######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_001016 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: الحريري #META# 010.AuthorNAME :: القاسم بن علي الحريري #META# 011.AuthorBORN :: 446هـ #META# 011.AuthorDIED :: 516 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: درة الغواص في أوهام الخواص #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الإصلاح اللغوي :: التصحيح اللغوي :: كتب الأدب #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: درة الغواص في أوهام الخواص #META# 030.LibURI :: JK_001016 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عرفات مطرجي #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مؤسسة الكتب الثقافية #META# 044.EdPLACE :: بيروت #META# 045.EdYEAR :: 1418/1998هـ #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # درة الغواص في أوهام الخواص PageV01P001 # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الشيخ الأجل الأوحد الرئيس أبو محمد القاسم ابن علي الحريري رحمه ~~الله تعالى : أما بعد حمد الله الذي عم عباده بوظائف العوارف ، وخص من شاء ~~منهم بلطائف المعارف ، والصلاة على نبيه محمد العاقب ، وعلى آله وأصحابه ~~أولي المناقب فإني رأيت كثيرا ممن تسنموا أسنمة الرتب ، وتوسموا بسمة الأدب ~~، قد ضاهوا العامة في بعض ما يفرط من كلامهم ، وترعف به مراعف أقلامهم ، ~~مما إذا عثر عليه ، وأثر عن المعزو إليه ، خفض قدر العلية ، ووصم ذا الحلية ~~. # فدعاني الأنف لنباهة أخطارهم ، والكلف بإطابة أخبارهم ، إلى أن أدرأ عنهم ~~الشبه ، وأبين ما التبس عليهم واشتبه ، لألتحق بمن زكى أكل غرسه ، وأحب ~~لأخيه ما يحب لنفسه . # فألفت هذا الكتاب تبصرة لمن تبصر ، وتذكرة لمن أراد أن يذكر ، وسميته : ~~درة الغواص في أوهام الخواص ، وها أنا قد أودعته من النخب كل لباب ، ومن ~~النكت ما لا يوجد منتظما في كتاب ، هذا إلى ما لمعته به من النوادر اللائقة ~~بمواضعها ، والحكايات الواقعة في مواقعها ، فإن حلي بعين الناظر فيه ~~والدارس ، وأحله القادح لدى القابس ، وإلا فعلى الله تعالى أجر المجتهد ، ~~وهو حسبي وعليه أعتمد . # [ 1 ] فمن أوهامهم الفاضحة ، وأغلاطهم الواضحة أنهم يقولون : قدم سائر ~~الحاج ، واستوفي سائر الخراج ، فيستعملون سائرا بمعنى الجميع ، وهو في كلام ~~العرب PageV01P009 بمعنى الباقي ، ومنه قيل لما يبقى في الإناء : سؤر ، ~~والدليل على صحة ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لغيلان حين أسلم ~~وعنده عشر نسوة : اختر أربعا منهن ، وفارق سائرهن ، أي من بقي بعد الأربع ~~اللاتي تختارهن . # ولما وقع سائر في هذا الموطن بمعنى الباقي الأكثر ، منع بعضهم من ~~استعماله بمعنى الباقي الأقل . # والصحيح أنه يستعمل في كل باق ، قل أو كثر لإجماع أهل اللغة على أن معنى ~~الحديث : إذا شربتم فأسئروا ، أي أبقوا في الإناء بقية ماء ، لا أن المراد ~~به أن يشرب الأقل ويبقي الأكثر . # وإنما ندب إلى التأدب بذلك لأن الإكثار من المطعم والمشرب منبأة عن ms001 النهم ~~ملأمة عند العرب ، ومنه ما جاء في حديث أم زرع عن التي ذمت زوجها ، فقالت : ~~إن أكل لف ، وإن شرب اشتف ، أي يتناهى في الشربه إلى أن يستأصل الشفافة ، ~~وهي ما يبقى من الشراب في الإناء . # ومما يدل على أن سائرا بمعنى باق ما أنشده سيبويه : # ( ترى الثور فيها مدخل الظل رأسه % وسائره باد إلى الشمس أجمع ) # ويشهد بذلك أيضا قول الشنفرى : # ( لا تقبروني إن قبري محرم % عليكم ولكن أبشري أم عامر ) PageV01P010 # ( إذا احتملت رأسي وفي الرأس أكثري % وغودر عند الملتقى ثم سائري ) # فعنى كل شاعر بلفظ سائر ما بقي من جثمانه بعد إبانة رأسه . # وقد اشتملت هذه الأبيات على ما يقتضي الكشف عنه لئلا يحتضن هذا الكتاب ما ~~يلتبس شيء منه . # أما قول الشاعر الأول : ترى الثور فيها مدخل الظل ، فإنه أراد به مدخل ~~رأسه الظل ، فقلب الكلام كما يقال : أدخلت الخاتم في إصبعي . # وحقيقته إدخال الإصبع في الخاتم ، وقلب الكلام من سنن العرب المأثورة ~~وتصاريف لغاتها المشهورة ، ومنه في القرآن : @QB@ ما إن مفاتحه لتنوء ~~بالعصبة أولي القوة @QE@ لأن تقديره : ما إن العصبة تنوء بمفاتحه ، أي تنهض ~~بها على تثاقل . # وأما قول الشنفري : ولكن أبشري أم عامر ، فقد اختلف في تفسيره ، فقيل إنه ~~التفت عن خطاب قومه إلى خطاب الضبع ، فبشرها بالتحكم فيه إذا قتل ولم يقبر ~~، وأم عامر كنية الضبع ، والإلتفات في المخاطبة نوع من انواع البلاغة ~~وأسلوب من أساليب الفصاحة ، وقد نطق القرآن به في قوله تعالى : @QB@ يوسف ~~أعرض عن هذا واستغفري لذنبك @QE@ . # فحول الخطاب عن يوسف عليه السلام إلى امرأة العزيز . # وقيل : بل الخطاب كله PageV01P011 لقومه فكأنه قال : لا تقبروني إذا قتلت ~~ولكن اتركوني للتي يقال لها : أبشري أم عامر فجعل هذه الجملة لقبا لها ، ~~وأوردها على وجه الحكاية كما قيل لثابت بن جابر الفهمي : تأبط شرا ، بأخذه ~~سيفا تحت إبطه . # وإنما لقب الضبع بذلك ، لأن من عادة من يروم اصطيادها من وجارها ، أن ~~يقول لها حين يتحفر عنها : أبشري أم عامر ، خامري أم عامر ms002 ، وهي تبتعد منه ~~وتروغ عنه ، وهو لا يزال يكرر ذلك عليها ويؤنسها به إلى أن تبرز إليه وتسلم ~~نفسها له ، ولأجل انخداعها بهذا القول نسبت إلى الحمق وضرب بها المثل فيه . # وأما قوله : وفي الرأس أكثري ، فإنه عنى به أن فيه أربعا من الحواس الخمس ~~التي بها كملت فضيلة الإنسان ، وامتاز عن سائر الحيوان ، وإنما اختار هذا ~~الشاعر تسليط الضبع على أكله وألا يقبر بعد قتله ، ليكون هذا الفعل أوجع ~~لقلوب قومه ، وأدعى لهم إلى السؤور بدمه ، وقد فسر بغير ذلك إلا أنا لم نضع ~~هذا الكتاب لهذا الفن فنستقصي فيما نشرح منه ، وإنما شذرناه بما نظمناه من ~~غير سمطه فيه . # [ 2 ] ويقولون للمتتابع : متواتر فيوهمون فيه لأن العرب تقول : جاءت ~~الخيل متتابعة ، إذا جاء بعضها في إثر بعض بلا فصل ، وجاءت متواترة ، إذا ~~تلاحقت وبينها فصل ، ومنه قولهم : فعلته متواترا ، أي حالا بعد حال ، وشيئا ~~بعد شيء . # وجاء في الأثر أن الصحابة لما اختلفوا في الموؤودة قال لهم علي كرم الله ~~وجهه : أنها لا تكون موؤودة حتى تأتي عليها التارات السبع ، فقال له عمر ~~رضي الله عنه : صدقت أطال الله بقاءك وكان أول من نطق بهذا الدعاء ، وأراد ~~علي رضي الله عنه بالتارات السبع طبقات الخلق السبع المبينة في قوله تعالى ~~: @QB@ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم ~~خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام ~~لحما ثم أنشأناه خلقا @QE@ PageV01P012 ) . # فعنى سبحانه وتعالى ولادته حيا ، فأشار علي رضي الله عنه إلى أنه إذا ~~استهل بعد الولادة ثم دفن فقد وئد ، وقصد بذلك أن يدفع قول من توهم أن ~~الحامل إذا أسقطت جنينها بالتداوي فقد وأدته . # ومما يؤيد ما ذكرنا من معنى التواتر قوله تعالى : @QB@ ثم أرسلنا رسلنا ~~تترا @QE@ ، ومعلوم ما بين كل رسولين من الفترة وتراخي المدة . # وروى عبد خير ، قال : قلت لعلي رضي الله عنه : إن علي أياما من شهر رمضان ~~، أفيجوز أن أقضيها متفرقة قال : اقضها إن ms003 شئت متتابعة ، وإن شئت تترى . # قال : فقلت : إن بعضهم قال : لا تجزئ عنك إلا متتابعة ، فقال : بلى تجزئ ~~تترى ، لأنه قال عز وجل : @QB@ فعدة من أيام أخر @QE@ ولو أرادها متتابعة ~~لبين التتابع كما قال سبحانه : @QB@ فصيام شهرين متتابعين @QE@ . # وعند أهل العربية أن أصل تترى وترى ، فقلبت الواو تاء ، كما قلبت في تخمة ~~وتهمة وتجاه ، لكون أصولها من الوخامة والوهم والوجه . PageV01P013 # ويجوز أن تنون تترى كما تنون أرطى وألا تنون مثل سكرى ، وقد قرئ بهما ~~جميعا . # وحكى أبو بكر الصولي قال : كتب أحد الأدباء إلى صديق له ، وقد أبطأ جوابه ~~عنه : كتبت إليك فما أجبت ، وتابعت فما واترت ، وأضبرت فأفردت ، وجمعت فما ~~وحدت . # فكتب إليه صديقه : الجفاء المستمر على الأزمان ، أحسن من بعض الخطاب ~~للإخوان . # [ 3 ] ويقولون أزف وقت الصلاة إشارة إلى تضايقه ومشارفة تصرمه . # فيحرفونه في موضعه ، ويعكسون حقيقة المعنى في وضعه ، لأن العرب تقول : ~~أزف الشيء بمعنى دنا واقترب ، لا بمعنى حضر ووقع ، يدل على ذلك أن سبحانه ~~سمى الساعة آزفة وهي منتظرة لا حاضرة ، وقال عز وجل فيها : @QB@ أزفت ~~الآزفة @QE@ ، أي دنا ميقاتها وقرب أوانها ، كما صرح جل اسمه بهذا المعنى ~~في قوله سبحانه : @QB@ اقتربت الساعة @QE@ ، والمراد بذكر اقترابها التنبيه ~~على أن ما مضى من أمد الدنيا أضعاف ما بقي منه ، ليتعظ أولو الألباب به . # ومما يدل أيضا على أن أزف بمعنى اقترب ، قول النابغة : # أزف الترحل غير أن ركابنا % لما تزل برحالنا وكأن قد ) # فتصريحه بأن الركاب ما زالت ، يشهد بأن معنى قوله : أزف ، أي اقترب ، إذ ~~لو كان قد وقع لسارت الركاب . # ومعنى قوله : وكأن قد أي وكأن قد سارت ، فحذف الفعل لدلالة ما بقي على ما ~~ألقي . # ونبه بقد على شدة التوقع وتداني الإيقاع له . # والعرب تقول في كل ما يتوقع حلوله ، ويرصد وقوعه : كأن قد ، أي كأن قد ~~وجد كونه ، وأظل وقعه . PageV01P014 # [ 4 ] ويقولون : زيد أفضل إخوته فيخطئون فيه ، لأن أفعل الذي للتفضيل لا ~~يضاف إلا إلى ما هو داخل فيه ، ومنزل منزلة الجزء ms004 منه ، وزيد غير داخل في ~~جملة إخوته ، ألا ترى أنه لو قال لك قائل : من إخوة زيد لعددتهم دونه ، ~~فلما خرج عن أن يكون داخلا فيهم امتنع أن يقال : زيد أفضل إخوته كما لا ~~يقال : زيد أفضل النساء لتميزه من جنسهن وخروجه عن أن يعد في جملتهن . # وتصحيح هذا الكلام أن يقال : زيد أفضل الإخوة ، أو أفضل بني أبيه لأنه ~~حينئذ يدخل في الجملة التي أضيف إليها بدلالة أنه لو قيل لك : من الإخوة أو ~~من بنو أبيه لعددته فيهم وأدخلته معهم . # [ 5 ] ويقولون لمن يأخذ الشيء بقوة وغلظة : قد تغشرم ، وهو متغشرم . # والصواب أن يقال فيه : تغشمر ، وهو متغشمر ، بتقديم الميم على الراء ، ~~كما قال PageV01P015 # الراجز : # ( إن لها لسائقا عشنزرا % إذا ونين ساعة تغشمرا ) # ويروى : إن لها لسائقا غشوزرا ، وكلاهما بمعنى الشديد . # ومن كلام العرب : قد تغشمر السيل ، إذا أقبل بشدة وجرى بحدة . # [ 6 ] ويقولون : بعد اللتيا والتي فيضمون اللام الثانية من اللتيا وهو ~~لحن فاحش ، وغلط شائن إذ الصواب فيها اللتيا بفتح اللام لأن العرب خصت الذي ~~والتي عند تصغيرهما وتصغير أسماء الإشارة بإقرار فتحة أوائلها على صيغتها ، ~~وبأن زادت ألفا في آخرها ، عوضا عن ضم أولها ، فقالوا في تصغير الذي والتي ~~: اللذيا واللتيا ، وفي تصغير ذاك وذلك : ذياك وذيالك ، وعليه أنشد ثعلب : # ( بذيالك الوادي أهيم ولم أقل % بذيالك الوادي وذياك من زهد ) # ( ولكن إذا ما حب شيء تولعت % به أحرف التصغير من شدة الوجد ) ~~PageV01P016 # أراد أن التصغير قد يقع من فرط المحبة ولطف المنزلة كما يقال : يا بني ~~ويا أخي . # وقوله : إذا ما حب شيء يعني به أحب لأنه يقال : أحب الشيء وحبه بمعنى ، ~~كما جاء في المثل السائر : من حب طب ، إلا أنهم اختاروا أن بنوا الفاعل من ~~لفظة أحب وبنوا المفعول من لفظة حب فقالوا للفاعل : محب وللمفعول محبوب ، ~~ليعادلوا بين اللفظتين في الاشتقاق منهما والتفريع عنهما ، على أنه قد سمع ~~في المحبوب محب ، وعليه قول عنترة : # ( ولقد نزلت فلا تظني غيره % مني بمنزلة المحب ms005 المكرم ) # [ 7 ] ويقولون : فلان يستأهل الإكرام وهو مستأهل للإنعام ، ولم تسمع ~~هاتان اللفظتان في كلام العرب ، ولا صوبهما أحد من أعلام الأدب ، ووجه ~~الكلام أن يقال : فلان يستحق التكرمة ، وهو أهل للمكرمة ، فأما قول الشاعر ~~: # ( لا بل كلي يا مي واستأهلي % إن الذي أنفقت من ماليه ) # فإنه عنى بلفظة استأهلي ، أي اتخذي الإهالة ، وهي ما يؤتدم به من السمن ~~PageV01P017 والودك . # وفي أمثال العرب : استأهلي إهالتي وأحسني إنالتي ، أي خذي صفو طعمتي ، ~~وأحسني القيام بخدمتي . # [ 8 ] ويقولون إذا أصبحوا : سهرنا البارحة وسرينا البارحة ، والاختيار في ~~كلام العرب على ما حكاه ثعلب أن يقال : مذ لدن الصبح ، إلى أن تزول الشمس : ~~سرينا الليلة ، وفيما بعد الزوال إلى آخر النهار : سهرنا البارحة ، ويتفرع ~~على هذا أنهم يقولون مذ انتصاف الليل إلى وقت الزوال : صبحت بخير ، وكيف ~~أصبحت ويقولون إذا زالت الشمس إلى أن ينتصف الليل : مسيت بخير ، وكيف أمسيت ~~وجاء في الأخبار المأثورة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا انفتل من ~~صلاة الصبح ، قال لأصحابه : هل فيكم من رأى رؤيا في ليلته وقد ضرب المثل في ~~المتشابهين فقيل : ما أشبه الليلة بالبارحة ، كما قال طرفة : # ( كل خليل كنت خاللته % لا ترك الله له واضحه ) # ( كلهم أروغ من ثعلب % ما أشبه الليلة بالبارحه ) # ومعنى قوله : لا ترك الله له واضحة ، أي لا أبقى الله له شيئا . # وقيل : بل أراد به المال الظاهر . # قال الشيخ الإمام الأجل الأوحد أبو محمد رحمه الله : وقد خالفت العرب بين ~~ألفاظ متفقة المعاني لاختلاف الأزمنة وقصرت أسماء الأشياء على وقت دون وقت ~~، كما سمت شرب الغداة صبوحا ، وشرب العشية غبوقا ، وشرب نصف النهار قيلا ، ~~وشرب أول الليل فحمة ، وشرب السحر جاشرية . # وكما قالوا : إن السراب لا يكون إلا نصف النهار ، والفيء لا يكون إلا بعد ~~الزوال . # والمقيل : الاستراحة وقت الهاجرة ، والسمر حديث الليل خاصة ، والطروق ~~الإتيان ليلا في قول أكثرهم ، والإدلاج بإسكان الدال سير أول الليل ~~والادلاج بالتشديد سير آخره ، والتأويب سير النهار وحده والسرى ، سير الليل ms006 ~~خاصة ، والمشرقة والشرقة لا تكون إلا في PageV01P018 الشتاء فإن عارض معارض ~~بقوله سبحانه : @QB@ سبحان الذي أسرى بعبده ليلا @QE@ فالجواب عنه أن ~~المراد بذكر الليل الإخبار بأن الإسراء وقع بعد توسطه ، كما يقال : جاء ~~فلان البارحة بليل ، إذا جاء بعد أن مضى قطع منه . # ومما ينتظم في هذا السمط قولهم : ظل يفعل كذا وكذا ، إذا فعله نهارا ، ~~وبات يفعل كذا وكذا ، إذا فعله ليلا ، وغور المسافر ، إذا نزل وقت القائلة ~~، وعرس الساري ، إذا نزل في آخر الليل للاستراحة ، ونفشت السائمة في الزرع ~~، إذا رعته بالليل ، وتهجد المصلي ، إذا تنفل في ظل الليل . # وكتسميتهم الشمس في وقت ارتفاعها : الغزالة ، وعند غروبها : الجونة حتى ~~امتنعوا أن يقولوا : طلعت الجونة كما لم يسمع عنهم غربت الغزالة . # وأنشدت ليوسف الجوهري البغدادي : # ( وإدا الغزالة في السماء ترفعت % وبدا النهار لوقته يترجل ) # ( أبدت لقرن الشمس وجها مثله % تلقى السماء بمثل ما تستقبل ) # [ 9 ] ومن أوهامهم أيضا في هذا الفن قولهم : لا أكلمه قط وهو من أفحش ~~الخطأ لتعارض معانيه وتناقض الكلام فيه وذاك أن العرب تستعمل لفظة قط فيما ~~مضى PageV01P019 من الزمان ، كما تستعمل لفظة أبدا فيما يستقبل منه فيقولون ~~: ما كلمته قط ولا أكلمه أبدا ، والمعنى في قولهم : ما كلمته قط ، أي فيما ~~انقطع من عمري ، لأنه من قططت الشيء ، إذا قطعته ، ومنه قط القلم ، أي قطع ~~طرفه . # ومما يؤثر من شجاعة علي رضي الله عنه أنه كان إذا اعتلى قد ، وإذا اعترض ~~قط ، فالقد قطع الشيء طولا ، والقط قطعه عرضا ، ولفظة قط هذه مشددة الطاء ، ~~وهي اسم مبني على الضم مثل حيث ومنذ ، وأما قط بتخفيف الطاء ، فهو اسم مبني ~~على السكون مثل قد ، وكلاهما بمعنى حسب . # وقرأت في أخبار الوزير علي بن عيسى أنه رأى كاتبا يبري بمجلسه قلما فأنكر ~~ذلك عليه وقال : مالك في مجلسي إلا القط فقط # وقد تدخل نون العماد على قط وقد ، مع ضمير المتكلم المجرور كما قال ~~الراجز في قط : # ( امتلأ الحوض وقال قطني % ) # أي قد بلغ من الامتلاء ms007 إلى الحد الذي لو كان له نطق لقال حسبي . # ومما أنشدته من أبيات المعاني : # ( إذا نحن نلنا من ثريدة عوكل % فقدنا لها ما قد بقى من طعامها ) # أراد هذا الشاعر بقوله : فقدنا ، أي فحسبنا . # ثم استأنف فقال : لها ما قد بقى من طعامها ، أي لا نرزؤها به لاستغنائنا ~~عنه واكتفائنا بما نلنا منه . PageV01P020 # [ 10 ] ويقولون للمريض : مسح الله ما بك ، بالسين ، والصواب فيه مصح كما ~~قال الراجز : # ( قد كاد من طول البلى أن يمصحا % ) # وكقول الشاعر وقد أحسن فيه : # ( يا بدر إنك قد كسيت مشابها % من وجه أم محمد ابنة صالح ) # ( وأراك تمصح في المحاق وحسنها % باق على الأيام ليس بما صح ) # ويحكى : أن النضر بن شميل المازني مرض ، فدخل عليه قوم يعودونه ، فقال له ~~PageV01P021 رجل منهم يكنى أبا صالح : مسح الله تعالى ما بك ، فقال له : لا ~~تقل : مسح ، بالسين ولكن قل : مصح بالصاد ، أي أذهبه الله وفرقه ، أما سمعت ~~قول الشاعر : # ( وإذا ما الخمر فيها أزبدت % أفل الإزباد فيها ومصح ) # فقال له الرجل : إن السين قد تبدل من الصاد كما يقال : الصراط والسراط ، ~~وصقر وسقر ، فقال له النضر : # فأنت إذا أبو سالح # ويشبه هذه النادرة ما حكي أيضا أن بعض الأدباء جوز بحضرة الوزير أبي ~~الحسن بن الفرات أن تقام السين مقام الصاد في كل موضع ، فقال له الوزير : ~~أتقرأ : @QB@ جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم @QE@ ~~أم ومن سلح فخجل الرجل وانقطع . # [ 11 ] ويقولون : قرأت الحواميم والطواسين ووجه الكلام فيهما أن يقال : ~~قرأت آل حم وآل طس ، كما قال ابن مسعود رحمه الله : آل حم ديباج القرآن . # وكما روي عنه أنه قال : إذا وقعت في آل حم وقعت في روضات دمثات أتأنق ~~فيهن . # وعلى هذا قول الكميت بن زيد في الهاشميات : # ( وجدنا لكم في آل حم آية % تأولها منا تقي ومعرب ) # يعني بالآية قوله تعالى في حم 16 * في القربى ) . PageV01P022 [ 12 ] ~~ويقولون : أدخل باللص السجن فيغلطون فيه ، والصواب أن يقال : أدخل اللص ~~السجن ، أو دخل ms008 به السجن ، لأن الفعل يعدى تارة بهمزة النقل كقولك : خرج ~~وأخرجته ، وتارة بالباء ، كقولك : خرج وخرجت به فأما الجمع بينهما فممتنع ~~في الكلام ، كما لا يجمع بين حرفي الإستفهام . # وقد اختلف النحويون : هل بين حرفي التعدية فرق أم لا فقال الأكثرون : هما ~~بمعنى واحد . # وقال أبو العباس المبرد : بل بينهما فرق ، وهو أنك إذا قلت : أخرجت زيدا ~~كان بمعنى حملته على الخروج . # فإذا قلت : خرجت به ، فمعناه أنك خرجت واستصحبته معك . # والقول الأول أصح بدلالة قوله تعالى : @QB@ ذهب الله بنورهم @QE@ . # فإن اعترض معترض في جواز الجمع بين حرفي التعدية بقراءة من قرأ : @QB@ ~~وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن @QE@ PageV01P023 ) بضم التاء ، فقد ~~قيل فيها عدة أقوال : # أحدها أن أنبت بمعنى نبت ، والهمزة فيها أصلية ، لا للنقل ، كما قال زهير ~~: # ( رأيت ذوي الحاجات حول بيوتنا % قطينا لهم حتى إذا أنبت البقل ) # فعلى هذا القول تكون هذه القراءة بمعنى من قرأ : @QB@ تنبت بالدهن @QE@ ~~بفتح التاء ، والمعنى أن الدهن ينبتها . # وقيل في القراءة : إن الباءزائدة كزيادتها في قوله تعالى : @QB@ ولا ~~تلقوا بأيديكم إلى التهلكة @QE@ وكزيادتها في قول الراجز : # ( نحن بنو جعدة أصحاب الفلج % نضرب بالسيف ونرجو بالفرج ) # فيكون تقدير الكلام على هذا التأويل : تنبت الدهن ، أي تخرج الدهن . # وقيل : إن الباء متعلقة بمفعول محذوف تقديره تنبت ما تنبته ، وفيه دهن ، ~~كما تقول : ركب الأمير بسيفه أي وسيفه معه ، وخرج زيد بثيابه ، أي وثيابه ~~عليه . # وقيل - وهو أحسن الأقوال : إنما زيدت الباء لأن إنباتها الدهن بعد إنبات ~~الثمر الذي يخرج منه الدهن ، فلما كان الفعل في المعنى قد تعلق بمفعولين ~~يكونان في حال بعد حال ، وهما الثمرة والدهن ، احتيج إلى تقويته في التعدي ~~بالباء . # [ 13 ] ويقولون لما يتخذ لتقديم الطعام عليه : مائدة ، والصحيح أن يقال ~~له PageV01P024 خوان إلى أن يحضر عليه الطعام ، فيسمى حينئذ مائدة ، يدل ~~على ذلك أن الحواريين حين تحدوا عيسى عليه السلام بأن يستنزل لهم طعاما من ~~السماء ، قالوا : @QB@ هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء @QE@ ، ~~ثم بينوا معنى ms009 المائدة بقولهم : @QB@ نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا @QE@ ~~. # وحكى الأصمعي قال : غدوت ذات يوم إلى زيارة صديق لي ، فلقيني أبو عمرو بن ~~العلاء ، فقال لي : إلى أين يا أصمعي فقلت : إلى صديق لي ، فقال : إن كان ~~لفائدة ، أو عائدة ، أو مائدة ، وإلا فلا . # وقد اختلف في تسميتها بذلك ، فقيل : سميت به لأنها تميد بما عليها ، أي ~~تتحرك ، مأخوذ من قوله تعالى : @QB@ وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم @QE@ ~~، وقيل : بل هو من ماد ، أي أعطى ، ومنه قول رؤبة بن العجاج : # ( إلى أمير المؤمنين الممتاد % ) # أي المستعطى ، فكأنها تميد من حواليها مما أحضر عليها . # وقد أجاز بعضهم أن يقال فيها : ميدة ، واستشهد عليه بقول الراجز : # ( وميدة كثيرة الألوان % تصنع للجيران والإخوان ) PageV01P025 # وفي كلام العرب أشياء تختلف أسماؤها باختلاف أوصافها فمن ذلك أنهم لا ~~يقولون للقدح : كأس ألا إذا كان فيها شراب ، ولا للبئر : ركية إلا إذا كان ~~فيها ماء ، ولا للدلو : سجل إلا وفيها ماء ولو قل ، ولا يقال لها : ذنوب ~~إلا إذا كانت ملأى ، ولا يقال أيضا للبستان : حديقة ، إلا إذا كان عليه ~~حائط ، ولا للإناء : كوز إلا إذا كانت له عروة ، وإلا فهو كوب ، ولا للمجلس ~~: ناد إلا وفيه أهله ، ولا للسرير : أريكة إلا إذا كانت عليه حجلة ، ولا ~~للمرأة : ظعينة إلا ما دامت راكبة في الهودج ، ولا للستر : خدر إلا إذا ~~اشتمل على امرأة ، ولا للقدح سهم : إلا إذا كان فيه نصل وريش ، ولا للطبق : ~~مهدى إلا ما دامت فيه الهدية ، ولا للشجاع : كمي إلا إذا كان شاكي السلاح ، ~~ولا للقناة رمح إلا إذا ركب عليها السنان ، وعليه قول عبد القيس بن خفاف ~~البرجمي : # ( وأصبحت أعددت للنائبات % عرضا بريا وعضبا صقيلا ) # ( ووقع لسان كحد السنان % ورمحا طويل القناة عسولا ) # ولو كان الرمح هو القناة لقال : رمحا طويلا ، لأن الشيء لا يضاف إلا إلى ~~ذاته . # ومن هذا النمط أيضا أنه لا يقال للصوف : عهن إلا إذا كان مصبوغا ، ولا ~~للسرب : نفق إلا إذا كان مخروقا ، ولا للخيط : سمط إلا ms010 إذا كان فيه نظم ، ~~ولا للحطب : وقود إلا إذا اتقدت فيه النار ، ولا للثوب : مطرف إلا إذا كان ~~في طرفه علمان ، ولا لماء PageV01P026 الفم : رضاب إلا ما دام في الفم ، ~~ولا للمرأة : عانس ولا عاتق إلا ما دامت في بيت أبويها ، ولذلك لا يقال ~~للأنبوبة : قلم إلا إذا بريت . # وأنشدني أحد شيوخنا رحمه الله لأبي الفتح كشاجم : # ( لا أحب الدواة تحشى يراعا % تلك عندي من الدوي معيبة ) # ( قلم واحد وجودة خط % فإذا شئت فاستزد أنبوبه ) # ( هذه قعدة الشجاع عليها % سيره دائبا وتلك جنيبه ) # [ 14 ] ويقولون لمن يحمل الدواة : دواتي بإثبات التاء ، وهو من اللحن ~~القبيح والخطإ الصريح ، ووجه القول أن يقال فيه : دووي ، لأن تاء التأنيث ~~تحذف في النسب ، كما يقال في النسب إلى فاطمة : فاطمي . # وإلى مكة : مكي وإنما حدفت لمشابهتها ياء النسبه من عدة وجوه : # أحدها : أن كلتيهما تقع طارفة فتصير هي حرف الإعراب ، ويجعل ما دخلت عليه ~~حشوا في الكلمة . # الثاني : أن كل واحدة منهما قد جعل ثبوتها علامة للواحد ، وحذفها علامة ~~للجمع ، فقالوا في تاء التأنيث : ثمرة وثمر ، كما قالوا في ياء النسب : ~~زنجية وزنج . # والوجه الثالث : أن كل واحدة منهما إذا التحقت بالجمع الذي لا ينصرف ~~أصارته منصرفا ، نحو صيارف وصيارفة ومدائن ومدائني ، فلما أشبهتا من هذه ~~الأوجه الثلاثة ، PageV01P028 لم يجز أن يجمع بينهما كما لا يجمع بين حرفي ~~معنى في كلمة واحدة . # ولما حذفت التاء بقي الاسم على دوا الموازن للثلاثي المقصور فقيل : دووي ~~، كما قالوا في النسب إلى فتى : فتوي ، ولا فرق في هذا الموطن بين الألف ~~التي أصلها الواو كألف حمى المشتق من حميت ، وحكمهما فيه بخلاف حكمهما في ~~التثنية التي ترد فيها الألف إلى أصلها ، كقولك في تثنية قفا : قفوان ، وفي ~~تثنية حمى : حميان . # والفرق بين الموضعين أن علامة التثنية خفيفة وما قبلها يكون أبدا مفتوحا ~~ولا يجتمع في الكلمة المثناة ما يثقل ، وعلامة النسب ياء مشددة تقوم مقام ~~ياءين وما قبلها لا يكون إلا مكسورا ، فلو قلبت الألف في النسب ms011 ياء لتوالى ~~في الكلمة من الكسر والياءات ما يستثقل التلفظ بها لأجله . # [ 15 ] ويقولون : بعثت إليه بغلام ، وأرسلت إليه هدية ، فيخطئون فيهما ، ~~لأن العرب تقول فيما يتصرف بنفسه : بعثته وأرسلته ، كما قال تعالى : @QB@ ~~ثم أرسلنا رسلنا @QE@ ويقولون فيما يحمل : بعثت به وأرسلت به ، كما قال ~~سبحانه إخبارا عن بلقيس : @QB@ وإني مرسلة إليهم بهدية @QE@ . # وقد عيب على أبي الطيب قوله : # ( فآجرك الإله على عليل % بعثت إلى المسيح به طبيبا ) # ومن تأول له فيه قال : أراد به أن العليل لاستحواذ العلة على جسمه وحسه ~~قد PageV01P028 التحق بحيز ما لا يتصرف بنفسه ، فلهذا عدي الفعل إليه بحرف ~~الجر ، كما يعدى إلى ما لا حس له ولا عقل . # [ 16 ] ويقولون : المشورة مباركة ، فيبنونها على مفعلة والصواب أن يقال ~~فيها مشورة على وزن مثوبة ومعونة ، كما قال بشار : # ( إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن % برأي لبيب أو نصاحة حازم ) # ( ولا تحسب الشورى عليك غضاضة % فإن الخوافي رافدات القوادم ) # وكان الأصل في مشورة مشورة على وزن مفعلة مثل مكرمة ، فنقلت حركة الواو ~~إلى ما قبلها وسكنت هي فقيل مشورة . # واختلف في اشتقاق اسمها فقيل إنه من قولك : شرت العسل أشوره إذا جنيته ، ~~فكأن المستشير يجتني الرأي من المشير . # وقيل : بل أخذ من قولك : شرت الدابة إذا أجريتها مقبلة ومدبرة ، لتسبر ~~حضرها ، وتخبر جوهرها فكأن المستشير يستخرج الرأي الذي عن المشير وكلا ~~الاشتقاقينه يتقارب معناه من الآخر ، ويلتحم به . # [ 17 ] ويقولون في التحذير : إياك الأسد ، إياك الحسد ووجه الكلام إدخال ~~الواو على الأسد والحسد ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : إياك ومصاحبة ~~الكذاب ، فإنه يقرب عليك البعيد ، ويبعد عنك القريب ، وكما قال الشاعر : # ( فإياك والأمر الذي إن توسعت % موارده ضاقت عليك المصادر ) PageV01P029 # والعلة في وجوب إثبات الواو في هذا الكلام أن لفظة إياك منصوبة بإضمار ~~فعل تقديره : اتق أو باعد ، واستغني عن إظهار هذا الفعل لما تضمن هذا ~~الكلام من معنى التحذير وهذا الفعل إنما يتعدى إلى مفعول واحد ، فإذا كان ~~قد استوفى عمله ونطق بعده باسم ms012 آخر لزم إدخال حرف العطف عليه ، كما لو قلت ~~: اتق الشر والأسد ، اللهم إلا أن يكون المفعول الثاني حرف جر ، كقولك : ~~إياك من الأسد ، أي باعد نفسك من الأسد . # فإن قيل : فكيف يجوز أن يقال : إياك والأسد ، فيأتي بالواو التي معناها ~~الجمع بين الشيئين ، وأنت إنما أمرته أن يباعد نفسه ، ولم تأمره أن يباعد ~~الأسد فالجواب عنه أنه إذا باعد نفسه من الأسد كان بمنزلة تبعيده الأسد . # وقد جوز إلغاء الواو عند تكرير لفظة إياك ، كما استغني عن إظهار الفعل مع ~~تكرير الاسم في مثل قولك : الطريق الطريق وأشباهه ، وعليه قول الشاعر : # ( فإياك إياك المراء فإنه % إلى الشر دعاء وللشر جالب ) # فإن قلت : إياك أن تقرب الأسد . # فالأجود أن تلحق به الواو ، لأن أن مع الفعل بمنزلة المصدر ، فأشبه قولك ~~: إياك ومقاربة الأسد . # ويجوز إلغاء الواو فيه على أن تكون أن وما بعدها من الفعل للتعليل وتبيين ~~سبب التحذير ، فكأنك قلت : أحذرك لأجل أن تقرب الأسد ، وعليه قول الشاعر : # ( فبح بالسرائر في أهلها % وإياك في غيرهم أن تبوحا ) # ومما ينخرط في سلك هذا الفن أنهم ربما أجابوا المستخبر عن الشيء بلا ~~النافية ثم عقبوها بالدعاء له ، فيستحيل الكلام إلى الدعاء عليه ، كما روي ~~أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه رأى رجلا بيده ثوب ، فقال له : أتبيع هذا ~~الثوب فقال : لا عافاك الله ، فقال : لقد علمتم لو تتعلمون هلا قلت : لا ~~وعافاك الله PageV01P030 # قال المؤلف : والمستحسن في مثل هذا قول يحيى بن أكثم للمأمون وقد سأله عن ~~أمر ، فقال : لا وأيد الله أمير المؤمنين . # وحكي أن الصاحب أبا القاسم بن عباد حين سمع هذه الحكاية قال : والله لهذه ~~الواو أحسن من واوات الأصداغ في خدود المرد الملاح . # ومن خصائص لغة العرب إلحاق الواو في الثامن من العدد ، كما جاء في القرآن ~~: @QB@ التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون ~~بالمعروف والناهون عن المنكر @QE@ ، وكما قال سبحانه : @QB@ سيقولون ثلاثة ~~رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم ~~كلبهم @QE@ . # ومن ms013 ذلك أنه جل اسمه لما ذكر أبواب جهنم ذكرها بغير واو ، لأنها سبعة ، ~~فقال : @QB@ حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها @QE@ ، ولما ذكر أبواب الجنة ألحق ~~بها الواو لكونها ثمانية ، فقال سبحانه : @QB@ حتى إذا جاؤوها وفتحت ~~أبوابها @QE@ ، وتسمى هذه الواو واو الثمانية . # ومما ينتظم أيضا في إقحام الواو ما حكاه أبو إسحاق الزجاج ، قال : سألت ~~أبا العباس المبرد عن العلة في ظهور الواو في قولنا : سبحانك اللهم وبحمدك ~~. # فقال : إني قد سألت أبا عثمان المازني عما سألتني عنه ، فقال : المعنى ~~سبحانك اللهم وبحمدك سبحتك . # [ 18 ] ويقولون ذهبت إلى عنده ، فيخطئون فيه ، لأن عند لا يدخل عليه من ~~أدوات الجر إلا من وحدها ، ولا يقع في تصاريف الكلام مجرورا إلا بها ، كما ~~قال سبحانه : @QB@ قل كل من عند الله @QE@ وإنما خصت من بذلك لأنها أم حروف ~~الجر ، PageV01P031 ولأم كل باب اختصاص تمتاز به وتنفرد بمزيته ، كما خصت ~~إن المكسورة بدخول اللام في خبرها وخصت كان بجواز إيقاع الفعل الماضي خبرا ~~عنها ، وخصت باء القسم باستعمالها مع ظهور فعل القسم ، وبدخولها على الاسم ~~المضمر ، فأما قول الشاعر : # ( كل عند لك عندي % لا يساوي نصف عند ) # فإنه من ضرورات الشعر ، كما أجرى بعضهم ليت وسوف - وهما حرفان - مجرى ~~الأسماء المتمكنة فأعربهما في قوله : # ( ليت شعري وأين مني ليت % إن ليتا وإن سوفا عناء ) # وقد تستعمل عند بعدة معان ، فتكون بمعنى الحضرة كقولك : عندي زيد ، ~~PageV01P032 وبمعنى الملكة كقولك : عندي مال ، وبمعنى الحكم كقولك : زيد ~~عندي أفضل من عمرو ، أي في حكمي ، وبمعنى الفضل والإحسان كما قال سبحانه ~~وتعالى إخبارا عن خطاب شعيب لموسى عليهما السلام : @QB@ فإن أتممت عشرا فمن ~~عندك @QE@ أي من فضلك وإحسانك . # [ 19 ] ويقولون لمن تغير وجهه من الغضب : قد تمغر وجهه بالغين المعجمة ، ~~والصواب فيه تمعر بالعين المغفلة . # ذكر ذلك ثعلب ، واستشهد عليه بما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أن الله ~~عز وجل أمر جبريل عليه السلام بأن يقلب بعض المدائن فقال : يا رب إن فيها ~~عبدك الصالح ، فقال : يا جبريل ms014 ، ابدأ به فإنه لم يتمعر لي وجهه قط ، أي لم ~~يغضب لأجلي ، فرواه بالعين المهملة ، ثم قيد الرواية بأن غلط من رواه ~~بالغين المعجمة ، ونسبه إلى التصحيف في الكلمة . # [ 20 ] ويقولون من هذا النوع أيضا : قد اصفر وجهه من المرض ، واحمر خده ~~من الخجل . # وعند المحققين أنه إنما يقال : اصفر واحمر ونظائرهما في اللون الخالص ، ~~الذي قد تمكن واستقر وثبت واستمر ، فأما إذا كان اللون عارضا لسبب يزول ~~ومعنى يحول ، فيقال فيه : اصفار واحمار ، ليفرق بين اللون الثابت واللون ~~العارض ، وعلى هذا جاء في الحديث : فجعل يحمار مرة ويصفار أخرى . # [ 21 ] ويقولون : اجتمع فلان مع فلان ، فيوهمون فيه ، والصواب أن يقال : ~~اجتمع فلان وفلان لأن لفظة اجتمع على وزن افتعل ، وهذا النوع من وجوه افتعل ~~مثل اختصم واقتتل ، وما كان أيضا على وزن تفاعل مثل تخاصم وتجادل يقتضي ~~وقوع PageV01P033 الفعل من أكثر من واحد ، فمتى أسند الفعل منه إلى أحد ~~الفاعلين لزم أن يعطف عليه الآخر بالواو لا غير وإنما اختصت الواو بالدخول ~~في هذا الموطن لأن صيغة هذا الفعل تقتضي وقوع الفعل من اثنين فصاعدا ، ~~ومعنى الواو يدل على الاشتراك في الفعل أيضا ، فلما تجانسا من هذا الوجه ، ~~وتناسب معناهما فيه ، استعملت الواو خاصة في هذا الموضع ، ولم يجز استعمال ~~لفظة مع فيه ، لأن معناها المصاحبة وخاصيتها أن تقع في المواطن التي يجوز ~~أن يقع الفعل فيها من واحد ، والمراد بذكرها الإبانة عن المصاحبة التي لو ~~لم تذكر لما عرفت ، وقد مثل النحويون في الفرق بينها وبين الواو ، فقالوا : ~~إذا قال القائل : جاء زيد وعمرو كان إخبارا عن اشتراكهما في المجيء على ~~احتمال أن يكونا جاءا في وقت واحد ، أو سبق أحدهما . # فإن قال : جاء زيد مع عمرو كان إخبارا عن مجيئهما متصاحبين ، وبطل تجويز ~~الاحتمالين الآخرين ، فذكر لفظة مع هاهنا أفاد إعلام المصاحبة ، وقد ~~استعملت حيث يجوز أن يقع الفعل فيه من واحد . # فأما في الموطن الذي يقتضي أن يكون الفعل فيه لأكثر من واحد ، فذكرها فيه ~~خلف ms015 من القول ، وضرب من اللغو ولذلك لم يجز أن يقال : اجتمع زيد مع عمرو ، ~~كما لم يجز أن يقال : اصطحب زيد وعمرو معا للاستغناء عن لفظة مع بما دلت ~~عليه صيغة الفعل . # ونظيره امتناعهم أن يقولوا : اختصم الرجلان كلاهما للاستغناء بلفظة اختصم ~~التي تقتضي الاشتراك في الخصومة عن التوكيد لأن وضع كلا وكلتا ، أن تؤكد ~~المثنى في الموضع الذي يجوز فيه انفراد أحدهما بالفعل ليتحقق معنى المشاركة ~~، وذلك في مثل قولك : جاء الرجلان كلاهما لجواز أن يقال : جاء الرجل ، فأما ~~فيما لا يكون فيه الفعل لواحد فتوكيد المثنى بهما لغو . # ومثل ذلك أنهم لا يؤكدون بلفظه كل إلا ما يمكن فيه التبعيض ، فلهذا ~~أجازوا أن يقال : ذهب المال كله لكون المال مما يتبعض ، ومنعوا أن يقال : ~~ذهب زيد كله لأنه مما لا يتجزأ ، وفي مع لغتان أفصحهما فتح العين منها ، ~~وقد نطق بإسكانها ، كما قال جرير : # ( فريشي منكم وهواي معكم % وإن كانت زيارتكم لماما ) PageV01P034 # [ 22 ] ويقولون : لقيتهما اثنيهما مقايسة على قولهم : لقيتهم ثلاثتهم ، ~~فيوهمون في الكلام والمقايسة وهمين ، ويختل عليهم الفرق بين الكلامين ، ~~وذلك أن العرب تقول في الاثنين : لقيتهما من غير أن تفسر الضمير ، فإن ~~أرادت أن تخبر عن إفرادهما باللقاء قالت : لقيتهما وحدهما . # وتقول في الجميع : لقيتهم ثلاثتهم ورأيتهم خمستهم وما أشبه ذلك ، فتفسر ~~الضمير . # والفرق بين الموضعين أن الضمير في قولك : لقيتهما ضمير مثنى ، والمثنى لا ~~تختلف عدته ، ولا تلتبس حقيقته ، فاستغني عن تفسير يبينه ، والضمير في قولك ~~: لقيتهم ضمير جمع والجمع مبهم غير محصور العدة لاشتماله على الثلاثة ، ~~وعلى مالا يحصى كثرة ، فلو لم يفسره المخبر عنه بما يبين عدته ، ويزيل ~~الإبهام عنه لما عرف السامع حقيقته ، ولا علم كميته . # وحكى أبو علي الفارسي أن مروان بن سعيد المهلبي سأل أبا الحسن الأخفش عن ~~قوله عز وجل : @QB@ فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك @QE@ : ما ~~الفائدة في هذا الخبر فقال : أفاد العدد المجرد من الصفة ، وأراد مروان ~~بسؤاله أن الألف في كانتا تفيد الاثنتين ، فلأي معنى ms016 فسر ضمير المثنى ~~بالاثنتين ، ونحن نعلم أنه لا يجوز أن يقال : فإن كانتا ثلاثا ، ولا أن ~~يقال : فإن كانتا خمسا وأراد الأخفش بقوله إن الخبر أفاد العدد المجرد من ~~الصفة ، أي قد كان يجوز أن يقال : فإن كانتا صغيرتين فلهما كذا ، أو ~~كبيرتين فلهما كذا ، أو صالحتين فلهما كذا ، أو طالحتين فلهما كذا . # فلما قال : @QB@ فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان @QE@ ، أفاد الخبر أن ~~فرض الثلثين للأختين تعلق بمجرد كونهما اثنتين على أية PageV01P035 صفة ~~كانتا عليها من كبر أو صغر أو صلاح أو طلاح أو غنى أو فقر ، فقد تحصل من ~~الخبر فائدة لم تحصل من ضمير المثنى . # ولعمري لقد أبدع مروان في استنباط سؤاله ، وأحسن أبو الحسن في كشف إشكاله ~~. # [ 23 ] ويقولون : لعله ندم ولعله قدم ، فيلفظون بما يشتمل على المناقضة ~~وينبيء عن المعارضة ، ووجه الكلام أن يقال : لعله يفعل أو لعله لا يفعل لأن ~~معنى لعل التوقع لمرجو أو لمخوف ، والتوقع إنما يكون لما يتجدد ويتولد لا ~~لما انقضى وتصرم . # فإذا قلت : خرج ، فقد أخبرت عما قضي الأمر فيه ، واستحال معنى التوقع له ~~، فلهذا لم يجز دخول لعل عليه . # [ 24 ] ويقولون في التعجب من الألوان والعاهات : ما أبيض هذا الثوب وما ~~أعور هذا الفرس كما يقولون في الترجيح بين اللونين والعورين : زيد أبيض من ~~عمرو ، وهذا أعور من ذاك ، وكل ذلك لحن مجمع عليه ، وغلط مقطوع به ، لأن ~~العرب لم تبن فعل التعجب إلا من الفعل الثلاثي الذي خصته بذلك لخفته ، ~~والغالب على أفعال الألوان والعيوب التي يدركها العيان أن تتجاوز الثلاثي ، ~~نحو ابيض واسود واعور واحول ولهذا لم يجز أن يبنى منها فعل التعجب ، فمن ~~أراد أن يتعجب من شيء منها بنى فعل PageV01P036 التعجب من فعل ثلاثي يطابق ~~مقصوده من المدح أو الذم ، ثم أتى بما يريد أن يتعجب منه كقولهم : ما أحسن ~~بياض هذا الثوب وما أقبح عور هذا الفرس # وحكم أفعل الذي للتفضيل يساوق حكم فعل التعجب فيما يجوز فيه ويمتنع منه ، ~~فكما لا يقال : ما ms017 أبيض هذا الثوب ولا ما أعور هذا الفرس لا يجوز أن يقال : ~~هذه أبيض من تلك ، ولا هذا أعور من ذاك . # وأما قوله تعالى : @QB@ ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل ~~سبيلا @QE@ ، فهو هاهنا من عمى القلب الذي تتولد الضلالة منه ، لا من عمى ~~البصر الذي يحجب المرئيات عنه ، وقد صدع بتبيان هذا العمى قوله تعالى : ~~@QB@ فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور @QE@ . # وقد عيب على أبي الطيب قوله في صفة الشيب : # ( إبعد بعدت بياضا لا بياض له % لأنت أسود في عيني من الظلم ) ~~PageV01P037 # ومن تأول له فيه جعل أسود هاهنا من قبيل الوصف المحض الذي تأنيثه سوداء ، ~~وأخرجه عن حيز أفعل الذي للتفضيل والترجيح بين الأشياء ، ويكون على هذا ~~التأويل قد تم الكلام وكملت الحجة في قوله : لأنت أسود في عيني وتكون من ~~التي في قوله : من الظلم لتبيين جنس السواد لا أنها صلة أسود ، ومعنى قوله ~~: بياضا لا بياض له ، أي ما له نور ولا عليه طلاوة . # وذكر شيخنا أبو القاسم الفضل بن محمد النحوي رحمه الله ، أنك إذا قلت : ~~ما أسود زيدا ، وما أسمر عمرا وما أصفر هذا الطائر ، وما أبيض هذه الحمامة ~~، وما أحمر هذا الفرس فسدت كل مسألة منها من وجه ، وصحت من وجه ، فتفسد ~~جميعها إذا أردت بها التعجب من الألوان ، وتصح كلها إذا أردت بها التعجب من ~~سؤدد زيد ومن سمر عمرو ، ومن صفير الطائر ، ومن كثرة بيض الحمامة ، ومن حمر ~~الفرس ، وهو أن ينتن فوه من البشم . # [ 25 ] ويقولون : امتلأت بطنه ، فيؤنثون البطن ، وهو مذكر في كلام العرب ~~، بدليل قول الشاعر : # ( فإنك إن أعطيت بطنك سؤله % وفرجك ، نالا منتهى الذم أجمعا ) # وأما قول الشاعر : # ( فإن كلابا هذه عشر أبطن % وأنت بري من قبائلها العشر ) # فإنه عنى بالبطن القبيلة فأنثه على معنى تأنيثها ، كما ورد في القرآن : ~~@QB@ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها @QE@ ، فأنث المثل وهو مذكر لما كان ~~بمعنى الحسنة . # ونظير PageV01P038 تأنيثهم البطن وهو مذكر تأنيثهم ms018 الألف أيضا في العدد . # فيقولون : قبضت ألفا تامة ، والصواب أن يذكر فيقال : ألف تام ، كما قالت ~~العرب في معناه : ألف صتم وألف أقرع ، والدليل على تذكير الألف قوله تعالى ~~: @QB@ يمددكم ربكم بخمسة آلاف @QE@ والهاء في باب العدد تلحق بالمذكر ~~وتحذف من المؤنث ، وأما قولهم : هذه ألف درهم ، فلا يشهد ذلك بتأنيث الألف ~~لأن الإشارة وقعت على الدراهم وهي مؤنثة ، فكان تقدير الكلام : هذه الدراهم ~~ألف . # [ 26 ] ويقولون : فعلته لإحازة الأجر ، والصواب أن يقال : لحيازة الأجر ، ~~بدليل أن الفعل المشتق منه حاز ، ولو كانت الهمزة أصلا في المصدر لالتحقت ~~بالفعل المشتق منه ، كما تلتحق بأراد المشتق من الإرادة ، بأصاب المتفرع من ~~الإصابة . # فلما قيل في الفعل : حاز ، علم أن مصدره الحيازة مثل خاط الثوب خياطة ~~وصاغ الخاتم صياغة وحاد عن الحرب حيادة . # وحكى الأصمعي قال : سألت بعض الأعراب عن ناقته فأنشد : # ( كانت تقيد حنت تنزل منزلا % فاليوم صار لها الكلال قيودا ) # ( لن تستطيع عن القضاء حيادة % وعن المنية أن تصيب محيدا ) # ( ألقوم كالعيدان يفضل بعضهم % بعضا كذاك يفوق عود عودا ) PageV01P039 # فأما قولهم في المثل : أساء سمعا فأساء جابة ، فالجابة هاهنا هي الاسم ، ~~والمصدر الإجابة ، وهذا المثل يضرب لمن يخطئ سمعا فيسيء الإجابة ، وأصله ~~أنه كان لسهيل بن عمرو ابن مضعوف ، فرآه إنسان مارا فقال له : أين أمك يريد ~~أين قصدك فظن أنه يسأله عن أمه ، فقال : ذهبت تطحن ، فقال : أساء سمعا ~~فأساء جابة . ونظير الجابة في كلامهم الطاقة والطاعة والغارة ، ومصادر ~~أفعالها الإطاقة والإطاعة والإغارة . # [ 27 ] ويقولون للخبيث الدخلة : ذاعر ، بالذال المعجمة ، فيحرفون المعنى ~~فيه ، لأن الذاعر هو المفزع لاشتقاقه من الذعر ، فأما الخبيث الدخلة فهو ~~الداعر ، بالدال المهملة لاشتقاقه من الدعارة وهي الخبث ، ومنه قول زميل بن ~~أبير لخارجة بن ضرار : # ( أخارج هلا إذ سفهت عشيرة % كففت لسان السوء أن يتدعرا ) # أي هلا حين سفهت عشيرتك كففت ألسنتهم عن التفوه بالسفه والتلفظ بخبائث ~~القذع . # ويقال للعود الكثير الدخان : عود داعر ودعر ، وهو يرجع للمعنى الأول ، ~~ومنه ما أنشده ابن الأعرابي ms019 في أبيات المعاني : # ( ولكل غرة معشر من قومه % دعر يهجن سعيه ويعيب ) # ( لولا سواه لجررت أوصاله % عرج الضباع وصد عنه الذيب ) # وفسر قوله : لولا سواه أي إنما يكرم لغيره الذي لولاه لقتل حتى يصير طعمة ~~للضباع التي هي أضعف السباع ، ونبه بقوله : وصد عنه الذيب على أن الذئب ~~يعاف PageV01P040 فريسة غيره ، ولا يأكل إلا ما يفترسه بنفسه . # ونظير هذا التحريف تحريفهم قول الشاعر : # ( حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه % فالقوم أعداء له وخصوم ) # ( كضرائر الحسناء قلن لوجهها % حسدا وبغيا إنه لدميم ) # فينشدونه بالذال المعجمة لتوهمهم أن اشتقاقه من الذم ، وهو بالدال ~~المبهمة لاشتقاقه من الدمامة ، وهي القبح . # وإلى هذا نحا الشاعر إذ بقباحة الوجه يتعايب الضرائر . # ونقيض هذا التصحيف أنهم يلفظون بالدال المغفلة في الزمرد والجرذ والنواجذ ~~، والجرذ ، وهو داء يعترض في قوائم الدابة ، وهذه الكلمات الأربع هن بالذال ~~المعجمة لا المبهمة . # وقد ألحق بها أبو محمد بن قتيبة اسم سذوم المضروب به المثل في جور الحكم ~~. # ومن الكنايات المستحسنة ، والمعاريض المستملحة ما حكي أن عجوزا وقفت على ~~قيس بن سعد فقالت : أشكو إليك قلة الجرذان ، فقال : ما أحسن هذه الكناية ~~والله لأكثرن جرذان بيتك ، وأمر لها بأحمال من تمر ودقيق وأقط ، وزبيب . # وقد نطقت العرب في عدة ألفاظ بالدال والذال ، فقالوا لمدينة السلام : ~~بغذاذ وبغداد ، وللرجل المجرب : منجد ومنجذ وللدواهي : القناذع والقنادع ، ~~وللضئيل الحقير الشخص : مذل ومدل ، وللعنكبوت : الخذرنق والخدرنق ، وللقنفذ ~~: ابن أنقذ وابن انقد ، PageV01P041 وللحمى : أم ملذم ، وأم ملدم ، فمن ~~أعجمها فاشتقاقه من لذم به إذا اعتلق به ، ومن لم يعجمها فاشتقاقه من اللدم ~~وهو ضرب الوجه حتى يحمار . # ولما يجذف به الملاح : المجداف والمجذاف ، ولضرب من مشي الخيل : الهيذبي ~~والهيدبي ، ولأيام الحر المعروفة بوقدات سهيل : المعتذلات والمعتدلات . # وذكر المفضل بن سلمة الضبي في كتاب الطيب أن من أسماء الزعفران الجاذي ~~والجادي ، وقالوا من الأفعال : ذففت على الجريح ودففت ، أي أجهزت عليه ~~وخرذلت اللحم وخردلته ، أي قطعته وفرقته ، واقذحر الرجل واقدحر ، إذا غضب ~~وتهيأ للشر ، وامذقر القوم وامدقروا ms020 ، إذا تفرقوا ، واذرعفت الإبل وادرعفت ~~، إذا ندت ، وجذف الطائر وجدف ، إذا أسرع تحريك جناحيه في طيرانه ، وما ذقت ~~عذوفا ولا عدوفا ، أي ما ذقت شيئا . # وقد قيل فيهما : عذافا وعدافا ، وقد استدف الشيء واستذف بمعنى اطرد ~~واستتب ، إلا أن عبد الرحمن بن عيسى الهمذاني نص في ألفاظه على أنه بالذال ~~المعجمة لاشتقاقه من الذفيف ، وهو السريع الحركة . # وحكى أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي مصنف كتاب الموازنة بين الطائيين ، ~~قال : سألت أبا بكر بن دريد عن الكاغد ، فقال : يقال بالدال والذال والظاء ~~المعجمة ، وطابق ثعلب عليه . # ويقال أيضا : جذ الحبل وجده ، أي قطعه ، ومنه قوله تعالى : @QB@ عطاء غير ~~مجذوذ @QE@ . # ويقال : شيء جديد وجذيذ ، أي مقطوع . # ومن أبيات المعاني : # ( أبى حبي سليمى أن يبيدا % وأمسى حبلها خلقا جديدا ) # أي مقطوعا . # ومما يلتحم بهذا الفصل قول الراجز : # ( كيف تراني أذري وأدري % ) # فالأول بذال معجمة ، لأنه افتعل من ذريت تراب المعدن ، والثاني بدال ~~مبهمة ، لأنه افتعل من دراه ، أي ختله ، فيقولون : كيف تراني أذري التراب ، ~~وأختل مع ذلك هذه PageV01P042 المرأة بالنظر إليها إذا غفلت ، ويقال : ذرته ~~الريح تذروه وتذريه . # [ 28 ] ويقولون : شوشت الأمر وهو مشوش . # والصواب أن يقال فيه : هوشته وهو مهوش ، لأنه من الهوش ، وهو اختلاط ~~الشيء ، ومنه الحديث : إياكم وهوشات الأسواق ، وجاء في خبر آخر : من أصاب ~~مالا من مهاوش أذهبه الله في نهابر ، يعني بالمهاوش التخاليط وبالنهابر ~~المهالك . # وقد روي : من أصاب مالا من نهاوش وهو في معناه . # [ 29 ] ويقولون في ضمن أدعيتهم لمن يخاطب أو يكاتب : بلغك الله المأثور ، ~~ويعنون به ما يؤثره المدعو له ، فيوهمون فيه إذ ليس هو في معنى المؤثر ولا ~~اشتقاق لفظه منه لأن المأثور هو ما يأثره اللسان لا ما يؤثره الإنسان ، ~~لاشتقاق لفظه من أثرت الحديث ، أي رويته ، لا من آثرت الشيء ، أي اخترته ، ~~وعلى معنى الرواية فسر PageV01P043 قوله تعالى : @QB@ إن هذا إلا سحر يؤثر ~~@QE@ ، أي يرويه واحد بعد واحد وينقله مخبر إلى مخبر . # وقد يشتمل الخبر على المفروح به والمحزون منه ، فلا ms021 يدل معنى المأثور على ~~إخلاص الدعاء لمن دعا له به لتجويز أن تؤثر المذمات والمساءات عنه ، اللهم ~~إلا أن يجعل صفة للدعاء المحبوب ، فيقال : أولاك الله اللطف المأثور وما ~~أشبه ذلك ، فتصير حينئذ الدعوة دعوتين ، والمدعو له بصدد حسنتين . # [ 30 ] ومن أوهامهم أيضا في تغيير صيغة المفاعيل وهو من مفاضح اللحن ~~الشنيع قولهم : قلب متعوب ، وعمل مفسود ، ورجل مبغوض ، ووجه القول أن يقال ~~: قلب متعب ، وعمل مفسد ، ورجل مبغض ، لأن أصول أفعالها رباعية ، ومفعول ~~الرباعي يبنى على مفعل فكما يقال : أكرم فهو مكرم وأضرم فهو مضرم ، كذلك ~~يقال : أتعب فهو متعب ، وأفسد فهو مفسد ، وأبغض فهو مبغض ، وأخرج فهو مخرج ~~. PageV01P044 # [ 31 ] ويقولون : انضاف الشيء إليه وانفسد الأمر عليه ، وكلا اللفظين ~~معرة لكاتبه والمتلفظ به إذ لا مساغ له في كلام العرب ولا في مقاييس ~~التصريف . # ووجه القول أن يقال : أضيف الشيء إليه وفسد الأمر عليه والعلة في امتناع ~~انفعل منهما أن مبنى فعل المطاوعة المصوغ على انفعل أن يأتي مطاوع الثلاثية ~~المتعدية كقولك : سكبته : فانسكب وجذبته فانجذب ، وقدته فانقاد ، وسقته ~~فانساق ، ونظائر ذلك ، وضاف وفسد ، إذا عديا بهمزة النقل فقيل : أضاف وأفسد ~~صارا رباعيين فلهذا امتنع بناء انفعل منهما . # فإن قيل : نقل عن العرب ألفاظ من أفعال المطاوعة بنوها من انفعل فقالوا : ~~انزعج ، وانطلق ، وانقحم ، وانحجر ، وأصولها أزعج وأطلق وأقحم وأحجر ~~فالجواب عنه أن هذه شذت عن القياس المطرد ، والأصل المنعقد كما شذ قولهم : ~~انسرب PageV01P045 الشيء المبني من سرب ، وهو لازم والشواذ تقصر على السماع ~~، ولا يقاس عليها بالإجماع . # [ 32 ] ويقولون للمأمور بالبر والشم : بر والدك بكسر الباء ، وشم يدك بضم ~~الشين . # والصواب أن يفتحا جميعا لأنهما مفتوحان في قولك : يبر ويشم ، وعقد هذا ~~الباب أن حركة أول فعل الأمر من جنس حركة ثاني الفعل المضارع إذا كان ~~متحركا فتفتح الباء في قولك : بر أباك لانفتاحها في قولك يبر ، وتضم الميم ~~في قولك : مد الحبل لانضمامه في قولك : يمد ، وتكسر الخاء في قولك خف في ~~العمل لانكسارها في قولك : يخف ms022 . # وإنما اعتبر بحركة ثانيه دون أوله لأن أوله زائد والزائد لا اعتبار به ~~اللهم إلا أن يسكن ثاني الفعل المضارع كالضاد من يضرب ، والسين من يستخرج ، ~~فتجتلب همزة الوصل لفعل الأمر المصوغ منه ، ليمكن افتتاح النطق به ، كقولك ~~: اضرب ، استخرج ، وهذا الحكم مطرد في جميع أمثلة الأمر المصوغة من الأفعال ~~المضارعة وإنما صيغ مثال الأمر من الفعل المضارع دون الماضي لتماثلهما في ~~الدلالة على الزمان المستقبل ، وأما جنس حركة آخر الفعل المضعف في الأمر ~~والجزم كبيت جرير : # ( فغض الطرف إنك من نمير % فلا كعبا بلغت ولا كلابا ) PageV01P046 # فقد جوز كسر الضاد من غض لالتقاء الساكنين وفتحها لخفة الفتحة ، وضمها ~~على إتباع الضمة قبلها وهو أضعفها . # [ 33 ] ويقولون : فلان أشر من فلان ، والصواب أن يقال : هو شر من فلان ~~بغير ألف ، كما قال الله تعالى : @QB@ إن شر الدواب عند الله الصم البكم ~~@QE@ ، وعليه قول الراجز : # ( إن بني ليس فيهم بر % وأمهم مثلهم أو شر % إذا رأوها نبحتني هروا ) # وفي البيت الأخير شاهد على أن المسموع : نبحته الكلاب ، لا كما تقول ~~العامة : نبحت عليه ، وكذلك يقال : فلان خير من فلان بحذف الهمزة ، لأن ~~هاتين اللفظتين كثر استعمالهما في الكلام ، فحذفت همزتاهما للتخفيف ، ولم ~~يلفظوا بهما إلا في فعل التعجب خاصة ، كما صححوا فيه المعتل فقالوا : ما ~~أخير زيدا وما أشر عمرا ، كما قالوا : ما أقول زيدا وكذلك أثبتت الهمزة في ~~لفظ الأمر فقالوا : أخير بزيد ، وأشرر بعمرو ، كما قالوا : أقول به ، ~~والعلة في إثباتها في فعلي التعجب والأمر أن استعمال هاتين اللفظتين إسما ~~أكثر من استعمالهما فعلا ، فحذفت في موضع الكثرة ، وبقيت على أصلها في موضع ~~القلة ، فأما قراءة أبي قلابة : @QB@ سيعلمون غدا من الكذاب الأشر @QE@ ، ~~PageV01P047 فقد لحن فيها ولم يطابقه أحد عليها . # [ 34 ] ويقولون : هبت الأرياح ، مقايسة على قولهم : رياح وهو خطأ بين ~~ووهم مستهجن ، والصواب أن يقال : هبت الأرواح ، كما قال ذو الرمة : # ( إذا هبت الأرواح من نحو جانب % به أهل مي هاج قلبي هبوبها ) # ( هوى تذرف العينان منه وإنما ms023 % هوى كل نفس حيث كان حبيبها ) # والعلة في ذلك أن أصل ريح روح لاشتقاقها من الروح ، وإنما أبدلت الواو ~~ياء في ريح للكسرة التي قبلها ، فإذا جمعت على أرواح فقد سكن ما قبل الواو ~~، وزالت العلة التي توجب قلبها ياء فلهذا وجب أن تعاد إلى أصلها ، كما ~~أعيدت لهذا السبب في التصغير فقيل : رويحة . # ونظير قولهم : ريح وأرواح قولهم في جمع ثوب وحوض : ثياب وحياض ، فإذا ~~جمعوها على أفعال قالوا : أثواب وأحواض . PageV01P048 # فإن قيل : فلم جمع عيد على أعياد وأصله الواو بدلالة اشتقاقه من عاد يعود ~~فالجواب عنه أن يقال : إنهم فعلوا ذلك لئلا يلتبس جمع عيد بجمع عود ، كما ~~قالوا : هو أليط بقلبي منك ، وأصله من الواو ليفرقوا بينه وبين قولهم : هو ~~ألوط من فلان . # وكما قالوا أيضا : هو نشيان للخبر ليفرقوا بينه وبين نشوان من السكر . # ومما يعضد أن جمع ريح على أرواح ما روي أن ميسون بنت بحدل لما اتصلت ~~بمعاوية ، ونقلها من البدو إلى الشأم كانت تكثر الحنين إلى أناسها والتذكر ~~لمسقط رأسها ، فاستمع إليها ذات يوم وهي تنشد : # ( لبيت تخفق الأرواح فيه % أحب إلي من قصر منيف ) # ( ولبس عباءة وتقر عيني % أحب إلي من لبس الشفوف ) # ( وأكل كسيرة في كسر بيتي % أحب إلي من أكل الرغيف ) # ( وأصوات الرياح بكل فج % أحب إلي من نقر الدفوف ) # ( وكلب ينبح الطراق دوني % أحب إلي من قط ألوف ) # ( وبكر يتبع الأظعان صعب % أحب ألي من بغل زفوف ) # ( وخرق من بني عمي نجيف % أحب إلي من علج عليف ) # فلما سمع معاوية الأبيات قال لها : ما رضيت ابنة بحدل حتى جعلتني علجا ~~عليفا . # [ 35 ] ويقولون : باقلاء مدود ، وطعام مسوس ، وخبر مكرج ، ومتاع مقارب ، ~~ورجل موسوس . # فيفتحون ما قبل الحرف الأخير من كل كلمة ، والصواب كسره ، PageV01P049 ~~فيقال : طعام مسوس ورجل موسوس ونظائرهما . # ويقال في فعل من المدود : قد داد وأداد ودود وديد . # ومن هذا النوع قولهم للبسرة إذا بدا الإرطاب في أسفلها : مذنبة بفتح ~~النون ، والصواب أن يقال فيها مذنبة بكسر النون ms024 . # ويحكى أن الرشيد رحمة الله لما جمع بين أبي الحسن الكسائي وأبي محمد ~~اليزيدي ليتناظرا عنده ، علم اليزيدي أنه يقصر عنه في النحو فابتدره وقال : ~~كيف تقول : تمرة مذنبة أو مذنبة فلم يأبه الكسائي لقوله : بل ظن أنه قال : ~~بسرة ، فقال : أقول مذنبة ، فقال له : إذا كان ماذا قال : إذا بدا الإرطاب ~~من أسفلها . # فضرب اليزيدي بقلنسوته الأرض ، وقال : أنا أبو محمد اليزيدي وقد أخطأت يا ~~شيخ ، التمرة لا تذنب وإنما البسرة تذنب ، فغضب عليه الرشيد ، وقال : ~~أتكتني بمجلسي وتسفه على الشيخ والله إن PageV01P050 خطأ الكسائي وحسن أدبه ~~أحب إلي من صوابك مع قبح أدبك ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إن حلاوة الظفر ~~أذهبت عني التحفظ ، فأمر بإخراجه . # قال المؤلف : وليس سهو الكسائي فيما أزلقه فيه اليزيدي مما يقدح في فضله ~~، أو ينبئ عن قصور علمه ، إذ لا خفاء باشتمال علمه ، على أن البسرة إذا ~~أرطبت من قبل ذنبها قيل لها : مذنبة ، فإذا بلغ الإرطاب نصفها قيل لها ~~مجزعة ، فإذا بلغ تلثيها الإرطاب قيل لها : حلقانة ومحلقنة ، وإذا أرطبت ~~جميعها قيل لها : معوة . # [ 36 ] ويقولون : فعل الغير ذلك ، فيدخلون على غير آلة التعريف ، ~~والمحققون من النحويين يمنعون من إدخال الألف واللام عليه ، لأن المقصود في ~~إدخال آلة التعريف على الاسم النكرة أن تخصصه بشخص بعينه ، فإذا قيل : ~~الغير ، اشتملت هذه اللفظة على ما لا يحصى كثرة ، ولم يتعرف بآلة التعريف ، ~~كما أنه لا يتعرف بالإضافة ، فلم يكن لإدخال الألف واللام عليه فائدة ، ~~ولهذا السبب لم تدخل الألف واللام على المشاهير من المعارف مثل دجلة وعرفة ~~وذكاء ومحوة لوضوح اشتهارها والاكتفاء عن تعريفها بعرفان ذواتها . ~~PageV01P051 # ونظير هذا الوهم قولهم : حضرت الكافة ، فيوهمون فيه أيضا على ما حكاه ~~ثعلب فيما فسره من معاني القرآن ، كما وهم القاضي أبو بكر بن قريعة حين ~~استثبت عن شيء حكاه ، فقال : هذا ترويه الكافة عن الكافة والحافة عن الحافة ~~، والصافة عن الصافة ، والصواب فيه أن يقال : حضر الناس كافة ، كما قال ~~سبحانه وتعالى : @QB@ ادخلوا في السلم كافة ms025 @QE@ لأن العرب لم تلحق لام ~~التعريف بكافة كما لم تلحقها بلفظة معا ولا بلفظة طرا . # ومن حكم لفظة كافة أن تأتي متعقبة ، فأما تصديرها في قوله تعالى : @QB@ ~~وما أرسلناك إلا كافة للناس @QE@ فقيل : إنه مما قدم لفظه وأخر معناه وإن ~~تقدير الكلام : وما أرسلناك إلا جامعا بالإنذار ، والبشارة للناس كافة ، ~~كما حمل عليه قوله تعالى : @QB@ وغرابيب سود @QE@ على التقديم والتأخير ، ~~لأن العرب تقدم في هذا النوع لفظ الأشهر على الأغرب ، كقولهم : أبيض يقق ، ~~وأصفر فاقع ، وأسود حالك . # وقيل إن كافة في الآية بمعنى كاف ، وإلحاق الهاء به للمبالغة كالهاء في ~~علامة ونسابة . # ومن أوهامهم مما يدخلون عليه لام التعريف والوجه تنكيره قولهم : فعل ذلك ~~من PageV01P052 الرأس لأن العرب تقول : فعله من رأس ، من غير أن تلحق به ~~الألف واللام . # [ 37 ] ويقولون : هذه كبرى وتلك صغرى ، فيستعملونهما نكرتين ، وهما من ~~قبيل ما لم تنكره العرب بحال ، ولا نطقت به إلا معرفا حيثما وقعا في الكلام ~~، والصواب أن يقال فيهما : هذه الكبرى وتلك الصغرى ، أو هذه كبرى اللآليء ~~وتلك صغرى الجواري كما ورد في الأثر : إذا اجتمعت الحرمتان طرحت الصغرى ~~للكبرى أي إذا اجتمع أمران في أحدهما مصلحة تخص وفي الآخر مصلحة تعم ، قدم ~~الذي تعم مصلحته على الذي تخص منفعته . # وذكر شيخنا أبو القاسم بن الفضل النحوي رحمه الله أن فعلى بضم الفاء ~~تنقسم إلى خمسة أقسام : # أحدها : أن تأتي اسما علما نحو حزوى . # والثاني : أن تأتي مصدرا نحو رجعى . # والثالث أن تأتي اسم جنس مثل بهمى ، وهو نبت . # والرابع : أن تأتي تأنيث أفعل نحو الكبرى والصغرى . PageV01P053 # والخامس : أن تأتي صفة محضة ليست بتأنيث أفعل نحو حبلى ، ومن هذا القسم ~~قوله تعالى : @QB@ قسمة ضيزى @QE@ لأن الأصل فيها ضوزى ، وإذا كانت لتأنيث ~~أفعل تعاقب عليها لام التعريف والإضافة ولم يجز أن تعرى من أحدهما ، وذلك ~~نحو قولك : الكبرى والصغرى ، وطولى القصائد وصغرى الأراجيز ، قال : ولم يشذ ~~من ذلك إلا دنيا وأخرى ، فإنهما لكثرة مجالهما في الكلام ومدارهما فيه ، ~~استعملتا نكرتين ، كما قالت ms026 خرقة بنت النعمان : # ( فأف لدنيا لا يدوم نعيمها % تنقل تارات بنا وتصرف ) # وأما طوبى في قولهم : طوبى لك وجلى في قول النهشلي : # ( وإن دعوت إلى جلى ومكرمة % يوما سراة كرام الناس فادعينا ) # فإنهما مصدران كالرجعى . # وفعلى المصدرية لا يلزم تعريفها ، وأما طوبى في قوله تعالى : @QB@ طوبى ~~لهم وحسن مآب @QE@ فقيل : إنهما من أسماء الجنة ، وقيل : بل هي شجرة ~~PageV01P054 تظل الجنان كلها . # وقيل : بل هي مصدر مشتق من الطيب . # وعلى اختلاف هذا التفسير لا تحتاج إلى التعريف . # وقد عيب على أبي نواس قوله : # ( كأن كبرى وصغرى من فواقعها % حصباء در على أرض من الذهب ) # ومن تأول له فيه قال : جعل من في البيت زائدة ، على ما أجازه أبو الحسن ~~الأخفش من زيادتها في الكلام الواجب وأول عليه قوله تعالى : @QB@ من جبال ~~فيها من برد @QE@ وقال : تقديره فيها برد . # وقد اتفق بحضرة المأمون تحقيق هذا التشبيه المودع بيت أبي نواس على وجه ~~المجاز وذاك أنه حين بنى على بوران بنت الحسن بن سهل ، فرش له حصير منسوج ~~بالذهب ، ثم نثر على قدميه لآلئ كثيرة ، فلما رأى تساقط اللالئ المختلفة ~~على الحصير النسيج ، قال : قاتل الله أبا نواس كأنه شاهد هذه الحال حتى شبه ~~بهاحباب كأسه ، وأنشد البيت المستطرد به . # ويضاهي هذه الحكاية في طرفة اتفاقها وملحة مساقها ما حكي أن عبد الملك بن ~~مروان حين أزمع النهود إلى محاربة مصعب بن الزبير ناشدته عاتكة بنت يزيد بن ~~معاوية ألا يخرج بنفسه ، وأن يستنيب غيره في حربه ، ولم تزل تلج عليه في ~~المسألة وهو يمتنع من الإجابة ، فلما يئست منه أخذت في بكائهاحتى أعول ~~حشمها لإعوالها ، فقال عبد الملك : قاتل الله ابن أبي جمعة - يعني كثيرا - ~~كأنه رأى موقفنا هذا حين قال : # ( إذا ما أراد الغزو لم يثن عزمه % حصان عليها نظم در يزينها ) # ( نهته فلما لم تر النهي عاقه % بكت فبكى مما شجاها قطينها ) # ثم عزم عليها أن تقصر ، وخرج . # [ 38 ] ويقولون لمن أخذ يمينا في سعيه : قد تيامن ولمن أخذ شمالا ms027 : قد ~~PageV01P055 تشاءم ، والصواب أن يقال فيهما : يامن وشاءم ، وأن يقال ~~للمسترشد : يامن يا هذا وشائم ، أي خذ يمينا وشمالا ، فأما معنى تيامن ~~وتشاءم فأن يأخذ نحو اليمن والشأم ، فإذا أتاهما قيل : أيمن وأشأم ، كما ~~يقال : أنجد وأتهم ، إذا أتى نجدا وتهامة ، وقد يقال في معنى آخر : تيمن ~~الرجل إذا توسد يمينه . # ويكنى به أيضا عمن مات لأنه إذا مات أضجع على يمينه ، ومنه ما أنشده ثعلب ~~في معانيه : # ( إذا المرء علبى ثم أصبح جلده % كرحض غسيل فالتيمن أروح ) # ومعنى علبى تشنجت علباؤه . # وهي العصبة في العنق ، وأراد هذا الشاعر أنه إذا انتهى في الهرم إلى هذا ~~الحد فالموت أروح له . # [ 39 ] ويقولون : هو مشؤم ، والصواب أن يقال : مشؤوم بالهمز ، وقد شئم ~~إذا صار مشؤوما ، وشأم أصحابه إذا مسهم شؤم من قبله ، كما يقال في نقيضه ~~يمن ، إذا صار ميمونا ، ويمن أصحابه إذا أصابهم يمنه . # واشتقاق الشؤم من الشأمة وهي الشمال ، وذاك أن العرب تنسب الخير إلى ~~اليمين والشر إلى الشمال ، ولهذا تختار أن تعطي بيمينها وتمنع بشمالها ، ~~وعليه فسر قوله تعالى : @QB@ إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين @QE@ ، أي ~~تصدوننا PageV01P056 عن فعل الخير وتحولون بيننا وبينه . # ومن كلام العرب فلان عندي باليمين ، أي بالمنزلة الحسنة ، وفلان عندي ~~بالشمال أي بالمنزلة الدنية . # وإلى هذا المعنى أشار الشاعر بقوله : # ( أبيني أفي يمنى يديك جعلتني % فأفرح أم صيرتني في شمالك ) # وقيل : أراد به : أجعلتني مقدما عندك أم مؤخرا ، لأن عادة العرب في العدد ~~أن تبدأ باليمين ، فإذا أكملت عدة الخمسة وثنت عليها الخمس من اليمين نقلت ~~العدد إلى الشمال . # ومما يكنى عنه بالشمال قولهم للمنهزم : نظر عن شماله ، ومنه قول الحطيئة ~~: # ( وفتيان صدق من عدي عليهم % صفائح بصرى علقت بالعواتق ) # ( إذا فزعوا لم ينظروا عن شمالهم % ولم يمسكوا فوق القلوب الخوافق ) # ( وقاموا إلى الجرد الجياد فألجموا % وشدوا على أوساطهم بالمناطق ) # واختلف المفسرون في تأويل أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ، فقيل : كنى ~~بالفريقين عن أهل السعادة وأهل الشقاوة ، وقيل : بل المراد بأصحاب الميمنة ~~المسلوك بهم يمنة إلى ms028 الجنة ، وبأصحاب المشأمة المسلوك بهم شأمة إلى النار ~~. # وقيل : إن أصحاب PageV01P057 الميمنة هم الميامين على أنفسهم ، وأصحاب ~~المشأمة هم المشائيم عليها . # والمشائيم جمع مشؤوم ، ومنه قول الشاعر : # ( مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة % ولا ناعب إلا ببين غرابها ) # وللنحويين كلام في جر ناعب ، وخلاصته أن الشاعر توهم دخول الباء في ~~مصلحين ، ثم عطف عليه ، كما أخذ زهير بمثل ذلك في قوله : # ( بدا لي أني لست مدرك ما مضى % ولا سابق شيئا إذا كان جائيا ) # فجر لفظة سابق لتوهمه دخول الباء في مدرك المعطوف عليه . # [ 40 ] ويقولون : اتخذت سردابا بعشر درج ، فيفتحون السين من سرداب ، وهي ~~مكسورة في كلام العرب ، كما يقال : شمراخ وسربال وقنطار وشملال ، وما أشبه ~~ذلك مما جاء على فعلال بكسر الفاء . # ثم إن العرب فرقت بين ما يرتقى فيه وما يحدر PageV01P058 # منه ، فسمت ما يرتقى فيه إلى العلو درجا وما يتحدر فيه إلى السفل دركا ، ~~ومنه قوله تعالى : @QB@ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار @QE@ وجاء ~~في الآثار : أن الجنة درجات والنار دركات . # [ 41 ] ويقولون في الاستخبار : كم عبيدا لك مقايسة على ما يقال في الخبر ~~: كم عبيد لك فيوهمون فيه ، إذ الصواب أن يوحد المستخبر عنه بكم ، فيقال : ~~كم عبدا لك ، لأن كم لما وضعت للعدد المبهم أعطيت حكم نوعي العدد ، فجر ~~الاسم الواقع بعدها في الخبر تشبيها بالعدد المجرور في الإضافة ، ونصب في ~~الاستفهام تشبيها بالعدد المصنوب على التمييز ، فلهذه العلة جاز أن يقع بعد ~~كم الخبرية الواحد والجمع ، كما يقال : ثلاثة عبيد وألف عبد ، ولزم في ~~الاستفهامية أن يقع بعدها الواحد كما يقع بعد أحد عشر إلى تسعة وتسعين ، ~~وامتنع أن يقع بعدها الجمع لأن العدد بعدها منصوب على التمييز والمميز بعد ~~المقادير لا يكون جمعا . # [ 42 ] ويقولون في جمع أرض أراض فيخطئون فيه لأن الأرض ثلاثية والثلاثي ~~لا يجمع على أفاعل ، والصواب أن يقال في جمعها : أرضون بفتح الراء ، وذلك ~~أن الهاء PageV01P059 مقدرة في أرض فكان أصلها أرضة ، وإن لم ينطق بها ، ~~ولأجل تقدير هذه ms029 الهاء جمعت بالواو والنون على وجه التعويض لها عما حذف ~~منها ، كما قيل في جمع عضة : عضون ، وفي جمع عزة : عزون ، وفتحت الراء في ~~الجمع لتؤذن الفتحة بأن أصل جمعها أرضات ، كما يقال : نخلة ونخلات . وقيل : ~~بل فتحت ليدخلها ضرب منع التغيير كما كسرت السين في جمع سنة ، فقيل : سنون ~~. # وهذا الجمع الذي بالواو والنون وضع في الأصل لمن يعقل من الذكور ، إلا ~~أنه قد جمع عليه عدة من الأسماء المحذوف منها على وجه جبرها والتعويض لها ، ~~فقالوا : سنة وسنون وعشرة وعشرون وثبة وثبون وكرة وكرون وعضة وعضون ، وفي ~~القرآن : @QB@ الذين جعلوا القرآن عضين @QE@ . # وقد اختلف في المحذوف ، فقيل إنه الهاء لاشتقاقه من العضيهة وهو البهتان ~~، وقيل : بل الواو لاشتقاقه من التعضية التي هي بمعنى التجزئة ، أي عضوا ~~القرآن أعضاء فآمنوا منه ببعض وكفروا ببعض ، ونسبوا بعضه إلى سحر وبعضه إلى ~~شعر . PageV01P060 # [ 43 ] ويقولون : قد حدث أمر ، فيضمون الدال من حدث مقايسة على ضمها في ~~قولهم : أخذه ما حدث وما قدم ، فيحرفون بنية الكلمة المقولة ويخطئون في ~~المقايسة المعقولة ، لأن أصل بنية هذه الكلمة حدث على وزن فعل ، فتح العين ~~، كما أنشدني بعض أدباء خراسان لأبي الفتح البستي : # ( جزعت من أمر فظيع قد حدث % أبو تميم وهو شيخ لا حدث % قد حبس الأصلع في ~~بيت الحدث ) # وإنما ضمت الدال من حدث حين قرن بقدم لأجل المجاورة والمحافظة على ~~الموازنة ، فإذا أفردت لفظة حدث زال السبب الذي أوجب ضم دالها في الازدواج ~~، ووجب أن ترد إلى أصل حركتها وأولية صيغتها . # وقد نطقت العرب بعدة ألفاظ غيرت مبانيها لأجل الازدواج وأعادتها إلى ~~أصولها عند الانفراد فقالوا : الغدايا والعشايا إذا قرنوا بينهما ، فإن ~~أفردوا الغدايا ردوها إلى أصلها فقالوا : الغدوات . # وقالوا : هنأني الشيء ومرأني ، فإن أفردوا مرأني قالوا : أمرأني . # وقالوا : فعلت به ما ساءه وناءه ، فإن أفردوا قالوا : أناءه ، وقالوا ~~أيضا : هو رجس نجس ، فإن أفردوا لفظة نجس ردوها إلى أصلها فقالوا : نجس ، ~~كما قال سبحانه وتعالى : @QB@ إنما المشركون نجس @QE@ . # وكذلك قالوا للشجاع ms030 الذي لا يزايل مكانه : أهيس أليس ، والأصل في الأهيس ~~الأهوس لاشتقاقه من PageV01P061 هاس يهوس ، إذا دق فعدلوا به إلى الياء ~~ليوافق لفظة أليس . # وقد نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ألفاظ راعى فيها حكم الموازنة ~~وتعديل المقارنة ، فروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال للنساء المتبرزات ~~في العيد : ارجعن مأزورات غير مأجورات . # وقال في عوذته للحسن والحسين كرم الله وجههما : أعيذكما بكلمات الله ~~التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة ، والأصل في مأزورات ، موزورات ~~لاشتقاقها من الوزر ، كما أن الأصل في لامة ملمة لأنها فاعل من ألمت إلا ~~أنه صلى الله عليه وسلم قصد أن يعادل بلفظ مأزورات لفظ مأجورات ، وأن يوازن ~~بلفظ لامة لفظتي تامة و هامة . # ومثله قوله عليه السلام : من حفنا أو رفنا فليقتصد أي من خدمنا أو أطعمنا ~~، وكان الأصل أتحفنا فأتبع حفنا رفنا . # ويروى في قضايا علي عليه السلام أنه قضى في القارصة والقامصة والواقصة ~~بالدية أثلاثا وتفسيره أن ثلاث جوار ركبت إحداهن الأخرى ، فقرصت الثالثة ~~المركوبة فقمصت ، فسقطت الراكبة ووقصت ، فقضى للتي وقصت ، أي اندق عنقها ~~بثلثي الدية على صاحبتيها ، وأسقط الثلث باشتراك فعلها فيما أفضى إلى وقصها ~~، والواقصة هاهنا ، بمعنى الموقوصة ، وأنشد الفراء في هذا النوع : # ( هتاك أخبية ولاج أبوبة % يخلط بالجد منه البر واللينا ) # فجمع الباب على أبوبة ليزاوج لفظة أخبية . # [ 44 ] ويقولون : هم عشرون نفرا وثلاثون نفرا ، فيوهمون فيه لأن النفر ~~إنما PageV01P062 يقع على الثلاثة من الرجال إلى العشرة ، فيقال : هم ثلاثة ~~نفر ، وهؤلاء عشرة نفر ، ولم يسمع عن العرب استعمال النفر فيما جاوز العشرة ~~بحال . # ومن كلامهم في الدعاء الذي لا يراد وقوعه بمن قصد به : # ( لا عد من نفره % ) # كما قال امرؤ القيس : # ( فهو لا تنمي رميته % ما له لا عد من نفره ) # فظاهر كلامه أنه دعا عليه بالموت الذي به يخرج عن أن يعد من قومه ، ومخرج ~~هذا القول مخرج المدح له والإعجاب بما بدا منه لأنه وصفه بسداد الرماية ~~وإصماء الرمية ، وهو معنى ms031 قوله : لا تنمي رميته لأنهم قالوا في الصيد : ~~رماه فأصماه ، إذا قتله مكانه ، ورماه فأنماه ، إذا غاب عن عينيه ثم وجده ~~ميتا . # وفي الحديث : إن رجلا أتاه صلى الله عليه وسلم فقال : إني أرمي الصيد ~~فأصمي وأنمي ، فقال له : ما أصميت فكل ، وما أنميت فلا تأكل ، وإنما نهاه ~~عن أكل ما أنماه لجواز أن يكون مات من غير مرماه . # ونظير قولهم : لا عد من نفره قولهم للشاعر المفلق : PageV01P063 قاتله ~~الله وللفارس المحرب : لا أب له وعلى هذا فسر أكثرهم قوله صلى الله عليه ~~وسلم لمن استشاره في النكاح : عليك بذات الدين تربت يداك ، وإلى هذا المعنى ~~أشار القائل بقوله : # ( أسب إذا أجدت القول ظلما % كذاك يقال للرجل المجيد ) # يعني أنه يقال له عند إجادته واستحسان براعته : قاتله الله ، فما أشعره ~~ولا أب له فما أمهره وعند أكثر أهل اللغة أن الرهط بمعنى النفر في أنه لا ~~يتجاوز العشرة كما جاء في القرآن : @QB@ وكان في المدينة تسعة رهط @QE@ إلا ~~أن الرهط يرجعون إلى أب واحد بخلاف النفر ، وإنما أضيف العدد إلى النفر ~~والرهط ، لأنهما اسمان للجماعة فكان تقدير قوله تعالى : @QB@ تسعة رهط @QE@ ~~أي تسعة رجال ، ولو كان بمعنى الواحد لما جازت الإضافة إليه ، كما لا يقال ~~: تسعة رجل . # وذكر ابن فارس في كتابه المجمل أن الرهط يقال إلى الأربعين كالعصبة . # [ 45 ] ويقولون في جمع حاجة : حوائج ، فيوهمون فيه كما وهم بعض ~~PageV01P064 المحدثين في قوله : # ( إذا ما دخلت الدار يوما ورفعت % ستورك لي فانظر بما أنا خارج ) # ( فسيان بيت العنكبوت وجوسق % رفيع إذا لم تقض فيه الحوائج ) # والصواب أن يجمع في أقل العدد على حاجات ، كقول الشاعر : # وقد تخرج الحاجات يا أم مالك % كرائم من رب بهن ضنين ) # وأن يجمع في أكثر العدد على حاج ، مثل هامة وهام ، وعليه قول الراعي : # ( ومرسل ورسول غير متهم % وحاجة غير مزجاة من الحاج ) # وأنشدت لأبي الحسين بن فارس اللغوي : # ( وقالوا كيف أنت فقلت خير % تقضى حاجة وتفوت حاج ) # ( إذا ازدحمت هموم الصدر قلنا : % عسى يوما ms032 يكون لها انفراج ) # ( نديمي هرتي ، وسرور قلبي % دفاتر لي ، ومعشوقي السراج ) # [ 46 ] ويقولون لما يكثر ثمنه : مثمن ، فيوهمون فيه لأن المثمن على قياس ~~كلام العرب هو الذي صار له ثمن ولو قل كما يقال غصن مورق ، إذا بدا فيه ~~الورق ، وشجر مثمر إذا أخرج الثمرة ، والمراد به غير هذا المعنى ووجه ~~الكلام أن يقال فيه : ثمين ، كما يقال : رجل لحيم ، إذا كثر لحمه ، وكبش ~~شحيم ، إذا كثر شحمه . # وفي كلام بعض PageV01P065 البلغاء ، قدر الأمين ثمين . # وقد فرق أهل اللغة بين القيمة والثمن ، فقالوا : القيمة ما يوافق مقدار ~~الشيء ويعادله ، والثمن ما يقع به التراضي مما يكون وفقا له أو أزيد عليه ، ~~أو أنقص منه ، فأما قول الشاعر : # ( وألقيت سهمي وسطهم حين أوخشوا % فما صار لي في القسم إلا ثمينها ) # فإنه أراد به الثمن ، كما يقال في النصف نصيف ، وفي العشر عشير . # [ 47 ] ويقولون : هو قرابتي ، والصواب : أن يقال : ذو قرابتي كما قال ~~PageV01P066 الشاعر : # ( يبكي الغريب عليه ليس يعرفه % وذو قرابته في الحي مسرور ) # وأورد أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري هذا البيت في مساق حكاية هي من ~~طرف الأعاجيب وعبر التجاريب فروى بإسناده إلى هشام بن الكلبي قال : عاش ~~عبيد بن شرية الجرهمي ثلاثمائة سنة ، وأدرك الإسلام فأسلم ، ودخل على ~~معاوية بالشأم وهو خليفة ، فقال له : حدثني بأعجب ما رأيت ، فقال : مررت ~~ذات يوم بقوم يدفنون ميتا لهم ، فلما انتهيت إليهم ، اغرورقت عيناي بالدموع ~~، فتمثلت بقول الشاعر : # ( يا قلب إنك من أسماء مغرور % فاذكر وهل ينفعنك اليوم تذكير ) # ( قد بحت بالحب ما تخفيه من أحد % حتى جرت لك أطلاقا محاضير ) # ( فلست تدري وما تدري ، أعاجلها % أدنى لرشدك أم ما فيه تأخير ) # ( فاستقدر الله خيرا وارضين به % فبينما العسر إذ دارت مياسير ) # ( وبينما المرء في الأحياء مغتبط % إذ صار في الرمس تعفوه الأعاصير ) # ( يبكي الغريب عليه ليس يعرفه % وذو قرابته في الحي مسرور ) # قال : فقال لي رجل : أتعرف من يقول هذا الشعر قلت : لا ، قال : إن قائله ~~هذا PageV01P067 الذي دفناه الساعة ms033 وأنت الغريب الذي يبكي عليه ولست تعرفه ~~وهذا الذي خرج من قبره هو أمس الناس رحما به ، وأسرهم بموته . # فقال له معاوية : لقد رأيت عجبا ، فمن الميت قال : عثير بن لبيد العذري ، ~~وقيل : عثمان بن لبيد العذري ، وفي كتاب المعمرين أن الميت حريث بن جبلة . # [ 48 ] ويقولون في جمع رحى وقفا : أرحية وأقفية ، والصواب فيهما أرحاء ~~وأقفاء كما روى الأصمعي أن أعرابيا ذم قوما ، فقال : أولئك قوم سلخت ~~أقفاؤهم بالهجو ، ودبغت جلودهم باللؤم ، وأنشد ابن حبيب : # ( دعتني النساء الهاملات عيونها % ومالي من بعد النساء بقاء ) # ( على حالة لا يعرف الكلب أهله % لهن أنين تارة وعواء ) # ( فقلت لهم خلوا سبيل نسائنا % فقالوا : وأني للذليل نساء ) # ( فقلت : أبينا ما تقولون إننا % بنو الحرب فينا للإباء إباء ) # ( إذا الجحفات السمركن وقاءكم % فليس لنا إلا الصدور وقاء ) # ( فولوا بأقفاء الإماء كأنهم % لدى الروع معزى ما لهن رعاء ) # وإنما جمع رحى وقفا على أرحاء وأقفاء لأنهما ثلاثيان والثلاثية على ~~اختلاف صيغها تجمع على أفعال لا على أفعلة ، وإنما فعال على اختلاف فائه ~~يجمع على أفعلة نحو قباء وأقبية وغراب وأغربة وكساء وأكسية ، وعلى مقاد هذا ~~الأصل يجمع ندى على أندية فأما قول ابن محكان : PageV01P068 ( في ليلة من ~~جمادى ذات أندية % لا يبصر الكلب من ظلمائها الطنبا ) # فقد حمله بعضهم على الشذوذ وبعضهم على وجه ضرورة الشعر . # وقال آخرون : بل هو جمع الجمع فكأنه جمع ندى على نداء مثل جمل وجمال ثم ~~جمع نداء على أندية ، مثل رشاء وأرشية . # وجوز أبو علي الفارسي أن يكون جمع ندى على أند كما يجمع فعل على أفعل ، ~~نحو زمن وأزمن ثم ألحقه علامة التأنيث التي تلحق الجمع في مثل قولك : ذكورة ~~وجمالة ، فصار حينئذ أندية . # وكان أبو العباس المبرد يرى أنه جمع ندي وهو المجلس ، لا جمع ندى ، واحتج ~~في ذلك بأن من عادة العرب عند اختلاف الأنواء وإمحال السنة الشهباء أن يبرز ~~أماثل كل قبيلة إلى ناديهم ، فيواسوا بفضلات الزاد ، ويصرفوا ما يقمر في ~~الميسر إلى محاويج الحي ms034 ، وهذا هو نفع الميسر المقرون بنفع الخمر في قوله ~~تعالى : @QB@ وإثمهما أكبر من نفعهما @QE@ # [ 49 ] ويقولون في جمع أوقية : أواق على وزن أفعال ، فيغلطون فيه لأن ذلك ~~PageV01P069 جمع أوق وهو الثقل ، فأما أوقية فتجمع على أواقي بتشديد الياء ~~، كما تجمع أمنية على أماني . # وقد خفف بعضهم فيها التشديد ، فقال : أواق كما قيل في تخفيف صحارى : صحار ~~. # [ 50 ] ويقولون لما يصان : هو مصان ، والصواب فيه مصون ، كما قال الشاعر ~~: # ( بلاء ليس يشبهه بلاء % عداوة غير ذي حسب ودين ) # ( يبيحك منه عرضا لم يصنه % ويرتع منك في عرض مصون ) # والأصل في مصون مصوون على وزن مفعول ، فنقلت حركة الواو إلى ما قبلها ، ~~فاجتمعت واوان ساكنتان ، فحذفت إحداهما . # وعند سيبويه أن المحذوفة هي الواو الثانية التي هي واو المفعول الزائدة ، ~~وأن الباقية هي الواو الأصلية المجتلبة من الصون . # وعند أبي الحسن الأخفش أن المحذوفة هي الأولى وأن الباقية هي واو المفعول ~~التي تدل على المعنى . # فإن قيل : لأي معنى فعلوا ذلك فالجواب أنهم قصدوا إعلال المفعول كما أعل ~~الفعلان والفاعل وذلك أن الأصل في صان صون بفتح العين ، فقلبت الواو ألفا ~~لتحركها وانفتاح ما قبلها ، كما فعل في قال الذي أصله قول ، والدليل على أن ~~الأصل فيه فعل بفتح العين أنك تقول : صنت الثوب ، فتعديه إلى المفعول يدل ~~على أنه فعلت لأن فعلت بضم العين لا يتعدى إلى مفعول بحال ، إذ لا يقال : ~~كرمت زيدا . # ثم إنهم قالوا في مضارعه يصون والأصل فيه يصون ، على وزن يحزن ، فنقلوا ~~حركة الواو إلى ما قبلها . # ثم إنهم PageV01P070 أعلوا الفاعل منه ، فقال : صائن ، والأصل فيه صاون ~~فلما أعلوا الفعلين والفاعل أعلوا المفعول به أيضا ، ليلحق في الاعتلال ~~بحيزه . # ومن هذا الباب قولهم : رجل مأووف العقل فيلفظون به على الأصل ، ووجه ~~القول أن يقال : مئوف العقل على وزن مخوف ، وكذلك يقال : زرع مئوف ، ~~وكلاهما مأخوذ من الآفة ، ونقلت الكلمة في مخوف على ما بيناه في مصون . # وشذ من هذا الباب قولهم : مسك مدووف وثوب مصوون ، فلفظوا بهما ms035 على الأصل ~~، وهو مما لا يعبأ به ولا يقاس عليه . # ومن شجون هذا النوع قولهم : فرس مقاد وشعر مقال وخاتم مصاغ وبيت مزار ، ~~والصواب أن يقال فيها : مقود ومقول ومصوغ ومزور ، كما حكي أن الخليل بن ~~أحمد عاد تلميذا له ، فقال له تلميذه : إن زرتنا فبفضلك وإن زرناك فلفضلك ، ~~فلك الفضل زائرا ومزورا ، ومثله قول جميل : # ( زوروا بثينة والحبيب مزور % إن الزيارة للحبيب يسير ) # فأراد بالزيارة المزار ، فلهذا ذكر الخبر على المعنى ، كما ذكر آخر ~~الحوادث حين أراد بها الحدثان فقال : # ( فإن تسأليني عن لمتي % فإن الحوادث أودى بها ) # ومن هذا النمط قولهم : مبيوع ومعيوب ، والصواب أن يقال فيهما : مبيع ~~ومعيب على الحذف ، كما جاء في القرآن في نظائرهما : @QB@ وقصر مشيد @QE@ ، ~~@QB@ وكانت الجبال كثيبا مهيلا @QE@ فقال : مشيد ومهيل على الحذف ، والأصل ~~فيهما مشيود ومهيول . # وعند PageV01P071 سيبويه أن المحذوف هو الواو ، ثم كسر ما قبل الياء ~~للتجانس ، وقد شذ من ذلك قولهم : رجل مدين ومديون ومعين ومعيون ، أي أصابته ~~العين ، ومنه قول الشاعر : # ( نبئت قومك يزعمونك سيدا % وإخال أنك سيد معيون ) # وجميع ذلك مما يهجن استعماله إلا في ضرورة الشعر التي يجوز فيها ما حظر ~~لإقامة الوزن . # [ 51 ] ويقولون : المال بين زيد وبين عمرو ، بتكرير لفظة بين فيوهمون فيه ~~. # والصواب أن يقال : بين زيد وعمرو كما قال سبحانه : @QB@ من بين فرث ودم ~~@QE@ والعلة فيه أن لفظة بين تقتضي الاشتراك ، فلا تدخل إلا على مثنى أو ~~مجموع ، كقولك : المال بينهما والدار بين الإخوة ، فأما قوله تعالى : @QB@ ~~مذبذبين بين ذلك @QE@ ، فإن لفظة ذلك تؤدي عن شيئين ، وتنوب مناب لفظتين ، ~~وإن كانت مفردة ، ألا ترى أنك تقول : ظننت ذلك ، فتقيم لفظة ذلك مقام ~~مفعولي ظننت ، وكأن تقدير الكلام في الآية : مذبذبين بين الفريقين ، وقد ~~كشف سبحانه هذا التأويل بقوله : @QB@ لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء @QE@ . # ونظيره لفظة أحد في مثل قوله تعالى : @QB@ لا نفرق بين أحد من رسله @QE@ ~~، وذلك أن لفظة أحد تستغرق الجنس الواقع على المثنى والجمع وليست بمعنى ~~واحد بدليل قوله تعالى ms036 : @QB@ يا نساء النبي لستن كأحد من النساء @QE@ ، ~~وكذلك إذا قلت : ما PageV01P072 جاءني أحد ، فقد اشتمل هذا النفي على ~~استغراق الجنس من المذكر والمؤنث والمثنى والمجموع . # فإن اعترض معترض بقول امرئ القيس : بين الدخول فحومل ، فالجواب أن الدخول ~~اسم واقع على عدة أمكنة ، فلهذا جاز أن يعقب بالفاء ، كما يقال : المال بين ~~الإخوة فزيد ، ومثله قوله تعالى : @QB@ يزجي سحابا ثم يؤلف بينه @QE@ وإنما ~~ذكر السحاب وهو جمع ، لأنه من قبيل الجمع بينه وبين واحده الهاء ، وهذا ~~النوع من الجمع مثل الشجر والسحاب والنخل والنبات بجوز تذكيره وتأنيثه ، ~~كما قال سبحانه في سورة القمر : @QB@ كأنهم أعجاز نخل منقعر @QE@ ، وقال ~~تبارك وتعالى في سورة الحاقة : @QB@ كأنهم أعجاز نخل خاوية @QE@ . # قال المؤلف رحمه الله : وأظن أن الذي أوهمهم تكرير لفظة بين مع الظاهر ما ~~رأوه من وجوب تكريرها مع المضمر في مثل قوله عز وجل : @QB@ هذا فراق بيني ~~وبينك @QE@ وقد وهموا في المماثلة بين الموطنين وخفي عليهم الفرق الواضح ~~بين الموضعين وهو أن المعطوف في الآية قد عطف على المضمر المجرور الذي من ~~شرط جواز العطف عليه عند النحويين من أهل البصرة ، تكرير الجار فيه كقولك : ~~مررت به وبزيد ولهذا لحنوا حمزة في قراءته : @QB@ واتقوا الله الذي تساءلون ~~به والأرحام @QE@ حتى قال أبو العباس PageV01P073 المبرد : لو أني صليت خلف ~~إمام فقرأ بها لقطعت صلاتي . # ومن تأول فيها لحمزة جعل الواو الداخلة على لفظة الأرحام واو القسم لا ~~واو العطف وإنما لم يجز البصريون تجريد العطف على المضمر المجرور لأنه لشدة ~~اتصاله بما جره يتنزل منزلة أحد حروفه أو التنوين منه ، فلهذا لم يجز العطف ~~عليه كما لا يجوز العطف على التنوين ، ولا على أحد حروف الكلمة . # فإن قيل : كيف جاز العطف على المضمرين المرفوع والمنصوب بغير تكرير ، ~~وامتنع العطف في المضمر المجرور إلا بالتكرير فالجواب عنه أنه لما جاز أن ~~يعطف ذانك الضميران على الاسم الظاهر في مثل قولك : قام زيد وهو ، وزرت ~~عمرا وإياك جاز أن يعطف الظاهر عليهما فيقال : قام هو وزيد ms037 ، وزرتك وعمرا ~~ولما لم يجز أن يعطف المضمر المجرور على الظاهر إلا بتكرير الجار في مثل ~~قولك : مررت بزيد وبك ، لم يجز أن يعطف الظاهر على المضمر إلا بتكريره أيضا ~~، نحو : مررت بك وبزيد . # وهذا من لطائف علم العربية ومحاسن الفروق النحوية . # [ 52 ] ويقولون للمتوسط الصفة : هو بين البينين ، والصواب أن يقال : هو ~~بين بين ، كما قال عبيد بن الأبرص : # ( إنا إذا عض الثقاف % برأس صعدتنا لوينا ) # ( نحمي حقيقتنا وبعض % القوم يسقط بين بينا ) PageV01P074 # أي بين العالي والمنخفض وقد كان الأصل في هذا الكلام أن يضاف بين فلما ~~قطع عن الإضافة وضم أحد الاسمين إلى الآخر وحذفت واو العطف المعترضة بينهما ~~بنيا كما بني العدد المركب نحو أحد عشر ونظائره ، واختيرت له عند بنائه ~~الفتحة ، لأنها أخف الحركات وليست هذه الفتحة التي في قولك : بين بين من ~~جنس الفتحة التي في لفظة بين عند الإضافة لأن هذه فتحة إعراب بدلالة اعتقاب ~~الجر عليها في مثل قوله تعالى : @QB@ من بين فرث ودم @QE@ # ومن خصائص بين الظرفية أن الضم لا يدخل عليها بحال ، وأما من قرأ : @QB@ ~~لقد تقطع بينكم @QE@ بالرفع فإنه عنى بالبين الوصل ، كما عنى الشاعر به ~~البعد في قوله : PageV01P075 # ( لقد فرق الواشين بيني وبينها % فقرت بذاك الوصل عيني وعينها ) # لأن لفظة بين من الأضداد . # [ 53 ] ويقولون : بينا زيد قام إذ جاء عمرو ، فيتلقون بينا بإذ ، ~~والمسموع عن العرب : بينا زيد قام جاء عمرو ، بلا إذ لأن المعنى فيه : بين ~~أثناء الزمان جاء عمرو ، وعليه قول أبي ذؤيب : # ( بينا تعانقه الكماة وروغه % يوما أتيح له جريء سلفع ) # فقال : أتيح ، ولم يقل : إذ أتيح ، وهذا البيت ينشد بجر تعانقه ورفعه ، ~~فمن جره جعل الألف في بينا ملتحقة لإشباع الفتحة كالألف في قول الشاعر : # ( فأنت من الغواية حين تدعى % ومن ذم الرجال بمنتزاح ) PageV01P076 # لأن الأصل فيها بين ، وجر تعانقه على الإضافة ، ومن رفع رفعه على ~~الابتداء ، وجعل الألف زيادة ألحقت ببين لتوقع بعدها الجملة ، كما زيدت ما ~~في بينما لهذه العلة . # وذكر أبو ms038 محمد بن قتيبة قال : سألت الرياشي عن هذه المسألة ، فقال : إذا ~~ولي لفظة بين الاسم العلم رفعت فقلت : بينا زيد قام جاء عمرو ، وإن وليها ~~المصدر فالأجود الجر كهذه المسألة . # وحكى أبو القاسم الآمدي في أماليه عن أبي عثمان المازني قال : حضرت أنا ~~ويعقوب بن السكيت مجلس محمد بن عبد الملك الزيات ، فأفضنا في شجون الحديث ، ~~إلى أن قلت : كان الأصمعي يقول : بينا أنا جالس إذ جاء عمرو ، محال . # فقال ابن السكيت : أهذا كلام الناس قال : فأخذت في مناظرته عليه وإيضاح ~~المعنى له ، فقال لي محمد ابن عبد الملك : دعني حتى أبين له ما اشتبه عليه ~~، ثم التفت إليه وقال له : ما معنى بينا فقال : حين ، قال : أفيجوز أن يقال ~~: حين جلس زيد إذ جاء عمرو فسكت . # فهذا حكم بينا ، وأما بينما فأصلها أيضا بين ، فزيدت عليه ما لتؤذن بأنها ~~خرجت عن بابها بإضافة ما