماط من الملائكة. # { لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال ~~صوابا } ، في الدنيا، أي حقا. وقيل: قال: لا إله إلا الله. # { ذلك اليوم الحق } ، الكائن الواقع يعني يوم القيامة، { ~~فمن شآء اتخذ إلى ربه مآبا } ، مرجعا وسبيلا بطاعته، ~~أي: فمن شاء رجع إلى الله بطاعته. # { إنآ أنذرنكم عذابا قريبا } ، يعني العذاب في الآخرة، ~~وكل ما هو آت قريب. { يوم ينظر المرء ما ms2424 قدمت يداه } ~~، أي كل امرئ يرى في ذلك اليوم ما قدم من العمل مثبتا في صحيفته، { ~~ويقول الكافر يليتنى كنت ترابا }. # قال عبد الله بن عمرو: إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم، ~~وحشرت الدواب والبهائم والوحوش، ثم يجعل القصاص بين البهائم حتى يقتص ~~للشاة الجماء من الشاة القرناء تنطحها، فإذا فرغ من القصاص قيل لها: كوني ~~ترابا، فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابا. ومثله عن مجاهد. # وقال مقاتل: يجمع الله الوحوش والهوام والطير فيقضي بينهم حتى يقتص ~~للجماء من القرناء، ثم يقول لهم: أنا خلقتكم وسخرتكم لبني آدم وكنتم ~~مطيعين إياهم أيام حياتكم، فارجعوا إلى الذي كنتم, كونوا ترابا, فإذا ~~التفت الكافر إلى شيء صار ترابا, يتمنى فيقول: يا ليتني كنت في الدنيا ~~في صورة خنزير وكنت اليوم ترابا. # وعن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان قال: إذا قضى الله بين الناس وأمر أهل ~~الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، وقيل لسائر الأمم ولمؤمني الجن ~~عودوا ترابا فيعودون ترابا, فحينئذ يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابا. ~~وبه قال ليث بن أبي سليم، مؤمنوا الجن يعودون ترابا. # وقيل: إن الكافر ها هنا إبليس، وذلك أنه عاب آدم وأنه خلق من التراب ~~وافتخر بأنه خلق من النار، فإذا عاين يوم القيامة ما فيه آدم وبنوه ~~المؤمنون من الثواب والرحمة، وما هو فيه من الشدة والعذاب، قال: يا ليتني ~~كنت ترابا. قال أبو هريرة فيقول: التراب لا, ولا كرامة لك, من جعلك ~~مثلي؟. ### | [79 - سورة النازعات] ### || [79.1] # { والنازعات غرقا } , يعني الملائكة تنزع أرواح الكفار من ~~أجسادهم، كما يغرق النازع في القوس فيبلغ بها غاية المد، بعد ما ~~نزعها حتى إذا كادت تخرج ردها في جسده فهذا عمله بالكفار, و " الغرق " ~~اسم أقيم مقام الإغراق، أي: والنازعات إغراقا, والمراد بالإغراق ~~المبالغة في المد. # قال ابن مسعود: ينزعها ملك الموت وأعوانه من تحت كل شعرة ومن الأظافير ~~وأصول القدمين، ويرددها في جسده بعد ما ينزعها حتى إذا كادت تخرج ردها ms2425 في ~~جسده بعد ما ينزعها، فهذا عمله بالكفار. # وقال مقاتل: ملك الموت وأعوانه ينزعون أرواح الكفار كما ينزع السفود ~~الكثير الشعب من الصوف المبتل، فتخرج نفسه كالغريق في الماء. # وقال مجاهد: هو الموت ينزع النفوس. # وقال السدي: هي النفس حين تغرق في الصدر. # وقال الحسن وقتادة وابن كيسان: هي النجوم تنزع من أفق إلى أفق تطلع ثم ~~تغيب. وقال عطاء وعكرمة: هي القسي. وقيل: هي الغزاة الرماة. ### || [79.2-3] # { والنشطت نشطا } هي الملائكة تنشط نفس المؤمن، أي تحل ~~حلا رفيقا فتقبضها، كما ينشط العقال من يد البعير، أي يحل برفق، حكى ~~الفراء هذا القول، ثم قال: والذي سمعت من العرب أن يقولوا: أنشطت ~~العقال, إذا حللته, وأنشطته, إذا عقدته بأنشوطة. وفي الحديث: # " كأنما أنشط من عقال ". # وعن ابن عباس: هي نفس المؤمن تنشط للخروج عند الموت، لما يرى من الكرامة ~~لأنه تعرض عليه الجنة قبل أن يموت. # وقال علي بن أبي طالب: هي الملائكة تنشط أرواح الكفار مما بين الجلد ~~والأظفار حتى تخرجها من أفواههم بالكرب والغم، والنشط: الجذب والنزع، ~~يقال: نشطت الدلو نشطا إذا نزعتها. قال الخليل: النشط والإنشاط مدك ~~الشيء إلى نفسك، حتى ينحل. # وقال مجاهد: هو الموت ينشط النفوس. وقال السدي: هي النفس تنشط من ~~القدمين أي تجذب. وقال قتادة: هي النجوم تنشط من أفق إلى أفق، أي تذهب، ~~يقال: نشط من بلد، إلى بلد إذا خرج في سرعة، ويقال: حمار ناشط, ينشط من ~~بلد إلى بلد، وقال عطاء وعكرمة: هي الأوهاق. # { والسبحت سبحا } ، هم الملائكة يقبضون أرواح المؤمنين ~~يسلونها سلا رفيقا، ثم يدعونها حتى تستريح كالسابح بالشيء في الماء ~~يرفق به. # وقال مجاهد وأبو صالح: هم الملائكة ينزلون من السماء مسرعين كالفرس ~~الجواد يقال له سابح إذا أسرع في جريه. # وقيل: هي خيل الغزاة. وقال قتادة: هي النجوم والشمس والقمر، قال الله ~~تعالى: # كل في فلك يسبحون # [الأنبياء: 33]. # وقال عطاء: هي السفن. ### || [79.4-5] # { فالسبقت سبقا } ، قال مجاهد: هي الملائكة تسبق ابن آدم ~~بالخير والعمل الصالح. وقال مقاتل: ms2426 هي الملائكة تسبق بأرواح المؤمنين إلى ~~الجنة. # وعن ابن مسعود قال: هي أنفس المؤمنين تسبق إلى الملائكة الذين يقبضونها ~~شوقا إلى لقاء الله وكرامته، وقد عاينت السرور. # وقال قتادة: هي النجوم يسبق بعضها بعضا في السير. وقال عطاء: هي الخيل. # { فالمدبرت أمرا } ، قال ابن عباس: هم الملائكة وكلوا ~~بأمور عرفهم الله عز وجل العمل بها. # قال عبد الرحمن بن سابط: يدبر الأمور في الدنيا أربعة: جبريل, وميكائيل, ~~وملك الموت, وإسرافيل, عليهم السلام, أما جبريل: فموكل بالريح والجنود، ~~وأما ميكائيل: فموكل بالقطر والنبات، وأما ملك الموت: فموكل بقبض ~~الأرواح، وأما إسرافيل: فهو ينزل بالأمر عليهم. # وجواب هذه الأقسام محذوف, على تقدير: لتبعثن ولتحاسبن. # وقيل: جوابه قوله: " إن في ذلك لعبرة لمن يخشى ". # وقيل: فيه تقديم وتأخير, تقديره: يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة ~~والنازعات غرقا. ### || [79.6-7] # قوله عز وجل: { يوم ترجف الراجفة } ، يعني النفخة الأولى, ~~يتزلزل ويتحرك لها كل شيء، ويموت منها جميع الخلائق. # { تتبعها الرادفة } ، وهي النفخة الثانية ردفت الأولى وبينهما ~~أربعون سنة. # قال قتادة: هما صيحتان فالأولى تميت كل شيء, والأخرى تحيي كل شيء بإذن ~~الله عز وجل. # وقال مجاهد: ترجف الراجفة تتزلزل الأرض والجبال، تتبعها الرادفة حين ~~تنشق السماء، وتحمل الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة. # وقال عطاء: " الراجفة " القيامة، و " الرادفة " البعث. وأصل الرجفة: ~~الصوت والحركة. # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي, أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم ~~الثعلبي, أخبرني ابن فنجويه, حدثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك, ~~حدثنا محمد بن هارون الحضرمي, حدثنا الحسن بن عرفة, حدثنا قبيصة بن عقبة, ~~عن سفيان الثوري, عن عبد الله بن محمد بن عقيل, عن الطفيل بن أبي بن كعب, ~~عن أبي بن كعب قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ربع الليل قام، وقال: «يا ~~أيها الناس اذكروا الله، اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء ~~الموت بما فيه جاء الموت بما فيه ". ### || [79.8-12] # { قلوب يومئذ واجفة } ، خائفة قلقة مضطربة، وسمي " الوجيف " ~~في السير, لشدة اضطرابه، ms2427 يقال: وجف القلب ووجب وجوفا ووجيفا ووجوبا ~~ووجيبا. وقال مجاهد: وجلة. وقال السدي: زائلة عن أماكنها، نظيره # إذ القلوب لدى الحناجر # [غافر: 18]. # { أبصرها خشعة } ، ذليلة كقوله: # خاشعين من الذل # [الشورى: 45] الآية. # { يقولون } يعني المنكرين للبعث إذا قيل لهم إنكم مبعوثون من بعد ~~الموت: { أءنا لمردودون فى الحافرة }؟ أي: إلى أول الحال ~~وابتداء الأمر, فنصير أحياء بعد الموت كما كنا؟ تقول العرب: رجع فلان في ~~حافرته, أي رجع من حيث جاء، والحافرة عندهم اسم لابتداء الشيء، وأول ~~الشيء. # وقال بعضهم: " الحافرة ": وجه الأرض التي تحفر فيها قبورهم، سميت حافرة ~~بمعنى المحفورة، كقوله: { عيشة راضية } أي مرضية. # وقيل: سميت حافرة لأنها مستقر الحوافر، أي أئنا لمردودون إلى الأرض ~~فنبعث خلقا جديدا نمشي عليها؟ وقال ابن زيد: " الحافرة " النار. # { أءذا كنا عظما نخرة } ، قرأ نافع, وابن عامر, ~~والكسائي, ويعقوب: " أئنا "؟ مستفهما، " إذا " بتركه، ضده أبو جعفر، ~~الباقون باستفهامهما، وقرأ حمزة, والكسائي, وأبو عمرو: " عظاما ناخرة " ~~، وقرأ الآخرون " نخرة " وهما لغتان، مثل الطمع والطامع والحذر والحاذر، ~~ومعناهما البالية، وفرق قوم بينهما، فقالوا: النخرة: البالية, والناخرة: ~~المجوفة التي تمر فيها الريح فتنخر, أي: تصوت. # { قالوا } ، يعني المنكرين: { تلك إذا كرة خاسرة } ، ~~رجعة خائبة، يعني إن رددنا بعد الموت لنخسرن بما يصيبنا بعد الموت. ### || [79.13-20] # قال الله عز وجل: { فإنما هى } ، يعني النفخة الأخيرة، { ~~زجرة } ، صيحة، { وحدة } ، يسمعونها. # { فإذا هم بالساهرة } ، يعني: وجه الأرض, أي صاروا على وجه ~~الأرض بعدما كانوا في جوفها. والعرب تسمي الفلاة ووجه الأرض: ساهرة. قال ~~بعض أهل اللغة: تراهم سموها ساهرة لأن فيه نوم الحيوان وسهرهم. قال ~~سفيان: هي أرض الشام. وقال قتادة: هي جهنم. # قوله عز وجل: { هل أتاك حديث موسى } يقول: قد جاءك يا محمد ~~حديث موسى. # { إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى }. فقال يا ~~موسى: { اذهب إلى فرعون إنه طغى } ، علا وتكبر وكفر ~~بالله. # { فقل هل لك إلى أن تزكى } ، قرأ أهل الحجاز ويعقوب بتشديد ~~الزاي: أي تتزكى وتتطهر من الشرك، وقرأ الآخرون بالتخفيف وأصله تتزكى ~~فأدغمت التاء ms2428 الثانية في الزاي في القراءة الأولى, وحذفت في الثانية, ~~ومعناه تتطهر من الشرك أي: تسلم وتصلح، قال ابن عباس: تشهد أن لا إله إلا ~~الله. # { وأهديك إلى ربك فتخشى } ، أي: أدعوك إلى عبادة ربك ~~وتوحيده فتخشى عقابه. # { فأراه الأية الكبرى } ، وهي العصا واليد البيضاء. ### || [79.21-44] # { فكذب } ، بأنهما من الله، { وعصى }. # { ثم أدبر } ، تولى وأعرض عن الإيمان { يسعى } ، يعمل ~~بالفساد في الأرض. # { فحشر } ، فجمع قومه وجنوده، { فنادى } ، لما اجتمعوا. # { فقال أنا ربكم الأعلى } ، فلا رب فوقي. وقيل: أراد أن ~~الأصنام أرباب وأنا ربكم وربها. # { فأخذه الله نكال الأخرة والأولى } ، قال الحسن ~~وقتادة: عاقبه الله فجعله نكال الآخرة والأولى، أي في الدنيا بالغرق وفي ~~الآخرة بالنار. # وقال مجاهد وجماعة من المفسرين: أراد بالآخرة والأولى كلمتي فرعون قوله: # ما علمت لكم من إله غيري # [القصص: 38] وقوله: { أنا ربكم الأعلى } ، وكان بينهما ~~أربعون سنة. # { إن فى ذلك } ، الذي فعل بفرعون حين كذب وعصى، { لعبرة } ، ~~لعظة، { لمن يخشى } ، الله عز وجل. # ثم خاطب منكري البعث فقال: { ءأنتم أشد خلقا أم السمآء ~~} ، يعني: أخلقكم بعد الموت أشد عندكم وفي تقديركم أم السماء؟ ~~وهما في قدرة الله واحد، كقوله: # لخلق السموت والأرض أكبر من خلق الناس # [غافر: 57], ثم وصف من خلق السماء فقال: { بنها }. # { رفع سمكها } , سقفها { فسوها } ، بلا شطور ولا شقوق ولا ~~فطور. # { وأغطش } أظلم، { ليلها } ، والغطش والغبش الظلمة، { ~~وأخرج ضحها } ، أبرز وأظهر نهارها ونورها، وأضافهما إلى السماء ~~لأن الظلمة والنور كلاهما ينزل من السماء. # { والأرض بعد ذلك } ، بعد خلق السماء، { دحها } ، بسطها، ~~والدحو: البسط. قال ابن عباس: خلق الله الأرض بأقواتها من غير أن ~~يدحوها قبل السماء, ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات، ثم دحا الأرض ~~بعد ذلك. # وقيل: معناه: والأرض مع ذلك دحاها، كقوله عز وجل: # عتل بعد ذلك زنيم # [القلم: 13] أي مع ذلك. # { أخرج منها مآءها ومرعها * والجبال أرسها ~~* متعا لكم ولأنعمكم * فإذا جآءت الطآمة ~~الكبرى } , يعني النفخة الثانية التي فيها البعث وقامت القيامة، ~~وسميت القيامة: " طامة " لأنها تطم على كل هائلة ms2429 من الأمور, فتعلو فوقها ~~وتغمر ما سواها, و " الطامة " عند العرب: الداهية التي لا تستطاع. # { يوم يتذكر الإنسن ما سعى } ، ما عمل في الدنيا من ~~خير وشر. # { وبرزت الجحيم لمن يرى } ، قال مقاتل يكشف عنها الغطاء ~~فينظر إليها الخلق. # { فأما من طغى } ، في كفره. # { وءاثر الحيوة الدنيا } ، على الآخرة. # { فإن الجحيم هى المأوى * وأما من خاف مقام ~~ربه ونهى النفس عن الهوى } , عن المحارم التي تشتهيها، ~~قال مقاتل: هو الرجل يهم بالمعصية فيذكر مقامه للحساب فيتركها. # { فإن الجنة هى المأوى * يسألونك عن الساعة ~~أيان مرسها } ، متى ظهورها وثبوتها. # { فيم أنت من ذكرها } ، لست في شيء من علمها وذكرها، أي لا ~~تعلمها. # { إلى ربك منتهها } ، أي منتهى علمها عند الله. ### || [79.45-46] # { إنمآ أنت منذر من يخشها } ، قرأ أبو جعفر " منذر " ~~بالتنوين أي: إنما أنت مخوف من يخاف قيامها، أي: إنما ينفع إنذارك من ~~يخافها. # { كأنهم } ، يعني كفار قريش، { يوم يرونها } ، يعاينون ~~يوم القيامة، { لم يلبثوا } ، في الدنيا، وقيل: في قبورهم، { ~~إلا عشية أو ضحها } ، قال الفراء: ليس للعشية ضحى, إنما ~~الضحى لصدر النهار، ولكن هذا ظاهر من كلام العرب أن يقولوا: آتيك العشية ~~أو غداتها، إنما معناه: آخر يوم أو أوله، نظيره: قوله # كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ~~ساعة من نهار # [الأحقاف: 35]. ### | [80 - سورة عبس] ### || [80.1-2] # { عبس } ، كلح، { وتولى } ، أعرض بوجهه. # { أن جآءه الأعمى } ، أي: لأن جاءه الأعمى, وهو ابن أم مكتوم, ~~واسمه عبد الله بن شريح بن مالك بن ربيعة الفهري من بني عامر بن لؤي, ~~وذلك أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يناجي عتبة بن ربيعة، ~~وأبا جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب, وأبي بن خلف، وأخاه أمية, ~~يدعوهم إلى الله، يرجو إسلامهم، فقال ابن أم مكتوم: يا رسول الله أقرئني ~~وعلمني مما علمك الله، فجعل يناديه ويكرر النداء, ولا يدرى أنه مقبل على ~~غيره حتى ظهرت الكراهية في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لقطعه ~~كلامه، وقال في نفسه: يقول ms2430 هؤلاء الصناديد: إنما أتباعه العميان والعبيد ~~والسفلة، فعبس وجهه وأعرض عنه, وأقبل على القوم الذين يكلمهم, فأنزل الله ~~هذه الآيات، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يكرمه، وإذا رآه ~~قال: مرحبا بمن عاتبني فيه ربي، ويقول له هل لك من حاجة؟ واستخلفه على ~~المدينة مرتين في غزوتين غزاهما, قال أنس بن مالك: فرأيته يوم القادسية ~~عليه درع ومعه راية سوداء. ### || [80.3-13] # { وما يدريك لعله يزكى } ، يتطهر من الذنوب بالعمل ~~الصالح وما يتعلمه منك، وقال ابن زيد: يسلم. # { أو يذكر } , يتعظ، { فتنفعه الذكرى } ، الموعظة قرأ ~~عاصم: " فتنفعه " بنصب العين على جواب " لعل " بالفاء, وقراءة العامة ~~بالرفع نسقا على قوله: " يذكر ". # { أما من استغنى } ، قال ابن عباس: عن الله وعن الإيمان بما ~~له من المال. # { فأنت له تصدى } ، تتعرض له وتقبل عليه وتصغي إلى كلامه، ~~وقرأ أهل الحجاز: " تصدى " بتشديد الصاد على الإدغام، أي: تتصدى، ~~وقرأ الآخرون بتخفيف الصاد على الحذف. # { وما عليك ألا يزكى } ، لا يؤمن ولا يهتدي، إن عليك ~~إلا البلاغ. # { وأما من جآءك يسعى } ، يمشي يعني: ابن أم مكتوم. # { وهو يخشى } ، الله عز وجل. # { فأنت عنه تلهى } ، تتشاغل وتعرض عنه. # { كلا } ، زجر, أي لا تفعل بعدها مثلها، { إنها } يعني هذه ~~الموعظة. وقال مقاتل: آيات القرآن. { تذكرة } ، موعظة وتذكير للخلق. # { فمن شآء } ، من عباد الله, { ذكره } ، أي اتعظ به. وقال ~~مقاتل: فمن شاء الله ذكره وفهمه, واتعظ بمشيئته وتفهيمه، والهاء في " ~~ذكره " راجعة إلى القرآن والتنزيل والوعظ. ثم أخبر عن جلالته عنده فقال: # { في صحف مكرمة } ، يعني اللوح المحفوظ. وقيل: كتب الأنبياء ~~عليهم السلام، دليله قوله تعالى: # إن هذا لفي الصحف الأولى * صحف إبراهيم ~~وموسى # [الأعلى:18- 19]. ### || [80.14-21] # { مرفوعة } ، رفيعة القدر عند الله عز وجل, وقيل: مرفوعة يعني ~~في السماء السابعة. { مطهرة } ، لا يمسها إلا المطهرون، وهم ~~الملائكة. # { بأيدي سفرة } ، قال ابن عباس ومجاهد: كتبة، وهم الملائكة ~~الكرام الكاتبون، واحدهم سافر، يقال: سفرت أي كتبت. ومنه قيل للكاتب: ~~سافر, وللكتاب: سفر, وجمعه: أسفار. # وقال الآخرون: هم الرسل من الملائكة ms2431 واحدهم سفير، وهو الرسول، وسفير ~~القوم الذي يسعى بينهم للصلح، وسفرت بين القوم إذا أصلحت بينهم. # ثم أثنى عليهم فقال: { كرام بررة } ، أي: كرام على الله, بررة ~~مطيعين, جمع بار. # قوله عز وجل: { قتل الإنسن } ، أي لعن الكافر. قال مقاتل: ~~نزلت في عتبة بن أبي لهب { مآ أكفره } ، ما أشد كفره مع كثرة ~~إحسانه إليه وأياديه عنده، على طريق التعجب، قال الزجاج: معناه اعجبوا ~~أنتم من كفره. وقال الكلبي ومقاتل: هو " ما " الاستفهام، يعني: أي شيء ~~حمله على الكفر؟ ثم بين من أمره ما كان ينبغي معه أن يعلم أن الله ~~خالقه فقال: { من أى شىء خلقه } ، لفظه استفهام ومعناه ~~التقرير. # ثم فسره فقال: { من نطفة خلقه فقدره } ، أطوارا: نطفة ~~ثم علقة إلى آخر خلقه, قال الكلبي: قدر خلقه, رأسه وعينيه ويديه ~~ورجليه. # { ثم السبيل يسره } ، أي طريق خروجه من بطن أمه. قاله السدي ~~ومقاتل، والحسن ومجاهد: يعني طريق الحق والباطل, سهل له العلم به، كما ~~قال: # إنا هدينه السبيل # [الإنسان: 3] # وهدينه النجدين # [البلد: 10]، وقيل: يسر على كل أحد ما خلقه له وقدره عليه. # { ثم أماته فأقبره } ، جعل له قبرا يوارى فيه. قال ~~الفراء: جعله مقبورا ولم يجعله ممن يلقى كالسباع والطيور. يقال قبرت ~~الميت إذا دفنته، وأقبره الله: أي صيره بحيث يقبر، وجعله ذا قبر، كما ~~يقال: طردت فلانا والله أطرده أي صيره طريدا. ### || [80.22-31] # { ثم إذا شآء أنشره } ، أحياه بعد موته. # { كلا } ، ردا عليه, أي: ليس كما يقول ويظن هذا الكافر, وقال الحسن: ~~حقا. { لما يقض مآ أمره } ، أي لم يفعل ما أمره الله به ولم ~~يؤد ما فرض عليه، ولما ذكر خلق ابن آدم ذكر رزقه ليعتبر فقال: { ~~فلينظر الإنسن إلى طعامه } ، كيف قدره ربه ودبره له ~~وجعله سببا لحياته. وقال مجاهد: إلى مدخله ومخرجه. # ثم بين فقال: { أنا } قرأ أهل الكوفة " أنا " بالفتح على تكرير ~~الخافض، مجازه: فلينظر إلى أنا، وقرأ الآخرون بالكسر على الاستئناف. { ~~صببنا المآء صبا } ، يعني المطر. # { ثم شققنا الأرض شقا } , بالنبات. # { فأنبتنا ms2432 فيها حبا } ، يعني الحبوب التي يتغذى بها. # { وعنبا وقضبا } ، وهو القت الرطب، سمي بذلك لأن يقضب في كل ~~الأيام أي يقطع. وقال الحسن: القضب: العلف للدواب. # { وزيتونا } ، وهو ما يعصر منه الزيت، { ونخلا } ، جمع نخلة. # { وحدآئق غلبا } ، غلاظ الأشجار, واحدها أغلب، ومنه قيل لغليظ ~~الرقبة: أغلب. وقال مجاهد ومقاتل: الغلب: الشجر الملتفة بعضها في بعض، ~~قال ابن عباس: طوالا. # { وفكهة } ، يريد ألوان الفواكه، { وأبا } ، يعني الكلأ ~~والمرعى الذي لم يزرعه الناس، مما يأكله الأنعام والدواب. # قال عكرمة: " الفاكهة " ما يأكله الناس، و " الأب " ما يأكله الدواب. ~~ومثله عن قتادة قال: الفاكهة لكم والأب لأنعامكم. # وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ما أنبتت الأرض مما يأكل الناس ~~والأنعام. # وروي عن إبراهيم التيمي أن أبا بكر سئل عن قوله: " وفاكهة وأبا " ~~فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم. # وروى ابن شهاب عن أنس أنه سمع عمر بن الخطاب قرأ هذه الآية ثم قال: كل ~~هذا قد عرفنا فما الأب؟ ثم رفع عصا كانت بيده وقال: هذا والله ~~لعمر الله التكلف، وما عليك يا ابن أم عمر أن لا تدري ما الأب، ثم ~~قال: اتبعوا ما تبين لكم من هذا الكتاب، وما لا تبين فدعوه. ### || [80.32-36] # { متعا لكم } ، منفعة لكم يعني الفاكهة، { ولأنعمكم ~~} ، يعني العشب. # ثم ذكر القيامة فقال: { فإذا جآءت الصآخة } ، يعني صيحة ~~القيامة سميت بذلك لأنها تصخ الأسماع، أي تبالغ في الأسماع حتى تكاد ~~تصمها. # { يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * ~~وصحبته وبنيه } , لا يلتفت إلى أحد منهم لشغله بنفسه. # حكي عن قتادة قال في هذه الآية: " يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه ~~وصاحبته وبنيه " , قال: يفر هابيل من قابيل، ويفر النبي صلى الله عليه ~~وسلم من أمه، وإبراهيم عليه السلام من أبيه، ولوط عليه السلام من صاحبته, ~~ونوح عليه السلام من ابنه. ### || [80.37-41] # { لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه } ، يشغله عن ~~شأن غيره. # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي, ms2433 أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم ~~الثعلبي, أخبرني الحسين بن محمد بن عبد الله, حدثنا عبد الله بن عبد ~~الرحمن, حدثنا محمد بن عبد العزيز, حدثنا ابن أبي أويس, حدثنا أبي, عن ~~محمد بن أبي عياش, عن عطاء بن يسار, عن سودة زوج النبي صلى الله عليه ~~وسلم قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يبعث الناس حفاة عراة غرلا، قد ألجمهم العرق وبلغ شحوم الآذان، ~~فقلت: يا رسول الله, واسوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض؟ فقال: قد شغل ~~الناس, لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه ". # { وجوه يومئذ مسفرة } ، مشرقة مضيئة. # { ضاحكة } ، بالسرور { مستبشرة } ، فرحة بما نالت من كرامة ~~الله عز وجل. # { ووجوه يومئذ عليها غبرة } ، سواد وكآبة الهم والحزن. # { ترهقها قترة } ، تعلوها وتغشاها ظلمة وكسوف. قال ابن عباس: ~~تغشاها ذلة. قال ابن زيد: الفرق بين الغبرة والقترة: أن القترة ما ارتفع ~~من الغبار فلحق بالسماء، والغبرة ما كان أسفل في الأرض. ### || [80.42] # { أولئك } ، الذين يصنع بهم هذا، { هم الكفرة الفجرة ~~} ، جمع الكافر والفاجر. ### | [81 - سورة التكوير] ### || [81.1] # أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي, أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن ~~محمد بن إبراهيم الثعلبي, حدثنا أبو الحسن علي بن محمد بن سهل السرخسي ~~إملاء, أخبرنا أبو الوفاء المؤمل بن الحسن بن عيسى الماسرجسي, حدثنا ~~أحمد بن منصور الرمادي, حدثنا إبراهيم بن خالد, حدثنا عبد الله بن بحير ~~القاضي قال سمعت عبد الرحمن بن زيد الصنعاني قال سمعت ابن عمر يقول: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من أحب أن ينظر في أحوال القيامة فليقرأ: { إذا الشمس كورت ~~} ". # قوله عز وجل: { إذا الشمس كورت } ، قال علي بن أبي طلحة عن ~~ابن عباس: أظلمت، وقال قتادة ومقاتل والكلبي: ذهب ضوءها. وقال سعيد بن ~~جبير: غورت. وقال مجاهد: اضمحلت. وقال الزجاج: لفت كما تلف العمامة، ~~يقال: كورت العمامة على رأسي, أكورها كورا وكورتها تكويرا, إذا لففتها، ~~وأصل التكوير جمع بعض الشيء إلى بعض، فمعناه: أن الشمس يجمع بعضها إلى ~~بعض ثم تلف، ms2434 فإذا فعل بها ذلك ذهب ضوءها. # قال ابن عباس: يكور الله الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة في البحر، ثم ~~يبعث عليها ريحا دبورا فتضربها فتصير نارا. # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا ~~محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا مسدد, حدثنا عبد العزيز بن ~~المختار, حدثنا عبد الله الداناج, حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن, عن ~~أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " الشمس والقمر يكوران يوم القيامة ". ### || [81.2-6] # { وإذا النجوم انكدرت } ، أي تناثرت من السماء وتساقطت على ~~الأرض، يقال: انكدر الطائر أي سقط عن عشه، قال الكلبي وعطاء: تمطر السماء ~~يومئذ نجوما فلا يبقى نجم إلا وقع. # { وإذا الجبال سيرت } ، قلعت عن وجه الأرض فصارت هباء ~~منثورا. # { وإذا العشار عطلت } ، وهي النوق الحوامل التي أتى على ~~حملها عشرة أشهر، واحدتها عشراء، ثم لا يزال ذلك اسمها حتى تضع لتمام ~~سنة، وهي أنفس مال عند العرب، " عطلت ": تركت مهملة بلا راع أهملها ~~أهلها، وكانوا لازمين لأذنابها، ولم يكن لهم مال أعجب إليهم منها, لما ~~جاءهم من أهوال يوم القيامة. # { وإذا الوحوش } ، يعني دواب البر، { حشرت } ، جمعت بعد ~~البعث ليقتص لبعضها من بعض وروى عكرمة عن ابن عباس قال: حشرها: موتها. ~~وقال: حشر كل شيء الموت, غير الجن والإنس، فإنهما يوقفان يوم القيامة. ~~وقال أبي بن كعب: اختلطت. # { وإذا البحار سجرت } ، قرأ أهل مكة والبصرة بالتخفيف، وقرأ ~~الباقون بالتشديد، قال ابن عباس: أوقدت فصارت نارا تضطرم. وقال مجاهد ~~ومقاتل: يعني فجر بعضها في بعض، العذب والملح، فصارت البحور كلها بحرا ~~واحدا. وقال الكلبي: ملئت، وهذا أيضا معناه: # والبحر المسجور # [الطور: 6]، والمسجور: المملوء، وقيل: صارت مياهها بحرا واحدا من ~~الحميم لأهل النار. وقال الحسن: يبست وهو قول قتادة, قال: ذهب ماؤها فلم ~~يبق فيها قطرة. # وروى أبو العالية عن أبي بن كعب، قال: ست آيات قبل يوم القيامة: بينما ~~الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس, فبينما هم كذلك إذ تناثرت النجوم ~~فبينما هم ms2435 كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض فتحركت واضطربت، وفزعت الجن ~~إلى الإنس والإنس إلى الجن، واختلطت الدواب والطير الوحش, وماج بعضهم في ~~بعض، فذلك قوله: { وإذا الوحوش حشرت } ، اختلطت، { وإذا ~~العشار عطلت * وإذا البحار سجرت } , قال: قالت الجن ~~للإنس نحن نأتيكم بالخبر: فانطلقوا إلى البحر فإذا هو نار تأجج، قال: ~~فبينما هم كذلك إذ تصدعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة السفلى، ~~وانشقت السماء إنشقاقة واحدة, وإلى السماء السابعة العليا، فبينما هم ~~كذلك إذ جاءتهم الريح فأماتتهم. ### || [81.7] # وعن ابن عباس أيضا قال: هي اثنتا عشرة خصلة, ستة في الدنيا وستة في ~~الآخرة, وهي ما ذكره بقوله عز وجل: { وإذا النفوس زوجت }. # وروى النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب أنه سئل عن هذه الآية؟ فقال: ~~يقرن بين الرجل الصالح مع الرجل الصالح في الجنة، ويقرن بين الرجل السوء ~~مع الرجل السوء في النار، وهذا معنى قول عكرمة. # وقال الحسن وقتادة: ألحق كل امرئ بشيعته، اليهودي باليهودي والنصراني ~~بالنصراني. # قال الربيع بن خثيم: يحشر الرجل مع صاحب عمله. وقيل: زوجت النفوس ~~بأعمالها. # وقال عطاء ومقاتل: زوجت نفوس المؤمنين بالحور العين، وقرنت نفوس ~~الكافرين بالشياطين. # وروي عن عكرمة قال: وإذا النفوس زوجت ردت الأرواح في الأجساد. ### || [81.8-11] # { وإذا الموءودة سئلت } ، وهي الجارية المدفونة حية, سميت ~~بذلك لما يطرح عليها من التراب فيؤدها، أي يثقلها حتى تموت, وكانت العرب ~~تدفن البنات حية مخافة العار والحاجة، يقال: أود هذا ليس بصحيح من حيث ~~البناء لأن المؤودة من الوأد لا من الأود يقال: وأد يئد وأدا، فهو ~~وائد, والمفعول موؤد. # روى عكرمة عن ابن عباس: كانت المرأة في الجاهلية إذا حملت وكان أوان ~~ولادتها حفرت حفرة فتمخضت على رأس الحفرة، فإن ولدت جارية رمت بها في ~~الحفرة، وإن ولدت غلاما حبسته. # { بأي ذنب قتلت } ، قرأ العامة على الفعل المجهول فيهما، وأبو ~~جعفر يقرأ: " قتلت " بالتشديد، ومعناه تسأل المؤودة، فيقال لها: ~~بأي ذنب قتلت؟ ومعنى سؤالها توبيخ قاتلها, لأنها تقول: قتلت ~~بغير ذنب. # وروي ms2436 أن جابر بن زيد كان يقرأ: { وإذا الموءودة سئلت * ~~بأي ذنب قتلت } ، ومثله قرأ أبو الضحى. # { وإذا الصحف نشرت } ، قرأ أهل المدينة والشام وعاصم ويعقوب: ~~" نشرت " بالتخفيف، وقرأ الآخرون بالتشديد، كقوله: # يؤتى صحفا منشرة # [المدثر: 52]، يعني صحائف الأعمال تنتشر للحساب. # { وإذا السمآء كشطت } ، قال الفراء: نزعت فطويت. وقال ~~الزجاج: قلعت كما يقلع السقف. وقال مقاتل: تكشف عمن فيها. ومعنى " الكشط ~~" رفعك شيئا عن شيء قد غطاه, كما يكشط الجلد عن السنام. ### || [81.12-19] # { وإذا الجحيم سعرت } ، قرأ أهل المدينة والشام, وحفص عن ~~عاصم: " سعرت " بالتشديد، وقرأ الباقون بالتخفيف أي: أوقدت لأعداء ~~الله. # { وإذا الجنة أزلفت } ، قربت لأولياء الله. # { علمت } , عند ذلك { نفس } أي: كل نفس { مآ أحضرت } , من ~~خير أو شر، وهذا جواب لقوله: { إذا الشمس كورت } وما بعدها. # قوله عز وجل: { فلا أقسم بالخنس } ، " لا " زائدة, معناه: ~~أقسم بالخنس، { الجوار الكنس } , قال قتادة: هي النجوم تبدو ~~بالليل وتخنس بالنهار، فتخفى فلا ترى. # وعن علي أيضا: أنها الكواكب تخنس بالنهار فلا ترى، وتكنس تأوي إلى ~~مجاريها. # وقال قوم: هي النجوم الخمسة: زحل, والمشتري, والمريخ, والزهرة, وعطارد، ~~تخنس في مجراها, أي: ترجع وراءها وتكنس: تستتر وقت اختفائها وغروبها، كما ~~تكنس الظباء في مغارها. # وقال ابن زيد: معنى " الخنس " أنها تخنس أي: تتأخر عن مطالعها في كل عام ~~تأخرا تتأخره عن تعجيل ذلك الطلوع، تخنس عنه. و " الكنس " أي تكنس ~~بالنهار فلا ترى. وروى الأعمش عن إبراهيم, عن عبد الله أنها هي الوحش. # وقال سعيد بن جبير: هي الظباء. وهي رواية العوفي عن ابن عباس. # وأصل الخنوس: الرجوع إلى وراء، والكنوس: أن تأوي إلى مكانسها، وهي ~~المواضع التي تأوي إليها الوحوش. # { واليل إذا عسعس } ، قال الحسن: أقبل بظلامه. وقال الآخرون: ~~أدبر. تقول العرب: عسعس الليل وسعسع: إذا أدبر ولم يبق منه إلا اليسير. # { والصبح إذا تنفس } ، أقبل وبدا أوله, وقيل امتد ضوءه ~~وارتفع. # { إنه } ، يعني القرآن، { لقول رسول كريم } ، يعني جبريل, ~~أي: نزل به جبريل عن الله تعالى. ### || [81.20-23] # { ذي قوة } ، وكان من ms2437 قوته أنه اقتلع قريات قوم لوط من الماء ~~الأسود وحملها على جناحه فرفعها إلى السماء ثم قلبها، وأنه أبصر إبليس ~~يكلم عيسى على بعض عقاب الأرض المقدسة فنفخه بجناحه نفخة ألقاه إلى أقصى ~~جبل بالهند، وأنه صاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين، وأنه يهبط من السماء ~~إلى الأرض ويصعد في أسرع من الطير، { عند ذى العرش مكين } ، في ~~المنزلة. # { مطع ثم } ، أي في السموات تطيعه الملائكة, ومن طاعة ~~الملائكة إياه أنهم فتحوا أبواب السموات ليلة المعراج بقوله لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وفتح خزنة الجنة أبوابها بقوله، { أمين } ، على وحي ~~الله ورسالته إلى أنبيائه. # { وما صحبكم بمجنون } ، يقول لأهل مكة: وما صاحبكم يعني ~~محمدا صلى الله عليه وسلم بمجنون. وهذا أيضا من جواب القسم, أقسم على ~~أن القرآن نزل به جبريل، وأن محمدا ليس كما يقوله أهل مكة، وذلك أنهم ~~قالوا إنه مجنون، وما يقول يقوله من عند نفسه. # { ولقد رءاه } ، يعني رأى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل عليه ~~السلام على صورته، { بالأفق المبين } ، وهو الأفق الأعلى من ~~ناحية المشرق، قاله مجاهد وقتادة. # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي, أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم ~~الثعلبي, أخبرني ابن فنجويه, حدثنا محمد بن جعفر, حدثنا الحسن ابن عليوة, ~~حدثنا إسماعيل بن عيسى, حدثنا إسحاق بن بشر, أخبرنا ابن جريح, عن عكرمة ~~ومقاتل # " عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: " إني أحب ~~أن أراك في صورتك التي تكون فيها في السماء " , قال لن تقوى على ذلك، ~~قال: بلى، قال: فأين تشاء أن أتخيل لك؟ قال: بالأبطح، قال: لا يسعني، ~~قال: فهاهنا، قال: لا يسعني، قال: فبعرفات، قال: ذلك بالحري أن يسعني ~~فواعده، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في الوقت فإذا هو بجبريل قد أقبل ~~من جبال عرفات بخشخشة وكلكلة، قد ملأ ما بين المشرق والمغرب، ورأسه في ~~السماء ورجلاه في الأرض، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم كبر وخر ~~مغشيا عليه. قال: فتحول جبريل في ms2438 صورته فضمه إلى صدره، وقال: يا محمد لا ~~تخف فكيف لك لو رأيت إسرافيل ورأسه من تحت العرش ورجلاه في تخوم الأرض ~~السابعة، وإن العرش لعلى كاهله، وإنه ليتضاءل أحيانا من مخافة الله عز ~~وجل حتى يصير مثل الصعو يعني العصفور، حتى ما يحمل عرش ربك إلا عظمته ". ### || [81.24-29] # { وما هو } ، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، { على الغيب } ~~، أي الوحي، وخبر السماء وما اطلع عليه مما كان غائبا عنه من الأنباء ~~والقصص، { بضنين } ، قرأ أهل مكة والبصرة والكسائي بالظاء أي بمتهم، ~~يقال: فلان يظن بمال ويزن أن يتهم به: والظنة: التهمة، وقرأ الآخرون ~~بالضاد أي يبخل, يقول إنه يأتيه علم الغيب فلا يبخل به عليكم بل يعلمكم ~~ويخبركم به، ولا يكتمه كما يكتم الكاهن ما عنده حتى يأخذ عليه حلوانا، ~~تقول العرب: ضننت بالشيء بكسر النون أضن به ضنا وضنانة فأنا به ~~ضنين أي بخيل. # { وما هو } ، يعني القرآن، { بقول شيطن رجيم } ، قال ~~الكلبي: يقول إن القرآن ليس بشعر ولا كهانة كما قالت قريش. # { فأين تذهبون } ، أي أين تعدلون عن هذا القرآن، وفيه الشفاء ~~والبيان؟ قال الزجاج: أي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي قد بينت ~~لكم. # ثم بين فقال: { إن هو } ، أي ما القرآن، { إلا ذكر ~~للعلمين } ، موعظة للخلق أجمعين. # { لمن شآء منكم أن يستقيم } ، أي يتبع الحق ويقيم عليه. # { وما تشآءون إلا أن يشآء الله رب العلمين } ~~، أي أعلمهم أن المشيئة في التوفيق إليه وأنهم لا يقدرون على ذلك إلا ~~بمشيئة الله, وفيه إعلام أن أحدا لا يعمل خيرا إلا بتوفيق الله ولا ~~شرا إلا بخذلانه. ### | [82 - سورة الإنفطار] ### || [82.1-7] # { إذا السمآء انفطرت } ، انشقت. # { وإذا الكواكب انتثرت } ، تساقطت. # { وإذا البحار فجرت } ، فجر بعضها في بعض, واختلط العذب ~~بالملح, فصارت بحرا واحدا. وقال الربيع: " فجرت ": فاضت. # { وإذا القبور بعثرت } ، بحثت وقلب ترابها وبعث ما فيها من ~~الموتى أحياء، يقال: بعثرت الحوض وبحثرته, إذا قلبته فجعلت أسفله أعلاه. # { علمت نفس ما قدمت وأخرت } ، قيل: " ما قدمت " من ~~عمل ms2439 صالح أو سيئ، و " أخرت " من سنة حسنة أو سيئة. وقيل: " ما قدمت " من ~~الصدقات و " أخرت " من التركات، على ماذكرنا في قوله: # ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر # [القيامة: 13]. # { يأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم } ، ما خدعك ~~وسول لك الباطل حتى أضعت ما وجب عليك، والمعنى: ماذا أمنك من عذابه؟ ~~قال عطاء: نزلت في الوليد بن المغيرة. # وقال الكلبي ومقاتل: نزلت في الأسود بن شريق ضرب النبي صلى الله عليه ~~وسلم فلم يعاقبه الله عز وجل، فأنزل الله هذه الآية يقول: ما الذي غرك ~~بربك الكريم المتجاوز عنك إذ لم يعاقبك عاجلا بكفرك؟ قال قتادة: غره ~~عدوه المسلط عليه يعني الشيطان قال مقاتل: غره عفو الله حين لم يعاقبه في ~~أول مره. وقال السدي: غره رفق الله به. # وقال ابن مسعود: ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به يوم القيامة. فيقول: ~~يا ابن آدم ما غرك بي؟ يا ابن آدم ماذا عملت فيما علمت؟ يا ابن آدم ماذا ~~أجبت المرسلين؟. # وقيل للفضيل بن عياض: لو أقامك الله يوم القيامة فقال: يا فضيل ما غرك ~~بربك الكريم؟ ماذا كنت تقول؟ قال: أقول غرني ستورك المرخاة. # وقال يحيى بن معاذ: لو أقامني بين يديه فقال: ما غرك بي؟ فأقول: غرني بك ~~برك بي سالفا وآنفا. # وقال أبو بكر الوراق: لو قال لي: ما غرك بربك الكريم؟ لقلت: غرني كرم ~~الكريم. # قال بعض أهل الإشارة: إنما قال بربك الكريم دون سائر أسمائه وصفاته كأنه ~~لقنه الإجابة حتى يقول: غرني كرم الكريم. # { الذى خلقك فسواك فعدلك } ، قرأ أهل الكوفة وأبو جعفر ~~" فعدلك " بالتخفيف صرفك وأمالك إلى أي صورة شاء حسنا وقبيحا ~~وطويلا وقصيرا. وقرأ الآخرون بالتشديد أي قومك وجعلك معتدل الخلق ~~والأعضاء. # { في أي صورة ما شآء ركبك } ، قال مجاهد والكلبي ومقاتل: ~~في أي شبه من أب أو أم أو خال أو عم. # وجاء في الحديث: # " إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضر كل عرق بينه وبين آدم ثم قرأ { ~~فى أى ms2440 صورة ما شاء ركبك } ". # وذكر الفراء قولا آخر: { في أى صورة ما شآء ركبك } إن ~~شاء في صورة إنسان وإن شاء في صورة دابة، أو حيوان آخر. ### || [82.8-19] # { كلا بل تكذبون } ، قرأ أبو جعفر بالياء، وقرأ الآخرون ~~بالتاء لقوله: { وإن عليكم لحفظين } ، { بالدين } ، ~~بالجزاء والحساب. # { وإن عليكم لحفظين } ، رقباء من الملائكة يحفظون عليكم ~~أعمالكم. # { كراما } على الله، { كتبين } ، يكتبون أقوالكم وأعمالكم. # { يعلمون ما تفعلون } ، من خير أو شر. # قوله عز وجل: { إن الأبرار لفي نعيم } , الأبرار الذين ~~بروا وصدقوا في إيمانهم بأداء فرائض الله عز وجل واجتناب معاصيه. # { وإن الفجار لفي جحيم } ، روي أن سليمان بن عبد الملك ~~قال لأبي حازم المدني: ليت شعري مالنا عند الله؟ قال: اعرض عملك على كتاب ~~الله فإنك تعلم مالك عند الله؟ فقال: فأين أجد في كتاب الله؟ فقال عند ~~قوله: { إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي ~~جحيم }. قال سليمان فأين رحمة الله؟ قال: # قريب من المحسنين # [الأعراف: 56]. # قوله عز وجل: { يصلونها يوم الدين } ، يدخلونها يوم ~~القيامة { وما هم عنها بغآئبين }. # ثم عظم ذلك اليوم، فقال: { ومآ أدراك ما يوم الدين } ، ~~ثم كرر تعجبا لشأنه فقال: # { ثم مآ أدراك ما يوم الدين * يوم لا تملك } ، ~~قرأ أهل مكة والبصرة " يوم " برفع الميم, ردا على اليوم الأول، وقرأ ~~الآخرون بنصبها, أي: في يوم, يعني: هذه الأشياء في يوم لا تملك { نفس ~~لنفس شيئا } ، قال مقاتل: يعني لنفس كافرة شيئا من المنفعة، { ~~والأمر يومئذ لله } ، أي لم يملك الله في ذلك اليوم أحدا ~~شيئا كما ملكهم في الدنيا. ### | [83 - سورة المطففين] ### || [83.1-6] # { ويل للمطففين } , يعني الذين ينقصون المكيال والميزان ~~ويبخسون حقوق الناس. قال الزجاج: إنما قيل للذي ينقص المكيال والميزان: ~~مطفف, لأنه لا يكاد يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء اليسير الطفيف. # أخبرنا أبو بكر يعقوب بن أحمد بن محمد علي الصيرفي, حدثنا أبو محمد ~~الحسن بن أحمد المخلدي, أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن الحسن الحافظ, ~~حدثنا عبد الرحمن بن بشر, حدثنا علي ms2441 بن الحسين بن واقد, حدثني أبي, حدثني ~~يزيد النحوي أن عكرمة حدثه عن ابن عباس قال: لما قدم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا، فأنزل الله عز وجل: { ~~ويل للمطففين } فأحسنوا الكيل. # وقال السدي: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وبها رجل يقال ~~له: أبو جهينة, ومعه صاعان, يكيل بأحدهما, ويكتال بالآخر, فأنزل الله هذه ~~الآية. # فالله تعالى جعل الويل للمطففين. ثم بين أن المطففين من هم فقال: # { الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون } , وأراد ~~إذا اكتالوا من الناس أي أخذوا منهم، و " من " ، و " على " يتعاقبان. # قال الزجاج: المعنى إذا اكتالوا من الناس استوفوا عليهم الكيل والوزن، ~~وأراد: الذين إذا اشتروا لأنفسهم استوفوا في الكيل والوزن. # { وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون } ، أي كالوا لهم ~~أو وزنوا لهم أي للناس, يقال: وزنتك حقك وكلتك طعامك, أي وزنت لك وكلت ~~لك كما يقال: نصحتك ونصحت لك وكسبتك وكسبت لك. # قال أبو عبيدة وكان عيسى بن عمر يجعلهما حرفين يقف على " كالوا ووزنوا " ~~ويبتدئ " هم يخسرون " وقال أبو عبيدة: والاختيار الأول, يعني: أن كل ~~واحدة كلمة واحدة، لأنهم كتبوها بغير ألف، ولو كانتا مقطوعتين لكانت: " ~~كالوا و وزنوا " بالألف كسائر الأفعال مثل جاؤوا وقالوا: واتفقت المصاحف ~~على إسقاط الألف، ولأنه يقال في اللغة: كلتك ووزنتك كما يقال: كلت لك ~~ووزنت لك. " يخسرون " أي ينقصون، قال نافع: كان ابن عمر يمر بالبائع ~~فيقول: اتق الله وأوف الكيل والوزن، فإن المطففين يوقفون يوم القيامة حتى ~~إن العرق ليلجمهم إلى أنصاف آذانهم. # { ألا يظن } ، يستقين، { أولئك } ، الذين يفعلون ذلك، { ~~أنهم مبعوثون * ليوم عظيم } ، يعني يوم القيامة. # { يوم يقوم الناس } ، من قبورهم، { لرب العلمين } ، ~~أي لأمره ولجزائه ولحسابه. # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا ~~محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, أخبرنا إبراهيم بن المنذر, أخبرنا ~~معن, حدثني مالك, عن نافع, عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: ms2442 # " يقوم الناس لرب العالمين حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه ". # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة الكشميهني, أخبرنا أبو ~~طاهر محمد بن أحمد بن الحارث, حدثنا محمد بن يعقوب الكسائي, حدثنا عبد ~~الله بن محمود, حدثنا إبراهيم بن عبد الله الخلال, حدثنا عبد الله بن ~~المبارك, عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر, قال: حدثني سليم بن عامر, حدثني ~~المقداد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # " إذا كان يوم القيامة أدنيت الشمس من العباد حتى تكون قدر ميل أو اثنين ~~" # - قال سليم: لا أدري أي الميلين يعني مسافة الأرض أوالميل الذي تكحل به ~~العين؟ - قال: # " فتصهرهم الشمس فيكونون في العرق بقدر أعمالهم، فمنهم من يأخذه إلى ~~عقبيه ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه ومنهم من يأخذه إلى حقويه، ومنهم من ~~يلجمه إلجاما " # فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يشير بيده إلى فيه يقول: # " ألجمه إلجاما ". ### || [83.7] # قوله عز وجل: { كلا } ، ردع، أي ليس الأمر على ما هم عليه ~~فليرتدعوا، وتمام الكلام هاهنا، وقال الحسن: " كلا " ابتداء يتصل بما ~~بعده على معنى حقا، { إن كتب الفجار } ، الذي كتبت فيه ~~أعمالهم، { لفي سجين } ، قال عبد الله بن عمر, وقتادة, ومجاهد, ~~والضحاك: { سجين } هي الأرض السابعة السفلى فيها أرواح الكفار. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي, أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي, أخبرنا الحسين بن ~~محمد بن فنجويه, حدثنا موسى بن محمد, حدثنا الحسن بن علويه, أخبرنا ~~إسماعيل بن عيسى, حدثنا المسيب, حدثنا الأعمش, عن المنهال, عن زاذان, عن ~~البراء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " سجين " أسفل سبع أرضين، و " عليون " في السماء السابعة تحت ~~العرش ". # وقال شمر بن عطية: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار فقال: أخبرني عن قول ~~الله عز وجل: { إن كتب الفجار لفى سجين } ، قال: إن ~~روح الفاجر يصعد بها إلى السماء فتأبى السماء أن تقبلها ثم يهبط بها إلى ~~الأرض، فتأبى الأرض ms2443 أن تقبل فتدخل تحت سبع أرضين حتى ينتهى بها إلى سجين، ~~وهو موضع جند إبليس، فيخرج لها من سجين رق فيرقم ويختم, ويوضع تحت جند ~~إبليس, لمعرفتها الهلاك بحساب يوم القيامة, وإليه ذهب سعيد بن جبير، قال: ~~سجين تحت جند إبليس. # وقال عطاء الخراساني: هي الأرض السفلى، وفيها إبليس وذريته. # وقال الكلبي: هي صخرة تحت الأرض السابعة السلفى خضراء، خضرة السموات ~~منها يجعل كتاب الفجار فيها. # وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد أيضا قال: " سجين " صخرة تحت الأرض السفلى, ~~تقلب, فيجعل كتاب الفجار فيها. وقال وهب: هي آخر سلطان إبليس. # وجاء في الحديث: # " الفلق جب في جهنم مغطى، وسجين جب في جهنم مفتوح ". # وقال عكرمة: { لفي سجين } أي: لفي خسار وضلال. وقال الأخفش: هو ~~فعيل من السجن، كما يقال: فسيق وشريب، معناه لفي حبس وضيق شديد. ### || [83.8-9] # { ومآ أدراك ما سجين } , قال الزجاج: أي ليس ذلك مما كنت ~~تعلمه أنت ولا قومك. # { كتب مرقوم } ، ليس هذا تفسير السجين, بل هو بيان الكتاب ~~المذكور في قوله: " إن كتاب الفجار " أي هو كتاب مرقوم, أي مكتوب فيه ~~أعمالهم مثبتة عليهم كالرقم في الثوب، لا ينسى ولا يمحى حتى يجازوا به. ~~وقال قتادة ومقاتل: رقم عليه بشركائه كأنه أعلم بعلامة يعرف بها أنه ~~كافر. وقيل: مختوم بلغة حمير. ### || [83.10-18] # { ويل يومئذ للمكذبين * الذين يكذبون ~~بيوم الدين * وما يكذب به إلا كل معتد أثيم ~~* إذا تتلى عليه ءايتنا قال أسطير الأولين ~~}. # { كلا } ، قال مقاتل: أي لا يؤمنون، ثم استأنف: { بل ران على ~~قلوبهم ما كانوا يكسبون }. # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الصمد الترابي, حدثنا أبو محمد عبد الله بن ~~أحمد بن حمويه السرخسي, أخبرنا إبراهيم بن حزيم الشاشي, أخبرنا أبو محمد ~~عبد الله بن حميد الكشي, حدثنا صفوان ابن عيسى, عن ابن عجلان, عن ~~القعقاع بن حكيم, عن أبي صالح, عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " " إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع ms2444 واستغفر ~~صقل قلبه منها، وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه " ، فذلك الران الذي ذكر الله ~~في كتابه: { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا ~~يكسبون } ". # وأصل " الرين ": الغلبة، يقال: رانت الخمر على عقله ترين رينا ~~وريونا إذا غلبت عليه فسكر، ومعنى الآية, غلبت على قلوبهم المعاصي ~~وأحاطت بها. قال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يموت القلب. قال ابن ~~عباس: " ران على قلوبهم " طبع عليها. # { كلا إنهم عن ربهم يومئذ } يوم القيامة { ~~لمحجوبون } ، قال ابن عباس: " كلا " يريد: لا يصدقون، ثم استأنف ~~فقال: { إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } ، قال ~~بعضهم: عن كرامته ورحمته ممنوعون. وقال قتادة: هو ألا ينظر إليهم ولا ~~يزكيهم. وقال أكثر المفسرين: عن رؤيته. # قال الحسن: لو علم الزاهدون العابدون أنهم لا يرون ربهم في المعاد لزهقت ~~أنفسهم في الدنيا. # قال الحسين بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في الآخرة عن ~~رؤيته. # وسئل مالك عن هذه الآية فقال: لما حجب الله أعداءه فلم يروه تجلى ~~لأوليائه حتى رأوه. # وقال الشافعي رضي الله عنه في قوله: { كلا إنهم عن ربهم ~~يومئذ لمحجوبون }: دلالة على أن أولياء الله يرون الله. # ثم أخبر أن الكفار مع كونهم محجوبين عن الله يدخلون النار فقال: # { ثم إنهم لصالوا الجحيم } ، لداخلو النار. # { ثم يقال } , أي تقول لهم الخزنة، { هذا } ، أي هذا العذاب، { ~~الذى كنتم به تكذبون }. # { كلا } ، قال مقاتل: لا يؤمن بالعذاب الذي يصلاه. ثم بين محل كتاب ~~الأبرار فقال: { إن كتب الأبرار لفي عليين } , روينا ~~عن البراء مرفوعا: " إن عليين في السماء السابعة تحت العرش ". # وقال ابن عباس: هو لوح من زبرجدة خضراء معلق تحت العرش أعمالهم مكتوبة ~~فيه. # وقال كعب, وقتادة: هو قائمة العرش اليمنى. # وقال عطاء عن ابن عباس: هو الجنة. وقال الضحاك: سدرة المنتهى. # وقال بعض أهل المعاني: علو بعد علو وشرف بعد شرف، ولذلك جمعت بالياء ~~والنون. # وقال الفراء: هو اسم موضوع على صيغة الجمع, لا واحد له من لفظه, مثل ~~عشرين وثلاثين. ### || [83.19-26] # { ومآ ms2445 أدراك ما عليون * كتب مرقوم } ، ليس ~~بتفسير عليين, أي مكتوب أعمالهم, كما ذكرنا في كتاب الفجار، وقيل: كتب ~~هناك ما أعد الله لهم من الكرامة، وهو معنى قول مقاتل. وقولهم: رقم لهم ~~يخبر. وتقدير الآية على التقديم والتأخير, مجازها: إن كتاب الأبرار كتاب ~~مرقوم في عليين، وهو محل الملائكة، ومثله إن كتاب الفجار كتاب مرقوم في ~~سجين، وهو محل إبليس وجنده. # { يشهده المقربون } ، يعني الملائكة الذين هم في عليين, ~~يشهدون ويحضرون ذلك المكتوب، أو ذلك الكتاب إذا صعد به إلى عليين. # { إن الأبرار لفي نعيم * على الأرآئك ينظرون } ، ~~إلى ما أعطاهم الله من الكرامة والنعمة، وقال مقاتل: ينظرون إلى عدوهم ~~كيف يعذبون. # { تعرف في وجوههم نضرة النعيم } ، إذا رأيتهم عرفت ~~أنهم من أهل النعمة مما ترى في وجوههم من النور والحسن والبياض، قال ~~الحسن: النضرة في الوجه والسرور في القلب، قرأ أبو جعفر ويعقوب: " ~~تعرف " بضم التاء وفتح الراء على غير تسمية الفاعل " نضرة " رفع, ~~وقرأ الباقون بفتح التاء وكسر الراء, " نضرة " نصب. # { يسقون من رحيق } ، خمر صافية طيبة. قال مقاتل: الخمر ~~البيضاء. { مختوم } ، ختم ومنع من أن تمسه يد إلى أن يفك ختمه ~~الأبرار، قال مجاهد: " مختوم " أي مطين. # { ختامه } ، أي طينه، { مسك } ، كأنه ذهب إلى هذا المعنى، قال ~~ابن زيد: ختامه عند الله مسك, وختام خمر الدنيا طين. وقال ابن مسعود: " ~~مختوم " أي ممزوج ختامه أي: آخر طعمه، وعاقبته مسك, فالمختوم الذي له ~~ختام، أي آخر, وختم كل شيء الفراغ منه. وقال قتادة: يمزج لهم ~~بالكافور ويختم بالمسك. # وقراءة العامة { ختمه مسك } بتقديم التاء، وقرأ الكسائي " ~~خاتمه " وهي قراءة علي وعلقمة, ومعناهما واحد, كما يقال: فلان كريم ~~الطابع والطباع والخاتم والختام آخر كل شيء. # { وفي ذلك فليتنافس المتنفسون } ، فليرغب الراغبون ~~بالمبادرة إلى طاعة الله عز وجل. وقال مجاهد: فليعمل العاملون، نظيره. ~~قوله تعالى: # لمثل هذا فليعمل العملون # [الصافات: 61]، وقال مقاتل بن سليمان: فليتنازع المتنازعون وقال عطاء: ~~فليستبق المستبقون، وأصله من الشيء النفيس الذي تحرص عليه نفوس الناس، ~~ويريده ms2446 كل أحد لنفسه وينفس به على غيره، أي يضن. ### || [83.27-36] # { ومزاجه من تسنيم } ، شراب ينصب عليهم من علو في غرفهم ~~ومنازلهم، وقيل: يجري في الهواء متسنما فينصب في أواني أهل الجنة على ~~قدر ملئها فإذا امتلأت أمسك. وهذا معنى قول قتادة. # وأصل الكلمة من العلو، يقال للشيء المرتفع: سنام, ومنه: سنام البعير. ~~قال الضحاك: هو شراب اسمه تسنيم وهو من أشرف الشراب. # قال ابن مسعود وابن عباس: هو خالص للمؤمنين المقربين يشربونها صرفا ~~ويمزج لسائر أهل الجنة. وهو قوله: { ومزاجه من تسنيم عينا ~~يشرب بها المقربون }. # وروى يوسف بن مهران عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن قوله: { من ~~تسنيم }؟ قال: هذا مما قال الله تعالى: # فلا تعلم نفس مآ أخفى لهم من قرة أعين # [السجدة: 17]. # { عينا } نصب على الحال، { يشرب بها } أي منها، وقيل: يشرب بها ~~المقربون صرفا. # قوله عز وجل: { إن الذين أجرموا } ، أشركوا, يعني كفار ~~قريش: أبا جهل, والوليد بن المغيرة, والعاص بن وائل, وأصحابهم من مترفي ~~مكة، { كانوا من الذين آمنوا }: عمار, وخباب, وصهيب, وبلال, ~~وأصحابهم من فقراء المؤمنين. { يضحكون } ، وبهم يستهزؤون. # { وإذا مروا بهم } ، يعني من فقراء المؤمنين بالكفار، { ~~يتغامزون } ، والغمز الإشارة بالجفن والحاجب، أي يشيرون إليهم ~~بالأعين استهزاء. # { وإذا انقلبوا } ، يعني الكفار، { إلى أهلهم ~~انقلبوا فكهين } ، معجبين بما هم فيه يتفكهون بذكرهم. # { وإذا رأوهم } ، رأوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، { ~~قالوا إن هؤلاء لضآلون } ، يأتون محمدا صلى الله عليه ~~وسلم يرون أنهم على شيء. # { ومآ أرسلوا } ، يعني المشركين، { عليهم } ، يعني على ~~المؤمنين، { حفظين } ، أعمالهم, أي لم يوكلوا بحفظ أعمالهم. # { فاليوم } ، يعني في الآخرة، { الذين ءامنوا من ~~الكفار يضحكون } ، قال أبو صالح: وذلك أنه يفتح للكفار في النار ~~أبوابها، ويقال لهم: اخرجوا, فإذا رأوها مفتوحة أقبلوا إليها ليخرجوا, ~~والمؤمنون ينظرون إليهم فإذا انتهوا إلى أبوابها غلقت دونهم، يفعل ذلك ~~بهم مرارا والمؤمنون يضحكون. # وقال كعب: بين الجنة والنار كوى, فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدو ~~له, كان في الدنيا, اطلع عليه ms2447 من تلك الكوى، كما قال: # فاطلع فرآه في سوآء الجحيم # [الصافات: 55]، فإذا اطلعوا من الجنة إلى أعدائهم وهم يعذبون في النار ~~ضحكوا, فذلك قوله عز وجل: { فاليوم الذين ءامنوا من ~~الكفار يضحكون }. # { على الأرآئك } ، من الدر والياقوت، { ينظرون } ، إليهم في ~~النار. # قال الله تعالى: { هل ثوب } ، هل جوزي، { الكفار ما ~~كانوا يفعلون } ، أي جزاء استهزائهم بالمؤمنين. ومعنى الاستفهام ~~ها هنا: التقرير. وثوب وأثيب بمعنى واحد. ### | [84 - سورة الإنشقاق] ### || [84.1-12] # { إذا السماء انشقت } , انشقاقها من علامات القيامة. # { وأذنت لربها } ، أي سمعت أمر ربها بالانشقاق وأطاعته، من ~~الأذن وهو الاستماع، { وحقت } ، أي وحق لها أن تطيع ربها. # { وإذا الأرض مدت } ، مد الأديم العكاظي، وزيد في سعتها. ~~وقال مقاتل: سويت كمد الأديم, فلا يبقى فيها بناء ولا جبل. # { وألقت } ، أخرجت، { ما فيها } , من الموتى والكنوز، { ~~وتخلت } ، خلت منها. # { وأذنت لربها وحقت } ، واختلفوا في جواب " إذا " , قيل: ~~جوابه محذوف, تقديره: إذا كانت هذه الأشياء يرى الإنسان الثواب والعقاب. # وقيل جوابه: { يأيها الإنسن إنك كادح } ، ومجازه: إذا ~~السماء انشقت لقي كل كادح ما عمله. # وقيل: جوابه: { وأذنت } ، وحينئذ تكون الواو زائدة. # ومعنى قوله: { كادح إلى ربك كدحا } ، أي ساع إليه في ~~عملك، والكدح: عمل الإنسان وجهده في الأمر من الخير والشر حتى يكدح ذلك ~~فيه، أي يؤثر. وقال قتادة والكلبي والضحاك: عامل لربك عملا، { ~~فملقيه } ، أي ملاقي جزاء عملك خيرا كان أو شرا. # { فأما من أوتى كتبه } ، ديوان أعماله، { بيمينه * ~~فسوف يحاسب حسابا يسيرا }. # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا ~~محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا سعيد ابن أبي مريم, أخبرنا ~~نافع, عن ابن عمر, حدثني ابن أبي مليكة أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه ~~وسلم كانت لا تسمع شيئا لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه، قالت: قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " " من حوسب عذب " قالت عائشة رضي الله عنها فقلت: يا رسول الله ~~أوليس يقول الله عز وجل: { فسوف يحاسب حسابا يسيرا }؟ ~~قالت: فقال: ms2448 " إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش في الحساب هلك ". # { وينقلب إلى أهله } ، يعني في الجنة من الحور العين ~~والآدميات، { مسرورا } ، بما أوتي من الخير والكرامة. # { وأما من أوتي كتبه ورآء ظهره } ، فتغل يده ~~اليمنى إلى عنقه وتجعل يده الشمال وراء ظهره، فيؤتى كتابه بشماله من رواء ~~ظهره. وقال مجاهد: تخلع يده اليسرى من وراء ظهره. # { فسوف يدعو ثبورا } ، ينادي بالويل والهلاك إذا قرأ كتابه ~~يقول: يا ويلاه يا ثبوراه، كقوله تعالى: # دعوا هنالك ثبورا # [الفرقان: 13]. # { ويصلى سعيرا } ، قرأ أبو جعفر, وأهل البصرة, وعاصم, وحمزة: و ~~" يصلى " بفتح الياء خفيفا كقوله: # يصلى النار الكبرى # [الأعلى: 12]، وقرأ الآخرون بضم الياء [وفتح الصاد] وتشديد اللام كقوله: # وتصلية جحيم # [الواقعة: 94]، # ثم الجحيم صلوه # [الحاقة: 31]. ### || [84.13-19] # { إنه كان في أهله مسرورا } ، يعني في الدنيا, باتباع ~~هواه وركوب شهوته. # { إنه ظن أن لن يحور } ، أن لن يرجع إلينا ولن يبعث ثم ~~قال: # { بلى } ، أي: ليس كما ظن, بل يحور إلينا ويبعث، { إن ربه ~~كان به بصيرا } من يوم خلقه إلى أن بعثه. # قوله عز وجل: { فلا أقسم بالشفق } ، قال مجاهد: هو النهار ~~كله. وقال عكرمة: ما بقي من النهار. وقال ابن عباس وأكثر المفسرين: هو ~~الحمرة التي تبقى في الأفق بعد غروب الشمس. وقال قوم: هو البياض الذي ~~يعقب تلك الحمرة. # { واليل وما وسق } ، أي جمع وضم, يقال: وسقته أسقه وسقا, ~~أي: جمعته, واستوسقت الإبل: إذا اجتمعت وانضمت. والمعنى: والليل وما جمع ~~وضم ما كان بالنهار منتشرا من الدواب، وذلك أن الليل إذا أقبل آوى كل ~~شيء إلى مأواه. روى منصور عن مجاهد قال: ما لف وأظلم عليه. وقال مقاتل بن ~~حيان: أقبل من ظلمة أو كوكب. وقال سعيد بن جبير. وما عمل فيه. # { والقمر إذا اتسق } ، اجتمع واستوى وتم نوره وهو في الأيام ~~البيض. وقال قتادة: استدار, وهو افتعل من الوسق الذي هو الجمع. # { لتركبن } ، قرأ أهل مكة وحمزة والكسائي: " لتركبن " بفتح ~~الباء، يعني لتركبن يا محمد { طبقا عن طبق } ، قال الشعبي ومجاهد: ~~سماء بعد ms2449 سماء. قال الكلبي: يعني تصعد فيها. ويجوز أن يكون درجة بعد درجة ~~ورتبة بعد رتبة في القرب من الله تعالى والرفعة. # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا ~~محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا سعيد بن النضر, أخبرنا هشيم, ~~أخبرنا أبو بشر عن مجاهد قال قال ابن عباس: { لتركبن طبقا عن ~~طبق } حالا بعد حال، قال: هذا نبيكم صلى الله عليه وسلم. # وقيل: أراد به السماء تتغير لونا بعد لون، فتصير تارة كالدهان وتارة ~~كالمهل، وتنشق بالغمام مرة وتطوى أخرى. وقرأ الآخرون بضم الباء, لأن ~~المعنى بالناس أشبه, لأنه ذكر من قبل: { فأما من أوتي ~~كتبه بيمينه } ، " وشماله " وذكر من بعد: { فما لهم لا ~~يؤمنون } ، وأراد: لتركبن حالا بعد حال, وأمرا بعد أمر في موقف ~~القيامة، يعني: الأحوال تنقلب بهم, فيصيرون في الآخرة على غير الحال التي ~~كانوا عليها في الدنيا. و " عن " بمعنى بعد. # وقال مقاتل: يعني الموت ثم الحياة ثم الموت ثم الحياة. # وقال عطاء: مرة فقيرا ومرة غنيا. وقال عمرو بن دينار عن ابن عباس: ~~يعني الشدائد وأهوال الموت، ثم البعث ثم العرض. وقال عكرمة: حالا بعد ~~حال, رضيع ثم فطيم ثم غلام ثم شاب ثم شيخ. وقال أبو عبيدة: لتركبن سنن من ~~كان قبلكم وأحوالهم. # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا ~~محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا محمد بن عبد العزيز, أخبرنا ~~أبو عمرو الصنعاني من اليمن عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد ~~الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " " لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا ~~جحر ضب لتبعتموهم " قلنا: يا رسول الله آليهود والنصارى؟ قال: فمن ". ### || [84.20-21] # قوله عز وجل: { فما لهم لا يؤمنون } ، استفهام إنكار. # { وإذا قرىء عليهم القرءان لا يسجدون }. قال ~~الكلبي ومقاتل: لا يصلون. # أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي, أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن ~~محمد ms2450 الجراحي, حدثنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي, حدثنا أبو عيسى ~~الترمذي, حدثنا قتيبة حدثنا سفيان ابن عيينة عن أيوب بن موسى عن عطاء بن ~~مينا عن أبي هريرة قال: سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في { ~~اقرأ باسم ربك } و { إذا السمآء انشقت }. # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا ~~محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا مسدد, أخبرنا معمر قال: سمعت ~~أبي قال حدثني بكر, عن أبي رافع قال: صليت مع أبي هريرة العتمة فقرأ إذا ~~السماء انشقت، فسجد فقلت: ما هذا؟ قال: سجدت بها خلف أبي القاسم صلى الله ~~عليه وسلم، فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه. ### || [84.22-25] # { بل الذين كفروا يكذبون } ، بالقرآن والبعث. # { والله أعلم بما يوعون }. في صدورهم من التكذيب. قال ~~مجاهد: يكتمون. # { فبشرهم بعذاب أليم * إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون } ، غير مقطوع ~~ولا منقوص. ### | [85 - سورة البروج] ### || [85.1-3] # { والسمآء ذات البروج * واليوم الموعود } , هو يوم ~~القيامة. # { وشاهد ومشهود }. # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان, ~~أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني, حدثنا حميد بن ~~زنجويه, حدثنا عبد الله بن موسى بن عبيدة، عن أيوب بن خالد, عن عبد الله ~~بن رافع, عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " اليوم الموعود يوم القيامة، واليوم المشهود يوم عرفة، والشاهد يوم ~~الجمعة، وما طلعت الشمس ولا غربت على يوم أفضل من يوم الجمعة, فيه ساعة ~~لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله فيها خيرا إلا استجاب الله له، أو ~~يستعيذ به من شر إلا أعاذه منه " # وهذا قول ابن عباس. # والأكثرون: أن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم النحر. # وروي عن ابن عمر: " الشاهد ": يوم الجمعة, " والمشهود " يوم النحر. # قال سعيد بن المسيب: " الشاهد " يوم التروية، " والمشهود ": يوم عرفة. # وروى يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: " الشاهد ": محمد صلى الله عليه ~~وسلم و " المشهود ms2451 ": يوم القيامة، ثم تلا: # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا # [النساء: 41] وقال: ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود. # وقال عبد العزيز بن يحيى: " الشاهد " محمد صلى الله عليه وسلم، و " ~~المشهود ": الله عز وجل، بيانه: قوله { وجئنا بك على ~~هؤلاء شهيدا }. # وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: " الشاهد ": آدم, و " المشهود ": يوم ~~القيامة. # وقال عكرمة " الشاهد ": الإنسان و " المشهود ": يوم القيامة. وعنه ~~أيضا: الشاهد الملك يشهد على ابن آدم، والمشهود يوم القيامة. وتلا: # وجآءت كل نفس معها سآئق وشهيد # [ق: 21]، و # وذلك يوم مشهود # [هود: 103]، وقيل: الشاهد الحفظة والمشهود بنو آدم. وقال عطاء بن يسار: ~~الشاهد آدم وذريته، والمشهود يوم القيامة. # وروى الوالبي عن ابن عباس: الشاهد هو الله عز وجل والمشهود يوم ~~القيامة. # وقال الحسين بن الفضل: الشاهد هذه الأمة والمشهود سائر الأمم. بيانه: # وكذلك جعلنكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء ~~على الناس # [البقرة: 143]. # وقال سالم بن عبد الله: سألت سعيد بن جبير عن قوله: { وشهد ~~ومشهود } ، فقال: الشاهد هو الله والمشهود: نحن، بيانه: # وكفى بالله شهيدا # [النساء: 79] وقيل: الشاهد أعضاء بني آدم، والمشهود ابن آدم, بيانه: # يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم # الآية [النور: 24]. وقيل: الشاهد الأنبياء والمشهود محمد صلى الله عليه ~~وسلم، بيانه: قوله: { وإذ أخذ الله ميثق النبيين } ~~إلى قوله: # فاشهدوا وأنا معكم من الشهدين # [آل عمران: 81]. ### || [85.4] # { قتل أصحاب الأخدود } ، أي: لعن، و " الأخدود ": الشق ~~المستطيل في الأرض كالنهر، وجمعه: أخاديد واختلفوا فيهم: # أخبرنا أبو حامد أحمد بن عبد الله الصالحي, أخبرنا أبو الحسن علي بن ~~أحمد بن عبد الله بن سعدان الخطيب, أخبرني أبو أحمد محمد بن أحمد بن محمد ~~بن قريش بن نوح بن رستم, حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البوشنجي, ~~حدثنا هدبة بن خالد, حدثنا حماد بن سلمة, حدثنا ثابت البناني, عن عبد ~~الرحمن بن أبي ليلى, عن صهيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " كان ملك فيمن كان قبلكم ms2452 وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك: إني قد ~~كبرت فابعث إلي غلاما أعلمه السحر، فبعث إليه غلاما, وكان في طريقه إذا ~~سلك إليه راهب، فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه، وكان إذا أتى الساحر مر ~~بالراهب، وقعد إليه فإذا أتى الساحر ضربه، وإذا رجع من عند الساحر قعد ~~إلى الراهب وسمع كلامه فإذا أتى أهله ضربوه، فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: ~~إذا جئت الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا جئت أهلك فقل: حبسني الساحر، ~~فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم ~~الراهب أفضل أم الساحر؟ فأخذ حجرا ثم قال اللهم: إن كان أمر الراهب أحب ~~إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس، فرماها فقتلها فمضى ~~الناس، فأتى الراهب فأخبره, فقال له الراهب: أي بني أنت اليوم أفضل مني, ~~قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستبتلى فإن ابتليت فاصبر فلا تدل علي, ~~فكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ويداوي الناس من سائر الأدواء، فسمع ~~جليس للملك وكان قد عمي، فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: ما هنا لك أجمع إن ~~أنت شفيتني، قال: إني لا أشفي أحدا, إنما يشفي الله، فإن آمنت بالله ~~دعوت الله لك فشفاك، فآمن بالله فشفاه الله، فأتى الملك فجلس إليه كما ~~كان يجلس، فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ قال: ربي عز وجل، قال: ~~أولك رب غيري؟ قال: ربي وربك الله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على ~~الغلام، فجيء بالغلام، فقال له الملك: أي بني قد بلغ من سحرك ما تبرئ به ~~الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل، قال: إني لا أشفي أحدا إنما يشفي الله، ~~فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب، فجيء بالراهب فقيل له: ارجع عن ~~دينك، فأبى فدعا بالمنشار فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع ~~شقاه، ثم جيء بجليس الملك فقيل له: ارجع عن دينك, فأبى فوضع المنشار في ~~مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه، ثم جيء بالغلام فقيل له: ms2453 ارجع عن دينك ~~فأبى فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا فاصعدوا ~~به فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه، فذهبوا به فصعدوا به ~~الجبل، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل فسقطوا، فجاء يمشي ~~إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله، فدفعه إلى ~~نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور إلى لجة بحر كذا فإن رجع ~~عن دينه وإلا فاطرحوه في البحر فذهبوا به فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، ~~فانكفأت بهم السفينة فغرقوا فجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل ~~أصحابك؟ قال: كفانيهم الله، فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما ~~آمرك، قال: وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع ثم خذ ~~سهما من كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس وقل: بسم الله رب الغلام، ثم ~~ارمني فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني، فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على ~~جذع، ثم أخذ سهما من كنانته ثم وضع السهم في كبد قوسه، ثم قال: بسم الله ~~رب الغلام، ثم رماه فوقع السهم في صدغه, فوضع يده على صدغه في موضع ~~السهم، فمات، فقال الناس: آمنا برب الغلام ثلاثا فأتي الملك، فقيل له: ~~أرأيت ما كنت تحذر قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس، فأمر بالأخدود ~~بأفواه السكك، فخدت وأضرم بها النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه فأقحموه ~~فيها أو قيل له اقتحم، قال: ففعلوا حتى جاءت امرأة معها صبي لها، فتقاعست ~~أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أماه اصبري فإنك على الحق ". # هذا حديث صحيح أخرجه مسلم بن الحجاج عن هدبة بن خالد عن حماد بن ~~سلمة. # وذكر محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه: أن رجلا كان قد بقي على دين عيسى ~~فوقع إلى أهل نجران فدعاهم فأجابوه فسار إليه ذو نواس اليهودي بجنوده من ~~حمير وخيرهم بين النار واليهودية، فأبوا عليه فخد الأخاديد ms2454 وأحرق ~~اثني عشر ألفا، ثم لما غلب أرياط على اليمن فخرج ذو نواس هاربا فاقتحم ~~البحر بفرسه فغرق، قال الكلبي: وذو نواس قتل عبد الله بن التامر. # وقال محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر: أن خربة احتفرت في زمن عمر ~~بن الخطاب فوجدوا عبد الله بن التامر واضعا يده على ضربة في رأسه إذا ~~أميطت يده عنها انبعثت دما وإذا تركت ارتدت مكانها، وفي يده خاتم من ~~حديد فيه: مكتوب ربي الله، فبلغ ذلك عمر فكتب أن أعيدوا عليه الذي وجدتم ~~عليه. # وروى عطاء عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: كان بنجران ملك من ~~ملوك حمير يقال له: يوسف ذو نواس بن شرحيل بن شرحيل في الفترة قبل مولد ~~النبي صلى الله عيه وسلم بسبعين سنة، وكان في بلاده غلام يقال له عبد ~~الله بن تامر، وكان أبوه سلمه إلى معلم يعلمه السحر فكره ذلك الغلام ولم ~~يجد بدا من طاعة أبيه فجعل يختلف إلى المعلم وكان في طريقه راهب حسن ~~القراءة حسن الصوت، فأعجبه ذلك، وذكر قريبا من معنى حديث صهيب إلى أن ~~قال الغلام للملك: إنك لا تقدر على قتلي إلا أن تفعل ما أقول لك، قال: ~~فكيف أقتلك؟ قال: تجمع أهل مملكتك وأنت على سريرك فترميني بسهم باسم ~~إلهي، ففعل الملك ذلك فقتله، فقال الناس: لا إله إلا الله, عبد الله بن ~~تامر لا دين إلا دينه، فغضب الملك وأغلق باب المدينة وأخذ أفواه السكك ~~وخد أخدودا وملأه نارا ثم عرضهم رجلا رجلا فمن رجع عن الإسلام تركه، ~~ومن قال: ديني دين عبد الله بن تامر ألقاه في الأخدود فأحرقه، وكان في ~~مملكته امرأة أسلمت فيمن أسلم ولها أولاد ثلاث أحدهم رضيع، فقال لها ~~الملك: ارجعي عن دينك وإلا ألقيتك وأولادك في النار، فأبت فأخذ ابنها ~~الأكبر فألقاه في النار، ثم قال لها: ارجعي عن دينك، فأبت، فألقى الثاني ~~في النار، ثم قال لها: ارجعي، فأبت، فأخذوا الصبي منها ليلقوه في النار ms2455 ~~فهمت المرأة بالرجوع، فقال الصبي: يا أماه لا ترجعي عن الإسلام فإنك على ~~الحق، ولا بأس عليك، فألقي الصبي في النار، وألقيت أمه على أثره. # وقال سعيد بن جبير وابن أبزى: لما انهزم أهل اسفندهار قال عمر بن ~~الخطاب: أي شيء يجري على المجوس من الأحكام فإنهم ليسوا بأهل كتاب؟ فقال ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه: بلى قد كان لهم كتاب, وكانت الخمر أحلت ~~لهم فتناولها ملك من ملوكهم فغلبته على عقله, فتناول أخته فوقع عليها ~~فلما ذهب عنه السكر ندم، وقال لها: ويحك ما هذا الذي أتيت، وما المخرج ~~منه قالت: المخرج منه أن تخطب الناس، وتقول: إن الله قد أحل نكاح الأخوات ~~فإذا ذهب في الناس وتناسوه خطبتهم فحرمته، فقام خطيبا فقال: إن الله قد ~~أحل لكم نكاح الأخوات، فقال الناس بأجمعهم: معاذ الله أن نؤمن بهذا، أو ~~نقر به، ما جاءنا به نبي ولا أنزل علينا فيه كتاب، فبسط فيهم السوط ~~فأبوا أن يقروا فجرد فيهم السيف. فأبوا أن يقروا. فخد لهم أخدودا وأوقد ~~فيه النيران وعرضهم عليها فمن أبى ولم يطعه قذفه في النار ومن أجاب خلى ~~سبيله. # وقال الضحاك: أصحاب الأخدود من بني إسرائيل, أخذوا رجالا ونساء فخدوا ~~لهم أخدودا ثم أوقدوا فيها النيران فأقاموا المؤمنين عليها، فقالوا: ~~أتكفرون أم نقذفكم في النار؟ ويزعمون أنه دانيال وأصحابه، وهذه رواية ~~العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما. # وقال أبو الطفيل عن علي رضي الله عنه: كان أصحاب الأخدود نبيهم حبشي بعث ~~نبي من الحبشة إلى قومه، ثم قرأ علي رضي الله عنه: # ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا ~~عليك # الآية [غافر: 78]، فدعاهم فتابعه أناس فقاتلهم فقتل أصحابه وأخذوا وأوثق ~~ما أفلت منهم فخدوا أخدودا فملؤها نارا فمن اتبع النبي رمي فيها، ومن ~~تابعهم تركوه، فجاؤوا بامرأة ومعها صبي رضيع فجزعت، فقال الصبي: يا أماه ~~مري ولا تنافقي. # وقال عكرمة: كانوا من النبط أحرقوا بالنار. وقال مقاتل: كانت الأخدود ~~ثلاثة: واحدة بنجران باليمن، ms2456 وواحدة بالشام، والأخرى بفارس, حرقوا بالنار ~~أما التي بالشام فهو أبطاموس الرومي، وأما التي بفارس فبختنصر، وأما التي ~~بأرض العرب فهو ذو نواس يوسف، فأما التي بالشام وفارس فلم ينزل الله ~~فيهما قرآنا وأنزل في التي كانت بنجران، وذلك أن رجلا مسلما ممن يقرأ ~~الإنجيل آجر نفسه في عمل، وجعل يقرأ الإنجيل فرأت بنت المستأجر النور ~~يضيء من قراءة الإنجيل، فذكرت ذلك لأبيها فرمقه حتى رآه فسأله فلم يخبره، ~~فلم يزل به حتى أخبره بالدين الإسلام، فتابعه هو وسبعة وثمانون إنسانا ~~من بين رجل وامرأة، وهذا بعدما رفع عيسى عليه السلام إلى السماء، فسمع ~~ذلك يوسف ذو نواس فخد لهم في الأرض وأوقد فيها نارا فعرضهم على الكفر، ~~فمن أبى أن يكفر قذفه في النار ومن رجع عن دين عيسى لم يقذفه، وإن امرأة ~~جاءت ومعها ولد صغير لا يتكلم، فلما قامت على شفير الخندق نظرت إلى ابنها ~~فرجعت عن النار، فضربت حتى تقدمت فلم تزل كذلك ثلاث مرات، فلما كانت في ~~الثالثة ذهبت ترجع فقال لها ابنها: يا أماه إني أرى أمامك نارا لا تطفأ، ~~فلما سمعت ذلك قذفا جميعا أنفسهما في النار، فجعلها الله وابنها في ~~الجنة، فقذف في النار في يوم واحد سبعة وسبعون ألف إنسانا, فذلك قوله ~~عز وجل: { قتل أصحب الأخدود }. ### || [85.5-9] # { النار ذات الوقود } ، بدل من الأخدود، قال الربيع بن أنس: ~~نجى الله المؤمنين الذين ألقوا في النار بقبض أرواحهم قبل أن تمسهم ~~النار, وخرجت النار إلى من على شفير الأخدود من الكفار فأحرقتهم. # { إذ هم عليها قعود } ، أي: عند النار جلوس لتعذيب المؤمنين. ~~قال مجاهد: كانوا قعودا على الكراسي عند الأخدود. # { وهم } ، يعني الملك وأصحابه الذين خدوا الأخدود، { على ما ~~يفعلون بالمؤمنين } ، من عرضهم على النار وإرادتهم أن يرجعوا ~~إلى دينهم، { شهود } , حضور، وقال مقاتل: يعني يشهدون أن المؤمنين في ~~ضلال حين تركوا عبادة الصنم. # { وما نقموا منهم } , قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما كرهوا ~~منهم، { إلا أن يؤمنوا بالله } ، قال مقاتل ms2457 ما عابوا منهم. ~~وقيل: ما علموا فيهم عيبا. قال الزجاج: ما أنكروا عليهم ذنبا إلا ~~إيمانهم بالله، { العزيز الحميد }. # { الذى له ملك السموت والأرض والله على كل ~~شىء } ، من أفعالهم، { شهيد }. ### || [85.10-22] # { إن الذين فتنوا } ، عذبوا وأحرقوا، { المؤمنين ~~والمؤمنت } ، يقال: فتنت الشيء إذا أحرقته، نظيره: # يوم هم على النار يفتنون # [الذاريات: 13], { ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم } ~~، بكفرهم، { ولهم عذاب الحريق } ، بما أحرقوا المؤمنين. وقيل: ~~ولهم عذاب الحريق [في الدنيا، وذلك أن الله أحرقهم بالنار التي] أحرقوا ~~بها المؤمنين، ارتفعت إليهم من الأخدود، قاله الربيع بن أنس والكلبي. # ثم ذكر ما أعد للمؤمنين فقال: { إن الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت لهم جنت تجرى من تحتها الأنهر ~~ذلك الفوز الكبير }. # واختلفوا في جواب القسم: فقال بعضهم: جوابه: { قتل أصحب ~~الأخدود } ، يعني لقد قتل. # وقيل: فيه تقديم وتأخير, تقديره: قتل أصحاب الأخدود والسماء ذات البروج. # وقال قتادة: جوابه: { إن بطش ربك لشديد } , قال ابن عباس: ~~إن أخذه بالعذاب إذا أخذ الظلمة لشديد، كقوله: # إن أخذه أليم شديد # [هود: 102]. # { إنه هو يبدىء ويعيد } ، أي يخلقهم أولا في الدنيا ثم ~~يعيدهم أحياء بعد الموت. # { وهو الغفور } ، لذنوب المؤمنين، { الودود } ، المحب لهم، ~~وقيل: معناه المودود، كالحلوب والركوب، بمعنى المحلوب والمركوب. وقيل: ~~يغفر ويود أن يغفر، وقيل: المتودد إلى أوليائه بالمغفرة. # { ذو العرش المجيد } ، قرأ حمزة والكسائي: " المجيد " بالجر, ~~على صفة العرش أي السرير العظيم. وقيل: أراد حسنه فوصفه بالمجد كما وصفه ~~بالكرم، فقال: # رب العرش الكريم # [المؤمنون: 116]، ومعناه الكمال، والعرش: أحسن الأشياء وأكملها، وقرأ ~~الآخرون بالرفع على صفة ذو العرش. # { فعال لما يريد } ، لا يعجزه شيء يريده ولا يمتنع منه شيء ~~طلبه. # قوله عز وجل: { هل أتاك حديث الجنود } ، قد أتاك خبر ~~الجموع الكافرة الذين تجندوا على الأنبياء، ثم بين من هم؟ فقال: # { فرعون وثمود * بل الذين كفروا } , من قومك يا ~~محمد، { في تكذيب } ، لك وللقرآن كدأب آل فرعون من قبلهم، ولم ~~يعتبروا بمن كان قبلهم من الكفار. # { والله من ورآئهم محيط } ، عالم بهم لا يخفى ms2458 عليه شيء من ~~أعمالهم، يقدر أن ينزل بهم ما أنزل بمن كان قبلهم. # { بل هو قرءان مجيد } , كريم شريف كثير الخير، ليس كما زعم ~~المشركون أنه شعر وكهانة. # { في لوح محفوظ } ، قرأ نافع: " محفوظ " بالرفع على نعت ~~القرآن, فإن القرآن محفوظ من التبديل والتغيير والتحريف، قال الله تعالى: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحفظون # [الحجر: 9]. # وقرأ الآخرون بالجر على نعت اللوح، وهو الذي يعرف باللوح المحفوظ، وهو ~~أم الكتاب، ومنه نسخ الكتب، محفوظ من الشياطين، ومن الزيادة فيه ~~والنقصان. # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي, أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم ~~الثعلبي, أخبرنا الحسين بن محمد بن فنجويه, أخبرنا مخلد بن جعفر, حدثنا ~~الحسن بن علويه, أخبرنا إسماعيل بن عيسى, حدثنا إسحاق بن بشر, أخبرني ~~مقاتل وابن جريج, عن مجاهد, عن ابن عباس قال: إن في صدر اللوح: لا إله ~~إلا الله وحده، دينه الإسلام, ومحمد عبده ورسوله، فمن آمن بالله عز وجل ~~وصدق بوعده واتبع رسله أدخله الجنة، قال: واللوح لوح من درة بيضاء، طوله ~~ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق إلى المغرب, وحافتاه الدر ~~والياقوت، ودفتاه ياقوتة حمراء، وقلمه نور, وكلامه معقود بالعرش، وأصله ~~في حجر ملك. # قال مقاتل: اللوح المحفوظ عن يمين العرش. ### | [86 - سورة الطارق] ### || [86.1-4] # { والسمآء والطارق } , قال الكلبي: نزلت في أبي طالب, وذلك # " أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأتحفه بخبز ولبن، فبينما هو جالس ~~يأكل إذ انحط نجم فامتلأ ماء ثم نارا، ففزع أبو طالب وقال: أي شيء هذا؟ ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا نجم رمي به, وهو آية من آيات ~~الله عز وجل فعجب أبو طالب، فأنزل الله عز وجل: { والسمآء ~~والطارق } " # وهذا قسم، و " الطارق " النجم يظهر بالليل، وما أتاك ليلا فهو طارق. # { ومآ أدراك ما الطارق }؟ ثم فسره فقال: # { النجم الثاقب } ، أي المضيء المنير، قال مجاهد: المتوهج، قال ~~ابن زيد: أراد به الثريا، والعرب تسميه النجم. وقيل: هو زحل, سمي بذلك ~~لارتفاعه، تقول العرب ms2459 للطائر إذا لحق ببطن السماء ارتفاعا: قد ثقب. # { إن كل نفس } ، جواب القسم، { لما عليها حافظ } ، ~~قرأ أبو جعفر, وابن عامر, وعاصم, وحمزة: " لما " بالتشديد, يعنون: ما كل ~~نفس إلا عليها حافظ، وهي لغة هذيل يجعلون " لما " بمعنى " إلا " يقولون: ~~نشدتك الله لما قمت، أي إلا قمت. # وقرأ الآخرون بالتخفيف, جعلوا " ما " صلة، مجازه: إن كل نفس لعليها حافظ ~~من ربها وتأويل الآية: كل نفس عليها حافظ من ربها يحفظ عملها ويحصي عليها ~~ما تكتسب من خير وشر. # قال ابن عباس: هم الحفظة من الملائكة. قال الكلبي: حافظ من الله يحفظها ~~ويحفظ قولها وفعلها حتى يدفعها ويسلمها إلى المقادير، ثم يخلى عنها. ### || [86.5-9] # { فلينظر الإنسن مم خلق } ، أي من أي شيء خلقه ربه، أي ~~فلينظر نظر المتفكر. # ثم بين فقال: { خلق من مآء دافق } ، مدفوق أي مصبوب في ~~الرحم، وهو المني، فاعل بمعنى مفعول كقوله: # عيشة راضية # [الحاقة: 21]، أي مرضية, والدفق: الصب, وأراد ماء الرجل وماء المرأة, ~~لأن الولد مخلوق منهما، وجعله واحدا لامتزاجهما. # { يخرج من بين الصلب والترآئب } ، يعني صلب الرجل ~~وترائب المرأة, و " الترائب ": جمع التربية, وهي عظام الصدر والنحر. ~~قال ابن عباس: هي موضع القلادة من الصدر. وروى الوالبي عنه: بين ثديي ~~المرأة. وقال قتادة: النحر: وقال ابن زيد: الصدر. # { إنه على رجعه لقادر } ، قال مجاهد: على رد النطفة في ~~الإحليل. وقال عكرمة: على رد الماء في الصلب الذي خرج منه. وقال الضحاك: ~~إنه على رد الإنسان ماء كما كان من قبل لقادر. وقال مقاتل بن حيان: إن ~~شاء رده من الكبر إلى الشباب, ومن الشباب إلى الصبا, ومن الصبا إلى ~~النطفة, وقال ابن زيد: إنه على حبس ذلك الماء لقادر حتى لا يخرج وقال ~~قتادة: إن الله تعالى على بعث الإنسان وإعادته قادر. وهذا أولى الأقاويل ~~لقوله: # { يوم تبلى السرآئر } ، وذلك يوم القيامة تبلى السرائر, ~~تظهر الخفايا قال قتادة ومقاتل: تختبر الأعمال, قال عطاء بن أبي رباح: ~~السرائر فرائض الأعمال، كالصوم والصلاة والوضوء والاغتسال من الجنابة، ms2460 ~~فإنها سرائر بين الله تعالى وبين العبد، فلو شاء العبد لقال: صمت ولم ~~يصم، وصليت ولم يصل، واغتسلت ولم يغتسل، فيختبر حتى يظهر من أداها ممن ~~ضيعها. # قال ابن عمر: بيدي الله عز وجل يوم القيامة كل سر, فيكون زينا في ~~وجوه وشينا في وجوه، يعني: من أداها كان وجهه مشرقا، ومن ضيعها كان ~~وجهه أغبر. ### || [86.10-17] # { فما له من قوة ولا ناصر } ، أي ما لهذا الإنسان المنكر ~~للبعث من قوة يمتنع بها من عذاب الله ولا ناصر ينصره من الله. # ثم ذكر قسما آخر فقال: { والسمآء ذات الرجع } ، أي ذات ~~المطر لأنه يرجع كل عام ويتكرر. وقال ابن عباس: هو السحاب يرجع بالمطر. # { والأرض ذات الصدع } ، أي تتصدع وتنشق عن النبات الأشجار ~~والأنهار. # وجواب القسم قوله: { إنه } ، يعني القرآن، { لقول فصل } ، حق ~~وجد يفصل بين الحق والباطل. # { وما هو بالهزل } ، باللعب والباطل. # ثم أخبر عن مشركي مكة فقال: { إنهم يكيدون كيدا } , يخافون ~~النبي صلى الله عليه وسلم ويظهرون ما هم على خلافه. # { وأكيد كيدا } , وكيد الله استدراجه إياهم من حيث لا يعلمون. # { فمهل الكفرين } ، قال ابن عباس: هذا وعيد من الله عز ~~وجل لهم، { أمهلهم رويدا } ، قليلا, ومعنى مهل وأمهل: أنظر ~~ولا تعجل, فأخذهم الله يوم بدر، ونسخ الإمهال بآية السيف. ### | [87 - سورة الأعلى] ### || [87.1] # { سبح اسم ربك الأعلى } , يعني: قل سبحان ربي الأعلى. ~~وإلى هذا ذهب جماعة من الصحابة والتابعين. # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي, أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم ~~الثعلبي, أخبرنا عبد الله بن حامد, أخبرنا أحمد بن عبد الله, حدثنا محمد ~~بن عبد الله, حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان, حدثنا وكيع, عن إسرائيل, عن ~~أبي إسحاق, عن مسلم البطين, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: { سبح اسم ربك الأعلى ~~} فقال: " سبحان ربي الأعلى ". # وقال قوم: معناه نزه ربك الأعلى عما يصفه به الملحدون، وجعلوا الاسم ~~صلة. ويحتج بهذا من يجعل الاسم والمسمى واحدا, لأن أحدا ms2461 لا يقول: سبحان ~~اسم الله، وسبحان اسم ربنا، إنما يقولون: سبحان الله وسبحان ربنا، فكان ~~معنى سبح اسم ربك الأعلى: سبح ربك. # وقال آخرون: نزه تسمية ربك, بأن تذكره وأنت معظم, ولذكره محترم ~~ولأوامره مطاوع, وجعلوا الاسم بمعنى التسمية. # وقال ابن عباس: سبح اسم ربك الأعلى, أي: صل بأمر ربك الأعلى. ### || [87.2-4] # { الذي خلق فسوى } ، قال الكلبي: خلق كل ذي روح, فسوى ~~اليدين والرجلين والعينين. وقال الزجاج: خلق الإنسان مستويا، ومعنى " ~~سوى ": عدل قامته. # { والذي قدر فهدى } ، قرأ الكسائي: " قدر " بتخفيف الدال، ~~وشددها الآخرون، وهما بمعنى واحد. # قال مجاهد: هدى الإنسان لسبيل الخير والشر، والسعادة والشقاوة، وهدى ~~الأنعام لمراتعها. # وقال مقاتل والكلبي: قدر لكل شيء مسلكه, " فهدى ": عرفها كيف يأتي ~~الذكر الأنثى. # وقيل: قدر الأرزاق وهدى لاكتساب الأرزاق والمعاش. # وقيل: خلق المنافع في الأشياء, وهدى الإنسان لوجه استخراجها منها. # وقال السدي: قدر مدة الجنين في الرحم ثم هداه للخروج من الرحم. # قال الواسطي: قدر السعادة والشقاوة عليهم، ثم يسر لكل واحد من الطائفتين ~~سلوك سبيل ما قدر عليه. # { والذي أخرج المرعى } ، أنبت العشب وما ترعاه النعم، ~~من بين أخضر وأصفر وأحمر وأبيض. # { فجعله } ، بعد الخضرة، { غثاء } ، هشيما باليا، كالغثاء الذي ~~تراه فوق السيل. { أحوى } ، أسود بعد الخضرة، وذلك أن الكلأ إذا جف ~~ويبس اسود. ### || [87.5-12] # { سنقرئك } ، سنعلمك بقراءة جبريل عليك، { فلا تنسى * إلا ~~ما شآء الله } ، أن تنساه, وما نسخ الله تلاوته من القرآن، كما ~~قال: # ما ننسخ من آية أو ننسها # [البقرة: 106]، والإنساء نوع من النسخ. # وقال مجاهد, والكلبي: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه جبريل ~~عليه السلام، لم يفرغ من آخر الآية حتى يتكلم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بأولها, مخافة أن ينساها، فأنزل الله تعالى: { سنقرئك فلا ~~تنسى } ، فلم ينس بعد ذلك شيئا. # { إنه يعلم الجهر } ، من القول والفعل، { وما يخفى } ~~، منهما، والمعنى: أنه يعلم السر والعلانية. # { ونيسرك لليسرى } ، قال مقاتل: نهون عليك عمل أهل الجنة ~~- وهو معنى قول ابن عباس - ونيسرك لأن ms2462 تعمل خيرا. و " اليسرى ": عمل ~~الخير. # وقيل: نوفقك للشريعة اليسرى وهي الحنيفية السمحة. # وقيل: هو متصل بالكلام الأول معناه: أنه يعلم الجهر مما تقرؤه على جبريل ~~إذا فرغ من التلاوة، " وما يخفى ": ما تقرأ في نفسك مخافة النسيان، ثم ~~وعده فقال: { ونيسرك لليسرى } ، أي نهون عليك الوحي حتى ~~تحفظه وتعلمه. # { فذكر } ، عظ بالقرآن، { إن نفعت الذكرى } ، الموعظة ~~والتذكير. والمعنى: نفعت أو لم تنفع، وإنما لم يذكر الحالة الثانية، ~~كقوله: { سرابيل تقيكم الحر } ، وأراد: الحر والبرد جميعا. # { سيذكر } ، سيتعظ، { من يخشى } ، الله عز وجل. # { ويتجنبها } ، أي يتجنب الذكرى ويتباعد عنها، { الأشقى } ، ~~الشقي في علم الله. # { الذى يصلى النار الكبرى } ، العظيمة والفظيعة, لأنها ~~أعظم وأشد حرا من نار الدنيا. ### || [87.13-15] # { ثم لا يموت فيها } ، فيستريح، { ولا يحيى } ، حياة ~~تنفعه. # { قد أفلح من تزكى } ، تطهر من الشرك وقال: لا إله إلا ~~الله، هذا قول عطاء وعكرمة، ورواية الوالبي وسعيد بن جبير عن ابن عباس. ~~وقال الحسن: من كان عمله زاكيا. # وقال آخرون: هو صدقة الفطر, روي عن أبي سعيد الخدري في قوله: { قد ~~أفلح من تزكى } قال: أعطى صدقة الفطر. # { وذكر اسم ربه فصلى } ، قال خرج إلى العيد فصلى، فكان ~~ابن مسعود يقول: رحم الله امرءا تصدق ثم صلى، ثم يقرأ هذه الآية. وروى ~~نافع: كان ابن عمر إذا صلى الغداة - يعني من يوم العيد - قال: يا نافع ~~أخرجت الصدقة؟ فإن قلت: نعم, مضى إلى المصلى، وإن قلت: لا, قال: ~~فالآن فأخرج, فإنما نزلت هذه الآية في هذا { قد أفلح من ~~تزكى * وذكر اسم ربه فصلى }. وهو قول أبي العالية ~~وابن سيرين. # وقال بعضهم: لا أدري ما وجه هذا التأويل؟ لأن هذه السورة مكية, ولم يكن ~~بمكة عيد ولا زكاة فطر. # قال الشيخ الإمام محيي السنة رحمه الله: يجوز أن يكون النزول سابقا عل ~~الحكم كما قال: { وأنت حل بهذا البلد } , فالسورة مكية، ~~وظهر أثر الحل يوم الفتح حتى قال عليه الصلاة والسلام: # " أحلت لي ساعة من نهار " # وكذلك نزل بمكة: # سيهزم الجمع ms2463 ويولون الدبر # [القمر: 45], قال عمر بن الخطاب: كنت لا أدري أي جمع يهزم، فلما كان يوم ~~بدر رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يثب في الدرع ويقول: سيهزم الجمع ~~ويولون الدبر, { وذكر اسم ربه فصلى } أي: وذكر ربه فصلى، ~~قيل: الذكر: تكبيرات العيد, والصلاة: صلاة العيد، وقيل: الصلاة ها هنا ~~الدعاء. ### || [87.16-19] # { بل تؤثرون } ، قرأ أبو عمرو, ويعقوب: يؤثرون بالياء, يعني: ~~الأشقين الذين ذكروا, وقرأ الآخرون بالتاء, دليله: قراءة أبي بن كعب ~~" بل أنتم تؤثرون الحياة الدنيا " والمراد ب " الأشقى " الجمع, وإن كان ~~على لفظ الواحد, لأن الشيء إذا دخله الألف واللام للجنس صار مستغرقا, ~~فكأنه قال: ويتجنبه الأشقون, ثم قال: " بل تؤثرون الحياة الدنيا ". # { والأخرة خير وأبقى } ، قال عرفجة الأشجعي: كنا عند ابن ~~مسعود فقرأ هذه الآية, فقال لنا: أتدرون لم آثرنا الحياة الدنيا على ~~الآخرة؟ قلنا: لا. قال: لأن الدنيا أحضرت, وعجل لنا طعامها وشرابها ~~ونساؤها ولذاتها وبهجتها، وأن الآخرة نعتت لنا, وزويت عنا فأحببنا ~~العاجل وتركنا الآجل. # { إن هذا } ، يعني ما ذكر من قوله: { قد أفلح من ~~تزكى } ، إلى تمام أربع آيات، { لفي الصحف الأولى } ، أي ~~في الكتب الأولى التي أنزلت قبل القرآن, ذكر فيها فلاح المتزكي والمصلي, ~~وإيثار الخلق الحياة الدنيا على الآخرة، وإن الآخرة خير وأبقى. # ثم بين الصحف فقال: # { صحف إبرهيم وموسى } ، قال عكرمة والسدي: هذه السورة في ~~صحف إبراهيم وموسى. # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أخبرنا أبو بكر أحمد بن ~~الحسن الحيري أخبرنا محمد بن أحمد بن معقل الميداني, حدثنا محمد بن يحيى ~~بن أيوب حدثنا سعيد بن كثير حدثنا يحيى بن أيوب عن يحيى بن سعيد عن عمرة ~~بنت عبد الرحمن عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقرأ في الركعتين اللتين يوتر بعدهما ب " سبح اسم ربك الأعلى " ، و ~~" قل يا أيها الكافرون " ، وفي الوتر ب " قل هو الله أحد " ، و " قل ~~أعوذ برب الفلق " و " قل أعوذ برب الناس ". ### | [88 - سورة الغاشية] ms2464 ### || [88.1-3] # { هل أتاك حديث الغاشية } يعني: قد أتاك حديث القيامة, ~~تغشى كل شيء بالأهوال. # { وجوه يومئذ } ، يعني: يوم القيامة، { خاشعة } ، ذليلة. # { عاملة ناصبة } ، قال عطاء عن ابن عباس: يعني الذين عملوا ~~ونصبوا في الدنيا على غير دين الإسلام من عبدة الأوثان وكفار أهل ~~الكتاب, مثل الرهبان وغيرهم, لا يقبل الله منهم اجتهادا في ضلالة، ~~يدخلون النار يوم القيامة، وهو قول سعيد بن جبير, وزيد بن أسلم. ومعنى ~~النصب: الدأب في العمل بالتعب. # وقال عكرمة والسدي: عاملة في الدنيا بالمعاصي، ناصبة في الآخرة في ~~النار. # وقال بعضهم: عاملة في النار ناصبة فيها. قال الحسن: لم تعمل لله في ~~الدنيا فأعملها وأنصبها في النار بمعالجة السلاسل، والأغلال. وبه قال ~~قتادة, وهي رواية العوفي عن ابن عباس. # قال ابن مسعود: تخوض في النار كما تخوض الإبل في الوحل. # وقال الكلبي: يجرون على وجوههم في النار. # وقال الضحاك: يكلفون ارتقاء جبل من حديد في النار, والكلام خرج على " ~~الوجوه " , والمراد منها أصحابها. ### || [88.4-7] # { تصلى نارا } ، قرأ أهل البصرة وأبو بكر: " تصلى " بضم التاء ~~اعتبارا بقوله: { تسقى من عين ءانية } وقرأ الآخرون بفتح ~~التاء، { نارا حامية } ، قال ابن عباس: قد حميت فهي تتلظى على ~~أعداء الله. # { تسقى من عين ءانية } , متناهية في الحرارة قد أوقدت ~~عليها جهنم منذ خلقت، فدفعوا إليها وردا عطاشا. قال المفسرون: لو ~~وقعت منها قطرة على جبال الدنيا لذابت. هذا شرابهم ثم ذكر طعامهم فقال: # { ليس لهم طعام إلا من ضريع } ، قال مجاهد وعكرمة ~~وقتادة: هو نبت ذو شوك لاطئ بالأرض، تسميه قريش الشبرق فإذا هاج سموها ~~الضريع، وهو أخبث طعام وأبشعه. وهو رواية العوفي عن ابن عباس. قال ~~الكلبي: لا تقربه دابة إذا يبس. # قال ابن زيد: أما في الدنيا فإن " الضريع ": الشوك اليابس الذي يبس له ~~ورق، وهو في الآخرة شوك من نار، وجاء في الحديث عن ابن عباس: " الضريع: ~~شيء في النار شبه الشوك أمر من الصبر، وأنتن من الجيفة, وأشد حرا من ~~النار. # وقال أبو الدرداء والحسن: ms2465 إن الله تعالى يرسل على أهل النار الجوع حتى ~~يعدل عندهم ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون فيغاثون بالضريع، ثم يستغيثون ~~فيغاثون بطعام ذي غصة، فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا ~~بالماء, فيستسقون, فيعطشهم ألف سنة، ثم يسقون من عين آنية شربة لا هنيئة ~~ولا مريئة، فلما أدنوه من وجوههم، سلخ جلود وجوههم وشواها, فإذا وصل إلى ~~بطونهم قطعها فذلك قوله عز وجل: # وسقوا مآء حميما فقطع أمعآءهم # [محمد: 15]. # قال المفسرون: فلما نزلت هذه الآية قال المشركون: إن إبلنا لتسمن على ~~الضريع، وكذبوا في ذلك، فإن الإبل إنما ترعاه ما دام رطبا, وتسمى " ~~شبرقا " , فإذا يبس لا يأكله شيء. فأنزل الله: { لا يسمن ولا ~~يغني من جوع }. ### || [88.8-20] # ثم وصف أهل الجنة فقال: { وجوه يومئذ ناعمة } ، قال مقاتل: ~~في نعمة وكرامة. # { لسعيها } ، في الدنيا، { راضية } ، في الآخرة حين أعطيت ~~الجنة بعملها. # { في جنة عالية * لا تسمع فيها لاغية } , لغو ~~وباطل, قرأ أهل مكة والبصرة: " لا يسمع " بالياء وضمها، " لاغية " ~~رفع، وقرأ نافع " لا تسمع " بالتاء وضمها, " لاغية " رفع، وقرأ الآخرون ~~بالتاء وفتحها " لاغية " بالنصب, على الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. # { فيها عين جارية * فيها سرر مرفوعة } ، قال ابن ~~عباس: ألواحها من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت, مرتفعة ما لم يجيء ~~أهلها، فإذا أراد أن يجلس عليها تواضعت له حتى يجلس عليها, ثم ترتفع إلى ~~مواضعها. # { وأكواب موضوعة } ، عندهم، جمع كوب, وهو الإبريق الذي لا ~~عروة له. # { ونمارق } ، وسائد ومرافق، { مصفوفة } ، بعضها بجنب بعض, ~~واحدتها " نمرقة " بضم النون. # { وزرابي } ، يعني البسط العريضة. قال ابن عباس: هي الطنافس التي ~~لها خمل واحدتها زربية, { مبثوثة } ، مبسوطة، وقيل: متفرقة في ~~المجالس. # { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } , قال أهل ~~التفسير: لما نعت الله تعالى في هذه السورة ما في الجنة عجب من ذلك أهل ~~الكفر وكذبوه، فذكرهم الله تعالى صنعه فقال: { أفلا ينظرون ~~إلى الإبل } ،من بين سائر الحيوانات { كيف خلقت } , وكانت ~~الإبل من عيش العرب، لهم فيها منافع كثيرة, فلما صنع ms2466 لهم ذلك في الدنيا ~~صنع لأهل الجنة فيها ما صنع. # وتكلمت الحكماء في وجه تخصيص الإبل من بين سائر الحيوانات؛ فقال مقاتل: ~~لأنهم لم يروا بهيمة قط أعظم منها، ولم يشاهد الفيل إلا الشاذ منهم. # وقال الكلبي: لأنها تنهض بحملها وهي باركة. # وقال قتادة: ذكر الله تعالى ارتفاع سرر الجنة وفرشها، فقالوا: كيف ~~نصعدها فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وسئل الحسن عن هذه الآية وقيل له: الفيل أعظم في الأعجوبة؟ فقال: أما ~~الفيل فالعرب بعيدة العهد بها، ثم هو لا خير فيه لا يركب ظهرها ولا ~~يؤكل لحمها ولا يحلب درها، والإبل أعز مال للعرب وأنفسه تأكل النوى ~~والقت وتخرج اللبن. # وقيل: إنها مع عظمها تلين للحمل الثقيل وتنقاد للقائد الضعيف. حتى إن ~~الصبي الصغير يأخذ بزمامها فيذهب بها حيث شاء، وكان شريح القاضي يقول: ~~اخرجوا بنا إلى كناسة اسطبل حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت. # { وإلى السمآء كيف رفعت } ، عن الأرض حتى لا ينالها شيء ~~بغير عمد. # { وإلى الجبال كيف نصبت } ، على وجه الأرض مرساة لا تزول. # { وإلى الأرض كيف سطحت } ، بسطت، قال عطاء عن ابن عباس: هل ~~يقدر أحد أن يخلق مثل الإبل, أو يرفع مثل السماء, أو ينصب مثل الجبال, أو ~~يسطح مثل الأرض غيري؟. ### || [88.21-26] # { فذكر } أي: عظ يا محمد { إنمآ أنت مذكر * لست ~~عليهم بمصيطر } , بمسلط فتقتلهم وتكرههم على الإيمان. نسختها ~~آية القتال. # { إلا من تولى وكفر } ، استثناء منقطع عما قبله, معناه: ~~لكن من تولى وكفر بعد التذكير. # { فيعذبه الله العذاب الأكبر } , وهو أن يدخله النار ~~وإنما قال " الأكبر " لأنهم عذبوا في الدنيا بالجوع والقحط والقتل ~~والأسر. # { إن إلينآ إيابهم } ، رجوعهم بعد الموت، يقال: آب يؤب ~~أوبا وإيابا، وقرأ أبو جعفر: " إيابهم " بتشديد الياء, وهو شاذ لم ~~يجزه أحد غير الزجاج فإنه قال يقال: أيب إيابا, على: فعل ~~فيعالا. # { ثم إن علينا حسابهم } ، يعني جزاءهم بعد المرجع إلى ~~الله عز وجل. ### | [89 - سورة الفجر] ### || [89.1-3] # { والفجر } أقسم الله عز وجل بالفجر، روى أبو صالح عن ms2467 ابن عباس ~~قال: هو انفجار الصبح كل يوم وهو قول عكرمة, وقال عطية عنه: صلاة الفجر. ~~وقال قتادة: هو فجر أول يوم من المحرم, تنفجر منه السنة. وقال الضحاك: ~~فجر ذي الحجة لأنه قرنت به الليالي العشر. # { وليال عشر } ، روي عن ابن عباس: أنها العشر الأول من ذي الحجة. ~~وهو قول مجاهد, وقتادة, والضحاك, والسدي, والكلبي. # وقال أبو روق عن الضحاك: هي العشر الأواخر من شهر رمضان. # وروى أبو ظبيان عن ابن عباس قال: هي العشر الأول من شهر رمضان. # وقال يمان بن رباب: هي العشر الأول من المحرم التي عاشرها يوم ~~عاشوراء. # { والشفع والوتر } ، قرأ حمزة, والكسائي: " الوتر " بكسر ~~الواو، وقرأ الآخرون بفتحها، واختلفوا في الشفع والوتر، قيل: " الشفع ": ~~الخلق، قال الله تعالى: { وخلقنكم أزوجا } و " الوتر ": ~~هو الله عز وجل. روي ذلك عن ابن مسعود وعن، أبي سعيد الخدري, وهو قول ~~عطية العوفي. # وقال مجاهد ومسروق: " الشفع " الخلق كله، كما قال الله تعالى: # ومن كل شيء خلقنا زوجين # [الذاريات: 49]، الكفر والإيمان، الهدى والضلالة، والسعادة والشقاوة، ~~والليل والنهار، والسماء والأرض، والبر والبحر، والشمس والقمر، والجن ~~والإنس، والوتر هو الله قال الله تعالى: # قل هو الله أحد # [الإخلاص: 1]. # قال الحسن وابن زيد: " الشفع والوتر ": الخلق كله, منه شفع, ومنه وتر. # وروى قتادة عن الحسن قال: هو العدد منه شفع ومنه وتر. # وقال قتادة: هما الصلوات منها شفع ومنها وتر. وروى ذلك عن عمران بن حصين ~~مرفوعا, وروى عطية عن ابن عباس: الشفع صلاة الغداة, والوتر صلاة المغرب. # وعن عبد الله بن الزبير قال: " الشفع ": يوم النفر الأول, و " الوتر ": ~~يوم النفر الأخير. روي أن رجلا سأله عن الشفع والوتر والليالي العشر؟ ~~فقال: أما الشفع والوتر: فقول الله عز وجل: # فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه ومن تأخر ~~فلا إثم عليه # [البقرة: 203] فهما الشفع والوتر، وأما الليالي العشر: فالثمان وعرفة ~~النحر. # وقال مقاتل بن حيان: " الشفع ": الأيام والليالي, و " الوتر ": اليوم ~~الذي لا ليلة بعده وهو يوم القيامة. # وقال الحسين ms2468 بن الفضل: " الشفع ": درجات الجنة لأنها ثمان، و " الوتر " ~~دركات النار لأنها سبع، كأنه أقسم بالجنة والنار. # وسئل أبو بكر الوراق عن الشفع والوتر فقال: " الشفع ": تضاد أخلاق ~~المخلوقين من العز والذل، والقدرة والعجز، والقوة والضعف، والعلم والجهل، ~~والبصر والعمى، و " الوتر ": انفراد صفات الله عز بلا ذل، وقدرة بلا ~~عجز، وقوة بلا ضعف. وعلم بلا جهل، وحياة بلا ممات. ### || [89.4-10] # { واليل إذا يسر } ، أي إذا سار وذهب كما قال تعالى: # والليل إذ أدبر # [المدثر: 33]، وقال قتادة: إذا جاء وأقبل, وأراد كل ليلة. # وقال مجاهد وعكرمة والكلبي: هي ليلة المزدلفة. # قرأ أهل الحجاز, والبصرة: " يسري " بالياء في الوصل, ويقف ابن كثير ~~ويعقوب بالياء أيضا، والباقون يحذفونها في الحالين، فمن حذف فلوفاق ~~رؤوس الآي، ومن أثبت فلأنها لام الفعل، والفعل لا يحذف منه في الوقف. نحو ~~قوله: هو يقضي وأنا أقضي، وسئل الأخفش عن العلة في سقوط الياء؟ فقال: ~~الليل لا يسري, ولكن يسرى فيه، فهو مصروف, فلما صرفه بخسه حقه من ~~الإعراب، كقوله: { وما كانت أمك بغيا } ، ولم يقل: " بغية " ~~لأنها صرفت من باغية. # { هل في ذلك } أي فيما ذكرت، { قسم } ، أي: مقنع ومكتفى في ~~القسم، { لذي حجر } ، لذي عقل, سمي بذلك لأنه يحجر صاحبه عما لا ~~يحل ولا ينبغي، كما يسمى عقلا, لأنه يعقله عن القبائح، ونهى لأنه ينهى ~~عما لا ينبغي، وأصل " الحجر ": المنع. وجواب القسم قوله: { إن ~~ربك لبالمرصاد } ، واعترض بين القسم وجوابه قوله عز وجل: # { ألم تر } ، قال الفراء: ألم تخبر؟ وقال الزجاج: ألم تعلم؟ ~~ومعناه التعجب. { كيف فعل ربك بعاد * إرم } ، يخوف أهل ~~مكة, يعني: كيف أهلكهم، وهم كانوا أطول أعمارا وأشد قوة من هؤلاء، ~~واختلفوا في إرم ذات العماد, فقال سعيد بن المسيب: " إرم ذات العماد " ~~دمشق، وبه قال عكرمة. # وقال القرظي هي الإسكندرية، وقال مجاهد: هي أمة. وقيل: معناها: ~~القديمة. # وقال قتادة, ومقاتل: هم قبيلة من عاد قال مقاتل: كان فيهم الملك, وكانوا ~~بمهرة, وكان عاد أباهم, فنسبهم إليه, وهو إرم بن سام ms2469 بن نوح. # وقال محمد بن إسحاق: هو جد عاد, وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح. # وقال الكلبي: " إرم " هو الذي يجتمع إليه نسب عاد وثمود وأهل الجزيرة، ~~كان يقال: عاد إرم, وثمود إرم، فأهلك الله عادا ثم ثمود, وبقي أهل ~~السواد والجزيرة، وكانوا أهل عمد وخيام وماشية سيارة في الربيع، فإذا ~~هاج العود رجعوا إلى منازلهم، وكانوا أهل جنان وزروع, ومنازلهم بوادي ~~القرى، وهي التي يقول الله فيها: # { التي لم يخلق مثلها في البلد } ، وسموا ذات ~~العماد لهذا لأنهم كانوا أهل عمد سيارة، وهو قول قتادة ومجاهد والكلبي، ~~ورواية عطاء عن ابن عباس، وقال بعضهم: سموا ذلك العماد لطول قامتهم. قال ~~ابن عباس: يعني طولهم مثل العماد. وقال مقاتل: كان طول أحدهم اثني عشر ~~ذراعا. # وقوله: { لم يخلق مثلها في البلد } ، أي لم يخلق مثل ~~تلك القبيلة في الطول والقوة، وهم الذين قالوا: { من أشد منا ~~قوة }. # وقيل: سموا ذات العماد لبناء بناه بعضهم فشيد عمده، ورفع بناءه، يقال: ~~بناه شداد بن عاد على صفة لم يخلق في الدنيا مثله, وسار إليه في قومه، ~~فلما كان منه على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليه وعلى من معه صيحة من ~~السماء فأهلكتهم جميعا. # { وثمود } ، أي: وبثمود, { الذين جابوا الصخر } ، قطعوا ~~الحجر، واحدتها: صخرة, { بالواد } ، يعني: وادي القرى كانوا يقطعون ~~الجبال فيجعلون فيها بيوتا، وأثبت ابن كثير ويعقوب الياء في الوادي ~~وصلا ووقفا على الأصل، وأثبتها ورش وصلا، والآخرون بحذفها في الحالين ~~على وفق رؤوس الآي. # { وفرعون ذى الأوتاد } ، سمي بذلك لأنه كان يعذب الناس ~~بالأوتاد، وقد ذكرناه في سورة ص. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي, أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي, أخبرنا ابن فنجويه, ~~حدثنا مخلد بن جعفر, حدثنا الحسين بن علويه, حدثنا إسماعيل بن عيسى, ~~حدثنا إسحاق بن بشر عن ابن سمعان عن عطاء عن ابن عباس: أن فرعون إنما ~~سمي " ذي الأوتاد " لأنه كانت امرأة، وهي امرأة خازن فرعون حزبيل، وكان ~~مؤمنا كتم إيمانه مائة سنة، وكانت امرأته ms2470 ماشطة بنت فرعون, فبينما هي ~~ذات يوم تمشط رأس بنت فرعون إذ سقط المشط من يدها، فقالت: تعس من كفر ~~بالله، فقالت بنت فرعون: وهل لك من إله غير أبي؟ فقالت: إلهي وإله أبيك ~~وإله السموات والأرض واحد لا شريك له، فقامت فدخلت على أبيها وهي تبكي، ~~فقال: ما يبكيك؟ قالت: الماشطة امرأة خازنك تزعم أن إلهك وإلهها وإله ~~السموات والأرض واحد لا شريك له. فأرسل إليها فسألها عن ذلك، فقالت: ~~صدقت، فقال لها: ويحك اكفري بإلهك وأقري بأني إلهك، قالت: لا أفعل ~~فمدها بين أربعة أوتاد, ثم أرسل عليها الحيات والعقارب، وقال لها: ~~اكفري بإلهك وإلا عذبتك بهذا العذاب شهرين، فقالت له: ولو عذبتني سبعين ~~شهرا ما كفرت بالله، وكان لها ابنتان فجاء بابنتها الكبرى فذبحها على ~~قرب منها، وقال لها: اكفري بالله وإلا ذبحت الصغرى على قلبك، وكانت ~~رضيعا، فقالت: لو ذبحت من على وجه الأرض على في ما كفرت بالله عز ~~وجل، فأتى بابنتها الصغرى فلما اضطجعت على صدرها وأرادوا ذبحها جزعت ~~المرأة, فأطلق الله لسان ابنتها فتكلمت, وهي من الأربعة الذين تكلموا ~~أطفالا، وقالت: يا أماه لا تجزعي فإن الله قد بنى لك بيتا في الجنة، ~~اصبري فإنك تفضين إلى رحمة الله وكرامته، فذبحت فلم تلبث أن ماتت ~~فأسكنها الله الجنة, قال: وبعث في طلب زوجها حزبيل فلم يقدروا عليه، فقيل ~~لفرعون: إنه قد رئي في موضع كذا وكذا في جبل كذا، فبعث رجلين في طلبه ~~فانتهيا إليه وهو يصلي ويليه صفوف من الوحوش خلفه يصلون، فلما رأيا ذلك ~~انصرفا، فقال حزبيل: اللهم إنك تعلم أني كتمت إيماني مائة سنة, ولم يظهر ~~علي أحد, فأيما هذين الرجلين كتم علي فاهده إلى دينك وأعطه من الدنيا ~~سؤله، وأيما هذين الرجلين أظهر علي فعجل عقوبته في الدنيا واجعل ~~مصيره في الآخرة إلى النار، فانصرف الرجلان إلى فرعون فأما أحدهما فاعتبر ~~وآمن، وأما الآخر فأخبر فرعون بالقصة على رؤوس الملاء، فقال له فرعون: ~~وهل كان معك غيرك؟ قال: نعم ms2471 فلان، فدعا به فقال: أحق ما يقول هذا؟ قال: ~~لا, ما رأيت مما قال شيئا فأعطاه فرعون وأجزل, وأما الآخر فقتله، ثم ~~صلبه. # قال: وكان فرعون قد تزوج امرأة من نساء بني إسرائيل يقال لها " آسية بنت ~~مزاحم " فرأت ما صنع فرعون بالماشطة، فقالت: وكيف يسعني أن أصبر على ما ~~يأتي فرعون, وأنا مسلمة وهو كافر؟ فبينما هي كذلك تؤامر نفسها إذ دخل ~~عليها فرعون فجلس قريبا منها، فقالت: يا فرعون أنت شر الخلق وأخبثهم ~~عمدت إلى الماشطة فقتلتها، قال: فلعل بك الجنون الذي كان بها قالت ما بي ~~من جنون، وإن إلهي وإلهها وإلهك وإله السموات والأرض واحد لا شريك له، ~~فمزق عليها ثيابها وضربها وأرسل إلى أبويها فدعاهما، فقال لهما: ألا ~~تريان أن الجنون الذي كان بالماشطة أصابها؟ قالت: أعوذ بالله من ذلك, إني ~~أشهد أن ربي وربك ورب السموات والأرض واحد لا شريك له، فقال لها ~~أبوها: يا آسية ألست من خير نساء العماليق وزجك إله العماليق؟ قالت: ~~أعوذ بالله من ذلك، إن كان ما يقول حقا فقولا له أن يتوجني تاجا تكون ~~الشمس أمامه والقمر خلفه والكواكب حوله، فقال لهما فرعون: اخرجا عني، ~~فمدها بين أربعة أوتاد يعذبها, ففتح الله لها بابا إلى الجنة ليهون ~~عليها ما يصنع بها فرعون، فعند ذلك قالت: # رب ابن لى عندك بيتا فى الجنة ونجنى من ~~فرعون وعمله ونجنى من القوم الظلمين # [التحريم: 11]، فقبض الله روحها وأسكنها الجنة. ### || [89.11-14] # { الذين طغوا فى البلد } , يعني عادا وثمود وفرعون ~~عملوا في الأرض بالمعاصي وتجبروا. # { فأكثروا فيها الفساد * فصب عليهم ربك سوط ~~عذاب } ، قال قتادة: يعني لونا من العذاب صبه عليهم، قال أهل ~~المعاني: هذا على الاستعارة, لأن السوط عندهم غاية العذاب، فجرى ذلك لكل ~~نوع من العذاب. قال الزجاج: جعل سوطه الذي ضربهم به العذاب. # { إن ربك لبالمرصاد } ، قال ابن عباس: يعني بحيث يرى ~~ويسمع ويبصر. # قال الكلبي: عليه طريق العباد لا يفوته أحد. قال مقاتل: ممر الناس عليه, ~~والمرصاد، والمرصد: الطريق. ms2472 # وقيل: مرجع الخلق إلى حكمه وأمره وإليه مصيرهم. # وقال الحسن وعكرمة: يرصد أعمال بني آدم. # والمعنى: أنه لا يفوته شيء من أعمال العباد، كما لا يفوت من هو ~~بالمرصاد. # وقال السدي: أرصد الله النار على طريقهم حتى يهلكهم. ### || [89.15-28] # { فأما الإنسان إذا ما ابتلاه } ، امتحنه، { ربه } ، ~~بالنعمة، { فأكرمه } ، بالمال، { ونعمه } ، بما وسع عليه، { ~~فيقول ربي أكرمن } ، بما أعطاني. # { وأمآ إذا ما ابتله } ، بالفقر، { فقدر عليه ~~رزقه } ، قرأ أبو جعفر وابن عامر " فقدر " بتشديد الدال، وقرأ ~~الآخرون بالتخفيف، وهما لغتان أي ضيق عليه رزقه. وقيل: " قدر " بمعنى ~~قتر وأعطاه قدر ما يكفيه. { فيقول ربي أهانن } ، أذلني بالفقر. ~~وهذا يعني به الكافر, تكون الكرامة والهوان عنده بكثرة المال والحظ في ~~الدنيا وقلته. # قال الكلبي ومقاتل: نزلت في أمية بن خلف الجمحي الكافر, فرد الله على من ~~ظن أن سعة الرزق إكرام وأن الفقر إهانة, فقال: # { كلا } لم أبتله بالغنى لكرامته, ولم أبتله بالفقر لهوانه، ~~فأخبر أن الإكرام والإهانة لا تدور على المال وسعة الرزق، ولكن الفقر ~~والغنى بتقديره, فيوسع على الكافر لا لكرامته، ويقدر على المؤمن لا ~~لهوانه، إنما يكرم المرء بطاعته ويهينه بمعصيته. # قرأ أهل الحجاز والبصرة " أكرمني وأهانني " ، بإثبات الياء في الوصل، ~~ويقف ابن كثير ويعقوب بالياء أيضا، والآخرون يحذفونها وصلا ووقفا. # { بل لا تكرمون اليتيم } ، قرأ أهل البصرة " يكرمون، ~~ويحضون، ويأكلون، ويحبون " بالياء فيهن، وقرأ الآخرون بالتاء، { لا ~~تكرمون اليتيم } لا تحسنون إليه. وقيل: لا تعطونه حقه. # قال مقاتل: كان قدامة بن مظعون يتيما في حجر أمية بن خلف وكان يدفعه عن ~~حقه. # { ولا تحاضون على طعام المسكين } ، أي لا تأمرون ~~بإطعامه، وقرأ أبو جعفر وأهل الكوفة: " تحاضون " بفتح الحاء وألف ~~بعدها, أي لا يحض بعضكم بعضا عليه. # { وتأكلون التراث } ، أي الميراث، { أكلا لما } ، ~~شديدا وهو أن يأكل نصيبه ونصيب غيره، وذلك أنهم كانوا لا يورثون ~~النساء ولا الصبيان، ويأكلون نصيبهم. # قال ابن زيد: الأكل اللم: الذي يأكل كل شيء يجده, لا يسأل عنه أحلال ~~هو أم حرام؟ ويأكل ms2473 الذي له ولغيره، يقال: لممت، على الخوان إذا أتيت ما ~~عليه فأكلته. # { وتحبون المال حبا جما } , أي كثيرا, يعني: تحبون جمع ~~المال وتولعون به، يقال: جم الماء في الحوض, إذا كثر واجتمع. # { كلا } ، ما هكذا ينبغي أن يكون الأمر. وقال مقاتل: أي لا يفعلون ما ~~أمروا به من إكرام اليتيم وإطعام المسكين، ثم أخبر عن تلهفهم على ما سلف ~~منهم حين لا ينفعهم، فقال عز من قائل: { إذا دكت الأرض دكا ~~دكا } ، مرة بعد مرة, وكسر كل شيء على ظهرها من جبل وبناء وشجر, فلم ~~يبق على ظهرها شيء. # { وجآء ربك } ، قال الحسن: جاء أمره وقضاؤه. وقال الكلبي: ينزل { ~~والملك صفا صفا } ، قال عطاء: يريد صفوف الملائكة، وأهل كل ~~سماء صف على حدة. # قال الضحاك: أهل كل سماء إذا نزلوا يوم القيامة كانوا صفا محيطين ~~بالأرض ومن فيها فيكون سبعة صفوف. # { وجىء يومئذ بجهنم } ، قال عبد الله بن مسعود ومقاتل في ~~هذه الآية: جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك ~~يقودونها، لها تغيظ وزفير حتى تنصب على يسار العرش. { يومئذ } يعني ~~يوم يجاء بجهنم، { يتذكر الإنسن } ، يتعظ ويتوب الكافر، { ~~وأنى له الذكرى } ، قال الزجاج: يظهر التوبة ومن أين له ~~التوبة؟. # { يقول يليتنى قدمت لحياتى } ، أي قدمت الخير والعمل ~~الصالح لحياتي في الآخرة، أي لآخرتي التي لا موت فيها. # { فيومئذ لا يعذب عذابه أحد * ولا يوثق ~~وثاقه أحد } ، قرأ الكسائي ويعقوب " لا يعذب " , " ولا يوثق ~~" بفتح الذال والثاء على معنى لا يعذب أحد في الدنيا كعذاب الله يومئذ، ~~ولا يوثق كوثاقه أحد يومئذ. # قيل: هو رجل بعينه, هو أمية بن خلف, يعني لا يعذب كعذاب هذا الكافر أحد، ~~ولا يوثق كوثاقه أحد. # وقرأ الآخرون بكسر الذال والثاء، أي: لا يعذب أحد في الدنيا كعذاب الله ~~الكافر يومئذ، ولا يوثق كوثاقه أحد، يعني لا يبلغ أحد من الخلق كبلاغ ~~الله في العذاب، والوثاق: وهو الإسار في السلاسل والأغلال. # قوله عز وجل: { يأيتها النفس المطمئنة } ، إلى ما ~~وعد ms2474 الله عز وجل المصدقة بما قال الله. وقال مجاهد: " المطمئنة " التي ~~أيقنت أن الله تعالى ربها وصبرت جأشا لأمره وطاعته. # وقال الحسن: المؤمنة الموقنة. وقال عطية: الراضية بقضاء الله تعالى. ~~وقال الكلبي: الأمنة من عذاب الله. # وقيل: المطمئنة بذكر الله، بيانه: قوله { وتطمئن قلوبهم ~~بذكر الله }. # واختلفوا في وقت هذه المقالة، فقال قوم: يقال لها ذلك عند الموت فيقال ~~لها: # { ارجعي إلى ربك } إلى الله، { راضية } ، بالثواب، { ~~مرضية } ، عنك. # وقال الحسن: إذا أراد الله قبضها اطمأنت إلى الله ورضيت عن الله ورضي ~~الله عنها. # قال عبد الله بن عمرو: إذا توفي العبد المؤمن أرسل الله عز وجل ملكين ~~إليه وأرسل إليه بتحفة من الجنة، فيقال لها: اخرجي يا أيتها النفس ~~المطمئنة، اخرجي إلى روح وريحان وربك عنك راض، فتخرج كأطيب ريح مسك ~~وجده أحد في أنفه، والملائكة على أرجاء السماء يقولون: قد جاء من الأرض ~~روح طيبة ونسمة طيبة. فلا تمر بباب إلا فتح لها ولا بملك إلا صلى ~~عليها، حتى يؤتى بها الرحمن فتسجد، ثم يقال لميكائيل: اذهب بهذه فاجعلها ~~مع أنفس المؤمنين، ثم يؤمر فيوسع عليه قبره سبعون ذراعا عرضه، وسبعون ~~ذراعا طوله، وينبذ له فيه الريحان، فإن كان معه شيء من القرآن كفاه ~~نوره. # وإن لم يكن جعل له نوره مثل الشمس في قبره، ويكون مثله مثل العروس، ينام ~~فلا يوقظه إلا أحب أهله إليه. وإذا توفي الكافر أرسل الله إليه ملكين ~~وأرسل قطعة من بجاد أنتن من كل نتن وأخشن من كل خشن، فيقال: يا أيتها ~~النفس الخبيثة اخرجي إلى جهنم وعذاب أليم وربك عليك غضبان. # وقال أبو صالح في قوله: { ارجعي إلى ربك راضية ~~مرضية } ، قال: هذا عند خروجها من الدنيا, فإذا كان يوم القيامة ~~قيل: { فادخلي في عبادي * وادخلي جنتي }. # وقال آخرون: إنما يقال لها ذلك عند البعث يقال: ارجعي إلى ربك، أي إلى ~~صاحبك وجسدك، فيأمر الله الأرواح أن ترجع إلى الأجساد، وهذا قول عكرمة, ~~وعطاء, والضحاك، ورواية العوفي عن ابن عباس. # وقال ms2475 الحسن: معناه: ارجعي إلى ثواب ربك وكرامته, راضية عن الله بما أعد ~~لك, مرضية, رضي عنك ربك. ### || [89.29-30] # { فادخلي في عبادي } ، أي مع عبادي في جنتي. وقيل: في جملة ~~عبادي الصالحين المطيعين المصطفين، نظيره: { وأدخلني برحمتك ~~في عبادك الصالحين }. # { وادخلي جنتي } ، وقال بعض أهل الإشارة: يا أيتها النفس ~~المطمئنة إلى الدنيا ارجعي إلى الله بتركها، والرجوع إلى الله هو سلوك ~~سبيل الآخرة. # وقال سعيد بن جبير: مات ابن عباس رضي الله عنهما بالطائف فشهدت جنازته، ~~فجاء طائر لم نر على صورة خلقه فدخل نعشه ثم، فلم نر خارجا منه, فلما ~~دفن تليت هذه الآية على شفير القبر، ولم ندر من قرأها: { يأيتها ~~النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية ~~مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي }. ### | [90 - سورة البلد] ### || [90.1-2] # { لا أقسم } , يعني أقسم، { بهذا البلد } ، يعني مكة. # { وأنت حل } ، أي حلال، { بهذا البلد } ، تصنع فيه ما ~~تريد من القتل والأسر ليس عليك ما على الناس فيه من الإثم, أحل الله ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح، حتى قاتل وقتل وأمر بقتل ابن ~~خطل، وهو متعلق بأستار الكعبة، ومقيس بن صبابة وغيرهما، فأحل ~~دماء قوم وحرم دماء قوم, فقال: # " ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ". # ثم قال: # " إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، ولم تحل لأحد قبلي ولا تحل ~~لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم ~~القيامة ". # والمعنى: أن الله تعالى لما أقسم بمكة دل ذلك على عظيم قدرها مع ~~حرمتها, فوعد نبيه صلى الله عليه وسلم أنه يحلها له حتى يقاتل فيها، وأن ~~يفتحها على يده, فهذا وعد من الله عز وجل بأن يحلها له. # قال شرحبيل بن سعد: ومعنى قوله: { وأنت حل بهذا البلد } ~~، قال: يحرمون أن يقتلوا بها صيدا ويستحلون إخراجك وقتلك؟ ### || [90.3-6] # { ووالد وما ولد } ، يعني آدم عليه السلام وذريته. # { لقد خلقنا الإنسن في كبد } ، روى الوالبي عن ابن ~~عباس: في نصب. قال الحسن: يكابد مصائب ms2476 الدنيا وشدائد الآخرة. وقال ~~قتادة: في مشقة فلا تلقاه إلا يكابد أمر الدنيا والآخرة. # وقال سعيد بن جبير: في شدة. وقال عطاء عن ابن عباس: في شدة خلق حمله ~~وولادته ورضاعه، وفطامه وفصاله ومعاشه وحياته وموته. # وقال عمرو بن دينار: عد نبات أسنانه. قال يمان: لم يخلق الله خلقا ~~يكابد ما يكابد ابن آدم، وهو مع ذلك أضعف الخلق. وأصل الكبد: الشدة. # وقال مجاهد, وعكرمة, وعطية, والضحاك: يعني منتصبا معتدل القامة، وكل ~~شيء خلق فإنه يمشي مكبا, وهي رواية مقسم عن ابن عباس: وأصل الكبد: ~~الاستواء والاستقامة. # وقال ابن كيسان: منتصبا رأسه في بطن أمه فإذا أذن الله له في خروجه ~~انقلب رأسه إلى رجلي أمه. # وقال مقاتل: " في كبد " أي في قوة. # نزلت في أبي الأشدين, واسمه أسيد بن كلدة الجمحي، وكان شديدا قويا يضع ~~الأديم العكاظي تحت قدميه فيقول: من أزالني عنه فله كذا وكذا، فلا يطاق ~~أن ينزع من تحت قدميه إلا قطعا ويبقى موضع قدميه. # { أيحسب } ، يعني أبا الأشدين من قوته، { أن لن يقدر ~~عليه أحد } ، أي: يظن من شدته أن لن يقدر عليه الله تعالى. وقيل: ~~هو الوليد بن المغيرة. # { يقول أهلكت } ، يعني أنفقت، { مالا لبدا } ، أي كثيرا ~~بعضه على بعض, من التلبيد, في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم، قرأ أبو ~~جعفر لبدا بتشديد الباء على جمع لابد، مثل راكع وركع، وقرأ ~~الآخرون بالتخفيف على جمع " لبدة " ، وقيل على الواحد مثل قثم ~~وحطم. ### || [90.7-14] # { أيحسب أن لم يره أحد } ، قال سعيد بن جبير وقتادة: ~~أيظن أن الله لم يره، ولا يسأله عن ماله من أين اكتسبه، وأين أنفقه؟ # وقال الكلبي: إنه كان كاذبا في قوله أنفقت كذا وكذا، ولم يكن أنفق جميع ~~ما قال, يقول أيظن أن الله عز وجل لم ير ذلك منه فيعلم مقدار نفقته. ثم ~~ذكره نعمه ليعتبر, فقال: { ألم نجعل له عينين ~~ولسانا وشفتين } ، قال قتادة: نعم الله متظاهرة يقررك بها ~~كيما تشكر, وجاء في الحديث: # " إن الله عز وجل ms2477 يقول: ابن آدم إن نازعك لسانك فيما حرمت عليك فقد ~~أعنتك عليه بطبقتين فأطبق، وإن نازعك بصرك إلى بعض ما حرمت عليك، فقد ~~أعنتك عليه بطبقتين، فأطبق، وإن نازعك فرجك إلى ما حرمت عليك فقد أعنتك ~~بطبقتين فأطبق ". # { وهدينه النجدين } ، قال: أكثر المفسرين طريق الخير ~~والشر، والحق والباطل، والهدى والضلالة، كقوله: { إنا هدينه ~~السبيل إما شاكرا وإما كفورا } وقال محمد بن كعب عن ~~ابن عباس: " وهديناه النجدين " قال: الثديين، وهو قول سعيد بن المسيب ~~والضحاك: والنجد: طريق في ارتفاع. # { فلا اقتحم العقبة } ، يقول: فهلا أنفق ماله فيما يجوز به ~~من فك الرقاب وإطعام السغبان، فيكون خيرا له من إنفاقه على عداوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم، هذا قول ابن زيد وجماعة. # وقيل: { فلا اقتحم العقبة } أي لم يقتحمها ولا جاوزها. ~~والاقتحام: الدخول في الأمر الشديد، وذكر العقبة ها هنا مثل ضربه ~~الله لمجاهدة النفس والهوى والشيطان في أعمال البر، فجعله كالذي يتكلف ~~صعود العقبة، يقول: لم يحمل على نفسه المشقة بعتق الرقبة ولا طعام، وهذا ~~معنى قول قتادة. # وقيل: إنه شبه ثقل الذنوب على مرتكبها بعقبة, فإذا أعتق رقبة وأطعم ~~كان كمن اقتحم العقبة وجاوزها. # وروي عن ابن عمر: أن هذه العقبة جبل في جهنم. # وقال الحسن وقتادة: عقبة شديدة في النار دون الجسر، فاقتحموها بطاعة ~~الله تعالى. # وقال مجاهد, والضحاك, والكلبي: هي صراط يضرب على جهنم كحد السيف, ~~مسيرة ثلاثة آلاف سنة سهلا وصعودا وهبوطا، وإن بجنبتيه كلاليب وخطاطيف ~~كأنها شوك السعدان، فناج مسلم، وناج مخدوش، ومكردس في النار منكوس، فمن ~~الناس من يمر كالبرق الخاطف، ومنهم من يمر كالريح العاصف، ومنهم من ~~يمر كالفارس، ومنهم من يمر عليه كالرجل يعدو، ومنهم من يمر كالرجل يسير، ~~ومنهم من يزحف زحفا، ومنهم الزالون، ومنهم من يكردس في النار. # قال ابن زيد: يقول فهلا سلك الطريق التي فيها النجاة. ثم بين ما هي ~~فقال: # { ومآ أدراك ما العقبة } ، ما اقتحام العقبة، قال سفيان بن ~~عيينة: كل شيء، قال: " وما أدراك " فإنه ms2478 أخبر به، وما قال: " وما يدريك " ~~فإنه لم يخبر به. # { فك رقبة * أو إطعام } ، قرأ ابن كثير, وأبو عمرو, ~~والكسائي: " فك " بفتح الكاف، " رقبة " نصب، " أو أطعم " بفتح ~~الهمزة والميم على الماضي، وقرأ الآخرون " فك " برفع الكاف، " رقبة " ~~جرا، " أو إطعام " بكسر الهمزة, فألف بعد العين, ورفع الميم منونة على ~~المصدر. # وأراد بفك الرقبة إعتاقها وإطلاقها، ومن أعتق رقبة كانت الرقبة فداءه من ~~النار. # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان, ~~حدثنا أبو جعفر ابن محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني, حدثنا حميد بن ~~زنجويه, حدثنا عبد الله بن صالح, حدثني الليث بن سعد, حدثني ابن الهاد ~~عن عمر بن علي بن حسين, عن سعيد بن مرجانة قال: سمعته يحدث عن أبي هريرة ~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منه عضوا من النار، حتى يعتق ~~فرجه بفرجه ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أبو منصور السمعاني, أخبرنا أبو جعفر ~~الرياني, حدثنا حميد بن زنجويه, حدثنا محمد بن كثير العبدي, حدثنا عيسى ~~بن عبد الرحمن السلمي, عن طلحة بن مصرف اليامي, عن عبد الرحمن بن ~~عوسجة عن البراء بن عازب قال: # " جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ~~علمني عملا يدخلني الجنة، قال: " لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت ~~المسألة، أعتق النسمة وفك الرقبة " , قال: قلت: أوليسا واحدا؟ ~~قال: " لا, عتق النسمة: أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة: أن تعين في ~~ثمنها، والمنحة الوكوف، وأنفق على ذي الرحم الظالم، فإن لم تطق ~~ذلك فأطعم الجائع واسق الظمآن، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، فإن لم تطق ~~ذلك فكف لسانك إلا من خير ". # وقال عكرمة قوله: { فك رقبة } ، يعني فك رقبة من الذنوب بالتوبة ~~{ أو إطعام في يوم ذي مسغبة } ، مجاعة، يقال: سغب ~~يسغب سغبا إذا جاع. ### || [90.15-20] # { يتيما ذا مقربة } ، أي ذا قرابة, يريد يتيما بينك وبينه ~~قرابة. # { أو مسكينا ذا ms2479 متربة } ، قد لصق بالتراب من فقره وضره. ~~وقال مجاهد عن ابن عباس: هو المطروح في التراب لا يقيه شيء، و " المتربة ~~" مصدر ترب يترب تربا ومتربة إذا افتقر. # { ثم كان من الذين ءامنوا } ، بين أن هذا القرب إنما ~~تنفع مع الإيمان، وقيل: " ثم " بمعنى الواو، { وتواصوا } ، أوصى ~~بعضهم بعضا، { بالصبر } ، على فرائض الله وأوامره، { وتواصوا ~~بالمرحمة } ، برحمة الناس. # { أولئك أصحاب الميمنة * والذين كفروا ~~بآياتنا هم أصحاب المشأمة * عليهم نار ~~مؤصدة } مطبقة عليهم أبوابها, لا يدخل فيها روح ولا يخرج منها ~~غم. # قرأ أبو عمرو, وحمزة, وحفص: بالهمزة ها هنا، وفي الهمزة, وقرأ ~~الآخرون بلا همز, وهما لغتان، يقال: آصدت الباب وأوصدته, إذا أغلقته ~~وأطبقته، وقيل: معنى الهمز المطبقة وغير الهمزة المغلقة. ### | [91 - سورة الشمس] ### || [91.1-6] # { والشمس وضحها } , قال مجاهد والكلبي: ضوؤها، والضحى: حين ~~تطلع الشمس، فيصفو ضوؤها. قال قتادة: هو النهار كله. وقال مقاتل: حرها، ~~كقوله في طه " ولا تضحى " ، يعني لا يؤذيك الحر. # { والقمر إذا تلها } ، تبعها, وذلك في النصف الأول من الشهر, ~~إذا غربت الشمس تلاها القمر في الإضاءة وخلفها في النور. وقال الزجاج: ~~وذلك حين استدار, يعني كمل ضوؤه فصار تابعا للشمس في الإنارة وذلك في ~~الليالي البيض. # { والنهار إذا جلها } ، يعني إذا جلى الظلمة, كناية عن ~~غير مذكور لكونه معروفا. # { واليل إذا يغشها } ، يعني يغشى الشمس حين تغيب فتظلم ~~الآفاق. # { والسمآء وما بنها } ، قال الكلبي: ومن بناها, وخلقها ~~كقوله: # فانكحوا ما طاب لكم من النسآء # [النساء: 3] أي من طاب. # قال عطاء: والذي بناها، وقال الفراء والزجاج: " ما " بمعنى المصدر، ~~أي وبنائها كقوله: # بما غفر لى ربي # [يس: 27]. # { والأرض وما طحها } ، بسطها. ### || [91.7-8] # { ونفس وما سواها } ، عدل خلقها وسوى أعضاءها. قال عطاء: ~~يريد جميع ما خلق من الجن والإنس. # { فألهمها فجورها وتقواها } ، قال ابن عباس في رواية علي ~~بن أبي طلحة: بين لها الخير والشر. وقال في رواية عطية: علمها الطاعة ~~والمعصية. وروى الكلبي عن أبي صالح عنه: عرفها ما تأتي وما تتقي من ~~الشر. # وقال سعيد ms2480 بن جبير: ألزمها فجورها وتقواها. قال ابن زيد: جعل فيها ذلك, ~~يعني بتوفيقه إياها للتقوى، وخذلانه إياها للفجور. واختار الزجاج هذا، ~~وحمل الإلهام على التوفيق والخذلان، وهذا يبين أن الله عز وجل خلق في ~~المؤمن التقوى وفي الكافر الفجور. # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي, أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم ~~الثعلبي, أخبرني الحسين بن محمد بن الحسين بن عبد الله, حدثنا موسى بن ~~محمد بن علي بن عبد الله أخبرنا عبد الله بن محمد بن سفيان, حدثنا مسلم ~~بن إبراهيم, أخبرنا عروة بن ثابت الأنصاري، حدثنا يحيى بن عقيل, عن يحيى ~~بن يعمر, عن الأسود الديلي قال: قال لي عمران بن حصين: أرأيت ما ~~يعمل الناس ويتكادحون فيه أشيء قضي عليهم ومضى فيهم من قدر سبق؟ ~~أو فيما يستقبلون به مما آتاهم به نبيهم وأكدت عليهم ~~الحجة؟ قلت: بل شيء قد قضي عليهم، قال: فهل يكون ذلك ظلما؟ قال: ~~ففزعت منه فزعا شديدا، وقلت: إنه ليس شيء إلا وهو خلقه وملك ~~يده لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، فقال لي: سددك الله, إنما سألتك ~~لأختبر عقلك # " إن رجلا من جهينة أو مزينة أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا ~~رسول الله أرأيت ما يعمل الناس ويتكادحون فيه أشيء قضي عليهم ومضى ~~فيهم من قدر سبق؟ أو فيما يستقبلون به مما أتاهم نبيهم وأكدت ~~به عليهم الحجة؟ فقال: " لا بل شيء قد قضي عليهم ومضى فيهم " , قال قلت: ~~ففيم العمل إذا؟ قال: من كان الله خلقه لإحدى المنزلتين يهيئه الله ~~لها، وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: { ونفس وما سواها * ~~فألهمها فجورها وتقواها } ". # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي, أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي ~~شريح, أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي, حدثنا ~~علي بن الجعد, حدثنا زهير بن معاوية عن أبي الزبير, عن جابر قال: # " جاء سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله بين لنا ديننا ~~كأنا خلقنا الآن، أرأيت ms2481 عمرتنا هذه ألعامنا هذا أم للأبد؟ قال: بل ~~للأبد، قال: يا رسول الله بين لنا ديننا كأننا خلقنا الآن فيم العمل ~~اليوم فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير؟ أو فيما يستقبل؟ قال: ~~" لا بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير " , قال: ففيم العمل؟ ~~فقال زهير: فقال كلمة خفيت علي، فسألت عنها نسبتي بعد، فذكر أنه سمعها، ~~فقال: " اعملوا فإن كلا ميسر لما خلق له ". ### || [91.9-11] # { قد أفلح من زكها } ، وهذا موضع القسم, أي فازت وسعدت ~~نفس زكاها الله، أي أصلحها وطهرها من الذنوب ووفقها للطاعة. # { وقد خاب من دسها } ، أي خابت وخسرت نفس أضلها الله ~~فأفسدها. # وقال الحسن: معناه قد أفلح من زكى نفسه فأصلحها وحملها على طاعة الله ~~عز وجل، { وقد خاب من دسها } أهلكها وأضلها وحملها على ~~المعصية، فجعل الفعل للنفس. # و " دساها " أصله: دسسها من التدسيس، وهو إخفاء الشيء، فأبدلت السين ~~الثانية ياء، والمعنى ها هنا: أخملها وأخفى محلها بالكفر والمعصية. # أخبرنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني, أخبرنا أبو محمد محمد بن علي بن ~~محمد بن شريك الشافعي, أخبرنا عبد الله بن محمد بن مسلم أبو بكر ~~الجوربذي, حدثنا أحمد بن حرب, حدثنا أبو معاوية عن عاصم, عن أبي عثمان ~~وعبد الله بن الحارث, عن زيد بن أرقم قال: لا أقول لكم إلا ما قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لنا: # " اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والبخل والجبن والهم وعذاب ~~القبر، اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها, أنت وليها ~~ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع, ومن نفس لا تشبع, ومن قلب لا ~~يخشع، ومن دعوة لا يستجاب لها ". # قوله عز وجل: { كذبت ثمود بطغواهآ } ، بطغيانها ~~وعدوانها, أي الطغيان حملهم على التكذيب. ### || [91.12-15] # { إذ انبعث أشقها } ، أي قام، والانبعاث: هو الإسراع في ~~الطاعة للباعث، أي: كذبوا بالعذاب, وكذبوا صالحا لما انبعث أشقاها ~~وهو: قدار بن سالف، وكان أشقر أزرق العينين قصيرا قام لعقر الناقة. # أخبرنا عبد ms2482 الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا ~~محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل أخبرنا موسى بن إسماعيل, حدثنا ~~وهيب, حدثنا هشام عن أبيه أنه أخبره عبد الله بن زمعة أنه سمع النبي صلى ~~الله عليه وسلم يخطب وذكر الناقة والذي عقرها فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " { إذا انبعث أشقاها } ، انبعث لها رجل عزيز عارم منيع في أهله مثل أبي ~~زمعة ". # { فقال لهم رسول الله } ، صالح عليه السلام, { ناقة ~~الله } ، أي احذروا عقر ناقة الله. وقال الزجاج: منصوب على معنى: ذروا ~~ناقة الله، { وسقيها } ، شربها, أي: ذروا ناقة الله وذروا شربها ~~من الماء، فلا تتعرضوا للماء يوم شربها. # { فكذبوه } ، يعني صالحا، { فعقروها } ، يعني الناقة. # { فدمدم عليهم ربهم } ، قال عطاء ومقاتل: فدمر عليهم ربهم ~~فأهلكهم. قال المؤرج: الدمدمة إهلاك باستئصال. { بذنبهم } ، ~~بتكذيبهم الرسول وعقرهم الناقة، { فسوها } ، فسوى الدمدمة عليهم ~~جميعا، وعمهم بها فلم يفلت منهم أحد. وقال الفراء: سوى الأمة ~~وأنزل العذاب بصغيرها وكبيرها، يعني سوى بينهم. # { ولا يخاف عقبها } ، قرأ أهل المدينة والشام: " فلا " ~~بالفاء وكذلك في مصاحفهم، وقرأ الباقون بالواو, وهكذا في مصاحفهم { ~~عقبها } عاقبتها. # قال الحسن: معناه: لا يخاف الله من أحد تبعة في إهلاكهم. وهي رواية علي ~~بن أبي طلحة عن ابن عباس. # وقال الضحاك, والسدي والكلبي: هو راجع إلى العاقر, وفي الكلام ~~تقديم وتأخير, وتقديره: إذا انبعث أشقاها ولا يخاف عقباها. ### | [92 - سورة الليل] ### || [92.1-6] # { والليل إذا يغشى } ، أي يغشى النهار بظلمة فيذهب بضوئه. # { والنهار إذا تجلى } ، بان وظهر من بين الظلمة. # { وما خلق الذكر والأنثى } ، يعني: ومن خلق، قيل: هي " ما ~~" المصدرية أي: وخلق الذكر والأنثى, قال مقاتل والكلبي: يعني آدم وحواء. ~~وفي قراءة ابن مسعود, وأبي الدرداء: والذكر والأنثى وجواب القسم قوله: # { إن سعيكم لشتى } ، إن أعمالكم لمختلفة, فساع في فكاك ~~نفسه, وساع في عطبها. # روى أبو مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها ". # { فأما من أعطى } ، ماله في ms2483 سبيل الله، { واتقى } ، ربه. # { وصدق بالحسنى } ، قال أبو عبد الرحمن والضحاك: وصدق بلا ~~إله إلا الله، وهي رواية عطية عن ابن عباس. # وقال مجاهد: بالجنة, دليله: قوله تعالى: { للذين أحسنوا ~~الحسنى } يعني الجنة. # وقيل: " صدق بالحسنى ": أي بالخلف، أي أيقن أن الله تعالى سيخلفه. وهي ~~رواية عكرمة عن ابن عباس. # وقال قتادة ومقاتل والكلبي: بموعود الله عز وجل الذي وعده أن يثيبه. ### || [92.7-10] # { فسنيسره } ، فسنهيئه في الدنيا، { لليسرى } ، أي ~~للخلة اليسرى, وهي العمل بما يرضاه الله عز وجل. # { وأما من بخل } ، بالنفقة في الخير، { واستغنى } ، عن ~~ثواب الله فلم يرغب فيه { وكذب بالحسنى * فسنيسره ~~للعسرى } ، سنهيئه للشر بأن نجزيه على يديه حتى يعمل بما لا يرضي ~~الله، فيستوجب به النار. قال مقاتل: نعسر عليه أن يأتي خيرا. # وروينا عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من نفس منفوسة إلا كتب الله مكانها من الجنة أو النار، فقال رجل: ~~أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: " لا ولكن اعملوا فكل ميسر لما ~~خلق له، أما أهل الشقاء فييسرون لعمل أهل الشقاء، وأما أهل السعادة ~~فييسرون لعمل أهل السعادة " , ثم تلا: { فأما من أعطى ~~واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى * ~~وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * ~~فسنيسره للعسرى } ". # قيل: نزلت في أبي بكر الصديق اشترى بلالا من أمية بن خلف ببردة وعشرة ~~أواق، فأعتقه فأنزل الله تعالى: { والليل إذا يغشى } إلى ~~قوله: { إن سعيكم لشتى } يعني: سعي أبي بكر وأمية. # وروى علي بن حجر عن إسحاق عن أبي نجيح عن عطاء، قال: # " كان لرجل من الأنصار نخلة وكان له جار يسقط من بلحها في دار جاره، ~~وكان صبيانه يتناولون منه, فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~له النبي صلى الله عليه وسلم: " بعنيها بنخلة في الجنة " فأبى, فخرج ~~فلقيه أبو الدحداح، فقال له: هل لك أن تبيعها بحش البستان، يعني حائطا ~~له، فقال له: هي لك, فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ~~أتشتريها ms2484 مني بنخلة في الجنة؟ قال: " نعم " قال: هي لك، فدعا النبي صلى ~~الله عليه وسلم جار الأنصاري فقال: " خذها ". فأنزل الله تعالى: { ~~والليل إذا يغشى } إلى قوله: { إن سعيكم لشتى } ~~" # سعى أبي الدحداح والأنصاري صاحب النخلة. # { فأما من أعطى واتقى } ، يعني أبا الدحداح، { وصدق ~~بالحسنى } الثواب { فسنيسره لليسرى } يعني الجنة، { ~~وأما من بخل واستغنى } يعني الأنصاري، { وكذب ~~بالحسنى } يعني الثواب، { فسنيسره للعسرى } ، يعني ~~النار. ### || [92.11-17] # { وما يغني عنه ماله } ، الذي بخل به، { إذا تردى } ، ~~قال مجاهد: إذا مات. وقال قتادة وأبو صالح: هوى في جهنم. # { إن علينا للهدى } ، يعني البيان. قال الزجاج: علينا أن ~~نبين طريق الهدى من طريق الضلال، وهو قول قتادة: قال: على الله بيان ~~حلاله وحرامه. # قال الفراء: يعني من سلك الهدى فعلى الله سبيله، كقوله تعالى: # وعلى الله قصد السبيل # [النحل: 9] يقول: من أراد الله فهو على السبيل القاصد. # وقيل معناه: إن علينا للهدى والإضلال كقوله: # بيدك الخير # [آل عمران: 26]. فاقتصر على الهدى لدلالة الكلام عليه كقوله: # سرابيل تقيكم الحر # [النحل: 81], فاقتصر على ذكر الحر ولم يذكر البرد لأنه يدل عليه. # { وإن لنا للأخرة والأولى } ، فمن طلبهما من غير مالكهما ~~فقد أخطأ الطريق. # { فأنذرتكم } ، يا أهل مكة، { نارا تلظى } ، أي: تتلظى, ~~يعني تتوقد وتتوهج. # { لا يصلهآ إلا الأشقى * الذي كذب } الرسول، { ~~وتولى } ، عن الإيمان. # { وسيجنبها الأتقى } ، يريد بالأشقى الشقي، وبالأتقى التقي. ### || [92.18-21] # { الذي يؤتي ماله } ، يعطي ماله، { يتزكى } ، يطلب أن يكون عند ~~الله زاكيا لا رياء ولا سمعة، يعني أبا بكر الصديق، في قول الجميع. # قال ابن الزبير: كان أبو بكر يبتاع الضعفة فيعتقهم، فقال أبوه: أي ~~بني لو كنت تبتاع من يمنع ظهرك؟ قال: منع ظهري أريد، فنزل: { ~~وسيجنبها الأتقى } إلى آخر السورة. # وذكر محمد بن إسحاق قال: كان بلال لبعض بني جمح وهو بلال بن رباح واسم ~~أمه حمامة، وكان صادق الإسلام طاهر القلب، وكان أمية بن خلف يخرجه إذا ~~حميت الظهيرة فيطرحه على ظهره ببطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع ~~على صدره، ms2485 ثم يقول له: لا تزال هكذا حتى تموت، أو تكفر بمحمد، فيقول وهو ~~في ذلك البلاء: أحد أحد. # قال محمد بن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه قال: مر به أبو بكر يوما ~~وهم يصنعون به ذلك، وكانت دار أبي بكر في بني جمح، فقال لأمية ألا تتقي ~~الله تعالى في هذا المسكين؟ قال: أنت أفسدته فأنقذه مما ترى، قال أبو ~~بكر: أفعل! عندي غلام أسود أجلد منه وأقوى، على دينك، أعطيك؟ قال: قد ~~فعلت فأعطاه أبو بكر غلامه وأخذه فأعتقه، ثم أعتق معه على الإسلام قبل أن ~~يهاجر ست رقاب، بلال سابعهم، عامر بن فهيرة شهد بدرا وأحدا، وقتل يوم ~~بئر معونة شهيدا، وأم عميس، وزنيرة فأصيب بصرها حين أعتقها، فقالت ~~قريش: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى، فقالت: كذبوا وبيت الله ما تضر ~~اللات والعزى، وما تنفعان فرد الله إليها بصرها، وأعتق النهدية وابنتها، ~~وكانتا لامرأة من بني عبد الدار فمر بهما وقد بعثتهما سيدتهما تحطبان ~~لها وهي تقول والله لا أعتقكما أبدا، فقال أبو بكر: خلا يا أم فلان، ~~فقالت: خلا, أنت أفسدتهما فأعتقهما، قال: أبو بكر رضي الله عنه فبكم؟ ~~قالت: بكذا وكذا، قال: قد أخذتهما وهما حرتان، ومر بجارية بني المؤمل وهي ~~تعذب فابتاعها فأعتقها. # وقال سعيد بن المسيب: بلغني أن أمية بن خلف قال لأبي بكر في بلال حين ~~قال: أتبيعه؟ قال: نعم أبيعه بنسطاس، عبد لأبي بكر, صاحب عشرة آلاف ~~دينار، وغلمان وجوار ومواش، وكان مشركا حمله أبو بكر على الإسلام على أن ~~يكون ماله له، فأبى فأبغضه أبو بكر، فلما قال له أمية: أبيعه بغلامك ~~نسطاس اغتنمه أبو بكر وباعه منه، فقال المشركون: ما فعل ذلك أبو بكر إلا ~~ليد كانت لبلال عنده. فأنزل الله: # { وما لأحد عنده من نعمة تجزى } ، أي يجازيه ويكافئه ~~عليها. { إلا } ، لكن { ابتغآء وجه ربه الأعلى } ، يعني: ~~لا يفعل ذلك مجازاة لأحد بيد له عنده، ولكنه يفعله ابتغاء وجه ربه ~~الأعلى وطلب رضاه. # { ولسوف يرضى } ، بما ms2486 يعطيه الله عز وجل في الآخرة من الجنة ~~والكرامة جزاء على ما فعل. ### | [93 - سورة الضحى] ### || [93.1-3] # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا ~~محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا أحمد بن يونس, حدثنا زهير, ~~حدثنا الأسود بن قيس قال: سمعت جندب ابن سفيان قال: اشتكى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فلم يقم ليلتين أو ثلاثا فجاءت امرأة فقالت: يا محمد إني ~~لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك, لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث، فأنزل ~~الله عز وجل: { والضحى * والليل إذا سجى * ما ~~ودعك ربك وما قلى }. # وقيل: إن المرأة التي قالت ذلك أم جميل امرأة أبي لهب. # وقال المفسرون: سألت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذي ~~القرنين وأصحاب الكهف وعن الروح؟ فقال: سأخبركم غدا, ولم يقل: إن شاء ~~الله، فاحتبس عنه الوحي. # وقال زيد بن أسلم: كان سبب احتباس جبريل عليه السلام عنه كون جرو في ~~بيته، فلما نزل عاتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم على إبطائه، فقال: ~~إنا لا ندخل بيتا فيه كلب أو صورة. # واختلفوا في مدة احتباس الوحي عنه، فقال ابن جريج: اثنا عشر يوما. وقال ~~ابن عباس: خمسة عشر يوما. وقال مقاتل: أربعون يوما. # قالوا: فقال المشركون: إن محمدا ودعه ربه وقلاه، فأنزل الله تعالى هذه ~~السورة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " " يا جبريل ما جئت حتى اشتقت إليك " ، فقال جبريل: " إني كنت أشد ~~شوقا إليك، ولكني عبد مأمور " ، فأنزل: { وما نتنزل إلا ~~بأمر ربك } [مريم: 64] ". # قوله عز وجل: { والضحى } ، أقسم بالضحى وأراد به النهار كله، ~~بدليل أنه قابله بالليل فقال والليل إذا سجى، نظيره: قوله: # أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى # [الأعراف: 98]، أي نهارا. # وقال قتادة ومقاتل: يعني وقت الضحى، وهي الساعة التي فيها ارتفاع الشمس، ~~واعتدال النهار في الحر والبرد والصيف والشتاء. # { واليل إذا سجى } ، قال الحسن: أقبل بظلامه، وهي رواية ~~العوفي عن ابن عباس: وقال الوالبي عنه: ms2487 إذا ذهب، قال عطاء والضحاك: غطى ~~كل شيء بالظلمة. وقال مجاهد: استوى. وقال قتادة وابن زيد: سكن واستقر ~~ظلامه فلا يزداد بعد ذلك. يقال: ليل ساج وبحر ساج إذا كان ساكنا. قوله ~~تعالى: { ما ودعك ربك وما قلى } ، هذا جواب القسم, أي ما ~~تركك منذ اختارك ولا أبغضك منذ أحبك. ### || [93.4] # { وللأخرة خير لك من الأولى } , حدثنا المطهر بن علي ~~الفارسي, أخبرنا محمد بن إبراهيم الصالحاني, أخبرنا عبد الله بن محمد بن ~~جعفر أبو الشيخ الحافظ, أخبرنا ابن أبي عاصم, أخبرنا أبو بكر بن أبي ~~شيبة, أخبرنا معاوية بن هشام عن علي بن صالح عن يزيد بن زياد عن إبراهيم ~~عن علقمة عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا ". ### || [93.5-6] # { ولسوف يعطيك ربك فترضى } ، قال عطاء عن ابن عباس: ~~هو الشفاعة في أمته حتى يرضى، وهو قول علي والحسن. # وروينا عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " اللهم أمتي أمتي وبكى، فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمد فقل له إنا ~~سنرضيك في أمتك، ولا نسوءك فيهم ". # وقال حرب بن شريح: سمعت أبا جعفر محمد بن علي يقول: إنكم معشر أهل ~~العراق تقولون: أرجى آية في القرآن: { قل يعبادى الذين ~~أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله } ~~، وإنا أهل البيت نقول أرجى آية في كتاب الله { ولسوف يعطيك ~~ربك فترضى } من الثواب. وقيل: من النصر والتمكين وكثرة ~~المؤمنين، { فترضى }. # ثم أخبره الله عز وجل عن حالته التي كان عليها قبل الوحي، وذكره ~~نعمه فقال جل ذكره: # { ألم يجدك يتيما فآوى } , أخبرنا أبو سعيد أحمد بن ~~إبراهيم الشريحي, أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي ~~فقال: أنبأني عبد الله بن حامد الأصفهاني, أخبرنا محمد بن عبد الله ~~النيسابوري, حدثنا محمد بن عيسى أخبرنا أبو عمرو الجويني وأبو الربيع ~~الزهراني قالا: حدثنا حماد ابن زيد عن عطاء بن السائب ms2488 عن سعيد بن جبير عن ~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " سألت ربي مسألة وودت إني لم أكن سألته، قلت: يا رب إنك آتيت سليمان ~~بن داود ملكا عظيما، وآتيت فلانا كذا وآتيت فلانا كذا؟ قال: يا محمد ~~ألم أجدك يتيما فآويتك؟ قلت: بلى أي رب، قال: ألم أجدك ضالا ~~فهديتك؟ قلت: بلى أي رب، قال: ألم أجدك عائلا فأغنيتك؟ قلت: بلى ~~أي رب ". # وزاد غيره عن حماد قال: # " ألم أشرح لك صدرك ووضعت عنك وزرك؟ قلت: بلى أي رب ". # ومعنى الآية: ألم يجدك يتيما صغيرا فقيرا حين مات أبواك ولم يخلفا ~~لك مالا ولا مأوى، فجعلت لك مأوى تأوي إليه، وضمك إلى عمك أبي طالب ~~حتى أحسن تربيتك وكفاك المؤنة. ### || [93.7-9] # { ووجدك ضآلا } ، يعني ضالا عما أنت عليه { فهدى } أي: ~~فهداك للتوحيد والنبوة. # قال الحسن والضحاك وابن كيسان: { ووجدك ضآلا } عن معالم النبوة ~~وأحكام الشريعة غافلا عنها، فهداك إليها، كما قال: # وإن كنت من قبله لمن الغفلين # [يوسف: 3] وقال: # ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان # [الشورى: 52]. # وقيل: ضالا في شعاب مكة فهداك إلى جدك عبد المطلب. وروى أبو الضحى عن ~~ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ضل في شعاب مكة وهو صبي صغير، ~~فرآه أبو جهل منصرفا عن أغنامه فرده إلى عبد المطلب. # وقال سعيد بن المسيب: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عمه أبي طالب ~~في قافلة ميسرة غلام خديجة فبينما هو راكب ذات ليلة ظلماء ناقة إذ جاء ~~إبليس فأخذ بزمام الناقة فعدل به عن الطريق، فجاء جبريل فنفخ إبليس نفخة ~~وقع منها إلى أرض الحبشة، ورده إلى القافلة فمن الله عليه بذلك. وقيل: ~~وجدك ضالا ضال نفسك لا تدري من أنت، فعرفك نفسك وحالك. # { ووجدك عآئلا فأغنى } ، أي فقيرا فأغناك بمال خديجة ثم ~~بالغنائم. # وقال مقاتل: فأرضاك بما أعطاك من الرزق. واختاره الفراء. وقال: لم ~~يكن غنيا عن كثرة المال ولكن الله ms2489 أرضاه بما آتاه وذلك حقيقة الغنى. # أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي أنبأنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش ~~الزيادي, أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان, حدثنا أحمد بن يوسف ~~السلمي, حدثنا عبد الرزاق أنا معمر عن همام بن منبه أنه قال أخبرنا أبو ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الحسين ~~الزغرتاني, أخبرنا أحمد بن سعيد أخبرنا أبو يحيى محمد بن عبد الله, حدثنا ~~أبي, حدثني شرحبيل بن شريك عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن ~~عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " قد أفلح من أسلم، ورزق كفافا، وقنعه الله بما آتاه ". # ثم أوصاه باليتامى والفقراء. فقال: # { فأما اليتيم فلا تقهر } ، قال مجاهد: لا تحقر اليتيم ~~فقد كنت يتيما. وقال الفراء والزجاج: لا تقهره على ماله فتذهب بحقه ~~لضعفه، وكذا كانت العرب تفعل في أمر اليتامى، تأخذ أموالهم وتظلمهم ~~حقوقهم. # أخبرنا أبو بكر محمد عبد الله بن أبي توبة, أخبرنا أبو طاهر محمد بن ~~أحمد بن الحارث, أخبرنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي, أخبرنا عبد ~~الله بن محمود, أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن الخلال, حدثنا عبد الله بن ~~المبارك عن سعيد بن أبي أيوب عن يحيى بن سليمان عن زيد بن أبي عتاب عن ~~أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " «خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في ~~المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه» ثم قال بأصبعه: «أنا وكافل اليتيم في ~~الجنة هكذا وهو يشير بأصبعيه السبابة والوسطى» ". ### || [93.10-11] # { وأما السآئل فلا تنهر } ، قال المفسرون: يريد السائل ~~على الباب، يقول: لا تنهره لا تزجره إذا سألك، فقد كنت فقيرا فإما أن ~~تطعمه وإما أن ترده ردا لينا، يقال: نهره وانتهره إذا استقبله بكلام ~~يزجره. # وقال قتادة: رد السائل برحمة ولين. قال إبراهيم بن أدهم: ms2490 نعم القوم ~~السؤال يحملون زادنا إلى الآخرة. # وقال إبراهيم: السائل يريد الآخرة يجيء إلى باب أحدكم فيقول: هل توجهون ~~إلى أهليكم بشيء؟ # وروي عن الحسن في قوله: { وأما السآئل فلا تنهر } ، قال ~~طالب العلم. # { وأما بنعمة ربك فحدث } ، قال مجاهد يعني النبوة, ~~روى عنه أبو بشر واختاره الزجاج وقال: أي بلغ ما أرسلت به، وحدث بالنبوة ~~التي آتاك الله. # وقال الليث عن مجاهد: يعني القرآن وهو قول الكلبي، أمره أن يقرأ به. # وقال مقاتل: اشكر لما ذكر من النعمة عليك في هذه السورة من جبر اليتيم ~~والهدى بعد الضلالة والإغناء بعد العيلة، والتحدث بنعمة الله شكرا. # أخبرنا أبو سعيد بكر بن محمد بن محمد بن محمي البسطامي, حدثنا أبو الحسن ~~عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد بن يحيى بن سختويه, أخبرنا عبد الله بن ~~محمد بن الحسين النصر أبادي, حدثنا علي بن سعيد النسوي أخبرنا سعيد بن ~~عفير, حدثنا يحيى بن أيوب عن عمارة بن غزية عن شرحبيل مولى الأنصاري، عن ~~جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من صنع إليه معروف فليجز به, فإن لم يجد ما يجزي به فليثن عليه ~~فإنه إذا أثنى عليه فقد شكره، وإن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط ~~كان كلابس ثوبين زور ". # أخبرنا أبو سعيد الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي, أخبرنا الحسين بن ~~محمد بن الحسين, حدثنا أحمد بن محمد بن إسحاق, حدثنا أبو القاسم بن منيع, ~~حدثنا منصور بن أبي مزاحم, حدثنا وكيع عن أبي عبد الرحمن يعني القاسم بن ~~الوليد, عن الشعبي, عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول على المنبر: # " من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر ~~الله تعالى، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركه كفر، والجماعة رحمة والفرقة ~~عذاب ". # والسنة - في قراءة أهل مكة - أن يكبر من أول سورة " والضحى " على رأس كل ~~سورة حتى يختم القرآن؛ فيقول: الله أكبر. # قال ms2491 الشيخ الإمام الأجل محيي السنة ناصر الحديث قدوة الأئمة ناشر الدين ~~ركن الإسلام إمام الأئمة مفتي الشرق أبو محمد الحسين بن مسعود رحمه الله: ~~كذلك قرأته على الإمام المقرئ أبي نصر محمد بن أحمد بن علي الحامدي بمرو، ~~قال: قرأت على أبي القاسم طاهر بن علي الصيرفي، قال: قرأت على أبي بكر ~~أحمد بن الحسين بن مهران، قال: قرأت على أبي علي محمد بن أحمد بن حامد ~~الصفار المقرئ، قال: قرأت على أبي بكر محمد بن موسى الهاشمي، قال: قرأت ~~على أبي ربيعة والحسين بن محمد الحداد، وهما قرأا على أبي الحسين بن أبي ~~بزة وأخبرهما ابن أبي بزة أنه قرأ على عكرمة بن سليمان بن كثير المكي، ~~وأخبره عكرمة أنه قرأ على شبل بن عباد وإسماعيل بن قسطنطين، وأخبراه ~~أنهما قرأ على عبد الله بن كثير، وأخبرهما عبد الله بن كثير - رضي الله ~~عنهم أجمعين أنه قرأ على مجاهد، وأخبره مجاهد أنه قرأ على ابن عباس، ~~وأخبره ابن عباس أنه قرأ على أبي بن كعب. # وأخبرنا الإمام المقرئ أبو نصر محمد بن أحمد بن علي وقرأت عليه بمرو، ~~وقال: أنا الشريف أبو القاسم علي بن محمد الزيدي بالتكبير، وقرأت عليه ~~بثغر حران، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن الحسن بن زياد الموصلي المعروف ~~بالنقاش، وقرأت عليه بمدينة السلام, حدثنا أبو ربيعة محمد بن إسحاق ~~الربعي، وقرأت عليه بمكة قال: حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله ~~بن أبي بزة، وقرأت عليه قال لي: قرأته على عكرمة بن سليمان، وأخبرني أنه ~~قرأ على إسماعيل بن قسطنطين وشبل بن عباد فلما بلغت " والضحى " قالا لي: ~~كبر حتى تختم، مع خاتمة كل سورة، فإنا قرأنا على ابن كثير فأمرنا بذلك. ~~وأخبرنا أنه قرأ على مجاهد فأمره بذلك، وأخبره مجاهد أنه قرأ على ابن ~~عباس فأمره بذلك، وأخبره ابن عباس أنه قرأ على أبي بن كعب فأمره بذلك ~~وأخبره أبي أنه قرأ على النبي صلى الله عليه وسلم فأمره بذلك. # وكان ms2492 سبب التكبير أن الوحي لما احتبس قال المشركون هجره شيطانه، وودعه، ~~فاغتم النبي صلى الله عليه وسلم لذلك، فلما نزل " والضحى " كبر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فرحا بنزول الوحي، فاتخذوه سنة. ### | [94 - سورة الشرح] ### || [94.1-6] # { ألم نشرح لك صدرك } , ألم نفتح ونوسع ونلين لك قلبك ~~بالإيمان والنبوة والعلم والحكمة. # { ووضعنا عنك وزرك } ، قال الحسن, ومجاهد وقتادة, والضحاك: ~~وحططنا عنك الذي سلف منك في الجاهلية، وهو كقوله: # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر # [الفتح: 2]. # وقال الحسين بن الفضل: يعني الخطأ والسهو. وقيل: ذنوب أمتك فأضافه إليه ~~لاشتغال قلبه بهم. وقال عبد العزيز بن يحيى وأبو عبيدة: يعني خففنا عنك ~~أعباء النبوة والقيام بأمرها. # { الذي أنقض ظهرك } ، أثقل ظهرك فأوهنه حتى سمع له نقيض, ~~أي صوت. # { ورفعنا لك ذكرك } , أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي, ~~أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي, أخبرنا أبو القاسم عبد الخالق ~~بن علي المؤذن, حدثنا أبو بكر بن حبيب, حدثنا أبو إسماعيل محمد بن ~~إسماعيل, حدثنا صفوان يعني ابن صالح عبد الملك, حدثنا الوليد يعني بن ~~مسلم, حدثني عبد الله بن لهيعة عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد ~~الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم # " أنه سأل جبريل عليه السلام عن هذه الآية { ورفعنا لك ذكرك ~~}؟ قال: قال الله تعالى: " إذ ذكرت ذكرت معي ". # وعن الحسن قال: { ورفعنا لك ذكرك } إذا ذكرت ذكرت معي ~~وقال عطاء عن ابن عباس: يريد الأذان والإقامة والتشهد والخطبة على ~~المنابر، ولو أن عبدا عبد الله وصدقه في كل شيء ولم يشهد أن محمدا ~~رسول الله لم ينتفع بشيء، وكان كافرا. # وقال قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا ~~صاحب صلاة إلا ينادي أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله. # وقال الضحاك: لا تقبل صلاة إلا به ولا تجوز خطبة إلا به، وقال مجاهد: ~~ورفعنا لك ذكرك يعني بالتأذين. # وفيه يقول حسان بن ثابت: # ألم تر ms2493 أن الله أرسل عبده # ببرهانه, والله أعلى وأمجد # أغر عليه للنبوة خاتم # من الله مشهود يلوح ويشهد # وضم الإله اسم النبي مع اسمه # إذا قال في الخمس المؤذن: أشهد # وشق له من اسمه ليجله # فذو العرش محمود وهذا محمد # وقيل: رفع الله ذكره بأخذ ميثاقه على النبيين وإلزامهم الإيمان به ~~والإقرار بفضله. # ثم وعده اليسر والرخاء بعد الشدة، وذلك أنه كان بمكة في شدة, فقال الله ~~عز وجل: # { فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا } ، ~~أي مع الشدة التي أنت فيها من جهاد المشركين يسرا ورخاء بأن يظهرك ~~عليهم حتى ينقادوا للحق الذي جئتهم به, " إن مع العسر يسرا " كرره ~~لتأكيد الوعد وتعظيم الرجاء. # وقال الحسن: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أبشروا, قد جاءكم اليسر، لن يغلب عسر يسرين ". # قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: لو كان العسر في جحر لطلبه اليسر حتى ~~يدخل، إنه لن يغلب عسر يسرين. # قال المفسرون: ومعنى قوله: " لن يغلب عسر يسرين " إن الله تعالى كرر ~~العسر بلفظ المعرفة واليسر بلفظ النكرة، ومن عادة العرب إذا ذكرت ~~اسما معرفا، ثم أعادته كان الثاني هو الأول، وإذا ذكرت نكرة ثم أعادته ~~مثله صار اثنين، وإذا أعادته معرفة فالثاني هو الأول، كقولك: إذا كسبت ~~درهما أنفقت درهما، فالثاني غير الأول، وإذا قلت: إذا كسبت درهما ~~فأنفق الدرهم، فالثاني هو الأول، فالعسر في الآية مكرر بلفظ التعريف، ~~فكان عسرا واحدا، واليسر مكرر بلفظ التنكير، فكانا يسرين، فكأنه قال: ~~فإن مع العسر يسرا، إن مع ذلك العسر يسرا آخر. # وقال أبو علي الحسن بن يحيى بن نصر الجرجاني صاحب " النظم ": تكلم الناس ~~في قوله: " لن يغلب عسر يسرين " , فلم يحصل منه غير قولهم: إن العسر ~~معرفة واليسر نكرة. فوجب أن يكون عسر واحد ويسران، وهذا قول مدخول، إذا ~~قال الرجل: إن مع الفارس سيفا إن مع الفارس سيفا، فهذا لا يوجب أن يكون ~~الفارس واحد والسيف اثنين، فمجاز قوله: " لن يغلب ms2494 عسر يسرين " أن ~~الله بعث نبيه صلى الله عليه وسلم وهو مقل مخف، فكانت قريش تعيره ~~بذلك، حتى قالوا: إن كان بك طلب الغنى جمعنا لك مالا حتى تكون كأيسر أهل ~~مكة، فاغتم النبي صلى الله عليه وسلم لذلك، فظن أن قومه إنما يكذبونه ~~لفقره، فعدد الله نعمه عليه في هذه السورة، ووعده الغنى, ليسليه بذلك ~~عما خامره من الغم، فقال: { فإن مع العسر يسرا } ، مجازه: لا يحزنك ما ~~يقولون فإن مع العسر يسرا في الدنيا عاجلا، ثم أنجزه ما وعده، ~~وفتح عليه القرى العربية ووسع عليه ذات يده، حتى كان يعطي المئين من ~~الإبل, ويهب الهبات السنية، ثم ابتدأ فضلا آخر من أمر الآخرة، ~~فقال: إن مع العسر يسرا، والدليل على ابتدائه: تعريه من الفاء والواو, ~~وهذا وعد لجميع المؤمنين، ومجازه: إن مع العسر يسرا, أي: إن مع العسر في ~~الدنيا للمؤمن يسرا في الآخرة، فربما اجتمع له اليسران يسر الدنيا وهو ~~ما ذكره في الآية الأولى ويسر الآخرة، وهو ما ذكره في الآية الثانية ~~فقوله عليه السلام: # " لن يغلب عسر يسرين " # أي: لن يغلب عسر الدنيا اليسر الذي وعده للمؤمنين في الدنيا واليسر ~~الذي وعدهم في الآخرة، وإنما يغلب أحدهما, وهو يسر الدنيا، وأما يسر ~~الآخرة فدائم غير زائل, أي لا يجمعهما في الغلبة, كقوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " شهرا عيد لا ينقصان " # أي لا يجتمعان في النقصان. ### || [94.7] # { فإذا فرغت فانصب } , أي فاتعب، والنصب: التعب، قال ابن ~~عباس, وقتادة, والضحاك, ومقاتل, والكلبي: فإذا فرغت من الصلاة المكتوبة ~~فانصب إلى ربك في الدعاء وارغب إليه في المسألة يعطك. # وروى عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه قال: إذا صليت فاجتهد في الدعاء ~~والمسألة. # وقال ابن مسعود: إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل. # وقال الشعبي: إذا فرغت من التشهد فادع لدنياك وآخرتك. # وقال الحسن وزيد بن أسلم: إذا فرغت من جهاد عدوك فانصب في عبادة ربك. # وقال منصور عن مجاهد: إذا فرغت من أمر الدنيا فانصب في عبادة ms2495 ربك وصل. # وقال حيان عن الكلبي: إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب، أي: استغفر ~~لذنبك وللمؤمنين. ### || [94.8] # { وإلى ربك فارغب } , قال عطاء: تضرع إليه راهبا من النار ~~راغبا في الجنة. وقيل: فارغب إليه في جميع أحوالك. قال الزجاج: أي اجعل ~~رغبتك إلى الله وحده. ### | [95 - سورة التين] ### || [95.1-8] # { والتين والزيتون } , قال ابن عباس, والحسن, ومجاهد, ~~وإبراهيم, وعطاء بن أبي رباح, ومقاتل, والكلبي: هو تينكم هذا الذي ~~تأكلونه, وزيتونكم هذا الذي تعصرون منه الزيت. # قيل: خص التين بالقسم لأنها فاكهة مخلصة لا عجم لها، شبيهة بفواكه ~~الجنة. وخص الزيتون لكثرة منافعه, ولأنه شجرة مباركة جاء بها الحديث, وهو ~~ثمر ودهن يصلح للاصطباغ والاصطباح. # وقال عكرمة: هما جبلان. قال قتادة: " التين ": الجبل الذي عليه دمشق, و ~~" الزيتون ": الجبل الذي عليه بيت المقدس, لأنهما ينبتان التين والزيتون. # وقال الضحاك: هما مسجدان بالشام. قال ابن زيد: " التين ": مسجد دمشق, و ~~" الزيتون ": مسجد بيت المقدس. وقال محمد بن كعب: " التين " مسجد أصحاب ~~الكهف, و " الزيتون ": مسجد إيليا. # { وطور سينين } ، يعني الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه ~~السلام, وذكرنا معناه عند قوله: # وشجرة تخرج من طور سينآء # [المؤمنون: 20]. # { وهذا البلد الأمين } ، أي الآمن، يعني مكة, يأمن فيه ~~الناس في الجاهلية والإسلام، هذه كلها أقسام والمقسم عليه قوله: # { لقد خلقنا الإنسن في أحسن تقويم } ، أي: أعدل ~~قامة وأحسن صورة، وذلك أنه خلق كل حيوان منكبا على وجهه إلا الإنسان ~~خلقه مديد القامة, يتناول مأكوله بيده, مزينا بالعقل والتمييز. # { ثم رددنه أسفل سفلين } ، يريد إلى الهرم وأرذل ~~العمر، فينقص عقله ويضعف بدنه، والسافلون: هم الضعفاء والزمنى ~~والأطفال، فالشيخ الكبير أسفل من هؤلاء جميعا، " وأسفل سافلين " نكرة ~~تعم الجنس، كما تقول: فلان أكرم قائم فإذا عرفت قلت: أكرم القائمين. ~~وفي مصحف عبد الله " أسفل السافلين ". # وقال الحسن, وقتادة, ومجاهد: يعني ثم رددناه إلى النار، يعني إلى أسفل ~~السافلين، لأن جهنم بعضها أسفل من بعض. # قال أبو العالية: يعني إلى النار في شر صورة في صورة خنزير. # ثم استثنى ms2496 فقال: { إلا الذين ءامنوا } ، فإنهم لا يردون إلى ~~النار. ومن قال بالقول الأول قال: رددناه أسفل سافلين، فزالت عقولهم ~~وانقطت أعمالهم، فلا يكتب لهم حسنة إلا الذين آمنوا. { وعملوا ~~الصلحت } ، فإنه يكتب لهم بعد الهرم، والخرف، مثل الذي كانوا ~~يعملون في حال الشباب والصحة. # قال ابن عباس: هم نفر ردوا إلى أرذل العمر على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فأنزل الله تعالى عذرهم. وأخبر أن لهم أجرهم الذي عملوا قبل ~~أن تذهب عقولهم. # قال عكرمة: لم يضر هذا الشيخ كبره إذ ختم الله له بأحسن ما كان يعمل. # وروى عاصم الأحول عن عكرمة عن ابن عباس قال: { إلا الذين ~~ءامنوا وعملوا الصلحت } قال: " إلا الذين آمنوا قرؤوا ~~القرآن، وقال: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر. # { فلهم أجر غير ممنون } ، غير مقطوع, لأنه يكتب له كصالح ~~ما كان يعمل. قال الضحاك: أجر بغير عمل، ثم قال: إلزاما للحجة: # { فما يكذبك } ، أي: أمن يكذبك. وقيل: أي شيء يكذبك؟ أي يحملك ~~على الكذب, وقيل على التكذيب أيها الإنسان، { بعد } ، أي بعد هذه ~~الحجة والبرهان، { بالدين } ، بالحساب والجزاء, والمعنى: ألا تتفكر ~~في صورتك وشبابك وهرمك فتعتبر, وتقول: إن الذي فعل ذلك قادر على أن ~~يبعثني ويحاسبني، فما الذي يكذبك بالمجازاة بعد هذه الحجج؟ # { أليس الله بأحكم الحكمين } ، بأقضى القاضين، قال ~~مقاتل: أليس الله يحكم بينك وبين أهل التكذيب بك يا محمد. # وروينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من قرأ والتين والزيتون فانتهى إلى آخرها: { أليس الله ~~بأحكم الحكمين } فليقل: بلى, وأنا على ذلك من الشاهدين ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا ~~محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, أخبرنا أبو الوليد, حدثنا شعبة عن ~~عدي بن ثابت الأنصاري قال: سمعت البراء بن عازب قال: إن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان في سفر فقرأ في العشاء في إحدى الركعتين بالتين والزيتون. ### | [96 - سورة العلق] ### || [96.1-16] # { اقرأ باسم ربك الذي خلق } , أكثر المفسرين: ms2497 على أن ~~هذه السورة أول سورة نزلت من القرآن، وأول ما نزل خمس آيات من أولها إلى ~~قوله: { ما لم يعلم }. # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا ~~محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا يحيى بن بكير, حدثنا ~~الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين ~~أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا ~~الصالحة في النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم ~~حبب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه - وهو ~~التعبد - الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود ~~لذلك ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق، وهو في غار حراء, ~~فجاءه الملك فقال: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى ~~بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، قال: ~~فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، ~~فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد, ثم ~~أرسلني، فقال: { اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق ~~الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم }. فرجع بها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد، ~~فقال: زملوني زملوني فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة: ~~ما لي؟ وأخبرها الخبر، وقال: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلا، ~~والله ما يخزيك الله أبدا, إنك لتصل الرحم, وتحمل الكل, وتكسب ~~المعدوم, وتقري الضيف, وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت ~~به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى - ابن عم خديجة - وكان ~~امرأ تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العربي، فيكتب من الإنجيل ~~بالعربية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له ~~خديجة: يا ابن عم, اسمع من ابن أخيك ما يقول, فقال له ورقة: يا ابن أخي ~~ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى ms2498 الله عليه وسلم خبر ما رأى، فقال له ~~ورقة: هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا, ~~ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أو مخرجي هم؟ قال: نعم لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا ~~عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، ثم لم يمكث ~~ورقة أن توفي، وفتر الوحي. # وروى محمد بن إسماعيل هذا الحديث في موضع آخر من كتابه, عن يحيى بن ~~بكير بهذا الإسناد، وقال: حدثني عبد الله بن محمد, حدثنا عبد الرزاق, ~~أخبرنا معمر قال الزهري, فأخبرني عروة عن عائشة وذكر الحديث، وقال: { ~~اقرأ باسم ربك الذي خلق } حتى بلغ { ما لم يعلم } ~~وزاد في آخره فقال: وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا حتى يتردى من رؤوس شواهق ~~الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه منه، تبدى له جبريل ~~فقال: يا محمد، إنك رسول الله حقا، فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه, ~~فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة ~~جبل تبدى له جبريل، فقال له مثل ذلك. # أخبرنا أحمد بن عبدان, أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي, أخبرنا أحمد بن ~~محمد بن إبراهيم الثعلبي, أخبرنا عبد الله بن حامد الوراق أخبرنا مكي بن ~~عبدان, أخبرنا عبد الرحمن بن بشر, حدثنا سفيان عن محمد بن إسحاق, عن ~~الزهري عن عروة عن عائشة قالت: أول سورة نزلت قوله عز وجل: { اقرأ ~~باسم ربك }. # قال أبو عبيدة: مجازه: اقرأ اسم ربك, يعني أن الباء زائدة، والمعنى: ~~اذكر اسمه، أمر أن يبتدئ القراءة باسم الله تأديبا. # { الذي خلق } قال الكلبي: يعني الخلائق, ثم فسره فقال: # { خلق الإنسن } يعني خلق ابن آدم، { من علق } ، جمع علقة. # { اقرأ } ، كرره تأكيدا, ثم استأنف فقال: { وربك الأكرم } ~~، قال الكلبي: الحليم عن جهل العباد لا يعجل عليهم بالعقوبة. # { الذى علم بالقلم } ، يعني الخط والكتابة. # { علم الإنسن ما يعلم } ، من أنواع ms2499 الهدى والبيان. وقيل: علم ~~آدم الأسماء كلها. وقيل: الإنسان ها هنا محمد صلى الله عليه وسلم، بيانه: # وعلمك ما لم تكن تعلم # [النساء: 113]. # { كلا } ، حقا، { إن الإنسن ليطغى } ، ليتجاوز حده ~~ويستكبر على ربه. # { أن } ، لأن، { رءاه استغنى } ، أن رأى نفسه غنيا، قال ~~الكلبي: يرتفع عن منزلة إلى منزلة في اللباس والطعام وغيرهما. # وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل, كان إذا أصاب مالا زاد في ثيابه ومركبه ~~وطعامه, فذلك طغيانه. # { إن إلى ربك الرجعى } ، أي المرجع في الآخرة, " الرجعى ~~": مصدر على وزن فعلى. # { أرأيت الذي ينهى * عبدا إذا صلى } ، نزلت في أبي ~~جهل, نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر, أخبرنا عبد الغافر بن محمد, أخبرنا محمد ~~بن عيسى الجلودي, حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان, حدثنا مسلم بن الحجاج, ~~حدثنا عبد الله بن معاذ ومحمد بن عبد الأعلى القيسي, قالا: حدثنا المعتمر ~~عن أبيه, حدثني نعيم بن أبي هند, عن أبي حازم, عن أبي هريرة قال: قال أبو ~~جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى ~~لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته, ولأعفرن وجهه في التراب، ~~قال: فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، عزم ليطأ على رقبته، ~~فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقي بيديه، قال فقيل ~~له: مالك يا أبا الحكم؟ قال: إن بيني وبينه لخندقا من نار، وهولا ~~وأجنحة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا " # ، قال: فأنزل الله - لا ندري في حديث أبي هريرة أو شيء بلغه -: { كلا ~~إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى * إن إلى ~~ربك الرجعى * أرأيت الذي ينهى * عبدا إذا ~~صلى } الآيات. # ومعنى " أرأيت " ها هنا تعجيب للمخاطب، وكرر هذه اللفظة للتأكيد. # { أرءيت إن كان على الهدى } ، يعني: العبد المنهي, وهو ~~محمد صلى الله عليه وسلم. # { أو أمر بالتقوى } ، يعني بالإخلاص والتوحيد. # { أرءيت إن كذب } ، يعني أبا جهل، { وتولى } ، عن ~~الإيمان. ms2500 # وتقدير نظم الآية: أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى والمنهي على الهدى، ~~آمر بالتقوى، والناهي مكذب متول عن الإيمان، فما أعجب من هذا!. # { ألم يعلم } ، يعني أبا جهل، { بأن الله يرى } ، ذلك ~~فيجازيه به. # { كلا } ، لا يعلم ذلك، { لئن لم ينته } ، عن إيذاء نبيه صلى ~~الله عليه وسلم وتكذيبه، { لنسفعا بالناصية } ، لنأخذن ~~بناصيته فلنجرنه إلى النار، كما قال # فيؤخذ بالنواصي والأقدام # [الرحمن: 41]، يقال: سفعت بالشيء, إذا أخذته وجذبته جذبا شديدا، و " ~~الناصية ": شعر مقدم الرأس. # ثم قال على البدل: { ناصية كذبة خاطئة } ، أي صاحبها كاذب ~~خاطىء, قال ابن عباس: لما نهى أبو جهل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~الصلاة انتهره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو جهل أتنهرني يا ~~محمد لقد علمت ما بها أكثر ناديا مني؟ ثم قال: فوالله لأملأن عليك هذا ~~الوادي إن شئت خيلا جردا ورجالا مردا. ### || [96.17-19] # قال الله عز وجل: { فليدع ناديه } ، أي قومه وعشيرته، أي ~~فليستنصر بهم. # { سندع الزبانية } ، جمع زبني, مأخوذ من الزبن، وهو ~~الدفع، قال ابن عباس: يريد زبانية جهنم سموا بها لأنهم يدفعون أهل النار ~~إليها، قال الزجاج: هم الملائكة الغلاظ الشداد، قال ابن عباس: لو دعا ~~ناديه لأخذته زبانية الله. ثم قال: # { كلا } ، ليس الأمر على ما عليه أبو جهل، { لا تطعه } ، في ترك ~~الصلاة، { واسجد } ، صل لله، { واقترب } ، من الله. # أخبرنا أبو طاهر عمر بن عبد العزيز القاشاني, أخبرنا أبو عمر القاسم بن ~~جعفر الهاشمي, حدثنا أبو علي محمد بن أحمد اللؤلؤي, حدثنا أبو داود ~~سليمان بن الأشعث, حدثنا أحمد بن صالح وأحمد بن عمرو بن السراج ومحمد بن ~~سلمة قالوا: أخبرنا وهب, أخبرني عمرو بن الحارث, عن عمارة بن غزية عن ~~سمي مولى أبي بكر أنه سمع أبا صالح ذكوان يحدث عن أبي هريرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء فيها ". ### | [97 - سورة القدر] ### || [97.1-2] # { إنا أنزلناه في ليلة القدر } , يعني القرآن, ms2501 كناية ~~عن غير مذكور، أنزله جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى ~~السماء الدنيا، فوضعه في بيت العزة، ثم كان ينزل به جبريل عليه السلام ~~نجوما في عشرين سنة. ثم عجب نبيه فقال: # { ومآ أدرك ما ليلة القدر } ، سميت ليلة القدر لأنها ~~ليلة تقدير الأمور والأحكام، يقدر الله فيها أمر السنة في عباده وبلاده ~~إلى السنة المقبلة، كقوله تعالى: # فيها يفرق كل أمر حكيم # [الدخان:4]، وهو مصدر قولهم: قدر الله الشيء بالتخفيف, قدرا ~~وقدرا، كالنهر والنهر والشعر والشعر، وقدره - بالتشديد - ~~تقديرا وقدر بالتخفيف قدرا بمعنى واحد. # قيل للحسين بن الفضل: أليس قد قدر الله المقادير قبل أن يخلق السموات ~~والأرض؟ قال: بلى، قيل: فما معنى ليلة القدر؟ قال: سوق المقادير إلى ~~المواقيت، وتنفيذ القضاء المقدر. وقال الأزهري: " ليلة القدر ": أي ليلة ~~العظمة والشرف من قول الناس: لفلان عند الأمير قدر، أي جاه ومنزلة، يقال: ~~قدرت فلانا أي عظمته. قال الله تعالى: # وما قدروا الله حق قدره # [الأنعام: 91]، [الزمر: 67]، أي: ما عظموه حق تعظيمه. # وقيل: لأن العمل الصالح فيه يكون ذا قدر عند الله لكونه مقبولا. # واختلفوا في وقتها؛ فقال بعضهم: إنها كانت على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثم رفعت، وعامة الصحابة والعلماء على أنها باقية إلى يوم ~~القيامة. وروي عن عبد الله بن مكانس مولى معاوية قال: قلت لأبي هريرة: ~~زعموا أن ليلة القدر قد رفعت؟ قال: كذب من قال ذلك، قلت: هي في كل شهر ~~أستقبله؟ قال: نعم. # وقال بعضهم: هي ليلة من ليالي السنة حتى لو علق رجل طلاق امرأته وعتق ~~عبده بليلة القدر, لا يقع ما لم تمض سنة من حين حلف، يروى ذلك عن ابن ~~مسعود، قال: من يقم الحول يصبها, فبلغ ذلك عبد الله بن عمر فقال: ~~يرحم الله أبا عبد الرحمن أما إنه علم أنها في شهر رمضان، ولكن أراد أن ~~لا يتكل الناس. # والجمهور من أهل العلم على أنها في شهر رمضان. # واختلفوا في تلك الليلة؛ قال أبو ms2502 رزين العقيلي: هي أول ليلة من شهر ~~رمضان. وقال الحسن: ليلة سبع عشرة، وهي الليلة التي كانت صبيحتها وقعة ~~بدر. # والصحيح والذي عليه الأكثرون: أنها في العشر الأواخر من شهر رمضان. # أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي, أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن ~~محمد الجراحي, حدثنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي, حدثنا أبو عيسى ~~الترمذي, حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني, حدثنا عبدة بن سليمان, عن ~~هشام بن عروة, عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في العشر الأواخر من رمضان، ~~ويقول: «تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان» ". # أخبرنا أبو عثمان الضبي, أخبرنا أبو محمد الجراحي, حدثنا أبو العباس ~~محمد بن أحمد المحبوبي, حدثنا أبو عيسى, حدثنا قتيبة, حدثنا عبد الواحد ~~بن زياد, عن الحسن بن عبيد الله, عن إبراهيم, عن الأسود, عن عائشة رضي ~~الله عنها قالت: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد ~~في غيرها ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا ~~محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا علي بن عبد الله, حدثنا ~~سفيان, عن أبي يعقوب, عن أبي الضحى, عن مسروق, عن عائشة رضي الله تعالى ~~عنها قالت # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر الأواخر من رمضان شد ~~مئزره وأحيا ليله، وأيقظ أهله ". # واختلفوا في أنها في أي ليلة من العشر؟. # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا ~~محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا قتيبة بن سعيد, حدثنا ~~إسماعيل بن جعفر, حدثنا أبو سهل بن مالك, عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان ". # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي, أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي, أخبرنا عبد ~~الله بن حامد الوزان, أخبرنا مكي بن عبدان, حدثنا عبد الله بن هاشم بن ms2503 ~~حيان, حدثنا يحيى بن سعيد القطان, حدثنا عيينة بن عبد الرحمن, حدثني أبي ~~قال: ذكرت ليلة القدر عند أبي بكرة، فقال: ما أنا بطالبها بعد شيء سمعته ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في العشر الأواخر، سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: # " التمسوها في العشر الأواخر من تسع بقين أو سبع بقين أو خمس بقين أو ~~ثلاث بقين أو آخر ليلة " # فكان أبو بكرة إذا دخل رمضان يصلي كما يصلي في سائر السنة، فإذا دخل ~~العشر الأخير اجتهد. # وأخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا ~~محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا محمد بن المثنى, حدثني خالد ~~بن الحارث, حدثنا حميد, حدثنا أنس بن مالك عن عبادة بن الصامت قال: # " خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليخبرنا بليلة القدر فتلاحى رجلان من ~~المسلمين، فقال: " خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان ~~فرفعت، وعسى أن يكون خيرا لكم، فالتمسوها في التاسعة والسابعة ~~والخامسة ". # أخبرنا أبو الحسن السرخسي, أخبرنا زاهر بن أحمد, أخبرنا أبو إسحاق ~~الهاشمي, أخبرنا أبو مصعب عن مالك, عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رجالا ~~من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أروا ليلة القدر في المنام في السبع ~~الأواخر من رمضان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إني أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر فمن كان متحريها ~~فليتحرها في السبع الأواخر ". # وروي عن أبي سعيد الخدري: أنها ليلة إحدى وعشرين. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي, أخبرنا زاهر بن أحمد, أخبرنا أبو إسحاق ~~الهاشمي, أخبرنا أبو مصعب عن مالك, عن يزيد بن عبد الله بن الهاد, عن ~~محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي, عن أبي سلمة بن عبد الرحمن, عن أبي ~~سعيد الخدري أنه قال: # " كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الوسطى من رمضان، واعتكف ~~عاما حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي يخرج صبحها من ~~اعتكافه، قال: من كان سيعتكف معي فليعتكف ms2504 العشر الأواخر، وقد رأيت هذه ~~الليلة ثم أنسيتها، وقد رأيتني أسجد في صبيحتها في ماء وطين، ~~فالتمسوها في العشر الأواخر, والتمسوها في كل وتر ". # قال أبو سعيد الخدري: فمطرت السماء تلك الليلة، وكان المسجد على عريش ~~فوكف المسجد. # قال أبو سعيد: فأبصرت عيناي رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف ~~وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين. # وقال بعضهم: هي ليلة ثلاث وعشرين: # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أبو منصور السمعاني, حدثنا أبو جعفر ~~الرياني, حدثنا حميد بن زنجويه, حدثنا أحمد بن خالد الحمصي, حدثنا محمد ~~بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم, حدثني عبد الله بن أنيس عن أبيه أنه قال ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إني أكون ببادية يقال لها الوطأة، وإني بحمد الله أصلي بهم, ~~فمرني بليلة من هذا الشهر أنزلها إلى المسجد فأصليها فيه، فقال: " ~~انزل ليلة ثلاث وعشرين فصلها فيه، وإن أحببت أن تستتم آخر الشهر ~~فافعل، وإن أحببت فكف ". # قال: فكان إذا صلى العصر دخل المسجد فلم يخرج إلا من حاجة حتى يصلي ~~الصبح، فإذا صلى الصبح كانت دابته بباب المسجد. # وأخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أبو منصور السمعاني, حدثنا أبو جعفر ~~الرياني, حدثنا حميد بن زنجويه, حدثنا يعلى بن عبيد, حدثنا الأعمش عن أبي ~~صالح عن أبي هريرة قال: # " تذاكرنا ليلة القدر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كم مضى من ~~الشهر؟ فقلنا: ثنتان وعشرون وبقي سبع, فقال: " مضى اثنتان وعشرون وبقي ~~سبع، اطلبوها الليلة, الشهر تسع وعشرون ". # وقال قوم: هي ليلة سبع وعشرين، وهو قول علي وأبي وعائشة: # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أبو منصور السمعاني, حدثنا أبو جعفر ~~الرياني, حدثنا حميد بن زنجويه, حدثنا يعلى بن عبيد, حدثنا سفيان عن عاصم ~~عن زر بن حبيش قال: قلت لأبي ابن كعب: يا أبا المنذر أخبرنا عن ليلة ~~القدر، فإن ابن أم عبد يقول: من يقم الحول يصبها، فقال: رحم ~~الله أبا عبد الرحمن، أما إنه قد علم أنها ms2505 في رمضان, ولكن كره أن ~~يخبركم فتتكلوا هي - والذي أنزل القرآن على محمد صلى الله عليه ~~وسلم - ليلة سبع وعشرين، فقلنا: يا أبا المنذر أنى علمت هذا؟ قال: ~~بالآية التي أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم فحفظناها ووعينا هي والله ~~لا تنسى، قال قلنا لزر: وما الآية؟ قال: تطلع الشمس كأنها طاس ليس ~~لها شعاع. # ومن علاماتها: ما روي عن الحسن رفعه أنها ليلة بلجة سمحة لا ~~حارة ولا باردة، تطلع الشمس صبيحتها لا شعاع لها. # وفي الجملة: أبهم الله هذه الليلة على هذه الأمة ليجتهدوا في العبادة ~~ليالي رمضان طمعا في إدراكها، كما أخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة, ~~وأخفى الصلاة الوسطى في الصلوات الخمس، واسمه الأعظم في الأسماء, ورضاه ~~في الطاعات ليرغبوا في جميعها، وسخطه في المعاصي لينتهوا عن جميعها، ~~وأخفى قيام الساعة ليجتهدوا في الطاعات حذرا من قيامها. ### || [97.3] # قوله عز وجل: { ليلة القدر خير من ألف شهر } , ~~قال عطاء عن ابن عباس: # " ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من بني إسرائيل حمل السلاح ~~على عاتقه في سبيل الله ألف شهر، فعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك ~~وتمنى ذلك لأمته، فقال: يا رب جعلت أمتي أقصر الأمم أعمارا وأقلها ~~أعمالا؟ فأعطاه الله ليلة القدر, فقال: { ليلة القدر خير ~~من ألف شهر } التي حمل فيها الإسرائيلي السلاح في سبيل الله، لك ~~ولأمتك إلى يوم القيامة ". # قال المفسرون: { ليلة القدر خير من ألف شهر } ~~معناه: عمل صالح في ليلة القدر خير من عمل ألف شهر ليس فيها ليلة ~~القدر. # حدثنا أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري, إملاء, حدثنا أبو نعيم ~~الإسفراييني, أخبرنا أبو عوانة, حدثنا أبو إسماعيل, حدثنا الحميدي, حدثنا ~~سفيان, حدثنا الزهري, أخبرني أبو سلمة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ". # قال سعيد بن المسيب: من شهد المغرب والعشاء في جماعة فقد أخذ بحظه من ~~ليلة القدر. ms2506 # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي, أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي, أخبرنا أبو ~~بكر بن عبدوس المزكي, حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب, حدثنا الحسن بن ~~مكرم, حدثنا يزيد بن هارون, أخبرنا كهمس عن عبد الله بن بريدة # " أن عائشة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إن وافيت ليلة القدر فما ~~أقول؟ قال: " قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني ". ### || [97.4-5] # قوله عز وجل: { تنزل الملئكة والروح } ، يعني جبريل ~~عليه السلام معهم، { فيها } ، أي في ليلة القدر، { بإذن ربهم ~~من كل أمر } ، أي بكل أمر من الخير والبركة، كقوله: # يحفظونه من أمر الله # [الرعد: 11] أي بأمر الله. # { سلم } ، قال عطاء: يريد: سلام على أولياء الله وأهل طاعته. وقال ~~الشعبي: هو تسليم الملائكة ليلة القدر على أهل المساجد من حين تغيب الشمس ~~إلى أن يطلع الفجر. # وقال الكلبي: الملائكة ينزلون فيها كلما لقوا مؤمنا أو مؤمنة سلموا ~~عليه من ربه حتى يطلع الفجر. # وقيل: تم الكلام عند قوله: { بإذن ربهم من كل أمر } ثم ~~ابتدأ فقال: { سلم هى } ، أي: ليلة القدر سلام وخير كلها، ليس ~~فيها شر. قال الضحاك: لا يقدر الله في تلك الليلة ولا يقضي إلا ~~السلامة. # وقال مجاهد: يعني أن ليلة القدر سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها ~~سوءا، ولا أن يحدث فيها أذى. { حتى مطلع الفجر } ، أي: إلى ~~مطلع الفجر، قرأ الكسائي " مطلع " بكسر اللام، والآخرون بفتحها, وهو ~~الاختيار, بمعنى الطلوع, على المصدر، يقال: طلع الفجر طلوعا ومطلعا، ~~والكسر موضع الطلوع. ### | [98 - سورة البينة] ### || [98.1-8] # { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب } , وهم ~~اليهود النصارى، { والمشركين } ، وهم عبدة الأوثان، { منفكين ~~} منتهين عن كفرهم وشركهم, وقال أهل اللغة: زائلين منفصلين، يقال: فككت ~~الشيء فانفك أي: انفصل، { حتى تأتيهم البينة } ، لفظه ~~مستقبل ومعناه الماضي, أي: حتى أتتهم, الحجة الواضحة، يعني محمد صلى الله ~~عليه وسلم, أتاهم بالقرآن فبين لهم ضلالالتهم وجهالتهم ودعاهم إلى ~~الإيمان. فهذه الآية فيمن آمن من الفريقين، أخبر أنهم لم ينتهوا عن الكفر ~~حتى أتاهم الرسول ms2507 فدعاهم إلى الإيمان فآمنوا فأنقذهم الله من الجهل ~~والضلالة, ثم فسر البينة فقال: # { رسول من الله يتلوا } ، يقرأ، { صحفا } ، كتبا، يريد ~~ما يتضمنه الصحف من المكتوب فيها، وهو القرآن؛ لأنه كان يتلو عن ظهر قلبه ~~لا عن الكتاب، قوله: { مطهرة } ، من الباطل والكذب والزور. # { فيها } ، أي في الصحف، { كتب } ، يعني الآيات والأحكام المكتوبة ~~فيها، { قيمة } ، عادلة مستقيمة غير ذات عوج. # ثم ذكر من لم يؤمن من أهل الكتاب فقال: { وما تفرق الذين ~~أوتوا الكتب } ، في أمر محمد صلى الله عليه وسلم، { إلا من ~~بعد ما جآءتهم البينة } ، أي البيان في كتبهم أنه نبي ~~مرسل. # قال المفسرون: لم يزل أهل الكتاب مجتمعين في تصديق محمد صلى الله عليه ~~وسلم حتى بعثه الله، فلما بعث تفرقوا في أمره واختلفوا، فآمن به بعضهم, ~~وكفر آخرون. # وقال بعض أئمة اللغة: معنى قوله " منفكين " أي هالكين، من قولهم: انفك ~~صلا المرأة عند الولادة، وهو أن ينفصل فلا يلتئم فتهلك. # ومعنى الآية: لم يكونوا هالكين معذبين إلا من بعد قيام الحجة عليهم ~~بإرسال الرسول وإنزال الكتاب، والأول أصح. # ثم ذكر ما أمروا به في كتبهم فقال: # { ومآ أمروا } ، يعني هؤلاء الكفار، { إلا ليعبدوا ~~الله } يعني إلا أن يعبدوا الله { مخلصين له الدين } ، قال ~~ابن عباس: ما أمروا في التوراة والإنجيل إلا بالإخلاص في العبادة لله ~~موحدين، { حنفآء } ، مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام، { ~~ويقيموا الصلوة } ، المكتوبة في أوقاتها، { ويؤتوا ~~الزكوة } ، عند محلها، { وذلك } ، الذي أمروا به، { دين ~~القيمة } أي الملة والشريعة المستقيمة. أضاف الدين إلى القيمة وهي ~~نعته, لاختلاف اللفظين، وأنث " القيمة " ردا بها إلى الملة. # وقيل: الهاء فيه للمبالغة، وقيل: " القيمة " هي الكتب التي جرى ذكرها، ~~أي وذلك دين الكتب القيمة فيما تدعو إليه وتأمر به، كما قال: # وأنزل معهم الكتب بالحق ليحكم بين الناس ~~فيما اختلفوا فيه # [البقرة: 213]. # قال النضر بن شميل: سألت الخليل بن أحمد عن قوله { وذلك دين ~~القيمة }؟ فقال: " القيمة ": جمع القيم، والقيم والقائم ~~واحد، ومجاز الآية: وذلك دين القائمين ms2508 لله بالتوحيد. # ثم ذكر ما للفريقين فقال: { إن الذين كفروا من أهل ~~الكتب والمشركين فى نار جهنم خلدين فيهآ ~~أولئك هم شر البرية } ، قرأ نافع وابن عامر " البريئة ~~" بالهمزة في الحرفين لأنه من قولهم: برأ الله الخلق، وقرأ الآخرون ~~مشددا بغير همز, كالذرية، ترك همزها في الاستعمال. # { إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت أولئك ~~هم خير البرية * جزآؤهم عند ربهم جنت ~~عدن تجرى من تحتها الأنهر خلدين فيهآ أبدا ~~رضى الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه ~~} ، وتناهى عن المعاصي. # وقيل: الرضا ينقسم إلى قسمين: رضا به ورضا عنه، فالرضا به: ربا ~~ومدبرا، والرضا عنه: فيما يقضي ويقدر. # قال السدي رحمه الله: إذا كنت لا ترضى عن الله فكيف تسأله الرضا عنك؟ # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا ~~محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا محمد بن بشار, حدثنا غندر, ~~حدثنا شعبة قال: سمعت قتادة عن أنس بن مالك # " قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي: «إن الله تعالى أمرني أن أقرأ ~~عليك: { لم يكن الذين كفروا } قال: وسماني؟ قال: " نعم " ~~فبكى» ". # وقال همام عن قتادة: # " أمرني أن أقرأ عليك القرآن ". ### | [99 - سورة الزلزلة] ### || [99.1-4] # { إذا زلزلت الأرض } , حركت [الأرض] حركة شديدة لقيام ~~الساعة، { زلزالها } ، تحريكها. # { وأخرجت الأرض أثقالها } ، موتاها وكنوزها فتلقيها على ~~ظهرها. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر, أخبرنا عبد الغافر بن محمد, أخبرنا محمد ~~بن عيسى الجلودي, حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان, حدثنا مسلم بن الحجاج, ~~حدثنا واصل بن عبد الأعلى, حدثنا محمد بن فضل عن أبيه عن أبي حازم, عن ~~أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة، فيجيء ~~القاتل فيقول: في هذا قتلت، ويجيء القاطع فيقول: في هذا قطعت ~~رحمي، ويجيء السارق فيقول: في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون ~~منه شيئا ". # { وقال الإنسن ما لها }؟ قيل: في الآية تقديم وتأخير تقديره: ~~{ يومئذ تحدث أخبارها } ، فيقول الإنسان: ms2509 " ما لها " ، أي ~~تخبر الأرض بما عمل عليها. # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة, أخبرنا أبو طاهر محمد بن ~~أحمد بن الحارث, أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي, أخبرنا عبد الله بن ~~محمود, أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال, حدثنا عبد الله بن المبارك عن ~~سعيد بن أبي أيوب, حدثنا يحيى بن أبي سليمان عن سعيد المقبري, عن أبي ~~هريرة قال: # " قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية { يومئذ تحدث ~~أخبارها } قال: " أتدرون ما أخبارها "؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، ~~قال: " فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها، ~~أن تقول: عمل علي يوم كذا وكذا كذا وكذا، قال: فهذه أخبارها ". ### || [99.5-8] # { بأن ربك أوحى لها } ، أي: أمرها بالكلام وأذن لها بأن ~~تخبر بما عمل عليها. قال ابن عباس والقرظي: أوحى إليها. # ومجاز الآية: يوحي الله إليها، يقال: أوحى لها, وأوحى إليها ووحى ~~لها, ووحى إليها, واحد. # قوله تعالى: { يومئذ يصدر الناس } ، يرجع الناس عن موقف ~~الحساب بعد العرض، { أشتاتا } ، متفرقين فآخذ ذات اليمين إلى الجنة ~~وآخذ ذات الشمال إلى النار، كقوله: # يومئذ يتفرقون # [الروم: 14], # يومئذ يصدعون # [الروم: 43]. { ليروا أعملهم } ، قال ابن عباس: ليروا ~~جزاء أعمالهم، والمعنى أنهم يرجعون عن الموقف فرقا لينزلوا منازلهم من ~~الجنة والنار. # { فمن يعمل مثقال ذرة } ، وزن نملة صغيرة أصغر ما يكون من ~~النمل. { خيرا يره }. # { ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } قال ابن عباس: ليس ~~مؤمن ولا كافر عمل خيرا أو شرا في الدنيا إلا أراه الله إياه يوم ~~القيامة، فأما المؤمن فيرى حسناته وسيئاته فيغفر الله سيئاته ويثيبه ~~بحسناته، وأما الكافر فترد حسناته ويعذب بسيئاته. # قال محمد بن كعب في هذه الآية: { فمن يعمل مثقال ذرة ~~خيرا يره }: من كافر يرى ثوابه في الدنيا في نفسه وماله وأهل ~~وولده، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله خير، { ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره } من مؤمن من يرى عقوبته في الدنيا في ~~نفسه وماله وأهله ms2510 وولده، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله شر. # قال مقاتل: نزلت هذه الآية في رجلين, وذلك أنه لما نزل { ويطعمون ~~الطعام على حبه } كان أحدهما يأتيه السائل فيستقل أن يعطيه ~~التمرة والكسرة والجوزة ونحوها، يقول: ما هذا بشيء إنما نؤجر على ما ~~نعطي ونحن نحبه، وكان الآخر يتهاون بالذنب اليسير كالكذبة والغيبة ~~والنظرة وأشباه ذلك، ويقول: إنما وعد الله النار على الكبائر، وليس في ~~هذا إثم، فأنزل الله تعالى هذه الآية يرغبهم في القليل من الخير أن ~~يعطوه، فإنه يوشك أن يكثر، ويحذرهم اليسير من الذنب, فإنه يوشك أن ~~يكثر، فالإثم الصغير في عين صاحبه أعظم من الجبال يوم القيامة، وجميع ~~محاسنه في عينه أقل من كل شيء. # قال ابن مسعود: أحكم آية في القرآن { فمن يعمل مثقال ~~ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ~~}. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسميها الجامعة الفاذة حين سئل عن ~~زكاة الحمر فقال: # " ما أنزل علي فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذة { فمن ~~يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ~~ذرة شرا يره } ". # وتصدق عمر بن الخطاب وعائشة بحبة عنب، وقالا: فيها مثاقيل كثيرة. # وقال الربيع بن خثيم: مر رجل بالحسن وهو يقرأ هذه السورة فلما بلغ ~~آخرها قال: حسبي قد انتهت الموعظة. # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي, أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي, أخبرنا محمد ~~بن القاسم, حدثنا أبو بكر محمد عبد الله, حدثنا الحسن بن سفيان, حدثنا ~~علي بن حجر, حدثنا يزيد بن هارون, حدثنا اليمان بن المغيرة, حدثنا عطاء ~~عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " { إذا زلزلت الأرض } تعدل نصف القرآن، و { قل هو ~~الله أحد } تعدل ثلث القرآن، و { قل يأيها الكافرون } ~~تعدل ربع القرآن ". ### | [100 - سورة العاديات] ### || [100.1] # { والعاديت ضبحا } , قال ابن عباس, وعطاء ومجاهد, وعكرمة, والحسن, ~~والكلبي, وقتادة, والمقاتلان, وأبو العالية وغيرهم: هي الخيل العادية في ~~سبيل الله عز وجل تضبح، والضبح: صوت أجوافها إذا عدت. # قال ms2511 ابن عباس: وليس شيء من الحيوانات تضبح غير الفرس والكلب والثعلب، ~~وإنما تضبح هذه الحيوانات إذا تغير حالها من تعب أو فزع, وهو من قولهم: ~~ضبحته النار, إذا غيرت لونه. # وقوله: " ضبحا " نصب على المصدر، مجازه: والعاديات تضبح ضبحا. # وقال علي: هي الإبل في الحج, تعدو من عرفة إلى المزدلفة, ومن المزدلفة ~~إلى منى، وقال: إنها نزلت في وقعة بدر, كانت أول غزوة في الإسلام ~~بدرا، وما كان معنا إلا فرسان, فرس للزبير وفرس للمقداد بن الأسود، ~~فكيف تكون الخيل العاديات؟ وإلى هذا ذهب ابن مسعود, ومحمد بن كعب ~~والسدي. # وقال بعض من قال: هي الإبل: قوله " ضبحا " يعني ضباحا تمد أعناقها في ~~السير. ### || [100.2-5] # { فالموريت قدحا } , قال عكرمة, وعطاء, والضحاك, ومقاتل, ~~والكلبي: هي الخيل توري النار بحوافرها إذا سارت في الحجارة، يعني: ~~والقادحات قدحا يقدحن بحوافرهن. # وقال قتادة: هي الخيل تهيج الحرب ونار العداوة بين فرسانها. # وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: هي الخيل تغزو في سبيل الله ثم تأوي ~~بالليل إلى مأواها فيورون نارهم, ويصنعون طعامهم. # وقال مجاهد, وزيد بن أسلم: هي مكر الرجال، يعني رجال الحرب، والعرب تقول ~~إذا أراد الرجل أن يمكر بصاحبه: أما والله لأقدحن لك ثم لأورين لك. # وقال محمد بن كعب: هي النيران تجتمع. # { فالمغيرت صبحا } ، هي الخيل تغير بفرسانها على العدو عند ~~الصباح، هذا قول أكثر المفسرين. وقال القرظي: هي الإبل تدفع بركبانها يوم ~~النحر من جمع إلى منى، والسنة أن لا تدفع يركبانها يوم النحر ~~حتى تصبح، والإغارة سرعة السير، ومنه قولهم: أشرق ثبير كيما نغير. # { فأثرن به } ، أي هيجن بمكان سيرهن كناية عن غير مذكور, لأن ~~المعنى مفهوم، { نقعا } ، غبارا, والنقع: الغبار. # { فوسطن به جمعا } ، أي دخلن به وسط جمع العدو، وهم الكتيبة ~~يقال: وسطت القوم بالتخفيف، ووسطتهم, بالتشديد, وتوسطهم ~~بالتشديد, كلها بمعنى واحد. قال القرظي: هي الإبل توسط القوم يعني جمع ~~منى, هذا موضع القسم، أقسم الله بهذه الأشياء. ### || [100.6-10] # { إن الإنسن لربه لكنود } , قال ابن عباس, ومجاهد, ms2512 ~~وقتادة: " لكنود ": لكفور جحود لنعم الله تعالى. قال الكلبي: هو بلسان ~~مضر وربيعة الكفور، وبلسان كندة وحضرموت العاصي. # وقال الحسن: هو الذي يعد المصائب وينسى النعم. وقال عطاء: هو الذي لا ~~يعطي في النائبة مع قومه. # وقال أبو عبيدة: هو قليل الخير، والأرض الكنود: التي لا تنبت شيئا. # وقال الفضيل بن عياض: " الكنود " الذي أنسته الخصلة الواحدة من ~~الإساءة الخصال الكثيرة من الإحسان, و " الشكور ": الذي أنسته الخصلة ~~الواحدة من الإحسان الخصال الكثيرة من الإساءة. # { وإنه على ذلك لشهيد } ، قال أكثر المفسرين: وإن الله ~~على كونه كنودا لشاهد. وقال ابن كيسان: الهاء راجعة إلى الإنسان أي: إنه ~~شاهد على نفسه بما يصنع. # { وإنه } ، يعني الإنسان، { لحب الخير } ، أي لحب المال، { ~~لشديد } أي: لبخيل، أي إنه من أجل حب المال لبخيل. يقال للبخيل: شديد ~~ومتشدد. # وقيل: معناه وإنه لحب الخير لقوي، أي شديد الحب للخير، أي المال. # { أفلا يعلم } ،أي: أفلا يعلم هذا الإنسان، { إذا بعثر } ، ~~أي: أثير وأخرج، { ما فى القبور } من الموتى. # { وحصل ما فى الصدور } ، أي: ميز وأبرز ما فيها من خير أو ~~شر. ### || [100.11] # { إن ربهم بهم } ، جمع الكناية لأن الإنسان اسم الجنس، { ~~يومئذ لخبير } ، عالم، قال الزجاج: إن الله خبير بهم في ذلك ~~اليوم وفي غيره, ولكن المعنى أنه يجازيهم على كفرهم في ذلك اليوم. ### | [101 - سورة القارعة] ### || [101.1-7] # { القارعة } , اسم من أسماء القيامة, لأنها تقرع القلوب بالفزع. # { ما القارعة } ، تهويل وتعظيم. # { ومآ أدراك ما القارعة * يوم يكون الناس ~~كالفراش المبثوث } , هذا الفراش: الطير الصغار البق, واحدها ~~فراشة, أي: كالطير التي تراها تتهافت في النار, والمبثوث: المتفرق. وقال ~~الفراء: كغوغاء الجراد, شبه الناس عند البعث بها لأن الخلق يموج ~~بعضهم في بعض ويركب بعضهم بعضا من الهول كما قال: # كأنهم جراد منتشر # [القمر: 7]. # { وتكون الجبال كالعهن المنفوش } ، كالصوف المندوف. # { فأما من ثقلت موزينه } ، رجحت حسناته على سيئاته، { ~~فهو فى عيشة راضية } ، مرضية في الجنة. قال الزجاج ~~ذات رضا يرضاها صاحبها. ### || [101.8-11] # { وأما من خفت موزينه } ، رجحت ms2513 سيئاته على حسناته. # { فأمه هاوية } ، مسكنه النار, سمي المسكن أما لأن الأصل في ~~السكون إلى الأمهات، والهاوية اسم من أسماء جهنم، وهو المهواة لا يدرك ~~قعرها، وقال قتادة: وهي كلمة عربية تقولها العرب للرجل إذا وقع في أمر ~~شديد، يقال: هوت أمه. وقيل: " فأمه هاوية " أراد أم رأسه " منحدرة منكوسة ~~" يعني أنهم يهوون في النار على رؤوسهم، وإلى هذا التأويل ذهب قتادة وأبو ~~صالح. # { ومآ أدراك ما هيه } ، يعني الهاوية, وأصلها: ما هي، أدخل ~~الهاء فيها للوقف والاستراحة ثم فسرها فقال: # { نار حامية } ، أي حارة قد انتهى حرها. ### | [102 - سورة التكاثر] ### || [102.1-6] # { ألهاكم التكاثر } شغلتكم المباهاة والمفاخرة بكثرة المال ~~والعدد عن طاعة ربكم وما ينجيكم من سخطه. # { حتى زرتم المقابر } ، حتى متم ودفنتم في المقابر. # قال قتادة: نزلت في اليهود, قالوا: نحن أكثر من بني فلان, وبنو فلان ~~أكثر من بني فلان، شغلهم ذلك حتى ماتوا ضلالا. # وقال مقاتل والكلبي: نزلت في حيين من قريش؛ بني عبد مناف بن قصي, وبني ~~سهم بن عمرو, كان بينهم تفاخر، فتعاد السادة والأشراف أيهم أكثر عددا؟ ~~فقال بنو عبد مناف: نحن أكثر سيدا وأعز عزيزا وأعظم نفرا وأكثر عددا، ~~وقال بنو سهم مثل ذلك، فكثرهم بنو عبد مناف، ثم قالوا: نعد موتانا, حتى ~~زاروا القبور فعدوهم، فقالوا: هذا قبر فلان وهذا قبر فلان فكثرهم بنو سهم ~~بثلاثة أبيات لأنهم كانوا في الجاهلية أكثر عددا، فأنزل الله هذه الآية. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي, أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري, ~~أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي, حدثنا عبد الرحيم بن منيب, حدثنا النضر بن ~~شميل, عن قتادة عن مطرف بن عبد الله بن الشخير, عن أبيه قال: انتهيت ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية: { ألهاكم ~~التكاثر } ، قال: # " يقول ابن آدم: مالي مالي, وهل لك من مالك, إلا ما أكلت فأفنيت أو ~~لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا ~~محمد ms2514 بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا الحميدي, حدثنا سفيان, حدثنا ~~عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم أنه سمع أنس بن مالك يقول: قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يتبع الميت ثلاثة, فيرجع اثنان ويبقى معه واحد، يتبعه أهله ~~وماله وعمله, فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله ". # ثم رد الله عليهم فقال: # { كلا } ليس الأمر بالتكاثر، { سوف تعلمون } ، وعيد لهم, ثم ~~كرره تأكيدا فقال: # { ثم كلا سوف تعلمون } ، قال الحسن, ومقاتل: هو وعيد بعد ~~وعيد, والمعنى: سوف تعلمون عاقبة تكاثركم وتفاخركم إذا نزل بكم الموت. # وقال الضحاك: { كلا سوف تعلمون } , يعني الكفار، { ثم ~~كلا سوف تعلمون } يعني المؤمنين, وكان يقرأ الأولى بالياء ~~والثانية بالتاء. # { كلا لو تعلمون علم اليقين } , أي: علما يقينا, ~~فأضاف العلم إلى اليقين كقوله: { لهو حق اليقين } ، وجواب " لو ~~" محذوف, أي: لو تعلمون علما يقينا لشغلكم ما تعلمون عن التكاثر ~~والتفاخر. # قال قتادة: كنا نتحدث أن علم اليقين أن يعلم أن الله باعثه بعد الموت. # { لترون الجحيم } ، قرأ ابن عامر والكسائي " لترون " بضم ~~التاء من أريته الشيء، وقرأ الآخرون بفتح التاء, أي: ترونها بأبصاركم من ~~بعيد. ### || [102.7-8] # { ثم لترونها } ، مشاهدة، { عين اليقين }. # { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم } ، قال مقاتل: يعني ~~كفار مكة, كانوا في الدنيا في الخير والنعمة، فيسألون يوم القيامة عن ~~شكر ما كانوا فيه، ولم يشكروا رب النعيم حيث عبدوا غيره، ثم يعذبون على ~~ترك الشكر، هذا قول الحسن. # وعن ابن مسعود رفعه قال: { لتسألن يومئذ عن النعيم } ~~قال: " الأمن والصحة ". # وقال قتادة: إن الله يسأل كل ذي نعمة عما أنعم عليه: # أخبرنا أبو بكر بن أبي الهيثم الترابي, أخبرنا عبد الله بن أحمد بن ~~حمويه السرخسي, حدثنا إبراهيم بن خزيم الشاشي, حدثنا عبد بن حميد, ~~حدثنا شبابة عن عبد الله بن العلاء عن الضحاك بن عرزم الأشعري قال: سمعت ~~أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن أول ما يسأل العبد يوم القيامة من النعيم أن يقال: ms2515 ألم نصح ~~جسمك؟ ونروك من الماء البارد ". # أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني, أخبرنا أبو القاسم ~~علي بن أحمد الخزاعي, أخبرنا أبو سعيد الهيثم بن كليب الشاشي, أخبرنا أبو ~~عيسى الترمذي, أخبرنا محمد بن إسماعيل, حدثنا آدم بن أبي إياس, حدثنا ~~شيبان أبو معاوية, حدثنا عبد الملك بن عمير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن, ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: # " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ساعة لا يخرج فيها ولا يلقاه ~~فيها أحد، فأتاه أبو بكر فقال: ما جاء بك يا أبا بكر؟ فقال: خرجت لألقى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنظر إلى وجهه وللتسليم عليه، فلم يلبث أن ~~جاء عمر، فقال: ما جاء بك يا عمر؟ قال: الجوع يا رسول الله، قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: وأنا قد وجدت بعض ذلك, فانطلقوا إلى منزل أبي ~~الهيثم بن التيهان الأنصاري، وكان رجلا كثير النخل والشاء، ولم يكن ~~له خدم, فلم يجدوه, فقالوا لامرأته: أين صاحبك؟ فقالت: انطلق ليستعذب ~~لنا الماء، فلم يلبثوا أن جاء الهيثم بقربة يزعبها ماء فوضعها، ثم جاء ~~يلتزم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويفديه بأبيه وأمه، ثم انطلق بهم ~~إلى حديقته فبسط لهم بساطا، ثم انطلق إلى نخلة فجاء بقنو فوضعه، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " أفلا تنقيت لنا من رطبه وبسره " ~~فقال: يا رسول الله إني أردت أن تخيروا أو قال: أن تختاروا من رطبه ~~وبسره، فأكلوا وشربوا من ذلك الماء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة، ظل ~~بارد, ورطب طيب, وماء بارد " , فانطلق أبو الهيثم ليصنع لهم طعاما ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تذبحن ذات در " , فذبح لهم ~~عناقا أو جديا فأتاهم بها، فأكلوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~هل لك خادم؟ قال: لا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " فإذا أتانا سبي ~~فأتنا " , فأتي النبي صلى الله ms2516 عليه وسلم برأسين ليس معها ثالث، ~~فأتاه أبو الهيثم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اختر منهما " , فقال: ~~يا نبي الله اختر لي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن المستشار ~~مؤتمن، خذ هذا, فإني رأيته يصلي, واستوص به معروفا " فانطلق به أبو ~~الهيثم إلى امرأته فأخبرها بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت ~~امرأته: ما أنت ببالغ فيه ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن ~~تعتقه، قال: فهو عتيق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله تبارك ~~وتعالى لم يبعث نبيا ولا خليفة إلا وله بطانتان, بطانة تأمره بالمعروف ~~وتنهاه عن المنكر، وبطانة لا تألوه خبالا، ومن يوق بطانة السوء فقد ~~وقي ". # وروي عن ابن عباس قال: النعيم: صحة الأبدان والأسماع والأبصار, يسأل ~~الله العبيد فيم استعملوها؟ وهو أعلم بذلك منهم، وذلك قوله: # إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان ~~عنه مسؤولا # [الإسراء: 36]. # وقال عكرمة: عن الصحة والفراغ. # وقال سعيد بن جبير: عن الصحة والفراغ والمال. # أخبرنا الإمام أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي, حدثنا أبو الحسن ~~أحمد بن محمد بن موسى بن الصلت, حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد ~~الهاشمي, حدثنا الحسين بن الحسن بمكة, حدثنا عبد الله بن المبارك والفضل ~~بن موسى, قالا: حدثنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن أبيه, عن ابن عباس ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ ". # قال محمد بن كعب: يعني عما أنعم عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم. # وقال أبو العالية: عن الإسلام والسنن. وقال الحسين بن الفضل: تخفيف ~~الشرائع وتيسير القرآن. ### | [103 - سورة العصر] ### || [103.1-3] # { والعصر } ، قال ابن عباس: والدهر. قيل: أقسم به لأن فيه عبرة ~~للناظر. وقيل: معناه ورب العصر، وكذلك في أمثاله. وقال ابن كيسان: أراد ~~بالعصر الليل والنهار، يقال لهما العصران. وقال الحسن: من بعد زوال الشمس ~~إلى غروبها. وقال قتادة: آخر ساعة من ساعات النهار. وقال مقاتل: أقسم ms2517 ~~بصلاة العصر وهي الصلاة الوسطى. # { إن الإنسن لفى خسر } ، أي خسران ونقصان، قيل: أراد به ~~الكفار بدليل أنه استثنى المؤمنين، و " الخسران ": ذهاب رأس مال الإنسان ~~في هلاك نفسه وعمره بالمعاصي، وهما أكبر رأس ماله. # { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ، فإنهم ليسوا ~~في خسر، { وتواصوا } ، أوصى بعضهم بعضا، { بالحق } ، ~~بالقرآن, قاله الحسن وقتادة، وقال مقاتل: بالإيمان والتوحيد. { ~~وتواصوا بالصبر } ، على أداء الفرائض وإقامة أمر الله. وروى ~~ابن عون عن إبراهيم قال: أراد أن الإنسان إذا عمر في الدنيا وهرم, لفي ~~نقص وتراجع إلا المؤمنين, فإنهم يكتب لهم أجورهم ومحاسن أعمالهم التي ~~كانوا يعملونها في شبابهم وصحتهم، وهي مثل قوله: { لقد خلقنا ~~الإنسن فى أحسن تقويم * ثم رددنه أسفل ~~سفلين * إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات }. ### | [104 - سورة الهمزة] ### || [104.1-9] # { ويل لكل همزة لمزة } قال ابن عباس: هم المشاؤون ~~بالنميمة, المفرقون بين الأحبة, الباغون للبرآء العيب، ومعناهما واحد ~~وهو العياب. # وقال مقاتل: " الهمزة ": الذي يعيبك في الغيب, و " اللمزة ": الذي ~~يعيبك في الوجه. وقال أبو العالية والحسن بضده. # وقال سعيد بن جبير, وقتادة: " الهمزة " الذي يأكل لحوم الناس ويغتابهم، ~~واللمزة الطعان عليهم. # وقال ابن زيد: " الهمزة ": الذي يهمز الناس بيده ويضربهم، و " اللمزة ~~": الذي يلمزهم بلسانه ويعيبهم. # وقال سفيان الثوري: ويهمز بلسانه ويلمز بعينه. ومثله قال ابن كيسان: " ~~الهمزة ": الذي يؤذي جليسه بسوء اللفظ و " اللمزة ": الذي يومض بعينه ~~ويشير برأسه، ويرمز بحاجبه وهما نعتان للفاعل نحو سخرة وضحكة: للذي ~~يسخر ويضحك من الناس والهمزة واللمزة, ساكنة الميم, الذي يفعل ذلك ~~به. # وأصل الهمز: الكسر والعض على الشيء بالعنف. # واختلفوا فيمن نزلت هذه الآية؟ قال الكلبي: نزلت في الأخنس بن شريق بن ~~وهب الثقفي كان يقع في الناس ويغتابهم. # وقال محمد بن إسحاق: ما زلنا نسمع أن سورة الهمزة نزلت في أمية بن خلف ~~الجمحي. # وقال مقاتل: نزلت في الوليد بن المغيرة، كان يغتاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم من ورائه ويطعن عليه في وجهه. # وقال مجاهد: هي عامة في حق كل ms2518 من هذه صفته. ثم وصفه فقال: # { الذى جمع مالا } ، قرأ أبو جعفر, وابن عامر, وحمزة, ~~والكسائي: " جمع " بتشديد الميم على التكثير، وقرأ الآخرون بالتخفيف. { ~~وعدده } ، أحصاه، وقال مقاتل: استعده وادخره وجعله عتادا له، يقال: ~~أعددت الشيء وعددته إذا أمسكته. # { يحسب أن ماله أخلده } ، في الدنيا, يظن أنه لا يموت مع ~~يساره. # { كلا } ، ردا عليه أن لا يخلده ماله، { لينبذن } ، ~~ليطرحن، { فى الحطمة } ، في جهنم, والحطمة من أسماء النار, مثل: ~~سقر, ولظى, سميت " حطمة " لأنها تحطم العظام وتكسرها. # { ومآ أدراك ما الحطمة * نار الله الموقدة * ~~التى تطلع على الأفئدة } ، أي التي يبلغ ألمها ووجعها إلى ~~القلوب، والاطلاع والبلوغ بمعنى واحد، يحكى عن العرب: متى طلعت أرضنا؟ ~~أي بلغت. # ومعنى الآية: أنها تأكل كل شيء منه حتى تنتهي إلى فؤاده، قاله القرظي ~~والكلبي. # { إنها عليهم مؤصدة } ، مطبقة مغلقة. # { فى عمد ممددة } ، قرأ حمزة, والكسائي, وأبو بكر: { في ~~عمد } بضم العين والميم، وقرأ الآخرون بفتحهما كقوله تعالى: # رفع السموت بغير عمد ترونها # [الرعد: 2]، وهما جميعا جمع عمود, مثل: أديم وأدم وأدم، قاله ~~الفراء. # وقال أبو عبيدة: جمع عماد, مثل: إهاب وأهب وأهب. # قال ابن عباس: أدخلهم في عمد فمدت عليهم بعماد. # وقيل: " في عمد ممددة ": في أعناقهم الأغلال السلاسل. # وقيل: " في عمد ممددة ": على باب حهنم, سدت عليهم بها الأبواب لا يمكنهم ~~الخروج. # وقال قتادة: بلغنا أنها عمد يعذبون بها في النار. # وقيل: هي أوتاد الأطباق التي تطبق على أهل النار، أي أنها مطبقة عليهم ~~بأوتاد ممددة, وهي في قراءة عبد الله " بعمد " بالباء. # قال مقاتل: أطبقت الأبواب عليهم ثم سدت بأوتاد من حديد من نار حتى ~~يرجع عليهم غمها وحرها, فلا يفتح عليهم باب ولا يدخل عليهم روح، ~~والممددة من صفة العمد، أي مطولة فتكون أرسخ من القصيرة. ### | [105 - سورة الفيل] ### || [105.1] # { ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل }؟ وكانت قصة ~~أصحاب الفيل - على ما ذكره محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم عن سعيد بن ~~جبير وعكرمة عن ابن عباس وذكره ms2519 الواقدي-: # أن النجاشي ملك الحبشة كان قد بعث " أرياط " إلى أرض اليمن فغلب عليها، ~~فقام رجل من الحبشة, يقال له: " أبرهة بن الصباح " أبو يكسوم، فساخط " ~~أرياط " في أمر الحبشة, حتى انصدعوا صدعين, وكانت طائفة مع أرياط, ~~وطائفة مع أبرهة, فتزاحفا فقتل أبرهة أرياط, واجتمعت الحبشة لأبرهة, ~~وغلب على اليمن وأقره النجاشي على عمله. # ثم إن أبرهة رأى الناس يتجهزون أيام الموسم إلى مكة لحج بيت الله، فبنى ~~كنيسة بصنعاء وكتب إلى النجاشي: إني قد بنيت لك بصنعاء كنيسة لم يبن ~~لملك مثلها، ولست منتهيا حتى أصرف إليها حج العرب، فسمع به رجل من بني ~~مالك بن كنانة فخرج إليها مستخفيا فدخلها ليلا فقعد فيها وتغوط بها, ~~ولطخ بالعذرة قبلتها، فبلغ ذلك أبرهة فقال: من اجترأ علي ولطخ كنيستي ~~بالعذرة؟ فقيل له: صنع ذلك رجل من العرب من أهل ذلك البيت سمع بالذي ~~قلت, فحلف أبرهة عند ذلك: ليسيرن إلى الكعبة حتى يهدمها, فكتب إلى ~~النجاشي يخبره بذلك وسأله أن يبعث إليه بفيله، وكان له فيل يقال له محمود ~~وكان فيلا لم ير مثله عظما، وجسما وقوة، فبعث به إليه, فخرج أبرهة ~~من الحبشة سائرا إلى مكة، وخرج معه بالفيل، فسمعت العرب بذلك فأعظموه ~~ورأوا جهاده حقا عليهم، فخرج ملك من ملوك اليمن, يقال له: ذو نفر, بمن ~~أطاعه من قومه، فقاتله فهزمه أبرهة وأخذ ذا نفر، فقال: أيها الملك لا ~~تقتلني فإن استبقائي خيرا لك من قتلي, فاستحياه وأوثقه، وكان أبرهة ~~رجلا حليما. # ثم سار حتى إذا دنا من بلاد خثعم، خرج نفيل بن حبيب الخثعمي في خثعم ~~ومن اجتمع إليه من قبائل اليمن، فقاتلوه فهزمهم وأخذ نفيلا، فقال نفيل: ~~أيها الملك إني دليل بأرض العرب, وهاتان يداي على قومي بالسمع والطاعة, ~~فاستبقاه، وخرج معه يدله حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن معتب ~~في رجال من ثقيف فقال: أيها الملك نحن عبيدك, ليس لك عندنا خلاف, وإنما ~~تريد البيت الذي بمكة, نحن نبعث معك من يدلك عليه, ms2520 فبعثوا معه أبا ~~رغال, مولى لهم, فخرج حتى إذا كان بالمغمس مات أبو رغال وهو ~~الذي يرجم قبره، وبعث أبرهة من المغمس رجلا من الحبشة, يقال له: ~~الأسود بن مسعود, على مقدمة خيله, وأمره بالغارة على نعم الناس، فجمع ~~الأسود إليه أموال الحرم، وأصاب لعبد المطلب مائتي بعير. # ثم إن أبرهة بعث حباطة الحميري إلى أهل مكة، وقال: سل عن شريفها ثم ~~أبلغه ما أرسلك به إليه، أخبره أني لم آت لقتال, إنما جئت ~~لأهدم هذا البيت، فانطلق حتى دخل مكة فلقي عبد المطلب بن هاشم، فقال: إن ~~الملك أرسلني إليك لأخبرك أنه لم يأت لقتال إلا أن تقاتلوه، إنما جاء ~~لهدم هذا البيت ثم الانصراف عنكم. # فقال عبد المطلب: ما له عندنا قتال ولا لنا به يد إلا أن نخلي بينه وبين ~~ما جاء له، فإن هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم عليه السلام، فإن ~~يمنعه فهو بيته وحرمه، وإن يخل بينه وبين ذلك فوالله ما لنا به قوة. # قال: فانطلق معي إلى الملك، فزعم بعض العلماء أنه أردفه على بغلة كان ~~عليها وركب معه بعض بنيه حتى قدم المعسكر، وكان ذو نفر صديقا لعبد ~~المطلب فأتاه فقال: يا ذا نفر, هل عندك من غناء فيما نزل بنا؟ فقال: ما ~~غناء رجل أسير لا يأمن أن يقتل بكرة أو عشيا، ولكن سأبعث إلى أنيس، ~~سائس الفيل, فإنه لي صديق فأسأله أن يصنع لك عند الملك ما استطاع من خير ~~ويعظم خطرك ومنزلتك عنده, قال: فأرسل إلى أنيس فأتاه فقال له: إن هذا سيد ~~قريش صاحب عير مكة الذي يطعم الناس في السهل والوحوش في رؤوس الجبال، وقد ~~أصاب له الملك مائتي بعير, فإن استطعت أن تنفعه عنده فانفعه فإنه صديق ~~لي, أحب ما وصل إليه من الخير، فدخل أنيس على أبرهة فقال: أيها الملك ~~هذا سيد قريش وصاحب عير مكة الذي يطعم الناس في السهل والوحوش في رؤوس ~~الجبال، يستأذن إليك وأنا أحب أن تأذن له فيكلمك, وقد ms2521 جاء غير ناصب لك ~~ولا مخالف عليك، فأذن له, وكان عبد المطلب رجلا جسيما وسيما, فلما رآه ~~أبرهة أعظمه وأكرمه، وكره أن يجلس معه على السرير وأن يجلس تحته, فهبط ~~إلى البساط فجلس عليه ثم دعاه فأجلسه معه, ثم قال لترجمانه قل له: ما ~~حاجتك إلى الملك؟ فقال له الترجمان ذلك، فقال عبد المطلب: حاجتي إلى ~~الملك أن يرد علي مائتي بعير أصابها لي، فقال أبرهة لترجمانه قل له: ~~لقد كنت أعجبتني حين رأيتك، ولقد زهدت فيك، قال عبد المطلب: لم؟ قال: ~~جئت إلى بيت هو دينك ودين آبائك وهو شرفكم وعصمتكم لأهدمه لم تكلمني فيه ~~وتكلمني في مائتي بعير أصبتها؟ قال عبد المطلب: أنا رب هذه الإبل وإن ~~لهذا البيت ربا سيمنعه, قال ما كان ليمنعه مني، قال: فأنت وذاك، فأمر ~~بإبله فردت عليه. # فلما ردت الإبل إلى عبد المطلب خرج فأخبر قريشا الخبر, وأمرهم أن ~~يتفرقوا في الشعاب ويتحرزوا في رؤوس الجبال, تخوفا عليهم من معرة ~~الجيش, ففعلوا, وأتى عبد المطلب الكعبة, وأخذ بحلقة الباب وجعل يقول: # يا رب لا أرجو لهم سواكا # يا رب فامنع منهم حماكا # إن عدو البيت من عاداكا # امنعهم أن يخربوا قراكا # وقال أيضا: # لا هم إن العبد يم # نع رحله فامنع حلالك # لا يغلبن صليبهم # ومحالهم غدوا محالك # جروا جموع بلادهم # والفيل كي يسبوا عيالك # عمدوا حماك بكيدهم # جهلا وما رقبوا جلالك # إن كنت تاركهم وكع # بتنا فأمر ما بدالك # فلم أسمع بأرجس من رجال # أرادوا الغزو ينتهكوا حرامك # ثم ترك عبد المطلب الحلقة وتوجه في بعض تلك الوجوه مع قومه، وأصبح ~~بأبرهة بالمغمس قد تهيأ للدخول وعبأ جيشه وهيأ فيله, وكان فيلا لم ~~ير مثله في العظم والقوة، ويقال كان معه اثنا عشر فيلا. # فأقبل نفيل إلى الفيل الأعظم ثم أخذ بأذنه فقال: أبرك محمود وارجع ~~راشدا من حيث جئت فإنك في بلد الله الحرام، فبرك الفيل فبعثوه فأبى, ~~فضربوه بالمعول في رأسه فأبى. فأدخلوا محاجنهم تحت مراقه ومرافقه فنزعوه ~~ليقوم ms2522 فأبى، فوجهوه راجعا إلى اليمن فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام ففعل ~~مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، فصرفوه إلى الحرم فبرك وأبى أن ~~يقوم. # وخرج نفيل يشتد حتى صعد في الجبل, وأرسل الله عليهم طيرا من البحر ~~أمثال الخطاطيف مع كل طائر منها ثلاثة أحجار: حجران في رجليه, وحجر في ~~منقاره, أمثال الحمص والعدس, فلما غشين القوم أرسلنها عليهم فلم تصب تلك ~~الحجارة أحدا إلا هلك، وليس كل القوم أصابت وخرجوا هاربين لا يهتدون إلى ~~الطريق الذي جاؤوا منه، يتساءلون عن نفيل بن حبيب ليدلهم على الطريق ~~إلى اليمن، ونفيل ينظر إليهم من بعض تلك الجبال، فصرخ القوم وماج بعضهم ~~في بعض يتساقطون بكل طريق ويهلكون على كل مهلك. # وبعث الله على أبرهة داء في جسده فجعل يتساقط أنامله كلما سقطت أنملة ~~اتبعتها مدة من قيح ودم، فانتهى إلى صنعاء وهو مثل فرخ الطير فيمن ~~بقي من أصحابه، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه ثم هلك. # قال الواقدي: وأما محمود, فيل النجاشي فربض ولم يسر على الحرم فنجا, ~~والفيل الآخر شجع فحصب. # وزعم مقاتل بن سليمان أن السبب الذي جرأ أصحاب الفيل: أن فتية من ~~قريش خرجوا تجارا إلى أرض النجاشي فدنوا من ساحل البحر وثم بيعة ~~للنصارى تسميها قريش " الهيكل " ، فنزلوا فأججوا نارا واشتووا فلما ~~ارتحلوا تركوا النار كما هي في يوم عاصف فعجت الريح فاضطرم الهيكل ~~نارا فانطلق الصريخ إلى النجاشي فأسف غضبا للبيعة، فبعث أبرهة لهدم ~~الكعبة. # وقال فيه: إنه كان بمكة يومئذ أبو مسعود الثقفي وكان مكفوف البصر يصيف ~~بالطائف ويشتو بمكة؛ وكان رجلا نبيلا تستقيم الأمور برأيه، وكان خليلا ~~لعبد المطلب، فقال له عبد المطلب: ماذا عندك هذا يوم لا يتسغنى فيه عن ~~رأيك؟ فقال أبو مسعود: اصعد بنا إلى حراء فصعد الجبل، فقال أبو مسعود ~~لعبد المطلب: اعمد إلى مائة من الإبل فاجعلها لله وقلدها نعلا ثم ~~أرسلها في الحرم لعل بعض هذه السودان يعقر منها شيئا، فيغضب رب هذا ~~البيت ms2523 فيأخذهم، ففعل ذلك عبد المطلب فعمد القوم إلى تلك الإبل فحملوا ~~عليها وعقروا بعضها وجعل عبد المطلب يدعو، فقال أبو مسعود: إن لهذا البيت ~~ربا يمنعه، فقد نزل تبع ملك اليمن صحن هذا البيت وأراد هدمه فمنعه ~~الله وابتلاه، وأظلم عليه ثلاثة أيام، فلما رأى تبع ذلك كساه القباطي ~~البيض، وعظمه ونحر له جزورا. # ثم قال أبو مسعود: فانظر نحو البحر، فنظر عبد المطلب فقال: أرى طيرا ~~بيضاء نشأت من شاطئ البحر، فقال: ارمقها ببصرك أين قرارها؟ قال أراها قد ~~دارت على رؤوسنا، قال: فهل تعرفها؟ قال: فوالله ما أعرفها ما هي بنجدية ~~ولا تهامية ولا غربية ولا شامية، قال: ما قدها؟ قال: أشباه اليعاسيب, في ~~منقارها حصى كأنها حصى الحذف، قد أقبلت كالليل يكسع بعضها بعضا, أمام ~~كل رفقة طير يقودها أحمر المنقار أسود الرأس طويل العنق، فجاءت حتى إذا ~~حاذت بعكسر القوم وكدت فوق رؤوسهم، فلما توافت الرجال كلها أهالت ~~الطير ما في مناقيرها على من تحتها، مكتوب في كل حجر اسم صاحبه، ثم أنها ~~انصاعت راجعة من حيث جاءت، فلما أصبحا انحطا من ذروة الجبل فمشيا ربوة ~~فلم يؤنسا أحدا ثم دنوا ربوة فلم يسمعا حسا، فقالا: بات القوم ساهرين، ~~فأصبحوا نياما, فلما دنوا من عسكر القوم فإذا هم خامدون، وكان يقع الحجر ~~على بيضة أحدهم فيخرقها حتى يقع في دماغه ويخرق الفيل والدابة ويغيب ~~الحجر في الأرض من شدة وقعه. فعمد عبد المطلب فأخذ فأسا من فؤوسهم فحفر ~~حتى أعمق في الأرض حفرة فملأه من أموالهم, من الذهب الأحمر والجوهر، ~~وحفر لصاحبه حفرة فملأها كذلك، ثم قال لأبي مسعود: هات فاختر إن شئت ~~حفرتي وإن شئت حفرتك، وإن شئت فهما لك معا، قال أبو مسعود: اختر لي على ~~نفسك، فقال عبد المطلب: إني لم آل أن أجعل أجود المتاع في حفرتي فهو لك، ~~وجلس كل واحد منهما على حفرته، ونادى عبد المطلب في الناس, فتراجعوا ~~وأصابوا من فضلهما حتى ضاقوا به ذرعا، وساد عبد المطلب بذلك ms2524 قريشا ~~وأعطته المقادة، فلم يزل عبد المطلب وأبو مسعود في أهليهما في غنى من ~~ذلك المال، ودفع الله عن كعبته وبيته. # واختلفوا في تاريخ عام الفيل؛ فقال مقاتل: كان قبل مولد النبي صلى الله ~~عليه وسلم بأربعين سنة. # وقال الكلبي: بثلاث وعشرين سنة. # والأكثرون على أنه كان في العام الذي ولد فيه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # قوله عز وجل: { ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب ~~الفيل }؟ قال مقاتل: كان معهم فيل واحد. وقال الضحاك: كانت الفيلة ~~ثمانية. وقيل: اثنا عشر, سوى الفيل الأعظم، وإنما وحد لأنه نسبهم إلى ~~الفيل الأعظم. وقيل: لوفاق رؤوس الآي. ### || [105.2-3] # { ألم يجعل كيدهم فى تضليل } ، " كيدهم " يعني مكرهم ~~وسعيهم في تخريب الكعبة. وقوله: { فى تضليل } عما أرادوا, وأضل ~~كيدهم حتى لم يصلوا إلى الكعبة، وإلى ما أرادوه بكيدهم. قال مقاتل: في ~~خسارة, وقيل: في بطلان. # { وأرسل عليهم طيرا أبابيل } ، كثيرة متفرقة يتبع ~~بعضها بعضا. وقيل: أقاطيع كالإبل المؤبلة. قال أبو عبيد: أبابيل جماعات ~~في تفرقة، يقال: جاءت الخيل أبابيل من ها هنا وها هنا. # قال الفراء: لا واحد لها من لفظها. وقيل: واحدها إبالة. وقال الكسائي: ~~إني كنت أسمع النحويين يقولون: واحدها أبول، مثل عجول وعجاجيل. # وقيل: واحدها من لفظها إبيل. # قال ابن عباس: كانت طيرا لها خراطيم كخراطيم الطير, وأكف كأكف الكلاب. # وقال عكرمة: لها رؤوس كرؤوس السباع. قال الربيع: لها أنياب كأنياب ~~السباع. # وقال سعيد بن جبير: خضر لها مناقير صفر. وقال قتادة: طير سود جاءت من ~~قبل البحر فوجا فوجا مع كل طائر ثلاثة أحجار؛ حجران في رجليه، وحجر في ~~منقاره, لا تصيب شيئا إلا هشمته. ### || [105.4-5] # { ترميهم بحجارة من سجيل } ، قال ابن عباس وابن مسعود: ~~صاحت الطير ورمتهم بالحجارة, فبعث الله ريحا فضربت الحجارة فزادتها ~~شدة فما وقع منها حجر على رجل إلا خرج من الجانب الآخر، وإن وقع على ~~رأسه خرج من دبره. # { فجعلهم كعصف مأكول } ، كزرع وتبن أكلته الدواب فراثته ~~فيبس وتفرقت أجزاؤه، شبه تقطع أوصالهم بتفرق ms2525 أجزاء الروث. ~~قال مجاهد: " العصف " ورق الحنطة. وقال قتادة: هو التبن. وقال عكرمة: ~~كالحب إذا أكل فصار أجوف. وقال ابن عباس: هو القشر الخارج الذي يكون على ~~حب الحنطة كهيئة الغلاف له. ### | [106 - سورة قريش] ### || [106.1] # { لإيلاف قريش } قرأ أبو جعفر: " ليلاف " بغير همز " إلا ~~فهم " طلبا للخفة، وقرأ ابن عامر { لالآف } بهمزة مختلسة من غير ياء ~~بعدها، على وزن لغلاف, وقرأ الآخرون بهمزة مشبعة وياء بعدها، واتفقوا - ~~غير أبي جعفر - في " إيلافهم " أنها بياء بعد الهمزة, إلا عبد الوهاب بن ~~فليح عن ابن كثير فإنه قرأ: " إلفهم " ساكنة اللام بغير ياء. # وعد بعضهم سورة الفيل وهذه السورة واحدة؛ منهم أبي بن كعب, لا فصل ~~بينهما في مصحفه، وقالوا: اللام في " لإيلاف " تتعلق بالسورة التي قبلها، ~~وذلك أن الله تعالى ذكر أهل مكة عظيم نعمته عليهم فيما صنع بالحبشة، ~~وقال: { لإيلاف قريش }. # وقال الزجاج: المعنى: جعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش، أي يريد اهلاك ~~أهل الفيل لتبقى قريش، وما ألفوا من رحلة الشتاء الصيف. # وقال مجاهد: ألفوا ذلك فلا يشق عليهم في الشتاء والصيف. # والعامة على أنهما سورتان, واختلفوا في العلة الجالبة للام في قوله: " ~~لإيلاف " , قال الكسائي, والأخفش: هي لام التعجب، يقول: اعجبوا لإيلاف ~~قريش رحلة الشتاء والصيف، وتركهم عبادة رب هذا البيت، ثم أمرهم بعبادته ~~كما تقول في الكلام لزيد وإكرامنا إياه على وجه التعجب، اعجبوا لذلك. ~~والعرب إذا جاءت بهذه اللام اكتفوا بها دليلا على التعجب من إظهار الفعل ~~منه. # وقال الزجاج: هي مردودة إلى ما بعدها, تقديره: فليعبدوا رب هذا ~~البيت لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف. # وقال ابن عيينة: لنعمتي على قريش. # وقريش هم ولد النضر بن كنانة، وكل من ولده النضر فهو قرشي، ومن لم يلده ~~النضر فليس بقرشي. # أخبرنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني, أخبرنا أبو محمد محمد بن علي بن ~~محمد بن شريك الشافعي, أخبرنا عبد الله بن مسلم أبو بكر الجوربذي, حدثنا ~~يونس بن عبد الأعلى الصدفي, أخبرنا بشر بن بكر عن الأوزاعي, ms2526 حدثني شداد ~~أبو عمار, حدثنا واثلة بن الأسقع, قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى من كنانة قريشا، واصطفى ~~من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم ". # وسموا قريشا من القرش, والتقرش وهو التكسب والجمع، يقال: فلان يقرش ~~لعياله ويقترش أي يكتسب, وهم كانوا تجارا حراصا على جمع المال ~~والإفضال. # وقال أبو ريحانة: سأل معاوية عبد الله بن عباس: لم سميت قريش ~~قريشا؟ قال: لدابة تكون في البحر من أعظم دوابه يقال لها القرش لا تمر ~~بشيء من الغث والسمين إلا أكلته، وهي تأكل ولا تؤكل، وتعلو ولا تعلى، ~~قال: وهل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم، فأنشده شعر الجمحي: # وقريش هي التي تسكن البح # ر سميت قريش قريشا # سلطت بالعلو في لجة البح # ر على سائر البحور جيوشا # تأكل الغث والسمين ولا تت # رك فيه لذي الجناحين ريشا # هكذا في الكتاب حي قريش # يأكلون البلاد أكلا كميشا # ولهم في آخر الزمان نبي # يكثر القتل فيهم والخموشا ### || [106.2-4] # قوله تعالى: { إيلفهم } ، بدل من الإيلاف الأول، { رحلة ~~الشتآء والصيف } ، " رحلة " ، نصب على المصدر، أي ارتحالهم رحلة ~~الشتاء والصيف. # روى عكرمة, وسعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانوا ~~يشتون بمكة ويصيفون بالطائف, فأمرهم الله تعالى أن يقيموا بالحرم ~~ويعبدوا رب هذا البيت. # وقال الآخرون: كانت لهم رحلتان في كل عام للتجارة, إحداهما في الشتاء ~~إلى اليمن لأنها أدفأ، والأخرى في الصيف إلى الشام. # وكان الحرم واديا جدبا لا زرع فيه ولا ضرع، وكانت قريش تعيش بتجارتهم ~~ورحلتهم، وكان لا يتعرض لهم أحد بسوء، كانوا يقولون: قريش سكان حرم الله ~~وولاة بيته فلولا الرحلتان لم يكن لهم مقام بمكة، ولولا الأمن بجوار ~~البيت لم يقدروا على التصرف، وشق عليهم الاختلاف إلى اليمن والشام فأخصبت ~~تبالة وجرش من بلاد اليمن، فحملوا الطعام إلى مكة, أهل الساحل من ~~البحر على السفن, وأهل البر على الإبل والحمير, فألقى أهل الساحل بجدة، ~~وأهل ms2527 البر بالمحصب، وأخصب الشام فحملوا الطعام إلى مكة فألقوا بالأبطح، ~~فامتاروا من قريب وكفاهم الله مؤنة الرحلتين، وأمرهم بعبادة رب البيت ~~فقال: # { فليعبدوا رب هذا البيت } , أي الكعبة. # { الذى أطعمهم من جوع } ، أي من بعد جوع بحمل الميرة إلى ~~مكة، { وءامنهم من خوف } ، بالحرم وكونهم من أهل مكة حتى لم ~~يتعرض لهم في رحلتهم. # وقال عطاء عن ابن عباس: إنهم كانوا في ضر ومجاعة حتى جمعهم هاشم عل ~~الرحلتين، وكانوا يقسمون ربحهم بين الفقير والغني حتى كان فقيرهم كغنيهم. # قال الكلبي: وكان أول من حمل السمراء من الشام ورحل إليها الإبل: هاشم ~~بن عبد مناف, وفيه يقول الشاعر: # قل للذي طلب السماحة والندى # هلا مررت بآل عبد مناف # هلا مررت بهم تريد قراهم # منعوك من ضر ومن أكفاف # الرائشين وليس يوجد رائش # والقائلين هلم للأضياف # والخالطين فقيرهم بغنيهم # حتى يكون فقيرهم كالكافي # والقائمين بكل وعد صادق # والراحلين برحلة الإيلاف # عمرو العلا هشم الثريد لقومه # ورجال مكة مسنتون عجاف # سفرين سنهما له ولقومه # سفر الشتاء ورحلة الأصياف # وقال الضحاك والربيع وسفيان: { وءامنهم من خوف } من خوف ~~الجذام، فلا يصيبهم ببلدهم الجذام. ### | [107 - سورة الماعون] ### || [107.1-7] # { أرءيت الذى يكذب بالدين } , قال مقاتل: نزلت في العاص ~~بن وائل السهمي. وقال السدي, ومقاتل بن حيان, وابن كيسان: في الوليد بن ~~المغيرة. قال الضحاك: نزلت في عمرو بن عائد المخزومي. وقال عطاء عن ابن ~~عباس: في رجل من المنافقين. # ومعنى " يكذب بالدين " أي بالجزاء والحساب. # { فذلك الذى يدع اليتيم } ، يقهره ويدفعه عن حقه، ~~والدع: الدفع بالعنف والجفوة. # { ولا يحض على طعام المسكين } ، لا يطعمه ولا يأمر ~~بإطعامه, لأنه يكذب بالجزاء. # { فويل للمصلين * الذين هم عن صلتهم ساهون ~~} أي: عن مواقيتها غافلون. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي, أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى ~~الصيرفي, أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار, أخبرنا أبو ~~جعفر محمد بن غالب بن تمام الضبي, حدثنا حرمي بن حفص القسملي ~~حدثنا عكرمة بن إبراهيم الأزدي, حدثنا عبد الملك ms2528 بن عمير عن مصعب بن سعد ~~عن أبيه أنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن { الذين هم ~~عن صلتهم ساهون } ، قال: # " إضاعة الوقت ". # قال ابن عباس: هم المنافقون يتركون الصلاة إذا غابوا عن الناس، ويصلونها ~~في العلانية إذا حضروا. لقوله تعالى: { الذين هم يرآءون } ، ~~وقال في وصف المنافقين: # وإذا قاموا إلى الصلوة قاموا كسالى يرآءون ~~الناس # [النساء:142]. # وقال قتادة: ساه عنها لا يبالي صلى أم لم يصل. # وقيل: لا يرجون لها ثوابا إن صلوا ولا يخافون عقابا إن تركوا. # وقال مجاهد: غافلون عنها يتهاونون بها. # وقال الحسن: هو الذي إن صلاها صلاها رياء، وإن فاتته لم يندم. # وقال أبو العالية: لا يصلونها لمواقيتها ولا يتمون ركوعها وسجودها. # { ويمنعون الماعون } ، روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: هي ~~الزكاة، وهو قول ابن عمر، والحسن وقتادة والضحاك. # وقال عبد الله بن مسعود: " الماعون ": الفأس, والدلو, والقدر, وأشباه ~~ذلك، وهي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس. # قال مجاهد: " الماعون " العارية. وقال عكرمة: أعلاها الزكاة المعروفة، ~~وأدناها عارية المتاع. # وقال محمد بن كعب والكلبي: " الماعون ": المعروف الذي يتعاطاه الناس ~~فيما بينهم. # قال قطرب: أصل الماعون من القلة، تقول العرب: ما له: سعة ولا منعة، أي ~~شيء قليل، فسمى الزكاة والصدقة والمعروف ماعونا لأنه قليل من كثير. # وقيل: " الماعون ": ما لا يحل منعه, مثل: الماء, والملح, والنار. ### | [108 - سورة الكوثر] ### || [108.1] # { إنا أعطينك الكوثر } , أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر, ~~أخبرنا عبد الغافر بن محمد, أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي, حدثنا إبراهيم ~~بن محمد بن سفيان, حدثنا مسلم بن الحجاج, حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة, ~~حدثنا علي بن مسهر عن المختار - يعني ابن فلفل - عن أنس قال: # " بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا إذ ~~أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسما، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: ~~أنزلت علي آنفا سورة، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم: { إنآ ~~أعطيناك الكوثر * فصل لربك وانحر * إن ~~شانئك هو ms2529 الأبتر }. ثم قال: " أتدرون ما الكوثر "؟ قلنا: ~~الله ورسوله أعلم، قال: " فإنه نهر وعدنيه ربي عز وجل عليه خير ~~كثير, هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد ~~النجوم, فيختلج العبد منهم، فأقول: رب إنه مني، فيقول: ما ~~تدري ما أحدث بعدك ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا ~~محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا عمرو بن محمد, حدثنا هشيم, ~~حدثنا أبو بشر وعطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: قال " ~~الكوثر ": الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه. قال أبو بشر قلت لسعيد بن ~~جبير: إن أناسا يزعمون أنه نهر في الجنة؟ فقال سعيد: النهر الذي في ~~الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه. # قال الحسن: هوالقرآن العظيم. # قال عكرمة: النبوة والكتاب. # وقال أهل اللغة: الكوثر: فوعل من الكثرة، كنوفل: فوعل من النفل، ~~والعرب تسمي كل شيء كثير في العدد أو كثير في القدر والخطر: كوثرا. ~~والمعروف: أنه نهر في الجنة أعطاه الله رسوله صلى الله عليه وسلم كما جاء ~~في الحديث: # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي, أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد ~~الله الطيسفوني, أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري, حدثنا أحمد بن علي ~~الكشميهني, حدثنا علي بن حجر, حدثنا إسماعيل بن جعفر, حدثنا حميد عن ~~أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " دخلت الجنة فإذا أنا بنهر يجري بياضه بياض اللبن، وأحلى من ~~العسل، وحافتاه خيام اللؤلؤ، فضربت بيدي فإذا الثرى مسك أذفر، ~~فقلت لجبريل: ما هذا؟ قال: الكوثر الذي أعطاكه الله عز وجل ". # أخبرنا عبد الرحمن بن محمد الداوودي, أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن ~~موسى الصلت, حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي, أخبرنا ~~أبو سعيد الأشج, حدثنا محمد بن فضيل عن عطاء بن السائب عن محارب بن دثار ~~عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الكوثر نهر في الجنة, حافتاه الذهب, مجراه على الدر ms2530 والياقوت, ~~تربته أطيب من المسك, وأشد بياضا من الثلج ". # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, ~~أخبرنا محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا سعيد بن أبي مريم, ~~حدثنا نافع, عن ابن أبي مليكة قال: قال عبد الله بن عمرو: قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، ~~وكيزانه كنجوم السماء، من يشرب منها لم يظمأ أبدا ". # أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري, أخبرنا جدي عبد الصمد بن عبد ~~الرحمن البزاز, أخبرنا محمد بن زكريا العذافري, أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ~~الدبري, حدثنا عبد الرزاق, أنا معمر عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد, عن ~~معدان بن أبي طلحة عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " أنا عند عقر حوضي أذود الناس عنه لأهل اليمن " ، إني لأضربهم ~~بعصاي حتى يرفضوا عنه، " وإنه ليغت فيه ميزابان من الجنة, ~~أحدهما من ورق, والآخر من ذهب، طوله ما بين بصرى وصنعاء، أو ما ~~بين أيلة ومكة، أو من مقامي هذا إلى عمان ". ### || [108.2] # قوله عز وجل: { فصل لربك وانحر } ، قال محمد بن كعب: إن ~~إناسا كانوا يصلون لغير الله وينحرون لغير الله، فأمر الله نبيه صلى ~~الله عليه وسلم أن يصلي وينحر لله عز وجل. # وقال عكرمة وعطاء وقتادة: فصل لربك صلاة العيد يوم النحر, وانحر نسكك. # وقال سعيد بن جبير, ومجاهد: فصل الصلوات المفروضة بجمع, وانحر ~~البدن بمنى. # وروي عن أبي الجوزاء عن ابن عباس قال: { فصل لربك وانحر } ~~قال: وضع اليمين على الشمال في الصلاة عند النحر. ### || [108.3] # قوله تعالى: { إن شانئك } ، عدوك ومبغضك، { هو الأبتر } ، هو ~~الأقل الأذل المنقطع دابره. # نزلت في العاص بن وائل السهمي؛ وذلك أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم ~~يخرج من باب المسجد, وهو يدخل, فالتقيا عند باب بني سهم وتحدثا، وأناس ~~من صناديد قريش جلوس في المساجد, فلما دخل العاص قالوا له: من ms2531 الذي كنت ~~تتحدث معه؟ قال: ذلك الأبتر يعني النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد ~~توفي ابن لرسول الله صلى الله عليه وسلم من خديجة رضي الله عنها. # وذكر محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان قال: كان العاص بن وائل إذا ذكر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: دعوه لنا فإنه رجل أبتر، لا عقب له ~~فإذا هلك انقطع ذكره، فأنزل الله تعالى هذه السورة. # وقال عكرمة عن ابن عباس: نزلت في كعب بن الأشرف وجماعة من قريش، وذلك ~~أنه لما قدم كعب مكة قالت له قريش: نحن أهل السقاية والسدانة، ~~وأنت سيد أهل المدينة, فنحن خير أم هذا الصنبور المنبتر من قومه؟ ~~فقال: بل أنتم خير منه، فنزلت: # ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتب ~~يؤمنون بالجبت والطغوت # [النساء: 51] الآية، ونزل في الذين قالوا إنه أبتر: { إن شانئك ~~هو الأبتر } أي المنقطع من كل خير. ### | [109 - سورة الكافرون] ### || [109.1-6] # { قل يأيها الكافرون } , إلى آخر السورة. # نزلت في رهط من قريش منهم: الحارث بن قيس السهمي، والعاص بن وائل, ~~والوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب بن أسد، ~~وأمية بن خلف، قالوا: يا محمد هلم فاتبع ديننا ونتبع دينك ونشركك في ~~أمرنا كله، تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، فإن كان الذي جئت به خيرا ~~كنا قد شركناك فيه وأخذنا حظنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيرا كنت قد ~~شركتنا في أمرنا وأخذت بحظك منه، فقال: معاذ الله أن أشرك به غيره، ~~قالوا: فاستلم بعض آلهتنا نصدقك ونعبد إلهك، فقال: حتى أنظر ما يأتي من ~~عند ربي، فأنزل الله عز وجل: { قل يأيها الكافرون } إلى ~~آخر السورة، فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الحرام وفيه ~~الملأ من قريش، فقام على رؤوسهم ثم قرأها عليهم حتى فرغ من السورة، ~~فأيسوا منه عند ذلك وآذوه وأصحابه. # ومعنى الآية: { لا أعبد ما تعبدون } ، في الحال. { ولا ~~أنتم عبدون مآ أعبد } ، في الحال، { ولا أنآ ms2532 عابد ~~ما عبدتم } ، في الاستقبال، { ولا أنتم عبدون مآ ~~أعبد } في الاستقبال. # وهذا خطاب لمن سبق في علم الله أنهم لا يؤمنون. # وقوله: { مآ أعبد } أي: من أعبد، لكنه ذكره لمقابلة: { ما تعبدون ~~}. # ووجه التكرار: قال أكثر أهل المعاني: هو أن القرآن نزل بلسان العرب، ~~وعلى مجاز خطابهم، ومن مذاهبهم التكرار, إرادة التوكيد والإفهام، كما أن ~~من مذاهبهم الاختصار إرادة التخفيف والإيجاز. # وقال القتيبي: تكرار الكلام لتكرار الوقت، وذلك أنهم قالوا: إن سرك ~~أن ندخل في دينك عاما فادخل في ديننا عاما, فنزلت هذه السورة. # { لكم دينكم } ، الشرك، { ولى دين }. الإسلام، قرأ ابن ~~كثير, ونافع, وحفص: " ولي " بفتح الياء، والآخرون بإسكانها. وهذه الآية ~~منسوخة بآية السيف. ### | [110 - سورة النصر] ### || [110.1] # { إذا جآء نصر الله والفتح } , أراد فتح مكة. # وكانت قصته - على ما ذكر محمد بن إسحاق وأصحاب الأخبار - أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لما صالح قريشا عام الحديبية، واصطلحوا على وضع ~~الحرب بين الناس عشر سنين, يأمن فيهن الناس, ويكف بعضهم عن بعض، وأنه من ~~أحب أن يدخل في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده دخل فيه، ومن ~~أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، فدخلت بنو بكر في عقد قريش، ~~ودخلت خزاعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان بينهما شر ~~قديم. # ثم إن بني بكر عدت على خزاعة، وهم على ماء لهم بأسفل مكة، يقال له " ~~الوتير " ، فخرج نوفل بن معاوية الدؤلي في بني الدئل من بني بكر حتى ~~بيت خزاعة، وليس كل بكر تابعه, فأصابوا منهم رجلا وتحاربوا ~~واقتتلوا، ورفدت قريش بني بكر بالسلاح, وقاتل معهم من قريش من قاتل ~~مستخفيا بالليل، حتى حازوا خزاعة إلى الحرم, وكان ممن أعان بني بكر من ~~قريش على خزاعة ليلتئذ بأنفسهم متنكرين: صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي ~~جهل، وسهيل بن عمرو، مع عبيدهم فلما انتهوا إلى الحرم قالت بنو بكر: يا ~~نوفل إنا دخلنا الحرم, إلهك إلهك, فقال كلمة عظيمة: إنه ms2533 لا إله لي ~~اليوم، يا بني بكر أصيبوا ثأركم فيه. # فلما تظاهرت قريش على خزاعة وأصابوا منهم ونقضوا ما بينهم وبين رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من العهد بما استحلوا من خزاعة - وكانوا في عقده ~~- خرج عمرو بن سالم الخزاعي حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المدينة، وكان ذلك مما هاج فتح مكة، فوقف عليه وهو في المسجد جالس بين ~~ظهراني الناس، فقال: # لاهم إني ناشد محمدا # حلف أبينا وأبيه الأتلدا # إن قريشا أخلفوك الموعدا # ونقضوا ميثاقك المؤكدا # الأبيات كما ذكرنا في سورة التوبة. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " قد نصرت يا عمرو بن سالم " # ، ثم عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم عنان من السماء، فقال: # " إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب " # ، وهم رهط عمرو بن سالم. # ثم خرج بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة, حتى قدموا على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأخبروه بما أصيب منهم وبمظاهرة قريش بني بكر عليهم، ~~ثم انصرفوا راجعين إلى مكة, وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~للناس: كأنكم بأبي سفيان قد جاء ليشد العقد ويزيد في المدة. # ومضى بديل بن ورقاء فلقي أبا سفيان بعسفان، قد بعثته قريش إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ليشد العقد ويزيد في المدة، وقد رهبوا ~~الذي صنعوا, فلما لقي أبو سفيان بديلا قال: من أين أقبلت يا بديل؟ ~~وظن أنه قد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: سرت إلى خزاعة في ~~هذا الساحل وفي بطن هذا الوادي، قال: أوما أتيت محمدا؟ قال: لا، فلما ~~راح بديل إلى مكة قال أبو سفيان: لئن كان جاء المدينة لقد علف ناقته ~~بها النوى, فعمد إلى مبرك ناقته فأخذ من بعرها ففته فرأى فيه ~~النوى، فقال: أحلف بالله لقد جاء بديل محمدا. # ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، ~~فدخل على ابنته أم حبيبة بنت أبي سفيان، فلما ms2534 ذهب ليجلس على فراش ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم طوته عنه، فقال: يا بنية أرغبت بي عن هذا ~~الفراش أم أرغبت به عني؟ قالت: بلى هو فراش رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وأنت رجل مشرك نجس، فلم أحب أن تجلس على فراش رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقال: والله لقد أصابك يا بنية بعدي شيء. # ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه فلم يرد عليه شيئا ~~غير أنه قال: نقض أهل مكة العهد. # ثم ذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم له رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقال: ما أنا بفاعل, ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه فقال: أنا أشفع لكم ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فوالله لو لم أجد إلا الذر ~~لجاهدتكم به, ثم خرج فدخل على علي بن أبي طالب رضي الله عنه, وعنده ~~فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندها الحسن بن علي رضي الله ~~عنهما, غلام يدب بين يديها، فقال: يا علي إنك أمس القوم بي ~~رحما وأقربهم مني قرابة، وقد جئت في حاجة فلا أرجعن كما جئت ~~خائبا، اشفع لنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ويحك يا أبا ~~سفيان لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر ما نستطيع أن ~~نكلمه فيه, فالتفت إلى فاطمة فقال: يا بنت محمد, هل لك أن تأمري ~~بنيك هذا فيجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟ قالت: ~~والله ما بلغ بني أن يجير بين الناس، وما يجير على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أحد، فقال: يا أبا الحسن - إني أرى الأمور قد اشتدت علي ~~فانصحني، قال: والله ما أعلم شيئا يغني عنك، ولكنك سيد بني كنانة، فقم ~~فأجر بين الناس، ثم الحق بأرضك، قال: أوترى ذلك مغنيا عني شيئا؟ ~~قال: لا والله، ما أظن, ولكن لا أجد لك غير ذلك. # فقام أبو سفيان في المسجد فقال: يا أيها الناس ms2535 إني قد أجرت بين الناس، ~~ثم ركب بعيره فانطلق فلما قدم على قريش قالوا: ما وراءك؟ قال: جئت محمدا ~~فكلمته والله ما رد علي شيئا ثم جئت ابن أبي قحافة، فلم أجد عنده ~~خيرا، فجئت ابن الخطاب فوجدته أعدى القوم، ثم أتيت علي بن أبي طالب ~~فوجدته ألين القوم، وقد أشار علي بشيء صنعته, فوالله ما أدري هل ~~يغنيني شيئا أم لا؟ قالوا: وماذا أمرك؟ قال: أمرني أن أجير بين الناس ~~ففعلت، قالوا: فهل أجاز ذلك محمد صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا، قالوا: ~~والله إن زاد علي على أن لعب بك, فلا يغني عنا ما قلت، قال: لا والله ~~ما وجدت غير ذلك. # قال: وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالجهاز، وأمر أهله أن ~~يجهزوه، فدخل أبو بكر على ابنته عائشة رضي الله عنها وهي تصلح بعض جهاز ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أي بنية أمركم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بأن تجهزوه؟ قالت: نعم فتجهز، قال: فأين ترينه ~~يريد؟ قالت: ما أدري. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم الناس ~~أنه سائر إلى مكة، وأمرهم بالجد والتهيؤ، وقال: اللهم خذ العيون ~~والأخبار عن قرش حتى نبغتها في بلادها, فتجهز الناس. # وكتب حاطب بن أبي بلتعة كتابا إلى قريش - وفيه قصة ذكرناها في ~~سورة الممتحنة -. # ثم استخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة أبا رهم كلثوم ~~بن حصين بن خلف الغفاري، وخرج عامدا إلى مكة لعشر مضين من ~~رمضان سنة ثمان، فصام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصام الناس معه، حتى ~~إذا كان بالكديد - ما بين عسفان وأمج - أفطر. # ثم مضى حتى نزل بمر الظهران, في عشرة آلاف من المسلمين، ولم يتخلف ~~من المهاجرين والأنصار عنه أحد، فلما نزل بمر الظهران, وقد عميت ~~الأخبار عن قرش، فلا يأتيهم خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ~~يدرون ما هو فاعل، فخرج في تلك الليلة: أبو سفيان بن حرب, ms2536 وحكيم بن ~~حزام, وبديل بن ورقاء, يتحسسون الأخبار هل يجدون خبرا؟ وقد قال ~~العباس بن عبد المطلب ليلتئذ: واصباح قريش، والله لئن بغتها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في بلادها فدخل مكة عنوة إنها لهلاك قريش إلى ~~آخر الدهر. # فخرج العباس على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أخرج إلى ~~الأراك لعلي أرى حطابا أو صاحب لبن أو داخلا يدخل مكة فيخبرهم بمكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأتونه فيستأمنونه قبل أن يدخلها عليهم ~~عنوة. # قال العباس فخرجت وإني - والله - لأطوف في الأراك ألتمس ما خرجت له إذ ~~سمعت صوت أبي سفيان وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء، وقد خرجوا يتحسسون ~~الخبر، فسمعت أبا سفيان يقول: والله ما رأيت كالليلة قط نيرانا، وقال ~~بديل: هذه والله نيران خزاعة حمشتها الحرب، فقال أبو سفيان خزاعة ~~ألأم من ذلك وأذل، فعرفت صوته فقلت: يا أبا حنظلة، فعرف صوتي فقال: ~~يا أبو الفضل، فقلت: نعم، فقال: مالك فداك أبي وأمي؟ قلت: ويحك يا أبا ~~سفيان هذا, والله، رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء بما لا قبل ~~لكم به, بعشرة آلاف من المسلمين، قال: وما الحيلة؟ قلت: والله لئن ظفر بك ~~ليضربن عنقك, فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتى بك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأستأمنه، فردفني, ورجع صاحباه فخرجت أركض به بغلة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، كلما مررت بنار من نيران المسلمين فنظروا إلي ~~وقالوا: هذا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم, حتى مررت بنار عمر بن ~~الخطاب، فقال: من هذا؟ وقام إلي فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة, ~~قال: أبو سفيان عدو الله! الحمد لله الذي أمكن منك بغير عهد ولا عقد، ~~ثم اشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم فركضت البغلة وسبقته بما ~~تسبق الدابة البطيئة الرجل البطيء، فاقتحمت عن البغلة فدخلت على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ودخل عليه عمر, فقال: # " يا رسول الله هذا أبو ms2537 سفيان عدو الله قد أمكن الله منه بغير عهد ولا ~~عقد، فدعني فلأضرب عنقه، فقلت: يا رسول الله إني قد أجرته، ثم جلست ~~إلى رسول الله فأخذت برأسه وقلت: والله لا يناجيه الليلة أحد دوني, فلما ~~أكثر فيه عمر رضي الله عنه قلت: مهلا يا عمر, فوالله ما تصنع هذا إلا ~~أنه رجل من بني عبد مناف، ولو كان من بني عدي بن كعب ما قلت هذا. قال: ~~مهلا يا عباس فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام ~~الخطاب لو أسلم، وذلك لأني أعلم أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من إسلام الخطاب لو أسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " اذهب به يا عباس إلى رحلك, فإذا أصبحت فأتني به " ، قال: ~~فذهبت إلى رحلي فبات عندي, فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فلما رآه قال: " ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أن ~~لا إله إلا الله؟ " قال: بأبي أنت وأمي, ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! والله ~~لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره فقد أغنى عني شيئا بعد، قال: ~~ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ قال: بأبي أنت ~~وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! أما هذه فإن في النفس منها حتى الآن ~~شيئا، قال العباس: قلت له: ويحك! أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله، قبل أن يضرب عنقك، قال فشهد شهادة الحق وأسلم, قال ~~العباس: قلت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر, فاجعل له ~~شيئا، قال: نعم, من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه ~~فهو آمن, ومن دخل المسجد فهو آمن, فلما ذهب لينصرف قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: يا عباس احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى ~~تمر به جنود الله فيراها, قال: فخرجت به حتى حبسته حيث أمرني رسول الله ms2538 ~~صلى الله عليه وسلم ". # قال: ومرت به القبائل على راياتها، كلما مرت قبيلة قال: من هؤلاء ~~يا عباس؟ قال: أقول: سليم، قال يقول: مالي ولسليم، ثم تمر ~~القبيلة فيقول: من هؤلاء؟ فأقول: مزينة، فيقول: مالي ولمزينة، حتى ~~نفذت القبائل لا تمر قبيلة إلا سألني عنها، فإذا أخبرته يقول: مالي ~~ولبني فلان حتى مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخضراء, كتيبة رسول ~~الله, فيها المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، ~~قال: سبحان الله من هؤلاء يا عباس؟ قلت: هذا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في المهاجرين والأنصار، فقال: والله ما لأحد بهؤلاء من قبل ولا ~~طاقة، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما، فقال: ويحك! ~~إنها النبوة، قال: نعم إذا. # فقلت: الحق الآن بقومك فحذرهم, فخرج سريعا حتى أتى مكة فصرخ في ~~المسجد بأعلى صوته: يا معشر قريش, هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم ~~به، قالوا: فمه؟ قال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، قالوا: ويحك وما ~~تغني عنا دارك؟ قال: ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو ~~آمن، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد. # قال: وجاء حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بمر الظهران فأسلما وبايعاه، فلما بايعاه بعثهما رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بين يديه إلى قريش يدعوانهم إلى الإسلام. # " ولما خرج حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء من عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم عامدين إلى مكة بعث في إثرهما الزبير وأعطاه رايته وأمره على خيل ~~المهاجرين والأنصار، وأمره أن يركز رايته بأعلى مكة بالحجون، وقال: لا ~~تبرح حيث أمرتك أن تركز رايتي حتى آتيك ومن ثم دخل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مكة وضربت هناك قبته. وأمر خالد بن الوليد فيمن أسلم من ~~قضاعة وبني سليم أن يدخل من أسفل مكة وبها بنو بكر فد استنفرتهم قريش ~~وبنو الحارث بن عبد مناف ومن ms2539 كان من الأحابيش, أمرتهم قريش أن يكونوا ~~بأسفل مكة، وإن صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو، وكانوا ~~قد جمعوا أناسا بالخندمة ليقاتلوا، وقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~لخالد والزبير حين بعثهما: لا تقاتلا إلا من قاتلكم وأمر سعد بن عبادة أن ~~يدخل في بعض الناس من كدي، فقال سعد حين توجه داخلا: اليوم يوم ~~الملحمة, اليوم تستحل الحرمة، فسمعها رجل من المهاجرين فقال: ~~يا رسول الله, اسمع ما قال سعد بن عبادة، وما نأمن أن يكون له في قريش ~~صولة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب: أدركه ~~فخذ الراية منه، فكن أنت الذي تدخل بها فلم يكن بأعلى مكة من قبل ~~الزبير قتال، وأما خالد بن الوليد فقدم على قريش وبني بكر والأحابيش ~~بأسفل مكة، فقاتلهم فهزمهم الله، ولم يكن بمكة قتال غير ذلك ". # وقتل من المشركين قريب من اثني عشر أو ثلاثة عشر، ولم يقتل من ~~المسلمين إلا رجل من جهينة يقال له: سلمة بن الميلاء, من خيل ~~خالد بن الوليد، ورجلان يقال لهما كرز بن جابر وخنيس بن خالد, ~~كانا في خيل خالد بن الوليد، فشذا عنه وسلكا طريقا غير طريقه، فقتلا ~~جميعا. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عهد إلى أمرائه من المسلمين حين ~~أمرهم أن يدخلوا مكة أن لا يقاتلوا أحدا إلا من قاتلهم، إلا أنه قد عهد ~~في نفر سماهم أمر بقتلهم، وإن وجدوا تحت أستار الكعبة. منهم: عبد ~~الله بن سعد بن أبي سرح، وإنما أمر بقتله لأنه كان قد أسلم فارتد ~~مشركا، ففر إلى عثمان, وكان أخاه من الرضاعة، فغيبه حتى أتى به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بعد أن اطمأن أهل مكة، فاستأمن له. # وعبد الله بن خطل, كان رجلا من بني تميم بن غالب، وإنما أمر بقتله ~~لأنه كان مسلما فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقا، وكان له ~~مولى يخدمه وكان مسلما، فنزل منزلا وأمر المولى ms2540 أن يذبح له تيسا ~~ويصنع له طعاما، ونام فاستيقظ ولم يصنع له شيئا فعدا عليه فقتله، ثم ~~ارتد مشركا، وكانت له قينتان تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فأمر بقتلهما معه. # والحويرث بن نقيذ بن وهب, كان ممن يؤذيه بمكة. # ومقيس بن صبابة، وإنما أمر بقتله, لقتله الأنصاري الذي قتل أخاه ~~خطأ ورجوعه إلى قريش مرتدا. # وسارة؛ مولاة كانت لبعض بني المطلب كانت ممن يؤذيه بمكة. # وعكرمة بن أبي جهل، فأما عكرمة فهرب إلى اليمن, وأسلمت امرأته أم ~~حكيم بنت الحارث ابن هشام, فاستأمنت له رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأمنه، فخرجت في طلبه حتى أتت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم. # وأما عبد الله بن خطل, فقتله سعد بن حريث المخزومي وأبو برزة الأسلمي, ~~اشتركا في دمه، وأما مقيس بن صبابة, فقتله تميلة بن عبد الله, رجل ~~من قومه, وأما قينتا ابن خطل؛ فقتلت إحداهما وهربت الأخرى حتى ~~استؤمن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمنها، وأما سارة, فتغيبت حتى ~~استؤمن لها فأمنها، فعاشت حتى أوطأها رجل من الناس فرسا له في زمن ~~عمر بن الخطاب بالأبطح فقتلها, وأما الحويرث بن نقيد، فقتله علي بن أبي ~~طالب. # فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة # " وقف قائما على باب الكعبة وقال: لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ~~ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا إن كل مأثرة أو دم أو مال ~~في الجاهلية يدعى فهو تحت قدمي هاتين، إلا سدانة البيت وسقاية ~~الحاج، يا معشر قريش, إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها ~~بالآباء، الناس من آدم وآدم خلق من تراب، ثم تلا: { يأيها ~~الناس إنا خلقنكم من ذكر وأنثى } [الحجرات: 13] ~~الآية، يا أهل مكة, ماذا ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرا, أخ كريم ~~وابن أخ كريم, قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء, فأعتقهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وقد كان الله أمكنه من رقابهم عنوة، فلذلك سمي أهل مكة ~~الطلقاء ". # ثم ms2541 اجتمع الناس للبيعة؛ فجلس لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~الصفا، وعمر بن الخطاب أسفل منه يأخذ على الناس، فبايعوه على السمع ~~والطاعة فيما استطاعوا، فلما فرغ من بيعة الرجال بايع النساء. # قال عروة بن الزبير: خرج صفوان بن أمية يريد جدة ليركب منها إلى اليمن, ~~فقال عمير بن وهب الجمحي: يا نبي الله إن صفوان بن أمية سيد قومي، وقد ~~خرج هاربا منك ليقذف نفسه في البحر، فأمنه، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: هو آمن، قال: يا رسول الله أعطني شيئا يعرف به أمانك، ~~فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمامته التي دخل بها مكة، فخرج بها ~~عمير حتى أدركه بجدة، وهو يريد أن يركب البحر، فقال: يا صفوان فداك أبي ~~وأمي أذكرك الله في نفسك أن تهلكها، فهذا أمان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قد جئتك به، فقال: ويلك اغرب عني فلا تكلمني، قال: أي صفوان ~~فداك أبي وأمي, أفضل الناس وأبر الناس, وأحلم الناس, وخير الناس, ابن ~~عمك عزه عزك وشرفه شرفك وملكه ملكك، قال: إني أخافه على نفسي، قال: ~~هو أحلم من ذلك وأكرم، فرجع به معه حتى وقف به على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقال صفوان: إن هذا يزعم أنك أمنتني؟ قال: صدق، قال ~~فاجعلني في أمري بالخيار شهرين، قال أنت فيه بالخيار أربعة أشهر. # قال ابن إسحاق: وكان جميع من شهد فتح مكة من المسلمين عشرة آلاف, وكان ~~فتح مكة لعشر ليال بقين من رمضان سنة ثمان، وأقام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة. # ثم خرج إلى هوازن وثقيف، وقد نزلوا حنينا: # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا ~~محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا أبو نعيم, حدثنا شيبان عن ~~يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة, أن خزاعة قتلوا رجلا... ~~وقال محمد بن إسماعيل: قال عبد الله بن ms2542 رجاء: حدثنا حرب عن يحيى, حدثنا ~~أبو سلمة " حدثنا أبو هريرة: # " أنه عام فتح مكة قتلت خزاعة رجلا من بني ليث بقتيل لهم في ~~الجاهلية، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله حبس عن مكة ~~الفيل وسلط عليهم رسوله والمؤمنين، ألا وإنها لم تحل لأحد قبلي, ~~ولا تحل لأحد من بعدي، ألا وإنها أحلت لي ساعة من نهار، ألا ~~وإنها ساعتي هذه, حرام لا يختلى شوكها ولا يعضد شجرها، ولا ~~يلتقط ساقطتها إلا منشد، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظر إما أن ~~يؤدى وإما أن يقاد، فقام رجل من أهل اليمن يقال له أبو شاه فقال: اكتب ~~لي يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتبوا لأبي شاه, ~~ثم قام رجل من قريش فقال: يا رسول الله إلا الإذخر فإنا نجعله في ~~بيوتنا وقبورنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إلا الإذخر ". # أخبرنا أبو الحسن السرخسي, أخبرنا زاهر بن أحمد, أخبرنا أبو إسحاق ~~الهاشمي, أخبرنا أبو مصعب عن مالك, عن أبي النضر - مولى عمر بن عبيد الله ~~- أن أبا مرة مولى أم هانئ بنت أبي طالب أخبره أنه سمع أم هانئ بنت أبي ~~طالب تقول: # " ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح, فوجدته يغتسل, ~~وفاطمة ابنته تستره بثوب، قالت: فسلمت، فقال: من هذه؟ فقلت: أنا أم ~~هانىء بنت أبي طالب، قال: مرحبا بأم هانئ, فلما فرغ من غسله قام ~~فصلى ثماني ركعات ملتحفا في ثوب واحد، ثم انصرف فقلت له: يا ~~رسول الله, زعم ابن أمي, علي بن أبي طالب, أنه قاتل رجلا أجرته، ~~فلان بن هبيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد أجرنا من أجرت ~~يا أم هانيء, وذلك ضحى ". # قوله عز وجل: { إذا جآء نصر الله } إذا جاءك نصر الله يا ~~محمد على من عاداك وهم قريش، { والفتح } فتح مكة. ### || [110.2] # { ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا } ، ~~زمرا وأرسالا, القبيلة بأسرها, والقوم بأجمعهم من ms2543 غير قتال. # قال الحسن: لما فتح الله عز وجل مكة على رسوله قالت العرب بعضها لبعض: ~~إذا ظفر محمد بأهل الحرم - وقد كان الله أجارهم من أصحاب الفيل - فليس ~~لكم به يدان، فكانوا يدخلون في دين الله أفواجا بعد أن كانوا يدخلون ~~واحدا واحدا، واثنين اثنين. # وقال عكرمة ومقاتل: أراد بالناس أهل اليمن: # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد ~~الله الطيسفوني أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري حدثنا أحمد بن الكشميهني ~~حدثنا علي بن حجر حدثنا إسماعيل بن جعفر حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة عن ~~أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " أتاكم أهل اليمن هم أضعف قلوبا وأرق أفئدة، الإيمان يمان والحكمة ~~يمانية ". ### || [110.3] # { فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توبا } ~~، فإنك حينئذ لاحق به. # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا ~~محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا أبو النعمان, حدثنا أبو ~~عوانة عن أبي بشر, عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان عمر يدخلني ~~مع أشياخ بدر فقال بعضهم: لم تدخل هذا الفتى معنا ولنا أبناء مثله؟ ~~فقال: إنه ممن قد علمتم، قال: فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم، قال: وما ~~رأيته دعاني يومئذ إلا ليريهم مني، فقال: ما تقولون في قوله: { ~~إذا جآء نصر الله والفتح } حتى ختم السورة؟ فقال بعضهم: ~~أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا جاء نصرنا وفتح علينا، وقال بعضهم: لا ~~ندري، ولم يقل بعضهم شيئا، فقال لي: يا ابن عباس أكذلك تقول؟ قلت: لا، ~~قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه به: { ~~إذا جآء نصر الله والفتح } فتح مكة، فذلك علامة أجلك { ~~فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توبا } ، ~~فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, ~~أخبرنا محمد بن يوسف, حدثنا محمد ms2544 بن إسماعيل, حدثني عثمان بن أبي شيبة, ~~حدثنا جرير عن منصور عن أبي الضحى عن مسروق, عن عائشة رضي الله تعالى ~~عنها قالت: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: ~~" سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي " # يتأول القرآن. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر, أخبرنا عبد الغافر بن محمد بن عيسى ~~الجلودي, حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان, حدثنا مسلم بن الحجاج, حدثنا ~~محمد بن المثنى, حدثني عبد الأعلى, حدثنا داود عن عامر, عن مسروق, عن ~~عائشة؛ قالت: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من قول: " سبحان الله ~~وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه " ، قالت: فقلت يا رسول الله، أراك تكثر ~~من قول: " سبحان الله وبحمده, أستغفر الله وأتوب إليه؟ " فقال: أخبرني ~~ربي أني سأرى علامة في أمتي، فإذا رأيتها أكثر من قول: سبحان الله ~~وبحمده, أستغفر الله وأتوب إليه، فقد رأيتها: { إذا جآء نصر ~~الله والفتح } ، فالفتح فتح مكة، { ورأيت الناس ~~يدخلون في دين الله أفواجا * فسبح بحمد ربك ~~واستغفره إنه كان توابا } ". # قال ابن عباس: لما نزلت هذه السورة علم النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~نعيت إليه نفسه. # قال الحسن: أعلم أنه قد اقترب أجله فأمر بالتسبيح والتوبة, ليختم له ~~بالزيادة في العمل الصالح. # قال قتادة ومقاتل: عاش النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه السورة ~~سنتين. ### | [111 - سورة المسد] ### || [111.1] # { تبت يدآ أبي لهب وتب } , أخبرنا أحمد بن عبد الله ~~الصالحي, أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري, أخبرنا حاجب بن أحمد ~~الطوسي, حدثنا محمد بن حماد, حدثنا أبو معاوية عن الأعمش, عن عمرو بن ~~مرة, عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: # " صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم على الصفا فقال: يا صباحاه، ~~قال: فاجتمعت إليه قريش, فقالوا له: مالك؟ قال: أرأيتم لو أخبرتكم ~~أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أما كنتم تصدقوني؟ قالوا: بلى، قال: فإني ~~نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال ms2545 أبو لهب: تبا لك, ألهذا دعوتنا ~~جميعا؟ فأنزل الله عز وجل: { تبت يدآ أبي لهب وتب } ~~إلى آخرها ". # قوله: { تبت } أي: خابت وخسرت يدا أبي لهب، أي هو أخبر عن يديه، ~~والمراد به نفسه على عادة العرب في التعبير ببعض الشيء عن كله. # وقيل: " اليد " صلة، كما يقال: يد الدهر ويد الرزايا والبلايا. # وقيل: المراد به ماله وملكه، يقال: فلان قليل ذات اليد، يعنون به المال, ~~و " التباب ": الخسار والهلاك. # وأبو لهب: هو ابن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم، واسمه عبد ~~العزى. قال مقاتل: كني بأبي لهب لحسنه وإشراق وجهه. # وقرأ ابن كثير { أبى لهب } ساكنة الهاء وهي مثل: نهر ونهر. ~~واتفقوا في " ذات لهب " أنها مفتوحة الهاء لوفاق الفواصل. # { وتب } , أبو لهب، وقرأ عبد الله: وقد تب. قال الفراء: الأول دعاء، ~~والثاني خبر، كما يقال: أهلكه الله، وقد فعل. ### || [111.2-4] # { مآ أغنى عنه ماله وما كسب } , قال ابن مسعود: لما ~~دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرباءه إلى الله عز وجل قال أبو ~~لهب: إن كان ما يقول ابن أخي حقا فإني أفتدي نفسي بمالي وولدي، فأنزل ~~الله تعالى: # { مآ أغنى عنه ماله }. أي ما يغني، وقيل: أي شيء يغني عنه ~~ماله، أي ما يدفع عنه عذاب الله ما جمع من المال؟ وكان صاحب مواش، { ~~وما كسب } , قيل: يعني ولده, لأن ولد الإنسان من كسبه كما جاء في ~~الحديث: # " أطيب ما يأكل أحدكم من كسبه، وإن ولده من كسبه ". # ثم أوعده بالنار فقال: { سيصلى نارا ذات لهب } ، أي نارا ~~تلتهب عليه. # { وامرأته } ، أم جميل بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان { ~~حمالة الحطب } , قال ابن زيد والضحاك: كانت تحمل الشوك والعضاة ~~فتطرحه في طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه, لتعقرهم، وهي ~~رواية عطية عن ابن عباس. # وقال قتادة, ومجاهد, والسدي: كانت تمشي بالنميمة وتنقل الحديث فتلقي ~~العداوة بين الناس، وتوقد نارها كما توقد النار بالحطب، يقال: فلان يحطب ~~على فلان, إذا كان يغري ms2546 به. # وقال سعيد بن جبير: حمالة الخطايا، دليله: قوله: # وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم # [الأنعام: 31]. # قرأ عاصم " حمالة " بالنصب على الذم، كقوله: { ملعونين }. # وقرأ الآخرون بالرفع, وله وجهان: أحدهما سيصلى نارا هو وامرأته حمالة ~~الحطب والثاني: وامرأته حمالة الحطب في النار أيضا. ### || [111.5] # { فى جيدها } ، في عنقها، وجمعه أجياد، { حبل من مسد }. ~~واختلفوا فيه, قال ابن عباس, وعروة بن الزبير: سلسلة من حديد ذرعها ~~سبعون ذراعا, تدخل في فيها وتخرج من دبرها، ويكون سائرها في عنقها، ~~وأصله من " المسد " وهو الفتل، و " المسد " ما فتل وأحكم من أي شيء ~~كان، يعني: السلسلة التي في عنقها ففتلت من الحديد فتلا محكما. # وروى الأعمش عن مجاهد: " من مسد " أي من حديد، والمسد: الحديدة التي ~~تكون في البكرة، يقال لها المحور. # وقال الشعبي ومقاتل: من ليف. قال الضحاك وغيره: في الدنيا من ليف, وفي ~~الآخرة من نار، وذلك الليف هو الحبل الذي كانت تحتطب به، فبينما هي ذات ~~يوم حاملة حزمة فأعيت فقعدت على حجر تستريح فأتاها ملك فجذبها من خلفها ~~فأهلكها. # قال ابن زيد: حبل من شجر ينبت باليمن يقال له مسد. # قال قتادة: قلادة من ودع. وقال الحسن: كانت خرزات في عنقها فاخرة وقال ~~سعيد بن المسيب: كانت لها قلادة في عنقها فاخرة، فقالت: لأنفقنها في ~~عداوة محمد صلى الله عليه وسلم. ### | [112 - سورة الإخلاص] ### || [112.1-2] # { قل هو الله أحد } , روى أبو العالية عن أبي بن كعب أن ~~المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انسب لنا ربك، فأنزل ~~الله تعالى هذه السورة. # وروى أبو ظبيان, وأبو صالح, عن ابن عباس: # " أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أتيا النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال عامر: إلام تدعونا يا محمد؟ قال: إلى الله قال: صفه لنا ~~أمن ذهب هو؟ أم من فضة؟ أم من حديد؟ أم من خشب؟ فنزلت هذه السورة " # فأهلك الله أربد بالصاعقة وعامر بن الطفيل بالطاعون. وقد ذكرناه في سورة ~~الرعد. # وقال الضحاك, وقتادة ومقاتل: جاء ناس ms2547 من أحبار اليهود إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقالوا: صف لنا ربك يا محمد لعلنا نؤمن بك، فإن الله ~~أنزل نعته في التوراة، فأخبرنا من أي شيء هو؟ وهل يأكل ويشرب؟ ومن يرث ~~منه؟ فأنزل الله هذه السورة. # { قل هو الله أحد } أي واحد، ولا فرق بين الواحد والأحد، يدل ~~عليه قراءة ابن مسعود: قل هو الله الواحد. # { الله الصمد } ، قال ابن عباس, ومجاهد, والحسن, وسعيد بن جبير: ~~" الصمد " الذي لا جوف له. # قال الشعبي: الذي لا يأكل ولا يشرب. # وقيل: تفسيره ما بعده, روى أبو العالية عن أبي بن كعب قال: " الصمد " ~~الذي لم يلد ولم يولد؛ لأن من يولد سيموت, ومن يرث يورث منه. # قال أبو وائل شقيق بن سلمة: هو السيد الذي قد انتهى سؤدده, وهو رواية ~~علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، قال: هو السيد الذي قد كمل في جميع أنواع ~~السؤدد. وعن سعيد بن جبير أيضا: هو الكامل في جميع صفاته وأفعاله. وقيل: ~~هو السيد المقصود في الحوائج. وقال السدي: هو المقصود إليه في الرغائب ~~المستغاث به عند المصائب، تقول العرب: صمدت فلانا أصمده صمدا - بسكون ~~الميم - إذا قصدته، والمقصود: صمد بفتح الميم. # وقال قتادة: " الصمد " الباقي بعد فناء خلقه. وقال عكرمة: " الصمد " ~~الذي ليس فوقه أحد، وهو قول علي. وقال الربيع: الذي لا تعتريه الآفات. ~~قال مقاتل بن حيان: الذي لا عيب فيه. ### || [112.3-4] # { لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد } ~~, قرأ حمزة وإسماعيل: " كفؤا " ساكنة الفاء مهموزا، وقرأ حفص عن عاصم ~~بضم الفاء من غير همز، وقرأ الآخرون بضم الفاء مهموزا، وكلها لغات ~~صحيحة، ومعناه: المثل, أي: هو أحد. # وقيل: هو على التقديم والتأخير, مجازه: ولم يكن له أحد كفوا أي مثلا. # قال مقاتل: قال مشركو العرب: الملائكة بنات الله، وقالت اليهود: عزير ~~ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، فأكذبهم الله ونفى عن ذاته ~~الولادة والمثل. # أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا ~~محمد ms2548 بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا أبو اليمان, أخبرنا شعيب عن ~~الزهري, أخبرنا أبو الزناد, عن الأعرج, عن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " قال الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن ~~له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني, وليس أول ~~الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا, ~~وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد ". # أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد, ~~أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي, أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن عبد الرحمن بن عبد ~~الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري عن أبيه, عن أبي سعيد الخدري ~~أن رجلا سمع رجلا يقرأ: { قل هو الله أحد } ويرددها، فلما ~~أصبح أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، وكأن الرجل ~~يتقالها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن ". # أخبرنا أبو سعيد الشريحي, أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي, أخبرنا أبو بكر ~~محمد بن الحسن الأصفهاني, أخبرنا عبد الله بن جعفر بن أحمد بن فارس, ~~حدثنا يونس بن حبيب, حدثنا أبو داود الطيالسي, حدثنا شعبة عن قتادة: سمعت ~~سالم بن أبي الجعد يحدث عن معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " " أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة "؟ قلت: يا رسول الله ~~ومن يطيق ذلك؟ قال: " اقرؤوا قل هو الله أحد ". # وأخبرنا أبو الحسن السرخسي, أخبرنا زاهر بن أحمد, أخبرنا أبو إسحاق ~~الهاشمي, أخبرنا أبو مصعب عن مالك, عن عبيد الله بن عبد الرحمن عن عبيد ~~بن جبير مولى زيد بن الخطاب أنه قال: سمعت أبا هريرة يقول # " أقبلت مع رسول الله فسمع رجلا يقرأ: { قل هو الله أحد * ~~الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له ~~كفوا أحد } ، فقال رسول الله: " وجبت ms2549 " , فسألته: ماذا يا رسول ~~الله؟ فقال: " الجنة ". فقال أبو هريرة: فأردت أن أذهب إلى الرجل فأبشره، ~~ثم فرقت أن يفوتني الغداء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فآثرت الغداء، ~~ثم ذهبت إلى الرجل فوجدته قد ذهب ". # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي, أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري, ~~أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي, حدثنا عبد الرحيم بن منيب, حدثنا يزيد بن ~~هارون, حدثنا المبارك بن فضالة عن ثابت, عن أنس قال: # " قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أحب هذه السورة: { قل ~~هو الله أحد } قال: حبك إياها أدخلك الجنة ". ### | [113 - سورة الفلق] ### || [113.1] # { قل أعوذ برب الفلق } , قال ابن عباس, وعائشة - رضي الله ~~عنهما -: كان غلام من اليهود يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فدبت ~~إليه اليهود، فلم يزالوا به حتى أخذ مشاطة رأس النبي صلى الله عليه ~~وسلم وعدة أسنان من مشطه، فأعطاها اليهود فسحروه فيها، وتولى ذلك ~~لبيد بن الأعصم, رجل من اليهود، فنزلت السورتان فيه. # أخبرنا أبو حامد أحمد بن عبد الله الصالحي, أخبرنا أبو سعيد محمد بن ~~موسى الصيرفي, حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم, حدثنا محمد بن عبد ~~الله بن عبد الحكم أخبرنا أنس بن عياض عن هشام عن أبيه عن عائشة # " أن النبي صلى الله عليه وسلم: طب حتى إنه ليخيل إليه أنه قد ~~صنع شيئا وما صنعه, وأنه دعا ربه, ثم قال: أشعرت أن الله تعالى ~~أفتاني فيما استفتيته فيه، فقالت عائشة: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: ~~جاءني رجلان فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال أحدهما ~~لصاحبه: ما وجع الرجل؟ قال الآخر: هو مطبوب، قال: من طبه؟ ~~قال: لبيد بن الأعصم، قال: في ماذا؟ قال في مشط ومشاطة ~~وجف طلعة ذكر، قال: فأين هو؟ قال: في ذروان - وذروان بئر ~~في بني زريق - قالت عائشة: فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم ~~رجع إلى عائشة، فقال: والله لكأن ماءها نقاعة الحناء, ولكأن ~~نخلها ms2550 رؤوس الشياطين, قالت: فقلت له: يا رسول الله هلا أخرجته؟ قال: ~~" أما أنا فقد شفاني الله, فكرهت أن أثير على الناس به شرا ". # وروي أنه كان تحت صخرة في البئر, فرفعوا الصخرة وأخرجوا جف الطلعة, ~~فإذا فيه مشاطة رأسه, وأسنان مشطه: # أخبرنا المطهر بن علي الفارسي, أخبرنا محمد بن إبراهيم الصالحاني, حدثنا ~~عبد الله بن محمد بن جعفر أبو الشيخ الحافظ, أخبرنا ابن أبي عاصم, حدثنا ~~أبو بكر بن أبي شيبة, حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن يزيد بن حيان عن زيد ~~بن أرقم قال: سحر النبي صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود، قال: ~~فاشتكى لذلك أياما، قال: فأتاه جبريل، فقال: إن رجلا من اليهود سحرك ~~وعقد لك عقدا، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا فاستخرجها فجاء ~~بها، فجعل كلما حل عقدة وجد لذلك خفة، فقام رسول الله كأنما نشط من ~~عقال، فما ذكر ذلك لليهود ولا رأوه في وجهه قط. # قال مقاتل والكلبي: كان في وتر عقد عليه إحدى عشرة عقدة. وقيل: كانت ~~العقد مغروزة بالإبرة، فأنزل الله هاتين السورتين وهما إحدى عشرة آية؛ ~~سورة الفلق خمس آيات، وسورة الناس ست آيات، كلما قرئت آية انحلت عقدة، ~~حتى انحلت العقد كلها، فقام النبي صلى الله عليه وسلم كأنما نشط من ~~عقال. # وروي: أنه لبث فيه ستة أشهر واشتد عليه ثلاث ليال، فنزلت المعوذتان: # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر, أخبرنا عبد الغافر بن محمد, أخبرنا محمد ~~بن عيسى الجلودي, حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان, حدثنا مسلم بن الحجاج, ~~حدثنا بشر بن هلال الصواف, حدثنا عبد الوارث حدثنا عبد العزيز بن صهيب, ~~عن أبي نضرة, عن أبي سعيد: # " أن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد ~~اشتكيت؟ قال: نعم، فقال: " بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من شر كل نفس ~~أو عين حاسد الله يشفيك، بسم الله أرقيك والله يشفيك ". # قوله عز وجل: { قل أعوذ برب الفلق } ، أراد بالفلق: ~~الصبح وهو ms2551 قول جابر بن عبد الله والحسن, وسعيد بن جبير, ومجاهد, وقتادة, ~~وأكثر المفسرين، وهي رواية العوفي عن ابن عباس بدليل قوله: { فالق ~~الإصباح }. # وروي عن ابن عباس: إنه سجن في جهنم. وقال الكلبي: واد في جهنم. # وقال الضحاك: يعني الخلق، وهي رواية الوالبي عن ابن عباس، والأول هو ~~المعروف. ### || [113.2-3] # { من شر ما خلق * ومن شر غاسق إذا وقب } , أخبرنا ~~أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا جعفر بن محمد بن المغلس، ~~حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا وكيع عن ابن أبي ذئب، عن خاله ~~الحارث بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة عن عائشة قالت: أخذ النبي صلى الله ~~عليه وسلم بيدي فنظر إلى القمر فقال: # " يا عائشة، استعيذي بالله من شر غاسق إذا وقب، هذا غاسق إذا وقب ". # فعلى هذا: المراد به: القمر إذا خسف واسود " وقب " ، أي: دخل في ~~الخسوف وأخذ في الغيبوبة وأظلم. # وقال ابن عباس: " الغاسق ": الليل إذا أقبل بظلمته من المشرق ودخل في كل ~~شيء وأظلم، و " الغسق " الظلمة، يقال غسق الليل وأغسق إذا أظلم، وهو قول ~~الحسن ومجاهد، يعني: الليل إذا أقبل ودخل و " الوقوب ": الدخول، وهو دخول ~~الليل بغروب الشمس. # قال مقاتل: يعني ظلمة الليل إذا دخل سواده في ضوء النهار. # وقيل: سمي الليل غاسقا لأنه أبرد من النهار، والغسق البرد. # وقال ابن زيد: يعني الثريا اذا سقطت. ويقال: إن الأسقام تكثر عند وقوعها ~~وترتفع عند طلوعها. ### || [113.4-5] # { ومن شر النفثت فى العقد } ، يعني السواحر اللاتي ~~ينفثن في عقد الخيط حين يرقين عليها. قال أبو عبيدة: هن بنات لبيد بن ~~الأعصم سحرن النبي صلى الله عليه وسلم. # { ومن شر حاسد إذا حسد } ، يعني اليهود فإنهم كانوا يحسدون ~~النبي صلى الله عليه وسلم. ### | [114 - سورة الناس] ### || [114.1-6] # { قل أعوذ برب الناس * ملك الناس * إله الناس ~~* من شر الوسواس الخناس } , يعني الشيطان يكون مصدرا ~~واسما. # قال الزجاج: يعني الشيطان ذا الوسواس " الخناس " الرجاع، وهو الشيطان ~~جاثم على قلب الإنسان، فإذا ذكر الله خنس وإذا ms2552 غفل وسوس. # وقال قتادة: الخناس له خرطوم كخرطوم الكلب في صدر الإنسان فإذا ذكر ~~العبد ربه خنس، ويقال: رأسه كرأس الحية واضع رأسه عل ثمرة القلب ~~يمنيه ويحدثه، فإذا ذكر الله خنس وإذا لم يذكر رجع فوضع رأسه, ~~فذلك: # { الذى يوسوس في صدور الناس } ، بالكلام الخفي الذي يصل ~~مفهومه إلى القلب من غير سماع. # { من الجنة والناس } ، يعني يدخل في الجني كما يدخل في ~~الإنسي، ويوسوس للجني كما يوسوس للإنسي، قاله الكلبي. # وقوله: { في صدور الناس } أراد بالناس: ما ذكر من بعد، وهو ~~الجنة والناس، فسمى الجن ناسا, كما سماهم رجالا، فقال: # وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من ~~الجن # [الجن: 6]. # وقد ذكر عن بعض العرب أنه قال وهو يحدث جاء قوم من الجن فوقعوا فقيل: من ~~أنتم:؟ قالوا: أناس من الجن. وهذا معنى قول الفراء. # قال بعضهم: أثبت أن الوسواس للإنسان من الإنسان كالوسوسة للشيطان، فجعل ~~" الوسواس " من فعل الجنة والناس جميعا، كما قال: # وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا شيطين الإنس ~~والجن # [الأنعام: 112]، كأنه أمر أن يستعيذ من شر الجن والإنس جميعا. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد ~~بن عيسى، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا ~~قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير عن بيان عن قيس بن أبي حازم، عن عقبة بن ~~عامر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن قط: { قل أعوذ برب ~~الفلق } و { قل أعوذ برب الناس } ". # أخبرنا أبو سعيد محمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن ~~محمد بن إبراهيم الثعلبي, أخبرنا أبو الحسن بن عبد الرحمن بن إبراهيم ~~العدل، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أبو العباس ابن الوليد بن ~~مرثد، أخبرني أبي، حدثنا الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني محمد ~~بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن عقبة بن عامر الجهني، أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال له: # " " ألا ms2553 أخبرك بأفضل ما تعوذ به المتعوذون "؟ قلت: بلى، قال: { قل ~~أعوذ برب الفلق } و { قل أعوذ برب الناس } ". # أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني أخبرنا أبو القاسم علي ~~بن أحمد الخزاعي أخبرنا أبو سعيد الهيثم بن كليب الشاشي، أخبرنا أبو عيسى ~~الترمذي، حدثنا قتيبة، حدثنا المفضل بن فضالة عن عقيل، عن الزهري، عن ~~عروة، عن عائشة قالت: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع ~~كفيه فنفث فيهما، فقرأ فيهما: { قل هو الله أحد } و { قل ~~أعوذ برب الفلق } و { قل أعوذ برب الناس } ثم ~~يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من ~~جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات ". # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق ~~الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن ~~عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم: # " كان إذا اشتكى يقرأ عل نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت ~~أقرأ عليه وأمسح عنه بيده رجاء بركتهما ". # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي وأبو حامد أحمد بن عبد ~~الله الصالحي قالا: حدثنا أبو بكر أحمد بن الحسين الحيري، أخبرنا محمد بن ~~أحمد بن معقل الميداني، أخبرنا محمد بن يحيى، حدثنا عبد الرزاق, أخبرنا ~~معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل ~~وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفق منه آناء الليل وآناء ~~النهار ". # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم بن حمزة، حدثني ابن ~~أبي حازم عن يزيد، يعني ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة بن ~~عبد الرحمن عن أبي هريرة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ms2554 # " ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر ~~به ". ms2555