######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0021735 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 520 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: المقدمات الممهدات #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: فقه مالكي #META# 022.BookVOLS :: 3 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0021735 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-21735 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/21735 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1408 هـ - 1988 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الغرب الإسلامي #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 مقدمة # بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم # قال الفقيه محمد بن أحمد بن رشد، أما بعد، حمد الله تعالى الذي هدانا للإيمان ~~والإسلام، والصلاة على نبيه الذي استنقذنا به من عبادة الأوثان والأصنام، ~~وعلى جميع أهل بيته وصحابته النجباء البررة الكرام، فإن بعض أصحابنا ~~المجتمعين إلى المذاكرة والمناظرة في مسائل كتب المدونة سألني أن أجمع له ~~ما أمكن مما كنت أورده عليهم عند استفتاح كتبها وفي أثناء بعضها مما يحسن ~~المدخل به إلى الكتاب وإلى ما استفتحت عليه من فصول الكلام وتعظم الفائدة ~~ببسطه وتقديمه وتمهيده من معنى اسمه واشتقاق لفظه وتبيين أصله من الكتاب ~~والسنة وما اتفق عليه أهل العلم من ذلك واختلفوا فيه بوجه بناء مسائله عليه ~~وردها إليه وربطها بالتقسيم لها والتحصيل لمعانيها، جريا على سنن شيخنا ~~الفقيه # PageV01P009 # أبي جعفر ابن رزق - رحمه الله تعالى - وطريقته في ذلك واقتفاء لأثره فيه، ~~وإن كنت أكثر احتفالا منه في ذلك لا سيما في أول كتاب الوضوء، فإني كنت ~~أشبع القول فيه ببنائي إياه على مقدمات من الاعتقادات في أصول الديانات، ~~وأصول الفقه في الأحكام الشرعيات، لا يسع جهلها، ولا يستقيم التفقه في فن ~~من فنون الشرع قبلها، فله الفضل بالتقدم والسبق؛ لأنه نهج الطريق وأوضح ~~السبيل ودل عليه بما كان يعتمده من ذلك مما لم يسبقه من تقدم من شيوخه ~~إليه. فلقد سألته- رحمه الله تعالى - عما كان يستفتح به شيخه الفقيه أبو ~~عمر بن القطان مناظرته في ابتداء كتب المدونة، فقال لي: كان لا يزيد على ما ~~ذكره ابن أبي زيد في أوائل الكتب من مختصره، وكان لا ينتهي إلى ما وفق إليه ~~فلقد كان- أكمل الله كرامته لديه- أفقه من شيوخه وأنفع للطالب منهم، وليس ~~ذلك بغريب، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ومبلغ حديث إلى من هو أوعى له ~~منه، والتوفيق بيد الله يؤتيه من يشاء. فأجبت السائل لما سألني من ذلك رجاء ~~ثواب الله تعالى ورغبة في حسن المثوبة عليه، ms0001 ووصلت ذلك ببعض ما أستطرد ~~القول فيه من أعيان مسائل وقعت في المدونة ناقصة مفرقة، فذكرتها مجموعة ~~ملخصة مشروحة بعللها مبينة، فاجتمع من ذلك تأليف مفيد لم يسبقني أحد ممن ~~تقدم إلى مثله، سميته بكتاب المقدمات الممهدات، لبناء ما اقتضته رسوم ~~المدونة من الأحكام الشرعيات، والتحصيلات المحكمات لأمهات مسائلها ~~المشكلات. والله أسأله التوفيق في القول والعمل. من الزيغ والزلل بعزته ~~ورحمته. # PageV01P010 ### | فصل في معرفة الطريق إلى وجوب التفقه في الوضوء وغيره من الشرائع # فصل في معرفة الطريق إلى وجوب # التفقه في الوضوء وغيره من الشرائع قال الله عز وجل: {شرع لكم من الدين ~~ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن ~~أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} [الشورى: 13] والدين الذي أمرنا بإقامته هو ~~دين الإسلام الذي لا يقبل الله سواه. قال الله عز وجل: {إن الدين عند الله ~~الإسلام} [آل عمران: 19] ، وقال: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ~~وهو في الآخرة من الخاسرين} [آل عمران: 85] ، وإقامته تفتقر إلى التفقه في ~~شرائعه التي شرعها الله لعباده، وأوجبها عليهم في محكم كتابه، من الوضوء ~~والصلاة والزكاة وسائر شرائع الدين، والتفقه فيها لا يستقيم إلا بعد ~~المعرفة بوجوبها، ولا طريق إلى المعرفة بوجوبها إلا بعد المعرفة بالله ~~تعالى على ما هو عليه من صفات ذاته وأفعاله، أو ما يقوم مقام المعرفة من ~~الإيمان والتصديق، على القول بأن أول الواجبات الإيمان بالله تعالى؛ لأن ~~المعرفة بوجوب الواجبات وحظر المحظورات مع الجهل بموجبها والجحد له من ~~المستحيل في العقل، فلا يعلم الله تعالى إلا بالنظر في الأدلة التي نصبها ~~لمعرفته والاستدلال بها عليه. ولا يصح النظر والاستدلال إلا ممن له عقل ~~ينظر به ويستدل. وقد جعل الله تبارك وتعالى لمن أراد تكليفه من عباده عقولا ~~يعرفونه بها بما نصب لهم من الأدلة على معرفته، ويعقلون بها ما خاطبهم به ~~وشرعه لهم في كتابه وعلى ألسنة # PageV01P011 # رسله، إذ لا يصح تكليف من لا يعقل التكليف. وأنعم على المؤمنين بأن ms0002 وفقهم ~~لذلك وهداهم له وشرح صدورهم لمعرفته. قال الله عز وجل: {فمن يرد الله أن ~~يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد ~~في السماء} [الأنعام: 125] ، وقال الله عز وجل: {ونفس وما سواها} [الشمس: ~~7] {فألهمها فجورها وتقواها} [الشمس: 8] . ### | فصل في معرفة شرائط التكليف # وشرائط التكليف ثلاثة: أحدها العقل، ومحله عند مالك - رحمه الله - القلب. ~~وحده معرفة بعض العلوم الضرورية كالعلم بأن الاثنين أكثر من الواحد، وأن ~~الجسمين لا يجتمعان في مكان واحد، وأن السماء فوقنا وأن الأرض تحتنا، وأن ~~الجمل لا يلج في سم الخياط، وما أشبه ذلك مما تعلم معرفته العقلاء. وألخص ~~من هذا الحد أن يقال فيه إنه مادة يتأتى بها درك العلوم؛ والأول أصح وأبين، ~~وهذا أخصر. # والدليل على أن العمل شرط في صحة التكليف من الكتاب قول الله عز وجل: ~~{وما يذكر إلا أولو الألباب} [آل عمران: 7] ، وقوله تعالى: {إن في خلق ~~السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب} [آل عمران: ~~190] . وقوله: {لآيات لقوم يعقلون} [البقرة: 164] . ومن السنة قول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «رفع القلم عن ثلاث» ، # PageV01P012 # فذكر فيهم المجنون حتى يفيق. والثاني البلوغ، وهو الاحتلام في الرجال أو ~~بلوغ حده من الأعوام. واختلف في ذلك فقيل خمسة عشر، وقيل سبعة عشر، وقيل ~~ثمانية عشر، والاحتلام أو الحيض أو الحمل في النساء، أو بلوغ ذلك أيضا من ~~الأعوام. والدليل على ذلك قول الله تعالى: {وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم ~~فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم} [النور: 59] ، وقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «رفع القلم عن ثلاث» ، فذكر الصبي حتى يحتلم. # فصل # وللصبي فيما دون الاحتلام حالان: حال لا يعقل فيها معنى القربة، وحال ~~يعقل فيها معناها. فأما الحال التي لا يعقل فيها معناها فهو فيها كالبهيمة ~~والمجنون ليس بمخاطب بعبادة ولا مندوب إلى فعل طاعة. وأما الحال التي يعقل ~~فيها معنى القربة فاختلف هل هو فيها مندوب إلى فعل الطاعة كالصلاة والصيام ~~والوصية عند الممات وما أشبه ذلك، ms0003 فقيل إنه مندوب إليه، وقيل ليس بمندوب ~~إلى شيء من ذلك وإن وليه هو المخاطب بتعليمه وتدريبه والمأجور على ذلك. ~~والصواب عندي أنهما جميعا مندوبان إلى ذلك مأجوران عليه. «قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - للمرأة التي أخذت بضبعي الصبي ورفعته من المحفة إليه ~~وقالت ألهذا حج يا رسول الله قال نعم ولك أجر» وهذا واضح. والثالث بلوغ ~~دعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم -. والدليل على ذلك قول الله عز وجل: ~~{وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء: 15] ، وما أشبه ذلك من الآيات. ### | فصل في وجوب الاستدلال # وقد نبه الله تبارك وتعالى عباده المكلفين على الاستدلال بمخلوقاته على # PageV01P013 # ما هو عليه من صفات ذاته وأفعاله في غير ما آية من كتابه، وضرب لهم في ~~ذلك الأمثال، وتلا عليهم فيه القصص والأخبار، ليتدبروها ويهتدوا بها، فقال ~~تعالى: {أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى ~~أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون} [الأعراف: 185] ، وقال: ~~{أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج} [ق: ~~6] {والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج} [ق: ~~7] {تبصرة وذكرى لكل عبد منيب} [ق: 8] ، وقال: {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف ~~خلقت} [الغاشية: 17] {وإلى السماء كيف رفعت} [الغاشية: 18] {وإلى الجبال ~~كيف نصبت} [الغاشية: 19] {وإلى الأرض كيف سطحت} [الغاشية: 20] ، وقال: {إن ~~في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب} [آل ~~عمران: 190] ، وقال: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ~~والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء ~~فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب ~~المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون} [البقرة: 164] ، وقال: ~~{أفرأيتم ما تمنون - أأنتم} [الواقعة: 58 - 59] الآية إلى أخرها. وقال: ~~{وفي الأرض آيات للموقنين} [الذاريات: 20] {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} ~~[الذاريات: 21] ، وقال: {وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل ~~صنوان وغير صنوان يسقى بماء ms0004 واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك ~~لآيات لقوم يعقلون} [الرعد: 4] ، وقال تعالى: # PageV01P014 # {الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله ~~كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم ~~يستبشرون - وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين - فانظر إلى ~~آثار رحمت الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل ~~شيء قدير} [الروم: 48 - 50] ، وقال تعالى: {يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا ~~له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم ~~الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب} [الحج: 73] ، وقال: {ضرب ~~لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم ~~فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم} [الروم: ~~28] ، وقال عز وجل: {ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله ~~الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم ~~فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا ~~يهدي القوم الظالمين} [البقرة: 258] . # فصل # وليس رجوع إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - عما استدل به أولا من أن ~~الله يحيي ويميت إلى أنه يأتي بالشمس من المشرق انتقالا من دليل إلى دليل ~~لأن الانتقال من دليل إلى دليل عجز عن قطع الخصم بالدليل الذي استفتح ~~الكلام به، ولا يصح ذلك، بل إنما قطع الكافر بالدليل الذي استدل به أولا ~~ولم يخرج عنه إلى غيره لأنه إنما حكم بالربوبية لمن يقدر على خلق الأفعال ~~واختراعها فقال إن الله يحيي ويميت أي # PageV01P015 # يفعل الموت والحياة، فلما ادعى الكافر القدرة على ما يصح أن يراد ~~بالإحياء والإماتة من فعل ما أجرى الله العادة بخلق الموت والحياة عنده في ~~الجسد المفعول به ذلك كما قال الله تعالى: {ومن أحياها فكأنما أحيا الناس ~~جميعا} [المائدة: 32] ، وكان القتل ms0005 أيضا قد يعبر عنه بالإماتة عند العرب، ~~بين له إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - أن علته ليست الأفعال التي حمل ~~عليها كلامه جهلا منه بمراده أو تمويها؛ لأن الإحياء والإماتة إذا أطلقت ~~أظهر في اختراع الموت والحياة منها فيما حمله عليه الكافر، فكيف إذا اقترنت ~~بها قرينة تدل على أنه لم يرد بها إلا ذلك، وهي ما استفتحا الكلام فيه. من ~~الربوبية التي تقتضي ذلك، وأتاه - صلى الله عليه وسلم - بألفاظ لا يمكنه ~~فيها تمويه ولا يسعه فيها عمل، ولم يخرج عما ابتدأ به الكلام معه من الحكم ~~بالربوبية لمن يقدر على اختراع الأفعال وخلقها؛ لأن الصفة في ذلك واحدة لا ~~تتزايد ولا تختلف، فقال له: {فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من ~~المغرب} [البقرة: 258] أي إن كان ما ادعيت حقا من أن الإحياء والإماتة أنت ~~فاعلها وتقع بحسب إرادتك؛ لأن من يقدر على فعل شيء يقدر على فعل مثله. فلما ~~رأى الكافر ما ألزمه - عليه الصلاة والسلام - به ولم يقدر على دفعه ولا ~~أمكنه فيه تمويه ولا عمل بهت كما قال تعالى. فلم يخرج إبراهيم - صلى الله ~~عليه وسلم - من دليل إلى دليل، بل إنما قطعه وأبهته بالدليل الذي استفتح به ~~كلامه والحمد لله. وقال تبارك وتعالى: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات ~~والأرض وليكون من الموقنين} [الأنعام: 75] {فلما جن عليه الليل رأى كوكبا ~~قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين} [الأنعام: 76] إلى قوله {وما أنا ~~من المشركين} [الأنعام: 79] ، فاستدل إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - بما ~~عاين من حركة الكواكب والشمس والقمر على أنها محدثة؛ لأن الحركة والسكون من ~~علامات المحدثات. ثم علم أن كل محدث فلا بد له من محدث وهو الله رب ~~العالمين. وهذا وجه الاستدلال وحقيقته قصه الله تبارك وتعالى علينا تنبيها ~~لنا وإرشادا إلى ما يجب علينا. وهذا- في القرآن كثير # PageV01P016 # لا يحصى كثرة. ولم يستدل إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - بما عاينه في ~~الكواكب والشمس والقمر لنفسه، إذ لم يكن جاهلا بربه ولا ms0006 شاكا في قدمه، ~~وإنما أراد أن يري قومه وجه الاستدلال بذلك ويعيرهم بالذهول على هذا الدليل ~~الواضح ويوقفهم على باطل ما هم عليه، وكان من أحج الأنبياء - صلوات الله ~~وسلامه عليهم أجمعين - وذلك بين من كتاب الله تعالى. ألا ترى إلى ما حكى ~~الله عز وجل من قوله بعد أن أراهم أنهم على غير شيء {إني وجهت وجهي للذي ~~فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين} [الأنعام: 79] {وحاجه قومه ~~قال أتحاجوني} [الأنعام: 80] في الله إلى قوله {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم ~~على قومه} [الأنعام: 83] وقوله في أول الآية: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت ~~السماوات والأرض وليكون من الموقنين} [الأنعام: 75] وقد قيل إن ذلك كان في ~~صباه وفي أول ما عقل، والأول أصح وأبين والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | فصل في وحدانية الله عز وجل وأسمائه وما هو عليه من صفات ذاته وأفعاله # فصل # في وحدانية الله عز وجل وأسمائه # وما هو عليه من صفات ذاته وأفعاله فالله تبارك وتعالى إله واحد قديم ~~بصفاته العلى وأسمائه الحسنى لا أول لوجوده، وباق أبدا إلى غير غاية ولا ~~انتهاء، تعالى عن مشابهة المخلوقات، وارتفع عن مماثلة المحدثات، ليس كمثله ~~شيء وهو السميع البصير. وردت بذلك كله النصوص عن الرسول - عليه الصلاة ~~والسلام -، ودلت عليه دلائل العقول. # فمن أدلة العقول على أنه واحد أنهما لو كانا اثنين فأكثر لجاز أن يختلفا، ~~وإذا اختلفا لم يخل ذلك من ثلاثة أقسام لا رابع لها. أحدها أن يتم مرادهما ~~جميعا، والثاني أن لا يتم مرادهما جميعا، والثالث أن يتم مراد أحدهما ولا ~~يتم مراد الآخر. فيستحيل منها وجهان وهو أن يتم مرادهما جميعا، وأن لا يتم ~~مراد # PageV01P017 # واحد منهما؛ لأنه لو أراد أحدهما إحياء جسم وأراد الآخر إماتته فتمت ~~إرادتهما جميعا لكان الجسم حيا ميتا في حال واحد، ولو لم تتم إرادة واحد ~~منهما لكان الجسم لا حيا ولا ميتا في حال واحد، وهذا من المستحيل في العقل، ~~فلم يبق إلا أن يتم مراد أحدهما ولا يتم مراد الآخر. ms0007 فالذي تتم إرادته هو ~~الله القادر، والذي لم تتم إرادته ليس بإله لأنه عاجز مغلوب. وهذا الدليل ~~يسمونه دليل التمانع، وقد نبه الله تعالى عليه في كتابه بقوله: {لو كان ~~فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء: 22] ، وبقوله: {ما اتخذ الله من ~~ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان ~~الله عما يصفون} [المؤمنون: 91] . # ومن أدلة العقول على أنه قديم أنه لو كان محدثا لوجب أن يكون له محدث، إذ ~~لو جاز وجود محدث دون محدث لجاز وجود كتابة دون كاتب وبناء دون بان، وهذا ~~من المستحيل في العقل. وكذلك القول في محدثه ومحدث محدثه حتى يستند ذلك إلى ~~محدث أول لا محدث له وهو الله رب العالمين. # فصل # ومن أسمائه التي دلت دلائل العقول على استحقاقه لها كونه حيا عالما ~~قادرا مريدا. # فمن أدلة العقول: على أنه عالم قادر مريد كونه خالقا لجميع المخلوقات ~~مخرجا لها من العدم إلى الوجود. فلو لم يكن قادرا لما تأتى له الفعل؛ لأن ~~الفعل لا يتأتى إلا لقادر. وقد نبه الله تعالى عليه بقوله: {أوليس الذي خلق ~~السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم} [يس: 81] ~~، ولو لم يكن عالما لما ميز ما يوجده ويخلقه مما لا يوجده ولا يخلقه، ~~ولاشتبهت عليه صفات المخلوقات على اختلاف أجناسها تعالى الله عن ذلك علوا ~~كبيرا. وقد نبه الله تعالى # PageV01P018 # على هذا الدليل بقوله: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} [الملك: 14] ~~، ولو لم يكن مريدا لما صح تقدم المتقدم من الحوادث والمخلوقات على المتأخر ~~منها ولا تأخر المتأخر منها على المتقدم، إذ ليس المتقدم بأولى بالتقدم من ~~المتأخر ولا المتأخر بأولى بالتأخر من المتقدم، ولما صح اختصاص كل جنس منها ~~بصفته دون صفة صاحبه لاحتماله صفة صاحبه. فعلمنا بهذا أن المتقدم إنما تقدم ~~على المتأخر وأن المتأخر إنما تأخر عن المتقدم وأن كل جنس من الأجناس إنما ~~اختص بصفته دون صفة صاحبه بقصد الفاعل ms0008 إلى ذلك وإرادته له. وقد نبه الله ~~تبارك وتعالى أيضا على هذا الدليل بقوله: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن ~~نقول له كن فيكون} [النحل: 40] . # فصل # وإذا علمنا أنه عالم قادر مريد علمنا أنه حي لاستحالة وجود العلم والقدرة ~~والإرادة من الموات. وقد نبه الله تبارك وتعالى على هذا وأعلم به بقوله: ~~{هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين} ~~[غافر: 65] ، وقوله تعالى: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ~~ولا نوم} [البقرة: 255] ، وقوله: {الم} [آل عمران: 1] {الله لا إله إلا هو ~~الحي القيوم - نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه} [آل عمران: 2 - ~~3] يريد عز وجل من الكتب المنزلة على من قبله من الأنبياء، ومثل هذا في ~~القرآن كثير. وإذا علمنا أنه حي عالم قادر مريد علمنا أنه سميع بصير متكلم ~~مدرك لجميع المدركات من المشمومات والمذوقات والملموسات، لاستحالة خلوه ~~منها، إذ لو خلا منها لكان موصوفا بضدها، وأضدادها نقائص يستحيل وجودها به # PageV01P019 # تعالى. إذ لو جازت عليه صفات النقص وصفات الكمال لما اختص بإحداهما دون ~~صاحبتها إلا بمخصص يخصصه بها وذلك باطل. وإذا علمنا أنه حي مريد عالم قادر ~~سميع بصير متكلم مدرك لجميع المدركات علمنا أن له علما وحياة وقدرة وإرادة ~~وسمعا وبصرا وكلاما وإدراكا يدرك به جميع الملموسات، وإدراكا يدرك به جميع ~~المذوقات، وإدراكا يدرك به جميع المشمومات، لاستحالة وجود حي بلا حياة، ~~وعالم بلا علم، وقادر بلا قدرة، ومريد بلا إرادة، وسميع بلا سمع، وبصير بلا ~~بصر، ومتكلم بلا كلام، ومدرك بلا إدراك. # فصل # فهذه عشر من صفات ذاته تعالى لا تفارقه ولا تغايره، تدرك من جهة ~~العقل ومن جهة السمع، ولا اختلاف فيها بين أحد من أهل السنة. وأما ما وصف ~~به نفسه تعالى في كتابه من أن له وجها ويدين وعينين فلا مجال للعقل في ذلك، ~~وإنما يعلم من جهة السمع، فيجب اعتقاد ذلك والإيمان به من غير تكييف ولا ~~تحديد، إذ ليس ms0009 بذي جسم ولا جارحة ولا صورة. هذا قول المحققين من المتكلمين. ~~وقد توقف كثير من الشيوخ عن إثبات هذه الصفات الخمس وقالوا لا يجوز أن يثبت ~~في صفات الله تعالى ما لا يعلم بضرورة العقل ولا بدليله، وتأولوها على غير ~~ظاهرها فقالوا المراد بالوجه الذات كما يقال وجه الطريق ووجه الأمر أي ذاته ~~ونفسه. والمراد بالعينين [إدراك المرئيات، والمراد باليدين] النعمتان. ~~وقوله تعالى: {بيدي} [ص: 75] ، أي ليدي لأن حروف الخفض يبدل بعضها من بعض ~~والصواب قول المحققين الذين أثبتوها صفات لذاته تعالى، فعلى هذا تأتي صفات ~~ذاته تعالى خمس عشرة صفة. # PageV01P020 # واختلفوا فيما وصف به نفسه من الاستواء على العرش، فمنهم من قال إنها صفة ~~فعل بمعنى أنه فعل في العرش فعلا سمى به نفسه مستويا على العرش. ومنهم من ~~قال إنها صفة ذات من العلو، وإن قوله استوى بمعنى علا، كما يقال استوى على ~~الفرس بمعنى علا عليه. وأما من قال إن الاستواء بمعنى الاستيلاء فقد أخطأ؛ ~~لأن الاستيلاء لا يكون إلا بعد المغالبة والمقاهرة، والله يتعالى عن أن ~~يغالبه أحد. وحمل الاستواء على العلو والارتفاع أولى ما قيل، كما يقال ~~استوت الشمس في كبد السماء أي علت، ولا يمتنع أن يكون صفة ذات وإن لم يصح ~~وصفه تعالى بها إلا بعد وجود العرش كما لا يوصف بأنه غير لما غايره إلا بعد ~~وجود سواه. واختلفوا أيضا في القدم والبقاء، فمنهم من أثبتهما صفتين، ومنهم ~~من نفى أن يكونا صفتين وقال إنه قديم لنفسه وباق لنفسه لا لمعنى موجود به. ~~والذي عليه الأكثر والمحققون إثبات البقاء ونفي القدم. # فصل # وأما صفات أفعاله تعالى فكثيرة. منها التفضل والإنعام والإحسان ~~والخلق والإماتة والإحياء وما أشبه ذلك. # فصل # وكذلك أسماؤه تعالى كثيرة. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة» وهي تنقسم ~~على أربعة أقسام: (قسم) # PageV01P021 # منها راجع إلى نفسه وذاته كشيء وموجود وغير لما غايره وخلاف لما خالفه ~~وقديم وباق ms0010 على مذهب من قال من أهل السنة إنه قديم لنفسه وباق لنفسه وما ~~أشبه ذلك. (وقسم) منها راجع إلى صفة ذاته كحي وعالم وقدير وسميع وبصير وما ~~أشبه ذلك. (وقسم) منها راجع إلى نفي النقائص عنه تعالى كغني وقدوس وسلام ~~وكبير وعظيم ووكيل وجليل؛ لأن معنى غني لا يحتاج إلى أحد، والقدوس الطاهر ~~من العيوب، والسلام السالم من العيوب، والكبير والعظيم الذي لا يقع عليه ~~مقدار لعظمته وكبره، والجليل الذي جل عن أن تجري عليه النقائص، والوكيل ~~إنما تسمى الرب به لما كانت المنافع في أفعاله لغيره، إذ لا تلحقه المنافع ~~والمضار، فهو على هذا التأويل راجع إلى نفي نقيصة. ويحتمل أن يكون الوكيل ~~بمعنى الرقيب والشهيد، فيرجع ذلك إلى معنى العالم. (وقسم) منها راجع إلى ~~صفة فعله كخالق ورازق ومحيي ومميت وما أشبه ذلك. # فصل # ولا يجوز أن يسمى الله تعالى إلا بما سمى به نفسه أو سماه به رسوله - ~~صلى الله عليه وسلم - وأجمعت الأمة عليه، هذا قول أبي الحسن الأشعري. وذهب ~~القاضي أبو بكر بن الباقلاني إلى أنه يجوز أن يسمى الله تعالى بكل ما يرجع ~~إلى ما يجوز في صفته مثل سيد وجليل وجميل وحنان وما أشبه ذلك، ما لم يكن ~~ذلك الجائز في صفته مما أجمعت الأمة على أن تسميته به لا تجوز مثل عاقل ~~وفقيه وسخي وما أشبه ذلك. وإلى القول الأول ذهب مالك - رحمه الله تعالى -، ~~فقد سئل في رواية أشهب عنه من العتبية عن الرجل يدعو بيا سيدي فكرهه وقال ~~أحب إلي أن يدعو بما في القرآن وبما دعت به الأنبياء صلوات الله وسلامه ~~عليهم وكره الدعاء بيا حنان. # فصل # فأما ما لا يجوز في صفته تعالى فلا يجوز باتفاق أن يسمى الله تعالى ~~به وإن كان الله عز وجل قد وصف نفسه بالفعل المشتق منه ذلك الاسم، نحو ~~قوله: # PageV01P022 # {الله يستهزئ بهم} [البقرة: 15] ، وقوله: {سخر الله منهم} [التوبة: 79] ؛ ~~فلا يقال يا مستهزئ ولا يا ساخر؛ لأن ما يستحيل في صفته تعالى ms0011 فلا يجوز أن ~~يجري عليه منه إلا قدر ما أطلقه السمع عليه مع الاعتقاد بأنه على ما يجب ~~كونه تعالى عليه من صفاته الجائزة عليه. واختلف في وقور وصبور، فذهب القاضي ~~أبو بكر إلى أنه لا يجوز أن يسمى الله تعالى بهما لأن الوقور الذي يترك ~~العجلة بدفع ما يضره، والصبور الذي يصبر على ما يصيبه من الأذى، وذلك ما لا ~~يجوز في صفته تعالى. ومن أجاز ذلك على أحد المذهبين فإنما يرجع معناهما إلى ~~الحلم. # فصل # ولا يجوز عليه تعالى ما يجوز على الجواهر والأجسام من الحركة والسكون ~~والزوال والانتقال والتغير والمنافع والمضار، ولا تحويه الأمكنة ولا تحيط ~~به الأزمنة. # فصل # فإذا علمنا الله تبارك وتعالى على ما هو عليه من صفات ذاته وأفعاله ~~وما يجوز عليه مما لا يجوز، عرفنا صحة نبوة الأنبياء - عليهم الصلاة ~~والسلام - بما أظهره الله تعالى على أيديهم من المعجزات؛ لأن المعجزة لا ~~تكون إلا من الله تعالى. فإذا أظهرها على يدي من يدعي الرسالة عليه فهي ~~بمنزلة قوله تعالى صدق رسولي. ولا يصح عليه تعالى أن يصدق إلا صادقا؛ لأنه ~~لو صدق كاذبا لكان كاذبا، والكذب مستحيل عليه تعالى؛ لأنها صفة نقص، وصفات ~~النقص لا تجوز عليه تعالى، ولا تليق به سبحانه وتعالى على ما قلناه وبيناه. # فصل # وإذا علمنا صحة نبوة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - علمنا صدقهم ~~فيما # PageV01P023 # جاءوا به عن الله تبارك وتعالى من الشرائع وغيرها، وأنه أوجب على عباده ~~أن يؤمنوا به ويوحدوه ويعبدوه ولا يشركوا به شيئا؛ لأنه قال في كتابه الذي ~~أنزل على رسوله: {ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا} ~~[الفتح: 13] ، وقال تعالى: {فما لهم لا يؤمنون} [الانشقاق: 20] {وإذا قرئ ~~عليهم القرآن لا يسجدون} [الانشقاق: 21] {بل الذين كفروا يكذبون} ~~[الانشقاق: 22] {والله أعلم بما يوعون} [الانشقاق: 23] {فبشرهم بعذاب أليم} ~~[الانشقاق: 24] {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون} ~~[الانشقاق: 25] ، وقال تعالى: {آمنوا بالله ورسوله} [النساء: 136] . والأمر ~~على الوجوب. ومن قال من أصحابنا إن الأمر ليس ms0012 على الوجوب فقد وافقنا على أن ~~الأمر بالإيمان على الوجوب لما اقترن به من الإجماع. وقال تعالى: {يا أيها ~~الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون} [البقرة: 21] ، ~~وقال تعالى: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا} [النساء: 36] ، وقال تعالى: ~~{فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون} [العنكبوت: 17] ، ~~وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا ~~الخير لعلكم تفلحون} [الحج: 77] ، وهذا في القرآن كثير. وأما قوله تعالى: ~~{وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56] ، فإنها آية عامة وليست ~~على عمومها. والمراد بها السعداء من الجن والإنس لأنهم هم الذين خلقهم الله ~~تعالى لعبادته، وأما الأشقياء منهم فإنما خلقهم لما يسرهم له واستعملهم به ~~من الكفر والضلال. قال الله تبارك وتعالى: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح ~~صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء} ~~[الأنعام: 125] ، # PageV01P024 # وقال تعالى: {كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء} [المدثر: 31] ، وقال ~~النبي - عليه الصلاة والسلام -: «كل ميسر لما خلق له» . وجاء في الحديث «أن ~~رجلا من مزينة أتى النبي - عليه الصلاة والسلام - فقال يا رسول الله أرأيت ~~ما يعمل الناس فيه ويكدحون أشيء قضي عليهم ومضى أو فيما يستقبلون، فقال: بل ~~شيء قضي عليهم ومضى، قال فلم نعمل إذا قال من خلقه الله لواحدة من ~~المنزلتين فهو يستعمل لها» . وتصديق ذلك في كتاب الله: {ونفس وما سواها} ~~[الشمس: 7] {فألهمها فجورها وتقواها} [الشمس: 8] . وقد قيل إن معنى الآية ~~وما خلقت الجن والإنس إلا لآمرهم بعبادتي. وقيل معناها ليذعنوا لي ~~بالعبودية ويعترفوا لي بالربوبية؛ لأن معنى العبادة التذلل للمعبود. فكل ~~الخلق على هذا التأويل متذلل لأمر الله مذعن لقضائه لأنه جار عليه لا قدرة ~~له على الامتناع منه إذا نزل به. وإن خالف الكافر أمر الله تعالى فيما أمره ~~به من الإيمان والطاعة فالتذلل لقضاء الله الجاري عليه موجود منه. # فصل # وحكم الله تعالى أن لا يعذب الخلق على ترك ما أمرهم به وإتيان ms0013 ما ~~نهاهم عنه إلا بعد إقامة الحجة عليهم ببعثة الرسل إليهم. قال تعالى: {وما ~~كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء: 15] ، وقال تعالى: {كلما ألقي فيها ~~فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير - قالوا بلى} [الملك: 8 - 9] ، وقال عز ~~وجل: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله} [النحل: 36] ؛ فبعث الله ~~عز وجل في كل أمة رسولا بما أوجب عليهم من الإيمان به والانقياد لعبادته ~~والتزام طاعته واجتناب معصيته، فكان من آخر المرسلين # PageV01P025 # بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، نبينا محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - سيد المرسلين وأمين رب العالمين وأكرم البشر وأفضل ~~الأنبياء والرسل، بعثه الله إلى الخلق كافة كما قال تعالى: {قل يا أيها ~~الناس إني رسول الله إليكم جميعا} [الأعراف: 158] بالمعجزات التي دلت على ~~نبوته، وأوجبت العلم بصحة رسالته، فدعا إلى الإسلام والإيمان، ونهى عن ~~عبادة غير الرحمن، وبين مجمل التنزيل، ودل على طرق العلم ووجوه التأويل؛ ~~لأن الله تعالى فصل كتابه فجعل منه نصا جليا ومتشابها خفيا ابتلاء واختبارا ~~ليرفع الله الذين آمنوا والذين أوتوا العلم درجات بتدبرهم آياته واعتبارهم ~~بها واستنباطهم منها الأحكام التي فرض الله عليهم امتثالها وتعبدهم بها؛ ~~لأنه تعالى رد إليهم الأمر في ذلك بعد الرسول - عليه الصلاة والسلام - فقال ~~تعالى: {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه ~~منهم} [النساء: 83] ، فجعل المستنبط من الكتاب علما والمصير إليه عند عدم ~~النص والإجماع فرضا. ### | فصل في الطريق إلى معرفة أحكام الشرائع # فأحكام شرائع الدين تدرك من أربعة أوجه، أحدها كتاب الله عز وجل الذي لا ~~يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، والثاني سنة ~~نبيه - عليه الصلاة والسلام - الذي قرن الله تعالى طاعته بطاعته وأمرنا ~~باتباع سنته فقال عز وجل: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول} [المائدة: 92] ، ~~وقال تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} [النساء: 80] ، وقال: {وما ~~آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7] ، وقال: {واذكرن ما ~~يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة} ms0014 [الأحزاب: 34] # PageV01P026 # والحكمة السنة. وقال. {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} [الأحزاب: ~~21] . والثالث الإجماع الذي دل تعالى على صحته بقوله. {ومن يشاقق الرسول من ~~بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم ~~وساءت مصيرا} [النساء: 115] ؛ لأنه عز وجل توعد باتباع غير سبيل المؤمنين ~~فكان ذلك أمرا واجبا باتباع سبيلهم. وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-. «لا تجتمع أمتي على ضلالة» ، والرابع الاستنباط وهو القياس على هذه ~~الأصول الثلاثة التي هي الكتاب والسنة والإجماع؛ لأن الله تعالى جعل ~~المستنبط من ذلك علما وأوجب الحكم به فرضا فقال عز وجل: {ولو ردوه إلى ~~الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} [النساء: 83] ، ~~وقال عز وجل: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك ~~الله} [النساء: 105] أي بما أراك فيه من الاستنباط والقياس؛ لأن الذي أراه ~~فيه من الاستنباط والقياس هو مما أنزل عليه وأمره بالحكم به حيث يقول: {وأن ~~احكم بينهم بما أنزل الله} [المائدة: 49] . # فصل # فإذا ثبت هذا فالكتاب ينقسم إلى قسمين مجاز وحقيقة. # فالمجاز: ما تجوز به في اللفظ عن موضوعه، وهو في القرآن كثير، ينقسم على ~~أربعة أضرب: زيادة كقوله تعالى: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] ، وقوله: ~~{فبما نقضهم ميثاقهم} [المائدة: 13] . ونقصان كقوله تعالى: {واسأل القرية} ~~[يوسف: 82] ، # PageV01P027 # وقوله: {فما بكت عليهم السماء والأرض} [الدخان: 29] . وتقديم وتأخير ~~كقوله: {أخرج المرعى} [الأعلى: 4] {فجعله غثاء أحوى} [الأعلى: 5] ، وإنما ~~تقدير الكلام وحقيقته أخرج المرعى أحوى فجعله غثاء. واستعارة كقوله: {قل ~~بئسما يأمركم به إيمانكم} [البقرة: 93] والإيمان لا يأمر في الحقيقة، ~~وكقوله: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} [العنكبوت: 45] ، والصلاة لا ~~تنهى في الحقيقة، وكقوله: {جدارا يريد أن ينقض فأقامه} [الكهف: 77] والموات ~~لا تصح منه الإرادة، وكقوله تعالى: {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} ~~[الإسراء: 24] والذل لا جناح له في الحقيقة، وهو في القرآن كثير أكثر من أن ~~يحصى عددا. وقد ذكر ابن خويز منداد من أصحابنا أن القرآن لا مجاز فيه. ~~وحجته أن ms0015 القرآن حق، ومحال أن يكون حقا ما ليس بحقيقة. وهو خطأ واضح؛ لأن ~~الحق ليس من الحقيقة بسبيل؛ لأن الحق ضد الباطل، والحقيقة ضد المجاز. وقد ~~يؤتى بحقيقة اللفظ ويكون الكلام باطلا ويؤتى بالمجاز فيه ويكون الكلام حقا ~~نحو لو رأيت رجلا قد قاتل فأبلى بلاء عظيما فقلت رأيت اليوم أسدا قاتل ~~فأبلى بلاء عظيما كنت قد قلت الحق ولم تأت بالحقيقة في اللفظ إذ عبرت عن ~~الرجل بالأسد وليس بأسد على الحقيقة. ولو قلت قاتل فلان اليوم قتالا شديدا ~~وهو لم يفعل لكنت قد قلت الباطل وأتيت بحقيقة اللفظ دون تجوز فيه. # فصل # والحقيقة تنقسم على قسمين: مفصل ومجمل. # PageV01P028 # فأما المجمل فهو ما لا يفهم المراد به من لفظه ويفتقر في البيان إلى ~~غيره، مثل قوله تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] ، فلا يفهم من ~~لفظ الحق جنسه ولا مقداره إلا بعد البيان ومثل قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة} [البقرة: 43] ، و {كتب عليكم الصيام} [البقرة: 183] ، و ~~{ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] قد قيل في ~~هذه الآيات إنها عامة وليست بمجملة، والصحيح أنها مجملة، وهو مذهب مالك - ~~رحمه الله - فقد قال الحج كله في كتاب الله، والصلاة والزكاة ليس لهما في ~~كتاب الله بيان، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين ذلك. # وأما المفصل فإنه ينقسم على وجهين محكم ومنسوخ. # فالمنسوخ: ما نسخ حكمه وبقي خطه، وهو في القرآن كثير، مثل قوله: {يا أيها ~~الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة} [المجادلة: 12] ~~، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: {فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله} [المجادلة: 13] ، ومثل قوله: {إن يكن ~~منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين ~~كفروا بأنهم قوم لا يفقهون} [الأنفال: 65] {الآن خفف الله عنكم} [الأنفال: ~~66] . ثم نسخ ذلك بالآية التي بعدها. # وأما المحكم: فإنه ما لم ينسخ، وهو ينقسم على قسمين محتمل وغير محتمل. ~~فأما غير ms0016 المحتمل فهو النص، وحده ما رقي في بيانه إلى أبعد غاية، مأخوذ من ~~النص في السير وهو أبعده، وقيل إنه مأخوذ من منصة العروس التي ترفع عليها ~~لتجلى للناس، وذلك مثل قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} ~~[البقرة: 228] ، # PageV01P029 # فهو نص في الثلاثة لا يحتمل غير ذلك، مثل قوله تعالى: {إطعام عشرة ~~مساكين} [المائدة: 89] ، و {فصيام شهرين متتابعين} [النساء: 92] . # فصل # ويجري مجرى النص عندنا ما عرف المراد به من جهة عرف التخاطب وإن لم يكن ~~نصا، نحو قوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم} [النساء: 23] ، و {حرمت ~~عليكم الميتة} [المائدة: 3] ، إذ ليس بنص في تحريم وطء الأمهات ولا بنص في ~~تحريم أكل الميتة وإنما هو مجاز لأنه علق التحريم في الأمهات وسائر ~~المحرمات على الأعيان، والمراد به تحريم الأفعال في الأعيان؛ لأن اللفظ إذا ~~كثر استعماله فيما هو مجاز خرج عن حد المجاز ولحق بالمفصل لفهم المراد به ~~من جهة عرف التخاطب، نحو قوله تعالى: {أو جاء أحد منكم من الغائط} [النساء: ~~43] ، ونحو ذلك. فقد علم وفهم من لغة العرب أن التحريم والتحليل إذا علق ~~على عين من الأعيان فالمراد به تحريم الفعل المقصود [منه] فالمقصود من ~~الميتة أكلها، والمقصود من النساء الاستمتاع بهن بالوطء فما دونه، وهو الذي ~~وقع عليه التحريم دون ما سواه؛ لأنه الفعل المقصود منه. وإن قال له حرمت ~~عليك الفرس فهم منه تحريم ركوبه لأنه المقصود منه، وإن قال حرمت عليك ~~الجارية فهم منه تحريم الوطء. # فصل # وقد ادعى بعض أصحاب أبي حنيفة الإجمال في ذلك وليس بصحيح # PageV01P030 # لما قدمناه ومثله قول النبي - عليه الصلاة والسلام -: «إنما الأعمال ~~بالنيات» ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا صلاة إلا بطهور» ، وقوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل» ، فإنه قد ~~ادعى بعض أصحاب أبي حنيفة في ذلك الإجمال وذهب إلى ذلك القاضي أبو بكر، ~~والصحيح ما قدمناه لأنه يعرف بعرف التخاطب أن المراد بذلك نفي الانتفاع ~~بالعمل دون نية لا نفي العمل بعد ms0017 وقوعه وحصوله. # فصل # وأما لحن الخطاب فهو الضمير الذي لا يتم الكلام إلا به نحو قوله ~~تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} [البقرة: 184] ، ~~معناه فأفطر فعدة من أيام أخر. وقوله تعالى: {ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم} ~~[المائدة: 89] ، معناه فحنثتم، فيجري مجرى النص سواء عند الجميع. وكذلك ~~فحوى الخطاب مثل قوله تعالى: {فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما} [الإسراء: 23] ~~يفهم منه المنع من الضرب والشتم ويجري مجرى النص سواء في وجوب العمل به عند ~~الجميع ولا خلاف في ذلك. # فصل # وأما المحتمل فإنه ينقسم على قسمين، أحدهما أن لا يكون أحد محتملاته # PageV01P031 # أظهر من الآخر. والثاني أن يكون أحد محتملاته أظهر من الآخر. فأما القسم ~~الأول وهو أن لا يكون أحد محتملاته أظهر من الآخر فإنه يجري مجرى المجمل في ~~أنه لا يصح امتثال الأمر به إلا بعد البيان. وأما القسم. الآخر وهو أن يكون ~~بعض محتملاته أظهر من الآخر، نحو الأوامر التي ترد والمراد بها الوجوب ~~والندب والإباحة والتعجب إلا أنها أظهر في الوجوب عند أكثر أصحابنا فتحمل ~~عليه، ونحو ألفاظ العموم فإنها قد ترد والمراد بها الخصوص، وترد والمراد ~~بها العموم، إلا أنها في العموم أظهر فتحمل عليه عند أكثر أصحابنا حتى يدل ~~الدليل على تخصيصها. ويندرج تحت هذا النحو من الخطاب الحكم بالقياس لأنا قد ~~استدللنا عليه بعموم قوله تعالى: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} [الحشر: 2] ~~وما أشبه ذلك أيضا من الألفاظ. ومن ذلك أيضا ألفاظ الحصر مثل إنما وما أشبه ~~ذلك، الظاهر منها أنها ترد لتحقيق الحكم في المنصوص عليه ونفيه عما سواه ~~فيحمل على ذلك، وإن كانت قد ترد لإيجاب الحكم في المنصوص عليه لا لنفيه عما ~~سواه. # فصل # والسنة تنقسم على أربعة أقسام: # سنة لا يردها إلا كافر يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وهي ما نقل بالتواتر ~~فحصل العلم به ضرورة، كتحريم الخمر، وأن الصلوات خمس، وأن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أمر بالأذان، وأن القبلة هي الكعبة وما ms0018 أشبه ذلك. # وسنة لا يردها إلا أهل الزيغ والتعطيل، إذ قد أجمع أهل السنة على تصحيحها ~~وتأويلها، كأحاديث الشفاعة والرؤية وعذاب القبر وما أشبه ذلك. # وسنة توجب العلم والعمل وإن خالف فيها مخالفون من أهل السنة، وذلك نحو ~~الأحاديث في المسح على الخفين وأن ما دون المسكر من الأنبذة حرام. # PageV01P032 # وسنة توجب العمل ولا توجب العلم، وهو ما ينقله الثقة عن الثقة، وهو كثير ~~في كل نوع من أنواع الشرائع، وهو نحو ما أمر الله به من الحكم بشهادة ~~الشاهدين العدلين وإن كان الكذب والوهم جائزا عليهما فيما شهدا به. # فصل # والإجماع لا يصدر إلا عن دليل، إما توقيف عن النبي - عليه الصلاة والسلام ~~-، وإما استدلال من الكتاب والسنة، وإما اجتهاد، كنحو إجماعهم على جلد شارب ~~الخمر وما أشبه ذلك. وهو ينقسم على قسمين: فمنه ما يجتمع فيه العلماء ~~والعامة كالوضوء والصلاة والزكاة والصيام. ومنه ما يجتمع عليه العلماء دون ~~العامة غير أن العامة مجمعة على أن ما اجتمعت عليه العلماء من ذلك فهو الحق ~~وهو فروع العبادات وأحكام الطلاق والحدود وما أشبه ذلك. ### | فصل في وجوب الحكم بالقياس # وأما الاستنباط وهو القياس فالتعبد به جائز في العقل واجب في الشرع. ~~والذي يدل على أنه أصل من أصول الشرع الكتاب والسنة وإجماع الأمة. فأما ~~الكتاب فقوله تعالى: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} [الحشر: 2] ، والاعتبار ~~تمثيل الشيء بالشيء وإجراء حكمه عليه. روي عن ثعلب أنه فسر قوله تعالى: ~~{فاعتبروا يا أولي الأبصار} [الحشر: 2] بأن المراد به القياس وقال الاعتبار ~~هو القياس وهو ممن يعول على قوله في اللغة والنقل عن العرب. ودليل آخر من ~~الكتاب وهو أن الله تعالى كلفنا تنفيذ الأحكام وأعلمنا أن جميع ذلك في ~~القرآن بقوله تعالى: {تبيانا لكل شيء} [النحل: 89] ، وقوله تعالى: {ما ~~فرطنا في الكتاب من شيء} [الأنعام: 38] فلما لم توجد # PageV01P033 # جميع الأحكام في القرآن نصا علمنا أنه أراد أنه نص على بعضها وأحال على ~~الاستنباط و [هو] القياس في سائرها. فمن منع من الاستنباط وهو القياس ms0019 فقد ~~كذب بقوله تعالى: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} [الأنعام: 38] إذ لا يجوز له ~~أن يدعي أنه نص على جميع الأحكام في القرآن نصا. ودليل آخر من الكتاب وهو ~~قوله تعالى: {ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون} [الواقعة: 62] فوبخهم ~~على إنكارهم النشأة الثانية مع أن لهم طريقا إلى معرفتها وهو القياس على ~~النشأة الأولى التي يقرون بها وهي في معناها. ومثل ذلك: {أوليس الذي خلق ~~السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم} [يس: 81] ومثله في القرآن كثير. # وأما السنن الواردة في ذلك عن النبي - عليه الصلاة والسلام - فكثيرة أيضا ~~ترفع العذر وتوجب القطع عن النبي - عليه الصلاة والسلام - بالحكم بالرأي ~~والاجتهاد وإقرار أصحابه على ذلك في زمنه ومع وجوده ونزول الوحي، فكيف به ~~اليوم بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - وانقطاع الوحي. ومن ذلك «الخبر ~~المشهور لمعاذ بن جبل حين أنفذه إلى اليمن حاكما فقال له بم تحكم قال بكتاب ~~الله، قال فإن لم تجد قال فبسنة رسوله، قال فإن لم تجد قال أجتهد رأيي. قال ~~الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضي رسوله.» ومن ذلك «قوله للخثعمية: ~~أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته قالت نعم قال فدين الله أحق أن ~~يقضى» فقاس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # PageV01P034 # وجوب قضاء دين الخالق على وجوب قضاء دين المخلوق. وقال - صلى الله عليه ~~وسلم - في لحوم الأضاحي: «إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت عليكم» ~~فأعلمهم بالعلة ليعتبروها. وهذا نص منه على وجوب الحكم بالقياس. «وسئل رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الرطب بالتمر فقال أينقص الرطب إذا يبس ~~فقالوا نعم، فقال فلا إذا» . ففي سؤاله إياهم هل ينقص الرطب إذا يبس دليل ~~واضح على أنه إنما أراد بذلك تنبيههم على العلة في بيع الرطب بالتمر ~~وتوقيفهم عليها ليعتبروها حيثما وجدوها، إذ لا جائز أن يكون النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - يجهل أن الرطب إذا يبس ينقص، وإنما أراد أن يعلمهم أن ~~معنى نهيه ms0020 عن بيع التمر بالتمر متفاضلا موجود في بيع الرطب بالتمر مثلا ~~بمثل، وهذا بين. وروت أم سلمة أن النبي - عليه الصلاة والسلام - قال: «إني ~~أقضي بينكم بالرأي فيما لم ينزل به وحي» . ومصداق هذا الخبر في كتاب الله ~~عز وجل: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله} ~~[النساء: 105] ، وقال تعالى: {وشاورهم في الأمر} [آل عمران: 159] . # فصل # وأما الإجماع في ذلك فمعلوم حصوله وتقرره قبل خلق أهل الظاهر ~~القائلين بنفيه. والدليل على ذلك أن الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - ~~اختلفوا في أشياء كثيرة كتوريث الجد والعول في الفرائض وديات الأسنان وما ~~أشبه ذلك، واحتج كل # PageV01P035 # واحد منهم على صاحبه لمذهبه بالقياس وشاع ذلك بينهم وذاع من غير نكير، ~~ولو كان باطلا ومنكرا لتسارعوا إلى إنكاره على ما وصفهم الله تعالى به في ~~كتابه حيث يقول: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن ~~المنكر} [آل عمران: 110] ولو لم يوجد في ذلك إلا حديث عمر في أمر الوباء ~~لصح به الإجماع، ووجب له الانقياد والاتباع، حين خرج إلى الشام بأصحاب ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما كان بسرغ بلغه أن الوباء قد وقع بالشام، ~~فاستشار المهاجرين الأولين فاختلفوا عليه، فمنهم من قال له: أرى أن لا تفر ~~من قدر الله، ومنهم من قال له: لا تقدم ببقية أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - على هذا الوباء. ثم دعا الأنصار فاختلفوا كاختلاف المهاجرين ~~قبلهم. ثم دعا من حضر من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح فلم يختلفوا عليه ~~وأمروه بالرجوع، ولم يكن منهم أحد ذكر في ذلك آية من كتاب الله ولا حديثا ~~عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بل أشار كل واحد منهم عليه برأيه وما ~~أداه اجتهاده إليه، ولم ينكر عليه أحد فعله، فقال عمر: إني مصبح على ظهر ~~فأصبحوا عليه، فقال أبو عبيدة بن الجراح: أفرارا من قدر الله؟ فقال عمر لو ~~غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفر من قدر الله إلى قدر، ms0021 أرأيت لو كان لك ~~إبل في واد له عدوتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة أليس إن رعيت الجدبة ~~رعيتها بقدر الله وإن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله؟ فاعترض عليه أبو عبيدة ~~بالرأي وجاوبه عمر بالرأي والقياس، ولم يحتج أحدهما في ذلك بكتاب ولا سنة ~~ولا إجماع. ثم شاعت هذه القضية وذاعت ولم يكن في المسلمين من أنكر على واحد ~~منهم القول فيها بالرأي، وما أعلم مسألة يدعى الإجماع فيها أثبت في حكم ~~الإجماع من هذه المسألة، والتوفيق من عند الله. # فصل # فطريق التعبد به السمع من الكتاب والسنة وإجماع الأمة دون دلالة ~~العقول # PageV01P036 # على ما قدمناه. وقد ذهب جماعة من الفقهاء إلى أنه واجب بالعقل، وأن الشرع ~~ورد بتأكيد ما في العقل منه، ولو لم يرد فيه شرع لاكتفي بإيجاب العقل له. ~~والصحيح أن العقل لا حظر فيه ولا إباحة. # فصل # وإنما منع من الحكم بالقياس أهل التعطيل والزيغ، فقال منهم قائلون ~~إنه محال لا يصح ورود الشرع به، وقال داود وابنه ليس من المستحيل، ولو ورد ~~في الشرع لكان جائزا ولكنه لم يرد به شرع. فمنهم من يدعي أنه لا نازلة إلا ~~وفي الكتاب عليها نص، ومن بلغ هذا الحد فقد سقط تكليمه لأنه عاند الحق وجحد ~~الضرورة، وإن كلمناه مسامحة أوردنا عليه نوازل مثل العول في الفرائض وتقدير ~~أروش الجنايات، وتقويم المتلفات، ومقاسمة الجد الإخوة والأخوات، ومثل ثوب ~~أطارته الريح في قدر صباغ، ودينار وقع في مجمرة رجل وما أشبه ذلك، وطالبناه ~~بالنص على ذلك من الكتاب فلا شك في عجزه عن ذلك. والحذاق منهم يقرون أن ~~النص لم يحط بجميع أحكام النوازل، وأن منها عفوا مسكوتا عنه لا حكم لله ~~فيه، وأنه قد بين في الكتاب والسنة أنه لا حكم لله فيما سكت عنه. وقائل هذه ~~المقالة لا يخلو من أحد وجهين: إما أن يحكم في هذه النوازل عند نزولها ~~بهواه فيقع في أشد مما أنكر علينا؛ لأنا لا نحكم فيها بالهوى وإنما نحكم ~~فيها بأدلة الشرع؛ لأن ms0022 الله تعالى قد نهى عن الحكم به فقال: {ولا تتبع ~~الهوى فيضلك عن سبيل الله} [ص: 26] ، وقال: {ونهى النفس عن الهوى} ~~[النازعات: 40] {فإن الجنة هي المأوى} [النازعات: 41] . وإما أن يترك الحكم ~~فيها فيؤول ذلك إلى إبطال الأحكام ووقوع الحرب والقتال، وهو باطل بإجماع. ~~ومنهم من يقول إن ما لا نص فيه فهو باق على حكم العقل من حظر وإباحة كل على ~~مذهبه، وهذا باطل، إذ لا يمكن من جهته # PageV01P037 # تنفيذ الأحكام، ولو أمكن ذلك لما صح اعتقاده لأنه يبطل فائدة قول الله ~~تعالى: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} [الأنعام: 38] . # فصل # فالقياس هو حمل الفرع على الأصل في إثبات الحكم أو إسقاطه لعلة يدل ~~الدليل على أن الحكم إنما ثبت في الأصل أو سقط منه لتلك العلة، وتكون تلك ~~العلة موجودة في الفرع فيقتضي ذلك إلحاقه بالأصل في إثبات ذلك الحكم فيه أو ~~إسقاطه منه. # فصل # فإذا علم الحكم في الفرع صار أصلا وجاز القياس عليه بعلة أخرى ~~مستنبطة منه، وإنما سمي فرعا ما دام مترددا بين الأصلين لم يثبت له الحكم ~~بعد. وكذلك إذا قيس على ذلك الفرع بعد أن ثبت أصلا بثبوت الحكم فيه فرع آخر ~~بعلة مستنبطة منه أيضا فثبت الحكم فيه صار أصلا وجاز القياس عليه إلى ما لا ~~نهاية له. وليس كما يقول بعض من يجهل أن المسائل فروع فلا يصح قياس بعضها ~~على بعض، وإنما يصح القياس على الكتاب والسنة والإجماع. وهذا خطأ بين، إذ ~~الكتاب والسنة والإجماع هي أصول أدلة الشرع، فالقياس عليها أولى، ولا يصبح ~~القياس على ما استنبط منها إلا بعد تعذر القياس عليها. فإذا نزلت النازلة ~~ولم توجد لا في الكتاب ولا في السنة ولا فيما أجمعت عليه الأمة نصا ولا وجد ~~في شيء من ذلك كله علة تجمع بينه وبين النازلة ووجد ذلك فيما استنبط منها ~~أو فيما استنبط مما استنبط منها وجب القياس على ذلك. # فصل # واعلم أن هذا المعنى مما اتفق عليه مالك وأصحابه ولم يختلفوا فيه ms0023 على # PageV01P038 # ما يوجد في كتبهم من قياس المسائل بعضها على بعض، وهو صحيح في المعنى وإن ~~خالف فيه مخالفون؛ لأن الكتاب والسنة والإجماع أصل في الأحكام الشرعيات كما ~~أن علم الضرورة أصل في العلوم العقليات. فكما بني العلم العقلي على علم ~~الضرورة أو على ما بني على علم الضرورة هكذا أبدا من غير حصر بعدد على ~~ترتيب ونظام الأقرب على الأقرب. ولا يصح أن يبنى الأقرب على الأبعد، فكذلك ~~العلوم السمعيات تبنى على الكتاب والسنة وإجماع الأمة أو على ما بني عليها ~~أو ما بني على ما بني عليها بصحته هكذا أبدا إلى غير نهاية على ترتيب ونظام ~~الأقرب على الأقرب ولا يصح بناء الأقرب على الأبعد. مثال هذا الذي ذكرناه ~~أني أعلم نفسي ضرورة، فإذا علمتها ضرورة نظرت هل أنا محدث أو قديم، فعلمت ~~بالنظر أني محدث. ولا يصح أن أنظر هذا النظر قبل علمي بوجود نفسي، فعلمي ~~بأني محدث علم نظري مبني على علم الضرورة، فإذا علمت أني محدث نظرت هل لي ~~محدث أم لا، فعلمت بالنظر أن لي محدثا، فالعلم بأن لي محدثا علم نظري مبني ~~على علم نظري مبني على علم الضرورة. فإذا علمت بأن لي محدثا نظرت هل محدثي ~~قديم أو محدث فعلمت بالنظر أنه قديم وهو الله رب العالمين. فعلمي بأنه قديم ~~علم نظري مبني على علم نظري وهو أن لي محدثا، والعلم بأن لي محدثا مبني على ~~علم نظري وهو العلم بحدوثي، والعلم بحدوثي مبني على علم الضرورة وهو العلم ~~بوجود نفسي. # فصل # والعلة الشرعية لا توجب الحكم في الأصل بنفسها وإنما توجبه بجعل صاحب ~~الشرع لها علة. مثال ذلك أن السكر قد كان موجودا في الخمر ولم يدل # PageV01P039 # ذلك على تحريمها حتى جعله صاحب الشرع علة في تحريمها، فليست علة على ~~الحقيقة، وإنما هي أمارة على الحكم وعلامة عليه. # فصل # والذي يدل على صحة العلة في الأصل الكتاب والسنة وإجماع الأمة ~~والتأثير وشهادة الأصول. والتأثير هو أن يعدم الحكم بعدم العلة في ms0024 موضع ما. ~~وشهادة الأصول هو مثل أن يستدل المالكي على الحنفي بأن القهقهة لا تنقض ~~الوضوء في الصلاة كما لا تنقضه قبل الصلاة كالكلام فيطالب عن صحة العلة ~~فيقول الأصول متفقة على التسوية بين الأمرين. # فصل # وهذا كله يرجع إلى وجهين: # أحدهما: أن تكون العلة معلومة قد ثبتت بدليل قاطع لا يحتمل التأويل من ~~نص، كقول النبي - عليه الصلاة والسلام -: «إنما نهيتكم من أجل الدافة التي ~~دفت عليكم» . أو تنبيه كقوله: «أينقص الرطب إذا يبس قالوا نعم قال فلا إذا» ~~أو دليل أولى كنهيه عن التضحية بالعوراء فإنه يدل على أن العمياء بذلك ~~أولى. أو مفهوم من اللفظ من غير جهة الأولى كنهيه عن البول في الماء الدائم ~~والأمر بإراقة السمن الذائب إذا ماتت فيه فأرة؛ لأن هذا يعرف من لفظه أن ~~الدم مثل البول وأن الزيت مثل السمن الذائب. أو إجماع كإجماعهم على أن حد ~~العبد إنما نقص لرقه وما أشبه ذلك. وهذا كله هو القياس الجلي، وإن كان بعضه ~~أجلى من بعض. # والثاني: أن تكون العلة مظنونة غير معلومة إذا لم تثبت بدليل قاطع لا # PageV01P040 # يحتمل التأويل كنحو ما عرف بالاستنباط وحمل عليه التأثير كالشدة المطربة ~~في الخمر، فإنه لما وجد التحريم بوجودها وزال بزوالها دل على أنها هي ~~العلة، ولا يقطع على ذلك؛ لأن أبا حنيفة يقول إنما حرمت لاسمها. وهو محتمل؛ ~~لأن الاسم يوجد بوجود الشدة ويزول بزوالها. وكنحو علة الربا التي اختلف ~~فيها الفقهاء وفي أوصافها وشروطها، فذهب كثير من المالكيين إلى أنها كون ~~الجنس الواحد مطعوما مدخرا مقتاتا أو مصلحا للقوت. وزاد بعضهم في صفات ~~العلة أصلا للمعاش غالبا. وذهب كثير من الشافعيين إلى أن الطعم بانفراده هو ~~العلة حتى حرم التفاضل في السقمونيا والطين الأرميني. وذهب الحنفيون إلى أن ~~العلة فيه الكيل والوزن. فكل واحد من هؤلاء الفقهاء يغلب على ظنه ترجيح ~~علته على علة صاحبه، وما منهم أحد يعلم أنها العلة ولا يدعي أن له عليها ~~نصا من الكتاب أو السنة أو ms0025 ما يقوم مقام النص من التنبيه. وإنما الدليل ~~عليها عنده غلبة ظنه على صحتها فهي مظنونة والحكم بها إذا غلب على الظن ~~صحتها معلوم مقطوع على وجوبه. وهذا النوع من القياس هو القياس الخفي. وكذلك ~~العلة المنصوص عليها مظنونة أيضا إذا جاء النص عليها في السنة من طريق ~~الآحاد والحكم بها معلوم. مثال هذا الذي ذكرناه وبيناه شهادة الشاهدين لا ~~يقطع على عدالتهما وإنما يقال إنهما عدلان لغالب الظن. فإذا غلب على ظن ~~الحاكم عدالة الشاهدين كان الحكم عند غلبة ظنه بذلك معلوما مقطوعا عليه. # فصل # فكل قايس حامل لأحد المعلومين على الآخر بالمعنى الجامع بينهما. ~~وقالوا إنه على ثلاثة أضرب: قياس العلة، وقياس الدلالة، وقياس الشبهة. ~~فقياس العلة نحو قياس الأرز على البر، وقياس النبيذ على الخمر، وقياس الأكل ~~في رمضان # PageV01P041 # على الجماع، بالعلة الجامعة بين كل واحد من ذلك وبين صاحبه وما أشبه ذلك. ~~وقالوا في قياس الدلالة إن ذلك مثل أن يستدل على منع وجوب سجود التلاوة ~~بجواز فعلها على الراحلة، فإن جوازه على الراحلة من أحكام النوافل. ومثل أن ~~يستدل بنظير الحكم على الحكم، فيقول الصبي لا تجب الزكاة في ماله فلا يجب ~~العشر في زرعه، ولا يلزمه الظهار فلا يلزمه الطلاق. فيستدل بربع العشر على ~~العشر، وبالظهار على الطلاق. وقالوا في قياس الشبه إنه يحمل الفرع على ~~الأصل بضرب من الشبه، وذلك مثل أن يتردد الفرع بين أصلين ويشبه أحدهما في ~~ثلاثة أوصاف ويشبه الآخر في وصفين فيرد إلى أشبه الأصلين به. وذلك كالعبد ~~يشبه الحر في أنه آدمي مخاطب مثاب معاقب ويشبه البهيمة في أنه مملوك مقوم ~~فيلحق بما هو أشبه به. وهذان القياسان يستندان إلى العلة وإن لم يكونا قياس ~~علة على التحقيق، وبالله تعالى التوفيق. # فصل # والقياس لا يكون إلا ما رد إلى أصل، وهو أحد أقسام الاجتهاد؛ لأن ~~الاجتهاد يقع على ما رد إلى أصل وعلى ما لم يرد إلى أصل، نحو أروش الجنايات ~~ونفقات الزوجات وما يحمل الرجل من العاقلة ms0026 من الديات وما أشبه ذلك. فكل ~~قايس مجتهد وليس كل مجتهد قايسا، فالاجتهاد أعم من القياس. فأما الرأي فهو ~~اعتقاد إدراك صواب الحكم الذي لم يرد فيه نص فلا يكون إلا بعد كمال ~~الاجتهاد. # فصل # وكل ما ذكرنا من أصول الدين وأصول الفقه وأقسام الكتاب ومعاني الخطاب ~~ووجوب العمل بالقياس وتبيين وجوهه وشرح معانيه مما يحتاج إليه ولا يستغني ~~عنه من انتدب إلى ما ندب الله إليه في كتابه وعلى لسان رسوله - صلى الله ~~عليه وسلم - من التفقه في دينه والعلم بشرائعه وأحكامه. # PageV01P042 ### | فصل في وجوب طلب العلم # فصل # في وجوب طلب العلم # وطلب العلم والتفقه في الدين من فروض الكفاية كالجهاد، أوجبه الله تعالى ~~على الجملة فقال تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في ~~الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} [التوبة: 122] ، ومن ~~للتبعيض. فإذا قام به بعض الناس سقط الفرض عن سائرهم، إلا ما لا يسع ~~الإنسان جهله من صفة وضوئه وصلاته وصومه وزكاته إن كان ممن تجب عليه ~~الزكاة، فإن ذلك واجب عليه لا يسقط عنه الفرض فيه معرفة غيره به. وكذلك من ~~كان فيه موضع للإمامة والاجتهاد فطلب العلم عليه واجب قاله مالك - رحمه ~~الله تعالى - وقد سئل عن طلب العلم أواجب هو أم لا فقال أما على كل الناس ~~فلا. وروي عنه أن ابن وهب كان جالسا معه فحضرت الصلاة فقام إليها فقال له: ~~ما الذي قمت إليه بأوجب عليك من الذي قمت عنه. وهذا كلام فيه نظر، كيف يكون ~~طلب العلم على أحد أوجب عليه من صلاة الفريضة، فالمعنى في ذلك عندي إن صحت ~~الرواية أنه أراد ما الذي قمت إليه بأوجب عليك في هذا الوقت من الذي قمت ~~عنه؛ لأن الصلاة لا تجب بأول الوقت إلا وجوبا موسعا، فأراد - رضي الله ~~تعالى عنه - أن اشتغاله بتقييد ما يخشى فواته من العلم آكد عليه من البدار ~~إلى الصلاة في أول الوقت. # فصل # وكما يجب على المتعلم التعلم فكذلك يجب على ms0027 العالم التعليم. قال الله ~~عز وجل: {بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} [آل عمران: 79] ، ويقرأ ~~تعلمون وتعلمون بمعنى تتعلمون فتجمع القراءات الثلاث العلم والتعلم ~~والتعليم. وقال الله عز وجل: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ~~لتبيننه للناس ولا تكتمونه} [آل عمران: 187] ، # PageV01P043 # وقال تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما ~~بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} [البقرة: 159] ~~، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «بلغوا عني ولو آية» ، وقال - ~~صلى الله عليه وسلم -: «ألا ليبلغ الشاهد الغائب» . وروي عن أبي ذر أنه قال ~~لو وضعتم الصمصامة على هذه وأشار إلى قفاه ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل أن تجيزوا علي لأنفذتها. # فصل # ولا يحصل العلم إلا بالعناية والملازمة والبحث والنصب والصبر على ~~الطلب، كما حكى الله تعالى عن موسى - عليه الصلاة والسلام - أنه قال للخضر: ~~{ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا} [الكهف: 69] وأنه قال لفتاه: ~~{لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا} [الكهف: 62] وقال سعيد بن المسيب إني كنت ~~لأرحل في طلب العلم والحديث الواحد مسيرة الأيام والليالي وبذلك ساد أهل ~~عصره، وكان يسمى سيد التابعين. وقال مالك - رحمه الله تعالى -: أقمت خمس ~~عشرة سنة أغدو من منزلي إلى منزل ابن هرمز وأقيم عنده إلى صلاة الظهر مع ~~ملازمته لغيره وكثرة عنايته، وبذلك فاق أهل عصره وسمي إمام دار الهجرة. ~~وأقام ابن القاسم متغربا عن بلده في رحلته إلى مالك عشرين سنة حتى مات مالك ~~- رحمه الله -. ورحل سحنون أيضا إلى ابن القاسم فكان مما قرأ عليه مسائل ~~المدونة والمختلطة ودونها فحصلت أصل علم المالكيين، وهي مقدمة على غيرها من ~~الدواوين بعد موطأ مالك - رحمه الله -. ويروى أنه ما بعد كتاب الله كتاب ~~أصح من موطأ مالك - رحمه الله -، ولا بعد الموطأ ديوان في الفقه أفيد من ~~المدونة. والمدونة هي عند أهل الفقه ككتاب سيبويه عند أهل # PageV01P044 # النحو، وككتاب إقليدس عند ms0028 أهل الحساب، وموضعها من الفقه موضع أم القرآن ~~من الصلاة، تجزئ من غيرها ولا يجزئ غيرها منها. وكانت مؤلفة على مذهب أهل ~~العراق، فسلخ أسد بن الفرات منها الأسئلة وقدم بها المدينة ليسأل عنها ~~مالكا - رحمه الله - ويردها على مذهبه، فألفاه قد توفي، فأتى أشهب ليسأله ~~عنها فسمعه يقول أخطأ مالك في مسألة كذا وأخطأ في مسألة كذا، فتنقصه بذلك ~~وعابه ولم يرض قوله فيه وقال ما أشبه هذا إلا كرجل بال إلى جانب البحر فقال ~~هذا بحر آخر، فدل على ابن القاسم فأتاه فرغب إليه في ذلك فأبى عليه، فلم ~~يزل به حتى شرح الله صدره لما سأله فجعل يسأله مسألة مسألة، فما كان عنده ~~فيها سماع عن مالك قال سمعت مالكا يقول فيها كذا وكذا، وما لم يكن عنده من ~~مالك فيه إلا بلاغ قال لم أسمع من مالك في ذلك شيئا وبلغني عنه أنه قال ~~فيها كذا وكذا، وما لم يكن عنده سماع ولا بلاغ قال لم أسمع من مالك في ذلك ~~شيئا ولا بلغني والذي أراه فيه كذا وكذا حتى أكملها. فرجع إلى بلده بها ~~فطلبها منه سحنون فأبى عليه فتحيل سحنون حتى صارت الكتب عنده فانتسخها ثم ~~رحل بها إلى ابن القاسم فقرأها عليه فرجع منها من مسائل وكتب إلى أسد بن ~~فرات أن يصلح كتابه على ما في كتاب سحنون. فأنف أسد من ذلك وأباه، فبلغ ذلك ~~ابن القاسم فدعا عليه أن لا يبارك له فيها، وكان مجاب الدعوة، فأجيبت دعوته ~~ولم يشتغل بكتابه ومال الناس إلى قراءة المدونة ونفع الله بها. وكان سحنون ~~إذا حث على طلب العلم والصبر عليه تمثل بهذا البيت: # أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا # فصل # ومن أفضل ما يستعان به على الطلب تقوى الله العظيم فإنه عز وجل يقول: ~~{واتقوا الله ويعلمكم الله} [البقرة: 282] . # PageV01P045 # فصل # ويجب على طالب العلم أن يخلص النية لله تعالى في طلبه، فإنه لا ينفع عمل ~~لا نية لفاعله. ms0029 قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الأعمال ~~بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» . وقال - عليه الصلاة والسلام -: «نية ~~المؤمن خير من عمله» . وقال - صلى الله عليه وسلم -: «فمن كانت هجرته إلى ~~الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو ~~امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه» ، ويجب عليه أيضا أن لا يريد ~~بتعلمه الرياء والسمعة ولا عرضا من أعراض الدنيا فإن الله تبارك وتعالى ~~يقول: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها ~~لا يبخسون} [هود: 15] {أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما ~~صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون} [هود: 16] ، وقال تعالى: {من كان يريد ~~حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب} [الشورى: 20] ، وقال تعالى: من {كان يريد العاجلة عجلنا له ~~فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا} [الإسراء: ~~18] {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا} ~~[الإسراء: 19] . وروي أن رهطا من أهل العراق مروا على أبي ذر فسألوه فحدثهم ~~ثم قال لهم هل تعلمون أن هذه الأحاديث التي يبتغى بها وجه الله لن يتعلمها ~~أحد يريد بها عرض الدنيا يجد عرف الجنة. وعرفها ريحها. وروي عن شفي الأصبحي ~~أنه دخل المدينة فإذا هو برجل قد # PageV01P046 # اجتمع الناس عليه فقال من هذا؟ فقالوا أبو هريرة. قال فدنوت منه حتى قعدت ~~بين يديه وهو يحدث الناس، فكلما سكت وخلا قلت له أنشدك بحق وبحق لما حدثتني ~~حديثا سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عقلته وعلمته، فقال أبو ~~هريرة: أفعل لأحدثنك حديثا حدثنيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في ~~هذا البيت عقلته وعلمته، ثم نشع أبو هريرة نشعة فسكت قليلا ثم أفاق فقال: ~~لأحدثنك حديثا حدثنيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا البيت ما ~~معنا أحد غيري وغيره، ثم نشع أبو ms0030 هريرة نشعة أخرى ثم نكس حتى أفاق فمسح ~~وجهه ثم قال أفعل لأحدثنك حديثا حدثنيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~في هذا البيت ما معنا أحد غيري وغيره ثم نشع أبو هريرة نشعة شديدة ثم مال ~~خارا على وجهه فاشتد به طويلا ثم أفاق فقال: حدثني رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - «أن الله تبارك وتعالى إذا كان يوم القيامة نزل إلى العباد ~~ليقضي بينهم فكل أمة جاثية فأول ما يدعي به رجل جمع القرآن، ورجل قتل في ~~سبيل الله، ورجل كثير المال والصدقة. فيقول الله تعالى للقارئ ألم أعلمك ما ~~أنزلت على رسولي؟ فيقول بلى يا رب، فيقول ماذا عملت فيما علمت، فيقول كنت ~~أقوم به آناء الليل وآناء النهار، فيقول الله له كذبت وتقول الملائكة له ~~كذبت، ثم يقول الله له أردت أن يقال فلان قارئ فقد قيل ذلك. ويؤتى بصاحب ~~المال فيقول الله له ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ فيقول بلى ~~يا رب. فيقول فماذا عملت فيما آتيتك؟ فيقول كنت أصل الرحم وأتصدق، فيقول ~~الله له كذبت وتقول الملائكة له كذبت، ويقول الله له بل أردت بذلك أن يقال ~~فلان جواد فقد قيل ذلك. ويؤتى بالرجل الذي قتل في سبيل الله. فيقال له في ~~ماذا قتلت؟ فيقول أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت، فيقول الله له ~~كذبت وتقول له الملائكة كذبت وبقول الله له بل أردت أن يقال فلان جريء فقد ~~قيل ذلك. ثم ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ركبتيه فقال يا أبا ~~هريرة أولئك الثلاثة أول خلق تسعر بهم # PageV01P047 # النار يوم القيامة.» وحدث شفي بهذا الحديث معاوية فقال: قد فعل بهؤلاء ~~هذا فكيف بمن بقي من الناس فبكى حتى ظننا أنه هالك، ثم أفاق فمسح على وجهه ~~وقال صدق الله ورسوله {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم ~~أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون - أولئك الذين} [هود: 15 - 16] الآية وروي ~~عن مجاهد أنه قال في قول ms0031 الله تعالى: {والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ~~ومكر أولئك هو يبور} [فاطر: 10] إنه الرياء. # فصل # وهذا الوعيد والله أعلم إنما هو لمن كان أصل عمله الرياء والسمعة ~~فأما من كان أصل عمله لله تعالى وعلى ذلك عقد نيته فلا تضره إن شاء الله ~~الخطرات التي تقع بالقلب ولا تملكه. وقد سئل مالك وربيعة عن الرجل يحب أن ~~يلقى في طريق المسجد ويكره أن يلقى في طريق السوء فأما ربيعة فكره ذلك وأما ~~مالك فقال إذا كان أول ذلك وأصله لله تعالى فلا بأس بذلك إن شاء الله تعالى ~~قال الله عز وجل: {وألقيت عليك محبة مني} [طه: 39] ، وقال: {واجعل لي لسان ~~صدق في الآخرين} [الشعراء: 84] ؛ وقال عمر بن الخطاب لابنه: لأن تكون قلتها ~~أحب إلي من كذا وكذا إذ أخبره بما كان وقع في نفسه من أن الشجرة التي مثلها ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالرجل المسلم وسأل أصحابه عنها فوقعوا ~~في شجر البوادي هي النخلة. قال: فأي شيء هذا إلا هذا فإنما هذا أمر يكون في ~~القلب لا يملك، فهذا إنما يكون من الشيطان ليمنعه من العمل، فمن وجد ذلك ~~فلا يكسل عن التمادي في فعل الخير ولا يؤيسه من الأجر، وليدفع الشيطان عن ~~نفسه ما استطاع ويجدد النية لذلك ولقد روي عن بعض المتقدمين أنه قال طلبنا ~~العلم لغير الله فردنا لله. وقد روي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - ما ~~يؤيد ما ذهب إليه مالك. وقع في جامع المستخرجة # PageV01P048 # في سماع ابن القاسم من «رواية معاذ بن جبل أنه قال: يا رسول الله إنه ليس ~~من بني سلمة إلا مقاتل فمنهم من القتال طبيعته ومنهم من يقاتل رياء ومنهم ~~من يقاتل احتسابا فأي هؤلاء الشهيد من أهل الجنة فقال يا معاذ بن جبل من ~~قاتل على شيء من هذه الخصال أصل أمره أن تكون كلمة الله هي العليا فقتل فهو ~~شهيد من أهل الجنة» . وروي «أن رجلا قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، يا رسول ms0032 الله الرجل يعمل العمل فيخفيه فيطلع عليه الناس فيسره فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - له أجر السر وأجر العلانية. # فصل # ويجب على من تعلم العلم أن يعمل به، فإن لم يعمل به كان حجة عليه يوم ~~القيامة وحسرة وندامة. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ما ~~منكم من أحد إلا وسيخلو به ربه كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر أو قال ~~ليلته، ثم يقول يا ابن آدم ما غرك بي، ابن آدم ما غرك بي، ابن آدم ما عملت ~~فيما علمت، ابن آدم ماذا أجبت المرسلين» وروي عن أبي الدرداء أنه قال: من ~~شر الناس منزلة يوم القيامة عالم لا ينتفع بعلمه. وقال النبي - عليه الصلاة ~~والسلام -: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به كالأترجة طعمها طيب ~~وريحها طيب، والمؤمن الذي يقرأ القرآن ولا يعمل به كالثمرة طعمها طيب ولا ~~ريح لها، ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن ولا يعمل به كمثل الريحانة ريحها ~~طيب وطعمها مر، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ~~ريح لها» # فصل # وكان العلم في الصدر الأول والثاني في صدور الرجال، ثم انتقل إلى ~~جلود # PageV01P049 # الضأن وصارت مفاتحه في صدور الرجال، فلا بد لطالب العلم من معلم يفتح ~~عليه ويطرق له. وقد قال بعض الحكماء: العلم يفتقر إلى خمسة أشياء متى نقص ~~منها شيء نقص من علمه بقدر ذلك، وهي ذهن ثاقب، وشهوة باعثة، وعمر طويل، ~~وجدة، وأستاذ. وله خمس مراتب، أولها أن تنصب وتسمع، ثم أن تسأل فتفهم ما ~~تسمع، ثم أن تحفظ ما تفهم، ثم أن تعمل بما تعلم؟ ثم أن تعلم ما تعلم. # فصل # وطلب العلم إذا أريد به وجه الله تعالى وأخلصت النية فيه لله من أفضل ~~أعمال البر وأجل نوافل الخير. قال الله تعالى: {يرفع الله الذين آمنوا منكم ~~والذين أوتوا العلم درجات} [المجادلة: 11] ، وقال تعالى: {قل هل يستوي ~~الذين يعلمون والذين لا يعلمون} [الزمر: 9] ، وقال تعالى: {وما يعقلها إلا ~~العالمون} [العنكبوت: ms0033 43] ، وقال تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} ~~[فاطر: 28] ، وقال تعالى: {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا} [البقرة: ~~269] ؛ جاء في التفسير أنه الفقه في دين الله. وقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» . وقال: «من سلك طريقا ~~يطلب فيها علما سهل الله له طريقا إلى الجنة» . وروي «أن الملائكة تضع ~~أجنحتها لطالب العلم رضى بما يصنع» . وقال أبو هريرة: من غدا أو # PageV01P050 # راح إلى المسجد لا يريد غيره ليتعلم خيرا أو ليعلمه كان كالمجاهد في سبيل ~~الله رجع غانما. وروي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: «ما أعمال ~~البر كلها في الجهاد إلا كبصقة في بحر، وما أعمال البر كلها والجهاد في طلب ~~العلم إلا كبصقة في بحر» . فنص في هذا الحديث على أن طلب العلم أفضل من ~~الجهاد، ومعناه في الموضع الذي يكون الجهاد فيه فرضا على الكفاية إذا كان ~~قد قيم به؛ لأنه يكون له نافلة. وأما القيام بفرض الجهاد أو الجهاد في ~~الموضع الذي يتعين فيه الجهاد على الأعيان فلا شك أنه أفضل من طلب العلم ~~والله أعلم. وظاهر الحديث يدل على أن طلب العلم أفضل من الصلاة. وما روي عن ~~«النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه سئل عن أفضل الأعمال فقال: الصلاة لأول ~~ميقاتها» معناه في الفرائض، وأما في النوافل فطلب العلم أفضل منها على ظاهر ~~الحديث المذكور والله أعلم. # وقد سئل مالك عن القوم يتذاكرون الفقه القعود معهم أحب إليك في ذلك أم ~~الصلاة؟ فقال بل الصلاة. وروي عنه أن العناية بالعلم أفضل، وليس ذلك عندي ~~اختلافا من قوله. ومعناه أن طلب العلم أفضل من الصلاة لمن ترجى إمامته، ~~والصلاة أفضل من طلب العلم لمن لا ترجى إمامته إذا كان عنده منه ما يلزمه ~~في خاصة نفسه من صفة وضوئه وصلاته وصيامه. وقال سحنون يلزم أثقلهما عليه. # فصل # والأجر في العناية بالعلم على قدر النية فيه. قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «إن الله تعالى ms0034 قد أوقع أجره على قدر نيته» . والله ~~تبارك وتعالى قد قسم بين عباده الأعمال وتفضل عليهم بالثواب. روي أن بعض ~~العباد كتب إلى مالك يحضه # PageV01P051 # على الانفراد وترك مجالسة الناس، فكتب إليه مالك يقول: إن الله قد قسم ~~بين عباده الأعمال كما قسم الأرزاق، فرب رجل فتح له في الصلاة ولم يفتح له ~~في الصيام، ورب رجل فتح له في الصيام ولم يفتح له في الصلاة، ورب رجل فتح ~~له في كذا ولم يفتح له في كذا فعدد أشياء ثم قال وما أظن ما أنت فيه بأفضل ~~مما أنا فيه، وكلانا على خير إن شاء الله والسلام. ### | فصل في تحرير القول في الإيمان والإسلام # فصل # في تحرير القول في الإيمان والإسلام # ولا يصح شيء من العبادات إلا بعد الإقرار بالمعبود والتصديق به. فأول ~~الواجبات الإيمان بالله تعالى وبوحدانيته وبما هو عليه من صفات ذاته ~~وأفعاله وملائكته وكتبه ورسله وكل ما جاءوا به من عنده. والإيمان هو ~~التصديق الحاصل في القلب قال الله عز وجل: {وما أنت بمؤمن لنا} [يوسف: 17] ~~أي بمصدق لنا {ولو كنا صادقين} [يوسف: 17] . وأما الإسلام فهو إظهار ~~الإيمان والإعلان به، مأخوذ من الاستسلام وهو الانقياد؛ لأن من أظهر ~~الإيمان فقد انقاد واستسلم لجريان حكمه عليه. فكل مؤمن مسلم؛ لأن من اعتقد ~~الإيمان في الباطن فهو معلن به في الظاهر. وليس كل مسلم مؤمنا؛ لأن المنافق ~~والزنديق يظهران الإسلام ويعتقدان الكفر، فهما مسلمان في الظاهر كافران في ~~الباطن. فالإسلام أعم من الإيمان. وهذا في بلد الإسلام وحيث يجب على المؤمن ~~إظهار إيمانه ولا يحل له كتمه. وأما في بلد الحرب إذا أكره على الكفر فواجب ~~عليه إذا خاف على نفسه فأظهر الكفر أن يعتقد الإيمان بقلبه، فيكون إذا فعل ~~ذلك مؤمنا غير مسلم؛ لأن الله تبارك وتعالى قد سماه مؤمنا في كتابه فقال: ~~{وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه} [غافر: 28] ، وقال: {إلا من أكره ~~وقلبه مطمئن بالإيمان} [النحل: 106] وليس بمسلم # PageV01P052 # إذ لم يستسلم بإظهار الإيمان. وقد ms0035 قيل إن الإسلام والإيمان اسمان واقعان ~~على معنى واحد، واحتج من ذهب إلى هذا بقول الله عز وجل وقوله الحق: ~~{فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين} [الذاريات: 35] {فما وجدنا فيها غير بيت ~~من المسلمين} [الذاريات: 36] ، وهذا لا حجة فيه؛ لأن المؤمنين إذا أظهروا ~~الإيمان مسلمون بإظهار الإيمان كما بيناه والدليل على أن الإيمان غير ~~الإسلام قول الله تبارك وتعالى: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن ~~قولوا أسلمنا} [الحجرات: 14] أي انقدنا {ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} ~~[الحجرات: 14] فنفى عنهم الإيمان الحاصل في القلب وأوجب لهم الإسلام الذي ~~هو الانقياد بإظهار الإيمان دون اعتقاده. وما روي أيضا «أن جبريل - عليه ~~السلام - أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - في صورة أعرابي وقال: يا محمد ~~ما الإيمان فقال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر ~~خيره وشره حلوه ومره. قال فما الإسلام قال أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني ~~رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت. قال صدقت.» ~~ففرق - صلى الله عليه وسلم - بين الإيمان والإسلام بأن جعل الإيمان من ~~أفعال القلوب الباطنة والإسلام من أفعال الجوارح الظاهرة. فالإيمان خصلة من ~~خصال الإسلام التي ينقاد بها المكلف لأمر الله تعالى كما ينقاد للصوم ~~والصلاة والحج وسائر العبادات. # فصل # فهذا هو الإيمان في الشرع. وأما في اللغة فكل من ظهر منه التصديق ~~يسمى مؤمنا. فالمسلم في اللغة مؤمن، ويصح أن يسمى في الشرع مؤمنا مجازا؛ ~~لأن إظهار الشهادة يدل على الإيمان، فيحكم لمن أظهرها بحكمه في الدنيا لا ~~أنه إيمان ينتفع به في الآخرة. والعرب قد تسمي الشيء باسم ما قرب منه، ويصح ~~على هذا أن يسمى ما يظهر من أعمال الطاعات كلها إيمانا لأنها دالة على ~~الإيمان ومن أفعال المؤمنين وسجاياهم. ووجه آخر أيضا صحيح جيد، وهو أن ~~أعمال # PageV01P053 # الطاعات كلها لا تكون طاعة وقربة إلا مع مقارنة الإيمان لها، ومتى لم ~~يقارنها لم تكن طاعة ولا قربة، فسميت الطاعات باسم الأصل الذي لا يثبت لها ms0036 ~~الحكم بأنها طاعة وقربة إلا به. وهذا بين في المعنى وعليه يحمل قول من قال ~~من أهل السنة إن الإيمان قول باللسان وإخلاص بالقلب وعمل بالجوارح. وما روي ~~أن معنى قول الله تعالى: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} [البقرة: 143] ، أي ~~صلاتكم إلى بيت المقدس؛ لأن صلاتهم إلى بيت المقدس كانت مقارنة للإيمان ~~ولذلك حصل الانتفاع بها والجزاء عليها، فبان بما قلناه وأوردناه أن أنفس ~~الطاعات من الأقوال والأفعال إذا لم يصح أن تسمى طاعات إلا بمقارنة الإيمان ~~لها فلا يصح أن يقال إنها غير الإيمان، إذ لا يصح مفارقتها له، ولا أنها ~~الإيمان كالصفة القديمة لا يصح أن يقال إنها هي الموصوف ولا أنها غيره. # فصل # وأما قول من قال من أهل السنة إن الإيمان يزيد بزيادة الأعمال وينقص ~~بنقص الأعمال ففيه تأويلان: أحدهما أن المعنى في ذلك أن ثواب الإيمان يزيد ~~مع الطاعة وينقص مع تركها، بمعنى أنه يتجرد ثواب الإيمان عن ثواب الطاعة ~~إذا تركها إلى مباح أو معصية، فلا يكون ثواب الإيمان في حال الصلاة كثوابه ~~في حال الجلوس ولا كثوابه في حال المعصية. يؤيد هذا التأويل ما روي أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا ~~يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن» ، أي ليس هو في تلك الحال مؤمنا يثاب على ~~إيمانه فيها مثل ما كان يثاب عليه لو كان في عمل مباح أو مندوب إليه أو ~~واجب على هذا يحمل الحديث إذ لا يصح أن يقال إن المؤمن في حال المعصية ~~منسلخ عن الإيمان. وقد قيل في معنى هذا الحديث إن الإيمان إيمانان، فإيمان ~~يؤمن به من الخلود في # PageV01P054 # النار، وإيمان يؤمن به من دخول النار. فالإيمان الذي يؤمن به من دخول ~~النار هو الإيمان الذي لا معصية معه، والإيمان الذي يؤمن به من الخلود في ~~النار هو الإيمان الذي معه المعاصي. فالزاني والسارق في حال السرقة والزنا ~~ليس بمؤمن الإيمان الذي يؤمن به من دخول النار؛ ms0037 لأنه في تلك الحال مصر على ~~المعصية غير تائب منها، فإنما نفي عنه على هذا التأويل الإيمان الممدوح. ~~وقد كان بعض الشيوخ يرويه لا يشرب بكسر الباء على معنى الأمر يقول إذا كان ~~مؤمنا فلا يشرب الخمر ولا يسرق ولا يزن. وقد قيل في معنى الحديث إن الإيمان ~~لما كان مضمناته التصديق بالوعيد بالعقاب على هذه الكبائر صار كالمناقض ~~للشهوة الباعثة عليها فأيهما غلب صاحبه نفاه. فلما كان مرتكب الكبائر في ~~حال ارتكابه إياها قد غلبت شهوته تصديقه وخوفه جاز أن يوصف بانتفاء الإيمان ~~عنه على ضرب من التوسع والمجاز. وقد قيل إن معنى الحديث إنما هو فيمن زنى ~~أو سرق وهو مستحل لذلك. # والتأويل الثاني في معنى زيادة الإيمان بزيادة الأعمال ونقصانه بنقصان ~~الأعمال أنه يزيد بتكراره بفعل الطاعة لأن الطاعة لا تكون طاعة إلا مع ~~مقارنة الإيمان لها، فإذا كثر عمله زادت أجزاء إيمانه بتكررها، وإذا نقص ~~عمله نقصت أجزاء إيمانه على قدر ما كانت تكون لو كثر عمله. وهذا كما يقال ~~نقص ماء العين وزاد. على هذا التأويل لا يخرج الكلام عن الحقيقة إلى المجاز ~~بخلاف التأويل الأول؛ لأن حقيقة المراد بالزيادة في الشيء هو أن يضاف إليه ~~غيره، وحقيقة المراد بالنقصان منه هو أن ينقص منه بعض أجزائه. وأما الشيء ~~الواحد فلا ينقص في نفسه ولا يزيد في نفسه لأن ذلك من المحال. # PageV01P055 # فصل # وقد نص الله تبارك وتعالى على زيادة الإيمان فقال: {وإذا ما أنزلت ~~سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا ~~وهم يستبشرون} [التوبة: 124] . ومعنى ذلك زيادة اليقين في الإيمان والبعد ~~من دخول الشك فيه عليه؛ لأن آيات الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأقواله ~~وما ينزل عليه يصدق بعضه بعضا، وذلك يوجب زيادة اليقين في الإيمان ~~والاستبصار في التمسك به والبعد من دخول الشك عليه فيه. # فصل # فالإيمان يتفاضل في زيادة اليقين والقوة فيه والعلم به والبعد من ~~دخول الشك عليه فيه، فكلما قوي اليقين بالله والعلم به ms0038 لمن عرفه كان أبعد ~~من طرو الشكوك عليه، فليس من آمن بالله ولم يعرفه بالاستدلال عليه كمن عرفه ~~به، ولا من عرفه بوجه واحد من وجوه الأدلة كمن عرفه من وجوه كثيرة، ولا من ~~عرفه بالأدلة دون معاينة الآيات كمن شاهدها وعاينها بحضرة النبي - عليه ~~الصلاة والسلام - في قوة اليقين في القلب وبعده عن أن يفتن فيه أو يزيغه ~~الشيطان عنه. روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن من أصحابي ~~من الإيمان في قلبه أثبت من الجبال الرواسي» . وقال في بعض أصحابه أراه أبا ~~بكر: «لو رفع له الغطاء ما زاد يقينا» . ويروى أن عمر بن الخطاب أتاه منكر ~~ونكير فقالا له: من ربك وما دينك، فقال لهما أما أنا فالله ربي والإسلام ~~ديني ومحمد - صلى الله عليه وسلم - نبيي، وأنتما فمن ربكما وما دينكما ومن ~~نبيكما؟ فنظر بعضهما إلى بعض فقالا إنه عمر وانصرفا عنه. فهل # PageV01P056 # يساويه أحد من أهل هذا الزمان في قوة اليقين هذا ما لا يكون والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. ### | فصل في زيادة الإيمان ونقصانه # فصل # فزيادة الإيمان ونقصانه يكون على هذه الوجوه الثلاثة زيادة في اليقين ~~وزيادة في العدد وزيادة في الثواب، وهو أبعد التأويلات؛ لأن الكلام يحمل في ~~هذا التأويل على المجاز، وحمله على الحقيقة أولى. وقد روي عن مالك - رحمه ~~الله - أنه كان يطلق القول بزيادة الإيمان ويكف عن إطلاق نقصانه، إذ لم ينص ~~الله تعالى إلا على زيادته. فروي عنه أنه قال عند موته لابن نافع وقد سأله ~~عن ذلك: قد أبرمتموني، إني تدبرت هذا الأمر فما من شيء يزيد إلا وهو ينقص ~~الإيمان يزيد وينقص. وهو الصحيح. والله سبحانه وتعالى أعلم. # فصل # فهذا هو حقيقة القول في الإيمان والإسلام على مذاهب أهل السنة. وذهبت ~~المعتزلة إلى أن الإيمان هو فعل الواجبات من العبادات وترك المحظورات، وأنه ~~قد نقل هذا الاسم في الشرع على مقتضى اللغة وجعل اسما لجميع الواجبات وترك ~~المحظورات، فكفروا المسلمين بالذنوب، وقال منهم قائلون إنه ms0039 اسم في الدين ~~لجميع الطاعات فرائضها ونوافلها، وقالت طائفة من المرجئة إن الإيمان هو ~~الإقرار باللسان وإن وجد مع عدم المعرفة، وهذا كله باطل يرده القرآن. # فصل # وهذا الذي قلناه من أن أول الواجبات الإيمان بالله تعالى هو على مذهب ~~من # PageV01P057 # يرى أن الإيمان بالله هو التصديق الحاصل في القلب وليس من شروط صحته ~~المعرفة هو الذي اختاره القاضي أبو الوليد الباجي واحتج له. وأما على مذهب ~~من رأى أن الإيمان بالله تعالى لا يصح إلا بعد المعرفة فيقول إن أول ~~الواجبات النظر والاستدلال؛ لأن الله تبارك وتعالى لا يعلم ضرورة وإنما ~~يعلم بالنظر والاستدلال بالأدلة التي نصبها لمعرفته. وإلى هذا ذهب البخاري ~~في كتابه فبوب باب العلم قبل القول والعمل لقول الله عز وجل: {فاعلم أنه لا ~~إله إلا الله} [محمد: 19] فبدأ بالعلم، وهو الذي ركن إليه القاضي أبو بكر ~~الباقلاني؛ لأنه قال: إن الإيمان هو العلم، وكل مؤمن بالله فهو عالم به. ~~والذي ذهب إليه أن من لم يكن عالما بالله تعالى فهو جاهل به، والجاهل بالله ~~تعالى كافر به. وليس ذلك ببين؛ لأن الإيمان يصح باليقين الذي قد يحصل لمن ~~هداه الله بالتقليد وبأول وهلة من الاعتبار بما أرشد الله تعالى إلى ~~الاعتبار به في غير ما آية من كتابه. ومن قال إن الإيمان بالله هو العلم ~~به، والعلم به لا يصح إلا بالنظر والاستدلال فأول الواجبات عنده النظر ~~والاستدلال. وقد قال القاضي أبو بكر المذكور في بعض كتبه إن الإيمان ليس هو ~~العلم، وإنما سبيله أن يتضمن العلم، لأن الإيمان في اللغة هو التصديق، ~~والتصديق هو من قبيل الأقوال التي تكون في النفس ويعبر عنها تارة بالقول، ~~وذلك القول الموجود بالقلب لا يصح وجوده مع الجهل ولا بد أن يكون متضمنا ~~للعلم. قال بعض من تكلم على قوله من الفقهاء: وهذا هو التحقيق الذي يمر مع ~~النظر. # وقد حكى القاضي أبو الوليد الباجي عن شيخه القاضي أبي جعفر السمناني أنه ~~كان يقول: القول بأن النظر أول ms0040 الواجبات مسألة من مسائل الاعتزال بقيت في ~~المذهب عند من التزمها؛ لأن من جعله أول الواجبات أوجبه # PageV01P058 # بالعقل، إذ لا يصح أن يعلم أحد أن الله أوجب عليه النظر وهو لا يعلم الله ~~إلا بعد النظر. ومن أصول أهل السنة أن العمل لا حظر فيه ولا إباحة. وليس ~~قوله عندي بصحيح؛ لأن الشيء الواجب في ذاته لا يخرجه عن الوجوب في حق أحد ~~جهله بمعرفة وجوبه عليه. ألا ترى أن الإيمان واجب بالشرع على من لا يعلم ~~الشرع عند من جعله أول الواجبات، [فكما يكون الإيمان واجبا بالشرع على من ~~لا يعلم الشرع عند من جعله أول الواجبات] ، فكذلك يكون النظر واجبا بالشرع ~~على من لا يعلم الشرع عند من جعله أول الواجبات. وقد استدل الباجي على من ~~قال إن النظر والاستدلال أول الواجبات بإجماع المسلمين في جميع الأعصار على ~~تسمية العامة والمقلدين مؤمنين. قال فلو كان ما ذهبوا إليه صحيحا لما صح أن ~~يسمى مؤمنا إلا من عنده علم بالنظر والاستدلال. قال وأيضا لو كان الإيمان ~~لا يصح إلا بعد النظر والاستدلال لجاز للكفار إذا غلب عليهم المسلمون أن ~~يقولوا لهم لا يحل لكم قتلنا لأن من دينكم أن الإيمان لا يصح إلا بعد النظر ~~والاستدلال فأخرونا حتى ننظر ونستدل، وهذا يؤدي إلى تركهم على كفرهم وأن لا ~~يقاتلوا حتى ينظروا ويستدلوا. قال ولا خلاف في بطلان هذا. وهذا لا يلزم لأن ~~من جعل النظر والاستدلال أول الواجبات لا يقفهما على الحد الذي رتبه أهل ~~الكلام من الاستدلال بالأعراض المتوالية على الأجسام على حدوث العالم ~~وإثبات محدثه على ما هو عليه من صفات ذاته وأفعاله، بل يقول إنه يعرف ذلك ~~بأول بديهة العقل؛ لأن العاقل إذا نظر إلى السماء والأرض واختلاف الليل ~~والنهار وإلى نفسه واختلاف أحواله وخروجه من العدم إلى الوجود علم أن لذلك ~~كله خالقا ومدبرا ليس كمثله شيء. # والذي أقول به إن النظر والاستدلال على هذا الوجه هو أول الواجبات عند من ~~جعل النظر أول الواجبات، ms0041 ويصح به الإيمان لأن اليقين يحصل به وإن لم يقع به ~~العلم، إذ لا يقع العلم إلا بعد إمعان النظر، وقد يصح تيقن المعتقد من غير ~~علم. فمن آمن بالله بتقليد أو نظر يحصل به اليقين أو يقع به العلم فهو مؤمن # PageV01P059 # حقيقة، وإن كانت مرتبة من آمن بالله وعلمه بالنظر والاستدلال أرفع من ~~مرتبة من آمن به بيقين حصل عنده من غير علم. # فصل # فإذا قلنا إن أول الواجبات الإيمان بالله وهو التصديق به وبما أخبر ~~به عن نفسه من صفات ذاته وأفعاله، فإن النظر والاستدلال المؤدي إلى معرفة ~~الله تعالى واجب أيضا أوجبه الله على عباده وافترضه عليهم وتعبدهم به كسائر ~~العبادات الواجبات. والدليل على وجوبه قول الله عز وجل: {قل انظروا ماذا في ~~السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون} [يونس: 101] ، ~~وقال تعالى: {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت} [الغاشية: 17] الآية، وقال ~~تعالى: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} [الذاريات: 21] ، وقال تعالى: {أفلم ~~ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها} [ق: 6] الآية، ومثل هذا في ~~القرآن كثير. # ومن الدليل أيضا على وجوب النظر والاستدلال أن الله تعالى قد أوجب ~~المعرفة به وبما هو عليه من صفات ذاته وأفعاله في غير ما آية من كتابه فقال ~~تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله} [محمد: 19] ، وقال: {اعلموا أن الله ~~شديد العقاب وأن الله غفور رحيم} [المائدة: 98] ، وقال: {اعلموا أن الله ~~يحيي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون} [الحديد: 17] ، ~~والعلم بشيء من ذلك لا يصح إلا من جهة # PageV01P060 # النظر والاستدلال، وما لا يصح الواجب إلا به فهو واجب مثله. فمن عرف الله ~~تعالى بالأدلة التي نصبها لمعرفته فهو مؤمن، ومرتبته في الإيمان أرفع من ~~مرتبة من آمن به من غير علم. قال الله عز وجل: {هل يستوي الذين يعلمون ~~والذين لا يعلمون} [الزمر: 9] ، وقال: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين ~~أوتوا العلم درجات} [المجادلة: 11] ، وقال تعالى: {إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء} [فاطر: 28] . # فصل # فكل عالم ms0042 بالله مؤمن وليس كل مؤمن بالله عالما به. # فصل # وقولنا إن الإيمان شرط في جميع العبادات ليس على الإطلاق؛ لأن ما يصح ~~فعله بغير نية من العبادات يصح مع عدم الإيمان إذا قلنا إن الكافر متعبد ~~بشرائع الإسلام، وفي ذلك بين أهل العلم اختلاف. وكذلك النظر الموجب إلى ~~معرفة الله تعالى عند من جعله أول الواجبات ليس من شرطه الإيمان ولا النية، ~~وقد دللنا على فساد هذا القول. # فصل # والعبادات لا تفتقر إلى النية إلا بخمسة شروط: أحدها أن تكون فعلا أو ~~تركا تختص بزمن معلوم مؤقت كالصيام، فإن كانت العبادة تركا لا تختص بزمن ~~معلوم كترك الزنا وشرب الخمر وأكل لحم الخنزير وما أشبه ذلك لم تفتقر إلى ~~نية. والثاني أن تكون العبادة مما يصح أن تفعل لله ويصح أن تفعل لغيره. فإن ~~كانت العبادة مما لا يصح أن تفعل إلا لله كإرادة التقرب إليه بالعبادة، أو ~~كانت مما لا يصح أن يفعل إلا لغير الله كالنظر المؤدي إلى معرفة الله عند ~~من جعله أول الواجبات لم يفتقر ذلك # PageV01P061 # إلى نية. والثالث أن تكون العبادة واجبة لحق الله كالصلاة والزكاة ~~والصيام، فإن كانت واجبة لحق مخلوق لم تفتقر إلى نية، كقضاء الديون وأداء ~~الودائع والأمانات، وبر الآباء والأمهات، وما أشبه ذلك من العبادات. ~~والرابع أن لا تكون العبادة واجبة لعلة ترتفع بامتثال العبادة دون نية، فإن ~~كانت واجبة لعلة ترتفع بامتثالها دون نية لم تفتقر إلى نية، كالاستنجاء ~~وغسل النجاسات من الثياب والأبدان وما أشبه ذلك. # والخامس أن تكون العبادة يفعلها المتعبد بها في نفسه، فإن كانت مما ~~يفعلها في غيره لم تفتقر إلى نية، كغسل الميت، وغسل الإناء سبعا من ولوغ ~~الكلب فيه، ومن وضأ غيره؛ لأن النية إنما تجب على الموضأ لا على الموضئ، ~~وهذا بين وبالله التوفيق. # PageV01P062 ### | فصل في أحكام الشريعة المتعلقة بالوضوء وغيره من العبادات # بسم الله الرحمن الرحيم فصل # في أحكام الشريعة المتعلقة بالوضوء وغيره من العبادات وأحكام الشريعة ~~تنقسم على خمسة أقسام: واجب، ms0043 ومستحب، ومباح، وحرام، ومكروه. # فالواجب حده ما حرم تركه، وقيل ما توعد الله على تركه وترك بدله إن كان ~~له بدل بالعقاب، والأول أخصر وهذا أبين. وفائدة هذا التقييد أن من العبادات ~~ما لا بدل له كغسل الوجه فيستحق العقاب بتركه، ومنها ما له بدل كغسل ~~الرجلين فلا يستحق العقاب إلا بترك الغسل والمسح على الخفين الذي هو بدل ~~الغسل. وله خمسة أسماء: واجب، وفرض، وحتم، ولازم، ومكتوب؛ وكلها قائمة من ~~القرآن. وهو ينقسم على ثلاثة أقسام واجب بالقرآن، وواجب بالسنة، وواجب ~~بالإجماع، وهي كلها سواء في لحوق الإثم بترك الامتثال. وإنما يفترق في قدر ~~ما يتوعد به على الترك، فرب ذنب أعظم من ذنب وإن كان الأصغر إذا انفرد ~~عظيما. والواجب والفرض عندنا سواء خلاف ما ذهب إليه أهل العراق من أن الفرض ~~آكد من الواجب، وأن الفرض ما وجب بالقرآن والواجب ما وجب بالسنة والإجماع. # PageV01P063 # والمستحب ما كان في فعله ثواب ولم يكن في تركه عقاب فبالوصف الأول بان من ~~المكروه والمباح والمحظور، إذ ليس في شيء من ذلك كله ثواب، ووافق الواجب. ~~وبالوصف الثاني بان من الواجب ووافق المكروه والمباح والمحظور. وهو ينقسم ~~على ثلاثة أقسام: سنن، ورغائب، ونوافل. فالسنن ما أمر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بفعله واقترن بأمره ما يدل على أن مراده به الندب أو لم تقترن ~~به قرينة على مذهب من يحمل الأوامر على الندب ما لم يقترن بها ما يدل أن ~~المراد بها الوجوب. أو ما داوم النبي - صلى الله عليه وسلم - على فعله، ~~بخلاف صفة النوافل. والرغائب ما داوم النبي - صلى الله عليه وسلم - على ~~فعله بصفة النوافل أو رغب فيه بقوله من فعل كذا فله كذا. والنوافل ما قرر ~~الشرع أن في فعله ثوابا من غير أن يأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - به أو ~~يرغب فيه أو يداوم على فعله. # والمباح ما لم يكن في فعله ثواب ولا في تركه عقاب، نحو القيام والجلوس ~~والحركة والسكون والاستمتاع بالمباحات من ms0044 المطعم والملبس والمركب وما أشبه ~~ذلك. # والحرام ضد الواجب، وهو ما توعد الله على فعله بالعقاب. # والمكروه ضد المستحب وهو ما كان في تركه ثواب ولم يكن في فعله عقاب، وهو ~~المتشابه. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الحلال بين والحرام بين ~~وبينهما أمور مشتبهات» الحديث. # فصل # والعبادات التي لها هذه الأحكام تنقسم على ثلاثة أقسام: قسم منها ~~يتوجه إلى القلوب. وقسم منها يتوجه إلى الأبدان. وقسم منها تشترك فيه ~~القلوب والأبدان. فالذي يتوجه منها إلى القلوب خمسة أجناس: نظر، واعتقاد، ~~وعلم، وظن، وإرادة. والذي يتوجه منها إلى الأبدان: ما لم يفتقر في امتثاله ~~إلى نية. والذي تشترك فيه القلوب والأبدان ما افتقر في أدائه إلى نية، وقد ~~تقدم بيان ذلك. # PageV01P064 # فصل # فمن العبادات المتوجهة إلى الأبدان أو إلى القلوب والأبدان على ما ~~بيناه طهارة الثياب والأجسام. وأصل الطهارة في اللغة النظافة والنزاهة؛ ~~ولذلك كانت العرب تستعملها في الطاهر دون النجس فيفترق بين الأمرين. ومنه ~~قول الله عز وجل: {وثيابك فطهر} [المدثر: 4] أي قلبك فنق من الآثام ~~والأدناس. ومنه قول الله عز وجل: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ~~البيت ويطهركم تطهيرا} [الأحزاب: 33] أي ينزهكم عن الدناءة ويبعدكم عنها ~~ويعلي درجاتكم. وقوله تعالى: {إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك} [آل عمران: ~~42] معناه نزهك وأبعدك مما قذفت به ورفع درجتك. # فصل # والطهارة في الشرع من هذا المعنى مأخوذة، وهي تنقسم على وجهين: طهارة ~~لإزالة نجاسة، وطهارة لرفع حدث. # فأما الطهارة لإزالة النجاسة فحدها إزالة النجاسة، وهي من العبادات ~~المتوجهة إلى الأبدان دون القلب، إذ لا تفتقر في أدائها إلى نية. واختلف ~~فيها فقيل إنها فرض، وقيل إنها سنة، وقيل إنها استحباب، وليس ذلك بصحيح على ~~ما أصلناه. وقيل إنها فرض مع القدرة والذكر تسقط مع النسيان، كالكلام في ~~الصلاة، وستر العورة فيها. وهذا غير صحيح على ما سنورده في موضعه إن شاء ~~الله تعالى. # وأما الطهارة لرفع الحدث فإنها من العبادات المتوجهة إلى الأبدان والقلوب ~~لافتقارها إلى النية على مذهب ms0045 مالك والشافعي. وهي تنقسم على ثلاثة أقسام: ~~غسل، ووضوء، وبدل منهما عند عدم القدرة عليهما وهو التيمم. ومن الناس من ~~يذهب إلى أنه لا يصح أن يقال في التيمم على مذهب مالك إنه بدل من الوضوء # PageV01P065 # لأنه لا يرفع الحدث عنده على الإطلاق كما يرفعه الغسل والوضوء، وإن كان ~~يستباح به عنده جميع ما يستباح بالوضوء من الفرائض والنوافل. والأظهر أنه ~~بدل منه على مذهبه لأنه يستباح به عنده جميع ما يستباح بالغسل والوضوء، ~~وإنما لم يرفع الحدث عنده لأن الأصل كان إيجاب الوضوء. والتيمم عند عدم ~~الماء لكل صلاة بظاهر قول الله تبارك وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا ~~قمتم إلى الصلاة} [المائدة: 6] فخرج من هذا الظاهر الوضوء بما ثبت أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - صلى صلوات بوضوء واحد، وبقي التيمم على الأصل ~~فلم يقس على الوضوء لأن البدل لا يقوى قوة المبدل منه. والله أعلم. ولا ~~اختلاف في أنه بدل من الوضوء عند من رأى أنه يرفع الحدث على الإطلاق أو إلى ~~أن يجد الماء، ولا في أنه استباحة للصلاة عند من رأى أنه لا يصلى به سوى ~~الفريضة خوف فوات وقتها. # فصل # فأما الغسل فإنه يتنوع: فمنه واجب، ومنه مسنون، ومنه مستحب. فالواجب ~~منه الغسل من الجنابة والحيضة والنفاس، والمسنون منه غسل الجمعة، والمستحب ~~منه غسل العيدين، وغسل المستحاضة إذا ارتفع عنها دم الاستحاضة، والغسل ~~للإحرام ولدخول مكة وللوقوف بعرفة. # فصل # وكذلك الوضوء أيضا منه واجب ومنه مسنون ومنه مستحب. فالواجب منه ما يفعل ~~لما لا يصح فعله إلا بطهارة من الفرائض والسنن والنوافل، لا يتنوع تنوعها ~~لأنه لا يراد لنفسه وإنما يجب لغيره، فلا يقال فيه إنه واجب على الإطلاق، ~~وإنما يقال إنه واجب لكذا بمعنى أنه شرط في صحة ذلك الفعل، وغير واجب لكذا ~~بمعنى أنه غير شرط في صحته. والمسنون منه وضوء الجنب إذا أراد أن ينام. # PageV01P066 # والمستحب منه الوضوء للنوم، ووضوء المستحاضة والذي يسلس منه البول لكل ~~صلاة. وتجديد الوضوء أيضا ms0046 لكل صلاة مستحب مرغب فيه. ### | فصل في معرفة اشتقاق الوضوء # فصل # في معرفة اشتقاق الوضوء الوضوء مشتق من الوضاءة وهي النظافة أيضا والحسن. ~~ومنه قيل فلان وضيء الوجه أي نظيفه. فكأن الغاسل لوجهه أو لشيء من أعضائه ~~وضأه أي نظفه بالماء وحسنه. والوضوء في اللغة يقع على غسل العضو الواحد فما ~~فوقه، والدليل على ذلك ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مفصلا من أن ~~الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، وبعده ينفي اللمم ويصح البصر. وسمى غسل اليد ~~وضوءا. وأما في الشرع إذا أطلق فلا ينطلق إلا على غسل جملة أعضاء على وجه ~~مخصوص، وهو يشتمل على فروض وسنن ومستحبات على ما سنذكره في موضعه إن شاء ~~الله تعالى. ### | فصل فيما يجب منه الوضوء # ويجب الوضوء من تسعة أشياء على اتفاق في المذهب، وهي المذي، والودي، ~~والبول، والغائط، والريح إذا خرج ذلك كله على العادة، سواء خرج الريح بصوت ~~أو بغير صوت. والقبلة مع وجود اللذة أو القصد إليها، والمباشرة، واللمس مع ~~وجود اللذة، وزوال العقل بنوم مستثقل أو إغماء أو سكر أو تخبط جنون. وإنما ~~شرطنا الاستثقال في النوم لأنه ليس بحدث في نفسه وإنما هو سبب للحدث. ~~والقدر الذي يحكم على النائم بانتقاض وضوئه من أجله يختلف باختلاف هيئته في ~~نومه، وهي على أربع مراتب: أقربها إلى انتقاض وضوئه فيها # PageV01P067 # بالنوم الاضطجاع ثم السجود، ثم الجلوس والركوع، ثم القيام والاحتباء. ~~واختلف في الركوع فقيل إنه كالقيام وقيل إنه كالسجود. واختلف في الاستناد ~~فقيل إنه كالجلوس وقيل إنه كالاضطجاع. فإذا نام الرجل مضطجعا وجب عليه ~~الوضوء بالاستثقال وإن لم يطل. وإذا نام ساجدا لم يجب عليه الوضوء إلا أن ~~يطول، وقيل إنه يجب عليه بالاستثقال وإن لم يطل. وإذا نام جالسا أو راكبا ~~فلا وضوء عليه إلا أن يطول. وإذا نام قائما أو محتبيا فلا وضوء عليه وإن ~~طال لأنه يثبت. ومن أهل العلم من زاد على هذه التسعة الأشياء الحقنة وليس ~~بصحيح؛ لأن الحقنة ليست بحدث ينقض ms0047 الطهارة، إذ لو ارتفعت بعد وجودها لما ~~لزم الوضوء منها. # ويجب من تسعة أشياء أيضا على اختلاف في المذهب، وهي مس الرجل ذكره أو مس ~~المرأة فرجها، والتذكر مع الاشتهاء، وخروج شيء من المعتادات من أحد ~~المخرجين على غير العادة، والقبلة مع عدم اللذة وعدم القصد إليها ممن ~~يشتهى؛ لأن من لا يشتهي لصغره أو لكونه من ذوات المحارم فلا وضوء في قبلته ~~على الصفة المذكورة، والمباشرة والملامسة مع عدم اللذة ووجود القصد إليها، ~~والارتداد، ورفض الوضوء، والشك في الحدث. والأخصر من هذا أن تقول إن الوضوء ~~يجب من وجهين: أحدهما ما يخرج من المخرجين من المعتادات على العادة باتفاق ~~أو على غير العادة باختلاف. والثاني ما هو سبب لما يخرج منهما قوي باتفاق ~~أو ضعيف على اختلاف. فيندرج تحت هذا الوجه زوال العقل بالنوم المستثقل ~~وبالإغماء والسكر والجنون، ويندرج تحته أيضا القبلة والمباشرة واللمس # PageV01P068 # مع وجود اللذة أو القصد إليها على الاختلاف في ذلك، ويندرج تحته أيضا مس ~~الرجل ذكره ومس المرأة فرجها والتذكر مع الاشتهاء على مذهب من يوجب الوضوء ~~لذلك؛ لأن الأصل في وجوب الوضوء من ذلك كله هو ما يخشى أن تكون اللذة قد ~~حركت المذي عن موضعه وأخرجته إلى قناة الذكر من غير أن يشعر بذلك. فهذه ~~الأقوال في الأحداث الموجبة للوضوء مجملة، وستأتي مفسرة في مواضعها إن شاء ~~الله تعالى. # فصل # ولوجوب الوضوء من هذه التسعة الأشياء خمس شرائط: وهي الإسلام، ~~والبلوغ، والعقل، وارتفاع "الحيض والنفاس، ودخول وقت الصلاة. فصل # والأصل في وجوبه من هذه التسعة الأشياء بهذه الخمس الشرائط قول الله ~~تبارك وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ~~وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا ~~فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم ~~النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} ~~[المائدة: 6] . والأمر على الوجوب. ومن قال من أصحابنا إنه ليس على الوجوب ~~فقد ms0048 وافقنا في أمر الله تعالى بالوضوء أنه على الوجوب للآثار الواردة عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بما أبان ذلك ورفع الاحتمال منه. من ذلك قوله ~~- صلى الله عليه وسلم -: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول» ، ~~وقوله - عليه الصلاة والسلام -: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا هو أحدث حتى ~~يتوضأ» ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع ~~الوضوء # PageV01P069 # مواضعه» ، وقوله - عليه الصلاة والسلام -: «لا تتم صلاة أحدكم حتى يتوضأ ~~كما أمره الله تبارك وتعالى فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح برأسه ~~ورجليه إلى الكعبين» ، «وقوله - عليه الصلاة والسلام - للأعرابي لما علمه ~~الوضوء: "توضأ كما أمرك الله» . ووجوب ذلك معلوم من دين الأمة ضرورة فلا ~~معنى للإطالة في جلب النصوص في ذلك. # فصل # وآية الوضوء قول الله تبارك وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم ~~إلى الصلاة} [المائدة: 6] الآية نزلت بالمدينة، وكان سبب نزولها التيمم، ~~وقد كان الوضوء قبل ذلك واجبا بالسنة. وفي قوله في حديث التيمم فأصبحوا على ~~غير ماء فأنزل الله آية التيمم ولم يقل آية الوضوء دليل واضح على أنه إنما ~~طرأ عليهم في ذلك الوقت العلم بالتيمم وأن الوضوء قد كان معلوما عندهم ~~مشروعا لهم. لا خلاف بين أحد من الأمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ~~يصل قط وهو جنب ولا هو على غير وضوء. روى زيد بن حارثة «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في أول ما أوحي إليه، يريد في الصلاة، أتاه جبريل فعلمه ~~الوضوء.» «وجاء في الخبر أن جبريل أتاه حين افترضت الصلاة فهمز بعقبه في ~~ناحية الوادي فانفجرت عين ماء عذب فتوضأ جبريل ومحمد - صلى الله عليه وسلم ~~- ينظر، فوضأ وجهه ومضمض واستنشق ومسح برأسه وغسل يديه إلى المرفقين ورجليه ~~إلى الكعبين ونضح فرجه ثم قام فركع ركعتين وأربع سجدات. # PageV01P070 # فصل # والوضوء مما خص الله به أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وبه يعرف ~~النبي - عليه الصلاة والسلام - أمته يوم القيامة من ms0049 بين سائر الأمم على ما ~~جاء في الحديث: «قيل يا رسول الله كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك، قال: ~~أرأيت لو كانت لرجل خيل غر محجلة في خيل دهم بهم ألا يعرف خيله، قالوا بلى ~~قال فإنهم يأتون يوم القيامة غرا محجلين من الوضوء وأنا فرطهم على الحوض» ~~وقد روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ مرة مرة فقال هذا وضوء ~~لا يقبل الله الصلاة إلا به، ثم توضأ مرتين مرتين فقال هذا وضوء من يضاعف ~~الله له الأجر مرتين؛ ثم توضأ ثلاثا ثلاثا فقال هذا وضوئي ووضوء الأنبياء ~~قبلي» رواه المسيب بن واضح عن عمرو بن دينار عن ابن عمر، فقال أبو محمد ~~أراه الأصيلي ليس هذا بثابت. والمسيب بن واضح ضعيف وليس يصح عن ابن عمر ~~حديث في الضوء. وهذه الأمة مخصوصة بالوضوء والله سبحانه وتعالى أعلم. # قلت وإن صح الحديث فالمعنى فيما روى أن أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~إنما خصت بالغرة والتحجيل. # فصل # واختلف في تأويل الآية جملة وتفصيلا. فأما الاختلاف في تأويلها جملة ~~فهو ما قيل إن فيها تقديما وتأخيرا وإن تقديرها يا أيها الذين آمنوا إذا ~~قمتم إلى الصلاة أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فاغسلوا ~~وجوهكم وأيديكم إلى المرافق # PageV01P071 # وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برؤوسكم وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم ~~مرضى أو على سفر فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ~~منه. وإنما قدر هذا التقدير من ذهب إلى هذا التأويل، وهو محمد بن مسلمة من ~~أصحابنا؛ لأن ظاهرها أن السفر والمرض حدث يوجب الوضوء كالمجيء من الغائط ~~سواء، وذلك لا يصح بإجماع. وقيل إنها على تلاوتها لا تقديم فيها ولا تأخير. ~~واستدل من ذهب إلى ذلك بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يتوضأ إلا ~~على نسق الآية، فمسح رأسه قبل غسل رجليه على ما عليه العمل. ولو كانت الآية ~~مقدرة على غير تلاوتها من التقديم والتأخير لوجب أن تغسل الرجلان قبل ms0050 مسح ~~الرأس لأن التقدير بمنزلة التفسير، ولا يصح أن يكون العمل بخلاف التفسير، ~~فيكون معنى قوله تعالى وإن كنتم مرضى إذا حملت الآية على تلاوتها دون أن ~~يقدر فيها تقديم وتأخير أي مرضى لا تقدرون على مس الماء أو على من يناولكم ~~إياه لأن المرض يتعذر معه مس الماء أو الوصول إليه في أغلب الأحوال. واكتفى ~~الله تبارك وتعالى بذكر المرضى وفهم منه المراد كما فهم من قوله عز وجل: ~~{فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} [البقرة: 184] أن معناه ~~فأفطر. وكذلك قوله عز وجل: {أو على سفر} [النساء: 43] يريد غير واجدين ~~للماء، فاكتفى بذكر السفر وفهم منه المراد به؛ لأن السفر يعدم فيه الماء في ~~أغلب الأحوال. ولما كان الغالب في الحضر وجود الماء صرح بشرط عدمه فقال أو ~~جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا ~~طيبا. وهذا أولى وأظهر عندي من حمل الآية على التقديم والتأخير لأن التقديم ~~والتأخير مجاز وحمل الكلام على الحقيقة أولى من حمله على المجاز لا سيما ~~ومن أهل العلم من نفى أن يكون في القرآن مجاز. # فصل # وعلى أن الآية على تلاوتها لا تقديم فيها ولا تأخير فيها ذهب مالك في # PageV01P072 # المدونة؛ لأنه قال فيها إن المريض الذي لا يقدر على مس الماء يتيمم وإن ~~كان واجدا له، وإن الصحيح الحاضر غير المسافر يتيمم إذا عدم الماء على ~~التأويل الذي ذكرناه. وهو قول مجاهد في المدونة: للمجدور وأشباهه رخصة أن ~~لا يتوضأ، ويتلو: {وإن كنتم مرضى أو على سفر} [المائدة: 6] ، قال ذلك مما ~~يخفى من تأويل القرآن. ومن حمل الآية على التقديم والتأخير لا يجيز التيمم ~~للمريض مع وجود الماء وإن لم يقدر على مسه، ولا للصحيح الحاضر وإن عدم ~~الماء لأنه يعيد قوله: {فلم تجدوا ماء} [المائدة: 6] على السفر والمرض. # فصل # والذي أقول به في تأويل الآية أن أو في قوله: {أو جاء أحد منكم من ~~الغائط} [المائدة: 6] بمعنى الواو؛ لأن الآية ms0051 على هذا تبقى على ظاهرها لا ~~يحتاج فيها إلى تقديم وتأخير، ولا يفتقر فيها إلى إضمار، فتأتي بينة لا ~~إشكال فيها لتبين معناها مع كونها على تلاوتها دون تقديم ولا تأخير ولا ~~إضمار؛ لأنه إذا قال عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم} [المائدة: 6] إلى قوله {فلم تجدوا ماء} [المائدة: 6] فقد ~~بين أن من جاء من المرضى والمسافرين من الغائط أو لامس النساء يتيمم إن لم ~~يجد الماء. وعلى هذا التأويل لا يكون أيضا المريض الواجد للماء إذا لم يقدر ~~على مسه ولا الحاضر العادم للماء من أهل التيمم. # فصل # وأما الاختلاف في تأويل بعض وجوهها تفصيلا. فمن ذلك قوله تعالى: {إذا ~~قمتم إلى الصلاة} [المائدة: 6] فقيل معناه إذا قمتم محدثين، وقيل معناه إذا ~~قمتم من المضاجع، وهو قول زيد بن أسلم، وهو أولى من التأويل الأول؛ لأن ~~الأحداث # PageV01P073 # مذكورة في الآية، والنوم ليس بحدث وإنما هو مسبب للحدث، فحمل الكلام على ~~زيادة فائدة أولى من حمله على التكرار لغير فائدة. وقيل إن الكلام على غير ~~عمومه في الأمر بالوضوء لكل قائم إلى الصلاة وإن الوضوء كان واجبا لكل صلاة ~~فنسخ الله ذلك بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم فتح مكة تخفيفا عن ~~عباده. وهذا على مذهب من ذهب إلى جواز نسخ القرآن بالسنة، وقد اختلف في ~~ذلك. وحمل الحديث على البيان للقرآن على ما ذهب إليه زيد بن أسلم أولى من ~~حمله على النسخ؛ لأن النسخ إنما يكون في النصوص التي تتعارض والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. وقد روي عن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - أنه كان ~~يتوضأ لكل صلاة ثم يتلو: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} ~~[المائدة: 6] وكل قائم الصلاة يتوضأ على مذهبه على ظاهر الآية ولم يبلغه ~~الحديث والله أعلم. ويحتمل أن يكون إنما كان يتوضأ لكل صلاة لما اختص به ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أهل بيته من إسباغ الوضوء. روي عن «ابن عباس ~~أنه ms0052 قال ما اختصنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا بثلاث: إسباغ ~~الوضوء، وأن لا نأكل الصدقة، وأن لا ننزي الحمر على الخيل» . وقد روي عن ~~النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه كان إذا أحدث لم يكلم أحدا حتى يتوضأ ~~وضوءه للصلاة فنسخ الله هذا وأمر بالطهارة عند القيام للصلاة، ثم نسخ هذا ~~بفعله يوم فتح مكة. ومن العلماء من قال ينبغي لكل من قام إلى الصلاة أن ~~يتوضأ طلبا للفضل فحمل الآية على الندب. # فصل # ومعنى قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة} [المائدة: 6] أي إذا أردتم ~~القيام إلى الصلاة، وفي الكلام دليل على هذا ومثله قول الله عز وجل: {فإذا ~~قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} [النحل: 98] أي إذا أردت أن ~~تقرأ القرآن. وليس المراد بذلك القيام الذي هو ضد الجلوس، وإنما المعنى ~~بذلك إذا نهضتم إليها # PageV01P074 # وعمدتم لها وأردتم إصلاح أمرها من قولهم هو يقوم بأمر القوم، وفلان قائم ~~بأمر فلان وبدولة السلطان، وقائم بشأنه وقائم على ماله، أي بالإصلاح ~~والتعاهد. وفي تعليق الله الأمر بالوضوء بإرادة الصلاة بيان ظاهر أن الوضوء ~~يراد للصلاة ويفعل من أجلها وأنه فرض من فرائضها وشرط في قبولها وصحتها، ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور» ، ~~وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقبل الله صلاة امرئ أحدث حتى يتوضأ» . ~~ودليل واضح على افتقاره إلى النية لأن الله تعالى قد شرط في صفة فعله إرادة ~~الصلاة. وفعله من أجلها وإذا فعله تبردا أو تنظفا فلم يفعله على الشرط الذي ~~شرطه الله في فعله وذلك يوجب أن لا يجزئه. وهذا أمر متفق عليه في المذهب، ~~خلافا لأبي حنيفة وأصحابه في قولهم إن الغسل والوضوء يجزئ بغير نية بخلاف ~~التيمم، وخلافا للأوزاعي في قوله إن الغسل والوضوء والتيمم تجزئ بغير نية. ~~والدليل على صحة قول مالك قول الله عز وجل: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله ~~مخلصين له الدين} [البينة: 5] . وقال تعالى: {هو الحي لا إله إلا هو فادعوه ~~مخلصين ms0053 له الدين} [غافر: 65] والوضوء من الدين فوجب أن لا يجزئ بغير نية ~~وقوله - عليه الصلاة والسلام -: «إنما الأعمال بالنيات» ، والوضوء عمل من ~~الأعمال فوجب أن لا يجزئ بغير نية. ومن طريق القياس على من فرق في ذلك بين ~~الوضوء والتيمم أن الوضوء طهارة تتعدى محل موجبها فافتقرت إلى النية ~~كالتيمم. وإنما الكلام في المذهب هل من شرط صحة النية في الوضوء والغسل من ~~الجنابة أن تكون مقارنة لأول الفعل أم لا ويجزئ إذا تقدمتها بيسير. وقد ~~أشبعنا الكلام في هذا في كتاب ردنا على المرادي فمن أراد الوقوف على ذلك ~~فليتأمله هناك. # PageV01P075 # فصل # وقوله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم} [المائدة: 6] والوجه مأخوذ من ~~المواجهة. وحد الوجه الذي يجب غسله في الوضوء من منابت شعر الرأس إلى اللحى ~~الأسفل إلى الصدغ. واختلف في البياض الذي بين الصدغ إلى الأذن على ثلاثة ~~أقوال: أحدها أنه من الوجه يجب غسله. والثاني أنه ليس من الوجه فلا يجب ~~غسله. والثالث أن الأمرد يغسله ولا يغسله الملتحي. وقيل إن غسله سنة، ذكر ~~ذلك عبد الوهاب. واختلف فيما طال من شعر اللحية فقيل ليس عليه أن يغسله، ~~وهو ظاهر ما في سماع موسى عن ابن القاسم. وحكى سحنون في سماعه عن مالك أن ~~اللحية من الوجه وعليه أن يمر الماء عليها ويغسلها، فإن لم يفعل أعاد، وقال ~~به سحنون. واختلف في تخليل اللحية في الوضوء فروى ابن وهب وابن نافع عن ~~مالك إيجاب تخليلها في الوضوء، وروى أشهب عن مالك وابن القاسم عن مالك في ~~العتبية أنها لا تخلل. وقد قيل إن ذلك مستحب وليس بواجب. والصواب أن ~~تخليلها ليس بواجب في الوضوء لأن الفرض إنما هو في غسل ظواهر الأعضاء دون ~~البواطن. فإذا كان شعر اللحية الذي على الوجه كثيفا انتقل الفرض إلى الشعر ~~ولم يجب عليه تخليل الشعر وإيصال الماء إلى البشرة لأن ذلك من البواطن. وقد ~~نص على ذلك عبد الوهاب في بعض تواليفه. # فصل # وأما غسل الأيدي والأرجل في الوضوء فقد حدهما الله تبارك ms0054 وتعالى في ~~كتابه فقال في اليدين {إلى المرافق} [المائدة: 6] وفي الأرجل {إلى الكعبين} ~~[المائدة: 6] إلا أن أهل العلم اختلفوا في إيجاب غسل المرافق من اليدين ~~والكعبين من الرجلين. فظاهر ما في المدونة إيجاب غسل ذلك. وروى ابن نافع عن ~~مالك أنه ليس عليه أن يجاوز # PageV01P076 # بالغسل المرفقين والكعبين، وإنما عليه أن يبلغ إليهما لأن إلى غاية، وهو ~~الأظهر، إلا أن إدخالهما في الغسل أحوط لزوال تكلف التحديد. ومن قال بإيجاب ~~غسلهما قال إلى بمعنى مع، وذلك موجود في اللسان، قال الله عز وجل: {من ~~أنصاري إلى الله} [آل عمران: 52] أي مع الله. وقال: {ولا تأكلوا أموالهم ~~إلى أموالكم} [النساء: 2] ، أي مع أموالكم. وقد قال المبرد: إن الحد إذا ~~كان من جنس المحدود دخل فيه، فتقول بعت الثوب من الطرف إلى الطرف، فالطرفان ~~داخلان في البيع. ويلزم من قال في آية الوضوء إن إلى بمعنى مع أن يوجب غسل ~~اليدين إلى المنكبين؛ لأن العرب تسمي ذلك يدا. # وأما قول الله عز وجل: {وامسحوا برءوسكم} [المائدة: 6] فاختلف في هذه ~~الباء فقيل إنها للتبعيض، وقيل إنها للإلزاق وليست للتبعيض. فأما مالك - ~~رحمه الله تعالى - فذهب إلى أن الواجب مسح الرأس كله، وأن من قصر عن ذلك ~~وجبت عليه الإعادة، كمن قصر عن غسل بعض وجهه خلافا لأبي حنيفة والشافعي، ~~وقال محمد بن مسلمة إن مسح ثلثيه أجزأه، وقال أبو الفرج إن مسح ثلثه أجزأه. ~~وقال أشهب في بعض روايات العتبية إنه لا إعادة على من مسح مقدم رأسه. ~~والدليل على صحة قول مالك قول الله تبارك وتعالى: {وامسحوا برءوسكم} ~~[المائدة: 6] كما قال في التيمم: {فامسحوا بوجوهكم} [المائدة: 6] فلما لم ~~يجز الاقتصار في التيمم على بعض الوجه دون بعض [كان الرأس كذلك. وكذلك ~~الطواف بالبيت لا يجوز أن يقتصر في الطواف على بعضه دون بعض] ، وإن كان ~~الله يقول في كتابه: {وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج: 29] لأن الباء إنما ~~دخلت للإلزاق لا للتبعيض. ومن الدليل على صحته أيضا أن الاستثناء يصلح فيها ~~لو قلت امسح ms0055 برأسك إلا ثلثه جاز، كأنك قلت # PageV01P077 # امسح رأسك إلا ثلثه. ولو صح أن الباء تصلح للمعنيين وأشكل الأمر لكان فعل ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دافعا للإشكال لأنه مسح جميع رأسه وقال ~~هذا وضوء لا يقبل الله صلاة إلا به. وما روي أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - مسح بعض رأسه شاذ لا يعمل به. ويحتمل أن يكون فعل ذلك لعذر أو مجددا ~~من غير حدث. ولا يجوز عند مالك أن يمسح رأسه على حائل إلا لعلة. وقد رويت ~~إجازة ذلك عن جماعة من السلف من الصحابة والتابعين، وهو مذهب الثوري وأحمد ~~بن حنبل والأوزاعي وأبي ثور وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد القاسم بن سلام، ~~وبه قال داود بن علي للآثار الواردة في ذلك وقياسا على الخفين. والصحيح ما ~~ذهب إليه مالك؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول: {وامسحوا برءوسكم} [المائدة: ~~6] فمن مسح على حائل لم يمسح على رأسه. والآثار الواردة في ذلك عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - مضطربة، فقد روي أنه مسح على عمامته فأدخل يده من ~~تحتها، وإن صح أنه مسح عليها فلعله فعل ذلك لعذر أو لتجديد من غير حدث ~~والله سبحانه وتعالى أعلم. # فصل # وأما قوله تعالى: {وأرجلكم إلى الكعبين} [المائدة: 6] فإن الناس اختلفوا ~~في قراءتها فقرأها قوم وأرجلكم بالنصب عطفا على اليدين، وقرأها قوم وأرجلكم ~~بالخفض. فأما من قرأها وأرجلكم بالنصب عطفا على اليدين فهو الغسل لا كلام ~~فيه؛ لأن الشيء يصح عطفه على ما يليه وعلى ما قبله، وهذا كثير موجود في ~~القرآن ولسان العرب، من ذلك قوله تعالى: {وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة: ~~233] وأما من قرأ وأرجلكم بالخفض ففي قراءتها لأهل العلم أربعة أوجه. الأول ~~أنها معطوفة على اليدين وإنما خفضت للجوار والإتباع كما قالوا جحر ضب خرب. ~~وقد قرئ {يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس} [الرحمن: 35] بالخفض. والثاني ~~أنها # PageV01P078 # معطوفة على مسح الرأس وأن الغسل إنما وجب بالسنة لقول النبي - عليه ~~الصلاة والسلام - «ويل للأعقاب من النار» فتكون السنة على ms0056 هذا ناسخة ~~للقرآن. والثالث أن المراد بذلك المسح على الخفين. والرابع أن الغسل يسمى ~~مسحا عند العرب لأنها تقول تمسحنا للصلاة أي اغتسلنا، فبين النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أن مراد الله تعالى بقوله فامسحوا برؤوسكم إمرار اليد على ~~الرأس دون نقل الماء إليه وأن مراده بأمره بمسح الرجلين إمرار اليد عليهما ~~مع نقل الماء إليهما. وذهبت طائفة من الشيعة إلى إجازة مسح الرجلين في ~~الوضوء، وروي ذلك عن بعض الصحابة وبعض التابعين، وتعلق به بعض المتأخرين، ~~وهو شذوذ لا يعد به الخلاف، لما جاء من أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- كان يغسل رجليه في وضوئه مرتين أو ثلاثا، وأنه قال «ويل للأعقاب من النار ~~ويل للعراقيب من النار» والوعيد لا يكون إلا في ترك الواجب. # فصل # وقوله في الآية: {أو لامستم النساء} [النساء: 43] اختلف في الملامسة ~~التي عناها الله تعالى ما هي، فمذهب مالك ما قدمناه أنها ما دون الجماع وقد ~~روي عن جماعة من الصحابة والتابعين أنها كناية عن الجماع. ومن ذهب إلى ذلك ~~لم يوجب الوضوء في القبلة ولا في المباشرة ولا في اللمس إذا سلم في ذلك من ~~المذي. # فصل # وفي قوله عز وجل: {فلم تجدوا ماء} [النساء: 43] دليل على أن الوضوء ~~لا يجوز إلا بالماء وقد اختلف أهل العلم في حد الماء الذي يجوز به الوضوء ~~فحده عند مالك الماء المطلق الذي لم يتغير أحد أوصافه بشيء طاهر أو نجس حل ~~فيه. وحده عند أبي حنيفة ومن أجاز الوضوء بالنبيذ الماء الذي لم تحله ~~نجاسة؛ لأن ما حلته # PageV01P079 # نجاسة فهو عنده نجس وإن لم يتغير بها شيء من أوصافه إلا أن يكون الماء ~~الكثير المستبحر الذي لا يقدر آدمي أن يحرك طرفيه. وحده عند الشافعي فيما ~~دون القلتين ما لم تحله نجاسة، وفيما فوقهما ما لم يتغير أحد أوصافه من شيء ~~طاهر أو نجس حل فيه. ### | فصل في تبيين فرائض الوضوء من سننه ومستحباته # فصل # في تبيين فرائض الوضوء من سننه ومستحباته # وقد ms0057 ذكرنا فيما تقدم أن الوضوء الشرعي يشتمل على فرائض وسنن واستحبابات. ~~ففرائض الوضوء ثمانية، منها أربعة متفق عليها عند أهل العلم وهي التي نص ~~الله تبارك وتعالى عليها: غسل الوجه، واليدين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين. ~~واثنان متفق عليهما في المذهب وهما: النية، والماء المطلق الذي لم يتغير ~~أحد أوصافه بشيء طاهر حل فيه أو نجس. واثنان مختلف فيهما في المذهب، وهما ~~الفور، والترتيب. فأما الفور ففيه ثلاثة أقوال: أحدها أنه فرض على الإطلاق، ~~وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة. والثاني أنه سنة على الإطلاق وهو المشهور ~~في المذهب. والثالث أنه فرض فيما يغسل وسنة فيما يمسح وهو قول مطرف وابن ~~الماجشون عن مالك وهو أضعف الأقوال. فعلى القول بأنه فرض تجب إعادة الوضوء ~~والصلاة على من فرقه ناسيا أو متعمدا، وعلى القول بأنه سنة إن فرقه ناسيا ~~فلا شيء عليه، وإن فرقه عامدا ففي ذلك قولان: أحدهما أنه لا شيء عليه وهو ~~قول محمد بن عبد الحكم. والثاني أنه يعيد الوضوء والصلاة لترك سنة من سننها ~~عامدا لأنه كالمتلاعب المتهاون، وهذا مذهب ابن القاسم. ومن أصحابنا من يعبر ~~على مذهبه هذا في الفور أنه فرض بالذكر يسقط بالنسيان كالكلام في الصلاة. ~~فعلى التأويل الأول من أهريق ماؤه في أثناء الوضوء وابتدأ وضوءه بماء # PageV01P080 # يغلب على ظنه أنه يكفيه فعجزه أنه لا يضره القيام لأخذ الماء وإن بعد، ~~وعلى التأويل الثاني إن بعد عنه الماء في الوجهين ابتدأ الوضوء لأنه ذاكر. # فصل # وأما الترتيب فالمشهور في المذهب أنه سنة، وهو المعلوم من مذهب ابن ~~القاسم وروايته عن مالك. وروى علي بن زياد عن مالك أن من نكس وضوءه أعاد ~~الوضوء والصلاة فجعله فرضا. وإلى هذا ذهب أبو المصعب وحكاه عن أهل المدينة، ~~ومعلوم أن مالكا منهم وإمام فيهم. # فصل # فإذا قلنا إنه سنة فإن كان بحضرة الوضوء أخر ما قدم ثم غسل ما بعده ~~ناسيا كان أو عامدا، وإن كان قد تباعد وجف وضوؤه وكان متعمدا ففي ذلك ثلاثة ~~أقوال: ms0058 أحدها أنه يعيد الوضوء والصلاة. والثاني أنه يعيد الوضوء ولا يعيد ~~الصلاة قاله ابن حبيب. والثالث أنه لا إعادة عليه لا للصلاة ولا للوضوء وهو ~~قوله في المدونة لا أدري ما وجوبه. وإن كان ناسيا فقال ابن حبيب يؤخر ما ~~قدم ويغسل ما بعده. وفي قوله نظر لأنه إذا فعل ذلك ولم يعد الوضوء من أوله ~~فقد حصل وضوؤه مفرقا، ومن قوله إن من فرق وضوءه ناسيا أو متعمدا أعاد ~~الوضوء والصلاة في الوقت وبعده. وقال ابن القاسم: يؤخر ما قدم ولا يغسل ما ~~بعده، وهو بعيد؛ لأنه لا يخلص بذلك من التنكيس. والذي يأتي على أصله في ~~تفرقة الوضوء ناسيا أن لا شيء عليه في تنكيسه إذا فرق وضوءه. ووجه قوله إن ~~ما قدم فوضعه في غير موضعه بمنزلة ما نسيه فذكره وقد تباعد أنه يفعله وحده ~~ولا يعيد ما بعده. وإذا جعل ما قدم كان تركه فيلزمه على هذا إذا نكس وضوءه ~~إعادة الوضوء والصلاة خلاف ما في المدونة. وهذا في ترتيب المفروض مع ~~المفروض. وأما في ترتيب المفروض مع المسنون فظاهر ما في الموطأ أن الترتيب ~~بين المفروض والمسنون مستحب لأنه قال فيمن # PageV01P081 # غسل وجهه قبل أن يمضمض إنه يمضمض ولا يعيد غسل وجهه، وعلى ما ذهب إليه ~~ابن حبيب هو سنة إلا أنه جعله أخف من ترتيب المفروض مع المفروض، فقال مرة ~~يعيد الوضوء إذا نكس متعمدا كالمفروض مع المفروض، وله في موضع آخر ما يدل ~~على أنه لا شيء عليه [إذا فارق وضوءه، وقال إن نكسه ساهيا إنه لا شيء عليه] ~~، قال فضل: معناه إذا فارق وضوءه، وأما إذا لم يفارق وضوءه فإنه يؤخر ما ~~قدم ويغسل ما بعده على أصله. فمن نسي شيئا من مسنون الوضوء فذكره بحضرة ~~وضوئه فإنه يفعل ما نسي وما بعده. ويحتمل أن يكون ذلك اختلافا من قوله ~~فيكون أحد قوليه مثل ما في الموطأ. # فصل # وأما سنن الوضوء فاثنتا عشرة، منها أربع متفق عليها في المذهب، وهي ~~المضمضة، والاستنشاق، ms0059 والاستنثار، ومسح الأذنين مع تجديد الماء لهما. ~~والمنصوص لمالك أنهما من الرأس وإنما السنة في تجديد الماء لهما. وقد قيل ~~في غير المذهب إنهما من الرأس يمسحان معه ولا يجدد لهما ماء. وقيل إنهما من ~~الوجه يغسلان معه. وقيل إن باطنهما من الوجه وظاهرهما من الرأس. والصواب ما ~~ذهب إليه مالك يشهد بصحته الحديث: «إذا توضأ العبد المؤمن فمضمض خرجت ~~الخطايا من فيه إلى قوله فإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من ~~أذنيه» . # وثمان قيل فيها إنها سنة، وقيل إنها استحباب وهي غسل اليدين قبل إدخالهما ~~في الإناء إذا أيقن بطهارتهما، وما زاد على الواحدة بعد العموم، والابتداء # PageV01P082 # باليمين قبل الشمال، والابتداء بمقدم الرأس، ورد اليدين في مسحه، وغسل ~~البياض الذي بين العارض والأذن على ما قال عبد الوهاب، واستيعاب مسح ~~الأذنين، وترتيب المفروض مع المسنون. # وأما استحباباته فثمان، وهي التسمية، وجعل الإناء على اليمين، وأن لا ~~يتوضأ في الخلاء، وتخليل أصابع اليدين، وتخليل أصابع الرجلين، وتخليل ~~اللحية، وقد قيل إن ذلك واجب في الوضوء عن مالك وليس بصحيح، والسواك عند ~~الوضوء، ويجزئ الأصبع منه إذا لم يجد سواكا قاله مالك، وذكر الله على ~~الوضوء مستحب، وبالله التوفيق. # PageV01P083 ### | القول في توقيت الوضوء # هذا الباب يشتمل على سبع مسائل: إحداها أن الأعداد في الوضوء غير واجبة ~~وأن الواجب الإسباغ، أسبغ في مرة واحدة أو مرات. والثانية أن تكرار الغسل ~~ثلاثا مستحب فيه إن أسبغ فيما دونها. والثالثة أن ما فوق الثلاث مكروه إن ~~أسبغ بها أو بما دونها. والرابعة أن الثلاث أفضل من الاثنتين وأنه مخير بين ~~الاثنتين والثلاث. والخامسة أن الاقتصار على الواحدة مكروه، واختلف في وجه ~~الكراهية في ذلك فقيل إنما كره لتركه الفضيلة جملة، وقيل إنما كره ذلك ~~مخافة أن لا يعم فيها، وهو دليل ما روي عن مالك أنه قال لا أحب الواحدة إلا ~~للعالم بالوضوء. والسادسة أن استحباب التكرار مقصور على المغسول دون ~~الممسوح. والسابعة أن التكرار إنما يكون باستئناف أخذ الماء؛ ولذلك ms0060 لا يقال ~~في رد اليدين على الرأس في مسحه إنه تكرار لمسحه. وقوله اختلفت الآثار في ~~التوقيت يريد في الأعداد. وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ ~~مرة مرة ومرتين مرتين وثلاثا ثلاثا، ومرتين في بعض الأعضاء وثلاثا في ~~بعضها. وليس الاختلاف في هذا اختلاف تعارض، وإنما هو اختلاف تخيير وإعلام ~~بالتوسعة، وبالله التوفيق. # PageV01P084 ### | القول في المياه # الأصل في هذا الباب قول الله عز وجل: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} ~~[الفرقان: 48] ، وقوله: {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم} [الأنفال: 11] ~~، وقوله: {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا} [النساء: 43] ، «وقول النبي - ~~عليه الصلاة والسلام - لما سئل عن بئر بضاعة وما يلقى فيها من الأقذار ~~والنجاسات: خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شي إلا ما غير لونه أو طعمه أو ~~رائحته» يريد إلا ما غير أحد أوصافه على ما بين في الحديث المتقدم. # فصل # فالأصل في المياه كلها الطهارة والتطهير، ماء السماء وماء البحر وماء ~~الأنهار # PageV01P085 # وماء العيون وماء الآبار، عذبة كانت أو مالحة، كانت على أصل مياعتها أو ~~ذابت بعد جمودها، إلا أن تكون مالحة فتذوب في غير موضعها بعد أن صارت ملحا ~~فانتقلت عنه فإن لأصحابنا المتأخرين في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها أنها على ~~الأصل لا يؤثر فيها جمودها. والثاني أن حكمها حكم الطعام فلا يتطهر بها ~~وينضاف بها ما غيرت من سائر المياه. والثالث أن جمودها إن كان بعناية وعمل ~~وصنعة كان له تأثير فلا يتطهر بها وإن لم يكن بعناية وعمل لم يكن له تأثير. # فصل # وهي تنقسم على ثلاثة أقسام: ماء طاهر مطهر، وماء لا طاهر ولا مطهر، ~~وماء طاهر لا مطهر. فأما الماء الطاهر المطهر فهو الماء المطلق، وصفته أنه ~~لم يتغير أحد أوصافه بما ينفك عنه. وإنما سمي مطلقا لأنه إذا أطلق عليه ~~مجرد الاسم وهو ماء كان كافيا في الإخبار عنه على ما هو عليه. والماء ~~الطاهر غير المطهر هو الماء الذي تغيرت أحد أوصافه بما ينفك عنه من ~~الطاهرات. ومعنى قولنا فيه ms0061 إنه طاهر أنه غير نجس فلا يجب غسله من ثوب ولا ~~بدن. ومعنى قولنا فيه غير مطهر أنه لا يرفع الحدث ولا حكم النجاسة وإن أزال ~~عينها. وذهب أبو حنيفة إلى أنه يرفع الحدث على أصله في إجازة الوضوء ~~بالنبيذ، ويرفع حكم النجاسة إذا أزال عينها على أصل مذهبه أن كل ما أزال ~~العين رفع الحكم. وأما الماء الذي ليس بطاهر ولا مطهر فهو الماء الذي تغيرت ~~أحد أوصافه بنجاسة حلت فيه، وإن لم يتغير أحد أوصافه بما حل فيه من النجاسة ~~فلا يؤثر ذلك في حكمه كان الماء قليلا أو كثيرا على أصل مذهب مالك، وهي ~~رواية المدنيين عنه. وروى المصريون عنه أن ذلك يؤثر فيه إذا كان قليلا، ~~وقاله كثير من أصحابه. فأما ابن القاسم فأطلق القول فيه، بأنه نجس على طريق ~~التوسع في العبارة والتحرز من المتشابه لا على طريق الحقيقة. يدل على ذلك ~~من مذهبه أنه لم يأمر من توضأ به بإعادة الصلاة أبدا كما يأمر من توضأ ~~بالمتغير. ومن أصحابنا من عبر عنه بأنه مشكوك فيه، وهي عبارة # PageV01P086 # غير مرضية؛ لأن الشك في الحكم ليس بمذهب فيه، وإنما يكون الماء مشكوكا ~~فيه إذا شك في تغيير أحد أوصافه بنجاسة حلت فيه أو في حلول النجاسة فيه على ~~مذهب من يرى أن حلول النجاسة في الماء تنجسه وإن لم تغير له وصفا. وأما إذا ~~أوقن أن أوصافه لم يتغير منها شيء بما حل فيه من النجاسة فهو طاهر في قول ~~ونجس في قول. # فصل # وقد اختلف أصحاب مالك الذين التقوه ولم يحققوا القول فيه بأنه نجس في ~~الحكم فيه؛ فقال ابن القاسم يتيمم ويتركه، فإن لم يفعل وتوضأ به أعاد في ~~الوقت ولم يفرق بين أن يكون جاهلا أو متعمدا أو ناسيا. وقال ابن حبيب في ~~الواضحة: إن كان جاهلا أو متعمدا أعاد في الوقت وبعده. وقال ابن الماجشون: ~~يتوضأ ويتيمم ويصلي. وقال سحنون: يتيمم ويصلي ويتوضأ ويصلي. # فصل # وحد هذا الماء الذي يتقى لحلول النجاسة ms0062 فيه هو أن يكون قدر ما يتوضأ ~~به فتقع فيه القطرة من البول أو الخمر، أو يكون قدر القصرية فيتطهر فيها ~~الجنب ولا يغسل ما به من الأذى، فقس على هذا. وكذلك إذا كان الماء قدر ما ~~يتوضأ به فرأى الهر أو الكلب أو شيئا من السباع يلغ فيه وفي فيه نجاسة، أو ~~شيئا من الطير التي تأكل الجيف والنجاسات وفي مناقرها نجاسة. فإن لم تر في ~~أفواهها ولا في مناقرها نجاسة في وقت شربها ففي ذلك تفصيل: أما الهر فهو ~~عند مالك وأصحابه محمول على الطهارة للحديث الوارد فيه من الطوافين ~~والطوافات عليكم. وأما السباع والدجاج المخلاة فهي في مذهب ابن القاسم في ~~روايته عن مالك محمولة # PageV01P087 # على النجاسة وتفسد ما ولغت فيه فلا يتوضأ بالماء ولا يؤكل الطعام إلا أن ~~يكون الماء كثيرا لقول عمر بن الخطاب لا تخبرنا يا صاحب الحوض فإنا نرد على ~~السباع وترد علينا. غير أن ابن القاسم قال في الطعام إنه لا يطرح إلا بيقين ~~لحرمتها وهو استحسان على غير قياس؛ لأن النبي - عليه الصلاة والسلام - لما ~~أعلم بطهارة سؤر الهرة وبين أن العلة في ذلك طوافها علينا ومخالطتها لنا ~~وجب باعتبار هذه العلة أن يكون ما عداها من السباع التي لا تخالطنا في ~~بيوتنا محمولة على النجاسة، فلا يتوضأ بسؤرها ولا يؤكل بقيتها من الطعام ~~وإن لم يوقن بنجاسة أفواهها في حين ولوغها. وقال علي بن زياد: الطعام ~~والماء سواء إن رئي في مناقرها أذى طرح وإلا لم يطرح. وهو قول ابن وهب ~~وأشهب إنها محمولة على الطهارة في الماء والطعام، فلا يطرح شيء من ذلك إذا ~~ولغت فيه إلا أن يوقن بنجاسة أفواهها تعلقا بظاهر ما روي أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «لها ما أخذت في بطونها ولنا ما بقي شرابا ~~وطهورا» . وتعلقا أيضا بظاهر قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لصاحب ~~الحوض لا تخبرنا فإنا نرد على السباع وترد علينا لما سأله عمرو بن العاص هل ms0063 ~~ترد حوضك السباع؟ وهذا لا حجة فيه؛ لأن الحياض ماؤها كثير فهي تحمل هذا ~~القدر من النجاسة. # وأما الكلب فاختلف فيه اختلافا كثيرا من أجل الحديث الوارد بغسل الإناء ~~من ولوغه فيه سبع مرات، فروى ابن وهب عن مالك أنه يغسل الإناء من ولوغه فيه ~~سبع مرات كان طعاما أو ماء. فظاهر الرواية أن الطعام يطرح فحمله على ~~النجاسة وجعله أشد من السباع. وجعله ابن القاسم أخف من السباع لأنه حمله ~~فيها على الطهارة في الماء واللبن جميعا فقال إنه يؤكل الطعام ولا يتوضأ ~~بالماء إلا من ضرورة، ويغسل الإناء سبع مرات في الماء خاصة تعبدا. وقال ابن ~~الماجشون عن # PageV01P088 # مالك إنه يغسل سبعا من الماء واللبن جميعا، ويؤكل اللبن ويطرح الماء إلا ~~أن يحتاج إليه، فإذا احتاج إليه توضأ به ولم يتيمم على مذهبه ومذهب ابن ~~القاسم في المدونة، ثم لا إعادة عليه وإن وجد ماء غيره في الوقت. وقد روى ~~أبو زيد عن ابن الماجشون أنه مشكوك فيه يتوضأ به ويتيمم ويصلي، على مذهبه ~~في الماء المشكوك فيه. فإن توضأ به ولم يتيمم أعاد في الوقت كما لو رأى في ~~فيه نجاسة حين ولوغه فحمله على النجاسة كسائر السباع. قال وإن عجن بذلك ~~الماء خبزا أو طبخ طعاما لم يأكله كان بدويا أو حضريا. وأما إن شرب من إناء ~~فيه لبن فإنه يأكل اللبن ويشربه إن كان بدويا كان له زرع أو ماشية أو لم ~~يكن، ثم يغسل الإناء سبع مرات للحديث، ويطرحه إن لم يكن بدويا. وقال أصبغ: ~~أهل البادية وأهل الحاضرة في ذلك سواء، والماء واللبن سواء، يؤكل اللبن ~~وينتفع بالماء إن احتيج إليه، ولا بأس بما صرف فيه من خبز وطبخ. وقال مطرف ~~إن كان اللبن كثيرا أكله وإن كان يسيرا طرحه والبدوي والحضري في ذلك سواء. ~~واختلف قول مالك في الحديث الوارد في الكلب، فمرة حمله على عمومه في جميع ~~الكلاب، ومرة رآه في الكلب الذي لم يؤذن في اتخاذه. وتفرقة ابن الماجشون ~~بين ms0064 البدوي والحضري قول ثالث. # فيتحصل في سؤر الكلب أربعة أقوال: أحدها أنه طاهر، وهو الذي يأتي على قول ~~ابن وهب وأشهب وعلي بن زياد أن السباع محمولة على الطهارة؛ لأن الكلب سبع ~~من السباع، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة وروايته عن مالك فيها على ما ~~حكى عنه من أن الكلب ليس كغيره من السباع. والثاني أنه نجس كغيره من ~~السباع، وهو قول مالك في رواية ابن وهب عنه لما جاء عن النبي - عليه الصلاة ~~والسلام - من الأمر بغسل الإناء سبعا من ولوغه فيه. والثالث الفرق بين ~~الكلب المأذون في اتخاذه وغير المأذون في اتخاذه وهو أظهر الأقوال؛ لأن علة ~~الطهارة التي نص النبي - عليه الصلاة والسلام - عليها في الهرة موجودة في ~~الكلب المأذون في اتخاذه بخلاف الذي لم يؤذن في اتخاذه. والرابع الفرق بين ~~البدوي والحضري، # PageV01P089 # وهو قول ابن الماجشون في رواية أبي زيد عنه. فمن رأى سؤر الكلب طاهرا قال ~~أمر النبي - عليه الصلاة والسلام - بغسل الإناء سبعا من ولوغه فيه تعبد لا ~~لعلة، ومن رآه نجسا قال ما يقع به الإنقاء من الغسلات واجب للنجاسة وبقية ~~السبع غسلات عبادة لا لعلة، [ومن رآه نجسا قال ما يقع به الإنقاء من ~~الغسلات واجب للنجاسة، وبقية السبع غسلات تعبد لا لعلة] ، كالأمر في ~~الاستنجاء بثلاثة أحجار الواجب منها ما يقع به الإنقاء وبقية الثلاث تعبد. ~~واختلف متى يغسل الإناء سبعا من ولوغ الكلاب، فقيل بفور ولوغه، وقيل عند ~~إرادة استعماله. وإذا كان غسله تعبدا فلا معنى لتأخير العبادة، وإنما يجب ~~غسله عند إرادة استعماله على القول بأنه يغسل لنجاسة لا لعبادة. قلت: والذي ~~أقول به في معنى أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بغسل الإناء سبعا من ~~ولوغ الكلب فيه، والله أعلم وأحكم، إنه أمر ندب وإرشاد مخافة أن يكون الكلب ~~كلبا يدخل على آكل سؤره أو مستعمل الإناء قبل غسله منه ضرر في جسمه، والنبي ~~- صلى الله عليه وسلم - ينهى عما يضر بالناس في دينهم ودنياهم، فقد قال ms0065 - ~~عليه الصلاة والسلام -: «لقد هممت أن أنهى عن الغيلة» حتى ذكرت أن الروم ~~وفارسا يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم شيئا. لا لنجاسة إذ هو محمول على ~~الطهارة بالأدلة المذكورة. وإذ لا توقيت في عدد الغسل من النجاسة فإذا ولغ ~~الكلب المأذون في اتخاذه في إناء فيه ماء أو طعام لم ينجس الماء ولا الطعام ~~على هذا التأويل، ووجب أن يتوقى من شربه أو أكله أو استعمال الإناء قبل ~~غسله مخافة أن يكون الكلب كلبا فيكون قد داخل ذلك من لعابه ما يشبه السم ~~المضر بالأبدان على ما أرشد النبي - صلى الله عليه وسلم - إليه بما أمر به ~~من غسل الإناء الذي ولغ فيه سبعا إشفاقا منه - صلى الله عليه وسلم - # PageV01P090 # على أمته، فإنه - صلى الله عليه وسلم - كان بالمؤمنين رؤوفا رحيما. ويدل ~~على هذا التأويل تحديده - صلى الله عليه وسلم - لغسل الإناء سبعا لأن السبع ~~من العدد مستحب فيما كان طريقه التداوي لا سيما فيما يتقي منه السم. فقد ~~قال - صلى الله عليه وسلم - في مرضه: «هريقوا علي من سبع قرب لم تحلل ~~أوكيتهن لعلي أعهد إلى الناس» . وقال - صلى الله عليه وسلم -: «من تصبح ~~بسبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر» . # فصل # فعلى هذا التأويل لا ينبغي شرب الماء الذي ولغ فيه الكلب لما أرشد ~~النبي - عليه الصلاة والسلام - إليه مما يتقي منه ولا ينفع غسل الإناء به ~~ويجوز الوضوء به وجد غيره أو لم يجد. وعلى القول بأنه يغسل سبعا للنجاسة لا ~~يجوز شربه ولا غسل الإناء به لأنه نجس. ويختلف في الوضوء به إذا لم يجد ~~سواه على ثلاثة أقوال: أحدها أنه يتوضأ به ولا يتيمم وهو مذهب ابن القاسم. ~~والثاني أنه يتوضأ به ويتيمم ويصلي وهو مذهب ابن الماجشون. والثالث أنه ~~يتيمم ويصلي ثم يتوضأ به ويصلي وهو قول سحنون. وعلى القول بأنه يغسل سبعا ~~تعبدا لا لنجاسة يجوز شربه ولا ينبغي الوضوء به إذا وجد غيره مراعاة للخلاف ~~في النجاسة. وكذلك لا ms0066 ينبغي أن يغسل الإناء به إذا وجد غيره مراعاة للخلاف. ~~وأما إن لم يجده غيره فقيل إنه يغسل الإناء به كما يتوضأ به. والأظهر أنه ~~لا يغسل الإناء به وإن كان يتوضأ به؛ لأن المفهوم من أمر النبي - عليه ~~الصلاة والسلام - بغسل الإناء من ولوغ الكلب فيه أن يغسل بغير ذلك الماء ~~ويجوز على قياس هذا أن يغسل بماء غيره قد ولغ فيه كلب. # فصل # وقد اختلف في معنى ما وقع في المدونة من قول ابن القاسم: وكان # PageV01P091 # يضعفه، فقيل إنه أراد بذلك أنه كان يضعف الحديث لأنه حديث آحاد وظاهر ~~القرآن يعارضه وما ثبت أيضا في السنة من تعليل النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- طهارة الهرة بالطواف علينا والمخالطة لنا. وقيل بل أراد بذلك أنه كان ~~يضعف [وجوب الغسل، وقيل بل أراد بذلك أنه كان يضعف] العدد. فالتأويل الأول ~~ظاهر في اللفظ بعيد في المعنى، إذ ليس في الأمر بغسل الإناء سبعا ما يقتضي ~~نجاسته فيعارضه ظاهر القرآن وما علل به النبي - عليه الصلاة والسلام - ~~طهارة الهر. والتأويل الثاني بعيد في اللفظ ظاهر في المعنى؛ لأن الأمر ~~محتمل للوجوب والندب، فإذا صح الحديث وحمل على الندب والتعبد لغير علة لم ~~يكن معارضا لظاهر القرآن ولا لما علل به النبي - عليه الصلاة والسلام - ~~طهارة الهرة. وأما التأويل الثالث فهو بعيد في اللفظ والمعنى، إذ لا يصح ~~تضعيف العدد مع ثبوت الحديث لأنه نص فيه على السبع، ولا يجوز أن يصح الحديث ~~ويضعف ما نص فيه عليه، وبالله التوفيق. # فصل # واختلف قول مالك في غسل الإناء من ولوغ الخنزير فيه، فعنه فيه روايتان: ~~إحداهما أنه لا يغسل، والثانية أنه يغسل سبعا قياسا على الكلب، وهي رواية ~~مطرف عنه، حكى الروايتين عنه ابن القصار. # فصل # وإذا قاس الخنزير على الكلب فيلزمه ذلك في سائر السباع لوجود العلة فيها ~~وهي أنها أكثر أكلا للأنجاس من الكلب. وأيضا فإن الكلب اسم للجنس يدخل تحته ~~جميع السباع لأنها كلاب. روي «أن رسول الله - صلى الله ms0067 عليه وسلم - قال في ~~عتبة بن أبي لهب اللهم سلط عليه كلبا من كلابك فعدا عليه الأسد فقتله» . # PageV01P092 # فصل # وموت الدابة في الماء الدائم على مذهب ابن القاسم ورواية المصريين عن ~~مالك بخلاف حلول النجاسة فيه؛ لأن النجاسة تنماع في الماء ويخشى أن يخرج من ~~الدابة عند موتها شيء لا ينماع في الماء ويبقى على وجهه، فإن كان الماء غير ~~معين مثل القصرية أو الجب طرح ولم يتوضأ منه مخافة أن يكون ذلك الشيء النجس ~~قد حصل فيما يتوضأ به، وإن كان بئرا نزف منها قدر ما تطيب النفس به إلا أن ~~يتغير الماء فلا بد أن ينزف منها حتى يزول التغير. # فصل # وهذا في الدواب التي لها دم سائل. وأما الخشاش مثل التي ليس لها دم سائل ~~ودواب الماء مثل السرطان والضفدع فلا يفسد الماء موته فيه. فإن تقطعت أجزاء ~~الخشاش في الماء جرى ذلك على الاختلاف في جواز أكلها بغير ذكاة. # PageV01P093 ### | القول في استقبال القبلة لبول أو غائط # ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من رواية أبي هريرة أنه «نهى أن ~~تستقبل القبلة ببول أو غائط» . وروي «عن ابن عمر أنه قال لقد ارتقيت على ~~ظهر بيت لنا فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على لبنتين مستقبل بيت ~~المقدس لحاجته.» وفي غير رواية مالك «مستقبل بيت المقدس مستدبر القبلة» ، ~~وهو مفسر لما وقع في رواية مالك. وروي «عن عائشة أنها قالت: ذكر عند النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أن قوما يكرهون أن يستقبلوا بفروجهم القبلة فقال ~~أوقد فعلوا استقبلوا بمقعدي القبلة» . وروي عن النبي - عليه الصلاة والسلام ~~- من رواية جابر بن عبد الله «أنه نهى عن استقبال القبلة واستدبارها لبول ~~أو غائط، ثم قال رأيته بعد ذلك مستقبل القبلة ببوله قبل موته بعام» . ~~واختلف أهل العلم في تخريج هذه الأحاديث واستعمالها، فمنهم من أخذ بالحديث ~~الأول وحمله على عمومه في القرى والمدائن والفيافي والقفار. ومنهم من جعل ~~حديث جابر ناسخا له فأجاز استقبال القبلة للبول والغائط ms0068 وهم أهل الظاهر. ~~وأما مالك فاستعمل الحديثين الحديث الأول وحديث ابن عمر، وجعل حديث ابن عمر ~~مخصصا للحديث الأول وقال إنما عنى بذلك الصحارى والفيافي ولم يعن بذلك ~~القرى والمدائن. هذا قوله في المدونة. فعلى قوله فيها يجوز # PageV01P094 # استقبال القبلة واستدبارها في القرى والمدائن من غير ضرورة إلى ذلك. ~~والدليل على ذلك أنه أجاز مجامعة الرجل امرأته إلى القبلة ولا مشقة عليه في ~~التحول عنها في ذلك. ويؤيد هذا المذهب حديث عائشة «استقبلوا بمقعدي القبلة» ~~. فالمعنى على هذا في النهي من أجل أن لله عبادا يصلون له، فإذا استتر في ~~القرى والمدائن بالأبنية ارتفعت العلة. وكذلك على هذا لو استتر في الصحراء ~~بشيء لجاز أن يستقبل القبلة لحاجته، وقد فعل هذا عبد الله بن عمر. روى ~~مروان الأصفر عنه أنه أناخ راحلته مستقبل بيت المقدس ثم جلس يبول إليها، ~~فقلت يا أبا عبد الرحمن أليس قد نهي عن هذا؟ فقال إنما نهي عن هذا في ~~الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس به. # ولمالك في المجموعة أنه لا يستقبل القبلة لبول أو غائط في القرى والمدائن ~~إلا في الكنف المتخذة لذلك للمشقة الداخلة عليه في التحول عنها. فالمعنى ~~عنده على هذه الرواية في النهي إعظام القبلة، فلا يجوز له أن يجامع امرأته ~~مستقبل القبلة على هذه الرواية إذ لا ضرورة إلى ذلك. ويحمل حديث ابن عمر أن ~~اللبنتين كانتا مبنيتين ولم يصح عنده حديث عائشة أو لم يبلغه والله أعلم. ~~وذكر أبو إسحاق التونسي أنه قد تؤول على ما في المدونة أنه أجاز مجامعة ~~الرجل امرأته في الصحراء إلى القبلة، وهو بعيد والله أعلم. ### || فصل في القول في الملامسة # المعنى في الملامسة الطلب. قال الله عز وجل: {وأنا لمسنا السماء فوجدناها ~~ملئت حرسا شديدا وشهبا} [الجن: 8] أي طلبنا السماء وأردناها فوجدناها ملئت ~~حرسا شديدا وشهبا أي حفظة يحفظونها. «وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- لرجل سأله أن يزوجه المرأة التي وهبت نفسها للنبي - عليه الصلاة والسلام ms0069 ~~-: "هل معك شيء تصدقها قال ما عندي إلا إزاري هذا. قال فإن أعطيتها إزارك ~~جلست لا إزار لك # PageV01P095 # فالتمس شيئا أي اطلب قال ما أجد شيئا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- التمس ولو خاتما من حديد فالتمس فلم يجد شيئا» ". # فصل فلا يقال لمن مس شيئا قد لمسه إلا أن يكون مسه ابتغاء معنى يطلبه من ~~حرارة أو برودة أو صلابة أو رخاوة أو علم حقيقة. قال الله عز وجل: {ولو ~~نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر ~~مبين} [الأنعام: 7] ألا ترى أنه يقال تماس الحجران ولا يقال تلامس الحجران ~~لما كانت الإرادة والطلب مستحيلة عليهما. # فصل # فلما كان المعنى المقصود من مس النساء الالتذاذ بهن علم أن معنى قول ~~الله عز وجل: {أو لامستم النساء} [النساء: 43] هو اللمس الذي يبتغى به ~~اللذة دون ما سواه من المعاني. # فصل # وقد اختلف في قول الله تعالى: {أو لامستم النساء} [النساء: 43] فقيل ~~المراد بذلك الجماع، روي ذلك عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه -، وهو ~~قول عبد الله بن عباس - رضي الله تعالى عنهما -. روي أن عبيد بن عمير وسعيد ~~بن جبير وعطاء بن أبي رباح اختلفوا في الملامسة، فقال سعيد وعطاء هو اللمس ~~والغمز، وقال عبيد بن عمير هو النكاح، فخرج عليهم ابن عباس وهم كذلك فسألوه ~~وأخبروه بما قالوا فقال أخطأ الموليان وأصاب العربي، هو الجماع ولكن الله ~~يعف ويكفي وهو # PageV01P096 # محفوظ عن ابن عباس من وجوه كثيرة. روي عنه أنه قال ما أبالي قبلت امرأتي ~~أو شممت ريحانة. وإلى هذا ذهب أهل العراق وحجتهم ما روي «عن عائشة أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقبلها ثم يخرج إلى الصلاة فلا يتوضأ» . ~~وقوله تعالى: {أو لامستم النساء} [النساء: 43] قالوا فالملامسة مفاعلة من ~~اثنين فلا يكون إلا الجماع. وقيل إن المراد به ما دون الجماع من القبلة ~~والمباشرة واللمس، وهو قول عبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود. ms0070 وتأول ~~إسماعيل القاضي مثله على عمر بن الخطاب في قوله إن الجنب لا يتيمم، وقال به ~~جماعة من التابعين، وإليه ذهب مالك وأصحابه. والدليل على ذلك أن الله عز ~~وجل قد ذكر في أول الآية {وإن كنتم جنبا فاطهروا} [المائدة: 6] فلو كان ~~معنى {أو لامستم النساء} [النساء: 43] الجماع لكان مكررا لغير فائدة ولا ~~معنى. ودليل آخر وهو أن لفظ الملامسة حقيقة في اللمس باليد ومجاز في الوطء، ~~وحمل الكلام على الحقيقة أولى من حمله على المجاز. ودليل ثالث وهو أن ~~الملامسة واقعة على التقاء البشرتين، فإذا كانت كذلك لم يخل اللمس باليد من ~~أن يكون أولى بإطلاق هذا الاسم عليه من الجماع فيقتصر عليه، أو أن يكون هو ~~وغيره من أنواعها سواء فيجب حمل الظاهر على عمومه في كل ما يقع عليه الاسم، ~~ولأن الآية قد قرئت أو لمستم النساء، ولا خلاف أن ذلك لغير اللمس باليد فصح ~~ما ذهب إليه مالك - رحمه الله -. # فصل # فإذا ثبت أن الملامسة ما دون الجماع من القبلة والمباشرة واللمس ~~باليد فلا يخلو ذلك من أربعة أوجه: أحدها أن يقصد بهذه الأشياء إلى ~~الالتذاذ فيلتذ، والثاني أن لا يقصد بها إلى الالتذاذ ولا يلتذ، والثالث أن ~~يقصد بها إلى الالتذاذ فلا يلتذ، والرابع أن لا يقصد بها إلى الالتذاذ ~~فيلتذ. # فصل # فأما الوجه الأول وهو أن يقصد بها إلى الالتذاذ فيلتذ فلا خلاف عندنا ~~في إيجاب الوضوء لوجود الملامسة التي سماها الله ووجود معناها وهو ~~الالتذاذ. # PageV01P097 # وأما الوجه الثاني: وهو أن لا يقصد بها إلى الالتذاذ ولا يلتذ فتفترق فيه ~~القبلة من المباشرة واللمس. فأما المباشرة واللمس فلا يجب عليه فيهما وضوء ~~إذا لم يلامس اللمس الذي عناه الله تعالى بقوله: {أو لامستم النساء} ~~[النساء: 43] ولا وجد معناه. وأما القبلة فاختلف فيها على قولين: أحدهما ~~إيجاب الوضوء منها وهي رواية أشهب عن مالك وقول أصبغ ودليل المدونة. وعلة ~~ذلك أن القبلة لا تنفك من اللذة إلا أن تكون صبية صغيرة فيقبلها على سبيل ~~الرحمة ms0071 أو ذات محرم فيقبلها على سبيل الوداع أو ما أشبه ذلك. والثاني أن لا ~~وضوء منها كالملامسة والمباشرة وهو قول مطرف وابن الماجشون وغيرهما. # وأما الوجه الثالث وهو أن يقصد بها إلى اللذة فلا يلتذ ففي ذلك اختلاف. ~~روى عيسى عن ابن القاسم أن عليه الوضوء، وهو ظاهر ما في المدونة. والعلة في ~~ذلك وقوع الملامسة التي عناها الله تعالى بقوله: {أو لامستم النساء} ~~[النساء: 43] وهي الملامسة ابتغاء اللذة على ما بيناه. فإذا ابتغاها بلمسه ~~وجب عليه الوضوء وجدها أو لم يجدها على ظاهر القرآن إذ لم يشترط في ~~الملامسة وجود لذة. واعتل في الرواية بأنه قد وجدها بقلبه حيت وضع يده على ~~امرأته وليس ذلك بعلة صحيحة؛ لأن اللذة إذا لم تكن كائنة عن اللمس وموجودة ~~به فلا معنى للاعتبار بها. وروى أشهب عن مالك أنه لا وضوء عليه. ووجه ذلك ~~أن المعنى في إيجاب الملامسة الوضوء اقتران اللذة بها فإن عدمت لم يجب ~~الوضوء، وهذا الاختلاف فيما عدا القبلة. وأما القبلة فإنها توجب الوضوء إذا ~~قصد بها اللذة وإن لم يلتذ لا أعرف في المذهب نصا خلاف ذلك، ولا يبعد دخول ~~الاختلاف فيه بالمعني. # وأما الوجه الرابع وهو أن لا يقصد بها إلى اللذة فيلتذ فهذا لا اختلاف ~~فيه في المذهب إنه يوجب الوضوء لأنه وجد معنى الملامسة، والأحكام إنما هي ~~للمعاني. # فصل # وسواء على مذهب مالك كانت الملامسة على ثوب أو على غير ثوب إلا أن # PageV01P098 # يكون الثوب كثيفا، روى ذلك علي بن زياد عن مالك، وهو مفسر لجميع الروايات ~~عندي.. # فصل # وهذا التفصيل كله في اللامس. وأما الملموس فإن التذ وجب عليه الوضوء، ~~وإن لم يلتذ فلا وضوء عليه. هذا تحصيل مذهب مالك. والشافعي يوجب الوضوء على ~~اللامس إذا لمس على غير حائل قصد بلمسه اللذة أو لم يقصدها وجدها أو لم ~~يجدها، وله في الملموس قولان أحدهما كقول مالك، والثاني أنه لا وضوء عليه. ~~وحجته في ذلك «حديث عائشة فقدت رسول الله - صلى الله عليه ms0072 وسلم - فالتمسته ~~فوقعت يدي على باطن قدميه وهو يصلي» . # PageV01P099 ### | القول في الوضوء من مس الذكر # ومما يتعلق بالملامسة وهو من معناها مس الذكر. اختلفت الآثار عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - في إيجاب الوضوء من مس الذكر، فروى عنه الأمر بالوضوء ~~من مس الذكر جماعة منهم أبو هريرة وسعد بن أبي وقاص وزيد بن خالد الجهني ~~وأبو أيوب الأنصاري وابن عمر وجابر وبسرة وأم حبيبة، وروي بألفاظ مختلفة ~~ومعان متفقة في بعضها: «من مس ذكره فليتوضأ» «ومن مس فرجه فليتوضأ» «ومن مس ~~فرجه فلا يصلين حتى يتوضأ وضوءه للصلاة» «ومن أفضى بيده إلى فرجه ليس بينها ~~وبينه حجاب فقد وجب عليه الوضوء» «والوضوء من مس الذكر» «وويل للذين يمسون ~~فروجهم ثم يصلون ولا يتوضؤون» . «وروى قيس بن طلق عن أبيه طلق بن علي أنه ~~قال: قدمنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاءه رجل كأنه بدوي فقال ~~يا رسول الله ما ترى في مس الرجل ذكره بعدما يتوضأ فقال: "وهل هو إلا بضعة ~~منك» # فصل # واختلف أهل العلم في تأويل هذه الأحاديث وتخريجها وفي المعمول به ~~منها فذهبت طائفة منهم إلى الأخذ بوجوب الوضوء من مس الذكر جملة من # PageV01P100 # غير تفصيل وصححوا الآثار الواردة بالأمر بالوضوء من مسه وضعفوا حديث طلق ~~بن علي. ومنهم من جعله منسوخا بحديث بسرة، واستدل على نسخه بأن إيجاب ~~الوضوء وارد من جهة الشرع، وقوله هل هو إلا بضعة منك حجة عقلية، فجاز أن ~~ينسخ ما في العقل بالشرع، ولا يصح أن ينسخ الشرع بما في العقل. ومنهم من ~~تأوله فقال ليس فيه نص بإسقاط الوضوء، فيحتمل أن يكون المراد به إجازة مسه ~~وإسقاط غسل اليدين من مسه كسائر الأعضاء. ومنهم من ذهب إلى أن لا وضوء من ~~مس الذكر جملة من غير تفصيل، وهم أهل العراق، وصححوا حديث طلق وضعفوا ~~الأحاديث الواردة بالأمر بالوضوء منه بأن قالوا إن هذا أمر تعم به البلوى، ~~فلو كان الوضوء منه واجبا لألقاه رسول الله - صلى الله ms0073 عليه وسلم - إلى ~~أمته إلقاء ذائعا ولو فعل ذلك لم يخف على أكابر الصحابة مثل عثمان وعلي ~~وابن عباس وعمران بن الحصين وغيرهم [ممن أنكر الوضوء من مس الذكر. وهذا ~~يعكس عليهم فيقال لهم لو كان الوضوء غير واجب منه لم يخف ذلك على أكابر ~~الصحابة الذين أوجبوا الوضوء منه مثل عمر بن الخطاب وسعيد وابن عمر وغيرهم] ~~.. ومنهم من فرق بين العمد والنسيان، فاستعمل حديث طلق في مسه ناسيا، ~~والآثار الواردة بالأمر بالوضوء من مسه في مسه عامدا. # فصل # وأما مالك - رحمه الله - فاختلفت الروايات عنه في ذلك، فروى عنه أشهب ~~أنه سئل عن مس الذكر فقال: لا أوجبه وأبى فروجع في ذلك فقال يعيد ما كان في ~~الوقت وإلا فلا. وروي عنه في موضع آخر من مس ذكره انتقض وضوؤه وقال في ~~المدونة إن مسه بباطن كفه أو أصابعه انتقض وضوؤه، وإن مسه بظاهر الكف أو ~~الذراع لم ينتقض وضوؤه. واختلف قوله في مسه ناسيا على قولين رواهما عنه ابن ~~وهب في العتبية. فتحصيل هذا أن له في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها ألا وضوء ~~من # PageV01P101 # مس الذكر ناسيا كان أو متعمدا كمذهب أهل العراق، وهي رواية أشهب الأولى ~~عن مالك؛ لأن الإعادة في الوقت استحباب، وهو قول سحنون وروايته عن ابن ~~القاسم في العتبية. والثاني إيجاب الوضوء من مسه ناسيا كان أو متعمدا. قيل ~~إذا مسه بباطن الكف أو الأصابع التذ أو لم يلتذ لأنه الموضع المقصود بمسه ~~له فخرج الحديث عليه، وإن مسه بظاهر الكف أو الذراع لم يجب عليه الوضوء وإن ~~التذ. وقيل بل إذا التذ وجب عليه الوضوء مسه بباطن الكف أو بظاهره أو بأي ~~عضو كان. أما التأويل الأول فهو لبعض أهل النظر على قول مالك في المدونة، ~~وأما التأويل الثاني فمنهم من يتأوله على ما في المدونة ويقول إن تخصيصه ~~فيها لباطن الكف من ظاهره تنبيه منه على مراعاة اللذة، ومنهم من يتأوله على ~~مذهب مالك قياسا على ملامسة النساء. والقول الثالث إنه ms0074 إن كان ناسيا فلا ~~وضوء عليه بحال، وإن كان متعمدا فعليه الوضوء على التأويلين المذكورين. وقد ~~قيل إن معنى رواية أشهب عن مالك الأولى إذا مسه على غير الصفة المراعاة في ~~نقض الوضوء إما ناسيا وإما متعمدا بظاهر الكف أو الذراع التذ أو لم يلتذ ~~على الاختلاف المتقدم. هذا تحصيل مذهب مالك في هذه المسألة، وهذا إذا مسه ~~على غير حائل. وأما إن كان مسه على حائل رقيق فاختلف قول مالك: روى عنه ابن ~~وهب أنه لا وضوء عليه وهو الأشهر، وروى علي بن زياد عن مالك أن عليه ~~الوضوء. وأما إن مسه على حائل كثيف فلا وضوء عليه، فعلى ما حكيناه من ~~الاختلاف لا اختلاف في المذهب أنه إن مس ذكره ناسيا أو متعمدا بظاهر الكف ~~أو الذراع ولم يلتذ فلا وضوء عليه. # فصل # وأما مس المرأة فرجها فعن مالك في ذلك أربع روايات: إحداها سقوط الوضوء، ~~والثانية استحبابه، والثالثة إيجابه، والرابعة التفرقة بين أن تلطف أو لا ~~تلطف، وهي رواية ابن أبي أويس عنه. فأما الرواية الأولى والثانية فهما ~~واحدة في سقوط الوجوب. وذهب أبو بكر الأبهري إلى أن ذلك كله ليس باختلاف ~~رواية، وإنما هو اختلاف أحوال، فرواية ابن القاسم وأشهب في سقوط الوضوء ~~معناها إذا لم تلطف ولا قبضت عليه فالتذت، ورواية علي بن زياد عن مالك في ~~وجوب # PageV01P102 # الوضوء معناها إذا ألطفت على ما بين في رواية ابن أبي أويس عن مالك. ومن ~~أصحابنا من يحمل الروايات كلها على روايتين: إحداهما وجوب الوضوء، والثانية ~~سقوطه، والوجوب متعلق بالإلطاف والالتذاذ. # فصل # فإذا مست المرأة فرجها فلم تلطف ولم تلتذ فلا وضوء عليها عند مالك، ولم ~~يختلف عنه في ذلك، فإذا ألطفت والتذت وجب عليها الوضوء عند مالك بلا خلاف، ~~وقيل إن عنه في ذلك روايتين على ما بيناه. # فصل # ولم يختلف قول مالك في أنه لا وضوء على الرجل في مس دبره التذ أو لم ~~يلتذ، وأوجب عليه الشافعي الوضوء لظاهر قول النبي - عليه الصلاة والسلام ms0075 - ~~«من مس فرجه فقد وجب عليه الوضوء» . ### || فصل في القول في الرعاف # الرعاف ليس بحدث ينقض الطهارة عند مالك وجميع أصحابه قل أو كثر، خلافا ~~لأبي حنيفة وأصحابه في قولهم إنه ينقض الوضوء إذا كان كثيرا، ولمجاهد في ~~قوله إنه ينقضه وإن كان يسيرا. وهو -أعني الرعاف- ينقسم في حكم الصلاة على ~~قسمين: أحدهما أن يكون دائما لا ينقطع. والثاني أن يكون غير دائم ينقطع. ~~فأما القسم الأول وهو أن يكون دائما لا ينقطع فالحكم فيه أن يصلي صاحبه ~~الصلاة به في وقتها على الحالة التي هو عليها. والأصل في ذلك أن عمر بن ~~الخطاب - رضي الله تعالى عنه - صلى حين طعن وجرحه يثعب دما. فإن لم يقدر ~~على السجود والركوع إما لأنه يضر به ويزيد في رعافه وإما لأنه يخشى أن ~~يتلطخ بالدم إن ركع أو سجد أومأ في صلاته كلها إيماء كما قال سعيد بن ~~المسيب فكلا التأويلين # PageV01P103 # قد تؤولا عليه. فإن انقطع عنه الرعاف في بقية من الوقت وقدر على الصلاة ~~راكعا أو ساجدا لم تجب عليه إعادة لأن إيماءه إن كان لإضرار الركوع أو ~~السجود فهو كالمريض الذي لا يقدر على السجود فيصلي إيماء ثم يصح في بقية من ~~الوقت أنه لا إعادة عليه، وإن كان مخافة أن تمتلئ ثيابه بالدم فهو عذر يصح ~~له به الإيماء إجماعا فوجب أن لا تكون عليه إعادة كالمسافر الذي لا علم ~~عنده بالماء يتيمم ثم يجد الماء في الوقت أنه لا إعادة عليه من أجل أنه من ~~أهل التيمم إجماعا، بخلاف المريض والخائف إذ قيل إنهما ليسا من أهل التيمم، ~~وبخلاف المصلي في الطين إيماء إذ قيل إنه ليس من أهل الإيماء ويلزمه أن ~~يركع ويسجد في الطين وإن فسدت ثيابه فما ذلك على الله بعزيز، وقد «سجد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - في الماء والطين فانصرف من الصلاة وعلى جبينه ~~وأنفه أثر الماء والطين» . # وأما القسم الثاني وهو أن يكون غير دائم ينقطع، فإن أصابه قبل أن يدخل ms0076 ~~أخر الصلاة حتى ينقطع عنه ما لم يفت وقت الصلاة المفروضة: القامة للظهر، ~~والقامتان للعصر. وقيل بل يؤخرهما ما لم يخف فوات الوقت جملة بأن يتمكن ~~اصفرار الشمس للظهر والعصر فيخشى أن لا يدرك تمامهما قبل غروب الشمس، فإن ~~خشي ذلك صلاهما قبل خروج الوقت كيفما أمكنه ولو إيماء. وإن أصابه ذلك بعد ~~أن دخل في الصلاة فلا يخلو من وجهين: أحدهما أن يكون يسيرا يذهبه الفتل. ~~والثاني أن يكون كثيرا قاطرا أو سائلا لا يذهبه الفتل. فأما إن كان يسيرا ~~يذهبه الفتل فإنه يفتله ويتمادى على صلاته فذا كان أو إماما أو مأموما، ولا ~~اختلاف في ذلك على ما روي عن جماعة من السلف، منهم سعيد بن المسيب، وسالم ~~بن عبد الله، أنهم كانوا يرعفون في الصلاة حتى تختضب أصابعهم أي الأنامل ~~الأولى منها من الدم الذي يخرج من أنوفهم فيفتلونه ويمضون على صلاتهم. وأما ~~إن تجاوز الدم الأنامل الأولى وحصل منه في الأنامل الوسطى قدر الدرهم على ~~مذهب ابن حبيب أو أكثر من الدرهم على رواية علي بن زياد عن مالك، فيقطع ~~ويبتدئ، # PageV01P104 # لأنه قد حصل بذلك حامل نجاسة، فلا يصح له التمادي على صلاته ولا البناء ~~عليها بعد غسل الدم. وأما إن كان كثيرا قاطرا أو سائلا لا يذهبه الفتل ~~فالذي يوجبه القياس والنظر أن يقطع وينصرف فيغسل الدم ثم يبتدئ بصلاته؛ لأن ~~الشأن في الصلاة أن يتصل عملها ولا يتخللها شغل كثير ولا انصراف عن القبلة، ~~إلا أنه قد جاء عن جمهور الصحابة والتابعين إجازة البناء في الصلاة بعد غسل ~~الدم، ومعناه ما لم يتفاحش بعد الموضع الذي يغسله فيه، وقال بذلك مالك ~~وجميع أصحابه في الإمام والمأموم، واختلفوا في الفذ، فذهب ابن حبيب إلى أنه ~~لا يبني الفذ، قال لأن البناء إنما هو ليحوط فضل الجماعة. وقال محمد بن ~~مسلمة يبني. ومثله في رسم سلعة سماها من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة في ~~بعض روايات العتبية، وهو قول أصبغ أيضا وظاهر ما في المدونة ms0077 على ما قاله ~~ابن لبابة. واختلفوا أيضا فيمن رعف قبل أن يركع بعد أن أحرم هل يصح له ~~البناء على إحرامه أم لا على أربعة أقوال: أحدها أنه يبني على إحرامه جملة ~~من غير تفصيل وهو قول سحنون. والثاني أنه لا يبني ويستأنف الإقامة والإحرام ~~جملة أيضا من غير تفصيل وهو قول ابن عبد الحكم، ومثله في رسم سلعة سماها من ~~سماع ابن القاسم. والثالث أنها إن كانت جمعة ابتدأ الإحرام، وإن كانت غير ~~جمعة بنى على إحرامه، وهو قول مالك في رواية ابن وهب عنه وظاهر ما في ~~المدونة عندي، واستحب أشهب في الجمعة أن يقطع. والرابع أنه إن كان وحده أو ~~إماما ابتدأ الإحرام، وإن كان مأموما بنى على إحرامه. # واختلفوا أيضا فيمن رعف في أثناء الركعة قبل أن تتم بركوعها وسجودها على ~~أربعة أقوال: # أحدها أنه يصح له ما مضى منها ويبني عليها كانت الأولى أو الثانية بعد أن ~~عقد الأولى، فإن رعف وهو راكع فرفع رأسه للرعاف رفع من الركعة، وإذا رجع ~~رجع إلى القيام فيخر منه إلى السجود. وإن رعف وهو ساجد فرفع رأسه للرعاف # PageV01P105 # رفع من السجدة، فإذا رجع سجد السجدة الثانية أو جلس فتشهد إن كان رعافه ~~في السجدة الثانية. وإن كان رعف وهو جالس في التشهد الأول فقيامه للرعاف ~~قيام من الجلسة، فإذا رجع ابتدأ قراءة الركعة الثالثة، إلا أن يكون ذلك في ~~مبتدأ الجلوس فليرجع إلى الجلوس حتى يتم تشهده، وهو قول ابن حبيب، وحكاه عن ~~ابن الماجشون. # والثاني أنه يلغي ما مضى عن تلك الركعة ولا يبني على شيء منه، ويبتدئها ~~بالقراءة من أولها إذا رجع، كانت الركعة الأولى أو الثانية بعد أن عقد ~~الأولى. وهو ظاهر ما في المدونة عندي، وقد روي ذلك عن ابن القاسم. # والثالث أنه إن كان في الركعة الأولى لم يبن واستأنف الإحرام، وإن كان في ~~الثانية بعد أن عقد الأولى ألغى ما مضى منها واستأنف الركعة من أولها ~~بالقراءة إذا رجع. وقد تؤول ما ms0078 في المدونة على هذا، وهو قول ابن القاسم ~~وروايته أيضا عن مالك في رسم سلعة سماها، فمرة ساوى ابن القاسم بين الركعة ~~الأولى والثانية، ومرة فرق بينهما على ما قد ذكرته عنه. # والرابع أنه إن كان في الركعة الأولى لم يبن واستأنف الإحرام، وإن كان في ~~الثانية بعد أن عقد الأولى صح له ما مضى منها وبنى عليه إذا رجع. روي هذا ~~القول عن ابن الماجشون. فيتحصل إذا رعف في أثناء الركعة الأولى خمسة أقوال، ~~وإذا رعف في أثناء الركعة الثانية بعد أن عقد الأولى قولان. # فصل # ولصحة البناء في الرعاف أربعة شروط متفق عليها: أحدها أن لا يجد ~~الماء في موضع فيجاوزه إلى غيره؛ لأنه إن وجد الماء في موضع. فتجاوزه إلى ~~غيره بطلت صلاته باتفاق. والثاني أن لا يطأ على نجاسة رطبة؛ لأنه إن وطئ ~~على نجاسة رطبة انتقضت صلاته باتفاق أيضا. والثالث أن لا يسقط من الدم على ~~ثوبه أو جسد ما لا يغتفر لكثرته، وقد تقدم الخلاف في حده؛ لأنه إن سقط من ~~الدم # PageV01P106 # على ثوبه أو جسده كثير بطلت صلاته باتفاق. والرابع أن لا يتكلم جاهلا أو ~~متعمدا؛ لأنه إن تكلم جاهلا أو متعمدا بطلت صلاته باتفاق. وشرطان مختلف ~~فيهما: أحدهما أن لا يتكلم ناسيا لأنه قد اختلف إن تكلم ناسيا فقال ابن ~~حبيب لا يبني لأن السنة إنما جاءت في بناء الراعف ما لم يتكلم ولم يخص في ~~ذلك ناسيا من متعمد وحكى ابن سحنون عن أبيه أنه يبني على صلاته ويسجد لسهوه ~~إلا أن يكون الإمام لم يفرغ بعد من صلاته فإنه يحمله عنه. والثاني أن لا ~~يطأ على قشب يابس لأنه قد اختلف إن وطئ على قشب يابس، فقال ابن سحنون تنتقض ~~صلاته، وقال ابن عبدوس لا تنتقض صلاته. وأما مشيه في الطريق لغسل الدم وبها ~~أرواث الدواب وأبوالها فلا تنتقض بذلك صلاته لأنه مضطر إلى المشي في الطريق ~~لغسل الدم كما يضطر إلى الصلاة فيها، وليس بمضطر إلى المشي على القشب ms0079 ~~اليابس قاله ابن حارث. # فصل # وليس البناء في الرعاف بواجب وإنما هو من قبيل الجائز. وقد اختلف في ~~المختار المستحب من ذلك، فاختار ابن القاسم القطع بسلام أو كلام على ~~القياس. قال فإن ابتدأ ولم يتكلم أعاد الصلاة، واختار مالك - رحمه الله ~~تعالى - البناء على الأتباع للسلف وإن خالف ذلك القياس والنظر، وهذا على ~~أصله [أن العمل أقوى من القياس؛ لأن العمل المتصل لا يكون أصله] إلا عن ~~توقيف. وقد ذكر ابن حبيب ما دل على وجوب البناء وهو قوله إن الإمام إذا رعف ~~فاستخلف بالكلام جاهلا أو متعمدا بطلت صلاته وصلاتهم، فجعل قطعه صلاته ~~بالكلام بعد الرعاف يبطل صلاتهم كما لو تكلم جاهلا أو متعمدا بغير رعاف. ~~والصواب ما في المدونة أن صلاتهم لا تبطل؛ لأنه إذا رعف فالقطع له جائز في ~~قول ومستحب في قول، فكيف تبطل صلاة القوم بفعله ما يجوز له أو ما يستحب ~~له؟. # PageV01P107 # فصل # ولا يخرج الراعف من حكم الصلاة وحرمتها على مذهب من يجيز له البناء ~~إلا بأن يقطع بسلام أو كلام أو فعل ما لا يصح فعله في الصلاة. وهذا وجه قول ~~ابن حبيب إن من رعف وهو جالس في وسط صلاته أو راكع أو ساجد فإن قيامه من ~~الجلوس أو رفعه من الركوع أو السجود لرعافه يعتد به من صلاته. # فصل # واختلف إذا كان مأموما فانصرف لغسل الدم وهو يريد البناء هل يخرج من ~~حكم الإمام أم لا على أربعة أقوال: أحدها أنه يخرج من حكمه حتى يرجع إليه ~~جملة من غير تفصيل. والثاني أنه لا يخرج من حكمه جملة من غير تفصيل. ~~والثالث أنه إن رعف قبل أن يعقد معه ركعة خرج عن حكمه حتى يرجع إليه، وإن ~~رعف بعد أن قيد معه ركعة لم يخرج عن حكمه. والرابع أنه إن أدرك ركعة من ~~صلاة الإمام بعد رجوعه كان في حكمه حال خروجه عنه، وإن لم يدرك من صلاته ~~ركعة بعد رجوعه لم يكن في حكمه حال خروجه، فتكون على ms0080 هذا القول أحكامه حال ~~خروجه في ارتباط صلاته بصلاة إمامه معتبرة بما يكشفه الغيب من إدراك ركعة ~~فأكثر من صلاته. فمن رأى أنه يخرج من حكمه حتى يرجع يقول إن أفسد الإمام ~~صلاته متعمدا قبل أن يرجع لم تفسد عليه هو، وإن تكلم سهوا سجد بعد السلام ~~ولم يحمل ذلك عنه الإمام، خلاف أصل ابن حبيب الذي يرى أن ذلك يبطل عليه ~~البناء. وإن ظن أن الإمام قد أتم صلاته فأتم صلاته في موضعه ثم تبين له أنه ~~لو مضى لأدركه في الصلاة أجزأته صلاته، وإن سها الإمام لم يلزمه من سهوه ~~شيء. ومن رأى أنه لا يخرج عن حكمه يقول إن أفسد الإمام صلاته متعمدا فسدت ~~عليه هو صلاته، وإن أتم صلاته في موضعه ثم تبين له أنه لو مضى لأدرك الإمام ~~في الصلاة لم تجزه صلاته، وإن سها الإمام لزمه سهوه، وإن تكلم هو ساهيا حمل ~~ذلك عنه الإمام، خلاف أصل ابن حبيب المذكور. وإن قرأ الإمام بعده سجدة # PageV01P108 # فسجدها فرجع هو بعد سلام الإمام كان عليه أن يقرأها ويسجدها، قاله ابن ~~المواز على قياس هذا القول. # فصل # وحكم الإمام في الرعاف حكم المأموم في جميع الأشياء لأنه يستخلف عند ~~رجوعه من يتم بالقوم صلاتهم، فيصير المستخلف له إماما يصلي معه ما أدرك من ~~صلاته بعد غسل الدم ويقضي ما فاته ويكون في حكمه حتى يرجع إليه على ~~الاختلاف المذكور فوق هذا. فإن ظن الإمام أنه قد رعف فانصرف ثم تبين أنه لم ~~يرعف بطلت صلاته، واختلف في صلاة القوم فقال ابن عبدوس لا تبطل وحكى ذلك عن ~~سحنون في المجموعة، وقال ابن سحنون تبطل. # فصل # فإذا رعف الرجل خلف الإمام فخرج فغسل الدم عنه فإن علم أنه يدرك ~~الإمام في صلاته رجع إليه فأتم معه، وإن علم أنه لا يدركه أتم صلاته في ~~موضعه. فإن كان قد فاته بعض صلاة الإمام وصلى معه بعضها ثم رعف في بقيتها ~~بدأ بالبناء قبل القضاء عند ابن المواز وابن حبيب ms0081 وهو مذهب ابن القاسم. ~~وقال محمد بن سحنون يبدأ بالقضاء قبل البناء. مثال ذلك أن يفوت الرجل ركعة ~~من صلاة الإمام فيدخل معه في الثانية فيصليها معه ثم يرعف في الثالثة فلا ~~ينصرف حتى يتم الإمام صلاته، فإنه على القول بتقديم البناء على القضاء يأتي ~~بالركعة الثالثة يقرأ فيها بالحمد لله وحدها كما قرأ فيها الإمام لأنها ~~ثالثة صلاته ويجلس فيها لأنها ثانية بنائه، إذ ليس بيده إلا الركعة الثانية ~~التي صلى مع الإمام. ثم يأتي بالركعة الرابعة فيقرأ فيها بالحمد لله وحدها ~~ويقوم عند ابن حبيب لأنها ثالثة بنائه، ويجلس عند ابن المواز لأنها رابعة ~~صلاته وآخر صلاة الإمام، فلا يقوم للقضاء إلا من جلوس، ثم يأتي بالركعة ~~الأولى التي فاتته بالحمد وسورة كما فاتته، فتصير صلاته جلوسا كلها على ~~مذهبه. وعلى الفول بتقديم القضاء على البناء يأتي أولا بالركعة الأولى ~~فيقرأ فيها بالحمد وسورة كما قرأ الإمام ويجلس فيها لأنها ثانية للركعة ~~التي صلى مع # PageV01P109 # الإمام، ثم يأتي بالركعة الثالثة فيقرأ فيها بالحمد لله وحدها ويقوم ولا ~~يجلس فيها لأنها ثالثة لما قد صلى، ثم يأتي بالركعة الرابعة بالحمد لله ~~وحدها أيضا ويجلس ويتشهد ويسلم. # ولو فاتته مع الإمام الأولى وصلى معه الثانية ورعف في الثالثة وأدرك معه ~~الرابعة لكان عليه قضاء الأولى والثالثة يبدأ بقضاء الأولى فيأتي بركعة ~~يقرأ فيها بأم القرآن وسورة ويقوم لأنها ثالثة له ثم يأتي بالثالثة فيقرأ ~~فيها بالحمد لله وحدها ويجلس ويتشهد ويسلم، قاله ابن حبيب. ولم يقل إنه ~~يبدأ ببناء الثالثة التي رعف فيها على الثانية التي صلاها مع الإمام على ~~أصله في تبدئة البناء على القضاء، إذ قد حالت بينه وبين بنائه عليها الركعة ~~الرابعة التي أدرك مع الإمام. وأما على مذهب من يرى أن القضاء يبدأ على ~~البناء فلا إشكال في صحة هذا الجواب في هذه المسألة لأن البناء لما بعد ~~فيها ووجب قضاء الركعتين وجب أن يبدأ بقضاء الأولى قبل الثالثة. وقد وقع ~~لسحنون في المجموعة أنه يقضي ms0082 الثالثة بالحمد لله وحدها قبل الأولى، وذلك ~~مخالف لأصله بعيد من قوله. # فصل # وحكم الراعف خلف الإمام في الجمعة وغيرها سواء إلا في موضعين: أحدهما ~~أنه إذا رعف في الجمعة بعد أن صلى مع الإمام ركعة فلم يفرغ من غسل الدم حتى ~~أتم الإمام صلاته أنه لا يصلي الركعة الثانية إلا في المسجد الذي ابتدأ ~~الصلاة فيه لأن الجمعة لا تكون إلا في المسجد، فإن حال بينه وبين الرجوع ~~إلى المسجد واد أو أمر غالب أضاف إليها ركعة وصلى ظهرا أربعا، قاله ~~المغيرة. والثاني أنه إذا رعف قبل أن يتم مع الإمام ركعة بسجدتيها ثم لم ~~يفرغ من غسل الدم حتى أتم الإمام صلاته لا يبني على صلاة الإمام تمام ~~ركعتين ويصلي أربع ركعات في موضعه على قول من رأى أنه يبنى على الإحرام في ~~الجمعة. وقد تقدم ذكر الاختلاف في ذلك وبالله التوفيق. # PageV01P110 # فصل # وإذا رعف الإمام في صلاة الجنازة أو صلاة العيد استخلف من يتم بالقوم ~~بقية الصلاة كصلاة الفريضة سواء. وأما إذا رعف المأموم فيهما فإنه ينصرف ~~ويغسل الدم ثم يرجع فيتم مع الإمام ما بقي من تكبير الجنازة وصلاة العيد، ~~فإن علم أنه لا يدرك شيئا من ذلك مع الإمام أتم في موضعه حيث يغسل الدم عنه ~~إلا أن يعلم أنه يدرك الجنازة قبل أن ترفع، فإنه يرجع حتى يتم ما بقي من ~~التكبير عليها. قال أشهب: فإن كان رعف قبل أن يعقد من صلاة العيد ركعة أو ~~قبل أن يكبر من تكبير الجنازة شيئا وخشي إن انصرف لغسل الدم أن تفوته ~~الصلاة لم ينصرف وصلى على الجنازة وتمادى على صلاته في العيد. وكذلك لو رأى ~~في ثوبه نجاسة وخاف إن انصرف لغسلها أن تفوته صلاة الجنازة أو صلاة العيد ~~لتمادى على صلاته ولم ينصرف؛ لأن صلاة الجنازة والعيد مع الرعاف وبالثوب ~~النجس أولى من فواتهما وتركهما بخلاف صلاتهما بالتيمم لمن لم يجد الماء، إذ ~~ليس الصحيح الحاضر من أهل التيمم. هذا كله -أعني ما ذكرته ms0083 في هذا الفصل- هو ~~معنى ما في كتاب ابن المواز الذي ينبغي أن يحمل عليه وإن كان ظاهر لفظه ~~مخالفا لبعضه. وبالله تعالى التوفيق. ### || فصل في القول في التيمم # فصل # في القول في التيمم أمر الله سبحانه وتعالى المسافر والمريض بالتيمم ~~للصلاة عند عدم الماء، وأجمع أهل العلم على وجوب التيمم عليهما لأن الأمر ~~لهما بالتيمم مع عدم الماء نص في الآية لا يحتمل التأويل. واختلفوا في ~~الصحيح الحاضر العادم للماء والمريض الواجد للماء العادم للقدرة على مسه هل ~~هما من أهل التيمم أم لا، لما # PageV01P111 # احتملته الآية من التأويل. فمن حمل الآية على ظاهرها ولم يقدر فيها ~~تقديما ولا تأخيرا رآهما من أهل التيمم؛ لأن شرط عدم الماء في الآية يعود ~~على الحاضر، ويتأول إضماره في المريض والمسافر، وإضمار عدم القدرة على مسه ~~في المريض أيضا. ومن قدر في الآية تقديما وتأخيرا لم يرهما من أهل التيمم؛ ~~لأن شرط عدم الماء على التقديم والتأخير لا يعود إلا على المريض والمسافر. ~~وكذلك إذا حملت الآية على التأويل الذي ذكرناه فيما تقدم فيها من أن "أو" ~~في قوله تعالى: {أو جاء أحد منكم من الغائط} [المائدة: 6] بمعنى الواو لا ~~يكونان من أهل التيمم، وهو أظهر من التأويلين المتقدمين؛ لأن التلاوة تبقى ~~على ظاهرها دون تقديم وتأخير، ولا يحتاج فيها إلى إضمار، فتأتي بينة لا ~~إشكال فيها ولا احتمال. لأن تقديرها على هذا التأويل {يا أيها الذين آمنوا ~~إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم ~~وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا} [المائدة: 6] الآية إلى ~~{وأيديكم منه} [المائدة: 6] . # والتيمم القصد، قال الله عز وجل: {ولا آمين البيت الحرام} [المائدة: 2] ~~أي قاصديه. والصعيد: ما صعد من الأرض، وقيل التراب. والطيب الطاهر. يقول ~~الله تعالى: وإن كنتم على هذه الأحوال فاقصدوا ترابا طاهرا فامسحوا بوجوهكم ~~وأيديكم منه. ومذهب مالك - رحمه الله تعالى - وجميع أصحابه أن الصعيد وجه ~~الأرض ترابا كان أو غيره؛ لأنهم يجيزون التيمم بالرمل والحصا والجبل. # والدليل على صحة ms0084 قول مالك قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «جعلت ~~لي الأرض مسجدا وطهورا» فوجب بظاهر هذا الحديث أن يجوز التيمم بكل ما هو ~~مشاكل للأرض لم تدخله صنعة كما تجوز الصلاة عليه، ويجوز على هذا التيمم ~~بالحشيش النابت على وجه الأرض إذا عم الأرض وحال بينك وبينها. وقال يحيى بن ~~سعيد ما حال # PageV01P112 # بينك وبين الأرض فهو منها. واختلف قول مالك في التيمم على الثلج إذا عم ~~الأرض فأجازه في رواية علي بن زياد ومنع منه في رواية أشهب وغيره. وذهب ~~الشافعي إلى أن التيمم لا يجوز إلا على التراب، واحتج بما روي أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: «جعلت لي الأرض مسجدا وجعلت تربتها لي طهورا» ~~، فحصل الإجماع على إجازة التيمم على التراب، والاختلاف فيما سواه مما هو ~~مشاكل للأرض. فالاختيار أن لا يتيمم على الحصباء وما أشبهها إلا عند عدم ~~التراب. فإن تيمم عليه وهو واجد للتراب فظاهر المدونة أنه لا إعادة عليه، ~~وقال ابن حبيب يعيد في الوقت. وأما الثلج فإن تيمم عليه وهو يصل إلى الأرض ~~فيعيد أبدا، قاله ابن حبيب وهو معنى ما في المدونة، وإن تيمم عليه وهو لا ~~يصل إلى الأرض فظاهر المدونة أنه لا إعادة عليه، وقال ابن حبيب يعيد في ~~الوقت. وهذا كله على رواية علي بن زياد عن مالك، وأما على رواية أشهب عنه ~~فيعيد أبدا إن تيمم عليه كان يصل إلى الأرض أو لا يصل إليها. # فصل # وعند مالك - رحمه الله تعالى - أن التيمم بالتراب على غير وجه الأرض ~~جائز مثل أن يرفع إلى المريض في طبق أو إلى الراكب في محمل أو يكون مريضا ~~فيتيمم جدارا إلى جانبه إن كان من طوب نيء. وذهب ابن بكير إلى أن العبادة ~~إنما هي القصد إلى وجه الأرض فلم يجز شيئا من ذلك. # فصل # وأطلق الله تبارك وتعالى الأيدي في التيمم ولم يقيدها بالحد إلى ~~المرفقين كما فعل في الوضوء. واختلفت الآثار في ذلك عن النبي - صلى الله ms0085 ~~عليه وسلم -، فروي عنه الأمر بالتيمم إلى المرفقين، وإلى الكوعين، بضربة ~~واحدة، وبضربتين. «وروي عن عمار # PageV01P113 # بن ياسر أنه قال: لما نزلت آية التيمم عمد المسلمون مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فتيمموا إلى المناكب والآباط.» فيحتمل أن يكونوا فعلوا ~~ذلك اتباعا لظاهر القرآن بكل ما يقع عليه اسم يد عند العرب قبل أن يأمرهم ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك بشيء، إذ لا يوجد ذلك للنبي - ~~عليه الصلاة والسلام - في غير هذا الحديث. وعلى هذا اختلف أهل العلم في حد ~~التيمم، فمنهم من ذهب إلى إيجاب التيمم إلى المنكبين، وهو قول ابن شهاب ~~ومحمد بن مسلمة من أصحابنا. ومنهم من ذهب إلى أن التيمم لا يجب إلا إلى ~~المرفقين على ما روي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - وقياسا على الوضوء، ~~وهو مذهب الشافعي وأكثر أهل العلم، وإليه ذهب من أصحابنا ابن نافع ومحمد بن ~~عبد الحكم. ومنهم من ذهب إلى أن التيمم لا يجب إلا إلى الكوعين قياسا على ~~القطع في السرقة. قيل في ذلك كله بضربة واحدة، أو بضربتين ضربة للوجه وضربة ~~لليدين، فهذه ستة أقوال. وقال الحسن وابن أبي ليلى يضرب ضربتين فيمسح بكل ~~واحدة منهما وجهه ويديه. وحكى ابن لبابة في المنتخب قولا ثامنا في المسألة، ~~وهو أن الجنب يتيمم إلى الكوعين بالسنة لا بالقرآن، وغير الجنب إلى ~~المنكبين على ظاهر ما في القرآن، واحتج لذلك بما يقف عليه من تأمله في ~~موضعه من كتابه. # فصل # ومذهب مالك - رحمه الله - أن الجنب يتيمم بظاهر القرآن؛ لأن الله ~~تبارك وتعالى أمر بالوضوء من الحدث والغسل من الجنابة للصلاة، ثم أمر ~~بالتيمم عند عدم الماء بالنص على ذلك، وعند عدم القدرة على استعماله ~~بالتأويل الظاهر، فوجب أن يحمل ذلك على الوضوء والغسل من الجنابة جميعا، ~~وأن لا يخصص في أحدهما دون الآخر إلا بدليل، ولا دليل على ذلك. بل قد دلت ~~السنن الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في تيمم الجنب على خلافه؛ ~~وأن ms0086 التيمم عنده، أعني عند مالك، من الجنابة والحدث الذي ينقض الوضوء سواء، ~~وأن فرض التيمم فيهما ضربة واحدة للوجه واليدين إلى الكوعين، إلا أنه يستحب ~~ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين # PageV01P114 # إلى المرفقين، فإن تيمم إلى الكوعين أعاد في الوقت، وإن تيمم بضربة واحدة ~~لوجهه ويديه إلى المرفقين لم يعد. # فصل # ومن أهل العلم من ذهب إلى أن الجنب لا رخصة له في التيمم، وهو مذهب ~~عمر بن الخطاب، وكان عبد الله بن مسعود يقوله ثم رجع عنه. وقد روي «أن رجلا ~~سأل عمر بن الخطاب فقال إني أجنبت فلم أجد الماء، فأمره أن لا يصلي، فقال ~~له عمار أما تذكر أنا كنا في سرية على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فأجنبت أنا وأنت، فأما أنت فلم تصل وأما أنا فتمعكت بالتراب فصليت، فأتيت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له فقال إنما كان يكفيك هكذا، فضرب ~~بكفيه الأرض فنفخ فيهما فمسح وجهه وكفيه» فلم يقنع عمر بقول عمار وخشي أن ~~يكون قد دخل عليه فيما حدثه به وهم أو نسيان إذ لم يذكر هو شيئا من ذلك. # فصل # وقد ذهب بعض الناس ممن ينتحل الحديث إلى أن الجنب يتيمم إذا عدم ~~الماء ويتوضأ إذا وجده ولم يقدر على مسه على ما روي «عن عمرو بن العاص أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمره على جيش ذات السلاسل، وفي الجيش نفر ~~من المهاجرين والأنصار، منهم عمر بن الخطاب، فاحتلم عمرو بن العاص في ليلة ~~شديدة البرد، فأشفق أن يموت إن اغتسل فتوضأ ثم أم أصحابه، فلما قدم - صلى ~~الله عليه وسلم - تقدم عمر بن الخطاب فشكا عمرو بن العاص حتى قال وأمنا ~~جميعا، فأعرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن عمر بن الخطاب. فلما قدم ~~عمرو دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجعل يخبره بما صنع في ~~غزاته، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أصليت جنبا يا عمرو؟ ~~فقال نعم يا رسول ms0087 الله أصابني احتلام في ليلة باردة لم يمر على وجهي مثلها ~~قط، فخيرت نفسي بين أن أغتسل فأموت أو أقبل رخصة الله عز وجل فقبلت رخصة ~~الله تعالى وعلمت أن الله # PageV01P115 # أرحم بي فتوضأت ثم صليت. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أحسنت ~~ما أحب أنك تركت شيئا صنعته ولو كنت في القوم لصنعت كما صنعت.» وممن كان ~~يذهب إلى هذا أحمد بن صالح وقال إن الوضوء فوق التيمم، وليس ذلك بصحيح؛ لأن ~~الله تبارك وتعالى جعل التيمم بدل الغسل من الجنابة ولم يجعل الوضوء بدلا ~~منه، فليس بأرفع منه في ذلك، وإنما هو أرفع منه في الحدث الأصغر حيث جعل ~~بدلا منه. وأما الحديث فيحتمل أن يكون ما كان من عمرو بن العاص قبل نزول ~~آية التيمم، والحكم حينئذ في الجنب إذا عدم الماء أن يصلي بلا غسل، فلما ~~سقط عنه فرض الاغتسال بالخوف على نفسه صار في حكم من لا جنابة عليه، فتوضأ ~~وصلى كما يفعل من استيقظ من نومه ولا جنابة عليه، وكما يصلي عريانا من لم ~~يجد سترة. وقد صلى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل فرض التيمم ~~وهم محدثون على غير وضوء، فلم ينكر ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عليهم على ما روي. فصح ما تأولناه. والله سبحانه وتعالى أعلم. # فصل # والتيمم لا يرفع الحدث الأكبر ولا الأصغر عند مالك - رحمه الله تعالى ~~- وجميع أصحابه وجمهور أهل العلم، خلافا لسعيد بن المسيب وابن شهاب في ~~قولهما إنه يرفع الحدث الأصغر دون الأكبر، وخلافا لقول أبي سلمة بن عبد ~~الرحمن في أنه يرفع الحدثين جميعا حدث الجنابة والحدث الذي ينقض الوضوء. ~~ومعنى هذا أنه إذا تيمم للوضوء أو من الجنابة كان على طهارة أبدا ولم يجب ~~عليه الغسل ولا الوضوء وإن وجد ماء ما لم يحدث أو يجنب. وقد وقع في المدونة ~~عن ابن مسعود ما ظاهره أنه كان يقول مثله. ولا يصح أن يحمل الكلام على ~~ظاهره، فإن المحفوظ عن ms0088 ابن مسعود ما حكيناه عنه قبل من أن الجنب لا يتيمم ~~بحال ثم رجع إلى [أنه يتيمم، فإذا وجد الماء اغتسل. فما وقع في المدونة # PageV01P116 # من قول سحنون: وقد كان يقول غير ذلك ثم رجع إلى] هذا أي أنه يغتسل. ~~معناه: وقد كان يقول إنه لا يتيمم بحال ثم رجع إلى هذا الذي ذكره عنه وعن ~~مالك وسعيد بن المسيب من أنه إذا تيمم وصلى ثم وجد الماء أنه يغتسل. # فصل # وإن كان التيمم عند مالك وأصحابه لا يرفع الحدث جملة فإنه يستباح به ~~عندهم ما يستباح بالوضوء والغسل من صلاة الفرائض والنوافل وقراءة القرآن ~~نظرا وظاهرا وسجود التلاوة وما أشبه ذلك مما تمنعه الجنابة أو الحدث الذي ~~ينقض الوضوء. ومن أهل العلم من ذهب إلى أنه لا يستباح به نافلة، منهم عبد ~~العزيز بن أبي سلمة. فمن ذهب إلى أن التيمم يرفع الحدثين جميعا فهو عنده ~~بدل من الوضوء والغسل حقيقة. ومن رأى أنه يرفع الحدث الأصغر ولا يرفع الحدث ~~الأكبر فهو عنده بدل من الوضوء حقيقة. ومن رأى أنه لا يرفع الحدثين ولا ~~أحدهما ولا يستباح به إلا الفرائض فليس هو عنده بدلا منهما ولا من أحدهما ~~وإنما هو استباحة للصلاة خاصة خوف فوات الوقت. وأما على مذهب من يرى أنه ~~يستباح به جميع ما يمنع منه الحدث دون أن يرفعه، فقيل إنه استباحة لفعل ما ~~يمنع منه الحدث وليس ببدل من الطهارة بالماء إذ لا يرفع الحدث كما ترفعه ~~الطهارة، وقيل إنه بدل منهما وإن كان لا يرفع الحدث، وهو الأظهر. ودليله أن ~~تقول إن الأصل كان في الطهارة بالماء والتيمم عند عدمه وجوبهما لكل صلاة ~~بظاهر قول الله سبحانه وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم} [المائدة: 6] الآية فخصصت السنة من ذلك الطهارة بالماء، ~~وهي صلاة النبي - عليه الصلاة والسلام - يوم فتح مكة الصلوات بوضوء واحد، ~~وبقي التيمم على أصله إذ لا يقوى البدل قوة المبدل منه. # فصل # فإذا قلنا إنه يستباح ms0089 به ما لا يجوز فعله إلا بطهارة الماء فإن الذي ~~يستباح به # PageV01P117 # على ضربين: أحدهما عبادة مؤقتة بوقت، والثاني عبادة غير مؤقتة بوقت. فأما ~~العبادة المؤقتة بوقت فإن التيمم لها لا يصح إلا بعد دخول وقتها، ولصحته ~~بعد دخول وقتها شرائط متفق عليها ومختلف فيها. فأما المتفق عليها فهي عدم ~~الماء أو عدم القدرة على الوصول إليه في السفر والمرض مع طلبه عند عدمه أو ~~طلب القدرة على الوصول إليه عند عدمها. وأما المختلف فيها فهي عدم الماء في ~~الحضر أو عدم القدرة على استعماله لمرض مع طلبه أيضا عند عدمه أو طلب ~~القدرة على استعماله. وطلب الماء عند عدمه إنما يجب مع اتساع الوقت لطلبه، ~~والذي يلزم منه ما جرت العادة به من طلبه في رحله أو سؤال من يليه ممن يرجو ~~وجوده عنده ولا يخشى أن يمنعه إياه، أو العدول إليه عن طريقه إن كان مسافرا ~~على قدر ما يمكنه من غير مشقة تلحقه مع الأمن على نفسه. ولا حد في ذلك ~~يقتصر عليه لاختلاف أحوال الناس، وقالوا في الميلين إنه كثير، وفي الميل ~~ونصف الميل مع الأمن إنه يسير، وذلك للراكب والراجل القوي القادر. وعدم ~~القدرة على استعماله هو مثل أن يخشى من استعماله الموت أو المرض أو زيادة ~~فيه إن كان مريضا. قال أبو الحسن القابسى مثل أن يخشى أن تصيبه نزلة أو ~~حمى، وقال الشافعي لا يجوز له التيمم مع وجود الماء إلا أن يخاف تلف نفسه ~~باستعماله. # فصل # فإذا قلنا إن ذلك شرط في صحة التيمم فهل ذلك شرط في صحة التيمم لكل ~~صلاة عند القيام إليها؟ أو في صحته لما اتصل به من الصلوات عند القيام لها؟ ~~أو في صحة التيمم على الإطلاق؟ في ذلك بين أهل العلم اختلاف. أما من ذهب ~~إلى ما حكيناه من أن الأصل كان إيجاب الوضوء لكل صلاة أو التيمم عند عدم ~~الماء أو عدم القدرة على استعماله بظاهر قول الله عز وجل: {يا أيها الذين ~~آمنوا إذا ms0090 قمتم إلى الصلاة} [المائدة: 6] الآية وأن السنة خصصت من ذلك ~~الوضوء وبقي التيمم على الأصل، فلا يصح عنده صلاتان بتيمم واحد وإن اتصلتا ~~ونواه لهما، ولا صلاة بتيمم نواه لغيرها، ولا صلاة بتيمم نواه لها إذا صلى ~~به غيرها أو تراخى عن الصلاة به اشتغالا بما سواها. ويجيء على مذهبه أن طلب ~~الماء أو طلب القدرة على استعماله شرط في صحة # PageV01P118 # التيمم لكل صلاة عند القيام إليها، فإن صلى صلاتين بتيمم واحد أو صلاة ~~بتيمم نواه لغيرها أو لها فصلى به غيرها أو تراخى عن الصلاة به وجبت عليه ~~الإعادة في الوقت وغيره، وهو ظاهر ما في المدونة ونص رواية مطرف وابن ~~الماجشون عن مالك. ومن لم يوجب عليه الإعادة إلا في الوقت أو فرق بين ~~المشتركتين من غير المشتركتين أو بين أن يتيمم لنافلة فيصلي [به فريضة وبين ~~أن يتيمم لفريضة فيصلي قبلها نافلة] فلم يجر في ذلك على أصل، وإنما ذهب في ~~ذلك إلى مراعاة الخلاف. وكان يلزم على قياس هذا القول أن لا يصلي نافلة ~~بتيمم مكتوبة لا قبلها ولا بعدها وإن اتصلت بها، ولا نافلتين بتيمم واحد، ~~إلا أنه أباح ذلك مراعاة لقول من يرى أن التيمم إذا صح على شروطه يرفع ~~الحدث كالوضوء بالماء، ولقول من يرى أن الطلب لا يتعين على عادم الماء إلا ~~مرة ثم لا يتكرر عليه وجوبه، وأن التيمم إذا صح على شروطه كان على طهارة ما ~~لم يحدث أو يجد الماء من غير أن يطلبه، إذ لا يتكرر عليه وجوب طلبه إلى ~~مذهبه، أو يعلم أنه يقدر على مس الماء إن كان تيممه لعدم القدرة على ~~استعماله. فعلى قول هؤلاء جميعا يكون طلب الماء أو طلب القدرة على استعماله ~~شرطا في صحة التيمم على الإطلاق، وإن كان ينتقض في قول بعضهم بوجود الماء، ~~ولا ينتقض في قول بعضهم إلا بالحدث على ما بيناه. # ويجري على رواية أبي الفرج في ذاكر الصلوات أنه يصليها بتيمم واحد أن طلب ~~الماء أو طلب ms0091 القدرة على استعماله شرط في صحة التيمم لما اتصل من الصلوات ~~التي نواها عند القيام لها. وإذا قلنا إن رواية أبي الفرج هذه مبنية على ~~هذا الأصل فيلزم عليها إجازة الصلوات المكتوبات والنوافل بتيمم واحد إذا ~~اتصلت وكان تيممه لها كلها، تقدمت النوافل أو تأخرت. ولا يجوز له أن يصلي ~~بتيمم واحد من النوافل إلا ما نواه أيضا بتيممه أو اتصل عمله. ولا يجوز له ~~أن يصلي بتيممه لمكتوبة نافلة لم ينوها وإن اتصلت بالمكتوبة. # PageV01P119 # فإن قائل قائل: لا اختلاف في المذهب في جواز صلاة النافلة بتيمم المكتوبة ~~إذا اتصلت بها. # قيل له: إن أجاز ذلك على هذه الرواية فليس على أصله فيها، وإنما هو ~~مراعاة للاختلاف في الأصل وقد ذكرناه. # فصل # فيتحصل من هذا أن في وجوب تكرار الطلب قولين: أحدهما أنه لا يتكرر، ~~والثاني أنه يتكرر. وإذا قلنا إنه لا يتكرر فهل يجب الوضوء بوجود الماء أم ~~لا؟ في ذلك قولان: أحدهما أنه يجب، والثاني أنه لا يجب. وإذا قلنا إنه ~~يتكرر، فهل يتكرر لكل صلاة عند القيام إليها؟ أو لا يتكرر إلا عند التراخي ~~عنها بالاشتغال بما سواها؟ في ذلك قولان أيضا. # فصل # وأما دخول الوقت فإنه مراعى في المشهور من المذهب. وقال ابن شعبان من ~~أصحابنا ليس بشرط في صحة التيمم. والدليل على صحة مذهب مالك أن الله تعالى ~~أوجبه عند القيام للصلاة، ولا يكون القيام لها إلا عند دخول وقتها. # فصل # والدليل على صحة اشتراط الطلب قول الله عز وجل: {فلم تجدوا ماء ~~فتيمموا صعيدا طيبا} [المائدة: 6] ولا يصح أن يكون غير واجد للماء إلا بعد ~~أن يطلبه. # فصل # وأما العبادات التي هي غير مؤقتة فيستباح في كل وقت ما اتصل منها ~~بالتيمم على الشرائط التي ذكرناها فيما له وقت بعد دخول الوقت. # PageV01P120 # فصل # والعادمون للماء على ثلاثة أضرب: أحدها أن يعلم أنه لا يقدر على ~~الماء في الوقت أو يغلب ذلك على ظنه. والثاني أن يشك في الأمر. والثالث أن ~~يعلم أنه يقدر على ms0092 الماء في آخر الوقت أو يغلب ذلك على ظنه. # فأما الضرب الأول فإنه يستحب له التيمم والصلاة في أول الوقت ليحوز فضيلة ~~أول الوقت إذ قد فاتته فضيلة الماء، وهذا حكم الذي لا يقدر على مس الماء. # وأما الوجه الثاني فيتيمم في وسط الوقت. ومعنى ذلك أن يتيمم من الوقت في ~~آخر ما يقع عليه اسم أول الوقت؛ لأنه يؤخر الصلاة رجاء إدراك فضيلة الماء ~~ما لم يخف فوات فضيلة أول الوقت، فإذا خاف فواتها تيمم وصلى لئلا تفوته ~~فضيلة أول الوقت ثم لا يدرك الماء فتفوته الفضيلتان. # وأما الوجه الثالث، فإنه يؤخر الصلاة إلى أن يدرك الماء في آخره لأن ~~فضيلة الماء أعظم من فضيلة أول الوقت؛ لأن فضيلة أول الوقت مختلف فيها، ~~وفضيلة الماء متفق عليها. ففضيلة أول الوقت يجوز تركها دون ضرورة، ولا يجوز ~~ترك فضيلة الماء إلا لضرورة، والله سبحانه وتعالى أعلم. ويريد في المدونة ~~بقوله آخر الوقت ووسطه آخر الوقت المختار [ووسط الوقت المختار] خلاف ما ذهب ~~إليه ابن حبيب والله الموفق. # PageV01P121 ### | القول في الحيض والاستحاضة وأحكامهما # قال الله عز وجل: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في ~~المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن} [البقرة: 222] وفي سبب سؤالهم الني - عليه ~~الصلاة والسلام - عن محيض النساء وكيفية اعتزالهن فيه بين أهل العلم ~~اختلاف. ### || فصل في ذكر الاختلاف في السبب الباعث لهم على ذلك # فأما سبب سؤالهم النبي - عليه الصلاة والسلام - عن المحيض فقيل إنما كان ~~ذلك لأنهم كانوا قبل بيان الله لهم لا يساكنون حائضا ولا يؤاكلونها ولا ~~يشاربونها، كما كانت اليهود تفعل، فعرفهم الله تعالى بهذه الآية أن الذي ~~بهن في الدم لا يبلغ أن تحرم به مجامعتهن في البيوت ولامؤاكلتهن ومشاربتهن ~~بقوله: {قل هو أذى} [البقرة: 222] لأن الأذى لا يعبر به إلا عن المكروه ~~الذي ليس بشديد. قال الله عز وجل: {لن يضروكم إلا أذى} [آل عمران: 111] ، ~~وقال: {إن كان بكم أذى من مطر} [النساء: 102] وأعلمهم أن الذي عليهم في ~~أيام حيض نسائهم ms0093 تجنب جماعهن لا غير. والدليل على ذلك من الآية قوله تعالى: ~~{فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله} [البقرة: 222] أي فجامعوهن # PageV01P122 # في موضع جماعهن. فدل ذلك على أنه إنما نهى في حال الحيض عما نص على ~~إباحته بعد الطهر وهو الجماع في موضع الجماع لا غير. وقيل إنما سألوه عن ~~ذلك لأنهم كانوا يجتنبون النساء في المحيض ويأتونهن في أدبارهن، فلما سألوه ~~- صلى الله عليه وسلم - عن ذلك أنزل الله تعالى: {ويسألونك عن المحيض قل هو ~~أذى} [البقرة: 222] إلى قوله {فأتوهن من حيث أمركم الله} [البقرة: 222] أي ~~في الفرج لا تعدوه، وهو أظهر من القول الأول وأبين في المعنى. ### || فصل في ذكر الاعتزال المأمور به في الآية # فصل # في ذكر الاختلاف في كيفية الاعتزال المأمور به في الآية # وأما كيفية اعتزال النساء في الحيض المأمور به في الآية ففيه لأهل العلم ~~ثلاثة أقوال: # أحدها اعتزال جميع بدنها أن يباشره بشيء من بدنه على ظاهر قول الله عز ~~وجل؛ لأنه أمر باعتزالهن عموما ولم يخص منهن شيئا دون شيء. وهذا إنما ذهب ~~إليه من اتبع ظاهر القرآن وجهل ما ورد في ذلك عن النبي - عليه الصلاة ~~والسلام - من الآثار. # والثاني إباحة مباشرة ما فوق الإزار على ما وردت به الآثار، وعلى هذا ~~جمهور فقهاء الأمصار. وهو مذهب مالك وجمهور أصحابه المتقدمين والمتأخرين من ~~البغداديين. # والثالث إباحة كل شيء منها ما عدا الفرج على ظاهر ما روي عن عائشة - رضي ~~الله تعالى عنها - أنها قالت لمن سألها عن ذلك: كل شيء لك منها حلال، ما ~~عدا الفرج. وإلى هذا ذهب أصبغ فقال: إنما أمرت أن تشد عليها إزارها لئلا ~~يصيبه شيء من دمها في مضاجعته إياها، وجعل النهي الوارد عن مباشرتها فيما ~~دون الإزار من باب حماية الذرائع لئلا يجامعها في الفرج. # PageV01P123 ### || فصل في تقسيم ما تراه المرأة من الدم # فصل # في تقسيم ما تراه المرأة من الدم # والدم الذي تراه المرأة ينقسم على ثلاثة أقسام: دم حيض، ودم استحاضة، ~~ويسمونه دم ms0094 علة وفساد، ودم نفاس. # فأما دم الحيض فهو الدم الخارج من الفرج على عادة الحيض من غير علة ولا ~~نفاس، وهو شيء كتبه الله على بنات آدم وجعله حفظا للأنساب وعلما لبراءة ~~الأرحام. وقد قيل إن أول ما أرسل الحيض على بني إسرائيل. والأول من جهة ~~المعنى أظهر، والثاني من جهة النقل أصح. # وأما دم النفاس فهو الدم الخارج من الفرج على العادة عند النفاس، ويوجب ~~ما يوجبه الحيض ويمنع ما يمنع منه الحيض. # وأما دم الاستحاضة فهو ما زاد على دم الحيض والنفاس، وهو دم علة وفساد، ~~فلا حكم له على طريق الوجوب. والذي يستحب للمستحاضة على مذهب مالك وأصحابه ~~أن تتوضأ لكل صلاة. وقد استحب بعض العلماء لزوجها أن لا يطأها، واستحب لها ~~بعضهم أن تغتسل من ظهر إلى ظهر وفي البخاري عن أم حبيبة أنها كانت تغتسل ~~لكل صلاة، وليس في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرها بذلك، ~~فلعلها تبرعت بذلك احتياطا. وقال الخطابي ليس كل مستحاضة يجب عليها الغسل ~~لكل صلاة، وإنما يجب ذلك على التي تسمى المتحيرة وهي التي لا تميز الدم ولا ~~كانت لها أيام معلومة أو كان فنسيتها ولا تعرف عددها، فهذه يجب عليها الغسل ~~لكل صلاة لإمكان أن يكون ذلك الوقت قد صادف وقت انقطاع دم الحيض. ومن هذه ~~حالها من النساء فلا يطؤها زوجها وتصوم رمضان مع الناس وتقضيه بعد ذلك ~~لتحيط علما أن قد استوفت عدد الثلاثين يوما في وقت كان لها أن تصوم فيه، ~~وإن كانت حاجة طافت طوافين بينهما خمسة عشر يوما لتكون على يقين # PageV01P124 # من حصول أحد الطوافين في وقت يصح لها فيه، وهذا ليس على المذهب، وفيه ~~نظر. # فصل # فلا يتبين دم الاستحاضة من دم الحيض والنفاس إلا بمعرفة أكثر دم ~~الحيض والنفاس، وهو يزيد وينقص، قال الله تعالى: {الله يعلم ما تحمل كل ~~أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد} [الرعد: 8] فأخبر بنقصان ذلك وزيادته. # فصل # ودم الحيض إنما هو دم يتحادر من أعماق ms0095 الجسم إلى الرحم فيجمعه الرحم ~~طول مدة الطهر، ومن ذلك سمي الطهر قرءا من قولهم قريت الماء في الحوض إذا ~~جمعته فيه. قال الله عز وجل: {إن علينا جمعه وقرآنه} [القيامة: 17] وقال ~~الشاعر: # ذراعي حرة أدماء بكر ... هجان اللون لم تقرأ جنينا # أي لم تجمع في بطنها جنينا، ثم تدفعه في أيام الحيض، فقد تدفعه دفعا ~~متواليا متصلا، وقد تدفعه متقطعا شيئا بعد شيء. فإذا كان بين الدمين من ~~الأيام أيام يسيرة لا تكون طهرا فاصلا بين حيضتين علم أن الدم الثاني [من ~~الدم الأول وأنها حيضة واحدة تقطعت، وإن كان بينهما أيام كثيرة تكون طهرا ~~فاصلا علم أن الدم الثاني] ليس من الدم الأول وأنه حيضة ثانية مما تحادر ~~إلى الرحم وجمعته في هذا الطهر الذي قبله. ### || فصل في مقادير أقل الطهر وأكثر الحيض والنفاس وأقلهما # فصل # في مقادير أقل الطهر وأكثر الحيض والنفاس وأقلهما والذي يحتاج إلى تفصيله ~~في هذا الباب معرفة أقل الطهر ليعلم بذلك الفصل بين الحيضتين وأقل الحيض ~~الذي [يكون حيضة] تعتد به المرأة في # PageV01P125 # الطلاق، وأكثر الحيض والنفاس ليعلم بذلك الفصل بينه وبين دم الاستحاضة. ~~وأما أكثر الطهر فلا حد له لأن المرأة ما دامت طاهرة تصلي وتصوم ويأتيها ~~زوجها طال زمان ذلك أو قصر. فأما أقل الطهر فاختلف فيه على أربعة أقوال: # أحدها قول ابن الماجشون وروايته عن مالك أن أقله خمسة أيام، فكلما قل ~~الطهر كثر الحيض، وكلما قل الحيض كثر الطهر. وهو قول ضعيف لأنه يقتضي أن ~~المرأة قد تحيض أكثر من نصف دهرها وذلك يرده الأثر. # والثاني قول سحنون وهو دليل المدونة على ما تأوله ابن أبي زيد إن أقله ~~ثمانية أيام. # والثالث رواية التونسي عن مالك ورواية أصبغ عن ابن القاسم أن أقله عشرة ~~أيام. # والرابع قول محمد بن مسلمة أن أقله خمسة عشر يوما. وهذا القول الرابع له ~~حظ من القياس، وهو أن الله تبارك وتعالى جعل عدة الحرائر ذوات الأقراء في ~~الطلاق ثلاثة قروء فقال: {والمطلقات يتربصن ms0096 بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: ~~228] وجعل عدة اليائسة من المحيض ثلاثة أشهر فقال: {واللائي يئسن من المحيض ~~من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن} [الطلاق: 4] فجعل ~~بإزاء كل شهر طهرا وحيضا، فلا يخلو ذلك من أربعة أقسام: أحدها أن يكون أكثر ~~الحيض وأكثر الطهر. والثاني أن يكون أقل الطهر وأقل الحيض. والثالث أن يكون ~~أكثر الطهر وأقل الحيض. والرابع أن يكون أقل الطهر وأكثر الحيض. فأكثر ~~الطهر وأكثر الحيض أو أقل الطهر وأقل الحيض لا يصح؛ لأن الطهر لا حد ~~لأكثره، وأقل الطهر وأقل الحيض لا يصح؛ لأن أقل الطهر أكثر ما قيل فيه خمسة ~~عشر يوما، وأقل الحيض أكثر ما قيل فيه خمسة أيام، فيبقى من الشهر عشرة ~~أيام. فإذا بطلت هذه الثلاثة الأقسام لم يبق إلا القسم الرابع وهو أن يكون ~~بإزاء الشهر أقل الطهر وأكثر # PageV01P126 # الحيض باتفاق خمسة عشر يوما، فإذا نقصتها من الشهر بقي منه أقل الطهر ~~وذلك خمسة عشر يوما. وأما سائر الأقاويل فلا حظ لها في القياس وإنما أخذت ~~من عادة النساء؛ لأن كل ما وجب تحديده في الشرع ولم يرد به نص لزم الرجوع ~~فيه إلى العادة، كنفقة الزوجات وشبه ذلك. وقد حكى أحمد بن المعدل عن ابن ~~الماجشون أنه وجد من النساء مت يكون طهرها خمسة أيام وعرف ذلك بالتجربة من ~~جماعة النساء. # وأما أكثر الحيض فخمسة عشر يوما. والأصل في ذلك ما روي «عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه خطب النساء فقال: إنكن ناقصات عقل ودين فقالت امرأة ~~منهن ما نقصان عقلنا وديننا يا رسول الله فقال إن إحداكن تمكث نصف عمرها أو ~~شطر عمرها لا تصلي فذلك نقصان دينكن» . فساوى - صلى الله عليه وسلم - بين ~~ما تصلي فيه وبين ما لا تصلي فيه فجعلا شطرين، وذلك يقتضي أن لا يكون الحيض ~~أكثر من خمسة عشر يوما كل شهر؛ لأن الحديث خرج مخرج الذم لهن، فدل على أنه ~~إنما قصد إلى ذكر أقصى ما يتركن الصلاة فيه بسبب ms0097 الحيض. # هذا قول مالك وأصل مذهبه. وقد قال إن المرأة إذا تمادى بها الدم استظهرت ~~بثلاثة أيام على أكثر أيامها ثم اغتسلت وصلت وصامت، ولم يبين إن كان يطؤها ~~زوجها فيما بينها وبين الخمسة عشر يوما ويكون حكمها حكم المستحاضة أم لا. ~~واختلفت تأويلات أصحابنا عليه في ذلك. فمنهم من قال إن اغتسالها بعد ~~الاستظهار استحسان واحتياط للصلاة، ولا يطؤها زوجها حتى تتم خمسة عشر يوما ~~فتطهر طهرا آخر واجبا، وهو دليل رواية ابن وهب عن مالك قوله فرأيت أن أحتاط ~~لها فتصلي وليس ذلك عليها أحب إلي من أن تترك الصلاة وهي عليها. فإذا بنى ~~قوله على الاحتياط فمن الاحتياط ترك وطئها قبل الخمسة عشر يوما وإيجاب ~~الغسل عليها إذا أكملت الخمسة عشر يوما وقضاء الصيام. ومنهم من ذهب إلى ~~أنها إذا اغتسلت وصلت وصامت أجزأها صومها ووطئها زوجها وكان حكمها حكم ~~المستحاضة، فلا يجب عليها غسل عند تمام الخمسة عشر يوما إلا # PageV01P127 # استحسانا، وهو دليل ما في كتاب الحج الثالث من قوله في الحائض في الحج إن ~~الكري يحبس عليها أقصى ما يمسكها الدم والاستظهار، فدل أنها تطوف بعد ~~الاستظهار كالمستحاضة، وإن كان ابن أبي زيد قد تأول أن الكراء يفشى بينها ~~وبين الكري إن تمادى بها الدم بعد الاستظهار وهو بعيد. فعلى هذا التأويل في ~~أكثر الحيض لمالك قولان: أحدهما أكثره خمسة عشر يوما. والثاني أن أكثر حيض ~~كل امرأة أيامها المعتادة مع الاستظهار ما بينها وبين خمسة عشر يوما. وأبو ~~حنيفة يرى أن أكثر الحيض عشرة أيام، وهو قول لا يعضده أثر ولا يوجبه نظر. # وأما أقل الحيض فاختلف فيه على ستة أقوال: # أحدها ألا حد له من الأيام، وأن الدفعة واللمعة حيض. فإن كان قبله طهر ~~فاصل وبعده طهر فاصل كان حيضة تعتد به المطلقة في أقرائها، وإن لم يكن قبله ~~طهر فاصل لم يكن حيضة وكان حيضا مضافا إلى الدم الذي قبله. وإن كان قبله ~~طهر فاصل ولم يكن بعده طهر فاصل لم يكن ms0098 حيضة أيضا وكان مضافا إلى ما بعده ~~من الدم. هذا مذهب مالك. # والثاني أن أقل الحيض ثلاثة أيام في العدة والاستبراء، وما دونه يكون ~~حيضا يمنع الوطء ويمنع الصيام من غير أن يسقط وجوبه، ويمنع الصلاة ويسقط ~~وجوبها، وهو قول ابن مسلمة. # والثالث أن أقل الحيض خمسة أيام، يريد في العدة والاستبراء، فلا اختلاف ~~في المذهب أن ما تراه المرأة من الدم في وقت يصح فيه الحيض منها يكون حيضا ~~يمنع الوطء والصيام والصلاة ويسقط وجوب الصلاة. وإنما الاختلاف فيه إذا كان ~~أقل من ثلاثة أيام وخمسة أيام هل يكون حيضة يعتد بها في الطلاق على ما ~~بيناه. والرابع مذهب أهل العراق أن أقل الحيض ثلاثة أيام وما دون الثلاثة ~~الأيام لا يحكم لها بحكم الحيض فتقضي المرأة صلاة تلك الأيام. # والخامس مذهب الشافعي أن أقل الحيض يوم وليلة. وروي عن علي بن # PageV01P128 # أبي طالب أن أقل الحيض يومان، وهذا كله بعيد؛ لأن الله تبارك وتعالى ~~يقول: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض} [البقرة: ~~222] فلو كان لا يعلم كون الدم حيضا قبل تقضي وقته ثلاثة أيام أو يوم وليلة ~~لكان الأمر باعتزالهن مشروطا بما لا طريق إلى العلم بحصوله إلا بعد تقضيه، ~~وذلك باطل. # فصل # وأما النفاس فلا حد لأقله عندنا وعند أكثر الفقهاء، وذهب أبو يوسف ~~إلى أن أقل النفاس خمسة عشر يوما فرقا بينه وبين أكثر الحيض، وأما أكثره ~~فاختلف قول مالك فيه، فقال مرة ستون يوما، وقال مرة يسأل النساء عن ذلك ~~[ولم يحد له حدا، وقال ابن الماجشون: لا يسأل النساء عن ذلك اليوم] ؛ ~~لتقاصر أعمالهن وقلة معرفتهن، وقد سئل النساء عن ذلك قديما فقلن أقصاه من ~~الستين إلى السبعين، والاقتصار على الستين أحسن، وهو مذهب الشافعي، وقال ~~أبو حنيفة: أكثره أربعون يوما، وقد قيل إنه إجماع من الصحابة، وذكر عن ~~الحسن أن أكثره خمسون يوما. ### || فصل وأما الاستحاضة فلا حد لأكثرها ولا لأقلها عند الجميع، وبالله ~~التوفيق. # فصل فيما تراه المرأة ms0099 من الدم على اختلاف أحوالها وما تراه المرأة من ~~الدم محمول على أنه دم حيض ومحكوم له بحكمه حتى يعلم أنه ليس دم حيض؛ بأن ~~تراه المرأة في مدة الاستحاضة أو في حال لا يشبه أن يكون حيضا من صغر أو ~~كبر. وبيان هذه الجملة أن النساء الواجدات للدم خمس: طفلة صغيرة لا يشبه أن ~~تحيض، ويفعة مراهقة يشبه أن تحيض، [وبالغة في سن من تحيض، ومسنة يشبه ألا ~~تحيض، وعجوز لا يشبه أن تحيض] . # PageV01P129 # فأما الطفلة الصغيرة فما رأت من الدم حكم له بأنه دم علة وفساد؛ لانتفاء ~~الحيض مع الصغر، وليس لها حد من السن إلا ما يقطع النساء أن مثلها لا تحيض. # وأما اليفعة التي تشبه أن تحيض فما رأت من الدم حكم له بأنه حيض وكان ذلك ~~دلالة على البلوغ. # وأما البالغة فما رأت من الدم حكم له بأنه حيض إلا أن تراه في مدة ~~الاستحاضة، وذلك أن ترى الدم خمسة عشر يوما ثم ينقطع ثم يعود بعد يومين أو ~~ثلاثة قبل مضي أقل مدة الطهر فهذا دم استحاضة، إذ لا يمكن أن يضاف إلى ~~الحيضة المتقدمة ولا أن يجعل حيضة مستأنفة، إذ لا فاصل بينهما من الأيام. # وأما المسنة التي يشبه أن لا تحيض فما رأت من الدم حكم له بحكم الحيض؛ ~~لأن الله تعالى قال: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى} [البقرة: 222] فأخبر ~~أن المحيض هو الأذى الخارج من الفرج، فإذا احتمل سن من وجد بها ذلك الأذى ~~أن تحيض حكم له بأنه دم حيض. # وأما العجوز التي لا يشبه أن تحيض فما رأت من الدم حكم له بأنه دم علة ~~وفساد؛ لانتفاء الحيض مع الكبر كما ينتفي مع الصغر، وليس لذلك أيضا حد من ~~السنين إلا ما يقطع النساء على أن مثلها لا تحيض. ألا ترى أن بنت سبعين ~~وبنت ثمانين لا تحيض. # فصل # فإن تمادى بالمرأة الدم المحكوم له بأنه دم حيض ففي ذلك ستة أقوال: ~~أحدها أنها تبقى أيامها المعتادة وتستظهر ms0100 بثلاثة أيام ثم تكون مستحاضة ~~تغتسل وتصلي وتصوم وتطوف إن كانت حاجة مباحة ويأتيها زوجها، ما لم تر دما ~~تنكره بعد مضي أقل مدة الطهر من يوم حكم باستحاضتها، وهو ظاهر رواية ابن ~~القاسم عن مالك في المدونة؛ لأنه قال في الحج: إن الكري لا يحبس عليها إلا ~~أيامها المعتادة # PageV01P130 # والاستظهار. فظاهر قوله أنها تطوف بعد الاستظهار وقبل تمام الخمسة عشر ~~يوما كالمستحاضة، وعلى هذه الرواية تغتسل عند تمام الخمسة عشر يوما ~~استحبابا لا إيجابا. # والقول الثاني: أنها تقعد أيامها المعتادة والاستظهار، ثم تغتسل ~~استحبابا، وتصلي احتياطا، وتصوم وتقضي الصيام، ولا يطؤها زوجها، ولا تطوف ~~طواف الإفاضة إن كانت حاجة، إلى تمام الخمسة عشر يوما. فإذا بلغت الخمسة ~~عشر يوما اغتسلت إيجابا، وكانت مستحاضة، وهذا دليل رواية ابن وهب عن مالك ~~في كتاب الوضوء من المدونة. # والقول الثالث: أنها تقعد إلى تمام الخمسة عشر يوما، ثم تغتسل وتصلي ~~وتكون مستحاضة. # والقول الرابع: أنها تقعد أيامها المعتادة، ثم تغتسل وتصلي وتكون مستحاضة ~~من غير استظهار، وهو قول محمد بن مسلمة. # والقول الخامس: أنها تقعد أيامها المعتادة، ثم تغتسل وتصلي وتصوم ولا ~~يأتيها زوجها، فإن انقطع عنها الدم ما بينها وبين خمسة عشر يوما علم أنها ~~حيضة انتقلت ولم يضرها ما صامت ولا ما صلت، يريد وتغتسل عند انقطاعه، وإن ~~تمادى بها الدم على خمسة عشر يوما علم أنها كانت مستحاضة، وأن ما مضى من ~~الصيام والصلاة في موضعه، ولم يضره امتناعه من الوطء هذا في المعتادة. # وأما المبتدأة أيضا ففيها خمسة أقوال كالمعتادة؛ لأن عادة لداتها في ~~الحيض تجعل كعادة لها، إلا أن ابن القاسم يقول في المبتدأة كقول محمد بن ~~مسلمة في المعتادة، فلا يرى أن تستظهر بثلاثة أيام، وروي عن نافع أنها ~~تستظهر بثلاثة أيام وإن زاد على خمسة عشر يوما، وهو شذوذ من القول، وهو ~~القول السادس. # PageV01P131 # واختلف إن اختلفت أيامها المعتادة فالمشهور أنها تستظهر على أثر أيامها، ~~وقال ابن حبيب: إنها تستظهر على أقل أيامها، وذهب ابن ms0101 لبابة إلى أنها تغتسل ~~عند أقل أيامها من غير استظهار وتكون مستحاضة، وهو خطأ صراح يرده القرآن ~~ويبطله الاعتبار. # فصل # والحيض قد تتصل أيامه وقد تتقطع على ما بيناه من أن الرحم يثج الدم ~~المجتمع فيه في مدة القرء ثجا متصلا، وقد يثجه شيئا بعد شيء، وقد مضى القول ~~في اتصاله، وأما انقطاعه فحكمه أن تلفق فيه أيام الدم وتلغي أيام الطهر، ~~فإذا اجتمع في أيام الدم أيامها المعتادة والاستظهار أو خمسة عشر يوما على ~~الاختلاف الذي قدمنا ذكره كانت مستحاضة، ولم تلتفت إلى الدم الذي تراه بعد ~~ذلك ما بينها وبين مضي أقل مدة الطهر من اليوم الذي حكم فيه باستحاضتها، ~~وتغتسل متى ما انقطع عنها وتصلي وتصوم، وتعد اليوم الذي ترى الدم في بعضه ~~من أيام الدم لا من أيام الطهر، وإن لم تر الدم فيه إلا ساعة أو لمعة، ولا ~~تلفق أيام الطهر في مذهب مالك وأصحابه، حاشى محمد بن مسلمة فإنه ذهب إلى ~~أنها تلفق أيام الدم وأيام الطهر، فتكون في أيام الدم حائضا وفي أيام الطهر ~~طاهرا أبدا إن ساوت أيام الدم أيام الطهر أو كانت أقل منها، مثل أن تحيض ~~يوما وتطهر يوما، أو تحيض يومين وتطهر يومين، وأما إن كانت تحيض يومين ~~وتطهر يوما، فتلفق أيام الدم وتلغي أيام الطهر وتكون مستحاضة إذا اجتمع من ~~أيام الدم أيامها المعتادة؛ لأنه لا يقول بالاستظهار على ما قدمناه عنه، ~~وكذلك الحكم في النفاس إذا تقطع دمه ولم يتصل، أعني أنها تلفق أيام الدم ~~وتلغي أيام الطهر حتى تبلغ أقصى مدة النفاس على الاختلاف في حد ذلك، ثم ~~تكون مستحاضة إن زاد الدم على ذلك الأكثر، إذ لا استظهار فيه كالحيض الذي ~~هو جار على عادة وله أيام معتادة ولا يساويه في المدة. وانظر هل يصح أن ~~تلفق فيه أيام الطهر على مذهب ابن مسلمة، ولا يبعد ذلك عندي. # PageV01P132 # فصل # ودم الحيض دم أسود غليظ، ودم الاستحاضة دم أحمر رقيق، يدل على ذلك ~~قول رسول الله ms0102 - صلى الله عليه وسلم -: «إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا ~~أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فإذا ذهب قدرها فاغسلي الدم عنك وصلي» . # فصل # والصفرة والكدرة محكوم لهما بحكم الدم، فإن وجدتا في أيام الحيض ~~كانتا حيضا، وإن وجدتا في أيام النفاس كانتا نفاسا، وإن وجدتا في أيام ~~الاستحاضة كانتا استحاضة. هذا قولنا وقول الشافعي وأبي حنيفة، وحكى الطحاوي ~~عن أبي يوسف أنه لا يكون حيضا إلا أن يتقدمه الدم يوما وليلة، وهو دليل قول ~~ابن شهاب في المدونة، ولا تصلي المرأة ما دامت ترى من الترية شيئا إذا كانت ~~الترية عند الحيضة أو الحمل، وحكي عن بعض الفقهاء أنه لا يكون حيضا إلا أن ~~يوجد في الأيام المعتادة، فإن وجدته المبتدأة أو المعتادة بعد انقضاء أيام ~~عدتها أو في غير أيام العادة بعد مضي أقل أيام الطهر لم يكن حيضا، بخلاف ~~الدم لو وجد في هذه المواضع، والدليل على صحة قولنا وفساد هذا القول: ما ~~روي أن النساء كن يبعثن إلى عائشة - رضي الله تعالى عنها - بالدرجة فيها ~~الكرسف فيه الصفرة من دم الحيض فتقول لهن لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء. # فصل # وللطهر علامتان: الجفوف والقصة البيضاء. وقد اختلف أيهما أبرأ. فعند # PageV01P133 # ابن القاسم أن القصة البيضاء أبرأ، فإن كانت ممن تراها فلا تغتسل بالجفوف ~~حتى تراها إلا أن يطول ذلك بها، وقال ابن عبد الحكم: إن الجفوف أبرأ فلا ~~تغتسل إذا رأت القصة البيضاء حتى ترى الجفوف إلا أن يطول ذلك بها، وحكي ابن ~~حبيب عن ابن القاسم ومطرف في المبتدأة أن لا تغتسل حتى ترى الجفوف، ثم تعمل ~~بعد على ما يظهر من أمرها، ونقل عبد الوهاب في الشرح عنهما أنها إن رأت ~~الجفوف تطهرت به، ثم تراعى بعد ما يظهر من أمرها من جفوف أو قصة، وقال: إن ~~هذا هو القياس؛ لأنهما جميعا علامتان، فأيهما وجدت قامت مقام الأخرى، ولا ~~فرق بين المبتدأة وغيرها في ذلك، ونقله أصح في المعنى وأبين في النظر مما ~~حكى ابن حبيب ms0103 عنهما؛ لأنه كلام متناقض في ظاهره. # فصل # والحامل تحيض عندنا خلافا لأبي حنيفة والشافعي في أحد قوليه، ولنا ~~على ذلك أدلة كثيرة ليس هذا موضع ذكرها. فإن تمادى بها الدم ففي ذلك ثمانية ~~أقوال: # أحدها: أنها تبقى أيامها المعتادة من غير استظهار ثم تغتسل وتصلي. # والثاني: أنها تستظهر على أيامها المعتادة. # والثالث: أنها تبقى إلى خمسة عشر يوما. # والرابع: التفرقة بين أول الحمل وآخره، فتمسك عن الصلاة في أول الحمل ~~الخمسة عشر يوما ونحو ذلك، وفي آخره العشرين يوما ونحو ذلك. وقيل: [إنها ~~تمسك عن الصلاة في أول الحمل ما بين الخمسة عشر يوما إلى العشرين] ، وفي ~~آخره ما بين العشرين إلى الثلاثين، هو القول الخامس. # PageV01P134 # والسادس: أن تمسك عن الصلاة ضعف أيامها المعتادة. # والسابع: أنها إن أصابها ذلك في أول شهر من شهور الحمل أمسكت عن الصلاة ~~قدر أيامها المعتادة، وإن أصابها ذلك في الشهر الثاني تركت الصلاة ضعف ~~أيامها المعتادة، وإن أصابها ذلك في الشهر الثالث تركت الصلاة ثلاثة أمثال ~~أيامها المعتادة، وإن أصابها ذلك في الشهر الرابع تركت الصلاة أربعة أمثال ~~أيامها المعتادة، هكذا أبدا ما لم تجاوز أكثر مدة دم النفاس. # والثامن: تفرقة أشهب في الاستظهار بين أن تستريب من أول ما حملت أو لا ~~تستريب. وفي المسألة قول تاسع حكاه ابن لبابة، وهو أن تترك الصلاة عدد ~~الأيام التي كانت تحيضهن من أول الحمل ما بلغت، من رواية أصبغ عن مالك من ~~الثمانية. # فصل # ودم الحيض والنفاس يمنع من خمسة عشر شيئا، العشرة الأشياء منها متفق ~~عليها، والخمسة مختلف فيها. # فأما العشرة المتفق عليها، فأحدها: رفع حكم الحدث من جهتهما، لا خلاف أن ~~التطهر منهما لا يرفع حكم الحدث ماداما متصلين وإنما يرفعه بعد انقطاعهما. ~~والثاني: وجوب الصلاة، لا خلاف أن الصلاة ساقطة عن الحائض والنفساء. ~~والثالث: صحة فعلهما، لا خلاف أن الحيض والنفاس لا يصح معهما فعل الصلاة. ~~والرابع: صحة فعل الصيام من غير إسقاط وجوبه، لا خلاف أن الحيض والنفاس لا ~~يصح معهما ms0104 الصيام. والخامس: مس المصحف، وفي ذلك اختلاف شاذ في غير المذهب. ~~والسادس: الوطء في الفرج، لا خلاف بين الأمة أن ذلك محظور في حال الحيض ~~والنفاس. والسابع: دخول المسجد، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ~~أحل المسجد لحائض ولا جنب» . والثامن: الطواف # PageV01P135 # بالبيت. والتاسع: الاعتكاف. والعاشر: منع صلاة ما عدا الصلوات الخمس من ~~السنن والفضائل والنوافل. # والخمسة المختلف فيها: أحدها: الوطء فيما دون الفرج أباحه أصبغ من ~~أصحابنا وجعل ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قوله: «لتشد عليها ~~إزارها ثم شأنه بأعلاها» من باب حماية الذرائع. والثاني: قراءة القرآن ~~ظاهرا اختلف فيه قول مالك. والثالث: رفع الحدث من غيرهما، قيل إنهما ~~يمنعانه فلا يكون للمرأة إذا أجنبت ثم حاضت أن ترفع حكم الجنابة عنها ~~بالاغتسال لتقرأ القرآن ظاهرا. وقيل إن حكم الجنابة مرتفع مع الحيض، فيكون ~~لها أن تقرأ القرآن ظاهرا وإن لم تغتسل للجنابة وهو الصواب. وقيل إنهما لا ~~يمنعانه فيكون لها إذا أجنبت ثم حاضت أن ترفع حدث الجنابة بالغسل فتقرأ ~~القرآن ظاهرا لبقاء حدث الحيضة عليها خاصة. فيأتي في المرأة تجنب ثم تحيض ~~ثلاثة أقوال: أحدها: أن لها أن تقرأ القرآن ظاهرا وإن لم تغتسل للجنابة. ~~والثاني: أنه ليس لها أن تقرأ القرآن ظاهرا وإن اغتسلت للجنابة. والثالث: ~~أنه ليس لها أن تقرأ القرآن ظاهرا إلا أن تغتسل للجنابة. والرابع: منع ~~وطئها إذا رأت النقاء قبل أن تغتسل بالماء. والخامس: منع استعمال فضل ~~مائها، اختلف في ذلك قول عبد الله بن عمر، فقال في أحد قوليه: لا بأس بفضل ~~المرأة ما لم تكن حائضا أو جنبا وبالله تعالى التوفيق. # PageV01P136 ### | كتاب الصلاة # ] [ ### || فصل في معرفة اشتقاق اسم الصلاة # بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا ومولانا محمد نبيه الكريم # وعلى آله وصحبه كتاب الصلاة فصل # في معرفة اشتقاق اسم الصلاة أصل الصلاة في اللغة: الدعاء. قال الله عز ~~وجل: {ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند ~~الله ms0105 وصلوات الرسول} [التوبة: 99] أي: دعاءه، وقال الله تبارك وتعالى: {خذ ~~من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم} [التوبة: 103] أي: ادع لهم ~~{إن صلاتك سكن لهم} [التوبة: 103] أي: إن دعواتك سكن لهم، فكان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - إذا جاء الناس بصدقاتهم يدعو لهم. «قال عبد الله ابن ~~أبي أوفى: فجئت مع أبي بصدقته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ~~اللهم صل على آل أبي أوفى» . وقال تعالى: {إن الله وملائكته يصلون على ~~النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} [الأحزاب: 56] فسميت ~~الصلاة بذلك لما فيها من الدعاء، إذ هي طاعة لله ووسيلة إليه، وموضع للرغبة ~~في مغفرته ورحمته ودخول جنته. ألا ترى أن # PageV01P137 # الصلاة على الميت لما كانت دعاء له سميت صلاة وإن لم يكن فيها ركوع ولا ~~سجود. قال الله عز وجل: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره} ~~[التوبة: 84] . وقد قيل: إن الصلاة مأخوذة من الصلوين وهما عرقان في الردف ~~ينحنيان في الركوع والسجود، ولذلك كتبت الصلاة في المصحف بالواو. وقيل: ~~إنها مأخوذة من قولهم صليت العود إذا قومته؛ لأن الصلاة تحمل الإنسان على ~~الاستقامة وتنهى عن المعصية. قال الله عز وجل: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء ~~والمنكر} [العنكبوت: 45] . وقيل: إنها مأخوذة من الصلة؛ لأنها تصل بين ~~العبد وبين خالقه، بمعنى أنها تدنيه من رحمته وتوصله إلى كرامته وجنته، ~~والأول هو المشهور المعروف أن الصلاة مأخوذة من الدعاء. # فصل فالصلاة في اللغة عبارة عن الدعاء، وهي في الشرع واقعة على دعاء ~~مخصوص في أوقات محدودة تقترن به أفعال مشروعة. # فصل وقد اختلف في قول الله عز وجل: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا ~~موقوتا} [النساء: 103] وما أشبه ذلك من ألفاظ الصلاة الواردة في القرآن. ~~فقيل: إنها مجملة لا يفهم المراد بها من لفظها وتفتقر في البيان إلى غيرها، ~~فلا يصح الاستدلال بها على صفة ما أوجبته، وهو ظاهر قول مالك في سماع ابن ~~القاسم من كتاب الحج، قوله: الحج ms0106 كله في كتاب الله، والصلاة والزكاة ليس ~~لها في كتاب الله بيان، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين ذلك وسن ذلك ~~في أخرى. وقد قيل: إنها عامة يصح الاستدلال بها على ذلك، ويجب حملها على ~~عمومها في كل ما تناوله الاسم من أنواع # PageV01P138 # الدعاء إلا أن الشرع قد خصها في نوع من الدعاء على وجه مخصوص تقترن به ~~أفعال مشروعة من قيام وجلوس وركوع وسجود وقراءة وما أشبه ذلك. # فصل فالصلاة من معالم الإسلام، وهي تنقسم على خمسة أقسام: منها فرض واجب ~~من فروض الأعيان، ومنها فرض على الكفاية، ومنها سنة، ومنها فضيلة، ومنها ~~نافلة. فأما الفرض المتعين على الأعيان فهي الصلوات الخمس أوجبها الله ~~تعالى على عباده وذكر فرضها في آيات متعددة من كتابه، وتوعد على إضاعتها، ~~وأمر بالمحافظة عليها، فقال الله عز وجل: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} ~~[البقرة: 43] ، وقال: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ~~ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة} [البينة: 5] ، وقال تعالى: {قد أفلح ~~المؤمنون} [المؤمنون: 1] {الذين هم في صلاتهم خاشعون} [المؤمنون: 2] ، وقال ~~تعالى: {أرأيت الذي ينهى} [العلق: 9] {عبدا إذا صلى} [العلق: 10] ، وقال ~~تعالى: {ما سلككم في سقر} [المدثر: 42] {قالوا لم نك من المصلين} [المدثر: ~~43] {ولم نك نطعم المسكين} [المدثر: 44] ، وقال تعالى: {إن الصلاة كانت على ~~المؤمنين كتابا موقوتا} [النساء: 103] ، وقال عز وجل: {أضاعوا الصلاة ~~واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا} [مريم: 59] ، وقال تعالى: {حافظوا على ~~الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين} [البقرة: 238] . # PageV01P139 # فصل وقد اختلف في الصلاة الوسطى: فقيل: إنها الصبح، وهذا مذهب مالك. ~~ودليله على ذلك أن قبلها صلاتين من الليل وبعدها صلاتين من النهار وهي ~~وسطهن منفردة بوقت لا يشاركها فيه غيرها من الصلوات. وأيضا فإنها صلاة ~~يضيعها الناس كثيرا لنومهم عنها وعجزهم عن القيام لها فخصت بالتأكيد لهذه ~~العلة. وقيل: إنها صلاة العصر، وهو قول أكثر الرواة، منهم الشافعي وأبو ~~حنيفة. وروي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال يوم الخندق: «شغلونا ~~عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بطونهم وقبورهم ms0107 نارا» أو كما قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وهي الصلاة التي فتن عنها نبي الله ~~سليمان - عليه السلام - حتى توارت الشمس بالحجاب. قال الله تبارك وتعالى: ~~{إنه أواب} [ص: 17] {إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد} [ص: 31] الآية ~~إلى قوله {فطفق مسحا بالسوق والأعناق} [ص: 33] وقال من ذهب إلى هذا في ~~قراءة عائشة وحفصة وصلاة العصر بالواو: إن المعنى في ذلك وهي صلاة العصر؛ ~~لقول الله عز وجل: {ولكن رسول الله وخاتم النبيين} [الأحزاب: 40] ، وقد روى ~~عنهما صلاة العصر بغير واو على البدل. وقد قيل: إنها الظهر، وهو قول لا ~~دليل لقائله، إلا أن يوجد في ذلك أثر عن النبي - عليه الصلاة والسلام - ~~فيرجع إليه. وما قيل من أنه إنما قيل لها وسطى؛ لأنها تصلى في وسط النهار ~~بعيد؛ لأن لفظ وسطى إنما يحتمل أحد معنيين: إما متوسطة بين أخواتها من ~~الصلوات، وإما فاضلة من قولهم فلان أوسط القوم يعني أفضلهم. قال الله عز ~~وجل: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} [البقرة: 143] أي: خيارا عدولا. وقال: {قال ~~أوسطهم} [القلم: 28] أي: أعدلهم وأفضلهم {ألم أقل لكم لولا تسبحون} [القلم: ~~28] # PageV01P140 # وقيل: إنها المغرب. ودليل من ذهب إلى ذلك أنها ثلاث ركعات فلا نظير لها ~~من الصلوات، وأن أول الصلوات الظهر؛ لأنها أول صلاة صلاها جبريل بالنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - حين فرضت الصلاة، وبذلك سميت الأولى. وقيل: إنها ~~الجمعة. وهذا الاختلاف كله يدل والله أعلم على أن الله خصها بالذكر وأبهمها ~~ليكون ذلك سببا للمحافظة عليها كلها كليلة القدر. وأحسب أني قد رأيت لبعض ~~العلماء أنها العشاء الآخرة ولا أحقق ذلك في وقتي هذا. # فصل والصلوات الخمس أحد دعائم الإسلام الخمس، قال النبي - عليه الصلاة ~~والسلام -: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، ~~وإيتاء الزكاة، وصيام شهر رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا» . # فصل # فمن جحد فرض الصلاة فهو كافر يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وكان ماله ~~للمسلمين كالمرتد إذا قتل على ردته بإجماع من أهل العلم ms0108 لا اختلاف بينهم ~~فيه. وأما من أقر بفرضها وتركها عمدا من غير عذر، فاختلف أهل العلم فيه على ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه كافر ينتظر به آخر وقت الصلاة، فإن صلى وإلا قتل، وكان ماله ~~لجميع المسلمين كالمرتد، روي هذا عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس ~~وجابر بن عبد الله وأبي الدرداء، وهو ظاهر قول عمر بن الخطاب: " ولاحظ في ~~الإسلام لمن ترك الصلاة "، وهو قول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه أن من ~~ترك صلاة واحدة متعمدا حتى يخرج وقتها فهو كافر حلال الدم إن لم يتب، ~~ويستتاب فإن تاب وإلا قتل، وكان ماله لجميع المسلمين كالمرتد إذا قتل على ~~ردته. # PageV01P141 # فصل واستتابته إذا أبى من الصلاة أن ينتظر به حتى يخرج وقتها. والوقت في ~~ذلك للظهر والعصر إلى غروب الشمس، وللصبح إلى طلوع الشمس، وللمغرب والعشاء ~~إلى طلوع الفجر. وقال إسحاق بن راهويه: وقد أجمعوا في الصلاة على شيء لم ~~يجمعوا عليه في سائر الشرائع، وهو أن من عرف بالكفر ثم رئي يصلي الصلاة في ~~وقتها حتى صلى صلوات كثيرة في أوقاتها ولم يعلم أنه أقر بالتوحيد بلسانه ~~فإنه يحكم له بالإيمان، بخلاف الصوم والزكاة والحج يريد، والله أعلم، أنه ~~كما يحكم له بفعل الصلاة بحكم الإيمان والإسلام، فكذلك يحكم له إذا تركها ~~بحكم الكفر والارتداد. وهو قول أحمد بن حنبل: إنه لا يكفر أحد بذنب من أهل ~~القبلة إلا بترك الصلاة عمدا. وحجة من ذهب إلى هذا: ظواهر الآثار الواردة ~~عن النبي - عليه الصلاة والسلام - بتكفير تارك الصلاة. من ذلك قوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «من ترك الصلاة فقد حبط عمله» ، وقوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «ليس بين العبد وبين الكفر أو قال الشرك إلا ترك الصلاة» ، وقوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «من ترك الصلاة حشر مع هامان وفرعون» ، وقوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا فذلك المسلم الذي له ذمة ~~الله. ومن أبى فهو كافر وعليه الجزية» . وقال ابن حبيب: من ms0109 ترك الصلاة ~~مفرطا فيها أو مكذبا بها أو مضيعا لها فهو كافر في تركه إياها، وكذلك أخوات ~~الصلاة من الصيام والزكاة والحج. وحجته في ذلك: ظواهر الآثار المذكورة في ~~الصلاة، وقول أبي بكر الصديق - رضي الله تبارك وتعالى عنه -: والله لأقاتلن ~~من فرق بين الصلاة والزكاة. وانفرد ابن حبيب بهذا من بين سائر أهل العلم. # والقول الثاني: هو ما ذهب إليه مالك والشافعي وأكثر أهل العلم، أن من ترك ~~الصلاة وأبى من فعلها وهو مقر بفرضها، فليس بكافر، ولكنه يقتل على ذنب من # PageV01P142 # الذنوب لا على كفر، ويرثه ورثته من المسلمين. والحجة لهم: قول أبي بكر ~~الصديق في جماعة من الصحابة في الذين منعوا زكاة أموالهم: والله لأقاتلن من ~~فرق بين الصلاة والزكاة، فقاتلهم ولم يسبهم؛ لأنهم لم يكفروا بعد الإيمان ~~ولا أشركوا بالله، وقالوا لأبي بكر: ما كفرنا بعد إيماننا ولكننا شححنا على ~~أموالنا. وقول النبي - عليه الصلاة والسلام -: «نهيت عن قتل المصلين» ، فدل ~~ذلك على أنه قد أمر بقتل من لم يصل. وما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «سيكون عليكم أمراء تعرفون وتنكرون، فمن أنكر فقد برئ، ومن كره فقد ~~سلم، ولكن من رضي وتابع " قالوا: يا رسول الله، ألا نقاتلهم قال: " لا ما ~~صلوا الخمس» ، فدل ذلك على أن من لم يصل الخمس قوتل. وقوله «في مالك بن ~~الدخشن: " أليس يصلي " قالوا: بلى ولا صلاة له، قال: " أولئك الذين نهانا ~~الله عنهم» فدل على أنه لو لم يصل لم يكن من الذين نهاه الله عن قتلهم، بل ~~كان يكون ممن أمر الله بقتلهم. فدلت هذه الآثار كلها على القتل ولم تدل على ~~الكفر. وتأولوا الآثار الواردة بتكفير من ترك الصلاة في ظاهرها على ما ~~تأولوا عليه قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يزني الزاني حين يزني وهو ~~مؤمن ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن» ، وعلى ما تأولوا عليه «سباب المسلم فسوق ~~وقتاله كفر» وعلى ما تأولوا عليه قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ترجعوا ~~بعدي ms0110 كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» . وقد روي عن عبد الله بن عباس أنه قال: ~~ليس [سباب المسلم] بالكفر الذي # PageV01P143 # يذهبون إليه أنه كفر ينقل عن الملة ولكنه كفر ليس ينقل عن الملة ثم تلا ~~قول الله سبحانه وتعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ~~[المائدة: 44] . # والقول الثالث: أن من ترك الصلاة فسقا وتهاونا من غير أن يبتدع دينا غير ~~الإسلام، فإنه يضرب ضربا مبرحا، ويسجن حتى يتوب ويرجع ولا يقتل، قاله ابن ~~شهاب وجماعة من سلف الأمة، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه، وبه قال داود ومن ~~اتبعه. وحجة هؤلاء ومن قال بقولهم: قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة فمن جاء بهن لم يضيع» ~~الحديث، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا ~~إله إلا الله فإن قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» . قالوا: ~~وقد بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حقها ما هو فقال: «لا يحل دم ~~امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس ~~بغير نفس» . # فصل وفرض الله تعالى على نبيه - عليه الصلاة والسلام - الصلوات الخمس في ~~السماء حين الإسراء بخلاف سائر الشرائع، وذلك يدل على حرمتها وتأكد وجوبها. ~~واختلف كيف فرضت فروي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أنها قالت: فرضت ~~الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة ~~الحضر. وقيل: إنها فرضت أربع ركعات ثم قصر منها ركعتان في السفر، ويؤيد هذا ~~ما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله وضع عن المسافر ~~الصوم وشطر الصلاة» . ووضع لا يكون إلا من تمام. # PageV01P144 # وكان بدء الصلاة قبل أن تفرض الصلوات الخمس ركعتين غدوا وركعتين عشيا. ~~وروي عن الحسن في قول الله سبحانه وتعالى: {وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار} ~~[غافر: 55] ، أنها صلاته بمكة حين كانت الصلاة ركعتين غدوا وركعتين عشيا، ~~فلم يزل فرض الصلاة ms0111 على ذلك ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~والمسلمون بمكة تسع سنين، فلما كان قبل الهجرة بسنة أسرى الله بعبده ورسوله ~~- صلوات الله وسلامه عليه - ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم ~~عرج به جبريل من بيت المقدس إلى سماء الدنيا، ثم مضى به من سماء إلى سماء ~~حتى انتهى به إلى السماء السابعة ثم إلى سدرة المنتهى، فأوحى الله إلى عبده ~~ما أوحى، وفرض عليه عند ذلك وعلى أمته أن يصلوا كل يوم وليلة خمسين صلاة ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «فلما انصرفت بهن لقيت موسى بن ~~عمران في السماء السادسة، فقال: بماذا أمرت فقلت: أمرت بخمسين صلاة في كل ~~يوم وليلة، فقال لي: إن أمتك لا تطيق ذلك وقد بلوت الناس قبلك وقاسيت بني ~~إسرائيل أشد المقاساة لقد فرضت عليهم صلاتان في كل يوم وليلة فما أطاقوهما، ~~فارجع إلى ربك وسله التخفيف عن أمتك، ففعلت، فجعلها ربي أربعين صلاة، فمررت ~~بموسى، فقال لي: ما فعلت، فقلت: جعلها ربي أربعين صلاة، فقال: سله التخفيف ~~فإن أمتك لا تطيق ذلك، فما زلت أنطلق بين ربي وموسى وينقصها حتى جعلها خمس ~~صلوات، ثم قال لي: قد أمضيت فريضتي وخففت عن أمتك وجعلت لهم الحسنة بعشر ~~أمثالها فخمس بخمسين، فعلمت أنها عزمة من ربي» . فمعنى قوله خمس بخمسين ~~أنها خمس في العدد وخمسون في تضعيف الحسنات، جعل الصلاة بعشرة وجعل سائر ~~الحسنات، بسبب ما كان من فرض الصلوات كل حسنة بعشرة أمثالها، تفضلا منه ~~لمحمد - صلى الله عليه وسلم - وأمته ولم يعط ذلك نبي قبله. # فصل # وذكر الله تبارك وتعالى الصلاة بركوعها وسجودها وقيامها وقراءتها ~~وأوقاتها # PageV01P145 # وأسمائها فقال: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل} [هود: 114] ، ~~ففي الطرف الأول صلاة الصبح، وفي الطرف الثاني صلاة الظهر والعصر، وزلفا من ~~الليل المغرب والعشاء، وقال تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل} ~~[الإسراء: 78] ، فدلوك الشمس ميلها وذلك وقت صلاة الظهر والعصر، وغسق الليل ~~اجتماعه وظلمته، وذلك وقت صلاة ms0112 المغرب والعشاء، {وقرآن الفجر إن قرآن الفجر ~~كان مشهودا} [الإسراء: 78] يعني أن صلاة الصبح يشهدها مع الناس ملائكة ~~الليل وملائكة النهار. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يتعاقبون ~~فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر، ~~ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بهم، كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: ~~تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون» وقال الله تعالى: {فسبحان الله حين ~~تمسون وحين تصبحون} [الروم: 17] {وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين ~~تظهرون} [الروم: 18] ، فقوله حين تمسون يريد المغرب والعشاء، وحين تصبحون ~~صلاة الصبح، وعشيا العصر، وحين تظهرون صلاة الظهر، وقال تعالى: {وسبح بحمد ~~ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها} [طه: 130] فقبل طلوعها صلاة الصبح، وقبل ~~غروبها صلاة الظهر والعصر، وقال تعالى في الركوع والسجود: {اركعوا واسجدوا} ~~[الحج: 77] ، وقال تعالى في القيام: {وقوموا لله قانتين} [البقرة: 238] ، ~~وقال تعالى في القراءة: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} [الأعراف: ~~204] ؛ لأن معناه في الصلاة، وقال تعالى: {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها} ~~[الإسراء: 110] يعني لا تجهر بقراءتك في الصلاة حتى يسمعك المشركون لئلا # PageV01P146 # يسبوا قراءتك، ولا تخافت بها حتى لا يسمعك أصحابك، وقيل: معناه في الدعاء ~~والله سبحانه وتعالى أعلم. # فصل إلا أن هذا كله مجمل أجمله الله في كتابه فلم يحد فيها الأوقات، ولا ~~بين فيه عدد السجدات والركعات، ولا شيئا من رتبة عملها في القيام والجلوس. ~~فلو تركنا وظاهر ما في القرآن لم يصح لنا منه امتثال ما أمرنا به من إقامة ~~الصلاة، لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد بين ما أجمل الله تعالى في ~~كتابه من ذلك قولا وعملا كما أمره الله سبحانه وتعالى حيث يقول: {وأنزلنا ~~إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل: 44] ، فبين - صلى الله عليه ~~وسلم - مواقيت الصلاة، وعدد الركعات والسجدات، وصفة جميع الصلوات، وما لا ~~تصح إلا به من الفرائض، وما يستحب فيها من السنن والفضائل، ونقلت ذلك عنه ~~الكافة عن الكافة، ولم يمت - صلى الله عليه وسلم - حتى بين ms0113 جميع ما بالناس ~~الحاجة إلى بيانه، فكمل الدين. قال الله عز وجل: {اليوم أكملت لكم دينكم ~~وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة: 3] نزلت هذه الآية ~~على النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع يوم الجمعة في يوم عرفة. # فصل فالصلاة تجب بأربع شرائط متفق عليها، وشرط خامس مختلف فيه هل هو ~~مشروط في وجوب الصلاة أو في صحة فعلها. # فأما الأربعة المتفق عليها فهي: البلوغ، والعقل، ودخول الوقت، وارتفاع ~~الحيض والنفاس. فأما البلوغ والعقل: فالدليل على صحة اشتراطهما في وجوب ~~الصلاة قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «رفع القلم عن الصبي حتى ~~يحتلم وعن المجنون # PageV01P147 # حتى يفيق» ، فلا اختلاف بين أحد من أهل العلم أن الصبي والمجنون الذي لا ~~يعقل غير متعبدين بالصلاة ولا بشيء من الشرائع، وأما دخول الوقت: فالدليل ~~على صحة اشتراطه في وجوب الصلاة إجماع أهل العلم أن من صلى صلاة قبل دخول ~~وقتها فإنها لا تجزئه، فلا خلاف بين أحد من المسلمين أن الصلاة لا تجب على ~~أحد قبل دخول وقتها، إلا أنه يجب عليه قبل دخول وقتها اعتقاد وجوبها عليه ~~إذا دخل وقتها. ### || فصل في تحقيق حدود الأوقات # فصل # في تحقيق حدود الأوقات فأول وقت الظهر زوال الشمس عن كبد السماء، وآخر ~~وقتها المستحب أن يصير ظل كل شيء مثله بعد الظل الذي زالت عليه الشمس. وأول ~~وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثله بعد ظل الزوال، وآخر وقتها المستحب أن ~~يصير ظل كل شيء مثليه. وآخر وقت الظهر والعصر للضرورة إلى غروب الشمس، ~~وتشارك العصر الظهر في وقتها المستحب من أول زوال الشمس للعذر. وقد قيل: إن ~~الظهر يختص من أول الزوال بمقدار أربع ركعات لا يشاركها فيه العصر، وتشارك ~~الظهر العصر في وقتها المستحب إلى تمام القامتين للعذر أيضا. واختلف هل ~~تشارك العصر الظهر عند اعتدال القامة في الوقت المستحب أم لا على قولين، ~~فذهب ابن حبيب إلى أنها لا تشاركها فيه وأن آخر وقت الظهر عند تمام ms0114 القامة ~~وأول وقت العصر عند ابتداء القامة الثانية بقدر ما يسلم من الظهر ويبدأ ~~بالعصر دون فاصلة بين الوقتين، وهذا مذهب الشافعي، وقد قيل: إن مذهبه أن ~~بين الوقتين فاصلة وإن قلت لا تصلح للظهر ولا للعصر في الاختيار، وليس ذلك ~~بصحيح عنه. # PageV01P148 # والمشهور في المذهب أن العصر مشاركة للظهر في وقت الاختيار، وذلك بين في ~~حديث إمامة جبريل للنبي - عليه الصلاة والسلام - أنه صلى به الظهر في اليوم ~~الثاني في الوقت الذي صلى فيه العصر في اليوم الأول. واختلف الذين ذهبوا ~~إلى هذا المذهب هل العصر هي المشاركة للظهر في آخر القامة الأولى أو الظهر ~~هي المشاركة للعصر في أول ابتداء القامة الثانية، والأظهر أن العصر هي ~~المشاركة للظهر في آخر القامة الأولى. # وأول وقت المغرب إذا غربت الشمس وقت واحد لا يجوز أن تؤخر عنه إلا بقدر ~~مثل الجمع بين الصلاتين للمسافر والمريض وفي المطر. وقيل إنه لا يجوز تأخير ~~المغرب عن غروب الشمس لشيء من هذه الأعذار ويجمع بين الصلاتين عند الغروب. ~~وقيل: إن لها وقتين في الاختيار وإن آخر وقتها المختار مغيب الشفق فجائز أن ~~تؤخر صلاة المغرب إلى مغيب الشفق من غير عذر، وهو ظاهر قول مالك في موطئه، ~~إلا أن أول الوقت أفضل، فحصل الإجماع في المغرب على أن المبادرة لها عند ~~الغروب أفضل. # وأول وقت العشاء المستحب مغيب الشفق، وهو الحمرة عند مالك، وآخر وقتها ~~المستحب ثلث الليل الأول، وقيل: نصفه. وآخر وقت المغرب والعشاء للضرورة إلى ~~طلوع الفجر. وتشارك العشاء المغرب في وقتها المستحب لها من أول الغروب ~~للعذر. وقد قيل: إن المغرب تختص من أول الغروب بمقدار ثلاث ركعات لا ~~تشاركها فيه العشاء. # وأول وقت الصبح انصداع الفجر، وهو الفجر الثاني المعترض في الأفق الشرقي. ~~وأما الفجر الأول الذي يسمونه الكاذب وهو المشبه بذنب السرحان فإنه لا يحل ~~الصلاة ولا يحرم على الصائم الأكل بإجماع. وآخر وقتها طلوع الشمس، # PageV01P149 # وقيل: الإسفار البين الذي يكون قرب طلوع الشمس، ذهب إلى هذا من ms0115 رأى أن ~~للصبح وقت ضرورة. # فصل فالأوقات تنقسم على خمسة أقسام: وقت اختيار وفضيلة وهو أن يصلي قبل ~~انقضاء الوقت المستحب. ووقت رخصة [وتوسعة، وهو أن يصلي في آخر الوقت ~~المستحب. ووقت رخصة] للعذر وهو أن يؤخر الظهر إلى آخر وقت العصر المستحب أو ~~يعجل العصر في أول وقت الظهر المستحب أو بعده مقدار ما يصلي فيه صلاة الظهر ~~على ما ذكرناه في ذلك من الاختلاف. ووقت تضييق من ضرورة وهو أن يؤخر الظهر ~~والعصر إلى غروب الشمس، والصبح إلى طلوع الشمس، والمغرب والعشاء إلى طلوع ~~الفجر. ووقت سنة أخذ بحظ من الفضيلة للضرورة وهو الجمع بين الصلاتين بعرفة ~~والمزدلفة. # فصل وأول الوقت في الصلوات كلها أفضل، قال الله تبارك وتعالى: {والسابقون ~~السابقون} [الواقعة: 10] {أولئك المقربون} [الواقعة: 11] {في جنات النعيم} ~~[الواقعة: 12] ، وقال الله سبحانه وتعالى: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة ~~عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين} [آل عمران: 133] ، ومعلوم أن من بادر ~~إلى طاعة ربه أفضل ممن تأخر عنها وتأنى عنها، وقد سئل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: أي الأعمال أفضل، فقال: «الصلاة لأول وقتها» . وروي أن الصلاة ~~في أول الوقت رضوان الله وفي وسطه رحمة الله وفي آخره عفو الله، فكان أبو ~~بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - يقول رضوان الله أحب إلي من # PageV01P150 # عفوه. هذا هو المنصوص عن مالك المعلوم من مذهبه في كتاب ابن المواز ~~وغيره. وقد تأول بعض الشيوخ على مذهبه في المدونة أن أول الوقت وأوسطه ~~وآخره في الفضل سواء من إنكاره لحديث يحيى بن سعيد «إن المصلي ليصلي الصلاة ~~وما فاته وقتها ولما فاته من وقتها أعظم وأفضل من ماله وأهله» . وهذا بعيد؛ ~~لأنه إنما أنكره لأن ظاهره يوجب أن من فاته بعض الوقت كمن فاته جميعه على ~~ما جاء في حديث عبد الله بن عمر «الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله ~~وماله» . # فصل وهذا التأويل إنما يصح فيما عدا صلاة الصبح وصلاة المغرب. أما صلاة ~~المغرب فلما وضحنا فيها من الإجماع ms0116 على أن أول الوقت أفضل. وقد روي أن عمر ~~بن عبد العزيز أخر المغرب حتى طلع نجم أو نجمان، فأعتق رقبة أو رقبتين؛ ~~خوفا من أن يكون منه بعد أن غربت الشمس غفلة أو فترة. وأما صلاة الصبح فإنه ~~نص في سماع أشهب على أن التغليس بها أفضل من الإسفار؛ لأنه الذي كان يداوم ~~عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قالت عائشة - رضي الله تعالى عنها ~~-: «إن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليصلي الصبح فينصرف النساء ~~متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس» . فيبعد أن يتأول قوله على خلاف ~~المنصوص عنه. وقد روى زياد عن مالك أن الصلاة في أول وقت الصبح منفردا أفضل ~~من الصلاة في آخره جماعة. # فصل واتفق أصحاب مالك على أنه لا يجوز تأخير الصلاة عن الوقت المختار ~~المستحب إلى ما بعده من وقت الضرورة إلا من ضرورة، وهو القامة في الظهر، ~~والقامتان في العصر [أو ما لم تصفر الشمس] . ومغيب الشفق في المغرب على # PageV01P151 # مذهب من رأى أن لها وقتين. وانقضاء نصف الليل في العشاء الآخرة. والإسفار ~~في الصبح على مذهب من رأى أن له وقت ضرورة؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - «تلك صلاة المنافقين يجلس أحدهم حتى إذا اصفرت الشمس وكانت بين قرني ~~الشيطان أو على قرني الشيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا» ~~. ولأنه لم يعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخر صلاة من الصلوات ~~حتى خرج وقتها المختار المستحب. # فصل فمن فعل ذلك فهو مضيع لصلاته مفرط فيما أمره الله به من حفظها ~~ورعايتها آثم لتضييعه وتفريطه وإن كان مؤديا لها غير قاض. وأما تركها حتى ~~يخرج وقتها فهو من الكبائر، قال الله عز وجل: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا ~~الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا} [مريم: 59] ، وإضاعتها على ما قال ~~أكثر أهل التأويل تأخيرها عن مواقيتها. والغي بئر في قعر جهنم يسيل فيه ~~صديد أهل النار، وقيل: الغي الخسران وقيل: الشمر، والمعنى ms0117 في ذلك متقارب. # فصل فوقت الصلاة يتسع لتكرار فعلها مرارا، وجميعه وقت لجواز فعلها. ~~واختلف في وقت الوجوب منه على أربعة أقوال: # أحدها: قول أصحاب مالك: إن الصلاة تجب بأول الوقت وجوبا موسعا وأن جميع ~~الوقت وقت للوجوب. # والثاني: قول أصحاب الشافعي: إن الصلاة تجب بأول الوقت وإنما ضرب آخره ~~تمييزا للأداء عن القضاء. وهذا فيه نظر؛ لأنك إذا أطلقت القول بوجوب الصلاة ~~في أول الوقت لزمك أن لا تجيز له تأخيرها عن وقت الوجوب وهو أول الوقت، ~~وهذا ما لا يقوله أحد. # PageV01P152 # والقول الثالث: قول أصحاب أبي حنيفة: إن الصلاة لا تجب إلا بآخر الوقت، ~~وهو الحين الذي لم يأثم المكلف بتأخير الصلاة عنه. وهذا فيه نظر أيضا؛ لأن ~~الصلاة إذا لم تجب عنده في أول الوقت فينبغي أن لا تجزئه إن صلاها فيه كما ~~لا تجزئ من صلى قبل دخول الوقت، وهذا ما لا يقوله أحد. ولهذا قال الكرخي: ~~إن الصلاة المفعولة في أول الوقت تطوع وهي تسد مسد الفرض. # والرابع: أن وقت الوجوب منه غير معين، وللمكلف تعيينه بفعل الصلاة فيه. # وهذا أظهر الأقاويل وأسدها وأجراها على أصول المالكيين؛ لأن معظمهم ~~قالوا: إن الأفعال المخير فيها كالإطعام والعتق والكسوة في الكفارة الواجب ~~منها واحد غير معين، وللمكلف تعيين وجوبه بفعله، ولم يخالف في ذلك إلا ابن ~~خويز منداد فإنه قال: إن جميعها واجب فإذا فعل المكلف أحدها سقط وجوب ~~سائرها. وما قدمناه هو الصحيح إن شاء الله تعالى؛ لأن الأفعال الواجب ~~جميعها لا يسقط بعضها بفعل بعضها. # فصل وأما ارتفاع دم الحيض والنفاس فالدليل على صحة اشتراط ذلك في وجوب ~~الصلاة أن الصلاة لا تصح إلا بطهر؛ لقول الله عز وجل: {وإن كنتم جنبا ~~فاطهروا} [المائدة: 6] ، وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقبل ~~الله صلاة بغير طهور» ، والطهور لا يصح للحائض والنفساء إلا بعد ارتفاع ~~الدم لقول الله عز وجل: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى} [البقرة: 222] إلى ~~قوله {حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من ms0118 حيث أمركم الله} [البقرة: 222] ~~الآية، فوجب أن لا تجب عليها الصلاة إلا بعد # PageV01P153 # كمال الطهارة، وهذا مما لا اختلاف فيه؛ لأن الحائض والنفساء غير مخاطبتين ~~بالصلاة فثبت صحة اشتراط ذلك في وجوب الصلاة. # فصل فأما الشرط المختلف فيه فهو الإسلام؛ لأنه إنما يشترط في وجوب الصلاة ~~على مذهب من يرى أن الكفار غير مخاطبين بشرائع الإسلام؛ لقول الله عز وجل: ~~{إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} [النساء: 103] ، [فدل ذلك على ~~أنها ليست على غير المؤمنين كتابا موقوتا] ، وقوله تعالى: {يعظكم الله أن ~~تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين} [النور: 17] ، وقوله تعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون} ~~[الحج: 77] وما أشبه ذلك من الآيات التي خص بالخطاب بها المؤمنون. وأما على ~~مذهب من يرى أن الكفار مخاطبون بشرائع الإسلام، وهو الظاهر من مذهب مالك؛ ~~لقول الله عز وجل: {ما سلككم في سقر} [المدثر: 42] {قالوا لم نك من ~~المصلين} [المدثر: 43] {ولم نك نطعم المسكين} [المدثر: 44] {وكنا نخوض مع ~~الخائضين} [المدثر: 45] ، فالإسلام ليس بشرط في وجوب الصلاة، وإنما هو شرط ~~في صحتها كالنية وسائر فرائضها. ### || فصل في ذكر فرائض الصلاة # فصل # في ذكر فرائض الصلاة والصلوات الخمس تشتمل على فرائض وسنن ومستحبات ~~وفضائل، فلا تصح إلا بجميع فرائضها، ولا تكمل إلا بسننها وفضائلها. ~~وفرائضها ثمان عشرة فريضة، منها عشر فرائض متفق عليها عند الجميع، وهي ~~النية، والطهارة، ومعرفة # PageV01P154 # دخول الوقت، والتوجه إلى القبلة، والركوع، والسجود، ورفع الرأس من ~~السجود، والقيام، والجلوس الأخير، وترتيب أفعال الصلاة. # فصل فأما النية فالدليل على وجوبها واشتراطها في صحة الصلاة قول الله ~~تبارك وتعالى: {فاعبد الله مخلصا له الدين} [الزمر: 2] ، وقوله: {وما أمروا ~~إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} [البينة: 5] ، وقول النبي - عليه الصلاة ~~والسلام -: «إنما الأعمال بالنيات» . والصلاة عبادة من العبادات وعمل من ~~الأعمال فوجب أن لا تجزئ إلا بالنية. # فصل ومن صفة النية على الكمال أن يستشعر الناوي الإيمان بقلبه فيقرن بذلك ~~اعتقاد القربة إلى الله تعالى بأداء ما ms0119 افترض عليه من تلك الصلاة بعينها، ~~وذلك يحتوي على أربع نيات: وهي اعتقاد القربة، واعتقاد الوجوب، واعتقاد ~~القصد إلى الأداء، وتعيين الصلاة. واستشعار الإيمان شرط في صحة ذلك كله. ~~فإذا أحرم ونيته على هذه الصفة فقد أتى بإحرامه على أكمل أحواله، فإن سها ~~في وقت إحرامه عن استشعار الإيمان لم يفسد عليه إحرامه لتقدم علمه به ~~واعتقاده له؛ لأنه موصوف به في حال الذكر له والغفلة عنه. وكذلك إذا سها عن ~~أن ينوي مع الإحرام بها وجوب الصلاة عليه والقصد إلى أدائها والتقرب بها ~~إلى الله تعالى لم يفسد عليه إحرامه إذا عين الصلاة؛ لأن التعيين لها يقتضي ~~الوجوب والقربة والأداء لتقدم علمه بوجوب تلك الصلاة التي عينها عليه. وأما ~~إن لم يعين الصلاة فليس بمحرم لها، ولهذا قلنا: إن من ذكر صلاة من يوم لا ~~يدري أيتهن هي إنه يصلي خمس صلوات، بخلاف ما حكي عن بعض أصحاب الشافعي أنه ~~يصلي أربع ركعات يجهر في الأوليين ويجلس في الثانية والثالثة ويتشهد ويصلي ~~على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويجزئه. وإنما # PageV01P155 # اختلف أصحاب مالك فيمن ذكر صلاة لا يدري من السبت أو من الأحد، فقيل: إنه ~~يصليها مرة واحدة ينويها عن اليوم الذي تركها فيه، وقيل: إنه يصليها مرة ~~للسبت ومرة للأحد. # وقد اختلف أهل العلم هل من شرط صحتها أن تكون مقارنة للإحرام أم ليس ذلك ~~من شرط صحتها ويجزئ تقدمها قبل الإحرام بيسير، فقال ابن أبي زيد في رسالته: ~~والدخول في الصلاة بنية الفرض فريضة، وإلى هذا ذهب عبد الوهاب في شرح ~~الرسالة. والأصح أن تقدم النية قبل الإحرام بيسير جائز، كالوضوء والغسل في ~~مذهبنا، والصيام عند الجميع؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ~~صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل» . ولا معنى لتفرقة من فرق في هذا بين ~~الوضوء والغسل وبين الصلاة للاختلاف الحاصل في وجوب اشتراط النية في صحة ~~الغسل والوضوء. # فصل وتجزئ النية بالقلب دون النطق باللسان في مذهب مالك وجميع أصحابه. # فصل ms0120 وأما الطهارة فالدليل على وجوبها واشتراطها في صحة الصلاة قول الله ~~عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم ~~إلى المرافق} [المائدة: 6] ، الآية، وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول» . وهذا معلوم من دين ~~الأمة وإجماع المسلمين فلا معنى لإيراد النصوص فيه. # فصل وأما معرفة الوقت فالدليل على وجوب اشتراطه في صحة الصلاة الإجماع # PageV01P156 # على أن الصلاة لا تجب عليه ولا تجزئ عنه قبل دخول الوقت؛ لقول الله عز ~~وجل: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل} [الإسراء: 78] ؛ ولأن جبرائيل ~~- عليه السلام - أقام للنبي - صلى الله عليه وسلم - أوقات الصلوات، ثم قال ~~له: بهذا أمرت. فإذا صلى وهو غير عالم بدخول الوقت وجب أن لا تجزئه صلاته ~~وإن انكشف له [أنه صلاها بعد دخول الوقت؛ لأنه صلاها وهو غير عالم بوجوبها ~~عليه. وقيل: إنها تجزئه إن انكشف له] أنها وقعت بعد دخول الوقت. واستدل من ~~ذهب إلى ذلك بما جاء من أن «علي بن أبي طالب وأبا موسى الأشعري قدما على ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع وهما محرمان، فسألهما رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: بما أهللتما، فقال: كل واحد منهما قلت لبيك ~~بإهلال كإهلال النبي - صلى الله عليه وسلم -، فصوب النبي - عليه الصلاة ~~والسلام - فعلهما وأمرهما بما يفعلان في بقية إحرامهما» ولا دليل في ذلك؛ ~~لأنهما إنما أحرما في وقت يجوز لهما الإحرام بالحج فيه وإن لم يعلما هل كان ~~أحرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد أم لا، ولا بما أحرم إن كان ~~أحرم. وقاس ذلك أيضا بالذي يصوم أول يوم من رمضان متحريا دون أن يرى ~~الهلال. وليس ذلك بقياس صحيح؛ لأن هذا احتياط مخافة أن يأكل يوما من رمضان، ~~وهذا ترك الاحتياط إذ لم يؤخر صلاته حتى يوقن بدخول الوقت. وأما إذا لم ~~ينكشف له أنه صلاها بعد دخول الوقت فبين أنها لا تجزئه؛ لأنها ثابتة عليه ms0121 ~~ولازمة لذمته فلا تسقط عنه إلا بيقين. ولو صلاها وهو غير عالم بدخول الوقت ~~مخافة أن يفوته الوقت إذ لا يدري لعله قد دخل ومضى حتى لم يبق منه إلا قدر ~~ما يصلي فيه لجرى ذلك على الاختلاف في الذي يصوم أول يوم من رمضان مخافة أن ~~يكون من رمضان، والله سبحانه وتعالى أعلم. # فصل وأما التوجه إلى القبلة فالدليل على وجوبه واشتراطه في صحة الصلاة ~~قول # PageV01P157 # الله عز وجل: {فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم ~~شطره} [البقرة: 144] ، فعلى المعاين للقبلة استقبالها، وعلى من غابت عنه ~~الاجتهاد في طلبها بالأدلة المنصوبة عليها، فإن صلى بغير اجتهاد لم تجزئه ~~صلاته، وإن وقعت إلى القبلة. وإن اجتهد فتبين له أنه أخطأ فصلى مستدبر ~~القبلة أو مشرقا أو مغربا أعاد في الوقت على طريق الاستحباب. وقال الشافعي: ~~إن استدبر القبلة فالإعادة عليه واجبة في الوقت وبعده، وهو قول المغيرة من ~~أصحابنا. والدليل لنا ما روي عن «عامر بن ربيعة أنه قال: كنا مع رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - في ليلة ظلماء في سفر، فخفيت علينا القبلة، فصلى كل ~~واحد منا إلى وجهه، وعلمنا علما، فلما أصبحنا فإذا نحن قد صلينا إلى غير ~~القبلة، فسألنا عن ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: مضت صلاتكم، ~~ونزلت: {فأينما تولوا فثم وجه الله} [البقرة: 115] » ، ولما كان المجتهد في ~~طلب القبلة إذا أخطأ لا ينصرف إلى يقين وإنما يرجع إلى اجتهاد مثله لم تجب ~~عليه الإعادة إلا في الوقت؛ بخلاف من صلى إلى غير القبلة وهو بموضع يعاينها ~~ويرجع إذا أخطأ إلى يقين لا إلى اجتهاد. # فصل وأما الركوع والسجود فالدليل على وجوبهما قول الله عز وجل: {يا أيها ~~الذين آمنوا اركعوا واسجدوا} [الحج: 77] ، وقوله تعالى: {يا مريم اقنتي ~~لربك واسجدي واركعي مع الراكعين} [آل عمران: 43] ، وقوله عز وجل: {والركع ~~السجود} [البقرة: 125] ، وقوله تعالى: {الراكعون الساجدون} [التوبة: 112] . # PageV01P158 # فصل وأما الرفع من السجود فالدليل على وجوبه أن السجود لا يتم إلا به ms0122 وهو ~~يفصل بين السجدتين، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب مثله. # فصل وأما القيام فالدليل على وجوبه قول الله عز وجل: {وقوموا لله قانتين} ~~[البقرة: 238] ، وقوله تعالى: {وسبح بحمد ربك حين تقوم} [الطور: 48] ، وأقل ~~ما يتعين منه في كل ركعة على الإمام والفذ قدر ما يقرأ فيه أم القرآن، وعلى ~~المأموم قدر ما يوقع فيه تكبيرة الإحرام. # فصل وأما الجلوس الآخر فهو من فرائض الصلاة بإجماع. وأقل ما يجزئ فيه عند ~~مالك قدر ما يوقع فيه السلام. # فصل وأما ترتيب أفعالها والبداية فيها بالقيام قبل الركوع وبالركوع قبل ~~السجود وبالسجود قبل الجلوس، فهو واجب بإجماع؛ لأن الله تعالى قال: ~~{وأقيموا الصلاة} [البقرة: 43] ، وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - صفة ~~فعلها قولا وعملا، فلو عكس أحد صلاته فبدأ بالجلوس قبل القيام أو بالسجود ~~قبل الركوع وما أشبه ذلك لم تجزه صلاته بإجماع. # فصل ومنها ثلاث متفق عليها في المذهب، وهي تكبيرة الإحرام، والسلام، ~~وقراءة أم القرآن على الإمام والفذ. فأما تكبيرة الإحرام فإنها فرض عند ~~مالك وجميع # PageV01P159 # أصحابه وأكثر أهل العلم. وقد روى ابن وهب وأشهب عن مالك أنه استحب ~~للمأموم إذا لم يكبر للإحرام ولا للركوع إعادة الصلاة، ولم يوجب ذلك، وقال: ~~أرجو أن يجزئ عنه إحرام الإمام، وهو شذوذ في المذهب. ولا يجزئ فيها إلا ~~الله أكبر؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «تحريم الصلاة التكبير» ~~. وذهب ابن شهاب وسعيد بن المسيب إلى أنها سنة، وروي ذلك عن ابن مسعود، ~~ولذلك قال مالك فيمن ترك تكبيرة الإحرام مع الإمام وكبر للركوع: إنه يتمادى ~~مع الإمام استحبابا مراعاة للاختلاف، ثم يعيد استحبابا على مذهبه. كذا ~~حفظنا عن بعض شيوخنا في تأويل ما وقع في المدونة من مراعاة قول مالك لسعيد ~~بن المسيب في التمادي مع الإمام. والصواب أن تكبيرة الإحرام عند سعيد بن ~~المسيب فرض، وسنذكر ذلك فيما يأتي، إن شاء الله تعالى. # فصل وكذلك السلام من الصلاة هو واجب عند مالك وأصحابه وأكثر أهل العلم؛ ~~لقول ms0123 رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «تحريم الصلاة التكبير، وتحليلها ~~التسليم» وذهب أبو حنيفة إلى أن السلام في الصلاة غير واجب، وأنه إذا قعد ~~في آخر صلاته مقدار التشهد فقد خرج من الصلاة وإن لم يسلم؛ ولهذا قال ابن ~~القاسم: إن الإمام إذا أحدث بعد التشهد وتمادى حتى سلم بالقوم عامدا إن ~~صلاتهم تجزئهم. # فصل وكذلك قراءة أم القرآن في الصلاة هي واجبة على الإمام والفذ على مذهب ~~مالك وجميع أصحابه وجل أهل العلم، قيل: في جملة الصلاة، وقيل: في كل ركعة ~~منها. واختلف قول مالك وأقوال أصحابه فيمن ترك أم القرآن من ركعة أو أكثر ~~من صلاة ثلاثية أو رباعية، أو من ركعة واحدة من صلاة هي ركعتان اختلافا ~~كثيرا، سنذكره فيما يأتي إن شاء الله تعالى. ومن أهل العلم من لم يوجب ~~قراءة أم القرآن ولا # PageV01P160 # غيرها في الصلاة على ظاهر قول عمر بن الخطاب حين ترك القراءة في الصلاة، ~~فقيل له: إنك لم تقرأ، فقال: كيف كان الركوع والسجود، قالوا: حسن، قال: فلا ~~بأس إذا. # فصل ومنها خمس مختلف فيها في المذهب، وهي: الرفع من الركوع، وطهارة الثوب ~~والبقعة، وستر العورة، وترك الكلام، والاعتدال في الفصل بين أركان الصلاة. # فصل فأما الرفع من الركوع فالاختلاف فيه في المذهب، روى عيسى عن ابن ~~القاسم أنه لا يعتد بتلك الركعة التي لم يرفع منها رأسه، واستحب أن يتمادى ~~ثم يعيد، وروى علي بن زياد عن مالك أنه لا إعادة عليه. وعلى هذا يأتي ~~اختلاف مالك في عقد الركعة هل هو الركوع أو الرفع منه، فمن لم يوجب رفع ~~الرأس منه جعل عقد الركعة الركوع، ومن أوجب الرفع منه جعل عقد الركعة ~~بالرفع من الركوع. # فصل وكذلك طهارة الثوب والبقعة الاختلاف فيه في المذهب: ذهب ابن وهب إلى ~~أنه فرض، وقال ابن القاسم وأكثر أصحاب مالك: إنه سنة، ومن أهل العلم من ~~يعبر عنه أنه فرض بالذكر يسقط بالنسيان. # فصل وكذلك ستر العورة الاختلاف فيه أيضا في المذهب. قيل: إنه ms0124 فرض من # PageV01P161 # فرائض الصلاة مع القدرة عليه، وقيل: إنه فرض قائم بنفسه في الجملة وسنة ~~في الصلاة. فمن ذهب إلى أنه فرض من فرائض الصلاة أوجب الإعادة أبدا على من ~~صلى مكشوف العورة وهو قادر على سترها ناسيا كان أو جاهلا أو متعمدا. ومن ~~ذهب إلى أنه ليس من فرائض الصلاة وإنما هو فرض قائم بنفسه في الجملة وسنة ~~من سنن الصلاة لم يوجب عليه الإعادة إلا في الوقت إن كان ناسيا أو جاهلا، ~~وأما إن كان متعمدا فيعيد أبدا، ولا يدخل في ذلك الاختلاف فيمن ترك سنة من ~~سنن الصلاة عامدا إذ قد قيل: إن ذلك فرض وهو الأظهر لقول الله عز وجل: ~~{خذوا زينتكم عند كل مسجد} [الأعراف: 31] . # فصل وكذلك ترك الكلام الاختلاف فيه في المذهب. ذكر أبو بكر الأبهري في ~~الشرح أنه سنة، وبناه على أصلين في المذهب، وإنما قال فيه: إنه سنة؛ ~~لقولهم: إن من تكلم في صلاته ساهيا كمن سها عن سنة من سننها تجزئه صلاته ~~ويسجد لسهوه، بخلاف من سها عن فريضة من فرائضها، فرأى على قياس هذا أنه ~~إنما يعيد إذا تكلم عامدا لترك السنة عامدا. والأظهر أنه فرض، والدليل على ~~وجوبه قول الله تعالى: {وقوموا لله قانتين} [البقرة: 238] أي: صامتين. وقد ~~كان الناس في أول الإسلام يتكلمون في الصلاة حتى نزلت {وقوموا لله قانتين} ~~[البقرة: 238] فنهوا عن الكلام. وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«إن الله يحدث من أمره ما يشاء وإن مما أحدث أن لا تتكلموا في الصلاة» ، ~~والفرق بين الكلام ساهيا وترك الفريضة ساهيا أن الكلام شيء قد فرط لا يمكنه ~~استدراكه؛ لاستحالة ترك فعل الشيء بعينه بعد فعله، وقد تجاوز الله عنه بنص ~~قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «تجاوز الله لأمتي عن الخطأ والنسيان» # PageV01P162 # والفريضة يقدر أن يعود إلى فعلها بعد تركها، فإن لم يفعل بعمد أو نسيان ~~حتى فاته ذلك، وجب عليه إعادة الصلاة. وبهذا المعنى يفترق الحكم فيمن سها ~~فزاد في صلاته ركعة أو سجدة، ms0125 أو أسقط ذلك منها، فيجزئه سجود السهو في ~~الزيادة، ولا يجزئه ذلك في النقصان. # فصل وكذلك الاعتدال في الفصل بين أركان الصلاة الاختلاف فيه في المذهب. ~~ففي مختصر ابن الجلاب أنه فرض، والأكثر أنه غير فرض. فمن لم يعتدل في رفعه ~~من الركوع والسجود استغفر الله ولم يعد، روى ذلك عيسى عن ابن القاسم. وقيل: ~~إن الإعادة عليه واجبة على ظاهر الحديث في قول رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - للذي صلى ولم يعتدل في صلاته: «ارجع فصل فإنك لم تصل» . ### || فصل في ذكر سنن الصلاة # فصل # في ذكر سنن الصلاة وأما سنن الصلاة فثمان عشرة سنة، وهي: إقامة الصلاة في ~~المساجد، والإقامة، وقيل: الأذان والإقامة، والصواب أن الأذان ليس بسنة على ~~الأعيان، وإنما هو سنة في مساجد الجماعات، وفرض في جملة المصر. وقد قال أهل ~~الظاهر: إنه سنة، وهو قول ضعيف لا وجه له. ورفع اليدين عند الإحرام، وقد ~~قيل في رفع اليدين: إنه استحباب. وأما رفعهما عند الركوع وعند الرفع منه ~~فاختلف قول مالك فيه، فمرة قال: لا يرفع، واستحسن مرة الرفع، ومرة خير فيه. ~~وقد روى أبو زيد عن ابن القاسم أنه أنكر رفع اليدين عند الإحرام، وهي رواية ~~شاذة ضعيفة خاملة، ونحوها في بعض روايات المدونة. والسورة التي مع أم ~~القرآن، والجهر بالقراءة في موضع الجهر والإسرار بها في موضع الإسرار، ~~والإنصات مع الإمام فيما يجهر فيه، والتكبير سوى تكبيرة الإحرام، وقد قيل: ~~إن كل تكبيرة منها سنة، وسمع الله لمن حمده للإمام والفذ، والتشهد الأول، ~~والجلوس له، والتشهد الآخر والصلاة # PageV01P163 # على النبي - عليه الصلاة والسلام - في الصلاة سنة، وفريضة مطلقة في ~~غيرها، ورد السلام على الإمام، وتأمين المأموم إذا قال الإمام ولا الضالين، ~~وقوله ربنا ولك الحمد إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده، والقناع للمرأة، ~~والتسبيح في الركوع والسجود. # فصل فمن هذه السنن ثمان مؤكدات يجب سجود السهو للسهو عنها وإعادة الصلاة ~~على اختلاف لتركها عمدا، وهي السورة التي مع أم القرآن، والجهر في ms0126 موضع ~~الجهر، والإسرار في موضع الإسرار، والتكبير سوى تكبيرة الإحرام، وسمع الله ~~لمن حمده، والتشهد الأول، والجلوس له، والتشهد الآخر. وسائرها لا حكم ~~لتركها، فلا فرق بينها وبين الاستحبابات إلا في تأكيد فضائلها، حاشا المرأة ~~تصلي بغير قناع، فإن الإعادة في الوقت مستحبة لها. ### || فصل في ذكر مستحبات الصلاة # فصل # في ذكر مستحبات الصلاة وأما استحباباتها فثمان عشرة أيضا وهي أخذ الرداء، ~~والتيامن في السلام، وقراءة المأموم مع الإمام فيما يسر فيه، وإطالة ~~القراءة في الصبح والظهر، وتقصير الجلسة الأولى، والتأمين بعد قراءة أم ~~القرآن للفذ وللإمام فيما يسر فيه، [وقول الفذ ربنا ولك الحمد، وصفة ~~الجلوس، والإشارة بالإصبع فيه] ، والقنوت في الصبح، وقيام الإمام من موضعه ~~ساعة يسلم، والسترة، واعتدال الصفوف، والاعتماد، وترك قراءة بسم الله ~~الرحمن الرحيم في الفريضة، ووضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة، وقد ~~كرهه مالك في المدونة، ومعنى كراهيته أن يعد من واجبات الصلاة، والصلاة على ~~الأرض أو على ما أنبتت الأرض، والصلاة # PageV01P164 # في الجماعة مستحبة للرجل في خاصة نفسه. وأما إقامة الجماعة في الصلوات ~~فإنها فرض في الجمعة وسنة في كل مسجد. # فصل وأما الصلاة التي هي فرض على الكفاية فصلاة الجنائز، وقد قيل: إنها ~~سنة، وهو قول أصبغ. والدليل على أنها فرض على الكفاية «أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - صلى بالمدينة على النجاشي إذ لم يكن له من يصلي عليه ~~بموضعه الذي توفي فيه» وأجمع على العمل بذلك جميع المسلمين في جميع بلاد ~~الإسلام، فصار ذلك سبيل المؤمنين الذي توعد الله على ترك اتباعه بقوله ~~تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين ~~نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} [النساء: 115] ، فلو أن قوما تركوا ~~الصلاة على جنائزهم للحقهم الوعيد المذكور في الآية، وهذا دليل بين على ~~الوجوب، وقد استدل على ذلك ابن عبد الحكم بقول الله عز وجل: {ولا تصل على ~~أحد منهم مات أبدا} [التوبة: 84] ؛ لأنه سئل عن الصلاة على الجنازة فقال: ms0127 ~~هي فرض وتلا الآية، وليس ذلك بدليل بين؛ لأن النهي عن الصلاة على المنافقين ~~ليس بأمر بالصلاة على المؤمنين، إذ ليست بضد لها، وإنما يفهم الأمر من ذلك ~~بدليل الخطاب، وقد اختلف في القول به وفي حمل الأمر على الوجوب فضعف ~~الاستدلال بذلك. # فصل وأما السنة فهي خمس صلوات سنها النبي - عليه الصلاة والسلام -، وهي: ~~الوتر، وصلاة الخسوف، والاستسقاء، والعيدين، وقد قيل في صلاة العيدين: ~~إنهما واجبتان بالسنة على الكفاية، وإلى هذا كان يذهب شيخنا الفقيه ابن رزق ~~- رحمه الله تعالى -، والأول هو المشهور المعروف أنهما سنة على الأعيان. # فصل واختلف في ركعتي الفجر وركعتي الإحرام وركعتي الطواف، فقيل: إنهما ~~سنة # PageV01P165 # وقيل: إنهما استحباب. فأما الاختلاف في ركعتي الفجر فمنصوص عليه، روى أبو ~~زيد عن ابن القاسم أنهما سنة، وهو مذهبه في المدونة بدليل اشتراطه لهما ~~النية فيهما. ومثله في سماع ابن القاسم من العتبية. وروى أشهب عن مالك أنه ~~يستحب العمل بهما وليستا بسنة. ومثله في سماع عيسى من كتاب المحاربين ~~والمرتدين لأصبغ. وأما ركعتا الإحرام فالصواب فيهما أنهما نافلة على مذهب ~~مالك؛ لأنه لا يمنع من الزيادة عليهما وإنما يستحب أن لا يحرم إلا بأثر ~~صلاة نافلة أقلها ركعتان. وما لم يكن من النوافل مقدرا حتى لا يزاد عليه ~~ولا ينقص منه فلا يسمى سنة عند جماعة أصحابنا؛ لأن السنة إنما هي ما رسم ~~ليحتذى فلا يزاد عليه ولا ينقص منه. وقد اختلف أصحابنا في الصفة التي ~~لأجلها تسمى النوافل سنة، فمنهم من ذهب إلى أنه لا يسمى سنة إلا ما أظهره ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وجمع عليه أمته وشرع له الجماعة كصلاة ~~العيدين والخسوف والاستسقاء، فمن ذهب إلى هذا لم ير ركعتي الفجر من السنن. ~~ومنهم من ذهب إلى أنه يسمى منها سنة ما كان مقدرا لا يزاد عليه ولا ينقص ~~منه، فمن ذهب إلى هذا قال في ركعتي الفجر: إنهما سنة. ألا ترى أنه لا يقال ~~في صلاة الليل ولا في صلاة الضحى إنهما من ms0128 السنن لما كانت غير مقدرة. وأما ~~ركعتا الطواف فهما من الطواف، فإن كان واجبا فهما واجبتان، وإن كان نفلا ~~فهما نافلتان. # فصل وأما الفضيلة فهي خمس صلوات أيضا: تحية المسجد، وصلاة خسوف القمر، ~~وقيام رمضان، وقيام الليل، وسجود القرآن. وسائر الصلوات نوافل كالركوع قبل ~~الظهر وبعده وقبل العصر وبعد المغرب وقبل العشاء وبعدها وصلاة الضحى وما ~~أشبه ذلك. # فصل فالصلوات كلها ما عدا الخمس غير واجبة إلا أن منها سنة ومنها فضيلة ~~ومنها # PageV01P166 # نافلة على ما بيناه. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «خمس صلوات ~~كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئا ~~استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس ~~له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة» . «وقال - صلى الله عليه ~~وسلم - لضمام بن ثعلبه إذ جاء يسأله عن الإسلام قال: " خمس صلوات في اليوم ~~والليلة، قال: هل علي غيرهن قال: لا إلا أن تطوع» . وذهب أبو حنيفة إلى أن ~~الوتر واجب، ودليله قول النبي - عليه الصلاة والسلام -: «إن الله زادكم ~~صلاة إلى صلاتكم ألا وهي الوتر» . ومعنى ذلك عندنا، زادكم ثوابا إلى ثواب ~~صلاتكم، إذ لو كان المعنى ما ذهب إليه أبو حنيفة لقال زاد عليكم صلاة إلى ~~صلاتكم، وقد استدل أصحابنا على أنه غير واجب بخلاف الصلوات الخمس؛ [بأنه لا ~~يقضى بعد خروج وقته كما تقضى الصلوات الخمس] بعد خروج وقتها، وذلك لا يلزم ~~المخالف؛ لأنه يوجب قضاءه بعد خروج وقته. وكذلك استدل أيضا بعض الناس على ~~أنه غير واجب بإجازة صلاته على الراحلة، وذلك لا يلزم المخالف إذ لا يقول ~~بذلك. فمن تركه عامدا أو من غير عذر فإنما يأثم لرغبته عن السنة وقصده إلى ~~تضييعها. # فصل والفضل في الصلوات على قدر مراتبها، فأعظم الصلوات أجرا صلاة ~~الفريضة، ثم صلاة الجنائز؛ لأنه قد قيل فيها: إنها سنة وقد قيل: إنها فرض ~~على الكفاية، ثم صلاة الوتر؛ لأنه لم ms0129 يختلف فيها أنها سنة وقد قيل: إنها ~~واجبة، ثم صلاة العيدين وصلاة الخسوف وصلاة الاستسقاء؛ لأنه لم يختلف فيها ~~أنها سنة، ثم ركعتا الفجر؛ لأنه قد قيل فيهما: إنهما سنة، ثم ما أطلق عليه ~~من النوافل اسم فضيلة، ثم ما # PageV01P167 # لم يطلق عليه اسم الفضيلة. والأجر في ذلك كله على قدر النية فيه. قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله قد أوقع أجره على قدر نيته» ، ~~وقال - صلى الله عليه وسلم -: «نية المؤمن خير من عمله» . # فصل فالصلاة من أفضل أعمال البر، فرائضها أفضل من سائر الفرائض، ونوافلها ~~أفضل من سائر النوافل. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «استقيموا ~~ولن تحصوا واعملوا وخير أعمالكم الصلاة» ، يريد بعد الإيمان بالله تعالى، ~~وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إنما مثل الصلاة كمثل نهر عذب غمر بباب ~~أحدكم يقتحم فيه كل يوم خمس مرات فما ترون ذلك يبقي من درنه» ، وقال - صلى ~~الله عليه وسلم -: «ما من امرئ يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يصلي الصلاة إلا غفر ~~له ما بينه وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها» ، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ~~«الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يحدث تقول ~~اللهم اغفر له اللهم ارحمه» . «وسئل - صلى الله عليه وسلم - أي الأعمال ~~أفضل قال: " إيمان بالله "، قيل: ثم أي؟ قال: " الصلاة على مواقيتها " قيل: ~~ثم أي قال: " جهاد في سبيل الله» . وفي حديث آخر: قال: «إيمان بالله "، ~~قيل: ثم أي قال: " جهاد في سبيل الله» . وفي حديث آخر قال: «إيمان بالله " ~~قيل: ثم أي، قال: " جهاد في سبيل الله» فإن لم يكن سقط عن الراوي من هذا ~~الحديث ما زاد في الحديث الأول فليس ذلك بتعارض، ومعناه أن الصلاة أفضل من ~~الجهاد إذا كان الجهاد فرضا على الكفاية فقيم بالفرض؛ لأن الفرض على ~~الكفاية إذا قيم به كان لسائر الناس نفلا، وأن الجهاد أفضل من الصلاة لجميع ~~الناس في الموضع الذي يتعين فيه الجهاد على # PageV01P168 # الأعيان، ولمن ms0130 قام بالفرض في الموضع الذي هو فيه فرض على الكفاية، ~~فالمجاهد يحوز الأجرين جميعا، أجر الجهاد وأجر الصلاة؛ لأن الجهاد لا يكون ~~إلا بصلاة، فإذا جاهد في الموضع الذي يتعين فيه الجهاد على الأعيان، أو كان ~~ممن قام بفرض الجهاد في الموضع الذي يكون فيه الجهاد فرضا على الكفاية، كان ~~أجره في جهاده أعظم من أجر الصلاة في الجهاد، وفي غير الجهاد بما الله أعلم ~~بقدره. وإذا جاهد وقد قيم بفرض الجهاد كان أجره في الصلاة أعظم من أجره في ~~الجهاد بما الله أعلم بقدره. وهنا يكون أجر من قعد ولم يجاهد في صلاته أعظم ~~من أجر المجاهد في جهاده إذا تجرد عن أجره في صلاته، فلا يبلغ القاعد درجة ~~المجاهد في حال من الأحوال ولو صام لا يفطر وقام لا يفتر، وقد قال - عليه ~~الصلاة والسلام -: «مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم الدائم ~~الذي لا يفتر من صلاة ولا صيام حتى يرجع» . وروي عنه - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال: «لو صمت النهار وقمت الليل ما بلغت نوم المجاهد» . ### || فصل في القول في الإحرام في الصلاة # فصل # في القول في الإحرام في الصلاة الدخول في الصلاة والتحريم بها يفتقر إلى ~~نية ولفظ. فالنية اعتقاد أداء ما افترض عليه من الصلاة التي قام إليها وعمد ~~لها، واللفظ التكبير، وصفته الله أكبر لا يجزئ عند مالك - رحمه الله - ~~وجميع أصحابه في ذلك ما سواه من تسبيح أو تهليل أو تحميد خلافا لأبي حنيفة، ~~ولا التكبير بخلاف هذه الصفة خلافا للشافعي في قوله إنه يجوز فيه الله ~~الأكبر. ودليلنا عليهما جميعا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «تحريم ~~الصلاة التكبير وتحليلها التسليم» . وما روي عنه من رواية أبي هريرة وغيره ~~أنه # PageV01P169 # قال للرجل الذي علمه الصلاة: «إذا أردت الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل ~~القبلة ثم كبر ثم اقرأ ثم اركع حتى تطمئن راكعا» الحديث. ولفظ التكبير ~~بإطلاقه لا يقع إلا على الله أكبر. ودليلنا على أبي حنيفة من جهة القياس ms0131 أن ~~هذا ذكر عري من لفظ التكبير فلم يجز في الإحرام أصله إذا قال: اللهم اغفر ~~لي. ودليلنا من جهة القياس على الشافعي أن هذه زيادة في لفظ التكبير ... عن ~~بنية الله أكبر فلم يجز في الإحرام أصله إذا قال: الله الكبير. # فصل واختلف أهل العلم هل من شرط صحة الإحرام أن تكون النية مقارنة للفظ ~~الذي هو التكبير عندنا أو ليس ذلك من شرطه ويجزئ أن تتقدمه بيسير بعد ~~إجماعهم أنه لا يجوز أن تتقدمه بكثير ولا أن يتقدمها اللفظ بيسير ولا كثير، ~~إلى أنه يجوز أن تتقدمه بيسير، وذهب الشافعي إلى أنه لا يجوز أن تتقدمه ~~بيسير ولا كثير، وإلى هذا ذهب عبد الوهاب من أصحابنا، وهو ظاهر قول ابن أبي ~~زيد في رسالته. والدخول في الصلاة بنيه الفرض فريضة، وليس عن مالك - رحمه ~~الله تعالى - في ذلك نص ولا عن أحد من أصحابه المتقدمين، ولو كان ذلك عندهم ~~من فروض الصلاة لتكلموا عليه ولما أغفلوا ذكره ولا وسع أحدا عندهم جهله ولا ~~أجازوا إمامة من يجهله، كما لا تجوز عندهم إمامه من يجهل أن القبلة ~~والمباشرة تنقضان الوضوء وما أشبه ذلك مما أجمعوا عليه ولم يختلفوا فيه وإن ~~كان الخلاف فيه موجودا. والصحيح عندي على مذهبه ومذهبهم أنه ليس من شرط صحة ~~الإحرام مقارنة النية للتكبير، وأنه يجزئ أن تتقدمه بيسير. فإذا قام الرجل ~~إلى الصلاة ولم يجدد النية لها مع الإحرام معا نسيانا فصلاته تامة جائزة ~~لتقدم نيته قبل تشبثه بالصلاة، إذ لا يتصور من القائم للصلاة عدم النية ~~لها، قياسا على قولهم في الغسل والوضوء، وعلى ما أجمع عليه أهل العلم في ~~الصيام للنص الوارد في ذلك عن النبي - عليه الصلاة والسلام -. وقد فرق بين ~~الموضعين من خالف في ذلك # PageV01P170 # بتفاريق لا تسلم من الاعتراض ليس هذا موضع ذكرها والانفصال عنها. وأغرق ~~بعضهم في القياس فقالوا: إن جدد النية للإحرام بعد أن أخذ في التكبير قبل ~~تمامه لم يجزئه حتى ينويه من أوله. ومنهم من ms0132 قال: إن تجديد النية عند ~~الإحرام لا يجزئه حتى يسمي الصلاة التي يريد بلفظه فيقول صلاة كذا، وهذا لا ~~يوجبه نفر، ولا يعضده أثر. # فصل فتكبيرة الإحرام هي التكبيرة التي تقترن بها نية أداء فرض الصلاة أو ~~تتقدمها بيسير على ما قدمناه، وهي فرض عند مالك وجميع أهل العلم إلا من شذ ~~منهم على الفذ والإمام والمأموم. وقد روي عن ابن شهاب أنه قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «تكبيرة الإحرام على الفذ والإمام والمأموم» ~~. وقول سعيد بن المسيب وابن شهاب فيمن نسي تكبيرة الإحرام مع الإمام وكبر ~~للركوع: إنها تجزئه من تكبيرة الإحرام وإن لم ينو بها تكبيرة الإحرام، لا ~~يدل أن تكبيرة الإحرام عندهما ليست بفرض، خلاف ما ذهب إليه بعض المتأولين ~~من المتأخرين، وإنما معنى ما ذهبا إليه والله أعلم وأحكم أنها تجزئه من ~~تكبيرة الإحرام؛ لأن النية قد تقدمت منه عند القيام إلى الصلاة، إذ لا ~~يتصور عدم النية من القائم للصلاة فانتظمت النية المتقدمة بالتكبير للركوع ~~لقرب ما بينهما فصح الإحرام وأجزأت الركعة؛ لأن الإمام يحمل عنه القراءة، ~~ولم ير ذلك مالك - رحمه الله - فقال: وذلك إذا نوى بها تكبيرة الإحرام، وإن ~~كان من مذهبه جواز تقدم النية على الإحرام على ما ذكرناه؛ لأنه لما نوى بها ~~تكبيرة الركوع وهي سنة كان قد نقض بذلك نيته المتقدمة. وإنما كانت تجزئه من ~~تكبيرة الإحرام وتنتظم عنده بالنية المتقدمة لو لم تكن له فيها نية. فأصل ~~الاختلاف بينه وبينهما إنما هو هل ترتفض بذلك نيته المتقدمة بتحويلها إلى ~~نية تكبيرة الركوع الذي هو سنة أم لا. فرأى مالك - رحمه الله تعالى - أنها ~~ترتفض بذلك، ورأى سعيد بن المسيب وابن شهاب أنها لا ترتفض به، وذلك نحو قول # PageV01P171 # مالك فيمن طاف تطوعا إنه يجزئه من طواف الإفاضة إذا تباعد، ومثل قول أشهب ~~فيمن قرأ سجدة في صلاته فركع بها ساهيا: إن الركعة تجزئه، ومثل قولهم فيمن ~~حالت نيته وهو في الصلاة إلى نافلة: إن صلاته تامة. ms0133 والفرق عند مالك - رحمه ~~الله تعالى - بين من حالت نيته في الصلاة إلى نافلة وبين القائم إلى الصلاة ~~تحول نيته فيكبر بنية الركوع الذي هو سنة مراعاة الاختلاف، وذلك أن كثيرا ~~من العلماء يوجبون عليه تجديد النية عند الإحرام. ولا خلاف عند أحد من ~~العلماء في أنه لا يلزمه تجديد النية عند كل ركن من أركان الصلاة، ومن ~~مذهبه مراعاة الاختلاف. وأما سعيد بن المسيب وابن شهاب فطردا قولهما على ~~أصل مذهبهما ولم يراعيا خلاف غيرهما. ولو كبر للركوع وهو ذاكر للإحرام ~~متعمدا لما أجزأته صلاته بإجماع، كما لو رجع في صلاته إلى نية النافلة ~~متعمدا لبطلت صلاته. ومن تأول على ابن المسيب وابن شهاب أن تكبيرة الإحرام ~~عندهما سنة وأن سجود السهو يجزئ فيها عن الفذ وأن الإمام يحملها عن المأموم ~~فقد أخطأ عليهما خطأ ظاهرا، إذ لو كانت عندهما سنة لحملها الإمام عن ~~المأموم كبر للركوع أو لم يكبر، كما يحمل عنه القراءة وجميع سنن الصلاة وإن ~~كثرت، ولأجزأ الفذ والإمام من تركها سجود السهو وأن لم يكبر للركوع وإن كان ~~القوم سهوا عنها بسهوه أجزأهم سجود سجدتي السهو بهم. وإن كانوا كبروا هم ~~دونه قبل ابتدائه بالقراءة بطلت صلاتهم لدخولهم فيها قبله إن كان مذهبه أن ~~صلاة القوم مرتبطة بصلاة إمامهم، وهذا لا يصح؛ لأنه خلاف ما نصا عليه في ~~قولهما أجزأته تكبيرة الركوع من تكبيرة الإحرام؛ لأنهما لما قيدا الإجزاء ~~بتكبيرة الركوع دل ذلك من مذهبهما على أن تكبيرة الإحرام عندهما فرض إلا ~~أنه يجزئ منها عندهما للفذ والإمام والمأموم تكبيرة الركوع، فلا يكون واحد ~~منهم داخلا في الصلاة على مذهبهما إذا لم يكبروا للإحرام إلا تكبيرة الركوع ~~النائبة منابها عندهما على التأويل الذي وصفناه من أن النية المتقدمة ~~انتظمت بها فصح الإحرام، فإن تركها المأموم وكبر للركوع صحت صلاته على ~~مذهبهما وكان داخلا فيها بتكبيرة الركوع التي أجزأته من تكبيرة الإحرام؛ ~~لانتظامها بالنية المتقدمة وحمل الإمام عنه القراءة. وهذا إن كبر للركوع في ~~حالة القيام. ms0134 وإن تركها الفذ وكبر للركوع أجزأته تكبيرة الركوع عن تكبيرة ~~الإحرام فصح إحرامه # PageV01P172 # وسجد قبل السلام لتركه القراءة في تلك الركعة على الاختلاف في ذلك إن كان ~~أوقع تكبيرة الركوع في حال القيام. وأما إن كان كبر للركوع وهو راكع بطلت ~~الركعة لإسقاطه منها القيام وأتى بها بعد سلام الإمام. وكذلك إن تركها ~~الإمام ومن معه وكبروا للركوع. وأما إن أحرموا هم ونسي الإمام تكبيرة ~~الإحرام وكبر للركوع فلا تجزئهم صلاتهم؛ لأنهم أحرموا قبله ويصلح هو صلاته ~~بالسجود أو إلغاء الركعة على ما تقدم. وقد قيل: إن من أحرم قبل إمامه فهو ~~بمنزلة من لم يحرم في جميع الأحوال. فيتخرج على هذا القول إن كبروا للركوع ~~بعده أن يكونوا بمنزلته في إصلاح الصلاة بالسجود أو إلغاء الركعة. # فصل فإذا نسي المأموم تكبيرة الإحرام وكبر للركوع ولم ينو بها تكبيرة ~~الإحرام تمادى مع الإمام وأعاد، وإن نوى بها تكبيرة الإحرام أجزأته صلاته ~~وحمل عنه الإمام القراءة. وأما إن ترك الإمام والفذ تكبيرة الإحرام فلا بد ~~لهما على مذهب مالك من استئناف الصلاة وإن نويا بتكبيرة الركوع تكبيرة ~~الإحرام؛ لأنهما إن لم ينويا بها تكبيرة الإحرام فليسا في صلاة، وإن نويا ~~بها تكبيرة الإحرام فقد بدآ من صلاتهما بالركوع قبل القراءة متعمدين لذلك ~~فأفسدا. # فصل وكذلك إن فاتته الأولى ودخل مع الإمام في الثانية فنسي الإحرام وكبر ~~للركوع، الحكم في ذلك سواء، إن لم ينو بها تكبيرة الإحرام تمادى مع الإمام ~~وأعاد بعد قضاء الركعة التي فاتته، وإن نوى بها تكبيرة الإحرام أجزأته ~~الصلاة وقضى الركعة بعد سلام الإمام. كذا روى علي بن زياد عن مالك. وذهب ~~ابن حبيب إلى أنه إذا فاتته الأولى ونسي الإحرام وكبر للركوع ولم ينو بها ~~تكبيرة الإحرام أنه يقطع على كل حال ولا وجه لقوله. وأما من دخل مع الإمام ~~في الأولى ونسي الإحرام والتكبير للركوع وكبر في الركعة الثانية ولم ينو ~~بها الإحرام فقال مالك في الموطأ: إنه يقطع، والفرق عنده بين هذه وبين ~~الأولى ms0135 تباعد ما بين النية والتكبير والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV01P173 # فصل واختلف إذا ذكر المأموم تكبيرة الإحرام وهو راكع قد كبر للركوع وهو ~~يطمع أن يرفع ويحرم ويدرك الركعة، فقيل: إنه يتمادى ويعيد، وقيل: إنه يرفع ~~ويحرم ويدرك الركعة، وقيل: يقطع بسلام ويدرك الركعة. فإن لم يكبر للركوع ~~وكبر للسجود قطع ما لم يركع الركعة الثانية كبر لها أو لم يكبر، قاله في ~~كتاب ابن المواز. فإن ركع تمادى وأعاد بعد قضاء ركعة، وإن نوى بتكبير ~~السجود الإحرام أجزأه وقضى ركعة بعد سلام الإمام. فهذا حكم المأموم ينسى ~~تكبيرة الإحرام. وأما إن شك فيها فذكر قبل أن يركع أو بعد أن ركع ولم يكبر ~~للركوع، فقيل: إنه يقطع ويحرم، يريد بسلام. وفي الواضحة دليل على أنه يقطع ~~بغير سلام، والله أعلم. وقيل: إنه يتمادى ويعيد. وأما إن لم يذكر حتى كبر ~~للركوع، فإنه يتمادى ويعيد. وأما من كبر قبل إمامه فقيل: إنه بمنزلة من لم ~~يكبر في جميع شأنه، وقيل: إنه إن ذكر قبل أن يركع أو بعد أن ركع ولم يكبر ~~إنه يقطع بسلام ويدخل مع الإمام، وقيل: إنه إن ذكر قبل أن يركع قطع بغير ~~سلام، وإن ذكر بعد أن ركع ولم يكبر قطع بسلام، وهو قول ابن القاسم. وأما إن ~~لم يذكر حتى كبر للركوع، فإنه يتمادى ويعيد قولا واحدا. # فصل وأما من نسي تكبيرة الإحرام وهو وحده أو إمام فإنه يقطع متى ما ذكر ~~ويحرم، فإن كان قبل ركعة قطع بغير سلام، وإن كان بعد ركعة فقيل: إنه يقطع ~~بسلام، وقيل: بغير سلام ويعيد الإقامة. # فصل فإن شك فيها وهو وحده أو إمام فقيل: إنه يتمادى حتى يتم ويعيد، فإن ~~كان إماما سأل القوم فإن أيقنوا بإحرامه صحت صلاتهم، وإن لم يوقنوا أعادوا ~~الصلاة. وفي هذا القول دليل على ما ذهبنا إليه من إجازة تقدم النية الإحرام ~~على مذهب مالك. وقيل: إنه بمنزلة من أيقن يقطع متى علم، وقيل: إنه إن كان ~~قبل أن يركع قطع وإن ms0136 كان قد ركع تمادى وأعاد إلا أن يكون إماما فيوقن القوم ~~أنه قد أحرم. وفي # PageV01P174 # رجوعه إلى يقين القوم بإحرامه واجتزائه بذلك دليل على إجازة تقدم النية ~~الإحرام وقد ذكرنا ذلك. ### || فصل في السلام من الصلاة # فصل # في السلام من الصلاة والسلام من الصلاة بمنزلة الإحرام لها في جميع ~~حالاته؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع بينهما فقال: «تحريم الصلاة ~~التكبير وتحليلها التسليم» . فكما لا يدخل في الصلاة إلا بتكبيرة ينوي بها ~~الدخول في الصلاة والتحرم بها، فكذلك لا يخرج منها إلا بتسليمة ينوي بها ~~الخروج من الصلاة والتحلل منها، فإن سلم في آخر صلاته ولا نية له أجزأ ذلك ~~عنه لما تقدم من نيته، إذ ليس عليه أن يجدد الإحرام لكل ركن من أركان ~~الصلاة. وإن نسي السلام الأول وسلم السلام الثاني لم يجزئه ذلك على مذهب ~~مالك، وأجزأه على ما تأولناه على مذهب ابن المسيب وابن شهاب. وإن سلم ساهيا ~~قبل تمام صلاته لم يخرج بذلك عن صلاته بإجماع، فليتم صلاته ويسجد لسهوه إن ~~كان وحده أو إماما، فإن سلم شاكا في تمام صلاته لم يصح له الرجوع إلى ~~تمامها. واختلف إن أيقن بعد سلامه أنه قد كان أتم صلاته، فقال ابن حبيب: ~~صلاته جائزة كمن تزوج امرأة وهو لا يدري إن كان زوجها حيا أو ميتا ثم انكشف ~~أنه قد مات وانقضت العدة أن نكاحه جائز، وقد قيل: إن صلاته فاسدة وهو أظهر. ~~وإن سلم قاصدا إلى التحلل من الصلاة وهو يرى أنه قد أتمها ثم شك في شيء ~~منها أو أيقن به لم يمنعه ذلك من الرجوع إلى إصلاحها. واختلف هل يرجع إليها ~~بإحرام أم لا على قولين: أحدهما أن السلام على طريق السهو لا يخرجه عن ~~الصلاة فيرجع إليها بغير إحرام، وهو قول أشهب وابن الماجشون واختيار ابن ~~المواز في كتابه، والثاني أنه يخرجه عن الصلاة فلا يرجع إليها إلا بإحرام، ~~وهو قول ابن القاسم في المجموعة وروايته عن مالك. وإلى هذا ذهب أحمد ms0137 بن ~~خالد وقال: إنه # PageV01P175 # قد روي عن النبي - عليه الصلاة والسلام -. قال أحمد بن خالد: فإن لم يرجع ~~بإحرام أعاد الصلاة. ومثله في مختصر ابن عبيد الطليطلي، إلا أنه قال: يكبر ~~ثم يجلس ويبني، وحكاه عن ابن القاسم. وإنما الصواب أن يجلس ثم يكبر فيبني؛ ~~لأنه إذا كبر قائما فقد زاد في الصلاة الانحطاط من حال القيام إلى حال ~~الجلوس. # فصل فمن رأى السلام يخرجه من الصلاة وقال: إنه يرجع بإحرام، فلا بد له من ~~الرجوع إلى الموضع الذي فارق فيه الصلاة، فإن كان سلم من ركعتين رجع إلى ~~الجلوس، وإن كان سلم من ركعة أو ثلاث ركعات فذكر وهو قائم رجع إلى حال رفع ~~رأسه من السجود ولم يجلس إذ لم يكن ذلك موضعا لجلوسه، وإنما كان الواجب ~~عليه أن يقوم من السجدة الأخيرة دون أن يرجع إلى الجلوس، وهذا بين. ومن رأى ~~أن السلام لا يخرجه من الصلاة فيأتي على مذهبه أنه إن ذكر وهو قائم كبر ~~وابتدأ القراءة ولم يرجع إلى الجلوس؛ لأن قيامه للانصراف محسوب له من صلاته ~~إذا لم يخرجه عنها السلام، وإن ذكر وهو جالس في موضعه قام وكبر وابتدأ ~~القراءة. وهذا على مذهب ابن القاسم إن كان سلم من ركعتين. وأما إن كان سلم ~~من ركعة أو ثلاث فيرجع إلى صلاته ويبتدئ القراءة دون تكبير قائما كان أو ~~قاعدا. وليس في المدونة في هذا بيان إن كان يرجع إلى الجلوس أم لا إلا ما ~~يظهر من مذهب سحنون في قوله إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجع يوم ~~ذي اليدين بتكبير. ويحتمل أن تكون تلك التكبيرة - إن ثبتت - تكبيرة إحرام، ~~وأن تكون تكبيرة القيام من اثنتين. # ولقد نازعني بعض أصحابنا في مسألة المدونة وهي قوله فيمن فاته بعض صلاة ~~الإمام فظن أن الإمام قد سلم فقام لقضاء ما فاته فسلم الإمام وهو قائم أنه # PageV01P176 # يلغي ما قرأ ويستأنف قراءته من أولها ولا يرجع إلى الجلوس ويسجد قبل ~~السلام يريد لنقصان النهضة، فقال ms0138 فيها: إن هذا من قوله في المدونة مثل قول ~~ابن نافع فيمن سلم من ركعتين ساهيا ثم ذكر بالقرب وهو قائم إنه [يلغي ما ~~قرأ ويستأنف قراءته من أولها ولا يرجع إلى الجلوس ويسجد قبل السلام، يريد ~~لنقصان النهضة، فقال فيها: إن هذا من قوله في المدونة مثل قول ابن نافع ~~فيمن سلم من ركعتين ساهيا ثم ذكر بالقرب وهو قائم إنه لا يرجع إلى الجلوس ~~خلاف قول ابن القاسم إنه يحرم] ، ويرجع إلى الجلوس. # فقلت له: مسألة المدونة هذه صحيحة لا يصح دخول ذلك الاختلاف فيها؛ لأنها ~~مسألة أخرى، والفرق بينهما: أن الذي سلم من ركعتين ساهيا اختلف هل يخرج من ~~الصلاة بالسلام على طريق السهو أم لا، على قولين. فمن ذهب إلى أنه يخرج به ~~عن الصلاة يقول: يرجع بإحرام ويعود إلى الجلوس؛ لأن نهضته لم يفعلها ~~للصلاة، وهو مذهب ابن القاسم. ومن يقول إن السلام على طريق السهو لا يخرج ~~به المصلي عن الصلاة يقول إنه لا يحتاج في رجوعه إلى إحرام ولا يرجع إلى ~~الجلوس؛ لأن قيامه يعتد به من صلاته وهو مذهب ابن الماجشون وابن نافع وأشهب ~~واختيار محمد بن المواز. والذي قام قبل سلام الإمام فعلم بسلامه وهو قائم ~~لم يخرج بفعله ذلك عن صلاته وصارت النهضة التي فعل في حكم الإمام وقبل ~~سلامه ملغاة لا يعتد بها فكأنه أسقطها فوجب أن لا يرجع إليها ويسجد قبل ~~السلام قياسا على من أسقط الجلسة الوسطى ساهيا فلم يذكر حتى اعتدل قائما ~~إنه لا يرجع إليها ويسجد قبل السلام. # فقال لي: لا فرق بين القراءة والنهضة التي فعل قبل سلام الإمام في أنه لا ~~يعتد بشيء من ذلك، فكما يستأنف قراءته من أولها فكذلك يلزم أن يرجع إلى ~~الجلوس ليأتي بالنهضة التي فعل في حكم الإمام، فلم يعتد بها على مذهب ابن ~~القاسم فيمن سلم من ركعتين. # فقلت له: لا يلزم ذلك. والفرق بين القراءة والنهضة أن النهضة قد فات # PageV01P177 # موضعها ولا يقدر أن يرجع إليها ms0139 إلا بزيادة الانحطاط من حال القيام إلى ~~الجلوس، وليس ذلك من الصلاة. والقراءة لم يفت موضعها فهو يستأنفها من غير ~~أن يزيد في صلاته شيئا. # فقال لي: قول ابن القاسم في الذي سلم من ركعتين ساهيا إنه يحرم ثم يجلس، ~~فقد قال ابن القاسم: إنه يرجع إلى الجلوس فلا يصح لك الفرق بين القراءة ~~والنهضة بذلك. # قلت له: لا يصح عن ابن القاسم ولا عن غيره في مسألتك أن يحرم ثم يرجع إلى ~~الجلوس، وقد أخطأ على ابن القاسم من حمل قوله على ذلك، وإنما معنى قوله أن ~~يرجع إلى الجلوس قبل ثم يحرم، بدليل إجماعهم على أن مسقط الجلسة الوسطى لا ~~يرجع إليها بعد اعتداله قائما من أجل زيادة الانحطاط، وبذلك تعلل السنة ~~الثابتة في ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فسكت وسلم. # فإن قال قائل: فإن الذي يسقط سجدة فيذكرها وهو قائم في الثانية يؤمر أن ~~يرجع إليها وهو في رجوعه إليها يزيد في صلاته ما ليس منها، وهو الانحطاط من ~~حال القيام إلى الجلوس. فما الفرق بين ذلك وبين رجوعه إلى النهضة التي يجب ~~إلغاؤها؟. # قيل له: السجدة ركن من أركان الصلاة لا يجزئ عنها سجود السهو، فوجب ~~الرجوع إليها ما لم تفت بعقد ركعة، والنهضة تجزئ عنها سجدتا السهو كالجلسة ~~الوسطى، فلم يرجع إليها بزيادة ما ليس من الصلاة، وبالله التوفيق. # PageV01P178 ### | كتاب الصلاة الثاني # ] [ ### || فصل في القراءة في الصلاة # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما كتاب الصلاة ~~الثاني فصل # في القراءة في الصلاة القراءة في الصلاة واجبة عند جمهور العلماء بدليل ~~قول الله عز وجل: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} ~~[الأعراف: 204] ؛ لأن المعنى في ذلك: إذا قرئ القرآن في الصلاة فاستمعوا له ~~وأنصتوا، إذ لا يجب الإنصات للقارئ واستماع قراءته إلا على المأموم للإمام، ~~بدليل قول الله عز وجل: {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك ~~سبيلا} [الإسراء: 110] ؛ لأن المعنى في ذلك عند بعض أهل ms0140 التفسير: ولا تجهر ~~بقراءة صلاتك حتى يسمعها المشركون لئلا يسبوا قراءتك، ولا تخافت بها حتى لا ~~يسمعها أصحابك الذين معك في صلاتك، وبدليل قول الله عز وجل أيضا: {فاقرءوا ~~ما تيسر منه} [المزمل: 20] ؛ لأن معناه في الصلاة. بدليل قول رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «قال الله تبارك وتعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ~~نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، اقرؤوا يقول العبد الحمد ~~لله رب العالمين» الحديث. لأنه لما سمى القراءة في الصلاة صلاة دل على أن ~~الصلاة # PageV01P179 # لا تجزئ إلا بها. ألا ترى أنه سمى الصلاة إيمانا لما كانت الصلاة لا تصح ~~إلا بالإيمان، فقال الله عز وجل: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} [البقرة: ~~143] أي: صلاتكم إلى بيت المقدس، على ما قاله أهل التأويل. # فصل والذي يتعين من القراءة في الصلاة عند مالك - رحمه الله تعالى - ~~وجميع أصحابه وأكثر أهل العلم، قراءة أم القرآن على الإمام والفذ. قيل: في ~~جملة الصلاة، بدليل قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من صلى صلاة لم ~~يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج هي خداج غير تمام» ، وبدليل قوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «لا صلاة لمن لم يقرا بأم القرآن» . وقيل: في كل ركعة، بدليل ~~ما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تتم ركعة لم يقرأ فيها بأم ~~القرآن» ، وبدليل قول جابر بن عبد الله: من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم ~~القرآن لم يصل إلا وراء إمام. فعلى القول بأنها واجبة في جملة الصلاة إن ~~ترك قراءتها جملة أعاد الصلاة، وإن تركها في ركعة واحدة من أي الصلوات كانت ~~أجزأه سجود السهو. وعلى القول بأنها واجبة في كل ركعة، إن ترك قراءتها في ~~ركعة أو ركعتين أو ثلاث ألغاها، وبنى صلاته على الركعة التي قرأها فيها، ~~على حكم من ترك سجدة أو ركعة من ركعتين أو من ثلاث أنه يصلح صلاته بإلغاء ~~ما بطل عليه من الركعات، والسجود للسهو بعد السلام أو قبله إن كان قد اجتمع ms0141 ~~له في سهوه زيادة ونقصان على ما يأتي لهم في مسائلهم. وفرق مالك - رحمه ~~الله تعالى - بين أن يترك أم القرآن من ركعة واحدة وبين أن يتركها من ~~ركعتين أو أكثر، فقال: إنه إن تركها من ركعتين أو أكثر أعاد الصلاة ولم ~~يختلف في ذلك قوله. واختلف قوله إن تركها من ركعة واحدة على ثلاثة أقوال: ~~أحدها أن يسجد قبل السلام وتصح صلاته. والثاني أنه يلغي الركعة. والثالث ~~أنه يسجد قبل السلام ويعيد الصلاة. قيل: كانت # PageV01P180 # الصلاة من أي الصلوات كانت، وهو ظاهر ما في المدونة على معنى ما قاله ابن ~~الماجشون، من أنه إنما ينظر إلى قلة السهو من كثرته لا إلى مقدار ما يقع في ~~الصلاة. وقيل: إنما ذلك إذا كانت الصلاة ثلاثية أو رباعية، وهو قوله في ~~رواية مطرف عنه، وحكاه ابن حبيب أيضا عنه من رواية ابن القاسم. واختلف ~~اختيار ابن القاسم في ذلك، فمرة أخذ بالإلغاء، وهو قوله في الصلاة من ~~المدونة، ومرة أخذ بالإعادة، وهو قوله في الوضوء منها وفي كتاب ابن المواز. ~~وهذا كله استحسان على غير قياس مراعاة لقول من لا يرى القراءة واجبة في ~~الصلاة جملة، وهو [مذهب ربيعة بن أبي] ، عبد الرحمن وعبد العزيز بن أبي ~~سلمة على ما جاء عن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - من أنه لا ~~إعادة على من ترك القراءة في صلاته إذا كان الركوع والسجود حسنا، وعن عمر ~~بن الخطاب من أنه صلى بالناس المغرب فلم يقرأ فيها، فلما انصرف قيل له: ما ~~قرأت، قال فكيف كان الركوع والسجود، قالوا: حسن، قال: فلا بأس إذا. وقد ~~أنكر مالك - رحمه الله تعالى - ذلك عن عمر بن الخطاب، فقال: أنا أنكر أن ~~يكون عمر فعله، وإنما هو حديث سمعناه لا أدري ما حقيقته. وقد روي أن عبد ~~الرحمن بن عوف دخل عليه، فقال: يا أمير المؤمنين صليت بنا ولم تقرأ، فقال: ~~أجل، إني جهزت عيرا إلى الشام فأنزلتها منازلها فخرج عمر إلى الناس فأعاد ms0142 ~~بهم الصلاة. # فصل فعلى القول بالإعادة إن ذكر قبل أن يركع أنه لم يقرأ استأنف القراءة ~~وسجد بعد السلام على الاختلاف في السجود بزيادة القرآن سهوا، وإن ذكر ذلك ~~بعد أن ركع وقبل أن يرفع، فقيل: إنه يقطع، وهو قول ابن القاسم في كتاب ابن ~~المواز، وقيل: إنه ينصرف إلى القيام فيقرأ ويركع ويسجد بعد السلام، وهو ~~قوله في سماع سحنون. وهذا على الاختلاف في عقد الركعة هل هو بالركوع أو ~~بالرفع منه. وقال: # PageV01P181 # أصبغ يمضي على صلاته ويسجد لسهوه ويجتزئ بها إلا أن يشاء أن يعيدها. وإن ~~ذكر بعد أن رفع رأسه من الركوع قبل أن يسجد أو بعد أن سجد إحدى السجدتين ~~قطع، وإن ذكر بعد أن سجد السجدتين ما لم يركع في الثانية، فمرة قال: يقطع، ~~وهو قول ابن القاسم في سماع أبي زيد، ومرة قال: يتم ركعتين، وهو قوله في ~~كتاب ابن المواز. وكذلك إن ذكر بعد أن ركع في الثانية على القول بأن عقد ~~الركعة [لا يكون إلا برفع الرأس من الركوع. وأما على القول بأن عقد الركعة] ~~يكون بالركوع فيتم ركعتين كما لو ذكر بعد أن رفع رأسه من الركوع. وإن ذكر ~~وهو واقف في الثالثة رجع إلى الجلوس وسلم، وإن ذكر بعد أن صلى الثالثة أتم ~~الرابعة وسجد قبل السلام وأعاد الصلاة في الوقت وبعده. قال ابن القاسم في ~~موضع: احتياطا، وقال في موضع: يعيد أحب إلي، وقال في موضع: يتم الرابعة ~~وتكون نافلة ويعيد. # فصل وأما على القول بالإلغاء، فإن ذكر أنه لم يقرأ قبل أن يتم الركعة ~~بسجدتيها ألغى ما مضى منها واستأنف القراءة من أولها وسجد بعد السلام، وإن ~~ذكر ذلك وهو واقف في الركعة الثانية جعلها أولى وألغى الأولى التي لم يقرأ ~~فيها، وسجد بعد السلام. وكذلك إن ذكر وهو قائم في الثالثة جعلها ثانية وقرأ ~~فيها بالحمد لله وسورة وجلس وتشهد وسجد بعد السلام. وإن ذكر ذلك بعد أن ركع ~~في الثالثة وإن لم يرفع رأسه من الركوع ms0143 تمادى وجعلها ثانية وجلس وتشهد وسجد ~~قبل السلام، وكذلك إن ذكر ذلك بعد أن قام من الثالثة وهو واقف في الرابعة ~~جعلها ثالثة وسجد قبل السلام. وأخذ أشهب وابن عبد الحكم وأصبغ بالإعادة في ~~الركعة الواحدة، وبالإلغاء في الركعتين والثلاث. قال ابن عبد الحكم: ما لم ~~يسلم فإن سلم أعاد، وقال أصبغ: وإن سلم جاهلا فإنه يرجع إلى صلاته ويلغي ما ~~كان بالقرب، إذ لم يختلف قول مالك في أن من ترك القراءة في ركعتين فما زاد ~~إنه يعيد، فراعى هؤلاء اختلاف قول مالك كما راعى مالك اختلاف قول غيره ممن ~~تقدمه. فتحصيل الاختلاف في هذه المسألة أن في تارك القراءة في ركعة واحدة ~~من صلاة ثلاثية أو # PageV01P182 # في رباعية ثلاثة أقوال لمالك، وفي تارك القراءة من ركعتين أو ثلاث من ~~صلاة رباعية أو من ركعتين من صلاة ثلاثية قولان: أحدهما: الإعادة، وهو قول ~~مالك، والثاني: الإلغاء، وهو قول أشهب وابن عبد الحكم وأصبغ. واختلف في ~~تارك القراءة من ركعة من صلاة هي ركعتان كالصبح والجمعة وصلاة السفر، فقيل: ~~إن ذلك كتارك القراءة في ركعة من صلاة ثلاثية أو رباعية يدخل في ذلك ~~الثلاثة الأقوال لمالك، وقيل: إن ذلك كتارك القراءة في ركعتين من صلاة ~~رباعية لا يكون في ذلك إلا قولان: الإعادة، والإلغاء، وبالله التوفيق. ### || فصل فيما يجب على المرأة من الستر في الصلاة # فصل # فيما يجب على المرأة من الستر في الصلاة # قال الله عز وجل: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا ~~يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن ~~إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن} [النور: 31] الآية، وقال الله عز ~~وجل: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من ~~جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين} [الأحزاب: 59] . فلما أمرت المرأة ~~الحرة بالستر من الأجنبيين، وأن لا تبدي عند غير ذي المحرم منها من زينتها ~~إلا ما ظهر منها، وهو الوجه والكفان على ما قاله أهل العلم ms0144 بالتأويل، وجب ~~عليها مثل ذلك في الصلاة سنة واجبة لا ينبغي لها تركها. فأقل ما يجزئها من ~~اللباس في الصلاة الخمار والدرع السابغ الذي يستر ظهور قدميها على ما قالته ~~أم سلمة - رضي الله عنها - للتي سألتها عما تصلي فيه المرأة من الثياب. ولا ~~يجوز لها أن تصلي في ثوب خفيف يصف جسدها، ولا في ثوب صفيق رقيق يلتطئ بها ~~فيصف خلقها؛ لأنها إذا # PageV01P183 # فعلت ذلك كانت كاسية في حكم العارية. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ~~ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام» ، فإن فعلت ذلك أو صلت بادية الشعر أو ~~الصدر أو الذراعين أو القدمين، أعادت في الوقت. وأما الأمة فحكمها فيما ~~يجوز لها أن تصلي فيه من الثياب حكم الرجل، إلا في وجوب ستر فخذها، إذ لا ~~اختلاف في أن الفخذ من المرأة عورة. وإنما اختلف في الفخذ من الرجل، فروى ~~ابن عباس وجرهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الفخذ عورة» . ~~وقال «أنس بن مالك: أجرى النبي - صلى الله عليه وسلم - في زقاق خيبر وإن ~~ركبتي لتمس فخذه - صلى الله عليه وسلم -، فحسر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - الإزار عن فخذه حتى إني أنظر إلى بياض فخذ رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -» وقال البخاري: حديث أنس أسند وحديث جرهم أحوط حتى يخرج من ~~اختلافهم. «وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان في حائط بعض الأنصار ~~مدليا رجليه في بئرها وبعض فخذه مكشوف، فدخل عليه أبو بكر وعمر - رضي الله ~~عنهما - وهو على حاله لم ينتقل عنها حتى دخل عثمان فغطى فخذه وقال: " ألا ~~أستحي ممن استحيت منه ملائكة الرحمن» . فإن صلت الأمة مكشوفة الفخذ - أو ~~السرة - لأنها منها أيضا عورة أعادت في الوقت. واختلف إن صلت مكشوفة البطن، ~~فقال أصبغ: لا إعادة عليها، وقال أشهب: تعيد في الوقت، وكذلك الرجل عنده، ~~وهو بعيد. وإن صلى الرجل مكشوف البطن والظهر ms0145 فلا إعادة عليه في المشهور في ~~المذهب، وإن صلى مكشوف الفخذ تخرج وجوب الإعادة عليه في الوقت على الاختلاف ~~فيه هل هو عورة أم لا. والذي أقول به أن ما روي عن النبي - عليه الصلاة ~~والسلام - في الفخذ ليس باختلاف تعارض، ومعناه أنه ليس عورة يجب سترها فرضا ~~كالقبل والدبر، وأنه عورة يجب سترها في مكارم الأخلاق ومحاسنها، فلا ينبغي ~~التهاون بذلك في المحافل والجماعات، ولا عند ذوي الأقدار والهيئات. فعلى ~~هذا تستعمل الآثار كلها، واستعمالها كلها أولى من بعضها. # PageV01P184 # فصل وقد اختلف في ستر العورة، فقيل: إنها من فرائض الصلاة، وقيل: إنها ~~ليست من فروض الصلاة وإنما هي فرض في الجملة وسنة في الصلاة. فمن رآها من ~~فروض الصلاة أوجب الإعادة أبدا على من صلى مكشوف العورة وهو قادر على ~~سترها، ومن لم يرها من فروض الصلاة لم يوجب عليه الإعادة إلا في الوقت. # وحكم المرأة في النظر إلى فخذ المرأة وإلى سرتها كحكم الرجل في نظره إلى ~~ذلك من الرجل. وحكم المرأة فيما يصح لها أن تراه من الرجل الأجنبي كحكم ~~الرجل فيما يصح له أن يراه من ذوات محارمه على القول بأن الرجل لا يغسل ~~ذوات محارمه كما لا يغسل النساء الرجل الأجنبي، وهو الصحيح من الأقوال. ~~وحكم المرأة فيما يصح لها أن تراه من ذوي محارمها كحكم الرجل فيما يصح له ~~أن يراه من الرجل. وقد قيل: إن حكم المرأة فيما يصح لها أن تراه من الرجل ~~كحكم الرجل فيما يصح له أن يراه من المرأة، وبالله تعالى التوفيق. ### || فصل في الجمع بين الصلاتين المشتركتين في الوقت # فصل # في الجمع بين الصلاتين المشتركتين في الوقت الجمع بين الصلاتين المشتركتي ~~الوقت وهما الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، في السفر والمرض والمطر رخصة ~~وتوسعة. والأصل في جواز ذلك ما ثبت من «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، في سفره إلى تبوك» «وأنه أخر ~~الصلاة يوما ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا، ثم ms0146 دخل وخرج وصلى المغرب ~~والعشاء جميعا» «وأنه كان إذا أراد أن يسير يومه جمع بين الظهر والعصر، ~~وإذا أراد أن يسير ليله جمع بين المغرب والعشاء» . وما روي # PageV01P185 # عن ابن عمر أنه قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا جد به ~~السير يجمع بين الظهر والعصر» . وما روي عن ابن عباس من أنه قال: «صلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاء جميعا في ~~غير خوف ولا سفر.» قال مالك: أرى ذلك كان في مطر. وروي في غير خوف ولا مطر. ~~قال ابن عباس: فعل ذلك لئلا يحرج أمته، وما أشبه ذلك من الآثار. # فصل فاتفق مالك وجميع أصحابه على إباحة الجمع بين الصلاتين المشتركتي ~~الوقت لعذر السفر والمرض والمطر في الجملة، على الاختلاف بينهم في ذلك على ~~التفصيل. واختلفوا في إباحة الجمع بينهما لغير عذر، فالمشهور أن ذلك لا ~~يجوز، وقال أشهب: ذلك جائز على ظاهر حديث ابن عباس وغيره. واختلفوا أيضا في ~~صفة الجمع وكثير من أحكامه بحسب اختلاف الأعذار المبيحة له. وتحصيل القول ~~في ذلك يفتقر إلى معرفة حقيقة وقتهما وكيفية اشتراكهما فيه. فأول وقت الظهر ~~زوال الشمس عن كبد السماء، وآخر وقتها المختار المستحب أن يكون ظل كل شيء ~~مثله بعد الظل الذي زالت عنه الشمس أيضا على اختلافه في الصيف والشتاء، وهو ~~بعينه أول وقت العصر المختار المستحب، وآخر وقته المختار المستحب أن يكون ~~ظل كل شيء مثليه بعد الظل الذي زالت عنه الشمس أيضا على اختلافه في الصيف ~~والشتاء؛ لأن الظل الذي تزول الشمس عليه لا يعتبر في حال من الأحوال ولا في ~~بلد من البلدان. وتدخل العصر على الظهر في وقتها المختار المستحب فتشاركها ~~فيه للعذر، قيل: من أول الزوال، وقيل: بعد مقدار ما تصلى فيه صلاة الظهر. ~~وتدخل أيضا الظهر على العصر في وقتها المختار المستحب فتشاركها فيه للعذر ~~إلى آخره وهو تمام القامتين. واختلفوا هل تشارك الظهر العصر في وقت ~~الاختيار عند اعتدال القامة، فقيل: ms0147 إنهما لا يشتركان في ذلك # PageV01P186 # وإن تمام وقت الظهر المستحب بتمام القامة، وابتداء وقت العصر المستحب ~~بابتداء القامة الثانية. وقيل: إنهما يشتركان. واختلفوا على القول بأنهما ~~يشتركان في وقت اشتراكهما، فقيل: في آخر القامة الأولى، وقيل: في أول ~~القامة الثانية، وقد قيل: إن بين الظهر والعصر فاصلة لا تصلح في الاختيار ~~للظهر ولا للعصر. # فصل وكذلك القول في المغرب والعشاء. فأول وقت المغرب غروب الشمس، وآخر ~~وقته المختار المستحب مغيب الشفق على مذهب من رأى أن له وقتين، وهو بعينه ~~أول وقت العشاء المختار المستحب، وآخر وقته ثلث الليل أو نصفه. وتدخل ~~العشاء على المغرب في وقته المختار المستحب فتشاركه فيه للعذر، قيل: من أول ~~المغرب، وقيل: بل من بعد مقدار ما تصلى فيه صلاة المغرب. ويدخل أيضا المغرب ~~على العشاء في وقته المختار المستحب فيشاركه فيه للعذر إلى آخره وهو ثلث ~~الليل أو نصفه. واختلف هل يشارك المغرب العشاء في وقت الاختيار عند مغيب ~~الشفق، فقيل: إنهما لا يشتركان في ذلك، وإن أول وقت المغرب المختار ينقضي ~~بانقضاء مغيب الشفق ثم يدخل وقت العشاء دون فاصلة بين الوقتين، وقيل: إنهما ~~يشتركان فيه. واختلف على القول بأنهما يشتركان فيه في وقت اشتراكهما، فقيل: ~~في آخر مغيب الشفق، وقيل: عند انقضاء مغيبه. وقد قيل: إن بين المغرب ~~والعشاء فاصلة لا تصلح في الاختيار للمغرب ولا للعشاء، وذلك مبني على القول ~~بأنه ليس للمغرب إلا وقت واحد. # فصل ويشترك الظهر والعصر إلى الغروب، والمغرب والعشاء إلى طلوع الفجر ~~لأهل الضرورات، وهم خمسة: الصبي يحتلم، والكافر يسلم، والمغمى عليه يفيق، ~~والحائض تطهر أو الطاهر تحيض، والحاضر يسافر أو المسافر يقدم. # فصل فيجمع بين الظهر والعصر في أول وقت الظهر المسافر يرتحل من المنهل # PageV01P187 # بالسنة الثابتة عن النبي - عليه الصلاة والسلام - وقياسا على الجمع ~~بعرفة، هذا هو المشهور في المذهب، وقد قيل: إنه لا يجمع إلا أن يجد به ~~السير. وقد قيل: إنه لا يجمع وإن جد به السير. وهذان القولان في رسم المحرم ms0148 ~~من سماع ابن القاسم من كتاب الجامع. والمريض الذي يخشى أن يغلب على عقله ~~على اختلاف في ذلك. ويجمع في آخر وقت العصر المختار وهو القامتان، المريض ~~الذي يدخل عليه وقت الظهر وهو مريض لا يقدر على الصلاة إلا بمشقة قائما أو ~~قاعدا وهو يرجو أن ينكشف عنه ذلك المرض ما بينه وبين آخر الوقت فتخف عليه ~~الصلاة على اختلاف في ذلك، إذ قد قيل: إنه لا يؤخر صلاة الظهر إلى آخر وقت ~~العصر، ويصلي كل صلاة لوقتها كيفما استطاع، أو يجمع بينهما في آخر وقت ~~الظهر وأول وقت العصر، إن كان ذلك أرفق به. والذي يرتحل قبل زوال الشمس ~~ويريد النزول آخر وقت العصر بالسنة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- في ذلك وقياسا على الجمع بالمزدلفة. ويجمع في آخر وقت الظهر وأول وقت ~~العصر المريض الذي يكون الجمع أرفق به والمسافر الذي يرتحل من قبل الزوال ~~إلى بعد انقضاء القامتين. قيل: إذا جد به السير، وهو قول ابن القاسم ~~وروايته عن مالك على ظاهر حديث عبد الله بن عمر أنه قال: «كان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - إذا عجل به السير يجمع بين الظهر والعصر» . وقيل: وإن ~~لم يجد به السير، وهو مذهب ابن حبيب على ظاهر قوله في الحديث «فخرج فصلى ~~الظهر والعصر جميعا، ثم دخل فخرج فصلى المغرب والعشاء جميعا» . # وفي تحقيق وقت جمع هذين ثلاثة أقوال: أحدها: أن يجمع بينهما في آخر ~~القامة الأولى. والثاني: أن يجمع بينهما في أول القامة الثانية. والثالث: ~~أن يجمع بينهما بأن يصلي الظهر في آخر القامة الأولى، والعصر في أول القامة ~~الثانية. فالقول الأول والثاني على اختلافهم في الوقت الذي يشتركان فيه في ~~الاختيار. والقول الثالث على القول بأنهما لا يشتركان في وقت الاختيار. # فصل والقول في المغرب والعشاء كالقول في الظهر والعصر، يجمع في أول # PageV01P188 # الغروب الذي يرتحل من المنهل باتفاق، والذي يخشى أن يغلب على عقله ~~باختلاف. وعند انقضاء نصف الليل الذي يرتحل من قبل ms0149 الغروب إلى قبل انقضاء ~~نصف الليل باتفاق، والمريض الذي يدخل عليه وقت المغرب وهو مريض يرجو أن ~~ينكشف عنه المرض في آخر وقت العشاء وهو ثلث الليل أو نصفه على اختلاف. وعند ~~مغيب الشفق المريض الذي يكون الجمع أرفق به والمسافر الذي يرتحل من قبل ~~الغروب إلى بعد انقضاء وقت العشاء وهو ثلث الليل أو نصفه. قيل: إذا عجل به ~~السير. وقيل: وإن لم يعجل به السير. ولا يجوز لشيء من هذه الأعذار تأخير ~~الظهر والعصر إلى الغروب ولا إلى ما بعد القامتين لنهي النبي - عليه الصلاة ~~والسلام - عن ذلك بقوله: «تلك صلاة المنافقين» الحديث، وكذلك لا يجوز لشيء ~~منها تأخير المغرب والعشاء إلى طلوع الفجر ولا إلى ما بعد نصف الليل؛ إلا ~~أن يكون المريض لا يقدر على الصلاة إيماء لشدة مرضه إلا بمشقة لا يلزمه ~~تكلفها فيكون ذلك له. ولو كان لا يقدر على تكلف ذلك بحال لأشبه المغمى ~~عليه، إلا في سقوط الصلاة عنه بخروج الوقت على مذهب ابن القاسم وروايته عن ~~مالك من أجل أن معه عقله. # فصل واختلف في الجمع بين المغرب والعشاء بسبب المطر والطين والظلمة. ~~فقيل: إنه يكون قبل مغيب الشفق، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك ~~والمشهور في المذهب. وقيل: إنه يجمع بينهما عند الغروب وهو قول ابن عبد ~~الحكم وابن وهب وروايته عن مالك. فالقول الأول مبني على أن وقت المغرب ~~المختار # PageV01P189 # المستحب يمتد إلى مغيب الشفق. [والقول الثاني مبني على أنه لا يمتد إلى ~~مغيب الشفق] وإنما فارق الجمع في المطر جمع المسافر والمريض في تعجيل الجمع ~~قبل مغيب الشفق أو عند غروب الشمس من أجل أنه لا رفق للمسافر والمريض في ~~تعجيل الجمع قبل مغيب الشفق، وللناس رفق في تعجيل الجمع في المطر قبل مغيب ~~الشفق لينصرفوا في بقية من الضياء. # فصل ولما كان على القول بأن المغرب ليس لها في الاختيار إلا وقت واحد، لا ~~يجوز أن تؤخر المغرب عن وقت الغروب إلا لعذر، وكانت العشاء لا ms0150 يجوز أن تعجل ~~عن وقت مغيب الشفق إلا لعذر أيضا، واستوى الطرفان جميعا، وجب أن يفعل من ~~ذلك الذي هو أرفق بالناس، وهو الجمع عند أول الغروب لرجوعهم والضياء متمكن. ~~فهذا وجه تعجيل الجمع عند الغروب بناء على هذا القول، وبالله التوفيق. ### || فصل في سجود القرآن # فصل # في سجود القرآن # الأصل في هذا الباب قول الله عز وجل: {إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا ~~سجدا وبكيا} [مريم: 58] ، وقوله عز وجل: {قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن ~~الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا} [الإسراء: ~~107] ، وقوله عز وجل: {فما لهم لا يؤمنون} [الانشقاق: 20] {وإذا قرئ عليهم ~~القرآن لا يسجدون} [الانشقاق: 21] الآية. ومداره على أربع مسائل: معرفة ~~عزائم السجود [من غير العزائم، ومعرفة وجوب السجود فيها، ومعرفة من يجب ~~عليه السجود فيها ممن لا يجب، والرابع معرفة أحكام السجود وشرائطه. # PageV01P190 # فصل فأما عزائم السجود] فإنها عند مالك - رحمه الله تعالى - إحدى عشرة ~~سجدة ليس في المفصل منها شيء، ولا في الحج إلا سجدة واحدة، وهي التي في أول ~~السورة. قال في الموطأ: الأمر عندنا أن عزائم سجود القرآن إحدى عشرة سجدة ~~ليس في المفصل منها شيء. وقال في رواية ابن بكير وغيره: الأمر المجتمع عليه ~~عندنا. ورواية يحيى أولى؛ لأن الاختلاف في عزائم السجود معلوم بين السلف في ~~المدينة. وقد يتأول قوله: الأمر المجتمع عليه عندنا، على أنه إنما أراد أنه ~~اجتمع على أن الأحد عشر من العزائم ولم يجتمع على أن ما سواها من العزائم. ~~وهو تأويل جيد محتمل تصح به الرواية. فالتي ليست من العزائم عند مالك سجدة ~~آخر الحج، وسجدة والنجم، {إذا السماء انشقت} [الانشقاق: 1] و {اقرأ باسم ~~ربك} [العلق: 1] . وإنما لم يرها مالك من العزائم لما جاء فيها من الخلاف. ~~فقد روي أنه ليس في الحج إلا سجدة واحدة، وروي «أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - لم يسجد في المفصل منذ تحول إلى المدينة» . وذهب ابن وهب من ~~أصحاب مالك إلى أنها ms0151 كلها عزائم يسجد فيها، وهو اختيار ابن حبيب وجماعة من ~~العلماء، وقد روى ذلك ابن وهب عن مالك. وقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري: ~~عزائم السجود أربع عشرة سجدة، إلا أن الشافعي أسقط سجدة ص وأسقط أبو حنيفة ~~سجدة آخر الحج، وأسقط الثوري سجدة والنجم. وروي عن علي بن أبي طالب أنه ~~قال: عزائم السجود أربعة: ألم تنزيل، وحم السجدة، والنجم، واقرأ باسم ربك. ~~وقال بعض العلماء: إن الذي يوجبه النظر أن يسجد من ذلك فيما جاء على سبيل ~~الخبر، ولا يسجد من ذلك فيما جاء على سبيل الأمر؛ لأن ما جاء منها على سبيل ~~الأمر يحمل على السجود الواجب في الصلاة المفروضة. وعلى هذا يأتي مذهب مالك ~~إذا اعتبرته؛ لأن # PageV01P191 # جميع ما لم ير فيه السجود جاء على سبيل الأمر، وجميع ما رأى فيه السجود ~~جاء على سبيل الخبر. # فإن قال قائل: سجدة {إذا السماء انشقت} [الانشقاق: 1] جاءت على سبيل ~~الخبر ولا يسجد فيها عنده. # قيل له: الوعيد المذكور فيها يقوم مقام الأمر. # وإن قال قائل: سجدة حم السجدة جاءت على سبيل الأمر ويسجد فيها عنده. # قيل له: المعنى فيها الإخبار عن فعل الكفار الذين لا يسجدون لله ويسجدون ~~للشمس والقمر، والنهي عن التشبه بهم في ذلك، لا الأمر بمجرد السجود لله ~~فيحمل على سجود الصلاة، ويدل على ذلك قوله في آخر الآية: {فإن استكبروا ~~فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون} [فصلت: 38] ؛ لأن ~~المعنى في ذلك: فإن استكبر الكفار عن السجود لله فالذين عنده لا يستكبرون ~~عن ذلك. وقد اختار بعض العلماء السجود عند قولهم وهم لا يسأمون ليكون عند ~~ذكر الإخبار على الأصل الذي ذكرناه. # فصل وأما وجوب السجود فيها فإنه واجب، قيل: وجوب السنن التي من فعلها أجر ~~ومن تركها لم يأثم، وقيل: وجوب الفرائض التي من تركها أثم. ومذهب مالك - ~~رحمه الله - أنه واجب وجوب السنن لا وجوب الفرائض. ودليله على ذلك أن الله ~~تبارك وتعالى أثنى على الساجدين عند التلاوة ولم يأمر ms0152 به، وفعله النبي عليه ~~الصلاة # PageV01P192 # والسلام فوجب الاقتداء به في ذلك دون وجوب؛ لقول الله عز وجل: {لقد كان ~~لكم في رسول الله أسوة حسنة} [الأحزاب: 21] ، وقد بين ذلك عمر بن الخطاب ~~بقوله إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء. فمن سجد على مذهب مالك أجر، ~~ومن ترك السجود لم يأثم إلا من جهة الرغبة عن إتيان السنن. وذهب أبو حنيفة ~~إلى أن السجود واجب من تركه أثم. وقول مالك هو الصحيح إذ ليس في وجوب ذلك ~~نص في القرآن ولا في السنة ولا اجتمعت عليه الأمة، والفرائض الواجبات لا ~~تؤخذ إلا من أحد هذه الوجوه الثلاثة. # فصل وأما معرفة من يجب عليه السجود فيها ممن لا يجب ففي ذلك تفصيل: أما ~~التالي للقرآن في صلاة أو في غير صلاة فيجب عليه السجود في مواضع السجود ~~بإجماع، إلا أنه يكره للإمام أن يقرأ بسورة فيها سجدة لئلا يخلط على من ~~خلفه. وقد قيل: إنه يجوز له أن يقرأها إذا كان من خلفه قليلا وأمن أن يخلط ~~على أحد منهم. وأما فيما يسر فيه فلا يقرأ بسورة فيها سجدة بحال. وقد استحب ~~ابن القاسم للمنفرد ترك القراءة بسورة فيها سجدة في الفريضة لئلا يدخل على ~~نفسه سهوا بذلك في صلاته، وقال: إنه هو الذي رأى مالكا يذهب إليه. وأما ~~المستمع للتلاوة فإن جلس لاستماع تلاوة التالي على سبيل التعليم والحفظ سجد ~~بسجوده إن سجد، واختلف هل يجب عليه السجود إن لم يسجد. وإن جلس لاستماع ~~تلاوته ابتغاء الثواب في ذلك لم يجب عليه السجود إن لم يسجد، واختلف إن سجد ~~هل يجب عليه السجود بسجوده أم لا على قولين. وهذا كله إذا كان التالي ممن ~~تصح إمامته. وأما إن جلس إليه ليقرأ السجدة فيسجد لسجوده فلا يسجد لسجوده؛ ~~لأن ذلك مكروه من الفعل. واختلف في المعلم والمقرئ يجلس لقراءة القرآن ~~عليه، فقيل: إنه يسجد في أول ما تمر به سجدة بسجود القارىء عليه إذا كان ~~بالغا، وليس عليه سجود بعد ms0153 ذلك كلما جاءت سجدة. وقيل: ليس ذلك عليه ولا في ~~أول مرة. # PageV01P193 # وأما من سمع قراءة رجل دون أن يجلس لاستماع قراءته على وجه من الوجوه ~~فليس عليه أن يسجد بسجوده، وقيل: إن ذلك عليه وهو شذوذ. # فصل وأما معرفة أحكام السجود فإن أحكامه أحكام صلاة النافلة في أنه لا ~~يكون بغير طهارة، ولا في موضع غير طاهر، ولا في وقت لا تحل فيه الصلاة، ولا ~~لغير القبلة إلا للمسافر على دابته حيثما توجهت به. وقد اختلف في سجود سجدة ~~التلاوة بعد الصبح ما لم يسفر، وبعد العصر ما لم تصفر الشمس على ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أنه لا يسجد في شيء من هذه الأوقات، وهو قوله في الموطأ ~~قياسا على النوافل. والثاني: أنه يسجد فيها وهو قوله في المدونة قياسا على ~~صلاة الجنائز. والثالث: إنما يسجد بعد الصبح ولا يسجد بعد العصر وهو قول ~~مطرف وابن الماجشون في الواضحة. # PageV01P194 ### || القول في سهو الصلاة # فرض الله تبارك وتعالى الصلاة في كتابه على المكلفين من عباده فرضا ~~مجملا، وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - صفة فعلها، والحكم عن السهو فيها ~~أو عن شيء منها قولا وعملا؛ لأن الله تبارك وتعالى كان ينسيه في صلاته ليسن ~~لأمته على ما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إني لأنسى أو أنسي ~~لأسن» ، فحفظ عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه سها في الصلاة في أربعة ~~مواضع: «قام من اثنتين، وأسقط الجلسة فلم يرجع إليها وسجد سجدتي السهو قبل ~~السلام» «وسلم من ركعتين فكلمه في ذلك ذو اليدين فرجع إلى بقية صلاته وسجد ~~سجدتي السهو بعد السلام» وصلى خامسة فسجد بعد السلام لسهوه، وأسقط آية من ~~سورة الفرقان فلم يسجد لسهوه. وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا شك أحدكم ~~في صلاته فلم يذكر كم صلى ثلاثا أو أربعا فليصل ركعة وليسجد سجدتين وهو ~~جالس قبل السلام، فإن كانت الركعة التي صلى خامسة شفعها بهاتين السجدتين، ~~وإن كانت رابعة فالسجدتان ترغيم للشيطان» فتبين بما سن لأمته ms0154 بقوله وفعله، ~~أن السهو في الصلاة على ثلاثة أقسام: منه ما لا يجزئ فيه # PageV01P195 # سجود السهو. ومنه ما لا يجب فيه سجود السهو. ومنه ما يصلحه سجود السهو. ~~وأن ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قوله: «في كل سهو سجدتان» ~~ليس على عمومه، وأن المراد بذلك السنن دون الفرائض والفضائل؛ لأن الفرائض ~~هي التي لا يجزئ فيها سجود السهو، والفضائل هي التي لا يجب فيها سجود ~~السهو. # فصل والصلاة أقوال وأفعال، فجميع أفعال الصلاة فرض حاشا ثلاثة: رفع ~~اليدين في الإحرام، والتيامن في السلام، والجلسة الوسطى، وحاشا الرفع من ~~الركوع فقيل: إنه فرض؛ لأن الركوع لا يتم إلا به، وقيل: إنه سنة. وجميع ~~أقوال الصلاة سنة وفضيلة حاشا ثلاثة: تكبيرة الإحرام، وقراءة أم القرآن، ~~والسلام. وقد اختلف في ذلك حسبما ذكرنا كلا في موضعه. وبالله التوفيق. ### || فصل في أقسام السهو في الصلاة # فصل # في أقسام السهو في الصلاة # والسهو في الصلاة ينقسم على قسمين: سهو يوقن به، وسهو يشك فيه. فالسهو ~~الذي يوقن به ينقسم على قسمين: زيادة ونقصان. وكذلك السهو الذي يشك فيه ~~[ينقسم أيضا على قسمين: زيادة ونقصان] ، فهذه أربعة أقسام. وقد يجتمع في ~~السهو اليقين بالزيادة والنقصان في الصلاة الواحدة، والشك فيهما جميعا، ~~والشك في الزيادة واليقين بالنقصان، واليقين بالزيادة والشك في النقصان، ~~فهذه تتمة ثمانية أقسام. # فصل فأما السهو في الزيادة فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يكون في ~~الأفعال، # PageV01P196 # والثاني: أن يكون في الأقوال. فإن كان في الأفعال فلا يخلو أيضا من ~~وجهين: أحدهما: أن يكون من جنس أفعال الصلاة [أو من غير جنسها. فأما إن كان ~~من جنس أفعال الصلاة] . فيجزئ فيه سجود السهو بعد السلام فيما قل باتفاق، ~~وفيما كثر على اختلاف. والكثير ما كان مثل نصف الصلاة أو أكثر. وأما إن كان ~~من غير جنس أفعال الصلاة فإن ذلك ينقسم على قسمين: أحدهما: أن يكون ذلك ~~كثيرا، والثاني: أن يكون ذلك يسيرا. فأما إن كان ذلك كثيرا، مثل أن ms0155 يأكل أو ~~يخيط ثوبه أو يصقل سيفه، فيطول ذلك فإن صلاته تبطل بذلك ولا يجزئه سجود ~~السهو فيه. وأما إن كان ذلك يسيرا فهو على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون مما ~~يجوز له أن يفعله في صلاته. والثاني: أن يكون مما يكره له أن يفعله في ~~صلاته. والثالث: أن يكون مما لا يجوز له أن يفعله في صلاته. فالأول لا سجود ~~عليه فيه، وذلك مثل أن تمر به الحية أو العقرب فينسى أنه في صلاة فيقتلها. ~~والثاني يتخرج على قولين: أحدهما أن عليه السجود. والثاني أنه لا سجود ~~عليه، وذلك مثل أن تمر به الحية أو العقرب فينسى أنه في صلاة فيقتلهما دون ~~أن يريداه. والثالث قيل فيه: إنه يسجد وتجزئه صلاته، وقيل: إنه تبطل صلاته ~~ولا يجزئه في ذلك سجود السهو، وذلك مثل أن ينسى أنه في صلاة فيأكل أو يشرب ~~ولا يطول ذلك. # فصل وإن كان في الأقوال فلا يخلو أيضا من وجهين: أحدهما أن يكون من جنس ~~أقوال الصلاة أو من غير جنسها. فأما إن كان من جنس أقوال الصلاة فاختلف فيه ~~هل فيه سجود السهو أم لا على قولين، وذلك مثل أن يقرأ سورة مع أم القرآن في ~~الركعتين الأخيرتين أو يذكر الله فيما بين السجدتين وما أشبه ذلك. وأما إن ~~كان من غير جنس أقوال الصلاة فيسجد سجدتي السهو بعد السلام. # PageV01P197 # فصل فهذا حكم الزيادة في الصلاة على سبيل السهو. أما الزيادة فيها على ~~طريق العمد فإن كانت في الأفعال التي هي من جنس أفعال الصلاة أو في الأقوال ~~التي ليست من جنس أقوال الصلاة أبطلها باتفاق فيما قل أو كثر. وإن كان في ~~الأفعال التي ليست من جنس أفعال الصلاة أبطلها في الكثير دون القليل. وأما ~~إن كان في الأقوال التي من جنس أقوال الصلاة فقيل: إنه يبطل الصلاة، وقيل: ~~إنه يستغفر الله ولا سجود عليه؛ لأنه لم يسه. # فصل وأما السهو في النقصان فلا يخلو أيضا أن يكون في الأفعال أو في ~~الأقوال. ms0156 # فإن كان في الأفعال فلا يخلو أن يكون فيما هو منها فرض أو فيما هو منها ~~سنة أو فيما هو منها فضيلة. فإن كان فيما هو منها فرض مثل الركوع والسجود ~~والقيام أو الجلسة الآخرة، لم يجزئ فيه سجود السهو دون أن يأتي بما سها عنه ~~من ذلك. فإن أتى بما سها عنه من ذلك فأوجب عليه إتيانه به زيادة في صلاته ~~سجد بعد السلام، وإن أوجب عليه إتيانه به زيادة ونقصانا سجد قبل السلام على ~~اختلاف قول مالك في ذلك، إلا أن يكون مع الإمام وتكون الزيادة أو النقصان ~~والزيادة في داخل صلاة الإمام فلا يجب عليه سجود؛ لأن الإمام يحمل عمن خلفه ~~جميع السهو الذي يجزئ عنه سجود السهو في الزيادة أو في النقصان أو فيهما ~~جميعا. والأصل في ذلك أنه يحمل عنه جميع سنن الصلاة دون فرائضها، فلا يحمل ~~عنه القيام ولا الركوع ولا السجود ولا الجلسة الآخرة ولا السلام ولا النية ~~ولا الطهارة من الحدث ولا طهارة الثوب والبقعة ولا استقبال القبلة ولا ~~تكبيرة الإحرام على اختلاف في ذلك، وقد ذكرناه فيما تقدم. # فصل وكل ما يحمله الإمام عمن خلفه فسهوه عنه سهو لهم وإن فعلوه، وكل ما ~~لا يحمله الإمام عمن خلفه فلا يكون سهوه عنه سهوا لهم إذا هم فعلوه إلا في ~~النية # PageV01P198 # وتكبيرة الإحرام؛ لأنهم إذا فارقوه في النية أو في الإحرام لم يدخلوا معه ~~في الصلاة. # فصل وإن كان فيما هو منها سنة كالجلسة الوسطى وجب عليه سجود السهو. وإن ~~كان فيما هو منها فضيلة كرفع اليدين في الإحرام [والتيامن في السلام لم يجب ~~عليه في ذلك سجود السهو] . فإن قيل في رفع اليدين: إنه سنة، فليس من السنن ~~المؤكدات وهو في الفضائل أدخل. # فصل وإن كان النقصان من الأقوال فلا يخلو أيضا أن يكون فيما هو فرض فيها ~~أو سنة أو فضيلة. فإن كان فيما هو منها فرض كتكبيرة الإحرام والسلام لم ~~يجزئ فيه سجود السهو وبطلت الصلاة. وإن كان فيما ms0157 هو منها سنة كقراءة السور ~~التي مع أم القرآن أجزأه منها سجود السهو قبل السلام. وإن كان فيما هو منها ~~فضيلة كالقنوت والتسبيح في الركوع والسجود لم يجب في ذلك سجود. # فصل واختلافهم فيمن نسي تكبيرة واحدة من صلاته ليس بخارج عن هذا الأصل، ~~وإنما هو جار على اختلافهم هل كل تكبيرة منها سنة على حدة أو هل جملة ~~التكبير كله ما عدا تكبيرة الإحرام سنة واحدة في الصلاة. فمن جعل كل تكبيرة ~~سنة أوجب السجود في التكبيرة الواحدة والتكبيرتين، وأوجب الإعادة فيما زاد ~~على ذلك إذا ترك السجود حتى طال الأمر. ومن لم ير كل تكبيرة سنة وإنما جعل ~~جملة التكبير سنة واحدة في الصلاة لم يوجب السجود في التكبيرة الواحدة، وهو ~~أحد قولي ابن القاسم في المدونة، ولا أوجب الإعادة فيما زاد على التكبيرة ~~الواحدة إذا ترك السجود حتى طال، وذلك منصوص لابن القاسم في رواية أبي زيد ~~عنه. # PageV01P199 # فصل وكذلك اختلافهم في ترك قراءة أم القرآن في الصلاة ليس بخارج على ما ~~أصلناه، وإنما هو جار على اختلافهم في قراءتها هل هو فرض في جملة الصلاة أو ~~في كل ركعة منها أو ليس بفرض جملة. فمن لم ير ذلك فرضا أجزأ عنده فيه سجود ~~السهو، ومن رآه فرضا في كل ركعة قال بالإلغاء، ومن رآه فرضا في الجملة أوجب ~~عليه الإعادة إن لم يقرأها رأسا، وإن قرأها في ركعة واحدة من أي الصلوات ~~كانت سجد ولم يعد الصلاة. وما يوجد من أقوالهم خارجا عن هذا فليس بجار على ~~قياس. وإنما هو استحسان مراعاة للخلاف. # فصل فهذا حكم النقصان على طريق السهو. وأما النقصان على طريق العمد، فإن ~~كان فريضة أبطل الصلاة كان من الأقوال أو من الأفعال، وإن كان سنة واحدة ~~فقيل: يبطل الصلاة وقيل: يستغفر الله ولا شيء عليه. وإن كثرت السنن التي ~~ترك متعمدا أبطلت الصلاة، وإن كانت فضيلة فلا شيء عليه. # فصل فإن اجتمع عليه في صلاته زيادة ونقصان فيما يجب فيه سجود السهو ms0158 فقيل: ~~إنه يسجد قبل السلام، وقيل: إنه يسجد بعد السلام. والقولان قائمان من ~~المدونة ومنصوص عليهما في رواية عيسى من العتبية. والأشهر أنه يسجد قبل ~~السلام، وهو قائم من حديث النبي - عليه الصلاة والسلام - قوله: «إذا شك ~~أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثا أو أربعا فليصل ركعة ثم ليسجد سجدتين ~~وهو جالس قبل التسليم» الحديث؛ لأن الركعة التي شك في إسقاطها إن كانت ~~الركعة الأولى أو الثانية فقد صارت الثالثة ثانية وكان عليه أن يقرأ فيها ~~بالحمد وسورة ويجلس، فقرأ # PageV01P200 # فيها بالحمد وحدها وقام فحصل معه الشك في نقصان السورة والجلسة الوسطى، ~~واليقين في الزيادة. ولا فرق بين أن يشك في النقصان أو يوقن به. هذا توجيه ~~الحديث على هذا المذهب، وقد نحا إلى ذلك ابن المواز في كتابه. # فصل ولا يفترق اليقين بالسهو من الشك فيه إلا في موضعين: أحدهما: أن يشك ~~في الزيادة الكثيرة في أفعال الصلاة فإنه يجزئه في ذلك سجود السهو باتفاق، ~~بخلاف الذي يوقن بالزيادة. والثاني: هو أن الذي يكثر عليه السهو في الصلاة ~~بخلاف الذي يكثر عليه الشك في السهو فيها. فالذي يكثر عليه السهو لا بد من ~~إصلاحه. وإنما اختلف في وجوب سجود السهو عليه بعد إصلاح ما سها فيه. والذي ~~يكثر عليه الشك في السهو يلهى عنه ولا يبنى على اليقين. واختلف قول مالك هل ~~يسجد لسهوه أم لا على قولين، وذهب محمد بن المواز إلى أن ذلك ليس باختلاف ~~من القول وأنه إنما أوجب سجود السهو على الذي يكثر عليه [الشك في السهو ~~فيلهى عنه ولا يبنى على اليقين وإنما أسقطه عن الذي يكثر عليه] السهو ~~فيصلحه لتيقنه به. قال فضل: وقول ابن المواز بعيد، والأظهر أنه اختلاف من ~~القول. يريد في الذي يكثر عليه الشك في السهو. وأما الذي يكثر عليه السهو ~~ويوقن به فإنه يصلحه ويسجد لسهوه عنده خلاف ما ذهب إليه ابن المواز من أنه ~~لا سجود عليه تأويلا على مالك. فهذه جملة في السهو تأتي ms0159 عليها المسائل إن ~~شاء الله، وبالله التوفيق. # فصل فأما السهو عنها جملة. فروي «عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~نام في الوادي عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس فصلى بعد خروج الوقت وقال: " ~~إذا رقد أحدكم عن # PageV01P201 # الصلاة أو نسيها ثم فزع إليها فليصلها كما كان يصليها في وقتها فإن الله ~~تبارك وتعالى يقول أقم الصلاة لذكري» . فأجمع أهل العلم على أن من نسي ~~الصلاة أو نام عنها حتى خرج وقتها فإنه يجب عليه أن يصليها بعد خروج وقتها. # فصل وفي قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فليصلها إذا ذكرها» دليل على أنه ~~لا يجوز تأخيرها عن وقت ذكرها. وإلى هذا ذهب مالك - رحمه الله تعالى - ~~فقال: إنه إذا ذكر صلوات يسيرة في وقت صلاته إنه يبدأ بها وإن فاته وقت ~~التي هو في وقتها، قياسا على من نسي الظهر والعصر إلى قرب الغروب أنه يبدأ ~~بالظهر وإن فاته وقت العصر، وخالفه الشافعي فقال: إنه يبدأ بالتي هو في ~~وقتها قبل الفائتة. وحجته ما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى ~~يومئذ ركعتي الفجر قبل صلاة الصبح، وهي حجة ظاهرة إلا أن ذلك لم يصح عند ~~مالك - رحمه الله تعالى -. فقد سئل في سماع أشهب هل صلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يوم الوادي ركعتي الفجر، فقال: ما سمعت. وأما تأخير ~~الصلاة إلى أن خرج من الوادي فلا حجة للمخالف فيه؛ لأنه قد بين علة ذلك في ~~الحديث فقال: إن هذا واد به شيطان. # فصل فترتيب الصلوات اليسيرة مع ما هو في وقته واجب ابتداء عند مالك كوجوب ~~ترتيب ما هو في وقته، يبدأ بالصلوات المنسيات وإن خرج وقت التي هو في ~~وقتها، كما يبدأ إذا نسي الظهر والعصر إلى عند الغروب بالظهر وإن فاته وقت ~~العصر. وكذلك أيضا يجب على مذهبه ترتيب الفوائت في القضاء الأولى فالأولى. ~~فإن ترك الترتيب في شيء من ذلك كله ناسيا فلا إعادة عليه للتي قدم إلا ~~الرتبة في الوقت على ms0160 طريق الاستحباب. مثال ذلك مما هو في وقته من الصلوات ~~أن ينسى الظهر والعصر إلى قرب الغروب بقدر ما يصلي فيه صلاة واحدة فيذكر ~~العصر وحدها # PageV01P202 # فيصليها ثم يذكر بعد السلام منها الظهر فإنه يصلي الظهر التي ذكرها ولا ~~إعادة عليه للعصر. ولو بقي من الوقت ما يصلي فيه العصر أو ركعة منها لأعاد ~~العصر استحبابا. وقد قيل: إنه إذا ترك إعادتها في الوقت فلم يفعل حتى خرج ~~الوقت إنه يعيدها بعد الوقت، وكان أيضا تأكيدا في الاستحباب. # فإن قيل: قد روي عن مالك في الحائض تطهر لمقدار خمس ركعات فتظن أنها لم ~~يبق عليها من الوقت إلا قدر أربع ركعات. فتصلي العصر ويبقى عليها من النهار ~~قدر ركعة إنها تصلي الظهر ثم تعيد العصر بعد الغروب، وهي كالناسية إذا لم ~~تعلم أن صلاة الظهر واجبة عليها. # فعن ذلك جوابان: أحدهما: ما قال ابن المواز: إن معنى ذلك أنها علمت ~~باتساع الوقت للصلاتين قبل سلامها من صلاة العصر ففسدت عليها العصر، كمن ~~ذكر صلاة في صلاة. والجواب الثاني: أن الإعادة إنما وجبت عليها للعصر بعد ~~الوقت على مذهب من يرى أن الظهر تختص بأربع ركعات من أول الزوال لا يشاركها ~~فيها العصر، فصارت في صلاتها العصر في الوقت المختص بالظهر كمن صلى الظهر ~~قبل الزوال؛ لأن طهر الحائض آخر الوقت أول الوقت لها كزوال الشمس لغير ~~الحائض، بخلاف التارك للصلاة إلى آخر الوقت. ومثال ذلك في الصلوات المنسيات ~~مع ما هو في وقته أن لا يذكرها حتى يصلي ما هو في وقته فلا يتم بالمنسيات ~~حتى ينقضي الوقت فلا إعادة عليه لها. ومثال ذلك في الفوائت أن ينسى الظهر ~~والعصر [أو الصبح والعصر] فيذكر العصر فيصليها، ثم يذكر بعد تمامها الصبح ~~أو الظهر فيصليها أنه لا إعادة عليه للعصر ولا خلاف في ذلك. # فصل وأما إن ترك الترتيب في ذلك متعمدا أو جاهلا بالصواب فيما هو في وقته ~~من الصلوات فإنه يعيد الثانية وإن خرج الوقت، مثل أن يصلي العصر ms0161 قبل الظهر ~~وهو ذاكر للظهر فإنه يعيد العصر ولا خلاف في ذلك أعلمه. وأما إن ترك ~~الترتيب في # PageV01P203 # الصلوات المنسيات مع ما هو في وقته متعمدا أو جاهلا بالصواب في ذلك، مثل ~~أن يصلي العصر وهو ذاكر لصبح يومه أو لصبح أمسه ففي ذلك ثلاثة أقوال: ~~أحدها: أنه يعيد العصر أبدا، وهو الذي يأتي على ما في رسم أوصى ورسم بع من ~~كتاب الصلاة إذا تدبرته. والثاني: أنه لا إعادة عليه للعصر إلا في الوقت، ~~وهو الذي يأتي على ما في سماع سحنون. والثالث: الفرق بين أن يصلي العصر وهو ~~ذاكر للصبح أو يذكرها وهو فيها بعد الإحرام بها، وهو ظاهر مذهب ابن القاسم ~~في المدونة. وكذلك إن ترك الترتيب في الفوائت متعمدا أو جاهلا بالصواب في ~~ذلك، مثل أن يكون قد نسي الصبح والظهر أو الظهر والعصر فيذكر ذلك بعد أيام ~~فيصلي الظهر وهو ذاكر للصبح أو العصر وهو ذاكر للظهر، في ذلك ثلاثة أقوال: ~~أحدها: أنه ليس عليه إعادة الصلاة التي صلى؛ لأنه إذا صلاها فقد خرج وقتها ~~وكأنه قد وضعها في موضعها فلا إعادة عليه لها بعد خروج وقتها، وهذا يأتي ~~على ما في سماع سحنون عن ابن القاسم. والثاني: أن عليه إعادتها. والثالث: ~~الفرق بين أن يتعمد الصلاة الثانية قبل الأولى، أو يدخل في الثانية ثم يذكر ~~الأولى فيتمادى عليها. وهذا يأتي على قول ابن القاسم في المدونة، فقد قال ~~فيمن نسي الصبح والظهر فذكر الظهر ولم يذكر الصبح، فلما دخل فيها ذكر ~~الصبح: إنه يصلي الصبح ثم يعيد الظهر وإن كان وقتها قد خرج بتمامها. وقال ~~فيمن ذكر صلوات يسيرة فصلى قبلها ما هو في وقته جاهلا أو متعمدا: إنه لا ~~إعادة عليه إلا في الوقت، وهذا بين إذ لا فرق بين المسألتين. # فصل ويلزم على هذا القول الآخر وعلى القول الأول فيمن ذكر صلاتين لا يدري ~~أيتهما قبل صاحبتها، مثل أن يذكر الظهر والعصر أو الصبح والظهر من يومين لا ~~يدري أيتهما قبل صاحبتها ms0162 أنه ليس عليه أن يصلي إلا صلاتين الصبح والظهر أو ~~العصر والظهر، خلاف نص ما في سماع عيسى في رسم أوصى ورسم بع من كتاب ~~الصلاة، وخلاف ما في الواضحة وكتاب ابن المواز، وخلاف قول سحنون وابن عبد ~~الحكم. وعلى القول الثاني أن عليه إعادة الصلاة التي صلى وإن خرج # PageV01P204 # وقتها بتمامها يأتي على قولهم فيمن نسي صلاتين من يومين مختلفين لا يدري ~~أيهما قبل صاحبه، مثل ظهر وعصر، إنه يصلي ثلاث صلوات ظهرا بين عصرين أو ~~عصرا بين ظهرين حتى يوقن أنه قد خلص من التنكيس وأتى بما نسي على الترتيب. ~~ولو ذكر على هذا القول ثلاث صلوات صبحا وظهرا وعصرا لا يدري أيتهن قبل ~~صاحبتها لوجب عليه أن يصلي سبع صلوات يبدأ بالصبح ويختم بها. ولو ذكر أربع ~~صلوات صبحا وظهرا وعصرا ومغربا لا يدري أيتهن قبل صاحبتها لوجب عليه أن ~~يصلي ثلاث عشرة صلاة يبدأ بالصبح أيضا ويختم بها. ولو ذكر خمس صلوات صبحا ~~وظهرا وعصرا ومغربا وعشاء، لا يدري أيتهن قبل صاحبتها، لوجب عليه أن يصلي ~~إحدى وعشرين صلاة يبدأ بالصبح أيضا ويختم بها، إذ لا يصح له اليقين ~~والترتيب بما دون ذلك. وأصل ما تقيس عليه هذا أن تسقط أبدا من عدد الصلوات ~~المنسيات واحدا ثم تضرب ما بقي في عددها فما اجتمع من ذلك حملت عليه الواحد ~~الذي أسقطت [من عددها] ، وإن شئت أسقطت من عددها واحدا ثم ضربت ما بقي في ~~مثله وحملت على ما اجتمع عدد الصلوات، وذلك سواء. # فصل ولو نسي الظهر والعصر أحدهما للسبت والآخر للأحد، لا يدري أيتهما ~~للسبت ولا أيتهما للأحد، لتخرج ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها: أن لا يعتبر في ~~ذلك بالتعيين ولا بالترتيب فيصلي ظهرا وعصرا لا أكثر. والثاني: أنهما ~~يعتبران جميعا باعتبار التعيين؛ لأن اعتبار الترتيب داخل تحته إذ لا يشك أن ~~السبت قبل الأحد فيصلي ظهرا وعصرا للسبت ثم ظهرا وعصرا للأحد على ما قال ~~ابن حبيب، أو ظهرا للسبت ثم عصرا للأحد، ثم ms0163 عصرا للسبت ثم ظهرا للأحد، على ~~ما روى عيسى عن ابن القاسم، وذلك كله صحيح لإتيانه بذلك على شكه وحصول ~~الترتيب به # PageV01P205 # يقينا إذ لا يشك أن السبت قبل الأحد. والثالث: أنه يعتبر في ذلك الترتيب ~~دون تعيين الأيام، فيصلي ظهرا وعصرا ثم ظهرا، أو يبدأ بالعصر فيصلي عصرا ~~وظهرا ثم عصرا لا أكثر. # ولو نسي ظهرا وعصرا إحداهما للسبت والأخرى للأحد، لا يدري أيتهما للسبت ~~ولا أيتهما للأحد ولا إن كان السبت قبل الأحد أو الأحد قبل السبت من جمعة ~~أخرى، لتخرج ذلك على أربعة أقوال: أحدها: أن لا يعتبر التعيين ولا الترتيب، ~~فيصلي ظهرا وعصرا لا أكثر. والثاني: أن يعتبر التعيين والترتيب جميعا، ~~فيصلي ظهرا وعصرا للسبت ثم ظهرا وعصرا للأحد، ثم ظهرا وعصرا للسبت، وإن بدأ ~~بالأحد ختم به. والثالث: أن يعتبر التعيين دون الترتيب فيصلي ظهرا وعصرا ~~للسبت وظهرا وعصرا للأحد. والرابع: أن يعتبر الترتيب دون التعيين فيصلي ~~ظهرا ثم عصرا ثم ظهرا، أو عصرا ثم ظهرا ثم عصرا، يختم بالذي بدأ به وهذا ~~كله بين. # فصل فأما ترك اعتبار تعيين الأيام فهو قول سحنون، وذهب إليه ابن لبابة ~~وقال: يلزم من قال باعتبار تعيين الأيام أن يقول إذا ذكر صلاة لا يدري من ~~أي يوم أن يصلي سبع صلوات صلاة لكل يوم من أيام الجمعة، وهذا يلزم، وكذلك ~~يجب أن يقول في أيام الجمعة وما قل من الصلوات مما لا كبير مشقة فيه، إلا ~~أن قول ابن لبابة عندي أظهر؛ لأنه إذا نوى بصلاته قضاء صلاة ذلك اليوم الذي ~~تركها فيه وإن لم يعرفه بعينه وجب أن يجزئه قياسا على من نذر صوم يوم بعينه ~~فأفطره ناسيا ثم نسي أي يوم كان من أيام الجمعة، أنه ليس عليه إلا صوم يوم ~~واحد ينوي به ذلك اليوم. وانظر لو ظن أنه يوم بعينه فنواه لقضائه ثم انكشف ~~له أنه غير ذلك اليوم هل يجزئه أم لا، والظاهر عندي أنه لا يجزئه، وكذلك ~~الصلاة. وأما ترك اعتبار ms0164 الترتيب في ذلك فقد ذكرنا أنه الذي يأتي على ما في ~~المدونة في ذاكر صلوات يسيرة يصلي صلاة أنه لا يعيدها إلا في الوقت. # PageV01P206 # فصل وأما من صلى قبل أن يذكر الصلوات المنسية فلا يعيدها إلا في الوقت ~~للرتبة استحسانا، فإن لم يتسع له الوقت لإعادة ذلك فلا إعادة عليه بعد ~~الوقت إلا أن يتسع له الوقت للإعادة فلم يفعل، فقد قيل: إنه يعيد بعد ~~الوقت، وذلك تأكيد في الاستحباب. # فصل فيتحصل في ترتيب الفوائت اليسيرة مع ما حضر وقته من الصلوات قولان: ~~أحدهما: أنه فرض بالذكر يسقط بالنسيان كالكلام في الصلاة. والثاني: أنه ~~إنما يجب بالسنة وجوب السنن. وأما ترتيب ما حضر وقته من الصلوات فلا خلاف ~~أعرفه في وجوبه مع الذكر على ما بيناه إن شاء الله تعالى # فصل وأما ذكر صلوات كثيرة فلم يختلف قول مالك أنه يبدأ بما حضر وقته ~~قبلها، قيل: إن خشي أن يفوته فيما حضر وقت الاختيار، وهو ظاهر قول ابن حبيب ~~في الواضحة، وقيل: ما لم تصفر الشمس في الظهر والعصر، وهو قول ابن القاسم ~~في مختصر يحيى بن عمر، وقيل: ما لم تغب الشمس، وهو قول ابن القاسم في سماع ~~سحنون من العتبية. # فصل ووجه تفرقة مالك بين الصلوات الكثيرة والقليلة، هو أن ظاهر الحديث ~~بحمله على ما يقتضيه من العموم يوجب أن يبدأ بالفوائت قلت أو كثرت قبل ما ~~هو في وقته وإن فات الوقت؛ لقوله: فليصلها إذا ذكرها في الصلاة التي هي من ~~ألفاظ العموم، فخصص الإجماع من ذلك الصلوات الكثيرة وبقي الحديث مستعملا في ~~اليسيرة. وقد اختلف في حدها ما هو، فقيل: الأربع، وقيل: الخمس، وقيل: الست ~~وهو الصواب، إذ لا يصح أن يخصص عموم الحديث إلا بما يتفق أنه كثير وهو الست ~~صلوات، وبالله التوفيق. # PageV01P207 ### || فصل في القول في قصر الصلاة # فصل # في القول في قصر الصلاة اختلف أهل العلم في قصر المسافر الصلاة في السفر ~~مع الأمن على أربعة أقوال: أحدها: أن القصر لا يجوز. والثاني: ms0165 أنه واجب ~~فرض. والثالث: أنه سنة مسنونة. والرابع: أنه رخصة وتوسعة. واختلف الذين ~~رأوه رخصة وتوسعة في الأفضل من ذلك، فمنهم من رأى القصر أفضل، ومنهم من رأى ~~الإتمام أفضل، ومنهم من خير بين الأمرين من غير أن يفضل أحدهما على صاحبه. # فصل والأصل في هذا الاختلاف اختلافهم في كيفية فرض الصلاة، وفي تأويل قول ~~الله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن ~~خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} [النساء: 101] ، فبنى كل واحد مذهبه في ذلك ~~على ما ثبت عنده من الروايات في كيفية فرض الصلاة، وصح عنده من التأويلات ~~في معنى تفسيرها. وذلك أنه اختلف في كيفية فرض الصلاة على ثلاثة أقوال: ~~قيل: إنها فرضت ركعتين في السفر وأربعا في الحضر. وقيل: إنها فرضت ركعتين ~~ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر. وقيل: إنها ~~فرضت أربعا أربعا في السفر والحضر، فأقرت صلاة الحضر وقصرت صلاة السفر. ~~واختلف في القصر الذي رفع الله الجناح فيه بقوله: {وإذا ضربتم في الأرض ~~فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} ~~[النساء: 101] على ستة أقوال: # أحدها: أنه أراد به القصر من طول القراءة والركوع والسجود، دون أن ينقص ~~من عدد الركعات عند الخوف، قبل أن تنزل صلاة الخوف. # والثاني: أنه القصر من حدود الصلاة بصلاتهم إيماء إلى القبلة وإلى غير ~~القبلة، عند شدة الخوف والتحام الحرب، كقوله تعالى في آية البقرة: {فإن ~~خفتم فرجالا أو ركبانا} [البقرة: 239] . # PageV01P208 # والثالث: أنه القصر من أربع ركعات إلى ركعتين عند الخوف. # والرابع: أنه القصر من ركعتين إلى ركعة عند الخوف. وعلى هذا يأتي ما روي ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى بكل طائفة ركعة ولم يقضوا. # والخامس: أنه القصر من أربع ركعات إلى ركعتين في السفر من غير خوف، على ~~ما روي عن علي - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: «سأل قوم من التجار رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: ms0166 يا رسول الله إنا نضرب في الأرض فكيف ~~نصلي فأنزل الله عز وجل: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا ~~من الصلاة} [النساء: 101] ، ثم انقطع الوحي فلما كان بعد ذلك بحول غزا ~~النبي - عليه الصلاة والسلام - فصلى الظهر، فقال المشركون: لقد أمكنكم محمد ~~وأصحابه من ظهورهم هلا شددتم عليهم؟ فقال قائل منهم: إن لهم أخرى مثلها في ~~أثرها. فأنزل الله تعالى بين الصلاتين: {إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن ~~الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا} [النساء: 101] {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم ~~الصلاة} [النساء: 102] إلى آخرها، فنزلت صلاة الخوف» قال الطبري: وهذا ~~تأويل حسن في الآية لو لم يكن في الكلام إذا؛ لأن إذا تؤذن بانقطاع ما ~~بعدها على معنى ما قبلها. ولو لم يكن في الكلام إذا لكان معنى الكلام إن ~~خفتم أيها المؤمنون أن يفتنكم الذين كفروا في صلاتكم وكنت فيهم يا محمد ~~فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك الآية. # والقول السادس: أن المراد به ما بينه في الآية التي بعدها من صلاة الخوف ~~بقوله تعالى: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك} ~~[النساء: 102] على الاختلاف المروي في ذلك عن النبي - عليه الصلاة والسلام ~~- من صلاته بكل طائفة ركعتين ركعتين فتصير له أربعا ولكل طائفة ركعتين. ~~وبكل طائفة ركعة ركعة دون أن يقضوا شيئا فتصير له ركعتان ولكل طائفة ركعة ~~ركعة. وبكل طائفة ركعة ركعة ثم يقضون جميعا ركعة ركعة بعد سلامه - صلى الله ~~عليه وسلم -. وبكل طائفة ركعة ركعة فتتم الطائفة الأولى قبل مجيء الثانية، ~~ثم تقضي الثانية قبل سلام الإمام أو بعد سلامه. أو على # PageV01P209 # ما روي من «أن العدو كان في جهة القبلة، فلما رأوهم يصلون الظهر تآمروا ~~على الهجوم عليهم في صلاة العصر، فأنزل الله على النبي - عليه الصلاة ~~والسلام - الآية، فجعل النبي - عليه الصلاة والسلام - لصلاة العصر أصحابه ~~صفين خلفه، فكبر بهم جميعا، ثم ركع بهم جميعا، ثم سجد بالنصف الذي يليه ~~سجدتين ووقف الصف الثاني يحرسونهم من ms0167 العدو. فلما فرغ النبي - عليه الصلاة ~~والسلام - من سجوده وقام سجد الصف الثاني ثم تقدموا مكان الصف الأول وتأخر ~~الصف الأول مكان الصف الثاني، فركع بهم النبي - عليه الصلاة والسلام - ~~جميعا ثم سجد بالصف الذي يليه سجدتين والصف الثاني يحرسونهم من العدو. فلما ~~فرغ من سجوده سجد الصف المؤخر ثم قعدوا فتشهدوا مع النبي - عليه الصلاة ~~والسلام - ثم سلم بهم جميعا. فلما نظر إليهم المشركون قالوا: لقد أخبروا ~~بالذي أردنا» . # فصل فمن ذهب إلى ما روي من أن الصلاة فرضت أربعا أربعا في الحضر والسفر، ~~وإلى ما روي من أن القصر الذي رفع الله فيه الجناح على عباده في الآية ~~المذكورة هو القصر في الخوف من أربع إلى ركعتين، أو من طول الصلاة أو من ~~حدودها على ما ذكرناه ولم يصح عنده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قصر الصلاة في غير خوف، لم يجز للمسافر قصر الصلاة مع الأمن. وذهب إلى هذا ~~جماعة من العلماء. وقد قيل: إنه مذهب عائشة - رضي الله تعالى عنها - في ~~إتمامها في السفر. روي عنها أنها قالت في سفرها: أتموا صلاتكم، فقالوا: إن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي في السفر ركعتين، فقالت: إن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان في حرب، وكان يخاف فهل تخافون أنتم ~~شيئا؟، ومن ذهب إلى [ما روي من] أن الصلاة فرضت ركعتين ركعتين في الحضر ~~والسفر فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر، أو إلى أن الصلاة فرضت أربع ~~ركعات في الحضر وركعتين في السفر، وصح عنده قصر # PageV01P210 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلاة في السفر من غير خوف، وتأول أن ~~مراد الله عز وجل بالقصر الذي رفع فيه الحرج هو القصر مع الخوف من ركعتين ~~إلى ركعة أو من طول الصلاة أو من حدودها، رأى القصر في السفر فرضا، وهو ~~مذهب أبي حنيفة وأصحابه وجماعة من العلماء، وإلى هذا ذهب إسماعيل بن إسحق ~~وأبو بكر بن الجهم. وذكر ابن الجهم أن أشهب ms0168 روى ذلك [عن مالك] ، ويلزم من ~~قال بهذا القول أن يوجب الإعادة أبدا على من أتم صلاته في السفر متعمدا صلى ~~وحده أو في جماعة كما يقول أبو حنيفة وأصحابه، ولا يوجد ذلك في المذهب ~~لمالك ولا لأحد من أصحابه. والذي رأيت لمالك من رواية أشهب عنه أن فرض ~~المسافر ركعتان، وذلك خلاف ما حكى عنه ابن الجهم إذا تدبرته. ومن ذهب إلى ~~ما روي من أن الصلاة فرضت أربعا أربعا في السفر والحضر فأقرت صلاة الحضر ~~وقصرت صلاة السفر وتأول القصر الذي رفع الله فيه الجناح عن عباده على أنه ~~القصر من أربع ركعات إلى ركعتين مع الأمن على ما ذكرناه فيما روي عن علي - ~~رضي الله تعالى عنه -، وصح عنده أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - قصر ~~الصلاة في سفره وهو آمن» قال: إن القصر في السفر سنة من السنن، التي الأخذ ~~بها فضيلة وتركها غير خطيئة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن ~~ليختار مما خيره الله فيه إلا الذي علم أنه الأفضل عنده. وقد نبه على ذلك ~~بقوله: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» . فحض على قبول الصدقة ~~والاقتداء به في ذلك من غير وجوب، إذ لا يجب على المتصدق عليه قبول ما تصدق ~~به عليه، وإنما المختار له ذلك، ما لم يقترن بصدقته معنى يوجب كراهيتها، ~~وذلك المعنى معدوم في صدقة الله تعالى. وهي رواية أبي المصعب عن # PageV01P211 # مالك والمعلوم من مذهبه ومذهب أصحابه في مسائله ومسائلهم؛ لأنهم لم ~~يخيروا المسافر بين القصر والإتمام، ولا أوجبوا عليه الإعادة أبدا إذا أتم، ~~وإنما رأوها عليه في الوقت استحبابا ليدرك فضيلة السنة، إلا أن يكون صلاها ~~في جماعة فلا يعيد لإحرازه فضل الجماعة، وإن كانت فضيلة السنة عنده آكد من ~~فضيلة الجماعة؛ لأنه لم ير له أن يصلي في جماعة ويترك القصر إلى أن تغشاه ~~الصلاة في موضعه الذي هو فيه من مسجد أو غيره؛ لما في ذلك من الجفاء وتعريض ~~نفسه إلى سوء الظن. ms0169 وقد ذهب ابن حبيب إلى أنه يعيد في الوقت وإن صلى في ~~جماعة ما لم تكن صلاته في الجماعة في المسجد الجامع، وذلك على حسب تأكيد ~~فضيلة السنة عنده. ومن ذهب إلى هذا ولم يصح عنده أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قصر الصلاة في سفره مع الأمن رأى المسافر مخيرا بين القصر والإتمام ~~بالقرآن. ويحتمل أن يكون هذا، أعني التخيير بين القصر والإتمام، مذهب من صح ~~عنده قصر النبي - عليه الصلاة والسلام - الصلاة في السفر مع الأمن إذا تأول ~~القصر الذي رفع الله فيه الجناح عن عباده أنه هو القصر من أربع ركعات إلى ~~ركعتين مع الخوف، ويرى أن قصر النبي - عليه الصلاة والسلام - مع الأمن إنما ~~هو زيادة بيان لما في القرآن لا سنة مسنونة. ومن ذهب إلى هذا ورأى أن القصر ~~أفضل، استدل على ذلك بما روي أن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى ~~شدائده، ولقول النبي - عليه الصلاة والسلام -: «صدقة تصدق الله بها عليكم ~~فاقبلوا صدقته» . ومن ذهب إلى هذا ورأى الإتمام أفضل رآه زيادة عمل وقاسه ~~على الصيام في السفر. ومن استوت عنده في ذلك الأدلة لم يفضل أحد الأمرين ~~على صاحبه. # فصل وقد اختلف في حد ما تقصر فيه الصلاة من السفر اختلافا كثيرا من مسافة ~~ثلاثة أميال، وهو مذهب أهل الظاهر، إلى مسيرة ثلاثة أيام، وهو مذهب أبي ~~حنيفة وأصحابه. والذي ذهب إليه مالك - رحمه الله - أن الصلاة لا تقصر في ~~أقل من مسيرة اليوم التام. واختلف في حده فقيل: ثمانية وأربعون ميلا، وقيل: ~~خمسة وأربعون # PageV01P212 # ميلا، وقيل: أربعون ميلا. فإن قصر فيما دون الثمانية والأربعين ميلا فلا ~~إعادة عليه فيما بينه وبين الأربعين ميلا. فإن قصر فيما دون الأربعين فقيل: ~~يعيد في الوقت، وقيل: لا إعادة عليه فيما بينه وبين ستة وثلاثين ميلا. فإن ~~قصر فيما دون ستة وثلاثين ميلا أعاد في الوقت وبعده. # فصل ويتم المسافر إلى أن يبرز عن بيوت القرية، ويقصر إلى أن يدخل إلى مثل ms0170 ~~ذلك الحد. قال ابن حبيب: إلا في الموضع الذي تجمع فيه الجمعة فإنه يقصر ~~ويتم إلى الحد الذي يلزمه منه الإتيان إلى الجمعة. # فصل ولا يزال المسافر يقصر ما لم يمر بموطن يكون له محل إقامة بإجماع، أو ~~ينوي إقامة أربعة أيام على اختلاف. والاختلاف في هذا كثير خارج المذهب، من ~~تسعة عشر يوما على ما روي عن ابن عباس إلى يوم وليلة، وهو مذهب ربيعة قياسا ~~على حد ما تقصر فيه الصلاة، فيتحصل فيه اثنا عشر قولا. # فصل والإتمام يجب بمجرد نية الإقامة أو بحلول موضعها، ولا يجب القصر إلا ~~بالنية مع العمل. وحد العمل الذي يحسب به القصر لمن خرج من موطن البروز عن ~~بيوت البلدة وبساتينها، ولمن نوى إقامة أربعة أيام في غير موطن ثم نوى ~~السفر التحرك من موضعه. # فصل ولو نوى المسافر أن يقيم بموضع قبل أن يصل إليه ثم رجعت نيته عن ~~الإقامة قبل أن يصل إليه بطلت نيته الأولى، وقصر بذلك الموضع إن وصل إليه ~~وإن لم يتحرك منه. وذلك بخلاف المسافر يكون بطريقه قرية يكون له بها أهل، ~~فينوي دخولها ثم ترجع نيته عن ذلك. ولا تخلو هذه المسألة من أحد أربعة ~~أوجه: أحدها: # PageV01P213 # أن يكون فيما بينه وبينها وفيما بينها وبين منتهى سفره أربعة برد فصاعدا. ~~والثاني: أن لا يكون فيما بينه وبينها ولا فيما بينها وبين منتهى سفره إلا ~~أقل من أربعة برد. والثالث: أن يكون فيما بينه وبينها أربعة برد فصاعدا، ~~ولا يكون فيما بينها وبين منتهى سفره إلا أقل من أربعة برد. والرابع: بعكس ~~ذلك، وهو أن لا يكون فيما بينه وبينها إلا أقل من أربعة برد، ويكون فيما ~~بينها وبين منتهى سفره أربعة برد فصاعدا. # فأما الوجه الأول: فلا تأثير لنية دخوله فيها على حال، لكون المسافتين ~~مما يجب في كل واحدة منهما القصر، فهو يقصر من حين خروجه، نوى دخول القرية ~~أو لم ينو، فإن دخلها أتم فيها حتى يخرج منها ويجاوز بيوتها. # وأما الوجه الثاني: ms0171 فإن نوى دخولها أتم فيما بينه وبينها وفيما بينها ~~وبين منتهى سفره، إذ ليس في واحدة من المسافتين ما يجب فيه قصر الصلاة. وإن ~~نوى أن لا يدخلها قصر من حين خروجه لكون المسافتين باجتماعهما ما يجب فيه ~~قصر الصلاة. وإن نوى دخولها فلما سار بعض الطريق انصرفت نيته عن ذلك فنوى ~~أن لا يدخلها، نظر إلى ما بقي من سفره فإن كان ما تقصر فيه الصلاة قصر، ~~وإلا لم يقصر. وإن نوى أن لا يدخلها فقصر فلما سار بعض الطريق انصرفت نيته ~~عن ذلك فنوى دخولها ففي ذلك قولان: أحدهما: أنه يتمادى على تقصيره حتى ~~يدخلها، وهو مذهب سحنون. ووجهه أن التقصير قد وجب عليه فلا ينتقل عنه إلى ~~الإتمام إلا بنية المقام أو بحلول موضعه. والثاني: أنه يرجع إلى الإتمام ~~بمنزلة أن لو نوى دخولها من أول سفره، إذ ليس فيما بينه وبينها أربعة برد. ~~وعلى هذا يختلف فيمن نوى الرجوع عن سفره إلى البلد الذي خرج منه قبل أن ~~يبلغ أربعة برد، فقيل: إنه يتمادى على تقصيره حتى يرجع إلى بلده، وهو قول ~~سحنون. وقيل: إنه يتم في رجوعه إذ ليس فيما بينه وبين بلده ما يجب فيه قصر ~~الصلاة، وهو الذي في الواضحة وكتاب ابن المواز. وكذلك لو سار في سفره ~~بريدين ثم نوى أن يرجع بعد أن يتمادى بريدا ثالثا. # والوجه الثالث من المسألة: محمول على الوجه الأول منها، فهو يقصر فيما # PageV01P214 # بينه وبين القرية نوى دخولها أو لم ينو، ولا يقصر فيما بين القرية وبين ~~منتهى سفره إلا أن لا يدخل القرية ولا ينوي دخولها. # والوجه الرابع: محمول على الوجه الثاني فيما بينه وبين القرية، ويقصر ~~فيما بين القرية وبين منتهى سفره على كل حال دخل القرية أو لم يدخلها نوى ~~دخولها أو لم ينوه؛ لأنها مسافة يجب فيها قصر الصلاة. وبالله التوفيق. # فصل والأسفار تنقسم على خمسة أقسام: سفر واجب، وسفر مندوب إليه، وسفر ~~مباح، وسفر مكروه، وسفر محظور. فأما السفر الواجب والمندوب ms0172 إليه فلا خلاف ~~في قصر الصلاة فيهما. وأما ما سواهما فاختلف في قصر الصلاة فيها على ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أن الصلاة لا تقصر في شيء منها، وهو مذهب بعض أهل الظاهر، ~~وروي مثله عن ابن مسعود. والثاني: أنها تقصر فيها كلها، وهو قول أكثر أهل ~~الظاهر؛ لعموم قوله عز وجل: {وإذا ضربتم في الأرض} [النساء: 101] ولم يخص ~~سفرا، وهي رواية ابن زياد عن مالك. والثالث: أنه يقصر في السفر المباح دون ~~المكروه والمحظور، وهو قول جل أهل العلم والمشهور من مذهب مالك - رحمه الله ~~تعالى -. # فصل وقصر الصلاة في السفر على مذهب مالك - رحمه الله تعالى - وجميع ~~أصحابه سنة من السنن، التي الأخذ بها فضيلة وتركها غير خطيئة، فإن أتم ~~المسافر الصلاة على مذهبه أعاد في الوقت إن افتتح الصلاة بنية الإتمام ~~متعمدا أو جاهلا أو ناسيا لسفره. وأما إن أحرم بنية القصر ثم أتم عامدا ~~فقيل: إنه يعيد في الوقت [وقيل: في الوقت وبعده. وكذلك يختلف أيضا إذا أحرم ~~على الإتمام ثم قصر متعمدا، فقيل: يعيد في الوقت] وبعده، وقيل: في الوقت. ~~فالقول الأول مبني على أن المسافر مخير بين القصر والإتمام ما لم يتشبث ~~بفعل الصلاة، فإن تشبث بها لزمه ما أحرم عليه من قصر أو إتمام. والثاني ~~مبني على أنه مخير وإن تشبث بها ولا يلزمه الإتمام # PageV01P215 # على ما أحرم عليه من قصر أو إتمام. وأما إن أحرم بنية القصر ثم أتم ~~ساهيا، فقيل: إنه يسجد بعد السلام لسهوه، وتجزئه صلاته، وقيل: إنه يعيد في ~~الوقت وبعده لكثرة السهو، وقيل: إنه يعيد في الوقت. وهذا على القول بأن ~~للمسافر أن يتم وإن أحرم بنية القصر، وعلى القول بأن ما صلى على السهو يجزئ ~~عن الفرض، مثل أن يصلي الرجل في الظهر أو العصر أو العشاء الآخرة ركعة ~~خامسة على سبيل السهو فيذكر سجدة من الأولى، وهذا الاختلاف كله لابن ~~القاسم. # فصل واختلف إذا دخل المسافر خلف المقيم، وهو يظنه مسافرا فألفاه مقيما، ~~أو دخل خلف المسافر وهو ms0173 يظنه مقيما فألفاه مسافرا، فقيل: إن صلاته جائزة في ~~الوجهين جميعا، وقيل: إنها فاسدة في الوجهين جميعا وعليه الإعادة، وقيل: ~~إنه إن ظنه مسافرا فألفاه مقيما جازت صلاته، وإن ظنه مقيما فألفاه مسافرا ~~فسدت صلاته ووجبت عليه الإعادة، وقيل بعكس ذلك في الوجهين جميعا. فهي أربعة ~~أقوال، والإعادة في الوقت وبعده، وقيل: في الوقت خاصة. # فصل واختلف إذا صلى المسافر بالمسافرين ركعتين، ثم قام لإتمام الصلاة ~~فيما يصنع القوم خلفه على ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم يسلمون لأنفسهم ~~وينصرفون، وقيل: إنهم يقدمون من يسلم بهم. والثاني: أنهم ينتظرونه حتى يتم ~~الصلاة فيسلمون بسلامه. والثالث: أنهم يتبعونه ويعيدون الصلاة. # فصل فإن سلموا على قول من يرى ذلك تمت صلاتهم على كل حال كان الإمام ~~ناسيا لسفره أو قاصدا للإتمام من أول صلاته عامدا أو جاهلا أو متأولا، أو ~~كان قد أحرم على ركعتين فأتم عامدا أو ساهيا، إلا أن يكون الإمام إنما أتم ~~لأنه نوى الإقامة فعليهم الإعادة ويعيد الإمام صلاته في الوقت إن كان أحرم ~~بنية الإتمام. وإن كان أحرم بنية ركعتين ثم أتم عامدا أعاد في الوقت وبعده، ~~وقيل: في الوقت، وقيل: يجتزئ بسجدتي السهو ولا إعادة عليه. # PageV01P216 # فصل وأما إن قعدوا فسلموا بسلامه على قول من يرى ذلك وكان الإمام ناسيا ~~لسفره أو قاصدا للإتمام من أول صلاته، فقيل: إنهم يعيدون في الوقت، وهذا ~~قول سحنون، وقيل: إنه لا إعادة عليهم، وهو قوله في المدونة. وأما إن أحرم ~~بنية ركعتين فأتم عامدا فإنهم يعيدون في الوقت وبعده؛ لأنه قد أفسد عليهم ~~الصلاة بإفساده إياها على نفسه في المشهور من الأقوال. وأما إن كان أحرم ~~بنية ركعتين فأتم ساهيا، فإنه يسجد لسهوه ويسجدون بسجوده على القول الذي ~~يرى فيه أنه يصلح صلاته بسجود السهو، ولا شيء عليهم على قول من يوجب عليه ~~إعادة الصلاة لكثرة سهوه؛ لأنهم لم يتبعوه على سهوه، وهذا على مذهب ابن ~~القاسم في المدونة. وعلى قياس قول سحنون فيها يعيدون في الوقت وبعده كما ~~يعيد الإمام. ms0174 وأما على قول من يوجب عليه الإعادة في الوقت فيعيدون هم في ~~الوقت على قياس قول سحنون المتقدم، وعلى قياس قول ابن القاسم لا إعادة ~~عليهم وأما إن كان إنما أتم لأنه نوى الإقامة قبل الإحرام فعليهم الإعادة ~~في الوقت وبعده. # فصل وأما إن اتبعوه على قول من يرى ذلك فإنهم يعيدون صلاتهم في الوقت ~~وبعده إن كانوا اتبعوه بنية الإعادة. وإن كانوا إنما اتبعوه بنية الإتمام ~~في السفر وتأولوا اتباع إمامهم وقد كان الإمام أحرم بنية الإتمام في السفر ~~أعادوا أيضا في الوقت وبعده، وقيل: إنهم يعيدون في الوقت، ولا يجب على ~~الإمام أن يعيد إلا في الوقت. وإن كان الإمام إنما أحرم بنية ركعتين ثم ~~تمادى عامدا كان بمنزلتهم وأعاد هو وهم في الوقت وبعده، وقيل: في الوقت على ~~ما تقدم من الاختلاف. وإن كان الإمام نوى الإقامة فيتخرج ذلك على ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أن الصلاة تامة ولا إعادة عليهم، والثاني: أنهم يعيدون في ~~الوقت. [والثالث: أنهم يعيدون في الوقت] وبعده؛ لأن ذلك مبني على ما تقدم ~~من الاختلاف في المسافر يدخل مع القوم وهو يظنهم مسافرين فيجدهم مقيمين. # PageV01P217 # فصل وأما إن صلى المسافر بالمقيمين ركعتين، ثم قام لإتمام صلاته فإن ~~اتبعوه وكان الإمام قد أحرم على الإتمام متأولا أعادوا في الوقت وبعده، ~~وقيل: لا إعادة عليهم. وهذا على اختلافهم فيمن وجب عليه أن يصلي فذا فصلى ~~بإمام. وقيل: يعيدون في الوقت كالإمام. وإن قعدوا ولم يتبعوه بطلت صلاتهم ~~بجلوسهم عن اتباعه على القول بأنهم إن اتبعوه أعادوا في الوقت وأجزأتهم ~~صلاتهم، وصحت على القول بأنهم إن اتبعوه أعادوا في الوقت وبعده، ويتخرج على ~~قول سحنون أنهم يعيدون في الوقت كما يعيد الإمام. ولا أذكر في ذلك نص ~~رواية. وأما إن كان الإمام إنما أحرم بنية ركعتين، ثم أتم عامدا فاتبعوه ~~فإنهم يعيدون في الوقت وبعده على قول من يوجب على الإمام الإعاده في الوقت ~~وبعده، وعلى قول من لا يوجب عليه الإعادة إلا في الوقت، يجري الأمر ms0175 في ~~إيجاب الإعادة عليهم على الاختلاف المذكور إذا أحرم بنية الإتمام عامدا ~~فاتبعوه. وأما إن قعدوا ولم يتبعوه فالحكم في ذلك على ما تقدم في المسألة ~~التي قبلها. وأما إن كان الإمام إنما أحرم على نية ركعتين ثم أتم ساهيا ~~فاتبعوه فقيل: إن ذلك لا يجزئهم، وقيل: إن صلاتهم تامة على الاختلاف في ~~الإمام إذا صلى خامسة ساهيا فاتبعه فيها من فاتته ركعة من الصلاة. وهذا على ~~القول بأن الإمام يجتزئ بسجود السهو. وأما على القول بأنه يعيد في الوقت أو ~~في الوقت وبعده فعلى ما تقدم في المسألة التي قبلها. وإن قعدوا ولم يتبعوه ~~فيتموا صلاتهم إذا سلم الإمام وتجزئهم، ويسجدون للسهو كما يسجد الإمام، على ~~القول بأن الإمام يسجد لسهوه وتجزئه صلاته. وأما على القول بأن الإمام يعيد ~~في الوقت وبعده لكثرة السهو، فلا سجود عليهم للسهو ولا إعادة؛ لأنهم لم ~~يسهوا. # فصل وأما إن كان الإمام السفري إنما أتم بهم الصلاة؛ لأنه نوى الإقامة ~~قبل دخوله فيها فإن اتبعوه صحت صلاتهم، وإن قعدوا ولم يتبعوه بطلت صلاتهم، ~~وبالله تعالى التوفيق. # PageV01P218 ### || القول في صلاة الجمعة # قصد الجمعة وشهودها فرض على الأعيان. قال الله عز وجل: {يا أيها الذين ~~آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله} [الجمعة: 9] ، ~~وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من ترك صلاة الجمعة ثلاث مرات من ~~غير عذر ولا علة طبع الله على قلبه بطابع النفاق» . فلا يجوز التخلف عنها ~~إلا لعذر أو علة كما ذكر في الحديث. والأعذار في ذلك منقسمة على ثلاثة ~~أقسام: منها ما يباح التخلف عنها بسببه باتفاق، كالمرض والشغل بجنازة ميت ~~لينظر في أمره على ما في سماع ابن القاسم. ومعنى ذلك إذا لم يجد من يكفنه ~~وخشي عليه التغير إن أخر ذلك إلى أن يصلي الجمعة، أو يكون في الموت يجود ~~بنفسه، قاله في السماع المذكور وحكاه ابن حبيب عن مالك. وقال في الأعمى ~~الذي لا قائد له: إن الجمعة ساقطة عنه. ومنها ما ms0176 يباح على اختلاف كالجذمى ~~لما على الناس من الضرر في مخالطتهم في المسجد الجامع، والمطر، وعندي أن ~~قولهم في المطر ليس باختلاف قول، وإنما ذلك على قدر حال المطر، والله تعالى ~~أعلم. وفي تخلف العروس عنها اختلاف ضعيف. ومنها ما لا يباح باتفاق مثل ~~المدين يخشى أن يقوم عليه غرماؤه فيسجنوه، وما أشبه ذلك. # PageV01P219 # فصل وصلاة الجمعة على من تجب عليه الجمعة بدل من صلاة الظهر، وتجزئ من لا ~~تجب عليه من صلاة الظهر. فوقتها وقت صلاة الظهر، قيل: إلى الاصفرار وقيل: ~~إلى أن يبقى بعد إقامتها قدر أربع ركعات للعصر قبل الغروب، وقيل: إلى أن ~~يبقى من الوقت ركعة لصلاة العصر. وقيل: وقتها إلى الغروب وإن لم تصل العصر ~~إلا بعد غروب الشمس. # فصل وقد اختلف متى يتعين الإقبال إليها، فقيل: إذا زالت الشمس، وقيل: إذا ~~أذن المؤذن. والاختلاف في هذا إنما هو على اختلافهم في وجوب شهود الخطبة، ~~فمن أوجب شهود الخطبة على الأعيان أوجب على الرجل الإتيان من أول الزوال ~~ليدركها، ومن لم يوجب شهود الخطبة على الأعيان لم يوجب على الرجل الإتيان ~~إلا بالأذان؛ لأنه معلوم أنه إذا لم يأت حتى أذن المؤذن أنه ستفوته الخطبة ~~أو بعضها. # فصل وهذا لمن قرب موضعه من الجمعة وأما من بعد موضعه ولا يدرك الخطبة أو ~~الصلاة إلا بالإتيان إليها قبل الزوال فيلزمه الإتيان في الوقت الذي يغلب ~~على ظنه أنه يدرك الخطبة والصلاة على الاختلاف في ذلك. # فصل وحد البعد الذي يلزمه منه الإتيان إلى الجمعة فرسخ، وهو ثلاثة أميال. ~~قال في المدونة: وإن كانت زيادة يسيرة فأرى ذلك عليه. وقال في رواية أشهب: ~~ثلاثة أميال فدون. وقال في رواية علي بن زياد عن مالك: [ثلاثة أميال] ؛ لأن ~~ذلك # PageV01P220 # منتهى صوت المؤذن. وقال في رواية أشهب عنه: لأن ذلك منتهى أبعد العوالي ~~إلى المدينة، ولم يعلم أن من كان أبعد من العوالي أتوا إلى الجمعة ولا ~~لزمهم الإتيان. # فصل وهذا الحد لمن كان خارج المصر وأما من كان ms0177 في المصر فيتعين عليه ~~الإتيان إلى الجمعة وإن كان بينه وبين المسجد الجامع ثلاثة أميال أو أكثر، ~~كذا روى ابن أبي أويس عن مالك وابن وهب أيضا، وهو عندي تفسير للمذهب. # فصل وللجمعة شرائط لا تجب إلا بها وتصح دونها، وشرائط لا تجب إلا بها ولا ~~تصح دونها، وفرائض لا تصح إلا بها، وسنن وفضائل لا تكمل إلا بها. # فأما الشرائط التي لا تجب إلا بها وتصح دونها فهي ثلاث: الذكورية، ~~والحرية، والإقامة. لأن العبد والمسافر والمرأة لا تجب عليهم الجمعة ولهم ~~أن يصلوها. # وأما الشرائط التي لا تجب الجمعة إلا بها ولا تصح دونها فهي ثلاثة أيضا: ~~الإمام، والجماعة، وموضع الاستيطان، قرية كانت أو مصرا على مذهب مالك - ~~رحمه الله تعالى -. وقد قيل في الإمام والجماعة: إنهما من شرائط الصحة ~~كالوضوء والنية والتوجه إلى القبلة وما أشبه ذلك، وقيل: إنهما من شرائط ~~الوجوب. ولا يصح أن يقال فيهما: إنهما من شرائط الوجوب دون الصحة ولا من ~~شرائط الصحة دون الوجوب، وإنما الصحيح أن يقال فيهما: إنهما من شرائط ~~الوجوب والصحة جميعا، إذ قد يعدمان ولا يمكن وجودهما، فهما من شرائط الوجوب ~~إذا عدما، ومن شرائط الصحة إذا وجدا. وبيان هذا أن القوم متى لم تكن لهم ~~جماعة تصح بهم الجمعة أو لم يكن معهم إمام يحسن إقامة الجمعة بهم سقط عنهم ~~فرض الجمعة، ومتى كانت لهم جماعة تصح بهم الجمعة وإمام يحسن إقامة الجمعة ~~بهم وجبت عليهم إقامة الجمعة بالجماعة والإمام، فإن أخلوا بهما أو بأحدهما ~~لم تجزئهم الجمعة # PageV01P221 # ووجبت عليهم إعادتها في الوقت وظهرا بعد الوقت. وكذلك موضع الاستيطان على ~~تأويل ما، والأظهر فيه أنه شرط في الوجوب خاصة. # فصل وأما المسجد فقيل فيه: إنه من شرائط الوجوب والصحة جميعا كالإمام ~~والجماعة، وهذا على قول من يرى أنه لا يكون مسجدا إلا ما كان بيتا وله سقف، ~~بدليل قول الله عز وجل: {في بيوت أذن الله أن ترفع} [النور: 36] وقول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «من بنى مسجدا ms0178 ولو مفحص قطاة» الحديث، إذ قد يعدم ~~مسجد يكون على هذه الصفة وقد يوجد، فإذا عدم كان من شرائط الوجوب، وإذا وجد ~~كان من شرائط الصحة. وعلى قياس هذا القول أفتى القاضي أبو الوليد الباجي في ~~أهل قرية انهدم مسجدهم وبقي لا سقف له فحضرت الجمعة قبل أن يبنوه أنه لا ~~يصح لهم أن يجمعوا الجمعة فيه، ويصلون ظهرا أربعا. وهو بعيد؛ لأن المسجد ~~إذا حصل مسجدا لا يعود غير مسجد إذا انهدم، بل يبقى على ما كان عليه من ~~التسمية والحكم، وإن كان لا يصح أن يسمى الموضع الذي يتخذ لبناء المسجد ~~مسجدا قبل أن يبنى وهو فضاء. وقيل فيه، أعني المسجد،: إنه من شرائط الصحة ~~دون الوجوب، وهذا على قول من يقول إن المكان من الفضاء يكون مسجدا ويسمى ~~مسجدا بتعيينه وتحبيسه للصلاة فيه، واعتقاد اتخاذه للصلاة موضعا لها، إذ لا ~~يعدم موضع يصح أن يتخذ مسجدا. فلما كان لا يعدم ويقدر عليه في كل حال صار ~~من شرائط الصحة كالخطبة وكسائر فرائض الصلاة فهذا وجه هذا القول. ولا يصح ~~أن يقول أحد في المسجد إنه ليس من شرائط الصحة، إذ لا اختلاف في أنه لا يصح ~~أن تقام الجمعة في غير مسجد. ومن أهل العلم من ذهب إلى أنه لا يصح أن تقام ~~إلا في الجامع، وإلى هذا ذهب الباجي فقال: إنه لو منع عذر من إقامتها في # PageV01P222 # المسجد الجامع لم تصح إقامتها فيما سواه من المساجد، إلا أن تنقل الجمعة ~~إليه على التأبيد. وهو بعيد؛ لأنه مسجد، وصلاة الجمعة فيه جائزة إذا تعذرت ~~إقامتها بالمسجد الجامع وإن لم تنقل الجمعة إليه على التأبيد. وقد أقيمت ~~الجمعة بقرطبة في مسجد أبي عثمان بالربض الغربي، ولا أرى ذلك كان إلا لعذر ~~منع من إقامتها في المسجد الجامع دون أن تنقل الجمعة إليه على التأبيد، ~~والعلماء متوافرون ولو نقل الإمام الجمعة في جمعة من الجمع من المسجد ~~الجامع إلى مسجد من المساجد من غير عذر لكانت الصلاة مجزئة. # فإن ms0179 قال قائل: لو جاز أن تصلى الجمعة في غير المسجد الجامع من غير أن ~~تنقل إليه الجمعة على التأبيد لجاز لمن رعف مع الإمام في صلاة الجمعة أن ~~يتم صلاته في أقرب المساجد إليه حيث يغسل الدم عنه وقد قالوا: إنه لا يتم ~~صلاته إلا في المسجد الجامع. # فالجواب عن ذلك أن من أصحابنا من قال: يتم صلاته في أقرب المساجد إليه ~~إلا أن يعلم أنه يدرك من صلاة الإمام شيئا فيرجع إلى المسجد الجامع ليتم ~~صلاته مع الإمام، فعلى هذا القول لا يلزمنا هذا السؤال. ومن أوجب عليه ~~الرجوع إلى المسجد الجامع وإن لم يدرك من الصلاة مع الإمام شيئا فالمعنى ~~عنده إنما هو الرجوع إلى المسجد الذي ابتدأ فيه الصلاة مع الإمام لابتدائه ~~معه الصلاة فيه لا لأنه المسجد الجامع، والله سبحانه وتعالى أعلم. # فصل وأما الخطبة فإنما هي شرط في صحة الجمعة، وذهب ابن الماجشون إلى أنها ~~سنة. والدليل على وجوبها قول الله عز وجل: {وتركوك قائما} [الجمعة: 11] ، ~~ومن شرطها أن تكون قبل الصلاة. واختلف هل من شرطها الجماعة أم لا، وظاهر ~~المدونة من شرطها الجماعة. واختلف أيضا هل من شرط صحة الصلاة استدامة ~~الجماعة من أول الصلاة إلى آخرها على ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذلك من شروط # PageV01P223 # صحتها وأن الناس لو انفضوا عنه قبل السلام من الصلاة حتى لم يبق معه إلا ~~النساء والعبيد ومن لا عدد له من الرجال لبطلت الصلاة. والثاني: أن الصلاة ~~جائزة إن لم ينفضوا عنه حتى صلى ركعة، قياسا على من أدرك ركعة من صلاة ~~الإمام أنه يقضي ركعة واحدة وتكون له جمعة. والثالث: أنه إذا أحرم بالجماعة ~~فصلاته الجمعة جائزة وإن انفضوا عنه قبل ركعة. والقول الأول أظهر، والله ~~سبحانه وتعالى أعلم. # وظاهر ما في المدونة أنه أجاز إتمام الصلاة إذا انفض الناس عنه بعد ~~الإحرام بعدد لا تجوز إقامة الجمعة بهم، وأراه ذهب في ذلك إلى ما روي في ~~تفسير قول الله عز وجل: {وإذا رأوا تجارة أو لهوا ms0180 انفضوا إليها وتركوك ~~قائما} [الجمعة: 11] من أنه لم يبق مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حينئذ ~~إلا اثنا عشر رجلا، والله سبحانه وتعالى أعلم. # فصل وكل ما يشترط في وجوب الصلوات الخمس من البلوغ والعقل وارتفاع دم ~~الحيض والنفاس ودخول الوقت والإسلام على القول بأن الكفار ليسوا مخاطبين ~~بشرائع الإسلام، فهو مشترط أيضا في وجوب صلاة الجمعة. وقد بينا ما يختص به ~~وجوب صلاة الجمعة من الشرائط. وكل ما يشترط في صحة ما عدا الجمعة من ~~الصلوات من النية والإحرام والتوجه إلى القبلة وما أشبه ذلك، فهو يشترط في ~~صحة صلاة الجمعة أيضا، وهو فرائضها التي لا تصح إلا بها. وكل ما هو سنة ~~وفضيلة فيما عدا الجمعة من الصلوات فهو سنة في صلاة الجمعة وفضيلة فيها. # وتختص الجمعة بسنن وفضائل تنفرد بها دون سائر الصلوات، منها الغسل، ~~والطيب، والإنصات، وتعجيل الرواح، وترك التخطي، وما أشبه ذلك مما هو مذكور ~~في أمهات الكتب، وبالله التوفيق لا شريك له. # PageV01P224 ### | كتاب الجنائز # ] [ ### || فصل في الإماتة والإحياء # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وآله وسلم # عونك اللهم لا شريك لك كتاب الجنائز فصل في الإماتة والإحياء قال الله عز ~~وجل: {إنك ميت وإنهم ميتون} [الزمر: 30] ، وقال تعالى: {كل من عليها فان} ~~[الرحمن: 26] ، وقال تعالى: {كل نفس ذائقة الموت} [آل عمران: 185] ، وقال ~~تعالى: {وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم} [الحج: 66] ، وقال تعالى: ~~{كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم} [البقرة: 28] ~~يريد تعالى أنه أحياهم في الدنيا بعد أن كانوا نطفا في أصلاب آبائهم وأجنة ~~في بطون أمهاتهم، ثم أماتهم فيها ثم يحييهم الحياة الدائمة. وأما قول الله ~~تبارك وتعالى: {قالوا ربنا أمتنا اثنتين} [غافر: 11] فإنها آية اختلف أهل ~~العلم في تأويلها، فقيل: إن معناها كمعنى الآيتين المتقدمتين، وإن قوله ~~فيها أمتنا بمعنى: جعلتنا أمواتا فهما موتتان وحياتان، الموتة الأولى لم ~~تتقدمها حياة، والحياة الآخرة لا يكن بعدها موت، وقيل: إن قوله في هذه ~~الآية أمتنا اثنتين يدل # PageV01P225 # على ms0181 أنهما موتتان تقدمت كل موتة منها حياة. واختلف الذين ذهبوا إلى هذا ~~في هاتين الإماتتين، فمنهم من ذهب إلى أن الإماتة الأولى إذ أحياهم من ظهر ~~آدم فأخذ عليهم الميثاق، والثانية إماتتهم في الدنيا بعد أن أحياهم فيها. ~~ومنهم من ذهب، وهم الأكثر، إلى أن الإماتة الأولى إماتتهم في الدنيا بعد أن ~~أحياهم فيها، والثانية إماتتهم في القبور بعد أن أحياهم فيها لمسألة منكر ~~ونكير، وهذا أظهر الأقاويل وأولاها بالصواب، والله أعلم. # فصل وهذان التأويلان يقتضيان أن الإحياء أربع مرات: أولها الإحياء من صلب ~~آدم، ثم الإحياء في الدنيا، ثم الإحياء في القبور، ثم الإحياء في الآخرة ~~الحياة الدائمة، وهذا لا يرده قول الله تعالى وأحييتنا اثنتين؛ لأن من أحيا ~~أربع مرات فقد أحيا مرتين [والإخبار بالإحياء مرتين] ليس بناف للزيادة ~~عليهما. وكذلك قوله في هذه الآية أمتنا اثنتين ليس بناف لقوله وهو الذي ~~أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إنما هو زيادة بيان. # فصل وقال الله عز وجل: {حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا ~~يفرطون} [الأنعام: 61] فقال: رسلنا بلفظ الجماعة، وقد علم أن ملك الموت ~~واحد لقوله تعالى: {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم} [السجدة: 11] ~~فالمعنى في ذلك على ما روي عن جماعة من السلف أن الله تبارك وتعالى أعان ~~ملك الموت بأعوان من عنده فيسلون الروح من الجسد حتى إذا كان عند خروجه ~~قبضه ملك الموت. # PageV01P226 # وجعل الله تعالى له الأرض كالطست بين يديه يتناول منها حيث يشاء. وقد ~~قيل: إن ملك الموت له أعوان يتولون قبض الأرواح بأمره ثم يلي هو قبضها ~~منهم، فيرفع روح المؤمن إلى ملائكة الرحمة وروح الكافر إلا ملائكة العذاب، ~~فيكون فعل أعوان ملك الموت مضافا إلى ملك الموت، كما يقال قتل السلطان وجلد ~~وكتب وإن لم يفعل ذلك بيده وإنما فعله أعوان بأمره، والله سبحانه وتعالى ~~أعلم بحقيقة ذلك كله. # فصل فملك الموت يقبض أرواح كل حي في البر والبحر وذهب أهل الاعتزال إلى ~~أن ملك الموت يقبض أرواح ms0182 بني آدم، وأن أعوانه يقبضون أرواح البهائم، وهذا ~~تحكم بغير دليل ولا برهان، إذ لا يصح أن يقال هذا إلا بتوقيف ممن يصح له ~~التسليم، فإذا عدمنا ذلك صح ما ذهب إليه أهل السنة؛ لأن الله تبارك وتعالى ~~قد نص على أن ملك الموت يقبض أرواح بني آدم، وقام الدليل من قوله تعالى ملك ~~الموت على أنه يقبض روح كل حي من الجن والإنس وغيرهم؛ لأن الموت اسم عام ~~مستغرق للجنس، فلا يصح أن يخصص في بعض أنواع الحيوان دون بعض إلا بدليل. # فصل وليس ينافي شيء من هذا قول الله تبارك وتعالى. {وهو الذي يتوفاكم ~~بالليل} [الأنعام: 60] ، وقول الله تبارك وتعالى: {الله يتوفى الأنفس حين ~~موتها والتي لم تمت في منامها} [الزمر: 42] ؛ لأن ملك الموت وإن كان قابض ~~الأرواح ومتوفي الأنفس بإذن ربه، فالقابض على الحقيقة والمتوفي هو الله رب ~~العالمين المحيي المميت خالق الموت والحياة، وإنما لملك الموت في ذلك الكسب ~~بفعل ما قدره الله عليه مما أجرى الله العادة أن يخلق الموت عنده لا غير. # PageV01P227 # فصل وكل ميت فبأجله يموت، مات حتف أنفه أو مات مقتولا. قال الله عز وجل: ~~{فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} [الأعراف: 34] ، هذا قول ~~أهل السنة. وذهبت القدرية مجوس هذه الأمة إلى أنه من قتل فلم يستوف أجله ~~الذي كتب الله له وأنه مات قبل بلوغه، وهو كفر صريح بنوه على أصلهم الفاسد ~~أن العباد خالقون لأفعالهم، فجعلوا موت المقتول من فعل القاتل. وقد أعلم ~~الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين أن قائل هذا ومعتقده كافر بقوله تعالى: ~~{ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ~~ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس ~~من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر} [البقرة: 258] . ### || فصل في تمييز الروح من النفس # واختلف في الروح والنفس، فذهب ابن حبيب في الواضحة إلى أن النفس غير ~~الروح، وأن الروح هو النفس ms0183 المتردد في الإنسان، وأن النفس جسد مجسدة لها ~~يدان ورجلان ورأس وعينان، وإنها هي التي تلذ وتفرح وتتألم وتحزن [وأنها هي ~~التي تتوفى في المنام فتخرج وتسرح فترى الرؤيا فتسر بما تراه وتفرح به أو ~~تتألم وتحزن] ، ويبقى الجسم دونها بالروح لا يلذ ولا يفرح ولا يتألم ولا ~~يحزن ولا يعقل حتى تعود إليه النفس، فإن أمسكها الله تعالى ولم يرجعها إلى ~~جسدها، تبعها الروح فصار معها شيئا واحدا، ومات الجسم، وإن أرسلها إلى أجل ~~مسمى وهو أجل الوفاة حيي الجسم. واحتج لذلك كله بقوله عز وجل: {الله يتوفى ~~الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل ~~الأخرى إلى أجل مسمى} [الزمر: 42] # PageV01P228 # ، وحكى ذلك كله عن عبد الرحيم بن خالد. والذي وقع في العتبية عن عبد ~~الرحيم بن خالد أن الروح هي الجسد المجسدة خلاف حكايته عنه. # فصل وقول ابن حبيب فيه نظر. والذي ذهب إليه أهل النظر وأكثر أهل العلم، ~~أن الروح والنفس اسمان لشيء واحد، وكل واحد منهما قد يقع بانفراده على ~~مسميات، فيقع الروح على الملك. قال الله عز وجل: {فأرسلنا إليها روحنا ~~فتمثل لها بشرا سويا} [مريم: 17] ، ويقع أيضا على القرآن. قال الله عز وجل: ~~{وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا} [الشورى: 52] ، ويقع أيضا على الحياة ~~الموجودة في الإنسان وغيره من الحيوان. يقال: ما في فلان روح إذا مات وذهبت ~~حياته، وفيه روح إذا كانت فيه حياة باقية. ويقع أيضا على النفس المتردد في ~~الإنسان على ما ذهب إليه ابن حبيب. والنفس قد تقع على ذات الشيء وحقيقته. ~~يقال: هذا نفس الأمر ونفس الطريق أي: حقيقته، ورأيت فلانا نفسه أي: ذاته ~~حقيقة. ويقع أيضا على الدم يقال: سالت نفسه، وحيوان له نفس سائلة وليس له ~~نفس سائلة. ويقع أيضا على الحياة الموجودة في الإنسان وغيره من الحيوان. ~~يقال: ذهبت نفسه إذا مات ولم يبق فيه حياة. # فصل وما يسمى من هذه الأشياء روحا فلا يسمى نفسا، وما يسمى نفسا فلا ms0184 يسمى ~~روحا. فإذا عبر بالنفس والروح عن شيء واحد، فالمراد به ما يحيا به الجسم، ~~وهو الذي يتوفاه ملك الموت ويقبضه فيدفعه إلى ملائكة الرحمة أو ملائكة ~~العذاب، وهي النسمة التي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها: «إنما ~~نسمة المؤمن طير يعلق في شجر # PageV01P229 # الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه» . فالنفس والروح والنسمة شيء ~~واحد. وقد يسمى الإنسان نسمة مجازا واتساعا. # فصل والدليل على أن الروح والنفس شيء واحد أن الله تبارك وتعالى قال: ~~{الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها} [الزمر: 42] وقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إذ نام عن الصلاة [في الوادي حتى طلعت ~~الشمس] «إن الله قبض أرواحنا ولو شاء لردها إلينا في حين غير هذا» ، فسمى - ~~صلى الله عليه وسلم - روحا ما سماه الله تعالى في كتابه نفسا وما سماه هو ~~أيضا في الحديث نفسا؛ لأنه قال فيه: «أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك» ، وهذا ~~بين. # فصل وإنما قلنا إنه ما يحيا به الجسم ولم نقل إنه الحياة الموجودة ~~بالجسم؛ لأن الحياة الموجودة به معنى من المعاني، والمعاني لا تقوم بأنفسها ~~ولا يصح عليها ما وصف الله تبارك وتعالى به الأنفس والأرواح في كتابه وعلى ~~لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - من القبض والإخراج والرجوع والطمأنينة ~~والصعود والتنعيم والتعذيب. فمعنى قولنا ما يحيا به الجسم أي: ما أجرى الله ~~تعالى العادة بأن يحيي الجسم بكونه ويميته بإخراجه منه؛ لأن ما يحيا به ~~الجسم وجوبا لا عادة هي الحياة، ولا يصح أن تكون إلا معنى؛ لأن الجواهر لا ~~توجب الأحكام في الأجسام. # فصل فإذا قلنا إن النفس والروح شيء واحد، وإنه هو الذي أخبر الله عز وجل ~~في كتابه أنه يتوفاه عند الموت وعند النوم، فقد قال بعض المتقدمين: إن قبضه ~~في حال # PageV01P230 # النوم هو أن يقبض وله حبل ممدود إلى الجسم كشعاع الشمس، فإذا حرك الجسم ~~رجع إليه الروح أسرع من طرف العين. وقد قال بعض العلماء: إن النوم ms0185 آفة تعرض ~~للروح وليس هذا بشيء. والأظهر في ذلك عندي أن قبضه في حال الوفاة هو ~~بإخراجه من الجسم، وقبضه في النوم ليس بإخراج له من الجسم، وإنما معناه ~~منعه من الميز والحس والإدراك وقبضه عن ذلك، كما يقال: قبض فلان عبده وقبض ~~السلطان وزيره إذا منعه عما كان مطلقا عليه قبل وإن لم يزله عن مكانه في ~~الحقيقة. والقبض على هذا والتوفي في الوفاة حقيقة، وفي حال النوم مجاز. ~~والله سبحانه وتعالى أعلم بحقيقة ذلك كله، قال الله عز وجل: {ويسألونك عن ~~الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} [الإسراء: 85] . ### || فصل فيما يستحب عند الاحتضار # ويستحب أن يلقن الميت عند الموت شهادة أن لا إله إلا الله، فقد جاء أن ~~«من كان آخر قوله شهادة أن لا إله إلا الله دخل الجنة» وأن يوجه إلى القبلة ~~على شقه الأيمن كما يجعل في لحده وكما يصلي المريض الذي لا يقدر على ~~الجلوس، فإن لم يمكن ذلك فعلى ظهره ورجلاه إلى القبلة. وقد روي عن مالك - ~~رحمه الله تعالى - أنه قال في التوجيه ما هو من الأمر القديم. وذلك نحو ما ~~روي عن سعيد بن المسيب أنه أنكر ذلك على من فعله به عند مرضه. وتأول ابن ~~حبيب أنه إنما كره ذلك لاستعجالهم به قبل أن تنزل به أسباب الموت. والأظهر ~~أنه كرهه بكل حال. والذي يدل على أنه غير مشروع أن ذلك لم يرو أنه فعل ~~بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ولا بأحد من الصحابة المتقدمين الكرام، ولو ~~كان ذلك لنقل وذكر، والله سبحانه وتعالى أعلم. # ويستحب أن يكون ما تحته وما حوله طاهرا إن أمكن ذلك، وأن يحضره أفضل أهله ~~وأحسنهم هديا وكلاما، فإن الملائكة تحضره. فإذا قضى غمض عينيه ونظر في غسله ~~وتجهيزه إلى قبره. فقد قال أبو هريرة - رضي الله تعالى عنه - عن النبي عليه ~~الصلاة والسلام: «أسرعوا بجنائزكم فإنما هو خير تقدمونهم إليه أو شر تضعونه # PageV01P231 # عن رقابكم» ، إلا الغريق فإنه ms0186 يستحب أن يؤخر دفنه مخافة أن يكون الماء قد ~~غمره فلم تتبين حياته. ### || فصل فيما يتوجه على الأحياء في الميت من العبادات # إذا مات الميت ارتفعت العبادات عنه ولذلك قال مالك - رحمه الله تعالى -: ~~إن الميت إذا مات يحنط وإن كان محرما، وتوجهت على الأحياء فيه أمور. فالذي ~~يتوجه فيه على الأحياء أربعة أشياء، وهو غسله، وتكفينه، والصلاة عليه، ~~ودفنه. فأما غسله فإنه سنة مسنونة لجميع المسلمين حاشا الشهداء من ~~المجاهدين، وشرعه الله في الأولين والآخرين. روي أن آدم - صلى الله عليه ~~وسلم - لما توفي أتي بحنوط وكفن من الجنة، ونزلت الملائكة فغسلوه وكفنوه في ~~وتر من الثياب وحنطوه، وتقدم ملك منهم فصلى عليه، وصفت الملائكة خلفه، ثم ~~أقبروه وألحدوه ونصبوا اللبن عليه، وابنه شيث معهم. فلما فرغوا قالوا له: ~~هكذا فاصنع بولدك وأخوتك فإنها سنتكم. # فصل # إلا أنها سنة تخص وتعم، فتخص مال الميت وتتعين فيه إن كان له مال، فإن لم ~~يكن له مال اختص غسله بمن يلزمه تكفينه، وتعين عليه أن يلي ذلك بنفسه أو ~~يستأجر عليه من ماله، فإن لم يكن له من يلزمه ذلك من قرابته عم لزوم ذلك ~~سائر الناس ولزمهم القيام به على الكفاية، وسيأتي الكلام على صفة فعله في ~~موضعه من الكتاب إن شاء الله تعالى. # فصل وقد قيل: إن غسله واجب، قاله عبد الوهاب، واحتج من نص على ذلك بقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في ابنته - رضي الله تعالى عنها -: «اغسلنها ~~ثلاثا» ، وبقوله - صلى الله عليه وسلم - في المحرم: " اغسلوه "؛ لأن الأمر ~~على الوجوب. وليس ذلك بحجة ظاهرة؛ لأن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - # PageV01P232 # بغسل ابنته خرج مخرج التعليم بصفة الغسل الذي قد كان قبل معلوما معمولا ~~به، وكذلك أمره بغسل المحرم خرج مخرج التعليم بما يجوز أن يعمل بالمحرم من ~~غسله وترك تحنيطه وتخمير رأسه، فالقول بأن الغسل سنة أظهر، وهو قول ابن أبي ~~زيد. # فصل ومما يستحب فيه الوتر كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms0187 - في ~~ابنته: «اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن، بماء وسدر، واجعلن ~~في الآخرة كافورا أو شيئا من كافور» . ويستحب أن تكون الغسلة الأولى بالماء ~~القراح، والثانية [بالماء والسدر، والثالثة] بالماء والكافور. وقال ابن ~~شعبان: ولو غسل بماء الورد لم يكره إلا من ناحية السرف، فقيل: إنه ليس ~~بخلاف للمذهب بدليل قوله في الحديث بماء وسدر، وليس ذلك بظاهر؛ لاحتمال أن ~~يريد أن يغسل بالماء والسدر دون أن يضاف السدر إلى الماء. والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. # فصل ويجزئ بغير نية، والأصل في ذلك أن كل ما يفعله الإنسان في غيره فلا ~~يحتاج فيه إلى نية كغسل الإناء سبعا من ولوغ الكلب فيه، ولو قيل: إن ذلك ~~يفتقر إلى نية لما بعد، والله سبحانه وتعالى أعلم. # فصل فإن ترك غسله استدرك ما لم يدفن، وقيل: ما لم يخش عليه التغير وإن ~~دفن، وتعاد الصلاة عليه. ### || فصل في وجوب تكفين الميت # وكذلك تكفينه أيضا واجب، ويتعين في ماله من رأس المال إن كان له مال، ثم ~~على من يلزمه ذلك من سيد إن كان عبدا باتفاق أو زوج أو أب أو ابن على ~~اختلاف مذكور مسطور في الأمهات، ثم على جميع المسلمين على الكفاية. # PageV01P233 # والذي يتعين منه تعين الفرض ستر العورة، وما زاد على ذلك فهو سنة. فإن ~~تشاح الأولياء فيما يكفنونه به قضي عليهم أن يكفنوه في نحو ما كان يلبسه في ~~الجمع والأعياد، إلا أن يوصي بأقل من ذلك فتتبع وصيته. وإن أوصى أن يكفن ~~بسرف فقيل: إنه يبطل الزائد، وقيل: إنه يكون في الثلث. وما يستحب في صفة ~~الكفن ويتقى منه مذكور في الأمهات فلا معنى لذكره. ### || فصل في وجوب الصلاة على الميت # وأما الصلاة عليه فقيل: إنها فرض على الكفاية كالجهاد يحمله من قام به، ~~وهو قول ابن عبد الحكم. ودليله قول الله عز وجل: {ولا تصل على أحد منهم مات ~~أبدا} [التوبة: 84] ؛ لأن في النهي عن الصلاة على المنافقين دليلا على ~~الأمر بالصلاة على ms0188 المسلمين، وهو دليل ضعيف، إذ قد اختلف في صريح الأمر هل ~~هو محمول على الندب أو على الوجوب، فكيف إذا لم يثبت إلا بدليل الخطاب الذي ~~قد اختلف في وجوب القول به. وقد قيل: إنها سنة على الكفاية، وهو قول أصبغ. # فصل ومن سنة الصلاة عليه أن تكون قبل أن يدفن، فإن دفن قبل أن يصلى عليه ~~أخرج وصلي عليه ما لم يفت، فإن فات صلي عليه في قبره. وهو مذهب ابن القاسم ~~وابن وهب، وقيل: إنه إن فات لم يصل عليه لئلا يكون ذريعة للصلاة على ~~القبور، وهو مذهب أشهب وسحنون. واختلف بم يكون الفوت، فقيل: يفوت بأن يهال ~~عليه التراب بعد نصب اللبن وإن لم يفرغ من دفنه، وما لم يهل عليه التراب ~~وإن نصبت اللبن فإنه يخرج ويصلى عليه، وهو قول أشهب. وقيل: إنه لا يفوت إلا ~~بالفراغ من الدفن، وهذا قول ابن وهب في سماع عيسى. وقيل: إنه لا يفوت وإن ~~فرغ من دفنه، ويخرج ويصلى عليه ما لم يخش عليه التغير، وهو قول سحنون وعيسى ~~بن دينار وروايته عن ابن القاسم في سماعه. وإنما يصلى عليه في القبر ما لم ~~[يطل حتى] يغلب على الظن أنه قد فني ببلى أو غيره. وقال أبو حنيفة: لا # PageV01P234 # يصلى على قبر بعد ثلاث، قالوا: لأنه بعد ثلاث يخرج من حد من يصلى عليه. ~~والمعلوم خلاف ذلك مع ما قد روي «عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه صلى ~~على قبر بعد ثلاث» . ### || فصل في ترتيب الجنائز للصلاة عليها # ومن سنة الصلاة على الجنائز إذا اجتمعت جنائز الرجال والنساء والأحرار ~~والعبيد والصغار والكبار، أن يقدم الأحرار على العبيد صغارا كانوا أو ~~كبارا، والذكور على الإناث صغارا كانوا أو كبارا، ولا يقدم الكبار على ~~الصغار إلا إذا استوت مرتبتهم في الحرية والرق، وفي الذكورة والأنوثة. # فصل فصفة ترتيبهم على مراتبهم وهي اثنتا عشرة مرتبة إذا اجتمعوا أن يقدم ~~إلى الأمام أعلى المراتب وهم الرجال الأحرار البالغون، فإن تفاضلوا في ~~العلم والفضل ms0189 والسن قدم إلى الأمام أعلمهم ثم أفضلهم ثم أسنهم، وقيل: إنه ~~يقدم الأفضل على الأعلم، وهو بعيد؛ لأن فضيلة العلم مزية يقطع عليها وزيادة ~~الفضل مزية لا يقطع عليها، ثم الصبيان الأحرار. فإن تفاضلوا أيضا في حفظ ~~القرآن ومعرفة شيء من أمور الدين والمحافظة على الصلوات وفعل الطاعات وفي ~~السن، قدم ذو المعرفة منهم على الذي عرف بالمحافظة على الصلوات وفعل ~~الطاعات ثم الأسن. فإن لم يكن لأحدهم على صاحبه مزية إلا السن قدم الأسن ~~على المسن. ثم العبيد الكبار، فإن تفاضلوا أيضا في العلم والفضل والسن فعلى ~~ما تقدم في الأحرار. ثم العبيد الصغار فإن تفاضلوا أيضا فيما بينهم فعلى ما ~~تقدم في الأحرار الصغار. وهذا على ما أصلناه فوق هذا من تقديم الأحرار على ~~العبيد صغارا كانوا أو كبارا، وهو قول ابن القاسم وابن أبي حازم، وإليه ذهب ~~ابن حبيب وحكاه عمن لقي من أصحاب مالك. وقد روي عن ابن القاسم أنه قدم ~~العبيد الكبار على الأحرار الصغار؛ لأن العبد الكبير يؤم ولا يؤم الحر ~~الصغير. ووجه القول الأول أن نقيصة العبودية أثبت من نقيصة الصغر؛ لأن ~~الصغير يبلغ على كل حال مع حياته والعبد قد لا يعتق. ثم الخنائي المشكلون ~~الأحرار الكبار ثم الخنائي المشكلون الأحرار # PageV01P235 # الصغار ثم الخنائي العبيد [الكبار ثم الخنائي العبيد] الصغار، ثم النساء ~~الأحرار الكبار، ثم النساء الأحرار الصغار، ثم الإماء الكبار، ثم الإماء ~~الصغار. ### || فصل في صفة الصلاة على الجنائز # وصلاة الجنائز أربع تكبيرات عند مالك - رحمه الله تعالى - وجميع أصحابه. ~~تنزل التكبيرة فيها منزلة الركعة في الصلاة، والدعاء فيها بمنزلة القراءة ~~في الصلاة. من شرط صحتها الإمامة كصلاة الجمعة، فإن صلي عليها بغير إمام ~~أعيدت الصلاة ما لم يفت ذلك. ### || فصل في وجوب دفن الميت # وأما دفنه فإنه واجب، قال الله عز وجل في ابني آدم: {فطوعت له نفسه قتل ~~أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين - فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف ~~يواري سوأة أخيه قال يا ويلتا أعجزت أن ms0190 أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة ~~أخي فأصبح من النادمين} [المائدة: 30 - 31] {من أجل ذلك} [المائدة: 32] ، ~~وروي أنه حمله على عنقه سنة يدور به لا يدري ما يصنع إلى أن بعث الله ~~الغراب منبها له على دفنه ففعل ذلك، وكانت سنة له ولمن بعده إلى يوم ~~القيامة أنعم الله بها على عباده، وعدد النعمة بها عليهم في غير ما آية من ~~كتابه، فقال تعالى: {ألم نجعل الأرض كفاتا} [المرسلات: 25] {أحياء وأمواتا} ~~[المرسلات: 26] ، وقال تعالى: {ثم أماته فأقبره} [عبس: 21] {ثم إذا شاء ~~أنشره} [عبس: 22] ، وقال: {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة ~~أخرى} [طه: 55] ، وهو أيضا من فروض الكفاية يحمله من قام به من الناس، ~~ويجري مجرى الكفن في كون الاستئجار عليه من رأس المال، والحكم به إن لم يكن ~~له مال على من يحكم عليه بالتكفين، وبالله التوفيق. # PageV01P236 ### | كتاب الصيام # ] [ ### || فصل في معرفة اشتقاق الصيام # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما ~~كتاب الصيام فصل في معرفة اشتقاق الصيام الصيام في اللغة هو الإمساك والكف ~~والترك، فمن أمسك عن شيء وتركه وكف عنه فهو صائم عنه. قال الله عز وجل: ~~{فقولي إني نذرت للرحمن صوما} [مريم: 26] وهو الإمساك عن الكلام والكف عنه. ~~قال النابغة: # خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما # ومنه قول امرئ القيس: # فدع ذا وسل الهم عنك بحسرة ... ذمول إذا صام النهار وهجرا # معناه إذا انتصف النهار وقام قائم الظهيرة؛ لأن الشمس إذا كانت في وسط ~~السماء نصف النهار فكأنها واقفة غير متحركة لإبطاء مشيها. والعرب قد تسمي ~~الشيء باسم ما قرب منه. # فصل والصيام في الشرع هو أيضا إمساك على ما هو عليه في اللغة غير منقول ~~عنها إلى اسم غير لغوي، إلا أنه في الشرع إمساك عن أشياء مخصوصة في أزمان ~~معلومة على وجوه مخصوصة، فهو إمساك عن الطعام والشراب والجماع من طلوع ~~الفجر إلى غروب الشمس، مع اقتران النيات به على اقتران وجوهها من فرض ms0191 واجب # PageV01P237 # أو تطوع غير لازم أو كفارة يمين أو غيره، فمتى انخرم وجه من هذه الوجوه ~~لم يكن صائما شرعا، وإن صح أن يسمى صائما في اللغة على ما قدمناه. # فصل الصيام الشرعي ينقسم على وجهين # فصل والصيام الشرعي ينقسم على وجهين واجب وتطوع. فالواجب ينقسم أيضا على ~~قسمين: واجب بالنص، وواجب بالشرع. # فالواجب بالنص: هو الذي نص الله تعالى على وجوبه، وهو ينقسم على قسمين ~~أيضا: واجب تعبد الله به عباده لغير علة، وواجب تعبدهم به لعلة. فالواجب ~~الذي تعبدهم به لغير علة هو صيام شهر رمضان. والواجب الذي تعبدهم به لعلة ~~هو صيام كفارة القتل وكفارة الظهار وكفارة اليمين وقضاء رمضان. # فصل والواجب بالشرع هو ما أوجبه العبد على نفسه بالنذر أو باليمين فوجب ~~عليه لقول الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} [المائدة: 1] ~~، ويقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن ~~نذر أن يعصيه فلا يعصه» . وهو أيضا على قسمين: معين بوقت مثل قول: لله علي ~~أن أصوم يوم كذا أو شهر كذا أو سنة كذا وما أشبه ذلك، [وثابت في الذمة غير ~~معين بوقت، مثل قوله لله علي أن أصوم شهرا أو يوما أو سنة وما أشبه ذلك] ، ~~فالمعين يوافق رمضان في وجوب صيامه ووجوب قضائه على من أفطره متعمدا في حضر ~~أو سفر، ويفارقه في وجوب الكفارة على من أفطره متعمدا، وفي وجوب قضائه على ~~من أفطره من عذر من مرض أو حيض إلا على رواية ابن وهب عن مالك الواقعة في ~~بعض روايات المدونة بإيجاب القضاء، والإغلاظ في ذلك، وعلى من أفطره ناسيا ~~على قول سحنون خلافا لابن القاسم. والثابت في الذمة الذي هو غير معين بوقت ~~إن نواه متتابعا أشبه صيام كفارة القتل # PageV01P238 # وكفارة الظهار في جميع وجوهه، وإن نواه متفرقا أشبه قضاء رمضان في جميع ~~وجوهه. # فصل أما التطوع فهو ما عدا الواجب فيما عدا شهر رمضان وأيام التشريق ويوم ~~النحر ويوم الفطر من سائر ms0192 أيام السنة، وبعضها أفضل من بعض، على ما نذكره إن ~~شاء الله. # فصل وصيام شهر رمضان واجب على الأعيان، أوجبه الله تعالى في كتابه ~~وافترضه على عباده، فقال عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام ~~كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} [البقرة: 183] {أياما معدودات فمن ~~كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} [البقرة: 184] ، وقال عز وجل: ~~{شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن ~~شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} ~~[البقرة: 185] ، وقال النبي - عليه الصلاة والسلام -: «بني الإسلام على ~~خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام شهر ~~رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا» . # فصل وهو يتحتم بستة أوصاف، وهي: البلوغ، والإسلام، والعقل، والصحة، ~~والإقامة، والطهارة من دم الحيض والنفاس. وهذه الستة الأوصاف تنقسم على ~~أربعة أقسام: # منها ما يشترط في وجوب الصيام وفي صحة فعله وفي وجوب قضائه، وهو # PageV01P239 # الإسلام؛ لأن الكافر لا يجب عليه الصيام ولا يصح منه إن فعله، ولا يجب ~~عليه قضاؤه إذا أسلم؛ لقول الله عز وجل: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر ~~لهم ما قد سلف} [الأنفال: 38] ، وإنما استحب له مالك قضاء اليوم الذي أسلم ~~في بعضه والإمساك في بقيته عن الأكل مراعاة لقول من يرى أنه مخاطب بالصيام ~~في حال كفره. ومنها ما هو شرط في وجوب الصيام لا في جواز فعله ولا في وجوب ~~قضائه، وهما الإقامة، والصحة. لأن المسافر والمريض مخاطبان بالصوم مخيران ~~بينه وبين غيره. وقد قيل: إنهما غير مخاطبين بالصوم، وهو بعيد، إذ لو لم ~~يكونا مخاطبين بالصوم لما أثيبا على صومهما ولما أجزأهما فعله. # ومنها ما هو شرط في وجوب الصيام وفي صحة فعله لا في وجوب قضائه، وهما ~~العقل والطهارة من دم الحيض والنفاس؛ لأن الصيام لا يجب عليهما ولا يصح ~~منهما، والقضاء واجب عليهما. وقد قيل في المجنون: إنه لا يجب ms0193 عليه القضاء ~~فيما كثر من السنين واختلف في حدها. وهما في حال الجنون والحيض غير مخاطبين ~~بالصوم، وقد قيل في الحائض: إنها مخاطبة بالصوم ومن أجل ذلك وجب عليها ~~القضاء، وهو بعيد، إذ لو كانت مخاطبة به لأثيبت عليه ولأجزأ عنها. وإنما ~~وجب عليها القضاء بأمر آخر وهو قوله عز وجل: {ومن كان مريضا أو على سفر ~~فعدة من أيام أخر} [البقرة: 185] . # ومنها ما هو شرط في وجوبه ووجوب قضائه لا في صحة فعله، وهو البلوغ؛ لأن ~~الصغير لا يجب عليه الصيام ولا يجب عليه القضاء، ويصح منه الصيام. وقد ~~اختلف هل هو مأمور به قبل البلوغ على طريق الندب أم لا على قولين، وبالله ~~التوفيق. # فصل وما عدا شهر رمضان من الأيام فصيامه تطوع حاشا يوم النحر ويوم الفطر ~~وأيام منى. فأما يوم الفطر ويوم النحر فلا يحل صيامهما لأحد، وأما اليومان ~~الأولان من أيام منى فلا يصومهما إلا المتمتع الذي لا يجد هديا أو من كان ~~في معناه في # PageV01P240 # المشهور من المذهب. وأما اليوم الرابع فيصومه من نذره، أو من كان في صيام ~~متتابع. # فصل فأيام السنة تنقسم في الصيام على ستة أقسام: # منها ما يجب صومه ولا يحل فطره إلا بعدم وصف من الأوصاف الستة، وهو شهر ~~رمضان. # ومنها ما يجب فطره ولا يحل صومه، وهو يوم النحر ويوم الفطر. # ومنها ما يجوز صومه على وجه ما، وهما اليومان اللذان بعد يوم النحر. # ومنها ما يكره صومه، وهو اليوم الرابع من أيام التشريق. # ومنها ما يجوز صومه وفطره، وهو ما لم يرد في صومه ترغيب مما عدا شهر ~~رمضان ويوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق. # ومنها ما يستحب صومه، وهو ما ورد فيه ترغيب. من ذلك ما روي أن «رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - بينما هو جالس مع أصحابه إذ أقبل رجل من أهل نجد ~~ثائر الرأس يسمع دوي صوته ولا يفقه ما يقول، وهو حمام بن ثعلبة السعدي، حتى ~~دنا فإذا هو يسأل عن الإسلام، ms0194 فأخبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بشرائع الإسلام، فقال: خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال: هل علي غيرهن، ~~قال: لا إلا أن تطوع. قال: وصيام شهر رمضان، قال: هل علي غيره، قال: لا إلا ~~أن تطوع. قال: وذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الزكاة، فقال: هل علي ~~غيرها، فقال: لا إلا أن تطوع، فأدبر الرجل وهو يقول والله لا أزيد على هذا ~~ولا أنقص منه. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أفلح إن صدق» . وفي ~~قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إلا أن تطوع ندب منه إلى التطوع ~~بالصيام في غير رمضان وحض عليه. # فصل فالتطوع بالصيام من نوافل الخير المرغب فيها المندوب إليها. روي عن # PageV01P241 # النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم ~~عند الله أطيب من ريح المسك، إنما يذر شهوته وطعامه وشرابه من أجلى، الصيام ~~لي وأنا أجزي به، كل حسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلا الصيام فهو ~~لي وأنا أجزي به» . # فصل وفضائل الصيام كثيرة، وأفضل الأيام للصيام بعد رمضان يوم عاشوراء. ~~وقد كان هو الفرض قبل أن يكتب رمضان، وقد خص لفضله بما لم يخص به غيره من ~~أن يصومه من لم يبيت صيامه ومن لم يعلم به حتى أكل أو شرب. وقد قيل: إن ذلك ~~إنما كان حين كان صومه فرضا. وروي أن صيامه يكفر سنة، وأن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - لم يتحر بصيامه يوما بعينه إلا يوم عاشوراء. وقد اختلف ~~فيه فقيل: هو العاشر، وقيل: هو التاسع. فمن أراد أن يتحراه صام التاسع ~~والعاشر. وقد كان ابن شهاب يصومه في السفر ويأمر بفطر رمضان، فقيل له في ~~ذلك فقال: رمضان فيه عدة من أيام أخر، وهذا يفوت. # وصيام عشر ذي الحجة ومنى وعرفة مرغب فيه، قيل في قول الله عز وجل: {وليال ~~عشر} [الفجر: 2] : إنها عشر ذي الحجة، وفي الشفع والوتر: إن الشفع يوم ~~النحر والوتر يوم عرفة. وقيل في شاهد ms0195 ومشهود: إن شاهدا يوم الجمعة ومشهودا ~~يوم عرفة. وروي أن صوم يوم عرفة كصيام سنتين، وأن صيام يوم منى كصوم سنة، ~~وأن صوم يوم من سائر أيام العشر كصيام شهر، وهذا في غير الحج. وأما في الحج ~~ففطر يوم عرفة أفضل من صومه. وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه ~~مفطرا. وصيام الأشهر الحرم أفضل من غيرها، وهي أربعة: المحرم ورجب وذو ~~القعدة وذو الحجة. وفي الأشهر الحرم أيام هي أفضل من سائرها. وقالت عائشة: ~~«كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصوم حتى نقول لا # PageV01P242 # يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيته استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، ~~وما رأيته أكثر صوما منه في شعبان» . ففي هذا دليل على فضل صيام شعبان، ~~وأنه أفضل من صيام سواه. «وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصوم ~~الاثنين والخميس، وقال: " إن الأعمال تعرض على الله فيهما، فأنا أحب أن ~~يعرض عملي على الله وأنا صائم» فصيامهما مستحب. وروي عنه - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر كله» ، ~~فكره مالك - رحمه الله تعالى - ذلك مخافة أن يلحق برمضان ما ليس منه أهل ~~الجهالة والجفاء. وأما للرجل في خاصة نفسه فلا يكره له صيامها. وكذلك كره ~~مالك - رحمه الله تعالى - أن يتعمد صيام الأيام الغر، وهي يوم ثلاثة عشر ~~وأربعة عشر وخمسة عشر على ما روي فيها، مخافة أن يجعل صيامها واجبا. وروي ~~أن صيام الأيام البيض هو أول يوم ويوم عشر ويوم عشرين صيام الدهر، وأن ذلك ~~كان صوم مالك بن أنس - رحمه الله تعالى -. ولم ير مالك - رحمه الله تعالى - ~~النهي الذي جاء في صيام يوم الجمعة منفردا لا يصوم قبله ولا بعده، وقال: لا ~~بأس بصيامه منفردا وأن يتحرى ذلك. وذكر أن بعض أهل الفضل كان يتحرى صيامه، ~~ولا بأس بصيام الدهر إذا أفطر الأيام التي نهى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عن صيامها. وقد كره بعض أهل ms0196 العلم صيام الدهر؛ لحديث أبي قتادة عن ~~«النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه سئل عن صيام الدهر، فقال: من فعل ذلك ~~فلا صام ولا أفطر، أحب الصيام إلى الله عز وجل صيام داود كان يصوم يوما ~~ويفطر يوما» وهذا والله أعلم لما خشي عليه من السآمة والملل. وقد قال - صلى ~~الله عليه وسلم -: «إن الله لا يمل حتى تملوا اكلفوا من العمل ما لكم به ~~طاقة» إذ قيل له في الحولاء بنت تويت: إنها لا تنام # PageV01P243 # ليلا وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه ~~برفق فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى» . وقال - صلى الله عليه وسلم ~~-: «لن يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه» . # فصل في شروط صحة الصيام # فصل ومن شروط صحة الصيام وفرائضه النية، فلا يجزئ صوم بغير نية؛ للنص ~~الوارد في ذلك عن النبي - عليه الصلاة والسلام - بقوله: «من لم يبيت الصيام ~~من الليل فلا صيام له» ، ولعموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وإنما ~~لكل امرئ ما نوى» ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الأعمال بالنيات» ~~، والصيام عمل من الأعمال؛ لأنه من أعمال القلوب فوجب أن لا يجزئ بغير نية؛ ~~لقول الله عز وجل: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} [البينة: ~~5] ، والصيام من الدين فوجب أن تخلص العبادة لله تعالى به. والذي يلزم من ~~النية في صيام رمضان اعتقاد القربة إلى الله تعالى بأداء ما افترض الله ~~عليه من استغراق طرفي النهار بالإمساك عن الطعام والشراب والجماع. # فصل وإنما افتقر الصيام إلى النية، وإن لم يكن فعلا مأمورا به من أفعال ~~الأبدان، وإنما هو إمساك عن فعل وهو ترك، والتروك في الشرع لا تفتقر إلى ~~نية؛ لأنه ترك مختص بزمن معلوم فإنه يفتقر إلى النية، بخلاف ما كان منها لا ~~يختص بزمن معلوم كترك الزنا وشرب الخمر وما أشبه ذلك. وقد أطلق القول جماعة ~~من أهل اللغة أن الصيام ليس بعمل، وإلى هذا ذهب الطحاوي وقال فيما روي عن ms0197 ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال حكاية عن ربه: «كل عمل ابن آدم فهو ~~له إلا الصيام فإنه لي، وأنا أجزي به» ، إنه استثناء منفصل بمعنى لكن، ~~والصواب ما ذكرناه. # PageV01P244 # فصل وإنما افتقر الترك المختص بزمن معلوم إلى النية، بخلاف الترك الذي لا ~~يختص بزمن معلوم؛ لأن الترك على كل حال عمل من أعمال القلوب، بدليل تناول ~~الأمر له. ألا ترى أنك تقول اترك كذا كما تقول اعمل كذا. فإذا اختص بزمن ~~معلوم تعين أوله وآخره وجبت النية عند أوله كسائر العبادات؛ لقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له» . لأن ~~معنى النية إخلاص العمل لله، إذ قد يصح أن يفعل لغير الله. ألا ترى أنه قد ~~يصح أن ينوي الصيام لمنفعة نفسه تطببا فلا يثاب عليه، إذ لم يصم لله وإنما ~~صام لنفسه، فكان صائما لعلة لا شرعا. وإذا لم يختص الترك بزمن معلوم لم ~~يتعين أوله من آخره فسقطت النية فيه، إذ لم يتعين لها وقت يختص به، وسقط ~~الجزاء عليه أيضا فكان معاقبا على الفعل غير مأجور على الترك. # فصل ويصح إيقاع نية الصيام قبل ابتدائه والتشبث به بإجماع؛ لقول رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له» ، ~~من غير أن يخص أوله من آخره، قيل: بخلاف الصلاة، من جهة أن إيقاع نية الصوم ~~مع طلوع الفجر معا في حالة واحدة عسير، فلو كلف ذلك الناس لكان من الحرج في ~~الدين، والله تعالى قد رفعه عن عباده بقوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين ~~من حرج} [الحج: 78] ، وليس ذلك بفرق بين الموضعين، إذ لو كانت النية في ~~الصيام قبل الفجر كالعدم، لوجب إيقاعها مع الفجر معا، وإن في ذلك مشقة إذ ~~لا ينفع عمل بغير نية، فلا يمتنع عندي قياس الصلاة على الصيام في جواز تقدم ~~النية قبل ابتداء الصلاة على وجه القياس؛ لأن جواز ذلك في الصيام إجماع من ~~أهل العلم، ms0198 وفيه سنة قائمة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. فهذا أصل يجب ~~أن ترد إليه الصلاة المختلف فيها كما رد إليه الغسل والوضوء، فيجوز فيها من ~~تقدم النية قبل ابتدائها ما جوز في الغسل والوضوء قياسا على الصيام. # PageV01P245 # فصل ورمضان كله كيوم واحد إذ لا يتخلله وقت فطر يصح صومه، فتجزئ فيه نية ~~واحدة في أوله، ويكون حكم النية باقيا مستصحبا لا يحتاج إلى تجديد النية ~~عند كل يوم، كالصلاة التي يلزمه إحضار النية لها عند أولها، ولا يلزمه ~~تجديدها عند كل ركن من أركانها. وكذلك من شأنه سرد الصيام ومن نذر صوما ~~متتابعا لا يحتاج إلى تبييته كل ليلة. وكذلك من نذر صوم يوم معين من الجمعة ~~يجزئه ما تقدم من نيته ولا يحتاج إلى تجديد النية ليلة ذلك اليوم. وقد قال ~~ابن الماجشون في الواضحة: إن أهل البلد إذا عمهم علم رؤية الهلال بالرؤية ~~أو بالشهادة عند حكم الموضع فذلك يجزئ من لم يعلم وإن لم يبيت الصيام. ~~وكذلك الغافل والمجنون فكأنه رأى لما تعين صوم اليوم أجزأه ما تقدم من نيته ~~لصيام رمضان كناذر يوم من أيام الجمعة معين. وعلى هذا لا يحتاج إلى أن يفرق ~~بين أن يعمهم علم الرؤية أو لا يعمهم. وقال سحنون: لا يجزئه إلا أن يعلم ~~ويبيت. وقد اختلف من هذا المعنى في المرأة تحيض في رمضان ثم تطهر، هل عليها ~~تجديد نية الصيام أم لا على قولين: أحدهما: أن النية الأولى تجزئها؛ لأن ~~أيام الحيض لا يصلح لها صومها فأشبهت الليل، والثاني: أن تجديد النية ~~يلزمها لتخلل صومها الفطر. # فصل وقوله تعالى في شهر رمضان: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} ~~[البقرة: 184] منسوخ، نسخه قول الله تبارك وتعالى: {فمن شهد منكم الشهر ~~فليصمه} [البقرة: 185] . # فصل وكان في أول الإسلام من شاء أن يصوم صام ومن شاء أن يفطر أفطر وأطعم # PageV01P246 # عن كل يوم مسكينا على ما ورد في هذه الآية، فنسخ ذلك بقوله تعالى: {فمن ~~شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان ms0199 مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} ~~[البقرة: 185] ، وهذا مذهب مالك - رحمه الله - وجميع أصحابه. وقد قيل: إن ~~الآية محكمة وردت في الشيخ الكبير والعجوز والمرضع والحامل. وروي ذلك عن ~~ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - في رواية، وروي عنه وعن عائشة - رضي ~~الله تعالى عنها - أنهما قرءا وعلى الذين يطوقونه. ومعنى هذه القراءة ~~يكلفونه فلا يطيقونه إلا بجهد ومشقة. وقد وردت الآية عامة في هؤلاء وفي ~~الصحيح المقيم، فنسخ من ذلك الصحيح المقيم بقوله تعالى: {فمن شهد منكم ~~الشهر فليصمه} [البقرة: 185] وبقيت الآية محكمة في المذكورين. # فصل والمريض الذي يصح له الفطر هو الذي لا يقدر على الصيام أو يقدر عليه ~~بجهد ومشقة من أجل مرضه، فاختلف إذا قدر على الصيام بغير جهد ولا مشقة ~~تلحقه من أجل مرضه إلا أنه يخشى أن يزيده الصيام في مرضه، فقيل: إن الفطر ~~له جائز، وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم في العتبية. وقيل: إن ذلك لا يجوز ~~له؛ لأن الصوم عليه واجب لقدرته عليه وما يخشى من زيادة مرضه أمر لا ~~يستيقنه، فلا يترك فريضة بشك. والأول أصح، وقد قيل: إن المريض له أن يفطر ~~بكل حال إذا كان يسمى مريضا بظاهر قول الله تعالى: {فمن كان منكم مريضا} ~~[البقرة: 184] ، روي عن طريف بن تمام العطاردي أنه دخل على محمد بن سيرين ~~وهو يأكل في رمضان فلم يسأله، فلما فرغ قال له: إنه وجعت إصبعي هذه. ~~والأولى في هذا أن المرض الذي أذن الله بالإفطار معه، هو المرض الذي يجهد ~~الصائم الصيام معه جهدا غير محتمل، أو يخشى زيادة المرض به. # فصل وقد كان في أول الإسلام من نام من الليل قبل أن يطعم لم يأكل ولا ~~جامع بقية ليلته ويومه حتى يمسي، على ما كان عليه أهل الكتاب لقول الله عز ~~وجل: # PageV01P247 # {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ~~لعلكم} [البقرة: 183] ، وهم أهل الكتاب، وقيل: الناس كلهم، وقيل: إن ~~النصارى كتب عليهم صيام ms0200 شهر رمضان على أن لا يأكلوا ولا يشربوا ولا ينكحوا ~~النساء بعد النوم، فاشتد عليهم ذلك حين كان يغلب عليهم ذلك في الشتاء ~~والصيف، [فلما رأوا ذلك اجتمعوا، فجعلوه في الفصل بين الشتاء والصيف] ، ~~وقالوا: نزيد عشرين يوما نكفر بها ما صنعنا، فجعلوا صيامهم خمسين يوما، فلم ~~يزل المسلمون على ذلك حتى نسخه الله بقوله: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى ~~نسائكم} [البقرة: 187] الآية، واختلف في سبب نزول هذه الآية الناسخة لما ~~تقدم مما كان الأمر عليه، فقيل: كان سبب ذلك أن «قيس بن صرمة الأنصاري كان ~~صائما، فلما حضر الفطر أتى إلى امرأته، فقال لها: أعندك طعام، فقالت: لا، ~~ولكن انطلق فاطلب لك، وكان يومه يعمل، فغلبته عينه، فجاءته امرأته، فلما ~~رأته قالت له: خيبة لك، فلما انتصف النهار غشي عليه، فذكر ذلك للنبي - عليه ~~الصلاة والسلام -، فنزلت هذه الآية ففرحوا بها فرحا شديدا» . وقيل: كان سبب ~~ذلك «أن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - أراد امرأته، فقالت له: قد ~~نمت، فظن أنها تعتل فلم يصدقها، وواقعها، ثم ندم فبات يتقلب بطنا وظهرا، ~~فأنزل الله تعالى الآية فنسخت ما كانوا عليه» . # فصل ومعنى قول الله عز وجل: {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ~~من الفجر} [البقرة: 187] ، هو بياض النهار المعترض في الأفق الشرقي من سواد ~~الليل. وروي «عن عدي بن حاتم أنه قال: لما نزلت: {وكلوا واشربوا حتى يتبين ~~لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} [البقرة: 187] عمدت إلى عقالين ~~أبيض # PageV01P248 # وأسود فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر إليهما فلا يستبين لي، فغدوت إلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فذكرت ذلك له، فقال: " إن وسادك إذا ~~لعريض، إنما ذلك سواد الليل من بياض النهار» . وقد كان، على ما روي، رجال ~~إذا أرادوا الصيام ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والأسود، ولا يزال يأكل ~~حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله تعالى: {من الفجر} [البقرة: 187] ، ~~فعلموا أنه إنما يعني بذلك الليل والنهار. # فصل والفجر فجران: فالأول: هو ms0201 الذي يسمى الكاذب، وهو البياض المرتفع في ~~الأفق ويشبه بذنب السرحان؛ لارتفاع ضوئه، لا يحل الصلاة ولا يحرم الطعام. ~~والفجر الثاني: الصادق، هو المعترض في الأفق آخذا من القبلة إلى دبر القبلة ~~من شعاع الشمس وضوئها، وهو الذي يعتبر به في تحريم الطعام وتحليل الصلاة. ~~وقد اختلف إذا شك في الفجر هل يأكل أم لا، فقال مالك: إذا شك في الفجر فلا ~~يأكل، فإن أكل فعليه القضاء. وقال ابن حبيب: استحبابا، وقال جماعة من أهل ~~العلم وهو مذهب ابن عباس - رضي الله عنهما -: إنه يأكل ما شك في الفجر حتى ~~يتبين له، على ظاهر قول الله تبارك وتعالى: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم ~~الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} [البقرة: 187] ، وأما من شك في ~~غروب الشمس فلا يأكل باتفاق، وإن أكل فعليه القضاء والكفارة؛ لقول الله عز ~~وجل: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة: 187] ، ومن جهة المعنى أن الأكل ~~بالليل مباح فلا يمتنع منه إلا بيقين وهو تبين الفجر، والأكل بالنهار في ~~رمضان محظور، فلا يستباح إلا بيقين وهو تبين غروب الشمس. وهذه المسألة ~~انفرد باتفاقها أبو عبيد الطليطلي في مختصره. وقوله في الظهار من المدونة ~~فيمن ظن أن الشمس قد غابت فأفطر ثم طلعت الشمس: إن عليه القضاء ولا كفارة ~~عليه، معناه أيقن # PageV01P249 # بغروبها، والظن قد يكون بمعنى اليقين. قال الله عز وجل: {فظنوا أنهم ~~مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا} [الكهف: 53] يريد أيقنوا، {وظنوا أن لا ~~ملجأ من الله إلا إليه} [التوبة: 118] معناه أيقنوا، ومن الناس من حمل الظن ~~في مسألة المدونة على بابه من الشك، فتأول أن مذهب مالك في المدونة ~~المساواة بين الفجر والغروب [في أنه لا كفارة في الأكل مع الشك فيهما، وهو ~~بعيد، وإلى المساواة بين الفجر والغروب] في إسقاط الكفارة عمن أكل شاكا ~~فيهما ذهب ابن القصار وعبد الوهاب، وهو بعيد في الغروب مع ألا يغلب على ظنه ~~أحد الطرفين. فلعلهما أرادا بالمساواة بينهما إذا أكل شاكا فيهما والأغلب ~~على ظنه أن الفجر ms0202 لم يطلع وأن الشمس قد غابت، فيكون لقولهما وجه؛ لأن الحكم ~~بغلبة الظن أصل في الشرع. # فصل فيما يثبت به صوم رمضان # فصل ولا يجب صيام شهر رمضان إلا برؤية الهلال أو إكمال شعبان ثلاثين ~~يوما، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عمر: «لا تصوموا حتى ~~تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا له» ، وقال في حديث ~~ابن عباس: «فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما ثم أفطروا» ، أدخله مالك - رحمه ~~الله تعالى - في موطئه بعد حديث ابن عمر على طريق التفسير له؛ لأن أهل ~~العلم اختلفوا في معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - فاقدروا له، فروي ~~عن ابن عمر أنه كان إذا كانت السماء صاحية أصبح مفطرا، وإن كان مغيمة أصبح ~~صائما، فكان يتأول قول النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك. وقد قيل: إن ~~معنى قوله فاقدروا له من التقدير، أن يقدر لمنازل القمر وطريق الحساب. فروي ~~عن مطرف بن عبد الله بن الشخير أنه كان يقول يعتبر الهلال إذا غم بالنجوم ~~ومنازل القمر وطريق الحساب. وروي مثل ذلك عن الشافعي - رضي الله تعالى عنه ~~- في رواية. والمعروف له المشهور عنه أنه لا يصام إلا برؤية فاشية أو شهادة ~~عادلة كالذي عليه الجمهور. والصواب ما ذهب إليه مالك - رحمه الله تعالى - ~~من تفسير حديث ابن عمر بحديث ابن عباس؛ لأن التقدير يكون بمعنى التمام. قال ~~الله عز # PageV01P250 # وجل: {قد جعل الله لكل شيء قدرا} [الطلاق: 3] أي: تماما. وقد زدنا هذا ~~المعنى بيانا في كتاب الجامع. # فصل ورؤية الهلال تكون على وجهين: رؤية عامة، ورؤية خاصة. فالرؤية العامة ~~أن يراه العدد الكثير والجم الغفير الذين لا يجوز عليهم التواطؤ ولا ~~التشاعر من غير أن يشترط في صفتهم ما يشترط في صفة الشاهد من الحرية ~~والبلوغ والعدالة. والرؤية الخاصة هو أن يراه النفر اليسير. # فصل فإذا رآه النفر اليسير فلا يخلو أن يكون ذلك في الصحو أو في الغيم. ~~فإن كان ذلك في الغيم ms0203 فلا خلاف في إجازة شهادة شاهدين في ذلك، وأما إن كان ~~ذلك في الصحو، فقيل: إن شهادة شاهدين جائزة في ذلك، وهو ظاهر ما في ~~المدونة، وقيل: إنها لا تجوز وهو قول أبي حنيفة ومعنى ما في سماع عيسى من ~~كتاب الحبس وقول سحنون؛ لأنه روي عنه أنه قال: وأي رؤية أكثر من هذه؟!. # فصل وهذه الرؤية الخاصة تختص بالحكام. فإذا ثبت عند الإمام رؤية الهلال ~~بشهادة شاهدين عدلين أمر الناس بالصيام أو الفطر وحمل الناس عليه. # فصل فإن شهد عنده شاهد على هلال شعبان وشاهد على هلال رمضان، فقد قال ~~يحيى بن عمر: لا تجوز الشهادة، وقال غيره من أهل العلم: تجوز، ومعنى ذلك ~~إذا شهد الشاهد على هلال رمضان أنه رآه بعد ثلاثين يوما من رؤية الشاهد على ~~هلال شعبان إذ ليس في شهادة الشاهد الثاني تصديق الشاهد الأول. وأما لو رآه ~~الشاهد # PageV01P251 # الثاني بعد تسعة وعشرين يوما من رؤية الأول لوجب أن تجوز شهادتهما؛ لأن ~~الشاهد الثاني يصدق الشاهد الأول، إذ لا يصح أن يصدق الشاهد الثاني إلا ~~والأول صادق في شهادته، يريد فيصام للتمام من رؤيته. قال: وهو معنى خفي. # قلت: وليس هو عندي بينا في المعنى؛ لأنه كما يصدق ها هنا الشاهد الثاني ~~للشاهد الأول من أجل أنه لا يمكن أن يرى الهلال ليلة تسع وعشرين، فكذلك ~~يصدق في المسألة الأولى الشاهد الأول للشاهد الثاني من أجل أنه لا بد أن ~~يرى ليلة أحد وثلاثين. فالصحيح عندي أن لا فرق بين المسألتين، وأنهما جميعا ~~يتخرجان على قولين؛ لأنهما جميعا متفقان على إيجاب الصيام للتمام من رؤية ~~الأول وإن اختلفا فيما قد شهدا به، إذ قد اختلف الشاهدان في شهادتهما ~~واتفقا فيما يوجبه الحكم فالمشهور أن لا تجوز. # فصل فإذا رأى الهلال الجم الغفير أو ثبت عند الإمام بشهادة شاهدين فأمر ~~بصيامه وجب الصيام على كل من بلغه ذلك بنقل الواحد العدل من باب قبول خبر ~~الواحد لا من باب الشهادة، وذلك مروي عن أحمد بن ms0204 ميسر قال: إذا أخبرك عدل ~~أن الهلال ثبت عند الإمام وأمر بالصيام أو نقل ذلك إليك عن بلد آخر لزمك ~~الصوم بإخباره من باب قبول خبر الواحد لا من طريق الشهادة. قال ابن أبي ~~زيد: كما ينقل الرجل إلى أهله وولده فيلزمهم الصوم بقوله. وحكي عن أبي ~~عمران أنه طعن في هذا وقال: لا يلزم الرجل الصيام في هذا بقول واحد؛ لأنه ~~شاهد وليس ذلك كنقل الرجل إلى أهله وولده؛ لأنه القائم عليهم فيلزمهم ~~الصيام بقوله. قال: وإنما الرواية عن ابن ميسر في الأصل قال: وإذا وجه ~~القوم رجلا إلى بلد فأخبرهم أنهم رأوا الهلال لزمهم الصيام بقوله. قال: ~~وهذا لا حجة فيه؛ لأنهم لما بعثوه لذلك صار كالمستكشف لهم ولزمهم الصيام ~~بإخباره. وقول أبي عمران لا معنى له، ولا فرق أن يخبرهم دون أن يبعثوه أو ~~بعد أن بعثوه أو يخبر بذلك أهله وولده. # فصل وإنما يفترق ذلك عندي فيما يحكم به الإمام، فإن الإمام إذا بعث رجلا ~~إلى # PageV01P252 # أهل بلد ليخبره إن كانوا رأوا الهلال، فأخبره أنهم صاموا برؤية مستفيضة ~~أو بثبوت الهلال عند قاضيهم، وجب عليه أن يأمر الناس بالصيام لذلك اليوم ~~بقوله، من باب قبول خبر الواحد، وإن أخبره بذلك من غير أن يرسله وجب عليه ~~هو الصيام في خاصته، ولم يصح له أن يأمر الناس بالصيام حتى يشهد عنده بذلك ~~شاهد آخر؛ لأنه حكم فلا يكون إلا بشهادة شاهدين. # فصل فصيام رمضان يجب بأحد خمسة أشياء: إما أن يرى هلاله. وإما أن يخبره ~~الإمام أن قد ثبتت عنده رؤيته. وإما أن يخبره العدل عنه بذلك أو عن الناس ~~أنهم رأوه رؤية عامة، وكذلك إن أخبره أن أهل بلد كذا صاموا يوم كذا برؤية ~~عامة أو بثبوت رؤيته عند قاضيهم وجب عليه بذلك قضاء ذلك اليوم. وإما أن ~~يخبره شاهدان عدلان أنهما قد رأياه. وإما أن يخبره بذلك شاهد واحد عدل في ~~موضع ليس فيه إمام يتفقد أمر الهلال بالاهتمام به. ووجه ذلك أن الشهادة فيه ms0205 ~~لما تعذرت بعدم الحكم أو بتضييعه رجع إلى إثباته من جهة الخبر كما رجع إلى ~~إثباته بالشهادة عند الحكم عند تعذر الرؤية العامة. وكما جاز قبول المؤذن ~~العدل العارف بالفجر في طلوعه لتعذر الشهادة في ذلك عند الحكم إذ لا يلزمه ~~طلب الشهادة في ذلك. والفرق بين وجوب ذلك عليه في الهلال دون الفجر أن ~~الصيام يصح إيقاع النية فيه قبل الفجر، ولا يصح اعتقاد الصوم في أول يوم من ~~رمضان قبل العلم باستهلال الهلال. ولا يلزم على هذا زوال الشمس لصلاة الظهر ~~ولا غروب الشمس للفطر؛ لأنه يمكنه التأخير حتى يوقن بزوال الشمس أو ~~بغروبها. # فصل فإن كان هذا الذي وصفاه في هلال شعبان، وأغمي هلال رمضان أتم شعبان ~~ثلاثين يوما. وكذلك إن كان ذلك في هلال رجب وأغمي هلال شعبان ورمضان أكمل ~~رجب وشعبان ثلاثين يوما ثلاثين يوما. # PageV01P253 # فصل فيما ينبغي للصائم # فصل وينبغي للصائم أن ينزه صومه عن الرفث والخنا والغيبة وقول الزور. روي ~~عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: «الصيام جنة فإذا كان أحدكم ~~صائما فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم إني ~~صائم» . # PageV01P254 ### | كتاب الاعتكاف # بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الاعتكاف الاعتكاف في كلام العرب هو الإقامة ~~واللزوم. يقال منه اعتكف فلان بمكان كذا إذا أقام فيه ولازمه ولم يخرج عنه. ~~وعكف فلان على فلان إذا أقام عليه ولزمه، ومنه قول الله عز وجل: {وانظر إلى ~~إلهك الذي ظلت عليه عاكفا} [طه: 97] ، أي: مقيما وملازما، وقال عز وجل: {ما ~~هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون} [الأنبياء: 52] ، أي: ملازمون، وقال: ~~{فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم} [الأعراف: 138] ، أي: يلازمونها ~~ويقيمون على عبادتها. وهو في الشريعة الإقامة على ما هو عليه في اللغة إلا ~~أنه في الشريعة الإقامة على عمل مخصوص دون ما سواه، في موضع مخصوص لا ~~يتعداه، على شرائط قد أحكمتها السنة في ذلك. # فصل واختلف في العمل فقيل: إنه الصلاة وقراءة القرآن وذكر الله تعالى دون ~~ما ms0206 سوى ذلك من أعمال البر، وهو مذهب ابن القاسم؛ لأنه لا يجيز للمعتكف ~~عيادة المرضى ولا مدارسة العلم ولا الصلاة على الجنائز وإن كان ذلك كله من ~~أعمال البر، وقيل: إنه جميع أعمال البر المختصة بالآخرة، وهو مذهب ابن وهب؛ ~~لأنه لا يرى بأسا للمعتكف بمدارسة العلم وعيادة المرضى، يريد في موضع ~~معتكفه، # PageV01P255 # وكذلك الصلاة على الجنائز على مذهبه إذا انتهى إليه زحام الناس الذين ~~يصلون عليها. وإنما قلنا المختصة بالآخرة تحرزا من الحكم بين الناس ~~والإصلاح بينهم. # فصل وأما الموضع فإنه المسجد. وقد اختلف هل يكون في كل مسجد أم في بعض ~~المساجد دون بعض، فذهب مالك - رحمه الله تعالى - في المشهور عنه أن ~~الاعتكاف يصح في كل مسجد، وأنه لا بأس بالاعتكاف في مسجد لا تجمع فيه ~~الجمعة، إذا كان ممن لا تلزمه الجمعة، أو بموضع لا يلزمه منه الإتيان إلى ~~الجمعة، أو كان لا تدركه الجمعة باعتكافه؛ لظاهر قول الله عز وجل: {وأنتم ~~عاكفون في المساجد} [البقرة: 187] ، إذ عمها ولم يخص منها شيئا دون شيء. ~~وروى ابن عبد الحكم عنه أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد الجامع، وهو قول ~~جماعة من السلف. وروي عن حذيفة بن اليمان وسعيد بن المسيب أن الاعتكاف لا ~~يكون إلا في مسجد بني كمسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - ومسجد إيلياء ~~والبيت الحرام. والمرأة والرجل في ذلك سواء عند مالك - رحمه الله تعالى -، ~~خلاف قول أبي حنيفة وأصحابه أن المرأة لا تعتكف إلا في مسجد بيتها - واحتج ~~من نصر قولهم بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تسافر المرأة مسيرة ~~يوم وليلة إلا مع ذي محرم منها» ، وبحديث عائشة: «لو أدرك رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ما أحدث النساء لمنعهن المسجد كما منعه نساء بني إسرائيل» ~~قالوا: لا حجة لمن أجاز ذلك في إذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمن ~~أذن لهن من أزواجه أن يعتكفن معه؛ لأنه يحتمل أن يكون اتسع ذلك لهن بخلاف ~~غيرهن، لكونه معهن بحق ms0207 الزوجية أو لحرمتهن على جميع المسلمين سواه. وقد ~~تسافر المرأة مع زوجها ومع ذوي محارمها الأسفار البعيدة وليس لهن أن يفعلن ~~ذلك مع سواهم. والله الموفق للصواب. وذهب ابن لبابة إلى أن الاعتكاف يصح في ~~غير مسجد، وأن ترك مباشرة # PageV01P256 # النساء لا يلزم المعتكف إلا إذا اعتكف في مسجد على ظاهر ما في القرآن، ~~وهو شذوذ من القول فتدبر ذلك. # فصل ومن شرائطه ترك مباشرة النساء. فمن جامع امرأته أو باشرها أو قبلها ~~أو تلذذ بشيء من أمرها ناسيا أو متعمدا في ليل أو نهار بطل اعتكافه ~~واستأنفه من أوله، لقول الله عز وجل: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في ~~المساجد} [البقرة: 187] ، وكذلك إن كانت امرأة فجومعت في اعتكافها نائمة أو ~~مكرهة بطل اعتكافها. وكذلك إذا أفطر متعمدا بطل اعتكافه واستأنفه نذرا كان ~~أو تطوعا على مذهب مالك في المدونة، وإن كان ناسيا قضى ما أفطر ووصله ~~باعتكافه في الوجهين. وقال ابن حبيب: لا يلزمه قضاء في التطوع. # فصل ومن شرائطه على مذهب مالك وأصحابه الصوم، فلا يكون اعتكاف إلا بصوم، ~~لأن الله جل ذكره إنما ذكره مع الصيام فقال تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى ~~الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} [البقرة: 187] ، وأجاز ~~الشافعي والمزني - رحمهما الله تعالى - الاعتكاف بغير صوم. واحتج من نصر ~~مذهبهما بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من رواية علي وابن عباس ~~أنه قال: «ليس على المعتكف صوم إلا أن يوجبه على نفسه» وإلى هذا ذهب ابن ~~لبابة فقال: لو لزم المعتكف الصيام وإن لم يرده لما جاز أن يعتكف في رمضان، ~~كما لا يجوز لمن نذر اعتكافا بصوم أن يجعله في رمضان. وهذا لا يلزم، لأنا ~~لا نقول إن من شرط صحة الاعتكاف أن يكون الصيام له، وإنما نقول إن من شرط ~~صحته الصيام وإن فعله لغيره كالطهارة التي هي من شرط صحة الصلاة وإن فعلها ~~لغيرها. ودليلنا على ذلك ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من رواية ~~عائشة أنه قال: ms0208 «لا اعتكاف إلا بصوم» . وهو قول علي وابن # PageV01P257 # عباس وابن عمر، ولا مخالف لهم من الصحابة. وأما الاحتجاج على ذلك بالآية ~~فإنه ضعيف، إذ لو وجب بها الصيام على كل معتكف لذكر الاعتكاف فيها مع ~~الصيام لوجب فيها أيضا الاعتكاف على كل صائم لذكر الصيام فيها مع الاعتكاف. ~~وقد استدل بعض من ذهب إلى الاحتجاج للشافعي على جواز الاعتكاف بغير صوم بأن ~~الليل يدخل على المعتكف فيكون فيه معتكفا وهو غير صائم. وهذا لا يلزم، لأن ~~دخول الليل الذي لا يصح فيه الصوم على المعتكف لا يخرجه من حرمة اعتكافه ~~وإن كان غير صائم فيه، كما أن خروج المعتكف إلى ما لا بد له منه كحاجة ~~الإنسان لا يخرجه من حرمة اعتكافه وإن كان الاعتكاف لا يصح إلا في المسجد ~~فلو جاز أن يعتكف من غير صوم من أجل أن الليل هو فيه معتكف غير صائم لجاز ~~أن يعتكف في الطرقات والكنف لأنه فيها عند خروجه معتكف في غير المسجد. فإذا ~~لم يلزم هذا في الخروج الذي هو من فعله فأحرى أن لا يلزم في الليل الذي ليس ~~من فعله. والحجة الصحيحة لنا من طريق النظر، إذ لم يوجد شيء يعول عليه في ~~ذلك من جهة الأثر. ولا حجة في مجرد أقوال العلماء مع اختلافهم في أن ~~الاعتكاف لبث في موضع يتقرب به إلى الله تعالى، فوجب أن يكون بتحرم وهو ~~الصيام، كما أن اللبث بمنى وعرفة والمزدلفة لا يكون قربة إلا بالتحرم بحرمة ~~الحج. # فصل والاعتكاف في جميع أيام السنة جائز إلا في الأيام التي نهى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - عن صيامها، وهن يوم الفطر وأيام التشريق. # فصل وهو من نوافل الخير، اعتكف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأزواجه ~~والمسلمون، ولم يكن السلف الصالح على شيء من أعمال البر أقل تعاهدا منهم ~~على الاعتكاف، وذلك لشدته، ولأن ليله ونهاره سواء، ولأن من دخل فيه لزمه ~~الإتيان به على شرائطه وقد لا يفي بها. ولذلك كرهه مالك ms0209 - رحمه الله - وقال ~~في المجموعة: وما زلت أفكر في ترك الصحابة الاعتكاف وقد اعتكف النبي - عليه ~~الصلاة والسلام - حتى قبضه الله وهم # PageV01P258 # أتبع الناس لأموره وآثاره - صلى الله عليه وسلم -، حتى أخذ بنفسي أنه ~~كالوصال الذي نهى عنه النبي - عليه الصلاة والسلام -، «فقيل له - صلى الله ~~عليه وسلم - فإنك تواصل، فقال إني لست كهيئتكم إني أبيت يطعمني ربي ~~ويسقيني» . فلا ينبغي أن يعتكف إلا من يقدر أنه يفي بشروط الاعتكاف. # فصل وأفضل الشهور للاعتكاف شهر رمضان، وأفضل أيامه العشر الأواخر منه. ~~روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اعتكف العشر الأول من رمضان ~~فأتاه جبريل - عليه السلام - فقال له إن الذي تطلب أمامك، فاعتكف العشر ~~الوسط، فأتاه فقال له إن الذي تطلب أمامك فاعتكف العشر الأواخر» . # فصل وأدنى الاعتكاف يوم وليلة، وأعلاه في الاستحبابات عشرة أيام، قاله ~~ابن حبيب. وقد اختلف قول مالك في أدناه فمرة قال أقله يوم وليلة، ومرة قال ~~أقله عشرة أيام. فمن أوجب على نفسه اعتكافا ولم يسم عددا من الأيام أو دخل ~~في الاعتكاف ولم ينو عددا من الأيام لزمه عشرة أيام على القول الواحد، وعلى ~~القول الثاني لا يلزمه إلا يوم وليلة، يبدأ بالليلة قبل اليوم، فيدخل ~~اعتكافه عند الغروب. فإن دخل اعتكافه بعد الغروب وقبل الفجر لم يجزئه ~~اعتكاف ذلك اليوم، وهو مذهب سحنون. وقيل إنه يجزئه وبئس ما صنع لأن الليل ~~كله وقت لتبيت الصيام، فأي وقت نوى فيه أجزأه قاله عبد الوهاب. وقد قيل إن ~~ذلك ليس باختلاف قول، ويحمل قول سحنون على أنه نذر الاعتكاف وقول عبد ~~الوهاب على أنه نواه. والأول أظهر أنه اختلاف يدخل في الوجهين جميعا. # فصل والاعتكاف يجب بأحد وجهين: إما بالنذر، وإما بالنية مع الدخول فيه # PageV01P259 # لاتصال عمله. وكذلك الجوار إذا جعل على نفسه فيه الصيام، وإن لم يجعل على ~~نفسه فيه الصيام وإنما أراد أن يجاور كجوار مكة بغير صيام فلا يلزمه بالنية ~~مع الدخول فيه بما نوى من الأيام. واختلف هل يلزمه ms0210 مجاورة اليوم الذي دخل ~~فيه أم لا على قولين: أحدهما أنه يلزمه. والثاني أنه لا يلزمه وله أن يخرج ~~متى شاء من يومه ذلك وهو الأظهر، إذ لم يتشبث بعمل يبطل عليه بقطعه. # فصل والنذر في الاعتكاف على وجهين: أحدهما أن ينذر اعتكاف أيام بأعيانها، ~~والثاني أن ينذر اعتكاف أيام بغير أعيانها. # فأما إذا نذر أياما بأعيانها، فلا يخلو أن تكون من رمضان أو من غير ~~رمضان، فإن كانت من رمضان فعليه قضاؤها إن مرضها كلها لوجوب قضاء الصيام ~~عليه، وإن مرض بعضها قضى ما مرض منها ووصل، فإن لما يصل استأنف سواء كان ~~مرضه من أولها قبل دخوله في الاعتكاف أو من آخرها بعد دخوله فيه، وكذلك إن ~~أفطر فيها ساهيا. وأما إن أفطر فيها متعمدا من غير عذر فعليه استئناف ~~الاعتكاف مع الكفارة لفطره في رمضان. # فصل وأما إن كانت من غير رمضان فمرضها كلها أو مرض بعضها ففي ذلك ثلاثة ~~أقوال: أحدها أن عليه القضاء جملة من غير تفصيل، وهذا على رواية ابن وهب عن ~~مالك في بعض روايات الصيام من المدونة. والثاني أنه لا قضاء عليه جملة من ~~غير تفصيل، وهو مذهب سحنون. والثالث التفرقة بين أن يمرض قبل دخوله في ~~الاعتكاف أو بعد أن دخل فيه، وهو أيضا مذهب ابن القاسم في المدونة على ما # PageV01P260 # تأول عليه ابن عبدوس، واختلف إذا أفطر فيه ساهيا على قولين: أحدهما أنه ~~لا قضاء عليه وهو مذهب سحنون. والثاني أن عليه القضاء بشرط الاتصال وهو ~~مذهب ابن القاسم. # فصل وأما الوجه الثاني وهو أن ينذر أياما بغير أعيانها. فإذا نذر اعتكاف ~~أيام بغير أعيانها فليس له أن يعتكفها في رمضان ولا في صوم واجب عليه، لأن ~~النذر يوجب عليه الصيام فليس له إسقاطه عن نفسه باعتكافه فيما قد وجب عليه ~~صومه، خلاف قول محمد بن عبد الحكم إن له أن يجعل اعتكافه الذي نذره في أيام ~~صومه التي نذرها، حكاه ابن حارث، فإذا دخل في اعتكافها لزمه إتمامها وتعين ms0211 ~~عليه قضاء ما مرض فيه أو أفطره ساهيا يصل ذلك باعتكافه، ولا خلاف في هذا. ~~وإن أفطره متعمدا أفسده ووجب عليه قضاؤه لوجوبه عليه بالدخول فيه، وأن ~~يعتكف اعتكافا آخر لنذره، وجرى ذلك على الاختلاف فيمن أفطر متعمدا في قضاء ~~يوم من رمضان. # فصل وأما إن نوى الاعتكاف ودخل فيه ولم ينذره فقد تعين عليه بالدخول فيه ~~كتعين النذر لأيام بأعيانها، ووجب أن يكون حكمه كحكمه في المرض فيه أو ~~الفطر ساهيا أو متعمدا على ما بيناه إلا في دخول القول الثالث في المرض إذ ~~لا يتصور فيه. وبالله التوفيق. # PageV01P261 ### | ما جاء في ليلة القدر # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على مولانا محمد وآله وسلم ما جاء في ~~ليلة القدر قال الله عز وجل: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} [القدر: 1] ، ~~يريد الكتاب المبين لأن الهاء من أنزلناه عائدة عليه وإن كان لم يتقدم له ~~ذكر في هذه السورة فإنه قد تقدم في سورة الدخان في قوله: {حم} [الدخان: 1] ~~{والكتاب المبين - إنا أنزلناه في ليلة مباركة} [الدخان: 2 - 3] . # فصل وليلة القدر هي الليلة المباركة التي أنزل الله فيها القرآن جملة ~~واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم أنزل على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - من السماء الدنيا نجما بعد نجم على قدر الحاجة إليه، فكان بين ~~أوله وآخره عشرون سنة، روي ذلك عن ابن عباس في تفسير الآية. # فصل فسماها الله تبارك وتعالى مباركة لنزول القرآن فيها ولثبات الخير ~~فيها ودوامه، لأن البركة في اللغة الثبات والدوام. وسماها الله تعالى ليلة ~~القدر لأنه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة من أرزاق العباد وآجالهم وجميع ~~أمورهم إلى ليلة القدر من السنة الأخرى. قال مجاهد إلا الشقاء والسعادة، ~~يشهد لذلك قوله تعالى: # PageV01P263 # {فيها يفرق كل أمر حكيم} [الدخان: 4] ، وقد قيل إن الآجال تنسخ ليلة ~~النصف من شعبان والأول أصح، والله سبحانه وتعالى أعلم. # فصل وقوله تعالى: {وما أدراك ما ليلة القدر} [القدر: 2] ، معناه التعجب ~~بها والتعظيم لها. وما كان في ms0212 القرآن من قوله وما أدراك فقد أدراه، وما كان ~~فيه من قوله وما يدريك فلم يدره، قاله الفراء وسفيان بن عيينة وغيرهما ~~والله سبحانه وتعالى أعلم. # فصل وأما قوله عز وجل: {ليلة القدر خير من ألف شهر} [القدر: 3] ، ففي ~~تأويله اختلاف، قيل معنى ذلك أن العمل بما يرضي الله في تلك الليلة من صلاة ~~وغيرها خير من العمل في غيرها ألف شهر. [وقيل إنما معنى ذلك أن ليلة القدر ~~خير من ألف شهر] ، ليس فيها ليلة القدر. وهو نحو الأول لأن فضيلة الليلة ~~على ما سواها ليس لمعنى يختص بها حاشا تضعيف الحسنات فيها. وقيل إن معنى ~~ذلك أنه كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل ويجاهد النهار، ففعل ذلك ألف ~~شهر وهي ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر، فتمنى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أن يكون ذلك في أمته وقال يا رب جعلت لأمتي أقصر الأعمار وأقل الأعمال ~~فأعطاه الله ليلة القدر وهي خير من ألف شهر، يريد خيرا من تلك الألف شهر ~~التي قام الإسرائيلي ليلها وجاهد نهارها، فضيلة له ولأمته. وهو معنى حديث ~~مالك «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أري أعمار الناس قبله أو ما شاء ~~الله من ذلك فكأنه # PageV01P264 # تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل ما بلغه غيرهم في طول العمر، ~~فأعطاه الله تعالى ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر» . وقيل إن معنى ذلك ~~هو ما روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى في منامه بني أمية ~~يعلون منبره خليفة خليفة فشق ذلك عليه فأنزل الله عليه: {إنا أعطيناك ~~الكوثر} [الكوثر: 1] ، و {إنا أنزلناه في ليلة القدر} [القدر: 1] {وما ~~أدراك ما ليلة القدر} [القدر: 2] {ليلة القدر خير من ألف شهر} [القدر: 3] » ~~يعني ملك بني أمية. قال فحسبنا ملك بني أمية فإذا هو ألف شهر. # فصل وهذا التأويل يدل على أن ليلة القدر خص بها النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ومن كان على عهده، وإليه ذهب والله أعلم من قال ms0213 إن ليلة القدر رفعت، ~~وليس ذلك بصحيح، والصحيح الذي عليه عامة أهل العلم والدين أنها لم ترفع ~~جملة وإنما رفع علم تعيينها في ليلة بعينها وذلك بين من الحديث، قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «أريت هذه الليلة في رمضان حتى تلاحى رجلان ~~فوقعت فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة» ، فلو رفعت جملة لما أمر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتماسها. # فصل فالصحيح أن ليلة القدر باقية لأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى ~~يوم القيامة. وإنما اختلف أهل العلم فيها على ثلاثة أقوال: أحدها أنها في ~~ليلة بعينها لا تنتقل عنها إلا أنها غير معروفة أعلم بفضلها وأخفى عينها ~~ليجتهد في طلبها فيكون ذلك سببا للاستكثار من فعل الخير. وافترق الذين ~~ذهبوا إلى هذا على أربعة أقوال: أحدها أنها في العام كله. والثاني أنها في ~~شهر رمضان. والثالث أنها في العشر الوسط منه. والرابع أنها في العشر ~~الأواخر منه. # فصل والقول الثاني أنها في ليلة بعينها لا تنتقل عنها معروفة. واختلف ~~الذين ذهبوا # PageV01P265 # إلى هذا في تعيينها على أربعة أقوال: أحدها أنها ليلة إحدى وعشرين على ~~حديث أبي سعيد الخدري. والثاني أنها ليلة ثلاث وعشرين على حديث عبد الله ~~ابن أنيس الجهني. والثالث أنها ليلة سبع وعشرين على حديث أبي بن كعب وحديث ~~معاوية، وهي كلها أحاديث صحاح. والرابع أنها ليلة ثلاث وعشرين أو سبع ~~وعشرين. ذهب إلى هذا عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما -. روي أن عمر بن ~~الخطاب دعا جماعة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألهم عن ~~ليلة القدر فقالوا: كنا نرى أنها في العشر الوسط ثم بلغنا أنها في العشر ~~الأواخر، وأكثروا عليه في ذلك فقال ابن عباس إني لأعلم أي ليلة هي، فقال ~~عمر: وأي ليلة هي؟ فقال سابعة تمضي أو سابعة تبقى من العشر الأواخر، فقال ~~عمر من أين علمت ذلك؟ قال رأيت الله عز وجل خلق سبع سموات وسبع أرضين وسبعة ~~أيام يدور الدهر عليهن، وخلق الإنسان من سبع، ms0214 ويأكل من سبع، ويسجد على سبع، ~~والطواف سبع، ورمي الجمار وذكر مثل هذا. فقال له عمر: ما قولك خلق الله ~~الإنسان من سبع ويأكل من سبع؟ فتلا قول الله عز وجل: {ولقد خلقنا الإنسان ~~من سلالة من طين} [المؤمنون: 12] {ثم جعلناه نطفة في قرار مكين} [المؤمنون: ~~13] {ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا ~~العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين} [المؤمنون: ~~14] ، قال ابن عباس وأما يأكل من سبع فقول الله تعالى: {فأنبتنا فيها حبا} ~~[عبس: 27] {وعنبا وقضبا} [عبس: 28] {وزيتونا ونخلا} [عبس: 29] {وحدائق ~~غلبا} [عبس: 30] {وفاكهة وأبا} [عبس: 31] ، فالأب للأنعام، والسبعة ~~للإنسان. وفي هذا الخبر أن عمر سأل يومئذ من حضره من الصحابة وكانوا جماعة ~~عن معنى نزول سورة: {إذا جاء نصر الله والفتح} [النصر: 1] ، فوقفوا ولم ~~يزيدوا على أن قالوا أمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - إذا فتح الله ~~عليه أن يسبحه ويستغفره، فقال عمر: ما تقول يا ابن عباس؟ فقال ومع ذلك يا ~~أمير المؤمنين فإنه نعى إليه نفسه وأعلمه أنه قابضه إذا دخلت العرب في ~~الدين أفواجا، فسر عمر بذلك وقال أتلومونني على تقريب هذا الغلام؟ فقال ابن ~~مسعود لو أدرك أسناننا ما عاشره أحد منا ونعم ترجمان القرآن ابن # PageV01P266 # عباس. وروي عن ابن عباس أيضا أنها ليلة سبع وعشرين، وأنه عد السورة كلمة ~~كلمة فكانت السابعة والعشرون هي وباقي السورة حتى مطلع الفجر. # فصل والقول الثالث أنها ليست في ليلة بعينها وأنها تنتقل في الأعوام، ~~وإلى هذا ذهب مالك - رحمه الله تعالى - والشافعي وأحمد بن حنبل وأكثر أهل ~~العلم، وهو أصح الأقاويل وأولاها بالصواب والله أعلم، لأن الأحاديث كلها ~~تستعمل على هذا، واستعمالها كلها أولى من استعمال بعضها واطراح سائرها، لا ~~سيما وهي كلها أحاديث صحيحة ثابتة لا مطعن فيها لأحد فيحمل حديث أبي سعيد ~~الخدري على ذلك العام بعينه، وحديث عبد الله بن أنيس على ذلك العام بعينه، ~~وأمره - صلى الله عليه وسلم - بالتماسها في العشر الأواخر من ms0215 رمضان على ذلك ~~العام بعينه بدليل ما روي أنها قد تكون في العشر الوسط وأمره بالتماسها في ~~السبع الأواخر في ذلك العام بعينه دون ما سواه من الأعوام، إذ قد تكون في ~~بقية العشر الأواخر على ما صح عنه في الأمر بالتماسها في العشر الأواخر وفي ~~العشر الوسط على ما جاء في ذلك أيضا. # فصل فنقول على استعمال جميع الآثار في هذا أن ليلة القدر تختص في ~~انتقالها في الأغلب من حالها بالعشر الوسط وبالعشر الأواخر، والأغلب أنها ~~تكون من العشر الوسط ليلة سبع عشرة، وليلة تسع عشرة، ومن العشر الأواخر في ~~الأوتار منها. فمن أراد أن يتحرى ليلة القدر فليتحرها في العشر الوسط، وفي ~~العشر الأواخر، ومن ضعف عن ذلك فليتحرها في الأوتار من العشر الأواخر. # فصل واختلف في قول النبي - عليه الصلاة والسلام - «فالتمسوها في التاسعة ~~والسابعة والخامسة» فقيل إنها معدودة من أول العشر وأن المراد بذلك في ~~الخامسة والسابعة والتاسعة، لأن الواو لا توجب رتبة. فالتاسعة ليلة تسع ~~وعشرين، والسابعة ليلة سبع # PageV01P267 # وعشرين، والخامسة ليلة خمس وعشرين. وقيل إنها معدودة من آخر العشر، وأن ~~التاسعة ليلة إحدى وعشرين والسابعة، ليلة ثلاث وعشرين، والخامسة ليلة خمس ~~وعشرين، وإلى هذا ذهب مالك - رحمه الله -. ودليله على ذلك أن الأظهر في ~~الواو الترتيب وإن كانت قد ترد للمساواة دون الترتيب ولا يختلف ذلك في ~~نقصان الشهر وكماله، لأن من حسب ذلك على نقصان الشهر عد التاسعة والسابعة ~~والخامسة، ومن حسب ذلك على كماله لم يعد التاسعة والسابعة والخامسة، وقال ~~معنى ذلك لتاسعة تبقى، ولسابعة تبقى، ولخامسة تبقى. وحسابه على نقصان الشهر ~~أظهر، لأن الشهر تسعة وعشرون يوما، واليوم الثلاثون ليس من الشهر بيقين قد ~~يكون وقد لا يكون. ولا يحتمل أن يكون أراد النبي - عليه الصلاة والسلام - ~~أن يحسب ذلك على كمال الشهر ولا على ما ينكشف من نقصانه أو كماله، لأنه لو ~~أراد أن يحسب على كماله لكان ذلك حضا منه على التماسها في غير الأوتار، وهو ~~إنما حض ms0216 على تحريها في كل وتر على ما جاء في غير هذا الحديث. ولو أراد أن ~~يحسب على ما ينكشف عليه الشهر من نقصانه أو إتمامه لكان قد أمر بما لا يصح ~~امتثاله إلا بعد فواته، فلم يبق إلا أنه أراد أن يحسب ذلك على نقصانه، إلا ~~أن نقول إنه - صلى الله عليه وسلم - أبهم مراده من ذلك لتلتمس الليلة في ~~جميع ليالي العشر، وهو بعيد من التأويل، إذ لا بد أن يكون لقوله التمسوها ~~في التاسعة والسابعة والخامسة زيادة فائدة على قوله: «التمسوها في العشر ~~الأواخر،» والله سبحانه وتعالى أعلم. وذهب ابن حبيب إلى أن تتحرى الليلة في ~~جميع ليالي العشر على نقصان الشهر وكماله، وذلك بعيد على ما أوردناه والله ~~سبحانه وتعالى أعلم وأحكم. وروي ذلك عن ابن عباس أنه كان يحيي ليلة ثلاث ~~وعشرين، وأربع وعشرين على هذا، وقال إنها لسبع بقين تماما يريد لسبع بقين ~~على تمام الشهر بليلة أربع وعشرين التي كان يحييها أيضا. # فصل وقوله عز وجل: {تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر} ~~[القدر: 4] ، معناه [تنزل الملائكة وجبريل معهم، لأن جبريل هو الروح ~~الأمين. وقوله من كل أمر # PageV01P268 # معناه، بكل أمر مما يقضي الله عز وجل في ليلة القدر من السنة إلى أن تأتي ~~ليلة القدر من السنة المقبلة، وعلى هذا يتم الكلام في قوله من كل أمر، ~~ويحسن الوقف عليه والابتداء من قوله: {سلام هي حتى مطلع الفجر} [القدر: 5] ~~، أي هي سلام من أن يحدث فيها ما لم يحدث في غيرها أو أن يستطيع شيطان أن ~~يعمل فيها شيئا معناه في الأغلب والله أعلم. وقيل خير هي إلى مطلع الفجر، ~~وقيل رحمة إلى مطلع الفجر. وقد قيل إن التمام في قوله: {تنزل الملائكة ~~والروح فيها بإذن ربهم} [القدر: 4] ، فيكون المعنى في الابتداء من كل أمر ~~سلام هي حتى مطلع الفجر من كل داء ومن كل شيطان ليلة القدر مسلمة إلى طلوع ~~الفجر. وقيل إن التمام في قوله من كل أمر سلام، ms0217 ثم ابتدأ جزءا آخر فقال هي ~~حتى مطلع الفجر، أي ليلة القدر هي حتى مطلع الفجر، ويكون معنى قوله من كل ~~أمر سلام هي أي هي مسلمة من كل داء وشيطان. وقد قيل إن معنى قوله من كل أمر ~~سلام أن الملائكة يسلمون على عباد الله المؤمنين الليلة إلى طلوع الفجر. ~~واحتج من ذهب إلى هذا بما روي من قراءة ابن عباس {من كل أمر} [القدر: 4] ~~{سلام هي حتى مطلع الفجر} [القدر: 5] وبالله التوفيق. # PageV01P269 ### | كتاب الزكاة الأول # ] [ ### || فصل في معرفة اشتقاق اسم الزكاة # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وآله. عونك اللهم كتاب الزكاة ~~الأول # فصل في معرفة اشتقاق اسم الزكاة الزكاة مأخوذة من الزكاء وهو النماء، من ~~ذلك قولهم زكا الزرع إذا نما وطاب وحسن وزكت النفقة إذا نمت وبورك فيها. ~~ومن ذلك قول الله تعالى: (أقتلت نفسا زاكية بغير نفس) ، ومنه تزكية القاضي ~~الشهود لأنه ينمي حالهم ويرفعهم من حال السخطة إلى حال العدالة. ومنه يقال ~~زكا فلان، وفلان أزكى من فلان. # فصل فسميت الصدقة الواجب أخذها من المال زكاة لأن المال إذا زكي. نما ~~وبورك فيه، وقيل إنما سميت بذلك لأنها تزكو عند الله أي تنمو لصاحبها عنده ~~سبحانه وتعالى كما روي «من تصدق بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيبا ~~كان كأنما يضعها في كف الرحمن يربيها له كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى ~~تكون مثل الجبل» . وقيل إنما سميت بذلك لأنها لا تؤخذ إلا من الأموال التي ~~يبتغى فيها النماء لا من العروض المقتناة. والذي أقول به إنما سميت بذلك ~~لأن فاعلها يزكو بفعلها عند الله تعالى أي يرتفع حاله بذلك عنده يشهد لهذا ~~قول الله تعالى: # PageV01P271 # {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} [التوبة: 103] ، وذلك بين ظاهر ~~ولم أره لمن تقدم، ممن على هذا المعنى تكلم، وبالله التوفيق. ### || فصل في وجوب الزكاة # والزكاة واجبة كوجوب الصلاة، أوجبها الله عز وجل على عباده وقرنها بها في ~~غير ما آية من ms0218 كتابه فقال تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} [البقرة: ~~43] ، وقال تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} ~~[التوبة: 5] ، وقال تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~فإخوانكم في الدين} [التوبة: 11] ، وقال تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا ~~الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة} [البينة: 5] ، ~~وقال تعالى: {قد أفلح المؤمنون} [المؤمنون: 1] {الذين هم في صلاتهم خاشعون} ~~[المؤمنون: 2] {والذين هم عن اللغو معرضون} [المؤمنون: 3] {والذين هم ~~للزكاة فاعلون} [المؤمنون: 4] ، وقال تعالى: {قد أفلح من تزكى} [الأعلى: ~~14] {وذكر اسم ربه فصلى} [الأعلى: 15] ، ومثل هذا في القرآن كثير. # فصل وهي إحدى دعائم الإسلام الخمس. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «بنى الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ~~وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام شهر رمضان، وحج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا» . وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - «أنه قام في الناس فقال: "يا ~~أيها الناس إنه أتاني آت من ربي في المنام فقال لي يا محمد إنه لا صلاة لمن ~~لا # PageV01P272 # زكاة له، ولا زكاة لمن لا صلاة له» . مانع الزكاة في النار والمتعدي فيها ~~كمانعها. وقد توعد الله في غير ما آية من كتابه مانعها فقال تعالى: {فويل ~~للمصلين} [الماعون: 4] {الذين هم عن صلاتهم ساهون} [الماعون: 5] {الذين هم ~~يراءون} [الماعون: 6] {ويمنعون الماعون} [الماعون: 7] ، والماعون الزكاة في ~~قول أكثر أهل العلم. والويل واد في جهنم يسيل من عصارة أهل النار في النار ~~على ما روي. وقال تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل ~~الله فبشرهم بعذاب أليم - يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم ~~وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون} [التوبة: 34 ~~- 35] ، والكنز هو المال الذي لا تؤدى زكاته وإن لم يكن مدفونا، وما أدي ~~زكاته من المال فليس بكنز وإن كان مدفونا. ذكر مالك في موطئه عن عبد الله ~~بن دينار أنه قال سمعت عبد الله بن عمر يسأل عن الكنز ما هو فقال هو ms0219 المال ~~الذي لا تؤدى منه الزكاة. فقوله تعالى ولا ينفقونها ليس على ظاهره من ~~العموم، والمعنى فيه ولا ينفقون ما وجب عليهم إنفاقه منها. وقد قيل إن ~~الضمير في قوله تعالى ولا ينفقونها عائد على الزكاة وإن كان لم يتقدم لها ~~ذكر، لأنها المراد بالإنفاق. وقيل إنه يعود على الفضة والذهب داخل فيها ~~بالمعنى. وقيل إنه لما كان المعنى في الذهب والفضة سواء جاز أن يرجع الضمير ~~إليهما جميعا بلفظ واحد مثل قوله تعالى: {والله ورسوله أحق أن يرضوه} ~~[التوبة: 62] ، فقال يرضوه ولم يقل يرضوهما لما كان رضا الله فيه رضاء ~~رسوله. وقيل إنه يعود على الكنوز وإذا قلنا إنه عائد على الفضة والذهب، أو ~~على الفضة والذهب داخل فيها بالمعنى، أو على الكنوز، فالمراد بإنفاقها ~~إنفاق الزكاة الواجبة فيها. وبيان هذا أنه قد «روي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال في تفسير الآية: ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا جعل ~~يوم القيامة صفائح من نار تكوى بها جبهته وجنباه وظهره في يوم كان مقداره ~~خمسين ألف سنة حتى يقضي الله بين الناس ثم يرى سبيله فإن كانت إبلا بطح لها ~~بقاع # PageV01P273 # قرقر فجاءت أوفر ما كانت تطؤه بأخفافها وتعضه بأفواهها كلما مرت أخراها ~~ردت أولاها حتى يقضي الله بين العباد ثم يرى سبيله، وإن كانت غنما فمثل ذلك ~~إلا أنه قال تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها.» وروي عن ابن عباس أنه قال في ~~هذه الآية هي خاصة فيمن لم يؤد زكاة ماله من المسلمين، وعامة في أهل الكتاب ~~لأنهم كفار لا تقبل منهم نفقاتهم وإن أنفقوا - وقال تبارك وتعالى: {ولا ~~يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم ~~سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة} [آل عمران: 180] ، معناه بخلوا بالزكاة ~~الواجبة عليهم فيما آتاهم الله من فضله. وروي «عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال في تفسير هذه الآية مال البخيل الذي منع حق الله منه يصير ~~ثعبانا في ms0220 رقبته» . وقال - صلى الله عليه وسلم -: «من أتاه الله مالا فلم ~~يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم ~~يأخذ بلهزمتيه يعني بشدقيه ثم يقول أنا مالك أنا كنزك» . وقيل إنه يجعل في ~~عنقه طوق من نار. # فصل فمن جحد فرض الزكاة فهو كافر يستتاب فإن تاب وإلا قتل كالمرتد. وقال ~~ابن حبيب إن تركها كفر وإن كان مقرا بفرضها كالصلاة على مذهبه، وليس بصحيح. ~~وأما من أقر بفرضيتها ومنعها فإنه يضرب وتؤخذ منه كرها إلا أن يمنع في ~~جماعة ويدفع بقوة فإنهم يقاتلون عليها حتى تؤخذ منهم كما فعل أبو بكر ~~الصديق - رضي الله تعالى عنه - بأهل الردة حين شحوا بأداء الزكاة فقال ~~والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لجاهدتهم عليه فقاتلهم وأمر بقتالهم. وقال والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة ~~والزكاة. # فصل واختلف فيمن أخذت منه الزكاة كرها هل تجزئه أم لا على قولين: أحدهما ~~أنها لا تجزئه لأنه لا نية له. والثاني أنها تجزئه وهو الأظهر، لأن الزكاة ~~متعينة في # PageV01P274 # المال، فإذا أخذها من إليه أخذها أجزأت عنه كما تجزئ الصبي والمجنون إذا ~~أخذت من أموالهما وإن لم تصح النية منهما في تلك الحال. # فصل وإنما ورد في القرآن الأمر بالزكاة بألفاظ مجملة وعامة. فالمجمل منه ~~ما لا يفهم المراد منه من لفظه ويفتقر في البيان إلى غيره مثل قوله تعالى: ~~{وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] ، فلا يفهم من هذا اللفظ جنس الحق ~~ولا مقداره، ولا يمكن امتثال الأمر به إلا بعد بيان. ومثل هذا اللفظ إذا ~~ورد وجب اعتقاد وجوب المراد به إلى أن يرد البيان. والعام ما ظاهره استغراق ~~الجنس فيجب امتثال الأمر به بحمله على عمومه حتى يأتي ما يخصصه، مثل قوله ~~تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} [التوبة: 103] ، وما أشبه ~~ذلك. فالظاهر في قوله تعالى: {من أموالهم} [النساء: 34] ، أن الزكاة تؤخذ ~~من جميع أصناف الأموال ومن القليل والكثير ms0221 منها، إذ لم يخص شيئا من ذلك دون ~~شيء، وقوله تعالى: {صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} [التوبة: 103] ، من المجمل ~~الذي يفتقر إلى بيان، إذ لا يفهم من نفس هذا اللفظ قدر الصدقة التي يقع بها ~~التطهير والتزكية بها فالآية مشتملة على نص لا يحتمل التأويل، وعلى عموم ~~يحتمل التأويل، وعلى مجمل يفتقر إلى البيان والتفسير، لأنها نص في الأخذ ~~وفي أنه - صلى الله عليه وسلم - مأمور به، وعموم في الأموال، ومجمل في ~~المقدار. # فصل واختلف في قول الله عز وجل: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} [البقرة: ~~43] ، وقوله تعالى: {والذين هم للزكاة فاعلون} [المؤمنون: 4] ، وما أشبه ~~هذه الألفاظ هل هي مجملة تفتقر إلى بيان أو عامة يجب حملها على عمومها حتى ~~يرد ما يخصصها. والأصح أنها مجملة مفتقرة إلى البيان. # PageV01P275 # فصل واختلف في قول الله عز وجل: {ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو} ~~[البقرة: 219] ، فقيل العفو في هذه الآية الزكاة. وقيل إنه ما سمح به ~~المعطي. وقيل إنه ما فضل عن العيال. فأما من ذهب إلى أن العفو فيها الزكاة ~~أو إلى أنه ما سمح به المعطي فالآية عنده محكمة غير منسوخة. وأما من ذهب ~~إلى أن العفو ما فضل عن العيال فمنهم من قال إن ذلك كان واجبا في أول ~~الإسلام وإن أحدهم كان إذا حصد زرعه أخذ منه قوته وقوت عياله وما يزرعه في ~~العام المقبل وتصدق بالباقي ثم نسخ ذلك بفرض الزكاة. ومنهم من قال إن الآية ~~محكمة غير منسوخة وهي على الندب لا على الوجوب مثل قوله تعالى: {يسألونك ~~ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين ~~وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم} [البقرة: 215] . ومنهم من ~~قال إن الآية محكمة على الوجوب، ذهب إلى هذا جماعة من أهل الزهد والورع ~~فحرموا ما فوق الكفاف، وإلى نحو هذا ذهب أبو ذر - رضي الله تعالى عنه -، ~~لأنه قد رويت عنه آثار كثيرة في بعضها شدة تدل أنه كان يذهب إلى أن كل مال ~~مجموع يفضل ms0222 عن القوت وسداد العيش فهو كنز، وكان يقول الأكثرون هم الأخسرون ~~يوم القيامة، ويل لأصحاب المئين. وقد روي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - ~~في هذا آثار كثيرة إلا أن جمهور أهل العلم تأولها في الزكاة على خلاف ما ~~حملها عليه أبو ذر - رضي الله تعالى عنه -، وبالله التوفيق. # فصل وقد بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مجمل القرآن في الزكاة ~~وغيرها وخصص عمومه المراد به الخصوص قولا وعملا كما أمره الله تعالى به حيث ~~يقول في كتابه: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل: 44] ~~، فبين النبي - صلى الله عليه وسلم - مم تؤخذ الزكاة من الأموال وممن تؤخذ ~~من الناس وكم يؤخذ منها ومتى تؤخذ فقال: «ليس على المسلم # PageV01P276 # في عبده ولا في فرسه صدقة» فدل أن الزكاة لا تجب في العروض المقتناة لغير ~~التجارة، وأنها خارجة عن عموم قول الله عز وجل: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ~~وتزكيهم بها} [التوبة: 103] ، والحلي المتخذ للباس مخصص من العموم المذكور ~~بالقياس على ذلك عند مالك وجميع أصحابه. وقال - صلى الله عليه وسلم -: «ليس ~~فيما دون خمس أواق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود صدقة وليس فيما دون خمسة ~~أوسق صدقة» فتبين أن ما دون هذه المقادير لا زكاة فيها وأنها مخصصة من ~~العموم خارجة عنه. ولذلك بين - صلى الله عليه وسلم - مقدار الزكاة فقال: ~~«هاتوا إلي ربع العشر من كل أربعين درهما درهما» ، وقال: «في كل عشرين ~~مثقالا ذهبا نصف مثقال» . وقال: «فيما سقت السماء والعيون والبعل العشر، ~~وفيما يسقى بالنضح نصف العشر» . وقال في زكاة الماشية: «في أربع وعشرين من ~~الإبل فدونها الغنم..» الحديث. وقال «في كل ثلاثين من البقر تبيع وفي كل ~~أربعين بقرة مسنة» [ «وفي كل أربعين من الغنم شاة» ] . # فصل وفي قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» ~~دليل على أن الزكاة لا تجب في الفواكه ولا في الخضر وإنما تجب فيما يوسق ~~ويدخر قوتا من الأقوات الحبوب والطعام. وهو مذهب مالك ms0223 وجميع أصحابه إلا ابن ~~حبيب فإنه أوجب الزكاة في الفواكه، فخرجت الفواكه والخضر بذلك عند مالك من ~~عموم قول الله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} [التوبة: ~~103] ومن عموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فيما سقت السماء والعيون ~~والبعل العشر وفيما سقي بالنضح نصف # PageV01P277 # العشر» . وذكر الثمر في حديث أبي سعيد الخدري في بعض الروايات عنه محمول ~~عند أهل العلم على أنه خرج على سؤال سائل فلا تعلق لأحد بظاهره في إسقاط ~~الزكاة مما يوسق مما عدا التمر. # فصل وكذلك بين - صلى الله عليه وسلم - متى يجب أخذ الزكاة من المال الذي ~~تجب فيه الزكاة فقال - صلى الله عليه وسلم -: «ليس في المال المستفاد زكاة ~~حتى يحول عليه الحول» فعم بظاهر قوله هذا جميع الأموال المستفادة، فخرج من ~~عموم قوله الحبوب والثمار بدليل قول الله عز وجل: {كلوا من ثمره إذا أثمر ~~وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] وخرج منه أيضا ما يخرج من المعدن من ~~الذهب والورق بالقياس على الحبوب والثمار عند مالك لأنه يعتمل كما يعتمل ~~الزرع وينبت في الأرض كما ينبت الزرع. ويخرج من ذلك أيضا نماء الماشية ~~فتزكى على أصولها ولا يستقبل بها الحول بدليل قول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «كل ذات رحم فولدها بمنزلتها» ، ولعلة افتراق الحول فيها مع خروج ~~المصدق مرة في العام. # واختلف قول مالك في أرباح الأموال فمرة رآها مزكاة على أصول الأموال ~~قياسا على غذاء الماشية وللمشقة الداخلة عليه في حفظ أحواله، ومرة قال إنه ~~يستقبل بها حولا كسائر الفوائد، وهو الأظهر، لأن الربح ليس بمتولد عن المال ~~بنفسه كغذاء الماشية، وإنما يحصل لصاحب المال ممن بايعه بمبايعته إياه ولو ~~شاء لم يبايعه، فأشبه ما يحصل له من عنده بهبة أو صدقة، إذ لو شاء لم يهبه ~~ولا تصدق عليه وبالله عز وجل التوفيق. ### || فصل في معرفة ما تجب فيه الزكاة من الأموال # فالزكاة لا تجب إلا في ثلاثة أشياء: في الحرث، والعين، والماشية. فالعين # PageV01P278 # هو الذهب والورق. ms0224 والماشية: الإبل والبقر والغنم. والحرث ما يخرج من ~~الأرض من الحبوب والثمار والكروم، لأن السنة قد خصصت ما عدا هذه الثلاثة ~~الأشياء من عموم قول الله عز وجل: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} ~~[التوبة: 103] ، وخصصت من هذه الثلاثة الأشياء أيضا بعضها على ما تقدم من ~~ذلك في تبيين النصاب وما لا يوسق ويدخر من جميع الثمار. ### || فصل في معرفة ما تجب به الزكاة # والزكاة تجب بخمسة أوصاف، وهي الإسلام، والحرية، والنصاب، والحول فيما ~~عدا ما يخرج من الأرض وعدا الدين في العين. # فصل فالدليل على صحة اشتراط الإسلام في وجوب الزكاة قول الله عز وجل: {خذ ~~من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} [التوبة: 103] ، والطهرة والتزكية لا ~~تصح في الكفار. وهو أيضا دليل قوله تعالى: {قد أفلح المؤمنون} [المؤمنون: ~~1] إلى قوله تعالى: {والذين هم للزكاة فاعلون} [المؤمنون: 4] والدليل على ~~صحة اشتراط الحرية في ذلك قول الله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة} [التوبة: ~~103] فلما قال تعالى: {خذ من أموالهم صدقة} [التوبة: 103] ، دل على أنه لم ~~يرد العبد إذ لا يصح أن يقال في مال العبد إنه ماله على الإطلاق، إذ لا ~~يجوز له فيه ما يجوز لذي المال في ماله من الهبة والصدقة وما أشبه ذلك ~~بإجماع، وإنما هو ماله على صفة. والدليل على صحة ملكه قول الله تعالى: ~~{وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم ~~الله من فضله} [النور: 32] ، إذ لا يصح أن يوصف بالفقر والغنى من لا يملك، ~~ولذلك يطأ بملك يمينه على مذهب مالك لأنه يملك عنده. والدليل على صحة ~~اشتراط النصاب في ذلك الحديث الصحيح: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة وليس ~~فيما دون خمس ذود صدقة وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة» . # PageV01P279 # والدليل على صحة اشتراط الحول فيما عدا ما يخرج من الأرض قوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «ليس في المال المستفاد زكاة حتى يحول عليه الحول» لأنه لفظ ~~عام يخصص منه ما يخرج من الأرض بقوله تعالى: {كلوا ms0225 من ثمره إذا أثمر وآتوا ~~حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] ، ويخصص منه أيضا نماء الماشية باتفاق لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كل ذات رحم فولدها بمنزلتها» ، وأرباح ~~الأموال بالقياس على ذلك على اختلاف، ويبقى الحديث عاما فيما سوى ذلك. ~~والدليل على صحة اشتراط عدم الدين في وجوب الزكاة في العين إجماع الصحابة ~~على ذلك بدليل ما روي أن عثمان بن عفان كان يصيح في الناس: هذا شهر زكاتكم ~~فمن كان عليه دين فليؤده حتى تحصل أموالكم فتؤدون منها الزكاة، والصحابة ~~متوافرون مسلمون بذلك، فدل ذلك على إجماعهم على القول بذلك. وبالله ~~التوفيق. ### || فصل في تقسيم الديون التي تسقط الزكاة # والديون التي تسقط زكاة العين تنقسم عند ابن القاسم على ثلاثة أقسام: # قسم منها يسقط الزكاة وهو دين الزكاة، كانت له عروض تفي به أو لم تكن، ~~مرت به سنة من يوم استدانه مثل أن يكون له عشرون دينارا فيحول عليها الحول ~~فلا يخرج زكاتها ويمسكها حتى يحول عليها حول آخر فإنه لا يجب عليه فيها ~~زكاة من أجل الدين الذي عليه من زكاة العام الأول، أو لم تمر به سنة من يوم ~~استدانه مثل أن يفيد عشرين دينارا فتقيم عنده عشرة أشهر ثم يفيد عشرين أخرى ~~فيحل حول العشرين الأولى فلا يزكيها وينفقها أو تتلف ثم يحول الحول على ~~العشرين الأخرى فإنه لا يجب عليه فيها زكاة من أجل الدين الذي عليه من زكاة ~~الفائدة الأولى. وقسم منها يسقط الزكاة مرت به سنة من يوم استدانه أو لم ~~تمر، إلا أن تكون له عروض تفي بالدين يجعل الدين فيها هو ما استدانه في غير ~~ما بيده من مال الزكاة. # PageV01P280 # وقسم لا يسقط الزكاة إن لم تمر به سنة من يوم استدانه، كانت له عروض أو ~~لم تكن. ويسقطها إن مرت به سنة من يوم استدانه إلا أن تكون له عروض يجعله ~~فيها، وهو ما استدانه فيما بيده من مال الزكاة، كان الدين من سلف أو مبايعة ~~فكونه من سلف هو ms0226 مثل أن تكون له عشرة دنانير فيتسلف عشرة أخرى ويتجر ~~بالعشرين حولا، فهذا يزكي العشرين إن كانت له عروض تفي بالعشرة التي عليه ~~دينا من السلف، فإن بقيت العشرة التي بيده عشرة أشهر فتسلف عشرة أخرى فتجر ~~في العشرين إلى تمام الحول لم تجب عليه زكاتها وإن كان له من العروض ما يفي ~~بالعشرة التي عليه من السلف حتى يحول الحول عليه من يوم تسلفها. وكونه من ~~مبايعة هو مثل أن تكون له عشرة دنانير فيأخذ عشرة دنانير سلما في سلعة ~~فيتجر في العشرين حولا فإنه يزكي العشرين إن كانت له عروض تفي بالعشرة التي ~~عليه من السلم. ولو بقيت العشرة التي له بيده عشرة أشهر فأخذ عشرة دنانير ~~سلما في سلعة فيتجر في العشرين إلى تمام الحول لم تجب عليه زكاتها وإن كان ~~له من العروض ما يفي بالدين الذي عليه من السلم حتى يحول الحول من يوم أخذ ~~العشرة دنانير في السلم. وأشهب يساوي بين دين الزكاة وغير الزكاة. فالدين ~~ينقسم في هذا عنده على قسمين. وقد قيل إن الدين يسقط الزكاة زكاة العين على ~~كل حال وفي كل دين، وإن كانت له عروض لم يجعله فيها على ظاهر حديث عثمان بن ~~عفان المذكور، إذ لم يفرق فيه بين دين الزكاة من غيره ولا شرط عدمه للعروض ~~وبالله التوفيق. # فصل ولا يشترط في ذلك البلوغ والعقل بخلاف الصلاة. والدليل على ذلك قول ~~الله عز وجل: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} [التوبة: 103] ~~والطهرة والتزكية تصح دونهما، فكانت الآية عامة في الصغير والكبير والعاقل ~~والمجنون. وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «إن الله أمره أن يأخذ الزكاة ~~من الأغنياء ويردها على الفقراء» عام في كل غني من صغير وكبير وعاقل ~~ومجنون، فوجب أن يحمل على عمومه، إذ لم يأت ما # PageV01P281 # يخص من ذلك الصغير والمجنون. ولا حجة للمخالف في ذلك في قوله تعالى: ~~{وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} [البقرة: 43] لأن الله إنما جمع بينهما في ~~الوجوب جملة لا في ms0227 أن الزكاة لا تجب إلا على من تجب عليه الصلاة. فكما تجب ~~الصلاة على العبد ولا تجب عليه الزكاة عندهم، وتجب الزكاة على الحائض عند ~~الجميع ولا تجب عليها الصلاة، فكذلك تجب الزكاة على الصبي والمجنون عندنا ~~وإن لم تجب عليهما الصلاة، وهذا بين. ### || فصل في معرفة قدر النصاب في الأموال التي تجب فيها الزكاة # فصل في معرفة قدر النصاب من الأموال التي تجب فيها الزكاة # والنصاب من الذهب عشرون مثقالا، فإن نقصت عن ذلك نقصانا بينا تتفق عليه ~~الموازين لم تجب فيها الزكاة إلا أن تجوز بجواز الوازنة إذا كانت جارية ~~عددا. والنصاب من الورق خمس أواق كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-. والأوقية أربعون درهما بالوزن القديم، وهو المعروف بالكيل. فالخمس ~~الأواقي مائتا درهم كيلا، وذلك بوزن زماننا مائتا درهم وثمانون درهما، لأن ~~ورقنا دخل أربعين ومائة في مائة كيلا وذلك خمسة وثلاثون دينارا دراهم. فإن ~~نقصت عن ذلك نقصانا بينا تتفق عليه الموازين لم تجب فيها الزكاة إلا أن ~~تجري عددا وتجوز بجواز الوازنة فتجب فيها الزكاة. وقيل إن الزكاة لا تجب ~~إذا كان النقصان كثيرا. وأما إن لم تجز بجواز الوازنة فلا تجب فيها الزكاة ~~قل النقصان أو كثر. وقيل إن الزكاة تجب فيها إذا كان النقصان يسيرا وإن لم ~~تجز بجواز الوازنة. وذهب ابن لبابة إلى أن الزكاة لا تجب فيها إذا كان ~~النقصان يسيرا وإن جازت بجواز الوازنة. ووجه قوله أنه إذا كان كل درهم منها ~~ينقص نقصانا يسيرا لا تتفق عليه الموازين فهو في جملتها كثير تتفق عليه ~~الموازين. # فيتحصل في الدراهم الناقصة الجارية عددا إذا كانت تجوز بجواز الوازنة ~~ثلاثة أقوال: أحدها أنه لا تجب فيها الزكاة. والثاني أنه تجب فيها الزكاة. ~~والثالث الفرق بين أن يكون النقصان يسيرا لا تتفق عليه الموازين، أو كثيرا ~~تتفق عليه # PageV01P282 # الموازين. وذهب ابن حبيب إلى أن الزكاة تجب في مائتي درهم عندنا بوزن ~~زماننا وقال إنما يزكي أهل كل بلد بوزنهم الجاري عندهم ms0228 وإن كان أقل من ~~الكيل، وهو بعيد. # فصل واختلف إذا كانت الدراهم أو الذهب مشوبين بنحاس فقيل إن الزكاة لا ~~تجب إلا في النصاب من الذهب أو الورق الخالص. وقيل إذا كان الذهب أو الفضة ~~الأكثر فالحكم لهما والنحاس ملغى والزكاة واجبة فيهما، والأول أصح إن شاء ~~الله تعالى. # والنصاب من الإبل خمس ذود، ومن الغنم أربعون شاة، ومن البقر ثلاثون بقرة. # ومن الطعام المدخر الذي تجب فيه الزكاة خمسة أوسق كما قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -. والوسق ستون صاعا بصاع النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-. والصاع أربعة أمداد بمده - صلى الله عليه وسلم -. والمد زنة رطل وثلث، ~~قيل بالماء، وقيل بالوسط من القمح، وهو هذا المد الجاري عندنا. فمدنا مد ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكيلنا صاعه - صلى الله عليه وسلم -، ~~وقفيزنا اثنا عشر صاعا. فالوسق بكيلنا خمسة أقفزة، والنصاب خمسة وعشرون ~~قفيزا. [وقال ابن حبيب إن النصاب بالكيل القرطبي ثلاثون قفيزا] على أن في ~~كل قفيز عشرة آصع، وهي أربعون مدا بمد النبي - صلى الله عليه وسلم -. فيأتي ~~على هذا في كيلنا ثلاثة أمداد وثلث مد بمد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~ويكون الصاع بمدنا خمسة أمداد إلا خمس مد. والوسق ستة أقفزة. هذا قوله في ~~كتاب الزكاة. وقال في كتاب النكاح في باب نفقة الزوجات إن القفيز القرطبي ~~أربعة وأربعون مدا، فيأتي النصاب على هذا سبعة وعشرين قفيزا وثلاثة أجزاء ~~من أحد عشر من القفيز. ويأتي في الكيل بمد النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ثلاثة أمداد وثلثا مد، وفي القفيز أحد عشر صاعا، ويكون الصاع بمدنا أربعة ~~أمداد وأربعة أجزاء من أحد عشر جزءا من المد، والوسق بكيلنا خمسة أقفزة ~~وخمسة أجزاء من أحد عشر من القفيز. # PageV01P283 # وقد قيل إن في القفيز القرطبي اثنين وأربعين مدا بمد النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -. فالنصاب على هذا الحساب ثمانية وعشرون قفيزا وأربعة أسباع ~~قفيز. وذلك أن يكون في كيلنا بمد النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أمداد ms0229 ~~ونصف، وفي قفيزنا من صاعه عشرة آصع ونصف، ويكون الصاع على هذا بمدنا أربعة ~~أمداد وأربعة أسباع مد، والوسق خمسة أقفزة وخمسة أسباع قفيز، ووزن الخمسة ~~الأوسق ثلاثة وخمسون ربعا وثلث ربع، كل ربع منها من ثلاثين رطلا. وما قدمته ~~أولى من أن النصاب خمسة وعشرون قفيزا بالكيل القرطبي، وهو أولى الأقاويل ~~عندي وأحوط في الزكاة. ### || فصل في افتراق حكم الأموال في الزكاة # والأموال في الزكاة تنقسم على ثلاثة أقسام: # قسم الأغلب فيه إنما يراد لطلب الفضل والنماء فيه لا للاقتناء، وهو العين ~~من الذهب والورق وأتبارهما، والمواشي، وآنية الذهب والفضة وكل ما لا يجوز ~~اتخاذه منها. فهذا تجب فيه الزكاة، اشتراه أو ورثه أو تصدق به عليه، نوى به ~~التجارة أو القنية أو ما نوى. # وقسم ثان الأغلب منه إنما يراد للاقتناء، لا لطلب الفضل والنماء، وهي ~~العروض كلها: الدور والأرضون والثياب والطعام والحيوان الذي لا تجب في ~~رقابه الزكاة، فهذا يفرق فيه بين الشراء والفائدة، فما أفاده من ذلك بهبة ~~أو ميراث أو بما أشبه ذلك من وجوه الفوائد فلا زكاة عليه فيه نوى به ~~التجارة أو القنية حتى يبيعه ويستقبل بثمنه حولا من يوم باعه وما اشترى من ~~ذلك فهو على ما نوى فيه، إن أراد به القنية فلا زكاة عليه فيه حتى يبيعه ~~ويستقبل بثمنه حولا من يوم باعه، وإن أراد به التجارة أكان للتجارة وزكاه ~~على سنة التجارة،. واختلف ابن القاسم وأشهب إذا اشتراه للتجارة ثم نوى به ~~القنية هل يرجع إلى حكمها بالنية أم لا، فقال ابن القاسم يرجع إلى القنية ~~ويستقبل بثمنه حولا من يوم باعه وقبض ثمنه إن باعه ورواه عن مالك. وقال ~~أشهب لا يرجع إلى القنية بالنية، وهو على ما اشتراه عليه # PageV01P284 # من نية التجارة. فإن باعه زكاه ساعة باعه وقبض ثمنه إن كان الحول قد حال ~~على أصل الثمن ورواه عن مالك. ولم يختلفا أنه إذا اشتراه للقنية أو أفاده ~~بميراث أو غيره ثم نوى به التجارة أنه لا ms0230 ينتقل إليها بالنية. واختلفا أيضا ~~إذا اشتراه للوجهين جميعا، فغلب ابن القاسم القنية على أصله فيما اشتراه ~~للتجارة أنه يرجع إلى القنية بالنية لأنها الأصل، وغلب أشهب التجارة على ~~أصله أن القنية والتجارة أصلان لا يرجع أحدهما إلى صاحبه بالنية، فلما ~~اجتمعا كان الحكم للذي أوجب الزكاة احتياطا، كالبينتين إذا أثبتت إحداهما ~~الحكم ونفته الأخرى، وكقول مالك فيمن له أهل بمكة وأهل ببعض الآفاق إنه ~~متمتع. # وقسم ثالث يراد للوجهين جميعا للاقتناء وطلب النماء، وهو حلي الذهب ~~والفضة، فهذا لا يفرق فيه بين الفائدة والشراء، وهو في الوجهين معا على ما ~~نوى، إن أراد به التجارة زكاه، وإن أراد به الاقتناء ليلبسه أهله وجواريه ~~أو هي إن كانت امرأة فلا زكاة عليها فيه. واختلف فيما يتخذ منه للكراء هل ~~يخرج بذلك عن حكم الاقتناء وتجب فيه الزكاة أم لا على قولين. ### || فصل في افتراق حكم التجارة في الزكاة # والتاجر ينقسم على قسمين: مدير، وغير مدير. فالمدير هو الذي يكثر بيعه ~~وشراؤه ولا يقدر أن يضبط أحواله، فهذا يجعل لنفسه شهرا من السنة يقوم فيه ~~ما عنده من العروض ويحصي ما له من الديون التي يرتجى قبضها فيزكي ذلك مع ما ~~عنده من الناض. وأما غير المدير وهو المحتكر الذي يشتري السلع ويتربص بها ~~النفاق فهذا لا زكاة عليه فيما اشترى من السلع حتى يبيعها وإن أقامت عنده ~~أحوالا. ### || فصل في بيان ما يضم بعضه إلى بعض في الزكاة # ولا يضم في الزكاة صنف إلى صنف، ويضم الصنف كله بعضه إلى بعض وإن اختلفت ~~أجناسه وأسماؤه وصفاته. فالإبل كلها صنف واحد وإن اختلفت أسماؤها وصفاتها ~~تجمع في الزكاة، وكذلك الضأن والمعز صنف واحد يجمعان في # PageV01P285 # الزكاة وإن اختلفت أسماؤهما وصفاتهما. وكذلك البقر والجواميس صنف واحد ~~يجمعان في الزكاة وإن اختلفت أسماؤهما وصفاتهما. وكذلك القمح والشعير ~~والسلت صنف واحد تجمع في الزكاة وإن اختلفت أسماؤها وصفاتها وأجناسها، ~~واختلف في العلس، فقيل هو صنف على حدة، وقيل يجمع مع القمح والشعير والسلت. ~~والقطاني ms0231 كلها صنف واحد تجمع في الزكاة وإن اختلفت أسماؤها وصفاتها، كان ~~رفعه لها وإصابته إياها في بلد واحد أو بلدان شتى متباينة، وحصاده لها في ~~وقت واحد أو في أوقات شتى متباعدة إذا كان زريعته لآخر ما زرع منها قبل ~~حصاده لأول ما زرع منها. وأما ما زرع من أنواع القطنية بعد حصاد غيرها ~~ووجوب الزكاة فيها فلا يجمعها معها، كان زرعه لها في تلك الأرض التي حصد ~~منها الأولى أو في غيرها، لأن ما زرع بعد حصاد الأولى في تلك الأرض أو في ~~غيرها كأنه إنما زرعه في سنة أخرى، ولا يضم زرع عام إلى عام آخر. # وبيان هذا الذي وصفناه أنه لو زرع ثلاثة أنواع من القطنية في ثلاثة أشهر ~~في كل شهر صنفا، فزرع، في المحرم الصنف الواحد، ثم في ربيع الأول الصنف ~~الثاني، ثم في جمادى الأولى الصنف الثالث، ثم حصدها كلها بعد جمادى الأولى ~~فإنه يضم بعضها إلى بعض، فإن كمل له من جميعها النصاب وجبت فيها الصدقة ~~وأخرج من كل صنف بحسابه. ولو زرع الثاني قبل حصاد الأول ثم زرع الثالث بعد ~~حصاد الأول وقبل حصاد الثاني لجمع الثاني مع الأول ومع الثالث ولم يجمع ~~الأول مع الثالث. فإن رفع من الأول ثلاثة أوسق ثم رفع من الثاني وسقين ~~فأكثر زكى الجميع إن كانت الثلاثة الأوسق باقية عنده على مذهب ابن القاسم. ~~وأما على مذهب أشهب في الفائدتين يحول حول الأولى منهما وهي عشرة دنانير ~~فينفقها بعد الحول ثم يحول حول الفائدة الثانية وهي عشرة أنه يزكي العشرتين ~~جميعا، فيزكي الوسقين عند حصادهما وإن كان قد أنفق الثلاثة الأوسق. ثم إن ~~رفع من الثالث ثلاثة أوسق وقد كان رفع من الثاني وسقين فأخرج زكاتهما مع ~~الأول فلا زكاة عليه في الثلاثة الأوسق على مذهب ابن القاسم، إذ لا يبلغ مع ~~ما بقي من الوسقين بعد # PageV01P286 # إخراج الزكاة منهما ما تجب فيه الزكاة، ويزكي الثلاثة الأوسق على مذهب ~~أشهب في الفائدتين. ولو زرع الصنف الثاني ms0232 قبل حصاد الأول ثم زرع الصنف ~~الثالث بعد حصاد الثاني وقبل حصاد الأول، إذ من القطاني ما يتعجل ومنها ما ~~يتأخر، لجمع الأول مع الثاني ومع الثالث، ولم يجمع الثاني مع الثالث على ~~هذا القياس. فإن رفع من الثاني ثلاثة أوسق انتظر حتى يحصد الأول، فإن حصد ~~الأول فكان فيه وسقان فأكثر والثلاثة الأوسق باقية بيده لم ينفقها على مذهب ~~ابن القاسم زكى الثلاثة الأوسق مع هذين الوسقين. ثم إن حصد الثالث فبلغ مع ~~ما بقي بيده من الوسقين اللذين حصدهما من الأول بعد إخراج الزكاة منهما ما ~~تجب فيه الزكاة زكى ما حصد من الثالث خاصة، ولم يزك ما كان بقي بيده من ~~الوسقين لأنه قد زكاهما مع ما حصد من الثاني. وأما على مذهب أشهب فيزكي ما ~~حصد من الثالث إن بلغ ثلاثة أوسق فأكثر، كان الوسقان بيده أو قد أنفقهما ~~على ما تقدم. # فصل وعلى قياس هذا يجري الأمر في زكاة المعادن، لا يضيف ما خرج من المعدن ~~بعد انقطاع نيله إلى ما كان خرج منه قبل ذلك، كما لا يضيف ما أخرجت الأرض ~~من الحب إلى ما كان خرج منها قبل ذلك. وكذلك لا يضيف ما خرج له من معدن إلى ~~ما خرج له من معدن غيره إذا كان خروجه بعد انقطاع الأول، وإنما يضيفه إليه ~~إذا خرج قبل انقطاع الأول، كما لا يضيف زرع أرض إلى زرع أرض أخرى إذا زرع ~~إحداهما بعد حصاد زرع الأخرى، وإنما يضيفه إليه إذا زرعه قبل حصاد زرع ~~الأرض الأخرى. # فصل فإذا كانت للرجل معادن فعمل في أحدها فأنال له، ثم عمل في الثاني ~~فأنال له قبل انقطاع الأول، ثم عمل في الثالث فأنال له قبل انقطاع الأول ~~والثاني، أضاف بعضها إلى بعض وإن كثرت على هذا المثال والترتيب. ولو عمل في ~~الأول فأنال له ثم عمل في الثاني فأنال له قبل انقطاع الأول فتمادى النيل ~~فيهما جميعا، # PageV01P287 # ثم انقطع نيل الأول وبقي الثاني على حاله فعمل في المعدن ms0233 الثالث فأنال له ~~قبل انقطاع الثاني لأضاف ما خرج له من الثاني إلى ما خرج له من الأول وإلى ~~ما خرج له من الثالث، ولم يضف ما خرج له من الأول إلى ما خرج له من الثالث. ~~ولو عمل في الأول فأنال له فاتصل نيله ثم عمل في معدن ثان فأنال له مدة ثم ~~انقطع نيله ثم عاد، أو لما انقطع نيله عمل في معدن ثالث فأنال له والأول ~~على حاله متصل النيل، لأضاف ما خرج له من المعدن الأول الذي اتصل نيله إلى ~~ما خرج له من المعدن الثاني قبل انقطاعه وبعدا انقطاعه، أو إلى ما خرج له ~~من المعدن الثالث، ولا يضيف ما خرج له من المعدن الثاني قبل انقطاعه إلى ما ~~خرج له منه بعد انقطاعه، ولا ما خرج له من الثاني إلى ما خرج له من المعدن ~~الثالث بعد انقطاع الثاني. وهذا كله قول محمد بن مسلمة، وهو عندي تفسير لما ~~في المدونة، لأن المعادن بمنزلة الأرض، فكما يضيف زرع أرض إلى أرض له أخرى ~~إذا زرعها قبل حصاد الأخرى فكذلك يضيف نيل معدن إلى نيل معدن آخر إذا أنال ~~له قبل انقطاع الأول، خلاف ما ذهب إليه سحنون من أن المعادن لا يضاف بعضها ~~إلى بعض وإن اتصل نيلها ولم ينقطع وبالله التوفيق. # فصل والذهب والفضة كلها صنف واحد تبرها ومسكوكها ومصوغها تجمع في الزكاة ~~على ما كانت عليه الدراهم في الزمن الأول، كل دينار بعشرة دراهم، لا ~~بالقيمة يوم إخراج الزكاة، إلا ما كان من الذهب والفضة حليا مصوغا يحبس ~~للبس أو حلي به سيف أو مصحف أو خاتم فإنه لا زكاة فيه. # فصل فالأموال التي تجمع في الزكاة إذا تقاربت منافعها فتجعل صنفا واحدا ~~وإن اختلفت أسماؤها وأجناسها وأنواعها وجودتها ورداءتها تنقسم على ثلاثة ~~أقسام: مكيل، وموزون، ومعدود. # فأما المكيل فهو مثل القمح والشعير والسلت الذي هو صنف واحد، أو # PageV01P288 # القمح والشعير والسلت والعلس على القول بأن العلس مضاف إلى ذلك، ومثل ~~القطاني ms0234 التي هي في الزكاة صنف واحد على اختلافها، ومثل الحائط من النخل ~~يكون فيه أنواع من التمر مختلف، فالحكم فيه أن يؤخذ من كل شيء منه قل أو ~~كثر ما يجب فيه عشره أو نصف عشره، إلا أن تكثر أنواع الحائط من النخل فيؤخذ ~~من وسطها ما يجب فيها كلها، إذ لا يلزمه أن يعطي من أرفعها ولا يجزئه أن ~~يعطي من أوضعها، لقول الله عز وجل: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} ~~[البقرة: 267] . وقد قيل إنه يؤخذ من وسطها وإن كان الحائط جيدا كله أو ~~رديئا كله قياسا على المواشي، ‍‍! وهو ظاهر قول مالك في الموطأ، إلا أنه ~~بعيد وشاذ. # فصل فإن أراد أن يخرج من صنف عن صنف آخر ما وجب عليه منه بالكيل جاز من ~~الأرفع ولم يجز من الأدنى. وإن أراد أن يخرجه بالقيمة لم يجز فيما لا يجوز ~~فيه التفاضل وجاز فيما يجوز فيه التفاضل، وهو القطاني على القول بأنها في ~~البيع أصناف مختلفة، وعلى القول أيضا بأن من وجب عليه حب فأخرج عينا أو ~~عرضا فإنه يجزئه. # وأما الموزون فهو العين من الذهب والورق الجيد والرديء، فالحكم فيه أيضا ~~أن يخرج من الذهب ربع عشره ومن الورق ربع عشره، ومن الجيد ربع عشره ومن ~~الرديء ربع عشره. ويجوز أن يخرج عن الذهب ورقا قيل بالقيمة بالغة ما بلغت، ~~وهو مذهبه في المدونة، وقيل ما لم ينقص عن صرف عشرة دراهم، وهو قول ابن ~~حبيب. وقيل إنه يخرج من صرف عشرة دراهم بدينار. وكذلك يجوز له أن يخرج عن ~~الورق ذهبا، وقيل إنه لا يجوز إلا أن يكون في ذلك وجه نظر، مثل المديان ~~يكون عليه دينار وما أشبه ذلك. # وأما المعدود وهو الغنم الضأن والمعز، والإبل البخت والعراب، والبقر ~~والجواميس وغير الجواميس، فلا يصح إذا جمع شيء من ذلك في الزكاة أن يأخذ # PageV01P289 # من كل جنس ما يجب فيه، إذ لا تتبعض الأسنان الواجبة فيها، فقد يؤخذ من ~~ذلك ما يجب في الجنسين جميعا من ms0235 الصنف الواحد، وقد يؤخذ منهما جميعا باتفاق ~~وعلى اختلاف. وبيان ما يتفق فيه من ذلك مما يختلف فيه يفتقر إلى بسط وتفسير ~~وتقسيم. أما إذا وجب في الصنفين من الضأن والمعز شاة واحدة فإنها تؤخذ من ~~أكثرهما، فإن استويا في العدد كان الساعي مخيرا يأخذ من أي الصنفين لثمار، ~~ولا اختلاف في هذا الوجه. وأما إذا وجب في الصنفين شاتان أو شياه فإن ذلك ~~ينقسم على وجهين كل وجه منهما ينقسم على وجهين فالوجه الأول أن تكون ~~الشاتان أو الشياه إنما تجب في أحد الصنفين، والصنف الثاني وقص لا يبلغ ما ~~تجب فيه الزكاة، أو يبلغ ما تجب فيه الزكاة. والوجه الثاني أن تكون الشاتان ~~أو الشياه إنما تجب في الصنفين جميعا بأن لا يكون أحدهما وقصا للآخر ويبلغ ~~كل صنف منهما ما تجب فيه الزكاة أو يبلغ ذلك أحدهما ولا يبلغه الآخر. # فأما الوجه الأول وهو إذا كانت الشاتان أو الشياه تجب في أحد الصنفين ~~والصنف الثاني وقص لا تجب فيه الزكاة، فمثاله أن تكون الضأن مائة وإحدى ~~وعشرين والمعز ثلاثين فهذا لا يؤخذ فيه من المعز شيء باتفاق، وإنما يؤخذ ~~الجميع من الضأن شاتان، وكذلك لو كانت الضأن مائتي شاة وشاة والمعز ثلاثين ~~لأخذ الجميع من الضأن ثلاث شياه. فإن كان الصنف الثاني وقصا يجب في عدده ~~الزكاة مثل أن يكون الضأن مائة وإحدى وعشرين والمعز أربعين فاختلف في ذلك، ~~فقيل تؤخذ الشاتان من الضأن ولا يؤخذ من المعز شيء لأنها وقص، وهذا على ~~قياس قول ابن القاسم في المدونة إن في ثلثمائة ضائنة وتسعين معزة ثلاث شياه ~~من الضأن ولا شيء في المعز. وعلى هذا التعليل لا يعتبر ما بقي من الضأن بعد ~~ما تجب فيه الشاة الواحدة هل هو أقل من المعز أو أكثر. وقيل يعتبر ذلك ~~فتؤخذ الشاة الواحدة من الضأن والأخرى من المعز، لأن في مائة وعشرين من ~~الضأن شاة فيبقى منها شاة، والمعز أربعون فتؤخذ الثانية من المعز لأنها ~~أكثر. وفي المدونة ما ms0236 ظاهره هذا القول، وهو قوله فيها فانظر فإذا كان للرجل ~~ضأن ومعز فإن كان في كل واحدة إذا فرقت ما تجب فيه الزكاة أخذ من كل واحدة، ~~لأنه عم ولم يذكر وقصا من غيره. ويحتمل أن يكون معناه إذا لم يكن الأقل ~~وقصا للأكثر فلا يكون ذلك اضطرابا من # PageV01P290 # قوله. وهذا على مذهب من يعلل بأن الأوقاص مزكاة. وأما على مذهب من يقول ~~إن الأوقاص غير مزكاة فيقول في هذه المسألة إن الشاتين تؤخذان من الضأن وإن ~~لم تكن عليه في ذلك أن المعز وقص، لأن الشاة من الضأن إنما أخذت عن أربعين ~~منها، والأحد والثمانون الباقية منها لم يؤخذ عنها شيء، وهي أكثر من المعز، ~~فتؤخذ الثانية منها أيضا على هذا التعليل. # وكذلك لو كانت الضأن مائتي شاة وشاة أو ثلثمائة شاة والمعز أربعين ~~الاختلاف في ذلك واحد فاعلمه. وهذا أصل فقس عليه ما شاكل هذين الوجهين من ~~المسائل. # فصل وأما الوجه الثاني وهو أن تكون الشاتان أو الشياه إنما تجب في ~~الصنفين جميعا بأن لا يكون أحدهما وقصا مع صاحبه ويبلغ كل صنف منهما ما تجب ~~فيه الزكاة، فمثاله أن تكون الضأن مائة وعشرين والمعز أربعين، فاضطرب قول ~~ابن القاسم فيه في المدونة، فقال في هذه المسألة إن في الضأن شاة وفي المعز ~~أخرى، وقال فيمن له ثلثمائة وستون من الضأن وأربعون من المعز إن الأربع ~~شياه تؤخذ من الضأن هو خلاف جوابه في المسألة الأولى. واختلاف قوله في ذلك ~~جار على الاختلاف في الأوقاص هل هي مزكاة أم لا، فجعل الأوقاص على جوابه في ~~المسألة الأولى مزكاة فقال إن الشاة من الضأن أخذت عن جملة المائة والعشرين ~~فوجب أن تؤخذ الثانية من المعز. وجعلها في المسألة الثانية غير مزكاة فقال: ~~إن الثلاث شياه إنما أخذت عن الثلاثمائة من الضأن فيبقى منها ستون وهي أكثر ~~من المعز فأخذت الرابعة منها. وكان يلزمه على هذا الجواب أن يقول في ~~المسألة الأولى إن الشاة إنما أخذت عن أربعين من الضأن ms0237 وبقي منها ثمانون لم ~~يؤخذ عنها شيء وهي أكثر من المعز فتؤخذ الثانية منها إذ هي أكثر، وهو مذهب ~~سحنون في هذه المسألة أن الشاتين تؤخذان من الضأن على هذا التعليل. وهذا ~~أصل فقس عليه ما يرد عليك من هذا الباب. ويحتمل أن يكون ذهب إلى أن ما زاد ~~على الأربعين إلى العشرين ومائة ليس بوقص غير مزكى بل هو مزكى بالشاة بدليل ~~قول # PageV01P291 # النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن في سائمة الغنم إذا بلغت أربعين إلى ~~عشرين ومائة شاة» ، وإلى أن الوقص الذي ليس بمزكى إنما هو ما زاد على ~~الثلثمائة إلى أن يبلغ مائة بدليل قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فما ~~زاد ففي كل مائة شاة» .