إليها . # وقد جاءت في الكلام تارة غير متلقاة بإذ مثل بينا واستعملت تارة متلقاة ~~بإذ وإذا اللذين للمفاجأة ، كما قال الشاعر : # ( فبينما العسر إذ دارت مياسير % ) # وكقوله في هذه القطعة : # ( وبينما المرء في الأحياء مغتبط % إذ صار في الرمس تعفوه الأعاصير ) # فتلقى هذا الشاعر بينما في البيت الأول بإذ وفي الثاني بإذا ، وليس ببدع ~~أن يتغير حكم بين بضم ما إليه لأن التركيب يزيل الأشياء عن أصولها ويحيلها ~~عن أوضاعها ورسومها ألا ترى أن رب لا تدخل إلا على الاسم ، فإذا اتصلت بها ~~ما ، غيرت حكمها PageV01P077 وأولتها الفعل كما جاء في القرآن : @QB@ ربما ~~يود الذين كفروا @QE@ ، وكذلك حرف لم فإذا زيدت عليها ما - وهي أيضا حرف - ~~صارت لما اسما في بعض المواطن بمعنى حين ووليها الفعل الماضي نحو قوله ~~تعالى : @QB@ ولما جاءت رسلنا لوطا @QE@ وهكذا قل وطال لا يجوز أن يليهما ~~الفعل ، فإن وصلا بما وليهما الفعل ، كقولك : طالما زرتك وقلما هجرتك . # [ 54 ] ويقولون : ثفل في عينه بثاء معجمة بثلاث ، فيصحفون فيه لأن ~~المنقول عن العرب تفل بإعجام اثنتين من فوق . # وحكى الفراء عن الكسائي ms039 أن العرب تقول : تفل في عيني ونفث ، فالتفل ما ~~صحبه شيء من الريق ، والنفث النفخ بلا ريق ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم ~~: إن روح القدس نفث في روعي ، أن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها ، فاتقوا ~~الله وأجملوا في الطلب . # ونظير هذا التصحيف قولهم في الفرصاد : توث ، بالثاء المعجمة بثلاث ، كما ~~قال النهشلي : # ( لروضة من رياض الحزن أو طرق % من القرية خزن غير محروث ) PageV01P078 # ( أحلى وأشهى لعيني إن مررت به % من كرخ بغداذ ذي الرمان والتوت ) # والصحيح أنها بالتاء المعجمة باثنتين من فوق . # وعند بعض أهل اللغة أن الفرصاد اسم للثمرة والتوث اسم للشجرة . # ونقيض هذين التصحيفين قولهم لثفل ما يعصر تجير بإعجام اثنتين من فوق وهو ~~بالثاء المعجمة بثلاث . # وقولهم أيضا للوعل المسن : تيتل بتائين تكتنفان الياء كلتاهما معجمة ~~باثنتين من فوق ، وهو في كلام العرب الثيتل بإعجام الأولى منهما بثلاث ، ~~فأما قول الشاعر الأشجعي : # ( وعدت فكان الخلف منك سجية % مواعيد عرقوب أخاه بيترب ) # فأكثر الرواة يروونه بيثرب ، ويعنون به المدينة ، وأنكر ابن الكلبي ذلك ، ~~وحقق أن الرواية بيترب بالتاء المعجمة باثنتين من فوق ، وهو موضع يقرب من ~~اليمامة ويتاخم منازل العمالقة . # واحتج في ذلك بأن عرقوبا كان من العمالقة الذين لم ينزلوا المدينة . # [ 55 ] ويقولون : أزمعت على المسير ووجه الكلام : أزمعت المسير كما قال ~~عنترة : # ( إن كنت أزمعت المسير فإنما % رمت ركابكم بليل مظلم ) # وفي معنى أزمعت لفظة أجمعت إلا أنه يجوز في أجمعت خاصة تعديتها بنفسها ~~وبلفظة على ، فيقال : أجمعت الأمر وأجمعت عليه . # وفي القرآن : @QB@ فأجمعوا أمركم وشركاءكم @QE@ ويسأل عن وجه انتصاب لفظة ~~PageV01P079 @QB@ وشركاءكم @QE@ إذ العطف ممتنع هاهنا ، لأنه لا يقال : ~~أجمعت شركائي ، وأجيب عنه بجوابين . # أحدهما : أنه انتصب انتصاب المفعول معه ، فتكون الواو بمعنى مع لا أنها ~~واو العطف ، ويكون تقدير الكلام : اجتمعوا مع شركائكم على تدبير أمركم . # والجواب الثاني : أنه انتصب على إضمار فعل حذف لدلالة الحال عليه وتقديره ~~لو ظهر : وادعوا شركاءكم ، فتكون الواو على هذا القوله قد عطفت فعلا مضمرا ~~على فعل ms040 مظهر كما قال الشاعر : # ( ورأيت زوجك في الوغى % متقلدا سيفا ورمحا ) # والرمح لا يتقلد به ، وإنما تقديره : وحاملا رمحا . # ويضاهي لفظة أجمعت في تعديتها بنفسها تارة وبحرف الجر أخرى لفظة عزمت ، ~~فيقال عزمت على الأمر وعزمته ، كما قال عز وجل : @QB@ ولا تعزموا عقدة ~~النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله @QE@ . # [ 56 ] ويقولون : أحدرت السفينة وقد آن إحدارها ، ووجه الكلام أن يقال : ~~PageV01P080 حدرتها ، وقد آن حدرها ، وهي في غد محدورة . # وكذا يقولون : أعلفت الدابة والصواب علفت قال الشاعر : # ( إذا كنت في قوم عدا لست منهم % فكل ما علفت من خبيث وطيب ) # [ 57 ] ويقولون في جمع فم أفمام وهو من أوضح الأوهام ، والصواب أن يقال : ~~أفواه ، كما قال سبحانه : @QB@ يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم @QE@ ، ~~وذلك أن الأصل في فم فوه على وزن سوط ، فحذفت الهاء تخفيفا لشبهها بحروف ~~اللين فبقي الاسم على حرفين : الثاني منهما حرف لين ، فلم يروا إيقاع ~~الإعراب عليه لئلا تثقل اللفظة ولم يروا حذفة لئلا يجحفوا به ، فأبدلوا من ~~الواو ميما ، فقالوا : فم لأن مخرجهما من الشفة . # والدليل على أن الأصل في فم الواو قولهم : تفوهت بكذا ، ورجل أفوه ، ولم ~~يقولوا تفممت ولا رجل أفم وأكثر ما يستعمل بالميم عند الإفراد ، فأما قول ~~العجاج : # ( خالط من سلمى خياشيم وفا % ) PageV01P081 # فقيل : إنه أراد وفاها ، فحذف المضاف إليه . # وقيل : عنى وفما . # وقولهم في تصغيره فويه ، لأن التصغير يرد الأشياء إلى أصولها كما يقال في ~~تصغير حر حريح لأن أصله حرح ، ويقال في تصغير الست من العدد : سديسة ، لأن ~~أصلها سدس لاشتقاقه من التسديس كما أن اشتقاق خمسة من التخميس وألحقت الهاء ~~بها عند التصغير ، لأنها من المؤنث الثلاثي . # ثم إن العرب قصرت استعمال فم عند إفراده ، واختارت رده إلى أصله عند ~~إضافته ، فقالوا عند الإضافة : نطق فوه ، وقبل فاه ، وأدخل إصبعه في فيه ، ~~كما قال علي كرم الله وجهه : # ( هذا جناي وخياره فيه % إذ كل جان يده إلى فيه ) # إلا أنه قد سمع عنهم الإضافة إلى الميم كقول الراجز : # ( يصبح عطشان ms041 وفي البحر فمه % ) # وأما قول الفرزدق : # ( هما نفثا في في من فمويهما % على النابح العاوي أشد رجام ) # فإنه جمع للضرورة بين العوض والمعوض عنه كما فعل الراجز في قوله : # ( إن إذا ما حدث ألما % أقول يا اللهم يا اللهم ) PageV01P082 فجمع بين ~~ياء النداء والميم المشددة التي هي عند الخليل بدل من ياء المناداة . # [ 58 ] ويقولون في تصغير عقرب عقيربة ، فيوهمون فيه وهم من لم يستقر كلام ~~العرب ، ولا عشا إلى جذوة الأدب لأن العرب تصغرها على عقيرب ، كما تصغر ~~زينب على زيينب ، وذلك أن الهاء إنما ألحقت في تصغير الثلاثي ، نحو قدر ~~وقديرة وشمس وشميسة ، فأما الرباعي فإنه لما ثقل بكثرة حروفه نزل الحرف ~~الأخير منه منزلة هاء التأنيث ، والدليل عليه منع سعاد من الصرف كما منع ما ~~فيه الهاء ، فلما حل الحرف الأخير من الرباعي المؤنث محل الهاء من الثلاثي ~~لم يجز أن تدخل عليه الهاء ، كما لا تدخل على هاء التأنيث هاء أخرى . # ومن أوهامهم أيضا في التصغير قولهم في تصغير ذي الموضوعة للإشارة إلى ~~المؤنث : ذيا ، فيخطئون فيه ، لأن العرب جعلت تصغير ذيا لذا الموضوعة ~~للإشارة إلى PageV01P083 المذكر ولم تصغر ذي الموضوعة للإشارة إلى المؤنث ~~على لفظها ، لئلا تلتبس بتصغير ذا بل عدلت في تصغير الاسم الموضوع للإشارة ~~إلى المؤنث عن ذي إلى تا ، فصغرته على تيا ، كما قال الأعشى : # ( أتشفيك تيا أم تركت بدائكا % وكانت قتولا للرجال كذلكا ) # [ 59 ] ويقولون رجل دنيائي ، بهمزة قبل ياء النسب ، فيلحنون فيه ، لأن ~~المسموع عن العرب في النسب إلى دنيا دنيي ودنيوي ، وفيهم من شبه ألفها بألف ~~بيضاء لكونهما علامتي التأنيث ، فقالوا فيها : دنياوي ، كما قيل في بيضاء : ~~بيضاوي ، فأما إلحاق الهمزة بها فلا وجه له ، لأنه اسم مقصور غير مصروف ~~والهمزة إنما تلحق بالممدود PageV01P084 المنصرف ، كما يقال في النسب إلى ~~سماء وحرباء : سمائي وحربائي ، على أنه قد جوز فيهما سماوي وجرباوي . # ومن أوهامهم في لفظة دنيا أيضا تنوينهم إياها فيقولون : هذه دنيا متعبة ، ~~وهو من شائن الوهم ومقابح اللحن ms042 ، لأن دنيا وما هو على وزنها ، مما لا ~~ينصرف في معرفة ولا نكرة لا يدخله التنوين بحال ، وإنما لم ينصرف ما أنث ~~بالألف في معرفة ولا نكرة ، وانصرف ما أنث بالهاء في النكرة ، وكلتاهما ~~علامة للتأنيث لأن التأنيث بالألف أقوى من التأنيث بالهاء ، بدليل أن ~~الكلمة المؤنثة بالألف نحو حبلى وسكرى وحمراء وخضراء صيغت في بدئها ، وأول ~~وضعها على التأنيث ، فقوي تخصصها بالأنوثة ونابت هذه العلة مناب علتين ، ~~فمنعت الصرف بالواحدة ، والتأنيث بالهاء ملتحق بالكلمة بعد استعمالها في ~~المذكر نحو قولك : عائش وعائشة وخديج وخديجة فلهذا حط من درجة ما أنث ~~بالألف وصرف في النكرة . # [ 60 ] ويقولون : ما آليت جهدا في حاجتك ، فيخطئون فيه ، لأن معنى ما ~~آليت ، ما حلفت ، وتصحيح الكلام فيه أن يقال : ما ألوت ، أي ما قصرت لأن ~~العرب تقول : ألا الرجل يألو ، إذا قصر وفتر . # وحكى الأصمعي قال : إذا قيل لك : ما ألوت في حاجتك . # فقل ، بلى أشد الألو . # وقد أجاز بعضهم أن يقال : ما أليت في حاجتك بتشديد اللام ، واستشهد عليه ~~بقول زهير بن جناب : # ( وإن كنائني لمكرمات % وما ألى بني ولا أساءوا ) PageV01P085 # ولفظة ألوت لا تستعمل في الواجب البته مثل لفظة أحد وقط وصافر وديار ~~وكمثل لا جرم ولا بد ونظائره ، وكذلك لفظة الرجاء الذي بمعنى الخوف ، كما ~~جاء في القرآن : @QB@ ما لكم لا ترجون لله وقارا @QE@ ، أي لا تخافون وكما ~~قال أبو ذؤيب : # ( إذا لسعته النحل لم يرج لسعها % وحالفها في بيت نوب عوامل ) # يعني لم يخف لسعها ، وأراد بالنوب التي قد شابهت بسوادها النوبة . # وقيل بل أراد به جمع نائب . # ومما لا يستعمل أيضا إلا في الجحد قولهم : ما زال وما برح وما فتئ وما ~~انفك ، وما دام ، بمعنى ما برح في أكثر الأحوال وعليه قول الأعشى : # ( أيا أبتا لا ترم عندنا % فإنا بخير إذا لم ترم ) # وبهذا البيت استعطف أبو عثمان المازني الواثق بالله حين أشخصه من البصرة ~~إلى حضرته حتى اهتز لإحسان صلته ، وعجل تسريحه إلى ابنته . # وخبره يشهد بفضيلة ms043 الأدب ومزيته ، ويرغب الراغب عنه في اقتباسه ودراسته . # ومساقة الخبر ما رواه أبو العباس المبرد ، قال : قصد بعض أهل الذمة أبا ~~عثمان المازني ليقرأ عليه كتاب سيبويه ، وبذل له مائة دينار عن تدريسه إياه ~~، فامتنع أبو عثمان من قبول بذله وأصر على رده ، قال : فقلت له : جعلت فداك ~~أترد هذه النفقة مع فاقتك وشدة PageV01P086 إضاقتك فقال : إن هذا الكتاب ~~يشتمل على ثلاثمائة وكذا آية من كتاب الله عز وجل ، ولست أرى أن أمكن منها ~~ذميا ، غيرة على كتاب الله تعالى وحمية له ، قال : فاتفق أن غنت جارية ~~بحضرة الواثق بقول العرجي : # ( أظلوم إن مصابكم رجلا % أهدى السلام إليكم ظلم ) # فاختلف من بالحضرة في إعراب رجل فمنهم من نصبه ، وجعله اسم إن ، ومنهم من ~~رفعه على أنه خبرها ، والجارية مصرة على أن شيخها أبا عثمان المازني لقنها ~~إياه بالنصب ، فأمر الواثق بالله بإشخاصه . # قال أبو عثمان : فلما مثلت بين يديه قال : ممن الرجل قلت : من بني مازن ، ~~قال : أي الموازن أمازن تميم أم مازن قيس ، أم مازن ربيعة قلت : من مازن ~~ربيعة ، فكلمني بكلام قومي ، وقال لي : با اسمك لأنهم يقلبون الميم باء ~~والباء ميما إذا كانت في أول الأسماء ، قال : فكرهت أن أجيبه على لغة قومي ~~لئلا أواجهه بالمكر ، فقلت : بكر يا أمير المؤمنين ، ففطن لما قصدته وأعجب ~~به ، ثم قال ما تقول في قول الشاعر : # ( أظلوم إن مصابكم رجلا % ) # أترفع رجلا أم تنصبه فقلت : بل الوجه النصب يا أمير المؤمنين ، فقال : ~~ولم ذلك فقلت : إن مصابكم مصدر بمعنى إصابتكم ، فأخذ اليزيدي في معارضتي ، ~~فقلت : هو بمنزلة قولك : إن ضربك زيدا ظلم ، فرجلا مفعول مصابكم ، ومنصوب ~~به ، والدليل عليه أن الكلام معلق إلى أن تقول : ظلم ، فيتم الكلام . # فاستحسنه الواثق وقال : هل لك من ولد قلت : نعم ، بنية يا أمير المؤمنين ~~، قال : ما قالت لك عند مسيرك قلت : أنشدت قول الأعشى : # ( أيا أبتا لا ترم عندنا % فإنا بخير إذا لم ترم ) # ( أرانا إذا أضمرتك البلاد % نجفى وتقطع منا الرحم ) # قال ms044 : فما قلت لها قلت : قول جرير : PageV01P087 # ( ثقي بالله ليس له شريك % ومن عند الخليفة بالنجاح ) # قال : أنت على النجاح إن شاء الله ، ثم أمر لي بألف دينار ، وردني مكرما ~~. # قال أبو العباس : فلما عاد إلى البصرة قال لي : كيف رأيت يا أبا العباس ~~رددنا لله مائة فعوضنا ألفا # [ 61 ] ويقولون : الضبعة العرجاء ، وهو غلط ، ووجه الكلام أن يقال : ~~الضبع العرجاء لأن الضبع اسم يختص بأنثى الضباع ، والذكر منها ضبعان ، ومن ~~أصول العربية أن كل اسم يختص بجنس المؤنث مثل حجر وأتان وضبع وعناق ، لا ~~تدخل عليه هاء التأنيث بحال ، وعلى هذا جميع ما يستقرى من كلام العرب ، ~~وحكى ثعلب قال : أنشدني ابن الأعرابي في أماليه : # ( تفرقت غنمي يوما فقلت لها % يارب سلط عليها الذئب والضبعا ) # فسألته حين أنشدنيه : أدعا لها أم عليها فقال : إن أراد أن يسلطها عليها ~~في وقت واحد فقد دعا لها ، لأن الذئب يمنع الضبع والضبع تدفع الذئب فتنجو ~~هي ، وإن أراد أن يسلط عليها الذئب في وقت والضبع في وقت آخر فقد دعا عليها ~~. # وفي مسائل الضبع مسألة لطيفة قل من اطلع على خبئها وانكشف له قناع سرها ~~وهي أن من أصول العربية التي يطرد حكمها ، ولا ينحل نظمها أنه متى اجتمع ~~المذكر والمؤنث غلب حكم المذكر على المؤنث لأنه هو الأصل ، والمؤنث فرع ~~عليه إلا في موضعين : أحدهما أنك متى أردت تثنية الذكر والأنثى من الضباع ، ~~قلت : ضبعان ، فأجريت التثنية على لفظ المؤنث الذي هو ضبع لا على لفظ ~~المذكر الذي هو ضبعان PageV01P088 وإنما فعل ذلك فرارا مما كان يجتمع من ~~الزوائد لو ثني على لفظ المذكر . # والموضع الثاني أنهم في باب التاريخ أرخوا بالليالي التي هي مؤنثة دون ~~الأيام التي هي مذكرة وإنما فعلوا ذلك مراعاة للأسبق ، والأسبق من الشهر ~~ليلته . # ومن كلامهم : سرنا عشرا من بين يوم وليلة . # [ 62 ] ويقولون لأول يوم من الشهر مستهل الشهر ، فيغلطون فيه على ما ذكره ~~أبو علي الفارسي في تذكرته ، واحتج فيه على ذلك بأن الهلال إنما ms045 يرى بالليل ~~، فلا يصلح إلا ما يكتب فيها ، ومنع أن يؤرخ ما يكتب فيها بليلة خلت ، لأن ~~الليلة ما انقضت بعد ، كما منع أن يؤرخ ما يكتب في صبيحتها بمستهل الشهر ، ~~لأن الاستهلال قد انقضى . # ونص على أن يؤرخ بأول الشهر أو بغرته أو بليلة خلت منه . # ومن أوهامهم في التأريخ أنهم يؤرخون بعشرين ليلة خلت وبخمس وعشرين خلون ، ~~والاختيار أن يقال : من أول الشهر إلى منتصفه : خلت وخلون ، وأن يستعمل في ~~النصف الثاني بقيت وبقين على أن العرب تختار أن تجعل النون للقليل والتاء ~~للكثير ، فيقولون : لأربع خلون ولإحدى عشرة خلت . # نعم ، لهم اختيار آخر أيضا ، وهو أن يجعل ضمير الجمع الكثير الهاء والألف ~~، وضمير الجمع القليل الهاء والنون المشددة ، كما نطق به القرآن في قوله ~~تعالى : @QB@ إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق ~~السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم ~~@QE@ ، فجعل ضمير الأشهر الحرم بالهاء والنون لقلتهن وضمير شهور السنة ~~الهاء والألف لكثرتها . # وكذلك اختاروا أيضا أن ألحقوا بصفة الجمع الكثير الهاء ، فقالوا : أعطيته ~~دراهم كثيرة وأقمت أياما معدودة ، وألحقوا بصفة الجمع القليل الألف والتاء ~~، فقالوا : أقمت أياما معدودات ، وكسوته أثوابا رفعيات ، وأعطيته دراهم ~~يسيرات وعلى هذا جاء في PageV01P089 سورة البقرة : @QB@ وقالوا لن تمسنا ~~النار إلا أياما معدودة @QE@ وفي سورة آل عمران : @QB@ إلا أياما معدودات ~~@QE@ كأنهم قالوا أولا بطول المدة التي تمسهم فيها النار ، ثم تراجعوا عنه ~~فقصروا تلك المدة . # [ 63 ] ويقولون : خرمش الكتاب ، بالميم ، أي أفسده ، والصواب أن يقال : ~~خربش بالباء ، وجاء في بعض الحديث : وكان كتاب فلان مخربشا . PageV01P090 # [ 64 ] ويقولون : ما رأيته من أمس والصواب أن يقال : منذ أمس ، لأن من ~~تختص بالمكان ومذ ومنذ يختصان بالزمان ، وأما قوله عز وجل : @QB@ إذا نودي ~~للصلاة من يوم الجمعة @QE@ فإن من هاهنا بمعنى في الدالة على الظرفية ، ~~بدليل أن النداء للصلاة المشار إليها يوقع في وسط يوم الجمعة ، ولو كانت من ~~ها هنا هي التي تختص بابتداء ms046 الغاية لكان مقتضى الكلام أن يوقع النداء في ~~أول يوم الجمعة . # وأما قوله تعالى : @QB@ لمسجد أسس على التقوى من أول يوم @QE@ فهو على ~~إضمار مصدر حذف لدلالة الكلام عليه ، وتقديره : من تأسيس أول يوم ، وأما ~~قولهم : ما رأيته مذ خلق ومذ كان ، ففي الكلام حذف ، تقديره مذ يوم خلق ومذ ~~يوم كان . # وعلى هذا قول زهير : # ( لمن الديار بقنة الحجر % أقوين من حجج ومن دهر ) # فقال : من حجج ومن دهر . # وقيل إن من في هذا البيت زائدة على ما يراه الأخفش من زيادتها في الكلام ~~الواجب ، فكأنه قال : أقوين حججا ودهرا . # [ 65 ] ويقولون : تتابعت النوائب على فلان ، ووجه الكلام أن يقال : ~~تتايعت ، بالياء المعجمة باثنتين من تحت لأن التتابع يكون في الصلاح والخير ~~، والتتايع يختص PageV01P091 بالمنكر والشر ، كما جاء في الخبر : ما يحملكم ~~على أن تتايعوا في الكذب كما تتايع الفراش في النار . # وكما روي أنه لما كثر شرب الخمر في عهد عمر رضي الله عنه جمع الصحابة رضي ~~الله عنهم ، وقال : إني أرى الناس قد تتايعوا في شرب الخمر واستهانوا بحدها ~~، فماذا ترون فقال له علي عليه السلام : أرى أن أحده ثمانين ، لأني أراه ~~إذا شرب سكر ، وإذا سكر هذى ، وإذا هذى افترى ، فأحده حد المفتري . # فاستصوب عمر رأيه ، وأخذ به . # وقد جاء في لغة العرب ألفاظ خصت بالاستعمال في الشر دون الخير ، كلفظة ~~تهافت ، التي لا تستعمل إلا في المكروه والحزن ، وكلفظة أشفى التي لا تقال ~~إلا لمن أشرف على الهلكة ، وكالأرق الذي لا يكون إلا في المكروه لأن السهر ~~يكون في المكروه والمحبوب ، وكقولهم في مدح الميت : التأبين ، ولكل ما يثور ~~للضرر : هاج . # ولأخبار السوء : صاروا أحاديث ، وللمذموم ممن تخلف : خلف ، وللمتساويين ~~في الشر : سواس وسواسية ، كما جاء في المثل : سواسية كأسنان الحمار ، وكما ~~قال الشاعر : # ( سود سواسية كأن أنوفهم % بعر ينظمه الصبي بملعب ) # ( لا يخطبون إلى الكرام بناتهم % وتشيب أيمهم ولما تخطب ) PageV01P092 # وقد اختلف في سواسية ، فقيل : هو جمع سواء ، وقيل : بل وضعت موضع سواء . # ومما ms047 ينتظم في هذا السلك استعمالهم لفظة أزننته بمعنى اتهمته بالمفاضح ~~دون المحاسن ، واستعمالهم الهنات والهنوات في الكناية عن المنكرات ، كقول ~~الشاعر : # ( فنعم الحي كلب غير أنا % وجدنا في جوارهم هنات ) # وكقول الآخر : # ( يزيد هنات من هنين فتلتوي % علينا وتأتي من هنين هنات ) # قال الشيخ الإمام : وأنشدني والدي رحمه الله ، قال : أنشدني أبو الحسن بن ~~زنجي اللغوي ، قال : أنشدني أبو عبد الله النمري لنفسه يرثي أبا عبد الله ~~الأزدي ، وكانت بينهما ملاحاة في عهد الحياة : # ( مضى الأزدي والنمري يمضي % وبعض الكل مقرون ببعض ) # ( أخي والمجتني ثمرات ودي % وإن لم يجزني قرضي وفرضي ) PageV01P093 # ( وكانت بيننا أبدا هنات % توفرث عرضه فيها وعرضي ) # ( وما هانت رجال الأزد عندي % وإن لم تدن أرضهم من ارضي ) # وحكى أن أبا الحسن بن وهب ، كتب إلى إخ له يداعبه : # ( ظبيك هذا حسن وجهه % وما سوى ذاك جميعا يعاب ) # ( فافهم كلامي يا أبا عامر % ما يشبه العنوان ما في الكتاب ) # فأجابه : # ( وراقه ما راقك من حسنه % منافع مخبرها مستطاب ) # ( من طيب مسموع إذا ما شدا % يحلو به العيش ويصفوا الشراب ) # ( وعشرة محمودة حفها % مساعدات وهنات عذاب ) # قال الشيخ السعيد رحمه الله : وليس وصفه الهنات بالعذوبة يخرجها عن وصفها ~~بالذم كما أوهم بعضهم ، بل كما تسمى الخمر اللذة مع كونها إحدى الكبائر وأم ~~الخبائث . # ومما لا يستعمل إلا في الشر قولهم : ندد به وسمع به ، وقولهم : قيض له ~~كذا وكذا ، ومثله : @QB@ وباؤوا بغضب من الله @QE@ أي رجعوا . # وذكر أهل التفسير انه لم يأت في القرآن لفظ الإمطار ولا لفظ الريح إلا في ~~الشر ، كما لم يأت لفظ الرياح إلا في الخير ، قال سبحانه في الإمطار : @QB@ ~~وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل @QE@ ، وقال عز اسمه في الرياح وفي عاد : @QB@ ~~إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم @QE@ PageV01P094 ) وقال في الرياح : @QB@ ~~ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات @QE@ وهذا هو معنى دعائه عليه السلام عند ~~عصوف الرياح : اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا . # أخبرني أبو القاسم إبراهيم بن محمد بن أحمد بن المعدل قراءة عليه ، قال : ~~حدثنا ms048 القاضي الشريف أبو عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي ، قال : ~~حدثنا أبو العباس محمد بن أحمد الأثرم ، قال : حدثنا أحمد ابن يحيى - وهو ~~السوسي - قال : حدثنا علي بن عاصم ، قال : أخبرني أبو علي الرحبي قال : ~~حدثنا عكرمة عن ابن عباس رحمه الله قال : هاجت ريح أشفق منها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، ثم استقبلها ، وجثا على ركبتيه ومد يديه إلى السماء ثم ~~قال : اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا ، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها ~~عذابا . # وذكر ابن عمر رضي الله عنه أن الرياح المذكورة في القرآن : ثمان . # أربع رحمة ، وأربع عذاب ، فأما التي للرحمة فالمبشرات والمرسلات ~~والذاريات والناشرات ، وأما التي للعذاب فالصرصر والعقيم ، وهما في البر ، ~~والعاصف والقاصف وهما في البحر . # [ 66 ] ويقولون في ضمن أقسامهم : وحق الملح ، إشارة إلى ما يؤتدم به ~~فيحرفون المكني عنه لأن الإشارة إلى الملح فيما تقسم به العرب ، هو إلى ~~الرضاع لا غير ، والدليل عليه قول وفد هوازن للنبي صلى الله عليه وسلم : لو ~~كنا ملحنا للحارث أو للنعمان لحفظ ذلك فينا ، أي لو أرضعنا له . # وعليه قول أبي الطمحان في قوم أضافهم ، فلما أجنهم الليل استاقوا نعمه : ~~PageV01P095 # ( وإني لأرجو ملحها في بطونكم % وما بسطت من جلد أشعث أغبرا ) # والقطعة مجرورة ، وأولها : # ( ألا حنت المرقال واشتاق ربها % تذكر أرماما وأذكر معشري ) # يريد إني لأرجو أن تؤاخذوا بغدركم في مقابل ما شربتم من لبنها الذي ~~أسمنكم وحسن بدنكم . # وأما قولهم : ملحه على ركبتيه ، فقيل : المراد به أنه ممن يضيع حق الرضاع ~~كما يضيع الملح من يضعه على ركبته . # وقيل : المعني به السيئ الخلق الذي تطيشه أقل كلمة ، كما أن الملح ~~الموضوع فوق الركبة بتبدد بأدنى حركة وأما قول مسكين الدارمي : # ( لا تلمها إنها من نسوة % ملحها موضوعة فوق الركب ) # فقيل : عنى به أنها من قوم هم في الغدر وسوء العهد كمن ملحه فوق ركبته . # وقيل أشار به إلى أنها سوداء زنجية كقولهم : ملح الزنجي على ركبته ، ~~والملح مؤنثة في أكثر الكلام فلهذا ms049 قال : ملحها موضوعة وقد نطق في بعض ~~اللغات بتذكيره . # [ 67 ] ويقولون : هو ذا يفعل وهو ذا يصنع وهو خطأ فاحش ولحن شنيع ، ~~والصواب فيه أن يقال فيه : ها هو ذا يفعل وكان أصل القول : هو هذا يفعل ، ~~فتفرع حرف التنبيه الذي هو ها من اسم الإشارة الذي هو ذا ، وصدر في الكلام ~~وأقحم بينهما الضمير ويسمى هذا التقريب ، إلا أنه إذا قيل : ها هو ذا ، كتب ~~حرف التنبيه PageV01P096 بإثبات الألف لئلا يبقى على حرف واحد ، والعرب ~~تكثر الإشارة والتنبيه فيما تقصد به التفخيم . # وفيما رواه النحويون أن غلاما مر بصفية بنت عبد المطلب فقال لها : أين ~~الزبير قالت : ما تريد منه قال : أريد أن أباطشه ، فقالت له : ها هو ذاك ، ~~فصار إليه فباطشه فغلبه الزبير ، فرجع الغلام مغلولا ، فلما مر بصفية ، ~~قالت له : # ( كيف وجدت زبرا % أأقطا أم تمرا % أم قرشيا صقرا ) # أرادت : أوجدته طعاما تأكله أم صقرا يأكلك # [ 68 ] ويقولون : رجل متعوس ، ووجه الكلام أن يقال : تاعس ، وقد تعس ، ~~كما يقال : عاثر ، وقد عثر . # والتعس الدعاء على العاثر بألا ينتعش من صرعته ، وعليه فسر قوله تعالى : ~~@QB@ فتعسا لهم @QE@ . # والعرب تقول في الدعاء على العاثر : تعسا له وفي الدعاء له : لعا له ، ~~كما قال الأعشى : # ( بذات لوث عفرناة إذا عثرت % فالتعس أدنى لها من أن أقول لعا ) ~~PageV01P097 يعني أنها تستحق أن يدعى عليها لالها . # واختار الفراء أن يقال للغائب : تعس بكسر العين ، وللمخاطب تعست بفتح ~~العين ، فأما في التعدية فيقال : أتعسه الله ، وعليه قول مجمع بن هلال : # ( تقول وقد أفردتها عن خليلها % تعست كما أتعستني يا مجمع ) # وعلى ذكر التعس فإني رويت في أخبار أبي أحمد العسكري عن أبي علي الأعرابي ~~قال : حدثني بعض الأدباء ، قال : وقف علينا أعرابي في طريق الحج ، وقد عن ~~لنا سرب ظباء ، فقال : بكم تشترون واحدة منهن فقلنا : بأربعة دراهم قال : ~~فتركنا وسعى نحوهن ، فما كذب أن جاء وعلى عاتقه ظبية وهو يقول : # ( وهي على البعد تلوي خدها % تقيس شدي وأقيس شدها % كيف ترى عدو ms050 غلام ~~ردها ) # فقلت : # ( أراه قد أتعبها وكدها % وأتعس الله لديه جدها % أنت أشد الناس عدوا ~~بعدها ) PageV01P098 # قال : فتركها وانصرف ، فقلت له خذ حقك ، فقال : سبحان الله أتمدحني وآخذ ~~منك # [ 69 ] ويقولون ما شعرت بالخبر ، بضم العين ، فيحيلون المعنى فيه ، لأن ~~معنى ما شعرت بضم العين ، ما صرت شاعرا ، فأما الفعل الذي بمعنى علمت ، فهو ~~شعرت بفتح العين . # ومنه قولهم : ليت شعري ، أي ليت علمي . # وعند الفراء أن لفظة شعري مصدر مثل علمي ، وفي الكلام محذوف ترك إظهاره ~~لكثرة استعمال هذه اللفظة ، وتقدير الكلام : ليت علمي ، بلغه خبر فلان . # وقال ثعلب : بل المصدر ، من شعرت هو شعرة مثل فطنة ، فحذفت الهاء منه ~~للإضافة ، كما حذفت في قولهم للزوج الأول : هو أبو عذرا والأصل أبو عذرتها ~~، ومثله قوله تعالى @QB@ لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة ~~@QE@ لأن الأصل أقامة ، فحذفت منه الهاء للإضافة . # [ 70 ] ويقولون في المنسوب إلى الفاكهة والباقلاء والسمسم : فاكهاني ~~وباقلاني وسمسماني فيخطئون فيه لأن العرب لم يلحقوا الألف والنون في النسب ~~إلا بأسماء محصورة زيدتا فيها للمبالغة كقولهم للعظيم الرقبة : رقباني ~~وللكثيف اللحية لحياني وللوافر PageV01P099 الجمة جماني وللمنسوب إلى الروح ~~روحاني وإلى من يرب العلم رباني ، وإلى بائع الصيدل والصيدن - وهما في ~~الأصل حجارة الفضة ، ثم جعلا اسمين للعقاقير : صيدلاني وصيدناني ، ووجه ~~الكلام في الأول أن يقال في المنسوب إلى السمسم : سمسمي ، كما يقال في ~~المنسوب إلى ترمذ : ترمذي ، وأن يقال في المنسوب إلى الفاكهة : فاكهي ، كما ~~ينسب إلى السامرة سامري ، فأما المنسوب إلى الباقلى ، فمن قصره قال في ~~النسب إليه : باقلي لأن المقصور إذا تجاوز الرباعي حذفت ألفه في النسب ، ~~كما يقال في النسب إلى حبارى حباري وإلى قبعثرى قبعثري . # ومن مد الباقلاء أجاز في النسب إليه باقلاوي وباقلائي ، كما ينسب إلى ~~حرباء وعلباء حرباوي وحربائي وعلباوي وعلبائي . # وأما قولهم في النسب إلى صنعاء وبهراء ودستوا : صنعاني وبهراني ودستواني ~~فهو من شواذ النسب ، والشاذ لا يعاج إليه ولا تحمل نظائره عليه . # [ 71 ] ويقولون للذهب . # خلاص ms051 بفتح الخاء . # والاختيار فيه أن يقال خلاص بالكسر ، واشتقاقه من أخلصته النار بالسبك . # وكنت سمعت في روق الشبيبة ولدونة الحداثة القشيبة أديبا من أهل بست معجبا ~~يقول أبي الفتح البستي : إذا اقترن الولاء بالإخلاص ، صار PageV01P100 ~~كالذهب الخلاص . # فارتجلت على البديهة وقلت : من طلب جانب الخلاص ، جانب طلب الخلاص ، ~~فثناه عن استنانه ، وأغرق في استحسانه . # [ 72 ] ويقولون : سارر فلان فلانا وقاصصه وحاججه وشاققه فيبرزون التضعيف ~~كما يظهرونه في مصادر هذه الأفعال أيضا ، فيقولون المساررة والمقاصصة ~~والمحاججة والمشاققة . # ويغلطون في جميع ذلك ، لأن العرب استعملت الإدغام في هذه الأفعال ~~ونظائرها ، طلبا لاستخفاف اللفظ ، واستثقالا للنطق بالحرفين المتماثلين ، ~~ورأت أن إبراز الإدغام بمنزلة اللفظ المكرر ، والحديث المعاد . # ثم لم تفرق بين ماضي هذه الأفعال ومستقبلها وتصاريف مصادرها ، فقالوا : ~~ساره يساره ، مسارة ، وحاجه يحاجه محاجة . # وقالوا في نوع آخر منه : تصام عن الأمر ، أي أرى أنه أصم ، وتضام القوم ، ~~أي انضموا ، وتراص المصلون ، أي تلاصقوا ، وعلى هذا حكم قبيل هذا الكلام ، ~~كما جاء في القرآن : @QB@ وحاجه قومه @QE@ ، وورد فيه : @QB@ لا تجد قوما ~~يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله @QE@ فاشتملت هذه ~~الآية على الإدغام في الفعلين : الماضي والمستقبل . # وهذا الحكم مطرد في كل ما جاء من الأفعال المضاعفة على وزن فعل وأفعل ~~وفاعل وافتعل وتفاعل واستفعل ، نحو مد الحبل وأمد وماد وامتد وتماد واستمد ~~، اللهم إلا أن يتصل به ضمير المرفوع ، أو يؤمر فيه جماعة المؤنث ، فيلزم ~~حينئذ فك الإدغام في هذين الموطنين ، لسكون آخر الحرفين المتماثلين ، كقولك ~~: رددت ورددنا ونظائره ، وكقولك في الأمر لجماعة المؤنث : ارددن وامددن ، ~~وقد جوز الإدغام والإظهار في الأمر للواحد ، كقولك : رد ، واردد ، وقاص ~~وقاصص ، واقتص واقتصص ، وكذلك جوز الأمران في المجزوم كما قال تعالى في ~~سورة المائدة : @QB@ من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ~~ويحبونه @QE@ PageV01P101 ) ، وفي سورة أخرى : @QB@ ومن يرتدد منكم عن دينه ~~فيمت وهو كافر @QE@ ، وكما قال سبحانه : @QB@ ومن يشاق الله @QE@ وفي موطن ~~آخر : @QB@ ومن يشاقق الله @QE@ ، فأما فيما عدا هذه المواطن ms052 المذكورة فلا ~~يجوز إبراز التضعيف إلا في ضرورة الشعر ، كما قال الراجز في الاسم : # ( إن بني للئام زهده % مالي في صدورهم من مودده ) # فأظهر التضعيف في مودة لإقامة الوزن وتصحيح البيت ومثله قول قعنب بن أم ~~صاحب في الأفعال : # ( مهلا أعاذل قد جربت من خلقي % إني أجود لأقوام وإن ضننوا ) PageV01P102 ~~أراد ضنوا ، ففك الإدغام للضرورة . # وقد شذ منه قولهم : قطط شعره ، من القطط ومششت الدابة من المشش ، ولححت ~~عينه ، أي التصقت ، وألل السقاء ، إذا تغيرت ريحه ، وضبب البلد إذا كثر ~~ضبابه ، وصككت الدابة من الصكك في القوائم وكل ذلك مما لا يعتد به ولا يقاس ~~عليه . # [ 73 ] ومن أوهامهم في التضعيف قولهم للاثنتين : ارددا ، وهو من مفاحش ~~اللحن ، ووجه الكلام أن يقال لهما : ردا كما يقال للجميع : ردوا ، والعلة ~~فيه أن الألف التي هي ضمير المثنى ، والواو التي هي ضمير الجمع تقتضيان ~~لسكونهما تحريك آخر ما قبلهما ، ومتى تحرك آخر الفعل حركة صحيحة وجب ~~الإدغام ، وهذه العلة مرتفعة في قولك PageV01P103 للواحد : اردد ، فلهذا ~~امتنع القياس عليه . # [ 74 ] ويقولون : نقل فلان رحله ، إشارة إلى أثاثه وآلاته وهو وهم ينافي ~~الصواب ، ويباين المقصود به في لغة الأعراب ، إذ ليس في أجناس الآلات ما ~~يسمونه رحلا إلا سرج البعير الذي عناه الشاعر بقوله : # ( مهما نسيت فما أنسى مقالتها % يوم الرحيل لأتراب لها عرب ) # ( سكن قلبي بأيديكن إن له % وهجا يفوق ضرام النار واللهب ) # ( ليت الفراق نعى روحي إلى بدني % قبل التآلف بين الرحل والقتب ) # وإنما رحل الرجل منزله ، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : إذا ابتلت ~~النعال فالصلاة في الرحال ، أي صلوا في منازلكم عند ابتلال أحذيتكم من ~~المطر . # وقيل إن النعال هنا جمع نعل وهو ما صلب من الأرض . # ومن كلام العرب للمعشب : الريع ، وللخصيب الرحل : هو اخضر النعل . # ومما أنشده ابن السكيت في أبيات معانيه : PageV01P104 # ( نلقاهم وهم خضر النعال كأن % قد نشرت كتفيها فيهم الضبع ) # ( لو صاب واديهم رسل فأترعه % ما كان للضيف في تغميره طمع ) # أراد أنهم لو أخصبت أرضهم ms053 حتى سال واديهم لبنا ، لما سقوا الضيف مذقة منه ~~، والتغمير أقل الشرب ، لاشتقاقه من الغمر وهو أصغر الأقداح . # [ 75 ] ويقولون لمن يكثر السؤال من الرجال : سائل ومن النساء سائلة ، ~~والصواب أن يقال لهما سأل وسألة ، كما أنشد بعضهم في الخمر : # ( سألة للفتى ما ليس في يده % ذهابه بعقول القوم والمال ) # ( أقسمت بالله أسقيها وأشربها % حتى تفرق ترب الأرض أوصالي ) # يعني : أقسمت بالله لا أسقيها ، فأضمر لا كما أضمرت في قوله تعالى : @QB@ ~~تالله تفتأ تذكر يوسف @QE@ أي لا تفتأ . # وأكثر ما تضمر في الأقسام كما قالت الخنساء : # ( فآليت آسى على هالك % وأسأل نائحة مالها ) # أي لا آسى ولا أسأل . # وقد تضمر في غير القسم كقول الراجز لابنه : # ( أوصيك أن يحمدك الأقارب % ويرجع المسكين وهو خائب ) # أي ولا يرجع . # وكما أنهم أضمروا لا فقد استعملوها زائدة على وجه الفصاحة وتحسين الكلام ~~، كما قال سبحانه : @QB@ ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك @QE@ ، والمراد به : ما ~~PageV01P105 منعك أن تسجد بدليل قوله تعالى في السورة الأخرى : @QB@ ما ~~منعك أن تسجد لما خلقت بيدي @QE@ ، ومنه قول الراجز : # ( وما ألوم البيض ألا تسخرا % إذا رأين الشمط المنورا ) # أي لا ألوم البيض أن تسخر إذا رأين الشيب . # والأصل في مباني الأفاعيل ملاحظة حفظ المعاني التي تتميز باختلاف صيغ ~~الأمثلة فبني مثال من فعل الشيء مرة على فاعل ، نحو قاتل وفاتك ، وبني مثال ~~من كرر الفعل على فعال مثل قتال وفتاك ، وبني مثال من بالغ في الفعل ، وكان ~~قويا عليه على فعول ، مثل صبور وشكور ، وبني مثال من اعتاد الفعل على مفعال ~~، مثل امرأة مذكار إذا كان من عادتها أن تلد الذكور ، ومئناث إذا كان من ~~عادتها أن تلد الإناث ، ومعقاب إذا كان من عادتها أن تلد ذكرا نوبة ذكرا ~~ونوبة أنثى وبني مثال من كان آلة للفعل وعدة له ، على مفعل نحو محرب ومرجم ~~. # وحكى ابن الأعرابي قال : دفع رجل رجلا من العرب فقال المدفوع : لتجدني ذا ~~منكب مزحم وركن مدعم ورأس مصدم ولسان مرجم ووطء ميثم ، أي مكسر ms054 . # وسئل بعض أهل اللغة عن قوله تعالى : @QB@ وما ربك بظلام للعبيد @QE@ ، لم ~~ورد على وزن فعال الذي صيغ للتكثير وهو سبحانه منزه عن الظلم اليسير فأجاب ~~عنه : إن أقل القليل من الظلم لو ورد منه وقد جل سبحانه عنه لكان كثيرا ~~لاستغنائه عن فعله وتنزهه عن قبحه ، ولهذا يقال : زلة العالم كبيرة ، وإلى ~~هذا أشار المخزومي الشاعر في قوله : # ( العيب في الجاهل المغمور مغمور % وعيب ذي الشرف المذكور مذكور ) # ( كفوفة الظفر تخفى من حقارتها % ومثلها في سواد العين مشهور ) ~~PageV01P106 [ 76 ] ويقولون : يوشك أن يفعل كذا بفتح الشين ، والصواب فيه ~~كسرها ، لأن الماضي منه أوشك ، فكان مضارعه يوشك ، كما يقال : أودع يودع ~~وأورد يورد ، ومعنى يوشك يسرع ، لاشتقاقه من الوشيك وهو السريع إلى الشيء ، ~~وقد تستعمل هذه اللفظة باتصال أن بها وحذفها عنها ، فيقال : يوشك يفعل ، ~~كما قال الشاعر : # ( يوشك من فر من منيته % في بعض غراته يوافقها ) # ويقال : يوشك أن يفعل ، كما قرأت على ذي الرتبتين أبي الحسن محمد بن أحمد ~~الجوهري الكاتب رحمه الله ، قال : أنشدني القاضي أبو عبد الله الضبي لعمران ~~بن حطان : # ( أفي كل عام مرضة ثم نهضة % وتنعى ولا تنعى متى ذا إلى متى ) # ( فيوشك يوم أن يوافق ليلة % يسوقان حتفا راح نحوك أو غدا ) # ويضاهي لفظة يوشك ، لفظتا عسى وكاد في جواز إيراد أن بعدهما وإلغائها ~~معهما إلا أن المنطوق به في القرآن ، والمنقول عن فصحاء أولي البيان ، ~~إيقاع أن بعد عسى وإلغاؤها بعد كاد ، والعلة فيه أن كاد وضعت لمقاربة الفعل ~~، ولهذا قالوا : كاد النعام PageV01P107 يطير ، لوجود جزء من الطيران فيه ، ~~وإن وضعت لتدل على تراخي الفعل ووقوعه في الزمان المستقبل ، فإذا وقعت بعد ~~كاد نافت معناها الدال على اقتراب الفعل ، وحصل في الكلام ضرب من التناقض ، ~~وليس كذلك عسى ، لأنها وضعت للتوقع الذي يدل وضع أن على مثله ، فوقوع أن ~~بعدها يفيد تأكيد المعنى ، ويزيده فضل تحقيق وقوة ، وقد نطقت العرب بعدة ~~أمثال في كاد ألغيت أن في جميعها ، فقالوا : كاد العروس يكون ms055 ملكا ، وكاد ~~المنتعل يكون راكبا ، وكاد الحريص يكون عبدا ، كاد النعام يكون طيرا ، وكاد ~~الفقر يكون كفرا ، وكاد البيان يكون سحرا ، وكاد البخيل يكون كلبا ، كاد ~~السيء الخلق يكون سبعا . # وفيما يروى من خزعبلات العرب أن امرأة من الجن قصدت لمحاجاة العرب ، ~~فكانت تقف على كل محجة ، وتحاجي كل من تلقاه فلا يثبت لمحاجاتها أحد ، إلى ~~أن تعرض لها أحد فتيان العرب فقال لها : حاجتتك ، فقالت : قل ، فقال لها : ~~كاد ، قالت : كاد العروس يكون ملكا ، فقال لها : كاد ، قالت : كاد المنتعل ~~يكون راكبا ، فقال لها : كاد ، قالت : كاد النعام يكون طيرا ، ثم أمسك . # فقالت له : حاجيتك ، قال لها قولي : قالت : عجبت ، قالت : عجبت للسبخة ~~كيف لا يجف ثراها ولا ينبت مرعاها ، فقالت : عجبت ، قال : عجبت للحصى كيف ~~لا يكبر صغاره ، ولا يهرم كباره ، قالت : عجبت : قال : عجبت PageV01P108 ~~لحفرة بين فخذيك كيف لا يدرك قعرها ، ولا يمل حفرها ، قال : فخجلت من جوابه ~~، وتولت عنه ولم تعد إلى ما كانت عليه . # [ 77 ] ويقولون لهذا النوع من الخضراوات المأكولة : ثلجم ، وبعضهم يقول : ~~شلجم بالشين المعجمة ، وكلاهما خطأ على ما حكاه أبو عمر الزاهد عن ثعلب ، ~~ونص على أن الصواب فيه أن يقال : سلجم بالسين المغفلة ، واستشهد عليه بقول ~~الراجز : # ( تسألني برامتين سلجما % أنك لو سألت شيئا أمما % جاء به الكري أو تجشما ~~) # يعني إنك لو سألت شيئا موجودا بالبادية لأتينك به ، ولكنك طلبت ما يعوز ~~وجدانه فيها ، والأمم من حروف الأضداد ، فيستعمل تارة بمعنى عظيم ، وأخرى ~~بمعنى يسير ، وبمعنى القصد بين الحقير والعظيم ، ومنه قول الشاعر : # ( يا لهف نفسي على الشباب ولم % أفقد به إذ فقدته أمما ) # [ 78 ] ويقولون : جلست في فيء الشجرة ، والصواب أن يقال : في ظل الشجرة ، ~~كما جاء في الأثر مما أخبرنا به أبو الحسن محمد بن علي السيرافي الحافظ ~~PageV01P109 فيما قرأته عليه ، قال : حدثنا القاضي أبو محمد علي بن أحمد بن ~~بشر ، قال : حدثنا محمد بن يوسف البيع قال : حدثنا سعيد ابن عامر الضبعي ، ~~قال : حدثنا محمد بن عمرو ms056 عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام ~~، لا يقطعها ، اقرأوا إن شئتم : @QB@ وظل ممدود @QE@ . # والعلة فيما ذكرناه أن الفيء يسمى بذلك لأنه فاء عند زوال الشمس من جانب ~~إلى جانب ، أي رجع ، ومعنى الظل ، الستر ومنه اشتقاق المظلة ، لأنها تستر ~~من الشمس ، وبه أيضا سمي سواد الليل ظلا ، لأنه يستر كل شيء ، فكأن اسم ~~الظل يقع على ما يستر من الشمس ، وعلى مالا تطلع عليه ، وذرى الشجرة ينتظم ~~هذين الوصفين فانتظمه اسم الظل واشتمل نطاقه عليه فأما قوله صلى الله عليه ~~وسلم : والسلطان ظل الله في أرضه فالمراد به ستره السابغ على عباده ، ~~والمسندل على بلاده ، ومن سنة العرب أن تضيف كل عظيم إليه جلت قدرته وعظمته ~~، كقولهم للكعبة : بيت الله ، وللحاج : وفد الله ، فأما قول الراجز : # ( كأنما وجهك ظل من حجر % ) # وقيل : المراد به سواد الوجه ، وقبل : بل كنى به عن الوقاحة ، وقد فصل ~~بعضهم أنواع الاستظلال ، فقال : يقال : استظل من الحر ، واستذرى من البرد ، ~~واستكن من المطر . PageV01P110 # [ 79 ] - ويقولون : ما فعلت الثلاثة الأثواب فيعرفون الإسمين ويضيفون ~~الأول منهما إلى الثاني ، والاختيار أن يعرف الأخير من كل عدد مضاف ، فيقال ~~: ما فعلت ثلاثة الأثواب وفيم انصرفت ثلاثمائة الدرهم ، وعليه قول ذي الرمة ~~: # ( وهل يرجع التسليم أو يكشف العمى % ثلاث الأثافي والرسوم البلاقع ) # قال الشيخ الإمام رحمه الله : وقد بين شيخنا أبو القاسم رحمه الله العلة ~~في وجوب تعريف الثاني ، فقال : لما لم يكن بد من دخول آلة التعريف في هذا ~~العدد أو أنهم لو عرفوها جميعا فقالوا : الثلاثة الأثواب لتعرف الاسم الأول ~~بلام التعريف وبالإضافة الحقيقية ، ولا يجوز أن يتعرف الاسم من وجهين ، ولو ~~أنهم عرفوا الاسم الأول وحده لتناقض الكلام ، لأن إدخال الألف واللام على ~~الاسم الأول يعرفه ، وإضافته إلى النكرة تنكره ، فلم يبق إلا أن يعرف ~~الثاني ليتعرف هو بلام التعريف ، ويتعرف الأول بإضافته إليه ، فيحصل لكل ~~واحد منهما التعريف ms057 من طريق غير طريق صاحبه . # فإن اعترض معترض وقال : كيف عرف الاسم الأول في العدد المركب ، كقولهم : ~~PageV01P111 ما فعل الأحد عشر ثوبا فالجواب عنه أن الاسمين إذا ركبا تنزلا ~~منزلة الاسم الواحد ، والاسم الواحد تلحق لام التعريف بأوله ، فكما يقال : ~~ما فعلت التسعة يقال ما فعلت التسعة عشر # وقد ذهب بعض الكتاب إلى تعريف الاسمين المركبين والمعدود والمميز ، ~~فقالوا : الأحد عشر الثوب ، وهو مما لا يلتفت إليه ولا يعرج عليه ، لأن ~~المميز لا يكون معرفا بالألف واللام ، ولا نقل إلينا في شجون الكلام . # [ 80 ] ويقولون في الثياب المنسوبة إلى ملك الروم ثياب ملكية بكسر اللام ~~، والصواب فيه ملكية بفتح اللام ، كما يقال في النسب إلى النمر نمري ، ~~والعلة فيه أنهم لو أفردوا الكسرة في ثاني هذه الكلمة لغلبت عليها الكسرات ~~والياءات ، ولم يسلم من ذلك إلا الحرف الأول والتلفظ بما هذه صيغته يستثقل ~~، فلذلك عدل إلى إبدال الكسرة فتحة لتخف الكلمة ، ويحسن النطق بها ، وإنما ~~لم يفعل ذلك في المنسوب إلى الرباعي ، نحو مالكي وعامري ، لأن الكسرات لم ~~تغلب عليه من فصل الألف بين أوله وثالثه . # [ 81 ] ويقولون : انساغ لي الشراب ، فهو منساغ ، والاختيار فيه ساغ ، فهو ~~سائغ كما قال الشاعر : # ( فساغ لي الشراب وكنت قبلا % أكاد أغص بالماء الحميم ) # وفي القرآن : @QB@ لبنا خالصا سائغا للشاربين @QE@ ، وقد جاء في تفسيره ~~أنه لم يغص به PageV01P112 أحد قط ، ومن حكى أنه سمع في بعض اللغات انساغ ~~لي الشيء ، أي جاز فإنه مما لا يعتد به ، ولا يعذر من استعمله في ألفاظه ~~وكتبه . # [ 82 ] ويقولون للند المتخذ من ثلاثة أنواع من الطيب : مثلث ، والصواب أن ~~يقال فيه : مثلوث ، كما قالت العرب : حبل مثلوث إذا أبرم على ثلاث قوى ، ~~وكساء مثلوث إذا نسج من صوف ووبر وشعر ، ومزادة مثلوثة إذا اتخذت من ثلاثة ~~جلود . # وأصل هذا الكلام مأخوذ من قولك : ثلثت القوم فأنا ثالث ، وهم مثلوثون . # قال الشيخ الإمام رحمه الله : وقرأت في بعض النوادر أن إبراهيم بن المهدي ~~وصف لنديم له طيب ند ms058 اتخذه ، ثم أتاه بقطعة منه ، فألقاها على مجمرة ، ~~ووضعها تحته ، فخرجت منه ريح في أثناء تجمره ، فقال : ما أجد هذه المثلثة ~~طيبة ، فقال له : فديتك قد كانت طيبة حين كانت مثلثة ، فلما ربعتها خبثت . # قال الشيخ الإمام رحمه الله : وإنما قلت مثلثة لأن النادرة تحكى على ~~الأصل ولا يغير ما فيها من اللحن ولا من سخافة اللفظ ، ولهذا قال بعضهم : ~~إن ملحة النادرة في لحنها وحرارتها في حلاوة مقطعها . PageV01P113 # ونظير وهمهم في هذه اللفظة قولهم : صبيي مجدر والصواب أن يقال : مجدور ، ~~لأنه داء يصيب الإنسان مرة في عمره من غير أن يتكرر عليه ، فلزم أن يبنى ~~المثال منه على مفعول ، فيقال : مجدور ، كما يقال : مقتول ، ولا وجه لبنائه ~~على مفعل الموضوع للتكرير ، كما يقال لمن : يجرح جرحا على جرح مجرح ، ولما ~~يضرب نوبة بعد نوبة : مضرب ، والأفصح ان يقال : جدري بضم الجيم ، واشتقاقه ~~من الجدر وهو آثار الكدم في عنق الحمار . # [ 83 ] ويقولون : قمئ الرجل ودفئ اليوم ، والصواب أن يقال فيهما : قمؤ ~~ودفؤ لينتظما في سلك حيزهما من أفعال الطبائع التي تأتي على فعل بضم العين ~~مثل : PageV01P114 بدن وسخن وضخم وعظم ، ومثله وضؤ وجهه إذا صار وضيئا ، ~~ووطؤ مركبه إذا صار وطيئا ، ومرؤ الطعام إذا صار مريئا ومرؤ الإنسان إذا ~~صار ذا مروءة ، ودنؤ عرض فلان ، أي صار دنيئا ، وردؤ الطعام ، إذا صار ~~رديئا . # ومن أوهامهم في هذا الباب قولهم : تبريت من فلان ، بمعنى برئت منه ، ~~فيخطئون فيه ، لأن معنى تبريت تعرضت مثل انبريت ، ومنه قول الشاعر : # ( وأهله ود قد تبريت ودهم % وأبليتهم في الحمد جهدي ونائلي ) # أي تعرضت لودهم ، فأما ما هو بمعنى البراءة ، فقال فيه : قد تبرأت كما ~~جاء في التنزيل : @QB@ تبرأنا إليك @QE@ . # ونظير هذا قولهم : هديت من غضبي أي سكنت ، والصواب ، أن يقال : هدأت ، ~~لاشتقاقه من الهدوء ، فأما هديت فمشتقة من الهداية والهدى . # ومن أوهامهم أيضا في هذا النوع قولهم : التباطي والتوضي والتبري والتهزي ~~: والصواب أن يقال : التباطؤ والتوضؤ والتبرؤ والتهزؤ . # وعقد هذا الباب أن كل ما ms059 كان على وزن تفعل أو تفاعل مما آخره مهموز كان ~~مصدره على التفعل والتفاعل وهمز آخره ولهذا قيل : التوضؤ والتبرؤ ، لأن ~~تصريف الفعل منهما توضأ وتبرأ . # وقيل : التباطؤ والتمالؤ والتكافؤ والتطأطؤ ، لأن أصل الفعل منها تباطأ ~~وتطأطأ وتمالأ وتكافأ ، وهذا الأصل مطرد حكمه ، وغير منحل من هذا السمط ~~نظمه . # [ 84 ] ويقولون للأنثى من ولد الضأن : رخلة ، وهي في اللغة الفصحى رخل ~~بفتح الراء وكسر الخاء ، وقد قيل فيها : رخل بكسر الراء وإسكان الخاء ، ~~وعلى كلتا اللغتين لا يجوز إلحاق الهاء بها ، لأن الذكر لا يشركها في هذا ~~الاسم وإنما يقال له : حمل ، فجرت PageV01P115 مجرى عجوز وأتان وعنز وناب ~~في منع إلحاق الهاء بها لاختصاصها بالمؤنث ، وقد جمع رخل على رخال بضم ~~الراء وهو مما جمع على غير قياس كماقالوا في المرضع : ظئر وظؤار ، وفي ولد ~~البقرة الوحشية : فرير وفرار ، وللشاة الحديثة العهد بالنتاج : ربى ورباب ، ~~وللعظم الذي عليه بقية من اللحم : عرق وعراق وللمولود مع قرينه توأم وتؤام ~~، وعليه قول الراجز : # ( قالت لها ودمعها تؤام % كالدر إذ أسلمه النظام % على الذين ارتحلوا ~~السلام ) # فأراد بقوله : ودمعها تؤام أي تنزل قطرتين قطرتين . # قال الشيخ الإمام رحمه الله تعالى : وقرأت على أبي عمر الحسن بن علي بن ~~غسان ، قال : قرأت على أبي الحسين محمد بن الحسين الزنجي اللغوي ، قال : ~~قرأت على أبي عبد الله النمري في كتابه سماه الاختراع أن أبا زيد حكى أن ~~العرب تقول في ملحها : قيل للضأن : ما أعددت للشتاء قالت : أجز جفالا ، ~~وأنتج رخالا ، وأحلب كثبا ثقالا ، ولن يرى مثلي مالا ، وفسر أن الجفال ~~الكثير ، والرخال جمع رخل والكثب جمع كثبة . # وهو ما انصب ومار ، ومنه سمي الكثيب من الرمل . # [ 85 ] ويقولون سررت برؤيا فلان إشارة إلى مرآه ، فيوهمون فيه ، كما وهم ~~أبو الطيب في قوله لبدر بن عمار ، وقد سامره ذات ليلة إلى قطع من الليل : # ( مضى الليل والفضل الذي لك لا يمضى % ورؤياك أحلى في العيون من الغمض ) ~~PageV01P116 # والصحيح أن يقال : سررت برؤيتك ، لأن العرب تجعل ms060 الرؤية لما يرى في ~~اليقظة ، والرؤيا لما يرى في المنام ، كما قال سبحانه إخبارا عن يوسف عليه ~~السلام : @QB@ هذا تأويل رؤياي من قبل @QE@ . # ويجانس هذا الوهم قولهم : أبصرت هذا الأمر قبل حدوثه . # والصواب فيه أن يقال : بصرت بهذا الأمر لأن العرب تقول : أبصرت بالعين ، ~~وبصرت من البصيرة ، ومنه قوله تعالى : @QB@ قال بصرت بما لم يبصروا به @QE@ ~~وعليه فسر قوله تعالى : @QB@ فبصرك اليوم حديد @QE@ ، أي علمك بما أنت فيه ~~اليوم نافذ ، وإلى هذا المعنى يشار بقولهم : هو بصير بالعلم . # [ 86 ] ويقولون : قال فلان كيت وكيت ، فيوهمون فيه ، لأن العرب تقول : ~~كان من الأمر كيت وكيت ، وقال فلان : ذيت وذيت ، فيجعلون كيت وكيت كناية عن ~~PageV01P117 الأفعال ، وذيت وذيت كناية عن المقال كما أنهم يكنون عن مقدار ~~الشيء وعدته بلفظة كذا وكذا فيقولون : قال فلان من الشعر كذا وكذا بيتا ، ~~واشترى الأمير كذا وكذا عبدا ، والأصل في هذه اللفظة ذا فأدخل عليها كاف ~~التشبيه إلا أنه قد انخلع من ذا معنى الإشارة ، ومن الكاف معنى التشبيه ~~بدلالة أنك لست تشير إلى شيء ولا تشبه شيئا بشيء وإنما تكني بها عن عدد ما ~~، فتنزل الكاف في هذا الموطن منزلة الزائدة اللازمة ، وصارت كقولهم : فعله ~~إثرا ما أي أولا ، ويقال : آثرتك بهذا فخذه ، ولفظة ذا مجرورة بها إلا أن ~~الكاف لما امتزجت بذا ، وصارت معه كالجزء الواحد منه ، ناسب لفظهما لفظة ~~حبذا التي لا يجوز أن تلحقها علامة التأنيث ، فتقول : عنده كذا وكذا جارية ~~، ولا يجوز أن تقول كذه ، كما لا يقال : حبذه هند . # وعند الفقهاء أنه إذا قال من له معرفة بكلام العرب : لفلان علي كذا كذا ~~درهما . # ألزم له أحد عشر درهما ، لأنه أقل الأعداد المركبة ، وإن قال : له علي ~~كذا وكذا درهما ألزم واحدا وعشرين درهما لكونه أول مراتب الأعداد المعطوفة ~~، وذاك ان المقر بالشي المبهم لا يلزم إلا أقل ما يحتمله إقراره ، ويشتمل ~~عليه اعترافه كما أنه إذا قال : له علي دراهم لزمه ثلاثة لأنها أدنى الجمع ~~. # [ 87 ] ويقولون في مضارع ms061 ذخر يدخر بضم الخاء ، والصواب فتحها ، كما يقال ~~: فخر يفخر وزخر البحر يزخر ، ومن أصول العربية أنه إذا كانت عين الفعل أحد ~~حروف الحلق التي هي الهمزة والهاء والعين والحاء الغين والخاء ، كان الأغلب ~~فتحها في المضارع ، نحو سأل يسأل وذهب يذهب ونعب ينعب وسحر يسحر ، وفغر فاه ~~يفغر ، وفخر يفخر ، فإن نطق في بعضها بالكسر أو بالضم فهو مما شذ عن أصله ، ~~وندر عن رسمه . PageV01P118 [ 88 ] ويقولون في تصغير مختار مخيتير ، ~~والصواب فيه مخير ، لأن الأصل في PageV01P119 مختار مختير ، فالتاء فيه تاء ~~مفتعل التي لا تكون إلا زائدة ، ويدل على زيادتها في هذا الاسم اشتقاقه من ~~الخير ، ومن حكم التصغير حذف هذه التاء ، فلهذا قيل : مخير ، ومن عوض من ~~المحذوف قال مخيير . # وقد غلط الأصمعي في تصغير هذا الاسم غلطا أودع بطون الأوراق ، وتناقلته ~~الرواة في الآفاق ذاك أن أبا عمر الجرمي حين شخص إلى بغداد ثقل موضعه على ~~الأصمعي إشفاقا من أن يصرف وجوه أهلها عنه ، ويصير السوق له ، فأعمل الفكر ~~فيما يغض منه ، فلم ير إلا أن يرهقه فيما يسأله عنه ، فأتاه في حلقته ، ~~وقال له : كيف تنشد قول الشاعر : # ( قد كن يخبأن الوجوه تسترا % فاليوم حين بدأن للنظار ) # أو حين بدين فقال له : بدأن ، قال : أخطأت ، فقال : بدين ، قال : غلطت ~~إنما هو حين بدون أي ظهرن . # فأسرها أبو عمر في نفسه ، وفطن لما قصده به ، واستأنى به إلى أن تصدر ~~الأصمعي في حلقته ، واحتف الجمع به ، فوقف عليه وقال له : كيف تقول في ~~تصغير مختار فقال : مخيتير ، قال : أنفت لك من هذا القول ، أما تعلم أن ~~اشتقاقه من الخير ، وأن التاء فيه زائدة ولم يزل يندد بغلطه ، ويشنع به ، ~~إلى أن انفض الناس من حوله . # [ 89 ] ويقولون : دستور ، بفتح الدال ، وقياس كلام العرب فيه أن يقال بضم ~~الدال ، كما يقال : بهلول وعرقوب وخرطوم وجمهور ونظائرها ، مما جاء على ~~فعلول ، إذ لم يجيء في كلامهم فعلول بفتح الفاء إلا صعفوق وهو اسم قبيلة ~~باليمامة قال فيهم العجاج ms062 : # ( من آل صعفوق وأتباع أخر % ) PageV01P120 # ويشاكل هذا الوهم قولهم : أطروش بفتح الهمزة ، والصواب ضمها كما يقال ~~أسكوب وأسلوب ، على أن الطرش لم يسمع في كلام العرب العرباء ، ولا تضمنته ~~أشعار فحول الشعراء . # ونقيض هذه الأوهام قولهم لما يلعق : لعوق ، ولما يستف سفوف ، ولما يمص ~~مصوص ، فيضمون أوائل هذه الأسماء ، وهي مفتوحة في كلام العرب ، كما يقال : ~~برود وسعوط وغسول . # ومما يشاكل هذا قولهم : تلميذ وطنجير وبرطيل وجرجير بفتح أوائلها ، وهي ~~على قياس كلام العرب بالكسر إذ لم ينطق في هذا المثال إلا بفعليل بكسر ~~الفاء ، كما قالوا : صنديد وقطمير وغطريف ومنديل . # وذكر ثعلب في بعض أماليه أن قول الكتاب لكيس الحساب : تليسة بفتح التاء ~~مما وهموا فيه ، وأن الصواب كسرها كما يقال : سكينة وعريسة . # وعلى مقاد هذه القضية يجب أن يقال في اسم المرأة : بلقيس بكسر الباء ، ~~كما قالوا في تعريب برجيس وهو اسم النجم المعروف بالمشتري : برجيس بكسر ~~الباء ، لأن كل ما يعرب يلحق بنظائره في أمثلة العرب وأوزان اللغة . # وعلى ذكر بلقيس فإني قرأت في أخبار سيف الدولة ابن حمدان أنه لما امتدحه ~~الخالديان بعث إليهما وصيفا ووصيفة ، ومع كل واحد منهما بدرة وتخت ~~PageV01P121 من ثياب مصر والشأم فكتبا إليه في الجواب : # ( لم يغد شكرك في الخلائق مطلقا % إلا ومالك في النوال حبيس ) # ( خولتنا بدرا وشمسا أشرقت % بهما لدينا الظلمة الحنديس ) # ( رشأ أتانا وهو حسنا يوسف % وغزالة هي بهجة بلقيس ) # ( هذا ولم تقنع بذاك وهذه % حتى بعثت المال وهو نفيس ) # ( أتت الوصيفة وهي تحمل بدرة % وأتى على ظهر الوصيف الكيس ) # ( وكسوتنا مما أجادت حوكه % مصر وزادت حسنه تنيس ) # ( فغدا لنا من جودك المأكول والمشروب % والمنكوح والملبوس ) # فلما قرأها سيف الدولة قال : لقد أحسنا إلا في لفظة المنكوح ، إذا ليست ~~مما يخاطب بها الملوك ، وهذا من بدائع نقده المليح ، وشواهد ذكائه الصريح . # [ 90 ] ويقولون : كلا الرجلين خرجا وكلتا المرأتين حضرتا ، والاختيار أن ~~يوحد الخبر فيهما ، فيقال : كلا الرجلين خرج ، وكلتا المرأتين حضرت ، لأن ~~كلا وكلتا PageV01P122 اسمان مفردان وضعا لتأكيد ms063 الاثنثن والاثنين ، وليسا ~~في ذاتهما مثنيين . # ولهذا وقع الإخبار عنهما كما يخبر عن المفرد . # وبهذا نطق القرآن في قوله تعالى : @QB@ كلتا الجنتين آتت أكلها @QE@ ، ~~ولم يقل : آتتا ، وعليه قول الشاعر : # ( كلانا ينادي يا نزار وبيننا % قنا من قنا الخطي أو من قنا الهند ) # ومثله قول الآخر : # ( كلانا غني عن أخيه حياته % ونحن إذا متنا أشد تغانيا ) # فقال الأول : كلانا ينادي ، ولم يقل : يناديان ، وقال الآخر : كلانا غني ~~ولم يقل : غنيان ، فإن وجد في بعض الأخبار تثنية خبر عن كلا وكلتا فهو مما ~~حمل على المعنى أو لضرورة الشعر . # [ 91 ] ويقولون : أنت تكرم علي : بضم التاء وفتح الراء ، والصواب فيه ~~تكرم ، بفتح التاء وضم الراء لأن فعله الماضي كرم ومن أصول العربية أن كل ~~ما جاء من الأفعال الماضية على مثال فعل بضم العين كان مضارعه على يفعل ، ~~نحو حسن يحسن وظرف يظرف وإنما ضمت عين المستقبل من هذا النوع ولم يخالف فيه ~~بناء الماضي PageV01P123 للمحافظة على المعنى الموضوع على هذا المثال ، ~~وذلك ان ضمة العين جعلت دليلا على فعل الطبيعة ، فلو كسرت أو فتحت ، لذهب ~~ذلك المعنى . # [ 92 ] ويقولون : فيه شغب بفتح الغين ، وهو تهيج الشر والفتنة والخصام ، ~~فيوهمون فيه كما وهم بعض المحدثين في قوله : # ( يا ظالما يتجنى جئت بالعجب % شغبت كيما تغطي الذنب بالشغب ) # ( ظلمت سرا وتستعدي علانية % أضرمت نارا وتستعفي من اللهب ) # والصواب فيه شغب بإسكان الغين ، كما قال الشاعر : # ( رأيتك لما نلت مالا وعضنا % زمان ترى في حد أنيابه شغبا ) # ( جعلت لنا ذنبا لتمنع نائلا % فأمسك ولا تجعل غناك لنا ذنبا ) # ونظير هذا الوهم قولهم للداء المعترض في البطن : المغص بفتح الغين ، ~~فيغلطون فيه ، لأن المغص بفتح الغين هو خيار الإبل ، يدل عليه قول الراجز : # ( أنت وهبت هجمة جرجورا % أدما وحمرا مغصا خبورا ) PageV01P124 # الجرجور : العظام من الإبل ، والخبور الغزيرات الدر ، فأما اسم الداء فهو ~~المغص بإسكان الغين ، وقد يقال بالسين ، وأما المعص بفتح العين المغفلة فهو ~~وجع يصيب الإنسان في عصبه من المشي ، وفي الحديث : أن ms064 عمرا بن معدي كرب شكا ~~إلى عمر رضي الله عنه المعص ، فقال : كذب عليك العسل ، أي عليك بسرعة المشي ~~، إشارة إلى اشتقاقه من عسلان الذئب . # [ 93 ] ويقولون : هو سداد من عوز ، فيلحنون في فتح السين كما لحن هشيم ~~المحدث فيها ، والصواب أن يقال بالكسر . # وجاء في أخبار النحويين أن النضر بن شميل المازني استفاد بإفادة هذه ~~الحرف ثمانين ألف درهم . # ومساق خبره ما أخبرنا به أبو علي بن أحمد التستري عن حميد القاضي أبي ~~القاسم عبد العزيز بن محمد العسكري عن أبي أحمد بن الحسن بن سعيد العسكري ~~اللغوي عن أبيه ، عن إبراهيم بن حامد ، عن محمد بن ناصح الأهوازي ، قال : ~~حدثني النضر بن شميل ، قال : كنت أدخل على المأمون في سمره ، فدخلت عليه ~~ذات ليلة ، وعلي قميص مرقوع ، فقال : يا نضر ، ما هذا التقشف حتى تدخل على ~~أمير المؤمنين في هذه الخلقان قلت : يا أمير المؤمنين أنا شيخ ضعيف ، وحر ~~مرو شديد ، فأتبرد بهذه الخلقان ، قال لا ولكنك قشف . # ثم أجرينا الحديث فأجرى هو ذكر النساء ، فقال : حدثنا هشيم عن مجالد عن ~~الشعبي عن ابن عباس رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~: إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيها سداد من عوز ، فأورده ~~بفتح السين ، قال : فقلت : صدق يا أمير المؤمنين هشيم ، حدثنا عوف بن أبي ~~جميلة عن الحسن عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها ، كان فيها سداد من ~~عوز . # قال : وكان المأمون متكئا فاستوى جالسا ، وقال : يا نضر ، كيف قلت سداد ~~قلت : لأن السداد هاهنا لحن ، قال : أو تلحنني قلت : إنما لحن هشيم - وكان ~~لحانة - فتبع أمير المؤمنين لفظه ، قال : فما الفرق بينهما قلت : السداد ~~بفتح السين ، القصد في الدين والسبيل ، والسداد بالكسر البلغة ، وكل ما ~~سددت به شيئا فهو سداد ، PageV01P125 قال : أو تعرف العرب ذلك قلت : نعم ، ~~هذا العرجي يقول : # ( أضاعوني وأي فتى أضاعوا % ليوم ms065 كريهة وسداد ثغر ) # فقال المأمون : قبح الله من لا أدب له وأطرق مليا ، ثم قال له : ما مالك ~~يا نضر قال : أريضة لي بمرو أتصابها وأتمززها - أي أشرب صبابتها - قال : ~~أفلا نفيدك مالا معها قلت : إني إلى ذلك لمحتاج ، قال : فأخذ القرطاس وأنا ~~لا أدري ما يكتب ، ثم قال : كيف تقول إذا أمرت أن يترب الكتاب قلت : أتربه ~~قال : فهو ماذا قلت : مترب ، قال : فمن الطين قلت : طنه ، قال : فهوع ماذا ~~قلت : مطين ، قال : هذه أحسن من الأولى ، ثم قال : يا غلام أتربه وطنه ، ثم ~~صلى بنا العشاء وقال لخادمه : تبلغ معه إلى الفضل بن سهل . # قال : فلما قرأ الفضل الكتاب ، قال : يا نضر إن أمير المؤمنين قد أمر لك ~~بخمسين ألف درهم ، فما كان السبب فيه فأخبرته ولم أكذبه ، فقال : ألحنت ~~أمير المؤمنين فقلت : كلا إنما لحن هشيم - وكان لحانة ، فتبع أمير المؤمنين ~~لفظه - وقد تتبع ألفاظ الفقهاء ورواة الآثار . # ثم أمر لي الفضل من خاصته بثلاثين ألف درهم . # فأخذت ثمانين ألف درهم بحرف استفيد مني . # قال المؤلف : قلت : وقد أذكرني هذا المثل أبياتا أنشدنيها أحدث أشياخي ~~رحمهم الله لأبي الهيذام : # ( لي صديق هو عندي في عوز % من سداد لا سداد من عوز ) # ( وجهه يذكرني دار البلى % كلما أقبل نحوي وضمز ) # ( وإذا جالسني جرعني % غصص الموت بكرب وعلز ) # ( يصف الود إذا شاهدني % فإذا غاب وشى بي وهمز ) # ( كخمار السوء يبدي مرحا % فإذا سيق إلى الحمل غمز ) # ( ليتني أعطيت منه بدلا % بنصيبي شر أولاد المعز ) # ( قد رضينا بيضة فاسدة % عوضا منه إذا البيع نجز ) PageV01P126 # [ 94 ] ويقولون : اقطعه من حيث رق ، وكلام العرب اقطعه من حيث رك ، أي من ~~حيث ضعف ، ومنه قيل للضعيف الرأي : ركيك ، وفي الحديث : إن الله تعالى ~~ليبغض السلطان الركاكة ، والرككة . # [ 95 ] ويقولون لمن تعب : هو عيان ، والصواب هو أن يقال : هو معي ، لأن ~~الفعل منه أعيا ، فكان الفاعل منه على وزن مفعل ، كما يقال : أرخى الستر ~~فهو مرخ ، وأغلى فهو مغل ، وعند أهل اللغة أن كل ms066 ما كان من حركة وسعي قيل ~~فيه : أعيا ، وما كان من قول ورأي قيل فيه عيي وعي ، والاسم منهما عيي على ~~وزن شجي . # وقيل فيه : عي على وزن شج وعم ، ونظير هاتين اللفظتين في قولهم : عيي وعي ~~، قولهم : حيي وحي ، وقرئ بهما قوله تعالى : @QB@ ويحيى من حي عن بينة @QE@ ~~وحيي . PageV01P127 # [ 96 ] ويقولون : قاما الرجلان وقاموا الرجال فيلحقون الفعل علامة ~~التثنية ، والجمع ، وما سمع ذلك إلا في لغة ضعيفة لم ينطق بها القرآن ولا ~~أخبار الرسول عليه السلام ، ولا نقل أيضا عن الفصحاء ، ووجه الكلام توحيد ~~الفعل ، كما قال سبحانه في المثنى : @QB@ قال رجلان @QE@ ، وفي الجمع : ~~@QB@ إذا جاءك المنافقون @QE@ . # فأما قوله تعالى : @QB@ وأسروا النجوى الذين ظلموا @QE@ فالذين بدل من ~~الضمير الذي في لفظة أسروا ، وقيل : بل موضعه نصب على الذم ، أي أعني الذين ~~كفروا ، وكذلك قوله تعالى : @QB@ ثم عموا وصموا كثير منهم @QE@ ، فكثير بدل ~~من الضمير الذي في لفظتي @QB@ عموا وصموا @QE@ فإن تأخر الفعل ألحق علامة ~~التثنية والجمع ، فقيل : الرجلان قاما ، والرجال قاموا ، ويكون الألف في ~~قاما والواو في قاموا اسمين مضمرين ، والفرق بين الموضعين انك إذا قدمت ~~الفعل كانت علامة تثنية الفاعل وجمعه تغني عن إلحاق علامة في الفعل ، وإذا ~~أخرت الفعل صار الفاعل بتقدمه مبتدأ ، فلو أفرد الفعل فقيل : الناس خرج ~~لجاز أن يتوهم أنك تريد منهم جزءا ، لجواز أن يقال : الناس خرج سيدهم . # [ 97 ] ويقولون : أجد حمى ، والصواب أن يقال : أجد حميا أو حموا ، لأن ~~PageV01P128 العرب تقول لكل ما سخن : حمي يحمى حميا ، فهو حام ، ومنه قوله ~~تعالى : @QB@ في عين حمئة @QE@ . # ويقولون أيضا : اشتد حمي الشمس وحموها ، إذا عظم وهجها ، ومنه ما أنشده ~~المفضل : # ( تجيش علينا قدرهم فنديمها % ونفثؤها عنا إذا حميها غلا ) # يعني أنه متى جاشت قدرهم للشر سكنوها ، وهو معنى نديمها ، وأنه متى غلت ~~فثؤوها ، أي كسروا غليانها . # وكنى بالقدر عن تهيج الحرب كما يكنى بفور المرجل عنه . # قال الشيخ الإمام أبو محمد القاسم بن علي الحريري رحمه الله : وحكى لي ~~أبو الفتح عبدوس بن محمد ms067 الهمذاني حين قدم البصرة علينا حاجا سنة نيف وستين ~~وأربعمائة أن الصاحب أبا القاسم بن عباد رأى أحد ندمائه متغير السحنة فقال ~~له : ما الذي بك قال : حما ، فقال له الصاحب : قه ، فقال النديم : وه ، ~~فاستحسن الصاحب ذلك منه وخلع عليه . # قال الشيخ الإمام : ولعمري لقد أحسن الصاحب في تعقيب لفظ حما بما صارت به ~~إلى حماقة ، ولطف النديم في صلة تعقيبه بما جعله قهوة ، وهكذا فلتكن مداعبة ~~الفضلاء ومفاكهة الأدباء الأذكياء # [ 98 ] ويقولون : جاءني القوم إلاك وإلاه ، فيوقعون الضمير المتصل بعد ~~إلا كما PageV01P129 يوقع بعد غير في مثل قولك : جاء القوم غيرك فيوهمون ~~كما وهم أبو الطيب في قوله : # ( ليس إلاك يا علي همام % سيفه دون عرضه مسلول ) # والصواب : ألا يوقع بعد إلا إلا الضمير المنفصل ، كما قال تعالى : @QB@ ~~أمر ألا تعبدوا إلا إياه @QE@ ، والفرق هاهنا بين إلا وغير أن الاسم الواقع ~~بعد غير لا يقع أبدا إلا مجرورا بالإضافة ، وضمير المجرور لا يكون إلا ~~متصلا ، ولهذا امتنع أن يفصل بينهما ، وليس كذلك الاسم الواقع بعد إلا ، ~~لأنه يقع إما منصوبا وإما مرفوعا ، وكلاهما يجوز أن يفصل بينه وبين العامل ~~فيه ولهذا جعل له ضميران : متصل ومنفصل ، إلا أنه لما اعترضت إلا في الكلام ~~وفصلت بين العامل والمعمول ، أوقع بعدها الضمير المنفصل ، كما قال سبحانه ~~وتعالى في ضير المنصوب : @QB@ ضل من تدعون إلا إياه @QE@ ، وكما قال عمرو ~~بن معدي كرب في ضمير المرفوع : # ( قد علمت سلمى وجاراتها % ما قطر الفارس إلا أنا ) # فأما قول القائل : PageV01P130 # ( فما نبالي إذا ما كنت جارتنا % ألا يجاورنا إلاك ديار ) # فلم يأت في أشعار المتقدمين سواه ، والنادر لا يعتد به ، ولا يقاس عليه . # [ 99 ] ويقولون : هب أني فعلت ، وهب أنه فعل ، والصواب إلحاق الضمير ~~المتصل به ، فيقال : هبني فعلت وهبه فعل ، كما قال أبو دهبل الجمحي : # ( هبوني امرأ منكم أضل بعيره % له ذمة إن الذمام كثير ) # ومثله قول عروة بن أذينة : # ( إذا وجدت أوار الحب في كبدي % أقبلت نحو سقاء القوم أبترد ) # ( هبني بردت ms068 ببرد الماء ظاهره % فمن لنار على الأحشاء تتقد ) # وكان عروة هذا مع تغزله نقي الدخلة ظاهر العفة . # وروي أن سكينة بنت الحسين رضي الله عنهما : وقفت عليه ذات يوم ، فقالت له ~~: أأنت القائل ، وأنشدت : # ( قالت وأبثثتها وجدي فبحت به % قد كنت عندي تحب الستر فاستتر ) # ( ألست تبصر من حولي فقلت لها % غطي هواك وما ألقى على بصري ) # قال : نعم ، فقالت وأنت القائل : # ( إذا وجدت أوار الحب في كبدي % ) # وأنشدته البيتين المقدم ذكرهما ، قال : نعم ، فالتفتت إلى جوار كن حولها ~~، وقالت : هن حرائر إن كان خرج هذا من قلب سليم . # ومعنى هبني ، أي عدني واحسبني ، فكأن فيه معنى الأمر من وهب . ~~PageV01P131 # [ 100 ] ويقولون : امرأة شكورة ولجوجة وصبورة وخؤونة ، فيلحقون هاء ~~التأنيث بها ، فيوهمون فيه لأن هذه التاء إنما تدخل على فعول إذا كان بمعنى ~~مفعول كقولك : ناقة ركوبة وشاة حلوبة ، لأنهما بمعنى مركوبة ومحلوبة ، فأما ~~إذا كان فعول بمعنى فاعل ، نحو صبور الذي بمعنى صابر ونظائره ، فيمتنع من ~~إلحاق التاء به ، وتكون صفة مؤنثة على لفظ مذكره ، قال الشاعر : # ( ولن يمنع النفس اللجوج عن الهوى % من الناس إلا واحد الفضل كامله ) # وقد ذكر النحويون في امتناع الهاء من هذه الصفات عللا ، أجودها أن الصفات ~~الموضوعة للمبالغة نقلت عن بابها لتدل على المعنى الذي تخصصت به ، فأسقطت ~~هاء التأنيث في قولهم : امرأة صبور وشكور وقبيله ، وفي قولهم : فتاة معطار ~~ونظائره ، كما ألحقت بصفة المذكر في قولهم : رجل علامة ونسابة ، ليدل ما ~~فعلوه على تحقيق المبالغة ، ويؤذن بحدوث معنى زائد في الصفة ، وامتناع ~~الهاء من فعول بمعنى فاعل أصل مطرد لم يشذ منه إلا قولهم : عدوة الله ، ~~فإنهم ألحقوا بها الهاء ، فقالوا : عدو وعدوة ، PageV01P132 ليماثل قولهم : ~~صديق وصديقة لأن الشيء في أصول العربية قد يحمل على ضده ونقيضه كما يحمل ~~على نظيره ورسيله . # وفي أخبار النحويين أن أبا عثمان المازني سئل بحضرة المتوكل على الله عن ~~قوله تعالى : @QB@ وما كانت أمك بغيا @QE@ فقيل له : كيف حذفت الهاء من بغي ~~، وفعيل إذا كان بمعنى ms069 فاعل لحقته الهاء نحو فتي وفتية وغني وغنية فقال : ~~إن لفظة بغي ليست بفعيل ، وإنما هي فعول الذي بمعنى فاعلة ، لأن الأصل فيها ~~بغوي ، ومن أصول التصريف أنه متى اجتمعت الواو والياء في كلمة وسبقت ~~إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء ، وأدغمت الياء في الياء ، كما قالوا : ~~شويت اللحم شيا ، وكويت الدابة كيا ، والأصل فيهما شوبا وكويا ، وكما قيل : ~~يوم وأيام ، والأصل أيوام فعلى هذه القضية قيل : بغي ، ووجب حذف الهاء منها ~~، لأنها بمعنى باغية ، كما تحذف من صبور التي بمعنى صابرة . # وهذا العقد الذي ذكرناه في قلب الواو ياء إذا اجتمعتا ، وكان السابق ~~منهما ساكنا أصل مطرد لم يشذ منه إلا حيوة اسم رجل ، وضيون ، وهو اسم للهر ~~. # وحكى الفراء أنهم قالوا : عوى الكلب عوية ، وليس الشاذ مما يلتفت إليه ، ~~ولا يعاج عليه . PageV01P133 # [ 101 ] ويقولون لمن يأتي الذنب متعمدا : قد أخطأ ، فيحرفون اللفظ ~~والمعنى لأنه لا يقال : أخطأ إلا لمن لم يتعمدالفعل أو لمن اجتهد ، فلم ~~يوافق الصواب ، وإياه عنى صلى الله عليه وسلم بقوله : إذا اجتهد الحاكم ~~فأخطأ فله أجر وإنما أوجب له الأجر عن اجتهاده في إصابة الحق الذي هو نوع ~~من أنواع العبادة ، لا عن الخطأ الذي يكفي صاحبه أن يعذر فيه ويرفع مأثمه ~~عنه ، والفاعل من هذا النوع مخطيء ، والاسم منه الخطأ ، ومنه قوله تعالى : ~~@QB@ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ @QE@ ، أما المتعمد الشيء فيقال ~~فيه : خطئ فهو خاطئ ، والاسم منه الخطيئة ، والمصدر الخطء بكسر الخاء ~~وإسكان الطاء ، كما قال تعالى : @QB@ إن قتلهم كان خطأ كبيرا @QE@ قال ~~الإمام أبو محمد رحمه الله : ولي فيما أنتظم هاتين اللفظتين وأحتضن ~~معنييهما المتنافيين : # ( لا تخطون إلى خطء ولا خطإ % من بعدما الشيب في فوديك قد وخطا ) # ( فأي عذر لمن شابت مفارقه % إذا جرى في ميادين الهوى وخطا ) # الخطيئة تقع على الصغيرة كما قال سبحانه إخبارا عن إبراهيم عليه وعلى ~~نبينا وعلى سائر الأنبياء والمرسلين السلام : @QB@ والذي أطمع أن يغفر لي ~~خطيئتي يوم الدين @QE@ ويقع على الكبيرة كما ms070 قال تعالى : @QB@ بلى من كسب ~~سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون @QE@ . # [ 102 ] يقولون لمن بدأ في إثارة شر أو فساد أمر : قد نشب فيه ، ووجه ~~الكلام أن PageV01P134 يقال : قد نشم بالميم لاشتقاقه من قولك : نشم اللحم ~~، إذا بدأ التغير والإرواح فيه ، وعلى هذا جاء في حديث مقتل عثمان رضي الله ~~عنه : فلما نشم الناس في الأمر ، أي ابتدأوا في التوثب على عثمان ، والنيل ~~منه . # وكان الأصمعي يرى أن لفظة نشم لا تستعمل إلا في الشر ، وأن منها اشتقاق ~~قولهم : دقوا بينهم عطر منشم ، لا أن هناك عطرا يدق حقيقة . # وقال غيره : بل منشم عطارة ، ما تطيب بعطرها أحد فبرز لقتال إلا وقتل أو ~~جرح ، وقيل : بل الإشارة في المثل إلى عطارة أغار عليها قوم ، وأخذوا عطرا ~~كان معها ، فأقبل قومها إليها فمن شموا منه رائحة العطر قتلوه . # ومن أوله على هذا قال : هو عطر من شم ، فجعله مركبا من كلمتين . # وقيل : الكناية فيه عن قرون السنبل الذي يقال إنه سم ساعة . # وذكر ابن الكلبي أنها امرأة من خزاعة كانت تبيع العطر ، فتطيب بعطرها قوم ~~، وتحالفوا عى الموت فتفانوا . # وقال غيره : بل هي صاحبة يسار الكواعب ، وكان يسار هذا عبدا أسود يرعى ~~الإبل ، إذا رأته النساء ضحكن منه ، فيتوهم أنهن يضحكن من حسنه ، فقال يوما ~~لرفيق له : أنا يسار الكواعب ما رأتني حرة إلا وعشقتني ، فقال له رفيقه : ~~يا يسار ، اشرب لبن العشار ، وكل لحم الحوار ، وإياك وبنات الأحرار . # فأبى وراود مولاته عن نفسها ، فقالت له : مكانك حتى آتيك بطيب أشمك إياه ~~، فأتته بموسى ، فلما أدنى أنفه إليها لتشمه الطيب جدعته . PageV01P135 # وفي الشين من منشم روايتان : الكسر والفتح ، وإن كان الكسر أكثر وأشهر . # ونظير وهمهم في هذه اللفظة قولهم : ما عتب أن فعل كذا ، ووجه الكلام ما ~~عتم ، أي ما أبطأ ، ومنه اشتقاق صلاة العتمة لتأخير الصلاة فيها . # ومدح بعض الأعراب رجلا فقال : والله ما ماء وجهك بقاتم ولا زادك بعاتم . # [ 103 ] ويقولون في الأمر للغائب والتوقيع ms071 إليه : يعتمد ذلك ، بحذف لام ~~الأمر من الفعل ، والصواب إثباتها فيه ، وجزمه بها لئلا تلتبس الكلمة بصيغة ~~الخبر ، وتخرج عن حيز الأمر ، على ذلك جاءت الأوامر في القرآن وفصيح الكلام ~~والأشعار ، فأما قول الشاعر : # ( محمد تفد نفسك كل نفس % إذا ما خفت من أمر زيالا ) # فهو عند البصريين من ضرورات الشعر الملجئة إلى تصحيح النظم ، وإقامة ~~الوزن . # وأما قوله تعالى : @QB@ قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة @QE@ ، ~~فإنما جزم يقيموا لوقوعه موقع جواب الأمر المحذوف الذي تقديره لو ظهر : قل ~~لعبادي الذين آمنوا : أقيموا الصلاة يقيموا وجواب الأمر مجزوم لتلمح معنى ~~الجزاء فيه ، كما قال سبحانه : PageV01P136 @QB@ فادع لنا ربك يخرج لنا ~~@QE@ ، وأصل هذه اللام الكسر كما كسرت لام الجر مع الظاهر . # فإن دخلت عليها الواو أو الفاء أو ثم جاز كسرها على الأصل وإسكانها ~~لتخفيف ، إلا أن الاختيار ان تسكن مع الفاء والواو لكونهما على حرف واحد لا ~~يمكن السكوت عليه ، وأن تكسر مع ثم لأنها كلمة بذاتها . # وبهذا أخذ أبو عمرو بن العلاء ، فقرأ : @QB@ فليضحكوا قليلا وليبكوا ~~كثيرا @QE@ بإسكان اللام مع الفاء والواو ، وقرأ : @QB@ ثم ليقطع @QE@ بكسر ~~اللام مع ثم . # [ 104 ] ويقولون لمركز الضرائب : المأصر بفتح الصاد والصواب كسرها ، لأن ~~معناه الموضع الحابس للمار عليه والعاطف للمجتاز به ، ومن ذلك اشتقاق أواصر ~~القرابة والعهد لأنها تعطف على ما تجب رعايته من الرحم والمودة . # وحكى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر ، قال : اجتمع عندنا أبو نصر أحمد بن ~~حاتم PageV01P137 وابن الأعرابي فتجاريا الحديث إلى أن حكى أبو نصر : أن ~~أبا الأسود الدؤلي دخل على عبيد الله بن زياد ، وعليه ثباب رثة ، فكساه ~~ثيابا جددا ، من غير أن عرض له بسؤال ، أو ألجأه إلى استكساء ، فخرج وهو ~~يقول : # ( كساك ولم تستكسه فحمدته % أخ لك يعطيك الجزيل ويأصر ) # ( وإن أحق الناس إن كنت مادحا % بمدحك من أعطاك والعرض وافر ) # فأنشد أبو نصر قافية البيت : ويأصر يريد به : ويعطف ، فقال ابن الأعرابي ~~: بل هو وناصر بالنون ، فقال أبو نصر : دعني يا هذا وياصري ms072 ، وعليك بناصرك ~~. # [ 105 ] ويقولون : هذا أمر يعرفه الصادر والوارد ، ووجه الكلام أن يقال . # الوارد والصادر لأنه مأخوذ من الورد والصدر ، ومنه قيل للخادع : يورد ولا ~~يصدر ، ولما كان الورد تقدم الصدر وجب أن تقدم لفظة الوارد على الصادر . # ويماثل قولهم : الوارد والصادر قولهم : القارب والهارب ، فالقارب الذي ~~PageV01P138 يطلب الماء ، والهارب الذي يصدر عنه . # [ 106 ] ويقولون : أبنت بكسر الباء مع همزة الوصل ، وهو من أقبح أوهامهم ~~وأفحش لحن في كلامهم لأن همزة الوصل لا تدخل على متحرك ، وإنما اجتلبت ~~للساكن ليتوصل بإدخالها عليه إلى افتتاح النطق به ، والصواب أن يقال فيها : ~~ابنة أو بنت ، لأن العرب نطقت فيها بهاتين الصيغتين ، فمن قال : ابنة صاغها ~~على لفظة ابن ثم ألحق بها هاء التأنيث التي تسمى الهاء الفارقة ، وتصير في ~~الوصل تاء ، ومن قال فيها : بنت أنشأها نشأة مؤتنفة ، وصاغها صيغة مفردة ، ~~وبناها على وزن جذع المتحرك أوله ، فاستغنى بحركة بائها على اجتلاب الهمزة ~~لها وإدخالها عليها ، وهذه التاء المتطرفة في بنت وفي أخت أيضا هي تاء ~~أصلية تثبت في الوصل والوقف ، وليست للتأنيث على الحقيقة ، لأن تاء التأنيث ~~يكون ما قبلها مفتوحا ، كالميم في فاطمة والراء في شجرة ، إلا أن تكون ألفا ~~كالألف في قطاة وقناة . # ولما كان ما قبل التاء في بنت وأخت ساكنا وليس بألف دل على أن التاء فيها ~~أصلية . # وأكثر اللغتين فيهما استعمالا ابنة ، وبه نطق القرآن في قوله تعالى : ~~@QB@ ومريم ابنة عمران @QE@ ، وفي قوله سبحانه إخبارا عن خطاب شعيب لموسى ~~PageV01P139 عليهما وعلى نبينا وسائر النبيين والمرسلين السلام : @QB@ إني ~~أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين @QE@ وعليه قول أبي العميثل : # ( لقيت ابنة السهمي زينب عن عفر % ونحن حرام مسي عاشر العشر ) # ( فكلمتها ثنتين كالماء منهما % وأخرى على لوح أحر من الجمر ) # أراد بالكلمة الأولى تحية القدوم ، وبالأخرى سلام الوداع . # [ 107 ] ويقولون : ودعت قافلة الحاج ، فينطقون بما يتضاد الكلام فيه لأن ~~التوديع إنما يكون لمن يخرج إلى السفر ، والقافلة اسم للرفقة الراجعة إلى ~~الوطن ، فكيف يقرن بين اللفظتين مع تنافي ms073 المعنيين ووجه الكلام أن يقال : ~~تلقيت قافلة الحاج ، أو استقبلت قافلة الحاج . # ويشاكل هذا التناقض قولهم : رب مال كثير أنفقته ، فينقضون أول كلامهم ~~بآخره ، ويجمعون بين المعنى وضده لأن رب للتقليل ، فكيف يخبر بها عن المال ~~الكثير PageV01P140 # [ 108 ] ويقولون : فلان أنصف من فلان ، إشارة إلى أنه يفضل في النصفة ~~عليه ، فيحيلون المعنى فيه ، لأن المعنى هو أنصف منه ، أي أقوم منه ~~بالنصافة التي هي الخدمة لكونه مصدر نصفت القوم ، أي خدمتهم فأما إذا أريد ~~به التفضيل في الإنصاف ، فلا يقال إلا : هو أحسن إنصافا منه ، أو أكثر ~~إنصافا ، وما أشبه ذلك . # والعلة فيه أن الفعل من الإنصاف أنصف ، وأفعل الذي للتفضيل لا يبنى إلا ~~من الفعل الثلاثي لتنتظم حروفه فيه ، إذ لو بني مما جاوز الثلاثي لاحتيج ~~إلى حذف جزء منه ، ولو فعل ذلك لاستحال البناء هدما ، والزيادة المجتلبة له ~~ثلما ، فأما قول حسان بن ثابت : # ( كلتاهما حلب العصير فعاطني % بزجاجة أرخاهما للمفصل ) # فإنما قال : أرخاهما والقياس أن يقال : أشدهما إرخاء ، لأن أصل هذا الفعل ~~رخو فبناه منه ، كما قالوا : ما أحوجه إلى كذا ، فبنوه من حوج ، وإن كان ~~قياسه أن يقال : ما أشد حاجته . # ولهذا البيت حكاية يحسن أن نعقب بروايتها ، ونصوع نشرة بنشر ملحتها ، وهي ~~ما رواه أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري عن أبيه قال : حدثنا الحسن بن عبد ~~الرحمن الربعي ، قال : حدثنا أحمد بن عبد الملك بن أبي الشمال السعدي قال : ~~حدثنا أبو ظبيان PageV01P141 الحماني قال : اجتمع قوم على شراب لهم ، ~~فغناهم مغنيهم بشعر حسان : # ( إن التي ناولتني فرددتها % قتلت قتلت فهاتها لم تقتل ) # ( كلتاهما حلب العصير فعاطني % بزجاجة أرخاهما للمفصل ) # فقال بعضهم : امرأته طالق ، إن لم اسأل الليلة عبيد الله ابن الحسن ~~القاضي عن علة هذا الشعر ، لم قال : إن التي فوحد ثم قال : كلتاهما فثنى ~~فأشفقوا على صاحبهم وتركوا ما كانوا عليه ، ومضوا يتخطون القبائل حتى ~~انتهوا إلى بني شقرة وعبيد الله بن الحسن يصلي عندهم فلما فرغ من صلاته ~~قالوا : قد جئناك في ms074 أمر دعتنا إليه ضرورة وشرحوا له خبرهم ، وسألوه الجواب ~~، فقال : إن التي ناولتني فرددتها ، عنى بها الخمر الممزوجة بالماء ، ثم ~~قال من بعد : كلتاهما حلب العصير ، يريد الخمر المتحلبة من العنب والماء ~~المتحلب من السحاب المكنى عنه بالمعصرات في قوله تعالى : @QB@ وأنزلنا من ~~المعصرات ماء ثجاجا @QE@ . # قال المؤلف : هذا ما فسره القاضي عبيد الله بن الحسن القاضي ، وكان ممن ~~يرمق بالمهابة ، ولا يسمح بالدعابة ، وقد بقي في الشعر ما يحتاج إلى كشف ~~سره وتبيان نكته ، أما قوله : إن التي ناولتني فرددتها ، قتلت قتلت ، إنه ~~خاطب به الساقي الذي كان ناوله كأسا ممزوجة لأنه يقال : قتلت الخمر إذا ~~مزجتها ، فكأنه أراد أن يعلمه أنه قد فطن لما فعله ، ثم ما اقتنع بذلك منه ~~حتى دعا عليه بالقتل في مقابلة المزج . # وقد أحسن كل الإحسان في تجنيس اللفظ ، ثم إنه عقب الدعاء عليه بأن استعطى ~~منه ما لم يقتل ، يعني الصرف التي لم تمزج ، وقوله : أرخاهما للمفصل - يعني ~~به اللسان ، وسمي مفصلا بكسر الميم ، لأنه يفصل بين الحق والباطل ، وليس ما ~~اعتمده عبيد الله بن الحسن من الإسماح وخفض الجناح مما يقدح في نزاهته ، أو ~~يغض من نبله ونباهته . # ويضارع هذه الحكاية في وطأة القضاة المتقشفين للمستفتين وتلاينهم في ~~مواطن اللين ما حكي أن حامد ابن العباس سأل علي بن عيسى في ديوان الوازرة ~~عن دواء الخمار ، وقد علق به ، فأعرض عن كلامه ، وقال : ما أنا وهذه ~~المسألة فخجل حامد PageV01P142 منه ، ثم التفت إلى قاضي القضاة أبي عمر ، ~~فسأله فتنحنح القاضي لإصلاح صوته ، ثم قال : قال الله تعالى : @QB@ وما ~~آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا @QE@ وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم استعينوا في الصناعات بأهلها . # والأعشى هو المشهور بهذه الصناعة في الجاهلية وقد قال : # ( وكأس شربت على لذة % وأخرى تداويت منها بها ) # ثم تلاه أبو نواس في الإسلام فقال : # ( دع عنك لومي فإن اللوم إغراء % وداوني بالتي كانت هي الداء ) # فأسفر حينئذ وجه حامد ، وقال لعلي بن عيسى : ما ضرك يا ms075 بارد أن تجيب ببعض ~~ما أجاب به قاضي القضاة # وقد استظهر في جواب المسألة بقول الله تعالى أولا ، ثم بقول الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وسلم ثانيا ، وبين الفتيا وأدى المعنى وتفصى من العهدة ، ~~فكان خجل علي بن عيسى من حامد بهذا الكلام أكثر من خجل حامد منه لما ابتدأه ~~بالمسألة . # [ 109 ] ويقولون لمن أصابته الجنابة : قد جنب ، فيوهمون فيه ، لأن معنى ~~جنب أصابته ريح الجنوب ، فأما من الجنابة ، فيقال فيه : قد أجنب . # وجوز أبو حاتم السجستاني في جنب ، واشتقاقه من الجنابة وهي البعد ، فكأنه ~~PageV01P143 سمي بذلك لتباعده عن المساجد إلى أن يغتسل ، فأما قول ابن عباس ~~، رضي الله عنه : الإنسان لا يجنب ، والثوب لا يجنب ، فأراد به أن الإنسان ~~لا يجنب بمماسة الجنب وكذلك الثوب إذا لبسه الجنب . # [ 110 ] ويقولون : عندي ثمان نسوة وثمان عشرة جارية وثمانمائة درهم . # فيحذفون الياء من ثمان في هذه المواطن الثلاثة ، والصواب إثباتها فيها ، ~~فيقال : ثماني نسوة وثماني عشرة جارية وثماني مائة درهم ، لأن الياء في ~~ثمان ياء المنقوص وياء المنقوص تثبت في حال الإضافة وحالة النصب كالياء في ~~قاض ، فأما قول الأعشى : # ( ولقد شربت ثمانيا وثمانيا % وثمان عشرة واثنتين وأربعا ) # فإنه حذف الياء لضرورة الشعر ، كما حذفت من المنقوص المعرف في قول الشاعر ~~: # ( وطرت بمنصلي في يعملات % دوامي الأيد يخبطن السريحا ) # يريد الأيدي ، وقد جوز في ضرورات الشعر حذف الياءات من أواخر الكلم ~~والاجتزاء عنها بالكسرة الدالة عليها ، كقول الراجز : PageV01P144 # ( كفاك : كف ما تليق درهما % جودا وأخرى تعطي بالسيف الدما ) # [ 111 ] ويقولون : ابتعت عبدا وجارية أخرى ، فيوهمون فيه لأن العرب لم ~~تضف بلفظتي آخر وأخرى إلا ما يجانس المذكور قبله ، كما قال سبحانه : @QB@ ~~أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى @QE@ ، وكما قال تعالى : @QB@ ~~فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر @QE@ ~~، فوصف جل اسمه مناة بالأخرى لما جانست العزى واللات ، ووصف الأيام بالأخر ~~لكونها من جنس الشهر ، والأمة ليست من جنس العبد لكونها مؤنثة ، وهو مذكر ، ~~فلم ms076 يجز لذلك أن يتصف بلفظة أخرى ، كما لا يقال : جاءت هند ورجل آخر ، ~~والأصل في ذلك أن آخر من قبيل أفعل الذي تصحبه من ، ويجانس المذكور بعده ، ~~يدل على ذلك أنك إذا قلت : قال الفند الزماني ، وقال آخر ، كان تقدير ~~الكلام : وقال آخر من الشعراء ، وإنما حذفت لفظة من لدلالة الكلام عليها ~~وكثرة استعمال آخر في النطق ، وأما قول الشاعر : # ( صلى على عزة الرحمن وابنتها % ليلى وصلى على جاراتها الأخر ) ~~PageV01P145 # فمحمول على أنه جعل ابنتها جارة لها ، لتكون الأخر من جنسها ، ولولا هذا ~~التقدير لما جاز أن يعقب ذكر النبت بالجارات ، بل كان يقول : وصلى على ~~بناتها الأخر . # ويقولون في جمع بيضاء وسوداء وخضراء : بيضاوات وسوداوات وخضراوات ، وهو ~~لحن فاحش ، لأن العرب لم تجمع فعلاء التي هي مؤنث أفعل بالألف والتاء ، بل ~~جمعته على فعل ، نحو خضر وسود وصفر وبيض ، كما جاء في القرآن : @QB@ ومن ~~الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود @QE@ والعلة فيه أنه لما ~~كان هذا النوع من المؤنث على غير لفظ المذكر ومبنيا على صيغة أخرى قل تمكنه ~~، وامتنع من الجمع بالألف والتاء ، كما امتنع مذكره من الجمع بالواو والنون ~~. # فأما قوله صلى الله عليه وسلم : ليس في الخضروات صدقة فالخضروات هنا ليست ~~بصفة بل هي اسم جنس للبقلة ، وفعلاء في الأجناس تجمع بالألف والتاء ، نحو : ~~بيداء وبيداوات وصحراء وصحراوات ، وكذلك إذا كانت صفة خارجة عن مؤنث أفعل ~~نحو : نفساء ونفساوات . # [ 112 ] يقولون : السبع الطول بكسر الطاء ، فيلحنون فيه لأن الطول هو ~~الحبل ، ووجه الكلام أن يقال : السبع الطول ، بضم الطاء ، لأنها جمع الطولى ~~، PageV01P146 وكل ما كان على وزن فعلى التي هي مؤنث أفعل جمع على فعل كما ~~جاء في القرآن @QB@ إنها لإحدى الكبر @QE@ ، وهي جمع كبرى . # [ 113 ] يقولون عند نداء الأبوين : يا أبتي ويا أمتي ، فيثبتون ياء ~~الإضافة فيهما مع إدخال تاء التأنيث عليهما ، قياسا على قولهم : يا عمتي ، ~~وهو وهم يشين وخطأ مستبين ، ووجه الكلام أن يقال : يا أبت ويا أمت ، بحذف ~~الياء والاجتزاء ms077 عنها بالكسر ، كما قال تعالى : @QB@ يا أبت لا تعبد ~~الشيطان @QE@ ، @QB@ يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا ~~@QE@ ، أو يقال : يا أبتا ويا أمتا بإثبات الألف ، والاختيار أن يوقف ~~عليهما بالهاء ، فيقال : يا أبه ويا أمه . PageV01P147 # فإن قيل : فكيف دخلت تاء التأنيث على الأب ، وهو مذكر فالجواب أنه لا غرو ~~في ذلك ، ألا ترى أنهم قالوا : رجل ربعة ورجل فروقة فوصفوا المذكر بالمؤنث ~~، وقالوا : امرأة حائض ، فوصفوا المؤنث بالمذكر ، وإنما يستعمل ما ذكرناه ~~في النداء خاصة فأما قولهم : عمتي وخالتي ، فإن التاء فيهما تثبت في غير ~~موطن النداء . # [ 114 ] ويقولون : عيرته بالكذب ، والأفصح أن يقال : عيرته الكذب بحذف ~~الباء ، كما قال أبو ذؤيب : # ( وعيرني الواشون أني أحبها % وتلك شكاة ظاهر عنك عارها ) # وتمثل بعجز هذا البيت عبد الله بن الزبير حين ناداه أهل الشام لما حصر في ~~المسجد الحرام : يا بن ذات النطاقين ، فقال : إيه والله # ( وتلك شكاة ظاهر عنك عارها % ) # أي زائل عنك ، والعرب تقول : اللؤم ظاهر عنك ، والنعمة ظاهرة عليك ، أي ~~ملازمة لك . # وجاء في تفسير قوله تعالى : @QB@ أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم ~~بظاهر من القول @QE@ PageV01P148 ) أي بباطل من القول ، ولم يسمع في كلام ~~بليغ ولا شعر فصيح تعدية عيرته بالباء ، فأما من روى بيت المقنع الكندي : # ( يعيرني بالدين قومي وإنما % تدينت في أشياء تكسبهم حمدا ) # فهو تحريف من الراوي في الرواية ، والرواية الصحيحة : يعاتبني في الدين ~~قومي . # [ 115 ] ويقولون ابدأ به أولا ، والصواب أن يقال : ابدأ به أول بالضم ، ~~كما قال معن بن أوس : # ( لعمرك ما أدري وإني لأوجل % على أينا تعدو المنية أول ) # وإنما بني أول هاهنا لأن الإضافة مرادة فيه ، إذ تقدير الكلام : ابدأ به ~~أول الناس ، فلما اقتطع عن الإضافة بني كأسماء الغايات التي هي قبل وبعد ~~ونظائرهما ، ومعنى تسمية PageV01P149 هذه الأسماء بالغايات ، أي قد جعلت ~~غاية للنطق ، بعدما كانت مضافة ، ولهذه العلة استوجبت أن تبنى ، لأن آخرها ~~حين قطع عن الإضافة صار كوسط الكلمة ، ووسط ms078 الكلمة لا يكون إلا مبنيا ، ~~وإنما بنيت على الضمة لأنها في حالة الإضافة تعرف تارة بالنصب وأخرى بالجر ~~، فخصت عند البناء بالضم الذي خالف حركتي إعرابها ، ليعلم به أنها مبنية لا ~~معربة . # على أن أول إذا أعرب لا يصرف لأنه على وزن أفعل وهو صفة ، ولهذا قالوا : ~~كان ذلك عاما أول ، وما رأيته مذ أول من أمس ، ولم يسمع صرفه إلا في قولهم ~~: ما تركت له أولا ولا آخرا ، فجعلوه في هذا الكلام اسم جنس ، وأخرجوه عن ~~حكم الصفة ، وأجروا هذا الكلام بمعنى ما تركت له قديما ولا حديثا . # ومن مفاحش ألحان العامة إلحاقهم هاء التأنيث بأول فيقولون الأولة كناية ~~عن الأولى ، ولم يسمع في لغات العرب إدخالها على أفعل الذي هو صفة ، مثل ~~أحمر وأبيض ، ولا على أفعل الذي هو للتفضيل نحو أفضل وأول ، والعجب أنهم في ~~حال صغرهم ومبدإ تعلمهم في مكاتبم ، يقولون : جمادى الأولى فيلفظون بالصحيح ~~، فإذا نبلوا ونبهوا أتوا باللحن القبيح . # ونظير أول في المبنيات على الضم أنك تقول : انحدر من فوق ، وأتاه من قدام ~~واستردفه من وراء ، وأخذه من تحت ، فتبنى هذه الأسماء على الضم ، وإن كانت ~~ظروف أمكنة ، لاقتطاعها عن الإضافة ، وعلى ذلك قول الشاعر : # ( ألبان إبل تعلة بن مساور % ما دام يملكها علي حرام ) # ( لعن الإله تعلة بن مساور % لعنا يصب عليه من قدام ) # أراد من قدامه ، فلما حذف الضمير منه واقتطعه عن الإضافة بناه على الضم . # [ 116 ] ويقولون لهذا النوع من المشموم : سوسن بضم السين ، فيوهمون فيه ، ~~كما أن بعض المحدثين ضمها فتطير من اسمه حين أهدي إليه ، وكتب من أهداه له ~~: PageV01P150 # ( لم يكفك الهجر فأهديت لي % تفاؤلا بالسوء لي سوسنه ) # ( أولها سوء وباقي اسمها % يخبر أن السوء يبقي سنه ) # والصواب أن يقال فيه : سوسن بفتح السين ، وكذلك يقال : روشن بفتح الراء ، ~~ليلحقا بما جاء على وزن فوعل بفتح الفاء ، نحو جوهر وجورب وكوثر وتولب ، إذ ~~ما سمع في أمثلة العرب فوعل إلا جؤذر في لغة بعضهم . # قال الشيخ الإمام رحمه الله ms079 : وقد أذكرني السوسن أبياتا أنشدنيها علي بن ~~عبد العزيز الأديب المعري لأبي بكر بن القوطية الأندلسي ، يصف فيها السوسن ~~مما أبدع فيه وأحسن ، فأوردتها على وجه التشذير لسمط هذا الفصل ، والتأبين ~~لمن درج من أولي الفضل ، وهي : # ( قم واسقنيها على الورد الذي فعما % وبادر السوسن الغض الذي نجما ) # ( كأنما ارتضعا خلفي سمائهما % فأرضعت لبنا هذا ، وذاك دما ) # ( جسمان قد كفر الكافور ذاك وقد % عق العقيق احمرارا ذا وما ظلما ) ~~PageV01P151 # ( كأن ذا طلية نصت لمعترض % وذاك خد غداة البين قد لطما ) # ( أولا فذاك أنابيب اللجين وذا % جمر الغضا حركته الريح فاضطرما ) # [ 117 ] ويقولون جرى الوادي فطم على القليب ، والمسموع في هذا المثل : ~~فطم على القري ، وهو مجرى الماء إلى الروضة ، ومعنى طم علا وقهر ، ومنه ~~سميت القيامة طامة ، وهذا المثل يضرب في هجوم الخطب الهائل المصغر ما عداه ~~من النوازل . # ونظيره في التصحيف قولهم : يا حامل اذكر حلا ، وإنما هو : يا حابل ، أي ~~يا من يشد الحبل اذكر وقت حله . # ويحكى أن اللحياني أول من صحف هذا المثل . # [ 118 ] ويقولون لمن نبت شاربه : قد طر شاربه بضم الطاء ، والصواب أن ~~يقال : طر بفتح الطاء ، كما يقال : طر وبر الناقة ، إذا بدا صغاره ، وناعمه ~~، ومنه يقال : شارب طرير ، وعليه قول الشاعر : # ( وما زلت في ليلى لدن طر شاربي % إلى اليوم أبدي إحنة وأواحن ) # ( وأضمر في ليلى لقوم ضغينة % وتضمر في ليلى علي الضغائن ) PageV01P152 # فأما طر بضم الطاء فمعناه قطع ، ومنه اشتقاق اسم الطرار ، وبه سميت الطرة ~~لأنها تقطع . # وأما قولهم : جاء القوم طرا فهو بمعنى جاء القوم جميعا ، وانتصابه على ~~الحال أو المصدر . # ونقيض هذا الوهم قولهم في النادم المتحير : سقط في يده بفتح السين ، ~~والصواب أن يقال فيه : سقط في يده بضمها . # وقد سمع عنهم : أسقط إلا أن الأول أفصح ، لقوله تعالى : @QB@ ولما سقط في ~~أيديهم @QE@ . # [ 119 ] ويقولون : ركض الفرس بفتح الراء وقد أقبلت الفرس تركض بفتح التاء ~~، والصواب أن يقال : ركض بضم الراء ، وأقبلت تركض بضم التاء ، وأصل الركض ~~في ms080 اللغة تحريك القوائم ، ومنه قوله تعالى : @QB@ اركض @QE@ PageV01P153 ~~برجلك ) ولهذا قيل للجنين ، إذا اضطرب حيا في بطن أمه : قد ارتكض . # ومن أبيات المعاني المشكلة : # ( قد سبق الجياد وهو رابض % وكيف لا يسبق وهو راكض ) # والمراد به أن أمه سبقت الجياد حين أجريت وهي حامل به ، وأضاف السبق إليه ~~لاتصاله بأمه ، وأشار بركضه إلى تحريك قوائمه في مربضه ومقره ، وقد توهم ~~بعضهم أن الركض لا يستعمل إلا في الخيل ، وليس كذلك ، بل يقال : ركض البعير ~~برجل ، إذا رمح ، وركض الطائر ، إذا حرك جناحيه ، ثم ردهما على جسده في ~~الطيران ، كما قال سلامة ابن جندل : # ( أودى الشباب حميدا ذو التعاجيب % أودى وذلك شأن غير مطلوب ) # ( ولى حثيثا وهذا الشيب يطلبه % لو كان يدركه ركص اليعاقيب ) # يعني باليعاقيب ذكر الحجل ، وهو جمع يعقوب . # ويروى : ركض اليعاقيب بالضم والفتح ، فمن رفعه جعله فاعل يدرك ، وأراد به ~~أن هذا الطائر على سرعة طيرانه لا يدرك الشباب إذا ولى فكيف يدركه غيره ، ~~ومن رواه بالنصب نصبه بفعل مضمر تقديره ولى يركض ركض اليعاقيب ، وجعله من ~~صلة صفة الشباب ، وجعل فاعل يدركه ضمير الشيب PageV01P154 المستتر فيه ، ~~ويصير في البيت تقديم وتأخير ، تصحيحه ولى الشباب حثيثا يركض ركض اليعاقيب ~~، هذا الشيب يطلبه لو كان يدركه . # قال الشيخ الإمام أبو محمد الحريري : وللعامة وبعض الخاصة عدة أوهام في ~~إسناد الفعل إلى من فعل به ، يماثل وهمهم في قولهم : ركضت الفرس ، وقولهم : ~~قد حلبت ناقته رسلا كثيرا ، ولم تحلب شاته إلا لبنا يسيرا ، فيسندون الحلب ~~إلى المحلوبة ، وهو موقع بها . # ووجه القول : كم حلبت ناقتك ، وكم تحلب حلوبتك وما أشبه ذلك . # [ 120 ] ويقولون أيضا : حكني جسدي فيجعلون الجسد هو الحاك ، وعلى التحقيق ~~هو المحكوك ، والصحيح أن يقال : أحكني جسدي ، أي ألجاني إلى الحك ، كذلك ~~يقولون : اشتكت عين فلان ، والصواب أن يقال : اشتكى فلان عينه ، لأنه هو ~~المشتكي لا هي . # [ 121 ] ويقولون : سار ركاب السلطان ، إشارة إلى موكبه المشتمل على الخيل ~~والرجل وأجناس الدواب . # وهو وهم ظاهر لأن الركاب اسم يختص بالإبل ms081 وجمعها ركائب ، والراكب هو راكب ~~البعير خاصة ، وجمعه ركبان ، فأما الركب والأركوب PageV01P155 فقد جوز ~~الخليل أن يطلق اسمهما على راكبي كل دابة إلا أن الأركوب أكثر من الركب عدة ~~وأوفى جماعة . # [ 122 ] ويقولون للعبة الهندية : الشطرنج ، بفتح الشين ، وقياس كلام ~~العرب أن تكسر لأن من مذهبهم أنه إذا عرب الاسم العجمي رد إلى ما يستعمل من ~~نظائره في لغتهم وزنا وصيغة ، وليس في كلامهم فعلل بفتح الفاء ، وإنما ~~المنقول عنهم في هذا الوزن فعلل ، بكسر الفاء فلهذا وجب كسر الشين من ~~الشطرنج ليلحق بوزن جردحل ، وهو الضخم من الإبل . # وقد جوز في الشطرنج أن يقال بالشين المعجمة لجواز اشتقاقه من المشاطرة ، ~~وان يقال بالسين المهملة ، لجواز أن يكون اشتق من التسطير عند التعبية . # ومثله تسمية الدعاء للعاطس بالتسميت والتشميت ، إشارة بالسين المهملة أن ~~يرزق السمت الحسن ، وبالشين المعجمة إلى جمع الشمل لأن العرب تقول : تشممت ~~الإبل ، إذا اجتمعت في المرعى . # وقيل إن معناه بالشين المعجمة الدعاء لشوامته ، وهي اسم الأطراف . # ولهذا نظائر في كلام العرب كقولهم لنوع من التمر ، سهريز وشهريز ، ولما ~~يختم به : الروسم والروشم . # وكقولهم : انتشف لونه وانتسف إذا تغير وامتقع ، وحمس الرجل وحمش إذا اشتد ~~غضبه . # وقالوا تنشمت منه علما وتنسمت ، فمن قاله بالسين المهملة جعل اشتقاقه من ~~النسيم ، وشبه ما يشدوه منه حالا بعد حال ، وفي الوقت بعد الوقت ~~PageV01P156 باستنشاق النسيم ، ومن قاله بالشين المعجمة أخذه من قولهم : ~~نشم الناس في الأمر ، أي ابتدأوا به ، إلا أن الأصمعي يرى أن هذه اللفظة لا ~~تستعمل إلا في الشر على ما تقدم ذكره عنه . # وقد جاء أيضا في الآثار والأشعار ألفاظ رويت بهذين الحرفين على اختلاف ~~المعنيين ، فروي في صفته صلى الله عليه وسلم أنه كان منهوس القدمين ، أي ~~معروقهما . # وذكر ابن الأعرابي في نوادره أنه يقال : هوس الناس وهوشوا ، إذا وقعوا في ~~الفساد ، والنهش بإعجام الشين ما كان بالأضراس والنهس بإهمالها ما كان ~~بأطراف الأسنان . # وروي : محاش النساء حرام بإعجام الشين وإهمالها ، والمراد به الدبر ، ~~وواحد المحاش ms082 محشة . # وفي بعض الروايات أن الشهر قد تسعسع فلو صمنا بقيته روي بإعجام الشين ~~وإهمالها ، فمن رواه بالمعجمة ذهب به إلى دقة الهلال وقلة ما بقي من الشهر ~~كما يقال : شعشعت الشراب بالماء إذا رققته ، ومن رواه بالسين المهملة - وهو ~~أشهر الروايتين - فالمراد به أن الشهر قد أدبر وفني إلا أقله . PageV01P157 # وجاء في حديث عمر رضي الله عنه أنه كان ينس الناس بعد العشاء الآخرة ~~بالدرة ، ويقول : انصرفوا إلى منازلكم فمن رواه بالسين المهملة عنى به ~~يسوقهم ، ومنه سميت العصا منسأة للسوق بها ، ومن رواه بالمعجمة فمعناه ~~يتناولهم ، مأخوذ من قوله تعالى : @QB@ وأنى لهم التناوش @QE@ . # وورد في الآثار أن عليا كرم الله وجهه خطب الناس على منبر الكوفة ، وهو ~~غير مسكوك ، فمن رواه بالسين المهملة ، فمعناه أنه غير مسمور ، لأن السك ~~تضبيب الباب . # ومن رواه بإعجام الشين فالمعنى أنه غير مشدود . # ونقل عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : توفي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بين سحري ونحري ، فمن رواه بالسين المهملة عنى به الرئة ، ومن رواه ~~بالشين المعجمة مع الجيم فقال : شجري فالمعنى مجمع اللحيين . # ويروى بيت النابغة : # ( فإن يك عامر قد قال جهلا % فإن مطية الجهل الشباب ) # فمن رواه بالشين المعجمة فالمراد به الشبيبة و مطية الجهل أي مركبه ، ومن ~~PageV01P158 رواه : السباب بالسين المهملة فالمعنى به السب ، كما قد روي ~~أيضا في هذا البيت : فإن مظنة الجهل أي موضعه . # وقد روي أيضا من شعر الأعشى بيتان بهذين الحرفين أحدهما قوله : # ( نفى الذم عن آل المحلق جفنة % كجابية الشيخ العراقي تفهق ) # فمن روى : كجابية السيح بالسين المهملة عنى بالجابية دجلة ، وبالسيح ~~الماء السائح . # ومن رواه بالشين المعجمة جعل الإرشارة فيه إلى كسرى لأنه صاحب دجلة ، ~~وأراد الأعشى بهذا التشبيه أن جفنة آل المحلق تمد بالطعام بعد الطعام كما ~~تمد دجلة بالماء بعد الماء . # والبيت الآخر قوله في صفة الخمر والخمار : # ( وأقبلها الريح في دنها % وصلى على دنها وارتشم ) # فمن رواه ارتشم بالشين المعجمة عنى به أنه دعا للدن ms083 ثم ختم عليه ، ومن ~~رواه بالسين المهملة قال : أراد أنه دعا لها وعوذ عليها ، كما قال القطامي ~~يصف فلكا : # ( في ذي جلول يقضي الموت صاحبه % إذا الصراري من أهواله ارتسما ) # يعني أن الصراري ، وهو الملاح عوذ وكبر حين شاهد عظم الأهوال ، وعاين ~~تلاطم الأمواج . # الجلول : جمع جل ، وهو شراع السفينة . # ويروى بيت أوس بن حجر : # ( مخلفون ويقضي الناس أمرهم % غس الأمانة صنبور بصنبور ) # فمن رواه بالسين المهملة ، عنى أنهم ضعفاء الأمانة ، ومن رواه بالشين ~~المعجمة ، فاشتقاقه من الغش . # وحكى الأصمعي قال : أنشدنا أبو عمرو بن العلاء : # ( فما جبنوا أنا نشد عليهم % ولكن رأوا نارا تحش وتسفع ) # قال : فذكرت ذلك لشعبة ، فقال : ويلك إنما هو تحس وتسفع ، أي تحرق وتسود ~~. PageV01P159 # قال الأصمعي : وقد أصاب أبو عمرو لأن معنى تحش توقد ، وقد أصاب شعبة أيضا ~~ولم أر بالشعر أعلم منه . # وحكى خلف الأحمر : قال : أخذت على المفضل الضبي وقد أنشد لامرئ القيس : # ( نمس بأعراف الجياد أكفنا % إذا نحن قمنا عن شواء مضهب ) # فقلت : له إنما هو نمش لأن المش مسح اليد بالشيء الخشن ، وبه سمي منديل ~~الغمر مشوشا ، وأما قول الشاعر : # ( أعلمه الرماية كل يوم % فلما اشتد ساعده رماني ) # فالرواية الصحيحة فيه استد بالسين المبهمة ، ويكون المراد به السداد في ~~الرمي ، وقد رواه بعضهم بالشين المعجمة التي هي بمعنى القوة : # ومثله في اختلاف الرواية قول عروة بن أذينة : # ( لقد علمت وما الإسراف من خلقي % أن الذي هو رزقي سوف يأتيني ) # فروى أكثرهم لفظة الإسراف بالسين المغفلة ، ورواه بعضهم بالشين المعجمة ، ~~ليكون معناها التطلع إلى الشيء والاستشراف له ، وهو اختيار المرتضى أبي ~~القاسم الموسوي رحمه الله . # ولهذا البيت حكاية تحث على استشعار اليقين ، وإعلاق الأمل بالخالق دون ~~المخلوقين فجنحته بها تحلية لعاطله ، ومنبهة على صدق قائله ، وهي ما رويته ~~من عدة طرق أن عروة هذا وفد على هشام بن عبد الملك في جماعة من الشعراء ~~فلما دخلوا عليه عرف عروة فقال له : ألست القائل : # ( لقد علمت وما الإسراف من خلقي % أن الذي هو ms084 رزقي سوف يأتيني ) # ( أسعى له فيعنيني تطلبه % ولو أقمت أتاني لا يعنيني ) # وأراك قد جبت تضرب من الحجاز إلى الشأم في طلب الرزق : فقال له : لقد ~~وعظت يا أمير المؤمنين ، فبالغت في الوعظ ، وأذكرت ما أنسانيه الدهر . # وخرج من فوره PageV01P160 إلى راحلته فركبها ، ثم نصها راجعا نحو الحجاز ~~. # فمكث هشام يومه غافلا عنه ، فلما كان في الليل تعار على فراشه ، فذكره ~~وقال في نفسه : رجل من قريش قال حكمة ، ووفد إلي فجبهته ووددته عن حاجته ، ~~وهو مع هذا شاعر لا آمن ما يقول . # فلما أصبح سأل عنه ، فأخبر بانصرافه . # فقال : لا جرم ليعلمن ان الرزق سيأتيه ، ثم دعا بمولى وأعطاه ألفي دينار ~~، وقال له : الحق بهذه ابن أذينة فأعطه إياها . # قال : فلم أدركه إلا وقد دخل بيته ، فقرعت الباب عليه ، فخرج فأعطيته ~~المال ، فقال : أبلغ أمير المؤمنين السلام ، وقل له : كيف رأيت قولي ، سعيت ~~فأكديت ، ورجعت إلى بيتي فأتاني فيه الرزق . # ومما يروى أيضا بهذين الحرفين قول أبي بكر بن دريد في مقصورته : # ( أرمق العيش على برض فإن % رمت ارتشافا رمت صعب المنتسى ) # فمن رواه بالسين المهملة فمعناه المبتعد واشتقاقه من أنسأ الله أجله ، أي ~~باعده ، ومن رواه بالشين المعجمة ، فمعناه استقصاء الشرب بالمشافير . # [ 123 ] ويقولون في جواب من قال : سألت عنك : سأل عنك الخير فيستحيل ~~المعنى بإسناد الفعل إليه ، لأن الخير إذا سأل عنه فكأنه جاهل به أو متناه ~~عنه ، وصواب القول : سئل عنك الخير ، أي كان من الملازمة لك والاقتران بك ~~بحيث يسأل عنك . PageV01P161 # [ 124 ] ويقولون للمتشبع بما ليس عنده : مطرمذ وبعضهم يقول : طرمذار ، ~~كما قال بعض المحدثين : # ( ليس للحاجات إلا % من له وجه وقاح ) # ( ولسان طرمذار % وغدو ورواح ) # ( إن تكن أبطأت الحاجة % عني والسراح ) # ( فعلى السعي فيها % وعلى الله النجاح ) # والصواب فيه : طرماذ على ما حكاه أبو عمر الزاهد في كتاب اليواقيت ، ~~وأنشد عليه لبعض الرجاز : # ( سلمت في يومي على معاذ % سلام طرماذ على طرماذ ) # [ 125 ] ويقولون للإثنين : هاتا بمعنى أعطيا ، فيخطئون فيه ، لأن هاتا ~~اسم للإشارة ms085 إلى المؤنثة الحاضرة ، وعليه قول عمران بن حطان : # ( وليس لعيشنا هذا مهاة % وليست دارنا هاتا بدار ) # ( وإن قلنا لعل بها قرارا % فما فيها لحي من قرار ) # والصواب أن يقال لهما : هاتيا بكسر التاء لأن العرب تقول للواحد المذكر ~~PageV01P162 هات بكسر التاء ، وللجمع : هاتوا ، لا كما تقول العامة : هاتم ~~، والدليل عليه قوله تعالى : @QB@ قل هاتوا برهانكم @QE@ . # ويقولون للمؤنث : هاتي ولجماعة الإناث هاتين ، وتقول للاثنين من المذكر ~~والمؤنث : هاتيا من غير أن يفرقوا في الأمر لهما ، كما لم يفرقوا بينهما في ~~ضمير المثنى في مثل قولك : غلامهما وضربهما ، ولا في علامة التثنية التي في ~~قولك : الزيدان والهندان ، وكان الأصل في هات آت المأخوذ من أتى ، أي أعط ، ~~قلبت الهمزة هاء ، كما قلبت في أرقت الماء ، وفي إياك فقيل : هرقت وهياك . # وفي ملح العرب أن رجلا قال لأعرابي : هات ، فقال : والله ما أهاتيك ، أي ~~أعطيك . # [ 126 ] ويقولون : رأيت الأمير وذويه ، فيوهمون فيه لأن العرب لم تنطق ~~بذي الذي بمعنى صاحب إلا مضافا إلى اسم جنس ، كقولك : ذو مال وذو نوال ، ~~فأما PageV01P163 إضافته إلى الأعلام وإلى أسماء الصفات المشتقة من الأفعال ~~فلم يسمع في كلامهم بحال ، ولهذا لحن من قال : صلى الله عليه وسلم على نبيه ~~محمد وذويه ، فكما لم يقولوا : ذوو نبي لا ذوو أمير ، وقصروا ذا على إضافته ~~إلى الجنس ، ولهذا لم يرفع السبب لأنه ليس بمشتق من فعل ، فيرفع كما ترفع ~~الأفعال ، فلا يجوز أن يقال : مررت برجل ذي مال أبوه ، فإن أردت تصحيح هذا ~~الكلام جعلت الجملة مبتدأ به فقلت : مررت برجل ذو مال أبوه ، فيصح حينئذ ~~الكلام ، لأن النكرة تختص بأن توصف بالجملة . # [ 127 ] يقولون : الحوامل تطلقن والحادثات تطرقن ، فيغلطون فيه ، لأنه لا ~~يجمع في هذا القبيل بين تاء المضارعة والنون ، التي هي ضمير الفاعل ، ووجه ~~الكلام أن يلفظ فيه بياء المضارعة المعجمة باثنتين من تحت ، كما قال الله ~~تعالى : @QB@ تكاد السماوات يتفطرن منه @QE@ وعلى هذا يقال : الغواني يمزحن ~~والنوق يسرحن . # وفيما يحكى أن مطيع بن إياس ويحيى بن ms086 زياد وحمادا الراوية كانوا يشربون ~~ذات يوم ، ومعهم نديم لهم ، فبدرت منه فلتة ، فخجل ونهض ، ولم يعد إليهم ، ~~وغاب أياما عنهم ، فكتب إليه مطيع بن إياس : # ( أمن قلوص غدت لم يؤذها أحد % إلا تذكرها بالرمل أوطانا ) # ( خان العقال لها فانبت إذ نفرت % وإنما الذنب فيها للذي خانا ) # ( أوليتنا منك هجرانا ومقلية % ولم تزرنا كما قد كنت تغشانا ) # ( خفض عليك فما في الناس ذو إبل % إلا وأينقه يشردن أحيانا ) PageV01P164 # [ 128 ] ويقولون : شلت الشيء ، فيعدون اللازم بغير حرف التعدية ، ووجه ~~الكلام أن يقال : أشلت الشيء ، أو شلت به ، فيتعدى بهمزة النقل أو بالباء ~~كما تقول العرب : شالت الناقة بذنبها ، وأشالت ذنبها ، والشائل عندهم هو ~~المرتفع ، ومنه قول الشاعر : # ( يا قوم من يعذر في عجرد % القاتل المرء على الدانق ) # ( لما رأى ميزاته شائلا % وجاه بين الأذن والعاتق ) # وحكى ثعلب عن ابن الأعرابي قال : حضرت أبا عبيدة في بعض الأيام ، فأخطأ ~~في موضعين : فقال : شلت الحجر ، وإنما هو : شلت بضم الشين ثم أنشد : # ( شلت يدا فارية فرتها % ) # فضم الشين ، إنما هو بالفتح . # وذكر بعض مشايخ أهل اللغة أن من أفحش ما تلحن فيه العامة قولهم : شال ~~الطير ذنبه لأنهم يلحنون فيه ثلاث لحنات ، إذ وجه القول : أشال الطائر ~~ذناباه . # ذكر أبو عمر الزاهد أن أصحاب الحديث يخطئون في لفظة ثلاثية في ثلاثة ~~مواضع ، فيقولون في حراء ( اسم الجبل ) حري فيفتحون الحاء وهي مكسورة ، ~~ويكسرون PageV01P165 الراء وهي مفتوحة ويقصرون الالف وهي ممدودة وحراء مما ~~صرفته العرب ولم تصرفه . # [ 129 ] ويقولون لمن تناول شيئا : ها ، بقصر الألف فيلحنون فيه لأن الألف ~~ممدودة كما جاء في الحديث : الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء ويجوز فيه فتح ~~الهمزة وكسرها مع مد الألف في كلتيهما ، ولا تقصر هذه الألف إلا إذا اتصلت ~~بها كاف الخطاب ، فيقال : هاك ، كما يروى أن عليا رضي الله عنه آب إلى ~~فاطمة من بعض مواطن الحرب وسيفه يقطر من الدم ، فقال : # ( أفاطم هاك السيف غير مذمم % ) # وعند النحويين أن المدة في قولك . # هاء جعلت ms087 بدلا من كاف الخطاب ، لأن أصل وضعها أن تقرن بها كاف الخطاب . ~~PageV01P166 # [ 130 ] ويقولون : حسد حاسدك بضم الحاء ، فيعكسون المراد به ، ويجعلون ~~المدعو عليه مدعوا له ، والصواب أن يقال : حسد حاسدك ، بفتح الحاء ، أي لا ~~أنفك حسودا ولا زلت محسودا ، وإلى هذا أشار الشاعر في قوله : # ( إن يحسدوني فإني غير لائمهم % قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا ) # ( فدام لي ولهم ما بي وما بهم % ومات أكثرنا غيظا بما يجد ) # [ 131 ] ويقولون أعطاه البشارة ، والصواب فيه ضم الباء لأن البشارة بكسر ~~الباء ما بشرت به ، وبضمها حق ما يعطى عليها ، فأما البشارة بفتح الباء ~~فإنها الجمال ، ومنه قولهم : فلان بشير الوجه ، أي حسنه ، وعند أكثرهم أن ~~لفظة بشرته لا تستعمل إلا في الإخبار بالخير ، وليس كذلك ، بل قد تستعمل في ~~الإخبار بالشر كما قال سبحانه : PageV01P167 @QB@ فبشرهم بعذاب أليم @QE@ ~~والعلة فيه أن البشارة ، إنما سميت بذلك لاستبانة تأثير خبرها في بشرة ~~المبشر بها ، وقد تتغير البشرة للمساءة بالمكروه ، كما تتغير عند المسرة ~~بالمحبوب ، إلا أنه إذا أطلق لفظها وقع على الخير كما أن النذارة تكون عند ~~إطلاق لفظها في الشر ، وعلى ذلك قوله تعالى : @QB@ الذين آمنوا وكانوا ~~يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة @QE@ . # ونظيرها لفظة وعد تستعمل في الخير كما قال عز اسمه : @QB@ وعد الله الذين ~~آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض @QE@ ، وتستعمل أيضا في ~~الشر كما قال تعالى : @QB@ النار وعدها الله الذين كفروا @QE@ ، فإن أطلق ~~لفظة الوعد أو لفظ وعد انصرف إلى الخير ، كما تقول العرب في الشجر المورق : ~~شجر واعد ، تومئ إلى أنه وعد بالإثمار ، وكقولهم في المثل : أنجز حر ما وعد ~~، فأما الوعيد والإيعاد فلا يستعملان إلا في الشر كقول الشاعر : # ( وإني وإن أوعدته أو وعدته % لمخلف إيعادي ومنجز موعدي ) # ونقيض لفظة البشارة لفظة المأتم ، يتوهم أكثر الخاصة أنها مجمع المناحة ، ~~وهي PageV01P168 عند العرب النساء يجتمعن في الخير والشر بدلالة قول الشاعر ~~: # ( رمته أناة من ربيعة عامر % نؤوم الضحى في مأتم أي مأتم ) # أي في ms088 نساء أي نساء ، ويروى أي مأتم بالرفع على حذف الخبر ، ويكون تقدير ~~الكلام أي مأتم هو . # [ 132 ] ويقولون تفرقت الأهواء والآراء ، والاختيار في كلام العرب أن ~~يقال في مثله : افترقت ، كما جاء في الخبر : تفترق أمتي كذا وكذا فرقة أي ~~تختلف ، فأما لفظة التفرق فتستعمل في الأشخاص والأجسام فإذا قيل : إن لزيد ~~ثلاثة إخوة متفرقين ، كان المعنى أن كل واحد منهم ببقعة ، وإن قيل في وصفهم ~~: مفترقين كان المعنى أن أحدهم لأبيه وأمه والآخر لأبيه ، والثالث لأمه ، ~~وكذلك يقال : فرق بتشديد الراء فيما كان من قبيل الجمع ، وفرق بالتخفيف ~~فيما يراد به التمييز كقولك : فرق بين الحق والباطل والحالي والعاطل . # [ 133 ] ويقولون في مصدر ذكر الشيء : تذكار بكسر التاء ، والصواب فتحها ، ~~كما تفتح في تسآل وتسيار وتسكاب وتهيام ، وعليه قول كثير عزة : # ( وإني وتهيامي بعزة بعدما % تخليت مما بيننا وتخلت ) # ( لكا لمرتجي ظل الغمامة كلما % تبوأ منها للمقيل اضمحلت ) PageV01P169 # وذكر أهل العربية أن جميع المصادر التي جاءت على تفعال هي بفتح التاء إلا ~~مصدرين : تبيان ، وتلقاء ، وقال بعضهم : تنضال أيضا . # وأما أسماء الأجناس والصفات فقد جاءت منها عدة أسماء على تفعال بكسر ~~التاء : تجفاف ، وتمثال وتمساح وتقصار ، وهي المخنقة القصيرة ، وتمراد ، ~~وهو بيت صغير يتخذ للحمام ، ورجل تيتاء ، وهو العذيوط وتبراك ، وتعشار ، ~~وترباع ، وهي أسماء أمكنة . # وقالوا : مر تهواء من الليل بمعنى هوي ، ورجل تنبال ، أي قصير ، وتلعاب ~~أي كثير اللعب ، وتلقام ، أي سريع اللقم . # وقالوا أيضا : ناقة تضراب ، إذا ضربها الفحل ، وثوب تلفاق ، أي لفقان . # [ 134 ] ويقولون للقائم : اجلس ، والاختيار على ما حكاه الخليل بن أحمد ~~أن يقال لمن كان قائما : اقعد ، ولمن كان نائما أو ساجدا : اجلس ، وعلل ~~بعضهم لهذا الاختيار ، بأن القعود هو الانتقال من علو إلى سفل ، ولهذا قيل ~~لمن أصيب برجله : مقعد ، وأن الجلوس هو الانتقال من سفل إلى علو ، ومنه ~~سميت نجد جلسا لارتفاعها وقيل لمن أتاها : جالس ، وقد جلس ، ومنه قول عمر ~~بن عبد العزيز للفرزدق . # ( قل للفرزدق والسفاهة كاسمها % إن كنت تارك ms089 ما أمرتك فاجلس ) ~~PageV01P170 # أي اقصد نجدا . # وموجب هذا البيت أن عمر بن عبد العزيز لما كان واليا على المدينة قال ~~للفرزدق : إن كنت تلزم العفاف وإلا فاخرج إلى نجد ، فإن المدينة ليست بدار ~~مقامة لك . # وحكى أبو عبد الله بن خالويه قال : دخلت يوما على سيف الدولة بن حمدان ، ~~فلما مثلت بين يديه قال لي : اقعد ولم يقل : اجلس ، فتبينت بذلك اعتلاقه ~~بأهداب الأدب ، واطلاعه على أسرار كلام العرب . # [ 135 ] - ويقولون في جواب من مدح رجلا أو ذمه : نعم من مدحت ، وبئس من ~~ذممت ، والصواب أن يقال : نعم الرجل من مدحت ، وبئس الشخص من ذممت ، كما ~~قال عمرو بن معدي كرب ، وقد سئل عن قومه : نعم القوم قومي عند السيف ~~المسلول ، والمال المسؤول . # ويكون تقدير الكلام في قولك : نعم الرجل زيد ، أي الممدوح من الرجال زيد ~~. # وقد يجوز أن يقتصر على ذكر الجنس ويضمر المقصود بالمدح والذم اكتفاء ~~بتقدم ذكره فيقال : نعم الرجل وبئس العبد ، كما جاء في التنزيل : @QB@ ~~ووهبنا لداود سليمان نعم العبد @QE@ ، أي نعم العبد سليمان ، فحذف اسمه ~~لتقدم ذكره وعلم المخاطب به ، والإصل في ذلك أن نعم وبئس فعلان وضعا للمدح ~~والذم بعد ما نقلا عن أصليهما ، وهما النعم والبؤس ، وفاعلهما لا يكون إلا ~~معرفا بالألف واللام اللتين هما للجنس ، أو ما أضيف إلى ما هما فيه ، كقولك ~~: نعم الرجل زيد ، ونعم صاحب العشيرة عمرو ، أو يضمر هذا الاسم على أن ~~تفسره نكرة من جنسه ، فينصب على PageV01P171 التمييز كقوله تعالى : @QB@ ~~بئس للظالمين بدلا @QE@ ، أي بئس البدل بدلا ، فأضمره وفسره بالنكرة ~~المنصوبة من جنسه ، ومنع أهل العربية أن يكون فاعل هذين الفعلين مخصوصا ، ~~ولهذا لم يجيزوا أن يقال : نعم زيد ولا نعم أبو علي حتى يقال : نعم الرجل ~~زيد ، ونعم الرجل أبو علي ، ويكون تقدير الكلام : الممدوح في الرجال زيد ، ~~وإنما جوز نعم ما صنعت ، لدلالة الفعل الموجود على الاسم المحذوف ، إذ ~~تقدير الكلام نعم الفعل ما فعلت ، فكأن الضمير المحذوف بمنزلة المتلفظ به . # ومنع علي بن عيسى ms090 الربعي من جواز ذلك ، وقال : تصحيح الكلام : نعم ما ما ~~فعلت ، لتكون ما الأولى بمعنى شيء ، كما أنها في التعجب بمعناه ، ويصير ~~تقدير الكلام : نعم شيء شيئا صنعت ، فيناسب قولهم : نعم رجلا زيد . # وكذلك امتنعوا أن يقولوا : نعم هذا الرجل لأن الرجل هاهنا صفة لهذا ، ~~واللام فيه لتعريف الإشارة والخصوص ، ومن شريطة لام التعريف الداخلة على ~~فاعل نعم وبئس أن تكون للجنس المحيط بالعموم ، فتكون مع إفراد لفظها في ~~معنى الجمع ، كاللام التي في قوله تعالى : @QB@ إن الإنسان لفي خسر @QE@ ، ~~أي إن الناس ، بدليل أنه تعالى استثنى منهم @QB@ الذين آمنوا @QE@ ، ولا ~~يجوز استنثاء الجمع من المفرد . PageV01P172 # وعند قوم أن وضع نعم وبئس للاقتصار في المدح والذم ، وليس كذلك بل وضعهما ~~للمبالغة ، ألا ترى إلى قوله تعالى في تمجيد ذاته وتعظيم صفاته : @QB@ ~~واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير @QE@ وإلى قوله سبحانه ~~في صفة النار توعد بها الكفار : @QB@ ومأواهم جهنم وبئس المهاد @QE@ . # وحكى أبو القاسم بن برهان النحوي أنه كان لشريك بن عبد الله النخعي جليس ~~من بني أمية فذكر شريك في بعض الأيام فضائل علي رضوان الله عليه ، فقال ذلك ~~الأموي : نعم الرجل علي ، فأغضبه ذلك ، وقال له : ألعلي يقال : نعم الرجل ~~فأمسك حتى سكن غضبه ، ثم قال له : يا أبا عبد الله ، ألم يقل الله تعالى في ~~الإخبار عن نفسه : @QB@ فقدرنا فنعم القادرون @QE@ ، وقال في أيوب عليه ~~السلام : @QB@ إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب @QE@ ، وقال في سليمان ~~عليه السلام : @QB@ ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب @QE@ ، أفلا ~~ترضى لعلي بما رضي الله تعالى لنفسه ولأنبيائه فتنبه شريك عند ذلك لوهمه ، ~~وزادت مكانة ذلك الأموي من قلبه . # [ 136 ] - ويقولون لضد الذكر : النسيان بفتح النون والسين فيوهمون فيه ، ~~لأن النسيان تثنية النسا ، وهو العرق الذي في الفخذ ، فأما المصدر من نسي ~~فهو النسيان على وزن فعلان مثل العرفان والكتمان ، فإن جاءت مصادر في كلام ~~العرب على فعلان بفتح الفاء والعين ، فهي مما يختص بالحركة والاضطراب ، ~~كالوخدان والذملان واللمعان والضربان ms091 . # ومن غريب ما جاء على فعلان قولهم في جمع كروان : كروان PageV01P173 كما ~~قال ذو الرمة . # ( من آل أبي موسى ترى القوم حوله % كأنهم الكروان أبصرن بازيا ) # وذكر بعضهم أنه يجمع صفوان على صفوان ، وهو من الشاذ . # [ 137 ] - ويقولون : هو بين ظهرانيهم بكسر النون ، والصواب أن يقال : بين ~~ظهرانيهم ، بفتح النون ، وأجاز أبو حاتم أن يقال : بين ظهريهم . # وحكى الفراء قال : قال أعرابي ونحن في حلقة يونس بن حبيب بالبصرة : أين ~~مسكنك فقلت : الكوفة ، فقال لي : يا سبحان الله هذه بنو أسد بين ظهرانيكم ~~وأنت تطلب اللغة بالبصرة قال : فاستفدت من كلامه فائدتين : إحداهما أنه قال ~~: هذه ، ولم يقل : هؤلاء ، لأنه أشار إلى القبيلة فأنث ، والثانية أنه قال ~~: ظهرانيكم بفتح النون ولم يقل بكسرها . # ويحكى أن المغربي وقف على الجنيد فسأله عن قوله تعالى : @QB@ سنقرئك فلا ~~تنسى @QE@ ، فقال : سنقرئك التلاوة فلا تنس العمل به ، ثم سأله عن قوله عز ~~وجل : @QB@ ودرسوا ما فيه @QE@ فقال : تركوا العمل به ، فقال : حرجت أمة ~~أنت بين ظهرانيها لا تفوض أمرها إليك . PageV01P174 # [ 138 ] ويقولون : دخلت الشام ، وهو غلط قبيح وخطأ صريح ، لأن اسم البلد ~~الشأم ، ولفظه مذكر والدليل على هذين الأمرين قول الشاعر : # ( يقولون إن الشأم يقتل أهله % فمن لي إن لم آته بخلود # ويجوز في المنسوب إليه ثلاثة أوجه : شأمي وهو القياس ، وشآمي بياء مخففة ~~مثل ياء المنقوص ، وشآمي وهو شاذ لأنه يصير بمنزلة المنسوب إلى المنسوب ، ~~وكذلك جوز في المنسوب إلى اليمن هذه الأوجه الثلاثة ، وعلى الشاذ منها قول ~~عمر بن أبي ربيعة : # ( إني أتيحت لي يمانية % إحدى بني الحارث من مذحج ) # [ 139 ] ويقولون : قدم الحاج واحدا واحدا ، واثنين اثنين ، وثلاثة ثلاثة ~~، وأربعة أربعة ، والصواب أن يقال في مثله : جاءوا أحاد وثناء وثلاث ورباع ~~، أو يقال : جاؤوا موحد ومثنى ومثلث ومربع ، لأن العرب عدلت بهذه الألفاظ ~~إلى هذه الصيغ لتستغني بها PageV01P175 عن تكرير الاسم ، ويدل معناها على ~~ما يدل مجموع الاسمين عليه ، ولهذا امتنع أن يقولوا للواحد : هذا أحاد ~~وللاثنين : هما مثنى ، ولم يمتنعوا ms092 عن ذلك إلا لزيادة معنى في أحاد على ~~واحد ، وفي ثناء على اثنين . # وفسر قوله تعالى : @QB@ فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ~~@QE@ أي لينكح كل منكم ما طاب له من النساء إن شاء اثنتين اثنتين ، أو ~~ثلاثا ثلاثا ، أو أربعا أربعا وليس انعطاف بعض هذه الأعداد على بعض انعطاف ~~جمع ، وكذلك هي في قوله سبحانه : @QB@ جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى ~~وثلاث ورباع @QE@ . # أي منهم من له جناحان ومن له ثلاثة أجنحة ، ومن له أربعة . # وقد اختلف أهل العربية فيما نطقت به العرب من هذا البناء ، فقال الأكثرون ~~: إنهم لم يتجاوزوا رباع إلا إلى صيغة عشار لا غير ، كما جاء في شعر الكميت ~~: # ( فلم يستر يثوك حتى رميت % فوق النصال خصالا عشارا ) # وروى خلف الأحمر أنهم صاغوا هذا البناء منسقا إلى عشار ، وأنشد عليه ما ~~عزي إلى أنه موضوع فيه : # ( قل لعمرو : يا بن هند % لو رأيت اليوم شنا ) # ( لرأت عيناك منهم % كل ما كنت تمنى ) # ( إذ أتتنا فيلق شهباء % من هنا وهنا ) # ( وأتت دوسر والملحاء % سيرا مطمئنا ) # ومشى القوم إلى القوم % أحادا وأثنى ) PageV01P176 # ( وثلاثا ورباعا % وخماسا فاطعنا ) # ( وسداسا وسباعا % وثمانا فاجتلدنا ) # ( وتساعا وعشارا % فأصبنا وأصبنا ) # ( لا ترى إلا كميا % قاتلا منهم ومنا ) # وقد عيب على أبي الطيب قوله : # ( أحاد أم سداس في أحاد % لييلتنا المنوطة بالتناد ) # ونسب إلى أنه وهم في أربعة مواضع في هذا البيت : أحدها أنه أقام أحاد ~~مقام واحدة ، وسداس مقام ست ، لأنه أراد أليلتنا هذه واحدة أم واحدة في ست ~~والموضع الثاني أنه عدل بلفظة ست إلى سداس وهو مردود عند أكثر أهل اللغة ، ~~الموضع الثالث أنه صغر ليلة على لييلة ، والمسموع في تصغيرها : لييلية ، ~~والرابع أنه ناقض كلامه ، لأنه كنى بتصغير الليلة عن قصرها ، ثم عقب ~~تصغيرها بأن وصفها بالامتداد إلى التناد . PageV01P177 # [ 140 ] ويقولون لما يتعجل من الزروع والثمار : هرف ، وهي من ألفاظ ~~الأنباط ومفاضح الأغلاط ، والصواب أن يقال فيه : بكر ، لأن العرب تقول لكل ~~ما يتقدم على وقته : بكر ، فيقولون ms093 : بكر الحر وبكر البرد وبكرت النخلة ، ~~إذا أثمرت أول ما تثمر النخل فهي بكور ، والثمرة المعجلة باكورة . # ويقولون أيضا في كل شيء يخف فيه فاعله ويعجل إليه : قد بكر إليه ، ولو ~~أنه فعل ذلك آخر النهار أو في أثناء الليل ، والصواب أن يقال : عجل . # قد يستعمل بكر بمعنى عجل ، يدل عليه قول ضمرة ابن ضمرة النهشلي . # ( بكرت تلومك بعد وهن في الدجى % بسل عليك ملامتي وعتابي ) # أراد بقوله : بكرت تلومك أي عجلت ، لا أنه أراد به وقت البكرة لإفصاحه ~~بأنها لامته في الليل . # ونظير استعمالهم لفظة بكر بمعنى عجل استعمالهم لفظة راح بمعنى سارع وخف ، ~~ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : من راح إلى الجمعة في الساعة الأولى فكأنما ~~قرب بدنة ، PageV01P178 أي من خف إليها إذ لا يجوز آتيانها آخر النهار . # [ 141 ] ويقولون عند الحرقة ولذع الحرارة الممضة أخ : بالخاء المعجمة من ~~فوق ، والعرب تنطق بهذه اللفظة بالحاء المغفلة ، وعليه فسر قول عبد الشارق ~~الجهني : # ( فباتوا بالصعيد لهم أحاح % ولو خفت لنا الكلمى سرينا ) # أي بات الكلمى يقولون : أح لما وجدوا من حرق الجراحات ، وحز الكلوم . # وحكي أن الحجاج لما نازله شبيب الخارجي أبرز إليه في بعض أيام محاربته ~~غلاما له ، فألبسه سلاحه المعروف به ، وأركبه فرسه الذي لم يكن يقاتل إلا ~~عليه ، فلما رآه شبيب غمس نفسه في الحرب إلى أن خلص إليه فضربه بعمود كان ~~في يده ، وهو يظنه الحجاج ، فلما أحس الغلأام حرارة الضربة ، قال : أخ ، ~~بالخاء المعجمة ، فعلم شبيب بهذه اللفظة منه أنه عبد ، فانثنى عنه ، وقال : ~~قبحك الله يا بن أم الحجاج . # أتتقي الموت بالعبيد # قال الشيخ الرئيس أبو محمد رحمه الله : ومن العرب من يقول في هذا المعنى ~~: حس ، كما جاء في بعض الأخبار أن طلحة رضي الله عنه لما أصيبت إصبعه يوم ~~أحد ، قال : لولا أن طلحة قال : حس لطار مع الملائكة . # ومن كلامهم : ضرب فلان فما قال : حس ولا بس . # ومنهم من ينونهما ، فأما قولهم : جيء به من حسك وبسك ، فالمراد به ms094 ~~PageV01P179 جيء به من رفقك وصعوبتك لأن الحس الاستقصاء ، والبس الرفق في ~~الحلب . # [ 142 ] ويقولون من التأوه : أوه ، والأفصح أن يقال : أوه ، بكسر الهاء ~~وضمها وفتحها ، والكسر أغلب ، وعليه قول الشاعر : # ( فأوه لذكراها إذا ما ذكرتها % ومن بعد أرض بيننا وسماء ) # وقد قلب بعضهم الواو ألفا فقال : آه ، وشدد بعضهم الواو وأسكن الهاء فقال ~~: أوه . # وفيهم من حذف الهاء وكسر الواو فقال : أو . # وقال آخرون : أواه ، بالمد وغيره ، وتصريف الفعل منها أوه وتأوه ، ~~والمصدر الآهة والأهة ، ومنه قول المثقب العبدي : # ( إذا ما قمت أرحلها بليل % تأوه آهة الرجل الحزين ) # وفسر بعضهم الأواه بأنه الذي يتأوه من الذنوب ، وقيل : هو المتضرع في ~~الدعاء ، وقيل إنه المؤمن الموقن . PageV01P180 # [ 143 ] ويقولون : لقيته لقاة واحدة ، فيخطئون فيه ، لأن العرب تقول : ~~لقيته لقية ولقاءة ولقيانة ، إذا أرادوا به المرة الواحدة ، فإن أرادوا ~~المصدر قالوا : لقيته لقاء ولقيا ولقيانا ولقى على وزن هدى ، وعليه أنشد ~~الكسائي : # ( وإن لقاها في المنام وغيره % وإن لم تجد بالبذل عندي لرابح ) # وأنشدني بعض شيوخنا رحمهم الله لبعض العرب في الشيب : # ( ولولا اتقاء الله ما قلت مرحبا % لأول شيبات طلعن ولا أهلا ) # ( وقد زعموا حلما لقاك ولم أرد % بحمد الذي أعطاك حلما ولا عقلا ) # [ 144 ] ويقولون : فلان يكدف ، بمعنى يستقل ما أعطي ، والصواب فيه يجدف ~~بالجيم ، لأن التجديف في اللغة هو استقلال النعمة وسترها ، وبه فسر : لا ~~تجدفوا بنعم الله تعالى . PageV01P181 # ويماثل هذه اللفظة في إبدال جيمها كافا قولهم لمن يكثر السؤال : مكد ~~وأصله مجد لاشتقاقه من الاجتداء ، وكان الأصل في المجدي المجتدي فأدغمت ~~التاء في الدال ، ثم ألقيت حركة الحرف المدغم على ما قبله ، كما فعل ذلك من ~~قرأ : / < أمن لا يهدي إلا أن يهدى > / ، والأصل فيه يهتدي . # [ 145 ] ويقولون : بالرجل عنة ولا وجه لذلك ، لأن العنة الحظيرة من الخشب ~~، والصواب أن يقال : به عنينة أو عنانة أي تعنين ، وأصله من عن ، أي اعترض ~~، فكأنه يتعرض للنكاح ولا يقدر عليه ، والعرب تسمي العنين السريس كما قال ~~الشاعر : # ( ألا حييت عنا يالميس ms095 % علانية فقد بلغ النسيس ) # ( رغبت إليك كيما تنكحيني % فقلت بأنه رجل سريس ) # ( ولو جربتني في ذاك يوما % رضيت وقلت أنت الدردبيس ) PageV01P182 # [ 146 ] ويقولون لمن يقتبس من الصحف : صحفي ، مقايسة على قولهم في النسب ~~إلى الأنصار : أنصاري ، وإلى الأعراب أعرابي ، والصواب عند النحويين ~~البصريين أن يوقع النسب إلى واحدة الصحف وهي صحيفة ، فيقال : صحفي ، كما ~~يقال في النسب إلى حنيفة : حنفي ، لأنهم لا يرون النسب إلا إلى واحد الجموع ~~، كما يقال في النسب إلى الفرائض : فرضي ، وإلى المقاريض : مقراضي ، اللهم ~~إلا أن يجعل الجمع إسما علما للمنسوب إليه ، فيوقع النسب حينئذ إلى صيغته ، ~~كقولهم في النسب إلى قبيلة هوازن : هوازني ، وإلى حي كلاب : كلابي ، وإلى ~~مدينة الأنبار : أنباري ، وإلى بلدة المدائن مدائني . # فأما قولهم في النسب إلى الأنصار أنصاري فإنه شذ عن أصله والشاذ لا يقاس ~~عليه ، ولا يعتد به . # وأما قولهم في النسب إلى الأعراب : أعرابي فإنهم فعلوا ذلك لإزالة اللبس ~~ونفي الشبهة ، إذ لو قالوا فيه : عربي لاشتبه بالمنسوب إلى العرب ، وبين ~~المنسوبين فرق ظاهر لأن العربي هو المنسوب إلى العرب ، وإن تكلم بلغة العجم ~~، والأعرابي هو النازل بالبادية ، وإن كان عجمي النسب . # [ 147 ] ويقولون في النسب أيضا إلى رامهرمز رامهرمزي ، فينسبون إلى مجموع ~~PageV01P183 الاسمين المركبين ، ووجه الكلام أن ينسب إلى الصدر منهما ، ~~فيقال : رامي ، لأن الاسم الثاني من الاسمين المركبين ينزل منزلة تاء ~~التأنيث التي تقع طارفة ، وتلتحق بعد تمام الكلام ، فوجب لذلك أن تسقط في ~~النسب كما تسقط تاء التأنيث فيه ، وعلى هذه القضية قيل في النسب إلى ~~أذربيجان : أذري ، كما جاء في حديث أبي بكر رضي الله عنه ، قال : لتأملن ~~النوم على الصوف الأذري كما يألم أحدكم النوم على حسك السعدان . # وقد رواه بعضهم الأذربي ، والصحيح الأول . # وأجاز أبو حاتم السجستاني أن ينسب إلى الاسمين جميعا ، واحتج فيه بقول ~~الشاعر : # ( تزوجتها رامية هرمزية % بفضل الذي أعطى الأمير من الورق ) # ولم يطابقه على هذا القول غيره بل منع سائر النحويين منه لئلا تجتمع ~~علامتا النسب في الاسم ms096 المنسوب ، وحملوا البيت الذي احتج به على الشذوذ . # واعتراض الشاذ لا ينقض مباني الأصول ، نعم وعندهم أنه متى وقع لبس في ~~النسب إلى الاسم المركب لم ينسب إليه ، ولهذه العلة منعوا من النسب إلى أحد ~~عشر ونظائره إذ لا يجوز النسب إلى مجموع الاسمين فيقال : أحد عشري ، كما ~~تقول العامة في النسب إلى الثوب الذي طوله أحد عشر شبرا ، ولا يجوز أن ينسب ~~إلى أوله لاشتباهه PageV01P184 بالنسب إلى أحد ، ولا إلى الثاني لاشتباهه ~~بالنسب إلى عشر ، فامتنع النسب إليه من كل وجه . # ونظير هذا الوهم منهم ، أنهم ينسبون إلى مجموع الاسمين المضافين فيقولون ~~في النسب إلى تاج الملك ونظائره : التاجملكي ، وقياس كلام العرب أن ينسب ~~إلى الأول منهما ، فيقال : التاجي كما قالوا في النسب إلى تيم اللات : تيمي ~~وإلى سعد العشيرة : سعدي ، اللهم إلا أن يعترض لبس في المنسوب فينسب إلى ~~الثاني ، كما قالوا في النسب إلى عبد مناف : منافي ، ولم يقولوا عبدي لئلا ~~يلتبس بالمنسوب إلى عبد القيس ، وقالوا في النسب إلى أبي بكر : بكري ، ~~لأنهم لو قالوا : أبوي لاستبهم المنسوب إليه ، وقد سلكوا في هذا النوع ~~أسلوبا آخر ، فركبوا من حروف الاسمين اسما على وزن جعفر ، ونسبوا إليه ، ~~وأكثر ما استعملوا ذلك فيما أوله عبد ، فقالوا في النسب إلى عبد شمس : ~~عبشمي ، وإلى عبد الدار عبدري وإلى عبد القيس : عبقسي ، وكل ذلك مما يقصر ~~على السماع ، ولم يقصد به إلا الرياضة في تصريف الكلام . # [ 148 ] ويقولون لما يغسل به الرأس : غسلة بفتح الغين ، فيخطئون فيه لأن ~~الغسلة بالفتح كناية عن المرة الواحدة من الغسل ، فأما الغسول فهو الغسلة ~~بكسر الغين ، وعليه قول علقمة ابن عبدة : # ( كأن غسلة خطمي بمشفرها % في الخد منها وفي اللحيين تلغيم ) # وأما الغسل فمصدر غسلت والاسم منه الغسل بضم الغين ، وأما PageV01P185 ~~الغسلين فهو ما يسيل من صديد أهل النار . # وذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : كل ما في القرآن قد علمته إلا ~~أربعة أحرف : لا أدري ما الأواه ، والحنان - مخففة - والغسلين ms097 ، والرقيم ، ~~وقد فسرها غيره ، فقال : الحنان الرحمة ، ومنه قولهم : حنانيك ، أي رحمة ~~منك بعد رحمة ، وقالوا : ألأواه الكثير التأوه من الذنوب . # وقيل إنه المتضرع في الدعاء ، وقيل فيه : إنه المؤمن الموقن ، وفسر ~~الغسلين على ما بيناه . # وقيل في الرقيم إنه القرية التي خرج منها أهل الكهف ، وقيل : بل هو اسم ~~الكلب ، وقيل : بل هو الوادي الذي فيه أهل الكهف . # وذكر الفراء أنه لوح من رصاص ، كتب فيه أسماؤهم وأنسابهم . # [ 149 ] ويقولون : دابة لا تردف ، ووجه القول : لا ترادف ، أي لا تقبل ~~المرادفة ، لأن مبنى المفاعلة على الاشتراك في الفعل ، فهو بهذا الكلام ~~أليق وبالمعنى المراد أعلق ، والعرب تقول : ترادفت الأشياء ، إذا تتابعت ، ~~وأهل المعرفة بالقوافي يسمون الشعر الذي تتوالى الحركة في قافيته المترادف ~~. # ويقال : ردفت زيدا ، أي ركبت خلفه ، PageV01P186 ورادفته ، أي أركبته ~~ورائي ، وإنما سمي الردف ردفا لمجاورته الردف ، وهو العجز ، ويقال أيضا : ~~جمل مرداف ، أي عليه رديف ، وقرئ في التنزيل : @QB@ بألف من الملائكة ~~مردفين @QE@ بكسر الدال وفتحها ، فمن كسرها أراد به متتالين في العدد ، ومن ~~فتحها أراد أنهم أردفوا بغيرهم من المدد . # [ 150 ] ويقولون : مطرد ومبرد ومبضع ومنجل ، كما يقولون : مقرعة ، ومقنعة ~~، ومنطقة ، ومطرقة ، فيفتحون الميم من جميع هذه الأسماء وهو من أقبح ~~الأوهام وأشنغ معايب الكلام ، لأن كل ما جاء على وزن مفعل ومفعلة من الآلات ~~المستعملة المتداولة فهو بكسر الميم كالأسماء المذكورة ونظائرها ، وعليه ~~قول الفرزدق في مرثية سائس : # ( ليبك أبا الخنساء بغل وبغلة % ومخلاة سوء قد أضيع شعيرها ) PageV01P187 # ( ومجرفة مطروحة ومحسة % ومقرعة صفراء بال سيورها ) # وإنما كسر الميم من محسة لأن الأصل فيها محسسة ، فأدغم أحد الحرفين ~~المتماثلين في الآخر وشدده ، والمشدد يقوم مقام حرفين كما فعل في نظائرها ، ~~مثل محفة ومخدة ومظلة ومسلة . # من وهمهم أيضا في هذا النوع قولهم لما يروح به : مروحة بفتح الميم ، ~~والصواب كسرها . # وأخبرني أبو القاسم الحسين بن محمد التميمي المعروف بالباقلاوي قراءة ~~عليه ، قال : أخبرنا أبو عمرو الهزاني عن عمه أبي روق عن الرياشي عن ~~الأصمعي قال : قال أبو ms098 عمرو بن العلاء : بلغنا أن عمر رضي الله عنه كان ~~ينشد في طريق مكة : # ( كأن راكبها غصن بمروحة % إذا تدلت به أو شارب ثمل ) # ثم قال لنا أبو عمرو : المروحة بفتح الميم : الموضع الكثير الريح ، ~~والمروحة بالكسر ما يتروح به . # وهذا الذي أصله أهل اللغة من كسر الميم في أوائل أسماء الآلات المتناقلة ~~المصوغة على مفعل ومفعلة ، هو عندهم كالقضية الملتزمة والسنة المحكمة ، إلا ~~أنهم أشذوا أحرفا يسيرة منه ، ففتحوا الميم من منقبة البيطار ، وضموها في ~~مدهن ومسعط ومنخل ومنصل ومكحل ومدق ، وقيل فيه مدق بالكسر على الأصل ، ~~PageV01P188 ونطقوا في مسقاة ومرقاة ومطهرة بالكسر ، قياسا على الأصل ، ~~وبالفتح لكونها مما لا يتناقل باليد . # [ 151 ] - ويقولون : اعمل بحسب ذلك بإسكان السين ، والصواب فتحها لتطابق ~~معنى الكلام ، لأن الحسب بفتح السين هو الشيء المحسوب المماثل معنى المثل ~~والقدر ، وهو المقصود في هذا الكلام ، فأما الحسب . # بإسكان السين ، فهو الكفاية ، ومنه قوله تعالى : @QB@ عطاء حسابا @QE@ أي ~~كافيا ، وليس المقصود به هذا المعنى وإنما المراد : اعمل على قدر ذلك . # ويناسب هاتين اللفظتين في اختلاف معنييهما باختلاف هيئة أوسطهما قولهم : ~~الغبن والغبن ، والميل والميل ، والوسط والوسط ، والقبض والقبض والخلف ~~والخلف ، وبين كل لفظتين من هذه الألفاظ المتجانسة فرق يمتاز معناها فيه ~~بحسب إسكان وسطها وفتحه ، فالغبن بإسكان الباء يكون في المال ، وبالفتحة ~~يقع في العقل والرأي ، والميل بإسكان الياء من القلب واللسان وبفتحها يقع ~~فيما يدركه العيان ، والوسط بالسكون ظرف مكان يحل محل لفظة بين ، وبه يعتبر ~~، والوسط بفتح السين : اسم يتعاقب عليه الإعراب ، ولهذا مثل النحويون ، ~~فقالوا : يقال : وسط رأسه دهن . # ووسط رأسه صلب ، والقبض بإسكان الباء مصدر قبض وبفتحها اسم الشيء المقبوض ~~، وأما الخلف والخلف PageV01P189 فعند أكثر أهل اللغة أن الخلف بإسكان ~~اللام يكون من الطالحين ، وبفتحها من الصالحين . # وأنشدت لأبي القاسم الآمدي في مرثية غرة خلف عرة : # ( خلفت خلفا ولم تدع خلفا % ليت بهم كان لا بك التلف ) # وقيل فيهما : إنهما يتداخلان في المعنى ، ويشتركان في صفة المدح والذم ، ~~فيقال : خلف صدق ms099 وخلف سوء ، وخلف صدق وخلف سوء ، والشاهد عليه قول المغيرة ~~ابن حبناء التميمي : # ( فنعم الخلف كان أبوك فينا % وبئس الخلف خلف أبيك فينا ) # وقال بعضهم : إن الخلف بفتح اللام من يخلف في أثر من مضى ، والخلف بإسكان ~~اللام اسم لكل قرن مستخلف ، وعليه فسر قوله تعالى : @QB@ فخلف من بعدهم خلف ~~أضاعوا الصلاة @QE@ وعليه يؤول قول لبيد : # ( وبقيت في خلف كجلد الأجرب % ) # يعني به القرن الذي عاصره آخر عمره . # وحكى أبو بكر بن دريد ، قال : سمعت الرياشي يفصل بين قولهم : أصابه سهم ~~غرب بفتح الراء ، وغرب بإسكان الراء ، وقال : المعنى في الفتحة أنه لم يدر ~~من رماه ، وفي الإسكان أنه رمي غيره فأصابه ، ولم يميز بين معنى اللفظتين ~~سواه . PageV01P190 # [ 152 ] - ويقولون : قد كثرت عيلة فلان ، إشارة إلى عياله ، فيخطئون فيه ~~، لأن العيلة هي الفقر ، بدليل قوله تعالى : @QB@ وإن خفتم عيلة فسوف ~~يغنيكم الله من فضله @QE@ وتصريف الفعل منها عال يعيل فهو عائل ، والجمع ~~عالة ، وجاء في التنزيل : @QB@ ووجدك عائلا فأغنى @QE@ وفي الحديث : لأن ~~تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس . # فأما الذين يعالون فهم عيال ، واحدهم عيل ، كما أن واحد جياد جيد ، وقد ~~جمع عيال على عيائل ، كما قيل : ركاب وركائب . # ويقال لمن كثر عياله : أعال فهو معيل ، وقد عالهم يعولهم ، ومنه الخبر : ~~ابدأ بنفسك ثم بمن تعول . # وفي كلام بعض العرب : والله لقد علت حتى علت ، أي منت عيالي حتى افتقرت . # وقد يقال : عال يعول إذا جار ، وأما قوله تعالى : @QB@ ذلك أدنى ألا ~~تعولوا @QE@ فمعناه : ألا تجوروا ، ومنه قول بعض العرب لحاكم حكم عليه بما ~~لم يوافقه : والله لقد علت علي في الحكم . # ومن ذهب في تفسير الآية إلى أن معنى تعولوا يكثر من تعولون ، فقد وهم فيه ~~. # وأما قوله صلى الله عليه وسلم : وإن من القول . . . . . . . PageV01P191 ~~عيالا ، فمعناه إن من الحديث ما يستثقل السامع أن يعرض عليه ويستشق الإنصات ~~إليه . # [ 153 ] ويقولون : فلان في رفهة ، والمسموع عن العرب في رفاهة ورفاهية ، ~~كما قالوا : طماعة وطماعية ، وكراهة ms100 وكراهية . # وقد قيل فيها : رفهنية ، كما قالوا : بلهنية ، واشتقاق لفظ الرفاهية من ~~الرفه ، وهو أن تورد الإبل كلما شاءت كل يوم ، فكأنهم قصدوا بها التوسع ، ~~فأما الرفة فهي أصل لفظة الرفة التي هي دقاق التبن في لغة من قالها بتخفيف ~~الفاء ، فهي تجري مجرى شفة التي أصلها شفهة ، وقد حذفت إحدى الهائين منها ، ~~بدليل تصغيرها على شفيهة . # ويقال في المثل : فلان أغنى من التفة عن الرفة ، PageV01P192 والمراد ~~بالتفة عناق الأرض لأنها تقتات اللحم وتستغني عن دقاق التبن . # وقد شدد بعضهم الفاء من التفة وجعل أصلها التففة ، ثم أدغم إحدى الفائين ~~في الأخرى كما يفعل ذلك في الحرفين المتماثلين الواقعين في الأسماء المضعفة ~~. # [ 154 ] ويقولون لرضيع الإنسان : قد ارتضع بلبنه ، وصوابه ارتضع بلبانه ، ~~لأن اللبن هو المشروب واللبان هو مصدر لابنه ، أي شاركه في شرب اللبن ، ~~وهذا هو معنى كلامهم الذي نحوا إليه ، ولفظوا به ، وإليه أشار الأعشى في ~~قوله في صفة النار : # ( تشب لمقرورين يصطليانها % وبات على النار الندى والمحلق ) # ( رضيعي لبان ثدي أم تقاسما % بأسحم داج عوض لا نتفرق ) # يعني أن المحلق الممدوح والندى ارتضعا ثدي أم ، تحالفا على أنهما لا ~~يتفرقان أبدا ، لأن عوض من أسماء الدهر وهو مما يبنى على الضم والفتح ، ~~وعنى بالأسحم الداجي ظلمة الرحم المشار إليها في قوله تعالى : @QB@ يخلقكم ~~في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث @QE@ . # وقيل : بل عنى به الليل ، وعلى كلا هذين التفسيرين فمعنى تقاسما فيهما ، ~~أي تحالفا ، وقد قيل : إن المراد بلفظة تقاسما اقتسما ، وأن المراد بالأسحم ~~الداجي الدم ، وقيل : بل المراد بالأسحم اللبن لاعتراض السمرة فيه ، ~~وبالداجي الدائم . # وحكى ابن نصر الكاتب في كتاب المفاوضة ، قال : دخل على أبي العباس بن ~~ماسرجس رجل نصراني ، ومعه فتى من أهل ملته حسن الوجه ، فقال له أبو العباس ~~: من PageV01P193 هذا الفتى قال : بعض إخواني ، فأنشد أبو العباس : # ( دعتني أخاها أم عمرو ولم أكن % أخاها ولم أرضع لها بلبان ) # ( دعتني أخاها بعدما كان بيننا % من الأمر ما لا يصنع الأخوان ms101 ) # [ 155 ] ويقولون : لدغته العقرب ، والاختيار أن يقال لكل ما يضرب بمؤخره ~~كالزنبور والعقرب : لسع ، ولما يقبض بأسنانه كالكلب والسباع : نهش ، ولما ~~يضرب بفيه كالحية : لدغ ، ومنه قول بعض الرجاز : # ( إن العجوز حين شاب صدغها % كالحية الصماء طال لدغها ) PageV01P194 # [ 156 ] ويقولون : الحمد لله الذي كان كذا وكذا . # فيحذفون الضمير العائد إلى اسم الله تعالى الذي به يتم الكلام ، وتنعقد ~~الجملة ، وتنتظم الفائدة ، والصواب أن يقال : الحمد لله ، إذ كان كذا وكذا ~~منه ، أو يقال : الحمد لله الذي كان كذا وكذا بلطفه أو بعونه أو من فضله ، ~~وما أشبه ذلك ، مما يتم الكلام المبتور ، ويربط الصلة بالموصول . # وفي نوادر النحويين أن رجلا قرع الباب على رجل نحوي فقال له : من أنت قال ~~: الذي اشتريتم الآجر ، فقال له : أمنه قال لا : قال : أله قال : لا ، قال ~~: اذهب ، فمالك في صلة الذي شيء . # وقد شبه الصاحب أبو القاسم بن عباد الرقيب والمحبوب بالذي وصلته ، فقال ~~وأبدع : PageV01P195 # ( ومهفهف ذي وجنة كالجنبذ % وسهام لحظ كالسهام النقذ ) # ( قد نلت منه مراد قلبي في الهوى % وملكته لو لم يكن صلة الذي ) # [ 157 ] ويقولون : فلان شحاث بالثاء المعجمة بثلاث من فوق ، والصواب فيه ~~شحاذ بالذال المعجمة ، لاشتقاق هذا الاسم من قولك : شحذت السيف ، إذا بالغت ~~في إحداده ، فكأن الشحاذ الملح في المسألة والمبالغ في طلب الصدقة . # [ 158 ] ويقولون لما يخرج من الكرش : الفرث ، فيوهمون فيه ، لأنه يسمى ~~فرثا ما دام في الكرش ، بدليل قوله تعالى : @QB@ من بين فرث ودم @QE@ فإذا ~~لفظ منها سمي السرجين . # ومن أمثال العرب فيمن يحفظ الحقير ويضيع الجليل : يحفظ الفرث ، ويفسد ~~الحرث . # [ 159 ] ويقولون : جبة خلقة ، فيوهمون فيه لأن العرب ساوت فيه بين نعت ~~المذكر والمؤنث فقالت : ملحفة خلق ، كما قالت : ثوب خلق ، وبين بعضهم العلة ~~فيه ، فقال : كان أصل الكلام : أعطني خلق جبتك ، فلما افرد من الإضافة بقي ~~على ما كان PageV01P196 عليه ، وكذلك يقال : جبتان خلقان ، ولا يقال : ~~خلقتان وأنشد ثعلب شاهدا عليه لأبي العالية : # ( كفى حزنا أني تطاللت كي أرى % ذرى قلتي دمخ ms102 فما تريان ) # يقال : تطاول ، إذا مد قامته ، وتطالل إذا مد عنقه ، مأخوذ من الطلل وهو ~~الشخص # ( كأنهما والآل يجري عليهما % من البعد عينا برقع خلقان ) # [ 160 ] ويقولون ثلاثة شهور وسبعة بحور ، والاختيار أن يقال : ثلاثة أشهر ~~وسبعة أبحر ، ليتناسب نظم الكلام ، ويتطابق العدد والمعدود ، كما جاء في ~~القرآن : @QB@ فسيحوا في الأرض أربعة أشهر @QE@ وفيه أيضا : @QB@ والبحر ~~يمده من بعده سبعة أبحر @QE@ ، والعلة في هذا الاختيار أن العدد من الثلاثة ~~إلى العشرة وضع للقلة ، فكانت إضافته إلى مثال الجمع القليل المشاكل له ~~أليق به ، وأشبه بالملاءمة له . PageV01P197 # وأمثلة الجمع القليل أربعة : أفعال ، كما قال سبحانه : @QB@ فصيام ثلاثة ~~أيام @QE@ ، وأفعل : كما ورد في التنزيل أيضا @QB@ سبعة أبحر @QE@ ، وأفعلة ~~: كقولك : تسعة أحمرة وفعلة ، كقولك : عشرة غلمة . # وهذا الاختيار في إضافة العدد إلى جمع القلة مطرد في هذا الباب ، اللهم ~~إلا أن يكون المعدود مما لم يبن له جمع قلة ، فيضاف إلى ما صيغ له من الجمع ~~على تقدير إضمار من البعضية فيه ، كقولك : عندي ثلاثة دراهم ، وصليت في ~~عشرة مساجد ، أي ثلاثة من دراهم وعشرة من مساجد . # ولسائل أن يعترض بقوله تعالى : @QB@ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ~~@QE@ فيقول : كيف أضاف الثلاثة إلى قروء ، وهي جمع الكثرة ، ولم يضفها إلى ~~الأقراء التي هي جمع القلة . # والجواب عنه أن المعنى في قوله تعالى : @QB@ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ~~ثلاثة قروء @QE@ أي ليتربص كل واحدة من المطلقات ثلاثة أقراء ، فلما أسند ~~إلى جماعتهن ثلاثة ، والواجب على كل واحدة منهن ثلاثة ، أتى بلفظة قروء ، ~~لتدل على الكثرة والمرادة والمعنى الملموح . # [ 161 ] ويقولون للعليل : هو معلول ، فيخطئون فيه لأن المعلول هو الذي ~~سقي PageV01P198 العلل ، وهوالشرب الثاني ، والفعل منه عللته ، فأما ~~المفعول من العلة فهو معل ، وقد أعله الله تعالى . # ونظيره قولهم : أعطني على المقلول كذا وكذا ، يعنون بالمقلول القل أو ~~القلة ، ولا وجه لهذا الكلام البتة ، لأن المقلول في اللغة هو الذي ضربت ~~قلته ، وهي أعلاه ، كما يكنى في المعاريض عمن ضربت ركبته بالمركوب ، وعمن ~~قطع سرره بالمسرور ، وعمن قطع ms103 ذكره بالمذكور . # ومن الأحاجي بأبيات المعاني : # ( نسرهم إن هم أقبلوا % وإن أدبروا فهم من نسب ) # أي نطعنهم إذا أقبلوا في السرة وإذا أدبروا في السبة ، وهي الإست . # ومن هذا النوع قول الشاعر : # ( ذكرت أبا عمرو فمات مكانه % فيا عجبا هل يهلك المرء من ذكر ) # ( وزرت عليا بعده فرأيته % ففارق دنياه ومات على صبر ) # عنى بذكرت قطعت ذكره ، وبقوله : رأيته قطعت رئته . # [ 162 ] ويقولون في مثله : مالي فيه منفوع ولا منفعة ، فيغلطون فيه ، لأن ~~المنفوع PageV01P199 من أوصل إليه النفع ، والصواب أن يقال : ما لي فيه نفع ~~ولا منفعة ، فإن توهم متوهم أنه مما جاء على المصدر ، فقد وهم فيه ، لأنه ~~لم يجئ من المصادر على وزن مفعول إلا أسماء قليلة ، وهي الميسور والمعسور ، ~~بمعنى اليسر والعسر . # وقولهم : ما له معقول ولا مجلود ، أي ليس له عقل ولا جلد ، وقولهم : حلف ~~محلوفا ، وقد ألحق به قوم المفتون ، واحتجوا بقوله تعالى : @QB@ بأيكم ~~المفتون @QE@ أي الفتون ، وقيل : بل هو مفعول ، والباء زائدة وتقديره : ~~أيكم المفتون . # [ 163 ] ويقولون للمريض : به سل ، ووجه القول أن يقال : به سلال ، بضم ~~السين ، لأن معظم الأدواء جاء على فعال ، نحو الزكام والصداع والفواق ~~والسعال . # [ 164 ] ويقولون : حلا الشيء في صدري وبعيني فيخطئون فيه لأن العرب تقول ~~: حلا في فمي ، وحلي في عيني ، وليس الثاني من نوع الأول بل هو من الحلي ~~الملبوس ، فكان المعنى : حسن في عيني كحسن الحلي الملبوس ، فهو من ذوات ~~الياء ، والأول من ذوات الواو إلا أن المصدر منهما جميعا الحلاوة ، والاسم ~~منهما حلو . # ولا يجوز أن يقال : حال ، لأن الحالي ، هو الذي عليه الحلي ، وهو ضد ~~العاطل . PageV01P200 # [ 165 ] ويقولون في جمع مرآة : مرايا ، فيوهمون فيه كما وهم بعض المحدثين ~~حين قال : # ( قلت لما سترت لحيته % بعض البلايا ) # ( فتن زالت ولكن % بقيت منها بقايا ) # ( فهب اللحية غطت % منه خدا كالمرايا ) # ( من لعينيه التي تقسم % في الخلق المنايا ) # والصواب أن يقال فيها : مراء على وزن مراع ، فأما مرايا فهي جمع ناقة مري ~~وهي التي تدر إذا مري ms104 ضرعها ، وقد جمعت على أصلها الذي هو مرية ، وإنما ~~حذفت الهاء منها عند إفرادها لكونها صفة ، لا يشاركها المذكر فيها . # [ 166 ] ويقولون لفم المزادة : عزلة ، وهي في كلام العرب عزلاء ، وجمعها ~~عزالي ، ومنه قول الشاعر : PageV01P201 # ( سقاها من الوسمي كل مجلجل % سكوب العزالي صادق البرق والرعد ) # فأما قول الأعرابي في خبر الاستسقاء : # ( دفاق العزائل جم البعاق % أغاث به الله عليا مضر ) # فإنه جاء على القلب كما جاء في التنزيل : @QB@ على شفا جرف هار @QE@ ، أي ~~هائر ، فأخر القلب . # [ 167 ] ويقولون : جاء القوم بأجمعهم ، لتوهمهم أنه أجمع ، الذي يؤكد به ~~في مثل قولهم : هو لك أجمع ، والاختيار أن يقال : جاء القوم بأجمعهم بضم ~~الميم لأنه مجموع جمع ، فكان على أفعل ، كما يقال : فرخ وأفرخ وعبد وأعبد . # ويدل على ذلك أيضا إضافته إلى الضمير وإدخال حرف الجار عليه ، وأجمع ~~الموضوع للتوكيد لا يضاف ولا يدخل عليه الجار بحال . # ونظير أجمع قولهم في المثل المضروب لمن كان في خصب ثم صار إلى أمرع منه : ~~وقع الربيع على أربع ، يعنى بأربع جمع ربيع . # [ 168 ] ويقولون لمن انقطعت حجته : مقطع ، بفتح الطاء ، والصواب أن يقال ~~PageV01P202 بكسرها ، لأن العرب تقول للمحجوج : أقطع الرجل فهو مقطع وأما ~~المقطع بفتح الطاء فيقع على العنين وعلى من أقطع قطيعة ، وعلى المحروم دون ~~نظرائه ، ويقال : رجل مقطوع به ، إذا قطع عليه الطريق ، ومنقطع به ، إذا ~~عجز عن السفر . # وحكى المدائني قال : دخلت على صديق لي ، وعنده رجل ، فقلت : من هذا فقال ~~منقطع إلي وأنا منقطع به . # ونظير تحريفهم في المقطع قولهم : جاءوا كالجراد المشعل بفتح العين . # والعرب تقول : جاءوا كالجراد المشعل ، بكسره العين ، ومعنى المشعل ~~المنتشر ، ومنه قولهم : كتيبة مشعلة أي متفرقة . # وإلى هذا ذهب جرير بقوله فيما يهجو به الأخطل : # ( أفبالصليب وماء رجس تبتغي % شهباء ذات مناكب جمهورا ) # ( عاينت مشعلة الرعال كأنها % طير يحاول في شمام وكورا ) PageV01P203 # [ 169 ] ويقولون : كلمت فلانا فاختلط ، أي اختل رأيه وثار غضبه ، فيحرفون ~~فيه ، لأن القول فاحتلط بالحاء المغفلة لاشتقاقه من الاحتلاط ، وهو الغضب ، ~~ومنه المثل ms105 المضروب : إن أول العي الاحتلاط ، وأسوأ القول الإفراط . # [ 170 ] ويقولون في الكناية عن العربي والعجمي : الأسود والأبيض ، والعرب ~~تقول فيهما : الأسود والأحمر ، تعني العرب والعجم لأن الغالب على ألوان ~~العرب الأدمة والسمرة ، والغالب على ألوان العجم البياض والحمرة ، والعرب ~~تسمي البيضاء حمراء كما تسمي السوداء خضراء . # وفي الأخبار المأثورة أنه صلى الله عليه وسلم كان يسمي عائشة رضي الله ~~عنها الحميراء . # وأما قولهم : الحسن أحمر ، فمعناه أنه لا يكتسب ما فيه الجمال إلا بتحمل ~~مشقة يحمار منها الوجه كما قالوا للسنة المجدبة : حمراء ، وكنوا عن الأمر ~~المستصعب بالموت الأحمر ، وأما قول الشاعر : # ( هجان عليها حمرة في بياضها % تروق به العينان والحسن أحمر ) ~~PageV01P204 # فإنه عنى به أن الحسن في حمرة اللون مع البياض دون غيره من الألوان . # [ 171 ] ويقولون للمعرس : قد بنى بأهله ، ووجه الكلام بنى على أهله ، ~~والأصل فيه أن الرجل كان إذا أراد أن يدخل على عرسه بنى عليها قبة ، فقيل ~~لكل من عرس : بان ، وعليه فسر أكثرهم قول الشاعر : # ( ألا يا من لذا البرق اليماني % يلوح كأنه مصباح بان ) # وقالوا : إنه شبه لمعان البرق بمصباح الباني على أهله ، لأنه لا يطفأ تلك ~~الليلة ، على أن بعضهم قال : عنى بالبان الضرب من الشجر ، فشبه سنا برقه ~~بضياء المصباح المتقد بدهنه . # ويجانس هذا الوهم قولهم للجالس بفناء بابه : جلس على بابه ، والصواب فيه ~~أن PageV01P205 يقال : جلس ببابه ، لئلا يتوهم السامع أن المراد به : ~~استعلى على الباب وجلس فوقه . # قال الشيخ الرئيس أبو محمد رحمه الله : وقد أذكرني ما أوردته نادرة تليق ~~بهذا الموطن ، حكاها لي الشريف أبو الحسن النسابة المعروف بالصوفي رحمه ~~الله ، قال : اجتاز البستي بابن البواب وهو جالس على عتبة بابه ، فقال : ~~أظن الأستاذ يقصد حفظ النسب ، بالجلوس على العتب . # ومما يوهمون فيه أيضا : قولهم : خرج عليه خراج ووجه القول أن يقال : خرج ~~به . # وكذلك يقولون : رميت بالقوس ، والصواب أن يقال : رميت عن القوس أو على ~~القوس ، كما قال الراجز : # ( أرمي عليها وهي فرع أجمع % وهي ثلاث أذرع ms106 وإصبع ) # فإن قيل : هلا أجزتم أن تكون الباء في هذا الموطن قائمة مقام عن أو على ، ~~كما جاءت بمعنى عن في قوله سبحانه وتعالى : @QB@ سأل سائل بعذاب واقع @QE@ ~~وبمعنى على في قوله تعالى : @QB@ وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها ~~@QE@ . # فالجواب عنه أن إقامة بعض حروف الجر مقام بعض إنما جوز في المواطن التي ~~ينتفي فيها اللبس ولا يستحيل المعنى الذي صيغ له اللفظ . # ولو قيل هاهنا : رمى بالقوس لدل ظاهر الكلام على أنه نبذها من يده ، وهو ~~ضد المراد بلفظه : فلهذا لم يجز التأول للباء فيه . # [ 172 ] ويقولون حتي ، فيميلونها مقايسة على إمالة متى ، فيخطئون فيه لأن ~~PageV01P206 متى إسم وحتى حرف ، وحكم الحروف ألا تمال ، كما لم يميلوا إلا ~~وإما ولكن وعلى ونظائرها ، ولم يشذ من هذا الأصل إلا ثلاثة أحرف أميلت لعلل ~~فيها ، وهي : يا ، وبلى ولا ، في قولهم : افعل هذا إما لا ، والعلة في يا ~~أنها نابت عن الفعل الذي هو أنادي ، وفي بلى أنها قامت بنفسها واستقامت ~~بذاتها ، وفي إما لا أن هذه الكلمة على الحقيقة ثلاثة أحرف وهي إن وما ولا ~~، جعلت كالشيء الواحد ، وصارت الألف في آخرها شبيهة بألف حبارى ، فأميلت ~~كإمالتها . # ومعنى قولهم : افعل هذا إما لا ، أي : إن لا تفعل كذا فافعل كذا . # ومن وهمهم أيضا في الإمالة أنهم يقولون : هذه بكسر الهاء الأولى ، ~~والأفصح أن تفخم الهاء ولا تمال . # وحكي أن أعرابية سمعت بنيا لها يقول : هذه الناقة ، فزجرته ، وقالت له : ~~أتقول هذه ألا قلت : هذه # [ 173 ] ويقولون : قتله شر قتلة ، بفتح القاف ، والصواب كسرها ، لأن ~~المراد به الإخبار عن هيئة القتلة التي صيغ مثالها على فعلة ، بكسر الفاء ، ~~كقولك : ركب ركبة PageV01P207 أنيقة ، وقعد قعدة ركينة ، ومنه المثل ~~المضروب في الحاذق : ( إن العوان لا تعلم الخمرة ) من الاختمار . # ومن شواهد حكمة العرب في تصريف كلامها أنها جعلت فعلة بفتح الفاء كناية ~~عن المرة الواحدة ، وبكسرها كناية عن الهيئة ، وبضمها كناية عن القدر لتدل ~~كل صيغة على معنى تختص به ، وتمتنع من ms107 المشاركة فيه . # وقرئ : @QB@ إلا من اغترف غرفة بيده @QE@ ، بفتح الغين وضمها ، فمن قرأها ~~بالفتحة أراد بها المرة الواحدة فيكون قد حذف المفعول به الذي تقديره : إلا ~~من اغترف ماء مرة واحدة ، ومن قرأها بالضم أراد بها مقدار ملء الراحة من ~~الماء . # [ 174 ] ويقولون : هذا واحد اثنان ثلاثة أربعة . # فيعربون أسماء الأعداد المرسلة ، والصواب أن تبنى على السكون في حالة ~~العدد ، فيقال : واحد بسكون الدال ، وكذلك اثنان ثلاثة أربعة ، وكذلك حكم ~~نظائره اللهم إلا أن توصف أو يعطف بعضها على بعض ، PageV01P208 فتعرب حينئذ ~~بالوصف كقولك : تسعة أكثر من ثمانية ، وثلاثة نصف الستة ، والعطف كقولك : ~~واحد واثنان وثلاثة وأربعة ، لأنها بالصفة وبالعطف صارت متمكنة ، فاستحقت ~~الإعراب ، وعلى هذا الحكم تجرى أسماء حروف الهجاء ، فتبنى على السكون إذا ~~تليت مقطعة ولم يخبر عنها ، كما قال تعالى : @QB@ كهيعص @QE@ و @QB@ حم ~~@QE@ و @QB@ عسق @QE@ ، وتعرب إذا عطف بعضها على بعض ، كما حكى الأصمعي قال ~~: أنشدني عيسى بن عمر بيتا هجا به النحويين قال : # ( إذا اجتمعوا على ألف وباء % وتاء ، هاج بينهم قتال ) # فإن عورض ذلك بفتح الميم من قوله تعالى في مفتتح سورة آل عمران @QB@ الم ~~الله لا إله إلا هو @QE@ ، فالجواب عنه أن أصل الميم السكون ، وإنما فتحت ~~لالتقاء الساكنين وهما الميم واللام من اسم الله تعالى . # وكان القياس أن تكسر على ما يوجبه PageV01P209 التقاء الساكنين ، إلا ~~أنهم كرهوا الكسر لئلا يجتمع في الكلمة كسرتان بينهما ياء هي أصل الكسرة ، ~~فتثقل الكلمة . # فلذلك عدل إلى الفتحة التي هي أخف كما بني لهذه العلة كيف ، وأين ، على ~~الفتح . # [ 175 ] ويقولون : ما أحسن لبس الفرس إشارة إلى تجفافها ، فيضمون اللام ~~من لبس ، والصواب كسرها ، كما يقال لكسوة البيت : لبس ، ولغشاء الهودج : ~~لبس ، ومنه قول حميد بن ثور . # ( فلما كشفن اللبس عنه مسحنه % بأطراف طفل زان غيلا موشما ) # [ 176 ] ويقولون : مائة ونيف ، بإسكان الياء ، والصواب أن يقال : نيف ~~بتشديدها ، وهو مشتق من قولهم : أناف ينيف على الشيء إذا أشرف عليه فكأنه ~~لما زاد على المائة صار بمثابة المشرف ms108 عليها ، ومنه قول الشاعر : # ( حللت برابية ، رأسها % على كل رابية نيف ) # وقد اختلف في مقدار النيف ، فذكر أبو زيد أنه ما بين العقدين وقال غيره : ~~هو من الواحد إلى الثلاثة . # فأما البضع فأكثر ما يستعمل فيما بين الثلاث إلى العشر . # وقيل : بل هو دون PageV01P210 نصف العقد ، وقد أثر القول الأول إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم في تفسير قوله تعالى : @QB@ وهم من بعد غلبهم سيغلبون ~~في بضع سنين @QE@ وذلك أن المسلمين كانوا يحبون أن تظهر الروم على فارس ، ~~لأنهم أهل كتاب ، وكان المشركون يميلون إلى أهل فارس لأنهم أهل أوثان ، ~~فلما بشر الله تعالى المسلمين بأن الروم سيغلبون في بضع سنين ، سر المسلمون ~~بذلك حتى إن أبا بكر رضي الله عنه بادر إلى مشركي قريش ، فأخبرهم بما نزل ~~عليهم فيه ، فقال له أبي بن خلف : خاطرني على ذلك ، فخاطره على خمس قلائص ، ~~وقدر لهم مدة ثلاث سنين ، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله : كم ~~البضع فقال : ما بين الثلاثة إلى العشرة ، فأخبره بما خاطر فيه أبي بن خلف ~~، فقال : ما حملك على تقريب المدة قال : الثقة بالله ورسوله ، فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم : عد إليهم فزدهم في الخطر وازدد في الأجل ، ~~فزادهم قلوصين ، وازداد منهم في الأجل سنتين ، فأظفر الله تعالى الروم ~~بفارس قبل انقضاء الأجل الثاني تصديقا لتقدير أبي بكر رضي الله عنه . # [ 177 ] ويقولون لمن يصغر عن فعل شيء : هو يصبو عنه ، والصواب أن يقال : ~~هو يصبى عنه ، لأن العرب تقول : صبا من اللهو يصبو صبوا والفعلة منه صبوة ، ~~وصبي من فعل الصبي يصبى صبى بكسر الصاد والقصر ، وصباء بفتحها والمد ، ~~والفعلة منه صبية ، ومنه قول الراجز : # ( أصبحت لا يحمل بعضي بعضا % كأنما كان صبائي قرضا ) PageV01P211 فالفعل ~~الأول من الواو والثاني من الياء . # ومثله قولهم للمعرض عنك : هو يلهو عن شغلي ، ووجه الكلام يلهى لأن العرب ~~تقول : لها يلهو من اللهو ، ولهي عن الشيء يلهى إذا شغل عنه ، ومنه الحديث ~~: إذا استأثر الله بشيء ms109 فاله عنه وجاء في الأثر أيضا : إذا وجدت البلل بعد ~~الوضوء فاله عنه ، أي أعرض عنه . # [ 178 ] ويقولون : فعلته مجراك ، فيحيلونه في بنيته ويحرفونه عن صيغته ، ~~لأن كلام العرب : فعلته من جراك ، وفي الحديث : أن امرأة دخلت النار من جرا ~~هرة ، ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض . # ومعنى قولهم : فعلته من جراك أي من جريرتك ، كما أن معنى قولهم : من أجلك ~~، أي من كسبك وجنايتك ، وعليه فسر قوله تعالى : @QB@ من أجل ذلك كتبنا على ~~بني إسرائيل @QE@ ، والعرب تقول : فعلته من أجلك وإجلك ، بفتح الهمزة ~~وكسرها ، وفعلته من أجلك وجراك وجرائك بالقصر والمد ، وأنشد اللحياني شاهدا ~~على هاتين اللغتين فيه : # ( أمن جرا بني أسد غضبتم % ولو شئتم لكان لكم جوار ) # ( ومن جرائنا صرتم عبيدا % لقوم بعدما وطئ الخبار ) PageV01P212 # [ 179 ] ويقولون للرجل المضيع لأمره ، المتعرض لاستدراكه بعد فوته : ~~الصيف ضيعت اللبن ، وبفتح التاء ، والصواب أن يخاطب بكسرها ، وإن كان مذكرا ~~، لأنه مثل والأمثال تحكى على أصل صيغتها وأوليه وضعها ، وهذا المثل وضع في ~~الابتداء بكسر التاء لمخاطبة المؤنث به ، وأصله أن عمرا ابن عمرو بن عدس ~~كان تزوج ابنة عم أبيه دختنوس بنت لقيط بن زرارة بعدما أسن ، وكان أكثر ~~قومه مالا ، ففركته ولم تزل تسأله الطلاق حتى طلقها ، فتزوجها عمير بن معبد ~~ابن زرارة ، وكان شابا مملقا ، فمرت بها ذات يوم إبل عمرو ، وكانت في ضر ، ~~فقالت لخادمتها : قولي له : ليسقنا من اللبن ، فلما أبلغته قال لها : الصيف ~~ضيعت اللبن ، فلما أدت جوابه إليها ضربت بيدها على كتف زوجها وقالت : هذا ~~ومذقة خير ، وإنما خص الصيف بالذكر لأنها كانت سألته الطلاق فيه ، فكأنها ~~يومئذ ضيعت اللبن . # وينخرط في هذا السلك ما أنشدته في أبيات المعاني . # ( قالت له وهو بعيش ضنك % لا تكثري لومي وخلي عنك ) # ومعناه أن هذا الرجل المخاطب كان يبذر في ماله ، فإذا عذلته زوجته على ~~إسرافه قال لها : لا تكثري لومي وخلي عنك ، فلما نفذ ماله ، وساءت حاله ، ~~قالت له : أما تذكر قولك عند نصحي ms110 لك : لا تكثري لومي وخلي عنك وقصدت أن ~~تندمه على إضاعة ماله ، وتبين له فيالة رأيه . # ومن أوهامهم في هذا الفن أنهم ينشدون بيت ذي الرمة : # ( سمعت : الناس ينتجعون غيثا % فقلت لصيدح : انتجعي بلالا ) PageV01P213 # فينصبون لفظة الناس على المفعول ولا يجوز ذلك لإن النصب يجعل الانتجاع ~~مما يسمع ، وما هو كذلك ، وإنما الصواب أن ينشد بالرفع على وجه الحكاية ، ~~لأن ذا الرمة سمع قوما يقولون : الناس ينتجعون غيثا ، فحكى ما سمع على وجه ~~اللفظ المنطوق به . # وفسر بعضهم قوله تعالى : @QB@ وتركنا عليه في الآخرين سلام على إبراهيم ~~@QE@ أنه على الحكاية ، وأن المراد به أن يقال له في الآخرين : سلام على ~~إبراهيم ، وتشهد الآية باتقاق كافة أهل الملل على الإيمان بنبوته والتسليم ~~عليه عند موته . # وذكر أبو الفتح عثمان بن جني قال : أنشدني شيخنا أبو علي الفارسي قول ~~الشاعر : # ( تنادوا بالرحيل غدا % وفي ترحالهم نفسي ) # فأجاز في الرحيل ثلاثة أوجة : الجر بالباء والرفع والنصب على الحكاية ، ~~فحكاية الرفع كأنهم قالوا : الرحيل غدا ، وحكاية النصب على تقدير قولهم : ~~اجعلوا الرحيل غدا . # [ 180 ] ويقولون طرده السلطان . # ووجه الكلام أطرده ، لأن معنى طرده أبعده بيده أو بآلة في كفه ، كما يقال ~~: طردت الذباب عن الشراب ، وما المقصود هذا المعنى ، بل المراد به أن ~~السلطان أمر بإخراجه عن البلد ، والعرب تقول في مثله : أطرده ، كما تقول : ~~أطرد فلان إبله ، أي أمر بطردها ، والطرد بتسكين الراء : المصدر ، وبالفتح ~~: مطاردة الصيد ، والطريدة : هي الصيد . # [ 181 ] ويقولون لما ينبت من الزرع بالمطر : بخس . # فيلفظون بما تلفظ به PageV01P214 العجم ولا تعرفه العرب ، ووجه القول أن ~~يقال فيه : طعام عذي كما يقولون : أرض عذاة وعذية ، إذا كانت لينة تكتفي ~~بماء المطر . # [ 182 ] ويقولون هاون وراوق ، فيوهمون فيهما إذ ليس في كلام العرب فاعل ~~والعين منه واو ، والصواب أن يقال فيهما : هاوون وراووق ، لينتظما فيما جاء ~~على فاعول مثل قارون وفاروق وماعون ، وعليه قول زيد بن عدي العبادي : # ( ودعوا بالصبوح يوما فجاءت % قينة في يمينها إبريق ) # ( فدمته على عقار كعين الديك ms111 % صفى سلافها الراووق ) # ولهذه القطعة حكاية تنشر مآثر الأجواد ، وترغب المتأدب في الازدياد ، وهي ~~ما حكاه حماد الراوية قال : كنت منقطعا إلى يزيد بن عبد الملك ، وكان أخوه ~~هشام يجفوني PageV01P215 لذلك في أيامه ، فلما مات يزيد ، وأفضت الخلافة ~~إلى هشام خفته ، فمكثت في بيتي سنة لا أخرج إلا لمن أثق به من إخواني سرا ، ~~فلما لم أسمع أحدا يذكرني في السنة أمنت ، وخرجت فصليت الجمعة في الرصافة ، ~~فإذا شرطيان قد وقفا علي ، فقالا : يا حماد أجب الأمير يوسف بن عمر ، فقلت ~~في نفسي : من هذا كنت أخاف ، فقلت : هل لكما أن تدعاني حتى آتي أهلي ~~فأودعهم وداع من لا يرجع إليهم أبدا ، ثم أصير معكما إليه فقالا : ما إلى ~~ذلك من سبيل . # فاستسلمت في أيديهما وصرت إلى يوسف بن عمر ، وهو في الإيوان الأحمر ، ~~فسلمت عليه ، فرد علي السلام ورمى إلي كتابا فيه : بسم الله الرحمن الرحيم ~~. # من عبد الله هاشم أمير المؤمنين إلى يوسف بن عمر ، أما بعد ، فإذا قرأت ~~كتابي هذا فابعث إلى حماد الراوية من يأتيك به من غير تروع ولا تتعتع ، ~~وادفع إليه خمسمائة دينار وجملا مهريا يسير عليه اثنتي عشرة ليلة إلى دمشق ~~، فأخذت الدنانير ونظرت ، فإذا جمل مرحول ، فجعلت رجلي في الغرز وسرت اثنتي ~~عشرة ليلة ، حتى وافيت دمشق ، ونزلت على باب هشام ، فاستأذنت فأذن لي ، ~~فدخلت عليه في دار قوراء ، مفروشة بالرخام ، وبين كل رخامتين قضيب من ذهب ، ~~وهشام جالس على طنفسة حمراء ، وعليه ثياب حمر من الخز ، وقد تضمخ بالمسك ~~والعنبر ، فسلمت ، فرد علي السلام ، واستدناني ، فدنوت إليه حتى قبلت رجله ~~، فإذا جاريتان لم أر مثلهما قط ، وفي أذني كل واحدة منهما حلقتان ، فيهما ~~لؤلؤتان تتوقدان ، فقال لي : كيف أنت يا حماد وكيف حالك قلت : بخير يا أمير ~~المؤمنين ، فقال : أتدري فيم بعثت إليك قلت : لا ، قال : بعثت إليك لبيت ~~خطر ببالي لم أدر من قائله ، قلت وما هو فقال : # ( ودعوا بالصبوح يوما فجاءت % قينة في يمينها إبريق ) # فقلت : يقوله عدي بن ms112 زيد في قصيدة له ، قال : أنشدنيها ، فأنشدته : # ( بكر العاذلون في وضح الصبح % يقولون لي أما تستفيق ) # ( ويلومون فيك يا ابنة عبد الله % والقلب عندكم موهوق ) # ( لست أدري إذ أكثروا العذل فيها % أعدو يلومني أم صديق ) PageV01P216 # ( ودعوا بالصبوح يوما فجاءت % قينة في يمينها إبريق ) # ( فدمته على عقار كعين الديك % صفى سلافها الراووق ) # ( مزة قبل مزجها فإذا ما % مزجت ، لذ طعمها من يذوق ) # ( وطفا فوقها فقاقيع كالياقوت % حمر يزينها التصفيق ) # ( ثم كان المزاج ماء سحاب % لا صرى آجن ولا مطروق ) # قال : فطرب ، ثم قال : أحسنت والله يا حماد ، يا جارية اسقيه ، فسقتني ~~شربة ذهبت بثلث عقلي ، فقال : أعده ، فاستخفه الطرب ، حتى نزل عن فرشه ، ثم ~~قال للجارية الأخرى ، اسقيه ، فسقتني ، فذهب ثلث آخر من عقلي ، فقلت إن ~~سقيت الثالثة افتضحت ، ثم قال لي : سل حاجتك ، فقلت : كائنة ما كانت قال : ~~نعم ، قلت : إحدى الجاريتين ، قال : هما جميعا لك بما عليهما وما لهما ، ثم ~~قال للأولى : اسقيه فسقتني شربة سقطت منها ، فلم أعقل حتى أصبحت ، ~~والجاريتان عند رأسي ، وإذا عشرة من الخدم مع كل واحدة بدرة ، فقال أحدهم : ~~إن أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ، ويقول : خذ هذه فانتفع بها في سفرك ، ~~فأخذتها والجاريتين وعاودت أهلي . # [ 183 ] ويقولون شفعت الرسولين بثالث ، فيوهمون فيه ، لأن العرب تقول : ~~شفعت الرسول بآخر ، أي جعلتهما اثنين ، ليطابق هذا القول معنى الشفع الذي ~~هو في PageV01P217 كلامهم بمعنى اثنين ، فأما إذا بعثت ثالثا ، فوجه الكلام ~~أن يقال : عززت الرسولين بثالث ، كما قال سبحانه : @QB@ إذ أرسلنا إليهم ~~اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث @QE@ والمعنى في عززته قويته . # ومن كلام العرب : أعززت الرجل ، أي جعلته عزيزا ، وعززته ، أي جعلته قويا ~~، فإن واترت الرسل فالأحسن أن تقول : قفيت بالرسل ، كما قال الله تعالى : ~~@QB@ ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم @QE@ . # [ 184 ] ويقولون للبلدة التي استحدثها المعتصم بالله سامرا ، فيوهمون فيه ~~كما وهم البحتري فيها إذ قال في صلب بابك : # ( أخليت منه البذ وهي قراره % ونصبته علما بسامراء ) # والصواب أن يقال فيها : سر من ms113 رأى على ما نطق بها في الأصل ، لأن المسمى ~~بالجملة يحكى على صيغته الأصلية ، كما يقال : جاء تأبط شرا وهذا ذرى حبا ، ~~ومنه قول الشاعر : # ( كذبتم وبيت الله لا تنكحونها % بني شاب قرناها تصر وتحلب ) # يعني بني التي تسمى شاب قرناها ، ولهذا نظائر في كلام العرب وأشعارهم ~~ومحاوراتهم وأمثالهم . # وحكاية المسمى بالجملة من مقاييس أصولهم وأوضاعهم ، فلهذا وجب أن ينطق ~~باسم البلدة المشار إليها على صيغتها الأصلية من غير تحريف فيها ، ولا ~~تغيير لها وذلك PageV01P218 أن المعتصم بالله حين شرع في إنشائها ثقل ذلك ~~على العسكر ، فلما انتقل بهم إليها سر كل منهم برؤيتها ، فقيل فيها : سر من ~~رأى ، ولزمها هذا الاسم وعليه قول دعبل في ذمها : # ( بغداد دار الملوك كانت % حتى دهاها الذي دهاها ) # ( ما سر من را بسر من رابل % هي بؤس لمن رآها ) # وعليه أيضا قول عبيد الله بن عبد الله بن طاهر في صفة الشعرى : # أقول لما هاج قلبي الذكرى % واعترضت وسط السماء الشعرى ) # ( كأنها ياقوتة في مدرى % ما أطول الليل بسر من را ) # فنطق الشاعران باسمها على وضعه ، وسابق صيغته وأن كانا قد حذفا همزة : ~~رأى لأقامة الوزن وتصحيح النظم . # [ 185 ] ويقولون لما يجمد من فرط البرد : قريض بالصاد ، فيوهمون فيه كما ~~وهم بعض المحدثين فيما كتب إلى صديق له يدعوه : # ( عندنا قبح مصوص % ولنا جدي قريص ) # ( ومن الحلواء لونان % عقيد وخبيص ) # ( ونبيذ لو خرطناه % أتت منه فصوص ) PageV01P219 # والصواب أن يقال فيه : قريس بالسين لاشتقاقه من القرس ، وهو البرد ، ومنه ~~الحديث : قرسوا الماء في الشنان أي بردوه ، ويدل عليه قول أبي زبيد : # ( وقد تصليت حر حربهم % كما تصلى المقرور من قرس ) # وقد يقال بإسكان الراء والشاهد عليه قول الشاعر : # ( مطاعين في الهيجا مطاعيم في القوى % إذا اصفر آفاق السماء من القرس ) # يعني بالقوى المكان القفر . # وقد رواه بعضهم مطاعيم في القرى والرواية الأولى أفخم في المعنى وأبلغ في ~~المدح ، وأما القارص بالصاد فهو الذي يلذع اللسان ، ويقال منه : لبن قارص ، ~~ونبيذ قارص . PageV01P220 # [ 186 ] ويقولون : قتله ms114 الحب ، والصواب أن يقال فيه : اقتتله ، كما قال ~~ذو الرمة : # ( إذا ما امرؤ حاولن أن يقتتلنه % بلا إحنة بين النفوس ولا ذحل ) # ( تبسمن عن نور الأقاحي في الثرى % وفترن من أبصار مضروجة كحل ) # وعنى به عين البرقع . # ويقال أيضا : اقتتل فلان ، إذا قتلته عين النساء والجن . # [ 187 ] ويقولون : ما كان ذلك يعرضك لهذا الأمر ، بضم الياء وكسر الراء ~~وتشديدها . # والصواب أن يقال : ما يعرضك لهذا الأمر بفتح الياء وضم الراء ، أي ما ~~ينصب عرضك ، وعرض الشيء جانبه ، ومنه قولهم : اضرب به عرض الحائط ، أي ~~جانبه ، أي أحد نواحيه ، وأما الخبر : كل الجبن PageV01P221 عرضا ، أي ممن ~~يعترض ، ولا تفحص عنه هل جبنه مسلم أو مشرك . # [ 188 ] ويقولون : ما كان ذلك في حسابي ، أي في ظني ، ووجه الكلام أن ~~يقال : ما كان ذلك في حسباني ، لأن المصدر من حسبت بمعنى ظننت محسبة وحسبان ~~بكسر الحاء ، فأما الحساب فهو اسم للشيء المحسوب . # واسم المصدر من حسبت الشيء بمعنى عددته الحسبان ، بضم الحاء ، ومنه قوله ~~تعالى : و @QB@ الشمس والقمر بحسبان @QE@ وقد جاء الحسبان بمعنى العذاب ، ~~كقوله تعالى : @QB@ ويرسل عليها حسبانا من السماء @QE@ وأصله السهام الصغار ~~، الواحدة حسبانة . # [ 189 ] ويقولون : تنوق في الشيء . # والأفصح ان يقال : تأنق ، كما روي للمنصور رحمه الله : PageV01P222 # ( تأنقت في الإحسان لم آل جاهدا % إلى ابن ليلى فصيره ذما ) # ( فوالله ما آسى على فوت شكره % ولكن فوت الرأي أحدث لي هما ) # واشتقاق هذه اللفظة من الأنق ، وهو الإعجاب بالشيء . # ومن : أمثالهم : ليس المتعلق كالمتأنق ، أي ليس القانع بالعلقة ، وهي ~~البلغة ، كالذي يطلب النقاوة والغاية . ويضرب أيضا للجاهل الذي يدعي الحذق ~~خرقاء ذات نيقة # [ 190 ] ويقولون للمخاطب : هم فعلت وهم خرجت ، فيزيدون هم في افتتاح ~~الكلام ، وهو من أشنع الأغلاط والأوهام . # وحكى أحمد بن إبراهيم بن المعدل قال : سمعت الأخفش يقول لتلامذته : ~~جنبوني أن تقولوا : بس ، وأن تقولوا هم ، وأن تقولوا : ليس لفلان بخت . # والمنقول من لغات العرب أن بعض أهل اليمن يزيدون أم في كلامهم فيقولون : ~~أم نحن نضرب الهام ، أم ms115 نحن نطعم الطعام ، أي نحن نضرب ونطعم ، وأخذوا في ~~زيادة أم مأخذ زيادة معكوسها ، وهو ما في مثل قوله تعالى : @QB@ فبما رحمة ~~من الله @QE@ ، و @QB@ عما قليل @QE@ . # وقد روي عن حمير أنهم يجعلون آلة التعريف أم ، فيقولون طاب أمضرب ، ~~يريدون طاب الضرب ، وجاء في الآثار فيما رواه النمر بن تولب أنه صلى الله ~~عليه وسلم نطق بهذه اللغة في قوله : ليس PageV01P223 من أم برأم صيام في أم ~~سفر يريد ليس من البر الصيام في السفر . # وحكى الأصمعي أن معاوية قال ذات يوم لجلسائه : من أفصح الناس فقام رجل من ~~السماط ، فقال : قوم تباعدوا عن عنعنة تميم ، وتلتلة بهراء ، وكشكشة ربيعة ~~، وكسكسة بكر ، ليس فيهم غمغمة قضاعة ولا طمطمانية حمير ، فقال : من أولئك ~~قال : قومك يا أمير المؤمنين . # وأراد بعنعنة تميم أن تميما يبدلن من الهمزة عينا كما قال ذو الرمة : # ( أعن ترسمت من خرقاء منزلة % ماء الصبابة من عينيك مسجوم ) # يريد : أإن ترسمت . # وأما تلتلة بهراء فيكسرون حروف المضارعة فيقولون : أنت تعلم . # وحدثني أحد شيوخي رحمه الله أن ليلى الأخيلية كانت ممن يتكلم بهذه اللغة ~~، وأنها استأذنت ذات يوم على عبد الملك بن مروان ، وبحضرته الشعبي ، فقال ~~له : أتأذن لي يا أمير المؤمنين في أن أضحك منها قال : افعل ، فلما استقر ~~بها المجلس قال لها الشعبي : يا ليلى ، ما بال قومك لا يكتنون ، فقالت له : ~~ويحك أما نكتني فقال : لا والله ولو فعلت لاغتسلت ، فخجلت عند ذلك واستغرق ~~عبد الملك في الضحك . # وأما كشكشة ربيعة فإنهم يبدلون عند الوقوف كاف المخاطبة شينا ، فيقولون ~~PageV01P224 للمرأة : ويحك مالش فيقرون الكاف التي يدرجونها على هيئتها ، ~~ويبدلون الكاف التي يقفون عليها شينا . # قال راجزهم : # ( تضحك مني أن رأتني أحترش % لو حرشت لكشفت عن حرش % عن واسع يغرق فيه ~~القنفرش ) # وفيهم من يجري الوصل مجرى الوقف ، فيبدلون الكاف فيه أيضا شينا ، وعليه ~~أنشد بيت المجنون : # ( فعيناش عيناها وجيدش جيدها % ولكن عظم الساق منش دقيق ) # أما كسكسة بكر فإنهم يزيدن على كاف المؤنث في الوقف سينا ms116 ، ليبينوا حركة ~~الكاف فيقولون : مررت بكس . # وأما غمغمة قضاعة فصوت لا يفهم تقطيع حروفه . # وأما طمطمانية حمير ، فقد مضى تفسيرها فيما تقدم . # [ 191 ] ويقولون : قرضته بالمقراض ، وقصصته بالمقص ، فيوهمون فيه ، كما ~~PageV01P225 وهم بعض المحدثين حين قال في صفة مزبون بالقيادة ، وإن كان قد ~~أبدع في الإجادة : # ( الق ابن إسحاق تلاقي فتى % ليس كمن عنه بمعتاض ) # ( إذا حبيب صد عن إلفه % تيها وأعيا كل رواض ) # ( ألف فيما بين شخصيهما % كأنه مسمار مقراض ) # والصواب أن يقال : مقراضان ، ومقصان ، وجلمان ، لأنهما اثنان . # ونظير هذا الوهم قولهم للاثنين : زوج وهو خطأ ، لأن الزوج في كلام العرب ~~هو الفرد المزاوج لصاحبه ، فأما الاثنان المصطحبان فيقال لهما : زوجان ، ~~كما قالوا : عندي زوجان من النعال ، أي نعلان ، وزوجان من الخفاف ، أي خفان ~~، وكذلك يقال للذكر والأنثى من الطير زوجان ، كما قال تعالى : @QB@ وأنه ~~خلق الزوجين الذكر والأنثى @QE@ . PageV01P226 # ومما يشهد بأن الزوج يقع على الفرد المزاوج لصاحبه قوله تعالى : @QB@ ~~ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين @QE@ ثم قال سبحانه في الآية ~~التي تليها : @QB@ ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم ~~الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين @QE@ فدل التفصيل على أن معنى ~~الزوج الإفراد . # [ 192 ] ويقولون في تصغير شيء وعين : شوي وعوينة ، فيقلبون الياء فيهما ~~واوا ، والأفصح أن يقال : شبيء وعيينة بإثبات الياء وضم أولهما . # وقد جوز كسر أولهما في التصغير من أجل الياء ، ليتشاكل الحرف والحركة . # ومن هذا القبيل قولهم في تصغير ضيعة : ضويعة ، وفي تصغير بيت : بوبت ، ~~والاختيار فيهما ضييعة وبييت ، كما أنشدت للخليل بن أحمد : # ( إن لم يكن لك جدي % أغناك خل وزيت ) # ( أو لم يكن ذا ولا ذا % فكسرة وبييت ) # [ 193 ] ويقولون : أشرف فلان على الإياس من طلبه ، فيوهمون فيه ، كما وهم ~~أبو سعيد السكري ، وكان من أجل النحويين وأعلام العلماء المذكورين ، فقال : ~~إن إياسا سمي بالمصدر من أيس ، وليس كذلك ، ووجه الكلام أن يقال : أشرف على ~~اليأس ، لأن أصل الفعل منه يئس على وزن فعل ، كما قال تعالى : @QB@ قد ~~يئسوا ms117 من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور @QE@ فأما قولهم : أيس ، ~~بتقديم الهمزة ، فإنه مقلوب من يئس . # واستدل شيخنا أبو القاسم على صحة ذلك بأن لفظة يئس تساوي لفظة اليأس الذي ~~هو الأصل في نظم الصيغة ونسق الحروف ، لتكون الياء مبدوءا بها فيهما ، ~~والهمزة مثنى بها بخلاف تنزلهما في لفظة أيس ، لأن الهمزة في أيس مبدوء بها ~~والياء مثنى بها ، فلهذه PageV01P227 العلة حكم على لفظة أيس بأنها مقلوبة ~~من يئس ، والمقلوب لا يتصرف تصرف الأصل ولا يكون له مصدر ، وأما إياس فهو ~~عند المحققين مصدر أسته ، أي أعطيته ، والأسم منه الأوس الذي اشتقت منه ~~المواساة ، فكأنهم سموا إياسا بمعنى تسميتهم عطاء . # قال شيخنا أبو القاسم الفضل بن محمد النحوي رحمه الله : فأما قولهم : جذب ~~وجبذ ، فليست هاتان اللفظتان عند المحققين من النحويين من قبيل المقلوب ، ~~كما ذكر أهل اللغة ، بل هما لغتان ، وكل واحدة منهما أصل في نفسها ، ولها ~~اشتق لكل منهما مصدر من لفظه ، فقيل في مصدر : جبذ جبذ ، كما قيل في مصدر ~~جذب : جذب . # ومما يوهمون فيه أيضا من شجون هذه اللفظة قولهم للقانط : هو موئس من ~~الشيء ، والصواب أن يقال فيه : يائس ، أو آيس ، والأصل فيه يائس ، ومنه قول ~~مقرون بن عمر الشيباني : # ( فما أنا من ريب المنون بجبإ % وما أنا من سيب الإلة بيائس ) ~~PageV01P228 فأما الموئس فهو الذي عرض لليأس ، وألجىء إليه . # [ 194 ] ويقولون للقناة الجوفاء التي يرمى عنها بالبندق : زربطانة ، ~~والصواب أن يقال فيها : سبطانة ، لاشتقاق اسمها من السبوطة وهو الطول ~~والامتداد ، ومنه سمي الساباط لامتداده بين الدارين . # [ 195 ] ويقولون : جرح الرجل في ثديه ، فيوهمون فيه والصواب أن يقال : ~~جرح في ثندوءته ، لأن الثدي يختص بالمرأة ، والثدوءة تختص بالرجل ، وفيها ~~لغتان : ثندوءة بضم الثاء وفتح الهمزة وثندوة بفتح الثاء وترك الهمز ، ~~وتجمع الثندوة على الثنادي . # وقد قيل فيها : إنها طرف الثدي ، فأما تسمية المقتول من الخوارج ~~بالنهروان : ذا الثدية فليست الإشارة فيه إلى أن له ثديا ، فأضيف إليه ولا ~~التصغير واقع على الثدي أيضا ، لأن ms118 الثدي مذكر ، والمذكر لا تلحقه الهاء ~~إذا صغر ، وإنما المراد به أن يده كانت لنقص خلقها PageV01P229 # تشبه بالقطعة من ثدي المرأة ، فأنثت عند التصغير ، إسوة بالمؤنث المصغر . # ويعضد هذا القول أنه قد سمي في بعض الروايات ذا اليدية تنبيها على المعنى ~~المنبوذ به . # وذكر بعضهم أن التصغير وقع على لحمة كانت ملتصقة بالثندوة تشبه الحلمة ، ~~فجاء التأنيث من قبل اللحمة ، لا من قبل الثدي ، والدليل على تذكير الثدي ~~قول الشاعر : # ( وصدر مشرق النحر % كأن ثدييه حقان ) # ويروى : ثدياه بالرفع على تقدير إضمار الهاء ، أي كأنه . # وقد قيل : إن كأن جاءت بمعنى لكن فلهذا رفع ، ورواه المبرد : كأن ثدييه ، ~~فقيل له : بأي شيء نصبته فقال : أراد كأن ، فأعملها مع التخفيف . # ومن أوهامهم أيضا في الثدي جمعهم إياه على ثدايا ، والصواب جمعه على ثدي ~~، PageV01P230 وكان الأصل فيه ثدوي على وزن فعول ، فقلبت الواو ياء لسكونها ~~قبل الياء ، ثم أدغمت إحدى اليائين في الأخرى . # ومن جلة أوهامهم أنهم إذا ألحقوا لام التعريف بالأسماء التي أولها ألف ~~وصل نحو ابن وابنة واثنين سكنوا لام التعريف ، وقطعوا ألف الوصل احتجاجا ~~بقول قيس بن الخطيم : # ( إذا جاوز الإثنين سر فإنه % بنث وتكثير الوشاة قمين ) # والصواب في ذلك أن تسقط همزة الوصل وتكسر لام التعريف ، والعلة فيه أنه ~~لما دخل لام التعريف على هذه الأسماء صارت همزة الوصل حشوا ، والتقى في ~~الكلمة ساكنان : لام التعريف والحرف الساكن الذي بعد همزة الوصل ، فلهذا ~~وجب كسر لام التعريف فأما البيت المستشهد به فمحمول على ضرورة الشعر ، على ~~أن أبا العباس المبرد ذكر أن الرواية فيه إذا جاوز الخلين ، وإن كان الأشهر ~~الراوية الأولى ، حتى إن بعضهم أشار إلى أنه عنى بالاثنين الشفتين . # وكذلك الحكم فيما يلحق بأسماء المصادر التي أولها همزة الوصل من لام ~~التعريف في إسقاط الهمزة وكسر لام التعريف كقولك : الاقتدار والانطلاق ~~والاحمرار ، للعلة التي تقدم ذكرها ، وأمثلة هذا القبيل من المصادر تسعة : ~~ثلاثة خماسية ، وهي افتعل نحو اقتدر ، وانفعل نحو انطلق ، وافعل نحو احمر ، ~~وستة سداسية ms119 ، وهي استفعل نحو استخرج ، وافعنلل نحو اقعنسس ، وافعوعل نحو ~~اخشوشن ، وافعول نحو اجلوذ ، وافعال نحو احمار ، وافعلل نحو اقشعر . # [ 196 ] ويقولون : نجزت القصيدة بفتح الجيم ، إشارة إلى انقضائها ، وليس ~~كذلك لأن معنى نجز بالفتح حضر ، ومنه قولهم : بعته ناجزا PageV01P231 بناجز ~~، أي حاضرا بحاضر ، ونقدا بنقد ، فأما إذا كان بمعنى الفناء والانقضاء ~~فالفعل منه نجز بكسر الجيم ، ذكر ذلك أبو عبيد الهروي في كتاب الغريبين ، ~~والشاهد عليه قول النابغة : # ( فكان ربيعا لليتامى وعصمة % فملك أبي قابوس أضحى وقد نجز ) # [ 197 ] ويقولون في جمع جوالق : جوالقات ، فيخطئون فيه لأن القياس المطرد ~~ألا تجمع أسماء الجنس المذكر بالألف والتاء ، وإنما أشذت العرب عن هذا ~~القياس أسماء جمعتها بالألف والتاء تعويضا لأكثرها عن تكسيره ، وهي حمام ~~وساباط وسرداق وإيوان وهارون وخيال وجواب وسجل ومكتوب ومقام ومصام وإوان - ~~وهو حديدة تكون مع الرائض - وبوان بكسر الباء وضمها - وهو عمود في الخباء - ~~وقالوا في جمع شعبان ورمضان وشوال والمحرم : شعبانات ورمضانات وشوالات ~~ومحرمات ، وجميع ذلك مما شذ عن الأصول ، ولا يستعمل فيه غير المحصور ~~المنقول . # ولهذا عيب على أبي الطيب جمعه بوقا على بوقات في قوله : PageV01P232 # ( فإن يك بعض الناس سيفا لدولة % ففي الناس بوقات لها وطبول ) # فأما جمعهم سراويل على سراويلات وطريقا على طرقات فهو من قبيل جمع المؤنث ~~لتأنيثها في بعض اللغات ، فأما جوالق فذكر سيبويه أنه لم يسمع عنهم في جمعه ~~إلا جواليق ، وأجاز غيره أن يجمع على جوالق بفتح الجيم ، كما قالوا في ~~غرانق ، وهو الشاب الحسن الشباب : غرانق بالفتح ، وفي حلاحل وهو السيد ~~الوقور : حلاحل بالفتح ، وفي عراعر وهو رئيس القوم : عراعر . # فإن قيل : كيف جمع المصغر بالألف والتاء نحو ثويبات وبويبات ودريهمات ، ~~فالجواب عنه أن المصغر بمنزلة الموصوف إذ لا فرق بين قولك : بويب وباب صغير ~~، وصفات المذكر الذي لا يعقل تجمع بالألف والتاء نحو السيوف المرهفات ~~والجبال الشامخات والأسود الضاريات . # ومن حكم هذا النوع من المذكر المجموع بالألف والتاء أن يذكر في باب العدد ~~بلا هاء ، كالمؤنث ، فيقال : كتبت ms120 ثلاث سجلات ، وبنيت ثلاث حمامات ، لأن ~~الاعتبار في باب العدد باللفظ دون المعنى . PageV01P233 # وأجاز بعضهم أن تلحق الهاء في عدده اعتبارا بمعنى واحده لا بلفظ جمعه ، ~~فيقال : ثلاثة سجلات وخمسة حمامات ، لأن واحدها سجل وحمام ، وكلاهما مذكر ، ~~كما يقال : ثلاثة طلحات وخمسة حمزات ، فأما حكم بطات وحمامات ، فعند أكثرهم ~~أن الاعتبار فيها باللفظ ، فيقال : عندي ثلاث بطات ذكور ، لأن لفظة البطة ~~مؤنثة وإن وقعت على مذكر ، فلهذا وجب أن يجرد العدد فيها من الهاء وكذلك ~~لما كان الغالب على المجموع بالألف والتاء أن يكون مؤنث الذي تجرد عدده من ~~الهاء لحق به ما جمع عليهما من جنس المذكر ، ليطرد الحكم فيه ، ويسلم أصله ~~المنعقد من نقض يعتريه . # وذكر بعضهم أنه يراعى الأسبق من المفسرين فإن قال : عندي ثلاث بطات ذكور ~~، جرد العدد من الهاء لتقدم المفسر المؤنث ، وإن قال : عندي ثلاثة ذكور من ~~البط أثبتت الهاء لتقدم المفسر المذكر . # [ 198 ] ومن أوهامهم ، الزارية على أفهامهم العاكسة معنى كلامهم أنهم لا ~~يفرقون بين معنى نعم ومعنى بلى ، فيقيمون إحداهما مقام الأخرى ، وليس كذلك ~~، لأن نعم تقع في جواب الاستخبار المجرد من النفي ، فترد الكلام الذي بعد ~~حرف الاستفهام : كما قال تعالى : @QB@ فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم ~~@QE@ ، لأن تقديره : وجدنا ما وعدنا ربنا حقا ، وأما بلى فتستعمل في جواب ~~الاستخبار عن النفي ، ومعناها إثبات المنفي ، ورد الكلام من الجحد إلى ~~التحقيق فهي بمنزلة بل ، حتى قال بعضهم : إن أصلها PageV01P234 بل ، وإنما ~~زيدت عليها الألف ليحسن السكوت عليها . # وحكمها أنها متى جاءت بعد ألا وأما وألم وأليس ، رفعت حكم النفي وأحالت ~~الكلام إلى الإثبات ، ولو وقع مكانها نعم لحققت النفي وصدقت الجحد ، ولهذا ~~قال ابن عباس في تأويل قوله تعالى : @QB@ ألست بربكم قالوا بلى @QE@ : لو ~~أنهم قالوا : نعم لكفروا ، وهو صحيح لأن حكم نعم أن ترفع الاستفهام ، فلو ~~أنهم قالوا : نعم لكان تقدير قولهم : لست ربنا ، وهو كفر ، وإنما دل على ~~إيمانهم بلى التي يدل معناها على رفع النفي ، فكأنهم ms121 قالوا : أنت ربنا ، ~~لأن أنت بمنزلة التاء التي في لست . # ويحكى أن أبا بكر بن الأنباري حضر مع جماعة من العدول ليشهدوا على إقرار ~~رجل ، فقال أحدهم للمشهود عليه : ألا نشهد عليك فقال : نعم ، فشهدت الجماعة ~~عليه ، وامتنع أبو بكر بن الأنباري ، وقال : إن الرجل منع أن يشهد عليه ~~بقوله : نعم ، لأن تقدير جوابه بموجب ما بيناه : لا تشهدوا علي . # وفي لفظة نعم لغتان : كسر العين وفتحها ، وقد قرئ بهما ، وجمع بعضهم بين ~~اللغتين في بيت فقال : # ( دعاني عبد الله نفسي فداؤه % فيالك من داع دعاني نعم نعم ) # [ 199 ] ومن ذلك أنهم لا يفرقون بين قولهم : زيد يأتينا صباح مساء على ~~الإضافة ، ويأتينا صباح مساء على التركيب ، وبينهما فرق يختلف المعنى فيه ، ~~وهو أن PageV01P235 المراد به مع الإضافة أنه يأتي في الصباح وحده ، إذ ~~تقدير الكلام يأتينا في صباح مساء . # والمراد به عند تركيب الاسمين وبنيتهما على الفتح أنه يأتي في الصباح ~~والمساء وكان الأصل هو يأتينا صباحا ومساء فحذفت الواو العاطفة ، وركب ~~الاسمان وبنيا على الفتح ، لأنه أخف الحركات ، كما فعل في العدد المركب من ~~أحد عشر إلى تسعة عشر # [ 200 ] ومن ذلك أنهم لا يفرقون بين الترجي والتمني ، والفرق بينهما واضح ~~، وهو أن التمني يقع على ما يجوز أن يكون ، ويجوز ألا يكون ، كقولهم : ليت ~~الشباب PageV01P236 يعود ، والترجي يختص بما يجوز وقوعه ، ولهذا لا يقال : ~~لعل الشباب يعود ، ولأجل افتراقهما في هذا المعنى فرق البصريون من النحويين ~~بينهما في باب الجواب بالفاء ، وأجازوا أن تقع الفاء جوابا للتمني في مثل ~~قوله تعالى : @QB@ يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما @QE@ ، ومنعوا أن ~~تقع الفاء جوابا للترجي ، وضعفوا قراءة من قرأ @QB@ لعلي أبلغ الأسباب ~~أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى @QE@ بنصب أطلع ورجحوا قراءة من قرأ ~~بالرفع . # [ 201 ] ومن ذلك أنهم لا يفرقون بين العر والعر ، بفتح العين وضمها ، ~~وبينهما فرق في اللغة ، وهو أن العر بالفتح الجرب ، وبالضم قروح تخرج في ~~مشافر الإبل وقوائمها ، وكانت الجاهلية إذا رأتها ببعير ms122 كوت مشافر الصحاح ، ~~ويرون أنهم إذا فعلوا ذلك ذهبت القروح من إبلهم على ما أبدعوه من أضاليل ~~سننهم وأحكامهم ، وإلى هذا أشار النابغة في قوله : # ( وحملتني ذنب امرئ وتركته % كذي العر يكوى غيره وهو راتع ) # ومن رواه كذي العر بالفتح ، فقد وهم فيه لأن الجرب لا تكوى الصحاح منه . # [ 202 ] ومن ذلك أنهم لا يفرقون بين قولهم : بكم ثوبك مصبوغا وبكم ثوبك ~~مصبوغ ، وبينهما فرق يختلف المعنى فيه ، وهو أنك إذا نصبت مصبوغا كان ~~انتصابه على الحال والسؤال واقع عن ثمن الثوب وهو مصبوغ ، وإن رفعت مصبوغا ~~رفعته على أنه خبر PageV01P237 المبتدإ الذي هو ثوبك وكان السؤال واقعا عن ~~أجرة الصبغ لا عن ثمن الثوب . # [ 203 ] وكذلك لا يفرقون أيضا بين قولهم : لا رجل في الدار ، ولا رجل ~~عندك . # والفرق بينهما أنك إذا قلت : لا رجل في الدار بالفتح ، فقد عممت جنس ~~الرجال بالنفي ، وكان كلامك جواب من قال لك : هل من رجل في الدار وإذا قلت ~~: لا رجل في الدار بالرفع ، فالمراد بالنفي الخصوص ، وكأنه جواب من قال : ~~هل رجل في الدار ولهذا يجوز أن يقال في هذه المسألة : لا رجل في الدار ، بل ~~رجلان ، لأن معنى الكلام تخصيص نفي الواحد ، ولا يجوز أن يقال : لا رجل في ~~الدار بالفتح بل رجلان ، لتناقض الكلام فيه لأن أول الكلام يقتضي عموم هذا ~~النفي فكيف يعقب بالإثبات # [ 204 ] وكذلك لا يفرقون بين قولهم : خلف الله عليك وأخلف الله عليك ، ~~والفرق بينهما أن لفظة خلف الله عليك ، تقال لمن هلك له من لا يستعيضه ، ~~ويكون PageV01P238 المعنى : كان الله لك خليفة منه ، ولفظة أخلف الله عليك ~~تستعمل فيما يرجى اعتياضه ، ويؤمل استخلافه . # [ 205 ] وكذلك لا يفرقون بين معنى مخوف ومخيف ، والفرق بينهما أنك إذا ~~قلت : الشيء مخوف كان إخبارا عما حصل الخوف منه ، كقولك : الأسد مخوف ~~والطريق مخوف ، وإذا قلت : مخيف كان أخبارا عما يتولد الخوف منه ، كقولك : ~~مرض مخيف ، أي يتولد الخوف لمن يشاهده . # [ 206 ] ومن هذا النمط أيضا أنهم لا يفرقون ms123 بين أو وأم في الاستفهام ، ~~فينزلون إحداهما منزلة الأخرى ، فيوهمون فيه ، لأن الاستفهام بأو يكون عن ~~أحد شيئين ، فينزل قولهم : أزيد عندك أو عمرو منزلة قولهم : أأحد هذين ~~الرجلين عندك فهذا أوجب أن تجيب عنه بنعم أو بلا ، كما لو قيل لك : أأحدهما ~~عندك والاستفهام بأم وضع لطلب التعيين على أحد الشيئين ، فتعادل أم مع ~~الهمزة لفظة أي ، ولذلك وجب أن يجاب بأحد الاسمين ، كما لو قيل : أيهما ~~عندك # قال شيخنا أبو القاسم الفضل بن محمد النحوي : فكان ترتيب الاستفهام أن ~~يستفهم الإنسان في مبدإ كلامه بأو ، ثم يعقب بأم ، لأن تقدير قولك : أزيد ~~عندك أم عمرو أي قد علمت أن أحدهما عندك ، فبين لي أيهما هو # [ 207 ] ومما يمتزج بهذا الفصل أيضا أنهم لا يفرقون بين قولهم : ما أدري ~~أأذن أم أقام ، وأذن أو أقام والفرق بينهما أنك إذا نطقت بأم في هذا الكلام ~~كنت شاكا فيما PageV01P239 أتى به من الأذان أو الإقامة ، وإذا أتيت بأو ~~فقد حققت أنه أتى بالأمرين ، إلا أنه لسرعة ما قرب بينهما صار بمنزلة من لم ~~يؤذن ولم يقم ، ويكون مجيء أو هاهنا للتقريب . # [ 208 ] ومن هذا القبيل أيضا انهم لا يفرقون بين الحث والحض ، وقد فرق ~~بينهما الخليل بن أحمد ، فقال : الحث يكون في السير والسوق وفي كل شيء ، ~~والحض يكون فيما عدا السير والسوق ، نحو قوله تعالى : @QB@ ولا يحض على ~~طعام المسكين @QE@ . # [ 209 ] وكذلك لا يفرقون بين النعم والأنعام وقد فرقت بينهما العرب . # فجعلت النعم اسما للإبل خاصة وللماشية التي فيها الإبل وقد تذكر وتؤنث ، ~~وجعلت الأنعام اسما لأنواع المواشي من الإبل والبقر والغنم ، حتى إن بعضهم ~~أدخل فيها الظباء وحمر الوحش ، تعلقا بقوله تعالى : @QB@ أحلت لكم بهيمة ~~الأنعام @QE@ . # [ 210 ] ومن ذلك توهمهم أن معنى بات فلان ، أي نام . # وليس كذلك بل معنى PageV01P240 بات أظلة المبيت ، وأجنه الليل ، سواء نام ~~أم لم ينم ، يدل على ذلك قوله تعالى : @QB@ والذين يبيتون لربهم سجدا ~~وقياما @QE@ ، ويشهد به أيضا قول ابن رميض . # ( باتوا نياما وابن ms124 هند لم ينم % بات يقاسيها غلام كالزلم % ليس براعي ~~إبل ولا غنم ) # فأخبر عنه أنه بات متصديا لحفظها ممن هم بخرابتها أي سرقتها لأن الخرابة ~~اسم يختص بسرقة الإبل ، والخارب المتلصص عليها خاصة . # [ 221 ] ومن ذلك توهمهم أن القينة المغنية خاصة ، وهي في كلام العرب ~~الأمة ، مغنية كانت أو غير مغنية ، وعلى ذلك قول زهير : # ( رد القيان جمال الحي فاحتملوا % إلى الظهيرة أمر بينهم لبك ) ~~PageV01P241 # والأصل في اشتقاق القينة من قنت الشيء أقينه قينا إذا لممته ، ومنه قول ~~الشاعر : # ( ولي كبد مقروحة قد بدا بها % صدوع الهوى لو كان قين يقينها ) # ومن هذا سمي الصواع والحداد قينا وسميت الماشطة أيضا قينة . # [ 212 ] ومن ذلك توهمهم أن الراحلة اسم يختص بالناقة النجيبة ، وليس كذلك ~~بل الراحلة تقع على الجمل والناقة ، والهاء فيها هاء المبالغة ، كالتي في ~~داهية وراوية ، وإنما سميت راحلة لأنها ترحل ، أي يشد عليها الرحل فهي ~~فاعلة بمعنى مفعولة ، كما PageV01P242 جاء في التنزيل : @QB@ في عيشة راضية ~~@QE@ بمعنى مرضية . # وقد ورد فاعل بمعنى معفول في عدة مواضع من القرآن كقوله تعالى : @QB@ لا ~~عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم @QE@ أي لا معصوم . # وكقوله سبحانه : @QB@ من ماء دافق @QE@ أي مدفوق ، وكقوله عز اسمه @QB@ ~~أنا جعلنا حرما آمنا @QE@ أي مأمونا فيه . # وجاء أيضا مفعول بمعنى فاعل ، كقوله تعالى : @QB@ حجابا مستورا @QE@ ، أي ~~ساترا @QB@ كان وعده مأتيا @QE@ أي آتيا . # وقد يكنى عن الفعل بالراحلة لكونها مطية القدم وإليها أشار الشاعر الملغز ~~بقوله : # ( رواحلنا ست ونحن ثلاثة % نجنبهن الماء في كل مورد ) # [ 213 ] ومن هذا النمط أيضا توهمهم أن البهيم نعت يختص بالأسود ، ~~لاستماعهم : ليل بهيم ، وليس كذلك ، بل البهيم اللون الخالص الذي لا يخالطه ~~لون آخر ، ولا يمتزج به شية غير شيته ، ولذلك لم يقولوا لليل المقمر : ليل ~~بهيم ، لاختلاط ضوء القمر به ، فعلى مقتضى هذا الكلام يجوز أن يقال : أبيض ~~بهيم وأشقر بهيم . # وجاء في الآثار : يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة بهما ، أي على صفة ~~واحدة من صحة الأجساد والسلامة من ms125 الآفات ، ليتم لهم بذلك خلود الأبد ~~والبقاء السرمد . PageV01P243 # [ 214 ] ومنه أيضا توهمهم أن السوقة اسم لأهل السوق ، وليس كذلك ، بل ~~السوقة الرعية ، سموا بذلك ، لأن الملك يسوقهم إلى أرادته ، ويستوي لفظ ~~الواحد والجماعة فيه ، فيقال : رجل سوقة وقوم سوقة ، كما قالت الحرقة بنت ~~النعمان : # ( فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا % إذا نحن فيهم سوقة نتنصف ) # فأما أهل السوق فهم السوقيون واحدهم سوقي ، والسوق في كلام العرب تذكر ~~وتؤنث . # [ 215 ] ومن أوهامهم أن هوى لا يستعمل إلا في الهبوط ، وليس كذلك بل ~~معناه الإسراع الذي قد يكون في الصعود والهبوط ، وفي حديث البراق : فانطلق ~~يهوي به أي يسرع . # وذكر أهل اللغة أن مصدر الصعود الهوي بضم الهاء ومصدر الهبوط الهوي ~~بفتحها ، فأما قوله تعالى : @QB@ كالذي استهوته الشياطين @QE@ فقيل فيه : ~~ذهبت به ، وقيل : PageV01P244 استمالته بالإضلال واختلبته بالإغواء . # قال الشيخ الرئيس أبو محمد القاسم بن علي رحمه الله : وقد عثرت لجماعة من ~~الكبراء على أوهام في الهجاء عدلوا في بعضها عن رسومه المقررة ، ولم يفرقوا ~~في بعضها بين مواقع اللفظة المستطردة ، فرأيت أن أكشف عن عوارها وأنبه على ~~التعراي من عارها ، لتتنوع فوائد هذا الكتاب ، وتتجلى به أكثر الشبه عن ~~الكتاب . # [ 216 ] فمن ذلك أنهم يكتبون بسم الله ، بحذف الألف أينما وقع ، وحيثما ~~اعترض ، فيوهمون فيه ، لأن الألف إنما حذفت منه إذا كتب في فواتح السور ~~وأوائل الكتب لكثرة استعماله في كل ما يبدأ به ويشرع فيه ، وتقدير الكلام ~~في البسملة المصدرة : أبدأ باسم الله وأفتتح باسم الله ، فترك إظهار هذا ~~الفعل إنما لدلالة الحال الحاضرة عليه ، فإن أبرز وجب إثبات الألف كما ~~أثبتت في قولك : إقرأ باسم ربك ، فسبح باسم ربك . # وقد رأيت أحد الأعيان المتشبعين بدعوى البيان كتب في صدر كتابه : بسم ~~الله الرحمن الرحيم أستفتح ، وبه أستنحج ، فحذف الألف من باسم الله مع ~~إظهار الفعل ، وقد وهم في حذفه ، وأبان عن قصور الاستبصار وضعفه ، وإنما ~~كان يسوغ له حذف الألف لو أنه عطف بالواو على البسملة المجردة ، كما يكتب ~~قوم بعد ms126 البسملة : وبه أستعين ، فيكون تقدير الكلام : أفتتح باسم الله وبه ~~أستعين ، نعم وقد منع أكثر العلماء بأوضاع الهجاء حذف هذه الألف إلا عند ~~الإضافة إلى اسم الله تعالى خاصة ، فإن أضيف إلي غيره من أسمائه الحسنى ، ~~نحو الرحمن والقهار وجب إثبات الألف في كتبك باسم الرحمن وباسم القهار ، ~~وعلل في ذلك بقلة مدار هاتين اللفظتين ونظائرهما في الكلام ، وعند افتتاح ~~الأعمال . PageV01P245 # [ 217 ] ومن ذلك أنهم يحذفون الألف من ابن في كل موضع يقع بعد اسم أو ~~كنية أو لقب ، وليس ذلك مطردا على ما توهموه ، ولا يوجب حذف الألف ما ~~تخيلوه ، لأنه إنما تحذف الألف من ابن إذا وقع صفة بين علمين من أعلام ~~الأسماء أو الكنى أو الألقاب ليؤذن بتنزله مع الاسم قبله بمنزلة الاسم ~~الواحد لشدة اتصال الصفة بالموصوف ، وحلوله محل الجزء منه ولهذه العلة حذف ~~التنوين من الاسم قبله ، فقيل علي بن محمد ، كما يحذف من الأسماء المركبة ~~في رامهرمز وبعلبك ، فما عدا هذا الموطن وجب إثبات الألف فيه ، وذلك في ~~خمسة مواطن . # أحدهما إذا أضيف ابن إلى مضمر كقولك : هذا زيد ابنك . # والثاني إذا أضيف إلى غير أبيه كقولك : المعتضد بالله ابن أخي المعتمد ~~على الله . # والثالث إذا نسب إلى الاب الأعلى ، كقولك أبو الحسن ابن المهتدي بالله . # والرابع إذا عدل به عن الصفة إلى الخبر ، كقولك : إن كعبا ابن لؤي . # والخامس إذا عدل به عن الصفة أيضا إلى الاستفهام ، كقولك : هل تميم ابن ~~مرة وذلك أن ابنا في الخبر والاستفهام بمنزلة المنفصل عن الاسم الأول ، إذ ~~تقدير الكلام إن كعبا هو ابن لؤي وهل تميم هو ابن مرة فأثبتت الألف فيه كما ~~أثبتت في حالة الاستئناف به . # وكذلك يكتبون الرحمن بحذف الألف في كل موطن ، وأنما تحذف الألف منه عند ~~دخول لام التعريف عليه فإن تعرى منها ، كقولك : يا رحمان الدنيا ورحيم ~~الآخرة أثبتت الألف فيه . PageV01P246 # ويماثل ذلك اختيارهم أن يكتب الحارث بحذف الألف مع لام التعريف وبإثباتها ~~عند التنكير لئلا يشتبه بحرث . # ومن قبيل ms127 ما تثبت الألف فيه في موطن ، وتحذف في موطن : صالح ومالك وخالد ~~، فتثبت الألف فيها ، إذا وقعت صفات كقولك : زيد صالح ، وهذا مالك الدار ، ~~والمؤمن خالد في الجنة . # وتحذف الألف منها إذا جعلت أسماء محضة . # ومن شذور هذا السمط أيضا أنهم يكتبون هاذاك وهاتاك بحذف الألف ، مقايسة ~~على حذفها في هذا وهذه ، ويوهمون فيه ، لأن ها التي للتنبيه لما وصلت بذا ~~جعلا كالشيء الواحد ، فحذفت الألف من ها لهذه العلة ، فإذا اتصلت بالكلمة ~~كاف الخطاب استغني بها عن حرف التنبيه ، فوجب لذلك فصله عن اسم الإشارة ~~وإثبات الألف فيه . # فأما ثلاث ، فإن أفرد كقولك : بعت من النوق ثلاثا كتب بالألف لاتقاء ~~اللبس فيه بثلث ، وإن أضيف أو وصف كقولك : حلبت ثلث نوق ، وما فعلت النوق ~~الثلث ، كتب بحذف الألف لارتفاع اللبس فيه ، وكذلك تكتب ثلثة وثلثين بحذف ~~الألف لأن علامة الجمع الملتحقة بآخرهما منعت من إيقاع اللبس فيهما . # ومما يوهمون فيه كتبهم الحياة والصلاة والزكاة بالواو في كل موطن ، وليس ~~ذلك على عمومه لوجوب إثبات الألف فيها عند الإضافة ومع التثنية ، كقولك : ~~حياتك وزكاتك وصلاتك وصلاتان وزكاتان ، وإنما فعل ذلك لأن الإضافة والتثنية ~~فرعان على المفرد ، وقد يجوز في الأصل ما لا يجوز في الفرع . # [ 218 ] ومن ذلك أنهم يكتبون كلما موصولة في كل موطن ، والصواب أن تكتب ~~موصولة إذا كانت بمعنى كل وقت ، كقوله تعالى : @QB@ كلما أوقدوا نارا للحرب ~~أطفأها الله @QE@ . # وإن وقعت ما المقترنة بها موقع الذي كتبت مفصولة ، نحو كل ما PageV01P247 ~~عندك حسن ، لأن تقديره : كل الذي عندك حسن ، وكذلك حكم إن وأين وأي ، إذا ~~اتصلت بهن ما التي هي بمعنى الذي كتبن مفصولة ، كقولك : إن ما عندك حسن ، ~~وأين ما كنت تعدني وأي ما عندك أفضل لأن تقدير الكلام : إن الذي عندك حسن ، ~~وأين الذي كنت تعدني وأي الذي عندك أفضل # وإن وقعت ما موقع الصلة ، أو كافة لإن عن العمل كتبت موصولة ، كما كتبت ~~في قوله تعالى : @QB@ أيما الأجلين قضيت @QE@ @QB@ إنما الله إله واحد @QE@ ~~@QB@ أينما ms128 تكونوا يدرككم الموت @QE@ ، لأن تقدير الكلام إن الله إله واحد ~~، وأي الأجلين قضيت ، وأين تكونوا . # وأما حيثما فالاختيار أن تكتب موصولة ، لأن ما لا تقع بعدها موقع الاسم ، ~~وكذلك طالما وقلما لأن ما فيهما صلة ، بدليل شبههما بربما في أن الفعل لم ~~يكن يلي إحداهما إلا بعد اتصالهما بما ، وقد جوز في نعما وبئسما أن تكتبا ~~مفصولتين وموصولتين إلا أن الاختيار في نعما الوصل ، لالتقاءه الحرفين ~~المتماثلين فيها بخلاف بئس ما . PageV01P248 # وأما إذا التحقت ما بلفظة : في فإن كانت للاستفهام حذفت ألفها ، وكتب : ~~فيم رغبت وفيم جئت . # وإن كانت بمعنى الذي وصلت وأثبت ألفها ، فتكتب : رغبت فيما رغبت . # وتكتب عما موصولة كما كتبت في قوله تعالى : @QB@ عما قليل @QE@ إلا أن ~~تكون استفهامية كمجيئها في قوله تعالى : @QB@ عم يتساءلون @QE@ فتكتب بحذف ~~الألف . # وتكتب كيما موصولة ، وكي لا مفصولة لأن ما المتصلة بها لم تغير معنى ~~الكلام ولا الملتحقة بها غيرت معناها . # وأما من إذا اتصلت بلفظة كل أو بلفظة مع لم تكتب إلا مفصولة ، وإنما كتبت ~~موصولة في عمن وممن لأجل إدغام النون في الميم ، كما أدغمت في عما ، وفي إن ~~الشرطية إذا وصلت بما فصارت إما . # ومن ذلك أنهم إذا ألحقوا لا بإن حذفوا النون في كل موطن ، وليس ذلك على ~~عمومه ، بل الصواب أن يعتبر موقع أن ، فإن وقعت بعد أفعال الرجاء والخوف ~~والإرادة كتبت بإدغام النون ، نحو رجوت ألا تهجر ، وخفت ألا تفعل ، وأردت ~~ألا تخرج ، وإنما أدغمت النون في هذا الموطن لاختصاص أن المخففة في الأصل ~~به ووقوعها عاملة فيه ، فاستوجبت إدغام النون بذلك ، كما تدغم النون في إن ~~الشرطية عند دخول لا عليها ، وثبوت حكم عملها على ما كان عليه قبل دخولها . # فتكتب : إلا تفعل كذا يكن كذا . # وإن وقعت أن بعد أفعال العلم واليقين أظهرت النون لأن أصلها في هذا ~~الموطن أن المشددة PageV01P249 وقد خففت ، وذلك في مثل قوله تعالى : @QB@ ~~أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا @QE@ وكذلك إن وقع بعد لا اسم ، نحو : علمت ~~أن ms129 لا خوف عليه ، لأن التقدير في الموطنين أنه لا يرجع إليهم قولا ، وأنه ~~لا خوف عليه ، وإن كان وقوعها بعد أفعال الظن والمخيلة جاز إثبات النون ~~وإدغامها لاحتمالها في هذا الموطن أن تكون هي الخفيفة في الأصل والمخففة من ~~الثقيلة ، ولهذا قرئ : @QB@ وحسبوا ألا تكون فتنة @QE@ بالرفع والنصب ، فمن ~~نصب بها أدغم النون في الكتابة ، ومن رفع أظهرها . # وكذلك لا يفرقون في الكتابة بين موطني لا الداخلة على هل وبل ، وقد فرق ~~بينهما العلماء بأصول الهجاء ، فقالوا : تكتب هلا موصولة وبل لا مفصولة ، ~~وعللوا ذلك بأن لا لم تغير معنى بل لما دخلت عليها ، وغيرت معنى هل ، ~~فنقلتها من أدوات الاستفهام إلى حيز التحضيض ، فلذلك ركبت معها ، وجعلتا ~~بمنزلة الكلمة الواحدة . # [ 219 ] ومن أوهامهم في الهجاء أنهم لا يفرقون بين ما يجب أن يكتب بواو ~~واحدة وما يكتب بواوين ، ولا يميزون بين هذين النوعين . # والاختيار عند أرباب هذا العلم أن يكتب داود وطاوس وناوس بواو واحدة ~~للتخفيف ، وكذلك يكتب مسؤول ومشؤوم ومسؤوم بواو واحدة للاستخفاف أيضا ، وأن ~~يكتب ذوو بواوين لئلا يشتبه بكتابه PageV01P250 واحده ، وهو ذو ، وأن يكتب ~~بواوين مدعوون معزوون ونظائرهما مما لحقته واو الجمع وقبل الواو الأولى منه ~~ضمة ، فأما سؤول ويؤوس وشؤون ورؤوس وموؤودة ، فالأحسن أن يكتبن بواوين ، ~~ومنهم من كتبها بواو واحدة . # وأما قبيل الأفعال فتكتب جاؤا وباؤا وشاؤا ونظائرها بواو واحدة ، وجوز أن ~~يكتب @QB@ يلوون ألسنتهم @QE@ و @QB@ هل يستوون @QE@ بواوين وواو واحدة ، ~~فإن اجتمع في الكلمة واوان وانفتحت الواو الأولى منها نحو احتووا واستووا ~~واكتووا ولووا رؤوسهم فأووا إلى الكهف كتبت بواوين لأن بين الواوين ألفا ~~محذوفة ، إذ أصل الكلمة قبل التحاق ضمير الجمع بها احتوى واستوى واكتوى ، ~~فكتبت بواوين لتدل الواو الثانية على الألف المحذوفة . # ونظير ذلك أنه يكتب فوعل من وارى وشاور وعاود وطاوع بواوين ، نحو ووري ~~وشوور وعوود وطووع ، ليعلم بذلك أن إحدى الواوين أصلية والأخرى المنقلبة عن ~~ألف فاعل ، وكذلك يجب إبرازها في اللفظ بأن يلبث على الأولى منها لبثة ما ms130 ، ~~ثم يلفظ بالثانية ، وعلى هذا ينشد بيت جرير : # ( بان الخليط ولو طووعت ما بانا % وقطعوا من جبال الوصل أقرانا ) # ومن انشده ولو طوعت بالإدغام كان لاحنا كما أن من كتبها بواو واحدة فقد ~~أخطأ خطأ فاحشا شائنا . PageV01P251 # [ 220 ] ومن أوهامهم في الهجاء أنهم يخبطون خبط العشواء فيما يكتب من ~~الأسماء المقصورة بالألف وفيما يكتب بالياء . # والحكم فيه أن تعتبر الألف التي في الاسم المقصور الثلاثي ، فإن كانت ~~منقلبة عن واو كتب ذلك الاسم بالألف ، وإن كانت من ذوات الياء كتب بالياء ، ~~وهذا الحكم أصل لا ينكسر قياسه ، ولا يهي أساسه ، والمعتبر فيه بالتثنية ~~والجمع وبتصرف الفعل المأخوذ منه ، فعلى هذا يكتب العصا والقفا بالألف ~~لقولك في الفعل منهما : عصوت وقفوت ، وفي تثنيتهما عصوان وقفوان ، ويكتب ~~الحمى والحصى بالياء لقولك فيهما : حميت وحصيت ، ولقولك في تثنية حمى : ~~حميان ، وفي جمع حصى : حصيات ، وإن زاد المقصور على الثلاثي كتب بالياء على ~~كل حال ، نحو ملهى ومرمى ومبنى ومعلى ومعافى ومنادى ومثنى إلا ان يكون قبل ~~آخره ياء ، فيكتب بالألف لئلا يجمع بين يائين وذلك نحو العليا والدنيا ~~والمحيا والرؤيا ، ولم يشذ منه إلا يحيى إذا كان اسما فإنه يكتب بالياء ~~ليفرق بينه ويبن يحيا الواقع فعلا . # وإنما كتب جميع الأسماء المقصورة إذا تجاوزت الثلاثي بالياء ، ولم يفرق ~~فيها بين ما أصله الواو نحو ملهى ، وما أصله الياء نحو مرمى لأن جمعيهما ~~يثنى بالياء ولم يشذ منه إلا PageV01P252 قولهم للمتوعد : جاء ينفض مذرويه ~~، فثنوا مذرى وهو طرف الألية بالواو ، لأجل أنه حين لم يلفظ بمفرده ميز عن ~~نوعه . # وحكم ما يكتب من الأفعال المعتلة بالألف والياء مثل حكم الأسماء المقصورة ~~، ومعتبره أنه إذا كان الفعل ثلاثيا رددته إلى نفسك ، فإن وقعت الياء قبل ~~تاء المتكلم كتب بالياء نحو قضى وحمى بدليل قولك : قضيت وحميت ، وإن وقعت ~~الواو قبل تاء المتكلم كتبت بالألف نحو رجا وعدا ، لقولك : رجوت وعدوت ، ~~ولهذه العلة كتب جميع ما زاد من الأفعال المعتلة على الثلاثي بالياء ، نحو ~~أوفى واشترى ms131 واستقصى ، لقولك فيها : أوفيت واشتريت واستقصيت ، اللهم إلا أن ~~يكون قبل آخره ياء فيكتب بالألف ، لئلا يوالى بين يائين ، وذلك في مثل : هو ~~يعيا بالأمر ، وقد استحيا الرجل . # فأما كلا وكلتا فعند النحويين أن كلا تكتب بالألف إلا إذا أضيفت إلى مضمر ~~في حالتي النصب والجر كقولك : رأيت الرجلين كليهما ، ومررت بالرجلين كليهما ~~، وأن كلتا PageV01P253 تكتب بالياء إلا أن تضاف إلى مضمر في حالة الرفع ، ~~كقولك : جاءت الهندان كلتاهما ، وإنما فرق بين كلا وكلتا ، لأن كلتا رباعية ~~، وأبو محمد بن قتيبة ساوى بينهما ، وأجرى كتابة كلتا مجرى كتابة كلا على ~~ما بين من قبل . # [ 221 ] ومما يجب أن يكتب موصولين ثلثمائة وستمائة ، والعلة في ذلك أن ~~ثلثمائة حذفت ألفها فجعل الوصل فيها عوضا من الحذف ، وأن ستمائة كان أصلها ~~سدسا فقلبت السين تاء ، وجعل الوصل عوضا من الإدغام . # [ 222 ] ومما عدلوا فيه عن رسوم الكتابة وسنن الإصابة أنني وجدت كتابا ~~أنشيء عن ديوان الخلافة القادرية إلى أحد الأمراء البويهية ، وقد كتب ~~المنشئ في أوله وآخره : سلام عليك ورحمة الله وبركاته بتنكير السلام في ~~الطرفين والتسوية بينهما في الموطنين ، والاختيار عند جلة الكتاب المبرزين ~~وأعلام الكتابة المميزين أن يكتب في صدر الكتاب منكرا ، وفي آخره معرفا لأن ~~الاسم النكرة إذا أعيد ذكره وجب تعريفه كما في القرآن : @QB@ كما أرسلنا ~~إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول @QE@ ولهذه العلة اختار بعض الفقهاء أن ~~يتلى في تحيات الصلاة السلام الأول منكرا والثاني معرفا . # قال الشيخ الرئيس الإمام أبو محمد القاسم بن علي رضي الله عنه : فهذه ~~الأوهام في الهجاء أثبتها عن العيان والتقطتها من كتب جماعة من الأعيان ، ~~ولعل خواطرهم هفت PageV01P254 بها نسيانا ، وأقلامهم خطرفت بها طغيانا ، ~~على أني لم أقصد بما ألفته من هذا الكتاب ، وفتحت به من مغالق الصواب ، أن ~~أندد بهفوات الأوهام ، وعثرات الأقلام ، وأنى يعتمد ذلك لبيب ، وهل يتبع ~~المعايب إلا معيب # ( ومن ظن ممن يلاقي الحروب % بأن لن يصاب فقد ظن عجزا ) # وأنا أرجو أن يقع هذا الكتاب إلى ms132 من يستر المعيبة ، ويدرأ بالحسنة السيئة ~~، وأن أكفى إفراط من ينطق عن الهوى ، ويجهل أن لكل امرئ ما نوى . # ومن الله تعالى أستلهم التوفيق للمقال ، المتعلق بالإصابة للفعال ، ~~المجتلب حسن الإثابة ، إنه بكرمه ولي الإجابة . # تم الكتاب بحمد الله تعالى ويليه ملحق مفردات أوهام الخواص PageV01P255 ~~PageV01P256 & باب الألف & # [ 1 ] أرب : # من قبيح أوهامهم أنهم يجمعون الإرب ، وهو العضو ، على إرب فيقولون : ~~قطعته إربا إربا ( بفتح الراء ) ، أي أجزاء ، فيقعون في الوهم والصواب أن ~~يقال : قطعته إربا إربا ( بتسكين الراء ) ، أي عضوا عضوا ، لأن الإرب يجمع ~~على آراب وليس على إرب . # ومن أوهامهم أنهم يطلقون على مكان عرض الأشياء ، معرض ( بفتح الراء ) ، ~~وعلى مكان اللقاء ، موعد ( بفتح العين ) ، والصواب أن يقال : معرض وموعد ( ~~بخفض الراء والعين ) ، والعلة في ذلك أن اسم الزمان والمكان يؤتى بهما من ~~الفعل الثلاثي على وزن مفعل ، إذا كان الفعل صحيحا مكسور العين في المضارع ~~، نحو : عرض يعرض معرض ، أو إن كان الفعل مثالا واويا ، نحو : وعد يعد موعد ~~. # [ 2 ] أم س : # ويقولون : رأيته أمسا ، تشبيها بقولهم : رأيته البارحة ، فيوهمون لأن ~~لفظة أمس التي تعني PageV01P257 اليوم الذي قبل يومك مباشرة لا تبنى على ~~الفتح بحال إن كانت بهذا المعنى . # وللعرب فيها ثلاث لغات : # أولاها : البناء على الكسر مطلقا ، وهو لغة أهل الحجاز ، فيقولون : مضى ~~أمس بما فيه وزرته أمس ، وعجبت من أمس : أي بالرفع والنصب والجر على ~~التوالي . # ومنه قول الشاعر : # ( منع البقاء تقلب الشمس % وطلوعها من حيث لا تمسي ) # ( اليوم أعلم ما يجيء به % ومضى بفعل قضائه أمس ) # والثانية : إعرابه إعراب ما لا ينصرف في حالة الرفع فقط ، وبناؤه على ~~الكسر في حالتي النصب والجر وهي لغة جمهور بني تميم ، فيقولون : ذهب أمس ( ~~بغير تنوين ) ، وقابلته أمس ، وعجبت من أمس ، فيكسرونه فيهما . # والثالثة : إعرابه إعراب ما لا ينصرف مطلقا ، ومنه قول الشاعر : # ( لقد رأيت عجبا مذ أمسا % عجائزا مثل السعالي خمسا ) # ( يأكلن ما في رحلهن همسا % لا ترك الله لهن ضرسا ) # أما إذا أريد بأمس يوم من ms133 الأيام الماضية ، أو إذا دخلته أل التعريف ، أو ~~إذا جمع ، أو إذا أضيف أعرب بإجماع ، ومنه قوله تعالى : @QB@ فجعلناها ~~حصيدا كأن لم تغن بالأمس @QE@ . # فالكسرة في أمس كسرة إعراب لدخول أل التعريف عليها مع وجود PageV01P258 ~~حرف الجر . # ونظيره قول الشاعر : # ( مرت بنا أول من أموس % تميس فينا ميسة العروس ) # وأموس : جمع أمس ، وهي مجرورة بالكسرة لهذا السبب . # وقول نصيب بن رباح : # ( فإني وقفت اليوم والأمس قبله % ببابك ، حتى كادت الشمس تغرب ) # والشاهد في لفظة أمس ، أنه ظرف معرب لدخول أل التعريف عليه . & باب الباء ~~& # [ 3 ] ب ل ط : # ومن أوهام بعض المتحذلقين من الخواص أنهم يفرقون بين البلاط ( بفتح الباء ~~) والبلاط ( بخفضها ) فيوهمون بأن الأول هو قصر الملك والثاني هو ما ترصف ~~به الأرض من حجارة وآجر . # والصحيح أنه لا وجود للفظة بلاط في العربية ، فكلا اللفظين ورد في جميع ~~المعاجم بفتح الباء ، ومنه قول أبي داود الإيادي : # ( ولقد كان والكتائب خضر % وبلاط يشاد بالأجرون ) # ومن أوهامهم في هذا الباب أيضا أنهم يطلقون على المكان المتسع من الأرض ~~لفظة منطقة ( بفتح الميم وخفض الطاء ) ، وعلى النطاق الذي تنتطق به المرأة ~~لفظة منطقة ( بخفض الميم وفتح الطاء ) ، فيوهمون ، لأنه لا وجود للفظة ~~الأولى في العربية ، فالمنطقة هي المكان المتسع والنطاق معا ، والجمع مناطق ~~، وقد ورد في اللسان أن المنطقة هي شبه إزار فيه تكة تنتطق به المرأة . # وقيل : إن هاجر أم إسماعيل عليهما السلام هي أول من اتخذت النطاق . # ويقال لأسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما ، ذات النطاقين ، لأنها ~~كانت تطارق نطاقين ، تلبس أحدهما ، وتحمل في الآخر الزاد إلى سيدنا رسول ~~الله PageV01P259 صلى الله عليه وسلم ، وأبي بكر رضي الله عنه ، وهما في ~~الغار . # ومنه قول جرير في هجاء بني تغلب : # ( والتغلبيون ، بئس الفحل فحلهم % قدما ، وأمهم زلاء منطيق ) # ( تحت المناطق أشباه مصلبة % مثل الدوي بها الأقلام والليق ) & باب التاء ~~& # [ 4 ] ت أ م : # ويقولون : أنجبت زوجة فلان توأما فيغلطون ، ذلك أن التوأم هو كل جنين ولد ~~مع غيره ms134 من بطن واحد ، في الإنسان كما في الحيوان ، سواء أكانا اثنين أو ~~أكثر ، والجمع توائم وتؤام . # فإن كان أحدهما ذكرا والآخر أنثى ، قيل : هذا توأم تلك ، وتلك توأمة هذا ~~، فهما معا توأمان . # والشاهد على التذكير قول عنترة : # ( بطل كأن ثيابه في سرحه % يحذى نعال السبت ليس بتوأم ) # وشاهد التأنيث قول الأخطل بن ربيعة : # ( وليلة ذي نصب بتها % على ظهر توأمة ناحلة ) # أما شاهد الجمع على توائم ، فقول المرقش : # ( يحلين ياقوتا وشذرا وصيعة % وجزعا ظفاريا ودرا توائما ) PageV01P260 ~~وشاهد الجمع على تؤام ما أنشده ابن سيدة من قول الشاعر : # ( قالت لنا ودمعها تؤام % على الذين ارتحلوا السلام ) & باب الجيم & # [ 5 ] ج ر ر : # ومن أوهامهم التي لا تغتفر ، استعمال حروف الجر الواحد مكان الآخر مما ~~يشوه المعنى ، فيقولون : خطب المرأة من ذويها . # والصواب أن يقال : خطب المرأة إلى ذويها . # ويقولون : أجاب على سؤاله . # والصواب أن يقال : أجاب عن سؤاله . # ويقولون : جلس على المائدة ، والصواب أن يقال : جلس إلى المائدة . # ويقولون في الدعاء : رضي الله عليك ، والأفصح أن يقال : رضي الله عنك . # ومما يندرج في هذا الإطار قولهم : توضأت ومن ثم صليت ( بضم الثاء ) ، ~~ويعنون ، بعد ذلك ، فيقعون في الوهم ، لأنهم أدخلوا حرف الجر على حرف العطف ~~، الأمر الذي لا تسمح به اللغة . # والصواب أن يقال : توضأت ومن ثم صليت ( بفتح الثاء ) ، لأن الظرف ( ثم ) ~~يسمح بدخول حرف الجر عليه ، ومنه قول الشاعر : # ( نعاقرهم من دنان الخمور ، ومن ثم يسكرهم من شدا ) # ورب متسائل يقول : كيف لا تسمح اللغة بدخول الحرف على الحرف ، في حين ~~أدخل الشاعر حرف الجر على ، على الحرف المشبه بالفعل أن في قوله : # ( فوالله لا أنسى قتيلا رزئته % بجانب قوسي ما بقيت على الأرض ) ~~PageV01P261 # ( على أنها تعفو الكلوم ، وإنما % نوكل بالأدنى إن جل ما يمضي ) # لهذا المتسائل نقول : إن حرف الجر على هو في هذا الشاهد حرف جر شبيه ~~بالزائد ، وبالتالي فهو غير متعلق بشيء ، وقد أتى به الشاعر بقصد الاستدراك ~~أي بمعنى لكن ، ومثله في الشعر كثير ، ومنه ms135 قول الشاعر : # ( بكل تداوينا فلم يشف ما بنا % على أن قرب الدار خير من البعد ) # ( على أن قرب الدار ليس بنافع % إذا كان من تهواه ليس بذي ود ) # ونظيره السماح بإدخال حرف الجر من على حرف الجر على بحيث يصير الأخير ~~اسما للاستعلاء بمعنى فوق ، كأن تقول : خطب الخطيب من على المنبر ، أي من ~~فوقه ، ومنه قول الشاعر : # ( غدت من عليه بعدما تم ظمؤها % ) # [ 6 ] ج ن ز : # ومن أوهامهم أيضا أنهم لا يفرقون بين الجنازة ( بالفتح ) والجنازة ( ~~بالخفض ) ، وقد تباينت آراء اللغويين حولهما ، فقال بعضهم : كلاهما بمعنى ، ~~وتعنيان الميت . # وقال بعضهم الآخر : الجنازة ( بالخفض ) تعني الميت على سريره ، فإن لم ~~يكن عليه فهو النعش . # وقال آخرون : الجنازة ( بالخفض ) هو السرير الذي يحمل عليه الميت . # والصواب أن الجنازة ( بالخفض ) هي الجثة ، وتقول العرب : ضرب الرجل حتى ~~ترك جنازة ، أي جثة هامدة ، ومنه قولم الكميت يذكر النبي صلى الله عليه ~~وسلم . # ( كان ميتا جنازة خير ميت % غيبته حفائر الأقوام ) # واستعار بعض مجان العرب الجنازة لزق الخمر الفارغ ، فقال عمرو بن قعاس : # ( وكنت إذا أرى زقا مريضا % يناح على جنازته ، بكيت ) # وأما الجنازة ( بالفتح ) فتطلق على وجود الميت داخل سريره ، فهما معا ~~جنازة ، فإن PageV01P262 انفصلا ، فواحدهما جنازة ( بالخفض ) والآخر نعش ~~وهو الآلة الحدباء التي كنى عنها كعب بن زهير بقوله : # ( كل ابن أنثى وإن طالت سلامته % يوما على آلة حدباء محمول ) # وجميع ما تقدم مأخوذ من الفعل جنز الشيء يجنزه جنزا ) أي ستره . # ومما يذكر أن النوار لما احتضرت أوصت أن يصلي عليها الحسن رضي الله عنه ، ~~فقيل له ذلك ، فقال : إذا جنزتموها فآذنوني ، والمعنى : إذا كفنتموها بعد ~~الغسل ووضعتموها في النعش بحيث تصير جنازة فارسلوا في طلبي . # [ 7 ] ج ه ز : # ويقولون لما يحمله المسافر ، ولما تحمله العروس معها إلى بيتها من متاع ~~مما تحتاج إليه : جهاز ( بخفض الجيم بدل فتحها ) فيوهمون لأن الجهاز ( ~~بالخفض ) هو الآلة كالهاتف والمذياع والمرياء ، بينما الصواب أن يقال جهاز ~~العروس ( بالفتح ) . # ويقول الليث : سمعت أهل ms136 البصرة يخطئون الجهاز بالكسر . # وقال الأزهري : القراء كلهم على فتح الجيم في قوله تعالى : @QB@ فلما ~~جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه @QE@ وبالكسر لغة رديئة . # ومنه قول الشاعر : # ( تجهزي بجهاز تبلغين به % يا نفس قبل الردى ، لم تخلقي عبثا ) # ومما يندرج في هذا الباب من استبدالهم الفتحة بالكسرة ، قولهم للعرق الذي ~~يخرج من الورك فيستبطن الفخذ ثم يمر بالعرقوب حتى يبلغ الحافر أو القدم ، ~~عرق النسا ( بخفض النون ) ، وهو وهم ظاهر لأن النسا والنساء تعني النسوة ، ~~وهو جمع امرأة ، والصواب أن يقال عرف النسا ( بفتح النون ) ، ومنه قول لبيد ~~: PageV01P263 # ( من نسا الناشط إذ ثورته % أو رئيس الأخدريات الأول ) # ونظيره قول فروة : # ( لما رأيت ملوك كندة أعرضت % كالرجل ، خان الرجل عرق نسائها ) & باب ~~الحاء & # [ 8 ] ح ر ج : # ومن قبيح أوهامهم تسميتهم الأشجار الكثيفة الملتفة الضيقة المسالك ، ~~الحرش ( بالشين ) ، والصواب أن يقال الحرج ( بالجيم ) ، والجمع أحراج ، ~~وحراج وحرجات ومنه قول ابن ميادة : # ( ألا طرقتنا أم أوس ودونها % حراج من الظلماء يعشى غرابها ) # وقول الشاعر : # ( أيا حرجات الحي يوم تحملوا % بذي سلم ، لا جادكن ربيع ) # والحرج والحرجة والحراج ، جميعه مأخوذ من الفعل ، حرج صدره يحرج حرجا ، ~~أي ضاق ، ومنه قوله تعالى : @QB@ ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا @QE@ ~~. # أما الفعل حرش الكلاب ( بالشين ) ، يحرشها حرشا وتحريشا ، فهو تهييج ~~بعضها على بعض لحملها على القتال . # وفي الحديث أنه نهى عن التحريش بين البهائم ، ومنه قول العجاج : ~~PageV01P264 # ( وكأن أصوات كلاب تحترش % هاجت بولوال ولجت في حرش ) # ومثيله في الوهم تسميتهم المكان الذي يدور فيه الرقص والغناء والتمثيل : ~~مسرحا ، والصواب أن يقال له : المرسح ، والجمع مراسح ، لأن المسرح هو ~~المكان الذي تقصده السارحة ، أي الماشية ، بالغداة للرعي ومنه ما جاء في ~~رسالة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أكيدر دومة الجندل : لا تعدل ~~سارحتكم ولا تعد فاردتكم . # أي لا تصرف ماشيتكم عن مرعى . # أما المرسح ، فهو المكان المستوي ، ولذا سمي المرسح مرسحا ، وهو مأخوذ من ~~الرسح ، أي خفة لحم الإليتين ولصوقهما ، والرسحاء ms137 من النساء ، هي الزلاء ~~الضامرة العجيزة بحيث تصير مستوية مع استقامة الظهر . # وفي الحديث : لا تسترضعوا أولادكم الرسح ولا العمش فإن اللبن يورث الرسح ~~. & باب الخاء & # [ 9 ] خ ط ب : # ومن أوهامهم أنهم لا يفرقون بين الخطبة ( بضم الخاء ) والخطبة ( بخفضها ) ~~، فالأولى من قولك : خطب الرجل على المنبر يخطب خطبة ، والجمع خطب ، وهو ~~اسم كلام الخطباء . # والثانية من قولك : خطب الرجل المرأة إلى ذويها ، يخطبها خطبة وخطيبى ، ~~أي رغب في الاقتران بها ، والجمع خطاب . # ومنه قول عدي بن زيد يذكر خطبة الزباء بجذيمة الأبرش التي أجابته ثم خاست ~~بالعهد فقتلته . # ( لخطيبى التي غدرت وخانت % وهن ذوأت غائلة لحينا ) # ومن أوهامهم في هذا الباب أنهم يطلقون على الواحدة من عظام عمود الظهر ، ~~PageV01P265 وكذلك على المقطع من صفحة الكتاب لفظة فقرة ( بفتح القاف ) ~~فيوهمون ، لأن الفقرة جمع فقير نحو : بررة ، وعجزة ، وعبدة ، والصواب أن ~~يقال فقرة ( بتسكين القاف ) أو فقرة ( بخفض الفاء وتسكين القاف ) والجمع ~~فقر وفقار ، ومنه قولهم : لا فتى إلا علي ، لا سيف إلا ذو الفقار . & باب ~~السين & # [ 10 ] س و ف : # ومن أقبح أوهام جمهرة من كتاب العصر قولهم : سوف لن أفعل ذلك ، وسوف لا ~~أفعل ذلك ، فيفصلون بين سوف والفعل ب لا ولن وسواهما ، وهذا مالا تجيزه ~~اللغة . # ذلك أن السين وسوف حرفان يختصان بالمضارع ويمحضانه للاستقبال ، ولا يجوز ~~أن يفصل بينهما وبين الفعل فاصل . # فإذا أردت الحال قلت : أنا أسافر . # وإذا أردت الاستقبال قلت : أنا سأسافر ، أو سوف أسافر . # وإذا أردت النفي قلت : لن أسافر غدا . # ورب معترض على هذه القاعدة بقوله تعالى : @QB@ ولسوف يعطيك ربك فترضى ~~@QE@ . # ونجيب هذا المعترض بالقول : إن لام التوكيد دخلت على الفعل لا على الحرف ~~، لأن العرب اشتقت من سوف فعلا فقالت : سوفت الرجل تسويفا ، أي ماطلته ~~وصبرته . # ومنه ما ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن المسوفة من ~~النساء ، وهي التي لا تجيب زوجها إذا دعاها إلى فراشه . # ونظيره ما أنشده سيبويه لابن مقبل : # ( لو سوفتنا بسوف من ms138 تجنبها % سوف العيوف ، لراح الركب قد قنعوا ) # [ 11 ] س ي ح : PageV01P266 # ومن أوهامهم أنهم يجمعون سائحا على سواح ، وهم الضاربون في الأرض للتفرج ~~والنزهة . # وهذا وهم ظاهر ، والصواب أن يقال : سياح ، لأنه مشتق من الفعل : ساح ~~الماء يسيح سياحة ، إذا جرى على وجه الأرض . # ومنه قول الفرزدق : # ( وكم للمسلمين أسحت فيهم % بإذن الله من نهر ونهر ) # ونظيره في الاشتقاق قولهم : هذا مكتب لتعليم السواقة ، يعنون قيادة ~~السيارات ، فيخطئون . # والصواب أن يقال : مكتب لتعليم السياقة ، لأنها من الفعل : ساق السيارة ~~يسوقها سياقة ، نحو : قاد يقود قيادة ، وحاك يحوك حياكة ، وصاغ يصوغ صياغة ~~. # وفي المثل قولهم : إليك يساق الحديث ، وقولهم : هو يسوق الحديث أحسن سياق ~~. & باب الشين & # [ 12 ] ش ر ب : # ويقولون لشعر السبلة شارب ، فيوهمون . # والصحيح أن يقال : شاربان وفي ذلك يقول سيبويه : وبعضهم يسمي السبلة كلها ~~شاربا واحدا ، وليس بصواب ، وهو من الواحد الذي فرق فجعل كل واحد منه شاربا ~~، والجمع شوارب . # ونظيره قولهم : انتعل خفه ونعله وسبته ، فيفردونها ، والصواب أن تثنى ~~جميعا فيقال : انتعل خفيه ونعليه وسبتيه ، كما قال سيدنا محمد ، صلى الله ~~عليه وسلم ، عندما شاهد رجلا بين القبور في سبتيه : يا صاحب السبتين اخلع ~~سبتيك . # ونظيره ما جاء في تثنية الخف قولهم في المثل : عاد بخفي حنين . # ومنه PageV01P267 قول الشاعر : # ( يا ليت لي نعلان من جلد الضبع % وشركا من استها لا ينقطع ) # ومما يستطاب ذكره في هذا المقام ، أن أعرابيا دخل على معن بن زائدة ، ~~وكان يومئذ أميرا على العراق ، وهو ينوي أن يختبر حلمه ، فأنشده يذكره ~~بأيام فقره وقلة ماله قبل أن يصير أميرا : # ( أتذكر إذ لحافك جلد شاة % وإذ نعلاك من جلد البعير ) # فلم يغضب الأمير من الأعرابي كما توقع جلساؤه ، وأجاب الشاعر بقوله : بلى ~~، أذكر ذلك ولا أنساه . # فتابع الأعرابي قوله : # ( فسبحان الذي أعطاك ملكا % وعلمك الجلوس على السرير ) # فقال معن : يا أخا العرب ، وشأنك في الأمير فقال الأعرابي : # ( سأرحل عن بلاد أنت فيها % ولو جار الزمان على الفقير ) # فقال معن : يا أخا العرب ms139 : إن جاورتنا فمرحبا بك ، وإن رحلت فمصحوب ~~بالسلامة ، فقال الأعرابي : # ( فجد لي يا ابن ناقصة بشيء % فإني قد عزمت على المسير ) # فقال معن : اعطوه ألف دينار يستعين بها على سفره ، فأخذها الأعرابي وقال ~~: # ( قليل ما أتيت به وإني % لأطمع منك بالمال الكثير ) PageV01P268 # فقال معن : اعطوه ألفا أخرى ، فأخذها الأعرابي وقال : # ( سألت الله أن يبقيك ذخرا % فما لك في البرية نظير ) # فقال معن : اعطوه ألفا آخر . # فقال الأعرابي : أيها الأمير : ما جئتك إلا مختبرا حلمك لما بلغني عنه ، ~~فقد جمع الله فيك من الحلم ما لو قسم على أهل الأرض لكفاهم . # [ 12 ] ش ق ق : # ومن أوهامهم أنهم لا يفرقون بين الشق ( بفتح الشين ) ، ويعني الصدع ، ~~والشق ( بخفض الشين ) ، ويعني المشقة والعنت ، فيضعون هذا مكان ذاك ويقعون ~~في الوهم ، لأن الأول مأخوذ من : شق الجدار يشقه شقا ، أي صدعه وجعل فيه ~~شقوقا . # ومنه قولهم : شق الخوارج عصا المسلمين ، أي فرقوا جمعهم وكلمتهم ، وصدعوا ~~تلاحمهم ووحدتهم . # أما الثاني ( بخفض الشين ) فمأخوذ من شق عليه الأمر يشق شقا ومشقة ، أي ~~ثقل وصعب ومنه قوله تعالى : @QB@ لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس @QE@ أي ~~بالتعب والجهد ، ونظيره قول الشاعر : # ( والخيل قد تجشم أربابها % الشق ، وقد تعتسف الراوية ) # ومثله من الفعل قول شوقي : # ( لحاها الله أنباء توالت % على سمع الولي بما يشق ) PageV01P269 # [ 14 ] ش و ر : # ومن أوهام بعض الخواص قولهم : خرجنا في مشوار إلى منتزه ، وهم يعنون : في ~~نزهة إلى منزه ، فيخطئون مرتين . # الأولى : تسميتهم النزهة بالمشوار ، لأن المشوار هو اسم آلة على وزن ~~مفعال ، نحو : مفتاح ومنشار ، وهو مشتق من الفعل : شار العسل واشتاره ، أي ~~اجتناه من خلاياه . # والمشوار هو الآلة التي يشتار بها العسل ، والشور هو العسل نفسه ، ومنه ~~قول ساعدة بن جؤبة : # ( فلما دنا الإفراد حط بشوره % إلى فضلات مستحير جمومها ) # والمشوار أيضا الهيئة والصورة . # يقال : فلان حسن المشوار ، أي الهيئة ، والأنثى شيرة . # والثانية من أوهامهم في هذه العبارة قولهم لمكان النزهة منتزها ، وهو وهم ~~واضح ، لأن اسم المكان يؤخذ من الفعل ms140 الثلاثي ( نزه ) على وزن مفعل ، أي ~~منزه ، ومنه قول أبي بكر بن زهر الأندلسي : # ( عيش يطيب % ومنزه كالعروس عندما تجلى ) # أما إذا كان الفعل مزيدا ، فإن الزيادة فيه تضاف إلى الموزون ، فنقول في ~~تعثر : متعثر ، وفي تدرج : متدرج ، وفي تنزه : متنزه ، ولا نقول : منتزه . ~~PageV01P270 & باب الصاد & # [ 15 ] ص ل ح : # ويقولون : صلح المعلم موضوع الإنشاء وعمل الحساب ، ويريدون : صحح ، وهذا ~~وهم ظاهر وإن تقارب المعنيان ، لأن التصليح يكون لما فسد أو تعطل من الآلة ~~والشيء ، فتقول : أصلحت السيارة وأعطالها وكذلك صلحتها . # بينما التصحيح يكون لتصويب ما فسد مساره ، كتصحيح الخطأ في الكتابة ~~والقراءة ، وتصحيح المسار والنهج والفكرة . # وأما الإصلاح فيكون في القضايا المعنوية المتعلقة بالنفس والإنسان ومنه ~~قوله تعالى : @QB@ وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما @QE@ ~~والإصلاح خلاف الفساد ، ومنه قوله تعالى : @QB@ الذين يفسدون في الأرض ولا ~~يصلحون @QE@ ، ومنه : إصلاح ذات البين . # ومما يندرج في هذا الإطار قولهم : ضعف المرض جسده ، يريدون أضعفه ، ~~فيقلبون المعنى إلى ضده ، لأن الفعل ضعف يضعف تضعيفا ، وكذلك ضاعف يضاعف ~~مضاعفة ، وواحدها الضعف ( بخفض الضاد ) والجمع أضعاف كلها تعني الزيادة ~~والكثرة ، ومنه قوله تعالى : @QB@ فيضاعفه له أضعافا كثيرة @QE@ . # بينما أضعف يضعف إضعافا وضعفا وضعفا ، وضعفا والواحد ضعيف ، والجمع ضعاف ~~وضعفاء وهي جميعا تعني القلة والنقصان في القوة الجسدية والعقلية ، ومنه ~~قوله تعالى : @QB@ ثم جعل من بعد قوة ضعفا @QE@ . # ونظيره قول الشاعر : # ( ولا أشارك في رأي أخا ضعف % ولا ألين لمن لا يبتغي ليني ) # وأخا ضعف تعني : الضعف في الرأي والعقل . # وأما قول الشاعر : # ( ومن يلق خيرا يغمز الدهر عظمه % على ضعف من حاله وفتور ) PageV01P271 ~~فيعني الضعف في الجسم . # [ 16 ] ص م م : # ويقولون للفتحة التي تصل بين الأذين والبطين داخل القلب ، والتي تنظم ~~عملية مرور الدم في الأوردة والشرايين بانسدادها تلقائيا منعا لعودة الدم ~~في الاتجاه المعاكس ، صمام القلب ( بفتح الصاد وتضعيف الميم ) فيخطئون ، ~~والصواب أن يقال صمام ( بخفض الصاد ومنع التضعيف ) لأن هذا اللفظ هو من ~~الفعل الثلاثي : صم رأس القارورة ، يصمه صما ms141 ، أي سده وجعل له صماما ، أي ~~سدادا . # والصمام هو ما أدخل في فم القارورة . # أما الصمام فهو صيغة المبالغة للرجل الكثير التصميم ، وهو من الفعل ~~الرباعي : صمم على الأمر ، أي ذهب منه على رأيه ومضى ، ونظيره في صفة ~~المبالغة ، علام وقتال وجرار ، ومنه قول حميد : # ( وحصحص في صم الحصى ثفناته % وناء بسلمى نوأة ثم صمما ) # وقد أكثر المحدثون من استخدام هذا اللفظ لكل فتحة تمنع الانفجار كتلك ~~التي تزود بها طناجر الضغط ، والتي تسمح بمرور بخار الماء من خلالها أثناء ~~الغليان منعا للإنفجار . # ومن المجاز استخدام هذا اللفظ كمانع لوقوع الحرب ، ومنه قول الشاعر : # ( يقولون لي : غامرت في كل محنة % وأنت على العلات أقسى وأقدر ) # ( فإن كان صمام الأمان رجوته % وإن كان تضليلا تعود فتنظر ) # ويأتي هذا اللفظ بالسين ( سمام وسم وسم ) بدل الصاد . # وسمام كل شيء وسمه وسمه ، هو خرقه وثقبه ، ومنه سم الخياط في قوله تعالى ~~: @QB@ حتى يلج الجمل في سم الخياط @QE@ أي فتحة الإبرة . # وسمة المرأة : ثقبة فرجها . # وفي حديث الوطء : فأتوا حرثكم أنى شئتم سماما واحدا . # أي من مكان واحد ، وهو الفرج . # وروي صماما واحدا ، وكلاهما بمعنى . # ومنها مسام الجلد : أي ثقبه التي يبرز منها العرق . PageV01P272 & باب ~~الطاء & # [ 17 ] ط ب ع : # ومن أوهام بعض المتحذلقين أنهم يفرقون بين الطابع ( بفتح الباء ) والطابع ~~( بخفضها ) ، فيوهمون بأن الأول هو الطبع والسجية وما فطر عليه الإنسان من ~~الخلال ، بينما الثاني هو ما يلصق على الرسالة . # والصواب أن كليهما بمعنى ، والجمع طباع وطبائع وطوابع ، ومنه قول الشاعر ~~: # ( له طابع يجري عليه وإنما % تفاضل ما بين الرجال الطبائع ) # والطابع والطابع أيضا يعنيان الخاتم ، وهو ميسم الفرائض . # وكل ما طبع أو ختم به . # ومنه ما جاء في حديث الدعاء : اختمه بآمين فإن آمين مثل الطابع على ~~الصحيفة . # ومن أوهامهم في هذا الباب أيضا ، أنهم يفرقون بين الخاتم ( بفتح التاء ) ~~والخاتم ( بخفضها ) فيوهمون بأن الأول هو ما نختم به الرسالة على الطينة ، ~~والثاني ما يلبس في الإصبع . # والصواب أن كليهما بمعنى . # ويقال ms142 ما يلبس في الإصبع أيضا الختم والخيتام والخاتام ، كأنه أول وهلة ~~ختم به فدخل لذلك باب الطابع . # ثم كثر استعماله لذلك وإن كان أعد الخاتم لغير الطبع ، والجمع خواتم ~~وخواتيم . # وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم ، نهى عن لبس الخاتم إلا لذي ~~سلطان ، أي إذا لبسه لغير حاجة وكان للزينة المحضة فكره له ذلك ورخصها ~~للسلطان لحاجته إليها في ختم الكتب والرسائل ، وقيل : لقد جاءه رجل وعليه ~~خاتم حديد ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ما لي أرى عليك حلية أهل ~~النار لأن الخاتم كان من زي الكفار . # ومنه ما قاله الشاعر في الخيتام : PageV01P273 # ( يا هند ذات الجورب المنشق % أخذت خيتامي بغير حق ) # ونظيره في الخاتام قول شاعر بني عقيل : # ( لئن كان ما حدثته اليوم صادقا % أصم في نهار القيظ للشمس باديا ) # ( وأركب حمارا بين سرج وفروة % وأعر من الخاتام صغرى شماليا ) & باب ~~العين & # [ 18 ] ع ق ر : # ومن أوهامهم أنهم يطلقون على البيت أو البستان أو الأرض وما شابهها من ~~الأملاك لفظة عقار ( بخفض العين ) فيوهمون ، لأن العقار هو جمع عقرى ، وهو ~~صفة الأنثى اللازمة لمكانها ، تقول : ناقة عقرى ، ونوق عقار ، نحو عطشى ~~وعطاش ، أي الملازمات لمكانهن المحجوبات عن الرعي ، والأصل من العقر ، أي ~~المنع والحبس والملازمة للشيء ، وهو من الفعل عاقر الشيء معاقرة وعقارا ، ~~أي لزمه ، وبه سميت الخمر عقارا ( بضم العين ) لأنها تعاقر العقل والدن ، ~~أي تلازمهما ، ومنه قول أبي نواس : # ( منع الصوم العقارا % وذرى اللهو فغارا ) # ( أسقني حتى تراني % أحسب الديك حمارا ) # والصواب أن يقال للبيت والأرض عقار ( بفتح العين ) ، ومنه ما جاء في ~~الحديث : من باع دارا أو عقارا ، أي الضيعة والبيت ، والنخل . # ومنه قول طفيل : # ( عقار تظل الطير تخطف زهوه % وعالين أعلاقا على كل مفأم ) # ومن العقار والعقر بمعنى الدار الكبيرة أو القصر قول لبيد بن ربيعة : ~~PageV01P274 # ( كعقر الهاجري إذا ابتناه % بأشباه خذين على مثال ) # [ 19 ] ع ق ص : # ويقولون : عقصته النحلة ، فيوهمون ، والصواب أن يقال : لسعته النحلة ، ~~لأن العقص هو ms143 لغة الالتواء والعطف . # والعقصاء من المعزى ، هي التي التوى قرناها على أذنيها ، والتيس أعقص . # والعقصة والعقيصة : الضفيرة والخصلة من الشعر الملتوية ، والجمع عقص ~~وعقاص وعقائص ، ومنه قول امرئ القيس يصف محبوبته : # ( غدائره مستشزرات إلى العلى % تضل العقاص في مثنى ومرسل ) # حيث وصفها بكثافة الشعر والتفافه . # والعقص : أن تأخذ المرأة كل خصلة من شعرها فتلويها ثم تعقدها حتى يصير ~~فيها التواء ثم ترسلها ، وربما اتخذت عقيصة من شعر غيرها . # وعقصت المرأة شعرها تعقصه عقصا : شدته في قفاها . # والعقص في لغة الشعر يقع في زحاف الوافر ، وهو إسكان الخامس من مفاعلتن ، ~~فيصير مفاعلتن ، ثم تحذف النون منه مع الخرم فيصير الجزء مفعول كقول الشاعر ~~: PageV01P275 # ( لولا ملك رؤوف رحيم % تداركني برحمته هلكت ) # والعقص من الرجال : الألوى ، الصعب الأخلاق ، ومنه حديث ابن عباس : ليس ~~مثل الحصر العقص ، يعني ابن الزبير ، تشبيها لأخلاقه بالقرن الملتوي . # [ 20 ] ع م د : # ومن أوهامهم المشينة أنهم يزيدون حرفا أو ينقصون حرفا من الكلمة كما يفعل ~~العوام . # فمن أمثلة الزيادة تسميتهم للخشبة القائمة وسط الخباء ، وكذلك للعصا ~~ولدعامة المنزل وأشباهها مما يعتمد عليه عامودا ، وهذا وهم ، والصواب أن ~~يقال : عمود وعماد ، والجمع أعمدة وعمد ، ومنه قول الشاعر يكنى عن الخباء : # ( وما أهل العمود لنا بأهل % ولا النعم السآم لنا بمال ) # وقال أبو كبير الهذلي بمعنى العصا : # ( يهدي العمود له الطريق إذا هم % ظعنوا ، ويعمد للطريق الأسهل ) # واسم الجمع عمد ، ومنه قوله تعالى : @QB@ الله الذي رفع السماوات بغير ~~عمد ترونها ثم استوى على العرش @QE@ . # والخباء المعمد : المقام على أعمدة ، ومنه قول طرفة بن العبد : # ( وتقصير يوم الدجن ، والدجن معجب % ببهكنة تحت الخباء المعمد ) # ومن أمثلة إنقاص حرف أنهم يجمعون خضرة وخضراء على خضروات ، ويعنون البقول ~~الخضراء ، فيوهمون . # والصواب أن يقال : خضراوات ، لأن العرب تقول لهذه البقول خضراء ، وهي لا ~~تريد لونها وإنما اسمها ، لذا صار هذا اللفظ اسما لها وليس صفة ، ولو أنه ~~كان صفة لكان جمعه على خضر بإسكان الضاد نحو أزرق وأصفر PageV01P276 وأحمر ~~، فإنها تجمع على زرق وصفر ms144 وحمر ، ومنه قول الشاعر : # ( أيقتلني والمشرفي مضاجعي % ومسنونة زرق كأنياب أغوال ) # وكل مهموز الآخر نحو صحراء وبطحاء وخضراء تقلب همزته في الجمع واوا ، ~~فيقال : صحراوات وبطحاوات وخضراوات ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : ليس ~~في الخضراوات صدقة يعني به الفاكهة الرطبة والبقول . & باب الغين & # [ 21 ] غ ر ق : # ويقولون : أغرق الرجل في الضحك واستغرق ، إذا اشتد ضحكه ولج فيه . # والأفصح أن يقال : استغرب في الضحك ، إذا بلغ الحد والمنتهى . # ففي الحديث : ضحك حتى استغرب ، أي بالغ فيه . # وفي حديث الحسن رضي الله عنه : إذا استغرب الرجل ضحكا في الصلاة ، أعاد ~~الصلاة . # قال : وهو مذهب أبي حنيفة ، ويزيد عليه إعادة الوضوء وفي حديث ابن هبيرة ~~: أعوذ بك من كل شيطان مستغرب : أي المتناهي في الخبث . # ونظيره قول الشاعر : # ( فما يغربون الضحك إلا تبسما % ولا ينسبون القول إلا تخافيا ) ~~PageV01P277 # [ 22 ] غ ي ر : # ويقولون : قبضت ألفا لا غير ، فيوهمون . # والصواب أن يقال : قبضت ألفا ليس غير ، لأن الأصل : ليس المقبوض غير ذلك ~~، فأضمر اسم ليس ، وحذف ما أضيف إليه غير ، وينيت غير على الضم تشبيها لها ~~بقبل وبعد لإبهامها . # ويرى ابن هشام في شرح شذور الذهب أنه من المحتمل أن يكون التقدير : ليس ~~غير ذلك مقبوضا ، ثم حذف خبر ليس وما أضيفت إليه غير ، وتكون الضمة على هذا ~~ضمة إعراب ، ولكنه رجح الوجه الأول . # والعلة في ذلك أنه لا يجوز حذف ما أضيفت إليه غير إلا بعد ليس فقط . # وأما ما يردد على لسان بعض الخواص من قولهم : لا غير ، فلا تتكلم به ~~العرب . & باب الفاء & # [ 23 ] ف ج ج : # ومن أوهامهم أنهم ينعتون ما لم ينضج من الفاكهة بقولهم : فاكهة فجة ( ~~بفتح الفاء ) فيخطئون . # والصواب أن يقال : فاكهة فجة ( بخفض الفاء ) ، لأن الفج من كل شيء هو ما ~~لم ينضج ، ومنه ما قاله رجل من العرب : الثمار كلها فجة في الربيع حين ~~تنعقد حتى ينضجها حر القيظ . # وأما الفج ( بفتح الفاء ) فهو الطريق الواسع بين جبلين ، ومنه قوله تعالى ~~: @QB@ من كل ms145 فج عميق @QE@ والجمع فجاج ، والاسم الفجج ، وهو تباعد ~~الركبتين . # وفج الرجل رجليه ، PageV01P278 وفاج : باعد ما بينهما . # والرجل الأفج : الشديد التباعد بين فخذيه ، وهو عيب في الإنسان ، كالأعرج ~~والأعور والأصك والأحدل ، ومنه قول الشاعر : # ( الله أعطانيك غير أحد لا % ولا أصك أو أفج فنجلا ) & باب القاف & # [ 24 ] ومن أقبح أوهامهم أنهم يبدلون حركة حرف المضارعة في المضاعف ~~فيغيرون المعنى ويقلبون المبنى ، فلا يفرقون بين يقل ( بضم الياء ) ويقل ( ~~بفتح الياء ) ، فالأول من الفعل قل الشيء يقله قلا ، أي حمله ورفعه والثاني ~~من قل الشيء يقل قلا ، فهو قليل ، وهو خلاف كثر ، ومنه حديث ابن مسعود : ~~الربا وإن كثر فهو إلى قل . # ونظيره قول خالد بن علقمة الدارمي : # ( قد يقصر القل الفتى دون همه % وقد كان لولا القل طلاع أنجد ) # ونظيره في استبدال حركات المضارع الفعل يمد والفعل يمد . # فالأول من الامتداد والاستطالة ، كقوله تعالى : @QB@ ويمدهم في طغيانهم ~~يعمهون @QE@ ، والثاني من الإمداد والمساعدة كقوله تعالى : @QB@ ألن يكفيكم ~~أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة @QE@ . PageV01P279 # ومثله الفعلان يعد ويعد . # فالأول من عد الشيء ، والنقود يعد عدا ، بمعنى أحصى وحسب ، ومنه قول أبي ~~ذؤيب : # ( رددنا إلى مولى بنيها فأصبحت % يعد بها وسط النساء الأرامل ) # والثاني من أعد الزاد يعد إعدادا وعدة . # ومنه قولهم : يعد للأمر عدته ، أي يستعد ويتهيأ له . # ومنه قوله تعالى : @QB@ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة @QE@ . # [ 25 ] ق ن ن : # ويقولون لمحبس الدجاج وقفص الدواجن والطير : القن ، فيوهمون ، والصواب أن ~~يقال له : الخم ، لأن القن هو العبد الذي ولد من أب مملوك ، والجمع قنان ~~وأقنة ، ومنه قول جرير : # ( إن سليطا في الخسار إنه % أبناء قوم خلقوا أقنه ) # ومنه أيضا أنهم يطلقون على الحبل الذي يشد به السروال والمنطق . # اسم الدكة ، والصواب أن يقال له التكة . # ويقولون لموجودات المنزل ومتاعه : عفش والصواب أن يقال لها : شوار أو ~~أثاث . # ويقولون للبلعوم : الحنجرة ( بضم الحاء والجيم ) ، والصواب الحنجرة ( ~~بفتحهما ) ، والجمع حناجر ، ومنه قوله تعالى : @QB@ وبلغت القلوب الحناجر ~~@QE@ . # ومن أوهامهم أنهم يسمون رجيع البقر الفلط ms146 . # والصواب أن يقال له الثلط ( بالثاء المعجمة وتسكين اللام ) ، لأن الفلط ~~والفلاط تعنيان الأمر المفاجئ ، ومنه قول المنخل الهذلي : # ( به أحمى المضاف إذا دعاني % ونفسي ، ساعة الفزع الفلاط ) PageV01P280 ~~أي ساعة الفزع المفاجئ . & باب الميم & # [ 26 ] م ن ذ : # ويقولون في جواب من يسالهم عن صديق : ما رأيته منذ وقت طويل ، فيهمون ، ~~لأن مجرور هذا الحرف ، وكذلك مذ ، لا يكون إلا اسم زمان ، ولا يكون ذلك ~~الزمان إلا معينا لا مبهما ، في الماضي أو الحاضر وليس في المستقبل . # والصواب أن تقول : ما رأيته منذ يوم الجمعة ، ومذ يوم الجمعة ولا تقل : ~~مذ غد ولا منذ وقت ، لأن الأول يقع في المستقبل ، والآخر مبهم . # ومذ أصلها منذ ، فخففت . # ومنذ أصلها من الجارة و إذ الظرفية ، فجعلتا كلمة واحدة ، ولذا كسرت ~~ميمها في بعض اللغات باعتبار الأصل فقالوا : منذ . # وأما مذ فقد حركوا آخرها بالضم عند دخولها على معرفة ولم يحركوها بالكسر ~~كعادتهم منعا من التقاء الساكنين لأن الذال مضموم في منذ . # وللنحاة في هذين الحرفين آراء . # فمنهم من يرى أن الخفض واجب بعد مذ لما مضى وما لم يمض وبعضهم يرفع بمنذ ~~ما مضى وما لم يمض . # والصواب أن يخفض بمذ ما لم يمض ويرفع ما مضى ، ويخفض بمنذ ما لم يمض ما ~~مضى . # ومعنى هذين الحرفين ابتداء الغاية مثل من إن كان الزمان ماضيا ، كقول ~~زهير : # ( لمن الديار بقنة الحجر % أقوين مذ حجج ومذ دهر ) # أي : من حجج ومن دهر . # ونظيره قول امرئ القيس : # ( قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان % وربع عفت آثاره منذ أزمان ) # وإن كان الزمان حاضرا فمعناهما الظرفية ، كقولك : ما رأيته منذ يومنا . # أما إذا كان الزمان معدودا فهما بمعنى ( من وإلى ) نحو : ما رأيته مذ ~~يومين ، أي من يومين وإلى الآن . PageV01P281 # وقد يدخلان على اسم مرفوع أو جملة ، فيكونان حينئذ اسمين كقولك : ما ~~رأيته مذ يومان ، أو منذ يوم الجمعة ، والشاهد على الجملة الفعلية قول ~~الشاعر : # ( ما زال مذ عقدت يداه إزاره % فسما فأدرك خمسة الأشبار ) # والشاهد ms147 على الجملة الفعلية قول الأعشى : # ( ما زلت أبغي الخير مذ أنا يافع % وليدا وكهلا حين شبت وأمردا ) # ورب متسائل عما أورده الزجاجي في بناء ما بعد مذ على الفتح خلافا لرأي ~~النحاة في قول الشاعر : # ( لقد رأيت عجبا مذ أمسا % عجائزا مثل السعالي خمسا ) # ( يأكلن ما في رحلهن همسا % لا ترك الله لهن ضرسا ) # ونجيب هذا المتسائل بأن لفظة أمس في هذا الشاهد هي اسم مجرور بمنذ وعلامة ~~جره الفتحة عوضا عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف لعلمية والعدل ، وهي لغة ~~بني تميم ، وأن الزجاجي وهم في إيراد الشاهد تأكيدا لزعمه أن من العرب من ~~يبني أمس على الفتح . # [ 27 ] م و ت : # ويقولون لمن قضى نحبه ميت ( بتسكين الياء ) ، ولمن لا يزال حيا ميت ( ~~بتضعيف الياء ) ، فيوهمون في ذلك لأن اللفظين يحملان نفس المعنى ، ومنه ما ~~جاء في PageV01P282 التنزيل العزيز قوله تعالى : @QB@ إنك ميت وإنهم ميتون ~~@QE@ . # وقد جمع الشاعر بين اللغتين فقال : # ( ليس من مات واستراح بميت % إنما الميت ميت الأحياء ) # ( إنما الميت من يعيش شقيا % كاسفا باله قليل الرجاء ) # ( فأناس يمصصون ثمادا % وأناس حلوقهم في الماء ) # فقد جعل الميت بالتضعيف كالميت بالتخفيف . # ويقول الزجاج : الميت هو الميت ، إلا أنه يخفف ، والمعنى واحد ، ويستوي ~~فيه المذكر والمؤنث ، ومنه قوله تعالى : @QB@ لنحيي به بلدة ميتا @QE@ ولم ~~يقل ميتة مع أن البلدة مؤنثة . # وقال بعضهم : إن أصل اللفظ ميوت ، على وزن فيعل ، ثم أدغموا الواو في ~~الياء . # وقال آخرون : أصل اللفظ مويت نحو سيد وسويد حيث أدغمت الياء في الواو . # أما الحالة من هذا الفعل فهي الميتة نحو : الجلسة والقعدة ، ومنه ما جاء ~~في حديث الفتن : فقد مات ميتة الجاهلية . # أي كما يموت أهل الجاهلية من الضلالة ، والجمع : ميت . # والعرب تستعمل هذا الفعل كناية عن النوم والجهالة والخوف والفقر وسكون ~~المتحركات . # ومنه بمعنى النوم ما جاء في حديث دعاء الانتباه : الحمد لله الذي أحيانا ~~بعد ما أماتنا وإليه النشور . # ومنه بمعنى الجهالة قوله تعالى : @QB@ أو من كان ميتا فأحييناه @QE@ ~~وقوله : @QB@ فإنك ms148 لا تسمع الموتى @QE@ ومنه بمعنى الخوف قوله عز وجل @QB@ ~~ويأتيه الموت من كل مكان @QE@ . # ومنه بمعنى الفقر حديث موسى ، على نبينا وعليه PageV01P283 صلى الله عليه ~~وسلم قيل له : إن هامان قد مات . # فلقيه موسى ، فسأل ربه ، فقال له : أما تعلم أن من أفقرته فقد أمته . # ومنه بمعنى سكون المتحركات قول الشاعر : # ( إني لأرجوا أن تموت الريح % فأسكن اليوم واستريح ) # ورب متسائل عن معنى قول عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه : اللبن لا يموت . # أراد أن الصبي إذا رضع امرأة ميتة ، حرم عليه من ولدها وقرابتها ما يحرم ~~عليه منهم كما لو كانت حية وقد رضعها . # وقيل : معناه إذا فصل اللبن من الثدي وأسقيه الصبي ، فإنه يحرم به ما ~~يحرم بالرضاع ولا يبطل عمله بمفارقة الثدي ، فإن كل ما انفصل من الحي ميت ~~إلا اللبن والشعر والصوف لضرورة الاستعمال . # ويقال : أماته الله وموته ، ومنه قول الشاعر : # ( فعروة مات موتا مستريحا % وها أنا ذا أموت كل يوم ) # وقد تستعمل لفظة ميت مع تاء التأنيث للدلالة على المفرد المؤنث فيقال : ~~امرأة ميتة وميتة . # والعامة يقولون : امرأة ميتاء ، على وزن حمراء ، وهو وهم فاحش ، لأن ~~الميتاء تعني المحاذاة والطريق المسلوك ، ومنه حديث أبي ثعلبة الخشني أنه ~~استفتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في اللقطة ، قال : ما وجدت في طريق ~~ميتاء فعرفه سنة . # ومنه قول الشاعر : # ( إذا اضطم ميتاء الطريق عليهما % مضت قدما موج الجبال زهوق ) & باب ~~النون & # [ 28 ] ن ز ف : # ويقولون لخروج الدم الحاد من الجرح نزيفا ، فيوهمون . # والصواب أن يقال نزفا لأن النزيف صفة لمن أصيب بالنزف ، وهو على وزن فعيل ~~نحو : قتيل وجريح ونزيف ، والمعنى : مقتول ومجروح ومنزوف ، وهو من الفعل ~~نزف فلان دمه ينزفه نزفا ، فهو نزيف ومنزوف إذا استخرجه بحجامة أو فصد . # والأصل في ذلك كله : نزفت ماء البئر ، أي نزحت وذهب ماؤها . # وفي الحديث : زمزم لا تنزف ولا تذم ، أي لا يفنى PageV01P284 ماؤها على ~~كثرة الاستقاء ، وقوله تعالى : @QB@ لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون @QE@ ~~أي لا ms149 ينقطع شرابهم . # ونظيره قول العجاج : # ( وصرح ابن معمر لمن ذمر % وأنزف العبرة من لاقى العبر ) # ويقال للسكران أيضا النزيف والمنزوف ، ومنه قوله تعالى : @QB@ لا يصدعون ~~عنها ولا ينزفون @QE@ أي يسكرون . # ونظيره قول الأبيرد في هجاء آل أبجر : # ( لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم % لبئس الندامى كنتم آل أبجر ) # ( شربتم ومدرتم وكان أبوكم % كذاكم إذا ما يشرب الكأس مدرا ) # ويقال للرجل إذا عطش حتى يبست عروقه وجف لسانه نزيف ومنزوف ، ومنه قول ~~جرير : # ( قالت : وعيش أبي وحرمة إخوتي % لأنبهن الحي إن لم تخرج ) # ( فخرجت خيفة أهلها فتبسمت % فعلمت أن يمينها لم تحرج ) # ( فلثمت فاها آخذا بقرونها % شرب النزيف ببرد ماء الحشرج ) # [ 29 ] ن ش د : # ومن أوهامهم في غير المضاعف من المضارع أنهم لا يفرقون بين ينشد ( بضم ~~الياء وخفض الشين ) ، وينشد ( بفتح الياء وضم الشين ) . # فالأول من أنشد القصيدة ينشدها إنشادا : إذا رفع صوته في إلقائها . # والثاني من نشد ضالته ينشدها نشدانا : إذا طلبها وبحث عنها ، ومنه قول ~~النابغة الجعدي : PageV01P285 # ( أنشد الناس ولا أنشدهم % إنما ينشد من كان أضل ) # ونظيره في المضارع أنهم لا يفرقون بين يشرك ( بفتح الياء والراء ) ويشرك ~~( بضم الياء وخفض الراء ) . # فالأول من الفعل شركه في الأمر يشركه مشاركة ، أي صار شريكه ، ومنه الأمر ~~المشترك والمتشرك الذي يستوي فيه المتقاسمون ، ونظيره قول الشاعر : # ( لا يستوي المرآن ، هذا ابن حرة % وهذا ابن أخرى ظهرها متشرك ) # والثاني من أشرك بالله يشرك شركا وإشراكا ، أي جعل له شريكا في ملكه ، ~~فهو كافر مشرك . # ومنه قوله تعالى عن عبده لقمان أنه قال لابنه : @QB@ يا بني لا تشرك ~~بالله إن الشرك لظلم عظيم @QE@ ونظيره قول الشاعر : # ( أمران لا يسلم الإنسان شرهما % الشرك بالله والإضرار بالناس ) # ونظيره في هذا الباب أنهم لا يفرقون بين يهدي ( بفتح الياء ) ويهدي ( بضم ~~الياء ) . # فالأول من قولك : هداه للدين يهديه هدى وهديا وهداية ، أي بين له طريق ~~الرشاد . # ومنه قوله تعالى : @QB@ إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم @QE@ . # والهادي : المرشد والدليل لأنه يتقدم القوم فيتبعونه ، ولذا سميت ms150 العصا ~~هاديا لأن الأعمى يمسكها فتتقدمه وترشده إلى طريقه . # ومنه قول طرفة : # ( للفتى عقل يعيش به % حيث تهدي ساقه قدمه ) # أي ترشده وتدله : # والهاديات : أوائل الوحش والإبل وكل جماعة ، ومنه قول امرئ القيس وفي وصف ~~فرسه : PageV01P286 # ( كأن دماء الهاديات بنحره % عصارة حناء بشيب مرجل ) # بينما الثاني ( يهدي ) هو من الفعل أهدى له وإليه هدية ، أي أتحفه بشيء ~~من غير مقابل ، ومنه قوله تعالى في قصة الملكة بلقيس مع نبي الله سليمان ~~عليه وعلى سائر الأنبياء السلام : @QB@ وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم ~~يرجع المرسلون @QE@ ، والجمع هدايا على القياس ، وأهل عليا معد يجمعونها ~~على هداوى . # ويقال : تهادى القوم ، إذا تبادلوا الهدايا ، وفي الحديث : تهادوا تحابوا ~~، لأن الهدايا تؤلف القلوب . # [ 30 ] ن و خ : # ومن أوهامهم أنهم لا يفرقون بين المناخ ( بفتح الميم ) والمناخ ( بضم ~~الميم ) فيقولون : مناخ لبنان رائع ، يريدون اعتدال هوائه ، وغزارة مياهه ، ~~واخضراره الدائم ، مما يجعله موافقا للصحة ومسرة للعين ، فيوهمون ، لأن ~~المناخ ( بضم الميم ) هو مبرك الإبل ، والمكان الذي تنوخ فيه ، والنوخة : ~~الإقامة . # أما المناخ ( بفتح الميم ) فهو المقصود ، وهو لفظ لاتيني معرب أصله ~~الماناك ، أي التقويم ، وهو جدول زمني يحتوي على تعداد الأيام والأشهر ، مع ~~زمان طلوع الشمس والقمر وغروبهما ، وأوقات الأعياد ، إلى غير ذلك من ~~الفوائد . & باب الهاء & # [ 31 ] ه ر ع : # ويقولون : هرع الرجل لنجدة أخيه ( بفتح الهاء ) ، فيوهمون . # والصواب أن يقال : هرع الرجل ( بضم الهاء ) ، لأن هذا الفعل لا يأتي إلا ~~على صيغة المجهول ، ومنه قوله PageV01P287 تعالى @QB@ وجاءه قومه يهرعون ~~إليه @QE@ وقوله عز وجل : @QB@ فهم على آثارهم يهرعون @QE@ ، ونظيره قول ~~الشاعر : # ( فجاؤوا يهرعون وهم أسارى % يقودهمء على رغم الأنوف ) # وقول الآخر : # ( كأن حمولهم متتابعات % رعيل يهرعون إلى رعيل ) # وأصل الفعل من الهرع والهراع والإهراع ، وهو سرعة العدو وشدة السوق وما ~~يصحبهما من رعدة وفزع . # [ 32 ] ه م م : # وكثيرا ما تحملهم أوهامهم إلى عدم التمييز بين أفعال المضارعة ذات الأصل ~~الواحد ، بسبب اختلاف حركاتها ، فيضعون هذا مكان ذاك ويخلطون الحابل ~~بالنابل ، الأمر الذي يخل ms151 بالمعنى ويؤدي إلى فساد المبنى . # فمن أمثلة ذلك أنهم لا يفرقون بين يهم ( بفتح الياء وضم الميم ) ويهم ( ~~بضم الياء وخفض الهاء ) ، ويهم ( بفتح الياء وخفض الهاء ) . # فالأول من من الاهتمام ، كأن تقول : يهمني أن أراك ناجحا . # والثاني من الهم أي الحزن ، ومنه قول الشاعر : # ( برا ، يهمه أن يرى أبناءه % متعسرين بغصة أو زاد ) # والثالث من الفعل : هم بالأمر يهم ويهم هما وهمة : أي نواه وأراده وعزم ~~عليه ، ومنه قوله تعالى في قصة زليخا والنبي يوسف ، على نبينا وعليه السلام ~~: @QB@ ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه @QE@ PageV01P288 ) ، ~~وقوله تعالى أيضا : @QB@ وهموا بما لم ينالوا @QE@ . # ومما يندرج في هذا الباب أنهم لا يفرقون بين يحل ( بفتح الياء وضم الحاء ~~) ويحل ( بضم الياء وخفض الحاء ) ويحل ( بفتح الياء وخفض الحاء ) ، فيشوهون ~~المعنى . # فالأول من قولك : حل بالمكان يحل حلا وحللا وحلولا ، أي نزل به ، وهو ~~نقيض ارتحل . # ومنه قول المثقب العبدي : # ( أكل الدهر حل وارتحال % أما تبقي علي ولا تقيني ) # والثاني من الفعل : أحل البيع يحله حلا وإحلالا ، فهو حلال خلاف الحرام ، ~~ومنه قوله تعالى : @QB@ وأحل الله البيع وحرم الربا @QE@ . # وقوله أيضا : @QB@ ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث @QE@ . # أما الثالث فهو من الفعل : حل الهدي يحل ، أي وجب ، والمحل ( بخفض الحاء ~~) مكان النحر وزمانه ، ومنه قوله تعالى : @QB@ ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ ~~الهدي محله @QE@ . # ونظيره في المضارع قوله تعالى : @QB@ فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ~~ويحل عليه عذاب مقيم @QE@ ، أي يستوجب العذاب الدائم . & باب الواو & # [ 33 ] و ف ي : # ويقولون لمن أصابه الموت : المتوفي ( بالياء المعجمة ) ، فيوهمون ، لأن ~~المتوفى PageV01P289 هو الله سبحانه وتعالى ، وهو اسم الفاعل من غير ~~الثلاثي ومنه قوله تعالى في التنزيل الحكيم @QB@ الله يتوفى الأنفس حين ~~موتها @QE@ أي يستوفي عدد آجالهم في الدنيا . # أما الميت الذي توفاه الله ، أي أماته فيقال له المتوفى ( بالألف ~~المقصورة ) وهو اسم المفعول من غير الثلاثي . # ومما يذكر في هذا السياق ما رواه أحد اللغويين ، فقال : مررت في طريقي ~~فرأيت جنازة ms152 تشيع ، وسمعت رجلا يسأل : من المتوفي ( بالياء ) فقلت له : ~~الله سبحانه وتعالى ، فضربت حتى كدت أموت . # ومنه قول منظور الوبري : # ( إن بني الأدرد ليسوا من أحد % ولا توفاهم قريش في العدد ) # ونظيره قوله تعالى : @QB@ قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم @QE@ وهو من ~~توفية العدد ، وليس من الوفاة ، أي يقبض أرواحكم أجمعين بأمر ربه ، فلا ~~ينقص واحدا منكم ، كأن تقول : توفيت من فلان مالي واستوفيته ، أي لم يبق لي ~~عليه شيء منه . # ويقال : ووفي الرجل ، نحو ووري ، إذا أصابته الوفاة . # وتوفاه الله ، إذا قبض نفسه ، ومنه قول عبيد الله بن قيس الرقيات : # ( ليت القيامة يوم ووفي مصعب % قامت على مضر وحق قيامها ) # أي : توفاه الله . PageV01P290 # [ 34 ] و ح د : # ومن أوهامهم أنهم لا يفرقون بين الوحدة ( بفتح الواو ) والوحدة ( بخفضها ~~) فيقولون : الوحدة العربية ويعنون انصهار الدول العربية في دولة واحدة ، ~~فيوهمون ، لأن الوحدة ( بالفتح ) تعني الانفراد ، بينما الوحدة ( بالخفض ) ~~تعني الارتباط والانصهار وجمع الأجزاء . # ومن الأولى ما جاء في الحديث : شر أمتي الوحداني المعجب بدينه المرائي ~~بعمله . # يعني المنفرد بنفسه المفارق للجماعة ، وهو منسوب إلى الوحدة والانفراد ~~بزيادة الألف والنون للمبالغة . # وعلى هذا تكون الوحدة من الانفراد ، وتكون الوحدة من الاتحاد . # ومما يندرج في هذا الباب قولهم : اضرب به عرض الحائط ( بفتح العين ) وعرض ~~الحائط ( بخفضها ) يقصدون ناحيته وجانبه ، فيوهمون . # والصواب أن يقال : عرض الحائط ( بضم العين ) ، لأن العرض هو الجانب ~~والناحية ، ومنه حديث ابن الحنفية : كل الجبن عرضا . # أي اشتره وكله ولا تسأل عنه أمن عمل أهل الكتاب هو أم من عمل المجوس أي ~~من ناحيتهم . # والجمع عروض وعراض ، ومنه قول أبي ذؤيب يصف برذونا : # ( أمنك برق أبيت الليل أرقبه % كأنه في عراض الشام مصباح ) # أما العرض ( بفتح العين ) فهو خلاف الطول ، والجمع أعراض ، ومنه قول ~~الشاعر : # ( يطوون أعراض الفجاج الغبر % طي أخي التجر برود التجر ) # وقول ذي الرمة : # ( فعال فتى بنى ، وبنى أبوه % فأعرض في المكارم واستطالا ) PageV01P291 # وأما العرض ( بخفض العين ) فهو الحسب وموضع المدح والذم من الإنسان ms153 . # ومنه حديث نبينا صلى الله عليه وسلم : كل المسلم على المسلم حرام ، دمه ~~وماله وعرضه . # والجمع أعراض . # ونظيره قول حسان بن ثابت يمدح النبي صلى الله عليه وسلم : # ( فإن أبي ووالده وعرضي % لعرض محمد منكم وقاء ) # ومما يقع في هذا الإطار أيضا أنهم لا يفرقون بين الحيرة ( بفتح الحاء ) ~~والحيرة ( بخفضها ) . # فالأولى مشتقة من الفعل حار يحار حيرة ، فهو حائر وحيران ، أي لم يهتد ~~لسبيله ، والأنثى حيرى ، والجمع حيارى ، ومنه قول الطرماح : # ( يطوي البعيد كطي الثوب هزته % كما تردد بالديمومة الحار ) # أراد الحائر ، فحذف الهمزة . # أما الحيرة ( بخفض الحاء ) فهي بلدة قرب الكوفة ، والنسبة إليها حيري على ~~القياس ، وحاري على غير قياس ، ومنه قول الشاعر : # ( فلما دخلناه أضفنا ظهورنا % إلى كل حاري قشيب مشطب ) # يقول : إنهم احتبوا بالسيوف . PageV01P292 ms154