، لأنه نص على الشاة في المائة وسكت عما نقص عنها، ~~فلا يكون على هذا قوله في هاتين المسألتين اضطرابا من قوله، ويكون أصله ~~الذي بنى عليه مسائله ولم يضطرب فيه قوله أنه إذا كان أحد الصنفين أقل من ~~نصاب أو وقصا فيما زاد على المئين في الثلثمائة فما فوقها فلا يؤخذ منه ~~شيء، وإذا لم يكن أحدهما أقل من نصاب ولا وقصا مع صاحبه أخذ منهما جميعا في ~~المائتين فما دونهما من كل أربعين من الضأن شاة ومن كل أربعين من المعز ~~معزة، وفيما فوق المائتين من كل مائة من الضأن شاة ومن كل مائة من المعز ~~معزة، وما فضل من الصنفين جميعا فلم تجب فيه إلا شاة واحدة أخذت من ~~أكثرهما. وأما إن كان أحد الصنفين في هذا الوجه لا يبلغ ما تجب فيه الزكاة ~~مثل أن تكون الضأن مائة وعشرين والمعز ثلاثين، فاختلف فيه أيضا. قال ابن ~~القاسم في المدونة: يأخذ الشاتين من الضأن، وهو الذي يأتي على قول سحنون في ~~مائة وعشرين من الضأن وأربعين من المعز إن الشاتين تؤخذان من الضأن، وجعل ~~سحنون تفرقة ابن القاسم بين أن تكون المعز ثلاثين أو أربعين اضطرابا من ~~قوله، فقال مسألة الجواميس تدل على أحسن من هذا، يريد أن الواجب ms0238 على أصل ~~ابن القاسم في مسألة الجواميس أن يأخذ المعزة من الثلاثين من المعز وإن ~~كانت الزكاة لا تجب فيها بانفرادها، كما يأخذ التبيع في مسألة الجواميس من ~~العشرين من البقر وإن كانت الزكاة لا تجب فيها بانفرادها. وليس قوله بصحيح، ~~لأن المعنى في هذه المسألة الذي من أجله وقع الخلاف فيها أن الشاة تؤخذ عن ~~الأربعين وتؤخذ أيضا عن جميع المائة والعشرين، فوقع الخلاف فيها لذلك. وأما ~~مسألة الجواميس فصحيحة لا يدخل الاختلاف فيها، لأن التبيع من الجواميس إنما ~~أخذ عن ثلاثين منها وبقيت عشرة منها غير مزكاة باتفاق، فوجب أن يؤخذ التبيع ~~الثاني من البقر الأخرى التي هي أكثر. وقد روي عن سحنون في # PageV01P292 # مسألة الجواميس المذكورة، وهي أربعون من الجواميس وعشرون من البقر، أنه ~~يأخذ التبيعين من الجواميس، وهو بعيد وما له وجه حاشا أنه قسم الجواميس ~~والبقر قسمين، فكان كل قسم عشرين جاموسا وعشرة من البقر فأخذ التبيع من ~~الأكثر. ويلزم على هذا في اثنين وستين ضائنة وستين معزة أن تؤخذ الشاتان من ~~الضأن. فما أبعد هذا في الاعتبار وعلى هذه الوجوه التي شرحت لك في الضأن ~~والمعز فقس الجواميس مع البقر والبخت مع الإبل العراب فإنها منهاج لها ~~ودليل عليها، وبالله التوفيق. # فصل وإذا زادت الغنم على ثلثمائة فالوقص عند ابن القاسم ما زاد على ~~الثلاثمائة إلى أن تبلغ أربعمائة، فإذا بلغت أربعمائة فالوقص فيها ما زاد ~~عليها إلى أن تبلغ خمسمائة، فإذا بلغت خمسمائة فالوقص فيها ما زاد عليها ~~إلى أن تبلغ ستمائة، وكذلك ما زاد على هذا الحساب، لما جاء في الحديث من ~~قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فما زاد ففي كل مائة شاة» . ألا ترى إنه ~~يقول في ثلاثمائة ضائنة وخمسين ضائنة، وخمسين معزة إنه يأخذ منها ثلاث ~~ضائنات ويكون مخيرا في الرابعة إن شاء أخذها من الضأن وإن شاء أخذها من ~~المعز، فبنى جوابه على أن الوقص غير مزكى وجعله من الضأن ما زاد على ~~الثلثمائة فاعتدلت الضأن والمعز فخير الساعي. ms0239 ولو جعل الوقص في الغنم ما ~~زاد على مائتي شاة وشاة على الأصل لأخذ الأربعة من الضأن. ولو بنى جوابه ~~على أن الأوقاص مزكاة لقال إنه يأخذ الرابعة من المعز دون أن يخير في ذلك ~~الساعي. وقد كان القياس في هذه المسائل كلها أن يعرف ما يجب في مجموع ~~الصنفين من عدد الرؤوس وما يقع من ذلك لكل صنف على عددها قل أو كثر فيؤخذ ~~الرأس المنكسر من الصنف الذي وقع له أكثره، فإن استويا فيه أخذه من أيهما ~~شاء. مثال ذلك أن تكون الضأن مائة وعشرين والمعز أربعين فالواجب في ذلك ~~شاتان يقع من ذلك للضأن شاة ونصف وللمعز نصف شاة فيأخذ الواحدة من الضأن ~~ويكون مخيرا في الأخرى يأخذها من أي الصنفين شاء. ولو كانت المعز أكثر فوقع # PageV01P293 # لها من الشاتين أكثر من نصف شاة أخذت الشاة الواحدة منها. ولو كانت المعز ~~أقل فوقع لها من الشاتين أقل من نصف شاة أخذت الشاتان من الضأن ولم يؤخذ من ~~المعز شيء، والله سبحانه وتعالى أعلم وبالله التوفيق. ### || فصل في زكاة الحلي # أجمع أهل العلم على أن العين من الذهب والورق في عينه الزكاة تبرا كان أو ~~مسكوكا أو مصوغا صياغة لا يجوز اتخاذها، نوى به مالكه التجارة أو القنية. ~~واختلف إذا صيغ صياغة يجوز اتخاذها. فالذي ذهب إليه مالك - رحمه الله تعالى ~~- أنه في الاشتراء والفائدة على ما نوى به مالكه، فإن نوى به التجارة زكاه، ~~وإن نوى به الاقتناء للانتفاع بعينه فيما ينتفع فيه بمثله سقطت عنه الزكاة. ~~وتخصص من أصله بالقياس على العروض المقتناة التي نص رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عن سقوط الزكاة فيها بقوله - عليه الصلاة والسلام -: «ليس على ~~المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة» واعتبر في صحة العلة الجامعة بينهما بقول ~~الله عز وجل: {أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين} [الزخرف: 18] ~~فإن نوى به القنية عدة للزمان أولم تكن له نية في اقتنائه رجع على الأصل ~~ووجبت فيه الزكاة. ms0240 وإن اتخذه للكراء وهو ممن يصلح له الانتفاع به في وجه ~~مباح ففي ذلك روايتان: إحداهما وجوب الزكاة. والثانية سقوطها، وقد روي عنه ~~استحباب الزكاة، وذلك راجع إلى إسقاط الوجوب. # فصل فإن كان الحلي مربوطا بالحجارة كاللؤلؤ والزبرجد ربط صياغة فاختلفت ~~الرواية عن مالك في ذلك أيضا، فروى عنه أشهب أن حكمه حكم العروض في جميع ~~أحواله، كان الذهب تبعا لما معه من الحجارة أو غير تبع، يقومه التاجر ~~المدير إذا حال حوله، ولا يزكيه التاجر غير المدير حتى يبيعه وإن مرت عليه # PageV01P294 # أحوال. وإن أفاده لم تجب عليه فيه زكاة حتى يبيعه ويحول على الثمن الحول ~~من يوم باعه وقبض ثمنه إن كان ما تجب فيه الزكاة، أو كان له مال سواه إذا ~~أضافه إليه وجبت فيه الزكاة. وروى ابن القاسم عنه أن ربطه بالحجارة لا ~~تأثير له في حكم الزكاة إلا في وجه واحد اختلف فيه قوله، وهو إذا كان الذهب ~~تبعا لما معه من الحجارة، فإن ورثه وحال عليه الحول زكى ما فيه من الذهب ~~والورق تحريا ولم يكن عليه زكاة فيما فيه من الحجارة حتى يبيعه ويحول الحول ~~على ثمنه من يوم قبضه. ووجه العمل في ذلك إذا باعه جملة أن يفض الثمن على ~~قيمة ما فيه من الذهب أو الورق مصوغا وعلى قيمة الحجارة فيزكى ما ناب ~~الحجارة من ذلك إذا حال عليه الحول. وإن اشتراه للتجارة وهو مدير قوم ما ~~فيه من الحجارة وزكى وزن ما فيه من الذهب والورق تحريا ولم يجب عليه تقويم ~~الصياغة. هذا ظاهر المدونة. وذهب أبو إسحاق التونسي إلى أنه يجب عليه تقويم ~~الصياغة. وإن اشتراه للتجارة وهو غير مدير زكى إذا حال عليه الحول وزن ما ~~فيه من الذهب أو الورق تحريا، ولم يجب عليه زكاة ما فيه من الحجارة حتى ~~يبيع، فإذا باع زكى ثمن ذلك زكاة واحدة وإن كان بعد أعوام. ووجه العمل في ~~ذلك إذا باع جملة على ظاهر ما في المدونة أن يفض الثمن ms0241 على قيمة الذهب أو ~~الورق مصوغا وعلى قيمة الحجارة فيزكي ما ناب الحجارة من ذلك. وعلى ما ذهب ~~إليه أبو إسحاق التونسي لا يحتاج إلى الفض وإنما يسقط من الثمن عدد ما زكاه ~~تحريا ويزكي الباقي. والذي ذكرناه هو المشهور المعلوم من قول ابن القاسم ~~وروايته عن مالك. # ووقع في المدونة بين رواية ابن القاسم وعلي بن زياد وابن نافع وأشهب لفظ ~~فيه إشكال والتباس واختلاف في الرواية، اختلف الشيوخ في تأويله وتخريجه ~~اختلافا كثيرا. ونص الرواية: وقد روى ابن القاسم وعلي بن زياد وابن نافع ~~أيضا إذا اشترى الرجل حليا أو ورثه فحبسه للبيع كلما احتاج إليه باع أو ~~للتجارة، وروى أشهب فيمن اشترى حليا للتجارة معهم وهو مربوط بالحجارة لا ~~يستطيع نزعه فلا زكاة عليه فيه حتى يبينه. وإن كان ليس بمربوط فهو بمنزلة ~~العين يخرج زكاته في كل عام. زاد في بعض الروايات زكاه بعد قوله كلما احتاج ~~إليه باع أو لتجارة وأسقط معهم. فأما على هذه الرواية بثبوت لفظة زكاه ~~وإسقاط لفظة معهم فتستقيم # PageV01P295 # المسألة ويرتفع الالتباس، لأن رواية أشهب تكون حينئذ منفردة منقطعة عما ~~قبلها جارية على مذهبه المعلوم وروايته عنه، ويكون معنى رواية ابن القاسم ~~وعلي بن زياد وابن نافع أنه حلي ذهب وفضة لا حجارة معها. وأما على الرواية ~~الأخرى إذا سقطت لفظة زكاه وثبتت لفظة معهم فمن الشيوخ من قال إنها رواية ~~خطأ لا يستقيم الكلام بها، لأن اللفظ يدل إذا اعتبرته على خلاف الأصول من ~~وجوب الزكاة في العروض المقتناة ساعة المبيع لقوله فلا زكاة عليه حتى يبيع، ~~وهو قد جمع الشراء والميراث في حلى مربوط بالحجارة، والحجارة عروض، لا ~~اختلاف أن الزكاة لا تجب فيها إذا كانت موروثة إلا بعد أن يحول الحول على ~~ثمنها بعد قبضه. ومنهم من قال معنى ذلك أنه إذا باع وكان ذلك الحلي المربوط ~~بالحجارة من ميراث إنه يزكي ما ينوب الذهب ويستقبل بما ينوب الحجارة سنة من ~~يوم قبضه. وإن كان من شراء زكى ms0242 الجميع إذا باع مديرا كان أو غير مدير. وهذا ~~تأويل ابن لبابة، فيكون على هذا التأويل في الكتاب في الحلي المربوط ~~بالحجارة ثلاثة أقوال. ومنهم من قال معنى الرواية أن المدير يقوم مثل رواية ~~أشهب، فيكون على هذا لمالك في الكتاب قولان. ومنهم من قال معنى ذلك أن ~~المدير يقوم وأن ما تكلم عليه ابن القاسم قبل في المدير وغير المدير معناه ~~في الحلي الذي ليس بمربوط، وأن الذي تدل عليه رواية ابن القاسم عن مالك في ~~المدونة في الحلي المربوط مثل ما ذهب إليه مالك في رواية أشهب عنه، فلم ~~يجعل في الحلي المربوط اختلافا. وفي جميع التأويلات بعد، وهذا أبعدها. ~~والصحيح في تأويل الرواية المذكورة إذا سقط منها زكاه وثبت فيها معهم أن ~~جواب مالك في رواية ابن القاسم وعلي بن زياد وابن نافع عنه في قوله: وإن ~~كان ليس بمربوط فهو بمنزلة العين يخرج زكاته في كل عام، وأن جوابه في رواية ~~أشهب عنه في قوله فلا زكاة عليه فيه حتى يبيعه، وأنه انفرد دونهم في ~~الرواية عنه في الحلي المربوط، وانفردوا دونه في الرواية عنه في الحلي الذي ~~ليس بمربوط. وإنما وقع الإشكال في الرواية إذ جمعهم الراوي في # PageV01P296 # الرواية أولا ثم فصل ما انفرد به كل واحد منهم دون صاحبه، وقصر في ~~العبارة بتقديم بعض الكلام على بعض. # والصواب في سوق الكلام دون تقصير في العبارة إن شاء الله أن يقول: وقد ~~روى ابن القاسم وعلي بن زياد وابن نافع وأشهب إذا اشترى الرجل حليا أو ورثه ~~فحبسه للبيع كلما احتاج إليه باعه أو لتجارة، قال في رواية أشهب عنه فيما ~~اشتراه للتجارة وهو مربوط بالحجارة لا يستطيع نزعه فلا زكاة عليه فيه حتى ~~يبيعه. قال في رواية ابن القاسم وعلي وابن نافع: وإن كان ليس بمربوط فهو ~~بمنزلة العين زكاته في كل عام اشتراه أو ورثه. فعلى هذا التأويل إنما تكلم ~~مالك - رحمه الله تعالى - في رواية ابن القاسم وعلي وابن نافع في الحلي ms0243 ~~الذي ليس بمربوط، وهي زيادة بيان فيما رواه عنه منفردا في الحلي المربوط، ~~ولم يجتمع ابن القاسم وأشهب في الرواية عن مالك في الحلي المربوط في لفظ ~~ولا معنى. وهذا التأويل هو الذي اخترناه وعولنا عليه لصحته وجريانه على ~~المعلوم المتقرر من روايتهما جميعا المختلفة عن مالك في الحلي المربوط، ~~وإليه ذهب سحنون فيما جلبه من الروايتين والله أعلم. # ويحتمل أن يكون تأويل الرواية المذكورة بسقوط زكاه وثبوت معهم أن جواب ~~مالك في رواية أشهب معهم في قوله وإن كان ليس بمربوط فهو بمنزلة العين يخرج ~~زكاته في كل عام، وإن جوابه في رواية أشهب دونهم في الشراء خاصة في قوله ~~فلا زكاة عليه فيه حتى يبيعه، وأن مجامعهم في الرواية في الحلي الذي ليس ~~بمربوط، وانفرد دونهم في الرواية في الحلي المربوط في الشراء خاصة. ويكون ~~الصواب في سوق الكلام على هذا التأويل دون تقصير في العبارة أن يقول: وقد ~~روى ابن القاسم وعلي بن زياد وابن نافع وأشهب إذا اشترى الرجل حليا أو ورثه ~~فحبسه للبيع كلما احتاج إليه باع أو لتجارة، قال في رواية أشهب عنه دونهم ~~إذا اشتراه للتجارة وهو مربوط بالحجارة لا يستطيع نزعه فلا زكاة عليه فيه ~~حتى يبيعه. وقال في روايتهم كلهم وأشهب معهم: وإن كان ليس بمربوط بالحجارة ~~فهو # PageV01P297 # بمنزلة العين يخرج زكاته في كل عام اشتراه أو ورثه فحبسه للبيع كلما ~~احتاج إليه باع أو للتجارة. وهذا التأويل أيضا صحيح بين، وفيه زيادة بيان ~~على التأويل الذي اخترناه، وهو أن الحلي الذي ليس بمربوط لا اختلاف فيه بين ~~الرواة عن مالك، وبالله التوفيق. # PageV01P298 ### | القول في المعادن # القول في المعادن يرجع إلى ثلاثة فصول: أحدها معرفة حكم أصولها وهل هي ~~تبع للأرض التي هي فيها أم لا، والثاني معرفة وجه حكم المعاملة في العمل ~~فيها، والثالث معرفة ما يجب فيما يخرج منها من الذهب والفضة. # فصل فأما أصولها فاختلف فيها على قولين: # أحدهما: أنها ليست بتبع للأرض التي هي فيها، مملوكة كانت ms0244 أو غير مملوكة، ~~وأن الأمر فيها إلى الإمام يليها ويقطعها لمن يعمل فيها بوجه الاجتهاد حياة ~~المقطع أو مدة ما من الزمان من غير أن يملكه أصلها، ويأخذ منها الزكاة على ~~كل حال على «ما جاء عن النبي - عليه الصلاة والسلام - من أنه أقطع لبلال بن ~~الحارث المزني معادن من معادن القبلية» فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلى ~~اليوم إلا الزكاة، إلا أن تكون في أرض قوم صالحوا عليها فيكونون أحق بها ~~يعاملون فيها كيف شاءوا المسلمين على ما يجوز لهم إن شاءوا. فإن أسلموا رجع ~~أمرها إلى الإمام. هذا مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة ورواية ~~يحيى عن ابن القاسم في العتبية. # والثاني أنها تبع للأرض التي هي فيها، فإن كانت في أرض حرة أو في أرض ~~العنوة أو في الفيافي التي هي غير ممتلكة كان أمرها إلى الإمام يقطعها لمن ~~يعمل # PageV01P299 # فيها أو يعامل الناس على العمل فيها لجماعة المسلمين على ما يجوز له، ~~ويأخذ منها الزكاة على كل حال. وإن كانت في أرض متملكة فهي ملك لصاحب الأرض ~~يعمل فيها ما يعمل ذو الملك في ملكه. وإن كانت في أرض الصلح كان أهل الصلح ~~أحق بها إلا أن يسلموا فتكون لهم. هذا مذهب سحنون ومثله لمالك في كتاب ابن ~~المواز. # وجه القول الأول أن الذهب والفضة اللذين في المعادن التي هي في جوف الأرض ~~أقدم من ملك المالكين لها، فلم يجعل ذلك ملكا لهم بملك الأرض، إذ هو ظاهر ~~قول الله تعالى: {إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده} [الأعراف: 128] إذ ~~لم يقل الأرض لله يورثها وما فيها من يشاء من عباده فوجب بنحو هذا الظاهر ~~أن يكون ما في جوف الأرض من ذهب أو ورق في المعادن فيئا لجميع المسلمين ~~بمنزلة ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب. # ووجه القول الثاني أنه لما كان الذهب والفضة نابتين في الأرض كانا لصاحب ~~الأرض بمنزلة ما نبت فيها من الحشيش والشجر. والقول الأول أظهر، لأن ms0245 الحشيش ~~والشجر نابتان في الأرض بعد الملك بخلاف الذهب والورق في المعادن. # وأما وجه حكم المعاملة في العمل فيها فهو أن يكون على سبيل الإجارة ~~الصحيحة. وقد اختلف هل تجوز المعاملة فيها على الجزء منها أم لا على قولين: ~~أحدهما أن ذلك لا يجوز لأنه غرر، وهو قول أصبغ في العتبية واختيار محمد بن ~~المواز وقول أكثر أصحاب مالك. والثاني أن ذلك جائز، وهو قول ابن القاسم في ~~أصل الأسدية، واختيار الفضل بن سلمة، قال لأن المعادن لما لم يجز بيعها ~~جازت المعاملة فيها على الجزء منها قياسا على المساقاة والقراض. # فصل وأما ما يجب فيما يخرج منها فاختلف فيه اختلافا كثيرا. والذي ذهب ~~إليه # PageV01P300 # مالك - رحمه الله تعالى - وجميع أصحابه أن فيها الزكاة قياسا على الزرع ~~الذي يخرج من الأرض، لأن الذهب والفضة يخرجان منها كما يخرج الزرع منها، ~~ويعتمل كما يعتمل الزرع، فيعتبر فيه النصاب، ولا يعتبر فيه الحول كما لا ~~يعتبر في الزرع، لقول الله عز وجل: {كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم ~~حصاده} [الأنعام: 141] إلا أن توجد فيه ندرة خالصة فيكون فيها الخمس على ~~مذهبه في المدونة، وفي ذلك اختلاف. # فصل فإذا نض لصاحب المعدن من نيل المعدن وزن عشرين دينارا أو مائتي درهم ~~كيلا وجبت عليه في ذلك الزكاة، ثم ما زاد بحسابه ما اتصل النيل ولم ينقطع ~~العرق، وسواء بقي ما نض في يده إلى أن كمل النصاب أو أنفقه قبل ذلك على حكم ~~الرجل يكون له الدين قد حل عليه الحول فقبضه شيئا بعد شيء. وإن تلف ذلك من ~~يده بغير سببه فعلى الاختلاف فيما تلف مما قبض من الدين: قال ابن المواز لا ~~يضمنه، وقال ابن القاسم يضمنه. وهذا الاختلاف إنما يصح عندي إذا تلف في ~~الحد الذي لو تلف فيه المال بعد الحول لم يضمن وأما إن انقطع النيل بتمام ~~العرق ثم وجد عرقا آخر في المعدن نفسه فإنه يستأنف فيه مراعاة النصاب. وفي ~~هذا الوجه تفصيل، إذ لا ms0246 يخلو ما نض إليه من النيل الأول أن يتلف من يده قبل ~~أن يبدأ النيل الثاني أو أن يتلف من يده بعد أن بدأ النيل الثاني، أو أن ~~يبقى بيده إلى أن كمل عليه من النيل الثاني في تمام النصاب. # فصل وأما إن تلف من يده قبل أن يبدأ النيل الثاني فلا اختلاف في أنه لا ~~زكاة عليه فيما يحصل إليه من الثاني حتى يكمل عنده النصاب منه كاملا، لأنه ~~في التمثيل # PageV01P301 # كمن أفاد عشرة دنانير فحال عليها الحول ثم تلفت بعد الحول ثم أفاد بعد ~~تلفها فائدة أخرى، فلا اختلاف في أنه لا يضيفها إلى الفائدة التي تلفت قبل ~~أن يفيد هذه. وأما إن تلفت من يده بعد أن بدأ النيل الثاني وقبل أن يكمل ~~عنده بما كان تلف من الأول النصاب فيتخرج ذلك على قولين: أحدهما أن عليه ~~الزكاة إذا كمل له النصاب بما نض له من الثاني إلى ما كان تلف من الأول. ~~والثاني أنه لا زكاة عليه لأنه في التمثيل كمن أفاد عشرة دنانير ثم أفاد ~~بعد ستة أشهر عشرة دنانير أخرى فحال الحول على العشرة الثانية وقد تلفت ~~العشرة الأولى بعد حلول الحول عليها، فتجب عليه الزكاة عند أشهب، ولا تجب ~~عليه عند ابن القاسم. # فصل ومن كانت له معادن فانقطع نيل أحدها ثم بدأ النيل في الآخر فالحكم في ~~ذلك حكم المعدن الواحد ينقطع نيله ثم يعود بعد ذلك في أنه لا يضاف إليه. ~~واختلف إذا بدأ الثاني قبل أن ينقطع الأول فقيل إنه لا يضيفه إليه بمنزلة ~~المعدن الواحد ينقطع نيله ثم يعود، وهو قول سحنون. وقيل إنه يضيفه إليه، ~~وهو قول محمد بن سلمة والذي يأتي على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في ~~المدونة، لأن المعادن بمنزلة الأرضين، فكما يضيف زرع الأرض إلى زرع الأرض ~~الأخرى إذا زرع الثاني قبل حصاد الأول، فكذلك يضيف نيل المعدن إلى نيل ~~المعدن الآخر إذا بدأ الثاني قبل انقطاع الأول. وبيان هذا بالمثال أن يكون ms0247 ~~للرجل معادن يعمل فيها فينيل أحدها ويتمادى النيل فيه إلى أن ينيل الثاني ~~فيتمادى النيل فيهما إلى أن ينيل الثالث فيتمادى النيل فيها كلها إلى أن ~~ينيل الرابع هكذا وإن كثرت فإنه يضيفها كلها لاتصال النيل فيها. ولو أنال ~~الأول فتمادى النيل فيه إلى أن أنال الثاني، ثم انقطع نيل الأول وتمادى نيل ~~الثاني إلى أن أنال الثالث، فإنه ههنا يضيف الأول إلى الثاني والثاني إلى ~~الثالث، ولا يضيف الأول إلى الثالث. ولو أنال الأول فتمادى النيل فيه إلى ~~أن أنال الثاني فتمادى نيل الثاني مع الأول مدة ثم انقطع نيل الثاني وتمادى ~~نيل الأول إلى أن أنال الثالث فإنه ههنا يضيف الأول إلى الثاني # PageV01P302 # والثالث لاتصال نيله بهما جميعا، ولا يضيف الثاني إلى الثالث لانقطاع ~~الثاني قبل أن ينيل الثالث. وعودة نيل أحدهما بعينه بعد انقطاعه كابتداء ~~نيل أحدهما بعد انقطاع نيل صاحبه في القياس سواء. فقس على هذا تصب إن شاء ~~الله تعالى. ### || فصل في زكاة الديون # فصل # في زكاة الديون الديون في الزكاة تنقسم على أربعة أقسام: دين من فائدة، ~~ودين من غصب، ودين من قرض، ودين من تجارة. # فأما الدين من الفائدة فإنه ينقسم على أربعة أقسام: # أحدها: أن يكون من ميراث أو عطية أو أرش جناية أو مهر امرأة أو ثمن خلع ~~وما أشبه ذلك، فهذا لا زكاة فيه حالا كان أو مؤجلا حتى يقبض ويحول الحول ~~عليه من بعد القبض ولا دين على صاحبه يسقط عنه الزكاة فيه. وإن ترك قبضه ~~فرارا من الزكاة لم يوجب ذلك عليه فيه الزكاة. # والثاني أن يكون من ثمن عرض أفاده بوجه من وجوه الفوائد، فهذا لا زكاة ~~فيه حتى يقبض ويحول الحول عليه بعد القبض، وسواء كان باعه بالنقد أو ~~بالتأخير. وقال ابن الماجشون والمغيرة إن كان باعه بثمن إلى أجل فقبضه بعد ~~حول زكاه ساعة يقبضه، فإن ترك قبضه فرارا من الزكاة تخرج ذلك على قولين: ~~أحدهما أنه يزكيه لما مضى من الأعوام، والثاني أنه يبقى ms0248 على حكمه فلا يزكيه ~~حتى يحول عليه الحول من بعد قبضه أو حتى يقبضه إن كان باعه بثمن إلى أجل ~~على الاختلاف الذي ذكرناه في ذلك. # والثالث أن يكون من ثمن عرض اشتراه بناض عنده للقنية، فهذا إن كان باعه ~~بالنقد لم تجب عليه فيه زكاة حتى يقبضه ويحول عليه الحول بعد القبض. وإن ~~كان باعه بتأخير فقبضه بعد حول زكاه ساعة يقبضه. وإن ترك قبضه فرارا من ~~الزكاة زكاه لما مضى من الأعوام، ولا خلاف في وجه من وجوه هذا القسم. # PageV01P303 # والرابع أن يكون الدين من كراء أو إجارة، فهذا إن كان قبضه بعد استيفاء ~~السكنى والخدمة كان الحكم فيه على ما تقدم في القسم الثاني، وإن كان قبضه ~~قبل استيفاء العمل مثل أن يؤاجر نفسه ثلاثة أعوام بستين دينارا فيقبضها ~~معجلة ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها أنه يزكي إذا حال الحول ما يجب له من ~~الإجارة وذلك عشرون دينارا، لأنه قد بقيت في يده منذ قبضها حولا كاملا، ثم ~~يزكي كلما مضى به من المدة شيء له بال ما يجب له من الكراء إلى أن يزكي ~~جميع الستين لانقطاع الثلاثة الأعوام. وهذا يأتي على ما في سماع سحنون عن ~~ابن القاسم وعلى قياس قول غير ابن القاسم في المدونة في مسألة هبة الدين هو ~~عليه بعد حلول الحول عليه. والثاني أنه يزكي إذا حال الحول تسعة وثلاثين ~~دينارا ونصف دينار، وهو نص ما قاله ابن المواز على قياس القول الأول. ~~والثالث أنه لا زكاة عليه في شيء من الستين حتى يمضي العام الثاني، فإذا مر ~~زكى عشرين، لأن ما ينوبها من العمل دين عليه فلا يسقط إلا بمرور العام شيئا ~~بعد شيء، فوجب استئناف حول آخر بها منذ تم سقوط الدين عنها. # وأما الدين من الغصب ففيه من المذهب قولان: أحدهما وهو المشهور أنه يزكيه ~~زكاة واحدة ساعة يقبضه كدين القرض. والثاني أنه يستقبل به حولا مستأنفا من ~~يوم يقبضه كدين الفائدة. وقد قيل إنه يزكيه للأعوام الماضية، ms0249 وبذلك كتب عمر ~~ابن عبد العزيز إلى بعض عماله في مال قبضه بعض الولاة ظلما، ثم عقب بعد ذلك ~~بكتاب آخر أن لا يؤخذ منه إلا زكاة واحدة لا أنه كان ضمارا. # وأما دين القرض فيزكيه غير المدير إذا قبضه زكاة واحدة لما مضى من ~~السنين. واختلف هل يقومه المدير أم لا، فقيل إنه يقومه، وهو ظاهر ما في ~~المدونة، وقيل إنه لا يقومه، وهو قول ابن حبيب في الواضحة. وهذا الاختلاف ~~مبني على الاختلاف فيمن له مالان يدير أحدهما ولا يدير الآخر، لأن المدير ~~إذا أقرض من المال الذي يدير قرضا فقد أخرجه بذلك عن الإدارة. # PageV01P304 # وأما دين التجارة فلا اختلاف في أن حكمه حكم عروض التجارة يقومه المدير ~~ويزكيه غير المدير إذا قبضه زكاة واحدة لما مضى من الأعوام، كما يقوم ~~المدير عروض التجارة. ولا يزكيها غير المدير حتى يبيع فيزكيها زكاة واحدة ~~لما مضى من الأعوام. وإذا قبض من الدين أقل من نصاب أو باع من العروض بعد ~~أن حال عليه الحول بأقل من نصاب فلا زكاة عليه حتى يقبض تمام النصاب أو ~~يبيع بتمامه. فإذا كمل عنده تمام النصاب زكى جميعه، كان ما قبض أولا قائما ~~بيده أو كان قد أنفقه. واختلف إن كان تلف من غير سببه، فقال محمد بن المواز ~~لا ضمان عليه فيه لأنه بمنزلة مال تلف بعد حلول الحول عليه من غير تفريط. ~~فعلى قياس قول مالك في هذه المسألة التي نظرها بها تسقط عنه زكاة باقي ~~الدين إن لم يكن فيه نصاب. وعلى قول محمد بن الجهم فيها يزكي الباقي إذا ~~قبضه وإن كان أقل من نصاب، وهو الأظهر، لأن المساكين تنزلوا معه بمنزلة ~~الشركاء، فكانت المصيبة فيما تلف منه ومنهم، وكان ما بقي بينه وبينهم قل أو ~~كثر. وقال ابن القاسم وأشهب يزكي الجميع. وهذا الاختلاف إنما يكون إذا تلف ~~بعد أن مضى من المدة ما لو كان ما تجب فيه الزكاة لضمنه. وأما إن تلف بفور ~~قبضه فلا اختلاف ms0250 في أنه لا يضمن ما دون النصاب، كما لا يضمن النصاب. وقول ~~ابن المواز أظهر، لأن مادون النصاب لا زكاة عليه فيه فوجب أن لا يضمنه في ~~البعد كما لا يضمنه في القرب. ووجه ما ذهب إليه ابن القاسم وأشهب من أنه ~~يضمن ما تلف بغير سببه في البعد مراعاة لقول من يوجب الزكاة في الدين وإن ~~لم يقبض، فهو استحسان. # فصل وإذا تخلل الاقتضاء فوائد وكان كلما اقتضى من الدين شيئا أنفقه، ~~وكلما حال الحول على فائدة أفادها أنفقها، فمذهب أشهب في ذلك أن يضيف كل ما ~~اقتضى من الدين وكل ما حال عليه الحول من الفوائد إلى ما كان اقتضى قبله من ~~الدين وأنفقه وإلى ما كان حال عليه الحول من الفوائد قبله فأنفقه. وأما ابن ~~القاسم فمذهبه أن يضيف الدين إلى ما أنفقه من الدين وإلى ما أنفقه من ~~الفوائد بعد حلول الحول عليها، ولا يضيف الفائدة التي حال الحول عليها إلى ~~ما أنفقه من الدين بعد # PageV01P305 # اقتضائه ولا إلى ما أنفقه من الفوائد بعد حلول الحول عليها. مثال ذلك أن ~~يقتضي من دين له خمسة دنانير فينفقها وله فائدة لم يحل عليها الحول وهي ~~عشرة دنانير، فينفقها بعد حلول الحول عليها، ثم يقبض من دينه عشرة فإنه ~~يزكيها مع العشرة الفائدة التي أنفقها، ولا يزكي الخمسة الأولى التي اقتضى ~~من الدين حتى يقتضي منه خمسة وبالله التوفيق، والله سبحانه وتعالى أعلم. ### || فصل في زكاة الأحباس الموقوفة والصدقات والهبات المبتولة # فصل # في زكاة الأحباس الموقوفة والصدقات والهبات المبتولة الأحباس الموقوفة ~~تنقسم في الزكاة على قسمين: أحدهما ما تجب فيه الزكاة في غلته ولا تجب في ~~عينه، والثاني ما تجب الزكاة في عينه ولا تجب في غلته [لأنها فائدة إلا بما ~~تجب به الزكاة في الفوائد فأما ما تجب الزكاة في غلته] ولا تجب في عينه، ~~وذلك حوائط النخيل والأعناب، فإن كانت محبسة موقوفة على غير معينين مثل ~~المساكين وبني زهرة وبني تميم فلا خلاف أن ثمرتها مزكاة ms0251 على ملك المحبس، ~~وأن الزكاة تجب في ثمرتها إذا بلغت جملتها ما تجب فيه الزكاة، وكذلك إن ~~أثمرت في حياة المحبس وله حوائط لم يحبسها فاجتمع في جميع ذلك ما تجب فيه ~~الزكاة. واختلف إن كانت محبسه على معينين، فقال ابن القاسم في المدونة إنها ~~أيضا مزكاة على ملك المحبس. وفي كتاب ابن المواز أنها مزكاة على ملك المحبس ~~عليهم. فمن بلغت حصته منهم ما تجب فيه الزكاة زكى عليه، ومن لم تبلغ حصته ~~منهم ما تجب فيه الزكاة لم تجب عليه زكاة. وقول ابن القاسم هذا على أصل ~~قوله في كتاب الحبس إن من مات من المحبس عليه قبل طيب الثمرة لم يورث عنه ~~نصيبه منها ورجع على أصحابه. وما في كتاب ابن المواز على أصل قول أشهب في ~~كتاب الحبس المذكور أن من مات من المحبس عليهم بعد أن بلغت الثمرة حد ~~إبارها فحقه واجب لورثته. # PageV01P306 # فصل واختلف إن كان الحبس على ولد فلان هل يحمل ذلك محمل التعيين أم لا ~~على قولين قائمين من المدونة في الوصايا وفي غيرها. # فصل وأما ما تجب الزكاة في عينه ولا تجب في غلته إلا بما تجب به الزكاة ~~في الفوائد، وذلك المواشي من الإبل والبقر والغنم والعين من الدنانير ~~والدراهم وأتبارهما. # فإذا كان ذلك محبسا موقوفا للانتفاع بغلته في وجه من وجوه البر فلا ~~اختلاف أن الزكاة تجب في جميع ذلك كل سنة على ملك المحبس كانت موقوفة ~~لمعينين أو في المساكين وابن السبيل. # فصل والحكم في زكاة أولاد هذه الماشية المحبسة الموقوفة إن كانت وقفت ~~للانتفاع بنسلها وغلتها كالحكم في زكاة ثمار الحوائط المحبسة الموقوفة تزكى ~~مع الأمهات على حولها وملك المحبس لها إن كانت محبسة على قوم غير معينين ~~قولا واحدا، وكذلك إن كانت محبسة على قوم معينين على ما في المدونة، وأما ~~على ما في كتاب ابن المواز فتزكى على ملك المحبس عليهم إذا حال الحول على ~~ما بيد كل واحد منهم من يوم الولادة وفيه ما ms0252 تجب فيه الزكاة. # فصل واختلف إن كانت الماشية من الإبل والبقر والعين من الدنانير والدراهم ~~ووقفت لتفرق في المساكين وابن السبيل لا ينتفع بغلتها، فحال عليها الحول ~~قبل أن تفرق، في المدونة إنه لا زكاة في شيء من ذلك لأنه يفرق ولا يمسك، ~~ولم يعط فيها جوابا إن كانت تفرق على معينين. والذي يأتي على مذهب ابن ~~القاسم فيها أن الدنانير لا زكاة فيها كانت تفرق على المساكين أو على ~~معينين. ومثله في كتاب ابن # PageV01P307 # المواز. وأما الماشية فينبغي على مذهبه في المدونة إذا كانت تفرق على ~~معينين أن يزكي كل من صار في حظه منهم ما تجب فيه الزكاة، وهو قول أشهب في ~~كتاب ابن المواز نصا أنه إن كانت تفرق على المساكين فلا زكاة فيها، وإن ~~كانت تفرق على معينين فيزكي كل من صار في حظه منهم ما تجب فيه الزكاة. ~~ويلزم مثله في الدنانير على مذهب من يرى على من ورث دنانير غائبة زكاتها ~~إذا حال الحول عليها وإن لم يقبضها، لأن الفرق بين الماشية والعين في ~~المعينين أن من أوصي له بنصاب من العين أو أفاده بوجه من الوجوه فلا زكاة ~~عليه فيه حتى يحول عليه الحول من يوم قبضه، ومن أوصي له بنصاب من الماشية ~~تجب عليه فيه الزكاة بحلول الحول قبضه أو لم يقبضه. وفي كتاب محمد أن ~~الزكاة تجب في جملة الماشية إن كانت تفرق على غير معينين، وفي حظ من وجب في ~~حظه منهم الزكاة إن كانت تفرق على معينين. فرآها على هذا القول مزكاة على ~~ملك واهبها أو الموصي بها إن كانت تفرق على غير معينين، وعلى أملاك الذين ~~تفرق عليهم إن كانوا معينين. ويلزم بالقياس مثله في الدنانير. ووقع في كتاب ~~محمد أيضا ما ظاهره أن الماشية لا زكاة فيها وإن كانت تفرق على معينين يصير ~~في حظ كل واحد منهم ما تجب فيه الزكاة، وهذا لا وجه له في النظر، إذ لم ~~يختلف في أن من أفاد ماشية تجب ms0253 عليه الزكاة بحلول الحول وإن لم يقبضها. # فصل فعلى هذا يأتي في الماشية الموقفة للتفرقة ثلاثة أقوال: أحدها أنه لا ~~زكاة فيها إن كانت تفرق على غير معينين، وأن الزكاة في حظ كل واحد منهم إن ~~كانوا معينين، وهو نص قول أشهب في كتاب ابن المواز ومعنى ما في المدونة. ~~والثاني أن الزكاة تجب في جملتها إن كانت تفرق على غير معينين، وفي حظ كل ~~واحد منهم إن كانوا معينين، وهو قول ابن القاسم في كتاب المواز. والثالث ~~ألا زكاة فيها كانت تفرق على معينين أو على غير معينين، وهذا أبعد الأقاويل ~~على ما ذكرناه. فهذه ثلاثة أقوال في الجملة، وهي على التفصيل قولان في كل ~~طرف إن كانت تقسم على غير معينين فقيل إنه لا زكاة فيها وقيل إن فيها ~~الزكاة على ملك المحبس # PageV01P308 # لها، وإن كانت تقسم على معينين فقيل إنه لا زكاة فيها وقيل إنها تزكى على ~~أملاك الذين تقسم عليهم. # فصل وأولاد هذه الماشية إذا سكت عنها تبع لها في الزكاة تزكى معها في ~~الموضع الذي تزكى فيه على ما تقدم من الاختلاف. وأما إن كانت تفرق على غير ~~من تفرق عليه الأمهات فالحكم في زكاتها على ما تقدم في أولاد الماشية ~~المحبسة الموقوفة قبل هذا. # فصل وفي العين ثلاثة أقوال أيضا: أحدها أن الزكاة لا تجب فيه كان يفرق ~~على معينين أو على غير معينين، وهو نص ما في كتاب ابن المواز ومعنى ما في ~~المدونة. والثاني أن الزكاة لا تجب فيه إن كان يفرق على غير معينين وأنها ~~تجب في حظ كل واحد منهم إن كانوا معينين. وهذا القول خرجناه على مذهب من ~~يرى في فائدة العين الزكاة بحلول الحول عليه قبل القبض. والثالث أن الزكاة ~~تجب في جملتها إن كانت تفرق على غير معينين وفي حظ كل واحد منهم إن كانوا ~~معينين. وهذا القول خرجناه بالقياس على ما في كتاب محمد بن المواز على ما ~~ذكرناه. فهذه ثلاثة أقوال في الجملة، ويأتي على ms0254 التفصيل قولان في كل طرف إن ~~كانت تقسم على غير معينين فقيل إنه لا زكاة فيها، وقيل إنها تزكى جملتها ~~على ملك المحبس لها. وإن كانت تقسم على معينين فقيل إنه لا زكاة فيها، وقيل ~~إنها تزكى على أملاك الذين تقسم عليهم إن بلغت حصة كل واحد منهم ما تجب فيه ~~الزكاة. # فصل وأما زكاة الثمرة المتصدق بها والموهوبة المبتولة لعام واحد أو ~~لأعوام معلومة مسماة، فإن كانت على المساكين فلا اختلاف أنها مزكاة على ملك ~~واهبها أو المتصدق بها إن كان في جملتها ما تجب فيه الزكاة، أو لم يكن فيها ~~ما تجب فيه الزكاة إلا أنه إذا أضافه إلى ما بقي في ملكه وجبت فيه الزكاة. ~~وأما إن كانت على # PageV01P309 # معينين فاختلف فيها على ثلاثة أقوال: أحدها أنها مزكاة على ملك الواهب ~~لها أيضا، وهو مذهب سحنون، ولا تخرج الزكاة منها على قوله إلا بعد يمين ~~الواهب أنه لم يرد تحمل الزكاة في ماله. والثاني أنها مزكاة على ملك ~~الموهوب لهم والمتصدق عليهم أو المعرين، فمن كان منهم في حظه ما تجب فيه ~~الزكاة وجبت عليه الزكاة، ومن لم يكن في حظه من ذلك ما تجب فيه الزكاة لم ~~تجب عليه الزكاة. والثالث الفرق بين الهبة والصدقة والعرية في أن الهبة ~~والصدقة تزكى على ملك الموهوب لهم أو المتصدق عليهم، وإن زكاة العرية على ~~المعري في ماله لا من العرية. وقد قيل إن العرية تؤخذ الزكاة منها على ملك ~~المعري لا على ملك المعرى. فإن كان أعرى جماعة خمسة أوسق أو أقل من خمسة ~~أوسق وفيما أبقى لنفسه تمام خمسة أوسق أخذت منها الصدقة. # فصل ففي زكاة العرية على هذا قولان: أحدهما أنها على المعري في ماله. ~~والثاني أنها لا تجب إلا في ثمرة العرية. فإذا قلنا إنها لا تجب إلا في ~~ثمرة العرية فهل تؤخذ منها على ملك المعري أو على ملك المعرين، في ذلك ~~قولان، وبالله التوفيق. ### || فصل في جواز إخراج الزكاة من المال قبل حلول ms0255 الحول عليه وما يتعلق بذلك # فصل # في جواز إخراج الزكاة من المال قبل حلول الحلول عليه وما يتعلق بذلك من ~~ضمان زكاة ما تلف منه قبل الحول أو بعده بقرب ذلك أو أبعد منه اختلف فيمن ~~أخرج زكاة ماله قبل حلول الحول عليه على قولين: أحدهما أن ذلك لا يجزئه، ~~وهي رواية أشهب عن مالك. والثاني أنها تجزئة إذا كان بقرب ذلك. واختلف في ~~حد القرب على أربعة أقوال: أحدها أنه اليوم واليومان ونحو ذلك، وهو قول ابن ~~المواز. والثاني أنه العشرة الأيام ونحوها، وهو قول ابن حبيب في الواضحة. ~~والثالث أنه الشهر ونحوه وهي رواية عيسى عن ابن القاسم. والرابع أنه ~~الشهران فما دونهما وهي رواية ابن زياد عن مالك. # PageV01P310 # فصل فما أنفق الرجل من ماله قبل الحول بيسير أو كثير أو تلف منه فلا زكاة ~~عليه فيه، ويزكي الباقي إذا حال عليه الحول وفيه ما تجب فيه الزكاة. وكذلك ~~إن أخرج زكاة ماله قبل الحول بيسير أو كثير فتلفت أو أخرجها فنفذها في ~~الوقت الذي لا يجوز له تنفيذها فيه يزكي الباقي إن كان بقي منه ما تجب فيه ~~الزكاة إذا حال عليه الحول. وأما إن أخرجها فنفذها في الوقت الذي يجوز له ~~إخراجها فيه من القرب على الاختلاف الذي ذكرناه على مذهب من يجيز له إخراج ~~الزكاة قبل الحول بيسير فإنها تجزئه. # فصل وأما ما أنفق من ماله الذي تجب فيه الزكاة بعد الحول بيسير أو كثير ~~أو تلف منه بعد الحول بكثير فالزكاة عليه فيه واجبة مع ما بقي له من ماله. ~~واختلف فيما تلف منه بعد الحول بيسير، قال في كتاب ابن المواز: مثل اليوم ~~وشبهه، فذهب مالك إلى أنه بمنزلة ما ذهب قبل الحول لا يحسبه لأنه لم يفرط، ~~ويزكي الباقي إن كان ما تجب فيه الزكاة. وقال ابن الجهم: يزكي الباقي وإن ~~لم يكن ما تجب فيه الزكاة، لأن المساكين نزلوا معه بعد الحول بمنزلة ~~الشركاء، فما ضاع منه أو تلف بقرب الحول ms0256 فمصيبته منه ومنهم. وأما إن أخرج ~~زكاته بعد الحول ليفرقها فتلفت، فإن كان بعد محلها بالأيام اليسيرة فإنه ~~يضمنها، قاله مالك في كتاب ابن المواز، وهو مفسر لما في المدونة، ولو كان ~~بقرب الحول قبل أن يفرط. قال محمد بمثل اليوم وشبهه، فسرقت أو بعث بها إلى ~~من يفرقها فسقطت فلا ضمان عليه، قاله مالك في رواية ابن نافع عنه في ~~المجموعة. ولو بعث بصدقة حرثه أو ماشيته مع رسول لضمن، إذ الشأن فيها مجيء ~~المصدق. ولو عزل صدقة العين من صندوقه فوضعها في ناحية بيته فذهبت لضمن، إذ ~~لم يخرجها ما كانت في بيته، بخلاف الماشية إذا أخرجها فانتظر الساعي بها. # وقد وقع في مسائل هذا الباب في المدونة التباس. والذي يتحصل عندي # PageV01P311 # منها أن الطعام إن ضاع جميعه في الأندر في عمله فلا ضمان عليه إذ لم ~~يفرط. واختلف قول مالك إذا أدخله في منزله ثم تلف ولم يفرط، إما بأنه تلف ~~بقرب إدخاله منزله ولم يمكنه دفعه للمساكين قبل أن يدخله منزله، أو بأنه ~~ليس إليه تفريقه فانتظر مجيء الساعي، وإن طال انتظاره، فمرة فرق بينه وبين ~~الدنانير ورآه ضامنا، ومرة لم يوجب عليه الضمان بمنزلة الدنانير. وكذلك إذا ~~عزل العشر ليفرقه إن كان إليه تفريقه أو لينتظر به الساعي إن لم يكن إليه ~~تفريقه فضاع بعد أن أدخله منزله ولم يفرط، إما بأنه تلف بقرب إدخاله منزله ~~إن كان إليه تفريقه، وإما بأنه لم يكن إليه دفعه فانتظر مجيء الساعي فضاع ~~بالقرب أو بالبعد، اختلف قول مالك في ذلك أيضا كاختلافه في المسألة الأولى، ~~فمرة حمله محمل العين، ومرة رآه بخلاف ذلك. وقال ابن القاسم إن كان أشهد ~~ولم يكن إليه تفريقه فلا ضمان عليه وإن تأخر عنه الساعي. وسواء على مذهب ~~ابن القاسم ضاع العشر الذي عزله وأدخله منزله أو ضاع جميع الطعام وقد أدخله ~~منزله ولم يعزل منه شيئا لا ضمان عليه في الوجهين جميعا ما أقام منتظرا ~~الساعي إذا أشهد. وقول ابن القاسم ms0257 خلاف قول مالك جميعا في هذا الطرف. وانظر ~~على مذهب ابن القاسم إذا كان ممن لا يسعى عليه الساعي وكانت تفرقة زكاته ~~إليه إن أدخل جميع الطعام أو عشره معزولا منزله فضاع بالقرب من غير تفريط ~~هل هو عنده بمنزلة العين ويسقط عند الضمان أو هو عنده بخلاف العين ويكون ~~ضامنا إلا أن يشهد. والأظهر عندي من مذهبه أنه لا ضمان عليه دان لم يشهد. ~~وقول المخزومي في الباب مثل أحد قولي مالك إنه لا ضمان عليه وإن لم يشهد ~~لأنه غير مفرط في انتظار الساعي وليس عليه أكثر مما صنع. وكذلك على مذهبه ~~إن كان ممن إليه تفرقة زكاته فضاع بعد أن أدخله منزله بالقرب من غير تفريط. ~~وأما إذا ضيع أو فرط حتى تلف فهو ضامن باتفاق، سواء أدخله منزله أو لم ~~يدخله، ضاع جميعه أو عشره، معزولا كان أو لا، كان إليه تفريقه أو كان ممن ~~يسعى عليه الساعي. وأشهب يفرق إذا عزل عشره فضاع من غير تفريط بين أن يكون ~~إليه تفرقة زكاته أو إلى الساعي، فرأى أنه إذا كان إليه تفريق زكاته فلا ~~ضمان عليه بمنزلة المال العين، وإذا كان إلى الساعي فهو بينهما جميعا وله ~~أخذ # PageV01P312 # عشر الباقي، كأنه يرى أنه لا يجوز مقاسمته على الساعي. قال أبو إسحاق ~~التونسي من رأيه: أما إذا أدخله بيته على أنه ضامن للزكاة وأراد التصرف في ~~ماله فهذا بين أنه ضامن إذا ضاع وعليه الزكاة، وأما لو خشي عليه في الأندر ~~فأدخله في بيته على باب الحرز له فضاع لم يضمن شيئا. وهذا الذي قال أبو ~~إسحاق كلام صحيح لا يصح أن يختلف فيه، وإنما الاختلاف إذا لم يعلم على أي ~~الوجهين أدخله منزله، فمرة حمله مالك - رحمه الله تعالى - على الضمان فضمنه ~~ولم يصدقه أنه فعل ذلك على النظر وأنه أراد حرزه بإدخاله منزله، ومرة صدقه ~~بأن فعله إنما كان منه على النظر وأنه أراد الحرز فصار الطعام عنده على وجه ~~الأمانة فأسقط عنه الضمان. هذا ms0258 الذي أعتقده في هذه المسألة، وهي في الكتاب ~~مشكلة، حضرت المناظرة فيها عند شيخنا الفقيه أبي جعفر - رحمه الله تعالى - ~~فتنازعنا فيها عنده تنازعا شديدا واختلفنا في تأويل وجوهها اختلافا بعيدا، ~~فطال الكلام وكثر المراء والجدال ولم أقف على اعتقاد الشيخ رحمة الله عليه ~~ورضوانه في جميع فروع المسألة وهذا الذي كتبته هو اعتقادي في هذا الباب ~~والله أسأله العون والتوفيق بعزته لا شريك له. # PageV01P313 ### | كتاب الزكاة الثاني # ] [ ### || فصل في القول في زكاة القراض # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما كتاب الزكاة ~~الثاني فصل # في القول في زكاة القراض أجمع أهل العلم فيما علمت أن رأس مال القراض ~~وحصة رب المال من الربح مزكى على ملك رب المال. وأما حصة العامل من الربح ~~فتتخرج على ثلاثة أقوال في المذهب: أحدها أنها تزكى على ملك رب المال دون ~~الاعتبار بملك العامل. والثاني أنها تزكى على ملك العامل دون الاعتبار بملك ~~رب المال. والثالث أنها تزكى على ملكهما جميعا. # فصل فالقول في زكاة مال القراض يرجع إلى أربعة فصول: أحدها معرفة ما تجب ~~به الزكاة على رب المال في رأس المال وحصته من الربح، أو في رأس المال ~~وجميع الربح على مذهب من يرى حظ العامل من الربح مزكى على ملك رب المال، ~~وهو مذهب سحنون وقول أشهب وروايته عن مالك واختيار محمد بن المواز. والثاني ~~معرفة ما تجب به الزكاة على العامل في حظه من الربح على القول بأن حظه مزكى ~~على ملكه. والثالث معرفة ما تجب به الزكاة على العامل في حظه من الربح على ~~القول بأنه مزكى على ملكهما جميعا. والرابع معرفة وقت وجوب إخراجها. # PageV01P315 # فصل فأما ما تجب به الزكاة على رب المال في رأس المال وحصته من الربح أو ~~في رأس المال وجميع الربح على مذهب من يرى حظ العامل من الربح مزكى على ملك ~~رب المال وهو قول أشهب وروايته عن مالك ومذهب سحنون حسبما ذكرناه فخمس ~~شرائط في حقه، وهي ms0259 الإسلام، والحرية، وعدم الدين، والنصاب في رأس المال ~~وحصة رب المال من الربح أو في رأس المال وجميع الربح على المذهب المذكور أو ~~ذلك مع مال إن كان له مال سواه قد أفاده قبله أو معه معا مما لم يدفعه إلى ~~العامل، وحلول الحول على رأس المال من يوم أفاده. # فصل وتجب الزكاة على العامل في حظه من الربح على القول بأنه مزكى على ~~ملكه بخمس شرائط أيضا في حقه، وهي الإسلام، والحرية، وعدم الدين، والنصاب ~~في حظه من الربح أو في حظه منه مع مال سواه وإن كان له مال قد أفاده قبل ~~أخذه المال، وحلول الحول عليه من يوم أخذه وإن لم يعمل فيه إلا قبل الحول ~~بيسير. # فصل وتجب الزكاة عليه في حظه من الربح على القول بأنه مزكى على ملكهما ~~جميعا بعشرة أوصاف، وهي: أن يكونا مسلمين، وأن يكونا حرين، وأن لا يكون على ~~واحد منهما دين، والسابع أن يكون في رأس المال وحصة رب المال من الربح أو ~~في رأس المال وحصته من الربح مع مال لرب المال سواه إن. كان له مال سواه قد ~~أفاده قبله أو معه معا مما تجب فيه الزكاة. والثامن أن يكون في حظ العامل # PageV01P316 # من الربح أو في حظه منه مع مال سواه إن كان له مال قد أفاده قبله ما تجب ~~فيه الزكاة. والتاسع أن يحيل الحول على رب المال من يوم ملك النصاب ~~الموصوف. والعاشر أن يحول الحول على العامل من يوم أخذ المال وإن لم يعمل ~~فيه إلا قبل الحول بيسير. # فصل فهذه الثلاثة الأقوال مطردة راجعة إلى أصل وجارية على قياس. وأما ابن ~~القاسم فلا يرجع مذهبه في زكاة حظ العامل من ربح القراض إلى أصل ولا يجري ~~على قياس، لأنه اعتبر في بعض الشرائط المشترطة في وجوب الزكاة في ذلك ~~ملكهما جميعا، واضطرب في بعضها قوله فلا هو راعى فيه ملكهما جميعا ولا ملك ~~أحدهما بانفراده على صحة ما سنذكره ونبينه إن شاء الله ms0260 تعالى. # فصل فالذي اعتبر فيه ملكهما جميعا الإسلام، والحرية، وعدم الدين، لم ~~يختلف قوله فيما علمت أن العامل لا يلزمه زكاة الربح إلا أن يكونا حرين ~~مسلمين وأن لا يكون على واحد منهما دين. والذي اضطرب فيه قوله النصاب، ~~والحول. فأما النصاب فله فيه ثلاثة أقوال: أحدها أنه يعتبر في رأس مال رب ~~المال وحصته من الربح دون ما بيده مما لم يدفعه إلى العامل المقارض، فإن ~~كان في ذلك ما تجب فيه الزكاة وجبت على العامل في حظه من الربح الزكاة ~~قليلا كان أو كثيرا. هذا قول ابن القاسم في المدونة ومذهبه المشهور ~~المعلوم، فلا هو اعتبر في هذا القول ملك العامل إذا وجبت عليه في حظه ~~الزكاة وإن كان أقل من نصاب، ولا ملك رب المال إذا لم يضف رأس المال وحظه ~~من الربح إلى ما بيده من غير مال القراض، فهو استحسان على غير قياس. # فصل واختلف على هذا القول إذا أخذ من العامل قبل تمام الحول بعض رأس ~~المال وأبقى بيده بعضه ففاصله فيه بعد الحول، فقيل إن رب المال إن صار له ~~في # PageV01P317 # بقية رأس ماله وجميع حصته من الربح ما تجب فيه الزكاة وجبت على العامل في ~~حظه الزكاة وإن لم يبلغ النصاب، وإن لم يصر لرب المال في بقية رأس ماله ~~وجميع حصته من الربح ما تجب فيه الزكاة لم يجب على العامل في حظه الزكاة، ~~ويضيف رب المال ما قبض من العامل بعد الحول إلى ما قبض منه قبل الحول إن ~~كان باقيا بيده فيزكيه إن كان فيه باجتماعه ما تجب فيه الزكاة. هذه رواية ~~أبي زيد عن ابن القاسم، وله في المجموعة مثله. # فصل وكذلك لو قبض منه قبل الحول جميع رأس ماله وبقي الربح بيده إلى أن ~~حال عليه الحول فصار لرب المال منه ما تجب فيه الزكاة يزكي العامل ما صار ~~له منه وإن قل، وإن لم يصر لرب المال منه ما تجب فيه الزكاة سقطت الزكاة عن ~~العامل ms0261 في حظه من الربح، وأضاف رب المال ما صار له منه إلى رأس المال الذي ~~قبضه قبل حلول الحول فزكاه إن كان بيده وكان فيه ما تجب فيه الزكاة. وذهب ~~محمد بن المواز فيما تأول عن ابن القاسم أنه إن قبض جميع رأس المال قبل ~~الحول فلا زكاة على العامل في حظه من الربح وإن صار لرب المال في حظه الذي ~~قبض منه بعد الحول ما تجب فيه الزكاة، وأنه إن قبض منه بعض رأس المال قبل ~~الحول وأبقى بيده بعضه حتى حال عليه الحول فصار له في بقية رأس ماله وحصته ~~ما تجب فيه الزكاة وجبت على العامل في حظه الزكاة. وإن لم يصر له في ذلك ما ~~تجب فيه الزكاة ولا بقي له من المال الذي قبض قبل الحول ما يتم به النصاب ~~لم تجب على العامل في حظه الزكاة لسقوط الزكاة عن رب المال. وإن كان قد بقي ~~بيده مما قبض قبل الحول تتمة النصاب زكى ذلك وزكى العامل من ربحه ما ينوب ~~منه ما بقي بيده من رأس المال إلى أن حال عليه الحول، وهذا تناقض. # فصل والثاني أنه يعتبر، أعني النصاب، في رأس المال وجميع الربح، وهي ~~رواية أصبغ عنه، فلا هو اعتبر أيضا في هذا القول ملك العامل إذ أوجب عليه ~~في حظه # PageV01P318 # الزكاة إن لم يبلغ النصاب، ولا ملك رب المال إذ لم يضف رأس المال والربح ~~إذا لم يكن فيه نصاب إلى ما بيده مما لم يدفعه إلى العامل في إيجاب الزكاة ~~على العامل في حظه من الربح، وإنما أضافه إليه في إيجاب الزكاة عليه في رأس ~~ماله وحصته من الربح، فهو أيضا استحسان جار على غير أصل ولا قياس. # فصل والقول الثالث أن الزكاة لا تجب على العامل في حظه من الربح إلا بأن ~~يكون فيه ما تجب فيه الزكاة، وبأن يكون أيضا في رأس مال رب المال وربحه ما ~~تجب فيه الزكاة. وهذا القول تأوله محمد بن المواز عن ابن ms0262 القاسم ولا يوجد ~~له نصا ولو وجد لكان أيضا استحسانا على غير قياس ولا أصل، إذ لم يعتبر في ~~ذلك ملك أحدهما دون صاحبه على انفراده ولا ملكهما جميعا كما فعل في الحرية ~~والإسلام وعدم الدين، إذ اقتصر في اعتبار النصاب على رأس المال وحصة رب ~~المال من الربح دون أن يضيف إلى ذلك [ما لرب المال من غير مال القراض وعلى ~~حصة العامل من الربح دون أن يضيف إلى ذلك] ، ما له من مال قد حال عليه ~~الحول فيتم به النصاب. # فصل - # وأما الحول فله فيه قولان: أحدهما أن العامل لا تجب عليه في حظه من الربح ~~الزكاة حتى يقيم المال بيده حولا من يوم أخذه وإن لم يعمل به إلا قبل أن ~~يحول عليه الحول بيسير. هذا نص قوله في الزكاة من المدونة، وله في القراض ~~منها دليل على أن الزكاة تجب عليه في حظه من الربح وإن لم يقم المال بيده ~~حولا إذا كان في رأس مال رب المال وحصته من الربح ما تجب فيه الزكاة وحال ~~عليه الحول. وإلى هذا ذهب ابن المواز، وعليه حمل قول مالك. والقول الأول هو ~~أجرى على أصله وأظهر من مذهبه. # PageV01P319 # فصل فتحصيل مذهب ابن القاسم على ما حكيناه من أقواله ووصفناه من مذاهبه ~~وآرائه أن الزكاة تجب على العامل في حظه من الربح بخمسة أوصاف، الثلاثة ~~منها لم يختلف قوله في وجوب اشتراطها ولا في وجه اعتبارها، وهي أن يكونا ~~جميعا حرين، وأن يكونا جميعا مسلمين، وأن لا يكون على واحد منهما دين. ~~والاثنان وهما النصاب، والحول لم يختلف قوله في وجوب اشتراطهما، واختلف ~~قوله في وجه اعتبارهما. # فصل فأما النصاب فله في وجه اعتباره ثلاثة أقوال: أحدها أنه يعتبر في رأس ~~المال وحصة رب المال من الربح خاصة، فإن كان في ذلك ما تجب فيه الزكاة وجبت ~~الزكاة على العامل في حظه من الربح وإلا فلا، وهو قول ابن القاسم في ~~المدونة والمشهور المعروف من مذهبه. والثاني أنه يعتبر ms0263 في رأس مال رب المال ~~وجميع الربح، فإن كان في ذلك ما تجب فيه الزكاة وجبت على العامل في حظه ~~الزكاة وإلا فلا، وهي رواية أصبغ عنه في العتبية. والثالث أنه يعتبر في رأس ~~مال رب المال وحصته من الربح وفي حظ العامل من الربح، فإن كان في كل واحد ~~منهما ما تجب فيه الزكاة وجبت الزكاة على العامل في حظه من الربح وإلا فلا. # وأما الحول فله في وجه اعتباره قولان: أحدهما أنه يعتبر في رأس مال رب ~~المال وحصته من الربح دون عمل العامل. والثاني أنه يعتبر في رأس مال رب ~~المال وحصته من الربح وفي عمل العامل، فلا تجب الزكاة على العامل في حظه من ~~الربح حتى يحول الحول على المال الذي بيد العامل من يوم أخذه لأنه إذا حال ~~الحول على المال بيد العامل فقد حال على رب المال. # فصل ويلزم ابن القاسم كما اشترط في وجوب الزكاة على العامل في حظه من ~~الربح إسلامهما جميعا، وحريتهما جميعا، وأن لا يكون على واحد منهما دين، أن # PageV01P320 # يشترط في ذلك مرور الحول على رب المال وعلى العامل، وذلك قوله في كتاب ~~الزكاة من المدونة، لأن الحول إذا حال على العامل من يوم أخذ المال فقد حال ~~على رب المال. وأن يعتبر النصاب. في رأس مال رب المال وحصته من الربح مع ~~مال إن كان له مال قد أفاده قبله أو معه معا، وهذا ما لا يوجد لابن القاسم ~~ولا يعرف من مذهبه. [وأن يعتبر أيضا النصاب في حصة العامل من الربح مع مال ~~سواه إن كان له مال قد حال عليه الحول وهذا أيضا ما لا يوجد له ولا يعرف من ~~مذهبه] ، فلو قال بهذين الوصفين في اعتبار النصاب في وجوب الزكاة على ~~العامل في حظه من الربح لاستقام مذهبه على أن زكاة ربح العامل في القراض ~~مزكى على ملكهما جميعا. # فصل وأما الفصل الرابع وهو معرفة وقت وجوب إخراجها فيفتقر بيان ذلك إلى ~~تقسيم، وذلك أن ms0264 العامل لا يخلو أن يكون غائبا عن صاحب المال لا يعلم حال ما ~~في يديه، أو حاضرا معه يعلم حال ما في يديه من مال القراض. فأما إن كان ~~غائبا عنه فلا اختلاف في أنه لا زكاة عليه في ماله الذي بيده حتى يرجع إليه ~~ويعلم أمره، فإن رجع إليه بعد أعوام زكاه للسنين الماضية على ما سنبينه إن ~~شاء الله من حكم المدير وغير المدير. وأما إن كان حاضرا معه يعلم حال ماله ~~بيده فلا يخلو من أربعة أحوال: أحدها أن يكونا جميعا مديرين. والثاني أن ~~يكون رب المال مديرا والعامل غير مدير. والثالث أن يكون رب المال غير مدير ~~والعامل مديرا. والرابع أن يكونا جميعا غير مديرين. فأما إن كانا جميعا ~~مديرين أو كان رب المال غير مدير والعامل مديرا، والذي بيده الأكثر أو ~~الأقل على قول من يقول إن المالين إذا كان يدار أحدهما فإنه يزكى المدار ~~على سنة الإدارة كان الأقل أو الأكثر، أو كان رب المال مديرا والعامل غير ~~مدير والذي بيده من مال الإدارة أو من غير مال الإدارة وهو # PageV01P321 # الأقل فلا زكاة عليه حتى ينض المال ويتفاصلا وإن أقام المال بيده أحوالا. ~~كذا روى أبو زيد عن ابن القاسم في كتاب القراض، ومثله في كتاب القراض من ~~المدونة وفي الواضحة، وهو ظاهر ما في سماع عيسى من كتاب القراض. فإذا رجع ~~إليه ماله بعد أعوام زكى لكل سنة قيمة ما كان بيده من المتاع. فإن كان قيمة ~~ما كان بيده في أول سنة مائة وفي السنة الثانية مائتين وفي الثالثة ~~ثلاثمائة زكى لأول سنة مائة، وللسنة الثانية مائتين، وللسنة الثالثة ~~ثلاثمائة، إلا ما تنقصه الزكاة. واختلف إن كانت قيمة ما بيده في أول سنة ~~ثلاثمائة وفي السنة الثانية مائتين وفي السنة الثالثة مائة فقيل يزكي لكل ~~سنة ما كان بيده، وهو ظاهر ما في كتاب القراض من المدونة، إذ قال يزكي لكل ~~سنة ما كان بيده ولم يفرق. وقيل يزكي مائة لكل سنة، ms0265 وهذا يأتي على ما في ~~الواضحة لعبد الملك في المال الغائب عن صاحبه إذا تلف بعد أعوام أنه لا ~~زكاة عليه فيه، وقيل إنه هو الذي تدل عليه الروايات كلها إذ لا معنى لتأخير ~~الزكاة إلى حين المفاصلة مع حضور المال إلا مخافة النقصان. # فصل وأما إن كانا غير مديرين أو كان العامل غير مدير والذي في يده الأكثر ~~مديرا فلا زكاة على رب المال فيما بيد العامل من مال القراض حتى يرجع إليه، ~~فإن رجع إليه بعد أعوام زكاه لعام واحد إن كان في سلع. وهذا على قياس قول ~~ابن دينار في العتبية في المالين يدار أحدهما أنه إن كان الذي يدار هو ~~الأكثر زكيا جميعا على الإدارة، وإن كان الذي يدار هو الأقل زكي كل مال ~~منهما على سنته. وأما إن كان رب المال مديرا والعامل غير مدير والذي بيده ~~الأقل فإن رب المال يقوم كل سنة ما بيد العامل فيزكيه من ماله لا من مال ~~القراض، قيل جميع المال بربحه كله، وهو قول ابن حبيب في الواضحة، وقيل رأس ~~المال وحصته من الربح خاصة لا حصة العامل، وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم. ~~وكذلك إذا كان الذي بيد العامل الأكثر على ما ذهب إليه ابن لبابة تأويلا ~~على ما في المدونة من أن المالين إن كان يدار أحدهما فإنهما يزكيان جميعا ~~على الإدارة، والله سبحانه وتعالى أعلم وبالله التوفيق. # PageV01P322 ### || فصل في زكاة الماشية # فصل # في زكاة الماشية قال الله عز وجل: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم ~~بها} [التوبة: 103] فأجمع أهل العلم على أن المواشي من الإبل والبقر والغنم ~~من الأموال التي تجب في أعيانها الزكاة، إلا أنهم اختلفوا هل ذلك في جميعها ~~أو في السائمة منها خاصة، فذهب مالك - رحمه الله تعالى - إلى أن الزكاة في ~~جميعها سائمة كانت أو غير سائمة، خلافا للشافعي وأبي حنيفة رحمهما الله ~~تعالى في قولهما إن الزكاة لا تجب في غير السائمة. # فصل ولا تجب الزكاة عند مالك وجميع أصحابه ms0266 في شيء من الحيوان سوى الإبل ~~والبقر والغنم، خلافا لأهل العراق في قولهم إن الزكاة تجب في الخيل السائمة ~~إذا كانت ذكورا وإناثا متخذة للنسل. والدليل لما ذهب إليه مالك عموم قول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة» ~~، وما روي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: «عفوت لكم عن صدقة الخيل ~~والرقيق» . ومن جهة المعنى والقياس أنه لما أجمع أهل العلم في البغال ~~والحمير على أنه لا زكاة فيهما وإن كانت سائمة وأجمعوا في الإبل والبقر ~~والغنم على الزكاة فيها إذا كانت سائمة، واختلفوا في الخيل السائمة وجب ~~ردها إلى البغال والحمير لا إلى الإبل والبقر والغنم لأنها بها أشبه، لأنها ~~ذات حافر كما أنها ذوات حوافر، وذو الحافر بذي الحافر أشبه منه بذي الخف ~~والظلف، ولأن الله تبارك وتعالى قد جمع بينهما فجعل الخيل والبغال والحمير ~~صنفا واحدا لقوله تعالى: # PageV01P323 # {والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة} [النحل: 8] وجمع بين الأنعام ~~وهي الإبل والبقر والغنم فجعلها صنفا واحدا بقوله تعالى: {والأنعام خلقها ~~لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون} [النحل: 5] {ولكم فيها جمال حين تريحون ~~وحين تسرحون} [النحل: 6] ، وكقوله عز وجل: {الله الذي جعل لكم الأنعام ~~لتركبوا منها ومنها تأكلون} [غافر: 79] . # فصل والعمل في زكاة الإبل والغنم على كتاب عمر الذي ذكره مالك في موطئه ~~أنه قرأه فوجد فيه: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب الصدقات. في أربع ~~وعشرين من الإبل فدونها الغنم في كل خمس شاة، وفيما فوق ذلك إلى خمس ~~وثلاثين بنت مخاض، فإن لم تكن بنت مخاض فابن لبون ذكر، وفيما فوق ذلك إلى ~~خمس وأربعين بنت لبون. وفيما فوق ذلك إلى ستين حقة طروقة الفحل، وفيما فوق ~~ذلك إلى خمس وسبعين جذعة، وفيما فوق ذلك إلى عشرين ومائة حقتان طروقتا ~~الفحل. فما زاد على ذلك ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة. وفي ~~سائمة الغنم إذا بلغت أربعين إلى عشرين ومائة شاة، وفيما فوق ذلك إلى ~~مائتين شاتان، ms0267 وفيما فوق ذلك إلى ثلاثمائة ثلاث شياه، فما زاد على ذلك ففي ~~كل مائة شاة ولا يخرج في الصدقة تيس ولا هرمة ولا ذات عوار إلا ما شاء ~~المصدق، ولا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة. وما كان من ~~خليطين فإنهما يترادان بينهما بالسوية. وفي الرقة إذا بلغت خمس أواق ربع ~~العشر. # والعمل في زكاة البقر على ما ثبت من «أن معاذ بن جبل الأنصاري أخذ من ~~ثلاثين بقرة تبيعا، ومن أربعين بقرة مسنة، وأنه أتي بما دون ذلك فأبى أن ~~يأخذ منه شيئا وقال: لم أسمع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك ~~شيئا حتى ألقاه فأسأله، فتوفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل أن ~~يقدم معاذ بن جبل» وهو حديث يدخل في المسند لأنه # PageV01P324 # توقيف. وفي قوله إنه لم يسمع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما ~~دون الثلاثين دليل على أنه قد سمع منه في الثلاثين والأربعين. # شرح ابن المخاض ما أوفى سنة ودخل في الثانية. وابن اللبون ما أوفى سنتين ~~ودخل في الثالثة لأن الناقة ترضع فصيلها في العام الأول ثم تحمل في العام ~~الثاني أو تلحق بالحوامل وإن لم تحمل، لأن الناقة لا تحمل في كل عام وإنما ~~تحمل في عام وترضع في آخر، ففصيلها في العام الثاني ابن مخاض لأن أمه ~~أرضعته في العام الأول ثم حملت في العام الثاني فصار ابن مخاض، وفي العام ~~الثالث ابن لبون، لأنها أرضعته في العام الأول وحملت في العام الثاني ووضعت ~~في العام الثالث فصارت ذات لبن فكان ابنها من البطن الأول ابن لبون. ~~والحقة: ما أوفت ثلاث سنين ودخلت في الرابعة فاستحقت أن يحمل عليها وأن ~~يطرقها الفحل. والجذعة: ما أوفت أربع سنين ودخلت في الخامسة، وهو أعلى ~~الأسنان المأخوذة في الزكاة. # وقوله في سائمة الغنم لا دليل فيه على أن الزكاة لا تجب في غير السائمة ~~لأنها سائمة في طبعها وإن حبست على الرعي فلا يخرجها ذلك عن ms0268 أن يقع عليها ~~اسم سائمة. وقد قيل في معنى ذلك: إن الحديث خرج على سؤال سائل والأول أولى. # وقوله لا يخرج في الصدقة تيس ولا هرمة ولا ذات عوار إلا ما شاء المصدق، ~~الرواية فيه المصدق بالكسر. قال أبو عبيد وأنا أراه المصدق بالفتح وهو كما ~~قال، لأنه إن كان دون حقه فلا يجوز له أن يأخذه على حال، وإن كان فوق حقه ~~فلا يجوز له أخذه إلا برضا رب الماشية. فالصواب فيه المصدق بالفتح. وأما ~~التيس المنهي عن إخراجه في الصدقة فقيل هو الذكر من المعز غير المسن الفحيل ~~فلا يجوز للساعي أن يرضى به لأنه أقل من حقه، إذ لا يؤخذ من المعز إلا أنثى ~~على ما قاله ابن حبيب، وهو قوله في المدونة. والتيس هو دون الفحل إنما يعد ~~مع ذوات العوار والهرمة والسخال. وقيل هو الفحل الذي يطرق الغنم كان من ~~الضأن أو المعز، # PageV01P325 # فنهى عن أخذه في الصدقة لأنه فوق السن الواجبة له فلا يأخذه إلا برضا رب ~~الماشية. # وقوله ولا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة ذهب الشافعي ~~إلى أن النهي في ذلك إنما هو للسعاة، وذهب مالك إلى أن النهي في ذلك إنما ~~هو لأرباب المواشي. والصواب أن النهي على عمومه لهما جميعا، لا يجوز للساعي ~~أن يجمع غنم رجلين إذا لم يكونا خليطين فيزكيهما على الخلطة ليأخذ أكثر من ~~الواجب له، ولا أن يفرق غنم الخليطين فيزكيهما على الانفراد ليأخذ أكثر من ~~الواجب له. وكذلك أرباب الماشية لا يجوز لهم إذا لم يكونوا خلطاء أن يقولوا ~~نحن خلطاء ليؤدوا على الخلطة أقل مما يجب عليهم في الانفراد، ولا يجوز لهم ~~أيضا إذا كانوا خلطاء أن ينكروا الخلطة ليؤدوا على الانفراد أقل مما يجب ~~عليهم على الخلطة، وأما أبو حنيفة الذي لا يقول بالخلطة فيقول المعنى في ~~ذلك أنه لا يجوز للساعي أن يجمع ملك الرجلين فيزكيهما على ملك واحد، مثل أن ~~يكون للرجلين أربعون شاة فيما بينهما، ولا أن ms0269 يفرق ملك الرجل الواحد فيزكيه ~~على أملاك متفرقة، مثل أن يكون له مائة وعشرون فلا يجوز له أن يجعلها ثلاثة ~~أجزاء أربعين أربعين فيأخذ منها ثلاث شياه. والتراد عنده هو في مثل أن يكون ~~للرجلين مائة شاة وعشرون شاة على الثلث والثلثين فيأخذ منهما الساعي شاتين ~~قبل القسمة، فيكون قد أخذ من غنم صاحب الثلثين شاة وثلثا وإنما عليه شاة، ~~ومن غنم صاحب الثلث ثلثي شاة وعليه شاة، فيرجع صاحبه عليه بثلث شاة. # فصل وكتاب عمر هذا أصله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه ثابتة ~~صحاح. من ذلك ما روي عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب ~~كتاب الصدقات فلم يخرجه إلى عماله حتى قبض، وعمل به أبو بكر حتى قبض، ثم ~~عمر حتى قبض، وساق الحديث بمعناه. وأجمع أهل العلم على ما نص فيه واختلفوا ~~منه في مواضع محتملة للخلاف، منها في المذهب موضع واحد، وهو إذا زادت الإبل ~~على مائة وعشرين ولم تبلغ مائة وثلاثين، فقال مالك في المشهور عنه: الساعي ~~مخير بين أن يأخذ # PageV01P326 # حقتين وبين أن يأخذ ثلاث بنات لبون، وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة، ~~وعبد العزيز بن أبي حازم، وابن دينار، وإن لم يكن في الإبل إلا السن ~~الواحدة. وقيل إنه إنما يكون مخيرا إذا كانت السنان جميعا في الإبل أو لم ~~يكن فيها واحد منها. وقال ابن شهاب: يأخذ ثلاث بنات لبون، واختاره ابن ~~القاسم. وقال المغيرة وابن الماجشون: يأخذ حقتين، وهو قول مالك في رواية ~~أشهب عنه. وهذا الاختلاف جار على ما قاله أهل الأصول في المجتهد إذا تعارضت ~~عنده الأدلة ولم يترجح عنده أحدها هل يأخذ بالحظر أو بالإباحة أو يكون ~~مخيرا. وذهب أهل العراق إلى أنه يرجع فيما زاد من الإبل على مائة وعشرين ~~إلى زكاة الغنم، فيكون في مائة وخمسة وعشرين حقتان وشاة، وفي مائة وثلاثين ~~حقتان وشاتان، وفي مائة وخمسة وثلاثين حقتان وثلاث شياه، وفي مائة وأربعين ~~حقتان وأربع شياه، وفي ms0270 مائة وخمس وأربعين حقتان وبنت مخاض، وفي مائة وخمسين ~~ثلاث حقاق، وفي مائة وخمس وخمسين ثلاث حقاق وشاة، وفي مائة وستين ثلاث حقاق ~~وشاتان، وكذلك ما زاد إلى مائتين فيكون فيها أربع حقاق. # فصل وأما زكاة الغنم فلا اختلاف فيها في المذهب، إذ ليس في كتاب عمر منها ~~موضع محتمل للخلاف. وقد اختلف في غير المذهب فيما زاد على المائتين، فقل ~~فيها شاتان حتى تبلغ مائتين وثلاثين فيكون فيها ثلاث شياه، حكى الداروردي ~~هذا القول ولا وجه له وأراه غلطا. وقيل شاتان حتى تبلغ مائتين وأربعين ~~فيكون فيها ثلاث شياه، ثم كذلك فيما زاد على كل مائة. وقيل إنه كما يجب في ~~مائتي شاة وشاة ثلاث شياه فكذلك يجب في ثلاثمائة شاة وشاة أربع شياه، وفي ~~أربعمائة شاة وشاة خمس شياه، وفي خمسمائة شاة وشاة ست شياه، ثم كذلك فيما ~~زاد على كل مائة. وهذان القولان جاريان على أصل، وأما ما حكاه الداروردي ~~فلا وجه له على ما ذكرناه. # فصل وكذلك زكاة البقر لا اختلاف فيها في المذهب، إذ ليس في حديث معاذ ابن # PageV01P327 # جبل فيها موضع محتمل للخلاف. وقد قيل في غير المذهب إن فيما دون الثلاثين ~~منها في كل خمس شاة قياسا على الإبل، وأن في كل خمس وثلاثين تبيعا وشاة، ~~وأن فيما زاد على الأربعين بحساب المسنة في كل خمس وأربعين مسنة وثمن مسنة، ~~وفي خمسين مسنة وربع مسنة، وكذلك ما زاد إلى ستين فيكون فيها تبيعان. # فصل والإبل كلها بجميع أجناسها صنف واحد تجمع في الزكاة. وكذلك البقر ~~كلها بجميع أجناسها الجواميس وغير الجواميس تجمع في الزكاة. وكذلك الغنم ~~كلها بجميع أجناسها ضأنها ومعزها تجمع في الزكاة، ولا اختلاف في هذا أحفظه ~~إلا ما ذهب إليه ابن لبابة من أن الضأن والمعز صنفان لا يجمعان في الزكاة، ~~وأن الذهب والفضة صنفان لا يجمعان في الزكاة. واستدل على ذلك بقول الله عز ~~وجل: {وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات} [الأنعام: 141] إلى قوله ~~{ثمانية أزواج من الضأن ms0271 اثنين ومن المعز اثنين} [الأنعام: 143] إلى قوله ~~{ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين} [الأنعام: 144] قال فلو كان المعز من ~~الضأن لكان البقر من الإبل، إذ لا فرق في ذلك بين التلاوة، وهذا معنى قوله ~~دون نصه. # فصل وجاء في كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصدقات في بعض ~~الروايات: «فمن سئلها على وجهها فليعطها ومن سئل فوقها فلا يعطها» . وروي ~~«عن جرير بن عبد الله البجلي قال جاء ناس إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فقالوا إن ناسا من المصدقين يأتون فيظلموننا، قال: أرضوا مصدقيكم، ~~قالوا وإن ظلموا قال أرضوا مصدقيكم وإن ظلموا. قال جرير ما صدر عني مصدق ~~بعدها إلا راضيا» . فقيل إن ما في كتاب الصدقات ناسخ لما جاء في حديث جرير ~~بدليل أنه المتأخر إذ لم يخرجه إلى عماله حتى قبض - صلى الله عليه وسلم -. ~~وقيل المعنى في ذلك أن يمنعوا إذا لم يخش في منعهم فتنة، ولا # PageV01P328 # يمنعوا إذا خشي في منعهم فتنة. كقوله للأنصار: «ستصيبكم بعدي أثرة ~~فاصبروا حتى تلقوني» ، وكقوله لأبي ذر: «وإن ولي عليك حبشي فاسمع له وأطع» ~~. وعلى هذا يتأول «حديث عباده بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ~~السمع والطاعة» الحديث. وقيل في تخريج الحديثين غير هذا وليس بصحيح. وبالله ~~التوفيق. ### || فصل في تحويل الماشية بعضها في بعض # فصل # في تحويل الماشية بعضها في بعض الأموال التي تجب الزكاة في أعيانها بمرور ~~الحول عليها صنفان: عين، وماشية. فأما العين وهو الذهب والورق فالحكم فيه ~~إذا حول بعضه في بعض أن يزكى الثاني على حول الأول باع ذهبا بذهب أو ورقا ~~بورق أو ذهبا بورق أو ورقا بذهب، لأنه كله صنف واحد. وأما الماشية فإنها ~~ثلاثة أصناف: إبل، وبقر، وغنم. فإن باع إبلا بإبل أو بقرا ببقر أو غنما ~~بغنم زكى الثاني على حول الأول ولا خلاف في ذلك أعلمه. واختلف إن باع صنفا ~~بصنف غيره: إبلا ببقر أو بغنم أو بقرا بإبل أو بغنم أو غنما بإبل أو ms0272 ببقر ~~على قولين: أحدهما أنه يستأنف بالثاني حولا من يوم اشتراه، وهو قول ابن ~~القاسم وروايته عن مالك قياسا على الماشية تشترى بالدنانير والدراهم أنه ~~يستأنف بها حولا لأنهما صنفان كما أنهما صنفان. والثاني أنه يزكى الثاني ~~على حول الأول، وهو قول مالك في سماع أشهب من كتاب الزكاة وقول أصحاب مالك ~~كلهم حاشا ابن القاسم على ما حكاه ابن حبيب قياسا على الماشية تباع بالعين، ~~لأنه إذا كان العين يزكى على حول الماشية وهو صنف آخر، فأحرى أن تزكى ~~الماشية على حول الماشية وإن كانت صنفا آخر، لأن الماشية بالماشية ما كانت ~~أشبه من العين بالماشية. وقول ابن القاسم أظهر، لأن قياس المثمون على ~~المثمون أولى من قياسه على الثمن. والفرق بين بيع الماشية بالعين # PageV01P329 # وبين شرائها بالعين أنه يتهم في بيع الماشية بالعين بالهروب بالزكاة عن ~~الساعي، ولا تهمة عليه في اشتراء الماشية بالعين إذا كانت زكاة العين ~~موكولة إلى أمانته ولم يكن مأخوذا بها. # فصل فإذا كان للرجل دنانير فأشترى بها ماشيه إبلا أو بقرا أو غنما فلا ~~يخلو ذلك من وجهين: أحدهما أن يكون ما تجب فيه الزكاة. والثاني أن لا يبلغ ~~ما تجب فيه الزكاة. فأما إن كان ما تجب فيه الزكاة فلا زكاة عليه فيها حتى ~~يحول عليها الحول من يوم اشتراها فيزكيها زكاة السائمة كان اشتراها لقنية ~~أو لتجارة. # فصل فإن باعها افترق الأمر فيها بين أن يكون اشتراها للقنية أو للتجارة. ~~فإن كان اشتراها للقنية وباعها قبل أن يخرج من رقابها الزكاة فاختلف في ذلك ~~قول مالك، مرة قال يستقبل بالثمن حولا من يوم باعها، ومرة قال يزكيها إذا ~~حال عليها الحول من يوم ابتاعها. وكان القياس إذا لم يستقبل بالثمن حولا أن ~~يزكيه على حول المال الذي ابتاعها به. وأما إن باعها بعد أن أخرج من رقابها ~~الزكاة، فقيل إنه يزكيها إذا حال عليها الحول من يوم زكى رقابها ولا يدخل ~~في ذلك اختلاف قول مالك. قال ذلك محمد بن المواز ms0273 في موضع؛ وقال في موضع ~~آخر: إن اختلاف قول مالك يدخل في ذلك فيستقبل بالثمن حولا على أحد قوليه، ~~ويزكيها إذا حال عليها الحول من يوم أخرج زكاة رقابها على قوله الثاني. ~~وكذلك ذكر ابن حبيب أن اختلاف قول مالك داخل فيها. # فصل وإن كان اشتراها للتجارة فباعها قبل أن يخرج من رقابها الزكاة زكاها ~~على حول المال الذي اشتراها به، وإن كان باعها بعد أن أخرج من رقابها ~~الزكاة زكاها إذا حال عليها الحول من يوم زكى رقابها، ولا اختلاف في هذا. ~~وقال أبو إسحاق # PageV01P330 # التونسي: ينبغي أن يدخل فيها اختلاف قول مالك إذا باعها بعد أن أخرج من ~~رقابها الزكاة فيستقبل بثمنها حولا من يوم باعها على أحد قولي مالك. # فصل وأما إن كانت الماشية التي باع بالدنانير لا تبلغ ما تجب فيه الزكاة ~~فحكمها حكم العروض، إن كان إشتراها للتجارة وهو مدير قومها، وإن لم يكن ~~مديرا فلا زكاة عليه فيها حتى يبيعها [ويحول الحول عليه من يوم زكى المال ~~الذي اشتراها به وإن كان اشتراها للقنية فلا زكاة عليه فيها حتى يبيعها] ~~ويستقبل بالثمن حولا من يوم باعها. # فصل وإذا كانت للرجل ماشية ورثها أو وهبت له ولم يشترها فباعها بدنانير ~~ثم أخذ بها ماشية قبل أن يقبضها أو اشترى بها بعد أن قبضها ماشية أخرى منه ~~أو من غيره من صنفها على مذهب ابن القاسم الذي يفرق في تحويل الماشية بين ~~أن يحولها في صنفها أو غير صنفها. أو من غير صنفها على القول بالمساواة بين ~~الوجهين ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها أنه يستقبل بالغنم الثانية حولا في ~~الوجوه كلها، وهو مذهب ابن القاسم. قال في كتاب ابن المواز: وكذلك لو ~~استقاله فيها بعد أن باعها، لأن الإقالة بيع حادث. والثاني أنه يزكيها على ~~حول الأولى، وهو قول ابن الماجشون في كتاب ابن المواز. والثالث أنه يستقبل ~~بها حولا إن اشترى بالثمن من غيره ويزكيها على حول الأولى إن أخذها منه في ~~الثمن أو اشتراها ms0274 منه به. وهذا القول حكاه ابن حبيب في الواضحة عن مالك ~~وأصحابه حاشا ابن القاسم. # فصل واختلف قول ابن القاسم إذا استهلك الرجل للرجل غنما فأخذ منه فيها ~~غنما تجب فيها الزكاة، فمرة قال يزكيها على حول المستهلكة ومرة قال يستقبل ~~بها # PageV01P331 # حولا. واختلاف قوله هذا إنما يصح عندي إذا كانت قد فاتت بالاستهلاك فوتا ~~يوجب له تضمينه القيمة فيها وأما إذا فاتت أعيانها فلا اختلاف في أنه ~~يستقبل بالغنم التي يأخذها منه في قيمتها الحول. ولو كانت قائمة بيد الغاصب ~~لم تفت بوجه من وجوه الفوت لزكاها على حول الأولى بلا اختلاف، لأن ذلك ~~كالمبادلة سواء، وبالله التوفيق. # فصل الدين لا يسقط زكاة ما عدا العين من الأموال التي تجب فيها الزكاة. ~~والدليل على ذلك أن الله تبارك وتعالى قال: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ~~وتزكيهم بها} [التوبة: 103] وقال: {كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم ~~حصاده} [الأنعام: 141] فعم ولم يخص من عليه دين ممن لا دين عليه في مال من ~~الأموال. والعموم محتمل للخصوص، فخصص أهل العلم من ذلك من عليه دين في ~~المال العين بإجماع الصحابة على ذلك، بدليل ما روي أن عثمان بن عفان كان ~~يصيح في الناس: يا أيها الناس هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤده حتى ~~تحصل أموالكم فتؤدون منها الزكاة. وبقي ما سوى ذلك على العموم. فلا يسقط ~~الدين زكاة الحرث ولا الماشية، وكذلك زكاة الفطر عن العبيد على الصحيح من ~~الأقوال، وهو قول ابن وهب عن مالك خلاف ظاهر ما في المدونة ونص ما في كتاب ~~ابن المواز. وقد فرق أيضا بين العين وغيره في وجوب إسقاط الدين بتفاريق من ~~جهة المعنى لا تخلص من الاعتراض، وقد يحتمل أن يكون صدر عنها الإجماع ~~وبالله التوفيق. ### || فصل في القول في زكاة الفطر # فصل # في القول في زكاة الفطر اتفق جمهور أهل العلم على وجوب زكاة الفطر، ~~واختلفوا هل هي واجبة # PageV01P332 # بالقرآن أو بالسنة، فقيل إنها فرض واجب بالقرآن داخلة في ms0275 الزكاة التي ~~قرنها الله بالصلاة في محكم التنزيل فقال تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة} [البقرة: 43] ، وروي ذلك عن مالك. ودليله «أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس على كل حر أو عبد ذكر أو ~~أنثى من المسلمين وأخذها منهم» فكان ذلك من قوله وفعله بيانا لمجمل قول ~~الله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم} [التوبة: ~~103] ، وقد روي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال في قوله تعالى: {قد أفلح من ~~تزكى} [الأعلى: 14] {وذكر اسم ربه فصلى} [الأعلى: 15] أنها زكاة الفطر ثم ~~الغدو إلى المصلى. وقيل إنها سنة واجبة فرضها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أي أوجبها. ولا يصح أن يكون معنى فرضها قدرها، لأن في الحديث الصحيح ~~حديث ابن عمر «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرض زكاة الفطر على ~~الناس من رمضان صاعا من تمر أو صاعا من شعير» . وعلى تقتضي الوجوب واللزوم، ~~ولا يجوز أن تكون على ههنا بمعنى عن لأن الموجب عليهم غير الموجب عنهم، وقد ~~جمعهم في الحديث [فقال في الموجب عنهم على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من ~~المسلمين أي عن كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين] وهذا يقتضي أن ما ~~أوجبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينطلق عليه اسم الفرض. وكان سبب ~~فرضه - صلى الله عليه وسلم - إياها الدواف التي كانت تدف عليه - صلى الله ~~عليه وسلم - أيام الهجرة بالمدينة، فكانوا ينزلون في المسجد ويأوون إليه، ~~فإذا حضر الفطر رجع أهل القرار إلى ما أعد لهم أهلهم من الطعام، ويرجع أهل ~~المسجد إلى غير شيء أعد لهم، ففرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زكاة ~~الفطر وأمر بجمعها في المسجد، وكان أكثر ما يؤدون التمر لأنه كان جل عيشهم، ~~فكانوا إذا انصرفوا إلى المسجد جلسوا عليه وأكلوا منه، فما فضل عنهم قسمه ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الفقراء والمساكين وقال: «أغنوهم عن ~~طواف هذا ms0276 اليوم» . وروي هذا القول عن مالك - رحمه الله تعالى -. # PageV01P333 # ومن أصحابنا من أطلق القول بأنها سنة وقال ما روي أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فرضها إنما معناه قدرها ووقتها، لأن الفرض يكون بمعنى ~~التقدير والتوقيت. قال الله عز وجل: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} ~~[التحريم: 2] أي قدرها. وقد تقدم ما دل على ضعف هذا التأويل. وإنما يعزى ~~إسقاط وجوب الفطر إلى ابن علية والأصم. فإن قال من ذهب إلى أنها سنة واجبة ~~من السنن التي الأخذ بها فضيلة وتركها خطيئة فإنما يرجع ذلك إلى الاختلاف ~~في العبارة على ما ذكرناه. # فصل وهي زكاة الرقاب زائدة إلى زكاة الأموال فتجب على الغني والفقير إذا ~~كان له مال يؤديها منه وإن لم يكن له إلا ما يتصدق به عليه منها إذا كان ~~فيه فضل عن قوت يومه. ويستحب له إذا لم يقدر على شيء أن يتسلف ويؤدي، وقيل ~~إنها لا تجب على من تحل له، والأول أظهر، لقول رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «أغنوهم عن طواف هذا اليوم» . # فصل وهي تبع للنفقة عن الصغير والكبير والذكر والأنثى والحر والعبد من ~~المسلمين، فيخرج الرجل زكاة الفطر عن نفسه وزوجه وخادم زوجه ومن في حجره من ~~ولده إن لم يكن لهم مال، وعن أبويه إذا لزمته نفقتهما، وعن عبده وأم ولده ~~ومدبره وعن مكاتبه لأنه عبد بعد، ونفقته على نفسه من ماله كنفقة العبد على ~~نفسه من خراجه، فيؤدي عنه السيد زكاة الفطر من ماله لأنه هو المنفق عليه في ~~الحقيقة، ولا يستطيع أن يأخذها من مال المكاتب لإحرازه ماله عنه بالكتابة. ~~واختلف في المخدم فقيل إن صدقة الفطر على المخدم لأن النفقة عليه، وقيل إن ~~صدقة الفطر على سيده لأن نفقة المخدم عليه كالإجارة على خدمته، فهو كمن أجر ~~عبده بنفقته فالزكاة عليه لا على المستأجر. # PageV01P334 # فصل واختلف في نفقة المخدم فقيل إنها على المخدم وقيل إنها على المخدم، ~~وقيل إنها إن كانت الخدمة قليلة فالنفقة على المخدم، وإن ms0277 كانت الخدمة كثيرة ~~أو حياة المخدم فالنفقة على المخدم الذي له الخدمة. وقيل إن الاختلاف إنما ~~هو في الخدمة الكثيرة، ولا اختلاف في الخدمة اليسيرة أنها على رب العبد ~~المخدم، ذهب إلى ذلك سحنون، والأول أصح أن في المسألة ثلاثة أقوال. # فصل ويستحب لمن وجبت عليه زكاة الفطر أن يؤديها يوم الفطر قبل الغدو إلى ~~المصلى، فإن أخرجها قبل ذلك بيوم أو يومين أو ثلاثة أجزأ على الاختلاف فيمن ~~أخرج زكاته قبل حلول الحول بيسير. # فصل واختلف في حد وجوبها على من كان من أهلها على قولين: أحدهما أنها تجب ~~عليه بغروب الشمس من آخر يوم من رمضان، وهي رواية أشهب عن مالك - رحمه الله ~~تعالى -، والثاني أنه لا تجب عليه إلا بعد طلوع الفجر من يوم الفطر، وهي ~~رواية ابن القاسم عن مالك - رحمه الله تعالى -. والأصل في هذا الاختلاف ~~اختلافهم في معنى ما ثبت من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنه ~~فرض زكاة الفطر من رمضان على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين» ، ~~فتؤول في رواية أشهب عنه أن مراده بالفطر من رمضان هو الفطر بعد انقضاء شهر ~~رمضان أول ليلة من شوال وتؤول في رواية ابن القاسم عنه أن المراد به الفطر ~~المنافي للصوم، وذلك لا يكون إلا بعد الفجر، وهو الأظهر، لأن الفطر بعد ~~غروب الشمس من آخر يوم من رمضان كالفطر بعد غروبها في سائر الأيام، فلا ~~يقال أفطر من رمضان إلا لمن أفطر بعد الفجر من شوال. وأما من أفطر بعد غروب ~~الشمس من آخر يوم # PageV01P335 # رمضان فإنما يقال له أفطر من صوم ذلك اليوم بعينه، فلا اختلاف فيمن مات ~~قبل غروب الشمس من آخر يوم من رمضان أن الزكاة ساقطة عنه، ولا اختلاف فيمن ~~مات بعد طلوع الفجر من يوم الفطر أن الزكاة واجبة عليه. واختلف فيمن مات ~~بعد غروب الشمس من آخر يوم من رمضان وقبل طلوع الفجر من يوم الفطر هل تجب ~~عليه الزكاة أم لا ms0278 على قولين كما ذكرنا. # فصل واختلف في حد انتقالها عمن وجبت عليه مثل العبد يباع أو يعتق والمرأة ~~تتزوج أو تطلق أو الابن يحتلم أو يوسر أو الأبوان يعسران على أربعة أقوال: ~~أحدها أن الزكاة تنتقل في ذلك كله إلى غروب الشمس من يوم الفطر، وهذا على ~~أحد قولي مالك في المدونة في العبد يباع يوم الفطر إن الزكاة فيه على ~~المبتاع. والثاني أنها تنتقل في ذلك كله إلى طلوع الشمس من يوم الفطر، حكى ~~هذا القول عبد الوهاب. والثالث أنها تنتقل في ذلك كله إلى طلوع الفجر من ~~يوم الفطر. والرابع أنها تنتقل في ذلك كله إلى غروب الشمس من آخر يوم من ~~رمضان. واختار محمد ابن المواز وأشهب في أحد قوليه القول الثالث أنها تنتقل ~~إلى طلوع الفجر من يوم الفطر، وأخذ به وراعى سائر الأقوال فقال في العبد ~~إذا بيع بعد طلوع الفجر من يوم الفطر إلى غروب الشمس من يوم الفطر إن ~~الزكاة واجبة على البائع ومستحبة على المبتاع، وإن بيع بعد غروب الشمس من ~~آخر يوم من رمضان إلى طلوع الفجر من يوم الفطر إن الزكاة واجبة على المبتاع ~~ومستحبة على البائع. وكذلك سائر ما ذكرناه مما تنتقل الزكاة فيه. وأخذ أشهب ~~بجميع الأقوال احتياطا إذ لم يترجح عنده أحدها على صاحبه فقال إن البيع إذا ~~وقع في العبد من بعد غروب الشمس من آخر يوم من رمضان إلى غروب الشمس من يوم ~~الفطر إن الزكاة تجب عليهما جميعا. وكذلك على مذهبه سائر ما ذكرناه فيما ~~تنتقل فيه الزكاة. وقول أشهب هذا على ما ذهب إليه أبو الفرج المالكي ومن ~~ذهب مذهبه في أن المجتهد إذا تعارضت عنده أدلة الحظر والإباحة ولم يترجح ~~عنده أحدهما أنه يأخذ بالإباحة، # PageV01P336 # وذهب أبو بكر الأبهري وبعض أصحاب الشافعي إلى أنه يأخذ بالحظر. فيجب على ~~هذا أن لا يوجب الزكاة على واحد منهما. وفي المسألة قول ثالث، وهو أن ~~الناظر مخير بين أن يأخذ بالحظر أو بالإباحة، فيجب على ms0279 هذا أن يوجب الزكاة ~~على أيهما شاء. # فصل وأما إن باع العبد قبل غروب الشمس من آخر يوم من رمضان فلا اختلاف أن ~~الزكاة فيه على المبتاع. وكذلك إن باعه بعد غروب الشمس من يوم الفطر لا ~~اختلاف في أن الزكاة فيه على البائع. # فصل وكذلك اختلف أيضا في حد وجوبها على من لم يكن من أهلها مثل النصراني ~~يسلم والمولود يولد على هذه الأربعة الأقوال. وقد رأيت في المسألة قولا ~~خامسا لابن الماجشون في الثمانية أن حد وجوبها إلى زوال الشمس من يوم الفطر ~~لأنه الوقت الذي يجوز إليه تأخير صلاة العيد. وقوله في الكتاب في النصراني ~~يسلم يوم الفطر إن الزكاة عليه مستحبة وليست بواجبة هو مثل ما حكيناه فوق ~~هذا من قول ابن المواز في مراعاة الاختلاف. وأشهب يرى أن الزكاة لا تجب ~~عليه إلا أن يسلم قبل طلوع الفجر من آخر يوم من رمضان، فهذه في النصراني ~~ستة أقوال. # فصل واختلف أهل العلم فيما يجوز إخراج زكاة الفطر منه بعد إجماعهم على ~~أنه يجوز إخراجها من الشعير والتمر على ستة أقوال. # أحدها قول ابن القاسم وروايته عن مالك أنها تخرج من غالب عيش البلد من ~~تسعة أشياء، وهي القمح، والشعير، والسلت، والأزر، والذرة، والدخن، والتمر، ~~والأقط، والزبيب. فإن كان عيشه وعيش عياله من هذه الأصناف من غير الصنف ~~الذي هو غالب عيش البلد أخرج من الذي هو غالب عيش البلد، كان # PageV01P337 # الصنف الذي خص به نفسه أدنى أو أرفع، إلا أن يعجز عن إخراج أفضل مما ~~يتقوت به فلا يلزمه غيره. هذا على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في ~~المدونة. وذهب محمد بن المواز - رحمه الله تعالى - إلى أنه لا ينظر إلى حال ~~عيش أهل البلد وإنما ينظر إلى ما يتقوت به فيخرج منه كان أرفع من قوت أهل ~~البلد أو أدنى، إلا أن يكون ترك ما يتقوت به أهل البلد إلى ما هو أدنى شحا ~~وبخلا فيلزمه أن يخرج مما يتقوت به أهل البلد. ms0280 ولا يخرج مما عداها من ~~القطاني أصلا، وقيل إلا أن يكون عيشهم يزيد في الخصب والجدب يعني الرخص ~~والشدة اختلف في ذلك قول ابن القاسم. # والثاني رواية يحيى عن ابن القاسم في العتبية أنها تخرج من خمسة أصناف، ~~وهي القمح، والشعير، والتمر، والزبيب، والأقط، ولا تخرج من السلت والذرة ~~والدخن والأرز إلا أن يكون ذلك عيشهم يزيد في الخصب والجدب. وعلى هذا القول ~~لا تخرج من القطنية والجلجلان وإن كان ذلك عيشهم. # والثالث قول ابن الماجشون حكاه الفضل عنه أنها تخرج من خمسة أشياء، وهي: ~~القمح، والشعير، والسلت، والتمر، والأقط. # والرابع قول أشهب أنها تخرج من ستة أشياء وهي القمح والشعير والسلت ~~والتمر والأقط والزبيب. # والخامس قول ابن حبيب إنها تخرج من عشرة أشياء، فزاد العلس، وذهب إلى أنه ~~مخير في القمح والشعير والتمر يخرج من أيها شاء كان عيشه من الأدنى أو ~~الأرفع. فإن لم يكن قوته من واحدة منهن أخرج من أي ذلك كان قوته وقوت أهل ~~بلده الشامل فيهم من السبعة الأشياء الباقية، فإن كان قوته وقوت أهل بلده ~~من بعضها وأخرج فطرته من غيرها من هذه السبعة لم يجزئه. ظاهر قوله وإن كان ~~الذي أخرج منها هو أفضل مما كان قوته وقوت أهل بلده. وانظر على مذهبه إن ~~كان قوته وقوت عياله من هذه السبعة غير الذي يتقوت منه أهل البلد، فالأظهر ~~أنه يخرج من الصنف الذي يتقوت به أهل البلد كان أفضل أو أدنى، إلا أن يكون ~~الذي يتقوت به أدنى ولا يقدر على إخراج الفطر من الصنف الذي هو قوت أهل ~~البلد. # PageV01P338 # فصل ووجه قول ابن حبيب في تخيير المزكي في الثلاثة الأصناف ظاهر حديث ابن ~~عمر «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرض الزكاة على المسلمين صاعا من ~~تمر أو صاعا من شعير» ودخل القمح مدخل الشعير في التخيير لأنه أفضل منه ومن ~~التمر ولم يخيره في سائر الأصناف، وجعل ما ورد في ذلك من قوله كذا أو كذا ~~على التقسيم لا ms0281 على التخيير، وهذا لا دليل عليه. # والسادس قول أهل الظاهر إن زكاة الفطر لا توفى إلا من التمر والشعير ~~إتباعا لظاهر حديث [ابن عمر وتعلقوا في حديث] أبي سعيد الخدري - رضي الله ~~تعالى عنه - برواية من روى «كنا نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام صاعا من شعير ~~أو صاعا من تمر أو صاعا من أقط أو صاعا من زبيب» بإسقاط لفظة أو فيما بين ~~القمح. والشعير، وتأولوا أن الشعير تفسير للطعام لوقوع لفظ الطعام على كل ~~مطعوم، وهذا بعيد، لأن لفظ الطعام إذا أطلق فالظاهر منه القمح دون ما سواه ~~مع ما جاء في بعض الروايات «صاعا من طعام أو صاعا من شعير» بزيادة أو ~~فارتفع الإشكال والاحتمال. # فصل ومكيلة زكاة الفطر صاع من كل ما يؤدي منه حاشا القمح فإنه قد قيل فيه ~~مدان ورويت في ذلك آثار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن عمر وغيره من ~~الصحابة، وأنكر ذلك كله مالك، وقال عقيل وتبسم: والذي ذهب إليه هو الحق، ~~والحجة على ما ذهب إليه في هذا قد ذكرها ابن المواز وغيره فلا معنى لذكرها، ~~وبالله التوفيق. # PageV01P339 ### | كتاب الجهاد # ] [ ### || فصل في معرفة اشتقاق اسم الجهاد # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وآله وسلم. # عونك اللهم لا شريك لك كتاب الجهاد فصل - # في معرفة اشتقاق اسم الجهاد الجهاد مأخوذ من الجهد وهو التعب، فمعنى ~~الجهاد في سبيل الله المبالغة في إتعاب الأنفس في ذات الله وإعلاء كلمته ~~التي جعلها الله طريقا إلى الجنة وسبيلا إليها. قال الله عز وجل: {وجاهدوا ~~في الله حق جهاده} [الحج: 78] . # فصل والجهاد ينقسم على أربعة أقسام: جهاد القلب، وجهاد باللسان، وجهاد ~~باليد، وجهاد بالسيف. # فجهاد القلب جهاد الشيطان ومجاهدة النفس عن الشهوات المحرمات. قال الله ~~عز وجل: {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى} [النازعات: 40] {فإن ~~الجنة هي المأوى} [النازعات: 41] . # وجهاد اللسان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن ذلك ما أمر الله به ~~نبيه - صلى الله عليه وسلم - من جهاد ms0282 المنافقين، لأنه عز وجل قال: # PageV01P341 # {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس ~~المصير} [التوبة: 73] فجاهد - صلى الله عليه وسلم - الكفار بالسيف، وجاهد ~~المنافقين باللسان، لأن الله تعالى نهاه أن يعمل علمه فيهم فيقيم الحدود ~~عليهم لئلا يتحدث عنه أنه يقتل أصحابه على ما روي عنه - صلى الله عليه وسلم ~~-. وكذلك جاهد - صلى الله عليه وسلم - المشركين قبل أن يؤمر بقتالهم بالقول ~~خاصة. # وجهاد اليد زجر ذوي الأمر أهل المناكر عن المناكر والأباطيل والمعاصي ~~المحرمات، وعن تعطيل الفرائض الواجبات، بالأدب والضرب على ما يؤدي إليه ~~الاجتهاد في ذلك. ومن ذلك إقامتهم الحدود على القذفة والزناة وشربة الخمر. ~~وجهاد السيف قتال المشركين على الدين. # فصل فكل من أتعب نفسه في ذات الله فقد جاهد في سبيله، إلا أن الجهاد في ~~سبيل الله إذا أطلق فلا يقيم بإطلاقه إلا على مجاهدة الكفار بالسيف حتى ~~يدخلوا في الإسلام أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. # فصل والجهاد من أفضل أعمال البر وأزكاها عند الله تعالى. روي «عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن أفضل الأعمال فقال: "إيمان بالله وجهاد في ~~سبيله» . وأنه قال لرجل: «لو قمت الليل وصمت النهار ما بلغت نوم المجاهد» ، ~~وقال لرجل له ستة آلاف دينار: "لو أنفقتها في طاعة الله ما بلغت غبار شراك ~~نعل المجاهد ". وقال: «لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها» ~~. # PageV01P342 # فصل وإنما كان الجهاد من أفضل الأعمال لأن فيه بذل النفس في طاعة الله. ~~ومن بذل نفسه في طاعة الله فقد بلغ الغاية التي لا يقدر على أكثر منها، ~~ولذلك جازى الله الشهداء في سبيله لما أن بذلوا حياتهم في طاعته بأن أحياهم ~~أفضل من حياتهم التي بذلوها في طاعته فقال عز وجل: {ولا تحسبن الذين قتلوا ~~في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} [آل عمران: 169] {فرحين بما ~~آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ~~ولا هم ms0283 يحزنون - يستبشرون} [آل عمران: 170 - 171] ، وروي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - من رواية أبي سعيد الخدري أنه قال: «الشهداء يغدون ~~ويروحون إلى الجنة ثم يكون مأواهم إلى قناديل معلقة تحت العرش» ، وقال ~~تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون ~~في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ~~ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز ~~العظيم} [التوبة: 111] ، وروي عن ابن عباس أنه قال: لقد أغلى لهم. وقال ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم} ~~[الصف: 10] {تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ~~ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} [الصف: 11] {يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم} [الصف: ~~12] {وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين} [الصف: 13] ، ~~وقال تعالى: {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص} ~~[الصف: 4] ، # PageV01P343 # ومن أحبه الله أمنه من عذابه، وأكرمه بجواره في الجنة التي أعدها الله ~~لأوليائه. وقال تعالى: {الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم ~~وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون} [التوبة: 20] {يبشرهم ربهم ~~برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم} [التوبة: 21] {خالدين فيها ~~أبدا إن الله عنده أجر عظيم} [التوبة: 22] ، وقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم الدائم الذي لا ~~يفتر من صلاة ولا صيام حتى يرجع» ، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله ~~وابتغاء مرضاته أن يدخله الجنة أو يرده إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال ~~من أجر أو غنيمة» . يريد أجرا وغنيمة، لأن أو ها هنا بمعنى الواو، إذ لا ~~تنفي الغنيمة الأجر. وقد تكون أو على بابها فيكون معنى الكلام مع ما نال من ~~أجر دون ms0284 غنيمة أو غنيمة مع أجر. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «والذي نفسي بيده لوددت أن أقاتل في سبيل الله فأقتل ثم أحيا فأقتل ثم ~~أحيا فأقتل ثم أحيا فأقتل فكان أبو هريرة يقول ثلاثا أشهد لله.» ويروى أنه ~~«ما من أحد يصير إلى خير فيود الرجوع إلى الدنيا إلا الشهيد في سبيل الله ~~فإنه يود أن يرجع إلى الدنيا فيقاتل في سبيل الله فيقتل مرة أخرى وذلك لما ~~يرى من كرامة الله تعالى» . وفضائل الجهاد أكثر من أن تحصى كثرة. # فصل وأول ما بعث الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالدعاء إلى الإسلام ~~من غير قتال أمره به ولا أذن له فيه ولا جزية أحلها له، فأقام رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - على ذلك عشر سنين وهي التي أقامها بمكة، وحينئذ أنزل ~~الله عز وجل: {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين} [الحجر: 94] ، # PageV01P344 # وقوله تعالى: {فاعف عنهم واصفح} [المائدة: 13] ، وقوله تعالى: {لا إكراه ~~في الدين} [البقرة: 256] ، وما أشبه ذلك من الآيات. فلما هاجر - صلى الله ~~عليه وسلم - إلى المدينة أذن الله تعالى له وللمؤمنين بقتال من قاتلهم ~~وأمرهم بالكف عمن لم يقاتلهم، فقال تعالى: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ~~وإن الله على نصرهم لقدير} [الحج: 39] ، وقال تعالى: {فإن قاتلوكم فاقتلوهم ~~كذلك جزاء الكافرين} [البقرة: 191] ، وقال تعالى: {فإن اعتزلوكم فلم ~~يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا} [النساء: 90] ~~فكانت هذه سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين منذ هاجر إلى ~~المدينة إلى أن نزلت سورة براءة وذلك بعد ثمان من الهجرة فأمره الله تعالى ~~فيها بقتال جميع المشركين من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم ~~صاغرون، فقال تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا ~~يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى ~~يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29] ، وقال - صلى الله عليه وسلم ~~- في المجوس: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» ، إلا ms0285 من كان له عهد عند النبي - ~~عليه الصلاة والسلام - فإن الله أتمه له إلى مدته فقال تعالى: {إلا الذين ~~عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا ~~إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين} [التوبة: 4] . # PageV01P345 # فصل وفرض الله عز وجل الجهاد حينئذ على جميع المسلمين كافة فقال تعالى: ~~{وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين} ~~[التوبة: 36] ، وقال تعالى: {تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله ~~بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} [الصف: 11] ، وقال: {يا ~~أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى ~~الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة ~~إلا قليل} [التوبة: 38] {إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ~~ولا تضروه شيئا} [التوبة: 39] الآية. وقال تعالى: {ما كان لأهل المدينة ومن ~~حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه} ~~[التوبة: 120] الآية، ثم نسخ الله تبارك وتعالى ذلك فجعل الفرض يحمله من ~~قام به من المسلمين عن سائرهم فقال تعالى: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة ~~فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا ~~رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} [التوبة: 122] ، معنى الآية على ما روي عن ابن ~~عباس - رضي الله عنهما -: ما كان المؤمنون لينفروا كافة إلى عدوهم ويتركوا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحده، فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ~~أي عصبة يعني السرايا ولا يخرجوا إلا بإذنه، فإذا رجعت السرايا وقد نزل ~~بعدهم قرآن تعلمه القاعدون من النبي - عليه الصلاة والسلام - وقالوا لهم إن ~~الله قد أنزل على نبيكم من بعدكم قرآنا قد تعلمناه فتمكث السرايا يتعلمون ~~ما أنزل الله على نبيهم بعدهم وتبعث سرايا أخر، فذلك قوله ليتفقهوا في ~~الدين. وقال الحسن: المعنى فهلا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في ~~الدين، أي ليتفقه الذين خرجوا بما # PageV01P346 # يريهم الله من الظهور على المشركين والنصر ms0286 وينذروا قومهم إذا رجعوا ~~إليهم. وقيل إن الآية نزلت في قوم كان يبعثهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~إلى البادية ليعلموا الناس الإسلام فلما أنزل الله: {ما كان لأهل المدينة ~~ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه} ~~[التوبة: 120] انصرفوا من البادية إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - خشية ~~أن يكونوا ممن تخلف عنه وممن عني بالآية، فأنزل الله الآية وكره انصراف ~~جميعهم من البادية إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقول ابن عباس - رضي ~~الله تعالى عنه - هو المختار من التفسير. # فصل فالجهاد الآن فرض على الكفاية يحمله من قام به بإجماع أهل العلم، ~~فإذا جوهد العدو وحميت أطراف المسلمين وسدت ثغورهم سقط فرض الجهاد عن سائر ~~المسلمين وكان لهم نافلة وقربة مرغبا فيها، إلا أن تكون ضرورة مثل أن ينزل ~~العدو ببلد من بلاد المسلمين فيجب على الجميع إغاثتهم وطاعة الإمام في ~~النفير إليهم. # فصل وقد كان الله أوجب في أول الإسلام على المسلمين أن لا يفروا عن ~~الكفار قل عددهم أو كثر، فقال تعالى: {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا ~~لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير} ~~[الأنفال: 16] ثم نسخ ذلك عن عباده بقوله تعالى: {إن يكن منكم عشرون صابرون ~~يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا ~~يفقهون} [الأنفال: 65] ، وقد قيل إن هذه الآية ليست بناسخة للأولى ولكنها ~~مبينة لها ومخصصة لعمومها، وأن الله لم # PageV01P347 # يوجب قط على المسلمين أن يثبتوا لأكثر من عشرة أمثالهم، ثم نسخ الله ذلك ~~تخفيفا ورحمة فقال: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم ~~مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله ~~مع الصابرين} [الأنفال: 66] ، فأباح الله تعالى للمسلمين الفرار من عدوهم ~~إذا زاد عددهم على الضعف وخشوا أن يغلبوهم. وقد اختلف في تأويل الضعف فقيل ~~هو في العدد فيلزم المسلمين أن يثبتوا ms0287 لمثلي عددهم من المشركين وإن كانوا ~~أشد منهم سلاحا وأظهر جلدا وقوة، وهو قول أكثر أهل العلم. وقيل في تأويل ~~ذلك في الجلد والقوة، ويلزمهم أن يثبتوا لأكثر من الضعف إذا كانوا أشد منهم ~~سلاحا وأكثر جلدا وقوة ولا يلزمهم أن يثبتوا لهم وإن كانوا أقل من الضعف ~~إذا كان المشركون أشد منهم سلاحا، وأكثر جلدا وقوة وخافوا أن يغلبوهم، وهو ~~قول ابن الماجشون وروايته عن مالك. والفرار من الزحف إذا كان العدو أقل من ~~ضعف المسلمين في العدة أو في الجلد والقوة على ما ذكرناه من الاختلاف من ~~الكبائر على مذهب مالك وأصحابه. وقد قال ابن القاسم لا تجوز شهادة من فر من ~~الزحف. ولا يجوز لهم الفرار وإن فر إمامهم لقول الله عز وجل: {ومن يولهم ~~يومئذ دبره} [الأنفال: 16] الآية. وهذا ما لم يبلغ عدد المسلمين اثني عشر ~~ألفا. وإن بلغ اثني عشر ألفا لم يحل لهم الفرار وإن زاد عدد المشركين على ~~الضعف، لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لن تغلب اثنا عشر ألفا من ~~قلة» فإن أكثر أهل العلم خصصوا هذا العدد بهذا الحديث من عموم الآية. وروي ~~عن مالك ما يدل على ذلك من مذهبه، وقوله للعمري العابد إذ سأله هل له سعة ~~في ترك مجاهدة من غير الأحكام وبدلها: إن كان معك اثنا عشر ألفا مثلك فلا ~~سعة لك في ذلك. وقد قيل إن قول الله عز وجل: {ومن يولهم يومئذ دبره إلا ~~متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس ~~المصير} [الأنفال: 16] خاص في أهل بدر لأنهم لم يكن لهم أن يتركوا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - مع عدوه # PageV01P348 # وينهزموا عنه، وأما اليوم فلهم الانهزام. وحكى ابن حبيب في الواضحة عن ~~يزيد بن أبي حبيب أنه قال: أوجب الله لمن فر يوم بدر النار، ثم كانت أحد ~~بعدها فأنزل الله تعالى: {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما ~~استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد ms0288 عفا الله عنهم إن الله غفور حليم} [آل ~~عمران: 155] ، ثم كانت حنين بعدها فأنزل الله: {لقد نصركم الله في مواطن ~~كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض ~~بما رحبت ثم وليتم مدبرين - ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ~~وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين} [التوبة: 25 - ~~26] {ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم} [التوبة: 27] ، ~~فنزل العفو فيمن تولى من بعد يوم بدر. والصحيح أن تحريم الفرار من الزحف ~~ليس بمخصوص بيوم بدر، وأنه عام في كل زحف إلى يوم القيامة. وكان تعبد الله ~~به نبيه موسى - عليه الصلاة والسلام - له، ثم لم ينسخه بعد ذلك حتى صار من ~~شريعة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -. والدليل على ذلك «ما روي أن رجلا ~~من اليهود قال لآخر: اذهب بنا إلى هذا النبي، فقال له الآخر: لا تقل هذا ~~النبي فإنه إن سمعها كانت له أربعة أعين. فانطلقا إليه فسألاه عن تسع آيات ~~بينات، فقال: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، ولا تقتلوا النفس التي ~~حرم الله إلا بالحق، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تفروا من الزحف، ولا ~~تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببريء إلى سلطانه ليقتله، وعليكم يهود ~~أن لا تعدوا في السبت. فقالوا نشهد أنك لرسول الله. وفي بعض الآثار فقبلوا ~~يديه ورجليه وقالوا نشهد أنك نبي» . وهذا الحديث يخرج مخرج التفسير لقوله ~~تعالى: {ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات} [الإسراء: 101] [وما روي عن ابن ~~عباس من رواية عكرمة في تفسير قوله تعالى تسع آيات بينات] ، فقال اليد، # PageV01P349 # والعصا، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم آيات مفصلات، ~~والسنون، ونقص من الثمرات، لا يصح لمعارضة هذا الحديث، وإنما يصح ذلك والله ~~أعلم في تفسير قوله تعالى: {وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في ~~تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين} [النمل: 12] ، ويدل على ~~هذا التأويل أن هذا المعنى ms0289 قد روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - من غير ~~رواية عكرمة في تفسير قوله تعالى: {وفتناك فتونا} [طه: 40] ، لا في تفسير ~~قوله تعالى: {ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات} [الإسراء: 101] وقد تكون ~~الآيات العبادات من قوله تعالى: {قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم ~~الناس ثلاثة أيام إلا رمزا} [آل عمران: 41] ، وتكون المعجزات من قوله ~~تعالى: {وجعلنا ابن مريم وأمه آية} [المؤمنون: 50] ، فيحمل قوله تعالى في ~~سورة سبحان: {ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات} [الإسراء: 101] على العبادات ~~التي تعبد بها على ما في الحديث الأول، ويحمل ما في سورة النمل من قوله ~~تعالى: {في تسع آيات} [النمل: 12] على المعجزات والعلامات والإنذارات التي ~~توعدوا بها إن لم يعملوا بما تعبدوا به على ما روي عن ابن عباس من غير ~~رواية عكرمة، فتتفق الآثار ولا تتعارض، والله سبحانه وتعالى أعلم. ومما يدل ~~على أن الفرار من الزحف ليس بمخصوص بيوم بدر عموم ما روي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - من قوله: إن الفرار من الزحف من الكبائر. # فصل ويجاهد العدو مع كل بر وفاجر. وقد قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» . # PageV01P350 # فصل ولا يجاهد الابن بغير إذن أبويه، ولا العبد بغير إذن سيده. وهذا في ~~النافلة. # وأما في الفرض الذي يتعين على الأعيان فيلزمه أن يغزو وإن لم يأذنا له، ~~لأنه إنما يلزمه أن يطيع أبويه في ترك النافلة، وأما في ترك الفريضة فلا. ~~وقد روي في أصحاب الأعراف الذين حبسوا دون الجنة أنهم قوم غزوا في سبيل ~~الله عصاة لآبائهم فقتلوا فأعتقهم الله بقتلهم وحبسهم عن الجنة بمعصيتهم ~~آباءهم، فهم آخر من يدخل الجنة. # فصل وكذلك من عليه دين لا يجوز له أن يغزو إلا بإذن صاحب الدين إلا أن ~~يكون الدين لم يحل عليه ويكون له وفاء به فيوكل من يقضيه عنه عند حلوله. ~~وأما إن كان عديما لا شيء معه فله أن يغزو بغير إذن من له ms0290 عليه الدين. # فصل والشهادة تكفر كل شيء إلا الدين. روي «أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - سأله رجل فقال يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابرا ~~محتسبا مقبلا غير مدبر أيكفر الله عني خطاياي فقال نعم. فلما أدبر الرجل ~~دعاه أو أمر به فدعي له فقال له كيف قلت فأعاد عليه قوله فقال له نعم إلا ~~الدين، كذلك قال لي جبريل.» وقد قيل إن ذلك كان في أول الإسلام لما روي أن ~~الله يقضي عنه دينه يوم القيامة. # فصل وإنما يقاتل الكفار على الدين ليدخلوا من الكفر إلى الإسلام لا على ~~الغلبة. # قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا ~~لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم ~~على الله» . ولهذا تجب # PageV01P351 # الدعوة قبل القتال ليبين لهم علام يقاتلون لا من أجل أن دعوة الإسلام لم ~~تبلغهم. والصحيح أن دعوة الإسلام قد بلغت جميع العالم، والدليل على ذلك قول ~~الله عز وجل: {وإن من أمة إلا خلا فيها نذير} [فاطر: 24] ، وقوله عز وجل: ~~{كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير - قالوا بلى قد جاءنا ~~نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء} [الملك: 8 - 9] ، وقال تعالى: {وما ~~كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء: 15] ، فالأصل في دعاء العدو قبل ~~القتال إلى الإسلام «حديث علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - إذ أعطاه ~~النبي - عليه الصلاة والسلام - الراية قال له: "اذهب حتى تنزل بساحتهم ~~فادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم فوالله لأن يهدي الله على يديك ~~رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس» . # فصل وتقدم الدعوة قبل القتال من القرآن في قصة سليمان - عليه الصلاة ~~والسلام - مع بلقيس بنت شراحيل ملكة أهل سبأ وما كان من كتابه إليها مع ~~الهدهد {الرحيم} [النمل: 30] {ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين} [النمل: 31] . # فصل وينبغي لأمير الجيش أن يكون في آخر الناس حتى يقدم المعتل بعيره ~~ويلحق المريض ms0291 الضعيف وبالله التوفيق. # فصل ولوجوب الجهاد ست شرائط لا يجب إلا بها، متى انخرم واحد منها سقط # PageV01P352 # وجوبه، وهي: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والذكورة، والاستطاعة ~~بصحة البدن وما يحتاج إليه من المال. فالدليل على صحة اشتراط الإسلام في ~~وجوبه توجه الخطاب به إلى المؤمنين دون الكفار في غير ما آية من كتاب الله ~~تعالى، قال الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم ~~من عذاب أليم} [الصف: 10] ، وقال تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة} [التوبة: 111] الآية، وقال تعالى {لا يستوي ~~القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر} [النساء: 95] الآية. والدليل على صحة ~~اشتراط البلوغ والعقل في ذلك قول النبي - عليه الصلاة والسلام -: «رفع ~~القلم عن ثلاث، وهم الصغير حتى يحتلم، والمجنون حتى يفيق، والنائم حتى ~~يستيقظ» . والدليل على صحة اشتراط الحرية في ذلك هو أن الجهاد من الفرائض ~~المتوجهة إلى الأبدان المتعينة في الأموال، فإذا سقط فرض الجهاد عمن لا مال ~~له. بقوله عز وجل: {ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ~~ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله} [التوبة: 91] الآيات إلى آخرها، فهو ~~ساقط عن العبد إذ لا مال له يقدر على إنفاقه. قال الله عز وجل: {ضرب الله ~~مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه ~~سرا وجهرا هل يستوون} [النحل: 75] ، ومنافعه أيضا مستحقة لسيده، فالجهاد ~~على العبد ساقط من كل وجه. والدليل على صحة اشتراط الذكورة في ذلك أن ~~الجهاد لا يتأتى للمرأة إلا بضد ما أمرت به من الستر والقرار في بيتها. قال ~~الله عز وجل: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن ~~من جلابيبهن} [الأحزاب: 59] ، وقال عز وجل: {وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج ~~الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة} [الأحزاب: 33] # PageV01P353 # الآية. والدليل على صحة اشتراط الاستطاعة في ذلك بصحة البدن وما يحتاج ~~إليه من المال قوله عز وجل: {ليس على الضعفاء ولا على المرضى ms0292 ولا على الذين ~~لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله} [التوبة: 91] الآية، وقوله ~~عز وجل: {ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج} ~~[النور: 61] # فصل ولصحته وجوازه شرط واحد متى انخرم بطل ولم يصح، وهو النية. قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الأعمال بالنيات» ، وقال - صلى الله ~~عليه وسلم -: «نية المؤمن خير من عمله» . وقال «في عبد الله بن ثابت: "إن ~~الله قد أوقع أجره على قدر نيته» . والنية في الجهاد أن يجاهد الرجل ويقاتل ~~لتكون كلمة الله هي العليا ابتغاء ثواب الله تعالى. فينبغي للمجاهد أن يعقد ~~نيته على ذلك، فإنه إذا عقد نيته على ذلك لم تضره إن شاء الله الخطرات التي ~~قد تقع في القلب ولا تملك. روي «عن معاذ بن جبل أنه قال يا رسول الله إنه ~~ليس من بني سلمة إلا مقاتل، فمنهم من القتال طبيعته، ومنهم من يقاتل رياء، ~~ومنهم من يقاتل احتسابا فأي هؤلاء الشهيد من أهل الجنة، فقال: "يا معاذ بن ~~جبل، من قاتل على شيء من هذه الخصال أصل أمره أن تكون كلمة الله هي العليا ~~فقتل فهو شهيد من أهل الجنة» . وروي «أن رجلا قال لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يا رسول الله الرجل يعمل العمل فيخفيه فيطلع عليه الناس فيسره ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لك أجر السر وأجر العلانية» . # PageV01P354 # فصل وله فرائض يجب الوفاء بها، قيل إنها خمس وهي: الطاعة للإمام، وترك ~~الغلول، والوفاء بالأمان، والثبات عند الزحف، وأن لا يفر واحد من اثنين، ~~وهي إلى الخمسين أقرب لأن تجنب الفساد كله في الغزو واجب، ومن لم يجتنب ~~الفساد في غزوه لم يرجع منه كفافا. قال معاذ بن جبل: الغزو غزوان، فغزو ~~تنفق فيه الكريمة ويعاشر فيه الشريك، ويطاع فيه ذو الأمر ويجتنب فيه الفساد ~~فذلك الغزو خير كله، وغزو لا تنفق فيه الكريمة ولا يعاشر فيه الشريك ولا ~~يجتنب فيه الفساد فذلك الغزو لا يرجع صاحبه ms0293 كفافا. ### || فصل في القول في الغنيمة # فصل # في القول في الغنيمة الغنيمة ما غنمه المسلمون من أموال الكفار بقتال. ~~قال الله عز وجل: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} [الأنفال: 41] ~~الآية. والفيء ما صار إليهم من أموال الكفار بغير قتال. قال الله عز وجل: ~~{وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب} [الحشر: ~~6] ، وقال تعالى: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول} ~~[الحشر: 7] الآية. وقد قيل بعكس ذلك إن الغنيمة ما صار إليهم من أموالهم ~~بغير قتال، وإن الفيء ما صار إليهم بقتال. وهذا محتمل في اللسان، والأول هو ~~الصحيح الذي يقصده القرآن. واسم الفيء يجمعهما جميعا، لأن الفيء هو الرجوع ~~والغنيمة مما أرجعها الله إلى المسلمين من أموال الكفار. وكذلك الأنفال سمى ~~الله بها الغنائم فقال: {يسألونك عن الأنفال} [الأنفال: 1] يريد # PageV01P355 # غنائم بدر، لأن الآية فيها نزلت لما تشاجروا في قسمتها: {قل الأنفال لله ~~والرسول} [الأنفال: 1] الآية وهي أيضا تستعمل على الفيء والغنيمة، لأنهما ~~عطيتان من الله تعالى لهذه الأمة خصها بهما دون سائر الأمم. والنافلة هي ~~العطية، قال الله عز وجل: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة} [الأنبياء: 72] ، ~~وقال تعالى: {ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} ~~[الإسراء: 79] ، ولهذا يسمى ما يعطى الإمام من الغنيمة سوى قسم الجيش نفلا. ~~والذي سأل ابن عباس عن الأنفال إنما سأله والله أعلم عن اشتقاق اللفظ ومعنى ~~كونها لله والرسول، فلم يقنع بما أجابه به ما فيه شفاء لمن اعتبر وردد عليه ~~السؤال حتى أخرجه. # فصل وقد اختلف فيما ينفله الإمام فقيل إنه لا ينفل إلا من الخمس، لأن ~~الأربعة الأخماس للغانمين والخمس مصروف إلى اجتهاد الإمام، وهو مذهب مالك. ~~وقيل إنه لا ينفل إلا بعد الخمس من الأربعة الأخماس، لأن الخمس عندهم قد ~~صرفه الله تعالى إلى المذكورين في الآية فلا يخرج عنهم منه شيء. وقيل إن له ~~أن ينفل من جملة الغنيمة قبل أن يخمسها. ولا ms0294 يرى مالك - رحمه الله تعالى - ~~للإمام أن ينفل قبل القتال لئلا يرغب الناس في العطاء فتفسد نياتهم في ~~الجهاد، فإن وقع ذلك مضى للاختلاف الواقع في ذلك والآثار المروية فيه. وأما ~~سلب القتيل فقيل إنه لا يكون للقاتل إلا أن ينفله إياه الإمام إما من ~~الخمس، وإما من رأس الغنيمة، وإما بعد تخميسه على ما ذكرناه من الاختلاف ~~فيما سوى السلب. وقيل إنه للقاتل حكم من النبي - عليه الصلاة والسلام - لا ~~يحتاج فيه إلى استئناف أمر من الإمام. وقيل إن الإمام يخمسه ولا يكون له ~~منه إلا أربعة أخماسه. وقد قيل إن الإمام لا ينفل إلا من خمس الخمس، وهذا ~~يرده حديث ابن عمر في السرية التي بعثها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # PageV01P356 # قبل نجد [فغنموا إبلا كثيرة] فكانت سهامهم اثني عشر بعيرا أو أحد عشر ~~بعيرا ونفلوا بعيرا بعيرا. # فصل والفيء والخمس سواء لأن الله تعالى ساوى بينهما في كتابه فقال عز ~~وجل: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل} [الأنفال: 41] وقال تعالى: {ما أفاء الله ~~على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن ~~السبيل} [الحشر: 7] . وقد اختلف في كيفية قسمتهما على ستة أقوال: أحدها ~~أنهما لجميع المسلمين يوضعان في منافعهم ويقسمان عليهم ولا يختص بذلك ~~الأصناف المذكورون في الآيتين، لأنهم إنما ذكروا فيها تأكيدا لأمرهم، وهذا ~~هو مذهب مالك. والثاني أنه يقسم ذلك بالاجتهاد بين الأصناف المذكورين في ~~الآيتين. والثالث أنه يقسم على ستة أسهم بالسواء بينهم: سهم لله يجعل في ~~سبيل الخير، وسهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسهم لقرابته، وسهم ~~لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل. والرابع أنه تؤخذ منه قبضة ~~فتجعل في الكعبة ويقسم الباقي بالسواء على الخمسة الأصناف المذكورين. ~~والخامس أنه يقسم على خمسة أسهم بالسواء ويجعل سهم الله مفتاح السهام لأن ~~الدنيا وما فيها لله. والسادس أنه يقسم على أربعة أسهم بالسواء لذوي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل، ويكون ms0295 معنى قوله فلله وللرسول أن لهما ~~الحكم في قسم ذلك بين من سمي في الآيتين. وقد اختلف الذين رأوا أن الخمس ~~يقسم على خمسة أسهم في سهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسهم قرابته ~~بعد وفاته، فقالت طائفة منهم يجعل في الكراع والسلاح، وقالت طائفة يكون سهم ~~رسول الله للخليفة بعده، وسهم قرابته لقرابة الخليفة. وقالت طائفة منهم ~~يقسم سهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على سائر الأصناف، ويكون سهم ~~قرابته باقيا عليهم إلى يوم القيامة. واختلف في قرابته الذين جعل الله لهم ~~سهما من الفيء والغنيمة وحرم عليهم الصدقة اختلافا # PageV01P357 # كثيرا قد ذكرته في غير هذا الموضع. ومن ذهب إلى أن سهم قرابة رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يسقط بوفاته لم يحرم عليهم الصدقة، وإلى هذا ذهب أبو ~~حنيفة. # فصل وثبت «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمس أرض خيبر وقسمها بين ~~الموجفين عليها بالسواء» وأن عمر - رضي الله عنه - أبقى سواد العراق ومصر ~~وما ظهر عليه من الشام ليكون ذلك في أعطيات المقاتلة وأرزاق المسلمين ~~ومنافعهم، فقيل إنه استطاب أنفس المفتتحين لها، ومن شح بترك حقه منها أعطاه ~~فيه الثمن، فعلى هذا لا يخرج فعله عما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بأرض خيبر. وإلى هذا ذهب بعض أهل العراق وقال إن أقر أهلها فيها لعمارتها ~~كانت ملكا لهم أسلموا أو لم يسلموا يجري عليها الخراج إلى يوم القيامة، على ~~ما روي أن عمر وضع على مساحة جريب البر كذا، وعلى مساحة جريب الشعير كذا ~~وعلى مساحة جريب التمر كذا. ومن جعل على مساحة جريب التمر خراجا معلوما في ~~كل عام استدلوا على أنها ملك لهم، إذ لو كانت ملكا للمسلمين لكان ذلك بيع ~~التمر قبل أن يخلق. وقيل إنه أبقاها بغير شيء أعطاه الموجفين عليها وأنه ~~تأول في ذلك قوله تعالى في آية سورة الحشر: {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ~~ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان} [الحشر: 10] وإلى هذا ذهب ~~مالك - رحمه ms0296 الله -. وقد اختلف على هذا في آية الفيء هذه وآية الغنيمة التي ~~في سورة الأنفال، فقيل إنهما محكمتان على سبيل التخيير، فالإمام مخير بين ~~أن يقسم أرض العنوة على ما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أرض ~~خيبر مبينا لعموم آية سورة الأنفال أنها على عمومها، وبين أن يبقيها كما ~~أبقاها عمر على ما استدل به من آية الحشر، وإلى هذا ذهب أبو عبيد. وقيل إن ~~آية # PageV01P358 # الحشر ناسخة لآية الأنفال، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بين بفعله ~~في أرض خيبر أنها على عمومها في جميع الغنائم من الأرض وغيرها، فنسخت آية ~~الحشر من ذلك الأرض خاصة، وإلى هذا ذهب إسماعيل القاضي. وقيل إن آية الحشر ~~مخصصه لآية الأنفال ومفسرة لها ومبينة أن المراد بها ما عدا الأرض من ~~الغنائم، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما قسم أرض خيبر لأن الله ~~تعالى وعد بها أهل بيعة الرضوان فقال: {وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها ~~فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم} [الفتح: 20] فهي مخصصة بهذا الحكم دون ~~سائر الأرضين المغنومة. # فصل وإذا أبقى الإمام أرض العنوة وأقر أهلها فيها لعمارتها ضربت عليهم ~~الجزية على ما فرض عمر، وسوقوا في السواد، ووضع عليهم الخراج في البياض ~~بقدر اجتهاد الإمام. وهذا وجه قول مالك - رحمه الله - في المدونة: لا علم ~~لي بجزية الأرض وأرى أن يجتهد في ذلك الإمام ومن حضره إن لم يجد علما يشفيه ~~لأنه إنما توقف في مقدارها، وقيل إنما توقف هل عليها جزية أو لا جزية عليها ~~وتترك لهما فيستعينون بها على أداء الجزية دون خراج، وقيل إنه إنما توقف ~~فيما يوضع عليها من الخراج هل يسلك بها مسلك الفيء أو مسلك الصدقة، قال ذلك ~~الداروردي. وحكي عن ابن القاسم أنه قال: والذي ينحو إليه مالك أنه يسلك به ~~مسلك الفيء. واختلف على المذهب فيهم، فقيل إنهم عبيد للمسلمين، وقيل إنهم ~~أحرار لأن إقرارهم لعمارة الأرض من ناحية المن الذي قال الله عز وجل ms0297 فيه: ~~{فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها} [محمد: 4] وعلى هذا ~~الاختلاف يجري الاختلاف فيما عدا الأرض من أموالهم، فمن رآهم عبيدا جعل ~~أموالهم # PageV01P359 # للمسلمين إذا أسلموا إن شاؤوا انتزاع ذلك منهم ولا يكونون أحرارا ~~بإسلامهم. وعلى هذا تأتي رواية سحنون عن ابن القاسم. ومن رآهم أحرارا قال ~~تكون لهم أموالهم إذا أسلموا لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من ~~أسلم على شيء فهو له» وعلى هذا يأتي ما في سماع عيسى عن ابن القاسم من كتاب ~~التجارة إلى أرض الحرب. وتفرقة ابن المواز بين ما كان بأيديهم يوم الفتح ~~وبين ما استفادوه بعد الفتح ليست جارية على قياس. وأما الأرض التي أقروا ~~فيها لعمارتها فلا حق لهم فيها إلا عند بعض أهل العراق على ما قد ذكرته ~~وبالله التوفيق. # PageV01P360 ### | القول فيما حازه المشركون من أموال المسلمين # اختلف أهل العلم فيما حازه المشركون من أموال المسلمين هل يملكونه ~~بحيازتهم إياه أم لا على ثلاثة أقوال: أحدها أنهم لا يملكونه بحيازتهم ~~إياه. والثاني أنهم يملكونه بحيازتهم إياه. والثالث الفرق بين ما غلبوا ~~عليه أو أبق إليهم. # فصل فعلى القول بأنهم لا يملكونها بحيازتهم إياها لا يرتفع ملك أربابها ~~عنها، فإن غنمها المسلمون لم تقسم في المغانم وردت على أربابها إن علموا، ~~ووقفت لهم إن جهلوا. وإن لم يعلم أنها كانت للمسلمين حتى قسمت فجاء أربابها ~~أخذوها بغير ثمن على حكم الاستحقاق، وهذا قول الشافعي وأبي ثور وأحد قولي ~~الأوزاعي وجماعة من أهل العلم سواهم. والحجة لهم من طريق الآثار «حديث ~~عمران بن حصين في ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العضباء إذ أغار ~~عليها المشركون في سرح المدينة فنجت عليها امرأة ونذرت إن الله أنجاها ~~عليها لتنحرنها فلما قدمت بها المدينة عرفت الناقة وأتي بها النبي - عليه ~~الصلاة والسلام - فأخذها على ما جاء في بعض الآثار وأخبرته المرأة بنذرها ~~فقال بئسما جزيتها لا نذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم.» وموضع ~~الحجة من الحديث ms0298 أن المشركين لو ملكوا الناقة # PageV01P361 # لكانت للمرأة التي نجت عليها ويلزمها النذر فيها. والحجة لهم من طريق ~~النظر أنهم لما أجمعوا على أنهم لا يملكون رقابنا وجب أن لا يملكوا ~~أموالنا، لأن النظر يوجب أن لا يفرق بين أموالنا ورقابنا في أنهم لا ~~يملكونها، كما لا يفرق بين رقابهم وأموالهم في أنا نملكها. # فصل وعلى القول بأنهم يملكونها بحيازتهم إياها يرتفع ملك أربابها عنها، ~~فإن غنمها المسلمون كانت غنيمة للجيش ولم يكن لأربابها أخذها قبل القسم ولا ~~بعده. وقيل إن لهم أن يأخذوها إن أدركوها قبل القسم، فإن قسمت لم يكن لهم ~~إليها سبيل. وقيل إن لهم أن يأخذوها بعد القسم بالثمن، وهو مذهب مالك وجميع ~~أصحابه على الآثار الواردة في ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من ~~رواية ابن عباس وتميم بن طرفة، الطائي، وهو على قياس القول بأن الغانمين لا ~~يتقرر ملكهم على الغنيمة إلا بالقسم، فيحد منهم من وطئ جارية منها، ولا ~~يجوز عتقه فيها. # فصل ولا يخلو ما يحوزه أهلك الحرب عن المسلمين من ستة أشياء: أحدها أحرار ~~المسلمين. والثاني أحرار أهل الذمة. والثالث أموال المسلمين وأهل الذمة لأن ~~الحكم في ذلك سواء. والرابع أمهات أولاد المسلمين. والخامس مدبروهم ~~ومعتقوهم إلى أجل. والسادس مكاتبوهم. # ولا يخلو ما حازوه من ذلك كله من ستة أحوال: أحدها أن يبيعوه في بلادهم. ~~والثاني أن يقدموا به بأمان. والثالث أن يغنمه المسلمون. والرابع أن يسلموا ~~عليه. والخامس أن يصالحوا على هدنة وهو في أيديهم. والسادس أن يصالحوا على ~~أداء جزية وذلك في أيديهم، فهذه ست وثلاثون مسألة، لأن لكل شيء من الستة ~~الأشياء التي حازوها ستة أحوال كما ذكرنا، وكل مسألة تختص منها بأحكام نذكر ~~منها ما يدل على باقيها إن شاء الله تعالى. # PageV01P362 # فصل فأما إذا حاز أهل الحرب أحرار المسلمين وباعوهم فذلك فداء يكون ~~للمشتري الفادي أن يتبع المفدي بما فداه به إلا أن يكونا زوجين فيفدي ~~أحدهما صاحبه وهو عالم به بغير أمره فلا يتبعه بشيء. ms0299 واختلف إن كان المفدي ~~ممن يعتق على المفدي فقيل إنه لا يتبعه بما فداه به علم أو لم يعلم، وهو ~~قول ابن حبيب. وقيل إنه لا يتبعه إذا علم، وهو الذي يأتي على ما في ~~المدونة. واختلف إن كان ذا محرم منه إلا أنه لا يعتق عليه فقيل إنه كالزوجة ~~لا يتبعه إذا علم إلا إذا فداه بأمره. وقيل إنه كالأجنبي يتبعه في كل حال. ~~وأما إن كان من ذوي رحمه لا من ذوي محارمه فلا اختلاف في أنه كالأجنبي ~~يتبعه في كل حال. # وإن قدموا بهم بأمان لم يفادوا منهم إلا عن طيب أنفسهم، وإن أبوا إلا ~~الرجوع بهم إلى بلادهم كان ذلك لهم عند ابن القاسم خلاف ما حكى ابن حبيب عن ~~مالك وأصحابه سواء. وإن غنمهم المسلمون كانوا أحرارا ولم يكن عليهم شيء إلا ~~أن يباعوا في المقاسم فلا يدعوا شيئا وهم ممن يجهل أن ذلك لا يجب عليهم ~~فإنهم يتبعون بالأثمان على أحد قولي ابن القاسم في العتبية،. وإن أسلموا ~~عليهم أطلقوهم ولم يكن لهم عليهم سبيل. وإن صالحوا على هدنة لم يفادوا منهم ~~إلا عن طيب أنفسهم. وإن صالحوا على أداء جزية فروى يحيى عن ابن القاسم أنهم ~~لا ينزعون منهم، وروى عنه سحنون أنهم يؤخذون منهم بالقيمة، وهو الصواب الذي ~~لا يصح سواه، لأن الذمي إذا أسلم عبده يباع عليه ولا يقر بيده، فكيف بأحرار ~~المسلمين. # فصل وأما إذا حازوا أحرارا من أهل الذمة فإن باعوهم ردوا إلى ذمتهم ~~وتبعهم المشتري بالثمن، وإن قدموا بهم بأمان لم يكن لأحد عليهم فيهم سبيل، ~~إن شاءوا # PageV01P363 # باعوا وإن شاءوا رجعوا بهم إلى بلادهم، ولا خلاف في هذا أعرفه. فإن غنمهم ~~المسلمون ردوا إلى ذمتهم ولم يكن عليهم شيء إلا أن يباعوا وهم ساكتون غير ~~جاهلين بأن ذلك لا يجب عليهم فعلى ما تقدم من خلاف ابن القاسم في المسألة ~~التي قبلها. وإن أسلموا عليهم فقال في المدونة إنهم يكونون رقيقا لهم، وقال ~~ابن حبيب يردون إلى ms0300 ذمتهم، وهو اختيار إسماعيل. وإن صالحوا على هدنة لم ~~يعرض لهم، وإن صالحوا على أداء جزية تخرج ذلك على قولين في المذهب لابن ~~القاسم وبالله التوفيق. ### || فصل في الرباط # فصل # في الرباط والرباط شعبة من شعب الجهاد، وهو ملازمة الثغور لحراسة من بها ~~من المسلمين، وهو مأخوذ من الربط لأنه إذا لازم الثغر فكأنه قد ربط نفسه ~~به. قال الله عز وجل: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون ~~به عدو الله وعدوكم} [الأنفال: 60] والأجر فيه على قدر الخوف من ذلك الثغر ~~وحاجة أهله إلى حراستهم من العدو. وقد روي أن عبد الله بن عمر قال: فرض ~~الجهاد لسفك دماء المشركين، والرباط لحقن دماء المسلمين فحقن دماء المسلمين ~~أحب إلي من سفك دماء المشركين، فقيل إن ذلك إنما قاله حين دخل الجهاد ما ~~دخل، فقد قال عمر بن الخطاب اغز ما دام الغزو حلوا خضرا قبل أن يكون مرا ~~عسيرا ثم يكون ثماما ثم يكون رماما ثم يكون حطاما. فإذا انتطت المغازي ~~وكثرت العزائم واستحلت الغنائم فخير جهادكم الرباط. والثمام: الرطب من ~~النبات، # PageV01P364 # والرمام: اليابس. والحطام: الذي يتحطم ويتكسر. وقوله انتطت يعني تباعدت. ~~وقوله العزائم يريد حمل السلطان شدة الأمر عليهم والعزم فيما يشق عليهم ~~لبعد المغزى أو قلة عونه لهم وغير ذلك. فدل ذلك من قوله على أن الجهاد على ~~السنة أفضل من الرباط. وكذلك روى ابن القاسم عن مالك في جهاد المستخرجة. ~~والأظهر في تأويل ذلك عندي أن معناه عند شدة الخوف على أهل ذلك الثغر وتوقع ~~هجوم العدو عليهم وغلبته إياهم على أنفسهم ونسائهم وذراريهم، إذ لا شك أن ~~إغاثتهم في ذلك الوقت وحراستهم مما يتوقع عليهم أفضل من الجهاد إلى أرض ~~العدو، فلا يصح أن يقال إن أحدهما أفضل من صاحبه على الإطلاق، وإنما ذلك ~~على قدر ما يرى وينزل. وذلك قائم من قول مالك في سماع ابن القاسم من الكتاب ~~المذكور: ويستحب الرباط أربعين ليلة، لما روي أن رسول الله - صلى الله ms0301 عليه ~~وسلم - قال: «تمام الرباط أربعون ليلة» . وفضائل الرباط المروية كثيرة. ~~منها ما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «رباط ليلة في سبيل ~~الله أفضل من ألف ليلة يقوم ليلها ويصوم نهارها لا يفطر» وأنه قال: «من ~~رابط فواق ناقة حرمه الله على النار» . قال ابن حبيب: هو قدر ما تحلب فيه. ~~وليس من سكن الثغر بأهله وولده مرابطا، وإنما المرابط من خرج من منزله ~~معتقدا الرباط في موضع الخوف وبالله التوفيق. ### || فصل في الحكم في الأسرى # فصل # في الحكم في الأسرى قال الله عز وجل: {فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من ~~خلفهم لعلهم يذكرون} [الأنفال: 57] وقال تعالى: {فإذا لقيتم الذين كفروا ~~فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى ~~تضع الحرب أوزارها} [محمد: 4] # PageV01P365 # وقال تعالى: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض ~~الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم} [الأنفال: 67] فذهب مالك وجمهور ~~أهل العلم إلى أن الإمام مخير في الأسرى بين خمسة أشياء: إما أن يقتل، وإما ~~أن يأسر ويستعبد، وإما أن يمن فيعتق، وإما أن يأخذ فيه الفداء، وإما أن ~~يعقد عليه الذمة ويضرب عليه الجزية، لأنه استعمل الآيات كلها وفسر بعضها ~~ببعض ولم ير فيها ناسخا ولا منسوخا، لأن الآية الأولى قوله تعالى: {فإما ~~تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم} [الأنفال: 57] الآية توجب قتل الأسير ~~وألا يستحيى عموم يحتمل الخصوص، فخصصتها الآية الثانية قوله تعالى: {فإذا ~~لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا ~~بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها} [محمد: 4] وبينت أن المراد بذلك قبل ~~الإثخان، وأن الحكم فيها بعد الإثخان شد الوثائق للمن والفداء. أو بينت ~~الآية الثالثة قوله تعالى: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في ~~الأرض} [الأنفال: 67] أن شد الوثائق بالمن والفداء،، المذكور في الآية ~~الثانية آية سورة القتال إنما هو على التخيير لا على الإلزام وتحريم القتل، ms0302 ~~لأن تقدم الحظر على الأمر قرينة تدل على أن المراد به الإباحة لا الوجوب. ~~وقد كان الأسر محظورا قبل الإثخان، فدل ذلك على أن قوله: {فشدوا الوثاق ~~فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها} [محمد: 4] معناه إن شئتم، ~~مثل قوله عز وجل: {وإذا حللتم فاصطادوا} [المائدة: 2] بعد قوله عز وجل: ~~{وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما} [المائدة: 96] ومثل قوله: {فإذا قضيت ~~الصلاة فانتشروا في الأرض} [الجمعة: 10] بعد قوله: {إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع} [الجمعة: 9] . # PageV01P366 # فصل وقولنا إن تقدم الحظر على الأمر قرينة تدل على أن المراد به الإباحة ~~ليس بإجماع. قد قيل إن ذلك لا يدل على الإباحة. فإذا قلنا بهذا فالدليل على ~~أن المراد بذلك التخيير بين القتل وإباحة الأسر «أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قتل صبرا من أساري بدر عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث» . # فصل والتخيير في الأسرى ليس على الحكم فيهم بالهوى، وإنما هو على وجه ~~الاجتهاد في النظر للمسلمين، كالتخيير في الحكم في حد المحارب. فإن كان ~~الأسير من أهل النجدة والفروسية والنكاية في المسلمين قتله الإمام ولا ~~يستحييه، وإن لم يكن على هذه الصفة وأمنت غائلته وله قيمة استرقه للمسلمين ~~وقبل فيه الفداء إن بذل فيه أكثر من قيمته، وإن لم تبذل فيه قيمة ولا فيه ~~محمل لأداء الجزية أعتقه كالضعفاء والزمنى الذين لا قتال عندهم ولا رأى لهم ~~ولا تدبير. فمن الضعفاء والزمنى الذين لا يقتلون المعتوه والمجنون واليابس ~~الشق باتفاق، والأعمى والمقعد على اختلاف. والاختلاف في هذا على اختلافهم ~~في وجوب السهم لهم من الغنيمة، وفي جواز إعطائهم من المال الذي يجعل في ~~السبيل، وإن لم تكن له قيمة وفيه محمل لأداء الجزية عقد له الذمة وضربت ~~عليه الجزية. واختلف قول مالك إذا لم يعرف حاله، فمرة قال إنه لا يقتل إلا ~~أن يكون معروفا بالنجدة والفروسية، ومرة قال إنه يقتل، وهو الذي ذهب إليه ~~عمر بن الخطاب - رضي ms0303 الله تعالى عنه - في كتابه إلى عماله أن يقتلوا من جرت ~~عليه المواسي ولا يسبوا من علوجهم أحدا. # فصل وإن رأى الإمام باجتهاد مخالفة ما وصفناه من وجوه الاجتهاد كان ذلك ~~له، مثل أن يبذل الفارس المعروف بالنجدة والفروسية في نفسه المال الواسع ~~الكثير # PageV01P367 # فيرى الإمام أخذه أولى من قتله بما ظهر إليه في ذلك من النظر للمسلمين ~~والاستعانة بما يأخذ منه على المشركين وما أشبه ذلك من وجوه الاجتهاد. هذا ~~تحصيل القول في حكم الأسرى. وحكى الداروردي في كتاب الأموال أن أكثر أصحاب ~~مالك يكرهون فداء الأسرى بالمال ويقولون إنما كان ذلك ببدر لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - علم أنه سيظهر عليهم وساق القصة في ذلك. قال وإنما يتفق ~~على جواز فدائهم بأسرى المسلمين والذي ذكرته هو الصحيح. # فصل ومن أهل العلم من جعل الآية الأولى ناسخة للآيتين الثانية والثالثة ~~فقال: إن الأسير يقتل على كل حال ولا يجوز استحياؤه. وممن قال بذلك قتادة ~~وجماعة من المفسرين. ومنهم من حمل قوله تعالى في الآية الثانية {فإما منا ~~بعد وإما فداء} [محمد: 4] على الإلزام لا على التخيير، وجعلها ناسخة للآية ~~الأولى في إيجاب القتل، وللآية الثانية فيما يقتضيه من التخيير فقال إن ~~الأسير لا يقتل صبرا. وممن ذهب إلى هذا عبد الله بن عمر، والحسن، وعطاء. ~~وهذا كله بعيد، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قتل وأسر فوقع فعله موقع ~~البيان لما في القرآن، والله المستعان. ### || فصل في الجزية # فصل # في الجزية والجزية ما يؤخذ من أهل الكفر جزاء على تأمينهم وحقن دمائهم مع ~~إقرارهم على كفرهم، وهي على وجهين: عنوية وصلحية. وأما الصلحية فلا حد لها ~~إذ لا يجبرون عليها ولأنهم منعوا أنفسهم وأموالهم حتى صالحوا عليها فإنما ~~هي على ما يراضيهم عليه الإمام من قليل أو كثير على أن يقروا في بلادهم على ~~دينهم إذا كانوا بحيث تجري عليهم أحكام المسلمين وتؤخذ منهم الجزية عن يد ~~وهم صاغرون. كذا نص ابن حبيب في الواضحة. وعنده أن الجزية ms0304 الصلحية لا حد ~~لها إلا ما صولحوا عليه من قليل أو كثير، وهو كلام فيه نظر. والصحيح أنه لا ~~حد لأقلها يلزم أهل الحرب الرضا به لأنهم مالكون لأمرهم، وأن لأقلها حدا ~~إذا بذلوه لزم الإمام # PageV01P368 # قبوله وحرم عليه قتالهم لقول الله عز وجل: {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم ~~صاغرون} [التوبة: 29] ولم أر لأحد من أصحابنا في ذلك حدا. والذي يأتي على ~~المذهب عندي أن أقلها ما فرض عمر على أهل العنوة، فإذا بذل ذلك أهل الحرب ~~في الصلح على أن يؤدوه عن يد وهم صاغرون لزم الإمام قبوله وحرم عليه ~~قتالهم. وله أن يقبل منهم في الصلح أقل من ذلك وإن كانوا أغنياء وقال ~~الشافعي: أقل الجزية دينار، ولا يتقدر أكثرها لأنه إذا بذل الأغنياء دينارا ~~حرم قتالهم وهذا نص منه على أن أقل الجزية دينار، ولا يتقدر أكثرها معناه ~~أنه ليس لكثرة ما يبذلونه في الصلح حد لا يجوز للإمام أن يتجاوزه، بخلاف ~~أهل العنوة الذي لا يجوز للإمام أن يتجاوز فرض عمر، والله سبحانه وتعالى ~~أعلم. # فصل وهي على ثلاثة أوجه: أحدها أن تكون الجزية مجملة عليهم، والثاني أن ~~تكون مفرقة على رقابهم دون الأرض، والثالث أن تكون مفرقة على رقابهم وأرضهم ~~أو على أرضهم دون رقابهم، مثل أن يقول على كل رأس كذا وكذا، وعلى كل زيتونة ~~كذا وكذا وعلى كل بيدر قفيز من الأرض كذا وكذا. ولكل وجه من هذه الوجوه ~~أحكام تختص به. # فصل فأما إذا كانت الجزية مجملة عليهم فذهب ابن حبيب إلى أن الأرض موقوفة ~~للجزية لا تباع ولا تورث ولا تقسم ولا تكون لهم إن أسلموا عليها، وأن مال ~~من مات منهم لوارثه من أهل دينه إلا أن لا يكون له ورثة من أهل دينه فيكون ~~للمسلمين. وذهب ابن القاسم إلى أن أرضهم بمنزلة مالهم يبيعونها ويرثونها ~~ويقتسمونها وتكون لهم إن أسلموا عليها، وإن مات منهم ميت ولا وارث له من ~~أهل دينه فأرضه وماله لأهل مواده ولا يمنعون من ms0305 الوصايا وإن أحاطت بأموالهم ~~إذ لا ينقصون من الجزية شيئا لموت من مات. # PageV01P369 # فصل وأما إن كانت الجزية مفرقة على رقابهم فلا اختلاف أن لهم أرضهم ~~ومالهم يبيعون ويورثون وتكون لهم إن أسلموا عليها، ومن مات منهم ولا وارث ~~له من أهل دينه فأرضه وماله للمسلمين، ولا تجوز وصيته إلا في ثلث ماله. # فصل وأما إن كانت الجزية مفرقة على الجماجم والأرض أو على الأرض دون ~~الجماجم فاختلفوا في جواز بيع الأرض على ثلاثة أقوال: أحدها أن البيع لا ~~يجوز، وهي رواية ابن نافع عن مالك في كتاب التجارة إلى أرض الحرب من ~~المدونة. والثاني أن البيع جائز ويكون الخراج على البائع وهو مذهب ابن ~~القاسم في المدونة وغيرها. والثالث أن البيع جائز ويكون الخراج على المبتاع ~~ما لم يسلم البائع، وهو مذهب أشهب وقوله في المدونة ولا اختلاف أنها تكون ~~لهم إن أسلموا عليها وأنهم يورثونها بمنزلة سائر أموالهم قرابتهم من أهل ~~دينهم أو المسلمون إن لم يكن لهم قرابة من أهل دينهم. # فصل فإن صالحوا على الجزية مبهمة من غير بيان ولا تحديد وجبت لهم الذمة ~~وحملوا في الجزية محمل أهل العنوة في جميع وجوهها على ما سنفصله إن شاء ~~الله تعالى. # فصل وأما الجزية العنوية، وهي الجزية التي توضع على المغلوبين على بلادهم ~~المقرين فيها لعمارتها، فإنها عند مالك - رحمه الله تعالى - على ما فرضها ~~عمر - رضي الله تعالى عنه - أربعة دنانير على أهل الذهب وأربعون درهما على ~~أهل الورق، مع ذلك أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام، إلا أن مالكا - رحمه ~~الله - تعالى رأى أن توضع عنهم الضيافة إذ لم يوف لهم بالعهد على وجهه. ~~ومعنى ذلك أنه لا يسوغ لأحد ممن مر بهم أن يطالبهم بالضيافة إذا علم أنه لم ~~يوف لهم بالعهد. وكذلك من # PageV01P370 # استؤمنوا على أن يكونوا من أهل ذمة المسلمين حكمهم حكم أهل العنوة في ~~الجزية. هذا حد الجزية عند مالك لا يزاد فيها على الغني لغناه ولا ينقص عن ~~الفقير لفقره إذا ms0306 كانت له قوة على احتمالها. واختلف إن ضعف عن حمل جملتها ~~فقيل إنها توضع عنه، وهو الظاهر من مذهب ابن القاسم، وقيل إنه يحمل منها ~~بقدر احتماله، قال القاضي أبو الحسن، ولا حد لذلك. وقيل إن حد أقل الجزية ~~دينار أو عشرة دراهم. # فصل فيتحصل في حد الجزية في المذهب ثلاثة أقوال: أحدها أن حدها ما فرض ~~عمر - رضي الله تعالى عنه - لا يزاد عليه ولا ينقص منه. والثاني أن حد ~~أكثرها ما فرض عمر - رضي الله تعالى عنه - ولا حد لأقلها، وإلى هذا ذهب ~~القاضي أبو الحسن. والثالث أن حد أكثرها ما فرض عمر - رضي الله تعالى عنه - ~~وحد أقلها دينار أو عشرة دراهم، وهو مذهب أبي حنيفة، إلا أن الدينار عنده ~~باثني عشر درهما، فقال إنه يؤخذ من الغني أربعة دنانير إن كان من أهل الذهب ~~وثمانية وأربعون درهما إن كان من أهل الورق، ومن المتوسط الحال نصف ذلك، ~~ومن الفقير ربع ذلك دينار أو اثنا عشر درهما. # فصل ولا تؤخذ الجزية إلا من الرجال الأحرار البالغين لأنها ثمن لتأمينهم ~~وحقن دمائهم، والصبي والمرأة لا يقاتلان، والعبد مال من الأموال. واختلف ~~فيه إذا أعتق على ثلاثة أقوال: أحدها أن عليه الجزية لأنه حر له ذمة ~~المسلمين فوجبت عليه الجزية لهم. الثاني أنه لا جزية عليه لأنه كان مؤمنا ~~محقون الدم، والجزية إنما هي ثمن لحقن الدم. والثالث الفرق بين أن يعتقه ~~مسلم أو كافر، وهذا قول ابن القاسم وروايته عن مالك. وهذا الاختلاف إنما هو ~~إذا أعتق في بلاد الإسلام، وأما إذا أعتق في دار الحرب فتكون عليه الجزية ~~على كل حال. # فصل وتؤخذ الجزية من أهل الذمة عند وجوبها. واختلف في حد وجوبها فقيل ~~إنها # PageV01P371 # تجب بأول الحول حين تعقد لهم الذمة، ثم بعد ذلك عند أول كل حول، وهو مذهب ~~أبي حنيفة. وقيل إنها لا تجب إلا بآخر الحول، وهو مذهب الشافعي، وليس عن ~~مالك وأصحابه - رحمهم الله - تعالى في ذلك نص. والظاهر من مذهبه وقوله ms0307 في ~~المدونة أنها تجب بآخر الحول، وهو القياس، لأنها إنما تؤخذ منهم سنة بسنة ~~جزاء على تأمينهم وإقرارهم على دينهم يتصرفون في جوار المسلمين وذمتهم ~~آمنين، يقاتل عنهم عدوهم ولا يلزمهم ما يلزم المسلمين، فهي عليهم بإزاء ~~الزكاة على المسلمين، غير أنها تؤخذ منهم على وجه الذلة والصغار، وتؤخذ ~~الزكاة من المسلمين تطهيرا لهم وتزكية. ألا ترى أن عمر بن الخطاب - رضي ~~الله تعالى عنه - كان يأخذ من نصارى العرب في جزيتهم الزكاة مضاعفة إكراما ~~لهم فوجب أن تجب بمرور الحول كالزكاة. وتحرير قياس ذلك أن الجزية حق في ~~المال فيتعلق وجوبه بالحول، فوجب أن يؤخذ في آخره كالزكاة. # فصل وكذلك الحكم في الجزية الصلحية إذا وقعت مبهمة من غير تحديد كما ~~ذكرنا. وقد ذهب بعض أصحابنا إلى أن هذا الاختلاف إنما هو في الجزية ~~الصلحية، وأن الصحيح فيها من القولين أن تؤخذ معجلة عند أول الحول لأنها ~~عوض عن تأمينهم وحقن دمائهم وترك قتالهم، وقد وجب لهم ذلك بعقد الصلح ~~وتقرر، فوجب أن يتنجز منهم العوض قياسا على سائر عقود المعاوضات. واستدل ~~على ذلك أيضا بقول الله عز وجل: {حتى يعطوا الجزية عن يد} [التوبة: 29] ~~وقال إن لفظ الإعطاء إذا أطلق فالظاهر منه قبض العطية دون إيجابها. ولو كان ~~محتملا للوجهين احتمالا واحدا لكان قوله تعالى عن يد دليلا على أن المراد ~~به القبض، لأن من قال أعطيت فلانا عن يد يفهم منه تعجيل العطاء ودفعه إلى ~~المعطى، قال وهو الذي يأتي على مذهب مالك لأنه قال في تجار الحربيين أن ~~يؤخذ منهم ما صالحوا عليه باعوا أو لم يبيعوا، فوجب أن يؤخذ منهم ما صالحوا ~~عليه بحصول التأمين لهم وإن لم يحصلوا على ما أملوه من الانتفاع بالبيع ~~والشراء. وإن الجزية # PageV01P372 # العنوية تؤخذ في آخر الحول بلا خلاف لأنهم عبيد للمسلمين، وما يؤخذ منهم ~~في الجزية كالخراج، فوجب أن يؤخذ منهم بعد استيفاء المنفعة وانقضاء المدة. ~~وفي هذا كله نظر. # أما قوله في الجزية الصلحية إنها عوض عن ms0308 تأمينهم وترك قتالهم وحقن دمائهم ~~وقد وجب لهم ذلك وتقرر بعقد الصلح فوجب أن يتنجز منهم العوض قياسا على سائر ~~عقود المعاوضات فليس ذلك بصحيح، لأنها إنما هي عوض عن تأمينهم وحقن دمائهم ~~على التأبيد، فإن كان قد وجب لهم الأمان وتقرر بعقد الصلح فلم يحصل لهم بعد ~~ولا استوفوه، وإنما يحصل الاستيفاء بمرور المدة عاما بعد عام لجواز الخفر ~~بهم فيما يأتي من المدة. وإنما ذلك في القياس بمنزلة من أسكن رجلا داره ~~أعواما على أن يؤدي إليه في كل عام كذا وكذا فلا يجب على المسكن أن يؤدي ~~واجب كل عام إلا في آخره، [لأن السكن إن كان قد وجب له وتقرر بالعقد فلم ~~يقبضه بعد ولا استوفاه] . # فصل وأما استدلاله على ذلك بظاهر قول الله عز وجل: {حتى يعطوا الجزية عن ~~يد} [التوبة: 29] وقوله إن لفظ الإعطاء عن يد إذا أطلق الأظهر منه التعجيل ~~وإن كان يحتمل أن يراد به التأخير فلا يصح، بل الآية حجة لنا ودلالة على ~~صحة قولنا، لأنه قال: {حتى يعطوا الجزية عن يد} [التوبة: 29] فعم بالجزية ~~ولم يخص منها شيئا دون شيء، فوجب بحق الظاهر أن تكون كلها معجلة، فيكون ~~معنى الإعطاء القبض والدفع، أو تكون كلها مؤجلة فيكون الإعطاء بمعنى ~~الإيجاب دون الدفع والقبض، من قوله تعالى: {إنا أعطيناك الكوثر} [الكوثر: ~~1] فلما بطل أن تكون كلها معجلة للإجماع على أن جزية العام الثاني وما بعده ~~من الأعوام لا تقبض في أول العام الأول صح أنها كلها مؤجلة لا يتنجز قبض ~~شيء منها ولا يصح في عقل عاقل أن يقول إن # PageV01P373 # ظاهر لفظ الإعطاء قبض بعض المعطى وإيجاب بعضه. وإذا لم يصح ذلك فقول الله ~~عز وجل لا دليل فيه على أن مراده بيعطوا الجزية تنجز القبض وإنما معناه على ~~ما قيل عن غلبة وقهر، لأن الأيد القوة. قال الله عز وجل: {والسماء بنيناها ~~بأيد} [الذاريات: 47] أي بقوة وقدرة. وليل يعطونها بإنعام عليهم لأن ~~[قبولها منهم وترك أرواحهم لهم نعمة عظيمة عليهم ms0309 إذ] ، اليد تكون عند العرب ~~بمعنى النعمة. وقيل معناه أن يدفعوها عند وجوبها عليهم بأيديهم لا يرسلوا ~~بها كما يفعل الجبارون المتكبرون. ويؤيد هذا التأويل قوله تعالى: {وهم ~~صاغرون} [التوبة: 29] . # فصل وأما استدلاله على أن مذهب مالك تنجز قبض الجزية عنا أول العام من ~~قوله في تجار الحربيين إنه يؤخذ منهم ما صالحوا عليه باعوا أو لم يبيعوا ~~فلا دليل له في ذلك على ما ذهب إليه، بل يدل ذلك من قوله - رحمه الله تعالى ~~- على أن الجزية لا تؤخذ إلا في آخر الحول على ما عزينا إليه وتأولناه ~~عليه، لأنه لم يقل أن يؤخذ منهم ما صولحوا عليه عند عقد الصلح معهم قبل أن ~~يدخلوا للتجارة، وإنما قال إنه يؤخذ ذلك منهم إذا دخلوا وأقاموا للتجارة ~~القدر الذي صولحوا على إقامته، فهم لو شاءوا أن يبيعوا باعوا، فليس تركهم ~~لبيع سلعهم باختيارهم بالذي يسقط الحق الواجب عليهم في دخولهم بلاد ~~المسلمين ومقامهم فيها في جوارهم وتحت ذمتهم. # فصل وكذلك قوله إن الخلاف غير داخل في الجزية العنوية لا يصح، لأن العلة ~~التي اعتل بها من أن أخذ الجزية في أول الحول وهي الانتفاع بالعقد لإيجابه ~~لهم الذمة والأمان موجودة في هؤلاء لإيجابها لهم البقاء في بلاد المسلمين ~~أحرارا أو بمنزلة الأحرار وهم على كفرهم آمنون. # PageV01P374 # فصل واختلف فيمن أسلم بعد وجوب الجزية عليه إما بأول الحول وإما بآخره ~~على الاختلاف المتقدم في ذلك هل تسقط عنه الجزية أم لا على قولين: فذهب ~~الشافعي إلى أنها لا تسقط عنه ويؤخذ بها بعد إسلامه، وذهب أبو حنيفة - رحمه ~~الله تعالى - إلى أنها تسقط عنه بإسلامه، وهو مذهب مالك - رحمه الله تعالى ~~- وجميع أصحابه. والدليل على ذلك قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لا ~~جزية على مسلم» . وكتب عمر بن عبد العزيز - رضي الله تعالى عنه - إلى عماله ~~أن يضعوا الجزية عمن أسلم من أهل الجزية حين يسلمون، لأن الوضع لا يكون إلا ~~فيها قد وجب. وأما سقوطها عنهم فيما يستقبل ms0310 بعد إسلامهم فليس مما يشكل حتى ~~يحتاج عمر - رضي الله تعالى عنه - إلى كتابه بذلك إلى عماله فلا يصح أن ~~يحمل كلامه على ذلك. # فصل والكفار في أخذ الجزية منهم على أربعة أصناف: صنف تؤخذ منهم الجزية ~~باتفاق. [وصنف لا تؤخذ الجزية منهم باتفاق] . وصنف تؤخذ الجزية منهم على ~~اختلاف. وصنف اختلفوا فيما يؤخذ منهم في الجزية. # فصل فأما الذين تؤخذ منهم الجزية باتفاق فأهل الكتاب والمجوس من العجم. # تؤخذ من أهل الكتاب بنص القرآن قال الله عز وجل: {قاتلوا الذين لا يؤمنون ~~بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق ~~من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29] ~~ومن المجوس العجم وهم ما عدا أهل الكتاب فتؤخذ منهم بالسنة والقياس، فأما ~~السنة فقوله في حديث عبد الرحمن بن عوف «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» يريد في ~~الجزية، # PageV01P375 # «وأخذه - صلى الله عليه وسلم - الجزية من مجوس البحرين» . وأما القياس ~~فهو أن الجزية إذا كانت تؤخذ من أهل الكتاب إذلالا وإصغارا مع أنهم أقرب ~~إلى الحق لإقرارهم بالنبوة والشريعة المتقدمة فالمجوس أحرى بذلك منهم، إذ ~~لا يقرون بشيء من ذلك. وقد قيل في المجوس إنهم أهل كتاب، روي ذلك عن ~~الشافعي - رحمه الله تعالى -. فقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «سنوا بهم ~~سنة أهل الكتاب» معناه على قوله الذين يعلم كتابهم على ظهور واستفاضة. # فصل وأما الذين لا تؤخذ منهم الجزية باتفاق فكفار قريش والمرتدون. أما ~~المرتدون فلأنهم ليسوا هم على دين يقرون عليه لقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «من بدل دينه فاضربوا عنقه» . وأما كفار قريش فقيل إنما لم تؤخذ ~~منهم الجزية لأنه لا يجوز أن يجري عليهم ذلة ولا صغار لمكانهم من النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -. فإن كانوا من أهل الكتاب تخصصوا من عموم الآية ~~بالإجماع ولم يجز في أمرهم إلا الإسلام أو السيف، وهذا الإجماع حكاه ابن ~~الجهم. وقال القزويني إنما لم تؤخذ الجزية من كفار ms0311 قريش لأن جميعهم أسلم ~~يوم الفتح، فلا يكون قرشي كافرا إلا مرتدا والمرتد لا تؤخذ منه الجزية لأنه ~~ليس على دين يقر عليه ولا يسترق. # فصل وأما الذين تؤخذ منهم الجزية على اختلاف فمشركو العرب ومن دان بغير ~~الإسلام [من العرب و] ليس من أهل الكتاب ولا المجوس. أما مشركو العرب # PageV01P376 # فذهب مالك إلى أن الجزية تؤخذ منهم، وقال الشافعي وأبو حنيفة لا تؤخذ ~~الجزية منهم، والى هذا ذهب ابن حبيب، وهو قول ابن وهب من أصحابنا. قال ابن ~~حبيب إكراما لهم فعلى قوله تؤخذ الجزية من غير المجوس إذا لم يكن من العرب ~~ودان بغير الإسلام. وقيل إن ذلك ليس من جهة الإكرام لهم، وإنما ذلك على جهة ~~التغليظ عليهم لبعدهم من الحق إذ ليسوا بأهل كتاب، وهذا يأتي على مذهب ~~الشافعي لأن المجوس عنده أهل كتاب ولا تؤخذ الجزية عنده إلا من أهل الكتاب. ~~فعلى قوله لا تؤخذ الجزية من غير المجوس وأهل الكتاب وإن لم يكونوا من ~~العرب. # فصل وأما الذين يختلف فيما يؤخذ منهم في الجزية فنصارى العرب، ذهب مالك ~~إلى أن الجزية تؤخذ منهم، وحجته قول الله تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه ~~منهم} [المائدة: 51] وروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - أنه كان ~~يأخذ منهم في جزيتهم الصدقة مضاعفة إكراما لهم. وقيل بل كان يأخذ ذلك باسم ~~الجزية والله أعلم. # فصل فالذي يتحصل في الجزية ثلاثة أقوال: أحدها أن الجزية تؤخذ ممن دان ~~بغير الإسلام بدين يقر عليه من جميع الأمم حاشا كفار قريش. والثاني أنها ~~تؤخذ ممن دان بغير الإسلام بدين يقر عليه حاشا كفار قريش ومشركي العرب. ~~والثالث أنها لا تؤخذ إلا من أهل الكتاب والمجوس، وهذا قول الشافعي. ~~والقولان الأولان في المذهب، وقد تقدم ذكر ذلك وبالله التوفيق. # PageV01P377 ### | كتاب الحج # ] [ ### || فصل في معرفة اشتقاق اسم الحج # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وآله وسلم # عونك اللهم لا شريك له كتاب الحج فصل # في معرفة اشتقاق اسم الحج الحج ms0312 في اللغة القصد مرة بعد أخرى أو هو مأخوذ ~~من قولهم حججت فلانا إذا عدته مرة بعد أخرى، فقيل حج البيت لأن الناس ~~يأتونه في كل سنة. قال الله عز وجل: {وإذ جعلنا البيت مثابة للناس} ~~[البقرة: 125] أي مرجعا يأتونه في كل سنة ثم يرجعون إليه فلا يقضون منه ~~وطرا، أي لا يدعه الإنسان إذا أتى إليه قبل أن يعود إليه ثانية. وقيل للحاج ~~حاج لأنه يأتي البيت في - أول قدومه فيطوف به قبل يوم عرفة ثم يعود إليه ~~بعد يوم عرفة لطواف الإفاضة ثم ينصرف عنه إلى منى ثم يعود إليه ثالثة لطواف ~~الصدر، فلتكرار العودة إليه مرة بعد أخرى قيل له حاج. # فصل والعمرة: الزيارة، يقال أتى فلان معتمرا أي زائرا، فقيل للمعتمر ~~معتمرا لأنه إذا طاف بالبيت انصرف عنه معتمرا أولم يعد إليه بعد زيارته ~~إياه. فمعنى اعتمر الرجل البيت أي زاره وقصده. وكل من قصد شيئا فهو له ~~معتمرا. # PageV01P379 # فصل فحج البيت في الشرع قصده على ما هو في اللغة، إلا أنه قصد على صفة ما ~~في وقت ما تقترن به أفعال ما. # فصل وحج بيت الله الحرام فريضة كفريضة الصلاة والصيام والزكاة، قال الله ~~عز وجل: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] # فصل ولوجوبه أربعة شرائط، وهي البلوغ، والعقل، والحرية، والاستطاعة. ~~واختلف في الإسلام فقيل: إنه من شرائط الوجوب، وقيل إنه من شرائط الإجزاء، ~~على اختلافهم في مخاطبة الكافر بشرائع الإسلام. # فصل والاستطاعة القوة على الوصول إلى مكة إما راكبا وإما راجلا مع السبيل ~~الآمنة المسلوكة. وما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الاستطاعة ~~أنه الزاد والراحلة معناه عندنا في البعيد الدار الذي لا يقدر على الوصول ~~إلى مكة راجلا إلا بتعب ومشقة. فإذا كان لا يقدر على الوصول راجلا لبعد ~~بلده إلا بالمشقة التي ذكر الله تعالى حيث يقول: {وتحمل أثقالكم إلى بلد لم ~~تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم} [النحل: 7] فلا يجب عليه ms0313 ~~الحج حتى يقدر على الراحلة بشراء أو كراء. وقد قال بعض البغداديين: لم يثبت ~~في الراحلة حديث. وظاهر القرآن يوجب الحج على مستطيعه ماشيا، يريد قول الله ~~عز وجل: {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج ~~عميق} [الحج: 27] ، وقد سئل مالك رحمه # PageV01P380 # الله عن قول الله عز وجل: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا} [آل عمران: 97] أهو الزاد والراحلة، فقال لا والله ما ذلك إلا على ~~طاقة الناس، الرجل يجد الزاد والراحلة ولا يقدر على السير، وآخر يقدر أن ~~يمشي على رجليه. ولا صفة في هذا أبين مما قال الله عز وجل: {من استطاع إليه ~~سبيلا} [آل عمران: 97] فمن قدر على الوصول إلى مكة إما راجلا بغير كبير ~~مشقة تلحقه أو راكبا بشراء أو كراء فقد وجب عليه الحج. وليس النساء في ~~المشي على ذلك وإن قوين لأنهن في مشيهن عورة إلا للمكان القريب مثل مكة وما ~~قرب منها. حكى ذلك ابن المواز عن أصبغ. # فصل وإن لم يكن عند الرجل من الناض ما يشتري به أو يكتري به وله عروض ~~فيلزمه أن يبيع من عروضه في الحج ما يباع عليه منها في الدين. أوقد سئل ابن ~~القاسم عن الرجل تكون له القرية ليس له غيرها أيبيعها في حجة الإسلام ويترك ~~ولده ولا شيء لهم يعيشون به. قال نعم، ذلك عليه ويترك ولده في الصدقة،. ~~وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من مات ولم يحج حجة ~~الإسلام لم يمنعه من ذلك فقر ظاهر أو مرض حابس أو سلطان ظالم فليمت على أي ~~حال شاء يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا» . # فصل واختلف في الحج هل هو على الفور أو على التراخي. فحكى ابن القصار عن ~~مالك أنه عنده على الفور، ومسائله تدل على خلاف ذلك. روى أشهب عنه أنه سئل ~~عمن حلف على زوجته أن لا تخرج فأرادت الحج وهي صرورة أنه يقضى عليه بذلك، ~~ولكن لا أدري ما ms0314 تعجيل الحنث ها هنا حلف أمس وتقول هي أنا أحج اليوم ولعله ~~يؤخر ذلك سنة بسنة. وفي كتاب ابن عبد الحكم أنه يؤخر سنة وكذلك يقضى عليه. ~~وهذا يدل على أن الحج عنده على التراخي، إذ لو كان عنده على الفور لما شك ~~في تعجيل تحنيث الزوج في أول عام. بل القياس يوجب أن يحنث # PageV01P381 # الزوج في أول عام وإن كان الحج على التراخي لأن لها أن تعجله وإن لم يجب ~~عليها تعجيله. ولما أخر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عاما واحدا للعذر ~~المذكور في الحديث رأى على ما في كتاب ابن عبد الحكم أنه يقضى عليهما ~~بالتأخير عاما واحدا، لأن يمين الزوج عذر، ولعلها إنما قصدت إلى تحنيثه لا ~~إلى القربة بتعجيل الحج، فهذا وجه الرواية والله أعلم. ولابن نافع عن مالك ~~في المجموعة أنه يستأذن أبويه في حج الفريضة العام وعام قابل ولا يعجل ~~عليهما، فإن أبيا فليخرج. وهذا بين في أن الحج عنده على التراخي خلاف ما في ~~كتاب ابن المواز أنه يحج الفريضة [بغير إذنهما] وإن قدر أن يترضاهما فعل. ~~وإلى أنه على التراخي ذهب سحنون في نوازله من كتاب الشهادات، أي لم ير أن ~~تسقط شهادة من ترك الحج وهو قوي عليه حتى يتطاول ذلك السنين الكثيرة من ~~العشرين إلى الستين ونحو ذلك. # فصل فإذا قلنا إنه على التراخي فله حالة يتعين فيها، وهو الوقت الذي يغلب ~~على الظن فواته بتأخيره عنه، وهو يتعين عندي على من بلغ الستين، لقول رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «معترك أمتي من الستين إلى السبعين» . وإلى ~~هذا الحديث نحا سحنون في نوازله والله أعلم. ومما يدل على - أن الحج على ~~التراخي أنه فرض في سنة تسع وأقامه أبو بكر للناس في ذلك العام، ولم يحج ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا في سنة عشر. وإلى هذا ذهب الشافعي ~~واحتج بهذه الحجة. وما اعتل به في ذلك من ذهب إلى أنه على الفور من أن رسول ~~الله ms0315 - صلى الله عليه وسلم - قد علم بما أعلمه الله أنه يعيش حتى يحج لا ~~يلزم، لأن أصل اختلافهم أفي هذا إنما هو على اختلافهم، في الأمر المطلق هل ~~يقتضي الفور أو لا يقتضيه. فلو كان قول الله عز وجل: {ولله على الناس حج ~~البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] يقتضي الفور في اللسان ومفهوم ~~في # PageV01P382 # الخطاب لما صح أن يؤخر الحج إلى عام آخر وإن علم أنه يعيش إلا أن يخصه ~~الله تعالى بذلك دون غيره، وفعله في امتثال أمر الله محمول على البيان ~~لمجمل كتاب الله حتى يعلم أنه مخصوص بذلك. وإلى أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كان مخصوصا بتأخير الحج ذهب إسماعيل القاضي فقال إن الله لم يأمره ~~بالحج حتى قطع ما أراد أن يقطعه من عهود المشركين ودار الحج إلى الشهر الذي ~~جعل الله فيه الحج وحج فيه أبوه إبراهيم، وهو قول لا دليل عليه. والظاهر ~~أنه - صلى الله عليه وسلم - داخل تحت عموم قوله عز وجل: {ولله على الناس حج ~~البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] . # وأما قول من قال إن حجة أبي بكر كانت تطوعا لأنه حج في ذي القعدة قبل وقت ~~الحج على النسيء الذي كان عليه أهل الجاهلية وأن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إنما أخر الحج إلى عام عشر ليوقعه في وقته الذي استدار إليه الزمان ~~وحج فيه الأنبياء قبله إبراهيم وغيره صلوات الله وسلامه عليهم وهو ذو ~~الحجة، فيكون هو الفرض ويثبت فيه الحج إلى يوم القيامة على ما قاله في ~~خطبته، فليس ذلك عندي بصحيح. بل حج أبو بكر في ذي القعدة وهو وقته حينئد ~~شرعا ودينا قبل أن ينسخ النسيء، ثم حج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~ذي الحجة من العام المقبل وأنزل الله تعالى: {إنما النسيء زيادة في الكفر} ~~[التوبة: 37] الآية فنسخ ذلك النسيء الذي كان عليه أهل الجاهلية، وأنزل ~~أيضا: {الحج أشهر معلومات} [البقرة: 197] يريد لا ينقل عنها، فاستقر الحج ~~في ms0316 ذي الحجة إلى يوم القيامة. ولو كان الحج قد فرض في ذي الحجة ونسخ النسيء ~~عند فرض الحج قبل حج أبي بكر لما حج أبو بكر - رضي الله تعالى عنه - في ذلك ~~العام إلا في ذي الحجة، ولأمكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يحج في ~~ذلك العام لو شاء فيه الحج. فالصحيح أنه إنما أخر الحج في ذلك العام من أجل ~~العراة الذين كانوا يطوفون بالبيت من المشركين حتى يعهد إليهم في ذلك على ~~ما جاء في الحديث، لا ليوقعه في ذي الحجة إذ كان قادرا على أن يوقعه في ذلك ~~العام في ذي الحجة لو كان الحج قد فرض عليه فيه على الفور، فصح الدليل من ~~فعله - صلى الله عليه وسلم - على أن الحج على التراخي والله سبحانه وتعالى ~~أعلم. # PageV01P383 # فصل وقد ذكر الله تعالى الحج كله في كتابه بمناسكه ومشاعره وأحكامه ووقت ~~أدائه وما يحل فيه وما يحرم فقال تعالى: {الحج أشهر معلومات} [البقرة: 197] ~~[أي وقت الحج أشهر معلومات] لأن الحج عمل والأشهر وقت، فليس الأشهر هي ~~الحج، وإنما هي وقت له. واختلف فيها فقيل إن المراد بها شوال وذو القعدة ~~وعشر من ذي الحجة، لأنه إذا رمى الجمرة يوم النحر فقد حل من إحرامه أولم ~~يفسد حجه إن وطئ بعد ذلك لأن ترك الوطء قبل طواف الإفاضة ورمي الجمرة من ~~سنن الحج وليس من فرائضه. وإنما جاز أن يقال لها أشهر وهي شهران وبعض ~~الثالث لأنه وقت، والعرب تسمي الوقت تاما ببعضه، فتقول جئتك يوم الخميس ~~وإنما أتاه في ساعة منه، وجئتك شهر كذا وإنما أتاه في يوم منه. وقيل إن ~~المراد بها شوال وذو القعدة وذو الحجة لأن رمي الجمار في أيام مني بعد ~~العشر وهي من عمل الحج، ولأنه لا يجوز أن يطأ النساء إلا بعد طواف الإفاضة، ~~وله أن يؤخره إلى آخر الشهر ولا يكون عليه دم وهو من عمل الحج. فالرفث في ~~قوله تعالى: {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في ms0317 الحج} [البقرة: 197] هو إصابة ~~النساء. قال الله عز وجل: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} [البقرة: ~~187] والفسوق الذبح للأنصاب، قال الله عز وجل: {أو فسقا أهل لغير الله به} ~~[الأنعام: 145] وقال بعضهم الفسوق المعاصي كلها، وهو أظهر، فمعناه ولا يفسق ~~بإتيان ما نهاه الله عز وجل عنه في حال إحرامه بحجه من قتل صيد أو أخذ شعر ~~أو تقليم ظفر أو غير ذلك مما حرم الله عليه فعله في حال الإحرام. والجدال ~~الذي نهى الله عنه في الحج هو أن قريشا كانت تقف عند المشعر الحرام ~~بالمزدلفة بقزح وكانت العرب وغيرها تقف بعرفة، فكانوا # PageV01P384 # يتجادلون يقول هؤلاء نحن أصوب ويقول هؤلاء نحن أصوب، فقال الله عز وجل: ~~{لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر وادع إلى ربك إنك ~~لعلى هدى مستقيم} [الحج: 67] . # فصل وليس توقيت الحج للحج كتوقيت وقت الصلاة للصلاة في أن لا يجوز ~~الإحرام بالحج قبل أشهر الحج كما لا يجوز الإحرام بالصلاة قبل دخول وقتها. ~~والفرق بينهما من جهة المعنى أن الحج لا يتصل عمله بإحرامه، بل يتأخر إلى ~~ميقاته، فلا يضره الإحرام به قبل وقته، إذ لا يمكن عمله، إلا في وقته، ~~والصلاة يتصل عملها بالإحرام لها، فلو أحرم بها قبل وقتها لجاز أن يفرغ ~~منها قبل دخول وقتها. وقد كان الأصل أن يجب على الناس الإحرام بالحج من ~~أوطانهم وإذ كان بينهم وبين مكة مسيرة العام أو الأعوام بقول الله عز وجل: ~~{وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا} [الحج: 27] ، فخفف الله عنهم لقوله ~~تعالى في كتابه: {الحج أشهر معلومات} [البقرة: 197] كما خفف عنهم على لسان ~~رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يحرموا قبل ميقاتهم. فإن أحرم أحد بالحج ~~قبل أشهر الحج أو قبل ميقاته كان قد أساء إذ شدد على نفسه ولم يقبل رخصة ~~الله، فهذا وجه توقيت أشهر الحج للحج. ولهذا المعنى وجب على من لم يكن من ~~أهل مكة إذا اعتمر في أشهر الحج ثم حج قبل أن يرجع ms0318 إلى بلده أو قرن أن ~~يهدي، وذلك أنه اعتمر في الأشهر التي خص الله بها الحج في حقه. ومن أهل ~~العلم من يقول: إنه لا يجوز له أن يحرم بالحج قبل أشهر الحج، فإن فعل حل ~~بعمرة وكان متمتعا ولم يجزئه إحرامه بالحج. وقد قيل: إنه ليس عليه أن يتحلل ~~بعمرة، كمن أحرم بصلاة ثم ذكر أنه قد كان صلاها، إن له أن يقطع ولا يلزمه ~~أن يتم ركعتين، وفي ذلك اختلاف. # PageV01P385 # فصل وقال الله تعالى في الطواف: {وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا ~~تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود} [الحج: 26] ~~وقال: {وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين ~~والركع السجود} [البقرة: 125] وقال: {وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت ~~العتيق} [الحج: 29] . وجاء في بعض الآثار أن أصل الطواف بالبيت أن الله ~~تبارك وتعالى لما قال للملائكة: {إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها ~~من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا ~~تعلمون} [البقرة: 30] فغضب عليهم غضبا شديدا فتفرقوا لغضبه ولاذوا بالعرش ~~فطافوا حوله سبعا يستغفرون الله فغفر لهم وقال لهم: ابنوا لي في الأرض بيتا ~~يطوف حوله ذرية من أستخلفه فيها ويستغفرونني فأغفر لهم كما غفرت لكم وأرضى ~~عنهم كما رضيت عنكم، والله سبحانه وتعالى أعلم. # فصل وقال تعالى في الصفا والمروة: {إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن ~~حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر ~~عليم} [البقرة: 158] فقوله تعالى فيهما إنهما من شعائر- الله دليل على وجوب ~~السعي بينهما، لأن الله تعالى أخبر أن السعي بينهما من شعائر الحج التي ~~أداها خليله إبراهيم - صلوات الله وسلامه عليه - إذ سأله أن يريه مناسك ~~الحج، وإن كان خبرا فالمراد به الأمر، لأن الله تعالى أمر نبيه باتباع ملة ~~إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - فقال: {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم ~~حنيفا} [النحل: 123] ولا دليل على سقوط وجوب السعي بينهما لقوله ms0319 تعالى: ~~{فلا جناح عليه أن يطوف بهما} [البقرة: 158] لأن معنى ذلك هو ما «روي أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لما اعتمر # PageV01P386 # عمرة القضية تخوف أقوام كانوا يطوفون بهما في الجاهلية قبل الإسلام ~~لصنمين كانا عليهما تعظيما منهم لهما فقالوا: كيف نطوف بهما وقد علمنا أن ~~تعظيم الأصنام وما يعبد من دون الله شرك بالله، فأنزل الله تعالى: {إن ~~الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف ~~بهما} [البقرة: 158] » أي: فإن كان أهل الشرك يطوفون بهما من أجل الصنمين ~~اللذين بهما كفرا بالله فإنكم تطوفون بهما إيمانا بالله وتصديقا برسله ~~وطاعة لربكم فلا جناح عليكم، أي لا إثم عليكم في الطواف بهما. وروي عن ~~الشعبي أنه قال: كان في الجاهلية وثن على الصفا يسمى أساف وعلى المروة وثن ~~يسمى نائلة، فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بالبيت مسحوا الوثنين، فلما جاء ~~الإسلام وكسرت الأصنام قال المسلمون: إن الصفا والمروة إنما كان يطاف بهما ~~من أجل الوثنين فليس الطواف بهما من الشعائر، فأنزل الله تعالى أنهما من ~~الشعائر. وهذا نحو ما في الموطأ عن عروة بن الزبير أنه قال: «قلت لعائشة أم ~~المؤمنين وأنا يومئذ حديث السن، أرأيت قول الله عز وجل: {إن الصفا والمروة ~~من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما} [البقرة: ~~158] فما على الرجل أن لا يطوف بهما، فقالت عائشة: كلا، لو كان كما تقول ~~لقال فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، إنما أنزلت هذه الآية في الأنصار ~~الذين كانوا يهلون لمناة، وكانت مناة حذو قديد، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا ~~بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- عن ذلك فأنزل الله عز وجل: {إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت ~~أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما} [البقرة: 158] » . # فصل وأصل السعي بين الصفا والمروة في الحج ما جاء في الحديث الصحيح من ~~«أن إبراهيم - عليه السلام ms0320 - لما ترك ابنه إسماعيل مع أمه بمكة وهو رضيع ~~فنفد ماؤهما وعطشت وعطش ولدها وجعلت تنظر إليه يتلوى أو قالت: يتلبط، ~~فانطلقت كراهة أن تنظر إليه [فوجدت الصفا أقرب جبل يليها فقامت عليه ثم ~~استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا، فلم تر أحدا فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت ~~الوادي رفعت طرف # PageV01P387 # درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود] حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة ~~فقامت عليها ونظرت فلم تر أحدا ففعلت ذلك سبع مرات» . # فصل وذكر الله تعالى الوقوف بعرفة والمزدلفة فقال: {فإذا أفضتم من عرفات ~~فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن ~~الضالين} [البقرة: 198] يقول الله تعالى فإذا أفضتم من عرفات منصرفين [إلى ~~منى فاذكروا الله عند المشعر الحرام، واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله ~~لمن الضالين. وقوله] ، بعد ذلك: {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس} [البقرة: ~~199] قيل: المعنى في ذلك ثم آمركم بالإفاضة من عرفات من حيث أفاض الناس فهو ~~خبر. وثم في الخبر يجوز أن يكون الثاني فيها قبل الأول، كما أن الإفاضة قبل ~~المجيء إلى المشعر الحرام، وله نظائر كثيرة من القرآن. ويجوز أن تكون ثم ~~هاهنا بمعنى الواو، وعنى بالناس في هذه الآية إبراهيم خليل الرحمن - صلوات ~~الله وسلامه عليه -، وهذا جائز في الكلام أن يقال للذي يقتدى به ويكون لسان ~~قومه قال الناس وهم يعنونه. ومنه قوله عز وجل: {الذين قال لهم الناس إن ~~الناس قد جمعوا لكم} [آل عمران: 173] وإنما قاله لهم نعيم بن مسعود ~~الأشجعي، وكان بعث به أبو سفيان ليخوف المسلمين بجمعهم. وقيل: إن الذي عني ~~بهذه الآية قريش ومن ولدته قريش الذين كانوا يسمون في الجاهلية الخمس، ~~أمروا في الإسلام أن يفيضوا من عرفات، وهي البقعة التي أفاض منها سائر ~~الناس. فالمعنى بالناس على هذا التأويل من سوى قريش ممن وقف بعرفة. والمعنى ~~به على التأويل الأول، وهو أظهر، خليل الله - صلى الله عليه وسلم -. وقال ~~تعالى: {فإذا قضيتم مناسككم} [البقرة: 200] أي إذا ms0321 فرغتم من حجكم وذبحتم # PageV01P388 # نسائككم {فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا} [البقرة: 200] وذلك أن ~~أهل الجاهلية كانوا إذا فرغوا من حجهم ومناسكهم يجتمعون فيتفاخرون بمآثرهم، ~~فأمرهم الله في الإسلام أن يكون ذكرهم بالتعظيم له تعالى والشكر له دون ~~غيره، وأن يلزموا أنفسهم من الإكثار من ذكره تعالى نظير ما كانوا ألزموه ~~أنفسهم في جاهليتهم من ذكر آبائهم. وقيل المعنى في ذلك: فاذكروا الله كذكر ~~الأبناء والصبيان الآباء. # فصل وأنزل الله تعالى في رمي الجمار في الأيام الثلاثة بمنى: {واذكروا ~~الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم ~~عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون} [البقرة: 203] . ~~والأصل في رمي الجمار، على ما جاء في بعض الآثار، «أن إبراهيم - عليه ~~الصلاة والسلام - لما أمر ببناء البيت سارت السكينة بين يديه كأنها قبة، ~~فكانت إذا سارت سار وإذا نزلت نزل، فلما انتهت إلى موضع البيت استقرت عليه ~~وانطلق إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - مع جبريل - عليه السلام - فمر ~~بالعقبة فعرض له الشيطان فأمره فرماه، ثم مر بالثانية فعرض له فرماه، ثم مر ~~بالثالثة فعرض له فرماه، فكان ذلك سبب رمي الجمار. ثم مشى معه يريه المناسك ~~حتى انتهى إلى عرفة فقال له عرفت؟ فقال عرفت، فسميت عرفة. ثم رجع فبنى ~~البيت على موضع السكينة» . وقد روي في سبب رمي الجمار ما قد ذكرته في كتب ~~الضحايا من شأن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - مع الكبش الذي فدى الله به ~~ابنه من الذبح فالله أعلم بحقيقة ذلك. # فصل وأمر الله تبارك وتعالى من أحرم بالحج والعمرة أن يتمهما على وجههما ~~وذكر تعالى حكم من أحصر فيهما أو تمتع فقال: {وأتموا الحج والعمرة لله فإن ~~أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله} ~~[البقرة: 196] # PageV01P389 # وقال: {فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم ~~يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن ms0322 لم ~~يكن أهله حاضري المسجد الحرام} [البقرة: 196] والقران في الحج مقيس على ~~التمتع. فذهب مالك - رحمه الله تعالى - إلى أن المحصر بمرض لا يحله شيء من ~~إحرامه إلا البيت، فإن احتاج إلى حلق رأسه قبل أن يصل إلى البيت افتدى، وإن ~~أقام على إحرامه حتى يحج به من عام قابل لم يكن عليه هدي، وإن تحلل بعمرة ~~قبل أشهر الحج من عام قابل كان عليه هدي لفوات الحج، فينحره قبل أن يحلق ~~رأسه في حجة القضاء، لقوله عز وجل: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا ~~تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله} [البقرة: 196] ولقوله تعالى: {فإذا ~~أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي} [البقرة: 196] ~~فالهدي الأول هو الثاني عنده. وإن تحلل بعمرة في أشهر الحج من عام قابل كان ~~عليه هدي آخر لاعتماره في أشهر الحج كما يكون على القارن إلا أن يكونا من ~~حاضري المسجد الحرام. وذهب عروة بن الزبير وابن شهاب وجماعة من العلماء إلى ~~أن الهدي الأول في قوله تعالى: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا ~~رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله} [البقرة: 196] غير الهدي الثاني في قوله ~~تعالى: {فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي} ~~[البقرة: 196] [الهدي الأول يحل به من بعض إحرامه قبل أن يصل إلى البيت إن ~~شاء أن يبعث بالهدي ويجعل له ميعادا ينحره فيه. فإذا بلغ ذلك الوقت حل له ~~حلق الشعر ولبس الثياب وما أشبه ذلك حتى يصل إلى البيت فيحل بالطواف من ~~جميع إحرامه. والهدي الثاني يجب عليه لفوات الحج إذا لم يبن على إحرامه حتى ~~يحج به] في العام المقبل. وإن احتاج قبل أن يصل الهدي الذي يبعث به إلى ~~البيت إلى حلق رأسه فعل ذلك وافتدى لقول الله عز وجل: {فمن كان منكم مريضا ~~أو به أذى من رأسه} [البقرة: 196] الآية. وهذا القول أسعد بالتأويل. # PageV01P390 ### || فصل فيما يجتنب المحرم # فصل # فيما يجتنب في الإحرام وذكر الله تعالى ما يجتنب في ms0323 الإحرام فقال تعالى: ~~{لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} [المائدة: 95] فلا يحل قتل الصيد ولا شيء من ~~الدواب في حال الإحرام إلا الخمس الفواسق التي أباح رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قتلها في الحل والحرم. وقال تعالى: {ولا تحلقوا رءوسكم حتى ~~يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو ~~صدقة أو نسك} [البقرة: 196] وكذلك ما كان في معناه من إماطة الأذى عن نفسه ~~بتقليم ظفر أو إلقاء تفث أو لبس شيء من الثياب المخيطة أو الخفين إلا أن لا ~~يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما أسفل من الكعبين على ما وردت به السنة عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. # فصل وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كل ما أجمل الله عز وجل في ~~كتابه من أمر الحج فوقت المواقيت لأهل الآفاق، وبين عدد الطواف بالبيت ~~والسعي بين الصفا والمروة وما يبدأ به في ذلك كله، وكيف يصنع فيه. ووقت ~~الوقوف بعرفة والمزدلفة، والجمع بين الصلاتين بهما، وصفة رمي الجمار ~~والنحر، وما يجب في ذلك كله وما لا يجب قولا وعملا في حجه الذي حج بالناس. # ومن أحسن حديث روي في صفة حجه - صلى الله عليه وسلم - وأتمه حديث جابر بن ~~عبد الله خرجه أصحاب الصحيح مسلم وغيره وقطعه مالك في موطئه، فذكر في كل ~~باب منه ما احتاج إليه، وكذلك فعل البخاري. وحديث جابر بن عبد الله من ~~رواية جعفر بن محمد عن أبيه قال: «دخلنا على جابر بن عبد الله وهو [يومئذ ~~قد ذهب بصره، # PageV01P391 # فسأل عن القوم حتى انتهى إلي فقلت أنا محمد بن علي بن حسين، وأنا] يومئذ ~~غلام شاب فرحب بي وسهل ودعا لي، فقالوا جئنا نسألك، فقال لي سل عما شئت يا ~~ابن أخي، فقلت أخبرني عن حج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال بيده ~~وعقد تسعا ثم قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكث تسع سنين لم ~~يحج، ثم أذن في الناس في ms0324 العاشر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاج، ~~فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميس ~~محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تقول كيف ~~أصنع، قال: اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي. فصلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في المسجد ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرت ~~إلى مد بصري من بين يديه من راكب وماش وعن يمينه وعن يساره مثل ذلك ومن ~~خلفه مثل ذلك، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أظهرنا ينزل عليه ~~القرآن وهو يعرف تأويله فما عمل به من شيء عملنا به. فأهل بالتوحيد لبيك ~~اللهم لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. وأهل ~~الناس بهذا الذي يهلون به، فلم يرد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليهم ~~شيئا منه، ولزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلبيته. قال جابر: لسنا ~~ننوي إلا الحج لسنا نعرف العمرة حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ~~ثلاثا ومشى أربعا، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: {واتخذوا من مقام ~~إبراهيم مصلى} [البقرة: 125] فجعل المقام بينه وبين القبلة. قال جعفر: فكان ~~أبي يقول: ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان ~~يقرأ في الركعتين: {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] و {قل يا أيها الكافرون} ~~[الكافرون: 1] ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا. فلما ~~دنا من الصفا قرأ: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} [البقرة: 158] فبدأ ~~بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا فرقي عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة ووحد ~~الله وكبره وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو ~~على كل شيء قدير لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب ~~وحده. ثم دعا بين ذلك ms0325 فقال مثل ذلك ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة حتى إذا ~~انصبت قدماه رمل في بطن الوادي حتى إذا صعدتا مشى حتى أتى المروة ففعل على ~~المروة كما فعل على الصفا حتى إذا كان آخر طواف على المروة قال: # PageV01P392 # إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي ولجعلتها عمرة، فمن كان ~~منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة. [فحل الناس كلهم إلا النبي- عليه ~~السلام - ومن كان معه هدي] . فقام سراقة بن جعشم فقال يا رسول الله: ~~ألعامنا هذا أم للأبد، فشبك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أصابعه ~~ثم قال: هكذا دخلت العمرة مرتين، لا، بل لأبد أبد. وقدم علي من اليمن ببدن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوجد فاطمة ممن حل ولبست ثيابا صبيغا ~~واكتحلت فأنكر ذلك عليها، فقالت: إن أبي أمرني بهذا فكان علي يقول بالعراق ~~فذهبت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محرشا على فاطمة للذي صنعت ~~مستفتيا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما ذكرت عنه فأخبرته أني ~~أنكرت ذلك عليها، فقال: صدقت صدقت، ثم قال: ماذا قلت حين فرضت الحج، قال: ~~قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك، قال: فإن معي الهدي فلا أحل. قال: ~~فكانت جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن والذي أتى به النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - من المدينة مائة. قال: فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ومن كان معه هدي، فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى ~~فأهلوا بالحج وركب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى بنا الظهر والعصر ~~والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس وأمر بقبة من شعر ~~تضرب له بنمرة، فسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا تشك قريش إلا ~~أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة ~~فنزل بها، حتى إذا زاغت ms0326 الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فأتى بطن الوادي فخطب ~~الناس فقال: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في ~~شهركم هذا في بلدكم هذا. ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء ~~الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ربيعة بن الحارث كان مسترضعا ~~في بني سعد فقتلته هذيل. وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربا عباس بن ~~عبد المطلب فإنه موضوع كله. فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة ~~الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا ~~تكرهونه، فإن فعلن بكم فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن ~~بالمعروف. وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده أبدا إن # PageV01P393 # اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم مسؤولون عني فما أنتم قائلون، قالوا: نشهد ~~أنك قد بلغت وأديت ونصحت، وقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء ويشير إلى ~~الناس: اللهم اشهد، اللهم اشهد ثلاث مرات، ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم ~~أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئا، ثم ركب حتى أتى الموقف فجعل بطن ~~ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة فلم ~~يزل واقفا حتى غابت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حين غاب القرص، وأردف أسامة ~~بن زيد خلفه ودفع وقد شنق القصواء بالزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله ~~ويقول بيده اليمنى: أيها الناس السكينة السكينة كلما أتى حبلا من الحبال ~~أرخى لها قليلا حتى تصعد حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان ~~واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئا، ثم اضطجع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب ~~القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعا الله وكبره ووحده ~~وهلله، ولم يزل واقفا حتى أسفر جدا فدفع قبل أن تطلع الشمس وأردف الفضل بن ~~عباس وكان رجلا حسن الوجه أبيض وسيما فلما دفع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - مرت الظعن يجرين فطفق الفضل ms0327 ينظر إليهن، فوضع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يده على وجه الفضل فصرف وجهه من الشق الآخر حتى أتى محسرا فحرك ~~قليلا ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة ~~التي عند المسجد فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها، كل حصاة منها مثل ~~حصى الخذف، فرمى من بطن الوادي ثم انصرف إلى المسجد # PageV01P394 # فنحر ثلاثا وستين بيده، ثم أعطى عليا فنحر ما غبر وأشركه في هديه. ثم أمر ~~من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها. ثم ~~ركب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى البيت فأفاض وصلى بمكة الظهر، ~~فأتى بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم، فقال: انزعوا بني عبد المطلب، ~~فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم فناولوه دلوا فشرب منه.» # فصل وكانت حجة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه في سنة عشر من ~~الهجرة، وهي حجة الوداع، لم يحج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ~~المدينة بعد أن أنزل عليه فرض الحج غيرها، وحج بمكة قبل أن يفرض عليه الحج ~~حجتين على ما روي. # فصل ولما فرض الحج وانصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غزوة تبوك ~~عام تسع أراد الحج ثم قال: إنه يحضر البيت غدا مشركون يطوفون بالبيت فلا ~~أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك، فأرسل أبا بكر فأقام الحج للناس في ذلك العام، ~~وذلك عام تسع، ثم أردفه عليا لما نزلت صدر سورة براءة ليقرأها على الناس ~~بالموسم، ويعهد إلى الناس أن «لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت ~~عريان» إلى سائر ما أمره أن ينادي به في كل موطن من مواطن الحج، فخرج على ~~ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العضباء حتى لحق أبا بكر بالطريق، ~~فقال له أبو بكر: أمير أو مأمور؟ قال: بل مأمور. ثم نهضا فأقام أبو بكر ~~للناس الحج في ذلك العام على منازلهم التي كانوا في الجاهلية ms0328 عليها من ~~النسيء الذي ذكره الله في كتابه حيث يقول: {إنما النسيء زيادة في الكفر يضل ~~به الذين كفروا} [التوبة: 37] الآية فوقعت حجته في ذي القعدة على ما كانوا ~~عليه من النسيء في الجاهلية. وذلك أنهم كانوا يحجون في كل شهر عامين، ~~فوافقت حجة أبي بكر الآخر من العامين في ذي القعدة. ثم حج النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - من، # PageV01P395 # قابل في ذي الحجة، فذلك قوله حيث يقول: «ألا إن الزمان قد استدار كهيئته ~~يوم خلق الله السماوات والأرض السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاث ~~متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان» ~~فثبت في ذي الحجة إلى يوم القيامة. # فصل واختلفت الآثار عن النبي - عليه الصلاة والسلام - في إهلاله بالحج من ~~حيث كان، فروي عنه أنه أهل من جوف المسجد حين صلى فيه. وقال آخرون: لم يهل ~~إلا من بعد أن استوت به راحلته في فناء المسجد. وقال آخرون: إنما أهل حين ~~أطل على البيداء وأشرف عليها. وقد أوضح ابن عباس المعنى في اختلافهم في ~~ذلك، روي عن سعيد بن جبير أنه قال: قلت لابن عباس: عجبت من اختلاف أصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في إهلال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فقال: إني لأعلم الناس بذلك. «خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاجا ~~فلما صلى بمسجد ذي الحليفة ركعتين أوجبه في مجلسه فأهل بالحج حين فرغ من ~~الركعتين فسمع ذلك منه أقوام فحفظوا ذلك عنه، ثم ركب فلما استقلت به راحلته ~~أهل وأدرك ذلك أقوام فحفظوا ذلك عنه، فقالوا: إنما أهل حين استقلت به ~~ناقته. وذلك أن الناس كانوا يأتون أرسالا. ثم مضى - صلى الله عليه وسلم - ~~فلما وقف على شرف البيداء أهل وأدرك ذلك منه أقوام فقالوا: إنما أهل حين ~~أشرف علي البيداء. [فنقل كل واحد ما سمع وإنما كان إهلاله من مصلاه وايم ~~الله] .» فمن أخذ بقول ابن عباس أهل بمصلاه إذا فرغ من الركعتين. # PageV01P396 # فصل وكذلك ms0329 اختلفت الآثار عن النبي - عليه الصلاة والسلام - هل أفرد الحج ~~أو قرن أو تمتع اختلافا كثيرا. والذي ذهب إليه مالك - رحمه الله تعالى - ~~أنه أفرد الحج على ما روي عن «عائشة أنها قالت: خرجنا مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - عام حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج وعمرة ~~ومنا من أهل بالحج، وأهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحج. فأما من ~~أهل بعمرة فحل وأما من أهل بالحج أو جمع بين الحج والعمرة فلم يحلوا حتى ~~كان يوم النحر..» وفي حديث عائشة هذا دليل على إباحة التمتع والقران، ولم ~~يختلف أهل العلم في ذلك، وإنما اختلفوا في الأفضل، فذهب مالك - رحمه الله ~~تعالى - إلى أن إفراد الحج أفضل على ما روي عن عائشة «أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أفرد الحج» وروي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة. وروي ~~عن عمر بن الخطاب أنه قال في قول الله عز وجل: {وأتموا الحج والعمرة لله} ~~[البقرة: 196] قال: من تمامهما أن تفرد كل واحدة منها عن الأخرى، وأن يعتمر ~~في غير أشهر الحج، فإن الله عز وجل يقول: {الحج أشهر معلومات} [البقرة: ~~197] وروي عن مالك - رحمه الله تعالى - أنه قال: إذا جاء حديثان مختلفان عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وبلغنا أن أبا بكر وعمر عملا بأحد الحديثين ~~وتركا الآخر كان في ذلك دلالة على أن الحق فيما عملا به. وذهب آخرون إلى أن ~~التمتع بالعمرة إلى الحج أفضل، وهو مذهب عبد الله بن عمر وعبد الله بن ~~عباس. ومنهم من ذهب إلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان متمتعا، وهو ~~قول سعد في الموطأ للضحاك بن قيس: بئس ما قلت يا ابن أخي، قد صنعها رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وصنعناها معه. «وقول حفصة لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: ما شأن الناس حلوا ولم تحل أنت من عمرتك فقال: إني لبدت ~~رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر» . وقول عبد ms0330 الله بن عمر في الموطأ أيضا، ~~وقد أهل أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع بالعمرة، ثم ~~قال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من كان معه هدي فليهل بالحج مع ~~العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا» . وذهب من صحح أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قرن إلى أن # PageV01P397 # القران أفضل، وهو مذهب علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه -. وفي قول ~~عائشة: «خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع فأهللنا ~~بعمرة ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من كان معه هدي فليهلل ~~بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا» . دليل على أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - كان قارنا، إذ لا اختلاف أن الهدي كان معه يومئذ ساقه ~~مع نفسه. # وخرج أبو داود عن «النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لعلي بن أبي ~~طالب: كيف صنعت؟ قال: قلت: أهللت بإهلال النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~قال: فإني سقت الهدي وقرنت» وذكر تمام الخبر. وكذلك روي «عن أنس بن مالك أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرن وأنه سمعه يقول لبيك بحجة وعمرة معا» ~~. وذهبت طائفة من العلماء إلى أنه لا يجوز أن يقال في واحدة من هذه الوجوه ~~إنها أفضل من الأخرى، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أباحها كلها ~~وأذن بها ورضيها ولم يقل في واحدة منها إنها أفضل من الأخرى. والأولى ما ~~ذهب إليه مالك - رحمه الله تعالى - أن الإفراد في الحج أفضل من التمتع ~~والقران، لأن التمتع والقران رخصة من الله، أوجب على من أخذ بها الهدي إذا ~~لم يكن من أهل مكة. فمن لم يأخذ بالرخصة وأتى بالحج والعمرة في سفرين فهو ~~أفضل والله أعلم. وقد قال بعض أصحابنا: إن الإفراد أفضل، ثم التمتع بعده ~~لأن الله تعالى أباحه في القرآن. # فصل وإذا صح حديث ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms0331 - أهل ~~بالحج حين فرغ من الركعتين، وحين استوت به راحلته، وحين ظهر على البيداء ~~وصحح على ذلك وجه الاختلاف المروي في حين إحرامه، صح أن يصحح عليه أيضا وجه ~~الاختلاف المروي فيما كان به محرما، إذ قد يحتمل أن يكون أهل حين فرغ من ~~الركعتين بعمرة مفردة، فلما استوت به راحلته أو ظهر على البيداء أهل بحجة ~~مفردة أضافها إلى عمرته المتقدمة فصار بذلك قارنا، فقال من سمع إحرامه حين ~~صلى الركعتين # PageV01P398 # بعمرة مفردة ولم يسمع إهلاله بعد ذلك بالحج الذي أضافه إلى العمرة ~~المتقدمة: إنه كان متمتعا. وقال: من سمع إهلاله بعد ذلك بالحج المفرد الذي ~~أضافه إلى العمرة المتقدمة ولم يسمع إهلاله بالعمرة المتقدمة إنه أفرد ~~الحج. وقال: من سمع إهلاله حين صلى الركعتين بالعمرة ثم سمع إهلاله بعد ذلك ~~بالحج الذي أضافه إليها إنه كان قارنا. وكان قول من قال ذلك أولى؛ لأنه علم ~~الأمرين جميعا وخفي على من قال: إنه كان مفردا أو متمتعا أو أحدهما. ويؤيد ~~هذا قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث علي - رضي الله تعالى ~~عنه -: «فإني سقت الهدي وقرنت» لأنه أخبر عن نفسه بما كان عليه من أمره ~~فكان أولى مما وصف عنه من يمكن أن يكون قد غاب عنه بعض أمره. وقد قيل في ~~وجوب اختلافهم في إحرامه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان أفرد الحج أولا ثم ~~فسخه في عمرة وأمر أصحابه بذلك نقضا لما كانوا عليه في الجاهلية، لأنهم ~~كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، وكانوا يسمون المحرم صفر ~~ويقولون إذا عفا الوبر، وبرئ الدبر، ودخل صفر، حلت العمرة لمن اعتمر. فلما ~~قدم مكة قبل أن يطوف بالبيت أضاف الحج إلى العمرة التي كان فسخ الحج فيها ~~فصار بذلك قارنا، فكان في أول أمره مفردا للحج، ثم صار متمتعا إذ فسخ الحج ~~في العمرة، ثم صار قارنا إذ أضاف الحج إلى العمرة. فيصح على هذا قول من ~~قال: إنه أفرد الحج، وقول من ms0332 قال: إنه كان متمتعا، وقول من قال: إنه كان ~~قارنا. إلا أن إردافه الحج على العمرة لا يوجد في الأحاديث نصا وإنما يقال ~~ذلك بتأويل. والمنصوص فيها قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إني لبدت رأسي ~~وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر» . فظاهر هذا أنه بقي على عمرته متمتعا إلا ~~أنه لم يحلق بسبب الهدي، وهو قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - وأصحابه: ~~إن من ساق هديا لتمتعه لا يحلق حتى ينحر الهدي، فظنه قارنا من قال: إنه كان ~~قارنا بقوله «لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر» ولم يكن قارنا وإنما ~~كان متمتعا لفسخه الحج في العمرة. وإنما فسخ الحج في العمرة لينقض بذلك ما ~~كان عليه أهل الجاهلية، لأن التمتع أفضل من إفراد الحج. فبان على هذا أن ~~إفراد الحج أفضل من التمتع ومن القران، وهو مذهب مالك - رحمه الله تعالى - ~~وبالله التوفيق. # PageV01P399 # فصل والعمرة على مذهب مالك سنة وليست بفريضة. وذهب ابن الماجشون إلى أنها ~~فريضة، وهو مذهب ابن الجهم. والذي ذهب إليه مالك هو الصحيح، لأن فرض الحج ~~إنما وجب لقول الله عز وجل: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا} [آل عمران: 97] ، وأما قوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} ~~[البقرة: 196] ، فإنما هو أمر بالإتمام لمن دخل فيهما. وقد قرئ (والعمرة ~~لله) على الابتداء والخبر، فلا متعلق لأحد بإيجاب العمرة في هذه الآية ~~وإنما هي سنة. وقد احتج من ذهب إلى إيجابها بقول الله عز وجل: {وأذان من ~~الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر} [التوبة: 3] ، فدل أن ثم حجا أصغر ~~وهو العمرة. وهذا لا يصح فإن الحج الأكبر إنما عنى الله به الاجتماع الأكبر ~~بالمشعر الحرام حين تجتمع قريش وسائر الناس ولم يعن به شعيرة من الشعائر. ~~وقيل: إنما عنى به حج أبي بكر لأنه وقع [في ذي القعدة وهو أكبر من الذي كان ~~قبله،] في ذي القعدة أيضا. وقيل: إن الأكبر نعت لليوم لا للحج وأنه يوم ~~عرفة وهو بعيد. # فصل واعتمر ms0333 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثا: عام الحديبية في ذي ~~القعدة من سنة ست من الهجرة إذ صده المشركون عن البيت. وعام القضية من ~~العام المقبل عام سبع في ذي القعدة آمنا هو وأصحابه. ثم اعتمر الثالثة في ~~ذي القعدة من سنة ثمان. وقد قيل: إن عمرته الواحدة كانت في شوال، ذكر ذلك ~~مالك في موطئه عن عروة بن الزبير. وروي عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما ~~- «أنه - صلى الله عليه وسلم - اعتمر في رجب» وأنكرت ذلك «عائشة وقالت ما ~~اعتمر في رجب قط» . فكانت عمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث عمر ~~في ثلاثة أعوام عمرة في كل سنة. فلذلك لم ير مالك - رحمه الله تعالى - ~~العمرة في السنة إلا مرة واحدة. ومن قال: إن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كان في حجة الوداع متمتعا أو قارنا قال اعتمر رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أربع عمر. # PageV01P400 # فصل والعمرة لا تختص بزمن معلوم، وهي جائزة في السنة كلها لا تكره إلا ~~لمن أحرم بالحج من لدن إحرامه إلى أن تغيب الشمس من آخر أيام التشريق. ~~وسيأتي حكم إرداف الحج على العمرة والعمرة على الحج في موضعه من الكتاب إن ~~شاء الله تعالى. # فصل وقد روي في فضل الحج والعمرة آثار كثيرة: منها قول رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «من حج ولم يرفث ولم يجهل رجع كيوم ولدته أمه» وقوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ~~ليس له جزاء إلا الجنة» . «وسئل: أي الأعمال أفضل قال: إيمان بالله. قيل: ~~ثم أي قال: جهاد في سبيله، قيل: ثم أي، قال: حج مبرور» . وفي الموطأ «أن ~~رجلا مر على أبي ذر بالربذة سأله أين تريد؟ قال أردت الحج. قال هل نزعك ~~غيره قال لا. قال فاستأنف العمل، قال الرجل: فخرجت حتى قدمت مكة فبقيت فيها ~~ما شاء الله، ثم إذا أنا بالناس منعطفين على رجل، فضاغطت عليه الناس، فإذا ~~الشيخ الذي ms0334 وجدت بالربذة يعني أبا ذر، فلما رآني عرفني فقال: هو الذي ~~حدثتك.» # فصل والحج المبرور هو المتقبل الذي تخلص فيه النية لله عز وجل وينفق فيه ~~المال الحلال. فينبغي لمن أراد الحج أن يخلص فيه النية لله عز وجل، وأن ~~ينظر في ماله الذي يريد به الحج، فإن علم أنه من غير حله تنحى منه، فإن ~~الله لا يقبل إلا # PageV01P401 # طيبا. قال الله عز وجل: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} [البقرة: 267] ، ~~وقال تعالى: {إنما يتقبل الله من المتقين} [المائدة: 27] . ### || فصل في معرفة فرائض الحج # وفرائض الحج أربعة: النية، والطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، ~~والوقوف بعرفة. وذهب ابن الماجشون إلى أن الوقوف بالمشعر الحرام فريضة لقول ~~الله عز وجل: {فاذكروا الله عند المشعر الحرام} [البقرة: 198] ، والدليل ~~على أنه غير واجب تقديم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضعفة النساء ~~والصبيان من المزدلفة إلى منى، ولم يفعل ذلك - صلى الله عليه وسلم - بعرفة ~~مع أن الحاجة إلى ذلك بعرفة أشق. وذهب أيضا إلى أن رمي جمرة العقبة واجب. # فصل ويستحب الغسل في الحج في ثلاثة مواطن: للإهلال، ولدخول مكة، وللوقوف ~~بعرفة. وآكدها الغسل للإهلال، ويكون بتدلك وإنقاء، وتغتسل له الحائض ~~والنفساء. أما الغسل لدخول مكة وللوقوف بعرفة فلا يكون بتدلك وإنقاء. وقد ~~روي عن ابن عمر أنه كان لا يغسل رأسه فيه، واستحب ذلك ابن حبيب. وتغتسل ~~الحائض والنفساء للوقوف بعرفة لأنهما يقفان بها وهما غير طاهرتين. ويغتسلان ~~لدخول مكة بذي طوى ولا يؤخران الغسل إلى حين الدخول لأنهما لا يدخلان ~~البيت، وبالله التوفيق. # PageV01P402 ### | كتاب الأيمان والنذور # ] [ ### || فصل فيما يباح من النذر ويلزم الوفاء به من النذور # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله كتاب النذور ~~والأيمان فصل # فيما يباح من النذر ويلزم الوفاء به من النذور # أباح الله تبارك وتعالى لعباده النذر في غير ما آية من كتابه فقال تعالى: ~~{فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا} [مريم: 26] ، وقال ~~تعالى: {رب إني نذرت لك ما ms0335 في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم} ~~[آل عمران: 35] . وأوجب تعالى الوفاء به فقال: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا ~~بالعقود} [المائدة: 1] ، يريد عقد النذر وعقد اليمين وسائر العقود اللازمة ~~في الشرع. وقال تعالى: {يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا} ~~[الإنسان: 7] ، وقال تعالى: {وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق} ~~[الحج: 29] ، وقال تعالى: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ~~ولنكونن من الصالحين} [التوبة: 75] {فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا ~~وهم معرضون} [التوبة: 76] {فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما ~~أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون} [التوبة: 77] . # PageV01P403 # فصل فأمر الله تعالى بالوفاء بالنذر عموما وبين النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أن ذلك ليس على عمومه فقال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن ~~يعصي الله فلا يعصه» . ولا خلاف بين أحد من الأمة أن السنة تبين القرآن ~~وتخصص عمومه. وإنما اختلف أهل العلم في جواز نسخ القرآن بالسنة، أعني ~~بالسنة المتواترة التي توجب العلم وتقطع العذر. وأما السنة الواردة من طريق ~~الآحاد فلا خلاف في أن نسخ القرآن بها لا يجوز بعد وفاة النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -. # فصل فالنذر ينقسم على أربعة أقسام: نذر في طاعة يلزم الوفاء به. ونذر في ~~معصية يحرم الوفاء به، ونذر في مكروه يكره الوفاء به، ونذر في مباح يباح ~~الوفاء به وترك الوفاء به. # فصل فالنذر اللازم هو أن يوجب الرجل على نفسه فعل ما في فعله قربة لله ~~تعالى وليس بواجب، أو ترك ما في تركه قربة لله تعالى وليس بواجب، لأن ~~الطاعة الواجبة لا تأثير للنذر فيها، وكذلك ترك المعصية المحرمة لا تأثير ~~للنذر فيها لوجوب ترك ذلك عليه بالشرع دون النذر. وإنما يلزم من التروك ~~بالنذر الترك المستحب، مثل أن ينذر الرجل أن لا يكلم أحدا بعد صلاة الصبح ~~إلى طلوع الشمس وما أشبه ذلك. # فصل والنذر اللازم فيما فيه لله طاعة ينقسم على قسمين: نذر مستحب، وهو ~~المطلق الذي يوجبه الرجل على ms0336 نفسه شكرا لله على ما أنعم به عليه فيما مضى ~~أو لغير سبب. ونذر مباح وهو المقيد بشرط يأتي. # فالنذر المستحب المطلق أن يقول الرجل: لله علي نذر كذا وكذا أو نذر أن # PageV01P404 # أفعل كذا وكذا أو نذر أن لا أفعل كذا وكذا، أو لا يلفظ بذكر النذر فيقول: ~~لله علي كذا وكذا أو ألا أفعل كذا وكذا أو أن أفعل كذا وكذا شكرا لله ~~تعالى. الحكم في ذلك كله سواء على مذهب مالك. ومن أهل المذهب من ذهب إلى ~~أنه إذا قال لله علي كذا وكذا ولم يقل نذرا فذلك لا يلزمه لأنه إخبار بكذب. ~~والذي ذهب إليه مالك - رحمه الله تعالى - هو الصحيح. وذلك أن الذي يقول لله ~~علي كذا وكذا لا يخلو من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يريد بذلك النذر. والثاني: ~~أن يريد بذلك الإخبار. والثالث: أن لا تكون له نية. فإن أراد بذلك الإخبار ~~فلا اختلاف في أن ذلك لا يلزمه. وإن أراد بذلك النذر فلا يصح أن يحمل على ~~الإخبار، ولو جاز ذلك لجاز أن يحمل قوله علي نذر كذا وكذا على الإخبار. وإن ~~لم تكن له نية كان حمله على النذر الذي له فائدة وفيه طاعة أولى من حمله ~~على الكذب الذي لا فائدة فيه بل هو معصية. # فصل والنذر المباح المقيد بشرط يأتي، مثل أن يقول الرجل لله علي كذا وكذا ~~إن شفاني الله من مرضى أو قدم غائبي وما أشبه ذلك مما لا يكون الشرط من ~~فعله، إلا أن يكون شيئا يوقته أبدا فإن مالكا كرهه. # فصل وأما إن قيد ما أوجب على نفسه من ذلك بشرط من فعل يقدر على فعله ~~وتركه، مثل أن يقول: إن فعلت كذا وكذا أو إن لم أفعل كذا وكذا فعلي كذا ~~وكذا فليس بنذر وإنما هي يمين مكروهة، لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» ، إلا أنها لازمة عند مالك فيما ~~يلزم فيه النذر من الطاعات، وفي الطلاق ms0337 وإن لم تكن لله فيه طاعة، لأن ~~الحالف بالطلاق مطلق على صفة، ويقضي به عليه وبالعتق المعين، بخلاف ما سوى ~~ذلك من المشي والصدقة لمعين أو لغير # PageV01P405 # معين والعتق الذي ليس بمعين إلا أن يخرج ذلك من تقييده مخرج النذر، مثل ~~أن يقول: إن فعلت كذا وكذا أو إن أفعل فلله علي كذا وكذا فلا يلزمه في ~~الطلاق إذ ليس لله فيه طاعة، ويلزمه فيما عدا ذلك من الطاعات دون أن يقضى ~~عليه في شيء من ذلك وإن كان عتقا بعينه. # فصل وإنما لم يقض عليه بالنذر وإن كان لمعين؛ لأنه لا وفاء فيه إلا مع ~~النية، ومتى قضي عليه بغير اختياره لم تصح منه نية فلم يكن فيه وفاء. وهذا ~~إذا سمى النذر. وأما إن لم يسمه وإنما قال علي نذر إن فعلت كذا وكذا فهو ~~كالحالف بالله سواء في اللغو والاستثناء وفي جميع وجوهه، ولا كراهية فيه. ~~وكذلك إن قال: لله علي نذر أو لله علي نذر إن فعل الله بي كذا وكذا فعليه ~~كفارة يمين. # فصل والأيمان تنقسم على ثلاثة أقسام: مباحة، ومكروهة، ومحظورة. # فالمباحة الحلف بالله تعالى أو باسم من أسمائه الحسنى أو بصفة من صفاته ~~العلى. قال الله عز وجل: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن ~~أهدى من إحدى الأمم} [فاطر: 42] . وقال: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن ~~جاءتهم آية ليؤمنن بها} [الأنعام: 109] ، «وكان النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- كثيرا ما يحلف لا ومقلب القلوب، لا والذي نفسي بيده» ائتساء بما أمر الله ~~به من الحلف باسمه حيث يقول في سورة يونس: # PageV01P406 # {ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين} [يونس: 53] ، ~~وفي سورة التغابن: {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم ~~لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير} [التغابن: 7] ، وفي سورة سبأ: {وقال ~~الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه ~~مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ms0338 ذلك ولا أكبر إلا في كتاب ~~مبين} [سبأ: 3] ، وهي التي أمر الله تعالى بحفظها فقال: {واحفظوا أيمانكم} ~~[المائدة: 89] ، وأوجب الكفارة فيها بقوله: {لا يؤاخذكم الله باللغو في ~~أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ~~ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك ~~كفارة أيمانكم إذا حلفتم} [المائدة: 89] معناه: فحنثتم، ذلك مفهومه. # والمكروهة الحلف بغير الله تعالى، لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لعمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه -: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ~~فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» . وهي تنقسم إلى قسمين: قسم لا يلزم، ~~وقسم يلزم. فاللازمة أن يوجب على نفسه طلاقا أو عتقا أو ما كان في معناهما ~~أو شيئا يتقرب به إلى الله تعالى إن فعل شيئا أو إن لم يفعله. والتي لا ~~تلزم أن يوجب على نفسه معصية أو ما ليس لله بطاعة ولا معصية إن فعل شيئا أو ~~إن لم يفعله. مثل قوله علي شرب الخمر أو قتل فلان أو المشي إلى السوق وما ~~أشبه ذلك إن فعلت كذا أو إن لم أفعله. أو أن يحلف بحق غير الله تعالى مثل ~~قوله والمسجد والرسول ومكة والصلاة والزكاة وما أشبه ذلك. # PageV01P407 # والمحظورة أن يحلف باللات والعزى والطواغيت أو بشيء مما يعبد من دون الله ~~تعالى؛ لأن الحلف بالشيء تعظيم له، والتعظيم لهذه الأشياء كفر بالله تعالى. # فصل والأيمان التي تنعقد وتلزم فيها الكفارة إن حنث ما لم يستثن هو ما ~~كان على المستقبل من الأمور، مثل قوله والله لا أفعل ووالله لأفعلن. وأما ~~ما كان على الماضي فلا كفارة فيه حلف على حق يعلمه أو على شيء يستيقنه ~~فانكشف على غير ما حلف عليه، أو على الكذب متعمدا، أو على الشك إلا أنه ~~يأثم في بعض هذه الوجوه ولا يأثم في بعضها على ما سيأتي في موضعه إن شاء ~~الله تعالى. # فصل وللحالف نيته التي أرادها وعقد عليها يمينه ms0339 وإن كانت مخالفة لظاهر ~~لفظه، لا اختلاف في ذلك من قول مالك ولا من أحد من أصحابه. ودليلهم قول ~~الله عز وجل: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: ~~284] ، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الأعمال بالنيات» . وإنما ~~اختلفوا إذا لم تكن له نية وكان ليمينه بساط أو عرف من مقاصد الناس في ~~أيمانهم خلاف ظاهر لفظه هل تحمل يمينه على البساط أو ما عرف من مقاصد الناس ~~في أيمانهم أو على ظاهر لفظه على ثلاثة أقوال معلومة في المذهب. # أحدها: وهو الأشهر منها، مراعاة البساط ومقصد الناس بأيمانهم. فاليمين ~~على هذا القول تحمل على نية الحالف، فإن لم تكن له نية فبساط يمينه، فإن لم ~~تكن له نية ولا كان ليمينه بساط فما عرف من مقاصد الناس بأيمانهم. وإن لم ~~يعلم في ذلك للناس مقصد حملت يمينه على ما يوجب ظاهر لفظه في حقيقة اللغة. ~~فإن كان محتملا لوجهين فأكثر فعلى أظهر محتملاته، فإن لم يكن أحدهما أظهر ~~من # PageV01P408 # صاحبه واستويا في الاحتمال دون مزية جرى ذلك على الاختلاف [المتعارف] في ~~المجتهد تتعارض عنده الأدلة ولا يترجح أحدها على صاحبه. فقيل: إنه يأخذ بما ~~شاء من ذلك، وقيل: إنه يأخذ بالأثقل، وقيل: إنه يأخذ بالأخف. فكذلك هذا ~~يأخذ بالبر على قول. ووجه ذلك في الطلاق تيقن العصمة وفى اليمين بالله ~~براءة الذمة. ويأخذ بالحنث على قول. ووجه ذلك الاحتياط وأن لا يستباح الفرج ~~إلا بيقين. ويأخذ بما شاء من ذلك في قول. ووجهه أن المجتهد لما كان مأمورا ~~بالحكم ممنوعا من التقليد على الصحيح من الأقوال كان استواء الأدلة عنده ~~دليلا على التخيير، كما يخير المكفر في الكفارة بين العتق والإطعام ~~والكسوة، وكما يخير واطئ الأختين في تحريم أيتهما شاء وما أشبه ذلك. # والثاني: أنه لا يراعى في اليمين البساط ولا مقصد الناس في أيمانهم وتحمل ~~اليمين على ظاهر اللفظ إن لم تكن للحالف نية. من ذلك ما وقع في سماع سحنون ~~من قول ms0340 ابن القاسم وروايته عن مالك؛ لأن البساط مقدم على العرف، فإذا لم ~~يراع البساط فأحرى أن لا يعتبر العرف. وهذا الاختلاف جار عندي على اختلافهم ~~في اللفظ العام الوارد على سبب، هل يحمل على عمومه أو يقصر على سببه. # والثالث: أنه يعتبر البساط في اليمين ولا يعتبر فيها العرف. وهذا القول ~~قائم من المدونة؛ لأنه لم يعتبر في بعض مسائلها العرف. من ذلك مسألة من حلف ~~أن لا يأكل بيضا فأكل بيض الحوت، أو حلف أن لا يأكل رؤوسا فأكل رؤوس السمك. ~~واعتبره في بعضها. من ذلك مسألة من حلف أن لا يدخل بيتا فدخل المسجد. # فصل وهذا فيما كان العرف والمقصد فيه مظنونا. وأما ما كان العرف والمقصد ~~فيه متيقنا معلوما فلا اختلاف في الاعتبار به. وذلك مثل أن يقول الرجل ~~والله لأقودن فلانا كما يقاد البعير ولأعرضن على فلان النجوم في القائلة، ~~فهذا يعلم أن المقصد، خلاف اللفظ، فيحمل على ما علم من مقصده به بلا خلاف. ~~والدليل على # PageV01P409 # صحة ذلك كتاب الله تعالى وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -. قال الله عز ~~وجل: {فاعبدوا ما شئتم من دونه} [الزمر: 15] ، وقال: {وأجلب عليهم بخيلك ~~ورجلك} [الإسراء: 64] ، وقال: {إنك لأنت الحليم الرشيد} [هود: 87] ، وقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه» . ومثل ~~هذا كثير. # فصل وهذا كله في الحلف على نفسه بما لا يقضى به عليه أو بما يقضى به عليه ~~إذا أتى مستفتيا ولم تقم عليه بينة بيمينه. وأما الحلف لغيره في حق أو ~~وثيقة باستحلافه إياه أو متطوعا له باليمين من غير أن يستحلفه بما يقضى به ~~عليه أو بما لا يقضى به عليه فاختلف في ذلك اختلافا كثيرا. فقيل: إن اليمين ~~على نية الحالف. وقيل: إنها على نية المحلوف له. وقيل: إن كان مستحلفا ~~فاليمين على نية المحلوف له، وإن كان متطوعا باليمين له فاليمين على نية ~~الحالف [وقيل بعكس هذه التفرقة إن كان مستحلفا فاليمين على نية الحالف وإن ms0341 ~~كان متطوعا فاليمين على نية المحلوف له] ، وهذه رواية يحيى عن ابن القاسم ~~في الأيمان بالطلاق. والأول قول ابن الماجشون وسحنون. وقيل: إنما يفترق أن ~~يكون مستحلفا أو متطوعا باليمين فيما يقضى به عليه، وأما فيما لا يقضى به ~~عليه فلا يفترق ذلك، وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم في كتاب النذور. # فصل وهذا ما لم يقتطع بيمينه حقا لغيره، وأما إذا اقتطع بها حقا لغيره ~~فلا ينفعه في ذلك نية إن نواها. وهو آثم حانث في يمينه، عاص لله عز وجل في ~~فعله، داخل تحت الوعيد. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من اقتطع ~~حق امرئ مسلم بيمينه حرم الله # PageV01P410 # عليه الجنة وأوجب له النار، قيل وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله قال: ~~وإن كان قضيبا من أراك قالها ثلاثا» . فلا اختلاف في هذا الوجه عند أحد من ~~الأمة. # فصل والحنث يدخل بأقل الوجوه، والبر لا يكون إلا بأكمل الوجوه. والأصل في ~~ذلك أن الله تعالى أباح المطلقة ثلاثا بعد زوج فقال: {فإن طلقها فلا تحل له ~~من بعد حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] ، فلا تحل له بالعقد عليها دون ~~الدخول على ما ثبت في السنة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه قال ~~لامرأة رفاعة بن سموأل: لا تحل له حتى تذوق العسيلة» . # فصل وحرم ما نكح الآباء والأبناء من النساء فقال تعالى: {ولا تنكحوا ما ~~نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف} [النساء: 22] ، وقال تعالى: {وحلائل ~~أبنائكم الذين من أصلابكم} [النساء: 23] . فحرمت على الأب زوجة الابن بأقل ~~ما يقع عليه اسم نكاح وهو العقد دون الدخول، وعلى الابن زوجة الأب بمثل ذلك ~~بإجماع الأئمة. فتبين بذلك أن ما يباح به الشيء أقوى مما يحظر به. فمن حلف ~~أن لا يأكل هذا الرغيف يحنث بأكل بعضه إلا أن تكون له نية أو بساط يدل على ~~أنه إنما أراد استيعاب جميعه. ومن حلف ليأكلن هذا الرغيف لم يبر إلا بأكل ~~جميعه إلا أن تكون له نية ms0342 أو بساط يدل على أنه إنما أراد أكل بعضه. وعلى ~~هذا فقس ما شابه هذه المسائل. # فصل والنية تكون بالقلب دون تحريك اللسان. ومن شرطها أن يعقد عليها ~~يمينه، # PageV01P411 # فإن استدركها بعد أن فرطت منه اليمين لم ينتفع بها وان وصلها باليمين. ~~وذلك مثل أن يقول: والله إن كنت رأيت اليوم قرشيا وهو يريد فلانا لرجل ~~بعينه؛ لأنه قد رأى غيره من القرشيين. فإن قال: والله رأيت اليوم قرشيا ولا ~~نية له ثم نوى في نفسه فلانا بعد تمام اليمين لم ينتفع بذلك وإن وصل النية ~~باليمين، بخلاف الاستثناء. # فصل والاستثناء على وجهين: استثناء لا يخرج من الجملة بعضها وهو ~~الاستثناء من غير الجنس، واستثناء يخرج من الجملة بعضها وهو الاستثناء من ~~الجنس. فأما الاستثناء الذي لا يخرج من الجملة بعضها فاختلف في جوازه، ~~والأصح أنه جائز. قال الله عز وجل: {طه - ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} ~~[طه: 1 - 2] {إلا تذكرة لمن يخشى} [طه: 3] ، وقال: {وما كان لمؤمن أن يقتل ~~مؤمنا إلا خطأ} [النساء: 92] . وقال النابغة: # وما أحد بالربع إلا الذي أرى # وهذا الاستثناء يقدر بلكن. # فصل وأما الاستثناء الذي يخرج من الجملة بعضها فإنه ينقسم على وجهين: ~~أحدهما: أن يستثنى أكثر الجملة. والثاني: أن يستثنى أقلها. فأما إذا استثنى ~~أكثر الجملة فاختلف في جواز ذلك على قولين، أصحهما الجواز. والدليل على ~~جوازه قوله تعالى: {فبعزتك لأغوينهم أجمعين} [ص: 82] {إلا عبادك منهم ~~المخلصين} [ص: 83] ، وقوله تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من ~~اتبعك من الغاوين} [الحجر: 42] ، فلا بد أن يكون أحد الاستثناءين أكثر من ~~الجملة وأما إذا استثنى أقل من الجملة فإن ذلك جائز باتفاق. وهو على وجهين: ~~بحرف الاستثناء، وبغير حرف الاستثناء. # PageV01P412 # فأما الاستثناء بحرف الاستثناء فإنه أيضا على وجهين: أحدهما الاستثناء ~~بإلا أو بما كان في معناها من حروف الاستثناء. والثاني الاستثناء بأن وبإلا ~~أن. فأما الاستثناء بإلا فالمشهور في المذهب أنه لا بد فيه من تحريك ~~اللسان. وقد روى أشهب عن مالك في كتاب النذور ms0343 أن النية تجزئ في ذلك، وقاله ~~ابن حبيب في الذي يحلف بالحلال علي حرام ويستثني في نفسه إلا امرأته. وأما ~~الاستثناء بأن وبإلا أن فلا تجزئ فيه النية ولا بد من تحريك اللسان ولا ~~خلاف في ذلك أعلمه. # وأما الاستثناء بغير حرف الاستثناء فهو أن يقيد العموم بصفة؛ لأن ذلك ~~يقتضي إخراج من ليس على تلك الصفة من ذلك العموم فهو استثناء بالمعنى وله ~~حكم الاستثناء في أن لا ينفع إلا بتحريك اللسان واتصاله بالكلام. مثل ذلك ~~أن يقول والله ما رأيت اليوم قرشيا عاقلا؛ لأنه بمنزلة أن يصل بها إلا ~~أحمق، وذلك منصوص في رواية ابن القاسم - رحمه الله تعالى - في كتاب الأيمان ~~بالطلاق في الذي يسأل الرجل عن وديعة قد كان استودعه إياها فيحلف بالطلاق ~~إن كانت في بيته فيلقنه رجل في علمك فيقول: في علمي إنه استثناء، ينفعه إن ~~كان الكلام نسقا ولم يكن بينهما صمات. ومثله في سماع أشهب عن مالك في كتاب ~~النذور في الرجل يحلف ويستثني فيقول: في علمي أن ذلك له؛ لأن قوله: امرأتي ~~طالق إن كانت الوديعة في بيتي في علمي بمنزلة قوله: امرأتي طالق إن كانت ~~الوديعة في بيتي، إلا أن أكون غير عالم بها، فهو استثناء بالمعنى. فإن قال ~~الرجل امرأتي طالق إن كانت الوديعة في بيتي ولا نية له يصح الاستثناء بأن ~~يقول في علمي أو بأن يقول إلا أن أكون غير عالم بها إذا وصل ذلك بيمينه ولم ~~يكن بينهما صمات. ولا ينفعه أن ينوي ذلك بعقب اليمين، وإنما تنفعه النية ~~إذا عقد عليها يمينه من أول ما حلف. فافهم هذا المعنى وقس عليه فإنه جيد ~~خفي جدا. # فصل والاستثناء لا يكون إلا من وجهين: أحدهما العدد المسمى. والثاني ~~اللفظ الذي يقتضي العموم وهو يحتمل الخصوص. # PageV01P413 # فأما العدد المسمى فلا يصح استدراك الاستثناء فيه إذا لم يعقد عليه ~~يمينه، وإنما يصح إذا عقدها عليه. مثال ذلك: أن يقول والله لأعطين فلانا ~~ثلاثة دراهم إلا درهما، فإن كان أراد ms0344 أن يحلف ليعطينه درهمين فعبر عنهما ~~بثلاثة دراهم إلا درهما صح استثناؤه، وإن كان إنما أراد أن يحلف ليعطينه ~~ثلاثة دراهم فلما أكمل اليمين ولفظ بالثلاثة الدراهم بدا له فاستدرك الأمر ~~واستثنى الدرهم الواحد لم ينفعه وإن كان الاستثناء متصلا باليمين. ومثل ~~ذلك: قول الرجل لامرأته أنت طالق ثلاثا إلا واحدة ففي هذا المعنى اختلاف ~~يقوم من المدونة. # وأما اللفظ الذي يقتضي العموم وهو يحتمل الخصوص فيصح استدراك الاستثناء ~~فيه إذا وصله باليمين بغير صمات. وقال ابن المواز: لا بد أن ينوي الاستثناء ~~قبل آخر حرف من تمام اليمين. مثال ذلك: أن يقول والله لأعطين فلانا ثلاثة ~~دراهم إن شاء الله أو إن شاء زيد، فهذا الاستثناء ينفعه وإن لم يعقد عليه ~~يمينه إذا استدركه فوصله باليمين من غير صمات. وعلى مذهب ابن المواز لا ~~ينفعه إلا أن ينويه قبل أن يلفظ بالميم من ثلاثة دراهم. هذا معنى قوله: ~~وإرادته عندي وإن كان قد قال: إن من حلف بالله الذي لا إله إلا هو عالم ~~الغيب والشهادة واستثنى لا ينفعه الاستثناء إلا أن ينويه قبل أن يلفظ ~~بالهاء من الشهادة فإنما هو تمثيل، ومعناه: أن ينوي الاستثناء قبل أن يلفظ ~~بآخر حرف من تمام كلامه. # فصل وأما ما نص عليه بالتسمية فلا يصح فيه استثناء لاستحالة الكلام لو ~~قال والله لأعطين فلانا وفلانا كذا وكذا درهما إلا فلانا منهم، لم يكن ~~كلاما مستقيما. # فصل ويصح الاستثناء بمشيئة مخلوق في اليمين بالله وفي اليمين بالطلاق وفي ~~الطلاق المجرد؛ لأنه طلاق على صفة. وأما الاستثناء بمشيئة الله تعالى فإنما ~~يصح في اليمين بالله ولا يصح في الطلاق المجرد. واختلف هل يصح في اليمين # PageV01P414 # بالطلاق صرف الاستثناء إلى الفعل، على قولين، الأصح منهما في النظر أنه ~~يصح فيه إذا صرف الاستثناء إلى الفعل لا إلى نفس الطلاق؛ لأنه إذا صرف ~~الاستثناء إلى الفعل فقد بر ولم يكن طلاق؛ لأنه علق الطلاق بصفة لا يصح ~~وجودها وهي أن يفعل الفعل والله لا يشاء أن ms0345 يفعله، وذلك مستحيل إلا على ~~مذهب القدرية مجوس هذه الأمة. فعلى قول ابن القاسم في قوله: إن الاستثناء ~~لا ينفعه وإن صرفه إلى الفعل درك عظيم. وإن لم تكن له نية في صرفه إلى ~~الفعل ولا إلى نفس الطلاق فلا أعرف في ذلك نص رواية. والذي يوجبه النظر ~~عندي أن يكون مصروفا إلى الفعل إذا قصد به حل اليمين ولم يقل ذلك لهجا به ~~دون القصد إلى الاستثناء؛ لأن صرفه إلى نفس الطلاق لغو لا معنى له، كما لو ~~حلف بالله واستثنى فرد الاستثناء إلى اسم الله تعالى المحلوف به. وصرف ~~الاستثناء إلى الفعل المحلوف عليه له معنى صحيح بين على ما ذكرناه. وحمل ~~الكلام إذا عري عن النية على ما له وجه ومعنى أولى من حمله على ما لا وجه ~~له ولا معنى. # وقولنا: إن الاستثناء بمشيئة الله لا يصح في مجرد الطلاق إنما معناه أنه ~~لا يسقط عنه الطلاق؛ لأنه إذا قال امرأتي طالق إن شاء الله فقد علمنا أن ~~الله قد شاء ذلك، إذ لا يستطيع أن يطلق امرأته بقوله امرأتي طالق إلا ~~بمشيئة الله، فوجب أن يلزمه الطلاق، كما لو قال امرأتي طالق إن علم الله ~~طلاقي؛ لأنه إذا طلق امرأته بقوله امرأتي طالق فقد شاء الله طلاقها وعلم ~~ذلك. وقول من قال: إن الطلاق إنما لزمه من أجل أن مشيئة الله لا تعلم قول ~~منكر؛ لأن مشيئة الله تعلم بوقوع الفعل، إذ لا يصح أن يقع من مخلوق فعل مع ~~عدم مشيئة الله تعالى والله سبحانه وتعالى أعلم، وبالله التوفيق، وهو ~~الهادي إلى أقوم طريق. # PageV01P415 ### | كتاب الصيد # ] [ ### || فصل في إباحة الصيد # بسم الله الرحمن الرحيم # وصلى الله على سيدنا محمد النبي # الأمي وعلى آله وصحبه وسلم كتاب الصيد فصل # في إباحة الصيد قال الله تعالى: {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم ~~الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما ~~أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه} [المائدة: 4] ، فالطيبات الحلال من ~~الرزق، ms0346 وكل ما لم يأت تحريمه في كتاب ولا سنة فهو من الطيبات، وهذا على ~~مذهب من يرى أن المسكوت عنه مباح، وفي ذلك اختلاف. # فصل وقوله: {وما علمتم من الجوارح} [المائدة: 4] ، معناه وصيد ما علمتم ~~من الجوارح، خرج مخرج قوله تعالى: {واسأل القرية} [يوسف: 82] ، والكلام يدل ~~على أنهم سألوا عن الصيد فيما سألوا عنه، وذلك مذكور في الحديث. روي «أن ~~زيد الخيل وعدي بن حاتم الطائيين أتيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقالا: يا رسول الله إن لنا كلابا تصيد البقر والظباء فمنها ما ندركه ومنها ~~ما يموت وقد حرم الله الميتة، فسكت عنهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # PageV01P417 # فأنزل الله عز وجل: {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم ~~من الجوارح مكلبين} [المائدة: 4] » ، الآية. # فصل والجوارح الكواسب التي يصاد بها، وهي الكلاب والفهود والبزاة والصقور ~~وما أشبه ذلك. ومن أهل العلم من قال لا يؤكل إلا صيد الكلاب. ومنهم من رأى ~~أنه لا يؤكل صيد الكلاب البهيم. ودليلنا عموم قول الله عز وجل: {وما علمتم ~~من الجوارح مكلبين} [المائدة: 4] ، معناه: معلمين أي أصحاب كلاب قد ~~علمتموها. وأصل التكليب تعليم الكلاب الاصطياد، ثم كثر ذلك حتى قيل لكل من ~~علم جميع الجوارح الصيد مكلب فتكليبها تعليمها الاصطياد. # وقوله: {مما علمكم الله} [المائدة: 4] ، فالذي علمنا الله هو ما في طبع ~~الصغير والكبير منا من إنشاد الجوارح وتضريتها على الصيد. فتعليم الكلاب هو ~~أن يشليه فينشلي، ويزجره فيزدجر، ويدعوه فيجيب. وكذلك الفهود وما أشبهها. ~~وتعليم البزاة والصقور وما أشبهها هو أن يشليها فتنشلي- ويدعوها فتجيب. ~~وأما أن يزجرها فتزدجر إذا زجرت فليس ذلك فيها ولا يمكن ذلك منها، قال ذلك ~~ابن حبيب. وليس قوله بخلاف ما في المدونة؛ لأنه إنما أراد في المدونة إن ~~كان يمكن من جوارح الطير أن يفقه الازدجار، وتكلم ابن حبيب على ما يعلم من ~~حالها بالاختبار. وأما النموس فقال ابن حبيب: إنها لا تفقه التعليم ولا ~~يؤكل ما صادت إلا أن تدرك ذكاته ms0347 قبل أن تنفذ مقاتله. وروى ابن نافع عن مالك ~~أنه قال: إن أكلت من صيدها فلا يؤكل. وقال ابن القاسم: لا أدري ما هذا، ~~الكلاب تأكل فيؤكل صيدها، ولكن إن كانت تفقه وإلا فلا يؤكل صيدها إلا أن ~~تدرك ذكاته قبل أن تنفذ مقاتله. # فصل وقوله تعالى: {فكلوا مما أمسكن عليكم} [المائدة: 4] ، ظاهره أدركت ~~ذكاته أو لم تدرك، أكلت الجوارح منها أو لم تأكل، وهو مذهب مالك وجميع ~~أصحابه. وقال # PageV01P418 # ناس: إنه لا يؤكل صيد الكلب إذا أكل منه؛ لأنه إنما أمسك على نفسه. والذي ~~ذهب إليه مالك - رحمه الله تعالى - وجميع أصحابه هو الصحيح، إذ لا فرق بين ~~الكلب وسائر الجوارح، وقد جمع الله بينهما في كتابه. فقد أجمع أهل العلم أن ~~قتل الكلب للصيد ذكاة له، فلا فرق في القياس بين أن يأكل من صيده بعد أن ~~يقتله وبين أن يأكل شاة مذبوحة. # فصل واعتلال من حرم أكله بأنه إذا أكل منه فإنما أمسك على نفسه لا علينا ~~لا يصح؛ لأن نية الكلب لا يمكننا علمها. وقد يحتمل أن يمسك على نفسه ثم ~~يبدو له فيترك الأكل، وأن يمسك علينا ثم يبدو له فيأكل. وإذا أرسلناه لا ~~ندري هل يمسك على نفسه أو علينا، بل المعلوم منه أنه إنما يمسك على نفسه، ~~ولو كان شابعا ما صاد، ولذلك يجوع ثم يرسل على الصيد. فإذا أمسك على نفسه ~~فقد أمسك علينا، إذ لا يصح أن يظن أحد أن الكلب إذا أرسله صاحبه يمضي ~~لمرسله بنية خالصة دون نفسه؛ لأن ذلك خلاف ما في طبعه من أن يفترس لنفسه. ~~ولو كلفنا الله تعالى في تعليم الجوارح هذا لكلفنا نقل طباعها، وذلك ما لا ~~يصح أن يقع التكليف به. وأيضا فقد أجمع أهل العلم أن الكلب المعلم إذا قتل ~~الصيد كان أكله جائزا من غير أن ينتظر به حتى يرى إن كان يأكل منه أو لا ~~يأكل ليستدل بذلك إن كان أمسك على نفسه أو علينا. وفي إجماعهم على ذلك دليل ms0348 ~~على ترك الاعتبار بأكله. وقد قال بعض من ذهب إلى هذا: إنه يختبر الكلب ثلاث ~~مرات فإن لم يأكل أكل صيده، وذلك فاسد في القياس. وما روى شعبة عن عدي بن ~~حاتم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا أكل الكلب فلا تأكل» ~~قد خالفه فيه همام ولم يذكر هذه الزيادة. واللفظة إذا جاءت في الحديث زائدة ~~لم تقبل إذا كانت مخالفة للأصول. وقد روى ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ما تشهد الأصول بصحته، وهو أنه قال: «إذا أكل فكل» ، وقال الشافعي: ~~البازي والصقر والعقاب والكلب واحد لا يؤكل صيد # PageV01P419 # واحد منهم إذا أكل منه. وروي ذلك عن الحسن وعطاء وسعيد بن جبير وعكرمة، ~~وهو بعيد؛ لأن تعليم الجوارح من الطير إجابتها إذا دعيت لا أن تزدجر إذا ~~زجرت، إذ لا يتأتى ذلك منها ولا يمكن، فكيف أن يترك الأكل إذا صادت. # فصل وقوله عز وجل: {فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه} ~~[المائدة: 4] ، فيه تقديم وتأخير، وتقديره فاذكروا اسم الله عليه وكلوا مما ~~أمسكن عليكم، فالتسمية تجب عند الإرسال على الصيد كما تجب على الذبيحة. فإن ~~ترك التسمية عند الإرسال عمدا لم يؤكل الصيد، وإن نسي أو جهل أكل الصيد ~~بمنزلة الذبيحة سواء. # فصل وقال الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد ~~تناله أيديكم ورماحكم} [المائدة: 94] ، وهذه الآية نزلت في المحرمين، فمعنى ~~ليبلونكم ليختبرنكم فيعلم المطيع بترك الصيد في الإحرام من العاصي بالصيد ~~فيه، أي ليعلم حصول الطاعة ووقوعها من عباده بعد تقدم علمه تعالى بما يكون ~~منهم قبل أن يخلقهم. وقيل: معناه ليعلم ذلك عندكم، يقول: لتعلموا أن الله ~~قد علم ذلك منكم فتجنبوه. وقوله: {من الصيد} [المائدة: 94] ، من هاهنا ~~للتبعيض، يريد صيد البر؛ لأن الله تبارك وتعالى أباح للمحرمين صيد البحر. ~~قال تعالى: {أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد ~~البر ما دمتم حرما} [المائدة: 96] . # فصل والذي تناله الأيدي من الصيد هو ms0349 البيض والفراخ وصغار الصيد وما لا ~~يفر ولا # PageV01P420 # يمتنع بنفسه، والذي تناله الرماح والأسل الظباء وبقر الوحش وما لا يوصل ~~إليه باليد. # فصل وأباح الله تعالى الصيد للحلال عموما باليد والرماح والأسل وبما ~~ينبغي به الصيد من الجوارح. فقال تعالى: {وإذا حللتم فاصطادوا} [المائدة: ~~2] ، وخصص من ذلك على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - الصيد في حرم مكة ~~وحرم المدينة فقال: «اللهم إن إبراهيم حرم مكة وأنا أحرم ما بين لابتيها» . ~~إلا أنه لا جزاء على من قتل الصيد في حرم المدينة عند مالك وجمهور أهل ~~العلم، وإنما عليه الاستغفار. # فصل فصيد البر مباح للحلال في الحل ومحرم على المحرم وعلى الحلال في ~~الحرم. وكره مالك - رحمه الله تعالى - وأكثر أهل العلم الصيد على وجه ~~التلهي لما فيه من اللهو والعذاب وإتعاب البهائم في غير وجه منفعة، ولم ير ~~أن تقصر الصلاة فيه. ولا بأس بالصيد لمن كان عيشه أو لمن قرم إلى اللحم. ~~وأباحه محمد بن عبد الحكم لعموم قول الله عز وجل: {وإذا حللتم فاصطادوا} ~~[المائدة: 2] ، واستخف مالك - رحمه الله تعالى - الصيد لأهل البادية؛ لأنهم ~~من أهله وأن ذلك شأنهم، ورأى خروج أهل الحضر إليه من السفه والخفة، والله ~~سبحانه وتعالى أعلم وبالله التوفيق. # PageV01P421 ### | كتاب الذبائح # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم كتاب الذبائح ~~قال الله عز وجل: {أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم} [المائدة: 1] ~~، معناه: أحل لكم المذكى منها وما كان في معناها بدليل قوله تعالى: {إلا ما ~~يتلى عليكم} [المائدة: 1] ؛ لأن مراده بقوله تعالى {إلا ما يتلى عليكم} ~~[المائدة: 1] ما تلاه بعد ذلك من التحريم في قوله: {حرمت عليكم الميتة ~~والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية ~~والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب} [المائدة: 3] ، ~~فالميتة ما مات حتف أنفه، والدم بمعني الدم المسفوح، وأما اليسير فإنه ~~حلال. قال الله عز وجل: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على ms0350 طاعم يطعمه ~~إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير} [الأنعام: 145] ، وقوله: {أو ~~لحم خنزير} [الأنعام: 145] ، عرفنا الله تبارك وتعالى بهذا أن الذكاة غير ~~عاملة فيه. وقوله: {وما أهل لغير الله به} [المائدة: 3] هو ما ذبح على ~~النصب مما لا يأكلونه. وقوله: {والمنخنقة} [المائدة: 3] هي التي صارت ~~بالخناق إلى حال اليأس الذي لا ترجى معه حياة. وكذلك الموقوذة وهي المضروبة ~~بالعصا، والمتردية التي تتردى من جبل أو غيره. والنطيحة المنطوحة، هي التي ~~صارت البهيمة في ذلك كله إلى حال اليأس، بدليل أن التي أنفذت مقاتلها بسبيل ~~الميتة، والتي لم تنفذ مقاتلها وترجى حياتها بسبيل # PageV01P423 # الصحيحة. والميتة مذكورة في أول الآية، والصحيحة لا معنى لذكرها إذ لا ~~إشكال في أمرها، فهذا دليل على صحة تأويلنا، وقولنا إن المراد بالموقوذة ~~وأخواتها ما صار إلى هذا الحد وفي ذلك اختلاف سنذكره. # فصل وقد اختلف في قول الله عز وجل في هذه الآية: {إلا ما ذكيتم} ~~[المائدة: 3] ، هل هو استثناء متصل أو من فصل. والاستثناء المتصل هو ما ~~يخرج عن الجملة بعض ما يتناوله اللفظ، مثل قول القائل رأيت بني فلان إلا ~~عمرا منه. وقوله تعالى: {فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما} [العنكبوت: 14] ~~، وهو كثير. والاستثناء المنفصل هو ما لا يخرج من الجملة المتقدمة شيئا مما ~~يتناوله اللفظ، مثل قول القائل أطعمت القوم إلا دوابهم. قال النابغة: # وما بالربع من أحد إلا الأراوي # والأراوي ليست من الآحاد. ومنه قول الله عز وجل: {وما كان لمؤمن أن يقتل ~~مؤمنا إلا خطأ} [النساء: 92] ؛ لأن الخطأ لا يصح أن يقال فيه إن له أن ~~يفعله. وقوله تعالى: {طه - ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} [طه: 1 - 2] {إلا ~~تذكرة لمن يخشى} [طه: 3] ، ويقدر هذا الاستثناء بلكن كأنه قال: ما أنزلنا ~~عليك القرآن لتشقى لكن تذكرة لمن يخشى. # فصل فمن ذهب إلى أن الاستثناء في قوله تعالى: {إلا ما ذكيتم} [المائدة: ~~3] ، هو من الاستثناء المتصل أجاز ذكاة المنخنقة وأخواتها وإن صارت البهيمة ~~مما أصابها من ذلك إلى ms0351 حال اليأس ما لم ينفذ ذلك مقتلا، وهو مذهب ابن ~~القاسم وروايته عن مالك في المدونة والعتبية، وإحدى روايتي أشهب عنه في ~~العتبية أيضا. ومن ذهب إلى أنه استثناء من فصل لم يجز ذكاتها إذا صارت في ~~حال اليأس مما أصابها من ذلك وإن لم ينفذ منها مقتلا، وقال: معنى الكلام: ~~لكن ما ذكيتم من غير هذه # PageV01P424 # الأصناف، وهو قول مالك - رحمه الله تعالى - في رواية أشهب عنه، وقول ابن ~~الماجشون وابن عبد الحكم وروايته عن مالك. وأما إذا أنفذ مقاتلها ما أصابها ~~من ذلك فلا تذكى ولا تؤكل باتفاق في المذهب؛ لأنها بسبيل الميتة، وإن تحركت ~~بعد ذلك فإنما هي بسبيل الذبيحة التي تتحرك بعد الذبح. وقد روى أبو زيد عن ~~ابن القاسم في كتاب الديات في الذي ينفذ مقاتل رجل ثم يجهز عليه آخر أنه ~~يقتل به ويعاقب الأول. فعلى هذه الرواية يلزم أن يجيز ذكاة هذه الأصناف بعد ~~إنفاذ المقاتل من جعل الاستثناء متصلا، إلا أنها رواية ضعيفة. والصواب ~~رواية يحيى وسحنون أن الأول هو الذي يقتل به ويعاقب الثاني. وقد روي عن علي ~~بن أبي طالب أن الذكاة تصح فيها ما بقيت فيها حياة بتحريك يد أو رجل ظاهرة ~~وإن كانت منفوذة المقاتل، وهو قول ابن عباس. روي عنه أنه سئل عن ذئب عدا ~~على شاة فشق بطنها حتى انتثر قصبها فأدركت ذكاتها فقال: كل، وما انتثر من ~~قصبها فلا تأكل. # فصل والمقاتل المتفق عليها خمسة: انقطاع النخاع وهو المخ الذي في عظام ~~الرقبة والصلب، وقطع الأوداج، وخرق المصير، وانتثار الحشوة، وانتثار الدماغ ~~وهو المخ. ومعنى قولهم في خرق المصير: إنه مقتل إنما ذلك إذا خرق أعلاه في ~~مجرى الطعام والشراب قبل أن يتغير ويصير إلى حال الرجيع. وأما إذا خرق ~~أسفله حيث يكون الرجيع فليس بمقتل. وإنما قلنا ذلك؛ لأنا وجدنا كثيرا من ~~الحيوان ومن بني آدم يجرح فيخرق مصيره في مجرى الرجيع فيخرج الرجيع على ذلك ~~الجرح ويعيش مع ذلك زمانا وهو متصرف يقبل ms0352 ويدبر. ولو خرق في مجرى الطعام ~~والشراب لما عاش إلا ساعة من نهار. ألا ترى أن عمر بن الخطاب - رضي الله ~~تعالى عنه - لما طعن فسقي اللبن فخرج من الجرح علم أنه قد أنفذت مقاتله ~~فقال له من حضره أوص يا أمير المؤمنين. وقد كان الشيوخ يختلفون عندنا في ~~البهيمة تذبح وهي صحيحة في ظاهرها فيوجد كرشها مثقوبا. ولقد أخبرني بعض من ~~أثق به أنها # PageV01P425 # نزلت برجل من الجزارين في ثور فرفع الأمر إلى صاحب الأحكام ابن مكي فشاور ~~في ذلك الفقهاء فأفتى الفقيه ابن رزق - رحمه الله تعالى - أن أكلها جائز ~~وأن للجزار أن يبيعها إذا بين ذلك. وأفتى ابن حمدين أن أكلها لا يجوز وأمر ~~أن تطرح في الوادي. فرأى ابن مكي أن يأخذ بقول ابن حمدين وأمر أن تطرح في ~~الوادي، فأخذها الأعوان ليذهبوا بها إلى الوادي، فسمعت العامة والضعفاء أن ~~الفقيه ابن رزق أجاز أكلها فتألبوا على الأعوان وأخذوها من أيديهم وتوزعوها ~~فيما بينهم ونهبوها وذهبوا بها لمكانة الفقيه ابن رزق - رحمه الله - في ~~نفوسهم من العلم والمعرفة. والذي أفتى به هو الصواب عندي لما قدمته من ~~الموجود المعلوم بالاعتبار، والتوفيق بيد الله. واختلف في اندقاق العنق من ~~غير أن ينقطع النخاع، فروى ابن القاسم عن مالك رحمهما الله تعالى أنه ليس ~~بمقتل، وروى ابن الماجشون ومطرف عن مالك أنه مقتل. وفي انشقاق الأوداج من ~~غير قطع فقال ابن عبد الحكم: ليس مقتلا، وقال أشهب وغيره من أصحاب مالك: هو ~~مقتل. وأما إذا لم ينفذ ما أصابها من ذلك لها مقتلا ورجيت حياتها فلا ~~اختلاف أنها تذكى وتؤكل إذا علم أنها كانت حية حين الذكاة بوجود علامات ~~الحياة بها، وهي خمسة: سيلان الدم، وطرفة العين، وركض الرجل، وتحريك الذنب، ~~واستفاضة نفسها في حلقها. وهذه العلامات الخمس راجعة إلى اثنتين، وهي سيلان ~~الدم، وتحرك الذبيحة، أو ما يقوم مقام التحرك من استفاضة نفسها في حلقها ~~الذي يعلم أنه لا يكون إلا مع الحياة. # فصل فإن وجدت العلامتان ms0353 جميعا في المكسورة التي لم ينفذ مقاتلها الكسر ~~وهي مرجوة الحياة عند ذكاتها فإنها تؤكل باتفاق. وإن وجد منها سيلان الدم ~~دون التحرك أو ما يقوم مقامه لم تؤكل، وهو ظاهر قول مالك - رحمه الله تعالى ~~- في الموطأ، ولا اختلاف في ذلك أعلمه. وإن وجد منها التحرك أو ما يقوم ~~مقامه من استفاضة نفسها بدون سيلان الدم جرى ذلك على الاختلاف في التي يئس ~~من حياتها إذا لم ينفذ ذلك لها مقتلا؛ لأن دمها إذا لم يسل حين الذبح فقد ~~علم أنها # PageV01P426 # كانت لا تعيش لو تركت؛ لأن انقطاع الدم إنما يكون بانقطاع بعضها من بعض، ~~وذلك ما لا يصح معه حياة. # فصل فالحكم في المنخنقة وأخواتها ينقسم على هذه الأقسام الثلاثة: إذا لم ~~تنفذ مقاتلها ورجيت حياتها عملت فيها الذكاة باتفاق. وإذا أنفذت مقاتلها لم ~~تعمل فيها الذكاة باتفاق في المذهب إلا على قياس رواية أبي زيد، وقد تقدم ~~ذكر شذوذها. وإن لم تنفذ مقاتلها إلا أنه قد يئس من حياتها قبل، أو شك في ~~أمرها، عملت فيها الذكاة على قول ابن القاسم ومن قال بقوله ممن يرى ~~الاستثناء في الآية المذكورة متصلا. # فيتحصل فيها إذا يئس من حياتها أو شك في ذلك ثلاثة أقوال. أحدها: أنها ~~تذكى وتؤكل. والثاني: أنها لا تذكى ولا تؤكل. والثالث: أنها تذكى وتؤكل إذا ~~شك في حياتها، ولا تذكى إذا يئس من حياتها. # فصل وذهب ابن بكير إلى أن معنى ما ذكر الله في الآية في المنخنقة ~~وأخواتها أنها هي التي ماتت من ذلك كله، وقال: إنما ذكر الله الميتة حتف ~~أنفها والتي تموت من هذه الأسباب، فأخبر أن الجميع بمنزلة سواء في التحريم. ~~هذا معنى قوله دون النص، وعلى هذا التأويل فالاستثناء منفصل على كل حال لا ~~يصح غيره، وكذلك قال هو. وما ذهب إليه في ذلك بعيد؛ لأن الميتة اسم عام ~~يدخل تحته الميتة حتف أنفها والتي تموت من هذه الأشياء، فلو كان المعنى ذلك ~~لم يكن لذكر المنخنقة وأخواتها في ms0354 الآية معنى. وله على بعده وجه، وهو أن ~~الله تعالى أعلم أن التي تموت من هذه الأشياء كالتي تموت حتف أنفها سواء في ~~التحريم. وإنما الصحيح في معنى الآية ما قدمته أولا من أن المنخنقة ~~وأخواتها التي ذكر الله في الآية هي # PageV01P427 # التي صارت مما أصابها في حال اليأس منها دون أن ينفذ لها ذلك مقتلا، ~~فيحتمل أن يرجع الاستثناء عليها وأن لا يرجع على ما قدمناه من الاختلاف في ~~ذلك. # فصل وأما المريضة فلا خلاف بين أصحابنا أن الذكاة عاملة فيها وإن يئس ~~منها إذا وجدت علامات الحياة فيها حين الذكاة، وهي الحركة أو ما يقوم مقام ~~الحركة من استفاضة نفسها في حلقها وسيلان الدم على ما قدمناه. فإن تحركت ~~ولم يسل دمها فإنها تؤكل، وقد نص على ذلك ابن القاسم في سماع أبي زيد، ~~وقاله ابن كنانة. وإن سال دمها ولم تتحرك لم تؤكل؛ لأن الحركة في معرفة ~~الحياة أقوى من سيلان الدم. # فصل وأما الصحيحة التي لا مرض بها ولا كسر فتؤكل إذا سال دمها عند الذبح ~~وإن لم تتحرك؛ لأن الحياة فيها معلومة لصحتها، فالحركة أو ما يقوم مقامها ~~من استفاضة نفسها في حلقها دليل على الحياة في كل موضع، وسيلان الدم دون ~~الحركة دليل على الحياة في الصحيحة خاصة. # واختلف في وقت مراعاة هذه الحركة على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها لا تراعى ~~إلا أن توجد بعد الذبح. والثاني: أنها تراعى وإن وجدت في حال الذبح. ~~والثالث: أنها تراعى وإن وجدت قبل الذبح. # فصل فإنما أباح الله لنا ما أباح لنا من حيوان البر بالذكاة. والذكاة ~~تنقسم على ثلاثة أقسام: ذبح، ونحر، وقتل على صفة ما. فأما النحر والذبح ففي ~~ما له دم سائل من المملوك المأسور. والقتل فيما كان ممتنعا بنفسه من الصيد ~~وفيما ليس له دم سائل من الحيوان على ما أحكمته السنة في ذلك، وقد تقدم ~~حكمه في كتاب الصيد. # PageV01P428 # فصل وما يذكى ينقسم على أربعة أقسام: قسم ينحر ولا يذبح وهي الإبل ms0355 بجميع ~~أصنافها. وقسم يذبح وينحر وهي البقر وما جرى مجراها. وقسم يذبح ولا ينحر ~~وهو ما سوى الإبل والبقر مما له دم سائل. وقسم تصح ذكاته بغير الذبح والنحر ~~وهو الصيد في حال الاصطياد، وما ليس له دم سائل. # فصل وقد اختلف فيمن ذبح ما ينحر أو نحر ما يذبح من غير ضرورة. قال مالك ~~في كتاب ابن المواز: لا يؤكل كان ساهيا أو متعمدا، وهو ظاهر ما في المدونة. ~~وقال أشهب: يؤكل كان ساهيا أو متعمدا، وهو ظاهر قول عبد العزيز بن أبي سلمة ~~في العتبية. وقيل: يكره أكله. وقال ابن بكير: إن ذبح البعير أكل، وإن نحرت ~~الشاة لم تؤكل، وتذبح النعامة ولا تنحر، قاله ابن القاسم. وقيل في الفيل: ~~إنه ينحر. ووجه ذلك أنه لا عنق له يذبح فيه. ووجه قول ابن القاسم في ~~النعامة وإن أشبهت البعير في طول العنق أنه لا لبة لها تنحر فيها. # فصل وفرائض الذكاة بالذبح خمسة: النية وهي القصد إلى الذكاة، وقطع ~~الودجين والحلقوم، والفور. فأما النية فهي فرض بإجماع. وأما قطع الودجين ~~والحلقوم فإن ذلك فرض عند مالك وأصحابه. فإن قطع الحلقوم ولم يقطع الودجين ~~أو قطع الودجين ولم يقطع الحلقوم أو قطع الودج والحلقوم ولم يقطع الودج ~~الآخر لم تؤكل الذبيحة خلافا للشافعي وأبي حنيفة في قولهما رحمهما الله ~~تعالى إن الذكاة في أربع: الحلقوم والمريء والودجين، فإن أنفذ منها ثلاثا ~~وبقي واحد أكلت الذبيحة. واستيعاب قطع الحلقوم فرض على أصل مذهب مالك. وروي ~~عن ابن القاسم وابن كنانة في المدونة، وهو قول ابن حبيب، أنه إن قطع نصفه ~~أو أكثره أجزأه، وقال سحنون: لا يجزئه إلا أن يقطعه كله. ومن ذلك اختلافهم ~~في الغلصمة إذا لم تكن في الرأس فالمشهور في المذهب أنها لا تؤكل، حكى ذلك ~~يحيى بن عمر عن # PageV01P429 # مالك، وقاله ابن القاسم وأصبغ وعيسى بن دينار. واختلف فيه قول أشهب وابن ~~عبد الحكم وابنه محمد وسحنون، وقال ابن وهب: لا بأس بها. وإن قطع بعض ms0356 ~~الغلصمة فقد قال محمد بن عبد الحكم على قياس الرواية بالمنع إن صار منها في ~~الرأس حلقة مستديرة كالخاتم أكلت وإلا لم تؤكل. # فصل وأما إن رفع يده قبل إكمال الذكاة ثم ردها، فقال ابن حبيب: تؤكل ~~الذبيحة إن كان ذلك بالقرب، واختلف فيه قول سحنون، فمرة قال: لا تؤكل وإن ~~رد يده بقرب ذلك، ومرة كرهها. وقد تأول على سحنون أنه إن رفع يده كالمختبر ~~ثم ردها بالقرب أكلت، وإن رفع يده وهو يرى أن الذكاة قد أكملها لم تؤكل وإن ~~رد يده بالقرب، وقد قال بعض القرويين في ذلك بالعكس قياسا على من سلم من ~~ركعتين شاكا أو على يقين أنه قد أكمل الصلاة، واستحسن ذلك أبو الحسن ~~القابسي. # فصل ومن سنن الذبيحة التسمية، وأن لا تنخع الذبيحة حتى تزهق نفسها، وأن ~~توجه للقبلة وتضجع على شقها الأيسر، وأن يرفق بها في ذلك كله. وسيأتي حكم ~~من ترك شيئا من ذلك كله في موضعه إن شاء الله. والاختيار أن تذبح بالحديد. ~~قال الله عز وجل: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس} [الحديد: 25] ~~، فإن لم يجد الحديد فما ذبح به أجزأه إذا قطع وأنهر الدم إلا السن والظفر. ~~فقد اختلف في الذبح بهما، فقيل ذلك جائز، وقيل لا يجوز. وفرق ابن حبيب بين ~~أن يكونا مركبين أو غير مركبين. وقيل: إنه يجوز بالظفر ولا يجوز بالسن. ~~والقولان الأولان مرويان عن مالك، وبالله التوفيق والله سبحانه وتعالى ~~أعلم. # PageV01P430 ### | كتاب الضحايا # ] [ ### || فصل في سبب شرع الضحايا # بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الضحايا فصل # في سبب شرع الضحايا أصل ما شرع الله الضحايا لعباده ما حكاه في محكم ~~كتابه من قصة خليله إبراهيم - عليه السلام - وما ابتلاه به من ذبح ابنه ثم ~~فداه بذبح عظيم. قال الله تبارك وتعالى في كتابه حاكيا عن إبراهيم - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: {رب هب لي من الصالحين} [الصافات: 100] أي ولدا ~~صالحا قال الله تبارك وتعالى: {فبشرناه بغلام حليم} [الصافات: 101] {فلما ~~بلغ معه السعي قال ms0357 يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال ~~يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين} [الصافات: 102] . روي ~~أن إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - لما بشرته الملائكة بابنه إسحاق نذر لله ~~تعالى أن يجعله ذبيحا إذا ولدته سارة، فلما ولدته وبلغ معه السعي أي معونته ~~على العمل قيل له في المنام: أوف لله بنذرك فرؤيا الأنبياء وحي. فقال لابنه ~~إسحاق: يا بني اذهب بنا نقرب إلى الله قربانا، وأخذ سكينا وحبلا ثم انطلقا، ~~فلما سارا بين الجبال التفت إسحاق وقال يا أبت أين قربانك؟ {قال يا بني إني ~~أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن ~~شاء الله من الصابرين} [الصافات: 102] . فقال له يا أبت اشدد رباطي حتى لا ~~أضطرب واكفف عني ثيابك حتى لا ينتضح عليها شيء من دمي فتراه سارة فتحزن ~~لذلك، وأسرع مر السكين على حلقي ليكون أهون للموت علي، فإذا أتيت سارة أمي ~~فاقرأ # PageV01P431 # - عليها السلام - مني. فأقبل عليه أبوه إبراهيم يقبله وقد ربطه وهو يبكي ~~وإسحاق يبكي حتى استنقعت الدموع تحت خد إسحاق ثم إنه جر السكين على حلقه ~~فلم تجر، وطوقه الله صفيحة من نحاس على حلق إسحاق، فلما رأى ذلك خشي أن ~~يكون من الشيطان وصوب به وجهه وجر السكين في قفاه فلم تجر، فذلك قوله عز ~~وجل: {فلما أسلما وتله للجبين} [الصافات: 103] وناداه الله عز وجل، أن يا ~~إبراهيم قد صدقت الرؤيا التفت، فالتفت فإذا هو بكبش أبيض أقرن أعين، فأخذ ~~الكبش وحل ابنه وأقبل عليه يقبله ويقول اليوم وهبت لي يا بني. وروي أنه ~~أرسل ابنه ثم اتبع الكبش ليأخذه فأحرجه عند الجمرة الأولى فرماه بسبع حصيات ~~فأفلت عندها، فجاء الجمرة الوسطى فأحرجه عندها فرماه بسبع حصيات، فأفلت ~~فجاء الجمرة الكبرى جمرة العقبة فرماه بسبع حصيات وأحرجه عندها وأخذه فجاء ~~به المنحر فذبحه. روي ذلك عن ابن عباس وأنه قال: والذي نفس ابن عباس بيده ~~لقد ms0358 كان أول الإسلام وإن رأس الكبش لمعلق بقرنيه عند ميزاب الكعبة، فكان ~~ذلك سبب ما شرعه الله تعالى من رمي الجمار بمنى، والنحر في أيام النحر؛ لأن ~~الله تبارك وتعالى أمر النبي - عليه الصلاة والسلام - أن يتبع ملة إبراهيم ~~فقال تعالى: {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من ~~المشركين} [النحل: 123] وقال تعالى: {ملة أبيكم إبراهيم} [الحج: 78] أي ~~الزموا ملة أبيكم إبراهيم. وقال تعالى: {إن أولى الناس بإبراهيم للذين ~~اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين} [آل عمران: 68] وقد ~~استدل برواية ابن عباس هذه من ذهب إلى أن الذبيح إسماعيل وبقول الله حين ~~فرغ من قصة المذبوح من ابني إبراهيم: {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين} ~~[الصافات: 112] يقول بشرناه بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب يقول بابن وابن ~~ابن فلم يكن ليأمره # PageV01P432 # بذبحه وله من الله هذا الوعد. وقال أبو جعفر الطبري: والذي ذهب إليه أكثر ~~أهل العلم بالتأويل أن الذبيح هو إسحاق، وهو الأظهر؛ لأن الذبيح إذا كان هو ~~الغلام الحليم الذي بشره الله به لمسألته إياه أن يهب له من الصالحين بنص ~~الكتاب فهو إسحاق، والله أعلم؛ لأنه لم يكن له ولد إلا من الصالحين، فيبعد ~~أن يسأل الله أن يهبه ما قد وهبه إياه. وقد بين في كتابه أن الذي بشر به ~~إسحاق فهو الذبيح والله أعلم. وقد روي أن إبراهيم إنما أمر بذبح ابنه إسحاق ~~بالشام وبها أراد ذبحه. وغير مستحيل أن يكون حمل رأس الكبش من الشام إلى ~~مكة. ولا حجة لمن ذهب إلى أن الذبيح إسماعيل في قوله: {وبشرناه بإسحاق ~~نبيا} [الصافات: 112] عقب الفراغ من قصة الذبيح؛ لأنه إنما بشر بنبوته جزاء ~~على صبره ورضاه بأمر ربه واستسلامه له. وكذلك لا حجة في وعد الله له أن ~~يكون له ولد من إسحاق؛ لأنه إنما أمر بذبحه بعد أن بلغ معه السعي وتلك حال ~~لا ينكر أن يكون له فيها أولاد فكيف بولد والله أعلم. وقال المفضل: الصحيح ~~الذي يدل عليه القرآن أنه ms0359 إسماعيل، وذلك أنه قص قصة الذبيح وقال في آخر ~~القصة: {وفديناه بذبح عظيم} [الصافات: 107] ثم قال: {سلام على إبراهيم} ~~[الصافات: 109] {كذلك نجزي المحسنين} [الصافات: 110] {إنه من عبادنا ~~المؤمنين} [الصافات: 111] {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين} [الصافات: ~~112] {وباركنا عليه} [الصافات: 113] أي: على إسماعيل {وعلى إسحاق} ~~[الصافات: 113] كنى عنه؛ لأنه قد تقدم ذكره. ثم قال: {ومن ذريتهما} ~~[الصافات: 113] فدل على أنهما ذرية إسماعيل وإسحاق. وليس يختلف الرواة في ~~أن إسماعيل كان أكبر من إسحاق - عليهما السلام - بثلاث عشرة سنة. وأيضا قد ~~روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أعرابيا قال له يا ابن الذبيحين ~~يعني إسماعيل - عليه السلام - وأباه عبد الله؛ لأن عبد المطلب كان نذر إن ~~بلغ ولده عشرة أن ينحر منهم واحدا، فلما كملوا عشرة أتى بهم البيت وضرب ~~عليهم بالقداح على أن يذبح من خرج قدحه، وقد كتب اسم كل واحد في قدح، وخرج ~~قدح عبد الله، ففداه بعشرة من الإبل، ثم ضرب عليه وعلى الإبل فخرج قدحه، ~~ففداه بعشرة إلى أن تمت مائة فخرج القدح على الجزر فنحرها، وسن الدية مائة. ~~قال ابن إسحاق وأما من قال: إنه إسحاق فقال كانت في إسحاق بشارتان: الأولى ~~قوله: # PageV01P433 # {فبشرناه بغلام حليم} [الصافات: 101] ولما استسلم للذبح واستسلم إبراهيم ~~- عليه السلام - لذبحه بشر به نبيا من الصالحين. # قلت: والذي ذهب إليه المفضل من أنه إسماعيل هو الأظهر. وقد اختلف في ذلك ~~اختلافا كثيرا والله أعلم. وما استدل به أبو جعفر الطبري لما ذهب إليه من ~~أنه إسحاق - عليه السلام -؛ لأنه يبعد أن يسأل إبراهيم ربه هبة ما قد وهبه ~~إياه إنما يستقيم على أن إسحاق أكبر من إسماعيل، فإن كان إسماعيل أكبر من ~~إسحاق على ما ذكره المفضل من أنه لم يختلف في ذلك الرواة فما استدل به حجة ~~للمفضل في أن الذبيح إسماعيل والله أعلم. # فصل وروي أن هذا الكبش الذي فدي به ابن إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - ~~من الذبح هو القربان الذي أخبر الله أنه تقبله من أحد ابني ms0360 آدم حيث يقول: ~~{فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر} [المائدة: 27] فذلك أن ابني آدم لما ~~أمرا بالقربان كان أحدهما صاحب غنم وكان نتج له حمل في غنمه فأحبه حتى كان ~~يؤثره بالليل وكان يحمله على ظهره حتى لم يكن له مال أحب إليه منه. فلما ~~أمر بالقربان قربه لله فقبله الله منه فما زال يرتع في الجنة حتى فدي به ~~ابن إبراهيم - والله أعلم. # فصل فالضحية سنة من سنن الإسلام وشرع من شرائعه. قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «أمرت بالنحر وهو لكم سنة» وأما قول الله عز وجل: {فصل ~~لربك وانحر} [الكوثر: 2] قيل: معناه فصل لربك وانحر لربك، فتكون الآية على ~~هذا عامة في الهدايا والضحايا. وقيل: يعني به صلاة الصبح بالمشعر الحرام ثم ~~النحر بعدها # PageV01P434 # بمنى. وقيل: يعني به صلاة العيد ثم النحر بعدها، وأن الآية نزلت ~~بالمدينة. وأما الحج فلا صلاة عيد فيه. وقيل: يعني به وضع اليد اليمنى على ~~اليسرى في الصلاة عند النحر وهو الصدر. وقيل: يعني به استقبال القبلة في ~~الصلاة لوجهك ونحرك أي صدرك، والله أعلم. وقال ابن حبيب: إنها من السنن ~~التي الأخذ بها فضيلة وتركها خطيئة، وأنها أفضل من الصدقة وإن عظمت، وأفضل ~~من العتق. ونحوه في المدونة فيمن اشترى أضحية ولم يضح بها حتى مضت أيام ~~النحر أنه آثم، فعلى هذا هي واجبة. # وتحصيل مذهب مالك أنها من السنن التي يؤمر الناس بها ويندبون إليها ولا ~~يرخص لهم في تركها، فقد قال: وإن كان الرجل فقيرا لا شيء له إلا ثمن الشاة ~~فليضح، وإن لم يجد فليستسلف. وقد روي عنه - رحمه الله - أن الضحية أفضل من ~~الصدقة، وروي عنه أن الصدقة أفضل من الضحية. فعلى هذا لم يرها واجبة ولا ~~يأثم بتركها وإن كان موسرا ما لم يتركها رغبة عن إتيان السنن. # فصل وفي الضحايا فضل كثير. قال الله عز وجل: {والبدن جعلناها لكم من ~~شعائر الله لكم فيها خير} [الحج: 36] يعني ذخر الثواب. وقال النبي - صلى ~~الله ms0361 عليه وسلم -: «ما من نفقة بعد صلة الرحم أعظم أجرا عند الله من إراقة ~~الدماء» . وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ما عمل آدمي يوم ~~النحر من عمل أحب إلى الله من إراقة دم وإنه ليأتي يوم القيامة في قرنه ~~بقرونها وأظلافها وأشعارها وإن دمها ليقع من الله بمكان قبل أن يقع بالأرض ~~فطيبوا بها نفسا» فقوله: في قرنه يريد في كتاب حسناته. وقوله: بقرونها ~~وأظلافها وأشعارها يريد أن شيئا منها لا يضيع له وأنه يجده ويجازى عليه، ~~فلذلك يستحب عظم الضحية وكمال شعرها وكمال خلقها. والآثار في هذا كثيرة. # PageV01P435 # فصل وأفضل الضحايا الكبش الفحل الأبيض الأقرن الأعين الذي يمشي في سواد ~~وينظر بسواد ويأكل بسواد، وقد روي أن هذه كانت صفة الكبش الذي فدي به ابن ~~إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - من الذبح. وروي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «لدم عفراء أفضل عند الله من دم سوداوين» . # فصل وفحول الضأن في الضحايا أفضل من خصيانها، وخصيانها أفضل من إناثها، ~~وإناثها أفضل من فحول المعز، وفحول المعز أفضل من خصيانها، وخصيانها أفضل ~~من إناثها، وإناثها أفضل من الإبل والبقر، وذكور الإبل أفضل من إناثها ~~وإناثها أفضل من ذكور البقر، وذكورها أفضل من إناثها، قاله ابن شعبان. وقال ~~عبد الوهاب: أفضلها الغنم، ثم البقر، ثم الإبل، وهو الصواب؛ لأن المراعاة ~~في [سنة] الضحايا طيب اللحم ورطوبته؛ لأنه يختص بها أهل البيت دون الفقراء، ~~بخلاف الهدايا. والدليل على ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما ضحى ~~بالغنم، ولو كانت الإبل في الضحايا أفضل لضحى بها. ومما يدل أيضا على أنها ~~أفضل من الإبل في الضحايا أن الله تبارك وتعالى إنما فدى ابن إبراهيم من ~~الذبح بكبش، وقال في كتابه: {وفديناه بذبح عظيم} [الصافات: 107] وروى أن ~~الله أنزله من الجنة وأنه كان رعى فيها خمسين خريفا. وأما الهدايا فالإبل ~~أفضل ثم البقر ثم الضأن. وذهب الشافعي - رحمه الله - إلى أن الإبل في ~~الضحايا أفضل من الغنم، واحتج ms0362 على ذلك بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«من اغتسل وراح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة» الحديث. والضحايا قربان. ~~وهذا لا حجة فيه؛ لأنه إنما أراد - صلى الله عليه وسلم - الهدايا. وقد روي ~~ذلك في # PageV01P436 # غير حديث الموطأ «من راح في الساعة الأولى فكأنما أهدى بدنة، ومن راح في ~~الساعة الثانية فكأنما أهدى بقرة» . # فصل والضحية واجبة على المقيم والمسافر والذكر والأنثى والصغير والكبير. ~~وقد قال مالك - رحمه الله -: يضحي الوصي عن اليتيم من ماله، ويلزم الأب أن ~~يضحي عن بنيه الذكور والإناث ما كانت نفقتهم له لازمة، الذكور حتى يحتلموا، ~~والإناث حتى يتزوجن ويدخل بهن أزواجهن. ولا يلزمه أن يضحي عن امرأته ولا عن ~~أم ولده، ولا يلزم أم الولد أن تضحي عن نفسها، وكذلك من فيه بقية رق لا ~~تلزمه الضحية. والاختيار عند مالك أن يضحى عن كل نفس بشاة، فإن ضحى بشاة ~~واحدة عن جميع أهل البيت أجزأهم. # فصل وأيام النحر ثلاثة: يوم النحر ويومان بعده، وهي الأيام المعلومات ~~التي ذكر الله في كتابه فقال: {ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما ~~رزقهم من بهيمة الأنعام} [الحج: 28] يضحي فيها من طلوع الفجر إلى غروب ~~الشمس إلا في اليوم الأول فلا يضحي فيه إلا بعد صلاة العيد ونحر الإمام. ~~ويستحب في اليوم الثاني والثالث ألا يضحي إلا ضحوة بعد طلوع الشمس، فإن ضحى ~~قبل ذلك بعد طلوع الفجر أجزأه. ويستحب أيضا لمن لم يضح في اليوم الثاني من ~~أيام الذبح حتى زالت الشمس أن يؤخر الذبح إلى ضحى اليوم الثالث فإنه أفضل. ~~وأما من لم يضح في يوم النحر حتى زالت الشمس فقيل: إن الأفضل أن يضحي في ~~بقية ذلك النهار، وقيل: الأفضل أن يؤخر إلى ضحى اليوم الثاني. وأما اليوم ~~الثالث فيضحي بعد الزوال من فاته أن يضحي قبله؛ لأنه ليس ثم وقت ينتظره. # فصل والضحية لا تجب إلا بالذبح خلاف الهدي الذي يجب بالتقليد والإشعار. # PageV01P437 # فقد روى ابن القاسم عن مالك رحمهما الله تعالى ms0363 في سماعه من كتاب الضحايا ~~من العتبية ما يدل على أنها تجب بالتسمية قبل الذبح، فقال: لا تجز الضحية ~~بعد أن تسمى، فإن فعل انتفع بصوفها ولم يبعه، وقال سحنون وأشهب: لا بأس ~~ببيعه إذا جزه قبل الذبح، وخفف ذلك أصبغ، وهو الذي يأتي على أنها إنما تجب ~~بالذبح وهو المشهور في المذهب، وبالله سبحانه وتعالى التوفيق. # PageV01P438 ### | كتاب الأشربة # بسم الله الرحمن الرحيم # كتاب الأشربة قال الله تعالى عز وجل: {هو الذي أنزل من السماء ماء لكم ~~منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون} [النحل: 10] أي تريحون وقال: {وإن لكم في ~~الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا ~~للشاربين} [النحل: 66] {ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا ~~حسنا} [النحل: 67] واختلف في السكر فقيل: إنه اسم من أسماء الخمر وإنه يقع ~~على كل مسكر من التمر والعنب وغيرهما، قال ذلك من ذهب إلى أن الخمر اسم لكل ~~مسكر. وقيل: إن السكر ما أسكر من التمر، والخمر ما أسكر من العنب. وقيل: إن ~~السكر هو الطعم يقال قد جعلت هذا لك سكرا أي طعما، وهذا له سكر أي طعم. ~~وقيل: إن السكر ما سد الجوع. فمن ذهب إلى أن السكر الطعم أو ما سد الجوع ~~فالآية على مذهبه بينة في المعنى مفتقرة إلى تأويل وتفسير. وأما الذين ~~ذهبوا إلى أن السكر ما أسكر من كل شيء أو مما عدا العنب فإنهم اختلفوا في ~~معناها، فمنهم من ذهب إلى أنها إخبار عما يصنعون ويتخذون من ذلك تقتضي ~~الإباحة وأن الله قد نسخ ذلك بما أنزل من تحريم الخمر في المائدة وغيرها. ~~ومنهم من ذهب إلى أن الآية لا تقتضي الإباحة؛ لأن الله لم يأمر فيها باتخاذ ~~السكر ولا أباحه، وإنما أخبر فيها بما يتخذون من الخمر المحرمة عليهم في ~~سورة المائدة وغيرها. والأول أظهر؛ لأن الله إنما ذكر ذلك تعديدا لنعمه على ~~عباده وتنبيها على # PageV01P439 # الاعتبار بآياته، فيبعد أن يمتن الله على عباده بما حرم عليهم وأمرهم ms0364 ~~باجتنابه في غير ما آية من كتابه. وأيضا فإن سورة النحل مكية وتحريم الخمر ~~إنما أنزل بالمدينة في سورة المائدة. # فصل وأجمعت الأمة على أن الخمر محرمة في كتاب الله تعالى، إلا أنهم ~~اختلفوا إن كانت محرمة في الكتاب بنص أو بدليل. والصحيح أنها محرمة فيه ~~بالنص؛ لأن المحرم هو المنهي عنه الذي توعد الله عباده على استباحته. وقد ~~نهى الله عن الخمر في كتابه وأمر باجتنابها وتوعد على استباحتها فقال: ~~{إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم ~~تفلحون} [المائدة: 90] وقال: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة ~~والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} ~~[المائدة: 91] وهذا بلاغ في الوعيد. وهاتان الآيتان ناسختان لآية البقرة ~~قوله: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس} [البقرة: ~~219] ولآية النساء قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى حتى تعلموا ما تقولون} [النساء: 43] ؛ لأن آية البقرة إنما تقتضي ~~الذم دون التحريم، فكانوا يشربونها لما فيها من المنافع. وأما آية النساء ~~فقيل: إنها تقتضي الإباحة؛ لأنهم أمروا فيها بتأخير الصلاة حتى يذهب السكر ~~قبل أن تحرم الخمر، فكان منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أقيمت ~~الصلاة ينادي لا يقربن الصلاة سكران، ثم نسخ ذلك فحرمت الخمرة وأمروا ~~بالصلاة على كل حال. وقيل: إنها تقتضي تحريم السكر في وقت الصلاة؛ لأن ذلك ~~مفهوم النهي عن أن يقرب الصلاة في حال السكر؛ لأنهم كانوا يشربون الخمر ~~بالليل حين نزلت هذه الآية حتى نزل تحريم الخمر في سورة المائدة. # PageV01P440 # فصل وإن طالب متعسف جاهل بوجود لفظ التحريم لها في القرآن فإنه موجود في ~~غير ما موضع، وذلك أن الله سماها رجسا فقال: {إنما الخمر والميسر والأنصاب ~~والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون} [المائدة: 90] ثم نص ~~على تحريم الرجس فقال: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا ~~أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم ms0365 خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله ~~به} [الأنعام: 145] وسماها أيضا في موضع آخر فقال: {يسألونك عن الخمر ~~والميسر قل فيهما إثم كبير} [البقرة: 219] ثم نص على تحريم الإثم فقال: {قل ~~إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم} [الأعراف: 33] ولو لم ~~يرد في القرآن في الخمر إلا مجرد النهي لكانت السنن الواردة عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بتحريم الخمر مبينة لمعنى نهي الله عنها وأن مراده به ~~التحريم لا الكراهة؛ لأنه إنما بعثه ليبين للناس ما نزل إليهم. وقد قال - ~~صلى الله عليه وسلم - إن الله حرمها، وأجمعت الأمة على تحريمها، وتحريمها ~~معلوم من دين النبي - عليه الصلاة والسلام - ضرورة. فمن قال: إن الخمر ليست ~~بحرام فهو كافر بإجماع يستتاب كما يستتاب المرتد فإن تاب وإلا قتل. «روي أن ~~ناسا من أهل اليمن قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعلمهم ~~الصلاة والسنن والفرائض ثم قالوا: يا رسول الله إن لنا شرابا نصنعه من ~~القمح والشعير، فقال: أيتغير؟ فقالوا: نعم، فقال: لا تطعموه، ثم سألوه عنه ~~بعد يومين فقال: لا تطعموه، ثم لما أرادوا أن ينطلقوا سألوه عنه فقال: لا ~~تطعموه، قالوا: فإنهم لا يدعونه، قال: من لم يدعه فاضربوا عنقه» يريد مكذبا ~~بتحريمه، والله أعلم. ومن شربها وهو مقر بتحريمها جلد الحد ثمانين. # فصل وشرب الخمر من أكبر الكبائر، والآثار الواردة بالتشدد في شرب الخمر ~~كثيرة قد أكثر الناس من ذكرها فلا معنى لجلبها. # PageV01P441 # فصل والخمر ما أسكر وخامر العقل. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«كل مسكر خمر وكل خمر حرام فما أسكر من جميع الأشربة فقليله وكثيرة حرام» ، ~~هذا قول مالك - رحمه الله تعالى - وجمهور أهل العلم، وخالف في ذلك أهل ~~العراق. فمنهم من ذهب إلى أن الخمر المحرمة العين هي الخمر التي من عصير ~~العنب إذا نش وألقى الزبد أو نش وإن لم يلق الزبد على اختلاف بين هؤلاء في ~~ذلك، وما سوى ذلك عندهم من الأشربة والأنبذة المسكرة ms0366 النيئة أو المطبوخة ~~فالسكر منها حرام، وما دونه حلال على ما روي عن عبد الله بن عباس أنه قال: ~~حرمت الخمر بعينها والسكر من كل شراب، وهذا لا حجة فيه؛ لأن بعض الرواة ~~يقول فيه والمسكر من كل شراب. ومنهم من ذهب إلى أن الخمر المحرمة العين خمر ~~العنب والتمر خاصة على ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«الخمر من الكرمة والنخلة» . ومنهم من ذهب إلى أن الخمر المحرمة العين هي ~~الخمر التي من عصير العنب، وأن نقيع التمر والزبيب المخمر عن غير طبخ ~~بمنزلة الخمر في تحريم العين بخلاف سائر الأشربة والأنبذة؛ لقول رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: «الخمر من الكرمة والنخلة» ، وهذا قول أبي حنيفة ~~وأبي يوسف ومحمد - رحمهم الله - تعالى. # فصل فكل مسكر مطرب من أي نوع كان من الأنبذة والأشربة محرم العين نجس ~~الذات؛ لأن الله تعالى سمى الخمر رجسا كما سمى النجاسات من الميتة والدم ~~المسفوح ولحم الخنزير رجسا فقال تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما ~~على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس} ~~[الأنعام: 145] وليس معنى قولنا إن الخمر نجسة الذات أن ذاتها نجسة، إذ لو ~~كانت ذاتها التي هي جسمها نجسة لما انتقلت بتبدل صفاتها إلى الطهارة، وإنما ~~معنى قولنا إنها نجسة # PageV01P442 # الذات أن ذاتها نجست بحلول صفات الخمر فيها كما حرمت بذلك. ألا ترى أنها ~~قد كانت طاهرة حلالا حين كونها عصيرا قبل حلول صفات الخمر فيها، فلما حلت ~~فيها صفات الخمر نجست بذلك وحرمت به. فلما كان حلول صفات الخمر في العصير ~~علة في تحريمه وتنجيسه وجب إذا ارتفعت منها تلك الصفات التي هي العلة في ~~التحريم والتنجيس أن يزول الحكم بزوال العلة، وهذا ما لا خلاف فيه بين أحد ~~من القايسين أن الحكم الواجب لعلة شرعية يزول بزوال العلة ما لم تخلفه علة ~~أخرى موجبة لمثل حكمها. فلا خلاف بين أحد من المسلمين أعلمه في ms0367 أن الخمرة ~~نجسة ولا في أنها إذا تخللت من ذاتها تطهر فتحل إلا ما ذهب إليه ابن لبابة ~~في أن نجاستها مختلف فيه وأن قول مالك - رحمه الله - فيها أن أكلها حلال ~~إذا تخللت أو عالجها رجل حتى تخللت يدل أنها عنده ليست بنجسة وإن حرم ~~شربها، إذ ليس كل حرام نجسا. من ذلك الحرير والذهب للرجل وما لا يؤكل لحمه ~~وغير ذلك، وأن كراهيته للخمر التي تعالج بالحيتان حتى تصير مريا خلاف ذلك، ~~وأنه على القول بأنها نجسة تنجس ما حلت فيه من الماء والطعام كسائر ~~النجاسات. # وقوله خطأ صراح، بل لا اختلاف في أنها نجسة تنجس الثياب والماء والطعام، ~~ولا اختلاف في أنها إذا تخللت من ذاتها تحل وتطهر. وإنما اختلفوا إذا خللت ~~هل تؤكل أم لا على اختلافهم في وجه المنع من تخليلها، إذ قد قيل: إن المنع ~~من تخليلها عبادة لا لعلة، وقيل بل منع من ذلك لعلة وهي التعدي والعصيان في ~~اقتنائها. وقيل: بل العلة في ذلك التهمة لمقتنيها في أن لا يخللها إذا غاب ~~عليها فيحكم عليه بإراقتها لذلك ولا يمكن من تخليلها. فعلى القول بأن المنع ~~من تخليلها عبادة لا علة لا يجوز تخليلها في موضع من المواضع. ويتخرج جواز ~~أكلها إذا خللت على قولين جاريين على اختلافهم في النهي، هل يقتضي فساد ~~المنهي عنه أم لا يقتضيه. وعلى القول بأن المنع من تخليلها لعلة يجوز ~~تخليلها إذا ارتفعت العلة. فمن رأى أن العلة في ذلك التعدي والعصيان في ~~اقتنائها أجاز لمن تخمر له عصير لم يرد به الخمر أن يخلله، وقال: إنه إن ~~خلل ما عصى في اقتنائه لم يأكله عقوبة. ومن رأى العلة في ذلك التهمة ~~لمقتنيها في أن لا يخللها إذا غاب # PageV01P443 # عليها أجاز للرجل في خاصة نفسه أن يخلل ما عنده من الخمر على أي وجه كان ~~ويأكله، وإن كان الاختيار له أن لا يفعل وأن يبادر إلى إراقتها كما فعل ~~الصحابة - رضي الله عنهم - في حديث أنس. فيتحصل ms0368 في جواز تخليل الخمر ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أن ذلك لا يجوز دون تفصيل. والثاني: أن ذلك جائز دون تفصيل ~~على كراهية. والثالث: الفرق بين أن يقتني الخمر أو يتخمر عنده عصير لم يرد ~~به الخمر. # وفي جواز أكلها إن خللها على مذهب من لا يجيز له تخليلها في حال ثلاثة ~~أقوال: الجواز، والمنع، والفرق بين أن يخلل من الخمر ما اقتنى أو ما تخمر ~~عنده مما لم يرد به الخمر. وهذا قول سحنون، والقولان الأولان لمالك. وقد ~~علل بعض البغداديين وهو عبد الوهاب المنع من أكلها إذا خللت على مذهب ~~الشافعي ببقائها على النجاسة، وهو تعليل فاسد، إذ لو بقيت على النجاسة إذا ~~خللت لكان أحرى أن تبقى عليها إذا تخللت، إلا أن يريد ببقائها على النجاسة ~~بقاءها على حكم النجاسة في المنع من الأكل مع زوال النجاسة فيكون لذلك وجه، ~~وهو أنه جعل ارتفاع صفات الخمر من الخمر بالتخليل كارتفاع النجاسة عن الثوب ~~بالغسل بما سوى الماء من المائعات، فتكون الخمر إذا خللت طاهرة إن وقع شيء ~~منها بعد التخليل في ماء أو ثوب لم تنجسه، كما يكون الثوب النجس إذا غسل ~~بما سوى الماء من المائعات حتى زالت النجاسة عنه طاهرا إن حل في ماء طاهر ~~لم ينجسه، ويكون حكم نجاسة الخمر إذا خللت باقيا على الخل في المنع من ~~الأكل كما يكون حكم نجاسة الثوب إذا غسل بما سوى الماء من المائعات باقيا ~~على الثوب في المنع من الصلاة فيه. وهذا كله بين والحمد لله. فإن قال قائل: ~~إن كانت الخمر نجسة فكيف تطهر إذا تخللت عند مالك ومن قوله أن المنجوسات لا ~~يطهرها من النجاسات إلا الماء الطاهر؟ قيل له: الفرق بينهما أن النجاسات ~~أعيان قائمة بأنفسها لا يستحيل بقاؤها، فإذا خالطت الأجسام الطاهرة لم ~~تنفصل عنها عند مالك إلا بالماء لقول الله عز وجل: {وأنزلنا من السماء ماء ~~طهورا} [الفرقان: 48] وطهور # PageV01P444 # من أبنية التكثير، فوجب أن يختص بالماء التطهير دون ما سواه من المائعات. ~~وأما ms0369 صفات الخمر فليست بأعيان قائمة بأنفسها؛ لأن الله خلقها خلقا لا تبقى ~~فلا تتصف بطهارة ولا نجاسة، ومحلها يتصف بالنجاسة بها من جهة الشرع، فإذا ~~زالت عنه لم يتصف بالنجاسة ولا حكم له بحكمها، وحكم له بحكم ما انتقل إليه ~~من المائعات الطاهرة، وبالله سبحانه وتعالى التوفيق. # PageV01P445 ### | كتاب العقيقة # بسم الله الرحمن الرحيم كتاب العقيقة العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن ~~المولود يوم سابعه. وقد اختلف في وجه تسميتها عقيقة، فحكى أبو عبيد عن ~~الأصمعي وغيره أن العقيقة الشعر الذي يكون على رأس المولود، وإنما سميت ~~الشاة التي تذبح عنه عقيقة؛ لأنه يحلق رأسه عند ذبحها، وهو الأذى الذي جاء ~~الحديث بإماطته عنه. ويشهد لقوله بيت امرئ القيس: # أيا هند لا تنكحي بوهة ... عليه عقيقته أحسبا # فالعقيقة والعقة الشعر الذي يولد به الطفل. وقيل في معنى البيت أي أنه لم ~~يعق عنه في صغره حتى كبر، عابه بذلك. وقال أحمد بن حنبل: إنما العقيقة ~~الذبح نفسه، وهو قطع الأوداج والحلقوم، ومنه قيل للقاطع رحمه في أبيه وأمه ~~عاق، وهو كلام غير محصل. والتحقيق فيه على ما ذهب إليه أن العقيقة الذبيحة ~~نفسها؛ لأنها هي التي تقطع أوداجها وحلقومها فهي فعيلة من العق الذي هو ~~القطع بمعنى مفعولة، مثل قتيلة ورهينة وما أشبه ذلك. # فصل والعقيقة من الأشياء التي كانت في الجاهلية فأقرت في الإسلام. روي عن ~~عبد الله بن بريدة عن أبيه أنه قال: كنا في الجاهلية إذا ولد لنا غلام ~~ذبحنا عنه شاة ولطخنا رأسه بدمها، ثم كنا في الإسلام إذا ولد لنا غلام ~~ذبحنا عنه شاة ولطخنا رأسه بالزعفران. فهي سنة من سنن الإسلام وشرع من ~~شرائعه، إلا أنها ليست # PageV01P447 # بواجبة عند مالك - رحمه الله تعالى - وجميع أصحابه، وهي عندهم من السنن ~~التي الأخذ بها فضيلة وتركها غير خطيئة. والدليل على ذلك «أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - سئل عن العقيقة فقال: لا أحب العقوق» وكأنه إنما كره ~~الاسم، وقال: «من ولد له ولد فأحب أن ينسك ms0370 على ولده فليفعل» . وما روي «أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: الغلام مرتهن بعقيقته تذبح عنه يوم ~~سابعه ويحلق رأسه ويسمى» يدل على وجوبها. وتأويل ذلك عندنا على أن ذلك كان ~~في أول الإسلام ثم نسخ ذلك بعد بقوله: «من أحب أن ينسك على ولده فليفعل» ~~فسقط الوجوب. ومن أهل العلم من تعلق بما يدل عليه الحديث المذكور وغيره من ~~الوجوب فأوجب العقيقة وقال: إن من لم يعق عنه وهو صغير يلزمه أن يعق عن ~~نفسه وهو كبير على ما روي «أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - عق عن نفسه ~~بعد ما جاءته النبوة» ولم يصح ذلك عند مالك - رحمه الله تعالى - فأنكره ~~وقال: أرأيت أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين لم يعق عنهم في ~~الجاهلية أعقوا عن أنفسهم في الإسلام؟ هذه الأباطيل. وأما ما تضمنه الحديث ~~من تسمية المولود يوم سابعه فإليه ذهب مالك - رحمه الله تعالى -، والأمر في ~~ذلك واسع. «روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال حين ولد له ابنه ~~إبراهيم: "ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبى إبراهيم» «وأنه أتي بعبد ~~الله بن أبي طلحة صبيحة الليلة التي ولد فيها فحنكه بتمر عجوة ودعا له ~~وسماه عبد الله» في حديث طويل. # فصل فالمشهور عند مالك أنه لا يعق عن المولود إلا يوم سابعه. وقد روى ~~أشهب عنه في الذي لا يتهيأ له ما يعق به عنه يوم سابعه أنه لا يعق عنه بعده ~~إلا أن يكون قريبا. وروى ابن وهب عنه أنه إن لم يعق عنه يوم سابعه عق عنه ~~يوم السابع الثاني، فإن لم يفعل عق عنه في الثالث، فإن جاوز ذلك فقد فات ~~موضع العقيقة، # PageV01P448 # فقيل: يحسب السابع من غروب الشمس وقيل من طلوع الفجر وقيل من زوال الشمس. ~~وقيل يحسب ذلك النهار إن بقيت منه بقية قبل الغروب على ما سنذكره بعد هذا ~~إن شاء الله. # فصل وحكم العقيقة حكم الضحايا؛ لأنها نسك فلا يباع جلدها ولا ms0371 لحمها ولا ~~يعطى الجزار على جزارتها شيئا من لحمها، ويتقى فيها من العيوب ما يتقى في ~~الضحايا، ويؤكل منها ويتصدق وتكسر عظامها ولا يمس الصبي بشيء من دمها؛ لأن ~~ترك كسر عظامها وأن يلطخ الصبي بشيء من دمها من أفعال الجاهلية. وقد روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «في الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دما ~~وأميطوا عنه الأذى» ، فقيل: إن إماطة الأذى عنه المأمور به في الحديث بترك ~~ما كان أهل الجاهلية يفعلونه من لطخ رأسه بدمها. وقيل بل ذلك حلق شعر رأسه، ~~وهو الأظهر. قال الله عز وجل: {فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية ~~من صيام أو صدقة أو نسك} [البقرة: 196] فأوجب الفدية على المحرم لإماطة ~~الأذى عن نفسه بحلق شعر رأسه، فكان العقيقة فيها أيضا مع [النسك معنى] ~~الفدية عن المولود لإماطة الأذى عنه بحلق شعر رأسه. ولهذا المعنى والله ~~أعلم قال عطاء: يبدأ بالحلق قبل الذبح. # فصل وسننها أن تذبح ضحوة إلى زوال الشمس، ويكره أن تذبح بالعشي بعد زوال ~~الشمس أو بالسحر قبل طلوع الشمس. وأما إن ذبحها بالليل فلا يجتزأ بها. # فصل وأفضل ما يعق به الضأن ثم المعز ثم البقر ثم الإبل. وقد روي عن مالك ~~أنه لا يعق إلا بالغنم. # PageV01P449 # فصل والعقيقة عند مالك - رحمه الله تعالى - عن الجارية والغلام سواء، شاة ~~عن كل واحد منهما. وقد «روي عن النبي- صلى الله عليه وسلم - أنه قال من أحب ~~أن ينسك عن ولده فلينسك، عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة» . ~~والمكافئتان المتماثلتان المشتبهتان. وذهب إلى هذا جماعة من أهل العلم، ~~منهم ابن عمر وعائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -، فمن أخذ به فما ~~أخطأ ولقد أصاب. # فصل وقد اختلف في أي وقت يحسب سابع المولود إذا ولد على أربعة أقوال: ~~أحدها: أن يحسب له سبعة أيام بلياليها من غروب الشمس، ويلغى ما قبل ذلك إن ~~ولد في النهار أو في الليل بعد الغروب، ويعق عنه في ضحى ms0372 اليوم السابع، وهو ~~قول ابن الماجشون في ديوانه. # والثاني: أنه إن ولد في النهار بعد الفجر ألغي ذلك اليوم وحسب له سبعة ~~أيام من اليوم الذي بعده. وإن ولد قبل الفجر وإن كان ذلك في الليل حسب له ~~ذلك اليوم، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك. # والثالث: أنه إن ولد في شباب النهار قبل الزوال حسب له ذلك اليوم، وإن لم ~~يولد إلا بعد الزوال ألغي ذلك اليوم. وهذا القول حكى ابن الماجشون أنه كان ~~قول مالك - رحمه الله - أولا ثم رجع عنه. # والرابع: أنه يحسب ذلك اليوم وإن ولد في بقية منه قبل الغروب، وهو قول ~~عبد العزيز بن أبي سلمة. واختار أصبغ أن يلغى ذلك اليوم. فإن حسب سبعة أيام ~~من تلك الساعة التي ولد فيها اجتزى بذلك وبالله سبحانه وتعالى التوفيق. # PageV01P450 ### | كتاب النكاح # ] [ ### || فصل في بيان حكم النكاح في الشرع هل هو واجب أو مندوب إليه أو مباح # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وآله وسلم عونك اللهم لا شريك ~~لك # كتاب النكاح فصل # في بيان حكم النكاح في الشرع هل هو # واجب أو مندوب إليه أو مباح قال الله عز وجل: {وهو الذي خلق من الماء ~~بشرا فجعله نسبا وصهرا} [الفرقان: 54] وقال تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم ~~من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة} [الروم: 21] . وقال ~~تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل ~~لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات: 13] الآية وقال تعالى: {يا ~~أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما ~~رجالا كثيرا ونساء} [النساء: 1] وقال تعالى: {هو الذي خلقكم من نفس واحدة ~~وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها} [الأعراف: 189] الآية. # فصل # فالنكاح الذي هو الغشيان جبل الله الخلق عليه بما ركب فيهم من الشهوات # PageV01P451 # ليكون بهم النسل حتى يكمل ما قدره من الخلق. وأباحه في الشرع على وجهين: ~~[أحدهما: عقد النكاح، والثاني: ملك اليمين، فلا يحل ms0373 استباحة الفرج بما عدا ~~هذين الوجهين] . قال الله عز وجل: {والذين هم لفروجهم حافظون} [المؤمنون: ~~5] {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} [المؤمنون: 6] ~~{فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} [المؤمنون: 7] فأما النكاح فإنه في ~~الجملة مرغب فيه ومندوب إليه، خلافا لأهل الظاهر في قولهم إنه واجب. ~~والدليل على ذلك من كتاب الله عز وجل؛ لأنه خير فيه بين النكاح وملك اليمين ~~فقال: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم} [النساء: 3] . وملك ~~اليمين ليس بواجب بإجماع، ولا يصح التخيير بين واجب وما ليس بواجب؛ لأن ذلك ~~مخرج للواجب عن الوجوب وقال تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون} [المؤمنون: ~~5] {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} [المؤمنون: 6] ، ~~فدل ذلك من قوله على أن النكاح غير واجب؛ لأن من حفظ فرجه عن الزنا بملك ~~يمينه أو باستغنائه عن النكاح توجهت المدحة إليه من الله عز وجل. # فصل فإذا ثبت بهذه الأدلة أن النكاح غير واجب علم أن الأوامر الواردة في ~~القرآن بالنكاح في قوله: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء: 3] ، ~~وقوله: {وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم} [النور: 32] ~~وليست على الوجوب. [وإذا لم تكن على الوجوب] فهي على الندب لا على الإباحة. ~~والدليل على ذلك حض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على النكاح ونهيه عن ~~التبتل وهو ترك النكاح. قال - صلى الله عليه وسلم -: # PageV01P452 # «تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» وقال - صلى الله عليه وسلم -: ~~«من أحب فطرتي فليستن بسنتي» وقال: «من تزوج فقد استكمل نصف الدين فليتق ~~الله في النصف الثاني» ومعنى ذلك والله أعلم أن النكاح يعف المرء عن الزنا، ~~والعفاف إحدى الخطتين اللتين ضمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليهما ~~الجنة فقال: «من وقاه الله شر اثنتين له الجنة ما بين لحييه وما بين رجليه» ~~. وقال - صلى الله عليه وسلم -: «ما أحل الله شيئا أحب إلي من نكاح» . ~~وقال: «عليكم بالباءة فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن ms0374 لم يكن له طول فعليه ~~بالصوم فإنه له وجاء» وقال - صلى الله عليه وسلم -: «مسكين مسكين رجل لا ~~زوجة له، ومسكينة مسكينة امرأة لا زوج لها قيل وإن كان ذا مال يا رسول ~~الله، قال وإن كان ذا مال» . وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا رهبانية في ~~الإسلام ولعن الله المتبتلين والمتبتلات» ومعناه التاركين للنكاح استسنانا ~~وتشرعا. # فصل فالنكاح من القادر عليه إذا لم تكن له حاجة إليه مستحب عند أهل ~~العلم. # روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه كان يقول: إني لأتزوج المرأة ~~وما لي فيها حاجة وأطأها وما أشتهيها، قيل له: وما يحملك على ذلك، قال: حبي ~~في أن يخرج الله مني من يكاثر به النبي - صلى الله عليه وسلم - النبيين يوم ~~القيامة، فإني سمعته يقول: «عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواها وأحسن أخلاقا ~~وأنتق أرحاما وإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» يعني بقوله أنتق أرحاما ~~أقبل للولد، فإن كان حصورا أو عنينا أو عقيما يعلم من نفسه أنه لا يولد له ~~فالنكاح له مباح وبالله سبحانه وتعالى التوفيق. # PageV01P453 # فصل وأما من احتاج إلى النكاح ولم يقدر علي الصبر دون النساء ولا كان ~~عنده مال يتسرى به وخشي على نفسه العنت إن لم يتزوج فالنكاح عليه واجب. ومن ~~لم يحتج إليه وخشي أن لا يقوم بما أوجب الله عليه فيه فهو له مكروه. فمن ~~الناس من يجب عليه النكاح، ومنهم من يستحب له، ومنهم من هو جائز له ومباح ~~من غير استحباب، ومنهم من يكره له على ما بيناه. فالقول: إنه واجب على ~~الإطلاق أو مندوب إليه على الإطلاق ليس بصحيح. وكذلك المرأة قد يكون عليها ~~النكاح واجبا، وقد يكون لها مستحبا، وقد يكون لها مباحا جائزا، وقد يكون ~~لها مكروها. وأما الوطء بملك اليمين فإنما هو من قبيل المباح، وبالله ~~سبحانه وتعالى التوفيق. ### || فصل في بيان ما يحرم نكاحه من النساء # ، وقوله عز وجل: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع} ~~[النساء: 3] ليس على ms0375 عمومه، وكذلك قوله تعالى: {وأنكحوا الأيامى منكم} ~~[النور: 32] وهن اللواتي لا أزواج لهن أبكارا كن أو ثيبا ليس على عمومه ~~أيضا؛ لأن الله تعالى خص من ذلك من حرمه من النساء، وذلك سبع عشرة امرأة، ~~وهي الأم، والابنة، والأخت، والعمة، والخالة، وبنت الأخ، وبنت الأخت، والأم ~~والأخت من الرضاعة، وأم الزوجة، وبنت الزوجة وهي الربيبة، وزوجة الابن، ~~وزوجة الأب، والجمع بين الأختين، والمحصنات وهن ذوات الأزواج، والمجوسيات، ~~والإماء الكتابيات. سبع بالنسب، واثنتان بالرضاع، وست بالصهر، واثنتان ~~بالدين، فقال تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم ~~وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت} [النساء: 23] فهؤلاء المحرمات بالنسب، ~~وقال تعالى: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة} [النساء: 23] ~~فهاتان المحرمتان بالرضاعة وقال: {وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم ~~من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل ~~أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف} [النساء: ~~23] # PageV01P454 # وقال: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24] وقال: ~~{ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف} [النساء: 22] فهؤلاء ~~المحرمات بالصهر وقال: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} [البقرة: 221] وقال: ~~{ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من ~~فتياتكم المؤمنات} [النساء: 25] فتمت السبع عشرة امرأة، وما سواهن فنكاحهن ~~حلال. قال الله تعالى لما نص على هؤلاء المحرمات: {وأحل لكم ما وراء ذلكم ~~أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين} [النساء: 24] إلا ما خصص من ذلك ~~أيضا بالسنة المبينة للقرآن على ما سنذكره إن شاء الله تعالى وبالله ~~التوفيق. # فصل ويدخل في قوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء: 23] أمهات ~~الأمهات والجدات من قبل الآباء والأمهات كن يرثن أو لا يرثن. وتلخيص ذلك أن ~~كل من لها عليك ولادة فهي عليك حرام؛ لأنها داخلة تحت قوله: {حرمت عليكم ~~أمهاتكم} [النساء: 23] . # ويدخل في قوله: {وبناتكم} [النساء: 23] البنات وبنات البنات وبنات البنين ~~وإن سفلوا كل من لك عليها ولادة فهي عليك حرام؛ لأنها داخلة تحت قول ms0376 الله ~~عز وجل: {وبناتكم} [النساء: 23] . # ويدخل في قوله: {وأخواتكم} [النساء: 23] جميع الأخوات للأب والأم وللأب ~~دون الأم وللأم دون الأب. # PageV01P455 # ويدخل في قوله: {وعماتكم وخالاتكم} [النساء: 23] العمات والخالات للأب ~~والأم وللأب دون الأم وللأم دون الأب وعمات الآباء وخالاتهم وعمات الأمهات ~~وخالاتهن. وتلخيص ذلك أن كل من ولده جدك أو جدتك وإن علوا من قبل الآباء ~~كانا أو من قبل الأم فهي عليك حرام. ولا يدخل في ذلك شيء من بناتهن أولئك ~~حلال نكاحهن. قال الله عز وجل: {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي ~~آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك ~~وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك} [الأحزاب: 50] . # ويدخل في قوله: {وبنات الأخ} [النساء: 23] بنات بنات الأخ وبنات بنيه وإن ~~سفلن، كل من لأخيك عليه ولادة فهي عليك حرام، كان الأخ للأب والأم أو للأب ~~دون الأم أو للأم دون الأب. # ويدخل في قوله: {وبنات الأخت} [النساء: 23] بنات بناتها وبنات بنيها وإن ~~سفلن، كل من لأختك عليها ولادة فهي عليك حرام، كانت الأخت للأب والأم أو ~~للأب دون الأم أو للأم دون الأب. # ويدخل في قوله: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم} [النساء: 23] أمهاتهن وإن علون ~~وبناتهن وبنات بناتهن وبنات بنيهن وإن سفلن، وأخواتهن وعماتهن وخالاتهن من ~~قبل الأب والأم ومن قبل الأب دون الأم ومن قبل الأم دون الأب. ولا يدخل في ~~ذلك شيء من بنات أخواتهن ولا من بنات عماتهن ولا من بنات خالاتهن. # ويدخل في قوله: {وأخواتكم من الرضاعة} [النساء: 23] الأخوات للأب والأم ~~وللأب دون الأم وللأم دون الأب؛ لأن اللبن يحرم من قبل المرضعة ومن قبل ~~زوجها لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اللبن للفحل. # ويدخل في قوله: {وأمهات نسائكم} [النساء: 23] أمهات الأمهات ومن فوقهن من ~~الجدات، وليس يدخل فيه بنات الأمهات ولا أخواتهن ولا عماتهن ولا خالاتهن، # PageV01P456 # أولئك حل نكاحهن بعد موتهن أو فراقهن؛ لأنهن ذوات محارم فإنما يحرم الجمع ~~بينهن. # ويدخل في قوله: {وربائبكم اللاتي في حجوركم ms0377 من نسائكم اللاتي دخلتم بهن} ~~[النساء: 23] ، بنات البنات وبنات البنين وإن سفلن. ولا تحرم الربيبة ولا ~~شيء من بناتها أو بنات بنيها إلا بالدخول بالأم أو التلذذ بشيء منها بسبب ~~الشرط الذي فيها. وأما الأم فإنها تحرم بالعقد على الابنة؛ لأنها مبهمة لا ~~شرط فيها. # ويدخل في قوله: {وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم} [النساء: 23] أبناء ~~الأبناء وأبناء البنات وإن سفلوا كانوا من نسبة أو رضاع. وإنما قيد الله ~~تعالى تحريم حلائل الأبناء بقوله تعالى {من أصلابكم} [النساء: 23] تحليلا ~~لحلائل الأبناء الأدعياء لا تحليلا لحلائل الأبناء من الرضاعة؛ لأنه يحرم ~~من الرضاعة ما يحرم من النسب بنص الكتاب والسنة. ولذلك تزوج رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - زينب بنت جحش التي كانت زوجة زيد بن حارثة الذي كان ~~تبناه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال الله عز وجل: {فلما قضى زيد ~~منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا ~~قضوا منهن وطرا} [الأحزاب: 37] وقال: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن ~~رسول الله وخاتم النبيين} [الأحزاب: 40] وقال: {وما جعل أدعياءكم أبناءكم ~~ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل} [الأحزاب: 4] ~~{ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ~~ومواليكم} [الأحزاب: 5] وذلك أن اليهود والمنافقين قالوا لما تزوجها رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - تزوج حليلة ابنه وقد كان ينهى عن ذلك، فأنزل ~~الله عز وجل في ذلك ما أنزل تكذيبا لهم وردا لقولهم وتجويزا لما فعله النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -. # ويدخل في قوله: {وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف} [النساء: 23] ~~الجمع بين ذوات المحارم كلهن، من ذلك الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة ~~وخالتها، التي ورد النهي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجمع بينهما ~~بيانا لما في القرآن من ذلك، إذ لا # PageV01P457 # جائز أن يقول قائل إن تحريم الجمع بينهما إنما هو بالسنة لا بالقرآن، ~~فالله يقول في كتابه بعد أن ذكر المحرمات: ms0378 {وأحل لكم ما وراء ذلكم أن ~~تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين} [النساء: 24] . # ويدخل في قوله: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف} ~~[النساء: 22] آباء الآباء ومن فوقهم من الأجداد من النسب ومن الرضاع. # فصل فإذا تزوج الرجل امرأة وابنتها في عقدة واحدة، فإن عثر على ذلك قبل ~~أن يدخل بواحدة منهما فرق بينه وبينهما بغير طلاق ولم يكن لواحدة منهما شيء ~~من الصداق وكان له أن يتزوج من شاء منهما. وقيل: إنه لا يتزوج الأم للشبهة ~~التي في البنت، وإن مات الزوج لم يكن لواحدة منهما ميراث ولا لزمتها عدة. ~~وأما إن لم يعثر على ذلك حتى دخل بهما فيفرق بينهم أيضا بغير طلاق، ويجب ~~لكل واحدة منهما ما سمى من الصداق، وتستبرئ نفسها بثلاث حيض ولا تحل له ~~واحدة منهما أبدا. وإن مات أيضا لم يكن لواحدة منهما ميراث. وأما إن عثر ~~على ذلك بعد أن دخل بواحدة منهما معروفة فيفرق بينه وبينها ويكون للتي دخل ~~بها صداقها المسمى، ويجب عليها الاستبراء بثلاث حيض، وتحرم على الزوج التي ~~لم يدخل بها منهما أبدا، وتحل له التي دخل بها منهما إن كانت الابنة بلا ~~خلاف، وإن كانت الأم على الاختلاف. وإن مات لم يكن أيضا لواحدة منهما ~~ميراث. وأما إن عثر على ذلك بعد أن دخل بواحدة منهما غير معروفة فادعت كل ~~واحدة منهما أنها هي التي دخل بها، فالقول قول الزوج مع يمينه في تعيين ~~التي يقر أنه دخل بها ويغرم لها صداقها، ويجب على كل واحدة منهما الاستبراء ~~بثلاث حيض. وإن مات أخذ من ماله الأقل من الصداقين فكان بين الزوجتين بعد ~~إيمانهما. وكذلك الحكم في الذي يتزوج الأختين في عقد واحد، إلا أنه يتزوج ~~من شاء منهما بعد الاستبراء بثلاث حيض إن كان قد دخل بهما وبالله التوفيق. # فصل وأما إن تزوج الأم والابنة واحدة بعد واحدة فلا يخلو ذلك من ستة ~~أوجه: # PageV01P458 # أحدها: أن يعثر على ذلك قبل أن يدخل بواحدة منهما، ms0379 والثاني: أن لا يعثر ~~على ذلك إلا بعد أن يدخل بهما، والثالث: أن يعثر على ذلك بعد أن دخل ~~بالأولى، والرابع: أن يعثر على ذلك بعد أن دخل بالثانية، والخامس: أن يعثر ~~على ذلك بعد أن دخل بواحدة منهما معروفة ولا يعلم إن كانت هي الأولى أو ~~الثانية، والسادس: أن يعثر على ذلك بعد أن دخل بواحدة منهما مجهولة. # فأما الوجه الأول وهو أن يعثر على ذلك قبل أن يدخل بواحدة منهما فالحكم ~~فيه أن يفرق بينه وبين الثانية، ويبقى مع الأولى إن كانت البنت بلا خلاف، ~~وإن كانت الأم فعلى اختلاف. فإن لم تعلم الأولى منهما فرق بينه وبينهما، ~~ويتزوج البنت إن شاء وتكون عنده على طلقتين، ويكون لكل واحدة منهما نصف ~~صداقها، وقيل: ربع صداقها. والقياس أن يكون لكل واحدة منهما ربع الأقل من ~~الصداقين، وذلك إذا لم تدع كل واحدة منهما أنها هي الأولى ولا ادعت عليه ~~معرفة ذلك. وإن ادعت كل واحدة منهما عليه أنه علم أنها هي الأولى قيل له ~~احلف أنك ما تعلم أنها هي الأولى، فإن حلف على ذلك وحلفت كل واحدة منهما ~~أنها هي الأولى كان لهما نصف الأكثر من الصداقين فاقتسمتاه بينهما على قدر ~~صداق كل واحدة منهما، وإن نكلتا عن اليمين بعد حلفه كان لهما نصف الأقل من ~~الصداقين واقتسمتاه أيضا على قدر صداق كل واحدة منهما. وإن نكلت إحداهما ~~وحلفت الأخرى بعد حلفه كان للتي حلفت نصف صداقها. وإن نكل هو عن اليمين ~~وحلفتاهما جميعا كان لكل واحدة منهما نصف صداقها. وإن حلفت إحداهما ونكلت ~~الثانية بعد نكوله كان للحالفة نصف صداقها ولم يكن للناكلة شيء. وإن نكلتا ~~جميعا بعد نكوله لم يكن لهما إلا نصف الأقل من الصداقين بينهما على قدر ~~صداق كل واحدة منهما. وإن أقر لإحداهما أنها هي الأولى حلف على ذلك وأعطاها ~~نصف صداقها ولم يكن للثانية شيء. ولو نكل هو عن اليمين وحلفتا جميعا غرم ~~لكل واحدة منهما نصف صداقها، وإن حلفت الواحدة ونكلت ms0380 الأخرى بعد نكوله كان ~~للتي حلفت نصف صداقها ولم يكن للتي نكلت شيء؛ لأن الحالفة قد استحقت نصف ~~الصداق بيمينها. # PageV01P459 # فصل وأما إن مات الزوج ولم يعلم أيتهما هي الأولى فالميراث بينهما بعد ~~أيمانهما. قال ابن القاسم: ولكل واحدة منهما نصف صداقها اتفق أو اختلف. ~~والقياس أن يكون الأقل من الصداقين بينهما على قدر مهورهما بعد أيمانهما، ~~وتعتد كل واحدة منهما بأربعة أشهر وعشر للشك في أيتهما هي الأولى. # وأما الوجه الثاني وهو أن لا يعثر على ذلك حتى يدخل بهما جميعا فيفرق ~~بينه وبينهما ويكون لكل واحدة منهما صداقها بالمسيس، ويكون عليهما ~~الاستبراء بثلاث حيض، ولا تحل له واحدة منهما أبدا، ولا يكون لواحدة منهما ~~ميراث إن مات. # وأما الوجه الثالث وهو أن لا يعلم بذلك حتى يدخل بالأولى فالحكم فيه أن ~~يفرق بينه وبين الثانية ولا تحل له أبدا، ويقر مع الأولى إن كانت البنت ~~باتفاق وإن كانت الأم على اختلاف. # وأما الوجه الرابع وهو أن لا يعثر على ذلك حتى يدخل بالثانية فالحكم فيه ~~أن يفرق بينه وبينهما جميعا ويكون للتي دخل بها صداقها، ويكون له أن ~~يتزوجها بعد الاستبراء من الماء الفاسد بثلاث حيض إن كانت البنت، وإن كانت ~~الأم لم تحل له واحدة منهما أبدا، ولا يكون لواحدة منهما ميراث إذا مات. # وأما الوجه الخامس وهو أن لا يعثر على ذلك حتى يدخل بواحدة منهما معروفة ~~ولم يعلم إن كانت هي الأولى أو الثانية فالحكم فيه إن كانت الأم هي المدخول ~~بها منهما أن يفرق بينه وبينهما ولا تحل له واحدة منهما أبدا، وإن كانت ~~الابنة هي المدخول بها منهما فرق بينهما ثم يتزوج الابنة إن شاء بعد ~~الاستبراء بثلاث حيض، ويكون للتي دخل بها منهما صداقها بالمسيس، وإن مات ~~الزوج فيكون على المدخول بها منهما من العدة أقصر الأجلين ويكون لها جميع ~~صداقها. قال ابن حبيب ونصف الميراث، وقال ابن المواز لا شيء لها من الميراث ~~وهو الصواب. وأما التي لم يدخل بها منهما ms0381 فلا عدة عليهما ولا شيء لها من ~~صداق ولا ميراث. # PageV01P460 # وأما الوجه السادس: وهو أن لا يعثر على ذلك حتى يدخل بواحدة منهما غير ~~معروفة فالحكم فيه أن يفرق بينهما ولا تحل له واحدة منهما أبدأ، ويكون ~~القول قوله مع يمينه في التي يقر أنه دخل بها منهما ويعطيها صداقها ولا ~~يكون للأخرى شيء. فإن نكل عن اليمين حلفت كل واحدة منهما أنها هي التي دخل ~~بها واستحقت عليه جميع صداقها. وإن حلفت إحداهما ونكلت الأخرى عن اليمين ~~استحقت الحالفة صداقها ولم يكن للناكلة شيء. # فصل [وإن مات الزوج فقال سحنون: لكل واحدة منهما نصف صداقها] ، والقياس ~~أن يكون الأقل من الصداقين بينهما على قدر مهورهما بعد أيمانهما، وتعتد كل ~~واحدة منهما أقصى الأجلين، ويكون نصف الميراث بينهما على مذهب ابن حبيب. ~~وأما على ما ذهب إليه محمد بن المواز فلا شيء إنما من الميراث، وهو الصحيح؛ ~~لأن المدخول بها إن كانت هي الآخرة لم يكن لواحدة منهما ميراث، ولا يجب ~~ميراث إلا بيقين. وبالله التوفيق. # فصل ومما يضارع هذه المسألة مسألة الرجل يتزوج خمس نسوة، أو المجوسي يسلم ~~وعنده عشر نسوة، أو الرجل يتزوج أربع نسوة مراضع فترضعهن امرأة واحدة بعد ~~واحدة. فأما إن تزوج خمس نسوة واحدة بعد واحدة فمات عنهن ولا تعلم الآخرة ~~منهن فالميراث بينهن أخماسا دخل بهن أو لم يدخل بهن. وأما الصداق فإن كان ~~دخل بهن فلكل واحدة منهن جميع صداقها، وإن لم يدخل بواحدة منهن فلكل واحدة ~~منهن نصف صداق إن اتفقت الأصدقة، أو نصف صداقها الذي سمي لها إن اختلفت ~~الأصدقة، إلا أن تختلف الأصدقة، فيعلم مقاديرها ولا يعلم ما لكل واحدة منهن ~~منها فيكون لكل واحدة منهن نصف خمس الجميع، وهذا على مذهب ابن حبيب. ووجه ~~قوله أن كل واحدة منهن على انفرادها لا يدرى هي # PageV01P461 # الخامسة فلا شيء لها أو غير الخامسة فلها جميع الصداق، فلما وجب لها جميع ~~الصداق في حال وسقط في حال أعطيت نصفه. وقيل: بل يكون ms0382 لكل واحدة منهن أربعة ~~أخماس صداقها الذي سمي لها أو أربعة أخماس صداق إن اتفقت الصدقات أو أربعة ~~أخماس خمس جميعها إن اختلفت ولم يعلم ما لكل واحدة منهن من ذلك، وهذا مذهب ~~سحنون وابن المواز. ووجهه أنا قد تحققنا أن الواجب على الميت أربع- صدقات ~~فيؤخذ ذلك من تركته وتقتسمه الزوجات الخمس بينهن أخماسا فيجب لكل واحدة ~~منهن أربعة أخماس صداق. وأما إن كان دخل ببعضهن فلكل واحدة ممن دخل بها ~~منهن جميع صداقها، وفي التي لم يدخل بها منهن ثلاثة أحوال: أحدها: أنه يكون ~~لكل من لم يدخل بها منهن نصف صداقها، وهو قول ابن حبيب، والثاني: أن يكون ~~لكل من لم يدخل بها منهن أربعة أخماس صداقها، والثالث: أنه إن كانت التي لم ~~يدخل بها واحدة فلها نصف صداقها، وإن كانت اثنتين فلهما صداق ونصف ثلاثة ~~أرباع صداق لكل واحدة منهما. وإن كن اللواتي لم يدخل بهن ثلاثا فلهن صداقان ~~ونصف خمسة أسداس صداق لكل واحدة منهن. وإن كن اللواتي لم يدخل بهن أربعا ~~فلهن ثلاث صدقات ونصف سبعة أثمان صداق لكل واحدة منهن، وهو قول سحنون، ~~وإليه ذهب ابن لبابة. ووجهه أنا لم نعلم إن كانت الخامسة ممن بقي لم يدخل ~~بها فلا يجب لها شيء أو ممن قد دخل بها فيجب للبواقي صداق أسقطنا نصف ~~الصداق لثبوته في حال وسقوطه في حال، وقسمنا الباقي على البواقي بينهن على ~~السواء، ويكون على من دخل بها من العدة أقصى الأجلين، وعلى من لم يدخل بها ~~أربعة أشهر وعشر. # فصل وأما إن عثر على ذلك في حياته فيفرق بينه وبينهن، فإن كان قد دخل بهن ~~كان لكل واحدة منهن جميع صداقها، وكان عليها أن تعتد بثلاث حيض، وإن كان لم ~~يدخل بواحدة منهن فعلى قول ابن حبيب يكون لكل واحدة منهم ربع صداقها، وعلى ~~قول سحنون وابن المواز يكون لكل واحدة منهن خمسا صداقها ولا عدة على واحدة ~~منهن، وإن كان قد دخل ببعضهن جرى الاختلاف في ذلك على ms0383 قياس # PageV01P462 # ما تقدم في الموت؛ لأن حكم نصف الصداق في الطلاق كحكم جميعه في الموت، ~~فيكون للتي دخل بها منهن جميع صداقها ويكون عليها العدة بثلاث حيض، وينظر ~~في التي لم يدخل بها منهن، فإن كانت واحدة كان لها ربع صداقها على قول ابن ~~حبيب وسحنون، وخمسا صداقها على قول ابن المواز، وإن كانت أكثر من واحدة ~~فعلى قول ابن حبيب يكون لكل واحدة منهن ربع صداقها، وعلى قول ابن المواز ~~يكون لكل واحدة منهن خمسا صداقها، وعلى قول سحنون إن كانت اللتان لم يدخل ~~بهما اثنتين كان لهما أرباع صداق بينهما، وإن كن ثلاثا كان لهن صداق وربع ~~صداق بينهن، وإن كن أربعا كان لهن صداق وثلاثة أرباع صداق بينهن على ~~السواء. # فصل وأما إن كان تزوجهن في عقد واحد فيفرق بينه وبينهن ولا يكون لواحدة ~~منهن ميراث ولا صداق ولا عليها عدة، إلا أن يدخل بواحدة منهن فيكون لمن دخل ~~بها منهن صداقها ويكون عليها العدة بثلاث حيض. # وأما المجوسي يسلم وعنده عشر نسوة فيسلمن كلهن فله أن يختار منهن أربعا ~~ويفارق سائرهن، قيل بطلاق وقيل بغير طلاق. فإن كان قد دخل بهن كان لكل ~~واحدة منهن صداقها. وأما إن كان لم يدخل بواحدة منهن فعلى القول بأنه يفارق ~~سائر الأربع بغير طلاق لا يكون لمن فارق منهن صداق. وهو معنى ما في ~~المدونة، وعلى القول بأنه يفارقهن بطلاق يكون لكل واحدة منهن نصف صداقها؛ ~~لأنه كان مخيرا فيها بين أن يمسكها أو يفارقها، وهو اختيار ابن حبيب. وقيل: ~~إن لكل واحدة منهن خمس صداقها، [وهو اختيار ابن المواز، فإن فارقهن جميعا ~~كان لكل واحدة منهن خمس صداقها] وكانت مفارقته إياهن بطلاق قولا واحدا. ~~وكذلك إن دخل ببعضهن فلا صداق لمن فارق ممن لم يدخل بها على معنى ما في ~~المدونة إذا حبس أربعا، ولها نصف صداقها على ما ذهب إليه ابن حبيب، وخمس ~~صداقها على ما ذهب إليه ابن المواز. # PageV01P463 # وأما الرجل يتزوج أربع مراضع فترضعهن امرأة ms0384 واحدة بعد واحدة فله أن يختار ~~منهن واحدة ويفارق سائرهن، قيل بطلاق وقيل بغير طلاق. فأما على القول بأنه ~~يفارقهن بغير طلاق فلا شيء لهن من صداقهن، وأما على القول بأنه يفارقهن ~~بطلاق، فقيل: إنه يكون عليه لكل من فارق منهن نصف صداقها، وإلى هذا ذهب ابن ~~حبيب، وقيل بل يكون عليه لكل واحدة ثمن صداقها، وإلى هذا ذهب ابن المواز. ~~ولو فارقهن جميعا كان لكل واحدة منهن ثمن صداقها قولا واحدا وبالله سبحانه ~~وتعالى التوفيق. # فصل في تفسير قوله تعالى {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} ~~[النساء: 24] . # وقوله: {والمحصنات} [النساء: 24] هن ذوات الأزواج، وقوله: {إلا ما ملكت ~~أيمانكم} [النساء: 24] من السبايا ذوات الأزواج أحلهن الله لنا بملك اليمين ~~إذا سبين دون أزواجهن أو معهم على مذهب من يرى أن السبي يهدم النكاح. وقد ~~اختلف في ذلك على أربعة أقوال: أحدها قول ابن القاسم وأشهب في المدونة أن ~~السبي يهدم نكاح الزوجين سبيا معا أو متفرقين. وكذلك على مذهبهما إذا سبي ~~أحدهما قبل صاحبه ثم أتى الآخر بأمان. وأما إذا أتى أحدهما أولا بأمان ثم ~~سبي الثاني فلا ينهدم النكاح، وتخير إن كان هو الذي سبي بعد أن قدمت هي ~~بأمان من أجل الرق الذي أصابه بالسباء، ويعرض عليها الإسلام إن كانت هي ~~التي سبيت بعد أن قدم هو بأمان فأسلم إلا أن تعتق، إذ لا يجوز أن تكون زوجة ~~لمسلم وهي امرأة كافرة. والثاني: أن السبي يبيح فسخ نكاحهما سبيا معا أو ~~متفرقين، إلا أن يقدم أحدهما قبل صاحبه بأمان، وإلى هذا ذهب ابن حبيب في ~~الواضحة،؛ لأنه قال ينفسخ النكاح بالسبي إلا أن يسلما أو يسلم أحدهما أو ~~يقرا على نكاحهما، وعليه تأتي # PageV01P464 # رواية عيسى عن ابن القاسم في كتاب التجارة إلى أرض الحرب في الإمام يبيع ~~السبي على أن هذا زوج هذه وهذه امرأة هذا أنه ليس للمشتري أن يفرق بينهما ~~والثالث قول ابن المواز أن السبي لا يهدم نكاحهما ولا يبيحه، سبيا معا أو ~~متفرقين. ms0385 وإن سبيت الأمة على مذهبه ثم سبي زوجها أو قدم بأمان قبل أن توطأ ~~بالملك فهو أحق بها. والرابع الفرق بين أن تسبى هي قبله أو يسبى هو قبلها ~~أو معها فيستحيى، وهو قول ابن بكير في الأحكام. وقد قال جماعة من المفسرين: ~~إن المحصنات في هذه الآية جميع النساء، فهن حرام لا يحللن إلا بالتزويج أو ~~بملك اليمين. وإلى هذا ذهب سعيد بن المسيب في قوله. ويرجع ذلك إلى أن الله ~~حرم الزنا. وقد قيل: إن قوله في الآية: {إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24] ~~هن الإماء ذوات الأزواج من أهل الحرب وغيرهن فيحللن بملك اليمين بالسبي ~~وبالشراء في غير السبي، قال بذلك من ذهب إلى أن بيع الأمة طلاقها وأنها تحل ~~لمشتريها بملك يمينه. # فصل ويحرم الوطء بملك اليمين والتلذذ به ما يحرم الوطء بالنكاح، ويحرم من ~~وطء المملوكات بالقرابة ما يحرم نكاحه من الحرائر بالقرابة والرضاعة. ~~وبالله سبحانه وتعالى التوفيق. # فصل ولا يحل وطء المجوسيات بنكاح ولا ملك يمين لقول الله عز وجل: {ولا ~~تنكحوا المشركات حتى يؤمن} [البقرة: 221] ، ولا نكاح الأمة من أهل الكتاب ~~لقول الله عز وجل: {من فتياتكم المؤمنات} [النساء: 25] ، وإنما يحل نكاح ~~الحرائر منهن لقوله تعالى: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} ~~[المائدة: 5] ، ويحل وطء # PageV01P465 # الإماء من أهل الكتاب بملك اليمين لقوله عز وجل: {إلا ما ملكت أيمانكم} ~~[النساء: 24] ، وبالله التوفيق. ### || فصل في نكاح الحر الأمة المسلمة # فصل # في نكاح الحر الأمة المسلمة # وأما الأمة المسلمة فالمشهور عن مالك - رحمه الله - أن الحر لا يجوز له ~~نكاحها إلا مع عدم الطول وخوف العنت. وقد روي عن مالك - رحمه الله تعالى - ~~أن ذلك جائر مع وجود الطول والأمن من العنت، وهو المشهور عن ابن القاسم. ~~وهذا الاختلاف جار على الاختلاف في القول بدليل الخطاب، فمن رأى القول ~~بدليل الخطاب لم يبح نكاح الأمة للحر إلا بالشرطين، ومن لم ير القول به ~~أباح ذلك دون الشرطين. والعلة في المنع من ذلك إلا بالشرطين عند من ms0386 رأى ~~القول بدليل الخطاب الكراهة للمرء أن ينكح نكاحا يرق فيه ولده. فعلى هذا ~~إذا تزوج الحر أمة من يعتق عليه ولده منها أو كان ممن لا يولد له كالحصور ~~وشبهه جاز نكاحه مع عدم الشرطين لعدم علة المنع من ذلك قولا واحدا كالعبد ~~والله أعلم. # فصل - # فعلى القول بأن الحر يتزوج الأمة وإن كان واجدا للطول آمنا من العنت لا ~~كلام للحرة إن تزوج الأمة عليها أو تزوجها على الأمة؛ لأن الأمة على هذا ~~القول من نسائه كالعبد، وهذا الذي تدل عليه ألفاظ المدونة. وقد تأول أبو ~~إسحاق التونسي أن الحق للحرة في ذلك على كلا القولين جميعا سواء، وهذا إنما ~~يصح على قول ابن الماجشون الذي يرى الخيار للمرأة إذا تزوج العبد عليها أمة ~~أو تزوجها على الأمة وبالله سبحانه وتعالى التوفيق. # فصل وقد اختلف على القول بالمنع إلا مع عدم الطول في الطول ما هو، فقيل ~~هو # PageV01P466 # أن يجد صداق الحرة ويقدر على نفقتها، وقيل: بل هو أن يجد صداقا لها وإن ~~عجز عن نفقتها، والأول أصح. واختلف أيضا في الحرة تكون تحته هل هي طول ~~تمنعه من نكاح أمة أم لا على قولين وبالله سبحانه وتعالى التوفيق. # فصل واختلف أيضا على هذا القول إذا عدم الطول فتزوج أمة ثم وجد طولا، ~~فقيل: إنه يفارق الأمة ويتزوج حرة، وقيل: يبقى معها إلا أن يتزوج حرة ~~فيفارقها، وقيل: يبقى معها وإن تزوج حرة؛ لأنه قد تقدم تزويجه إياها بوجه ~~جائز. وأما إن ذهب عنه خوف العنت بتزوج الأمة فليس عليه مفارقتها قولا ~~واحدا. # فصل فإذا تزوج الرجل الحر الأمة على الحرة أو الحرة على الأمة فأما على ~~القول بإطلاق تزويج الأمة دون الشرطين فلا كلام للحرة في ذلك إلا على ما ~~ذكرناه عن أبي إسحاق التونسي. وأما علي القول بأن ذلك لا يجوز إلا على ~~الشرطين اللذين ذكرهما الله في كتابه ففي ذلك خمسة أقوال: أحدها: أن الحرة ~~بالخيار في نفسها كانت هي المتزوجة على الأمة أو كانت ms0387 الأمة هي المتزوجة ~~عليها. والثاني: أنها إن كانت هي المتزوجة على الأمة كانت بالخيار في ~~نفسها، وإن كانت الأمة هي المتزوجة عليها كانت بالخيار في الأمة. والثالث: ~~أنه إن كانت الأمة هي الداخلة عليها فلها الخيار في نفسها، وإن كانت هي ~~الداخلة على الأمة فلا خيار لها؛ لأنها تركت النظر لنفسها والتثبت في ~~أمرها. والرابع: أنه إن كانت الأمة هي الداخلة عليها فسخ نكاحها ولم يجز، ~~وإن كانت هي الداخلة على الأمة فسخ نكاح الأمة، وهو على القول! بأن الحرة ~~طول يمنع من نكاح الأمة. والخامس: أنه إن كانت هي الداخلة على الحرة فسخ ~~نكاح الأمة، وإن كانت الحرة هي الداخلة عليها لم يفسخ نكاح الأمة المتقدم؛ ~~لأنه وقع بأمر جائز. # PageV01P467 ### || فصل في أن النكاح لا يكون إلا بصداق # فصل # في أن النكاح لا يكون إلا بصداق ولا يكون النكاح إلا بصداق. قال الله ~~تعالى: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} [النساء: 4] ، وقال تعالى: {يا أيها ~~النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن} [الأحزاب: 50] ، وقال ~~تعالى: {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة} [النساء: 24] ، وقال: ~~{وآتيتم إحداهن قنطارا} [النساء: 20] ، وقال: {الرجال قوامون على النساء ~~بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم} [النساء: 34] ، وقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا نكاح إلا بولي وصداق وشاهدي عدل» ، ~~فالزوج لا يستبيح الفرج إلا بصداق. وقال الله تعالى فيه إنه نحلة والنحلة ~~ما لم يعتض عليه، فهي نحلة من الله تعالى فرضها للزوجات على أزواجهن لا عن ~~عوض الاستمتاع بها؛ لأنها تستمتع به كما يستمتع بها ويلحقها من ذلك مثل ~~الذي يلحقه؛ لأن المباضعة فيما بينها وبين زوجها واحدة. ولهذا المعنى لم ~~يفتقر عقد النكاح إلى تسمية صداق، ولو كان الصداق ثمنا للبضع حقيقة لما صح ~~النكاح دون تسمية الصداق كالبيع الذي لا ينعقد إلا بتسمية الثمن وبالله ~~سبحانه وتعالى التوفيق. ### || فصل في حد الصداق في النكاح # فصل # في حد الصداق في النكاح ولما لم يبح الله تعالى النكاح إلا بصداق ms0388 ولم يرد ~~فيه حد في القرآن ولا في السنة، وقام الدليل على أنه لا بد فيه من حد يصار ~~إليه إذ لم يجز النكاح بالشيء # PageV01P468 # اليسير الذي لا قدر له ولا بال لقيمته، لكونه في معنى الموهوبة التي خص ~~الله بها نبيه - صلى الله عليه وسلم - دون المؤمنين فقال: {وامرأة مؤمنة إن ~~وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين} ~~[الأحزاب: 50] ، وجب أن يعتبر الحد فيه برده إلى بعض الأصول التي ورد ~~التوقيت بها وإن لم تكن في معناه، فجعل حد أقل الصداق ثلاثة دراهم اعتبارا ~~بأقل ما تقطع فيه يد السارق، وهذا اعتبار صحيح؛ لأن الله تعالى أوجب قطع يد ~~السارق مطلقا دون تقييد بمقدار كما أوجب الصداق في النكاح مطلقا دون تقييد ~~بمقدار، وقام الدليل على أنه لا يستباح قطع يد السارق إذا سرق الشيء اليسير ~~الذي لا بال له ولا قدر لقيمته كالخيط وشبهه، كما قام الدليل على أنه لا ~~يستباح الفرج بمثل ذلك من النزر الحقير. فلما وجد ما يقطع فيه يد السارق ~~مقيدا في السنة بمقدار وجب أن يحمل النكاح المطلق عليه. # فصل وذهب أهل العراق إلى أنه لا يجوز النكاح بأقل من عشرة دراهم اعتبارا ~~بما يجب فيه القطع في مذهبهم، والسنة ثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- بخلاف ذلك. ثبت في الحديث «أن عبد الرحمن بن عوف جاء إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وبه أثر صفرة، فسأله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فأخبره أنه تزوج، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كم سقت إليها، ~~قال زنة نواة من ذهب، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أولم ولو ~~بشاة» ، وزنة النواة خمسة دراهم ولم تكن من ذهب، وإنما كانوا يسمون الخمسة ~~زنة نواة من ذهب، فهذا يرد مذهبهم ويبطله. # فصل وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يجوز النكاح بالدرهم والدرهمين ~~وبالشيء اليسير، منهم ابن وهب من أصحابنا. والصحيح ما ذهب إليه ms0389 مالك رحمه # PageV01P469 # الله وجمهور أصحابه ومن قال بقولهم. وقد استدل بعض المالكيين على أن ~~النكاح لا يجوز بأقل من ثلاثة دراهم بأن قال: إن الله تعالى لما شرط عدم ~~الطول في نكاح الإماء وأباحه لمن لم يجد طولا علم أن الطول لا يجده كل ~~الناس، ولو كان الفلس والدانق والقبضة من الشعير لما عدمه أحد. ومعلوم أن ~~الطول هو المال في هذه الآية، ولا يقع اسم مال على أقل من ثلاثة دراهم، ~~فوجب أن يمنع من استباحة الفرج بما لا يكون طولا، وليس هذا بينا، وما قدمته ~~أولى، وبالله سبحانه وتعالى التوفيق. # فصل وأما أكثر الصداق فلا حد له، وإنما ذلك على ما يتراضى عليه الأزواج ~~والزوجات، وعلى الأقدار والحالات. قال الله عز وجل: {وآتيتم إحداهن قنطارا ~~فلا تأخذوا منه شيئا} [النساء: 20] ، والقنطار ألف دينار ومائتا دينار، إلا ~~أن المياسرة في الصداق عند أهل العلم أحب إليهم من المغالاة فيه. روي «أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال تياسروا في الصداق» وكانت صدقات ~~أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - على عظم مرتبته وعلو قدره وأقدارهن ~~اثنتي عشرة أوقية ونشا، والأوقية أربعون درهما، والنش عشرون درهما، فذلك ~~خمسمائة درهم. وكان - صلى الله عليه وسلم - يزوج بناته على مثل ذلك مع عظم ~~مراتبهن وعلو أقدارهن لمياسرته في صدقاتهن. «وروي عنه - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه سأل رجلا من الأنصار عن امرأة تزوجها فقال كم أصدقتها، قال مائتي ~~درهم فقال - صلى الله عليه وسلم -: لو كنتم تغرفون من البطحاء ما زدتم..» ~~وروي «أن عبد الله بن أبي حدرد تزوج امرأة بأربع أواق فأخبر بذلك رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فقال: لو كنتم تنحتون من جبل ما زدتم» . وقال عمر ~~بن الخطاب: لا تغالوا في مهور النساء فإن ذلك لو كان مكرمة في الدنيا أو ~~تقوى عند الله عز وجل كان أولاكم بها النبي - صلى الله عليه وسلم - ما أصدق ~~امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة ms0390 أوقية، ألا ~~وإن أحدكم ليغلي صداق امرأته حتى يبقى لها عداوة في نفسه فيقول لها لقد ~~كلفت لك حتى علق القربة. # PageV01P470 # وروي عنه - رضي الله عنه - أنه أراد أن يرد صدقات النساء إلى قدر ما لا ~~يزدن عليه، فقالت له امرأة؛ إن الله يقول: {وآتيتم إحداهن قنطارا} [النساء: ~~20] ، فقال: كل الناس أفقه منك يا عمر حتى امرأة. وروى الشعبي عنه - رضي ~~الله عنه - أنه خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: لا تغالوا في صدقات ~~النساء فإنه لا يبلغني عن أحد ساق أكثر من شيء ساقه نبي الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أو سيق إليه إلا جعلت فضل ذلك في بيت المال، ثم نزل فعرضت له ~~امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين كتاب الله أحق أن يتبع أو قولك؟ ~~قال: بلى، كتاب الله، لم ذلك؟ قالت: إنك نهيت الناس أن يتغالوا في صداق ~~النساء والله يقول في كتابه: {وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا} ~~[النساء: 20] ، فقال عمر: كل أحد أفقه من عمر مرتين أو ثلاثا، ثم رجع إلى ~~المنبر، فقال للناس: إني كنت نهيتكم أن تغالوا في صدقات النساء، فليفعل رجل ~~في ماله ما شاء. فرجع - رضي الله عنه - عما كان رآه فيها اجتهادا نظرا ~~للناس إلى ما قامت به عليه الحجة، فأباحه للناس واستعمله في نفسه، فأصدق أم ~~كلثوم ابنة علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أربعين ألفا. ومما يدل على ~~إباحة قليل الأصدقة وكثيرها «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أصدق عنه ~~النجاشي أم حبيبة لما زوجه إياها أربعة آلاف وجهزها من عنده وبعث بها إليه ~~مع شرحبيل بن حبيبة» فلم ينكر ذلك من فعله ولا أعطاها هو شيئا من عنده على ~~ما روي والله أعلم. وزوج سعيد بن المسيب - رضي الله عنه - ابنته بدرهمين، ~~وقيل بثلاثة دراهم، وقيل بأربعة دراهم، من عبد الله بن وداعة، وقصته في ~~إنكاحه إياها مشهورة. ولو شاء أن يزوجها من أهل اليسار والشرف بأربعة آلاف ~~وأضعافها مرات لفعل ms0391 لتنافس الناس فيها وبالله سبحانه وتعالى التوفيق. ### || فصل في أن النكاح لا يصح إلا بولي # فصل # في أن النكاح لا يصح إلا بولي ولا ينكح المرأة إلا وليها. قال الله عز ~~وجل: {وأنكحوا الأيامى منكم} [النور: 32] ، وقال: {ولا تنكحوا المشركين حتى ~~يؤمنوا} [البقرة: 221] ، وهذا الخطاب # PageV01P471 # متوجه إلى الأولياء. فلما كان الخطاب متوجها في إنكاحهن إلى غيرهن ولم ~~يكن إليهن بأن يقول: ولينكح الأيامى منكم، وأن يقول: ولا ينكحوا المشركين ~~حتى يؤمنوا، دل على أنه ليس لأحد من المخاطب فيهن أن يزوج نفسه. وقال تبارك ~~وتعالى: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن} ~~[البقرة: 232] ، والعضل إنما يصح ممن إليه عقد النكاح. وقال - صلى الله ~~عليه وسلم -: «الأيم أحق بنفسها من وليها» فدل على أن له معها حقا. وقال: ~~«لا نكاح إلا بولي وصداق وشهيدي عدل» وقال عمر بن الخطاب: لا تنكح المرأة ~~إلا بإذن وليها أو ذوي الرأي من أهلها أو السلطان. وبالله سبحانه تعالى ~~التوفيق. # فصل فعقد النكاح يفتقر إلى ولي ورضى المزوجة إلا أن تكون بكرا ذات أب، أو ~~أمة لسيدها إكراهها على النكاح، لا يصح عقد النكاح إلا بهذين الوجهين ~~وبالله سبحانه وتعالى التوفيق. # فصل والولاية في نكاح الحرائر تنقسم على قسمين: خاصة، وعامة. فأما العامة ~~فهي ولاية الإسلام، قال الله عز وجل: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء ~~بعض} [التوبة: 71] ، وأما الخاصة فإنها تنقسم على خمسة أقسام: أحدها ولاية ~~نسب، وهي على مراتب، أعلاها الأب وأدناها الرجل من العشيرة على مذهب ابن ~~القاسم، فيدخل فيه المولى الأسفل، وقيل الرجل من البطن، وقيل الرجل من ~~العصبة، فلا يدخل فيه على هذين القولين المولى الأسفل ويكون من الولاية ~~العامة. والثاني ولاية تقديم، وهي على وجهين: تقديم من قبل أب، وتقديم من ~~قبل سلطان. والثالث ولاية عتاقة وهي على وجهين: مولى أعلى ومولى أسفل. # PageV01P472 # والرابع ولاية سلطان. والخامس ولاية حضانة. فإذا زوج على مذهب ابن القاسم ~~الولي من الولاية الخاصة فيما عدا الأب في ابنته البكر والوصي في يتيمته ms0392 ~~البكر أيضا وثم أولى منه حاضر نفذ النكاح ولم يرد. وقيل: إن للأبعد أن يزوج ~~ابتداء مع حضور الأقرب على مذهبه في المدونة وإن زوج الولي من الولاية ~~العامة مع عدم الولاية الخاصة أو وجودها جاز في الدنية ورد في العلية إن ~~شاء الولي إلا أن يطول بعد الدخول فيمضي على مذهب ابن القاسم مراعاة ~~للاختلاف، إذ لم يخرج العقد من أن يكون وليه ولي على اختلاف تأويل بعض هذه ~~الوجوه في المدونة وبالله سبحانه وتعالى التوفيق. # فصل وللولي ثمانية شروط، ستة منها متفق على اشتراطها في صحة الولاية، وهي ~~البلوغ، والعقل، والحرية، والإسلام، والذكورية، وأن يكون مالكا أمر نفسه، ~~واثنان مختلف فيهما، وهما الدالة والرشد. وبالله سبحانه وتعالى التوفيق. # فصل ولا يجوز للولي أن يزوج وليته إلا بعد أن تأذن له في ذلك، فإذا أذنت ~~له أن يزوجها فزوجها ولم يسم لها الزوج كان لها أن ترد أو تجيز ما لم يطل ~~الأمر، وقيل يلزمها النكاح. وعلى هذا القول تأتي مسألة المرأة تأذن لولييها ~~أن يزوجاها فزوجها كل واحد من رجل ولا يعلم الأول منهما إذ لم يقل إن لها ~~أن تجيز أي النكاحين شاءت وترد الآخر على قياس القول الأول. ويحتمل أن ~~تتأول المسألة على أن كل واحد من الوليين قد سمى لها الرجل الذي وكلته على ~~تزويجها منه، فصح الجواب على كلا القولين. ولا تخلو المسألة حينئذ من أن ~~يعثر على الأمر قبل الدخول أو بعده، فإن عثر عليه قبل الدخول وعلم الأول ~~فالنكاح له ويفسخ الثاني بغير طلاق، وإن جهل الأول منهما فسخ النكاحان ~~جميعا بطلاق. فإن تزوجها أحدهما بعد زوج كانت عنده على طلقتين، وإن تزوجها ~~أحدهما قبل زوج كانت عنده على ثلاث تطليقات؛ لأنه إن كان هو الأول فإنما ~~تزويجه إياها تجديد لنكاحه الأول وذلك لا يوجب عليه طلاقا، وإن كان الآخر ~~فلم يلزمه طلاق إذ لم ينعقد له نكاح. ويقع # PageV01P473 # على الذي لم يتزوجها بتزويج الذي تزوجها منهما طلقة، فمتى تزوجها كانت ~~عنده ms0393 على طلقتين. واختلف هل تصدق المرأة أو الوليان في أن أحدهما هو الأول ~~على قولين: أحدهما قوله في المدونة إنه لا يصدق، والثاني قول أشهب في ~~الواضحة إنه يصدق. وإذا كان أقر أحد الوليين أنه زوج وقد علم بتزويج الآخر ~~قبله هل يصح له النكاح ولا يفرق بينهما أم لا؟ وكذلك إن لم يعثر على الأمر ~~حتى دخلا جميعا يفسخ النكاحان جميعا، ويدخل الخلاف المذكور في تصديق الزوجة ~~أو الوليين على الأول منهما، إلا أنه يكون على كل واحد منهما صداقها المسمى ~~بالمسيس. وأما إن عثر على الأمر بعد أن دخل أحدهما، فإن لم يعلم الأول ~~منهما ثبت نكاح الذي دخل. واختلف إن علم أن الثاني هو الذي دخل، ففي ~~المدونة أنه يثبت نكاحه، وقال المغيرة وابن عبد الحكم: يفسخ نكاحه وترد إلى ~~الأول بعد الاستبراء. والخلاف في هذا جار على اختلافهم في الوكالة هل تنفسخ ~~بنفس الفسخ أو لا تنفسخ إلا بوصول العلم، فمن رأى أنها لا تنفسخ إلا بوصول ~~العلم قال: إن النكاح لا يفسخ بشبهة العقد، وهو الذي في المدونة، ومن رأى ~~أنها تنفسخ بنفس الفسخ وهو هاهنا تزويج الأول قال: إن النكاح يفسخ؛ لأن ~~الغيب كشف أنه لا نكاح له؛ لأنه زوجها بعد فسخ الوكالة. ولو أقر الوكيل أنه ~~زوجه وهو يعلم بتزويج الآخر قبله لم يصدق وثبت النكاح على مذهب ابن القاسم، ~~إلا أن تقوم بينة أته علم بذلك قبل التزويج فيفسخ بغير طلاق. ولو أقر هو ~~على نفسه بالعلم لفسخ نكاحه بغير طلاق وكان عليه جميع الصداق. وقال محمد: ~~يفسخ بطلاق، وهو الصحيح؛ لأنه يتهم على فسخ نكاحه بغير طلاق. # فصل فإن عثر على ذلك بعد دخول أحدهما وعلم أنه الثاني وقد كان الأول مات ~~أو طلق فلا يخلو من أن يكون عقد ودخل قبل موت الأول أو طلاقه. أو يكون عقد ~~ودخل بعد موت الأول أو طلاقه، أو أن يكون عقد قبل موته أو طلاقه ودخل بعد ~~موته أو طلاقه، فأما إن كان ms0394 عقد ودخل قبل موت الأول أو طلاقه فينفذ نكاحه # PageV01P474 # بمنزلة أن لو لم يمت ولا طفق على مذهب ابن القاسم. وأما إذا عقد ودخل بعد ~~موت الأول أو طلاقه فهو في الموت متزوج في عدة ينفسخ نكاحه وترث زوجها ~~الأول، وفي الطلاق نكاحه صحيح؛ لأنه في غير عدة. وقال ابن الماجشون إن كان ~~الذي زوجها منه آخرا بعد طلاق الأول هو الأب فلا يفسخ نكاحه وإن لم يدخل، ~~وإن كان الوكيل هو الذي زوجها فسخ نكاحه إلا أن يدخل. ووجه قوله: أن الأب ~~مطلق على النكاح، والوكيل تنفسخ وكالته بتزويج الأب قبله. وأما إن عقد قبل ~~الموت والطلاق ودخل بعد ذلك فحكى محمد بن المواز أن ذلك بمنزلة ما إذا عقد ~~ودخل قبل الموت أو الطلاق يقر على نكاحه معها ولا ميراث لها من الأول ولا ~~عدة عليها منه. والصواب أنه في الوفاة متزوج في عدة بمنزلة امرأة المفقود ~~تتزوج بعد ضرب الأجل وانقضاء العدة، ويدخل بها زوجها فينكشف أنها تزوجت قبل ~~وفاة المفقود ودخلت بعد وفاته في العدة أنه يكون متزوجا في عدة، ولا فرق ~~بين المسألتين، وبالله التوفيق. # فصل والحرائر من النساء في النكاح على ضربين: أبكار وثيب. فأما البكر فلا ~~تخلو من أن تكون ذات أب أو ذات وصي أو مهملة ذات ولي. فأما ذات الأب فللأب ~~أن يزوجها بغير أمرها صغيرة كانت أو كبيرة ما لم تعنس بأقل من صداق مثلها، ~~وأن يراضي زوجها على أقل من صداق مثلها إذا أنكحها إنكاح تفويض فيجوز ذلك ~~عليها ويلزمها ويكون ذلك صداقها. فإن فرض لها الزوج صداق مثلها فأكثر وأبى ~~الوالد أن يرضى بذلك حكم له عليه السلطان بذلك وكان هو صداقها الذي يجب لها ~~نصفه بالطلاق وجميعه بالموت أو الدخول. واختلف إذا عنست فقيل لا يعتبر ~~تعنيسها، وقيل: إنها تخرج بالتعنيس من ولاية أبيها. فعلى هذا القول لا ~~يزوجها إلا برضاها، ويكون الرضا بقليل الصداق وكثيره إليها دون أبيها، ~~ويكون إذنها صماتها في النكاح خاصة بمنزلة إذا ms0395 رشدها. وأما ذات الوصي فلا ~~يجوز للوصي أن يزوجها قبل بلوغها بحال، ولا بعد بلوغها بأقل من صداق مثلها ~~وإن رضيت، وله أن يزوجها إذا بلغت عنست أو لم تعنس برضاها، ويكون إذنها # PageV01P475 # صماتها بما رضي به من صداق مثلها فأكثر وإن لم ترض، إذ ليس لها مع الوصي ~~من الرضا بالمهر شيء، وله أن يراضي الزوج في نكاح التفويض عن صداق مثلها ~~فأكثر فيجوز ذلك عليها ويلزمها، ويكون هو صداقها الذي يجب لها نصفه بالطلاق ~~وجميعه بالموت أو الدخول رضيت أو لم ترض. فإن لم يرض هو بذلك ورضيت هي به ~~لم يكن ذلك صداقها إلا بحكم السلطان، وليس له أن يراضي الزوج على أقل من ~~صداق مثلها عند مالك - رحمه الله تعالى - خلاف مذهب ابن القاسم في أن ذلك ~~جائز له على وجه النظر إلا أنه شرط رضاها، وفي ذلك من قوله نظر، وبالله ~~التوفيق. # فصل فإن دخل الزوج بها قبل التراضي على صداق وجب لها صداق مثلها بالدخول، ~~وكذلك البكر ذات الأب، ولم يكن للأب ولا للوصي على مذهب مالك وأصحابه الرضا ~~بأقل من ذلك، وهو نص قول غير ابن القاسم، في باب نكاح التفويض. وقد وقع ~~لمالك في الباب المذكور ما ظاهره أن للأب بعد الدخول الرضا بأقل من صداق ~~المثل، وهو خلاف المعلوم من مذهبه. # وأما المهملة ذات الولي فليس للولي أن يزوجها إذا بلغت بأقل من صداق ~~مثلها أيضا. واختلف في صداق مثلها فأكثر فقيل الرضى بتزويجها بذلك إليه ~~دونها، وهو قول ابن حبيب في الواضحة. وقيل: بل ذلك إليها دونه، حكى هذا ~~القول فضل عن عيسى بن دينار ونسبه إلى المستخرجة ولم يقع ذلك له عندنا ~~فيها. والقياس إذا اختلفا في ذلك أن لا يثبت ما رضي به أحدهما صداقا إلا ~~بعد نظر السلطان. وما ثبوت ما اجتمعا على الرضا به صداقا دون نظر السلطان ~~إلا استحسانا وبالله سبحانه وتعالى التوفيق. # فصل وأما الثيب فلا تخلو من أن تكون مالكة لأمر نفسها أو ms0396 غير مالكة لأمر ~~نفسها في ولاية أب أو وصي. فأما المالكة لأمر نفسها فلا يملك الولي عليها ~~إلا ولاية # PageV01P476 # العقد خاصة. وقد اختلف في المالكة لأمر نفسها مع الوصي الذي لا ولاية له ~~عليها، فذهب ابن حبيب إلى أنه أحق من الولي بتزويجها، وقال أصبغ: الولي أحق ~~بذلك منه، وقال سحنون: ليس بولي لها، وذلك إذا قال الموصي فلان وصي ولم ~~يزد. وأما التي هي غير مالكة لأمر نفسها في ولاية أب أو وصي فحكمها حكم ~~البكر ذات الوصي، حاشا أن إذنها يكون بالنطق دون الصمت، إلا أن تكون تأيمت ~~من زوج بنكاح فاسد أو صحيح قبل البلوغ وبعد الدخول فاختلف فيها على ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أن الأب يجبرها على النكاح ما لم تبلغ. والثاني: أنه يجبرها ~~عليه وإن بلغت. والثالث: أنه لا يجبرها وإن لم تبلغ. حكى هذا القول النخعي ~~عن أبي تمام، فإن كانت يتيمة ذات وصي فلا يزوجها الوصي قبل البلوغ، ويزوجها ~~بعد البلوغ، ويكون إذنها صماتها على قول من رأى أن الأب يجبرها على النكاح، ~~وهو قول سحنون. # فصل واختلف إذا زنت أو غصبت فقيل: حكمها حكم البكر في جميع أحوالها، وقيل ~~حكمها حكم الثيب في جميع أحوالها، وقيل: حكمها حكم الثيب في أنها لا تزوج ~~إلا برضاها، وحكم البكر في أن إذنها صماتها. # فصل ومن إليه الرضا بالمهر من الزوجة أو الولي هو الذي يحلف إذا اختلفا ~~مع الزوجة في النكاح المنعقد على صداق أو في الصداق المسمى بعد عقد النكاح ~~في نوعه أو قلته وكثرته. وإنما وجب أن يحلف الولي دون الزوجة التي إلى نظره ~~بكرا كانت أو ثيبا؛ لأنه فيما ولي من أمرها مضيع بترك الإشهاد، فإن لم يحلف ~~ونكل عن اليمين فاستحق الزوج ما حلف عليه بيمينه لزمه ضمان ما أتلف بنكوله ~~إذا ضيع بترك الإشهاد. وأما ما لم يله لها وادعته هي على زوجها فهي التي ~~تحلف إن كان لها شاهد على دعواها أو نكل هو عن اليمين، وإلى هذا ذهب ms0397 محمد ~~بن # PageV01P477 # المواز. وقد روي عن ابن القاسم في هذا روايات مجملة دون تفصيل، فحملها ~~الفضل على أن ذلك اختلاف في قوله، وأنه رأى مرة أن يحلف الأب وإن لم تكن له ~~في ذلك ولاية، ومرة أن تحلف البكر وإن كان الأب هو الذي ولي ذلك. ففي ~~المسألة على هذا ثلاثة أقاويل، أصحها في النظر ما ذهب إليه ابن المواز، ~~وليس في يمين البكر فيما وليه الأب من مالها نص جلي، وهو بعيد في النظر. ~~فأما يمين الأب عنها فيما لم يله من مالها فقد روي ذلك عن ابن كنانة وابن ~~نافع، وأنكره ابن القاسم ونفى أن يكون مالك - رحمه الله تعالى - قاله قط، ~~وبالله سبحانه وتعالى التوفيق. # فصل وأما تسمية الصداق فليس من شروط صحة عقد النكاح؛ لأن الله أباح نكاح ~~التفويض، وهو النكاح بغير تسمية صداق فقال تعالى: {لا جناح عليكم إن طلقتم ~~النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة} [البقرة: 236] ، وإنما تجب تسمية ~~الصداق عند الدخول. فلا اختلاف بين أهل العلم فيما علمت أن نكاح التفويض ~~جائز، وإنما اختلفوا في نكاح التحكيم على ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذلك جائز ~~قياسا على نكاح التفويض. والثاني: أن ذلك لا يجوز ويفسخ قبل الدخول ويثبت ~~بعده ويكون فيه صداق المثل. والثالث: أن ذلك جائز إن كان الزوج هو المحكم، ~~[ولا يجوز إن كان المحكم غير الزوج كانت الزوجة أو غيرها، وبالله سبحانه ~~وتعالى التوفيق. # فصل فإذا قلنا أن النكاح جائز فإن كان الزوج هو المحكم] ، فلا اختلاف أن ~~الحكم في ذلك حكم نكاح التفويض، إن فرض الزوج فيه للزوجة صداق المثل لزمها ~~النكاح، وإن أبى من ذلك فرق بينهما إلا أن يدخل بها فيجب عليه لها صداق ~~المثل. وأما إن كانت الزوجة هي المحكمة وحدها أو مع سواها أو الزوج مع غيره # PageV01P478 # فاختلف في ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها: أن الحكم في ذلك حكم نكاح التفويض ~~إن فرض الزوج لها صداق مثلها لزمها النكاح ولم يكن للمحكم من كان ms0398 في ذلك ~~كلام، وإن رضي المحكم بصداق المثل أو أقل لم يلزم ذلك الزوج إلا أن يشاء. ~~وهذا يأتي على ما حكى ابن حبيب في الواضحة عن ابن القاسم وابن عبد الحكم ~~وأصبغ. والثاني: أن النكاح لا يلزم إلا بتراضي الزوج والمحكم، كانت الزوجة ~~أو غيرها، على الفريضة إن فرض الزوج صداق المثل فأكثر فلم ترض بذلك الزوجة ~~إن كانت هي المحكمة أو المحكم إن كان غيرها لم يلزمها النكاح بذلك إلا أن ~~تشاء. وإن فرضت هي إن كانت المحكمة أو المحكم إن كان غيرها صداق المثل فأقل ~~برضاها لم يلزم ذلك الزوج إلا أن يشاء، وهو الذي يأتي على ما في المدونة. ~~والثالث: أن الحكم في التحكيم عكس الحكم في التفويض ينزل المحكم في التحكيم ~~منزلة الزوج في التفويض إن فرضت الزوجة صداق المثل فأقل إن كانت هي المحكمة ~~أو فرض ذلك المحكم برضاها لزم ذلك الزوج ولم يكن له في ذلك كلام، فإن فرض ~~الزوج صداق المثل فأكثر لم يلزم ذلك الزوجة إلا أن ترضى به، كانت هي ~~المحكمة أو غيرها. وهذا القول ذهب إليه أبو الحسن القابسي، قاله تأويلا على ~~ما في المدونة، وهو تأويل بعيد. وإنما ظاهر المدونة ما ذكرنا، وإليه ذهب ~~أبو محمد بن أبي زيد - رحمه الله تعالى - وبالله سبحانه وتعالى التوفيق. # فصل وكذلك الإشهاد إنما يجب عند الدخول وليس من شروط صحة العقد، فإن تزوج ~~ولم يشهد فنكاحه صحيح، ويشهدان فيما يستقبلان إلا أن يكونا قصدا إلى ~~الاستسرار بالعقد فلا يصح أن يثبتا عليه، «لنهي رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عن نكاح السر» ويؤمر أن يطلقها طلقة، ثم يستأنف العقد معها. فإن دخل ~~في الوجهين جميعا فرق بينهما وإن طال الزمان بطلقة لإقرارهما بالنكاح، وحدا ~~إن أقرا بالوطء إلا أن يكون الدخول فاشيا أو يكون على العقد شاهد واحد ~~فيدرأ الحد بالشبهة. واختلف إذا # PageV01P479 # أشهد على النكاح شاهدين وأمر بالكتمان، فقيل ذلك من نكاح السر، ويفسخ قبل ~~الدخول وبعده إلا أن يطول ms0399 بعد الدخول فلا يفسخ ويكون فيه الصداق المسمى، ~~وهو المشهور في المذهب. وقيل: النكاح صحيح لا فساد فيه، ويثبت قبل الدخول ~~وبعده، ويؤمر الشهود بإعلان النكاح وينهوا عن كتمانه. وإلى هذا ذهب يحيى بن ~~يحيى وبالله سبحانه وتعالى التوفيق. # فصل والنكاح من العقود اللازمة التي تلزم بالعقد، ولا خيار لأحد ~~المتناكحين في حله بعد العقد بمنزلة البيع وما أشبهه من العقود اللازمة، ~~إلا أن النكاح طريقه المكارمة فيجوز فيه من المجهول ما لا يجوز في البيع. ~~من ذلك النكاح على عبد غير موصوف وعلى شوار بيت وما أشبه ذلك مما لا يجوز ~~في البيع ويجوز في النكاح. ولهذا المعنى جاز التفويض فيه. ألا ترى أن هبة ~~الثواب لما كانت على سبيل المكارمة وطريق المعروف ولم تكن على وجه المكايسة ~~جازت من غير تسمية العوض. وقد تقدم لجواز التفويض في النكاح معنى صحيح غير ~~هذا لم أره لأحد ممن تقدم قبلي. وقد قال مالك - رحمه الله تعالى -: أشبه ~~شيء بالبيوع النكاح، فهو يشبهه في بعض الوجوه ويفارقه في أكثر الحالات، فهو ~~في باب الصداق أوسع من البيوع، وفي باب العقد أضيق من البيع. ألا ترى أن ~~هزله جد في المشهور من المذهب. وقد روي عن مالك - رحمه الله - أن هزله هزل ~~ولا يلزم إلا بالجد، وهي رواية أبي زيد عن ابن القاسم، وأن من قال لرجل ~~زوجتي وليتك بكذا وكذا فقال قد فعلت فقال الخاطب لا أرضى أن النكاح يلزمه ~~قولا واحدا بلا خلاف، خلاف البيوع؛ وأن الخيار لا يجوز فيه كما يجوز في ~~البيوع وما أشبه ذلك كثير. # فصل والنكاح ينعقد بلفظ النكاح ولفظ التزويج، ولا ينعقد بما سوى ذلك من ~~العقود حاشا الهبة فإنه قد اختلف: هل ينعقد النكاح بها أم لا على قولين: ~~أحدهما # PageV01P480 # أنه لا ينعقد بها، وهو قول الشافعي. والثاني: أنه ينعقد بها وهو مذهب أبي ~~حنيفة، ويلزم ويكون فيه صداق المثل كنكاح التفويض سواء. وقد روي عن ابن ~~حبيب نحوه. وأما مالك - رحمه الله - فاضطرب ms0400 في ذلك قوله للاختلاف الحاصل ~~فيه بين أهل العلم قبله وبالله سبحانه وتعالى التوفيق. # فصل # فيما يستحب في النكاح ويكره فيه. ويستحب إعلان النكاح وإشهاره وإطعام ~~الطعام عليه. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعبد الرحمن بن عوف: ~~«أولم ولو بشاة» . ويجب على من دعي إليه أن يجيب. قال أبو هريرة عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «ومن لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله» وذلك إذا ~~كان الداعي يدعو على صواب. ومن فارق الصواب في وليمته فلا دعوة له ولا ~~معصية في ترك إجابته، وقد قال أبو هريرة: شر الطعام طعام الوليمة يدعى ... ~~الحديث. وإنما يستحب الطعام في الوليمة لإثبات النكاح وإظهاره ومعرفته؛ لأن ~~الشهود يهلكون، قال ذلك ربيعة وغيره. ولهذا المعنى أجيز فيه بعض اللهو مثل ~~الدف والكبر وشبهه. # ويستحب إخفاء خطبة النكاح، وأن يبدأ الخاطب قبل الخطبة بالحمد لله تعالى ~~والصلاة والسلام على نبيه - صلى الله عليه وسلم - ويجيبه المخطوب إليه بمثل ~~ذلك قبل الإجابة، وأن يهنأ الناكح عند نكاحه ويدعى له بالبركة فيه. ويكره ~~أن يخطب الرجل المرأة على خطبة أخيه للنهي الوارد في ذلك عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، وذلك إذا ركنا وتقاربا وإن لم يتفقا على صداق مسمى. ~~وقيل: ذلك جائز ما لم يسميا الصداق. والأول أصح وأكثر؛ لأن النكاح ينعقد ~~ويتم دون تسمية صداق، فإن فعل لم يفسخ نكاحه ووجب عليه أن يستغفر الله ~~تعالى ويتحلل صاحبه فيما فعل، فإن لم يحله فليخل سبيلها إذ كان أفسدها عليه ~~بعد أن كانت رضيت به فإن تزوجها الأول وإلا راجعها # PageV01P481 # هو إن شاء وبدا له بنكاح جديد، وليس يقضى عليه بذلك وإنما هو على وجه ~~التنزه والبر والخوف لله تعالى. وقيل: إن النكاح يفسخ قبل الدخول وبعده إذا ~~علم ذلك وثبت، وهو قول ابن نافع وروايته عن مالك. # وأما قبل أن يركنا ويتقارب الأمر بينهما فلا بأس بالخطبة، ولا بأس أن ~~يجتمع الاثنان والثلاثة والأكثر على خطبة المرأة. وقد روي أن جرير بن ms0401 عبد ~~الله البجلي سأل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن يخطب عليه امرأة من ~~دوس، ثم سأله مروان بن الحكم بعد ذلك أن يخطبها عليه، ثم سأله بعد ذلك ابنه ~~عبد الله أن يخطبها عليه، فدخل على أهلها والمرأة جالسة في قبتها عليها ~~سترها، فسلم عمر فردوا السلام وهشوا له وأجلسوه، فحمد الله تعالى وأثنى ~~عليه وصلى على نبيه - صلى الله عليه وسلم -، ثم قال: إن جرير بن عبد الله ~~البجلي يخطب فلانة، وهو سيد أهل المشرق، ومروان بن الحكم يخطبها، وهو سيد ~~شباب قريش، وعبد الله بن عمر يخطبها، وهو من قد علمتم، وعمر بن الخطاب ~~يخطبها، فكشفت المرأة عن سترها وقالت أجاد أمير المؤمنين؟ قال نعم. قالت: ~~قد زوجت يا أمير المؤمنين زوجوه، فزوجوه إياها فولدت له ولدين وبالله ~~سبحانه وتعالى التوفيق. # فصل ومما يستحب في النكاح الهضيمة في الصداق ولا يكون فيه أجل، روي «عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يستحب النكاح في رمضان رجاء البركة ~~فيه» وفيه تزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عائشة - رضي الله عنها -. ~~وكان جماعة من أهل العلم يستحسنون النكاح في يوم الجمعة وبالله سبحانه ~~وتعالى التوفيق. ### || فصل في حكم الشروط في النكاح # فصل # في حكم الشروط في النكاح وتكره الشروط في النكاح، وقد قال مالك - رحمه ~~الله تعالى - أشرت على قاض منذ دهر أن ينهى الناس أن يتزوجوا على الشروط ~~وأن لا يتزوجوا إلا على دين الرجل وأمانته، وأنه كان كتب بذلك كتابا وصيح ~~به في الأسواق وعابها عيبا شديدا. # PageV01P482 # وهي تنقسم على وجهين: شروط تفسد النكاح ولا حد لها، وشروط لا تفسده وهي ~~تنقسم على ثلاثة أقسام: شروط مقيدة بتمليك أو طلاق، وشروط مقيدة بوضع بعض ~~الصداق، وشروط مطلقة غير مقيدة بشيء. فأما الشروط المقيدة بتمليك أو طلاق ~~فإنها لازمة عند مالك - رحمه الله تعالى - وجميع أصحابه لا اختلاف بينهم في ~~ذلك. وأما الشروط المقيدة بوضع بعض الصداق فلا يخلو أن يكون الموضوع للشرط ~~في العقد ms0402 أو بعد العقد، فإن كان في العقد فلا يخلو من أن يكون من صداق ~~المثل أو زائدا على صداق المثل. فأما إن كان الموضوع منه في العقد زائدا ~~على صداق المثل فلا اختلاف في أن الوضيعة للزوجة لازمة لا رجوع لها فيها ~~وأن الشروط عن الزوج ساقطة لا يلزمه الوفاء بها وهو مذهب ابن القاسم ~~وروايته عن مالك - رحمه الله تعالى -. والثاني: أن ذلك لازم لهما جميعا، ~~فإن وفى الزوج بالشرط صحت له الوضيعة، وإن لم يف بها لم تصح له، وهو قول ~~مالك - رحمه الله تعالى - في رواية ابن نافع وأشهب وعلي بن زياد عنه. ~~والثالث: أن ذلك لا يجوز ولا يلزم واحدا منهما؛ لأنها معاوضة فاسدة، فإذا ~~لم يلزم الزوج الشروط لم يلزم المرأة الوضيعة، وهو قول ابن كنانة وروايته ~~عن مالك، ومثله في مختصر ما ليس في المختصر لابن شعبان، وبالله سبحانه ~~التوفيق. # فصل وأما إن كانت الوضيعة بعد العقد فسواء كانت من صداق المثل أو مما زاد ~~على صداق المثل ففي ذلك قولان: أحدهما أن ذلك لازم لهما إن وفى الزوج ~~بالشروط صحت له الوضيعة وإلا فلا. وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك - ~~رحمه الله تعالى - في المدونة. والثاني: أن ذلك لا يجوز ولا يلزم واحدا ~~منهما، وهو قول ابن كنانة وروايته عن مالك. # فصل وأما الشروط المطلقة فمن أهل العلم من أوجبها ورأى القضاء بها، روي ~~عن ابن شهاب أنه قال: كان من أدركت من العلماء يقضون بها لقول رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: # PageV01P483 # «أحق الشروط أن توفوا بها ما استحللتم بها الفروج» وهو ظاهر ما في رسم ~~حلف من سماع ابن القاسم في كتاب النكاح من العتبية. والمعلوم المعروف في ~~المذهب أنها لا تلزم لكنها يستحب الوفاء بها إلا أنها تنقسم على قسمين: ~~أحدهما: أن تكون مشترطة في العقد دون تسمية الصداق، مثل أن يقول الرجل ~~أزوجك ابنتي على أن لا تتزوج عليها أو على أن لا تخرجها من البلد وما أشبه ms0403 ~~ذلك. والثاني: أن تكون مشترطة في الصداق الذي يسمى في العقد أو في التسمية ~~بعد العقد. فأما إذا كانت مشترطة في العقد دون تسميته فلا يلزم، وذلك مثل ~~أن تقول أتزوجك على أن لا تتزوج علي أو على أن لا تخرجني من البلد وما أشبه ~~ذلك. وأما إن كانت مشترطة في التسمية التي مع العقد، وذلك أن تقول أتزوجك ~~بكذا وكذا على أن لا تفعل كذا وكذا فلا يلزمه الشرط عند مالك على هذا ~~الوجه. والقياس على مذهبه أن يفسخ النكاح قبل الدخول ويثبت بعده، ويكون فيه ~~الأكثر من صداق المثل أو المسمى؛ لأنها لم ترض أن تتزوجه بما سمت من الصداق ~~إلا على الشروط، فإذا لم تلزمه الشروط لم يلزمها ما رضيت به من الصداق. ~~وأما إن كانت مشترطة في التسمية فلا تلزم أيضا وينظر، فإن كانت التسمية أقل ~~من صداق مثلها كان لها تمام صداق مثلها وصح النكاح ولم يفسخ لتقدم عقده دون ~~شرطه وبالله سبحانه وتعالى التوفيق. ### || فصل في حكم الأنكحة الفاسدة # فصل # في حكم الأنكحة الفاسدة والنكاح ينقسم على قسمين: صحيح، وفاسد. فالصحيح ~~ما جوزته السنة والقرآن، والفاسد ينقسم على ثلاثة أقسام: نكاح فسد لعقده، ~~ونكاح فسد لصداقه، ونكاح فسد لشروط فاسدة اقترنت به. فأما ما فسد لعقده ~~فينقسم على قسمين: قسم متفق على فساده، وقسم مختلف فيه. فالمتفق على فساده ~~مثل نكاح من لا يحل له نكاحها من ذوات المحارم من نسب أو رضاع، ومثل نكاح ~~المرأة في # PageV01P484 # عدتها أو على ابنتها أو على أمها أو على أختها وما أشبه ذلك ممن لا يجوز ~~له الجمع بينهما، أو نكاح المجوسية أو الأمة النصرانية وما أشبه ذلك فهذا ~~القسم يفسخ النكاح فيه قبل الدخول وبعده ويكون فيه الصداق المسمى. والمختلف ~~في فساده مثل نكاح الشغار، ونكاح المحرم، والنكاح والإمام يخطب يوم الجمعة، ~~ونكاح من نكح على خطبة أخيه وما أشبه ذلك. وأما ما فسد لصداقه مثل أن يتزوج ~~الرجل المرأة بحرام مثل الخمرة والخنزير، أو بغرر ms0404 مثل التمر الذي لم يبد ~~صلاحه والعبد الآبق والبعير الشارد، أو الصداق إلى أجل مجهول أو ما أشبه ~~ذلك، فهذا القسم يفسخ فيه النكاح قبل الدخول ويصح بعده بصداق المثل. وقد ~~روي عن مالك أنه يفسخ قبل الدخول وبعده. ومن أهل العلم من لا يرى فسخه ~~ويصححه بصداق المثل قبل الدخول وبعده، وهو مذهب الليث بن سعد وأبي حنيفة ~~وأصحابه. وأما ما فسد للشروط الفاسدة المقترنة به وهي كثيرة لا تحصر بعدد، ~~فمنها ما يفسخ النكاح به قبل الدخول وبعده، ومنها ما يفسخ به النكاح قبل ~~الدخول ويثبت بعده، ومن ذلك ما يمضي بالصداق المسمى، ومنه ما يرد إلى صداق ~~المثل، ومنه ما يتفق على وجه الحكم فيه، ومنه ما يختلف فيه على ما يأتي كل ~~في موضعه إن شاء الله وبالله سبحانه وتعالى التوفيق. # فصل واختلف في لزوم الطلاق وكون الميراث في الأنكحة الفاسدة على ثلاثة ~~أقوال في المذهب، وهي ثابتة في المدونة: أحدها: أن كل نكاح كانا مغلوبين ~~على فسخه فلا طلاق فيه ولا ميراث، مثل نكاح الشغار، ونكاح المحرم، وما كان ~~صداقه فاسدا فأدرك قبل الدخول. والثاني: أن كل نكاح يفسخ قبل الدخول ويثبت ~~بعده ففيه الطلاق والميراث قبل الدخول وبعده، [وما كان يفسخ قبل الدخول ~~وبعده] وإن كان مختلفا فيه فلا طلاق فيه ولا ميراث. [قبل الدخول وبعده. ~~والقول الثالث: أن كل نكاح اتفق على تحريمه فلا طلاق فيه ولا ميراث] وكل # PageV01P485 # نكاح اختلف في تحريمه وإن غلبا على الفسخ فيه قبل الدخول وبعده ففيه ~~الطلاق والميراث قبل الدخول وبعده وهو الذي قاله ابن القاسم لرواية بلغته. # وأما الخلع فإنه على مذهب ابن القاسم تابع للطلاق وجار على الاختلاف فيه ~~حيثما لزم الطلاق لزم فيه الخلع، وحيث ما لم يلزم الطلاق سقط الخلع ووجب ~~على المرأة الرجوع على الزوج بما دفعت إليه فيه: وعلى مذهب ابن الماجشون ~~يثبت في كل نكاح صحيح لا خيار للمرأة فيه وإن كان الخيار فيه للزوج أو ~~لغيرهما. وإن كان النكاح ms0405 ما لا يقر على حال أو مما للمرأة فيه الخيار سقط ~~الخلع ووجب للمرأة الرجوع على الزوج بما دفعت إليه فيه. وذهب محمد بن ~~المواز إلى أن الخلع يثبت في كل نكاح يكون لأحد الزوجين فيه الخيار، يريد ~~أو لغيرهما. فعلى قوله: لا يسقط الخلع إلا في كل نكاح لا يقر على حال ويغلب ~~الزوجان فيه على الفرقة. فاحفظ إنها ثلاثة أقوال في المسألة وبالله سبحانه ~~وتعالى التوفيق. # فصل والمشهور في المذهب أن الحرمة تقع بكل نكاح لم يتفق على تحريمه. وقد ~~أجرى ابن حبيب الحرمة مجرى الطلاق والميراث، وروى مثل ذلك عن ابن القاسم، ~~وبالله سبحانه وتعالى التوفيق. ### || فصل في اشتقاق لفظ الشغار # فصل # في اشتقاق لفظ الشغار والشغار مأخوذ من شغر الكلب إذا رفع إحدى رجليه ~~ليبول؛ لأن ذلك لا يكون - زعموا - إلا عند مفارقة حال الصغر إلى حال يمكنه ~~فيها طلب الوثوب على الأنثى للنسل، وهو عندهم علامة على إرادته لذلك " فقيل ~~منه للمرأة: شغرت المرأة تشغر شغرا إذا رفعت رجليها للنكاح، فلذلك قيل نكاح ~~الشغار؛ لأن كل واحد من المتناكحين يشغر إذا نكح، وكان الرجل في الجاهلية ~~يقول للرجل شاغرني أي زوجني ابنتك على أن أزوجك أختي بلا مهر لهذا المعنى. ~~وقيل: إنما قيل له شغار؛ لأن كل واحد منهما رفع الصداق عن صاحبه. وأصل ~~الشغر للكلب، # PageV01P486 # وهو أن يرفع إحدى رجليه ليبول فكني بهذا عن النكاح إذا كان على هذا الوجه ~~وجعل له علما، كما قيل للزنا سفاح؛ لأن الزانيين يتسافحان يسفح هذا الماء ~~أي يصبه، وتسفح هي النطفة. وأما الماء الذي يغتسلان به فكني بذلك عن الزنا ~~وجعل له علما. وكان الرجل يلقى المرأة في الجاهلية فيقول لها سافحيني، ويرى ~~ذلك أحسن من أن يقول زانيني. وقيل الشغار إخلاء النكاح من الصداق، أخذ ذلك ~~من قولهم: بلد شاغر، أي: خال من الناس. وبالله سبحانه وتعالى التوفيق. # PageV01P487 ### | كتاب الرضاع # بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم كتاب ~~الرضاع قال الله ms0406 عز وجل: {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم} [النساء: 23] الآية ~~إلى قوله تعالى: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة} [النساء: ~~23] وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يحرم من الرضاعة ما يحرم من ~~الولادة» ، فكان ذلك من قوله - صلى الله عليه وسلم - بيانا لما في كتاب ~~الله عز وجل وزيادة في معناه ودليلا على أن جميع القرابات المحرمات بالنسب ~~محرمات في كتاب الله تعالى بالرضاع، وإن كان الله عز وجل لم ينص فيه إلا ~~على الأم والأخت خاصة، فإنه نبه بذكر الأخت على أن حرمة الرضاع لا تختص ~~بالمرأة المباشرة للرضاع وأنها تسري إلى سائر القرابات المحرمات بالنسب، إذ ~~لا فرق في المعنى والقياس بين الأخت وبينهن في سريان ما حرمه الرضاع إلى ~~جميعهن؛ ودليلا أيضا على أن اللبن يحرم من قبل المرضعة ومن قبل الفحل الذي ~~ذر اللبن بمائه؛ إذ ذلك مفهوم من قوله - صلى الله عليه وسلم -: «يحرم من ~~الرضاع ما يحرم من الولادة» ، وقائم أيضا من كتاب الله عز وجل. قال الله عز ~~وجل: {ووالد وما ولد} [البلد: 3] ومعلوم أن الأب لم يلد ولده بالحمل والوضع ~~كما صنعت الأم، وإنما ولدهم بما كان من مائه المتولد عنه الحمل واللبن، ~~فصار بذلك والدا كما صارت الأم بالحمل والوضع أما فإذا أرضعت بلبنه طفلا ~~كانت أمه وكان هو أباه. وقد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك ما ~~رفع الإشكال وأزال الاحتمال في الحديث الصحيح «عن عائشة - رضي الله عنها - ~~أم # PageV01P489 # المؤمنين أنها قالت: جاء عمي من الرضاعة يستأذن علي فأبيت أن آذن له حتى ~~أسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قالت عائشة - رضي الله عنها -: ~~فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألته عن ذلك فقال: إنه عمك فأذني ~~له. قالت: فقلت يا رسول الله: إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل، فقال: ~~إنه عمك فليلج عليك، قالت عائشة - رضي الله عنها - وذلك بعدما ضرب علينا ~~الحجاب» . قالت عائشة - رضي الله عنها -: يحرم من الرضاعة ما يحرم من ~~الولادة. ms0407 # فصل ولولا هذا الحديث «وقول عائشة - رضي الله عنها - فيه: يا رسول الله ~~إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل» إذ ظنت أن اللبن إنما يحرم من قبل ~~المرأة لا من قبل الرجل، وجواب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لها بما ~~فهمت عنه أن اللبن للفحل وأن التحريم يقع من قبله كما يقع من قبل المرأة، ~~لاحتمل أن يقول من لا يرى أن لبن الفحل يحرم: إن التحريم لم يقع في عم ~~عائشة أفلح من قبل الفحل؛ لأنه ممكن أنه يكون أفلح أخو أبي القعيس قد ~~أرضعته وأبا بكر الصديق امرأة واحدة في حولي رضاعهما، فصار أفلح بذلك أخا ~~أبيها وعمها من الرضاعة من قبل المرضعة لا من قبل الفحل، فأزال هذا ~~الاحتمال قوله في الحديث: «إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل» وعلم أن ~~المرأة التي أرضعتهما زوجة أبي القعيس، وصار أفلح أخو أبي القعيس من النسب ~~عما لها من الرضاعة من قبل الفحل على ما ذكر في الحديث، والله أعلم. ### || فصل في بيان سرية حرمة الرضاع # فصل # في بيان سريان حرمة الرضاع فتسري حرمة الرضاع من قبل المرأة المرضعة إلى ~~أمها وأبيها وإن علوا، وإلى ولدها وولد ولدها الذكران والإناث ما سفلوا، ~~وإلى أعيان إخوتها وأخواتها وأعمامها وعماتها وأخوالها وخالاتها دون شيء من ~~أولادهم. وإنما لم يسر التحريم # PageV01P490 # إلى ولد إخوتها وأخواتها؛ لأن إخوتها وأخواتها أخوال وخالات للمرضع، فليس ~~أولادهم من ذوي محارمه. وتسري حرمة الرضاع أيضا من قبل الفحل الذي كان ~~اللبن عنه إلى أبويه وإن علوا، وإلى ولده وولد ولده من الذكران والإناث ما ~~سفلوا، وإلى أعيان إخوته وأخواته وأعمامه وعماته وأخواله وخالاته دون شيء ~~من أولادهم. وإنما لم يسر التحريم أيضا إلى ولد إخوته وأخواته؛ لأن إخوته ~~وأخواته أعمام وعمات للمرضع من قبله، وليس أولادهم من ذوي محارمه. ولا تسري ~~حرمة الرضاع من قبل المرضع إلا إلى الابن والبنت ما سفلا. وبالله سبحانه ~~وتعالى التوفيق. # فصل فإذا أرضعت المرأة صبيا حرمت عليه وعلى ولده وولد ولده ms0408 من الذكران ~~والإناث ما سفلوا هي وجميع ذوات محارمها ومحارم الفحل الذي كان لبنها منه، ~~حاشا بنات إخوتها وأخواتها وبنات إخوة الفحل وأخواته؛ لأن إخوتها وأخواتها ~~أخوال وخالات، وإخوته وأخواته أعمام وعمات للمرضع، فليس أولادهم من ذوي ~~محارمه. وإن أرضعت صبية حرمت الصبية وبناتها وبنات بنيها ما سفلوا على ~~زوجها الذي كان اللبن منه، وعلى جميع ذوي محارمه ومحارمها، حاشا بني إخوته ~~وأخواته وإخوتها وأخواتها لما ذكرناه، فلا ينزل أحد من ذوي رحم المرضع ~~منزلة المرضع في الحرمة حاشا ولده وولد ولده ما سفلوا. فهذا تحصيل هذا ~~الباب وربطه. وبالله سبحانه وتعالى التوفيق. # فصل فإذا قلنا إن حرمة الرضاع لا تسري من قبل المرضع إلا إلى ولده وولد ~~ولده من الذكران والإناث خاصة، فيجوز للرجل أن يتزوج أخت ابنه من الرضاعة ~~وأم ابنه وإن علت من الرضاعة، وأم أخيه من الرضاعة، إذ لا حرمة بينه وبين ~~واحدة منهن، بخلاف النسب لا يحل للرجل أن يتزوج أخت ابنه من النسب؛ لأنها ~~ربيبته، ولا جدة ابنه من النسب؛ لأنها أم زوجته، ولا أم أخيه من النسب؛ ~~لأنها زوجة أبيه أو أم ولده. وكذلك للمرأة أن تتزوج أخا ابنها من الرضاعة، ~~وأبا ابنها من الرضاعة، # PageV01P491 # وأبا أخيها من الرضاعة، إذ لا حرمة بينها وبين واحد منهم، بخلاف النسب لا ~~يجوز للمرأة أن تتزوج أخا ابنها من النسب؛ لأنه ربيبها ابن زوجها، ولا جد ~~ابنها من النسب؛ لأنه والد زوجها، ولا أبا أخيها لأمها؛ لأنه زوج أمها. ~~وأما نكاح الرجل أخت أخيه فذلك جائز في النسب والرضاع، إذ لا حرمة بينه ~~وبينها. وكذلك نكاح الرجل أخت عمه جائز أيضا في الرضاع والنسب، إذ لا حرمة ~~بينه وبينها. # والعم من الرضاع على ثلاثة وجوه: أحدها: أن يكون لأبيك من النسب أخ من ~~الرضاعة بأن تكون أرضعتهما امرأة واحدة في حولي رضاعهما أو امرأتان بماء ~~رجل واحد فيكون عمك من الرضاعة. والثاني: أن يكون لأبيك من الرضاع وهو الذي ~~أرضعتك زوجته أو أمته بمائه أخ من ms0409 النسب فيكون عمك من الرضاعة. الثالث: أن ~~يكون لأبيك من الرضاع وهو الذي أرضعتك زوجته بمائه أخ من الرضاع بأن يكون ~~أرضعتهما امرأة واحدة أو امرأتان بماء رجل واحد فيكون ذلك الأخ عما لك. ~~وهذا كله بين والحمد لله. ### || فصل في تحريم لبن الفحل # فصل # في تحريم لبن الفحل وقد اختلفت العلماء في لبن الفحل فطائفة أنزلته منزلة ~~الأم فأوجبت به التحريم، وهو قول مالك وجميع أصحابه والشافعي وأبي حنيفة ~~وأصحابهما والثوري وأحمد بن حنبل وأكثر أهل العلم، وطائفة كرهته، منهم ~~القاسم بن محمد وعروة بن الزبير ومجاهد والشعبي، وطائفة رخصت فيه وهم سعيد ~~بن المسيب وسليمان بن يسار وعطاء بن يسار والنخعي. وعلى تحريمه العمل. ~~وإنما اختلفوا فيه، والله أعلم؛ لأنهم جعلوا مخالفة عائشة للحديث الذي روته ~~في ذلك علة فيه. روي عنها أنها كانت لا ترى التحريم من قبل الفحل، فكان ~~يدخل عليها من أرضعته بنات أخيها وبنات أختها، ولا يدخل عليها من أرضعته ~~نساء إخوتها، وهي التي روت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - التحريم بلبن ~~الفحل وقالت به بعد أن أوقفت على ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت ~~يا رسول الله: «إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل» . والحجة في السنة ~~لا فيما خالفها، وإن خالفها الراوي لها. وقد قيل: إن مخالفته لها تبطل # PageV01P492 # العمل بها، إذ لا يمكن أن يروي الراوي الحديث ثم يترك العمل به إلا وقد ~~علم النسخ فيه، إذ لو تركه وهو لا يعلم أنه منسوخ لكان ذلك جرحا فيه، وليس ~~ذلك عندنا بصحيح، لاحتمال أن يكون تركه لتأويل تأوله فيه فلا يلزم غيره من ~~العلماء اتباعه على ما تأوله باجتهاده. فلعل عائشة تأولت أن ذلك رخصة لها ~~في شأن أفلح خاصة كما تأول سائر أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~رضاعة سالم، فرجعت إلى ظاهر قوله تعالى: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم ~~من الرضاعة} [النساء: 23] ولهذا المعنى اختلف العلماء في التحريم بلبن ~~الفحل على ما ذكرناه عنهم والله أعلم. ### || فصل في ms0410 رضاعة الكبير # فصل # في رضاعة الكبير ولا تحرم رضاعة الكبير، وإنما يحرم منها ما كان في وقت ~~الرضاعة كما قال سعيد بن المسيب: لا رضاعة إلا ما كان في المهد وإلا ما ~~أنبت اللحم والدم، وذلك مروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وحد ذلك ما ~~حده الله في كتابه حيث يقول: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن ~~أراد أن يتم الرضاعة} [البقرة: 233] . وما قرب من الحولين فله حكمهما عند ~~أكثر أصحابنا لوجود معنى تحريم الرضاعة فيه، وهو انتفاع الصبي به وكونه له ~~غذاء، ومن طريق اختلاف الشهور بالزيادة والنقصان، وقد قال الله عز وجل: ~~{حولين كاملين} [البقرة: 233] . واختلف في حد القرب ما هو، فقيل اليوم ~~واليومان، وقيل الأيام اليسيرة، وقيل الشهر ونحوه، وقيل الشهر والشهران، ~~وهو قوله في المدونة، وقيل الشهر والشهران والثلاثة، وهي رواية الوليد بن ~~مسلم عن مالك. وهذا إذا لم يفصل قبل ذلك فصالا يستغني فيه عن الرضاع ~~بالطعام والشراب، فإن فصل قبل ذلك واستغنى بالطعام والشراب عن الرضاع فما ~~أرضع بعد ذلك فلا يكون رضاعا تقع به الحرمة على ظاهر قول رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «لا رضاع بعد فطام» وهو مذهب ابن القاسم وروايته عن ~~مالك. وذهب مطرف # PageV01P493 # وابن الماجشون إلى أن الفصل لا يعتبر إلا بعد أمد الرضاع، وحملا حديث ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ذلك. # فصل وذهب الليث بن سعد وطائفة من العلماء إلى أن الحرمة تقع برضاع ~~الكبير. وحجتهم في ذلك حديث سالم مولى أبي حذيفة، ذكره مالك - رحمه الله ~~تعالى - في الموطأ عن ابن شهاب أنه سئل عن رضاعة الكبير فقال: أخبرني عروة ~~بن الزبير ... الحديث بطوله. وهذا الحديث حمله مالك وأكثر أهل العلم على ~~أنه خاص بسالم مولى أبي حذيفة، كما حمله أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- ما عدا عائشة. وممن قال " إن رضاعة الكبير ليست بشيء " عمر بن الخطاب ~~وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وأبو هريرة وابن ms0411 ~~عباس وسائر أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - غير عائشة، وجمهور التابعين ~~وفقهاء الأمصار. وحجتهم قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما ~~الرضاعة من المجاعة ولا رضاع إلا ما أنبت اللحم والدم» وقال ابن حبيب: إن ~~الاختلاف الواقع بين أهل العلم في رضاع الكبير إنما هو في الستر والحجاب، ~~وأما النكاح فلم يختلفوا فيه أنه لا يحرم به، والصحيح أن الاختلاف داخل ~~فيه. وقد كان أبو موسى الأشعري يفتي بأن التحريم يقع به في النكاح، ثم رجع ~~إلى قول ابن مسعود وقال: لا تسألوني عن شيء ما كان هذا الحبر بين أظهركم. ~~ولا يزال الناس بخير ما رجعوا إلى الصواب عند تبينه لهم. ### || فصل فيما تقع الحرمة به من الرضاع # ومذهب مالك - رحمه الله - وجميع أصحابه، وهو قول أكثر أهل العلم، أن قليل ~~الرضاع وكثيره يحرم؛ لأنه ظاهر القرآن، وحديث المصة والمصتان والإملاجة ~~والإملاجتان، خرجه النسائي وغيره من رواية أبي الفضل بألفاظ متقاربة، في ~~بعضها «لا تحرم المصة والمصتان» وفي بعضها «لا تحرم الإملاجة والإملاجتان» ~~وفي بعضها «المصة والمصتان والإملاجة والإملاجتان» . ورواه ابن وهب «تحرم # PageV01P494 # المصة والمصتان» على ما وقع في المدونة، فوجب أن تسقط لهذا الاختلاف، ~~فلذلك لم يخرجه البخاري والله أعلم. وكذلك اضطرب ابن الزبير في رواية هذا ~~الحديث، فرواه مرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ومرة عن أبيه عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -، ومرة عن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~فرد أيضا من أجل هذا الاختلاف. وكذلك حديث عائشة: «كان مما أنزل فيما أنزل ~~الله من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخ بخمس معلومات، فتوفي رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وهو مما يقرأ في القرآن» لا تصح به حجة؛ لأنها ~~أحالت على القرآن في الخمس رضعات فلم توجد فيه. ولذلك قال مالك - رحمه الله ~~تعالى -: وليس العمل على هذا. وقال من ذهب إلى الأخذ بالخمس رضعات: إن هذا ~~مما نسخ خطه وبقي حكمه كآية الرجم. وهذا لا يصح؛ لأن نسخ ms0412 القرآن لا يكون ~~إلا بأمر الله تعالى، ولا يصح إلا في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~وأما بعد موته فلا يجوز أن يذهب من صدور الناس حفظ شيء من القرآن؛ لأن الله ~~تعالى قد أخبر أنه حفظ كتابه العزيز فقال: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له ~~لحافظون} [الحجر: 9] وقد أخبرت هي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~توفي والخمس رضعات تقرأ في القرآن، ولو كان ذلك لما سقط من القرآن، فلعلها ~~أرادت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توفي وهو مما يقرأ في القرآن ~~المنسوخ، أي يعلم أن ذلك كان قرآنا فنسخ خطه وبقي حكمه كآية الرجم وكسائر ~~ما نسخ خطه وحكمه وذهب من الصدر حفظه. وهذا محتمل إذ لم تقل إن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - توفي وهو قرآن، وإنما قالت: إنه توفي وهو مما يقرأ في ~~القرآن، فاحتمل أن يكون أرادت أنه كان يذكر في القرآن المنسوخ خطه والله ~~أعلم. # فصل والرضاع يحرم بلبن المسلمات والمشركات الحرائر والإماء الأموات ~~والأحياء من قبل الأم ومن قبل الفحل إن كان الوطء حلالا أو بوجه شبهة يلحق ~~به الولد. واختلف إن كان الوطء حراما لا شبهة فيه كوطء الزنا، ومن تزوج من ~~لا تحل له وهو عالم هل تقع الحرمة به من قبل الفحل أم لا على قولين. فكان ~~مالك - رحمه الله - # PageV01P495 # يرى أن كل وطء لا يلحق به الولد فلا يحرم بلبنه، يريد من قبل فحله، ثم ~~رجع إلى أنه يحرم. وإلى هذا ذهب سحنون وقال: ما علمت من قال من أصحابنا إنه ~~لا يحرم إلا عبد الملك، وهو خطأ صراح. وقد «أمر النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- سودة أن تحتجب من ولد ألحقه بأبيها لما رأى من شبهه بعتبة» . قال ابن ~~المواز: وإذا أرضعت بلبن الزنا صبيا فهو لها ابن ولا يكون ابنا للذي زنى ~~بها. ولو كانت صبية فتزوجها الذي كان زنى بها لم أقض بفسخ نكاحه، وأحب إلي ~~أن يتجنبه من غير تحريم. ms0413 وأما ابنته من الزنا فلا يتزوجها وإن كان ابن ~~الماجشون قد أجازه، ومكروهه بين «لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لسودة في الولد الذي ألحقه بأبيها: احتجبي منه لما رأى من شبهه بعتبة» فكيف ~~يتزوجها عتبة لو كانت جارية؟. # فصل وتقع الحرمة بلبن البكر والعجوز التي لم تلد وإن كان من غير وطء إذا ~~كان لبنا ولم يكن ماء أصفر لا يشبه اللبن. وأما الرجل فلا تقع الحرمة ~~برضاعه وإن كان له لبن، وما أظنه يكون. فقد أنكر ذلك مالك فقال: وإنما يحدث ~~بهذا قوم نفاق. # فصل ويستحب للأم أن ترضع ولدها، فإنه روي أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «ليس لبن يرضع به الصبي أعظم بركة عليه من لبن أمه» . ولذلك ~~كانت المطلقة أحق برضاع ولدها بما ترضعه غيرها. ويكره الظؤرة من اليهوديات ~~والنصرانيات لما يخشى من أن تطعمهم الحرام وتسقيهم الخمر. وقال ابن حبيب عن ~~مالك: فإذا أمن ذلك فلا بأس به. ويتقى رضاع الحمقاء وذوات الطباع المكروهة، ~~لما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «الرضاع يجر الطباع» . ~~قال عبد الملك: ولذلك كانت العرب تسترضع أولادها في أهل بيت السخاء أو بيت ~~الوفاء أو بيت الشجاعة أو ما أشبه ذلك من الأخلاق الكريمة. وبالله التوفيق ~~وهو الهادي إلى أقوم طريق. # PageV01P496 ### | كتاب طلاق السنة # ] [ ### || فصل في اشتقاق لفظ الطلاق # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وآله وسلم # كتاب طلاق السنة فصل # في اشتقاق لفظ الطلاق الطلاق مأخوذ من قولك أطلقت الناقة فطلقت إذا ~~أرسلتها من عقال وقيد، فكأن ذات الزوج موثقة عند زوجها فإذا فارقها أطلقها ~~من وثاق. ويدلك على ذلك قول الناس هي في حبالك إذا كانت تحتك، يراد أنها ~~مرتبطة عندك كارتباط الناقة في حبالها. ثم فرقوا بين الحركات من فعل الناقة ~~وفعل المرأة والأصل واحد وقالوا طلقت الناقة بفتح اللام وقالوا طلقت المرأة ~~بضم اللام، وقالوا أطلقت الناقة وطلقت المرأة. # فصل والطلاق حل العصمة المنعقدة بين الزوجين، وهو ms0414 أمر جعله الله بأيدي ~~الأزواج وملكهم إياه دون الزوجات فقال: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا ~~تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن} [البقرة: 232] وقال: {وإن طلقتموهن من قبل أن ~~تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم} [البقرة: 237] وبالله سبحانه ~~وتعالى التوفيق. # PageV01P497 # فصل وهو يلزم باللفظ مع النية في الحكم الظاهر والباطن؛ لأن الطلاق يفتقر ~~إلى لفظ ونية. وقد اختلف إذا انفرد أحدهما دون الآخر. فأما إذا انفردت ~~النية دون اللفظ فالصحيح أن الطلاق يلزم بذلك؛ لأن اللفظ بالطلاق عبارة عما ~~في النفس منه، فإذا أجمع الرجل في نفسه على أنه قد طلق امرأته لزمه الطلاق ~~فيما بينه وبين الله، وهو نص قول مالك - رحمه الله - في سماع أشهب من كتاب ~~الأيمان بالطلاق. وإن أظهر بلفظه ما أجمع عليه من الطلاق في نفسه حكم عليه ~~به. وقد قيل: إن الطلاق لا يلزم بالنية حتى يلفظ به، وهو ظاهر قول مالك - ~~رحمه الله تعالى - في رواية أشهب عنه في كتاب التخيير والتمليك ليس يطلق ~~الرجل بقلبه ولا ينكح بقلبه. وأما إذا انفرد اللفظ دون النية فالصحيح أن ~~الطلاق لا يلزم بذلك إلا في الحكم الظاهر، إذ لا يصدق إذا لفظ بالطلاق أنه ~~لم يرده ولا نواه. وقد وقع في كتاب التخيير والتمليك من المدونة ما ظاهره ~~أن الطلاق يلزم باللفظ دون النية، وهو خلاف المنصوص فيه وفي غيره وبعيد في ~~المعنى، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الأعمال بالنيات» وبالله ~~سبحانه وتعالى التوفيق. # فصل وهو على وجهين: مباح، ومحظور. فالمباح منه ما كان على الصفة التي أمر ~~الله بها، والمحظور منه ما وقع بخلافها. والصفة التي أمر الله بها هي ما ~~ذكر في كتابه حيث يقول: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ~~وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن ~~يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا ~~تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} [الطلاق: 1] {فإذا بلغن أجلهن ms0415 فأمسكوهن ~~بمعروف أو فارقوهن بمعروف} [الطلاق: 2] وقرأ ابن عمر " فطلقوهن لقبل عدتهن ~~" معناه: في موضع يعتددن فيه، وهو أن يطلقها في طهر لم يمس فيه كما قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في «حديث عبد الله بن عمر إذ طلق امرأته # PageV01P498 # وهي حائض فأخبر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بذلك رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال: "مره فليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ~~ثم إن شاء طلق قبل أن يمس". فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء» ~~والله سبحانه وتعالى أعلم. # فصل فطلاق السنة الذي أمر الله به وعلمه عباده هو أن يطلق الرجل امرأته ~~طاهرا من غير جماع طلقة واحدة ثم لا يتبعها طلاقا، فيكون أحق برجعتها شاءت ~~أو أبت ما لم تنقض عدتها، لقول الله عز وجل: {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن ~~بمعروف أو فارقوهن بمعروف} [الطلاق: 2] وبلوغ الأجل في هذه الآية المقاربة ~~لا البلوغ حقيقة، بخلاف الآية التي في سورة البقرة قوله تعالى: {فإذا بلغن ~~أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف} [البقرة: 234] البلوغ ~~في هذه الآية على وجهه، وأما في الآية التي قدمنا ذكرها فالمراد بذكر ~~البلوغ فيها المقاربة، بدليل إجماعهم على أنها تبين من زوجها بانقضاء عدتها ~~ولا يكون له إليها سبيل. وذلك كثير موجود في القرآن ولسان العرب أن يسمى ~~الشيء باسم ما قرب منه، قال الله عز وجل: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله ~~من الشيطان الرجيم} [النحل: 98] معناه: إذا أردت قراءة القرآن. وقال: {إذا ~~ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة} [المجادلة: 12] وقال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل» . وفي الحديث «صلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصبح بالحديبية على أثر سماء كانت من ~~الليل» فسمي المطر بالسماء لما كان نزوله منها. ومنه قوله عز وجل: {أو جاء ~~أحد منكم من الغائط} [النساء: 43] فكني بالمجيء # PageV01P499 # من الغائط عن الحدث، ثم كثر استعمال ذلك حتى سمي الحدث بعينه غائطا لقرب ms0416 ~~ما بينهما. # فصل وإنما نهي المطلق أن يطلق في الحيض؛ لأنه إذا طلق فيه طول عليها ~~العدة وأضر بها؛ لأن ما بقي من تلك الحيضة لا يعتد به في أقرائها فتكون في ~~تلك المدة كالمعلقة لا معتدة ولا ذات زوج ولا فارغة من زوج. وقد نهى الله ~~عن إضرار المرأة بتطويل العدة عليها بقوله: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن ~~فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك ~~فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله هزوا} [البقرة: 231] وذلك أن الرجل في ~~الجاهلية كان يطلق المرأة ثم يمهلها فإذا شارفت انقضاء عدتها راجعها ولا ~~حاجة له بها ثم طلقها ثم أمهلها حتى إذا شارفت انقضاء عدتها راجعها لتطول ~~العدة عليها، فنهى الله عن ذلك بهذه الآية. # فصل وإنما نهي المطلق أن يطلق في طهر قد مسها فيه؛ لأنه إذا فعل ذلك لبس ~~عليها العدة فلم تدر بما تعتد إن كانت تعتد بالوضع أو بالأقراء، لاحتمال أن ~~تكون قد حملت من ذلك الوطء، فكره له أن يدخل عليها اللبس في العدة، وأمر أن ~~لا يطلقها إلا في موضع تعرف عدتها ما هي لتستقبلها. فقول الله عز وجل: ~~{فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] أي لقبل عدتهن. وقيل: إنما نهي عن ذلك لتكون ~~مستبرأة فيكون على يقين من نفي الحمل إن أتت بولد وأراد أن ينفيه، كما كره ~~له أن يبيع الأمة إذا وطئها قبل الاستبراء وإن كانت رفيعة تواضع لهذه ~~العلة، وهذا أظهر والله أعلم. # فصل وإنما منع من طلق امرأته حائضا فارتجعها أن يطلقها في الطهر الأول من # PageV01P500 # أجل أن ذلك يطول عليها العدة، وقد نهى الله عن ذلك بقوله: {ولا تمسكوهن ~~ضرارا لتعتدوا} [البقرة: 231] فلا يجوز له أن يراجع ليطلق، وإنما يجوز له ~~أن يراجع ليطأ أو يمسك. فإذا وطئ في ذلك الطهر لم يصح له أن يطلق فيه. ~~فالطهر الأول مقصوده الوطء فلا يصح فيه الطلاق، والطهر الثاني هو مخير فيه ~~بين الوطء والطلاق. وقد قيل: إنه منع من ms0417 الطلاق في الطهر الأول عقوبة لا ~~لعلة موجودة، لما أوقع الطلاق في موضع لا يجوز له، منع منه في موضع يجوز ~~له. والأول هو الصحيح؛ لأن العلة في ذلك موجودة، على ما بيناه وبالله ~~التوفيق. # فصل ولا يجوز عند مالك أن يطلق عند كل طهر طلقة؛ لأنه عنده طلاق بدعة على ~~غير السنة؛ لأن الطلقة الثانية والثالثة لا عدة لهما، ولم يبح الله تعالى ~~الطلاق إلا للعدة فقال: {فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] . وأجاز ذلك أشهب على ~~ما روي عن ابن مسعود ما لم يرتجعها في خلال ذلك وهو يريد أن يطلقها ثانية ~~فلا يسعه ذلك؛ لأنه يطول عليها العدة ويضر بها. وقد نهى الله تبارك وتعالى ~~عن ذلك فقال: {ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا} [البقرة: 231] ، وإلى هذا ذهب ~~أبو حنيفة. والصواب ما ذهب إليه مالك - رحمه الله تعالى -، وهو الصحيح عن ~~ابن مسعود أن طلاق السنة أن يطلق طلقة في أول الطهر إلى انقضاء العدة. وقد ~~أنكر أحمد بن خالد - رحمه الله تعالى - على سحنون إدخال الحديث الذي أدخل ~~عن ابن مسعود في المدونة، وقال: ما خلق الله أشنع من هذا يدخل خلاف مذهبه، ~~وما قد أنكره مالك، وقال: إنه لم يدرك أحدا يقتدى به من أهل بلده يرى ذلك. ~~والحسن بن عمارة رجل مطعون فيه. # فصل وكذلك لا يجوز عند مالك - رحمه الله تعالى - أن يطلقها ثلاثا في كلمة ~~واحدة، فإن فعل لزمه ذلك بدليل قول الله عز وجل: {وتلك حدود الله ومن يتعد ~~حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} [الطلاق: 1] ~~وهي # PageV01P501 # الرجعة فجعلها بائنة بإيقاع الثلاث في كلمة واحدة، إذ لو لم يقع ولم ~~تلزمه لم تفته الزوجة ولا كان ظالما لنفسه. ولما ألزم رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عبد الله بن عمر الطلقة التي طلقها في الحيض فقال: مره ~~فليراجعها، دل ذلك أيضا على أن الطلاق لسنته ولغير سنته، وهو مذهب جميع ~~الفقهاء وعامة العلماء لا يشذ في ذلك عنهم إلا ms0418 من لا يعتد بخلافه منهم. # فصل وقد أجاز الشافعي - رحمه الله - أن يطلق الرجل امرأته ثلاثا في كلمة ~~واحدة، واحتج لذلك بتطليق الملاعن زوجته بعد اللعان ثلاثا بحضرة رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فقال: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ~~ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال: فلو كان ذلك ~~منكرا لأنكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وهذا لا حجة فيه؛ لأنه ~~إنما طلق أجنبية قد حرمت عليه باللعان، ولعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنكر ذلك كما لزمه أن ينكر طلاق الأجنبية، وليس كل شيء كان نقل. واحتج أيضا ~~بأشياء لا تقوم له بها حجة، منها طلاق عبد الرحمن بن عوف زوجته تماضر ثلاثا ~~في مرضه، وطلاق أبي عمرو بن حفص زوجته فاطمة بنت قيس ثلاثا. ولا حجة له في ~~شيء من ذلك؛ لأنهما لم يطلقا ثلاثا في كلمة واحدة، وإنما طلقا واحدة وكانت ~~آخر ما بقي لهما من الثلاث. ومن حجته أيضا عموم «قول رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في حديث ابن عمر: مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ~~ثم تطهر ثم إن شاء أمسكها وإن شاء طلقها، من غير أن يخص واحدة من ثلاث» . ~~ولا يكون هو أعلم بمراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله هذا من ~~المخاطبين به وهما عمر بن الخطاب وابنه عبد الله بن عمر، فقد قالا جميعا: ~~من طلق ثلاثا فقد عصى الله ورسوله. ومن حجته أن الزوج ترك إيقاع ما إليه ~~إيقاعه في الطلاق الرجعي وأوقع طلاقا إليه إيقاعه، فيلزمه على هذا أن يجيز ~~طلاق المرأة حائضا إذا أباحت له امرأته ذلك؛ لأنه إنما منع لئلا تطول عليها ~~العدة، وهذا ما لا يقوله أحد. فمن طلق ثلاثا في كلمة واحدة فقد عصى ربه ~~وتعدى حدوده وظلم نفسه وأطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجا. وقد روي «أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أخبر عن رجل طلق امرأته ثلاثا جميعا فقام ms0419 ~~غضبانا، قال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين # PageV01P502 # أظهركم» . وكان علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - ~~يعاتبان الذي يطلق امرأته ثلاثا في كلمة واحدة، وهو قول مالك. # فصل وكذلك طلاق المباراة الذي يجري عندنا ويطلق الناس به نساءهم طلاق ~~بدعة، ولا ينبغي لأحد أن يفعله، وإنما يجوز منه ما كان على وجه الخلع بشيء ~~تعطيه من مالها أو تتركه له من حقها أو تلتزمه من مؤنة حمل أو رضاع أو ما ~~أشبه ذلك مما تجوز المخالعة به في الموضع الذي أجازه الله تبارك وتعالى ~~فيه، وهو إذا كان النشوز من قبل المرأة ولم يكن منه في ذلك ضرر إليها. قال ~~الله عز وجل: {فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت ~~به} [البقرة: 229] ، وقال: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا ~~مريئا} [النساء: 4] فلا يجوز للرجل إن نشزت عليه امرأته أو أحدثت حدثا من ~~الزنا أو غيره أن يضارها حتى تفتدي منه، ولا تعلق له في جواز ذلك بقول الله ~~عز وجل: {ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} ~~[النساء: 19] ؛ لأن الاستثناء فيها منفصل غير متصل. ومعنى الآية: ولا ~~تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن لكن إن أتين بفاحشة حل لكم أن تقبلوا ~~منهن في الفداء ما طابت به أنفسهن. والفاحشة البينة هاهنا أن تشتم عرضه أو ~~تبذأ عليه بلسانها أو تخالف أمره؛ لأن كل فاحشة نعتت في القرآن ببينة فهي ~~من باب النطق، وكل فاحشة أتت فيه مطلقة لم تنعت ببينة فالمراد بها الزنا. ~~ومن أهل العلم من رأى الاستثناء متصلا فأباح للرجل إذا نشزت عليه امرأته أن ~~يضيق عليها حتى تفتدي منه. ومنهم من حمل الفاحشة البينة هاهنا على الزنا ~~وجعل الاستثناء متصلا، فأباح للرجل إذا اطلع على زوجته بزنا أن يمسكها ~~ويضيق عليها حتى تفتدي منه لقول الله عز وجل: {ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما ~~آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} [النساء: 19] . # PageV01P503 # فصل وكذلك الحلف بالطلاق ms0420 مكروه. روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «لا تحلفوا بالطلاق ولا بالعتاق فإنهما من أيمان الفساق» ، وقال: «من ~~كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» . وروى زياد عن مالك أنه يؤدب من حلف ~~بالطلاق. وقال مطرف وابن الماجشون: من اعتاد الحلف بالطلاق فذلك جرحة فيه ~~وإن لم يعلم له حنث فيه. ومكروهه لوجهين: أحدهما: نهي النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - عن الحلف به وعن الحلف بغير الله. والثاني: أنه قد يقع حنثه في ~~حال الحيض أو دم النفاس أو في طهر قد مس فيه، وهذه أحوال لا يجوز إيقاع ~~الطلاق فيها. فإن كانت الزوجة ممن لا تحيض أو يائسة من المحيض كره لمخالفته ~~السنة خاصة. # فصل ومن حلف بالطلاق فحنث في يمينه وامرأته حائض أو نفساء في دم نفاسها ~~فإنه يجبر على رجعتها كما يجبر المطلق في الحيض على الرجعة ما لم تنقض ~~العدة في مذهب مالك وأصحابه، حاشا أشهب فإنه يرى أن يجبر على الرجعة ما لم ~~تطهر ثم تحيض ثم تطهر إلى الموضع الذي أبيح له فيه الطلاق. ومن أهل العلم ~~من يرى أنه إنما يجبر على الرجعة ما لم تطهر من حيضتها التي طلقها فيها، ~~وليس ذلك في المذهب. فإن أبى الارتجاع هدد، فإن أبى سجن، فإن أبى ضرب، ~~ويكون ذلك كله قريبا في موضع واحد؛ لأنه على معصية. فإن تمادى ألزم الرجعة ~~وكانت له زوجة. حكى ذلك ابن المواز عن ابن القاسم وأشهب. وقال أصبغ عن ابن ~~القاسم في العتبية: إنه إذا أبى حكم عليه بالرجعة وألزم إياها ولم يذكر ~~سجنا ولا ضربا. وذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أنه يؤمر بالرجعة ولا يضرب ~~عليها. والصحيح ما ذهب إليه مالك - رحمه الله تعالى -؛ لأن الأوامر محمولة ~~على الوجوب حتى يقترن بها ما يدل على أنها على الندب، وهذا قول المحققين من ~~أهل العلم. # PageV01P504 # فصل واختلف إذا أجبر على الرجعة وألزم إياها ولم ينو ذلك ولا كانت له نية ~~في مراجعتها هل له الوطء أم لا ms0421 على قولين: أحدهما: أن ذلك له وهو الصحيح؛ ~~لأنها ترجع إلى عصمته بالحكم شاء أو أبى، فيجوز له الوطء كالذي يجبر على ~~النكاح ممن له الجبر عليه من أب أو وصي أو سيد، فيجوز له الوطء وإن كان ~~النكاح قد غلب عليه بغير رضاه. وإلى هذا ذهب أبو عمران الفاسي واحتج لذلك ~~بمن نكح هازلا فألزم النكاح بالحكم أن الوطء يجوز له. وقال بعض البغداديين: ~~ليس له الاستمتاع بها إلا أن ينوي رجعتها إذا أجبر على ذلك. والصحيح ما ~~تقدم. # فصل وهذا في التي دخل بها، وأما التي لم يدخل بها طلاقها جائز وإن كانت ~~حائضا أو نفساء. وكره ذلك أشهب، وليس لكراهته وجه؛ لأن العلة في منع إيقاع ~~الطلاق في الحيض تطويل العدة على المرأة؛ لأن الحيضة التي طلقها فيها لا ~~يعتد بها من أقرائها، والله تعالى يقول: {فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] ، ~~والتي لم يدخل بها لا عدة عليها ويطلقها متى شاء. # فصل واختلف في الحامل إذا حاضت على حملها هل يجوز للزوج أن يطلقها في ذلك ~~الحيض أم لا. وذكر عن أبي عمران الفاسي أن طلاقها فيه جائز؛ لأن الطلاق في ~~الحيض إنما كره من أجل أنها لا تعتد بتلك الحيضة فتطول عليها العدة، وعدة ~~هذه وضع الحمل فارتفعت العلة. وجرى لابن القصار في كتاب عيون الأدلة لما ~~عورض بقول المخالف: لو كانت الحامل تحيض لحرم الطلاق فيه فقال: فكذلك نقول: ~~إن الطلاق فيه حرام. ووجه هذا القول أنه طلاق وقع في حال نهي عن إيقاعه فلم ~~يجز وإن لم يوجد فيه علة الإضرار بالتطويل، أصله إذا أباحت له المرأة ذلك. # PageV01P505 # فقد توجه قول أشهب في كراهته لطلاق التي لم يدخل بها في الحيض بهذا ~~وبالله سبحانه وتعالى التوفيق. # فصل وإنما يجبر على الرجعة من طلق طلاقا رجعيا. وأما من طلق طلاقا بائنا ~~بخلع أو بغير خلع فلا يجبر على الارتجاع. وكان أبو المطرف بن جريج يفتي ~~بالإجبار على الرجعة في طلاق المباراة، وكان غيره من شيوخ وقته مخالفا ms0422 له ~~في ذلك ويخطئونه فيه. وقوله يخرج على قول مطرف ورواية ابن وهب عن مالك فيمن ~~خالع وأعطي أنها طلقة رجعية. # فصل وطلاق المدخول بها وإن كان بائنا بخلع أو غيره فإنه لا يصح إيقاعه في ~~الحيض ولا في دم النفاس للعلة التي قدمناها وهي التطويل في العدة وبالله ~~التوفيق. # فصل ولا يطلق السلطان على من به جنون أو جذام أو برص أو عنة أو عجز عن ~~النفقة أو ما أشبه ذلك مما يحكم فيه بالفراق في الحيض ولا في دم النفاس، ~~وكذلك لا يلاعن بين الزوجين في الحيض ولا في دم النفاس، فإن فعل ذلك فقد ~~أخطأ لا يجبر في شيء من ذلك على الرجعة؛ لأنه طلاق بائن إلا في الذي يطلق ~~عليه بعدم الإنفاق فإنه يجبر على الرجعة إن أيسر في العدة. هذا الذي يلزم ~~على أصولهم ولا أعرف فيها رواية. # وأما المولي فاختلف فيه قول مالك: هل يطلق عليه في الحيض أم لا على ~~قولين، فإذا طلق عليه في الحيض على أحد قوليه فإنه يجبر على الرجعة، تطلق # PageV01P506 # عليه بالقرآن ويجبر على الرجعة بالسنة. وذهب أبو إسحاق التونسي إلى أن ~~تطليق الإمام على المجنون والمجذوم والمبروص إنما هي طلقة رجعية، وأن ~~الموارثة بينهما قائمة ما دامت العدة لم تنقض، ولو صحوا في العدة من ~~أدوائهم لكانت لهم الرجعة، وهو خلاف المعلوم من المذهب أن كل طلاق يحكم به ~~الإمام فهو بائن إلا المولي والمطلق عليه لعدم الإنفاق. فعلى قوله: لو أخطأ ~~الإمام فطلق على واحد منهم في الحيض يجبر على الرجعة إن صح فيها من دائه. ~~وأما العنين فلا اختلاف أن تطليق الإمام عليه تطليقة بائنة؛ لأنه طلاق قبل ~~الدخول لتقاررهما على عدم المسيس. # فصل وأما كل نكاح يفسخ بعد البناء لفساده وإن فسخ بطلاق فإنه يفسخ متى ~~عثر عليه وإن كان ذلك في الحيض أو دم النفاس، بخلاف ما كان في فسخه وإجازته ~~خيار لأحد. وكذلك الأمة تعتق تحت العبد لا تختار في الحيض، فإن فعلت ms0423 لم ~~يجبر على الرجعة؛ لأنها طلقة بائنة. وقد روى عيسى عن ابن القاسم في ~~المستخرجة ما يدل على أنها طلقة رجعية، وهي رواية ابن نافع عن مالك. فعلى ~~هذا يجبر على الرجعة إن أعتق في العدة ولا يملك أحد زوجته في الحيض، فإن ~~فعل فلا تختار فيه، وذلك بيدها حتى تطهر من حيضتها وإن انقضى الأجل. ولا ~~يدخل في ذلك اختلاف قول مالك في مراعاة المجلس. وإن سبقت إلى الخيار في ~~الحيض أجبر زوجها على الرجعة فيما دون الثلاث. # فصل في العدة التي أوجبها الله وأمر بها # فصل والعدة أوجبها الله وأمر بها حفظا للأنساب، وهي تنقسم على قسمين: عدة ~~وفاة، وعدة طلاق. فإن كانت المرأة حاملا فعدتها وضع الحمل في الوفاة ~~والطلاق جميعا لا اختلاف في ذلك بين أحد من أهل العلم، لقول الله عز وجل: # PageV01P507 # {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] ، عموما إلا ما يروى ~~عن بعض السلف أن المتوفى عنها زوجها وهي حامل تعتد أقصر الأجلين. فإن لم ~~تكن حاملا فهاهنا تفترق عدة الوفاة من عدة الطلاق. فأما عدة الوفاة فأربعة ~~أشهر وعشر، وهي لازمة في المدخول بها والتي لم يدخل بها لعموم قوله عز وجل: ~~{والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} ~~[البقرة: 234] ، فقيل: إنها في التي لم يدخل بها عبادة لا لعلة، وقيل: إنها ~~لعلة، والعلة في ذلك الاحتياط للزوج إذ قد درج وانطوى بحجته، فلعله لو كان ~~حيا لبين أنه قد دخل بها. ونظير ذلك أن من أثبت دينا على ميت لا يحكم له ~~إلا بعد اليمين وإن لم يدع الورثة عليه أنه قد قبض أو وهب، بل لو أقر له ~~الورثة بالدين ولم يريدوا أن يدفعوه إلا بحكم لم يحكم له القاضي به إلا بعد ~~اليمين مخافة أن يطرأ وارث أو يطرأ عليه دين. هذه علة صحيحة في التي يوطؤ ~~مثلها. ولما لم يكن في قدر ذلك حد يرجع إليه في الكتاب والسنة حمل الباب ~~محملا واحدا وأوجب عليها ms0424 العدة وإن كانت ممهورة. # فصل ولم يختلف في التي قد دخل بها أنها لعلة وهي حفظ الأنساب، لكن تحديد ~~الأربعة أشهر وعشر دون الاقتصار على ما يحصل به الاستبراء أو يعلم به براءة ~~الرحم عبادة. والدليل على ذلك اختلاف قول مالك في الكتابية إذا مات عنها ~~زوجها المسلم هل تعتد بأربعة أشهر وعشر أو ثلاث حيض؛ لأنه مبني على ~~الاختلاف في الكفار هل هم مخاطبون بشرائع الإسلام أم لا. فإذا قلنا إنها ~~غير مخاطبة بشرائع الإسلام فإنما عليها الاستبراء بثلاث حيض، هذا أيضا على ~~مذهب من رأى أن الثلاث حيض كلها استبراء. وأما من ذهب إلى أن الحيضة ~~الواحدة استبراء والاثنتان عبادة فلا يوجب عليها في الوفاة ولا في الطلاق ~~إلا الاستبراء بحيضة واحدة إن كانت مدخولا بها، وإن لم تكن مدخولا بها فلا ~~شيء عليها في الوفاة ولا في الطلاق. فأما إسقاط العدة عنها في الوفاة إذا ~~لم يدخل بها فقد حكى # PageV01P508 # الرواية عن مالك ابن الجلاب. وأما استبراؤها بحيضة واحدة في الطلاق من ~~المسلم فلا أعرف في ذلك نص رواية إلا أن مالكا قد قاله في الطلاق من الذمي، ~~ولا فرق بين الموضعين. # فصل وإن كان المتوفى عنها زوجها لم يدخل بها زوجها أو كانت في سن من لا ~~تحيض من صغر أو كبر ويؤمن الحمل منها حلت بتمام الأربعة الأشهر والعشرة. ~~وأما إن كانت قد دخل بها وهي من ذوات الأقراء فحاضت فيها حلت بتمامها. وأما ~~إن لم تحض فيها فلا يخلو الأمر من وجهين: أحدهما: أن يكون مر بها فيها - ~~أعني في العدة - وقت حيضتها فارتفعت عنها من غير عذر. والثاني: أن لا يمر ~~بها فيها وقت حيضتها مثل أن تكون لا تحيض إلا من خمسة أشهر إلى مثلها أو من ~~سنة إلى مثلها أو كان ارتفاعها من عذر. فأما إن لم تحض فيها ولم يكن ~~لارتفاع حيضتها عذر فقول مالك وأكثر أصحابه ابن القاسم وغيره: إنها ريبة ~~فلا تحل حتى تحيض أو يمر بها تسعة ms0425 أشهر أمد الحمل في الأغلب. فإذا مر بها ~~تسعة أشهر حلت إلا أن تكون بها ريبة تحس في البطن فتقيم حتى تذهب الريبة ~~وتبلغ أقصى أمد الحمل. وقال أشهب وابن الماجشون وسحنون: إنها تحل بانقضاء ~~العدة وإن لم تحض إذا لم يكن بها من الريبة أكثر من ارتفاع الحيض. وكذلك ~~المستحاضة تجري في هذا المجرى. وقد روي عن مالك أن عدة المستحاضة في الوفاة ~~أربعة أشهر وعشر للحرة، وثلاثة أشهر للأمة. وفي المسألة على هذا ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أن المرتابة والمستحاضة في الوفاة تتربص إلى تمام تسعة أشهر، ~~والثاني: أنهما تحلان بتمام أربعة أشهر وعشر، والثالث: التفرقة بين ~~المرتابة والمستحاضة، فتحل المستحاضة بتمام أربعة أشهر وعشر، وتتربص ~~المرتابة إلى تمام تسعة أشهر. وأما إن لم يمر بها فيها وقت حيضتها أو كان ~~لارتفاعها عذر فذهب مالك وأصحابه إلى أنها تحل بانقضاء العدة إذا لم يظهر ~~بها حمل. وروى ابن كنانة عن مالك في سماع أشهب أنها لا تحل حتى تحيض أو تمر ~~بها تسعة أشهر. وحكى ابن المواز أن مالكا رجع عن هذا القول. # PageV01P509 # فصل والعذر الذي لا يكون ارتفاع الحيض معه ريبة الرضاع باتفاق، والمرض ~~باختلاف. قال أشهب: إن المرض كالرضاع لا يكون ارتفاع الحيض معه ريبة لا في ~~الوفاة ولا في الطلاق، فتحل في الوفاة بأربعة أشهر وعشر، وتعتد في الطلاق ~~بالأقراء وإن تباعدت. وروى ابن القاسم عن مالك، وقال به ابن القاسم وابن ~~عبد الحكم وأصبغ، أن ارتفاع الحيض مع المرض ريبة كالصحيحة خلاف المرضع ~~فتتربص في الوفاة إلى تسعة أشهر، وفي الطلاق سنة؛ تسعة أشهر استبراء، ~~وثلاثة عدة. والفرق بين المرض والرضاع عندهم أن الرضاع تقدر على إزالته ~~بدفع الولد عنها والمرض لا صنع لها فيه. وأيضا فإن الرضاع له أمد معلوم وحد ~~محدود، والمرض لا حد له قد يطول الأعوام الكثيرة التي لا يلحق في مثلها ~~الولد، فإذا جعلت عدتها الأقراء فإن تباعدت قد تكون عدتها أكثر مما يلحق به ~~الولد، وذلك فاسد. # فصل وأما ms0426 عدة الطلاق فلا تجب قبل الدخول. قال الله عز وجل: {يا أيها ~~الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم ~~عليهن من عدة تعتدونها} [الأحزاب: 49] الآية. وأما إن كان قد دخل بها اعتدت ~~بثلاثة قروء إن كانت ممن تحيض، أو بثلاثة أشهر إن كانت في سن من لا تحيض من ~~صغر أو كبر. قال الله عز وجل: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} ~~[البقرة: 228] ، وقال: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ~~ثلاثة أشهر} [الطلاق: 4] [واختلف في معنى قول الله عز وجل: {إن ارتبتم} ~~[الطلاق: 4]] ، ما هذه الريبة، فروى أشهب عن مالك أنها ريبة ماضية في الحكم ~~ليس في معاودة الحيض لهن. وذلك أن الله # PageV01P510 # تعالى لما بين عدة ذوات الأقراء وذوات الحمل وبقيت اليائسة عن المحيض ~~والتي لم تحض ارتاب أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في حكمها فأنزل ~~الله: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر ~~واللائي لم يحضن} [الطلاق: 4] ، وذهب ابن بكير وإسماعيل القاضي إلى أن ~~المعنى في قوله تعالى: إن ارتبتم في معاودة الحيض لهن وأنها ريبة مستقبلة، ~~واحتجا لذلك بحجج يطول جلبها. من ذلك أن اليائس في كلام العرب إنما هو فيما ~~لم ينقطع فيه الرجاء. ألا ترى أنك تقول يئست من المريض لشدة مرضه، ومن ~~الغائب لبعد غيبته، ولا يصح أن تقول يئست من الميت الذي قد انقطع الرجاء ~~منه، وأنه لو كان بمعنى اليائسة التي ذكر الله في كتابه وأوجب عليها في ~~العدة ثلاثة أشهر هي التي لا ترتاب في معاودة الحيض لوجب إذا ارتفع عن ~~المرأة الحيض وهي في سن من يشبه أن تحيض أن تعتد بالأقراء حتى تبلغ سن من ~~لا يشبه أن تحيض وإن بقيت عشرين عاما. وإلى هذا ذهب الشافعي، وهو خطأ لا ~~يصح من وجهين: أحدهما: أنها إن جاءت بولد لما لا تحمل له النساء من المدة ~~وإن كانت العدة لم تنقض لم يلحق به الولد، فمحال أن ms0427 تعتد من الزوج في مدة ~~لا يلحق فيها به الولد. والوجه الثاني: مخالفة عمر بن الخطاب - رضي الله ~~عنه - في قوله: أيما امرأة طلقت فحاضت حيضة أو حيضتين ثم رفعتها حيضتها ~~فإنها تنتظر تسعة أشهر، فإن بان بها حمل وإلا اعتدت بعد التسعة أشهر بثلاثة ~~أشهر ثم حلت، ولا مخالف له من الصحابة. ومن ذلك أن الريبة لو كانت في الحكم ~~لكانت ماضية ولكان حقها أن تكون " أن ارتبتم " بفتح الألف من " أن ". فإذا ~~قلت: إن اليائسة التي أوجب الله عليها العدة ثلاثة أشهر هي التي ترتاب فلا ~~تدري لم لم تحض، فدليل هذا أن لا تجب عدة على من يعلم أنها ممن لا تحيض من ~~صغر أو كبر ولا ترتاب في أمرها إلا أنه لما لم يكن في ذلك حد يرجع إليه حمل ~~الباب في ذلك محملا واحدا. وقد ذهب ابن لبابة في كتابه إلى أن الصغيرة التي ~~يئست في سن من تحيض ويؤمن الحمل عليها أنها لا عدة عليها وإن كان يوطأ ~~مثلها، وكذلك الكبيرة التي انقطع عنها الحيض ويؤمن الحمل منها، وقال: إنه ~~مذهب داود وإنه القياس؛ لأن العدة إنما هي لحفظ الأنساب، فإذا أمن الحمل ~~فلا معنى للعدة، وهو شذوذ من القول. وإذا قلنا: إن اليائسة التي أوجب الله ~~عليها العدة ثلاثة أشهر هي التي لا # PageV01P511 # ترتاب في الحيض إذ ليست في سن من تحيض، وهو الذي ذهب إليه مالك في رواية ~~أشهب عنه. فالتي ترتفع حيضتها بعد أن حاضت وهي في سن من تحيض محمولة [عليها ~~إذا قعدت سبعة أشهر فلم تر فيها حيضا ولا ظهر بها حمل ولا كان لها عذر ~~يمنعها من الحيض من مرض أو رضاع] على ما بيناه من الاختلاف في المرض؛ لأنها ~~بمعنى اليائسة، وللسنة الثابتة في ذلك عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. ~~فلا تحل المرأة المطلقة ولا حمل بها إذا كانت في سن من تحيض أو قد حاضت مرة ~~أو مرتين إلا بثلاثة قروء أو سنة بيضاء ms0428 لا دم فيها، تسعة أشهر لا دم فيها ~~استبراء ينزل بلوغها إليها دون أن ترى فيها دما بمنزلة اليائسة، ثم ثلاثة ~~أشهر عدة، كما قال الله عز وجل. # فصل فإذا ارتفع عن المرأة الحيض واعتدت بالسنة ثم تزوجت فطلقها زوجها ~~اعتدت بثلاثة أشهر كاليائسة عن المحيض وكان هذا شأنها ما لم تعتد بالأقراء. ~~فإن اعتدت بالأقراء ثم طلقت ثانية فارتفع عنها الحيض اعتدت بتسعة أشهر ~~استبراء وثلاثة أشهر عدة. # فصل فإن كانت ممن لا تحيض إلا من سنة إلى سنة أو إلى أكثر من ذلك فإنها ~~تتربص في عدتها سنة، فإن جاء فيها وقت حيضتها فلم تحض حلت بتمامها، وإن لم ~~يأتها فيها وقت حيضتها انتظرت إلى أن يأتيها وقت حيضتها، فإن أتى وقتها ولم ~~تحض فيها حلت مكانها، وإن حاضت على عادتها تربصت سنة أخرى، فإن جاء فيها ~~وقت حيضتها ولم تحض حلت بتمامها. وإن لم يأتها فيها وقت حيضتها، انتظرت إلى ~~أن يأتي وقتها، فإن أتى وقتها ولم تحض فيها حلت [مكانها. وإن # PageV01P512 # حاضت تربصت سنة أخرى. فإن مر بها فيها ودت حيضتها ولم تحض حلت] بتمامها. ~~وإن لم تمر فيها وقت حيضتها تربصت حتى يأتي وقت حيضتها، فإن أتاها وقت ~~حيضتها ولم تحض حلت مكانها، وإن حاضت كانت عدتها قد انقضت بالأقراء الثلاث. ~~هذا قول محمد بن المواز - رحمه الله - في كتابه ولا مخالف له من أصحابنا. ### || فصل فيما تفترق به العدد من الأحكام # فصل # فيما تفترق فيه العدد من الأحكام فعدة الوفاة مفارقة لعدة الطلاق، وتفترق ~~أيضا عدة الطلاق البائن من عدة الطلاق الرجعي في كثير من الأحكام. فتحصيل ~~القول في هذا أن العدة تنقسم على ثلاثة أقسام: عدة وفاة، وعدة طلاق رجعي، ~~وعدة طلاق بائن. فأما عدة الوفاة فأمدها أربعة أشهر وعشر إن لم تكن حاملا، ~~ووضع حملها إن كانت حاملا. قال الله عز وجل: {والذين يتوفون منكم ويذرون ~~أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234] ، فكان ظاهر هذا ~~العموم في الحامل وغير الحامل، فخصص ms0429 من ذلك الحامل بقوله عز وجل: {وأولات ~~الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] ، وبقيت الآية محكمة فيما سوى ~~الحامل. ومن أهل العلم من قال: إن قوله عز وجل: {وأولات الأحمال أجلهن أن ~~يضعن حملهن} [الطلاق: 4] ناسخ لقوله عز وجل: {والذين يتوفون منكم ويذرون ~~أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234] ، وليس ذلك بصحيح، ~~لأن النسخ إنما يكون فيما يتعارض ولا يمكن الجمع بينه، فالصحيح أنها ليست ~~بناسخة لها، وإنما هي مبينة لها ومخصصة لعمومها. وذهب ابن عباس إلى حمل ~~الآية على عمومها في الحامل وغير الحامل، ولم ير في ذلك نسخا ولا تخصيصا، ~~فأوجب على الحامل في العدة أقصى الأجلين باعتبار الآيتين. وأما قول الله عز ~~وجل: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير ~~إخراج} [البقرة: 240] # PageV01P513 # ، فإنها آية منسوخة بإجماع، نسخها قول الله عز وجل: {والذين يتوفون منكم ~~ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234] ، وإن كانت ~~قبلها في التلاوة، وهذا من الغريب؛ لأن حق الناسخ أن يكون بعد المنسوخ، فلا ~~شك أنها نزلت بعدها، وإن كانت في التلاوة قبلها. ولا يجب للمرأة فيها نفقة ~~ويجب لها فيها السكنى إن كانت الدار للميت أو كانت بكراء، وقد نقد الكراء ~~فيجب عليها المكث فيها أو في غيرها إن لم تكن الدار للميت فأخرجت عنها حقا ~~لله عز وجل لحفظ الأنساب، فليس يحل أن تبيت في غيرها ولا أن تنتقل عنها إلا ~~من أمر لا تستطيع القرار عليه. وكذلك الإحداد ليس لها أن تفعل ما لا يجوز ~~للحادة أن تفعله إلا من ضرورة. وقد اختلف فيما زاد على الأربعة الأشهر ~~والعشر للاستبراء إذا أحست من نفسها باتفاق أو تأخر عنها المحيض أو لم ~~يأتها فيها وقت حيضتها على الاختلاف؛ إذ قيل: إنها تبرأ بالأربعة الأشهر ~~والعشر في الوجهين، وقيل: إنها تتربص إلى تسعة أشهر في الوجهين جميعا، ~~وقيل: إنها تتربص بالأربعة الأشهر والعشر إذا لم يأتها فيها وقت حيضتها، ~~بخلاف التي تتأخر عنها، هل يجب عليها فيها ms0430 الإحداد أم لا على قولين. وهذا ~~الاختلاف داخل في وجوب المقام عليها في بيتها. ومن أهل العلم من جعل المسكن ~~حقا لها فأجاز لها الانتقال من غير ضرورة والمبيت في غيره. # فصل وأما العدة من الطلاق الرجعي فأمدها ثلاثة أقراء إن كانت ممن تحيض، ~~أو ثلاثة أشهر إن كانت يائسة من المحيض، أو وضع حملها إن كانت حاملا. ولها ~~النفقة فيها والسكنى حقا لله عز وجل لحفظ النسب، وليس لها أن تنتقل عن ~~بيتها ولا أن تخرج عنه إلا من ضرورة. قال الله عز وجل: {لا تخرجوهن من ~~بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} [الطلاق: 1] ، واختلف في ~~الفاحشة المبينة ما هي، فقيل هي الخروج من بيتها قبل انقضاء عدتها، وقيل: ~~هي البذاء على زوجها # PageV01P514 # وأحمائها، وقيل: إنما هي أن تأتي بفاحشة من زنى وتخرج لإقامة الحد عليها ~~ولا إحداد عليها فيها. # فصل وأما العدة من الطلاق البائن فأمدها أمد العدة من الطلاق الرجعي. وقد ~~اختلف في وجوب النفقة والسكنى لها فيها على ثلاثة أقوال: أحدها: أن لها ~~السكنى ولا نفقة لها، وهو قول مالك وجميع أصحابه. والثاني: أن لها النفقة ~~والسكنى، والثالث: أنها لا نفقة لها ولا سكنى. والصحيح ما ذهب إليه مالك ~~وأصحابه من أن لها السكنى ولا نفقة لها. ودليلهم [من كتاب الله عز وجل] على ~~سقوط النفقة لها قول الله عز وجل: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى ~~يضعن حملهن} [الطلاق: 6] ، لأن في ذلك دليلا على أن غير الحامل لا نفقة ~~لها. وهو نص «قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث فاطمة بنت قيس: " ~~ليس لك عليه نفقة "؛ إذ طلقها ثلاثا فأرسل إليها شعيرا فسخطته فشكت ذلك إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -» . ودليلهم على وجوب السكنى لها قول الله عز ~~وجل: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم} [الطلاق: 6] ، لأن المراد بذلك في ~~اللائي قد بن من أزواجهن بدليل قول الله عز وجل: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا ~~عليهن حتى يضعن حملهن} [الطلاق: ms0431 6] لأن غير البائن لها النفقة حاملا كانت ~~أو غير حامل؛ إذ لم تخرج بعد من العصمة باتفاق. # فإن قيل: كيف يصح أن يكون المراد بذلك اللواتي قد بن عن أزواجهن وهن لم ~~يتقدم لهن في السورة ذكر وإنما تقدم ذكر اللواتي لم يبن عن أزواجهن بدليل ~~قوله: {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} [الطلاق: 1] . # قيل عن ذلك جوابان: أحدهما: أنه وإن لم يتقدم لهن في السورة ذكر فقد تقدم ~~لهن ذكر في سورة البقرة، وهو قوله عز وجل: {فلا تحل له من بعد حتى تنكح ~~زوجا غيره} [البقرة: 230] ، # PageV01P515 # فيعاد قوله: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم} [الطلاق: 6] إليه؛ لأن ~~القرآن كله كسورة واحدة في رد بعضه إلى بعض وتفسير بعضه ببعض. والثاني: أن ~~نقول: إنه قد تقدم لهن في السورة ذكر؛ لأن قوله عز وجل: {يا أيها النبي إذا ~~طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] عام فيمن لم تطلق بعد، وفيمن ~~طلقت طلقة، وفيمن طلقت طلقتين وبقيت فيها طلقة؛ لأنها تبين بالطلقة الواحدة ~~للسنة. فيرجع قوله: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم} [الطلاق: 6] إليها دون ~~من سواها ممن عمه عموم اللفظ. واستدل من ذهب إلى أنها لا نفقة لها ولا ~~سكنى، بما روي «عن فاطمة بنت قيس أنها قالت: لم يجعل لي رسول الله نفقة ولا ~~سكنى» . وهذا لا حجة فيه؛ لأنها إنما قالت ذلك تأويلا على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - إذ أمرها أن تعتد عند ابن أم مكتوم. وفي أمر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - إياها أن تعتد عند ابن أم مكتوم دليل على أنه نقلها عن العدة ~~الواجبة عليها في بيت زوجها إلى حيث أمرها أن تعتد فيه بما ذكر من ~~استطالتها بلسانها على أحمائها، فقد أوجب لها النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لها السكنى وجعله حقا عليها لله تعالى من حيث لم تشعر؛ إذ لو لم يوجبه ~~عليها لما أمرها به في موضع ما ولقال لها: اعتدي حيث شئت، فلا سكنى لك. ~~واستدل من ذهب ms0432 إلى أن لها السكنى والنفقة بما روي من أن عمر بن الخطاب - ~~رضي الله عنه - قال: لا ندع آية من كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة سمعت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول: لها السكنى والنفقة. وتأول ~~والله أعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قال لها: لا نفقة لك من ~~أجل أنها سخطت ما أرسل إليها به؛ إذ رأى أنه هو الواجب لها عليه لقول الله ~~عز وجل: {ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما ~~آتاها} [الطلاق: 7] ، وتأول أيضا أن النفقة التي أمر الله بها للحوامل ~~بقوله: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} [الطلاق: 6] ليس ~~من أجل الحمل إنما هو من أجل العدة؛ إذ لو كان من أجل الحمل لوجب له الرجوع ~~بها عليه إذا ولد حيا وقد مات أخ لأمه فورثه، كما لو أنفق عليه في حياته ثم ~~انكشف أن له مالا. واختلف الذين أوجبوا لها السكنى فيما يجب عليها فيه على ~~ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يجب عليها المقام فيه، وإنما هو حق لها إن شاءت ~~أخذته وإن # PageV01P516 # شاءت تركته. والثاني: أنه حق لله تعالى فيلزمها أن لا تبيت إلا فيه، ولها ~~أن تخرج في نهارها فتتصرف في حوائجها، وهو قول مالك وأصحابه. والثالث: أنها ~~ليس لها أن تبيت عنه ولا أن تخرج بالنهار منه، قال ذلك من ذهب إلى أن ~~النفقة لها فرأى أنه لا حاجة بها إلى الخروج، وأن المتوفى عنها زوجها إنما ~~كان لها الخروج بالنهار لتبتغي من فضل الله؛ إذ لا نفقة لها. وهذا كله فيه ~~نظر. والصحيح ما ذهب إليه مالك وأصحابه. وكذلك اختلفوا أيضا في المبتوتة هل ~~عليها إحداد في عدتها أم لا على قولين: أحدهما قول مالك - رحمه الله تعالى ~~-: أنه لا حداد عليها وهو الصحيح. والثاني: أن عليها الإحداد قياسا على عدة ~~الوفاة في استبرائها، وفي وجوب المبيت عليهما في بيتهما طول عدتها، وبالله ~~سبحانه وتعالى ms0433 التوفيق. ### || فصل في بيان الأقراء ما هي # فصل # في بيان الأقراء ما هي الأقراء هي الأطهار على مذهب أهل الحجاز، وهو مذهب ~~مالك وأصحابه لا خلاف بينهم في ذلك. وذهب أهل العراق إلى أنها الحيض. ~~والدليل على صحة قول مالك - رحمه الله تعالى - قول الله عز وجل: {يا أيها ~~النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] أي في مكان يعتددن ~~فيه، كما قرأ ابن عمر فطلقوهن لقبل عدتهن وهي قراءة تساق على طريق التفسير. ~~وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ذلك أن يطلقها في طهر لم يمسها فيه. ~~فدل ذلك على أن الطهر الذي يطلقها فيه تعتد به، وأنه من أقرائها. ولو كانت ~~الأقراء الحيض كما قال أهل العراق لكان المطلق في الطهر مطلقا لغير العدة، ~~ومن جهة المعنى أن القرء مأخوذ مع قريت الماء في الحوض أي جمعته فيه. ~~والرحم يجمع الدم في مدة الطهر ثم يمجه في مدة الحيض. وموضع الخلاف إنما هو ~~هل تحل المرأة بدخولها في الدم الثالث أو بانقضاء آخره. فمن قال: إن ~~الأقراء هي الأطهار يقول: إنما تحل بدخولها في الدم، ومن قال: إنها الحيض ~~يقول: إنها لا تحل حتى تتم الحيض. # PageV01P517 # فصل أو الطلاق للرجال، والعدة للنساء، والعبيد في الحدود على النصف من ~~الأحرار؛ لقول الله عز وجل: {فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات ~~من العذاب} [النساء: 25] ، والطلاق والعدة من الحدود لا من الحقوق، فوجب ~~بذلك أن يكون العبيد فيه على النصف من الأحرار، فكان طلاق العبيد طلقتين؛ ~~إذ لم تنقسم الطلقة الثانية، كانت زوجته حرة أو أمة. وكانت عدة الأمة ~~حيضتين إذ لم ينقسم الطهر الثاني، حرا كان زوجها أو عبدا. وأما إن كانت ممن ~~لا تحيض من صغر أو كبر فعدتها ثلاثة أشهر كالحرة سواء؛ إذ لا يتبين الحمل ~~في أقل من ثلاثة أشهر. # وأما في الوفاة فعدتها شهران وخمس ليال، إلا أن تكون قد دخل بها وهي في ~~سن من تحيض ويمكن أن تحمل، فتتربص حتى تمر ms0434 بها ثلاثة أشهر مخافة أن يكون ~~بها حمل، والحمل لا يتبين في أقل من ثلاثة أشهر. وقال مالك مرة في المرأة ~~المتوفى عنها زوجها، وهي ممن قد يئسن من المحيض: إنها تعتد بشهرين وخمسة ~~أيام، وقال مرة: إنها تعتد بثلاثة أشهر؛ لأن الحمل لا يتبين في أقل من ~~ثلاثة أشهر. ولا ينبغي أن يحمل ذلك على أنه اختلاف من قوله؛ لأنه إنما تكلم ~~في الرواية الأولى عن من يؤمن الحمل منها، وفي الرواية الثانية على من ~~الحمل لا يؤمن منها. ألا ترى أنه علل قوله بأن الحمل لا يتبين في أقل من ~~ثلاثة أشهر. فينبغي أن تعتد الأمة في الطلاق إذا كانت في سن من لا تحيض، ~~وأمن منها الحمل بشهر ونصف، نصف عدة الحرة. ولا أعرف لأحد من أصحابنا في ~~ذلك نصا، وإنما اختلف أصحاب مالك باختلاف من قبله في استبراء الأمة في ~~البيع إذ كانت ممن لا تحيض من صغر أو كبر، فقيل: استبراؤها شهر، وقيل: شهر ~~ونصف، وقيل: شهران، وقيل: ثلاثة أشهر، وهو أصح الأقاويل؛ لأن الحمل لا ~~يتبين في أقل من ثلاثة أشهر، وهو مذهب مالك، وبالله سبحانه وتعالى التوفيق. # PageV01P518 ### || فصل في التزويج في العدة # فصل # في التزويج في العدة أوجب الله تعالى العدة حفظا للأنساب وتحصينا للفروج، ~~ونهى عن عقد النكاح فيها نهي تحريم؛ لأن العقد لا يراد إلا للوطء، فكان ذلك ~~ذريعة إلى اختلاط الأنساب، فقال تعالى: {ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ ~~الكتاب أجله} [البقرة: 235] ، وهو انقضاء العدة، ونهى تبارك وتعالى عن ~~المواعدة فيها فقال: {علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن ~~تقولوا قولا معروفا} [البقرة: 235] ، والقول المعروف هو التعريض بالمواعدة ~~دون الإفصاح بها. وذلك مثل أن يقول: إنك علي لكريمة، وإني فيك لراغب، وإن ~~يقدر أمر يكن وما أشبه ذلك. فالفرق من جهة المعنى بين المواعدة والقول ~~المعروف أن العدة يستحب الوفاء بها، ويكره الخلف فيها، فإذا لم يصرح ~~بالعدة، وإنما عرض بها فلم يأت بما يستحب له فعله، ms0435 ولا يكره له تركه. # فصل والكلام في هذا الباب في فصول ثلاثة: أحدها: ما يجوز في العدة من ~~معنى الخطبة. والثاني: ما يكره له فيها والحكم فيمن أتاه. والثالث: ما يحرم ~~عليه والحكم فيمن أتاه. # فصل فأما الذي يجوز له فالتعريض بالعدة والمواعدة، وهو القول المعروف ~~الذي ذكره الله تعالى في كتابه. وصفته أن يقول لها أو يقول كل واحد منهما ~~لصاحبه: إن يقدر أمر يكن، وإني لأرجو أن أتزوجك، وإني فيك لمحب، وما أشبه ~~ذلك. # PageV01P519 # فصل وأما الذي يكره له فيها فوجهان: أحدهما: العدة، والثاني: المواعدة. ~~فأما العدة فهي أن يعد أحدهما صاحبه بالتزويج دون أن يعده الآخر بذلك، وهي ~~تكره ابتداء باتفاق مخافة أن يبدو للمواعد منهما فيكون قد أخلف العدة، فإن ~~وقع وتزوجها بعد العدة مضى النكاح ولم يفسخ، ولا وقع به تحريم بإجماع. # فصل وأما المواعدة فهي التي نهى الله عنها بقوله: {ولكن لا تواعدوهن سرا ~~إلا أن تقولوا قولا معروفا} [البقرة: 235] ، فنهى أن يعد كل واحد منهما ~~صاحبه؛ لأنها مفاعلة فلا تكون إلا من اثنين، وهي تكره ابتداء بإجماع. ~~واختلف إذا وقعت ثم تزوجها بعد العدة هل يفسخ النكاح أم لا؟ على قولين: ~~أحدهما رواية أشهب عن مالك في المدونة أنه يفسخ، والثاني رواية ابن وهب عنه ~~فيها أنه لا يفسخ؛ لأنه استحب الفسخ فيها ولم يوجبه في العدة، فالعدة لا ~~تؤثر في صحة العقد بعدها، والمواعدة تؤثر فيه؛ لأنها تشبه العقد على ما ~~بيناه من كراهة الخلف في العدة. # فصل واختلف أيضا على القول الذي يرى أن العقد يفسخ إن لم يعثر عليه حتى ~~وطئ هل تحرم عليه للأبد أم لا؟ على قولين: فروى أشهب عن مالك أنها لا تحرم ~~عليه، وروى عيسى عن ابن القاسم أنها تحرم عليه إذا كان الوعد شبيها ~~بالإيجاب. فإن واعد وليها بغير علمها وهي مالكة أمر نفسها فهو وعد وليست ~~بمواعدة، فلا يفسخ النكاح ولا يقع تحريم بإجماع. # فصل وأما الذي يحرم عليه فيها فالعقد والوطء، فإن عقد ms0436 النكاح فيها يفسخ ~~متى عثر عليه دخل أو لم يدخل، وكان لها إن دخل الصداق المسمى، وأجزأتها عدة # PageV01P520 # واحدة عن الزوجين جميعا، خلاف ما روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى ~~عنه - أنها تعتد بقية عدتها من الأول، ثم تعتد من الآخر. # فصل واختلف إذا فسخ النكاح هل تحرم عليه للأبد أم لا؟ على أربعة أقوال: ~~أحدها: أنها لا تحرم عليه وطئ أو لم يطأ، وهو قول ابن نافع وروايته عن عبد ~~العزيز بن أبي سلمة، خلاف ظاهر ما حكى عنه سحنون في المدونة من قوله: قال ~~مالك وعبد العزيز: هو بمنزلة من عقد في العدة ووطئ في العدة، وقد تؤول قوله ~~في المدونة خلاف قول مالك - رحمه الله تعالى - فيها مثل رواية ابن نافع ~~عنه، وهذا تأويل محتمل والأول أظهر. والثاني: أنها تحرم عليه إن وطئ في ~~العدة، وهو قول المغيرة وغيره في المدونة. والثالث: أنها تحرم عليه إن وطئ ~~كان وطؤه في العدة أو بعد العدة، وهو قول مالك في المدونة، وظاهر قول عبد ~~العزيز فيها على ما بيناه. والرابع: أنها تحرم عليه بالعقد وإن لم يطأ، حكى ~~هذا القول عبد الوهاب ولم يسم قائله. واختلف في القبلة والمباشرة في العدة ~~هل تكون كالوطء فيها أم لا؟ على قولين: ففي المدونة: أنها كالوطء يقع ~~التحريم المؤبد بها، وروى عيسى عن ابن القاسم: أنها لا تحرم بذلك، قال: لأن ~~الوطء نفسه فيه من الاختلاف ما فيه، فكيف بالقبلة والمباشرة. # فصل والعدة من الطلاق والوفاة في ذلك سواء إن كان الطلاق بائنا بخلع أو ~~بتات. واختلف إذا كان رجعيا، ففي المدونة لغير ابن القاسم أن المتزوج متزوج ~~في عدة، وقيل: إن مذهب ابن القاسم أن المتزوج فيها كالمتزوج في العصمة، ~~لكون أسباب العصمة قائمة بينهما من الموارثة والنفقة وما أشبه ذلك، وأراه ~~في أصل الأسدية. ويحتمل أن يقال في المسألة قول ثالث: إنه إن راجعها لم يكن ~~متزوجا في عدة، وإن لم يراجعها حتى تنقضي العدة كان متزوجا في ms0437 عدة، قياسا ~~على قول أحمد بن ميسر في النصرانية تسلم تحت النصراني فتتزوج في العدة: إن ~~النصراني إن لم يسلم حتى # PageV01P521 # تنقضي العدة كان متزوجا في عدة، وإن أسلم لم يكن متزوجا في عدة. # فصل ولا يكون هو إن راجعها في بقية من عدتها بعد أن فرق بينها وبين الذي ~~تزوجها، وقيل الاستبراء ناكحا في عدة. # فصل والاستبراء بمنزلة العدة سواء في أن الوطء لا يجوز فيها بالملك ولا ~~بالنكاح لما يلزم من حفظ الأنساب، وإنما يفترق ذلك في وجوب التحريم المؤبد. ~~وافتراقه على ثلاثة أوجه: أحدها: يقع به التحريم باتفاق، أعني بين من رآه ~~في حال من الأحوال. والثاني: لا يقع به التحريم باتفاق. والثالث: يختلف فيه ~~على قولين. # فصل فأما الذي يقع به التحريم باتفاق فالوطء بنكاح أو بشبهة نكاح أو بملك ~~أو بشبهة ملك في عدة من نكاح أو من شبهة نكاح. وأما الذي لا يقع به التحريم ~~باتفاق فالوطء بملك اليمين أو شبهة ملك] ، في استبراء الإماء خاصة، أو في ~~عدة من غير نكاح كعدة أم الولد يموت عنها سيدها أو يعتقها كان استبراؤهن من ~~اغتصاب أو زنا أو بيع في الإماء أو هبة أو عتق. [وأما المختلف فيه فالوطء ~~بنكاح أو شبهة نكاح في الاستبراء والعدة من غير النكاح أيضا، كأم الولد ~~يموت عنها سيدها أو يعتقها، كان الاستبراء من اغتصاب أو من زنا أو من بيع ~~في الإماء أو هبة أو موت أو عتق] . أعني وقد وطئ البائع أو الواهب أو الميت ~~أو المعتق. وأما إن لم يطأ أحد منهم فلا اختلاف أن متزوجها قبل الاستبراء ~~ليس متزوجا في عدة إلا أن بعض هذه المواضع أخف من بعض والاختلاف فيها # PageV01P522 # أقل، فأخفها متزوج الأمة في استبرائها من الزنا، ثم في استبرائها من ~~الاغتصاب، ثم في استبرائها من البيع أو الهبة أو الموت، ثم في استبرائها من ~~العتق بخروجها منه إلى الحرية، ثم في استبراء أم الولد من العتق، ثم في ~~استبرائها من الموت؛ لأنه ms0438 عدة على مذهب مالك، ثم في استبراء الحرة من ~~الزنا، ثم في استبرائها من الاغتصاب. # فصل وينبغي أن يكون تزويج الأمة حاملا من الزنا أخف من تزويجها في ~~الاستبراء منه؛ لأن في تزويجها في الاستبراء منه اختلاط الأنساب، وليس ذلك ~~في تزويجها حاملا. ألا ترى أنه قد أجاز بعض أهل العلم لمن زنت زوجته وهي ~~حامل منه ظاهرة الحمل أن يطأها قبل الوضع لأمنه من خلط الأنساب. وقد جعل ~~ابن القاسم في رواية أصبغ عنه تزويجها حاملا أشد من تزويجها في الاستبراء ~~لرواية يرويها ابن وهب عن مالك مجردة في الحمل: أنه لا يتزوجها أبدا. # فصل وكذلك متزوج النصرانية في عدة وفاة أو طلاق من النصراني يختلف في ~~إيجاب التحريم به؛ لأنه استبراء وليس بعدة. ألا ترى أنه لا عدة عليها في ~~الوفاة قبل الدخول، وعليها فيه بعد الدخول ثلاث حيض كالطلاق سواء، وقد كان ~~مالك - رحمه الله تعالى - يقول قديما: تجزئها حيضة واحدة. وأما متزوج ~~النصرانية في عدة أو وفاة أو طلاق من زوجها المسلم فهو متزوج في عدة. ألا ~~ترى أنها تجب عليها في الوفاة قبل الدخول. وقد روي عن مالك أنه لا عدة ~~عليها في الوفاة قبل الدخول، وعليها بعده ثلاث حيض. فعلى هذه الرواية لم ~~يرها عدة وجعلها استبراء، فيدخل الاختلاف في التحريم على قياس هذه الرواية، ~~وبالله سبحانه وتعالى التوفيق. # فصل واختلف أيضا إذا كانت العدة منه كالذي يتزوج المرأة تزويجا حراما لا ~~يقر عليه فيفسخ نكاحه بعد الدخول فيتزوجها قبل الاستبراء، وكالذي يطلق ~~المرأة ثلاثا # PageV01P523 # فيتزوجها في عدتها منه قبل زوج. فمن علل التحريم بالتعجيل قبل بلوغ الأجل ~~مع اختلاط الأنساب لم يوجب التحريم عليه، ومن علل بالتعجيل من غير أن يضم ~~إلى ذلك اختلاط الأنساب أوجب التحريم. # فصل ولا يكون من وطئ زانيا بغير شبهة نكاح ولا ملك في عدة واستبراء واطئا ~~في عدة يحرم به عليه نكاحها فيما يستقبل باتفاق، والله أعلم. # فصل ومن زوج أمته من رجل وهو يطؤها قبل أن ms0439 يستبرئها، أو أم ولده قبل أن ~~يستبرئها، فلا يكون متزوجا في عدة، وهو كمن تزوج زوجة رجل في عصمته. # فصل فإن أتت الزوجة في العدة بولد لأقل من ستة أشهر فهو للأول، وتحل ~~بالوضع منهما جميعا. وكذلك إن أتت به لأكثر من ستة أشهر ما بينها وبين ما ~~تلد لمثله النساء، وكان تزوجها قبل حيضة. وأما إن كانت أتت به لأكثر من ستة ~~أشهر، وكان قد تزوجها بعد حيضة فالولد للآخر. واختلف هل تحل من الأول بوضع ~~الحمل أم لا؟ إن كانت من أهل الأقراء وكانت العدة من طلاق. والصواب أنها لا ~~تحل من الأول بوضع الحمل، ولا بد لها من استئناف ثلاث حيض بعد الوضع كما لو ~~حبسها عن الحيض مرض أو رضاع، وهو اختيار محمد بن المواز. وفي المدونة دليل ~~على القولين جميعا: قال في موضع إذا تزوجها في عدة الطلاق فأتت بولد: إن ~~الوضع يجزئها من الزوجين، ولم يفرق بين أن يكون الولد من الأول أو الثاني، ~~فإذا حملت الكلام على ظاهره من العموم استفدت منه أن الوضع يبرئها من الزوج ~~الأول، وإن كان الولد من الثاني. وقال في موضع آخر: إذا تزوجها في عدة ~~الوفاة بعد حيضة أو حيضتين فأتت بولد لستة أشهر فصاعدا: إن عدتها وضع ~~الحمل، وهو آخر الأجلين. ففي قوله: وهو آخر الأجلين، دليل على أنه اعتبر ~~انقضاء العدة من # PageV01P524 # الزوج الأول لما كان الحمل من الزوج الثاني. فإذا اعتبر ذلك في عدة ~~الوفاة وجب أن يعتبره في عدة الطلاق، وإذا اعتبره في عدة الطلاق لم تبرأ ~~بوضع الحمل ووجب أن تستأنف ثلاث حيض بعد الوضع؛ إذ الوضع ليس بآخر الأجلين ~~لكون الأقراء غير داخلة في مدة الحمل والله أعلم. # قال في كتاب ابن المواز بعد ذكر الاختلاف المذكور: ولو كان الحمل من زنى ~~لم يبرئها ذلك بحال من عدة لزمتها، معنى ذلك إذا تقارر الزوجان بالزنا ~~وانتفى الولد بلا لعان أو أقرت المرأة بالزنا بعد اللعان، أو كان الزوج ~~خصيا قائم الذكر ms0440 تجب العدة على زوجته ولا يلحقه الولد على الاختلاف في ذلك، ~~وإنما قلنا ذلك؛ لأن الزوج إن نفى الولد والتعن انقضت العدة بوضع الحمل، ~~وإن لم ينفه لحق به وانقضت العدة بوضعها أيضا؛ لأن فراشه قائم. ### || فصل في عدة امرأة المفقود # فصل # في المفقود فقد الشيء تلفه بعد حضوره، وعدمه بعد وجوده، قال الله عز وجل: ~~{قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون} [يوسف: 71] {قالوا نفقد صواع الملك ولمن ~~جاء به حمل بعير وأنا به زعيم} [يوسف: 72] ، فالمفقود هو الذي يغيب وينقطع ~~أثره ولا يعلم خبره. وهو على أربعة أوجه: مفقود في بلاد المسلمين، ومفقود ~~في بلاد العدو، ومفقود في صف المسلمين في قتال العدو، ومفقود في حرب ~~المسلمين في الفتن التي تكون بينهم. # فصل فأما المفقود في بلاد المسلمين فالحكم فيه إذا رفعت المرأة أمرها إلى ~~الإمام أن يكلفها إثبات الزوجية والمغيب، فإذا أثبتت ذلك عنده كتب إلى والي ~~البلد الذي يظن أنه فيه أو إلى البلد الجامع إن لم يظن به في بلد بعينه ~~مستبحثا عنه، ويعرفه في كتابه إليه باسمه ونسبه وصفته ومتجره، ويكتب هو ~~بذلك إلى نواحي بلده. فإذا # PageV01P525 # ورد على الإمام جواب كتابه بأنه لم يعلم له خبر ولا وجد له أثر، ضرب ~~لامرأته أجل أربعة أعوام إن كان حرا أو عامين إن كان عبدا، وينفق عليها ~~فيها من ماله. وفي مختصر ابن عبد الحكم أن الأجل يضرب من يوم الرفع. وقال ~~أبو بكر الأبهري: إنما ضرب لامرأة المفقود أجل أربعة أعوام؛ لأنه أقصى أمد ~~الحمل. وهو تعليل ضعيف؛ لأن العلة لو كانت في ذلك هذا لوجب أن يستوي فيه ~~الحر والعبد لاستوائهما في مدة لحوق النسب، ولوجب أن يسقط جملة في الصغيرة ~~التي لا يوطأ مثلها إذا فقد زوجها وقام عنها أبوها في ذلك. # وأيضا فقد قال: إنها لو أقامت عشرين سنة ثم رفعت أمرها لضرب لها أجل ~~أربعة أعوام، وهذا يبطل تعليله إبطالا ظاهرا. وقيل: إنما ضرب لها أجل أربعة ~~أعوام؛ لأنها المدة التي تبلغ ms0441 المكاتبة في بلد الإسلام مسيرا ورجوعا. وهذا ~~يبطل على القول بأن الأجل إنما يضرب بعد الكشف والبحث، وإنما يشبه أن يقال ~~على مذهب من يرى ضرب الأجل من يوم الرفع، وفيه أيضا نظر، وإنما أخذت ~~بالأربعة الأعوام بالاجتهاد؛ لأن الغالب أن من كان حيا لا تخفى حياته مع ~~البحث عنه أكثر من هذه المدة، ووجب الاقتصار عليها؛ لأن الزيادة فيها ~~والنقصان منها خرق الإجماع؛ لأن الأمة في المفقود على قولين: أحدهما: أن ~~زوجته لا تتزوج حتى يعلم موته أو يأتي عليه من الزمان ما لا يحيا إلى مثله. ~~والثاني: أنه يباح لها التزويج إذا اعتدت بعد تربص أربعة أعوام، فلا يجوز ~~إحداث قول ثالث. # والذي ذكر أبو بكر الأبهري من أن أكثر مدة الحمل أربعة أعوام هو ظاهر ما ~~في كتاب العتق الثاني من المدونة، ومذهب الشافعي. وذهب ابن القاسم إلى أن ~~أكثره خمسة أعوام. وروى أشهب عن مالك سبعة أعوام على ما روي أن امرأة ابن ~~عجلان ولدت مرة لسبعة أعوام. وذهب أبو حنيفة وأصحابه والثوري إلى أن أقصاه ~~عامان، واختاره الطحاوي استدلالا بقول الله عز وجل: {وحمله وفصاله ثلاثون ~~شهرا} [الأحقاف: 15] ؛ لأنه جمع الحمل والفصال في ثلاثين شهرا، فلا يصح أن ~~يخرجا منها ولا واحد منهما. فلما خرجت عنها سائر الأقوال لم يبق إلا القول ~~الذي لم يخرج قائلوه بهما عنها، فكان هو أولاها بالصواب. # PageV01P526 # فإن قال قائل: إذا كان الحمل والفصال لا يخرجان عن ثلاثين شهرا وكان أكثر ~~مدة الحمل عامين أفيكون الفصال ستة أشهر وأبدان الصبيان لا تقوم بها ~~ويحتاجون في الرضاع إلى أكثر منها؟ # فالجواب عن ذلك أنه قد يحتمل أن تكون الستة الأشهر أدنى مدة الفصال، وأن ~~يكون المولود إذا ألطف له في الغذاء استغنى عن الرضاع بعد الستة الأشهر، ~~وهو الظاهر فيما روي عن ابن عباس من قوله: إذا وضعت المرأة لتسعة أشهر ~~كفاها من الرضاع أحد وعشرون شهرا، وإذا وضعت لسبعة أشهر كفاها من الرضاع ~~ثلاثة وعشرون شهرا، فإذا وضعت لستة أشهر ms0442 فحولان كاملان؛ لأن الله تعالى ~~يقول: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} [الأحقاف: 15] . فعلى قياس قوله: إذا ~~وضعت في عامين فرضاعه ستة أشهر. ويحتمل أن يكون الله تعالى قد جعل مدة ~~الفصال والحمل ثلاثين شهرا لا أكثر منها على ما في الآية التي تلوناها مما ~~قد يحتمل أن تكون مدة الفصال قد ترجع إلى ستة أشهر، ثم زاد الله تعالى في ~~مدة الرضاع تمام الحولين لقوله تعالى: {وفصاله في عامين} [لقمان: 14] ، ~~ولقوله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} [البقرة: 233] ، ~~وبقي مدة الحمل على ما في الآية الأولى فلم يخرجه عن الثلاثين شهرا، وأخرج ~~منه مدة الفصال إذا كان الحمل أكثر من ستة أشهر. # والجواب الأول عندي أظهر؛ لأنه يعضد ما روي عن ابن عباس، فنقول على ~~قياسه: إن أقل مدة الفصال ستة أشهر وأكثرها عامان، كما أن أقل مدة الحمل ~~ستة أشهر وأكثرها عامان، وأن للمرأة أن تنقص من الحولين في رضاع ولدها ما ~~بينها وبين ستة أشهر إذا لم تنقص من الثلاثين شهرا بين الحمل والرضاع شيئا. ~~وقد قيل: إنه إنما ضرب له أربعة أعوام؛ لأنه جهل إلى أي جهة سار من الأربع ~~جهات، وهذا لا معنى له، فإن لم يأت حتى انقضت اعتدت عدة الوفاة، قيل بإحداد ~~وقيل بغير إحداد، ثم تزوجت إن شاءت على ما روي في ذلك عن عمر بن الخطاب ~~وعثمان بن عفان وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس - رضي الله عنهم -، ولا ~~مخالف # PageV01P527 # لهم من الصحابة إلا رواية أخرى جاءت عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ~~أنها لا تتزوج حتى يعلم موته أو يأتي عليه من الزمان ما لا يحيا إلى مثله، ~~تعلق بها أهل المشرق والشافعي في أحد قوليه. والصحيح عن علي بن أبي طالب ~~مثل ما روي عن عمر بن الخطاب ومن ذكرنا معه، وهو الصواب الذي ذهب إليه ~~مالك، لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ضرر ولا ضرار» ، ولقوله: ~~«عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، ms0443 عضوا عليها ~~بالنواجذ» ، فهذا هو الأصل في الحكم بقطع العصمة بين المرأة وزوجها إذا ~~فقد، وإباحة النكاح لها مع جواز حياته من طريق الأثر. وأما من طريق النظر ~~فإذا وجب أن يفرق بين الرجل وامرأته من أجل العنة والإيلاء، وهي لم تفقد ~~إلا الوطء فهو في المفقود أوجب لفقدها للوطء والعشرة والتفقد، وبالله ~~سبحانه وتعالى التوفيق. # فصل فإذا ضرب الإمام لامرأة المفقود الأجل بعد البحث عن خبره وانقضى ~~فاعتدت فقد بانت منه في الحكم الظاهر، وكان لها أن تتزوج إن شاءت ما لم ~~ينكشف خطأ ذلك الحكم بمجيئه أو علم حماته، وليس لها أن تبقى على عصمة ~~الزوج؛ لأنها أبيحت للأزواج ووجب الفراق بينها وبين زوجها بالحكم فهو ماض ~~لا ينتقض إلا بانكشاف خطئه. # ألا ترى أنها لو ماتت بعد العدة لم يوقف له ميراثه منها وإن كان لو أتى ~~في هذه الحال كان أحق بها. فلو بلغ هو من الأجل ما لا يحيا إلى مثله من ~~السنين وهي حية لم ترث منه، وإنما يكون لها الرضا بالمقام على العصمة ما لم ~~ينقص الأجل المضروب، وأما إذا انقضى واعتدت فليس ذلك لها. وكذلك إن مضت بعد ~~العدة. فإن رضيت بالمقام على العصمة قبل تمام # PageV01P528 # الأجل ثم بدا لها فرفعت أمرها استؤنف لها الأجل من أوله. وحكى ابن حبيب ~~في الواضحة أنه إذا اعتدت بعد ضرب الأجل ثم لم تتزوج حتى بلغ من السنين ما ~~لا يحيا إلى مثلها فموت أنها ترثه، وهو بعيد. # فصل فإن انكشف أمر المفقود بإتيانه أو علم حياته أو موته قبل انقضاء ~~الأجل والعدة انتقض ذلك الحكم باتفاق، وعملت على ما ينكشف من أمره، فاعتدت ~~من يوم وفاته إن علم موته، وبقيت على عصمته إن علمت حياته. وكذلك إن انكشف ~~بعد انقضاء الأجل والعدة أنه مات قبل ذلك ينتقض ذلك الحكم وتعتد من يوم ~~وفاته. فإن كانت قد تزوجت فيها كان متزوجها متزوجا في عدة. وأما إن انكشف ~~أنه مات بعد انقضاء الأجل والعدة أو أنه ms0444 حي ففي ذلك ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الحكم ماض لا ينتقض، فلا يكون له إليها سبيل، ولا يكون لها منه ~~ميراث. حكى هذا القول ابن عيشون في مختصره عن ابن نافع، وهو بعيد؛ لأن ~~الحاكم إذا حكم باجتهاد ثم بان له أو لغيره أنه أخطأ في حكمه خطأ متفقا ~~عليه نقض ذلك الحكم بإجماع. فلو قيل على قياس هذا: إن المفقود أحق بزوجته ~~أبدا وإن تزوجت ودخل بها الزوج كالمنعي لها لكان له وجه في القياس، ولكنهم ~~لم يقولوا ذلك، فأين هذا من قول ابن نافع؟ إلا أنه يشبه ما روي عن مالك ~~فيمن خرص الخارص عليه من نخله أربعة أوسق فجذ منها خمسة أوسق: أنه يعمل على ~~ما خرص عليه لا على ما وجد. والصحيح أن عليه الزكاة؛ لأنه قد انكشف خطأ ~~الخارص فوجب الرجوع إلى الحق. # والقول الثاني: أن الحكم ينتقض ما لم تتزوج، فيكون أحق بها إن انكشف أنه ~~حي، ويكون لها منه ميراثها إن انكشف أنه مات وتعتد من يوم وفاته. # والقول الثالث: أن الحكم ينتقض وإن تزوجت ولم يدخل بها الزوج، فترد إلى ~~الزوج الأول إن كان حيا وينفسخ النكاح، ويكون لها ميراثها إن كان ميتا. ثم ~~ينظر في النكاح، فإن كان قد وقع بعد موته وانقضاء عدتها منه ثبت ولم يفسخ، ~~وإن # PageV01P529 # كان وقع في العدة أو قبل الولاة فسخ. وهذان القولان لمالك ومرويان عن عمر ~~بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه -. وقد روي عنه أيضا أن زوجها إن جاء وقد ~~تزوجت خير في زوجته أو في صداقها، وذلك والله أعلم ما لم يدخل بها الزوج، ~~كمن استحق سلعة وهي قائمة بيد المشتري، هو مخير إن شاء أن يأخذ سلعته وإن ~~شاء أن يأخذ ثمنها، وهو في القياس بعيد؛ لأن السلعة له أن يبيعها فكان له ~~أن يجيز بيعها ويأخذ الثمن، والزوجة ليس له أن يزوجها فلا يجوز له أن ~~يجيزها ويأخذ الصداق. وقد ذكر مالك في موطئه أنه أدرك الناس ينكرون الذي ~~روي ms0445 عن عمر بن الخطاب في ذلك، ولم يختلفوا أنه إن أتى وقد دخل بها الزوج ~~فلا سبيل له إليها، وأنه إن انكشف أنه مات بعد دخول الزوج بها أنها لا ~~ميراث لها منه ولا يفرق بينها وبين الزوج الذي دخل بها، وبالله التوفيق. # فصل وإذا ردت إليه زوجته وإن كان ذلك بعد أن تزوجت على القول الذي يرى ~~فيه أنها لا تفوته إلا بالدخول فهي ترجع إليه على العصمة الأولى وتكون عنده ~~على جميع الطلاق أو على ما بقي منه إن كان طلقها قبل أن يفقد؛ لأن ذلك ~~الحكم كله ينتقض بما انكشف من أمره وعلم من حياته. وأما إذا لم ترد إليه ~~لفواتها وإمضاء الحكم الظاهر إما بالانقضاء وإما بالتزويج وإما بالدخول على ~~الاختلاف المذكور في ذلك، فيحسب عليه ذلك الفراق طلقة الذي ألزم إياه ~~بالحكم. فإن تزوجها بعد ذلك كانت عنده على طلقتين. واختلف متى تقع الطلقة ~~عليه، فقيل: إنها تقع عليه بالدخول أو بالعقد على الاختلاف في ذلك، وقيل: ~~بل إنها إنما تقع عليه يوم أبيحت للأزواج، ويكشف ذلك العقد أو الدخول. ~~وفائدة هذا الاختلاف أنه إذا كان الزوج قد طلقها قبل أن يعقد طلقتين ثم فقد ~~فأجل واعتدت ثم تزوجت، وقدم زوجها الأول بعد أن دخل بها هل يحلها هذا الزوج ~~لزوجها القادم؟ فمن قال: إن الطلقة الثالثة وقعت عليه بدخول الزوج الثاني ~~بها، لم ير أن يحلها للأول إلا زوج ثان، # PageV01P530 # وإلى هذا ذهب ابن حبيب. ومن قال: إن الطلقة الثالثة وقعت عليها يوم أبيحت ~~للأزواج وكشف ذلك دخول هذا الزوج بها أو عقده عليها، رأى أنه يحلها، وإلى ~~هذا ذهب أشهب ووقع قوله في السليمانية وهو الصواب؛ لأن الطلقة الثالثة لو ~~وقعت عليها بدخول الزوج بها أو بعقده عليها لوجب عليها أن تعتد من حينئذ، ~~وهذا ما لا يقوله أحد. وأما من ذهب إلى أنها لا ترد إلى الزوج الأول إذا لم ~~يقدم حتى تنقضي العدة، وإن لم تتزوج فيرى أن هذا الزوج يحلها ms0446 له؛ لأنها ~~تزوجت عنده بعد وجوب الطلقة الثالثة عليه، وهذا بين. # فصل فإن قدم الزوج بعد أن دخل بها الزوج الذي تزوجها وبنى بها على القول ~~الذي يرى أنها تفوت بالدخول، فأقر الزوج أنه لم يطأ لم تحل لواحد منهما؛ ~~لأنها قد حرمت على الأول بما ظهر من دخوله بها، وعلى الثاني بإقراره أن ~~الأول أحق بها وأنها زوجته. # فصل وأما ماله فموقوف لا يورث عنه حتى يعلم موته أو يأتي عليه من الزمان ~~ما لا يحيا إلى مثله. واختلف في حد ذلك فروي عن ابن القاسم سبعون سنة، ~~وقاله مالك وإليه ذهب عبد الوهاب، واحتج له بقول رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين» ؛ إذ لا معنى لقوله إلا ~~الإخبار بما يتعلق به الحكم، والله أعلم. # وروي عن مالك ثمانون سنة وتسعون سنة، وقال أشهب: مائة سنة. وحكى الداودي ~~عن محمد بن عبد الحكم مائة وعشرون سنة، وهو مذهب أبي حنيفة، فإن فقد وهو ~~ابن سبعين سنة على مذهب من يرى السبعين ضرب له عشرة أعوام، وكذلك إن فقد ~~وهو ابن ثمانين أو تسعين على مذهب من يرى ذلك أو # PageV01P531 # ما دونه حد المفقود. وأما إن فقد وهو ابن مائة عام على مذهب من يرى ذلك ~~أو ما دونه حد المفقود فقيل: إنه يضرب له عشرة أعوام، وقيل: إنه يتلوم له ~~العام والعامين. وأما إن فقد وهو ابن مائة وعشرين سنة فيتلوم له العام ~~ونحوه، ولا اختلاف في ذلك. # واختلف إن فقد قبل أن يدخل بزوجته هل لها نفقة في الأربعة الأعوام أم لا؟ ~~على قولين: أحدهما: أنه لا نفقة لها، وهو قول المغيرة في كتابه، قال: لأني ~~لا أدري ما عنده وما حاله في غيبته إلا أن يكون قد فرض لها قبل ذلك نفقة ~~فيكون سبيلها في النفقة سبيل المدخول بها. والصواب أن لها النفقة؛ لأنه ~~كالغائب، ولم يختلف أن من غاب عن زوجته قبل دخوله بها غيبة بعيدة أن النفقة ~~تفرض ms0447 لها عليه في ماله إن سألت ذلك، وإنما اختلف في الغيبة القريبة. وظاهر ~~ما في سماع ابن القاسم من كتاب طلاق السنة أن لها النفقة إذ لم يفرق فيه ~~بين قرب الغيبة وبعدها. # فصل واختلف إذا انقضى الأجل واعتدت هل يقضى لها بصداقها أم لا؟ على ثلاثة ~~أقوال: أحدها قول ابن الماجشون: أنه لا يقضى لها بشيء منه حتى يأتي وقت لو ~~قدم لم يكن له إليها سبيل، يريد فيقضى لها حينئذ بنصف صداقها إلا أن ينكشف ~~أنه مات قبل ذلك أو يبلغ من السنين ما لا يحيا إلى مثلها فيقضى لها بجميعه، ~~وإن كانت قد تزوجت، قاله ابن الماجشون. وقال ابن وهب: لا يقضى لها إن كانت ~~تزوجت إلا بنصفه. ولكلا القولين وجه من النظر. والثاني: أنه يقضى لها ~~بنصفه، فإن بلغ من السنين ما لا يحيا إلى مثلها تزوجت أو لم تتزوج على أصل ~~ابن الماجشون، أو ثبتت وفاته ما بينه وبين أن تبين منه بالدخول أو التزويج ~~على الاختلاف المعلوم قضي لها ببقيته. حكى هذا القول ابن الجلاب في كتاب ~~التفريع، وحكاه ابن سحنون أيضا في كتابه، والثالث: أنه يقضى لها بجميعه، ~~وهو # PageV01P532 # قول مالك في سماع عيسى. واختلف على هذا القول: إن قدم بعد أن تزوجت ودخل ~~بها الزوج هل ترد نصفه أم لا؟ وفي سماع عيسى أنها لا ترد شيئا، وفي سماع ~~سحنون أنها ترد نصفه. وأما إن لم يقدم ولا علمت حياته ولا موته حتى بلغ من ~~السنين ما لا يحيا إلى مثلها، فلا ترد من الصداق شيئا، وإن كانت قد تزوجت ~~ودخل بها الزوج، وهذا ما لا اختلاف فيه أعلمه. وإجماعهم على هذا يقضي بصحة ~~قول ابن الماجشون المتقدم، وهذا إذا كان الصداق حالا. وأما إن كان مؤجلا ~~فاختلف في ذلك كالاختلاف في قضاء ما لم يحل من ديونه. # فصل وأما المفقود في بلاد الحرب فحكمه حكم الأسير لا تتزوج امرأته ولا ~~يقسم ماله حتى يعلم موته، أو يأتي عليه من الزمان ما ms0448 لا يحيا إلى مثله في ~~قول أصحابنا كلهم، حاشا أشهب فإنه حكم له بحكم المفقود في المال والزوجة ~~جميعا. واختلف فيمن قلع في البحر إلى بلاد الحرب ثم فقد فقيل: إنه كالمفقود ~~في بلاد المسلمين لإمكان أن تكون الريح قد ردته إلى بلاد المسلمين إلا أن ~~يعلم أنه صار في بعض جزائر الروم ثم فقد بعد ذلك، وقيل: إنه كالمفقود في ~~بلاد الحرب. # فصل وأما المفقود في صف المسلمين في قتال العدو ففي ذلك أربعة أقوال: # أحدها رواية ابن القاسم عن مالك في سماع عيسى: أنه يحكم له بحكم الأسير، ~~فلا تتزوج امرأته ولا يقسم ماله حتى يعلم موته أو يأتي عليه من الزمان ما ~~لا يحيا إلى مثله. # PageV01P533 # والثاني رواية أشهب عن مالك أنه يحكم له بحكم المقتول بعد أن يتلوم له ~~سنة من يوم يرفع أمره إلى السلطان ثم تعتد امرأته وتتزوج ويقسم ماله، وإن ~~كان لم يتكلم في الرواية على قسم ماله فهو المعنى والله أعلم. وسواء كانت ~~المعركة في بلاد الحرب أو في بلاد المسلمين إذا أمكن أن يؤسر فيخفى أمره، ~~فحمله ابن القاسم في رواية عيسى عنه على أنه أسير، وحمله مالك في رواية ~~أشهب عنه على أنه قتيل. وأما إن كانوا بموضع لا يخفى أسره إن أسر فحكمه حكم ~~المفقود في حرب المسلمين في الفتن التي تكون بينهم، فيحتمل أن يحمل قول ابن ~~القاسم على أن المعركة كانت بموضع يخفى فيه أسره إن أسر، وقول مالك على ~~أنها كانت بموضع لا يخفى فيه أسره إن أسر، فلا تكون على هذا التأويل رواية ~~عيسى مخالفة لرواية أشهب. # والقول الثالث: أنه يحكم له بحكم المفقود في جميع الأحوال، فيضرب له أجل ~~أربعة أعوام ثم تعتد امرأته وتتزوج ولا يقسم ماله حتى يأتي عليه من الزمان ~~ما لا يحيا إلى مثله، حكى هذا القول ابن المواز وعابه. # والقول الرابع: أنه يحكم له بحكم المقتول في الزوجة فتعتد بعد التلوم ~~وتتزوج، وبحكم المفقود في ماله فلا يقسم حتى ms0449 يعلم بموته أو يأتي عليه من ~~الزمان ما لا يحيا إلى مثله. ذهب إلى هذا أحمد بن خالد وحكى أنه قول ~~الأوزاعي، وتأول رواية أشهب عن مالك على ذلك، وهو بعيد. # فصل وأما المفقود في حرب المسلمين في الفتن التي تكون بينهم ففي ذلك ~~قولان: # أحدهما: أنه يحكم له بحكم المقتول في زوجته وماله، فتعتد امرأته ويقسم ~~ماله، قيل من يوم المعركة قريبة كانت أو بعيدة، وهو قول سحنون، وقيل: بعد # PageV01P534 # التلوم له على قدر ما ينصرف من هرب أو انهزم. فإن كانت المعركة على بعد ~~من بلاده مثل إفريقية من المدينة ضرب لامرأته أجل سنة ثم تعتد وتتزوج ويقسم ~~ماله. وقيل: إن العدة داخلة في التلوم، اختلف في ذلك قول ابن القاسم. ~~والصواب أن العدة داخلة في التلوم؛ لأنه إنما تلوم له مخافة أن يكون حيا، ~~فإذا لم يوجد له خبر حمل أمره على أنه قتل في المعركة فاعتدت امرأته من ذلك ~~اليوم وقسم ماله على ورثته يومئذ. وإن كانت بموضع لا يظن أن له بقاء لقربه ~~واتضاح أمره اعتدت امرأته من ذلك اليوم. وقيل: إن الأندلس كلها كبلدة ~~واحدة، فلا يتلوم له وتعتد امرأته من ذلك اليوم وتتزوج إن شاءت ويقسم ماله، ~~وإنما يضرب له أجل سنة إذا كانت المعركة بعيدة مثل إفريقية من مصر، ومصر من ~~المدينة، قاله عيسى بن دينار. # والثاني رواية أشهب عن مالك أنه يضرب له أجل سنة ثم تعتد امرأته وتتزوج ~~ولا يقسم ماله حتى يأتي عليه من الزمان ما لا يحيا إلى مثله، وهو قول ~~الأوزاعي وتأويل أحمد بن خالد على رواية أشهب. والتأويل الصحيح فيها أنه ~~يقسم ماله بعد السنة، وهو قول ثالث في المسألة، وهذا كله إذا شهدت البينة ~~العدلة أنه شهد المعترك. فأما إن كانوا إنما رأوه خارجا في جملة العسكر ولم ~~يروه في المعترك فحكمه حكم المفقود في زوجته وماله باتفاق، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. # PageV01P535 ### | كتاب إرخاء الستور # ] [ ### || فصل فيما جاء في إرخاء الستور # بسم الله الرحمن الرحيم ms0450 وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم # كتاب إرخاء الستور فصل # ما جاء في إرخاء الستور إرخاء الستور كناية عن تخلية الرجل مع امرأته ~~وخلوته بها، وإن لم يكن ثم غلق باب ولا إرخاء ستر. وأصل هذا الباب قول الله ~~عز وجل: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم ~~إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} [البقرة: 237] . # فصل فإذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها وقد سمى لها صداقا فليس لها ~~إلا نصفه، نصف العاجل ونصف الآجل إن كان فيه آجل، لا تستوجب جميعه إلا ~~بالموت أو الدخول، أو ما يقوم مقام الدخول بها عند مالك من طول المقام معها ~~والالتذاذ بها. # فصل فالصداق المسمى يجب للمرأة بعقد النكاح وجوبا غير مستقر، ويستقر لها ~~نصفه بالطلاق وجميعه بالموت أو الدخول. هذا الذي يصح أن يعبر به عن وجوب # PageV01P537 # الصداق. وأما من قال: إن الصداق يجب جميعه بالعقد ويسقط عنه نصفه بالطلاق ~~قبل الدخول فلا يستقيم؛ لأن الحقوق إذا تقررت لأربابها لا تسقط إلا بما يصح ~~به إسقاطها من بيع أو هبة أو صدقة أو ما أشبه ذلك. فلو وجب للمرأة الصداق ~~بعقد النكاح لما سقط جميعه بالفسخ والارتداد ولا نصفه بالطلاق، أصله إذا ~~وقع الطلاق أو الفسخ أو الارتداد بعد الدخول. وكذلك قول من قال: إن الصداق ~~يجب نصفه بالعقد، ونصفه الثاني بالدخول، والاستمتاع لا يصح؛ لأنه لو وجب ~~نصفه بالعقد لما بطل بالفسخ أو الارتداد، ولو لم يجب النصف الثاني إلا ~~بالدخول أو الاستمتاع لما وجب إذا مات أحدهما قبل الدخول؛ لأن الموت لا ~~يوجب في الذمة حقا لم يكن واجبا. # فصل وأما إن كان لم يسم لها صداقا وطلقها قبل البناء فليس لها إلا ~~المتعة، وإن مات عنها لم يكن لها إلا الميراث ولا صداق لها في مذهب مالك ~~وأصحابه إذا مات عنها قبل الدخول ولم يفرض لها. # فصل وحد المسيس الذي يوجب الصداق جميعه التقاء الختانين، وهو يوجب ms0451 سبعة ~~أحكام: يوجب الصداق، ويوجب الغسل، ويوجب الحد، ويحصن الزوجين، ويحل المطلقة ~~ثلاثا للذي طلقها، ويفسد الحج، ويفسد الصوم. # فصل وإن طلقها قبل البناء فأقرا بالمسيس وجب للمرأة صداقها كاملا ولزمتها ~~العدة، فإن عرفت لهما خلوة أو ظهر بها حمل كانت له الرجعة وتوارثا إن مات ~~أحدهما في العدة، وإن لم تعرف لهما خلوة ولا ظهر بها حمل لم يكن له رجعتها؛ ~~لأنها قد بانت منه في ظاهر الأمر فيتهمان على التزويج بغير ولي ولا صداق ~~ولا يتوارثان. وإن أنكرا المسيس ولم يدعه أحدهما لم يكن لها إلا نصف ~~الصداق، ولم # PageV01P538 # يجب عليها عدة إلا أن يعلم بينهما خلوة فتجب عليها العدة ولا يكون للزوج ~~فيها الرجعة ولا لأحدهما من صاحبه ميراث. # فصل فإن اختلفا فيه ولم يعلم بينهما خلوة فادعته المرأة على زوجها وأنكر ~~لزمته اليمين إن أشبه ما ادعته، فإن حلف برئ من نصف الصداق، وإن نكل عن ~~اليمين حلفت هي واستوجبت جميعه ولزمتها العدة ولم يكن للزوج رجعة. وإن ~~ادعاه الزوج وأنكرته هي لم يصدق عليها في العدة ولا في الرجعة وكان قد أقر ~~لها بجميع الصداق، فإن شاءت أخذت جميعه، وإن شاءت أخذت نصفه. وقال سحنون: ~~ليس لها أن تأخذ جميعه إلا بعد أن تكذب نفسها وترجع إلى تصديق الزوج. فإن ~~كذبت نفسها ورجعت إلى تصديق الزوج لزمتها العدة. وقول سحنون ليس بخلاف لما ~~في المدونة لابن القاسم في كتاب الرهون مثله ولأشهب في هذا الكتاب. # فصل وإنما لها أن ترجع إلى تصديقه ما دام باقيا على قوله. ولو أنه رجع ~~إلى تصديقها قبل أن ترجع إلى تصديقه لم يكن لها شيء، وإن رجعت إلى قوله بعد ~~رجوعه إلى قولها لم يجب عليه يمين. وكذلك لا يمين عليها إن رجع إلى قولها ~~بعد رجوعها إلى قوله وتأخذ جميع الصداق منه دون يمين. # وتحصيل هذا أن من سبق منهما إلى الرجوع إلى قول صاحبه صدق، إن كانت هي ~~التي سبقت بالرجوع إلى قوله وجب لها الصداق دون ms0452 يمين، أقام على قوله أو نزع ~~عنه. وإن كان هو الذي سبق بالرجوع إلى قولها سقط عنه نصف الصداق، ولم يجب ~~عليه يمين، أقامت على قولها أو نزعت عنه. وقد قيل: إن لها أن تأخذ ما أقر ~~لها به، وإن كانت مقيمة على الإنكار، وهذا القول أحد قولي سحنون # PageV01P539 # في نوازله من كتاب الاستلحاق، وقيل: إنه لا يحكم لها بأخذ ما أقر لها به ~~إن رجعت إلى قوله: وصدقته إلا أن يشاء أن يدفع ذلك إليها، قاله ابن القاسم ~~في سماع عيسى من كتاب النكاح، وقاله أيضا في سماع عيسى من كتاب الدعوى في ~~الورثة ولا فرق. # فصل وأما إذا اختلفا في المسيس ولم يبن بها إلا أنه قد دخل بها وأرخيت ~~الستور عليها، فاختلف قول مالك في ذلك، فمرة قال: القول قولها في المسيس ~~حيث ما أخذ الزوجين الغلق كان ذلك في بيتها أو بيته على ظاهر قول عمر بن ~~الخطاب: إذا أرخيت الستور فقد وجب الصداق. وبذلك قال مطرف وابن الماجشون ~~وابن وهب وابن عبد الحكم وأصبغ. ومرة قال: إن كان دخوله عليها وخلوته بها ~~في بيته صدقت عليه، وإن كان في بيتها صدق عليها في قول سعيد بن المسيب، ~~وبذلك قال ابن القاسم. # وفي المسألة قول ثالث لعيسى بن دينار أن القول قول الزوج إذا أنكر المسيس ~~حيث ما أخذ الزوجين الغلق كان ذلك في بيته أو في بيتها، لا تصدق المرأة في ~~دعواها عليه ما لم يكن دخوله عليها وخلوه بها دخول اهتداء وهو البناء، وقول ~~رابع لمالك - رحمه الله تعالى - من رواية ابن وهب عنه، أنها إن كانت ثيبا ~~فالقول قولها، وإن كانت بكرا نظر إليها النساء، فإن رأين بها أثر افتضاض ~~صدقت عليه، وإن لم يرين بها شيئا من ذلك لم يكن لها إلا نصف الصداق. حكى ~~هذه الرواية عن مالك عبد الوهاب. # فصل وأما إن دخل بها دخول اهتداء وهو البناء فلم يختلف قول مالك ولا أحد ~~من أصحابه أن القول قول المرأة ms0453 في دعوى المسيس إذا أنكر الزوج. # فصل ولا توجب الخلوة وإن كانت خلوة بناء على مذهب مالك وجميع أصحابه ~~الصداق إلا مع دعوى المسيس، وإنما هي شبهة توجب أن يكون القول قولها، # PageV01P540 # كالرهن واليد ومعرفة العفاص والوكاء وشبه ذلك. وعلى ذلك حمل ابن حبيب قول ~~عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إذا أرخيت الستور فقد وجب الصداق. وظاهره ~~خلاف ذلك أن إرخاء الستور يوجب الصداق وإن لم يكن ثم مسيس، وهو قول أبي ~~حنيفة وأصحابه أن الخلوة الصحيحة توجب المهر كله، وطئ أو لم يطأ، ادعته ~~المرأة أو لم تدعه، إذا لم يكن ثم مانع من الوطء من حيض أو إحرام أو صوم أو ~~ما أشبه ذلك. # فصل وإذا وجب أن يكون القول قول المرأة في دعوى المسيس فهل تحلف أو تصدق ~~دون يمين، اختلف في ذلك. ففي كتاب ابن المواز أن القول قولها مع يمينها، ~~وكذلك في كتاب ابن الجهم، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم في كتاب الحدود في ~~الذي يغيب على المرأة غصبا، ويثبت ذلك عليه فتدعي المسيس. وذهب بعض ~~المتأخرين إلى أنه لا يمين عليها قياسا على رواية أشهب عن مالك في كتاب ~~الغصب في الأمة الفارهة تتعلق برجل وهي تدمي تدعي أنه غصبها نفسها أن القول ~~قولها دون يمين، وذلك بعيد؛ لأنه إنما جعل القول قولها دون يمين لما بلغته ~~من فضيحة نفسها مع كونها تدمي. ووجه ذلك أنه أقام الشبهتين مقام شاهدين ~~فأسقط عنها اليمين؛ إذ لو انفردت واحدة منهما كانت كالشاهد يوجب لها ~~اليمين. والصحيح ما حكى ابن حبيب في الواضحة أن عليها اليمين، فالزوجة أحرى ~~أن يجب عليها اليمين؛ إذ لا عار عليها في دعوى المسيس على زوجها، سواء كانت ~~المرأة بكرا أو ثيبا، يتيمة أو ذات أب، حرة أو مملوكة، مسلمة أو نصرانية، ~~كبيرة أو صغيرة، إذا كانت قد بلغت مبلغا يوطأ مثلها، لا يجب لها الصداق إلا ~~بدعواها المسيس. فإن أقرت أنه لم يمسها جاز عليها قولها ولم يكن لها ms0454 إلا ~~نصف الصداق إلا أن يقر الزوج بالمصاب وتنكره هي وهي أمة أو مولى عليها، فإن ~~مطرفا وسحنونا قالا: لا يقبل قولها في طرح نصدق الصداق، وللولي أو السيد أن ~~يأخذ ذلك منه بإقراره به. # PageV01P541 # فصل فإن كانت صغيرة لم تبلغ المحيض على الصحيح من الأقوال أنها لا تستحق ~~الصداق دون يمين، فإن ادعت المسيس حلف الزوج وأدى نصف الصداق إلى أن تبلغ، ~~فإذا بلغت حلفت وأخذت النصف الثاني، فإن نكلت عن اليمين لم يحلف الزوج ~~ثانية. وإن نكل الزوج أولا عن اليمين أدى جميع الصداق ولم يكن له أن يحلفها ~~إذا بلغت، كحكم الصغير يقوم له بحقه شاهد. وقد قيل: إنه لا يمين عليها إذا ~~كانت صغيرة بخلاف الكبيرة، وهو بعيد؛ إذ لا فرق بين الكبيرة والصغيرة إلا ~~فيما ذكرناه من أن الصغيرة تؤخذ باليمين حين تبلغ، وبالله التوفيق. # فصل وإيجاب اليمين عليها أظهر لما قدمناه من أن الخلوة دليل على صدقها ~~كالشاهد واليد ومعرفة العفاص والوكاء، وليس كالبينة التامة. ومن صدقها في ~~دعواها المسيس جعل الخلوة كالبينة التامة، وهو قول أحمد بن المعدل فيما حكى ~~عنه عبد الحق في كتابه الكبير، وهو قول بعيد ما له عندي وجه إلا مراعاة قول ~~من يوجب لها جميع الصداق بالخلوة وإن تقاررا على عدم المسيس. # فصل والعدة تجب على الزوجة بأحد وجهين: إما بخلوة تعرف، وإما بإقرارهما ~~على أنفسهما بالمسيس وإن لم تعرف له خلوة بها. وتجب للزوج الرجعة بأحد ~~وجهين: إما بتقاررهما على الوطء مع خلوة تعرف أو بادعاء الوطء إذا أنكرت في ~~كل موضع تصدق فيه المرأة عليه في دعوى الوطء إذا أنكر. وهذا أصل حيث ما كان ~~القول قول المرأة في دعوى الوطء كان القول قول الزوج في الرجعة وفي دعواه ~~دفع الصداق إليها. فهذا تلخيص هذا الباب، وبالله التوفيق. # PageV01P542 ### || فصل في الرجعة # فصل # في الرجعة الأصل في الرجعة قول الله عز وجل: {لا تدري لعل الله يحدث بعد ~~ذلك أمرا} [الطلاق: 1] ، أي يحدث في النفوس الندم على ms0455 الفرقة وإرادة ~~الرجعة: {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف} [الطلاق: 2] ~~، وبلوغ الأجل هاهنا المقاربة لا البلوغ على الحقيقة، وكذلك قوله تعالى: ~~{وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف} ~~[البقرة: 231] ، بخلاف قوله تعالى: {ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ ~~الكتاب أجله} [البقرة: 235] ، بخلاف قوله: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن ~~فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف} [البقرة: 232] ، ~~نهى الأولياء إذا انقضت العدة وأرادت الرجوع إلى زوجها أن يعضلوها عن ~~الرجوع إليه؛ لأن بلوغ الأجل هو انقضاء العدة، وإذا انقضت العدة لم يكن ~~للزوج رجعة بإجماع، فسمى المقاربة بلوغا على عادة العرب في تسمية الشيء ~~باسم ما قرب منه. قال الله عز وجل: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من ~~الشيطان الرجيم} [النحل: 98] ، أي: إذا أردت أن تقرأ القرآن. وقال - صلى ~~الله عليه وسلم -: «إن بلالا ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم ~~مكتوم» . وكان ابن أم مكتوم رجلا أعمى لا ينادي حتى يقال له أصبحت أصبحت، ~~أي قاربت الصباح. وفي الحديث: «صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~صلاة الصبح على أثر سماء كانت من الليل؛» فسمى المطر سماء لما كان نزوله من ~~السماء. وهذا كثير في لسان العرب. # PageV01P543 # فصل فالرجعة يملكها الزوج في كل طلاق نقص عدده عن الثلاث ما لم يكن معه ~~فداء أو ما لم يكن على وجه المباراة أو الفدية وإن لم يكن معه فداء على ~~مذهب ابن القاسم إذا كانت الزوجة مدخولا بها ما دامت في عدتها. والعدة ~~ثلاثة أقراء، والأقراء الأطهار على مذهب مالك وأهل المدينة. فإذا رأت ~~المرأة أول قطرة من دم الحيضة الثالثة فقد انقضت عدتها وبانت من زوجها وحلت ~~للأزواج. # قال أشهب: إلا أنه استحب أن لا تعجل حتى تعلم أنها حيضة مستقيمة تتمادى ~~بها فيها؛ لأنها ربما رأت المرأة الدم الساعة والساعتين واليوم ثم ينقطع، ~~فيجب عليها الرجوع إلى بيتها ويكون لزوجها عليها الرجعة. ومثل ذلك في سماعه ~~عن مالك من كتاب طلاق ms0456 السنة. وكان يمضي لنا عند من اختلفنا إليه من الشيوخ ~~أن قول أشهب تفسير لقول ابن القاسم، والصحيح أنه خلاف له؛ لأن أقل الحيض لا ~~حد له عند ابن القاسم، وقد يكون يوما وساعة ولمعة إذا كان قبله طهر فاصل ~~[وبعده طهر فاصل] . فإذا رأت المرأة أول قطرة من الحيضة الثالثة فقد انقضت ~~عدتها وحلت للأزواج ولم يكن للزوج عليها رجعة. ولا معنى لاستحباب تربصها ~~على مذهبه حتى يتمادى بها الدم أياما؛ إذ لو انقطع بعد ساعة أو ساعتين لما ~~كان للزوج عليها الرجعة ولا وجب عليها الرجوع إلى بيتها؛ إذ لا يخلو إذا ~~انقطع ثم عاد أن يعود على قرب أو بعد، فإن عاد على قرب قبل أن يمضي من ~~الأيام ما يكون طهرا فاصلا كان مضافا إلى الدم الأول وما بينهما من الأيام ~~ملغى، وعلم أن الدم الأول هو أول الحيضة الثالثة وأن العدة قد انقضت به. ~~وإن عاد على بعد بعد أن يمضي من الأيام ما يكون طهرا فاصلا كان هذا الدم ~~حيضة رابعة وعلم أن ذلك الدم الأول هي الحيضة الثالثة وأن العدة قد انقضت ~~بها، وإنما يلزم التربص عن النكاح على مذهب من يوقت لأقل الحيض وقتا ولا ~~يرى ما دون ذلك # PageV01P544 # حيضة تعتد به المرأة في أقرائها، كابن الماجشون الذي يقول: إن أقل الحيض ~~خمسة أيام، ومحمد بن مسلمة الذي يقول: أقل الحيض ثلاثة أيام، فلا بد على ~~مذهب ابن الماجشون إذا رأت قطرة من الحيض أن تتربص عن النكاح حتى تمكث في ~~الدم خمسة أيام، وعلى مذهب محمد بن مسلمة ثلاثة أيام، لاحتمال أن ينقطع ~~عنها الدم قبل بلوغ الحد فلا يعود إليها إلا بعد مدة يكون طهرا فاصلا فيكون ~~هذا الدم الذي عاد هو أول الحيضة الثالثة والدم الأول دم علة وفساد. وعلى ~~مذهبهما تقضي الصلاة التي تركت فيها. # فصل وإنما كانت له الرجعة ما لم تنقض العدة؛ لأن العصمة بين الزوجين لا ~~تنقطع بما دون الثلاث إذا لم يكن معه فداء ms0457 ما لم تنقض العدة. ألا ترى أن ~~أسباب الزوجية كلها قائمة بينهما من النفقة والسكنى والموارثة ما عدا ~~الوطء. وارتفاع الوطء هو التأثير الذي حصل في النكاح بإيقاع الطلاق، فإذا ~~هو راجعها صلح ذلك الثلم برجعته وعادت إلى ما كانت عليه من عصمته. # فصل والرجعة تكون بالنية مع القول أو ما يقوم مقام القول فيما لا يصح ~~فعله إلا بعد المراجعة، مثل الوطء والقبلة والمباشرة باللذة وما أشبه ذلك، ~~قاله في كتاب ابن المواز وهو بيان لما في المدونة خلافا للشافعي في قوله: ~~إن الرجعة لا تكون إلا بالقول. وأما الدخول عليها والنظر إليها والأكل معها ~~فيجري على اختلاف قول مالك في جواز ذلك له قبل المراجعة، فيكون فعل ذلك ~~رجعة إذا نوى بها الرجعة على القول الذي منع منه، ولا يكون رجعة على القول ~~الذي أجازه وأجاز غسلها إن ماتت قبل المراجعة. # PageV01P545 # فصل فإذا انفردت النية في ذلك دون القول أو ما يقوم مقامه في الوطء وما ~~ضارعه لم تكن رجعة، قاله في كتاب ابن المواز. والصحيح أن الرجعة تصح بمجرد ~~النية؛ لأن اللفظ إنما هو عبارة عما في النفس. فإذا نوى في نفسه أنه قد ~~راجعها واعتقد ذلك في ضميره فقد صحت رجعته فيما بينه وبين الله تعالى، فإن ~~أظهر لنا بلفظه ما قد أضمر من ذلك في قلبه حكمنا عليه به. ويجري على هذا ~~الاختلاف في لزوم الطلاق بمجرد النية دون اللفظ. ولو انفرد اللفظ دون النية ~~لما صحت له بذلك رجعة فيما بينه وبين الله تعالى، وإن حكمنا عليه بما ظهر ~~من قوله ولم نصدقه فيما ادعاه من عدم النية إلا على مذهب من رأى أن الطلاق ~~لا يلزم المستفتي بمجرد القول دون النية، وهو قائم من المدونة إلا أنه بعيد ~~في المعنى. # فصل وقد اختلف هل يجوز له الوطء إذا ألزم الرجعة على القول الذي يرى أنها ~~لا تصح له فيما بينه وبين الله. وكذلك اختلف أيضا في جواز الوطء لمن طلق في ~~الحيض فأبى ms0458 من الارتجاع فحكم عليه بالرجعة وألزم إياها. وقد ذكرت ذلك في ~~موضعه. # فصل وأما الوطء دون النية فلا يكون رجعة في الباطن ولا في الحكم الظاهر. ~~وقال الليث بن سعد: الوطء رجعة وإن لم ينو به الرجعة، يريد والله أعلم في ~~الحكم الظاهر، ولا يصدق أنه لم يرد بذلك الرجعة، وهو الأظهر قياسا على ~~مبتاع الأمة بالخيار أن وطأه في أيام الخيار اختيار، وإن زعم أنه لم يختر ~~لم يصدق؛ لأنه مخير في ارتجاع زوجته في العدة كما هو مخير في اختيار ~~الجارية التي ابتاعها بالخيار. وقد يفرق بينهما بأن المبتاع لو حبس الجارية ~~حتى مضت أيام الخيار وتباعدت عد # PageV01P546 # بذلك مختارا والزوج لو تمادى على إمساكها حتى انقضت عدتها لبانت منه ~~بخلاف انقضاء أيام الخيار، فدل أن وطأه أضعف من وطء المختار، وهو تفريق لا ~~يسلم من الاعتراض. # فصل فإن ادعى بعد العدة أنه راجعها في العدة بقول أو نية لم يصدق في ذلك ~~إلا أن يعلم أنه كان يخلو في العدة أو يبيت معها فيصدق أن خلوته بها ومبيته ~~معها إنما كان لمراجعته إياها. وكذلك إذا وطئها في العدة وقال: إنه أراد ~~بوطئها الرجعة فيصدق في ذلك. وهذا هو معنى قولهم إن الوطء رجعة إذا أراد به ~~الرجعة، أي أنه يصدق في إرادة الرجعة بما ظهر من الوطء. # فصل فمن وطئ ولم يرد بوطئه الرجعة فقد وطئ وطئا حراما خلافا لأبي حنيفة؛ ~~لأنها جارية إلى البينونة. أصلها الكتابية إذا أسلمت بعد الدخول فإن أراد ~~مراجعتها فيما بقي من العدة راجعها بالقول والإشهاد دون الوطء؛ إذ لا يصح ~~وطؤها إلا بعد الاستبراء من الماء الفاسد. فإن لم يراجعها حتى انقضت عدتها ~~بانت منه ولم يحل له ولا لغيره نكاحها حتى ينقضي استبراؤها من ذلك الماء ~~الفاسد بثلاث حيض. # فصل واختلف إن تزوجها هو ودخل بها قبل تمام الاستبراء هل يكون ناكحا في ~~عدة وتحرم عليه أبدا أم لا؟ على قولين: فمن علل التحريم بتعجيل النكاح قبل ~~بلوغ أجله خاصة ms0459 من غير أن يضم إلى ذلك اختلاط الأنساب أوجب التحريم لوجود ~~العلة، ومن علل التحريم بتعجيل النكاح قبل أوانه في موضع تختلط فيه الأنساب ~~لم يوجب التحريم؛ لأن الماء ماؤه فليس فيه اختلاط الأنساب. وعلى هذا المعنى ~~اختلفوا فيمن طلق امرأته ثلاثا فتزوجها قبل زوج في عدتها. # PageV01P547 # فصل واختلف في الإشهاد على الرجعة هل هو واجب أو مستحب، فذهب عبد الوهاب ~~إلى أنه مستحب قياسا على الإشهاد في البيع. وذهب ابن بكير وغيره إلى أنه ~~واجب لقول الله عز وجل: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2] ، والأمر على ~~الوجوب حتى يقترن به ما يدل على أنه ليس على الوجوب، ولم يقترن به ما يدل ~~على ذلك كما اقترن في الأمر بالإشهاد على البيع، وذلك قوله: {فإن أمن بعضكم ~~بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته} [البقرة: 283] . # فصل وإنما يجب الإشهاد عند من أوجبه أو يستحب عند من لم يوجبه لتحصين ~~الفروج وما يتعلق بالرجعة من أحكام النكاح كالموارثة ولحوق النسب وغير ذلك، ~~وليس مشترطا في صحة الرجعة عند من أوجبه، وإنما هو فرض على حياله يأثم ~~تاركه بتركه. والصحيح إن شاء الله أنه مندوب إليه وليس بواجب؛ إذ لو وجب ~~لافتقرت الرجعة إليه ولما صحت دونه. ### || فصل في المتعة # فصل # في المتعة المتعة إنما أمر المطلق بها تطييبا لنفس المرأة عما يرد عليها ~~من ألم الطلاق وتسلية لها على الفراق. # فصل والمطلقات في المتعة ينقسمن على ثلاثة أقسام: مطلقة قبل الدخول وقبل # PageV01P548 # التسمية، ومطلقة قبل الدخول وبعد التسمية، ومطلقة بعد الدخول وقبل ~~التسمية أو بعد التسمية. فأما المطلقة قبل الدخول وقبل التسمية فإن الله ~~تبارك وتعالى قد نص في كتابه على إمتاعها فقال: {لا جناح عليكم إن طلقتم ~~النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة} [البقرة: 236] معناه ولم تفرضوا ~~لهن فريضة {ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا ~~على المحسنين} [البقرة: 236] ، فقوله تعالى: {ومتعوهن} [البقرة: 236] أمر ~~بالمتاع، والأمر على الوجوب ما لم يقترن به قرينة تصرفه عن الوجوب إلى ms0460 ~~الندب. وقد اقترن بهذا الأمر قرائن تدل على أن المراد به الندب، من ذلك ~~تخصيصه بها المحسنين من غير المحسنين بقوله تعالى: {حقا على المحسنين} ~~[البقرة: 236] ، ولا يعلم المحسنين من غير المحسنين غير الله تعالى؛ لأن ~~الإحسان فيما بين العبد وخالقه. فلما علق تعالى المتعة بصفة لا يعلمها غيره ~~دل على أن الله لم يوجب الحكم بها على الحكام؛ إذ لم يجعل لهم طريقا إلى ~~تمييز المأمور بها من غيره، وقيل للمطلق: متع إن كنت من المحسنين فكان حقا ~~عليه أن يمتع ولا يخرج نفسه من جملة المحسنين. وأيضا فإنها غير مقدرة ولا ~~معلومة، والفرائض لا بد أن تكون مقدرة معلومة. وأيضا فإن الله تبارك وتعالى ~~لما خص المطلق قبل الدخول وقبل التسمية برفع الحرج عنه دون غيره ممن طلق ~~بعد الدخول أو قبل الدخول وبعد التسمية بقوله: {لا جناح عليكم إن طلقتم ~~النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة} [البقرة: 236] ، دل ذلك على أنه ~~إنما خصها بالذكر من أجل أنها تطلق ولا يجب لها بالطلاق شيء بسبب من تحرج ~~عن الطلاق في هذه الحال لهذا الوجه والله أعلم. فلو وجب لها المتاع إذا ~~طلقت في هذه الحال كما يجب للمطلقة قبل الدخول وبعد التسمية نصف الصداق ~~وكما يجب للمطلقة بعد الدخول جميعه لما تحرج أحد عن طلاقها في هذه الحال ~~كما لم يتحرج عن طلاقها في سائر الأحوال، ولما كان لتخصيصها برفع الحرج عن ~~المطلق لها في هذه الحال دون غيرها من الأحوال معنى، والله أعلم. # PageV01P549 # فإن قيل: يحتمل أن يكون تحرج من طلاقها في هذه الحال من لا يعلم وجوب ~~المتعة لها. # قيل له: لو كان الأمر على ذلك لكانت التلاوة: لا جناح عليكم إن طلقتم ~~النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ولهن المتاع، كما قال في الآية ~~التي بعدها: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما ~~فرضتم} [البقرة: 237] ، ومن أهل العلم من أوجب المتاع لها وقال الآية عامة ~~في ms0461 أولها وآخرها؛ لأن كل مؤمن محسن، فكأنه قال متاعا بالمعروف حقا على ~~المحسنين المطلقين؛ لأن الإيمان إحسان. قال الله عز وجل: {ومن أحسن قولا ~~ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين} [فصلت: 33] وهذا بعيد؛ ~~لأن الإحسان التفضل وفعل المعروف، فلا ينطلق اسم الإحسان على كل مؤمن؛ لأن ~~منهم المسيء في أفعاله وإن كان محسنا في إيمانه. # فصل وأما المطلقة قبل الدخول وبعد التسمية فإن الله تبارك وتعالى ذكرها ~~عقب المطلقة قبل الدخول وقبل التسمية فأوجب لها نصف الفريضة ولم يأمر لها ~~بالمتاع، فدل على أنه لم يجعل لها متاعا واجبا ولا مندوبا إليه، وهو مذهب ~~مالك وجميع أصحابه. ومن أهل العلم من أوجب لها المتاع بعموم قول الله عز ~~وجل: {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن ~~تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا} ~~[الأحزاب: 49] ؛ إذ لم يفرق بين أن يكون سمى لها صداقا أو لم يسم، ولعموم ~~قوله عز وجل: {وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين} [البقرة: 241] ، ~~وقال هي من المطلقات فلها المتاع مع نصف الصداق كما للمدخول بها المتاع مع ~~جميع الصداق. ولو لم يكن لها المتاع من أجل أن لها نصف الصداق لوجب أن لا ~~يكون للمدخول بها متاع من أجل أن لها # PageV01P550 # جميع الصداق؛ لأن نصف الصداق للتي لم يدخل بها كجميعه للتي دخل بها. وهذا ~~غير صحيح؛ لأن المدخول بها قد وجب لها الصداق بالوطء وجوبا مستقرا لا يسقطه ~~فسخ ولا ارتداد، والتي لم يدخل بها لم يجب لها بالعقد شيء من الصداق وجوبا ~~مستقرا، ولو وجب لها نصفه وجوبا مستقرا لما سقط بالفسخ أو الارتداد. فلما ~~أوجبه الله تعالى لها ولم يكن واجبا قبل ولم يأمر لها بالمتاع دل على أن لا ~~شيء لها سواه، وهذا بين والحمد لله. ومن أهل العلم من استحسن للزوج المتاع ~~في هذه، ولم يوجبه لها للاحتمال، فهذه ثلاثة أقوال. # فصل وأما المطلقة بعد الدخول وقد سمي ms0462 لها الصداق أو لم يسم لها فلأهل ~~العلم فيها قولان: أحدهما: أن المتعة لها واجبة على الزوج يؤخذ بها ويجبر ~~عليها لقوله تعالى: {وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين} [البقرة: ~~241] ، وقال كل مؤمن متق ولا تخصيص في الآية. والثاني: أنه يؤمر بها ويندب ~~إليها ولا يجبر عليها فيقال له: متع إن كنت من المتقين على ما بيناه من قبل ~~في قوله: إن كنت من المحسنين. وهو قول مالك - رحمه الله تعالى - وجميع ~~أصحابه. # فصل وقد اختلف في متعة هذه المطلقة وفي التي طلقت قبل الدخول ولم يسم لها ~~صداق أيهما أوجب على أربعة أقوال: أحدها: أنهما سواء في إسقاط الوجوب، وهذا ~~مذهب مالك وجميع أصحابه. والثاني: أنهما سواء في ثبوت الوجوب لهما ووجوب ~~الحكم بهما. والثالث: أن المتعة للمدخول بها أوجب من التي لم يدخل بها؛ لأن ~~الله أوجب لها المتاع بغير لفظ الأمر المحتمل للوجوب والندب فقال: ~~{وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين} [البقرة: 241] ، واستدل أيضا من ~~ذهب إلى ذلك بقول الله عز وجل: {يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن ~~الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا} [الأحزاب: 28] ~~، فنص على إمتاعهن وهن # PageV01P551 # مدخول بهن. والرابع: أن المتعة للتي لم يدخل بها ولم يسم لها أوجب؛ لأن ~~الله تعالى نص في كتابه على المتعة لها بالأمر، والأمر على الوجوب، ولم ينص ~~على المتعة للمدخول بها إلا في تخيير النبي - صلى الله عليه وسلم - أزواجه، ~~وذلك حكم خص به النبي دون المؤمنين، بدليل إجماعهم على أنه لا يجب على أحد ~~أن يخير زوجته، وإنما جعل الله لها المتعة بظاهر عموم اللفظ في قوله ~~وللمطلقات، وليس ما وجب بالظاهر والعموم كما نص عليه بالأمر الذي يقتضي ~~الوجوب. ولكل قول منها حظ من النظر، وأبينها وأصحها، ما ذهب إليه مالك ~~وجميع أصحابه. # فصل فإذا قلنا: إن المتعة تسلية للمرأة على فراق زوجها فلا متعة في كل ~~فراق تختاره المرأة من غير سبب يكون للزوج في ذلك، كامرأة العنين والمجذوم ~~والمجنون ms0463 تختار فراق زوجها، وكالأمة تعتق تحت العبد فتختار نفسها، ولا في ~~كل نكاح مفسوخ، قاله ابن القاسم. وقال ابن المواز: إذا فسخ [بغير طلاق] ~~وظاهر قول ابن القاسم أنه لا متعة فيه فسخ قبل الطلاق بطلاق أو بغير طلاق ~~أو طلق هو قبل الفسخ. وقد اختلف في المملكة والمخيرة. فقال ابن خويز منداد: ~~لا متعة لها؛ لأنها مختارة للطلاق. ومعلوم أن من اختارت فراق زوجها فلم ~~تشفق لذلك ولا حزنت له فلا يحتاج الزوج إلى تسليتها وتطييب نفسها. وروى ابن ~~وهب عن مالك أن لها المتعة. ووجه ذلك أن الطلاق فيهما إنما هو من الزوج ~~الذي جعل ذلك إليها، ولعلها تحتشم من اختياره وهو قد عرضها للفراق فتختار ~~نفسها وهي كارهة لذلك مريدة للبقاء مع زوجها. وأما المختلعة والمبارئة ~~والمصالحة فلا متعة لهن باتفاق؛ لأنهن رغبن في فراق أزواجهن واشترينه بما ~~بذلن إليه فلا يحتاج إلى تسليتهن. وكذلك الملاعنة لا متعة لها. # PageV01P552 # فصل والمتعة سواء في الطلاق البائن والرجعي إن لم يرتجع حتى تبين منه ~~بانقضاء العدة فلا يجب عليه المتاع حتى تنقضي العدة. وقد اختلف إن لم يمتع ~~حتى ماتت المرأة هل يجب عليه المتاع لورثتها على قولين: أحدهما: أنه يجب ~~ذلك عليه لورثتها؛ لأنه حق لها يورث عنها، وهو مذهب ابن القاسم. والثاني: ~~أنه لا يجب لها إلا ما دامت باقية، فإن ماتت لم يجب لورثتها؛ لأن المراد ~~بذلك عينها تسلية لها عن الفراق. وأما إن مات الزوج قبل أن يمتع فالمتاع ~~ساقط عنه ولا يؤخذ ذلك لها من ماله؛ لأنه ليس بدين ثابت عليه. وللعبد أن ~~يمتع امرأته وليس للسيد أن يمنعه من ذلك؛ لأنه من حقوق النكاح الذي أذن له ~~فيه، ولا حد للمتعة، وإنما هي على قدر حال الزوجين. وقد قال ابن عمر: ~~أعلاها رقبة وأدناها كسوة أو نفقة. ### || فصل في الخلع # فصل # في الخلع أباح الله تبارك وتعالى لعباده المؤمنين النكاح فقال: {فانكحوا ~~ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع} [النساء: 3] ، وقال: {وأنكحوا ms0464 ~~الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم} [النور: 32] ، وأمر عز وجل بحسن ~~العشرة فيه فقال: {وعاشروهن بالمعروف} [النساء: 19] ، وقال: {ولهن مثل الذي ~~عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة} [البقرة: 228] ، وملك الأزواج أمر ~~الزوجات بما جعل إليهم من الطلاق، ونهاهم أن يعتدوا فيما جعل إليهم من ذلك ~~فقال: {ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا} [البقرة: 231] ، وقال: {فإمساك بمعروف ~~أو تسريح بإحسان} [البقرة: 229] ، فإن أحب الرجل المرأة # PageV01P553 # أمسكها وإن كرهها فارقها، ولا يحل له إذا كرهها أن يمسكها ويضيق عليها ~~حتى تفتدي منه وإن أتت بفاحشة من زنا أو نشوز أو بذاء لقول الله عز وجل: ~~{وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا ~~أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا} [النساء: 20] {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم ~~إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا} [النساء: 21] ، هذا مذهب مالك وجميع ~~أصحابه لا اختلاف بينهم فيه. ومن أهل العلم من أباح للرجل إذا اطلع على ~~زوجته بزنا أن يمسكها ويضيق عليها حتى تفتدي منه لقول الله عز وجل: {ولا ~~تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} [النساء: 19] ~~، وتأول أن الفاحشة المبينة هو الزنا هاهنا، وجعل الاستثناء متصلا، ومنهم ~~من تأول أن الفاحشة المبينة البغض والنشوز والبذاء باللسان، فأباح للزوج ~~إذا أبغضته زوجته ونشزت عليه وبذأت بلسانها عليه أن يمسكها ويضيق عليها حتى ~~تفتدي منه. # ومنهم من حمل الفاحشة على العموم فأباح ذلك للزوج كانت الفاحشة التي أتت ~~بها زنا أو نشوزا أو بذاء باللسان أو ما كانت. والصحيح ما ذهب إليه مالك - ~~رحمه الله -؛ لأنه إذا ضيق عليها حتى تفتدي منه فقد أخذ مالها بغير طيب نفس ~~منها، ولم يبح الله ذلك إلا عن طيب نفسها فقال: {فإن طبن لكم عن شيء منه ~~نفسا فكلوه هنيئا مريئا} [النساء: 4] ، والآية التي احتجوا بها لا حجة لهم ~~فيها؛ لأن الفاحشة المبينة من جهة النطق أن تبذأ عليه وتشتم عرضه وتخالف ~~أمره؛ لأن كل فاحشة أتت في القرآن منعوتة بمبينة فهي من جهة النطق، وكل ~~فاحشة أتت ms0465 فيه مطلقة فهي الزنا، والاستثناء المذكور فيها منفصل. فمعنى ~~الآية: لكن إن نشزن عليكم وخالفن أمركم حل لكم ما ذهبتم به من أموالهن، ~~ومعناه إذا كان ذلك عن طيب أنفسهن، ولا يكون ذلك عن طيب أنفسهن إلا إذا لم ~~يكن منهم إليهن ضرر ولا تضييق. فعلى هذا التأويل تتفق آي القرآن ولا ~~تتعارض. وقد قيل في تأويل الآية غير هذا، وهذا أحسن. # PageV01P554 # وذهب إسماعيل القاضي إلى أن الخلع يجوز، ويسوغ للزوج ما أخذ منها على ~~الطلاق إذا كان النشوز والكراهة منها. وإذا خافا أن لا يقيما حدود الله ~~فاشتركا في المخافة جميعا؛ لقول الله عز وجل: {فإن خفتم ألا يقيما حدود ~~الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به} [البقرة: 229] ، وليس قوله بخلاف لما ~~حكيناه عن مالك وأصحابه من أن الخلع لا يجوز للزوج وإن كرهته المرأة ونشزت ~~عليه وأضرت به إذا فارقها على بعض ذلك؛ لأنه إنما حمل المخافة على بابها، ~~فأباح الفدية قبل وقوع ما خافاه مخافة أن يقع. فإذا كره كل واحد منهما ~~صاحبه فخاف هو إن أمسكها أن لا يقيم حدود الله فيها من أجل كراهته إياها، ~~وخافت هي أن لا تقوم بما يلزمها من حقه فخالعته مخافة الإثم والحرج فقد ~~أعطته مالها على الطلاق طيبة به نفسها إذ لم يضطرها إلى ذلك باضطرار كان ~~منه إليها. # فصل وأما ابن بكير فإنه حمل الخوف المذكور في الآية على العلم، إلا أنه ~~ذهب إلى أن الخطاب فيها إنما هو للولاة كآية التحكيم سواء، فقال: تقدير ~~الكلام فإن خفتم يا ولاة، أن لا يقيم الزوجان حدود الله فيما بينهما فلا ~~جناح عليكم فيما أخذتم من مالها وفرقتم بينهما. فالاختلاف بينه وبين ابن ~~بكير إنما هو في تأويل الآية في الموضع الذي يجوز فيه الخلع من الذي لا ~~يجوز فيه، لا اختلاف [في المذهب] أن الزوج لا يجوز له أن يأخذ من زوجته ~~شيئا على طلاقها إلا إذا كان النشوز من قبلها ولم يكن منه في ذلك ضرر ~~إليها؛ إذ ms0466 ليس له أن يعارضها على نشوزها عليه بالإضرار لها والتضييق عليها ~~حتى تفتدي منه لقول الله عز وجل: {ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} ~~[النساء: 19] ، وإنما له أن يعظها، فإن اتعظت وإلا # PageV01P555 # هجرها في المضجع، فإن اتعظت وإلا ضربها ضربا غير مبرح، فإن أطاعته فلا ~~يبغي عليها سبيلا لقول الله عز وجل: {واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن ~~واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا} [النساء: ~~34] ، فإن بذلت له شيئا على الفداء حل له أن يقبله إذا لم يتعد أمر الله ~~فيها. # فصل وأما إذا كان النشوز من قبله ولم ترض ذلك من فعله فالواجب عليه أن ~~يفارقها إلا أن يصطلحا [بأن يعطيها] على الرضا بالإثرة والبقاء معه عليها ~~أو تعطيه على أن لا يطلقها وتبقى معه على الإثرة أو على ترك الإثرة، وذلك ~~الصلح الذي قال الله عز وجل: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا ~~جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح} [النساء: ~~128] . # فصل وأما إذا كان النشوز من قبلهما جميعا وأضر كل واحد منهما بصاحبه فلا ~~يجوز للزوج أن يأخذ منها شيئا على الطلاق على ما بيناه. # فصل فإن تداعيا في ذلك وتفاقم الأمر بينهما وارتفعا إلى الحاكم حكم ~~بينهما حكمين حكما من أهله وحكما من أهلها. قال الله عز وجل في كتابه حيث ~~يقول: {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها} ~~[النساء: 35] الآية معناه عند أهل العلم علمتم ذلك وخفتم تزايده. فإن تبين ~~لهما أن الضرر من قبل الزوج فرقا بينهما بغير غرم تغرمه المرأة، ويكون لها ~~نصف صداقها إن كان ذلك قبل الدخول وجميعه إن كان بعد الدخول؛ لأن حكم نصف ~~الصداق قبل الدخول # PageV01P556 # كجميعه بعد الدخول. وإن تبين لهما أن الضرر من قبل المرأة أقراها تحته ~~وائتمناه على غيبها وأذنا له في تأديبها كما أمره الله تعالى. # وإن تبين لهما أن كل واحد منهما مضر بصاحبه فرقا بينهما بغرم بعض الصداق: ~~نصفه إن ms0467 كان إضرار كل واحد منهما بصاحبه متكافئا، وأكثر من النصف إن كان ~~الإضرار منها أكثر، وأقل من النصف إن كان الإضرار منها أقل. هذا قول ربيعة ~~في المدونة، ومثله في كتاب ابن المواز، وهو مذهب مالك وأصحابه. وقال ابن ~~أبي زيد: إنه إن تبين لهما أن الضرر والنشوز من قبل المرأة جاز للزوج ما ~~أخذا له منها على الفراق، وإن كان ذلك أكثر مما أصدقها، قاله ابن الماجشون ~~في المبسوط، ظاهره أحبت أو كرهت إذا أحب هو الفراق. ومعنى ذلك عندي على ما ~~في المدونة إن طاعت به. وبالله سبحانه وتعالى التوفيق. # فصل فإن قال قائل: إذا كان الزوج لا يجوز له أن يأخذ من زوجته شيئا على ~~فراقه إياها إذا أضر كل واحد منهما بصاحبه فكيف يجوز له أن يأخذ ما حكم به ~~الحكمان من صداقها إذا تبين لهما أن كل واحد منهما مضر بصاحبه وقد نص الله ~~تبارك وتعالى في كتابه على أن حكم الحاكم لا يحل مال أحد لأحد فقال: {ولا ~~تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من ~~أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون} [البقرة: 188] وسأل عن الفرق بين ~~الموضعين. # فالجواب عن ذلك أن الزوج في الخلع قد اختار الطلاق وأجبر الزوجة على أخذ ~~مالها بما كان من ضرره إليها، وذلك ما لا يجوز له، لقول الله عز وجل: {ولا ~~تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} [النساء: 19] ، وفي حكم الحكمين لم يختر ~~الطلاق بل أجبره عليه الحكمان كما أجبرا الزوجة على إعطاء المال، وساغ له ~~أخذه عوضا عن إخراج الزوجة عن ملكه حكما من الله عز وجل. # PageV01P557 # فصل وحكم الحكمين بين الزوجين لا إعذار فيه إلى أحدهما؛ لأنهما لا يحكمان ~~بالشهادة القاطعة، وإنما يحكمان بما خلص إليهما من علم أحوالهما بعد النظر ~~والكشف. # فصل والخلع معاوضة عن البضع تملك به المرأة نفسها ويملك الزوج به العوض ~~عليها ملكا تاما لا يفتقر إلى حيازة؛ لأنه خرج على عوض، بخلاف الهبة ~~والصدقة وما أشبه ذلك مما خرج ms0468 على غير عوض. هذا هو المشهور في المذهب. وقد ~~وقع في كتاب محمد بن المواز ما يدل على خلافه، وذلك أنه قال: إذا كان على ~~الزوج دين فأحال به على الزوجة فيما خالعها به، فماتت قبل أن يقبض المحال ~~دينه أن له أن يرجع على الزوج بدينه، فلم يحكم له بحكم الديون الثابتة في ~~الذمة؛ إذ جعل له الرجوع على الزوج ولم يجعلها حوالة ثابتة كالحوالة على ~~الديون إلا أن العوض الذي تأخذه المرأة به ليس بمال، وإنما هو راحة نفسها ~~وتخليصها من ملك الزوج، فلا يحكم له به إلا مع سلامة الحال. فإن كان في ذلك ~~حق لآخرين نظر في ذلك بحسب قوته وضعفه، فمنه ما يقدم على الخلع أو منه ما ~~يختلف في تقديمه على الخلع أو تقديم الخلع عليه. # فأما ما يقدم على الخلع، فحق السيد في مال أمته المأذون لها في التجارة، ~~وفي مال المكاتبة، لا اختلاف في المذهب أن الأمة المأذون لها في التجارة أو ~~المكاتبة إذا اختلعت من زوجها أن خلعها لا يجوز إلا بإذن السيد لقوة حقها. ~~واختلف في المديانة إذا اختلعت هل يجوز خلعها دون إذن الغرماء أم لا؟ على ~~قولين: أحدهما: أن ذلك لا يجوز؛ لأنها أعطته مالها فيما لا حظ لهم فيه ~~بخلاف النكاح. والثاني: أن ذلك جائز كالنكاح. وجه القول الأول في الفرق بين ~~الخلع والنكاح، أن النكاح مما تمس الحاجة إليه كالطعام والشراب، فقد دخل ~~الغرماء معه على ذلك، والخلع ليس مما تمس الحاجة إليه، وإنما يقع نادرا # PageV01P558 # لعارض يعرض فتريد المرأة أن تخلص نفسها من الزوج بسببه فلم يدخل الغرماء ~~معه على ذلك كما لو جنت جناية فيها قصاص فصالحت على نفسها بمال أعطته ~~وعليها دين، فقد قال في كتاب الصلح من المدونة ليس لمن أحاط الدين بماله ~~إذا جنى جناية فيها القصاص أن يصالح فيسقط القصاص عن نفسه بأموال غرمائه. ~~وقد قيل: إن معنى قوله ليس له ذلك ابتداء، فإذا وقع نفذ ومضى. # فعلى هذا التأويل ms0469 إذا خالعت المديانة نفذ فعلها ومضى. إلا أنه تأويل ~~بعيد، والصواب أنه لا يجوز إلا أن يجيزه الغرماء، وإنما وقع في هذا التأويل ~~من تأوله؛ لأن ظاهره معارض لما وقع في كتاب الرهون من أن المرتهن أحق بما ~~ارتهن في جناية العمد والخطأ من الغرماء. ومعنى ما وقع فيه من ذلك أنه ~~العمد الذي لا قصاص فيه والخطأ الذي لا تحمله العاقلة. فإذا حمل على هذا ~~صحت المسائل وسلمت من التعارض ولم يحتج إلى ذلك التأويل البعيد. # فصل والفرق بين العمد الذي فيه القصاص وبين العمد الذي لا قصاص فيه هو أن ~~العمد الذي لا قصاص فيه دين أوجبه الحق عليه لم يدخله هو على نفسه ~~باختياره، فكان للمجروح مخاصمة الغرماء كسائر الديون. والعمد الذي فيه ~~القصاص ليس بمال، وإنما للمجروح القصاص. فإن بذل له فيه مالا كان قد استهلك ~~أموال غرمائه باستنقاذ نفسه من القصاص، وذلك ما لا يجوز له إلا بإذن ~~غرمائه. # فصل وكذلك اختلف في خلع المريضة والحامل المثقل، قيل: إن خلعها جائز على ~~ورثتها إذا خالعت بخلع مثلها، روى ذلك ابن وهب عن مالك. فعلى هذه الرواية ~~غلب الخلع على حق الورثة. وقيل: إن خلعها لا يجوز من غير تفصيل، وهو ظاهر ~~قول مالك في المدونة وفي كتاب ابن المواز. وقيل: إن ذلك لا يجوز إن كانت ~~خالعت بأكثر من ميراثه منها، ويجوز إن كانت خالعت بمثل ميراثه منها فأقل، ~~وهو قول ابن القاسم. واختلف أيضا متى ينظر فيه إن كان يوم الخلع أو يوم # PageV01P559 # الموت، فقال ابن القاسم يوم الخلع، وقال ابن نافع وأصبغ يوم الموت، على ~~ما يأتي في مسائلهم. فعلى هذين القولين غلب حق الورثة على الخلع. # فصل والخلع مأخوذ من الاختلاع وهو نزع الشيء عن الشيء، من ذلك الحديث أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يزد غرماء معاذ على أن خلع لهم ماله، ~~يريد أخرجه عن جميعه. وله عبارات هي الخلع، والصلح، والمبارأة، والفدية، ~~وكلها تئول إلى معنى واحد وهو ms0470 بذل العوض عن الطلاق، إلا أن اختلافها يرجع ~~إلى اختلاف صفات وقوعها. فالخلع بذل جميع المال على الطلاق. والصلح بذل ~~بعضه، والافتداء بذل جميع الحق الذي أعطاها. والمبارأة ترك ما لها عليه من ~~الحق على الطلاق، أو ترك كل واحد منهما ما له على صاحبه على الطلاق. وحكمها ~~كلها سواء في أنها طلقة واحدة بائنة إذا لم يسميا شيئا من الطلاق. # فصل ويجوز الخلع على جميع أعداد الطلاق إلا أنه يكره فيما زاد على ~~الواحدة، فإن وقع نفذ ومضى. وإن خالعته على أن يطلقها ثلاثا فطلقها واحدة ~~لم تكن لها حجة؛ لأنها قد نالت بالواحدة ما كانت تنال بالثلاث من ملكها أمر ~~نفسها. # فصل وإن وقع الخلع دون تسمية طلاق فهي واحدة بائنة خلافا للشافعي في ~~قوله: إن الخلع فسخ بغير طلاق. وحجته أن الله ذكر الخلع بعد قوله: {الطلاق ~~مرتان} [البقرة: 229] ، ثم قال: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح ~~زوجا غيره} [البقرة: 230] ، فدل ذلك على أن الخلع ملغى غير محسوب. وهذا لا ~~حجة فيه؛ لأن # PageV01P560 # ذكر الفدية حكم على حياله، فلا فرق بين أن يذكر بين ذكر الطلقتين والطلقة ~~الثالثة أو في غير ذلك الموضع. وقد بين ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بقوله لثابت بن قيس بن شماس: " هي واحدة ". وهذا نص في موضع الخلاف. وذهب ~~أبو ثور إلى أنها طلقة رجعية، وذلك بعيد؛ لأنها إنما بذلت المال على إزالة ~~الضرر، ولا يزول الضرر عنها إلا بملكها نفسها. وقد اختلف إذا بارأها على أن ~~يعطيها أو على أن لا تعطيه ولا يعطيها، فقيل هي طلقة رجعية، وهو قول مطرف، ~~وقيل هي طلقة بائنة، وهو قول ابن القاسم، وقيل هي ثلاث تطليقات وهو قول ابن ~~الماجشون. # فصل ويجوز الخلع على ما أعطاها وعلى أكثر من ذلك وأقل منه لقول الله عز ~~وجل: {فلا جناح عليهما فيما افتدت به} [البقرة: 229] ولو كان كما يقول بعض ~~الناس: إنه لا يجوز للزوج أن يأخذ منها في الخلع أكثر مما ms0471 أعطاها لكان، فلا ~~جناح عليهما فيما افتدت به منه؛ لأن القائل لو قال لا تشتم فلانا إلا أن ~~يشتمك فإن شتمك فلا جناح عليك فيما فعلت به، ولم يقل منه أو من ذلك لكان قد ~~أباح له أن يشتمه وأن يفعل به ما شاء من ضرب وغيره. # فصل ويجوز الخلع بالغرر والمجهول؛ لأنه ظاهر عموم قول الله عز وجل: {فلا ~~جناح عليهما فيما افتدت به} [البقرة: 229] ، وإذ ليس طريقه طريق المبايعات ~~التي تبتغى فيها الأثمان، وإنما المبتغى فيه تخليص الزوجة من ملك الزوج، ~~فلا يضر الجهل بالعوض. ألا ترى أن النكاح لما لم يكن طريقه طريق المبايعات ~~المحضة وكان المبتغى فيه المكارمة والاتصال جاز على عبد غير موصوف وعلى ~~شوار بيت غير موصوف وما أشبه ذلك من الغرر اليسير الذي لا يذهب جملة فيبقى ~~البضع بلا صداق؛ لأن الصداق حق لله تعالى، فلا يجوز إسقاطه. والخلع لا حق ~~لله فيه فجاز # PageV01P561 # بالغرر الكثير من جميع جهاته وإن ذهب جملة فبقي الخلع بلا عوض. وقد قيل: ~~إن الخلع بالغرر والمجهول لا يجوز. والمشهور ما قدمناه، وأجازه ابن القاسم ~~في المدونة بالعبد الآبق والبعير الشارد وما أشبه ذلك، ومنع منه بالتزام ~~نفقة الولد أكثر من حولي الرضاع وما أشبه ذلك، فقيل: إنه قد فرق بين ~~المسألتين، وقيل: إنه خلاف من قوله. ولم يجز الصلح من دم العمد على غرر، ~~فقيل: إن ذلك على القول الذي منع من الخلع بالغرر، وقيل: إنه فرق بين الخلع ~~والصلح عن دم العمد، هو ظاهر ما في المدونة. والفرق بين الخلع ودم العمد أن ~~دم العمد قد قيل: إن لولي الدم أن يعفو على أخذ الدية، فإذا كان له أن ~~يأخذها فكأنه قد ملكها ووجبت له فلا يصالح عنها إلا بمعلوم. ويلزم على هذا ~~أن لا يجوز الصلح إلا بما يصح به بيع الدية. وهذا أصل مختلف فيه هل يكون من ~~ملك أن يملك كالمالك قبل أن يملك في الأحكام الجارية عليه أم لا؟ على ~~قولين. ### | كتاب ms0472 الحضانة ### || فصل في الحضانة # كتاب الحضانة # فصل في الحضانة الأصل في الحضانة كتاب الله تعالى وسنة نبيه - صلى الله ~~عليه وسلم - وإجماع الأمة. فأما الكتاب فغير ما آية، منها قوله في الأبوين: ~~{وقل ربي ارحمهما كما ربياني صغيرا} [الإسراء: 24] ، وفي الأمهات قوله ~~تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة} ~~[البقرة: 233] ، فالأم أحق برضاعة ابنها وكفالته إلى أن يستغني عنها بنفسه. ~~وقال تعالى حاكيا عن أخت موسى - صلى الله عليه وسلم - أنها قالت لآسية ~~امرأة فرعون: {هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون} [القصص: ~~12] {فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن} [القصص: 13] ، وقال في مريم ~~بنت عمران: (وكفلها # PageV01P562 # زكرياء) ، ويقرأ (وكفلها زكرياء) ، بتشديد الفاء. فمن قرأ وكفلها زكرياء ~~قال معناه كفلها الله إياه، أي أوجب له كفالتها بالقرعة التي أخرجها له ~~والآية التي أظهرها لخصومه فيها. وذلك أن زكرياء وخصومه فيها لما تنازعوا ~~أيهم يكفلها تساهموا بقداحهم فرموا بها في نهر الأردن فقام قدح زكريا ثابتا ~~في الماء، لم يجر كأنه في طين وجرى بقداح الآخرين، فجعل الله ذلك علما بأنه ~~أحق المتنازعين فيها. وقيل: بل صعد قدح زكرياء في النهر وانحدرت قداح ~~الآخرين، فكانت قداحهم التي استهموا بها أقلامهم التي كانوا يكتبون بها ~~التوراة، فذلك قوله: {وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما ~~كنت لديهم إذ يختصمون} [آل عمران: 44] ، وكان زكرياء قد قال لهم: أنا أحق ~~بها منكم؛ لأن عندي أختها أو خالتها على اختلاف في ذلك؛ لأنه قيل: إن زوجته ~~أم يحيى كانت خالة مريم، وقيل: بل كانت أختها، فحكم الله بها لزكرياء لموضع ~~أختها أو خالتها. # وعلى هذا أتى شرعنا؛ لأن «النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى بابنة حمزة ~~بن عبد المطلب لجعفر بن أبي طالب؛ إذ تنازع فيها علي بن أبي طالب وجعفر ~~وزيد بن حارثة، فقال علي: هي ابنة عمي وعندي بنت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فأنا أحق بها، وقال جعفر: هي ابنة ms0473 عمي وعندي خالتها فأنا أحق بها، ~~وقال زيد: هي ابنة أخي وتجشمت لها السفر وكان قد خرج عنها حين أصيب حمزة ~~فأقدمها» . وعلى هذا مذهبنا أن الحاضنة إذا كان زوجها وليا من أولياء ~~المحضون فهي أحق به من سائر الأولياء وإن كان زوجها أبعد منهم. # فصل وإنما كفلها زكرياء؛ لأنها كانت يتيمة توفيت أمها بعد موت أبيها وهي ~~صغيرة. # فصل وأما السنة فمنها «قوله - صلى الله عليه وسلم - للمرأة المطلقة من ~~أبي الطفيل حين قالت له: إن # PageV01P563 # ابني هذا كان بطني له وعاء وثديي له سقاء وحجري له حواء وأنا له الفداء، ~~فزعم أبوه أنه ينتزعه مني، فقال: أنت أحق به ما لم تنكحي» وقضاؤه بابنة ~~حمزة لجعفر لموضع خالتها أسماء بنت عميس. # فصل وأما الإجماع فلا خلاف بين أحد من الأمة في إيجاب كفالة الأطفال ~~الصغار؛ لأن الإنسان خلق ضعيفا مفتقرا إلى من يكفله ويربيه حتى ينفع نفسه ~~ويستغني بذاته، فهو من فروض الكفاية لا يحل أن يترك الصغير دون كفالة ولا ~~تربية حتى يهلك ويضيع. وإذا قام به قائم سقط عن الناس. ولا يتعين ذلك على ~~أحد سوى الأب وحده، ويتعين على الأم في حولي رضاعه إذا لم يكن له أب ولا ~~مال تستأجر له منه أو كان لا يقبل ثدي سواها فتجبر على رضاعه. # فصل وإنما اختلف الناس في الأولى من الأولياء إذا اختلفوا في كفالته، ~~وتشاحوا في ذلك. والأولياء الذين لهم الحضانة عصبته من الرجال، وقرابته من ~~النساء من قبل الأم ومن قبل الأب، وأوصياؤه من الرجال والنساء. # فصل فقراباته من النساء يستوجبن الحضانة بوصفين: أحدهما: أن يكن ذوات رحم ~~منه. والثاني: أن يكن محرمات عليه. فإن كن ذوات رحم منه ولم يكن محرمات ~~عليه كبنت الخالة وبنت العمة وما أشبههما لم يكن لهن حق في الحضانة. وكذلك ~~إن كن محرمات عليه ولم يكن ذوات رحم منه كالمحرمات عليه بالصهر والرضاع وما ~~أشبههن لم يكن لهن في الحضانة حق. # وأما عصبته من الرجال فإنهم يستوجبون الحضانة ms0474 بمجرد التعصيب كانوا من ذوي ~~رحمه المحرم كالجد والعم والأخ وابن الأخ، أو من ذوي رحمه الذي ليس # PageV01P564 # بمحرم كابن العم وإن سفل، أو لم يكونوا من ذوي رحمه كالمولى المعتق. # وأما أوصياؤه من الرجال والنساء فإنهم يستوجبون الحضانة بمجرد الولاية ~~كانوا مقدمين من قبل الأب أو من قبل السلطان. # فصل وهي، أعني الحاضنة، مرتبة فيهم بحسب الحنان والرفق لا يراعى في ذلك ~~قوة الولاية، كالنكاح وولاء الموالي، والصلاة على الجنائز، وولاء الميراث، ~~فقد يحضن من لا يرث كالوصي والعمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت، وقد يرث ~~من لا يحضن مثل الزوج والزوجة، أعني زوج المحضونة وزوجته، إن كان رجلا، ~~والمولاة المعتقة. فالمقدم منهم في الحضانة من يعلم بمستقر العادة أنه أشفق ~~على المحضون وأرأف به وأقوم بمنافعه، وهي الأم لا اختلاف بين أحد من أهل ~~العلم أن الأم أحق بالحضانة من الأب ومن سائر الأولياء من الرجال والنساء؛ ~~لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنت أحق به ما لم تنكحي» ، إلا أنه قد ~~روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه أسهم بينهما. وروي عنه أنه خير الابن ~~بين أبويه فقضى به لمن اختار منهما. وفي بعض الآثار «أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال لهما: " استهما عليه "، فأبى الأب من ذلك، فخير النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - الابن بينهما» وفي بعضها أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال لهما: " إن شئتما خيرتماه ". وذهب أبو جعفر الطحاوي إلى أن ~~لا يحمل شيء من هذه الآثار على التعارض وأن يستعمل جميعها، فيدعو الإمام ~~الأبوين إلى الاستهام عليه، فإن أجابا إلى ذلك أسهم بينهما، وإن أبيا أو ~~أحدهما قال لهما: " إن شئتما خيرتماه "، فإن أبيا ذلك أو أحدهما حكم به ~~للأم، وهو وجه حسن يصح به استعمال الآثار كلها، واستعمال جميعها أولى من ~~طرح بعضها. # فصل وكما تكون الأم أحق من الأب فإن قراباتها أحق من قرابات الأب لا ~~اختلاف # PageV01P565 # بين أهل العلم في ذلك. واختلفوا هل تكون قراباتها سوى الأم ms0475 أو أم الأم ~~أحق من الأب على قولين، فروى ابن وهب عن مالك أن الأب أحق من الخالة، ~~والمشهور في المذهب أن قرابات الأم أحق من الأب. فعلى هذا إن لم تكن الأم ~~أو كانت ولها زوج أجنبي فأمها وهي الجدة، فإن لم تكن فأم أمها أو أم أبيها، ~~فإن اجتمعتا جميعا فأم الأم أحق من أم الأب. فإن لم تكن واحدة منهما فأم أم ~~أمها، أو أم أم أبيها، أو أم أبي أمها، أو أم أبي أبيها، فإن اجتمع الأربع ~~فأم أم الأم، ثم أم أب الأم وأم أم الأب بمنزلة سواء. ثم أم أب الأب. وعلى ~~هذا الترتيب أمهاتهن ما علون. # فإن لم تكن واحدة منهن فأخت الأم وهي الخالة، فإن اجتمع أخت الأم لأبيها ~~وأمها وأختها لأبيها وأختها لأمها فالشقيقة أولى ثم التي للأم ثم التي ~~للأب؛ لأن الأم أمس رحما. فإن لم تكن منهن واحدة فأخت الجدة وهي خالة الأم ~~وخالة الخالة، فإن اجتمع أيضا أخت الجدة لأبيها وأمها وأختها لأمها وأختها ~~لأبيها، فالشقيقة أولى ثم التي للأم ثم التي للأب؛ لأن الأم أمس رحما من ~~الأب على ما بيناه. فإن لم تكن واحدة منهن فأخت الجد للأم وهي عمة الأم ~~وعمة الخالة. فإن اجتمع أيضا أخت الجد للأم لأبيه وأمه وأخته لأمه وأخته ~~لأبيه، فالشقيقة أولى ثم التي للأم ثم التي للأب. وعلى هذا الترتيب ما بعد ~~النسب من الأم وارتفع. # فصل فإن انقطعت قرابات الأم فقيل: إن الأب أحق من جميع قراباته؛ لأنهن ~~إنما يدلين به فهو أحق منهن، وقيل: إنهن أحق منه؛ لأنه وإن كن يدلين به ~~فإنه لا يحضن ويستنيب في الحضانة غيره من النساء، فقراباته أحق. حكى هذين ~~القولين عبد الوهاب، وجعل في المدونة بعض قراباته أحق منه وهو أحق من ~~بعضهن، فجعل الجدات من قبله أحق منه، وجعله هو أحق من سائر قراباته. # PageV01P566 # فصل وترتيب قرابات الأب من النساء في الحضانة كترتيب قرابات الأم على ما ~~بيناه، فأحق الناس بالحضانة ms0476 من قراباته أمه، فإن لم تكن أم أو كان لها زوج ~~فأم أمه أو أم أبيه، فإن اجتمعتا فأم أمه أحق من أم أبيه. فإن لم تكن واحدة ~~منهما فأم أم أمه أو أم أم أبيه، أو أم أم أبي أبيه أو أم أبي أمه. فإن ~~اجتمع جميعهن فأم أم أمه أولى، ثم أم أبي أمه وأم أم أبيه بمنزلة سواء، ثم ~~أم أم أبي أبيه. وعلى هذا الترتيب تكون أمهاتهن ما علون. فإن لم تكن واحدة ~~منهن فبنت الأبوين أو بنت أحدهما وهي الأخت، فإن اجتمع الأخوات فالشقيقة ~~أحق ثم التي للأم ثم التي للأب. فإن لم تكن واحدة منهن. فأخوات الأب وهن ~~العمات للأب وللأم، وللأم دون الأب، وللأب دون الأم. فإن اجتمعن فالشقيقة ~~أولى ثم التي للأم ثم التي للأب؛ لأن الأم أمس رحما من الأب على ما بيناه ~~في الخالات. # فإن لم تكن واحدة منهن فأخوات الجد وهن عمات الأب وعمات العم للأب والأم، ~~وللأم دون الأب، وللأب دون الأم. فإن اجتمعن أيضا فالشقيقة أولى ثم التي ~~للأم ثم التي للأب. فإن لم تكن واحدة منهن فأخوات الجدة للأب والأم وللأم ~~دون الأب وللأب دون الأم، وهن خالات الأب، فإن اجتمعن فالشقيقة أولى ثم ~~التي للأم ثم التي للأب، وهن على هذا الترتيب ما بعد النسب من الأب وارتفع. # فإن لم تكن منهن واحدة فبنات الإخوة وبنات الأخوات للأب والأم وللأم دون ~~الأب وللأب دون الأم وإن سفلوا الأقرب فالأقرب. وذهب ابن حبيب في الواضحة ~~إلى أنه لا حضانة لبنات الأخوات، وهو بعيد خارج عما أصلناه؛ لأنهن ذوات رحم ~~محرمات عليه، فلا فرق بينهن وبين سائر قراباته في وجوب الحضانة لهن. فإن ~~اجتمعتا جميعا بنت الأخ وبنت الأخت قدمت بنت الأخ عليها في الحضانة مراعاة ~~للخلاف الذي حكيناه، وهما في القياس سواء في المنزلة، ينظر الإمام في ذلك ~~فيقضي به لأحرزهما وأكفاهما. فإن لم تكن منهن واحدة أو كانت ولها زوج أجنبي ~~رجعت الحضانة إلى العصبة، ms0477 ولا شيء فيها لبنات العمات ولا لبنات الخالات؛ ~~لأنهن غير محرمات. # PageV01P567 # فصل وأحق الناس بالحضانة من العصبة الأخ، ثم الجد، ثم ابن الأخ، ثم العم، ~~هكذا في كتاب ابن المواز. فيحتمل أن يريد أن الجد وإن علا أحق من ابن الأخ ~~ومن العم، ويحتمل أن يريد أن أحق الناس بالحضانة من العصبة الأخ ثم الجد ~~الأدنى ثم ابن الأخ، ثم العم، ثم ابن العم وإن سفل الأقرب فالأقرب، ثم أبو ~~الجد، ثم عم العم ثم ابن عم العم وإن سفل الأقرب فالأقرب، ثم جد الجد ثم ~~ولده، ثم والد جد الجد ثم ولده على هذا الترتيب أبدا. فترتيب الحضانة في ~~العصبة ليس يجري على ميراث المال ولا على ميراث الولاء والصلاة على ~~الجنائز؛ لأن الجد وإن علا أرفع مرتبة في الميراث من الأخ إذ لا ينقص معهم ~~من الثلث شيئا، ولأن بني الإخوة والأعمام وبنيهم لا شيء لهم مع الجد وإن ~~علا في ميراث المال، وابن الأخ في ميراث الولاء أحق من الجد. # فصل وأحق الناس بالحضانة على مذهب ابن القاسم في المدونة بعد الأم الجدة ~~للأم وإن علت، فإن اجتمعت الجدات فعلى الترتيب الذي وصفناه [ثم الخالة فإن ~~اجتمعت الخالات فعلى الترتيب الذي وصفناه] ، ثم خالة الأم فإن اجتمعن فعلى ~~الترتيب الذي وصفناه ثم عمة الأم، فإن اجتمعت عماتها فعلى الترتيب الذي ~~وصفناه. ثم الجدة للأب وإن علت، فإن اجتمع الجدات للأب فعلى الترتيب الذي ~~وصفناه، ثم الأخت فإن اجتمعت الأخوات فعلى الترتيب الذي وصفناه، ثم العمة، ~~ثم عمة الأب، ثم خالة الأب، ثم بنات الإخوة، ثم بنات الأخوات. وقيل: لا ~~حضانة لبنات الأخوات، وقيل: إنهن أحق من بنات الإخوة، وقيل: إنهن بمنزلة ~~سواء، ينظر الإمام في أحرزهن وأكفاهن. # PageV01P568 # فصل وقد تقدم أن الحاضنة إذا كان لها زوج أجنبي سقطت حضانتها، فإن كان ~~زوجها ذا رحم من المحضون فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يكون محرما عليه، ~~والثاني: أن لا يكون محرما عليه. فإن كان محرما عليه فسواء كان ms0478 ممن له ~~الحضانة كالعم والجد للأب أو ممن لا حضانة له كالخال والجد للأم لا تأثير ~~له في إسقاط الحضانة. وأما إن كان غير محرم عليه فلا يخلو أن يكون ممن له ~~حضانة كابن العم أو ممن لا حضانة له كابن الخال. فإن كان ممن له الحضانة ~~فهي أحق به ما لم يكن للمحضون حاضنة أقرب إليه منها فارغة من زوج. وإن كان ~~زوجها أبعد من الولي الآخر. وإن كان ممن لا حضانة له فإنه تسقط حضانتها بكل ~~حال كالأجنبي سواء. وذهب ابن وهب إلى أن الزوج يسقط حضانة الحاضنة وإن كان ~~ذا رحم من المحضون. # فصل واختلف بماذا يسقط الزوج الأجنبي حضانة زوجته، فقيل بالدخول وقيل ~~بالحكم عليه بأخذ الولد منه. وعلى هذا يأتي اختلافهم فيمن طلق امرأته وله ~~منها ولد فتزوجت ولم يعلم بتزويجها حتى طلقها الزوج أو مات عنها أو علم ~~بذلك ولم تطل المدة، هل له أن يأخذ الولد منها بعد خلوها من الزوج أم لا؟ ~~فأما إن علم بتزويجها ولم يعجل بأخذ الولد منها حتى طالت المدة ثم طلقها ~~الزوج أو مات عنها؛ فليس له أن يأخذ الولد منها؛ لأنه يعد بذلك تاركا لحقه ~~فيه على الاختلاف في السكوت هل هو بمنزلة الإقرار أم لا؟ # فصل واختلف أيضا فيما يسقط من حضانتها بذلك، فقيل: إنه تسقط به حضانتها ~~جملة، وهو ظاهر ما في المدونة، وقيل: إنما تسقط حضانتها في جهة من حضن ~~المحضون في حال تزويجها، وقيل: إنه إنما تسقط حضانتها في حال تزويجها، فإن ~~طلقها الزوج أو مات عنها رجعت في ولدها. وعلى هذه الثلاثة الأقوال تأتي # PageV01P569 # مسائلهم فمن قال: إن حضانتها تسقط جملة. فيأتي على مذهبه أن الحضانة لا ~~تعود إليها أبدا وإن مات الحاضن للولد وهي فارغة من الزوج بموت أو طلاق. ~~ومن قال: إن حضانتها إنما تسقط في جهة من حضن الولد في حال تزويجها فيأتي ~~على مذهبه أن الحضانة لا تعود إليها وإن طلقها الزوج أو مات عنها ما دام ms0479 ~~الحاضن للولد على حضانته، فإن سقطت حضانته بموت أو ما أشبه ذلك مما تسقط به ~~حضانتها وهي فارغة من زوج؛ رجعت الحضانة إليها. ومن قال: إن حضانتها إنما ~~تسقط في حال تزويجها يقول: إنها ترجع في ولدها فتأخذه متى ما مات الزوج أو ~~طلقها. وجه القول الأول أن تزويجها رضا منها بإسقاط حقها فيه. ووجه القول ~~الثاني: أن تزويجها رضا منها بإسلام الولد إلى الذي يحضنه في حال تزويجها ~~وليس برضا منها بإسقاط حقها فيه جملة. ووجه القول الثالث: أن تزويجها ليس ~~برضا منها بترك الولد؛ لأن النكاح مما تمس الحاجة إليه كالطعام والشراب، ~~فأشبه ما إذا مرضت وضعفت عن الحضانة أن الولد يؤخذ منها لهذه العلة، فإذا ~~ارتفعت العلة عادت الحضانة إليها وأخذت ولدها. # فصل وهذه الثلاثة الأقوال إنما تتصور على مذهب من يرى أن الحضانة من حق ~~الحاضن. وأما على مذهب من يرى أنها من حق المحضون، وهو مذهب ابن الماجشون، ~~فلها أن تأخذ الولد متى ما خلت من الزوج. وعلى هذا الاختلاف يأتي اختلافهم ~~في السكنى وأجر الحضانة، فمن رأى أن الحضانة من حق الحاضن لم ير له أجرة ~~ولا كراء في سكناه معه؛ لأنه لا يستقيم أن يكون من حقه أن يكفله ويؤويه إلى ~~نفسه ويجب له بذلك حق. ومن رأى أن الحضانة من حق المحضون أوجب للحاضن أجرة ~~على حضانته إياه وكذلك سكناه معه، وهذا بين. # ولا اختلاف في أن على الأب النفقة والكسوة وأجر الرضاع إن كان رضيعا. ~~واختلف قول مالك إذا وجد الأب من يرضعه له باطلا أو بدون ما يساوي رضاعه، ~~قال في المدونة: إن من حق الأم أن ترضعه بأجرة مثلها، فقيل: إن ذلك من أجل ~~حقها في حضانته، وقيل: إن ذلك من أجل رفقها به في إرضاعه وأن لبنها أنفع له ~~على ما روي أن ما # PageV01P570 # من لبن يرضع به الصبي أعظم بركة عليه من لبن أمه. فمن علل ذلك بحقها في ~~الحضانة يقول: إن الأب إن وجد من يرضعه ms0480 له عند أمه باطلا لم يكن لها حجة. ~~ومن علل بالعلة الأخرى فحجتها باقية. وروى ابن وهب عن مالك أن الأم إن لم ~~ترد أن ترضعه باطلا أو بما وجد كان له أن يدفعه إلى من يرضعه باطلا أو بما ~~وجد. ومعنى ذلك إذا أرضعته عند أمه ولم تخرجه من حضانتها. وهذا القول أشبه ~~بظاهر قوله تعالى: {وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى} [الطلاق: 6] ، وأما إن أبت ~~الأم أن ترضعه فيستأجر له الأب من يرضعه وليس عليه أن يكون في ذلك عند أمه. ~~فعلى هذا تحمل الروايات الواردة في هذا إن شاء الله تعالى. # فصل وإذا قلنا: إن الحضانة من حق الحاضن فهل يملك الحاضن إسلامه إلى من ~~شاء من الأولياء أم لا؟ في ذلك اختلاف. قيل: إن للحاضن أن يسلم الولد إلى ~~من شاء من الأولياء وإن كان غيره أحق به منه، وهو ظاهر ما في المدونة؛ لأنه ~~قال: إن المرأة إذا صالحت زوجها على أن يكون الولد عنده جاز ذلك وكان أحق ~~بالولد، فظاهره وإن كان له جدة أو خالة؛ إذ لم يشترط ذلك. وقيل: إنه لا ~~يملك ذلك، وإنما هو حقه، فإن شاء أخذه وإن شاء تركه، فإن تركه كان لمن يجب ~~له بعده، كشفعاء في الشفعة ليس لمن كان منهم أحق بها أن يسلمها لمن شاء، ~~وإنما هو حقه إن شاء أخذه وإن شاء تركه، فإن تركه كان لمن يجب له بعده. # فصل واختلف في حد الحضانة فقيل إلى البلوغ، وقيل إلى الإثغار، وهي رواية ~~ابن وهب عن مالك، وبالله التوفيق. # PageV01P571 ### | كتاب الأيمان بالطلاق # ] [ ### || ما جاء في الأيمان والطلاق # بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم كتاب ~~الأيمان بالطلاق ما جاء في الأيمان بالطلاق الأصل في وجوب الأيمان بالطلاق ~~قول الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} [المائدة: 1] ، يريد ~~عقد اليمين وعقد النذر وسائر العقود اللازمة في الشرع. # فصل والأيمان تنقسم على ثلاثة أقسام: مباحة، ومكروهة، ومحظورة. فالمباحة ~~اليمين بالله ms0481 تعالى وبجميع أسمائه الحسنى وصفاته العلى؛ لأن الله تعالى أذن ~~في الحلف باسمه لعباده وشرعه لهم في غير ما آية من كتابه، فقال تعالى: ~~{وأقسموا بالله جهد أيمانهم} [الأنعام: 109] ، وقال: {فشهادة أحدهم أربع ~~شهادات بالله إنه لمن الصادقين} [النور: 6] ، وقال: {تحبسونهما من بعد ~~الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم} [المائدة: 106] ، وقوله: {فيقسمان بالله ~~لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين} [المائدة: ~~107] ، وما روي أن عيسى ابن مريم كان يقول لبني إسرائيل: إن موسى كان ~~ينهاكم أن تحلفوا بالله كاذبين وأنا أنهاكم أن تحلفوا بالله كاذبين أو ~~صادقين، # PageV01P573 # ظاهره أن شرعه خلاف شرع موسى وخلاف شرعنا في إباحة الحلف بالله دون ~~كراهية. ويحتمل أن يكون إنما كره لهم اليمين بالله صادقين مخافة أن يكثر ~~ذلك منهم؛ فيكون ذريعة إلى حلفهم بالله على ما لم يعلموه يقينا أو يواقعوا ~~الحنث كثيرا، أو يقصروا في الكفارة فيقعوا في الحرج، لا أن ترك اليمين ~~بالله على الصدق أفضل من الحلف بها؛ لأن الله أمر نبيه - صلى الله عليه ~~وسلم - باليمين باسمه في ثلاثة مواضع من كتابه فقال تعالى: {ويستنبئونك أحق ~~هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين} [يونس: 53] ، وقال تعالى: {وقال ~~الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم} [سبأ: 3] ، وقال ~~تعالى: {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما ~~عملتم وذلك على الله يسير} [التغابن: 7] ، «وكان - صلى الله عليه وسلم - ~~كثيرا ما يحلف لا والذي نفسي بيده، لا ومقلب القلوب» . ولا وجه لكراهة ~~اليمين بالله على الصدق؛ لأن القصد إلى الحلف بالشيء تعظيم له، فلا شك أن ~~في ذكر الله تعالى على وجه التعظيم له أجرا عظيما. # فصل واليمين بالله هي التي أمر الله بحفظها، وجعل لغو اليمين فيها، وأوجب ~~الكفارة على من حلف بها فحنث بقوله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في ~~أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ~~ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة ms0482 فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك ~~كفارة أيمانكم إذا حلفتم} [المائدة: 89] ، قيل معناه فحنثتم، [ويحتمل أن ~~يكون معناه: # PageV01P574 # فحنثتم] ، أو أردتم الحنث على القول بجواز الكفارة قبل الحنث على ما روي ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من حلف على يمين فرأى غيرها ~~خيرا منها فليكفر عن يمينه ويفعل الذي هو خير، أو يفعل الذي هو خير ويكفر ~~عن يمينه، ثم قال: {واحفظوا أيمانكم} [المائدة: 89] » ، وبالله سبحانه ~~وتعالى التوفيق. # فصل ويسقط الكفارة عمن حلف بهذه اليمين فحنث فيها الاستثناء بمشية الله ~~تعالى إذا وصل ذلك بآخر كلامه وقصد به حل يمينه بإجماع أهل العلم. قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «من حلف بالله فقال: إن شاء الله ثم لم يفعل ~~الذي حلف عليه لم يحنث» . # فصل وأما اليمين المكروهة فهي اليمين بغير الله تعالى، قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» . وهي على ~~وجهين: أحدهما: أن يوجب على نفسه شيئا من الأشياء إن فعل فعلا أو إن لم ~~يفعله، كقوله علي كذا وكذا إن فعلت كذا وكذا أو إن لم أفعله. والوجه ~~الثاني: أن يحلف بحق شيء من الأشياء أن يفعل كذا وكذا أو أن لا يفعله، ~~كقوله وأبي لأفعلن كذا وكذا وما أشبه ذلك. فأما ما يوجب الرجل على نفسه ~~بشرط أن يفعل فعلا أو أن لا يفعله فإن ذلك ينقسم على ثلاثة أقسام: منها ما ~~يلزمه باتفاق، ومنها ما لا يلزمه باتفاق، ومنها ما يختلف فيه. # PageV01P575 # فصل فأما ما يلزمه باتفاق فاليمين بالطلاق، لا اختلاف بين أحد من العلماء ~~أن الرجل إذا حلف بطلاق امرأته على نفسه أو على غيره أن يفعل فعلا أو أن لا ~~يفعله أن اليمين لازمة له وأن الطلاق واقع عليه في زوجته إذا حنث في يمينه؛ ~~لأن الحالف بالطلاق أن لا يفعل فعلا وأن يفعله إنما هو مطلق على صفة ما، ~~فإذا وجدت الصفة التي علق بها طلاق امرأته لزمه ذلك، إلا ms0483 ما روي عن أشهب في ~~الحالف على امرأته بطلاقها أن لا تفعل فعلا فتفعله قاصدة لتحنيثه أنه لا ~~شيء عليها، وهو شذوذ، وإنما الاختلاف المعلوم فيمن قال لعبده أنت حر إن ~~فعلت كذا وكذا ففعله. # فصل ولا يكون لغو في اليمين بالطلاق؛ لأن الله تعالى لم يذكره إلا في ~~اليمين بالله عز وجل. وأما الاستثناء فيه بمشيئة الله فإن رده إلى الطلاق ~~لم ينفعه، وإن رده إلى الفعل نفعه عند ابن الماجشون وأشهب، ولم ينفعه عند ~~ابن القاسم. وقول ابن الماجشون وأشهب أظهر قياسا على الاستثناء في اليمين ~~بالله أنه إن رده إلى اسم الله تعالى لم ينفعه وإن رده إلى الفعل الذي حلف ~~عليه نفعه. # فصل وأما إن كان استثناؤه بمشيئة مخلوق فله استثناؤه باتفاق؛ لأن ذلك من ~~تمام الصفة التي علق بها الطلاق. # فصل وأما ما لا يلزمه باتفاق فما يوجب على نفسه بشرط أن يفعل فعلا أو أن ~~لا يفعله مما ليس لله بطاعة ولا يتقرب به إليه، كان مباحا أو معصية، كقوله ~~في المعصية: علي ضرب فلان إن لم أفعل كذا وكذا، وفي المباح علي المشي إلى ~~السوق إن لم أفعل كذا وكذا وما أشبه ذلك ما عدا الطلاق؛ فإن اليمين به ~~تلزمه وإن # PageV01P576 # كان من المباح الذي ليس لله فيه طاعة ولا معصية للمعنى الذي قدمت ذكره ~~وهو أن الحالف به مطلق على صفة ما. # فصل وأما الوجه الثالث المختلف فيه فهو يمينه بكل ما فيه طاعة وقربة أن ~~يفعل فعلا أو أن لا يفعله من صلاة أو صيام أو مشي إلى بيت الله أو غزو أو ~~حج أو ما أشبه ذلك، فذهب مالك وأصحابه إلى أن ذلك يلزمه باليمين إذا حنث ~~فيها كما يلزمه بالنذر. وهذا أصل مذهب مالك - رحمه الله تعالى -، وقد شذت ~~له مسائل يسيرة عنه، وخالفه في هذا الأصل جماعة من العلماء على اختلاف كثير ~~في ذلك عنهم. # فصل فإن استثنى في ذلك بمشيئة مخلوق نفعه الاستثناء، وإن استثنى فيه ~~بمشيئة ms0484 الخالق جرى ذلك على الاختلاف المذكور، ولا لغو يمين في ذلك أيضا. # فصل وأما الوجه الثاني من وجوه اليمين بغير الله فهو أن يحلف بحق شيء من ~~الأشياء أن يفعل فعلا أو أن لا يفعله، كقوله وأبي لأفعلن كذا وكذا، أو ~~والنبي أو ومكة أو والصلاة والزكاة والطلاق لا أفعله وما أشبه ذلك، فهذا ~~كله ليس بيمين ولا كفارة فيه على من حلف بشيء من الأشياء وحنث فيه، إلا أنه ~~يكره ذلك له، لنهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن اليمين بغير الله، ~~ولأن الحالف بالشيء قاصد إلى تعظيم المحلوف به، والله أحق من قصد إلى ~~تعظيمه. وقد اختلف في قول الله عز وجل: والطور، والسماء، والطارق، والنجم، ~~والتين، والزيتون، وما أشبه ذلك من الأيمان الواردة في القرآن، فقيل: إن ~~ذلك من المجاز وأن المعنى فيه ورب الطور ورب السماء والطارق ورب النجم وما ~~أشبه ذلك، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، كقوله تعالى: {واسأل ~~القرية} [يوسف: 82] ، وقيل: إن ذلك على الحقيقة لا # PageV01P577 # مجاز فيه، وهو أصح إن شاء الله؛ لأن الله تعالى هو المقسم بهذه الأشياء، ~~وله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته ترفيعا لها على ما سواها وتنبيها على آثار ~~الصنعة فيها، فلا حجة لمخلوق بهذا في إجازة الحلف بغير الله تعالى. # فصل وأما المحظورة فهي أن يحلف بالطواغيت وباللات والعزى أو بوثن من ~~الأوثان التي تعبد من دون الله، أو بكنيسة من الكنائس، أو ببيعة من البيع، ~~وما أشبه ذلك؛ لأن الحالف بالشيء قصد إلى تعظيمه، وتعظيم هذه الأشياء كفر ~~بالله تعالى. ### || فصل فيما ينقسم إليه الطلاق من الوجوه # فصل # فيما ينقسم إليه الطلاق من الوجوه والطلاق ينقسم على قسمين: طلاق مطلق، ~~وطلاق مقيد بصفة. فأما الطلاق المطلق فهو قول الرجل لامرأته: أنت طالق وما ~~أشبه ذلك من صريح الطلاق وكناياته. وقد اختلف في صريحه ما هو على ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أن صريحه لفظ الطلاق خاصة، وأن كناياته ما عدا ذلك، مثل قوله ~~خلية وبرية وحبلك ms0485 على غاربك وما أشبه ذلك وهو مذهب عبد الوهاب. والثاني: أن ~~هذه الألفاظ كلها صريح الطلاق، وبعضها أبين من بعض، وهو مذهب أبي الحسن بن ~~القصار. والثالث: أن صريح الطلاق ما ذكره الله في كتابه وهو الطلاق والسراح ~~والفراق، وهو مذهب الشافعي. # واختلف بماذا يلزم على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يلزم بمجرد [النية دون ~~القول، وهي رواية أشهب عن مالك في كتاب الأيمان بالطلاق. والثاني: أنه يلزم ~~بمجرد القول دون نية] . والثالث: أنه لا يلزم إلا باجتماع القول والنية، ~~وهذا فيما بينه وبين الله، وأما في الحكم الظاهر فلا اختلاف بين أهل العلم ~~أن الرجل يحكم عليه بما أظهر من صريح القول بالطلاق أو كناياته، ولا يصدق ~~أنه لم ينوه ولا # PageV01P578 # أراده إن ادعى ذلك على مذهب من يرى أن الطلاق لا يلزم بمجرد القول حتى ~~تقترن به النية. # وأما الطلاق المقيد بصفة فإنه ينقسم على وجهين: أحدهما: أن يقيد ذلك بلفظ ~~الشرط، والثاني: أن يقيده بلفظ الوجوب. فأما إذا قيده بلفظ الشرط مثل أن ~~يقول: امرأتي طالق إن فعلت كذا وكذا، أو إن لم أفعله، فإن الفقهاء يسمون ~~ذلك يمينا بالطلاق على المجاز لما فيه من معنى اليمين بالله تعالى، وهو أن ~~الطلاق يجب عليه بالشرط كما تجب الكفارة على الحالف بالله تعالى بالحنث، ~~فاستويا جميعا في القصد إلى الامتناع مما يجب به الطلاق أو الكفارة دون ~~القصد إلى الطلاق أو الكفارة. # ومن ذلك أيضا أنه ينعقد في المستقبل من الأزمان كما تنعقد الأيمان بالله ~~تعالى ويكون في الماضي [إما واقع وإما ساقط كاليمين بالله التي تكون في ~~الماضي] ، إما لغو أو حالف على صدق لا تجب فيه كفارة، وإما غموس أعظم من أن ~~تكون فيه كفارة. ويأثم إذا حلف على الغيب أو على الكذب أو على الشك كما ~~يأثم في اليمين بالله إذا حلف على شيء من ذلك وليس بحقيقة، وإنما حقيقة ~~اليمين بالطلاق قول الرجل وحق الطلاق لا فعلت كذا وكذا. ### || فصل فيما تنقسم إليه اليمين بالطلاق ms0486 من الوجوه # فصل # فيما تنقسم إليه اليمين بالطلاق من الوجوه وهو - أعني اليمين بالطلاق على ~~ما ذكرته من المجاز - ينقسم على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يحلف بالطلاق على ~~نفسه، والثاني: أن يحلف به على غيره، والثالث: أن يحلف به على مغيب من ~~الأمور. فأما الأول وهو حلفه بالطلاق على نفسه فهو ينقسم على قسمين: ~~أحدهما: أن يحلف بالطلاق أن لا يفعل فعلا فيقول: امرأتي طالق إن فعلت كذا ~~وكذا. والثاني: أن يحلف به على أن يفعل فعلا فيقول: امرأتي طالق إن لم أفعل ~~كذا وكذا. فأما الوجه الأول وهو أن يحلف بالطلاق أن لا يفعل فعلا فلا يخلو ~~من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون ذلك الفعل مما يمكنه فعله # PageV01P579 # وتركه. والثاني: أن يكون مما لا يمكنه تركه. والثالث: أن يكون مما لا ~~يمكنه فعله. فأما إذا كان مما يمكنه فعله وتركه فلا خلاف في أنه لا طلاق ~~عليه إلا إن فعل ذلك الفعل. مثال ذلك أن يقول: امرأتي طالق إن ضربت عبدي أو ~~دخلت الدار أو ركبت الدابة أو ما أشبه ذلك إلا في مسألة واحدة، وهي أن ~~يقول: امرأتي طالق إن وطئتك فإن لها تفصيلا وفيها اختلاف مذكور في الأمهات، ~~وسيأتي تحصيل القول عليه في كتاب الإيلاء. وأما إذا كان مما لا يمكنه تركه ~~فقيل: إنه يعجل عليه الطلاق، وهو قول سحنون، وقيل: إنه لا طلاق عليه حتى ~~يفعل ذلك الفعل كالوجه الأول، وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة. # مثال ذلك أن يقول: امرأتي طالق إن أكلت أو شربت أو صمت أو صليت وما أشبه ~~ذلك. وأما إذا كان مما لا يمكنه فعله فقيل: إنه لا شيء عليه، وهو قول ابن ~~القاسم في المدونة، وقيل: إن الطلاق يعجل عليه؛ لأنه يعد نادما، وهو قول ~~سحنون، وروي مثله عن ابن القاسم. مثال ذلك أن يقول: امرأتي طالق إن مسست ~~السماء أو ولجت في سم الخياط وما أشبه ذلك. وأما الوجه الثاني: وهو أن يحلف ~~بالطلاق أن يفعل فعلا فلا ms0487 يخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون ذلك الفعل ~~مما يمكنه فعله وتركه، والثاني: أن يكون مما لا يمكنه فعله في الحال، ~~والثالث: أن يكون مما لا يمكنه فعله على حال. # فصل فأما إذا كان مما يمكنه فعله وتركه، مثل قوله: أنت طالق إن لم أدخل ~~الدار أو إن لم أضرب عبدي وما أشبه ذلك فإنه يمنع من الوطء؛ لأنه على حنث ~~ولا يبر إلا بفعل ذلك الشيء. فإن رفعت امرأته أمرها ضرب له أجل المولي وطلق ~~عليه عند انقضائه إلا أن يبر بفعل ذلك الفعل الذي حلف عليه ليفعلنه أو تحب ~~البقاء معه بغير وطء. فإن اجترأ ووطئ سقط أجل الإيلاء واستؤنف لها ضربه إن ~~رفعت ذلك. # ولا يقع عليه طلاق بترك ذلك الفعل الذي حلف عليه ليفعلنه؛ لأنه طلاق لا ~~يكشفه إلا الموت. وإن أراد أن يحنث نفسه بالطلاق دون أن يطلق عليه الإمام ~~بالإيلاء، كان ذلك له إلا أن يضرب أجلا فيقول: امرأتي طالق إن لم أفعل كذا ~~وكذا إلى وقت كذا وكذا فلا يكون له أن يحنث نفسه بالطلاق ويطأ إلى الأجل ~~على اختلاف من قول # PageV01P580 # ابن القاسم، ويضرب له أجل الإيلاء على القول الذي يقول: لا يطأ إذا كان ~~الأجل أكثر من أربعة أشهر، فهذا حكم هذا القسم إلا في مسألتين: أحدهما: أن ~~يقول: امرأتي طالق إن لم أطلقها. والثانية: أن يقول: امرأتي طالق إن لم ~~أحبلها. فأما إذا قال: امرأتي طالق إن لم أطلقها ففي ذلك ثلاثة أقوال: ~~أحدها: أن الطلاق يعجل عليه ساعة حلف. ووجه ذلك أنه حمله على التعجيل ~~والفور، فكأنه قال: أنت طالق إن لم أطلقك الساعة. والثاني: أن الطلاق لا ~~يعجل عليه إلا أن ترفعه امرأته إلى السلطان وتوقفه على الوطء. والثالث: أنه ~~لا يطلق عليه إن رفعته امرأته ويضرب له أجل الإيلاء، فإن طلقها وإلا طلق ~~عليه بالإيلاء عند انقضاء أجله، ولم يمكن من الوطء؛ لأنه لا يجوز له من أجل ~~أنه على حنث. وإن اجترأ فوطئ سقط عنه ms0488 الإيلاء واستؤنف ضربه له ثانية إن ~~رفعت امرأته أمرها إلى السلطان. وفائدة ضرب أجل الإيلاء على هذا القول وإن ~~لم يمكن من الفيء بالوطء رجاء أن ترضى في خلال الأجل بالبقاء معه على ~~العصمة دون وطء. # وأما إذا قال: امرأتي طالق إن لم أحبلها فإنه يطأ أبدا حتى يحبلها؛ لأن ~~بره في إحبالها. وكذلك إن قال لامرأته: أنت طالق إن لم أطأك له أن يطأها؛ ~~لأن بره في وطئها، فإن وقف عن وطئها كان موليا عند مالك والليث فيما روي ~~عنهما. وقال ابن القاسم: لا إيلاء عليه، وهو الصواب. # فصل وأما إذا كان ذلك الفعل مما لا يمكنه فعله في الحال، مثل أن يقول: ~~امرأتي طالق إن لم أحج، وهو في أول العام، ففي ذلك أربعة أقوال: أحدها: أنه ~~يمنع من الوطء الآن وهو ظاهر قول ابن القاسم في كتاب الإيلاء من المدونة، ~~ورواية عيسى عنه في الأيمان بالطلاق من العتبية. والثاني: أنه لا يمنع من ~~الوطء حتى يمكنه فعل ذلك الفعل. والثالث: أنه لا يمنع من الوطء حتى يخشى ~~فوات ذلك الفعل. والرابع: أنه لا يمنع منه حتى يفوت فعل ذلك الفعل. # PageV01P581 # فصل فإذا قلنا: إنه يطأ حتى يمكنه فعل ذلك الفعل فأمسك عن الوطء بإمكان ~~الفعل له ثم فات الوقت، ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يرجع إلى الوطء ~~أبدا. والثاني: أنه يطلق عليه. والثالث: أنه يرجع إلى الوطء حتى يمكنه ~~الفعل مرة أخرى. وقد زدنا هذه الأوجه بيانا في كتاب الإيلاء. وأما إذا كان ~~الفعل مما لا يمكنه فعله على حال لعدم القدرة عليه، مثل أن يقول: امرأتي ~~طالق إن لم أمس السماء وإن لم ألج في سم الخياط وما أشبه ذلك، أو لمنع ~~الشرع منه مثل أن يقول: امرأتي طالق إن لم أقتل فلانا أو إن لم أشرب الخمر ~~وما أشبه ذلك فإنه يعجل عليه الطلاق إلا أن يجترئ على الفعل الذي يمنعه منه ~~الشرع فيفعله قبل أن يعجل عليه الطلاق فإنه يبر في يمينه ms0489 ويأثم في فعله، ~~ولا اختلاف في هذا الوجه. # فصل وأما القسم الثاني وهو أن يحلف بالطلاق على غيره فإنه ينقسم أيضا على ~~وجهين: أحدهما: أن يحلف عليه أن لا يفعل فعلا. والثاني: أن يحلف عليه ~~ليفعلنه. فأما إذا حلف عليه أن لا يفعل فعلا مثل أن يقول: امرأتي طالق إن ~~فعل فلان كذا وكذا فهو كالحالف على فعل نفسه سواء في جميع الوجوه، وقد تقدم ~~تفسير ذلك. وأما إذا حلف أن يفعل فعلا مثل أن يقول: امرأتي طالق إن لم يفعل ~~فلان كذا وكذا، ففي ذلك لابن القاسم ثلاثة أقوال: أحدها: أنه كالحالف على ~~فعل نفسه أن يفعل فعلا يمنع من الوطء ويدخل عليه الإيلاء جملة من غير ~~تفصيل. # والثاني: أنه يتلوم له على قدر ما يرى أنه أراد بيمينه. واختلف هل يطأ في ~~هذا التلوم أم لا؟ على قولين جاريين على الاختلاف إذا ضرب له أجلا؛ لأن ~~التلوم كضرب الأجل، فإن بلغ التلوم على مذهب من يمنعه من الوطء أكثر من ~~أربعة أشهر دخل عليه الإيلاء. والثالث الفرق بين أن يحلف على حاضر أو غائب، ~~وهو الذي يأتي على ما في سماع يحيى من كتاب الأيمان بالطلاق. # PageV01P582 # فصل وأما القسم الثالث وهو أن يحلف بالطلاق على مغيب من الأمور فإن كان ~~مما له طريق إلى معرفته لم يعجل عليه بالطلاق حتى يعرف صدقه من كذبه، ~~كالقائل: امرأتي طالق إن لم يجئ فلان غدا، فإن مضى الأجل ولم يعلم صدقه من ~~كذبه حمل من ذلك ما تحمل. وإن كان مما لا طريق له إلى معرفته عجل عليه ~~الطلاق ولم يستأن به. واختلف إن غفل عن الطلاق عليه حتى جاء على ما حلف ~~عليه فيتخرج ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يطلق عليه. والثاني: أنه لا ~~يطلق عليه. والثالث: أنه إن كان حلف على غالب ظنه لأمر توسمه مما يجوز له ~~في الشرع لم تطلق عليه، وإن كان حلف على ما ظهر عليه بكهانة أو تنجيم أو ~~على الشك أو على ms0490 تعمد الكذب طلق عليه. # فصل وأما الوجه الثاني وهو أن يقيد طلاقه بالصفة بلفظ الوجوب، وهو أن ~~يقول: امرأتي طالق إن كان كذا وكذا فإنه ينقسم على أربعة أقسام: أحدها: أن ~~تكون الصفة آتية على كل حال. والثاني: أن تكون الصفة غير آتية على كل حال. ~~والثالث: أن تكون مترددة بين أن تأتي وبين أن لا تأتي من غير أن يغلب أحد ~~الوجهين على الآخر أو يكون الأغلب منهما أنها لا تأتي. والرابع: أن تكون ~~مترددة بين أن تأتي أو لا تأتي والأغلب منهما أنها تأتي. فالأول يعجل عليه ~~فيها الطلاق باتفاق. والثاني يتخرج على قولين. والثالث لا يعجل عليه الطلاق ~~باتفاق. والرابع يختلف فيه عنى قولين منصوصين. # PageV01P583 ### | كتاب التخيير والتمليك # ] [ ### || ما جاء في التخيير والتمليك # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد نبيه الكريم # كتاب التخيير والتمليك ما جاء في التخيير والتمليك قال الله عز وجل: {يا ~~أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن ~~وأسرحكن سراحا جميلا} [الأحزاب: 28] {وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار ~~الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما} [الأحزاب: 29] ، وكان سبب ~~نزول هذه الآية فيما روي «عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها ~~سألته شيئا من متاع الدنيا إما زيادة في النفقة وإما غير ذلك من عرض ~~الدنيا، فاعتزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نساءه شهرا، فأمره الله ~~أن يخيرهن بهذه الآيات بين الصبر عليه والرضا بما قسم لهن والعمل بطاعة ~~الله، وبين أن يمتعهن ويفارقهن إن لم يرضين بالذي يقسم لهن» . وقيل: إن ذلك ~~كان من أجل «غيرة كانت عائشة - رضي الله عنها - غارتها، فبدأ - صلى الله ~~عليه وسلم - بعائشة وكانت أحبهن إليه، فقال لها: " إني ذاكر لك أمرا ولا ~~عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك "، قالت: وقد علم أن أبوي لم يكونا ~~ليأمراني بفراقه، فخيرها وقرأ عليها القرآن فقالت له: هل بدأت بأحد من ~~نسائك قبلي؟ قال: " لا "، قالت: ففي أي هذا أستأمر ms0491 أبوي فإني أريد الله ~~ورسوله والدار الآخرة وأسألك أن لا تخبرهن بذلك، فقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: إني لم أبعث معنتا، وإنما بعثت معلما ومبشرا، وإني لا تسألني ~~امرأة منهن إلا أخبرتها. ورئي الفرح في وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- باختيار # PageV01P585 # عائشة - رضي الله عنها - الله ورسوله والدار الآخرة، ثم تتبع سائر نسائه ~~فجعل يقرأ عليهن من القرآن ويخيرهن ويخبرهن بما فعلت عائشة - رضي الله ~~تعالى عنها - فتتابعن على ذلك، فقصره الله عليهن جزاء على فعلهن، فقال: {لا ~~يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ~~ملكت يمينك وكان الله على كل شيء رقيبا} [الأحزاب: 52] » ، وهن التسع نسوة ~~أمهات المؤمنين التي توفي عنهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: عائشة، ~~وحفصة، وزينب، وميمونة، وصفية، وأم حبيبة، وأم سلمة، وسودة، وجويرية؛ ~~واختارت واحدة منهن نفسها وهي بنت الضحاك العامري، كذا وقع في المدونة. ~~وقيل: إنه لم يكن عند النبي - صلى الله عليه وسلم - حين خير أزواجه إلا ~~التسع نسوة التي توفي عنهن، وهو الصحيح والله أعلم. وسيأتي في الجامع بيان ~~هذا، وبالله سبحانه وتعالى التوفيق. # فصل وهذا التخيير الذي أمر الله به نبيه - صلى الله عليه وسلم - وخير به ~~أزواجه ليس فيه تمليكهن الطلاق ولا جعله الأمر إليهن في الفراق، وإنما ~~خيرهن بين أن يخترنه والدار الآخرة ويمسكهن أو يخترن الحياة الدنيا فيمتعهن ~~ويسرحهن، كمن قال لامرأته: إن كنت راضية بالمقام معي على ما أنت عليه ~~فابقي، وإن كنت لا ترضين بذلك فأعلميني أطلقك، إلا أنه من النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لأزواجه إخبار لا حلف فيه؛ لأن الله تبارك وتعالى أمره به، ~~فأشبه التخيير في وجوب الطلاق للمخيرة باختيارها نفسها. وأما من غير النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - فليس ذلك بتمليك ولا تخيير ولا فيه شبه منه، وإنما ~~هو عدة بالطلاق إن اختارته. # فصل وقد اختلف الصحابة - رضي الله عنهم - ومن بعدهم من التابعين وفقهاء ~~المسلمين فيمن ملك امرأته ms0492 أو خيرها اختلافا كثيرا؛ إذ لم يرد في ذلك نص في ~~القرآن يرجع إليه، ولا روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك أثر ~~يعول عليه. فمنهم من جعل # PageV01P586 # قضاء الزوجة [في ذلك بتاتا. ومنهم من جعله واحدة رجعية. ومنهم من جعله ~~واحدة بائنة. ومنهم من جعله على ما قضت به] ، من واحدة أو ثلاث، ومنهم من ~~جعله على ما نواه الزوج مع يمينه، ومنهم من قال: ليس لها من الطلاق شيء وإن ~~خيرها زوجها أو ملكها، ومنهم من فرق بين قولها: أنا منك طالق أو أنت مني ~~طالق، ومنهم من رأى الخيار فراقا والتمليك طلاقا قبلت أو ردت، روي ذلك عن ~~جماعة من السلف، وعن ربيعة أنه قاله في التمليك. وهذا القول أضعف الأقاويل؛ ~~لأن السنة ترد ذلك والإجماع على أن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~اخترنه إذ خيرهن فلم يكن ذلك فراقا. ومنهم من فرق بين التخيير والتمليك فلم ~~ير التخيير شيئا ورأى التمليك واحدة بائنة، وهو مذهب أبي حنيفة. ولا حجة ~~لأحد منهم على مذهبه من جهة الرأي إلا ويعارضها مثلها؛ إذ ليس في ذلك في ~~الكتاب والسنة نص يجب التسليم له. # فصل وذهب مالك - رحمه الله تعالى - إلى أن التمليك يفترق من التخيير بما ~~رواه عن عبد الله بن عمر في موطئه حدث عن نافع أن عبد الله بن عمر قال: إذا ~~ملك الرجل امرأته فالقضاء ما قضت إلا أن ينكر عليها فيقول: لم أرد إلا ~~واحدة فيحلف على ذلك ويكون أملك لها ما دامت في عدتها، وهذا أبين ما قيل في ~~ذلك؛ لأن الله تبارك وتعالى جعل أمر الزوجة إلى الزوج وملكه أن يطلقها ما ~~شاء من الطلاق. فإذا قال الرجل لامرأته: أمرك بيدك، فقد جعل بيدها ما كان ~~بيده من طلاقها. هذا ظاهر اللفظ. ويحتمل أن يريد به واحدة واثنتين وثلاثا، ~~فإن كانت له نية في ذلك قبلت منه مع يمينه، وإن لم تكن له نية فالقضاء ما ~~قضت به من واحدة ms0493 أو ثلاث؛ لأنه الظاهر من لفظه ذلك. وذهب في التخيير إلى ~~أنه لا يكون إلا ثلاثا في المدخول بها، فإن اختارت ثلاثا فهي ثلاث، وإن ~~اختارت واحدة أو اثنتين فلا يكون شيئا؛ لأنه إذا خيرها فإنما خيرها في أن ~~تقيم معه في العصمة أو تخرج عنها، ولا تخرج # PageV01P587 # عن العصمة إلا بالثلاث. هذا مفهومه عنده من قصد التخيير. وإن كانت غير ~~مدخول بها كان حكمها حكم المملكة في المناكرة إن زادت على واحدة؛ لأنها ~~تبين منه وتخرج عن عصمته بما دون الثلاث. وتابع مالكا على ذلك جميع أصحابه ~~إلا ابن الماجشون فقال: إن المخيرة إذا قضت بواحدة أو ثلاث فهي ثلاث. # فصل وعند مالك - رحمه الله تعالى - أن الرجل إذا ملك امرأته أمرها أو ~~خيرها فليس له أن يرجع عن ذلك. واختلف قوله في الحد الذي يكون إليه أمر ~~المملكة والمخيرة بيدها، فكان أول زمنه يقول ذلك بيدها ما لم ينقض المجلس ~~الذي ملكها أو خيرها فيه، فإن تفرقا منه سقط ما كان بيدها من ذلك إلا أن ~~تقيده بالقبول في المجلس، وهو قول جل أهل العلم. ووجه أن هذا التمليك أمر ~~يقتضي الجواب فوجب أن يكون ذلك بيدها ما داما في المجلس، كالمبايعة إذا قال ~~الرجل للرجل: إن شئت سلعتي فهي لك بكذا وكذا، فهذا لا اختلاف فيه أن ذلك ~~إنما يكون له ما داما في المجلس لم يتفرقا عنه. ثم قال مالك - رحمه الله - ~~في آخر زمانه: إن أمر المملكة والمخيرة بيدها وإن تفرقا من المجلس ما لم ~~يوقفها السلطان أو تتركه يطأها. ووجه هذا القول أمر خطير يحتاج فيه إلى ~~الاستخارة والاستشارة فافتقر إلى المهلة. وقد «قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - لعائشة - رضي الله عنها - عند تخييره إياها: ولا عليك أن لا ~~تعجلي حتى تستأمري أبويك» وهذا يدل على أن الأمر بيدها بعد انقضاء المجلس ~~لو أحبت الاستئمار. # فصل واختلاف قول مالك - رحمه الله - في هذا إنما هو إذا واجهها الزوج ~~بالتمليك أو بالخيار أو ms0494 من فوض الزوج ذلك إليه لاقتضاء ذلك منها الجواب. ~~وأما إذا كتب إليها بذلك كتابا أو أرسل إليها رسولا أو جعل أمرها بيدها إن ~~تزوج عليها أو غاب عنها مدة أو أضر بها أو ما أشبه ذلك فلم يختلف قول مالك ~~- رحمه الله تعالى - أن ذلك بيدها وإن لم تقض فيه ساعة وجب لها التمليك، ~~قيل بيمين، وقيل بغير يمين، ما # PageV01P588 # لم يطل ذلك حتى يتبين أنها راضية بإسقاط حقها. والطول في ذلك أكثر من ~~شهرين على ما في سماع ابن القاسم من كتاب التخيير والتمليك، إلا أن يكون ~~الزوج حاضرا حين وجب لها التمليك فتمنعه نفسها فيكون ذلك بيدها وإن طال ~~الأمر، كالأمة تعتق تحت العبد فلا ينقطع خيارها بطول المدة ما منعته نفسها؛ ~~لأن امتناعها منه دليل على أنها باقية على حقها. وروى يحيى عن ابن وهب أن ~~حقها يسقط إذا لم تقض فيه ساعة وجب لها التمليك حتى انقضى المجلس الذي وجب ~~لها فيه قياسا على التمليك الذي تواجه به المملكة، وهو قول أشهب في سماع ~~عبد الملك بن الحسن من الكتاب المذكور، وظاهر ما في سماع عيسى من كتاب ~~النكاح في رسم شهد. # فصل والتمليك ينقسم على ثلاثة أقسام: تمليك مطلق، وتمليك مفوض، وتمليك ~~مقيد. فأما المطلق وهو أن يقول: أمرك بيدك فإنه ينقسم على وجهين: أحدهما: ~~أن يواجهها الزوج بذلك أو من يملكه ذلك. والثاني: أن لا يواجهها به هو ولا ~~من فوض ذلك إليه، وإنما كتب إليها بذلك كتابا أو أرسل به إليها رسولا. وقد ~~تقدم الكلام على هذا. وأما التمليك المفوض فهو أن يقول لها أمرك بيدك إن ~~شئت أو إذا شئت أو متى شئت [أو متى ما شئت، أربعة ألفاظ بها يكون التفويض. ~~وهي تختلف باختلاف معانيها. فأما متى شئت أو متى ما شئت] ، فلا يختلف أن ~~الأمر بيدها ما لم توقف، وإنما يختلف هل يقطع ذلك الوطء أم لا يقطعه على ~~قولين، فيقطعه على مذهب ابن القاسم ولا يقطعه على مذهب ms0495 أصبغ. وأما إن شئت ~~أو إذا شئت فيختلف فيه على ثلاثة أقوال: أحدها قول مالك أن ذلك كالتمليك ~~المطلق سواء. والثاني قول ابن القاسم أن الأمر يكون بيدها ما لم توقف بخلاف ~~مذهبه في التمليك المطلق. والثالث قول أصبغ أنه إن قال، إن شئت كان الأمر ~~بيدها في المجلس، وإن قال: إذا شئت كان الأمر بيدها حتى توقف، ولا يقطع ذلك ~~الوطء عنده في إذا بخلاف قوله إن. واختلف قول ابن القاسم إذا قال: أنت طالق ~~إن # PageV01P589 # شئت، فله في المدونة أن ذلك تفويض والأمر إليها حتى توقف، وله في الواضحة ~~أنه لا قضاء لها إلا في المجلس بخلاف قوله: أمرك بيدك إن شئت، وهو الصحيح. ~~وقد تأول بعض الناس على ما لابن القاسم في المدونة أن أمرك بيدك إن شئت ليس ~~بتفويض بخلاف قوله: أنت طالق إن شئت ووجه ذلك بتوجيه بعيد لا وجه له، حكى ~~ذلك أبو النجاء في كتابه. # فصل وأما التمليك المقيد بصفة، فإنه ينقسم على وجهين: أحدهما: أن لا يكون ~~مشترطا عليه في أصل عقد النكاح. والثاني يكون مشترطا عليه في عقد النكاح. ~~فأما إذا لم يكن مشترطا عليه في عقد النكاح فإنه ينقسم على الأقسام التي ~~قسمنا عليها الطلاق المقيد بصفة فيما ذكرناه في كتاب الأيمان بالطلاق، ~~ويجري الحكم فيه على ذلك في الأقسام كلها، فما كان منها في الطلاق يمينا ~~بالطلاق فهو في التمليك يمين بالتمليك، أو ما لم يكن منها في الطلاق يمينا ~~فلا يكون في التمليك يمينا، وما وجب منها تعجيل الطلاق فيه وجب تعجيل ~~التمليك فيه وكان للمرأة القضاء بما ملكت فيه من ساعتها، وما لم يجب فيه ~~تعجيل الطلاق لم يجب فيه تعجيل التمليك، وما دخل فيها على الحالف بالطلاق ~~الإيلاء دخل فيه على الحالف بالتمليك الإيلاء أيضا، حاشا يمينه بالتمليك ~~على زوجته أن تفعل فعلا أو ألا تفعله، فإن الحكم في ذلك أن توقف من ساعتها، ~~فإما أن تفعل ذلك الفعل إن كان قال لها: أمرك بيدك إن ms0496 فعلت كذا وكذا أو ~~تقول: لا أفعله إن كان قال لها: أمرك بيدك إن لم تفعلي كذا وكذا فيجب لها ~~التمليك، أو تخالف ذلك فيسقط ما جعل لها منه قياسا على قوله في الكتاب أمرك ~~بيدك إن أعطيتني كذا وكذا. وللزوج أن يناكر الزوجة في جميع ما يجب لها ~~التمليك من ذلك إن قضت بأكثر من طلقة بنية يدعيها. # PageV01P590 # فصل وأما إذا كان ذلك مشترطا عليه في عقد النكاح فينقسم ذلك أيضا على ~~الأقسام المذكورة ويكون الحكم فيها سواء إلا في وجهين: أحدهما: أن الزوج لا ~~يناكرها، والثاني: أن التمليك لا يلزم إذا قيد بشرط يعلم أنه لا يكون أصلا ~~باتفاق، وذلك مثل أن تشترط إن تزوج عليها فأمرها بيدها إن مس السماء وما ~~أشبه ذلك. لأنها اشترطت ما لا منفعة لها فيه. # فصل والمناكرة تجب للزوج بثلاثة أوصاف: أحدها: أن لا يكون التمليك مشترطا ~~عليه، والثاني: أن يدعي نية اعتقدها عند التمليك، والثالث: أن يناكرها في ~~الحال، فإن لم يفعل حتى طال الأمر لم يكن له مناكرتها، ولا يدخل في ذلك ~~اختلاف قول مالك - رحمه الله تعالى - في المملكة، قاله أبو بكر بن عبد ~~الرحمن. # فصل وإذا خير الرجل امرأته أو ملكها فقد جعل إليها ما كان بيده من ~~الطلاق، فإن أجابته في المجلس أو بعده ما لم توقف أو تتركه يطأها على أحد ~~قولي مالك فلا تخلو إجابتها إياه من عشرة أوجه: أحدها: أن تفصح بالطلاق ~~واحدة أو ثلاثا. الثاني: أن تجيب بشيء من كناياته. والثالث: أن تجيب بشيء ~~يحتمل أن تريد به الطلاق وأن لا تريد به الطلاق. والرابع: أن تجيب بما ~~يحتمل أن تريد به الثلاث وأن تريد به الواحدة والاثنتين. والخامس: أن تجيب ~~بما ليس من معنى الطلاق في شيء. والسادس: أن لا تجيب بشيء وتفعل فعلا يشبه ~~الجواب. والسابع: أن تقيد الاختيار بشرط. والثامن: أن تقيد القبول. ~~والتاسع: أن تفوض الأمر إلى غيرها. والعاشر: أن تفصح باختيار زوجها. # PageV01P591 # فصل فأما إذا أفصحت بالطلاق فهو ms0497 على ما أفصحت به، فإن أفصحت بالثلاث مثل ~~أن تقول: قد طلقت نفسي ثلاثا أو قبلت نفسي أو اخترت نفسي أو حرمت عليك أو ~~برئت منك أو بنت منك؛ فهذا تكون به مطلقة ثلاثا في التخيير وفي التمليك قبل ~~الدخول أو بعده، [إلا أن يناكرها في الخيار قبل الدخول وفي التمليك قبل ~~الدخول وبعده] ، فيكون ذلك له إذا ادعى نية، ولا تسأل في ذلك عن شيء، ولا ~~تصدق إن ادعت أنها لم ترد به الطلاق أو أنها لم ترد بذلك الثلاث. وكذلك إذا ~~قالت: طلقت نفسي واحدة أو اثنتين لا تسأل عن شيء ولا تصدق إن ادعت أنها لم ~~ترد الطلاق، ويكون كما قال في التمليك، إلا أن ينكر عليها فيما زادت على ~~الواحدة، ولا يكون في التخيير شيئا. وأما إذا أجابت بشيء من كنايات الطلاق ~~مثل أن تقول: قد خليت سبيلك أو تركتك أو فارقتك أو رددتك إلى أهلك وما أشبه ~~ذلك فيحمل قولها في ذلك على ما يحمل عليه قول الزوج ابتداء فيما يكون من ~~الطلاق وما ينوى فيه مما لا ينوى. # وأما إذا أجابت بما يحتمل أن تريد به الطلاق وأن لا تريد به الطلاق مثل ~~أن تقول: قد قبلت أمري أو قد اخترت أو قد شئت أو قد رضيت فهذه تسأل عما ~~أرادت بذلك، فما قالت قبل منها وجرى الحكم في التخيير والتمليك على حسب ~~ذلك. # وأما إذا أجابت بما يحتمل أن تريد به الثلاث أو تريد به الواحدة أو ~~الاثنتين ففي ذلك ثلاثة ألفاظ: أحدها: أن تقول قد طلقت نفسي. والثاني: أن ~~تقول أنا طالق. والثالث: أن تقول قد اخترت الطلاق. فأما إذا قالت قد طلقت ~~نفسي فاختلف في ذلك على خمسة أقوال: أحدها: أنها تسأل في المجلس وبعده في ~~التخيير والتمليك كم أرادت بذلك؟ فإن لم تكن لها نية فهي ثلاث إلا أن ~~يناكرها في التمليك. وهو مذهب ابن القاسم في المدونة. والثاني: أنها تسأل ~~أيضا في المجلس وبعده في التخيير والتمليك أيضا، فإن ms0498 لم تكن لها نية فهي ~~واحدة تلزم # PageV01P592 # في التمليك وتسقط في الخيار. والثالث: أنها لا تسأل لا في التخيير ولا في ~~التمليك، وهي واحدة تلزم في التمليك وتسقط في الخيار. فإن قالت في المجلس ~~أردت ثلاثا فهي ثلاث إلا أن يناكرها في التمليك، وهو قول ابن القاسم في ~~الواضحة. والرابع: أنها لا تسأل في التخيير ولا في التمليك وهي ثلاث إلا أن ~~تقول في المجلس: أردت واحدة فتسقط في الخيار، وهو قول أصبغ في الواضحة. ~~والخامس: أنها لا تسأل في التمليك وهي واحدة إلا أن تريد أكثر من ذلك فيكون ~~للزوج أن يناكرها، وتسأل في التخيير فإن قالت: أردت ثلاثا صدقت وكانت ~~ثلاثا، وإن قالت أردت واحدة أو اثنتين أو لم تكن لي نية أو افترقا من ~~المجلس قبل أن تسأل سقط خيارها. وأما إن قالت أنا طالق فلا تسأل في تمليك ~~ولا تخيير، وتكون واحدة تلزم في التمليك وتسقط في الخيار، إلا أن تقول في ~~المجلس نويت ثلاثا فيلزم في الخيار، ويكون في التمليك للزوج أن يناكرها، ~~ولا أحفظ في هذا نص خلاف. # وأما إن قالت قد اخترت الطلاق فالذي أرى فيه على أصولهم أنها تسأل في ~~التمليك والتخيير؛ لأن هذه الألف واللام قد يراد بها الجنس فتكون ثلاثا، ~~ويراد بها العهد وهو الطلاق السني المشروع فتكون واحدة. فإذا احتمل اللفظ ~~الوجهين وجب أن تسأل أيهما أرادت، فإن قالت لم تكن لي نية كانت ثلاثا على ~~قول أصبغ في الواضحة. ومذهب ابن القاسم في المدونة في التي تقول قد طلقت ~~نفسي ولا نية لها أنها واحدة. ويحتمل أن تكون الألف واللام للعهد وهو ~~الطلاق الذي ملكت إياه فيكون ثلاثا. وقد كان ابن زرب يتوقف عن الجواب في ~~هذه المسألة إذ لم يجد فيها في المدونة والعتبية شيئا إلى أن وجد في زعمه ~~في العتبية ما دله على # PageV01P593 # أنها تكون واحدة إلا أن تريد بذلك ثلاثا. وهذا الاختلاف الواقع بين ابن ~~القاسم وابن وهب في الذي يحلف غريمه بالطلاق ليدفعن ms0499 إليه حقه إلى أجل، ~~فيقول صاحب الحق أردت ثلاثا، ويقول الغريم أردت واحدة. قال فلو كانت هذه ~~اللفظة لا تقع إلا على ثلاث تطليقات عند ابن القاسم لما قال القول قول صاحب ~~الحق ولقال هي ثلاث قال صاحب الحق: إنه نواها أو لم يقل. ولو كانت لا تقع ~~أيضا عند ابن وهب إلا على ثلاث تطليقات لما قال القول قول الغريم. ولا دليل ~~له فيما استدل به من ذلك على مذهبه؛ لأن اللفظ قد يراد بها الواحدة وقد ~~يراد بها الثلاث على ما بيناه، فجعلها ابن القاسم ثلاثا على نية المحلوف ~~له، وجعلها ابن وهب واحدة على نية الحالف، ولا إشكال في المسألة مع وجود ~~النية بواحدة أو ثلاث، وإنما الإشكال عند عدمها. والصحيح على مذهب ابن ~~القاسم في المدونة ما ذكرته. واستدل على مذهبه في ذلك بقول الله عز وجل: ~~{الطلاق مرتان} [البقرة: 229] ، وبحديث زبراء قالت: فقلت هو الطلاق ثم ~~الطلاق ثم الطلاق ففارقته ثلاثا. فأما الآية فلا متعلق له فيها، وأما ~~الحديث فله فيه وجه من التعلق. قال اللخمي: # فإن قائل قائل: لأي شيء لا يكون التخيير ثلاثا إذا قالت قد اخترت الطلاق ~~ولم تنو شيئا إذ لا خيار لها إلا في الثلاث؟ # قيل له: يلزمك أن تقول هذا في قولها في التخيير قد طلقت نفسي ولا نية لها ~~[أنها ثلاث؛ إذ لا خيار لها إلا في الثلاث. وهذا محال أن يجعل قولها قد ~~طلقت نفسي ولا نية لها] ثلاثا. # قلت: ما هو بمحال، وأصبغ يرى أنها ثلاث في التمليك فكيف في الخيار، وهو ~~مذهب ابن القاسم في المدونة. # PageV01P594 # وأما إذا أجابت بما ليس من معنى الطلاق، مثل أن تقول أنا أشرب الماء وأنا ~~أضرب عبدي وما أشبه ذلك فهذا يسقط خيارها ولا تصدق إذا ادعت أنها أرادت ~~بذلك الطلاق. وأما إذا لم تجب بشيء وفعلت فعلا يشبه الجواب مثل أن تنقل ~~متاعها أو تخمر رأسها وما أشبه ذلك فإنها تسأل ما أرادت بذلك، فإن قالت لم ~~أرد ms0500 بذلك الفراق صدقت، وإن قالت أردت بذلك الطلاق صدقت فيما قالت منه، فإن ~~قالت أردت الثلاث كان في الخيار ثلاثا، وكان له في التمليك أن يناكرها إن ~~ادعى نية. وإن قالت أردت بذلك الفراق ولم تكن لي نية في عدد الطلاق، فعلى ~~قول محمد بن المواز هي في التمليك واحدة رجعية. وفي التفسير ليحيى عن ابن ~~القاسم أنها ثلاث. فإن سكت ولم ينكر عليها فعلها ولا سألها عما أرادت حتى ~~افترقا من المجلس فقالت بعد افتراقهما منه أردت بذلك ثلاثا فذلك لها إلا أن ~~يناكرها بنية يدعيها وقت القول ويحلف على ذلك، قال أصبغ بيمينين: يمين أنه ~~لم يعلم أن ما فعلته يلزمه به البتة ولا رضي بذلك، ويمين أنه نوى واحدة. # وقال ابن المواز: يجمع ذلك في يمين واحدة. وفي العشرة ليحيى عن ابن ~~القاسم أن انتقالها وسكوته على ذلك دون أن يسألها في المجلس عما تريد ~~بانتقالها يوجب عليه طلاق البتات بكل حال، ولا يناكرها إن قالت أردت ~~الثلاث، ولا تصدق إن قالت أردت واحدة. وأما إذا قيدت الإجابة بشرط فإن ~~الشرط ينقسم على أربعة أقسام: أحدها: أن يكون الشرط يحتمل أن يكون وأن لا ~~يكون. والثاني: أن يكون محتملا أيضا والأغلب منه أن يكون. والثالث: أن يكون ~~مما يعلم أنه لا بد أن يكون في المدة التي يمكن أن يبلغا إليها. والرابع: ~~أن يكون مما يعلم أنه لا يكون. فأما الوجه الأول وهو مثل أن تقول قد اخترت ~~نفسي إن دخلت على ضرتي أو إن قدم فلان وما أشبه ذلك ففيه قولان: أحدهما قول ~~ابن القاسم في المدونة أن الأمر يرجع إليها فتقضي أو ترد. والثاني قول ~~سحنون أن ذلك رد لما جعل لها ولا قضاء لها. وأما الوجه الثاني وهو مثل أن ~~تقول: قد اخترت نفسي إذا حاضت فلانة فتكون طالقا مكانها على مذهب ابن ~~القاسم، وعلى مذهب أشهب يرجع الأمر إليها فتقضي أو # PageV01P595 # ترد. وأما الوجه الثالث وهو مثل أن تقول قد اخترت نفسي إذا ms0501 جاء العيد أو ~~أهل الهلال وما أشبه ذلك فإنها تكون طالقا مكانها. وأما الوجه الرابع وهو ~~أن تقول: قد اخترت نفسي إن مسست السماء فإنه يكون ردا لما جعل إليها ولا ~~يكون لها أن تقضي، لا يختلف أصحابنا في جملة هذه الأقسام، ولهم في تفاصيلها ~~اختلاف كثير على ما هو مذكور في الأمهات، فليس هذا موضع ذكره. وأما إذا ~~قيدت القول بذلك مثل أن تقول: قد قبلت لأنظر في أمري فهذا يكون الأمر بيدها ~~وإن انقضى المجلس حتى توقف بلا اختلاف. # وأما إذا فوضت الأمر إلى غيرها فذلك أن تقول: قد شئت إن شاء فلان أو قد ~~فوضت أمري إلى فلان ففي ذلك قولان: أحدهما: أن ذلك جائز إن كان فلان حاضرا ~~أو قريب الغيبة. قال في سماع عيسى مثل اليومين والثلاثة، وقال في الواضحة ~~أصبغ عن ابن القاسم مثل اليوم وما أشبهه، وإن كان بعيد الغيبة رجع الأمر ~~إليها. والثاني قول أصبغ: إنه ليس لها أن تحول الأمر إلى غيرها وإن كان ~~حاضرا، ويرجع الأمر إليها فتقضي أو ترد. وقول أصبغ هذا يأتي على رواية علي ~~بن زياد عن مالك في كتاب الخيار من المدونة، فتأمل ذلك. وأما الوجه العاشر ~~وهو أن تفصح باختيارها زوجها فلا كلام فيه. # فصل هذا تفسير ألفاظ المرأة في الاختيار. وأما تقسيم ألفاظ الرجل في ~~الطلاق فإنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: نص، وظاهر، ومحتمل. فالنص ما نص على ~~عدد الطلاق فيه، والظاهر ما لا ينوى فيه مع قيام البينة عليه لادعائه خلاف ~~ظاهر لفظه، وذلك ينقسم على قسمين: أحدهما: أن يأتي بلفظ ظاهره الطلاق ~~[فيقول لم أرد به الطلاق. والثاني: أن يأتي بلفظ ظاهره الثلاث فيقول لم أرد ~~الثلاث. فأما إذا أتي بلفظ ظاهره الطلاق، فيقول لم أرد به الطلاق] ، وقد ~~حضرته البينة فلا يصدق قبل الدخول ولا بعده. وذلك مثل أن يقول: امرأتي طالق ~~ثم يقول لم أرد به الطلاق، وإنما أردت أنها طالق من وثاق وما أشبه ذلك، ~~فإنه لا يصدق إلا ms0502 أن يأتي بما يدل # PageV01P596 # على صدقه فيما ادعى من النية، وذلك مثل أن يكون الكلام خرج على سؤال ~~إطلاقه إياها من وثاق كانت فيه. واختلف إن علم أنها كانت في وثاق هل يكون ~~ذلك دليلا على صدقه أم لا؟ على قولين. وإن أتى مستفتيا صدق على كل حال إلا ~~على مذهب من يرى أن مجرد اللفظ دون النية يوجب الطلاق. والقولان قائمان من ~~المدونة. فإن أتى بلفظ ظاهره الثلاث فيقول لم أرد به الثلاث فإنه ينقسم على ~~وجهين: أحدهما لا يصدق فيه قبل الدخول ولا بعده، وذلك مثل أن يقول أنت ~~بائنة. والثاني يصدق قبل الدخول ولا يصدق بعده، وذلك مثل أن يقول أنت خلية ~~أو برية أو حبلك على غاربك وما أشبه ذلك. # وأما المحتمل فهو ما ينوى فيه بكل حال، وإن لم تكن له نية حكم على أظهر ~~محتملاته. وذلك ينقسم على خمسة أقسام: أحدها: لفظ يحتمل أن يراد به الطلاق، ~~ويحتمل أن لا يراد به الطلاق، [والأظهر أن لا يراد به الطلاق] ، فيحمل عليه ~~إن لم تكن له نية. والثاني: لفظ يحتمل أن يراد به الطلاق ويحتمل أن لا يراد ~~به الطلاق، والأظهر أن يراد به الطلاق، فيحمل عليه إن لم تكن له نية. ~~والثالث: لفظ يحتمل أن يراد به الثلاث ويحتمل أن يراد به الواحدة، والأظهر ~~منه أن يراد به [واحدة قبل الدخول وبعده فيحمل عليه إن لم تكن له نية. ~~والرابع: لفظ يحتمل أن يراد به الثلاث ويحتمل أن يراد به الواحدة والأظهر ~~أنه يراد به] الثلاث قبل الدخول وبعده، فيحمل عليه إن لم تكن له نية. ~~والخامس: لفظ يحتمل أن يراد به الثلاث ويحتمل أن يراد به الواحدة والأظهر ~~منه قبل الدخول الواحدة وبعد الدخول الثلاث، فيحمل على ذلك إن لم تكن له ~~نية. # فالأول مثل أن يقول لامرأته: لست لي بامرأة أو ما أنت لي بامرأة. والثاني ~~مثل أن يقول لامرأته: لا نكاح بيني وبينك أو لا ملك لي عليك. والثالث مثل ~~أن ms0503 يقول لامرأته: قد طلقتك أو أنت طالق أو ما أشبه ذلك. والرابع مثل أن ~~يقول لامرأته: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. والخامس مثل أن يقول لامرأته: ~~قد خليت سبيلك أو قد خليتك أو قد فارقتك. وهذا تقسيم صحيح # PageV01P597 # ليس يشذ عنه شيء من ألفاظ الطلاق إلا رواية عيسى عن ابن القاسم فيمن قال ~~لأهل امرأته: شأنكم بها أنها قبل الدخول واحدة إلا أن ينوي ثلاثا، وبعد ~~الدخول ثلاثا ولا ينوى. وما يوجد من الاختلاف في المذهب في بعض ألفاظ ~~الطلاق إنما هو لاختلافهم في ذلك اللفظ من أي قسم هو من الأقسام التي ~~ذكرناها، فقد روي عن أشهب في سرحتك أنها واحدة في المدخول بها، فيأتي من ~~القسم الثالث على مذهبه. فافهم هذا وتدبره تجده صحيحا إن شاء الله تعالى، ~~وبه التوفيق. # PageV01P598 ### | كتاب الظهار # بسم الله الرحمن الرحيم # وصلى الله على سيدنا محمد وآله # كتاب الظهار الظهار تشبيه الرجل وطء من تحل له من النساء بوطء من تحرم ~~عليه منهن تحريما مؤبدا بنسب أو صهر أو رضاع. وكانت العرب تكني عن ذلك ~~بالظهر فتقول: امرأتي علي كظهر أمي، ولذلك سمي ظهارا؛ لأنه مأخوذ من الظهر، ~~وإنما اختص الظهر بالتحريم في الظهار دون البطن والفرج وسائر الأعضاء وإن ~~كانت أولى بالتحريم منه؛ لأن الظهر موضع الركوب، والمرأة مركوبة عند ~~الغشيان. فإذا قال الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي، فإنما أراد أن ركوبها ~~للنكاح عليه حرام كركوب أمه للغشيان، فأقام الركوب مقام النكاح؛ لأن الناكح ~~راكب، وأقام الظهر مقام الركوب؛ لأنه موضع الركوب. وهذا من لطيف الاستعارة ~~للكناية. وهو على أربعة أوجه: تشبيه جملة بجملة، وبعض ببعض، وبعض بجملة، ~~وجملة ببعض. وهي كلها سواء في الحكم، إلا أن يكون البعض الذي شبه من زوجته ~~أو شبه به زوجته مما ينفصل عنها أو عن المشبه بها من ذوات المحارم كالكلام ~~أو الشعر، فيجري ذلك على الاختلاف فيمن طلق ذلك من زوجته. وله صريح، ~~وكناية. فصريحه عند ابن القاسم وأشهب وروايتهما عن مالك ms0504 أن يذكر الظهر في ~~ذات محرم. وكناياته عند ابن القاسم أن لا يذكر الظهر في ذات محرم أو يذكر ~~الظهر في غير ذات محرم. ومن كناياته عند أشهب أن لا يذكر الظهر في غير ذات ~~محرم. ومن صريحه عند ابن الماجشون أن لا يذكر الظهر في ذات محرم، وليس من ~~كناياته عنده أن يذكر الظهر في غير ذات محرم، فلا كناية عنده للظهار. ~~والفرق بين # PageV01P599 # الصريح من الظهار وكناياته فيما يوجبه الحكم أن كنايات الظهار إن ادعى ~~أنه أراد به الطلاق صدق أتى مستفتيا أو حضرته البينة، وأن صريح الظهار لا ~~يصدق إن ادعى أنه أراد به الطلاق إذا حضرته البينة، ويؤخذ من الطلاق بما ~~أقر به ومن الظهار بما لفظ به، فلا يكون له إليها سبيل وإن تزوجها بعد زوج ~~حتى يكفر كفارة الظهار. وقد قيل: إنه يكون ظهارا على كل حال ولا يكون طلاقا ~~وإن نواه وأراده، وهي رواية أشهب عن مالك وأحد قولي ابن القاسم. # فصل وكان الظهار في الجاهلية طلاقا وفي أول الإسلام إلى أن أنزل الله عز ~~وجل: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع ~~تحاوركما إن الله سميع بصير} [المجادلة: 1] {الذين يظاهرون منكم من نسائهم ~~ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول ~~وزورا وإن الله لعفو غفور} [المجادلة: 2] . فأخبر تعالى أن لفظ الظهار الذي ~~كانوا يطلقون به نساءهم منكر من القول وزور. والمنكر من القول هو الذي لا ~~تعرف حقيقته، والزور الكذب، وإنما قال تعالى فيه: إنه كذب؛ لأنهم صيروا به ~~نساءهم كأمهاتهم، وهن لا يصرن كأمهاتهم ولا كذوي محارمهم؛ لأن ذوي المحارم ~~لا يحللن له أبدا، وليس كذلك الأجنبيات. فأخرجه الله عز وجل من باب الطلاق ~~إلى باب الكفارة، ثم أعلمنا كيف يكون الحكم في ذلك فقال تعالى: {والذين ~~يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم ~~توعظون به والله بما تعملون خبير} [المجادلة: 3] {فمن ms0505 لم يجد فصيام شهرين ~~متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا ~~بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم} [المجادلة: 4] . # PageV01P600 # فصل ونزلت سورة قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها إلى آخر باب الظهار ~~في امرأة من الأنصار اختلف في اسمها، فقيل: خولة، وقيل: خويلة، وفي نسبها ~~فقيل: إنها بنت ثعلبة، وقيل: بنت الصامت، وقيل: بنت الدليح، [وقيل: بنت ~~خويلد] . # فصل وكانت مجادلة هذه المرأة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في زوجها ~~أوس بن الصامت مراجعتها إياه في أمره وما كان من قوله لها: أنت علي كظهر ~~أمي ومحاورتها إياه في ذلك. وذلك أنها «أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وعائشة تغسل شق رأسه فقالت: يا رسول الله، طالت صحبتي مع زوجي، وأكل ~~شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني، فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: حرمت عليه، فقالت: أشكو إلى الله فاقتي إليه، ~~ثم قالت: يا رسول الله، طالت صحبتي مع زوجي ونفضت له بطني وظاهر مني، فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: حرمت عليه، فكلما قال لها ذلك رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - هتفت وصاحت وقالت: إلى الله أشكو فاقتي، فنزل الوحي ~~وقد قامت عائشة تغسل شق رأسه الآخر، فأومأت إليها عائشة أن اسكتي. فلما قضى ~~الوحي قال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ادعي لي زوجك، فتلا عليه ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ~~وتشتكي إلى الله} [المجادلة: 1] ... إلى قوله: {والذين يظاهرون من نسائهم ~~ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا} [المجادلة: 3] ، فقال ~~له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أتستطيع أن تعتق رقبة؟ ، فقال: لا. ~~قال: فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، أتستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ ~~فقال: يا رسول الله، إني إذا لم آكل في اليوم ثلاث مرات خشين أن يعشو بصري، ~~قال: فمن لم يستطع ms0506 فإطعام ستين مسكينا، فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينا؟ ، ~~قال: لا يا رسول الله، إلا أن تعينني، فأعانه رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فأطعم ستين مسكينا # PageV01P601 # وراجعها» . والأحاديث في هذه القصة كثيرة، وفي بعضها «أن أوس بن الصامت ~~لما ظاهر من امرأته قالت له: والله ما أراك إلا قد أثمت في شأني لبست جدتي ~~وأفنيت شبابي وأكلت مالي، حتى إذا كبرت سني ورق عظمي واحتجت إليك فارقتني. ~~قال: فما أكرهني بذلك اذهبي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فانظري ~~هل تجدين عنده شيئا في أمرك، فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك ~~له فقال لها: " ما أراك إلا قد بنت منه "، فقالت: إلى الله أشكو فاقتي إلى ~~زوجي، فقالت عائشة: سبحان من وسع سمعه الأصوات، فإني لأرجل رأس رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أسمع بعض كلامها ويخفى علي بعضه إذ نزل الوحي: {قد ~~سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما} ~~[المجادلة: 1] الآيات إلى آخره، فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ~~يعتق رقبة» إلى آخر الحديث. # فصل فالظهار تحريم ترفعه الكفارة، وهو حرام. والدليل على تحريمه أن الله ~~سماه منكرا من القول وزورا، والزور: الكذب، والكذب حرام بإجماع. ووصف نفسه ~~في آخر الآية بالعفو والغفران، ولا يغفر ولا يعفو إلا عن المذنبين. ~~والكفارة لا تجب بمجرد لفظ الظهار حتى تنضاف إليه العودة في قول جماعة ~~العلماء، حاشا مجاهد؛ فإنه أوجب الكفارة عن المظاهر بمجرد الظهار، وليس ذلك ~~بصحيح لقول الله عز وجل: {ثم يعودون لما قالوا} [المجادلة: 3] . # فصل وقد اختلفوا في العودة الموجبة على المظاهر الكفارة على ستة أقوال: # أحدها: إرادة الوطء والإجماع عليه، وهو قول مالك في موطئه، أنه إذا أراد ~~الوطء وأجمع عليه فقد وجبت عليه الكفارة وإن مات أو طلقها. # PageV01P602 # والثاني: أنه إرادة الوطء والإجماع عليه مع استدامة العصمة، فمتى انفرد ~~أحدهما دون الآخر لم تجب الكفارة. فإن أجمع على الوطء ثم قطع العصمة بطلاق ~~فلم ms0507 يستدمها أو انقطعت بموت سقطت الكفارة، وإن كان قد عمل بعضها سقط عنه ~~سائرها. وكذلك إن استدام العصمة ولم يرد الوطء ولا أجمع عليه لم تجب عليه ~~الكفارة، بل لا تجزئه إن فعلها وهو غير عازم على الوطء ولا مجمع عليه. هذا ~~قول مالك في المدونة، وعليه جماعة أصحابه، وهو أصح الأقاويل وأجراها على ~~القياس وأتبعها لظاهر القرآن؛ لأنه إذا أراد الوطء وجب عليه تقديم الكفارة ~~قبله؛ لقول الله عز وجل: {من قبل أن يتماسا} [المجادلة: 3] ، ما لم تنقطع ~~العصمة أو ترجع نيته عن إرادة الوطء إلا أن يطأها، فإن وطئ لزمته الكفارة ~~وترتبت في ذمته ككفارة اليمين بالله تعالى إذا حنث فيها، إلا أن الحالف ~~بالله مخير بين أن يقدم الكفارة قبل الحنث أو يحنث قبل الكفارة، والظهار لا ~~يجوز أن يطأها قبل الكفارة لقول الله عز وجل: {من قبل أن يتماسا} ~~[المجادلة: 3] . # والثالث: أن العودة الوطء نفسه. وقد روي هذا القول عن مالك، حكى الثلاثة ~~الأقوال عنه عبد الوهاب. فعلى هذا القول: لا تجزئه الكفارة قبل الوطء، وإن ~~أراد الوطء وأجمع عليه واستدام العصمة، وله أن يطأ قبل الكفارة مرة، فإذا ~~وطئ وجبت عليه الكفارة إن أراد الوطء ثانية واستدام العصمة، فإن رجعت نيته ~~عن الوطء وانقطعت العصمة بموت أو فراق سقطت عنه الكفارة ما لم يطأها ثانية. ~~وقد حكى هذا القول أصبغ في العتبية عن أهل المشرق ومن يرتضى من أهل ~~المدينة. # والرابع: قول الشافعي ومن قال بقوله إن العودة استدامة العصمة وترك ~~الفراق، وأنه متى ظاهر من زوجته ولم يطلقها طلاقا متصلا بالظهار فقد وجبت ~~عليه الكفارة، وهو قول فاسد، يدل على فساده القرآن واللغة، على أن أصحابه ~~يدعون له علم اللغة. لأن الله تبارك وتعالى قال: {ثم يعودون} [المجادلة: 3] ~~، وثم توجب التراخي عند جميع أهل اللغة، لا اختلاف بينهم أن الرجل إذا قال: ~~لقيت زيدا ثم عمرا، أن المفهوم من قوله لقي عمرا بعد زيد بزمان. والعصمة لم ~~تنفصل بالظهار، فكيف يصح أن يقال ثم ms0508 يكون كذا لما لم يزل كائنا، هذا محال. ~~وقوله: هذا خطأ أيضا # PageV01P603 # من وجه آخر؛ لأنه إنما أوجب عليه الكفارة بترك الطلاق، فيكون معنى قوله ~~تعالى على مذهبه: {ثم يعودون} [المجادلة: 3] ، بمعنى ثم لم يطلقوا، وقوله ~~تعالى: {ثم يعودون} [المجادلة: 3] إيجاب، ولم يطلقوا نفي. ولو صح ذلك لكان ~~الإيجاب نفيا والنفي إيجابا وهذا محال. وقوله خطأ أيضا من وجه ثالث، وهو أن ~~قوله تعالى: {ثم يعودون لما قالوا} [المجادلة: 3] يوجب أن يحدث منهم شيء لم ~~يكن قبل، والمظاهر لم يطلق في حال الظهار ولا قبله، فإذا ظاهر ثم لم يطلق ~~بعد الظهار فهو كما كان قبل لم يحدث منه شيء بعد لا فعل ولا قول، فيستحيل ~~معنى قوله: {ثم يعودون} [المجادلة: 3] لأن العائد إنما يعود لشيء كان ~~فارقه، والمظاهر لم يفارق زوجته بالظهار، وإنما فارق به المسيس، فهو المعنى ~~المقصود بالعودة إليه والله أعلم. # وقد احتج بعض أصحاب الشافعي له في أن العودة تركها زوجة لقوله تعالى: ~~{يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها} [المائدة: 37] ، وقال ~~تعالى: {كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها} [الحج: 22] ، فسمى ~~تعالى بقاءهم في النار وإقرارهم فيها إعادة. وهذا لا حجة فيه؛ لأنه يحتمل ~~أن يكونوا تحاملوا للخروج كاضطراب المجلود فتأخذه المقامع فترده إلى حالته ~~الأولى. ولو صح بما احتج به أن يكون البقاء إعادة لما كان في ذلك حجة؛ لأن ~~الله تبارك وتعالى إنما أوجب الكفارة بالعودة لما كان ممنوعا منه بالظهار ~~وهو الوطء. وأما العصمة فلم يكن ممنوعا منها بالظهار ولا منفصلا عنها. وروي ~~عن ابن نافع أن الكفارة تصح مع استدامة العصمة وإن لم ينو المصاب ولا ~~أراده، وهو شاذ خارج عن أقاويل العلماء لا وجه له إلا مراعاة قول من أوجب ~~عليه الكفارة بمجرد استدامة العصمة، وهو وجه ضعيف. كيف تصح له الكفارة ~~وينحل بها الظهار وهو لم يرد بها التحلل؛ إذ قد فعلها وهو لا يريد المصاب. # والخامس: أن العودة أن يعود فيتكلم بالظهار مرة أخرى، ms0509 وهو مذهب داود وأهل ~~الظاهر، وروي مثله عن بكير بن الأشج، وهو قول فاسد بين الفساد لبعده من ~~النظر وخلافه للآثار. وحديث المظاهر على عهد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قد رواه بكير بن # PageV01P604 # الأشج وغيره، وكلهم ذكر أنه ظاهر مرة واحدة فأمره رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بالكفارة، فليس معنى قول الله عز وجل: {ثم يعودون لما قالوا} ~~[المجادلة: 3] ، أن يرجعوا إلى نفس القول بالظهار؛ لأن القول الأول لا يخلو ~~من أن يكون أوجب الظهار أو لم يوجبه. فإن كان أوجبه فالثاني تأكيد له، وإن ~~كان لم يوجبه فالثاني لا يوجبه أيضا لأنه مثله، وإنما معنى قوله: {ثم ~~يعودون لما قالوا} [المجادلة: 3] أي يعودون في تحريم ما حرموه على أنفسهم ~~من أزواجهم بتظاهرهم وهو الوطء فيتحللونه بإرادة الوطء والإجماع عليه. # والسادس: ما ذهب إليه ابن قتيبة أن المعنى في قوله: {ثم يعودون لما ~~قالوا} [المجادلة: 3] أنه العودة في الإسلام إلى نفس القول بالظهار الذي ~~كانوا يظاهرون به في الجاهلية ويعدونه طلاقا. # فصل وقد قيل: إن الآية فيها تقديم وتأخير، وتقديرها والذين يظهرون من ~~نسائهم فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون ~~خبير، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا، فمن لم يستطع ~~فإطعام ستين مسكينا، ثم يعودون لما قالوا. # فصل واختلف في قوله تعالى: {من قبل أن يتماسا} [المجادلة: 3] فحمله أكثر ~~أهل العلم على عمومه فقالوا: لا يقبل المظاهر ولا يباشر ولا يمس حتى يكفر، ~~وهو مذهب مالك وأكثر أصحابه. وقال الحسن وعطاء والزهري وقتادة: ليس على ~~عمومه، والمراد به الوطء خاصة، فللمظاهر أن يقبل ويباشر ويطأ في غير الفرج، ~~وإنما نهي عن الجماع. واختلف الذين حملوا الآية على عمومها في الوطء وما ~~دونه إن قبل أو باشر في خلال الكفارة قبل أن يتمها، فقال أصبغ وسحنون: ~~يستغفر الله ولا شيء عليه، وقال مطرف: يبتدئ الكفارة. # PageV01P605 # فصل والامتناع مما عدا الوطء على مذهب مطرف واجب، وعلى مذهب أصبغ وسحنون ms0510 ~~مستحب، وعلى مذهب الحسن ومن قال بقوله مباح. وأما الوطء فلا خلاف في وجوب ~~الامتناع منه إلا على مذهب من يرى أن العودة الوطء فإنه أباح له الوطء مرة. ~~وقد تقدم ذكر ذلك. # فصل وأصل الظهار في ذوات المحارم، فإذا ظاهر بشيء من ذوات المحارم وهو ~~مظاهر سمي [مظاهرا، سمى] الظهر أو لم يسمه، أراد بذلك الظهار أو لم تكن له ~~نية. فإن أراد بذلك الطلاق ولم يرد به الظهار فقول ابن القاسم في رواية ~~عيسى عنه من كتاب الأيمان بالطلاق أنه يكون طلاقا بتاتا ولا ينوى في واحدة ~~ولا اثنتين. وقال سحنون: ينوى فيما أراده من الطلاق، وهو الأظهر؛ لأنه لفظ ~~بما ليس من ألفاظ الطلاق، فوجب أن يوقف الأمر على ما نوى بذلك. هذا نص قول ~~ابن القاسم أنه إذا ظاهر بذات محرم وأراد بذلك الطلاق أنه طلاق سمى الظهر ~~أو لم يسمه. # ومساواته في هذا الوجه بين أن يسمي الظهار أو لا يسميه إنما يصح على ~~مذهبه فيما بينه وبين الله تعالى إذا أتى مستفتيا. وأما إذا حضرته البينة ~~وطولب بحكم الظهار فإن كان قد سمى الظهر حكم عليه بالظهار؛ لأن البينة قد ~~حضرته بالإفصاح به، ولم يصدق في طرح الكفارة عن نفسه وقضي عليه بالطلاق ~~لإقراره أنه نواه وأراده، وكان من حق المرأة إن تزوجها بعد زوج أن تمنعه ~~نفسها حتى يكفر كفارة الظهار. وإن كان لم يسم الظهر لم يحكم عليه بالظهار ~~وصدق أنه لم يرد الظهار إذا لم يصرح به. وهذا أصل من أصولهم أن من ادعى نية ~~مخالفة لظاهر لفظه لا يصدق فيها. وقول ابن الماجشون: أنه يكون ظهارا، ولا ~~يكون طلاقا وإن نواه وأراده. وحجته أن الذي ظاهر على عهد النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وأنزل الله فيه # PageV01P606 # الكفارة قد أراد الطلاق على ما كانوا يعرفونه في الجاهلية فلم يكن ذلك ~~طلاقا، فألزمه ابن الماجشون الظهار بمجرد اللفظ دون النية وإن أتى مستفتيا ~~فيما بينه وبين الله. ويلزمه مثل ذلك في الطلاق، ms0511 وهو قول مالك في المدونة ~~فيمن قال لامرأته: أنت طالق، وقال: أردت من وثاق. # والاختلاف في هذا قائم من المدونة. ولم يلزمه ابن الماجشون الطلاق وهو قد ~~أراده بلفظ أنت علي كظهر أمي؛ إذ ليس هو من ألفاظ الطلاق؛ لأن الله قد ~~أخرجه عن أن يكون من ألفاظه. فمن لفظ على مذهبه بحرف ليس من حروف الطلاق ~~وأراد به الطلاق لم يلزمه طلاق، وهو قول مطرف في الثمانية وروايته عن مالك. ~~وقال أشهب: إلا يلزمه الطلاق إلا أن يريد أنها طالق إذا فرغت من اللفظ، لا ~~طالق بنفس اللفظ، وهو قول لا وجه له. وروى أشهب، عن مالك أنه يكون طلاقا إن ~~لم يسم الظهر وظهارا إن سماه. وهذا الاختلاف كله إن نوى الطلاق. وأما إن لم ~~تكن له نية أو نوى الظهار فهو ظهار سمى الظهر أو لم يسمه. وقد فسر بعض ~~الشيوخ ما في المدونة برواية أشهب عن مالك، وحكى أبو إسحاق التونسي أنه ~~مذهب ابن القاسم في كتاب ابن المواز. والصواب أن تفسير ما في المدونة ~~برواية عيسى عن ابن القاسم، وعلى رواية أشهب عول أبو بكر الأبهري فقال: إن ~~صريح الظهار ظهار وإن نوى به الطلاق، كما أن صريح الطلاق طلاق وإن نوى به ~~الظهار. وهذا لا يصح على مذهب ابن القاسم في رواية عيسى عنه، بل يخالف في ~~الطرفين فيقول: إن الرجل إذا قال لامرأته: أنت طالق، وقال: أردت بذلك ~~الظهار يلزمه الظهار بما أقر من نيته والطلاق بما أظهر من لفظه، وقد بينا ~~مذهبه في الظهار. # فصل وأما الظهار بالأجنبية فاختلف فيه على ثلاثة أقوال: أحدها قول ابن ~~الماجشون: أنه لا يكون مظاهرا بالأجنبية سمى الظهار أو لم يسمه، أراد بذلك ~~الظهار أو لم يرده، وتكون امرأته بتظاهره منها بالأجنبية طالقا إلا أن يريد ~~بقوله مثل فلانة في هوانها عليه ونحو هذا. فينوى في ذلك ولا يلزمه شيء. وقد ~~رأيت لبعض # PageV01P607 # الشيوخ أنه قال: معنى قول ابن الماجشون إنه لا يكون مظاهرا بالأجنبية إذا ms0512 ~~لم تكن له نية وأراد الطلاق. وأما إن قال: أردت بذلك الظهار فإن الظهار ~~يلزمه إن تزوجها بعد زوج يؤخذ بالطلاق بقوله وبالظهار بنيته. والصحيح من ~~مذهبه أن الظهار لا يلزمه بالأجنبية وإن نواه وأراده، كما لا يلزمه الطلاق ~~بذوات المحارم وإن نواه وأراده؛ إذ لا فرق بين الموضعين. # والثاني رواية أبي زيد عن أشهب أنه يكون مظاهرا بالأجنبية سمى الظهر أو ~~لم يسمه. والثالث قول ابن القاسم في المدونة: أنه إن سمى الظهر فهو مظاهر ~~إلا أن يريد بذلك الطلاق، وإن لم يسمه فهو طلاق، ولا يصدق أنه أراد الظهار ~~بذلك إلا إن أتى مستفتيا. فإن لم يأت مستفتيا وحضرته البينة ألزم الطلاق ~~بما شهد به عليه من لفظه، والظهار بما أقر به على نفسه من نيته، وإن تزوجها ~~بعد زوج لم يقربها حتى يكفر كفارة الظهار، وهو الذي يأتي على مذهبه ولا ~~أعرف في ذلك نصا. # فصل والظهار ينقسم على قسمين: ظهار مطلق غير مقيد، وظهار مقيد كالطلاق ~~سواء. فأما الظهار المطلق فهو قول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي. وأما ~~الظهار المقيد فإنه ينقسم على الأقسام التي قسمنا عليها الطلاق المقيد بصفة ~~فيما ذكرناه في كتاب الأيمان بالطلاق، ويجري الحكم فيه على ذلك في الأقسام ~~كلها. فما كان منها في الطلاق يمينا بالطلاق فهو في الظهار يمين بالظهار، ~~[وما لم يكن في الطلاق يمينا بالطلاق فلا يكون في الظهار يمينا بالظهار] ، ~~وما وجب منها تعجيل الطلاق فيه [وجب تعجيل الظهار فيه] ولم يكن له الوطء ~~إلا بعد الكفارة. وما لم يجب فيه تعجيل الطلاق لم يجب فيه تعجيل الظهار. ~~وما دخل فيه على الحالف بالطلاق الإيلاء دخل فيه على الحالف بالظهار ~~الإيلاء أيضا. فتدبر ذلك وقس عليه إن شاء الله. # PageV01P608 # فصل وقد قلنا: إن الظهار تحريم ترفعه الكفارة، فإذا وجب بإطلاقه أو بحصول ~~الصفة التي قيده بها فلا يسقطه زوال العصمة ويعود عليه بعد الطلاق ثلاثا إن ~~تزوجها، بخلاف ما إذا طلقها قبل حصول الصفة التي علق ms0513 الظهار بها، فهذا إن ~~كان الطلاق ثلاثا ثم تزوجها بعد زوج سقط عنه الظهار، وإن كان الطلاق أقل من ~~ثلاث - واحدة أو اثنتين - رجع عليه الظهار ووقع عليه بحصول الصفة. وما لم ~~يتزوجها في الوجهين جميعا بعد الطلاق فلا شيء عليه إلا أن يكون قد وطئ بعد ~~وجوب الظهار عليه فتكون الكفارة قد لزمته وترتبت في ذمته. # فصل والظهار يكون من كل من يحل وطؤها بنكاح أو بملك يمين وإن كان الوطء ~~ممتنعا في الحال لعارض لا يؤثر في صفحة الملك أو النكاح مثل الحيض والنفاس ~~والصغر والصوم والاعتكاف؛ لقول الله عز وجل: {الذين يظاهرون منكم من ~~نسائهم} [المجادلة: 2] فعم جميع النساء التي يحللن له بالملك والنكاح؛ لأن ~~أمة الرجل من نسائه التي أحل الله له وطأها. وقال: {والذين هم لفروجهم ~~حافظون} [المعارج: 29] {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ~~ملومين} [المعارج: 30] ، وأجمع أهل العلم أن من وطئ أمة حرمت عليه أمها ~~وابنتها لقول الله عز وجل: {وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من ~~نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم} [النساء: ~~23] . # فصل فإن كان الوطء ممتنعا على كل حال كالرتقاء والشيخ الفاني الذي لا ~~يقدر على الجماع أو العنين أو الخصي المقطوع الذكر ففي لزوم الظهار في ذلك ~~اختلاف. فمن ذهب إلى أن الظهار يتعلق بالوطء وما دونه ألزمه الظهار، ومن ~~ذهب # PageV01P609 # إلى أنه إنما يتعلق بالوطء خاصة دون ما دونه من دواعيه لم يلزمه الظهار. ~~هذا على اختلافهم في تأويل قول الله عز وجل: {من قبل أن يتماسا} [المجادلة: ~~3] هل هو محمول على عمومه في الوطء وما دونه أو مخصص في الوطء خاصة دون ما ~~دونه. وقد تقدم ذكر ذلك. وقد أجرى اللخمي قول الرجل لامرأته قبلتك أو ~~ملامستك علي كظهر أمي على هذا الاختلاف، فانظر في ذلك. وأما إن امتنع الوطء ~~لعارض يؤثر في صحة الملك كالكتابة أو عقد العتق إلى أجل، أو في صحة النكاح ~~كالشروط التي تفسد النكاح ms0514 ويجب فسخه بها لم يلزمه الظهار فيها بقوله هي علي ~~كظهر أمي إلا أن يريد في المملوكة نكاحا فاسدا أو المعتقة إلى أجل إن ~~تزوجها، أو في المكاتبة إن عجزت أو تزوجها. # فصل وقد اختلف من هذا المعنى في مسألة وهي إذا أسلم المجوسي وله زوجة ~~مجوسية فظاهر منها ثم أسلمت بالقرب، فقال ابن القاسم: إن الظهار يلزمه؛ ~~لأنها لما أسلمت بالقرب وبقيت معه على العصمة دل ذلك على أن ظهاره منها وقع ~~في حال العصمة، إلا أنه كان ممنوعا منها لعارض لم يؤثر في صحة النكاح، ~~فأشبه الحيض والاعتكاف. وقال أشهب: إن الظهار لا يلزمه، قال ابن يونس: ~~لأنها كانت حينئذ غير زوجة. وذلك غير صحيح؛ لأنها لو كانت غير زوجة لم ترجع ~~إليه إلا بنكاح جديد، بل هي في ذلك الوقت زوجة إلا أن لها أن تختار فراقه ~~باختيار دينها وثبوتها عليه، فليس كون الفراق بيدها مما يمنع وقوع الظهار ~~عليها. ألا ترى أن الرجل لو قال لامرأته: إن تزوجت عليك فأمرك بيدك ثلاثا ~~فتزوج عليها ثم ظاهر منها أن الظهار يلزمه. # فصل وانظر على مذهب ابن القاسم إن ظاهر منها بفور إسلامه في حين لو أسلمت ~~لبقيت معه على النكاح فعرض عليها الإسلام فأبت فوقعت الفرقة بينهما ثم ~~أسلمت فتزوجها هل يرجع عليها الظهار أم لا؟ فإن قلت إن إسلامه لا يقطع ~~العصمة إلا أن # PageV01P610 # يطول الأمد أو توقف فتأبى الإسلام، وهو الظاهر من قول ابن القاسم، وقع ~~عليها الظهار ولم يقربها إن تزوجها بعد الإسلام حتى يكفر، وإن قلت إن حالها ~~في ذلك الوقت مترقب لا يقال: إنها زوجة ولا إنها غير زوجة لم يقع عليها ~~الظهار. وأما أن يقال: إنها بإسلام الزوج غير زوجة على ما علل به ابن يونس ~~قول أشهب فلا يصح لما قدمناه. # فصل وقد رأيت لبعض القرويين أن الرجل إذا ظاهر من مكاتبته فعجزت أن ~~الظهار يلزمه قياسا على هذه المسألة. وقاله أيضا فيمن ظاهر من معتقته إلى ~~أجل أو من ms0515 أمة له فيها شرك فتزوجها بعد عتقها، وهو غلط بين؛ لأن المكاتبة ~~والمعتقة إلى أجل والتي له فيها شرك لسن من نسائه؛ إذ ليس هن من ملك يمينه ~~ولا أزواجه، والله يقول: {والذين يظاهرون من نسائهم} [المجادلة: 3] . # فصل والظهار ليس بطلاق إلا أنه يضارع الطلاق في بعض الوجوه واليمين بالله ~~على ترك الوطء في بعض الوجوه. فيضارع الطلاق في أنه يقع بيمين وبغير يمين، ~~وفي أن الاستثناء فيه بمشيئة الله غير عامل إلا أن يكون بيمين ويرد ~~الاستثناء إلى الفعل على أحد القولين. ويضارع اليمين بالله على ترك الوطء ~~في سقوطه بالكفارة قبل الوطء، وفي لزوم الكفارة بالحنث بالوطء. وإن كان. ~~ذلك ممنوعا في الظهار على الصحيح من الأقوال، بخلاف اليمين بالله على ترك ~~الوطء؛ إذ لا اختلاف أن الحنث في اليمين بالله تعالى مباح قبل الكفارة، ~~وإنما اختلفوا في جواز الكفارة قبل الحنث. # PageV01P611 # فصل فإذا وجب عليه الظهار بقول أو فعل لم يسقطه عنه زوال العصمة بانقطاع ~~جميع الملك، ويرجع عليه إن تزوجها بعد زوج بلا خلاف. وأما إن طلقها ثلاثا ~~بعد يمينه بالظهار وقبل الحنث ثم تزوجها بعد زوج فلا يعود عليه الظهار. # فصل واختلف إذا ظاهر من زوجته وهي أمة بيمين ثم اشتراها قبل أن يحنث ~~باليمين هل تعود عليه اليمين أم لا؟ فذهب بعض الشيوخ إلى أن اليمين لا تعود ~~عليه؛ لأنه ملك يمين لا ملك عصمة، فهو غير الملك الأول كملك العصمة بعد ~~الطلاق ثلاثا. قال: إلا أن يبيعها ثم يتزوجها فإنه تعود عليه اليمين؛ لأنه ~~بقي له فيها طلقتان، واليمين تعود عليه ما بقي من طلاق ذلك الملك شيء. وذهب ~~بعضهم إلى أن اليمين بالظهار تعود إليه إذا اشتراها كما لو طلقها واحدة وقد ~~كان ظاهر منها بيمين أنها تعود عليه إن تزوجها. والذي أقول به أنه إن ورث ~~جميعها أو اشترى جميعا في صفقة واحدة فاليمين باقية عليه لا تسقط عنه؛ إذ ~~لم تحرم عليه بخروجها من عصمة النكاح إلى ملك اليمين، ولا ms0516 أقول: إنها تعود ~~عليه؛ إذ لا يكون العود إلا بعد المفارقة. وأما إذا ورث بعضها أو اشترى ~~بعضها فحرمت عليه بذلك ثم اشترى بقيتها فحلت له بالملك فاليمين لا تعود ~~عليه؛ لأن ملك اليمين غير ملك العصمة، وملك اليمين من ملك العصمة أبعد من ~~ملك العصمة الثانية من ملك العصمة الأولى. # فصل وأما من ظاهر من أمته بيمين ثم باعها ثم اشتراها فإن اليمين ترجع ~~عليه على مذهب ابن القاسم؛ لأنه يتهم في إسقاط اليمين عن نفسه، وإن بيعت ~~عليه في الدين أو اشتراها ممن بيعت عليه في الدين، وإنما لا تعود عليه ~~اليمين إذا رجعت إليه بميراث بمنزلة. من حلف بجزية عبده ألا يفعل فعلا ~~فباعه ثم اشتراه. والاختلاف الذي في تلك يدخل في هذه. # PageV01P612 # فصل فإن وطئ المظاهر بعد وجوب الظهار عليه بقول أو فعل أدب جاهلا كان أو ~~عالما وترتبت الكفارة في ذمته ولم يسقطها عنه موت ولا فراق على مذهب من رأى ~~العودة الإجماع على الوطء مع استدامة العصمة. وهو المشهور في المذهب وأما ~~على مذهب من رأى أن العودة الوطء نفسه فلا تجب عليه الكفارة بأول وطء، وله ~~أن يطأ مرة فإذا وطئ لم يكن له أن يطأ مرة ثانية حتى يكفر. وقد روي هذا ~~القول عن مالك. وقد ذكر أصبغ في العتبية أنه قول أهل المشرق وبعض من يرتضى ~~من أهل المدينة. # وروي عن مجاهد أنه إذا وطئ قبل أن يشرع في الكفارة لزمته كفارة أخرى؛ إذ ~~من مذهبه أن المظاهر تلزمه الكفارة بمجرد لفظ الظهار، وإن ماتت المرأة أو ~~طلقها. فانظر هل يقال مثل هذا على ما روي عن مالك أن الكفارة تلزم المظاهر ~~بمجرد الإجماع على الوطء. وقد روي عن غير مجاهد أن المظاهر إذا وطئ قبل ~~الكفارة سقطت عنه الكفارة؛ لأنه قد فات موضعها لقول الله عز وجل: {من قبل ~~أن يتماسا} [المجادلة: 3] ، فيأتي فيمن وطئ قبل الكفارة أربعة أقوال: ~~أحدها: أنه لا يجب عليه شيء وتسقط الكفارة، والثاني: أن الكفارة ms0517 لا تجب ~~عليه إلا مع إرادة العودة واستدامة العصمة، والثالث: أن الكفارة تجب عليه ~~وتترتب في ذمته أراد العودة أو لم يردها وإن ماتت أو طلقها. والرابع: أنه ~~تجب عليه كفارتان، وبالله سبحانه وتعالى التوفيق. # PageV01P613 ### | كتاب الإيلاء # ] [ ### || فصل في معرفة اشتقاق اسم الإيلاء # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله # كتاب الإيلاء فصل # في معرفة اشتقاق اسم الإيلاء الإيلاء والتألي هو الامتناع من فعل الشيء ~~أو تركه باليمين على ذلك، يقال من ذلك آلى يولي إيلاء وآلية وتألى تأليا ~~وائتلاء وائتلى يأتلي ائتلاء. قال الله تعالى: {ولا يأتل أولو الفضل منكم ~~والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله} [النور: ~~22] إلى قوله: {غفور رحيم} [النور: 22] نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق - ~~رضي الله عنه -. وذلك أن الله تبارك وتعالى لما أنزل عذر عائشة وبراءتها ~~مما كانت قذفت به حلف أبو بكر - رضي الله تعالى عنه - أن لا ينفق على مسطح ~~بن أثاثة، وكان ابن خالته، وعلى غيره من قرابته لما كانوا خاضوا فيه ~~وتكلموا به في ابنته عائشة - رضي الله عنها -، فأنزل هذه الآية، فقال أبو ~~بكر الصديق - رضي الله عنه - لما نزلت: والله إني لأحب أن يغفر الله لي، ~~فرجع إليهم النفقة وقال لا أقطعها عنهم أبدا. وقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في التألي: «تألى أن لا يفعل خيرا» في الذي حلف أن لا يضع عن ~~صاحبه ولا يقيله في تمر كان باعه منه فوضع فيه. قال الشاعر في الإيلاء: # فآليت لا آتيك إن كنت مجرما ... ولا أبتغي جارا سواك مجاورا # PageV01P615 # فهذا هو الإيلاء في اللغة. وهو في الشرع على ما هو عليه في اللغة إلا أنه ~~قد تعرف في الشرع في الحلف على اعتزال الزوجات وترك جماعهن حيث ذكره الله ~~في كتابه ونص على الحكم فيه. وأصل ذلك أن الرجل كان في الجاهلية إذا كره ~~المرأة وأراد تقييدها أن لا تنكح زوجا غيره حلف عليها أن لا يقربها فيتركها ~~لا ms0518 أيما ولا ذات بعل إضرارا بها، وفعل ذلك في أول الإسلام، فحد الله للمولي ~~من امرأته حدا لا يتجاوزه، وخيره بين أن يفيء فيرجع إلى وطء امرأته أو يعزم ~~على طلاقها فقال تعالى: {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا ~~فإن الله غفور رحيم} [البقرة: 226] {وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم} ~~[البقرة: 227] . # فصل معنى الكلام للذين يحلفون أن يعتزلوا من نسائهم تربص أربعة أشهر. ~~والتربص التوقف والتنظر. وترك ذكر أن يعتزلوا في التلاوة اكتفاء بدلالة ما ~~ظهر من الكلام عليه. ومثل هذا في القرآن كثير، من ذلك قوله تعالى: {فمن كان ~~منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} [البقرة: 184] معناه فأفطر فعدة ~~من أيام أخر. وقوله: " فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفلق " معناه فضرب فانفلق. ~~ومن ذلك قوله تعالى: {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم ~~به الموتى بل لله الأمر جميعا} [الرعد: 31] ؛ لأن المعنى في ذلك لكان هذا ~~القرآن أو لما آمنوا به، فحذف الجواب لدلالة الكلام عليه. وذلك أن «الكفار ~~قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم -: باعد لنا بين جبال مكة حتى نجعل بينها ~~بساتين أو قرب لنا الشام فإن متجرنا إليها، أو أحي لنا فلانا وفلانا حتى ~~نسألهم إن كان ما تقول حقا، فأنزل الله عز وجل: {ولو أن قرآنا سيرت به ~~الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى} [الرعد: 31] » فحذف الجواب ~~لدلالة # PageV01P616 # الكلام عليه. وقد قيل: إن الجواب مقدم، وهو قوله: {وهم يكفرون بالرحمن} ~~[الرعد: 30] {ولو أن قرآنا} [الرعد: 31] ، الآية. والأول أولى أن الجواب ~~محذوف على عادة العرب في حذف ما يستغنى عنه من الكلام إيجازا واختصارا. ~~وقال الفراء: معنى {للذين يؤلون من نسائهم} [البقرة: 226] : على نسائهم. ~~وكذا في قوله تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون} [المعارج: 29] {إلا على ~~أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} [المعارج: 30] أن معنى ذلك ~~من أزواجهم، فأقام " على " مقام " من " في الموضع الواحد، و" من " مقام " ~~على " في الموضع ms0519 الآخر. وما قدمته، أولى من أن المعنى في الآية إضمار أن ~~يعتزلوا لدلالة الكلام عليه مع ورود الآية على سبب يقتضيه وهو ما كانوا ~~يفعلونه من الحلف على اعتزال نسائهم إضرارا بهن. # فصل والفيء الرجوع. يقال: فاء فلان يفيء فيئا وفيئة مثل الجيئة، وفاء ~~الظل يفيء فيأ وفيوءا. وقيل في الأول فيوءا. فمعنى قوله تعالى {فإن فاءوا} ~~[البقرة: 226] أي: فإن رجعوا إلى ما كانوا حلفوا عليه ألا يفعلوه من وطء ~~نسائهم ففعلوه. # فصل. واختلف في قوله تعالى: {فإن فاءوا} [البقرة: 226] هل المراد بذلك في ~~الأربعة الأشهر أو بعدها. وعلى هذين التأويلين يأتي الاختلاف الواقع بين ~~أهل العلم في حكم المولي بعد انقضاء الأجل، فذهب مالك - رحمه الله - في ~~المشهور عنه وجميع أصحابه إلى أنه يقع عليه طلاق وإن مرت له سنة حتى يوقف، ~~فإما فاء وإما طلق. # [ويروى هذا القول عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، ~~وابن عمر، وعائشة، وأبي الدرداء] . قال سهيل بن أبي صالح عن أبيه: سألت ~~اثني عشر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، عن الرجل يولي من ~~امرأته فكلهم يقول: ليس # PageV01P617 # عليه شيء حتى تمضي أربعة أشهر فيوقف؛ فإما فاء وإما طلق. وهو مذهب أهل ~~المدينة وقول الشافعي وأبي ثور وأبي عبيد وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه؛ ~~لأن المعنى عندهم في قوله تعالى: {فإن فاءوا} [البقرة: 226] أي بعد الأربعة ~~الأشهر، وقد اختلفت الرواية عن مالك في ذلك والمشهور عنه ما قدمناه من أن ~~الأربعة الأشهر توسعة وأن الإيقاف بعدها. # وروي عنه أن الفيء في الأربعة الأشهر توسعة فإذا انقضت طلق عليه ولم يؤمر ~~بالفيئة بعدها، وهو قول ابن شبرمة. وروي مثله عن سعيد بن المسيب وأبي بكر ~~بن عبد الرحمن ومكحول وابن شهاب، حكى الروايتين عن مالك ابن خويز منداد في ~~كتاب أحكام القرآن له. وروى أشهب عن مالك في العتبية أنه إذا وقف بعد ~~انقضاء الأربعة الأشهر فقال أنا أفيء أمهل حتى تنقضي عدتها، فإن لم يفعل ms0520 ~~بانت منه بانقضاء عدتها، وهي قولة بين القولين على طريق الاستحسان غير ~~جارية على قياس. # فصل فإن وقف على المشهور عنه فلم يفئ ولا طلق؛ طلق عليه الإمام طلقة يملك ~~فيها الرجعة. وقال غير هؤلاء يحبس حتى يفيء أو يطلق. وقال أهل العراق: يقع ~~على المولي بانقضاء أجل الإيلاء طلقة بائنة، وهو قول ابن مسعود من الصحابة ~~وزيد بن ثابت. وروي مثله عن عثمان وعلي، فجعل هؤلاء قوله تعالى: {فإن ~~فاءوا} [البقرة: 226] على أن المراد بذلك قبل تمام الأربعة الأشهر. # فصل وقوله {فإن الله غفور رحيم} [البقرة: 226] معناه على قولهم غفور لهم ~~فيما اجترموا من الحلف على ترك وطء نسائهم وتحنيث أنفسهم بالفيء إلى ذلك، ~~رحيم بهم وبغيرهم من عباده المسلمين. وقيل: إنما معنى غفور فيما بعد ~~الأربعة الأشهر؛ لأن الله تعالى قد أباح للمولي التربص أربعة أشهر، ~~والغفران إنما يكون فيما هو محظور لم تتقدم فيه إباحة. وهذا التأويل يشد ~~مشهور قول مالك ومن تابعه عليه في أن # PageV01P618 # المولي لا يقع عليه طلاق ما لم يوقف وإن مكث سنة أو أكثر. وقيل: إن الفيء ~~يسقط عنه الكفارة لقوله تعالى: {فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم} [البقرة: ~~226] ، وهو مذهب الحسن والنخعي وغيرهما ممن يرى أن كل حانث في يمين هو في ~~المقام عليها حرج فلا كفارة عليه في حنثه، وأن كفارتها الحنث فيها. والذي ~~عليه جمهور الفقهاء وعامة العلماء إيجاب الكفارة على من حنث في يمينه برا ~~كان الحنث فيها أو غير بر. # فصل وقوله عز وجل: {وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم} [البقرة: 227] ~~عزيمة الطلاق على مذهب مالك ومن قال بقوله إيقاعه، كما أن عزيمة النكاح في ~~قوله تعالى: {ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله} [البقرة: 235] ~~إيقاع عقده. والدليل على ذلك أيضا قوله تعالى: {وإن عزموا الطلاق فإن الله ~~سميع عليم} [البقرة: 227] ، وسميع لا يكون إلا في النطق؛ لأن الكلام هو ~~الذي يسمع. قال الله تعالى: {والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير} ~~[المجادلة: 1] ، وأما انقضاء ms0521 أجل الإيلاء فليس بمسموع إنما هو معلوم، فلو ~~كان عزم الطلاق في قوله تعالى: {وإن عزموا الطلاق} [البقرة: 227] هو وقوعه ~~بانقضاء أجل الإيلاء كما قال أهل العراق لما كانت الآية مختومة بذكر إخبار ~~الله عن نفسه أنه سميع عليم، كما لم يختم الآية التي ذكر فيها الفيء إلى ~~طاعة الله في مراجعة وطء زوجته بذكر الخبر عن الله أنه شديد العقاب؛ إذ لم ~~يكن موضع وعيد على معصية، وإنما كان موضع وعد منه بالرحمة والغفران لمنيب ~~أناب إلى طاعته، فذلك ختم الآية التي فيها القول بصفة نفسه أنه سميع عليم؛ ~~لأنه للكلام سميع وبالفعل عليم، فقال تعالى وإن عزم المولون على طلاق من ~~آلوا منهن فإن الله سميع لطلاقهم إياهن عليم بما آتوا إليهن مما يحل لهم ~~ويحرم عليهم. # PageV01P619 # فصل والإيلاء يكون بثلاثة أشياء: أحدها اليمين على ترك الوطء، والثاني ما ~~كان بمعنى اليمين على ترك الوطء، والثالث اليمين بالطلاق التي يكون الحالف ~~فيها على حنث. # فصل فأما اليمين على ترك الوطء فإنه ينقسم على ثلاثة أوجه: أحدها: أن ~~يحلف على ذلك بالله أو بما كان في معنى اليمين بالله مما يوجبه على نفسه إن ~~وطئ كالصلاة والصدقة وما أشبه ذلك مما فيه قربة، أو طلاق غير المولى منها ~~أو عتق بعينه أو بغير عينه. والثاني: أن يحلف على ذلك بطلاق المولى منها. ~~والثالث: أن يحلف على ذلك بما ينعقد عليه بالحنث فيه حكم ولا يلزمه بمجرده ~~شيء. فأما إذا حلف على ذلك باليمين بالله أو بما كان في معناه مما ذكرناه ~~فإنه على وجهين: أحدهما: أن يقول: والله لا أطأ امرأتي [أو علي صدقة أو مشي ~~أو ما أشبه ذلك إن وطئتها أبدا أو إلى كذا وكذا مما هو أكثر من أربعة أشهر] ~~. والثاني: أن يقول: والله لا أطأها حتى أفعل كذا وكذا. فأما الوجه الأول ~~فإنه مول من يوم حلف ويوقف إذا حل الأجل؛ فإما فاء بالوطء وإما طلق عليه. ~~وأما الوجه الثاني فإنه لا يخلو من وجهين: ms0522 أحدهما: أن يكون ذلك الفعل الذي ~~حلف أن لا يطأ حتى يفعله مما يمكنه فعله. والثاني: أن يكون مما لا يمكنه ~~فعله ليمنع الشرع منه أو عدم القدرة عليه. فأما إذا كان مما يمكنه فعله فإن ~~كان مما لا مؤنه فيه فليس بمول إلا أنه لا يترك، ويقال له طأ امرأتك إن كنت ~~صادقا أنك لست بمول. وإن كان إنما يتكلف فيه مؤنة فإنه مول أيضا من يوم حلف ~~ويوقف، فإذا حل الأجل ويخير بين أن يفيء بالوطء أو يبر بفعل الشيء الذي حلف ~~أن لا يطأ حتى يفعله، فإن أبى من ذلك طلق عليه وأما إذا كان الفعل مما لا ~~يمكنه فعله لمنع الشرع منه أو عدم القدرة عليه فإنه # PageV01P620 # يوقف إذا حل الأجل، فإما فاء بالوطء وإما طلق عليه، ولم يمكن من البر بما ~~لا يبيحه له الشرع من قتل أو شرب خمر وما أشبه ذلك. # فصل وأما إذا حلف على ذلك بطلاق المولى منها فلا يخلو من أن يكون الطلاق ~~ثلاثا أو ما دون الثلاث واحدة أو اثنتين. فإن كان ما دون الثلاث واحدة أو ~~اثنتين وقف إذا حل الأجل وقيل له: فئ على أن تنوي في مصابك الرجعة وإن لم ~~تكن مدخولا بها؛ لأنها تصير مدخولا بها بالتقاء الختانين فيخرج من الاختلاف ~~هذا الوجه، فإن أبى من ذلك طلق عليه بالإيلاء فإن ارتجع في المدخول بها ~~وصدق رجعته بوطء ينوي بباقية الرجعة صحت رجعته وبقيت عنده على طلقتين، وإن ~~لم يرتجع حتى انقضت العدة فتزوجها رجع عليه الإيلاء من يوم تزوجها ما لم ~~تنقض الثلاث بثلاث تطليقات. وإن كان الطلاق ثلاثا ففي ذلك اختلاف كثير، ~~تحصيله أن في ذلك قولين: أحدهما: أنه مول والثاني: أنه ليس بمول. فإذا قلت: ~~إنه مول فلا يطلق عليه حتى يحل أجل الإيلاء. واختلف على هذا القول في حكمه ~~إذا حل الأجل على أربعة أقوال: أنه يطلق عليه ولا يمكن من الفيء؛ لأنها ~~تبين منه بالتقاء الختانين فيصير النزع حراما، وهو ms0523 مذهب ابن الماجشون على ~~أصله فيمن طلع عليه الفجر في رمضان وهو يطأ امرأته أنه يقضي ذلك اليوم؛ لأن ~~إخراج الفرج من الفرج وطء. والثاني: أنها لا تطلق عليه إلا أن يأتي الفيء، ~~فإن لم يأباه وأراد الفيء مكن من التقاء الختانين لا أكثر، روي هذا القول ~~عن مالك، ويكون النزع على مذهبه هذا واجبا وليس بحرام، كما لو طلق امرأته ~~ثلاثا في تلك الحال. والثالث: أنه يمكن من جميع لذته حتى يفترأ وينزل، ولا ~~ينزل فيها مخافة أن يكون الولد ولد زنا، وهو قول أصبغ. والرابع: أنه يمكن ~~من الفيء بوطء كامل ولا يقع عليه الحنث إلا بتمامه، وهو قول ابن القاسم في ~~أصل الأسدية وظاهر قوله في المدونة، وما يوجد له من خلاف ذلك فقد قيل: إنه ~~من إصلاح سحنون. وإذا قلت: إنه غير مول ففي ذلك قولان: أحدهما: أنه يعجل ~~عليه الطلاق من يوم حلف وهو # PageV01P621 # قول مطرف. والثاني: أن الطلاق لا يعجل عليه حتى ترفعه امرأته إلى السلطان ~~وتوقفه. # فصل وأما إذا حلف على ذلك بما ينعقد عليه بالحنث فيه حكم فاختلف هل يكون ~~به موليا أم لا؟ على قولين قائمين في المدونة: أحدهما: أنه لا يكون موليا، ~~والثاني: أنه يكون به موليا. وذلك مثل أن يقول: إن وطئت امرأتي فكل عبد ~~اشتريته من الفسطاط فهو حر، ووالله لا أطأ امرأتي في هذه السنة إلا يوما ~~واحدا أو مرة واحدة، والله لا أطأ إحدى امرأتي ولا نية له. ومن ذلك أيضا أن ~~يقول: إن وطئت امرأتي فهي علي كظهر أمي أو إن وطئتها فوالله لا أطأها على ~~مذهب من يقول في الحالف بالطلاق ثلاثا إن لا يطأ أنه يمكن من الوطء. وأما ~~على مذهب من يرى أنه لا يمكن من الوطء أصلا فتطلق عليه إذا انقضى أجل ~~الإيلاء وإذا قامت به امرأته على الاختلاف الذي ذكرناه فهو مول على كل حال. ~~وأما على مذهب من يرى أنه يمكن من التقاء الختانين لا أكثر فيتخرج ذلك على ms0524 ~~الاختلاف فيمن حلف أن يعزل عن امرأته هل يكون موليا أم لا فهذا الوجه ~~الثالث من الأوجه الثلاثة. # فصل ولا يكون الحالف بترك الوطء موليا إلا بشرط أن يكون حلفه في حال ~~الغضب إرادة الضرر، فإن لم يكن على وجه الضرر وكانت يمينه على وجه الإصلاح ~~كالذي يحلف أن لا يطأ امرأته حتى تفطم ولدها أو حتى يبرأ من مرضه وما أشبه ~~ذلك لم يكن موليا عند مالك وأصحابه. وقال ذلك علي بن أبي طالب - رضي الله ~~عنه -. وذهب الشافعي وأبو حنيفة ومن تبعهما إلى أنه مول بكل حال، وحجتهم ~~عموم قول الله عز وجل في الآية وأنه لم يخص فيها غاضبا من راض ولا محسنا من ~~مسيء. ومن أهل العلم من ذهب إلى أنه لا يكون موليا إلا من حلف بالله تعالى. ~~وهذا لا يصح إلا على مذهب من يرى أن الأيمان كلها بغير الله غير لازمة؛ ~~لقول # PageV01P622 # النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» وهو ~~بعيد. والثاني قلنا فيه: إنه ما كان بمعنى اليمين على ترك الوطء، وهو ~~المظاهر يترك الكفارة ضررا؛ لأن الوطء يوجب عليه كفارة الظهار ولم تكن ~~واجبة قبل، كما يوجب الوطء الكفارة، على من حلف أن لا يطأ ولم تكن واجبة ~~قبل. والثالث قلنا فيه: إنه اليمين بالطلاق التي يكون الحالف فيها على حنث، ~~وهو أن يقول الرجل: امرأتي طالق إن لم أفعل كذا وكذا. وهو ينقسم على ثلاثة ~~أقسام: أحدها: أن يكون ذلك الفعل مما يمكنه فعله مثل أن يقول: امرأتي طالق ~~إن لم أدخل الدار وما أشبه ذلك. والثاني: أن يكون ذلك الفعل مما لا يمكنه ~~فعله في الحال ويمكنه في وقت آخر، وذلك مثل أن يقول: امرأتي طالق إن لم أحج ~~وهو في أول السنة حيث لا يجد سبيلا إلى الحج. والثالث: أن يكون ذلك الفعل ~~مما لا يمكنه فعله، لعدم الإمكان، مثل أن يقول: امرأتي طالق إن لم أمس ~~السماء أو إن لم أشرب الخمر ms0525 أو ألج في سم الخياط وما أشبه ذلك. # فصل فأما الوجه الأول فيمنع فيه من الوطء من وقت اليمين. فإن طالبته ~~امرأته بذلك ضرب له أجل الإيلاء ووقف عند تمامه فإما فاء بفعل ذلك وإما طلق ~~عليه وليس له أن يفيء بالوطء؛ لأنه ممنوع منه لكونه على حنث، فإن اجترأ ~~ووطئ سقط ما مضى من أجل الإيلاء واستؤنف ضربه مرة أخرى إن قامت بذلك المرأة ~~وطلبته. فإن فاء بفعل ذلك الفعل سقط عنه الإيلاء ولم يلزمه الطلاق، وإن طلق ~~لم تلزمه طلقة أخرى بفوات ذلك الفعل المحلوف عليه إن كان مما يفوت في حياته ~~على مذهب ابن القاسم، خلافا لابن المواز في قوله: إنه يقع عليه طلقة أخرى ~~بفوات الفعل؛ لأن فواته كانقضاء الأجل. فإن أبى من ذلك طلق عليه الإمام ~~بالإيلاء. وإن طلق عليه الإمام به فارتجع لم تصح رجعته إلا أن يفيء بفعل ~~ذلك الفعل قبل # PageV01P623 # انقضاء العدة، بخلاف ما إذا طلق هو دون أن يطلق عليه الإمام بالإيلاء ~~[لأنه إذا طلق فقد حنث نفسه وانحلت عنه اليمين. وإذا طلق الإمام عليه ~~بالإيلاء فاليمين باقية عليه] فإن تزوجها بعد انقضاء العدة رجع عليه ~~الإيلاء وكان لها أن توقفه؛ لأنه ممنوع من الوطء لكونه على حنث، ويضرب له ~~أجل الإيلاء ثانية ويوقف عند تمامه، فإما فاء بفعل ذلك الفعل وإما طلق، فإن ~~طلق انحلت عنه اليمين، وإن لم يفعل طلق عليه الإمام ثانية بالإيلاء وبقيت ~~عليه اليمين، فإن ارتجع لم تصح رجعته أيضا إلا أن يفيء بفعل ذلك الفعل، وإن ~~تزوجها بعد انقضاء العدة رجع عليه الإيلاء وكان لها أن توقفه فإن وقفته ضرب ~~له أجل الإيلاء فإذا انقضى وقف أيضا فإن أبى أن يفيء أو يطلق طلق عليه ~~الإمام بالإيلاء ثالثة وانحلت يمينه فلم تعد عليه لانقضاء ذلك الملك. فهذا ~~حكم هذا الوجه إلا في مسألتين: إحداهما أن يقول: امرأتي طالق إن لم أطلقها. ~~أو الثانية: أن يقول: امرأتي طالق إن لم أطأها، وقد ذكرت الحكم فيها في ms0526 ~~كتاب الأيمان بالطلاق. # فصل وأما الوجه الثاني ففيه أربعة أقوال: أحدها: أنه يمنع من الوطء من ~~يوم حلف، وإن كان الفعل غير ممكن له في الحال، وهو ظاهر قول ابن القاسم في ~~المدونة ورواية عيسى عنه في العتبية أنه يقال له أحرم واخرج وإن كان ذلك في ~~المحرم قال غير ابن القاسم في المدونة إذا تبين ضرره بها، ولابن القاسم في ~~مراعاة الضرر مثله في الظهار. والثاني: أنه لا يمنع من الوطء حتى يمكنه ~~الفعل بمجيء إبان الخروج إلى الحج. والثالث: أنه لا يمنع منه حتى يخشى ~~فواته. والرابع: أنه لا يمنع منه حتى يفوته جملة. فإن طالبته امرأته بالوطء ~~إذا يمنع منه على مذهب من يرى المنع منه في ذلك الموضع ضرب له أجل الإيلاء، ~~فإن ضرب له على القول الأول حين حلف، أو على القول الثاني حينه أمكنه ~~الخروج فخرج فأدرك الحج قبل انقضاء أجل الإيلاء فحج بر وسقط عنه الإيلاء، ~~وإن لم يحج طلق عليه بالإيلاء # PageV01P624 # عند انقضاء أجله. وإن انقضى أجل الإيلاء قبل وقت الحج لم تطلق عليه حتى ~~يأتي وقت الحج، فإن أتى وقت الحج فحج بر وسقط عنه الإيلاء. وإن ضرب له أجل ~~الإيلاء على القول الثالث حين خشي الفوات فخرج فأدرك الحج بإسراع السير بر ~~وسقط عنه الإيلاء، وإن لم يدرك الحج طلق عليه بالإيلاء إن كان قد انقضى ~~أجله أو عند انقضائه إن كان لم ينقض بعد. وإن ضرب له أجل الإيلاء على القول ~~الرابع بعد فوات الحج فخرج من العام المقبل لم يطلق عليه بانقضاء أجل ~~الإيلاء حتى يأتي وقت الحج، فإن أتى وقت الحج [فحج بر وسقط عنه الإيلاء، ~~وإن أتى وقت الحج فلم يحج طلق عليه بالإيلاء. # وإن لم يخرج حتى انقضى أجل الإيلاء] طلق عليه به. وإن لم تطالبه المرأة ~~باليمين وترك هو الحج في ذلك العام ثم قامت عليه في العام الثاني استؤنف ~~لها الحكم فيه كالعام الأول، وجرى ذلك على الاختلاف المذكور فيه، يتمادى في ~~القول ms0527 الأول على الامتناع من الوطء ويضرب له أجل المولي. وإن قامت قبل أن ~~يمكنه الخروج ويرجع في القول الثاني إلى الوطء حتى يمكنه الخروج فيضرب له ~~حينئذ أجل الإيلاء، وهو قول أشهب، ويرجع في القول الثالث إلى الوطء حتى ~~يخشى فوات الحج فيضرب له حينئذ أجل الإيلاء. وقد روي عن ابن القاسم أنه إذا ~~لم يحج ذلك العام حنث ووقع عليه الطلاق. ووجه هذا القول أنه حمل يمينه على ~~أن يحج في ذلك العام. فعلى هذا القول: لا يدخل عليه الإيلاء؛ لأنه أجل مؤقت ~~يحنث بمضيه فله أن يطأ؛ لأنه على بر. وقد قيل ليس له أن يطأ ويدخل عليه ~~الإيلاء على هذا القول ويطلق عليه به إن انقضى قبل أن يفوته الحج. # فصل وأما الوجه الثالث فيعجل عليه فيه الطلاق ولا يضرب له فيه أجل ~~الإيلاء؛ لأن الفيء لا يقدر عليه فيما لا يمكنه فعله ولا يمكن منه فيما لا ~~يجوز له مما يمنعه الشرع منه، غير أنه إن بادر وفعل بر في يمينه وسقط عنه ~~الطلاق وباء بالإثم. # PageV01P625 # فصل ويختلف ما يكون المولي به فائيا باختلاف أيمانه، فما كان منها لا ~~يقدر على إسقاطه عن نفسه قبل الحنث لم يكن له أن يفيء فيه إلا بالجماع، وما ~~كان منها يقدر أن يسقطه عن نفسه قبل الحنث ظاهرا وباطنا قبلت منه الفيئة ~~بإسقاط اليمين عن نفسه [وما كان منها يقدر أن يسقطه عن نفسه في الظاهر ولا ~~يعلم حقيقة ذلك في الباطن إلا من قبله فيختلف هل يقبل منه الفيئة بإسقاط ~~اليمين عن نفسه] في الظاهر على قولين. فإن كان للمولي عذر يمنعه من الجماع ~~من مرض أو سفر أو حيض أو دم نفاس أو ما أشبه ذلك لم تخل يمينه من الثلاثة ~~الأوجه المذكورة: أحدها: أن يكون مما لا يقدر على إسقاطه قبل الحنث، مثل أن ~~تكون يمينه بعتق غير معين أو صدقة شيء بغير عينه أو ما أشبه ذلك. # والثاني: أن يكون مما يقدر على إسقاطه قبل ms0528 الحنث ظاهرا فيعلم بذلك أن ~~اليمين قد انحلت عنه بفعل ما حلف به، وذلك مثل أن يحلف بعتق عبد بعينه أن ~~لا يطأ امرأته أو بطلاق امرأة له أخرى ثلاثا وما أشبه ذلك. والثالث: أن ~~يقدر على إسقاط اليمين عن نفسه في الباطن من غير أن يعلم ذلك في الظاهر إلا ~~من قبله، وذلك مثل أن تكون يمينه بالله تعالى أو ما تكون كفارته كفارة يمين ~~بالله تعالى. فإذا كانت يمينه لا يقدر على إسقاطها عن نفسه قبل الحنث كحلفه ~~بعتق غير معين أو ما أشبه ذلك من صدقة أو مشي أو صيام أو ما أشبه ذلك، ~~فالفيئة له بالقول إلى أن يزول العذر فيوقف، فإما أن يفيء وإما أن يطلق؛ إذ ~~لا تسقط عنه اليمين ولا ينحل عنه الإيلاء يما يعتق ويتصدق به قبل الوطء إذا ~~لم يكن ذلك بعينه. هذا هو المشهور الذي يوجبه النظر والقياس. وقد روي عن ~~مالك فيمن آلى بعتق غير معين فأعتق لذلك رقبة قبل الحنث أنه يجزئه وقع ذلك ~~في كتاب الظهار من المدونة، ومثله في كتاب ابن المواز، وهو بعيد. # وأما إن كانت يمينه بعتق عبد بعينه أو صدقة شيء بعينه أو ما أشبه ذلك من ~~المعينات فلا يقبل منه فيئة بالقول دون أن يعتق العبد الذي حلف بعتقه أو ~~يتصدق # PageV01P626 # بالشيء الذي حلف بالصدقة به؛ لأنه إذا أعتق ذلك العبد وتصدق بذلك الشيء ~~سقطت عنه اليمين وانحل عنه الإيلاء، ولأن فيئته التي يسألنا أن ننظره إليها ~~توجب عليه ذلك. هذا قول أصحابنا كلهم حاشا ابن الماجشون فإنه يرى الفيئة ~~بالقول إذا كان له عذر يمنعه من الوطء وإن كانت اليمين مما يقدر على ~~إسقاطها، وإنما نقول بقولهم: إن الفيئة لا تكون إلا بإسقاط اليمين إذا طلق ~~عليه بالإيلاء فارتجع، ولا يرى السفر عذرا. # وأما إن كانت يمينه بالله تعالى فاختلف هل تقبل منه فيئة بالقول دون أن ~~يكفر أو لا تقبل منه حتى يكفر. فقيل: إنها لا تقبل منه دون أن ms0529 يكفر لسقوط ~~اليمين عنه بالكفارة قبل الحنث، وقيل: إنها تقبل منه دون أن يكفر؛ لأنا لا ~~ندري إن كفر هل نوى بكفارته تلك اليمين أم لا؟ # فصل وقال جماعة من أهل العلم: الفيء الجماع إلا أن يكون له عذر يمنعه منه ~~فيكون له الفيء باللسان إذا أشهد على ذلك. وقال آخرون: الفيئة له بالقول ~~على كل حال. وهذان القولان إنما يتصوران عندي على مذهب من يرى أن الطلاق ~~يقع على المولي بانقضاء أجل الإيلاء إن لم يفئ فيه. # فصل وأما إن لم تكن يمينه على ترك الوطء ففيئته فعل الشيء الذي حلف أن ~~يفعله على مذهب مالك وأصحابه إذا كان قادرا على ذلك الفعل. واختلف إذا لم ~~يكن قادرا عليه في الحال على ما تقدم ذكره وتحصيل الاختلاف فيه. وأما إن لم ~~يكن قادرا عليه بحال فيعجل عليه الطلاق ولا يضرب له أجل الإيلاء حسب ما مضى ~~القول فيه. # فصل واختلف أهل العلم في حد المدة التي يكون الحالف بترك الوطء فيها ~~موليا # PageV01P627 # على أربعة أقوال: أحدها: أنه لا يكون موليا إلا من حلف أن لا يطأ زوجته ~~على التأبيد أو أطلق اليمين ولم يقيدها بمدة مخصوصة مؤقتة وإلا فليس بمول، ~~حكى هذا القول أهل الخلاف عن ابن عباس: أنه لا يكون موليا إلا أن يحلف على ~~أكثر من أربعة أشهر ولو بيوم، وهو مذهب مالك ومن تبعه. وقد تأول على هذا ~~المذهب أنه لا يكون موليا حتى يزيد على الأربعة أشهر أكثر مما يتلوم به ~~عليه إذا قال أنا أفيء، وهو غلط؛ لأن التلوم إنما يكون إذا وقف فقال: أنا ~~أفيء ولم يفعل. وأما إذا وقف فأبى أن يفيء فإن الطلاق يعجل عليه ولا معنى ~~للتلوم عليه. فمن حق المرأة أن يوقف لها زوجها المولي وإن لم يزد على ~~الأربعة الأشهر [إلا يوما واحدا؛ إذ لعله يأبى الفيء فتطلق عليه. والثالث: ~~أن يكون موليا من حلف على أربعة أشهر] فصاعدا، ولا يكون موليا إن حلف على ~~أقل منها، وهو ms0530 مذهب أبي حنيفة وأهل العراق. والرابع: أنه يكون موليا إذا ~~حلف على كثير من الأوقات أو قليل أن لا يجامع فتركها أربعة أشهر من غير ~~جماع، وهو قول ابن أبي ليلى وطائفة من أهل الكوفة. # فصل والإيلاء ينقسم على ثلاثة أقسام: قسم يكون فيه موليا من يوم حلف، ~~وقسم لا يكون فيه موليا إلا من يوم ترفعه امرأته إلى السلطان وتوقفه، وقسم ~~اختلف فيه فقيل: إنه مول من يوم حلف، وقيل: من يوم ترفعه إلى السلطان. فأما ~~الذي يكون فيه موليا من يوم حلف فهو الذي يحلف على ترك الوطء. وأما الذي لا ~~يكون فيه موليا إلا من يوم ترفعه فهو الذي يحلف بطلاق امرأته أن يفعل فعلا. ~~وأما الوجه الثالث المختلف فيه فهو الإيلاء الذي يدخل على الظهار، وبالله ~~سبحانه وتعالى التوفيق. # PageV01P628 ### | كتاب اللعان # بسم الله الرحمن الرحيم # وصلى الله على سيدنا محمد وآله # كتاب اللعان الأصل في اللعان كتاب الله تعالى، وسنة نبيه - صلى الله عليه ~~وسلم -، وإجماع الأمة. فأما كتاب الله تعالى فهو قوله عز وجل: {والذين ~~يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات ~~بالله إنه لمن الصادقين} [النور: 6] {والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من ~~الكاذبين} [النور: 7] {ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه ~~لمن الكاذبين} [النور: 8] {والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين} ~~[النور: 9] ، يقول الله عز وجل: والذين يقذفون من الرجال أزواجهم من النساء ~~فيرمونهن بالزنا ولم يكن لهم شهداء يشهدون لهم بصحة ما رموهن به من الفاحشة ~~إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله أي يحلف أحدهم أربع شهادات ~~أيمان بالله إنه لمن الصادقين فيما رمى به زوجته من الفاحشة. ويدرأ عنها ~~العذاب أي حد الزنا الرجم إن كانت ثيبا والجلد إن كانت بكرا؛ لأن العذاب ~~معرف بالألف واللام معرفة، فالمراد به الحد المعلوم الذي أوجبه الله على ~~الزناة في كتابه وعلى لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -. # فصل فإذا نكلت المرأة عن ms0531 اللعان حدت حد الزنا، وكذلك الزوج إذا نفى حمل ~~امرأته أو قذفها برؤية أو بغير رؤية على الاختلاف في ذلك إن نكل عن اللعان ~~حد # PageV01P629 # حد القذف. واختلف الفقهاء المتأخرون من القرويين إذا نكلت المرأة عن ~~اللعان بعد لعان الزوج ثم أرادت أن ترجع إلى اللعان هل يكون ذلك لها أم لا؟ ~~فمنهم من رأى ذلك لها وقال لا يكون نكولها عن اللعان أقوى من إقرارها ~~بالزنا، وهي لو أقرت به ثم رجعت قبل رجوعها. ومنهم من لم ير ذلك لها لما ~~تعلق به من حق الزوج. # والأول أصح. وانظر هل يدخل هذا الاختلاف في الزوج إذا نكل عن اللعان ثم ~~أراد أن يرجع إليه هل يكون له ذلك أم لا، فقد قيل: إنه يدخل في ذلك، ~~والصحيح أنه لا يدخل فيه. والفرق بين الرجل والمرأة في ذلك أن نكول المرأة ~~عن اللعان كالإقرار منها على نفسها بالزنا، ولها أن ترجع عن الإقرار به. ~~ونكول الرجل عن اللعان كالإقرار منه على نفسه بالقذف فليس له أن يرجع عن ~~الإقرار به. وزعم العراقيون أن المرأة إذا نكلت عن اللعان لم تحد وحبست، ~~وكذلك عندهم إذا نكل الزوج عن اللعان حبس ولم يحد، وتركوا قول الله عز وجل: ~~{ويدرأ عنها العذاب} [النور: 8] ، وقد تأول لهم متأول أن العذاب هو السجن، ~~لقول الله عز وجل: {إلا أن يسجن أو عذاب أليم} [يوسف: 25] ولم يعرف ما احتج ~~به؛ لأن العذاب الذي ذكره الله تعالى في هذه الآية هو غير السجن وليس ~~بمعين، وإنما قالت كذا وكذا، هم يحكمون بالنكول في الحقوق بغير يمين من ~~الطالب، وجعلوه بمنزلة الإقرار والملاعن قد تقدمت أيمانه على ما ادعى، ثم ~~لا يحكمون على المرأة بنكولها وقد أنزل الله فيها من القرآن ما أنزل فتركوا ~~فيما ذهبوا إليه في هذا النص والقياس جملة، إلا أنهم زعموا أن الحدود لا ~~تؤخذ قياسا. # فصل وأما السنة فما ثبت في الآثار الصحاح من ملاعنة النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بين عويمر العجلاني ms0532 وزوجه، وبين هلال بن أمية الواقعي وزوجه ~~أيضا. وأما الإجماع فلا خلاف بين المسلمين أن اللعان بين الزوجين من شرعنا، ~~وأن الأحكام تتعلق به على الاختلاف الحاصل بينهم في بعض وجوه تفاصيله. # PageV01P630 # فصل وكان سبب نزول آية اللعان فيما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه -، ~~«أن الله تبارك وتعالى لما قال: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة ~~شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون} ~~[النور: 4] ، قال سعد بن عبادة: هكذا أنزلت يا رسول الله، لو رأيت لكاع قد ~~تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء فوالله ما ~~آتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: يا معشر الأنصار، ألا تسمعون إلى ما يقول سيدكم، قالوا: لا تسلمه يا ~~رسول الله، فإنه رجل غيور ما تزوج فينا قط إلا عذراء ولا طلق امرأة فاجترأ ~~أحد منا أن يتزوجها، فقال سعد: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي. والله لأعرف ~~أنها من الله وأنها حق ولكن عجبت لو وجدت لكاع قد تفخذها رجل لم يكن لي أن ~~أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء وإني لآتي بهم حتى يفرغ من حاجته، ~~فما لبثوا إلا يسيرا حتى جاء هلال بن أمية من حديقة له، وقد رأى بعينيه ~~وسمع بأذنيه، فأمسك حتى أصبح، فلما أصبح غدا على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وهو جالس مع أصحابه فقال: يا رسول الله، إني جئت أهلي عشاء فوجدت ~~رجلا معها رأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ما أتاه به وثقل ذلك عليه جدا حتى عرف ذلك في وجهه، فقال هلال: والله يا ~~رسول الله إني لأرى الكراهية في وجهك بما آتيتك به والله يعلم إني لصادق ~~وما قلت إلا حقا، وإني لأرجو أن يجعل الله لي فرجا. قال: فاجتمعت الأنصار ~~فقالوا: ابتلينا بما قال سعد يجلد هلال فتبطل شهادته في المسلمين، فهم رسول ms0533 ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بضربه، فبينما هو كذلك يريد أن يأمر بجلده ~~ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع أصحابه إذ نزل عليه الوحي، فأمسك ~~أصحابه عن كلامه حين عرفوا أن الوحي ينزل عليه حتى فرغ فأنزل الله عز وجل: ~~{والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم} [النور: 6] إلى قوله: ~~{إن كان من الصادقين} [النور: 9] ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~أبشر يا هلال فإن الله قد جعل لك فرجا، فقال: قد كنت أرجو ذلك من الله. ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أرسلوا إليها. فجاءت، فلما اجتمعا ~~عند # PageV01P631 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قيل لها فكذبته، فقال رسول الله: إن ~~الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب، فقال هلال: يا رسول الله بأبي ~~أنت وأمي ما قلت إلا حقا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لاعنوا ~~بينهما وقال لهلال: يا هلال اشهد فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ~~فقيل له عند الخامسة يا هلال اتق الله فإن عذاب الله أشد من عذاب الناس ~~وإنها الموجبة التي توجب عليك العذاب فقال هلال: والله لا يعذبني الله ~~عليها كما لم يجلدني عليها رسول الله فشهد الخامسة أن لعنة الله عليه إن ~~كان من الكاذبين، ثم قيل لها: اشهدي فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن ~~الكاذبين، وقيل لها عند الخامسة اتقي الله فإن عذاب الله أشد من عذاب الناس ~~وإن هذه هي الموجبة التي توجب عليك العذاب، فتلكأت ساعة حتى ظننا أنها ~~سترجع ثم قالت: والله لا أفضح قومي سائر اليوم، فشهدت الخامسة أن غضب الله ~~عليها إن كان من الصادقين، ففرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهما ~~وقضى أن الولد لها وأن لا يدعى لأب وأن لا ترمى ولا يرمى ولدها» ويروى «أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما لاعن بين العجلاني وزوجته قال لهما: ~~حسابكما على الله واحد منكما كاذب لا سبيل لك عليها، قال: يا رسول الله ~~مالي ms0534 قال: لا مال لك إن كنت صدقت عليها فهو لما استحللت من فرجها، ون كنت ~~كذبت عليها فذلك أبعد لك منه. ثم قال: انظروها فإن جاءت به أسحم أدعج ~~العينين عظم الأليتين فلا أراه إلا قد صدق عليها، وإن جاءت به أحيمر كأنه ~~وحرة فلا أراه إلا كاذبا. قال فجاءت به على النعت المكروه فقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: لولا ما مضى من كتاب الله لكان لها ولي شأن» . # فصل فالحكم باللعان واجب على ما ورد به القرآن وحكم به الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم -، أنزله الله في كتابه وجعله شرعة لعباده رحمة بهم؛ إذ كان ~~الأزواج لا يجرون مجرى غيرهم من سائر الناس الذين أوجب الله عليهم الجلد ~~برمي المحصنات إلا أن يأتوا على ذلك بأربعة شهداء؛ إذ كان لا ضرر عليهم في ~~أنفسهم فيما عاينوه، والزوج # PageV01P632 # يلزمه إظهار ما رأى؛ لأنه يخاف أن يلحقه نسب ليس منه، فجعل له إذا أنكر ~~حملا لم يعرف له سببا أن ينكره، وجعل له إذا عاين الزنا وشاهده من زوجته أن ~~يخبر به، ثم جعل له المخرج من ذلك باللعان لضرورته إليه، ولم يجعل ذلك ~~لغيره إذ لا ضرورة به إلى ذلك. # فصل واللعان على مذهب مالك وجميع أصحابه وأكثر أهل العلم يكون بين كل ~~زوجين إلا أن يكونا كافرين، كانا حرين أو عبدين أو محدودين أو ذمية تحت ~~مسلم على ظاهر قول الله عز وجل: {والذين يرمون أزواجهم} [النور: 6] ، ولم ~~يخص حرا من عبد ولا محدودا من غير محدود ولا كافرا من مسلم، خلافا لأبي ~~حنيفة وأصحابه في قولهم: إنه لا يلاعن العبد ولا المحدود في القذف، قالوا: ~~لأن المراد من الآية من تجوز شهادته من الأزواج؛ لأن الله استثناهم من ~~الشهداء بقوله: ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فسماهم شهداء بذلك؛ إذ ~~المستثنى من جنس المستثنى منه، وقال: فشهادة أحدهم، فدل على أن اللعان ~~شهادة، والعبد والمحدود لا تجوز شهادتهما. وليس ذلك بصحيح؛ لأن الاستثناء ~~منقطع، والمعنى فيه ms0535 ولو لم يكن لهم شهداء غير قولهم الذي ليس بشهادة، كما ~~قالوا الصبر حيلة من لا حيلة له، والجوع زاد من لا زاد له. فاللعان يمين ~~وليس من الشهادة بسبيل، وإنما أخذ من باب المشاهدة بالعين والقلب فسمي ~~شهادة لهذه العلة، ولذلك قال مالك - رحمه الله تعالى - في أحد أقواله: إن ~~من قال لامرأته يا زانية ولم يقل رأيت ولا نفى حملا إنه يحد ولا يلاعن؛ لأن ~~ذلك أحد من المشاهدة. فالرجل يقول في لعانه أشهد بالله لقد رأيتها تزني ~~وأشهد بالله ما هذا الولد مني، فالأول مأخوذ من باب المشاهدة بالنظر، ~~والثاني من باب المشاهدة بالقلب. # فشهادة الرجل على ما يدعي مشاهدته ومعرفته، وشهادة المرأة أيضا على ما ~~تدعي علمه ومعرفته وهي عالمة بصدقه أو كذبه، فكل واحد منهما موكل إلى علمه، ~~وإن كان أحدهما كاذبا لا محالة وكيف يصح أن يشبه اللعان بالشهادة ويقاس ~~عليها والعدل لا تقبل شهادته لنفسه ولو حلف مائة يمين؛ لأنه خصم، ولا تجوز ~~شهادته أيضا لغيره عند بعض العلماء إذا حلف # PageV01P633 # عليها لاتهامه فيها. ومن الدليل أيضا على أن المحدود والعبد يلاعنان أن ~~كل من حكم عليه بيمين أو حكم له بها فالبر والفاجر والعبد والمسلم والذمي ~~فيها سواء، فكذلك يجب في اللعان. وهو الظاهر من قول الله عز وجل في القرآن ~~أيضا، فإن المعنى الذي فرق الله به بين الزوج والأجنبي في القذف وهو ضرورته ~~إلى نفي الولد الذي ينكره ولا يعرف له سببا يستوي فيه الحر والعبد والمحدود ~~وغير المحدود. وقد نقض أبو حنيفة وأصحابه أصلهم في هذا بقولهم: إن الفاسق ~~المعلم بالفسق يلاعن وشهادته لا تجوز، وكذلك الأعمى يلاعن وشهادته عندهم لا ~~تجوز، فبطل مذهبهم وصح مذهب مالك ومن تابعه، وإنما اللعان حكم على حياله ~~شرعه الله رحمة لعباده فلا يحمل على الشهادة ولا يقاس عليها. # فصل واللعان على ستة أوجه، ثلاثة منها متفق عليها، وثلاثة مختلف فيها. ~~فأما الثلاثة الأوجه التي يتفق على وجوب اللعان فيها، فأحدها: أن ينفي ms0536 حملا ~~لم يكن مقرا به ويدعي الاستبراء. والثاني: أن يدعي رؤية لا مسيس بعدها في ~~غير ظاهرة الحمل. والثالث: أن ينكر الوطء جملة فيقول: لم أطأها قط أو منذ ~~مدة كذا وكذا لما لا يلحق في مثله الأنساب. وأما الوجوه الثلاثة التي يختلف ~~في وجوب اللعان فيها، فأحدها: أن يقذف زوجته ولم يدع رؤية. والثاني: أن ~~ينفي حملا ولا يدعي استبراء. والثالث: أن يدعي رؤية لا مسيس بعدها في حامل ~~بينة الحمل؛ لأن ابن الجلاب حكى عن مالك في هذه المسألة ثلاث روايات: ~~إحداها إيجاب الحد ولا لعان. والثانية إيجاب اللعان وثبوت النسب. والثالثة ~~إيجاب اللعان وسقوط النسب. # واختلف في التعريض قول ابن القاسم، فمرة رآه كالتصريح بالقذف وأوجب ~~اللعان فيه، وهو قوله في كتاب القذف من المدونة وظاهر قوله في اللعان منها. ~~ومرة قال يحد في التعريض ولا يلاعن، وهو قول أشهب في كتاب ابن المواز أنه ~~يحد في التعريض ولا يلاعن إلا أن يكون تعريضا يشبه التصريح. وأما مثل قوله ~~وجدتها مع رجل عريانين في لحاف أو وجدتها تحته فلا يلاعن في هذا ويؤدب، ولو ~~قاله لأجنبية لتحد إلا في قوله رأيتها تقبل رجلا. فإن رجع لها أقيم عليه في ~~التعريض # PageV01P634 # فقال رأيتها تزني لاعن، قاله عبد الملك، وهو عندي تفسير لقول من لم ير في ~~التعريض اللعان. # فصل وأصل اللعان إنما جعل لنفي الولد، فيلاعن الرجل بمجرد نفي الحمل دون ~~قذف في مذهبنا. والمخالف في هذا بعض أصحاب الشافعي، وهو بعيد؛ إذ قد تكون ~~مغلوبة على نفسها. وله أن يلاعنها وهي حامل، وقد قيل: ليس له أن يلاعنها ~~حتى تضع، روي ذلك عن مالك، وهو قول ابن الماجشون ومذهب أبي حنيفة. ويرده ~~الأثر فإن «رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لاعن بين العجلاني وزوجته ~~وقال: إن جاءت به على نعت كذا فلا أراه إلا قد صدق عليها وإن جاءت به على ~~نعت كذا فلا أراه إلا قد كذب عليها» . ويلاعن من ادعى رؤية لما يخاف أن ~~يلحق ms0537 به من الولد بإجماع إذا لم تك ظاهرة الحمل. وأما من قذف زوجته ولم يدع ~~رؤية ولا نفى حملا فالأصح من الأقاويل أنه يحد ولا يلاعن. ومن أوجب اللعان ~~فيه جعل العلة في ذلك دفع الحد عن نفسه مع أنه ظاهر القرآن قوله: {والذين ~~يرمون أزواجهم} [النور: 6] لم يذكر نفي حمل ولا رؤية زنا، وهذا ليس ببين؛ ~~لأن الحكم إنما هو لمعاني الألفاظ لا لظواهرها. # فصل فإذا لاعن على الرؤية وادعى الاستبراء انتفى الولد بإجماع. وأما إن ~~لم يدع الاستبراء فاختلف هل ينتفي الولد بذلك اللعان أم لا؟ على ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أن الولد ينفيه اللعان على كل حال وإن ولد لأقل من ستة أشهر ~~وهو أحد قولي مالك في المدونة. والثاني: أنه لا ينفيه بحال وإن ولد لأكثر ~~من ستة أشهر ويلحق به وهو قول عبد الملك وأشهب. والثالث التفرقة بين أن ~~يولد لأقل من خمسة أشهر أو لأكثر منها، وهو القول الثاني لمالك في المدونة. ~~فيأتي على هذا في جملة المسألة ثلاثة أقوال، وفي كل طرف منها قولان، إذا ~~ولدته لأقل من ستة أشهر قولان وإذا ولدته لأكثر من ستة أشهر قولان. وهذا ~~على مذهب من يتأول أن قوله في المدونة ألزمه # PageV01P635 # مرة ومرة لم يلزمه ومرة ينافيه وإن كانت حاملا راجع إلى قولين ويجعل قوله ~~ومرة لم يلزمه ومرة ينفيه وإن كانت حاملا، شيئا واحدا. ومن الناس من يحملها ~~على ثلاثة أقوال على ظاهرها، فيقول معنى قوله ينفيه وإن كانت حاملا أنه ~~ينفيه بلعان ثان وإن لم يدع استبراء، فيقول في لعانه أشهد بالله ما حملها ~~هذا مني. فيأتي على هذا في الطرف الواحد ثلاثة أقوال وفي الطرف الثاني ~~قولان. وسواء كان الزوج عالما مقرا به أو لم يكن. وهذا بين في كتاب ابن ~~المواز، وظاهر قول المخزومي في المدونة. وقد تأول بعض الناس قوله وهو مقر ~~بالحمل أي بالوطء. وقد تأول بعض الشيوخ أن الاختلاف الواقع في قول مالك - ~~رحمه الله - في المدونة إنما هو إذا ms0538 لم يعلم الزوج بحملها ولا كان مقرا به، ~~وإنما علم أنها كانت حاملا بما انكشف من وضعها قبل ستة أشهر، وهو تأويل ~~بعيد لما حكيناه من وجوه الاختلاف في ذلك لمالك - رحمه الله - في كتاب ابن ~~المواز، فاعلمه. فإن ادعى الاستبراء بعد أن ولدته وقال ليس الولد مني قد ~~كنت استبرئت كان ذلك له في الوجوه كلها باتفاق وسقط نسب الولد، قيل بذلك ~~اللعان وهو قول أشهب، وقيل بلعان ثان وهو قول أصبغ وعبد الملك، وفي المدونة ~~ما يدل على القولين جميعا. # فصل وقد ذهبت طائفة من أهل العلم إلى أن الولد المولود على فراش الرجل ~~إذا نفاه لا ينتفي منه بلعان ولا بما سواه، لقول رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «الولد للفراش وللعاهر الحجر» . وروي عن الشعبي أنه قال: خالفني ~~إبراهيم وابن معقل وموسى في ولد الملاعنة فقالوا تلحقه به فقلت ألحقه به ~~بعد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ثم ختم بالخامسة أن لعنة الله عليه ~~إن كان من الكاذبين، فكتبوا فيها إلى المدينة فكتبوا أن يلحق به، وهو شذوذ ~~من القول، ولا حجة لقائله فيما احتج به من قول رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «الولد للفراش وللعاهر الحجر؛» لأنه إنما ورد في المدعي بالزنا # PageV01P636 # ما ولد على فراش غيره على ما جاء في حديث عتبة. وأما نفي أولاد الزوجات ~~فليس من ذلك في شيء؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد قضى في ذلك ~~بالملاعنة، ورد الولد الملاعن به إلى أمه دون المولود على فراشه، وبالله ~~سبحانه وتعالى التوفيق. # فصل وقد اختلف في الاستبراء فعن مالك فيه روايتان: إحداهما أنه حيضة وهو ~~أكثر المذهب، والثاني: أنه ثلاث حيض وهو مذهب ابن الماجشون وحكاه عبد ~~الوهاب. # فصل ويجب بتمام لعان الزوج ثلاثة أحكام: أحدها سقوط نسب الولد، والثاني ~~ترك الحد عن الزوج، والثالث رجوعه على المرأة إلا أن تلاعن. واختلف في ~~الفرقة بماذا تجب، فالمشهور عن مالك وأصحابه أنها تجب بتمام لعان المرأة ~~بعد الزوج. ms0539 فعلى هذا إذا مات الزوج بعد أن التعن وقبل أن تلتعن المرأة أنها ~~ترثه التعنت أو لم تلتعن، وهو قول ربيعة ومطرف واختيار ابن حبيب. وقد قيل: ~~إنها تجب بتمام لعان الزوج وإن لم تلتعن المرأة، وهو مذهب الشافعي وظاهر ~~قول مالك في موطئه وقول عبد الله بن عمرو بن العاص في المدونة وهو قول أصبغ ~~في العتبية في الذي يتزوج المرأة في عدتها فتأتي بولد فيلاعن أحد الزوجين ~~أنها تحرم للأبد على الذي لاعنها ولم تلاعنه. فعلى هذا إذا مات أحد الزوجين ~~بعد تمام لعان الزوج أنهما لا يتوارثان، وهو قوله في المدونة إن ماتت ~~المرأة ورثها الزوج وإن مات الزوج ورثته الزوجة إن لم تلاعن. فيأتي على هذا ~~أن الفرقة تجب بتمام لعان الزوج إن التعنت المرأة. فاحفظ أنها مسألة يتحصل ~~فيها ثلاثة أقوال. # فصل والفرقة في اللعان فسخ بغير طلاق، وهي مؤبدة لا يتراجع الزوجان بعده ~~أبدا. هذا مذهب مالك وجميع أصحابه وأكثر أهل العلم. والدليل على ذلك قول # PageV01P637 # النبي - صلى الله عليه وسلم - للزوج بعد تمام اللعان: «لا سبيل لك ~~إليها؛» لأن ظاهره التأبيد إذ لم يقيد ذلك بشرط يحلها له به "؛ لأن التحريم ~~إذا أطلق من غير تقييد محمول على التأبيد. ألا ترى أن المطلقة ثلاثا لولا ~~قول الله عز وجل فيها {حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] ، لم تحل له أبدا ~~بظاهر قوله تعالى: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد} [البقرة: 230] . # فصل فإذا قلنا: إنه فسخ وليس بطلاق فيلزم على هذا إذا لاعنها قبل الدخول ~~لا يكون لها شيء من الصداق لا نصف ولا غيره، وكذلك في كتاب ابن الجلاب، وهو ~~خلال قول مالك في موطئه وخلاف ما في المدونة. ووجه هذا أنا لا نعلم صدق ~~الزوج فلعل الولد منه، وإنما أراد طلاقها وتحريمها باللعان للأبد لئلا يكون ~~عليه صداق. فلما اتهم في ذلك ألزم نصف الصداق. وقد وقع في كتاب ابن الجلاب ~~في الذي يشتري زوجته قبل البناء أنه يجب لها عليه نصف ms0540 الصداق، وهو خلاف ~~المعروف في المذهب، وقوله في المدونة: إن الملاعنة لا متعة لها صحيح على ~~هذا التعليل، فتعليل سقوط المتعة في اللعان بأنه فسخ وإن الله لم يوجبها ~~إلا على المطلقين أصح من العلة التي عللها في المدونة. # فصل وبتمام اللعان تقع الفرقة بين الزوجين وإن لم يفرق الإمام بينهما. ~~وهذا موضع اختلف فيه أهل العلم اختلافا كثيرا. فمذهب مالك ما ذكرناه، وقال ~~الشافعي: إن الفرقة تقع بتمام لعان الزوج ولا تحل له أبدا. وقال أبو حنيفة ~~وبعض أصحابه: إن الفرقة لا تقع بين الزوجين حتى يفرق الإمام بينهما، فإذا ~~فرق الإمام بينهما لم تحل له حتى يكذب نفسه، فإن كذب نفسه جلد الحد وكان ~~خاطبا من الخطاب. وقيل: إنه إن أكذب نفسه جلد الحد وردت إليه امرأته. وقيل: ~~اللعان # PageV01P638 # تطليقة بائنة، وهو قول عبيد الله بن الحسن. وقيل: إن اللعان لا ينقص شيئا ~~من العصمة، وهو قول عثمان البتي، وطائفة من أهل البصرة أخذوا ذلك عنه. ~~ولابن نافع في تفسير ابن مزين أنه استحب للملاعن أن يطلق ثلاثا عند الفراق ~~من اللعان من غير أن يأمره الإمام بذلك كما فعل عويمر، فإن لم يفعل أغنى عن ~~ذلك ما مضى من سنة المتلاعنين أنهما لا يتناكحان أبدا. وذهب ابن لبابة إلى ~~أنه إن لم يطلق طلق عليه الإمام ثلاثا ولم يمنعه من مراجعتها من بعد زوج. ~~وقيل: إنه ظاهر الحديث فلا يعدل عنه إلا بكتاب أو سنة أو إجماع. هذا معنى ~~كلامه مختصرا. وقيل: إن فراق اللعان ثلاث تطليقات، وتحل له بعد زوج. ولم أر ~~هذا القول إلا أنه أخبرني بعض أصحابنا أنه في كتاب ابن شعبان. # فصل واللعان يجب في كل نكاح يلحق فيه الولد وإن كان فاسدا أو حراما لا ~~يقران عليه، خلافا لأبي حنيفة وأصحابه. # فصل ولا يكون اللعان إلا عند الإمام في المسجد وبمحضر من الناس؛ لأن ~~اللعان الذي كان في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما كان عنده في ~~المسجد وبمحضر من الناس، ms0541 وذلك مروي في الأحاديث الصحاح. من ذلك حديث مالك - ~~رحمه الله تعالى - في موطئه في ملاعنة العجلاني زوجته. «قال سهل: فتلاعنا ~~وأنا مع الناس عند النبي - صلى الله عليه وسلم -» . # فصل ويستحب أن يكون اللعان في دبر الصلاة وبعد صلاة العصر؛ لأنه أشد ~~الأوقات في اليمين، لما جاء أن الأيمان بعد صلاة العصر ليس له توبة، وليس ~~ذلك بلازم أعني في دبر الصلاة. # PageV01P639 # فصل وفي صفة اللعان اختلاف كثير بين أصحاب مالك غيرهم، إلا أنه اختلاف ~~متقارب، فمن أراد الوقوف عليه تأمله في موضعه، وسيأتي الكلام عليه في موضعه ~~من الكتاب. # فصل واختلف فيمن قذف أربع نسوة له في كلمة واحدة، فقال أبو بكر الأبهري: ~~لست أعرفها منصوصة، والذي يجب على مذهبنا أن يلاعن لكل واحدة؛ لأن اللعان ~~بمنزلة الشهادة، ولو أتى بالشهود للزم أن يقيم الشهادة على كل واحدة منهن ~~منفردة. ويحتمل أن يكون يجزئه لعان واحد، قياسا على القذف إذا قذف جماعة في ~~كلمة واحدة، وعلى الظهار إذا ظاهر منهن في كلمة واحدة أنه تجزئه كفارة ~~واحدة. ثم قال وقد حكى الإصطخري عن إسماعيل القاضي أن جماعة ادعت على رجل ~~دينا فحلف لهم يمينا واحدة. فعلى هذا يجب أن يكتفي بلعان واحد لهن كلهن. # PageV01P640 ### | كتاب الصرف # ] [ ### || ما جاء في تحريم الربا في الصرف # بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الصرف # ما جاء في تحريم الربا في الصرف الربا في الصرف وفي جميع البيوع وفيما ~~تقرر في الذمة من الدين، حرام محرم بالكتاب والسنة وإجماع الأمة؛ فأما ~~الكتاب فقوله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا} [البقرة: 275] ، وقوله ~~{يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم ~~تفلحون} [آل عمران: 130] ؛ لأن قوله {واتقوا الله} [البقرة: 231] وعيد، ~~والنهي إذا قرن به الوعيد علم أن المراد به التحريم. وقوله تعالى: {فبظلم ~~من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا} ~~[النساء: 160] {وأخذهم الربا وقد نهوا عنه} [النساء: 161] ، يريد نهي تحريم ~~لأنه عطف على ما نص على ms0542 تحريمه، إلا أن الاحتجاج بهذه الآية على تحريم ~~الربا إنما يصح على مذهب من يرى أن ما أخبر الله تعالى به من شرائع من ~~قبلنا من الأنبياء لازم لنا، إلا أن يأتي في شرعنا ما ينسخه عنا، وإلى هذا ~~ذهب مالك - رحمه الله -، لأنه قد احتج في # PageV02P005 # موطئه بقوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} [المائدة: 45] ، ~~يريد في التوراة، وهو الصحيح، لقول النبي - عليه السلام -: «إذا رقد أحدكم ~~عن الصلاة أو نسيها ثم فزغ إليها، فليصلها كما كان يصليها في وقتها، فإن ~~الله تبارك وتعالى يقول: {وأقم الصلاة لذكري} [طه: 14] » والخطاب بهذا إنما ~~هو لموسى - عليه الصلاة والسلام -، وهذا بين، وقد اختلف في ذلك على أربعة ~~أقوال، أحدها: أنها لازمة لنا جملة من غير تفصيل، بدليل قول الله عز وجل: ~~{أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] . (والثاني) أنها غير ~~لازمة لنا جملة من غير تفصيل أيضا، بدليل قول الله عز وجل: {لكل جعلنا منكم ~~شرعة ومنهاجا} [المائدة: 48] . (والثالث) أنها غير لازمة لنا إلا شريعة ~~إبراهيم - عليه السلام - لقول الله عز وجل: {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة ~~إبراهيم حنيفا} [النحل: 123] ، وقوله: {ملة أبيكم إبراهيم} [الحج: 78] ، أي ~~الزموها (والرابع) أنها غير لازمة لنا إلا شريعة عيسى - عليه السلام - ~~لأنها آخر الشرائع المتقدمة، وكل شريعة ناسخة للتي قبلها، وهذا القول أضعف ~~الأقوال، لأن شريعة عيسى إذا كانت ناسخة لما قبلها من الشرائع فشريعتنا ~~ناسخة لشريعة عيسى، وهذا بين، والله # PageV02P006 # أعلم، وقوله تعالى: {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي ~~يتخبطه الشيطان من المس} [البقرة: 275] ، يقول الله عز وجل: الذين يربون في ~~تجارتهم في الدنيا لا يقومون في الآخرة من قبورهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه ~~الشيطان من المس، أي يصرعه من الجنون. ويروى: إن لأكلة الربا علما يعرفون ~~به يوم القيامة أنهم أكلة الربا، يأخذهم خبل يشبه الخبل الذي يأخذهم في ~~الآخرة بالجنون الذي يكون في الدنيا، ويروى «أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - حدث عن ليلة ms0543 الإسراء فكان في حديثه أنه أتى على سابلة فرعون حيث ~~ينطلق بهم إلى النار يعرضون عليها غدوا وعشيا، فإذا رأوها قالوا: ربنا لا ~~تقومن الساعة؛ لما يرون من عذاب الله، قال: وإذا أنا برجال بطونهم كالبيوت، ~~يقومون فيقعون ببطونهم وظهورهم، فيأتي عليهم آل فرعون فيثردونهم ثردا، ~~فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هؤلاء أكلة الربا، ثم تلا هذه الآية: ~~{الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} ~~[البقرة: 275] » ، وفي البخاري عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: ~~«رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرض مقدسة فانطلقنا حتى أتينا على ~~نهر من دم فيه رجل قائم، وعلى وسط النهر رجل بين يديه حجارة، فأقبل الرجل ~~الذي في النهر، فإذا أراد أن يخرج، رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان، ~~فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان، فقلت: ما هذا؟ فقال: ~~الذي رأيت في النهر آكل الربا» . # وأما السنة فمنها ما رواه ابن مسعود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~«لعن آكل الربا وموكله # PageV02P007 # وشاهده وكاتبه» ، وقال: هم سواء، ومن ذلك تحريمه التفاضل بين الذهبين ~~والورقين. وأن لا يباع من ذلك شيء غائب بناجز، وما أشبه ذلك كثير. وأما ~~الإجماع فمعلوم من دين الأمة ضرورة أن الربا محرم في الجملة وإن اختلفوا في ~~تفصيل مسائله وتبيين أحكامه وتعيين شرائطه، على ما يأتي في مواضعه إن شاء ~~الله، وبالله سبحانه وتعالى التوفيق وهو الهادي إلى أقوم طريق. # فصل في معنى الربا وحكمه # فصل في معنى الربا، وأصل الربا الزيادة والإضافة، يقال: ربا الشيء يربو: ~~إذا زاد وعظم، وأربى فلان على فلان: إذا زاد عليه، يربي إرباء، وكان ربا ~~الجاهلية أن يكون للرجل على الرجل الدين، فإذا حل قال له: أتقضي أم تربي؟ ~~فإن قضاه أخذه، وإلا زاده في الحق وزاده في الأجل، فأنزل الله في ذلك ما ~~أنزل، فقيل للمربي: مرب، للزيادة التي يستزيدها في دينه لتأخيره به إلى ~~أجل. # فصل ms0544 فمن استحل الربا فهو كافر حلال الدم، يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، قال ~~الله عز وجل: {ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [البقرة: 275] ، ~~يريد: عاد إلى الربا باستحلاله، لأن الخلود في النار من صفات الكافرين. ~~وقال عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن ~~كنتم مؤمنين} [البقرة: 278] {فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} ~~[البقرة: 279] ، أي إن لم تفعلوا وتقبلوا ذلك وتقروا به، فأذنوا بحرب؛ أي ~~فاعلموا أنكم محاربون من الله ورسوله لأنكم مشركون. # PageV02P008 # فصل وأما من باع بيعا أربى فيه غير مستحل للربا، فعليه العقوبة الموجعة ~~إن لم يعذر بجهل، ويفسخ البيع ما كان قائما، في قول مالك وجميع أصحابه، ~~والحجة في ذلك «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر السعدين أن يبيعا ~~آنية من المغانم من ذهب أو فضة، فباعا كل ثلاثة بأربعة عينا، أو كل أربعة ~~بثلاثة عينا، فقال لهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أربيتما فردا» . # فصل فإن فات البيع فليس له إلا رأس ماله، قبض الربا أو لم يقبضه، فإن كان ~~قبضه رده إلى صاحبه، وكذلك من أربى ثم تاب فليس له إلا رأس ماله، وما قبض ~~من الربا وجب عليه أن يرده إلى من قبضه منه، فإن لم يعلمه تصدق به عليه ~~لقول الله عز وجل: {وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم} [البقرة: 279] الآية. وأما ~~من أسلم وله ربا فإن كان قبضه فهو له، لقول الله عز وجل: {فمن جاءه موعظة ~~من ربه فانتهى فله ما سلف} [البقرة: 275] ، ولقول رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «من أسلم على شيء فهو له» ، وأما إن كان الربا لم يقبضه فلا ~~يحل له أن يأخذه، وهو موضوع عن الذي هو عليه، ولا خلاف في هذا أعلمه لقول ~~الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن ~~كنتم مؤمنين} [البقرة: 278] ، نزلت هذه الآية في قوم أسلموا ولهم على قوم ~~أموال من ربا ms0545 كانوا أربوه عليهم، وكانوا قد اقتضوا بعضه منهم وبقي بعض، # PageV02P009 # فعفا الله لهم عما كانوا اقتضوه، وحرم عليهم اقتضاء ما بقي منه، وقيل: ~~نزلت في العباس بن عبد المطلب ورجل من بني المغيرة، كانا يسلفان في الربا، ~~فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا، فأنزل الله الآية بتحريم اقتضاء ~~ما كان بقي لهما من الربا لم يقتضياه. وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- في خطبته يوم عرفة في حجة الوداع: «ألا إن كل ربا كان في الجاهلية فهو ~~موضوع، وأول ربا يوضع ربا العباس بن عبد المطلب» . # فصل وفي هذا ما يدل على إجازة الربا مع أهل الحرب في دار الحرب على ما ~~ذهب إليه أبو حنيفة وأبو يوسف، لأن مكة كانت دار حرب وكان بها العباس بن ~~عبد المطلب مسلما، إما من قبل بدر - على ما ذكره ابن إسحاق من أنه اعتذر ~~إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أسر يوم بدر، وأمره أن يفتدي، فقال ~~له: إني كنت مسلما ولم أخرج لقتالك إلا كرها، فقال له النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «أما ظاهر أمرك فقد كان علينا فافد نفسك» أو من قبل فتح خيبر ~~- إن لم يصح ما ذكره ابن إسحاق، على ما دل عليه حديت الحجاج بن علاط من ~~إقراره للنبي - صلى الله عليه وسلم - بالرسالة وتصديقه ما وعده الله به، ~~وقد كان الربا يوم فتح خيبر محرما على ما روي «أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أتي بقلادة وهو بخيبر من غنائمها فيها ذهب وخرز، فأمر بالذهب ~~الذي في القلادة فنزع وبيع وحده وقال: الذهب بالذهب وزنا بوزن» . فلما لم ~~يرد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما كان من رباه بعد إسلامه: إما من ~~قبل بدر، وإما من قبل فتح خيبر، إلى أن ذهبت الجاهلية بفتح مكة، وإنما وضع ~~منه ما كان قائما لم يقبض، دل ذلك على إجازته، إذ حكم له بحكم ما كان من ~~الربا قبل تحريمه، وبحكم الربا بين أهل ms0546 الذمة والحربيين إذا # PageV02P010 # أسلموا. وحديث الحجاج بن علاط الذي دل على أن العباس كان مسلما حين فتح ~~خيبر، وما روى أنس بن مالك عنه أنه قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - حين ~~فتح خيبر: إن لي بمكة أهلا ومالا، وقد أردت أن آتيهم، فإن أذنت لي أن أقول ~~فعلت، فأذن له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، فأتى مكة وأشاع ~~بها أن أصحاب محمد قد استبيحوا، وأني جئت لآخذ مالي فأبتاع من غنائمهم، ~~ففرح بذلك المشركون واختفى من كان بها من المسلمين، فأرسل العباس بن عبد ~~المطلب غلامه إلى الحجاج يقول له: ويحك ما جئت به؟ فما وعد الله به ورسوله ~~خير مما جئت به، فقال له: اقرأ على أبي الفضل السلام وقل له ليخل لي معه ~~بيتا، فإن الخبر على ما يسره، فلما أتاه الغلام بذلك، قام إليه فقبل ما بين ~~عينيه! ثم أتاه الحجاج بن علاط فخلا به في بعض بيوته وأخبره أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قد فتحت عليه خيبر وجرت فيها سهام المسلمين، واصطفى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منها صفية لنفسه، وأن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أباح له أن يقول ما شاء ليستخرج ماله، وسأله أن يكتم ذلك ~~عليه ثلاثا حتى يخرج، ففعل، فلما أخبر بذلك بعد خروجه، فرح المسلمون ورجع ~~ما كان بهم من كآبة على المشركين، والحمد لله رب العالمين. نقلت الحديث على ~~المعنى واختصرت منه كثيرا لطوله، وبالله التوفيق. # واحتج الطحاوي لإجازة الربا مع أهل الحرب في دار الحرب بحديث النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «أيما دار قسمت في الجاهلية فهي على قسم الجاهلية، ~~الحديث» ، وإنما اختلف أهل العلم فيمن أسلم وله ثمن خمر أو خنزير لم يقبضه: ~~فقال أشهب والمخزومي: هو له حلال سائغ بمنزلة ما لو كان قبضه، وقال ابن ~~دينار وابن أبي حازم: يسقط الثمن عن الذي هو عليه كالربا، وأكثر مذاهب ~~أصحابنا على قول أشهب والمخزومي. # PageV02P011 # فصل وقد اختلف في لفظ ms0547 الربا الوارد في القرآن: هل هو من الألفاظ العامة ~~التي يفهم المراد بها وتحمل على عمومها حتى يأتي ما يخصها، أو من الألفاظ ~~المجملة التي لا يفهم المراد بها من لفظها وتفتقر في البيان إلى غيرها؟ على ~~قولين، والذي يدل عليه قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: كان من آخر ما ~~أنزل الله على رسوله آية الربا، فتوفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ولم يفسرها لنا، أنها من الألفاظ المجملة المفتقرة إلى البيان والتفسير، ~~ولم يرد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بقوله: إن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - توفي قبل أن يفسرها، أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يفسر آية ~~الربا ولا بين المراد بها، وإنما أراد - والله أعلم - أنه لم يعم جميع وجوه ~~الربا بالنص عليها، للعلم الحاصل أنه - صلى الله عليه وسلم - قد نص على ~~كثير منها، من ذلك: تحريمه - صلى الله عليه وسلم - التفاضل بين الذهبين ~~والورقين، وأن يباع من ذلك شيء غائب بناجز، ونهيه - صلى الله عليه وسلم - ~~عن بيع وسلف، وعن بيع ما ليس عندك، وعن بيعتين في بيعة، وعن بيع الملامسة ~~والمنابذة، وعن بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، وما أشبه ذلك، لأن هذه ~~الأحاديث تحمل على البيان والتفسير لما أجمل الله في كتابه من ذكر الربا ~~وما لم ينص عليه - صلى الله عليه وسلم - من وجوه الربا، فإنه أحال فيه على ~~طرق ذلك، أدلة الشرع وبين وجوهها، وما توفي - صلى الله عليه وسلم - إلا بعد ~~أن كمل الدين وبعد أن بين كل ما بالمسلمين الحاجة إلى بيانه، قال الله عز ~~وجل: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} ~~[المائدة: 3] . # PageV02P012 # فصل ومما يدل على ما تأولنا عليه حديثه، قوله - رضي الله عنه -: إنكم ~~تزعمون أنا نعلم أبواب الربا، ولأن أكون أعلمها أحب إلي من أن يكون لي مثل ~~مصر وكورها، ولكن من ذلك أبواب لا تخفى على أحد: أن تباع الثمرة وهي معصفة ~~لم تطب، وأن ms0548 يباع الذهب بالورق والورق بالذهب نسيئا، فأخبر - رضي الله عنه ~~- أن من وجوه الربا ما هو بين جلي، لنص النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه؛ ~~وباطن خفي لعدم النص فيه، وتمنى أن تكون جميع وجوه الربا ظاهرة جلية يعلمها ~~بنص النبي - صلى الله عليه وسلم - عليها، ولا يفتقر إلى طلب الأدلة في شيء ~~منها، والله عز وجل لما أراد أن يمتحن عباده ويبتليهم فرق بين طرق العلم، ~~فجعل منه ظاهرا جليا، وباطنا خفيا؛ ليعلم الباطن الخفي بالاجتهاد والنظر من ~~الظاهر الجلي، فيرفع بذلك الذين آمنوا والذين أوتوا العلم درجات، قال الله ~~عز وجل: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر ~~متشابهات} [آل عمران: 7] . # فصل في أنواع الربا # فصل والربا على وجهين: ربا في النقد، وربا في النسيئة، فأما الربا في ~~النقد فلا يكون إلا في الصنف الواحد من نوعين، (أحدهما) : الذهب والورق، ~~(والثاني) ما كان من الطعام مدخرا مقتاتا أو مصلحا للقوت أصلا للمعاش ~~غالبا، في قول بعضهم، وأما الربا في النسيئة فيكون في الصنف الواحد وفي ~~الصنفين، فأما في الصنف الواحد فهو في كل شيء من جميع الأشياء، لا يجوز ~~واحد باثنين من صنفه # PageV02P013 # إلى أجل، من جميع الأشياء، طعاما كان أو غيره، وأما في الصنفين فهو في ~~نوعين: أحدهما الذهب والفضة، (والثاني) الطعام كله، كان مما لا يدخر، أو ~~مما يدخر # فصل وباب الصرف من أضيق أبواب الربا، فالتخلص من الربا على من كان عمله ~~الصرف عسير، إلا لمن كان من أهل الورع والمعرفة بما يحل فيه ويحرم منه، ~~وقليل ما هم؛ ولذلك كان الحسن يقول: إن استسقيت ماء فسقيت من بيت صراف فلا ~~تشربه، وكان أصبغ يكره أن يستظل بظل الصيرفي، قال ابن حبيب: لأن الغالب ~~عليهم الربا، وقيل لمالك - رحمه الله تعالى -: أتكره أن يعمل الرجل بالصرف؟ ~~قال: نعم، إلا أن يكون يتقي الله في ذلك. # فصل ومما بين النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه الربا أن الذهب ~~بالذهب والورق ms0549 بالورق لا يباع إلا مثلا بمثل يدا بيد، وأن الذهب بالورق لا ~~يباع إلا يدا بيد، ذكر مالك - رحمه الله - في موطئه عن ابن شهاب، عن مالك ~~بن أوس بن الحدثان النصري، أنه التمس صرفا بمائة دينار، قال: فدعاني طلحة ~~بن عبيد الله فتراوضنا حتى اصطرف مني وأخذ الذهب يقلبها في يده، ثم قال: ~~حتى يأتي خازني من الغابة، وعمر بن الخطاب يسمع فقال عمر بن الخطاب: لا، ~~والله لا تفارقه حتى تأخذ منه، ثم قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والتمر ~~بالتمر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء» . # فصل فلا يجوز في الصرف ولا في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة مواعدة ولا # PageV02P014 # خيار ولا كفالة ولا حوالة، ولا يصح، إلا بالمناجرة الصحيحة، لا يفارق ~~صاحبه وبينه وبينه عمل، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تبيعوا ~~الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها ~~شيئا غائبا بناجز» وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: وإن استنظرك إلى ~~أن يلج بيته فلا تنظره، إني أخاف عليكم الرماء. والرماء هو الربا. # فصل والنظرة في الصرف تنقسم على ثلاثة أقسام، أحدها: أن ينعقد الصرف ~~بينهما على أن ينظر أحدهما صاحبه بشيء مما اصطرفا فيه، وإن قل، فهذا إذا ~~وقع فسخ جميع الصرف باتفاق لانعقاده على فساد. (والثاني) أن ينعقد الصرف ~~بينهما على المناجزة، ثم يؤخر أحدهما صاحبه بشيء مما اصطرفا فيه، فهذا ~~ينتقض الصرف فيما وقع فيه التأخير باتفاق، وإن كان درهما انتقض صرف دينار ~~واحد ما بينه وبين أن يكون الذي وقع فيه التأخير أكثر من صرف دينار، فينتقض ~~صرف دينارين، كذا أبدا على هذا الترتيب، واختلف هل يجوز من الصرف ما حصلت ~~فيه المناجزة ولم يقع فيه تأخير أم لا؟ على قولين (أحدهما) : إن ذلك لا ~~يجوز، لأنهما متهمان على القصد لذلك والعقد عليه، وهو مذهب ms0550 ابن القاسم في ~~المدونة، وقول محمد بن المواز. (والثاني) أن ذلك يجوز ولا يفسخ، وهو قول ~~ابن القاسم في كتاب ابن المواز. والقسم الثالث أن ينعقد الصرف بينهما على ~~المناجزة فيتأخر شيء مما وقع الصرف عليه بنسيان أو غلط أو سرقة من # PageV02P015 # الصراف، أو ما أشبه ذلك مما يغلبان عليه أو أحدهما؛ فهذا يمضي الصرف فيما ~~وقع فيه التناجز ولا ينتقض باتفاق؛ واختلف هل ينتقض فيما حصل فيه التأخير ~~إن تجاوز النقصان، مثل أن يصرف منه دينارا بدراهم، فيجد من الدراهم درهما ~~ناقصا فيقول: أنا أتجاوزه، فلا ينتقض من الصرف شيء؟ على قولين، (أحدهما) ~~قول ابن القاسم: إن ذلك لا يجوز وينتقض من الصرف صرف دينار واحد، إلا أن ~~يكون العدد الذي نقص أكثر من صرف دينار، فينتقض صرف دينارين، كذا أبدا على ~~هذا المثال والترتيب، (والثاني) قول أشهب: إن الصرف يجوز ولا ينتقض منه شيء ~~إن تجاوز النقصان، كالدانق إذا رضي به، وقد روي عن ابن القاسم مثل قول أشهب ~~في النقصان اليسير كالدانق والدانقين، وقاله أصبغ في الدرهم من الألف درهم، ~~وذلك لأن الموازين قد تختلف في مثل هذا المقدار، وما تختلف عليه الموازين ~~لا اختلاف عندي في جواز تجاوزه، وليس ما روي عن ابن القاسم في هذا اختلافا ~~من قوله وإنما المعنى في ذلك أن الدانق والدانقين مرة رأى أن الموازين ~~تختلف عليه، فأجاز التجاوز عنه، ومرة رأى أن الموازين لا تختلف عليه فلم ~~يجز التجاوز عنه. # فصل وأما إن أراد أن يرجع بالنقصان فيأخذه، فلا يجوز إلا على مذهب من ~~أجاز البدل في الصرف، ورأى أن الغلبة على التأخير فيه بالنسيان والغلط ~~والسرقة والتدليس وما أشبه ذلك، لا يبطل الصرف ولا يفسده، فإن وجد فيما ~~صارفه فيه بعد الافتراق زائفا أبدله، وإن وجد ناقصا أخذه، وإن استحق منه ~~شيء، أخذ # PageV02P016 # عوضه، وهذا كله على مذهبهم في المجلس ما لم يفترقا على معرفة ذلك. # فصل فإن قال قائل: وإذا كان التأخير على وجه الغلبة يبطل الصرف عند ms0551 مالك ~~ولا يجوز أن يتجاوز النقصان، فكيف جاز أن يتجاوز الزائف وهو كالناقص إذ لم ~~يصارفه إلا على جياد، فقبضه الزائف كلا قبض؛ فالجواب عن ذلك أن الدنانير ~~والدراهم في الصرف على مذهب مالك وجمهور أصحابه، إن عينت تعينت، وإن لم ~~تعين فإنها تتعين إما بالقبض وإما بالمفارقة، فلذلك جاز الرضا بالزيوف، ~~لوقوع الصرف عليها بتعيينها بأحد الوجهين، وعلى هذا يأتي اختلافهم إذا ~~استحقت الدراهم ساعة صارفه، هل يلزمه أن يعطيه ما كان عنده صرفه مما بقي في ~~يده لم يستحق، أم لا يلزمه ذلك، فمن رأى أنها تتعين بالقبض لم يلزمه ذلك، ~~إلا أن يشاء، فيكون صرفا مستقبلا، ومن رأى أنها لا تتعين إلا بالمفارقة ~~ألزمه ذلك، بخلاف البيوع التي لا يتعين العين فيها إلا أن يعين، فيتعين على ~~اختلاف، ومن أجاز البدل، فمذهبه أن الدنانير والدراهم في الصرف لا تتعين ~~إلا أن تعين وأن الغلبة فيه على التأخير لا تفسد الصرف، وقد تقدم ذكر ذلك. # فصل وقد تقدم أنه لا يجوز في الصرف خيار ولا مواعدة ولا حوالة ولا رهن ~~ولا كفالة، فأما الخيار فلا اختلاف أن الصرف به فاسد، كانا جميعا بالخيار ~~أو أحدهما، لعدم المناجزة بينهما بسبب الخيار، وأما المواعدة فتكره، فإن ~~وقع ذلك وتم الصرف بينهما على المواعدة لم يفسخ عند ابن القاسم، وقال # PageV02P017 # أصبغ: يفسخ، فلعل قول ابن القاسم إذا لم يتراوضا على السوم، وإنما قال ~~له: اذهب معي أصرف منك، وقول أصبغ إذا راوضه على السوم فقال له: اذهب معي ~~أصرف منك ذهبك بكذا وكذا، وأما الحوالة إذا صرف وأحال على الصراف من يقبض ~~منه، فلا يجوز على مذهب ابن القاسم إلا أن يقبض هو صرفه ويدفعه إلى من ~~أحاله، وأما إن قبضه المحال، فلا يجوز وإن كان بحضرته قبل أن يفارقه، بخلاف ~~الوكالة إذا صار، ثم وكل على قبض الدراهم فقبضها الوكيل بحضرتهما قبل أن ~~يفارقه الذي وكله، جاز، وبخلاف الحوالة برأس المال في الإقالة من الطعام، ~~وذهب سحنون وأشهب إلى أنه ms0552 إن قبض المحال قبل أن يفارقه الذي أحاله بحضرة ~~ذلك، جاز، كالإحالة برأس المال في الإقالة من الطعام، وكالوكالة إذا قبض ~~الوكيل قبل أن يفترقا، وأما إذا ذهب الموكل أو المحيل قبل أن يقبض الوكيل ~~أو المحال، فالصرف منتقض لا يجوز في الحوالة باتفاق، وفي الوكالة على ~~اختلاف؛ لأن أبا زيد روى عن ابن القاسم في الرجلين يصرفان الدراهم تكون ~~بينهما بدينار من رجل، فيذهب أحدهما ويتخلف الآخر على قبض الدينار - أن ذلك ~~جائز، ونحوه في سماع أصبغ، إلا أن يفرق بين المسئلتين بسبب الاشتراك في ~~الدراهم أو الدنانير، وذلك بعيد، لأنه قد ساوى في المدونة بينهما، وأما ~~الوكالة على قبض رأس المال في الإقالة من الطعام، فإنها تجوز وإن افترقا ~~إذا قبض الوكيل قبل أن يفارق المسلم إليه، وأما الحمالة فإن كانت بالدنانير ~~إن استحقت الدراهم أو بالدراهم إن استحقت الدنانير، جاز ذلك، وإلا لم يجز، ~~وكذلك الرهن، وبالله سبحانه وتعالى التوفيق. # PageV02P018 ### | كتاب السلم # ] [ ### || القول في السلم وأصل جوازه وتقسيم وجوهه وتبيين الصحيح منه من الفاسد # القول في السلم وأصل جوازه وتقسيم وجوهه # وتبيين الصحيح منه من الفاسد السلم- وإن سمي سلما فهو بيع من البيوع، لأن ~~البيع نقل الملك عن عوض، كما أن المصارفة والمراطلة والمعاوضة والمبادلة ~~وما أشبه ذلك من الأسماء التي اختصت ببعض البيوع وتعرفت بها دون سائرها - ~~بيوع كلها في الحقيقة. والأموال التي تنتقل الأملاك فيها بالمعاوضة عليها ~~على ثلاثة أوجه: عين حاضرة مرئية، وعين غائبة غير مرئية، وسلم ثابت في ~~الذمة. # فصل فأما العين الحاضرة المرئية فلا اختلاف بين أهل العلم في جواز بيعها، ~~وأما العين الغائبة فبيعها عندنا على الصفة جائز لازم، خلافا للشافعي في ~~قوله: إن بيعها على الصفة غير جائز، وخلافا لأبي حنيفة - رحمه الله تعالى - ~~في قوله بأن ذلك جائز وليس بلازم، وسيأتي القول على هذا في موضعه من كتاب ~~بيع الغرر، إن شاء الله. وأما السلم الثابت في الذمة، فيجوز عندنا في كل ما ~~يضبط بالصفة، # PageV02P019 # ويجوز قرضه على شروط ms0553 يأتي وصفها، إن شاء الله تعالى، خلافا لأبي حنيفة - ~~رحمه الله تعالى - في قوله: إن السلم والقرض في الحيوان لا يجوز، ولداود ~~وطائفة من أهل الظاهر في قولهم: إن السلم فيما عدا المكيل والموزون لا ~~يجوز. # فصل فمن الدليل على صحة قولنا في إجازة السلم في الحيوان والعروض وجميع ~~ما يضبط بالصفة: أن الله تبارك وتعالى أباح البيع لعباده وأذن لهم فيه إذنا ~~مطلقا وإباحة عامة في غير ما آية من كتابه، فقال تعالى: {وأشهدوا إذا ~~تبايعتم} [البقرة: 282] وقال: {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن ~~تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29] ، وقال: {إلا أن تكون تجارة حاضرة ~~تديرونها بينكم} [البقرة: 282] ، وقال: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ~~ربكم} [البقرة: 198] ، يريد التجارة هذا معنى الآية: لأنه قد قرئ ليس عليكم ~~جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج، فتحمل هذه القراءة على ~~التفسير، وقال تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا} [البقرة: 275] على أنه ~~قد اختلف في قول الله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا} [البقرة: 275] ، ~~و {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} [البقرة: 43] ، {ولله على الناس حج البيت ~~من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] ، و {كتب عليكم الصيام} [البقرة: ~~183] ، هل هي من الألفاظ العامة أو من الألفاظ المجملة؟ فمن أهل العلم من ~~ذهب إلى أنها كلها مجملة لا يفهم المراد بها من لفظها، وتفتقر في البيان ~~إلى غيرها، ومنهم من ذهب إلى أنها كلها عامة يجب حملها على عمومها بحق ~~الظاهر حتى يأتي ما يخصصها، وذهب أبو محمد بن نصر، وهو عبد الوهاب صاحب ~~الشرح من البغداديين، إلى أنها كلها مجملة إلا قوله تعالى: {وأحل الله ~~البيع وحرم الربا} [البقرة: 275] ، # PageV02P020 # فإنها عامة، وهو أظهر الأقوال، فإنما يصح الاحتجاج بهذه الآية. أعني قوله ~~{وأحل الله البيع وحرم الربا} [البقرة: 275] ، لجواز السلم في الحيوان ~~والعروض على مذهب من ذهب من العلماء إلى أنها عامة يجب حملها على عمومها في ~~كل بيع إلا ما خصه الدليل. # فصل وقد خص الله تبارك وتعالى من ms0554 ذلك بمحكم كتابه البيع في وقت صلاة ~~الجمعة فقال: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا ~~إلى ذكر الله وذروا البيع} [الجمعة: 9] ، وخص من ذلك أيضا على لسان نبيه ~~بيوعا كثيرة، من ذلك نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الغرر، وعن بيع ~~الملامسة والمنابذة، وبيع حبل حبلة، وعن بيعتين في بيعة، وبيع الحصاة، وبيع ~~العربان، وبيع حاضر لباد وأن يبيع الرجل على بيع أخيه، وما أشبه ذلك من ~~نواهيه، ولم ينه - صلى الله عليه وسلم - عن السلم، فبقي على أصل الإباحة ~~الواردة في القرآن لعموم الألفاظ، لأنه بيع من البيوع على ما قدمناه، إلا ~~ما خص منه أيضا بالقياس والسنة والإجماع على ما سنبينه، إن شاء الله. # PageV02P021 # فصل فالسلم في الحيوان والعروض من جملة ما بقي على أصل الإباحة إذ لم ~~يخصه بجملته سنة ولا قياس ولا إجماع. # فصل # ومن الدليل أيضا على جواز السلم في الحيوان وما سواه مما يضبط بالصفة ~~ويجوز فيه القرض، قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين ~~إلى أجل مسمى فاكتبوه} [البقرة: 282] ، فلم يخص دينا من دين بل عم جميع ~~الديون، والحيوان من ذلك لجواز تعلقه بالذمة، يشهد لذلك استسلاف النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - البكر، وقد قال ابن عباس: أشهد أن التسليف المضمون ~~إلى أجل معلوم قد أحله الله وأذن فيه، أما تقرؤون قول الله عز وجل: {يا ~~أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} [البقرة: 282] ~~فسواء باع طعاما واكتتب ذهبا أو أعطى ذهبا واكتتب طعاما، قلت: أو ثيابا أو ~~حيوانا، والله أعلم. ومن طريق القياس أن هذا شيء يصح تعلقه بالذمة مهرا أو ~~قرضا، فجاز تعلقه بها سلما، أصل ذلك الطعام، ثبت «أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - استقرض الطعام وأنه قدم المدينة وهم يسلمون في الثمار إلى ~~السنتين والثلاث، فقال: أسلموا في كيل معلوم ووزن معلوم، إلى أجل معلوم» . # PageV02P022 # فصل والسلم في مذهب مالك - رحمه الله - وأصحابه جائز فيما ينقطع ms0555 من أيدي ~~الناس وفيما لا ينقطع من أيديهم، إذا اشترط الأخذ فيما ينقطع من أيديهم في ~~حين وجوده، فإن اشترط الأخذ في حين عدمه لم يجز، ومن أهل العلم من لا يجيز ~~السلم إلا فيما يكون موجودا بأيدي الناس من حين عقد السلم إلى حين حلوله، ~~ومنهم من لا يجيز السلم إلا فيما يكون موجودا بأيدي الناس ولا ينقطع في وقت ~~من الأوقات. # فصل فمن حجة من لا يجيز السلم إلا فيما يكون موجودا من حين عقد السلم إلى ~~حين حلول أجله، أن المسلم إليه قد يموت فيحل عليه السلم بموته، وربما كان ~~ذلك في حين انقطاعه فيئول ذلك إلى الغرر، ومن حجة من لا يجيز السلم إلا ~~فيما لا ينقطع قبل حلول السلم ولا بعده، أن القضاء قد يتأخر لعذر أو لغير ~~عذر بعد حلول الأجل حتى ينقضي الإبان فيرد إليه رأس ماله، أو يتأخر إلى ~~العام المقبل - وذلك غرر، وهذا كله لا يلزم، لأن العقود إذا صحت وسلمت من ~~الغرر، فلا يراعى ما يطرأ عليها بعد ذلك مما لم يقصد إليه، إذ لو روعي ذلك، ~~لما صح عقد ولا سلم بيع بوجه من الوجوه، بل السلم فيما له إبان على أن ~~يقتضى في إبانه، أجوز من السلم فيما لا ينقطع من أيدي الناس وإن كانا ~~جائزين جميعا؛ لأن السلم فيما لا ينقطع من أيدي الناس يحل بموت المسلم ~~إليه، وحياته إلى أن يحل الأجل غير مأمونة؛ وفي ماله إبان لا يحل بموت ~~المسلم إليه، وتوقف تركته إلى أن يأتي الإبان فيقضي حقه، وحينئذ يقسم ماله ~~بين ورثته، لقول الله عز وجل: {من بعد وصية يوصي بها أو دين} [النساء: 11] ~~، فهو أقل غررا. # PageV02P023 # فصل وإنما توقف تركته كلها - إذا خشي أن يستغرقها ما عليه من السلم، وأما ~~إذا كان السلم يسيرا وماله كثيرا، فإنما يوقف منه ما يرى أنه يفي بما عليه ~~من السلم، ويقسم بقية ذلك بين ورثته، إلا على رواية أشهب عن مالك الذي يرى ~~أن القسمة ms0556 لا تجوز في شيء من المال - وعلى الميت دين وإن كان يسيرا واستقام ~~الأمر وجاء على العافية. فصل فإن كان عليه ديون ضرب لصاحب السلم مع الغرماء ~~بما يساوي سلمه بالنقد يوم الإبان على ما عرف من قيمته بالعادة لا بما ~~يساوي الآن، على أن يقبض في وقته، إلا على مذهب سحنون القائل: إن صاحب ~~السلم المؤجل يحاص بقيمة سلمه إلى الأجل لا بقيمته الآن حالا، وهو بعيد. # فصل فإن جاء الإبان، وهو أغلى مما قوم به، لم يكن له على الغرماء رجوع؛ ~~وإن كان أرخص، لم يكن لهم عليه رجوع في الزيادة ما بينه وبين جميع حقه، ~~فإذا وجد حقه، فلا يزاد عليه ويرد الفاضل إليهم. # فصل فإذا قلنا: إن السلم فيما له إبان على أن يقبض في إبانه جائز، فإن ~~انقضى الإبان قبل أن يقبض صاحب السلم جميع سلمه، فلمالك وأصحابه - رحمهم ~~الله - في ذلك ثلاثة أقوال، القولان منها تتفرع على أربعة أقوال، ففي جملة ~~المسألة خمسة # PageV02P024 # أقوال؛ (أحدها) : قول مالك الأول في المدونة، أن الذي يوجبه الحكم أن ~~يتأخر الذي له السلم إلى عام مقبل، فإن تراضيا واتفقا على المحاسبة، فعلى ~~قولين، أحدهما أن ذلك لا يجوز لهما، لأنه يدخله البيع والسلف، وهو قول مالك ~~الأول في المدونة، والثاني أن ذلك جائز، وهو قول مالك الآخر الذي رجع إليه، ~~وهو قول سحنون: من طلب التأخير منهما فذلك له، إلا أن يجتمعا على المحاسبة. ~~(والقول الثاني) قول أشهب: إن الذي يوجبه الحكم المحاسبة وأخذ بقية رأس ~~المال، فإن اتفقا على أن يتأخر الذي له السلم إلى سنة أخرى فعلى قولين، ~~أحدهما أن ذلك لا يجوز - وهو قول أشهب، لأنه يدخله فسخ الدين في الدين، ~~والآخر أن ذلك جائز - وهو قول أصبغ، وهو قول ضعيف لا يحمله القياس؛ فهذه ~~أربعة أقوال يتفرع كل واحد من القولين المذكورين إلى قولين كما حكيناه، ~~والقول الخامس قول ابن القاسم في المدونة وكتاب ابن المواز: إن الذي له ~~السلم مخير، إن شاء أن ms0557 يتأخر إلى سنة مقبلة، وإن شاء أن يأخذ بقية رأس ~~ماله، وهو قول ضعيف معترض أيضا من الوجه الذي اعترض به قول أصبغ، وحكى فضل ~~في كتابه أن الذي وقع في المدونة من قوله: من طلب التأخير منهما فذلك له، ~~إلا أن يجتمعا على المحاسبة، هو قول ابن القاسم، والصحيح أنه من قول سحنون ~~كما ذكرنا؛ لأن قوله: من طلب التأخير منهما فذلك له، إلا أن يجتمعا على ~~المحاسبة، لا يتسق مع قول ابن القاسم قبل ذلك، أنه إن شاء أن يؤخر الذي له ~~السلم إلى إبانه من السنة المقبلة، فذلك له، بل يتنافى ويتدافع مع ما لابن ~~القاسم مكشوفا في كتاب ابن المواز: أن الذي له السلم مخير، وكذلك هو في بعض ~~الأمهات من قول سحنون مكشوفا؛ وحكى ابن حبيب عن مالك أن الذي له السلم مخير ~~مثل قول ابن القاسم، فخلط قولي مالك وجعلهما قولا واحدا فأفسدهما؛ وحكى فضل ~~أيضا عن سحنون أنهما مجبوران على # PageV02P025 # التأخير مثل قول مالك الأول خلاف ما وقع في المدونة من قوله: من طلب ~~التأخير منهما فذلك له إلا أن يجتمعا على المحاسبة. وقوله هذا مفسر لقول ~~مالك الذي رجع إليه، وكان من حقه أن يكون متصلا به، فلو اتصل به لم يكن في ~~المسألة إشكال - والله أعلم وبه التوفيق. # فصل في ذكر شرائط السلم التي لا يصح دونها، وللسلم خمسة شروط لا يصح إلا ~~بها، أحدها أن يكون مضمونا فيما يجوز ملكه وبيعه (والثاني) أن يكون موصوفا ~~صفة تحصر المسلم فيه لا يتعذر وجودها (والثالث) أن يكون معلوم القدر بكيل ~~فيما يكال، أو ذرع فيما يذرع، أو عدد فيما يعد، أو وزن فيما يوزن، أو ما ~~يقوم مقام الوزن من التحري المعروف (والرابع) أن يكون مؤجلا إلى أجل معلوم، ~~وفي حده اختلاف سأذكره إن شاء الله (والخامس) أن يعجل دفع رأس المال ولا ~~يؤخره بشرط فوق ثلاث، فإن وقع السلم على غير هذا لم يجز وفسخ. # فصل فسلم الدنانير والدراهم على هذا ms0558 جائز في كل شيء من العروض والطعام ~~والرقيق والحيوان وجميع الأشياء، حاشا أربعة أشياء، أحدها: ما لا يصح ~~الانتقال به من الدور والأرضين، والثاني ما لا يحاط بصفته مثل تراب المعادن ~~والجزاف فيما يصح بيعه جزافا. والثالث: ما يتعذر وجوده من الصفة. والرابع: ~~ما لا يجوز بيعه بحال، نحو تراب الصواغين والخمر والخنزير وجلود الميتات، ~~وجميع النجاسات، وما أشبه ذلك من الغرر والحرام. # فصل فإن وقع السلم فاسدا، فالذي يتحصل في مسألة الكتاب فيمن أسلم في حنطة ~~سلما فاسدا، أن فساده إن كان متفقا عليه أو مختلفا فيه ففسخ بحكم جاز # PageV02P026 # للمسلم أن يأخذ في رأس ماله خلاف الجنس الذي أسلم فيه، مثل تمر من قمح، ~~وأن يؤخره برأس ماله، وأن يأخذ بعضه ويضع عنه بعضه باتفاق، ولم يجز له أن ~~يأخذ برأس ماله دنانير إن كان دراهم ولا ما أشبه ذلك مما لا يجوز له أن ~~يسلم رأس ماله فيه باتفاق أيضا، واختلف هل يجوز له أن يأخذ منه من جنس سلمه ~~شيئا أم لا؟ على ثلاثة أقوال، (أحدها) أنه لا يجوز له أن يأخذ منه شيئا من ~~ذلك، لا سمراء من سمراء ولا محمولة من سمراء ولا قمحا من شعير، وهذا هو ~~ظاهر الكتاب (والثاني) أنه يجوز له أن يأخذ منه ما شاء من ذلك، وهو قول ابن ~~لبابة (والثالث) أنه يجوز له أن يأخذ منه محمولة من سمراء وقمحا من شعير، ~~ولا يجوز له أن يأخذ منه محمولة من محمولة ولا سمراء من سمراء، وهو قول ~~الفضل. وأما إن كان الفساد مختلفا فيه فلا يجوز له أن يأخذ منه قبل الحكم ~~بالفسخ خلاف الجنس الذي أسلم إليه فيه، ولا أن يؤخره برأس ماله، ولا أن ~~يأخذ منه بعضه ويضع عنه بعضه، باتفاق، لأن ذلك كله بيع الطعام قبل أن ~~يستوفى، على قول من يجيزه، فإن أراد أن يأخذ منه شيئا من جنس سلمه، فعلى ~~الثلاثة الأقوال المذكورة بعد الحكم في الفساد المتفق على تحريمه، وذهب عبد ~~الحق ms0559 إلى أن السلم إذا فسخ بالحكم جاز له أن يأخذ برأس ماله دنانير وهو ~~دراهم، وذلك بعيد غير صحيح، فلا يعد في الخلاف، وتراضيهما بالفسخ كالحكم ~~بالفسخ عند أشهب، وضعف ذلك ابن المواز. # فصل وإنما لم يجز السلم في الدور والأرضين، لأن السلم لا يجوز إلا بصفة، ~~ولا بد في صفة الدور والأرضين من ذكر موضعها، وإذا ذكر موضعها تعينت، فصار ~~السلم فيها كمن ابتاع من رجل دار فلان على أن يتخلصها له منه، وذلك من ~~الغرر الذي لا يحل ولا يجوز، لأنه لا يدري بكم يتخلصها منه، وربما لم يقدر ~~على أن يتخلصها منه، ومتى لم يقدر على أن يتخلصها منه رد إليه رأس ماله ~~فصار مرة بيعا ومرة سلفا وذلك سلف جر نفعا. # PageV02P027 # فصل وإنما لم يجز السلم فيما يتعذر وجوده من الصفة، لأنه إن وجدت السلعة ~~على الصفة المشترطة تم البيع؛ وإن لم توجد، رجع إليه رأس ماله فصار مرة ~~بيعا ومرة سلفا، وذلك أيضا سلف جر منفعة، وإنما لم يجز السلم فيما لا تحصره ~~الصفة، لأنه غرر وقد «نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الغرر» . # فصل وإنما كان من شروط صحة السلم: أن يكون مضمونا موصوفا معلوم القدر إلى ~~أجل معلوم، لأنه متى أخل بشيء من ذلك كان من الغرر المنهي عنه في البيوع. # فصل وإنما كان من شروط صحته أن لا يتأخر رأس المال فوق ثلاث «لنهي النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - عن بيع الكالئ بالكالئ وتأخيره ثلاثة أيام فما ~~دونها بشرط جائز» وقد وقع في المدونة ما ظاهره أنه لا يجوز أن يتأخر بشرط ~~قليلا ولا كثيرا، والمشهور ما قدمناه أولا، وأما تأخيره فوق الثلاث بشرط، ~~فذلك لا يجوز باتفاق - كان رأس المال عينا أو عرضا؛ فإن تأخر فوت الثلاث ~~بغير شرط لم يفسخ إن كان عرضا، واختلف فيه إن كان عينا؛ فعلى ما في المدونة ~~أن السلم يفسد بذلك ويفسخ، وعلى ما ذهب إليه ابن حبيب أنه لا يفسخ إلا أن ms0560 ~~يتأخر فوق الثلاث بشرط. # فصل وقد اختلف قول مالك - رحمه الله تعالى - في حد أقل ما يجوز إليه ~~السلم من الآجال، فكان يقول أولا: أقل ما يجوز إليه السلم ما ترتفع فيه ~~الأسواق # PageV02P028 # وتنخفض، وذلك نحو الخمسة عشر يوما - وهو قوله في المدونة، ثم أجازه إلى ~~اليومين والثلاثة؛ ووقع اختلاف قوله هذا في سماع ابن القاسم من جامع ~~البيوع، وذكر الاختلاف عنه في ذلك ابن حبيب أيضا، وكذلك اختلف في ذلك قول ~~سعيد بن المسيب، فله في المدونة مثل قول مالك الأول، وفي الواضحة مثل قوله ~~الآخر، وأجاز السلم الحال إذا وقع على ما كان يقيم منه من أدركناه من ~~الشيوخ - وفيه نظر؛ وما في المدونة أصح، لأن إجازة السلم الحال أو إلى ~~اليومين ونحوهما من باب بيع ما ليس عندك، وقد روي «أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال لحكيم بن حزام: يا حكيم لا تبيعن إلا ما عندك» وقال رجل ~~لسعيد بن المسيب: إني أبيع بالدين؟ قال له: لا تبع إلا ما آويت إلى رحلك. # فصل # وبيع ما ليس عندك ينقسم على ثلاثة أوجه، وجه متفق على جوازه، وهو أن يبيع ~~بنقد ما ليس عنده إلى أجل ترتفع فيه الأسواق وتنخفض، وهو السلم الذي جوزه ~~القرآن والسنة، ووجه متفق على كراهيته: وهو أن يبيع بثمن إلى أجل ما ليس ~~عنده نقدا أو إلى أجل، وشرح هذا الوجه وتفصيله يطول، وسأذكره في كتاب بيوع ~~الآجال، إن شاء الله. ووجه اختلف فيه فأجيز وكره - وهو أن يبيع ما ليس عنده ~~نقدا بنقد، ووجه كراهيته: أنه كأنه اشترى منه سلعة فلان على أن يتخلصها ~~منه، وإن كان هذا أكره، لأن فلانا قد لا يبيع سلعته، ومن أسلم إليه في سلعة ~~غير معينة حالة عليه، لا يتعذر عليه شراؤها في الأغلب من الحالات؛ وقال ~~أشهب: وجه الكراهية في ذلك أيضا أنه إذا أعطي دنانير في سلعة إلى يومين ~~ونحوهما، فكأنه قيل له: خذ هذه الدنانير فاشتر بها سلعة كذا، فما زاد ms0561 فلك، ~~وما نقص فعليك، فدخلته المخاطرة والغرر - وإن كان ذلك في السلعة المعينة ~~أكره منه في غير المعينة، فاختلف فيه أيضا، في السلم الأول من الدونة أن ~~ذلك لا يجوز، وفي سماع يحيى من جامع # PageV02P029 # البيوع تخفيف ذلك إذا كان قد قاربه في بيعها ورجا تمام ذلك، ونحوه في ~~سماع ابن القاسم من كتاب السلم والآجال إذا كانت البيعتان بالنقد. # فصل وأما حد أبعد آجال السلم، فحد ما يجوز إليه البيع على الاختلاف في ~~ذلك. # فصل وأما تسليم العروض بعضها في بعض، كانت مما يكال أو يوزن، أو مما لا ~~يكال ولا يوزن، والحيوان بعضه في بعض، فذلك كله جائز في مذهب مالك وجميع ~~أصحابه إذا اختلفت الأصناف واختلفت المنافع والأغراض في الصنف الواحد، فبان ~~ألا اختلاف في المذهب في هذه الجملة، وإنما اختلفوا في تفصيلها على ما يأتي ~~في مسائلهم من الاختلاف في بعض الأشياء: هل هي صنف واحد أو صنفان؟ فرآه ~~بعضهم صنفا واحدا لتقارب المنافع بينهما عنده، ويراه بعضهم صنفين لتباعد ~~الأمد بينهما عنده على ما يؤديه الاجتهاد إلى كل واحد منهم. # فصل وإنما لم يجز سلم الصنف في مثله لورود السنة «عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بتحريم ما جر من السلف نفعا» وذلك على عمومه في العين والعرض ~~والطعام فيمن أسلم سلفا لمنفعة يبتغيها من زيادة في الكيل أو فضل في الصفة، ~~أو اغتفار الزيادة لابتغاء الضمان، فذلك كله حرام، ذكره مالك - رحمه الله - ~~في موطئه، أنه بلغه أن رجلا أتى عبد الله بن عمر فقال له: يا أبا عبد ~~الرحمن إني أسلفت رجلا سلفا واشترطت أفضل ما أسلفت، فقال عبد الله بن عمر - ~~رضي الله عنه -: ذلك الربا - الحديث بطوله. # وقال - رضي الله عنه -: من أسلف سلفا فلا يشترط إلا قضاءه، وقال عبد الله ~~بن مسعود # PageV02P030 # : من أسلف سلفا فلا يشترط أفضل منه وإن كان قبضة من علف، فهو ربا. # فصل # وتفسير ذلك مقيس على الربا المحرم بالقرآن، ربا الجاهلية؛ إما أن تقضي ~~وإما ms0562 أن تربي؛ لأن تأخيره بالدين بعد حلوله على أن يربي له فيه سلف جر ~~منفعة، وإنما يجوز في السلف أن يأخذ أفضل مما أسلفه إذا كان ذلك من غير ~~شرط، كما «فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين استسلف من رجل بكرا ~~فقضاه جملا خيارا رباعيا وقال: "إن خيار الناس أحسنهم قضاء» ، وكره مالك - ~~رحمه الله تعالى - أن يأخذ أكثر عددا في القرض في مجلس القضاء، ولا بأس به ~~بعد المجلس إذا لم يكن وأي ولا عادة، فإذا أسلم الصنف من العروض والحيوان ~~في مثله أكثر عددا أو أفضل في الصفة، فذلك حرام وربا؛ لأنه قد قرض بزيادة ~~يشترطها في العدد والصفة، وإن كان أسلمه في أقل من عدده أو أدنى من صفته، ~~فإنما اغتفر كثرة العدد أو أفضل الصفة لابتغاء الضمان، وذلك كله لا يجوز ~~لنهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن سلف جر منفعة، حتى إذا اختلفت ~~الصفة اختلافا بينا فتباعدت، أشبهت الصنفين وخرجت عن معنى القرض إلى البيع ~~الجائز، فجاز أن يسلم بعضها في بعض، لجواز نفاق كل واحد من الصنفين، وكساده ~~دون الآخر، ولا يجوز ذلك في الصنف الواحد، فإذا لم يجز ذلك فيه كان المسلم ~~له في مثله على يقين من النفع الذي اشترطه فلم يجز، بخلاف الصنفين اللذين ~~لا يكون في سلم أحدهما في صاحبه المسلم ولا المسلم إليه على يقين من النفع ~~الذي يبتغيه، لجواز نفاق كل واحد من الصنفين دون صاحبه. # فصل وأما تسليم العين بعضه في بعض: الذهب في الفضة أو الفضة في الذهب # PageV02P031 # أو الذهب في الذهب أو الفضة في الفضة، فذلك لا يجوز بإجماع أهل العلم، ~~وكذلك الطعام كله بجميع أصنافه. كان مما يكال أو يوزن، أو مما لا يكال ولا ~~يوزن، كان مما يدخر أو مما لا يدخر، لا يجوز سلم بعضه في بعض. # فصل وأما السلم في الصناعات فينقسم في مذهب ابن القاسم على أربعة أقسام، ~~(أحدها) أن لا يشترط المسلم المستعمل - عمل من استعمله، ms0563 ولا يعين ما يعمل ~~منه. (والثاني) أن يشترط عمله ويعين ما يعمل منه. (والثالث) أن لا يشترط ~~عمله ويعين ما يعمل منه. (والرابع) أن يشترط عمله ولا يعين ما يعمل منه؛ ~~فأما الوجه الأول وهو أن لا يشترط عمله ولا يعين ما يعمل منه، فهو سلم على ~~حكم السلم لا يجوز إلا بوصف العمل وضرب الأجل وتقديم رأس المال؛ وأما الوجه ~~الثاني وهو أن يشترط عمله ويعين ما يعمله منه، فليس بسلم وإنما هو من باب ~~البيع والإجارة في الشيء المبيع؛ فإن كان يعرف وجه خروج ذلك الشيء من ~~العمل، أو تمكن بإعادته للعمل أو عمل غيره من الشيء المعين منه العمل، ~~فيجوز على أن يشرع في العمل وعلى أن يؤخر الشروع فيه بشرط ما بينه وبين ~~ثلاثة أيام أو نحو ذلك؛ فإن كان على أن يشرع في العمل، جاز ذلك بشرط تعجيل ~~النقد وتأخيره، وإن كان على أن يتأخر الشروع في العمل إلى الثلاثة أيام ~~ونحوها، لم يجز تعجيل النقد بشرط حتى يشرع في العمل؛ وأما الوجه الثالث وهو ~~أن لا يشرط عمله بعينه ويعين ما يعمل منه، فهو أيضا من باب البيع والإجارة ~~في المبيع، إلا أنه يجوز على تعجيل العمل وتأخيره إلى نحو ثلاثة أيام ~~بتعجيل النقد وتأخيره؟ وأما الوجه الرابع وهو أن يشرط عمله ولا يعين ما ~~يعمل منه، فلا يجوز على حال، لأنه يجتذبه أصلان متناقضان: لزوم النقد لكون ~~ما يعمل منه مضمونا، وامتناعه لاشتراط عمل المستعمل بعينه. # PageV02P032 # فصل في القول في الربا في العين والطعام وتقسيم وجوه وتبيين علله # فصل في القول في الربا في العين والطعام وتقسيم وجوهه وتبيين علله، الربا ~~في بيع الطعام بعضه ببعض والعين بعضه ببعض، على وجهين: ربا في النقد، وربا ~~في النسيئة؛ فما كان من الطعام صنفا واحدا مدخرا مقتاتا أو مصلحا للقوت ~~أصلا للمعاش غالبا، فالربا فيه من وجهين، لا يجوز التفاضل فيه يدا بيد، ولا ~~بيعه بالنسيئة مثلا بمثل ولا متفاضلا؛ كالذهب بالذهب، والورق بالورق، فإذا ms0564 ~~اختلف الصنفان من ذلك، جاز التفاضل فيهما يدا بيد، وحرمت فيهما النسيئة، ~~كالذهب بالورق والورق بالذهب، وكذلك إذا بيع ما يدخر ويقتات، بما لا يدخر ~~ولا يقتات، أو ما لا يدخر ولا يقتات، بما لا يدخر ولا يقتات، لم يكن الربا ~~فيه إلا في النسيئة خاصة؛ لأن العلة عند مالك - رحمه الله - وأصحابه في منع ~~جواز التفاضل في الصنف الواحد، هي أن يكون مطعوما مدخرا مقتاتا أو مصلحا ~~للقوت؛ وبعضهم يزيد في صفة العلة أصلا للمعاش غالبا على اختلاف بينهم في ~~مراعاة ذلك؛ والعلة في ذلك عند الشافعي الطعم بانفراده، فحرم التفاضل في ~~الصنف الواحد من كل ما يؤكل ويشرب. كان مما يدخر أو مما لا يدخر؛ كان مما ~~يكال أو يوزن، أو مما لا يكال ولا يوزن، حتى حرم التفاضل في السقمونيا ~~والطين الأرمني، والعلة في ذلك عند أبي حنيفة - رحمه الله - الكيل والوزن، ~~فلم يجز التفاضل في الصنف الواحد مما يوزن أو يكال، كان مما يؤكل أو يشرب، ~~أو مما لا يؤكل ولا يشرب ومنع من رطل حديد برطلين حديد - يدا بيد أو إلى ~~أجل، لأنه مما يوزن، وأجاز تمرة بتمرتين، وجوزة بجوزتين، لأن ذلك مما لا ~~يكال، إذ لا يتأتى فيه الكيل، وذهب سعيد بن المسيب إلى أنه لا ربا إلا في ~~ذهب أو فضة، أو مما يوزن ويكال مما يؤكل ويشرب؛ فالعلة عنده في الربا: ~~الطعم مع الكيل والوزن، وقد روي مثل هذا القول عن الشافعي - رحمه الله - ~~وهو قول أبي ثور، فلا بأس عند سعيد بن المسيب # PageV02P033 # ومن ذهب مذهبه في بيع ما عدا الذهب والفضة، وما يوزن أو يكال مما يؤكل أو ~~يشرب متفاضلا يدا بيد ونسيئة، اتفق النوعان أو اختلفا. # فصل وهذه العلة أخذت من طريق النظر والاجتهاد، إذ لم ينص النبي- عليه ~~السلام - على العلة في ذلك، ولا نبه عليها، ولذلك اختلف فيها، فهي مظنونة ~~غير معلومة ولا مقطوع بها؛ والحكم بها عند من رآها علة بنظره واجتهاده ~~معلوم مقطوع عليه. # فصل والأصل ms0565 الذي منه استثار العلماء هذه العلل، هو ما صح الخبر به عن ~~«النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن التفاضل في الصنف الواحد من ستة ~~أشياء، وهي: الذهب والفضة، والقمح والشعير، والتمر والملح» . والآثار في ~~ذلك كثيرة موجودة، منها حديث عبادة ابن الصامت وغيره أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «الذهب بالذهب، والورق بالورق، والبر بالبر، والشعير ~~بالشعير والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلا بمثل، يدا بيد؛ فمن زاد أو ~~ازداد فقد أربى، وبيعوا الذهب بالورق كيف شئتم يدا بيد» وزاد بعض رواة ~~الحديث: «والبر بالشعير كيف شئتم يدا بيد» وبعض الرواة يقول فيه: «فإذا ~~اختلف الصنفان، فبيعوا كيف شئتم - يدا بيد» . وهو مذهب عبادة بن الصامت ~~راوي الحديث أن القمح والشعير صنفان، وإلى هذا ذهب الشافعي وجماعة من أهل ~~العلم، واحتج بعض من ذهب إلى ذلك أيضا بحديث مالك عن ابن شهاب عن مالك بن ~~أوس بن الحرثان النصري عن عمر بن الخطاب أنه قال: سمعت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول: «الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا ~~إلا هاء وهاء، # PageV02P034 # والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء» . ~~ففصل بين البر والشعير بواو فاصلة كما فصل بين البر والتمر. # فصل والذي ذهب إليه مالك وجميع أصحابه أن البر والشعير صنف واحد على ما ~~روى في موطئه عن سعد بن أبي وقاص، ومعيقب الدوسي، لأن قوله في حديث عبادة ~~بن الصامت: «وبيعوا البر بالشعير كيف شئتم» - زيادة لم يتفق عليها جميع ~~رواته، فيحتمل أن يكون ذلك من قول الراوي قياسا على قول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «فإذا اختلف الصنفان فبيعوا كيف شئتم يدا بيد» . # فصل فقاس مالك - رحمه الله - على القمح والشعير المذكورين في الحديث ما ~~كان في معناهما من جميع الحبوب والطعام المقتات المدخر، وقاس على التمر ما ~~كان في معناه من الطعام المدخر الذي يتفكه به في بعض الأحوال ويتقوت به في ~~بعض الأحوال كالزبيب والجوز ms0566 واللوز وما أشبه ذلك، وقاس على الملح المذكور ~~في الحديث ما كان في معناه من الطعام المدخر لإصلاح القوت، كالتوابل والبصل ~~والثوم وما أشبه ذلك. # فصل وأما الذهب والفضة فلم يقس عليهما شيئا من العروض التي تكال أو توزن، ~~لأن العلة عنده في منع التفاضل في كل واحد منهما، هي أنهما أثمان للأشياء ~~وقيم للمتلفات، فهي علة واقفة لا تتعدى إلى ما سواهما. وكذلك الشافعي لم ~~يقس على الذهب والورق شيئا من العروض المكيلة والموزونة، وقاس على البر ~~والشعير والتمر والملح - جميع الطعام - كان مدخرا مقتاتا أو لم يكن، لأنه ~~رأى العلة في # PageV02P035 # المنع من التفاضل في ذلك، هو الطعم بانفراده؛ وأما أبو حنيفة وأصحابه، ~~فقاسوا على البر والشعير والتمر والملح - جميع ما يكال من الطعام والعروض، ~~لأن ذلك كله يجمعه الكيل، وهي العلة عنده في منع التفاضل في ذلك؛ وقاسوا ~~على الذهب والفضة جميع ما يوزن من الطعام والعروض، لأن ذلك كله يجمعه ~~الوزن، وهي العلة عنده في منع التفاضل في ذلك. # فصل والقياس على الذهب والفضة لا يصح، لأنهم قد أجمعوا أنه لا بأس أن ~~يشترى بالذهب والفضة جميع الأشياء التي تكال أو توزن يدا بيد ونسيئة، فيلزم ~~من قياس الحديد والرصاص وما أشبه ذلك مما يوزن على الذهب والفضة، كما قاس ~~ما يكال من الطعام على البر والشعير والتمر والملح، أن لا يجيز شراء الحديد ~~والرصاص بالذهب والفضة نسيئة، كما لا يجيز شراء الحمص والعدس بالقمح ~~والشعير نسيئة، وقد أجمع الناس على إجازة ذلك، وقاس سعيد بن المسيب على ~~القمح والشعير والتمر والملح المذكور في الحديث المكيل والموزون من الطعام ~~خاصة، وشذ داود وأهل الظاهر فلم يروا الربا إلا في أربعة أشياء التي نص ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عليها، واحتجوا لإجازة التفاضل فيما سوى ذلك ~~بعموم قول الله عز وجل: {وأحل الله البيع وحرم الربا} [البقرة: 275] . # فصل فالطعام على مذهب مالك وأصحابه - رضي الله تعالى عنهم - ينقسم على ~~أربعة أقسام: طعام يدخر ويقتات به أو يصلح ms0567 القوت. وهو أصل للمعاش غالبا، ~~وطعام يدخر ويقتات به أو يصلح القوت وليس بأصل للمعاش غالبا، وطعام يدخر ~~نادرا، وطعام لا يدخر أصلا، فأما ما يدخر ويقتات، أو يصلح القوت وهو أصل ~~للمعاش غالبا، فإن التفاضل في الصنف الواحد منه لا يجوز باتفاق في المذهب، ~~وأما ما يدخر ويقتات به وليس بأصل للمعاش غالبا مثل الجوز واللوز والجلوز # PageV02P036 # وما أشبه ذلك، فاختلف قول مالك - رحمه الله - وأصحابه في إجازة التفاضل ~~في الصنف الواحد منه. # فصل وعلى هذا الاختلاف اختلف المعللون في تحرير العلة، فزاد في صفة علة ~~الربا أصلا للمعاش غالبا من أجاز التفاضل في ذلك، وكان شيخنا الفقيه ابن ~~رزق - رحمه الله - يذهب إلى أن ذلك المذهب في المدونة، وليس ذلك عندي ببين ~~منها، واقتصر في صفة العلة على قوله: مطعوما مدخرا مقتاتا، ولم يزد فيه: ~~أصلا للمعاش غالبا، من منع التفاضل في ذلك، وهو نص قول مالك - رحمه الله - ~~في موطئه، وقول ابن حبيب في الواضحة، وهو الظاهر عندي من المدونة، وعلى هذا ~~المعنى يأتي اختلاف قول مالك في إجازة التفاضل في البيض، والاختلاف في ~~إجازة التفاضل في التين، لأنهما يدخران وليسا بأصل للمعاش غالبا، وأما ما ~~كان من الأطعمة يدخر نادرا، فالتفاضل في الصنف الواحد منه جائز على مذهب ~~مالك - رحمه الله - وأكثر أصحابه، كالخوخ والكمثرى وما أشبه ذلك؛ وأما ما ~~كان منهما لا يدخر أصلا، فالتفاضل في الصنف الواحد منه جائز على مذهب مالك ~~- رحمه الله - وجميع أصحابه. # فصل وأما بيع الطعام بالطعام نسيئة، أو بيعه قبل استيفائه، فلا يجوز ~~بحال، اتفقت أصنافه أو اختلفت، كان مما يدخر أو مما لا يدخر، والله ولي ~~التوفيق برحمته. # PageV02P037 ### | كتاب بيوع الآجال # أصل ما بني عليه هذا الكتاب الحكم بالذرائع، ومذهب مالك - رحمه الله - ~~القضاء بها والمنع منها، وهي الأشياء التي ظاهرها الإباحة ويتوصل بها إلى ~~فعل المحظور، ومن ذلك البيوع التي ظاهرها الصحة ويتوصل بها إلى استباحة ~~الربا، وذلك مثل أن يبيع الرجل سلعة من رجل بمائة دينار ms0568 إلى أجل ثم يبتاعها ~~بخمسين نقدا، فيكونان قد توصلا بما أظهراه من البيع الصحيح إلى سلف خمسين ~~دينارا في مائة إلى أجل، وذلك حرام لا يحل ولا يجوز؛ وأباح الذرائع الشافعي ~~وأبو حنيفة وأصحابهما، والصحيح ما ذهب إليه مالك - رحمه الله تعالى - ومن ~~قال بقوله؛ لأن ما جر إلى الحرام وتطرق به إليه حرام مثله؛ قال الله عز ~~وجل: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم} ~~[الأنعام: 108] ، فنهى تبارك وتعالى عن سب آلهة الكفار؛ لئلا يكون ذلك ~~ذريعة وتطرقا إلى سب الله تعالى، وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ~~تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا} [البقرة: 104] ، فنهى عز وجل عباده ~~المؤمنين أن يقولوا للنبي - صلى الله عليه وسلم -: راعنا، وهي كلمة صحيحة ~~معروفة في لغة العرب، # PageV02P039 # معناها أرعني سمعك وفرغه لي لتعي قولي وتفهم عني؛ لأنها كلمة سب عند ~~اليهود، فكانت تسب بها النبي - صلى الله عليه وسلم - في أنفسها، فلما ~~سمعوها من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فرحوا بها، واغتنموا أن ~~يعلنوا بها للنبي - صلى الله عليه وسلم - ويظهروا سبه، فلا يلحقهم في ~~إظهاره شيء. فأطلع الله نبيه والمؤمنين على ذلك، ونهى عن الكلمة، لئلا يكون ~~ذلك ذريعة لليهود إلى سب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد تؤولت الآية ~~على غير هذا، وهذا أظهر ما قيل فيها. وقال الله تبارك وتعالى: {ولقد علمتم ~~الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين} [البقرة: 65] ، ~~وقال: {واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ ~~تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما ~~كانوا يفسقون} [الأعراف: 163] وجه الدليل من هذه الآيات على وجوب المنع من ~~الذرائع: أن الله حرم على اليهود الاصطياد يوم السبت ابتلاء لهم، وذلك أن ~~اليهود قالوا لموسى حين أمرهم بالجمعة وأخبرهم بفضلها: كيف تأمر بالجمعة ~~وتفضلها على سائر الأيام والسبت أفضل الأيام كلها، لأن الله تعالى خلق ~~السماوات والأرض والأوقات في ستة ms0569 أيام، وسبت له كل شيء مطيعا يوم السبت، ~~فقال الله عز وجل لموسى: دعهم وما اختاروه، ولا يصيدون فيه سمكا ولا غيره ~~ولا يعملون فيه شيئا، فكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت شارعة ظاهرة كما قال ~~الله تعالى، وتغيب عنهم سائر الأيام فلا يصلون إليها إلا بالاصطياد ~~والعناء، فكانوا يسدون عليها المسالك يوم السبت ويأخذونها في سائر الأيام، ~~ويقولون: لا نفعل الاصطياد الذي نهينا عنه في يوم السبت، وإنما نفعله في ~~غيره، فعاقبهم الله على فعلهم ذلك، لأنه ذريعة للاصطياد الذي نهوا عنه وإن ~~لم يكن اصطيادا على الحقيقة - بأن مسخهم قردة وخنازير - كما أخبر تعالى في ~~كتابه، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # PageV02P040 # «لعن الله اليهود؛ حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها» . وجعل - ~~صلى الله عليه وسلم - شراء الصدقة بالثمن كالعودة فيها بغير ثمن، «فقال ~~لعمر بن الخطاب في الفرس الذي حمل عليه في سبيل الله فأراد شراءه لما أضاعه ~~صاحبه وأراد بيعه: لا تبتعه ولا تعد في صدقتك، فإن العائد في صدقته كالكلب ~~يعود في قيئه» . «وقال - صلى الله عليه وسلم - في ابن وليدة زمعة لعبد بن ~~زمعة: هو لك يا عبد بن زمعة فألحقه بأبيه زمعة، وقال: الولد للفراش وللعاهر ~~الحجر. وقال لأخته سودة بنت زمعة زوجته: احتجبي منه؛» لما رأى من شبهه ~~بعتبة بن أبي وقاص، فأعمل - صلى الله عليه وسلم - الشبهة وحكم لها بحكم ~~اليقين، فمنع بها من صلة الرحم وهو - صلى الله عليه وسلم - إنما بعث بصلة ~~الأرحام، قال الله عز وجل: {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام} ~~[النساء: 1] أي الأرحام أن تقطعوها. # فصل وأبواب الذرائع في الكتاب والسنة يطول ذكرها ولا يمكن حصرها، من ذلك ~~قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» ، وقوله: ~~«الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، فمن اتقى الشبهات استبرأ ~~لدينه، ومن وقع في الشبهات، كان كالواقع حول الحمى يوشك أن يقع فيه، وقال: ~~ألا لكل ملك حمى، وإن حمى الله محارمه، ومن ms0570 حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه» ~~والربا أحق ما حميت مراتعه ومنع # PageV02P041 # منها، لئلا يستباح الربا بالذرائع؛ وقد قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه ~~-: كان من آخر ما أنزل الله على رسوله آية الربا، فتوفي رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ولم يفسرها، فدعوا الريبة والريبة. وأيضا فإن مراعاة ~~التهمة أصل يبني الشرع عليه، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ~~تجوز شهادة خصم ولا ظنين ولا جار إلى نفسه» ، ولم يجز أهل العلم شهادة الأب ~~لابنه، ولا شهادة الابن لأبيه، من طريق التهمة، ومنه منعوا القاتل عمدا ~~الميراث، وورثوا المبتوتة في المرض، ومثل هذا كثير. # فصل فإذا باع الرجل من الرجل سلعة بنقد ثم اشتراها منه بدين، أو باعها ~~منه بدين ثم اشتراها منه بنقد، أو باعها منه بدين ثم اشتراها منه بدين، أو ~~باعها منه بنقد ثم اشتراها منه بنقد، وقد غاب على النقد، فإنك تنظر في هذا ~~إلى الذي أخرج دراهمه أولا، فإن كان رجع إليه مثلها أو أقل، فذلك جائز، وإن ~~رجع إليه أكثر منها، نظرت فإن كانا من أهل العينة أو أحدهما، لم يجز ذلك ~~بحال - كانت البيعة الأولى بالنقد أو بالنسيئة - وإن لم يكونا من أهل ~~العينة، جاز إن كانت البيعة الأولى بالنقد، ولم يجز إن كانت بالنسيئة؛ وذلك ~~أن أهل العينة يتهمون فيما لا يتهم فيه أهل الصحة؛ لعملهم بالمكروه؛ من ذلك ~~أن يبيع الرجل من أهل العينة طعاما أو غيره بخمسة نقدا وخمسة إلى أجل، إذا ~~كان ذلك إنما يبتاعه لبيع، وذلك جائز لغير أهل العينة، ومن ذلك أن يبيع ~~الرجل من أهل العينة طعاما أو غيره بثمن إلى أجل ثم يستوضعه المبتاع من ~~الثمن فيضع عنه، فإن مالكا وغيره من أهل العلم كرهوا ذلك، لأنه إنما يبيعه # PageV02P042 # على المراوضة، فإنما يضع عنه ويرده إلى ما كان راوضه عليه، فصار البيع ~~الذي عقداه تحليلا للربا الذي قصداه، وتفسير هذا أن يأتي الرجل إلى الرجل ~~من أهل العينة فيقول له: ms0571 أسلفني ذهبا في أكثر منها إلى أجل، فيقول له: ~~أسلفك درهما في اثنين إلى أجل، فيقول له: لا أعطيك في الدرهم إلا درهما ~~وربعا، فيتراوضان ويتفقان على أن يربح معه في الدرهم نصف درهم، ثم يقول له: ~~هذا لا يحل، ولكن عندي سلعة قيمتها مائة درهم أبيعها منك بمائة وخمسين إلى ~~شهر، فتبيعها أنت بمائة فيتم لك مرادك، فيرضى بذلك ويأخذ السلعة منه ~~ويبيعها بثمانين ثم يرجع إليه فيقول له: إني قد وضعت في السلعة وضيعة كثيرة ~~فحط عني من المائة والخمسين ما يجب للعشرين التي وضعتها في السلعة، فيضع ~~عنه ثلاثين تتميما للمراوضة التي عقدا بيعهما عليها، فيئول أمرهما إلى أن ~~أسلم إليه ثمانين في مائة وعشرين، فهذا وجه كراهية مالك - رحمه الله - ~~للوضيعة في هذه المسألة. # فصل وفي شراء الرجل السلعة التي باعها بثمن إلى أجل من مبتاعها منه بثمن ~~من جنس الثمن الذي باعها منه به - سبع وعشرون مسألة، وذلك أنه قد يشتريها ~~نقدا أو إلى أجل دون الأجل الذي باع إليه بمثل ذلك الثمن، أو بأقل منه أو ~~بأكثر، فهذه ثلاث مسائل، وقد يشتريها إلى مثل ذلك الأجل بمثل ذلك الثمن أو ~~بأقل منه أو بأكثر، فهذه ست مسائل؛ وقد يشتريها إلى أبعد من ذلك الأجل بمثل ~~ذلك الثمن، فهذه تسع مسائل؛ وقد يشتريها وزيادة معها بمثل ذلك الثمن أو أقل ~~منه أو أكثر نقدا أو إلى ذلك الأجل أو إلى أبعد منه، فهذه تسع أخر، وقد ~~يشتري بعضها بمثل ذلك الثمن أو أقل منه أو أكثر نقدا أو إلى ذلك الأجل أو ~~إلى أبعد منه، فهذه تسع أخر تتمة سبع وعشرين مسألة كما ذكرنا؛ فأما إلى ذلك ~~الأجل فيجوز بكل حال، اشتراها كلها أو بعضها، أو اشتراها وزيادة معها، بمثل ~~الثمن أو أقل أو أكثر، لأن الحكم يوجب المقاصة إذا اتفقت الآجال وإن لم ~~يشترطاها، فترتفع التهمة بذلك في جميع # PageV02P043 # الوجوه، وأما بالنقد أو إلى أجل دون ذلك الأجل، فإن كان اشتراها أو ~~بعضها، فيجوز ms0572 بمثل الثمن أو أكثر، ولا يجوز بأقل، وإن كان اشتراها وزيادة ~~عليها، فلا يجوز بمثل الثمن ولا بأقل منه ولا بأكثر، وأما إلى أبعد من ذلك ~~الأجل، فإن كان اشتراها وحدها أو اشتراها وزيادة عليها، فيجوز بمثل الثمن ~~أو أقل منه، ولا يجوز بأكثر منه، وإن كان اشترى بعضها، فلا يجوز على حال، ~~لا بمثل الثمن ولا بأقل ولا بأكثر. # فصل وسواء غاب على السلعة أو لم يغب عليها، لأنها تعرف بعينها بعد الغيبة ~~عليها، وإنما يفترق ذلك في الطعام والمكيل والموزون من العروض، لأن ذلك لا ~~يعرف بعينه إذا غيب عليه، فيتفرع ذلك فيما لا يعرف بعينه إذا غيب عليه إلى ~~أربع وخمسين مسألة، وذلك أنها تنحصر في التقسيم إلى تسعة أقسام لا زيادة ~~فيها، إذ لا يخلو أن يبتاع منه طعاما بمثل الثمن أو بأقل أو بأكثر أو طعامه ~~وزيادة عليه بمثل الثمن أيضا أو بأقل أو بأكثر، أو بعض طعامه بمثل الثمن أو ~~بأقل أو بأكثر؛ فهذه تسعة أقسام، وكل قسم منها ينقسم إلى قسمين، أحدهما أن ~~يكون قد غاب على الطعام، والثاني أن يكون لم يغب عليه؛ فهذه ثمانية عشر ~~قسما لا زيادة فيها، كل قسم منها ينقسم على ثلاثة أقسام، أحدها أن يبتاع ~~ذلك بنقد أو إلى أجل دون ذلك الأجل، والثاني أن يبتاعه إلى ذلك الأجل بشرط ~~المقاصة أو بسكوتهما عن الشرط، إذ يوجب ذلك الحكم. والثالث أن يبتاعه إلى ~~أبعد من ذلك الأجل، فهذه أربع وخمسون مسألة - كما ذكرنا، ثماني عشرة مسألة ~~في الشراء بالنقد أو إلى أجل دون الأجل، وثماني عشرة مسألة في الشراء إلى ~~ذلك الأجل على المقاصة، فهذه ستة وثلاثون مسألة، وثماني عشرة مسألة في ~~الشراء، إلى أبعد من ذلك الأجل. فأما الست والثلاثون مسألة المتحصلة في ~~الشراء بالنقد أو إلى ذلك الأجل بعينه، فمنها خمس عشرة مسألة لا تجوز ~~باتفاق، ومسألة تجوز على اختلاف، وسائرهن يجوز باتفاق. # PageV02P044 # فصل ويعتبر الجائز منها من الفاسد بوجهين، أحدهما أن يشتري منه أكثر ms0573 مما ~~باع من الطعام، والثاني أن يشتري منه بأقل من الثمن الذي باع به الطعام؛ ~~فهذان الوجهان لا يجوزان نقدا، ويجوزان مقاصة - إن كان لم يغب على الطعام، ~~ولا يجوزان نقدا ولا مقاصة إن كان غاب عليه، لا يجوز له أن يشتري طعامه ~~وزيادة شيء من الأشياء عليه بمثل الثمن ولا بأكثر منه ولا بأقل منه نقدا - ~~وإن كان لم يغب على الطعام، ولا نقدا ومقاصة إن كان غاب عليه، ولا يجوز له ~~أن يشتري منه الطعام الذي باعه منه بعينه ولا بعضه، ولا أن يشتريه وزيادة ~~عليه، وإن كان لم يغب عليه بأقل من الثمن نقدا ولا نقدا ومقاصة، إن كان غاب ~~عليه، ويجوز سائر الوجوه نقدا ومقاصة، حاشا المسألة التي ذكرنا أنها تجوز ~~على اختلاف - وهي أن يبتاع منه بمثل الثمن أقل من الطعام مقاصة؛ فإن قول ~~مالك - رحمه الله تعالى - اختلف في ذلك # فصل وأما الثماني عشرة مسألة المتحصلة من شراء ذلك إلى أبعد من الأجل، ~~فمنها ثلاث عشرة مسألة لا تجوز باتفاق، ومسألة تجوز على اختلاف، وسائرها - ~~وهي أربع - تجوز باتفاق، ويعتبر الجائز منها من الفاسد بوجهين أيضا، ~~(أحدهما) أن يشتري منه أقل من الكيل، (والثاني) أن يشتري منه بأكثر من ~~الثمن، فهذان الوجهان لا يجوزان، غاب على الطعام أو لم يغب، وسائر الوجوه ~~تجوز - إن لم يغب على الطعام، ولا تجوز إن غاب عليه، حاشا المسألة المختلف ~~فيها - وهي أن يشتريه منه وقد غاب عليه بمثل الثمن إلى أبعد من الأجل، ~~فيجوز ذلك على مذهب ابن القاسم، ولا يجوز على مذهب ابن الماجشون؛ والعلة في ~~ذلك أسلفني وأسلفك، لأن أمرهما آل إلى ذلك، فكرهه ابن الماجشون ولم يجزه، ~~وخففه ابن القاسم ولم يتهمهما في ذلك. # PageV02P045 # فصل في تنزيل الخمس عشرة مسألة التي لا تجوز من الستة والثلاثين مسألة ~~المتحصلة في الشراء بالنقد وإلى ذلك الأجل وتبيين عللها، (إحداها) أن يبتاع ~~منه مثل طعامه وقد غاب عليه بأقل من الثمن نقدا، مثال ذلك أن يبيع منه ms0574 عشرة ~~أرادب بعشرة دراهم إلى شهر، ثم يبتاع منه بعد أن غاب على الطعام عشرة أرادب ~~بخمسة دراهم نقدا، فهذا لا يجوز، لأن البائع الأول وهو المبتاع الثاني يدفع ~~إلى المبتاع الأول خمسة دراهم نقدا ويأخذ منه عشرة دراهم إذا حل الأجل - ~~وقد دفع إليه عشرة أرادب، فغاب عليها وانتفع بها ثم رد إليه مثلها، فكأنه ~~أسلم إليه خمسة دراهم في عشرة أرادب إلى أجل وأسلفه عشرة أرادب قرضا بسبب ~~ذلك، فيدخله سلف دراهم في أكثر منها إلى أجل، ودراهم وطعام في دراهم أكثر ~~منها إلى أجل وطعام، وذلك ما لا يحل ولا يجوز، فيتهمان على أنهما قصدا إلى ~~ذلك وتحيلا إلى إجازته بما أظهرا من البيعتين الصحيحتين (والثانية) أن تكون ~~المسألة بحالها، إلا أنه قاصه بالخمسة دراهم من العشرة ولم ينقده إياها، ~~فلا يجوز أيضا، لأن أمرهما آل إلى أن أسلفه عشرة أرادب فانتفع بها ثم رد ~~إليه مثلها على أن يعطيه المسلف خمسة دراهم إذا حل الأجل ثمنا لانتفاعه ~~بالسلف، وقد «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن سلف جر نفعا» وذلك ~~أيضا مضارع لربا الجاهلية المحرم بالقرآن: إما تقضي وإما أن تربي، فيتهمان ~~على القصد إلى ذلك والتحيل لإجازته بما أظهرا من البيعتين الصحيحتين ~~(والثالثة) أن تكون المسألة بحالها إلا أنه لم يغب على الطعام فيستوفيه منه ~~بعينه بخمسة دراهم نقدا، فلا يجوز أيضا لأن أمرهما آل إلى أن دفع المبتاع ~~الثاني إلى المبتاع الأول خمسة دراهم في عشرة دراهم إلى أجل، والطعام رجع ~~إليه بعينه، فكان لغوا، (والرابعة) أن يشتري منه أكثر من طعامه وقد غاب ~~عليه بمثل الثمن نقدا، مثال ذلك أن يبيع منه عشرة أرادب بعشرة دراهم إلى ~~أجل، فيغيب على الطعام، ثم يبتاع منه عشرين إردبا بعشرة دراهم نقدا، فهذا ~~لا يجوز وتدخله الزيادة في السلف # PageV02P046 # ودراهم وطعام في دراهم وطعام إلى أجل، لأن أمرهما آل إلى أن دفع البائع ~~الأول إلى المبتاع الأول عشرة أرادب وعشرة دراهم نقدا في عشرين إردبا ms0575 وعشرة ~~دراهم إلى أجل، فيتهمان على القصد إلى ذلك. (والخامسة) أن تكون المسألة ~~بحالها إلا أنه قاصه بالعشرة دراهم من العشرة ولم ينقده إياها، فهذا لا ~~يجوز وتدخله الزيادة في السلف، لأنه دفع إليه عشرة أرادب فانتفع بها ثم رد ~~إليه عشرين إردبا والثمن بالثمن ملغى، لأنه مقاصة فيتهمان على القصد إلى ~~ذلك. (والسادسة) أن تكون المسألة بحالها إلا أنه لم يغب على الطعام فيشتريه ~~منه بعينه وعشرة أرادب أخرى بعشرة دراهم نقدا، فهي لا تجوز أيضا، ويدخله ~~الزيادة في السلف لأنه دفع إليه عشرة دراهم نقدا ويأخذ منه عشرة دراهم إذا ~~حل الأجل، فكأنه أسلفه إياها على أن يزيده عشرة أرادب من طعام، لأن العشرة ~~التي باع منه رجعت إليه بأعيانها فكانت ملغاة. (والسابعة) أن يشتري منه ~~أكثر من طعامه بعد أن غاب عليه بأقل من الثمن نقدا. مثال ذلك أن يبيع منه ~~عشرة أرادب بعشرة دراهم إلى أجل، ثم يبتاع منه بعد أن غاب على الطعام عشرين ~~إردبا بالخمسة دراهم نقدا، فهذا لا يجوز أيضا ويدخله الزيادة في السلف، ~~ودراهم وطعام بدراهم وطعام إلى أجل لأن البائع الأول دفع إلى المبتاع الأول ~~ضرة أرادب فانتفع بها ورد إليه عشرين إردبا، ودفع إليه أيضا خمسة دراهم ~~نقدا، على أن يأخذ منه - إذا حل الأجل - عشرة دراهم، فيتهمان على القصد إلى ~~ذلك (والثامنة) أن تكون المسألة بحالها إلا أنه قاصه بالخمسة دراهم من ~~العشرة الدراهم ولم ينقده إياها، فهذا لا يجوز وتدخله الزيادة في السلف لأن ~~أمرهما آل إلى أن دفع إليه عشرة أرادب فانتفع بها ثم أخذ منه عشرين إردبا، ~~ويأخذ منه أيضا خمسة دراهم إذا حل الأجل، وتسقط خمسة بالمقاصة، فكأنه أقرضه ~~عشرة أرادب على أن يرد إليه فيها عشرين إردبا وخمسة دراهم (والتاسعة) أن ~~تكون المسألة بحالها إلا أنه لم يغب على الطعام فيبتاعه منه بعينه وعشرة ~~أرادب معه بخمسة دراهم نقدا، فهذا لا يجوز وتدخله الزيادة في السلف لأن ~~أمرهما آل إلى أن دفع إليه خمسة ms0576 دراهم نقدا في عشرة دراهم إلى أجل وعشرة ~~أرادب نقدا لأن # PageV02P047 # العشرة الأرادب التي باع منه رجعت إليها بأعيانها فكانت ملغاه. ~~(والعاشرة) أن يشتري منه أكثر من طعامه بعد أن غاب عليه بأكثر من الثمن ~~نقدا، مثال ذلك أن يبيع منه عشرة أرادب بعشرة دراهم إلى أجل، ثم يبتاع منه ~~بعد أن غاب على الطعام عشرين إردبا بعشرين درهما نقدا، فيدخله البيع ~~والسلف؛ لأنه كان أقرضه العشرة الأرادب التي غاب عليها وعشرة دراهم من ~~العشرين درهما التي نقده إياها على أن يبتاع منه العشرة الأرادب الزائدة في ~~الطعام بالعشرة الدراهم الزائدة في الثمن. (والحادية عشرة) أن تكون المسألة ~~بحالها إلا أنه قاصه من العشرين درهما بعشرة دراهم في العشرة التي له عليه ~~من ثمن الطعام ولم ينقده إلا عشرة دراهم، فهذا لا يجوز ويدخله البيع والسلف ~~أيضا لأنه كأنه أقرضه العشرة الأرادب التي غاب عليها على أن يبتاع منه ~~العشرة الأرادب الزائدة في الطعام بالعشرة الدراهم الزائدة في الثمن. ~~(والثانية عشرة) أن تكون المسألة بحالها إلا أنه لم يغب على الطعام، ~~فيشتريه منه بعينه وعشرة أرادب معه بعشرين درهما نقدا، فهي لا تجوز أيضا، ~~ويدخله البيع والسلم أيضا، لأنه كأنه أقرضه عشرة دراهم من العشرين درهما ~~يأخذها منه إذا حل الأجل، على أن باع منه العشرة الأرادب الزائدة على ~~الطعام بالعشرة الدراهم الزائدة على الثمن والعشرة الأرادب التي رجعت إليه ~~بأعيانها ملغاة كأن لم تكن. (والثالثة عشرة) أن يبتاع منه أقل من الطعام ~~بعد أن غاب عليه بأقل من الثمن نقدا، ومثالها أن يبيع منه عشرة أرادب بعشرة ~~دراهم إلى أجل وطعام، ثم يبتاع منه بعد أن غاب على الطعام خمسة أرادب بخمسة ~~دراهم نقدا، يدخلها بيع طعام بطعام وذهب بذهب إلى أجل وطعام، ويدخلها أيضا ~~البيع والسلف لأن الخمسة الأرادب التي رجعت إلى البائع كأنه سلف أسلفه ~~إياه، فالخمسة الدراهم التي دفع الآن نقدا كأنها سلف أيضا يقتضيه إذا حل ~~الأجل، والخمسة أرادب التي بقيت عند المبتاع الأول للبائع، ms0577 أخذ منه فيها ~~الخمسة الدراهم الزائدة على نقده، فكأن البائع الأول أسلف المبتاع الأول ~~خمسة أرادب وخمسة دراهم # PageV02P048 # على أن باع منه خمسة أرادب بخمسة دراهم، وذلك ما لا يحل ولا يجوز. ~~(والرابعة عشرة) أن تكون المسألة بحالها إلا أنه قاصه بخمسة دراهم في خمسة ~~من العشرة التي له عليه ولم ينقده إياها، يدخلها البيع والسلف، لأنه كان ~~أسلفه الخمسة الأرادب التي غاب عليها ثم ردها إليه وباعه الخمسة الأرادب ~~الأخرى بالخمسة الدراهم التي يأخذها منه عند حلول الأجل، وسقطت خمسة بخمسة ~~مقاصة. (والخامسة عشرة) أن تكون المسألة بحالها أيضا إلا أنه لم يغب على ~~الطعام فيبتاع منه بعينه خمسة أرادب بخمسة دراهم، يدخلها دراهم وطعام ~~بدراهم إلى أجل، لأنه كأنه باعه الخمسة دراهم التي دفع إليه نقدا والخمسة ~~الأرادب بالعشرة الدراهم التي يأخذها منه عند الأجل، والخمسة الأرادب ~~الأخرى رجعت إليه بأعيانها، فكانت ملغاة. # وأما المسألة المختلف فيها، وهي أن يشتري منه أقل من الطعام وقد غاب عليه ~~بمثل الثمن مقاصة، ومثالها أن يبيع منه عشرة أرادب بعشرة دراهم إلى أجل، ثم ~~يبتاع منه بعد أن غاب على الطعام خمسة أرادب بعشرة دراهم مقاصة بالعشرة ~~دراهم التي وجبت له عليه من ثمن الطعام، فيدخلها اقتضاء الطعام من ثمن ~~الطعام، لأنه باع منه عشرة أرادب ثم أخذ منه في ثمنها خمسة أرادب، فمرة ~~كرهها مالك - رضي الله عنه -، ورأى أن الخمسة الأرادب ثمن العشرة الأرادب، ~~كأنه أعطاه خمسة أرادب على أن يضمن له الخمسة الأخرى إلى أجل، ومرة استخف ~~ذلك ورأى أن التهمة بعيدة، لأن القصد إلى مثل هذا قليل من الناس. # فصل في بيان الثلاث عشرة مسألة التي لا تجوز من الثمان عشرة مسألة ~~المتحصلة في الشراء إلى أبعد من الأجل وتبيين عللها، (إحداها) أن يشتري منه ~~أقل من الكيل بمثل الثمن بعد أن غاب على الطعام إلى أبعد من الأجل، ومثالها ~~أن يبيع # PageV02P049 # منه عشرة أرادب بعشرة دراهم إلى شهر، فيدفع الطعام إليه ويغيب عليه، ثم ~~يبتاع منه ms0578 ثمانية أرادب من صنف طعامه بعشرة دراهم إلى شهرين، فذلك لا يجوز ~~وتدخله الزيادة في السلف، لأن الأمر آل بينهما إلى أن يدفع المبتاع الأول ~~إلى البائع الأول عند انقضاء شهر عشرة دراهم، ويأخذها منه عند انقضاء شهرين ~~- وقد دفع إليه البائع الأول عشرة أرادب فرد إليه منها ثمانية بعد أن غاب ~~عليها وبقي عنده إردبان، فيعد ذلك سلفا من كل واحد منهما لصاحبه - على أن ~~زاد البائع الأول للمبتاع الثاني إردبين، ويتهمان على القصد إلى ذلك ~~والتحيل لإجازته بما أظهراه من البيعتين الصحيحتين في الظاهر (والثانية) أن ~~تكون المسألة على حالها إلا أنه لم يغب على الطعام، يدخلها أيضا الزيادة في ~~السلف - كأن المبتاع الأول أسلف البائع الأول عشرة دراهم شهرا على أن يعطيه ~~إردبين من طعام، وهي التي بقيت عنده من الطعام الذي ابتاع منه وسائره رجع ~~إليه بعينه فكان لغوا. (والثالثة) أن يشتري منه أقل من الكيل بأقل من الثمن ~~بعد أن غاب على الطعام، يدخلها البيع والسلف، لأن ما نقص من الكيل بما نقص ~~من الثمن، يمضي فيه البيع على أن أسلف كل واحد منهما صاحبه، لغيبة المبتاع ~~على الطعام. (والرابعة) أن تكون المسألة على حالها إلا أن المبتاع لم يغب ~~على الطعام، يدخلها أيضا البيع والسلف، لأن ما نقص من الكيل بما نقص من ~~الثمن، يمضي فيه البيع على أن أسلف المبتاع الأول للبائع الأول ثمانية ~~دراهم عند شهر يأخذها منه عند انقضاء شهرين على ما نزلناه. (والخامسة) هي ~~أن يشتري منه أقل من الكيل بأكثر من الثمن بعد أن غاب على الطعام، يدخلها ~~الزيادة في السلف، لأن # PageV02P050 # الأمر آل بينهما، إلى أن يدفع المبتاع الأول إلى البائع الأول عشرة دراهم ~~عند شهر، يأخذ منه اثني عشر درهما عند انقضاء شهرين على أن أسلفه البائع ~~الأول ثمانية أرادب وأعطاه إردبين، لأن الطعام لا يعرف بعينه بعد الغيبة ~~عليه، فيتهمان على القصد إلى ذلك. (والسادسة) أن تكون المسألة على حالها، ~~إلا أنه لم يغب على الطعام، ms0579 يدخلها أيضا سلم دراهم في أكثر منها إلى أجل ~~بزيادة إردبين يأخذهما المبتاع الأول من الطعام الذي باع منه البائع الأول ~~والثمانية الأرادب التي رجعت إليه بعينها لغو، ويدخل ذلك أيضا بيع الطعام ~~نقدا ودراهم إلى أجل بدراهم أكثر منها إلى أجل. (والسابعة) أن يشتري منه ~~مثل الكيل بأكثر من الثمن بعد أن غاب على الطعام، يدخلها سلم دراهم في أكثر ~~منها إلى أجل، لأن البائع الأول يأخذ من المبتاع الأول عشرة دراهم عند ~~انقضاء الشهر ويدفع إليه اثني عشر درهما عند انقضاء شهرين، على أن أسلف ~~البائع الأول عشرة أرادب، إذ لا يعرف الطعام بعينه بعد الغيبة عليه. ~~(والثامنة) أن تكون المسألة بحالها إلا أنه لم يغب على الطعام، يدخلها أيضا ~~سلم دراهم في أكثر منها إلى أجل، لأن البائع الأول يأخذ من المبتاع الأول ~~عشرة دراهم عند شهر، ويدفع إليه اثني عشر درهما عند شهرين، ورجع إليه طعامه ~~بعينه فكان لغوا. (والتاسعة) هي أن يشتري منه أكثر من الكيل بأكثر من الثمن ~~بعد أن غاب على الطعام، يدخلها البيع والسلف. لأن المبتاع الأول باع من ~~البائع الأول على المثال الذي وصفناه: الإردبين اللذين زادهما على الطعام ~~بالدرهمين اللذين يأخذهما منه زيادة على الثمن، على أن أسلف هذا هذا عشرة ~~دراهم، وهذا هذا عشرة أرادب. (والعاشرة) أن تكون المسألة على حالها إلا أنه ~~لم يغب على الطعام، يدخلها أيضا البيع والسلف، لأنهما تبايعا الزيادة على ~~الطعام بالزيادة على الثمن، على أن أسلف المبتاع الأول للبائع الأول عشرة ~~دراهم شهرا والعشرة الأرادب التي دفع البائع رجعت إليه # PageV02P051 # بعينها فكانت لغوا. (والحادية عشرة) أن يشتري منه أكثر من الطعام بأقل من ~~الثمن بعد أن غاب على الطعام، يدخلها الزيادة في السلف، لأن الطعام لا يعرف ~~بعينه بعد الغيبة عليه، فكأنه أسلفه عشرة أرادب فانتفع بها ثم رد إليه اثني ~~عشر إردبا، ولو كان لم يغب على الطعام لكان جائزا؛ لأن طعامه بعينه رجع ~~إليه فلم يكن فيه سلف، وآل أمرهما إلى ms0580 أن دفع المبتاع إلى البائع إردبين من ~~طعام، ويدفع إليه أيضا عشرة دراهم عند شهر ويأخذ منه ثمانية دراهم عند ~~انقضاء شهرين، فلا يتهم في مثل هذا أحد. (والثانية عشرة) أن يشتري منه أكثر ~~من الكيل بمثل الثمن بعد أن غاب على الطعام، يدخلها الزيادة في السلف، لأن ~~الطعام لا يعرف بعينه إذا غيب عليه، فكأنه أسلفه عشرة أرادب فانتفع بها ثم ~~رد إليه اثني عشر إردبا، ولو كان لم يغب على الطعام لكان جائزا؛ لأن طعامه ~~بعينه رجع إليه فلم يكن فيه سلف، وآل أمرهما إلى أن أسلف المبتاع البائع ~~عشرة دراهم شهرا وأعطاه إردبين، فيكون قد صنع معه معروفا من وجهين. ~~(والثالثة عشرة) أن يشتري منه مثل الكيل بأقل من الثمن بعد أن غاب على ~~الطعام، يدخلها أيضا الزيادة في السلف لأن الطعام لا يعرف بعينه بعد الغيبة ~~عليه، فكأن البائع أسلف المبتاع عشرة أرادب فانتفع بها ورد إليه مثلها على ~~أن يدفع إليه المبتاع إذا حل الأجل دينارين ثمنا لما أسلفه، وثمانية دراهم ~~تكون سلفا عنده إلى حلول الأجل الثاني، ولو كان لم يغب على الطعام لكان ~~جائزا، لأن طعامه بعينه رجع إليه فكان لغوا، ويدفع المبتاع إلى البائع عند ~~الأجل عشرة دراهم، ويأخذ منه ثمانية دراهم عند الأجل الثاني فلا يتهم في ~~هذا أحد، وأما المسألة المختلف فيها وهي أن يشتري منه مثل الطعام بمثل ~~الثمن بعد أن غاب على الطعام، فيدخلها أسلفني وأسلفك، فخفف ذلك ابن القاسم ~~وكرهه ابن الماجشون؛ ولو لم يغب على الطعام لكان جائزا، لأن # PageV02P052 # الطعام بعينه رجع إليه فصار لغوا، وآل أمرهما إلى أن أسلف المبتاع البائع ~~دراهم في مثلها إلى أجل، وذلك جائز وبالله سبحانه وتعالى التوفيق. # فصل وهذه المسائل التي قسمناها هذا التقسيم، وقع طرف منها في كتاب بيوع ~~الآجال من المدونة، وجملة كثيرة في رسم حبل حبلة من كتاب السلم والآجال من ~~العتبية غير مشروحة بعللها، ولا موعبة بجميع وجوهها، وهي أصل في مسائل بيوع ~~الآجال، من فهمها ms0581 ووقف عليها، سهل عليه ما سواها، فلذلك عنيت بتحصيلها ~~وتلخيصها وتقسيم وجوهها وتبيين عللها، وشرح معانيها، وما توفيقي إلا بالله. # فصل فإذا باع الرجل سلعة بثمن إلى أجل ثم ابتاعها منه بأقل من ذلك الثمن ~~نقدا، فسخت البيعتان جميعا عند ابن الماجشون، وهو الصحيح في النظر، ودليله ~~من جهة الأثر قول عائشة - رضي الله عنها - في الحديث: بئسما شريت وبئسما ~~اشتريت؛ لأنها عابت البيعتين جميعا، ولم يفسخ عند ابن القاسم إلا البيعة ~~الأخيرة - إن كانت السلعة قائمة؛ واختلف إن فاتت، قيل: بحوالة الأسواق وهو ~~مذهب سحنون، وقيل: بالعيوب المفسدة، وإليه ذهب أبو إسحاق التونسي وغيره من ~~المتأخرين على ثلاثة أقوال، (أحدها) أنه يفسخ البيعتان جميعا، فلا يكون ~~للبائع على المبتاع إلا الثمن الذي دفع إليه، وإلى هذا ذهب أبو إسحاق ~~التونسي تأويلا على ابن القاسم. (والثاني) أنه لا يفسخ إلا البيعة الأولى ~~وتصحح الثانية بالقيمة، فإن كانت القيمة أكثر من الثمن الذي باعها به أولا، ~~قضي عليه بالقيمة، فإذا حل الأجل أخذ الثمن، إذ لا تهمة في ذلك، وإن كانت ~~القيمة أقل من الثمن الذي باعها به أولا، قضي عليه # PageV02P053 # بالقيمة، فإذا حل الأجل، لم يكن له على المشتري الأول- أكثر من ذلك لئلا ~~يكون قد دفع دنانير في أكثر منها، فيتم الربا بينهما، وهذا يأتي على ما في ~~سماع سحنون من كتاب السلم والآجال. (والثالث) أنه إن كانت القيمة أقل من ~~الثمن فسخت البيعتان ولم يكن للبائع على المبتاع إلا الثمن الذي دفع إليه، ~~وإن كانت أكثر من الثمن فسخت البيعة الثانية خاصة، وقضي عليه بالقيمة؛ فإذا ~~حل الأجل أخذ الثمن؛ وإلى هذا ذهب عبد الحق تأويلا على ابن القاسم، وهو قول ~~سحنون نصا، وفي حديث عائشة - رضي الله عنها - في بعض الروايات: بئسما شريت ~~أو بئسما اشتريت، على الشك من المحدث، فعلى هذه الرواية لا يكون على ابن ~~القاسم حجة من الحديث، وإن كانت المبايعة المذكورة في الحديث وقعت بين أم ~~ولد زيد ابن أرقم ومولاها، وهي أم ولد ms0582 قبل أن يبتل عتقها، فيأتي قول عائشة ~~- رضي الله عنها - فيه على تحظير الربا بين العبد وسيده مع القول بتحريم ~~الذرائع، وفعل زيد بن أرقم على إجازة ذلك أو استجازة الذرائع، وإن كانت ~~المبايعة وقعت بينهما وقد بتل عتقها ففعل زيد بن أرقم على استجازة الذرائع؛ ~~وكان شيخنا الفقيه ابن رزق يضعف حديث عائشة هذا، لقولها فيه: أبلغي زيدا ~~أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن لم يتب، لأنه ~~خلاف ما جاء في القرآن من أن الحسنات يذهبن السيئات، وأن الأعمال لا تبطل ~~إلا بالردة، لقول الله عز وجل: {لئن أشركت ليحبطن عملك} [الزمر: 65] ، ~~وقوله: {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في ~~الدنيا والآخرة} [البقرة: 217] ؛ وهذا لو جاز أن يحمل عن زيد بن أرقم أنه ~~عمل مع أم ولده في الباطن بما أظهراه من البيعتين على أن يأخذ منها ستمائة ~~دينار في ثمانمائة إلى أجل، وهذا ما لا يحل لمسلم أن يتأوله عليه، فالذي ~~فعل لا إثم عليه فيه ولا حرج فيما بينه وبين خالقه عند أحد من الأئمة، # PageV02P054 # إلا أنه يكره ذلك له لئلا يكون ذريعة لغيره يتطرق بها إلى الربا؛ وأكثر ~~أهل العلم يمضون البيعتين على ظاهرهما من الصحة ولا يتهمون المتبايعين ولا ~~يرون الحكم بالذرائع، وكذلك إذا باع الرجل السلعة بثمن إلى أجل ثم ابتاعها ~~منه بأكثر من ذلك الثمن إلى أبعد من ذلك الأجل، تفسخ البيعتان جميعا عند ~~ابن الماجشون؛ والثانية وحدها عند ابن القاسم في القيام، إلا أن يشترط أن ~~يقاصه بالثمن الأول عند الأجل الأول! ويأخذ بقية الثمن الثاني عند الأجل ~~الثاني، وأما إذا اشتراها منه إلى الأجل الذي باعها إليه منه، فذلك جائز، ~~والحكم يوجب المقاصة عند الأجل؛ وما لم يتقاصا فالثمن لكل واحد منهما في ~~ذمة صاحبه ثابت، ولا يكون أحدهما أحق بما عليه من غرماء صاحبه إن فلس، على ~~مذهب ابن القاسم، وهو أحق بما عليه عند أشهب؛ فإن فلس على ms0583 مذهب ابن القاسم ~~المشتري الأول وهو البائع الثاني، تحاص غرماؤه مع المشتري الثاني وهو ~~البائع الأول فيما عليه، فما وجب لهم في الحصاص أخذوه منه، وإن فلس المشتري ~~الثاني وهو البائع الأول كان المشتري الأول وهو البائع الثاني أحق بالسلعة، ~~إلا أن يشاء الغرماء أن يدفعوا إليه الثمن، وبالله سبحانه وتعالى التوفيق. # فصل وقد تقدم فيما مضى أن أهل العينة يتهمون فيما لا يتهم فيه أهل الصحة ~~لعملهم بالمكروه واستباحتهم له. # فصل والعينة على ثلاثة أوجه: جائزة ومكروهة ومحظورة، فالجائزة أن يمر ~~الرجل بالرجل من أهل العينة فيقول له: هل عندك سلعة كذا أبتاعها منك؟ فيقول ~~له: لا، فينقلب عنه على غير مراوضة ولا مواعدة، فيشتري تلك السلعة التي ~~سأله عنها ثم يلقاه فيخبره أنه قد اشترى السلعة التي سأله عنها فيبيعها بما ~~شاء من نقد أو نسيئة؛ # PageV02P055 # والمكروهة أن يقول له: اشتر سلعة كذا وكذا، فأنا أربحك فيها وأشتريها ~~منك، من غير أن يراوضه على الربح. والمحظورة أن يراوضه على الربح فيقول له: ~~اشتر سلعة كذا وكذا وأنا أربحك فيها كذا، وأبتاعها منك بكذا؛ وفي هذا الوجه ~~ست مسائل مفترقة الأحكام: ثلاث في قوله: اشتر لي؛ إحداها: أن يقول له: اشتر ~~لي سلعة كذا وكذا بعشرة نقدا، وأنا أبتاعها منك باثني عشر نقدا، والثانية: ~~أن يقول له: اشترها لي بعشرة نقدا وأنا أشتريها منك باثني عشر إلى أجل. ~~والثالثة عكسها، وهي أن يقول له: اشترها لي باثني عشر إلى أجل وأنا أشتريها ~~منك بعشرة نقدا. وثلاث في قوله: اشتر لنفسك، أو بقوله: اشتر - ولا يقول: لي ~~ولا لنفسك؛ إحداها: أن يقول له: اشتر سلعة كذا وكذا - بعشرة نقدا - وأنا ~~أبتاعها منك باثني عشر نقدا. # والثانية: أو يقول له: اشترها لنفسك بعشرة نقدا وكذا أبتاعها منك باثني ~~عشر إلى أجل. والثالثة أو يقول له: اشترها لنفسك - أو اشتر، ولا يزيد على ~~ذلك - باثني عشر إلى أجل وأنا أبتاعها منك بعشرة نقدا. # فأما الرابعة - وهي أن يقول له: اشترها لنفسك بعشرة ms0584 نقدا وأنا أشتريها ~~منك باثني عشر نقدا. والخامسة أن يقول له: اشترها لنفسك بعشرة نقدا وأنا ~~أبتاعها منك باثني عشر إلى أجل. والسادسة عكسها، وهي أن يقول له: اشترها ~~لنفسك، أو اشتر، ولا يزيد على ذلك، باثني عشر - إلى أجل وأنا أبتاعها منك ~~بعشرة نقدا، فأما الأولى وهي أن يقول له: اشترها لي بعشرة نقدا وأنا ~~أشتريها منك باثني عشر نقدا، فالمأمور أجبر على شراء السلعة للآمر ~~بدينارين، لأنه إنما اشتراها له. وقوله: وأنا أشتريها منك، لغو لا معنى له، ~~لأن العقدة له وبأمره، فإن كان النقد من عند الآمر أو من عند المأمور بغير ~~شرط، فذلك جائز؛ وإن كان النقد من عند المأمور بشرط فهي إجارة فاسدة، لأنه ~~إنما أعطاه الدينارين على أن يبتاع له السلعة وينقد من عنده الثمن عنه، فهي ~~إجارة وسلف، ويكون للمأمور إجارة مثله؛ إلا أن تكون إجارة مثله أكثر من ~~الدينارين فلا يزاد عليهما، على مذهب ابن القاسم في البيع والسلف إذا كان ~~السلف # PageV02P056 # من غير البائع وفاتت السلعة، أن للبائع الأقل من القيمة أو الثمن، وإن ~~قبض السلف، وعلى ما ذهب إليه ابن القاسم في البيع والسلف - إذا قبض السلف - ~~وفاتت السلعة أن فيها القيمة - بالغة ما بلغت، يلزم أن يكون للمأمور ههنا ~~إجارة مثله بالغة ما بلغت، وإن كانت أكثر من الدينارين، والأصح أن لا يكون ~~له أجرة، لأنا إن جعلنا له الأجرة كانت ثمنا للسلف، فكان تتميما للربا الذي ~~عقدا عليه، وهو قول سعيد بن المسيب؛ فهي ثلاثة أقوال فيما يكون له من ~~الأجرة إذا نقد المأمور الثمن بشرط، وهذا إذا عثر على الآمر بحدثانه ورد ~~السلف إلى المأمور قبل أن ينتفع به الآمر، وأما إن لم يعثر على الأمر حتى ~~انتفع الآمر بالسلف، قدر ما يرى أنهما كانا قصداه، فلا يكون في المسألة إلا ~~قولان، (أحدهما) أن للمأمور إجارته بالغة ما بلغت. (والثاني) أنه لا شيء ~~له، ولو عثر على الأمر قبل الابتياع وقبل أن ينقد المأمور الثمن، لكان ~~النقد ms0585 من عند الآمر، ولكان فيما يكون للأجير قولان: (أحدهما) أن له إجارة ~~مثله بالغة ما بلغت. (والثاني) أن له الأقل من إجارة مثله أو الدينارين، ~~وابن حبيب يرى أن المأمور إذا نقد فقد تم الحرام بينهما وإن لم يمض من ~~المدة ما ينتفع به الآمر بالنقد، ويكون له إجارة مثله - بالعقد - بالغة ما ~~بلغت، وإلى هذا ذهب سحنون في إصلاحه مسألة كتاب بيوع الآجل في المدونة، بأن ~~جعل فيها مكان يرد: يترك. فتدبر ذلك. (وأما الثانية) وهو أن يقول: اشتر لي ~~سلعة كذا بعشرة نقدا وأنا أبتاعها منك باثني عشر إلى أجل، فذلك حرام لا يحل ~~ولا يجوز لأنه أجل ازداد في سلعة، فإن وقع ذلك لزمت السلعة للآمر، لأن ~~الشراء كان له وإنما أسلفه المأمور ثمنها ليأخذ به منه أكثر منه إلى أجل: ~~فيعطيه العشرة معجلة ويطرح عنه ما أربى، ويكون له جعل مثله بالغا ما بلغ في ~~قول، والأقل من جعل مثله أو الدينارين اللذين أربى له بهما في قول. وفي قول ~~سعيد بن المسيب لا أجرة له بحال لأن ذلك تتميم للربا كالمسألة المتقدمة، # PageV02P057 # قال في سماع سحنون: وإن لم تفت السلعة فسخ البيع، وهو بعيد، فقيل: معنى ~~ذلك إذا علم البائع الأول بعملهما. وأما الثالثة وهي أن يقول له: اشترها لي ~~باثني عشر إلى أجل وأنا أبتاعها منك بعشرة نقدا؛ فذلك أيضا حرام لا يجوز، ~~ومكروهه أنه استأجر المأمور على أن يبتاع له السلعة بسلف عشرة دنانير ~~يدفعها إليه ينتفع بها إلى الأجل، ثم يردها إليه. فتلزم الآمر السلعة باثني ~~عشر إلى أجل، ولا يتعجل المأمور منه العشرة النقد، وإن كان قد دفعها إليه ~~صرفها عليه ولم تترك عنده إلى الأجل - وكان له جعل مثله بالغا ما بلغ في ~~هذا الوجه باتفاق؛ وأما الرابعة وهي أن يقول: اشتر سلعة كذا بعشرة نقدا ~~وأنا أشتريها منك باثني عشر نقدا، فاختلف في ذلك قول مالك، فمرة أجازه إذا ~~كانت البيعتان جميعا بالنقد وانتقد، ومرة كرهه للمراوضة التي وقعت ms0586 بينهما ~~في السلعة قبل أن تصير في ملك المأمور. وأما الخامسة وهي أن يقول: اشتر لي ~~سلعة كذا بعشرة نقدا وأنا أبتاعها منك باثني عشر إلى أجل، فهو أيضا لا يجوز ~~إلا أنه يختلف فيه إذا وقع، فروى سحنون عن ابن القاسم وحكاه عن مالك أن ~~الآمر يلزمه الشراء باثني عشر إلى أجل، لأن المشتري كان ضامنا لها لو تلفت ~~في يديه قبل أن يشتريها منه الآمر؛ ولو أراد أن لا يأخذها بعد اشتراء ~~المأمور، كان ذلك له؛ واستحب للمأمور أن يتورع فلا يأخذ من الآمر إلا ما ~~نقد في ثمنها. وقال ابن حبيب: يفسخ البيع الثاني إن كانت السلعة قائمة وترد ~~إلى المأمور، فإن فاتت ردت إلى قيمتها معجلة يوم قبضها الآمر، كما يصنع ~~بالبيع الحرام؛ لأنه كان على مواطأة بيعها قبل وجوبها للمأمور، فدخله بيع ~~ما ليس عندك. وأما السادسة وهي أن يقول له: اشترها لنفسك باثني عشر إلى أجل ~~وأنا أبتاعها منك بعشرة نقدا، فروى سحنون عن ابن القاسم أيضا أن البيع لا ~~يرد إذا فات، ولا يكون على الآمر إلا العشرة. وأحب إليه أن لو أردف الخمسة ~~الباقية، # PageV02P058 # لأن العقدة الأولى كانت للمأمور، ولو شاء المشتري لم يشتر؛ وقال ابن ~~حبيب: يفسخ البيع الثاني على كل حال، كما يصنع بالبيع الحرام، للمواطأة ~~التي كانت للبيع قبل وجوبها للمأمور، فإن فاتت ردت إلى قيمتها يوم قبضها ~~الثاني، وظاهر رواية سحنون أن البيع الثاني يفسخ ما لم تفت السلعة، وبالله ~~سبحانه وتعالى التوفيق. # PageV02P059 ### | كتاب البيوع الفاسدة # ] [ # فصل في تقسيم البيوع في الصحة والفساد # فصل في تقسيم البيوع في الصحة والفساد، البيوع تنقسم على ثلاثة أقسام: ~~بيوع جائزة، وبيوع محظورة، وبيوع مكروهة؛ فأما البيوع الجائزة فهي التي لم ~~يحظرها الشرع، ولا ورد فيها نهي - وإنما قلنا ذلك، لأن الله تعالى أباح ~~البيع لعباده وأذن لهم فيه إذنا مطلقا، وإباحة عامة - في غير ما آية من ~~كتابه، من ذلك قوله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا} [البقرة: 275] ، ~~وقوله تعالى: {يا ms0587 أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا ~~إلى ذكر الله وذروا البيع} [الجمعة: 9] ، ثم قال تعالى: {فإذا قضيت الصلاة ~~فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله} [الجمعة: 10] ، يريد التجارة للبيع ~~والشراء، ولفظ البيع لفظ عام لأن الاسم المفرد إذا دخل عليه الألف واللام ~~صار من ألفاظ العموم، قال الله عز وجل: {والعصر} [العصر: 1] {إن الإنسان ~~لفي خسر} [العصر: 2] {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} [العصر: 3] ، ~~فاستثنى من الإنسان - جماعة المؤمنين، لاقتضائه العموم، واللفظ العام إذا ~~ورد يحمل على عمومه إلا أن يأتي ما يخصصه، فإن خص منه شيء بقي ما بعد ~~المخصوص على عمومه أيضا، فيندرج تحت قوله # PageV02P061 # تعالى: {وأحل الله البيع} [البقرة: 275] كل بيع، إلا ما خص منه بالدليل، ~~وقد خص منه بأدلة الشرع بيوع كثيرة؛ فبقي ما عداها على أصل الإباحة، ولذلك ~~قلنا في البيوع الجائزة: إنها جائزة ما لم يحظرها الشرع ولا ورد فيها ~~النهي. # فصل والأشياء الموجودة بأيدي الناس تنقسم على قسمين (أحدهما) ما لا يصح ~~ملكه. (والثاني) ما يصح ملكه؛ فأما ما لا يصح ملكه، فلا يجوز بيعه بإجماع، ~~كالحر والخمر والخنزير والقرد والدم والميتة وما أشبه ذلك، وأما ما يصح ~~ملكه، فإنه ينقسم على قسمين: (أحدهما) ما لا يصح بيعه - إما لأنه على صفة ~~لا يجوز بيعه عليها كالعبد الآبق والجمل الشارد، وتراب الصواغين، وما أشبه ~~ذلك؛ وإما لأن الشرع حرم بيعه كالأوقاف، ولحوم الضحايا - عند جماعة ~~العلماء، والمصحف عند بعضهم، والكلب المأذون في اتخاذه عند بعض أصحابنا. ~~(والثاني) يصح بيعه ما لم يقع على وجه يمنع الشرع منه. # فصل والوجوه التي يمنع الشرع من عقد البيع عليها كثيرة، منها ما يعود إلى ~~الثمن والمثمون، ومنها ما يعود إلى حال المتبايعين، ومنها ما يعود إلى ~~الحال التي وقع فيها البيع؛ فأما ما يعود منها إلى الثمن والمثمون، فعدمها ~~شرط في صحة البيع وجودا وعدما باتفاق، كعدم الربا ومعرفة الثمن والمثمون ~~وعدم الجهل بهما والغرر فيهما إلى ما سوى ذلك مما يشترط في ms0588 صحة البيع؛ وأما ~~ما يعود منها إلى حال المتبايعين أو إلى الحال التي وقع فيها البيع؛ ففيه ~~تفصيل واختلاف سأبينه فيما بعد إن شاء الله تعالى. # PageV02P062 # فصل وأما البيوع المحظورة فإنها تنقسم إلى قسمين، أحدهما ما كان محظورا ~~لحق آدمي، والثاني ما كان محظورا لحق الله تعالى؛ فأما ما كان منها محظورا ~~لحق آدمي، فإنها موقوفة على إجازة من حظرت لحقه. وأما ما كان منها محظورا ~~لحق الله تعالى، فإنها تنقسم إلى أربعة أقسام، (أحدها) ما كان محظورا ~~لتعلقه بالمحظور في الشرع دون أن يطابقه نهي أو يخل فيه بشرط من الشرائط ~~المشترطة في صحته. (والثاني) ما طابقه النهي ولم يخل فيه بشرط من الشرائط ~~المشترطة في صحته. (والثالث) ما أخل فيه بشرط من شرائط صحته. (والرابع) ~~بيوع الشروط وهي التي يسميها الفقهاء بيوع الثنيا. # فصل فأما القسم الأول وهو ما كان محظورا لتعلقه بالمحظور دون أن يطابقه ~~نهي أو يخل فيه بشرط من شرائط صحته، مثل أن يبيع قبل الصلاة في آخر وقتها ~~بقدر ما لا يدرك قبل تمامه إلا ركعة من الصلاة، ويعلم أنه يفوته جميع الوقت ~~باشتغاله بالبيع، ومثل البيع والشراء في موضع مغصوب وما أشبه ذلك، فإن ~~البيع على هذا الوجه حرام محظور غير جائز، إلا أنه إذا وقع لم يفسخ، فات أو ~~لم يفت، باتفاق، إلا ما كان من هذا النوع علة الحظر فيه باقية ببقاء ~~المبيع، مثل شراء النصراني المصحف والمسلم، أو شراء الدين على الرجل إرادة ~~الإضرار به، فقيل: إنه يفسخ لبقاء علة الحظر فيه بعد البيع، وقيل: إنه لا ~~يفسخ وترفع العلة ببيع المشترى على المشتري. # فصل وأما القسم الثاني وهو ما طابقه النهي ولم يخل فيه بشرط من الشرائط # PageV02P063 # المشترطة في صحته، مثل البيع في وقت الجمعة، وبيع حاضر لباد وبيع الرجل ~~على بيع أخيه، وبيع التلقي وبيع التفرقة، وما أشبه هذا من البيوع، فيختلف ~~أهل العلم فيها إذا وقعت على قولين، فمن رأى أن النهي لا يقتضي فساد المنهي ~~عنه، ms0589 لم يفسخها وإن كانت السلعة قائمة لم تفت، ومن رأى أن النهي يقتضي فساد ~~المنهي عنه، فسخها إن كانت قائمة أو فائتة. وإن كانت قائمة ردت بعينها. وإن ~~كانت فائتة ردت قيمتها وكان رد قيمتها كرد عينها؛ وفي هذا النوع من البيوع ~~قول ثالث، أنها تفسخ ما كانت السلعة قائمة، فإن فاتت مضت بالثمن ولم ترد ~~إلى القيمة، وهو قول بين القولين لا يجري على قياس. # فصل وأما القسم الثالث من البيوع وهو ما أخل فيه بشرط من شرائط صحته، ~~فإنها تنفسخ على كل حال، ولا خيار في ذلك لأحد المتبايعين، وترد السلعة إلى ~~البائع إن كانت قائمة، أو قيمتها يوم القبض إن كانت فائتة، ويرد البائع ~~الثمن على المشتري، وقد تقدم ذكر بعض الشروط المشترطة في صحة البيع، وأن من ~~ذلك أن يكون مبلغ الثمن والمثمون معلوما، ولا يلزم أن يزيد في هذا الشرط ~~حال العقد إلا على مذهب عبد العزيز بن أبي سلمة الذي لا يجيز شراء الصبرة ~~على الكيل، كل قفيز بدرهم؛ إذ لا يعلم مبلغ الثمن والمثمون حال العقد، ~~وإنما يعلم بعد الكيل؛ فإذا باع الرجل السلعة بثمن مجهول أو إلى أجل مجهول، ~~أو ما أشبه ذلك؛ فسخ على كل حال في القيام والفوات، شاء المتبايعان أو ~~أبيا. # فصل وأما القسم الرابع - وهي بيوع الشروط التي يسميها أهل العلم بيوع ~~الثنيا - فذلك مثل أن يبيع الرجل السلعة على أن لا يبيع ولا يهب، أو على أن ~~يتخذها أم ولد، أو على أن لا يخرج بها من البلد، أو على أن لا يعزل عنها، ~~أو على أن لا يجيزها البحر، أو على إن باعها فهو أحق بها بالثمن الذي ~~يبيعها به، أو على أنه فيها بالخيار إلى أجل بعيد لا يجوز الخيار إليه، أو ~~ما أشبه ذلك من الشروط التي # PageV02P064 # تقتضي التحجير على المشتري في السلعة التي اشترى؛ فهذا النوع من البيوع ~~اختلف فيه إذا وقع شيء منها على قولين، (أحدهما) أنه يفسخ ما دام البائع ~~متمسكا ms0590 بشرطه، وإن ترك الشرط صح البيع، وإن فاتت السلعة كان فيها الأكثر من ~~القيمة أو الثمن. وقيل: إنه يرجع البائع على المشتري إذا فاتت بمقدار ما ~~نقص من الثمن بسبب الشرط على كل حال، ولا ينظر في ذلك إلى القيمة، كانت أقل ~~من الثمن أو أكثر؛ ووجه العمل في ذلك على هذا القول أن تقوم السلعة بشرط ~~وبغير شرط، فما كان بين القيمتين من الأجزاء رجع البائع على المبتاع بذلك ~~الجزء من الثمن؛ فهذا حكم هذا الباب على هذا القول. وهو المشهور في المذهب ~~- إلا في مسألة واحدة، وهي شراء الرجل السلعة على أنه فيها بالخيار إلى أجل ~~بعيد لا يجوز الخيار إليه، فإنه يفسخ فيها البيع على كل حال، ولا يمضي - إن ~~رضي مشترط الخيار بترك الشرط، لأن رضاه بذلك ليس تركا منه للشرط، وإنما هو ~~مختار للبيع على الخيار الفاسد الذي اشترط. والقول الثاني أن حكم هذه ~~البيوع كلها حكم ما فسد من البيوع للإخلال بشرط من شروط صحتها، فيفسخ على ~~كل حال، كانت قائمة أو فائتة، شاء المتبايعان أو أبيا، ولا خيار في ذلك ~~لواحد منهما؛ فإن كانت السلعة قائمة ردت بعينها، وإن كانت فائتة ردت قيمتها ~~على البائع بالغة ما بلغت ورد الثمن على المشتري. # فصل # واختلف أيضا في البيع والسلف إذا وقع، فقيل: يفسخ ما دام مشترط السلف ~~متمسكا بشرطه، فإن رضي بتركه على مذهب سحنون أو رده على مذهب ابن القاسم - ~~يريد - والله أعلم - قبل أن يغيب عليه غيبة ينتفع فيها به، صح البيع - ولم ~~يفسخ، فإن فاتت السلعة، قال ابن حبيب: ولم يقبض السلف، كان فيها الأقل من ~~الثمن أو القيمة - إن كان المشتري هو مشترط السلف، أو الأكثر من القيمة، أو ~~الثمن إن كان البائع هو مشترط السلف، كالحكم في بيوع الثنيا سواء، هذا قول ~~ابن القاسم في المدونة وفي العشرة ليحيى عن ابن القاسم: أن فيها القيمة ~~بالغة ما بلغت، # PageV02P065 # كانت أقل من الثمن أو أكثر، وهي ظاهر روايته عنه في ms0591 السلم والآجال، من ~~العتبية، وعلى هذا يفسخ البيع إن شاء المتبايعان أو أبيا إذا كانت السلعة ~~قائمة. # فصل فيحتمل أن تكون رواية يحيى عن ابن القاسم هذه على مذهب من يرى في ~~بيوع الثنيا أنها فاسدة، فتفسخ على كل حال ولا خيار لأحد المتبايعين في ~~إمضائها؛ ويحتمل أن يكون رأي اشتراط السلف في البيع أشد من تلك الشروط، لأن ~~شرط السلف في البيع إنما أراد الانتفاع به إلى الأجل الذي سمياه، والانتفاع ~~به مجهول، فآل الأمر إلى الجهل بالثمن إن كان البائع هو مشترط السلف، أو ~~إلى الجهل بالمثمون إن كان المشتري هو مشترط السلف، والعلم بالثمن والمثمون ~~مشترط في صحة البيع، وقد جعل مالك - رحمه الله تعالى - في رواية أشهب عنه ~~من كتاب العيوب من العتبية البيع والسلف أخف من بيوع الثنيا، فقال في الذي ~~يبيع الجارية بشرط أن تتخذ أم ولد: إن البيع يفسخ وإن رضي البائع بترك ~~الشرط، وفي الذي باع بشرط السلف، أن البيع لا يفسخ إذا رضي البائع بترك ~~السلف، فلم ير على هذه الرواية أن اشتراط السلف من أحد المتبايعين على ~~صاحبه - يوجب مجهلة في الثمن لا في المثمون، إذ لم يتحقق عنده أن مشترط ~~السلف قصد إلى بيع سلعته بالثمن الذي سماه وبما يربح في السلف، إذ قد لا ~~يريده للتجارة فيه وإنما غرضه فيه أن يبتاع به عرضا يقتنيه أو ثوبا يلبسه ~~أو طعاما يأكله أو ينفع به رجلا فيسلفه إياه أو يهبه أو يتصدق به عليه أو ~~ما أشبه ذلك من وجوه المنافع الموجودة فيه، لأن الشرط إذا آل به البيع إلى ~~الغرر، أو المجهلة في الثمن أو المثمون، فالبيع فاسد مفسوخ على كل حال، ولا ~~خيار في إمضائه لأحد المتبايعين في قيام السلعة، وفيه القيمة بالغة ما بلغت ~~في فواتها. # فصل وإنما قلنا ذلك؛ لأن الشروط المشترطة في البيوع على مذهب مالك رحمه # PageV02P066 # الله تنقسم على أربعة أقسام، (أحدهما) يفسخ به البيع على كل حال، ولا ~~خيار في إمضائه لأحد ms0592 المتبايعين، فإن كانت السلعة قائمه ردت بعينها؛ وإن ~~كانت فائتة، صح البيع فيها بالقيمة - بالغة ما بلغت، كانت أكثر من الثمن أو ~~أقل؛ وهو ما آل البيع به إلى الإخلال بشرط من الشروط المشترطة في صحة ~~العقد، كعدم الربا والغرر في الثمن أو المثمون وما أشبه ذلك. (والثاني) ~~يفسخ فيه البيع ما دام مشترط الشرط متمسكا بشرطه، فإن رضي بترك الشرط صح ~~البيع إن كان لم يفت، وإن كان قد فات كان فيها الأقل من الثمن أو القيمة، ~~أو الأكثر من القيمة أو الثمن على التفسير الذي قدمناه في بيوع الثنيا. ~~(والثالث) يجوز فيه البيع والشرط، وذلك إذا كان الشرط صحيحا ولم يؤل البيع ~~به إلى غرر ولا فساد في ثمن ولا مثمون، ولا إلى ما أشبه ذلك من الإخلال ~~بشرط من الشرائط المشترطة في صحة البيع، وذلك مثل أن يبيع الرجل الدار ~~ويشترط سكناها أشهرا معلومة، أو يبيع الدابة ويشترط ركوبها أياما يسيرة أو ~~إلى مكان قريب، أو يشترط شرطا يوجبه الحكم، وما أشبه ذلك. (والرابع) يجوز ~~فيه البيع ويفسخ الشرط، وذلك ما كان الشرط فيه غير صحيح، إلا أنه خفيف فلم ~~يقع عليه حصة من الثمن، وذلك مثل أن يبيع السلعة ويشترط إن لم يأت بالثمن ~~إلى ثلاثة أيام أو نحوها فلا بيع بينهما، مثل الذي يبتاع الحائط بشرط ~~البراءة من الجائحة، لأن الجائحة لو أسقطها بعد وجوب البيع، لم يلزمه ذلك، ~~لأنه أسقط حقا قبل وجوبه؛ فلما اشترط إسقاطها في عقد البيع، لم يؤثر ذلك ~~عنده في حصته؛ لأن الجائحة أمر نادر فلم يقع لشرطه ذلك حصة من الثمن، ولم ~~يلزم الشرط، إذ حكمه أن يكون غير لازم إلا بعد وجوب الرجوع بالجائحة وما ~~أشبه ذلك؛ فهذا مذهب مالك - رحمه الله تعالى - في الشروط المقترنة بالبيع، ~~وعلى هذا الترتيب لا يتعارض ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا ~~الباب، خلاف ما ذهب إليه أهل العراق، روي أن عبد الوارث بن سعيد قال: قدمت ~~مكة ms0593 فوجدت فيها أبا حنيفة، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة - رضوان الله عليهم ~~أجمعين -، فسألت أبا حنيفة فقلت: ما تقول في رجل باع بيعا واشترط شرطا، ~~فقال: البيع باطل والشرط # PageV02P067 # باطل، ثم أتيت ابن أبي ليلى فسألته فقال: البيع جائز والشرط باطل، ثم ~~أتيت ابن شبرمة فسألته فقال: البيع جائز والشرط جائز؛ فقلت: سبحان الله، ~~ثلاثة من فقهاء العراق اختلفوا في مسألة واحدة، فأتيت أبا حنيفة فأخبرته، ~~فقال: لا أدري ما قالا، حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، «أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع وشرط» . ثم أتيت ابن أبي ليلى ~~فأخبرته، فقال: لا أدري ما قالا، حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن «عائشة - ~~رضي الله عنها - قالت: أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أشتري ~~بريرة وأعتقها - وإن اشترط أهلها الولاء، فإن الولاء لمن أعتق» البيع جائز ~~والشرط باطل. ثم أتيت ابن شبرمة فأخبرته فقال: لا أدري ما قالا، حدثني مسعر ~~بن كدام عن محارب بن دثار، عن «جابر قال: بعت من النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ناقة وشرط لي حلابها وظهرها إلى المدينة،» فالبيع جائز، والشرط ~~جائز؛ فعرف مالك - رحمه الله تعالى - الأحاديث كلها واستعملها في مواضعها، ~~وتأولها على وجوهها؛ فأما أبو حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة فلم يمعنوا ~~النظر، ولا أحسنوا تأويل الآثار، والله يوفق من يشاء. # وأما البيوع المكروهة، فهي التي اختلف أهل العلم في إجازتها، والحكم فيها ~~أن تفسخ ما كانت قائمة، فإن فاتت لم ترد، مراعاة للاختلاف فيها، كذا روى ~~ابن وهب عن مالك أن البيع المكروه لا يرد إذا فات، وبعضها أشد كراهية من ~~بعض، فمنها ما العقد فيه فوت، ومنها ما القبض فيه فوت، ومنها ما فوات العين ~~فيه فوت، ومنها ما يختلف فيما يفوت به، كشراء الزرع إذا أفرك قبل أن ييبس، ~~وما أشبه ذلك. # PageV02P068 # فصل فلا يخرج شيء من البيوع عن هذه الأقسام، وإن وجد بين أصحاب مالك - ~~رحمه الله تعالى - اختلاف في ms0594 بيع من البيوع، فإنما ذلك لاختلافهم من أي قسم ~~هو من الأقسام المذكورة. # فصل ومن بيوع الشروط ما يختلف فيه: هل هو بيع أو غير بيع، مثل أن يبيع ~~الرجل السلعة على أن لا نقصان على المشتري، فاختلف هل هو بيع فاسد، أو ~~إجارة فاسدة؛ ومنه أن يبيع الرجل السلعة على أنه متى جاءه بالثمن فهو أحق ~~بها، فاختلف فيه هل هو بيع فاسد أو سلف جر منفعة، والقولان في كتاب بيوع ~~الآجال من المدونة. # PageV02P069 ### | كتاب الغرر # ] [ # ما جاء في بيع الغرر وتبيين وحوهه وأحكامه # ما جاء في بيع الغرر وتبيين وجوهه وأحكامه: ثبت عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «أنه نهى عن بيع الغرر» وبيع الغرر هو البيع الذي يكثر فيه الغرر ~~ويغلب عليه حتى يوصف به، لأن الشيء إذا كان مترددا بين معنيين لا يوصف ~~بأحدهما دون الآخر، إلا أن يكون أخص به وأغلب عليه. # فصل ووجوه الغرر في البيوع كثيرة لا تحصى، من ذلك بيع العبد الآبق، ~~والجمل الشارد، والجنين في بطن أمه، ومن ذلك ما نهى عنه النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - من بيع الملامسة والمنابذة، والملامسة أن يلمس الرجل الثوب ولا ~~ينظر إليه ولا يتأمل ما فيه، أو يبتاعه ليلا ولا ينظر ما فيه، والمنابذة أن ~~ينبذ الرجل إلى الرجل ثوبه وينبذ الآخر إليه ثوبه على غير تأمل منهما، ~~ويقول كل واحد منهما: هذا بهذا، فهذا الذي نهي عنه من الملامسة والمنابذة، ~~ومن ذلك نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن المضامين والملاقيح، # PageV02P071 # والمضامين: ما في بطون الإناث، والملاقيح ما في ظهور الجمال؛ وقيل بعكس ~~ذلك: إن الملاقيح ما في بطون الإناث، والمضامين ما في ظهور الجمال، ~~والتفسير الأول في الموطأ لمالك أو لابن شهاب أو لسعيد بن المسيب، وإليه ~~ذهب أبو عبيد، والتفسير الثاني لابن حبيب وغيره، ومن ذلك نهيه - صلى الله ~~عليه وسلم - عن بيع حبل الحبلة، وهو بيع نتاج النتاج، وقيل: هو البيع إلى ~~نتاج النتاج، وأي الأمرين كان فهو غرر، إما في ms0595 المثمون، وإما في أجل الثمن، ~~ومن ذلك نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الحصاة، وهو أن يساوم الرجل ~~الرجل في سلعة وبيد أحدهما حصاة، فيقول لصاحبه: إذا سقطت الحصاة من يدي فقد ~~وجب بيع بيني وبينك، وقيل: هو أن تكون السلعة منشورة فيرمي المبتاع حصاة، ~~فأيها وقعت عليه وجبت له بما سميا من الثمن، وأي ذلك كان فهو أيضا من الغرر ~~المنهي عنه، ومن ذلك نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن بيعتين في بيعة، على ~~الاختلاف في معنى ذلك، ومن ذلك نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن بيع ~~العربان، وتفسيره أن يشتري الرجل السلعة ويعطيه دينارا أو درهما فيقول له: ~~إن أخذتها فذلك من الثمن، وإن تركتها كان ذلك باطلا بغير شيء، وذلك أيضا ~~غرر بين، وكانت هذه كلها بيوعا كان أهل الجاهلية يتبايعون بها، فنهى النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - عنها، لأنها من أكل المال بالباطل، قال الله عز ~~وجل: {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} ~~[النساء: 29] معناه: تجارة لا غرر فيها ولا مخاطرة ولا قمار، لأن التراضي ~~بما فيه غرر أو خطر أو قمار لا يحل ولا يجوز، لأنه من الميسر الذي حرمه ~~الله في كتابه حيث يقول: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل ~~الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون} [المائدة: 90] . # PageV02P072 # فصل فلا يصح البيع إلا أن يكون سالما من الغرر الكثير، لأن الغرر اليسير ~~الذي لا تنفك البيوع منه مستخف مستجاز فيها. # فصل وإنما يقع الاختلاف بين العلماء في فساد بعض أعيان العقود لاختلافهم ~~فيما فيه من الغرر، هل هو من جنس الكثير الداخل تحت نهي النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - عن بيع الغرر المانع من صحة العقد، أو من جنس اليسير المستخف ~~المستجاز في البيوع الذي لا يمنع من صحة العقد. # فصل والغرر الكثير المانع من صحة العقد يكون في ثلاثة أشياء (أحدهما) ~~العقد (والثاني) أحد العوضين: الثمن أو المثمون، أو كليهما. (والثالث) ~~الأجل فيهما أو في أحدهما، فأما ms0596 الغرر في العقد فهو مثل نهي النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - عن بيعتين في بيعة وعن بيع العربان، وعن بيع الحصاة، على ~~أحد التأويلين، وما أشبه ذلك مما لا جهل فيه في ثمن ولا مثمون، وإنما حصل ~~الغرر فيه بانعقاده بين المتبايعين على هذه الصفات؛ ومن هذا المعنى بيع ~~المكيل والجزاف في صفقة واحدة، والقول فيما يجوز من بيع الجزاف والمكيل في ~~صفقة واحدة، يتحصل بأن يعلم أن من الأشياء ما الأصل فيه أن يباع كيلا ويجوز ~~بيعه جزافا، كالحبوب، وأن منها ما الأصل فيه أن يباع جزافا ويجوز بيعه ~~كيلا، كالأرضين والثياب، وأن منها عروضا لا يجوز بيعها كيلا ولا وزنا ~~كالعبيد والحيوان، فالجزاف مما أصله أن يباع كيلا كالحبوب لا يجوز بيعه مع ~~المكيل منه، ولا مع المكيل مما أصله أن يباع جزافا، كالأرضين والثياب ~~باتفاق، والجزاف مما أصله أن يباع جزافا لا يجوز أن يباع مع الميكل منه ~~باتفاق أيضا، # PageV02P073 # واختلف في بيعه مع المكيل مما أصله أن يباع كيلا على قولين، (أحدهما) أن ~~ذلك جائز، وإليه ذهب ابن زرب وأقامه من إجازته في السلم الأول من المدونة، ~~أن يسلم في ثياب وطعام صفقة واحدة (والثاني) أن ذلك لا يجوز، وإليه ذهب ابن ~~العطار في وثائقه، ولا اختلاف في جواز بيع الكيلين في صفقة واحدة وجزافين ~~في صفقة واحدة أيضا على كل حال، ولا يجوز بيع الجزاف مع العروض في صفقة ~~واحدة إلا عند ابن حبيب، فإنه ذهب إلى أن الجزاف مما أصله أن يباع كيلا، لا ~~يجوز بيعه مع العروض في صفقة واحدة، وهو بعيد، وأما بيع الجزاف على الكيل، ~~فلا ينضاف إليه في البيع شيء بحال على الصحيح من الأقوال، وهو مذهب ابن ~~القاسم. وأما بيع الجزافين على الكيل، فإن كانا على صفة واحدة وبكيل واحد، ~~جاز باتفاق، وإن اختلف الكيل والصفة جميعا لم يجز باتفاق، وإن اتفق أحدهما ~~واختلف الآخر، جاز على اختلاف بين ابن القاسم وأشهب، فعلى مذهب ابن القاسم ~~لا يجوز أن ms0597 يبيع الرجل قريته تكسيرا، كل قفيز بكذا، إلا أن يستوي أرضها في ~~الطيب والكرم ولا يكون فيها ثمرة ولا دار تدخل في البيع، فإن باع منها زرعا ~~مسمى من موضع بعينه، أو على أن يأخذ المشتري من أي موضع أحب، فعلى ما تقدم ~~لا يجوز أن يضاف إلى ذلك في الصفقة جزاف مما أصله أن يباع جزافا ولا مما ~~أصله أن يباع كيلا؛ وكذلك إن باعها كلها على أن تكسيرها كذا وكذا على مذهب ~~من حكم لذلك بحكم شراء الذرع المسمى إن كان فيها أكثر مما سمى، كان الزائد ~~للبائع، وإن كان فيها أقل، كان بالخيار بين أن يأخذ ما وجد بحسابه من الثمن ~~أو يرد، إلا أن يكون النقصان يسيرا فيلزمه ما وجد بحسابه من الثمن، وأما ~~على مذهب من جعل ذلك كالصفة للأرض إن وجد فيها أكثر من الذرع المسمى، كان ~~للمبتاع، وإن وجد أقل، كان المبتاع بالخيار بين أن يأخذ بجميع الثمن أو ~~يرد، فلا يجوز أن ينضاف إلى ذلك في الصفقة كيل مما أصله أن يباع جزافا ~~باتفاق، ولا كيل مما أصله أن يباع كيلا على ما تقدم من الاختلاف، # PageV02P074 # وكذلك القول في الثوب والخشبة وما أشبههما إذا اشترى ذلك كله، كل ذراع ~~بكذا، أو على أن فيه كذا وكذا ذراعا، أو اشترى منه ذرعا كذا، وحكم الموزون ~~والمعدود في جميع ما ذكرناه حكم المكيل. # فصل وأما الغرر في الثمن والمثمون أو في أحدهما، فإنه يكون بثلاثة أوجه، ~~(أحدها) الجهل بصفة ذلك أو بمقداره، فأما الجهل بصفة ذلك، فهو مثل أن يبيع ~~جنينا في بطن أمه، أو غائبا على غير صفة، أو يبيع سلعة بدنانير مسماة من ~~غير صفة ونقد البلد مختلف، وما أشبه ذلك، وأما الجهل بمقداره، فهو مثل أن ~~يبيع الطعام بكيل مجهول، أو يبيع سلعة بجزاف من الدنانير والدراهم، ~~(والثاني) عدم القدرة على تسليمه، وذلك مثل أن يبيع العبد الآبق، والجمل ~~الشارد والسلعة بيد غاصب منكر للغصب ولا بينة عليه، أو مقر به ms0598 ممتنع من ~~دفعها وهو ممن لا تأخذه الأحكام؛ وقد اختلف إن كان الغاصب منكرا للغصب ممن ~~تأخذه الأحكام وعليه بالغصب بينة؛ ومثل شراء الدين على الحاضر المنكر إذا ~~كانت عليه بينة، وشراء ما فيه خصومة، وأخف ذلك شراء الدين على الغائب ~~القريب الغيبة على مسيرة اليومين والثلاثة إذا لم يعلم إقراره من إنكاره ~~وعليه بينة، وأما إذا لم تكن عليه بينة فلا يجوز ذلك، (والثالث) الجهل بمآل ~~حاله - وهو أمر مختلف فيه، وذلك مثل أن يبيع الرجل العبد المجروح موضحة قبل ~~أن يبرأ ويحكم له بأرشها من غير أن يبرأ الجاني من الجناية، أو يبيع العبد ~~المريض إذا كان المرض قد بلغ به إلى الحد الذي لا يجوز للمريض فيه القضاء ~~في جميع ماله، أو يشتري الأنقاض قائمة على القلع من قاعة ليست للبائع ولا ~~للمبتاع، وما أشبه ذلك، ومما يشبهه أن يكون للرجل على الرجل دنانير أو ~~دراهم أو عروض، فيصالح رجل أجنبي صاحب الدين على أن يدفع إليه خلاف الدين ~~مما يصير الذي عليه الدين مخيرا في صنفين. # PageV02P075 # فصل وأما الغرر بالأجل في الثمن والمثمون، فذلك مثل أن يبيع منه السلعة ~~بثمن إلى قدوم زيد أو إلى موته، أو يسلم إليه في سلعة إلى مثل ذلك الأجل، ~~وما أشبه ذلك. # فصل وإذا وقع بيع الغرر فسخ ما كان قائما، فإن فات بيد المبتاع صحح ~~بالقيمة، وضمانه على مذهب ابن القاسم من البائع ما لم يقبضه المبتاع، وإن ~~دفع الثمن أو دعي إلى قبضها، وقد روى أبو زيد عن ابن القاسم أن ضمانها من ~~البائع - وإن قبضها المبتاع - وهو بعيد، وقال أشهب: إن ضمانها من المبتاع ~~وإن كانت بيد البائع - إذا نقد الثمن، أو دعي إلى قبضها - وإن لم ينقد ~~الثمن. # فصل وقد اختلف الذين رأوا أنها لا تدخل في ضمان المبتاع إلا بالقبض إذا ~~عقد فيها عقدا من عتق أو بيع أو صدقة أو هبة وما أشبه ذلك من العقود، هل ~~يكون ذلك قبضا وفوتا أم لا؟ على ms0599 أربعة أقوال، (أحدها) أنه لا يكون شيء من ~~ذلك كله قبضا ولا فوتا، وهو قول سحنون، (والثاني) أن ذلك كله يكون قبضا ~~وفوتا، وهو قول ابن القاسم في كتاب العيوب، لأنه رآه فوتا في الصدقة، فهو ~~فيما سواه أحرى أن يكون فوتا (والثالث) أنه لا يكون فوتا شيء من ذلك إلا ~~العتق لحرمته، وهو قول ابن القاسم في الكتاب المذكور، قوله في البيع إذا ~~كان الأول قد قبضها (والرابع) أنه لا يكون فوتا وقبضا إلا العتق والبيع ~~خاصة. # فصل وبيع السلعة الغائبة على الصفة خارج مما نهى عنه النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - من بيع الغرر في مذهب مالك وجميع أصحابه، خلافا للشافعي - رحمه ~~الله تعالى - في قوله: # PageV02P076 # إن الغائب لا يجوز بيعه على الصفة، لأنه لا عين مرئية ولا صفة مضمونة ~~ثابتة في الذمة، وخلافا لأبي حنيفة - رحمه الله تعالى - في قوله: إن شراء ~~الغائب على الصفة وعلى غير الصفة جائز، وللمبتاع خيار الرؤية إذا نظر ~~إليها، وقد روي عن الشافعي - رحمه الله تعالى - مثل هذا القول، والصحيح ما ~~ذهب إليه مالك - رحمه الله تعالى - وجميع أصحابه من أن شراء الغائب على ~~الصفة جائز، وذلك للمبتاع لازم - إن وجد الغائب على الصفة التي وصف بها، ~~لأن الصفة تقوم مقام رؤية الموصوف، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«لا تنعت المرأة المرأة للزوج حتى كأنه ينظر إليها» أو كما قال - صلى الله ~~عليه وسلم -، فشبه - صلى الله عليه وسلم - المبالغة في الصفة بالنظر، وقال ~~الله تبارك وتعالى: {ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من ~~قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على ~~الكافرين} [البقرة: 89] وجه الدليل من هذه الآية أن اليهود كانوا يجدون في ~~التوراة نعت النبي - صلى الله عليه وسلم - وصفته، فكانوا يحدثون بذلك ~~ويستفتحون به على الذين كفروا؛ أي يستنصرون به على كفار العرب، يقولون: ~~اللهم آت بهذا النبي الذي يقتل العرب ويذلهم؛ لأنهم كانوا يرجون أن ms0600 يكون ~~منهم؛ فلما بعثه الله تعالى من العرب ولم يكن منهم، حسدوه وكفروا به، فقال ~~لهم معاذ بن جبل، وبشر بن البراء بن معرور: يا معشر يهود اتقوا الله ~~وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل شرك، وتخبروننا أنه مبعوث ~~وتصفونه لنا بصفته؛ فقالوا: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو هذا الذي كنا ~~نخبركم به، فأنزل الله عز وجل تكذيب قولهم في كتابه، وذلك قوله: {فلما ~~جاءهم ما عرفوا كفروا به} [البقرة: 89] فلما قال تعالى: {فلما جاءهم ما ~~عرفوا} [البقرة: 89] وهم لم يعرفوه قبل إلا بصفته التي وجدوها في التوراة، ~~دل ذلك على أن المعرفة بالصفة معرفة بعين الشيء الموصوف، وذلك ما أردنا أن ~~نحتج له، وفي قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في # PageV02P077 # حديث أبي هريرة الواقع في الكتاب: «لا ينظرون إليها ولا يخبرون عنها» ، ~~دليل بين على أن الخبر عنها بمنزلة النظر إليها، وإذا جاز أن يسلم الرجل ~~إلى الرجل في ثوب أو عبد على صفة، ولم يكن ذلك غررا، جاز أن يبتاعه على ~~الصفة ولا يكون ذلك غررا، إذ لا فرق بين الموضعين، ومن الدليل أيضا على ~~جواز البيع على الصفة قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تبيعوا ~~الحب في سنبله حتى يبيض في أكمامه» فإذا جاز بيع الحب في أكمامه وهو غير ~~مرئي على صفة ما فرك منه إن كان حاضرا، جاز أن يشتري منه إذا كان غائبا على ~~صفة، إذ لا فرق إذا غاب المبيع بين أن يبيعه على الصفة أو على مثال يريه ~~إياه، وهذا الحديث أيضا حجة في بيع الجزر والفجل وما أشبه مما هو مغيب تحت ~~الأرض، لأنه يقلع منه شيء فيستدل به على بقيته، ويستدل عليه أيضا بفروعه. # فصل ومن هذا بيع الجوز واللوز والباقلاء في قشره الأعلى، فأجازه مالك ~~وأصحابه؛ خلافا للشافعي وأبي حنيفة - رضي الله عنه -، ودليلنا قوله تعالى: ~~{وأحل الله البيع وحرم الربا} [البقرة: 275] ولأنه مأكول في أكمام من أصل ~~الخلقة، فجاز بيعه كالرمان ms0601 والموز، ولأن # الضرورة تدفع # إلى ذلك، لما بالناس من الحاجة إلى بيع ذلك رطبا، إذ ليس كل أحد يمكنه ~~تجفيفه، وفي نزع قشره إفساد له، فلم يبق إلا جواز البيع، بيد أنه لا يجوز ~~الاجتزاء بالصفة عن النظر إلا مع الضرورة إلى ذلك، لأن النظر أبلغ في ~~المعرفة من الصفة، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس المعاينة ~~كالخبر» . # PageV02P078 # فصل فمن الضرورة إلى ذلك أن تكون السلعة المبيعة على الصفة غائبة في بلد ~~آخر، أو يكون المبيع متاعا كثيرا مشدودا في أعداله وأحماله، فيجوز بيعه على ~~صفة البرنامج، لأن فتحه كله ونشره مما يضر بصاحبه ويشق عليه، وأما الثوب ~~الواحد والثياب اليسيرة فلا يجوز بيعها على الصفة إذا كانت حاضرة حال ~~العقد، وقد أجاز أشهب بيع الساج المدرج في جرابه على الصفة، وذلك في الثوب ~~الرفيع الذي يغيره ترداد نشره على السوام وتقليبهم إياه، وأما الثوب الذي ~~ليس على هذه الصفة، فلا ينبغي أن يختلف فيه. # فصل وقد اختلف في السلعة الحاضرة في البلد الغائبة عن موضع العقد فقيل: ~~إن بيعها على الصفة لا يجوز، لأنها كالحاضرة، إذ لا تتعذر رؤيتها، وقيل: إن ~~بيعها على الصفة جائز - وإن كانت في البلد، لأنها إذا لم تكن حاضرة في موضع ~~العقد فلم يقصد إلى الغرر بشرائها على الصفة وأشبهت الغائبة عن البلد. # فصل وبيع الغائب على مذهب ابن القاسم جائز ما لم يتفاحش بعده والعقد عليه ~~صحيح، وإن لم يعلم إن كان حين العقد قائما أو تالفا، فإن وجد قد تلف قبل ~~العقد وقبل البيع باتفاق، وإن تلف بعد العقد وقبل القبض، فاختلف قول مالك - ~~رحمه الله - في ذلك، فمرة قال: إن مصيبته من البائع وينتقض البيع كتلفه قبل ~~العقد، وهو آخر قوله، ومرة قال: إن مصيبته من المبتاع ويصح البيع. # فصل ويجوز لمشتري السلعة الغائبة أن يبيعها قبل القبض من غير الذي ~~اشتراها منه بما شاء ولا ينتقد بشرط، إلا أن يكون قريب الغيبة، وأما من ~~الذي باعها # PageV02P079 # منه فلا ms0602 يجوز له أن يبيعها منه بمثل الثمن ولا بأكثر ولا بأقل، لأنه فسخ ~~الدين في الدين، إلا أن يكون نقد الثمن بغير شرط على كلا القولين في مذهب ~~ابن القاسم، وقال سحنون: يجوز أن يبيعها منه على القول الذي يرى فيه الضمان ~~من البائع؛ قياسا على ما أجازه مالك - رحمه الله - من الإقالة في الجارية ~~التي في المواضعة، وقوله أظهر في القياس. # فصل وأما إن باعها منه بخلاف الثمن الذي اشتراها به مما يجوز بيعها به، ~~فذلك جائز إذا لم ينتقد بشرط، إلا أن يكون قريب الغيبة مما يجوز النقد فيه، ~~قال في الكتاب: لا أرى بذلك بأسا إذا علم أن الثوب قائم حين وقعت الصفقة ~~الثانية في مسألة من آجر داره من رجل شهرين بثوب موصوف في بيته، ثم باع ذلك ~~الثوب منه قبل أن يقبضه منه بدراهم أو بدنانير أو بثوبين مثله من صنفه، أو ~~بسكنى دار له أخرى، وهو كلام فيه نظر إذ ليس من شرط صحة العقد على الغائب ~~أن يعلم قيامه حين العقد، كما يظهر من ظاهر اللفظ؛ إذ لو كان ذلك من شروط ~~صحته لما جاز بيع غائب بحال، إذ لا طريق إلى معرفة قيام الشيء للغائب في ~~حال غيبته، فمعنى الكلام والمراد به أن الصفقة إذا وقعت فعلم بعد وقوعها أن ~~الثوب كان قائما في حين وقوعها، صحت وعلم انتقال الملك بها من المشتري إلى ~~البائع، والضمان أيضا من البائع إلى المشتري، على قول مالك رحمه اللة تعالى ~~الآخر واختيار ابن القاسم، أو من المشتري إلى البائع، على قول مالك الأول، ~~وإن وجدت السلعة بعد الصفقة قد تلفت قبل الصفقة، أو لم يعلم إن كان تلفها ~~قبل الصفقة أو بعدها، فالصفقة باطلة لا ينتقل بها ملك الثوب ولا ضمانه عما ~~كان عليه، وقد تكلم عبد الحق على توجيه هذا اللفظ فحكى عن بعض شيوخه ~~القرويين أنه قال: # PageV02P080 # إنما شرط ابن القاسم إن علم أنه عنده وقت الصفقة الثانية، لأنه إن كان ~~موجودا عنده ms0603 وانهدمت الدار في بعض المدة، ينتقض من الثوب مقدار ذلك، وإن ~~كان الثوب ليس عنده وقت الصفقة الثانية، فكأن الكراء إنما وقع بالدراهم، ~~فإذا انهدمت الدار كان الرجوع فيها، فوجب لهذا لما كان لا يدري فيما ذا ~~يرجع من الدراهم ومن الثوب، أن لا يجوز حتى يعلم ذلك فيدخلان على أمر ~~معروف، وقال غيره: إنما شرط إذا علم أنه عنده، لأنه لا يدري هل باع منه ~~شيئا موجودا أم لا، فعقد البيع إذا وقع جائز، ثم ينظر: فإن علم أنه عنده ~~فقد صحت لنا الصفقة الأولى، وإلا فلا، وقوله: ينتقض من الثوب مقدار ذلك، ~~يريد أنه إن انهدمت الدار وقد سكن نصف المدة، رجع عليه بنصف قيمة الثوب، ~~وإن كان أقل فأقل، وإن كان أكثر فأكثر على هذا الحساب، لأن الثوب الذي هو ~~عوض السكنى قد فات بالبيع منه، فهو بمنزلة فواته بالبيع من غيره أو بغير ~~ذلك من وجوه الفوت، وهو صحيح، وذهب أبو إسحاق التونسي إلى أنه إنما يرجع في ~~الثمن الذي دفع بقدر ما بقي له من السكنى، وعلته في ذلك أنه قد استحق من ~~الثوب الذي باع بقدر ما انهدم من الدار، فوجب أن ينتقض البيع في مقدار ذلك ~~من الثوب، وهو تعليل غير صحيح، لأن الثوب ثمن السكنى، فإنما يجب الرجوع فيه ~~ويكون كالمستحق إذا كان قائما لم يفت والبيع فيه فوت؛ وإن كان إنما باعه ~~منه إذ لا فرق في فواته بالبيع منه أو من غيره، ألا ترى أن من اشترى عبدا ~~بيعا فاسدا فباعه من بائعه منه بيعا صحيحا أنه فوت فيمضي، ويصحح البيع ~~الفاسد بالقيمة، ويلزم في هذا على تعليل أبي إسحاق التونسي أن ينتقض البيع ~~الصحيح ولا يكون فوتا لرجوع السلعة إلى يد البائع وينفسخ البيع الفاسد، وهو ~~بعيد، وأما قوله، أعني قول بعض شيوخ القرويين: فإن كان الثوب ليس عنده وقت ~~الصفقة الثانية، فكأن الكراء إنما # PageV02P081 # وقع بالدراهم، فإذا انهدمت الدار كان الرجوع فيها فلا يصح، وإنما الواجب ~~إن كان ms0604 تلف الثوب قبل الصفقة الأولى أو بعد الصفقة الأولى وقبل الصفقة ~~الثانية على القول الذي يرى الضمان من البائع في السلعة الغائبة ما لم ~~يقبضها المبتاع، أن يرجع صاحب الدار على صاحب الثوب بقيمة ما سكن الدار إلى ~~وقت انهدامها، لأن صاحب الدار لم يقبض شيئا لكون مصيبة السلعة من صاحبها ~~بمنزلة من اكترى دارا بثوب فسكنها بعض المدة واستحق الثوب، فإن رب الدار ~~يرجع على صاحب الثوب بقيمة ما سكن، وإن كان إنما تلف بعد الصفقة الأولى ~~وقبل الصفقة الثانية على القول الذي يرى ضمان الغائبة من المبتاع إذا كان ~~سليما يوم الصفقة، أن يرجع المكتري على صاحب الدار في قيمة الثوب بقدر ما ~~بقي من السكنى، لأنه قد تلف ومصيبته منه، ويرجع عليه أيضا بالثمن الذي دفع ~~إليه فيه لانتقاض البيع بتلفه قبل وقوع الصفقة؛ وأما قول غيره: إنما شرطه ~~إذا علم أنه عنده، لأنه لا يدري هل باع منه شيئا موجودا أم لا، فعقد البيع ~~إذا وقع جائز، فإنه كلام صحيح جيد، وأما قوله: ثم ينظر، فإن علم أنه عنده ~~فقد صحت لنا الصفقة الأولى، وإلا فلا، فإنما معناه على قول مالك الثاني ~~واختيار ابن القاسم أن ضمان الغائب من البائع ما لم يقبض، فيكون عقد البيع ~~عليه قبضا له وتصح الصفقة الأولى، فإن قبضه البائع الأول بابتياعه، صحت ~~الصفقة الثانية أيضا، وإن فات قبل أن يقبضه كانت مصيبته من المشتري الأول ~~وهو البائع الثاني، وأما على قول مالك الأول، فإن علم أنه قائم يوم وقعت ~~الصفقة الثانية فقد صحت الصفقة الأولى والثانية. # فصل وبيع السلع المغيبات لا يجوز إلا على ثلاثة أوجه، (أحدهما) على ~~الرؤية، (والثاني) على الصفة في الموضع الذي يجوز بيعها فيه على الصفة على ~~ما قدمناه (والثالث) أن يشترط أنه بالخيار إذا رآها ولا ينقد بشرط كانت ~~قريبة أو بعيدة، هذا # PageV02P082 # قول مالك في المدونة في السلم الثالث منها وقد قيل: إن البيع في العروض ~~المغيبات لا يجوز إلا برؤية أو بصفة، وفي ms0605 كتاب الغرر دليل على هذا القول ~~وهو الصحيح الذي يحمله القياس، وأما النقد فيها بشرط إذا اشتريت بصفة، فلا ~~يجوز في البعيد الغيبة، واختلف قول مالك في ذلك إذا كانت قريبة الغيبة، فله ~~في المدونة أن ذلك جائز، وله في الموطأ أن ذلك لا يجوز، وهي رواية ابن وهب ~~عن مالك في موطئه، ورواية ابن القاسم عنه في أصل سماعه؛ وهذا إذا اشتراها ~~بصفة المخبر والرسول، وأما إذا اشتراها بصفة صاحبها فلا يجوز النقد فيها ~~بشرط على حال، قربت الغيبة أو بعدت؛ وأما الرباع فاشتراط النقد فيها جائز - ~~قربت غيبتها أو بعدت، وذلك أيضا إذا لم يشترها بصفة صاحبها، كذلك روى أشهب ~~عن مالك وهو تفسير لما في المدونة وغيرها، وبقية أحكام شراء الغائب يأتي ~~التكلم عليها في مواضعها من الكتاب، إن شاء الله، وبالله سبحانه وتعالى ~~التوفيق. # PageV02P083 ### | كتاب بيع الخيار # ] [ # فصل في بيان جواز البيع على الخيار # فصل في بيان جواز البيع على الخيار، البيع على الخيار جائز لقول رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «المتبايعان بالخيار، كل واحد منهما على ~~صاحبه ما لم يفترقا، إلا بيع الخيار» وفي بعض الآثار: «إلا أن تكون صفقة ~~خيار» فأخبر - صلى الله عليه وسلم - أن من البيع ما يكون فيه خيار، وقال - ~~صلى الله عليه وسلم - لحبان بن منقذ أو لأبيه منقذ بن عمرو الأنصاري، على ~~اختلاف في ذلك: «إذا بايعت فقل: لا خلابة، ولك الخيار ثلاثا» وذلك أنه قد ~~أتى عليه من السنين ثلاثون ومائة سنة، فكان إذا باع غبن فشكا ذلك إلى النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - فقال له: «إذا بايعت فقل: لا خلابة، ولك الخيار ~~ثلاثا» . فقيل: إن ذلك خصوص من النبي - صلى الله عليه وسلم - لذلك الرجل: ~~أن جعل الخيار له ثلاثا فيما باع أو اشترى- وإن لم يشترط ذلك، وقيل: بل ~~إنما جعل له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يشترط الخيار لنفسه ~~ثلاثا، مع قوله: لا خلابة، فيكون الحديث على هذا مستعملا، وأيا ما كان، فيه ms0606 ~~إجازة الخيار في البيع. # PageV02P085 # فصل والخيار في بيع في أصله غرر، وإنما جوزته السنة # لحاجة # الناس إلى ذلك، لأن المبتاع قد لا يخبر ما ابتاع فيحتاج إلى أن يختبره ~~ويعلم إن كان يصلح له أم لا، وإن كان يساوي الثمن الذي ابتاعه به أم لا، ~~وقد يحتاج في ذلك كله إلى رأي غيره، فيريد أن يستشير فيه، فجعل له الخيار ~~رفقا به، ولا يلزم مثل هذا في النكاح وإن كان الرجل قد يحتاج إلى اختبار ~~الزوجة التي يتزوج والتثبت في إن كانت ممن تصلح له أم لا، والاستشارة في ~~أمرها، أكثر مما يحتاج إليه في السلعة التي يبتاع، لأن البيع طريقه ~~المكايسة والمتاجرة، والنكاح طريقه المكارمة والمواصلة، فافترق لذلك ~~موضوعهما. # فصل والخيار يكون لوجهين: المشورة واختبار المبيع، أو لأحد الوجهين، ~~فالعبد يختبر عقله وخلقه وخدمته وبلادته ونشاطه، وكذلك الجارية يختبر عقلها ~~وخلقها وقوتها على الخدمة وإحكامها لما تتناوله من الطبخ والخبز وما أشبه ~~ذلك من الصنعة، والدار يختبر بناؤها وجيرانها ومكانها وينظر إلى أسسها ~~وحيطانها ومنافعها، والدواب يختبر خلقها وسيرها وقوتها من ضعفها ونشاطها من ~~عجزها وأكلها وحالها في وقوفها ووضع آلتها عليها وما أشبه ذلك، وأما الثياب ~~والعروض فلا وجه للاختبار فيها، وإنما الخيار فيها للمشورة خاصة، أو ليقيس ~~على نفسه ما اشترى من ذلك للباسه. # فصل فإن اشترط المشتري الخيار فيما يصح فيه الاختبار ولم يبين أنه إنما ~~اشترط الخيار للاختبار، وأراد قبض السلعة ليختبرها، وأبى البائع من دفعها ~~إليه وقال: إنما لك المشورة - إذ لم تشترط قبض السلعة في أمد الخيار ~~للاختبار؛ فالقول قول # PageV02P086 # البائع، ولا يلزمه دفعها إليه، إلا أن يشترط ذلك عليه، ولا يكون اشتراط ~~الخيار في العبد والجارية الجمعة ونحوها، وفي الدار الشهر والشهرين بدليل ~~على أنه إنما أراد الاختبار، لأن المشورة في ذلك لا تتساوى أيضا، بل تفترق ~~بافتراق المبيع، إذ ليس البحث والسؤال عن دار يريد اقتناءها وسكناها ويتعذر ~~عليه الاستبدال بها إذا لم توافقه، كالعبد والخادم، ولا العبد والخادم ~~كالسلع التي ms0607 لا مئونة عليه في بيعها والاستبدال بها. # فصل وللبائع من اشتراط الخيار مثل ما للمبتاع سواء، فإن اشترطه أحدهما ~~كان له الأخذ والرد دون صاحبه، وإن اشترطاه جميعا جاز أيضا، فإن اجتمعا على ~~رد أو إجازة، جاز ما اجتمعا عليه من ذلك، وإن اختلفا فأراد أحدهما إمضاء ~~البيع وأراد الآخر رده؛ فالقول قول من أراد رده، ولا يتم البيع إلا ~~باجتماعهما جميعا على الإجازة، لأن الذي أراد إمضاء البيع مسقط لحقه في ~~الرد بائعا كان أو مبتاعا، والذي أراد البيع منهما أخذ بحقه غير مسقط له، ~~فلا يسقط بإسقاط الذي أراد إمضاء البيع حق نفسه وهذا بين. # فصل وإذا كانت العلة في إجازة البيع على الخيار حاجة الناس إلى المشورة ~~فيه وإلى الاختبار، فحده قدر ما يختبر فيه البيع ويرتأى فيه ويستشار، على ~~اختلاف أجناسه وإسراع التغير إليه وإبطائه عنه، فيجوز الخيار في الدواب ~~اليوم واليومين والثلاثة، ولا يجوز فيها أكثر من ذلك، لإسراع التغير إليها، ~~ولأن اختبارها والعلم بما هي عليها من أحوالها، يحصل في هذه المدة؛ إذ ليست ~~من ذوي الميز الذي يخشى منها أن تستر ما فيها من الأخلاق الذميمة والعيوب ~~التي تزهد فيها، وتستعمل ما يرغب فيها من أجله، وكذلك العروض والثياب يجوز ~~الخيار فيها اليوم # PageV02P087 # واليومين والثلاثة، كالدواب سواء؛ لأنها وإن كانت مما لا يختبر كما تختبر ~~الدواب، فإنها لا يسرع إليها التغير، كما يسرع إلى الدواب، فلم يضيق في أجل ~~الخيار فيها لهذه العلة؛ وأما الرقيق فيجوز الخيار فيها أكثر من ذلك، قال ~~في المدونة: الخمسة الأيام والستة إلى الجمعة. وقال ابن المواز: الأربعة ~~الأيام والخمسة، ولا أفسخه في عشرة، وأفسخه في الشهر، وروى ابن وهب أن ~~مالكا - رحمه الله - أجاز الخيار في العبد شهرا وأباه ابن القاسم وأشهب في ~~الشهر، فوجه رواية ابن وهب عن مالك أن الرقيق ذو ميز، فربما ستر العبد ~~والجارية ما فيهما من الأخلاق الذميمة، واستعملا ما يرغب فيهما من أجله، ~~فاحتيج في اختبارهما إلى مدة لا يستتر فيها ms0608 ما طبعا عليه من الأخلاق غالبا، ~~وإن رأى ما ستره وهو الشهر عنده، ووجه قول ابن القاسم أنه وإن كان يحتاج في ~~الرقيق إلى الاختبار الكثير بما وصفناه من علة الميز، فإن الشهر بعيد يتغير ~~إليه الرقيق، فمنع من ذلك لعلة التغير، وأجاز من الخيار فيهما ما قد يحصل ~~فيه الاختبار ومعرفة الحال ولا يخشى معه التغير والانتقال - وهو الجمعة ~~ونحوها، وحمل الصغير الذي لا يميز في ذلك محمل الكبير المميز، جعل الباب في ~~ذلك واحدا لما لم يكن لوقت ميزه حد يرجع إليه لا يختلف، وأما الدور التي ~~يحتاج فيها إلى الاختبار ويؤمن عليها التغير، فيجوز الخيار فيها إلى الشهر؛ ~~قال ابن حبيب: والشهرين في الدور والأرضين، ولم يذكر في المدونة الأرضين ~~وما في الواضحة مفسر لما في المدونة. # فصل فأمد الخيار في البيع إنما هو بقدر ما يحتاج إليه في الاختبار ~~والارتياء مع مراعاة إسراع التغير إلى المبيع وإبطائه عنه، خلافا للشافعي ~~وأبي حنيفة رحمهما الله في قولهما: إنه لا يجوز الخيار في شيء من الأشياء ~~فوق ثلاث. # PageV02P088 # فصل فإن زاد في أجل الخيار إلى فوق ما يحتاج إليه، فسد البيع ولم يجز، ~~لخروجه بذلك إلى الغرر الذي لا يجوز في البيوع، وأما إن لم يضربا للخيار ~~أجلا واشترطاه، فلا يفسد البيع ويضرب لهما من الأجل بقدر ما تختبر إليه تلك ~~السلع، لأن الحد في ذلك معروف، فإذا أخلا بذكره، فإنما دخلا على العرف ~~والعادة. # فصل ولكل واحد من المتبايعين أن يشترط الخيار لغيره، فإن اشترطه أحدهما ~~دون صاحبه لغيره، فاختلف في ذلك على أربعة أقوال، (أحدهما) أن ذلك حق ~~لمشترطه من المتبايعين دون صاحبه، فإن كان البائع منهما هو مشترط الخيار ~~لغيره، كان له أن يمضي البيع للمبتاع إن شاء ويرد إن شاء، ولا يلزمه إجازة ~~من اشترط له الخيار - إن أراد هو الرد، ولا رده - إن أراد هو الإجازة - إن ~~أراد المشتري أن يلزمه ذلك. إذ لا حق له في ذلك معه؛ وإن كان المبتاع منهما ms0609 ~~هو مشترط الخيار لغيره، فكذلك أيضا يكون بالخيار بين أن يأخذ أو يرد، ولا ~~يلزمه إجازة من اشترط الخيار إن أراد هو الرد، ولا رده إن أراد هو الإجازة ~~وأراد البائع أن يلزمه ذلك، إذ لا حق له في ذلك معه على هذا القول، ~~كالمشورة التي لمشترطها تركها والقضاء بما أحب من رد أو إجازة سواء؛ هذا ~~قول ابن حبيب في الواضحة واختيار ابن لبابة في كتابه المنتخب، (والقول ~~الثاني) أن الرد والإجازة بيد من جعل إليه الخيار، وذلك حق للباقي من ~~المتبايعين دون من اشترط ذلك منهما لغيره، فإن أراد الذي اشترط الخيار ~~منهما لغيره أن يرد أو يجيز وأبى الباقي منهما إلا أن يلزمه ما # PageV02P089 # يقضي به من جعل إليه الخيار من رد أو إجازة، كان ذلك له، هذا قوله في ~~المدونة في المبتاع إذا اشترط الخيار لغيره وله في البائع إذا اشترط الخيار ~~لغيره مثله في موضع منها، لأنه قال فيه: فإن رضي فلان البيع فالبيع جائز، ~~ودليل هذا الكلام أنه إن لم يرض ورد فهو مردود، ولا كلام في ذلك للبائع ~~الذي اشترط رضاه أو خياره. (والقول الثالث) أن ذلك حق لهما جميعا، حق ~~للبائع إن أراد إمضاء البيع للمبتاع، وأراد الذي جعل إليه البائع الخيار أن ~~يرد؛ وحق للمبتاع إن أراد الذي جعل إليه البائع الخيار إمضاء البيع، وأراد ~~البائع أن يرد، فبيان هذا الوجه أنه إن أراد البائع إمضاء البيع لزم ذلك ~~المبتاع، وإن أراد الذي جعل إليه البائع الخيار أن يرد، وإن أراد الذي جعل ~~إليه البائع الخيار - إمضاء البيع، كان للمبتاع أن يأخذ ولزم ذلك البائع، ~~وإن كره وأراد الرد، فيلزم المبتاع البيع، وإن كره برضى البائع ويلزم ~~البائع البيع - وإن كره برضا من جعل إليه الخيار، إلا أن يوافق المبتاع ~~البائع على ما أراد من الردة، وكذلك إن كان المبتاع منهما هو الذي اشترط ~~الخيار لغيره وأراد الأخذ، كان ذلك له؛ وإن أراد الذي جعل إليه أن يرد، فإن ~~أراد الذي ms0610 يشترط له الخيار الإجازة، كان للبائع أن يلزم المبتاع البيع. ~~وبيان هذا الوجه أن البيع يلزم البائع وإن كره برضى المبتاع، ويلزم المبتاع ~~وإن كره برضى الذي جعل إليه الخيار. هذا قوله في المدونة في البائع إذا ~~اشترط رضى غيره في موضع منها، لأنه قال فيه: فإن رضي البائع أو رضي فلان ~~البيع، فالبيع جائز، ومثله يلزم في المبتاع على مذهب من لم ير بين اشتراط ~~البائع والمبتاع في ذلك فرقا، وجعل اختلاف جوابه في السؤالين اختلاف قول، ~~لا من أجل افتراق المسألتين؛ وتأول أبو إسحاق التونسي ما في المدونة في ~~البائع بجعل الخيار لغيره أن ذلك بمنزلة الوكالة، ومن سبق منهما فرده أو ~~أجازه مضى ما فعل؛ قال: وهو القياس، ومثله يلزم في المبتاع خلاف ما في ~~المدونة. (والقول الرابع) الفرق بين أن يشترط ذلك البائع أو المبتاع، وعلى ~~ذلك تأول ما في المدونة ابن أبي زيد وأبو إسحاق التونسي وابن لبابة، إلا ~~أنهم اختلفوا في التأويل إذا اشترط ذلك البائع: فذهب ابن لبابة إلى أن ~~البيع يلزم المبتاع برضى البائع، ويلزم البائع برضى الذي جعل إليه الخيارة، ~~ومثله تأويل ابن # PageV02P090 # أبي زيد، على هذا حمل ابن لبابة قول مالك - رحمه الله تعالى - في الموطأ، ~~وقول ابن نافع في تفسير ابن مزين، والأظهر من قولهما - عندي - أن للذي جعل ~~إليه البائع الخيار الرد والإجازة، وأن ذلك حق للمبتاع؛ وذهب أبو إسحاق ~~التونسي إلى ما حكيناه عنه، أن ذلك بمنزلة الوكالة؛ ولم يختلفوا في تأويل ~~ما وقع في المدونة إذا اشترط ذلك المبتاع، والظاهر- عندي فيما وقع في ~~المدونة - أن ذلك اختلاف من قوله في البائع لا يدخل في المبتاع، فمرة جعل ~~اشتراط البائع ذلك كاشتراط المبتاع، ومرة فرق بينهما، وقد قيل: إن ما وقع ~~في المدونة ليس باختلاف قول، وإنما يرجع ذلك إلى الفرق بين البائع والمباع، ~~وقد قيل: إن ذلك اختلاف قول يدخل في البائع والمبتاع، وأما المشورة فلا ~~اختلاف بينهم أن لمشترطها تركها، وأن الحق في ذلك لمشترطها ms0611 من المتبايعين ~~دون صاحبه، إلا ما حكى أبو إسحاق التونسي أن ظاهر ما في كتاب محمد بن ~~المواز - رحمه الله تعالى - أن المشورة كالخيار في أنه إذا سبق فأشار بشيء ~~لزم، وهو بعيد؛ فتأمل قوله في الأصل. وأما ما حكاه أبو إسحاق التونسي عن ~~ابن نافع أن المشورة كالخيار سواء في أن للمشترط مشورته الأخذ أو الرد، فهو ~~نقل غير صحيح، لأنه إنما تكلم على مشورة مقيدة بالخيار، وذلك كمجرد الخيار، ~~فتأمل ذلك في تفسير ابن مزين. # فصل ولا يجوز للبائع أن يشترط النقد في أيام الخيار، فإن فعل فسخ البيع ~~بذلك، لأن النقد المدفوع يصير مرة ثمنا - إن تم البيع، ومرة سلفا - إن لم ~~يتم؛ فإن فعل، فسخ البيع - على كل حال وليس كالبيع والسلف الذي إذا أراد ~~مشترط السلف إسقاطه صح البيع على أحد القولين، هذا هو ظاهر المدونة؛ لأنه ~~ذكر القيمة فيمن اشترى بالخيار بيعا فاسدا، لاشتراطه النقد ثم وجد عيبا ولم ~~يقل الأقل من القيمة أو الثمن. وفي كتاب ابن سحنون أنه كالبيع والسلف، ولا ~~فرق # PageV02P091 # عندي بين المسألتين؛ وأما النقد من غير شرط فجائز إلا فيما لا يمكن ~~التناجز فيه بعد أمد الخيار، كالسلم والعبد الغائب والجارية التي فيها ~~المواضعة، لأنه إن تم البيع دخله فسخ الدين. # فصل وكما لا يجوز للبائع اشتراط النقد لينتفع به أمد الخيار، فكذلك لا ~~يجوز للمبتاع اشتراط الانتفاع بالمبيع أمد الخيار، لأنه غرر أيضا، إن لم ~~يتم البيع كان قد انتفع بالسلعة باطلا من غير شيء، وإنما جوز له من ذلك قدر ~~ما يقع به الاختبار - خاصة فيما يختبر بالاستعمال كركوب الدابة، واستخدام ~~العبد في الشيء اليسير الذي لا ثمن له. # فصل والمبيع بالخيار في أمد الخيار على ملك البائع، كان الخيار له أو ~~للمبتاع أو لهما، فإن تلف فمصيبته منه، كان بيده أو بيد المبتاع، إلا أن ~~يكون بيد المبتاع، ويغيب عليه وهو مما يغاب عليه ويدعي تلفه، ولا يعرف ذلك ~~إلا بقوله، فلا يصدق في ذلك ويكون ms0612 عليه قيمة الثمن؛ لأنه يتهم أن يكون غيبه ~~وحبسه عن صاحبه، فذلك رضا منه بالثمن؛ وقد روي عن مالك أن الضمان من ~~المشتري فيما بيع على الخيار - إن كان الخيار له، ومن البائع - إن كان ~~الخيار له - وهو قول ابن كنانة. # فصل والخيار في هذا بخلاف الاختيار على مذهب ابن القاسم، لأنه إذا اشترى ~~ثوبا من ثوبين أو عبدا من عبدين، على أن يأخذ أيهما شاء بثمن قد سمياه ~~فتلفا، فالضمان في أحدهما من البائع، وفي الثاني من المبتاع - قامت على ~~تلفهما بينة أو لم تقم - فيكون عليه نصف الثمن، إذ لم يعرف الذي قبضه على ~~الاشتراء من الذي قبضه على الائتمان، وكذلك لو اجتمع الخيار والاختيار على ~~مذهب ابن # PageV02P092 # القاسم، فادعى تلفهما - ولم يعرف ذلك إلا بقوله؛ وأما لو قامت بينة على ~~تلفهما، لكانت مصيبتهما من البائع لأن الواحد قبضه على الائتمان فضمانه من ~~البائع، (والثاني) على الخيار فضمانه من البائع أيضا - لقيام البينة على ~~تلفه؛ هذا مذهب ابن القاسم في هذه المسألة، وفيها اختلاف كثير، ولها تفصيل ~~وتفسير ليس هذا موضع ذكره. # فصل وإنما يجوز اشتراء الثوب من الثياب على الاختيار والإلزام في الصنف ~~الواحد، وهو في الصنفين من بيعتين في بيعة، وقد «نهى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عن بيعتين في بيعة» ومعنى ذلك أن يتناول عقد البيع مبيعين لا ~~يتم البيع مع لزومه للمتبايعين أو لأحدهما إلا في أحد المبيعين؛ وإنما ~~قلنا: في أحد المبيعين، ولم نقل: أحد الثمنين، ولا أحد المثمونين، لأعم ~~بذلك الوجهين؛ إذ لا فرق بين أن يتناول ثمنين أو مثمونين على الوجه ~~المذكور، لأن الثمن مبيع بالمثمون، كما أن المثمون مبيع بالثمن. # فصل فإذا انعقد البيع في مثمون واحد على ثمنين أو في مثمونين على ثمن ~~واحد، أو في مثمونين على ثمنين، فلا يخلو ذلك من وجهين (أحدهما) أن يجوز ~~تحويل أحدهما في الآخر، (والثاني) أن لا يجوز ذلك؛ فأما إذا لم يجز تحويل ~~أحدهما في الآخر، فإن ذلك لا يجوز ms0613 باتفاق مع ظهور التهمة، فإن سلما من ~~التهمة، جاز ذلك، مثل أن يختلف المبيعان فيما عدا الطعام في القلة والكثرة ~~مع النقد أو التساوي في الأجل، أو الاختلاف فيه، مثل أن يكون المؤجل أو ~~الذي هو أبعد أجلا أقل عددا؛ إذ لا غرض في ذلك يتوخى ويقصد إليه، مثل أن ~~يبيع منه سلعة بدينار نقدا، أو بدينارين نقدا، أو يبيعها منه بدينارين نقدا ~~أو دينارين إلى أجل؛ فهذا وإن كان لا # PageV02P093 # يجوز تحويل أحد الثمنين في الآخر فإن البيع على أحدهما من غير تعيين مع ~~لزومه للمتبايعين أو لأحدهما جائز، لأنه يعلم أن البيع إنما وجب بالأكثر إن ~~كان الخيار للبائع، أو بالأقل إن كان الخيار للمبتاع؛ إذ لا يشك في أنه هو ~~الذي يختار، إذ لا غرض في اختيار الثمن الآخر عليه. وأما الوجه الثاني وهو ~~أن يجوز تحويل أحد الثمنين أو المثمونين في صاحبه، فإن ذلك ينقسم على أربعة ~~أقسام (أحدها) أن يكون الثمنان والمثمونان صنفين مختلفين مما يجوز أن يسلم ~~أحدهما في الآخر، (والثاني) أن يكونا صنفا واحدا إلا أن صفتهما مختلفة ~~متباينة، (والثالث) أن يكونا صنفا واحدا وصفة واحدة، إلا أنهما متفاضلان في ~~الجودة، والرابع أن يكونا صنفا واحدا وصفة واحدة متساويين في الجودة. # فصل فأما إن كانا صنفين مختلفين مما يجوز أن يسلم أحدهما في الآخر، فلا ~~يجوز إلا على قول عبد العزيز بن أبي سلمة؛ وكذلك إن كانا صنفا واحدا إلا أن ~~الصفة اختلفت وتباينت حتى جاز سلم أحدهما في الآخر، وأما إن كانا صنفا ~~واحدا إلا أن صفتهما مختلفة متباينة تباينا لا يجوز معه سلم أحدهما في ~~الآخر، فيجوز عند ابن المواز وعلى قول عبد العزيز بن أبي سلمة أيضا؛ وأما ~~إن كانا صنفا واحدا إلا أنهما متفاضلان في الجودة، فيجوز على ما في المدونة ~~ومذهب ابن المواز وقول عبد العزيز بن أبي سلمه، ولا يجوز عند ابن حبيب؛ ~~وأما إن كانا صنفا واحدا وصفة واحدة، فيجوز عند جميع أصحابنا، خلافا ~~للشافعي وأبي ms0614 حنيفة رحمهما الله في قولهما: إنه لا يجوز لهما أن يفترقا إلا ~~على ثمن معلوم؛ والدليل على صحة قولنا أن الثمن معلوم ودخول الاختيار في ~~أحد الثوبين لا تأثير له في الثمن، وإنما يعود ذلك إلى تعيين المبيع، وذلك ~~لا يمنع صحة العقدة، كما لو اشترى منه قفيز قمح من جملة صبرة فيها أقفزة. # فصل والبيع لازم للمتبايعين إذا تم البيع بينهما بالكلام وإن لم يفترقا ~~بالأبدان، إلا # PageV02P094 # أن يشترطا الخيار، وما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من رواية ابن ~~عمر وغيره أنه قال: «المتبايعان كل واحد منهما على صاحبه بالخيار ما لم ~~يفترقا، إلا بيع الخيار» لم يأخذ به مالك - رحمه الله - ولا رأى العمل عليه ~~لوجهين، (حدهما) استمرار العمل بالمدينة على خلافه، وما استمر عليه العمل ~~بالمدينة واتصل، فهو عنده مقدم على أخبار الآحاد العدول، لأن المدينة دار ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وبها توفي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ~~متوافرون، فيستحيل أن يتصل العمل منهم في شيء على خلاف ما روي عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، إلا وقد علموا النسخ فيه. (والثاني) احتماله ~~للتأويل، لأن الافتراق في اللغة يكون بالكلام والإنجاز إلى المعاني ~~والتباين فيها؛ قال الله عز وجل: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من ~~بعد ما جاءهم البينات} [آل عمران: 105] وقال تعالى: {وما تفرق الذين أوتوا ~~الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة} [البينة: 4] وقال تعالى: {وإن يتفرقا ~~يغن الله كلا من سعته} [النساء: 130] وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «تفترق أمتي على اثنتين وسبعين فرقة» فيكون معنى الحديث أن المتساومين ~~كل واحد منهما على صاحبه بالخيار ما لم يكملا البيع بالقول ويستبد كل واحد ~~منهما بما صار إليه عوضا عما صار لصاحبه؛ لأن المتساومين يقع عليهما اسم ~~متبايعين، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يبع بعضكم على بيع ~~بعض» فسمى التساوم بيعا لأن المتبايعين لا يوصفان حقيقة بأنهما متبايعان، ~~إلا في حين مباشرة البيع والتلبس به. وأما بعد كماله ms0615 وانفصال كل واحد منهما ~~عن صاحبه واستبداده بما صار إليه، فلا يوصفان بأنهما متبايعان إلا مجازا لا ~~حقيقة. # PageV02P095 # فصل فإذا احتمل الحديث أن يحمل على هذا لم يصح أن يفرق بين عقد البيع ~~وسائر العقود اللازمة باللفظ، إلا بنص جلي لا يحتمل التأويل، وليس ذلك ~~بموجود في مسألتنا هذه، بل ظاهر القرآن وما في السنن الثابتة والآثار، يدل ~~على أن الأملاك المبيعة تنتقل بتمام اللفظ بالبيع على ما يتراضى عليه ~~المتبايعان وإن لم يفترقا بأبدانهما، قال الله عز وجل: {يا أيها الذين ~~آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} ~~[النساء: 29] فوصف تعالى التجارة التي تنتقل بها الأملاك بالتراضي خاصة دون ~~التفرق بالأبدان، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من ابتاع طعاما ~~فلا يبعه حتى يستوفيه» . فظاهره قبل الافتراق وبعد، لأنه - صلى الله عليه ~~وسلم - أطلق بيعه بعد الاستيفاء من غير أن يقيد ذلك بالافتراق؛ وقال - صلى ~~الله عليه وسلم -: «إذا اختلف المتبايعان، فالقول ما قال البائع أو ~~يترادان» فسواء كان اختلافهما قبل التفرق أو بعده على ظاهر الحديث، والتراد ~~إنما يكون بعد تمام البيع، وإنما أدخل مالك - رحمه الله - هذا الحديث في ~~موطئه عقيب حديث البيعان بالخيار، على طريق التفسير له والبيان لمعناه. # فصل وأما قول من قال: إن حديث البيعان بالخيار، منسوخ بحديث ابن مسعود - ~~رضي الله عنه -: «إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع أو يترادان» وما ~~أشبهه من ظواهر الآثار، فلا يصح، لأن النسخ إنما يكون فيما يتعارض من ~~الأخبار، ولا يمكن الجمع بينهما، والجمع بين هذين الحديثين ممكن بحمل ~~التفرق المذكور في الحديث على التفرق بالأبدان أو التفرق بالكلام، وإنما ~~يستدل على أنه منسوخ # PageV02P096 # باستمرار العمل بالمدينة على خلاف ما قدمناه؛ وقد روي عن ابن عمر راوي ~~الحديث ما يدل على أنه حديث ترك العمل بظاهره في زمن الصحابة بالمدينة، إما ~~لنسخ علموه فيه، وإما لتأويل تأولوه عليه، وذلك أنه قال: "بعت من عثمان ~~أمير المؤمنين ما بالوادي بمال لي ms0616 بخيبر، فلما تبايعنا رجعت على عقبي حتى ~~خرجت من عنده خشية أن يراد في البيع، وكانت السنة أن البيعين بالخيار ما لم ~~يفترقا " ولا يقال: كان كذا وكذا، إلا لما قد كان وذهب، لا لما هو قائم ~~ثابت بعد؛ وفي قوله - رضي الله عنه -: كانت السنة، يريد حين مبايعته عثمان ~~- رضي الله عنه -، وذلك بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - إشكال، لأن ~~النسخ لا يكون بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا وجه لقوله عندي - ~~والله أعلم: كانت السنة، إلا أنه أراد: أي كانت السنة عندي وفي مذهبي - على ~~ما كنت أحمل عليه الحديث، أن المراد بالتفرق فيه التفرق بالأبدان؛ وهذا يدل ~~على أنه - رضي الله عنه - رجع عن مذهبه في أن البيعين بالخيار ما لم يفترقا ~~بأبدانهما - إلى أن البيع يلزم المتبايعين بتمام البيع بالكلام - وإن لم ~~يفترقا عن مجلسهما. # فصل فإن قيل: إذا قلت في حديث البيعين بالخيار: إن المتبايعين هما ~~المتساومان، بطلت فائدة الحديث؛ إذ لا يشك أحد أن المتساومين كل واحد منهما ~~بالخيار على صاحبه ما لم يتم البيع بالكلام، هذا معلوم بالفطرة لا يحتاج ~~إلى بيان؛ فالجواب عن ذلك أن فائدة الحديث لا تبطل، لأن المستفاد منه على ~~ما تأولناه: أن البيع يلزم بمجرد العقد، إلا أن يكون البيع شرط فيه الخيار ~~فيثبت فيه الخيار على حسبما شرط فيه، وبكون الاستثناء في قوله: إلا بيع ~~الخيار، مما يقتضيه لفظ الحديث ويدل عليه، كأنه قال: المتبايعان كل واحد ~~منهما على صاحبه بالخيار ما لم يفترقا، فإن تفرقا، معناه باللفظ، فلا خيار ~~لهما إلا في بيع الخيار وهذا بين. # فصل وقد يحتمل أن تكون فائدة الحديث والمراد به عند من ذهب إلى أن الفرقة # PageV02P097 # بالأقوال أن من أوجب البيع من المتساومين لصاحبه، لا يلزمه وله الرجوع ~~عنه في المجلس ما لم يجبه صاحبه بالقبول فيه، وهذا ظاهر إلا أنه ليس على ~~مذهب مالك، وإنما هو قول محمد بن الحسن؛ والذي يأتي على المذهب أن من ms0617 أوجب ~~البيع من المتبايعين لصاحبه، لزمه إن أجابه صاحبه في المجلس بالقبول ولم ~~يكن له أن يرجع عنه، قبل ذلك، ويحتمل أن يكون معنى الحديث وفائدته التي سيق ~~إليها أن المتساومين ما لم يوجب أحدهما لصاحبه البيع فلا يلزم البائع البيع ~~بما طلب من الثمن ولا المبتاع الأخذ بما بذل منه في حال المساومة، وأن لكل ~~واحد منهما أن يرجع عن ذلك ما لم يتم البيع بالكلام، وهذا يأتي على قول ~~مالك في المدونة. # فصل وإذا حمل الحديث على هذا جاز أن يحمل الاستثناء في قوله في الحديث: ~~إلا بيع الخيار، على ما تقدم، وأن يحمل على معنى أن يقول أحدهما لصاحبه: ~~اختر أو رد، فيختار، فيلزم بذلك البيع وينقطع به الخيار على ما روي في بعض ~~الآثار: أن «المتبايعين كل واحد منهما على صاحبه بالخيار ما لم يفترقا، إلا ~~أن يقول أحدهما لصاحبه: اختر» ؛ وهذا اللفظ تعلق به الشافعي وكل من حمل ~~الحديث على ظاهره فرأى الخيار للمتبايعين وإن تم البيع بينهما بالكلام ما ~~لم يفترقا بالأبدان، والتأويل الأول أظهر، لأن لفظ الخيار إذا أطلق في ~~الشرع إنما يفهم منه إثبات الخيار لا قطعه، ومن أهل العلم من ذهب إلى أن ~~المراد بالفرقة فرقة الأبدان، إلا أنها فرقة تحل العقد وتبطل ما أوجبه أحد ~~المتبايعين على نفسه لصاحبه، وهو معنى حسن يخرج على المذهب، وبالله سبحانه ~~وتعالى التوفيق. # PageV02P098 ### | كتاب العيوب # تحريم التدليس بالعيوب أصل ما بنيت عليه أحكام هذا الكتاب: كتاب الله ~~تعالى وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وذلك أن الله تبارك وتعالى نهى عن ~~أكل المال بالباطل في كتابه وعلى لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فقال ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} [النساء: ~~29] وقال: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} [البقرة: 188] وقال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - في خطبته المشهورة: «ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم ~~عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا هل بلغت ألا هل ~~بلغت ألا ms0618 هل بلغت» وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يحل مال ~~امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه» ، والتدليس بالعيوب من أكل المال بالباطل ~~الذي حرمه الله في كتابه وعلى لسان رسوله عيه، ومن الغش والخلابة اللذين ~~نهى عنهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لحيان بن منقذ: «إذا ~~بايعت فقل: لا خلابة» وقال: «من غشنا فليس منا» أي ليس # PageV02P099 # على مثل هدينا وطريقتنا لأن الغش لا يخرج الغاش من الإيمان، فهو معدود في ~~جملة المؤمنين إلا أنه ليس على هديهم وسبيلهم، لمخالفته إياهم في التزام ما ~~يلزمه في شريعة الإسلام من النصح لأخيه المسلم، قال الله عز وجل: {إنما ~~المؤمنون إخوة} [الحجرات: 10] وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمن ~~أخ المؤمن، يشهده إذا مات، ويعوده إذا مرض وينصح له إن غاب أو شهد» وقال - ~~صلى الله عليه وسلم -: «لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا، وكونوا عباد ~~الله إخوانا» ، فلا يحل لامرئ مسلم أن يبيع عبدا أو أمة أو سلعة من السلع ~~أو دارا أو عقارا أو ذهبا أو فضة أو شيئا من الأشياء - وهو يعلم فيه عيبا، ~~قل أو كثر، حتى يبين ذلك لمبتاعه ويقفه عليه وقفا يكون علمه به كعلمه، فإن ~~لم يفعل ذلك وكتمه العيب وغشه بذلك، لم يزل في مقت الله ولعنة ملائكة الله، ~~روي عن واثلة بن الأسقع أنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: «من باع عيبا لم يبينه لم يزل في مقت الله، أو: لم تزل الملائكة ~~تلعنه» ، وقد يحتمل أن يحمل قوله: «من غشنا فليس منا» على ظاهره فيمن غش ~~المسلمين مستحلا لذلك، لأنه من استحل التدليس بالعيوب والغش في البيوع ~~وغيرها، فهو كافر حلال الدم يستتاب، فإن تاب من ذلك وإلا قتل. # فصل والعيوب تنقسم على قسمين: عيب يمكن التدليس به، وعيب لا يمكن التدليس ~~به، أما ما لا يمكن التدليس به، فلا يجب الرد به في القيام ولا الرجوع ~~بقيمته في الفوات. وهو على وجهين، ms0619 (أحدهما) ما استوى البائع والمبتاع في ~~الجهل بمعرفته، وكان في أصل الخلقة باتفاق، أو لم يكن في أصلها على اختلاف ~~لم # PageV02P100 # يختلف أصحاب مالك في جملة هذا، واختلفوا في تفصيله على ما سيأتي في موضعه ~~من الكتاب إن شاء الله، (والثاني) ما استوى البائع والمبتاع في المعرفة به، ~~وذلك ما كان من العيوب ظاهرا لا يخفى، وأما ما يمكن التدليس به فإنه على ~~ثلاثة أوجه، (أحدها) أن لا يحط من الثمن شيئا ليسارته، أو لأن المبيع لا ~~ينفك منه، (والثاني) أن التدليس يحط من الثمن يسيرا، (والثالث) أن يحط منه ~~كثيرا؛ فأما ما لا يحط من الثمن شيئا ليسارته، أو لأن المبيع لا ينفك منه، ~~فإنه لا حكم له، وأما ما يحط من الثمن يسيرا فإنه لا يخلو من أن يكون في ~~الأصول أو في العروض، فإن كان في الأصول فإنه لا يجب به الرد وإن كان ~~المبيع قائما، وإنما الواجب فيه الرجوع بقيمة العيب، وذلك كالصدع في الحائط ~~وما أشبه ذلك؛ وأما إن كان في العروض، فظاهر الروايات في المدونة وغيرها أن ~~الرد يجب به كالكثير سواء، وقيل: إنه كالأصول، لا يجب الرد به وإنما فيه ~~الرجوع بقيمته، وعلى هذا كان الفقيه ابن رزق - رحمه الله - يحمل ظاهر ~~الروايات حيثما وقعت ويقول: لا فرق بين الأصول في ذلك والعروض، ويؤيد ~~تأويله في ذلك أن زيادا روى عن مالك - رحمه الله - فيمن ابتاع ثوبا فإذا ~~فيه خرق يسير يخرج في القطع أو نحوه من العيوب، لم يرد به، ووضع عنه قدر ~~العيب، وكذلك هو في جميع الأشياء. وقعت هذه الرواية في الكتاب الجامع لقول ~~مالك - رحمه الله - المؤلف للحكم، وفي المختصر الكبير نحوه. قال: ولا يرد ~~من العيوب إلا من عيب كثير ينقص ثمنه وتخاف عاقبته ولا ينظر في ذلك إلى ما ~~يرده التجار، فانظر في ذلك. # فصل ولا أعرف للمتقدمين من أصحابنا حدا في اليسير الذي لا يجب الرد به في ~~العقار أو في الدور والعروض على أحد القولين، ms0620 وقد رأيت لابن عتاب - رحمه ~~الله تعالى - أنه سئل عن العيب الذي يحط من الدار ربع الثمن، فقال: ذلك ~~كثير يجب الرد به، وقال ابن القطان: إن كان قيمة العيب مثقالين فهو يسير ~~يرجع المبتاع # PageV02P101 # بهما على البائع ولا يرد البيع، وإن كان قيمته عشرة مثاقيل فهو كثير يجب ~~الرد به، فقال: إن عشرة مثاقيل كثير ولا يبين من أي الثمن، والذي عندي أن ~~عشرة مثاقيل من مائة مثقال كثير يجب الرد به. # فصل وأما ما يحط من الثمن كثيرا فلا يخلو المبيع فيه من خمسة أحوال ~~(أحدها) أن يكون بحسبه لم يدخله زيادة ولا نقصان، (والثاني) أن يدخله ~~زيادة، (والثالث) أن يدخله نقصان ولا تفوت عينه، (والرابع) أن تفوت عينه أو ~~أكثر العين بخروجه عن ملكه، (والخامس) أن يعقد فيه عقدا يمنعه من رده. # فصل فأما الحال الأولى، وهو أن يكون المبيع قائما بحسبه لم يدخله زيادة ~~ولا نقصان، فإن المبتاع فيه بالخيار بين أن يرد ويرجع بجميع الثمن، أو يمسك ~~ولا شيء له من الثمن، والأصل في ذلك حديث المصراة، وهو قوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن ~~يحلبها، إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعا من تمر» . # فصل وأما الحال الثانية، وهو أن يدخل المبيع زيادة، فإن الزيادة لا تخلو ~~من خمسة أوجه (أحدها) زيادة بحوالة الأسواق، (والثاني) زيادة في حال ~~المبيع، (والثالث) زيادة في عين المبيع بنماء حادث فيه أو بشيء من جنسه ~~مضاف إليه، (والرابع) زيادة من غير جنس المبيع مضافة إليه، (والخامس) ما ~~أحدثه المشتري في المبيع من صنعة مضافة إليه، كالصبغ والخياطة وما أشبه ذلك ~~مما لا ينفصل عنه إلا بفساد. # PageV02P102 # فصل فأما الزيادة بحوالة الأسواق فإنه لا يعتبر بها ولا توجب للمبتاع ~~خيارا، وكذلك الزيادة في حال المبيع، مثل أن يكون عبدا فيتعلم الصناعات ~~ويتخرج، فتزيد قيمته لذلك، وأما الزيادة في عين المبيع لنماء حادث فيه، ~~كالدابة تسمن أو الصغير يكبر، أو بشيء ms0621 من جنسه مضاف إليه كالولد يحدث ~~للمبيع، فاختلف أصحابنا في ذلك: فلهم في الدابة تسمن والولد يحدث قولان، ~~(أحدهما) أن ذلك ليس بفوت، وهو مخير بين أن يرد الدابة بحالها، أو يردها ~~بولدها إن حدث لها ولد، أو يمسك ولا شيء له، (والثاني) أن ذلك فوت، وهو ~~مخير بين أن يرد الدابة بحالها أو يردها بولدها إن حدث لها ولد، وبين أن ~~يمسك ويرجع بقيمة العيب، ولهم في الصغير يكبر هذان القولان، وقول ثالث في ~~المدونة أن ذلك فوت وله قيمة العيب ولا خيار له في الرد، ولا فرق بين ~~المسائل الثلاث ما لم يكن الكبر نقصا كالهرم وما أشبه ذلك. # وأما الزيادة المضافة إلى المبيع من غير جنسه، فذلك مثل أن يشتري العبد ~~ولا مال له فيفيد عنده مالا بهبة أو صدقة أو كسب من تجارة ما لم يكن ذلك من ~~خراجه، أو يشتري النخلة ولا ثمرة فيها، فتثمر عنده ثم يجد عيبا، فإن هذا لا ~~اختلاف فيه أن ذلك لا يوجب له خيارا ويكون مخيرا بين أن يرد العبد وماله ~~والنخل بثمرتها ما لم تطب ويرجع بالسقي والعلاج، على مذهب ابن القاسم، أو ~~يمسك ولا شيء له في الوجهين جميعا. # وأما الزيادة بما أحدثه المشتري في المبيع من صنعة مضافة إليه كالصبغ ~~والخياطة والكمد، وما أشبه ذلك مما لا ينفصل عنه إلا بفساد، فلا اختلاف أن ~~ذلك يوجب له الخيار بين أن يمسك ويرجع بقيمة العيب، أو يرد ويكون شريكا بما ~~زاد مما أحدثه من الصبغ وشبهه، لأنه أخرج ماله فيه، فلا يذهب هدرا. # فصل ووجه العمل في ذلك: أن يقوم الثوب يوم البيع سليما من عيب التدليس، ~~فإن كان قيمته مائة قوم أيضا يوم البيع بقيمة التدليس، فإن كانت قيمته ~~ثمانين، قوم أيضا # PageV02P103 # يوم الحكم غير مصبوغ، فإن كانت قيمته خمسة وثمانين، قوم أيضا يوم الحكم ~~مصبوغا؛ فإن كانت قيمته خمسة وتسعين، كان مخيرا بين أن يمسك ويرجع بخمس ~~الثمن، أو يرد ويأخذ جميع الثمن ويكون شريكا ms0622 في الثوب بما يقع للعشرة التي ~~بين القيمتين من الخمسة والتسعين - وذلك جزآن من تسعة عشر، وإن كانت ~~الأسواق حالت بنقصان، لم يقوم يوم الحكم غير مصبوغ وقوم مصبوغا، فإن كانت ~~قيمته يوم الحكم مصبوغا خمسة وثمانين، كان شريكا في الثوب إن رده بجزء من ~~سبعة عشر - وهو ما تقع الخمسة التي بين قيمته يوم الحكم مصبوغا، وبين قيمته ~~يوم الشراء غير مصبوغ من قيمته يوم الحكم مصبوغا؛ وتحصيل هذا الذي قلناه: ~~أن الأسواق إن كانت حالت بزيادة لم يكن بد أن يقوم في الرد يوم الحكم ~~مصبوغا وغير مصبوغ؛ إذ لا يصح أن يكون شريكا بما زادت الأسواق؛ وإن كانت ~~الأسواق حالت بنقصان لم يقوم يوم الحكم إلا مصبوغا خاصة، وكان شريكا بما ~~زادت قيمته يوم الحكم مصبوغا على قيمته يوم الشراء غير مصبوغ، على ما ~~ذكرناه؛ وهذا قول بعض أهل النظر - وفيه عندي نظر، والقياس أن يقوم يوم ~~الحكم مصبوغا وغير مصبوغ، وإن حالت الأسواق بنقصان، فيكون شريكا بما زاد ~~الصبغ على كل حال، لأن حوالة الأسواق ليس بفوت في الزيادة ولا في النقصان، ~~ويلزم البائع أن يأخذ ثوبه بزيادته ونقصانه، فكما تكون له الزيادة، ولا ~~يشاركه بها المبتاع، وإنما يشاركه بما زاد الصبغ خاصة، فكذلك يكون عليه ~~النقصان ويشاركه المبتاع بما زاد الصبغ ولا ينقص من ذلك بسبب نقصان حوالة ~~الأسواق. # فصل وأما الحال الثالثة وهو أن يدخل المبيع نقصان، فإن النقصان أيضا لا ~~يخلو من خمسة أوجه (أحدها) نقصان بحوالة الأسواق، (والثاني) نقصان بتغير ~~حال المبيع، (والثالث) نقصان بتغير عين المبيع، (والرابع) نقصان من غير جنس ~~المبيع، (والخامس) بما أحدثه المبتاع في المبيع؛ فأما النقصان بحوالة ~~الأسواق فلا يعتبر به، وهو مخير بين أن يرد ولا شيء عليه، أو يمسك ولا شيء ~~له، وأما النقصان بتغير حال المبيع مثل أن يشتري الأمة فيزوجها أو العبد ~~فيتزوج، أو يزني أو يسرق # PageV02P104 # أو يشرب خمرا أو ما أشبه ذلك مما تنتقص به قيمته، فاختلف في ذلك، قال في ms0623 ~~المدونة في الذي يشتري الأمة فيزوجها ثم يجد عيبا، أن التزويج نقصان، ولا ~~يردها إلا وما نقص النكاح منها، معناه: أو يمسك ويرجع بقيمة العيب، قال ابن ~~حبيب: إن ما أحدثه العبد من زنا وشرب خمر أو سرقة، فإن ذلك ليس بنقص يرد ~~معه المشتري ما نقصه إذا وجد به عيبا، وقد يحتمل أن يفرق بين الوجهين بأن ~~التزويج عيب يعلم حدوثه بعد الشراء، فلا يرده إلا أن يرد معه ما نقصه، وما ~~ظهر بالعبد من السرقة وشرب الخمر والزنا بعد الشراء لا يدري لعله كان كامنا ~~فيه من قبل الشراء فلم يلزمه رد ما نقصه؛ وبهذا المعنى فرقوا بين الشاهد ~~يشهد للمرأة ثم يتزوجها قبل الحكم لها بشهادته، أو يشهد للرجل ثم تقع بينه ~~وبينه خصومة وعداوة قبل الحكم بشهادته، وبين الشاهد يشهد للرجل ثم يحدث شرب ~~خمر أو زنا أو سرقة قبل الحكم بشهادته، أن شهادته مردودة في هذا وجائزة في ~~المسألتين الأوليين # فصل فإذا قلنا بهذا، فالنقصان في حال المبيع ينقسم على وجهين، (أحدهما) ~~نقصان يعلم حدوثه بعد الشراء، ونقصان يظهر سببه بعد الشراء، ولا يدرى هل ~~حدث بعده أو قبله، وأما النقصان بتغير عين المبيع، فإنه لا يخلو من ثلاثة ~~أوجه (أحدها) أن يكون يسيرا، (والثاني) أن يكون كثيرا ولا يذهب بجل المبيع ~~ويتلف أكثر منافعه، (والثالث) أن يذهب جله ويتلف أكثر منافعه؛ فأما النقصان ~~اليسير كذهاب الظفر والأنملة من الوخش والحمى والرمد وصرع الجسم وما أشبه ~~ذلك، فليس بفوت، ويخير المبتاع بين أن يمسك ولا شيء له أو يرده ولا شيء ~~عليه، وأما النقصان الكثير إذا لم يذهب بجل المبيع، ولا أتلف أكثر منافعه؛ ~~فإنه يوجب للمبتاع الخيار بين أن يمسك ويرجع بقيمة العيب، وبين أن يرد ويرد ~~ما نقص منه # PageV02P105 # العيب الحادث عنده، خلافا للشافعي وأبي حنيفة في قولهما: إنه ليس له أن ~~يرد، ويرد ما نقصه العيب الحادث عنده، إنما له أن يمسك ويرجع بقيمة العيب، ~~والدليل على صحة قولنا قول رسول الله ms0624 - صلى الله عليه وسلم -: «من ابتاع ~~شاة مصراة فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن شاء أمسكها وإن شاء ردها ~~وصاعا من تمر» ، وجه الدليل من هذا الحديث أن المبتاع لما أتلف بعض المبيع ~~- وهو اللبن المصرى في الضرع خيره النبي - عليه السلام - بين أن يرد ويغرم ~~قيمة ما أتلف من اللبن وهو الصاع، وبين أن يمسك، وهذا نص في موضع الخلاف؛ ~~ومن جهة المعنى والقياس أن هذين عيبان حدث أحدهما عند البائع، والثاني عند ~~المبتاع، وكل واحد منهما غير راض بالتزام ما حدث عند صاحبه بقيمته، فلما ~~تعارض الحقان كان أولاهما بالتغليب حق المبتاع، لأنه لم يدلس ولا أخطأ على ~~صاحبه، والبائع لا يخلو من أن يكون دلس على المبتاع أو أخطأ عليه بأن باع ~~منه معيبا على أنه صحيح ولم يتثبت في ذلك. # فصل ووجه العمل في هذا إن أراد أن يمسك أو يرجع بقيمة العيب أن يقال: ما ~~قيمتها يوم البيع سليمة من عيب التدليس ومن العيب الحادث عند المشتري؟ فإن ~~قيل: مائة، قيل: ما قيمتها يومئذ بعيب التدليس سليمة من العيب الحادث عند ~~المشتري؟ فإن قيل: ثمانون، رجع المبتاع على البائع بخمس الثمن، كان أقل من ~~ماله أو أكثر؛ لأن البائع لم يدفع إليه إلا أربعة أخماس ما باع منه وأخذ ~~منه ثمن الجميع، فوجب أن يرد خمس الثمن؛ لأنه قبضه باطلا بغير عوض، وإن ~~أراد أن يرد ويرد ما نقصها العيب الحادث عنده، قيل: ما قيمتها أيضا يومئذ ~~بعيب التدليس وبالعيب الحادث عنده؟ فإن قيل: ستون وقيمتها يومئذ سليمة ~~مائة، وبعيب التدليس ثمانون - كما ذكرنا - كان على المبتاع خمس الثمن، وإن ~~شئت قلت: ربع الثمن بعد أن يسقط منه خمسه؛ لأنه دلس بخمس المبيع فأخذ خمس ~~الثمن باطلا وذلك سواء، لأن هذا الجزء هو الذي ذهب عند المبتاع فيمضي ما ~~ينوبه من # PageV02P106 # الثمن، وذلك أنه قبض على هذا التنزيل أربعة أخماس المبيع، وبقي عند ~~البائع خمسه، فذهب عنده ربع ما قبض وهو خمس الجميع، فذلك ms0625 الذي يلزمه ثمنه ~~ويسقط عنه سائر الثمن، إن كان لم يدفعه، وإن كان قد دفع الثمن، رجع بأربعة ~~أخماسه وبقي للبائع خمسه، لأن الخمس الذي تلف عند المبتاع مصيبته منه فيمضي ~~بالثمن، كما لو اشترى سلعة فاستهلك خمسها بانتفاع بأكل أو جناية، ووجد ~~بالباقي عيبا، رده ولزمه خمس الثمن بما استهلك؛ وهذا كله بين لا خفاء به ~~ولا ارتياب في صحته، فلا بد على هذا في الرد من ثلاث قيم، وفي الإمساك من ~~قيمتين، وقال أحمد بن المعدل: إن أراد أن يمسك ويرجع بقيمة العبد، فليرجع ~~بقيمته من الثمن الذي اشتراها به، كقول ابن القاسم سواء، وإن أراد أن يرده ~~فليرده ويرد قيمة العيب يوم الرد، فينظر كم قيمته يومئذ وبه العيب القديم، ~~وكم قيمته بالعيب الثاني، فيرد معه قيمة العيب الثاني، وهو ما بين القيمتين ~~دون أن يرجع في ذلك إلى أصل الثمن؛ لأنه فسخ بيع؛ ألا ترى لو نما العبد أو ~~نقص لرد بنمائه ونقصانه ولا شيء عليه؛ فكذلك يرد قيمة العيب يوم الرد بخلاف ~~العيب القديم، لأن العيب القديم البائع ألزمه المشتري يوم الشراء، فيومئذ ~~ينظر إلى قيمته ويرجع عليه المبتاع في الثمن الذي أخذه منه ولم ينفسخ ~~بينهما بيع. قال أحمد: وما علمت أحدا من أصحابنا تكلم عليها، قلت: تكلم ~~عليها أحمد بن المعدل وحده وكل مجر بالخلاء يسري، ولو رأى كلام ابن القاسم ~~وتدبره، لبان له صوابه ولم يسعه خلافه؛ لأن ما نقصه العيب الحادث قد فات ~~بيد المبتاع، فتم فيه البيع، فوجب عليه ما ينوبه من الثمن، وهذا بين. # فصل وأما إن ذهب النقصان بجل المبيع وأتلف أكثر منافعه مثل أن يفقأ عيني ~~العبد جميعا، فيبطله، أو يقطع يديه أو رجليه أو يشتري صغيرا فيهرم، أو ثوبا ~~فيقطعه تبابين، ومثله لا يقطع تبابين، فيفسده بذلك وما أشبهه، فإن هذا كله ~~كذهاب عينه، فلا يجب للمبتاع إلا الرجوع بقيمة العيب. # PageV02P107 # فصل وأما النقصان من غير المبيع مثل أن يشتري النخل بثمرتها قبل الطياب، ~~قبل الإبار ms0626 أو بعده، أو العبد بماله فيذهب مال العبد بتلف، أو ثمر النخل ~~بجائحة أتت عليه، ثم يجد به عيبا، فإن هذا ليس فيه اختلاف أن ذلك ليس بفوت، ~~وهو بالخيار بين أن يرد ولا شيء عليه أو يمسك ولا شيء له؛ وأما النقصان بما ~~أحدثه المبتاع في المبيع مما جرت العادة أن يحدث فيه مثل أن يشتري الثوب ~~فيصبغه أو يقطعه فينقص لذلك من ثمنه، فإن هذا فوت باتفاق، والمشتري مخير ~~بين أن يمسك ويرجع بقيمة العيب، أو يرد ويرد ما نقصه ذلك عنده، إلا أن يكون ~~مدلسا فلا يكون عليه بالنقصان شيء يرده من أجله، واختلف إن أراد أن يمسك، ~~هل له أن يرجع بقيمة العيب أم لا؟ على قولين، أحدهما قول ابن القاسم: إن ~~ذلك له، (والثاني) قول ابن المواز وأصبغ: إن ذلك ليس له فيما كان نقصه بغير ~~صناعة كالقطع؛ وإنما يكون له ذلك فيما كان نقصه بصناعة كالصبغ وشبهه، ولكلا ~~القولين وجه من النظر، وهو محمول على غير التدليس حتى يثبت ذلك عليه أو يقر ~~به على نفسه؛ فإن أنكر أن يكون علم أو ادعى أنه نسي، أحلف على ذلك، فإن ~~حلف، خير المبتاع عند ابن القاسم؛ وحكى ابن المواز عن مالك أنه لا يحلف إلا ~~بعد أن يخير المبتاع فيختار الرد، إذ لا معنى ليمينه إذا اختار الإمساك ~~والرجوع بقيمة العيب. # فصل وهذه إحدى خمس المسائل التي يفترق فيها حكم المدلس من الذي لم يدلس، ~~(والثانية) أن يصيب المبيع عند المشتري عيب أو عطب من العيب الذي باعه به، ~~مثل أن يبيعه آبقا فيأبق عند المشتري، أو سارقا فيسرق عند المشتري فتقطع ~~يده وما أشبه ذلك؛ فإنه إن كان البائع مدلسا بذلك البيع، كان ضمان ما أصابه ~~عند المشتري منه، وإن لم يكن مدلسا، فلا ضمان في ذلك من المشتري، ~~(والثالثة) # PageV02P108 # أن يبيع الرجل سلعة وبها عيب ثم يشتريها من المبتاع بأكثر من الثمن الذي ~~باعها به منه؛ فإن كان مدلسا لم يكن له الرجوع ms0627 على المبتاع، وإن كان غير ~~مدلس رجع عليه بما زاده على الثمن، (والرابعة) أن من دلس في سلعة بعيب فردت ~~عليه به لم يلزم السمسار أن يرد الجعل، بخلاف إذا لم يدلس، (والخامسة) من ~~باع بالبراءة مما يجوز بيعه بالبراءة، فإنه يبرأ مما لم يعلم به ولا يبرأ ~~مما علم به فدلس به. # فصل وأما الحال الرابعة وهو أن يذهب عين المبيع، فلا يخلو من وجهين ~~(أحدهما) أن يكون ذهابه بخروجه عن ملكه بعوض، (والثاني) أن يكون خرج عن ~~ملكه بغير عوض، فأما الوجه الأول وهو أن يخرج عن ملكه بعوض، وذلك أن يبيعه ~~أو يهبه للثواب، فإنه لا يخلو أيضا من وجهين (أحدهما) أن يبيعه من بائعه، ~~(والثاني) أن يبيعه من غير بائعه، فأما إن باعه من بائعه بمثل الثمن فلا ~~شيء عليه، لأنه كان قد رده عليه، وإن باعه منه بأقل من الثمن رجع عليه ~~بتمام الثمن، فيكون كأنه قد رده عليه؛ فإن لم يثبت قدم العيب عند البائع ~~الأول وأمكن أن يكون حدث عند المشتري الأول وهو البائع الثاني، حلف البائع ~~الأول بالله ما كان عنده يوم باعه على البت إن كان ظاهرا، أو على العلم إن ~~كان خفيا باطنا - ولم يكن للمشتري الأول - وهو البائع الثاني - أن يرجع ~~عليه بشيء، وكان له هو أن يرده عليه- وإن أمكن أيضا أن يكون حدث عند البائع ~~الأول بعد أن اشتراه من المشتري الأول، حلف البائع الثاني وهو المشتري ~~الأول أن العيب لم يحدث عنده في علمه، إن كان خفيا، ولم يكن للبائع الأول ~~وهو المشتري الثاني أن يرد عليه ولزمه البيع فيه بالثمن الثاني، إذ قد برئ ~~من غرم ما بين الثمنين بيمينه، أو لأن العيب لم يحدث عنده وإن باعه منه ~~بأكثر من الثمن الذي اشتراه به منه وكان البائع الأول قد علم بالعيب فدلس ~~به لزمه البيع ولم يكن له أن يرده على المشتري الأول وهو البائع الثاني، ~~فإن كان البائع لم يعلم بالعيب، كان له أن ms0628 يرده على المشتري الأول - وهو ~~البائع الثاني، ثم كان للبائع الثاني وهو المشتري الأول أن يرده على البائع ~~الأولى وهو المشتري الثاني، فإن رده كل واحد منهما على صاحبه، تقاصا بالثمن ~~ورجع # PageV02P109 # المشتري الثاني على المشتري الأول بالزيادة؛ فإن لم يثبت قدم العيب عند ~~البائع الأول وأمكن أن يكون حدث عند المشتري الأول - وهو البائع الثاني، ~~كان للبائع الأول أن يرده على البائع الثاني - وهو المشتري الأول؛ فإن رده ~~عليه - وأراد هو أن يرده على البائع الأول - لم يكن ذلك له إذا لم يثبت أن ~~العيب كان به عنده ولزمته اليمين ما علم أن العيب كان به عنده، إن كان من ~~العيوب التي تخفى، وإن كان من العيوب الظاهرة حلف على البت على مذهب ابن ~~القاسم، وإن أمكن أن يكون العيب حدث أيضا عند البائع الأول بعد أن اشتراه ~~من المشتري الأول، حلف المشتري الأول وهو البائع الثاني أنه ما علم أن ~~العيب حدث عنده، ولزم البائع الأول العبد ولم يكن له رده، وأما إن باعه من ~~غيره، فقال ابن القاسم في المدونة: هو فوت ولا يرجع على البائع للعيب بشيء ~~لأنه لا يخلو من أن يكون علم بالعيب فباعه على معرفة فهو رضا منه، أو لم ~~يكن علم فلم ينقص بسبب العيب شيء، قال: سماع عيسى: إلا أن يرجع عليه بشيء ~~فيرجع بقيمة العيب من ثمنه الذي اشتراه به، ظاهر الرواية، وإن كان ذلك أكثر ~~مما رجع به عليه؛ وكذلك لو نقص بسبب العيب شيئا وإن كان قد باع بمثل الثمن ~~أو أكثر منه مثل أن يبيعه وكيل له ويبين العيب أو يبيعه هو ويبين العيب - ~~وهو يظنه حدث عنده، لوجب أن يرجع بقيمة العيب بالغة ما بلغت - على قياس هذه ~~الرواية، ومعنى ما في المدونة، ولابن القاسم في كتاب ابن المواز أنه إن ~~باعه بأقل من الثمن ونقص بسبب العيب، رجع على البائع بالأقل من بقية رأس ~~ماله أو قيمة العيب، ما شاء من ذلك، البائع مخير، فلو ms0629 باع على قول ابن ~~القاسم هذا بمثل الثمن أو أكثر لم يكن له على البائع رجوع، وإن كان قد نقص ~~بسبب العيب، ومن قوله أيضا في كتاب ابن المواز أنه إن باعه ففات عند ~~المبتاع الثاني فرجع عليه بقيمة العيب رجع هو على بائعه بالأقل من قيمة ~~العيب من ثمنه هو، أو بما رجع به عليه، ظاهره: وإن كان ذلك أكثر من بقية ~~رأس ماله، خلاف ما تقدم له من أنه إذا نقص بسبب العيب يرجع على البائع ~~بالأقل من بقية رأس ماله أو قيمة العيب، ولم يحمله محمد بن المواز على ~~الخلاف فقال فيه: يريد ما لم يكن # PageV02P110 # ذلك أكثر من بقية رأس ماله، فإنما له الرجوع بالأقل من ثلاثة أشياء، ~~والصواب أن ذلك اختلاف من قوله، فيتحصل له في المسألة ثلاثة أقوال، (أحدها) ~~أنه إن رجع عليه في العيب شيء أو نقص بسببه من الثمن شيء رجع على البائع ~~منه بقيمة العيب من ثمنه بالغا ما بلغ- وهي رواية عيسى عن ابن القاسم، ~~(والثاني) أنه يرجع عليه بالأقل من قيمة العيب من ثمنه أو ممن رجع به عليه، ~~وهو أحد قولي ابن القاسم في كتاب ابن المواز، (والثالث) أنه يرجع عليه ~~بالأقل من قيمة العيب من ثمنه أو مما رجع به عليه أو من بقية رأس ماله، ~~الأقل من الثلاثة الأشياء، وهو اختيار ابن المواز وأحد قولي ابن القاسم في ~~كتابه، وقال أشهب إذا باعه وإن لم يسقط بسبب العيب شيء فيرجع بالأقل من ~~قيمة العيب من ثمنه أو من بقية رأس ماله، وقال ابن عبد الحكم: يرجع بقيمة ~~العيب كله على البائع، باعه من الأجنبي بمثل الثمن أو أقل أو أكثر. # فصل وأما الوجه الثاني- وهو أن يكون خرج من يده بغير عوض، فلا يخلو من أن ~~يكون ذلك باختياره وفعله أو مغلوبا عليه بغير اختياره؛ فأما إن كان ذلك ~~مغلوبا عليه بغير اختياره مثل أن يكون عبدا فيموت أو يقتله خطأ أو يغصب منه ~~وما أشبه ذلك، فلا ms0630 اختلاف أن له الرجوع بقيمة العيب، وأما إن كان ذلك بفعله ~~واختياره مثل أن يكون عبدا فيقتله عمدا أو يهبه أو يتصدق به أو يعتقه أو ~~يكاتبه أو ما أشبه ذلك، فروى زياد عن مالك - رحمه الله تعالى - أن ذلك فوت ~~ولا رجوع له بقيمة العيب، والمشهور من قول مالك - رحمه الله تعالى - الذي ~~عليه أصحابه أن ذلك فوت وله الرجوع بقيمة العيب. # فصل # وأما الحال الخامسة وهو أن يعقد فيه عقدا يمنعه من رده، فإن هذا العقد لا ~~يخلو من أن يتعقبه رجوع إلى ملكه أو لا يتعقبه رجوع إلى ملكه؛ فأما إن كان ~~لا يتعقبه رجوع إلى ملكه وذلك كالكتابة والاستيلاد والعتق إلى أجل ~~والتدبير، فهو # PageV02P111 # فوت وليس فيه إلا الرجوع بقيمة العيب، وأما إن كان العقد يتعقبه الرجوع ~~إلى ملكه كالرهن والإجارة والإخدام، ففيه بين أصحابنا اختلاف؛ قال ابن ~~القاسم: إذا رجع إلى ملكه رده وليس ما عقده فيه فوت؛ وقال أشهب: إن كان أمد ~~ذلك قريبا، رده وإن كان بعيدا فهو فوت، وقال أصبغ في الإجارة: إنها ليست ~~بفوت وله الرد ولا تنتقض الإجارة؛ لأنه عقدها بموضع يجوز له، كما لو زوج ~~العبد ثم وجد به عيبا لرده بعيبه ولم ينفسخ النكاح؛ فانظر هل يرد ما نقصه ~~ذلك وقابله بمن اشترى ثوبا فقطعه ثم وجد به عيبا. # فصل فالرد بالعيوب القديمة قبل العقد واجب على التفصيل الذي ذكرناه، علم ~~البائع بها أو لم يعلم، إذا كان مما يمكن معرفته، إلا أن يبيع بالبراءة، ~~فإن باع بالبراءة فيما يجوز فيه البيع بالبراءة برئ مما لم يعلم من العيوب، ~~على مذهب مالك - رحمه الله تعالى -، ولا يبرأ مما علم فدلس به؛ وأما ما حدث ~~بالمبيع من العيوب بعد عقد البيع، فلا يجب به الرجوع، إلا أن يكون الحادث ~~من العيوب في الرقيق في عهدة الثلاث أو جنونا أو جذاما أو برصا في عهدة ~~السنة. # فصل فالعيوب على هذا تنقسم على ثلاثة أقسام: عيب قديم يعلم قدمه عند ~~البائع ms0631 ببينة تقوم على ذلك، أو بإقرار البائع به أو بدليل العيان، وعيب ~~يعلم حدوثه عند المشتري ببينة تعلم ذلك، أو بإقرار المشتري بحدوثه عنده، أو ~~بدليل العيان على ذلك، وعيب مشكوك فيه، يحتمل أن يكون قديما عند البائع، ~~ويحتمل أن يكون حدث عند المشتري. # فصل فأما العيب القديم فيجب الرد به في القيام والرجوع بقيمته في الفوات ~~على # PageV02P112 # التقسيم الذي ذكرناه، وأما الحادث فلا حجة للمبتاع فيه على البائع، وأما ~~المشكوك فيه فليس على البائع فيه إلا اليمين، قيل: على البت، وهو قول ابن ~~نافع في المدنية، ورواية يحيى عن ابن القاسم في العتبية، والحجة في ذلك أنه ~~لو ثبت أنه كان قديما عند البائع لوجب أن يرد عليه وإن لم يعلم به، فإذا رد ~~عليه وإن لم يعلم به وجب أن لا يبرأ منه بيمينه على العلم، وهذا لا يلزم، ~~لأنه إنما يرد عليه وإن لم يعلم به إذا ثبت كونه عنده، وفي مسألتنا لم يثبت ~~كونه عنده، وقال أشهب: يحلف على العلم في الظاهر والخفي، وفرق ابن القاسم ~~بين ذلك فقال: يحلف في الظاهر على البت، وفي الخفي على العلم؛ فإن نكل عن ~~اليمين رجعت على المبتاع في الوجهين جميعا، على العلم أنه ما حدث عنده، هذا ~~قول ابن القاسم في سماع عيسى من العتبية، وروي عنه في المدنية أنها ترجع ~~على المبتاع على نحو ما كانت على البائع، وإلى هذا ذهب ابن حبيب في ~~الواضحة، وقال ابن نافع: يحلف على البت على أصله في يمين البائع، وهي رواية ~~يحيى عن ابن القاسم في العتبية وعلى قول أشهب يحلف على العلم في الوجهين ~~جميعا. # فصل فإن نكل عن اليمين ففي المدنية من رواية عيسى عن ابن القاسم - رحمهم ~~الله - تعالى أن البيع يلزمه، وهذا يقتضي أنه ليس له بعد النكول أن يرجع ~~إلى اليمين، وفيها من قول ابن نافع: فإن نكل عن اليمين لم ترد أبدا حتى ~~يحلف، وهذا يقتضي أن له بعد النكول أن يحلف. # فصل وهذا ms0632 في العيوب التي تكون ظاهرة في البدن، وأما ما لا يظهر مثل ~~الإباق والزنى والسرقة وما أشبه ذلك، فادعى المبتاع أنه كان بالعبد قديما، ~~فقال ابن القاسم: يحلف البائع، واحتج بروايته عن مالك، وقال أشهب: لا يمين ~~عليه، واحتج # PageV02P113 # في ذلك بروايته عن مالك أيضا وفرق محمد بن المواز من رأيه بين أن يظهر ~~العيب عند المبتاع أو لا يظهر، فألزمه اليمين إذا ظهر ولم ير ذلك عليه إذا ~~لم يظهر عنده، وإنما أراد أن يحلفه بمجرد دعواه. # فصل # واختلف في الرد بالعيب هل هو نقض بيع أو ابتداء بيع؟ فجعله ابن القاسم في ~~كتاب الاستبراء من المدونة ابتداء بيع، إذ أوجب المواضعة على المشتري، وروي ~~ذلك عن مالك، وله في كتاب العيوب خلاف ذلك في الذي أعتق عبده فرد الغرماء ~~عتقه فباعه السلطان في دينه، ثم ثبت أنه كان به عند البائع عيب وأنه علم ~~به، أن البيع يرد ويعتق على البائع بالعتق الأول إن كان له مال تؤدى منه ~~ديون الغرماء؛ وقال أشهب في كتاب الاستبراء: هو نقض بيع، وروي ذلك عن مالك ~~- رحمه الله - في العتبية، وله خلاف ذلك في مسألة كتاب العيوب المذكورة أن ~~العبد لا يعتق، فجعله راجعا إليه بملك مستأنف لا على الملك الأول. # فصل واختلف بماذا تدخل السلعة المردودة بالعيب في ضمان البائع، فقيل: إذا # أشهد المبتاع على العيب وأنه غير راض به، فقد برئ من ضمان السلعة ~~المردودة بالعيب ما لم يطل الأمر حتى يرى أنه راض به، وهو قول أصبغ؛ وقيل: ~~هي في ضمان المبتاع حتى يثبت العيب عند السلطان، وقيل: هي في ضمان المبتاع ~~وإن ثبت العيب عند السلطان حتى يقضى برده على البائع، أو يرضى صاحب العبد ~~بقبض عبده. # فصل # فإن كان المبيع المردود بالعيب مما له غلة ويلزم فيه نفقة، فالغلة ~~للمبتاع والنفقة عليه، لا رجوع له بها على البائع، ولا يلزمه أن يرد الغلة ~~لأن الضمان منه، # PageV02P114 # روي «أن رجلا ابتاع غلاما فأقام عنده ما شاء الله، ms0633 ثم وجد به عيبا، ~~فخاصمه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فرده عليه، فقال البائع: يا رسول ~~الله قد استغل غلامي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الغلة ~~بالضمان» . لا اختلاف بين أهل العلم في هذا على الجملة، وإنما اختلفوا فيه ~~على التفصيل؛ لاختلافهم فيما هو غلة للمبتاع مما ليس بغلة له، وفي وجوب ~~الرجوع له بما أنفق على ما لا يصح اغتلاله؛ وبيان هذا أن الغلات تنقسم على ~~قسمين (أحدهما) ما لا يتولد عن المبيع وإنما غلته بالانتفاع بعينه، كالعبيد ~~الذين يستخدمون أو يؤاجرون، والمساكن التي تسكن، أو تكرى، وما أشبه ذلك، و ~~(الثاني) : ما يتولد عنه كثمر النخل وصوف الغنم ولبنها، وما أشبه ذلك؛ فأما ~~ما لا يتولد عن المبيع، فللمبتاع ما اغتل منه إلى يوم يرده بالعيب، وعليه ~~النفقة، ولا إشكال في هذا الوجه يفتقر إلى بيان؛ وأما ما يتولد عنه فإنه ~~ينقسم على قسمين (أحدهما) أن يكون ما يتولد عنه وجهه أن يقبض شيئا شيئا ~~كلما تولد، كلبن الغنم وما أشبهها. و (الثاني) أن يكون ما يتولد عنه لا ~~يقبض إلا في أوقاته المعهودة، كثمر النخل وصوف الغنم وما أشبه ذلك؛ فأما ~~الوجه الأول فحكمه حكم ما لا يتولد عن المبيع: للمبتاع منه ما اغتل إلى يوم ~~الرد؛ وأما الوجه الثاني فإن الثمار مفارقة النخل وما أشبهها من الثمار، ~~فلا تخلو من أربعة أحوال، (إحداها) أن تكون يوم البيع لا ثمرة فيها، ~~(والثانية) أن تكون يوم البيع فيها ثمرة لم تؤبر، (والثالثة) أن تكون فيها ~~ثمرة قد أبرت، (والرابعة) أن تكون فيها ثمرة قد طابت، فأما الحال الأولى ~~وهو أن تكون النخل لا ثمرة فيها يوم الابتياع فلا يخلو من أربعة أوجه، ~~(أحدها) أن يجد بها العيب فيردها به قبل أن تصير لها ثمرة، (والثاني) أن ~~يجد بها العيب فيردها به وقد صار لها ثمرة لم تؤبر، (والثالث) أن يجد بها ~~العيب فيردها به وقد أبرت الثمرة، (والرابع) أن يجد بها العيب فيردها به ~~وقد ms0634 طابت الثمرة، يبست أو لم تيبس، جدت أو لم تجد، قائمة كانت بعد الجد أو ~~فائتة. وأما الحال الثانية، وهي أن تكون في النخل يوم الابتياع ثمرة لم ~~تؤبر، فلا تخلو من ثلاثة أوجه، (أحدها) أن يجد العيب فيرد به والثمرة ~~بحالها لم تؤبر، (والثاني) أن يجد العيب فيرد به والثمرة قد أبرت، # PageV02P115 # (والثالث) أن يجد العيب فيرد به والثمرة قد طابت، وأما الحال الثالثة وهي ~~أن تكون في النخل يوم الابتياع ثمرة مأبورة فيستثنيها المبتاع، فلا تخلو من ~~وجهين (أحدهما) أن يجد العيب فيرد به والثمرة على حالها لم تطب، (والثاني) ~~أن يجد العيب فيرد به والثمرة قد طابت؛ وأما الحال الرابعة وهو أن يشتري ~~النخل بثمرتها بعد الطياب، فليس فيها إلا وجه واحد - وهو أن يجد بها العيب ~~قبل الجداد أو بعده وهما سواء، فهذه عشرة أوجه، أربعة في الحال الأولى، ~~وثلاثة في الحال الثانية، واثنتان في الحال الثالثة، ووجه واحد في الحال ~~الرابعة، يتصور في كل وجه منها أربعة معان، سواء الرد بالعيب يطرأ على ~~الملك فيخرجه من يد مالكه بوجه الحكم، وهي الرد بالعيب الفاسد والاستحقاق ~~والشفعة والتفليس، فأنا أذكر حكم الرد والعيب فيها ثم أعود إلى ذكر سائر ~~المعاني الأربعة وتبيين وجه الحكم فيها، إن شاء الله، وما توفيقي إلا ~~بالله؛ فأما الوجه الأول من الحال الأولى وهو أن يشتري النخل ولا ثمر فيها ~~فيجد بها عيبا قبل أن يصير لها ثمرة فإنه يردها به إن شاء ولا يرجع بالسقي ~~والعلاج إن كان قد سقى وعالج، وقيل: إنه يرجع به على مذهب ابن القاسم - ~~وينبغي أن يجري هذا على اختلاف قوله في الرد بالعيب هل هو نقض بيع أو ~~ابتداء بيع؛ وأما الوجه الثاني من الحال الأولى - وهو أن يشتري النخل ولا ~~ثمر فيها فيسقيها ويعالجها حتى تكون لها ثمرة فيجد بها عيبا قبل أن تؤبر، ~~فإنه يردها بالعيب ويرجع بالسقي والعلاج عند ابن القاسم وأشهب، ولا يرجع به ~~عند ابن الماجشون وسحنون. # فصل # فإن ms0635 جد الثمرة في هذه الحال، فلا أذكر لأصحابنا في ذلك نصا والذي يوجبه ~~النظر عندي على أصولهم أن ذلك فوت، لأن جد الثمرة في هذه الحال يعيب الأصل ~~وينقص قيمته، فيكون مخيرا بين أن يرد ما نقص أو يمسك ويرجع بقيمة العيب، ~~وأما الوجه الثالث من الحال الأولى وهو أن يشتري النخل ولا ثمرة فيها فيجد ~~بها العيب بعد الإبار، فإنه يردها بثمرتها ويرجع بقيمة السقي والعلاج عند ~~ابن القاسم وأشهب، خلافا لابن الماجشون وسحنون، هذا قول مالك وأصحابه، - ~~رحمهم الله - تعالى، لا أعرف في ذلك بينهم نص خلاف في أنه يردها بثمرتها، ~~إلا أن القياس # PageV02P116 # على مذهب من يرى الرد بالعيب ابتداء بيع، أن يرد النخل وتبقى له الثمرة، ~~وقد قاله أصبغ في الواضحة في البيع الفاسد؛ فيلزم مثله في الرد بالعيب، ~~فإنه نقض بيع أيضا لأن فسخ البيع الفاسد نقض له باتفاق، فهما قولان ظاهران. # فصل فإن جد الثمرة في هذه الحال أيضا، كان الحكم فيها على ما تقدم في ~~جداده إياها قبل الإبار، وأما الوجه الرابع من الحال الأولى وهي أن يشتري ~~النخلة ولا ثمرة فيها فيسقي ويعالج حتى تصير لها ثمرة فتطيب ثم يجد بها ~~العيب بعد طيابها، يبست أو لم تيبس، جدت أو لم تجد، قائمة كانت أو فائتة؛ ~~فإن الثمرة للمبتاع، لأنها غلة قد وجبت له بالضمان؛ هذا قول ابن القاسم في ~~المدونة ولا أعرف له في ذلك نص خلاف، إلا أنه يلزم على ما له في كتاب ابن ~~المواز في الاستحقاق أن يردها بثمرتها ويرجع للسقي والعلاج ما لم تيبس، ~~وعلى ما روى أبو زيد عنه في الاستحقاق أيضا أن يردها بثمرتها ويرجع بالسقي ~~والعلاج ما لم تجد، وهو قول أشهب في المدونة إذا اشترى الثمرة وقد أبرت، ~~ولا فرق على مذهبه في هذا بين شرائه النخل ولا ثمرة فيها أو فيها ثمرة، لم ~~تؤبر أو قد أبرت؛ لأنه رآها، ما لم تطب؛ تبعا للأصول، لم تقع عليها حصة من ~~الثمن، وإن كانت ms0636 لا تجب له إلا بعد الإبار إلا باشتراطه إياها؛ إذ لا يصح ~~بيعها مفردة دون الأصول، وهذا قول ابن الماجشون في البيع الفاسد أنه يرد ~~بثمرته ما لم تجد، ولا فرق في هذا بين الرد بالعيب وبفساد البيع ~~والاستحقاق. # فصل فيتحصل على هذا في الحد الذي تصير به الغلة للمبتاع في الرد بالعيب ~~والاستحقاق والبيع الفاسد أربعة أقوال، (أحدها) أنه تصير له غلة بالإبار، ~~(والثاني) أنه لا تصير له غلة إلا بالطياب، (والثالث) أنه لا تصير له غلة ~~إلا باليبس، (والرابع) أنه لا تصير له غلة إلا بالجداد؛ فوجه القول الأول ~~أن الثمرة قد صارت بعلاجه وعمله إلى الحد الذي يكون في البيع للبائع، إلا ~~أن يشترطها المبتاع، فوجب أن تكون غلة له، أصل ذلك إذا طابت أو يبست - ووجه ~~القول الثاني أنها لا تصير له # PageV02P117 # غلة - وإن أبرت ما لم تطب، لأنها قبل الطياب لا يجوز بيعها مفردة دون ~~الأصول، أصل ذلك إذا لم تؤبر، ووجه القول الثالث أنها ما لم تيبس متشبثة ~~بالأصول، إن باعها دونها لم تدخل في عقد البيع في ضمان المشتري لما يجب له ~~فيها من الرجوع بالجائحة، فوجب أن ترد معها ولا تكون غلة له؛ ووجه القول ~~الرابع أنها وإن يبست ما لم تجد متشبثة بالأصول ليست كالطعام الموضوع في ~~جواز بيعه بالطعام، لتعلقه بملك البائع، فوجب أن ترد مع الأصول ولا تكون ~~غلة؛ أصل ذلك إذا لم تؤبر، وأما الوجه الأول من الحال الثانية، وهو أن ~~يشتري النخل وفيها ثمرة لم تؤبر فيجد بها عيبا - وهي لم تؤبر بعد - فاختلف ~~قول ابن القاسم إذا ردها هل يرجع بالسقي والعلاج إن كان قد سقى وعالج، حكى ~~عنه الفضل، وعن أشهب أنه يرجع به وله في المدونة دليل على أنه لا يرجع به. # فصل فإن جد الثمرة في هذه الحال قبل أن يجد العيب كان ذلك نقصانا يوجب له ~~التخير بين أن يرد ويرد ما نقص، أو يمسك ويرجع بقيمة العيب على ما وصفنا ~~فيما ms0637 تقدم؛ وأما الوجه الثاني من الحال الثانية وهو أن يشتري النخل وفيها ~~ثمرة لم تؤبر فيجد العيب والثمرة قد أبرت، فالحكم فيه على ما تقدم إذا ~~اشترى النخل ولا ثمرة فيها فوجد بها العيب وقد أبرت الثمرة، وقد وصفنا ذلك، ~~وأما الوجه الثالث من الحال الثانية وهو أن يشتري النخل وفيها ثمرة لم تؤبر ~~فيجد بها العيب وقد طابت الثمرة، فالحكم فيه أيضا على ما تقدم إذا اشترى ~~النخل ولا ثمرة فيها ثم وجد بها العيب وفيها ثمرة قد طابت، وقد وصفنا ذلك ~~وما يدخله من الاختلاف، وأما الوجه الأول من الحال الثالثة وهو أن يشتري ~~النخل وفيها ثمرة مأبورة فيجد بها العيب قبل الطياب، فإنه يردها بثمرتها ~~عند الجميع ويرجع بالسقي والعلاج عند ابن القاسم وأشهب. # PageV02P118 # فصل فإن جد الثمرة قبل أن يجد العيب كان مخيرا بين أن يرد وما نقص، أو ~~يمسك ويرجع بقيمة العيب على ما تقدم في جده إياها قبل الإبار، وأما الوجه ~~الثاني من الحال الثالثة وهو أن يشتري النخل وفيها ثمرة قد أبرت فيجد العيب ~~وقد طابت فإنه يردها بثمرتها على مذهب ابن القاسم، وإن يبست أو جدت وكانت ~~قائمة، فإن فاتت رد المكيلة إن عرفت، أو القيمة إن جهلت، أو الثمن إن بيعت، ~~ويرجع بالسقي والعلاج في ذلك كله على مذهبه، ولم يمضها إذا طابت بما ينوبها ~~من الثمن كما أمضاها في الشفعة إذا يبست، وقد عد ذلك سحنون اختلافا من ~~قوله، وفرق ابن عبدوس بين المسألتين؛ وقال أشهب: إذا جدت فهي غلة للمبتاع؛ ~~فتلخيص القول في هذا الوجه أن الذي يتحصل فيه ثلاثة أقوال، أحدها، أن يرد ~~الثمرة مع الأصل على كل حال، وهو مذهب ابن القاسم، والثاني أنها تكون غلة ~~للمبتاع، والثالث أنها تمضي بما ينوبها من الثمن. # فصل فإذا قلنا: إنها تمضي بما ينوبها من الثمن، أو: إنها تكون غلة ~~للمبتاع، ففي حد ذلك ثلاثة أقوال، أحدها الطياب، والثاني اليبس، والثالث ~~الجداد، ولا اختلاف في أن الثمرة إن ذهبت بجائحة ms0638 في هذا الوجه، ترد ويرجع ~~بجميع الثمن؛ وأما الحال الرابعة وهو أن يشتري النخل وفيها ثمرة قد طابت ثم ~~يجد بها عيبا، فإنه يردها بثمرتها على كل حال وإن جدت، ما كانت قائمة، فإن ~~فاتت رد المكيلة إن عرفت، كمشتري سلعتين يجد بأرفعهما عيبا، فإن جهلت ~~المكيلة مضت بما ينوبها من الثمن ورد النخل بما ينوبها، وقيل: يرد قيمة ~~الثمرة ويرجع بجميع الثمن. # PageV02P119 # فصل فهذا حكم الرد بالعيب في جميع الوجوه التي قسمناها قد بيناه كما ~~شرطنا، والرد بفساد البيع مثله سواء في جميع الوجوه، حاشا أن الرد بفساد ~~البيع لا خيار فيه لأحد المتبايعين، فهو نقض بيع على كل حال، فلا يدخل فيه ~~من الاختلاف إلا ما يدخل في الرد بالعيب على القول بأنه نقض بيع ويكون جداد ~~الثمرة فيه إذا جدها قبل الإبار أو بعده - وقبل الفيات - فوتا يوجب تصحيحه ~~بالقيمة. # فصل وأما الاستحقاق والشفعة والتفليس فتتفق أحكامها في بعض الوجوه ~~المذكورة بأحكام الرد بالعيب وبفساد البيع، وتختلف في بعضها، فأنا أذكر ~~جملة أحكامها باقتصار بعضها - للتقسيم الذي ذكرته في الرد بالعيب، إرادة ~~التقريب، وذلك أن النخل يوم الابتياع لا تخلو من ثلاثة أوجه، (أحدها) أن لا ~~يكون فيها ثمرة أصلا، وأن يكون فيها ثمرة، إلا أنها لم تؤبر، (والثاني) أن ~~يكون فيها يوم الابتياع ثمرة مأبورة، (والثالث) أن يكون فيها يوم الابتياع ~~ثمرة قد طابت، فأما الوجه الأول وهو أن لا يكون فيها يوم الابتياع ثمرة، أو ~~يكون فيها ثمرة إلا أنها لم تؤبر، فيطرأ على المبتاع فيها - والثمرة لم ~~تؤبر مستحق، أو شفيع أو يفلس فيريد البائع أن يأخذ نخله، فإن هذا لا اختلاف ~~فيه أنهم يأخذون النخل بثمرته، وإنما الاختلاف في وجوب رجوع المبتاع عليهم ~~بما سقى وعالج إن كان له فيه سقي وعلاج، وذلك على ما ذكرته في حكم الرد ~~بالعيب، وقد رأيت في بعض الكتب القديمة رواية عن ابن القاسم أن المفلس لا ~~يرجع بما سقى، فإن صحت هذه الرواية عنه فهذا خلاف ms0639 من قوله يدخل في الرد ~~بالعيب والأخذ بالشفعة، وجه القول الأول تشبيهه بالاستحقاق والرد بفساد ~~البيع لما فيه من الخيار للمبتاع، ووجه # PageV02P120 # القول الثاني تشبيهه بالبيع لما فيه من الخيار للمبتاع والشفيع، وقد روي ~~عن أشهب في الشفعة والاستحقاق أنه يأخذ الثمرة بقيمتها على الرجاء والخوف، ~~وعلته في ذلك أن السقي والعلاج قد يكون أكثر من قيمة الثمرة - وهو لو جدها ~~لم يكن له رجوع بما سقى وعالج. # فصل فإن جد الثمرة كانت غلة له إن كان ابتاع النخل قبل أن يكون فيا ثمرة، ~~وإن كان ابتياعه لها وفيها ثمرة لم تكن له غلة وحاسبه بها الشفيع فأخذ ~~النخل بما ينوبها من الثمن، وحاسبه بها البائع في الاستحقاق فلم يرجع عليه ~~إلا بما ينوب الأصول الطياب، وحاسبه بها الغريب في التفليس فأخذ النخل بما ~~ينوبها من الثمن، وحاص الغرماء بما ينوب الثمرة. # فصل فأما إن طرأ عليه بعد إبان الثمرة، ففي ذلك أربعة أقوال، (أحدها) ~~أنهم لا حق لهم في الثمرة بعد الإبار وهي غلة للمبتاع لا يحاسب بها، ~~(والثاني) أنهم أحق بها ما لم تطب الثمرة، (والثالث) أنهم أحق بها ما لم ~~تيبس، (والرابع) أنهم أحق بها ما لم تجد، المنصوص عليها من هذه الأقوال في ~~الاستحقاق قولان، (أحدهما) في كتاب ابن المواز أن المستحق أحق بها ما لم ~~تيبس، (والثاني) رواية أبي زيد عن ابن القاسم أنه أحق بها ما لم تجد، ~~(والقول الثالث) أنه لا حق له فيها بعد الإبار - وهي غلة للمبتاع، قاله ~~أصبغ في الرد بفساد البيع ولا فرق. (والقول الرابع) أنه أحق بها ما لم تطب، ~~قاله ابن القاسم في الرد بالعيب- ولا فرق؛ والمنصوص منها في الأخذ بالشفعة ~~قولان، أحدهما: أنه قول بعض المدنيين في المدونة وقول أشهب وأكثر الرواة ~~أنه لا حق للشفيع في الثمرة إذا لم يدركها حتى أبرت، وهذا يأتي على أن ~~الأخذ بالشفعة محمل البيع، أو على أن الثمرة تصير غلة بالإبار، (والثاني) ~~قوله في المدونة: إنه أحق بها ما ms0640 لم تيبس، والثمرة ههنا يأخذها الشفيع # PageV02P121 # بحكم الاستحقاق لا بحكم الشفعة، إذ لم تقع عليها حصة ميت الثمن، فيدخل ~~فيها بالمعنى القولان الآخران كما دخلا في الاستحقاق، والمنصوص منها في ~~التفليس قولان، (أحدهما) قوله في المدونة: إن البائع أحق بها من الغرماء ما ~~لم تجد، (والثاني) قوله في سماع عيسى من كتاب المديان: إنه أحق بها ما لم ~~تطب، والقولان الآخران يتخرجان بالمعنى والقياس، لأنه جعل أخذ البائع نخله ~~بمنزلة الاستحقاق؛ إذ جعله أحق بالثمرة ما لم تجد أو ما لم تطب. فوجب أن ~~يدخل في ذلك من الاختلاف ما دخل في الاستحقاق، ولو جعله بمنزلة البيع لوجب ~~أن لا يكون أحق بالثمرة بعد الإبار قولا واحدا، فإذا أخذ والنخل بثمرته كان ~~للمبتاع الرجوع عليهم بسقيه وعلاجه، على الاختلاف المتقدم؛ فإن جد الثمرة ~~بعد الإبار قبل الطياب، فهي غلة لا يحاسب شيء منها، وقد قال أشهب قولا ~~أنكره سحنون، أن الشفيع والمستحق إذا قدما قبل طيب الثمرة، كانت له بقيمتها ~~على الرجاء والخوف، وقد تقدم ذلك بعلته، وأما الوجه الثاني، وهو أن يكون في ~~النخل يوم الابتياع ثمرة مأبورة فيطرأ عليه قبل طيب الثمرة، فإنهم يكونون ~~أحق بها على حالها بعد أن يردوا السقي والعلاج، على الخلاف المتقدم؛ وأما ~~إن لم يطرأ عليه إلا بعد طيب الثمرة ولم تيبس، أو بعد يبسها ولم تجد، أو ~~بعد جدادها - وهي قائمة أو فائتة، ففي ذلك في الاستحقاق والشفعة ثلاثة ~~أقوال، (أحدها) أن الشفيع والمستحق يأخذ الثمرة مع الأصل - وإن جدت، ويرجع ~~بالسقي والعلاج، قاله ابن القاسم على قياس قوله في الرد بالعيب، وقاله أشهب ~~ورواه عن مالك في الشفعة في كتاب ابن المواز، ووجهه أنه حمل الأخذ بالشفعة ~~محمل الاستحقاق، (والثاني) أنها تكون غلة للمبتاع وهو مذهب أشهب في كتاب ~~العيوب، (والثالث) أنها تمضي بما ينوبها من الثمن - وهو قول ابن القاسم في ~~كتاب الشفعة. # PageV02P122 # فصل فإذا قلنا: إنها تمضي بما ينوبها من الثمن؛ إذ إنها غلة للمبتاع، ففي ~~ذلك ثلاثة أقوال، ms0641 (أحدها) الطياب، وهو قول ابن القاسم في كتاب العيوب، ~~(والثاني) اليبس وهو قول ابن القاسم في المدونة، (والثالث) الجداد وهو قول ~~أشهب في كتاب العيوب. # فصل وأما التفليس، فالمنصوص لهم فيه قول واحد، أنه أحق بها ما لم تجد، ~~فإن جد كان أحق بالأصول بما ينوبها من الثمن ويدخل فيه الاختلاف بالمعنى. # فصل وأما الوجه الثالث وهو أن يكون في النخل يوم الابتياع ثمرة قد أزهت ~~وطابت، فإنه في الاستحقاق أحق بها وإن جدت، فإن كانت قائمة أخذها وإن أكلها ~~غرم المكيلة إن عرفت، أو القيمة إن جهلت، وإن باعها وكانت قائمة بيد ~~المبتاع كان له أن يأخذها أو يجيز البيع ويأخذ الثمن؛ فإن تلفت بيد المبتاع ~~فليس له إلا الثمن، قاله في كتاب ابن المواز، وهذا على القول بأنها لا تصير ~~غلة للمبتاع إلا باليبس أو الجداد؛ وأما على القول الذي يرى أنها تصير له ~~غلة بالطياب، فلا حق له فيها إذا أزهت عند البائع، لأنها قد صارت له غلة ~~بالطياب، ويأخذ المستحق النخل وحدها ويرجع المستحق منه على البائع بما ~~ينوبها من الثمن ويسقط عنه ما ناب الثمرة لبقائها بيده، إلا أن يكون ~~اشتراؤه إياها من غاصب أو مشتر اشتراها بعد الإبار، على مذهب ابن القاسم، ~~وأما في الشفعة فإن الشفيع أحق بها ما لم تجد ويغرم السقي والعلاج، قاله ~~ابن القاسم في المدونة؛ وله فيها إذا اشتراها مع الأصول قبل الطياب أو ~~اشتراها دون الأصول بعد الطياب، أنه أحق بها بالشفعة ما لم تيبس، فقيل: إنه ~~فرق بين المسألتين، والصواب أن ذلك اختلاف من القول؛ وأما في التفليس ~~فالبائع أحق بالنخل والثمرة وإن جدت ما كانت قائمة كمشتري سلعتين يفلس. # PageV02P123 # فصل وأما صوف الغنم فإن تولد عند المشتري فجزه، فهو غلة له في الرد ~~بالعيب والاستحقاق وأخذ البائع لها في التفليس، وأما بالبيع الفاسد، فإنه ~~لا يتولد ويحمل إلا وقد فات رد الغنم، ووجب أن يصحح البيع بالقيمة ولم ~~يجزه، فإنه تبع الغنم في جميع ذلك، ولا ms0642 يرجع المبتاع بشيء من نفقته عليها، ~~بخلاف النخل، والفرق بينهما أن للغنم غلة تبتغى منها سوى الصوف، ولو جزه ~~المبتاع بعد أن اطلع على العيب، لكان جزه له رضا بالعيب، وكذلك لو اشتراها ~~وعليها صوف قد كمل وتم، على مذهب أشهب - لأنه عنده تبع للغنم في دخوله في ~~الصفقة دون اشتراط أصله، إذا اشترى النخل بثمرتها قبل الإبار، بخلاف ما إذا ~~كانت الثمرة قد طابت؛ ولا يلزمه على هذا ألا تكون الثمرة غلة له إذا ~~اشتراها مع الأصول قبل الطياب وقد أبرت، لأنها ما لم تطب فهي عنده تبع ~~للأصول، إذ لا يجوز بيعها منفردة دونه إلا على الجد، خلاف ما إذا طابت؛ ~~وأما ابن القاسم فذهب إلى أن الغنم إذا كان عليها يوم الشراء صوف قد تم ~~وكمل، فليس بغلة له وإن جزه، ويرده في العيب إن كان قائما، أو مثله إن كان ~~فائتا؛ وكذلك في الاستحقاق يأخذه المستحق إن كان قائما، أو مثله إن كان قد ~~استهلكه المبتاع، أو الثمن إن كان باعه، وكذلك في التفليس يكون البائع أحق ~~به وإن جزه المفلس ما كان قائما، فإن فات أخذ الغنم بما ينوبها من الثمن ~~وحاص الغرماء بما ينوب الصوف، وإن شاء ترك الغنم وحاص الغرماء بجميع دينه، ~~وقول ابن القاسم: إن الغنم إذا كان عليها صوف قد تم وكمل يوم الشراء، أنه ~~ليس بتبع للغنم وقد وقع عليه قسطه من الثمن، وإن كان داخلا في الصفقة دون ~~اشتراط، أظهر من قول أشهب، أصله إذا اشترى الأرض وفيها نخل أنها تدخل في ~~الصفقة دون اشتراط، ولا يحكم لها بحكم البيع إن قطعها البائع أو ذهبت ~~بجائحة في حكم الرد بالعيب والاستحقاق وأخذ البائع لها في التفليس، وبالله ~~سبحانه التوفيق. # PageV02P124 ### | كتاب المرابحة # ] [ # فصل في تقسيم أجناس البيوع # فصل في تقسيم أجناس البيوع، البيوع تنقسم على أربعة أقسام: بيع مرابحة، ~~وبيع مكايسة، وبيع مزايدة، وبيع استئمانة واسترسال؛ وقال ابن حبيب: إن ~~الاسترسال إنما يكون في الشراء دون البيع، وليس ذلك بصحيح، ms0643 إذ لا فرق في ~~ذلك بين البيع والشراء. # فصل فأما بيع المرابحة، فإنه على وجهين، أحدهما أن يبايعه على ربح مسمى ~~على جملة الثمن، (والثاني) أن يبايعه على أن يربحه بالدرهم درهما وللدرهم ~~نصف درهم، وللعشرة أحد عشر أو أقل من ذلك أو أكثر مما يتفقان عليه من ~~الأجزاء. # فصل فأما إذا بايعه على أن يربحه للدرهم درهما أو للدرهم نصف درهم، أو # PageV02P125 # للعشرة أحد عشر، وما أشبه ذلك، فإن ما كان في السلعة المبيعة مما له عين ~~قائمة كالصبغ والكمد والفتل وما أشبه ذلك، فإنه بمنزلة الثمن يحسب ويحسب له ~~الربح؛ وأما ما ليس له عين قائمة فإنه على وجهين، أحدهما ما يختص بالمبتاع، ~~والثاني ما لا يختص به؛ فأما ما لا يختص بالمبتاع فإنه لا يحسب في أصل ~~الثمن، ولا يحسب له ربح؛ وذلك كنفقته وكراء ركوبه وكراء بيته إن خزن المتاع ~~فيه، لأن العادة جارية أن يخزن الرجل متاعه في بيت سكناه، وأما ما يختص ~~بالمتاع، فإنه ينقسم أيضا على وجهين، أحدهما ما يتولاه التاجر بنفسه ولا ~~يستأجر عليه غالبا كشراء المتاع وشده وطيه وما أشبه ذلك. والثاني ما يستنيب ~~عليه غالبا ولا يتولاه بنفسه كحمل المتاع ونفقة الرقيق وما أشبه ذلك، فأما ~~ما جرت العادة أن يتولاه التاجر بنفسه غالبا كطي المتاع وشرائه وشده ~~فاستأجر عليه، فإنه لا يحسب في رأس المال، لأن المبتاع يقول له: لا يلزمني ~~ذلك، لأنك إنما استأجرت من ينوب عنك فيما جرت العادة أن تتولاه بنفسك، فلا ~~يجب علي في ذلك شيء؛ وأما ما يستأجر عليه غالبا ولا يتولاه بنفسه، كحمل ~~المتاع ونفقة الرقيق وما أشبه ذلك، فإنه يحسب في أصل الثمن ولا يحسب له ~~ربح، لأنه ليس له عين قائمة. # فصل فيجب على هذا إذا اشترى من المبتاع ما يعلم أنه لا يشتريه إلا بواسطة ~~وسمسار تجري العادة بذلك، أو اكترى منه مخزنا ليخزن فيه المتاع، ولولا ذلك ~~لم يحتج إليه أن يحسب في أصل الثمن ولا يحسب له الربح؛ ms0644 وقد رأيت ذلك لبعض ~~أهل العلم. # فصل وهذا إذا بين هذه الأشياء كلها فقال: اشتريت هذه السلعة بكذا وصبغتها ~~بكذا واكتريت عليها بكذا، وأعطيت عليها السمسار كذا، فأبيعها بربح # PageV02P126 # للعشرة أحد عشر، فحينئذ يكون العمل على هذا، وينظر إلى ما سم مما له عين ~~قائمة، فيحسب ويحسب له الربح، وما لم تكن له عين قائمة إلا أنه يختص ~~بالمتاع ولا يتولاه التاجر بنفسه، فإنه يحسب ولا يحسب له ربح؛ وإن كان ~~يتولاه التاجر بنفسه أو لا يختص بالمتاع، فإنه لا يحسب رأسا ولا يحسب له ~~ربح إلا أن يشترط البائع أن يربحه على ذلك كله بعد أن يسميه ويبينه، فيجوز ~~ذلك. # فصل وأما إن قال: قامت علي هذه السلعة بكذا وكذا وأبيعها بربح للعشرة أحد ~~عشر، وما أشبه ذلك، ولم يبين هذه الأشياء، فالعقد على هذا فاسد، لأن ~~المشتري لا يدري كم رأس المال الذي يجب له الربح؛ وكم أضيف إليه مما يحسب ~~ولا يحسب له ربح ومما لا يحسب رأسا ولا يحسب له ربح، وهذا جهل بين في ~~الثمن، وقد قال في كتاب ابن المواز: إنه يعمل في هذا على ما ذكرناه مما ~~يحسب أو لا يحسب، وما يكون له ربح مما لا يكون له ربح، وهو ظاهر قول سحنون ~~في نوازله منها وهو بعيد والصواب ما قدمناه. # فصل وأما الوجه الثاني من وجوه المرابحة وهو أن يبيع ربح مسمى على جملة ~~الثمن، فإن سمى أيضا ما اشتراها به وما أنفق عليها فيما له عين قائمة وفيما ~~ليس له عين قائمة مما يحسب أو لا يحسب، جاز البيع وطرح عن المبتاع ما لا ~~يحسب رأسا، كنفقته وكراء بيته، وما أشبه ذلك، إلا أن يشترطا أن يحسب ذلك ~~فيجوز، وكذلك إن قال: قامت علي هذه السلعة بكذا، على قياس ما في كتاب محمد ~~وظاهر قول سحنون في نوازله، والقياس أن العقد على هذا فاسد على ما بيناه. # فصل ويلزمه أيضا فيما له عين قائمة كالصبغ والكمد والفتل- أن يبين فيقول: ~~اشتريت ms0645 بكذا وكذا وصبغت بكذا وكذا، في الوجهين جميعا، باع بربح مسمى على # PageV02P127 # جملة الثمن أو للعشرة أحد عشرة، فإن لم يفعل وقال: شراء هذه السلعة ~~بعشرة، وقد كان اشتراها بخمسة وصبغها بخمسة؛ فالمشتري بالخيار إن كانت ~~السلعة قائمة بين أن يأخذها بالثمن أو يردها، وإن فاتت مضت بجميع الثمن ولم ~~ترد إلى القيمة؛ هذا قول سحنون في العتبية، وقد كان القياس إذا خيره في ~~القيام أن يرده في الفوات إلى القيمة، إن كانت أقل من الثمن - على مذهب ابن ~~القاسم في مسائل الغش والخديعة، أو القيمة على مذهب سحنون يوم قبضها ما لم ~~تكن أكثر من الثمن الذي اشتراها به، أو أقل من قيمتها يوم ابتاعها على أصل ~~مذهبه في مسائل المرابحة؛ وذهب أبو إسحاق التونسي إلى أنه ليس عليه أن يبين ~~ذلك، كسلعتين باعهما مرابحة صفقة واحدة وقد كان اشتراهما في صفقتين. # فصل ولا يجوز في بيع المرابحة أن يكتم البائع من أمر سلعته ما إذا ذكره ~~كان أوكس للثمن أو أكره للمبتاع، لأن ذلك من أكل المال بالباطل الذي نهى ~~الله عنه وحرمه، ومن الغش والخديعة والخلابة المنهي عنه بالسنة. # فصل فيلزم من باع مرابحة أن يبين ما عقد عليه وما نقد، وإن كان اشترى ~~بنقد أو إلى أجل أو في أي زمن اشتراها؛ لأن التجار على الطرى أحرص، وهم فيه ~~أرغب، وإن كان تجوز عنه في الثمن أو أخر به أو بشيء منه، وإن كان حدث بها ~~عيب عنده أن يبين به، وأن عنده حدث، وما أشبه ذلك من الأشياء حتى يعلم ~~المبتاع من أمر السلعة ما علم منها البائع؛ فإن لم يفعل وكتم شيئا من ذلك، ~~فلا يخلو ما كتمه من ثلاثة أوجه، (أحدها) أن يكون ذلك من باب الكذب في ~~الثمن # PageV02P128 # والزيادة فيه، (والثاني) أن يكون من باب الغش والخديعة، (والثالث) أن ~~يكون من باب التدليس بالعيب ولكل وجه من هذه الوجوه حكم يختص به. # فصل فأما من باع مرابحة وزاد في الثمن، فحكمه أن ms0646 المبتاع في قيام السلعة ~~مخير بين أن يمسك بجميع الثمن أو يرد إلا أن يشاء البائع أن يحط عنه ~~الزيادة وما ينوبها من الربح، فيلزمه البيع؛ فإن فاتت وأبى البائع أن يحط ~~عنه الزيادة ونوبها من الربح، كان للبائع القيمة إلا أن تكون أكثر من الثمن ~~الذي باع به، فلا يزاد عليه أو أقل من الثمن الصحيح وما ينوبه من الربح، ~~فلا ينقص المبتاع منه شيئا. # فصل وأما من باع مرابحة وخدع المبتاع وغشه، فإن كتمه من أمر سلعته ما ~~يكرهه ولم يزد عليه في الثمن ولا دلس له بعيب، فحكمه أن يكون المبتاع في ~~قيام السلعة بالخيار بين أن يمسك بجميع الثمن أو يرد، وليس للبائع أن يلزمه ~~إياها وإن حط عنه بعض الثمن، وإن كانت فاتت، كان فيها الأقل من القيمة أو ~~الثمن. # فصل وأما من دلس بعيب في بيع المرابحة، فحكمه حكم من باع غير مرابحة في ~~قيام السلعة وفواتها - إن كانت قائمة، خير بين أن يرد ويرجع بجميع الثمن، ~~أو يمسك - ولا شيء له، وإن كانت قد فاتت بعيب مفسد، كان مخيرا بين أن يرد ~~ويرد ما نقصه العيب الحادث عنده، وبين أن يمسك ويرجع بقيمة العيب وما ~~ينوبها من الربح. # فصل # فعلى هذه الثلاثة الأوجه يجري حكم المرابحة كلها على مذهب ابن القاسم إلا ~~في مسألتين شذتا عن هذا الأصل فلم يحكم فيهما بحكم الكذب في بيع # PageV02P129 # المرابحة، ولا بحكم الغش والخديعة، ولا بحكم العيب؛ (إحداهما) من باع ~~مرابحة وحسب ما لا يحسب أو ربح ما يحسب ولا يحسب له ربح، (والثانية) من باع ~~مرابحة على ما عقد عليه ولم يبين ما نقد؛ وأما سحنون فوافق ابن القاسم في ~~الوجهين، وخالفه في الثالث؛ وافقه في حكم التدليس بالعيب وفي حكم الكذب، ~~وخالفه في حكم الغش والخديعة؛ لأن الغش والخديعة عنده في المرابحة ينقسم ~~على قسمين (أحدهما) أن لا يكون للغش والخديعة تأثير في زيادة الثمن، ~~(والثاني) أن يكون له تأثير في زيادة الثمن، فأما ما ms0647 لا تأثير له في زيادة ~~الثمن فيوافق فيه ابن القاسم، وذلك مثل: أن يرث السلعة أو توهب له فيبيعها ~~مرابحة، أو مثل: أن يشتري السلعة فتطول إقامتها عنده ولا تحول أسواقها وما ~~أشبه ذلك. وأما ما له تأثير في زيادة الثمن فخالف فيه ابن القاسم ورده إلى ~~حكم الكذب في القيام والفوات، وذلك مثل: أن يشتري السلعة بثمن إلى أجل ~~فيبيعها مرابحة بذلك الثمن؛ لأن من المعلوم أن من اشترى إلى أجل يزيد في ~~الثمن وأجل التأخير، مثل أن: يشتري الثوبين صفقة واحدة، فيبيع أحدهما ~~مرابحة بما ينوبه من الثمن؛ لأن الجملة يزاد فيها على ما ذهب إليه ابن ~~عبدوس - وإن لم يزد فيها فيتهم البائع في أنه قد وضع على أحد الثوبين من ~~الثمن أكثر مما ينوبه. # فصل # فإن اجتمع على مذهبه الغشان جميعا؛ غش له تأثير في زيادة الثمن وغش لا ~~تأثير له في زيادة الثمن - مثل أن: يشتري السلعة فتطول إقامتها عنده وتحول ~~أسواقها بنقصان، فإنه يوافق ابن القاسم في قيام السلعة؛ لأن البائع إن أراد ~~أن يلزم المبتاع السلعة بأن يحط عنه من ثمنها ما قابل الكذب ونوبه من ~~الربح، احتج عليه بطول الإقامة، ويخالفه إذا فاتت السلعة فيحكم لها بحكم ~~الكذب؛ ووجه العمل في ذلك أن تقوم السلعة يوم باعها مرابحة، فتكون تلك ~~القيمة هو الثمن # PageV02P130 # الصحيح، ثم تقوم يوم قبضها إن تأخر قبضها فتكون له القيمة - ما لم تكن ~~أكثر من الثمن الذي باع به، أو أقل من القيمة الأولى وما ينوبها من الربح؛ ~~هذا نص قول سحنون، وهو كلام فيه اعتراض، والصحيح أن تقوم السلعة يوم ~~ابتاعها، ثم تقوم يوم باعها مرابحة، فينظر ما بين القيمتين من أجل حوالة ~~الأسواق ويحط ذلك الجزء من الثمن وربحه، فما بقي كان هو الثمن الصحيح الذي ~~لا ينقص منه إن كانت القيمة أقل. # فصل # وقد يجتمع في مسألة واحدة التدليس بالعيب والكذب في الثمن، والتدليس ~~بالعيب والغش والخديعة والكذب، فينظر في ذلك كله على مذهب ابن ms0648 القاسم، ~~ويكون للمبتاع المطالبة بأي ذلك شاء مما هو أنفع له، وقد تجتمع أيضا ~~الثلاثة الأشياء في مسألة واحدة: التدليس بالعيب، والكذب في الثمن، والغش ~~والخديعة. # فصل فأما إذا اجتمع في مسألة واحدة التدليس بالعيب والكذب في الثمن، فإن ~~ذلك لا يخلو من خمسة أحوال: # (إحداها) أن تكون السلعة قائمة لم تفت بوجه من وجوه الفوت، (والثانية) أن ~~تكون السلعة قد فاتت بحوالة أسواق أو نقص يسير، (والثالثة) أن تكون قد فاتت ~~ببيع، (والرابعة) أن تكون قد فاتت بالعيوب المفسدة، (والخامسة) أن تكون قد ~~فاتت بذهاب عينها أو ما يقوم مقام ذهاب العين من العتق والكتابة والتدبير ~~والصدقة والهبة لغير الثواب، وما أشبه ذلك. # مثال ذلك: أن يشتري الرجل السلعة فيحدث بها عنده عيب، أو تكون جارية ~~فيزوجها ثم يبيعها مرابحة بجميع الثمن الذي اشتراها به ولا يبين العيب الذي ~~حدث عنده، ولا أن لها زوجا إن كان زوجها؛ لأنه قد زاد في ثمنها ما نقص ~~العيب من قيمتها، فإن كانت على الحال الأولى لم تفت بوجه من وجوه الفوت لم ~~يكن للمشتري المطالبة إلا بحكم العيب، فكان مخيرا بين أن يمسك ولا شيء له ~~أو يرد ولا شيء عليه، ولا يكون للبائع أن يلزمه إياها وإن حط عنه الكذب وهو ~~قيمة العيب وما ينوبه من الربح؛ لأن # PageV02P131 # من حجته أن لا يرضى بالعيب؛ وأما إن كانت على الحال الثانية قد فاتت ~~بحوالة سوق أو نقص يسير، فالمبتاع مخير بين أن يطالب بحكم العيب فيمسكها ~~ولا شيء له، أو يردها ولا شيء عليه؛ إذ لا يفيت ردها بالعيب حوالة الأسواق ~~ولا النقص اليسير، وليس للبائع أن يلزمه إياها بأن يحط عنه الكذب وهو قيمة ~~العيب وما ينوبه من الربح؛ إذ ليس له أن يلزمه العيب شاء أو أبى، وبين أن ~~يطالب بحكم الكذب ويرضى بالعيب؛ إذ قد فاتت في حكم الكذب؛ فإن اختار ذلك ~~كان وجه العمل فيه أن يعرف ما نقص التزويج من الثمن الذي اشتراها به البائع ~~يوم ms0649 اشتراها. # وذلك أن تقوم يومئذ معيبة وغير معيبة، فما كان بين القيمتين حط ذلك ~~المقدار من الثمن، فما بقي منه كان ذلك هو الثمن الصحيح؛ ثم تقوم يوم ~~ابتاعها أو يوم قبضها على الاختلاف في ذلك، فيكون على المبتاع تلك القيمة؛ ~~إلا أن تكون أقل من الثمن الصحيح فلا ينقص البائع منه شيئا أو يكون أكثر من ~~الثمن الذي اشتراها به، فلا يزاد البائع عليه شيئا، وأما إن كانت على الحال ~~الثالثة من فواتها بالبيع فليس للمشتري المطالبة إلا بحكم الكذب، إذ لا ~~رجوع للمشتري في العيب بشيء بعد البيع على مذهب ابن القاسم ويعمل في ذلك ~~على ما بيناه من وجه العمل فيه. # وأما إن كانت على الحال الرابعة من فواتها بالعيوب المفسدة، فله المطالبة ~~بأي الوجهين شاء ويكون مخيرا في ثلاثة أوجه: # (أحدهما) أن يرد ويرد ما نقصها العيب الحادث عنده، (والثاني) أن يرجع ~~بقيمة العيب وما ينوبه من الربح، (والثالث) أن يرضى بالعيب ويطالب بحكم ~~الكذب فتكون عليه القيمة إلا أن تكون أكثر من الثمن الذي ابتاعها به فلا ~~يكون عليه أكثر منه، لأنه هو يطلب الفضل قبل البائع أو تكون القيمة أقل من ~~الثمن الذي اشتراها به البائع بعد طرح قيمة العيب من ذلك، وما ينوبه من ~~الربح يوم ابتاعها البائع على ما تقدم من العمل والتفسير. # وأما إن كانت على الحال الخامسة من ذهاب عينها أو ما يقوم مقام ذهاب ~~العين، فله المطالبة بأي الوجهين شاء إما بالعيب فيرجع بقيمته وما ينوبه من ~~الربح؛ وإما بالكذب فتكون عليه القيمة ما لم تكن أقل أو أكثر على ما فسرناه ~~وقد وقع في # PageV02P132 # المدونة في هذا الوجه كلام طويل واختلاف في الرواية يرجع الكلام على ~~الرواية الواحدة إذا حملته على ظاهره أن المبتاع يرجع على البائع بقيمة ~~العيب وما ينوبه من الربح على حكم التدليس بالعيب بانفراده؛ وعلى هذه ~~الرواية اختصر المسألة ابن أبي زمنين وهي جل الروايات؛ وعلى الرواية ~~الثانية جعل الحكم في المسألة حكم الكذب ms0650 في الثمن بانفراده وهو الأظهر من ~~مراد ابن القاسم - في الكتاب وقصده؛ لأنه لو قصد إلى حكم العيب بانفراده، ~~لقال: يرجع بقيمة العيب وما ينوبه من الربح، فاستغني عن التطويل في ذكر ~~القيمة واعتبارها بما إذا حصل لم يرجع إلى معنى فيه فائدة، وهذا كله فيه ~~نظر؛ والصحيح ما نذكره بعد ونعتمد عليه من التأويل إن شاء الله تعالى؛ لأن ~~الرجوع بقيمة العيب وما ينوبه من الربح أفضل للمشتري في هذه المسألة؛ فإذا ~~كان ذلك أفضل له، فمن حقه أن يطالب به على مذهب ابن القاسم؛ لأن العتق ~~والتدبير والصدقة على مذهبه فوت يوجب للمبتاع الرجوع بقيمته. # فهذه الرواية على هذا التأويل تضاهي رواية زياد عن مالك: أن من اشترى ~~عبدا فوهبه أو تصدق به فهو فوت ولا رجوع له بقيمة العيب إلا أن يتأول أن ~~المعنى فيها أنه رضي بالعيب، فطالب بحكم الكذب، وأما الرواية الأولى فتحمل ~~على ما تأول ابن أبي زمنين أن تكون إنما أرجع المبتاع فيها بقيمة العيب وما ~~ينوبه من الربح على حكم التدليس بالعيب؛ لأن ذلك هو أفضل للمشتري وهو بعيد ~~في الظاهر. # فصل ولو اشترى السلعة معيبة وهو عالم بعيبها، ثم باعها مرابحة بأكثر مما ~~اشتراها به وكتم العيب، لكان أبين في اجتماع الكذب والتدليس بالعيب، ولوجب ~~إذا فاتت السلعة بذهاب عينها أو ما يقوم مقام ذهاب العين، أن يكون للمشتري ~~المطالبة بالوجهين جميعا، فيرجع على البائع بقيمة العيب وما ينوبه من ~~الربح، ثم يقال للبائع: حط عنه الكذب أيضا وما ينوبه من الربح؛ فإن أبى من ~~ذلك، كانت على المبتاع القيمة، إلا أن تكون أكثر من الثمن الذي باع به بعد ~~إلغاء قيمة العيوب وما ينوبه من الربح؛ فلا يزاد البائع على ذلك، أو تكون ~~القيمة أقل من الثمن الصحيح بعد إلغاء قيمة العيب. وما ينوبه من الربح فلا ~~ينقص المبتاع من ذلك؛ وعلى هذا # PageV02P133 # الوجه ينبغي - عندي - أن يحمل كلام ابن القاسم في المدونة الثابت في جل ~~الروايات فيصح معناه، فالأولى ms0651 أن يتأول على ابن القاسم في الكتاب أنه رجع ~~في آخر المسألة إلى التكلم على هذا الوجه - وإن كان لم يبتدأ الكلام عليه، ~~من أن يجعل - كلامه عليه لغوا وتكريرا لغير فائدة كما فعل ابن أبي زمنين ~~والله أعلم. # فصل وأما إن اجتمع في مسألة واحدة التدليس بالعيب والغش والخديعة، فإن ~~ذلك لا يخلو من خمسة أحوال: # (إحداها) أن تكون السلعة قائمة لم تفت بوجه من وجوه الفوت، (والثانية) أن ~~تكون قد فاتت ببيع، (والثالثة) أن تكون قد فاتت بحوالة أسواق أو نقص يسير، ~~(والرابعة) أن تكون قد فاتت بعيوب مفسدة، (والخامسة) أن تكون قد فاتت بفوات ~~العين أو ما يقوم مقام فوات العين، مثال ذلك: أن يشتري السلعة المعيبة وهو ~~عالم بعيبها فتطول إقامتها عنده ثم يبيعها مرابحة ولا يبين بالعيب ولا بطول ~~الإقامة، فإن كانت السلعة على الحالة الأولى، كان مخيرا بين أن يرد بالعيب ~~والغش والخديعة، أو يمسك بجميع الثمن ولم يكن للبائع أن يلزمه إياها بأن ~~يحط عنه بعض الثمن؛ وإن كانت على الحال الثانية من فواتها بالبيع، فليس له ~~المطالبة إلا بحكم الغش والخديعة، فيكون عليه القيمة إن كانت أقل من الثمن، ~~وإن كانت على الحال الثالثة، كان مخيرا بين أن يرد بالعيب أو يرضى ويطالب ~~بحكم الغش والخديعة فيرد له السلعة إلى قيمتها إن كانت أقل من الثمن الذي ~~ابتاعها به، وإن كانت على الحال الرابعة، كان مخيرا في ثلاثة أوجه، (أحدها) ~~أن يردها وما نقصها؛ (والثاني) أن يمسك ويرجع بقيمة العيب وما ينوبه من ~~الربح، (والثالث) أن يرضى بالعيب ويطالب بحكم الغش والخديعة فيرد عليه ~~السلعة إلى قيمتها إن كانت أقل من الثمن الذي باعها بها، وإن كانت # PageV02P134 # على الحالة الخامسة، كان مخيرا في وجهين، أحدهما: أن يطالب بحكم العيب، ~~فيحط عنه من الثمن قيمته وما ينوبه من الربح، والثاني: أن يرضى بالعيب ~~ويطالب بحكم الغش والخديعة فيرد له السلعة إلى قيمتها - إن كانت قيمتها أقل ~~من الثمن. # فصل وأما إن اجتمع في ms0652 مسألة واحدة الكذب في الثمن والغش والخديعة، فإن ~~ذلك لا يخلو من حالين، (أحدهما) أن تكون السلعة قائمة لم تفت بوجه من وجوه ~~الفوت، (والثاني) أن تكون قد فاتت بحوالة سوق أو نماء أو نقصان، فما زاد ~~على الاختلاف في ذلك؛ مثال ذلك: أن يشتري الرجل السلعة بعشرة دنانير فتطول ~~إقامتها عنده فيبيعها باثني عشر دينارا ولا يبين بطول إقامتها عنده، فإن ~~كانت السلعة على الحال الأولى كان مخيرا بين أن يمسك أو يرد، ولم يكن ~~للبائع أن يلزمه إياها بأن يحط عنه الكذب ونوبه من الربح؛ لأنه يحتج عليه ~~بطول الإقامة وهو غش وخديعة، وإن كانت على الحال الثانية، فالمطالبة بحكم ~~الغش والخديعة أفضل له فترد له السلعة إلى قيمتها إن كانت القيمة أقل من ~~الثمن. # فصل وأما إذا اجتمع في مسألة واحدة التدليس بالعيب والغش والكذب في الثمن ~~والغش والخديعة، فإن ذلك لا يخلو أيضا من خمسة أحوال: # (إحداها) أن تكون السلعة قائمة لم تفت، (والثانية) أن تكون السلعة قد ~~فاتت ببيع، (والثالثة) أن تكون قد فاتت بحوالة سوق أو نقص يسير، (والرابعة) ~~أن تكون قد فاتت بالعيوب المفسدة، (والخامسة) أن تكون قد فاتت بفوات العين ~~أو ما يقوم مقام فواته؛ مثال ذلك: أن يشتري الرجل الجارية ولا ولد لها ~~فيزوجها وتلد عنده أولادا، ثم يبيعها مرابحة بجميع الثمن الذي اشتراها به ~~دون أولادها ولا يبين أن لها ولدا؛ لأن أولادها عيب، وطول إقامتها عنده إلى ~~أن ولدت الأولاد غش وخديعة، وما نقص التزويج والأولاد من قيمتها كذب في ~~الثمن، فإن كانت الجارية على الحال الأول # PageV02P135 # من القيام دون فوات، لم يكن للمشتري إلا أن يرد ولا شيء عليه أو يمسك ولا ~~شيء له، ولا يكون للبائع عليه أن يلزمه إياها بحطيطة شيء من الثمن، لأنه ~~يحتج عليه بالعيب والغش والخديعة؛ وإن كانت على الحال الثانية من فواتها ~~بالبيع فلا شيء للمشتري في العيب والمطالبة بحكم الغش والخديعة أنفع له من ~~المطالب بحكم الكذب، فترد له السلعة إلى ms0653 قيمتها إن كانت القيمة أقل من ~~الثمن. وإن كانت على الحال الثالثة من فواتها بحوالة الأسواق والنقص ~~اليسير؛ فيكون المشتري مخيرا بين أن يرد بالعيب أو يرضى به، فيرد له السلعة ~~إلى قيمتها إن كانت القيمة أقل من الثمن على حكم الغش والخديعة؛ لأن ~~المطالبة بذلك أفضل له من المطالبة بالكذب. # وإن كان على الحال الرابعة من فواتها بالعيوب المفسدة، كان مخيرا في ~~ثلاثة أوجه، (أحدها) أن يردها ويرد ما نقصها العيب الحادث عنده، أو يمسك ~~ويرجع بقيمة العيب وما ينوبه من الربح، أو يرضى بالعيب فترد له السلعة إلى ~~قيمتها إن كانت القيمة أقل من الثمن على كلمة الغش والخديعة؛ لأن المطالبة ~~بذلك أنفع من المطالبة بحكم الكذب وإن لم يرد وكان الولد صغارا لم يبلغوا ~~حد التفرقة، جبر على أن يجمع بينهما في ملك واحد أو يرد البيع. # وإن كانت على الحال الخامسة بفواتها بفوات عينها أو ما يقوم مقام ذلك كان ~~مخيرا بين أن يرجع بقيمة العيب وما ينوبه من الربح أو يرضى بالعيب فيرد له ~~السلعة إلى قيمتها إن كانت أقل من الثمن؛ لأن المطالبة بالغش والخديعة أفضل ~~له من المطالبة بحكم الكذب. # فصل فحكم اجتماع التدليس بالعيب والكذب في الثمن والغش والخديعة في مسألة ~~واحدة حكم اجتماع التدليس بالعيب والغش والخديعة لا غير من أجل ما بيناه من ~~أن المطالبة للمشتري بحكم الغش والخديعة أنفع له من المطالبة بحكم الكذب؛ ~~وكذلك حكم اجتماع الكذب والغش والخديعة في مسألة واحدة، كحكم انفراد الغش ~~والخديعة دون الكذب في القيام والفوات من أجل أن المطالبة بحكم الغش ~~والخديعة أنفع للمشتري. # PageV02P136 # فصل فأحكام المرابحة جارية على هذه الوجوه وهي سبعة، (أحدها) الكذب في ~~الثمن بانفراده، (والثاني) التدليس بالعيب بانفراده، (والثالث) الغش ~~والخديعة بانفراده، (والرابع) اجتماع الكذب والتدليس بالعيب، (والخامس) ~~اجتماع الكذب والغش والخديعة، (والسادس) اجتماع الغش والخديعة والتدليس ~~بالعيب، (والسابع) اجتماع الثلاثة الأشياء: الكذب في الثمن، والغش ~~والخديعة، والتدليس بالعيب، فقف عليها واعرف افتراق أحكامها على ما بيناه ~~وقسمناه، ms0654 فإنها مستقصاة صحيحة على أصل ابن القاسم ومذهبه، ولم أرها ملخصة ~~لأحد ممن تقدم كهذا التلخيص. # فصل وسحنون يرد بعض مسائل الغش والخديعة إلى حكم الكذب ويجعل القيمة فيها ~~كالثمن الصحيح، يريد يوم باعها، في مثل الذي اشترى السلعة فحالت سوقها ~~بنقصان، ثم باعها مرابحة ولم يبين - ويريد - والله أعلم - يوم ابتاعها - في ~~مثل الذي اشترى السلعة فطالت إقامتها عنده وحالت أسواقها بزيادة، ثم باع ~~ولم يبين؛ ويأتي على مذهبه في الذي ابتاع السلعة بثمن إلى أجل، ثم باعها ~~مرابحة ولم يبين أن تكون القيمة الصحيحة يوم باعها بأن كانت أسواقها قد ~~حالت بنقصان من يوم ابتاعها إلى يوم باعها، وأن تكون القيمة الصحيحة منها ~~يوم ابتاعها إن كانت حالت أسواقها بزيادة من يوم ابتاعها إلى يوم باعها. # فصل وإن ادعى البائع الغلط في بيع المرابحة وأتى في ذلك بما يشبه من رقم ~~أكثر مما باع به أو إشهاده قوما قاسموه، أو ما أشبه ذلك؛ صدق وكان له ~~الرجوع؛ فهذا حكم بيع المرابحة ملخصا، وسيأتي مفصلا مفسرا في مواضعه من ~~الكتاب إن شاء الله تعالى. # PageV02P137 # فصل وأما بيع المكايسة فهو أن يساوم الرجل الرجل في سلعته، فيبتاعها منه ~~بما يتفقان عليه من الثمن، ثم لا قيام للمبتاع فيها بغبن ولا بغلط على ~~المشهور من الأقوال، وقد قيل: إنه يرجع بالغلط، وهو ظاهر ما في كتاب ~~الأقضية من المدونة وما في سماع ابن القاسم من جامع البيوع، وهي رواية أبي ~~زيد عن ابن القاسم في الكتاب المذكور في الذي يشتري ياقوتة وهو لا يظنها ~~ياقوتة ولا يعرفها البائع ولا المشتري أن البيع يرد خلاف ما في سماع أشهب؛ ~~وأما بالغبن - وهو الجهل بقيمة المبيع - فلا رجوع له في بيع المساومة، وهذا ~~ظاهر ما في سماع ابن القاسم من كتاب الرهون، ولا أعرف في المذهب في ذلك نص ~~خلاف، وكان من الشيوخ من يحمل مسألة سماع أشهب من الكتاب المذكور على ~~الخلاف في ذلك وليس بصحيح؛ لأنها مسألة لها معنى من أجله ms0655 أوجب الرد بالغبن، ~~فليست بخلاف المشهور في المذهب ولظاهر رواية ابن القاسم عن مالك المذكور، ~~وقد حكى بعض البغداديين على المذهب ورواه ابن القصار أنه يجب الرد بالغبن ~~إذا كان أكثر من الثلث.. فتأمله وقف عليه إن شاء الله. # وأما بيع المزايدة فهو أن يطلق الرجل سلعة في النداء ويطلب الزيادة فيها، ~~فمن أعطى فيها شيئا لزمه إلا أن يزاد عليه فيبيع البائع من الذي زاد عليه ~~أولا يمضيها له حتى يطول الأمد وتمضي أيام الصياح، فإن أعطى رجلان فيها ~~ثمنا واحدا تشاركا فيها على مذهب ابن القاسم، وقيل: إنها للأول ولا يأخذها ~~غيره إلا بالزيادة وهو قول عيسى بن دينار في سماعه من كتاب الجعل والإجارة، ~~قال: وإنما يشتركان فيها إذا أعطيا الثمن معا في حال واحدة. # PageV02P138 # فصل وأما بيع الاستئمانة والاسترسال، فهو أن يقول الرجل: اشتر مني سلعتي ~~كما تشتري من الناس، فإني لا أعلم القيمة، فيشتري منه بما يعطيه من الثمن، ~~وقال ابن حبيب: إن الاسترسال إنما يكون في البيع أن يقول الرجل للرجل: بع ~~مني كما تبيع من الناس وأما في الشراء فلا، ولا فرق بين الشراء والبيع في ~~هذا، والله أعلم. # فصل فالبيع والشراء على هذا الوجه جائز، إلا أن البيع على المكايسة أحب ~~إلى أهل العلم وأحسن عندهم والقيام بالغبن في البيع والشراء إذا كان على ~~الاسترسال والاستئمانة واجب بإجماع؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «غبن المسترسل ظلم» وبالله سبحانه وتعالى التوفيق. # PageV02P139 ### | كتاب الاستبراء # ] [ # القول في حقيقة الاستبراء # القول في حقيقة لفظ الاستبراء. # الاستبراء هو: البحث عن الأمر والكشف عنه والوقوف على حقيقته؛ هذا موضوع ~~هذه اللفظة في اللغة. # إلا أنها قد تصرفت عند الفقهاء بالكشف عن حال الأرحام ليعلم أن كانت ~~بريئة من الحمل أو مشغولة به؛ وذلك يكون بالحيض الذي كتبه الله على بنات ~~آدم، وجعله حفظا للأنساب، وعلما لبراءة الأرحام، أو ما يقوم مقام الحيض عند ~~عدمه من الشهور والأيام. # فصل واستبراء الإماء في البيع واجب لحفظ النسب كوجوب ms0656 العدة التي فرضها ~~الله في كتابه وجعلها حدا من حدود عباده، قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يوم سبى أوطاس: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض» ، وقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ~~يغشى رجلان امرأة في طهر واحد» . فوجب على كل من # PageV02P141 # انتقل إليه ملك أمة ببيع أو هبة أو ميراث أو وصية أو بأي وجه كان من وجوه ~~الملك - ولم يعلم براءة رحمها - أن لا يطأها حتى يستبرئها، وسواء كانت ~~الأمة رفيعة أو وضيعة كبيرة أو صغيرة إذا كانت ممن يوطأ مثلها، ولا يؤمن ~~الحمل عليها، فإن أمن الحمل عليها لصغرها أو كبرها، وكانت الصغيرة ممن يوطأ ~~مثلها، فمذهب مالك - رحمه الله تعالى - وأكثر أصحابه إيجاب الاستبراء فيها، ~~وذهب مطرف وابن الماجشون إلى أنه لا يجب الاستبراء فيها، وجاء ذلك عن جماعة ~~من السلف منهم عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وسعيد بن المسيب، وسليمان بن ~~يسار، والقاسم بن محمد، وابن شهاب، وأبو الزناد، وربيعة، وابن هرمز وغيرهم. # فصل والاستبراء يجب بأربعة أوصاف وهي الملك، وأن لا يعلم براءة الرحم وأن ~~يكون الفرج حلاله وأن لا يكون حلاله قبل ذلك فمتى انخرم وصف من هذه الأوصاف ~~لم يجب الاستبراء. # فصل فإذا قلنا هذا فإن الاستبراء يحصل بما يغلب على الظن ببراءة الرحم به ~~من الحمل، وذلك حيضة واحدة في ذوات الحيض، إذ لا يتعلق بها معنى من العبادة ~~ولا حرمة الحرية، فيشترط فيه تكرير الحيض كالعدة. # فصل فأما من لا تحيض من صغر أو كبر، فاستبراؤها على مذهب مالك - رحمه ~~الله تعالى - وأصحابه ثلاثة أشهر، وقيل: شهران، وقيل: شهر ونصف، وقيل: شهر ~~واحد، وحجة من قال: شهر - أن الله جعل العدة في الطلاق ثلاثة قروء في ذوات ~~الحيض، وفي اليائسة من المحيض، والتي لم تحض ثلاثة أشهر، فكان بإزاء كل قرء # PageV02P142 # شهر، فكما وجب على الأمة في الاستبراء حيضة واحدة إذا كانت ممن تحيض وجب ~~عليها ms0657 - إذا كانت ممن لا تحيض من صغر أو كبر شهر واحد، وهذه حجة من قال ~~استبراؤها شهران في الشهر الواحد. # وقال في الثاني: إنه زيد عليها استقصاء للريب؛ وحجة من قال: شهر ونصف، أن ~~عدة الحرة اليائسة من المحيض أو التي لم تحض ثلاثة أشهر، والأمة على النصف ~~من الحرة في عدة الطلاق؛ فشددوا عليها في البيع فبلغوها في الاستبراء فيه ~~مبلغ الاستبراء في الطلاق، وهذا كله لا حجة فيه؛ والقول ما قال مالك ~~وأصحابه؛ لأن الحمل لا يتبين في أقل من ثلاثة أشهر، والاستبراء إنما هو ~~ليعلم براءة الرحم من الحمل، فإذا لم يتبين الحمل في أقل من ثلاثة أشهر، ~~وجب أن لا يحصل الاستبراء بدونها، وهذا بين لمن تأمله. # فصل فإن كانت الأمة ممن تحيض فاستحيضت أو ارتفعت حيضتها، فقيل: تستبرئ ~~تسعة أشهر رواه ابن وهب وأشهب عن مالك، وروى ابن غانم وابن القاسم عنه أن ~~ثلاثة أشهر تجزئ في استبرائها إذا نظر إليها النساء فلم يجدن بها حملا. # فصل وأما إن كانت لا تحيض من مرض أو رضاع، أو لا تأتيها حيضتها إلا من ~~فوق التسعة الأشهر إلى مثل ذلك، فثلاثة أشهر تبرئها من الاستبراء، ولا أعلم ~~في هذا نص خلاف وقد يدخل الخلاف في بعض هذه الوجوه بالمعنى، واختلف قول ابن ~~القاسم إذا كانت تحيض من فوق الثلاثة الأشهر إلى فوق الثلاثة فيما دون ~~التسعة الأشهر، هل تنتظر الحيض أو تبرأ بالثلاثة الأشهر. # فصل فإن اشترى الرجل أمة فوطئها قبل أن يستبرئها فعليه العقوبة الموجعة ~~مع # PageV02P143 # طرح الشهادة، فإن حملت فماتت قبل أن تضع وقد كان البائع وطئها في ذلك ~~الطهر، فمصيبتها منه كان موتها بأقل من ستة أشهر من يوم وطئها المشتري، أو ~~لأكثر منها ما بينها وبين ما تلحق به الأنساب من الأول، وإن لم يكن البائع ~~وطئها في ذلك الطهر فمصيبتها من المبتاع. # فصل فإن لم تمت ووضعت فلا يخلو وضعها من أن يكون لأقل من ستة أشهر أو ~~لأكثر منها، فإن كان ms0658 لأقل من ستة أشهر والبائع مقر بالوطء في ذلك الطهر، ~~فالولد ولده والأمة أم ولد له سقطا كان الولد أو تماما، حيا كان أو ميتا، ~~وأما إن كان البائع منكرا للوطء في ذلك الطهر، فالولد ولد الأمة لا والد له ~~والمشتري بالخيار إن شاء أن يأخذها وإن شاء أن يتركها؛ لأن ذلك عيب فيها؛ ~~وهذا إذا ولدته حيا أو ميتا تام الخلقة، لا يشبه أن يكون من المشتري، وأما ~~إن وضعته سقطا يشبه أن يكون من المشتري فهو منه وهي أم ولد له، وأما إن أتت ~~به لستة أشهر فصاعدا، قال في رواية أصبغ عن ابن القاسم أو مقدار نقصانها ~~بالأهلة والبائع مقر بالوطء في ذلك الطهر، فلا يخلو ذلك من وجهين: أحدهما: ~~أن تكون وضعته حيا، والثاني: أن تكون وضعته ميتا أو سقطا، فأما إن كان حيا ~~فإنه تدعى له القافة، فمن ألحقوه به منهما لحق به، وكانت الأمة أم ولد له، ~~وهذا إذا لم يدعيا الولد؛ فأما إن ادعياه جميعا فإن الأمة تكون معتقة منهما ~~جميعا ويرجع المشتري بنصف الثمن على البائع؛ وأما إن كان ميتا أو سقطا ففي ~~ذلك اختلاف، روى أصبغ عن ابن القاسم أنه من المبتاع وأن الأمة أم ولد له، ~~وقال يحيى بن سعيد في المدونة: تعتق عليهما جميعا، والأظهر أن يلحق بالبائع ~~وتكون الأمة أم ولد له؛ وأما إن كان البائع منكرا للوطء فالأمة أم ولد ~~للمبتاع وولدها لاحق به، وقد قيل: إن الولد للأول والأمة أم ولد منه، فإن ~~ولدته حيا لأكثر من ستة أشهر فلا تدعى له القافة؛ لأن فراش الأول صحيح ~~وفراش الثاني فاسد، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الولد ~~للفراش وللعاهر الحجر» . # PageV02P144 # وأجمعوا - لهذا الحديث - أن الزوجين إذا وطئا المرأة في طهر واحد أن ~~الولد للأول وإن أتت به لأكثر من ستة أشهر لصحة فراشه، ولا فرق بين ~~الموضعين. # فصل وإن بقيت الأمة المبيعة بيد البائع فوطئها بعد البيع قبل الاستبراء، ~~وقد كان المبتاع ائتمنه على ms0659 استبرائها وهي ممن تجب مواضعتها لرفعتها، أو ~~لأن البائع كان يطؤها فإنها تكون أم ولد له ويبطل البيع، وإن كان وطؤه ~~إياها بعد استبرائها بائتمان المبتاع له على استبرائها وكانت من وخش الرقيق ~~التي لا مواضعة فيها، وقد انتقد فإنه يحد ولا يلحق به الولد وتكون الأمة ~~وولدها للمبتاع، واختلف إن كان لم ينقد ووطئها وهي عنده محبوسة بالثمن؛ ~~فقال ابن القاسم: يدرأ عنه الحد بالشبهة ويأخذ المشتري جاريته وتكون على ~~البائع قيمة الولد، وقال سحنون: تكون له أم ولد ويبطل البيع، وبالله سبحانه ~~وتعالى التوفيق. # فصل في معنى المواضعة ووجوبها قد مضى الكلام في الاستبراء، وأنه واجب عند ~~الجميع لحفظ النسب كوجوب العدة التي أوجبها الله في كتابه وجعلها حدا من ~~حدود عباده. # وأما المواضعة، وهي: أن توضع الأمة المستبرأة على يدي امرأة عدلة حتى ~~تحيض، فإن حاضت تم البيع فيها للمشتري، وإن لم تحض وألفيت حاملا ردت إلى ~~البائع، إلا أن يشاء المشتري إذ يقبلها إن لم يكن الحمل من البائع؛ فهي ~~واجبة عند مالك - رحمه الله تعالى - وعامة أصحابه لرفع الغرر والخطر والسلف ~~الذي يجر المنافع - إن نقد في الأمة الرفيعة التي تراد للوطء وليست بظاهرة ~~الحمل ولا معرضة لحمل يتبعها في البيع، كذات الزوج والزانية وفي التي وطئها ~~البائع وإن كانت وضيعة؛ وأخصر من هذه العبارة أن نقول: إن المواضعة تجب في ~~الأمة التي # PageV02P145 # ينقص الحمل من ثمنها كثيرا وفي التي وطئها البائع فيصح ذلك؛ لأن الوخش ~~وذات الزوج والزانية لا ينقص الحمل من قيمتها كثيرا، والصغيرة لا يخشى منها ~~الحمل، إذا كان مثلها لا يوطأ. # فصل واختلف في التي توطأ ولا يحمل مثلها لصغرها، فرأى مالك - رحمه الله ~~تعالى - فيها المواضعة، وقال مطرف وابن الماجشون: لا مواضعة فيها وهو مبني ~~على استبراء من كانت في هذا الحد. وقد تقدم ذكر ذلك. # فصل وإنما وجبت المواضعة فيمن كانت هذه صفتها من الإماء ولم يكن الحمل إن ~~ظهر بها كسائر ما يظهر من العيوب بالمبيع فيكون المشتري ms0660 مخيرا بين الرد ~~والإمساك، أو كالجنون والجذام والبرص الذي إن ظهر بالعبد أو الأمة في السنة ~~رد به وجاز البيع من غير مواضعة؛ لأن الجنون والجذام والبرص أمر نادر في ~~توقيف العبد والأمة حولا كاملا لاستبراء الجنون، والجذام والبرص ضرر بين ~~بالمتبايعين؛ وأما الحمل في الأمة فليس بنادر بل هو أمر عام، وقد قال مالك ~~- رحمه الله تعالى -: جل النساء على الحمل ومدة إيقافها للمواضعة يسيرة لا ~~ضرر في ذلك على المتبايعين، وفيه رفع الغرر والخطر وغير ذلك مما لا يجوز من ~~السلف الذي يجر نفعا إن نقد المشتري الثمن. # فصل والحكم بالمواضعة واجب في كل بلد كانت جارية فيه أو لم تكن، لم يختلف ~~قول مالك - رحمه الله - في ذلك كما اختلف في العهدة؛ وكذلك تجب أيضا عنده ~~على كل أحد كان حاضرا أو مسافرا، وقد سئل مالك - رحمه الله - عن ذلك في أهل ~~منى وأهل مصر عند الخروج إلى الحج في الغرباء الذين يقدمون، فرأى أن يحملوا ~~على ذلك على ما أحبوا أو كرهوا، وسواء باع الأمة ربها أو وكيل له، أو # PageV02P146 # باعها عليه السلطان في الدين - وإن كان بيعه بيع براءة، المواضعة في ذلك ~~كله واجبة؛ لأن بيع البراءة لا يسقط المواضعة عند مالك، وسواء باع بنقد أو ~~إلى أجل، كان ممن يطأ أو لا يطأ؛ إلا أنه إن باع بنقد لم يجز النقد في ~~المواضعة بشرط - لما قدمناه من أنه يدخل ذلك البيع والسلف الذي يجر منفعة. # فصل وقد اختلف في توقيف الثمن في أيام المواضعة؛ هل يحكم به أم لا؟ على ~~قولين، وظاهر ما في كتاب البيوع الفاسدة من المدونة أنه يوضع على يدي عدل، ~~وهو قول مالك - رحمه الله - في الواضحة وكتاب ابن عبدوس وقول ابن المواز، ~~وفي العتبية لمالك خلاف ذلك، أنه لا يحكم بوضعه على يدي عدل ولا يجب على ~~المشتري إخراج الثمن حتى تجب له الأمة بخروجها من الاستبراء وهو ظاهر ما في ~~كتاب الاستبراء من المدونة. # فصل فإن وضع الثمن ms0661 على يدي عدل فتلف قبل خروجها من الاستبراء كانت مصيبته ~~ممن كان يصير إليه، هذا قول مالك - رحمه الله تعالى - في كتاب الاستبراء من ~~المدونة، وقيل: إن الثمن من المبتاع، وروي ذلك عن مالك، وعلى قوله هذا: إن ~~خرجت الجارية صحيحة من المواضعة لزمه ثمن آخر للبائع وتم البيع بينهما، ~~وقيل: إنه يفسخ البيع؛ ومعناه - عندي - إن لم يرد أن يؤدي ثمنا آخر من ~~عنده، واختلف أيضا: إن خرجت معيبة في المواضعة والثمن قد تلف، فقيل: إنه ~~يأخذها بالثمن التالف، وقيل: ليس ذلك له إلا بثمن آخر، وفرق ابن الماجشون ~~في ديوانه على ما فسر ابن عبدوس عنه بين أن يحدث العيب قبل تلف الثمن أو ~~بعده، فقال: إن حدث العيب قبل تلف الثمن، كان له أن يأخذها معيبة بذلك ~~الثمن التالف؛ لأن الخيار قد كان وجب له قبل تلف الثمن، فليس يسقط ذلك عند ~~تلف الثمن، وإن تلف الثمن بعد حدوث العيب لم يكن له أن يأخذها بذلك الثمن ~~التالف إلا بثمن يدفعه. # PageV02P147 # فصل وضمان الأمة في عهدة المواضعة ومن البائع والنفقة عليه فما لحقها من ~~موت أو نقص جسم فهو من البائع، وللمبتاع في الموت إمساك جميع الثمن إن كان ~~لم يخرجه، وارتجاعه إن كان أخرجه؛ وله فيما كان من نقص في جسدها خيار الرد ~~بالعيب والإمساك، وأما ما كان في غير جسدها كالزنا والسرقة وشرب الخمر وما ~~أشبه ذلك، فجمهور أصحاب مالك - رحمه الله تعالى - على أن له الرد بذلك، ~~وحكى ابن حبيب عن أصبغ أنه لا يردها به، وجه قول الجمهور: أن هذا عيب لو ~~كان أقدم من أمد التبايع لردت به، فإذا حدث في مدة المواضعة كان له الرد به ~~كنقص الجسم؛ ووجه قول أصبغ: أن مثل هذا يمنع البائع بيعها أبدا؛ لأنها متى ~~أرادت البقاء عنده أحدثت مثل هذا في مدة المواضعة فترد عليه، وما كان بهذه ~~الصفة وجب أن يمنع منه. # فصل وما حدث لها من مال بهبة أو صدقة أو ما أشبه ms0662 ذلك فهو للبائع، إلا أن ~~يكون المشتري اشترط مالها في البيع، فيكون ما حدث لها من مال في المواضعة ~~تبعا للمال. # فصل وأما ما حدث لها من ولد، فقال ابن القاسم: هو للمبتاع؛ لأنه كعضو ~~منها أصله نماء الجسم، وقال أشهب: هو للبائع، ووجه قوله: إنه نماء منفصل ~~عنها في مدة المواضعة، أصله نماء المال. # فصل فإن اشترط البراءة من الحمل في الرفيعة فالبيع فاسد والمصيبة فيها من ~~المشتري إن تلفت بعد قبضه لها كحكم البيوع الفاسدة، وذلك بعد خروجها من # PageV02P148 # عهدة الثلاث - والله أعلم، هذا هو المشهور من قول مالك وأصحابه - رحمهم ~~الله -، وقيل: الشرط باطل والبيع جائز، وقع هذا القول في كتاب محمد - رحمه ~~الله -، وقال ابن عبد الحكم: الشرط جائز والبيع جائز قياسا على ما رجع إليه ~~مالك من إجازة البراءة من الجنون والجذام والبرص، بعد أن كان يقول: لا تجوز ~~البراءة فيما يعظم من الأشياء. # فصل وأما إن باعها بشرط ترك المواضعة، فالبيع جائز والشرط باطل، ويحكم ~~بينهما بالمواضعة وتخرج من يد المشتري إلى المواضعة، فإن تلفت بيد المشتري ~~قبل أن يعثر على ذلك فيما يكون فيه استبراء لها من المدة - وذلك شهر على ما ~~قاله ابن المواز وابن حبيب، إن لم تكن أيام حيضتها معروفة؛ إذ الشهر أغلب ~~أحوال النساء في الحيض، وإن كانت أيام حيضها معروفة، بقدرها، كانت مصيبتها ~~من المشتري. # وإن لم يمض لها من المدة ما تستبرأ فيه فماتت، كان ضمانها من البائع، هذا ~~قول مالك - رحمه الله - في المدونة، ومثله حكى ابن حبيب في الواضحة وفي ~~المبسوط لإسماعيل القاضي عن مالك رحمهما الله: أن المصيبة من المشتري إن ~~كان تلفها عنده بعد انقضاء عهدة الثلاث في البيع على هذا الوجه؛ وجه هذا ~~القول أن هذا الشرط لا يفسد البيع فيعمل ما لم يحكم بنقضه؛ ووجه القول ~~الأول أن الشرط فاسد يجب الحكم بفسخه فلا يجب إعماله قبل الفسخ؛ وقد قال ~~أبو بكر الأبهري: إن البيع على شرط ترك المواضعة فاسد، ومثله ms0663 في كتاب ابن ~~المواز في قول، وهو على مذهب ابن عبد الحكم بيع جائز وشرط لازم، وأما إن ~~دفعها إلى المشتري جهلا بصفة المواضعة ولم يشترط إسقاطها، فالبيع جائز ~~باتفاق وتخرج إلى المواضعة، وأما إن باعها وتبرأ من حملها - وهو مقر بوطئها ~~- فجعله في المدونة بيعا فاسدا، وذهب ابن حبيب إلى أنه ليس بفاسد وتخرج إلى ~~المواضعة. # فصل فإن أراد المبتاع بعد أن اشترى على المواضعة وصح عقد البيع أن يسقط ~~المواضعة ويرضى بالأمة وإن كانت حاملا كان ذلك له عند ابن القاسم وإن كره # PageV02P149 # البائع، وقال سحنون: لا يجوز، ووجه قوله أنه أسقط الضمان عن البائع على ~~أن يتعجل خدمة الجارية، ويدخله على مذهب سحنون سلف جر منفعة؛ لأنه عجل له ~~النقد بما تعجل من منفعة الجارية. # فصل والمواضعة تكون بما يحصل به الاستبراء، قد تقدم الكلام على ذلك، فإن ~~اشتراها في أول دمها أجزأته تلك الحيضة في المواضعة، وإن كانت في آخر الحيض ~~لم يجزه ذلك واستقبلت المواضعة في الحيضة الثانية؛ ووجه ذلك: أن الرحم في ~~أول الحيض لا يقبل المني لما ترخيه من الدم، وفي آخره قد يقبله لقلة الدم؛ ~~فافترق لذلك أول الحيض من آخره، وقد قيل: إنه لا بد من حيضة مستقلة ~~كالمعتدة لا تعتد إلا بالطهر، حكى هذا القول ابن شعبان في الزاهي، واختاره ~~وأخذ به وحكاه الفضل عن مالك من رواية أشهب عنه. # فصل والمواضعة في الاستقالة واجبة إذا استقاله بعد أن خرجت من الحيضة؛ ~~لأن الإقالة بيع حادث، واختلف في الرد بالعيب، هل تجب فيه المواضعة أم لا؟ ~~على اختلافهم فيه: هل هو نقض بيع أو ابتداء بيع. # وانظر من تزوج امرأة بجارية رائعة، هل تجب فيها المواضعة أم لا؟ فإني لا ~~أعرف في هذه المسألة لأصحابنا نصا وهي محتملة؛ لأن النكاح طريقه المكارمة ~~ويجوز فيه من الغرر ما لا يجوز في البيوع، وإيجاب المواضعة فيها أظهر، ~~والله أعلم وبه التوفيق. # PageV02P150 ### | كتاب التجارة إلى أرض الحرب # ] [ # ما جاء في التجارة إلى أرض ms0664 الحرب ووجه الكراهية في ذلك عند أهل العلم # ما جاء في التجارة إلى أرض الحرب، ووجه الكراهية في ذلك عند أهل العلم. # كره مالك - رحمه الله - الخروج إلى بلاد الحرب للتجارة في البر والبحر ~~كراهية شديدة، قال في سماع ابن القاسم وقد سئل عن ذلك، فقال: قد جعل الله ~~لكل نف5554س أجلا تبلغه ورزقا ينفذه، وهو تجرى عليه أحكامهم فلا أرى ذلك. ~~وأصل الكراهية لذلك، أن الله تعالى أوجب الهجرة على من أسلم ببلاد الكفر، ~~إلى بلاد المسلمين حيث تجرى عليه أحكامهم؛ فقال تعالى: {والذين آمنوا ولم ~~يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا} [الأنفال: 72] ، وقال ~~تعالى: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا ~~مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك ~~مأواهم جهنم وساءت مصيرا} [النساء: 97] ، نزلت هذه الآية - فيما قال ابن ~~عباس وغيره من أهل التأويل والتفسير - في قوم من أهل مكة كانوا قد أسلموا ~~وآمنوا بالله ورسوله فتخلفوا عن الهجرة معه حين هاجر فعرضوا على الفتنة ~~فافتتنوا وشهدوا مع المشركين حرب المسلمين، فأبى الله قبول # PageV02P151 # معذرتهم التي اعتذروا بها؛ حيث يقول مخبرا عنهم: {كنا مستضعفين في الأرض ~~قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها} [النساء: 97] ، أي: فتتركوا ~~هؤلاء الذين يستضعفونكم، {فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا} [النساء: 97] ، ~~ثم أنزل الله تعالى عذر أهل الصدق، فقال: {إلا المستضعفين من الرجال ~~والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا} [النساء: 98] ، أي: ~~لا يهتدون سبيلا يتوجهون إليه لو خرجوا لهلكوا، {فأولئك عسى الله أن يعفو ~~عنهم} [النساء: 99]- يعني: في إقامتهم بين ظهراني المشركين. # فصل فكانت الهجرة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل فتح مكة على من ~~أسلم من أهلها واجبة مؤبدة، افترض الله عليهم فيها البقاء مع رسوله - عليه ~~السلام - حيث استقر، والتحول معه حيث تحول، لنصرته ومؤازرته وصحبته، ~~وليحفظوا عنه ما يشرعه لأمته، ويبلغوا ذلك عنه إليهم ولم يرخص لأحد منهم في ~~الرجوع إلى وطنه، وترك رسول الله ms0665 - صلى الله عليه وسلم -؛ ألا ترى أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال في حجة الوداع: «لا يقيمن مهاجر بمكة بعد ~~قضاء نسكه فوق ثلاث» . # خص الله بهذا من آمن من أهل مكة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وهاجر ~~إليه؛ ليتم له بالهجرة إليه والمقام معه وترك العودة إلى الوطن - الغاية من ~~الفضل الذي سبق لهم في سابق علمه، وهم الذين سماهم الله بالمهاجرين، ومدحهم ~~بذلك فلا ينطلق هذا الاسم على أحد سواهم. # فصل فلما فتح الله مكة، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مضت ~~الهجرة لأهلها» ، أي فازوا بها وحصلوا عليها وانفردوا بفضلها دون من بعدهم، ~~وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، فإذا ~~استنفرتم فانفروا» أي: لا يبتدئ أحد من أهل مكة # PageV02P152 # ولا غيرهم هجرة بعد الفتح، فينال بذلك درجة من هاجر قبل الفتح، ويستحق أن ~~يسمى باسمهم ويلحق بجملتهم؛ لأن فرض الهجرة منسقط، بل الهجرة باقية لازمة ~~إلى يوم القيامة، واجب بإجماع المسلمين على من أسلم بدار الكفر: أن لا يقيم ~~بها حيث تجرى عليه أحكام المشركين، وأن يهاجر ويلحق بدار المسلمين حيث تجرى ~~عليه أحكامهم، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أنا بريء من كل مسلم ~~مقيم مع المشركين» ، إلا أن هذه الهجرة لا يحرم على المهاجر بها الرجوع إلى ~~وطنه، إن عاد دار إيمان وإسلام، كما حرم على المهاجرين من أصحاب رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - الرجوع إلى مكة للذي ذخره الله لهم من الفضل في ~~ذلك. # فصل فإذا وجب بالكتاب والسنة وإجماع الأمة على من أسلم ببلد الحرب أن ~~يهاجر ويلحق بدار المسلمين ولا يثوي بين المشركين ويقيم بين أظهرهم، لئلا ~~تجرى عليه أحكامهم، فكيف يباح لأحد الدخول إلى بلادهم؛ حيث تجرى عليه ~~أحكامهم في تجارة أو غيرها، وقد كره مالك - رحمه الله تعالى - أن يسكن أحد ~~ببلد يسب فيه السلف، فكيف ببلد يكفر فيه بالرحمن وتعبد فيه من دونه ~~الأوثان، لا تستقر نفس أحد ms0666 على هذا إلا وهو مسلم سوء مريض الإيمان. # فصل ولا يجوز لأحد من المسلمين دخول أرض الشرك لتجارة ولا لغيرها إلا ~~لمفاداة مسلم، فإن دخلها لغير ذلك طائعا غير مكره كان ذلك جرحة فيه تسقط ~~إمامته # PageV02P153 # وشهادته؛ قال ذلك سحنون، وينبغي أن يحمل قوله على التفسير لما في كتاب ~~الولاء والمواريث من المدونة من إجازة شهادتهم، لاحتمال أن يكونوا لم ~~يدخلوا بلاد الشرك طائعين، وإنما ردتهم الريح إليها وهم يريدون غيرها، وإن ~~كان تكلم على أنهم دخلوا طائعين، فلعله إنما أجاز شهادتهم بعد أن تابوا ~~وظهر صلاحهم، وهذا محتمل يتناول قوله - صلى الله عليه وسلم - لأنه يبعد أن ~~تجاز شهادة من سافر إلى أرض الحرب للتجارة وطلب الدنيا - وهو عارف بأن ذلك ~~لا يجوز له، وأن أحكام الشرك تجري عليه، وبما هو أدنى من هذا يجرح الشاهد ~~وتسقط شهادته. # فصل فواجب على والي المسلمين أن يمنع من الدخول إلى أرض الحرب للتجارة ~~ويضع المراصد في الطرق والمسالح لذلك، حتى لا يجد أحد السبيل إلى ذلك، لا ~~سيما إن خشي أن يحمل إليهم ما لا يحل بيعه منهم مما هو قوة على أهل الإسلام ~~لاستعانتهم به في حروبهم. # فصل وأما مبايعة أهل الحرب ومتاجرتهم إذا قدموا بأمان، فذلك جائز، روي ~~«عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، أنه قال: بينما نحن ~~عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ جاء رجل مشرك مشعار طويل بغنم ~~يسوقها، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أبيعا أم عطية أم هبة؟ ~~فقال: بل بيع، فاشترى - صلى الله عليه وسلم - منها شاة» # بوب البخاري - رحمه الله تعالى - على هذا الحديث: باب البيع والشراء مع ~~المشركين وأهل الحرب. # فصل إلا أنه لا يجوز أن يبايعوا شيئا مما يستعينون به في حروبهم من كراع ~~أو سلاح أو حديد، ولا شيئا مما يرهبون به على المسلمين في قتالهم مثل ~~الرايات وما يلبسون في حروبهم من الثياب فيباهون بها على المسلمين، وكذلك ~~النحاس؛ لأنهم يعملون ms0667 منه الطبول فيرهبون بها على المسلمين، ولا يجوز أن ~~يباع منهم العبد النصراني؛ لأنه يكون دليلا على المسلمين وعورة عليهم. # PageV02P154 # فصل وإنما يجوز أن يباع منهم من العروض ما لا يتقوى به في الحرب ولا يرهب ~~به في القتال، ومن الكسوة ما يقي الحر والبرد لا أكثر، ومن الطعام ما لا ~~يتقوت به مثل الزيت والملح وما أشبه ذلك، وقد اختلف فيما يتزينون به في ~~كنائسهم وأعيادهم مثل الثياب، هل يجوز أن يباع منهم ذلك أم لا؟ على قولين؛ ~~ففي سماع ابن القاسم من كتاب الجهاد تخفيف ذلك، وحكى ابن المزين عن أصبغ، ~~أن ذلك لا يجوز؛ وجائز أن يعطوا ذلك في فداء المسلمين باتفاق. # وكذلك الخيل والسلاح إذا لم يقبلوا في الفداء غير ذلك فلا بأس أن يفادى ~~بها. قال ابن حبيب: مثل الرجل والرجلين والشيء بعد الشيء في الفرط، وأما ~~الشيء الكثير الذي تكون فيه القوة الظاهرة في العدد الكثير فلا يجوز، وأجاز ~~ذلك سحنون إذا لم يرج فداؤه بالمال وذلك ما كان الأسير في بلادهم؛ وأما إن ~~قدموا به بأمان للفداء، فلا يفادى منهم بالسلاح، فإن أبوا إلا ذلك أخذ منهم ~~بالقيمة صاغرا قمئا، ولم يترك والرجوع به إلى بلده، قال ذلك ابن حبيب في ~~الواضحة، وانظر هل يأتي هذا على مذهب ابن القاسم أم لا؟ فإن مذهبه أن من ~~أسلم من عبيدهم لا يباعون عليهم ويتركون وللرجوع بهم إلى بلادهم، وقد ~~اختلفت الروايات عن ابن القاسم في هذا في العتبية، وجائز أن يفادى منهم ~~المسلمون بالعبد النصراني، وبأم ولد المسلم النصرانية؛ قال ابن أبي زيد: ~~على أن لا يسترقوها؛ وبالذمي على شرط أيضا أن لا يسترق - قاله سحنون؛ فأما ~~مفاداتهم بالخمر والخنازير، فقال أشهب في العتبية: لا يجوز؛ لأنه لا يحل ~~الدخول في نافلة من الخير بمعصية، وأجاز ذلك سحنون قال: لأنها ضرورة، وقد ~~روي عن ابن القاسم أن ذلك أخف من الخيل والسلاح يريد لما على المسلمين من ~~الضرر في فادئهم بالخيل والسلاح. # PageV02P155 # فصل وجائز ms0668 لنا أن نشتري منهم أولادهم وأمهات أولادهم إذا لم تكن بيننا ~~وبينهم هدنة تمنعنا من ذلك؛ وأما ما قدموا به من أموال المسلمين التي حازوا ~~في أوان حربهم، فقال في المدونة: لا أحب شراء ذلك منهم، وقال محمد بن ~~المواز: لا بأس بشراء ذلك منهم، فإن جاء صاحبه كان له أخذه بالثمن، قال: ~~واشتراء العبد المسلم منهم إذا باعوه أفضل من تركه، وكذلك الأمتعة عندي. # فصل وكذلك معاملة أهل الذمة جائزة أيضا وإن كانوا يستبيحون بيع الخمر ~~والخنازير ويعملون بالربا، كما قال الله تعالى عنهم: {وأخذهم الربا وقد ~~نهوا عنه} [النساء: 161] ، لأن الله تبارك وتعالى قد أباح أخذ الجزية منهم ~~وقد علم ما يفعلون وما يأتون وما يذرون، ولأنهم لو أسلموا لأحرزوا بإسلامهم ~~ما بأيديهم من الربا، ومن الخمر والخنازير؛ لقول الله عز وجل: {فمن جاءه ~~موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف} [البقرة: 275] ، ولقول رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «من أسلم على شيء فهو له» ، إلا أن مالكا - رحمه الله - ~~كره أن يباع منهم بالدنانير والدراهم المنقوشة، لما فيها من اسم الله ~~تعالى، وكره أيضا أن يبيع الرجل من الذمي سلعة بدينار أو درهم يعلم أنه ~~أخذه في خمر أو خنزير، ولم ير بأسا أن يأخذ ذلك منه في دين له عليه؛ وهذا ~~على طريق التنزه والتورع؛ وأما في القياس وما يوجبه النظر، فهو جائز لأنه ~~ماله وملكه لا # PageV02P156 # يصح لنا نزعه من يده، ولو أسلم عليه، لساغ له ملكه ولم يكن عليه أن يتنحى ~~عن شيء منه، وذلك إذا باع بذلك الدينار الخمر من ذمي؛ وأما إن باعها به من ~~مسلم، فهو أشد؛ لأن سحنون يرى أن يتصدق به على المساكين وإن قبضه، خلافا ~~لابن القاسم، فعلى قول سحنون لا يجوز أن يبيعه بذلك الدينار شيئا إذا علم ~~أنه ثمن الخمر التي باعها من المسلم، إلا على تأويل ضعيف؛ وهو أن الدينار ~~لا يتعين للمساكين على مذهب من يرى أن العين لا تتعين. # فصل وقد اختلف أصحابنا ms0669 إذا لم يقبض ثمن الخمر والخنازير، وكان قد باع ذلك ~~من نصراني حتى أسلم، هل يصح له قبضه بعد إسلامه أم لا على قولين، (أحدهما) ~~أنه لا يصح له قبضه قياسا على ما كان له من الربا لم يقبضه، وهو قول ابن ~~دينار وابن أبي حازم، (والثاني) أنه يجوز له قبضه بعد إسلامه وهو قول أشهب ~~والمغيرة والمخزومي، وهو مذهب أكثر أصحابنا. # فصل وفي هذا خمس مسائل: # (إحداها) أن يسلم إليه دينارا في دينارين، (والثانية) أن يسلم إليه ~~دينارا في دراهم أو دراهم في دينار، (والثالثة) أن يبيع منه خمرا بدنانير ~~أو دراهم، (والرابعة) أن يسلم إليه دنانير في خمر أو خنزير، (والخامسة) أن ~~يقرضه خمرا أو خنازير فيسلمان جميعا أو أحدهما؛ فأما المسألة الأولى وهي أن ~~يسلم إليه دينارا في دينارين، فإن أسلما جميعا أو أسلم الذي أسلم الدينار، ~~فليس للمسلم إلا ديناره الذي دفع؛ لقول الله تعالى: {وإن تبتم فلكم رءوس ~~أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون} [البقرة: 279] ، وأما إن أسلم المسلم إليه ~~فقال مالك في المدونة: لا أدري أخاف إن قضيت عليه برد الدينار أن أظلم ~~الذمي، وله في كتاب ابن المواز # PageV02P157 # أنه يغرم الدينارين إلى النصراني، ومثله لابن القاسم في سماع عيسى من ~~كتاب التجارة إلى أرض الحرب، خلاف قوله في المدونة: إنه يقضى عليه برد ~~الدينار - كما لو أسلما جميعا، وأما الثانية وهي أن يسلم إليه دينارا في ~~دراهم أو دراهم في دينار، فإن أسلما جميعا رد المسلم إليه ديناره الذي قبض ~~منه أو دراهمه، وكذلك إن أسلم أحدهما على مذهب ابن القاسم في المدونة؛ وأما ~~على مذهب مالك - رحمه الله تعالى -، فإن أسلم المسلم فتؤخذ الدراهم من ~~النصراني المسلم إليه فيبتاع فيها للمسلم دينارا، فإن فضل فضل رد على ~~النصراني، وإن لم يكن فيها دينار يبتاع له بها منه ما بلغ ولم يكن على ~~النصراني أكثر من ذلك، وأما إن أسلم المسلم إليه فيؤدي الدراهم التي عليه ~~للنصراني - على رواية عيسى عن ابن القاسم، وما ms0670 في كتاب ابن المواز؛ لأنها ~~نظير المسألة التي توقف فيها مالك - رحمه الله تعالى -. # وأما الثالثة وهي أن يسلم إليه دينارا في خمر أو خنازير، فإن أسلما جميعا ~~أو أسلم المسلم إليه فإنه يرد إليه ديناره، وكذلك إن أسلم المسلم على مذهب ~~ابن القاسم في المدونة، وأما مالك - رحمه الله تعالى - فتوقف فيها، وقال: ~~لا أدري أخاف أن أظلم الذمي إن قضيت عليه برد الدينار وعليه خمر أو خنازير، ~~وله في كتاب ابن المواز أن الخمر تؤخذ من النصراني فتهراق على المسلم، ~~ومثله في سماع عيسى من كتاب التجارة إلى أرض الحرب. # وأما الرابعة وهي أن يبيع منه خمرا - بدنانير أو دراهم، فالثمن ثابت على ~~المبتاع في كل حال أسلما جميعا أو أحدهما في قول أشهب والمخزومي، وعلى ذلك ~~يأتي قول غير ابن القاسم في كتاب النكاح الثالث من المدونة، وقيل: إنه يبطل ~~الثمن عنه إذا أسلما جميعا، أو أسلم البائع، وهو قول ابن أبي حازم وابن ~~دينار؛ وعليه يأتي قول ابن القاسم في كتاب النكاح الثالث من المدونة. # وأما إن أسلم المبتاع، فعليه أن يؤدي الثمن إلى النصراني ولا أعلم في هذا ~~الوجه نص خلاف؛ إلا أنه يتخرج فيه على المذهب قولان سوى هذا القول، ~~(أحدهما) أن الثمن يبطل عنه، (والثاني) أن عليه قيمة الخمر يوم قبضها ~~وانتفع بها. # وأما الخامسة وهي أن يقرض النصراني النصراني الخمر أو الخنازير؛ فإن ~~أسلما جميعا سقط القرض، # PageV02P158 # وإن أسلم المقترض، فقيل: إن القرض يسقط عنه وهو قول مالك - رحمه الله - ~~في الواضحة، وقيل: إن القيمة تلزمه للمقرض وهي رواية عيسى عن ابن القاسم، ~~وأما إن أسلم المقرض، فقال ابن القاسم في سماع عيسى: أحب إلي أن تؤخذ الخمر ~~من النصراني فتهراق، والخنازير فتطرح. # فصل فمعاملة الذمي على كل حال أخف من معاملة المربي؛ لأن المربي، إذا تاب ~~لم يحل له ما أربى فيه ووجب عليه رده إلى صاحبه إن عرفه، والصدقة به عنه إن ~~لم يعرفه، وقد قال أصبغ - رحمه الله - في ms0671 مال المربي وعاصر الخمر والغاصب ~~والظالم وتارك الزكاة: إنه فاسد كله لا يجوز أن يؤكل منه شيء دون شيء ولا ~~يشرب، وما لا يؤكل ولا يشرب، فلا يجوز أن يباع ولا يشترى. فلا يبايع به ولا ~~يعامل، وإن عامله فيه أحد رأيت أن يخرجه كله ويتصدق به، وقد قيل: إن مبايعة ~~من استغرق الحرام ماله جائزة إذا بايعه بالقيمة ولم يحابه، وأما هبته ~~وصدقته ومعروفه فلا يجوز؛ لأنه كمن استغرق الدين ماله فلا يجوز له فيه ~~معروف إلا بإذن أهل الدين، وأما الميراث فلا يطيب المال الحرام للوارث، هذا ~~هو الصحيح الذي يوجبه النظر، وقد روي عن بعض من تقدم أن الميراث يطيبه ~~للوارث وليس ذلك بصحيح. # فصل ولا يجوز بين المسلم والذمي في التعامل إلا ما يجوز بين المسلمين، ~~فإن تعاملا بما لا يجوز بين المسلمين لم يخل ذلك من ثلاثة أوجه: # (أحدها) أن يبيع منه ما لا يجوز بيعه ويجوز ملكه كتراب الصواغين، والعبد ~~الآبق والحمل الشارد، وما أشبه ذلك، (والثاني) أن يبيع منه ما يجوز ملكه ~~وبيعه بيعا فاسدا، (والثالث) أن يبيع منه ما لا يجوز ملكه كالخمر والخنزير ~~والحر والدم والميتة، وما أشبه ذلك. فأما الوجه الأول والثاني فالحكم فيهما ~~إذا وقعا كالحكم فيما بين # PageV02P159 # المسلمين؛ وأما الوجه الثالث فالحكم فيه إذا وقع بين المسلم والذمي بخلاف ~~الحكم فيه إذا وقع بين المسلمين في بعض المواضع، وبيان ذلك أن المسلم إذا ~~باع الخمر من المسلم أو النصراني فعثر على ذلك والخمر بيد البائع قد أبرزها ~~ولم يدفعها إلى المشتري بعد - كسرت عليه وانتقض البيع وسقط الثمن عن ~~المشتري إن كان لم يدفعه، وإن كان قد دفعه رد إليه في قول وتصدق به على ~~المساكين أدبا له في قول؛ وإن لم يعثر على ذلك حتى قبضها المبتاع، فقيل: ~~إنها تكسر على البائع أيضا وينتقض البيع ويكون الحكم في الثمن على ما تقدم ~~من الاختلاف؛ وقيل: إنها تكسر على المبتاع ويمضي البيع أو يتصدق بالثمن على ~~المساكين قبض ms0672 أو لم يقبض، إذ لا يحل للبائع ولا يصح تركه للمشتري، وأما إن ~~لم يعثر على ذلك حتى استهلك المبتاع الخمر، فههنا يفترق الحكم بين أن يكون ~~المبتاع مسلما أو نصرانيا، فإن كان مسلما تصدق بالثمن على المساكين قبض أو ~~لم يقبض قولا واحدا؛ إذ لا سبيل إلى نقض البيع بإغرام المسلم ثمن الخمر ~~التي استهلكها وكسرها على البائع. وإن كان نصرانيا، فقيل: إنه يغرم مثل ~~الخمر وتكسر على البائع فينتقض البيع ويسقط الثمن عنه إن كان لم يدفعه، وإن ~~كان قد دفعه رد إليه أو تصدق به على المساكين أدبا له على الاختلاف ~~المذكور، وقيل: إنه يمضي البيع ويتصدق بالثمن على المساكين قبض أو لم يقبض، ~~وأما إذا باع النصراني خمرا من مسلم فعثر على ذلك والخمر قائمة بيد البائع ~~النصراني قد أبرزها للمسلم، فإنها تكسر على البائع وينفسخ البيع ويسقط ~~الثمن عن المبتاع المسلم إن كان لم يدفعه إلى البائع، وإن كان قد دفعه ~~إليه، فقيل: إنه يرد إلى المبتاع وهو قول ابن حبيب في الواضحة، وقيل: إنه ~~لا يرد إليه ويتصدق به عليه أدبا له، وهذا يأتي على ما في المدونة، وإن لم ~~يعثر على ذلك حتى قبضها المبتاع، فقيل: إنها تكسر على البائع ويرد الثمن ~~إلى المبتاع. إن كان قد دفعه ويسقط عنه إن كان لم يدفعه، روي ذلك عن مالك ~~بن أبي أويس وغيره، وقيل: إنها تكسر على # PageV02P160 # المبتاع ويتصدق بالثمن إن لم يقبضه البائع أدبا له وإن قبضه ترك له عند ~~ابن القاسم، وعند سحنون يتصدق به قبضه البائع أو لم يقبضه أدبا له، وقيل: ~~إنها تكسر على البائع وينفسخ البيع ويسقط الثمن عن المبتاع إن كان لم ~~ينقده، فإن كان نقده كسرت على المبتاع ومضى الثمن للبائع ولم يؤخذ منه، ~~وهذا قول ابن أبي حبيب في الواضحة؛ وإن لم يعثر على ذلك حتى قبض المسلم ~~الخمر وفاتت في يده أخذ منه الثمن وتصدق به على المساكين إن كان لم يدفعه ~~إلى النصراني أدبا ms0673 له، وإن كان قد دفعه إليه ترك له ولم يؤخذ منه عند ابن ~~القاسم وابن حبيب، وعند سحنون يتصدق به على كل حال أدبا له.. وبالله سبحانه ~~وتعالى التوفيق. # PageV02P161 ### | كتاب الجعل والإجارة # ] [ # فصل في حقيقة الإجارة # فصل # في حقيقة لفظ الإجارة.. # لفظ الإجارة مأخوذ من الأجر وهو الثواب، فمعنى استأجر الرجل الرجل، أي: ~~استعمله عملا بأجرة، أي: بثواب يثيبه على عمله، من قولهم: أجرك الله يأجرك، ~~أي: أثابك يثيبك؛ قال الله عز وجل: {يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري ~~إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون} [هود: 51] ، أي: لا أسألكم عليه ثوابا إن ~~أرجو الثواب في ذلك إلا من الله الذي فطرني. وقال: {لو شئت لاتخذت عليه ~~أجرا} [الكهف: 77] ، وقال: {وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم ~~أجورهم} [آل عمران: 57] ، وقال: {وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا ~~عظيما} [النساء: 95] {درجات منه ومغفرة ورحمة} [النساء: 96] ، وهذا في ~~القرآن كثير. # فصل في أصل جواز الإجارة من الكتاب، وأصل جواز الإجارة قول الله عز وجل: # PageV02P163 # {نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ~~ليتخذ بعضهم بعضا سخريا} [الزخرف: 32] ، يقول تبارك وتعالى: ليستسخر هذا ~~هذا في خدمته إياه، ويعود هذا على هذا بما في يديه من فضل الله رحمة منه ~~لعباده ونعمة عددها عليهم بأن جعل افتقار بعضهم إلى بعض سببا لمعاشهم في ~~الدنيا وحياتهم فيها، حكمة منه لا إله إلا هو. # فصل والاستئجار الذي أذن الله فيه لعباده وجعله قواما لأحوالهم وسببا ~~لمعاشهم وحياتهم ليس على الإطلاق، بل هو مقيد على ما أحكمته السنة ~~والشريعة، فمنه الجائز ومنه المحظور، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: " من «عمل عملا ليس على أمرنا فهو رد» . # فصل فالجائز منه يكون على وجهين، (أحدهما) بعوض، (والثاني) بغير عوض؛ ~~فأما ما كان منه على غير عوض، فهو هبة من الهبات لا يحل إلا عن طيب نفس من ~~واهبه، وأما ما كان على عوض، فإنه ينقسم على وجوه شتى، منها الجعل والإجارة ~~وهما قائمان ms0674 من كتاب الله عز وجل وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، قال ~~الله تبارك وتعالى في الإجارة: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وأتمروا بينكم ~~بمعروف} [الطلاق: 6] ، وقال تعالى: {فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما ~~أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت ~~لاتخذت عليه أجرا} [الكهف: 77] ، أي: ثوابا تأكله. وقال تبارك وتعالى حاكيا ~~عن إحدى ابنتي شعيب في قصة موسى وشعيب - عليهما السلام -: {قالت إحداهما يا ~~أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين} [القصص: 26] # PageV02P164 # وقوته: أنه استوهب الرعاء دلوا فوهبوه إياه فنزعه وحده وكان لا ينزعه إلا ~~عشرة رجال، وقيل: أربعون رجلا فدعا فيه بالبركة فكفى ماشيتهما، فذلك قوله ~~تعالى: {فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير ~~فقير} [القصص: 24] ، وقيل: إنه رفع عن فم البئر صخرة كانت عليه وحده وكان ~~لا يرفعها إلا عشرة رجال، وقيل: أربعون رجلا. # وأمانته التي وصفته - صلى الله عليه وسلم - بها هي أنه لما مشت أمامه خشي ~~أن تكشف الريح عنها ثوبها فيرى بعض عورتها وكان يوم ريح، فأمرها أن تمشي ~~خلفه، وقال لها: دليني على الطريق وصفيه لي، قال: {إني أريد أن أنكحك إحدى ~~ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك} [القصص: 27] ~~، أي: على أن ترعى لي ماشيتي ثمانية أعوام، {فإن أتممت عشرا فمن عندك وما ~~أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين} [القصص: 27] ، وروي «عن ~~ابن مسعود أنه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أمرنا ~~بالصدقة، انطلق أحدنا إلى السوق فتحامل، أي: يحمل على ظهره فيصيب المد، وإن ~~لأحدهم اليوم لمائة ألف» . قال الراوي عنه: ما أراه أراد إلا نفسه. ~~«واستأجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر رجلا من بني الديل ~~هاديا خريتا وهو على دين كفار قريش، فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور ~~بعد ثلاث، فأتاهما براحلتيهما صبح ثلاث» . وقال - صلى الله عليه وسلم ms0675 -: ~~«مثلكم ومثل اليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قوما يعملون له عملا يوما إلى ~~الليل على أجر معلوم، فعملوا له نصف النهار فقالوا: لا حاجة لنا بأجرك الذي ~~شرطت لنا، وما عملنا باطل. فقال لهم: لا تفعلوا أكملوا بقية يومكم وخذوا ~~أجركم كاملا فأبوا وتركوا، واستأجر آخرين بعدهم فقال: أكملوا بقية يومكم ~~هذا ولكم الذي شرطت # PageV02P165 # لهم من الأجر، فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا: ما عملنا لك ~~باطل، ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه، فقال: أكملوا بقية عملكم فإن ما بقي من ~~النهار شيء يسير فأبوا، واستأجر قوما أن يعملوا له بقية يومهم فعملوا بقية ~~يومهم حتى غابت الشمس واستكملوا أجر الفريقين كليهما، فذلك مثلهم ومثل ما ~~قبلوا من هذا النور» # فصل والإجارة تنقسم على ثلاثة أقسام: جائزة ومكروهة ومحظورة، فالجائزة ما ~~يسلم من الجهل والغرر إلا اليسير منهما المغتفر، وكان في المباح من ~~الأعمال. # فصل فلا تجوز الإجارة إلا بأجرة مسماة معلومة وأجل معروف، أو ما يقوم ~~مقام الأجل من المسافة فيما يحمل، أو توفية العمل بتمامه فيما يستعمل، وعمل ~~موصوف أو عرف في العمل والخدمة يدخل عليه المتاجرون فيقوم ذلك مقام الصفة، ~~يدل على ذلك قول الله تعالى: {إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن ~~تأجرني ثماني حجج} [القصص: 27] فسمى الأجرة وضرب الأجل ولم يصف الخدمة ~~والعمل؛ لأن العرف والعادة أغنياهما عن ذلك، وقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «من استأجر أجيرا فليعلمه أجره» . وقال: «من استأجر أجيرا ~~فليؤاجره بأجر معلوم إلى أجل معلوم» . فأمر - صلى الله عليه وسلم - بتسمية ~~الأجرة وضرب الأجل، وسكت عن وصف العمل إذ قد يستغنى عن ذلك بالعرف والعادة ~~اللذين يقومان مقامه. # فصل وهي من العقود اللازمة تلزم المستأجرين بالعقد كالبيع سواء، وتنقسم ~~على قسمين، أحدهما: إجارة ثابتة في ذمة الأجير، والثاني: إجارة للذمة في ~~عينه، فأما # PageV02P166 # الإجارة الثابتة في ذمته، فحكمها حكم السلم الثابت في الذمة في تقديم ~~الإجارة وضرب الأجل ووصف العمل، وقال عبد الوهاب: يجب ms0676 فيها تعجيل أحد ~~الطرفين من الأجرة أو الشروع في الاستيفاء، يريد: إذا كان العمل يسيرا ~~ليخرج عن الدين بالدين، فأما الإجارة اللازمة في عينه، فإنها تنقسم على ~~قسمين، أحدهما: أن يستأجره على عمل موصوف لا يرتبط بعين، (والثاني) أن ~~يستأجره على عمل موصوف يرتبط بعين، فأما القسم الأول وهو أن يستأجره على ~~عمل موصوف لا يرتبط بعين، فلا تنفسخ الإجارة فيه إلا بموت الأجير، وهو على ~~نوعين، (أحدهما) أن لا يكون له غاية كخدمة البيت ورعاية الغنم بغير ~~أعيانها، وحمل حمل بغير عينه، وما أشبه ذلك، (والثاني) أن يكون له غاية ~~معلومة كخياطة ثوب بغير عينه أو طحن قفيز قمح بغير عينه، وما أشبه ذلك، ~~فالأول لا بد فيه من ضرب الأجل بالأيام والشهور فيما كان من الخدمة والعمل ~~وتسمية المواضع والبلدان فيما كان من النقل والحملان؛ فإذا ضرب في النقل ~~والحملان مع تسمية المواضع والبلدان أجلا من الشهور والأيام، فسد ولم يجز ~~لأنه غرر؛ ومما نهي عنه من شرطين في البيع على المشهور من المذهب، وقد قيل: ~~إن ذلك جائز. وذلك بتأويل ما في الرواحل والدواب من المدونة، وعلى ما وقع ~~في أول سماع ابن القاسم من كتاب الجعل والإجارة من العتبية، (والثاني) لا ~~يجوز فيه ضرب أجل على ما ذكرناه من المشهور في المذهب؛ وأما القسم الثاني ~~وهو أن يستأجره على عمل موصوف يرتبط بعين، فإنه ينقسم على خمسة أنواع: # (أحدها) أن يستأجره على عمل في شيء بعينه لا غاية له إلا بضرب الأجل فيه، ~~وذلك مثل أن: يستأجره على أن يرعى له غنما بأعيانها، أو يتجر له في مال ~~بعينه شهرا أو سنة وما أشبه ذلك؛ فهذا اختلف في حد جواز الإجارة فيه، فقيل: ~~إنها لا تجوز إلا بشرط الخلف، وهو مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك - رحمه ~~الله - في المدونة وغيرها؛ وقيل: إنها تجوز بغير شرط الخلف والحكم يوجب ~~الخلف، وهو قول سحنون وابن حبيب وقول أشهب في رسم البيع والصرف من سماع ~~أصبغ من كتاب ms0677 الجعل والإجارة، فهذا حكم هذا الوجه إلا في أربع # PageV02P167 # مسائل، فإن الإجارة تنفسخ فيها بموت المستأجر له، (إحداها) موت الصبي ~~المستأجر على رضاعه، (والثانية) موت الصبي المستأجر على تعليمه، (والثالثة) ~~موت الدابة المستأجر على رياضتها، (والرابعة) من استأجر رجلا على أن ينزي ~~له أكداما معروفة على رمكة، فتعف الرمكة قبل تمام الأكدام، فإن الإجارة ~~تنفسخ فيما بقي منها، ولا يقال للمستأجر: جئ بمثل الرمكة لما بقي من ~~الأكدام. # والنوع الثاني: أن يستأجره على عمل في شيء بعينه لا غاية له إلا بتسمية ~~المواضع. وهو الاستئجار على حمل شيء بعينه، فهذا لا اختلاف في جواز الإجارة ~~فيه - وإن لم يشترط الخلف؛ واختلف إن تلف على أربعة أقوال، (أحدها) - وهو ~~المشهور أن الإجارة لا تنتقض وإليه ذهب محمد بن المواز، فقال: تعيين الحمل ~~إنما هو صفة لما يحمل، ومثله في رسم القبلة من سماع ابن القاسم من كتاب ~~الرواحل والدواب، وفي رسم طلق بن حبيب من سماع ابن القاسم من كتاب الجعل ~~والإجارة، وفي أول رسم من سماع أصبغ منه، (والثاني) أن الإجارة تنتقض بتلفه ~~- وهو قول أصبغ وروايته عن ابن القاسم في رسم الكراء والأقضية من سماعه من ~~كتاب الرواحل والدواب، ويكون له من كرائه بقدر ما سار من الطريق، (والثالث) ~~الفرق بين أن يأتي تلفه من قبل ما عليه استحمل، أو من أمر من السماء؛ فإن ~~أتى تلفه من قبل ما عليه استحمل، انفسخ الكراء فيما بقي له من كرائه بقدر ~~ما مضى من الطريق، وإن كان تلفه بأمر من السماء أتاه المستأجر بمثله ولم ~~ينتقض الكراء، وهو قول مالك - رحمه الله - في أول رسم من سماع أصبغ من كتاب ~~الجعل والإجارة، (والرابع) أنه إن كان تلفه من قبل ما عليه استحمل، انفسخ ~~الكراء ولم يكن له فيما مضى كراء، وإن كان تلفه بأمر من السماء أتاه ~~المستأجر بمثله ولم ينفسخ الكراء، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة وروايته ~~عن مالك. (والنوع الثالث) أن يستأجره على عمل شيء بعينه له ms0678 غاية مجهولة، ~~وذلك مثل أن يستأجره # PageV02P168 # على أن يبيع له هذا العبد أو هذا الثوب أو هذه الأثواب في هذا البلد أو ~~في بلد آخر بثمن سماه أو بما يراه، فهذا لا بد فيه من ضرب الأجل ولا يحتاج ~~فيه إلى اشتراط الخلف على ظاهر ما في المدونة، والحكم يوجبه إن تلف؛ وقيل: ~~إنه لا يجوز على مذهبه إلا بشرط الخلف إن تلف، فإن باع العبد أو الثوب قبل ~~تمام الأجل انفسخت الإجارة فيما بقي من الأجل، وكان له من إجارته بحساب ما ~~مضى منه، ولا يجوز النقد في ذلك بشرط، هذا قوله في المدونة في هذه المسألة، ~~والذي يأتي على مذهب سحنون فيها أن الإجارة لا تنفسخ فيما بقي من المدة ~~ويستعمله فيما يشبه ذلك؛ فإن اشترط أن يفسخ الكراء فيما بقي من الشهر لم ~~يجز عنده وإن لم ينقد ولو استأجره على أن يبيع له الدابة أو الثوب بذلك ~~البلد أو ببلد آخر وللقيام ببيعه غاية معلومة على أن له أجرته باع أو لم ~~يبع للحق بالنوع الرابع وجاز، ولا يسمي للسوق والبيع أجلا لأن قدر ذلك ~~معروف - قاله أشهب في آخر أول رسم من سماع أصبغ من كتاب الجعل والإجارة. # والنوع الرابع: أن يستأجره على عمل شيء بعينه له غاية معلومة، مثل أن: ~~يستأجره على خياطة ثوب بعينه، أو على طحن قمح بعينه، أو على حصاد زرع ~~بعينه، فلا يجوز ضرب الأجل فيه؛ لأنه مدتان في مدة ويضارع ما نهي عنه من ~~بيعتين في بيعة إلا على ما ذكرنا من الاختلاف في ذلك القائم من كتاب ~~الرواحل والدواب من المدونة، ومن أول سماع ابن القاسم من كتاب الجعل ~~والإجارة، وتجوز الإجارة فيه دون شرط الخلف باتفاق - وإن تلف قبل العمل أو ~~بعد. إن مضى بعضه، فالمشهور في المذهب أن الإجارة تنفسخ فيه أو فيما بقي ~~منه. وهو قول مالك في رسم المحرم من سماع ابن القاسم، ويكون له فيما عمل ما ~~يجب له من الأجر؛ لأنه كلما ms0679 عمل شيئا فالمستأجر له قابض ولا ضمان على الآجر ~~فيه، بخلاف الصانع الذي هو ضامن إن تلف الثوب عنده قبل فراغه من عمله وقامت ~~البينة على تلفه، فلا شيء له فيما عمل؛ واختلف قول ابن القاسم إن تلف ببينة ~~بعد تمامه من العمل قبل أن يسلمه إلى ربه، هل يجب له أجرة أم لا؟ على ~~قولين، وقد قيل: إن الإجارة لا تنفسخ ويستعمله في مثله. وهو قول # PageV02P169 # ابن القاسم في رسم الدور والمزارع من سماع يحيى من كتاب الجعل والإجارة، ~~والنقد في هذه الإجارة جائز؛ لأن التلف نادر فلا يعتبر به. # والنوع الخامس: أن يستأجره على دار يبنيها في هذه البقعة أو بئر يحفرها ~~فيها إجارة لازمة في عينه غير ثابتة في ذمته وماله، فهذا إن استحقت البقعة ~~أو عرقت انفسخت الإجارة وإن أكمل البنيان وجبت له أجرته إن انهدم بعد ~~تمامه؛ لأن المستأجر قابض له بتمامه، واختلف إن انهدم قبل تمامه: فقال ~~سحنون: لا شيء له إلا بتمام العمل، وقال ابن القاسم: له من الأجر بحساب ما ~~عمل إلا أن تكون الإجارة فيما لا يملك من الأرضين، فاختلف في ذلك قوله في ~~المدونة فمرة قال: له بحساب ما عمل، ومرة قال: لا شيء له إلا بتمام العمل ~~كالجعل وهذا حكم الإجارة الجائزة. # فصل وأما الإجارة المكروهة فهي ما تتعارض الأدلة في صحة عقده مع السلامة ~~من الجهل والغرر كالإجارة على الصلاة والحج وكإجارة المسلم نفسه من الذمي ~~أو فيما فيه من الجهل والغرر. هل هو من قبيل اليسير المستخف أو من قبيل ~~الكثير الذي لا يستخف؛ وحكمها أن يرد ما لم يفت، فإن فاتت مضت بالإجارة ~~الأجرة المسماة. ومنها ما يفوت بالعقد ومنها ما لا يفوت إلا باستيفاء العمل ~~على قدر قوة الكراهية فيها. # ومن الإجارات ما يختلف فيها في المذهب هل هي مكروهة أو فاسدة محظورة ~~كالمسألة الواقعة في رسم أخذ يشرب خمرا من سماع ابن القاسم من كتاب الجعل ~~والإجارة، ونصها: # قال: وسئل مالك - رحمه الله تعالى ms0680 - عن رجل شارط رجلا على عين يحفرها على ~~خمسة آلاف ذراع وما وجد في الأرض من صفا، فعلى صاحب العين أن يشقه فعمل ~~فيها فوجد في الأرض نحو مائة ذراع فشقها # PageV02P170 # الرجل، فلما فرغ قال له الرجل: اعمل لي بدلها وموضعها الذي يعمل هو أكثر ~~عملا من الموضع الذي وجد فيها الصفا؛ فقال: لقد دخلت في أمر لا خير فيه، ~~فأرى عليك قدر ذلك الموضع الذي شقه ذلك الرجل تغرمه، وليس عليك أن تعمل له ~~بدله - يريد أن ينظر إلى قدر كم ذلك من الأرض من قدر العمل فيرد منه بقدر ~~ذلك مما أخذ؛ قال ابن القاسم: لست آخذ فيه بقول مالك، وأرى أن يعطى أجرة ~~مثله، قال سحنون: وهو رأيي، وقوله فيها أفضل وأجود، هذا نص هذه المسألة ~~وفيها التباس قد أشكل على كثير من الناس معناها فتأولها على غير معناها، ~~منهم ابن لبابة؛ فإنه وهم في تأويلها فجعلها جعلا، وقال: إن مالكا تكلم على ~~أن العامل هو الذي شق الصفا، وقد كان شقها واجبا على رب الأرض بالشرط، وأن ~~ابن القاسم وسحنون تأولا على مالك أنه إنما أجاب في المسألة على أن رب ~~الأرض هو الذي شق الصفا وقد كان شقها على العامل، وقد بين في المسألة أن ~~المعاملة إنما وقعت بينهما على أن يشق رب الأرض ما وجد فيها من الصفا، وأن ~~العامل هو الذي شق الصفا، بدليل قوله: فلما فرغ قال له: اعمل لي بدلها، وقد ~~سألني بعض أصحابنا عن معنى قول مالك - رحمه الله تعالى - فيها وتبيين ما ~~فسره ابن القاسم من إرادته، ووجه مخالفته إياه ومتابعته سحنون له على ~~خلافه؛ فقلت: الذي أقول به في ذلك - والله الموفق للصواب برحمته أن هذه ~~المسألة محتملة لوجوه من التأويل؛ إذ لم يبين كيف انعقد الاستئجار بينهما ~~على حفر الخمسة الآلاف الذراع إن كان على شرط أن يشق صاحب العين ما وجد ~~فيها من صفا ويسقط عنه من الإجارة التي سمياها بقدر ما ينوب ذلك منها، أو ms0681 ~~على أن يشق ما وجد فيها من صفا دون أن يحط عنه لذلك من الإجارة شيئا، ~~فالغرر في الإجارة على هذا بين والأظهر فيها الفساد، وقول ابن القاسم ~~وسحنون: إن للعامل أجرة مثله في جميع عمله، هو القياس، ووجه قول مالك - ~~رحمه الله تعالى - على هذا التأويل وعلى ما ذيله ابن القاسم من التفسير له ~~بقوله: يريد أن ينظر إلى قدر كم ذلك من الأرض من قدر العمل فيرد منه بقدر ~~ذلك؛ مما أخذه هو أن مالكا - رحمه الله تعالى - رأى العقد على هذا الشرط من # PageV02P171 # العقود التي يكرهها ابتداء فإذا وقعت صح العقد وبطل الشرط؛ وذلك أن ~~العقود المقترنة بها الشروط، تنقسم على ثلاثة أقسام؛ منها ما يبطل العقد ~~والشرط، وهو ما كان الشرط المشترط فاسدا له تأثير في الثمن، كالذي يبيع ~~الدابة على أن يسافر عليها سفرا بعيدا وما أشبه ذلك، ومنها ما يصح البيع ~~والشرط، وهو ما كان الشرط المشترط حلال لا يئول به البيع إلى غرر ولا فساد ~~في ثمن ولا مثمون، كالذي يبيع الدابة على أن يركبها اليوم واليومين وما ~~أشبه ذلك. ومنها ما يصح البيع ويبطل الشرط وهو ما كان الشرط فاسدا إلا أنه ~~خفيف لا يرى أنه نقص من الثمن ولا زاد فيه من أجله شيئا، وذلك مثل أن: يبيع ~~السلعة على أنه إن لم يأته بالثمن إلى يومين أو ثلاثة فلا بيع بينهما، ومثل ~~أن: يبيع الثمرة على أن لا قيام له عليه بجائحة إن أجيحت وما أشبه ذلك، ~~فرأى عقد الإجارة في مسألتنا على هذا الشرط من هذا القبيل من الشروط إذ غلب ~~على ظنه أن العامل إنما شرط على رب العين شق ما وجده من صفا فيها، والأغلب ~~عندهما أنه لا صفا فيها لندور الصفا في ذلك الموضع على ما قد علم ~~بالاختيار، فلم يحط من الإجارة لذلك الشرط شيئا ولا كان له تأثير فيها ~~فأمضاها إذا وقعت وأسقط الشرط مع كراهيته لها ابتداء، كما أمضى البيع بشرط ~~إسقاط الجائحة ms0682 إذا وقع وأبطل الشرط إذ لم ير له تأثيرا في الثمن؛ لأن ~~الأغلب السلامة من الجوائح وأراد العامل لما شق ما وجد في الأرض من صفا، ~~وقد كان اشترط ذلك على رب العين أن يحفر له رب العين بدلها ويستحق هو ~~إجارته كلها على ما اشترطا؛ فلم ير ذلك مالك - رحمه الله - وذهب إلى أن ~~الشرط ينفسخ والعقد على ذلك مكروه ابتداء على ما بيناه، فقال لهما: قد ~~دخلتما في أمر لا خير فيه، فأرى عليك - يريد على صاحب العين قدر ذلك الموضع ~~يريد قيمة حفر ذلك الموضع الذي شقه الرجل يريد العامل ولم يكن ذلك عليه، ~~لاشتراطه إياه على صاحب العين؛ ومعنى ذلك على أصولهم - إن كان رب العين ممن ~~يستأجر على شق ذلك ولا يتولاه بنفسه وعبيده، وسكت مالك - رحمه الله - عن ~~تمام الحكم في # PageV02P172 # المسألة، وفسره ابن القاسم على ما فهم من مذهبه في إجازة العقد إذا وقع ~~وإبطال الشرط على ما بينا، فقال: يريد أن ينظر إلى قدر كم ذلك من الأرض من ~~قدر العمل فيرد منه بقدر ذلك مما أخذ، ومعنى ذلك أن ينظر ما تقع الصفا التي ~~شقها العامل من جملة الخمسة الآلاف الذراع فيرد من الأجرة التي قبض ذلك ~~الجزء لإبطال الشرط مع إمضاء العقد، إذ لا فرق بين أن يشق صاحب العين الصفا ~~أو يشقها العامل فيأخذ حقه في شقها، وإن كان ما وجب للعامل في شقه الصفا من ~~جنس الأجرة التي قبض قاصه بذلك فيما يجب عليه رده منها، فمن كان له منهما ~~في ذلك فضل، رجع به على صاحبه وبالله سبحانه وتعالى التوفيق. # فصل ولولا تأويل ابن القاسم على مالك - رحمه الله - لكان الأظهر من قوله: ~~قد دخلتما في أمر لا خير فيه، أن العقد فاسد ويكون للعامل أجرة مثله في شقه ~~الصفا وفي سائر عمله، ويرد جميع الأجرة إن كان قبضها أو تسقط إن كان لم ~~يقبضها؛ لأنه إنما تكلم على ما يجب للعامل في شق الصفا وسكت عن ms0683 تمام الحكم ~~في المسألة؛ إلا أن ابن القاسم أحق بتبيين إرادة مالك في المسألة، لمشافهته ~~إياه فيها. # فصل وإن كانت الإجارة انعقدت بينهما على أن يشق رب العين ما وجد فيها من ~~صفا، ويسقط عنه من الأجرة التي سمياها ما ينوبها منها، فيتخرج جوازها بغير ~~اشتراط النقد على قولين، الأشهر منهما في المذهب الإجازة؛ لأن السوم معلوم ~~وجملة الثمن مجهول. لا يعلم حال العقد كبيع الصبرة جزافا على الكيل الذي ~~أجازه مالك - رحمه الله - وأصحابه، ومنع منه عبد العزيز بن أبي سلمة، ~~وكاستئجار الأجير على أن يأتيه بمتاع من بلد على أنه إن وجده في الطريق رجع ~~وكان له بحسابه الذي أجازه مالك وابن القاسم رحمهما الله تعالى، ومنع منه ~~سحنون، ومن # PageV02P173 # ذلك أيضا اختلافهم في استئجار الأجير شهرا على أن يبيع له ثوبا بعينه أو ~~يرعى له غنما بأعيانها دون أن يشترط الخلف وما أشبه ذلك؛ فمعنى ما ذهب إليه ~~مالك - رحمه الله - فيها على هذا التأويل، أنه كرهها ابتداء مراعاة للخلاف؛ ~~ويحتمل أن يكون كرهها من أجل النقد - وإن لم يكن مشترطا؛ إذ لا يصح النقد ~~فيها بشرط إجماعا، وأجازها إذا وقعت على أصل مذهبه وحكم للعامل بأجر مثله ~~في شق الصفا وأوجب عليه أن يرد من الأجرة ما يقع للصفا من جملة الخمسة ~~الآلاف الذراع، ورأى ابن القاسم وسحنون أنها إجارة فاسدة للعلة التي ذكرها ~~وهي الجهل بجملة الثمن حال العقد، فأوجبا للعامل أجرة مثله في جميع عمله، ~~فأما سحنون فجرى في ذلك على أصله في الذي يستأجر الكرى على أن يأتيه بمتاعه ~~من بلد كذا، فإن وجده في الطريق رجع وكان له بحسابه، وأما ابن القاسم فخالف ~~أصله وذلك اختلاف من قوله؛ وكلا التأويلين سائغان، والتأويل الأول أظهر ~~والله أعلم. # وقد تأول بعض الناس أن مالكا تكلم على أن رب العين هو الذي شق الصفا، وأن ~~ابن القاسم وسحنون تكلما على أن العامل هو الذي شقها وهو بعيد من التأويل ~~لا معنى له؛ إذ لا تأثير ms0684 لشق العامل إياها في فساد العقد، وتأول أيضا بعض ~~من سألني عن معنى هذه المسألة فنهجت له القول فيها بما ذكرته أن مالكا تكلم ~~على الوجه الآخر من الوجهين اللذين ذكرنا، وأن ابن القاسم وسحنون تكلما على ~~الوجه الأول وذلك محتمل أيضا، ومنهم من ذهب إلى أنهم تكلموا جميعا على ~~الوجه الأول. وأن إرادة مالك أن الإجارة فاسدة بدليل قوله: قد دخلتما في ~~أمر لا خير فيه، وأن تفسير ابن القاسم ليس بصحيح، والصواب أن تفسيره لمذهبه ~~صحيح، فهو أقعد بمعنى ما ذهب إليه، والله أعلم. # فصل وأما الإجارة المحظورة فتنقسم على ثلاثة أقسام، (أحدها) الاستئجار ~~على # PageV02P174 # ما يجب على الأجير فعله، (والثاني) الاستئجار على ما لا يحل له فعله، ~~(والثالث) الاستئجار على المباح من الأعمال بما لا يجوز من الغرر أو الحرام ~~أو على وجه لا يجوز مما يدخله غرر أو جهل؛ فأما الاستئجار على ما لا يجوز ~~الاستئجار عليه لوجوب فعله على الأجير، فينفسخ إن عثر عليه قبل العمل فإن ~~فات بالعمل لم يكن للأجير شيء من الأجرة، وردت كلها إلى المستأجر - إن كان ~~قد دفعها؛ وأما الاستئجار على ما لا يجوز الاستئجار عليه لتحريم فعله عليه، ~~فالحكم فيه إذا وقع أن يفسخ أيضا متى ما عثر عليه، فإن فات بالعمل لم يكن ~~للأجير من الأجرة شيء وتصدق بها عليه على التفصيل الذي ذكرناه في كتاب ~~التجارة إلى أرض الحرب في بيع المسلم الخمر من النصراني أو المسلم، وأما ~~الاستئجار على المباح من الأعمال بما لا يجوز أو على وجه لا يجوز، فالحكم ~~فيه إذا وقع أن يفسخ ما لم يفت؛ فإن فات بالعمل كانت فيه القيمة والله ولي ~~التوفيق برحمته. # فصل # في ماهية الجعل وأصل جوازه # وأما الجعل فهو أن يجعل الرجل للرجل جعلا على عمل يعمله له إن أكمل ~~العمل، وإن لم يكمله لم يكن له شيء، وذهب عناؤه باطلا؛ فهذا أجازه مالك ~~وأصحابه - رضوان الله عليهم أجمعين - مما لا منفعة فيه للجاعل إلا بتمام ~~العمل، ms0685 خلافا لأبي حنيفة والشافعي رحمهما الله تعالى في أحد قوليه، وهو في ~~القياس غرر إلا أن الشرع قد جوزه؛ والأصل في جوازه قول الله تعالى: {ولمن ~~جاء به حمل بعير وأنا به زعيم} [يوسف: 72] ، وقول رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يوم حنين: " من قتل قتيلا فله سلبه "، وقوله يوم بدر: " من فعل ~~كذا فله كذا، ومن فعل كذا وكذا فله كذا وكذا "، وإن كان مالك - رحمه الله - ~~قد كره ذلك، فإنما كرهه لئلا # PageV02P175 # تفسد نيات الناس في الجهاد، لا أنه عنده حرام؛ ومن الحجة في ذلك أيضا ما ~~روي عن أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه -، أنه قال: «انطلق نفر من ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي ~~من العرب، فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم، فلدغ سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل ~~شيء لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذي نزلوا عندنا لعله ~~أن يكون عند بعضهم شيء فأتوهم، فقالوا لهم: يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ وقد ~~سعينا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فهل عند أحدكم من شيء؟ فقال بعضهم: نعم ~~والله إني لأرقي، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براق حتى ~~تجعلوا لنا جعلا، فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يتفل عليه ويقرأ ~~{الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 2] ، فكأنما نشط من عقال، فانطلق يمشي ~~وما به قلبة. قال: فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقسموا، ~~فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي النبي - صلى الله عليه وسلم - فنذكر له ~~الذي كان فننظر ما يأمرنا به، فقدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فذكروا ذلك له، فقال: " وما يدريك أنها رقية "؟ ثم قال: " قد أصبتم اقسموا ~~واضربوا لي معكم بسهم "، فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم -» . وأيضا فإن ~~الجعل مما كان موجودا في معاملات الناس جاهلية وإسلاما، فأقر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فعله - ولم يتعرض لإبطاله مع علمه بذلك، ولا فرق بين ms0686 ما ~~يبتدئ إجازته شرعا وبين ما يقر على إجازته؛ وأيضا فإن الضرورة تدعو إلى ذلك ~~أشد مما تدعو إلى القراض والمساقاة، والضرورة مستثناة من الأصول وقد مضى ~~عمل المسلمين على ذلك في سائر الأمصار على قديم الأوقات والأعصار. # فصل والجعل أصل في نفسه كالقراض والمساقاة، لا يقاس على الإجارة، ولا ~~تقاس الإجارة عليه وإن أخذ شبها منها. # PageV02P176 # فصل ومن شروط صحة المجاعلة أن يكون الجعل معلوما وأن لا ينقد، وأن يكون ~~لا منفعة فيه للجاعل إلا بتمامه، وأن لا يضرب للعمل المجعول فيه أجلا، فإن ~~ضرب له أجلا ولم يشترط أن يتركه متى شاء لم يجز، واختلف إن اشترط ذلك، هذا ~~قوله في المدونة فيمن قال: بع لي هذا الثوب اليوم - ولك درهم - أن ذلك لا ~~يجوز إلا أن يشترط متى شاء أن يتركه تركه، وقد اختلف في تأويل قول سحنون في ~~آخر المسألة، وقد قال في مثل هذا: إنه جائز، وهو جل قوله الذي يعتمد عليه ~~فاختصره ابن أبي زيد على أنه أجاز أن يوقت في الجعل يوما أو يومين دون شرط، ~~وقال أبو عمر بن القطان: يريد سحنون أنه قال مثل قوله في الباب في مثل ~~مسألة الباب، وهو أن يجيز الجعل ويضرب له يوما أو يومين ويشترط عليه أنه ~~متى شاء أن يرد رد، قال سحنون: له مثل هذا القول وهذا القول جل قوله الذي ~~يعتمد عليه. يريد قول الكتاب وما يشبهها وقوله: جل قوله، يقتضي الخلاف، ~~والخلاف موجود له في رواية عيسى عنه؛ قلت: أرأيت إن قال جد نخلي اليوم فما ~~جددت فبيني وبينك ومتى ما شئت أن تخرج خرجت ولك نصف ما عملت؛ قال: لا خير ~~فيه وتأول ابن لبابة على سحنون أنه أراد أن ابن القاسم إنما اختلف قوله على ~~أنها إجارة، فمرة رآها إجارة جائزة، ومرة رآها إجارة فاسدة، وذلك كله ~~مدخول؛ وأما قول ابن أبي زيد، فهو خطأ صراح؛ لأن الجعل إذا سمى فيه أجلا ~~ولم يشترط أن يترك العمل متى شاء ms0687 لم يجز باتفاق، فكيف يصح أن يقال: إنه جل ~~قوله الذي يعتمد عليه؛ وأما تأويل ابن القطان، فهو بعيد على ظاهر لفظ ~~الكتاب، إلا أن معناه صحيح تصح به المسألة؛ وأما تأويل ابن لبابة فهو بعيد ~~على ظاهر اللفظ غير صحيح المعنى؛ لأنها إذا كانت إجارة، فهي جائزة - ولا ~~وجه لفسادها، وإنما معنى المسألة عندي أن قول ابن القاسم اختلف إذا قال ~~الرجل للرجل: بع لي هذا الثوب اليوم ولك درهم - فقال في الباب: إنه جعل، ~~ولا يجوز إلا أن يشترط متى شاء أن يترك ترك، وله قول آخر أن ذلك جائز وهي ~~إجارة لازمة لا جعل؛ فإن باع في بعض اليوم، كان له من الأجرة # PageV02P177 # بحساب ذلك، فقال سحنون: إن هذا القول هو الذي يعتمد عليه من قول ابن ~~القاسم، وهذا القول لابن القاسم قائم من أول الكتاب؛ قال في الذي يبيع من ~~الرجل نصف الثوب على أن يبيع له النصف الآخر، إن ذلك جائز إذا ضرب لذلك ~~أجلا؛ لأنه إذا ضرب لذلك أجلا كانت إجارة واختار سحنون هذا القول؛ لأنه إذا ~~قال: بع لي هذا الثوب اليوم ولك درهم، احتمل أن يريد على وجه الجعل فيكون ~~جعلا فاسدا، واحتمل أن يريد على وجه الإجارة فيكون جائزا. وإذا كان اللفظ ~~محتملا للجواز والفساد مترددا بينهما، فهو على مذهبه في مسائل كثيرة محمول ~~على الجواز حتى يتبين الفساد، من ذلك من اكترى راعيا على رعاية غنم ~~بأعيانها، فالإجارة عنده جائزة - وإن لم يشرط الخلف خلاف مذهب ابن القاسم ~~في هذه المسألة مثل قوله في المسألة التي حكيناها في أول الكتاب؛ ومثل قوله ~~فيمن قال: بع لي هذا الثوب ولك درهم - أن ذلك جائز فحمله على الجعل فأجازه ~~مع احتمال أن يريد بذلك الإجارة، فتكون فاسدة إذا لم يضرب لها أجلا؛ فلما ~~كان هذا القول جاريا على مذهب سحنون، اختاره واستحسنه، فقال فيه: إنه جل ~~قوله الذي يعتمد عليه، ولو بين فقال: أستأجرك على أن تبيع لي هذا الثوب ~~اليوم ولك ms0688 درهم جاز باتفاق، ولو بين أيضا فقال: أجاعلك على أن تبيع لي هذا ~~الثوب اليوم. ولك درهم. لم يجز باتفاق، إلا أن يشترط متى ما شاء أن يترك ~~ترك، وإذا لم يقع بيان فهي مسألة الكتاب التي اختلف فيها قول ابن القاسم؛ ~~فالمسألة تنقسم على هذه الثلاثة الأقسام، فهذا أولى ما تحمل عليه هذه ~~المسألة، ولم أره لغيري - وهو صحيح بين لا ينبغي أن يلتفت إلى ما سواه، ~~ومسألة نفض الزيتون من هذا الأصل فتدبر ذلك، وكذلك الخلاف الحاصل بين ابن ~~القاسم وأشهب فيمن باع من رجل دارا على أن ينفق عليه حياته، جاز على هذا ~~الأصل ومثل هذا كثير. # فصل وقد اختلف؛ هل من شروط صحته أن يكون للجاعل فيه منفعة أم لا؟ على ~~قولين. # PageV02P178 # فصل وليس من شروطه أن يكون العمل المجعول فيه معلوما بل يجوز في المعلوم ~~والمجهول. # فصل ولا يلزم المجعول له العمل وله أن يترك شرع فيه أو لم يشرع، ولا شيء ~~له إلا بتمام العمل؛ واختلف في الجاعل فقيل: إن الجعل يلزمه بالعقد وإلى ~~هذا ذهب ابن حبيب في أحد قوليه وهو ظاهر رواية عيسى عن ابن القاسم في الجعل ~~والإجارة، وقيل: لا يلزمه حتى يشرع المجعول له في العمل وهي رواية علي بن ~~زياد عن مالك ورواية أشهب عنه أيضا في تضمين الصناع من العتبية ومذهب سحنون ~~وهو أظهر القولين؛ لأنه لما كان المجعول له لا يلزمه وجب أن لا يلزم الجاعل ~~إلا أن يشرع المجعول له في العمل، لئلا يبطل عليه عمله، ووجه القول الأول ~~هو أن الجاعل لما كان ما أخرج معلوما ولم يجز أن يكن مجهولا لزمه، ولما كان ~~العمل الذي يخرجه العامل في الجعل يجوز أن يكون مجهولا جاز له أن يرجع عنه ~~متى شاء ولم يلزمه، ألا ترى أن الإجارة لما كانت معلومة في معلوم لزمتهما ~~جميعا، ولم يكن لواحد منهما الرجوع. # فصل فعلى هذا إذا مات الجاعل قبل أن يشرع المجعول له في العمل على قول ~~ابن ms0689 حبيب، وظاهر رواية عيسى عن ابن القاسم أو بعد شروعه في العمل على رواية ~~علي بن زياد وأشهب عن مالك - رحمه الله تعالى - يلزم ذلك ورثته، ولا يكون ~~لهم أن يمنعوا المجعول له من العمل؛ فإن مات المجعول له بعد أن شرع في ~~العمل أو قبل أن يشرع فيه على أحد القولين، نزل ورثته منزلته؛ ولم يكن ~~للجاعل أن يمنعهم من العمل؛ وقد روى أصبغ عن ابن القاسم خلاف هذا في ~~المجاعلة في # PageV02P179 # اقتضاء الديون، فجعل موت المجعول له كموت المقارض - إن كان قد شرع في ~~العمل نزل ورثته منزلته إن كانوا أمناء، وإن كان لم يشرع في العمل ولا ~~اقتضى منه شيئا، فلا حق لورثته، وقال: إن الجعل ينتقض بموت الجاعل - مات ~~قبل شروع المجعول له في العمل أو بعده، فلم يحمله في هذا الطرف محمل ~~القراض، ولا محمل الجعل في حق الجاعل له للزوم المجاعل له بالعقد أو شروع ~~المجعول له في العمل - على ما قدمناه من الاختلاف في ذلك؛ وأما اشتراطه في ~~موت المجعول له للأمانة في الورثة فصحيح لا ينبغي أن يختلف في ذلك؛ لأن هذا ~~مما ينبغي فيه الأمانة. # فصل وليس من شروط صحة الجعل أن يكون في القليل، وإن كان قد قال ذلك عبد ~~الوهاب وغيره، فليس بصحيح، وإنما الصحيح أنه جائز في كل ما لا يصح للجاعل ~~فيه منفعة إلا بتمامه كما قدمناه كان قليلا أو كثيرا؛ وغير جائز فيما يكون ~~للجاعل فيه منفعة قبل تمامه كان قليلا أو كثيرا؛ ولذلك قال ابن المواز: إن ~~الجعل على حفر الآبار لا يجوز إلا فيما لا يملك من الأرضين؛ لأن ما يملك من ~~الأرضين إن ترك المجعول له العمل بعد أن حفر بعض البئر، انتفع الجاعل بما ~~حفر منها بوجوه كثيرة من وجوه المنافع، وما لا يملك من الأرضين منفعة ~~للجاعل فيما حفر المجعول له منها إن لم يتم حفرها. فإذا لم يكن للجاعل في ~~العمل المجعول فيه منفعة إلا بتمامه، جاز الجعل قياسا على ms0690 قول الله تعالى: ~~{ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم} [يوسف: 72] ، لأنه إذا لم يأت المجعول ~~له في الطلب بالمطلوب لم ينتفع الجاعل بغايته في الطلب، وهذا بين. # فصل وقوله: إنما جوز مالك الجعل في الشيء اليسير مثل الثوب والثوبين، ~~وقوله: إن الكثير من السلع تصلح فيه الإجارة ولا يصلح فيه الجعل، والقليل ~~يصلح # PageV02P180 # فيه الجعل والإجارة؛ إنما يريد بذلك كله في البيع خاصة؛ لأن الكثير من ~~السلع إذا جاعله على بيعها ودفعها إليه إن بدا له في بيعها وصرفها إليه كان ~~الجاعل قد انتفع بحفظه لها مدة كونها بيده، ولو لم يدفعها إليه، لجاز الجعل ~~إذا جعل له في كل ثوب يبيعه منها جعلا مسمى، ولزم الجاعل الجعل في بيع ~~جميعها؛ ألا ترى أن الجعل في الشراء على الثياب الكثيرة جائز؛ إذ لا يتولى ~~حفظها، وكلما ابتاع ثوبا أسلمه إلى الجاعل ووجب له فيه جعله؛ ولو شرط ~~الجاعل في الشراء على المجعول له أن يمسك الثياب وتكون في أمانته وقبضه حتى ~~يتم شراء العدد الذي جاعله عليه، لم يجز للعلة التي قدمنا وهذا كله بين. # فصل والأعمال تنقسم على ثلاثة، منها: ما يصح فيه الجعل والإجارة، ومنها: ~~ما لا يصح فيه الجعل ولا الإجارة، ومنها: ما لا يصح فيه الجعل وتصح فيه ~~الإجارة. # فأما ما يصح فيه الجعل والإجارة فكثير، من ذلك بيع الثوب والثوبين وشراء ~~الثياب القليلة والكثيرة، وحفر الآبار واقتضاء الديون، والمخاصمة في الحقوق ~~على أحد قولي مالك، وقد روي عنه أن الجعل في الخصومة لا يجوز. وأما ما لا ~~يصح فيه الجعل ولا الإجارة فنوعان، أحدهما: ما لا يجوز للمجعول له فعله، ~~(والثاني) ما يلزمه، وأما ما تصح فيه الإجارة ولا يصح فيه الجعل فكثير ~~أيضا، من ذلك خياطة الثوب وخدمة الشهر وبيع السلع الكثيرة، والسلعة الواحدة ~~التي تباع من جاعل ويعلم أن الثمن فيها موجود أو على أن تباع ببلد آخر، وما ~~أشبه ذلك مما يبقى للجاعل فيها منفعة إن لم يتم المجعول له ms0691 العمل. # فصل واختلف في الجعل الفاسد إذا وقع، فقيل: إنه يرد إلى حكم نفسه فيكون # PageV02P181 # للمجعول له جعل مثله إن كان أتم العمل، وإن لم يتمه فلا شيء له، وقيل: ~~إنه يرد إلى حكم غيره وهي الإجارة؛ فيكون له إجارة مثله - أتم العمل أو لم ~~يتمه؛ وقيل: إنه يرد إلى تجارة مثله في بعض المسائل وإلى جعل مثله في بعضها ~~كالقراض الفاسدة، قيل: إنه يرد إلى حكم نفسه وهو قراض المثل؛ وقيل: إنه يرد ~~إلى حكم غيره وهي الإجارة، فيكون له إجارة مثله، وقيل: إنه يرد القراض ~~الفاسد إلى قراض مثله في بعض المسائل، وإلى إجارة المثل في بعضها وهو مذهب ~~ابن القاسم؛ وقد يأتي في الجعل الفاسد أقوال خارجة عما أصلناه وهذا هو ~~الصحيح فيها. # فصل ولا يجتمع الجعل والإجارة؛ لأن الإجارة لا تنعقد إلا معلوما في ~~معلوم؛ والجعل يجوز فيه المجهول، فهما أصلان مفترقان لافتراق أحكامهما، متى ~~جمع بينهما فسدا جميعا، وقد روي عن سحنون أنه أجاز المغارسة والبيع وهو من ~~هذا المعنى، وبالله سبحانه وتعالى التوفيق. # PageV02P182 ### | كتاب الرواحل والدواب # قال الله عز وجل: {والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون} ~~[النحل: 5] {ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون} [النحل: 6] {وتحمل ~~أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم} ~~[النحل: 7] ، وقال تعالى: {والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما ~~لا تعلمون} [النحل: 8] ، وقال: {والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك ~~والأنعام ما تركبون} [الزخرف: 12] {لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم ~~إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين} ~~[الزخرف: 13] {وإنا إلى ربنا لمنقلبون} [الزخرف: 14] ، وقال تعالى: {الذي ~~جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون} [غافر: 79] {ولكم فيها منافع ~~ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون} [غافر: 80] ، ~~وقال تعالى: {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج ~~عميق} [الحج: 27] ، وقال: # PageV02P183 # {هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم ms0692 في الفلك وجرين بهم بريح ~~طيبة وفرحوا بها} [يونس: 22] ، وقال تعالى: {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم ~~في البر والبحر} [الإسراء: 70] . # فصل فملكنا الله تعالى الأنعام والدواب وذللها لنا وأباح لنا تسخيرها ~~والانتفاع بها رحمة منه تعالى بنا وما ملكه الإنسان وجاز له تسخيره من ~~الحيوان، فكراؤه له جائز بإجماع أهل العلم لا اختلاف بينهم في ذلك. # فصل والكراء من العقود اللازمة يلزم المتكاريين الكراء بالعقد ولا يكون ~~لأحدهما خيار في حله، إلا أن يشترط أحدهما الخيار لنفسه كالبيع سواء؛ لأنه ~~ثمن ومثمون، فلا يجوز فيه الغرر والمجهول، ولا يصح إلا معلوما في معلوم، ~~ولا بد فيه من تسمية الكراء وضرب الأجل إن اكترى الدابة مدة ما أو تسمية ~~المسافة، إن أكراها إلى موضع ما، ولا بد من تسمية ما يحمل على الدابة أو ما ~~يسخرها فيه، إلا أن يدخلا على عرف قد علماه فيقوم العرف في ذلك مقام ~~التسمية. # فصل فإن أكرى الدابة وضرب لكرائها أجلا وسمى موضعا أو عين عملا، كان ذلك ~~من باب مدتين في مدة فضارع ما نهى عنه - صلى الله عليه وسلم - من بيعتين في ~~بيعة، ومن شرطين في بيع، وجرى على قولين، أحدهما: أن الكراء فاسد يفسخ، فإن ~~مات كان للمكري كراء مثله على سرعة السير وإبطائه. والثاني: أن الكراء جائز ~~لا يفسخ ويكون للمكري الكراء المسمى إن بلغ الموضع الذي سمياه في الأجل ~~الذي وقتاه، وكراء مثله إن لم يبلغ إليه في الأجل، وهذا إذا كان الأجل ~~واسعا يعلم أنه يدرك الوصول إلى الموضع الذي سمياه فيه، إلا أن يقصر أو ~~يفرط، وأما إن كان # PageV02P184 # الأجل ضيقا يمكن أن يصل فيه إلى ذلك الموضع، وألا يصل، فلا يجوز الكراء ~~باتفاق، وكذلك إذا قال له: إن بلغت إليه إلى أجل كذا وكذا، فلك كذا وكذا، ~~وإن لم تصل إليه إلا إلى أجل كذا وكذا فلك كذا وكذا، لا يجوز باتفاق، ~~ويفسخ؛ فإن فات بالمسير، كان له كراء مثله بالغا ما بلغ على سرعة السير ~~وإبطائه ms0693 عند ابن القاسم، وعلى قول غيره في كتاب الجعل والإجارة لا ينقص من ~~الأقل ولا يزاد على الأكثر، وللشيوخ في قول غيره المذكور ثلاثة وجوه من ~~التأويل، (أحدها) أنه لا ينقص من الأقل ولا يزاد على الأكثر، سواء بلغ في ~~الأجل أو لم يبلغ. (والثاني) أنه إن بلغ في الأجل وكان كراء مثله أقل من ~~أقل الكراءين، لم ينقص من أقل الكراءين، وإن كان له كراء مثله أكثر من أكثر ~~الكراءين، كان له ذلك. وإن لم يبلغ في الأجل وكان كراء مثله أكثر من أكثر ~~الكراءين، لم يزد على أكثر الكراءين؛ وإن كان كراء مثله أقل من أقل ~~الكراءين لم يكن له إلا ذلك، وهذا تأويل ابن أبي زمنين. (والثالث) أنه إن ~~بلغ في الأجل لم ينقص من أكثر الكراءين، إن كانت القيمة أقل منه ولا يزيد ~~عليه إن كانت أكثر منه، وإن لم يبلغ في الأجل، لم ينقص من أقل الكراءين إن ~~كانت القيمة أقل منه، ولا زيد عليه إن كانت القيمة أكثر منه. # فصل وكراء الرواحل والدواب على وجهين، أحدهما: أن يكون مضمونا، والثاني: ~~أن يكون معينا؛ فأما المعين فهو أن يقول: أكتري منك دابتك هذه أو راحلتك ~~هذه، قال بعينها أو لم يقل، أو دابتك الفلانية أو راحلتك الفلانية، وذلك ~~جائز بالنقد وإلى أجل، إذا شرع في الركوب أو كان إنما يركب إلى الأيام ~~القلائل العشرة ونحوها، قاله مالك، وقال ابن القاسم: لا يعجبني إلى عشرة ~~أيام يريد إذا نقد، وهذا إذا كانت الدابة أو الراحلة حاضرة، وأما إن كانت ~~غائبة فلا يجوز تعجيل النقد؛ لأن النقد لا يصلح في شراء الغائب، وأما إن ~~اكترى الراحلة بعينها على أن # PageV02P185 # لا يركبها إلى فوق العشرة الأيام، قال في المدونة: إلى ثلاثين يوما أو ~~نحوها، فلا يجوز الكراء بالنقد، ويجوز بغير النقد، وقال غيره: لا يجوز ~~الكراء وإن لم ينقد لأنه من التحجير. # فصل وهذا الكراء المعين ينفسخ الكراء فيه بموت الراحلة أو الدابة، فإن ~~ماتت في بعض المسافة ms0694 فأراد أن يعطيه دابة أخرى بعينها يبلغ عليها إلى منتهى ~~غايته، فإن كان لم ينقد فذلك جائز؛ لأنه كراء مبتدأ، كان قد نقده لم يجز؛ ~~لأنه فسخ الدين في الدين: فسخ ما يجب له الرجوع به من بقية رأس ماله قي ~~راحلة يركبها، إلا أن يكون ذلك في مفازة حيث لا يجد الكراء، فيجوز ذلك ~~للضرورة؛ قال ابن حبيب: كما يجوز للمضطر أكل الميتة، وهذا على مذهب ابن ~~القاسم، وأما على مذهب أشهب فذلك جائز؛ لأنه يجوز له أن يتحول من دين له ~~إلى خدمة عبد بعينه أو كراء دابة بعينها، ولا يرى ذلك من فسخ الدين في ~~الدين؛ لأنه إنما تحول إلى الانتفاع بشيء معين فجعل قبضه إياه لاستيفاء ~~المنافع منه قبض لجميع المنافع، ولا يجوز له أن يكري منه بما يجب له به ~~الرجوع عليه من الكراء كراء مضمونا باتفاق من ابن القاسم وأشهب وغيرهما. # فصل فإن فلس رب الراحلة في الكراء المعين، فالمكتري أحق بها إلى منتهى ~~غايته قبضها أو لم يقبضها نقد الكراء أو لم ينقد. # فصل وأما كراء الدابة المضمونة أو الراحلة المضمونة وهو أن يقول: أكرني ~~دابة أو # PageV02P186 # راحلة فإنه يجوز أيضا بالنقد وإلى أجل إذا شرع في الركوب، وأما إن لم ~~يشرع في الركوب، وإنما تكارى كراء مضمونا إلى أجل كالمتكاري إلى الحج في ~~غير إبانه، فالقياس أنه لا يجوز إلا بتعجيل الكراء؛ لأنه كالسلم الثابت في ~~الذمة فلا يجوز إلا بتعجيل رأس المال، إلا أن مالكا - رحمه الله - قد خفف، ~~أن يعربن الدينار إلى أن يأتي الكري بظهره؛ لأن الأكراء قد قطعوا بالناس ~~وقال: كم من كري قد هرب وترك أصحابه، فأجاز تأخير الكراء لهذه الضرورة، ~~واستحب أن ينقد أكثر الكراء أو نحو ثلثيه. # فصل ولا ينفسخ الكراء بموت الدابة في الكراء المضمون، إلا أن الكري إذا ~~قدم إلى المكتري دابة فركبها فليس له أن يبدلها تحته إلا برضاه؛ وإن فلس ~~الكري كان المكتري أحق بها إلى منتهى غايته إذا كان قبضها ms0695 وإن كان يبدل ~~دوابه تحته فهو أحق بما كان تحته يوم التفليس، وإن كانت يوم التفليس قد نزل ~~عنها وأخرجت إلى المرعى، فليس ذلك بمانع له من أن يكون أحق بها من الغرماء ~~قاله ابن القاسم في سماع سحنون من كتاب المديان، وغمز محمد بن المواز قول ~~ابن القاسم هذا وقال: إنما يجب أن يكون أحق بها إذا كانت معينة، وهو معنى ~~قول غير ابن القاسم في الكتاب ليس الراحلة بعينها كالمضمون، وقد تؤول أن ~~معنى ذلك في اختلافهما في الكراء لتقدم المسألتين جميعا واحتمال إعادة قوله ~~المذكور على كل واحد منهما. # فصل وأما إن فلس الكري قبل أن يقبض المكتري الدابة في الكراء المضمون، ~~فهو أسوة الغرماء يحاصهم بقيمة الكراء يوم الحصاص لا يوم الكراء، فما صار ~~له # PageV02P187 # أكرى له به وما بقي اتبعه به دينا في ذمته، قال محمد: وسواء نقد الكراء ~~أو لم ينقد، إلا أنه إن لم ينقد غرم الكراء ثم حاص فيه الغرماء وفي سائر ~~ماله، فإن صار له نصف الكراء اتبعه بنصف الحمولة وليس بالثمن. # فصل فإذا قلنا: إن الكراء على وجهين: مضمون ومعين، فلا يخلو عقد الكراء ~~من ثلاثة أوجه، أحدها: أن يقع على معين ببيان ونص، وذلك أن يقول: أكتري منك ~~دابتك هذه أو دابتك الفلانية، قال: بعينها أو لم يقل، الحكم في ذلك سواء؛ ~~والثاني: أن يقع على مضمون ببيان، وذلك أن يقول: أكر مني دابة بغلا أو ~~حمارا أو راحلة صفة كذا وكذا من غير أن يسميها أو يشير إليها. والثالث: أن ~~يعرى العقد في ذلك من البيان، وذلك أن يقول: أكتري منك دابتك بغلك أو حمارك ~~أو راحلتك ولا يزيد على ذلك؛ فأما الوجهان الأولان، فلا كلام فيهما لهما في ~~المضمون حكم المضمون، وفي المعين حكم المعين، على ما تقدم، وأما الوجه ~~الثالث: إذا قال: أكتري منك بغلك أو راحلتك، ولم يزد على ذلك، فهي على أنها ~~مضمونة غير معينة حتى يعينها بالتسمية لها أو بالإشارة إليها، روى ذلك ms0696 ابن ~~القاسم عن مالك - رحمه الله تعالى - في كتاب الرواحل والدواب، وإليه ذهب ~~ابن حبيب، قال في الصانع: إذا استعمله الرجل عملا فهو عليه مضمون في ماله ~~إن مات قبل أن يتم ما استعمل إلا أن يشترط عمل يده أو يكون إنما قصده لرفقه ~~وإحكامه، وحكي ذلك عن أصبغ وأنه مذهب قول مالك - رحمه الله تعالى - وروى ~~أيضا ابن القاسم عن مالك - رحمه الله تعالى - نحوه في أول سماعه من كتاب ~~الجعل والإجارة، وهو الذي يأتي على ما في كتاب النذور من المدونة، قال في ~~الذي يحلف أن لا # PageV02P188 # يدخل دار فلان: إنه يجوز له أن يدخلها إذا خرجت عن ملكه ما لم يقل دار ~~فلان هذه، فيعينها بالإشارة إليها، ومثله أيضا في سماع يحيى من كتاب ~~الأيمان بالطلاق فرق بين أن يحلف الرجل، فيقول: لا دخلت جنانك أو لا دخلت ~~هذه الجنان. وفي سماع عيسى عن ابن القاسم في الكتاب المذكور في الذي يحلف ~~أن لا يستخدم عبد فلان فيعتق فلان عبده ذلك، أنه لا يجوز له أن يستخدمه بعد ~~العتق وإن لم يقل هذا العبد، فيدخل الاختلاف في هذه الرواية بالمعنى في ~~مسألة الكراء، والأول هو المشهور المنصوص عليه. # فصل وهذا إذا اتفقا على الإبهام وتصادقا عليه ولم يدعيا البيان، وأما لو ~~ادعيا البيان واختلفا، فقال أحدهما: مضمونا، وقال الآخر: معينا، لوجب أن ~~يتحالفا ويتفاسخا إن كان المكتري لم يقبض؛ لأن كل واحد منهما مدع على ~~صاحبه، وأما إن قبض المكتري الدابة ثم اختلفا، فقال المكتري: هذه الدابة ~~التي قبضت هي التي اكتريت بعينها، وقال رب الدابة: لم أكرها بعينها وإنما ~~أكريت منك كراء مضمونا أو ادعى المكتري أنه اكترى إكراء مضمونا، وقال رب ~~الدابة: ما أكريت منك إلا تلك التي دفعت إليك بعينها، فالقول قول الذي ادعى ~~تعيين الدابة المدفوعة مع يمينه منها إن فاتت الدابة، وأما إن كانت الدابة ~~قائمة لم تفت ولا دخلها عيب، فلا معنى ليمين من ادعى التعيين؛ إذ لا تفيد ~~يمينه في ms0697 هذه الحالة شيئا؛ لأنه إن كان الذي ادعى التعيين هو المكتري، فإنه ~~يقول للمكري: هب الأمر كما تقول إنها مضمونة قد دفعت إلي هذه الدابة فليس ~~لك أن تنزعها مني، وإن كان الذي ادعى التعيين هو رب الدابة فإنه يقول ~~للمكتري: هب الأمر كما تقول إنها مضمونة ليس لك أن تلزمني بدلها ما لم تمت ~~أو يدخلها عيب أو مرض. وبالله التوفيق. # PageV02P189 # فصل # في التداعي # الأصل في التداعي من كتاب الله عز وجل قوله تعالى: {ومن يدع مع الله إلها ~~آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون} [المؤمنون: ~~117] ، وقوله تعالى: {أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} ~~[النمل: 64] ، وقوله تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة ~~شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون} ~~[النور: 4] ؛ فوجب بهذا على كل من ابتدأ قولا وابتدع مذهبا أن يأتي بالدليل ~~على صدق قوله، والبرهان على صحة مذهبه، وعلى من ادعى على أحد دعوى في مال ~~أو دم أو عرض أو غير ذلك، أن يأتي بالبينة على دعواه، وقد بين ذلك النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - بعموم قوله: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» ~~. وبقوله للرجل الذي خاصم إليه في الأرض التي زعم أنه انتزى عليها في ~~الجاهلية فأنكر ذلك من دعواه: «شاهداك أو يمينه» . # فصل فوجه معرفة الفصل في الحكم بين المتداعيين تمييز المدعي الذي يكلف ~~إقامة البينة على دعواه ولا يمكن من اليمين من المدعى عليه الذي يمكن من ~~اليمين ولا يكلف إقامة البينة بالوقوف على العلة المفرقة بينهما الموجبة ~~لتبدئة المدعى عليه باليمين دون المدعي، إذ قد يكون القول قول المدعي إذا ~~كان في معنى المدعى عليه وتكون على المدعى عليه إقامة البينة إذا كان في ~~معنى # PageV02P190 # المدعي؛ لأن المدعى عليه لم يكن القول قوله من أجل أنه مدعى عليه، ولأن ~~المدعي لم يكلف إقامة البينة على دعواه من أجل أنه مدع، إذ ليست الأحكام ~~للأسماء، إنما ms0698 هي للمعاني، فالمعنى الذي من أجله كان القول قول المدعى عليه ~~هو أن له سببا يدل على صدقه دون المدعي في مجرد دعواه وهو كون السلعة بيده ~~إن كانت الدعوى في شيء بعينه، أو كون ذمته بريئة على الأصل في براءة الذمم ~~إن كانت الدعوى فيما في ذمته، والمعنى الذي من أجله وجب على المدعي إقامة ~~البينة على دعواه هو مجرد دعواه من سبب يدل على صدقه فيما يدعيه، فإن كان ~~له سبب يدل على تصديق قوله أقوى من سبب المدعى عليه، كالشاهد الواحد، أو ~~الرهن، أو ما أشبه ذلك من إرخاء الستر، وجب أن يبدأ باليمين دون المدعى ~~عليه، فإن لم يكن لواحد منهما سبب يدل على صدقه كالسلعة يتداعيانها وليست ~~بيد واحد منهما، أو كان لكل واحد منهما سبب مكافئ لسبب صاحبه لا مزية له ~~عليه، كتكافؤ البينة وليست السلعة في يد واحد منهما، لم يبدأ أحدهما ~~باليمين دون صاحبه، ووجب أن يحلفا جميعا ويقسما السلعة بينهما. # فصل والأصل في هذا أن المبدأ باليمين من المتداعيين هو من كان منهما أشبه ~~بالدعوى بسبب يدل على تصديقه، كان المدعي أو المدعى عليه؛ لأن المدعي ~~والمدعى عليه متداعيان في الحقيقة، مثال ذلك: أن من ادعى دارا في يد رجل ~~هما متداعيان فيها؛ لأن كل واحد منهما يدعيها لنفسه دون صاحبه فيستويان في ~~الدعوى، وفضله الذي في يده الدار باليد، فكان أشبه بالدعوى، فجعل القول ~~قوله لهذا المعنى، لا من أجل كونه مدعى عليه. # PageV02P191 # فصل وقول سعيد بن المسيب - رضي الله عنه -: أيما رجل عرف المدعي من ~~المدعى عليه لم يلتبس عليه ما يحكم به بينهما، فالمدعي أن يقول: الرجل قد ~~كان، والمدعى عليه أن يقول: الرجل لم يكن ليس على عمومه في كل موضع، وإنما ~~يصح إذا تجردت دعوى المدعي في قوله قد كان من سبب يدل على تصديق دعواه، فإن ~~كان له سبب يدل على تصديق دعواه أقوى من سبب المدعى عليه القائل لم يكن برئ ~~عليه باليمين، مثال ms0699 ذلك: أن من حاز شيئا مدة تكون فيه الحيازة عاملة في وجه ~~المدعى فادعى الشراء، كان القول قوله مع يمينه في ذلك، وهو مدع يقول: قد ~~كان، والمدعى عليه يقول: لم يكن، وكذلك المودع يدعي رد الوديعة، القول قوله ~~وهو مدع، يقول: قد كان، والودع: يقول لم يكن، ومثل هذا كثير. # فصل يتبين بهذا الذي قلناه أن قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «البينة ~~على من ادعى واليمين على من أنكر» عام في جميع الدعاوى من الأموال والدماء ~~وغير ذلك، وخاص فيما تجردت دعواه من المتداعيين عن سبب يدل على صدق قوله، ~~والله أعلم. # فصل وهذه جملة لا اختلاف بين أحد من أهل العلم فيها وما يوجد من الاختلاف ~~بينهم في التداعي ليس بخارج عن هذا الأصل، إنما هو اختلافهم في قوة السبب ~~الدال على تصديق أحد المتداعيين وضعفه على ما يؤديه الاجتهاد إلى كل واحد ~~منهم. # فصل والاختلاف بين المتكاريين كالاختلاف بين المتبايعين؛ لأن الكراء بيع ~~من # PageV02P192 # البيوع، والأصل في ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «أيما بيعين تبايعا ~~فالقول ما قال البائع أو يترادان» . # فصل واختلافهما لا يخلو من ثلاثة أوجه، (أحدها) أن يختلفا في المسافة، ~~(والثاني) أن يختلفا في الكراء، (والثالث) أن يختلفا في الأمرين جميعا. ~~فأما اختلافهما في المسافة فإنه على وجهين، (أحدهما) أن يختلف في غايتها، ~~مثل أن يقول المكري: أكريت منك إلى قرمونة، ويقول المتكاري: بل اكتريت منك ~~إلى إشبيلة، (والثاني) أن يختلفا في جملتها، مثل أن يقول المكري: أكريت منك ~~إلى إشبيلة، ويقول المتكاري: إنما تكاريت منك إلى غرناطة، وما أشبه ذلك. # وأما اختلافهما في الكراء، فإنه على ثلاثة أوجه، (أحدها) أن يختلفا في ~~نوعه مثل أن يقول أحدهما: دنانير، والآخر: دراهم أو طعام أو عروض وما أشبه ~~ذلك، (والثاني) أن يختلفا في الصفة، مثل أن يقول أحدهما: دنانير هاشمية، ~~ويقول الآخر: عتق سليمانية، أو يقول أحدهما: وازنة، ويقول الآخر: ناقصة، أو ~~يقول أحدهما: دراهم سود، ويقول الآخر: بيض، وما أشبه ذلك، أو ms0700 يقول أحدهما: ~~قمح على صفة كذا وكذا، ويقول الآخر: بل على صفة كذا وكذا، وما أشبه ذلك؛ ~~(والثالث) أن يختلفا في قلته وكثرته، مثل أن يقول المكري: أكريت منك بعشرة ~~دراهم أو عشرة أرادب، ويقول المكتري: اكتريت منك بثمانية دراهم، أو ثمانية ~~أرادب وما أشبه ذلك. # فصل فأما إذا كان اختلافهما في جملة المسافة أو في نوع الكراء، فإنهما ~~يتحالفان ويتفاسخان من غير تفصيل. # PageV02P193 # فصل وصفة أيمانهما أن يحلف المكري في اختلافهما في جملة المسافة ما أكرى ~~منه إلى بلد كذا وكذا وليس عليه أن يزيد في يمينه، ولقد اكترى منه إلى بلد ~~كذا وكذا إلا أن يشاء رجاء أن ينكل صاحبه عن اليمين، فلا يحتاج إلى يمين ~~أخرى، وإن شاء أن يقول: ما أكريت منه إلا إلى بلد كذا وكذا فيجمع المعنيين ~~في لفظ واحد، ثم يحلف المكتري بالله ما اكتريت منه إلى موضع كذا ولا يزيد ~~في يمينه ولقد اكتريت منه إلى بلد كذا، إذ لا فائدة له في ذلك؛ لأن المكري ~~قد نفاه بيمينه إلا أن يكون هو المبدأ باليمين على غير الاختيار في تبدئة ~~البائع باليمين، وعلى ما كان الشيوخ يتأولون على رواية يحيى من جامع البيوع ~~من العتبية وليس بتأويل صحيح، فيزيد ذلك في يمينه إن شاء، أو يقول ما ~~اكتريت منه إلا إلى موضع كذا وكذا رجاء أن ينكل المكري عن اليمين، فلا ~~يحتاج إلى يمين أخرى، وعلى هذا فقس أيمان المتبايعين والمتكاريين حيثما وجب ~~التحالف والتفاسخ بينهما. # فصل فإن نكل أحدهما وحلف الآخر، كان القول قول الحالف منهما، ولا بد أن ~~يحلف ههنا على المعنيين جميعا أو يجمعهما، إن شاء في لفظ واحد على ما تقدم. # فصل واختلف إن حلفا جميعا هل يقع الفسخ بينهما بتمام التحالف أم لا؟ على ~~أربعة أقوال، (أحدها) أن الفسخ يقع بينهما بتمام التحالف وهو قول سحنون ~~وظاهر # PageV02P194 # ما في كتاب الشفعة من المدونة؛ (والثاني) أنه لا يقع الفسخ بينهما بتمام ~~التحالف وهو مذهب ابن القاسم في السلم ms0701 الثاني من المدونة، (والثالث) أن ذلك ~~إن كان بحكم وقع الفسخ بتمام التحالف، وإن لم يكن بحكم لم يقع الفسخ إلا ~~بتراضيهما عليه بعد الأيمان، (والرابع) أن ذلك إن كان بحكم من الحاكم لم ~~يقع الفسخ حتى يحكم به الحاكم بينهما، وإن كانت أيمانهما دون حكم وقع الفسخ ~~بتمام التحالف، بعكس القول الثالث، ووجه هذا القول أن رضاهما بالتحالف دون ~~الحكم رضا منهما بالفسخ، وهذان القولان للمتأخرين من أصحابنا. # فصل فإذا قلنا: إن البيع والكراء لا ينفسخ بينهما بتمام التحالف حتى ~~يفسخه الحاكم بينهما، ففي ذلك اختلاف، قال في المدونة: إن للمبتاع أن يأخذ ~~بما قال البائع، وظاهره: أن ليس للبائع أن يلزمها المبتاع بما قال، وقال ~~محمد بن عبد الحكم: إن للبائع أن يلزمها المبتاع بما قال، فظاهره أيضا أنه ~~ليس للمبتاع أن يأخذها بما قال البائع، وقد قيل: إن ذلك ليس باختلاف من ~~القول، وإنما تكلم في المدونة على المبتاع وسكت عن البائع؛ وتكلم محمد بن ~~عبد الحكم على البائع، وسكت عن المبتاع، فيجمع بين القولين بأن القول إن ~~أراد المبتاع أن يأخذ بما قال البائع، لزم ذلك البائع، وإن أراد البائع أن ~~يلزمها المبتاع بما قال، لزم ذلك المبتاع، وهذا هو الذي حملناه عن الشيخ ~~أبي جعفر بن رزق - رحمه الله -، وإنما يصح ذلك إذا كان اختلافهما في القلة ~~والكثرة أو في غاية المسافة، وأما إن كان اختلافهما في الأنواع أو في جملة ~~المسافة فلا يصح أن يحمل عليه إلا على أنه اختلاف من القول؛ إذ لا يصح أن ~~يجمع بينهما في ذلك، فيكون على مذهب ابن القاسم للمكتري أن يركب إلى البلد ~~الذي قال المكري إن كان اختلافهما في جملة المسافة، وأن يركب النوع الذي ~~قال المكري إن كان اختلافهما في # PageV02P195 # الأنواع ويكون على مذهب محمد بن عبد الحكم للمكري أن يلزم المكتري الركوب ~~إلى البلد الذي ادعى إن كان اختلافهما في جملة المسافة، وأن يلزمه الركوب ~~بالنوع الذي ادعى إن كان اختلافهما في الأنواع. # فصل ms0702 واختلف أيضا إذا نكلا جميعا، فذهب ابن القاسم إلى أن ينزل نكولهما ~~جميعا بمنزلة حلفهما جميعا، وهو قول شريح في كتاب الخيار من المدونة: إن ~~حلفا ترادا، وإن نكلا ترادا، وذهب ابن حبيب إلى أنهما إن نكلا كان القول ~~قول البائع، وحكى نحو ذلك عن مالك في مسألة الوكيل، هكذا أتت الرواية عنه ~~مجملة دون تبيين، وذهب بعض أهل العلم إلى أن معنى ذلك بعد أن يحلف، ووجه ما ~~ذهب إليه أن اليمين التي نكل عنها إنما هي قوله: إني ما أكريت إلى مكان كذا ~~وكذا، وما أكريت بكذا وكذا، وأما زيادته في يمينه ولقد أكريت إلى موضع كذا ~~وكذا ولقد أكريت بكذا وكذا، فلم ينكل عنه إذ لم يجب عليه اليمين بذلك ولا ~~كلف إياه، وإنما هو أمر طاع بالحلف عليه رجاء أن ينكل صاحبه عن اليمين على ~~ما قدمناه. فوجب أن لا يعتبر بنكوله عن يمين لم تجب عليه، ولا يستحق بها ما ~~حلف، ولا يصح أن يكون القول قول من نكل عن اليمين إذا ردها على صاحبه فنكل ~~عنها، إلا إذا كانت يمينا واجبة عليه لو حلف بها لاستحق بيمينه ما حلف ~~عليه، كمن أقام شاهدا على حقه فنكل عن اليمين، فردها على المدعى عليه فنكل ~~عن اليمين، فإن المدعي يأخذ ما ادعى بلا يمين؛ لأنه لو حلف لأخذ ما ادعى ~~بيمينه، أو كمن وجب له على المدعى عليه اليمين فنكل عنها فردها على المدعي ~~فنكل عن اليمين، فإن المدعى عليه تسقط عنه الدعوى دون يمين؛ لأنه لو حلف ~~لسقطت عنه يمينه، وأما من نكل عن يمين غير واجبة عليه، فلا يستحق بنكوله ما ~~نكل عنه إذا نكل صاحبه، أصل ذلك من ادعى على رجل دعوى فقال المدعى عليه ~~للمدعي: أنا أبرئك باليمين احلف وخذ ما ادعيت، فقال المدعي: لا أحلف # PageV02P196 # قد رددت عليك اليمين، احلف أنت وابرأ، فقال: لا أحلف ونكل عن اليمين، لم ~~يستحق المدعي ما نكل عنه، وهو لو حلف عليه لاستحق، إذ لم ms0703 تجب عليه اليمين ~~التي نكل عنها، فأحرى أن لا يستحق في مسألتنا بنكوله ما نكل عنه إذا نكل ~~صاحبه إذ ما نكل عنه لم يجب عليه، وإذ لو حلف عليه لما استحقه وهذا بين. # فصل فإذا قلنا: معنى ما ذهب إليه ابن حبيب أن القول قول البائع مع يمينه، ~~فهو أظهر من قول ابن القاسم؛ لأن البائع إذا نكل أولا عن اليمين، فمن حجته ~~أن يقول إذا نكل المبتاع، أنا أحلف لقد بعت سلعتي بكذا وكذا؛ لأنني في ذلك ~~مدع على المبتاع، فلما نكل عن اليمين وجب لي أن أحلف وآخذ على حكم المدعي ~~والمدعى عليه، ولو كان من حقي أن أحلف وآخذ ما حلفت عليه لم أنكل عن ~~اليمين، فإن نكل البائع على هذا عن اليمين بعد نكول المبتاع حلف المبتاع ~~وأخذ السلعة لما حلف عليه، وهذا كله بين؛ لأن البائع في التمثيل مدع على ~~المبتاع أنه ابتاع بعشرة، فلما نكل عن اليمين وجب أن يحلف هو ويستحق ~~العشرة، والمبتاع مدع على البائع أنه باع بثمانية، فلما نكل عن اليمين وجب ~~أن يحلف هو ويستحق السلعة بثمانية، وكذلك على هذا إذا اختلف المتكاريان في ~~عدد الكراء أو في نوعه وجملة المسافة، أو في غايتها فنكلا عن اليمين يكون ~~القول قول المكري مع يمينه، فإن نكل عن اليمين، كان القول قول المكتري مع ~~يمينه إلا في اختلافهما في جملة المسافة، فيأتي على هذا أنه إن نكل كل واحد ~~منهما عن الحلف على تكذيب قول صاحبه، حلف كل واحد منهما على ما ادعى ~~واستحقه على صاحبه، فلزم المكتري أن يمضي مع المكري إلى البلد الذي حلف ~~عليه، ولزم المكري أن يمضي مع المكتري إلى البلد الذي حلف عليه أيضا، فلو ~~قال قائل: إن معنى قول ابن القاسم إن نكلا ترادا، أما وإن كل واحد منهما ~~نكل عن اليمين قبل نكول صاحبه، وبعد نكوله وأبى من اليمين جملة، لقلت له: ~~ما أبعدت في التأويل، ولقد قلت قولا # PageV02P197 # وسطا نفيت به الاعتراض عن ms0704 ابن القاسم والاختلاف بينه وبين ابن حبيب، وحمل ~~الروايات على الاتفاق ما أمكن، أولى من حملها على الخلاف. لا سيما إذا كان ~~في حملها على ظاهرها من الخلاف اعتراض على أحد القولين، كمسألتنا هذه. # وأما من حمل قول ابن حبيب على ظاهره في أن القول قول البائع بلا يمين إذا ~~نكلا عن اليمين يعد قوله مثل قول أهل العراق في القضاء بالنكول دون رد ~~اليمين ولم يمكنه الجمع بين مذهبه ومذهب ابن القاسم، فالتأويل الأول أظهر، ~~والله أعلم. # فصل واختلف إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة وأتى أحدهما بأشبه مما ~~أتى به صاحبه، هل يتحالفان ويتفاسخان، أو يكون القول قول من أتى منهما ~~بالأشبه، فالمشهور من المذهب الصحيح من الأقوال أنهما يتحالفان ويتفاسخان، ~~ولا ينظر في ذلك إلى الأشبه من غيره، وذهب ابن وهب إلى أن القول قول من أتى ~~منهما بما يشبه، وقاله ابن حبيب في بعض مسائله، منها إذا ادعى أحدهما حلالا ~~والآخر حراما، ومنها إذا اختلفا في صفة النقد، وقاله ابن القاسم في سماع ~~عيسى في الكرى، يقول: أكريت منك إلى المدينة، ويقول المكتري: اكتريت منك ~~إلى مكة، وذلك في أيام الحج، وقاله أيضا في سماع أصبغ من كتاب الصدقات ~~والهبات في الذي يبيع الأرض وفيها الماء، فيقول: أنا بعت الأرض دون الماء ~~بشرط وبيان، ويقول المبتاع: بل اشتريت الأرض بمائها، وأقام ذلك القاضي أبو ~~الوليد الباجي - رحمه الله تعالى - من كتاب الرواحل والدواب من المدونة، ~~ولا يصح ما ذهب إليه من ذلك؛ لأن الذي في المدونة إنما هو مع الفوات. # فصل فأما مسألة الكراء والأرض والماء والاختلاف في صفة النقد فيجري ذلك ~~على الاختلاف، وأما مسألة الاختلاف في الحلال والحرام، ففيه تفصيل، وذلك # PageV02P198 # أن السلعة لا تخلو من أن تكون قائمة أو فائتة، فإن كانت قائمة وكان ~~اختلافهما لا يؤدي إلى اختلاف في الثمن ولا في المثمون، فإن القول قول من ~~يدعي الصحة والحلال منهما، وإن كان اختلافهما يؤدي إلى اختلاف في الثمن ~~والمثمون جرى ذلك على ms0705 اختلافهم في مراعاة دعوى الأشباه مع القيام، فيكون ~~القول قول مدعي الصحة على مذهب من يراعي دعوى الأشباه مع القيام، إلا أن ~~يكون العرف الحرام، فيكون القول قول مدعي الحرام، وروى أبو زيد عن ابن ~~القاسم أن القول قول من ادعى العرف منهما، فإن كان الناس يتعاملون بالحلال ~~والحرام أحلفا وفسخ الأمر بينهما، فلم ير في هذه الرواية لمدعي الحلال مزية ~~في دعواه على مدعي الحرام، وبناها على مراعاة دعوى الأشباه مع القيام، ~~ويتحالفان ويتفاسخان على مذهب من لا يراعي دعوى الأشباه، كذا أتت الرواية ~~أنهما يتحالفان ويتفاسخان، والذي ينبغي أن يكون القول قول مدعي الفساد ~~بائعا كان أو مبتاعا، فإن حلفا انفسخ البيع ولا معنى ليمين صاحبه؛ لأن ~~البيع يفسخ حلف أو نكل إذا حلف مدعي الفساد فإن نكل، حلف مدعي الصحة وثبت ~~البيع، وأما إن كانت السلعة قد فاتت وكان اختلافهما لا يؤدي إلى اختلاف في ~~الثمن ولا في المثمون، أو يؤدي إلى اختلاف في قلة الثمن وكثرته، أو في صفته ~~دون نوعه، فإن القول قول مدعي الحلال منهما وإن كان اختلافهما في الأنواع، ~~جرى ذلك على الاختلاف في مراعاة دعوى الأشباه مع القيام، هذا الذي يتحصل ~~عندي في هذه المسألة على أصولهم. # فصل وقد كنا ذكرنا في أول المسألة أن المتكاريين إذا اختلفا في جملة ~~المسافة، أو في نوع الكراء، فإنهما يتحالفان ويتفاسخان من غير تفصيل، ومضى ~~القول في حكم التحالف والتفاسخ في ذلك، وكذلك يتحالفان ويتفاسخان أيضا إذا ~~اختلفا في عدد الكراء قبل الركوب أو بعد الركوب بشيء يسير لا ضرر فيه في # PageV02P199 # الرجوع عليهما تعد أو لم نقد إلا على مذهب أشهب الذي يرى التحالف ~~والتفاسخ في القيام والفوات، فيتحالفان ويتفاسخان ركب أو لم يركب نقد أو لم ~~ينقد، وكذلك الحكم إذا اختلفا في صفة الكراء إلا ما حكيناه، عن ابن حبيب من ~~مراعاة العرف في اختلافهما في صفة النقد، وقلنا: إن ذلك من قوله يأتي على ~~مراعاة الأشباه مع القيام في موضع التحالف والتفاسخ، ms0706 وكذلك يتحالفان ~~ويتفاسخان أيضا إذا اختلفا في غاية المسافة قبل الركوب أو بعد الركوب بشيء ~~يسير لا ضرر فيه عليهما في الرجوع منه نقد أو لم ينقد على مذهب ابن القاسم، ~~وقال غيره: إذا نقد فالقول قول المكري، وعلى قول أشهب يتحالفان ويتفاسحان ~~ركب أو لم يركب نقد أو لم ينقد. # فصل وأما إن اختلفا في عدد الكراء أو في صفته بعد أن سارا من الطريق ما ~~عليهما في الرجوع منه ضرر.. فالقول قول المكتري نقد أو لم ينقد أشبه ما قال ~~المكري أو لم يشبه، فإن نكل عن اليمين، كان القول قول المكري - أشبه ما قال ~~أو لم يشبه. وإن لم يشبه ما قال المكتري وأشبه ما قال المكري، كان القول ~~قوله، وإن لم يشبه ما قال أيضا تحالفا وكان عليه كراء المثل ولم يفسخ ~~الكراء لما عليهما من الضرر في الرجوع، وكذلك إن نكلا جميعا، وأما إن حلف ~~أحدهما ونكل الآخر، فالقول قول الحالف منهما مع يمينه، وإن لم يشبه كانت ~~الراحلة بعينها أو لم تكن على مذهب ابن القاسم، وقال غيره في المدونة ليس ~~الراحلة بعينها كالضمون يريد أن المضمون ينفسخ الكراء فيه بينهما إذا ~~تحالفا ولا يلزمه أن يبلغه إلى المسافة بخلاف المعين. # فصل وأما إن كان اختلافهما في غاية المسافة بعد الركوب الكثير بلغا إلى ~~الغاية التي اتفقا عليها أو لم يبلغا وقبل النقد فلا يخلو ذلك من ثلاثة ~~أوجه، (أحدها) # PageV02P200 # أن يشبه قولهما جميعا أو يشبه قول المكتري ولا يشبه قول المكري، ~~(والثاني) أن لا يشبه قول واحد منهما، (والثالث) أن يشبه قول المكري دون ~~المكتري، فأما الوجه الأول وهو أن يشبه قولهما جميعا، أو قول المكتري دون ~~المكري، فإنهما يحلفان جميعا وينفسخ الكراء في الغاية التي اختلفا فيها ~~ونقض الكراء على الجميع، فيكون للمكري منه ما ناب الغاية التي اتفقا عليها ~~ويركب المكتري إليها إن كان اختلافهما قبل الوصول إليها، بخلاف المتكاريين ~~في وجيبة كراء الدار، وكذلك الحكم إن نكلا جميعا، فإن حلف ms0707 أحدهما ونكل ~~الآخر، كان القول قول الحالف منهما، فإن كان المكتري هو الذي نكل عن ~~اليمين، كان الكراء كله للمكري فيما أقر به من المسافة، وإن كان المكري هو ~~الذي نكل، كان للمكتري الركوب إلى حيث ادعى، وأما الوجه الثاني وهو أن لا ~~يشبه قول واحد منهما، فإنهما يتحالفان ويتفاسخان في المسافة التي اختلفا ~~فيها، ويكون للمكري في المسافة التي اتفقا عليها كراء مثلها، وكذلك الحكم ~~أيضا إن نكلا جميعا؛ فإن نكل أحدهما وحلف الآخر، كان القول قول الحالف ~~منهما وإن لم يشبه؛ لأن صاحبه قد مكنه من دعواه بنكوله عن اليمين، وأما ~~الوجه الثالث وهو أن يشبه قول المكري دون المكتري فالقول قوله مع يمينه على ~~دعوى المكتري، فإن نكل المكري عن اليمين كان القول قول المكتري ويركب إلى ~~حيث ادعى وإن لم يشبه؛ لأن المكري قد مكنه من ذلك بنكوله. # 33355 - # فصل وأما إن كان اختلافهما في ذلك بعد النقد فلا يخلو من ثلاثة أوجه، ~~(أحدها) أن يشبه قولهما جميعا أو قول المكري الذي انتقد، (والثاني) أن لا ~~يشبه قول واحد منهما، (والثالث) أن يشبه قول المكتري ولا يشبه قول المكري، ~~فأما الوجه الأول وهو أن يشبه قولهما أو قول المكري الذي انتقد، فالقول ~~قوله مع يمينه، فإن نكل حلف المكتري وكان القول قوله في الركوب بما نقد إلى ~~الغاية التي ادعى، وأما الوجه الثاني وهو أن لا يشبه قول واحد منهما، ~~فإنهما يتحالفان ويتفاسخان في # PageV02P201 # المسافة التي اختلفا فيها ويكون للمكري في المسافة التي اتفقا عليها كراء ~~مثلها، فإن كان ذلك أكثر مما قبض وفاه المكتري الزيادة، وإن كان أقل مما ~~قبض رد الزيادة، وكذلك إن نكلا جميعا، فإن حلف أحدهما ونكل الأخر، كان ~~القول قول الحالف منهما، وأما الوجه الثالث وهو أن يشبه قول المكتري ولا ~~يشبه قول المكري، فإنهما يتحالفان على مذهب ابن القاسم ويفض الكراء المنقود ~~على المسافتين، فما ناب المسافة التي اتفقا عليها، كان للمكري، وما ناب ~~المسافة التي اختلفا فيها صرفه المكري ms0708 على المكتري، وكذلك إن نكلا جميعا، ~~فإن حلف أحدهما ونكل الآخر، كان القول قول الحالف منهما. # فصل وعلى هذا فقس اختلافهما في الوجهين جميعا الكراء وغاية المسافة القول ~~قول المكري أبدا في غاية المسافة أشبه أو لم يشبه على مذهب ابن القاسم. ~~وفيما قبض من الكراء أنه إنما قبضه إلى الغاية التي يقر بها، والقول قول ~~المكتري أنه لم يكتر إلا بكذا وكذا لما يقر به وفي أنه إنما اكتري به إلى ~~الغاية التي يدعيها إن كان لم ينقدها ويفض الكراء على الغايتين جميعا عليه ~~من ذلك ما ناب الغاية الأولى، ومن أتى منهما بما لا يشبه لم يصدق وكان ~~القول قول صاحبه إن أتى بما يشبه إلا المكري في غاية المسافة على ما ~~قدمناه، وإن أتيا جميعا بما لا يشبه حلفا وكان على المكتري كراء المثل في ~~المسافة الأولى، وكذلك إن نكلا جميعا، وإن حلف أحدهما ونكل الآخر، كان ~~القول قول الحالف منهما أشبه أو لم يشبه، ولا بد من ركوب المكتري إلى ~~الغاية الأولى للضرر الداخل عليه في فسخ الكراء دونها في الطريق، ولو كان ~~اختلافهما قبل الركوب أو بعد ركوب شيء يسير لا ضرر عليهما في الرجوع منه، ~~تحالفا وانفسخ الكراء في الجميع، والله أعلم وبه التوفيق. # فصل # في الإقالة في الكراء وما يجوز منها مما لا يجوز. الإقالة في الكراء # PageV02P202 # المضمون كالإقالة في العروض المسلم فيها يعتبر الفساد فيها في وجهين: ~~أحدهما: أن تنعقد الإقالة بمجردها على ما لا يجوز، والثاني: أن تكون ~~الإقالة بمجردها لا مكروه فيها إلا أنك إذا أضفتها إلى الصفة الأولى، ظهر ~~المكروه فيها، فاتهما على القصد إلى ذلك والعمل عليه، فمنعا من ذلك حماية ~~للذرائع، وأما الكراء المعين، فاختلف في الإقالة فيه على قولين، أحدهما: أن ~~ذلك كالسلم الثابت في الذمة يعتبر فيها الوجهان جميعا، والثاني: أن ذلك ~~كالإقالة من العروض المعينات لا يعتبر فيها إلا انعقادها بمجردها على ما لا ~~يجوز. # فصل وبيان هذه الجملة: أن الرجل إذا اكترى كراء ms0709 مضمونا ثم تقايل مع صاحبه ~~على زيادة فلا يخلو ذلك من وجهين، أحدهما: أن تكون الزيادة من قبل المكتري، ~~والثاني: أن تكون الزيادة من قبل المكري، فأما الوجه الأول، وهو أن تكون ~~الزيادة من قبل المكتري، فإن ذلك ينقسم على قسمين، أحدهما: أن يكون ذلك قبل ~~النقد، والثاني: أن يكون بعد النقد قبل الافتراق والغيبة على النقد أو ~~بعده، إذ لا فرق في زيادة المكتري إذا نقد قبل أن يغيب المكري على النقد أو ~~لا يغيب، وفي كل وجه من هذين الوجهين ست مسائل، إذ لا تخلو الزيادة أن تكون ~~ذهبا أو ورقا أو عرضا نقدا، فهذه ثلاث مسائل، أو تكون مؤجلة فهذه ثلاث ~~مسائل أخر تتمة ست مسائل، فيأتي اثنا عشر سؤالا في زيادة المكتري، وكذلك ~~تنقسم الزيادة من المكري إلى قسمين، إلا أن أحدهما أن يكون ذلك قبل النقد ~~أو بعده وقبل الغيبة عليه، إذ لا فرق في زيادة المكري بين أن يكون لم ينقد ~~أو قد انتقد ولم يغب على النقد، والثاني: أن يكون ذلك بعد النقد والغيبة ~~عليه، وفي كل وجه من هذين الوجهين ست مسائل أيضا على التقسيم المذكور في ~~زيادة المكتري. # فصل فإذا استقال المكتري المكري في الكراء المضمون قبل النقد بزيادة، فإن ~~كانت الزيادة مؤجلة، فلا يجوز باتفاق؛ لأن الكراء تحول من الكراء الذي وجب ~~له # PageV02P203 # على المكتري إلى الركوب الذي عليه وإلى الزيادة المؤجلة، فيدخله فسخ ~~الدين في الدين إن كانت الزيادة عرضا، وإن كانت دنانير دخله عرض وذهب بذهب ~~إلى أجل، وإن كانت دراهم، دخله الصرف المتأخر، وإن كانت الزيادة دنانير ~~معجلة أو عروضا معجلة، جاز ذلك، وإن كانت الزيادة دراهم معجلة والكراء ~~بدنانير، لم يجز ذلك على مذهب ابن القاسم، إلا أن يكون أقل من صرف دينار، ~~وقيل: إن ذلك جائز وإن كان أكثر من صرف دينار، وذلك يأتي على مذهب من يجيز ~~البيع والصرف ويرى انحلال الذمم بخلاف انعقادها، وقيل: إن ذلك لا يجوز وإن ~~كان أقل من صرف ms0710 دينار وذلك يأتي على مذهب من يرى انحلال الذمم بمنزلة ~~انعقادها، وهو قول أشهب وابن نافع، فيدخله الصرف المتأخر على مذهبهما، وذهب ~~الفضل إلى أن الصرف المتأخر لا يدخله على مذهبهما، إلا أن يكون الكراء ~~مؤجلا لم يحل، ولا فرق عندي في الكراء المضمون بين أن يحل أو لا يحل؛ لأنه ~~وإن حل فلا يمكن المكتري قبضه إلا شيئا فشيئا، وذهب ابن لبابة إلى أن ~~الإقالة في الكراء المضمون قبل النقد لا يجوز أصلا، وشبه ذلك بالإقالة من ~~السلعة الغائبة قبل النقد. وقوله على قياس القول بأن انحلال الذمم بمنزلة ~~انعقادها. # فصل وإن كان استقاله بزيادة بعد النقد قبل أن يغيب عليه أو بعد أن غاب ~~عليه وكانت الزيادة ذهبا، فلا تجوز إلا أن تكون مقاصة من الكراء الذي نقد ~~على ما نص عليه في المدونة، وإن كانت دراهم فعلى الثلاثة الأقوال المتقدمة: ~~الجواز، والمنع، والفرق بين أن تكون الدراهم أقل من صرف دينار أو أكثر. # وإن كانت عروضا جاز أن تكون معجلة ومؤجلة؛ لأن المكتري باع الركوب الذي ~~وجب له والعرض الذي دفع معجلا أو مؤخرا بالكراء الذي يسترجعه، وذلك جائز، ~~فهذا وجه القول في الاثنتي عشرة مسألة في استقالة المكتري بزيادة. # PageV02P204 # فصل وأما إن كان المكتري هو المستقيل بزيادة ولم ينتقد أو انتقد ولم يغب ~~على النقد، فذلك جائز، إن كانت الزيادة معجلة دنانير كانت أو دراهم أو ~~عروضا؛ لأن المكتري باع الركوب الذي وجب له على المكري بالزيادة التي أخذها ~~معجلة وبالكراء الذي استرجعه من المكري إن كان قد نقده إياه أو بسقوطه عن ~~ذمته إن كان لم ينقده إياه، فلا وجه من المكروه في ذلك، وإن كانت الزيادة ~~مؤجلة لم تجز على حال ودخله فسخ الدين في الدين. # فصل وأما إن كان المكري هو المستقيل بزيادة بعد أن انتقد وغاب على النقد، ~~فلا يجوز على حال كانت الزيادة معجلة أو مؤخرة ما كانت وتدخله الزيادة في ~~السلف؛ لأنهما يتهمان على إظهار الكراء والإقالة ليجيزا بينهما السلف ms0711 على ~~الزيادة إلا أن يكون قد سار من الطريق ما يرفع التهمة عنهما، فيجوز إن كانت ~~الزيادة نقدا، ولا يجوز إن كانت إلى أجل؛ لأنه يكون من الدين بالدين، ألا ~~ترى أن المكتري تحول من الركوب الذي كان له على المكري في ذمته إلى زيادة ~~مؤجلة، فهذا وجه القول في الاثنتي عشرة مسألة التي في استقالة المكري ~~بزيادة. # فصل قال في المدونة: وهذا خلاف البيوع، يريد أن الكراء المضمون بخلاف ~~السلم الثابت في الذمة في جواز الإقالة في الكراء بعد الركوب والمنع منها ~~في # PageV02P205 # السلم بعد قبض السلم بزيادة معجلة يزيدها المسلم إليه والمكري بعد أن ~~انتقد وغاب على النقد خلاف مذهب أشهب في مساواته بين الوجهين، ويحتمل أن ~~يريد أن الكراء المعين بخلاف بيع السلع المعينات في أن الإقالة بزيادة ~~المكري بعد الغيبة على النقد لا تجوز كانت الزيادة معجلة أو مؤجلة، بخلاف ~~الإقالة في السلع المعينات بعد الغيبة على الثمن بزيادة معجلة أو مؤجلة، ~~وهذا على القول الذي حكم فيه للكراء المعين بحكم الكراء المضمون، ويحتمل أن ~~يريد أن حكم الكراء المضمون الثابت في الذمة بخلاف البيع في السلع المعينات ~~في أنه لا يجوز لمن أكرى كراء مضمونا أن يستقيل بعد النقد بزيادة معجلة ولا ~~مؤجلة، إلا أن يكون قد سار من الطريق ما يرفع التهمة عنهما، فيجوز بزيادة ~~معجلة، ويجوز لمن باع سلعة أن يستقيل بعد أن غاب على النقد بزيادة مؤخرة ~~ومعجلة. # فصل وأما إن كان الكراء في دابة معينة؛ فإن ذلك ينقسم على وجهين: ~~(أحدهما) أن يكون الكراء مؤخرا بشرط أو عرف أو حكم. (والثاني) أن يكون ~~الكراء نقدا بشرط أو عرف، فأما الوجه الأول وهو أن يكون الكراء مؤخرا فإن ~~ذلك ينقسم على وجهين، (أحدهما) أن يكون المكتري هو المستقيل بزيادة. ~~(والثاني) أن يكون المكري هو المستقيل بزيادة، ففي كل وجه من هذين الوجهين ~~ست مسائل على ما ذكرناه في الكراء المضمون. # فصل فإن استقاله المكتري بزيادة وكانت الزيادة عرضا، جاز ذلك نقدا ولم ms0712 ~~يجز إلى أجل، فإن كانت الزيادة ذهبا والكراء بذهب لم يجز إلا إلى محل أجل ~~الكراء على المقايضة ولا يجوز نقدا لأنه يدخله "ضع وتعجل"، ولا إلى أجل سوى # PageV02P206 # محل أجل الكراء، وإن كانت الزيادة دراهم لم يجز نقدا ولا إلى أجل؛ لأنه ~~يدخله الصرف المتأخر وهذا كله على مذهب ابن القاسم الذي يرى انحلال الذمم ~~بخلاف انعقادها، وعلى مذهب أشهب أيضا الذي يرى انحلال الذمم بمنزلة ~~انعقادها، ويجيز التحول من الدين في كراء شيء بعينه، وأما على مذهب من يرى ~~انحلال الذمم بمنزلة انعقادها ويقول بقول ابن القاسم إن من كان له دين على ~~رجل، لا يجوز له أن يحوله في ركوب دابة بعينها؛ فلا تجوز الإقالة على حال؛ ~~لأن المكري تحول من الكراء الواجب له على المكتري هي ركوب لا يتنجز قبضه، ~~فيدخله فسخ الدين في الدين. # فصل فإن استقاله المكتري بزيادة وكانت الزيادة عرضا جاز إن كان معجلا ولم ~~يجز إن كان مؤجلا؛ لأنه يدخله فسخ الدين في الدين، وكذلك إن كانت الزيادة ~~ذهبا والكراء بذهب، يجوز إن كانت معجلة ولا يجوز إن كان مؤجلة؛ لأنه إن ~~كانت معجلة فالمكتري تحول من الركوب الذي له على المكري إلى الكراء الذي ~~عليه وإلى الذهب الذي يزيده إياها المكري معجلة، فلم يكن بذلك بأس، وإن ~~كانت مؤجلة دخله فسخ الدين في الدين؛ لأن المكتري تحول من الركوب الذي له ~~على المكري إلى الكراء الذي له عليه، وإلى الزيادة المؤجلة التي يزيده ~~إياها، وهذا على مذهب ابن القاسم الذي يرى انحلال الذمم بخلاف انعقاد، وعلى ~~مذهب أشهب أيضا الذي يرى انحلال الذمم بمنزلة انعقادها ويجيز التحول من ~~الدين في كراء شيء بعينه، وأما على مذهب من يرى انحلال الذمم كانعقادها ولا ~~يجيز التحول من الدين في كراء شيء بعينه، فلا تجوز الإقالة بحال، وإن لم ~~يزد أحدهما صاحبه شيئا؛ لأن كل واحد منهما يتحول بماله على صاحبه في شيء لا ~~يتنجز قبضه. # PageV02P207 # فصل وأما الوجه الثاني، وهو أن يكون الكراء ms0713 نقدا بشرط أو عرف، فإنه ينقسم ~~على وجهين: (أحدهما) أن يكون لم ينقد، (والثاني) أن يكون قد نقد غاب على ~~النقد أو لم يغب إن كان المكتري هو المستقيل بزيادة، وإن كان البائع هو ~~المستقيل بزيادة قلت فيه: إنه ينقسم على وجهين: (أحدهما) أن يكون لم ينقد ~~أو نقد ولم يغب على النقد. (والثاني) أن يكون قد نقد وغاب على النقد، ~~وتتفرع هذه الأربعة الأقسام على أربعة وعشرين سؤالا على التفسير الذي ~~قسمناه في الكراء المضمون وشرحنا وجوهه، فما كان منها لا يجوز بفسخ الكراء ~~في زيادة مؤجلة يزيدها المكتري للمكري فلا يجوز أيضا في الكراء المعين، ~~كذلك ما كان منها لا يجوز بفسخ الركوب المضمون في زيادة مؤجلة يزيدها ~~المكري للمكتري قبل النقد، وما كان منها لا يجوز لزيادة يزيدها المكري ~~للمكتري معجلة أو مؤجلة بعد الغيبة على النقد، فيتخرج ذلك على قولين على ما ~~أصلناه في أول الباب وأحكمنا القول فيه، وبالله سبحانه وتعالى التوفيق. # فصل وحكم الإقالة في كراء الدار كحكم الإقالة في كراء الراحلة المعينة في ~~جميع الوجوه حاشا وجه واحد سأذكره إن شاء الله، فإذا اكترى الرجل الدار ثم ~~استقال منها أو أقال بزيادة ما كانت وممن كانت، فعلى القول بأن كراء الدار ~~كالسلم الثابت في الذمة المضمون، لاقتضاء المنافع شيئا شيئا يعتبر الفساد ~~في ذلك باجتماع الصفقتين من طريق التهمة حماية للذرائع كبيوع الآجال، وفي ~~الإقالة بمجردها، وعلى القول: إن ذلك كالسلع المعينات لا يعتبر الفساد في ~~ذلك إلا في الإقالة بمجردها أن تنعقد على ما لا يجوز من فسخ الدين في ~~الدين، أو الصرف المتأخر أو ما أشبه ذلك مما لا يجوز في البيوع، وبيان هذه ~~الجملة، أن الرجل إذا اكترى الدار # PageV02P208 # ثم تقابل مع صاحبه على زيادة، فلا تخلو الزيادة أن تكون من المكتري أو من ~~المكري، فإن كانت من المكتري فلا يخلو ذلك من ثلاثة أوجه، (أحدها) أن يكون ~~الكراء مؤجلا، (والثاني) أن يكون الكراء بنقد ولم ينقد. (والثالث) أن يكون ms0714 ~~بنقد وقد نقد غاب على النقد أو لم يغب ذلك سواء، وفي كل وجه من هذه الأوجه ~~الثلاثة ست مسائل؛ إذ لا تخلو الزيادة أن تكون ذهبا أو ورقا أو عروضا ~~معجلة، فهذه ثلاث مسائل أخر تتمة ست مسائل، فيتحصل في زيادة المكتري على ~~هذا التفريع ثماني عشرة مسألة، وفي زيادة الكري مثلها أيضا؛ لأن ذلك لا ~~يخلو من ثلاثة أوجه، (أحدها) أن يكون الكراء مؤجلا، (والثاني) أن يكون بنقد ~~فلم ينقد أو نقد ولم يغب على النقد، (والثالث) أن يكون قد نقد وغاب على ~~النقد، وفي كل وجه منها ست مسائل أيضا على حسبما ذكرناه في زيادة المكتري ~~فأما إن كانت الزيادة من المكري والكراء مؤجلا بدنانير فلا يجوز أن يزيده ~~دنانير نقدا، ولا إلى دون الأجل؛ لأنه ضع وتعجل، ولا إلى أبعد من الأجل؛ ~~لأنه بيع وسلف، ويجوز إلى أجل على المقاصة، ولا يجوز أن يزيده دراهم نقدا ~~ولا إلى أجل، ويجوز أن يزيده عروضا نقدا لا إلى أجل، وهذا كله على مذهب ابن ~~القاسم الذي يرى انحلال الذمم بخلاف انعقادها، وأما على مذهب من يرى ~~انحلالها كانعقادها ويقول بقول ابن القاسم إن كان له دين على رجل، لا يجوز ~~أن يحوله في كراء دار، فلا تجوز له الإقالة على حال عنده؛ لأن المكري تحول ~~من الكراء الواجب له على المكتري إلى كراء دار، فيدخله فسخ الدين في الدين ~~ويجوز أن يزيده دنانير، وأما إن كانت الزيادة من المكتري أيضا والكراء بنقد ~~ولم ينقد، فلا يجوز أن يزيده شيئا إلى أجل؛ لأنه يدخله فسخ الدين في الدين، ~~ويجوز أن يزيده دنانير معجلة أو عروضا معجلة على القول بأن انحلال الذمم ~~بخلاف انعقادها، وإن زاده دراهم نقدا تخرج ذلك على ثلاثة أقوال، قد ذكرناها ~~في استقالة المكتري في الكراء المضمون؛ وأما إن كانت الزيادة من المكتري ~~أيضا وقد نقد الكراء فإن زاده ذهبا لم يجز إلا أن تكون مقاصة من الكراء، ~~وإن زاده دراهم تخرج ذلك أيضا على # PageV02P209 # ثلاثة ms0715 أقوال، وإن زاده عروضا، جاز أن تكون معجلة ومؤجلة؛ لأن المكتري باع ~~الركوب الذي وجب له بالذي دفع معجلا أو مؤخرا بالكراء الذي يسترجعه وذلك ~~جائز، وأما إن كانت الزيادة من المكري والكراء مؤجل، فإن كانت الزيادة ~~معجلة جاز ذلك كانت دنانير أو دراهم أو عروضا على القول بأن انحلال الذمم ~~بخلاف انعقادها، وإن كانت مؤجلة لم يجز على حال ويدخله فسخ الدين في الدين، ~~وكذلك إن كان الكراء نقدا ولم ينقد أو نقد ولم يغب على النقد يجوز أن تكون ~~الزيادة معجلة ما كانت على حال، ولا يجوز أن تكون مؤجلة وأما إن كانت ~~الزيادة من المكتري بعد أن انتقد وغاب على النقد، فعلى القول بأن الكراء في ~~الإقالة كالسلم الثابت في الذمة لا يجوز ذلك ما كانت الزيادة على حال، وإن ~~كان قد مضى بعض المدة بخلاف كراء الدابة، إذا كان قد سار من المسافة ما ~~تسقط التهمة به، وعلى القول بأنه كالسلع المعينات يجوز إن كانت الزيادة ~~معجلة، ولا يجوز إن كانت مؤجلة. # فصل وحكم الإقالة في كراء الأرض كحكم الإقالة في كراء الدار، إلا أن تكون ~~غير مأمونة، فإن تقايلا فيها والزيادة من المكري في الموضع الذي تصح فيه ~~الإقالة على أن الزيادة منه لم يجز أن ينقد الزيادة وتكون موقوفة عينا كانت ~~أو عرضا إلا أن تكون الأرض مأمونة؛ لأن المكري يحصل في الإقالة مكتريا، فإن ~~لم ترو الأرض انفسخ الكراء الأول ولم تصح الزيادة. # فصل فتنحصر مسائل الإقالة في الكراء إلى ستين مسألة تنتهي إليها لا تزيد ~~عليها: أربعة وعشرون في الكراء المضمون، وست وثلاثون في الكراء المعين على ~~ما بان بما قسمناه ولخصنا القول فيه وأحكمناه، وبالله التوفيق. # PageV02P210 ### | كتاب كراء الدور # الكراء: اشتراء المنافع، فهو بيع من البيوع يحله ما يحل البيوع ويحرمه ما ~~يحرم البيوع، ولا يجوز فيه الغرر والمجهول. # والكراء في الدور والرباع جائز عند جميع العلماء بجميع الأثمان المعلومة، ~~وهو يكون على وجهين، أحدهما: أن يعقده المتكاريان لمدة معينة معلومة، ms0716 ~~والثاني: أن يسميا الكراء ويتفقا عليه ولا يتواجبان على مدة معينة معلومة. # فصل فأما الوجه الأول، وهو أن يعقد الكراء لمدة معينة معلومة، فإن ذلك ~~جائز بالنقد وإلى أجل قبض الدار أو لم يقبضها إلى سنة، قال ابن حبيب: أو ~~سنتين كالبيع؛ لأن الدور مأمونة، فإن بعد الأجل فوق ذلك، لم يكن بالكراء ~~بأس دون نقد. # فصل فإذا عقد الكراء لمدة معينة معلومة لزمهما جميعا ولم يكن للمكتري أن # PageV02P211 # يخرج، ولا لصاحب الدار أن يخرجه قبل تمام المدة، إلا أن يشترط المكتري أن ~~يخرج متى شاء فيجوز ذلك ما لم ينقد بشرط ولا طواعية؛ لأنه كراء الخيار فلا ~~يجوز فيه النقد بشرط ولا طواعية. # فصل وهذه المدة تتعين بأربعة ألفاظ، (أحدها) أن يقول: أكري منك هذه الدار ~~أو هذا الحانوت شهر كذا أو سنة كذا، (والثاني) أن يقول: أكري منك ذلك هذا ~~الشهر أو هذه السنة، فإن قال: هذا الشهر وكان ذلك أول الهلال، لزمهما ~~الكراء في ذلك الشهر على الهلال كل تسعة وعشرين يوما أو ثلاثين يوما، وإن ~~كان ذلك في بعض الشهر لزمهما الكراء في ثلاثين يوما من يوم عقداه بقران ~~بقية أيام هذا الشهر ثم يكملان عليهما تمام ثلاثين يوما من الشهر الذي ~~يليه، وكذلك إن قال: هذه السنة وهما في أول الشهر لزمهما الكراء في اثني ~~عشر شهرا متصلة على الأهلة كان ذلك في أول شهر المحرم أو غيره من الشهور، ~~ولا يقع الكراء على ما بقي من السنة، إذا قال: أكري منك هذه السنة كل شهر ~~بكذا وكذا وقد مضى بعضها إلا ببيان، يبين ذلك رواية عيسى عن ابن القاسم في ~~كتاب الصيام فيمن قال: لله علي صيام هذه السنة لسنة ست وثمانين، وقد مضى ~~بعضها، أن عليه صيام اثني عشر شهرا، وروايته عنه في كتاب الأيمان بالطلاق ~~فيمن قال: امرأته طالق ثلاثا، إن فعلت كذا وكذا هذه السنة، أنه إن كان قد ~~نوى ما بقي من السنة فله نيته، وإن لم ينو شيئا فليستقبل ms0717 اثني عشر شهرا من ~~يوم حلف. وإن كان ذلك في بعض شهر، عد بقية أيام هذا الشهر ثم إحدى عشر شهرا ~~على الأهلة، ثم أكمل على ما كان بقي من الشهر تمام ثلاثين يوما، هذا قولهم ~~في الكراء والأيمان والعدد التي تكون # PageV02P212 # بالشهور والأيام، واستحب ابن القاسم في العدد والأيمان، إن كان قد مضى ~~بعض يوم أن يلغي ذلك اليوم، واختلف فيه قول مالك - رضي الله عنه - فكان ~~قوله أولا أن تعتد المرأة من الساعة التي توفي فيها زوجها، إلى مثلها ~~فتنقضي عدتها، ثم قال بعد ذلك بإلغاء بقية ذلك اليوم، واختلاف قوله داخل في ~~الكراء أيضا، فعلى قوله الأول يلزم المتكاريين الكراء من الساعة التي عقدا ~~فيها الكراء إلى مثلها من الشهر أو من السنة، وعلى قوله الذي رجع إليه لا ~~يلزم المتكاريين الكراء إذا عقداه وقد مضى من النهار بعضه إلا بغروب الشمس؛ ~~لأن الليلة أول اليوم وهي مقدمة على النهار، (والثالث) أن يقول: أكري منك ~~هذه الدار شهرا أو سنة، فإن السنة أو الشهر متعينان من يوم عقد الكراء ~~بمنزلة قوله هذا الشهر أو هذه السنة، سواء على التفسير الذي قدمناه في ذلك ~~مما يعد بالأيام أو يكون على الأهلة، إلا في وجه واحد، فإنه فرق في كتاب ~~ابن المواز فيه بينهما، فقال: إنه إذا قال أكريك شهرا بكذا فسكن شهرا ودخل ~~في ثان فخرج قبل تمامه، فعليه بحساب ما أكرى ولو كان بعينه، لكان عليه في ~~الثاني كراء المثل، وقيل: إن كان أقل لم ينقض، وإن كان كراء المثل أكثر، ~~حلف وأخذه على اختلاف في اليمين؛ لأنها يمين تهمة. (والرابع) أن يقول أكتري ~~منك إلى وقت كذا وكذا. # فصل فإذا انعقد الكراء لمدة معينة بأحد هذه الألفاظ، لزمهما جميعا ولم ~~يكن لأحدهما الخروج إلا أن يشترطه على صاحبه ولا ينقد فيجوز على ما قدمناه. # فصل فأما الوجه الثاني وهو أن يتفقا على الكراء ويسمياه دون أن يتواجبا ~~على مدة # PageV02P213 # يعينانها، فذلك مثل أن يقول: أكري منك ms0718 الشهر بكذا أو السنة بكذا أو في كل ~~شهر بكذا أو في كل سنة بكذا أو كل شهر بكذا، أو كل سنة بكذا، أو في الشهر ~~بكذا أو في السنة بكذا، فإنه إذا وقع الكراء على هذا كان للمكتري أن يخرج ~~متى شاء وللمكري أن يخرجه متى شاء، كان ذلك في أول الشهر أو آخره أو وسطه، ~~ويؤدي من الكراء بحسبما سكن ولا يلزم واحدا منهما الكراء في الشهر الأول ~~ولا فيما بعده إلا أن يقع فيها بينهما شرط أن لا يخرج أو لا يخرجه أو يعجل ~~الكراء، فهو كالاشتراط قاله ابن حبيب، وهو مذهب ابن القاسم، وذهب ابن ~~الماجشون إلى أنه يلزمه الكراء في الشهر الأول إذا قال: الشهر بكذا أو في ~~كل شهر بكذا، وكذلك على مذهبه للسنة الأولى إذا قال: السنة بكذا أو في كل ~~سنة بكذا، وروى ابن أبي أويس عن مالك في البيوت التي تكرى شهرا بشهر فيخرج ~~قبل ذلك أن كراء ذلك الشهر عليه وإنما يكون عليه بحساب ما سكن إذا تكارى كل ~~يوم بدرهم. # فصل ففي كراء الدور مشاهرة على هذا ثلاثة أقوال، أحدها: قول ابن القاسم: ~~إنه لا يلزمه الشهر الأول ولا ما بعده وله أن يخرج متى شاء ويلزمه من ~~الكراء بحساب ما سكن، والثاني: قول ابن الماجشون: إنه يلزمه الشهر الأول ~~ولا يلزمه ما بعده، والثالث: رواية ابن أبي أويس عن مالك أنه يلزم كراء ~~الشهر بسكنى بعضه كان أول الشهر أو لم يكن، وكذلك الثلاثة الأقوال داخلة في ~~كراء الدور مساناة مثل أن يقول: السنة بكذا، أو في كل سنة بكذا أو ما أشبه ~~ذلك لا يلزمهما الكراء في أول سنة ولا فيما بعدها على مذهب ابن القاسم ~~ويلزمهما الكراء في أول سنة على مذهب ابن الماجشون لا فيما بعدها ويلزمهما ~~الكراء في كل سنة بسكنى بعضها على رواية ابن أبي أويس عن مالك - رحمه الله ~~تعالى -، فتدبر ذلك. # PageV02P214 # فصل ويجوز الكراء في الدور السنين ذوات العدد، والحد في ms0719 ذلك ما لا تتغير ~~الدار إلى مثله، وذلك يختلف باختلاف إتقان بنيانها، فإن اكتراها من المدة ~~إلى ما لا يؤمن تغير الدار فيها، جاز العقد ولم يجز النقد ولا ينفسخ الكراء ~~المنعقد لمدة معينة بفوت أحد المتكاريين، وقد اختلف؛ هل يحل الكراء المؤجل ~~على المكتري بموته إذا مات قبل استيفاء السكنى أو لا؟ على قولين للمتأخرين ~~جاريين على أصل مختلف فيه بين المتقدمين من أصحاب مالك - رحمهم الله - ~~تعالى، وإنما ينتقض الكراء بين المتكاريين باستحقاق الدار أو استحقاق ~~منافعها المكتراة، أو انهدام جميع بنيانها، فإن انهدم بعض بنيانها، ففي ذلك ~~تفصيل وتقسيم، وهو أن الهدم في الدار المكتراة ينقسم على قسمين: (أحدهما) ~~أن يكون يسيرا، (والثاني) أن يكون كثيرا، فأما إن كان يسيرا فإنه على ثلاثة ~~أوجه: (أحدها) أن يكون لا مضرة فيه على الساكن ولا ينقص من قيمة كراء الدار ~~شيئا كالشرفات ونحوها، فهذا لا خلاف فيه أن الكراء للمكتري لازم ولا يحط ~~عنه منه شيء (والثاني) أن يكون لا مضرة فيه على الساكن إلا أنه ينقص من ~~قيمة كراء الدار، فهذا يلزمه السكنى ويحط عنه ما حط ذلك من قيمة الكراء إن ~~لم يصلحه رب الدار ولا يلزمه إصلاحه، فإن سكت وسكن لم يكن له شيء. ~~(والثالث) أن يكون فيه مضرة على الساكن من غير أن يبطل من منافع الدار شيئا ~~يلزمه الإصلاح كالعطل وشبهه، فهذا اختلف فيه على قولين، (أحدهما) قول ابن ~~القاسم: إن رب الدار لا يلزمه الإصلاح إلا أن يشاء، فإن أبى كان المكتري ~~بالخيار بين أن يسكن بجميع الكراء أو يخرج، فإن سكت وسكن لزمه جميع الكراء. ~~(والثاني) قول غيره: إن رب الدار يلزمه الإصلاح، فإن سكت وسكن لزمه جميع ~~الكراء، وأما إن كان الهدم # PageV02P215 # كثيرا فلا يلزم رب الدار الإصلاح بإجماع وهو أيضا على ثلاثة أوجه، ~~(أحدها) أن يعيب السكنى وينقص من قيمة الكراء ولا يبطل شيئا من المنافع، ~~مثل: أن تكون الدار مبلطة مجصصة فيذهب بتبليطها وتجصيصها، فهذا يكون ~~المكتري بالخيار بين ms0720 أن يسكن بجميع الكراء أو يخرج إلا أن يصلح ذلك رب ~~الدار، فإن سكت وسكن لزمه جميع الكراء على مذهب ابن القاسم في المدونة خلاف ~~مذهبه في رواية عيسى عنه، وقد قيل: إن الحكم في هذا الوجه كالبيت ينهدم من ~~الدار ذات البيوت وهو بعيد. (والثاني) أن يبطل اليسير من منافع الدار ~~كالبيت ينهدم منها شيء وهي ذات بيوت، فهذا يلزمه السكنى ويحط عنه ما ناب ~~البيت المنهدم من الكراء. (الثالث) أن يبطل أكثر منافع الدار أو منفعة ~~البيت الذي هو وجهها أو يكشفها بانهدام حائطها وما أشبه ذلك، فهذا يكون ~~المكتري فيه مخيرا بين أن يسكن بجميع الكراء، أو يخرج، فإن أراد أن يسكن ~~على أن يحط عنه ما ينوب ما انهدم من الكراء، لم يكن ذلك له إلا أن يرضى ~~بذلك رب الدار، فإن رضي بذلك جرى جوازه على الاختلاف في جواز جمع الرجلين ~~سلعتيهما في البيع، فإن بنى المكري الدار قبل أن يخرج المكتري منها لزمه ~~الكراء ولم يكن له أن يخرج وإن بناها بعد أن خرج، لم يكن عليه الرجوع إليها ~~إلا أن يشاء وإن سكت وسكن الدار مهدومة لزمه جميع الكراء على مذهب ابن ~~القاسم في المدونة خلاف رواية عيسى عنه في العتبية. # فصل ويجوز أن يكري الرجل داره من مسلم ونصراني إلا أنه إذا أكراها من ~~نصراني فلا يخلو من ثلاثة أوجه، (أحدها) أن يكريها منه على أن يسكنها أو ~~يبيع فيها ما يشاء من الأشربة الحلال. (والثاني) أن يكريها منه على أن يبيع ~~فيها خمرا أو # PageV02P216 # ما لا يجوز من الحرام. (والثالث) أن يكريها منه كراء مبهما، فأما إذا ~~أكراها منه على أن يسكنها أو يبيع فيها ما يشاء من الأشربة الحلال، فالكراء ~~جائز، فإن صرفها المكتري إلى بيع الخمر وما أشبه ذلك من الحرام، فلم يمنعه ~~من ذلك، تصدق بجميع الكراء قاله ابن حبيب، قال بعض المتأخرين: وهذا إن كان ~~أكراه ليسكن؛ لأن السكنى في الدار خلاف بيع الخمر فيها، فإذا لم ms0721 يمنعه، ~~فكأنه فسخ الأول في الثاني ولو كان أكراه ليبيع فيها الأشربة الحلال، فباع ~~فيها الخمر والحرام فلم يمنعه من ذلك لما وجب عليه أن يتصدق إلا بما زادت ~~قيمة كرائها على أن يباع فيها الخمر على الكراء الذي كان أكراها به؛ وهذه ~~تفرقة لا وجه لها، كأنه أيضا قد فسخ الأول في الثاني، وإن كان يشبهه في أنه ~~بيع شراب، فالصواب أنه إذا علم فلم يمنعه تصدق بجميع الكراء، وإذا لم يعلم ~~تصدق بما بين الكراءين من غير تفصيل بين أن يكون أكرى منه للسكنى أو لبيع ~~الأشربة الحلال، ولا اختلاف إذا لم يعلم ببيعه فيها الخمر، في أنه لا يجب ~~عليه أن يتصدق إلا بما زادت قيمة كرائها على أن يباع فيها الخمر على الكراء ~~الذي أكراها به، كان أكراها لبيع الأشربة الحلال أو للسكنى، وأما إن كان ~~أكراها منه على أن يبيع فيها خمرا، وما أشبه ذلك، فالكراء فاسد يفسخ إن عثر ~~عليه قبل السكنى، فإن لم يعثر عليه حتى فات بانقضاء أمد الكراء تصدق بجميع ~~الكراء على المساكين كان أقل من القيمة أو أكثر، قيل: لأنه لا يحل للمكري ~~كثمن الخمر، وقيل: أدبا له لا من أجل أنه حرام كعين الخمر، وظاهر ما في ~~سماع سحنون من كتاب السلطان أن الثمن يترك له ولا يتصدق به؛ لأنه قال فيه: ~~فإن فات مضى، إلا أن يريد بقوله: يمضي إذا فات أنه لا يرد إلى القيمة بعد ~~الفوات، وذلك محتمل، وإن لم يبع المكتري فيه خمرا وصرفه للسكنى أو لسائر ~~الأشياء المباحة في الكراء، فقال ابن حبيب: يسوغ الكراء للمكري إلا أن يكون ~~يزيد في كرائها لبيع الخمر على كرائها لغير الخمر، فيتصدق بالزيادة، # PageV02P217 # والقياس أن يكون فيه القيمة على ما صرفها إليه بالغة ما بلغت سائغة ~~للمكري؛ لأن العقد كان فاسدا، فيصحح بالقيمة إذا فات بصرفها إلى وجه مباح، ~~وأما إذا كان أكراها منه كراء مبهما، فقال ابن حبيب: ذلك جائز، وإن علم أنه ~~يبيع فيها خمرا، ms0722 وله أن يمنعه من ذلك، وقال ابن القاسم في المدونة: الكراء ~~فاسد إن علم أنه يبيع فيها خمرا، وقد تقدم الحكم فيه واتفقا في العنب أنه ~~لا يجوز أن يبيعها ممن يعلم أنه يعصرها خمرا، والفرق بينهما عند ابن حبيب ~~أن العنب يغيب المبتاع عليه فلا يقدر البائع على منعه من عصره بخلاف بيع ~~الخمر في داره، واختلف إذا وقع فقيل يفسخ فيه البيع وقيل يباع على المبتاع ~~والله أعلم. # فصل واختلف في كراء بيوت مكة؛ فكان سفيان الثوري لا يرى أن تكرى ولا يرى ~~على من سكنها بأسا أن يمسك الكراء، وهو مذهب أبي حنيفة - رحمه الله - وأكثر ~~أصحابه؛ لأنهم ذهبوا إلى أن مكة فتحت عنوة، وذهب الشافعي - رحمه الله تعالى ~~- إلى أنها مؤمنة والأمان كالصلح، فرأى أهلها مالكين لرباعهم، وأجاز بيعها ~~وكراءها، ولا خلاف عند مالك وأصحابه في أنه افتتحت عنوة، فقيل: إنه - عليه ~~السلام - من على أهلها بها. فلم تقسم ولا سبى أهلها لما عظم الله من ~~حرمتها، وقيل: إنها أقرت للمسلمين، وعلى هذا يأتي اختلافهم في جواز كرائها، ~~فالظاهر من مذهب ابن القاسم في المدونة إجازة ذلك، والظاهر من قول مالك في ~~سماع ابن القاسم من كتاب الحج المنع في ذلك، وحكى الداودي عنه أنه كره ~~كراءها في أيام الموسم، وقال اللخمي: اختلف قوله في كراء دور مكة وبيعها؛ ~~فمنع من ذلك مرة، وحكى أبو جعفر الأبهري عنه أنه كره بيعها وكراءها، فإن ~~بيعت أو أكريت لم يفسخ # PageV02P218 # ذلك؛ فيتحصل عنه في ذلك أربع روايات: الجواز والمنع والكراهة وكراهة ~~كرائها في أيام الموسم خاصة، وقد روي عن عبد الله بن عمر أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «لا يحل بيع بيوت مكة ولا إجارتها» وروى ابن عباس ~~عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «مكة كلها مباح لا تباع رباعها ولا ~~تؤجر بيوتها» ". وبالله سبحانه وتعالى التوفيق. # PageV02P219 ### | كتاب كراء الأرضين # قال الله عز وجل: {أفرأيتم ما تحرثون} [الواقعة: 63] {أأنتم تزرعونه أم ~~نحن الزارعون} [الواقعة: 64] {لو ms0723 نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون} ~~[الواقعة: 65] {إنا لمغرمون} [الواقعة: 66] {بل نحن محرومون} [الواقعة: 67] ~~. وقال تعالى: {أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا ~~تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون} [السجدة: 27] ، وقال تعالى: {وترى ~~الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج} ~~[الحج: 5] ، وقال تبارك وتعالى: {كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات ~~الأرض مما يأكل الناس والأنعام} [يونس: 24] ، وقال تعالى: {ومن آياته أنك ~~ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي ~~الموتى إنه على كل شيء قدير} [فصلت: 39] ، ومثل هذا في القرآن كثير. # فصل فلما كان النبات الذي يخرج من الأرض وينبت فيها ليس بمقدرة آدمي، ولا # PageV02P221 # لزارعه فيه عمل ولا كسب، وإنما الله تبارك وتعالى هو الذي يخرجه من الأرض ~~وينبته فيها، وينقله بقدرته من حال إلى حال حتى يصير إلى حد الانتفاع به ~~رحمة منه تعالى بعباده؛ لم يجز لذلك كراء الأرض بشيء مما يخرج منها وإن لم ~~يؤكل، ولا بشيء من الطعام وإن لم يخرج منها؛ لأنه إن كان الذي أكري به ~~طعاما، فإنما أعطى المكتري صاحب الأرض طعاما على أن يأخذ ما ينبته الله ~~تعالى في أرضه من الطعام بعلاجه وعمله، فيدخله الطعام بالطعام إلى أجل مع ~~التفاضل فيما لا يصح فيه التفاضل؛ وبيع الغرر والمزابنة، وهي المحاقلة التي ~~نهى عنها النبي - عليه السلام -؛ وإن لم يكن طعاما وكان مثل الكتان والقطن ~~وما أشبه ذلك، دخلته المزابنة، وكان ذلك من المخابرة التي نهى عنها النبي - ~~عليه السلام -؛ لأنها مأخوذة من الخبر وهو حرث الأرض، فالمخابرة كراء الأرض ~~ببعض ما يخرج منها. وجاز بما سوى ذلك من الدنانير والدراهم والعروض ~~والحيوان المعينة والموصوفة. هذا هو قول مالك - رحمه الله - وأكثر أصحابه. # فصل وقد اختلف أهل العلم في كراء الأرض اختلافا كثيرا لتعارض ظواهر ~~الآثار الواردة عن النبي - عليه السلام - في ذلك. من ذلك نهيه - صلى الله ~~عليه وسلم - عن كراء المزارع، روي ذلك عنه ms0724 من رواية رافع بن خديج بألفاظ ~~مختلفة، وروي عنه من رواية «جابر بن عبد الله أنه قال: خطبنا رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فقال: "من كانت له # PageV02P222 # أرض فليزرعها أو ليزرعها ولا يؤاجرها» . ولم يختلف عن جابر في هذا، ~~واختلف فيه عن رافع بن خديج اختلافا كثيرا: فروي عنه أنه قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «من كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه أو ~~ليدعها» ، كنحو حديث جابر؛ وروي عنه عن النبي - عليه السلام - أنه قال: «من ~~كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه ولا يكرها بثلث ولا ربع ولا طعام» . ~~فدليل هذا إجازة كرائها بما عدا الطعام من الأثمان المعلومة؛ وروي عنه، عن ~~النبي - عليه السلام - أنه قال: «إنما يزرع ثلاثة: رجل له أرض فهو يزرعها، ~~أو رجل منح أرضا فهو يزرع ما منح، أو رجل استكرى بذهب أو فضة» . فظاهر هذا ~~أن كراءها لا يجوز إلا بالذهب والفضة. ومن ذلك نهيه - صلى الله عليه وسلم - ~~عن المحاقلة والمخابرة وهي كراء الأرض بالطعام وبما يخرج منها ومن ذلك نهيه ~~- صلى الله عليه وسلم - عن المزارعة، وهي كراء الأرض بالجزء مما يخرج منها، ~~وإعطاؤه يهود خيبر الأرض والنخل على أن يعملوها ويزرعوها على شطر ما يخرج ~~منها، معارض في الظاهر لنهيه عن المزارعة، فقالت طائفة منهم: لا يجوز كراء ~~الأرض أصلا بذهب ولا فضة ولا بشيء من الأشياء؛ لأنهم حملوا ما روي عن النبي ~~- عليه السلام - من النهي عن كراء المزارع على العموم واطرحوا ما خالف ~~ظاهره من الآثار، وهو مذهب طاوس، وإليه ذهب ابن عمر - رضي الله عنه - بآخرة ~~روي عنه أنه كان يكري أرضه حتى بلغه أن رافع بن خديج كان يحدث «أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن كراء المزارع فترك كراءها» وهذا يبعد ~~في النظر لأن الخاص يقضي # PageV02P223 # على العام. فما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من كراء الأرض ~~بالدنانير والدراهم يخصص عموم نهيه عن كراء المزارع؛ وقال ms0725 آخرون: لا يجوز ~~كراء الأرض إلا بالدنانير والدراهم خاصة، واحتجوا بما «روي عن النبي - عليه ~~السلام - من رواية رافع بن خديج أنه قال: " إنما يزرع ثلاثة: رجل له أرض ~~فهو يزرعها، ورجل منح أرضا فهو يزرع ما منح، ورجل استكرى بذهب أو فضة» ، ~~وقالوا: لا يجوز أن يتعدى هذا الحديث لما فيه من البيان، وليس كما قالوا؛ ~~لأن البيان في الحديث إنما هو في إجازة كراء الأرض بالذهب والفضة، وأما في ~~المنع من كرائها بكل ما عدا ذلك فلا؛ لأن لفظة "إنما" لا ترد إلا على سبب، ~~فهي تنفي الحكم عن السبب الذي وردت من أجله وتحققه في المنصوص عليه، ولا ~~تدل على نفيه عما سواه. والدليل على ذلك قول رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «إنما الولاء لمن اعتق» ، فنفى - صلى الله عليه وسلم - بقوله هذا ~~أن يكون الولاء لمن باع، واشترط الولاء على المشتري المعتق؛ لأن ذلك كان ~~سببه وحقق به أن الولاء للمعتق، ولم يكن في قوله بيان أن غير المعتق لا ~~ولاء له؛ ألا ترى أن الولاء يكون لولد المعتق وعصبته وإن كانوا غير معتقين. ~~ومثل ذلك أيضا قولهم: إنما النبي محمد، وإنما الكريم يوسف، وإنما الشجاع ~~عمرو، فلا ينفي ذلك النبوة عن غير النبي - عليه السلام -، ولا الكرم عن غير ~~يوسف، ولا الشجاعة عن غير عمرو؛ وإنما تحقق ذلك لهم وتنفيه عمن كان سببا ~~لوروده، فكذلك مسألتنا. وقال آخرون: يجوز كراء الأرض بكل شيء إذا كان ~~معلوما عدا الطعام، وحجتهم ما روى رافع بن خديج عن # PageV02P224 # النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من كانت له أرض فليزرعها أو ~~ليزرعها أخاه ولا يكرها بثلث ولا ربع ولا طعام» . وهذا أيضا لا يصح في ~~النظر؛ لأنهم أجازوا كراء الأرض بما يخرج منها من غير الطعام، وقد ثبت «أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: نهى عن المخابرة» وهي كراء الأرض بما ~~يخرج منها؛ لأنه يدخله ما نهى عنه - صلى الله عليه وسلم - من المزابنة ~~والغرر؛ لأنه ms0726 إذا أكرى الأرض بكتان أو قطن فقد أعطى الكتان أو القطن فيما ~~تخرج له الأرض من ذلك، وذلك الغرر والمزابنة التي لا تجوز. وقال آخرون: ~~يجوز كراء الأرض بالدنانير والدراهم والعروض والطعام وكل شيء إذا كان ~~معلوما، وإنما لا يجوز الجزء مما يخرج منها؛ لأنه غرر، فهي المزارعة التي ~~نهى عنها النبي - عليه السلام -، وهذا هو مذهب الشافعي، وهو ظاهر قول مالك ~~في كتاب المساقاة من الموطأ؛ لأنه قال فيه: ولا ينبغي أن يساقي الأرض ~~البيضاء وذلك أنه يحل لصاحبها كراؤها بالدنانير والدراهم وما أشبه ذلك من ~~الأثمان المعلومة، إلا أن ذلك ليس بمعلوم من مذهبه، وحجة من ذهب إلى هذا ما ~~روي «عن رافع بن خديج أنه سئل عن كراء الأرض بالذهب والورق فقال: لا بأس ~~بذلك، إنما كان الناس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكرون ~~الأرض بما على الماذيانات وأقبال الجداول فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا، ~~ويهلك هذا، فلذلك زجر عنه النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: " فأما شيء ~~مضمون معلوم فلا» . وقد روي مثل هذا القول عن الليث بن سعد، وهو غير صحيح ~~أيضا «لنهي النبي - عليه السلام - عن المحاقلة والمخابرة» : وهو استكراء ~~الأرض بالحنطة وبما يخرج منها كان طعاما أو لم يكن. وقال آخرون: يجوز كراء ~~الأرض بالدنانير والدراهم والعروض والطعام والجزء مما يخرج منها، وحجتهم في ~~إجازة كراء الأرض بالجزء # PageV02P225 # مما يخرج منها، إعطاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يهود خيبر الأرض ~~والنخل على شطر ما يخرج من ذلك، وتأولوا في المحاقلة أنها اشتراء الزرع ~~بالحنطة وذلك لا يصح؛ لأن النص عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد ورد من ~~رواية رافع بن خديج في النهي عن كراء الأرض بالثلث والربع والطعام، وحديث ~~المساقاة يمكن تأويله على ما تأوله عليه مالك - رحمه الله - من أن الأرض ~~كانت يسيرة بين أضعاف السواد. وقال آخرون: يجوز كراء الأرض بالجزء مما يخرج ~~منها، ولا يجوز بشيء مضمون مما يخرج منها، وهو مذهب الليث ms0727 بن سعد. وحجة ~~هؤلاء «حديث ابن عمر في إعطاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يهود خيبر ~~النخل والأرض على أن يعملوها ويزرعوها بشطر ما يخرج منها» وقالوا: إنه حديث ~~صحيح أصح من أحاديث رافع بن خديج؛ لأنها مضطربة المتون؛ وقال ابن نافع من ~~أصحاب مالك: لا تكرى الأرض بقمح ولا شعير ولا سلت، وتكرى بما سوى ذلك على ~~أن يزرع فيها خلاف ما تستكرى به. وقال ابن كنانة: يجوز أن تكرى الأرض بكل ~~شيء إذا زرع فيها لم ينبت، واختاره عيسى بن دينار، وذلك كله معترض؛ فالقول ~~في هذه المسألة ما قدمناه عن مالك وجمهور أصحابه أن كراء الأرض لا يجوز ~~بشيء مما يخرج منها وينبت فيها - كان طعاما أو لم يكن، لنهي رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - عن المخابرة، وهي كراء الأرض ببعض ما يخرج منها مما ~~يزرع فيها، ولا بشيء من الطعام وإن لم يخرج منها؛ لنهيه - صلى الله عليه ~~وسلم - عن المحاقلة، وهي استكراء الأرض بالحنطة، وكذلك جميع الطعام لأنه في ~~معنى الحنطة، وقد روي ذلك عن النبي - عليه السلام - نصا من رواية رافع بن ~~خديج أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من كانت له أرض ~~فليزرعها أو ليزرعها أخاه ولا يكرها بثلث ولا ربع ولا طعام» . ويجوز مما ~~عدا هذين الوجهين من الدنانير والدراهم والعروض المعينة المعلومة والثابتة ~~في الذمة الموصوفة؛ لأن ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من النهي ~~عن كراء المزارع ليس على عمومه؛ لأنه خرج على سبب النهي، فهو مقصور على ~~سببه، وذلك أن الناس كانوا على عهد # PageV02P226 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكرون المزارع بالثلث والربع وبما على ~~الماذيانات وأقبال الجداول، فخرج نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن كراء ~~المزارع على ذلك فقصر عليه، وقيل في سبب النهي غير ذلك: «روي عن زيد بن ~~ثابت أنه قال: يغفر الله لرافع بن خديج أنا والله أعلم بالحديث منه، إنما ~~أتى رسول الله - صلى الله عليه ms0728 وسلم - رجلان من الأنصار قد اقتتلا، فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن كان هذا شانكم فلا تكروا المزارع» . ~~فسمع رافع قوله: لا تكروا المزارع، فحدث به. # فصل وقد اختلف أهل العلم في اللفظ العام المستقل بنفسه الوارد على سبب، ~~هل يقصر على سببه أو يحمل على عمومه على قولين، الأصح منهما عند أهل النظر ~~أن يحمل على عمومه ولا يقصر على سببه؛ لأن الحجة إنما هي في قول صاحب الشرع ~~ليس في السبب؛ لأن السبب لو انفرد لم تكن فيه حجة؛ ولو انفرد لفظ النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لوجبت به الحجة؛ وأما نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن ~~كراء المزارع، فالأصح فيه أن يقصر على سببه ولا يحمل على عمومه، إذ قد خص ~~بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما يزرع ثلاثة: رجل له أرض فهو يزرعها ~~ورجل منح أرضا فهو يزرع ما منح، ورجل أكرى بذهب أو ورق» . وقد قال جماعة من ~~أهل العلم: إن اللفظ العام إذا خص منه شيء عاد مجملا. وسقط الاحتجاج بعمومه ~~وإن كان ليس هذا بمذهب مالك ولا أصحابه، فإنه يؤيد قصر النهي على سببه، وقد ~~حكى أبو بكر الأبهري في كتابه أن مذهب مالك - رحمه الله - أن يقصر اللفظ ~~العام الوارد على سببه ولا يحمل على عمومه. # فصل فإذا قصر نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن كراء المزارع، على كرائها ~~بالثلث والربع والماذيانات وأقبال الجداول لم يمنع مانع من كرائها ~~بالدنانير والدراهم والعروض التي لا تنبتها الأرض مع النص الوارد عن النبي ~~- عليه السلام - في كرائها # PageV02P227 # بالدنانير والدراهم، ولو لم يقصر النهي على سببه وحمل على عمومه فيما بعد ~~الدنانير والدراهم المخصوصة منه بالنص عليها، لخصصت العروض التي لا تنبت ~~الأرض منه أيضا بالقياس على الدنانير والدراهم لأن القياس على الخصوص جائز ~~يخصص به العموم، ومثل هذا قول الله عز وجل: {الزانية والزاني فاجلدوا كل ~~واحد منهما مائة جلدة} [النور: 2] ؛ فكان هذا عاما في كل زان وزانية، كانا ~~حرين أو عبدين، ms0729 ثم خص من ذلك الإماء بقوله عز وجل: {فإذا أحصن فإن أتين ~~بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} [النساء: 25] . ثم خص من ذلك ~~العبيد بالقياس على الإماء بعلة الرق الجامعة بينهما؛ فكذلك ما عاد إلى ~~مسألتنا؛ فإن نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن كراء المزارع عام خص من ~~ذلك الكراء بالدنانير والدراهم بالنص، ثم خص من ذلك الكراء بالعروض التي لا ~~تنبتها الأرض بالقياس على الدنانير والدراهم، بالعلة الجامعة بينهما، وهي ~~أن الكراء بالعروض المعلومة التي لا تنبتها الأرض كراء بثمن معلوم لا غرر ~~فيه ولا مزابنة ولا محاقلة ولا مخابرة، فجاز أصله الكراء بالدنانير ~~والدراهم. # فصل فما ذهب إليه مالك - رحمه الله - في كراء الأرض أصح أقاويل أهل العلم ~~في ذلك؛ لأنه استعمل الأحاديث المروية عن النبي - عليه السلام - في هذا ~~الباب، ولم يحمل شيئا منها على التعارض، بل جعل بعضها مركبة على بعض ومبينة ~~لها، ولم يطرح شيئا منها، واستعمال الآثار عند أهل العلم أولى من طرحها ما ~~أمكن ذلك ووجد السبيل إليه. # PageV02P228 ### || فصل في حد جواز كراء الأرض وجواز النقد ووجوبه # فصل # في حد جواز كراء الأرض وجواز النقد ووجوبه اعلم أن الأرضين تنقسم على ~~ثلاثة أصناف: أرض نيل، وأرض مطر، وأرض تسقى بالأنهار والعيون والآبار. # فصل والكلام في حكم هذه الأرضين على ثلاثة أوجه: # أحدها: جواز عقد الكراء فيها. # والثاني: جواز النقد فيها. # والثالث: وجوب النقد فيها. # فأما جواز عقد الكراء فيها، فإنه جائز على مذهب ابن القاسم في المدونة ~~فيها كلها من غير تفصيل، كانت مأمونة أو غير مأمونة للسنين الكثيرة. وتنقسم ~~في جواز النقد فيها - عنده - على قسمين: مأمونة، وغير مأمونة، فما كان منها ~~مأمونا كأرض النيل وأرض المطر المأمونة وأرض السقي بالأنهار والعيون ~~الثابتة والآبار المعينة، فالنقد فيها للأعوام الكثيرة جائز، وما كان منها ~~غير مأمون فلا يجوز النقد فيه إلا بعد أن تروى وتمكن من الحرث، كانت في أرض ~~النيل أو المطر أو السقي بالعيون والآبار، وتنقسم في وجوب ms0730 النقد فيها على ~~قسمين: # أحدهما: أرض النيل، والثاني؛ أرض السقي والمطر؛ فأما أرض النيل فيجب ~~النقد فيها عنده إذا رويت؛ لأنها لا تحتاج إلى السقي فيما يستقبل، فبالري ~~يكون المكتري قابضا لما اكترى، وأما أرض السقي والمطر فلا يجب على المكتري ~~فيها دفع الكراء حتى يتم الزرع ويستغنى عن الماء؛ وكذلك إن كانت أرضا تزرع # PageV02P229 # بطونا فلا يلزمه نقد الكراء في البطن حتى تسلم وتستغني عن الماء، ووافق ~~ابن الماجشون ابن القاسم على مذهبه في أرض النيل أن النقد يجب فيها إذا ~~رويت، وفي أرض المطر وأرض السقي غير المأمون أن النقد لا يجب فيها حتى يتم ~~الزرع ويستغنى عن الماء؛ وخالفه في أرض السقي إذا كان مأمونا فجعله مثل أرض ~~النيل يجب الكراء فيه نقدا، إذا رويت؛ فأرض النيل لا اختلاف في وجوب الكراء ~~فيها بالري وأرض المطر، والسقي غير المأمون لا اختلاف أن الكراء لا يجب ~~فيها حتى يسلم الزرع ويستغني عن الماء، واختلف في أرض السقي المأمون فجعله ~~ابن الماجشون كأرض النيل، وجعله ابن القاسم كأرض المطر والسقي غير المأمون؛ ~~وتنقسم الأرضون على مذهب ابن الماجشون في جواز عقد الكراء فيها والنقد على ~~أربعة أقسام: # أحدها: أرض النيل المأمونة. # والثاني: أرض السقي بالأنهار والآبار. # والثالث: أرض السقي بالعيون. # والرابع: أرض المطر. # فأما أرض النيل المأمونة فيجوز الكراء فيها للأعوام الكثيرة بالنقد وبغير ~~النقد - قرب إبان شربها وريها - هذا قوله في المدونة. # فأما أرض السقي بالأنهار والآبار، فيجوز الكراء فيها للعشرة الأعوام لا ~~أكثر، والنقد فيها على مذهبه جائز، قاله الفضل. # وأما أرض السقي بالعيون، فلا يجوز كراؤها، إلا للثلاثة الأعوام والأربعة، ~~ولا ينقد إلا سنة بسنة، يريد أنه ينقد السنة الثانية قبل تمام الأولى بيسير ~~وإن لم ترو الأرض، هذا قوله ومذهبه في الواضحة. # PageV02P230 # وأما أرض المطر فلا يجيز الكراء فيها إلا لعام واحد، قرب إبان ريها، ولا ~~يجوز النقد فيها حتى تروى ريا مبلغا له أو لأكثره مع رجاء وقوع غيره، قاله ~~في المدونة، هذا الذي ms0731 حصلت من مذهبه، وبالله التوفيق. # فصل في بيان مذهب ابن القاسم وغيره في الكتاب فيمن حرث أرض رجل فتداعيا في ذلك # فصل # في بيان مذهب ابن القاسم وغيره في الكتاب # فيمن حرث أرض رجل فتداعيا في ذلك هذه مسألة تنقسم على قسمين: # أحدهما: أن يقوم رب الأرض على الذي حرثها في إبان الزرع. # والثاني: أن يقوم عليه في ذلك بعد الإبان. # فأما القسم الأول وهو أن يقوم عليه في ذلك وهو في الإبان، فلا يخلو الذي ~~حرث الأرض من أربعة أوجه: # أحدها: أن يصدق رب الأرض في أنه حرثها بغير إذنه. # والثاني: أن يصدقه في أنه لم يكرها منه إلا أنه يدعي أنه حرثها بعلمه وهو ~~حاضر لا يغير ولا ينكر. # والثالث: أن يدعي عليه أنه أكراها منه. # والرابع: أن يدعي عليه أنه أكراها منه وأنه حرثها بعلمه وهو حاضر. # فأما الوجه الأول وهو أن يصدقه في أنه حرثها بغير علمه، فإن لصاحب الأرض ~~أن يأخذ أرضه ويأمر الزارع بقلع زرعه فيقلعه إن كانت له فيه منفعة، ولا ~~يجوز لرب الأرض أن يأخذه بقيمته مقلوعا كالبنيان؛ لأنه يدخله بيع الزرع قبل ~~أن يبدو صلاحه، وقد قيل: إن ذلك جائز؛ لأنه في أرض مبتاعة وبالعقد يدخل في ~~ضمانه فيرتفع الغرر في ذلك، وإلى هذا ذهب أبو إسحاق التونسي؛ فإن لم # PageV02P231 # تكن له فيه منفعة لم يكن للزارع أن يقلعه لقول رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «لا ضرر ولا ضرار» . ويبقى لصاحب - الأرض لقول رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «ليس لعرق ظالم حق» . # وأما الوجه الثاني وهو أن يصدقه في أنه لم يكر منه إلا أنه يدعي أنه ~~حرثها بعلمه فلم يغير عليه ذلك ولا أنكر، فإن اليمين يلزم رب الأرض: ما علم ~~بحرثه إياها إن لم يكن للذي حرث الأرض على ذلك بينة؛ فإن حلف رب الأرض على ~~ذلك، كان له أن يأخذ أرضه ويكون الحكم في الزرع على ما تقدم، وإن نكل عن ~~اليمين، حلف الذي حرث الأرض ms0732 على ذلك ولم يقلع زرعه وكان عليه في الأرض كراء ~~مثلها، وكذلك إذا كانت للذي حرث الأرض بينة على حرثه إياها بعلمه ومعرفته. # وأما الوجه الثالث: وهو أن يدعي عليه أنه أكراها منه، فالقول قول صاحب ~~الأرض مع يمينه ما أكراها منه، فإن حلف على ذلك، استحق أرضه وكان الحكم في ~~الزرع على ما تقدم، وإن نكل عن اليمين، حلف الذي حرث الأرض لقد أكراها منه ~~بكذا وكذا، كان الذي ادعى من الكراء قليلا لا يشبه، أو كثيرا أكثر من كراء ~~المثل؛ وإنما كان القول قوله، وإن كان الذي ادعى من الكراء لا يشبه؛ لأن رب ~~الأرض قد مكنه من ذلك بنكوله، هذا هو المشهور في المذهب خلاف ما وقع في ~~كتاب القراض من المدونة إذا ادعى صاحب المال أنه دفع إليه المال على سبيل ~~البضاعة، وادعى العامل أنه دفع إليه على سبيل القراض، فنكل صاحب المال عن ~~اليمين، فقال: إن العامل يحلف إذا كان مثله يستعمل في القراض وإنما وجب # PageV02P232 # أن يحلف وإن كان الذي أقر به من الكراء أكثر من كراء المثل؛ لأنه إن نكل ~~عن اليمين وجب أن يقلع زرعه. # وأما الوجه الرابع، وهو أن يدعي عليه أنه أكراها منه وحرثها بعلمه ~~ومعرفته، فالقول قول صاحب الأرض يحلف على الوجهين جميعا إن لم يكن للذي حرث ~~الأرض بينة على ذلك، فإن حلف، كان مخيرا بين أن يأخذ منه الكراء الذي أقر ~~به، وبين أن يأخذ أرضه ويأمر الزارع بقلع زرعه؛ وهذا إذا كان للزارع في ~~قلعه منفعة، وأما إذا لم يكن له في قلعه منفعة وكان الحكم يوجب بقاءه لصاحب ~~الأرض، فلا يجوز أن يتركه للمكتري بما أقر به من الكراء، أو بكراء المثل؛ ~~لأنه بيع له بما يأخذ من الكراء، وقد تقدم القول إذا كان للزارع في قلعه ~~منفعة فأراد رب الأرض أن يأخذه بقيمته مقلوعا، وإن نكل عن اليمين حلف الذي ~~حرث الأرض لقد أكراها بكذا وكذا، قل أو كثر كان يشبه أو لا يشبه، ms0733 وقد تقدم ~~وجه ذلك؛ فإن نكل عن اليمين أخذ رب الأرض أرضه وإن أبى رب الأرض أن يحلف ~~على الوجهين جميعا، وقال: أحلف ما علمت بحرثه إياها ولا أحلف ما أكريت منه، ~~لم يكن ليمينه على هذا معنى، إلا أن ينكل الذي حرث الأرض عن اليمين؛ لأنه ~~إن حلف لقد أكريتها بكذا وكذا أدى ما حلف عليه وإن لم يشبه ذلك كراءها؛ لأن ~~رب الأرض قد مكنه من ذلك بنكوله على أن يحلف ما أكريتها منه، حلف ما علم ~~بحرثه إياها أو لم يحلف، فإن نكل الذي حرث الأرض عن اليمين، قيل لرب الأرض ~~ههنا: احلف أنك ما علمت بحرثه إياها وخذ أرضك واقلع الزرع إن شئت. # فصل وإن أبى رب الأرض أن يحلف على الوجهين جميعا وقال: أحلف ما أكريت ~~منه، ولا أحلف ما علمت بحرثه إياها، لم يمكن من اليمين على ذلك عند ابن ~~القاسم؛ لأنه إذا نكل عن أن يحلف ما علمت بحرثه إياها، وجب أن يحلف الذي ~~حرث الأرض بالله لقد علم بحرثي إياها، وإذا حلف على ذلك كان بمنزلة إذا ~~أقام # PageV02P233 # على ذلك بينة أو أقر له به رب الأرض، وإذا أقر بذلك رب الأرض أو قامت ~~للذي في حرث الأرض بذلك بينة كانت شبهة توجب أن يكون القول قول الذي حرث ~~الأرض أنه اكتراها منه بكذا وكذا إذا كان يشبه أن يكون ذلك كراء مثلها، ~~فيحلف الذي حرث الأرض إذا نكل رب الأرض عن اليمين أنه ما علم بحرثه إياها ~~على الوجهين جميعا: يقول: بالله لقد علم بحرثي إياها، ولقد اكتريتها منه ~~بكذا وكذا إذا أشبه أن يكون ما ادعى كراءها، فإن لم يشبه أن يكون ذلك ~~كراءها لم يصدق في ذلك، وحلف رب الأرض ما أكراها منه واستحق كراء مثلها، ~~ولم يكن له أن يقلع زرعه إذا حلف الذي حرث الأرض أنه حرثها بعلمه ومعرفته، ~~فإن لم يحلف على ذلك ونكل عنه، كان لصاحب الأرض أن يأخذ أرضه ويقلع الزرع. # فصل فإن كانت ms0734 للذي حرث الأرض بينة على أنه حرث الأرض بعلمه ومعرفته ولم ~~تكن له بينة على الكراء، كان القول قوله مع يمينه في الكراء إذا أتى بما ~~يشبه، فإن لم يأت بما يشبه، لم يصدق وحلف رب الأرض أنه ما أكرى منه، وكان ~~عليه كراء المثل، فإن نكل رب الأرض عن اليمين، كان القول قول الذي حرث ~~الأرض، وإن أتى بما لا يشبه؛ لأن رب الأرض قد مكنه من دعواه بنكوله، وإن ~~كان الذي أقر به الذي حرث الأرض من الكراء، كراء المثل فأكثر، لم يكن عليه ~~في هذا الوجه يمين، هذا مذهب ابن القاسم في المدونة ومساواته فيها بين أن ~~تكون للذي حرث الأرض بينة على علمه ومعرفته، أو يأبى اليمين في أن القول ~~قول الذي حرث الأرض مع يمينه في الكراء، إذا أشبه، إنما يريد إذا نكل عن ~~اليمين - على أنه ما حرثها بعلمه ومعرفته بخاص؛ وأما إذا نكل عن اليمين على ~~أنه لم يكرها منه، فالقول قول الذي حرث الأرض وإن لم يشبه. ولا اختلاف في ~~هذا بينهم، إلا ما يقوم من مسألة كتاب القراض، وقد ذكرناها؛ وأما غير ابن ~~القاسم في المدونة، فلم ير حرثه الأرض بعلم ربها شبهة توجب أن يكون القول ~~قوله في مبلغ الكراء، وجعل قول رب الأرض مع يمينه أنه ما أكرى منه أرضه؛ ~~فإذا حلف على ذلك، استحق كراء # PageV02P234 # المثل، وإن كان الذي أقر به المكتري من الكراء أكثر من كراء المثل، فلا ~~يكون على واحد منهما يمين، وسواء على قول غيره هذا - علم أو لم يعلم - فلا ~~يحلف على مذهبه إن لم يعلم بحرثه الأرض، وإنما يحلف أنه ما أكراها منه ~~ويستحق كراء المثل، ولو نكل عن اليمين على ذلك، لحلف الذي حرث الأرض، وإن ~~أتى بما لا يشبه. # فصل وأما القسم الثاني، وهو أن يقوم عليه في ذلك بعد الإبان، فإن صدقه ~~أنه لم يكن منه فله كراء المثل دون يمين ادعى عليه أنه حرثها بعلمه ~~ومعرفته، أو لم يدع ms0735 ذلك عليه؛ وأما إن ادعى عليه أنه أكراها منه ولم يدع ~~عليه أنه حرثها بعلمه ومعرفته، فإن رب الأرض يحلف أنه ما أكراها منه ويأخذ ~~منه كراء المثل؛ وإن نكل عن اليمين، حلف الذي حرثها على ما ادعاه من ~~الكراء؛ وأما إن ادعى عليه أنه أكراها منه وأنه حرثها بعلمه ومعرفته، فيحلف ~~على الوجهين جميعا؛ فإن حلف أخذ كراء المثل؛ وإن نكل عن اليمين على الوجهين ~~جميعا، أو على أنه لم يكر منه، حلف الذي حرث الأرض على ما ادعى من الكراء، ~~وإن كان الذي أقر به من الكراء أكثر من كراء المثل، فلا يمين على واحد ~~منهما، وإن نكل رب الأرض أن يحلف ما حرثها بعلمه ومعرفته، حلف الذي حرث على ~~مذهب ابن القاسم: لقد حرثها بعلمه ومعرفته، ولقد أكريتها منه بكذا وكذا، ~~إذا أشبه ذلك، فإن لم يشبه، حلف رب الأرض أنه ما أكرى منه وأخذ كراء المثل، ~~وعلى قول غيره يحلف رب الأرض ما أكراها منه ويأخذ كراء المثل. # PageV02P235 ### || فصل في المغارسة # المغارسة تنقسم على ثلاثة أقسام: # أحدها: أن تكون على وجه الإجارة، مثل أن يقول له: اغرس لي هذه الأرض كرما ~~أو تينا أو فرسكا أو ما أشبه ذلك، ولك كذا وكذا، فهذا إن كانت الغروس من ~~عند رب الأرض، فلا إشكال في جوازه، سمى له عدد ما يغرس في الأرض أو لم ~~يسمه؛ لأن ذلك معروف عند الناس، ولا بد أن يصف قدر الغروس في الصغر والكبر؛ ~~لأن المشقة في ذلك مختلفة، إلا أن يدخلا في ذلك على عرف فيستغنى به عن ~~الصفة؛ وأما إن كانت الغروس من عند الغارس فيدخل في ذلك ما دخل مسألة الذي ~~استأجر الأجير على أن يبني له دارا على أن الآجر والجص من عند البناء؛ لأنه ~~يجتمع في ذلك إجارة وسلم، والإجارة والسلم أحكامها مختلفة، إذا كان الأجير ~~بعينه؛ لأن السلم لا بد فيه من ضرب الأجل وتعجيل رأس ماله، والأجير بعينه ~~لا يجوز أن ينقد إجارته إلا بعد ms0736 شروعه في العمل الذي قد ضرب له الأجل؛ فلا ~~يجوز استئجار الأجير بعينه على الغرس بشرط أن تكون الغروس من عنده إذا كانت ~~لها قيمة إلا بثلاثة شروط، وهي: تعجيل الإجارة، والشروع في العمل، وأن يكون ~~الغرس لا يتم إلا في مدة طويلة يستحق فيها ما تعجل من الغروس في جنب ما ~~تأخر منها؛ وأما إذا أستأجره على الغرس إجارة ثابتة في ذمته على أن الغروس ~~من عنده، ولها قيمة، فذلك جائز؛ لأن حكم الإجارة الثابتة في الذمة حكم ~~السلم، فإن قدم إليه إجارته وضرب للغرس أجلا، مثل أن يقول: أستأجرك على غرس ~~هذه الأرض في شهر كذا بكذا وكذا، والغروس من عندك جاز، وهو معنى قول غير ~~ابن القاسم في المدونة إذا كان ذلك على وجه القبالة ولم يشترط عمل رجل ~~بعينه، فلا بأس بذلك إذا قدم نقده. # والوجه الثاني: أن تكون المغارسة على وجه الجعل مثل أن يقول له: اغرس لي ~~هذه الأرض أصولا تينا أو كرما أو ما أشبه ذلك، ولك في كل ثمرة تنبت كذا ~~وكذا، فهذا جائز على حكم الجعل المحض. # PageV02P236 # والوجه الثالث: أن يغارسه في الأرض على جزء منها فهذا أجازه أهل العلم ~~قياسا على ما جوزته السنة من المساقاة، فليست بإجارة منفردة ولا جعل منفرد، ~~وإنما هي سنة على حيالها، وأصل في نفسها أخذت بشبه من الإجارة والجعل، فهي ~~تشبه الإجارة في لزومها بالعقد، وتشبه الجعل في أن الغارس لا يجب له شيء ~~إلا بعد ثبوت الغرس وبلوغه الحد المشترط؛ فإن بطل قبل ذلك، لم يكن له شيء، ~~ولا كان من حقه أن يعيده مرة أخرى، وقد قيل: لا يجوز، وهو قول ابن القاسم ~~في رسم العتق من سماع عيسى من كتاب المغارسة: إن المغارسة في الأرض على جزء ~~من الأرض لا تجوز إلا على وجه الجعل بأن لا يلزم المغارس الجعل ويكون له أن ~~يذهب ويترك العمل إن شاء، فعلى هذا لا تكون المغارسة إلا على قسمين، وهي: ~~الجعل والإجارة - كان له ms0737 نصيب من الأرض أو لم يكن -. # فصل واختلف إن ثبت منها يسير وبلغ الحد وبطل سائر ذلك أو بطل منه يسير ~~وثبت سائر ذلك، فقيل: إن القليل تبع للكثير، إلا أن يكون الذي ثبت أو بطل ~~له قدر وبال، وإن كان الأقل فلا يكون تبعا ويثبت حقه فيما يثبت ويبطل مما ~~بطل، وهي رواية حسين بن عاصم، وهو الذي يأتي على المشهور من المذهب، فإن ~~المغارسة على جزء من الأرض جائزة على أنها لهما جميعا لازمة، وقد قيل: إن ~~حقه يثبت فيما بلغ، ويبطل فيما لم يبلغ، يسيرا كان أو كثيرا، تبعا كان أو ~~غير تبع؛ وهو الذي يأتي على القول بأن المغارسة في الأرض على جزء منها لا ~~تجوز إلا على وجه الجعل. # فصل ولا تجوز المغارسة على جزء من الأرض إلا على شروط قد حدها أهل # PageV02P237 # العلم، من ذلك: أن يكون الحد إلى ما دون الإطعام، واختلف إن كان حدها ~~الإطعام أو إلى أجل من السنين دون الإطعام، أو يسكتا عن الحد في ذلك أو ~~الأجل على قولين، وأما إن كان الحد إلى فوق الإطعام فلا يجوز، وكذلك لا ~~يجوز إن اشترطا أن يكون الشجر أو الغلة بينهما دون الأصل. # فصل فإن وقعت المغارسة على شيء مما وصفنا أنه لا يجوز باتفاق أو على قول ~~من لا يجيزها فيما ذكرنا فيه الخلاف، فإن ذلك ينقسم على قسمين: # أحدهما: أن لا يجعل له جزءا من الأصل. # والثاني: أن يجعل له جزءا منه. # فأما إذا لم يجعل له جزءا من الأصل وإنما غارسه على أن تكون الثمرة ~~بينهما، أو الشجر دون موضعها من الأرض فاختلف في ذلك على قولين: # أحدهما: أنه يحكم لذلك بحكم الكراء الفاسد. # والثاني: أنه يحكم له بحكم الإجارة الفاسدة، وهذا الاختلاف مبني على ما ~~غرسه الغارس من الغرس هل هو على ملكه - أو ملك رب الأرض، فمن علل بأن الغرس ~~على ملك الغارس جعله كراء فاسدا؛ لأنه كان الغارس اكترى منه الأرض إلى أمد ~~غير معلوم ms0738 بنصف الثمرة التي يغرسها لنفسه في الأرض، أو بنصف الشجرة التي ~~يغرسها فيها لنفسه على أن يدفعها إليه عند بلوغها إلى الحد الذي اشترطاه، ~~وكان الحكم فيه أن يكون على الغارس كراء المثل في الأرض قبل يوم أخذها، وهو ~~قول ابن القاسم في سماع عيسى عنه، ومعنى ذلك: إن كان أخذها منه في وقت # PageV02P238 # يمكنه وضع الغرس فيه فيها، وقيل: من يوم وضع الغرس فيها وهو قول ابن ~~القاسم في سماع يحيى عنه، ومعناه عندي من يوم يمكنه وضع الغرس فيه فيها، ~~فلا تكون على هذا رواية يحيى مخالفة لرواية عيسى، خلاف ما كان الشيوخ ~~يحملونها عليه من الخلاف لها، وقد زدنا هذا المعنى بيانا في كتاب البيان في ~~رسم استأذن من سماع عيسى من كتاب المغارسة، وقيل من يوم أثمرت الشجرة وهو ~~قوله في سماع أبي زيد، وسماع حسين بن عاصم، وتكون له الغلة كلها يرد عليه ~~رب الأرض ما أخذ منها المكيلة، إن عرفت أو خرصها إن جهلت ويقلع غرسه إلا أن ~~يشاء رب الأرض أن يأخذه بقيمته مقلوعا، وقيل: إن له قيمة غرسه قائما، قاله ~~يحيى في سماعه من كتاب السداد والأنهار في المعاملة الفاسدة في بناء الأرحى ~~ولا فرق. # فصل ومن علل بأن الغرس على ملك رب الأرض، جعله إجارة فاسدة؛ لأنه كأن رب ~~الأرض استأجر الغارس على أن يغرس له هذه الأرض بنصف ثمرتها أو بنصف الشجر ~~إذا بلغت الحد المشترط، وكان الحكم فيه أن يكون للغارس على رب الأرض قيمة ~~غرسه يوم وضعه في الأرض مقلوعا، وأجرة مثله في غرسه وقيامه عليه، وتكون ~~الغلة كلها لرب الأرض يرد عليه الغارس ما أخذ منها المكيلة إن عرفت أو ~~خرصها إن جهلت. # فصل # وأما إذا جعل له جزءا من الأرض على وجه لا يجوز في المغارسة، مثل أن يقول ~~له: اغرس هذه الأرض وقم على الغرس، كذا وكذا سنة، أو حتى تبلغ كذا وكذا، ~~لأجل واحد يكون الإطعام دونه، أو يقول له: اغرسها وقم على الغرس ms0739 حتى # PageV02P239 # يثمر أو إلى أجل كذا وكذا مما لا يثمر النخل دونه، أو اغرسها وهي بيني ~~وبينك مبهما من غير حد ولا أجل على مذهب من لا يجيز ذلك؛ ففي ذلك ثلاثة ~~أقوال، أحدها: أنها إجارة فاسدة يكون على رب الأرض للغارس قيمة غرسه يوم ~~وضعه في الأرض، وأجرة مثله في غرسه إياه وقيامه عليه، وتكون جميع الغلة له ~~يرد عليه الغارس ما أخذ منها المكيلة إن عرفت، أو خرصها، إن جهلت! وهذا قول ~~سحنون وهو يأتي على مذهب من علل بأن الغرس على ملك رب الأرض، فكأنه استأجره ~~على غرس جميع الأرض بنصف الأرض والغرس عند بلوغه الحد الذي شرطاه، وبنصف ما ~~أثمر الغرس. # والثاني: أنه بيع فاسد في نصف الأرض قد فات بالغرس فيكون على الغارس فيه ~~قيمته يوم غرسه، وكراء فاسد في النصف الثاني، فيكون على الغارس فيه لرب ~~الأرض كراء مثله يوم أخذها، أو يوم وضع الغرس فيها، أو يوم أثمرت على ~~الاختلاف المذكور في ذلك؛ ويقلع الغارس غرسه، إلا أن يشاء رب الأرض أن ~~يأخذه بقيمته مقلوعا؛ وعلى قول يحيى بن يحيى المتقدم لا يأخذه إلا بقيمته ~~قائما، ويكون جميع الغلة للغارس يرد عليه رب الأرض ما أخذ منها المكيلة إن ~~عرفت، أو خرصها إن جهلت، وهذا هو قول ابن القاسم في رواية حسين عنه، وهو ~~يأتي على أن الغرس على ملك الغارس. # والثالث: أنه بيع فاسد في نصف الأرض قد فات بالغرس، فيكون على الغارس فيه ~~قيمته يوم غرسه؛ وإجارة فاسدة في النصف الثاني، فيكون فيه على رب الأرض ~~للغارس قيمته مقلوعا يوم وضعه في الأرض، وأجرة مثله في غرسه وقيامه إلى وقت ~~الحكم! وقيل: إنه يكون عليه للغارس نصف قيمة الغرس قائما يوم # PageV02P240 # يحكم فيه من أجل سقيه وعلاجه، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم، وقيل: إنه ~~يكون عليه للغارس قيمة نصف غرسه يوم بلغ وتم، وأجرته من يومئذ في قيامه ~~عليه إلى يوم يحكم فيه، وهو قول ابن حبيب في الواضحة، والغلة ms0740 بينهما في ~~جميع ذلك على ما اشترطاه؛ والصحيح من ذلك ما بدأنا به من أن تكون عليه نصف ~~قيمة غرسه مقلوعا يوم وضعه في الأرض، وأجرة مثله في غرسه وقيامه عليه إلى ~~يوم الحكم؛ وهذا يأتي على أن الغرس نصفه على ملك الغارس، ونصفه على ملك رب ~~الأرض - ومن الله التوفيق والحمد لله وحده -. # PageV02P241 ### | كتاب تضمين الصناع # ] [ ### || فصل في وجه تضمين الصناع # فصل في وجه تضمين الصناع الأصل في الصناع ألا ضمان عليهم وأنهم مؤتمنون؛ ~~لأنهم أجراء وقد أسقط النبي - صلى الله عليه وسلم - الضمان عن الأجراء في ~~الائتمان، وضمنوهم نظرا واجتهادا، # لضرورة # الناس إلى استعمالهم؛ فلو علموا أنهم يؤتمنون ولا يضمنون، ويصدقون فيما ~~يدعون من التلف؛ لتسارعوا إلى أخذ أموال الناس، واجترءوا على أكلها؛ فكان ~~ذلك ذريعة إلى إتلاف الأموال وإهلاكها، وللحق أرباب السلع في ذلك ضرر شديد؛ ~~لأنهم بين أن يدفعوها إليهم فيعرضونها للهلاك أو يمسكوها مع حاجتهم إلى ~~استعمالها فيضر ذلك بهم إذ لا يحسن كل أحد أن يخيط ثوبه ويعمل جميع ما ~~يحتاج إلى استعماله، فكان هذا من الأمور العامة الغالبة التي يجب مراعتها ~~والنظر فيها للفريقين جميعا، فكان الحض في دفعها إليهم على التضمين حتى إذا ~~علم إهلاكها بالبينة من غير تضييع، لم يضمنوا، لإزالة الضرر عنهم، كما إذا ~~لم يعلم الهلاك والتلف ضمنوا لإزالة الضرر عن أهل الأموال. هذا قول مالك - ~~رحمه الله -؛ أنهم ضامنون لما غابوا عليه وادعوا تلفه ولم يعلم ذلك إلا ~~بقولهم، ولا ضمان عليهم فيما ثبت ضياعه بالبينة من غير تضييع وتابعه على ~~ذلك جميع أصحابه # PageV02P243 # إلا أشهب، فإنه ضمنهم وإن قامت البينة على التلف؛ وكذلك الرهن عنده قياسا ~~على العارية، إنها مؤداة - للحديث -، والعلة الجامعة بينهما أنه قبض الرهن ~~لمنفعة نفسه خالصا كما قبض العارية لمنفعة نفسه خالصا؛ وأما الصناع فلا يصح ~~له قياسهم على العارية؛ لأنهم قبضوا السلع لمنفعتهم ومنفعة أرباب السلع، ~~إلا أن لقوله حظا من النظر، فوجه قوله أنه لما وجب أن يضمنوا للمصلحة ~~العامة، لئلا ms0741 يكون ذلك ذريعة إلى إتلاف الأموال، لم يسقط الضمان عنهم ~~بالبينة، حسما لباب الذريعة؛ لأن ما طريقه المصالح وقطع الذرائع لا يخصص في ~~موضع من المواضع، أصل ذلك شهادة الابن لأبيه لما لم تجز للذريعة، لم تجز. ~~وإن ارتفعت التهمة في البابين، الفضل: ولأن من ضمن بلا بينة، ضمن وإن قامت ~~البينة؛ أصله الغاصب، ولأن من قبض لمنفعة نفسه فضمن بلا بينة، ضمن وإن قامت ~~البينة، أصله القرض. # فصل وقول مالك - رحمه الله -، وابن القاسم أصح؛ لأن الصانع أجير، فإذا ~~ثبت هلاك ما دفع إليه بغير تفريط، أشبه الصانع الخاص والراعي، ولأن الذريعة ~~قد لا تراعى مع العذر الظاهر، مثل من فاتته الجمعة، فإنا نمنعه أن يصلي ~~الظهر في جماعة، لئلا يكون ذلك ذريعة لأهل البدع؛ ثم يجوز ذلك لأهل العذر ~~الظاهر كالمرضى والمحبوسين، وكذلك في مسألتنا إذا كان عذر الصانع ظاهرا ~~بإقامته البينة على التلف من غير تضييع، لم نراع معه الذريعة، وفي هذا ~~اختلاف قد ذكرناه وحصلناه وبينا وجهه ومعناه في كتاب البيان في رسم نقدها ~~من سماع عيسى من كتاب الصلاة الثالث. # PageV02P244 # فصل وهذا في الصانع المشترك الذي قد نصب نفسه للناس، وأما الصانع الخاص ~~الذي لم ينصب نفسه للعمل للناس، فلا ضمان عليه فيما استعمل إياه أسلم إليه ~~أو عمله في منزل رب المتاع، وسواء على مذهب مالك استعمل الصانع بأجر أو ~~بغير أجر، وخالفه أبو حنيفة فأسقط عنه الضمان إذا عمل بغير أجر؛ لأنه أشبه ~~عنده المودع، وخالفهما الشافعي وأسقط الضمان عمل بأجر أو بغير أجر، والحجة ~~عليه أن تضمينهم إجماع من الصحابة - رضي الله عنهم -؛ لأن عمر بن الخطاب ~~وعلي بن أبي طالب حكما بتضمينهم، وقال علي: لا يصلح للناس إلا ذلك، وقال ~~يحيى بن سعيد: ما زال الخلفاء يضمنون الصناع، ولم يكن الخلفاء، ليضمنوهم ~~والصحابة متوافرون إلا بعد مشورتهم واجتماع ملائهم على ذلك، وقد ادعوا على ~~علي - رضي الله عنه - رواية أخرى مثل قولهم، ولم تثبت، ولو ثبتت لحمل ذلك ~~على أنه قد ms0742 رجع عنها إلى قول الجماعة، وإجماع الصحابة حجة على من بعدهم. # فصل ومما يحتج به عليهم من طريق النظر: أنهم لما قبضوا السلع لمنفعتهم، ~~لم يقيدوا قولهم في تلفها كالقراض على مذهبهم، والعارية؛ فإن قالوا: إنما ~~ضمن المستعير؛ لأنه إنما قبض لمنفعة نفسه وحده، وليس كذلك الصناع، قبضوا ~~لمنفعة أنفسهم ومنفعة أرباب السلع، قلنا: إنا لا نسلم أنهم قبضوا لمنفعة ~~أنفسهم ومنفعة أرباب السلع، بل إنما قبضوا لمنفعة أنفسهم خاصة بدليل نصبهم ~~أنفسهم لذلك، إلا أن انتفاع المالك شرط في حصول المنفعة للقابض ولو سلمنا ~~اشتراكهم في المنفعة، لانتقض ذلك بالقراض؛ لأنهما مشتركان في منفعته. فإن ~~قالوا: المعنى في تضمين المقارض: أنه تمليك بلا بدل. والجواب عن ذلك: أنه ~~لا يمتنع أن تختلف أسباب الضمان، فيكون في بعضها لذلك، وفي بعضها لعلة ~~أخرى، وهي ما ذكرناه من المصلحة والذريعة. # PageV02P245 # فصل وتلخيص هذا الباب وتحصيله على مذهب مالك: أن قابض مال غيره بإذن ~~المالك له على غير وجه الملك لا يخلو من ثلاثة أحوال: # أحدها: أن يقبض ذلك لمنفعة نفسه خاصة. # والثاني: أن يقبضه لمنفعة صاحبه خاصة. # والثالث: أن يقبضه لمنفعتهما جميعا. # فصل فأما الوجه الأول وهو أن يقبضه لمنفعة نفسه خاصة فلا يخلو من وجهين: # أحدهما: أن يقبض ذلك على أن ينتفع به ويرد عينه. # والثاني: أن ينتفع به بتحويل عينه فيرد مثله. # فأما إذا قبضه لينتفع به ويرد عينه، مثل الرهن والعارية، فهو ضامن له إلا ~~أن تقوم له بينة على التلف من غير تعد ولا تضييع، أو يكون مما لا يغاب ~~عليه، وأما إن قبضه لينتفع به ويرد مثله، فهو ضامن له على كل حال كان مما ~~يغاب عليه أو مما لا يغاب عليه وذلك كالقرض. # فصل وأما الوجه الثاني وهو أن يقبضه لمنفعة صاحبه خاصة، فلا ضمان عليه ~~فيه، كان مما يغاب عليه كالعين والعروض أو مما لا يغاب عليه كالحيوان ~~والدور، قبض ذلك على أن يحول عينه كالبضائع، أو على ألا يحول عينه ~~كالودائع، الحكم في ms0743 ذلك كله سواء. # فصل وأما الوجه الثالث: وهو ما قبضه لمنفعتهما جميعا فإنه يغلب فيه منفعة # PageV02P246 # صاحب المال، ويصدق القابض في دعوى التلف كان مما يغيب عليه كالعين ~~والعروض أو مما لا يغيب عليه كالحيوان والدور، قبض ذلك على أن يحول عينه ~~بتصرفه فيه كالقراض أو على ألا يحول عينه كالمستأجر على حمله أو على رعايته ~~أو على استعماله أو ما أشبه ذلك، حاشا الصانع المشترك الذي قد نصب نفسه ~~للعمل للناس والأجير على حمل الطعام، فإنهما لا يصدقان في دعوى التلف فيما ~~يغاب عليه للعلة التي قدمنا ذكرها، وهي الذريعة # ومصلحة العامة. # فصل وإنما قلنا في أول التقسيم: قبض مال غيره بإذن المالك له؛ لأن قابض ~~مال غيره بغير إذن مالكه ضامن له على كل حال؛ لأنه غاصب أو متعد، وإنما ~~قلنا: على غير وجه الملك؛ لأنه إذا قبضه على وجه الملك: إما بشراء أو صدقة ~~أو هبة أو وصية أو ما أشبه ذلك من الوجوه التي تنتقل بها الأملاك، فلا ~~اختلاف أيضا أن الضمان منه كان البيع صحيحا أو فاسدا. # فصل وكل موضع يصدق فيه القابض في دعوى الضياع مثل الوديعة والقراض ورهن ~~ما لا يغاب عليه، أو عارية ما لا يغاب عليه، فإنه يصدق في دعوى الرد إذا ~~قبضه بغير بينة فإن قبضه ببينة لم يصدق في دعوى الرد، هذا هو المشهور ~~المعلوم من قول ابن القاسم وغيره من أصحاب مالك، وقد روى أصبغ عن ابن ~~القاسم أنه يصدق في دعوى الرد. وإن قبضه ببينة، قاله في دعوى المستأجر ضياع ~~العروض التي استأجر، وخالفه أصبغ واعترض عليه بالقراض والوديعة؛ ولا يلزمه ~~اعتراض أصبغ؛ لأنه لا يفرق على هذه الرواية بين القراض والوديعة والشيء ~~المستأجر، بل يرى أن يصدق في ذلك كله، إذا ادعى رده وإن كان دفع إليه ~~ببينة؛ لأنه إذا صدقه في رد الشيء المستأجر، وإن قبضه ببينة، فأحرى أن ~~يصدقه في # PageV02P247 # الوديعة؛ إذ لا منفعة له فيها؛ وإذا صدقه في الشيء المستأجر فالقراض مثله ~~سواء؛ ms0744 لأن المنفعة فيهما جميعا لهما جميعا؛ ويشبه أن يفرق بين القراض ~~والشيء المستأجر وبين الوديعة؛ لأن الإشهاد على الوديعة لا وجه له إلا ~~التوثق من عينها، والإشهاد على القراض والشيء المستأجر، يحتمل أن يكون ~~القصد فيه إلى التوثق من الإجارة أو من جزء القراض؛ فيتحصل على هذا في دعوى ~~الرد مع الإشهاد أربعة أقوال: # أحدها: أنه يصدق فيها كلها على رواية أصبغ. # والثاني: أنه لا يصدق فيها كلها على قول أصبغ. # والثالث: الفرق بين الشيء المستأجر وبين القراض والوديعة على ما تأول ~~أصبغ على ابن القاسم. # والرابع: الفرق بين الشيء المستأجر والقراض وبين الوديعة على ما ذكرناه ~~من وجه الفرق في ذلك. # فصل فإذا صدق في دعوى الرد، فإنه يحلف على كل حال من غير تفصيل؛ وأما في ~~دعوى الضياع فلا يحلف إلا أن يكون متهما على مذهب ابن القاسم، وروى ابن ~~نافع ومحمد بن يحيى السبائي عن مالك: أنه يحلف المتهم وغير المتهم في دعوى ~~الضياع؛ وكان ابن زرب - رحمه الله - يقول: إن المتهم يحلف لقد ضاعت من غير ~~تفريط ولا تضييع، وأن غير المتهم يحلف ما ضيع ولا فرط؛ ولا يحلف على ~~الضياع، وهو قول له وجه من النظر، ولا يفرق في دعوى الضياع بين أن يقبض ذلك ~~ببينة أو بغير بينة. # فصل وكل موضع لا يصدق فيه في دعوى الضياع فلا يصدق فيه في دعوى الرد إلا ~~في الصناع، فإن ابن الماجشون يرى أن يصدقوا في دعوى الرد إلا أن # PageV02P248 # يشهد عليهم بالدفع، وإن كان لا يصدقون في دعوى الضياع، ونفى أن يكون ~~مالكا قال: إنهم لا يصدقون في دعوى الرد، والمشهور المعلوم من قول مالك ~~وجميع أصحابه ابن القاسم وغيره، أنهم لا يصدقون في دعوى الرد كما لا يصدقون ~~في دعوى الضياع، وقد قاله ابن الماجشون أيضا في موضع آخر، وقد روى أبو زيد ~~عن ابن القاسم في كتاب الوديعة ما يدل على أنه يصدق في رد الرهن إذا قبضه ~~بغير بينة مثل الوديعة وهو بعيد. ms0745 # فصل وإذا ادعى الصانع ضياع المتاع الذي استعمل إياه، فإنه يضمن قيمته يوم ~~دفع إليه على ما يعرف من صفته حينئذ، إلا أن يقر أن قيمته يوم ضاع كان أكثر ~~من قيمته يوم دفعه إليه، فيكون عليه قيمته يوم أقر أنه تلف أو يظهر عند ~~الصانع بعد دفعه إليه بمدة، فتكون عليه قيمته يوم ظهر عنده على ما شهد به ~~من قيمته يومئذ؛ وإن كانت قيمته يومئذ أقل من قيمته يوم دفعه إليه، وكذلك ~~الرهن والعارية، وقد وقع في موضع من سماع عيسى من كتاب الرهون أنه يضمن ~~قيمة الرهن، إذا تلف عنده يوم ضاع، وتأويل ذلك عندي على أنه ظهر عنده في ~~الوقت الذي ادعى أنه تلف فيه؛ لأن قيمته يوم ضاع قد تكون أقل من قيمته يوم ~~رهنه إياه فإذا لم يظهر عنده من حين رهنه إياه فلا يصدق في وقت تلفه كما لا ~~يصدق في تلفه ويلزمه قيمته يوم رهنه إياه على ما يعرف من صفته حينئذ، وعلى ~~ما يقر به منها مع يمينه على ذلك، وقد تأول الشيوخ قوله في الرواية: يغرم ~~قيمة الرهن يوم ضاع، أن معنى ذلك إذا لم تعرف له قيمة يوم الرهن فيغرم ~~قيمته يوم ضاع على ما يقر به من الصفة مع يمينه، وهذا بعيد، وتأويلنا الأول ~~هو الصحيح، ويؤيده ما وقع في سماع أصبغ من كتاب الوديعة لابن القاسم وأصبغ. # فصل فإذا أراد صاحب الثوب إذا ادعى الصانع تلفه، أن يؤدي إليه أجرة عمله # PageV02P249 # ويضمنه قيمته معمولا، لم يكن ذلك له إلا أن يقر الصانع أنه تلف بعد ~~العمل، فيكون لرب الثوب أو يؤدي إليه أجرة عمله ويضمنه قيمة ثوبه معمولا إن ~~شاء؛ على القول الذي يرى أنه إذا قامت البينة على تلفه معمولا، لزمه أداء ~~أجرة العمل، وتكون مصيبته منه، وهو أحد قولي ابن القاسم في كتاب ابن ~~المواز، ألا ترى أنه على هذا القول لو أقام الصانع البينة على أنه قد عمل ~~الثوب وادعى تلفه منه بعد العمل، ms0746 لوجب على رب الثوب أن يؤدي أجرة العمل ~~ويضمنه قيمة الثوب معمولا، فإذا ادعى ذلك ولم يبينه كان لرب الثوب أن يصدقه ~~في دعواه إن شاء، وعلى ما في سماع يحيى من كتاب الرواحل والدواب في مسألة ~~المستأجر على حمل الطعام يتعدى عليه فيبيعه في الطريق، وما في سماع أصبغ عن ~~ابن القاسم من كتاب تضمين الصناع في القمح ينقص عند الطحان يلزم رب الثوب ~~أن يؤدي أجرة العمل ويضمنه قيمة الثوب معمولا إذا ادعى الصناع ضياعه قبل ~~العمل أو بعده خلاف ما في المدونة. # فصل وكذلك يضمن الصناع كل ما أتى على أيديهم من خرق أو كسر أو قطع إذا ~~عمله في حانوته، وإن كان صاحبه قاعدا معه، إلا ما كان فيه تغرير من الأعمال ~~مثل ثقب اللؤلؤ ونقش الفصوص وتقويم السيوف واحتراق الخبز عند الفران أو ~~الثوب في قدر الصباغ، وما أشبه ذلك؛ فإنه لا ضمان عليهم فيما أتى على ~~أيديهم فيه، إلا أن يعلم أنه تعدى فيها أو أخذها على غير وجه ما أخذها ~~فيضمن حينئذ؛ ومثل ذلك البيطار يطرح الدابة فتموت من ذلك، أو الخاتن يختن ~~الصبي # PageV02P250 # فيموت من ختانه، أو الطبيب يسقي المريض فيموت من سقيه، أو يكويه فيموت من ~~كيه، أو يقطع منه شيئا فيموت من قطعه، أو الحجام يقلع ضرس الرجل فيموت ~~المقلوع ضرسه، فلا ضمان على واحد من هؤلاء في ماله ولا على عاقلته في جميع ~~هذا؛ لأنه مما فيه التغرير على ذلك الشيء، فكأن صاحبه هو الذي عرضه لما ~~أصابه، وهذا إذا لم يخطئ في فعله، وأما إذا أخطأ في فعله، مثل أن: يسقي ~~الطبيب المريض ما لا يوافق مرضه، أو تزل يد الخاتن، أو القاطع فيتجاوز في ~~القطع، أو يد الكاوي فيتجاوز في الكي، أو يد الحجام فيقلع غير الضرس التي ~~أمر بها، فلا يخلو من وجهين: # أحدهما: ألا يكون من أهل المعرفة فيغر من نفسه. # والثاني: أن يكون من أهل المعرفة فلا يغر من نفسه. # فأما إذا كان من ms0747 أهل المعرفة، ولم يغر من نفسه، فذلك خطأ يكون على ~~العاقلة إلا أن يكون أقل من الثلث، فيكون ذلك في ماله. وأما إن كان ممن لا ~~يحسن وغر من نفسه، فعليه العقوبة من الإمام بالضرب والسجن، واختلف في الدية ~~فقيل: إنها تكون عليه في ماله ولا يكون على العاقلة من ذلك شيء وهو ظاهر ~~قول مالك في سماع ابن القاسم وأشهب من كتاب السلطان، وقال عيسى بن دينار - ~~من رأيه ذلك خطأ - وهو على العاقلة إن كان الثلث فصاعدا، وهي رواية أصبغ عن ~~ابن القاسم في كتاب الديات؛ قال في الطبيب يسقي النصراني أو المسلم الدواء ~~فيموت منه: إنه لا شيء عليه إلا أن يعلم أنه أراد قتله؛ لأن تأويل ذلك أن ~~الدية على عاقلته مثل قول ابن دينار. # فصل فإن اشترط الصانع أنه لا ضمان عليه لم ينفعه شرط وكان عليه الضمان، ~~هذا قول مالك - رحمه الله - في المدونة، وفي سماع أشهب من كتاب تضمين ~~الصناع من العتبية، وينبغي على هذا القول أن يكون له أجر مثله لأنه إنما ~~رضي بالأجر # PageV02P251 # المسمى، لإسقاط الضمان عنه، وقال أشهب: ينفعه الشرط ويسقط عنه الضمان، ~~فعلى قوله يكون له الأجر المسمى، وكذلك المستعير، والمرتهن، إذا اشترطا ألا ~~ضمان عليهما فيما يغاب عليه، لم ينفعهما الشرط على مذهب مالك وابن القاسم، ~~خلاف قول أشهب؛ لأنه إذا أعمل الشرط في الصناع وأسقط عنهم الضمان، فأحرى أن ~~يعمله في المستعير ويسقط عنه الضمان، وله في بعض روايات العتبية من كتاب ~~العاريات أن الشرط باطل، مثل قول ابن القاسم، والذي يوجبه النظر أن يكون ~~الشرط عاملا في المستعير؛ لأنه إذا أعاره ما يغاب عليه وأسقط عنه فيه ~~الضمان، فقد فعل معه معروفين؛ وكذلك الرهن إذا لم يكن مشترطا في أصل البيع، ~~وإن طاع له بعد عقد البيع، فيتحصل في هذا ثلاثة أقوال، إعمال الشرط، ~~وإبطاله، والفرق بين المستعير والمرتهن بعد عقد البيع، وبين الصانع ~~والمرتهن في عقد البيع. # فصل وأما إذا اشترط على المستعير والمرتهن الضمان ms0748 فيما لا يغاب عليه، ~~فقول مالك: إن الشرط باطل، ينبغي إذا اشترط المعير على المستعير الضمان ~~فيما لا يغاب عليه فأسقط عنه بالحكم - أن يلزم الإجارة في استعماله -؛ لأن ~~ذلك قد خرج من حد العارية وسننها إلى باب الإجارة الفاسدة؛ لأن رب الدابة ~~لم يرض أن يعيره إياها إلا بأن يحرزها في ضمانه، وقد رأيت بذلك رواية عن ~~أشهب حكاها أبو إسحاق التونسي وقال: إن ظاهر ما في المدونة خلاف ذلك، أن ~~الشرط باطل ولا أجرة عليه، وقول أشهب ظاهر، وما ينبغي أن يحمل إلا على ~~التفسير، وقع قول أبي إسحاق في كتاب الرهون من كتابه، وحكى ابن حبيب عن ~~مطرف في ذلك تفصيلا، وهو أنه إن كان شرط عليه الضمان لأمر خافه من طريق ~~مخوفة أو لصوص أو ما أشبه ذلك، فيلزمه الشرط إن تلف في ذلك المعنى الذي ~~خافه، وإن تلف في سواه، لم يلزمه الشرط؛ وقال أصبغ: لا شيء عليه في الوجهين ~~جميعا، وهو مذهب مالك، وبالله التوفيق. # PageV02P252 ### | كتاب الأقضية # ] [ ### || ما جاء في الأقضية # ما جاء في الأقضية انفرد الله تبارك وتعالى بالحكم والقضاء بين عباده في ~~الآخرة، فقال سبحانه: {والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون ~~بشيء} [غافر: 20] . وقال تعالى: {إن ربك يقضي بينهم بحكمه وهو العزيز ~~العليم} [النمل: 78] . وقال: {إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا ~~فيه يختلفون} [يونس: 93] . وقال: {وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون} [يونس: ~~54] . وقال: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان ~~مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين} [الأنبياء: 47] . # وصرف - تبارك وتعالى - الحكم والقضاء بينهم في الدنيا إلى من استخلفه في ~~الأرض عليهم من الأنبياء، ومن بعدهم من الخلفاء وأولي الأمر من القضاة ~~والحكام والعلماء، وفرض عليهم العدل بينهم في الحكم، وألا يتبعوا الهوى، ~~ولا يشتروا بآياته ثمنا قليلا، فقال تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ~~لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما} [النساء: 105] . # PageV02P253 # وقال: {إنا أنزلنا التوراة فيها ms0749 هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا ~~للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه ~~شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم ~~بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44] . وقال: {ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فأولئك هم الظالمون} [المائدة: 45] . وقال: {وليحكم أهل الإنجيل ~~بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} ~~[المائدة: 47] . وقال: {وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين} ~~[المائدة: 42] . وقال تعالى: {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين ~~الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل ~~الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب} [ص: 26] . وقال تعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين ~~والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن ~~تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا} [النساء: 135] ~~. # فصل وفرض لهم على الناس التسليم والطاعة والانقياد، فقال تعالى: {فلا ~~وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} [النساء: 65] الآية. وقال ~~تعالى: # PageV02P254 # {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59] ، فقارن - ~~تعالى - طاعته بطاعة رسوله - عليه السلام - وبطاعة أولي الأمر من عباده. ~~وقال - صلى الله عليه وسلم -: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى ~~الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني» . # فصل فمن عصى إماما أو قاضيا أو حكما من الحكام فيما أمر به من الحق أو ~~حكم فيه بوجه العدل، فقد عصى الله ورسوله، وتعدى حدوده، وأما إن قضى بغير ~~العدل، أو أمر بغير الحق، فطاعته غير لازمة، لقول رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» ، إلا أن يخشى أن تؤدي ~~مخالفته إلى هرج أو فساد، فتجب عليه الطاعة على كل حال. # فصل فالحكم بين الناس بالعدل من أفضل أعمال البر وأعلى درجات الأجر. ms0750 قال ~~تبارك وتعالى: {وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين} ~~[المائدة: 42] . وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «المقسطون على ~~منابر من نور يوم القيامة على يمين الرحمن وكلتا يديه يمين» . وقال - صلى ~~الله عليه وسلم -: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» . فبدأ ~~بالإمام العادل، وظل الله في هذا الحديث رحمته وجنته. # PageV02P255 # قال الله عز وجل: {إن المتقين في ظلال وعيون} [المرسلات: 41] ، وقال: ~~{أكلها دائم وظلها} [الرعد: 35] ؛ ومن كان في ظل الله ورحمته يوم القيامة ~~فهو آمن من هول الموقف وشدته، سالم مما يلحق الناس فيه من الشدة والضيق، ~~وهذه نهاية في الأجر والثواب. # فصل والجور في الأحكام واتباع الهوى فيها من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر، ~~قال الله عز وجل: {وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا} [الجن: 15] . وقال ~~رسول - صلى الله عليه وسلم -: «إن أعتى الناس على الله وأبغض الناس إلى ~~الله وأبعد الناس من الله يوم القيامة: رجل ولاه من أمة محمد شيئا ثم لم ~~يعدل فيهم» ، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «ما من أحد أقرب من الله يوم ~~القيامة بعد ملك مصطفى أو نبي مرسل من إمام عادل، ولا أبعد من الله من إمام ~~جائر يأخذ بحبه» أي يحكم بهواه. # فصل فالقضاء محنة، ومن دخل فيه فقد ابتلي بعظيم؛ لأنه قد عرض نفسه ~~للهلاك، إذ التخلص منه على ما ابتلي به عسير؛ روي عن عمر بن الخطاب - رضي ~~الله عنه - أنه قال: وددت أن أنجو من هذا الأمر كفافا لا لي ولا علي. وروي ~~عن أبي # PageV02P256 # هريرة أنه قال: من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين. وقال أبو قلابة: مثل ~~القاضي العالم كالسابح في البحر، فكم عسى أن يسبح حتى يغرق. وكتب سلمان إلى ~~أبي الدرداء بلغني أنك جعلت طبيبا تداوي، فإن كنت تبرئ، فنعما لك وإن كنت ~~متطببا فاحذر أن تقتل إنسانا فتدخل النار فكان أبو الدرداء إذا قضى بين ~~اثنين ثم أدبرا عنه نظر إليهما فقال: ارجعا إلي أعيدا علي قصتكما- متطبب ms0751 ~~والله. # فصل فالهروب عن القضاء واجب، وطلب السلامة منه لا سيما في هذا الوقت ~~لازم؛ وقد روي أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - دعا رجلا ليوليه فأبى، ~~فجعل يديره على الرضى فيأبى حتى قال: أنشدك الله يا أمير المؤمنين أي ذلك ~~تعلم خيرا لي؟ قال: ألا تلي، قال: فاعفني. قال: قد فعلت. وقال مالك: قال لي ~~عمر بن حسين: ما أدركت قاضيا استقضى بالمدينة إلا رأيت كآبة القضاء ~~وكراهيته في وجهه، إلا قاضيين سماهما. # فصل وطلب القضاء والحرص عليه حسرة وندامة يوم القيامة، روي عن النبي- ~~عليه السلام - أنه قال: «ستحرصون على الإمارة وتكون حسرة وندامة يوم ~~القيامة، فنعمت المرضعة، وبئست الفاطمة. فمن طلب القضاء وأراده وحرص عليه، ~~وكل إليه وخيف فيه الهلاك عليه، ومن لم يسأله وامتحن به، وهو كاره له خائف ~~على نفسه فيه، أعانه الله عليه» . روي عن النبي- عليه السلام - أنه قال: ~~«من طلب القضاء أو استعان عليه وكل إليه، ومن لم يطلبه ولا استعان عليه، # PageV02P257 # أنزل الله ملكا يسدده» . وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تسل الإمارة ~~فإنك إن تؤتها من غير مسألة، تعن عليها، وإن تؤتها عن مسألة توكل إليها» . # فصل فيجب ألا يولى القضاء من أراده وطلبه، وإن تجمعت فيه شروط القضاء ~~مخافة أن يوكل إليه فلا يقوم به ولا يقوى عليه. قال رسول الله- صلى الله ~~عليه وسلم -: «إنا لا نستعمل على عملنا من أراده» ، ونظر عمر بن الخطاب - ~~رضي الله عنه - إلى شاب في وفد وفد عليه فاستحلاه وأعجبه، فإذا هو يسأله ~~القضاء، فقال له عمر: كدت أن تغرنا من نفسك إن الأمر لا يقوى عليه من يحبه. # فصل وللقضاء خصال مشترطة في صحة الولاية، وخصال ليست مشترطة في صحة ~~الولاية، إلا أن عدمها توجب عزل القاضي عن الولاية، وخصال ليست مشترطة في ~~صحة الولاية ولا يوجب عدمها عزل القاضي عن الولاية إلا أنها مستحبة فيها، ~~ويستحب بعدمها عزله عنها، فأما الخصال المشترطة في صحة الولاية، فهي أن ~~يكون حرا مسلما بالغا ذكرا ms0752 عاقلا واحدا، فهذه الستة خصال لا يصح أن يولى ~~القضاء على مذهبنا إلا من اجتمعت فيه، فإن ولي من لم تجتمع فيه، لم تنعقد ~~له الولاية، وإن انخرم شيء منها بعد انعقاد الولاية، سقطت الولاية، وقال ~~أبو حنيفة: يجوز أن تلي القضاء المرأة في الأموال دون القصاص، وقال محمد بن ~~الحسن، ومحمد بن جرير الطبري: يجوز أن تكون المرأة قاضية على كل حال؛ وأما ~~الخصال التي ليست مشترطة في صحة الولاية إلا أن عدمها يوجب فسخ الولاية، # PageV02P258 # فهي أن يكون سميعا بصيرا متكلما عدلا؛ فهذه الأربع خصال لا يجوز أن يولى ~~القضاء إلا من اجتمعت فيه؛ فإن ولي من لم تجتمع فيه، وجب أن يعزل متى عثر ~~عليه، ويكون ما مضى من أحكامه جائزة إلا الفاسق الذي ليس بعدل، فاختلف فيما ~~مضى من أحكامه، فقيل: إنها جائزة وهو قول أصبغ، وقيل: إنها مردودة، وهو ~~المشهور في المذهب؛ فعلى هذا القول العدالة مشترطة في صحة الولاية كالإسلام ~~والحرية والبلوغ والعقل والذكورة، على مذهبنا والتوحد. # وأما الخصال المستحبة فكثيرة، منها أن يكون من أهل البلد، ورعا، عالما، ~~يسوغ له الاجتهاد غنيا ليس بمحتاج ولا مديان، معروف النسب ليس بابن لعان ~~ولا ولد زنا، جزلا نافذا، فطنا غير مخدوع لغفلة، ولا محدود في زنا ولا قذف، ~~ولا مقطوع في سرقة، وروي عن عمر بن عبد العزيز منها خمس خصال، وهي: أن يكون ~~عالما بالفقه والسنة، ذا نزاهة عن الطمع، مستخفا بالأئمة. يريد أنه يدير ~~الحق على من دار عليه ولا يبالي بمن لامه على ذلك، وقيل: باللائمة يريد أنه ~~يقضي بالحق ولا يهابهم فيه، والأول آمن، حليما عن الخصم، مستشيرا لأولي ~~العلم. # وروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: لا يصلح أن يلي القضاء ~~إلا من كان حصيف العقل، شديدا في غير عنف، لينا في غير ضعف، قليل الغرة، ~~بعيد الهيبة، لا يطلع الناس منه على عورة؛ ومن الخصال المستحبة على ما ~~يوجبه مذهبنا: ألا يكون أميا، وليس لأصحابنا في ms0753 ذلك نص، ولأصحاب الشافعي في ~~ذلك وجهان، أحدهما: المنع، والآخر: الجواز، والأظهر عنده الجواز؛ لأن إمام ~~المسلمين وسيد المرسلين وأفضل الحاكمين كان أميا، ومن طريق المعنى أنه لا ~~يلزمه قراءة العقود ويجوز أن ينوب عنه في ذلك وفي تقييد المقالات غيره، وأن ~~للمنع من ذلك وجها، لما فيه من تضييق وجوه الحكم، والنبي - عليه السلام - ~~ليس كغيره؛ لأنه معصوم؛ فهذه الخصال المستحبة ينبغي توخيها وبعضها آكد من ~~بعض، فيقدم الذي يجتمع فيه منها آكرها، وقد قال مالك - رحمه الله -: لا أرى # PageV02P259 # خصال القضاء تجتمع اليوم في أحد، فإذا اجتمع فيه منها خصلتان، رأيت أن ~~يولى العلم والورع. قال ابن حبيب: فإن لم يكن علم فعقل وورع، فبالعقل يسأل ~~وبالورع يقف، وإذا طلب العلم وجده وإن طلب العقل لم يجده. يريد بالعقل ~~العقل الحصيف. # وأما العقل الذي يوجب التكليف، فإنما هو مشترط في صحة الولاية على ما ~~قدمناه. قال ابن حبيب: ويكون عالما بالسنة والآثار ووجه الفقه الذي يؤخذ ~~منه الكلام. حكي ذلك عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ، قالوا: ولا يصلح أن يكون ~~صاحب رأي لا علم له بالسنة ولا بالآثار، ولا صاحب حديث ولا علم بالفقه ~~والرأي؛ لأنه يخاف من الجهل مثل ما يخاف من الجور. # قال أصبغ: ويعزل الجاهل إلا ألا يوجد غيره، فيقر ويؤمر أن يستكثر من ~~المشورة، ويتفقد أمره في كل حين. قال: وإذا لم يجد الإمام إلا رجلين، ~~أحدهما عدل مأمون لا علم له بالقضاء والسنة، والآخر عالم وليس مثل الآخر في ~~العدالة، فإن كان العالم لا بأس بحاله وعفافه، وإن كان دون الآخر، فليول ~~هذا، وإن كان غير مرضي ولا موثوق به في عفافه وصلاحه، ولعله يقارب ما لا ~~ينبغي، فلا يولى هذا ولا هذا إلا ألا يوجد غيرهما فإن لم يجد غيرهما ولي ~~العدل القصير العلم، وليجتهد وليستشر، وإن وجد من يجمع العلم والعدل، فلا ~~يولى غيره وإن لم يكن من أهل البلد؛ وقال سحنون: وإن كان الرجل العالم ~~فقيرا وهو أعلم من بالبلد ms0754 وأرضاهم، استحق القضاء، ولكن لا ينبغي أن يجلس ~~حتى يغنى ويقضي عنه دينه، قال: ولا بأس أن يستقضى ولد الزنا ولا يحكم في ~~الزنا، كما أن القاضي لا يحكم لابنه. # فصل فالقضاة ثلاثة كما روي عن النبي- عليه السلام -: «واحد في الجنة ~~واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، وأما الذي في ~~النار فرجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى بين الناس # PageV02P260 # على جهل فهو في النار» ، وروي عنه- عليه السلام - أنه قال: «الحكام ~~ثلاثة: اثنان في النار وواحد في الجنة، حكم جهل فخسر فأهلك أموال الناس ~~وأهلك نفسه ففي النار، وحكم علم فهزل - يعني جار- فأهلك أموال الناس وأهلك ~~نفسه ففي النار، وحكم علم فعدل وأحرز أموال الناس وأحرز نفسه ففي الجنة» . ~~وروي عن ابن عمر أنه قال: بلغني «أن القضاة ثلاثة، رجل جار فهو في النار، ~~ورجل تكلف فقضى بما لا يعلم فهو في النار، ورجل علم فاجتهد فذلك ينجو كفافا ~~لا له ولا عليه» . # وهذا يرده الحديث، قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: «إذا اجتهد ~~الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر» . وقال إياس بن معاوية ~~للحسن: بلغني أن القضاة ثلاثة، فذكر فيهم: رجل اجتهد فأخطأ فهو في النار، ~~فقال الحسن: إن فيما قضى الله علينا من نبأ داود وسليمان ما يرد قول هؤلاء ~~الناس. يقول الله سبحانه: {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه ~~غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين} [الأنبياء: 78] {ففهمناها سليمان وكلا آتينا ~~حكما وعلما} [الأنبياء: 79] ، فأثنى على سليمان ولم يذم داود. # وقد روي في حديث معاذ بن جبل أن النبي- صلى الله عليه وسلم - «أذن له أن ~~يجتهد رأيه فيما لم يكن في الكتاب والسنة، قال له لما بعثه إلى اليمن: "كيف ~~تقضي؟ " قال له: أقضي بما في كتاب الله، قال: "فإن لم تجد في كتاب الله؟ "، ~~قال: ففي سنة رسوله، قال: "فإن لم تجد؟ "، قال: أجتهد رأيي، فقال: "الحمد ~~لله الذي وفق رسول رسوله ms0755 لما يرضي رسوله» . # PageV02P261 # فإذا اجتهد الحاكم فله أجر الاجتهاد وإن أخطأ باجتهاده. روي عن النبي- ~~عليه السلام - أنه قال: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد ~~فأخطأ فله أجر» . # فصل وهذا إذا كان من أهل الاجتهاد، وأما إن لم يكن من أهل الاجتهاد، فهو ~~آثم وإن أصاب باجتهاده لتقحمه وجرأته على الله في الحكم بغير علم. # فصل # فيحكم الحاكم بما في كتاب الله، فإن لم يكن، ففيما جاء عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - إذا صحبته الأعمال؛ فإذا كان خبرا صحبت غيره الأعمال، ~~قضى بما صحبته الأعمال، وهذا معلوم من أصول مالك - رحمه الله - أن العمل ~~مقدم على أخبار الآحاد، وكذلك القياس عنده مقدم على أخبار الآحاد، على ما ~~ذهب إليه أبو بكر الأبهري، فإن لم يجد في السنة في ذلك شيئا، نظر في أقوال ~~الصحابة فقضى بما اتفقوا عليه، فإن اختلفوا قضى بما صحبته الأعمال من ذلك ~~فإن لم يصح عنده أيضا اتصال العمل بقول بعضهم، تخير من أقوالهم ولم يخالفهم ~~جميعا. # وقد قيل: إن له أن يجتهد وإن خالفهم جميعا، وكذلك الحكم في إجماع ~~التابعين بعد الصحابة، وفي كل إجماع ينعقد في كل عصر من الأعصار إلى يوم ~~القيامة؛ لقول الله عز وجل: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ~~ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} [النساء: ~~115] . ولقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: «لن تجتمع أمتي على ضلالة» ~~، وأنه قال: «يد الله على الجماعة» . # PageV02P262 # فإذا تضمن الله حفظ الجماعة، لم يجز عليها الغلط والسهو، فإن لم يجد في ~~النازلة إجماعا، قضى فيها بما يؤديه النظر والاجتهاد في القياس على الأصول ~~بعد مشورة أهل العلم، فإن اجتمعوا على شيء، أخذ به، وإن اختلفوا نظر إلى ~~أحسن أقوالهم عنده، وإن رأى خلاف رأيهم قضى بما رأى، إذا كان نظيرا لهم، ~~وإن لم يكن من نظرائهم، فليس له ذلك، قاله ابن حبيب، وهو قول فيه اعتراض. # والصحيح أنه إذا كان من أهل الاجتهاد، ms0756 فله أن يقضي بما رأى، وإن كانوا ~~أعلم منه؛ لأن التقليد لا يصح للمجتهد فيما يرى خلافه بإجماع، وإنما يصح له ~~التقليد على مذهب من يرى التقليد ويقول به ما لم يتبين له في النازلة حكم، ~~فإنما الخلاف هل للمجتهد أن يترك النظر والاجتهاد، ويقلد من قد نظر واجتهد ~~أم لا على ثلاثة أقوال: # أحدها: أن ذلك له. # والثاني: أن ذلك ليس له. # والثالث: أن ذلك ليس له إلا أن يخاف فوات النازلة، وأما إن لم يكن من أهل ~~الاجتهاد ففرضه المشورة والتقليد، فإن اختلف عليه العلماء، قضى بقول ~~أعلمهم، وقيل بقول أكثرهم على ما وقع في المدونة في الحكاية عن الفقهاء ~~السبعة، والأول أصح. وقيل: إن له أن يحكم بقول من شاء منهم، إذا تحرى ~~الصواب بذلك ولم يقصد الهوى، وله أن يكتفي بمشورة واحد من العلماء، فإن فعل ~~ذلك فالاختيار أن يشاور أعلمهم، فإن شاور من دونه في العلم وأخذ بقوله، ~~فذلك جائز إذا كان المشاور أهل النظر والاجتهاد. # PageV02P263 # فصل والاجتهاد بذل الوسع في طلب صواب الحكم، وهذا على مذهب من قال: إن ~~الحق في طرف واحد، وإن المكلف إنما كلف طلب الحق ولم يكلف إدراكه، وهذا ~~مذهب جماعة من أهل العلم؛ وقد استدل جماعة من أصحابنا على أن هذا هو مذهب ~~مالك بقوله: - لما سئل عن اختلاف أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~مخطئ ومصيب، وهذا لا دليل فيه، لاحتمال أن يريد اختلافهم فيما طريقه العلم، ~~مثل ما وقعت بينهم فيه الحروب، أو يكون معنى قوله: إن منهم من أصاب النص، ~~ومنهم من أخطأه باجتهاده فيما طريقه الاجتهاد، والأول أظهر - والله أعلم. # وأما عن مذهب من قال: إن كل مجتهد مصيب، فالاجتهاد عنده بذل الوسع في ~~إدراك صواب الحكم، وإلى هذا ذهب القاضي أبو بكر الباقلاني - رحمه الله -، ~~وحكى أن هذا هو مذهب مالك واستدل على ذلك من مذهبه بأن المهدي أمره أن يجمع ~~مذهبه في كتاب يحمل عليه الناس، فقال له مالك - رحمه الله -: إن ms0757 أصحاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قد تفرقوا في البلاد، وأخذ أهل كل ناحية عمن ~~وصل إليهم، فدع الناس وما هم عليه؛ فلولا أن مالكا - رحمه الله - رأى أن كل ~~مجتهد مصيب، لما رأى أن يقرهم على ما هو الخطأ عنده، وعلى هذا أصحاب ~~الشافعي. # وقد روي عن أبي حنيفة القولان جميعا، وكذلك فقد روي عن أبي الحسن الأشعري ~~- رحمه الله - القولان جميعا، والصحيح عنه أن كل مجتهد مصيب- وهو الحق ~~والصواب؛ لأن المجتهد إذا اجتهد فيما لا نص فيه ولا إجماع، فأداه اجتهاده ~~إلى تحليل أو تحريم، يعلم قطعا أنه متعبد بما أداه اجتهاده إليه، من ذلك ~~مأمور به، ولا يصح أن يأمره الله تعالى بشيء ويتعبده به وهو خطأ عنده، وقد ~~استدل بعض من ذهب إلى أن الحق في واحد باختلاف المجتهدين في طلب سمت القبلة ~~وهذا غلط بين، إذ ليس اختلاف المجتهدين في الأحكام كاختلاف المجتهدين في ~~طلب سمت القبلة؛ لأن الكعبة في موضع واحد، فمن وافق جهتها باجتهاده فهو ~~مصيب، ومن لم يوافق جهتها فهو مخطئ، لاستحالة كون الكعبة في موضعين، وليس ~~كذلك ما عاد إلى # PageV02P264 # مسألتنا؛ لأن المجتهدين إذا اختلفا في اجتهادهما فأدى أحدهما اجتهاده إلى ~~تحليل، والثاني إلى تحريم، فكل واحد منهما متعبد في نفسه بما أداه إليه ~~اجتهاده، وليس في ذلك وجه من وجوه الاستحالة؛ لجواز ورود النص من عند الله ~~تعالى به. فإذا جاز ورود النص به من عند الله لامتناع الاستحالة، وقام ~~الدليل على أنه لا يجوز أن يأمر الله أحدا بشيء ويتعبده به- وهو خطأ عنده، ~~وجب القول بتصويب المجتهدين وإن كان من أخطأ سمت القبلة باجتهاده فصلى إلى ~~تلك الناحية مخطئ الكعبة فهو مصيب عند الله- وإن وقعت صلاته إلى غير ~~القبلة؛ لأن غرضه إنما هو الاجتهاد في طلب السمت لا إدراكه؛ فالمختلفون ~~باجتهادهم في طلب سمت القبلة مصيبون عند الله على هذا المعنى، وهذه جملة ~~كافية لمن بصره الله وأفهمه في بيان صحة القول بتصويب المجتهدين، وهي من ~~المسائل القطعيات. ms0758 # فصل فإذا صح القول بتصويب المجتهدين واستحال أن الحق في واحد بقيام ~~الأدلة على ذلك، وجب أن يتأول قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا ~~اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر» على ما لا ينافي الدليل، فيقول ليس معنى قول ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث: أخطأ أي أخطأ الحق عند ~~الله؛ لأن الحق عنده في جهة ما تعبده به أو إنما معناه أخطأ النص إن كان قد ~~ورد في ذلك نص لم يعلم به، أو أخطأ في الحكم بالمال لمن لم يجب له في باطن ~~الأمر، وذلك ممكن مع الحكم بالنص لا بالاجتهاد، وذلك مثل أن يكون لرجل على ~~رجل حق بشهادة شاهدين عدلين فيهبه له أو يقبضه منه- ولم يعلم الشهود بذلك، ~~ثم يقوم عليه بحقه أو على ورثته بشهادة شهيديه، فإن الحاكم يحكم له ~~بشهادتهما ويعديه بحقه، فيكون مصيبا في الحكم عند الله بحكمه بنص الكتاب ~~مخطئا في دفع المال إلى من لم يجب له فيه حق في باطن الأمر، وإذا احتمل ~~الحديث هذه الوجوه، بطل الاحتجاج به في أن الحق واحد، وكذلك سائر ما يحتجون ~~به ينفصل عنه بوجوه كثيرة من الانفصالات، وليس هذا موضع ذكرها. # PageV02P265 # فصل وحكم الحاكم لا يحل حراما ولا يحرم حلالا على من علمه في باطن الأمر؛ ~~لأن الحاكم إنما يحكم بما ظهر- وهو الذي تعبد به ولا ينقل الباطن عند من ~~علمه عما هو عليه من تحليل أو تحريم، قال الله عز وجل: {ولا تأكلوا أموالكم ~~بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم ~~وأنتم تعلمون} [البقرة: 188] . وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، ~~فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه، فلا يأخذ منه ~~شيئا، فإنما أقطع له قطعة من النار» . وهذا إجماع من أهل العلم في الأموال، ~~واختلفوا في حل عصمة النكاح أو عقدها ms0759 بظاهر ما يقضي به الحكم وهو خلاف ~~الباطن، فذهب مالك - رحمه الله - والشافعي وجمهور أهل العلم إلى أن الأموال ~~والفروج في ذلك سواء، لأنها حقوق كلها تدخل تحت عموم قول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئا فإنما أقطع ~~له قطعة من النار» . # فلا يحل منها القضاء الظاهر ما هو حرام في الباطن. وقال أبو يوسف وأبو ~~حنيفة وكثير من أصحابه: إنما ذلك في الأموال خاصة؛ فلو أن رجلين تعمدا ~~لشهادة بالزور على رجل أنه طلق امرأته فقبل القاضي شهادتهما لظاهر عدالتهما ~~عنده- وهما قد تعمدا الكذب أو غلطا ففرق بشهادتهما بين الرجل والمرأة، ثم ~~اعتدت المرأة، أنه جائز لأحد الشاهدين أن يتزوجها وهو عالم بأنه كاذب في ~~شهادته؛ لأنها لما حلت للأزواج بالحكم في الظاهر، كان الشاهد وغيره سواء؛ ~~لأن قضاء القاضي وحكمه فرق بينها وبين زوجها وقطع العصمة بينهما؛ ولولا ذلك ~~ما حلت لزوج غيره؛ واحتجوا بحكم اللعان وقالوا: معلوم أن الزوجة إنما وصلت ~~إلى فراق زوجها باللعان الكاذب الذي لو علم الحاكم كذبها فيه، ما فرق بينها ~~وبين زوجها، ولحكم فيه بغير ذلك من وجوب # PageV02P266 # الحد عليها أو الرجم. قالوا: فلم يدخل هذا في معنى قول النبي - عليه ~~السلام -: «من قضيت له بشيء من حق أخيه، فلا يأخذ منه شيئا» . قالوا: ألا ~~ترى أن من شهد عليه بالنكاح أو بالطلاق وقضى القاضي عليه بذلك، لم يكن له ~~الامتناع منه وجاز الحكم بشهادة الشهود عليه. ولزمه التسليم له كانت فرقته ~~في الظاهر فرقة عامة، فلما كان ذلك دخل فيه الشاهد وغيره، ولهم في ذلك ~~احتجاجات كثيرة لا تصح، والصحيح ما ذهب إليه مالك والشافعي رحمهما الله ومن ~~قال بقولهما. # فصل ويستحب للقاضي الجلوس للحكم في رحاب المسجد الخارجة عنه من غير تضييق ~~عليه في جلوسه في غيرها، ليصل إليه اليهودي والنصراني والضعيف وهو أقرب ~~للتواضع، ولا ينبغي له أن يجلس الفقهاء معه في مجلس قضائه، ولكن يتخذهم ~~مستشارين إذا ارتفع ms0760 عن مجلس قضائه؛ وهكذا كان عمر بن الخطاب يفعل بأصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. هذا قول ابن حبيب في الواضحة. # واستحب أشهب ألا يقضي إلا بحضرة أهل العلم؛ لكي إن أخطأ في حكمه رد مكانه ~~قبل أن يفوت القضاء به، فلا يقدر على رده إلا أن يخاف الحصر من جلوسهم ~~عنده، أو يشتغل قلبه بهم وبالحذر منهم، وهو اختيار ابن المواز؛ ولا ينبغي ~~للقاضي أن يقضي بين الخصمين- وبه من الضجر أو الغضب أو الجوع أو الهم ما ~~يخاف على فهمه منه الإبطاء والتقصير، وما كان من ذلك كله خفيفا لا يضر به ~~في فهمه، فلا بأس أن يقضي وذلك به. # فصل ويلزم القاضي تحري العدل بين الخصمين عنده فيكون مجلسهما منه واحدا ~~ونظره إليهما سواء، وقد تكلم الناس في آداب القضاة وما يلزمهم أن يلتزموه ~~في أنفسهم وأعوانهم، وبسطوا ذلك في كتبهم، فأغنانا ذلك عن ذكره، وكتاب عمر ~~بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري أصل في الأحكام فيجب تحفظه والوقوف عليه، ~~وهو: " بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى # PageV02P267 # عبد الله بن قيس؛ سلام عليك، أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة، ~~فافهم إذا أدلي إليك، وانفذ إذا قضيت، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، ~~آس بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف ~~من عدلك، البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين ~~المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا؛ لا يمنعك قضاء قضيته اليوم ~~فراجعت فيه عقلك وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم، ومراجعة ~~الحق خير من التمادي في الباطل، الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في ~~كتاب ولا سنة، ثم اعرف الأشباه والأمثال فقس الأمور عند ذلك، واعمد إلى ~~أقربها إلى الله وأشبهها بالحق، واجعل لمن ادعى حقا غائبا أو بينة- أمرا ~~ينتهي إليه، فإن أحضر بينة، أخذت له بحقه، وإلا استحللت ms0761 عليه القضية؛ فإنه ~~أنفى للشك وأجلى للعمى؛ المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا في حد، أو ~~مجربا عليه شهادة زور، أو ظنينا في ولاء أو نسب، فإن الله تولى منكم ~~السرائر ودرأ بالبينات والأيمان، وإياك والقلق والضجر والتأذي بالخصوم، ~~والتنكر عند الخصومات، فإن الحق في مواطن الحق يعظم الله به الأجر ويحسن ~~عليه الذخر، فمن صحت نيته وأقبل على نفسه، كفاه الله ما بينه وبين الناس، ~~ومن تخلق للناس بما يعلم الله أنه ليس من نفسه، شانه الله، فما ظنك بثواب ~~الله في عاجل رزقه، وخزائن رحمته- والسلام ". # PageV02P268 ### | كتاب الشهادات # قال الله عز وجل: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} [البقرة: 143]- أي خيارا ~~عدولا {لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} [البقرة: 143] . # فصل وهذه الشهادة تكون في الدنيا ويوم القيامة في الأخرى- على ما أتت به ~~الآثار عن النبي - عليه السلام -، فأما كونها في الدنيا، فبيانه: ما روي ~~«أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - مر عليه بجنازة فقيل لها: خير وتتابعت ~~الألسن بالخير، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: وجبت؛ ومر عليه ~~بجنازة فقيل لها: شر وتتابعت الألسن بالشر؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: وجبت، أنتم شهداء الله في الأرض» ، زاد في حديث آخر: «فمن أثنيتم ~~عليه خيرا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له النار» ، وما روي ~~عنه أيضا أنه قال: «إذا أردتم أن تعلموا ما للعبد عند ربه، فانظروا ماذا ~~يتبعه # PageV02P269 # من حسن الثناء» . وأما كونها يوم القيامة، فبيانه: ما روي في الحديث أن ~~النبي - عليه السلام - قال: «يدعى بنوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت ما ~~أرسلت به؟ فيقول: نعم، فيقال لقومه: هل بلغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من بشير ~~ولا نذير، فيقال له: من يعلم ذلك؟ فيقول: محمد وأمته، فيأتون فيشهدون له ~~بالتبليغ» . # ويروى أن الله تعالى إذا جمع عباده يوم القيامة، كان أول من يدعى ~~إسرافيل، فيقول له ربه: ما فعلت في عهدي هل بلغت عهدي؟ فيقول: نعم يا رب قد ~~بلغته جبريل؛ ms0762 فيدعى جبريل فيقال له: هل بلغك إسرافيل عهدي؟ فيقول: نعم قد ~~بلغني، فيخلى عن إسرافيل، ويقال لجبريل: هل بلغت عهدي؟ فيقول: نعم قد بلغت ~~الرسل، فيدعى الرسل فيقال لهم: هل بلغكم جبريل عهدي؟ فيقولون: نعم ربنا؛ ~~فيخلى عن جبريل، ثم يقال للرسل ما فعلتم بعهدي؟ فيقولون: بلغنا أممنا؛ ~~فتدعى الأمم فيقال لهم: هل بلغكم الرسل عهدي؟ فمنهم المكذب ومنهم المصدق؛ ~~فيقول الرسل: إن لنا عليهم شهودا يشهدون أن قد بلغنا مع شهادتك؛ فيقول: من ~~يشهد لكم؟ فيقولون: أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - فتدعى أمة محمد، فيقال ~~لها: أتشهدون أن رسلي هؤلاء قد بلغوا عهدي إلى من أرسلوا إليه؟ فيقولون: ~~نعم- ربنا- شهدنا أن قد بلغوا، فتقول تلك الأمم: - ربنا- كيف يشهد علينا من ~~لم يدركنا؛ فيقول لهم الرب: كيف تشهدون على من لم تدركوا؟ فيقولون: ربنا ~~بعثت إلينا رسولا وأنزلت إلينا عهدك وكتابك فقصصت علينا أنهم قد بلغوا، ~~فشهدنا بما عهدت إلينا، # PageV02P270 # فيقول الرب: نعم صدقوا " فذلك قوله: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا ~~شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} [البقرة: 143] . # فصل وهذه شهادة صحيحة، لأنهم شهدوا بما علموا بأخبار من علموا صدقه ~~بالأدلة الظاهرة والبراهين القاطعة، ومن هذا المعنى شهادة خزيمة بن ثابت ~~للنبي- عليه السلام - على الأعرابي أنه اشترى منه الفرس ولم يحضر ولا شهد. # فصل وكذلك كل من علم شيئا بوجه من الوجوه التي يقع بها العلم، وجب عليه ~~الشهادة به إذا دعي إليها؛ والعلم يدرك بأربعة أشياء فلا يصح لشاهد شهادة ~~بشيء حتى يقع له العلم ويحصل عنده بأحدها، إذ لا تصح الشهادة إلا بما يعلم ~~ويقطع على معرفته، لا بما يشك فيه، ولا بما يغلب على الظن معرفته. قال الله ~~عز وجل: {وما شهدنا إلا بما علمنا} [يوسف: 81] . # فصل فأحد الوجوه التي يدرك بها العلم العقل بانفراده، فإنه يدرك به بعض ~~العلوم الضرورية، مثل أن الاثنين أكثر من الواحد، وأن السماء فوقه والأرض ~~تحته؛ ويعلم به حال نفسه من صحته وسقمه، وإيمانه وكفره؛ وتصح بذلك شهادته ~~على نفسه، ms0763 وما أشبه ذلك. # والثاني العقل مع الحواس الخمس: حاسة السمع، وحاسة البصر، وحاسة # PageV02P271 # الشم، وحاسة الذوق، وحاسة اللمس؛ فيدرك بالعقل مع حاسة السمع الكلام ~~وجميع الأصوات المسموعات؛ ويدرك بالعقل- مع حاسة البصر جميع الأجسام ~~والأعراض والأشخاص المبصرات، ويدرك بالعقل مع حاسة الشم جميع الروائح ~~المشمومات، ويدرك بالعقل مع حاسة الذوق جميع الطعوم المذوقات، ويدرك بالعقل ~~مع حاسة اللمس جميع الملموسات- على اختلافها في اللين والخشونة، وما أشبه ~~ذلك. # والثالث: الأخبار المتواترة، فإنه يعلم بها أخبار البلدان النائية، ~~والقرون الماضية، وظهور النبي، ودعائه إلى الإسلام، وما أشبه ذلك. # فصل فالعلوم المدركة من هذه الوجوه الثلاثة: علم ضرورة يلزم النفس لزوما ~~لا يمكنها الانفصال منه ولا الشك فيه. # والوجه الرابع: الذي يدرك به العلم هو النظر والاستدلال، والنظر ~~والاستدلال مبني على علم الضرورة، أو على ما بني على علم الضرورة، أو على ~~ما بني على ما بني على علم الضرورة- هكذا أبدا إلى ما أمكن ضبطه، وصح ~~وجوده؛ مثال ذلك أن الإنسان عالم بوجود نفسه- ضرورة فهذا أصل تبنى عليه ~~العلوم الضروريات، فإذا علمت نفسي ضرورة، نظرت هل أنا محدث أو قديم؛ فلا ~~يصح أن أنظر هذا النظر قبل علمي بوجود نفسي، فإذا نظرت، علمت أني محدث ~~بالنظر الصحيح، فالعلم بحدثي علم نظري، مبني على العلم بوجود نفسي الذي هو ~~ضرورة؛ ثم لما علمت أني محدث، نظرت هل لي محدث أو ليس لي محدث؛ فعلمت ~~بالنظر الصحيح أنه لا بد لي من محدث، فهذا أيضا علم نظري مبني على علم ~~نظري، مبني على علم ضروري؛ ثم أنظر بعد ذلك أيضا في محدثي: هل # PageV02P272 # هو قديم أو محدث؟ فأعلم بالنظر الصحيح أنه قديم؛ فالعلم بأن محدثي قديم ~~علم نظري مبني على العلم بأن لي محدثا الذي هو علم نظري، وهو مبني على ~~العلم بحدثي، الذي هو أيضا علم نظري، وهو مبني على العلم بوجودي وهو ضرورة. # فصل فالعلم النظري يقع العلم به عقيب النظر، ويستوي مع الضروري في أنه ~~معرفة المعلوم على ما هو به، فالشهادة بما ms0764 علم من جهة النظر والاستدلال ~~جائزة، كما تجوز بما علم من جهة الضرورة، وذلك مثل ما روي أن خزيمة بن ثابت ~~شهد للنبي - عليه السلام - أنه اشترى الفرس من الأعرابي ولم يحضر ولا شهد؛ ~~ومثل ما روي أن أبا هريرة شهد أن رجلا قاء خمرا، فقال له عمر: أتشهد أنه ~~شربها؟ فقال: أشهد أنه قاءها، فقال له عمر بن الخطاب: ما هذا التعمق؟ فلا ~~وربك ما قاءها حتى شربها؛ ومن ذلك: شهادة الحكماء في قدم العيوب وحدوثها، ~~وشهادة أهل المعرفة في قدم الضرر وحدوثه؛ ومن هذا المعنى شهادة أمة محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - يوم القيامة للنبيين على أممهم بالبلاغ، وهذا بين من ~~أن يحتاج إلى تبيانه؛ لأن كل مؤمن فإنما يشهد أن الله وحده لا شريك له وأنه ~~حي، عالم، قادر، مريد، سميع، بصير، متكلم- إلى غير ذلك من الصفات التي هو ~~عليها- لعلمه بذلك، ولا طريق له إلى العلم بشيء من ذلك إلا من جهة النظر ~~والاستدلال. # فصل وكذلك الشهادة أيضا بما علم من جهة الأخبار المتواترة جائزة كالولاء ~~والنسب والموت، وولاية القاضي وعزله، وضرر الزوجين، وما أشبه ذلك؛ يصح # PageV02P273 # للرجل إذا وقع له العلم بهذه الأمور وما أشبهها من جهة الخبر أن يشهد ~~بذلك ويقطع عليه وتبت الشهادة عليه. # فصل فالله تبارك وتعالى شاهد على خلقه، قال الله عز وجل: {والله شهيد على ~~ما تعملون} [آل عمران: 98] . والنبي - صلى الله عليه وسلم - شاهد على أمته، ~~وأمته شاهدة على جميع الأمم - يوم القيامة، وشاهدة لله بما شهد به لنفسه، ~~وبما شهدت له به ملائكته وأولو العلم؛ وبعضها شاهد لبعض فيما يدور بينهم في ~~الدنيا من المعاملات والهبات، والجنايات وسائر ما يقع بينهم من الأمور ~~الدائرات. # قال الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ~~ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى ~~بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما ~~تعملون خبيرا} [النساء: 135] ، وقال تبارك ms0765 وتعالى: {وأقيموا الشهادة لله} ~~[الطلاق: 2] . وقال: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل ~~وامرأتان ممن ترضون من الشهداء} [البقرة: 282] . وقال: {وأشهدوا ذوي عدل ~~منكم} [الطلاق: 2] . وقال: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم ~~الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في ~~الأرض} [المائدة: 106]- الآية وقال: {وأشهدوا إذا تبايعتم} [البقرة: 282] . # PageV02P274 # وقال: {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم} ~~[النساء: 15] ، وقال: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ~~فاجلدوهم ثمانين جلدة} [النور: 4] . وقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: ~~«لا نكاح إلا بولي وصداق وشاهدي عدل» . وقال: «لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين ~~ولا جار إلى نفسه» . وقال: «خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها، ~~أو بخبر شهادته قبل أن يسألها» . وقال- صلى الله عليه وسلم -: «البينة على ~~من ادعى واليمين على من أنكر» . وقال للذي خاصم إليه: «شاهداك أو يمينه» . # فصل فاقتضت هذه الآيات الواردة في القرآن وما أوردناه من السنن والآثار ~~خمسة فصول: أحدها: الإشهاد على الحقوق على اختلافها من البيع والنكاح ~~والرجعة وما أشبه ذلك مما لا يتعلق به حق لسوى الشهداء، مما يتعلق فيه حق ~~لسواهم على ما سنبينه إن شاء الله. # والثاني: القيام بالشهادة. # والثالث: صفة الشهود الذين يجب قبول شهادتهم. # والرابع: مراتب الشهود في الشهادات. # والخامس: مراتب الشهادات. # PageV02P275 # فصل فأما الفصل الأول- وهو الإشهاد على الحقوق على تفاصيلها- فإن منها ~~البيع وقد أمر الله تبارك وتعالى بالإشهاد عليه فقال: {وأشهدوا إذا ~~تبايعتم} [البقرة: 282] واختلف أهل العلم في وجوبه، فالذي عليه مالك - رحمه ~~الله - وجمهور أهل العلم أن الإشهاد على البيع مندوب إليه وليس بواجب؛ وذهب ~~أهل الظاهر إلى أنه واجب، وأصل اختلافهم في هذا، اختلافهم في الأمر الوارد ~~إذا ورد عاريا من القرائن: هل يحمل على الوجوب أو على الندب أو على الإباحة ~~إذ لا اختلاف بين أحد من أهل العلم أن الأمر قد يرد والمراد به الوجوب، مثل ~~قوله تعالى: {آمنوا بالله ورسوله} [النساء: ms0766 136] ، {وأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة} [البقرة: 43] وما أشبه ذلك. وقد يرد والمراد به الندب، مثل قوله ~~تعالى: {وافعلوا الخير لعلكم تفلحون} [الحج: 77] . ومثل قوله: {وإذا حضر ~~القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا ~~معروفا} [النساء: 8] . # وقد يرد والمراد به الإباحة مثل قوله تعالى: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا ~~في الأرض} [الجمعة: 10] ، و {وإذا حللتم فاصطادوا} [المائدة: 2] . فإذا ورد ~~الأمر عاريا من القرائن التي تدل على الوجوب أو الندب أو الإباحة، فمن أهل ~~العلم من قال إنها تحمل على الإباحة، ومنهم من قال إنها تحمل على الندب، ~~ومنهم من قال تحمل على الوجوب، ومنهم من قال: يتوقف فيه ولا يحمل على ندب ~~ولا وجوب؛ حتى يدل الدليل على المراد به، ولكل واحد منهم على مذهبه حجاج ~~يطول ذكرها، وليس هذا موضع إيرادها، وذهب مالك - رحمه الله - إلى أنه # PageV02P276 # محمول على الوجوب- إذا دل النظر على تعريته من القرائن التي تخرجه عن ~~الوجوب، والذي يدل على ذلك من مذهبه أنه احتج لوجوب إتمام ما دخل الرجل فيه ~~من القرب بظواهر الأوامر من قوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} [محمد: 33] . ~~وقوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} [البقرة: 196] . # فصل فإذا كان مذهبه أن الأمر محمول على الوجوب إذا تعرى من القرائن، ~~فإنما قال: إن أمر الله تعالى بالإشهاد على البيع ندب وليس بواجب، للأدلة ~~الظاهرة على ذلك، منها قوله تعالى: {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا ~~فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته} [البقرة: 283] ~~فلما جاز أن يترك الرهن الذي هو بدل الشهادة ويؤتمن صاحبه، جاز ترك ~~الإشهاد، إذ يفرق المخالف بين ترك الإشهاد والرهن الذي هو بدله، بل يقول ~~بوجوب كل واحد منهما، ومنها قوله: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} ~~[المائدة: 1] ، والبيع عقد من العقود، فأمر الله تعالى بالوفاء به، دليل ~~على جوازه بغير إشهاد؛ لأن الأمر بالوفاء مع الإشهاد لا معنى له؛ لأنه إن ~~جحد لزمه الحق بالشهود، ومن طريق السنة «أن النبي - عليه السلام - ابتاع من ~~أعرابي ms0767 فرسه ولم يشهد، فلما نازعه الأعرابي وأنكر البيع قال النبي - عليه ~~السلام -: من يشهد لي؛ فقال خزيمة بن ثابت أنا أشهد لك، قال وبم تشهد؟ قال: ~~أصدقك في أخبار الآخرة ولا أصدقك في أخبار الدنيا؛ فقضى - صلى الله عليه ~~وسلم - لنفسه بشهادته فسمي ذا الشهادتين» ومن الدليل أيضا على ذلك: الإجماع ~~على # PageV02P277 # إجازة ترك الإشهاد في القليل التافه، كابتياع البقل وما أشبه ذلك، ~~والأدلة على ذلك كثيرة وفيما ذكرناه كفاية. # فصل فإن قال قائل: فإذا سقط الوجوب فلم لم يكن محمولا على الإباحة وحمل ~~على الندب؟ فالدليل على ذلك أن الله تبارك وتعالى قد أمر بحفظ المال في ~~كتابه وعلى لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فقال تبارك وتعالى: {ولا ~~تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما} [النساء: 5] ونهى النبي- ~~عليه السلام - عن إضاعته، وفي الإشهاد حفظ المال، فهذا دليل على الندب. # فصل وكذلك الدين أمر الله تعالى فيه بالكتاب والإشهاد فقال: {يا أيها ~~الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} [البقرة: 282] ؛ ~~الآية. وذلك مرغب فيه ومندوب إليه وليس بواجب، ومن أهل العلم من قال: إنه ~~واجب. # فصل فإذا قلنا: إنه غير واجب فيهما، فإنه حق لكل من دعا إليه من ~~المتبايعين أو المتداينين على صاحبه يقضى له به عليه إن أباه؛ لأن من حقه ~~ألا يأتمنه، # PageV02P278 # ولذلك وجب على من باع سلعة لغيره الإشهاد على البيع، فإن لم يفعل ضمن؛ ~~لأن رب السلعة لم يرض بائتمانه؛ وكذلك كل ما فيه حق لغائب، الإشهاد فيه ~~واجب. قال الله- عز وجل- في الزانيين {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} ~~[النور: 2] . فأمر بالإشهاد لما يتعلق بذلك من حق غيره، ومن ذلك اللعان لا ~~يكون إلا بمحضر جماعة من الناس، لانقطاع نسب الولد وغير ذلك من الأحكام. # فصل وكذلك الإشهاد على عقد النكاح ليس بواجب على مذهب مالك - رحمه الله - ~~وإنما يجب الإشهاد عند الدخول لنفي التهمة والظنة عن نفسه، ومعنى قول رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا نكاح إلا بولي وصداق وشاهدي ms0768 عدل» . أي لا ~~يكون وطء النكاح إلا باجتماع هذه الأشياء؛ لأن النكاح حقيقة إنما يقع على ~~الوطء، وإنما سمي العقد نكاحا؛ لأن النكاح الذي هو الوطء يكون به؛ فسمي ~~باسم ما قرب منه؛ ولا يصح أن يحمل الحديث على العقد؛ لأنه قد ذكر فيه ~~الصداق وذلك ما لا يفتقر إليه العقد بإجماع؛ لأن القرآن قد جوز نكاح ~~التفويض. # فصل وأما الإشهاد في الرجعة فاختلف فيه في المذهب، حكى ابن القصار في ~~كتابه أن الإشهاد على الرجعة مستحب وليس بواجب، وحكى إسماعيل القاضي عن ~~مالك - رحمه الله - أن الإشهاد على الرجعة واجب؛ لرفع الدعاوى وتحصين ~~الفروج والأنساب، وحكى عبد الحق عن بعض شيوخه القرويين أن الإشهاد على ~~الرجعة واجب بخلاف الطلاق والبيع، وذكر الفرق في ذلك بين الرجعة والبيع أن ~~الله قد قال في البيع: {فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته} ~~[البقرة: 283] فدل # PageV02P279 # ذلك على أن الإشهاد في البيع غير واجب، وسكت عن الفرق بين الرجعة والطلاق ~~- ولا فرق بينهما؛ لأن الله- تعالى- قال: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق: ~~2] في أول سورة الطلاق عقيب ذكره الطلاق والإمساك بالرجعة والمفارقة ~~بانقضاء العدة، فوجب أن يرجع ذلك إلى الجميع رجوعا واحدا؛ إما وجوبا وإما ~~ندبا، وقد قال ابن بكير: معنى ذلك أن يشهد ذوي عدل على مراجعتها إن راجعها، ~~وعند انقضاء عدتها إن لم يراجعها- أنه قد طلقها، وأن عدتها قد انقضت- خوفا ~~من أن يموت فتدعي أنها زوجة لم تطلق، أو تموت هي فيدعي الزوج مثل ذلك، قال: ~~وينبغي إن طلق طلاقا بائنا أن يشهد حين الطلاق أنها قد بانت منه خشية ما ~~ذكرنا؛ لأن معنى البائن هي التي قد انقضت عدتها، فيلزم على قياس قوله أن ~~يلزم الإشهاد في الطلاق الرجعي حين الطلاق مخافة الموت، فتدعي الميراث ~~وتزعم أن عدتها لم تنقض. # فصل فإذا قلنا إنه واجب فمعنى ذلك أنه يكون بتركه آثما لتضييع الفروج وما ~~يتعلق بذلك من غير أن يكون ذلك شرطا في صحة الطلاق والرجعة. # فصل وأما الفصل الثاني- وهو القيام ms0769 بالشهادة - فإن الله تبارك وتعالى أمر ~~به فقال: {وأقيموا الشهادة لله} [الطلاق: 2] وقال: {كونوا قوامين بالقسط ~~شهداء لله} [النساء: 135] وقال: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: ~~282] وذلك ينقسم على وجهين: # PageV02P280 # أحدهما: أن يدعى ليشهد على الشهادة ويستحفظ إياها. # والثاني: أن يدعى ليشهد بما علمه- استحفظه إياه أو لم يستحفظه. # فصل فأما الوجه الأول وهو أن يدعى ليشهد ويستحفظ الشهادة فإن ذلك واجب ~~وفرض على الجملة، يحمله بعض الناس عن بعض كالجهاد والصلاة على الجنائز وما ~~أشبه ذلك، فإذا كان الرجل في موضع ليس فيه من يحمل ذلك عنه تعين عليه الفرض ~~في خاصته، والدليل على ذلك؛ أن الله تبارك وتعالى أمر بالقيام بالشهادة ~~فقال: {وأقيموا الشهادة لله} [الطلاق: 2] ، فإذا قيم بها فقد امتثل الأمر ~~وسقط الفرض، إذ لا معنى لقيام من قام بها بعد ذلك. # وأما الوجه الثاني- وهو أن يدعى ليشهد بما علمه واستحفظ إياه فإن ذلك ~~واجب عليه؛ لقول الله تعالى: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: 282] ~~. وقوله: {ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} [البقرة: 283] ~~وقوله: {وأقيموا الشهادة لله} [الطلاق: 2] . # فصل فمن كانت عنده شهادة فلا يحل له أن يكتمها ويلزمه إذا دعي إليها أن ~~يقوم بها، وأما إن لم يدع إلى القيام بها، فقد قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها أو يخبر ~~بشهادته قبل أن يسألها» . وهذا ينقسم # PageV02P281 # على وجهين: # أحدهما: أن يكون حقا لله تعالى. # والثاني: أن يكون حقا لآدمي، فأما إن كان حقا لله عز وجل، فإنه ينقسم على ~~قسمين: # قسم لا يستدام فيه التحريم، وقسم يستدام فيه التحريم؛ فأما ما لا يستدام ~~فيه التحريم- كالزنا وشرب الخمر وما أشبه ذلك، فلا يضر الشاهد ترك إخباره ~~بالشهادة؛ لأن ذلك ستر ستره عليه؛ والأصل في ذلك قول رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: لهزال: «يا هزال هلا سترته بردائك» . وإن علم الإمام بذلك، ~~فقد قال ابن القاسم في المجموعة: يكتمونه الشهادة ولا يشهدوا في ذلك إلا ms0770 في ~~تجريح إن شهد على أحدث وأما ما يستدام فيه التحريم كالعتق والطلاق والأحباس ~~والمساجد والقناطير، وما أشبه ذلك، فيلزمه أن يخبر بشهادته ويقوم بها غيره، ~~فإن لم يخبر بشهادته سقطت شهادته؛ لأن سكوته على ذلك جرحة فيه؛ فإن هو قام ~~بالشهادة، فاختلف هل تقبل شهادته؟ ذهب ابن القاسم إلى أنه لا تجوز شهادته ~~إذا كان هو القائم بها. # وذهب مطرف وابن الماجشون وأصبغ إلى أن شهادتهم جائزة- وإن كانوا هم ~~القائمين بها؛ فإن قام غيره بالشهادة، سقط عنه الفرض وكان قيامه بذلك ~~استحبابا؛ لأن فيه عونا على إقامة الحق؛ وإن لم يقم بالشهادة سواه، تعين ~~عليه القيام بها؛ وأما الضرب الآخر: وهو أن يكون حقا لآدمي، فيلزمه أن يخبر ~~بشهادته صاحب الحق، فإن لم يفعل فروى عيسى عن ابن القاسم أن شهادته تبطل. # وذهب سحنون إلى أنها لا تبطل، وقد وقع في المبسوطة لأشهب ما ظاهره أن ~~شهادته لا تبطل بالسكوت وترك الإخبار في حقوق العباد ولا في حق الله تعالى- ~~وهو بعيد، ومن أهل العلم من ذهب إلى أنه واجب على كل من دعي إلى شهادة أن ~~يجيب # PageV02P282 # سواء دعي إلى أن يستحفظ الشهادة أو يؤدي ما حفظ، لقول الله عز وجل: {ولا ~~يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: 282] وليس ذلك بصحيح؛ لأن الشاهد لا يصح ~~أن يسمي هذا إلا بعد أن يكون عند علم بالشهادة؛ وأما قبل أن يعلم فليس ~~بشاهد، ولا يدخل تحت قوله تعالى: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: ~~282]- وهذا بين- والحمد لله. ### || فصل في صفة الشاهد الذي تقبل شهادته # اعلم أن للشاهد في شهادته حالين: حال تحمل الشهادة، وحال أدائها. فأما ~~حال تحملها فليس من شرط الشاهد فيها إلا أن يكون على صفة واحدة وهي الضبط ~~والميز- صغيرا كان أو كبيرا، حرا كان أو عبدا، مسلما كان أو كافرا عدلا كان ~~أو فاسقا. # وأما حال أدائها، فمن شرط جواز شهادة الشاهد فيها أن تجتمع فيه خمسة ~~أوصاف: متى عري عن واحد منها لم تجز شهادته، وهي: ms0771 البلوغ، والعقل، والحرية، ~~والإسلام، والعدالة. # فصل وإنما شرطنا في ذلك البلوغ؛ لأن الشاهد مأمور بأداء الشهادة والقيام ~~بها، منهي عن كتمانها؛ والأمر والنهي لا يتوجه إلا على المكلفين، ومن لم ~~يبلغ فليس بمكلف ومن جهة المعنى أن الشاهد يجب أن يكون ممن يخاف ويتحرج من ~~الإثم فيشهد بالحق ويتوقى الباطل؛ والصغير لا يلحقه إثم ولا يتوقى عقوبة؛ ~~لأن القلم مرتفع عنه، فوجب ألا تجاز شهادته، وهذا ما لا اختلاف فيه إلا ما ~~أجيز من # PageV02P283 # شهادة الصبيان في الجراح والقتل - على اختلاف بينهم في ذلك ما لم ~~يتفرقوا، أو لم يغيبوا على ما نذكر في موضعه- إن شاء الله. # فصل وإنما شرطنا في ذلك العقل؛ لأن عدمه معنى ينافي التكليف كالصغير، ~~وإنما شرطنا في ذلك الحرية، خلافا لمن أجاز شهادة العبد لغير سيده؛ لأن ~~ظاهر قول الله عز وجل: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282] . ~~وقوله: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2] . يدل ألا مدخل في ذلك للعبيد ~~لأن مثل هذا اللفظ إنما يختص بالأحرار، ولا يدخل تحته العبيد إلا بدليل؛ ~~ألا ترى أن الله تبارك وتعالى قال: {وأنكحوا الأيامى منكم} [النور: 32] ، ~~فلم يدخل في ذلك العبيد؛ إذ لو دخلوا فهب ذلك لكان قوله: {والصالحين من ~~عبادكم وإمائكم} [النور: 32] ، لا فائدة فيه. # ومن الدليل أيضا على أن العبيد لا مدخل لهم في الشهادة: أن الله تبارك ~~وتعالى يقول: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على ~~أنفسكم} [النساء: 135] ، والعبد لا يجوز إقراره على نفسه، فلما لم تجز ~~شهادته على نفسه لم تجز على غيره، وقال تبارك وتعالى: {ولا يأب الشهداء إذا ~~ما دعوا} [البقرة: 282] ، والعبد ملكه بيد سيده لا يجوز له أن يشهد إلا ~~بإذن سيده؛ فخرج ممن خوطب بالشهادة؛ ألا ترى أن العبد لما لم يجز أن يغزو ~~إلا بإذن سيده، لم يكن مخاطبا بالجهاد، ولم يكن له في الفيء نصيب؛ ولأن ~~الرق نقص يمنع الميراث، فنافى الشهادة كالكفر. # فصل وإنما شرطنا في ذلك الإسلام؛ خلافا لمن أجاز شهادة الكافر ms0772 في الوصية # PageV02P284 # في السفر- تعلقا بقول الله عز وجل: {أو آخران من غيركم} [المائدة: 106] ؛ ~~لأن الله قال: {ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2] وقال: {ممن ترضون من الشهداء} ~~[البقرة: 282] ، والإسلام شرط في صحة العدالة والرضا، وإنما شرطنا في ذلك ~~العدالة لقول الله عز وجل: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2] . وقوله: ~~{ممن ترضون من الشهداء} [البقرة: 282] . وقد اختلف في حد العدالة والرضا ~~الذي تجوز به شهادة الشاهد اختلافا كثيرا، وأحسن ما قيل في ذلك- عندي أنه ~~الشاهد الذي يجتنب الكبائر ويتوقى الصغائر- على أنه لا صغيرة على الإطلاق؛ ~~لأن كل ما عصى الله به فهو كبيرة، وإنما يقال لها صغائر بإضافتها إلى ~~الكبائر. # فصل ومن شرط جواز شهادة الشاهد، أيضا: أن يكون من أهل اليقظة والتحرز؛ ~~لأنه إن كان من أهل الغفلة والبله لم يؤمن عليه التميل من أهل التحيل، ~~فيشهد بالباطل، واختلف هل من شرطه أن يكون مالكا لأمر نفسه، فروى أشهب عن ~~مالك أن شهادة المولى عليه جائزة- إن كان عدلا، وهي رواية ابن عبد الحكم ~~أيضا عنه. وقال أشهب: لا تجوز شهادته- وإن كان مثله لو طلب ماله أعطيه، ~~واختار ذلك محمد بن المواز قال؛ "ولا تجوز شهادة البكر في المال حتى تعنس ~~وإن كانت من أهل العدل ". ### || فصل والشاهد ينقسم على ثلاثة أقسام # شاهد معروف بالعدالة. # وشاهد معروف بالجرحة. # وشاهد مجهول الحال لا يعرف بعدالة ولا جرحة. # فأما الشاهد المعروف بالعدالة، فتجوز شهادته ويحكم للطالب بها بعد # PageV02P285 # الإعذار إلى المطلوب فيها؛ وأما الشاهد المعروف بالجرحة فلا تجوز شهادته ~~إلا أن تثبت توبته من الجرحة التي علم بها، وسواء علم القاضي بجرحته أو ثبت ~~عليه عنده. # وأما الشاهد المجهول الحال، فيتوقف في شهادته حتى يسأل عنها، ولا يحمل ~~على جرحة ولا عدالة، ومن أهل العلم من رأى أنه محمول على العدالة حتى يعلم ~~جرحته على ظاهر قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: المسلمون عدول بعضهم ~~على بعض إلا مجلود في حد أو مجرب عليه شهادة زور - وهو قول الحسن، ومذهب ~~الليث بن سعد، فعلى ms0773 قول هؤلاء لا يحتاج إلى التزكية، وإنما يقول القاضي ~~للمشهود عليه: دونك فجرح إن كان عندك ما تدفع به شهادة من شهد عليك، وأجاز ~~ابن حبيب شهادة المجهول الحال على التوسم فيما يقع بين المسافرين في السفر ~~للضرورة إلى ذلك، قياسا على إجازة شهادة الصبيان فيما بينهم في الجراح. # من أصحابنا المتأخرين من أجاز شهادة المجهول الحال في اليسير جدا من ~~المال، وهذا كله استحسان؛ والقياس ألا تجوز شهادة أحد حتى تعرف عدالته، ~~لقول الله عز وجل: {ممن ترضون من الشهداء} [البقرة: 282] وقد اتفقوا في ~~الحدود، والقصاص على أن الشهادة لا تجوز في ذلك إلا بعد المعرفة بعدالة ~~الشاهد، وهذا يقضي على ما اختلفوا فيه- إن شاء الله. ### || فصل في مراتب الشهود في الشهادات على مذهب مالك # وأما مراتب الشهود في الشهادات، فإنها إحدى عشرة مرتبة: فأولها الشاهد ~~المبرز في العدالة العالم بما تصح به الشهادة، ثم الشاهد المبرز في العدالة ~~غير العالم بما تصح به الشهادة، ثم الشاهد المعروف بالعدالة غير العالم بما ~~تصح به الشهادة، ثم الشاهد المعروف بالعدالة إذا قذف قبل أن يحد، ثم الشاهد ~~الذي يتوسم فيه العدالة، ثم الشاهد الذي لا يتوسم فيه العدالة ولا الجرحة، ~~ثم الشاهد # PageV02P286 # الذي يتوسم فيه الجرحة، ثم الشاهد الذي ثبتت عليه جرحة قديمة أو يعلمها ~~الحاكم فيه، ثم الشاهد المقيم على الجرحة المشهور بها، ثم شاهد الزور. # فصل فأما الشاهد المبرز في العدالة العالم بما تصح به الشهادة، فتجوز ~~شهادته في كل شيء وتزكيته وتجريحه، ولا يسأل عن كيفية علمه بما شهد به من ~~ذلك كله إذا أبهمه، ولا يقبل فيه التجريح إلا بالعداوة، وقد قيل: إن ~~التجريح لا يقبل فيه أصلا لا بعداوة ولا بغيرها، وكذلك الشاهد المبرز في ~~العدالة غير العالم بما تصح به الشهادة إلا أنه يسأل عن كيفية علمه بما شهد ~~به إذا أبهم ذلك، وأما الشاهد المعروف بالعدالة العالم بما تصح به الشهادة، ~~فتجوز شهادته إلا في ستة مواضع على اختلاف في بعضها، وهي: التزكية، ms0774 وشهادته ~~لأخيه ولمولاه، ولصديقه الملاطف، ولشريكه في غير التجارة، وإذا زاد في ~~شهادته أو نقص منها؛ ويقبل فيه التجريح بالعداوة وغيرها، ولا يسأل عن كيفية ~~علمه بما شهد فيه إذا أبهم ذلك. # وكذلك الشاهد المعروف بالعدالة غير العالم بما تصح به الشهادة، إلا أنه ~~يسأل عن كيفية علمه بما شهد به إذا أبهم ذلك؛ وأما الشاهد المعروف بالعدالة ~~إذا قذف قبل أن يحد، فاختلف في إجازة شهادته: لم يجزها ابن الماجشون وأصبغ ~~- وهو مذهب الشافعي، وأجازها ابن القاسم - وهو المشهور في المذهب. # وأما الشاهد الذي تتوسم فيه العدالة، فتجوز شهادته دون تزكية- فيما يقع ~~بين المسافرين في السفر من المعاملات على مذهب ابن حبيب، ولا تجوز فيما سوى ~~ذلك دون تزكية. # وأما الشاهد الذي لا تتوسم فيه العدالة ولا الجرحة فلا تجوز شهادته في ~~موضع من المواضع دون تزكية؛ إلا أن شهادته تكون شبهة في بعض المواضع، وعند ~~بعض العلماء فتوجب اليمين وتوجب القسامة، وتوجب الحميل وتوقيف الشيء المدعى ~~فيه؛ وأما الشاهد الذي تتوسم فيه الجرحة فلا تجوز شهادته دون تزكية، ولا ~~تكون شبهة توجب حكما، وأما الشاهد الذي تثبت عليه جرحة قديمة أو # PageV02P287 # يعلمها الحاكم به فلا تجوز شهادته دون تزكية، ولا تقبل فيه التزكية على ~~الإطلاق، وإنما تقبل ممن علم جرحته إذا شهد على توبته منها ونزوعه عنها؛ ~~والمحدود في القذف بمنزلته على مذهب مالك؛ لأن تزكيته لا تجوز على الإطلاق، ~~وإنما تجوز بمعرفة تزيده في الخير؛ وأما الشاهد القيم على الجرحة المشهور ~~بها، فلا تجوز شهادته، ولا تقبل فيه التزكية- وإن زكى؛ وإنما تصح تزكيته ~~فيما يستقبل إذا تاب؛ وأما شاهد الزور، فلا تجوز شهادته أبدا، وإن تاب ~~وحسنت حاله؛ وروى أبو زيد عن ابن القاسم أن شهادته تجوز إذا تاب وعرفت ~~توبته بتزيد حاله في الصلاح؛ قال: ولا أعلمه إلا قول مالك؛ فقيل: إن ذلك ~~اختلاف من القول، وقيل: معنى رواية أبي زيد إذا أتى تائبا مبتهلا مقرا على ~~نفسه بشهادة الزور- قبل أن يظهر عليه وهو الأظهر - والله ms0775 أعلم. # فصل فإن حدثت الجرحة بالشاهد بعد أداء الشهادة لم تجز شهادته فيما ~~يستقبل، وبطلت في هذه، وقد قيل- وهو قول ابن الماجشون: إنها لا تبطل في هذه ~~إذا كانت الجرحة شيئا ظاهرا كالجراح، والقتل، وما أشبه ذلك؛ وأما التهمة ~~الحادثة بعد أداء الشهادة، فلا تبطل الشهادة كالرجل يتزوج المرأة بعد أن ~~يشهد لها، أو يقع بينه وبين الرجل خصومة بعد أن يشهد عليه. # فصل وأما التهمة الحاصلة في بعض الشهادة، فإنها تبطل جملة الشهادة على ~~المشهور المعلوم في المذهب، مثل أن يشهد رجل أن له ولابنه أو لرجل أجنبي ~~على فلان ألف درهم من معاملة أو سلف أو ما أشبه ذلك؛ وقد وقع في المدونة ~~وغيرها في شهادة الشاهد يشهده أن رجلا أوصى له ولغيره بوصية مال اختلاف # PageV02P288 # كثير، يفتقر تحصيله إلى تفصيل وتقسيم، وذلك أنها مسألة تنقسم على قسمين ~~كل قسم منها لا يخلو من وجهين: أحد القسمين أن يكون الموصي أشهد على وصية ~~مكتوبة قد أوصى فيها للشاهد بوصية، والقسم الثاني: أن يكون أشهد على وصيته ~~لفظا بغير كتاب، فيقول: لفلان كذا، ولفلان كذا، ولفلان كذا، لأحد الشهود؛ ~~فأما القسم الأول: - وهو أن يشهد الموصي على وصية مكتوبة وقد أوصى فيها ~~للشاهد بوصية فلا يخلو أن يكون ما سمى للشاهد فيها يسيرا أو كثيرا، فإن كان ~~يسيرا، ففي ذلك أربعة أقوال: # أحدها: أن شهادة الموصى له لا تجوز لنفسه ولا لغيره؛ لأنه يتهم في اليسير ~~كما يتهم فيه في غير الوصية، وهي رواية ابن وهب عن مالك في المدونة. # والثاني: أن شهادته تجوز لنفسه ولغيره، فإن كان وحده حلف الموصى لهم مع ~~شهادته أن ما شهد به من الوصية حق، وأخذ هو ماله فيها بشهادته مع أيمانهم؛ ~~لأنه في حين التبع لجملة الوصية، وإن كان معه غيره ممن أوصي له أيضا فيها ~~بيسير، ثبتت الوصية بشهادتهما، وأخذ كل واحد منهما ماله فيها بغير يمين؛ ~~وإن كان الشاهد الذي معه ممن لم يوص له فيها بشيء، ثبتت الوصية أيضا ms0776 ~~بشهادتهما، وأخذ هو ماله فيها بغير يمين؛ وهذا هو قول ابن القاسم في ~~المدونة، ورواية مطرف عن مالك في الواضحة. # والثالث: أن شهادته تجوز لغيره ولا تجوز لنفسه، فإن كان وحده حلف الموصى ~~لهم مع شهادته واستحقوا وصاياهم ولم يكن له هو شيء، وإن كان معه غيره ممن ~~أوصى له فيها بشيء يسير أيضا، ثبتت الوصية بشهادتهما لمن سواهما # PageV02P289 # فأخذوا وصاياهم بغير يمين وحلف كل واحد منهما مع شهادة صاحبه فاستحق ~~وصيته؛ وإن كان معه لم يوص له فيها بشيء، ثبتت الوصية بشهادتهما لمن سواه ~~وحلف هو مع شهادة صاحبه فاستحق وصيته، وهو قول ابن الماجشون في الواضحة. # والرابع: أن شهادته تجوز له ولغيره - إن كان معه شاهد غيره فتثبت الوصية ~~بشهادتهما ويأخذ ماله فيها بغير يمين؛ وكذلك صاحبه أيضا إن كان له فيها شيء ~~يأخذ ماله فيها بغير يمين. وتجوز لغيره ولا تجوز لنفسه إن لم يكن معه شاهد ~~غيره فيحلف غيره مع شهادته ويستحق وصيته ولا يكون له هو شيء؛ وهو قول يحيى ~~بن سعيد في المدونة؛ وإن كان الذي أوصى به للشاهد كثيرا، فلا تجوز شهادته ~~له ولا لغيره في المشهور من الأقوال، وتجوز شهادته لغيره ولا تجوز لنفسه ~~على قياس قول أصبغ في نوازله من كتاب الشهادات في العبدين يشهدان بعد ~~عتقهما أن الذي أعتقهما غصبهما من رجل مع مائة دينار، أن شهادتهما تجوز في ~~المائة، ولا تجوز في غصب رقابهما؛ لأنهما يتهمان أن يريدا إرقاق أنفسهما؛ ~~ولا يجوز لحر أن يرق نفسه؛ إذ يقوم من قوله في هذه المسألة أن الشهادة إذا ~~رد بعضها للتهمة، جاز منها ما لا تهمة فيه- وهو خلاف المشهور المعلوم. # وأما القسم الثاني: وهو أن يشهد الموصي على وصيته لفظا بغير كتاب فيقول: ~~لفلان كذا، ولفلان كذا، ولفلان كذا - لأحد الشهود، فلا يخلو أيضا من أن ~~يكون الذي أوصى به لأحد الشهود كثيرا أو يسيرا، فإن كان يسيرا، فلا تجوز ~~شهادته لنفسه باتفاق، وتجوز لغيره؛ فإن كان وحده حلف الموصى لهم ms0777 مع شهادته ~~واستحقوا وصاياهم؛ وإن كان معه غيره ممن شهد لنفسه بيسير أيضا، حلف كل واحد ~~منهما مع شهادة صاحبه واستحق وصيته وأخذ من سواهما وصاياهم بشهادتهما دون ~~يمين، وإن كان معه غيره ممن لم يشهد لنفسه بشيء حلف هو # PageV02P290 # معه واستحق وصيته وأخذ من سواه وصيته بشهادتهما دون يمين، وقد يقال: إنه ~~لا تجوز شهادته لنفسه ولا لغيره - بتأويل ضعيف، وإن كان الذي شهد به لنفسه ~~كثيرا، فلا تجوز شهادته لنفسه باتفاق، وتجوز لغيره على قول مطرف وابن ~~الماجشون، ولا تجوز على ما في سماع أشهب من كتاب الشهادات؛ فإن لم يكن معه ~~غيره على مذهب ابن الماجشون ومطرف، حلف الموصى لهم واستحقوا وصاياهم ~~بأيمانهم مع شهادته وإن كان معه غيره ممن يشهد لنفسه بكثير أيضا، حلف كل ~~واحد منهما مع شهادة صاحبه فاستحق وصيته إن لم تكن شهادة كل واحد منهما ~~لصاحبه في مجلس واحد على مذهبهما في الشهود يشهد بعضهم لبعض أن شهادتهم لا ~~تجوز إن كانت على رجل واحد في مجلس واحد، وأخذ من سواهما وصيته بشهادتهما ~~دون يمين. # فصل فالمشهور في المذهب أن الشهادة إذا رد بعضها للتهمة، ردت كلها؛ وقد ~~قيل: إنه يجوز منها ما لا تهمة فيه على قياس قول أصبغ الذي حكيناه، ~~والمشهور في المذهب أيضا: أن الشهادة إذا رد بعضها للسنة، جاز فيها ما ~~أجازته السنة، وقد قيل: إنها ترد كلها وذلك قائم من المدونة من قوله في ~~شهادة النساء للوصي أن الميت أوصى إليه أن شهادتهن لا تجوز- إن كان فيها ~~عتق وإيضاع النساء، وكذلك المشهور في المذهب أيضا أن الشهادة إذا رد بعضها ~~لانفراد الشاهد بها دون غيره، أنها تجوز فيما يصح فيه شهادة الشاهد الواحد، ~~وتبطل فيما لا يصح إلا بشهادة شاهدين، مثل أن يشهدا لرجل على وصية رجل ~~وفيها عتق ووصايا لقوم، فإن الموصى لهم بالمال يحلفون مع شهادة الشاهد ~~وتكون وصاياهم فيما بعد قيمة العتق، وقد قيل: إن الشهادة كلها مردودة، حكى ~~ذلك المزني عن أشهب # PageV02P291 # وجميع ms0778 جلسائه؛ وأما إذا لم يأت الشاهد بالشهادة على وجهها وسقط عن حفظه ~~بعضها، فإنها تسقط كلها بإجماع، وبالله التوفيق. # | فصل في مراتب الشهادات # فصل # في مراتب الشهادات والشهادات على مراتب أربع، إحداها: شهادة توجب الشيء ~~المشهود به دون يمين، والثاني: شهادة توجب الشيء المشهود به مع اليمين. ~~والثالثة: شهادة لا توجب الشيء المشهود به إلا أنها توجب حكما من الأحكام. ~~والرابعة: شهادة لا توجب شيئا. # فصل فأما الشهادة التي توجب الشيء المشهود به دون يقين فإنها على سبعة ~~أقسام: # أحدها: أربعة شهود في الزنا. # والثاني: شاهدان فيما سوى ذلك. # والثالث: شاهد وامرأتان في الأموال. # والرابع: شهادة امرأتين فيما لا يطلع عليه الرجال من العيوب والاستهلال، ~~وما أشبه ذلك. # والخامس: شهادة السماع فيما جوز أهل العلم فيه شهادة السماع على الإطلاق. # والسادس: شاهد واحد فيما يبتدأ الحكم فيه بالسؤال وفيما كان علما يؤديه. ~~والسابع: شهادة الصبيان فيما أجيزت شهادتهم فيه. # فصل وأما الشهادة التي توجب الشيء المشهود به مع اليمين، فإنها على خمسة ~~أقسام: # أحدها: شاهد عدل وامرأتان عدلتان في الأموال. # PageV02P292 # والثاني: شاهد غير عدل تجب القسامة به على رواية أشهب عن مالك. # والثالث: ما يقوم مقام الشاهد من الرهن وإرخاء الستر ونكول المدعى عليه ~~ومعرفة العفاص والوكاء واليد مع مجرد الدعوى، أو مع تكافؤ البينتين وما ~~أشبه ذلك. # والرابع: الشهادة بغالب الظن فيما لا سبيل فيه إلى القطع. # والخامس: الشهادة على السماع في الولاء على مذهب ابن القاسم. # فصل وأما الشهادة التي توجب حكما ولا توجب الحق، فإنها على ثلاثة أقسام: ~~أحدها: شهادة الشهود غير العدول في استحقاق الشيء المعين فإنها توجب توقيفه ~~عند أصبغ. # والثاني: شهادة شاهدين أو شاهد وامرأتان أنه سرق له مثل ما يدعي أو ~~شاهدين إذا جرحا- على اختلاف بينهم في ذلك. # والثالث: شاهد عدل وامرأتان على الطلاق والعتق، فإنها توجب اليمين عند ~~جميعهم، أو على الخلطة، فإنها توجب اليمين عند بعضهم، أو على النكاح، فإنها ~~تسقط الحد أو على دعوى المعروف، فإنها توجب اليمين على المدعى ms0779 عليه عند من ~~لا يرى القضاء باليمين مع الشاهد، وإذا نكل المدعي عن اليمين مع شاهده. # PageV02P293 ### | كتاب حريم الآبار # قال الله عز وجل: {ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب ~~الحصيد} [ق: 9] {والنخل باسقات لها طلع نضيد} [ق: 10] {رزقا للعباد وأحيينا ~~به بلدة ميتا كذلك الخروج} [ق: 11] . وقال: {وأنزلنا من السماء ماء بقدر ~~فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون} [المؤمنون: 18] . وسئل مالك - ~~رحمه الله - عن تفسير هذه الآية فقيل له: أهو الخريف فيما بلغك؟ فقال: لا ~~والله، بل هذا في الخريف والشتاء وفي كل شيء ينزل الله من السماء ماء إذا ~~شاء، ثم هو على ذهاب به لقادر، فجميع مياه الأرض من ماء السماء أنزله الله ~~إلى الأرض وجعله فيها ثابتا لا يزول، وهو على إزالته قادر؛ وقال عز وجل: ~~{ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا} [الفرقان: 50] يريد ~~المطر، ويروى أن في الدنيا أربعة أنهار من الجنة، وهي: النيل، والفرات، ~~وشيحان، وجيحان. # فصل فمياه الأرض تختلف باختلاف مواضعها، ويختلف الحكم فيها لاختلافها؛ ~~ويختلف أهل العلم في بعض وجوهها على ما سنبينه ونفصله- إن شاء الله، ولا ~~قوة # PageV02P295 # إلا بالله؛ والأصل في ذلك كله «قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~سيل مهزور ومذينب: "يمسك الأعلى إلى الكعبين، ثم يرسل الأعلى على الأسفل» ، ~~وقوله - عليه السلام -: «لا يمنع نقع بئر، ولا يمنع رهو ماء» ، وقوله: «لا ~~يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ» ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ضرر ~~ولا ضرار» وقوله: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه» . # فصل فأما مهزور ومذينب: فواديان معروفان من أودية المدينة يسيلان بالمطر ~~يتنافس فيهما أهل المدينة، فقضى - صلى الله عليه وسلم - أن يمسك الأعلى إلى ~~الكعبين، ثم يرسل على الأسفل؛ وهذا الحكم في كل ماء غير متملك يجري على قوم ~~إلى قوم دونهم أن من دخل الماء أرضه أولا فهو أحق بالسقي به حتى يبلغ الماء ~~في أرضه إلى الكعبين، ثم اختلف إذا ms0780 بلغ الماء إلى الكعبين: هل يرسل جميع ~~الماء إلى الأسفل، أو لا يرسل إليه إلا ما زاد على الكعبين؟ فقال مطرف وابن ~~الماجشون، وابن وهب: يرسل على الأسفل ما زاد على الكعبين، وقال ابن القاسم: ~~بل يرسل جميع الماء ولا يحبس منه شيئا- والأول أظهر، وروى زياد عن مالك أن ~~معنى الحديث أن يجري الأول الذي هو أقرب إلى الماء من الماء في ساقيته إلى ~~حائطه بقدر ما يكون الماء في الساقية إلى حد كعبيه حتى يروى حائطه، ثم يفعل ~~الذي يليه كذلك ما بقي من الماء شيء. قال: وهذه السنة فيهما وفيما يشبههما ~~مما # PageV02P296 # لا حق فيه لأحد بعينه - أن الأول أحق بالتبدئة، ثم الذي يليه، إلى آخرهم ~~رجلا؛ فيحتمل أن يكون معنى رواية زياد هذه عن مالك إذا كان ماء الوادي ~~كثيرا فوق ما يتأتى به السقي لواحد، فلا يكون على هذا التأويل رواية زياد ~~مخالفة لما تقدم، والأظهر أن ذلك اختلاف من القول، وقد زدنا هذا المعنى ~~بيانا في كتاب البيان في رسم القسمة من سماع عيسى من كتاب السداد والأنهار. # فصل وأما نقع البئر وهو الماء المجتمع فيها قبل السقي، وقيل: هو فضل ~~مائها، وقيل: الموضع الذي يلقى فيه ما يكنس منها، وقيل: مخرج مسيل مائها ~~وهو الماء المجتمع أيضا؛ قال الله عز وجل: {واترك البحر رهوا} [الدخان: 24] ~~. واختلف أهل العلم في تأويل قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يمنع ~~نقع بئر ولا يمنع رهو ماء» . فحمله جماعة من أهل العلم على عمومه، فقالوا: ~~لا يحل بيع الماء ولا منعه بحال- كان من بئر، أو غدير، أو عين، في أرض ~~متملكة، أو غير متملكة، غير أنه إن كان متملكا كان أحق بمقدار حاجته منه، ~~وهو قول يحيى بن يحيى في العتبية: أربع لا أرى أن يمنعن: الماء، والنار، ~~والحطب، والكلأ. وقال بعضهم: تأويل ذلك في مثل البئر تكون بين الشريكين ~~يسقي هذا يوما، وهذا يوما أو أقل، أو أكثر، فيسقي أحدهما يومه فيروى زرعه ~~أو نخله في ms0781 بعض يومه، فيستغني عن الماء- بقية يومه، فليس له أن يمنع شريكه ~~من السقي في بقية ذلك اليوم؛ إذ لا # PageV02P297 # منفعة له في منعه ولا يضره تركه؛ وقال بعضهم: إنما تأويل ذلك في الذي ~~يزرع على مائه فتنهار بئره- ولجاره فضل ماء أنه ليس لجاره أن يمنعه فضل ~~مائه إلى أن يصلح بئره؛ والتأويلان قريبا المعنى، والله أعلم. # وأما نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن منع فضل الماء ليمنع به الكلأ، ~~فإنما هو في بئر الماشية التي تحتفر في البراري والمهامه؛ لأن المواشي لا ~~ترعى إلا حيث تجد المياه، فإذا منعت من الماء، كان منعا لها عن الكلأ. # فصل المياه تنقسم على قسمين # فصل فالمياه تنقسم على قسمين: # أحدهما: أن تكون في أرض ممتلكة. # والثاني: أن تكون في أرض غير ممتلكة. # فأما ما كان منها في أرض ممتلكة، فسواء كانت مستنبطة مثل بئر يحفرها أو ~~عين يستخرجها، أو مواجل يتخذها، أو غير مستنبطة، مثل عين في أرضه لم ~~يستخرجها أو غدير وما أشبه ذلك؛ فهو أحق به ويحل له بيعه ومنع الناس منه ~~إلا بثمن، إلا أن يرد عليه قوم لا ثمن معهم، ويخاف عليهم الهلاك- إن منعهم ~~فحق عليه أن لا يمنعهم، فإن منعهم، كان لهم مجاهدته، هذا قول ابن القاسم في ~~المدونة؛ لأنه لم يحمل نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن منع نقع البئر على ~~عمومه، بل تأوله على ما تقدم، إلا أنه يستحب له ألا يمنع الشرب من العين أو ~~الغدير تكون في أرضه من أحد من الناس من غير حكم يحكم به عليه، وله في واجب ~~الحكم أن يمنع ماءه إذا شاء ويبيحه إذا شاء، واختلف في الرجل يكون له زرع ~~قد زرعه على بئره # PageV02P298 # فانهارت بئره- ولجاره فضل ماء، فقيل: إنه يقضى له بفضل ماء بئر جاره قيل: ~~بثمن وقيل بغير ثمن؛ فمن حمل الحديث على عمومه، أو تأوله في هذا المعنى، ~~قال: بغير ثمن، ومن تأول في الشريكين في الماء قال: لا يقضى عليه إلا ~~بالثمن؛ والقولان لمالك ms0782 - رحمه الله -؛ وأما ما كان منها في أرض غير ~~متملكة، فلا يخلو من أن تكون مستنبطة أو غير مستنبطة؛ فأما ما كان منها ~~مستنبطا مثل البئر يحفرها في الصحاري والبراري لماشيته أو المواجل، فهو ~~أولى به حتى يروي ماشيته؛ ثم يشترك الناس في الفضل، لقول رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ» . وهذه البئر لا ~~تباع ولا تورث على وجه الملك، إلا أن الورثة ينزلون منزلة موروثهم في ~~التبدئة بالشرب؛ وإن أوصى بثلث ماله لرجل، فلا يبدؤون بالشرب ولا ينزلون ~~منزلة الموصي في ذلك، هذه رواية أصبغ عن ابن القاسم في العتبية. # فصل فإن تشاح أهل البئر في التبدئة، فقد قال ابن الماجشون إن كانت لهم ~~سنة من تقديم ذي المال الكثير أو قوم على قوم وكبير على صغير، حملوا عليها، ~~وإلا استهموا، وهذا- عندي إذا استوى تعددهم من حافرها، وأما إن كان بعضهم ~~أقرب إليه، فهو أحق بالتبدئة- قلت ماشيته أو كثرت، ولا حظ فيها لزوجة ولا ~~زوج بالزوجية وهما كالأجنبي إذا لم يكونا من ذلك البطن؛ والبئر والماجل ~~والجب في ذلك سواء عند مالك، خلاف قول المغيرة في أن له أن يمنع فضله ماء ~~جب الماشية، ووجه قوله أن الجب يتكلف فيه نفقة كثيرة وليس بمعين كالبئر ~~التي إذا نزف منها شيء عاد فيه مثله، فلا يحمل أمره على أنه أراد به الصدقة ~~إلا ببيان، وهو في بئر الماشية يحفرها في المهامه، - محمول على أنه إنما ~~أراد به الصدقة؛ فإن ادعى أنه لم يرد الصدقة، وأنه أراد أن يبيع ماءها لم ~~يصدق، ومنع من ذلك # PageV02P299 # بالحكم؛ ولو أشهد عند حفره إياها أنه إنما يحفرها لنفسه، لوجب ألا يمنع ~~من بيع مائها، وأن يستحقها ملكا بالإحياء على حكم إحياء الموات؛ قال في ~~المدونة: أكره بيع ماء بئر الماشية، وقال في المجموعة لا يجوز ذلك؛ فقيل ~~إنه لا اختلاف من القول، والصحيح أن ذلك إنما يعود إلى الفرق بين أن يحفرها ~~على وجه الصدقة، أو على ms0783 غير وجه الصدقة- والله أعلم. # فصل ووجه التبدئة في الشرب في بئر الماشية إذا اجتمع أهل البئر والمارة ~~وسائر الناس بمواشيهم والماء يقوم بهم: أن يبدأ أولا أهل الماء فيأخذوا ~~لأنفسهم حتى يرووا، ثم المارة حتى يرووا، ثم دواب أهل الماء حتى يرووا، ثم ~~دواب المارة حتى يرووا، ثم مواشي أهل الماء حتى يرووا، ثم الفضل لسائر ~~مواشي الناس. وبدأ أشهب دواب المسافرين قبل دواب أهل الماء. # فصل فأما إن لم يكن في الماء فضل وتبدئة أحدهم يجهد الآخر فإنه يبدأ ~~بأنفسهم ودوابهم من كان الجهد عليه أكثر بتبدئة صاحبه، فإن استووا في الجهد ~~تساووا، هذا مذهب أشهب، وعلى ما ذهب إليه ابن لبابة أنهم إذا استووا في ~~الجهد، فأهل الماء أحق بالتبدئة لأنفسهم ودوابهم؛ وأما إن قل الماء جرا أو ~~خيف على بعضهم بتبدئة بعض- الهلاك فإنه يبدأ أهل الماء فيأخذون لأنفسهم ما ~~يذهب عنهم الخوف فإن فضل فضل أخذ المسافرون لأنفسهم بقدر ما يذهب الخوف ~~عنهم؛ فإن فضل فضل، أخذ أهل الماء لدوابهم بقدر ما يذهب الخوف عنهم؛ فإن # PageV02P300 # فضل فضل أخذ المسافرون لدوابهم بقدر ما يذهب الخوف عنهم، ولا اختلاف - ~~عندي في هذا الوجه؛ هذا الذي يتحصل عندي من قول أشهب وابن لبابة. # فصل وأما ما كان منها غير مستنبطة مثل الأنهار والعيون والغدر، فهي ~~لجماعة المسلمين يشتركون في المنفعة بها فيما يحتاجون إليه من الصيد ~~والمرور بقواربهم لحوائجهم ومنافعهم؛ ومن كان يلي النهر من جهتيه بأرضه فله ~~أن ينشئ عليها رحى ويكون أحق بها؛ وأما إن كانت الضفتان لرجلين فليس ~~لأحدهما أن يعمل رحى في جهته وينفذ سده إلى برية صاحبه إلا بإذنه، فإن ~~اجتمعا على عمل الرحى فاشتركا فيها، وإلا اقتسما الماء- فأخذ كل واحد منهما ~~نصفه فعمل فيه رحى- إن قدر على ذلك. # فصل وذلك بخلاف الصيد ليس لمن على النهر من جانبيه أن يختص بالصيد فيما ~~يوازي أرضه دون جماعة الناس - لو عمل في ذلك الموضع مصائد للحوت بالقصب ~~والخشب وما أشبه ذلك مما يعرفه أهل الاصطياد ms0784 بدءوا بالاصطياد فيها؛ فإذا ~~نالوا حاجتهم، خلوا بين الناس وبينها يصطادون فيها، وبهذا قال مطرف وابن ~~الماجشون في الواضحة؛ وذلك عندي بعد أن يصير إليهم فيما صادوا بها قدر ما ~~أنفقوا فيها؛ واختلف في الصيد في الغدر التي تكون في ملك الرجل؛ فقال ابن ~~القاسم: ليس لصاحب الأرض أن يمنع أحدا من الصيد فيها، # PageV02P301 # وقال مطرف وابن الماجشون وسحنون: له أن يمنع الناس من الصيد فيها؛ وروي ~~عن أشهب التفرقة في ذلك بين أن تكون الحيتان تولدت فيها من الماء أو يكون ~~طرح هو فيها حيتانا تولدت منها؛ واختلف أيضا في الخشب التي يمر بها في ~~الأنهار فلا يقدرون على الجواز بها إلا بخرق السداد هل لهم أن يخرقوا ~~السداد ويجوزوا بخشبهم، أم ليس لهم ذلك على قولين؛ ففي سماع حسين بن عاصم ~~من كتاب السداد والأنهار من العتبية؛ أن ذلك لهم؛ وروى مثله سحنون عن ابن ~~القاسم في غير العتبية، وقال محمد بن إبراهيم بن دينار المدني؛ وكتب إليه ~~من الأندلس عن الخشب التي تقطع بالمغرب - عندنا- فتطرح بالوادي، فربما مرت ~~بأصحاب السداد فيمنعونهم من خرق السداد وهم يصلحونه- كما كان؛ قال إن كان ~~خرقهم إياه يضر بأصحاب السد لم أر أن يخرقوا شيئا- وإن كان لا يضر بهم- وهو ~~يصلحونه. لا يخاف عليه حالة من أجل ما خرق صاحب الخشب بعد إصلاحهم إياه، ~~فأرى ألا يمنعوا من خرق ما مروا به- على ما ذكرت لك، وبالله التوفيق. # PageV02P302 ### | كتاب المديان # قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} ~~[البقرة: 282] . وقال تعالى: {من بعد وصية يوصي بها أو دين} [النساء: 11] ~~فدل ذلك من قوله على جواز التداين، وذلك إذا تداين في غير سرف ولا فساد- ~~وهو يرى أن ذمته تفي بما تداين به. # فصل وقد رويت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - آثار كثيرة في التشديد في ~~الدين، منها: ما روى ابن أبي قتادة عن أبيه أنه قال: «جاء رجل إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله ms0785 أرأيت إن قتلت في سبيل ~~الله صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر، أيكفر الله عني خطاياي؛ فقال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: نعم. فلما أدبر الرجل، ناداه رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أو أمر به فنودي له، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~كيف قلت؛ فأعاد عليه قوله، فقال له النبي - عليه السلام - نعم، إلا الدين، ~~فإنه كذلك قال لي جبريل - عليه السلام -؛» ومنها: ما روي عنه أنه «- صلى ~~الله عليه وسلم - كان جالسا مع أصحابه في موضع الجنائز، إذ رفع رأسه ثم ~~نكسه # PageV02P303 # ثم وضع راحته على جبهته ثم قال سبحان الله ماذا أنزل الله من التشديد في ~~الدين» أو قال - صلى الله عليه وسلم -: «صاحب الدين مأسور يوم القيامة ~~بالدين» وقال - عليه السلام - «نفس المؤمن معلقة بدينه» أو قال: «ما كان ~~عليه دين حتى يقضى عنه» وقال - صلى الله عليه وسلم -: «من كان هاهنا من بني ~~فلان؟ " فلم يجبه أحد، ثم قالها فلم يجبه أحد ثم قالها فلم يجبه أحد، ثم ~~قالها فلم يجبه أحد؛ فقام رجل، فقال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: ~~"ما منعك أن تجيب؛ " فقال خشيت أن يكون نزل فينا من الله قرآن، فقال: "لم ~~أكن لأدعو أحدا منكم إلا إلى خير، ولكن صاحبكم حبس بدين عليه دون الجنة» . # «وقال لسعد بن الأطول: " إن أخاك محبوس في دينه فاقض عنه» . فيحتمل أن ~~تكون هذه الأشياء إنما وردت فيمن تداين في سرف أو فساد غير مباح، أو فيمن ~~تداين وهو يعلم أن ذمته لا تفي بما تداين به؛ لأنه متى فعل ذلك فقد قصد إلى ~~استهلاك أموال الناس؛ وقد قيل: إن هذا كله كان من النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في الدين قبل أن يفتح الله عليه الفتوحات، وقبل أن يفرض على الناس ~~الزكوات؛ فما أنزل الله تعالى براءة، ففرض فيها الزكوات وجعل منها للفارسي ~~سهما، وأنزل آية الفيء والخمس، فجعل فيها حقا للمساكين وابن السبيل، قال ~~حينئذ النبي - صلى الله عليه ms0786 وسلم - «من ترك مالا فلورثته ومن ترك دينا ~~فعلي» . # فصل فكل من ادان في مباح وهو يرى أن ذمته تفي بما ادان به فغلبه الدين ~~فلم # PageV02P304 # يقدر على أدائه حتى توفي، فعلى الإمام أن يؤدي ذلك عنه من بيت مال ~~المسلمين، أو من سهم الغارمين من الصدقات، أو من الصدقات كلها- إن رأى ذلك ~~على مذهب مالك، ومن يرى أنه إن جعل الزكاة كلها في صنف واحد، أجزأه، وقد ~~قيل: لا يجوز أن يؤدى دين الميت من الزكاة، فعلى هذا القول إنما يؤدي ~~الإمام دين من مات وعليه دين من بيت المال من الفيء الحلال للفقير والغني. # فصل وواجب على كل ذي دين أن يوصي بأدائه، فإذا فعل وترك من المال ما يفي ~~بدينه، فليس بمحبوس عن الجنة من أجل دينه؛ وكذلك إن لم يترك وفاء دينه، ~~فعلى الإمام أن يؤديه عنه من بيت المسلمين، أو مما فرض الله في الزكاة ~~للغارمين، فإن لم يفعل، فهو المسئول عن ذلك وليس صاحب الدين بمحبوس عن ~~الجنة من أجل دينه إذا لم يقدر على أدائه في حياته وأوصى بأدائه بعد مماته. # وقد استعاذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الدين فقال: «اللهم إني ~~أعوذ بك من المأثم والمغرم» وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: إياكم ~~والدين فإن أوله هم، وآخره حرب. # فصل ومن كان عليه دين ولم يكن له مال يؤديه منه، فهو في نظرة الله تعالى ~~إلى أن يوسر، ولا يحبس ولا يؤاجر ولا يستخدم ولا يستعمل؛ لأن الدين إنما ~~تعلق بذمته، فلا يصح أن يؤاجر فيه. قال ابن المواز حرا كان أو عبدا: مأذونا ~~له في التجارة وهذا قول مالك وجمهور أهل العلم، خلافا لأحمد بن حنبل في ~~قوله: إن المعسر يؤاجر في الدين، والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك - رحمه ~~الله -، قول الله عز وجل: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} [البقرة: 280] ~~، معناه إن حضر ذو # PageV02P305 # عسرة، أو وقع ذو عسرة، فالآية عامة في كل من ms0787 أعسر بدين، كائنا ذلك الدين ~~ما كان؛ وقد روي عن ابن عباس وقوم من المفسرين أن الآية نزلت في الربا، ~~وإلى هذا ذهب شريح فقال: إن المعسر يحبس في الدين؛ لأن الله قد أمر بأداء ~~الأمانة، والآية في إنظار المعسر إلى أن يوسر، إنما أنزلت في الربا، وإنما ~~قال ذلك شريح ومن قال بقوله؛ لكونها بعقب ذكر الربا، فظنوا أنها فيه وليس ~~ذلك بصحيح لوجهين؛ (أحدهما) : أن الربا قد أحبطه الله وأبطله، فكيف يكون ~~فيه نظرة. والثاني: أن القراءة إنما هي: وإن كان ذو عسرة- بالرفع، فلما كان ~~كذلك، علم أنه لم يعن بها صاحب الربا، ولو عنى بها صاحب الربا- كما قال ~~شريح، لقيل: وإن كان ذا عسرة، أي إن كان الذي عليه الربا ذا عسرة، وكذلك في ~~قراءة أبي بن كعب. # فصل ولو قال الذي قال: إن الآية معطوفة على الربا-: إنها معطوفة على رأس ~~مال الربا، لكان سائغا على هذه القراءة، ولوجب أن يقاس سائر الديون على رأس ~~مال الربا؛ إذ لا فرق بين رأس مال الربا وغيره من الديون، فبان بما أردناه ~~صحة ما ذهب إليه مالك: أن المطالبة بالدين إنما تجب مع القدرة على الأداء، ~~فإذا ثبت الإعسار، فلا سبيل إلى المطالبة، ولا إلى الحبس بالدين؛ لأن ~~الخطاب مرتفع عنه إلى أن يوسر. # فصل وهذا في المعسر المعدم، إذ ليس كل معسر معدما، وكل معدم معسر؛ ~~فالإعسار أعم من الإعدام؛ فالغرماء على هذا ينقسمون على ثلاثة أقسام: # PageV02P306 # غريم غني، وغريم معسر غير معدم، وغريم معسر معدم؛ فأما الغريم الغني، ~~فتعجيل الأداء عليه واجب، ومطله به عليه حرام غير جائز؛ لقول رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «مطل الغني ظلم» وأما المعسر الذي ليس بمعدم - وهو ~~الذي يحرجه تعجيل القضاء ويضر به، فتأخيره إلى أن يوسر ويمكنه القضاء من ~~غير مضرة تلحقه، مرغب فيه ومندوب إليه؛ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «من أنظر معسرا أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» . والآثار في ذلك ms0788 ~~كثيرة، والمطل بالأداء وهو جاهد فيه غير مقصر ولا متوان، غير محظور عليه إن ~~شاء الله؛ وكان الشيوخ بقرطبة - رحمهم الله - يفتون بتأخيره بالاجتهاد على ~~قدر المال وقلته، ولا يوكلون عليه في بيع عروضه وعقاره في الحال، وعلى ذلك ~~تدل الروايات، خلاف ما كان يفتي به سائر فقهاء الأندلس من التوكيل عليه ~~ببيع ماله وتعجيل إنصافه؛ وأمما المعسر المعدم فتأخيره إلى أن يوسر واجب، ~~والحكم بذلك لازم؛ لقول الله عز وجل: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} ~~[البقرة: 280] . # فصل والغريم محمول على الملأ حتى يتبين عدمه - كان قد أخذ في الدين الذي ~~يطلب به عوضا أو لم يؤخذ له عوضا؛ لأنه إن كان أخذ عوضا فهو مال قد حصل ~~إليه، فلا يقبل منه دعوى العدم حتى يبينه؛ وإن كان لم يأخذ له عوضا، ~~فالمعلوم من حال الناس التكسب وطلب المال، فهو محمول على ما يعلم من حال ~~الناس وما جبلهم الله عليه؛ هذا قول أبي إسحاق وغيره، ويدخل- عندي- في هذا ~~الوجه الآخر الاختلاف بالمعنى من مسألة الذي يغيب عن امرأته ثم تطلبه ~~بالنفقة. # فصل وحبس الغريم إنما يكون ما لم يظهر عدمه ويثبت فقره، والدليل على # PageV02P307 # إجازة حبسه في هذه الحال، قول الله تعالى: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه ~~بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه ~~قائما} [آل عمران: 75] . فإذا جازت ملازمته ومنعه من التصرف، جاز حبسه ولا ~~خلاف في هذا بين فقهاء الأمصار. # فصل حبس المديان على ثلاثة أوجه # فصل وحبس المديان على ثلاثة أوجه: # أحدها: حبس تلوم واختبار فيمن جهل حاله. # والثاني: حبس من ألد واتهم بأنه خبأ ماله وغيبه. # والثالث: حبس من أخذ أموال الناس وتقعد عليها وادعى العدم، فتبين كذبه؛ ~~إذ لم يعلم أنه جرى عليه سبب أذهب ما حصل عنده من أموال الناس. # فأما حبس التلوم والاختبار في المجهول الحال، فبقدر ما يستبرأ أمره ويكشف ~~عن حاله، وذلك يختلف باختلاف الدين فيما روى ابن حبيب عن ms0789 ابن الماجشون، ~~فيحبس في الدريهمات اليسيرة- قدر نصف شهر، وفي الكثير من المال أربعة أشهر، ~~وفي الوسط منه شهرين؛ ووجه ذلك أنه يسجن على وجه اختبار حاله، فوجب أن يكون ~~على قدر الحق الذي يسجن من أجله. # وأما حبس من ألد واتهم بأنه خبأ مالا وغيبه، فإنه يحبس حتى يؤدي، أو يثبت ~~عدمه فيحلف ويسرح. # وأما حبس من أخذ أموال الناس وتقعد عليها وادعى العدم فتبين كذبه، فإنه ~~يحبس أبدا حتى يؤدي أموال الناس، أو يموت في السجن؛ وروي عن سحنون أنه يضرب ~~بالدرة- المرة بعد المرة حتى يؤدي أموال الناس، وليس قوله هذا بخلاف مذهب ~~مالك - رحمه الله -، فقد قال مالك يضرب الإمام الخصم على اللدد، وأي لدد ~~أبين من هذا؛ فالقضاء بما روي عن سحنون في مثل هؤلاء الذين # PageV02P308 # يقعدون على أموال الناس، ويرضون بالسجن ويستخفونه ليأكلوا أموال الناس ~~ويستهضمونها؛ هو الواجب الذي لا تصح مخالفته- إن شاء الله؛ وقد قال عمر بن ~~عبد العزيز: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور. وما حكى ابن ~~الهندي عن سحنون أنه قال في أمر ابن أبي الجواد إذ ضربه حتى مات- إن صح، ~~فلا يدل على رجوعه عن مذهبه، وإنما يدل على ثبوته عليه واستبصاره فيه مع ~~ورعه وفضله؛ لأنه قال: لم أقتله أنا وإنما قتله الحق، وأشفق مع ذلك إشفاق ~~المؤمن الحذر الخائف لربه مخافة أن يكون جاوز في اجتهاده ائتساء بعمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنه - في قوله: لو مات حمل بشاطئ الفرات ضياعا، لخشيت أن ~~يسألني الله عنه. # فصل فإن سأل المحبوس للتلوم والاختبار أن يعطي حميلا حتى يتبين حاله ~~ويكشف عن أمره ولا يحبس، فقال في المدونة في هذا الوجه: يحبس أو يؤخذ عليه ~~حميل، ولم يبين إن كان بالوجه أو بالمال؛ قال أبو إسحاق التونسي بالوجه دون ~~المال في مذهب ابن القاسم - يريد حميلا بإحضاره عند انقضاء المدة التي يجب ~~سجنه فيها لاختبار حاله، فإذا أحضره عندها برئ من الضمان وحبس إن تبين أن ~~له مالا حتى يؤدي؛ ms0790 وإن كان لم يتبين أن له مالا أطلق بعد اليمين، وإن لم ~~يحضره غرم وإن تبين أنه عديم من أجل اليمين اللازمة له وإن سأل المحبوس ~~للدد والتهمة- أن يعطي حميلا بوجه إلى أن يثبت عدمه، لم يمكن من ذلك؛ لأن ~~التضييق بالسجن واجب عليه للتهمة اللاحقة به رجاء أن يؤدي، فإن أراد ألا ~~يسجن أعطى حميلا غارما لا يسقط عنه الغرم إثباته للغريم المطلوب العدم؛ ~~وكذلك إن أقام بينة بالعدم ولم تزك- قاله سحنون. # وأما إن أثبت العدم وسأل الطالب أن يعذر إليه في الشهود الذين شهدوا له ~~بالعدم، فإن قدر على حميل بوجهه ليحضره فيعاد إلى السجن- إن دفع في البينة، ~~أو يستحلف إن عجز عن الدفع؛ لم يسجن، وليس قول ابن القاسم بمخالف لقول ~~سحنون في هذا الوجه، ولا قول سحنون بمخالف # PageV02P309 # لقول ابن القاسم في الوجه الأول. وأما المحبوس لتقعده على أموال الناس، ~~فلا ينجيه من السجن والضرب على ما روي عن سحنون إلا حميل غارم، وهذا كله ~~بين. # فصل ويحبس الوصي فيما على الأيتام من دين - إذا كان لهم في يده مال وكذلك ~~الأب في دين الولد- إذا كان له بيده مال؛ رواه ابن سحنون عن ابن عبد الحكم، ~~ومعنى ذلك أنه قبض مالا ولم يعلم إنفاذه فلا يقبل قوله؛ لأنه يدعي خلاف ~~الظاهر من حاله، ويحبس الأب إذا امتنع من الإنفاق على ولده الصغير، ولا ~~يحبس له في دينه إذا كان له عليه دين والفرق بينهما أن تركه للإنفاق على ~~ولده الصغير من الإضرار به، فالسلطان يأخذه بذلك ويلزمه إياه ويحبس المسلم ~~الكافر والسيد لمكاتبه؛ ووجه ذلك أن الحقوق لا يعتبر فيها الحرمة والمنزلة ~~إلا الوالد في حق الولد؛ لأن حقه عليه ليس لأجل حرمته ومرتبته؛ لأن حرمتهما ~~واحدة، وإنما ذلك لما له عليه من حق الأبوة الموجبة للنفقة، ويحبس سائر ~~القرابات من الأجداد وغيرهم- والله أعلم. # فصل وهذا لمن لم يتفالس ويقول: لا شيء لي، وأما إذا حل الدين فسأل أن ~~يؤخر ووعد بالقضاء، فليؤخره الإمام حسبما يرجو ms0791 له، ولا يعجل عليه بالتفليس ~~وبيع عروضه عليه في الحين؛ والروايات بذلك مسطورة في المدونة والعتبية ~~والواضحة وغيرها من الدواوين، وتأخير الأخذ بالشفعة بالنقد من هذا المعنى. # PageV02P310 # فصل وإذا أخر الغريم بما حل عليه، أخذ منه حميل - قاله سحنون في كتاب ~~ابنه، فإن لم يكن له حميل سجن، ووجه هذا إن تعذر القضاة قد يتجه على أكثر ~~الناس، إلا أن يكون رجلا يعرف بالوفر، وأن عنده الناض فلا يؤجل ولا يؤخر. # فصل فإن لم يعلم أنه من أهل الناض وادعى الغريم أن عنده مالا ناضا، وأنه ~~إنما يريد اللدد به والإضرار بتأخير حقه عنه، ودعا إلى تحليفه على ذلك؛ ~~فيجري الأمر على الاختلاف في يمين التهمة؛ وكان أبو عمر الإشبيلي - رحمه ~~الله - يضعف اليمين في ذلك، ويحتج لتضعفها بقول مالك في سماع أشهب من كتاب ~~الزكاة: وجل الناس ليس لهم نقد؛ وأما إن حقق عليه الدعوى فاليمين له عليه ~~واجبة باتفاق، فإن نكل عليها حلف الطالب وجبر المطلوب على الأداء، ولم يؤخر ~~قليلا ولا كثيرا. # فصل فإن سأل الطالب أن يفتش عليه داره وقال: إنه قد غيب فيها ماله، فإن ~~الشيوخ المتأخرين كانوا يختلفون في ذلك، حكى الفقيه أبو الأصبغ، وابن سهل - ~~رحمه الله - أنه- شاهد الفتيا والحكم بطليطلة إذا دعا الطالب إلى أن يفتش ~~مسكن المطلوب عند ادعائه العدم بالحق، أن يفتش مسكنه فما ألفي فيه من متاع ~~الرجال بيع عليه وأنصف الطالب منه، لا يختلف فقهاؤهم في ذلك، وأنه أنكر ذلك ~~على أكثرهم فاستصروا فيه ولم يرجعوا عنه، وأنه سأل عن ذلك الفقيه ابن عتاب ~~- رحمه الله - فأنكره، وأنكره أيضا ابن مالك وقال: أرأيت إن كان الذي يلفى ~~في بيته ودائع؛ قال: فقلت له ذلك محمول على أنه ملكه حتى يتبين خلافه؛ ~~فقال: يلزم إذا توقيفه والاستيناء به حتى يعلم هل له طالب أو يأتي بمدع ~~فيه؛ قال: وأعلمت ابن # PageV02P311 # القطان بعمل طليطلة في ذلك، فقال لي ما يبعد ولم ينكره، وأنا أراه حسنا ~~فيمن ظاهره الإلحاد والمطل واستسهال ms0792 الكذب، والله أعلم بالصواب. # فصل وإذا ثبت عدم الغريم وانقضاء أمد سجنه، فلا يطلق حتى يستحلف ما له ~~مال ظاهر ولا باطن، ولئن وجد مالا ليؤدين إليه حقه؛ وإنما وجب أن يحلف مع ~~ثبوت عدمه؛ لأن الشهود إنما يشهدون له على العلم كالذي يستحق العرض بشهادة ~~الشهود، فلا بد أن يحلف أنه ما باع ولا وهب، إذ شهادة الشهود في ذلك، إنما ~~هي على العلم لا على القطع. # فصل فإذا حلف، خلي سبيله ولم يكن للطالب عليه سبيل حتى يتبين أنه قد أفاد ~~مالا، فإن قام عليه بعد ذلك وادعى أنه قد أفاد مالا- ولم يأت على ذلك ببينة ~~وسأل أن يحلفه: ما أفاد بعد ذلك مالا، لم يكن ذلك له؛ لأنه قد استحلف على ~~ذلك؛ لئلا يتعنته باليمين في كل يوم؛ فهذا هو فائدة زيادة قوله في اليمين، ~~ولئن وجد ليؤدين إليه حقه، والله أعلم. # فصل فإن شهد له قوم بالعدم وشهد عليه آخرون بالملأ ولم يعينوا له مالا، ~~ففي أحكام ابن زياد أن شهادة من شهد بالملأ أعمل، وإن كانوا أقل عدالة، ~~ويحبس بشهادتهم حتى تقوم له بينة أنه أعدم بعد ذلك بحاجة أتت عليه؛ وهذا- ~~عندي بعيد، ولا يصح عندي في المسألة إلا رواية أبي زيد أن ذلك تكاذب ~~وتهاتر، وأن بينة العدم أعمل؛ لأنها أثبتت حكما، وهو تحليفه وتسريحه، ~~والثانية: نفت # PageV02P312 # الحكم وإنما يشبه أن يقال: إن بينة الملأ أعمل إن كان هذا الاختلاف بين ~~البينتين بعد أن حلف وسرح؛ لأن البينة التي شهدت عليه بالملأ تكون هاهنا هي ~~التي أوجبت الحكم- وهو رده إلى السجن، والله أعلم. # ورواية أبي زيد قد وقعت في كتاب المديان والتفليس في بعض الروايات، قال ~~فيها: إنه لا ينظر إلى هؤلاء وإلى هؤلاء، ويدس في ذلك أهل الصلاح والفضل؛ ~~فإن كان له مال ضيق عليه حتى يؤخذ منه الحق، وإن لم يكن له شيء خلي حتى ~~يرزقه الله تعالى، فعلى هذه الرواية جعل البينتين متعارضتين تسقطان جميعا ~~إذا استوت في العدالة، ويرجع إلى ms0793 أصل حاله؛ فإن كان متهما بأنه خبأ مالا، ~~حبس حتى يأتي ببينة على العدم أعدل من البينة التي شهدت عليه بالملأ، وإن ~~كان إنما سجن تلوما واختبارا، أطلق إذا انقضت مدة اختباره على ما حكيناه عن ~~ابن الماجشون من التفصيل في ذلك. # فصل ومن أحاط الدين بماله فلا تجوز له هبة ولا صدقة ولا عتق ولا إقرار ~~بدين لمن يتهم عليه، ويجوز بيعه وابتياعه- ما لم يحجر عليه؛ وكذلك له أن ~~ينفق على زوجه وعلى كل من يلزمه الإنفاق عليه، وأن يتزوج من المال الذي ~~بيده ما لم يضرب على يديه ويحجر عليه فيه، وليس له إن جنى جناية عمدا فيها ~~القصاص أن يصالح بما بيده من أموال غرمائه- على رفع القصاص عن نفسه، ولو ~~كانت الجناية خطأ أو عمدا لا قصاص فيها، كان ذلك له؛ وإن وهب أو تصدق- ~~وعليه ديون كثيرة، وبيده ما لا يدري أن كان يفي بما عليه من الديون أم لا، ~~فالهبة والصدقة جائزة حتى يعلم أن ما عليه من الدين يستغرق ماله، قاله ابن ~~زرب، واحتج على ذلك برواية عيسى عن ابن القاسم في كتاب الرضاع في الذي يدفع ~~إلى المطلقة نفقة سنة، ثم يفلس بعد ستة أشهر، أنه إن كان يوم دفع النفقة ~~قائم الوجه جائز الأمر ولم يظهر من فعله سرف ولا محاباة؛ فذلك جائز وبالله ~~التوفيق. # PageV02P313 ### | كتاب التفليس # الفلس: عدم المال، والتفليس: خلع الرجل من ماله لغرمائه؛ والمفلس: ~~المحكوم عليه بحكم الفلس، والمفلس: الذي لا مال له، وروي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «أتدرون من المفلس من أمتي؟ قالوا: المفلس الذي ~~لا دراهم له. قال: المفلس الذي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وصدقة، ويجيء ~~وقد ظلم هذا، وأكل مال هذا، وضرب هذا، وشتم هذا؛ فيقعد فيقتص لهذا من ~~حسناته، ولهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته، ولم تف بما قبله من الذنوب ~~والخطايا؛ أخذ من خطايا القوم فطرحت عليه ثم طرح في النار» . # وروي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: «أصيب رجل ms0794 في عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في ثمار ابتاعها فكثر دينه، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: تصدقوا عليه، فتصدق عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه؛ فقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك» ، وهو معاذ بن جبل، ~~فلم يزد - صلى الله عليه وسلم - غرماءه على أن خلع لهم ماله، ولم يأمر ~~ببيعه ولا حبسه، وعلى هذا فقهاء الأمصار: أن المفلس لا يؤاجر في الدين ولا ~~يحبس فيه؛ لقول الله عز وجل: # PageV02P315 # {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} [البقرة: 280] ، خلافا لأحمد بن حنبل ~~في قوله: إن المفلس يؤاجر فيما عليه من الدين وهو مذهب ابن شهاب حكاه عنه ~~الطحاوي، وقال: ما علمت أحدا قاله غيره، وخلافا لشريح في قوله: إنه يحبس في ~~الدين؛ لأن الآية عنده إنما وردت في الربا. ولو كان ذلك، لكانت القراءة: ~~وإن كان ذا عسرة فنظرة إلى ميسرة. وإنما القراءة وإن كان ذو عسرة، معناه إن ~~وقع ذو عسرة، أو حضر ذو عسرة، فهو عام في الربا وغيره من الديون، وقد تقدم ~~الكلام على هذا. # وروي أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - رفع إليه أن رجلا من جهينة كان ~~يشتري في الرواحل فيغلي بها، ثم يسرع السير فيسبق الحاج فأفلس، فقام عمر ~~فقال: أما بعد فإن الأسيفع أسيفع جهينة رضي من دينه وأمانته بأن يقال سبق ~~الحاج، وأنه أدان مقرضا فأصبح قد دين به، فمن كان له عليه دين، فليأتنا حتى ~~نقسم ماله بين غرمائه بالغداة، وإياكم والدين، فإن أوله هم وآخره حرب. # وروي أن عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - أتي برجل غرق في دين، فقضى ~~أن يقسم ماله بين غرمائه ويتركه حتى يرزقه الله. # فصل وقد كان الحكم من النبي - عليه السلام - في أول الإسلام بيع المديان ~~فيما عليه من الدين إذا لم يكن له به وفاء على ما كان عليه من الاقتداء ~~بشرائع من قبله من الأنبياء- فيما لم ينزل عليه فيه ms0795 شيء؛ إذ كان من شرائعهم ~~إجازة استرقاق الأحرار، قال الله عز وجل في قصة يوسف - عليه السلام -: {فما ~~جزاؤه إن كنتم كاذبين} [يوسف: 74] {قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه} ~~[يوسف: 75]- أي استعباده قيل: سنة، وقيل: أبدا- قضاء منهم على أنفسهم بقضاء ~~أبيهم يعقوب - عليه السلام -، ولذلك حكمهم؛ ليصل بذلك إلى أخذ أخيه، إذ لم ~~يكن في حكم الملك إلا أن تؤخذ السرقة من السارق أو يغرم ثمنها أو مثلي ~~ثمنها، ومن ذلك ما روي أن الخضر سأله مسكين أن يتصدق # PageV02P316 # عليه بوجه الله، فقال: لقد سألت بعظيم- وما عندي ما أعطيك إلا أن تأخذني ~~فتبيعني؛ قال: ويستقيم ذلك لي؟ قال: نعم الحق أقول لك، لا أخيبك- وقد سألت ~~بعظيم؛ فأخذه فقدمه إلى السوق فباعه بأربعمائة درهم، فمكث عند المشتري ما ~~شاء الله لا يستعمله، فقال له: إنما اشتريتني التماس خير بي، ومتى نعمل؟ ~~قال: أكره أن أشق عليك، إنك شيخ كبير؛ فقال: ما يشق علي، قال: فقم فانقل ~~هذه الحجارة؛ فقام- وخرج الرجل إلى بعض حاجاته، ثم انصرف، وقد نقل الحجارة ~~في ساعة، وكان لا ينقلها أقل من ستة نفر في يوم؛ ثم عرض له سفر فقال: إني ~~أحسبك أمينا فاخلفني في أهلي خلافة حسنة؛ قال: أوصني بعمل، فقال: اضرب من ~~اللبن حتى أقدم عليك، فقدم وقد شيد بناءه؛ فقال له: أسألك بوجه الله العظيم ~~ما جنسك؟ وما أمرك؟ فقال: سألتني بوجه الله- ووجه الله ألقاني في العبودية، ~~فقص عليه قصته، وقال: أخبرك أنه من سئل بوجه الله فرد سائله وهو يقدر. وقف ~~يوم القيامة وليس لوجهه جلد ولا لحم ولا عظم يتقعقع؛ قال آمنت بذلك، فأشفق ~~عليه وأعتقه وخلى سبيله- يعبد الله؛ فقال: الحمد لله الذي أوقعني في ~~العبودية واستنقذني منها- اختصرت كثيرا من متن الحديث لطوله. # والحديث في بيع المديان فيما عليه من الدين: ما روى زيد بن أسلم «عن عبد ~~الرحمن بن البيلماني قال: كنت بمصر فقال لي رجل: ألا أدلك على رجل من أصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقلت: ms0796 بلى، فأشار لي إلى رجل فجئته ~~فقلت: من أنت - يرحمك الله؟ فقال: أنا سرق، فقلت: سبحان الله ما ينبغي أن ~~تسمى بهذا # PageV02P317 # الاسم - وأنت رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -! فقال: إن ~~رسول الله- صلى الله عليه وسلم - سماني سرقا، فلن أدع ذلك أبدا، فقلت: ولم ~~سماك سرقا؟ قال: لقيت رجلا من أهل البادية ببعيرين له يبيعهما فابتعتهما ~~منه، وقلت له: انطلق معي حتى أعطيك، فدخلت بيتي، ثم خرجت من خلف لي، وقضيت ~~بثمن البعيرين حاجتي. وتغيبت حتى ظننت أن الأعرابي قد خرج، فخرجت- ~~والأعرابي مقيم- فأخذني فقدمني إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فأخبرته الخبر، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما حملك على ما ~~صنعت؟ فقلت: قضيت بثمنهما حاجتي يا رسول الله، قال: فاقضه، قلت: ليس عندي ~~شيء قال: أنت سرق، اذهب يا أعرابي فبعه حتى تستوفي حقك؛ فجعل الناس يسومونه ~~بي، ويلتفت إليهم فيقول: ما تريدون؟ فيقولون: نريد أن نبتاعه منك ونعتقه؛ ~~قال: فوالله ما منكم أحوج إليه مني، اذهب فقد أعتقتك، ثم سبح الله» . هذا ~~من حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لقوله تعالى: {وإن كان ذو عسرة ~~فنظرة إلى ميسرة} [البقرة: 280] ، وبالله التوفيق. # فصل فالحكم في الرجل إذا غرق في الدين وقام به غرماؤه أن يضرب على يده، ~~ويحجر عليه فيما يوجد له من المال، ويحبس استبراء؛ فإذا اجتمع أهل دينه قسم ~~ما وجد له من مال بينهم بالحصص بعد أيمانهم، واستحلف فيما بقي قبله من ~~الدين- إذا انقضى أمد استبرائه بالحبس؛ وذلك يختلف في قلة المال وكثرته على ~~ما روي عن ابن الماجشون: بالله الذي لا إله إلا هو ما له مال ظاهر ولا ~~باطن، ولئن وجد مالا ليؤدين إليه حقه. # PageV02P318 # فصل وإنما يتحاص في مال المفلس من ثبت دينه ببينة، أو بإقرار من المفلس ~~قبل التفليس لمن لا يتهم عليه، وأما بعد أن يفلس ويحال بينه وبين ماله ~~ويمنع من البيع والشراء والأخذ والإعطاء، فإن إقراره حينئذ بدين في ذمته لا ms0797 ~~يجوز لقريب ولا بعيد. # فصل فيما يجوز من إقرار المفلس وأفعاله قبل التفليس وبعده مما لا يجوز من ذلك # فصل ومدار هذا الكتاب على ستة فصول: # أحدها: معرفة ما يجوز من إقرار المفلس وأفعاله قبل التفليس وبعده مما لا ~~يجوز من ذلك. # والثاني: معرفة ما يحجر عليه فيه من ماله ويتحاص فيه الغرماء، مما يترك ~~له ولا يتحاص فيه الغرماء. # والثالث: معرفة حكم ضمان ما يحجر عليه فيه من المال. # والرابع: معرفة وجه الحكم في المحاصة. # والخامس: معرفة ما يتحاص به من الديون مما لا يتحاص به منها. # والسادس: معرفة ما يكون الغريم أحق به في التفليس من الغرماء مما يحاصهم ~~فيه ولا يكون أحق به منهم. # فأما الفصل الأول وهو ما يجوز من أفعاله وإقراره قبل التفليس وبعده مما ~~لا يجوز، فأما قبل التفليس فلا يجوز له إتلاف شيء من ماله بغير عوض فيما لا # PageV02P319 # يلزمه مما لم تجر العادة بفعله من هبة أو صدقة أو عتق أو ما أشبه ذلك، ~~وإنما قلنا فيما لا يلزمه تحرزا من نفقته على آبائه وأبنائه في الحد الذي ~~يلزمه ذلك لهم؛ لأنه إتلاف مال بغير عوض- وهو يجوز له؛ لأنه يلزمه، فقد دخل ~~معه الغرماء على ذلك؛ وتحرزا أيضا من نفقته على نفسه؛ لأن الإنفاق على نفسه ~~بالقصد والسداد واجب عليه لإبقاء رمقه، ولا يجوز له في شيء من ذلك السرف؛ ~~لأنه إتلاف مال على غير عوض فيما لا يلزمه ولا يجب عليه. # فصل وإنما قلنا مما لم تجر العادة بفعله؛ لأن إتلافه المال فيما جرت ~~العادة بفعله جائز له، كالكسوة يعطيها السائل والتضحية والنفقة في العيد من ~~غير سرف وما أشبه ذلك. # فصل وكذلك إنفاقه في المال على عوض يجوز فيما جرت العادة بفعله كالتزوج ~~والنفقة على الزوجة، وما أشبه ذلك؛ ولا يجوز فيما لم تجر العادة بفعله من ~~الكراء في الحج التطوع، وما أشبه ذلك؛ وانظر هل له أن يحج حجة الفريضة من ~~أموال غرمائه أم لا - وإن كان يأتي ذلك ms0798 على الاختلاف في الحج هل هو على ~~الفور؟ أو على التراخي؟ وهل له أن يتزوج أربع زوجات؟ وتدبر ذلك. # ويجوز بيعه وابتياعه ما لم تكن فيه محاباة؛ وإقراره بالدين لمن لا يتهم ~~عليه من صديق ملاطف أو قريب باتفاق. ولمن يتهم عليه على اختلاف؛ واختلف قول ~~مالك في قضائه بعض غرمائه دون بعض ورهنه، فقال مرة: ذاك جائز له، وقال مرة: ~~لا يجوز ويدخل عليه في ذلك جميع الغرماء؛ وقد قيل: إنه يجوز قضاؤه ولا يجوز ~~رهنه - وهو قائم من المدونة بدليل؛ وهذا إذا قضى أو رهن من لا يتهم عليه، # PageV02P320 # وأما إذا قضى أو رهن من يتهم عليه فلا يجوز، وذلك ما لم يتشاور الغرماء ~~في تفليسه على مذهب ابن القاسم؛ وقال أصبغ: قضاؤه ورهنه جائز للأجنبيين- ~~وإن كانوا قد تشاوروا في تفليسه ما لم يفلسوه، وسواء في إقراره بالدين لمن ~~لا يتهم عليه وبيعه وابتياعه- كان صحيحا أو مريضا- في مذهب مالك وابن ~~القاسم، بخلاف رهنه وقضائه بعض غرمائه دون بعض، وإقراره لمن يتهم عليه، فإن ~~ذلك لا يجوز على مذهب ابن القاسم في المرض- إذا كان مرضا مخوفا يمنع فيه ~~القضاء في ماله؛ وكذلك روى أصبغ عن ابن القاسم - وهو مفسر لقوله في ~~المدونة: وقال غيره إن قضاءه جائز؛ لأن بيعه وشراءه جائز، وهو قول غير ابن ~~القاسم في المدونة. # وأما إقرار المريض بالدين إذا لم يكن عليه دين، فيجوز إذا لم يتهم، مثل ~~أن يقر لأجنبي وله ولد؛ ولا يجوز إذا اتهم، مثل أن يقر لصديق ملاطف- وورثته ~~كلالة؛ وفي إقرار الزوج لزوجته بدين في المرض تفصيل، والذي يتحصل عندي فيه ~~على منهاج قول مالك وأصحابه؛ إن أمره لا يخلو من ثلاثة أحوال: # أحدها: أن يعلم منه ميل إليها وصبابة بها. # والثاني: أن يعلم منه الشنآن لها والبغض فيها. # والثالث: أن يجهل مذهبه فيها وحاله معها. # فأما إذا علم منه ميل إليها وصبابة بها، فلا يجوز إقراره لها إلا أن يجيز ~~ذلك الورثة؛ وأما إذا علم منه البغض فيها والشنآن لها، ms0799 فإقراره جائز لها ~~على الورثة؛ وأما إذا جهل حاله معها في الميل إليها والبغض لها فلا يخلو ~~أمره من وجهين: أحدهما: أن يورث بكلالة. # والثاني: أن يورث بولد. # فأما إذا ورث بكلالة، فلا يجوز إقراره لها؛ وأما إذا ورث بولد، فإن الولد ~~لا يخلون من أن يكونوا إناثا أو ذكورا صغارا أو كبارا، واحدا أو عددا، منها ~~أو من # PageV02P321 # غيرها؛ فأما إن كان الولد إناثا يرثنه مع العصبة، فسواء كن واحدة أو ~~عددا، صغارا أو كبارا منها، يتخرج ذلك عندي على قولين: # أحدهما: أن إقراره جائز. # والثاني: أنه لا يجوز من اختلافهم في إقراره لبعض العصبة إذا ترك ابنة ~~وعصبة، فإن كن صغارا منها لم يجز إقراره لها قولا واحدا. وأما إن كان الولد ~~ذكرا - وكان واحدا فإقراره لها جائز صغيرا كان الولد أو كبيرا، منها أو من ~~غيرها؛ وأما إن كان الولد ذكورا عددا، فإقراره لها جائز إلا أن يكون بعضهم ~~صغيرا منها وبعضهم كبيرا- من غيرها فلا يجوز إقراره لها، فإن كان الولد ~~الكبير في الموضع الذي يرفع التهمة عن الأب في إقراره لزوجه عاقا له، لم ~~ترفع عنه التهمة وبطل الإقرار على ما في سماع أصبغ من العتبية، وإحدى ~~الروايتين في المدونة؛ وإن كان بعضهم عاقا له، وبعضهم برا به يخرج على ما ~~ذكرته من الاختلاف في إقراره لبعض العصبة إذا ترك ابنة وعصبة؛ وكذلك الحكم ~~سواء في إقرار الزوجة لزوجها، ولا فرق أيضا بين أن يقر أحدهما لصاحبه بدين، ~~أو يقر أنه قبض منه ما له عليه من دين، وبالله التوفيق. # فصل وأما بعد التفليس، فلا يجوز له في ماله بيع ولا شراء ولا أخذ ولا ~~إعطاء؛ ولا يجوز إقراره بدين في ذمته لقريب ولا بعيدة، واختلف في إقراره ~~بمال معين مثل أن يقول: هذا المال بيدي لفلان وديعة أو قراض، وما أشبه ذلك ~~على ثلاثة أقوال: # أحدها: أن إقراره بذلك جائز وهو قول مالك في سماع عيسى من كتاب المديان. # والثاني: أن إقراره بذلك لا يجوز- وهو ms0800 قول ابن القاسم في كتاب الوصايا ~~الثاني من المدونة وقول مالك في سماع ابن القاسم، وفي سماع أشهب عنه من # PageV02P322 # الكتاب المذكور، وقال يقال له: أفسدت أمانتك ولعلك أن تخص هذا أو تدانيه ~~ليرد عليك.. # والثالث: أنه إن كان على أصل القراض والوديعة بينة صدق- أن هذا هو ذلك ~~المال، وإن لم يكن على أصل ذلك المال بينة لم يصدق وهي رواية أبي زيد عن ~~ابن القاسم في الكتاب المذكور. # فصل وحد التفليس الذي يمنع قبول إقراره، هو أن يقوم عليه غرماؤه فيسجنوه، ~~أو يقوموا عليه فيستتر عنهم فلا يجدوه؛ قال محمد: ويحولوا بينه وبين التصرف ~~في ماله بالبيع والشراء، والأخذ والإعطاء إلا أن لا يكون لواحد منهم بينة، ~~فإقراره جائز لمن أقر له إذا كان ذلك في مجلس واحد أو قريب بعضه من بعض؛ ~~قال ابن حبيب: وإن كان المقر لهم ممن يتهم عليه، أو يكون من له بينة لا ~~يستغرق ماله، أو يكون إقراره عند القيام عليه قبل أن يستسلم ويسكت فيجوز إذ ~~لا يقدر على أكثر من هذا؛ وقد روي عن مالك أن إقرار المفلس يجوز لمن يعلم ~~منه إليه تقاض ومداينة وخلطة مع يمينه، ويحاص من له بينة ولذلك وجه. # فصل في معرفة ما يحجر فيه على المفلس ويتحاص فيه الغرماء # فصل وأما الفصل الثاني: وهو معرفة ما يحجر عليه فيه ويتحاص فيه الغرماء ~~مما يترك له، فقال في المدونة: يترك له ما يعيش به هو وأهله الأيام، قال في ~~الواضحة: المشهور نحوه، قال في العتبية: هو وولده الصغير، ويترك له كسوته ~~إلا أن يكون # PageV02P323 # فيها فضل عن كسوة مثله، وشك مالك في كسوة زوجته، هل تترك لها؛ لأنها لا ~~تجب إلا بمعاوضة وبطول الانتفاع بها، فيكون ذلك كالنفقة لها بعد المدة ~~المؤقتة؛ وقال سحنون: لا تترك له كسوة امرأته، ويباع ما سوى ذلك من ثيابه ~~وعروضه، ويباع خاتمه وسلاحه وثوبا جمعته، إلا أن لا يكون لهما تلك القيمة، ~~وقد روى ابن نافع عن مالك أنه لا ms0801 يترك له إلا ثوب يواريه، وهو قول ابن ~~كنانة: إنه لا يترك له شيء؛ واختلف في كتب العلم هل تباع عليه في الدين أم ~~لا على قولين، قال مالك في كتاب ابن المواز: لا تباع عليه كتب العلم، وهو ~~الذي يأتي على مذهبه في المدونة؛ لأنه كره بيع كتب الفقه، وفي سماع ابن ~~القاسم من كتاب الرهون إجازة رهنها، فكذلك بيعها يجوز على هذه الرواية وهو ~~قول أكثر أصحاب مالك أن بيعها جائز في الدين وغيره، إذ لا فرق بين بيعها في ~~الدين وغيره، وهذه المسألة مبنية على اختلافهم في جواز بيعها وكراهيته، وقد ~~قال محمد بن عبد الحكم: بيعت كتب ابن وهب بثلاثمائة دينار وأصحابه ~~متوافرون، فما أنكروا ذلك. # وأما المصحف فإنه يباع في الدين لم يختلف في جواز بيعه في المذهب، ولا ~~تؤاجر أم الولد في الدين، وتؤاجر المدبرة. وتباع كتابة المكاتب في دين ~~سيده، ولا يجبر المفلس على اعتصار ما وهب لولده، ولا على الأخذ بشفعة له ~~فيها فضل، ولا على انتزاع مال أم ولده ومدبره؛ هذا قول مالك في كتاب ~~المأذون له في التجارة؛ وفي سماع ابن القاسم من كتاب الحبس ما يعارض ذلك- ~~وهي مسألة من حبس حبسا، وشرط في حبسه إن شاء المحبس عليه أن يبيع باع، ولا ~~على قبول ما وهب له أو تصدق به عليه أو أوصي له به أو أسلف إياه، أو أعير ~~له؛ وإن وهب له أبوه من يعتق عليه عتق عليه، ولم يبع في الدين؛ لأن الذي ~~وهبه له إنما وهبه ليعتق لا ليأخذه أهل الدين هذه علته في الرواية، فانظر ~~على ذلك: لو وهبه إياه وهو لا يعلم أنه ممن يعتق عليه؛ وأما إذا ورثه ~~فاختلف في ذلك: روى أبو زيد عن ابن القاسم أنه يباع في الدين ولا يعتق ~~عليه، وقال أشهب: يعتق عليه. # PageV02P324 # فصل فإن كان. المفلس امرأة فليس للغرماء أن يأخذوا معجل مهرها قبل الدخول ~~ولا بعده بأيام يسيرة، ولا يجوز لها أن تقضي منه في ms0802 دينها إلا الشيء ~~اليسير؛ قال في المدونة: الدينار ونحوه في كتاب الديات، وقال مالك في كتاب ~~ابن المواز: الدينار والدينارين والثلاثة؛ وأما ما تداينت به بعد الدخول، ~~فإن مهرها يؤخذ فيه، هذا نص رواية يحيى عن ابن القاسم وفيها نظر، ولم يعط ~~جوابا بينا في كالئها هل للغرماء أن يتبعوه في دينهم أم لا؟ والأظهر أن ذلك ~~لهم، وأنه لا يلزمها أن تتجهز به إليه. # فصل فإن ادعى في أمة أنها أسقطت منه لم يصدق، إلا أن تقوم بينة بذلك من ~~النساء، أو يكون قد فشا ذلك قبل ادعائه؛ وإذا كان لها ولد قائم فقوله مقبول ~~أنه منه؛ لأن الولد يرفع التهمة في ذلك، هذا قوله في كتاب أمهات الأولاد ~~ولا اختلاف في ذلك. # فصل في معرفة حكم ضمان المال المحجر عليه فيه # فصل وأما الفصل الثالث: وهو معرفة حكم ضمان المال المحجر عليه فيه، فقال ~~أشهب: مصيبته من الغريم المفلس عينا كان أو عرضا حتى يقضي إياه الغرماء ~~ورواه عن مالك؛ وقال ابن الماجشون: مصيبته من الغرماء إذا احتجبه السلطان ~~عينا كان أو عرضا، ورواه عن مالك وقال ابن القاسم - ورواه عن مالك إن كان ~~عينا فمصيبته من الغرماء معناه: إن كانت ديونهم عينا، وإن كانت عروضا ~~فمصيبته في الغريم المفلس، # PageV02P325 # - معناه: إذا كانت ديونهم عينا أو عرضا مخالفة لها، وأما إن كانت ديونهم ~~عروضا مماثلة لها فمصيبتها منهم؛ لأنهم يتحاصون فيها ولا يحتاجون إلى ~~بيعها، فتحصيل مذهبه أن ما يحتاج إلى بيعه فضمانه من الغريم؛ لأنه إنما ~~يباع على ملكه وما لا يحتاج إلى بيعه، فضمانه من الغرماء، وقال أصبغ: ~~المصيبة في الموت من الغرماء وفي التفليس من الغريم المفلس. # فصل وأما الفصل الرابع: - وهو معرفة وجه التحاص، فإن الحكم في ذلك أن ~~يصرف مال الغريم من جنس ديون الغرماء دنانير إن كانت ديونهم دنانيرا، أو ~~دراهم إن كانت ديونهم دراهم، أو طعاما إن كانت ديونهم طعاما- على صفة ~~واحدة؛ أو عروضا إن كانت ديونهم عروضا على صفة واحدة، ms0803 فإن كانت ديونهم ~~مختلفة دنانير ودراهم، أو دنانير وعروضا، أو دراهم وطعاما، وما أشبه ذلك، ~~صرف مال الغريم عينا: إما دنانير، وإما دراهم - على الاختيار في ذلك إذا ~~كان الصنفان جاريين في البلد، ويباع ماله من الديون إلا أن يتفق الغرماء ~~على تركها حتى تقبض عند حلولها، ثم تحصل جميع ديونهم إن كانت صفة واحدة، أو ~~قيمتها إن كانت مختلفة حلت أو لم تحل؛ لأن التفليس معنى يفسد الذمة، ~~فاقتضاء حلول الدين كالموت، لقول الله عز وجل: {من بعد وصية يوصي بها أو ~~دين} [النساء: 11] هذا مذهب ابن القاسم، وقال سحنون: إن العرض المؤجل يقوم ~~يوم التفليس على أن يقبض إلى أجله - وهو بعيد؛ لأن المال لو كان فيه وفاء ~~لعجل له حقه أجمع، وإذا قاله في # PageV02P326 # العرض، فيلزمه مثله في العين المؤجل- وهذا ما لم يقله هو ولا غيره، وينظر ~~ما يقع من ذلك جميع مال المفلس: فإن كان النصف كان لكل واحد منهم نصف دينه ~~وأتبع الغريم بالنصف الباقي، وإن كان الثلث كان له الثلث وأتبع الغريم ~~بالثلثين، وإن كان الربع كان له الربع وأتبع الغريم بثلاثة أرباع دينه؛ فمن ~~كان دينه منهم من صنف مال الغريم- دنانير أو دراهم، دفع إليه ما وجب له ~~منه، ومن لم يكن دينه من صنف مال الغريم، أتبع له ما وجب له نصف عرضه إن ~~كان دينه عرضا، أو نصف طعامه إن كان دينه طعاما، ولم تسلم إليه دنانير؛ فإن ~~أراد أن يأخذها ولا يشترى له بها شيء لم يجز ذلك إن كان الذي له طعام من ~~سلم؛ لأنه يدخله بيع الطعام قبل أن يستوفى إن كان الذي صار له في المحاصة ~~أقل مما ينوب ذلك الجزء من الطعام أو أكثر، وإن كان مثله سواء، دخله البيع ~~والسلف؛ وإن كان الذي له طعام من قرض، فذلك جائز بكل حال لا يدخله شيء؛ وإن ~~كان الذي له عرض من سلم لم يجز، وقد قيل: إنه جائز؛ لأن الحكم بالتفليس ~~يرفع التهمة- وذلك يأتي على الاختلاف ms0804 في مسألة سماع أشهب من كتاب السلم ~~والآجال. # فصل ولو أراد أن يأخذ الذي صار له في المحاصة بجميع حقه ولا يتبع الغريم ~~بشيء، جاز إن كان الذي صار له في المحاصة بجميع حقه، ولا يتبع الغريم بشيء ~~جاز - إن كان الذي صار في المحاصة، مثل رأس ماله أو أقل، إلا أن يكون الدين ~~طعاما من سلم فلا يجوز إلا أن يكون الذي صار له في المحاصة مثل رأس ماله ~~سواء - لا زيادة فيه ولا نقصان، ولو كان الدين طعاما من قرض لجاز، ذلك كان ~~الذي صار له في المحاصة مثل رأس ماله أو أقل أو أكثر. # PageV02P327 # فصل فإذا قلنا: إن ما صار له في المحاصة بالعروض يشترى له به مثل الذي ~~له، فإن غلا السعر أو رخص فاشتري له بذلك أقل مما صار له في المحاصة لغلاء ~~السعر، أو أكثر لرخص السعر؛ فلا تراجع في ذلك بينه وبين الغرماء، إلا أن ~~يكون فيما صار له أكثر من جميع حقه، فيبرأ بالفضل إلى الغرماء، وإنما ~~التحاسب في زيادة ذلك ونقصانه بينه وبين الغريم فيتبعه بما بقي من حقه قل ~~لرخص السعر أو كثر لغلائه. # فصل في معرفة ما يتحاص به من الديون مما لا يتحاص به منها # فصل وأما الفصل الخامس وهو معرفة ما يتحاص به من الديون مما لا يتحاص به ~~منها، فإن المحاص لا تجب إلا بما تقرر من الديون في الذمة، لا بالسلع ~~المعينات؛ لأنه اشترى سلعة بعينها ففلس البائع، فالمبتاع أحق بها من ~~الغرماء بإجماع العلماء. # فصل في أقسام الديون الثابتة المتقررة في الذمة # فصل والديون الثابتة المتقررة في الذمة تنقسم على قسمين: # أحدهما: أن تكون واجبة عن عوض. # والثاني: أن تكون واجبة على غير عوض. # فأما ما وجب منها عن عوض- يتمول أو لا يتمول، فلا يخلو من أن يكون العوض ~~مقبوضا أو لا يكون مقبوضا؛ فأما إذا كان مقبوضا كأثمان السلع المقبوضة ~~وأروش الجنايات، ونفقة الزوجات؛ لما سلف من المدة، ومهور الزوجات # PageV02P328 # المدخول بهن، وما ms0805 حق لهن عليه من شيء غير موصوف في الذمة، فإن المحاصة ~~بذلك واجبة؛ وأما ما كان منها غير مقبوض، فإن ذلك ينقسم على خمسة أقسام: # أحدها: ألا يمكنه دفع العوض بحال. # والثاني: ألا يمكنه دفع العوض ويمكنه دفع ما يستوفى فيه. # والثالث: أن يمكنه دفع العوض ويلزمه. # والرابع: أن يمكنه دفع العوض ولا يلزمه. # والخامس: ألا يكون إليه تعجيل دفع العوض. # فأما ما لا يمكنه دفع العوض كنفقة الزوجات؛ لما يأتي من المدة، فلا محاصة ~~في ذلك بوجه؛ وأما ما لا يمكنه دفع العوض فيه ويمكنه دفع ما يستوفى فيه مثل ~~أن يكتري الرجل دارا بالنقد أو يكون العرف فيه النقد، فيفلس المكتري قبل أن ~~يقبض الدار، أو بعد أن قبض وسكن بعض السكنى، فأوجب ابن القاسم في المدونة ~~للمكري المحاصة بكراء ما بقي من السكنى إذا شاء أن يسلمه، وله مثل ذلك في ~~العتبية؛ وعلى قياس هذا إن فلس قبل أن يقبض الدار، فللمكري أن يسلمها ويحاص ~~بجميع كرائه؛ وهذا إنما يصح على قياس قول أشهب الذي يرى أن قبض أوائل ~~الكراء قبض لجميع الكراء؛ فيجيز أخذ الدار للكراء من الدين، وأما ابن ~~القاسم فالقياس على أصله أن يحاص الغرماء بكراء ما مضى ويأخذ داره ولا يكون ~~له أن يسلمها ويحاص الغرماء بجميع الكراء؛ ولو لم يشترط في الكراء النقد، ~~ولا كان للعرف فيها النقد، لوجب على المذهب المتقدم- إذا حاص- أن يوقف ما ~~وجب له في المحاصة؛ فكلما سكن شيئا أخذ بقدره من ذلك؛ وأما ما يمكنه دفع ~~العوض ويلزمه كرأس مال السلم إذا فلس المسلم إليه قبل دفع رأس المال، ففي ~~كتاب ابن المواز يلزمه أن يدفعه ويحاص به الغرماء ولا يكون أحق به، إذ ليس ~~برهن، وهذا على قول أشهب في المدونة: إنه لا سبيل له على العيش، # PageV02P329 # وهو فيه أسوة الغرماء وفي قوله إذ ليس برهن نظر؛ لأن بالتفليس يحل ما على ~~المفلس،. فإذا حل بالتفليس كان للمسلم أن يمسك رأس المال- إن كان لم يدفعه ~~على ما ms0806 قالوا في الكالئ إذا حل قبل البناء: إن للزوجة أن تمنعه من الدخول ~~حتى تقبضه، وفي ذلك اختلاف؛ وأما على قول ابن القاسم الذي يرى أنه أحق ~~بالعين في التفليس، فيكون له أن يمسكه ولا يلزمه أن يدفعه ويحاص الغرماء، ~~ولو كان رأس مال السلم عرضا، لكان له أن يمسكه على قوليهما جميعا. # فصل وأما ما يمكنه دفع العوض ولا يلزمه- كالسلعة إذا باعها ففلس المبتاع ~~قبل أن يدفعها إليه البائع، فهو بالخيار بين أن يمسك سلعته أو يسلمها ويحاص ~~الغرماء بثمنها، ولا خلاف في هذا الوجه. # فصل وأما الوجه الخامس وهو ألا يكون إليه تعجيل دفع العوض فذلك مثل أن ~~يسلم الرجل إلى الرجل دنانير في عروض إلى أجل فيفلس المسلم قبل أن يدفع رأس ~~المال وقبل أن يحل أجل المسلم، فإن رضي المسلم إليه أن يعجل العروض ويحاص ~~الغرماء برأس مال المسلم، فذلك جائز إن رضي بذلك الغرماء؛ وإن أبى ذلك ~~أحدهم حاص الغرماء برأس المال الواجب له فيما وجد الغريم من مال، وفي ~~العروض التي عليه إذا حلت، وإن شاءوا أن يبيعوها بالنقد ويتحاصوا فيها ~~الآن، كان ذلك لهم؛ وأما إن فلس المسلم بعد حلول السلم على المسلم إليه، ~~فهو برأس المال أسوة الغرماء فيما حل عليه من السلم، وله أن يمسكه ويكون ~~أحق به على مذهب ابن القاسم - وإن لم يكن بيده رهنا ويكون ذلك على مذهب ~~أشهب الذي جعله كالرهن - وإن كان لم يرتهنه منه. وأما إن فلس بعد دفع السلم # PageV02P330 # - وهو قائم- فيجري ذلك أيضا على اختلاف قول ابن القاسم وأشهب في العين: ~~هل يكون أحق به من الغرماء أم لا. # فصل ولا يخرج على هذا التقسيم الذي قسمناه إلا الحكم في مهور الزوجات، ~~فإن المحاصة بها واجبة وإن لم يقتض العوض- أعني إذا فلس الزوج قبل الدخول، ~~ولا خيار للمرأة في نفسها كما يخير بائع السلعة في سلعته إذا فلس المبتاع ~~قبل أن يدفعها- لوجهين: # أحدهما: أن النكاح قد انعقد ولا خيار للمرأة في حله، إذ ليس ms0807 بيدها طلاق. # والثاني: أن الصداق ليس بعوض للبضع على الحقيقة، وإنما هو نحلة من الله ~~تعالى للزوجات، أوجبه لهن على أزواجهن بالعقد هذا الصحيح من الأقاويل، ~~بدليل وجوب جميعه بالموت قبل الدخول، وقد كان يجب ألا تحاص إلا بالنصف على ~~قياس قول من يقول: إنه لا يجب للمرأة بالعقد إلا نصف الصداق، لكنه قول ضعيف ~~لا يعضده نظر، والصحيح أن الصداق يجب جميعه بالعقد، إلا أنه يجب وجوبا غير ~~مستقر، ولا يستقر جميعه إلا بالموت أو الدخول. # فصل فإن حاصت المرأة زوجها بجميع الصداق قبل الدخول ثم طلقها الزوج، ~~فقيل: إنها ترد ما زاد على النصف- إن صار لها في المحاصة-، أكثر من # PageV02P331 # النصف، وقيل إنها تحاص الآن بالنصف، فيكون لها نصف ما صار لها بالمحاصة ~~وترد نصفه وهو قول ابن القاسم، والأول قول ابن دينار. # فصل وأما إن طلقها قبل التفليس- ولم تقبض من صداقها شيئا، فإنما تحاص- ~~بالنصف الواجب لها، فإن كانت قد قبضت جميعه، كان لها منه النصف وردت ~~الباقي، وكان للزوج محاصة الغرماء به إن كان عليها دين، وإن كانت قد قبضت ~~النصف ثم فلس زوجها فطلقها بعد التفليس: فقيل: إنها لا ترد منه شيئا، وهو ~~قول ابن كنانة، وابن الماجشون وأصبغ، وقيل: إنما يكون لها منه النصف، وترد ~~النصف وتحاص به الغرماء وهو مذهب ابن القاسم، قال ابن المواز: وأما إن ~~طلقها قبل التفليس- وهو قائم الوجه ثم فلس فلا ترد شيئا؛ لأنه قد وجب لها ~~ما أخذت واستحقته قبل فلسه، وهذا الذي قاله ابن المواز صحيح، إلا أن يكون ~~النصف الذي دفع معجلا والنصف الباقي مؤجلا، فيجب عليها أن ترد نصف ما قبضت، ~~وإن طلقها قبل التفليس وهو قائم الوجه ما. لم يتناجزا في ذلك ويرضى الزوج ~~بترك الرجوع عليها؛ لأن من حقه أن يرجع عليها بنصف المعجل الذي دفع إليها ~~ويبقى عليه نصف المؤجل إلى أجله. # فصل وأما إن دفع إليها نصف الصداق بعد الطلاق فلا ترد منه شيئا؛ لأنه لم ~~يدفعه إليها إلا على أنه الواجب ms0808 عليه. # PageV02P332 # فصل وأما ما كان من الحقوق الواجبة في الذمة على غير عوض فإنها تنقسم على ~~قسمين: # أحدهما: أن تكون واجبة بالشرع من غير أن تلتزم. # والثاني: ألا تجب بالشرع إلا أن تلتزم. # فأما ما كان منها غير واجبة بالشرع إلا أن تلتزم كالهبات والصدقات والنحل ~~التي لم تنعقد عليها الأنكحة، فلا اختلاف أن المحاصة لا تجب بها؛ لأن الفلس ~~يبطلها كما يبطلها الموت. # فصل وأما النحل التي تنعقد عليها الأنكحة وحمل أثمان السلع في عقود ~~البيع، وحمل الصدقات في عقود الأنكحة والحمالات بالأثمان في عقود البيع، ~~فالمحاصة بها واجبة؛ لأنها لزمت على عوض وفي النحل التي تنعقد عليها ~~الأنكحة اختلاف، وكذلك اختلف أيضا في حمل الثمن بعد العقد وفي حمل الصداق ~~بعد العقد: فقيل: إن المحاصة بها واجبة؛ لأن المحمول له ترك اتباع ذمة ~~غريمه من أجل ذلك فأشبه العوض، وقيل: إن المحاصة بها غير واجبة، لأنها خرجت ~~على غير عوض وهذا الاختلاف يجب أن يدخل في الحمالة بعد عقد البيع وإن كان ~~الموجود لهم لزوم ذلك في الحياة وبعد الممات، ووجوب المحاصة به. # فصل وأما ما كان منها واجبا بالشرع دون أن يلتزم كنفقة الآباء والأبناء ~~وما تحمله العاقلة من الدية، فاختلف فيه على قولين: # PageV02P333 # أحدهما: أن المحاصة لا تجب بها، والثاني أن المحاصة تجب بها- إذا ألزمت ~~بحكم من السلطان وهو قول أشهب، والأول قول ابن القاسم. # فصل في معرفة ما يكون الغريم أحق به من الغرماء في الموت والفلس # فصل # وأما الفصل السادس: وهو معرفة ما يكون الغريم أحق به من الغرماء في الموت ~~والفلس، أو في الفلس دون الموت - مما لا يكون أحق به في شيء من ذلك ويحاص ~~الغرماء؛ فتحصيله أن الأشياء المبيعة بالدين تنقسم في التفليس على ثلاثة ~~أقسام: عرض يتعين، وعين اختلف هل يتعين أو لا يتعين، وعمل لا يتعين، فأما ~~العرض فإن كان في يد بائعه لم يسلمه حتى فلس المشتري، فهو أحق به في الموت- ~~والفلس جميعا؛ لأنه كالرهن بيده، وهذا ما ms0809 لا خلاف فيه؛ وإن كان قد دفعه إلى ~~المشتري ثم فلس وهو قائم بيده، فهو أحق به من الغرماء في الفلس دون الموت- ~~عند مالك - رحمه الله - وجميع أصحابه- على ما وردت به السنة الثابتة عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - من قوله: «أيما رجل باع متاعا فأفلس الذي ~~ابتاعه ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئا، فوجده بعينه فهو أحق به، وإن مات ~~الذي ابتاعه فصاحب المتاع أسوة الغرماء» خلافا لأبي حنيفة في قوله: إنه ~~أسوة الغرماء في الموت والفلس جميعا، وخلافا للشافعي في قوله: إنه أحق ~~بسلعته في الفلس والموت جميعا؛ وله عند مالك - رحمه الله - أن يترك سلعته ~~ويحاص الغرماء؛ وإن أراد أخذ سلعته، فللغرماء أن يفتكوها منه بالثمن. # قال ابن الماجشون: من مال الغريم أو من أموالهم، وقال ابن كنانة ليس لهم ~~أن يدفعوا إليه الثمن من أموالهم، وإنما لهم أن يبدوه به من مال الغريم ~~المفلس وقال أشهب: ليس لهم أن يأخذوها إلا أن يزيدوا على الثمن زيادة ~~يحطونها عن المفلس من دينهم، خلافا للشافعي في قوله: إنه لا خيار للغرماء ~~في شيء من ذلك. # PageV02P334 # فصل فإن كان قد قبض بعض الثمن ووجد سلعته قائمة، فهو بالخيار بين أن يرد ~~ما قبض ويأخذ سلعته، أو يتركها ويحاص الغرماء بما بقي له من حقه، خلافا ~~للشافعي في قوله: إنه ليس له أن يرد إنما يكون له من السلع بقدر ما بقي له ~~من ثمنها - إن أراد أن يأخذها، وخلافا لأهل الظاهر في قولهم: إنه إذا قبض ~~شيئا من الثمن فهو أسوة الغرماء تعلقا، بدليل قول النبي - عليه السلام - في ~~الحديث: «ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئا فهو أحق به» قالوا: ففي هذا دليل ~~أنه إذا قبض من الثمن شيئا فلا حق له فيها، وهو أسوة الغرماء، وليس كما ~~قالوا لاحتمال الكلام من الدليل غير ما قالوا. # فصل وكذلك ما أشبه البيع من جميع وجوه المعاوضات كالهبة للثواب، أو الرد ~~بالعيب على مذهب من يرى أنه ابتداء بيع- أعني ms0810 إذا رد السلعة بعيب ففلس ~~البائع قبل أن يرد إليه الثمن فوجد المبتاع السلعة قائمة بيد البائع ~~المفلس؛ فإنه يكون أحق بها من الغرماء إن شاء على القول بأن الرد بالعيب ~~ابتداء ببيع، وأما على القول بأنه نقض بيع، فلا يكون له إليها سبيل، وإنما ~~يكون أحق بالثمن الذي دفع إن وجده بعينه في الموت والفلس جميعا، لانتقاض ~~البيع ووجوب رد عين ماله؛ وأما إن لم يجده بعينه، فهو به أسوة الغرماء على ~~القولين جميعا؛ وقد اختلف على القول بأن الرد بالعيب نقض بيع؛ هل يكون ~~المبتاع أحق بالسلعة حتى يستوفي الثمن إذا فلس البائع قبل أن يردها عليه ~~على قولين؛ وأما على القول بأنه ابتداء بيع، فيكون أحق به قولا واحدا، ~~وكذلك اختلف أيضا فيمن اشترى سلعة بيعا فاسدا ففلس البائع قبل أن يردها ~~عليه المبتاع: هل يكون أحق بها حتى يستوفي # PageV02P335 # ثمنها أم لا؟ على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه يكون أحق بها وهو قول سحنون. # والثاني أنه لا يكون أحق بها وهو قول ابن المواز. # والثالث: أنه إن كان ابتاعها بنقد، فهو أحق بها؛ وإن كان ابتاعها بدين ~~فلا يكون أحق بها- وهو أسوة الغرماء، وهو قول ابن الماجشون ولا اختلاف ~~بينهم أنه إن وجد الثمن الذي دفعه بعينه أنه أحق به في الموت والفلس جميعا ~~وكذلك من اشترى سلعة بسلعة فاستحقت السلعة التي قبض كان أحق بالسلعة التي ~~دفع- إن وجدها بعينها في الموت والفلس جميعا- قولا واحدا؛ - وكذلك من تزوج ~~امرأة بسلعة بعينها فدفعها إليها ففلست ثم طلقها قبل الدخول أو ألفي النكاح ~~مفسوخا، فهو أحق بجميع السلعة- إن وجد النكاح مفسوخا، أو بنصفها إن كان ~~طلقها وأدركها قائمة بعينها في الموت والفلس جميعا- قولا واحدا. # فصل وإن كان دفعه إلى المشتري ثم فلس بعد أن فات بيده أو لم يعرف بعينه ~~فهو أسوة الغرماء، والقول بما يفوت به مما لا يفوت مسطور في كتاب العلماء ~~منهم ابن حبيب وغيره- وهو يتعين بأحد وجهين: إما ببينة تقوم عليه، وإما ~~بإقرار المفلس به ms0811 قبل التفليس؛ واختلف إذا لم يقر به إلا بعد التفليس على ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أن قوله مقبول قيل: مع يمين صاحب السلعة، وقيل: دون يمين، وقيل: ~~إن قوله غير مقبول ويحلف الغرماء أنهم لا يعلمون أنها سلعته، وقيل: إن كانت # PageV02P336 # على الأصل بينة قبل قوله- في تعيينها، وإلا لم يقبل؛ وهي رواية أبي زيد ~~عن ابن القاسم. وأما العين فهو أحق به أيضا في الموت والفلس ما كان بيده. # واختلف إذا دفعه إلى من بايعه فيه ففلس أو مات- وهو قائم بيده يعرف ~~بعينه: فقيل: إنه أحق به كالعرض في الفلس دون الموت- وهو قول ابن القاسم ~~وقيل: إنه لا سبيل له عليه وهو أسوة الغرماء- وهو قول أشهب، والقولان ~~جاريان على الاختلاف في تعين العين؛ وأما إن لم يعرف بعينه، فهو أسوة ~~الغرماء في الموت والفلس جميعا. # فصل وأما العمل الذي لا يتعين، فإن أفلس المستأجر قبل أن يستوفي عمل ~~الأجير، كان الأجير أحق بما عليه من العمل في الموت والفلس جميعا وانتقضت ~~الإجارة كالسلعة إذا كانت بيد البائع؛ وإن كان فلسه بعد أن استوفى عمل ~~الأجير، فالأجير أسوة الغرماء بأجرته التي شارطه عليها في الموت والفلس ~~جميعا، إلا أن لا تكون بيده السلعة التي استؤجر على عملها كالصانع يستأجر ~~على خياطة الثوب أو صياغة الحلي فيفلس صاحب الثوب بعد أن عمل الصانع العمل ~~والثوب والحلي بيده لم يسلمه بعد، فيكون أحق بذلك في الموت والفلس جميعا؛ ~~لأنه كالرهن بيده، فإن أسلمه كان أسوة الغرماء بعلمه، إلا أن يكون له فيها ~~شيء أخرجه، فهو أحق به في الفلس دون الموت- على ما ثبت في الأمهات من وجه ~~العمل في ذلك، وكذلك المكتري يفلس وقد حمل المكري ما استحمل إياه من المتاع ~~على إبله ودوابه، فهو أحق بالمتاع حتى يستوفي كراءه في الموت والفلس جميعا ~~لكنه # PageV02P337 # قابض للمتاع، لكونه على ظهور دوابه؛ وإن لم يكن معها وكان قد أسلمها إلى ~~المكتري فهو كالرهن بيده ما لم يقبض الكراء فيحوز رب المتاع متاعه ويقبض هو ~~دوابه، ms0812 وكذلك السفينة وهذا بين في العتبية أنه إنما يكون أحق بالمتاع ما ~~كان في سفينته، أو على ظهور دوابه، وقد تأول أحمد بن خالد - رحمه الله - ~~على ما في المدونة أنه أحق بالمتاع أبدا، وإن قبضه ربه وفارق ظهور الدواب ~~لتعليله فيها من أجل أنه إنما بلغ الموضع على دوابه وهو بعيد في المعنى غير ~~جار على قياس. # فصل فلا خلاف في مذهبنا أن البائع أحق بها كان بيده في الموت والفلس ~~جميعا، وأنه أحق بما أسلمه فألفاه قائما في الفلس دون الموت، وأنه أسوة ~~الغرماء في الموت والفلس فيما لم يكن بيده، ولا ألفاه عند المبتاع قائما ~~يعرف بعينه؛ وما يوجد من الخلاف في بعض المسائل، فليس بخلاف لما قسمناه ~~وأحكمناه، وإنما وقع الخلاف بينهم فيها، لاختلافهم من أي قسم هو منها، فمن ~~تأول أن ذلك بيده، رآه أحق به في الموت والفلس ومن تأول أن ذلك قد خرج من ~~يده- وهو قائم- رآه أحق به في الفلس دون الموت، ومن تأول أن ذلك قد خرج من ~~يده وليس بقائم عند المبتاع، رآه أسوة الغرماء في الموت والفلس جميعا، وذلك ~~كمسألة من استؤجر على سقي حائط، فسقاه حتى أثمر ثم فلس؛ قال في المدونة: ~~إنه أحق بالثمرة في الفلس دون الموت؛ وروى أصبغ أنه أحق في الموت والفلس؛ ~~والأظهر أنه أسوة الغرماء في الموت والفلس وكذلك اختلف أيضا فيمن اكترى ~~أرضا فزرعها ثم فلس، ولتوجيه كل قول منها وتخريجه على المعنى الذي ذكرته، ~~مكان غير هذا والله ولي التوفيق. # PageV02P338 ### | كتاب المأذون له في التجارة # قال الله عز وجل: {ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه ~~منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا ~~يعلمون} [النحل: 75]- فوصف الله تعالى العبد بالعجز وعدم القدرة، وجعله ~~بخلاف الحر في بسط يده بالإنفاق فيما رزق من المال؛ فدل ذلك على أن أمر ~~العبيد في الأموال مخالف لأمر الأحرار، وإن ملكهم لأموالهم ناقص عن ملك ms0813 ~~الأحرار، وأن لساداتهم التحجير عليهم في أموالهم بحق ملك رقابهم، فلا يجوز ~~للعبد في ماله صنع إلا بأمر سيده، وهو له ملك حتى ينتزعه منه؛ قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «من باع عبدا وله مال، فماله للبائع، إلا أن ~~يشترطه المبتاع» . فأضاف المال إلى العبد إضافة الملك بقوله: وله من مال؛ ~~لأن هذه اللام لام الملك؛ فإذا أضيف بها المال إلى من يصح منه الملك، دل ~~ذلك على وجوب الملك له، ولم يصح أن يحمل على المجاز؛ لأن الكلام لا يخرج ~~على الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل؛ ومن الدليل على أن العبد يملك، قول الله ~~عز وجل: {وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا ~~فقراء يغنهم الله من فضله} [النور: 32] ومحال أن يصف الله بالفقر والغنى من ~~لا يملك- وهذا بين. # PageV02P339 # فصل فالعبد يملك على مذهب مالك ما ملكه سيده أو ملكه غيره، ما لم ينتزعه ~~منه سيده، فملكه لماله ليس كملك الحر الذي لا يحل لأحد أن يأخذ شيئا من ~~ماله إلا عن طيب نفسه؛ إلا أنه مال له على مذهبه يجوز له أن يتسرى فيه إذا ~~أذن له سيده، ويطأ بملك يمينه- ولو لم يكن عنده ماله لم يجز له أن يطأ بملك ~~يمينه؛ لأن الله سبحانه وتعالى لم يبح الفرج إلا بالنكاح، أو ملك اليمين، ~~فقال تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون} [المؤمنون: 5] {إلا على أزواجهم أو ~~ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} [المؤمنون: 6] {فمن ابتغى وراء ذلك ~~فأولئك هم العادون} [المؤمنون: 7] وعلى هذا أسقط الزكاة عن السيد في مال ~~عبده وقال: إنه إذا حلف بعتق عبيده فحنث لا يعتق عليه عبيد عبيده؛ فهذا أصل ~~مذهبه. # وأما قوله: إن العبد إذا ملك من يعتق على سيده يعتق عليه. وقوله: إن ~~الرجل إذا حلف ألا يركب دابة رجل فركب دابة عبده أنه حانث؛ فقد حمل بعض ~~الناس ذلك على أنه اضطراب من قوله في أن العبد يملك، وجريان منه على غير ~~أصله في ذلك، وليس ذلك بصحيح؛ ms0814 لأنه إنما حنثه في ركوب دابة عبده، من أجل ~~أنه لا يجوز له ركوبها- وإن أذن له العبد إلا بإذن سيده؛ والحنث يقع بأقل ~~الوجوه؛ وإنما قال: إنه يعتق عليه من ملك العبد ممن يعتق عليه من أجل أنه ~~يملك انتزاعهم منه، فلما كان يملك انتزاعهم عتقوا عليه، إذ لو انتزعهم ~~لعتقوا عليه بإجماع، فيجري ذلك على الاختلاف في الرجل يشتري من يعتق عليه ~~على أنه فيه بالخيار ولا يدخل الاختلاف على هذا في الزكاة في مال العبد، ~~ولا في عتق عبيد عبيده بالحنث؛ لأن الحنث والزكاة قد وجبا قبل الانتزاع، ~~فلا يلزم بالانتزاع شيء وذهب الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما إلى أن العبد لا ~~يملك شيئا بحال من الأحوال، فكل ما بيده من مال على مذهبهم، فإنما هو للسيد ~~فلم يجيزوا له # PageV02P340 # التسري بوجه من الوجوه ولا يحل له عندهم وطء فرج إلا بنكاح يأذن له سيده ~~فيه، واستدلوا على ذلك بالإجماع على أن لسيده أن ينتزع منه كل ما له من ~~المال من كسبه وغير كسبه، وبالإجماع على أنه لا يرث قرابته، قالوا فلما ~~أجمعوا أن للسيد أن ينتزع مال عبده، دل ذلك على أنه كان لا يملكه، إذ لو ~~كان يملكه لما صح له انتزاعه منه كما لا ينتزع الرجل مال مكاتبه؛ قالوا ~~أيضا: ولما أجمعوا أن العبد لا يرث، دل على أن ما يحصل بيده من مال، إنما ~~هو لسيده، وأنه لا يملكه؛ وحملوا إضافة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~المال إلى العبد في قوله: «من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه ~~المبتاع» - على المجاز، كما يقال: غنم الراعي، وسرج الدابة، وباب الدار، ~~وهذا كله لا يصح. # فأما احتجاجهم بالإجماع على أن للسيد أن ينتزع مال عبده، فلا حجة لهم ~~فيه؛ لأن الإجماع لا يتناول موضع الخلاف، إذ الخلاف بيننا وبينهم إنما هو ~~قبل الانتزاع، وكذلك احتجاجهم بالإجماع على أن العبد لا يرث لا حجة لهم ~~فيه؛ إذ لا يسلم لهم أن العلة في ms0815 منع ميراث العبد أنه لا يملك، فلا يصح لهم ~~ما استدلوا به إلا بعد إقامة الدليل على صحة العلة، ولا دليل لهم على صحتها ~~إلا غالب ظنهم، إذ ليس في الكتاب ولا في السنة نص ولا تنبيه على أنها هي ~~العلة، ولا أجمعت الأمة على ذلك، فليسوا بأسعد ممن يقول: إن العلة في ذلك ~~عدم استقرار ملك العبيد على أموالهم. # فصل فالعبد محجور عليه في ماله لا يجوز له فيه فعل بغير إذن سيده، ولا ~~يجوز له أن يتجر إلا أن يأذن له سيده في التجارة؛ فإن أذن له فيها جاز له ~~أن يتجر بالدين # PageV02P341 # والنقد- وإن لم يأذن له في التجارة بالدين ولزمه ما داين به في جميع ~~أنواع التجارات؛ وإن لم يأذن له إلا في نوع واحد منها على مذهب ابن القاسم ~~في المدونة، إذ لا فرق بين أن يحجر عليه في التجارة بالدين، أو يحجر عليه ~~في التجارة في نوع من الأنواع؛ وهو قول أصبغ في التحجير في الدين؛ وذهب ~~سحنون إلى أنه ليس له أن يتجر بالدين إذا حجر عليه في التجارة به، وكذلك ~~يلزم على قوله إذا حجر عليه في التجارة في نوع من الأنواع، إلا أن يشهر ذلك ~~ويعلنه في الوجهين جميعا، فلا يلزمه. قاله بعض شيوخ صقلية، وهو صحيح في ~~المعنى، قائم من المدونة والعتبية بدليل؛ ولا يجوز له في ماله معروف إلا ما ~~جر إلى التجارة؛ فأما هبته وصدقته وعتقه، فموقوف على إجازة السيد، أو رده، ~~فإن لم يعلم بذلك حتى يعتق مضى ولزم ذلك العبد ولم يكن للسيد أن يرده. # فصل ومما يشبه هذا عتق المرأة ذات الزوج وهبتها وصدقتها فيما زاد على ~~الثلث بغير إذن زوجها، وعتق المديان بغير إذن غرمائه، وعتق السفيه بغير إذن ~~وليه أو بإذنه؛ فأما الغريم فينفذ عليه العتق والصدقة إن بقي ذلك بيده إلى ~~أن ارتفعت علة المنع بزوال الدين، وإن كان قد أخرج ذلك من يده قبل زوال ~~الدين ببيع أو ما أشبه ذلك، نفذ ms0816 ولم يلزمه شيء، وسواء في هذا- كان السلطان ~~قد رد العتق أو لم يرده؛ لأن رد السلطان ليس برد للعتق وإنما هو توقيف إلى ~~أن يكشف حال الغريم؛ وأما الزوجة فالمعلوم من قول مالك وأصحابه أنه إذا لم ~~يعلم الزوج أو علم ولم يقض برد ولا إجازة حتى مات عنها أو طلقها، أن ذلك ~~لازم لها، وانظر وإن كانت قد فوتت ذلك من يدها قبل زوال العصمة ببيع أو ~~هبة، هل ينقض البيع والهبة وينفذ عليها العتق والصدقة أم لا؛ ففي كتاب ~~الاعتكاف من المدونة أن الأمة لا تلزمها الصدقة بعد العتق إلا أن يكون ~~المال بيدها، وقد يمكن أن يفرق بين المسألتين فيقال: إن العتق والصدقة ~~يلزمها كان المال بيدها أو لم يكن- إذا لم يرد الزوج حتى زالت العصمة؛ لأن ~~تحجير السيد على عبده، أقوى من تحجير الزوج على امرأته؛ ومسألة كتاب ~~الاعتكاف ليس فيها بيان أن ذلك كان قبل الرد- وهذا هو المعنى # PageV02P342 # فيها؛ ومن تأول أن معنى ذلك بعد الرد فلا يصح، لأن المعلوم من قولهم في ~~الزوجة أن الصدقة والهبة لا تلزمها بعد زوال العصمة- وإن بقي المال بيدها، ~~إذا كان الزوج قد رده وإنما اختلفوا في العتق على ما سنذكره، وهذا أحرى أن ~~لا يختلف فيه، لقوة تحجير السيد على عبده، وقد كان يجب في الزوجة ألا ~~يلزمها العتق والصدقة على مذهب من يرى أفعالها فيما زاد على الثلث على ~~الرد- حتى يجيزه الزوج، وإن بقي المال بيدها لم تفوته حتى مات عنها أو ~~طلقها قبل أن يعلم بذلك، أو قبل أن يرده إن كان قد علم- وقد رأيت ذلك لبعض ~~أصحاب مالك؛ فإن رد الزوج ذلك، وبقي المال بيدها لم تفوته- إلى أن زالت ~~العصمة، لم يلزمها شيء في الهبة والصدقة؛ وأما العتق، فاختلف فيه على ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنه لا يلزمها إنفاذه بفتيا ولا قضاء- وهو قول أشهب. # والثاني: أنه يلزمها ذلك بالقضاء - وهو قول ابن الماجشون ومطرف. # والثالث: أنها تؤمر بذلك- ولا يقضى عليها به وهو مذهب ابن القاسم. واختلف ms0817 ~~إذا لم يعلم الزوج حتى ماتت هل له أن يرد ذلك بعد الموت أم لا؟ على قولين ~~منصوص عليهما في المذهب جاريين على الاختلاف في فعلها هل هو على الجواز- ~~حتى يرد؛ أو على الرد حتى يجاز؟ وأما العبد فيما وهب أو أعتق، فإذا لم يعلم ~~السيد بذلك، أو علم فلم يقض فيه برد ولا إجازة حتى عتق العبد- والمال بيده، ~~فإن ذلك لازم له، ولا أعلم في هذا نص خلاف، وهو دليل على أن فعله على ~~الإجازة- حتى يرد وهو القياس على ما أوضحناه من صحة ملكه على مذهب مالك، ~~إلا أن الاختلاف الذي حكيناه عن بعض أصحاب مالك في الزوجة على ضعفه- داخل ~~في العبد بالمعنى. # فصل فإن فوت العبد المال في يده قبل أن يعتق ببيع أو هبة، بطلت الصدقة ~~والعتق - قاله في الصدقة في كتاب الاعتكاف؛ والعتق مقيس عليه إلا أن يفرق ~~بينهما # PageV02P343 # مفرق، بحرمة العتق- وهو بعيد، فإن رد السيد ذلك وبقي المال بيده لم يفوته ~~إلى أن أعتق، لم يلزمه شيء قاله في المدونة في الهبة والصدقة، والعتق مقيس ~~على ذلك لا يدخل فيه من الاختلاف ما يدخل في الزوجة- والله أعلم؛ وأما ~~السفيه فلا يلزمه بعد أن ولي نفسه إنفاذ ذلك، كان الولي قد رده أو لم يرده، ~~واختلف إن كان ذلك بيمين فحنث فيها بعد ولاية نفسه، واختلف أيضا إن لم يعلم ~~بذلك حتى مات هل للورثة رد ذلك على قولين- حكاهما ابن حبيب في الواضحة. # فصل فلا يصح للإنسان التصرف في ماله إلا بأربعة أوصاف، وهي: البلوغ، ~~والحرية، وكمال العقل، وبلوغ الرشد؛ فأما اشتراط الحرية في ذلك، فإن العبد ~~لا يملك ماله ملكا مستقرا، إذ لسيده انتزاعه منه، فهو محجور عليه فيه بحق ~~الملك- وقد مضى الكلام على ذلك مستوفى. # وأما الرشد فلأن الله تبارك وتعالى جعل الأموال قوام العيش وسببا للحياة ~~وصلاحا للدين والدنيا، ونهى عن إضاعتها وتبذيرها في غير وجوهها، نظرا منه ~~لعباده ورأفة بهم، فقال: {ولا تبذر تبذيرا} [الإسراء: 26] {إن المبذرين ~~كانوا إخوان الشياطين} [الإسراء: 27]- وقال: ms0818 {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ~~ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما} [الفرقان: 67] ، وأمرنا ألا نمكن منها ~~السفهاء حراسة لها من أن تبذر وتنفق في غير وجوهها- فقال تعالى: {ولا تؤتوا ~~السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم ~~قولا معروفا} [النساء: 5] ، وقال: {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح ~~فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم} [النساء: 6] . وأما اشتراط ~~البلوغ وكمال العقل في ذلك، # PageV02P344 # فلأنهما جميعا مشترطان في صحة الرشد وكماله؛ إذ لا يصح رشد من صبي لضعف ~~ميزه بوجوه منافعه، ولا من مجنون لسقوط ميزه وذهاب رأيه؛ فوجب الاحتياط ~~للأموال وقطع مادة الضرر عنها بأن يمنع من التصرف فيها من ليس بأهل التصرف ~~فيها، ويحجر عليه فيها ويحال بينه وبينها- خشية الإضاعة لها امتثالا لأمر ~~الله فيها. # فصل فأما البلوغ فحده الاحتلام في الرجل، والحيض في النساء أو أن يبلغ ~~أحدهما من السن أقصى سن من لا يحتلم، واختلف فيه من خمسة عشر عاما إلى ~~ثمانية عشر عاما، واختلف قول مالك فيمن وجب عليه حد وقد أنبت ولم يبلغ أقصى ~~سن من لا يحتلم، فادعى أنه لم يحتلم، هل يصدق فيما ادعاه أو يقام عليه الحد ~~بما ظهر من إنباته على قولين، الأصح منهما تصديقه وألا يقام عليه الحد بشك ~~في احتلامه؛ ولا اختلاف- عندي أنه لا يعتبر بالإنبات فيما بينه وبين الله ~~تعالى من الأحكام؛ وأما العقل، فمحله القلب، وحده: علوم يتميز من وصف بها ~~من البهيمة والمجنون، وهي كالعلم بأن الاثنين أكثر من الواحد، وأن الضدين ~~لا يجتمعان، وأن الجزءين لا بد أن يكونا مجتمعين أو مفترقين، وأن السماء ~~فوقنا والأرض تحتنا، وما أشبه ذلك. # فصل فحد البلوغ وكمال العقل بينان تدرك معرفتهما بأدنى حظ من النظر ~~والاستدلال، وأما الرشد فحده حسن النظر في المال ووضع الأمور في مواضعها، ~~واختلف هل من شرط كماله الصلاح في الدين أم لا؟ - على قولين، وهو مما يخفى ~~ولا يدرك معرفته إلا بطول الاختبار في المال والتجربة له فيه، ولهذا المعنى ms0819 ~~وقع # PageV02P345 # الاختلاف بين أهل العلم في الحد الذي يحكم للإنسان فيه بحكم الرشد ويدفع ~~إليه ماله ويمكن من التصرف فيه. # فصل والاختلاف في هذا إنما هو على حسب الأحوال وهي تنقسم على أربعة ~~أقسام، حال الأغلب من صاحبها السفه، فيحكم له فيها بحكمه وإن ظهر رشده. ~~وحال الأغلب من صاحبها الرشد، فيحكم له فيها بحكمه- وإن علم سفهه. وحال ~~محتملة للرشد والسفه، والأظهر فيها السفه؛ فيحكم له بحكم ما لم يظهر رشده؛ ~~وحال محتملة أيضا للرشد والسفه، والأظهر من صاحبها الرشد فيحكم له فيها ~~بحكمه ما لم يظهر سفهه على اختلاف كثير بين أصحابنا في بعض هذه الأقسام. # فصل فأما الحال التي يحكم له فيها بحكم السفه- وإن ظهر رشده - فمنها حال ~~الصغر، لا اختلاف بين مالك وأصحابه أن الصغير الذي لم يبلغ الحلم من الرجال ~~والمحيض من النساء، لا يجوز له في ماله معروف من هبة ولا صدقة ولا عطية ولا ~~عتق- وإن أذن له في ذلك الأب أو الوصي- إن كان ذا أب أو وصي، وإن باع أو ~~اشترى أو فعل ما يشبه البيع والشراء مما يخرج على عوض ولا يقصد فيه إلى فعل ~~معروف، كان موقوفا على نظر وليه- إن كان له ولي، فإن رآه سدادا وغبطة أجازه ~~وأنفذه، وإن رآه بخلاف ذلك رده وأبطله، وإن لم يكن له ولي قدم له ولي ينظر ~~له في ذلك بوجه النظر والاجتهاد، وإن غفل عن ذلك حتى يلي أمره كان النظر ~~إليه في إجازة إنفاذ ذلك أو رده. # واختلف إذا كان فعله سدادا ونظرا مما كان يلزم الولي أن يفعله: هل له أن ~~يرده وينقضه إن آل الأمر إلى خلاف ذلك بحوالة الأسواق أو نماء فيما باعه أو ~~نقصان فيما ابتاعه، أو ما يشبه ذلك، فالمشهور المعلوم في المذهب أن ذلك له، ~~وقيل: إن ذلك ليس له وهو الذي يأتي على ما وقع لأصبغ في # PageV02P346 # الخمسة، وعلى رواية يحيى في كتاب التخيير والتمليك- خلاف ما يقوم مما وقع ~~لأصبغ في نوازله من كتاب المديان والتفليس، ms0820 ويلزمه ما أفسد وكسر في ماله ~~مما لم يؤتمن عليه؛ واختلف فيما أفسد وكسر مما أؤتمن عليه، ولا يلزمه بعد ~~بلوغه ورشده عتق ما حلف بحريته وحنث به في حال صغره، واختلف فيما حلف به في ~~حال صغره، وحنث به في حال رشده، فالمشهور أنه لا يلزمه؛ وقال ابن كنانة: ~~ذاك يلزمه ولا يلزمه يمين فيما ادعي عليه فيه واختلف إذا كان له شاهد واحد ~~هل يحلف مع شاهده لم لا؟ فالمشهور أنه لا يحلف ويحلف المدعى عليه، فإن نكل ~~غرم- ولم يكن على الصغير يمين- إذا بلغ، وإن حلف برئ- إلى بلوغ الصغير فإذا ~~بلغ حلف وأخذ حقه، وإن نكل لم يكن له شيء، ولا يحلف المدعى عليه ثانية، وقد ~~روي عن مالك والليث أنه يحلف مع شاهده ولا شيء عليه فيما بينه وبين الله من ~~الحقوق والأحكام؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «رفع القلم عن ثلاث» ~~- فذكر فيهم الصبي حتى يحتلم. # فصل ومنها حال البكر ذات الأب والوصي ما لم تعنس على مذهب من يعتبر ~~تعنيسها، وقد اختلف في حده على ما سنذكره بعد- إن شاء الله- أو ما لم تتزوج ~~ويدخل بها زوجها- على مذهب من لا يعتبر تعنيسها؛ ومنها حال من تثبت عليه ~~ولاية من قبل الأب أو من قبل السلطان حتى تطلق منها على قول مالك وكبراء ~~أصحابه- خلافا لابن القاسم. # فصل وأما الحال التي يحكم له فيها بحكم السفه- ما لم يظهر رشده، فمنها.. # PageV02P347 # حال الابن بعد بلوغه في حياة الأب على المذهب. وحال البكر ذات الأب أو ~~اليتيمة التي لا وصي لها- إذا تزوجت ودخل بها زوجها من غير حد، ولا تفرقة ~~بين ذات الأب واليتيمة على رواية ابن القاسم عن مالك، خلافا لمن حد في ذلك ~~حدا، أو فرق بين ذات الأب واليتيمة- على ما سنذكره- إن شاء الله. # فصل وأما الحال التي يحكم له فيها بحكم الرشد ما لم يظهر سفهه، فمنها حال ~~البكر المعنس على مذهب من يعتبر تعنيسها، واختلف في حده أو التي دخل بها ~~زوجها ومضى لدخوله بها ms0821 العام أو العامان أو السبعة الأعوام على الاختلاف في ~~الحد المؤقت في ذلك بين من وقته، أو حال الابن ذي الأب بعد بلوغه، والابنة ~~ذات الأب بعد بلوغها على رواية زياد عن مالك. # فصل ولا يخرج عن هذا التفصيل الذي فصلناه وقسمناه إلى أربعة أقسام - شيء ~~من الاختلاف الحاصل ببين أصحابنا في هذا الباب، وأنا أذكر من ذلك ما حضر لي ~~حفظه بالاختصار- ما أقدر عليه- إن شاء الله تعالى؛ وأما الابن فهو في ولاية ~~أبيه ما دام صغيرا لا يجوز له فعل إلا بإذنه، ولا هبة ولا صدقة؛ وإن كان ~~ذلك بإذنه، فإذا بلغ فلا يخلو أمره من ثلاثة أحوال: # أحدها: أن يكون معلوم الرشد. # والثاني: أن يكون معلوم السفه. # والثالث: أن يكون مجهول الحال لا يعلم رشده من سفهه. # فأما إذا كان معلوما بالرشد فأفعاله جائزة ليس للأب أن يرد شيئا منها وإن ~~لم يشهد على إطلاقه من الولاية فقد خرج منها ببلوغه مع ما ظهر من رشده؛ ~~وأما إن # PageV02P348 # كان معلوما بالسفه، فلا يخرجه الاحتلام من ولاية أبيه- وأفعاله كلها ~~مردودة غير جائزة، وأما إن كان مجهول الحال لا يعلم رشده من سفهه، فاختلف ~~فيه على قولين: # أحدهما: أنه محمول على السفه حتى يثبت رشده- وهو نص رواية يحيى عن ابن ~~القاسم في كتاب الصدقات والهبات، قال فيها ليس الاحتلام بالذي يخرجه من ~~ولاية أبيه حتى تعرف حاله ويشهد العدول على صلاح أمره- وهو ظاهر سائر ~~الروايات عنه، وعن مالك - رحمه الله - في المدونة وغيرها من ذلك ما وقع في ~~المدونة في الكتاب الأول من النكاح، وفي كتاب الهبة والصدقة، وفي كتاب ~~الجعل والإجارة. # والثاني: أنه محمول على الرشد حتى يثبت سفهه ويخرج بالاحتلام من ولاية ~~أبيه إذا لم يعرف سفهه- وإن لم يعرف رشده، روى ذلك زياد عن مالك وهو ظاهر ~~ما وقع في أول كتاب النكاح من المدونة قوله: إذا احتلم الغلام فله أن يذهب ~~حيث شاء، إلا أن يتأول إن أراد بنفسه لا بماله- كما تأول ابن أبي زيد - ~~رحمه الله ms0822 -؛ واستحسن بعض الشيوخ ألا يخرج من ولاية أبيه حتى يمر به بعد ~~الاحتلام العام ونحوه، وإلى هذا ذهب ابن العطار في وثائقه، على أنه قد ~~اضطرب في ذلك قوله - فذكر أنه لا يجوز للرجل تسفيه ابنه إلا أن يكون معلوما ~~بالسفه ولم يفرق بين قرب ولا بعد، وحكى غيره من الموثقين أن تسفيهه جائز ~~وإن لم يعلم سفهه إذا كان بحرارة بلوغه قبل انقضاء عامين. # فصل فإن مات الأب- وهو صغير وأوصى به إلى أحد، أو قدم عليه السلطان، فلا ~~يخرج من ولاية وصي أبيه أو مقدم السلطان- حتى يخرجه منها الوصي أو السلطان، ~~إن كان الوصي مقدما من قبله، وأفعاله كلها مردودة- وإن علم رشده ما لم يطلق ~~من الحجر، إن هذا قول ابن زرب أن الوصي من قبل القاضي لا يطلق من الولاية ~~إلا بإذن القاضي، وقد قيل: إن إطلاقه من إلى نظره بغير إذن القاضي # PageV02P349 # جائز وإن لم يعرف رشده إلا بقوله، وقيل: لا يجوز إطلاقه إياه بغير إذن ~~القاضي إلا أن يكون معروفا بالرشد، فإذا عقد له بذلك عقدا ضمنه معرفة ~~شهدائه لرشده؛ وأما وصي الأب فإطلاقه جائز- وهو مصدق فيما يذكر من حاله وإن ~~لم يعرف ذلك إلا من قوله؛ وقيل: إن إطلاقه لا يجوز إلا أن يتبين حاله ويعلم ~~رشده، وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم في كتاب الوصايا من العتبية. # فصل وقولنا: إن أفعاله كلها مردودة- وإن علم رشده ما لم يطلق من ثقاف ~~الحجر أن الذي لزمه هو المشهور في المذهب المعمول به، وقد قيل: إن حاله مع ~~الوصي كحاله مع الأب، وأنه يخرج من ولايته إذا علم رشده أو جهل حاله على ~~الاختلاف المتقدم، وهو ظاهر ما وقع في كتاب الهبة والصدقة من المدونة؛ قوله ~~فقد منعهم الله من أموالهم مع الأوصياء بعد البلوغ إلا بالرشد، فكيف مع ~~الآباء الذين هم أملك بهم من الأوصياء، وإنما الأوصياء بسبب الآباء؛ ونحوه ~~لابن الماجشون في الواضحة قال: إن البكر إذا عنست أو نكحت جازت أفعالها - ~~كانت ذات أب ms0823 أو وصي؛ وأما ابن القاسم فمذهبه أن الولاية لا يعتبر ثبوتها ~~إذا علم الرشد، ولا سقوطها إذا علم السفه- أعني في اليتيم لا في البكر؛ وقد ~~روى ابن وهب عن مالك مثل قول ابن القاسم، وروى زونان عن ابن القاسم أن من ~~ثبت عليه ولاية، فلا تجوز أفعاله حتى يطلق منها- وإن ظهر رشده مثل قول مالك ~~وكبار أصحابه. # فصل فإن مات الأب ولم يوص به إلى أحد ولا قدم عليه السلطان وصيا ولا ~~ناظرا، ففي ذلك أربعة أقوال: # أحدها: قول مالك وكبراء أصحابه: إن أفعاله كلها بعد البلوغ جائزة نافذة - ~~رشيدا كان أو سفيها، معلنا بالسفه أو غير معلن به؛ اتصل سفهه من حين بلوغه، ~~أو سفه بعد أن آنس منه الرشد من غير تفصيل في شيء من ذلك. # PageV02P350 # والثاني: قول مطرف وابن الماجشون أنه إن كان متصل السفه من حين بلوغه، ~~فلا يجوز شيء من أفعاله؛ وأما إن سفه بعد أن آنس منه الرشد فأفعاله جائزة ~~عليه ولازمة له ما لم يكن بيعه بيع سفه وخديعة بينة، مثل أن يبيع ثمن ألف ~~دينار بمائة دينار، وما أشبه ذلك؛ فلا يجوز ذلك عليه ولا يتبع بالثمن إن ~~أفسده من غير تفصيل بين أن يكون معلنا بالسفه أو غير معلن به. # والثالث: قول أصبغ إنه إن كان معلنا بالسفه، فأفعاله غير جائزة، وإن لم ~~يكن معلنا به، فأفعاله جائزة من غير تفصيل بين أن يتصل سفهه أو لا يتصل؛ ~~وذهب ابن القاسم إلى أنه ينظر إلى حاله يوم بيعه وابتياعه، فإن كان رشيدا ~~جازت أفعاله، وإن كان سفيها، لم يجز منها شيء من غير تفصيل بين أن يتصل ~~سفهه أو لا يتصل؛ واتفق جميعهم أن أفعاله جائزة لا يرد منها شيء إن جهلت ~~حاله ولم يعلم بسفه ولا رشد. # فصل وأما الابنة البكر فلا اختلاف أيضا بين أصحابنا أن أفعالها مردودة ~~غير جائزة ما لم تبلغ المحيض، فإذا بلغت المحيض لا يخلو أمرها من ثلاثة ~~أحوال: # أحدها: إن تكون ذات أب. # والثاني: ms0824 أن تكون يتيمة ذات وصي قد أوصى عليها الأب أو السلطان. # والثالث: أن تكون يتيمة لا وصي لها من قبل أبيها ولا مقدما من قبل ~~السلطان. # فأما ذات الأب فاختلف فيها على ثمانية أقوال: # PageV02P351 # أحدها: رواية زياد عن مالك أنها تخرج بالحيض من ولاية أبيها، ومعنى ذلك- ~~عندي- إذا علم رشدها أو جهل حالها؛ وأما إن علم سفهها، فهي باقية في ~~ولايته. # والثاني: قول مالك في الموطأ والمدونة، وفي الواضحة من رواية مطرف عنه ~~أنها في ولاية أبيها حتى تتزوج ويدخل بها زوجها ويعرف من حالها أي يشهد ~~العدول على صلاح أمرها، فهي على قول مالك هذا ما لم تنكح ويدخل بها زوجها ~~في ولايته مردودة أفعالها وإن علم رشدها فإذا دخل بها زوجها حملت على السفه ~~وأقرت في ولايته وردت أفعالها- ما لم يظهر رشدها؛ فإن علم رشدها وظهر حسن ~~حالها، جازت أفعالها وخرجت من ولاية أبيها- وإن كان ذلك بقرب بناء زوجها ~~عليها إلا أن مالكا استحب في رواية مطرف عنه أن يؤخر أمرها العام ونحوه ~~استحبابا من غير إيجاب. # والثالث: أنها في ولاية أبيها ما لم تعنس أو يدخل بها زوجها ويعرف من ~~حالها، فهي على هذه الرواية بعد التعنيس محمولة على الرشد مجوزة أفعالها- ~~ما لم يعلم سفهها- وقبله مردودة أفعالها وإن علم رشدها؛ ولا يخلو إن تزوجت ~~أن يكون دخول زوجها بها قبل حد التعنيس أو بعده، فإن دخل بها قبل حد ~~التعنيس فهي من حين يدخل بها إلى أن تبلغ حد التعنيس محمولة على السفه حتى ~~يتبين رشدها وبعد بلوغها حد التعنيس محمولة على الرشد حتى يتبين سفهها- وإن ~~دخل بها بعد التعنيس، فلا يؤثر دخوله بها في حكمها الذي قد ثبت لها ~~بالتعنيس من كونها محمولة على الرشد حتى يتبين سفهها؛ وقد اختلف في حد ~~تعنيس هذه فقيل أربعون عاما، وقيل من الخمسين إلى الستين وروي عن مالك أن ~~هباتها وصدقاتها وأعطياتها وعتقها جائزة بعد التعنيس- إن أجازها الوالد، ~~معناه إن قال الوالد في المجهولة الحال: إنها رشيدة في أحوالها، إذ ms0825 التي ~~علم سفهها لا يجوز للوالد إجازة أعطياتها، والتي علم رشدها، لا يجوز للوالد ~~رد أعطياتها، فعلى هذه # PageV02P352 # الرواية لم يحمل المعنسة المجهولة الحال على السفه ولا على الرشد، وأعمل ~~قول الوالد في ذلك، فهذا القول الثالث يتفرع إلى ثلاثة أقوال- على ما ~~بيناه- تتمة خمسة أقوال. والقول السادس أنها في ولاية أبيها حتى تمر بها ~~سنة بعد دخول زوجها بها- وهو قول مطرف في الواضحة، وظاهر قول يحيى بن سعيد ~~في المدونة؛ فعلى هذا القول تكون أفعالها قبل دخول زوجها بها مردودة- وإن ~~علم رشدها وبعد دخول زوجها بها ما بينها وبين انقضاء العام- مردودة. ما لم ~~يعلم رشدها، وبعد انقضاء العام جائزة ما لم يعلم سفهها، ووافقه ابن ~~الماجشون في تحديد السنة وخالفه في تركه الاعتبار بالتعنيس، فرأى أنها إذا ~~عنست وعلم حسن مالها خرجت من ولاية أبيها ووصيها. # والقول السابع: أنها في ولاية أبيها حتى يمر بها عامان- وهو قول ابن نافع ~~في كتاب الصدقات والهبات في العتبية. والقول الثامن أنها في ولاية أبيها ~~حتى يمر بها سبعة أعوام، وهذا القول يعزى إلى ابن القاسم، وبه جرى العمل ~~عندنا؛ وقال ابن أبي زمنين إن الذي أدرك عليه الشيوخ أن تجوز أفعالها وتخرج ~~من ولاية أبيها - إذا مضى لها في بيت زوجها من الستة الأعوام إلى السبعة- ~~ما لم يجدد الأب عليها السفه قبل ذلك؛ وهذا قريب من القول الثامن، فيكون ~~حالها بعد هذا الأمر محمولا على الرشد حتى يعلم خلافه على ما بيناه. # وقول ابن أبي زمنين ما لم يجدد الأب عليها السفه قبل ذلك به كان يفتي ~~القاضي ابن زرب - رحمه الله -، وإليه ذهب ابن العطار في وثائقه وهو أمر ~~مختلف فيه، كان أبو عمر الإشبيلي - رحمه الله - يذهب إلى أن ذلك لا يجوز ~~عليها ولا يلزمها، إلا أن يكون قد تضمن عقد التجديد للسفه معرفة شهدائه ~~لسفهها، وبه كان يفتي أبو عمر بن القطان - رحمه الله -؛ وهو القياس على ~~مذهب من حد لجواز أفعالها حدا؛ لأنه حملها ببلوغها إليه على الرشد، وأجاز ms0826 ~~أفعالها فلا يصدق الأب في إبطال هذا الحكم لها بما يدعيه من سفهها، إلا أن ~~يعلم صحة قوله؛ ويتخرج قول ابن أبي زمنين ومن ذهب مذهبه على الرواية التي ~~رويت عن مالك أن عتقها وهباتها وصدقاتها جائزة بعد التعنيس - إن أجازها ~~الوالد وقد تكلمنا على معنى الرواية بما يؤيد تأويلنا هذا فيها. # PageV02P353 # فصل واختلف أيضا المتأخرون من شيوخنا الذين حكموا بأعمال التسفيه عليها ~~في الأب يولي على ابنته بعد دخول زوجها بها وقبل أن تبلغ الحد الذي وقت ~~لجواز أفعالها، ثم تتراخى مدته إلى أن تبلغ ذلك الحد، ثم تموت بعد ذلك، هل ~~يلزمه حكم تلك الولاية الثابتة أم لا على قولين: # فمنهم من رأى أن إيصاءه عليها لازم لها، كتجديد السفه عليها الذي لا تنفك ~~ولا تخرج منه إلا بثبات رشدها بالبينة العادلة. # ومنهم من لم ير ذلك لازما لها بخلاف تجديد السفه عليها، وقالوا مثل ذلك ~~الأب يولي على ابنته وهي بكر ثم يزوجها فتقيم مع زوجها سبع سنين أو أكثر ~~فيموت، أن الإيصاء ساقط عنها؛ واحتجوا أيضا برواية أشهب عن مالك الواقعة في ~~كتاب الوصايا من العتبية، ولم أعلمهم اختلفوا في لزوم الولاية لها إذا أوصى ~~عليها بعد دخول زوجها بها، ثم مات قبل بلوغها الحد الذي وقت لخروجها من ~~ولايته، ولا يبعد دخول الاختلاف في ذلك بالمعنى، وأما من أوصى على ابنته ~~وهي صغيرة أو بكر ثم مات وهي بكر قبل دخول زوجها بها أو بعد دخول زوجها بها ~~قبل مضي المدة المؤقتة لخروجها من ولايته، فالولاية لها لازمة. # فصل وأما إن كانت يتيمة ذات وصي من قبل أبيها أو مقدم من قبل القاضي، فلا ~~تخرج من الولاية- وإن عنست أو تزوجت ودخل بها زوجها وطال زمانها وحسنت ~~حالها- ما لم تطلق من ثقاف الحجر أن الذي لزمها بما يصح إطلاقها منه به، ~~وقد بينا ذلك قبل هذا، هذا هو المشهور في المذهب المعمول به؛ وقد تقدم من ~~قول ابن الماجشون أن حالها مع الوصي، كحالها مع الأب ms0827 في خروجها من ولايته ~~بالتعنيس أو النكاح- يريد مع طول المدة وتبين الرشد، وهي رواية مطرف، وابن ~~عبد الحكم، وعبد الرحيم - عن مالك. # PageV02P354 # فصل وأما إن كانت يتيمة لم يول عليها بأب ولا وصي، فاختلف فيها على ~~قولين: # أحدهما: أن أفعالها جائزة- إذا بلغت المحيض، وهو قول سحنون في العتبية، ~~وقول غير ابن القاسم في المدونة، ورواية زياد عن مالك. # والثاني: أن أفعالها مردودة ما لم تعنس، واختلفت في حد تعنيس هذه على ~~خمسة أقوال: # أحدها: ثلاثون سنة- وهو قول ابن الماجشون، وقيل أقل من الثلاثين وهو قول ~~ابن نافع. # وقيل أربعون- وهي رواية مطرف عن مالك، وأصبغ عن ابن القاسم. # وقيل من الخمسين إلى الستين، وهي رواية سحنون عن ابن القاسم؛ وفي المدونة ~~لمالك من رواية ابن القاسم عنه- أن أفعالها لا تجوز حتى تعنس وتقعد عن ~~المحيض، أو ما لم تتزوج ويدخل بها زوجها وتقيم معه مدة يحمل أمرها فيها على ~~الرشد، قيل: أقصاها العام. وهو قول ابن الماجشون، وإليه ذهب ابن العطار في ~~وثائقه. # وقيل ثلاثة أعوام ونحوها؛ وقال ابن أبي زمنين إن الذي أدرك الشيوخ عليه ~~ألا تجاز أفعالها حتى يمر بها في بيت زوجها مثل السنتين والثلاث. # فصل قد أتينا بحمد الله على ما شرطنا من بيان الحدود المميزة بين من يجوز # PageV02P355 # فعله ممن لا يجوز في الأبكار وغيرهن، فنرجع الآن إلى ذكر القول في أحكام ~~أفعال من لا تجوز أفعاله من السفهاء البالغين، إذ قد تقدم القول في أحكام ~~أفعال الصبيان؛ فنذكر من ذلك ما أمكن ذكره وحضر حفظه على شرط الإيجاز ~~والاختصار، وترك التطويل والإكثار- إن شاء الله، وهو المستعان. # اعلم- وفقنا الله وإياك أن السفيه البالغ يلزمه جميع حقوق الله التي ~~أوجبها الله على عباده في بدنه وماله، ويلزمه ما وجب في بدنه من حد أو ~~قصاص، ويلزمه الطلاق- كان بيمين حنث فيها أو بغير يمين، وكذلك الظهار وينظر ~~له وليه فيه بوجه النظر، فإن رأى أن يعتق عنه ويمسك عليه زوجته فعل، وإن ~~رأى ألا يعتق عنه - وإن آل ms0828 ذلك إلى الفراق بينهما، كان ذلك له ولا يجزيه ~~الصيام ولا الإطعام إذا كان له من المال ما يحمل عتق رقبة، وقال محمد بن ~~المواز إذا لم ير له وليه أن يكفر عنه بالعتق فله هو أن يكفر بالصيام. # ولا يطلق عليه في مذهبه إلا بعد أن يضرب له أجل الإيلاء- إذا طلبت امرأته ~~ذلك؛ لأن له أن يكفر بالصيام، وعلى القول الأول تطلق عليه من غير أن يضرب ~~له أجل الإيلاء إذا رفعت المرأة ذلك، وهو قول أصبغ ولا حد في ذلك عند ابن ~~القاسم؛ وقال ابن كنانة لا يعتق عنه وليه إلا في أول مرة، فإن عاد إلى ~~الظهار لم يعتق عنه؛ لأن المرة الواحدة تأتي على الحليم والسفيه، وإلى هذا ~~ذهب محمد بن المواز؛ وأما الإيلاء فإن دخل عليه بسبب يمين بالطلاق وهو فيها ~~على حنث، أو بسبب امتناع وليه عن أن يكفر عنه في الظهار لزمه، وأما إن كان ~~حلف على ترك الوطء، فينظر إلى يمينه: فإن كانت بعتق أو صدقة أو ما أشبه ذلك ~~مما لا يجوز له فعله ويحجر عليه في ذلك وليه، لم يلزمه به إيلاء، وإن كانت ~~بالله تعالى، لزمه الإيلاء- إن لم يكن له مال، ولم يلزمه إن كان له مال، ~~وإن # PageV02P356 # كانت يمينه بصيام أوجبه على نفسه أو صلاة أو ما أشبه ذلك مما يلزمه، لزمه ~~به الإيلاء؛ وعلى قول محمد بن المواز يلزمه الإيلاء باليمين بالله- وإن كان ~~له مال، ولا يلزمه هبة ولا صدقة ولا عطية ولا عتق ولا شيء من المعروف في ~~ماله، إلا أن يعتق أم ولده فيلزمه عتقها، لأنها تشبه الزوجة التي ليس له ~~فيها إلا الاستمتاع بالوطء، واختلف هل يتبعها مالها أم لا على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه يتبعها وهو قول مالك في رواية أشهب عنه. # والثانية: أنه لا يتبعها. وهي رواية يحيى عن ابن القاسم. # والثالث: التفرقة بين أن يكون مالها قليلا أو كثيرا- وأراه قول أصبغ، ~~وقال المغيرة وابن نافع لا يلزمه عتقها، ولا يجوز عليه، ms0829 بخلاف الطلاق، ولا ~~يجوز إقراره بالدين إلا أن يقر في مرضه فيكون في ثلث ماله- قاله ابن كنانة، ~~واستحسن ذلك أصبغ - ما لم يكثر. وإن حمله الثلث؛ وأما بيعه وشراؤه ونكاحه ~~وما أشبه ذلك مما يخرج على عوض ولا يقصد به قصد المعروف، فإنه موقوف على ~~نظر وليه- إن كان له ولي: إن رأى أن يجيزه أجازه، وإن رأى أن يرده رده بوجه ~~النظر له والاجتهاد، وإن لم يكن له ولي، قدم له القاضي ناظرا ينظر له في ~~ذلك نظر الوصي؛ فإن لم يفعل حتى ملك أمره، كان هو مخيرا في رد ذلك أو ~~إجازته؛ فإن رد بيعه وابتياعه وكان قد أتلف الثمن الذي باع به، أو السلعة ~~التي ابتاعها لم يتبع ماله بشيء من ذلك. # واختلف إن كانت أمة فأولدها: فقيل: إن ذلك فوت ولا ترد، وقيل: إن ذلك ليس ~~بفوت كالعتق وترد، ولا يكون عليه من قيمة الولد شيء؛ واختلف إن كان قد أنفق ~~الثمن فيما لا بد له منه مما يلزمه إقامته: هل يبيع ماله بذلك أم لا على ~~قولين: وإن كان الذي اشترى المشتري منه أمة فأولدها أو أعتقها، أو غنما ~~فتناسلت، أو بقعة فبناها، أو شيئا له غلة فاغتله، كان حكمه في جميع ذلك حكم ~~من اشترى من ملك فيما يرى فاستحق من يده ما اشترى بعد أن أحدث فيه ما ذكرت، ~~يرد إلى المولى عليه الأمة التي أعتقت، وينتقض العتق فيها، ويأخذ # PageV02P357 # الأمة التي ولدت منه وقيمة ولدها على الاختلاف المعلوم في ذلك؛ وإن كان ~~الولد من غيره بتزويج، أخذهم مع الأم، وكذلك يأخذ الغنم ونسلها- وكان عليه ~~فيما بناه قيمة بنيانه قائما، وكانت الغلة التي اغتل له بالضمان؛ هذا كله ~~إن كان لم يعلم بأنه مولى عليه لا يجوز بيعه؛ وأما إن علم أنه مولى عليه ~~متعد في البيع بغير إذن وليه لسفه يقصده، فحكمه حكم الغاصب يرد الغلة ويكون ~~له فيما بناه قيمته منقوضا؛ واختلف فيما فوت السفيه من ماله بالبيع والهبة ~~والصدقة والعتق، وما ms0830 أشبه ذلك، فلم يعلم به حتى مات؛ هل يرد بعد الموت أم ~~لا على قولين، واختلف إذا تزوج فلم يعلم وليه بنكاحه حتى مات، هل ترثه ~~المرأة ويلزمه الصداق أم لا على ثلاثة: # أحدها: أنه لا ميراث لها ولا صداق، إلا أن يكون قد دخل بها فيكون لها منه ~~قدر ما استحل به. # والثاني: أن لها الميراث وجميع الصداق. # والثالث: أن لها الميراث وينظر الولي في النكاح: فإن كان نكاح غبطة مما ~~لو نظر فيه الولي في حياته لم يفسخه وأجازه، فلها الصداق مع الميراث- دخل ~~بها أو لم يدخل، وإن كان نكاحه نكاح فساد وعلى غير وجه غبطة، وجب لها ~~الميراث وردت الصداق- دخل بها أو لم يدخل، ويترك لها في الدخول ربع دينار؛ ~~وهذا قول أصبغ في الخمسة، والقولان المتقدمان لابن القاسم - وهما جاريان ~~على الاختلاف في فعله: هل هو على الجواز حتى يرد، أو على الرد حتى يجاز؛ ~~واختلف هل يزوجه الولي بغير أمره كالصغير، أم لا يزوجه إلا بأمره على قولين ~~قائمين من المدونة، ومنصوصين في الواضحة؛ وكذلك اختلف أيضا هل يخالع عنه ~~بغير إذنه أم لا على قولين، فله في المدونة أنه لا يخالع عنه إلا بإذنه، ~~وروى عيسى عن ابن القاسم أنه يخالع عنه بغير إذنه كالصبي، ويلزمه في ماله ~~ما أفسد # PageV02P358 # وكسر مما لم يؤتمن عليه باتفاق، ومما اؤتمن عليه باختلاف، ولا يلحقه يمين ~~فيما ادعي عليه به في ماله. وأما ما ادعي عليه مما يجوز عليه فيه إقراره، ~~فتلحقه فيه اليمين؛ ويحلف مع شاهده في حق يكون له، فإن حلف، استحق حقه، فإن ~~نكل عن اليمين حلف المدعى عليه وبرئ في مذهب ابن القاسم؛ وقال ابن كنانة إن ~~نكل عن اليمين، حلف المدعى عليه وبرئ إلى أن يحسن حاله فيكون له أن يحلف مع ~~شاهده ويستحق حقه كالصغير - إذا بلغ، ويعقل مع العاقلة ما لزم العاقلة من ~~الجرائر؛ ويجوز عفوه عن دمه خطأ كان أو عمدا؛ واختلف في عفوه عما دون النفس ~~مما في ms0831 بدنه من الجراح أو الشتم، هل يجوز ذلك أم لا على قولين؟ # أحدهما: قول مطرف وابن الماجشون: أن عفوهم لا يجوز في شيء من ذلك. # والثاني: قول ابن القاسم: أن عفوهم عن كل ما ليس بمال جائز، واختلف في ~~شهادته إذا كان مثله لو طلب ماله أخذه- وهو عدل، فروى أشهب عن مالك أن ~~شهادته جائزة، وقال أشهب لا تجوز- وهو الذي يأتي على المشهور من مذهب مالك: ~~أن المولى عليه لا تجوز أفعاله- وإن كان رشيدا في أحواله حتى يخرج من ~~الولاية، وبالله التوفيق. # PageV02P359 ### | كتاب الرهون # ] [ ### || فصل في جواز الرهن في السفر والحضر # فصل في جواز الرهن في السفر والحضر # مذهب مالك - رحمه الله - وجل أهل العلم- إجازة الرهن في السفر والحضر؛ ~~لأن الله- تبارك وتعالى- نص على جوازه في السفر؛ لقوله: {وإن كنتم على سفر ~~ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة} [البقرة: 283] ، وأجازته السنة في الحضر على ~~ما ثبت في الآثار الصحاح، من ذلك ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~في الصحيح من رواية عائشة وغيرها «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~اشترى من يهودي طعاما إلى أجل ورهنه درعه» : وروي أن «رجلا جاء إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يتقاضاه، فأغلظ له في القول، فقال له رجل من ~~القوم: ألا أراك تقول لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما تقول؛ فقال: ~~"دعه فإنه طالب حق "، ثم قال للرجل: "انطلق إلى فلان فليبعنا طعاما إلى أن ~~يأتينا شيء"، فأبى اليهودي فقال لا أبيعه إلا بالرهن؛ فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: اذهب إليه بدرعي أما والله إني لأمين في السماء وأمين في ~~الأرض» . - وتوفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودرعه مرهونة عند ~~يهودي. - وهو حاضر غير مسافر. # PageV02P361 # فصل ولا أعلم أحدا من أهل العلم منع من الرهن في الحضر، وأجازه في السفر ~~بظاهر الآية غير مجاهد، ولا تعلق له بظاهرها، إذ ليس في ذكره تعالى الرهن ~~في السفر دليل على المنع منه في الحضر، وإنما أرشدنا الله تعالى إلى ms0832 التوثق ~~بالرهن عند عدم التوثق بالكتاب والإشهاد، فذكر تعالى السفر؛ لأنه الحال ~~الذي يتعذر فيها الكتاب في الأغلب من الأحوال. # فصل روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يغلق الرهن» ، ~~وأنه قال: «الرهن محلوب ومركوب بنفقته» ، وأنه قال: «الرهن بما فيه» ، وأنه ~~قال: «الرهن ممن رهنه له غنمه وعليه غرمه» ، فدلت هذه الآثار كلها على جواز ~~الرهن؛ لأن تعلق الأحكام به يفيد جوازه، واقتضت بعمومها السفر والحضر وهذا ~~بين. # فصل فأما قوله: «لا يغلق الرهن» ، فمعناه ما فسره به مالك - رحمه الله - ~~في موطئه وذلك أنه قال تفسيره فيما نرى- والله أعلم- أن يرهن الرجل الرهن ~~عند الرجل بالشيء - وفي الرهن فضل عما رهن فيه، فيقول الراهن للمرتهن إن ~~جئتك بحقك إلى أجل كذا وكذا وإلا فالرهن لك بما فيه؛ قال: فهذا لا يصلح ولا ~~يحل، وهذا الذي نهى عنه، وإن جاء صاحبه بالذي رهن به بعد الأجل، فهو له، ~~وأرى # PageV02P362 # هذا الشرط مفسوخا، وتفسيره صحيح؛ لأن غلق الرهن معناه ألا يفك، قال: ~~زهير. # وفارقتك برهن لا فكاك له ... يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا # وأما قوله- صلى الله عليه وسلم -: «الرهن محلوب ومركوب بنفقته» ، فالذي ~~تأوله عليه أصحابنا على المذهب أن الراهن الذي له الرقبة هو يركبه ويحلبه ~~أي له أجر الركوب وما يحلب منه من اللبن، إذ عليه النفقة؛ وأما قوله الرهن ~~بما فيه، فمعناه إذا هلك وعميت قيمته، وكذلك قال أشهب وابن القاسم وأصبغ "؛ ~~وأما قوله «الرهن ممن رهنه له غنمه وعليه غرمه» ، فغنمه نماؤه وزيادته، ~~وغرمه تلفه ونقصانه؛ فأما النماء والزيادة، فلا خلاف أنها للراهن على ما ~~ورد في الحديث؛ وإنما الاختلاف هل يدخل في الرهن على ما سنبينه- إن شاء ~~الله. # وأما قوله- صلى الله عليه وسلم -: عليه غرمه فيتناول فيما لا يغاب عليه ~~أو فيما يغاب عليه، إذا قامت البينة على تلفه من غير تعدي المرتهن. # فصل فالرهن يجوز ويلزم بالعقد ولا يتم وينبرم ويصح التوثق به إلا ~~بالحيازة لقول الله تعالى: {فرهان مقبوضة} [البقرة: 283] . ومن ms0833 أهل العلم ~~من قال إنه لا يكون رهنا حتى يكون مقبوضا - وهذا مذهب الشافعي وأهل العراق، ~~وفائدة الخلاف بيننا وبينهم في ذلك أنه إذا قال رهنتك هذا الثوب فقبل ~~المرتهن، ثم بدا للراهن في إرهانه، فإنه يجبر عندنا على أن يقبضه؛ لأن ~~الرهن قد تم عقده؛ وعندهم أنه يكون مخيرا بين أن يقبض فيلزم، وبين ألا ~~يقبضه فلا يلزم؛ فإذا قبضه لزم؛ واستدلوا على ذلك، بقوله- عزو جل: {فرهان ~~مقبوضة} [البقرة: 283] ، وقالوا لما وصفها الله- عز وجل- بالقبض، وجب أن ~~يكون ذلك من شروط كونها رهنا، وأن يكون القبض مصاحبا لها كما أنه لما وصف ~~الرقبة بالإيمان، كان الإيمان شرطا فيها، مصاحبا # PageV02P363 # لها. وقالوا فلأن قوله: {فرهان مقبوضة} [البقرة: 283] ، لا يخلو أن يكون ~~خبرا، أو أمرا، فإن كان خبرا، كان شرطا فيه لامتناع أن يقع الخبر بخلاف ~~مخبره؛ وإن كان أمرا، فهو على وجوبه؛ والدليل على صحة قولنا، قول الله عز ~~وجل: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} [المائدة: 1] . والعقد قد حصل؛ ~~لأنه الإيجاب والقبول- وذلك موجود، وأيضا فإنه قال: {فرهان مقبوضة} ~~[البقرة: 283] ، فجعل القبض من صفاتها فدل ذلك على أنها تكون رهنا قبل ~~القبض؛ لأن وصف الشيء بصفة، يجب أن يكون معنى زائدا على وجوده ولا ناقد، ~~اتفقنا على أنه إذا أقبضه الرهن، فإنه يصح ويلزم وليس يخلو أن يكون القول ~~الأول الذي تلاه القبض قد انعقد به الرهن أو لم ينعقد، فإن كان قد انعقد ~~به، فذلك ما قلناه؛ لأنه إنما أقبضه ما ثبت رهنا، - فيجب أن يكون كونه رهنا ~~سابقا للإقباض؛ وإن كان لم ينعقد به لم يجز أن يصير رهنا بهذا القبض؛ لأن ~~مجرد القبض لا يجعل المقبوض رهنا، ففي اتفاقنا على لزومه بالقبض دليل بين ~~على انعقاده بالقول. # فصل واختلف إذا جعل الرهن على يدي عدل، فقالت طائفة ليس بمقبوض، والذي ~~ذهب إليه مالك أنه مقبوض، فيكون بذلك شاهدا له، ويكون أحق به من الغرماء. ~~حكى هذا عن مالك إسماعيل القاضي في الأحكام، وقاله ابن المواز - وهو ظاهر ~~الروايات ms0834 في المدونة وغيرها؛ وقال أصبغ في سماع يحيى من كتاب الرهون أنه لا ~~يكون له شاهدا إذا كان على يدي عدل، وهو ظاهر قول مالك في موطئه. # فصل ولما جعل الله- عز وجل- الرهن بدلا من الكتاب والإشهاد في التوثقة ~~عند عدم الكاتب، فقال: {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة} ~~[البقرة: 283] ، # PageV02P364 # دل أن الرهن يقوم مقام الكتاب في بعض أحواله، إذ لا يجوز أن يعوض شيء من ~~شيء وهو لا ينوب منابه في حال، ألا ترى أن التيمم لما جعله الله بدلا من ~~الوضوء فقال تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا} [النساء: 43] ، ناب ~~منابه في استباحة الصلاة به، فنوبه مناب التوثق بالإشهاد، هو ما ذهب إليه ~~مالك - رحمه الله - أن الرهن شاهد لمرتهنه إلى مبلغ قيمته؛ لأنه إنما صار ~~رهنا من أجل قيمته، فكان الرهن شاهدا بقيمته، كما أن الشهود قيام بما ~~أشهدوا به، خلافا لأهل العراق - في قولهم إن القول قول الراهن؛ لأنه مقر ~~مدعى عليه؛ وهذا غلط منهم، بل الراهن مدع؛ لأنه يدعي أنه مستحق لقبض الرهن ~~بما يذكره، فمن أجل هذه النكتة دخل في حيز المدعين فلم يجز أن يعطى بدعواه. # وكذلك أصول مالك - رحمه الله -، يقول في الزوجين إذا اختلفا في الصداق ~~قبل الدخول أنه لا جائز أن يحكم للزوج بدعواه؛ لأنه يقول إنه مستحق لقبض ~~المرأة وبضعها بما يذكره فهو مدع. وكذلك المتبايعان إذا اختلفا في الثمن ~~قبل القبض، أن المشتري يقول إنه مستحق لقبض السلعة بما يذكره من الثمن فهو ~~في هذه الحال مدع؛ فكذلك الراهن مدع لقبض الرهن بما يذكره، والمرتهن يقول ~~غير ذلك؛ فأعدل الأمور ما ذهب إليه مالك - رحمه الله - أن يرد الأمر إلى ~~مبلغ قيمة الوثيقة. وهي الرهن، ويستحلف مع ذلك لإمكان أن يرهن بأقل من ~~قيمته وأكثر. # فصل وما يدعي المرتهن من الفضل على قيمة الرهن لا وثيقة له به، فهو فيه ~~مدع؛ فإذا ضاع الرهن، أو دخل الزوج بالمرأة، أو قبض المشتري السلعة؛ كان ~~القول في ms0835 هذه الحال قول الراهن، وقول الزوج، وقول المشتري- مع أيمانهم؛ ~~لأنهم في هذه الحال مقرون مدعى عليهم، لا يدعون أنهم مستحقون لشيء بإقرارهم ~~هذا. # PageV02P365 # فصل وعند مالك - رحمه الله - أن كل متداعيين إذا كان مع أحدهما من ~~البرهان على دعواه ما ليس مع صاحبه - وإن لم يكن قاطعا، كان هو المبدأ ~~باليمين والمحكوم له بها؛ فمن ذلك البدء عند تكافؤ البينتين- والشاهد العدل ~~واختلاف الزوجين في متاع البيت وإرخاء الستر، وما أشبه ذلك. # فصل وقال مالك إن المرتهن يحلف على جميع دعواه. وإن كان أكثر من قيمة ~~الرهن، إذ لا جائز أن يحلف الإنسان على بعض دعواه- دون بعض، فما كان من ~~الفضل على قيمة الرهن لم يلزم الراهن بيمين المرتهن، فيحلف الراهن حينئذ من ~~أجل هذا الفضل، فإن حلف برئ منه، وإن نكل لزمه ذلك بنكوله مع ما تقدم من ~~يمين المرتهن. # فصل ولو لم يكن الرهن شاهدا- وكان القول قول الراهن كما يقول أهل العراق، ~~لم يكن لقول الله عز وجل: {فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته} ~~[البقرة: 283]- معنى؛ لأنه إذا ائتمنه ولم يستوثق منه بالرهن فيما داينه ~~به، فالقول قوله أيضا فيما يقر به من الدين، ولا يجوز أن تكون الحال ~~الثانية كالتي قبلها، فالقرآن دال على خلاف قول أهل العراق في هذه المسألة ~~ومن أهل العلم من يقول إن القول قول المرتهن وإن ادعى أكثر من قيمة الرهن. ~~وهو شاذ، ففي المسألة ثلاثة أقوال. # فصل ولا تنفع الشهادة في حيازة الرهن إلا بمعاينة الرهن؛ لأن في تقارر # PageV02P366 # المتراهنين بالحيازة، إسقاط حق غيرهما؛ إذ قد يفلس الراهن فلا يقبل منه ~~إقراره بعد التفليس بالحيازة. # فصل ولو وجد الرهن بيد المرتهن بعد التفليس، فادعى أنه قبضه قبل التفليس ~~- وجحد ذلك الغرماء؛ لجرى الأمر على الاختلاف في الصدقة توجد بيد المتصدق ~~عليه بعد موت المتصدق، فيدعي قبضها في صحته؛ وفي المدونة دليل على القولين ~~جميعا. ولو لم يتعلق بذلك للغرماء حق، لوجب أن يصدق الراهن ويقبل إقراره له ~~أنه قد حاز ms0836 الرهن، فيكون بإقراره له شاهدا على حقه إلى مبلغ قيمته. # فصل واختلف في ضمان الرهن إذا هلك بيد المرتهن من غير أن يكون هو ~~مستهلكه، فقالت طائفة من أهل العلم: إن كان الرهن مثل الدين أو أكثر منه، ~~فهو بما فيه؛ وإن كان أقل من الدين، ذهب من الدين بقدره ورجع المرتهن على ~~الراهن بما نقص من حقه؛ وقالت طائفة يذهب الرهن بما فيه من الدين كانت ~~قيمته مثل الدين أو أكثر منه أو أقل، ولا يرجع واحد منهما على صاحبه بشيء. ~~وقالت طائفة يترادان الفضل بينهما- إن كانت قيمة الدين أكثر من قيمة الرهن، ~~رجع المرتهن على الراهن بالفضل، وإن كانت قيمة الرهن أكثر، رجع الراهن على ~~المرتهن بما فضل من قيمة الرهن على الدين؛ ويروى هذا القول عن ابن عمر، ~~وعلي بن أبي طالب - رضي الله عنهما -، وذهب مالك - رحمه الله - إلى أنه إن ~~كان الرهن مما يغاب عليه ويخفى هلاكه نحو الذهب والفضة والعروض والطعام ~~والمتاع، ترادا الفضل فيما بينهما؛ إلا أن تقوم بينة على هلاكه من غير ~~سببه، فيكون ضمانه من الراهن ويكون الدين ثابتا بحاله، وقد روي عن مالك - ~~رحمه # PageV02P367 # الله- أن المرتهن ضامن، ويترادان الفضل- وإن قامت بينة على الهلاك- وهو ~~قول أشهب، وذكر القولين عن مالك محمد بن المواز في كتابه، فوجه سقوط الضمان ~~هو أن المعنى الذي لأجله ضمناه عدم العلم بصدقه فيما يدعيه، فإذا علم صدقه، ~~لم يبق سبب لإيجاب الضمان، ألا ترى أن ما يظهر هلاكه لا يضمنه؛ لأن العلم ~~بصدقه يعلم من غير جهته، وكذلك إذا قامت البينة بهلاك ما يخفى هلاكه؛ ووجه ~~وجوبه هو أن العلة إذا وضعت حسما للباب، لم تخصص في موضع من المواضع؛ ألا ~~ترى أن منع قبول شهادة الأب لابنه، والابن لأبيه - لأجل التهمة الغالبة في ~~الطباع، فحمل الباب محملا واحدا- ولم ينقض بنادر؛ وكذلك في مسألتنا أصل ~~العروض والذهب والفضة مما يخفى هلاكه- وإن جاز أن يخرج من هذا الأصل- نادر ~~بأن يعلم هلاكه بغير صنع المرتهن؛ لأن الحكم أجري ms0837 مجرى واحدا على غالبه- ~~حسما للباب. # وإن كان الرهن مما يظهر هلاكه نحو الدور والأرضين والحيوان وهلك، فهو من ~~الراهن، ودين المرتهن ثابت على حاله؛ وقالت طائفة من أهل المدينة وأهل مكة ~~وغيرهم، منهم الزهري وغيره إذا تلف الرهن، فهو في مال الراهن ودين المرتهن ~~ثابت على حاله- كان مما يغاب عليه، أو مما لا يغاب عليه؛ وهذا على قول ~~الشافعي، وأحمد بن حنبل؛ واحتجوا بحديث الزهري عن سعيد بن المسيب أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «الرهن ممن رهنه له غنمه وعليه غرمه» . ~~قالوا: فغنمه: زيادته ونماؤه، وغرمه نقصانه وذهابه. # فصل والحجة لمالك - رحمه الله - في تفرقته بين ما يغاب عليه وما لا يغاب ~~عليه، هي أن الرهن لم يجر مجرى الأمانات المحضة، ولا مجرى المضمون المحض؛ ~~لأنه أخذ شبها من الأمرين، فلم يكن له حكم أحدهما على التحديد؛ وذلك لأن ~~الأمانة # PageV02P368 # المحضة هي التي لا نفع فيها لقابضها، بل النفع فيها للمالك- كالوديعة، أو ~~جل النفع كالقراض، والمضمون المحض هو ما كان النفع كله لقابضه كالقرض، أو ~~تعدي جناية كالغصب؛ وفي مسألتنا لما لم يكن تعد ولا جناية فيضمن، ولا ينفرد ~~المالك بالمنفعة فيسقط الضمان على المرتهن- وكانت المنفعة لهما؛ أما للمالك ~~بأن حصل له ما ابتاعه أو سلفه وبقي الدين في ذمته لأجل الرهن، ولولاه لم ~~يملكه؛ والمرتهن بحصول التوثق له، فلم يقبضه لمالكه؛ - لم يجز أن ينفرد ~~بحكم أحدهما على التحديد، لأخذه شبها منهما جميعا. # وإذا وجب بهذه الجملة ألا يحكم فيه بحكم أحدهما ووجب الفصل بينهما، حصل ~~من ذلك ما قلناه؛ لأن أحدا لم يفصل بينهما إلا بما ذكرناه؛ فهذه نكتة ~~المسألة وفقهها؛ والدليل على فساد قول من أوجب على المرتهن ضمان الرهن- كان ~~مما يغاب عليه أو مما لا يغاب عليه. جملة من غير تفصيل- وهو مذهب أبي حنيفة ~~-: استصحاب الحال في براءة ذمة المرتهن في الأصل، وثبوت الدين في ذمة ~~الراهن، فعلى مدعي نقل ذلك عما هو عليه- في الأصل الدليل؛ ويدل عليه أيضا ~~قول النبي - عليه السلام ms0838 -: «الرهن ممن رهنه له غنمه وعليه غرمه» . # وقوله: "ممن رهنه "، يفيد أن تلفه منه، وذلك ينفي أن يضمنه المرتهن؛ وما ~~احتجوا له مما روي أن «رجلا ارتهن فرسا من رجل فنفق في يده، فقال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - للمرتهن: ذهب حقك» لا حجة له فيه؛ لاحتمال أن يكون ~~ذهب حقك من الوثيقة لا دينك، وفائدته أنه لا يلزم الراهن رهن آخر بدله. # فصل والدليل على فساد قول الشافعي ومن أسقط الضمان عن المرتهن جملة من ~~غير تفصيل فيما يغاب عليه وفيما لا يغاب عليه، قوله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» ، وعلى من حروف الإيجاب. وقوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «الرهن بما فيه» ، وهذه # PageV02P369 # عبارة عن وجوب ضمانه على المرتهن وأما ما احتجوا به من قوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «لا يغلق الرهن» ، وقالوا معناه أن الحق لا يسقط بتلفه؛ فلا ~~يصح لأن هذه دعوى في التأويل، وإنما معناه أنه لا يستحق بتعذر أداء الحق ~~على ما كانت الجاهلية تفعله. واحتجوا أيضا بقوله- صلى الله عليه وسلم -: ~~«الرهن من راهنه، له غنمه وعليه غرمه» أي منه تلفه وعطبه؛ وهذا مخصوص فيما ~~يظهر هلاكه، بدليل ما قدمناه فلا حجة لهم فيه. # فصل وأجمع أهل العلم على أن المرتهن ليس له الانتفاع بشيء من الرهن فيما ~~سوى الحيوان، واختلفوا في الحيوان: فقالت طائفة من أهل العلم إذا كان الرهن ~~حيوانا- شاة أو بقرة أو غير ذلك، فله أن يحتلب الشاة والبقرة، ويركب الحمار ~~بقدر ما يعلفه؛ واحتجوا بحديث أبي هريرة عن النبي - عليه السلام - أنه قال: ~~«الرهن يحلب ويركب بقدر نفقته ". وعلى الذي يحلب ويركب نفقته» وهو قول أحمد ~~بن حنبل وإسحاق بن راهويه؛ وقال جمهور أهل العلم ليس له أن ينتفع بشيء من ~~الرهن- حيوانا كان، أو غيره- وهو قول مالك والشافعي، وقال الشافعي معنى قول ~~أبي هريرة الرهن محلوب ومركوب بنفقته. أن الراهن هو الذي يركبه ويعلفه؛ ~~لأنه ملكه لا المرتهن؛ واحتج هو وغيره بحديث ابن عمر عن ms0839 النبي- عليه السلام ~~- أنه قال: «لا يحتلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه» . # فصل فإذا قلنا إن المرتهن ليس له من نماء الرهن ولا من غلته شيء، فهل ~~يدخل ذلك في الرهن أم لا- في ذلك تفصيل، وذلك أن النماء على ضربين؛ نماء ~~متميز عن الرهن، ونماء غير متميز عنه، فأما ما كان غير متميز عن الرهن، فلا ~~خلاف أنه يدخل في الرهن وذلك كسمن الدابة والجارية، وكبر الصغير وما أشبه # PageV02P370 # ذلك؛ وأما ما كان متميزا عن الرهن، فإنه أيضا على وجهين، أحدهما أن يكون ~~على خلقته وصورته، والثاني أن لا يكون على خلقته وصورته؛ فأما ما كان على ~~خلقته وصورته- كالولد فإنه داخل مع الأم في الرهن من بني آدم، ومن سائر ~~الحيوان؛ وكذلك ما كان في معناه من فسلان النخيل؛ فإنه داخل مع الأصول في ~~الرهن؛ وأما ما لم يكن على خلقته وصورته؛ فإنه لا يدخل في الرهن- كان ~~متولدا عنه كثمرة النخيل، ولبن الغنم وصوفها؛ أو غير متولد عنه ككراء ~~الدار، وخراج الغلام؛ هذا هو المشهور في المذهب المعلوم من قول مالك. وقد ~~روي عنه أن ذلك كله داخل في الرهن- كان متولدا عنه، أو غير متولد عنه. # وذهب أبو حنيفة إلى أنه يدخل في الرهن كل نماء متميز منه متولد عنه على ~~غير خلقته، قياسا على نسل الحيوان وعلى النماء المتصل بالرهن الذي لا يتميز ~~منه؛ وذهب الشافعي إلى أنه لا يدخل في الرهن من النماء إلا ما كان غير ~~متميز منه كسمن الجارية والدابة، واستدل من نصر قوله على ذلك بقوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «له غنمه» فالولد من غنمه، قالوا ولأنه حق متعلق بعين قد ~~يستوفي من ثمنها، فوجب ألا يسري إلى ولدها أصله أرش الجناية، وهو أن الأمة ~~إذا جنت ثم حملت أن الولد لا يدخل في الجناية، ولأن كل ما لا يتبع الجانية ~~في الجناية فلا يتبع المرهونة في الرهن، أصله الكسب، فهذه مقدمات في الرهون ~~تبنى عليها مسائل الكتاب- إن شاء الله تعالى وبه التوفيق. # PageV02P371 ### | كتاب الكفالة # ] [ ### || فصل ms0840 في تفسير الكفالة ومعناها # فصل # في تفسير الكفالة ومعناها. # الكفالة هي الضمان ومعناها: التزام القيام بالشيء والاستطلاع به؛ وللضامن ~~في اللغة سبعة أسماء، وهي: زعيم، وكفيل، وقبيل، وأذين، وحميل، وصبير، ~~وضامن. يقال من ذلك زعم يزعم زعامة فهو زعيم، وكفل يكفل كفالة فهو كفيل، ~~وقبل يقبل قبالة فهو قبيل، وأذن يأذن إذانة فهو أذين. وحمل يحمل حمالة فهو ~~حميل، وصبر يصبر صبرا فهو صبير، وضمن يضمن ضمانا فهو ضامن- بمعنى واحد وهي ~~موجودة في القرآن، وفي السنن والآثار، وفيما يحتج به من الأشعار، وقائمة من ~~ذلك؛ قال الله- عز وجل في الزعيم-: {ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم} ~~[يوسف: 72] ، وقال تعالى: {سلهم أيهم بذلك زعيم} [القلم: 40] . وقال- صلى ~~الله عليه وسلم -: «الزعيم غارم» ، وقال: «لا تقوم الساعة حتى يكون زعيم ~~القوم أرذلهم» ، # PageV02P373 # أي من يتحمل الكلام- عنهم، ويتقدم فيه دونهم، وينوب فيه منابهم؛ وقال ~~تعالى في الكفيل: {وقد جعلتم الله عليكم كفيلا} [النحل: 91] ، وقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من ~~بيته إلا الجهاد في سبيله وابتغاء مرضاته: أن يدخله الجنة أو يرده إلى ~~مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة» . وذكر - صلى الله عليه ~~وسلم -: «أن رجلا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، ~~فقال: ائتني بالشهداء أشهدهم، فقال: كفى بالله شهيدا؛ قال: ائتني بالكفيل، ~~قال: كفى بالله كفيلا؛ قال صدقت؛ فدفعها إليه إلى أجل مسمى، فخرج في البحر ~~فقضى حاجته، ثم التمس مركبا يركبه يقدم عليه للأجل الذي أجله، فلم يجد ~~مركبا؛ فأخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبها، ثم ~~زجج موضعها، ثم أتى بها إلى البحر، فقال: اللهم إنك تعلم أني تسلفت فلانا ~~ألف دينار فسألني كفيلا فقلت: كفى بالله كفيلا، فرضي بك؛ وسألني شهودا ~~فقلت: كفى بالله شهيدا فرضي بك، وإني جهدت أن أجد مركبا أبعث إليه الذي له؛ ~~فلم أقدر عليه؛ وإني استودعتكها فرمى بها في البحر ms0841 حتى ولجت فيه- وهو في ~~ذلك يلتمس مركبا يخرج إلى بلده؛ فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركبا ~~قد جاء بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطبا؛ فلما ~~نشرها وجد المال والصحيفة؛ ثم قدم الذي كان أسلفه، فأتى بالألف دينار وقال: ~~والله ما زلت جاهدا في طلب مركب لآتيك # PageV02P374 # بمالك، فما وجدت مركبا قبل الذي أتيت فيه، قال: هل كنت بعثت إلى شيئا؛ ~~قال: أخبرك أني لم أجد مركبا غير الذي أتيت فيه، قال: فإن الله قد أدى عنك ~~الذي بعثت في الخشبة؛ قال: فانصرف بالألف الدينار راشدا» وقال تعالى في ~~القبيل: {أو تأتي بالله والملائكة قبيلا} [الإسراء: 92] . والأذين مأخوذ من ~~قوله تعالى: {وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء ~~العذاب} [الأعراف: 167] ، ومن قوله: {وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ~~ولئن كفرتم إن عذابي لشديد} [إبراهيم: 7] ، وقال الشاعر: # فقلت قدي وغضي الطرف إني ... أذين بالترحل والأفود # وقال امرؤ القيس: # وإني أذين إن رجعت مملكا ... بسير ترى منه الفواتق أزورا # وإنما كان الأذين بمعنى الحميل؛ لأن الأذين والأذان، والإذن، وما تصرف من ~~ذلك، إنما هو بمعنى الإعلام؛ فلما كان بمعنى الإعلام الذي لا يكون إلا ~~بمعلوم متيقن حاصل لا يصح أن يوجد بخلافه، إذ هو مأخوذ من العلم الذي هو ~~معرفة المعلوم على ما هو به، بخلاف الإخبار الذي يصح أن يوجد بخلاف مخبره ~~بما يدخله من الصدق والكذب، كان قول الرجل: أنا أذين بما لفلان على فلان ~~إيجابا منه على نفسه أداء المال إليه، إذ لا يستعمل ذلك اللفظ إلا في ~~الواجب المتيقن الذي لا يصح أن يكون الأمر بخلافه- والله أعلم. والحميل ~~مأخوذ من قوله # PageV02P375 # تعالى: {وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى} ~~[فاطر: 18] ، وأما الضامن فإنه بين المعنى. # فصل فالكفالة بالمال جائزة في الشرع، لازمة في صريح الحكم؛ وهي من ~~المعروف، وتجوز عند مالك وأصحابه في المعلوم والمجهول- خلافا للشافعي في ~~قوله: إنها لا تجوز في المجهول؛ والأصل ms0842 في جوازها الكتاب والسنة وإجماع ~~الأمة؛ فأما الكتاب فهو ما تلوناه من قول الله عز وجل: {ولمن جاء به حمل ~~بعير وأنا به زعيم} [يوسف: 72] ، وقوله: {سلهم أيهم بذلك زعيم} [القلم: 40] ~~، وأما السنة فكثير، منها: ما روي «أن قبيصة بن المخارق أتى النبي- صلى ~~الله عليه وسلم - فسأله وقال له إني تحملت بحمالة، فقال: " نحن نخرجها عنك ~~من الصدقة يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا في ثلاث: رجل تحمل بحمالة فحلت ~~له المسألة حتى يؤديها ثم يمسك» ، ففي إحلاله - صلى الله عليه وسلم - ~~المسألة لمن تحمل بحمالة- دليل على جواز الحمالة ولزومها ووجوبها عليه؛ وقد ~~استدل أيضا بظاهر هذا الحديث- من قال إن للمكفول له مطالبة الكفيل وإن كان ~~المكفول عنه مليا، إذ أباح رسول الله- صلى الله عليه وسلم - المسألة ~~المحرمة بنفس الحمالة، ولم يعتبر حال المتحمل عنه، وفيه أيضا دليل على ~~إجازة الحمالة بالمال المجهول؛ لأن فيه تحملت بحمالة- ولم يذكر لها قدرا ~~ولا مبلغا- وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابهما، خلافا للشافعي في قوله: إن ~~الحمالة بالمال المجهول لا تصح، لأنها مخاطرة على ما قد ذكرناه عنه. وأما ~~الإجماع فلا خلاف بين الأمة في جوازها- وإن اختلفوا في كثير من شروطها ~~وأحكامها. # فصل فالحمل والحمالة في اللغة سواء في المعنى، لأنهما جميعا مصدران من # PageV02P376 # حمل يحمل حملا وحمالة، ويفترق معناهما عند الفقهاء بعرف التخاطب، ~~فالحمالة عندهم أن يتحمل بالحق أن يؤديه عن المطلوب ويرجع به عليه؛ وكذلك ~~الكفالة، والإذانة، والزعامة، والقبالة؛ والحمل- عندهم هو أن يتحمل بالحق ~~عن المطلوب- على أن يؤديه عنه ولا يرجع به عليه؛ ولفظ الضمان عندهم محتمل ~~للوجهين جميعا؛ فإذا ضمن الرجل عن الرجل المال في عقد البيع أو بعد عقد ~~البيع، أو ضمن عنه الصداق بعد عقد النكاح، فهو على الحمالة حتى ينص أنه ~~أراد بذلك الحمل- بلا خلاف، وأما إذا ضمن عن الزوج الصداق في عقد النكاح- ~~ابنه كان أو أجنبيا، فاختلف فيه هل هو محمول على الحمل حتى يبين أنه أراد ~~بذلك الحمالة، أو على الحمالة حتى يريد به الحمل؛ ms0843 فمذهبه في المدونة أنه ~~على الحمل حتى يريد به الحمالة- وهو قول ابن حبيب في النكاح من الواضحة، ~~وقول ابن القاسم في رواية سحنون عنه من العتبية، وروى عيسى عنه في غير ~~العتبية أنه على الحمالة حتى يريد به الحمل. # فصل فإذا حمل الرجل عن الرجل المال في عقد البيع، أو حمل عنه الصداق في ~~عقد النكاح، فذلك لازم له ثابت في ذمته وماله في الحياة وبعد الممات واختلف ~~إذا حمل ذلك عنه بعد عقد البيع، أو بعد عقد النكاح: فروى أصبغ عن ابن ~~القاسم أنه يلزمه في الحياة ويسقط عنه بعد الوفاة- كالهبة إذا لم تقبض حتى ~~مات الواهب- وقاله ابن حبيب في النكاح من الواضحة؛ وقال ابن الماجشون في ~~الحمالات منها: إن ذلك لازم له في الحياة وبعد الوفاة. كالحمالة؛ قال: ~~لأنها ثمن لما ترك المحمول له من ذمة غريمه ومن حقه عليه، فكأنه قال له ~~ابتداء: أعطه كذا وكذا من مالك- وهي لك علي: أو أعطه ثوبك- وثمنه علي ~~واختاره ابن حبيب هاهنا خلاف ما وقع له في النكاح. # PageV02P377 # فصل والحمالة على مذهب مالك تجوز عن الحي والميت. غير أنه إن تحمل عن ~~الحي فأدى عنه، كان له الرجوع عليه بما أدى عنه، واتباعه به إن كان معدما- ~~كان تحمل عنه بإذنه أو بغير إذنه؛ وإن كان تحمل عن ميت لا وفاء له بما تحمل ~~به عنه، لم يكن له أن يرجع بما أدى عنه في مال- إن طرأ له، خلافا لأبي ~~حنيفة في قوله: إن من تحمل عن رجل بغير أمره، لم يكن له أن يرجع عليه بما ~~أدى عنه، وأن الحمالة عن الميت- إذا لم يترك وفاء لا تجوز؛ لأن الدين قد ~~توى بذهاب الذمة، والكفالة بالتاوي كفالة بما قد بطل، فلا معنى لها، والحجة ~~لمالك في أن الحمالة عن الميت وإن لم يترك وفاء جائزة، وأن الكفيل لا رجوع ~~له في مال- إن طرأ للميت: ما «روى جابر بن عبد الله أن رجلا مات وعليه دين ~~فلم يصل عليه النبي- عليه السلام - حتى قال ms0844 أبو اليسر أو غيره: هو إلي فصل ~~عليه، فجاءه من الغد فتقاضاه فقال: إنما كان أمس، ثم أتاه من بعد الغد، ~~فأعطاه فقال: الآن بردت عليه جلده» . # فلو لم تكن الحمالة بما عليه جائزة، لما صلى عليه النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، ولو كان الدين قد تحول إلى الذي أداه عنه- ولم يسقط عن الذي كان ~~عليه، لما برد جلده بالأداء عنه؛ لبقاء الدين عليه، وهذا بين وقد احتج ~~الطحاوي لأبي حنيفة بهذا الحديث فيمن قضى دينا عن رجل بغير أمره، أنه لا ~~رجوع له به عليه، ومالك أسعده الحديث؛ لأنه استعمله في موضعه ولم يعده إلى ~~الحي. # وفيه أيضا حجة له على أبي حنيفة في أن الكفالة لازمة للكفيل بغير قبول ~~المكفول له، ودليل على جواز الكفالة بغير إذن المكفول عنه، ووجوب أخذ ~~المكفول له بها- الكفيل، وأن ذمة المكفول عنه لا تبرأ بوجوب الكفالة على ~~الكفيل حتى يودي عنه؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الآن بردت ~~عليه جلده. قال الطحاوي فإذا كانت الحمالة لازمة للحميل، # PageV02P378 # وكان للمكفول له مطالبته بها على ما في الحديث، كان المكفول عنه إذا كان ~~مليا أحرى بالمطالبة، إذ لم يسقط الدين عن ذمته بالكفالة؛ فوجب أن يكون ~~مخيرا في مطالبة من شاء منهما على ما قاله الشافعي وأبو حنيفة، خلاف ما روي ~~عن مالك؛ قلت: وهذا لا يلزمه؛ لأن الحديث إنما هو فيمن لم يترك وفاء، ولذلك ~~لم يصل عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فليس هذا موضع الخلاف. # وقول مالك الذي اختاره ابن القاسم أظهر أن الكفالة لا تلزم الكفيل مع ملأ ~~المكفول عنه وحضوره واستوائهما في اللدد؛ لأنه إن قضى للمكفول له على ~~الكفيل، قضى في الحين للكفيل على المكفول عنه، فالقضاء له على المكفول عنه ~~أولى وأقل عناء، وبالله التوفيق. # فصل والحمالة لا تجوز إلا فيما تصح فيه النيابة، وذلك إنما يكون في المال ~~المتعلق بالذمة، أو ما يؤول إلى المال المتعلق بها؛ وأما ما يكون في ~~الأبدان ولا يتعلق ms0845 بالأموال- كالقتل والسرقة والحدود والتعزير، فلا تجوز ~~فيه الحمالة، إذ لا تصح فيه النيابة. # فصل وهي تنقسم على قسمين: حمالة بالمال وحمالة بالوجه. # فأما الحمالة بالمال فإنها لازمة في الحياة وبعد الممات، كانت في أصل ~~البيع أو بعد عقد البيع؛ لأنها وإن كانت من المعروف، فكأنها إنما خرجت عن ~~عوض، وهو ما رضي به المتحمل له من دفع سلعته أو تأخير غريمه؛ وأيضا فإنه ~~إذا غرم، يرجع بما غرم. # واختلف قول مالك في الحميل بالمال: فمرة قال: إن المتحمل له بالخيار يأخذ ~~أيهما شاء بحقه إن شاء الحميل، وإن شاء المتحمل عنه، وإن كان الغريم مليا؛ ~~ومرة قال: لا سبيل له إلى الحميل إلا في عدم الغريم- وهو اختيار ابن ~~القاسم. # PageV02P379 # فصل واختلف على هذا القول إذا قام المتحمل له على الحميل، فقال: إن ~~الغريم عديم، وقال الحميل: بل هو مليء - فمن يكون القول قوله منهما؟ وعلى ~~من تكون إقامة البينة؟ فعلى ما قاله سحنون في نوازله من كتاب الكفالة: إن ~~القول قول المتحمل له، وعلى الكفيل إقامة البينة أن الغريم مليء، فإن عجز ~~عن ذلك وجب عليه الغرم؛ لأنه إذا قال: إذا لم يعلم للغريم مال ظاهر، ~~فالحميل غارم. # وظاهر ما في سماع سحنون من كتاب النكاح أن الغريم محمول على اليسار، فلا ~~سبيل إلى إغرام الحميل حتى لا يوجد للغريم مال، فعلى المتحمل له إقامة ~~البينة على عدم الغريم. # فصل وكذلك اختلف على هذا القول إذا شرط أن يأخذ أيهما شاء بحقه: فقال ابن ~~الماجشون، وابن كنانة، وأشهب: شرطه باطل ولا سبيل له إلى الحميل إلا في عدم ~~الغريم، واختلف في ذلك قول ابن القاسم: فمرة قال: إن الشرط جائز عامل وهو ~~المشهور عنه المعلوم من مذهبه في المدونة وغيرها، وبه قال أصبغ؛ ومرة قال ~~ابن القاسم: إن الشرط لا يجوز إلا في القبيح المطالبة، أو ذي السلطان؛ وقد ~~تؤول عليه أنه إنما أعمل الشرط من غير استثناء إذا كانت الحمالة في أصل ~~البيع، وبالاستثناء إذا كانت الحمالة بعد عقد ms0846 البيع؛ والصحيح ما بدأنا به ~~أن ذلك اختلاف من قوله، وألا فرق بين أن تكون الحمالة في عقد البيع أو ~~بعده. # فصل وكذلك اختلف - إن اشترط المتحمل له على الحميل أن حقه عليه، وأبرأ ~~الغريم: فظاهر قول ابن القاسم في كتاب الحوالة أن الشرط جائز ولا رجوع له # PageV02P380 # على الغريم، وروى ابن وهب عن مالك أنه لا رجوع له عليه إلا أن يموت ~~الحميل، أو يفلس، وروى مطرف عن مالك في الواضحة أن له الرجوع على الغريم إن ~~شاء ولم يشترط موتا ولا فلسا؛ وقال ابن الماجشون: شرطه باطل ولا يعدى عليه ~~حتى يملأ الغريم؛ لأنها حمالة حتى يسميها حوالة- يقول له: أحتال عليك من ~~حقي، فعند ذلك يكون حقه عليه ولا يكون له الرجوع على غريمه الأول. # فصل وهذا الاختلاف- عندي- إنما هو إذا وقع الشرط على ألا تباعة للمحتمل ~~له قبله ولا رجوع له عليه، وأن الحميل يرجع عليه بما يؤدي عنه إلى المتحمل ~~له، وأما إذا وقع الشرط على ألا تباعة قبله للمتحمل له، ولا للحامل فقد سقط ~~الدين عنه باتفاق، ولا رجوع لأحدهما عليه في مال- لا للحامل- إن أداه إلى ~~الطالب المتحمل له، ولا للطالب- إذا أعدم الحميل أو مات، ومن الناس من يحمل ~~رواية ابن وهب عن مالك في المدونة على التفسير لقول ابن القاسم فيها، ~~ويقول: معنى ما ذهب إليه ابن القاسم أنه لا رجوع للمتحمل له للطالب- على ~~غريمه الأول- إلا أن يموت أو يفلس؛ ويحتمل- عندي- أن يتأول قول ابن القاسم ~~على أنهما قد أبرءا الغريم جميعا من الدين جملة؛ فيكون ابن القاسم إنما ~~تكلم على غير الوجه الذي تكلم عليه في رواية ابن وهب عن مالك. فهو ممكن ~~سائغ محتمل. # فصل فإن تحمل بالمال حملا في صفقة واحدة، فيلزم كل واحد منهم ما ينوبه ~~منه على عددهم إلا أن يشترط أن كل واحد منهم حميل عن صاحبه، أو عن أصحابه ~~قال بجميع المال، أو لم يقل فيؤخذ المليء منهم بالمعدم، كما يؤخذون بعدم ~~الغريم، ويأخذ أيهم شاء على أحد قولي ms0847 مالك، وعلى كليهما إذ اشترط أن # PageV02P381 # يأخذ أيهم شاء: فإن أخذ أحدهم بما ينوبه من المال، فاختلف هل للمأخوذ منه ~~ذلك أن يرجع على من وجد من أصحابه حتى يساويه في ذلك، فقيل: إن ذلك له وإلى ~~هذا ذهب أبو إسحاق التونسي، وقيل: إن ذلك ليس له وهو الصواب؛ لأن ما ينوبه ~~من المال، فإنما أداه عن نفسه لا رجوع له به كما لو ثبت عليه من أصل دين، ~~ومثله في كتاب ابن المواز، وفي سماع أبي زيد وهو الذي يأتي على ما في ~~المدونة لغير ابن القاسم في مسألة الستة كفلاء- وهي مسألة ناقصة، وفي بعض ~~وجوهها انغلاق، فأنا أشرح ما انغلق منها وأبين ما أشكل فيها وأكمل ما نقص ~~منها- إن شاء الله، وما توفيقي إلا بالله. ### || فصل في تفسيرها وشرحها وبيانها # إن سأل سائل عن تفسير الستة الكفلاء الواقعة في كتاب الكفالة من المدونة ~~لغير ابن القاسم، ومعرفة الحكم في رجوع من غرم منهم جميع المال، وأكثر ما ~~يجب عليه منه بسبب الحمالة على أصحابه إذا لقيهم مجتمعين، أو مفترقين، ووجه ~~العمل في ذلك؛ فالجواب عنه أن الحكم في ذلك هو أن يرجع من غرم من المال ~~شيئا بسبب الحمالة على أصحابه بما غرم عنهم على السواء إن لقيهم مجتمعين، ~~وإن لقيهم مفترقين واحدا بعد واحد، رجع على من لقي منهم بما ينوبه مما أدى ~~عنه بسبب الحمالة، وبنصف ما ينوب ما أدى عن أصحابه. # وإن لقي منهم اثنين معا، رجع على كل واحد منهما بما ينوبه مما أدى عنه ~~بالحمالة، وبتلقي ما ينوب ما أدى عن الباقين، وإن لقي منهم ثلاثة معا، رجع ~~على كل واحد منهم- بما ينوبه من ذلك؛ وبثلاثة أرباع ما ينوب ما أدى ~~بالحمالة عمن غاب، وإن لقي اثنان منهم واحدا، رجعا عليه بما أديا عنه من ~~أصل الحق، وبثلث ما أديا عن أصحابه بالحمالة، وإن كانوا ثلاثة فلقوا واحدا، ~~رجعوا عليه بما أدوه عنه في # PageV02P382 # خاصته، وبربع ما أدوه عن أصحابه بالحمالة، فاقتسموا ذلك ms0848 بينهم بالسواء؛ ~~وإن لقي واحد منهم من أصحابه من قد غرم بسبب الحمالة شيئا، حاسبه بذلك ورجع ~~عليه بنصف الباقي؛ وإن كان الذي لقي قد غرم بسبب الحمالة شيئا أو أغرم هو ~~سواه، حاسبه بالباقي على ما وصفناه؛ وإن لقي واحد منهم أحد أصحابه فرجع ~~عليه، ثم لقيه ثانية بعد أن رجع هو على غيره، رجع عليه فساواه فيما رجع به؛ ~~ثم إن لقي المرجوع عليه الغير الذي كان رجع عليه رجع عليه ثانية بما انتقصه ~~الأول إذا لقيه ثانية، ثم إن لقيه الأول ثالثة رجع عليه، فلا يزال التراجع ~~يتردد بينهم حتى يستووا ثلاثتهم، ولا يزال يرجع بعضهم على بعض أبدا كلما ~~التقى واحد منهم. مع صاحبه- وقد أدى أكثر منه حتى يرجع إلى كل واحد منهم ما ~~غرم بسبب الحمالة، فيكون قد أدى ما عليه من أصل الحق دون زيادة ولا نقصان، ~~ولا تنحصر وجوه التراجع بينهم إلى عدد، إذ قد يلتقون على رتب مختلفة، وصور ~~شتى غير متفقة؛ ولا ينقضي التراجع بينهم بأقل من خمس عشرة لقية- على أي ~~رتبة التقوا عليها؛ ما لم تلق منهم الجماعة للجماعة أو الواحد للجماعة، أو ~~الجماعة للواحد؛ وتنقضي بخمس عشرة لقية إذا التقوا على رتبة ما سأذكرها ~~فيما بعد مفسرة- إن شاء الله. # ووجه العمل في المسألة لا يتبين إلا بتنزيلها وتصويرها، فأنا أنزلها ~~وأذكر من وجوه التراجع فيها ما ذكره في الكتاب بتفسير ما أشكل منها، ثم ~~أتبع ذلك بما سكت عنه من بقية التراجع على الرتبة التي بدأنا بها حتى يصل ~~إلى كل واحد منهم ما أدى بالحمالة، ويعتدلوا فيما أدوه من أصل الحق، ثم ~~أذكر- إن شاء الله- حكم التراجع بينهم- مفسرا إذا التقوا على الرتبة التي ~~ذكرنا أن التراجع ينقضي بينهم بخمس عشرة لقية. مع ألا يلتقي منهم أكثر من ~~اثنين معا- إن شاء الله، ولا قوة إلا بالله. # PageV02P383 ### || فصل في المسألة # وهي رجل باع سلعة من ستة رجال بستمائة درهم- على أن كل ~~واحد منهم حميل عن أصحابه بجميعها، وشرط أن يأخذ منهم ms0849 من شاء بجميع حقه، ~~فإن وجد البائع أحدهم، كان له أن يأخذ منه الستمائة كلها؛ لأن المائة ~~الواحدة منها واجبة عليه من أصل الحق، والخمسمائة يأخذها منه بالحمالة عن ~~أصحابه الخمسة الباقين، فإن أخذها منه ثم لقي الذي أخذت منه أحد الخمسة ~~الباقين، فإنه يرجع عليه بثلاثمائة؛ لأنه يقول له: أديت أنا ستمائة، فمائة ~~منها واجبة علي لا أرجع بها على أحد، والخمسمائة الباقية أديتها عنك وعن ~~أصحابك الأربعة الباقين مائة، مائة عن كل واحد منكم، فادفع إلي المائة التي ~~أديت عنك في خاصتك، ونصف ما أديت عن أصحابك بالحمالة، وذلك مائتان؛ لأنك ~~حميل معي بهم، فيأخذ منه ثلاثمائة، فيستويان فيما غرما عن أنفسهما ~~وبالحمالة عن أصحابهما. # فصل فإن لقي الثاني المأخوذ منه الثلاثمائة الثالث من الخمسة الباقين، ~~فإنه يرجع عليه بمائة وخمسة وعشرين؛ لأنه يقول له: أديت أنا ثلاثمائة، ~~المائة الواحدة منها عن نفسي لا أرجع بها على أحد، والمائتان الباقيتان عنك ~~وعن أصحابك الثلاثة الغيبة الباقين خمسون، خمسون عن كل واحد منكم؛ فادفع ~~إلي الخمسين التي أديت عنك في خاصتك، وخمسة وسبعين نصف المائة والخمسين ~~التي أديت عن أصحابك بالحمالة؛ لأنك حميل معي بهم هذا كله بين لا إشكال فيه ~~في الكتاب. # ثم قال فيه: وكذلك إذا لقي الرابع المأخوذ منه المال- الثالث من الباقين، ~~فإنه يأخذه بما أدى عنه من أصل الدين، وبنصف ما أدى عن أصحابه؛ وهو كلام ~~فيه احتمال يفتقر إلى بيان، ومراده به أن الثالث من الغارمين المأخوذ منه ~~مائة وخمسة وعشرين، لقي أحد الثلاثة الباقين وسماه رابعا؛ لأنه رابع ~~الباقين فيرجع. # PageV02P384 # عليهم بخمسين، لأنه يقول له أديت أنا مائة وخمسة وعشرين، خمسون منها عن ~~نفسي من المائة الواجبة علي من أصل الحق لا أرجع بها على أحد، وخمسة وسبعون ~~بالحمالة عنك وعن صاحبيك الغائبين خمسة وعشرون عن كل واحد منكم؛ فادفع إلي ~~الخمسة والعشرين التي أديت عنك في خاصتك، وخمسة وعشرين نصف الخمسين التي ~~أديت عن صاحبيك بالحمالة، لأنك حميل معي بهما، فيأخذ منه ms0850 الخمسين. # فصل ثم قال في الكتاب: فإن لقي الرابع الآخر من الأولين الذي لم يرجع على ~~الرابع بشيء - يريد أن الأول الذي غرم الستمائة ورجع منها على الثاني ~~بثلثمائة، لقي الثالث الذي رجع عليه الثاني بمائة وخمسة وعشرين ولم يرجع هو ~~بعد عليه بشيء، ويريد أنه لقيه قبل أن يرجع هو على الرابع بالخمسين وسماه ~~في الكتاب رابعا لأن الباقين ثلاثة فهو رابعهم - وهو ثالث الغارمين فيرجع ~~عليه بما أدى عنه من أصل الدين وذلك خمسون درهما، وينظر فيما بقي مما أداه ~~بالحمالة عنه، فإذا هو مائة وخمسون درهما وقد أدى الرابع بالحمالة خمسة ~~وسبعين درهما، فيرجع عليه الذي أدى خمسين ومائة - بسبعة وثلاثين ونصف حتى ~~يعتدلا فيما أدياه بالحمالة عن الثلاثة، فيصير كل واحد منهما قد أدى مائة ~~واثني عشر ونصفا، يريد أن الأول والثالث اللذين التقيا هما اللذان اعتدلا ~~فيما غرما بالحمالة؛ وأما الثاني فإنما أدى بالحمالة خمسة وسبعين، لأن ~~الأول كان رجع عليه بثلاثمائة فرجع هو منها على الثالث بمائة وخمسة وعشرين ~~على ما بيناه، فبقي له مما أدى عن الثلاثة بالحمالة خمسة وسبعون، لأن ~~المائة منها واجبة عليه في خاصته لم يؤدها بالحمالة، فيرجع الأول والثالث ~~على هذا الثاني بخمسة وعشرين: اثني عشر ونصف لكل واحد منهما. إن لقياه معا، ~~فيصير الأول والثاني والثالث قد أدى كل واحد منهم بالحمالة عن الثلاثة ~~الباقين مائة مائة، وعن أنفسهم مائة مائة، فاعتدلوا في ذلك بمنزلة أن لو ~~لقياه معا، ألا ترى أن الأول والثاني اللذين غرما الثلاثمائة لو لقيا ~~الثالث معا، # PageV02P385 # لرجعا عليه بمائة، مائة؛ لأنهما كانا يقولان له قد أدينا ستمائة منها عن ~~أنفسنا مائتان في خاصتنا والأربعمائة عنك وعن أصحابك الثلاثة - مائة، مائة ~~عن كل واحد منكم فادفع إلينا المائة التي أدينا عنك وثلث الثلاثمائة التي ~~أديناها عن أصحابك الثلاثة لأنك حميل معنا بهم؛ فعليك ثلثها فيأخذان منه ~~المائتين ويقتسمانها بينهما بنصفين وهذه الزيادة في هذا الوجه سكت عنها في ~~المدونة ولم يذكرها فيها وبها تتم. ms0851 # فصل فهذا ما ذكره في المدونة من وجوه هذه المسألة مشروحا مبينا، ولو كان ~~إنما لقي الأول الثالث بعد أن رجع على الرابع بالخمسين على ما نزلناه، لوجب ~~أن يرجع عليه بمائة واثني عشر ونصف، وتفسير ذلك أنه كان يقول له غرمت أنا ~~ثلثمائة، لأني رجعت من الستمائة التي غرمتها بثلاثمائة، مائة منها علي من ~~أصل الدين لا أرجع بها على أحد، والمائتان غرمتهما بالحمالة خمسون عنك ~~ومائة وخمسون بالحمالة عن أصحابك، فادفع إلي الخمسين التي غرمت عنك من أصل ~~الدين، ونصف ما غرمت بالحمالة - زائدا على ما غرمت أنت وذلك اثنان وستون ~~ونصف؛ لأني غرمت أنا مائة وخمسين بالحمالة وغرمت أنت بها خمسة وعشرين؛ لأن ~~الخمسة والسبعين التي غرمت بالحمالة للثاني قد رجعت منها على الرابع ~~بالخمسين، فأسقط الخمسة وعشرين التي غرمت أنت من المائة والخمسين التي غرمت ~~أنا، تبقى مائة وخمسة وعشرون، فادفع إلي نصفها - وذلك اثنان وستون ونصف، ~~فإذا دفع ذلك إليه، اعتدلا بما غرما بالحمالة ومن أصل الدين. # فصل فإن لقيا جميعا الثاني الذي أخذ منه الأول ثلاثمائة ورجع هو على ~~الثالث # PageV02P386 # بمائة وخمسة وعشرين رجعا عليه بأربعة وسدس أربعة وسدس فيعتدلون ثلاثتهم ~~فيما غرموا بالحمالة، وذلك أن الأول والثالث غرما بالحمالة على هذا مائة ~~وخمسة وسبعين - سبعة وثمانين ونصفا، كل واحد منهما، وغرم الثاني بالحمالة ~~خمسة وسبعين؛ فإذا رجعا عليه بأربعة وسدس أربعة وسدس، اعتدلوا ثلاثتهم فيما ~~غرموا بالحمالة وكان كل واحد منهم قد أدى بها ثلاثة وثمانين وثلثا. # فصل فإن لقي الرابع المأخوذ منه خمسون أحد الاثنين الباقيين رجع عليه على ~~هذا الترتيب بثمانية عشر وثلاثة أرباع، لأنه يقول له غرمت أنا خمسين خمسة ~~وعشرون منها واجبة علي لا أرجع بها على أحد، وخمسة وعشرون بالحمالة عنك وعن ~~صاحبك الغائب، الباقي اثنا عشر ونصف - على كل واحد منكما، فادفع إلي الاثني ~~عشر ونصفا التي أديت عنك في خاصتك وستة وربعا نصف الاثني عشر ونصف عن صاحبك ~~الغائب بالحمالة، لأنك حميل معي به، فيأخذ منه ms0852 ثمانية عشر وثلاثة أرباع على ~~ما قلناه. # فصل وإن لقي هذا الخامس المأخوذ منه ثمانية عشر وثلاثة أرباع الباقي من ~~الستة، رجع عليه بستة وربع التي أدى عنه لا غير؛ لأن الاثني عشر ونصفا إنما ~~أداها عن نفسه فلا يرجع بها على أحد، وهذه الثلاثة الأوجه لم يذكرها في ~~الكتاب، وعلى هذا القياس والعمل، يرجع الأول والثاني والثالث على الرابع ~~وعلى الخامس وعلى السادس بما أدوا عنه مما يجب عليهم في خاصتهم، وبما يجب ~~عليهم مما أدوه عن أصحابهم بالحمالة، لقوهم مفترقين أو مجتمعين حتى يستووا ~~فيما أدوا، فيكون كل واحد منهم قد أدى بمائة كما وجب عليه من أصل الدين. # PageV02P387 # فصل فإن لقي الأول والثاني والثالث معا بعد أن استووا في الغرم على ما ~~رتبناه - الرابع الذي غرم خمسين ورجع منها على الخامس بثمانية عشر وثلاثة ~~أرباع، فإنهم يرجعون عليه بمائة وأربعة عشر ونصف ثمن، لأنهم يقولون له ~~أدينا نحن خمسمائة وخمسين كل واحد منا مائة وثلاثة وثمانين وثلثا، وأديت ~~أنت إحدى وثلاثين وربعا والواجب عليك ربع الجميع، لأنك رابعنا وذلك مائة ~~وخمسة وأربعون وثمنان ونصف ثمن، أديت من ذلك إحدى وثلاثين وربعا، فبقي لنا ~~عليك مائة وأربعة عشر ونصف ثمن، يأخذونها منه فيقتسمونها بينهم ثلاثتهم، ~~فيجب لكل واحد منهم منها ثمانية وثلاثون وسدس ثمن، فيكون كل واحد منهم قد ~~أدى مائة وخمسة وأربعين وثمنين ونصف ثمن، كما أدى هو؛ ولو لقوه مفترقين ~~واحدا بعد واحد، لرجع كل واحد منهم عليه بما أدى عنه بالحمالة في خاصته، ~~وبنصف ما أدى عن صاحبيه الغائبين بعد أن يسقط من ذلك ما أدى هو أيضا ~~بالحمالة على ما بيناه فيما تقدم؛ فإذا التقوا ثلاثتهم، رجع بعضهم على بعض ~~حتى يعتدلوا فيما أدوه، بمنزلة أن لو لقوه ثلاثتهم معا على ما فسرناه. # فصل فإن لقي الأول والثاني والثالث والرابع معا بعد أن استووا في الغرم ~~فصار على كل واحد منهم مائة وخمسة وأربعون وثمنان ونصف ثمن الخامس الذي رجع ~~عليه الرابع بثمانية عشر ms0853 وثلاثة أرباع، فرجع هو منها على السادس بستة وربع، ~~فإنهم يرجعون عليه بمائة وستة وخمس وربع خمس يقتسمون ذلك فيما بينهم ~~أربعتهم فيجب لكل واحد منهم ستة وعشرون وخمسان وثلاثة أرباع # PageV02P388 # الخمس وربع ربع الخمس، فيسقط ذلك من المائة والخمسة والأربعين والثمنين ~~والنصف الثمن الذي أدى، فيكون الباقي الذي أدى كل واحد منهم مائة وثمانية ~~عشر وثلاثة أخماس وثلاثة أرباع الخمس - كما أدى هو؛ لأنه أدى إليهم مائة ~~وستة وخمسا وربع خمس؛ وكان قد أدى اثني عشر ونصفا - للرابع كما وصفناه، ~~فالجميع مائة وثمانية عشر وثلاثة أخماس، وثلاثة أرباع الخمس؛ كما أدى كل ~~واحد منهم؛ ولو لقوه مفترقين واحدا بعد واحد، لرجع كل واحد منهم عليه بما ~~أدى عنه بالحمالة في خاصته وبنصف ما أدى عن صاحبه الغائب؛ لأنه حميل معه به ~~بعد أن يسقط من ذلك ما أدى هو أيضا بالحمالة على ما بيناه فيما تقدم؛ فإذا ~~التقوا أربعتهم رجع بعضهم على بعض حتى يعتدلوا فيما أدوه، بمنزلة أن لو ~~لقوه أربعتهم، رجع بعضهم على بعض حتى يعتدلوا فيما أدوه بمنزلة أن لو لقوه ~~أربعتهم معا على ما فسرناه. # فصل فإن لقي الأول والثاني والثالث والرابع والخامس معا بعد أن استووا، ~~في الغرم، فصار على كل واحد منهم مائة وثمانية عشرة وثلاثة أخماس وثلاثة ~~أرباع الخمس على ما وصفناه - السادس الذي رجع عليه الخامس بستة وربع، فإنهم ~~يرجعون عليه بثلاثة وتسعين وثلاثة أرباع، فيقتسمونها بينهم خمستهم بالسواء، ~~فيصير لكل واحد منهم ثمانية عشر وثلاثة أخماس وثلاثة أرباع الخمس وقد كان ~~أدى مائة وثمانية عشر وثلاثة أخماس، وثلاثة أرباع الخمس. فيصير الذي أدى كل ~~واحد منهم مائة، مائة - كما وجب عليهم من أصل الدين، وقد كان السادس أدى ~~أيضا إلى الخامس ستة وربعا، فصار ذلك بالثلاثة والتسعين والثلاثة الأرباع ~~التي أدى الآن إلى جميعهم - مائة كما وجب عليه من أصل الدين فاعتدل جميعهم ~~في الغرم، ولو لقوه مفترقين - واحدا بعد واحد، لرجع كل واحد منهم عليه بما ~~أدى عنه من ms0854 أصل الدين، وبنصف ما أدى عنه بالحمالة؛ فإذا التقوا # PageV02P389 # هم خمستهم رجع بعضهم على بعض حتى يعتدلوا فيما أدوه، فيكون كل واحد منهم ~~أيضا قد أدى مائة كما وجب عليه من أصل الدين بمنزلة أن لو لقوه معا على ما ~~صورناه. # فصل في تفسير المسألة على الرتبة التي ذكرنا وهي أن يلقى الأول الذي غرم ~~جميع المال أو أكثر مما يجب عليه منه - الثاني، ثم الثالث، ثم الرابع، ثم ~~الخامس، ثم السادس، فيستوفي بذلك أيضا - جميع ما أداه بالحمالة؛ ثم يلقى ~~الثاني الذي رجع عليه الأول - الثالث ثم الرابع ثم الخامس ثم السادس ~~فيستوفي بذلك أيضا جميع ما أداه بالحمالة؛ ثم يلقى الثالث الذي رجع عليه ~~الأول والثاني - الرابع، ثم الخامس، ثم السادس، فيستوفي بذلك أيضا ما أداه ~~بالحمالة؛ ثم يلقى الخامس الذي رجع عليه الأول والثاني والثالث والرابع - ~~السادس فيستوفي أيضا ما أداه بالحمالة؛ ووجه العمل في ذلك إذا لقي المأخوذ ~~منه الستمائة الثاني من أصحابه أن يرجع عليه بثلاثمائة، لأنه يقول له أديت ~~أنا ستمائة منها مائة واجبة علي من أصل الدين، والخمسمائة أديتها بالحمالة ~~عنك وعن أصحابك الأربعة الغائبين مائة، مائة، عن كل واحد منكم فادفع إلي ~~المائة التي أديت عنك ونصف الأربعمائة التي أديتها عن أصحابك، لأنك حميل ~~معي بهم؛ فإذا رجع عليه بذلك استويا فيما غرما عن أنفسهما، وبالحمالة عن ~~أصحابهما، وهذا الوجه في المدونة مشروحا مبينا. # فصل ثم إن لقي أيضا الثالث رجع عليه بمائة وخمسة وعشرين، لأنه يقول له ~~بقي لي مما أديت ثلاثمائة منها مائة واجبة علي من أصل الدين، والمائتان ~~أديتهما بالحمالة عنك وعن أصحابك الثلاثة الغائبين - خمسين، خمسين عن كل ~~واحد # PageV02P390 # منكم، فادفع إلي الخمسين التي أديت عنك، ونصف المائة وخمسين التي أديت عن ~~أصحابك، - لأنك حميل معي بهم، فإذا رجع بذلك عليه، بقي له مما أدى مائة ~~وخمسة وسبعون. # فصل ثم إن لقي أيضا الرابع رجع عليه بخمسين؛ لأنه يقول له بقي لي مما ~~أديت بالحمالة خمسة وسبعون أديتها ms0855 عنك وعن صاحبيك الغائبين خمسة وعشرين؛ ~~خمسة وعشرين - عن كل واحد منكم، فادفع إلي الخمسة والعشرين التي أديت عنك، ~~ونصف الخمسين التي أديت عن صاحبيك بالحمالة، لأنك حميل معي بهما، فإذا رجع ~~عليه بذلك، بقي له مما أدى بالحمالة خمسة وعشرون. # فصل ثم إن لقي الخامس رجع عليه بثمانية عشر وثلاثة أرباع، لأنه يقول له ~~بقي لي مما أديت بالحمالة خمسة وعشرون أديتها عنك وعن صاحبك الغائب اثني ~~عشر ونصف، اثني عشر ونصف - عن كل واحد منكما، فادفع إلي الاثني عشر ونصف ~~التي أديت عنك في خاصتك، ونصف الاثني عشر ونصف التي أديت عن صاحبك الغائب ~~لأنك حميل معي به فإذا رجع عليه بذلك، بقي له مما أدى بالحمالة ستة وربع ~~يرجع بها على السادس إذا لقيه فيستوفي بذلك جميع حقه الذي أدى بالحمالة. # فصل فإن لقي الثاني الذي رجع عليه الأول بثلاثمائة - الثالث الذي رجع ~~عليه الأول بمائة وخمسة وعشرين، رجع عليه بسبعة وثمانين ونصف، لأنه يقول له ~~أديت للأول ثلاثمائة منها مائة واجبة علي لا أرجع بها على أحد، والمائتان ~~أديتهما إليه # PageV02P391 # بالحمالة خمسون عنك ومائة وخمسون عن أصحابك الثلاثة الغائبين، وقد أديت ~~أنت بالحمالة إلى الأول خمسة وسبعين فادفع إلي الخمسين التي أديت عنك ونصف ~~ما بقي من المائة والخمسين التي أديت عن أصحابك بالحمالة بعد طرح الخمسة ~~والسبعين التي أديتها أنت بالحمالة من ذلك وذلك سبعة وثلاثون ونصف؛ فإذا ~~رجع عليه بذلك بقي له مما أدى بالحمالة مائة واثنا عشر ونصف. # فصل ثم إن لقي أيضا الرابع الذي رجع عليه الأول بخمسين، رجع عليه باثنين ~~وستين ونصف؛ لأنه يقول له بقي لي مما أديت بالحمالة مائة واثنا عشر ونصف، ~~أديتها عنك وعن صاحبيك الغائبين سبعة وثلاثون ونصف عنك وخمسة وسبعون عن ~~صاحبيك الغائبين، وقد أديت أنت بالحمالة إلى الأول خمسة وعشرين، فادفع إلي ~~السبعة والثلاثين ونصفا التي أديت عنك ونصف ما بقي من الخمسة والسبعين التي ~~أديت بالحمالة عن صاحبيك بعد طرح الخمسة والعشرين التي أديتها ms0856 أنت إلى ~~الأول بالحمالة، وذلك خمسة وعشرون فجميع ذلك اثنان وستون ونصف - كما قلناه، ~~فإذا رجع عليه بذلك بقي له مما أدى بالحمالة خمسون. # فصل ثم إن لقي أيضا الخامس الذي رجع عليه الأول بثمانية عشر وثلاثة ~~أرباع، رجع عليه بأربع وثلاثين وثلاثة أثمان، لأنه يقول له بقي لي مما أديت ~~بالحمالة خمسون أديت نصفها عنك ونصفها عن صاحبك الغائب بالحمالة، وقد أديت ~~أنت بالحمالة إلى الأول ستة وربعا، فادفع إلي الخمسة والعشرين التي أديت ~~عنك ونصف ما بقي من الخمسة والعشرين التي أديت عن صاحبك بعد طرح الستة وربع # PageV02P392 # التي أديتها أنت بالحمالة إلى الأول من ذلك وذلك تسعة وثلاثة أثمان، ~~فجميع ذلك أربع وثلاثون وثلاثة أثمان - كما قلناه؛ فإذا رجع عليه بذلك، بقي ~~له مما أدى بالحمالة خمسة عشر وخمسة أثمان يرجع بها على السادس الذي رجع ~~عليه الأول بستة وربع إذا لقيه، فيستوفي بذلك جميع حقه الذي أدى بالحمالة ~~عنهم. # فصل فإذا لقي الثالث الذي رجع عليه الأول بمائة وخمسة وعشرين ورجع عليه ~~الثاني بسبعة وثمانين ونصف - الرابع الذي رجع عليه الأول بخمسين، والثاني ~~باثنين وستين ونصف، رجع عليه بخمسين؛ لأنه يقول له تحمل فيما أديت للأول ~~والثاني مائتان واثنا عشر ونصف منها مائة عن نفسي لا أرجع بها على أحد، ~~والمائة والاثنا عشر ونصف أديتها عنك وعن صاحبيك الغائبين، سبعة وثلاثون ~~ونصف عنك وخمسة وسبعون عن صاحبيك، وقد أديت أنت بالحمالة للأول خمسة ~~وعشرين، وللثاني خمسة وعشرين، فادفع إلي السبعة والثلاثين ونصفا التي أديت ~~عنك في خاصتك، ونصف ما بقي من الخمسة والسبعين التي أديتها عن صاحبيك ~~بالحمالة؛ إذا طرحت منها الخمسين التي أديتها أنت بالحمالة أيضا - وذلك ~~اثنا عشر ونصف فيصير ذلك خمسين على ما قلناه؛ فإذا رجع عليه بذلك، بقي له ~~مما أدى بالحمالة اثنان وستون ونصف. # فصل فإن لقي الخامس الذي رجع عليه الأول بثمانية عشر وثلاثة أرباع، # PageV02P393 # ورجع عليه الثاني بأربعة وثلاثين وثلاثة أثمان، رجع عليه بتسعة وثلاثين ~~ونصف ثمن، لأنه يقول ms0857 له بقي لي مما أديت بالحمالة اثنان وستون ونصف، أديتها ~~عنك وعن صاحبك الغائب. أحد وثلاثون وربع عنك وأحد وثلاثون وربع عن صاحبك ~~الغائب بالحمالة - وقد أديت أنت بالحمالة للأول ستة وربعا، وللثاني تسعة ~~وثلاثة أثمان، فادفع إلي الأحد والثلاثين وربعا التي أديت عنك في خاصتك، ~~ونصف ما بقي من الأحد والثلاثين وربع التي أديت عن صاحبك بالحمالة إذا طرحت ~~منها الخمسة عشر والخمسة الأثمان التي تحملت فيما أديت أنت بالحمالة للأول ~~والثاني وذلك سبعة وستة أثمان ونصف ثمن فيصير ذلك تسعة وثلاثين ونصف ثمن ~~على ما قلناه؛ فإذا رجع عليه بذلك بقي له مما أدى بالحمالة ثلاثة وعشرون ~~وثلاثة أثمان ونصف ثمن يرجع بها على السادس الذي رجع عليه الأول بستة وربع ~~والثاني بخمسة عشر وخمسة أثمان، إذا لقيه فيستوفي بذلك جميع حقه الذي أدى ~~بالحمالة عنهم أجمعين. # فصل فإن لقي الرابع الذي رجع عليه الأول بخمسين، ورجع عليه الثاني باثنين ~~وستين ونصف، والثالث بخمسين - الخامس الذي رجع عليه الأول بثمانية عشر ~~وثلاثة أرباع، والثاني بأربعة وثلاثين وثلاثة أثمان، والثالث بتسعة وثلاثين ~~ونصف ثمن، رجع عليه بخمسة وثلاثين وثمن وربع ثمن؛ لأنه يقول تحمل فيما أديت ~~للأول والثاني والثالث مائة واثنان وستون ونصف، منها مائة عن نفسي لا أرجع ~~بها على أحد، والاثنان وستون ونصف أديتها بالحمالة عنك وعن صاحبك الغائب ~~أحد وثلاثون وربع عنك، وأحد وثلاثون وربع عن صاحبك بالحمالة وقد أديت أنت ~~بها للأول ستة وربعا، وللثاني تسعة وثلاثة أثمان، وللثالث سبعة وستة أثمان ~~ونصف ثمن، تحمل في ذلك ثلاثة وعشرون وثلاثة أثمان ونصف ثمن، فادفع إلي ~~الأحد # PageV02P394 # والثلاثين والربع التي أديت عنك في خاصتك، ونصف مما بقي مما أديت ~~بالحمالة - إذا طرحت منها الثلاثة والعشرين والثلاثة الأثمان ونصف الثمن ~~التي أديت أنت بها وذلك ثلاثة وسبعة أثمان وربع ثمن فيصير ذلك خمسة وثلاثين ~~وثمنا وربع ثمن كما قلناه، فإذا رجع عليه بذلك بقي له مما أدى بالحمالة ~~سبعة وعشرون وثمنان وثلاثة أرباع الثمن، يرجع بها على ms0858 السادس إذا لقيه، ~~فيستوفي جميع حقه الذي أدى بالحمالة عنهم أجمعين. # فصل فإن لقي الخامس الذي رجع عليه الأول بثمانية عشر وثلاثة أرباع ~~والثاني بأربعة وثلاثين وثلاثة أثمان والثالث بتسعة وثلاثين ونصف ثمن ~~والرابع بخمسة وثلاثين وثمن وربع ثمن - السادس الذي رجع عليه الأول بستة ~~وثمن، والثاني بخمسة عشر وخمسة أثمان، والثالث بثلاثة وعشرين وثلاثة أثمان ~~ونصف ثمن والرابع بسبعة وعشرين وثمنين وثلاثة أرباع ثمن، رجع عليه بسبعة ~~وعشرين وثمنين وثلاثة أرباع ثمن، لأنه يقول له تحمل فيما أديت للأول ~~والثاني والثالث والرابع مائة وسبعة وعشرون وثمنان وثلاثة أرباع ثمن، مائة ~~منها واجبة علي لا أرتجع بها على أحد، والسبعة والعشرون والثمنان وثلاثة ~~أرباع الثمن، أديتها بالحمالة عنك، فادفعها إلي، فإذا رجع عليه بذلك استوفى ~~جميع حقه الذي أدى بالحمالة عنهم أجمعين؛ وكان هذا السادس إذا رجع عليه ~~بهذا العدد قد غرم مائة كاملة كما وجب عليه من أصل الدين وكما غرم كل واحد ~~منهم؛ لأنه غرم للأول ستة وربعا، وللثاني خمسة عشر وخمسة أثمان، وللثالث ~~ثلاثة وعشرين وثلاثة أثمان ونصف ثمن، وللرابع سبعة وعشرين وثمنين وثلاثة ~~أرباع الثمن وللخامس سبعة وعشرين وثمنين، وثلاثة أرباع الثمن. فصار جميع ~~ذلك مائة - كما قلناه؛ فقد أتينا بحمد الله على ما شرطنا من شرح المسألة ~~على الوجهين المذكورين، فمن فهم ذلك ووقف على معناه، لم يلتبس عليه وجه ~~العمل فيها على أي رتبة التقوا عليها - وهي كثيرة يعسر إحصاؤها، ويطول ~~استقصاؤها، وقد كان أكثر الشيوخ - رحمهم الله - لا يقرونها # PageV02P395 # ويقولون - اعتذارا في ترك قراءتها -: إنها مسألة حساب فلا معنى للاشتغال ~~بها، وليس ذلك كما كانوا يقولون، إنما انغلاقها من جهة الفقه لا من جهة ~~الحساب، فمن فهمها من جهة الفقه لم يلتبس عليه شيء منها من طريق الحساب ولا ~~من المسألتين الواقعتين بعدها في الباب - وهما إذا اشترط صاحب الدين أن كل ~~اثنين منهم حميل بجميع المال أو كل ثلاثة حميل بجميع المال، فلذلك عنيت ~~بشرحها وتفسيرها، والتوفيق بيد الله لا شريك له ms0859 ولا معبود سواه. # فصل وقد وقع في الكتاب في آخر مسألة الثلاثة نفر الذين اشتروا السلعة على ~~أن كل واحد منهم حميل بما على صاحبه كلام فيه إشكال يفتقر إلى بيان ونص ما ~~لا إشكال فيه منها: قال: وسألت ابن القاسم عن ثلاثة نفر اشتروا سلعة من رجل ~~وكتب عليهم أيهم شئت أخذت بحقي وكل واحد منهم حميل بما على صاحبه، فمات أحد ~~الثلاثة فادعى ورثة الهالك أنه قد دفع المال كله إلى بائع السلعة وأقاموا ~~شاهدا، قال: يحلفون مع شاهدهم ويبرأون ويرجعون على الشريكين الباقيين بما ~~أدى صاحبهم عنهما؛ وأما قوله: قلت فإن أبى الورثة أن يحلفوا إلى آخر قوله، ~~ففيه إشكال، وبيانه أن الورثة إذا نكلوا عن اليمين مع شاهدهم، فإن الأمر لا ~~يخلو من أن يكون الميت مليا أو معدما؛ فأما إن كان الميت مليا فإن الأمر لا ~~يخلو من ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يصدق الشريكان الورثة فيما ادعوا من أن الميت دفع جميع الحق من ~~ماله إلى البائع عن نفسه وعنهما ليرجع عنهما بما ينوبهما منه. # والثاني: أن يقولا إنما جميع ذلك من أموالنا بوكالتنا إياه على ذلك. # والثالث: أن يقولا إنما دفع ذلك من ماله إلى البائع - وأموالنا إذ كنا قد ~~دفعنا إليه ما ينوبه منه وكلناه على دفعه عنا. # PageV02P396 # فأما الوجه الأول وهو أن يصدق الشركان الورثة فيما ادعوا من أن الميت دفع ~~جميع الحق من ماله، إلى البائع عن نفسه وعنهما ليرجع عليهما بما ينوبهما ~~منه، فيرجع اليمين على البائع فيحلف على تكذيب ما شهد به الشاهد، ويرجع ~~بجميع حقه فيأخذ ثلثيه من الشريكين وثلثه من مال المتوفى، وليس للورثة أن ~~يرجعوا على الشريكين بما ينوبهما من المال الذي أقرا أن موروثهم أداه على ~~ما شهد به الشاهد - وإن كانا قد صدقاه في شهادته بذلك، لأن الميت ضيع في ~~تركه الإشهاد، فالمصيبة منه؛ قال ابن أبي زيد - رحمه الله - إلا أن يكون ~~الدفع بحضرتهما، فيكون لهم الرجوع بذلك عليهما، وذلك على ما روى ms0860 أبو زيد عن ~~ابن القاسم، خلاف ما روى عنه عيسى من أنه لا رجوع لهم عليهما وإن كان الدفع ~~بحضرتهما، قال في هذا الوجه في الكتاب ولا يحلف الشريكان لأنهما يغرمان، ~~فأما قوله إنهما لا يحلفان فصواب، لأن الشاهد ليس هو لهما وإنما هو للورثة ~~عليهما، وأما قوله لأنهما يغرمان فتعليل فيه نظر يوهم أنه أراد أنهما لا ~~يحلفان، لأنهما إن حلفا غرما للورثة؛ وإن لم يحلفا غرما للبائع: ولذلك لم ~~يحلفا. ولو كان مراده ذلك، لكان من حقهما أن يحلفا إن شاءا ليسقطا طلب ~~البائع عنهما لما قد يرجوان من مسامحة الورثة لهما في الاقتضاء ولا يصح أن ~~يكون مراده ذلك، لما بيناه من أنه لا رجوع للورثة عليهما بما ينوبهما مما ~~أدى الميت عنهما من ماله وإن صدقاه على الدفع إلا أن يقرا أنه كان بحضرتهما ~~على إحدى الروايتين المذكورتين عن ابن القاسم، وإنما كان يجب أن يقول ولا ~~يحلف الشريكان ويغرمان للبائع، فإن نكل البائع في هذا الوجه عن اليمين بعد ~~نكول الورثة، سقط حقه ورجع الورثة على الشريكين بما ينوبهما من الحق. # وأما الوجه الثاني - وهو أن يقولا إنما دفع جميع ذلك من أموالنا بوكالتنا ~~إياه على ذلك، ففي ذلك بين المتأخرين اختلاف: قال ابن أبي زيد يحلف ~~الشريكان لقد دفع الميت ذلك ويبرآن ويرجع البائع على الورثة بما ينوبهم ~~بنكولهم بعد يمينه أنه ما قبض من وليهم شيئا، وللشريكين أن يحلفا الورثة إن ~~كانوا كبارا: ما يعلمون أنهما دفعا إلى وليهم شيئا، فإن نكلوا عن اليمين ~~حلفا لقد دفعا جميع الحق إليه، ورجعا عليهم بالثلث الذي ينوبهم منه؛ وذهب ~~أبو إسحاق التونسي إلى أن البائع يحلف فيأخذ من جميعهم ماله ويحلف الورثة ~~للشريكين أنهم ما يعلمون أنهما دفعا # PageV02P397 # إلى وليهم شيئا، فإن نكلوا عن اليمين، حلف الشريكان لقد دفعا ذلك إليه ~~ورجعا عليهم في التركة بما ينوب الميت من ذلك؛ قال: ولا يكون للشريكين أن ~~يحلفا لقد دفع الميت ذلك من أموالهما ويبرآن، لأن ما ms0861 في يد الميت على ملكه ~~حتى يثبت الدفع إليه، وذهب بعض الأندلسيين إلى أن الشريكين يحلفان لقد دفع ~~الميت ذلك من أموالهما ويبرآن ويرجعان على الورثة بما ينوبهما منه إذا لم ~~يحلفوا فهذه ثلاثة أقوال في هذا الوجه: # أحدها: أن الشريكين يحلفان، ويبرآن من نصيبهما، ولا يرجعان على الورثة ~~بما ينوبهما. # والثاني: أنهما يحلفان ويبرآن من نصيبهما ويرجعان على الورثة بما ~~ينوبهما. # والثالث: أنهما لا يمكنان من اليمين. # والذي يوجبه النظر - عندي - إذا لم يكن للشريكين بينة على ما ادعيا من ~~دفع المال إلى الميت ولا شهد بذلك الشاهدان، يقال للورثة احلفوا أنكم ما ~~تعلمون أنهما دفعا إليه شيئا، فإن حلفوا على ذلك لم يمكن الشريكان من ~~اليمين، وحلف البائع لنكول الورثة ورجع عليهما وعلى الورثة بحقه؛ وإن نكلوا ~~عن اليمين، حلف الشريكان لقد دفعا ذلك إليه ولقد دفع هو ذلك إلى البائع ~~وبرئا من نصيبهما ورجعا على الورثة بما ينوبهما. # وأما الوجه الثالث - وهو أن يقولا إنما دفع ذلك إلى البائع من ماله ~~وأموالنا، ففي قول ابن أبي زيد يحلف الشريكان ويبرآن ويحلف البائع ويرجع ~~على الورثة بما ينوبه من ذلك، وعلى ما ذهب إليه أبو إسحاق التونسي لا يمكن ~~الشريكان من اليمين، ويحلف البائع ويرجع على جميعهم بماله؛ والذي يوجبه ~~النظر - عندي على ما تقدم - أن يقال للورثة احلفوا أنكم ما تعلمون أنهما ~~دفعا إليه شيئا، فإن حلفا على ذلك لم يمكن الشريكان من اليمين، وحلف البائع ~~ورجع على جميعهم # PageV02P398 # بماله؛ وإن نكلوا عن اليمين، حلف الشريكان لقد دفعا ذلك إلى الميت، وحلفا ~~مع الشاهد لقد دفع ذلك الميت إلى البائع وبرئا من نصيبهما، وحلف البائع ما ~~دفع إليه شيئا، ورجع على الورثة بما ينوبه. # فصل وكذلك إذا كان الميت معدما لا يخلو الأمر أيضا من الثلاثة الوجوه ~~المذكورة: # فأما الوجه الأول منها، وهو أن يصدق الشريكان الورثة فيما ادعوا من أن ~~الميت دفع جميع الحق من ماله إلى البائع عن نفسه وعنهما ليرجع عليهما بما ~~ينوبهما منه، ms0862 فذهب ابن أبي زيد إلى أن للشريكين أن يحلفا مع الشاهد ليبرآ ~~من حمالة الثلث الذي الميت به عديم، قال: فإذا حلفا غرما للورثة الثلثين ~~ورجع البائع عليهم في ذلك بالثلث إذا حلف أنه لم يقبض من وليهم شيئا، وذهب ~~أبو إسحاق التونسي إلى أن الشريكين إذا حلفا مع الشاهد ليبرآ من حمالة ~~الثلث الذي الميت به عديم لا يغرمان الثلثين للورثة وإنما يغرمان ذلك ~~للبائع بعد يمينه وهو الصحيح على ما بيناه من أنهما لا يلزمهما للورثة ما ~~دفع الميت عنهما من ماله، لأنه أتلف ذلك على نفسه بتضييعه الإشهاد، وقد مضى ~~القول على الوجه الثاني والثالث إذا كان الميت مليا ولا فرق فيهما بين أن ~~يكون مليا أو معدما إلا في اتباع ذمته بما يلزمه إن طرأ له مال وبالله ~~التوفيق. # فصل في الحمالة بالوجه # فصل وأما الحمالة بالوجه فإنها جائزة إذا كان المتحمل به مطلوبا بمال ولم ~~يكن مطلوبا بشيء يجب عليه في بدنه من قتل أو حد أو قصاص أو تعزير، هذا # PageV02P399 # مذهب مالك - رحمه الله - وجميع أصحابه، ومن أهل العلم من يرى الكفالة في ~~الحدود والقصاص والجراح، ذكر البخاري في كتابه عن محمد بن حمزة بن عمرو ~~الأسلمي، عن أبيه أن عمر بعثه مصدقا، فوقع رجل على جارية امرأته فأخذ حمزة ~~من الرجل كفيلا حتى قدم على عمر. وكان عمر قد جلده مائة جلدة فصدقهم وعذره ~~بالجهالة؛ وقال جرير والأشعث لعبد الله بن مسعود في المرتدين استتبهم ~~وكفلهم، فتابوا فكفلهم عشائرهم. # فصل وأصل جواز الحمالة بالعين قائم من كتاب الله - عز وجل قال الله تعالى ~~في قصة يعقوب: {لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن ~~يحاط بكم} [يوسف: 66] ، فهذه حمالة بالنفس ووثيقة بالعين. # فصل فمن رأى الكفالة فيما يتعلق بالأبدان من حد أو قصاص أو جراح، فيلزم ~~الكفيل إن لم يأت بالمكفول به من طلبه ما يلزم الحميل بالوجه إذا اشترط أنه ~~لا شيء عليه من المال؛ وقال عثمان البتي ms0863 إذا تكفل بنفس في قصاص أو جراح، ~~فإنه إن لم يجيء به لزمته الدية وأرش الجراحة وكانت له في مال الجاني، إذ ~~لا قصاص على الكفيل. # فصل والصحيح ما ذهب إليه مالك - رحمه الله -، أنه لا كفالة في الحدود ولا ~~في القصاص ولا في الجراح ولا في التعزير، وإنما الواجب في ذلك السجن لا ~~الكفالة، فقد روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سجن قوما بالمدينة ~~في تهمة دم، وقد قيل إن # PageV02P400 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر الصديق لم يسجنا ولا كان لهما ~~سجن، والصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد حكم بالضرب والسجن - ~~ذكر ذلك ابن شعبان؛ وأما عمر بن الخطاب فلم يختلف عنه في أنه كان له سجن ~~وقد سجن الحطيئة على الهجو، وسجن ضبيعا على سؤاله عن المشكلات، وكذلك من ~~بعده من الأمراء والحكام، حكموا بالسجن فيما يجب فيه السجن. # فصل وقد ضعف الشافعي الحمالة في المال في الوجه، فيأتي في المسألة على ~~هذا ثلاثة أقوال: # أحدها: إجازة الحمالة بالوجه في المال والحدود والقصاص. # والثاني: أن الحمالة بالوجه لا تجوز في شيء من ذلك. # والثالث. تفرقة مالك وأصحابه. # فصل والحميل بالوجه يلزمه غرم المال إذا لم يحضر العين؛ فإن أحضره بريء ~~من المال - وإن كان عديما، إلا أن يشترط ألا شيء عليه من المال فينفعه ~~الشرط ولا يجب عليه غرم المال وإن لم يحضره إلا أن يكون قادرا على الإتيان ~~به فيفرط في ذلك ويتركه أو يغيبه حتى يذهب، فيكون ضامنا للمال بإهلاكه ~~إياه؛ وما لم يفعل شيئا من ذلك، فلا ضمان عليه في المال، وإنما يلزمه الطلب ~~خاصة على ما اشترط وفيما يلزمه من الطلب اختلاف بين أصحاب مالك، وهو موجود ~~في الأمهات؛ من ذلك ما وقع في سماع حسين من كتاب الكفالة، وما حكى ابن حبيب ~~في الواضحة، فمن أراد الوقوف على الاختلاف في ذلك، تأمله في مواضعه - إن ~~شاء الله؛ قال في كتاب ابن المواز وكذلك لو قال ms0864 لا أضمن إلا وجهه لم يلزمه ~~ضمان المال إن لم يأت بالعين، وهذا فيه نظر عندي - إذ لا فرق بين أن يقول ~~أنا # PageV02P401 # ضامن لوجهه - ولا يزيد على ذلك، أو يقول لا أضمن إلا وجهه في وجوب ضمان ~~الوجه عليه؛ ومن ضمن الوجه، فهو ضامن للمال إن لم يأت بالوجه؛ كما لا فرق ~~بين أن يقول الرجل أسلفني فلان ألف مثقال، أو يقول ما أسلفني إلا ألف مثقال ~~- في وجوب الألف مثقال عليه، وإنما يصح ما قال ابن المواز إذا كان لكلامه ~~بساط يدل على أنه إنما أراد ضمان الوجه بلا مال وذلك مثل أن يقال له تحمل ~~لنا بوجه فلان، فإن جئت بوجهه فأنت بريء من المال، فيقول: لا أضمن لكم إلا ~~وجهه، وما أشبه ذلك. # فصل واختلف إذا قال أنا حميل أو كفيل - وعري الكلام عن دليل - فقيل هو ~~محمول على حمالة الوجه حتى ينص على المال، وقيل هو محمول على حمالة المال ~~حتى ينص على الوجه، والأصح أنه محمول على حمالة المال حتى ينص أنه حميل ~~بالوجه، لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الحميل غارم، والزعيم ~~غارم» ؛ وأما إن تداعيا البيان لا الإبهام، فالقول قول الحميل مع يمينه أنه ~~إنما تحمل بالوجه ويبرأ من المال إذا أتى بالعين، لأنه المدعى عليه، ولا ~~يؤخذ أحد بأكثر مما يقر به على نفسه، وبالله التوفيق. # PageV02P402 ### | كتاب الحوالة # ] [ ### || فصل في القول في الحوالة # فصل في القول في الحوالة «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع ~~الذهب بالذهب والورق بالورق إلا مثلا بمثل، يدا بيد» ونهى عن الدين بالدين ~~ورخص في الحوالة فقال - صلى الله عليه وسلم -: «مطل الغني ظلم، ومن أتبع ~~على مليء فليتبع» ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: فليتبع، أمر والمراد به ~~الندب والإرشاد، لا الوجوب والإلزام، فليس بواجب عند مالك - رحمه الله - ~~وأكثر أهل العلم ليحيل على مليء أو معدم أو يستحيل عليه إلا أن يشاء، لأنه: ~~إنما رضي بذمة غريمه، فليس عليه أن ينتقل عنها ms0865 إلا برضاه، خلافا لأهل ~~الظاهر في قولهم على المحال فرضا واجبا إذا أحيل على مليء أن يستحيل عليه. # فصل والحوالة بيع من البيوع إلا أنها خصصت من الأصول لما كانت على سبيل ~~المعروف، كما خصص شراء العرية بخرصها من المزابنة لما كان على سبيل ~~المعروف، وكما خصصت الشركة والتولية والإقالة في الطعام المكيل # PageV02P403 # والموزون، وأخرج من البيع لما كان ذلك على سبيل المعروف، ولم يكن على وجه ~~المكايسة، فكذلك الحوالة إنما تجوز إذا كانت على وجه المعروف، فإن دخلها ~~وجه من وجوه المكايسة رجعت إلى الأصل فلم تجز. # فصل في شروط جواز الحوالة # فصل فلجواز الحوالة ثلاثة شروط: # أحدها: أن يكون دين المحال حالا، لأنه إن لم يكن حالا كان بيع ذمة بذمة، ~~فدخله ما نهي عنه من الدين بالدين، وما نهي عنه من بيع الذهب بالذهب، أو ~~الورق بالورق، إلا يدا بيد، إذا كان الدينان ذهبا أو ورقا؛ إلا أن يكون ~~الدين الذي ينتقل إليه حالا، ويقبض ذلك مكانه قبل أن يفترقا - مثل الصرف، ~~فيجوز ذلك. # والثاني: أن يكون الدين الذي يحيله به مثل الدين الذي يحيله عليه في ~~القدر والصفة، لا أقل ولا أكثر ولا أدنى ولا أفضل، لأنه إن كان أقل أو أكثر ~~أو مخالفا له في الجنس والصفة، لم تكن حوالة، وكان بيعا على وجه المكايسة، ~~فدخلها ما نهي عنه من الدين بالدين أيضا. # والثالث: أن لا يكون الدينان طعاما من سلم أو أحدهما، ولم يحل الدين ~~المستحال به على مذهب ابن القاسم، وللزومهما شرط واحد، وهو أن لا يغره من ~~فلس عليه من غريمه. # فصل # والحوالة جائزة في جميع الديون إذا تساوت في الوزن والصفة، وحل الدين ~~المحال به - كانت من بيع أو قرض أو تعد، إلا أن يكونا جميعا طعاما من سلم، ~~فلا تجوز الحوالة بأحدهما على الآخر حلت الآجال أو لم تحل، أو حل # PageV02P404 # أحدهما ولم يحل الآخر؛ لأنه يدخله بيع الطعام قبل أن يستوفى، استوت رؤوس ~~أموالهما أو لم تستو على مذهب ms0866 ابن القاسم، خلافا لأشهب في قوله إنه إذا ~~استوت رؤوس أموالهما جازت الحوالة، وكانت تولية؛ فإن كان أحدهما من قرض ~~والآخر من سلم، فلا تجوز حوالة أحدهما على الآخر حتى يحلا جميعا، هذا مذهب ~~ابن القاسم. # وحكى ابن حبيب في الواضحة عن جماعة أصحاب مالك حاشا ابن القاسم - أنهما ~~بمنزلة إذا كانا جميعا من سلف يجوز أن يحيل أحدهما على الآخر إذا حل المحال ~~به. # فصل وينزل المحال في الدين الذي أحيل عليه منزلة من أحاله ومنزلته في ~~الدين الذي أحيل به فيما يريد أن يأخذ به منه أو يبيعه به من غيره؛ فإن كان ~~احتال بطعام، كان له من قرض في طعام من سلم، أو بطعام كان له من سلم في ~~طعام من قرض، لم يجز له أن يبيعه من غيره قبل استيفائه؛ لأنه إن كان احتال ~~من القرض في السلم، لم يجز له أن يبيعه قبل أن يستوفيه، لنزوله فيه منزلة ~~من أحاله، وإن كان احتال من السلم في القرض لم يجز له أن يبيعه حتى يستوفيه ~~لنزوله فيه منزلته في الطعام الذي احتاله به ولا يجوز له أن يأخذ منه إلا ~~الطعام الذي أحيل به أو مثل رأس مال السلم سواء، فيصير بمنزلة الإقالة؛ فإن ~~كانا جميعا من قرض جاز له أن يبيعه قبل أن يستوفيه منه ومن غيره بكل ما ~~يجوز أن يباع به طعام القرض، لأنه كان يجوز له أن يبيع الطعام الذي احتال ~~به؛ وكان للذي أحاله أن يبيع الطعام الذي أحاله عليه، لكونهما جميعا من ~~قرض؛ وكذلك لو احتال بعرض كان له # PageV02P405 # من قرض في عرض من قرض؛ فإن كانا جميعا من سلم وكان أحدهما سلم دنانير، ~~والآخر دراهم، لم يجز له أن يبيعه - أعني العرض منه قبل أن يستوفيه بدنانير ~~ولا بدراهم لما قدمناه؛ وجاز له أن يبيعه منه بعرض مخالف له إن كان الأجل ~~لم يحل، وبما شاء من العروض - إن كان الأجل قد حل. وأما من غيره فيجوز له ~~أن ms0867 يبيعه بما شاء من الدنانير والدراهم والعروض المخالفة لها إذا تعجلها ~~وألا يجوز له أن يبيعها بعروض من صنفها - أقل منها أو أكثر؛ وإن تعجلها إلا ~~أن يعجلها هو أيضا، فيكون يدا بيد مثل الصرف؛ وإن كان سلم كل واحد منهما في ~~عرضه دنانير أو دراهم، مثل ما سلم صاحبه جاز له أن يبيعه منه بمثل ذلك أو ~~أقل - ولم يجز بأكثر منه، لأنه يدخله سلم دنانير أو دراهم في أكثر منها إلى ~~أجل، وإن كان سلم أحدهما في عرضه أكثر مما سلم صاحبه في عرضه، لم يجز له أن ~~يبيع العرض الذي أحيل عليه إلا بمثل أقل الثمنين فأقل، ولا يجوز بأكثر من ~~أحدهما وإن كان مثل الآخر أو أقل منه؛ وإن كان أحدهما من قرض والآخر من سلم ~~فاحتال بأحدهما في الآخر لم يجز له أن يبيعه إلا بمثل رأس مال السلم فأقل ~~كان الذي احتال عليه هو القرض أو السلم لما قدمناه من مراعاة الوجهين؛ ومن ~~له دنانير من قرض فاحتال بها على ثمن طعام، فلا يجوز له أن يأخذ من الذي ~~عليه بها طعاما، لأنه ينزل فيها منزلة من أحاله فيدخله الاقتضاء من ثمن ~~الطعام طعاما؛ وكذلك إن كان له دنانير من ثمن طعام باعه، فأحيل بها على ~~دنانير من قرض، لم يجز له أن يأخذ منه فيها طعاما لأنه ينزل منزلته فيما ~~كان له على الذي أحاله، فكما لا يجوز له أن يأخذ من الذي أحاله طعاما، ~~فكذلك لا يجوز له أن يأخذ من هذا الذي أحيل عليه طعاما، لأنه غريم غريمه، ~~وبالله التوفيق. # PageV02P406 ### | كتاب الحبس والصدقة والهبة # أجمع أهل العلم على جواز الهبة والصدقة وثبوت حكمها في الشرع، والأصل في ~~ذلك قوله تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى} [النحل: ~~90] ، وقوله تعالى: {وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين ~~وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب} [البقرة: 177] . وقوله: {إن تبدوا ~~الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم} [البقرة: 271] ، ~~وقوله: {ويطعمون ms0868 الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا} [الإنسان: 8] ، ~~وقوله: {فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين} [يوسف: 88] ، ~~وقوله: {إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم} [التغابن: 17] . ويروى أن ~~هذه الآية نزلت في أبي الدحداح تصدق بحديقة له فأعطاه الله في الجنة ألف ~~ألف حديقة. وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من تصدق بصدقة من كسب ~~طيب - ولا يقبل الله إلا طيبا - كان إنما # PageV02P407 # يضعها في كف الرحمن يربيها له كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله، حتى تكون ~~مثل الجبل» . وقال - صلى الله عليه وسلم -: «اتقوا النار ولو بشق تمرة» ، ~~وما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه «كان يقبل الهدية ويثيب عليها» ، ~~وقوله: «لو دعيت إلى كراع لأجبت، ولو أهدي إلي كراع لقبلت» ، وقوله: «ولا ~~يحل لواهب أن يرجع في هبته إلا الوالد فيما وهب لولده» ، وقوله: «الراجع في ~~صدقته، كالكلب يعود في قيئه» ، «وقوله للنعمان بن بشير: " أكل ولدك نحلته ~~مثل هذا» ، وقوله: «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول» ، ~~والآثار الواردة في هذا أكثر من أن تحصى كثيرة. # فصل وإنما اختلف أهل العلم هل تلزم الهبة والصدقة بالقول أم لا؟ وإذا ~~لزمت بالقول، فهل تفتقر إلى حيازة أم لا؟ وهل تجوز إن كانت مجهولة أو مشاعة ~~غير مقسومة أم لا - على أقاويل شتى؟ # فصل فالذي ذهب إليه مالك - رحمه الله - وجميع أصحابه أنها تلزم بالقول ~~وتجب به وتفتقر إلى الحيازة فيحكم على الواهب أو المتصدق بدفعها ما لم يمرض ~~أو # PageV02P408 # يفلس - خلافا للشافعي وأبي حنيفة في قولهما إن الهبة والصدقة لا يلزمان ~~بالقول ولا يجبان إلا بالقبض، وأن للواهب أو المتصدق الرجوع فيها ما لم ~~تقبض منه وتحز عنه، والحجة لمالك ومن قال بقوله في وجوبه الصدقة والهبة ~~بالقول، قول الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} [المائدة: ~~1] ، والعقد هو الإيجاب والقبول، وذلك موجود في مسألتنا وقول رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «لا يحل لواهب أن يرجع في هبته إلا ms0869 الوالد فيما وهب ~~لولده» ، ومن طريق المعنى: فإن الصدقة والهبة لو لم ينعقدا بالقول، لما ~~لزما بالقبض؛ لأن مجرد القبض إذا ألغي القول ولم يجعل له حكم لا يوجب ~~الصدقة ولا الهبة، ففي اتفاقنا على لزوم الصدقة والهبة بالقبض، دليل على ~~انعقادهما بالقول، إذ القبض لا بد أن يكون تاليا لعقد متقدم، ومتى لم يكن ~~تاليا لعقد متقدم، لم يوجب حكما بانفراده. # فصل والعقود التي تنتقل بها الأملاك تنقسم على قسمين: بعوض وعلى غير عوض. # فأما ما كان منها على عوض فلا يفتقر إلى حيازة، لارتفاع التهمة في ذلك، ~~وما كان بغير عوض كالهبة والصدقة، فمن شرط تمامه وكماله القبض عند مالك ~~وجميع أصحابه. # فصل وقد اختلف في الزيادة في ثمن السلعة أو صداق المرأة، فحكم لها بحكم ~~الهبة في افتقارها إلى الحيازة والقبض في بعض المواضع دون بعض، أما مالك ~~وأصحابه فلم يجروا في ذلك على قياس، وخالفهم جماعة من فقهاء الأمصار، ~~فحكموا لها بحكم الثمن في كل موضع كان البيع وقع عليها؛ واحتجوا «بحديث ~~جابر بن عبد الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ابتاع منه بعيره ~~وزاده عند القضاء # PageV02P409 # قيراطا» ، فقالوا محال أن يكون جابر بن عبد الله يملك ما ملكه رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - بغير الوجه الذي ملكه به، واحتجوا أيضا بحديث ~~ابتياع عبد الله بن عوف بن عثمان بن عفان الفرس الغائبة وزيادته بعد كمال ~~البيع أربعة آلاف على أن يكون الضمان منه، فدل ذلك على إلحاق الزيادات ~~بعقود البياعات، وقد كان ذلك بحضرة الصحابة - رضي الله عنهم - الذين تمنوا ~~أن يعرفوا أيهما أجد في البيع، وهذا ما كان المبيع يمكن رده واستئناف البيع ~~فيه، لم يفت بعتق ولا موت ولا خروج عن يد مبتاعه؛ فإن كانت الزيادة بعد ~~فواته بشيء من ذلك، حكم لها بحكم الهبة - قولا واحدا. فوجه ما ذهبوا إليه ~~من ذلك أنه إذا زاده في الثمن بعد كمال البيع وقبل منه الزيادة، فكأنهما ~~تناقضا البيع الأول واستأنفا بيعا ms0870 جديدا بالثمن الأول والزيادة؛ وأما إن ~~كانت الزيادة بعد عقد ما لا يصح نقضه - كالصلح على دم العمد أو على شيء من ~~المجهول، فقيل إن الزيادة ترد إلى صاحبها - وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف، ~~وقيل إنه يحكم لها بحكم الهبة في جميع الوجوه - وهو الأشهر والأكثر؛ وعلى ~~هذا المعنى اختلفوا في افتقار النحلة عند عقد النكاح إلى الحيازة، وفي جواز ~~بيع مال العبد بعد كمال البيع، ومسائل من هذا المعنى كثيرة وبالله التوفيق. # فصل والهبة والصدقة وما أشبههما على مذهبنا تفتقر إلى حيازة ولا تتم إلا ~~بها، ومتى لم تحز عن الواهب أو المتصدق حتى مات أو فلس، فقد بطلت. # فصل وإنما كانت الحيازة من شرط تمام الهبة والصدقة، لأنهما لو أجيزا دون ~~حيازة، لكان ذلك ذريعة إلى أن ينتفع الإنسان بماله طول حياته ثم يخرجه عن # PageV02P410 # ورثته بعد وفاته - وذلك ممنوع؛ لأن الله تعالى فرض الفرائض لأهلها، وتوعد ~~على تعديها فقال: {تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم ~~الظالمون} [البقرة: 229] ، وقال: {تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله ~~جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم} [النساء: 13] ~~{ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين} ~~[النساء: 14] ، وبذلك ورد الخبر أيضا عن أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، ~~وعثمان بن عفان - رضي الله عنهم -. # فأما خبر أبي بكر الصديق، فهو حديثه في قصة عائشة أنه كان نحلها جداد ~~عشرين وسقا من ماله بالغابة، فلما حضرته الوفاة قال: والله يا بنية ما من ~~الناس أحد أحب إلي غنى بعدي منك، ولا أعز علي فقرا بعدي منك، وإني كنت ~~نحلتك جداد عشرين وسقا، فلو كنت جددتيه واحتزتيه لكان لك، وإنما هو اليوم ~~مال وإرث، وإنما هما أخواك وأختاك فاقتسموه على كتاب الله؛ قالت عائشة: ~~فقلت يا أبت والله لو كان كذا وكذا، لتركته وإنما هي أسماء، فمن الأخرى، ~~فقال: ذو بطن بنت خارجة أراها جارية. # وأما خبر عمر بن ms0871 الخطاب؛ فقوله ما بال رجال ينحلون أبناءهم نحلا ثم ~~يمسكونها، فإن مات ابن أحدهم، قال مالي بيدي لم أعطه أحدا؛ وإن مات هو قال ~~هو لابني قد كنت أعطيته إياه من نحل نحلة فلم يحزها الذي نحلها حتى تكون إن ~~مات لورثته فهي باطل. # وأما خبر عثمان بن عفان، فقوله: من نحل ولدا له صغيرا لم يبلغ أن يجوز ~~نحله فأعلن ذلك وأشهد عليه، فهي جائزة وإن وليها أبوه فأوجب الحيازة فيما ~~وهب الأب لابنه الكبير، ورخص في حيازته ما هب لابنه الصغير. # PageV02P411 # فصل واتفاق الخلفاء على وجوب الحيازة حجة، لقول رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -؛ «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا ~~عليها بالنواجذ» . وقد ادعى أصحابنا أن ذلك إجماع من الصحابة، لأن ذلك مروي ~~أيضا عن أنس بن مالك وغيره، ولا مخالف لهم من الصحابة، وذلك صحيح بين من ~~حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، لأنه قال بمحضر الصحابة ما بال رجال ~~ينحلون أبناءهم نحلا - الحديث، فلم ينكر عليه أحد منهم قوله ولا خالفه فيه، ~~بل سكت الكل منهم وسلم، فدل على موافقتهم له على مذهبه. # فصل وتجوز الهبة والصدقة على مذهب مالك - وإن كانت مجهولة أو مشاعة غير ~~مقسومة، كانت مما ينقسم أو مما لا ينقسم؛ خلاف أهل العراق في قولهم إن ~~الهبة والصدقة لا تلزمان بالقول ولا تجبان إلا بالقبض، وأن تكون مقسومة ~~مفروزة معلومة غير مجهولة، وأن للواهب أو المتصدق أن يرجع في هبته وصدقته ~~ما لم يحوزها؛ ومنهم من فرق في ذلك بين الهبة والصدقة، فألزم الصدقة - وإن ~~لم تقبض، قالوا لأنه يراد بها وجه الله، وهو أحد قولي الشافعي؛ والصواب ما ~~ذهب إليه مالك - رحمه الله - أن هبة الغرر والمجهول جائزة كميراث لا يعلم ~~كميته، والعبد الآبق، والبعير الشارد، والثمرة التي لم يبد صلاحها، لأنا ~~إنما نهينا عن بيع الغرر، والهبة إنما هي على وجه المعروف والتبرر، لا يقصد ~~بها تقامرا ولا تغابنا؛ وقد أجمع أهل العلم أن من ms0872 أوصى بجزء من ماله الثلث ~~فدونه - وهو لا يعرف مبلغه من الوزن والقدر، أنه جائز ماض، وهذا يرد قول من ~~رد صدقة الحر في ثلثه مع قول النبي - # PageV02P412 # - عليه السلام - لزهير أبي صرد خطيب أهل هوازن: «أما ما كان لي ولبني عبد ~~المطلب فهو لكم» فأعطاهم ما لم يقف على مبلغه من الجزء والقدر جميعا، ولا ~~خلاف بين الناس أن النبي - عليه السلام - قال: «ما تركت بعد نفقة نسائي ~~ومؤونة عاملي، فهو صدقة» وهو شيء لا تعلم حقيقته، لأن نفقة النساء تزيد ~~وتنقص، وكذلك مؤونة العامل - قد تكثر في عام، وتقل في آخر؛ وهذا في فدك ~~وخيبر وبني النضير؛ وقالت طائفة من أهل العلم - منهم أحمد بن حنبل وأبو ثور ~~- الهبة والصدقة جائزة لازمة بالقول، لا تفتقر إلى حيازة كالبيع سواء؛ ~~وتأولوا حديث أبي بكر في قصة عائشة على أن تلك الهبة لم تكن معلومة، ولذلك ~~ردها أبو بكر - رضي الله عنه -، لا لأنها لم تقبض لقوله إني نحلتك جداد ~~عشرين وسقا؛ ولو باع رجل جداد عشرين وسقا من نخل له لم يجز فيه البيع، لأن ~~ذلك مجهول. # فصل ففي المسألة أربعة أقوال: # أحدها: هذا أنها تلزم بالقول وتتم به ولا تفتقر إلى حيازة - كالبيع سواء؛ ~~والثاني قول مالك ومن تابعه أنها تنعقد بالقول وتلزم به ولا تتم إلا ~~بالحيازة. # والثالث: أنها تنعقد بالقول ولا تجب به، وإنما تجب بالقبض والحيازة وهو ~~مذهب أهل العراق، وقد تقدم الكلام على تضعيف هذا المذهب وتصويب مذهب مالك ~~بما أغنى عن رده ههنا. # والرابع: التفرقة بين الهبة والصدقة على ما حكيناه. # فصل ولا تفترق الهبة من الصدقة على مذهب مالك إلا في وجهين: # PageV02P413 # أحدهما: أن الهبة تعتصر وأن الصدقة لا تعتصر. # والثاني: أن الهبة يصح الرجوع فيها بالبيع والهبة، والصدقة لا يجوز ~~الرجوع فيها ببيع ولا هبة إلا أن تكون الصدقة على الابن، فعن مالك في ذلك ~~ثلاث روايات: # إحداها: أن الرجوع فيها لا يجوز إلا من ضرورة، مثل أن تكون أمة فتتبعها ms0873 ~~نفسه، أو يحتاج فيأخذ لحاجته وهو ظاهر ما في المدونة. # والثانية: أن الرجوع فيها بالبيع والهبة يجوز وإن لم تكن ضرورة، ولا يكون ~~له الاعتصار - وهو قول مالك في كتاب ابن المواز واختيار محمد. # والثالثة: أن الرجوع فيها بالبيع والهبة يجوز وأن الاعتصار يكون له - وهو ~~قول مالك في سماع عيسى من كتاب الصدقات؛ لأنه أجاز أن يأكل مما تصدق به على ~~ابنه الصغير، وذلك لا يكون إلا على معنى الاعتصار؛ لأن الصغير لا يصح منه ~~إذن، وهو ظاهر ما في سماع ابن القاسم أيضا، إذ لم يفرق في الرواية بين صغير ~~ولا كبير. ### || فصل في القول في الحبس # فصل # في القول في الحبس # وأما الحبس فاختلف أهل العلم في جوازه: فذهب مالك - رحمه الله - وجميع ~~أصحابه وأكثر أهل العلم إلى إجازة الحبس ومنع منه أبو حنيفة وأصحابه، ~~واستدلوا على ذلك بقوله - تعالى -: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا ~~وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون} ~~[المائدة: 103] ، وبقوله: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ~~فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا} [الأنعام: 136]- إلى قوله: {ساء ما ~~يحكمون} [الأنعام: 136] # PageV02P414 # وبقوله: {وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على ~~أزواجنا} [الأنعام: 139] ، إلى قوله: {إنه حكيم عليم} [الأنعام: 139] ، ~~وبقوله: {وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام ~~حرمت ظهورها} [الأنعام: 138] ، إلى قوله: {بما كانوا يفترون} [الأنعام: ~~138] ، وقال: في آخر القصة: {أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ~~ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم ~~الظالمين} [الأنعام: 144] . # فصل وهذه الآيات كلها لا دليل لهم في شيء منها على إبطال الحبس والمنع ~~منه، لأنها إنما تقتضي التوبيخ على ما كانت الجاهلية تحرمه على أنفسها من ~~أنعامها تشرعا وتدينا وافتراء على الله، واتباع خطوات الشيطان، فليس ذلك ~~مما يحبسه الرجل على ولده أو في وجه من وجوه البر التي يتقرب بها إلى ms0874 الله ~~بسبيل. # فصل وكذلك استدلوا لمذهبهم بما رواه ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «لا حبس بعد سورة النساء» ، وأنه - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«لا حبس عن فرائض الله - تعالى» ، وبما روي عن شريح أنه قال: لما نزلت سورة ~~- المائدة، جاء محمد - صلى الله عليه وسلم - بإطلاق الحبس، وروي بمنع ~~الحبس، وبما روي «عن عبد الله بن يزيد أنه قال: # PageV02P415 # قلت يا رسول الله تصدقت على أمي بصدقة - وقد ماتت - فقال: قبل الله صدقتك ~~وعادت إليك بالميراث» . قالوا: ومن يذهب إلى جواز الحبس يمنع عوده إلى ~~المحبس، قالوا ولأنه إخراج ملك لا إلى ملك فوجب ألا يلزم؛ أصله السائبة أو ~~إذا قال: أخرجت هذه الدار عن ملكي، فإنها لا تخرج، فكذلك مسألتنا؛ قالوا ~~ولأنه إزالة ملك عن المنفعة، فوجب ألا يزول الملك عن الرقبة، أصله العارية. # فصل وهذا كله لا دليل فيه، ولا حجة، لأن الحبس الذي جاء محمد بإطلاقه، هو ~~البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحامي الذي ذكره الله في كتابه، والدليل ~~على ذلك: أنه المذكور في سورة المائدة، وهذا التأويل مروي عن مالك - رحمه ~~الله -؛ وأما حديث ابن عباس فعنه جوابان: # أحدهما: أن المراد به حبس الزاني البكر، وذلك أن الله عز وجل قال: ~~{فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا} [النساء: ~~15] ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «خذوا عني، قد جعل الله لهن ~~سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة، وتغريب عام» - الحديث. # والجواب الثاني وهو المعتمد عليه - أن المراد بذلك منع البحيرة والسائبة، ~~والوصيلة، والحامي الذي كانت الجاهلية تفعله، إذ لا يعرف جاهلي حبس داره ~~على ولده، أو في وجه من الوجوه المتقرب بها إلى الله تعالى. أما # PageV02P416 # حديث عبد الله بن يزيد، فإنه في صدقة تمليك غير وقف، بدليل قوله عادت ~~إليك ميراثا؛ وعند المخالف أن الوقف يورث عن الواقف، لا عن الموقوف عليه؛ ~~على أن في قوله عادت إليك دليلا على خروجها عن ملكه بالوقف - وهم لا يقولون ~~بذلك؛ وأما ms0875 قولهم: لأنه إخراج ملك لا إلى ملك كقوله أخرجت هذه الدار عن ~~ملكي، فغير صحيح، لأن الوصف غير موجود في الأصل، لأن قوله أخرجت هذه الدار ~~عن ملكي، ليس بإخراج، وينتقض ذلك بالعتق، فإنه إخراج عن الملك إلى غير ملك ~~- وهو لازم وكذلك قياسهم على العارية ينتقض بالعتق وبناء المسجد ووقفه. # فصل فالصحيح ما ذهب إليه مالك - رحمه الله - وجل أهل العلم من إجازة ~~الحبس، وقد حبس رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعمر بن الخطاب، وعثمان ~~بن عفان، وعلي، وطلحة والزبير، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وعمرو بن ~~العاص - دورا، وحوائط، «واستشار عمر بن الخطاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في صدقته، فقال: يا رسول الله، إني أصبت مالا لم أصب أعجب إلي منه، ~~وأريد أن أتصدق به؛ فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حبس الأصل ~~وسبل الثمرة، فكتب: هذا ما تصدق به عمر بن الخطاب صدقة لا تباع ولا توهب ~~ولا تورث - على الفقراء، وذوي القربى، وفي سبيل الله، وابن السبيل، لا جناح ~~على من وليها أن يأكل منها بالمعروف» . وروي عن مالك أنه قال: جعل عمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنه - صدقة للسائل والمحروم، وكتب عبد الله بن عمر بعده ~~في صدقته للسائل والفقير، فبينها عبد الله بن عمر. # فصل فالأحباس سنة قائمة عمل بها النبي - عليه السلام - والمسلمون من ~~بعده، وقد # PageV02P417 # قيل لمالك: إن شريحا كان لا يرى الحبس ويقول لا حبس عن فرائض الله، فقال ~~مالك: تكلم شريح ببلاده - ولم يرد المدينة فيرى آثار الأكابر من أزواج ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. وأصحابه، والتابعين بعدهم - هلم جرا إلى ~~اليوم؛ وما حبسوا من أموالهم لا يطعن فيه طاعن؛ وهذه صدقات النبي - عليه ~~السلام - سبعة حوائط؛ وينبغي للمرء أن لا يتكلم إلا فيما أحاط به خبرا؛ ~~وبهذا احتج أيضا مالك - رحمه الله - لما ناظر أبا يوسف بحضرة الرشيد فقال: ~~هذه أحباس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصدقاته ينقلها الخلف عن السلف ms0876 ~~- قرنا بعد قرن، فقال حينئذ أبو يوسف: كان أبو حنيفة يقول إنها غير جائزة، ~~وأنا أقول إنها جائزة، فرجع في الحال عن قول أبي حنيفة إلى الجواز، وروي أن ~~رجلا من أهل العراق سأل مالك عن صدقة الحبس فقال: إذا حيزت مضت. فقال ~~العراقي: إن شريحا قال لا حبس عن كتاب الله، قال: فضحك مالك - رحمه الله - ~~وكان قليل الضحك - وقال: يرحم الله شريحا لو درى ما صنع أصحاب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ههنا - ما قاله. وقد امتنع أصحاب أبي حنيفة المتأخرون ~~من إطلاق القول بإبطال الحبس، وقالوا هو جائز ولكن لا يلزم إلا بأحد أمرين: ~~إما أن يحكم به حاكم، أو يوصي به في مرضه أن يوقف بعد موته، فيصح ويكون من ~~ثلث ماله - كالوصية، إلا أن يكون مسجدا، أو سقاية؛ فإن وقف ذلك، يصح ولا ~~يحتاج إلى حكم حاكم؛ وهذا بعيد، لأن ما لا يجوز للرجل أن يفعله في حياته، ~~فلا يجوز أن يوصي به بعد وفاته، وما لا يحل، لا يحله حكم الحاكم. قال الله ~~عز وجل: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا ~~فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون} [البقرة: 188] ، وحكى محمد بن ~~عبد الحكم عن أبي حنيفة فيما زاده في مختصر أبيه، أنه قال: كل # PageV02P418 # حبس اشترط فيه المنافع للولد وغيرهم من القرابات المياسر، فهو باطل؛ وكل ~~حبس خرج في سبيل الله والصدقات، فهو جائز. # فصل فإذا ثبت بما قلناه جواز الحبس ولزومه، فمن شرط تمامه القبض والحيازة ~~- كالهبة والصدقة، فإن لم يقبض عنه ولا خرج عن يده حتى مات فهو باطل يكون ~~موروثا عنه، والعقد يصح ويلزم، وإن لم يقارنه القبض وليس للمحبس الرجوع ~~فيه، ويلزمه إقباضه للمحبس عليه، فإن امتنع من ذلك، جبر عليه، ولا يبطل ~~العقد بتأخير القبض ما لم يمت المحبس عليه في القبض حتى يفوته المحبس، وهذه ~~جملة لها تفصيل وفي بعض وجوهها اختلاف سيأتي ذكر ذلك كله في موضعه - إن شاء ~~الله تعالى ms0877 -. # فصل وللتحبيس ثلاثة ألفاظ: حبس، ووقف، وصدقة. # فأما الحبس والوقف فمعناهما واحد لا يفترقان في وجه من الوجوه، فإذا حبس ~~الرجل داره، أو عقاره، فلا يخلو تحبيسه من ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون على معينين. # والثاني: أن يكون على مجهولين غير محصورين ولا معينين. # والثالث: أن يكون على محصورين غير معينين، وقد ذكر عبد الوهاب في شرح ~~الرسالة أن الوقف لا يكون أبدا إلا محرما - وليس ذلك بصحيح، إذ لا فرق بين ~~قول الرجل قد أوقفت هذه الدار على فلان، أو قد حبستها عليه. # فأما الوجه الأول - وهو أن يحبس على معين فيقول هذه الدار حبس على # PageV02P419 # فلان، فاختلف قول مالك: هل تكون صدقة محرمة لا ترجع إلى المحبس وتكون بعد ~~موت المحبس عليه لأقرب الناس بالمحبس حبسا عليه، أو لا تكون صدقة محرمة ~~وترجع بعد موت المحبس عليه إلى المحبس - ملكا مطلقا يبيعه ويصنع به ما شاء ~~على قولين منصوصين عليه في المدونة، وسواء قال حياته أو لم يقل حياته. # هذا ظاهر المدونة، وهو قول سحنون؛ وقد قيل إنه إن قال حياته، رجع بعد ~~موته إلى المحبس ملكا، وإن لم يقل حياته رجع بمرجع الأحباس على أقرب الناس ~~بالمحبس. قاله ابن المواز، وهو غير بين في المعنى، إلا أن يقول حبسا صدقة ~~أو حبسا لا يباع ولا يوهب، فحكى ابن القاسم في المدونة أن قول مالك لم ~~يختلف في هذا: أنها تكون صدقة محرمة ترجع بمرجع الأحباس إلى أقرب الناس ~~بالمحبس؛ ولا ترجع إلى المحبس ملكا مطلقا، وليس ذلك بصحيح، وقد روى ابن عبد ~~الحكم عن مالك في كتابه: أنها ترجع إليه ملكا بعد موت المحبس عليه. وإن قال ~~حبسا صدقة إذا كان على معين - وهو قول ابن وهب في العتبية أنه يرجع إليه ~~ملكا مطلقا - إذا حبس على معين - وإن قال في حبسه لا يباع ولا يوهب، ~~لاحتمال قوله لا يباع ولا يوهب حياة المحبس عليه. # وأما الوجه الثاني: وهو أن يحبس داره أو عقاره على مجهولين غير ms0878 معينين ~~ولا محصورين مثل أن يقول على المساكين، أو في السبيل، أو على بني زهرة، وما ~~أشبه ذلك؛ فإن هذا ليس فيه اختلاف أنها صدقة محرمة موقوفة على الوجه الذي ~~سبلها فيه لا ترجع إلى المحبس أبدا. # وأما الوجه الثالث وهو أن يحبس على محصورين غير معينين مثل أن يقول هذه ~~الدار حبس على ولد فلان، أو على عقبه، أو على بنيه، أو على نسله، أو على ~~ذريته، وما أشبه ذلك؛ فإن هذا ليس فيه اختلاف أنها صدقة محرمة لا ترجع إلى ~~المحبس وتكون بعد انقراض المحبس عليهم - حبسا على أقرب الناس # PageV02P420 # بالمحبس، «لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي طلحة: " وإني أرى ~~أن تجعلها في الأقربين» ، إلا أن يقول حياتهم؛ فذهب ابن الماجشون إلى أنها ~~ترجع إليه ملكا - بعد انقراض العقب، بيد أن هذه الألفاظ تفترق عند بعض ~~العلماء بافتراق معانيها على ما سنذكره - إن شاء الله - وهي خمسة ألفاظ: ~~الولد، والعقب، والبنون، والذرية، والنسل؛ وفي كل لفظ منها خمس مسائل: # إحداها في لفظ الولد: قوله حبست على ولدي أو على أولادي - ولم يزد على ~~ذلك. # والثانية قوله: حبست على ولدي وولد ولدي، أو على أولادي وأولاد أولادهم. # والثالثة قوله حبست على ولدي وأولادهم، أو على أولادي وأولادهم. # والرابعة قوله حبست على ولدي ذكورهم وإناثهم من غير أن يسميهم بأسمائهم ~~وعلى أولادهم. # والخامسة قوله حبست على أولادي فلان وفلان وفلانة يسميهم بأسمائهم ذكورهم ~~وإناثهم وعلى أولادهم. ### || فصل في المسألة الأولى # فأما إذا قال المحبس حبست على ولدي، أو على أولادي ~~- ولم يزد على ذلك، فيكون الحبس على أولاده - دنية - الذكران والإناث، وعلى ~~أولاد بنيه الذكران دون الإناث، ولا يدخل في ذلك أولاد البنات - وعلى مذهب ~~مالك - رحمه الله - وجميع أصحابه المتقدمين؛ لأن الولد في الشرع لا يقع ~~حقيقة إلا على من يرجع # PageV02P421 # نسبه إليه من ولد الأبناء دون ولد البنات؛ ومن حجتهم على ذلك: الإجماع ~~على أن ولد البنات لا ميراث لهم، مع قوله تعالى: {يوصيكم الله في ms0879 أولادكم} ~~[النساء: 11] ، وقد ذهب جماعة من العلماء إلى أن ولد البنات من الأولاد ~~والأعقاب، وأنهم يدخلون في الأحباس بقول المحبس حبست على ولدي أو على عقبي؛ ~~وقال بذلك من الشيوخ المتأخرين من خالف مذهب مالك، منهم: أبو عمر بن عبد ~~البر، وغيره، واحتجوا بقول الله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم} ~~[النساء: 23] ، قالوا فلما حرم الله البنات فحرمت بذلك بنت البنت بإجماع، ~~علم أنها بنت، ووجب أن تدخل في حبس أبيها إذا حبس على ولده أو عقبه؛ ~~واحتجوا أيضا «بقول النبي - عليه السلام - في الحسن: إن ابني هذا سيد» ~~فسماه ابنا؛ وهو احتجاج غير صحيح، لأن ولد البنت - وإن وقع عليه اسم ولد في ~~اللغة لوجود معنى الولادة فيه، كما وقع على ولد الابن لوجود معنى الولادة، ~~فليس بولد في الشرع، كما ليس ولد الزنى بولد في الشرع - وإن وقع عليه اسم ~~ولد في اللغة - لوجود معنى الولادة فيه، لأنه قد تعرف باسم الولد في الشرع ~~من يستحق الميراث والنسب منهم دون من لا يستحقه؛ كما يعرف الوضوء والصلاة ~~والصيام والحج في الشرع بنوع مما يقع عليه في اللغة، ألا ترى أن الوضوء في ~~اللغة اسم لكل غسل، وقد تعرف في الشرع ببعض ذلك النوع - وهو الغسل الذي ~~أوجبه الله عند القيام للصلاة - بقوله: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى ~~الصلاة} [المائدة: 6] # PageV02P422 # الآية، وأن الصلاة في اللغة هي اسم لكل دعاء، قال الله عز وجل: {وصل ~~عليهم إن صلاتك سكن لهم} [التوبة: 103]- أي ادع لهم، وقد تعرفت في الشرع ~~بنوع من الدعاء مخصوص، وأن الصيام في اللغة اسم لكل إمساك، وقد تعرف في ~~الشرع بنوع من الإمساك مخصوص، وهو الإمساك عن الطعام والشراب والجماع من ~~طلوع الفجر إلى غروب الشمس - مع مقارنة النية، وأن الحج هو في اللغة اسم ~~لكل قصد، وقد تعرف في الشرع بنوع من القصد مخصوص دون غيره؛ فمن غسل جميع ~~أعضائه أو بعضها على غير الوجه الذي شرعه الله للصلاة، فلا يسمى فعله ذلك ~~وضوءا في ms0880 الشرع، ولا ينطلق عليه اسم وضوء - وإن كان في اللغة وضوءا؛ وكذلك ~~من دعا في شيء من الأشياء لا يسمى دعاؤه صلاة في الشرع، ولا ينطلق عليه اسم ~~صلاة - وإن كان في اللغة صلاة، وكذلك من أمسك عن شيء من الأشياء، أو عن ~~الطعام والشراب على غير الوجه الذي شرعه الله، لا يسمى إمساكه عن ذلك صياما ~~في الشرع، ولا ينطلق عليه اسم صيام - وإن كان ذلك في اللغة صياما، وكذلك من ~~قصد موضعا من المواضع، أو قصد مكة على غير الوجه الذي شرعه الله، لا يسمى ~~قصده ذلك حجا في الشرع، ولا ينطلق عليه اسم حج - وإن كان ذلك في اللغة حجا. # فصل فلا يفهم من إطلاق الوضوء والصلاة والصيام والحج إلا الوضوء الشرعي ~~والصلاة الشرعية، والصيام الشرعي، والحج الشرعي؛ ولا يحمل على ما سوى ذلك ~~مما يقع عليه في اللغة إلا بنص وبيان، ألا ترى أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أمر أصحابه بالوضوء مما مست النار، فحملوه على الوضوء الشرعي ~~دون غسل اليد؛ وروى الراوي عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا رعف، انصرف ~~فتوضأ ثم رجع فبنى ولم # PageV02P423 # يتكلم؛ فحمل ذلك من قوله على الوضوء الشرعي دون غسل الدم، وكذلك سائر ~~الشرائع المذكورة؛ فإذا كان من أخبر عن نفسه أنه توضأ أو صلى أو صام أو حج ~~لا يفهم منه أنه أراد إلا الوضوء الشرعي، والصلاة الشرعية، والصيام الشرعي، ~~والحج الشرعي، دون غيره مما ينطلق عليه الاسم في اللغة، ولا يحمل إلا على ~~ذلك، فكذلك من قال: حبست على ولدي لا يفهم من قوله أنه أراد إلا الولد ~~الشرعي الذي تثبت له أحكام الشرع الشرعية من الموارثة والنسب، دون الولد ~~اللغوي الذي لا يستحق الميراث ولا النسب، كولد الزنى، وولد البنت، ولا يحمل ~~أمره إلى على ذلك. # فصل # وعرف الاستعمال يكون في الكلام من ثلاث جهات: # إحداها: جهة الشرع وقد تقدم ذكر ذلك والأدلة عليه. # والثانية: جهة اللغة كتسميتنا دابة للخيل والبغال والحمير من ms0881 ذوات الأربع ~~- خاصة - وإن كان الاسم في اللغة واقعا على ما يدب من جميع الحيوان؛ قال ~~الله عز وجل: {والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه} [النور: ~~45]- الآية. # والثالثة: من جهة الصناعة كتسميتنا العالم بالحديث والرأي فقيها دون ~~العالم بما سواه من العلوم - وإن كان في اللغة فقيها في ذلك الشيء الذي ~~علمه وفقه فيه، وكتسميتنا العالم بأصول الديانات متكلما - وإن كان كل ناطق ~~معرب عما في نفسه بلسانه يسمى متكلما في اللغة، وكنحو تسمية أهل الديوان ~~الكتاب زماما، وأهل الإبل الخطام زماما، وما أشبه ذلك؛ فيحمل لفظ كل طائفة ~~على عرفها وعادتها. # PageV02P424 # فصل # فالولد على هذا ينقسم على ثلاثة أقسام: # ولد يسمى ولدا من جهة اللغة والشرع - وهو الولد الذي ثبتت له أحكام ~~الشريعة من الموارثة والنسب. # وولد يسمى ولدا من جهة اللغة خاصة - وهو الولد الذي يوجد فيه معنى ~~الولادة، ولا تثبت له أحكام الشريعة. # وولد يسمى ولد مجازا لا حقيقة، كأولاد الأدعياء، والرجل يقول للصبي ~~الأجنبي يا ولدي - يريد تقريبه بذلك، وما أشبه ذلك. # فصل فحمل قول الله عز وجل: {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم} [النساء: 23]- ~~على عمومه في كل من يقع عليه اسم أم أو بنت في اللغة بوجود معنى الولادة ~~فيه، فحرمت بنت البنت وإن سفلت، وأم الأم وإن علت؛ وثبت بالسنة والإجماع أن ~~مراد الله عز وجل بقوله: {يوصيكم الله في أولادكم} [النساء: 11]- من ينتسب ~~إليه من أولاده دون من لا ينتسب إليه منهم، وتخصص بذلك الولد الشرعي من ~~غيره، والفرق أيضا من جهة النظر بين التحريم والميراث في ابنة البنت ظاهر، ~~لأن الأشياء قد قيل إنها في الأصل على الحظر، فلا تستباح بنت البنت إلا ~~بيقين، ولا تورث إلا بيقين - وهذا أيضا بين؛ ومن أهل العلم من قال إن ولد ~~البنت لا يسمى ولدا إلا مجازا، وحمل «قول النبي - عليه السلام - في الحسن: ~~إن ابني هذا سيد» - على المجاز دون الحقيقة؛ وليس ذلك بصحيح، بل هو ولد على ~~الحقيقة في ms0882 اللغة، لوجود معنى الولادة فيه؛ ولأن أهل العلم قد أجمعوا على ~~تحريم بنص البنت من قول الله عز وجل: {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم} ~~[النساء: 23] ، إذ لا جائز أن يقول أحد إنها محرمة بغير القرآن، لأن الله - ~~تعالى - قد قال بعد أن نص على المحرمات: # PageV02P425 # {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24] ، واستدل أيضا بعض من ذهب إلى هذا ~~المذهب يقول الشاعر: # بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد # وهذا لا دليل فيه، لأن معنى قوله: إنما هو أن ولد بنيه الذكران، هم الذين ~~لهم حكم بنيه في الموارثة والنسب؛ وأن ولد بناته ليس لهم حكم بناته في ذلك، ~~إذ لا ينتسبون إليه، وإنما ينتسبون إلى غيره، فأخبر بافتراقهم في الحكم، مع ~~اجتماعهم في التسمية، ولم ينف عن ولد البنات اسم الولد، لأنه إنما قال ~~وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد، فاستدل من قوله من احتج به على أنه ~~أراد: وليسوا بأبنائنا، وليس في هذا نفي اسم الولد عنهم، وإنما هو من لطيف ~~الاستعارة، كما يقول الرجل في ولده: ليس هو بابني، إذ لا يطيعني ولا يرى لي ~~حقا. فلا يريد بذلك نفي اسم الولد عنه، وإنما يريد به أن ينفي عنه حكمه، ~~ومن استدل بهذا البيت على أن ولد البنت لا يسمى ولدا، فقد أفسد معناه، ~~وأبطل فائدته، وتأول على قائله ما لا يصح، إذ لا يمكن أن يسمى ولد الابن في ~~اللسان العربي ابنا، ولا يسمى ولد الابنة ابنا، من أجل أن معنى الولادة ~~التي اشتق منها، اسم الولد فيه أبين وأقوى، لأن ولد الابنة هو ولدها بحقيقة ~~الولادة، وولد الابن إنما هو ولده بماله فيه مما كان سببا للولادة؛ ولم ~~يخرج مالك - رحمه الله - أولاد البنات من حبس من حبس على ولده، من أجل أن ~~اسم الولد غير واقع عليه عنده في اللسان؛ وإنما أخرجهم منه قياسا على ~~الميراث، ليعرف اسم الولد في الشرع فيمن يستحق الميراث والنسب، دون من لا ~~يستحق ذلك - على ما بيناه فيما سلف، وبالله ms0883 التوفيق. # PageV02P426 ### || فصل في المسألة الثانية # وأما إذا قال المحبس: حبست على ولدي وولد ولدي، ~~أو على أولادي وأولاد أولادي؛ فذهب جماعة من الشيوخ إلى أن ولد البنات ~~يدخلون في ذلك، وهو ظاهر اللفظ، لأن الولد يقع على الذكر والأنثى؛ فإذا قال ~~على ولدي وولد ولدي، فهو بمنزلة قوله على أولادي - ذكرانهم وإناثهم، وعلى ~~أعقابهم، وقد روي عن مالك - رحمه الله - في كتاب ابن عبدوس، ومن رواية ابن ~~وهب عنه في بعض روايات المدونة - أنه لا شيء لولد البنات في ذلك؛ ووجه ~~الروايات عنه في ذلك: أن لفظ ولد الولد لا يتناول عنده - بإطلاقه - ولد ~~البنات، ولا يقع - إذا أطلق دون بيان إلا على من يرجع نسبه إلى المحبس من ~~ولد ولده؛ لأن ولد بنته - وإن سميناه ولد ولده - لوقوع اسم الولد على الذكر ~~والأنثى، والواحد والجمع - وقوعا واحدا قي اللسان العربي - كما ذكرت، فلا ~~يرثه في الشرع، ولا ينتسب إليه، وإنما يرث رجلا آخر وإليه ينتسب؛ فهو بذلك ~~الرجل أخص منه به، لأن ولد ابن الرجل هو ولد ولده من جهة ابنه، يختص به ~~ويرثه وينتسب إليه، وولد ولد رجل آخر من جهة زوجة ابنه بالتسمية خاصة دون ~~الميراث والنسب؛ وولد ابنته هو ولد ولده من جهة ابنته بالتسمية خاصة دون ~~الميراث والنسب، وولد رجل آخر من جهة زوج ابنته يختص به ويرثه وينتسب إليه؛ ~~فإذا صح ذلك وثبت أن لفظ ولد الولد يقع على من ينتسب إليه ويرثه من ولد ~~ولده، وعلى من لا ينتسب إليه منهم ولا يرثه، وجب أن يخصص فيمن يرثه منهم ~~وينتسب إليه، دون من لا يرثه ولا ينتسب إليه؛ لأنه المعنى الذي يراد له ~~الولد ويرغب فيه من أجله؛ قال الله عز وجل - فيما قص علينا من نبإ زكريا - ~~عليه السلام - {وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من ~~لدنك وليا} [مريم: 5] {يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا} [مريم: 6] # PageV02P427 # وذلك أن زكريا كان من آل يعقوب وتحرر من هذا ms0884 قياسا فنقول: إن هذا لفظ عام ~~يقع على من يرث المحبس وينتسب إليه، وعلى من لا يرثه ولا ينتسب إليه - مع ~~الاستواء في الحرية والإسلام؛ فوجب أن يقصر على من يرث منهم دون من لا يرث، ~~أصل ذلك قول المحبس حبست على ولدي - ولم يزد أن ذلك مقصور على من يرثه من ~~ولده الذكور والإناث، وولد ولده الذكور وينتسب إليه منهم دون من لا يرثه ~~منهم ولا ينتسب إليه، كأبناء الزنى وأبناء البنات؛ وإن كان لفظ الولد يعمهم ~~ويجمعهم في اللسان العربي - وهذا بين إن شاء الله. ووجه ثان صحيح المعنى ~~ظاهر في القياس يأتي على الصحيح - عندي من أصل مختلف فيه في المذهب - وهو ~~مراعاة عرف ألفاظ الناس ومقاصدهم في أيمانهم، يمهد لذكره أصلا يثبته عليه ~~ونرده إليه - وهو أنه لا اختلاف في أن الألفاظ المسموعة إنما هي عبارة عما ~~في النفوس، فإذا عبر المحبس عما في نفسه من إرادته بلفظ غير محتمل، نص فيه ~~على إدخال ولد بناته في حبسه، أو إخراجهم منه؛ وقفنا عنده ولم يصح لنا ~~مخالفة نصه، وإذا عبر عما في نفسه بعبارة محتملة للوجهين جميعا، وجب أن ~~نحملها على ما يغلب على ظننا أن المحبس أراده من محتملات لفظه بما يعلم من ~~قصده، لأن عموم ألفاظ الناس لا تحمل إلا على ما يعلم من قصدهم واعتقادهم، ~~إذ لا طريق لنا إلى العلم بما أراده المحبس إلا من قبله، فإذا صح هذا الأصل ~~الذي أصلناه وقدرناه، وقد علمنا أنه لا يعلم من الناس أن الولد بإطلاقه يقع ~~على الذكر والأنثى إلا الخاص منهم العالم باللسان، وأكثرهم يعتقد أن الولد ~~لا يقع إلا على الذكر دون الأنثى، وإن سألت منهم من له ابنة ولا ابن له: هل ~~لك ولد؟ يقول لك ليس لي ولد، وإنما لي ابنة، وجب أن يخصص بهذا عموم لفظ ~~المحبس، ويحمل على أنه إنما أراد ولد ولده الذكور دون ولده # PageV02P428 # الإناث، إذ الأغلب في الظن أنه لم يرد إناث ولده، إذ لا ms0885 يعلم أن إناث ~~ولده يسمون ولدا؛ كما يخصص عموم لفظ الحالف بما يعلم من مقاصد الناس في ~~أيمانهم وعرف كلامهم. # وتحرير القياس من هذا أن يقال إن هذا لفظ عام يقع في اللسان العربي على ~~الذكر والأنثى من ولد المحبس وولد ولده، فوجب أن يحمل على ما يقع عليه عند ~~الناس في عرف كلامهم ووجه مقصدهم - وهو الذكر دون الأنثى من ولده وولد ~~ولده، أصل ذلك قول من قال فيمن حلف ألا يأكل لحما أو بيضا، فأكل لحم ~~الحيتان أو بيضها - أنه لا يحنث، لأن الحيتان ليست بلحم في عرف كلام الناس ~~ووجه مقاصدهم - وإن كان لحما في اللسان العربي؛ قال الله عز وجل: {لتأكلوا ~~منه لحما طريا} [النحل: 14] ، وهو قياس صحيح لا اختلاف في صحته عند جميع ~~العلماء من أهل السنة القائلين بالقياس، لأن القياس - عندهم هو حمل الفرع ~~على الأصل في نفي الحكم وإثباته بالعلة الجامعة بينهما؛ فالفرع في مسألتنا ~~هذه قول المحبس حبست على ولدي وولد ولدي، والحكم المطلوب هو نفي دخول ولد ~~الأنثى من ولد المحبس وولد ولده تحت اللفظ الذي لفظ به المحبس، والأصل قول ~~الحالف: والله لا أكلت لحما أو بيضا - ولا نية له، فأكل لحم الحيتان أو ~~بيضها؛ والعلة الجامعة بينهما: أن الناس لا يوقعون اسم اللحم في عرف كلامهم ~~ووجه مقصدهم إلا على لحم ذوات الأربع دون ما سواه من اللحوم؛ ولا اسم البيض ~~إلا على بيض ذوات الريش، دون ما سواه من البيض؛ كما لا يوقعون الولد في عرف ~~كلامهم ووجه مقصدهم، إلا على الذكر دون الأنثى. # فصل ويؤيد هذا الجواب ما حكى ابن أبي زمنين في مقربه عن مالك من كتاب ابن ~~المواز فيمن حبس على أولاده وأعقابهم، بهذا اللفظ أن ولد البنات لا يدخلون ~~في الحبس؛ فلو حمل لفظ أولاده على عمومه في الذكران والإناث، لرد ضمير ~~الجمع # PageV02P429 # في أعقابهم إلى جميعهم؛ إذ لا يصح رده إلى الذكران منهم دون الإناث بغير ~~دليل؛ فليس وجه الرواية إلا ما ذكرناه ms0886 من أنه حمل لفظ أولاده على الذكران ~~دون الإناث بما علم من قصد الناس في أن لفظ الأولاد لا يوقعونه إلا على ~~الذكران دون الإناث، فرد الضمير إليهم لا وجه للرواية عندي غير هذا - والله ~~أعلم. # فصل فإن قال قائل قول العالم ليس بحجة ومن أهل العلم من يوجب على الحالف ~~ألا يأكل اللحم أو البيض - الحنث بأكل لحم الحيتان أو بيضها، لوقوع اسم ~~اللحم والبيض على ذلك، فلا يصح أن يجعل قول من قال في مسألة اليمين أنه لا ~~يحنث أصلا، يقيس الفرع عليه إلا بعد ثبوت صحته؛ دليلنا على صحته بالإجماع ~~على أن الألفاظ إنما تحمل على ما يعلم من قصد المتكلم بها، لا على ظواهرها، ~~قال الله - عز وجل: {فاعبدوا ما شئتم من دونه} [الزمر: 15] ، فهذا لفظ ~~ظاهره الإباحة والتخيير، وهو محمول على النهي والوعيد المفهوم من معناه دون ~~الإباحة الظاهرة من مجرد لفظه؛ وقال في قصة شعيب: {إنك لأنت الحليم الرشيد} ~~[هود: 87] ، فظاهر مجرد اللفظ المدح والثناء، ومعناه المفهوم منه عند ~~الجميع ما قصدوا به من الذم والإزدراء، لكراهية ما أمرهم به؛ ومن مثل هذا ~~كثير في القرآن والسنن والآثار يفوت إحصاؤه، ولا يمكن حصره واستقصاؤه. # فصل # فإذا وجب أن يحمل اللفظ بما يعلم من قصد المتكلم به على خلافه في اللفظ ~~والمعنى، فأحرى أن يجب حمل اللفظ العام المحتمل للتخصيص بما يعلم من قصد ~~المتكلم به على بعض محتملاته بغلبة الظن فيما طريقه غلبة الظن دون العلم ~~والقطع. # PageV02P430 # فصل فإن قال قائل كيف حكمت بصحة هذا القياس الذي دللت به على صحة قول ~~مالك وهو لا يقول بموجبه، لأنه يدخل بنات المحبس في الحبس بهذا اللفظ، وما ~~قلت من حملك إياه على ما يغلب على الظن من أن المحبس لا يعلم أن البنت تسمى ~~ولدا، يوجب ألا يدخلن فيه. # فالجواب عن ذلك أن البنات قد كره إخراجهن من الحبس، لأنه من أفعال ~~الجاهلية؛ قال الله عز وجل: {وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ms0887 ~~ومحرم على أزواجنا} [الأنعام: 139] ، ولما فيه أيضا مما نهي عنه من تفضيل ~~بعض الولد على بعض في العطية، ومن مذهب مالك - رحمه الله - أنهن يدخلن فيه ~~- وإن نص المحبس على إخراجهن منه - ما لم يفت الأمر، فكيف إذا أتى بهذا ~~اللفظ الذي يوجب دخولهن فيه بظاهره في اللسان العربي، وولد البنات، لم يكره ~~إخراجهن من الحبس، فوجب ألا يدخلوا فيه بهذا اللفظ الذي يقتضي دخولهم فيه، ~~لوقوعه على الذكر والأنثى في اللسان العربي - إذا غلب على الظن أن المحبس ~~لم يرد إيقاعه إلا على الذكران خاصة بما يعلم من مقاصد الناس بألفاظهم وعرف ~~كلامهم، فلا يخرج البنات من الحبس إلا بالنص على إخراجهن منه، ولا يدخل ولد ~~البنات فيه إلا بالنص على دخولهم فيه، أو اللفظ العام إذا لم يقترن به ما ~~يدل على تخصيص ولد البنات منه. # فصل ولو حبس على ولد رجل أجنبي، لوجب على قياس هذا ألا يدخل فيه بناته، ~~وعلى هذا المعنى والقياس، تأتي رواية أصبغ عن ابن القاسم في كتاب الوصايا ~~فيمن أوصى لولد فلان، أن الوصية تكون لذكور ولده ولا يدخل فيها إناثهم، # PageV02P431 # بخلاف إذا أوصى لبني فلان، فإنه يدخل في ذلك ذكورهم وإناثهم؛ فإن قيل فهل ~~تقولون إن هذا هو مذهب مالك، قلنا الأمر محتمل، إذ لا ندري لعل رأيه فيمن ~~حبس على ولده وولد ولده - أن أولاد البنات لا يدخلون في الحبس على جوابنا ~~الأول فإن كان على جوابنا الأول، فليس هذا مذهبه، وبناته يدخلن عنده بلفظ ~~الولد - وإن كان رأيه على جوابنا الثاني، فهذا مذهبه بناء على طرد قياسه ~~والله أعلم. # فصل فإن قال قائل: فما فائدة قول المحبس وولد ولدي إذا كان لا يدخل في ~~الحبس بقوله وولدي وولد ولدي إلا من يدخل بقوله: ولدي؛ فالجواب عن ذلك أن ~~لقوله وولد ولدي فائدة وهي البيان أنه لم يرد أن يخصص بحبسه ولده دنية دون ~~من تحتهم منه ولد الولد الذكور والخروج من الخلاف؛ إذ من أهل العلم من يرى ~~أن ms0888 الحبس مقصور على الولد دون ولد الولد حتى يقول: وولد ولدي، وعلى هذا ~~القول تأتي رواية سحنون عن غير ابن القاسم في سماعه من كتاب الحبس، ~~والأجوبة في هذا وإن كثرت وكانت معانيها مختلفة فهي كلها في الإرشاد إلى ~~الطلوب متفقة، لأنها أدلة على صحة قول مالك - رحمه الله - فيما ذهب إليه، ~~والأدلة الصحاح لا تتعارض. # فصل فمن أدخل من شيوخنا المتقدمين ولد البنات في الحبس بهذا اللفظ، أو ~~ولد بنات البنات - إذا كرر اللفظ ثالثة، وعزاه إلى مذهب مالك؛ فقد أخطأ ولم ~~يجر على أصله في حمل الألفاظ على معانيها دون مجرد أسمائها؛ وجهل الرواية ~~عنه # PageV02P432 # في ذلك والله أعلم؛ ويحتمل أن يكون علمها وتأولها على مذهبه بأن حمل قوله ~~لا يدخل في ذلك ولد البنات - على أنه إنما أراد بذلك ولد بنات أبناء المحبس ~~وعلى أصل قوله، ومذهبه في أن ولد البنات ليسوا بولد ولا عقب - يريد في ~~الشرع على ما بيناه، إلا أنه تأويل بعيد، لمخالفته ظاهر قوله ومعناه على ما ~~بيناه؛ ويحتمل أن يكونوا عدلوا عن قوله وخالفوه إلى ما يوجبه القياس عندهم ~~باتباع ظاهر اللفظ - والله أعلم. # فصل في المسألة الثالثة وأما إذا قال حبست على ولدي وأولادهم أو أولادي ~~وأولادهم، فحكى ابن أبي زمنين في مقربه عن مالك أن ولد البنات لا يدخلون في ~~الحبس بهذا اللفظ، ووجه ذلك على ما قدمناه من أن الأولاد في عرف كلام الناس ~~لا يقع إلا على الذكران دون الإناث، فرجع ضمير الجمع من قوله وأولادهم ~~عليهم خاصة، فلم يكن في ذلك لولد البنات دخول، وأدخل ولد البنات خاصة دون ~~من تحتهم من ولد بنات البنات بهذا اللفظ من الشيوخ، من أدخلهم بقوله حبست ~~على ولدي وولد ولدي إلا أن يزيد درجة فيقول: وأولاد أولادي، فيدخلون في ~~الدرجة الثانية؛ وكذلك كلما زاد درجة يدخلون إلى حيث انتهى المحبس بقوله ~~وبإدخالهم بهذا اللفظ، قضى القاضي محمد بن السليم بفتوى أكثر أهل زمانه، ~~ودخولهم به أبين من دخولهم باللفظ الأول ms0889 لأن اللفظ الأول - وهو قوله ولدي ~~وولد ولدي يتخصص في ولد الذكور من ولده دون إناثهم بوجهين: # أحدهما: عرف الشرع. # والثاني: عرف كلام الناس؛ والتخصيص بعرف الشرع لا اختلاف فيه، واللفظ ~~الثاني - وهو قوله أولاد أولادي وأولادهم، لا يتخصص إلا بعرف كلام الناس ~~خاصة، وهو معنى رواية أصبغ في كتاب الوصايا من العتبية فيمن أوصى لولد # PageV02P433 # عبد الله أن الوصية تكون لذكور ولده دون إناثهم، والتخصيص بعرف كلام ~~الناس أصل مختلف فيه من قول مالك وغيره، فيتخرج دخول ولد البنات في الحبس ~~بهذا اللفظ على قول مالك الذي لا يرى التخصيص به؛ وأما قول الشيوخ إنه إن ~~كرر اللفظ فقال: وأولاد أولاد أولادي أن ولد بنات بنات المحبس يدخلون في ~~الحبس، وكذلك إن زاد درجة يدخلون إلى حيث انتهى من الدرجات؛ فلا يتخرج على ~~مذهب مالك بحال، وإنما يأتي ذلك على اتباع ظاهر اللفظ في اللغة دون الاتباع ~~بشيء من المعاني. ### || فصل في المسألة الرابعة # وأما إذا قال حبست على أولادي ذكورهم وإناثهم - ~~ولم يسمهم بأسمائهم، ثم قال وعلى أعقابهم، فالظاهر من مذهب مالك - رحمه ~~الله - أن أولاد البنات يدخلون في ذلك كما لو سمي؛ بخلاف إذا قال أولادي ~~ولم يقل ذكرانهم وإناثهم للعلة التي قدمناها من أن لفظ الأولاد لا يوقعه ~~الناس إلا على الذكران دون الإناث؛ وقد وقع في كتاب محمد بن المواز مسألة ~~استدل بها بعض الناس على أن ولد البنات لا يدخلون في الحبس على مذهب مالك. ~~وإن قال: حبست على أولادي ذكرانهم وإناثهم وعلى أعقابهم وهي قوله فيمن حبس ~~على ولده الذكر والأنثى، وقال: فمن مات منهم فولده بمنزلته؛ قال مالك: لا ~~أرى لولد البنات شيئا وهو استدلال ضعيف؛ ووجه هذا القول إن سلمنا استدلال ~~قائله على ضعفه: أن يحمل قوله وأعقابهم على أنه إنما أراد به أن يبين أنه ~~لم يرد أن يخصص بحبسه بنيه الذكران والإناث - دنية دون من تحتهم من بني ~~البنين، لإدخال من لم يتناوله لفظ الولد الذكران والإناث؛ وإذا لم ms0890 يسلم ~~الاستدلال، فالفرق بين المسألتين أن تحمل هذه المسألة على ظاهرها، ويحمل ~~قوله في مسألة كتاب ابن المواز: ومن مات منهم فولده بمنزلته على البيان ~~والتفسير لمن تناوله اللفظ الأول وبالله تعالى التوفيق. # PageV02P434 ### || فصل في المسألة الخامسة # وأما إذا قال حبست على أولادي - ويسميهم بأسمائهم ~~- ذكورهم وإناثهم، ثم يقول: وعلى أولادهم؛ فإن ولد البنات يدخلون في ذلك ~~على مذهب مالك وجميع أصحابه المتقدمين والمتأخرين: ابن أبي زمنين، وأبي عمر ~~الإشبيلي، ومن تلاهم من شيوخنا الذين أدركناهم؛ إلا ما روي في ذلك عن ابن ~~زرب وهو خطأ صراح لا وجه له، فلا يعد خلافا؛ لأنه لم يقله برأيه، وإنما ~~بناه بالقياس الفاسد على ما ذهب إليه من تقليد غيره، وذلك أنه كان يفتي بما ~~عليه الجماعة من دخول ولد البنات إلى أن نزلت، فقال رأيت لموسى بن طارق ~~قاضي زبيد - أنه سأل مالكا عمن حبس على ولده وولد ولده، فقال ولد البنات في ~~هذه المسألة ليسوا بعقب؛ فقال له موسى هل تعلم في ذلك اختلافا بين فقهاء ~~المدينة؛ فقال: لا أعلم في ذلك اختلافا بينهم، فرجع عن مذهبه وأشهد على ~~رجوعه؛ فكان من قوله في الذي يقول داري حبس على ولدي فلان وفلان وفلان، ~~وفلانة، وعلى أعقابهم وأعقاب أعقابهم؛ أنه ليس لولد فلانة شيء كقول الرجل ~~على أولادي وأعقابهم - وفيهم أنثى، قال وكذلك إذا قال حبس على ولدي فلان ~~وفلان وفلانة، وعلى أعقابهم؛ لاحتمال رجوع ضمير الجمع إلى الاثنين، ليس ~~يرجع إلى الذكر خاصة ولا يدخل في ذلك ولد البنات إلا بحق لا شك فيه، وذلك ~~تحكم لا دليل عليه؛ والذي ذهبت إليه الجماعة من أن الضمير عائد على جميعهم ~~الذكران والإناث هو الصواب الذي لا يصح القول بخلافه، لأن الظاهر من لفظ ~~المحبس رجوع الضمير على جميع المذكورين، فلا # PageV02P435 # يخصص الإناث من ذلك ويخرجن من الحبس - والمحبس قد أدخلهن فيه بما ظهر من ~~لفظه إلا بدليل يدل على ذلك؛ ورجوع ابن زرب على القول بهذا إلى ما حكيت عنه ~~من ms0891 أجل الرواية التي حكاها غلط بين، لأن الرواية إنما هي فيمن حبس على ولده ~~وولد ولده - وهي مسألة أخرى غير المسألة التي رجع عن جوابه فيها لأن ~~الرواية وجهها ما بيناه من أجل الناس يعتقدون أن الولد لا يقع إلا على ~~الذكران دون الإناث بل لا يعرف أن اللفظ يتناول الذكران والإناث إلا الخاص ~~من العلماء، ولا يمكن أن يقال إن أحدا من الناس يجهل أن لفظ ضمير الجمع ~~يرجع إلى جميع المذكورين، بل يعتقد كثير من الناس أنه لا يصح أن يرجع إلى ~~بعضهم، وقد ذهب إليه كثير من العلماء فقالوا في عموم آي القرآن المخصصة ~~بغيرها - إنها منسوخة بها، ولم يقولوا إنها مبينة لها؛ ومعنى آخر وهو أنه ~~يحتمل أن يكون رأي مالك أن لفظ ولد الولد بإطلاقه لا يقع من ولده إلا على ~~من يرجع نسبه إليه منهم، لأنهم المختصون به، ومن لا يرجع نسبه منهم إليه ~~فليس بمختص به وإنما يختص بمن يرجع نسبه إليه، ولا يمكن أن يقول أحد أن لفظ ~~ضمير الجمع - بإطلاقه راجع إلى بعض المذكورين، وإنما يرد إلى بعضهم إذا قام ~~الدليل على أنه لا يجوز رده إلى جميعهم، مثل قول الله عز وجل: {يا معشر ~~الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي} [الأنعام: 130] ، لأنا ~~علمنا أن مراده بقوله رسل منكم الإنس دون الجن، إذ لم يبعث - تعالى - من ~~الجن رسولا وهذا بين. # فصل ولو كرر التعقيب، لدخل ولد البنات إلى الدرجة التي انتهى إليها ~~المحبس على ما ذهب إليه الشيوخ، خلاف مذهب مالك - رحمه الله - على ما ~~ذكرناه. # PageV02P436 # فصل وحكم هذه المسائل الخمس في لفظ العقب على ما ذكرناه في لفظ الولد ~~سواء، إذ لا فرق عند أحد من العلماء بين لفظ العقب والولد في المعنى، وإنما ~~اختلف الشيوخ في الذرية والنسل: فقيل إنهما بمنزلة الولد والعقب لا يدخل ~~ولد البنات فيهما على مذهب مالك، وقيل إنهم يدخلون فيهما؛ وفرق ابن العطار ~~- رحمه الله - بين الذرية والنسل: فقال إن ms0892 النسل بمنزلة الولد والعقب لا ~~يدخل فيه ولد البنات - إلا أن يقول المحبس نسلي ونسل نسلي على ما ذهب إليه ~~في لفظ التعقيب؛ وقد بينا أن ذلك لا يصح على مذهب مالك، وأن الذرية يدخل ~~فيها ولد البنات؛ واحتج لذلك بقول الله عز وجل - وقوله الحق: {ومن ذريته ~~داود وسليمان} [الأنعام: 84]- إلى قوله تعالى: وعيسى، فجعله من ذرية ~~إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - وهو من أولاد البنات، إذ لا أب له، وهو ~~احتجاج صحيح في أن ولد بنت الرجل من ذريته، وكذلك يقول أيضا إنه من نسله، ~~وأنه من عقبه، كما أنه من ولده؛ خلاف ما ذهب إليه ابن العطار في ذلك، وقد ~~بينا وجه إخراج مالك - رحمه الله - ولد البنات من الحبس المعقب مع كونهم من ~~الأبناء والأعقاب، ومن أهل العلم من ذهب إلى أن ولد بنت الرجل ليس من ~~ذريته، وضعف الاحتجاج بهذه الآية على أن ولد الابنة من الذرية - بأن قال إن ~~عيسى - صلى الله عليه وسلم - لما لم يكن له أب، قامت له الأم مقام الأب ~~والأم، فكان من ذرية جده للأم إبراهيم - صلى الله عليه وسلم -؛ بخلاف غيره ~~ممن له أب وهذا غير صحيح، لأن عيسى - صلى الله عليه وسلم - إذا كان من ذرية ~~جده للأم من جهة أمه خاصة إذ لم يكن له أب، فغيره من الناس هو من ذرية جده ~~للأم من جهة أمه، ومن ذرية أبيه وجده لأبيه من جهة أبيه؛ إذ له أب، لأن كون ~~عيسى - عليه السلام - مخلوقا في بطن أمه من غير مباشرة ذكر، لا يزيدها مزية ~~في الاختصاص به على من خلق الله ولدها في بطنها بمباشرة ذكر - على ما أجرى ~~به العادة، ولا ينتفي أن يكون من ذرية جده لأم من جهة حمل أمه إياه ووضعه ~~بكونه من ذرية أبيه وجده لأبيه إذا كان له أب. # PageV02P437 # فصل وأما لفظ البنين في قوله: حبست على بني أو على بني وبني بني، أو على ~~بني وبنيهم؛ فالحكم في ذلك ms0893 كالحكم في لفظ الولد والعقب على القول بأن لفظ ~~جمع المذكر يدخل فيه المؤنث، وعلى القول بأنهن لا يدخلن فيه ينفرد الذكران ~~من بنيه وبني بنيه بالحبس دون الإناث. وأما إذا قال حبست على بني ذكورهم ~~وإناثهم - سماهم أو لم يسمهم، وعلى أعقابهم؛ فالحكم في ذلك على ما ذكرته في ~~الولد والعقب، وبالله التوفيق. # فصل وأما الصدقة فلا تخلو أيضا من ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يتصدق بداره أو عقاره على معينين. # والثاني: أن يتصدق بها على مجهولين غير معينين ولا محصورين. # والثالث: أن يتصدق بها على محصورين غير معينين. # فأما الوجه الأول وهو أن يتصدق بذلك على معينين مثل أن يقول هذه الدار ~~صدقة على فلان، فهذا لا اختلاف فيه أنها لفلان ملكا يبيعها ويهبها وتورث ~~عنه. # وأما الوجه الثاني وهو أن يتصدق على غير معينين ولا محصورين مثل أن يقول ~~هذه الدار صدقة على المساكين أو في السبيل أو على بني زهرة أو على بني ~~تميم، فإنها تباع ويتصدق بها على المساكين على قدر الاجتهاد، إلا أن يقول - ~~صدقة على المساكين يسكنونها أو يستغلونها، فتكون حبسا على المساكين للسكنى ~~والاستغلال، ولا تباع. # PageV02P438 # وأما الوجه الثالث وهو أن يتصدق بذلك على غير المعينين إلا أنهم محصورون، ~~مثل أن يقول داري صدقة على فلان وعقبه، واختلف هل ترجع بعد انقراض العقب ~~بمرجع الأحباس على أقرب الناس بالمحبس، أو تكون لآخر العقب ملكا مطلقا على ~~قولين: روى أشهب عن مالك أنها تكون لآخر العقب ملكا مطلقا، وحكى ابن عبدوس ~~أنها ترجع بمرجع الأحباس - وهو قول مالك وبعض رجاله في المدونة، وقد قيل في ~~المسألة قول ثالث إن ذلك إعمار وترجع بعد انقراض العقب إلى المتصدق ملكا؛ ~~وأما إن جمع الأمرين فقال: حبسا صدقة، فلا اختلاف أنها تكون صدقة محرمة، ~~ولا ترجع لآخر العقب ملكا مطلقا، وقد أخبرتك باختلاف قول مالك إذا جمع ~~اللفظين جميعا في معنيين، وبالله التوفيق. # PageV02P439 ### | كتاب الهبات # ] [ ### || فصل في تقسيم الهبات # فصل في تقسيم الهبات روي عن علي بن ms0894 أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال: ~~المواهب ثلاثة؛ موهبة يراد بها وجه الله. # وموهبة يراد بها وجوه الناس. # وموهبة يراد بها الثواب؛ فموهبة الثواب يرجع فيها صاحبها إذا لم يثب ~~منها. # فصل وهذا كما قال - رضي الله عنه - أن للواهب بهبته ما نوى بها وقصد ~~فيها، وأنه لا يخلو في هبته من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يريد بها وجه الله ~~ويبتغي عليها الثواب منه. # والثاني: أن يريد بها وجوه الناس رياء ليحمدوه عليها، ويثنوا عليه من ~~أجلها. # والثالث: أن يريد بها الثواب من الموهوب له، قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى؛ فمن كانت هجرته إلى ~~الله # PageV02P441 # ورسوله» - الحديث. فأما إذا أراد بهبته وجه الله وابتغى عليها الثواب من ~~عنده، فله ذلك عند الله بفضله ورحمته؛ قال الله عز وجل: {وما آتيتم من زكاة ~~تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون} [الروم: 39] ، وقال: {إن تقرضوا الله ~~قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم} [التغابن: 17] ، وقال: ~~{من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم} [الحديد: 11] ، ~~وقال: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة} [البقرة: ~~245] ، ويروى أن هذه الآية نزلت في أبي الدحداح تصدق بحديقة له فأعطاه الله ~~في الجنة ألفي ألف حديقة. وأما من أراد بهبته وجوه الناس رياء ليحمدوه ~~عليها ويثنوا عليه من أجلها، فلا منفعة له في هبته: لا ثواب في الدنيا ولا ~~أجر في الأخرى؛ قال الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم ~~بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر ~~فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما ~~كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين} [البقرة: 264] . وأما من أراد بهبته ~~الثواب من الموهوب له فله ما أراد من هبته، وله أن يرجع فيها ما لم يثب ~~منها بقيمتها على مذهب ابن القاسم، أو ما لم يرض منها بأزيد ms0895 من قيمتها - ~~على ظاهر قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -؛ ومن وهب هبة يرى أنه أراد ~~بها الثواب، فهو على هبته يرجع فيها ما لم يرض منها؛ وهو قول مطرف في ~~الواضحة أن الهبة ما كانت قائمة العين وإن زادت أو نقصت فللواهب الرجوع ~~فيها وإن أثابه الموهوب له فيها أكثر من قيمتها. # PageV02P442 # فصل وأصل جواز الهبة للثواب قول الله عز وجل: {وما آتيتم من ربا ليربو في ~~أموال الناس فلا يربو عند الله} [الروم: 39] ، ويقرأ: (وما أوتيتم من ربا ~~ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله) . والقراءتان متقاربتان في ~~المعنى، وهو أن يعطي الرجل الرجل الشيء ليعطيه أكثر منه، فلما أخبر الله عز ~~وجل أن من أعطى عطية يبتغي بها النماء والزيادة - في ماله من مال المعطى، ~~أن ذلك لا يربو عنده ولا يزكو لربه، دل ذلك على أنه ليس له بعطية إلا ما ~~قصد بها من الزيادة في ماله والثواب من المعطى لا من الله عز وجل، وأن ذلك ~~جائز فليس لمن أعطى عطاء للثواب في عطيته أجر، ولا عليه فيها وزر؛ لأنها ~~بيع من البيوع، فهي من قبيل الجائز المباح، لا من قبيل المندوب إليه ~~والمرغوب فيه. # فصل وهذا مما أباحه الله تبارك وتعالى لعباده المؤمنين، وحرمه على نبيه ~~سيد المرسلين - إكراما له، وتنزيها وترفيعا به وتنويها، فقال تعالى: {ولا ~~تمنن تستكثر} [المدثر: 6] ، أي لا تعط لتعطى أكثر منه، لأن ذلك تعريض ~~بالمسألة والمسألة مكروهة مذمومة، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره، خير له من أن يأتي ~~رجلا أعطاه الله من فضله فيسأله أعطاه أو منعه» ، وقال - صلى الله عليه ~~وسلم -: «المسائل كدوح يكدح بها الرجل وجهه، فمن شاء أبقى على وجهه، ومن ~~شاء ترك، إلا أن يسأل ذا سلطان في أمر لا يجد # PageV02P443 # منه بدا» ، وقال: «ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس ~~في وجهه مزعة لحم» ، ولأن الزائد أيضا ms0896 على قيمة هبته من ناحية الصدقة التي ~~لا تحل له. وقد قيل في معنى قوله عز وجل: {ولا تمنن تستكثر} [المدثر: 6] ، ~~أن معنى ذلك: ولا تمنن بعطيتك وعملك ولا تستكثره، هذا قول الحسن فعلى هذا ~~يكون الخطاب للنبي - عليه السلام -. والمراد به أمته؛ وقال مجاهد بل معناه ~~لا تضعف عن الخير أن تستكثر منه، فوجه معنى لا تمنن: أي لا تضعف، من قول ~~العرب حبل منين - إذا كان ضعيفا. وقال زيد: إن لا تمنن بالنبوة والقرآن على ~~الناس تأخذ عليه منهم أجرا وعرضا من الدنيا، وما قدمناه أكثر وأولى. # فصل والهبة للثواب لا تخلو من ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يهب على ثواب يرجوه ولا يسميه ولا يشترطه. # والثاني: أن يهب على ثواب يشترطه ولا يسميه. # والثالث: أن يهب على ثواب يسميه ولا يشترطه. # فأما الوجه الأول - وهو أن يهب على ثواب يرجوه ولا يسميه ولا يشترطه - ~~فهو على مذهب ابن القاسم كنكاح التفويض يكون الموهوب له مخيرا ما كانت ~~الهبة قائمة لم تفت بين أن يثيبه ما يكون فيه وفاء بقيمة الهبة، أو يردها ~~عليه؛ ولا تجب عليه القيمة إلا بالفوت؛ وعلى قول مطرف وروايته عن مالك ~~وظاهر قول عمر بن الخطاب: لا يلزم الواهب الرضى بقيمة الهبة إلا بعد فواتها ~~بذهاب عينها، كقول ابن الماجشون في الذي يتزوج المرأة - على حكمها - أنه لا ~~يلزمها الرضى بصداق المثل إلا بعد الدخول، خلاف مذهب ابن القاسم وابن عبد ~~الحكم وأصبغ في قولهم إنه يلزمها الرضى بصداق المثل إذا فرضه لها كالتفويض ~~سواء. # PageV02P444 # فصل وقد اختلف في الفوت الذي يلزم به الموهوب له القيمة على أربعة أقوال: # أحدها: أن القبض فوت يوجب القيمة على الموهوب له وهو قول مالك في رواية ~~ابن الماجشون عنه أن القبض فوت يوجب القيمة فيها وليس له أن يردها إلا عن ~~تراض منهما جميعا. # والثاني: قول ابن القاسم في كتاب ابن المواز أن حوالة الأسواق فوت. ~~والثالث: أنه لا يكون فيها فوت إلا بالزيادة أو النقصان وهو ms0897 قول ابن القاسم ~~في المدونة وإحدى روايتي عيسى عنه في العتبية. # والرابع: أنه لا يكون فيها فوت، إلا بالنقصان، وأما الزيادة فليست بفوت ~~وهو قول ابن القاسم في إحدى روايتي عيسى عنه في العتبية. # فصل واختلف أيضا فيما يلزم الواهب به أخذ القيمة من الموهوب له إذا بذلها ~~ولا يكون له أن يسترد هبته إذا لم يرض منها على أربعة أقوال: # أحدها: أن الهبة توجب على الواهب قبض القيمة فيها من الموهوب له إذا ~~بذلها له وإن لم يقبض الهبة، وهذا على قياس القول بأن الواهب يلزمه دفع ~~الهبة ولا يكون من حقه أن يمسكها حتى يقبض الثواب فيها، خلاف ما في ~~المدونة: أن من حقه أن يمسك هبته حتى يقبض الثواب. # والثاني: أنه القبض وهو المشهور من قول ابن القاسم وروايته عن مالك في ~~المدونة وغيرها. # والثالث: أنه التغير بزيادة أو نقصان. وهو قوله في كتاب الشفعة من ~~المدونة. # PageV02P445 # والرابع: أنه فوات العين جملة بموت أو استهلاك أو تفويت بعتق أو غيره! ~~وأما إن تلف بعضها أو جلها فله أن يأخذ الباقي منها إلا أن يرضى من هبته. ~~ولا اختلاف إذا تلفت عينها عند الموهوب له أو أفاتها باستهلاك أو عتق - أن ~~القيمة لازمة له: قيل يوم الهبة، وقيل يوم القبض. # فصل واختلف هل يلزم الواهب للثواب دفع الهبة قبل أن يقبض الثواب أم لا ~~يلزمه أن يسلمها حتى يقبض ثوابه على قولين: # أحدهما: أن ذلك كالبيع وللواهب أن يمسك هبته حتى يقبض ثوابه - وهو نص ما ~~في كتاب الهبة من المدونة. # والثاني: أن ذلك ليس له، لأنه مكارمة مخالفة للبيع في ذلك. # فصل فإذا قلنا إن الواهب يلزمه تسليم الهبة قبل أن يقبض الثواب فضمانها ~~بعقد الهبة من الموهوب له على كل حال ولا يدخل فيها من الاختلاف ما يدخل في ~~المحبوسة بالثمن وتلزمه القيمة إن فاتت يوم الهبة لا يوم القبض باتفاق؛ ~~وأما إذا قلنا إنه لا يلزمه تسليم الهبة، وأن له أن يمسكها بالثواب؛ ~~فالاختلاف في ms0898 مصيبتها ممن تكون قبل القبض. كالاختلاف في المحبوسة بالثمن؛ ~~فقيل إنها من البائع على كل حال وأن عليه فيها حق توفية. وقيل إن ضمانها من ~~المشتري إن عرف هلاكها بالبينة، وإن لم يعرف ذلك وادعاه البائع لم يصدق في ~~ذلك كالرهن - وهو مذهب ابن القاسم، وقيل إن ضمانها على كل حال من المشتري ~~بالعقد؛ وإن لم يعرف هلاكها فالبائع مصدق في دعواه إياه - وهو أحد قولي ~~مالك في كتاب العيوب # PageV02P446 # من المدونة؛ وعلى هذا يأتي غير قول ابن القاسم في كتاب الرواحل والدواب ~~في دعوى البائع هلاك ما اشترط الانتفاع به في البيع - إنه مصدق وقد تأول ~~فيه غير هذا التأويل أن البائع إنما صدق في دعواه التلف على مذهب من يرى أن ~~المستثنى ليس بمبقى على ملك البائع، وأنه بمنزلة المشترى؛ فكأنهما انفصلا ~~وبان المشتري بالسلعة ثم اكتراها منه البائع بعد ذلك، فوجب أن يصدق في ~~دعواه تلف ما اكتراه، وليس هذا بصحيح؛ لأنهما لو كانا قد انفصلا لجاز أن ~~يشترط منفعة شهر وأكثر، وهو لم يجز ذلك إلا فيما قل كاليوم واليومين. # فصل ويختلف أيضا على هذا المعنى متى تكون القيمة فيها إذا فاتت فقيل يوم ~~الهبة وهو قول مالك في سماع ابن القاسم من كتاب الصدقات والهبات، وقول ابن ~~القاسم في سماع عيسى وأصبغ من الكتاب المذكور، ومثله في آثار كتاب الحبس من ~~المدونة؛ وقيل يوم القبض وهو قول مالك في موطئه، ومثله في كتاب الشفعة من ~~المدونة؛ والاختلاف في هذا جار على اختلافهم؛ في الضمان، وقد تقدم ذكر ذلك، ~~واختار محمد بن المواز أن تكون القيمة يوم القبض، إلا أنه اعتل في ذلك بعلة ~~غير صحيحة على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك فقال: إنه بالخيار في ردها ~~قبل أن يقبضها، لأنه بالخيار أيضا على مذهب ابن القاسم في ردها بعد قبضها، ~~ما لم تفت فيلزم على تعليله أن تكون القيمة عليه فيها يوم الفوت، وهذا ما ~~لم يقولوه ولا يوجد لهم، ولو قيل، لكان له ms0899 وجه، وهو القياس على الذي يشتري ~~السلعة على أنه فيها بالخيار، وإنما يستقيم قول ابن المواز على قياس رواية ~~ابن الماجشون عن مالك في أن القيمة تلزم الموهوب له بقبض # PageV02P447 # الهبة، ويلزم الواهب أخذها، ولا ترجع إلى الواهب إلا برضاهما جميعا، ووجه ~~هذه الرواية أن الواهب لما دفع الهبة وقد كان من حقه ألا يدفعها حتى يثاب ~~منها؛ فقد رضي بأخذ القيمة فيها؛ وأن الموهوب لما قبضها وقد كان له، ألا ~~يقبل ولا يقبض فقد رضي بدفع القيمة فيها؛ ولو قيل إن الموهوب له تلزمه ~~القيمة بالقبول، لكان قولا له وجه، وهو القياس على البيع؛ لأن الهبة على ~~الثواب بيع من البيوع؛ والصحيح على مذهب ابن القاسم ما روي عن عيسى، وأصبغ ~~- أن القيمة تكون عليه يوم الهبة؛ لأن مذهبه أن السلعة المبيعة تدخل بالعقد ~~في ضمان المشتري، وتكون مصيبتها منه إذا عرف هلاكها بالبينة. # فصل وللموهوب له أن يثيب على الهبة للثواب بما شاء من العروض ما لم تكن ~~من العروض التي لا يتعاطاها الناس فيما بينهم في الثواب، كالحطب والتبن، ~~وما أشبه ذلك؛ وسواء على مذهب ابن القاسم كان ذلك قبل الفوات أو بعده - إذ ~~لم يفرق بين ذلك في المدونة، ولو كان ذلك عنده يفترق لبينه - والله أعلم، ~~وقال سحنون: له أن يثيبه بما شاء من العروض - إذا كان فيه وفاء بالقيمة؛ ~~وقال أشهب: ليس له أن يعطي في الثواب إلا الدنانير والدراهم، إلا أن ~~يتراضيا على غير ذلك؛ فإن تراضيا عليه، فينبغي ألا يجوز على مذهبه إلا بعد ~~معرفتهما بالقيمة. # فصل فإن تمت الهبة فأراد الموهوب له ردها وأبى الواهب، جرى ذلك على ~~اختلاف قول ابن القاسم في النماء: هل هو فوت أم لا؟ فلا يجب ذلك له على ~~القول الذي يرى النماء فيه فوتا وإن كان مذهبه أن له أن يثيب العروض بعد ~~الفوات، فالفرق بين السؤالين أن الواهب إنما دفع ليعطي غيره متى رضي به أو ~~فات لا ليعطى هو، ويجب ذلك له على ms0900 القول الذي لا يرى النماء فوتا، وهو قول ~~أشهب وإحدى روايتي عيسى عن ابن القاسم. # PageV02P448 # فصل وقد اختلف قول محمد بن المواز في أخذها بعد الفوت هل يحتاج إلى معرفة ~~القيمة في ذلك أم لا، والصواب ألا بد من معرفة القيمة في أخذها بعد الفوت ~~على مذهب ابن القاسم، إذ ليس له أن يردها بعينها على مذهبه إلا بتراضيهما ~~على ذلك؛ وأما في أخذ غيرها بعد الفوت، فلا يحتاج فيه إلى معرفة القيمة - ~~إذا قلنا إن له أن يثيب العروض بعد الفوات على ما تأولناه على مذهبه، وإن ~~قلنا إنه ليس له أن يثيب العروض بعد الفوات، إلا بتراضيهما على ذلك، فلا بد ~~من معرفة القيمة، فهذا الذي ينبغي أن يقال في المسألة، ولا معنى لاختلاف ~~قول محمد بن المواز في إيجاب معرفة القيمة في ردها بعينها بعد الفوات والله ~~أعلم، وهذا إذا صدق الموهوب له الواهب في أنه أراد بهبته الثواب، وأما إن ~~أكذبه في ذلك فلا يخلو الأمر من ثلاثة أحوال: # أحدها: أن يرى أنه إنما أراد بهبته الثواب. # والثاني: أن يرى أنه لم يرد بها الثواب. # والثالث: ألا يتبين مراده بها أن كانت للثواب أو لغير الثواب. # فأما إن رأى في أنه أراد بها الثوب، فحكمها حكم الهبة للثواب، وقد تقدم ~~الكلام عليه. # وأما إن رأى أنه لم يرد بها الثواب، فلا ثواب له فيها. # وأما إن لم يتبين مراده بها، فالقول قوله أنه أراد بها الثواب قيل بيمين، ~~وقيل بغير يمين - على ما سنبينه - إن شاء الله. # PageV02P449 # فصل ومما يتبين به مراده من ذلك مما لا يتبين يحتاج إلى بيان وتقسيم، ~~وتفصيل وذلك أن الهبة لا تخلو من أربعة أوجه: # أحدها: أن يقصد بها وجه الله تعالى. # والثاني: أن يقصد بها وجوه الناس. # والثالث: أن يقصد بها وجه الموهوب له. # والرابع: أن يريد بها وجه الله ووجه الموهوب له. # فأما إذا قصد بهبته وجه الله تعالى وعلم ذلك بإقراره على نفسمه، أو تبين ~~ذلك من قصده، ms0901 مثل أن يهب الغني للفقير، أو يهب لصلة رحم محتاجة، وما أشبه ~~ذلك؛ فحكمها حكم الصدقة لا ثواب فيها ولا اعتصار ولا رجوع؛ وكذلك إذا قصد ~~بهبته وجوه الناس إلا أنه لا أجر له في هبته، لقول النبي - عليه السلام -: ~~«إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ~~ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله» . الحديث. وأما إذا أراد بهبته وجه الله ~~تعالى ووجه الموهوب له. وذلك مثل أن يهب هبة على غير وجه صدقة ولا صلة رحم، ~~فيقول فيها لله أو لوجه الله، فلا ثواب له فيها ولا اعتصار إلا أن يشترط ~~ذلك؛ وقيل إن له الاعتصار دون شرط إذا كانت الهبة لمن يصح منه الاعتصار. # وأما إذا قصد بها وجه الموهوب له - وذلك مثل أن يهب هبة مرسلة على غير ~~وجه صدقة ولا صلة رحم، فإنها تنقسم على خمسة أقسام: # أحدها: أن يريد بها وجه الموهوب له لمحبته إياه ومودته له. # والثاني: أن يريد بها وجهه ليستجر مودته ومحبته. # والثالث: أن يريد بها وجهه ليتأكد ما بينهما من المودة والمحبة. # PageV02P450 # والرابع: أن يريد بها التودد والمكافأة. # والخامس: أن لا يتبين أن كان قصد بها مجرد التودد إلى الموهوب له دون ~~المكافآت أو قصد بها الوجهين جميعا. # فأما إذا أراد بهبته وجه الموهوب له لمحبته إياه ومودته له وعلم ذلك ~~بإقراره به على نفسه، أو تبين ذلك من قصده - مثل أن يهب الوالد لولده، أو ~~يهب الرجل الهبة للعالم، أو للرجل الصالح، وما أشبه ذلك مما يعلم بالعرف ~~الجاري أنه إنما وهبه لمحبته فيه، أو لمكانه من العلم والخير والصلاح، أو ~~أراد بها وجه الموهوب له ليستجر بذلك مودته ومحبته وعلم ذلك بإقراره به على ~~نفسه أو تبين ذلك من قصده مثل أن يقدم الرجل من سفره فيهدي له جاره الشيء ~~يتحفه به مثل الفاكهة وما أشبه ذلك، أو يقدم الرجل من سفره فيهدي لجيرانه ~~وإخوانه مما جلبه من تحف البلاد التي قدم منها، وما أشبه ms0902 ذلك مما يعلم ~~بالعرف الجاري فيه أن أحدا لا يريد بذلك ثوابا، وإنما يفعله للتودد والتحبب ~~- كالسلطان يهب لبعض رعيته؛ فهذان الوجهان لا ثواب فيهما إلا أن يشترط ~~الثواب، فإن لم يشترطه وادعى أنه أراده لم يصدق، وإن ادعى أنه اشترطه على ~~الموهوب له، كان له أن يحلفه، فإن نكل عن اليمين حلف هو واستحق العوض. # فصل وأما إذا أراد بهبته وجه الموهوب له ليتأكد ما بينهما من المودة ~~والمحبة وأقر بذلك على نفسه أيضا أو علم ذلك من قصده مثل أن يهب أحد ~~الزوجين # PageV02P451 # لصاحبه، أو الولد لوالده، فيعلم بالعرف الجاري أن القصد بذلك تأكيد ~~التودد لما بينهما مما يقتضي حاجتهما إلى التودد، فهذا الوجه اختلف فيه إن ~~ادعى الواهب أنه أراد بذلك الثواب والمكافأة على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه لا يصدق إلا أن يظهر من صورة الحال ما يدل على صدقه، وهذا نص ~~قوله في المدونة. # والثاني: أنه لا يصدق ولا يكون له الثواب إلا أن يشترطه وهو ظاهر قول ~~ربيعة في المدونة، وقول مالك الذي يتلوه لقول سحنون، وقال مالك والليث ~~مثله. # والثالث: أنه يصدق وإن لم يظهر ما يدل على صدقه وهذا القول حكاه عبد ~~الوهاب في المعونة. # فصل فإذا صدق في هذا الوجه على مذهب من يصدقه فيه، فإنما يصدق باليمين، ~~فإن نكل عن اليمين، لم يكن له ثواب ولم يحلف الموهوب له؛ ولو ادعى أنه ~~اشترط الثواب على هذا القول - ونكل عن اليمين، لرجعت اليمين على الموهوب له ~~فإن حلف بريء وإن نكل لزمه الثواب وأما على القول الذي لا يصدق فيه ولا ~~يكون له الثواب إلا أن يشترطه، فإن ادعى الشرط ولم تكن له بينة، حلف ~~الموهوب له وسقط عنه الثواب؛ فإن نكل حلف الواهب واستحق الثواب؛ وأما على ~~القول الذي لا يصدق فيه ولا يكون له الثواب إلا أن يظهر من صورة الحال ما ~~يدل على صدقه، فيتخرج إيجاب اليمين عليه إن ظهر من صورة الحال ما يدل على ~~صدقه على قولين. ms0903 # فصل وأما القسم الرابع وهو أن يريد بهبته التودد والمكافأة - ويظهر ذلك ~~من قصده # PageV02P452 # وفعله، مثل أن يهب الفقير للغني هبة مبتدأة على غير سبب، فيدل ذلك من ~~فعله على أنه أراد به الثواب من عنده، فهذا له الثواب إن ادعاه دون يمين. # فصل وأما القسم الخامس - وهو الأبين إن كان أراد بهبته مجرد التودد دون ~~المكافأة، أو قصد الوجهين جميعا، وذلك مثل هبة النظراء والأكفاء من أهل ~~الوفر والغناء - بعضهم لبعض - كانوا أجنبيين أو أقرباء، فهذا الوجه قال فيه ~~في المدونة: إن القول قول الواهب - ولم يبين إن كان بيمين أو بغير يمين، ~~واختلف الشيوخ في تأويل ذلك، فمنهم من قال معناه بيمين، ومنهم من قال بغير ~~يمين، والذي أقول به إن ذلك ينقسم على ثلاثة أقسام: # أحدها: أن يقول أردت ذلك ولم أشترطه. # والثاني: أن يقول اشترطت ذلك على الموهوب له فيقول الموهوب له لم تشترط ~~علي شيئا. # والثالث: أن يقول الواهب اشترطت عليك الثواب ويقول الموهوب له بل بينت ~~وذكرت أنه لا ثواب لك علي. # فأما إذا قال أردت ذلك، ولم أشترطه فيجري ذلك على الاختلاف في يمين ~~التهمة: هل تتعلق دون تحقيق الدعوى أم لا. # وأما إذا قال: اشترطت ذلك على الموهوب له، وقال الموهوب له لم تشترط علي ~~شيئا فلا يلزمه اليمين على القول الذي يوجب عليه اليمين في التهمة إلا بعد ~~أن يحلف الموهوب له أنه ما اشترط عليه الثواب، فإن نكل عن اليمين لم يلزم ~~الواهب يمين، وكان له الثواب دون أن يحلف، وأما على القول الذي لا يوجب ~~عليه يمينا في التهمة، فلا يحلف بوجه. # وأما إن قال: اشترطت عليك الثواب، وقال الموهوب له بل بينت ألا ثواب # PageV02P453 # لك علي فيها فالقول قول الواهب مع يمينه أنه اشترط عليه الثواب، فإن نكل ~~كان القول قول الموهوب له أنه بين له أن لا ثواب عليه، فإن نكل عن اليمين ~~كان للواهب الثواب دون يمين - على حكم المدعي، والمدعى عليه، وبالله ~~التوفيق لا شريك ms0904 له. # فصل وأما الوجه الثاني من تقاسيم الهبة للثواب وهو أن يشترط الثواب ولا ~~يسميه، فقيل إنه كالهبة التي يرى أنه أراد بها الثواب، وقيل إن ذلك غرر لا ~~يجوز لأنه قد باع منه السلعة بقيمتها - قاله ابن الماجشون، والأول قول أصبغ ~~- وهو مذهب ابن القاسم. # وأما الوجه الثالث - وهو أن يشترط الثواب ويسميه، فهو بيع من البيوع يحله ~~ما يحل البيوع ويحرمه ما يحرم البيوع، وبالله تعالى التوفيق. # PageV02P454 ### | كتاب الوديعة # الوديعة أمانة، والمودع مؤتمن؛ والأمانة أمانتان: أمانة بين العبد ~~وخالقه، وأمانة بين المخلوقين. # فأما الأمانة التي بين العبد وخالقه، فهي الأمانة في الدين عرضها الله ~~على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان ~~- أي آدم - صلى الله عليه وسلم -، فحملها ولده بعده - وهي الفرائض التي ~~افترضها الله على عباده، عرضها - تعالى - على السماوات والأرض والجبال على ~~أنها إن أحسنت أثيبت، وإن ضيعت عوقبت؛ فأبت حملها شفقا منها وخوفا ألا تقوم ~~بالواجب لله فيها، وحملها آدم إنه كان ظلوما لنفسه، جهولا بالذي فيه الحظ ~~له، وجهولا بأمر ربه؛ وذلك أنه لما قبلها بما فيها، ما كان إلا ما بين صلاة ~~العصر - إلى الليل من ذلك اليوم حتى أصاب الخطيئة؛ وهي السرائر التي قال ~~الله تعالى فيها: {يوم تبلى السرائر} [الطارق: 9] {فما له من قوة ولا ناصر} ~~[الطارق: 10] # وسئل مالك - رحمه الله - فقيل له: أبلغك أن الوضوء من السرائر؟ فقال: ~~نعم، الوضوء من السرائر؛ وقد بلغني ذلك فيما يقول الناس، فأما حديث أحدثه # PageV02P455 # فلا، والصلاة من السرائر - إن شاء قال: صليت ولم يصل؛ ومن السرائر ما في ~~القلوب يجزي الله بها العباد؛ ومن ذلك قول الله عز وجل: {وإن تبدوا ما في ~~أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] . # فصل وأما الأمانة التي بين المخلوقين، فهي الودائع وما أشبهها من ~~الأمانات التي يأتمن الناس بعضهم بعضا فيها؛ قال الله عز وجل: {يا أيها ~~الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون} ~~[الأنفال: 27] . وقال: {إن الله يأمركم ms0905 أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} ~~[النساء: 58] . وقال: {فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق ~~الله ربه} [البقرة: 283] وقال: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده ~~إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما} [آل ~~عمران: 75] . وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أد الأمانة إلى من ~~ائتمنك ولا تخن من خانك» ، وأداء الأمانات من علامات الإيمان وعمل ~~المؤمنين. والخيانة من علامة النفاق وعمل الفساق؛ وقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «ثلاث من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة ~~منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، # PageV02P456 # وإذا خاصم فجر، وإذا أؤتمن خان» . وقال - صلى الله عليه وسلم -: «اكفلوا ~~لي ست خصال أكفل لكم الجنة: إذا حدث أحدكم فلا يكذب، وإذا وعد فلا يخلف، ~~وإذا أؤتمن فلا يخن، غضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم، واحفظوا فروجكم» . # فصل # ولا تحل خيانة من خان، وقد اختلف فيمن استودع رجلا وديعة تجحده إياها ثم ~~إنه استودعه وديعة أو ائتمنه على شيء هل يحل له أن فجحده فيها ويقتطعها ~~لنفسه فيما جحده من وديعته: فقال مالك في رواية ابن القاسم عنه في المدونة ~~لا يجحده، قال ابن القاسم حسبت أنه قاله للحديث الذي جاء: «أد الأمانة إلى ~~من ائتمنك ولا تخن من خانك» . وروى أشهب عنه أنه قال: لا آمره بذلك، ولا ~~آمره إلا بطاعة الله؛ وإن أردت أن تفعله، فأنت أعلم. وروى ابن وهب عن مالك ~~أنه يأخذ إن لم يكن عليه دين، وإن كان عليه دين أخذ قدر ما يجب له في ~~المحاصة؛ وزاد ابن نافع عنه إن أمن أن يحلف كاذبا. - يريد إن قبل منه أن ~~يحلف ماله عندي حق - على ما في سماع أصبغ من كتاب النذور. وقال ابن شعبان ~~تقبل منه يمينه أنه ماله عندي وديعة ولا غيرها بخلاف الحقوق الثابتة في ~~الذمة من المبايعة والقرض، لأن الوديعة لا تلزم ذمته إلا بالتفريط، فما كان ~~لا ms0906 يلزم ذمته، فإنما يحلف على أقل ما يبرئه من فروعه؛ وذكر عن إياس بن ~~معاوية أنه استحلف جاحد الوديعة ماله عندي وديعة ولا غيرها، قال ابن شعبان: ~~وينبغي أن يزيد في يمين المستودع - مع هذا الذي حكم به إياس بن معاوية: ~~ماله عندي وديعة، ولا وجب له في ذمته حق - بسبب الوديعة التي يذكرها - ~~مخافة أن يكون فرط فيها فوجبت في ذمته، فإن حلف ماله عندي وديعة، حلف على ~~صدق؛ لأنها # PageV02P457 # قد ذهبت بتفريط أو بغير تفريط، فما هي عنده، وقال ابن عبد الحكم له أن ~~يأخذ - وإن كان عليه دين، وهو قول الشافعي، وهذا الاختلاف جار على اختلاف ~~قول مالك في المدونة في إجازة رهن المديان وقضائه بعض غرمائه، وقال ابن ~~الماجشون أرى له استعمال الحيلة بكل ما يقدر عليه حتى يأخذ حقه؛ ففي ~~المسألة أربعة أقوال: # أحدها: المنع من الأخذ. # والثاني: الكراهية لذلك. # والثالث: الإباحة له. # والرابع: استحباب الأخذ - وهو قول ابن الماجشون كان عليه دين أو لم يكن؛ ~~وقيل إنما هذا إذا لم يكن عليه دين، فإن كان عليه دين لم يكن له أن يأخذ ~~إلا قدر ما يجب له في المحاصة، وهو قول خامس في المسألة؛ وأظهر الأقاويل ~~إباحة الأخذ، «لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أباح ذلك لهند بنت ~~عتبة بن ربيعة بن عبد شمس لما شكت إليه أن زوجها أبا سفيان بن حرب لا ~~يعطيها من الطعام ما يكفيها وولدها، فقال لها خذي ما يكفيك وولدك ~~بالمعروف؛» فقوله - صلى الله عليه وسلم - بالمعروف معناه: أن تأخذ مقدار ما ~~يجب لها ولا تتعدى فتأخذ أكثر مما يجب لها؛ وكذلك يتأول قوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «ولا تخن من خانك» . أي لا تتعدى فتأخذ أكثر من الواجب لك ~~فتكون قد خنته - أخرى، كما خانك هو أولا؛ لأن من أخذ حقه الواجب له، فليس ~~بخائن بل فعل المعروف الذي أباحه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهند ~~بنت عتبة، فعلى هذا يخرج الحديثان جميعا ولا يحملان ms0907 على التعارض، وقد كان ~~الفقيه ابن رزق شيخنا - رضي الله عنه - يحدثنا أن هذا الحديث خرج على سؤال ~~سئل النبي - عليه السلام - عن وطء امرأة ائتمنه عليها رجل قد كان هو ائتمن ~~ذلك الرجل على امرأته فخانه فيها ووطئها، وكان يضعف الاحتجاج لقول مالك في ~~هذه المسألة بعموم هذا الحديث، لهذا المعنى الذي كان يذكره؛ وهذا الحديث ~~وإن كان واردا على سبب على ما كان يذكر - رحمه الله - فإنه عام مستقل ~~بنفسه، وقد اختلف قول مالك # PageV02P458 # - رحمه الله - في اللفظ العام الوارد على سبب: هل يقصر على سببه، أو يحمل ~~على عمومه على قولين، الأصح منهما عند أكثر أصحابه العراقيين كإسماعيل ~~القاضي، والقاضي أبي بكر وغيرهما أنه يحمل على عمومه، ولا يقصر على سببه - ~~لأدلة كثيرة ليس هذا موضع ذكرها؛ فالاحتجاج لقول مالك في هذه المسألة بعموم ~~هذا الحديث - وإن كان واردا على السبب المذكور - صحيح على الأصح من قولي ~~مالك - والله أعلم. قال ابن شعبان: ومن أصحابنا من يقول إن المستودع إذا ~~جحد ما كان بيده وهو من غير الذهب فوجد له المجحود ما بقي به من الدراهم أو ~~العروض؛ لم يكن له أخذه ولا بيعه بمثل ما كان له، لأنه لم يوكل في ذلك وبه ~~أقول. # فصل فالأمانة التي تكون بين المخلوقين أمرهم الله فيها بالتقوى والأداء، ~~ولم يأمرهم بالإشهاد كما فعل في ولي اليتيم، فدل ذلك على أنهم مؤتمنون في ~~الرد إلى من ائتمنهم دون إشهاد، فوجب أن يصدق المستودع في دعواه رد الوديعة ~~مع يمينه - إن أكذبه المودع، كما تصدق المرأة فيما ائتمنها الله عليه مما ~~خلق في رحمهما من الحيض والحمل، لقوله تعالى: {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق ~~الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر} [البقرة: 228] . إلا أن ~~يكون دفعها إليه بإشهاد فيتبين أنه إنما ائتمنه على حفظها ولم يأتمنه على ~~ردها، فيصدق في الضياع الذي ائتمنه عليه، ولا يصدق في الرد الذي استوثق منه ~~فيه ولم يأتمنه عليه، هذا قول ms0908 مالك - رحمه الله - وجميع أصحابه: ابن القاسم ~~وغيره، حاشا رواية أصبغ عن ابن القاسم في دعوى المستأجر رد ما استأجره من ~~العروض، أنه يصدق - قبض ذلك منه، ببينة أو بغير بينة، ولا فرق في هذا بين ~~ما استؤجر أو استودع، وقد تأول # PageV02P459 # عليه أصبغ، أنه فرق بين القراض والوديعة، وبين ما استأجر من العروض في ~~دعوى الرد إذا قبض ذلك ببينة؛ ووقع في النوادر لابن القاسم ما ظاهره مثل ما ~~تأول عليه أصبغ، والصحيح ألا فرق بين ذلك، لأنه إذا صدق في رد ما استأجر ~~وإن قبضه ببينة، فهو أحرى أن يصدق في الوديعة، لأنه قبضها لمنفعة صاحبها ~~خالصا، والشيء المستأجر قبضه لمنفعتهما جميعا؛ وكذلك القراض قبضه لمنفعتهما ~~جميعا، فلا فرق بينه وبين العرض المستأجر، بل هو أحرى ألا يصدق؛ لأن من أهل ~~العلم من يراه ضامنا له إذا ادعى تلفه إلا أن يقيم البينة على التلف - ~~كالرهن والعارية، وإلى هذا ذهب الشافعي أن المودع مصدق في رد الوديعة دفعت ~~إليه ببينة أو بغير بينة، وقد كان يشبه أن يفرق بين الوديعة والشيء ~~المستأجر، فإن الشيء المستأجر إذا شهد على دفعه إليه احتمل أن يكون القصد ~~بالإشهاد التوثق من الإجارة لا التوثق من عين الشيء المستأجر لولا أن هذا ~~ينكسر علينا بالقراض، إذ لا فرق في دعوى الرد بين القراض والشيء المستأجر ~~فيتحصل على هذا في المسألة أربعة أقوال: # أحدها: وهو المشهور أنه لا يصدق في دعوى الرد إذا دفع إليه ببينة لا في ~~الوديعة ولا في القراض ولا في الشيء المستأجر. # والثاني: أنه يصدق في جميع ذلك وإن دفع إليه ببينة وهو الذي يأتي على ~~رواية أصبغ في دعوى رد الشيء المستأجر، لأنه إذا صدق على الرد مع البينة ~~على الدفع في الشيء المستأجر الذي قبضه لمنفعتهما جميعا. فأحرى أن يصدق في ~~الوديعة التي قبضها لمنفعة صاحبها - خاصة، وهو مثل القراض الذي قبضه ~~لمنفعتهما جميعا. # والثالث: تفرقة أصبغ بين الشيء المستأجر وبين القراض والوديعة فيصدق # PageV02P460 # في الشيء المستأجر ولا ms0909 يصدق في الوديعة، ولا في القراض على ما تؤول على ~~ابن القاسم. # والرابع: الفرق بين الوديعة وبين القراض والشيء المستأجر فلا يصدق في ~~الوديعة إذا دفعت إليه ببينة ويصدق في رد الشيء المستأجر والقراض وإن دفع ~~إليه ببينة؛ لاحتمال أن يكون القصد بالإشهاد إلى التوثق من الإجارة ومن ~~الجزء في القراض، لا إلى التوثق من عين الشيء المستأجر ولا من مال القراض، ~~وبالله التوفيق. # فصل وهذا فيمن دفع الأمانة إلى اليد التي دفعتها إليه، وأما من دفعها إلى ~~غير اليد التي دفعت إليه، فعليه ما على ولي اليتيم من الإشهاد، قال الله عز ~~وجل: {فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم} [النساء: 6] ، فإن لم يشهد، ~~فلا يصدق في الدفع - إذا أنكر القابض، لا أحفظ في هذا الوجه نص خلاف، إلا ~~على قول ابن الماجشون فيمن بعث ببضاعة مع رجل إلى رجل أنه لا يلزمه الإشهاد ~~في دفعها إليه، وهو مصدق - وإن أنكر القابض كانت دينا أو صلة؛ ويمكن أن ~~يقول ابن القاسم مثله بالمعنى في مسألة اللؤلؤة الواقعة في كتاب الوكالات، ~~- لأنها تقتضي تعمير الذمة، أعني ذمة الآمر بقول المأمور: قد فعلت ما ~~أمرتني به من الدفع وإذا وجب أن يعمرها بقوله قد فعلت ما أمرتني به من ~~الشراء، وجب # PageV02P461 # أن يخلي ذمة نفسه بقوله قد فعلت ما أمرتني به من الدفع؛ وإذا وجب أن يخلي ~~ذمته بقوله، فإخلاء أمانته بقوله أوجب؛ ومن رواية عيسى عنه في كتاب الخيار ~~في الذي يشتري الثوب من الثوبين على أن أحدهما قد وجب عليه بخياره، فيضيع ~~أحدهما فيدعي أنه قد كان اختار هذا الباقي ورضيه، أنه يصدق في ذلك. # فصل فإن أقر بالقبض وادعى التلف، فلا يخلو من أن يكون قبض إلى ذمة أو إلى ~~أمانة، فإن كان قبض إلى أمانة، فاختلف في ذلك قول ابن القاسم. قال مرة يبرأ ~~الدافع بتصديق القابض - وتكون المصيبة من الآمر، وهو قوله في الكتاب؛ وقال ~~مرة لا يبرأ الدافع إلا بإقامة البينة على الدفع، أو يأتي القابض ms0910 بالمال، ~~وهو قوله في كتاب ابن المواز؛ وفي مختصر الأسدية لأبي زيد القولان جميعا؛ ~~وأما إن كان قبض إلى ذمة مثل أن يقول: ادفع الوديعة التي لي عندك إلى فلان ~~سلفا أو تسليفا في سلعة، أو إلى صانع يعمل بها عملا، أو ما أشبه ذلك، فلا ~~يخلو من وجهين: # أحدهما: أن تكون الذمة قائمة. # والثاني: أن تكون خربة. # فأما إن كانت الذمة قائمة، فإن الدافع يبرأ بتصديق القابض بلا خلاف؛ وأما ~~إن كانت الذمة خربة، فاختلف في ذلك: قيل إن الدافع يبرأ بتصديق القابض، وهي ~~رواية عيسى عن ابن القاسم في كتاب البضائع والوكالات في مسألة الصناع، وقيل ~~إنه لا يبرأ بتصديقه إياه لخراب ذمته، والقولان مكشوفان في اختصار الأسدية ~~لأبي زيد بن أبي الغمر؛ فقيل إن هذين القولين في هذا الوجه جاريان على ~~الاختلاف المتقدم إذا دفع إلى أمانة، لاستواء الأمانة والذمة الخربة في كون # PageV02P462 # المصيبة من الآمر، وقد فرق بعض المتأولين - أراه الفضل بن سلمة - بين ~~المسألتين، فعلى ما ذهب إليه يأتي في حملة المسألة ثلاثة أقوال. # أحدها: أن الدافع يبرأ بتصديق القابض - قبض إلى أمانة أو إلى ذمة. # والثاني: أنه لا يبرأ بتصديق القابض - قبض إلى أمانة أو إلى ذمة إذا كانت ~~خربة. # والثالث: أنه يبرأ بتصديق القابض إذا قبض إلى ذمة وإن كانت خربة ولا يبرأ ~~بتصديقه إذا قبض إلى أمانة. # فصل وهذا التقسيم كله في دفع الأمانة، وأما دفع ما ثبت في الذمة فلا يخلو ~~من أن يدفع ذلك إلى ذمة أو إلى أمانة. # فأما إن دفع ذلك إلى أمانة، فإنه لا يبرأ بتصديق القابض إذا ادعى التلف ~~ولا يبرأ إلا بإقامة البينة على معاينة الدفع، أو يأتي قابض المال بالمال، ~~هذا نص ما في المدونة، ولا أعرف في هذا الوجه خلافا؛ إلا أن يدخل فيه ~~الخلاف بالقياس على الأمانة، وكذلك لا يصدق إذ أنكر، وقد يدخل فيه الاختلاف ~~بالمعنى من مسألة اللؤلؤة المذكورة وإنما اختلف إذا غرم الدافع المال: هل ~~له أن يرجع به ms0911 على القابض الذي قبضه منه وادعى تلفه: فقال مطرف يرجع به، ~~لأنه فرط في دفع ذلك إلى الذي وكله حتى ضاع ذلك عنده، وقال ابن الماجشون لا ~~يرجع عليه بشيء حتى يتبين منه تفريط وتعريض لتلف ما قبض، وهذا إذا علمت ~~الوكالة ببينة قامت عليها، أو بإقرار الموكل بها؛ وأما إن كان ادعى القابض ~~الوكالة وأنكرها الموكل، فقيل القول قول الموكل ويحلف ما وكله على شيء ~~ويضمن؛ وقيل القول قول # PageV02P463 # الوكيل، لأن الدافع قد صدقه فيما ادعى من الوكالة، فإذا قلت إن القول قول ~~الموكل، يضمن الوكيل؛ وهو الذي يأتي على ما في كتاب الوديعة من المدونة، ~~وعلى قول أشهب وابن القاسم في سماع سحنون من كتاب العارية، فإن رجع الموكل ~~عليه لم يكن له رجوع على أحد وبريء الغريم، فإن رجع على الغريم كان للغريم ~~الرجوع عليه؛ وإذا قلت إن القول قول الوكيل لأن الغريم قد صدقه إذا دفع ~~إليه وهو قول ابن القاسم في سماع عيسى عنه من كتاب العارية، ففي رجوع ~~الغريم عليه إذا غرم من الاختلاف ما قد ذكرته عن مطرف، وابن الماجشون. # فصل وأما إن دفع إلى ذمة، فلا يخلو أن تكون الذمة قائمة أو خربة، فإن ~~كانت قائمة، فإنه يبرأ بتصديق القابض إياه باتفاق، وإن كانت خربة، فإنه لا ~~يبرأ بتصديق القابض إذا ادعى التلف إلا أن يقيم بينة على الدفع، هذا الذي ~~يصح - عندي على مذاهبهم، ولا أعرف فيها نص خلاف، إلا أن يدخل فيها الخلاف ~~بالقياس على الأمانة، فهي أربعة وجوه: دافع من ذمة إلى ذمة، ومن أمانة إلى ~~أمانة، ومن أمانة إلى ذمة، ومن ذمة إلى أمانة؛ وقد تقدم الكلام على جميع ~~ذلك فصلا، فصلا، ووجها، وجها. # فصل واختلف إن ادعى الوكيل المفوض إليه أو غير المفوض إليه، أنه دفع إلى ~~موكله ما قبض له من غرمائه فأنكره، فروى ابن القاسم عن مالك في كتاب ~~البضائع والوكالات: أنه يصدق مع يمينه جملة من غير تفصيل، ومثله في ~~الوكالات من المدونة، وروى ms0912 مطرف عن مالك أنه إن كان الأمر بحضرة قبض المال ~~أو # PageV02P464 # بقرب ذلك بالأيام اليسيرة، فالقول قول الموكل أنه ما قبض منه شيئا مع ~~يمينه؛ وعلى الوكيل إقامة البينة وإن تباعد الأمر مثل الشهر ونحوه، فالقول ~~قول الوكيل مع يمينه يحلف ويبرأ، وإن طال الأمر جدا، لم يكن على الوكيل ولا ~~على الزوج يمين - وكان برئا. وقال ابن الماجشون وابن عبد الحكم: إن كان ~~بحضرة ذلك وقربه بالأيام اليسيرة صدق الوكيل مع يمينه - وإن طال الأمر جدا، ~~صدق دون يمين، وقال أصبغ مثله في الوكيل المفوض إليه؛ وأما الوكيل على ~~الشيء بعينه، فهو غارم حتى يقيم البينة على الدفع؛ قال مطرف وابن الماجشون ~~فإن مات الوكيل، والزوج بحدثان ما جرى على أيديهما ذلك، كان ذلك في ~~أموالهما - إذا عرف القبض وجهل الدفع؛ وإن كان موتهما بعد حدثانه وما يكون ~~في مثله المخرج والقضاء والدفع، فلا شيء في أموالهما وإن لم يعرف الدفع ولم ~~يذكر. # فصل ولا يلزم من استودع قبض الوديعة وجد المودع من يودعه أو لم يجد قال ~~ذلك ابن شعبان؛ فأما إذا وجد من يودع غيره، فبين أنه لا يلزمه قبولها، لأن ~~الله تعالى إنما أمره بالأداء، ولم يأمره بالقبول؛ وأما إذا لم يجد من ~~يستودع سواه، فينبغي أن يلزمه القبول قياسا على من دعي إلى أن يشهد على ~~شهادة، أنه يلزمه ذلك إن لم يكن في البلد من يشهد غيره؛ ومن أهل العلم من ~~يرى أن ذلك لازم له - وجد في البلد من يشهد أو لم يوجد؛ لقول الله تعالى: ~~{ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: 282] ، وهذا عند مالك إذا دعي ~~لأداء الشهادة؛ وأما إذا دعي ليستحفظه إياها ويشهد عليها فلا؛ وقوله في ذلك ~~بين، لأن الله تعالى يقول: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: 282] ~~ولا يسمى الرجل شاهدا حتى يكون عالما بالشهادة، فيجب عليه أداؤها. # PageV02P465 # فصل فإذا قبلها، وجب عليه حفظها وصيانتها؛ فإن ضيعها أو تعدى أمر صاحبها ~~فيها، فهو ضامن لها وله أن ms0913 يستدفع ما أودع عند عياله الذين يأمنهم على ماله ~~وهو تحت غلقه من زوج أو ولد أو أمة أو والدة ومن أشبههم، ويحتاط فيها مع ~~هذا؛ ولا إشهاد عليه في دفعها إلى أحد من هؤلاء، لأن العادة والعرف ألا ~~يشهد عليهم فيما يستدفعون إياه، والعرف كالشرط فكان ذلك كالذي يؤمر بدفع ~~الوديعة إلى رجل فيشترط أنه يدفعها إليه بلا إشهاد. # فصل وتدفع الوديعة فيما يدفع فيه مثلها وعلى ما جرت به عادة الناس في حرز ~~أموالهم وحياطتها وحفظها، وقد سئل ابن وهب في سماع أصبغ عنه فيمن استودع ~~وديعة في المسجد فجعلها على نعليه فذهبت، فقال: إنه لا ضمان عليه؛ قال ابن ~~الماجشون ومطرف ولو نسيها في الموضع الذي دفعت إليه فيه وقام فتركها لضمن؛ ~~وكذلك لو كانت في داره فأخذها وأدخلها في كمه يظنها دراهمه فسقطت لضمن، ~~لأنها جناية؛ وقال أبو إسحاق التونسي: إن التضمين بالنسيان ينبغي أن يختلف ~~فيه، لأنهم اختلفوا في الرجل يستودع الرجل الوديعة ثم يأتي هو وآخر ~~فيدعيانها جميعا، وينسى هو من دفعها إليه منهما؛ فقيل إنهما يحلفان جميعا ~~ويقتسمانها بينهما - ولا ضمان عليه، وقيل إنه يضمن لكل واحد منهما لنسيانه؛ ~~وفي كتاب ابن شعبان ومن أودع وديعة فجعلها في جيب قميصه فضاعت ضمن، وقيل لا ~~يضمن، والأول أحوط للحديث: فانجابت عن المدينة انجياب الثوب، أي خرجت عن ~~المدينة كما خرج الجيب عن الثوب، وما خرج عن الحرز، فليس بحرز، فأما ~~اختياره فصحيح، لأن الجيب ليس العادة أن تدفع فيه الودائع وجاعلها فيه معرض ~~لتلفها، وأما احتجاجه بالحديث فليس بشيء. # PageV02P466 # فصل ولا أجر للمودع على حفظ الوديعة وإن كانت مما يشغل منزله، فطلب أجر ~~الموضع الذي كانت فيه، فذلك له وإن احتاجت إلى غلق أو قفل فذلك على ربها، ~~وبالله التوفيق. # PageV02P467 ### | كتاب العارية # ] [ ### || ما جاء في العارية # ما جاء في العارية # إعارة المتاع من عمل المعروف وأخلاق المؤمنين، فينبغي للناس أن يتوارثوا ~~ذلك فيما بينهم ويتعاملوا به ولا يشحوا به ويمنعوه، ومن منع ذلك وشح ms0914 به فلا ~~إثم عليه ولا حرج؛ إلا أنه قد رغب عن مكارم الأخلاق ومحمودها، واختار ~~لئيمها ومذمومها، لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يحل مال امرئ ~~مسلم إلا عن طيب نفس منه» ، والماعون الذي توعد الله على منعه في قوله - عز ~~وجل: {فويل للمصلين} [الماعون: 4] {الذين هم عن صلاتهم ساهون} [الماعون: 5] ~~{الذين هم يراءون} [الماعون: 6] {ويمنعون الماعون} [الماعون: 7] ، إنما هو ~~الزكاة المفروضة، هذا الذي ذهب إليه مالك - رحمه الله - وجمهور أهل العلم، ~~وقد روي عن عبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود - أنهما قالا هو عارية ~~متاع البيت الذي يتعاطاه الناس فيما بينهم من الفأس، والدلو، والحبل، ~~والقدر، وأشباه ذلك؛ والويل واد في جهنم من عصارة أهل النار في النار على ~~ما روي؛ فأخبر الله تعالى أنه للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم ~~يراؤون ويمنعون الماعون - وهذه صفة المنافقين، لأنه لا يرائي بأعماله، ~~ويريد بها غير وجه الله إلا منافق، فالآية نزلت في المنافقين والوعيد تعلق ~~بهم على # PageV02P469 # مذهب مالك، ومن رأى الماعون الزكاة على النفاق ومنع الزكاة، ويتعلق في ~~مذهب من جعل الماعون عارية متاع البيت على النفاق ومنع العارية من المسلمين ~~بغضا لهم - وهو الأظهر، لأن المنافقين كفار، في الدرك الأسفل من النار، ومن ~~كان بهذه الصفة، لا تلتمس منه الزكاة، لأن الله إنما جعلها تطهيرا لمن تؤخذ ~~منه بقوله عز وجل: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} [التوبة: 103] ~~، والمنافقون لو أخذت منهم لم تطهرهم ولم تزكهم؛ ثم قال عز وجل: {وصل عليهم ~~إن صلاتك سكن لهم} [التوبة: 103] ، فكان - صلى الله عليه وسلم - إذا جاءه ~~المؤمنون بزكواتهم يصلي عليهم، فقال: «اللهم صل على آل أبي أوفى» - إذ جاء ~~ابنه بصدقة أبيه أبي أوفى، وكان - عليه السلام - لا يصلي على المنافقين - ~~والله أعلم. # فصل «واستعار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند غزوه إلى هوازن بحنين ~~من صفوان بن أمية أداة وسلاحا ذكر له أنها كانت عنده، فأرسل إليه فسأله ~~إياها عارية، فقال ms0915 صفوان: أمن الأمان أتأخذها غصبا؟ فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: إن شئت أن تمسك أداتك فأمسكها، وإن أعرتناها فهي ضامنة ~~علي حتى تؤس إليك. فقال صفوان: ليس بهذا بأس وقد أعرتك - يا محمد، فبعث ~~إليه بمائة درع وأداتها، وكان صفوان كثير السلاح؛ فقال له رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: اكفنا حملها، فحملها له صفوان؛ وروي أنه قال له أعارية ~~مضمونة، أم عارية مؤداة؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: بل عارية ~~مضمونة مؤداة» وفي بعض الآثار أنه قال: «بل عارية مؤداة» ، وروى عنه - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «ليس على المستعير ضمان» . وروى عنه - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «على # PageV02P470 # اليد ما أخذت حتى تؤديه» . فاختلف أهل العلم في ضمان العارية لتعارض ~~ظواهر هذه الآثار، فمنهم من قال: إنه ضامن للعارية قامت البينة على التلف ~~أو لم تقم، كان مما يغاب عليه أو مما لا يغاب عليه - على ظاهر قول رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «بل عارية مضمونة مؤداة» . وهذا قول أشهب ~~وأحد قولي مالك ومذهب الشافعي. ومنهم من قال إنه لا ضمان عليه بحال على ~~ظاهر قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس على المستعير ضمان» ، وهو ~~قول أبي حنيفة. ومنهم من قال لا ضمان عليه إلا أن يشترط عليه الضمان، حكى ~~هذا القول ابن شعبان وعابه؛ ومنهم من قال يضمن فيما يغاب عليه إذا لم يقم ~~على التلف بينة. ولا يضمن فيما لا يغاب عليه ولا فيما قامت البينة على تلفه ~~من غير ضيعة، وهذا هو المشهور من قول مالك وهو مذهب ابن القاسم وأكثر أصحاب ~~مالك، وأصح الأقوال وأولاها بالصواب لاستعمال جميع الآثار وصحته في النظر ~~والاعتبار. # فصل فأما وجه استعمال جميع الآثار، فهو أن يتأول ما روي عنه من وجوب ~~الضمان في العارية فيما يغاب عليه، إذا لم يعلم هلاكه، وما روي عنه من سقوط ~~الضمان فيما لا يغاب عليه وفيما يغاب عليه إذا علم هلاكه، على أن ms0916 قوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «بل عارية مضمونة مؤداة» ، من الألفاظ التي لا تستقل ~~بأنفسها، فلا يصح بها الاحتجاج على وجوب الضمان؛ لأن ما لا يستقل بنفسه، ~~فوجهه أن يقصر على سببه، ولا يحمل على عمومه، لا اختلاف بين أهل العلم ~~بالأصول في ذلك، وإنما اختلفوا في اللفظ العام المستقل بنفسه إذا ورد على ~~سبب، هل يقصر على سببه، أو يحمل على عمومه على قولين، الأصح منهما عند أهل ~~النظر حمله على عمومه؛ # PageV02P471 # فإنما كان يصح الاحتجاج بظاهر هذا الحديث في وجوب الضمان لو قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - مجاوبا لصفوان إذ قال له أعارية مضمونة أو ~~مؤداة -: «العارية مضمونة مؤداة» ، وأيضا فإن في مقابلة هذا الحديث ما روي ~~عنه أنه قال: «بل عارية مؤداة» ، فنفى الضمان وأوجب الأداء؛ إلا أن للقائل ~~أن يقول إن هذه زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة؛ وكذلك قوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» ، إنما تفيد مع بقاء العين، ~~فأما مع تلفها فلا يصح ولا يجوز حمله على القيمة، لأنه لم يجر لها ذكر، ~~ولأنه إنما أوجب أداء ما أخذت اليد - واليد لم تأخذ القيمة. # فصل فأما ما يدل على صحته من جهة النظر والاعتبار، فإن الأسباب التي تقبض ~~بها الأعيان لاستيفاء المنافع على وجهين: # أحدهما: عقد فيه بدل وهو الإجارة. # والآخر عقد لا بدل فيه - وهو العارية. # والإخدام والبدل مؤثر في الضمان، وسبب لتعلق ضمان البدل؛ فإذا كان ~~المقبوض لاستيفاء المنفعة بإذن مالكه ببدل مضمون، وسبب مؤثر في وجوب ~~الضمان، لا يوجب ضمان العين، فما لم يقبض ببدل أولى ألا يكون مضمونا. # فصل ووجه قول من أوجب الضمان وإن قامت البينة على التلف: أن أصله مأخوذ ~~على الضمان، فلا ينتقل على أصله حسما للباب؛ والرواية الأولى أصح على ما ~~قدمناه، لأن قيام البينة ينفي التهمة والتفريط، وذلك معنى يسقط الضمان. # فصل # فإن اشترط المستعير ألا ضمان عليه فيما يغاب عليه فشرطه باطل وعليه # PageV02P472 # الضمان - قاله ابن القاسم في ms0917 بعض روايات المدونة، وهو أيضا في العتبية ~~لأشهب وابن القاسم من رواية أصبغ عنهما في بعض الروايات من كتاب العارية، ~~وعلى ما حكى ابن أبي زيد في المختصر عن أشهب في الصانع يشترط ألا ضمان عليه ~~أن شرطه جائز ولا ضمان عليه، ينفعه الشرط في العارية؛ لأنه إذا ألزم في ~~الصناع فأحرى أن يلزم في المستعير لأن المعير إذا أعاره على ألا ضمان عليه ~~فقد فعل المعروف معه من جهتين، فالأظهر إعمال الشرط وما لإسقاطه وجه، إلا ~~أن يكون ذلك من باب إسقاط حق قبل وجوبه، فلا يلزم على أحد القولين. # فصل وأما إن اشترط المعير على المستعير الضمان فيما لا يغاب عليه، أو مع ~~قيام البينة فيما يغاب عليه، فقول مالك - رحمه الله - وجميع أصحابه أن ~~الشرط باطل جملة من غير تفصيل حاشا مطرف فإنه قال إن كان شرط عليه الضمان ~~لأمر خافه من طريق مخوفة، أو نهر أو لصوص، أو ما أشبه ذلك فالشرط لازم إن ~~عطب في الأمر الذي خافه واشترط الضمان من أجله؛ وقال أصبغ لا شيء عليه في ~~الوجهين مثل قول مالك وأصحابه، وينبغي إن شرط المعير على المستعير الضمان ~~فيما لا يغاب عليه فأبطل الشرط بالحكم عن المستعير - أن يلزم إجارة المثل ~~في استعماله العارية، لأن الشرط يخرج العارية عن حكم العارية وسنتها إلى ~~باب الإجارة الفاسدة، لأن رب الدابة لم يرض أن يعيره إياها إلا بشرط أن ~~يحوزها في ضمانه فهو عوض مجهول يرد إلى المعلوم. # فصل وإذا وجب على المستعير ضمان العارية، فإنما يضمن قيمة الرقبة يوم ~~انقضاء # PageV02P473 # أجل العارية على ما ينقصها الاستعمال المأذون فيه بعد يمينه لقد ضاعت ~~ضياعا لا يقدر على ردها، لأنه يتهم على أخذها بقيمتها بغير رضى صاحبها؛ فإن ~~استعملها في غير ما أذن له فيه، فنقصها الاستعمال الذي استعملها أكثر من ~~الاستعمال الذي أذن له فيه ضمن ما أنقصها الاستعمال بعد القدر الذي نقصها ~~الاستعمال المأذون له فيه، فإن أنهكها ذلك وأعطبها، ضمن قيمتها يوم انقضاء ms0918 ~~أجل العارية - على ما ينقصها الاستعمال الذي أعاره إياها عليه؛ فإن أراد رب ~~العارية أن يأخذ منه قيمة إجارة ما استعملها فيه بعد أن يطرح من ذلك قيمة ~~إجارة ما كان أذن له فيه، لم يكن له في قول - إن كانت أكثر من قيمتها، وفي ~~قول يكون له ذلك، وأما إذا كان ذلك أقل من قيمتها، لم يمنع من ذلك. # فصل وأجرة حمل العارية على المستعير، دليل قول رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لصفوان في السلاح التي أعاره إياها اكفنا حملها. واختلف في أجرة ~~ردها فقيل على المستعير - وهو الأظهر، وقيل على المعير لأن العارية معروف، ~~فلا يكلفه أجرا بعد معروف صنعه - وهو عرضه لحمله حيث أحب، وكذلك المكتري. # فصل ومن حق المستعير أن يشهد على المعير في رد العارية عليه وإن كان ~~دفعها إليه بلا إشهاد، بخلاف الوديعة؛ لأن العارية تضمن والوديعة لا تضمن. # فصل والعارية تكون في الدور والأرضين والحيوان وجميع ما يعرف بعينه - وإن ~~غيب عليه، إلا في الفروج خاصة؛ وأما ما لا يعرف بعينه إذا غيب عليه من ~~المكيل والموزون كله فعاريته قرض على حكم القرض، وبالله التوفيق. # PageV02P474 ### | كتاب اللقطة # ] [ ### || فصل في بيان معنى اللقطة # فصل في بيان معنى اللقطة لقط الشيء: أخذ واجده له، قال الله عز وجل: ~~{وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا غلام وأسروه بضاعة ~~والله عليم بما يعملون} [يوسف: 19] {وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا ~~فيه من الزاهدين} [يوسف: 20] فمعنى شروه باعوه، وذلك أن إخوته كانوا يرعون ~~على مقربة من الجب، فلما أخرجته السيارة جاءوا فقالوا عبد لنا آبق، وقالوا ~~ليوسف بالعبرانية إن لم تقر لنا بالعبودية أخذناك منهم فقتلناك، فأقر لهم ~~بالعبودية فباعوه منهم بثمن بخس. أي ظلم، لأنهم علموا أن بيعه لا يحل لهم ~~وكانوا فيه من الزاهدين، لأنهم أحبوا بعده على أبيه، وقيل إن الضمير راجع ~~على الثمن، وأنهم زهدوا في الثمن. ولكن باعوه لمن يمضي به إلى مصر؛ وقيل إن ~~معنى شروه أي ms0919 اشتراه التجار بثمن بخس أي محطوط، وكانوا فيه من الزاهدين إذ ~~لم يعلموا منزلته عند الله عز وجل. # فصل وقد اختلف في اللقيط: فقيل إنه عبد لمن التقطه، وقيل إنه حر وولاؤه # PageV02P475 # للمسلمين، وقيل ولاؤه لمن التقطه؛ ولا وجه لقول من قال إنه مملوك لمن ~~التقطه، لأنه لا يخلو من أن يكون ابن أمة، فهو لسيدها لا ينتقل ملكه عنه ~~إلا بما تنتقل به الأملاك؛ أو يكون ابن حرة، فهو حرة والصواب الذي عليه أهل ~~العلم: أنه حر، لأن الناس كلهم من آدم وحواء - عليهم أفضل السلام؛ فالأصل ~~الحرية؛ وذلك مروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: المنبوذ حر. وقال علي بن أبي ~~طالب: " اللقيط حر ". وتلا قول الله تعالى: {وشروه بثمن بخس دراهم معدودة} ~~[يوسف: 20] . وموضع الحجة من الآية أن اللقيط لو كان مملوكا لمن التقطه، ~~لما احتاجوا إلى شرائه - وهذا بين. # فصل فإذا لم ينتقل اللقيط عن أصله بالالتقاط ولا صار مملوكا لمن التقطه؛ ~~فكذلك اللقطة لا ينتقل ملك صاحبها عنها ولا يحل لملتقطها أكلها بعد التعريف ~~إلا على وجه السلف لا على وجه الملك في قول بعض أهل العلم، وهو مذهب ~~الشافعي أن له أن يستنفق اللقطة بعد التعريف - وإن كان غنيا عنها؛ وحجته ما ~~روي «عن علي بن أبي طالب أنه وجد دينارا فجاء به إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، فقال يا رسول الله وجدت هذا، فقال عرفه، فذهب ما شاء الله ثم قال ~~قد عرفته فلم أجد أحدا يعرفه؛ قال: " فشأنك به ". فذهب فرهنه في ثلاثة ~~دراهم وطعام وودك، فبينما هو كذلك؛ إذ جاء صاحبه ينشده فجاء علي إلى النبي ~~- عليه السلام - فقال هذا صاحب الدينار، فقال: " أده إليه "، فأداه علي ~~إليه بعدما أكلوا منه» # PageV02P476 # فقال فهذا الحديث يدل على أن اللقطة حلال للملتقط بعد الحول - وإن كان ~~غنيا عنها؛ لأنها لو كانت ترجع إلى الصدقة، لما حلت لعلي - رضي الله عنه -؛ ~~لأنه من صليبة بني هاشم، ولأن الصدقة عليه حرام؛ وأما مالك فلا ms0920 يجيز له ~~أكلها. ومعنى قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنده. «فشأنك بها» - ~~أنه مخير بين أن يمسكها لصاحبها ويزيد في تعريفها، وبين أن يتصدق بها ~~ويضمنها لصاحبها - إن جاء، إلا إن شاء أن يجيز الصدقة ويكون له الأجرة، ~~وقيل إنه ليس له أن يستنفقها إلا أن يكون محتاجا إليها، وهو قول أبي حنيفة ~~وسائر أصحابه؛ وقيل إن ذلك لا يجوز له إلا أن يكون له وفاء بها - وهو ~~الصحيح؛ قال الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29] . وقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه» فيتحصل ~~في هذا أربعة أقوال: # أحدها: أن استنفاقها لا يجوز له بحال. # والثاني: أن استنفاقها جائز له بكل حال. # والثالث: أن استنفاقها لا يجوز له إلا أن يكون محتاجا إليها. # والرابع: أن استنفاقها لا يجوز له، إلا أن يكون له بها وفاء - والله ~~أعلم. # فصل وهذا الاختلاف إنما هو فيما عدا لقطة مكة، فأما مكة فقد ورد النص ~~فيها أنه لا تحل لقطتها إلا لمنشد، فلا يحل له استنفاقها بإجماع، وعليه أن ~~يعرفها أبدا وإن طال زمانها. ويروى لا يرفع لقطتها إلا منشد، ولا ترفع ~~لقطتها إلا لمنشد؛ فقيل: # PageV02P477 # إن معنى الأول أن سبيل من رأى لقطتها أن يرفعها بيده فيقول لمن هذه منكم ~~أيها الناس. # ومعنى الثاني أنه لا يأخذها إلا أن يسمع من ينشدها فيرفعها بيده فيقول ~~أهي هذه؟ فيرجع تأويل الحديثين إلى اجتناب أخذها كلقطة الحاج - والله أعلم. # فصل ويلزم أن يؤخذ اللقيط ولا يترك، لأنه إن ترك ضاع وهلك؛ وإنما قال عمر ~~بن الخطاب - رضي الله عنه - لسنين أبي جميلة ما حملك على أخذ هذه النسمة؟ ~~لأنه اتهمه أن يكون غير منبوذ، وأنه إنما أخذه لأمر، فلما قال له عريفه إنه ~~رجل صالح أمره بما يصنع في أمره، فقال له اذهب فهو حر ولك ولاؤه وعلينا ~~نفقته؛ ms0921 ولا اختلاف بين أهل العلم في هذا، وإنما اختلفوا في لقطة المال على ~~ثلاثة أقوال: فقيل إن الأفضل تركها من غير تفصيل، وروي ذلك عن عبد الله بن ~~عمر أنه كان يمر باللقطة فلا يأخذها. وقيل إن الأفضل أخذها وتعريفها، لأنها ~~مال يجمع على ربه ويمسك عليه، وهو أحد قولي مالك - رحمه الله -، وممن ذهب ~~إلى هذا سعيد بن المسيب، وخالفه فيه أهل المدينة وأهل مكة، وأحسبه قال: إن ~~حرمة المال كحرمة النفس. وتقلد قوله - الحسن بن صالح بن حي. والقول الثالث: ~~أنه إن كان الشيء الذي له بال، فأخذه أفضل، وإن كان الشيء اليسير فتركه ~~أولى وأحسن، وهذا القول أحد روايتي ابن القاسم عن مالك، وهذا الاختلاف إنما ~~هو إذا كانت اللقطة بين قوم مأمونين - والإمام عادل لا يخشى أن يأخذها إذا ~~علم بها بتعريفه إياها؛ وأما إن كانت اللقطة بين قوم غير مأمونين والإمام ~~عدل فأخذها عليه واجب قولا واحدا والله أعلم؛ ولو كانت اللقطة بين قوم ~~مأمونين والإمام غير عادل، لكان الاختيار ألا يأخذها قولا واحد - والله ~~أعلم؛ ولو كانت بين # PageV02P478 # قوم غير مأمونين والإمام غير عادل لكان مخيرا بين أخذها وتركها، وذلك ~~بحسبما يغلب على ظنه من أكثر الخوفين، وهو أيضا - أعني هذا الاختلاف فيما ~~عدا لقطة الحاج، لنهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنها ومعنى نهيه ~~عنها مخافة ألا يجدر بها بتفرق الحاج إلى بلدانهم المختلفة، فتبقى في ~~ضمانه؛ فلا ينبغي لأحد أن يلتقط لقطة الحاج للنهي الوارد في ذلك عن النبي - ~~عليه السلام -، فإن التقطها وجب عليه من تعريفها ما يجب في سواها. # فصل قال ابن عبدوس: وما وجد على المنبوذ من ثياب أو وجد عليه من فراش، أو ~~دابة أو ثياب، أو مال قد قوم عليه أو شد معه فهو كله له؛ وأما ما وجد قريبا ~~منه، فهو لقطة لا شيء له فيه؛ والحكم في اللقطة على ما وردت به السنة عن ~~النبي - عليه السلام -: ذكر مالك في موطئه عن ربيعة بن ms0922 أبي عبد الرحمن عن ~~يزيد مولى المنبعث عن زيد بن خالد الجهني، أنه قال: «جاء رجل إلى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فسأله عن اللقطة فقال: اعرف عفاصها ووكاءها ثم ~~عرفها سنة، فإن جاء صاحبها، وإلا فشأنك بها. قال فضالة الغنم يا رسول الله؛ ~~قال: هي لك أو لأخيك أو للذئب. قال: فضالة الإبل؟ قال مالك: ولها؛ معها ~~حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها» # فصل في أقسام اللقطة # فصل # فاللقطة تنقسم على ثلاثة أقسام: # قسم يبقى في يد ملتقطه ويخشى عليه التلف إن ترك كالدنانير والدراهم ~~والعروض. # PageV02P479 # وقسم لا يبقى في يد ملتقطه ويخشى عليه التلف إن ترك كالشاة في الفيفاء ~~والطعام الذي يسرع إليه الفساد. # وقسم يبقى في يد ملتقطه ولا يخشى عليه الضياع والتلف إن ترك كالإبل. # فصل فأما القسم الأول - وهو ما يخشى عليه التلف إن ترك - ويبقى في يد ~~ملتقطه إن التقطه - فإنه ينقسم أيضا إلى ثلاثة أقسام: # أحدها: أن يكون يسيرا جدا لا بال له ولا قدر لقيمته، ويعلم أن صاحبه لا ~~يطلبه لتفاهته، فإن هذا لا يعرف وهو لمن وجده - إن شاء أكله وإن شاء تصدق ~~به؛ والأصل في ذلك ما روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر بتمرة ~~في الطريق فقال: لولا أن تكون من الصدقة، لأكلتها» - ولم يذكر فيها تعريفا، ~~وقد قال أشهب في الذي يجد العصا والسوط أنه يعرفه، فإن لم يفعل، فأرجو أن ~~يكون خفيفا. # والثاني: أن يكون يسيرا إلا أن له قدرا ومنفعة وقد يشح به صاحبه ويطلبه، ~~فإن هذا لا اختلاف في وجوب تعريفه؛ إلا أنه يختلف في حده: فقيل سنة كالذي ~~له بال - وهو ظاهر ما حكى ابن القاسم عن مالك في المدونة، وروى عيسى عن ابن ~~وهب في العتبية أنه يعرفه إياها - وهو قول ابن القاسم من رأيه في المدونة. # والثالث: أن يكون كثيرا له بال، فإن هذا لا اختلاف في وجوب تعريفه حولا ~~كاملا. # فصل وأما القسم الثاني - وهو ms0923 ما لا يبقى بيد ملتقطه ويخشى عليه التلف إن ~~تركه - كالشاة في الفيفاء، والطعام الذي لا يبقى؛ فإن هذا يأكله غنيا كان ~~أو فقيرا - لقول # PageV02P480 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، في الشاة هي لك أو لأخيك أو للذئب. ~~فأوجبها له ملكا، واختلف إن وجد هذا الطعام الذي يسرع إليه الفساد ولا يبقى ~~في الحاضرة وحيث الناس: فقال ابن حبيب في الواضحة: إن تصدق به فلا غرم عليه ~~لصاحبه، وإن أكله غرمه له - لانتفاعه به، وقيل إنه يغرمه لصاحبه - تصدق به ~~أو أكله - وهو ظاهر قول أشهب. وقيل إنه لا ضمان عليه فيه أكله أو تصدق به - ~~وهو ظاهر ما في المدونة. # فصل وأما القسم الثالث - وهو ما يبقى بيد ملتقطه ولا يخشى عليه التلف إن ~~تركه كالإبل - فالاختيار فيها ألا تؤخذ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«مالك ولها معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها» . ~~فإن أخذت عرفت، فإن لم تعرف ردت حيث وجدت - على ما جاء عن عمر بن الخطاب؛ ~~فقيل إن ذلك في جميع الأزمان - وهو ظاهر قول مالك في المدونة، وفي سماع ~~أشهب من العتبية وقيل بل هو خاص في زمان العدل وصلاح الناس، وأما في الزمن ~~الذي قد فسد فيه الناس، فالحكم فيها أن تؤخذ فتعرف، فإن لم تعرف بيعت ووقف ~~ثمنها لصاحبها؛ فإن لم يأت وأيس منه، لصدق به عنه على ما فعله عثمان بن ~~عفان - لما دخل الناس في زمانه من الفساد، وقد روي ذلك عن مالك؛ واختلف إن ~~كانت الإبل بعيدة من العمران حيث يخاف عليها السباع: فقيل إنها في حكم ~~الغنم لواجدها أكلها، وقيل إنها تؤخذ فتعرف، إذ لا مشقة في جلبها، وأما ~~البقر فالمنصوص عليه في المدونة: أنها في ذلك بمنزلة الغنم، وذلك لما في ~~جلبها من المشقة، فلا يدخل فيها الاختلاف الذي دخل في الإبل، وبالله ~~التوفيق. # فصل وفي قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث: «اعرف عفاصها ~~ووكاءها "، فإن جاء # PageV02P481 # صاحبها وإلا فشأنك ms0924 بها» . دليل على أنها تدفع لواصفها وإن لم تكن له بينة ~~عليها، وهذا قول مالك - رحمه الله - وجميع أصحابنا - في هذا لا اختلاف ~~بينهم فيه، خلافا للشافعي، وأبي حنيفة في قولهما: إنها لا تدفع للواصف حتى ~~يقيم البينة عليها - وهو بعيد، وقد روى هذا الحديث حماد بن سلمة والثوري ~~ومالك أيضا، فزادوا فيها: فإن جاء صاحبها فعرف العفاص والوكاء، فادفعها ~~إليه، وإلا فشأنك بها. وهذا نص في موضع الخلاف، وإنما اختلف أصحاب مالك هل ~~تدفع إليه بيمين أو بغير يمين، فظاهر مذهب ابن القاسم في المدونة أنها تدفع ~~إليه بغير يمين، وأن الصفة في اللقطة التي لا دافع فيها كالبينة القاطعة ~~فيما له من يدفع عنه، وقال أشهب لا تدفع إليه إلا بيمين، واضطرب في ذلك قول ~~ابن حبيب: فقال إنه لا تدفع إليه إلا بيمين، وقال إن وصفها رجلان أحلفا، ~~فإن حلف أحدهما ونكل الآخر، فهي لمن حلف منهما، وإن نكلا جميعا أو حلفا ~~جميعا، قسمت بينهما، فقوله إنها تقسم بينهما مع نكولهما رد لقوله أولا، لأن ~~نكولهما عن الأيمان كرضاهما، إلا أن يحلف أحدهما صاحبه؛ وإذا رضيا بذلك، ~~فالقياس على قوله ألا تقسم بينهما حتى يحلف كل واحد منهما أنها له ليوجب ~~يمينه أنها له دون غيره ممن لم يحضر ولا ادعاها من الناس، ولو لم يتفقا على ~~أن يسقط كل واحد منهما اليمين عن صاحبه، لوجب أن يحلف كل واحد منهما أنها ~~له، ليوجب بيمينه أنها له دون صاحبه هذا، ودون غيره من الناس؛ فافهم هذا ~~واعلم أن يمين كل واحد منهما على أنها له توجب معنيين، فإن سقطت اليمين ~~عنهما في المعنى الواحد لنكولهما جميعا، واتفاقهما على إسقاطها، لم تسقط من ~~أجل المعنى الآخر؛ وعلى مذهب من لا يوجب اليمين على الواصف الواحد إذا ~~انفرد يحلف كل واحد منهما إذا اجتمعا على الصفة أنها له ليوجب بيمينه أنها ~~له دون صاحبه، # PageV02P482 # وإن شاء زاد ذلك في يمينه، فيحلف بالله الذي لا إله إلا هو أنها له، ms0925 وما ~~لصاحبه فيها حق، ولا يحتاج أن يقول ولا لغيره. # فصل ومما يعتبر به في دفع اللقطة إلى صاحبها بالصفة قول الله عز وجل: ~~{وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين} [يوسف: ~~26] {وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين} [يوسف: 27] . # فصل ويصف مدعي اللقطة العفاص والوكاء وما اشتملا عليها وأحاطا به من صفة ~~الدنانير وعددها، وذلك موجود في الحديث، رواه يحيى بن سعيد بإسناده وزاد ~~فيه فإن جاء باغيها ووصف عفاصها ووكاءها وعددها فادفعها إليه والزيادة من ~~الحافظ مقبولة. # فصل فإن وصف مدعي اللقطة بعضا وجهل بعضا، أو غلط فيه، ففي ذلك اختلاف ~~وتفصيل؛ فأما جهله بالعدد، فلا يضره إذا عرف العفاص والوكاء وكذلك غلطه فيه ~~بالزيادة لا يضره، لجواز أن يكون قد اغتيل في شيء منها واختلف في غلطه فيه ~~بالنقصان إذا عرف العفاص والوكاء على قولين وكذلك اختلف أيضا إذا جهل صفة ~~الدنانير، وعرف العفاص والوكاء. وأما إذا غلط في صفة الدنانير، فلا أعلم ~~خلافا أنه لا شيء له؛ وأما العفاص والوكاء إذا وصف أحدهما وجهل الآخر، أو ~~غلط فيه، ففي ذلك ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه لا شيء له إلا بمعرفتهما جميعا. # والثاني: أنه يستبرأ أمره، فإن لم يأت أحد فأثبت مما أتى به دفعت إليه. # PageV02P483 # والثالث؛ أنه إن ادعى الجهالة استبرئ أمره - وإن غلط لم يكن له شيء، وهذا ~~أعدل الأقاويل - عندي. # فصل وواجد اللقطة على ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يأخذها ولا يريد التقاطها ولا اغتيالها. # والثاني: أن يأخذها ملتقطا لها. # والثالث: أن يأخذها مغتالا لها. # فأما الأول فهو مثل أن يجد ثوبا فيأخذه وهو يظنه لقوم بين يديه ليسألهم ~~عنه، فهذا إن لم يعرفوه ولا ادعوه، كان له أن يرده حيث وجده - ولا ضمان ~~عليه فيه - قاله ابن القاسم في المدونة، ورواه ابن وهب عن مالك، لأنه لم ~~يصر في يده ولا تعدى عليه، وإنما أعلم به من ظن أنه له - ولم يلزم فيه حكم ~~اللقطة، ms0926 وهذا إذا ردها بالقرب؛ وأما إن ردها بعد طول، فهو ضامن. # والوجه الثاني أن يأخذها ملتقطا لها، فهذا قد لزمه عند ابن القاسم حفظها ~~وتعريفها، فإن ردها بعد أن أخذها ضمنها؛ وقال أشهب لا ضمان عليه إن ردها في ~~موضعها بقرب ذلك أو بعده، ولا إشهاد عليه في ردها، وعليه اليمين: لقد ردها ~~في موضعها؛ فإن ردها في غير موضعها، ضمن كالوديعة - إذا تسلف منها ثم رد ما ~~تسلف منها فإنه لا يبرأ من الضمان، وقول ابن القاسم أبين وأظهر. # وأما الوجه الثالث إذ قبضها مغتالا لها، فهو ضامن لها ولا يعرف الوجه ~~الذي التقطها عليه إلا من قبله، فإن تلفت عنده أو ادعى تلفها وادعى أنه ~~أخذها ملتقطا لها ليحرزها على صاحبها، فهو مصدق في ذلك دون يمين يلزمه إلا ~~أن يتهم، وسواء أشهد حين التقطها أو لم يشهد على مذهب مالك، لأن الإشهاد ~~على ما روي # PageV02P484 # عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قوله «من التقط لقطة فليشهد ذوي ~~عدل ولا يكتم ولا يغير، فإن جاء ربها، فهو أحق بها، وإلا فمال الله يؤتيه ~~من يشاء» إنما أمر به تحصينا لربها، فهو مستحب له غير واجب عليه وذهب أبو ~~حنيفة وأصحابه إلى أنه ضامن لها إن لم يشهد، وهذا لا معنى له إذ قد يشهد ~~بخلاف ما أضمر إعذارا لنفسه - ولو فرقت هذه التفرقة في المتهم دون الذي لا ~~يتهم، لكان قولا حسنا - والله أعلم، وبالله التوفيق. # PageV02P485 ### | كتاب الغصب # ] [ ### || فصل في وجود لفظ الغصب في القرآن # فصل في وجود لفظ الغصب في القرآن قال الله عز وجل: {أما السفينة فكانت ~~لمساكين يعملون في البحر} [الكهف: 79] إلى قوله غصبا أي كل سفينة صحيحة ~~غصبا، وقد قريء وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صحيحة غصبا. ولذلك خرقها ~~الخضر - صلى الله على نبينا وعليه. وفي حرف بن مسعود وأبي بن كعب: كل سفينة ~~صالحة غصبا. # فصل فالتعدي على رقاب الأموال بالأخذ لها ينقسم على سبعة أقسام، لكل قسم ~~منها حكم ms0927 يختص به، وهي كلها محرمة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة؛ قال الله ~~عز وجل: {ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} [البقرة: 190] . وقال: {ولا ~~تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين} [هود: 85] . وقال: {يا ~~أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن ~~تراض منكم} [النساء: 29] إلى قوله: {وكان ذلك على الله يسيرا} [النساء: 30] ~~وقال: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام} [البقرة: ~~188] # PageV02P487 # إلى قوله: {وأنتم تعلمون} [البقرة: 188] . وقال في أموال اليتامى: {ولا ~~تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا} [النساء: 2] . وقال: {ويل ~~للمطففين} [المطففين: 1] {الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون} [المطففين: ~~2] {وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون} [المطففين: 3] فإذا كان هذا الوعيد ~~الشديد لمن طفف في المكيال والميزان، فكيف بمن اقتطع الجميع وأخذه. وقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من ظلم شبرا من الأرض طوقه يوم القيامة ~~من سبع أرضين» . وقال في خطبته المعروفة الغد من يوم النحر بمكة في حجة ~~الوداع: «ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في ~~شهركم هذا، في بلدكم هذا ألا هل بلغت، ألا هل بلغت، ألا هل بلغت» . وقال - ~~صلى الله عليه وسلم -: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه» . وقال - ~~صلى الله عليه وسلم -: «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه، حرم الله عليه الجنة ~~وأوجب له النار» الحديث. وقال - صلى الله عليه وسلم -: «كل المسلم على ~~المسلم حرام دمه وعرضه وماله» . وأما الإجماع، فمعلوم من دين الأمة ضرورة - ~~أن أخذ أموال الناس واقتطاعها بغير حق حرام، لا يحل ولا يجوز؛ فمن قال إن ~~ذلك حلال جائز، فهو كافر حلال الدم يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. # PageV02P488 # فصل # فأحد الأقسام السبعة: أخذ الأموال على وجه الحرابة. # والثاني: أخذها على وجه الغصب من غير حرابة. # والثالث: أخذها على وجه الاختلاس. # والرابع: أخذها على وجه السرقة. # والخامس: أخذها على وجه الخيانة. # والسادس: أخذها على وجه الإدلال. # والسابع: أخذها على وجه الجهد والاقتطاع. # فصل ms0928 فنتكلم ههنا على الغصب وحكمه، إذ هو الذي بنيت عليه مسائل هذا ~~الكتاب؛ وأما سائر الأقسام فلنتكلم عليها في مواضع، هي أخص بها من هذا. # فصل # فأما غصب الأموال فهو أخذها بغير الحق على سبيل القهر والغلبة والملك ~~للأصل والرقبة، ويستوي في حكمه الأحرار البالغون من أهل الذمة والمسلمين: ~~القرابة والأجنبيين، إلا الوالد من ولده، والجد للأب من حفيده؛ فقيل إنه لا ~~يحكم له بحكم الغاصب الأجنبي، لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أنت ~~ومالك لأبيك» . # PageV02P489 # فصل فسواء غصب مسلم من مسلم، أو ذمي من ذمي، أو مسلم من ذمي، أو ذمي من ~~مسلم، لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من ظلم ذميا أو معاهدا لم ~~يرح رائحة الجنة، وإن رائحة الجنة لتوجد من مسيرة خمسمائة سنة» . # فصل ويجتمع في الغصب حق لله تعالى، وحق للمغصوب منه، فيجب على الغاصب لحق ~~الله تعالى الأدب والسجن على قدر اجتهاد الحاكم ليتناهى الناس عن حرمات ~~الله، ولا يسقط ذلك عنه عفو المغصوب منه. # فصل فإن كان الغاصب صغيرا لم يبلغ الحلم، سقط عنه الأدب الواجب لحق الله ~~تعالى، لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «رفع القلم عن ثلاث - فذكر ~~فيهم الصبي حتى يحتلم» ، ومعناه في رفع الإثم والحرج عنه فيما بينه وبين ~~الله تعالى، وإذا ارتفع عنه الإثم والحرج، سقط عنه التعزير والأدب، وقد ~~قيل، إن الإمام يؤدبه كما يؤدب الصغير في المكتب، وأخذ بحق المغصوب منه، ~~واختلف إن كان صغيرا لا يعقل فقيل إن ما أصابه من الأموال والديات هدر ~~كالبهيمة العجماء التي # PageV02P490 # جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جرحها جبارا. وقيل إن ما أصابه من ~~الأموال في ماله وما أصابه من الدماء حملته العاقلة - إن كان الثلث فصاعدا ~~كالخطأ - سواء. وقيل إن ما أصابه من الأموال هدر، وما أصابه من الدماء ~~حملته العاقلة - إن بلغ الثلث وحكم هذا حكم المجنون المغلوب على عقله. # فصل والذي يجب على الغاصب بحق المغصوب منه: أن يرد إليه ماله بعينه ms0929 إن ~~كان قائما، أو قيمته يوم الغصب إن كان فائتا، إلا في المكيل والموزون ~~والمعدود الذي لا يختلف أعيان عدده كالبيض والجوز وما أشبه ذلك، فإنه يرد ~~مثله. # فصل ولا يفيت الشيء المغصوب حوالة الأسواق ويفيته النقصان والعيوب وإن لم ~~تكن مفسدة كانت بأمر من السماء أو بجناية الغاصب أو جناية غيره، غير أنها ~~إن كانت بأمر من السماء، لم يكن للمغصوب منه إلا أن يأخذه ناقصا، أو يضمنه ~~قيمته يوم الغصب عند ابن القاسم؛ ويتخرج على مذهب سحنون أنه يأخذه ويضمن ~~الغاصب قيمة العيب يوم الغصب؛ وإن كانت بجناية الغاصب فالمغصوب منه مخير ~~بين أن يضمنه القيمة يوم الغصب أو يسقط عنه حكم الغصب فيأخذه وما نقصته ~~جنايته يوم الغصب عند ابن القاسم، وقال سحنون: إنه مخير بين أن يضمنه ~~القيمة يوم الغصب أو يأخذه. وذهب أشهب إلى أنه مخير بين أن يضمنه القيمة # PageV02P491 # يوم الغصب أو يأخذه ناقصا ولا شيء له في الجناية؛ ولابن القاسم مثله في ~~المدونة في السارق يهزل ركوبه الدابة، وفي كتاب القذف في الأمة بين ~~الشريكين يطؤها أحدهما وفي غير ما موضع من العتبية والمدونة أيضا؛ وإن كانت ~~بجناية غير الغاصب، فالمغصوب منه مخير بين أن يضمن الغاصب القيمة يوم الغصب ~~ويتبع الغاصب الجاني، وبين أن يسقط عن الغاصب طلبه ويتبع الجاني بحكم ~~الجناية؛ وقد قيل إن للمغصوب منه أن يضمن الغاصب في الوجوه كلها التي تفيت ~~المغصوب القيمة أي يوم شاء، فيكون له عليه أرفع القيم، حكى هذا القول ابن ~~شعبان عن ابن وهب، وأشهب، وغيرهما. # فصل واختلف في نقله من بلد إلى بلد إن كان عرضا أو حيوانا على ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أن ذلك فوت، فالمغصوب منه بالخيار بين أن يأخذ متاعه أو يضمنه ~~قيمته يوم الغصب، وهو قول أصبغ وظاهر روايته عن أشهب في سماعه من كتاب ~~الغصب. # والثاني: أن ذلك ليس بفوت، فليس للمغصوب منه إلا أن يأخذ متاعه - وهو قول ~~سحنون لأنه رأى نقل ذلك كله من بلد إلى ms0930 بلد بمنزلة حوالة الأسواق. # والثالث: الفرق بين الحيوان والعروض فتفوت العروض ويكون المغصوب فيها ~~بالخيار بين أن يأخذها وبين أن يضمن الغاصب قيمتها يوم غصبها في البلد الذي ~~غصبها فيه. ولا يفوت الحيوان، فيأخذها المغصوب منه حيث وجدها، ولا يكون له ~~أن يضمن الغاصب قيمتها، وهذا في الحيوان الذي لا يحتاج إلى الكراء عليهم ~~كالدواب والوخش من الرقيق؛ وأما الرقيق الذي يحتاج إلى الكراء عليهم من # PageV02P492 # بلد إلى بلد، فحكمهم حكم العروض، فهي ثلاثة أقوال: قولان متضادان وتفرقة. ~~وأما الطعام إذا حمله الغاصب من بلد إلى بلد ففيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه ليس للمغصوب منه إلا مثل طعامه في البلد الذي اغتصبه فيه. # والثاني: أن المغصوب منه بالخيار بين أن يأخذ طعامه بعينه وبين أن يضمنه ~~مثله في البلد الذي اغتصبه فيه. # والثالث: تفرقة أصبغ بين أن يكون البلد الذي حمله إليه قريبا أو بعيدا. # فإن كان قريبا كان بالخيار بين أن يأخذ طعامه وبين أن يضمنه مثله في ~~البلد الذي اغتصبه فيه. # وإن كان بعيدا، لم يكن له إلا مثله في البلد الذي اغتصبه فيه. # فصل وأما النماء فينقسم على قسمين: # أحدهما: أن يكون من فعل الله تعالى كالصغير يكبر، والمهزول يسمن، أو ~~العيب يذهب. # والثاني: أن يكون مما أحدثه الغاصب. # فأما الوجه الأول فليس بفوت على حال. # وأما النماء بما أحدثه الغاصب في الشيء المغصوب، فإنه ينقسم في مذهب ابن ~~القاسم وروايته عن مالك على وجهين: # أحدهما: أن يكون قد أخرج فيه من ماله ما له عين قائمة كالصبغ والنقض في ~~البنيان، وما أشبه ذلك. # PageV02P493 # والثاني: ألا يكون أخرج فيه من ماله سوى العمل كالخياطة والنسج وطحن ~~الحنطة والخشبة يعمل منها ثوابت وأبوابها، وما أشبه ذلك. # فأما الوجه الأول وهو أن يخرج فيه من ماله ما له عين قائمة فينقسم على ~~وجهين: # أحدهما أن يكون ذلك الشيء يمكنه إعادته، على حاله كالبقعة بينهما وما ~~أشبه ذلك. # والثاني أن لا يقدر على إعادته على حاله كالثوب يصبغه أو الجلد ms0931 يدبغه أو ~~السويق يلته، وما أشبه ذلك. # فأما الوجه الأول: فالمغصوب منه مخير بين أن يأمر الغاصب بإعادة البقعة ~~على حالها وإزالة ما له فيها من نقض إن كان له فيها نقض، وبين أن يعطي ~~الغاصب قيمة ما له فيها من النقض مقلوعا مطروحا بالأرض بعد أجر القلع - قال ~~ابن شعبان، وإليه ذهب ابن المواز. وهذا إذا كان الغاصب ممن لا يتولى ذلك ~~بنفسه ولا بعبيده، وإنما يستأجر عليه؛ وقيل له لا يحط من ذلك أجر القلع على ~~مذهب ابن القاسم في المدونة، وإلى هذا ذهب ابن دحون، واعتل في ذلك أن ~~الغاصب لو هدمه لم يكن للمغصوب منه أن يأخذه بالقيمة بعد الهدم، وإن لم يكن ~~في البنيان الذي بنى الغاصب ما له قيمة إذا قلعه لم يكن للغاصب على المغصوب ~~منه شيء لأن من حقه أن يلزم الغاصب هدم البناء وإعادة البقعة إلى حالها؛ ~~فإذا أسقط حقه قبله في ذلك، فلا حجة له؛ ويؤيد ذلك قول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «ليس لعرق ظالم حق» . # وأما الوجه الثاني فهو فيه مخير بين أن يدفع قيمة الصبغ وما أشبهه ويأخذ ~~ثوبه، وبين أن يضمنه قيمة الثوب يوم غصبه، إلا في السويق الذي يلته بالسمن، # PageV02P494 # وما أشبه ذلك من الطعام؛ فلا يخير فيه عنده لما يدخله من الربا، ويكون ~~ذلك فوتا يلزم الغاصب فيه المثل أو القيمة فيما لا مثل له. # وأما الوجه الثاني وهو ألا يكون أخرج الغاصب فيما أحدثه في الشيء المغصوب ~~سوى العمل فإن ذلك ينقسم على وجهين: # أحدهما: أن يكون ذلك يسيرا لا ينتقل به الشيء عن اسمه مثل الخياطة في ~~الثوب أو الرفوله، وما أشبه ذلك. # والثاني: أن يكون العمل كثيرا ينتقل به الشيء المغصوب عن ذلك الاسم ~~كالخشبة يعمل منها تابوتا أو أبوابا، أو القمح يطحنه أو الغزل ينسجه أو ~~الفضة يصوغها حليا، أو يضربها دراهم، وما أشبه ذلك. # فأما الوجه الأول فلا حق فيه للغاصب ويأخذ المغصوب منه الشيء المغصوب ~~معمولا. # وأما الوجه ms0932 الثاني: فهو فوت يلزم الغاصب قيمة الشيء المغصوب يوم غصبه، أو ~~مثله فيما له مثل؛ هذا تحصيل مذهب ابن القاسم في هذا الوجه. # وأشهب يجعل في ذلك كله أصله مسألة البنيان فيقول إنه لا حق للغاصب فيما ~~لا يقدر على أخذه من الصبغ والرفو والنسج والدباغ والطحن وعمل التابوت ~~والأبواب من الخشبة، وما أشبه ذلك. وقد روي عن ابن القاسم أن الصبغ تفويت ~~يلزم الغاصب به القيمة يوم الغصب، ولا يكون للمغصوب منه أن يعطيه قيمة ~~الصبغ ويأخذ الثوب؛ وكذلك ما أشبه الصبغ؛ وقد قيل إنهما يكونان شريكين ~~بقيمة الصبغ وقيمة الثوب إن أبى رب الثوب أن يدفع قيمة الصبغ، وأبى الغاصب ~~أن يدفع قيمة الثوب؛ وهذا القول أنكره في كتاب اللقطة من المدونة، وقال إن ~~الشركة لا تكون إلا فيما كان بوجه شبهة. # PageV02P495 # فصل والغاصب ضامن لما اغتصب بوضع يده عليه وإن تلف بأمر من السماء كان ~~مما يزال به أو مما لا يزال به إذا قصد إلى غصب الرقبة خلافا لأبي حنيفة في ~~قوله إن الغاصب لا يضمن الدار إذا اغتصبها فانهدمت. # فصل # واختلف في غلات المغصوب على قولين: # أحدهما: أن حكمها حكم الشيء المغصوب. # والثاني: أن حكمها بخلاف حكم الشيء المغصوب. # فمن ذهب إلى أن حكمها حكم الشيء المغصوب، وهو قول أشهب - فيقول إنه يلزمه ~~قيمة الغلة يوم قبضها، أو أكثر ما انتهت إليه قيمتها على الاختلاف في الشيء ~~المغصوب، وإن تلفت بأمر من السماء وتلف الشيء المغصوب، يضمن قيمته يوم ~~الغصب أو أي يوم شاء المغصوب منه على ما حكاه ابن شعبان من الاختلاف في ~~ذلك. # فصل وأما الذين ذهبوا إلى أن حكم الغلة خلاف حكم الشيء المغصوب، فاختلفوا ~~في حكمها اختلافا كثيرا بعد إجماعهم على أنها إن تلفت ببينة فلا ضمان على ~~الغاصب فيها وأنه إن ادعى تلفها لم يصدق وإن كان مما لا يغاب عليه. # فصل وتحصيل هذا الاختلاف أن الغلل تنقسم على ثلاثة أقسام: # أحدها: غلة متولدة عن الشيء المغصوب على هيئته وخلقته ms0933 وهو الولد. # PageV02P496 # وغلة متولدة عنه على غير خلقته وهيئته - وهي ثمر النخل ولبن الماشية ~~وجبنها وصوفها وما أشبه ذلك. وغلل غير متولدة عن الشيء المغصوب وهي الأكرية ~~والخراجات، وما أشبه ذلك. # فأما ما كان متولدا عنه على هيئته وصورته - وهو الولد فالاختلاف بينهم أن ~~على الغاصب رده مع الأم إن كانت الأم قائمة وإن ماتت الأم كان مخيرا بين ~~المولد وقيمة الأم. # وأما ما كان متولدا عنه على غير خلقته وهيئته، فاختلفوا فيه على قولين: # أحدهما: أن ذلك للغاصب بالضمان لا يلزمه رده على ظاهر قول النبي - عليه ~~السلام - «الغلة بالضمان» . # والثاني: أنه يلزمه ردها إن كانت قائمة أو قيمتها إن ادعى تلفها ولم يعرف ~~ذلك إلا بقوله مع عين الشيء المغصوب. وإن تلف الشيء المغصوب كان مخيرا بين ~~أن يضمنه قيمته ولا شيء له في الغلة، وبين أن يأخذ الغلة ولا شيء له من ~~القيمة. # وأما ما كان غير متولد عنه، فاختلفوا فيه على خمسة أقوال: # أحدها: أنه لا يلزمه رده جملة من غير تفصيل. الثاني: أنه يلزمه رده جملة ~~من غير تفصيل بين أن يكري أو ينتفع أو يعقل، والثالث: أنه يلزمه الرد إن ~~أكرى ولا يلزمه إن انتفع أو عطل. والرابع: أنه يلزمه إن أكرى أو انتفع ولا ~~يلزمه إن عطل. والخامس: الفرق بين الحيوان والأصول. # فصل وهذا كله فيما اغتل من العين المغصوبة مع بقائها وقيامها. # وأما ما اغتل منها بتصريفها وتفويتها وتحويل عينها كالدنانير يغتصبها # PageV02P497 # فيغتلها بالتجارة فيها، أو الطعام يغتصبه فيغتله بزرعه في أرضه، فالغلة ~~له قولا واحدا في المذهب. # فصل وأما إذا لم يقصد إلى غصب الرقبة، فهو ضامن للغلة التي قصد إلى غصبها ~~سواء أكرى أو انتفع أو عطل، وسواء كان ذلك مما يزال به أو مما لا يزال به ~~خلافا لأبي حنيفة في قوله إن من تعدى على دابة رجل فركبها أو حمل عليها، ~~فلا كراء عليه في ركوبه إياها ولا في حمله عليها قريبا كان تعديه ذلك عليها ~~أو بعيدا، ms0934 لأنه ضامن لها إن تلفت في تعديه وهو بعيد. # فصل وكذلك من استكره أمة أو حرة فوطئها، فعليه في الحرة صداق مثلها؛ وفي ~~الأمة ما نقصها بكرا كانت أو ثيبا مع الأدب الوجيع خلاف قول أبي حنيفة إنه ~~لا صداق عليه مع الحد، وهذا إذا ثبت عليه الوطء بأربعة شهداء على معاينة ~~الفعل، أو أقر بذلك على نفسه، أو ادعت ذلك عليه مع قيام البينة على غيبته ~~عليها. # وأما إن ادعت عليه أنه استكرهها فغاب عليها ووطئها ولا بينة لها على ~~دعواها، فإن ذلك ينقسم على وجهين: أحدهما أن تدعي ذلك على رجل صالح لا يليق ~~به ذلك، والثاني: أن تدعي ذلك على رجل متهم يليق به مثل ذلك؛ وكل واحد من ~~هذين الوجهين ينقسم على وجهين: # أحدهما: أن تأتي مستغيثة متعلقة به متشبثة فاضحة لنفسها تدمى إن كانت ~~بكرا. # والثاني أن تدعي ذلك عليه من غير أن تكون متشبثة به ولا تدمى وهي بكر ~~فيأتي في جملة المسألة أربعة أقسام. # PageV02P498 # فأما الوجه الأول من القسم الأول وهو أن تدعي ذلك على رجل صالح لا يليق ~~به ذلك وهي غير متعلقة به فهذا لا اختلاف أنه لا شيء على الرجل وأنها تحد ~~له حد القذف وحد الزنا إن ظهر بها حمل. # وأما إن لم يظهر بها حمل، فيتخرج وجوب حد الزنا عليها على الاختلاف فيمن ~~أقر بوطء أمة رجل وادعى أنه اشتراها منه أو بوطء امرأة وادعى أنه تزوجها ~~فتحد على مذهب ابن القاسم، إلا أن ترجع عن قولها ولا تحد على مذهب أشهب وهو ~~نص قول ابن حبيب في الواضحة، وكذلك المجهول الحال في هذا الوجه إذا كانت هي ~~مجهولة الحال أو لم تكن من أهل الصون. # وأما إن كانت من أهل الصون - وكان هو مجهول الحال، فيتخرج وجوب حد القذف ~~عليها له على قولين، ويحلف بدعواها على القول بأنها لا تحد له؛ فإن نكل عن ~~اليمين حلفت هي وكان لها صداقها عليه. # وأما الوجه الثاني من القسم الأول ms0935 وهو أن تدعي ذلك على رجل صالح لا يليق ~~به ذلك وتأتي متعلقة به متشبثة قد بلغت فضيحة نفسها، فهذا الوجه يسقط عنها ~~فيه حد الزنا - وإن ظهر بها حمل لما بلغت من فضيحة نفسها؛ واختلف هل تحد له ~~حد القذف أم لا: فذهب ابن القاسم إلى أنها تحد له حد القذف وحكى ابن حبيب ~~في الواضحة أنها لا تحد له حد القذف ولا يمين لها عليه على القول بأنها تحد ~~له. # وأما على القول بأنها لا تحد له فيحلف على تكذيب دعواها، فإن نكل عن ~~اليمين حلفت واستحق عليه صداقها؛ وهذا إذا كانت ممن تبالي بفضيحة نفسها. # PageV02P499 # وأما إن كانت ممن لا تبالي بفضيحة نفسها، فتحد له قولا واحدا. وإن كان ~~مجهول الحال لم تحد له قولا واحدا - إذا كانت ممن تبالي بفضيحة نفسها. # وإن كانت ممن لا تبالي بفضيحة نفسها - وهو مجهول الحال فيتخرج إيجاب حد ~~القذف عليها له على قولين. # وأما الوجه الأول من القسم الثاني وهو أن تدعي ذلك على من يشار إليه ~~بالفسق ولا تأتي متعلقة به، فهذا الوجه لا يجب عليها فيه حد القذف للرجل ~~ولا حد الزنى لنفسها إلا أن يظهر بها حمل، ولا صداق لها وينظر الإمام في ~~أمره فيسجنه ويستخبر عن أمره ويفعل فيه بما ينكشف له منه، فإن لم ينكشف في ~~أمره شيء استحلف، فإن نكل عن اليمين، حلفت المرأة واستحقت عليه صداق مثلها. # وأما الوجه الثاني من القسم الثاني وهو أن تدعي ذلك على من يشار إليه ~~بالفسق، وتأتي متعلقة به متشبثة تدمى إن كانت بكرا، فهذا الوجه يسقط عنها ~~فيه حد القذف للرجل وحد الزنى - وإن ظهر بها حمل، واختلف في وجوب الصداق ~~بها على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه يجب لها وهي رواية أشهب عن مالك في كتاب الغصب، لأنه إذا أوجب ~~للأمة ما نقصها فأحرى أن يوجب للحرة صداق مثلها. # والثاني: أنه لا يجب لها وهي رواية عيسى عن ابن القاسم في كتاب الحدود في ~~القذف، قال ms0936 ولو كان أشر من عبد الله الأزرق في زمانه. # والثالث: قول ابن الماجشون في الواضحة أنه يجب لها الصداق إن كانت حرة ~~ولا يجب لها شيء إن كانت أمة. # PageV02P500 # واختلف إذا وجب لها الصداق بدعواها مع ما بلغت إليه من فضيحة نفسها هل ~~يجب بيمين أو بغير يمين، فروى أشهب عن مالك أنها تأخذه بغير يمين وذهب ابن ~~القاسم إلى أنها لا تأخذه إلا بعد اليمين - وهو أصح - والله أعلم. # وإن كان مجهول الحال لم يكن لها صداق واستحلف هو، فإن نكل عن اليمين حلفت ~~وأخذت صداقها، وبالله تعالى التوفيق. # PageV02P501 ### | كتاب الاستحقاق # ] [ ### || فصل في معنى الاستحقاق # فصل في معنى الاستحقاق قال الله عز وجل: {فإن عثر على أنهما استحقا إثما} ~~[المائدة: 107]- أي باطلا يوجب إثما فالاستحقاق هو أن يحق الرجل الشيء ~~لنفسه بما تثبت به الحقوق وتمضي لأهلها، وذلك شاهد عدل، أو شاهد وامرأتان، ~~أو شاهد ويمين على مذهب من يرى القضاء باليمين مع الشاهد فإذا أقام ذلك، ~~وجب الحق ولزم القضاء به في الظاهر بعد الإعذار، وإن كان الأمر في الباطن ~~على خلاف ذلك، فليس حكم الحاكم بالذي يحله له؛ قال الله تعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} [النساء: 29] وقال: {ولا ~~تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام} [البقرة: 188]- ~~الآية. وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما أنا بشر مثلكم وإنكم ~~تختصمون إلي، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما ~~أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه، فلا يأخذ منه شيئا فإنما أقطع له ~~قطعة من النار» . وروي «أن رجلا من حضر موت ورجلا من كندة اختصما إلى النبي ~~- عليه السلام - في أرض باليمن، فقال الحضرمي أرضي اغتصبها أبو هذا، فقال ~~الكندي يا رسول الله أرضي ورثتها عن أبي؛ فقال النبي - عليه السلام - ~~للحضرمي: # PageV02P503 # هل لك بينة؟ فقال لا، ولكن يحلف بالله ما يعلم أنها أرضي غصبها لي أبوه؛ ~~فتهيأ الكندي لليمين، فقال رسول الله ms0937 - صلى الله عليه وسلم -: لا يقتطع رجل ~~مالا بيمين إلا لقي الله - عز وجل - وهو عليه غضبان - فتركها الكندي» # فصل فإن كان الشيء المستحق له غلة قد اغتلها المستحق منه، فقد قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «الخراج بالضمان» ، وقوله: الخراج بالضمان ~~لفظ عام مستقل بنفسه إلا أنه ورد في البيع على ما روي، وذلك «أن رجلا ابتاع ~~غلاما فأقام عنده ما شاء الله، ثم وجد به عيبا، فخاصمه إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فرده عليه، فقال له الرجل يا رسول الله، قد استغل غلامي، ~~فقال النبي - عليه السلام -: الخراج بالضمان» ، أخرجه أبو داود، وقد اختلف ~~أهل العلم في اللفظ العام الوارد على سبب: هل يقصر على سببه، أو يحمل على ~~عمومه - على قولين، الأصح منهما عند أهل النظر: حمله على عمومه، لأن الحجة ~~إنما هي في كلام صاحب الشرع، لا في - السبب؛ إذ لو انفرد السبب، لم يوجب ~~حكما، ولو انفرد لفظ النبي - عليه السلام - دون السبب - لكان له الحكم فلا ~~يعتبر السبب. # فصل وكذلك اختلف أهل العلم في قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~«الخراج بالضمان،» هل يحمل على عمومه في الغاصب والمشتري، ومن ضمن بشبهة ~~وبغير شبهة أو يقصر على المعنى الذي خرج عليه، فيحمل على ما ضمن بوجه شبهة ~~- على قولين؛ واختلف في ذلك أيضا قول مالك - رحمه الله -: فروى أشهب عنه أن ~~الغاصب لا يرجع عليه بالغلة وتكون له بالضمان في الأصول والحيوان - أكرى ~~ذلك كله وقبض الخراج، أو سكن الدار واستخدم العبد، وما أشبه ذلك؛ فعلى هذه ~~الرواية حمل # PageV02P504 # الحديث على عمومه، وروى عنه أنه أوجب على الغاصب رد الغلة في الحيوان ~~والأصول، وهذا أحد قوليه في المدونة، فقصر الحديث - على هذه الرواية على ما ~~خرج عليه - وهو ما ضمن بوجه شبهة، وهذان القولان جاريان على قياس. # وأما تفرقته بين الحيوان والأصول، فاستحسان وليس بقياس؛ ووجهه أنه حمل ~~الحديث على عمومه فيما كان بوجه شبهة وبغير وجه شبهة في الحيوان الذي ms0938 ليس ~~بمأمون، وخصص الأصول من ذلك لكونها مأمونة، لا يخشى عليها التلف، فلا تضمن ~~إلا في النادر، والنادر لا يحكم له؛ وكذلك تفرقة من فرق في الأصول بين أن ~~يكري أو يسكن، وفي رواية أبي الفرج عن مالك وتفرقة من فرق بين ذلك في ~~الحيوان أيضا استحسان وليس بقياس، إلا أنها كلها أقاويل مشهورة معلومة. # فصل وهذا في الخراج والاستخدام، وأما ما كان من الغلل المتولدة عن الشيء ~~المستحق كاللبن والصوف في الحيوان والثمرة في الأصول فنصوص الروايات أن ~~الغاصب يرد ذلك كله مع الأصول إن كان قائما، أو مكيلة خرصه - إن كان فائتا، ~~ولا فرق في القياس بين ذلك؛ وقد عده محمد بن المواز اختلافا من القول وهو ~~الصحيح - إن شاء الله؛ ومما يدل على أنه اختلاف من القول: رواية ابن المعذل ~~عن مالك فيما كان من الغلل متولدا عن الشيء المغصوب أنه للغاصب بالضمان، ~~ولا يلزمه رده؛ ولم أر هذه الرواية في أصل كتاب، وإنما أخبرني بها بعض ~~أصحابنا. # فصل وتحصيل هذا الباب أن الضمان ينقسم على وجهين: # أحدهما: ضمان بشبهة. # PageV02P505 # والثاني: ضمان بغير شبهة. # فأما الضمان بالشبهة، فلا اختلاف أن الغلة تكون فيه بالضمان، لورود النص ~~في ذلك عن النبي - عليه السلام -. # وأما الضمان بغير شبهة - كالغاصب والسارق وشبههما، فاختلف فيه على ستة ~~أقوال: # أحدها: أن الغاصب لا شيء له من الغلات كلها كانت متولدة عن الأصول أو غير ~~متولدة عنها، استغل ذلك بقبض الغلات المتولدات وقبض الأكرية والخراجات أو ~~انتفع بذلك ولم يغتله أو عطله فلم يكره ولا انتفع به يلزمه في ذلك كله ~~الكراء كراء المثل إن انتفع به أو عطله ولم ينتفع به. وإن أكرى وقبض ~~الخراج، فالأكثر من كراء المثل، أو ما أكراه به، هذا قول مطرف وابن ~~الماجشون في الواضحة. # والقول الثاني: أنه يلزمه رد الغلة والكراء إن أكرى أو انتفع بالاستخدام ~~والسكنى، فإن لم يكر ولا انتفع بشيء من ذلك، فلا شيء عليه. # والقول الثالث: أنه إن أكرى كان عليه الكراء؛ ms0939 وإن لم يكر، فلا شيء عليه؛ ~~وإن سكن واستخدم، وهي رواية أبي الفرج عن مالك. # والقول الرابع: التفرقة بين الحيوان والأصول. # والقول الخامس: التفرقة بين ما كان من الغلل متولدا عن الشيء المستغل ~~كاللبن والصوف والثمرة، أو غير متولد عنها كخراج العبيد وكراء المساكن. # والقول السادس: أن له الغلات كلها وإن كانت متولدة عن الشيء المغصوب. # PageV02P506 # فصل # وأما ما استحق مما لا ضمان فيه على المستحق منه، فإنه ينقسم أيضا على ~~قسمين: # أحدهما: أن يكون قد أدى فيما استحق من يده ثمنا. # والثاني: أن يكون لم يؤد في ذلك ثمنا. # فأما ما أدى فيه ثمنا، فلا ضمان عليه فيه، لوجوب الرجوع له بالثمن إن تلف ~~عنده، كالرجل يشتري العبد ثم يستحق من يده بحرية أو يشتري الأصل ثم يستحق ~~من يده بحبس؛ فقيل إن الغلة تطيب له بالثمن الذي أدى لأنه ضامن للثمن الذي ~~دفع في عدم البائع إن تلف ذلك الشيء وهي رواية عيسى عن ابن القاسم في كتاب ~~الاستحقاق من العتبية، وبه جرى العمل عندنا فيما يستحق من الأصول بالحبس؛ ~~وقيل إنه يرد الغلة، لأنه إن تلف رجع بالثمن، فلم يكن ضامنا لشيء وهو ظاهر ~~مذهب ابن القاسم في المدونة لأنه علق الغلة بالضمان فيها - أعني في ~~المدونة؛ وأما ما لم يؤد فيه ثمنا ولا كان عليه فيه ضمان كالوارث يرث ثم ~~يأتي من هو أحق منه بالوراثة، فلا اختلاف أنه يرد ما اغتل أو سكن لانتفاء ~~وجوه الضمان عنه. واختلف قول مالك إذا سكن ولم يكر فأتى من يشاركه في ~~الميراث، لا من هو أحق به منه على قولين، الأصح منهما رواية علي بن زياد عن ~~مالك بوجوب الكراء عليه في حصة الوارث الطارئ عليه، لانتفاء جميع وجوه ~~الضمان عنه. # وأما الحبس إذا استغله بعض المحبس عليهم وهم يرون أنهم ينفردون به، أو ~~سكنوه، فقيل إنه لا يرجع عليهم بالغلة ولا بالسكنى وهي رواية ابن القاسم عن ~~مالك في الصدقات والهبات. وقيل يرجع عليهم بالغلة والسكنى جميعا، ms0940 وهذا يأتي ~~على رواية علي بن زياد عن مالك في المدونة وهو القياس. وقيل إنه يرجع # PageV02P507 # عليهم بالغلة ولا يرجع عليهم بالسكنى وهو نص قول ابن القاسم في المبسوطة، ~~ولا فرق في القياس بين الحبس وغيره، ولا بين الاستغلال والسكنى. # فصل فإن اعترض على هذا بالموهوب له يستغل ما وهب له ثم يستحق ذلك من يده ~~أو الوارث يرث فيستغل ثم يستحق ذلك من يده أن الغلة تكون له وهو لم يؤد ~~ثمنا ولا هو ضامن؛ فالجواب عنه أن الوارث والموهوب له يحلان محل من صار ~~إليهما ذلك عنه في وجوب الغلة لهما؛ ألا ترى أن الواهب أو الموروث إذا كان ~~غاصبا حل الوارث والموهوب له محلهما فرد الوارث الغلة، وكذلك الموهوب له؛ ~~إلا أنه يختلف فيمن يبدأ على ثلاثة أقوال: # أحدها: المشهور عن ابن القاسم أن الغاصب هو المبدأ ولا يرجع على الموهوب ~~له إلا في عدم الغاصب، واختلف على هذا القول إن وجد الغاصب عديما فرجع على ~~الموهوب له، هل للموهوب له أن يرجع على الغاصب أم لا على قولين. قيل يرجع ~~عليه وهو القياس، وقيل إنه لا يرجع عليه وهو قول ابن القاسم في كتاب كراء ~~الدور من المدونة. # والثاني: قول غير ابن القاسم في كتاب الاستحقاق من المدونة وهو ظاهر قول ~~ابن القاسم في كتاب الشركة منها، وهو قول أشهب في رواية أصبغ عنه من كتاب ~~البضائع والوكالات: أن الموهوب له هو المبدأ - ولا يرجع على الغاصب - إلا ~~في عدم الموهوب له؛ واختلف على هذا القول إن وجد الموهوب له عديما فيرجع ~~على الغاصب، هل للغاصب أن يرجع على الموهوب له أم لا على قولين. # والثالث: أنه مخير بين أن يرجع على أيهما شاء - يريد ولا رجوع لمن رجع ~~عليه منهما على الآخر، حكى هذا القول ابن عبدوس عن أشهب واختاره سحنون؛ ~~ومثله بالطعام يبتاعه الرجل من الغاصب فيأكله، أنه مخير في اتباع من شاء ~~منهما؛ # PageV02P508 # وهو تمثيل غير صحيح، لأن المشتري إذا رجع عليه، رجع ms0941 هو على الغاصب ~~بالثمن؛ والموهوب له إذا رجع عليه، لم يرجع هو على أحد. وقد روي عن أصبغ أن ~~الغاصب إذا وهب فاغتل الموهوب له أنه لا يرد الغلة وذلك بعيد، إلا أن يتأول ~~قوله على أنه إنما أراد ألا يرجع عليه إذا كان الغاصب مليا، أو يكون قوله ~~على مذهب من يرى أن الغلة للغاصب بالضمان فينزل الموهوب له منزلته. # فصل واختلف في الحد الذي يدخل فيه الشيء المستحق في ضمان المستحق وتكون ~~الغلة له ويجب التوقيف به على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه لا يدخل في ضمانه ولا تجب له الغلة حتى يقضى له به وهو الذي ~~يأتي على قول مالك في المدونة إن الغلة للذي في يديه حتى يقضى بها للطالب ~~وعلى هذا القول لا يجب توقيف الأصل المستحق توقيفا يحال بينه وبينه، ولا ~~توقيف غلته، وهو قول ابن القاسم في المدونة أن الرباع التي لا تحول ولا ~~تزول ولا توقف، مثل ما يحول ويزول، وإنما توقف وقفا يمنع من الإحداث فيها. # والثاني: أنه يدخل في ضمانه وتكون له الغلة ويجب توقيفه وقفا يحال بينه ~~وبينه إذا ثبت له بشهادة شاهدين أو شاهد وامرأتان - وهو ظاهر قول مالك في ~~موطئه إذ قال فيه إن الغلة للمبتاع إلى يوم يثبت الحق، وقول غير ابن القاسم ~~في المدونة إذ قال إن التوقيف يجب إذا أثبت المدعي حقه، وكلف المدعى عليه ~~المدفع. # PageV02P509 # والقول الثالث: أنه يدخل في ضمانه وتجب له الغلة والتوقيف بشهادة شاهد ~~واحد - وهي رواية عيسى عن ابن القاسم في كتاب الدعوى والصلح - أنه يحلف مع ~~شهادة شاهده وتكون المصيبة منه، وروايته عنه في الكتاب المذكور في مسألة ~~الزيتون إذا ادعاها وأقام شاهدا واحدا أن الثمرة له إذا تؤولت أن معنى ~~المسألة أنه استحق الأصل دون الثمرة؛ وأما على تأويل من تأول أنه إنما ادعى ~~الأصل والثمرة وشهد له بهما جميعا الشاهد الذي أقامه، فتخرج الرواية عن هذا ~~الباب إلى وجه متفق عليه، وما وقع في أحكام ابن زياد ms0942 أن التوقيف يجب في ~~الدار بالقفل وتوقيف الغلة بشهادة الشاهد الواحد يأتي على هذا القول؛ وكذلك ~~النفقة أيضا تجري على هذا الاختلاف، وقد فرق في رواية عيسى عن ابن القاسم ~~من كتاب الدعوى والصلح بين النفقة والضمان، وساوى بينهما عيسى من رأيه وهو ~~القياس؛ وكذلك ظاهر المدونة أنه فرق بينهما والصواب أنه اختلاف من القول. # فصل واختلف أيضا في الحد الذي تكون به الثمرة في استحقاق الأصل غلة ~~فيستوجبها المستحق منه ببلوغها إليه: إما بالحكم والقضاء، وإما بثبوت الحق ~~بشهادة شاهدين، وإما بأن يشهد للمستحق شاهد واحد على الاختلاف المذكور في ~~ذلك؛ فروى أبو زيد عن ابن القاسم أن الثمرة تكون للمستحق ما لم تجد، وفي ~~كتاب ابن المواز ما لم تيبس، ويرجع عليه بالسقي والعلاج، وعلى ما قال في ~~المدونة في الرد بالعيب ما لم تطب. إذ لم يفرق بين المسألتين؛ وهذا إذا كان ~~المستحق منه اشترى الأصول قبل إبار الثمرة، وأما إن كان اشتراها بعد الإبار ~~فالثمرة للمستحق على مذهب ابن القاسم، - وإن جدت، ويرجع عليه بالسقي ~~والعلاج كالرد بالعيب، وعلى مذهب أشهب تكون الثمرة للمستحق - ما لم تجد، ~~فإن جدت، كانت غلة للمشتري، وأما إن كان اشترى الأصل - والثمرة من هبة، ~~فاشترطها، ففي كتاب ابن المواز أن الثمرة تكون للمستحق كيف كانت يبست أو # PageV02P510 # جدها أو باعها أو أكللها، ويغرم المكيلة - إن عرفها، وإلا فالقيمة، وفي ~~البيع يغرم الثمن الذي باعها به إن فاتت؛ وإن كانت بيد مبتاعها، فهو مخير ~~في أخذها أو إنفاذ بيعها وأخذ الثمن؛ وإن تلفت عند المبتاع، فليس له إلا ~~الثمن؛ وهذا على القول بأنها لا تصير غلة للمبتاع إلا باليبس أو الجداد. ~~وأما على القول الذي يرى أنها تصير له غلة بالطياب، فلا حق له فيها إذا ~~أزهت عند البائع، لأنها قد صارت له غلة بالطياب، ويأخذ المستحق النخل ~~وحدها، ويرجع المستحق منه على البائع بما ينوبها من الثمن، ويسقط عنه ما ~~ناب الثمرة - لبقائها بيده، إلا أن يكون اشتراؤه إياها من ms0943 غاصب، أو من مشتر ~~اشتراها بعد الإبار على مذهب ابن القاسم؛ فهي ثلاثة أقوال: # أحدها: أن يكون المستحق منه اشتراها قبل الإبار. # والثاني: أن يكون اشتراها بثمرتها بعد الإبار. # والثالث: أن يكون اشتراها بثمرتها بعد الإزهار والطياب وقد تقدم الكلام ~~عليها. # فصل ولو وجد المشتري الثمرة بعد الإبار وقبل الطياب، ثم استحق الأصل ~~مستحق نظرت: فإن كان اشتراها قبل الإبار فهي غلة له ويرجع بجميع الثمن على ~~البائع؛ وإن كان اشتراها بعد الإبار جرى الحكم فيها على اختلاف قول ابن ~~القاسم وأشهب في العيوب، فتكون للمستحق على مذهب ابن القاسم - إن كانت ~~قائمة بيده لم تفت، ويغرم له مكيلة خرصها - إن كانت فائتة، وعلى مذهب أشهب ~~هي غلة للمشتري؛ وأما إن كان جدها المشتري قبل الإبار، فلا شيء للمستحق ~~فيها باتفاق، وينظر: فإن كان ابتاعها وفيها ثمر، حاسبه البائع بما ينوبها ~~من الثمن؛ # PageV02P511 # وإن كان ابتياعه إياها قبل أن تكون لها ثمرة، فهي غلة لا يحاسبه البائع ~~بشيء من ثمنها. # فصل وحيثما وجبت الثمرة للمستحق، يجب للمشتري المستحق منه الرجوع عليه ~~بالسقي والعلاج - إن كان عالج وسقى - حتى انتلفت الثمرة بسقيه وعلاجه من ~~حال إلى حال على مذهب ابن القاسم وأشهب، وذلك مثل أن يشتري النخل ولا ثمرة ~~فيها فيسقي ويعالج حتى تصير فيها ثمرة، ثم يستحقها مستحق؛ أو يشتريها وفيها ~~طلع لم يؤبر فيسقى ويعالج حتى يؤبر ثم يستحقها منه مستحق بعد الإبار. ولو ~~لم تنتقل بسقيه وعلاجه من حال إلى حال، لرجع أيضا به على مذهب ابن القاسم ~~في الاستحقاق والبيع الفاسد والرد بالعيب على القول بأنه نقض بيع، والشفعة ~~على القول بأن محملها محمل الاستحقاق لا محمل ابتداء بيع، والتفليس أيضا ~~يتخرج الأمر فيه على قولين، وعلى مذهب ابن الماجشون وسحنون لا يجب للمشتري ~~المستحق منه رجوع على المستحق بشيء مما عالج وسقى؛ فهذا تلخيص هذه المسألة، ~~وهي إحدى المسائل الخمس التي تتشابه أحكامها وتفترق في بعض وجوهها. # والثانية: الرد بالعيب. # والثالثة: الأخذ بالشفعة. # والرابعة: التفليس. # والخامسة: ms0944 الرد بالبيع الفاسد، وقد كتبتها في كتاب العيوب ملخصة فأغنى ~~ذلك عن إعادتها هاهنا - وبالله التوفيق. # فصل وإن كان الشيء المستحق من يد المشتري عبدا أو دابة فزعم المستحق منه # PageV02P512 # أن بائعه الذي باع ذلك منه غائب ببلد آخر، وأراد الذهاب به إلى ذلك البلد ~~ليسترجع الثمن من بائعه، فذلك له بعد أن يضع للمستحق قيمته؛ فإن وضع له ~~قيمته وذهب به إلى ذلك البلد بكتاب القاضي فوجد به بائعه فرجع عليه بحقه، ~~وزعم البائع المرجوع عليه أن بائعه الذي باعه منه غائب ببلد آخر، وأراد ~~الذهاب به إلى ذلك البلد، ليسترجع الثمن من بائعه؛ فذلك له أيضا بعد أن يضع ~~للمستحق منه الذي رجع عليه قيمته بذلك البلد، إلا أن تكون قيمته بذلك البلد ~~أقل من القيمة التي وضعها هو للمستحق، فليس له أن يأخذه ويذهب به حتى يضع ~~له مثل القيمة التي وضع - وإن كانت قيمته بذلك البلد أكثر من القيمة التي ~~وضعها هو، مثل أن تكون القيمة التي وضعها ثلاثين، - وقيمته بذلك البلد ~~أربعون، لم يكن له أن يذهب به حتى يضع قيمته أربعين، لأن ذلك من حق المستحق ~~صاحب الدابة أو العبد، فإن وضع الأربعين قيمة ذلك فذهب به وتلف قبل أن ~~يرده، كانت الأربعون للمستحق صاحب الدابة أو العبد وأخذ المستحق منه ~~الثلثين التي وضعها، وإن لم يتلف ورده، أخذ الأربعين التي وضع ورد المستحق ~~منه الدابة أو العبد إلى صاحبه الذي استحقه، وأخذ الثلاثين التي وضعها له؛ ~~وإن تلف في رجوعه به كان لصاحبه المستحق له الثلاثون التي وضع له، وكذلك إن ~~أراد البائع الأول الذي رجع عليه واضع الأربعين أن يذهب به إلى بلد بائعه، ~~لم يكن ذلك له حتى يضع للذي باع منه الأربعين التي وضع، أو قيمته - إن كانت ~~أكثر من الأربعين، مثل أن تكون قيمتها خمسين، لأن ذلك من حق المستحق صاحب ~~الدابة أو العبد وكذلك الحكم في البائع من البائع الأول إن أراد أن يذهب به ~~إلى موضع بائعه ms0945 لاستخراج حقه منه، وفي المرجوع إليه - أبدا من البائعين - ~~ما تكرر وتناهى، وهذه مسألة لي فيها جواب وقد كتب عني ملخص مبين محتو على ~~جميع فصولها يقف عليه من أراد أن يشفي نفسه بمعرفتها وبالله تعالى التوفيق. # PageV02P513 ### | كتاب الصلح # ] [ ### || ما جاء في الصلح # ما جاء في الصلح # قال الله عز وجل: {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف ~~أو إصلاح بين الناس} [النساء: 114] وهذا عام في الدماء والأموال والأعراض، ~~وفي كل شيء يقع التداعي والاختلاف فيه بين المسلمين؛ وقال تعالى: {وإن ~~طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} [الحجرات: 9] . وقال: {وإن ~~امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا ~~والصلح خير} [النساء: 128] . وقال: {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من ~~أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما ~~خبيرا} [النساء: 35] . وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحسن: ~~«إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» ~~فكان كما قال - صلى الله عليه وسلم -. وذهب - صلى الله عليه وسلم - إلى بني ~~عمرو بن عوف # PageV02P515 # ليصلح بينهم. «وروي أن أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة فأخبر رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك فقال: " اذهبوا بنا نصلح بينهم» «وعرض ~~جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - على غرماء أبيه أن يأخذوا الثمر بما لهم ~~عليه فأبوا ولم يروا أن فيه وفاء، فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بذلك فقال له: " إذا جذذته ووضعته في المربد فآذني "، فلما كان ذلك، آذنه ~~فأتى هو وأبو بكر وعمر - رضي الله عنهم - فجلس عليه ودعا بالبركة فيه، ثم ~~قال: " ادع غرماءك فأوفهم "، فكال منه لأهل دينه وبقي منه مثل الذي كان فيه ~~بعد قضاء الدين» . # فصل فالإصلاح بين الناس فيما يقع بينهم من الخلاف والتداعي في الأموال ~~وغيرها من نوافل الخير المرغب فيها المندوب إليها. ولا بأس على الإمام أن ~~يشير على ms0946 الخصوم بذلك، روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سمع صوت ~~خصوم بالباب عالية أصواتهما، وإذا أحدهما يستوضع الآخر ويسترفقه في شيء - ~~وهو يقول: والله لا أفعل، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أين ~~المتألي على الله؟ ألا يفعل المعروف؟ فقال: أنا يا رسول الله. فله أي ذلك ~~أحب» . وروي «أن كعب بن مالك تقاضى ابن أبي حدرد دينا كان له عليه في عهد ~~النبي - عليه السلام - في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعهما رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وهو في بيته فخرج حتى كشف سجف حجرته، فنادى كعب بن ~~مالك فقال: يا كعب، قال: لبيك يا رسول الله، فأشار بيده أن ضع الشطر، فقال ~~كعب قد فعلت يا رسول الله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قم ~~فاقضه» وهذا الحديث أصل لما تلهج العامة به من قولها خير الصلح الشطر، ولا ~~صلح إلا بوزن. # PageV02P516 # فصل وإذا أشار الإمام على المتخاصمين بالصلح وندبهما إليه وحضهما عليه ~~فأبيا أو أبى أحدهما، فلا يجبرهما عليه، ولا يلح عليهما فيه إلحاحا يشبه ~~الإلزام؛ ولكنه يفصل بينهما بواجب الحق وصريح الحكم، كما فعل رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -. روي في الصحيح «أن الزبير بن العوام خاصم رجلا من ~~الأنصار في شراج من الحرة كانا يسقيان به كلاهما، فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: اسق يا زبير ثم أرسل إلى جارك، فغضب الأنصاري فقال يا ~~رسول الله أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ~~قال: اسق واحبس حتى يبلغ الجذر» . فاستوفى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- للزبير حقه - وكان قبل ذلك قد أشار على الزبير برأي سعة له وللأنصاري ~~فلما أحفظ الأنصاري رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استوفى للزبير حقه في ~~صريح الحكم. قال عروة قال الزبير والله ما أحسب هذه الآية نزلت: {فلا وربك ~~لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ~~ويسلموا ms0947 تسليما} [النساء: 65] إلا في ذلك. # فصل وإنما ينبغي للإمام أن يندب المتخاصمين - إلى الصلح ويديرهما - عليه ~~ما لم يتبين له أن الحق لأحدهما، فإذا تبين له ذلك، لم يتأن في الحكم له - ~~رجاء أن يصالحا، فقد قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في رسالته إلى أبي ~~موسى الأشعري، فاحرص على الصلح ما لم يتبين لك فصل القضاء. # فصل ولا يجوز الصلح بالحرام قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«الصلح جائز بين المسلمين، # PageV02P517 # إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا» . فكل ما يتراضى عليه المتصالحان فهو ~~جائز ما لم يجر ذلك إلى تحليل حرام أو تحريم حلال، واختلف فيه إذا وقع: ~~فقيل إنه يفسخ ويرد ولا يمضي وهو قول جمهور أهل العلم، وذهب أصبغ إلى أنه ~~يجوز في وجه الحكم ولا يحل له فيما بينه وبين الله أن يأخذ إلا ما يجوز في ~~التبايع؛ واحتج لذلك بما روي أن علي بن أبي طالب أتي بصلح فقرأه فقال: هذا ~~حرام، ولولا أنه صلح لفسخته - والأول أصح، لثبوته عن النبي - عليه السلام - ~~قولا وعملا؛ فأما قوله فهو ما روي عنه في الصحيح أنه قال: «من أحدث في ~~أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» . وأما عمله وقضاؤه فهو ما حكاه مالك في ~~موطئه من رواية أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني «أن رجلين اختصما إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فقال أحدهما يا رسول الله اقض بيننا بكتاب ~~الله وقال الآخر الحديث بطوله إلى قوله: " أما غنمك وجاريتك فرد عليك» ". ~~وأبطل - صلى الله عليه وسلم - كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان ~~مائة شرط. # فصل والصلح إنما هو قبض شيء عن عوض، فهو يشبه المبايعة ويجري مجراها في ~~أكثر الوجوه؛ فلا ينبغي أن يمضي فيه؛ الحرام كما لا يمضي في البيوع، ولا ~~اختلاف إذا انعقد الصلح بين المتصالحين على حرام لا يحل لواحد منهما في أنه ~~يفسخ، مثل أن يدعي رجل على رجل أن له عليه عشرة ms0948 دنانير فيقر له منها بخمسة ~~وينكر الخمسة، فيصالحه عن جميع دعواه بدراهم إلى أجل، وما أشبه ذلك؛ وإنما ~~يختلف إذا انعقد الصلح على حرام في حق أحد المتصالحين دون صاحبه، مثل أن ~~يدعي عليه عشرة دنانير فينكره فيها فيصالحه عنها بدراهم إلى أجل، لأن ~~المدعي لا يحل له أن يأخذ في عشرة دنانير له دراهم إلى أجل، والمدعى عليه ~~جائز له أن # PageV02P518 # يصالحه عن يمينه الواجب له عليه بدعواه على دراهم إلى أجل؛ فهذا أمضاه ~~أصبغ، ولم يفسخه بحكم على ما جاء عن علي بن أبي طالب، والمشهور أنه يفسخ، ~~وأما الصلح المكروه فقيل إنه يجوز إذا وقع، وقال ابن الماجشون يفسخ إذا عثر ~~عليه بحدثانه ما لم يطل، وهو أن يقع بين المتصالحين على وجه ظاهره الفساد ~~ولا يتحقق في جهة واحدة منهما مثل أن يدعي كل واحد منهما على صاحبه دنانير ~~أو دراهم وينكره فيها ولا يقر له بشيء منها، فيصالحان على أن يؤخر كل واحد ~~منهما صاحبه بما يدعيه قبله إلى أجل، لأن كل واحد منهما يقول: لا حرام فيما ~~فعلت، لأني واهب لما أعطيت؛ والظاهر أن كل واحد منهما أخر صاحبه بما له ~~عليه على أن يؤخره بما له عليه، فيدخله أسلفني وأسلفك، ويخشى أن يكون لكل ~~واحد منهما على صاحبه بعض ما يدعيه عليه، فيكون كل واحد منهما قد أخر صاحبه ~~بما له عليه على أن يزيده فيه، وذلك الربا المحرم بالقرآن؛ فقف على أنها ~~ثلاثة وجوه: # وجه يفسخ فيه الصلح باتفاق. # ووجه يفسخ فيه على اختلاف. # ووجه لا يفسخ فيه باتفاق إلا أن يعثر عليه بحدثانه فيفسخ على اختلاف. # فصل ومن مسائل الصلح التي تجري مجرى البيوع فيما يحل فيها ويحرم منها - ~~مسألة الصلح في العيب يوجد بالعبد وهي مسألة وقعت في المدونة ناقصة الوجوه ~~غير كاملة المعاني، فرأيت أن أوردها هنا باستيعاب وجوهها وكمال معانيها - ~~إن شاء الله، ولا قوة إلا بالله؛ فإذا باع الرجل عبدا فادعى المبتاع أن به ~~عيبا وأراد مصالحة ms0949 البائع، فإن الأمر لا يخلو في ذلك من وجهين: # PageV02P519 # أحدهما: أن يكون العبد فائتا. # والثاني: أن يكون قائما. # فصل فأما إن كان فائتا فلا يخلو الأمر من ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون باعه بنقد فانتقد. # والثاني: أن يكون باعه بنقد فلم ينتقد. # والثالث: أن يكون باعه إلى أجل. # فأما إذا باعه بنقد وانتقد ثم وجد المبتاع به عيبا بعد فواته، فجائز ~~للبائع أن يصالحه على دنانير أو دراهم أو عروض نقدا بعد معرفتهما بقيمة ~~العيب؛ لأن قيمة العيب من الثمن الذي نقد، قد وجبت للمبتاع قبل البائع ~~فجائز له أن يبيعها بما شاء إذا تعجل، ولا يجوز له أن يصالحه على دراهم إلى ~~أجل - إن كان البيع بدنانير، ولا على عروض إلى أجل لأنه يدخله في العروض ~~فسخ الدين في الدين، وفي الدراهم الصرف المتأخر؛ وإن صالحه على دنانير إلى ~~أجل لم يجز إلا أن يكون مثل قيمة العيب فأقل، فإن كانت أكثر من قيمته فلا ~~يجوز. # فصل # وأما إن لم ينقد الثمن حتى اطلع على العيب فجائز للبائع أن يصالحه على ~~عرض معين يدفعه، أو موصوف إلى أجل يجوز إليه السلم، ولا يجوز بدراهم نقدا ~~ولا إلى أجل، إلا أن يكون يدا بيد مثل الصرف وأما بالذهب فلا أعرف في ذلك ~~نص رواية والنظر يوجب - عندي ألا يجوز على مذهب مالك إلا مراطلة كفة بكفة ~~بعد معرفتهما بقيمة العيب وتقاربهما عليه. # PageV02P520 # وأما إن ادعاه المبتاع وأنكره البائع فلا يجوز وإن أحضر المبتاع قيمة ~~العيب، من الذهب وراطله بها، لأنه لم يرض بهذه المراطلة إلا بما طرح عنه ~~البائع من مئونة إثبات العيب والعناء في ذلك أو اليمين؛ لأن البائع لو نكل ~~عن اليمين وجبت على المبتاع فصار إنما رضي بالمراطلة بما أسقط عنه من ~~اليمين، فيدخله التفاضل بين الذهبين؛ وأما على مذهب ابن القاسم، فينبغي أن ~~يكون الصلح بالذهب جائزا إذا أحضر قيمة العيب وراطله بها. وإن كان البائع ~~منكرا للعيب، لأن المبتاع إن نكل يدعي باطلا فلا يجوز ms0950 له أن يأخذ منه قليلا ~~وكثيرا. وإن كان يدعي حقا، فجائز له أن يراطله بما يعلم أنه قد سقط من قيمة ~~العيب، وإنما الذي يجوز بلا كلام أن يحط عنه من الثمن الذي عليه ما يتفقان ~~عليه من قليل أو كثير. # فصل وأما إن كان الثمن مؤجلا، فجائز له أن يصالحه على عروض أو طعام نقدا، ~~ولا يجوز على عروض مؤجلة؛ لأنه يدخله الدين بالدين؛ ولا على دراهم نقدا ولا ~~إلى أجل، وأما الدنانير فقال في المدونة: إنه لا يجوز، فقيل إن معنى ذلك إن ~~كانت الدنانير التي صالحه عليها أقل من قيمة العيب. # وأما إن كانت مثلها أو أكثر منها، فذلك جائز؛ لأنه لا يتهم أن يعطي ذهبا ~~ويأخذ مثلها أو أقل منها - إذا حل الأجل؛ هذا تأويل ابن أبي زيد وأحمد بن ~~خالد؛ وقيل إن ذلك لا يجوز بحال وإن كانت الدنانير مثل قيمة العيب أو أكثر ~~منها إذا كان البائع منكرا للعيب، لأن البائع إنما رضي بدفع دنانيره في ~~مثلها أو في أقل منها إلى أجل، لما طرح عنه المبتاع من الخصومة في قيمة ~~العيب، فصار ذلك سلفا جر نفعا، ودنانير في دنانير إلى أجل. # PageV02P521 # فصل وأما الوجه الثاني - وهو أن يكون العبد قائما لم يفت، فلا يخلو أيضا ~~من ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون باعه بنقد فانتقد. # والثاني: أن يكون باعه بنقد فلم ينتقد. # والثالث: أن يكون باعه بثمن إلى أجل. # فصل # فأما الوجه الأول وهو أن يبيعه بنقد فينتقد ثم يجد المبتاع به عيبا فلا ~~يخلو أيضا من وجهين: # أحدهما: أن يصالحه البائع بشيء يعطيه على ألا يرده عليه. # والثاني: أن يصالحه المبتاع بشيء يعطيه على أن يرده عليه. # فصل # فأما إذا صالحه المبتاع بشيء يزيده على أن يرده عليه، فإن كانت الزيادة ~~عرضا فلا بأس به نقدا أو إلى أجل؛ وإن كانت الزيادة ورقا وقد باع بذهب، فلا ~~بأس به نقدا إذا كان أقل من صرف دينار، ولا يجوز إلى أجل؛ وإن كانت الزيادة ms0951 ~~ذهبا، فلا تجوز نقدا ولا إلى أجل، لأنه ذهب وعرض بذهب؛ فلا يجوز إلا على ~~المقاصة. # وأما إن صالحه البائع بشيء يزيده على ألا يرده عليه، فإن كانت الزيادة ~~دنانير نقدا وقد باع بدنانير فذلك جائز؛ لأنه كان استرجع ذلك من الثمن ~~وأمضى العبد بما بقي. # فإن كانت الزيادة دنانير إلى أجل، فلا يجوز لأنه بيع وسلف؛ وإن # PageV02P522 # تأخرت الدنانير من غير شرط، فذلك جائز، وإن صالحه على دراهم إلى أجل، فلا ~~يجوز؛ لأنه يدخله الصرف المتأخر كأنه باع منه عبدا ودراهم إلى أجل بدنانير ~~نقدا؛ وإن كانت الدراهم نقدا، فذلك جائز إن كانت أقل من صرف دينار على مذهب ~~ابن القاسم؛ ويجوز على مذهب أشهب - وإن كانت أكثر من صرف دينار. وإن كانت ~~الزيادة عروضا نقدا. فذلك جائز - وإن كانت العروض إلى أجل فاختلف في ذلك ~~قول ابن القاسم فأجازه مرة ومنع منه أخرى. # فصل وأما الوجه الثاني - وهو أن يبيعه بنقد، فلا ينتقد حتى يجد المبتاع ~~عيبا فلا يخلو أيضا من وجهين: # أحدهما: أن يصالحه البائع بزيادة على ألا يرده عليه. # والثاني: أن يصالحه المبتاع بزيادة على أن يرده عليه. # فأما إذا صالحه البائع على أن لا يرده عليه ويزيده، فإن كانت الزيادة ~~دنانير، لم يجز إلا أن تكون مقاصة؛ لأنه إذا انتقده يصير قد باع عبدا ~~ودنانير بدنانير، وإن زاده دراهم لم يجز إلا أن يكون نقدا، ويكون أقل من ~~صرف دينار على مذهب ابن القاسم؛ وإن زاده عروضا نقدا أو مؤجلة موصوفة، فذلك ~~جائز، وأما إذا صالحه المبتاع على أن يرده عليه بزيادة يزيده إياها، فإن ~~كانت الزيادة دنانير نقدا، فذلك جائز؛ وإن كانت الزيادة إلى أجل، لم يجز؛ ~~لأنه بيع وسلف أعطاه العبد ببعض الثمن الواجب له عليه على أن يؤخره ببقيته، ~~وإن كانت الزيادة دراهم يسيرة أقل من صرف دينار جاز؛ لأنه كأنه قد باع منه ~~العبد ببعض الثمن على أن صرف منه بقيته، وإن كانت الزيادة عرضا نقدا، فذلك ~~جائز؛ وإن كانت الزيادة ms0952 شيئا إلى أجل، لم يجز لأنه فسخ دين في دين. # PageV02P523 # فصل وأما الوجه الثالث وهو أن يشتري منه العبد بدنانير إلى أجل ثم يجد ~~المبتاع به عيبا، فلا يخلو أيضا من وجهين: # أحدهما: أن يصالحه البائع على ألا يرده عليه. # والثاني: أن يصالحه المبتاع على أن يرده عليه. # فأما إذا صالحه البائع على ألا يرده عليه بزيادة يزيده إياها، فإن كانت ~~الزيادة دنانير - وقد كان باعه إياها بدنانير، فإن كانت الدنانير نقدا أو ~~إلى غير أجل الثمن، فلا يجوز، لأنه كأنه قد باعه عبدا ودنانير بدنانير إلى ~~أجل؛ وإن كانت الدنانير إلى أجل الثمن فذلك جائز، لأنه مقاصة إذا حل الأجل ~~قاصه بها من الثمن وأخذ بقيمته فكأنه حط عنه بعض الثمن من أجل العيب الذي ~~طعن فيه. وإن كانت الزيادة دراهم فلا يجوز نقدا كانت أو مؤجلة؛ وإن كانت ~~الزيادة عروضا فذلك جائز نقدا ولا يجوز إلى أجل، وأما إذا صالحه المبتاع ~~على أن يرده عليه بزيادة يزيده إياها، فإن كانت الزيادة عرضا معجلا، فذلك ~~جائز - ولا يجوز إلى أجل، وإن كانت الزيادة دنانير معجلة أو مؤجلة، لم يجز ~~إلا إلى ذلك الأجل بعينه؛ لأنه يكون مقاصة، وإن كانت الزيادة دراهم، لم يجز ~~نقدا ولا إلى أجل، لأنه إن كانت الزيادة عرضا مؤجلا دخله فسخ الدين في ~~الدين: فسخ ما وجب عليه من الثمن المؤجل في عرض معجل وهو العبد، وعرض مؤجل ~~وهي الزيادة؛ وإن كانت الزيادة دنانير نقدا وقد باعه بدنانير، دخله ما يدخل ~~إحدى مسألتي ربيعة: ضع وتعجل، وعرض وذهب بذهب - إلى أجل، وكذلك إن كانت ~~الدنانير التي زاده مؤجلة، وإن كانت الزيادة دراهم نقدا أو مؤجلة دخله ~~الصرف المتأخر؛ هذا تحصيل هذه المسألة فانحصرت وجوهها إلى تسع مسائل: ثلاث ~~في فوات العبد، وست في قيامه، وبالله تعالى التوفيق. # PageV02P524 ### | كتاب العرايا # ] [ ### || فصل في اشتقاق لفظ العرية # فصل في اشتقاق لفظ العرية العرية مأخوذة من قولهم عروت الرجل أعروه إذا ~~جئته تلتمس بره ومعروفه، من قوله عز وجل: ms0953 {وأطعموا القانع والمعتر} [الحج: ~~36] . وقيل إنها مأخوذة من تخلي الإنسان عن ملكه على الثمرة، من قوله عز ~~وجل: {فنبذناه بالعراء} [الصافات: 145] . وقيل: إنما سميت عرية، لأنها تعرى ~~من المساومة عند البيع إذا جعلها عامة للمحتاج، والفعل الإعراء من أعرى ~~يعري إعراء؛ قال صاحب العين فعلى هذه الوجوه: العرية اسم للثمرة الموهوبة، ~~وقد قيل إن أصل هذه الكلمة مأخوذة من النخل تعرى من ثمرتها بالهبة لثمرتها، ~~فسميت عرية لذلك؛ فعلى هذا تكون العرية اسما للنخلة التي وهبت ثمرتها لا ~~للثمرة الموهوبة، والأول أظهر وأولى لتأييد الآثار له. ### || فصل في معنى الإعراء # والإعراء: هبة الثمرة في أصول الشجر والثمرة الموهوبة هي العرية، والعرية ~~تختص بالرخصة الواردة فيها عن النبي - عليه السلام -، ويكون سقيها # PageV02P525 # وزكاتها على المعري إذا سماها عرية على مذهب ابن القاسم؛ فإن لم يسمها ~~عرية - وإنما قال وهبتك الثمرة، لم تختص بالرخصة، وكان السقي والزكاة على ~~الموهوب له، وذهب ابن حبيب إلى أن هبة الثمر في رؤوس الشجر عرية - سماها ~~عرية أو هبة، تختص بالرخصة وتكون الزكاة والسقي على المعري والواهب؛ وحكى ~~سحنون في المدونة عن كبار أصحاب مالك أنهم لم يفرقوا في السقي والزكاة بين ~~العرية والهبة يريد وإن افترق ذلك عندهم في الرخصة الواردة، فإنه لا يفترق ~~في السقي والزكاة، ويكون ذلك على المعرى والموهوب له، وحكى ابن المواز أنهم ~~لم يختلفوا في سقي العرية أنها على المعرى، وإنما اختلفوا في زكاتها فقال ~~أشهب: إنها على المعرى كالهبة إلا أن يعريه بعد الزهو؛ قال: وما روي عن ~~مالك أنها على رب الحائط رمية رمى بها، والصحيح أن الاختلاف داخل في السقي ~~أيضا على ما ذكرناه، وكثيرا ما يفعل هذا محمد بن المواز ينفي الاختلاف ~~الموجود، وسحنون يقول إن كانت العرية بيد المعري يسقيها ويقوم عليها، ~~فالزكاة عليه، وإن كانت بيد المعرى يسقيها ويقوم عليها فالزكاة عليه. # فصل والمعنى في الفرق بين الهبة والعرية عند من فرق بينهما: أن العرية هي ~~ما يقصد به المواساة في الثمرة لا - عين ms0954 المعرى - على ما كان عليه الصحابة ~~- رضي الله عنهم - من المواساة بثمر حوائطهم لمن لا حائط له؛ فكأنها على ~~ملك المعري - ما لم تطب، يجب عليه سقيها وزكاتها، ولا تجب للمعرى إلا ~~بالطياب - وإن قبضها قبل ذلك، إذ لم يقصد بها عينه؛ والهبة ما قصد بها عين ~~الموهوب له، فخرجت عن ملك الواهب، ووجبت للموهوب له بالقبض. # فصل والعرية هبة من الهبات، فإذا سماها عرية علم أنه قصد بها المواساة لا ~~عين # PageV02P526 # المعرى، وإذا لم يسمها عرية وإنما قال وهبتك الثمرة احتمل أن يريد بها ~~عين الموهوب له على سبيل الهبة المحضة له، وأن يكون إنما قصد بها المواساة ~~على معنى العرية، لا عين الموهوب له، فحملها ابن القاسم على الهبة المحضة ~~حتى يبين أنه أراد بها العرية؛ وحملها ابن حبيب على العرية حتى يبين أنه ~~أراد الهبة المحضة؛ وأوجب كبار أصحاب مالك في المدونة السقي والزكاة في ~~العرية على المعرى؛ ووجه ذلك أن العرية قد وجبت للمعرى بالقبض وجوبا لو ~~أراد المعري صرفها إلى غيره، لم يكن ذلك له، فأشبه الهبة المحضة المقصود ~~بها عينه؛ ويلزم على هذا أن تجب له وتورث عنه - إذا قبضها أبرت أو لم تؤبر ~~- كالهبة؛ فيأتي على هذا التعليل فيما تجب به العرية للمعرى أربعة أقوال: # أحدها هذا، والثاني: أنها تجب له بالإبار قياسا على قول أشهب في الحبس. # والثالث أنها لا تجب لها إلا بالطياب، وهي رواية محمد بن خالد عن ابن ~~القاسم. # والرابع: أنها تجب له وتورث عنه إذا قبض الأصول، وإن لم تطلع الثمرة بعد ~~على ظاهر ما في كتاب الهبة والصدقة من المدونة، القولان منها على القول ~~بالعرية لا يقصد بها عين المعرى، وإنما يقصد بها المواسة، والقولان الآخران ~~على القول بأن العرية يقصد بها عين المعرى، فلا تفترق من الهبة إلا في ~~الرخصة. # وأما قول من فرق بين الزكاة والسقي في العرية، فلا وجه له عندي من جهة ~~النظر، لأن الثمرة إن كانت قد وجبت للمعرى بقبض الأصول أو ms0955 بقبضها مع الطلوع ~~على القول بأنها تجب له بذلك، وإن مات المعري، فيجب أن يكون عليه سقيها كما ~~تكون عليه زكاتها؛ لأن من حق المعري أن يقول للمعرى: لا أسقي # PageV02P527 # الثمرة، إذ لا حق لي فيها - وأنت بالخيار إن شئت فاسق ثمرتك وإن شئت فدع؛ ~~وإن كانت الثمرة لم تجب للمعرى إلا بالطياب على القول بأنها باقية على ملك ~~المعري ما لم تطب؛ وإن قبضها المعرى فيجب أن تكون على المعرى زكاتها كما ~~يكون عليه سقيها؛ ووجه الفرق بينهما من جهة الاستحسان: أن سقي الثمرة لما ~~كان فيه منفعة الحائط سلمت الثمرة أو ذهبت كان السقي على ربه - وهو المعري؛ ~~وإن كانت الثمرة قد وجبت للمعرى وكانت زكاتها عليه ولا يحمل ذلك القياس؛ ~~لأن من حق صاحب الحائط ألا يسقي حائطه وإن تلف. # فصل وأرخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيع العرية بخرصها، ذكر ~~مالك - رحمه الله - في موطئه عن نافع عن عبد الله بن عمر عن زيد بن ثابت ~~«أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرخص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها» ~~. وعن داود بن الحصين، عن سفيان مولى ابن أبي أحمد عن أبي هريرة، «أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أرخص في بيع العرايا بخرصها فيما دون خمسة ~~أوسق أو في خمسة أوسق» شك داود: قال خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق. فقوله - ~~صلى الله عليه وسلم - أرخص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها، وأرخص في بيع ~~العرايا بخرصها دليل على أن العرية اسم للثمرة الموهوبة لا للأصول التي ~~أعريت ثمرتها. ومن قال إن العرية اسم للأصول التي أعريت ثمرتها، ذهب إلى أن ~~معنى قوله أرخص في بيع العرايا، أرخص في بيع ثمرة العرايا، فحذف المضاف ~~وأقام المضاف إليه مقامه، مثل قوله تعالى: {واسأل القرية} [يوسف: 82] يريد ~~أهل القرية، وهذا كثير في كلامهم، إلا أنه من المجاز، وحمل الكلام على ~~الحقيقة، أولى من حمله على المجاز. # PageV02P528 # فصل فبيع العرايا بخرصها إلى الجداد مستثناة من المزابنة وسائر ms0956 وجوه ~~الربى بالرخصة، لوجهين: # أحدهما نفي الضرر الداخل على المعري ببقاء يد المعرى على عريته، وذلك أن ~~الناس كانوا يتواسون فيما بينهم فيطعم من له نخل لمن لا نخل له - النخلة ~~والنخلات من نخله، فكان يشق على المعري دخول المعرى عليه لجمع عريته ~~والقيام عليها؛ لامتناعه بذلك من الانفراد في حائطه بأهله وولده - على ما ~~جرت به عادتهم؛ فيؤدي ذلك من المشقة عليه إلى ما يمنع من الإعراء في عام ~~آخر. # والوجه الثاني القصد إلى المعروف والرفق دون المكايسة وذلك أن المعرى إذا ~~احتاج إلى حفظ عريته وجمع سواقطها والقيام عليها، لزمه من المشقة في ذلك ~~أكثر من قدر قيمتها، فيؤدي ذلك إلى أن لا ينتفع بعريته فاحتاج المعرى إلى ~~من يكفيه مؤونته عريته، كما احتاج المعري إلى الانفراد في حائطه، فرخص رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - لهذا المعنى أن يخرص على المعري عريته التي ~~أعراها ويكون عليه خرصها ثمرا عند الجداد إذا تراضيا بذلك واتفقا عليه. # فصل فبيع العرية بخرصها من معريها، ليس ببيع على الحقيقة؛ وإنما هو معروف ~~اتبعه معروفه الأول ونفى به الضرر على نفسه بأن التزم له عريته بخرصها إلى ~~الجداد، كما تخرص عليه الزكاة التي تجب لأهل الزكاة، لما يلحقه من الضرر ~~بمشاركتهم له في الحائط ويجري قياس جواز أخذ العرية بخرصها على خرص الزكاة ~~بأن نقول إن هذا معنى حد الشرع بخمسة أوسق، فجاز أن تخرص ثمرته على أن يعطي ~~مكيلة خرصه تمرا عند الجداد، أصل ذلك الزكاة؛ وإنما سماه # PageV02P529 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيعا، لما فيه من معنى البيع - وإن لم ~~يكن بيعا على الحقيقة؛ وهو أن مبتاع العرية بخرصها يملكها ويجوز له التصرف ~~فيها، كما لو اشتراها بالدنانير والدراهم؛ ولا يجوز ذلك له أيضا إلا ~~باجتماع منهما جميعا واتفاق ورضى واختيار كالبيع، بخلاف خرص الزكاة التي ~~النظر فيها إلى الأمام، ولا خيار فيه إلى رب الحائط، فلذلك لم يرد فيه ~~الشرع بلفظ البيع. # فصل # فمالك - رحمه الله - يجيز بيع ms0957 العرية بخرصها إلى الجداد للعلتين جميعا، ~~وابن الماجشون لا يراعي إلا الضرر ولا يرى العلة في جوازها سواه، والعلة ~~التي هي أملك بجوازها نفي الضرر، ألا ترى أن شراء العرية في مذهب مالك ~~وجميع أصحابه لا يجوز بخرصها إلا لمعريها، أو لمن صار إليه ثمر الحائط ~~بشراء أو هبة أو غير ذلك من وجوه الملك. # فصل ومن الحجة لمالك في ألا يجوز للمعرى بيع عريته ممن شاء بخرصها إلى ~~الجداد مع ما تقدم من علة نفي الضرر - ما روي «أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أرخص في العرية أن تباع بخرصها يأكلها أهلها رطبا» فقوله أهلها ~~- يريد أهل الحائط المعرين للثمرة - والله أعلم؛ ودخل من صارت إليه الثمرة ~~بوجه من وجوه الملك مدخلهم بالقياس، وفي بعض الآثار «أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أرخص لصاحب العرية أن يبيعها من معريها بخرصها ثمرا عند ~~الجداد» وهذا نص في موضع الخلاف. # فصل وقد ذهب جماعة من أهل العلم، منهم أحمد بن حنبل إلى أنه يجوز لصاحب ~~العرية بيع عريته بخرصها ممن شاء على ظاهر ما روي أنه - صلى الله عليه وسلم ~~- أرخص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها مطلقا من غير تقييد، وهو ظاهر قول # PageV02P530 # يحيى بن سعيد في المدونة؛ لأنه قال: العرية الرجل يعري الرجل النخلة ~~والنخلتين يسميهما من ماله ليأكلها فيبيعها بثمر - لم يقل من المعري ولا من ~~غيره، والقول ما قاله مالك - رحمه الله -. وذهب إليه؛ لأن المطلق يجب حمله ~~على المقيد في هذه المسألة وفاقا بما دل عليه من الدليل. # فصل وبيع العرايا لا يجوز بخرصها على مذهب مالك - رحمه الله - إلا على ~~ستة شروط: # أحدها: أن تزهي الثمرة. # والثاني: أن تكون خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق. فإن زادت على ذلك لم يجز ~~وقد قيل لا يجوز إلا في أقل من خمسة أوسق وهي رواية أبي الفرج عن مالك - ~~رحمه الله - وهو الأظهر؛ لأن الأصل المنع لأنه مزابنة، فلا يستباح منه شيء ~~إلا بيقين، لأن الشك ms0958 لا يقدح في اليقين. # والثالث: أن يعطيه الخرص عند الجداد، فإن أعطاه ذلك نقدا لم يجز. # والرابع: أن يكون من صنفها، ونوعها، فإن كان من خلافها لم يجز. # والخامس: أن تكون العرية مما ييبس ويدخر. # والسادس: أن يبيعها من معريها أو ممن صار له ثمر الحائط، وعلى مذهب ابن ~~القاسم في المدونة يحتاج في ذلك إلى شرط سابع - وهو أن يسميها عرية لا هبة ~~مطلقة، لافتراق أحكام الهبة المطلقة عنده من العرية. # فصل واتفق مالك - رحمه الله - والشافعي وأبو حنيفة على جواز أخذ المعرى ~~في عريته بخرصها ثمرا، إلا أنهم اختلفوا في تعليل ذلك؛ فأما مالك فقد # PageV02P531 # تقدم مذهبه؛ وأما الشافعي، فلم يقصد ذلك على العرية وأجاز بيع ما دون ~~خمسة أوسق ممن الرطب في رؤوس النخل بالثمر يدا بيد، كان ذلك من عرية أو ~~شراء أو لمن يريد أن يبيع ذلك المقدار من حائطه لعلة أو لغير علة، والرخصة ~~عنده إنما وردت في المقدار المذكور فخرج ذلك المقدار من المزابنة، وما زاد ~~عليه فهو منها؛ وإنما خصت عنده العرايا بالذكر في ذلك، لأن السؤال وقع ~~عنها، أو لأنها إنما تقع في هذا المقدار في الأغلب من الحال؛ وقالوا أيضا ~~إن العرية ليست اسما لما أعري ووهب وأعطي وإنما هو اسم لما أفرد عن جملة - ~~سواء كان للهبة أو للبيع أو للأكل، كأنه عري عن الأصل وأفرد عنه؛ والصحيح ~~ما قدمنا ذكره عن أهل اللغة أنه اسم للعطية مخالف الشافعي وما جاء في بعض ~~الآثار من «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرخص لصاحب العرية أن ~~يبيعها من معريها بخرصها تمرا عند الجداد» في ثلاثة مواضع. # أحدها: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شرط في جواز بيعها أن يكون ~~من معريها دون غيره - وهو يجيز بيعها من المعري وغيره. # والثاني: أنه - صلى الله عليه وسلم - أرخص في بيعها بخرصها تمرا عند ~~الجداد، والشافعي يمنع ذلك عند الجداد، ويجيزه نقدا ويقول إن تفرقا قبل ~~القبض فسد. # والثالث: أن العرية ms0959 اسم الفعل المعروف مستثنى من الأصول بدليل قوله - صلى ~~الله عليه وسلم - للخراص خففوا، فإن في المال العرية والوصية. فأجراهما ~~مجرى واحدا وهو يقول إنه المقدار وإن لم يكن عرية. # وأما أبو حنيفة فعلته في جواز أخذ المعري عريته بخرصها أنها هبة مبتدأة ~~على أصله أن للواهب الرجوع فيما وهب ما لم تحز عنه، فكأنه ارتجع عريته من # PageV02P532 # المعرى ثم وهبه تمرا عند الجداد؛ وإنما سمي بيعا على المجاز والاتساع، ~~وأما على الحقيقة فلا يجوز ذلك، لأنه بيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر على ~~وجه الأرض وهذا أبعد الأقاويل؛ لأنه رد لأحاديث الرخصة في بيع العرية ~~بخرصها جملة، وإبطال لفائدتها ومعناها، إذ الهبة المبتدأة لا يصح أن يشترط ~~في جوازها أن يكون أصلها عرية، ولا أن يكون خمسة أوسق فدون هذا مما لا يصح ~~لأحد أن يقوله ولا يعتقده؛ لانعقاد الإجماع على جواز ابتداء هبة القليل ~~والكثير من غير حد ولا تقدير؛ ويلزم على قياس قوله ألا يجوز للمعرى بيع ~~العرية بخرصها من المعري إذا قبض عريته - إما بقبض الأصول، وإما بقبضها مع ~~الطلوع، إلا أن يكون من مذهبه أن القبض لا يكون إلا بالجد. # فصل والعرية تجوز في الثمار كلها كان مما يدخر أو مما لا يدخر لعام واحد ~~وأعوام كثيرة، لأنها هبة من الهبات؛ وأما أخذها بخرصها عند الجداد، فلا ~~يجوز إلا فيما ييبس ويدخر من الثمر كالتمر، والعنب والتين، والجوز، واللوز، ~~والزيتون، وما أشبه ذلك؛ هذا هو المشهور في المذهب الموجود لمالك في ~~المدونة وكتاب ابن المواز والمبسوط، وقد روي عنه أيضا في كتاب ابن المواز ~~أن ذلك لا يجوز إلا في النخل والعنب خاصة، وهو قول الشافعي. # فصل وقد اختلف في الحيازة التي تصح بها العرية للمعرى إن مات المعري فقال ~~ابن حبيب لا تصح العرية للمعرى إن مات المعري إلا أن يكون قد قبض الأصول ~~وطلع فيها الثمر قبل موته، واختلف الشيوخ في تأويل ما في المدونة في ذلك، # PageV02P533 # وهل الهبة والصدقة بمنزلة العرية أم ms0960 لا على ما أذكره إن شاء الله، أما ~~أبو عمر بن القطان، فكان يقول قول ابن حبيب مفسرا لما في المدونة في العرية ~~والهبة والصدقة، ولا فرق بين العرية والهبة والصدقة في أن المعري أو الواهب ~~أو المتصدق، إذا مات فلا شيء للمعرى أو الموهوب له أو المتصدق عليه إلا أن ~~يكون كل واحد منهم قد قبض الأصول قبل موته وطلعت فيها الثمرة، وكان يحتج ~~لمساواته بين الهبة والعرية والصدقة برواية يحيى عن ابن القاسم في كتاب ~~الهبات والصدقات من العتبية الواقعة في رسم الصلاة منه؛ ورأيت لأبي مروان ~~بن مالك - رحمه الله - أنه كان يقول ما قال ابن حبيب خلاف لما في المدونة - ~~يريد والله أعلم أن العرية تصح للمعرى بقبض الأصول في حياة المعري وإن لم ~~تطلع فيها الثمرة على ظاهر ما وقع في كتاب الهبة والصدقة في الهبة والصدقة، ~~فتستوي عنده الهبة والعرية في أنها تصح للمعرى والموهوب له بقبض الأصول وإن ~~لم تطلع فيها الثمرة؛ وكان الفقيه أبو جعفر بن رزق - رحمه الله - يقول قول ~~ابن حبيب مفسر لما في المدونة في العرية، وخلاف لما فيها في الهبة والصدقة؛ ~~ومذهبه في المدونة: الفرق بين العرية والهبة، هذا قوله وتأويله وهو أظهر ~~التأويلات على ما في المدونة؛ وأشهب يقول إذا أبرت النخل قبل موت المعري ~~صحت للمعرى، لأنه لا يمنع من الدخول إلى عريته؛ وأما إن قبض الأصول وحازها؛ ~~فهي له وإن لم تؤبر. وأما إن مات المعرى فلا تجب لورثته العرية، وإن كان قد ~~قبضها، إلا أن يكون مات بعد طيب الثمرة، هذه رواية محمد بن خالد عن ابن ~~القاسم في العتبية حملها محمل الحبس لا محمل الهبة، وذلك صحيح على قياس ~~القول بأن السقي والزكاة على المعرى، ويلزم على قول أشهب في الحبس أن ~~الثمرة تجب لورثة المحبس عليه بالإبار: أن تجب أيضا لورثة المعرى بالإبار، ~~وبالله التوفيق. # PageV02P534 ### | كتاب الجوائح # ] [ ### || فصل في بيان معنى الجائحة من القرآن # فصل في بيان معنى الجائحة من القرآن قال ms0961 الله عز وجل: {مثل ما ينفقون في ~~هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته ~~وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون} [آل عمران: 117] ، وقال تعالى: {إنما ~~مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل ~~الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون ~~عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك ~~نفصل الآيات لقوم يتفكرون} [يونس: 24] ، وقال تعالى: {ولولا إذ دخلت جنتك ~~قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترني أنا أقل منك مالا وولدا} [الكهف: ~~39] {فعسى ربي أن يؤتيني خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح ~~صعيدا زلقا} [الكهف: 40] {أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا} [الكهف: ~~41] {وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها} ~~[الكهف: 42] . وقال تعالى: # PageV02P535 # {إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين} [القلم: ~~17] {ولا يستثنون} [القلم: 18] {فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون} ~~[القلم: 19] فأصبحت كالصريم، يقول تبارك وتعالى: إنا اختبرنا وامتحنا مشركي ~~قريش، كما امتحنا أصحاب الجنة وأصحاب الجنة هؤلاء على ما ذكر بعض أهل ~~التفسير قوم كانت لهم جنة وهي البستان ويقال إنها أرض باليمن يقال لها ~~ضوران فكان فيها رجل من بني إسرائيل كانت له هذه الجنة فكان يؤدي حق الله ~~فيها إلى المساكين؛ وجاء في التفسير أنه كان يأخذ منها قوت سنة ويتصدق ~~بالباقي، وجاء أيضا أنه كان يترك ما أخطأ المنجل، وما كان في أسفل الأكداس، ~~وما أخطأه القطاف من العنب، وما خرج عن البساط الذي يبسط تحت النخلة إذا ~~صرمت، فكان يجتمع من ذلك شيء كثير؛ فلما مات ورثه بنوه فقالوا والله إن كان ~~أبونا لأحمق حين كان يطعم المساكين - ونحن جماعة؛ فإن فعلنا بالمساكين ما ~~كان يفعل أبونا ضعنا، فحلفوا ليصرمنها بسدفة من الليل، قال الله عز وجل: ~~{ولا يستثنون} [القلم: 18] ، أي لم يقولوا: إن شاء الله فلما ms0962 كان في أول ~~الوقت الذي اتعدوا فيه في أول الصبح بسدفة، غدوا إلى جنتهم ليصرموها؛ ~~{وغدوا على حرد قادرين} [القلم: 25] أي على جد من أمرهم؛ وقيل على قصد أي ~~قادرين في أنفسهم على قصد جنتهم، لا يحول بينهم وبينها آفة؛ وقيل على منع ~~قادرين، من قولهم حاردت السنة إذا منعت خيرها، وحاردت الناقة إذا ارتفع ~~لبنها. وقيل على غضب، فلما رآوها أي رأوا جنتهم أنكروها من سوادها: فقال ~~بعضهم لبعض: إنا لضالون أي طريق الجنة وما هذه جنتنا؛ فلما تبينوا، قالوا ~~بل نحن محرومون أي حرمنا ما كنا نأمل فيها من القوت والسعة على أهالينا ~~وأيتامنا، قال أوسطهم أي أعدلهم ألم أقل لكم لولا تسبحون أي تستثنون في ~~قسمكم؛ وقال بعضهم أي تصلون؛ فقال وظنوا أنهم أوتوا من قبل ترك الصلاة؛ ~~{قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين} [القلم: 29] # PageV02P536 # أي ننزه ربنا عز وجل عن بخلنا ولومنا، {فطاف عليها طائف من ربك وهم ~~نائمون} [القلم: 19] ، أي أتاها ليلا، والطائف لا يكون إلا بالليل، فإذا ~~كان بالنهار قالوا طفت به نهارا: {فأصبحت كالصريم} [القلم: 20] ، أي كالليل ~~الأسود. والصريم أيضا النهار - وهو من الأضداد، وقيل كالصريم أي كالمقطوع ~~من أصله، وقيل كالصريم أي كالمصروم الذي قد أخذ حمله، أي ليس فيها ثمر. ~~وقيل فأصبحت كأرض تدعى الصريم - وهي أرض باليمن معروفة على ستة أميال من ~~صنعاء. # فصل فالجوائح من الله تعالى ابتلاء منه يبتلي به عباده بما كسبت أيديهم ~~ويعفو عن كثير قال الله عز وجل: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ~~ويعفو عن كثير} [الشورى: 30] . # فصل فمن أصيب بجائحة فصبر واحتسب ورضي بقدر الله وسلم لأمره، كان من ~~المهتدين المبشرين من الله بالصلاة والرحمة - حيث يقول تعالى: {وبشر ~~الصابرين} [البقرة: 155] {الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه ~~راجعون} [البقرة: 156] {أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم ~~المهتدون} [البقرة: 157] # فصل فإذا نزلت بالرجل جائحة في شيء مما اشتراه من الثمار أو ما تخرجه ~~الأرض من غير الثمار، فإن أهل ms0963 العلم اختلفوا في وضع الجائحة عنه اختلافا ~~كثيرا إذا كان قد اشترى ذلك دون الأصل، أو اشتراه مع الأصل بعد حلول بيعه؛ ~~وأما إن اشتراه مع الأصل قبل حلول بيعه، فلا جائحة فيه بإجماع. # PageV02P537 # فصل وهذا الاختلاف مبني على خمس مسائل هي أصله وعليها مداره: # إحداها: معرفة وجوب وضع الجائحة. # والثانية: معرفة الحال التي توضع فيها. # والثالثة: معرفة مقدار ما يوضع منها مما لا يوضع. # والرابعة: معرفة ما يوضع فيه مما لا يوضع. # والخامسة: معرفة ما هو جائحة يجب وضعها مما ليس بجائحة يجب فيه الوضع. # فصل فأما وجوب وضع الجائحة في الجملة فالأصل فيه ما روي أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أمر بوضع الجوائح، وما روي أنه قال «من باع ثمرة ~~فأصابتها جائحة فلا يأخذ من مال المشتري شيئا على ما يأخذ أحدكم مال أخيه ~~بغير حق» وما روي أنه «نهى عن بيع الثمار حتى تزهى وقال: أرأيت إذا منع ~~الله الثمرة، ففيم يأخذ أحدكم مال أخيه» . # فصل فأخذ مالك - رحمه الله - وجميع أصحابه بهذه الآثار وتقلدوا الحكم ~~بوضع الجائحة، وخالفهم في ذلك أبو حنيفة، والشافعي في أحد قوليه وأصحابهما. ~~فقالوا إذا قبض المشتري لم يوضع عنه للجائحة شيء أصلا، وعللوا هذه الآثار ~~بعلل يطول جلبها، واحتجوا لمذهبهم بظواهر آثار لا حجة لهم فيها، من ذلك ما ~~روى أبو سعيد الخدري «أن رجلا ابتاع ثمارا على عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فأصيب فيها، فكثر دينه فأمر النبي - عليه السلام - بالصدقة ~~عليه، فتصدق عليه فلم يكن فيما # PageV02P538 # تصدق به عليه وفاء دينه، فقال - صلى الله عليه وسلم - خذوا ما وجدتم وليس ~~لكم إلا ذلك» . قالوا ولو كان له حق أن يرجع على البائع، لقال ذلك له، وهذا ~~لا حجة لهم فيه كما قلنا لأنه حكاية عن فعل وقضية في عين، فيحتمل أن يكون ~~أصيبت بعدما استجدت أو أصيب منها ما دون الثلث أو سرقة أو غير ذلك مما لا ~~يوجب له الرجوع على البائع، أو يكون ms0964 البائع لم يوجد أو لم يكن له ماله، ~~وإذا احتمل الحديث هذه الاحتمالات، بطل الاحتجاج به؛ واحتجوا أيضا بما روي ~~«أن رجلا ابتاع ثمر حائط فعالجه وقام فيه حتى تبين له النقصان، فسأل رب ~~الحائط أن يضع عنه أو يقيله، فحلف ألا يفعل؛ فذهبت أم المشتري إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: تألى ألا يفعل خيرا، فسمع ذلك رب الحائط فأتى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال: يا رسول الله هو له» ... ولم ينقل أنه أجبره على ذلك، بل ~~ظاهر قوله: «تألى أن لا يفعل خيرا» ، أنه على وجه الطوع وهذا لا حجة لهم ~~فيه أيضا، لأنه لم يذكر في الخبر أن جائحة أصابته، فلعله إنما كان خسرانا ~~في الثمن، وحوالة في الأسواق: وهو الظاهر من قوله: فعالجه وقام فيه حتى ~~تبين له النقصان؛ وهذا لا يوجب على البائع شيئا، واحتجوا لذلك أيضا بالقياس ~~على العروض والحيوان. وهذا لا يلزم، لأن العروض والحيوان لم يبق على البائع ~~فيها بعد القبض حق توفية، وليس كذلك الثمار؛ لأنه قد بقي عليه فيها حق ~~توفية، بدليل أن الجائحة لو أصابتها من قبل العطش لكانت من البائع - وفاقا، ~~فليست التخلية بمجردها قبضا تاما، ولو كانت مقبوضة للمشتري بمجرد التخلية، ~~لكان ضمانها منه كالعبد والثوب. # فصل وأما معرفة حال وضعها، فإنه يجب وضع الجائحة في الثمرة إذا أجيحت في ~~حال يفتقر فيه إلى بقائها في الأصول، وذلك أن الجائحة في الثمرة إنما وجب # PageV02P539 # وضعها عن المبتاع من أجل ما بقي له على البائع من حق التوفية، إذ لم ~~يقبضها بقبض الأصول قبضا تاما ناجزا لبقاء السقي على البائع فيما يحتاج ~~منها إلى السقي، والإجماع على الرجوع عليه بما يكون من جائحة بسببه، ~~ولافتقار الثمرة إلى بقائها في الأصول، تفصيل في بعض وجوهها اختلاف سيأتي ~~بيانه في التكلم على المسألة الرابعة - إن شاء الله. # فصل وأما معرفة قدر ما يوضع منها مما لا يوضع، ms0965 فإنما يجب وضعها في مذهب ~~مالك وأصحابه إذا بلغت الثلث فأكثر، ولا توضع فيما دون ذلك، والفرق بين ~~الموضعين من وجهين: # أحدهما الظاهر. # والثاني المعنى. # فأما الظاهر، فهو ما روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بوضع ~~الجوائح» والجائحة لا تنطلق إلا على ما أتلف جميع المال أو جله؛ وأما من ~~ذهب اليسير من ماله فلا، ويبين ذلك أن من يملك ألف دينار إذا ذهب من ماله ~~الدينار والعشرة والعشرون، لا يقال إن ماله اجتيح؛ وكذلك من سرق له من جملة ~~متاعه الكثير - شيء يسير، لا يقال إن اللصوص اجتاحوا ماله؛ وإذا صح ذلك، ~~ثبت الفرق في هذا بين القليل والكثير، وثبوت ذلك يقتضي فصلا بينهما ولا فصل ~~إلا ما قلناه؛ لأن الثلث آخر من اليسير، وأول حد الكثير، يقوم ذلك ~~بالاعتبار من نص التنزيل قال الله عز وجل: {يا أيها المزمل} [المزمل: 1] ~~{قم الليل إلا قليلا} [المزمل: 2] {نصفه أو انقص منه قليلا} [المزمل: 3]- ~~يريد من النصف {أو زد عليه} [المزمل: 4] ، يريد أيضا على النصف ثم قال ~~تعالى: {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه} [المزمل: ~~20] ، # PageV02P540 # فأخبر عز وجل عنه في هذه الآية بامتثال ما أمره به في أول السورة من ~~القيام، فقوله تعالى: {أدنى من ثلثي الليل} [المزمل: 20] ، هو قوله في أول ~~السورة {أو زد عليه} [المزمل: 4] ، يريد على النصف وقوله ونصفه هو قوله في ~~أول السورة: نصفه وقوله: وثلثه، هو قوله في أول السورة أو انقص منه قليلا - ~~يريد من النصف فدل ذلك على أن الثلث من النصف قليل، وذلك على قراءة من قرأ ~~ونصفه وثلثه بالفتح فيهما جميعا - وهي أبين في المعنى من قراءة من قرأهما ~~بالخفض. # فصل وعند مالك - رحمه الله - أن كل ما يجب فيه اعتبار القليل من الكثير ~~فإن الثلث عنده في حيز اليسير، إلا في ثلاثة مواضع، أحدها الجائحة، فإن ~~الثلث فيها عنده في حيز الكثير يجب وضعه ومعاقلة المرأة الرجل، فإنها ~~تعاقله فيما دون الثلث؛ فإذا ms0966 بلغت الثلث، رجعت إلى عقل نفسها، وما تحمل ~~العاقلة من الدية فإنها تحمل الثلث فما فوقه ولا تحمل ما دونه؛ وما عدا هذه ~~المواضع الثلاثة؛ فإنه يحكم فيها للثلث بحكم اليسير؛ والفرق عنده بين هذه ~~المواضع الثلاثة وغيرها: أن هذه الثلاثة المواضع ليس فيها موضع قصد يراعى ~~وما عداها يراعى فيها القصد، فلا يظن بأحد أنه يدخل في المحظور الكثير من ~~أجل القليل. # فصل وأما المعنى، فلان المشتري دخل لا محالة على ذهاب اليسير من الثمرة، ~~وأنها لا تسلم كلها، هذا معلوم بالعادة لا يكلم من يدفعه، لأن من يقول إن ~~المشتري دخل على أن تسلم الثمرة من ذهاب رطبه وبسره ورطل أو رطلين، أو ~~اجتياز المعتفين أو أكل الطير اليسير، فقد خرج عن العادة؛ وإذا ثبتت ذلك ~~اقتضى أنه لا يرجع في اليسير، وأنه يرجع بالكثير؛ لأنه لم يدخل عليه، وإنما ~~دخل على سلامة الجل، فبان بذلك مذهب مالك - رحمه الله -. # PageV02P541 # فصل وهذا في الثمار، وأما البقول فاختلفت الرواية عن مالك - رحمه الله - ~~فيها: فمرة قال يوضع فيها القليل والكثير، ومرة قال: حكمها حكم الثمار لا ~~توضع الجائحة فيها إلا في الثلث فما زاد؛ فوجه قوله إنه توضع الجائحة فيها ~~في القليل والكثير. «أن النبي - عليه السلام - أمر بوضع الجوائح» عموما، ~~فتناول ذلك الثمار والبقول، فخرجت الثمار من ذلك بما دل عليه من الدلائل، ~~وبقيت البقول على الأصل في العموم، ولأن العادة في الثمار ذهاب بعضها ~~للحاجة إلى تبقيتها على رؤوس النخل، فالمشتري على ذلك دخل، وليس كذلك ~~البقول، لأنه لا عادة في تلفها ولا في تلف شيء منها، بل العادة سلامة ~~جميعها؛ وإذا كان ذلك كذلك، وجب أن يوضع قليلها وكثيرها، ووجه قوله إنه ~~إنما يوضع منها الثلث فصاعدا، الاعتبار فيها بسائر الثمار بعلة أنه وضع ~~جائحة في نبات، وقد قيل عن مالك إنه لا توضع فيها جائحة أصلا، وقيل إنه ما ~~جاز فيه المساقاة مع العجز كالفجل والاسفنارية واللفت فلا توضع فيه الجائحة ~~إلا أن يبلغ الثلث، ms0967 وما لا تجوز فيه المساقاة من البقول وضعت الجائحة في ~~قليله وكثيره؛ وهذه رواية سحنون عن ابن القاسم في العتبية، ومثله في كتاب ~~ابن المواز؛ وهو خلاف لما في المدونة. # فصل وأما معرفة ما توضع فيه الجوائح مما لا توضع فالأصل في ذلك أن كل ما ~~لم يمكن المشتري أن يبين به إلا بفساد، كالثمرة التي يبتاعها عند بدء ~~صلاحها، فلا يقدر على قطعها قبل أن يصل طيبها ويتناهى إلا بفساد لها، فإن ~~الجائحة فيها ما لم يكمل طيبها ويتناهى باتفاق عند من أوجب الجائحة، لأن له ~~حقا على البائع في إبقاء الثمرة في أصولها لصلاحها وكمال طيبها، فقد بقي له ~~فيها عليه حق توفية، ألا # PageV02P542 # ترى أن السقي عليه إن كانت مما تسقى ولو أراد البائع أن يجبره على الجداد ~~قبل انتهاء طيبها أو يبسها إن كانت مما لا يجد حتى ييبس، لم يكن ذلك له، ~~وما كان مما يمكن المبتاع أن يأخذه ويبين به بغير فساد له، إلا أن على ~~المشتري في تعجيل أخذ ذلك والبينونة به ضررا، إذ لم يشتر إلا على أن يجده ~~ويأخذه على وجه ما يعرف من التراخي في ذلك، كالثمرة التي تقطع خضراء إذا ~~اشتراها بعد انتهاء طيبها، أو اشتراها قبل انتهاء طيبها فاجتيحت بعد انتهاء ~~طيبها وإمكان جدادها، بمضي مدة يمكنه ذلك فيها قبل بلوغ الحد الذي يعرف من ~~التراخي في جدها، فيجري الأمر في هذا - عندي على اختلاف قول مالك في جائحة ~~البقول مرة، قال فيها الجائحة، ومرة قال لا جائحة فيها؛ لأن العلة في وجوب ~~الجائحة فيها هي أنها تلفت قبل بلوغ الحد الذي اشتراها عليه من التراخي في ~~قطعها وفي سقوطها، هي أنه قد قبضها بتخلي البائع له عنها، فلو شاء أن ~~يقطعها قطعا، ولم يكن في قطعه إياها فساد لها؛ فإنما قد تركها على ملك نفسه ~~لمنفعة يرجوها، وهاتان العلتان موجودتان في الثمرة بعد انتهاء طيبها؛ وعلى ~~هذا يأتي الاختلاف في جائحة القصب، ويدخل في الفول الأخضر؛ وأما ms0968 إن اجتيحت ~~الثمرة أو البقل بعد بلوغ الحد الذي يعلم من التراخي في جدها، فلا خلاف أنه ~~لا جائحة في ذلك، لأن البائع لم يدخل معه على ذلك ولو اجتيحت الثمرة بعد ~~انتهاء طيبها قبل أن يمضي من المدة ما يمكنه فيه جدها، أو أجيح البقل بعد ~~انعقاد البيع وتخلي البائع له عنه قبل أن يمضي من المدة ما يمكنه فيها جده، ~~لدخل الاختلاف في ذلك أيضا - عندي، وجرى على الاختلاف في ضمان المكيال إذا ~~تلف بعد أن يمتلئ في يد المشتري قبل أن يفرغه في وعائه، فيأتي في المسألة ~~على هذا التعليل ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الثمرة تدخل في ضمان المشتري ويسقط عن البائع فيها حكم الجائحة ~~بتناهي طيبها - وإن لم يمض من المدة بعد تناهي طيبها ما يمكنه فيه قطعها. # PageV02P543 # والثاني: أنها لا تدخل في ضمانه ويرتفع عن البائع حكم الجائحة إلا بعد ~~تناهي طيبها، وإن لم يمض من المدة بعد تناهي ما لو شاء المبتاع أن يجدها ~~فيه جدها. # والثالث: أنها لا تدخل في ضمانه ويرتفع عن البائع حكم الجائحة حتى يمضي ~~من المدة بعد انتهاء طيبها ما جرى عليه العرف من التراخي في ذلك واشترى ~~عليه المشتري ودخل عليه البائع، لأن العرف البين عندهم كالشرط، وهذه مسألة ~~جيدة مستقصاة محصلة غاية التحصيل لم أرها مجموعة ولا محصلة ملخصة لمتقدم، ~~ولا سمعتها من متأخر - والله الموفق للصواب الهادي بعزته. # فصل وأما معرفة ما هو جائحة مما ليس بجائحة، فتحصيله أن الجوائح تنقسم ~~على قسمين: # أحدهما: ما لم يكن أمرا غالبا وأمكن دفعه والاحتراس منه. # والثاني: ما كان أمرا غالبا ولم يمكن دفعه والاحتراس منه. # فأما ما لم يكن أمرا غالبا وأمكن الاحتراس منه وقدر على دفعه فليس بجائحة ~~أصلا. # وأما ما كان أمرا غالبا ولم يمكن دفعه ولا قدر على الاحتراس منه، فإن ذلك ~~ينقسم على قسمين: # أحدهما: أن يكون ذلك من فعل الله تعالى ولا اكتساب لمخلوق فيه. # والثاني: أن يكون من اكتساب المخلوقين المكلفين. # فأما ms0969 ما كان من فعل الله تعالى ولا اكتساب لمخلوق مكلف فيه، فلا اختلاف ~~أنه جائحة يجب القضاء بها، كالريح تسقط الثمرة أو تفسدها. قال الله عز وجل ~~{وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم} [الذاريات: 41] {ما تذر من شيء أتت ~~عليه إلا جعلته كالرميم} [الذاريات: 42] # PageV02P544 # وقال تعالى: {كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ~~ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون} [آل عمران: 117] ، أو المطر قال الله عز ~~وجل: {ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا} [الكهف: 40] ، أو ~~البرد: قال الله عز وجل: {وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من ~~يشاء ويصرفه عن من} [النور: 43] ، وكذلك ما أشبهه من الجراد والجليد والطير ~~الغالب. وأما انقطاع الماء، فإنه جائحة في القليل والكثير بإجماع واتفاق، ~~قال الله عز وجل: {أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا} [الكهف: 41] . # فصل وأما ما كان من اكتساب المخلوقين المكلفين ولا يمكن الاحتراس منه ~~كالجيش والسارق، فاختلف فيه هل هو جائحة أم لا فذهب ابن القاسم إلى أن ذلك ~~جائحة، لأنه عنده مما لا يمكن الاحتراس منه، ولا يقدر على دفعه، وذهب ابن ~~الماجشون ومطرف إلى أن ذلك ليس بحائحه، لأن ذلك مما يمكن عنده دفعه؛ لأن ~~السلطان يكف الجيش ويمنعه؛ وكذلك السارق يتحصن منه؛ وقال ابن نافع الجيش ~~جائحة وليس السارق بجائحة، فكأنه رأى أن الجيش مما لا يمكن دفعه، وأن ~~السارق يقدر على التحفظ منه والتحصن عنه. ومن أهل العلم من يرى أن الجائحة ~~توضع في القليل والكثير - وهو قول أحمد بن حنبل وطائفة من أهل الحديث، وأحد ~~قولي الشافعي؛ ففي المسألة ثلاثة أقوال القولان: طرفان في الإغراق، ومذهب ~~مالك - رحمه الله - وأصحابه عدل بينهما، وكذلك تجد مذهبه أبدا أعدل المذاهب ~~وأوسطها، فإنه كان موقفا مؤيدا، فهذه جملة تبنى عليها مسائل الكتاب - إن ~~شاء الله، وبه التوفيق. # PageV02P545 ### | كتاب المساقاة # المساقاة عمل الحائط على جزء من ثمرته، وهي مأخوذة من السقي لأن السقي جل ~~عمل الحوائط، وهو يصلح ms0970 ثمرتها وينميها؛ قال الله عز وجل: {وفي الأرض قطع ~~متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل ~~بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} [الرعد: 4] . # فصل «ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثمار حتى يبدو ~~صلاحها، وعن بيع ما لم يخلق، وعن بيع الغرر، وعن الاستئجار بأجر مجهول» ~~فقال «من استأجر أجيرا فليؤاجره بأجر معلوم إلى أجل معلوم» ، والمساقاة من ~~بيع الغرر، ومن الاستئجار بأجر مجهول، ومن بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه، ~~إلا «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ساقى يهود خيبر يوم افتتحها في ~~النخل على أن لهم نصف الثمرة بعملهم، والنصف يؤدونه إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وأصحابه، فقال لهم: " أقركم ما أقركم لله على أن الثمرة ~~بيننا وبينكم "، فكان يبعث عبد الله بن رواحة فيخرص بينه وبينهم، ثم يقول ~~لهم: إن شئتم فلكم وإن شئتم فلي، فكانوا يأخذونه.» فكان هذا من # PageV02P547 # فعله - صلى الله عليه وسلم - مخصصا لما نهى عنه من بيع الغرر ومن بيع ~~الثمار قبل أن يبدو صلاحها، ومن الاستئجار بأجر مجهول، لأن ذلك عموم ~~ومساقاته ليهود خيبر في النخل خصوص، والخاص يحمل على التفسير العام، ~~والتخصيص له والبيان للمراد به. # فصل فالمساقاة جائزة عند مالك - رحمه الله - وجميع أصحابه، وعند الشافعي؛ ~~وخالف في جوازها أبو حنيفة؛ والدليل على صحة قول من قال بجوازها، «أن رسول ~~الله ساقى يهود خيبر على أن لهم نصف الثمرة بعملهم، وكان يبعث عبد الله بن ~~رواحة فيخرصها عليهم» ثم أقرهم أبو بكر على ذلك ثم عمر بن الخطاب إلى أن ~~بعث ابنه عبد الله ليخرص عليهم، فسحروه فتكوعت يده؛ ثم إنه أجلاهم عنها إلى ~~الشام. ثم عمل عثمان بعده على المساقاة والخلفاء بعده؛ وفي إقرار أبي بكر ~~وعمر - رضي الله عنهما - يهود خيبر على مساقاتهم التي ساقاهم عليها النبي - ~~عليه السلام - وعمل الخلفاء بعدهما بها، بيان واضح على أن المساقاة حكم من ~~رسول ms0971 الله - صلى الله عليه وسلم -، محكم غير مفسوخ؛ هذا من طريق الأثر، ومن ~~طريق النظر أيضا: أن الأصول مال لا ينمو بنفسه ولا تجوز إجارته وإنما ينمى ~~بالعمل عليه، فجاز العمل عليه ببعض ما يخرج منه كالقراض، بل المساقاة أولى ~~بالجواز من القراض، لأن الغرر والخطار في القراض أكثر، لأنه قد يكون في ~~المال ربح، وقد لا يكون فيه ربح، وجواز أحد الأمرين كجواز الآخر، ليس ~~أحدهما أغلب من صاحبه، والنخل قد أجرى الله العادة بأن تحمل كل سنة، فلا بد ~~أن يكون للنخل ثمرة في الغالب من الأحوال؛ وهذا بين وإنما قلنا في قياسنا ~~هذا ولا تجوز إجارته تحرزا من أن يلزمنا عليه كراء الأرض بالجزء مما يخرج ~~منها. # PageV02P548 # فصل وذهب من خالفنا في جواز المساقاة إلى أن فعل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - مع يهود خيبر منسوخ بنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن المخابرة، ~~وقالوا هو مشتق من خيبر - ومعناه النهي عن العمل الذي فعل بخيبر، وذلك ليس ~~بصحيح، لأن عقود المعاوضات لا يشتق لها الأسماء من أماكنها بخلاف قولهم ~~أتهم وأنجد لأنا قد عرفنا من لغة العرب اسم الفاعل من نزوله بالمكان، وعقود ~~المعاوضات بخلاف ذلك؛ ولأن العرب كانت تعرف المخابرة قبل الإسلام، وهو ~~عندهم اسم لكراء الأرض ببعض ما يخرج منها، ولأن الصحابة قد عملوا بالمساقاة ~~بعده، فبطل ما ادعوه بكل وجه. # فصل وعللوا أيضا حديث المساقاة بأن قالوا إن أهل خيبر كانوا عبيدا للنبي ~~- عليه السلام - والمسلمين، لأن الله تعالى أفاء عليهم خيبر وأهلها، فلذلك ~~جازت المساقاة بينه وبينهم على جزء من الثمرة، وصح أن تخرص الثمرة عليهم ~~فيخيرهم الخارص بين أن يلتزموا نصيب المسلمين بما خرصه به، أو يلتزم هو ~~نصيبهم على ما ورد في الحديث، وهذا ما لا يصح؛ ولنا عنه أجوبة، منها أن عبد ~~الله بن رواحة كان يخرص عليهم، فقالوا له أكثرت علينا يا ابن رواحة، فقال ~~إن شئتم فلكم وتضمنون نصيب المسلمين، وإن شئتم فلي وأضمن نصيبكم؛ وعلى ~~قولهم: ms0972 إن السيد لا يصح ضمانه من عبده، لأن العبد لا يملك عندهم، فماله ~~لسيده، وبيع الثمر في رؤوس النخل بخرصها إلى الجداد، من المزابنة التي لا ~~تجوز إلا فيما خصصته السنة من بيع العرايا في خمسة أوسق، أو فيما دون خمسة ~~أوسق. وقوله في هذا الحديث إن شئتم فلكم وتضمنون نصيب المسلمين، وإن شئتم ~~فلي وأضمن نصيبكم، هو والله أعلم مما نسخ بنسخ الربا، لأنه متأخر - وقد قال ~~عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان من آخر ما أنزل الله على رسوله - صلى ~~الله عليه وسلم - آية الربا، فتوفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم ~~يفسرها، فدعوا الربا والريبة. وقد قيل إن ابن رواحة إنما كان يخرص ليعرف ~~قدر الزكاة التي كانت تلزم المسلمين، كما يخرص # PageV02P549 # على المسلم حائطه لإحصاء الزكاة فيه، وهو مذهب مالك وجماعة من أهل العلم ~~سواه، والآثار لا تدل على ذلك، بل تدل على خلافه وعلى أن الخرص إنما كان ~~فيما بينهم وبين المسلمين، ليضمنوا نصيب المسلمين بما خرص عليهم. روي «عن ~~جابر بن عبد الله قال أفاء الله خيبر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، فأقرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما كانوا، وجعلها بينه ~~وبينهم، فبعث عبد الله بن رواحة فخرصها عليهم ثم قال: يا معشر اليهود، أنتم ~~أبغض خلق الله إلي قتلتم أنبياء الله وكذبتم على الله؛ وليس يحملني بغضي ~~إياكم أن أحيف عليكم، وقد خرصت عشرين ألف وسق من تمر فإن شئتم فلكم وإن ~~شئتم فلي» - يريد والله أعلم - بعد إخراج الزكاة من الجميع، لأن المساقاة ~~إنما تزكى على ملك صاحب الحائط، لا على ملك العامل ولا على ملكهما؛ وروي ~~«عن عبد الله بن عمر قال فخرصها عليهم عبد الله بن رواحة، فصاحوا إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - من خرصه، فقال لهم عبد الله بن رواحة أنتم ~~بالخيار، إن شئتم فهي لكم، وإن شئتم فهي لنا بخرصها، ونؤدي إليكم نصفها؛ ~~فقال بهذا قامت السماوات والأرض؛» وذكر مالك ms0973 - رحمه الله - في موطئه عن ابن ~~شهاب عن سليمان بن يسار «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يبعث عبد ~~الله بن رواحة إلى خيبر، فيخرص بينه وبين يهود خيبر، قال: فجمعوا له حلي ~~نسائهم، فقالوا هذا لك وخفف عنا وتجاوز في القسم، فقال عبد الله بن رواحة ~~يا معشر يهود والله إنكم لمن أبغض خلق الله إلي، وما ذلك بحاملي على أن ~~أخفف عليكم؛ فأما ما عرضتم من الرشوة، فإنها سحت وإنا لا نأكلها فقالوا ~~بهذا قامت السماوات والأرض» . فقوله في هذا الحديث خفف عنا وتجاوز في # PageV02P550 # القسم، يدل على أن الخرص إنما كان في القسمة بين المسلمين واليهود، فهو ~~حجة لمالك فيما قاله، وتابعه عليه جميع أصحابه من جواز قسمة ثمر النخل ~~بالقسمة بين الشركاء بالخرص، لأن اليهود كانوا. أشراكا للمسلمين في الثمر ~~بعملهم؛ ويحتمل أن يكون هذا في طائفة من اليهود في بعض حصونهم ومواضعهم. ~~وجاء في سائر الآثار من تضمين اليهود نصيب المسلمين بما خرص عليهم ومن ~~تخييرهم في أخذه دون ذكر ضمان مع طوائف غيرها في مواضع سواها، لأن خيبر ~~كانت حصونا كثيرة؛ فأما تخييرهم في أخذهم الثمر في رؤوس النخل بما خرص ~~عليهم من الثمر، ليؤدوه عند الجداد من غير تضمين فليس بضيق، وقد أجازه ~~جماعة من أهل العلم، وهو على قياس ما قاله مالك في الخرص بسبب الزكاة؛ وأما ~~تخييرهم في التزامهم الثمرة في رؤوس النخل بما خرصت به عليهم من الثمر ~~يؤدونه عند الجداد مضمونا عليهم فهو من المزابنة، ولا يكون ذلك إلا منسوخا ~~كما ذكرنا - والله أعلم. وقد ذكر عن بعض أهل العلم إجازته وهو بعيد. وأما ~~المساقاة فمحكمة غير منسوخة، بدليل ما ذكرناه من إقرار أبي بكر وعمر - رضي ~~الله عنهما - اليهود على المساقاة التي ساقاهم عليها النبي - عليه السلام ~~-؛ ومن أجوبتنا على أن يهود خيبر لم يكونوا عبيدا للمسلمين. أن أبا بكر ~~وعمر أقراهم على المساقاة، ثم أجلاهم عمر إلى الشام، ولو كانوا عبيدا ~~للمسلمين، لم يكن ليتلف ms0974 عليهم أموالهم، فليس أهل العنوة بعبيد إذا أقروا في ~~مواضعهم، وضربت عليهم الجزية؛ وإنما هم أهل ذمة أحرار وقد سئل ابن القاسم ~~عن نساء أهل الذمة الذين أخذوا عنوة مثل أهل مصر، هل يحل أن ينظر الرجل إلى ~~شعورهن؛ قال: لا يحل أن ينظر الرجل إلى شعورهن ولا إلى شيء من عوراتهن؛ قيل ~~له ليس هن بمنزلة الإماء؛ قال: لا بل هن أحرار، كان دية من قتل منهن ~~خمسمائة، ومن أسلم منهن كان حرا، فهن أحرار يحرم منهن ما يحرم من الأحرار؛ # PageV02P551 # هذه رواية عيسى عن ابن القاسم في كتاب التجارة إلى أرض الحرب، واتقى في ~~سماع سحنون منه تزويج بناتهم ولم يره حراما. # فصل والمساقاة مستثناة من الأصول الممنوعة لضرورة الناس إلى ذلك وحاجتهم ~~إليه، إذ لا يمكن للناس عمل حوائطهم بأيديهم، ولا بيع الثمرة قبل بدو ~~صلاحها للاستئجار من ثمنها على ذلك - إن لم يكن لهم مال، فلهذه العلة رخص ~~في المساقاة. # فصل والمساقاة أصل في نفسها وعقد على حياله، فلا تنعقد إلا بلفظ المساقاة ~~على مذهب ابن القاسم لو قال رجل لرجل أستأجرك على عمل حائطي هذا بنصف ~~ثمرته، لم يجز على مذهبه؛ كما لا تجوز الإجارة بلفظ المساقاة، وذلك بين من ~~قوله في الكتاب إذا ساقاه في ثمرة قد طاب بعضها أن ذلك لا يجوز وتكون ~~إجارة؛ بخلاف قول سحنون فإنه يجيزها ويجعلها إجارة؛ ولمالك في كتاب ابن ~~المواز مثله، وكلام ابن القاسم أصح، لأن المساقاة والإجارة أصلان، ~~وأحكامهما مفترقة، فلا ينعقد أحدهما بلفظ الآخر. # فصل وهي من العقود اللازمة تنعقد باللفظ وتلزم به؛ بخلاف القراض الذي ~~إنما ينعقد ويلزم بالعمل لا باللفظ؛ واختلف في المزارعة: فقيل إنها تنعقد ~~وتلزم باللفظ، وقيل إنها لا تنعقد وتلزم إلا بالعمل، وقيل إنها تنعقد وتلزم ~~بالشروع في العمل، وأما الشركة فإنها لا تلزم باللفظ ولا بالعمل واختلف ~~بماذا تنعقد به فقيل إنها تنعقد باللفظ، وقيل إنها لا تنعقد إلا بالعمل ~~والقولان قائمان من المدونة. # PageV02P552 # فصل # ولا تجوز المساقاة إلى ms0975 أجل مجهول، وإنما تجوز إلى سنين معلومة وأعوام ~~معدودة، إلا أنها تكره فيما طال من السنين وانقضاء السنين فيها بالأجرة لا ~~بالأهلة فلا تجوز المساقاة إلى أشهر معلومة. # فصل وليس في قول النبي - عليه السلام - ليهود خيبر: «أقركم ما أقركم ~~الله» ، دليل على جواز المساقاة إلى أجل مجهول، لأن قوله ذلك إنما كان عدة ~~منه لهم في أن يقرهم في المساقاة على شروطها - ما أقرهم الله أي لم يأمره ~~الله تعالى بإجلائهم عنها، وترك معاملتهم فيها، وكان يرجو ذلك من الله، فلم ~~يأذن له فيه إلا في مرضه الذي مات منه، فأوصى بذلك وأجلاهم عمر بعده لأنه ~~ساقاهم مدة مجهولة أو مدى أعمارهم، وإنما قال ذلك لهم بعد عقد المساقاة ~~معهم كما يقول الرجل للرجل إذا شاركه أو قارضه: أنت شريكي ما أحيانا الله، ~~لا يريد بذلك ضرب مدة مجهولة، وإنما يريد إني أبقى معك على القراض. والشركة ~~على شروطها؛ هذا تأويل الحديث عندنا - والله أعلم. وقد قيل إنه إنما قال ~~ذلك لهم وكان يخرص عليهم، لأنهم عبيده أفاءهم الله بأرضهم عليه؛ ويجوز بين ~~العبد وسيده من الغرر ما لا يجوز بين الأجنبيين، وقد تقدم تضعيف هذا ~~التأويل فلا معنى لإعادة القول فيه. # فصل وتجوز المساقاة في كل أصل له ثمرة ما لم يحل بيع الثمرة - كان الأصل ~~ثابتا أو غير ثابت، إلا أنه ما كان ثابت الأصل كالنخل والشجر والزيتون ~~فتجوز فيه المساقاة - عجز عنها صاحبها أو لم يعجز، وما كان غير ثابت الأصل ~~كالمقاثي والباذنجان والكمون والزرع وقصب السكر، فلا تجوز فيه المساقاة حتى ~~يعجز عنه صاحبه؛ هذا على مذهب مالك؛ وابن نافع يجيز المساقاة في ذلك كله - ~~عجز عنه صاحبه، أو لم يعجز؛ والشافعي لا يجيز المساقاة إلا في النخل والكرم ~~الذي جاء # PageV02P553 # فيه الخرص، وكان أبو عمر بن القطان يقول: المساقاة جائزة على ما في ~~المدونة في الياسمين والورد والقطن - عجز عنه صاحبه، أو لم يعجز، خلاف ~~المقاثي والزرع؛ وهو بعيد من التأويل، إذ لا يعضده ms0976 دليل؛ وإذ لا فرق في ~~حقيقة القياس بين القطن والزرع والمقاثي وقصب السكر في جواز المساقاة فيها ~~من غير عجز، لأن أصولها غير ثابتة، بخلاف الياسمين والورد التي أصولها ~~ثابتة، فلا ينبغي أن يختلف في أن المساقاة في الياسمين والورد جائزة على ~~مذهب مالك - وإن لم يعجز صاحبها عن عملها؛ ولو قال قائل إن المساقاة في ~~المقاثي والقطن وما كان في معناهما، جائزة. وإن لم يعجز صاحبها عن عملها، ~~بخلاف الزرع وقصب السكر وما كان في معناهما، لكان له وجه، لأن هذه ثمار ~~تجنى من أصولها، فأشبهت ثمار الأصول الثابتة والزرع وقصب السكر وما أشبههما ~~لا تجنى من أصولها إلا بقطع الأصول، ففارقت ثمر الأصول؛ إلا أن هذا لم ~~يقولوه ولا يوجد لهم، وليس في قوله في المدونة: لا بأس بمساقاة الياسمين ~~والورد والقطن - ما يوجب استواءها في أنه لا بأس بالمساقاة فيها كلها وإن ~~لم يعجز عنها، لاحتمال قوله: لا بأس بالمساقاة فيها كلها، إذا عجز عن عمل ~~القطن منها. # فصل # ولا تجوز المساقاة في شيء مما ليس له أصل ثابت لأعوام ولا لعام واحد، إلا ~~بعد أن ينبت ويستقل كالزرع سواء وقبل أن يحل بيعه. # فصل ولا تجوز في شيء من البقول، لأن بيعها يحل إذا نبتت واستقلت، وأجاز ~~ابن دينار فيها المساقاة، ومعناه إذا نبتت قبل أن يستقل على القول بجواز ~~المساقاة - في الزرع إذا نبت قبل أن يستقل؛ لأن البقول إذا نبتت واستقلت، ~~جاز البيع فيها، ولا تجوز مساقاة ما يجوز بيعه؛ واختلف في الفجل ~~والاسفنارية فجعلهما في المدونة من البقول في حكم وضع الجائحة، فعلى قوله ~~فيهما لا تجوز المساقاة # PageV02P554 # فيهما، لأن من أصل ابن القاسم أن كل ما وضعت الجائحة في قليله وكثيره، لم ~~تجز المساقاة فيه، وما لم توضع الجائحة فيه إلا في الثلث، جازت فيه ~~المساقاة؛ وروى سحنون عن ابن القاسم أن المساقاة جائزة فيهما أي في الفجل ~~والاسفنارية، وعلته في جواز المساقاة فيهما: أن لهما حدا يجوز إليه بيعهما ~~فيما لم ms0977 يبلغا حد جواز البيع فيهما، أشبها الزرع وقصب السكر ونحو ذلك في ~~جواز المساقاة فيها بعد نباتها واستقلالها. # فصل وتجوز المساقاة على ما اتفقا عليه من الأجزاء، وعلى أن تكون الثمرة ~~كلها له بعمله؛ وقد قيل إن إعطاء الرجل الرجل ثمر حائطه كلها بعمله فيه ~~منحة وعطية كإخدام العبد، لأن المخدم ينفق عليه فيفتقر إلى الحيازة، ويبطل ~~بالموت، وهو بعيد؛ ولا يجوز أن يشترط أحدهما على صاحبه زيادة دنانير ولا ~~دراهم ولا شيئا من الأشياء إلا ما استخف من اشتراط الشيء اليسير على العامل ~~من العمل الذي لا يلزمه، مثل سد الحظيرة، وإصلاح الغفيرة وهي مجتمع الماء ~~من غير أن ينشئ بناءها، لأن المساقاة عقد مستثنى من الأصول جوز للضرورة، ~~فلا يجوز منه إلا قدر ما جوزه الشرع، والذي جوزه الشرع منه ما كان متعلقا ~~بإصلاح الثمرة، وما زاد على ذلك كان ممنوعا بالأصل، لأنه إجارة مجهولة وبيع ~~الثمر قبل بدو صلاحها. # فصل وعمل الحائط على وجهين: # فمنه ما يتعلق بإصلاح الثمرة. # ومنه ما لا يتعلق بإصلاحها. # فأما ما لا يتعلق بإصلاح الثمرة، فلا تجب على المساقي، ولا يصح أن يشترط ~~عليه من ذلك إلا الشيء اليسير - كما تقدم. # PageV02P555 # وأما ما يتعلق بإصلاح الثمرة، فإنه ينقسم على ضربين: # ضرب منه ينقطع بانقطاعها ويبقى بعدها الشيء اليسير. # وضرب منه يتأبد ويبقى أثره. # فأما ما ينقطع بانقطاع الثمرة ويبقى بعده الشيء اليسير، فهذا الذي يلزم ~~المساقي ويجب له به العوض، وذلك مثل الحفر والسقي وزبر الكرم، وتقليم ~~الشجر، والتسريب، وإصلاح مواضع السقي، والتذكير والجداد، وما أشبه ذلك. # وأما ما يتأبد ويبقى بعد الثمرة مثل إنشاء حفر بئر أو إنشاء ظفيرة للماء، ~~أو إنشاء غراس، أو بناء بيت تجنى فيه الثمرة كالجرين، وما أشبه ذلك فلا ~~يلزم العامل، ولا يجوز اشتراطه عليه عند المساقاة؛ لأنه إذا اشترط ذلك ~~عليه، فقد وقع له حصة من الثمن، وهو لو استأجره عليه على انفراده بجزء من ~~الثمرة لم يجز، لأنه بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، فكذلك ms0978 إذا اشترطه عليه في ~~المساقاة، لأن العوض قد حصل عليه في الموضعين. # فصل فإذا وقعت المساقاة على غير الوجه الذي جوزه الشرع، فإنها تفسخ ما لم ~~تفت بالعمل ويرد الحائط إلى ربه، واختلف إذا فاتت بالعمل ماذا يجب للعامل ~~فيها بحق عمله على أربعة أقوال: # أحدها: أنه يرد إلى إجارة مثله جملة من غير تفصيل، وهذا يأتي على قول عبد ~~العزيز بن أبي سلمة في القراض الفاسد. # والثاني أنه يرد إلى مساقاة مثله جملة أيضا من غير تفصيل، وعليه يأتي قول ~~أصبغ في العتبية في الذي يساقي الرجل في الحائط على أن يحمل أحدهما # PageV02P556 # نصيبه من الثمرة لصاحبه إلى منزله - وهو بعيد، وهو على أصل ابن الماجشون ~~وروايته عن مالك وقول أشهب في القراض الفاسد. # والثالث: أنه يرد في بعض الوجوه إلى إجارة المثل، وفي بعضها إلى مساقاة ~~المثل - وهو مذهب ابن القاسم - وذلك استحسان ليس بقياس على نحو قوله أيضا ~~في القراض، والأصل في ذلك عنده أن المساقاة إذا خرجا فيها عن حكمها إلى حكم ~~الإجارة الفاسدة، أو إلى بيع الثمرة قبل بدو صلاحها بما اشترطه أحدهما على ~~صاحبه من زيادة يزيده إياها خارجة عنها؛ فإنه يرد فيها إلى إجارة المثل إذا ~~لم يعثر عليها حتى فاتت بالعمل، وذلك مثل أن يساقيها في حائطه على أن يزيد ~~أحدهما صاحبه دنانير، أو دراهم، أو عرضا من العروض، وما أشبه ذلك؛ لأنه إذا ~~ساقاه على أن يزيده صاحب الحائط دنانير أو دراهم أو عرضا من العروض، فقد ~~استأجره على عمل حائطه بما أعطاه من الدنانير أو الدراهم أو العروض، وبجزء ~~من ثمره، فوجب أن يرد إلى إجارة مثله، ولأنه إذا ساقاه على أن يزيده العامل ~~دنانير أو دراهم أو عرضا من العروض فقد اشترى منه الثمرة بما أعطاه من ~~الدنانير أو الدراهم أو العروض، وبعمله في الحائط، فوجب أن يرد إلى إجارة ~~مثله، أيضا، وأما إذا لم يخرجا عن حكمها وإنما عقداها على غرر، مثل أن ~~يساقيه حائطا على الثلث، وحائطا ms0979 على النصف وما أشبه ذلك، أو اشترط أحدهما ~~فيها على صاحبه من عمل الحائط ما لا يلزمه مما لا يبقى لرب الحائط منفعة ~~مؤبدة، فإنه يرد في ذلك إلى مساقاة مثله؛ وهذه جملة تأتي عليها مسائل ~~كثيرة، هي مبسوطة مسطورة لابن حبيب وغيره، والذي يوجد لابن القاسم أنه رده ~~فيه إلى مساقاة المثل في أربع مسائل: اثنتان في المدونة وهي إذا ساقاه في ~~حائط وفيه ثمر قد أطعم. # والثانية إذا شرط المساقى على المساقي أن يعمل معه، والاثنتان في # PageV02P557 # العتبية الواحدة منهما في سماع عيسى من كتاب النكاح وهي المساقاة مع ~~البيع في صفقة واحدة. # والثانية منها في سماع عيسى من كتاب الجوائح والمساقاة وهي إذا ساقاه في ~~حائطه سنة على الثلث أو سنة على النصف؛ فقال إنه يرد فيهما جميعا إلى ~~مساقاة مثله؛ وكذلك يلزم على هذا إذا ساقاه في حائطين أحدهما على الثلث، ~~والثاني على النصف؛ وكذلك ما أشبه هذا المعنى؛ ومثله إذا ساقاه في حائط على ~~أن يكفيه مؤونة حائط آخر. فقال إنه يكون إجارة مثله في الذي شرط عليه ~~كفايته، ويرد في الآخر إلى مساقاة مثله. # والقول الرابع أنه يرد إلى مساقاة مثله ما لم تكن أكثر من الجزء الذي شرط ~~عليه إن كان الشرط للمساقي أو أقل - إن كان الشرط للمساقى وكان يمضي لنا ~~عند من أدركناه من الشيوخ أن الذي ترد فيه إلى مذهب ابن القاسم من المساقاة ~~الفاسدة إلى مساقاة مثله. هذه الأربع مسائل المنصوص عليها وسائرها كلها يرد ~~فيها - إلى مذهبه - إلى إجارة المثل فعلى قولهم في تأويلهم على ابن القاسم، ~~يكون هذا قولا خامسا في المسألة، والصواب أن ما ذهب إليه ابن حبيب على ~~الأصل الذي ذكرناه، مفسر لمذهب ابن القاسم لا خلاف له. # فصل فما يرد العامل فيه إلى أجرة مثله يفسخ ما عثر عليه قبل العمل وبعده، ~~ويكون له فيما عمل إلى وقت العثور عليه أجرة مثله؛ وأما ما يرد فيه إلى ~~مساقاة مثله، فإنما يفسخ ما لم يفت ms0980 بالعمل، فإذا فات بالعمل لم تفسخ ~~المساقاة إلى انقضاء أمدها وكان فيما بقي من الأعوام على مساقاة مثله، ~~وبالله تعالى التوفيق. # PageV02P558 ### | كتاب القراض # ] [ ### || فصل في معرفة اشتقاق اسم القراض # بسم الله الرحمن الرحيم كتاب القراض فصل في معرفة اشتقاق اسم القراض ~~القراض مأخوذ من القرض. وأصل القرض ما يفعله الرجل ليجازى عليه من خير أو ~~شر، بدليل قول الله عز وجل: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا} [الحديد: 11] ~~لأن فيه دليلا على أن القرض قد يكون حسنا وغير حسن. ومن ذلك سمي السلف قرضا ~~لأنه إنما يفعله الرجل بصاحبه ليجازيه الله به. # وسمى الله تعالى إنفاق المال في سبيله ابتغاء ما عنده قرضا حسنا لإمضائه ~~إياه وتبتيله له لوجهه خالصا رجاء ثوابه عليه فقال تعالى: {من ذا الذي يقرض ~~الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون} ~~[البقرة: 245] وقال: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر ~~كريم} [الحديد: 11] وقال: {إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم ~~والله شكور حليم} [التغابن: 17] فلما كان صاحب المال والعامل فيه على جزء ~~منه منتفعين جميعا يقصد كل واحد منهما إلى منفعة صاحبه لينفعه هو اشتق له ~~من معناه اسم وهو القراض والمقارضة، من قارض يقارض لأنها مفاعلة من اثنين ~~كالمقاتلة والمشاتمة. هذا اسمه عند أهل الحجاز. وأما أهل العراق فلا يقولون ~~قراضا البتة ولا عندهم كتاب القراض، وإنما يقولون مضاربة وكتاب المضاربة، ~~أخذوا ذلك من قول الله عز وجل {وإذا ضربتم في الأرض} [النساء: 101] وقوله: # PageV03P005 # {وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله} [المزمل: 20] وذلك أن الرجل ~~في الجاهلية كان يدفع إلى الرجل ماله على أن يخرج به إلى الشام وغيرها ~~فيبتاع المتاع على هذا الشرط. وفي قول الصحابة لعمر بن الخطاب - رضي الله ~~عنه - في قصة ابنيه عبد الله وعبيد الله: لو جعلته قراضا، دليل على صحة هذه ~~التسمية في اللغة، لأن الصحابة- رضي الله عنهم - هم أهل اللسان وأرباب ~~البيان، وإذا كان ms0981 يحتج في اللغة بقول امرئ القيس والنابغة فالحجة بقول ~~هؤلاء أولى وأقوى. # فصل ومما يحتج به في جواز القراض قول الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا ~~لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا ~~تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما} [النساء: 29] وقوله: {ولا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام} [البقرة: 188] الآية لأن ~~القراض تجارة من التجارات. والقراض هو مما كان في الجاهلية فأقر في الإسلام ~~لأن الضرورة دعت إليه لحاجة الناس إلى التصرف في أموالهم وتنميتها بالتجارة ~~فيها، وليس كل امرئ يقدر على ذلك بنفسه، فاضطر فيه إلى استنابة غيره، ولعله ~~لا يجد من يعمل له فيه بإجارة لما جرت عادة الناس في ذلك على القراض، فرخص ~~فيه لهذه الضرورة، واستخرج بسبب هذه العلة من الإجارة المجهولة على نحو ما ~~رخص في المساقاة وبيع العرية والشركة في الطعام والتولية فيه، وصار لهذا ~~الوجه سنة، فلا خلاف في جوازه بين الأمة في الجملة وإن اختلفوا في كثير من ~~شروطه وأحكامه، سعمل به الصحابة والسلف، واتبعهم عليه الخلف. # فصل وأول قراض كان في الإسلام قراض يعقوب مولى الحدقة مع عثمان بن عفان # PageV03P006 # - رضي الله عنه -. وذلك أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بعث من يقيم ~~من السوق من ليس بفقيه، فأقيم يعقوب فيمن أقيم، فجاء إلى عثمان بن عفان - ~~رضي الله عنه - فأخبره فأعطاه مزود تبر قراضا على النصف، وقال له إن جاءك ~~من يعرض لك فقل المال لعثمان، فقال ذلك فلم يقم، فجاء بمزود رأس المال ~~ومزود ربح. ويقال إن أول قراض كان في الإسلام قراض عبد الله وعبيد الله ~~ابني عمر بن الخطاب - رضي الله عن جميعهم-. وذلك أن عبد الله وعبيد الله ~~ابني عمر بن الخطاب - رضي الله عنهم - خرجا في جيش إلى العراق، فلما مرا ~~على أبي موسى الأشعري وهو أمير البصرة فرحب بهما وسهل ثم قال: لو أقدر لكما ~~على أمر أنفعكما به لفعلت. ثم قال: بلى ms0982 هاهنا مال من مال الله أريد أن أبعث ~~به إلى أمير المؤمنين فأسلفكماه فتبتاعان به متاعا من متاع العراق ثم ~~تبيعانه بالمدينة فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين ويكون لكما الربح، ~~فقالا وددنا. ففعل وكتب إلى عمر بن الخطاب أن يأخذ منهما المال. فلما قدما ~~باعا فربحا، فلما دفعا ذلك إلى عمر بن الخطاب قال: أكل الجيش أسلفه مثل ~~الذي أسلفكما؟ فقالا لا. فقال عمر بن الخطاب: ابنا أمير المؤمنين فأسلفكما، ~~أديا المال وربحه. فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال: ما ينبغي لك ~~يا أمير المؤمنين هذا، لو نقص المال أو هلك لضمناه. فقال عمر أدياه. فسكت ~~عبد الله وراجعه عبيد الله، وقال رجل من جلساء عمر: يا أمير المؤمنين لو ~~جعلته قراضا. فقال عمر قد جعلته قراضا. فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه، وأخذ ~~عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب نصف ربح المال. # فصل والقراض أصل في نفسه، وهو رخصة وتوسعة بين المسلمين للضرورة التي دعت ~~إليه، فلا يعمل به إلا على ما جرى من سنته. وسنة القراض المعروف الجائز # PageV03P007 # أن يدفع الرجل إلى الرجل المال على أن يعمل به على جزء من الربح يتفقان ~~عليه، ولا ضمان على العامل فيه لأنه أمانة بيده إلا أن يتعدى فيه أو يخالف ~~إلى شيء مما نهي عنه. ولا نفقة له في المال ولا كسوة إلا أن يسافر به سفرا ~~بعيدا والمال كثير فله فيه النفقة والكسوة. وإن كان السفر بعيدا والمال ~~قليلا فلا نفقة له ولا كسوة. وإن كان السفر قريبا والمال كثيرا فله فيه ~~النفقة دون الكسوة. وإن كان السفر قريبا والمال قليلا فله النفقة دون ~~الكسوة على ما في سماع عيسى عن ابن القاسم، وظاهر ما في الواضحة أنه لا ~~نفقة له ولا كسوة. # فصل ولا ربح للعامل في المال حتى ينض إلى رب المال رأس ماله. وحكم الزكاة ~~على مذهب ابن القاسم أن يخرج من جملة المال عند المفاصلة إذا كان في رأس ~~مال ms0983 رب المال وربحه ما تجب فيه الزكاة وعمل بالمال حولا كاملا. وفي هذا ~~الكتاب دليل على وجوب الزكاة في جملة المال وإن لم يعمل به حولا كاملا إذا ~~كان في رأس مال رب المال وربحه ما تجب فيه الزكاة. وذهب سحنون إلى أن ~~الزكاة تخرج من جملة المال إذا كان فيه ما تجب فيه الزكاة وإن لم يعمل ~~العامل به حولا ورأى الربح مزكى على أصل المال، وهو ظاهر قول ابن القاسم في ~~سماع أصبغ عنه في العتبية. - ولا يجوز اشتراط زكاة رأس المال على العامل، ~~ويجوز أن يشترطها العامل على رب المال لأنها واجبة عليه. واختلف إن اشترط ~~أحد المتقارضين زكاة ربح المال على صاحبه على أربعة أقوال: # أحدها: أن ذلك جائز لكل واحد منهما على صاحبه، وهو قول ابن القاسم في ~~المدونة وروايته عن مالك، لأنه يرجع إلى جزء مسمى. فإن اشترطت الزكاة على ~~العامل صار عمله على أربعة أعشار الربح وثلاثة أرباع عشره. وإن اشترطت ~~الزكاة على رب المال صار عمله على نصف الربح كاملا. # والثاني: أن ذلك لا يجوز لواحد منهما على صاحبه وهو قول مالك في أصل ~~الأسدية. # PageV03P008 # والثالث: أنه يجوز لرب المال أن يشترط ذلك على العامل ولا يجوز للعامل أن ~~يشترطه على رب المال، وهو قول مالك في رواية أشهب عنه في الجوائح والمساقاة ~~من العتبية في زكاة تمر الحائط المساقى، إذ لا فرق بين اشتراط زكاة تمر ~~الحائط المساقى وبين زكاة ربح مال القراض. # والرابع: عكس ذلك أنه يجوز أن يشترط ذلك العامل على رب المال ولا يجوز أن ~~يشترطه رب المال على العامل. # وهذا القول ليس بمنصوص عليه إلا أنه يتخرج على قياس بأن الجزء المشترط في ~~الزكاة يدفع إن لم يكن في المال ما تجب فيه الزكاة للمشترط عليه، لأنه يقول ~~لمشترطه عليه إنما اشترطته على الزكاة فإذا لم تكن في المال زكاة فرده علي، ~~لأن الغرر على هذا القول إنما يكون في اشتراط رب المال الزكاة على العامل ~~لا ms0984 في اشتراط العامل إياها على رب المال، لأن العامل إذا اشترطت عليه ~~الزكاة يصير له إن لم يكن في المال زكاة نصف الربح، لأن الجزء المشترط عليه ~~في الزكاة من نصيبه إليه، وإن كان في المال زكاة يصير له أربعة أعشار الربح ~~وثلاثة أرباع عشره، لأن ربع العشر قد اشترط عليه فأخرج فيه الزكاة فلا يدري ~~ما يعمل. وإن اشترطت على رب المال يصير للعامل نصف الربح، في المال ما تجب ~~فيه الزكاة أو لم يكن، لأن الجزء الذي اشترطه من نصيب رب المال ليؤديه في ~~الزكاة إن لم يكن في المال زكاة يرجع إلى رب المال المشترط عليه. # والقول الثالث الذي رواه أشهب عن مالك من أنه يجوز أن يشترط رب المال ~~زكاة الربح على العامل ولا يجوز أن يشترط ذلك العامل على رب المال يتخرج ~~على قياس القول بأن الجزء المشترط في الزكاة يكون إن لم يكن في المال زكاة ~~لمشترطه لا يرجع إلى المشترط عليه، وهو قول ابن حبيب في الواضحة، لأن ~~العامل إذا اشترطت عليه الزكاة على هذا القول لا يصير له من الربح إلا ~~أربعة أعشاره وثلاثة أرباع عشره وجبت في المال الزكاة أو لم تجب، لأن الجزء ~~الذي اشترط عليه في الزكاة إن لم تجب في المال زكاة يأخذه رب المال، ولا ~~يعتبر # PageV03P009 # بالغرر الذي يكون في جهة رب المال، إذ قد يحصل خمسة أعشار الربح وربع ~~عشره إن لم تجب في المال زكاة، وخمسة أعشاره وهو النصف إن أخذ منه ربع ~~العشر الذي اشترطه في الزكاة لأن الربح إنما يزكى على ملكه فلا يعتبر بما ~~يؤخذ من حظه منه في الزكاة. # والقول الثاني الذي في أصل الأسدية من أنه لا يجوز لأحدهما أن يشترط زكاة ~~الربح على صاحبه يتخرج على قياس القول بأن الجزء المشترط في الزكاة إن لم ~~تجب في المال زكاة يكون بينهما، لأنهما يتداعيانه فيقسم بينهما، لأن العامل ~~إن كان هو المشترط عليه الزكاة يصير له من الربح إن كان ms0985 في المال زكاة ~~أربعة أعشاره وثلاثة أرباع عشره، وإن لم يكن فيه زكاة يصير له منه أربعة ~~أعشاره وسبعة أثمان عشره. وإن كان رب المال هو المشترط عليه الزكاة يصير له ~~نصف الربح إن كان في المال زكاة، وخمسة أعشاره وثمن عشره إن لم يكن في ~~المال زكاة، فلا يدري العامل إن كان يصير له نصف الربح أو خمسة أعشاره وثمن ~~عشره. # ويتخرج هذا القول الذي في الأسدية أيضا على قياس القول بأن الجزء المشترط ~~في الزكاة إن لم تجب في المال زكاة يلغى ويقتسمان الربح على ما بقي من ~~الأجزاء، لأن العامل إن كان المشترط عليه الزكاة يصير له من الربح إن كان ~~في المال زكاة أربعة أعشاره وثلاثة أرباع عشره، وإن لم يكن فيه زكاة تصير ~~له منه ستة أجزاء من ثلاثة عشر وثلث جزء. وإن كان رب المال هو المشترط عليه ~~الزكاة يصير له نصف الربح إن كان في المال زكاة، وستة أجزاء من ثلاثة عشر ~~وثلثا جزء إن لم يكن في المال زكاة. فلا يدري العامل إن كان يصير له من ~~الربح نصفه أو ستة أجزاء من ثلاثة عشر وثلثا جزئه. والقول الأول الذي في ~~المدونة من أنه يجوز لكل واحد منهما أن يشترط زكاة الربح على صاحبه في حظه ~~وجهه ما ذكره في المدونة من أن ذلك يرجع إلى جزء معلوم يعمل عليه العامل، ~~وذلك نصف الربح إن كان هو مشترط الزكاة على رب العامل في حظه، وأربعة ~~أعشاره وثلاثة أرباع عشره إن كان رب المال هو مشترط الزكاة عليه في حظه. ~~وما في الأسدية من أنه لا يجوز لأحدهما اشتراط زكاة الربح على صاحبه أظهر، ~~لأن المال الذي قارضه به إن كان أقل من النصاب لا يدري إن كان يبلغ بربحه ~~النصاب فتجب فيه الزكاة، أو لا يبلغ بربحه # PageV03P010 # فلا تجب فيه الزكاة. وإن كان مال القراض الذي دفع إليه النصاب فأكثر لا ~~يدري إن كان ينض المال قبل الحول فلا تجب فيه الزكاة ms0986 أو لا ينض حتى يحول ~~عليه الحول فتجب فيه الزكاة، فالغرر في ذلك بين. ووجه ما في المدونة أنه ~~حمل الأمر في ذلك على الأغلب من أن المال لا ينض قبل الحول وأنه وإن كان ~~دفعه إليه وهو أقل من نصاب يبلغ بالربح فيه النصاب. وقد تكلمنا على حكم ~~اشتراط أحد المساقين على صاحبه زكاة تمر حائط المساقاة في كتاب البيان ~~والتحصيل من كتاب الجوائح والمساقاة في سماع أشهب منه وبالله التوفيق. # فصل وما يشترط أحد المتقارضين على صاحبه من الشروط ينقسم على قسمين: ~~أحدهما: لا يفسد القراض ولا يخرجه عن سنته. # والثاني: يفسده ويخرجه عن سنته. # فأما ما لا يفسده ولا يخرجه عن سنته فإنه ينقسم على قسمين: # أحدهما: يجوز ابتداء ولا كراهية فيه، مثل أن يشترط عليه ألا يشتري به ~~حيوانا ولا يحمله في بحر ولا يخرج به عن بلده وما أشبه ذلك. # والثاني: يكره اشتراطه ابتداء فإذا وقعت مضت، مثل أن تنزل الرفقة بالمكان ~~معها التجارة فيعطي الرجل الرجل المال قراضا على أن يشتري منهم ثم يبيع وما ~~أشبه ذلك. وليس لشيء من هذه الشروط حد ولا تنحصر إلى عدد. ومسائل الكتاب ~~تأتي على أكثرها كل في موضعه إن شاء الله تعالى. # فصل وأما ما يفسده ويخرجه عن سنته فإنه يجب فسخه ورد المال إلى صاحبه ما ~~لم يفت بالعمل. واختلف إذا فات بالعمل ما يكون للعامل فيه بحق عمله على ~~أربعة أقوال: # PageV03P011 # أحدها: أنه يرد إلى قراض مثله جملة من غير تفصيل، وهو قول ابن الماجشون ~~وروايته عن مالك وقول أشهب أيضا. # والثاني: أنه يرد إلى إجارة مثله أيضا جملة من غير تفصيل، وهو قول عبد ~~العزيز بن أبي سلمة، وإليه ذهب الشافعي وأبو حنيفة. # والثالث: أنه يرد إلى قراض المثل ما لم يكن أكثر من الجزء الذي سمي له من ~~الربح فلا يزاد عليه، وإنما يكون له الأقل من قراض مثله أو من الجزء الذي ~~سمي له إن كان رب المال هو مشترط الشرط على ms0987 المقارضة أو أقل من الجزء الذي ~~سمي له من الربح فلا ينقص منه، وإنما يكون له الأكثر من قراض مثله أو من ~~الجزء الذي سمي له إن كان المقارض هو مشترط الشرط على رب المال. وهذا القول ~~يأتي على ما حكاه ابن المواز عن مالك - رحمه الله - في القراض بالضمان أن ~~له الأقل من قراض مثله أو ما سمي له من الربح. # والرابع: أنه يرد إلى قراض مثله في كل منفعة اشترطها أحد المتقارضين على ~~صاحبه داخلة في المال ليست بخارجة منه ولا منفصلة عنه ولا خالصة لمشترطها، ~~وإلى إجارة مثله في كل منفعة اشترطها أحد المتقارضين على صاحبه خارجة عن ~~المال وخالصة لمشترطها، وفي كل غرر وحرام تعاملا عليه خرجا به عن سنة ~~القراض الجائز. وهذا هو مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك وقول مطرف وابن ~~نافع وابن عبد الحكم وأصبغ، وإياه اختار ابن حبيب وكان يمضي لنا عند الشيخ ~~أبي جعفر بن رزق - رحمه الله - أن الذي يأتي على مذهب ابن القاسم في ~~المدونة أن العامل يرد في القراض الفاسد كله إلى إجارة مثله حاشى سبع ~~مسائل: وهي القراض بالعروض، والقراض بالضمان، والقراض إلى أجل. والقراض ~~المبهم. وإذا قال له اعمل على أن لك في المال شركا. وإذا اختلف المتقارضان ~~وأتيا بما لا يشبه فحلفا على دعواهما، وإذا دفع إليه المال على أن لا يشتري ~~به إلا بالدين فاشترى بالنقد أو على ألا يشتري إلا سلعة كذا وكذا والسلعة ~~غير موجودة فاشترى غير ما أمره به. فهذا قول خامس في المسألة على هذا ~~التأويل. والصحيح # PageV03P012 # أن يحمل ما في المدونة على التفصيل الذي حكى ابن حبيب عن ابن القاسم من ~~قوله وروايته عن مالك واختاره واستحسنه. # فصل # وهذا التفصيل ليس بقياس وإنما هو استحسان. والذي يوجبه النظر والقياس أن ~~يرد القراض الفاسد كله إلى قراض المثل وإلى أجرة المثل جملة من غير تفضيل. ~~وأما تأويل ما في المدونة على ما حكيناه عن الشيخ أبي جعفر - رحمه الله - ~~فلا ms0988 حظ له في النظر والقياس ولا وجه له في الاستحسان، إذ الاستحسان في ~~الأحكام إنما يكون على مذهب من أجازه وأخذ به لمعان تختص بالفروع فيعدل من ~~أجلها عن إلحاقها بالأصول، وذلك معدوم في مسألتنا. # فصل فوجه قول من قال إن القراض الفاسد يرد العامل فيه كله إلى إجارة ~~المثل جملة من غير تفصيل أن القراض إجارة بغرر، لأن العامل يعمل في المال ~~على جزء مما يربح فيه إن كان فيه ربح، إلا أنه استثني من الأصول للضرورة، ~~فإنما يجوز إذا وقع على وجهه وسنته. فإذا وقع على خلاف ذلك فليس بقراض وإن ~~سمياه قراضا، وإنما هو إجارة فاسدة فيرد فيها إلى إجارة مثله، وإنما يكون ~~قراضا إذا عملا على سنة القراض. ألا ترى أنه لو قارضه على أن يعمل له ~~بالمال إلى أجل كذا وكذا في كذا وكذا وله كذا وكذا لكانت إجارة ولم يكن ~~قراضا، فلا معنى للاعتبار بذكر القراض إلا إذا عمل به على سنته. وأيضا فإن ~~القراض عقد صحيح يوجب عوضا مسمى للعامل بالعمل، فإذا كان فاسدا وجب له أجر ~~المثل في عمله لفواته. أصله إذا استأجره إجارة فاسدة ففاتت بالعمل أو باعه ~~بيعا فاسدا ففاتت السلعة المبيعة. # فصل ووجه قول من قال إنه يرد إلى قراض مثله جملة من غير تفصيل أن القراض # PageV03P013 # أصل في نفسه وعقد منفرد على حياله، والأصول موضوعة على أن كل عمد فاسد أو ~~على شبهة مردود إلى صحيحه لا إلى صحيح غيره من العقود كالنكاح والبيوع ~~والإجارة. فكما يرد فاسد البيع وغيره من العقود إلى صحيحها لا إلى صحيح ~~غيرها فكذلك يجب أن يرد فاسد القراض إلى صحيحه. # فصل وكذلك الجعل الفاسد والمساقاة الفاسدة يجريان على هذا الاختلاف ~~فيردان إلى حكم أنفسهما في قول، وإلى حكم غيرهما في قول دون تفصيل. وقد قيل ~~فيهما على تفصيل على ما قد ذكرناه في مواضعه وذلك على ما تقدم من الاستحسان ~~في الأحكام. # فصل وإذا رد المقارض إلى أجرة مثله فالمشهور في المذهب ms0989 أن الإجارة متعلقة ~~بذمة رب المال لا بربح المال. وذهب ابن حبيب إلى أنها متعلقة بربح المال، ~~فإذا لم يكن في المال ربح لم تكن له إجارة وهو بعيد. # فصل فإذا قلنا إنها متعلقة بذمة رب المال فهل يكون أحق بربح المال من ~~الغرماء ففي ذلك اختلاف. قال في كتاب ابن المواز: لا يكون أولى من الغرماء، ~~وهو ظاهر ما في المدونة، وقد تأول ما في المدونة على أنه دفع المال وأخرج ~~من يده، ولذلك جعله إسوة الغرماء. هذا على اختلافهم في الرهن هل تفتقر صحته ~~إلى التصريح به أم لا، فتفتقر إليه على مذهب ابن القاسم في المدونة، وذلك ~~بين من قوله في كتاب الرهون منها إن المرتهن لا يكون أحق بالرهن من الغرماء ~~بما أنفق عليه وإن قال له الراهن أنفق على أن نفقتك في الرهن حتى يقول # PageV03P014 # له أنفق على أن نفقتك في الرهن نصا أيضا خلاف مذهب أشهب. # وأما قراض المثل فإنه يتعلق بربح المال، هذا هو المحفوظ المعلوم. وقد حكى ~~عبد الوهاب في شرح الرسالة عن القاضي أبي الحسن أنه قال: يحتمل عندي على ~~قول مالك أن يكون له ما يساوي قراض مثله وإن كان في المال وضيعة أيضا. قال ~~عبد الوهاب فالفرق على هذا بين قراض المثل وإجارة المثل أن إجارة المثل ~~متعلقة بالإطلاق، وقراض المثل متعلق بالشرط الذي شرطاه. وتفسير ذلك أن يقال ~~في الإجارة لو استأجر رب المال من عمل له هذا العمل كم تكون إجارته؟ فيكون ~~ذلك للعامل. ويقال في القراض إذا كان العامل قد رضي بجزء كذا على هذا الشرط ~~الفاسد فكم ينبغي أن يكون له؟ فما قيل من شيء فهو قراض المثل على تأويل ~~القاضي أبي الحسن راجع إلى إجارة المثل. وإنما يختلف ذلك على تأويله في صفة ~~التقويم وهو بعيد جدا. # فصل والقراض الفاسد يفسخ قبل العمل وبعده، كان مما يرد فيه العامل إلى ~~أجرة مثله أو إلى قراض مثله، خلاف المساقاة، لأن المساقاة التي يرد فيها ~~مساقاة ms0990 مثله لا تفسخ بعد العمل. هذا قول ابن حبيب في الواضحة، ومثله في ~~كتاب ابن المواز. فأما الفسخ فيما يرد فيه إلى إجارة مثله إذا عثر عليه بعد ~~العمل فبين ترد إلى رب المال السلع التي توجد بيد المقارض ويكون له أجر ~~مثله في شرائها. وأما الفسخ فيما يرد فيه إلى قراض مثله فلا يكون برد ~~العروض إلى صاحب المال وإنما معناه أنه لا يتمادى على العمل إذا نض المال ~~بيده على ذلك القراض الفاسد. وحكى عبد الحق عن بعض شيوخ صقلية أن القراض ~~الذي يرد فيه إلى قراض مثله لا يفسخ بعد العمل كالمساقاة، يريد أنه إذا عثر ~~عليه وقد شغل المال في السلع لا يردها سلعا ولا يجبر على بيعها إلا على ما ~~يرجو من أسواقها التي ابتاعها عليها، # PageV03P015 # ولم يرد أنه يتمادى على العمل بعد نضوض المال، هذا ما لا يصح أن يتأول ~~عليه. فليس قوله على هذا التأويل بخلاف لما في الواضحة وكتاب ابن المواز. ~~وأما المساقاة التي يرد فيها إلى مساقاة مثله إذا لم يعثر عليها إلا بعد ~~العمل فلا تفسخ إلى انقضاء أجلها وتمام مدتها، كان ذلك عاما أو أعواما، ~~فإنما فارق القول في هذا من المساقاة لأن المساقاة لها أجل والقراض لا أجل ~~له، بيد أنه إذا شرع في العمل لزمهما القراض إلى أن ينض المال. فنضوض المال ~~أجل القراض إذا شرع فيه، فيستوي قراض المثل ومساقاة المثل في ألا يفسخ واحد ~~منهما إذا لم يعثر عليه حتى يقضي أمده. فمن ساوى بينهما فهذا تأويله، ومن ~~فرق بينهما فلافتراقهما في المدة والأجل. فهذا شرح هذه المسألة وبالله ~~التوفيق. # فصل والقراض جائز بالدنانير والدراهم لا اختلاف بين أهل العلم في ذلك، ~~لأنهما أصول الأثمان والمثمونات، وبهما يقوم ما عداهما من العروض وسائر ~~المتلفات، وكذلك النقار والأتبار، أعني تبر الذهب والفضة في البلد الذي ~~يجري فيه ذلك ولا يتعامل عندهم بالمسكوك. # فصل ولا يجوز القراض بشيء من العروض المعينات ولا بشيء من المكيلات ~~والموزونات عند ms0991 مالك - رحمه الله - وجميع أصحابه، ولا عند أحد من فقهاء ~~الأمصار، لأن القراض في الأصل غرر لأنه إجارة مجهولة إذ لا يدري العامل كم ~~يربح في المال ولا إن كان يربح أم لا. إلا أن الشرع جوزه للاضطرار إليه # وحاجة # الناس إلى التعامل عليه، فيجب ألا يجوز منه إلا مقدار ما جوزه الشرع، وأن ~~يكون ما عداه ممنوعا بالأصل. وأيضا فإن القراض بالعروض لا يخلو من أربعة ~~أوجه: إما أن يجعلا رأس مال القراض العرض بعينه، أو ثمنه الذي يبيعه به، أو ~~قيمته يوم العقد، أو قيمته يوم التفاضل. لأن معرفة رأس المال ومقداره لا بد ~~منه في القراض ليعرف العامل على ما يعمل. فإن كان نفس العرض هو رأس المال ~~فذلك غرر لأنه # PageV03P016 # قد يأخذ السلعة وقيمتها ألف دينار ويردها وقيمتها مائة دينار فيذهب ~~العامل ببعض رأس المال، أو يأخذها وقيمتها مائة دينار فيردها وهي تساوي ألف ~~دينار فيذهب رب المال بأجرة العامل. وإن كان الثمن الذي يبيعه به هو رأس ~~المال فقد اشترط رب المال منفعة لنفسه على العامل فيما تحمل عنه من مؤونة ~~بيعها وما يكفيه من ذلك. وإن كان قيمتها يوم يدفعها إليه هو رأس المال كان ~~رب المال قد باع منه العرض بما قوماه به على أنه إن باعه بأقل من ذلك جبره ~~من ربحه، وإن كان باعه بأكثر من ذلك كان له نصف الفضل، فذلك المز من الغرر ~~البين والمزابنة، كمن دفع إلى رجل ثوبا ليبيعه بعشرة دنانير على أن عليه ما ~~نقص وله بعض ما زاد. وإن كان رأس المال قيمتها يوم التفاضل فذلك أيضا غرر ~~بين، لأن قيمته يوم التفاضل مجهولة فيكون العامل يعمل على رأس مال مجهول، ~~قد يكثر فيغترق ربحه أو يقل فيذهب ببعض رأس مال رب المال، فصارت جميع وجوه ~~هذه المسألة إلى غرر وفساد. غير أن الحكم فيها يختلف إذا نزلت على مذهب ابن ~~القاسم. فأما إذا جعلا رأس المال الثمن الذي يبيعه به فإنه تكون له إجارة ms0992 ~~مثله في بيعه العرض، ثم يرد إلى قراض مثله في الثمن إذا لم يعثر عليه إلا ~~بعد العمل، وهو في سائر الوجوه أجير له إجارة مثله. وذكر ابن وهب في موطئه ~~قول عبد العزيز بن أبي سلمة الواقع في المدونة إذا قارضه بعرض وقوماه ~~بقيمته إنه أجير، فقال ابن وهب: أباه مالك. فعلى ما تأول ابن وهب على مالك ~~أن القراض كيفما وقع له إجارة مثله في بيعه العرض ثم يرد إلى قرض مثله بعد ~~ذلك، وهذا إذا باع العرض بعين. وأما إذا باعه بعرض فلا يصح أن يدخل فيه ~~اختلاف ويرد إلى إجارة مثله قولا واحدا. والأول أبين أن يرد إلى إجارة مثله ~~باع بعين أو بعرض. فإن لم يبينا في القراض بالعروض ما جعلا رأس المال ولم ~~يزد معطى العروض قراضا على أن قال خذ هذا العرض فاعمل به قراضا فذلك بمنزلة ~~أن لو قال له: بعه واعمل به قراضا، قاله ابن المواز. فأجير وكره. روى أشهب ~~عن مالك إجازته، وروى ابن القاسم عنه كراهيته. فإن وقع لم يفسخ، عمل أو لم ~~يعمل، قاله ابن القاسم، إلا أن يكون قال صرفها أو استضربها واعمل بها # PageV03P017 # فيكون له أجر مثله في تصريفها أو استضرابها ويرد إلى قراض مثله فيما خرج ~~منها كالقراض بالعروض سواء. # فصل ووجه إجازة القراض بتبر الذهب والفضة ألا تباع، ولذلك نزع مالك - ~~رحمه الله - في رواية أشهب عنه فقال قد قارض الناس قبل أن تضرب الدنانير ~~والدراهم، ولأن السكة لا تأثير لها في الجواز، ولا في المنع، بدليل أن كل ~~حكم تعلق على الذهب والفضة إذا كانا مسكوكين يتعلق بهما إذا كانا تبرين من ~~منع التفاضل في الصنف الواحد والنسيئة في الصنفين. ووجه المنع من القراض ~~بهما تشبيههما بالعروض في أن الناس لا يتبايعون بهما أو يتصرفون فيهما إلا ~~بعد علاج وصنعة، فذلك بمنزلة بيع العروض. وقال ابن شعبان في الزاهي إنما لا ~~يجوز ذلك لأنهما لا تضبط كيفية ذهبهما، وهذا أظهر في القياس. وعلى ms0993 هذا ~~التعليل يكون القراض بتبر الذهب والفضة مكروها أيضا بالبلد الذي يدار فيه ~~التبر، أو لا يدار. # فصل وكذلك اختلف في القراض بالفلوس فأجيز وكره. فمن أجاز ذلك شبهها ~~بالعين لإمكان التصريف بها، ومن منع منه شبهها بالعروض. وينبغي أن يفرق في ~~جواز القراض بها بين القليل والكثير على ما وقع لابن القاسم في السلم ~~الثاني من المدونة في الذي يأمر الرجل أن يبيع سلعته فيبيعها بالفلوس. ~~فيأتي على هذا في القراض بالفلوس ثلاثة أقوال.. الإجازة، والكراهة جملة من ~~غير تفصيل، والتفصيل بين القليل والكثير وهو ظاهر في المعنى. # فصل ولا ينبغي للرجل أن يقارض إلا من يعرف الحلال من الحرام، ولا يجوز له # PageV03P018 # أن يقارض من يستحل الحرام ويعمل بالربى من المسلمين. وكذلك الكافر لا ~~يجوز للرجل أن يعطيه مالا قراضا، وكذلك عبده الكافر لا يجوز له أن يعطيه ~~مالا قراضا ولا أن يأتمنه على البيع والشراء لقول الله عز وجل: {وأخذهم ~~الربا وقد نهوا عنه} [النساء: 161] وقد وقع في سماع عبد الملك بن الحسن عن ~~ابن وهب أنه لا بأس بمقارضة المسلم للنصراني وهو بعيد. وأما أخذ المسلم من ~~النصراني مالا قراضا فمكروه لأنه من باب إجارة المسلم نفسه من النصراني. # فصل والقراض من العقود الجائزة لا يلزم بالعقد واحدا منهما، وإنما يلزم ~~بالشروع في العمل أو شغل المال، فإذا شرع في العمل وشغل المال لم يكن لرب ~~المال أخذه حتى ينض، ولا للعامل صرفه دون ذلك، وبالله التوفيق. ### || تحصيل القول في باب شراء العامل من يعتق عليه أو على رب المال # هذا الباب والذي بعده يشتمل على أربع مسائل: # إحداها: شراء العامل من يعتق عليه. # والثانية: شراء من يعتق على رب المال. # والثالثة: عتق العامل عبدا أو جارية من مال القراض. # والرابعة: إذا وطئ المقارض جارية من مال القراض فحملت. # فصل فأما إذا اشترى العامل من يعتق عليه فإن ذلك لا يخلو من وجهين: # أحدهما: أن يكون عالما. # PageV03P019 # والثاني: أن يكون غير عالم. # فأما الوجه الأول وهو ms0994 أن يكون عالما فلا يخلو من وجهين. # أحدهما: أن يكون موسرا. # والثاني: أن يكون معسرا. # فإن كان موسرا فلا يخلوا من وجهين: # أحدهما: أن يكون فيه ربح. # والثاني: ألا يكون فيه ربح. وكذلك إن كان معسرا لا يخلو أيضا من وجهين: # أحدهما: أن يكون فيه ربح. # والثاني: ألا يكون فيه ربح. # وأما الوجه الثاني وهو أن يكون غير عالم فلا يخلو أيضا من أن يكون موسرا ~~أو معسرا، فإن كان موسرا فلا يخلو من أن يكون فيه ربح أو لا يكون فيه ربح، ~~فتنتهي المسألة على هذا إلى ثمانية أوجه: أربعة في العالم، وأربعة في غير ~~العالم لا زيادة فيها. # فصل فأما إذا اشترى من يعتق عليه وهو عالم موسر وفيه ربح فإنه يعتق عليه ~~ويؤدي إلى رب المال رأس ماله وحصته من الربح يوم الحكم إلا أن يكون ثمنه ~~الذي اشتراه به أكثر من قيمته يوم الحكم فيؤدي إلى رب المال رأس ماله وحصته ~~من الربح من الثمن الذي اشتراه به، لأنه لما اشتراه به وهو عالم أنه يعتق ~~عليه فقد رضي أن يؤدي إلى رب المال ما يجب له من الثمن الذي اشتراه به في ~~رأس ماله وحصته من الربح فيكون لرب المال أخذه بالأكثر. وقال المغيرة: يعتق ~~عليه قدر حظه منه ويقوم عليه حظ رب المال يوم الحكم خلاف قول ابن القاسم ~~أنه يكون عليه الأكثر. # PageV03P020 # فصل وأما إذا اشترى من يعتق عليه وهو عالم موسر ولا ربح فيه فإنه يعتق ~~عليه ويؤدي إلى رب المال الأكثر من قيمته يوم الحكم أو من الثمن الذي ~~اشتراه به، لأنه لما اشتراه وهو عالم بأنه يعتق عليه فقد رضي أن يؤدي إليه ~~الثمن- الذي اشتراه به. وقال المغيرة: لا يعتق عليه منه شيء إذا لم يكن فيه ~~فضل ويباع فيدفع ثمنه إلى رب المال. وهو على قياس قول غير ابن القاسم ~~الواقع في الباب الثاني إنه إذا اشترى عبدا بالمال القراض وأعتقه ولا فضل ~~فيه إنه لا يعتق عليه، إذ ms0995 لا فرق بين أن يشتري بالمال القراض من يعتق عليه ~~وهو عالم أو يشتري به عبدا فيعتقه في أنه متعد على رب المال في ماله في ~~الوجهين جميعا، ووجه قوله أن عداءه في مال غيره لا يلزمه في ماله ما لم ~~يلتزمه. # فصل وأما إذا اشترى أبا نفسه أو من يعتق عليه وهو عالم معسر وفيه ربح ~~فقال في الكتاب إنه يباع منه بقدر رأس المال وربح رب المال، يريد يوم ~~الحكم، فيدفع إلى رب المال ويعتق ما بقي إذا كان الثمن الذي اشتراه به مثل ~~قيمته يوم الحكم أو أقل. وأما إن كان الثمن الذي اشتراه به أكثر من قيمته ~~يوم الحكم فيتبعه بما يجب له من الزائد في ذمته. مثال ذلك أن يشتريه ~~بمائتين، ورأس المال من ذلك مائة، وقيمته يوم الحكم مائة وخمسون، فيباع منه ~~لرب المال برأس ماله وحصته من الربح يوم الحكم وذلك مائة وخمسة وعشرون، ~~ويعتق الباقي، ويتبعه في ذمته بخمسة وعشرين، لأن الواجب له من المائتين ~~التي اشتراه بها مائة وخمسون، بيع له منها بمائة وخمسة وعشرين وبقيت له ~~خمسة وعشرون يتبعه بها. وإن أراد رب المال أن يأخذ من العبد قدر رأس المال ~~وحصته من الربح يوم الحكم على ما يساوي جملته كان ذلك له لأنه أوفر لنصيب ~~العامل الذي يعتق منه، لأنه إذا بيع منه لرب المال برأس ماله وربحه كان ذلك ~~أوكس لثمنه لضرر الشركة. وإن أراد # PageV03P021 # رب المال أن يأخذ من العبد برأس ماله وحصته من الربح ما كان يباع له منه ~~لو بيع لم يكن ذلك له على ما في سماع أصبغ عن ابن القاسم من كتاب الوصايا. ~~وإن أراد أن يتبعه برأس ماله وحصته من الربح دينا في ذمته ويعتق عليه كان ~~ذلك له على قياس قوله. # فصل وأما إذا اشترى من يعتق عليه وهو عالم معسر ولا ربح فيه فلا يعتق ~~عليه ويتبع بقيمته دينا في ذمته، إلا أن يشاء ذلك رب المال ويرضى به، ولكن ms0996 ~~يباع ويسلم الثمن إلى رب المال، إلا أن يكون ثمنه الذي اشتراه به أكثر ~~فيكون لرب المال أن يتبع العامل في ذمته بالزائد لأنه قد رضي بذلك حين ~~اشتراه وهو يعلم. # فصل وأما إذا اشترى من يعتق عليه وهو غير عالم موسر وفيه ربح فإنه يعتق ~~عليه نصيبه ويقوم عليه سائره يوم الحكم، كحكم العبد بين الشريكين يعتق ~~أحدهما نصيبه منه وهو موسر. وهذا معنى قوله في الكتاب إنه يعتق عليه ويرد ~~إلى رب المال رأس ماله وربحه. ولا اختلاف في هذا بين ابن القاسم والمغيرة، ~~وإنما اختلفا إذا علم، فابن القاسم يراعي علمه ويوجب عليه الأكثر، والمغيرة ~~لا يراعيه فلا يوجب عليه لرب المال إلا رأس ماله وحصته من الربح يوم الحكم ~~على ما تقدم. # فصل وأما إذا اشترى من يعتق عليه وهو غير عالم موسر ولا ربح فيه فإنه ~~يباع ويدفع إلى رب المال ماله. # فصل وكذلك إن كان معسرا، إذ لا فرق في هذا الوجه بين الموسر والمعسر. # PageV03P022 # فصل وأما إن كان غير عالم معسرا وفيه فضل فإنه يباع منه بقدر رأس المال ~~وربح رب المال يوم الحكم ويعتق الباقي. وإن أراد رب المال أن يأخذ منه قدر ~~رأس ماله وحصته من الربح على ما يساوي جملة كان ذلك له لأنه أوفر للعتق، ~~وليس له أن يأخذ منه ما كان يباع له منه برأس ماله وحصته من الربح على قياس ~~ما في سماع أصبغ عن ابن القاسم من كتاب الوصايا حسبما تقدم إذا كان عالما. ~~وبالله التوفيق. # فصل وتلخيص هذه المسائل الثمان أنه إن كان غير عالم ولا فضل فيه عن رأس ~~المال فسواء كان موسرا أو معسرا يباع ويسلم ثمنه إلى رب المال. وإن كان غير ~~عالم وفيه فضل عن رأس المال كان كالعبد بين الشريكين يعتق أحدهما حظه منه ~~وهو موسره أو معسره. إن كان موسرا أعتق عليه حظه وقوم عليه حظ رب المال، ~~وإن كان معسرا أعتق عليه حظه منه وبقي حظ صاحب المال ms0997 منه رقيقا له إلا أن ~~لا يريد ذلك ويطلب ماله فيباع له منه برأس ماله وربحه ما بيع ويعتق الباقي. ~~وإن كان عالما موسرا أعتق عليه وأدى إلى رب المال الأكثر من رأس ماله، ~~وحصته من الربح يوم الحكم أو يوم الشراء إن كان فيه فضل وإن كان عالما ~~معسرا بيع منه لرب المال برأس ماله وربحه وأعتق الباقي إن كان فيه فضل. وإن ~~لم يكن فيه فضل أسلم لرب المال أو بيع وأسلم إليه ثمنه. والمغيرة لا يراعي ~~علم العامل فيقول: إذا علم ما يقول ابن القاسم إذا لم يعلم في جميع الوجوه ~~حسبما ذكرناه على مذهبه، وبالله التوفيق. # فصل وأما المسألة الثانية وهي شراء العامل من يعتق على رب المال فإنها ~~تنقسم أيضا على الوجوه التي قسمنا عليها شراء من يعتق عليه. # PageV03P023 # فصل فأما إذا اشترى من يعتق على رب المال وهو عالم موسر وفيه ربح يوم ~~الشراء فإنه يعتق ويؤخذ منه لرب المال رأس ماله وحصته من الربح إن كان فيه ~~ربح يوم الشراء. وإن لم يكن فيه ربح يوم الشراء لم يؤخذ منه إلا الثمن الذي ~~اشتراه به وإن كانت قيمته أكثر مما اشتراه به لأنه لا يصح له فيه ربح لأنه ~~يعتق عليه. # فصل وإن كان معسرا وفيه ربح يوم الشراء بيع منه لرب المال برأس ماله ~~وحصته من الربح، وعتق الفضل إن فضل منه شيء وإن لم يساو إلا أقل من رأس ~~المال وحصة رب المال من الربح بيع جميعه لرب المال واتبع العامل بما نقض من ~~رأس ماله وحصته من الربح. # فصل وأما إذا ابتاعه وهو لا يعلم فإنه يعتق على رب المال، فإن كان للعامل ~~فيه ربح يوم الشراء قوم على رب المال نصيب العامل منه إن كان له مال كهبته ~~العبد بين الشريكين. فإن لم يكن مال بقي حظ العامل فيه رقيقا. وسواء في هذا ~~الوجه كان العامل مليا أو معدما. ### || فصل في بيان وجوه ألفاظ الكتاب في هذا الوجه # قوله ms0998 فيه إذا اشترى العامل أبا رب المال أو ابنه وهو لا يعلم عتقوا على ~~رب المال، يريد يوم الشراء. وقوله وإن كان فيهم ربح دفع إلى العامل من مال ~~صاحب المال بقدر نصيبه من الربح على ما قارضه، يريد أنه كان في المال ربح ~~يوم الشراء، مثل أن يكون رأس مال القراض مائة فيربح فيها مائة أخرى ثم ~~يشتريهم # PageV03P024 # بالمائتين فيصيب العامل منهم على هذا التنزيل الربع فيغرم رب المال ~~للعامل قيمة ربع العبد يوم الحكم إن كان له مال ويعتق كله عليه، وإن لم يكن ~~له مال بقي ربعه رقيقا للعامل بمنزلة العبد بين الشريكين يعتق أحدهما ~~نصيبه. هذا معنى قوله في الكتاب وإرادته. # فصل وأما إذا اشتراهم وهو عالم فقال في الكتاب إنهم يعتقون على العامل إن ~~كان له مال ويؤخذ منه ثمنهم، يريد الثمن الذي اشتراهم به وإن كانت قيمتهم ~~أكثر مما اشتراهم به، لأنه لا يجوز لرب المال أن يربح فيمن يعتق عليه، ~~بخلاف إذا اشترى العامل من يعتق عليه وهو عالم وقيمته أكثر مما ابتاعه به ~~فإنه يغرم هاهنا رأس المال وحصته من الربح، لأن الربح فيمن لا يعتق عليه. ~~وهذا في الذي يشتري أبا رب المال وهو عالم إن لم يكن في المال ربح. وأما إن ~~كان في المال ربح قبل الشراء، مثل أن يكون رأس المال مائة فيربح فيه مائة ~~أخرى ثم يشتريهم بمائتين فلا يؤخذ منه جميع الثمن وإنما يؤخذ منه رأس مال ~~رب المال وحصته من الربح وذلك مائة وخمسون. وقال في الكتاب: وإن لم يكن له ~~مال بيعوا فأعطي رب المال رأس ماله وربحه، يريد أن الربح كان فيه يوم ~~الشراء، وذلك مثل أن يكون رأس المال مائة فيصير بالربح فيها مائتين ثم ~~يبتاعهم بجميع المائتين وهو عالم، فإنه يباع منهم بمائة وخمسين رأس مال رب ~~المال وحصته من الربح، ويعتق ما فضل كان أقل من ربع العبد أو أكثر، لأنه إن ~~ساوى العبد أكثر من مائتين لم يصح أن ms0999 يباع لرب المال منه بأكثر من مائة ~~وخمسين، لأن ذلك هو الذي تعدى له عليها العامل، ولم يصح له أن يأخذ مما ~~زادت قيمته بعد الشراء شيئا، لأنه لا يصح له ملكه فلم يصح له الربح فيه. ~~وإن ساوى العبد أقل من مائتين فمن حق رب المال أن يباع له من العبد بمائة ~~وخمسين وإن اغترق ذلك جميع العبد، لأنه تعدى له على ذلك القدر. ولم يساو ~~العبد إلا أقل من مائة وخمسين لوجب أن يباع كله ويتبع العامل بما نقص من ~~مائة وخمسين. وهذا كله معنى قوله في الكتاب وإرادته فيه، وهي مسألة قد ~~اختلف فيها كما ذكر، والاختلاف بعضه في المدونة وبعضه خارج عنها. # PageV03P025 # فصل والذي يتحصل فيها من الاختلاف إذا اشتراهم، وهو يعلم، ستة أقوال: # أحدها: قوله في الكتاب إنهم يعتقون عليه إن كان له مال ويباعون إن لم يكن ~~له مال. # والثاني: أنهم يعتقون على رب المال. وهذا القول يأتي على ما في كتاب ~~الرهون في بعض الروايات. # والثالث: أن البيع لا يجوز. وهذا القول يأتي على ما في كتاب العتق الثاني ~~في الأب يشتري من يعتق على ابنه الصغير. # والرابع: أنه لا يعتق على واحد منهما. وهو قول ابن القاسم في أصل سماعه. # والخامس: أنه يضمن الثمن ويكون له العبد. وهو قول مالك في رواية ابن أبي ~~أويس عنه. # والسادس: أن رب المال بالخيار إن أحب أن يأخذه فيعتق عليه ويكون للعامل ~~فضله إن كان فيه فضل، وإن أحب أن يضمن العامل لتعديه كان ذلك له. # وإذا اشتراهم وهو لا يعلم ففي ذلك قولان: # أحدهما: قوله في الكتاب إنهم يعتقون على رب المال. # والثاني: قول ابن القاسم في أصل سماعه إنهم لا يعتقون على واحد منهما. # فصل وأما المسألة الثالثة وهو أن يعتق المقارض عبدا أو جارية من مال ~~القراض. # فإن كان موسرا واشتراه للعتق أعتق عليه وغرم لرب المال رأس ماله أو رأس ~~ماله وربحه إن كان فيه فضل. وإن كان موسرا فاشتراه للقراض ms1000 ثم أعتقه عتق ~~عليه وغرم لرب المال قيمته يوم العتق إلا قدر حظه منه إن كان فيه فضل. وعلى ~~قول غير ابن # PageV03P026 # القاسم في المدونة وهو مذهب المغيرة أنه إن كان فيه فضل عتق عليه نصيبه ~~وقوم عليه نصيب صاحب المال، وإن لم يكن فيه فضل لم يعتق منه شيء. وهذا إن ~~كان اشتراه بجميع مال القراض. وأما إن اشتراه ببعض مال القراض فعند ابن ~~القاسم أنه يعتق عليه ويجبر القراض من ماله بقيمته يوم العتق إن كان اشتراه ~~للقراض، أو بالثمن الذي اشتراه به إن كان اشتراه للعتق، خلافا للمغيرة ~~ولغير ابن القاسم المتقدم. وأما إن كان معسرا فلا يعتق منه شيء إلا أن يكون ~~فيه فضل فيباع منه لرب المال بقدر رأس ماله وربحه ويعتق الباقي على العامل. # فصل وأما المسألة الرابعة وهي أن يطأ المقارض جارية من القراض فتحمل، فإن ~~كان اشتراها للقراض ثم تعدى عليها فوطئها فحملت وله مال أخذ منه قيمتها يوم ~~وطئها فيجبر به القراض، وكانت أم ولد له. وإن لم يكن له مال ولا كان فيها ~~فضل بيعت واتبع بقيمة الولد دينا. واختلف إن كان فيها فضل فقيل إنه يباع ~~منها لرب المال بقدر رأس ماله وربحه ويكون ما بقي بحساب أم ولد. وقيل يكون ~~حكمها حكم الأمة بين الشريكين يطؤها أحدهما فتحمل ولا مال له على الاختلاف ~~المعلوم في ذلك. # وأما إن كان اشتراها للوطء فوطئها فحملت، فقال ابن القاسم مرة يؤخذ منه ~~الثمن، ومرة تؤخذ منه القيمة فيجبر بذلك القراض إن كان له مال، وإن لم يكن ~~له مال اتبع به دينا وكانت له أم ولد على كل حال. وقال مالك تؤخذ منه ~~القيمة فيجبر به القراض إن كان له مال، فإن لم يكن له مال بيعت. وهذا إن لم ~~يكن فيها فضل، فإن كان فيها فضل فعلى ما تقدم من الاختلاف. هذا تحصيل القول ~~في هذه المسألة على ما حملها عليه بعض أهل النظر باتباع ظواهر الروايات. # والذي أقول به ms1001 في هذه المسألة أن الاختلاف في بيعها إذا حملت وهو عديم ~~إنما هو إذا اشترى ووطئ ولم يعلم إن كان اشتراها للقراض أو لنفسه بمال ~~استسلفه من القراض، فحمله مالك على أنه اشتراها للقراض ولم يصدقه أنه # PageV03P027 # اشتراها لنفسه بمال استسلفه من القراض، ولذالك قال إنها تباع في القيمة ~~إذا لم يكن له مال، وحمله ابن القاسم على أنه اشتراها لنفسه بمال تسلفه من ~~القراض ولم يصدقه أنه اشتراها للقراض على ما في سماع أبي زيد، ولذلك قال ~~إنها لا تباع، إلا أنه قال في سماعه وفي تفسير ابن مزين يتبع بقيمتها. ~~ومعناه عندي إن كانت القيمة أكثر من الثمن، فإرادته أنه يتبع بالأكثر من ~~القيمة أو الثمن. وأما إن علم أنه اشتراها للقراض ببينة تقوم على ذلك فتباع ~~فيما لزمه من قيمتها قولا واحدا. وكذلك إن علم أنه اشتراها لنفسه من مال ~~القراض فلا تباع ويتبع بالثمن الذي اشتراها به في ذمته قولا واحدا والله ~~أعلم. # فصل في اختلاف دافع المال والمدفوع إليه # فصل # في اختلاف دافع المال والمدفوع إليه # إذا اختلف دافع المال والمدفوع إليه فقال الدافع دفعته قراضا وقال ~~المدفوع إليه وديعة لا يخلو الأمر في هذه المسألة من ثلاثة أحوال: # أحدها: أن يكون المال حاضرا. # والثاني: أن يكون غائبا. # والثالث: أن يكون قد تلف دون أن يحركه المدفوع إليه أو بعد أن حركه ثم ~~صرفه. # فأما إن كان حاضرا فليست بمسألة، يأخذ صاحب المال ماله. # وأما إن كان المال غائبا ففي ذلك قولان: # أحدهما: قول ابن القاسم وروايته عن مالك أن القول قول الدافع. # والثاني: قول أشهب ورواية ابن عبد الحكم عن مالك وربيعة أن القول قول ~~المدفوع إليه لأنه لا يؤخذ أحد بأكثر مما أقر به على نفسه وهو لم يقر في ~~ذمته بشيء. # وأما إن تلف قبل أن يحركه أو بعد أن حركه وصرفه في موضعه ببينة على # PageV03P028 # القول بأن المودع إذا اتجر في الوديعة لا يصدق في صرفها إلى موضعها ففي ~~ذلك ثلاثة ms1002 أقوال: # أحدها: أن القول قول رب المال، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك. ~~والثاني: أن القول قول المدفوع إليه المال، وهو قول ربيعة ومن تابعه. ~~والثالث: الفرق بين أن يتلف قبل أن يحركه أو بعد أن حركه. فإن تلف قبل أن ~~يحركه كان القول قول المدفوع إليه، وإن تلف بعد أن حركه كان القول قول ~~الدافع وهو قول أشهب. # وأما على القول بأن المودع إذا حرك الوديعة لا يبرأ من ضمانها إلا بصرفها ~~إلى صاحبها فهو ضامن لها دون يمين تلزم الدافع. # فصل وأما إن قال المدفوع إليه أخذته قراضا وقال الدافع بل أبضعته معك ~~لتعمل لي به، فقال في الكتاب إن القول قول رب المال بعد أن يحلف ويكون عليه ~~للعامل إجارة مثله إلا أن تكون إجارة مثله أكثر من نصف الربح فلا يزاد ~~عليه. ومعنى ذلك بعد أن يحلف العامل، لأن وجه ما ذهب إليه أن كل واحد منهما ~~مدع على صاحبه: رب المال يدعي على العامل أنه عمل له في المال باطلا، ~~والعامل يدعي أنه عمل فيه على نصف الربح. فإن حلفا جميعا أو نكلا جميعا عن ~~اليمين كان له أجر مثله إلا أن يكون ذلك أكثر من نصف الربح. وإن حلف أحدهما ~~ونكل الآخر كان القول قول الحالف منهما. على هذا ينبغي أن تحمل الرواية ~~وتصرف إليه بالتأويل. ولا يلتفت إلى ما في ألفاظها مما يدل على أنه جعل ~~القول قول رب المال فإن نكل كان القول قول العامل على حكم المدعي والمدعى ~~عليه. وعلى ذلك حمل أبو إسحاق التونسي وغيره المسألة. واعترض قوله إذا كان ~~ممن يستعمل مثله في القراض فقال ينبغي إذا نكل رب المال أن يكون القول قول ~~العامل وإن كان ممن لا يستعمل مثله في القراض، لأن رب المال قد مكنه من ~~دعواه وإن كانت لا تشبه بنكوله عن اليمين. # PageV03P029 # والمسألة عندي صحيحة لا اعتراض فيها لأن قوله إذا كان ممن يستعمل مثله في ~~القراض ليس من تمام قوله فإن نكل ms1003 عن اليمين كان القول قول العامل مع يمينه ~~إذا كان ممن يستعمل مثله في القراض، وإنما المعنى في المسألة أن الكلام قد ~~تم بقوله فإن نكل عن اليمين كان القول قول العامل مع يمينه، ثم ابتدأ فقال: ~~وهذا الذي وصفته من الأيمان إنما يكون إذا كان ممن يستعمل مثله في القراض، ~~لأنه إذا كان ممن يستعمل في القراض يكون كل واحد منهما قد ادعى على صاحبه ~~ما يشبه فوجبت له اليمين عليه على ما قلناه، فإن نكلا أو حلفا كان للعامل ~~أجر مثله إلا أن يكون أكثر من نصف الربح كما قال. وإن نكل العامل وحلف رب ~~المال أخذ المال وربحه ولم تكن عليه أجرة. وإن نكل رب المال وحلف العامل ~~استوجب نصف ربح المال على ما حلف عليه. وأما إن كان العامل ممن لا يستعمل ~~مثله في القراض فلا يمكن من اليمين لإتيانه بما لا يشبه، ويكون القول قول ~~رب المال، فإن حلف استحق ما ادعاه من أنه كان أبضع معه المال ولم تكن عليه ~~إجارة، وإن نكل عن اليمين كان القول قول العامل وإن كان مثله لا يستعمل في ~~القراض، لأن رب المال قد أمكنه من دعواه وإن كان لا تشبه بنكوله عن اليمين. ~~فهذا هو معنى المسألة لا ما سواه. # ولو كان المدفوع إليه المال ممن يعلم أنه يعمل للناس بالقراض لوجب أن ~~يكون القول قوله على مذهب ابن القاسم أنه أخذه على ما يدعي من القراض إن ~~كان الجزء الذي ادعاه يشبه أن يكون قراض مثله. وإن كان لا يشبه أن يكون ~~قراض مثله حلفا جميعا وكان له قراض مثله قياسا على قوله في مسألة كتاب ~~الجعل والإجارة في الصانع ورب الثوب يختلفان فيقول رب الثوب عملته لي باطلا ~~ويقول الصانع بل عملته لك بكذا وكذا، وعلى قياس قول غيره في مسألة الصانع ~~من الكتاب المذكور يكون القول قوله أنه أخذه على ما يدعي من القراض إن كان ~~الجزء الذي ادعاه أكثر من قراض مثله حلفا ms1004 جميعا وكان له قراض مثله. نقف على ~~افتراق هذه الوجود الثلاث # PageV03P030 # وهي أن يكون المدفوع إليه المال لا يشبه أن يستعمل مثله في القراض،، وأن ~~يكون ممن يعمل للناس بالقراض. وكذلك مسألة الصانع تفترق فيها الوجوه ~~الثلاثة، وهي أن يكون ممن لا يشبه أن يعمل بأجرة، وأن يكون ممن يشبه أن ~~يعمل بأجرة، وأن يكون من الصناع الذين يعملون للناس بالأجرة. لأن المسألتين ~~تحمل كل واحدة منهما على صاحبتها، إذ لا فرق بينهما في المعنى. فإذا كان ~~ممن لا يشبه أن يعمل بأجرة كان القول قول رب الثوب أنه عمله له باطلا. وإذا ~~كان يشبه أن يعمل بأجرة ولم يكن من الصناع حلفا جميعا وكان له أجر مثله. ~~وإذا كان من الصناع كان الجواب في ذلك لابن القاسم ما قاله في كتاب الجعل ~~والإجارة، ولغيره ما قاله فيه حسب ما ذكرناه بتمامه، وبالله التوفيق. # فصل وأما إن قال المدفوع إليه أخذته قراضا وقال رب المال بل دفعته إليك ~~قرضا فإن الأمر لا يخلو من ثلاثة أقوال: # أحدها: أن يكون المال قد تلف كله أو بعضه قبل أن يحركه. # والثاني: أن يكون تلف أو نقص بعد أن حركه. # والثالث: أن يكون زاد بربح فيه. # فأما إذا تلف كله أو بعضه قبل أن يحركه ففي ذلك ثلاثة أقوال: # أحدها: أن القول قول رب المال، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك. # والثاني: أن القول قول المدفوع إليه، وهو قول ربيعة ورواية ابن عبد الحكم ~~عن مالك. # والثالث: الفرق بين أن يتلف قبل أن يحركه أو بعد أن حركه، وهو قول أشهب. ~~فاتفق أشهب وابن القاسم على أن القول قول رب المال إذا تلف بعد أن # PageV03P031 # حركه لأن المدفوع إليه يدعي في مال قد حركه أنه لا ضمان عليه فيه. وكان ~~القياس على أصل أشهب أن يكون القول قول المدفوع إليه وإن كان قد حركه لأنه ~~لم يحرك إلا ما أذن له رب المال في تحريكه. # وأما إذا كان في المال ربح فقيل ms1005 إنه يوقف، فمن كذب منهما نفسه ورجع إلى ~~قول صاحبه أخذه، وإن رجع الثاني إلى قول الأول بعد أن كان رجع الأول إلى ~~قول الثاني لم يوجب رجوعه على الذي رجع أولا يمينا. وقيل إنه لرب المال ~~يأخذه، وهو الذي يأتي على ما في كتاب الرهون لابن القاسم، وعلى ما في كتاب ~~إرخاء الستور لأشهب وإن كان مقيما على إنكاره. وقيل إنه ليس له أن يأخذه ~~وإن رجع إلى قول الذي أقر له به وبالله التوفيق لا شريك له. # PageV03P032 ### | كتاب الشركة # ] [ ### || القول في الشركة # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وعلى آله كتاب الشركة القول ~~في الشركة الشركة قد تحصل بين الاثنين والجماعة في الدور والأرضين والحيوان ~~والعروض والدنانير والدراهم وجميع الأشياء بالمواريث والهبات والصدقات ~~والأشرية وغير ذلك. # فصل ولا يكون الرجل شريكا للرجل إلا إذا شاركه في رقاب الأموال على ~~الإشاعة. وأما إن لم يشاركه في رقاب الأموال فليس شريكا وإنما هو خليط، فكل ~~شريك خليط، وليس كل خليط شريكا. والخلطة أعم من الشركة، قال الله عز وجل في ~~الخليط: {إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها ~~وعزني في الخطاب} [ص: 23] {قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا ~~من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} [ص: 24] ~~فسماهم الله تعالى لما لم يشتركوا في أعيان النعاج. وقال تعالى في الشركة ~~في عين المال، على الإشاعة: {ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا ~~سلما لرجل هل يستويان مثلا} [الزمر: 29] # PageV03P033 # يقول الله تعالى: هل يستوي العبد الذي يكون بين الجماعة المشتركين فيه ~~السبتة أخلاقهم، والعبد الذي يكون خالصا لرجل واحد فيرضيه بخدمته ويعرف له ~~حق طاعته فيثيبه عليها أو لا يستوي ذلك. وهذا مثل ضربه الله تعالى للكافر ~~الذي يعبد آلهة شتى، والمؤمن الذي لا يعبد إلا الله. ثم قال تعالى: {وإذا ~~حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا ~~معروفا} [النساء: 8] . فدل على اشتراكهم ms1006 في المال المقسوم قبل القسمة، ~~كائنا ذلك المال ما كان من الأموال وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«أيما دار قسمت في الجاهلية فهي على قسم الجاهلية، وائما دار أدركها ~~الإسلام ولم تقسم فهي على قسم الإسلام.» قال - صلى الله عليه وسلم -: «من ~~أعتق شركا له في عبد قوم عليه قيمة العدل.. الحديث» «وقضى - صلى الله عليه ~~وسلم - بالشفعة بين الشركاء ما لم تقع الحدود فإذا وقعت الحدود فلا شفعة» . # فصل وهذا كله أبين من أن يحتاج إلى بسطه والتكلم عليه والاحتجاج له، إذ ~~لا إشكال فيه ولا اختلاف بين أحد من أهل العلم. وكفى من هذا ما تقتضيه آية ~~المواريث، وإنما ذكرناه لما تعلن به من معنى الشركة. وإنما القصد إلى ~~التكلم على الاشتراك للربح والكسب ابتغاء الارتفاق في ذلك وما يجوز منه مما ~~لا يجوز على مذهب مالك - رحمه الله - إذ على ذلك بنيت مسائل الكتاب. # فصل في أقسام الشركة # فصل فالشركة للربح والكسب ابتغاء الارتفاق تنقسم على ثلاثة أقسام: # PageV03P034 # شركة الأموال. # وشركة الأبدان. # وشركة الوجوه وهي شركة الذمم. # فأما شركة الأموال فإنها جائزة على الجملة عند جميع الأمة، ويقوم جواز ~~ذلك من الكتاب والسنة، فأما. الكتاب فقول الله تعالى: {فابعثوا أحدكم ~~بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه} [الكهف: ~~19] . وأما السنة فمنها ما روي «عن سليمان بن أبي مسلم أنه قال سألت أبا ~~المنهال عن الصرف يدا بيد فقال: اشتريت أنا وشريك لي شيئا يدا بيد ونسيئة، ~~فجاءنا البراء بن عازب فسألناه فقال: فعلت أنا وشريكي زيد بن أرقم ذلك، ~~وسألنا النبي- صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال: " ما كان يدا بيد فخذوه ~~وما كان نسيئة فردوه.» ومنها أيضا ما روي «أن عبد الله بن هشام أتت به أمه ~~زينب بنت حميد إلى النبي- صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله بايعه، ~~فقال هو صغير، فمسح برأسه ودعا له، فكان عبد الله بن هشام يخرج إلى السوق ~~فيشتري الطعام فيلقاه ابن عمر ms1007 وابن الزبير فيقولان له أشركنا معك فإن النبي ~~- عليه السلام - قد دعا لك بالبركة، فيشركهم، فربما أصاب أحدهم الراحلة كما ~~هي فيبعث بها إلى المنزل» . # فصل في أقسام شركة الأموال # فصل وهي في التفصيل، أعني شركة الأموال، تنقسم على ثلاثة أقسام: # شركة مفاوضة. # وشركة مضاربة. # وشركة عنان. # فأما شركة المفاوضة فهي أن يجوز فعل كل واحد منهما على صاحبه، وأن يستويا ~~في جميع ما يستفيدان فلا يصيب أحدهما شيئا إلا كان صاحبه شريكا له # PageV03P035 # فيه. وسميت مفاوضة لاستوائهما في الربح والضمان وشروعهما في الأخذ ~~والإعطاء من قولهم تفاوض الرجلان في الحديث إذا شرعا فيه. وهي عند مالك - ~~رحمه الله - وجميع أصحابه وأكثر أهل العلم جائزة خلافا للشافعي في قوله إن ~~شركة المفاوضة غرر لا تجوز لتضمنها مشاركة كل واحد منهما صاحبه فيما يضمن ~~أو يربح أو يخسر بإذنه وبغير إذنه. والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك ما ~~روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «تفاوضوا فإنها أعظم بركة» . ~~وهذا نص في موضع الخلاف مع أنه لا غرر فيها، لأنهما إنما أخرجا المالين ثم ~~وكل كل واحد منهما صاحبه على التصرف فيه على الإطلاق، وذلك جائز إذا صرحا ~~به، فلا فصل بين أن يصرحا به أو يقصداه، فإن الخبر المعروف «نهي النبي - ~~عليه السلام - عن بيع الغرر» والشركة لا تسمى بيعا. # فصل والمفاوضة جائزة على ما يتفاوضان عليه من الأجزاء، ولا تفسد المفاوضة ~~بينهما وإن كان لأحدهما مال غيره لم يدخله في المفاوضة، خلافا لأبي حنيفة ~~في الوجهين. # فصل وأما شركة المضاربة فهي أن يدفع الرجل إلى الرجل مالا يتجر فيه ويكون ~~الربح فيه بينهما على ما يتفقان عليه من الأجزاء، والوضعية على رأس المال ~~وهي المقارضة. وإنما سميت مضاربة من الضرب في الأرض، وذلك أن الرجل في ~~الجاهلية كان يدفع المال إلى الرجل على أن يخرج به إلى الشام وغيره فيبتاعه ~~به المتاع على هذا الشرط. وقد مضى هذا في موضع من كتاب القراض مستوفى، ~~وإنما ذكرناه ms1008 ها هنا لما اقتضاه من التقسيم. # PageV03P036 # وأما شركة العنان فهي الشركة في شيء خاص كأنه عن لهما أمر أي عرض فاشتركا ~~فيه، فهي مأخوذة من قولهم عن الشيء يعن ويعن إذا عرض. وهذه الشركة جائزة ~~بإجماع من أهل العلم لا أعلم بينهم فيها اختلافا، فهي جائزة بين جميع الناس ~~إذا اتفقوا عليها ورضوا بها، ولازمة لأهل الأسواق فيما اشتروه للتجارة على ~~غير المزايدة لما كان من الطعام في سوق الطعام لأهل التجارة في ذلك النوع ~~تلك السلعة أو في غير السوق، وإن كان من الطعام أو لغير التجارة في ذلك ~~النوع على] اختلاف. وقولي في غير السوق أعني في بعض الأزقة. وأما ما ابتاع ~~الرجل في داره أو حانوته فلا شركة لأحد معه ممن حضر الشراء باتفاق. # فصل وأما شركة الأبدان فأجازها مالك وأصحابه في الصناع وغيرهم إذا كان ~~العمل واحدا وتعاونوا فيه ولم يفترقوا في المواضع. وأجاز أشهب في سماع أصبغ ~~عنه افتراق الصانعين الشريكين في حانوتين إذا كان العمل واحدا. وأجاز ابن ~~حبيب افتراق الأكرياء في المواضع والبلدان إذا كانت الدواب مشتركة بينهم. ~~وليس قوله عندي بخلاف لمذهب ابن القاسم. وقال الشافعي لا تجوز شركة الأبدان ~~بحال، وأجازها أبو حنيفة بين الصناع ولم يجزها في الاصطياد والاحتطاب، إذ ~~لا يقتضي ذلك ضمانا من كل واحد منهما على صاحبه، بخلاف الصناع الذين يضمن ~~كل # PageV03P037 # واحد منهما ما تقبل صاحبه من العمل، فكان كل واحد منهم وكيلا لصاحبه على ~~ذلك. والدليل على صحة قول مالك في إجازة شركة الأبدان بين الصناع وغيرهم ~~ممن لا ضمان عليهم قول الله عز وجل: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله ~~خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} [الأنفال: 41] ~~فجعل الغانمين شركاء فيما غنموا بقتالهم وأفاءت عليهم سيوفهم، وليس هناك ~~مال ولا تجارة، وإنما هي شركة أبدان بغير ضمان. فالآية حجة على الشافعي في ~~المنع من شركة الأبدان بكل حال، وعلى أبي حنيفة في المنع من شركة الأبدان ~~فيما لا ضمان فيه كالاحتطاب، ms1009 والاصطياد. ومن الحجة لمالك ما روي أن «ابن ~~مسعود شارك سعدا يوم بدر فأصاب سعد فرسين ولم يصب ابن مسعود شيئا ولم ينكر ~~النبي - عليه السلام - عليهما.» وذهب سحنون إلى أن الصانعين إذا اشتركا لا ~~يضمن أحدهما ما تقبل صاحبه من المتاع إلا أن يجتمعا على أخذه، ولا يلزم ~~أحدهما ضمان العمل عن صاحبه إلا أن يلتزما ذلك، خلاف مذهب ابن القاسم في ~~الوجهين. فقول ابن القاسم في الشريكين الصانعين إذا مرض أحدهما أو غاب ~~الغيبة الطويلة فعمل صاحبه في مرضه أو غيبته إنه لا يكون متطوعا له بعمله ~~صحيح على أصله، لأنه عمل عنه بما لزمه من الضمان، فوجب له الرجوع عليه ~~بقيمة عمله. وهذا معنى قوله إن ما عمل يكون له دون المريض أو الغائب إلا أن ~~يحب أن يعمل له نصف عمله، وليس ذلك بمعارض لقوله في كتاب الجعل والتجارة إن ~~الرجل إذا استأجر أجيرين لحفر بئر فمرض أحدهما وعمل الآخر إنه متطوع له ~~بعمله، إذ ليس أحدهما بضامن عن صاحبه، وإنما تستوي المسألتان على قول سحنون ~~الذي لا يجعل أحد الشريكين الصانعين ضامنا عن صاحبه، وقد قال إن إحداهما ~~ترد إلى الأخرى، وذلك صحيح على أصله غير لازم لابن القاسم على أصله. وقوله ~~في مسألة الجعل والإجارة إن الحافر متطوع لصاحب البير ليس بخلاف لقول ابن ~~القاسم لأنه حمل الإجارة على أنها معينه تنفسخ بالموت # PageV03P038 # والمرض، وحملها ابن القاسم على أنها مضمونة عليهما لا تنفسخ بموتهما ~~وتلزمهما في أموالهما ولا يمكن أن يختلفا لمن يكون العامل متطوعا إذا وقعت ~~الإجارة على بيان في المضمون أو المعين. وإن أشبه أن يختلفا فيما تحمل عليه ~~إن لم تقع على بيان. وإنما يكون العامل متطوعا لصاحبه في المضمون أو لصاحب ~~البير في المعين إذا لم يحتج إلى الاستئجار على ذلك، على قولهم فيمن حصد ~~زرعا لغيره بغير إذنه. وبالله التوفيق. # فصل وأما شركة الذمم فلم يجزها مالك لأنها شركة بغير مال ولا صناعة، فكأن ~~كل واحد منهما قال لصاحبه ms1010 تحصل عني بنصف ما اشتريت على أن أتحصل عنك بنصف ~~ما اشتريت. وذلك غرر ومخاطرة. وقال أبو حنيفة: شركة الوجوه جائزة، وهي ~~تنعقد على الوكالة لأن ما يشتريه كل واحد منهما فبعض له وبعض لصاحبه على ~~وجه الوكالة. وهذه الوكالة تصحح حال وهذا لا يصح، لأنه لو قال وكلتك لتشتري ~~لي سلعة على أن يكون لك ربح سلعتي التي اشتريتها لم يصلح لأن ذلك مجهول ~~منهما جميعا. وإنما جاز ذلك في شركة العنان لأن هناك أصلا تنعقد الشركة ~~عليه وهو المال. # فإن قالوا أليس يجوز أن يشتري الرجلان سلعة بينهما بالدين على أن كل واحد ~~منهما حميل بها على صاحبه فتصح الشركة فيها ويكون كل واحد منهما ضامنا لما ~~على صاحبه. فإذا جازت الشركة بشرط الضمان في هذه المسألة جازت شركة الذمم ~~لأنها شركة تقتضي الضمان، لأن ما جاز اشتراطه جاز القصد إليه. # قلنا: لا يلزم ذلك. والفرق بين المسألتين أن اللذين اشتريا السلعة بالدين ~~على أن كل واحد منهما ضامن لما على صاحبه يعلم كل واحد منهما ما تحمل به عن ~~صاحبه، لأنهما شريكان فيما تحملا بثمنه، كمسألة كتاب السلم الثاني في # PageV03P039 # الرجل يسلم إلى الرجلين على أن كل واحد منهما حميل بما على صاحبه فجاز ~~ذلك إذ لا غرر فيه. وأما شركة الذمم فإنما قصد فيها إلى أن يتحمل كل واحد ~~منهما عن صاحبه بنصف ما يبتاعه بغير إذنه ولا معرفته، وذلك من أعظم الغرر ~~وقد منع في كتاب البيوع الفاسدة ما هو أقل غررا من هذا، وهو أن يبيع ~~الرجلان سلعتيهما من رجل على أن كل واحد منهما حميل بالآخر، فلم يجز ذلك إذ ~~لا يدري كل واحد منهما ما يتحمل به عن صاحبه، إذ قد تستحق سلعة أحدهما ولا ~~تستحق سلعة الأخر. وإن استحقت إحداهما فلا يدري بما يرجع عليه إلا بعد ~~التقويم، وليس هما شريكين فيما باعاه. وشركة الذمم لا يدري كل واحد منهما ~~ما تحمل به عن صاحبه بحال، لأنه إنما تحمل عنه بما ms1011 يبتاع بغير إذنه ولا ~~علمه. وقد حمل بعض الناس مسألة كتاب البيوع الفاسدة هذه على الخلاف لما في ~~كتاب الشركة من إجازة شراء الرجلين السلعة بالدين على أن كل واحد منهما ~~حميل بما على صاحبه، لتعليله مسألة كتاب البيوع الفاسدة بأن المشتري إنما ~~اشترى من أحدهما على أن يتحمل ما على الآخر، فابتاع من الملي على أن يتحمل ~~له بما على الآخر. ومسألة كتاب السلم الثاني إنما أسلم إلى أحدهما على أن ~~يتحمل له بما على الآخر فأسلم إلى الملي على أن يتحمل له بما على المعدم. ~~والصواب أن ذلك ليس باختلاف من القول. والفرق بينهما أن مسألة كتاب البيوع ~~الفاسدة لم يكن البائعان المتحمل كل واحد منهما بصاحبه شريكين فيما باعاه ~~ولا عرف كل واحد منهما مقدار ما تحمل به عن صاحبه. ومسألة كتاب الشركة ~~المتبايعان المتحمل كل واحد منهما بصاحبه شريكان فيما ابتاعاه، يعرف كل ~~واحد منهما ما تحمل به عن صاحبه. وكذلك مسألة كتاب السلم الثاني المسلم ~~إليهما المتحمل كل واحد منهما بصاحبه شريكان في الدنانير التي هي رأس مال ~~السلم وعرف كل واحد منهما ما تحمل به عن صاحبه. فالأصل في هذا أن الحميلين ~~المتحمل كل واحد منهما بما على صاحبه إذا كانا شريكين فيما باعاه أو ~~ابتاعاه جائز، وإن لم يكونا شريكين لم يجز. فعلى هذا إذا باع رجلان سلعة من ~~رجل على أن كل واحد منهما حميل عن صاحبه جاز ذلك لكونهما شريكين فيها ~~ومعرفة كل واحد منهما بما تحمل به عن صاحبه. وسواء كانت شركتهما فيها على ~~السواء أولم تكن على # PageV03P040 # السواء. ولو اشترى رجلان سلعتين من رجل على أن يأخذ أحدهما إحدى السلعتين ~~بكذا أو بما ينوبها من الثمن على الاختلاف في ذلك، ويأخذ الثاني السلعة ~~الثانية بكذا أو بما ينوبها من الثمن أيضا على أن كل واحد منهما حميل بما ~~على صاحبه لم يجز لكونهما غير شريكين فيها، لأنهما إذا لم يكونا شريكين ~~فيها فهي بمنزلة الصفقتين ولا إشكال في الصفقتين ms1012 لو باع رجل سلعة من رجل أو ~~بعض سلعة ثم باع في صفقة ثانية من رجل آخر سلعة أخرى أو بقية السلعة على أن ~~يتحمل له بما على المبتاع الأول لم يجز لأنه بيع على حمالة، وهي الحمالة ~~بالجعل. وقد ذهب ابن لبابة إلى أن حمالة الرجلين كل واحد منهما بما على ~~صاحبه في الصفقة الواحدة يجوز في المبتاعين ولا يجوز في البائعين. والفرق ~~بينهما عنده أن السلعة التي باعها البائع من الرجلين على أن كل واحد منهما ~~حميل عن صاحبه لو دفعها لأحدهما في جميع ما عليهما وعلى صاحبه لجاز، وإن ~~الثمن الذي دفعه المشتري إلى البائعين على أن كل واحد منهما حميل بما على ~~صاحبه لو دفعه إلى أحدهما فيما يجب عليه بالضمان الذي اشترط عليه لم يجز. ~~فبهذا افترقت المسألتان عنده. وما قدمنا ذكره هو الصحيح إن شاء الله أن ~~الشركة رخصة، فيجوز في الاشتراك ما لا يجوز مع الانفراد. # فصل فيما تنعقد به الشركة # فصل واختلف فيما تنعقد به الشركة بين المتشاركين على قولين: # أحدهما أن تنعقد باللفظ وإن بقي ما أخرجه كل واحد منهما بيده فإن ضمانه ~~منه، فيكون ما اشترى أحدهما بالمال الذي أخرجه بينهما وإن تلف مال صاحبه ~~بيده قبل أن يخرجه فكان ضمانه منه، وهو مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في ~~المدونة خلاف قول غيره فيها، وذلك إذا اشترى بما أخرج قبل تلف ما أخرجه ~~صاحبه. وأما إن اشترى به بعد تلف ما أخرجه صاحبه وهو لا يعلم فهو بالخيار ~~بين # PageV03P041 # أن يلزمه ما اشتراه أو ينفرد به دونه، لأنه يقول له لو علمت أن المال ~~الذي أخرجته قد تلف لم أشتر إلا لنفسي. وأما ما اشترى بعد أن علم بتلف ما ~~أخرجه صاحبه فهو له خاصة. # والثاني أنها لا تنعقد بينهما حتى يكون ضمان ما تلف بينهما، قيل بخلط ما ~~أخرجاه وهو مذهب سحنون، وقيل بأن يجمعا المال عند أحدهما وإن لم يخلطاه وهو ~~مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك ms1013 في المدونة. # فصل وهي من العقود الجائزة، لكل واحد من المتشاركين أن ينفصل عن شريكه ~~متى ما أراد، ولا يلزمه البقاء معه على الشركة إلا على التكافي والاعتدال، ~~لأنه إن فضل أحدهما صاحبه في قيمة ما يخرجه فإنما يسمح في ذلك رجاء بقائه ~~معه على الشركة، وذلك لا يلزمه فيصير غررا. ألا ترى أن المزارعة تجوز وإن ~~كان قيمة كراء ما يخرجه أحدهما أكثر مما يخرجه صاحبه على مذهب من يرى أن ~~المزارعة تلزم بالعقد، وهو مذهب سحنون وابن الماجشون وقول ابن كنانة وابن ~~القاسم في كتاب ابن سحنون. ولا يجوز ذلك على مذهب من يرى أن المزارعة لا ~~تلزم بالعقد، ولكل واحد منهما أن ينفصل عن صاحبه- ما لم يبذرا، وهو قول ابن ~~القاسم في المدونة ونص رواية أصبغ عنه في العتبية، ولا على مذهب من يرى ~~أنها لا تلزم إلا بالشروع في العمل، وهو قول ابن كنانة في المبسوطة وبه جرت ~~الفتوى عندنا بقرطبة. وهو على قياس رواية علي بن زياد عن مالك في أن الجاعل ~~يلزمه الجعل بشروع المجعول له في العمل. # فصل وإنما وقع هذا الاختلاف في المزارعة لأنها شركة وإجارة من كل واحد ~~منهما مقتضية لصاحبتها بكليتها لا فضل فيها عنها. فاختلف أيهما يغلب. فمن ~~غلب الشركة لم يرها بالعقد لازمة ولا أجازها إلا على التكافي، غير أنه جوز ~~أن يتطول أحدهما على صاحبه بما لا قدر لكرائه. وفي التكافي قولان: أحدهما ~~أنه لا يكون # PageV03P042 # إلا بالتشارك في الرقاب حتى يستويا في مصيبة التلف. والثاني أنه يكون وإن ~~لم يشتركا في الرقاب بأن تكون قيمة كراء ما يخرجه أحدهما مكافئا لقيمة كراء ~~ما يخرجه صاحبه. ومن غلب الإجارة ألزمها بالعهد وأجاز التفاضل بينهما ولم ~~يراع التكافي. قال ابن حبيب: ما لم يتفاحش الأمر مثل أن يكون قيمة كراء ما ~~أخرجه أحدهما أكثر من قيمة ما أخرجه صاحبه بالأمر البائن الذي لا يتغابن في ~~مثله في البيوع. وقال ابن سحنون ذلك جائز وإن تفاحش وتباين التفاضل إذا ms1014 كان ~~في العوض، وأما إن أخرج أحدهما شيئا له بال لم يخرج صاحبه عنه عوضا فلا ~~يجوز. والقول الأول أقيس وهو إجازة التفاضل بكل حال على القول بتغليب ~~الإجارة وإلزام العقد. # فصل واختلف في المزارعة الفاسدة إذا وقعت وفاتت بالعمل على ستة أقوال: # أحدهما: أن الزرع لصاحب البذر ويرد لأصحابه كراء ما أخرجوه. # والثاني: أن الزرع لصاحب العمل، وهو تأويل ابن أبي زيد عن ابن القاسم ~~فيما حكى عنه ابن المواز. # والثالث: أنه لمن اجتمع له شيئان من ثلاثة أصول، وهي البذر، والأرض، ~~والعمل. فإن كانوا ثلاثة واجتمع لكل واحد منهم شيئان منها أو انفرد كل واحد ~~منهم بشيء واحد منها كان الزرع بينهم أثلاثا. وإن اجتمع لأحد منهم شيئان ~~منها دون أصحابه كان له الزرع دونهم، وهو مذهب ابن القاسم واختيار ابن ~~المواز على ما تأول أبو إسحاق التونسي. # والرابع: أنه يكون لمن اجتمع له شيئان من ثلاثة أشياء على هذا الترتيب ~~وهي الأرض، والعمل، والبقر. # PageV03P043 # والخامس: أن يكون لمن اجتمع له شيئان من أربعة أشياء على هذا الترتيب ~~وهي: البذر، والأرض، والعمل، والبقر. # والسادس: قول ابن حبيب إن الفساد أن سلم من كراء الأرض بما يخرج منها كان ~~الزرع بينهم على ما اشترطوه وتعادلوا فيما أخرجوه، وإن دخله كراء الأرض بما ~~يخرج منها كان الزرع لصاحب البذر. # فصل ولا يجوز أن ينضاف إلى الشركة بيع ولا إجارة إذا كانا خارجين عنها. ~~واختلف إذا كانا داخلين فيها، فأجاز ذلك سحنون، واختلف فيها قول مالك، ~~واضطرب فيه قول ابن القاسم في المدونة: فأجاز أن يشترك الرجلان بالعرضين من ~~صنفين إذا استوت قيمتهما، وبالعروض من أحدهما والدنانير والدراهم من الآخر. ~~ولم يجز أن يأتي الرجل بالدابة والآخر بالبيت أو الرحى فيشتركان على أن ~~يعملا عليهما وإن استوت قيمة كرائهما، وأجاز أن يستأجر أحدهما من صاحبه نصف ~~الدابة على أن يعملا عليها، وهذا تناقض لأنه بيع وأجرة داخلان في الشركة. ~~وأجاز ذلك كله سحنون على أصله في أن كل بيع أو أجرة ms1015 أو صرف كان داخلا في ~~الشركة فهو جائز. # فصل وعقد الشركة في المال بيع من البيوع، لأن الرجلين إذا تشاركا بالعروض ~~أو الدنانير والدراهم فقد باع كل واحد منهما صاحبه نصف ما أخرج هو، وهو بيع ~~لا تقع فيه مناجزة لبقاء يد كل واحد منهما على ما باع بسبب الشركة. ألا ترى ~~أنهم لم يجيزوا أن يصرف الرجل نصف ديناره من رجل إذا لم يبن مشتري نصف ~~الدينار به لبقاء يد بائعه عليه بسبب الشركة، لأن أهل العلم أجمعوا على ~~إجازة الشركة بالدنانير من كلا الشريكين أو الدراهم من كليهما جميعا أيضا، ~~ولم يعتبروا عدم المناجزة منهما في ذلك، وهو إجماع على غير قياس. وقد اختلف ~~أهل العلم في الإجماع على غير قياس هل يصح عليه القياس أم لا على قولين، ~~فذهب ابن القاسم في هذه المسألة إلى جواز القياس عليه، فأجاز الشركة ~~بالطعام إذا اتفق في # PageV03P044 # الكيل والصفة قياسا على الدنانير والدراهم ومنع من ذلك في الدنانير من ~~عند أحدهما والدراهم من عند الآخر، وفي الطعامين المختلفين كانا من صنف ~~واحد كالقمح والشعير والبيضاء والمحمولة أو من صنفين كالقمح والزبيب، ~~لاجتماع علتين في ذلك وهما الصرف والشركة في الدنانير والدراهم، والبيع ~~والشركة في الطعامين المختلفين وعدم التناجز. وأجاز الشركة بالعرضين ~~المختلفين أو العروض من أحدهما والدنانير أو الدراهم من عند الآخر إذا ~~استوت القيمة في ذلك، فهو جائز، بخلاف البيع والصرف إذا كان خارجا عن ~~الشركة فيجوز على مذهبه. وقوله الشركة بالدنانير من عند أحدهما والدراهم من ~~عند الآخر وبالطعامين المختلفين إذا اتفقت قيمتهما، أو المتفقين إذا اتفقا ~~في القيمة والكيل لم يختلف قوله في شيء من ذلك.. # PageV03P045 # فصل واختلف في الشركة بالدنانير من عند أحدهما والدراهم من عند الآخر إذا ~~وقعت على مذهب من لا يجيزها فلم يعثر عليها حتى فاتت بالعمل، فقيل إنهما ~~يقتسمان ما بأيديهما على ما كان فيه من ربح أو خسارة على قيمة الدنانير ~~والدراهم يوم اشتركا. وقيل إنهما يقتسمان ذلك على قيمة الدنانير ms1016 والدراهم ~~يوم الفسخ، وإلى هذا يرجع قول ابن القاسم في المدونة إذا اعتبرته بما يخرج ~~الحساب، وهذا أقرب مأخذا في العمل. # فصل فما يشترك به من الأشياء ينقسم على قسمين: أحدهما أن يشترك الرجلان ~~بصنف واحد، والثاني أن يشتركا بصنفين. فأما الصنف الواحد فلا يخلو من ~~وجهين: أحدهما أن يكون مما لا يؤكل ولا يشرب، والثاني أن يكون مما يؤكل ~~ويشرب. فأما إن كان مما لا يؤكل ولا يشرب فسواء كان مما لا يجوز فيه] # PageV03P046 # التفاضل كالذهب والفضة أو مما يجوز فيه التفاضل كالعروض. والشركة فيها ~~جائزة باتفاق إذا استويا في الكيل والقيمة فيما لا يجوز فيه التفاضل، أو في ~~القيمة فيما يجوز فيه التفاضل. وأما إن كان مما يؤكل ويشرب فأجاز الشركة ~~فيه ابن القاسم وسحنون إذا اعتدلا في الكيل والقيمة قياسا على الدنانير ~~والدراهم، والانفراد علة واحدة في ذلك أيضا فاستخفها واختلف في ذلك قول ~~مالك. # يجوز فيه التفاضل. وأما إن كان مما يؤكل ويشرب فأجاز الشركة فيه ابن ~~القاسم وسحنون إذا اعتدلا في الكيل والقيمة قياسا على الدنانير والدراهم، ~~والانفراد علة واحدة في ذلك أيضا فاستخفها واختلف في ذلك قول مالك. # فصل وأما الوجه الثاني وهو أن يشتركا بصنفين فلا يخلو أيضا من وجهين: ~~أحدهما أن يكون مما لا تجوز فيه النسيئة، والثاني أن يكون مما تجوز فيه ~~النسيئة. فأما إن كان مما تجوز فيه النسيئة كالصنفين من العروض أو العروض ~~والدنانير أو الدراهم، فأجاز ذلك ابن القاسم لانفراد العلة الواحدة وهي ~~البيع والشركة، وسحنون أيضا، وهو مذهب مالك أيضا. وروي عنه أنه قال في ذلك: ~~ليست الشركة بالعروض من عمل الناس، فغمز ذلك هذا القول والله أعلم لعلة ~~البيع والشركة. وأما سحنون فلم يراع البيع مع الشركة إذا كان داخلا فيها ~~وغير خارج عنها. فهذا ما حضرني من القول في الشركة، وبالله التوفيق. # PageV03P047 ### | كتاب الوكالات # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد. وبالله أستعين وعليه أتوكل. # قال الله عز وجل: {قل يتوفاكم ملك الموت الذي ms1017 وكل بكم ثم إلى ربكم ~~ترجعون} [السجدة: 11] وقال {أم من يكون عليهم وكيلا} [النساء: 109] وقال ~~{وكفى بالله وكيلا} [النساء: 81] . وقال لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: {قل ~~لست عليكم بوكيل} [الأنعام: 66] وهذا كله أصله الحفظ والرعاية، لأن الوكيل ~~حافظ لما وكل عليه ينوب في الحفظ والرعاية مناب من وكله. ومن ذلك قوله - ~~عليه السلام - «إن الله وكل بالرحم ملكا يقول أي رب نطفة، أي رب علقة أي رب ~~مضغة، فينفخ فيه الروح فيقول أي رب ما الرزق؟ وما الأجل؟ وشقي أو سعيد؟ ~~فيكتب في بطن أمه» . # فصل فالوكالة نيابة عن الموكل، فهي لا تكون إلا فيما تصح فيه النيابة مما ~~يلزم الرجل القيام به لغيره أو يحتاج إليه لمنفعة نفسه. # PageV03P049 # فأما الوكالة فمما يلزم الرجل القيام به لغيره فكتوكيل الأوصياء والوكلاء ~~المفوض إليهم من ينوب عنهم فيما يلزمهم لمن وكلهم أو لمن إلى نظرهم. ~~وكاستخلاف الإمام على ما يلزمه القيام به من أمر المسلمين. كان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يستخلف على المدينة إذا خرج لغزو أو حج أو عمرة، ~~ويبعث عماله إلى البلاد، وأمراءه على الأجناد. ومن ذلك «بعثه - صلى الله ~~عليه وسلم - معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري إلى اليمن معلمين، فلما قدما ~~اليمن تفرقا في المنزل ثم التقيا، فقال معاذ لأبي موسى كيف هذا تقرأ ~~القرآن. قال مالك وأحسبهما كانا قد أتيا لتعليم الناس الإسلام والقرآن، ~~فقال أبو موسى أما أنا فأتفوقه تفوقا ماشيا وراكبا وقاعدا وقائما وعلى كل ~~حال. وقال معاذ أما أنا فأنام أول الليل وأقوم آخره وأحتسب نومتي كما احتسب ~~قومتي» «واستعماله على مكة عتاب بن أسيد؟» «وبعث - صلى الله عليه وسلم - ~~إلى موتة جيشا وأمر عليهم زيد بن حارثة، فإن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب ~~أميرهم، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة أميرهم. فانطلقوا حتى لقوا ابن ~~أبي سيرة الغساني بمؤتة وبها جموع من نصارى العرب والروم. فأغلق ابن أبي ~~سيرة الحصن دون المسلمين ثلاثة أيام ثم خرجوا فالتقوا فاقتتلوا قتالا ms1018 ~~شديدا. فأخذ اللواء زيد بن حارثة فقتل، ثم أخذه جعفر بن أبي طالب فقتل، ثم ~~أخذه عبد الله بن رواحة فقتل، ثم اصطلحوا على خالد بن الوليد فهزم الله ~~العدو وأظهر المسلمين. وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يأتي ~~نعيهم المدينة: " مر علي بجعفر بن أبي طالب في الملائكة يطير كما يطيرون له ~~جناحان ". وقدم يعلى بن منيع على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخبرهم، ~~فقال - عليه السلام -: " إن شئت فأخبرني وإن شئت فأخبرك. فقال بل أخبرني يا ~~رسول الله. فأخبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خبرهم كله ووصفه له. ~~فقال والذي بعثك بالحق ما تركت من حديثهم حرفا واحدا لم تذكره وإن أمرهم ~~لكما ذكرت # PageV03P050 # فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن الله رفع لي الأرض حتى رأيت ~~معركتهم ". وقد كان عبد الله بن رواحة بكى حين أراد الخروج إلى مؤتة فبكى ~~أهله لبكائه حين رأوه يبكي، فقال والله ما بكيت جزعا من الموت ولا صيانة ~~لكم ولكني بكيت من قول الله عز وجل: {وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما ~~مقضيا} [مريم: 71] فأيقنت أني واردها ولا أدري هل أنجو منها أم لا» . # فصل وأما الوكالة فيما يحتاج إليه الرجل لمنفعة نفسه فذلك كتوكيله على ~~البيع والشراء والنكاح والحدود والخصام وما أشبه ذلك من كل أمر مباح أو ~~مندوب إليه أو واجب تعبد به الإنسان في غير عينه، لأن ما تعبد به في عينه ~~كالوضوء والصلاة والصيام لا يصح أن ينوب عنه في ذلك غيره. قال الله عز وجل: ~~{فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم ~~برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا} [الكهف: 19] . فهذه وكالة على ~~الشراء. # «واستعمل النبي - عليه السلام - رجلا على خيبر فجاءه بتمر فقال له رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: أكل تمر خيبر هكذا. فقال لا والله يا رسول ~~الله إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله - ~~صلى الله ms1019 عليه وسلم -: لا تفعل بع الجميع بالدراهم وابتع بالدراهم جنيبا» . ~~فهذه أيضا وكالة على البيع والشراء. «وبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أبا رافع مولاه ورجلا من الأنصار فزوجاه ميمونة بنت الحارث ورسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بالمدينة قبل أن يخرج» . فهذه وكالة على النكاح ". ~~وقال: «واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها» . فهذه وكالة على ~~الحدود. «واستخلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر على الصلاة، ~~ووكل بلالا أن يرقب الفجر ويوقظهم للصلاة وقال # PageV03P051 # اكلأ لنا الصبح» . «وأمر علي بن أبي طالب المقداد بن الأسود أن يسأل له ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل إذا دنا من امرأته فخرج منه ~~المذي ماذا عليه.» والآثار في هذا وشبهه أكثر من أن تحصى. # فصل فإذا وكل الرجل الرجل وكالة مطلقة لم يخصه بشيء دون شيء فهو وكيل له ~~على جميع الأشياء، وإن سمى بيعا أو ابتياعا أو خصاما أو شيئا من الأشياء ~~فلا يكون وكيلا له إلا فيما سمى. وإن قال في آخر الكلام وكالة مفوضة تامة ~~أو لم يقل فذلك سواء، لأنه إنما يرجع على ما سمى خاصة. وهذا قولهم في ~~الوكالة إذا طالت قصرت وإذا قصرت طالت. # فصل والوكالة لا تورث على الوكيل، ولا له أن يوكل على ما وكل عليه غيره ~~ولا أن يوصي بذلك إلى أحد بعد مماته بخلاف الوصي إلا أن يجعل ذلك إليه ~~الموكل. فإن فعل فتلف المال كان ضامنا له على مذهب ابن القاسم، وإن علم أنه ~~لا يلي مثل ذلك بنفسه إذا لم يعلم بذلك الموكل الأول. هذا نص رواية يحيى عن ~~ابن القاسم، وفي ذلك نظر. وقال أشهب إذا كان مثله في الكفاية فلا ضمان ~~عليه. # فصل ويد الوكيل كيد موكله فيما وكله عليه. فمن حلف ألا يفعل فعلا فوكل ~~على فعله فهو حانث إلا أن يكون نوى أن يفعله هو بنفسه. وكذلك من حلف أن ~~يفعل فعلا فوكل غيره على فعله فقد بر إلا ms1020 أن يكون نوى أن يلي هو الفعل ~~بنفسه. ففعل الوكيل كفعل الموكل فيما يوجبه الحكم سوى معنى قولنا يد الوكيل ~~كيد الموكل. وقد أتى ابن شعبان في هذا بعبارة فاسدة غير مرضية واحتجاج غير ~~صحيح # PageV03P052 # فقال: وفعل الوكيل فعل موكله لأن من حلف ألا يفعل فعلا فوكل غيره على ~~فعله حنث، واحتج لذلك بقول الله عز وجل: {الله يتوفى الأنفس حين موتها ~~والتي لم تمت في منامها} [الزمر: 42] . وقوله تعالى: {قل يتوفاكم ملك الموت ~~الذي وكل بكم} [السجدة: 11] قال فكان فعل ملك الموت هو فعل الله عز وجل. ~~وهذا كلام بغير تحصيل في غاية من الفساد. أما فعل ملك الموت فهو فعل الله ~~تعالى لأنه خالقه وفاعله حقيقة، وكذلك أفعال سائر العباد، الله هو خالقها ~~وفاعلها. قال الله تبارك وتعالى: {والله خلقكم وما تعملون} [الصافات: 96] ~~وقال {إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن ~~يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب} [الحج: 73] وقال ~~عز من قائل: {وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور} [الملك: 13] ~~{ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} [الملك: 14] . وأما فعل الوكيل فلا ~~يجوز أن يكون فعل الموكل وإنما هو كفعله في وجوب الحكم فيه، ولا يقال ضرب ~~السلطان أو قتل أو كتب لما لم يفعله بيده وإنما أمر به غيره إلا مجازا لا ~~حقيقة، فكيف يصح قياس فعل الموكل والوكيل من المخلوقين بأفعال الخالق ~~تعالى. وما يستقيم هذا الاحتجاج إلا على مذهب أهل القدر القائلين إن أفعال ~~العباد مخلوقة لهم، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ولو تدبر ابن شعبان هذا ~~الكلام لما تكلم به، ولكنها غفلة وغلط، وليس أحد بمعصوم من الخطأ والغلط، ~~وبالله التوفيق لا شريك له ولا ند. # فصل واختلف إذا مات الموكل هل تنفسخ وكالة الوكيل بموته أم لا. فحكى ابن ~~حبيب في الواضحة عن مطرف وابن الماجشون أن وكالته لا تنفسخ وأنه باق عليها # PageV03P053 # يبيع ويبتاع ويتقاضى حتى يعزله الورثة. وقال أصبغ ms1021 تفسخ الوكالة بموت ~~الموكل ولا تجوز خصومته ولا القيام بشيء مما كان إليه حتى يوكله الوارث. ~~ووقع لأصبغ في سماعه من كتاب البضائع والوكالات أن الوكالة تنفسخ بموته إن ~~كان هو البائع ولا يجوز له أن يتقاضى الثمن إلا بتوكيل الورثة، وإن لم يكن ~~هو البائع وكان الوكيل هو الذي ولي البيع فهو على وكالته يقبض ثمن ما باع ~~حتى يعزله الورثة. ولم أعلمهم اختلفوا أن القاضي لا ينفسخ تقديمه بموت ~~الإمام الذي قدمه للقضاء، وأنه على خطته حتى يعزله عنها الإمام الذي يلي ~~الأمر بعده. فانظر ما الفرق بين ذلك. # فصل وإذا مات الموكل على القول الذي يرى فيه أن الوكالة تنفسخ بموته ولم ~~يعلم الوكيل بموته، أو عزل ولم يعلم بعزله فاختلف هل يكون معزولا بنفس ~~الموت أو العزل أم لا على ثلاثة أقوال: # أحدها: أن يكون معزولا بنفس الموت أو العزل. وهذا قول ابن القاسم في كتاب ~~الشركة من المدونة في الذي يحجر على وكيله فيقتضي من غرمائه بعد عزله وهم ~~لا يعلمون بذلك إنهم لا يبرءون بالدفع إليه وإن لم يعلم هو بعزله. هذا هو ~~ظاهر قوله وعلى هذا كان الشيوخ يحملونه. وعلى ذلك حمله أبو إسحاق التونسي. ~~فإذا لم يبرأ الغرماء بالدفع إليه فكذلك لا يبرأ هو ويكون للغرماء أن ~~يرجعوا عليه إن تلف المال بيده لأنه أخطأ على مال غيره. فهذا يبين أن ~~الوكالة تنفسخ في حقه هو ومن عامله أو دفع إليه بنفس الموت أو العزل. # والثاني: أنه لا يكون معزولا في حق أحد إلا بوصول العلم إليه فيكون ~~معزولا في حقه بوصول العلم إليه وفي حق من دفع إليه أو بايعه بوصول العلم ~~إليه. وهذا قول مالك - رحمه الله - في أول كتاب الوكالات من المدونة إن ~~الورثة يلزمهم ما باع الوكيل أو اشترى بعد موته قبل أن يعلم به كما يلزمهم ~~ما اشترى قبل موته أو باع. وكذلك يبرأ- من دفع إليه إذا لم يعلم بموت ~~الموكل على قياس قولهم. # PageV03P054 # وعلى قول مالك ms1022 هذا لو علم الوكيل بموت موكله فباع ولم يعلم المشتري بذلك ~~فتلفت السلعة المبيعة عنده لكان الوكيل ضامنا لقيمتها لانفساخ الوكالة في ~~حقه لعلمه بموته وتعديه فيما لا تصرف له فيه، ولم يكن على المشتري أن يرد ~~الغلة إذا أخذت منه السلعة. ولو لم يعلم الوكيل بموته وعلم المشتري لكان ~~عليه أن يرد الغلة إذا أخذت منه السلعة. ولو لم يعلم الوكيل بموته وعلم ~~المشترى لكان عليه أن يرد الغلة إذا أخذت منه السلعة لتعديه بابتياع ما قد ~~انفسخت الوكالة فيه في حقه. وقول مالك هذا في كتاب الوكالة مثل قول ابن ~~القاسم في كتاب الشركة في الشريكين يفترقان فيقضي الغريم أحدهما إنه إن علم ~~فهو ضامن لنصيب الذي لم يدفع إليه ويرجع على الذي دفع إليه بما غرم للشريك ~~الذي رجع عليه لانفساخ الوكالة بعلمهما جميعا. وإن لم يعلم فلا ضمان عليه ~~إذ لم تنفسخ الوكالة في حقه على ما قدمناه، ويكون الشريك الذي قبض ضامنا ~~لحصة شريكه مما قبض لانفساخ الوكالة في حقه بعلمه. # والثالث: أنه لا يكون الوكيل معزولا إلا بوصول العلم إليه، فإذا وصل ~~العلم إليه كان معزولا في حقه وحق من اقتضى منه وبايعه. وهذا قول أشهب لأنه ~~قال إذا علم الوكيل بعزله ولم يعلم الغريم إنه ضامن بخلاف إذا لم يعلما. # فإن قيل إنه قد قال إنه ضامن أيضا إذا علم وإن لم يعلم الوكيل فقيل إنه ~~يكون معزولا في حقهما جميعا بعلم أحدهما. # قلنا: لا نقول ذلك ولا يصح، لأنه إنما ضمنه إذا دفع وهو عالم والوكيل لا ~~يعلم لتعديه بالدفع، لا من أجل أن الوكالة قد انفسخت في حق الوكيل. ألا ترى ~~أنه لا يجب له الرجوع على الوكيل إن تلف المال بيده لبقاء الوكالة لم تنفسخ ~~في حقه فهو أمانة عنده، ولو كانت الوكالة منفسخة أيضا لوجب له الرجوع عليه ~~بما غرم لصاحب الدين، وهذا بين، وبالله التوفيق لا شريك له ولا ند. # PageV03P055 # فصل فهذا تحصيل هذه المسألة عندي وتخريجها، وقد ms1023 تؤول فيها تأويلات كثيرة، ~~فمن الناس من يجعل قول ابن القاسم في كتاب الشركة من المدونة في التحجير ~~على الوكيل مثل قول أشهب، إذ لم ينص فيها أن الوكيل لم يعلم بفسخ وكالته، ~~فكان يتأول قوله على أنه علم ويجعل مثله أيضا مسألة موت الموكل فيقول إنه ~~إذا لم يعلم الوكيل بموت موكله فلا ضمان على من دفع إليه إلا أن يعلم فيكون ~~متعديا في الدفع. ومن الناس من يفرق بين مسألة الحجر على الوكيل ومسألة موت ~~الموكل فيقول إنما لم يضمن من دفع إلى الوكيل في مسألة الموت إذا لم يعلم ~~مراعاة لقول من يقول إن الوكالة لا تنفسخ بموت الموكل وإن علم الوكيل وأن ~~له التصرف ما لم يعزله الورثة. فيضمن الغريم على هذا التأويل في الحجر وإن ~~لم يعلم واحد منهما ولا يضمن في الموت إلا من علم. ومنهم من يقول هو اختلاف ~~من القول ولا فرق بين المسألتين، فيدخل الاختلاف من كل واحدة منهما في ~~صاحبتها فيأتي في موت الوكيل ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه لا يبرأ من دفع إلى الوكيل بعد موت الموكل وإن لم يعلم، علم ~~الوكيل بموت الموكل أو لم يعلم. # والثاني: أنه يبرأ بدفعه إليه إذا لم يعلم، علم الوكيل أو لم يعلم. # والثالث: أنه يبرأ إذا دفع إليه ولم يعلم إذا لم يعلم الوكيل بموت ~~الموكل، ولا يبرأ إذا علم. # وفي عزل الوكيل أيضا ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه لا يبرأ من دفع إليه وإن لم يعلم، علم الوكيل بعزله أو لم ~~يعلم. # والثاني: أنه يبرأ إذا دفع إليه ولم يعلم، علم الوكيل بعزله أو لم يعلم. # والثالث: أنه يبرأ إذا دفع إليه ولم يعلم إذا لم يعلم الوكيل بعزله، ولا ~~يبرأ إذا # PageV03P056 # علم. وهذا هو الأظهر من التأويلات، وهو الذي بدأنا بذكره. ويتحصل منها ~~خمس تأويلات: # أحدها: أنه لا فرق بين موت الموكل وعزله لوكيله، وأن في كل واحد منهما ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الوكالة تنفسخ بنفس الموت والعزل في حق الوكيل ms1024 وحق من عامله ~~وإن لم يعلم واحد منهما بذلك على ظاهر ما في كتاب الشركة في عزل الوكيل. # والثاني: أنها تنفسخ في حقهما جميعا بعلم الوكيل، وهو قول أشهب. # والثالث: أنها لا تنفسخ في حق واحد منهما إلا بوصول العلم إليه، وهو قول ~~ابن القاسم في الشريكين وظاهر ما في أول كتاب الوكالات لمالك. # والتأويل الثاني: أنه لا فرق أيضا بين موت الموكل وعزله لوكيله وأن في كل ~~واحد منهما قولين لا أكثر: # أحدهما: أن الوكالة تنفسخ في حقهما جميعا بمعرفة الوكيل. # والثاني: أنها لا تنفسخ في حق كل واحد منهما إلا بوصول العلم إليه. # والتأويل الثالث: الفرق بين الموت والعزل فلا تنفسخ الوكالة في الموت في ~~حق واحد منهما إلا بوصول العلم إليه، وفي العزل قولان: # أحدهما: أن الوكالة تنفسخ بنفس العزل في حقهما جميعا. # والثاني: أنها تنفسخ في حقهما جميعا بمعرفة الوكيل خاصة. # والتأويل الرابع: الفرق أيضا بين الموت والعزل، فلا تنفسخ الوكالة في ~~الموت في حق واحد منهما إلا بوصول العلم إليه، وتنفسخ في العزل بوصول العلم ~~إلى الوكيل قولا واحدا. # والتأويل الخامس: أيضا: الفرق بين الموت والعزل، فتنفسخ الوكالة في # PageV03P057 # الموت بمعرفة الوكيل في حقه وحق من عامله، وفي العزل بنفس العزل وإن لم ~~يصل العلم بذلك إلى واحد منهما. وبالله التوفيق. # فصل وهذا كله لا يسلم من الاعتراض. والصحيح أن المسألة تتخرج فيها ثلاثة ~~أقوال كما قدمت. والأصل في هذا الاختلاف اختلاف الأصوليين فيمن علم بالحكم ~~ثم نسخ ولم يبلغه النسخ هل يكون الحكم منسوخا عنه بورود النسخ فيه وإن لم ~~يبلغه، أو لا يكون منسوخا عنه إلا ببلوغه إليه فقالوا: إن الذي يدل عليه ~~مذهب مالك أن الحكم منسوخ عنه بورود النسخ فيه وإن لم يبلغه. واستدلوا على ~~مذهبه في ذلك بقوله في المرأة يموت عنها زوجها أو يطلقها: إن عدتها من يوم ~~وقع الفراق أو الموت لا من يوم يأتيها الخبر وبقوله في الوكيل يموت موكله ~~أو يعمل أنه معزول وإن لم يعلم. ms1025 وقال أصحاب أبي حنيفة لا يكون الحكم منسوخا ~~عنه حتى يعلم به. واختلف أصحاب الشافعي في ذلك فقال بعضهم بقول مالك وقال ~~بعضهم بقول العراقيين واستدل أصحابنا على صحة ما دلهم عليه مذهب مالك بأن ~~حكم الله تعالى قد استقر، وخفاؤه على من خفي عليه لا يخرجه من أن يكون ~~متعبدا به، وأكثر ما في بابه أن يكون معذورا بجهله به. # فصل فعلى هذا التأويل لا يكون الاختلاف الحاصل في أفعال الوكيل ومبايعته ~~واقتضائه بعد عزله أو موت موكله، وما أنفقت المرأة بعد موت زوجها أو طلاقه ~~قبل أن تعلم بذلك إلا من جهة الاختلاف في العذر بالجهل ومراعاة التفريط ~~بالإعلام. # فصل والوكالة جائزة بعوض وعلى غير عوض. فإن كانت بعوض فهي إجارة تلزمهما ~~جميعا، ولا تجوز إلا بأجرة مسماة وأجل مضروب وعمل معروف. وإن # PageV03P058 # كانت بغير عوض فهي معروف من الوكيل يلزمه إذا قبل الوكالة ما التزمه، ~~وللموكل أن يعزله من الوكالة متى شاء، إلا أن تكون الوكالة في الخصام فليس ~~له أن يعزله عن الوكالة ويوكل غيره ولا يخاصم عن نفسه إذا كان قد قاعد خصمه ~~المرتين والثلاث إلا من عذر. هذا هو المشهور في المذهب. ووقع لأصبغ في ~~الواضحة ما يدل على أن له أن يعزله عن الخصام ما لم يشرف على تمام الحكم. ~~وفي المكان الذي لا يكون للموكل أن يعزله عن الخصام لا يكون له هو أن يتخلى ~~عنه إذا قبل الوكالة. # فصل واختلف في الجعل على الخصومة على أنه إن يفلح فله كذا وكذا وإن لم ~~يفلح فلا شيء له هل يجوز أم لا على قولين، وهما في المدونة في كتاب الجعل ~~والإجارة منها. وكذلك اختلف أيضا في الرجل يقول: دلني على امرأة أتزوجها ~~ولك كذا وكذا، أو دلني على من يشتري مني جاريتي ولك كذا وكذا فدل عليه، ~~فقيل إن ذلك يلزمه في النكاح والبيع، وهو قول سحنون وأصبغ. وقيل إنه يلزمه ~~في البيع ولا يلزمه في النكاح، وهو قول مالك في رسم ms1026 البز من سماع ابن ~~القاسم من كتاب الجعل والإجارة. وكذلك فرق ابن القاسم بين قوله ولني بيع ~~دارك ولك كذا وكذا، أو ولني إنكاح ابنتك ولك كذا وكذا، فأجاز ذلك في البيع ~~في رسم إن خرجت من سماع عيسى من كتاب جامع البيوع، ولم يجز ذلك في النكاح ~~في رسم الجواب من سماع عيسى من كتاب النكاح. ولا فرق في شيء من ذلك بين ~~البيع والنكاح، وقول سحنون وأصبغ أظهر. وفي سماع عيسى من الكتاب المذكور ~~أنه قال اسع لي في نكاح بنت فلان أو أشخص لي في ذلك جائز إذا كان ذلك في ~~البلد ولم يشخص فيه إلى بلد آخر، وبالله التوفيق. # PageV03P059 ### | كتاب الشفعة # ] [ ### || القول في الشفعة # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ~~كتاب الشفعة القول في الشفعة الأصل في تسمية أخذ الشريك الشقص الذي باع ~~شريكه من المشتري بالثمن الذي اشتراه به شفعة هو أن الرجل في الجاهلية كان ~~إذا اشترى حائطا أو منزلا أو شقصا من حائط أو منزل أتاه المجاور أو الشريك ~~فيشفع إليه في أن يوليه إياه ليتصل له الملك أو يندفع عنه الضرر حتى يشفعه ~~فيه فسمي ذلك شفعة، وسمي الآخر شفيعا، والمأخوذ منه مشفوعا عليه. # فصل وثبت «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بالشفعة» وأنه قال: ~~«الشفعة فيما لم يقسم بين الشركاء فإذا صنعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة» ~~. وهذا الحديث يقتضي ثلاثة أوجه من الفقه. # أحدها: أن الشفعة إنما تكون بين الشركاء. وأن لا شفعة للجار وإن كان ~~جديدا له في المال إذا لم يشاركه فيه على الإشاعة. # PageV03P061 # والثاني: أن الشفعة إنما تكون بين الشركاء فيما ينقسم من الأصول دون ما ~~لا ينقسم. # والثالث: أن الشفعة إنما تكون بين الشركاء في الرباع والأصول دون سائر ~~العروض وبالله التوفيق. # فأما الوجه الأول، وهو أن الشفعة إنما تكون بين الشركاء وأن لا شفعة ~~للجار وإن كان جديدا له في المال إذا لم يشاركه فيه على ms1027 الإشاعة فيستدل ~~عليه بثلاثة أوجه من الحديث: # أحدها: نص الكلام. # والثاني: دليل الخطاب. # والثالث: الظاهر والعموم. # فأما النص فهو قوله «فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة» . # وأما دليل الخطاب فهو أنه لما علق الشفعة بعدم القسمة فقال الشفعة فيما ~~لم ينقسم بين الشركاء دل على انتفائها مع وجودها وهذا بين. # وأما الظاهر والعموم فإنه لما قال الشفعة فيما لم يقسم، والشفعة من ألفاظ ~~العموم المستغرقة للشفعة كان قد جعل جنس الشفعة فيما لم يقسم فلم يبق فيما ~~قد قسم شفعة. وهذا قول مالك - رحمه الله - والشافعي وأصحابهما أنه لا شفعة ~~للجار. وأثبت أبو حنيفة للجار المصاقب الشفعة ما لم يكن بينها طريق نافذة، ~~ولغير المصاقب إذا اشتركا في طريق غير نافذة. فأولى الناس بالشفعة عندهم ~~الشريك الذي لم يقاسم، ثم الشريك المقاسم إذا بقيت له في الطريق شركة، ثم ~~الجار الذي ليس بمصاقب إذا كان شريكا في طريق غير نافذة. وحجتهم ما روي عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الجار # PageV03P062 # أحق بصقبه» ، وأنه قال: «الجار أحق بشفعة جاره» ، وأنه قال: «الخليط أحق ~~من الشريك» . قالوا ومن طريق القياس أن ملك الجار متصل بالملك المبيع، لأن ~~موضع الحائط الحاجز بين الدارين مبيع. وقد اتصل ذلك بملك الشفيع فأشبه ~~الشريكين لما كان ملك كل واحد منهما متصلا بملك الآخر كانت الشفعة واجبة ~~لكل واحد منهما. وهذا كله ليس بصحيح، لأن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«الجار أحق بصقبة» و «الجار أحق بشفعة جاره» ، ليس فيه بيان ما هو أحق به، ~~فيحتمل أن يريد معاونته على ما يعرف له، والعرض عليه إذا أراد البيع. ~~ويحتمل أن يريد بالجار الشريك للمقاربة التي بينهما، لأن العرب تسمي الجار ~~شريكا، وتسمي الزوجة شريكة وجارة لاشتراكهما في البيت. وإذا احتمل الحديث ~~هذين الاحتمالين لم يصح أن يحمل على أنه أحق بالشفعة، إذ قد نص على أنه لا ~~شفعة له بقوله «فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة» . ولا يصح أن تحمل ~~الأحاديث ms1028 على التعارض ما أمكن الجمع بينهما بتأويل محتمل وقد قال بعض من ~~احتج عليهم: ولا يصح أن يحمل قوله «الجار أحق بصقبه» و «الجار أحق بشفعة ~~جاره» على الوجوب في الأخذ بالشفعة إن حملت الجار على حقيقة اللفظ ولم ~~تحمله على الشريك، إذ لا يخلو أن يريد أنه أحق بذلك من الشريك أو أحق بذلك ~~من الأجنبي الذي ليس بجار ولا شريك، ولا يصح أن يريد أنه أحق بذلك من ~~الشريك، إذ لا يقول أحد إن الشفعة للجار دون الشريك؛ ولا أنه أحق بذلك من ~~غير الجار، إذ لا يقول أحد إن الشفعة واجبة للأجنبي الذي ليس بجار ولا ~~شريك. وليست بحجة صحيحة لاحتمال أن يريد أنه أحق بذلك من المشتري، فالحجة ~~عليهم إنما هي ما ذكرناه من أن الأحاديث لا يصح أن تحمل على التعارض ما ~~أمكن الجمع # PageV03P063 # بينها بتأويل محتمل. وما رووه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«الخليط أحق من الشريك» ، ظاهره يوجب أن الشريك ليس بشفيع، وهذا ما لا ~~يقوله أحد، وهو عندنا محمول على أنه أحق بالعرض عليه، لأنه إن لم يعرض عليه ~~وباع فوت عليه المبيع، والشريك إن لم يعرض عليه وباع لم يفوت عليه البيع ~~لأنه يأخذ من المشتري بالشفعة. فالحديث حجة لنا في أن الخليط وهو الجار ~~الجديد في المال لا شفعة له. وقياسهم ينتقض بالجار المقابل، وقد قال ابن ~~شعبان لو كانت الشفعة واجبة للجار لوجبت لجميع من بالبلد الذي بيعت به ~~الدار لقول الله عز وجل: {لئن لم ينته المنافقون} [الأحزاب: 60] الآية. ~~فجعل كل من بالمدينة له - صلى الله عليه وسلم - جارا. وبالله التوفيق. # فصل وأما الوجه الثاني وهو أن الشفعة إنما تكون في الرباع والأصول دون ~~سائر العروض، فالدليل عليه من الحديث قوله فيه: «فإذا وقعت الحدود وصرفت ~~الطرق فلا شفعة» إذ القسمة بإيقاع الحدود وصرف الطرق إنما تكون في الرباع ~~والأصول دون ما سواها من العروض التي إنما تقسم بالكيل والوزن. وهذا مذهب ~~مالك - رحمه الله ms1029 - وجميع أصحابه، وهو قول جمهور أهل العلم. ومنهم من ~~أوجبها في كل شيء مشاع من الأصول والعروض والحيوان وغير ذلك وهو قول شاذ. ~~قاله بعض أهل مكة، وروي في ذلك حديث منقطع عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~في حديث سعيد بن المسيب وغيره. وقد قال مالك - رحمه الله -: وعلى ذلك السنة ~~التي لا اختلاف فيها عندنا، يعني بالمدينة. ومن طريق القياس أن الحيوان ~~والعروض مال يصح الانتقال به فلم تجب فيه شفعة. أصله الدنانير والدراهم ~~والمكيل والموزون وبالله تعالى التوفيق. # فصل وأما الوجه الثالث وهو أن الشفعة إنما تكون فيما ينقسم من أموال دون ~~ما لا ينقسم فيستدل عليه من الحديث بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الشفعة ~~فيما لم يقسم،» لأن قوله فيما # PageV03P064 # لم يقسم يدل على أنه إنما أوجب الشفعة فيما ينقسم، لأن ما لا ينقسم لا ~~يقال فيه يثبت فيه حكم كذا وكذا ما لم يقسم. ألا ترى أنه لا يصح أن يقال ~~يثبت في الإنسان حكم كذا وكذا ما لم يقسم. وهذا أمر اختلف فيه أصحاب مالك - ~~رحمه الله -. فمنهم من قال إن الشفعة لا تجب فيما لا ينقسم من الأصول ~~كالشجرة والنخلة تكون بين الرجلين بأصلها على ما يدل عليه الحديث، وهو قول ~~مطرف. ومنهم من قال إن الشفعة في ذلك واجبة لأنها من الأصول فحمل الباب ~~فيها محملا واحدا وإن كانت لا تنقسم، لأنها من جنس ما ينقسم. وهو قول أشهب ~~وابن الماجشون وأصبغ وأحد قولي ابن القاسم، لأن له في المدونة أن الرحى إذا ~~بيعت بأصلها فإن في الأرض والبيت الذي وضعت فيه الرحى الشفعة بما ينوبها من ~~الثمن، وروى عنه سحنون في العتبية أنه لا شفعة في مناصب الرحى لأنها لا ~~تنقسم. # فصل وعلى هذا يأتي اختلاف المتأخرين من أصحابنا في الضرر الذي من أجله ~~جعلت الشفعة. فمن رأى أن الشفعة لا تكون إلا فيما ينقسم من الأصول لم يعلل ~~بضرر الشركة لإمكان انفصالهما عنه بالقسمة، وقال إن العلة في ذلك ضرر ms1030 ~~القسمة، وهي تكون بوجوه منها أنه قد تنقص قيمتها إذا قسمت وإذ قد يحتاج كل ~~واحد من المتقاسمين إلى استحداث مرافق في نصيبه فيلزمه في ذلك مؤونة. ومنها ~~ما يلزم فيها من المؤن والأجر التي تختص بقسمة الأصول، إذ ليس كل واحد يحسن ~~قسمتها، فلا بد في الأغلب من الحال أن يستأجر على قسمتها من يختص بمعرفة ~~ذلك، وهي علة صحيحة يشهد لصحتها اطرادها وانعكاسها. ألا ترى أن العروض التي ~~تنقسم بالكيل والوزن لا شفعة فيها إذ لا مؤنة في قسمتها. ومن رأى أن الشفعة ~~تكون فيما ينقسم وفيما لا ينقسم قال إن العلة فيما لا ينقسم ضرر الشركة، إذ ~~لا يقدر أحد من الشركاء أن يتصرف في المال المشترك بشيء من وجوه التصرف دون ~~إذن شريكه. ولا يلزم على هذا إيجاب الشفعة فيما لا ينقسم من # PageV03P065 # العروض لأن الضرر يرتفع فيها ببيعها وقسم الثمن، إذ لا يتشاح الناس فيها ~~ولا يرغبون في إمساكها كرغبتهم في الأصول وتشاحهم في إمساكها. # فصل واتفق أهل العلم على إيجاب الشفعة في الأصول اتفاقا مجملا، ولم يختلف ~~قول مالك - رحمه الله - أن في الشقص المبيع الشفعة إذا بيع بعين أو بقرض. ~~فأما إن باع الرجل شقصه من شريكه أو من أجنبي بأصل أو بشقص من أصل له فيه ~~شرك أو لا شرك به فيه فمذهب ابن القاسم وروايته عن مالك أن في ذلك كله ~~الشفعة. ووقع في أول سماع ابن القاسم ما ظاهره أن قول مالك اختلف في ذلك ~~كله، وأنه كان يقول إذا علم أنه أراد المناقلة والسكنى ولم يرد وجه البيع ~~إنه لا شفعة في ذلك، وأن بعض المدنيين كان يذكر ذلك، وهو قول ربيعة. فعلى ~~هذا تكون المناقلة المختلف في وجوب الشفعة فيها في هذه الوجوه كلها. وحكى ~~العتبي وابن الماجشون أنهما قالا إن المناقلة التي قال مالك لا شفعة فيها ~~إنما هي أن يبيع الرجل شقصه من شريكه بشقص من أصل له فيه شرك فيكون كل واحد ~~منهما إنما أراد ms1031 التوسع في حظه بما صار إليه من حظ شريكه عوضا عما عاوضه ~~به. فعلى هذه المناقلة إنما تكون في هذا الوجه الواحد من سائر الوجوه. وروى ~~أبو زيد عن مطرف في الدار تكون بين الرجلين فيبيع أحدهما شقصه من شريكه ~~بشقص من أصله مع شريك آخر أنه لا شفعة لهذا الشريك الآخر في هذا الشقص لأنه ~~لم يقصد به البيع وإنما أراد التوسع في حظه. وكذلك على قول مطرف هذا لو ~~كانت دار بين ثلاثة نفر فباع أحدهم حظه من أحد شريكيه بأصل فلا شفعة للشريك ~~الثالث الذي لم يبع فيه لأنه لم يرد البيع وإنما أراد التوسع في حظه. فعلى ~~قول مطرف هذا تكون المناقلة المختلف في إيجاب الشفعة فيها. وأصله أنك متى ~~وجدت أحد المتعاملين في الأصول قد أخذ من صاحبه شقصا فيما له فيه شقص فهي ~~المناقلة التي لا شفعة فيها. وعلى تأويل # PageV03P066 # مطرف وابن الماجشون على علة أن المعاملة في الأصول لا تكون مناقلة تسقط ~~فيها الشفعة حتى يكون كل واحد منهما قد أخذ من صاحبه شقصا فيما له فيه شقص. ~~وعلى ظاهر ما وقع في سماع ابن القاسم على مالك أن المعاملة في الأصول كيف ~~ما وقعت فهي مناقلة لا تجب فيها الشفعة على أحد القولين، ففي تعين المناقلة ~~المختلف في إيجاب الشفعة فيها ثلاثة أقوال على ما بيناه. # فصل وهي واجبة فيما تجب فيه على قدر الأنصباء على ما روي عن علي بن أبي ~~طالب - رضي الله عنه - خلافا لأبي حنيفة في قوله إنها على عدد الرؤوس. ~~والصحيح ما ذهب إليه مالك وأصحابه أنها على قدر الأنصباء، لأنها لما كانت ~~تجب بالملك وجب أن تكون على قدر الأملاك كالغلل، ولما كانت لدفع المضرة عن ~~الأشراك وكانت المضرة عليهم على قدر حصصهم وجب أن تكون الشفعة التي ترفع ~~الضرر عنهم على قدر حصصهم وبالله التوفيق. # فصل وعهدة الشفيع على المشتري لا على البائع، سواء أخذها من يد البائع ~~قبل القبض أو من يد المشتري بعد ms1032 القبض. هذا مذهب مالك وأصحابه ومذهب ~~الشافعي. وقد وقع في المدونة ما يدل على أن الشفيع مخير في كتب عهدته على ~~من شاء منهما، وليس ذلك بصحيح، والأولى أن يتأول ذلك على الموجود المنصوص ~~عليه في المذهب. وقال أبو حنيفة إن أخذ الشفيع الشقص من يد المشتري فعهدته ~~عليه، وإن أخذه من يد البائع قبل أن يقبضه المشتري فالعهدة عليه. وقال ابن ~~أبي ليلى إن العهدة على البائع بكل حال. والصحيح ما ذهب إليه مالك، لأن ~~البيع لم يفسخ بين البائع والمشتري بعد وجوب البيع له وتقرر ملكه على الشقص ~~فوجب أن تكون العهدة عليه. # فصل وإنما تكون العهدة في مذهبنا للشفيع على البائع في المقارض يبتاع ~~بمال # PageV03P067 # القراض شقصا وهو شفيعه أو رب المال شفيعه، لأن رب المال إن كانت له ~~الشفعة فالمال له فلا يصح له أن يكتب العهدة على نفسه، وإن كانت الشفعة ~~للمقارض فلا يجوز له أن يجعل العهدة على رب المال فيما ابتاع بماله. # فصل وإذا باع المبتاع الشقص أخذه الشفيع ممن شاء منهما وكتب عهدته عليه. ~~وكذلك قال أشهب إذا غاب الشفعاء إلا واحدا فأخذ جميع الشفعة ثم جاء أحد ~~الغيب كان مخيرا في كتاب عهدته إن شاء على المشتري وإن شاء على الشفيع، ~~لأنه كان مخيرا في الأخذ فهو كمشتر من المشتري. وإن جاء ثالث كان مخيرا إن ~~شاء كتب عهدته على المشتري وإن شاء على الشفيع الأول وإن شاء عليه وعلى ~~الثاني. فقيل إن قول أشهب هو خلاف لمذهب ابن القاسم وإنه لا يكتب عهدته على ~~مذهب ابن القاسم إلا على المشتري، وليس ذلك عندي بصحيح. والصواب أن قول ~~أشهب مفسر لمذهب ابن القاسم إن شاء الله وبه التوفيق. # فصل واختلف في الأخذ بالشفعة فقيل إنها تنزل منزلة البيع، وقيل منزلة ~~الاستحقاق فيما يختص بذلك من الأحكام. # فصل وتورث الشفعة فينزل الوارث منزلة الموروث في الحق الذي كان له من ~~الأخذ أو الترك، سواء مات الموروث والشقص الذي يستشفع به في يده ms1033 فورثه عنه، ~~أو مات بعد بيع الشقص على القول بأن البيع لا يسقط شفعته. ولا تباع ولا ~~توهب. وقد وقع لأصبغ في الواضحة أن الشقص إذا بيع وله شفعاء فيسلم جميعهم ~~الشفعة إلا واحدا فأراد الذي لم يسلم أن يأخذ الجميع أن تسليمهم إن كان على # PageV03P068 # الهبة للمشتري والعطية فليس له إلا سهمه منها وللمشتري سهام المسلمين. ~~وإن لم يكن على هذا الوجه إلا على ترك الشفعة وكراهية الأخذ بها فللمتمسك ~~جميعها. # فصل فإذا صح على قول أصبغ هذا للمشتري بالهبة حظ المسلم ولم يكن لمن سواه ~~من الشفعاء أخذه، فكذلك البيع على هذا القياس ينزل المشتري به منزلة الشفيع ~~البائع للشفعة، فلا يكون لمن سواه من الشفعاء عليه شفعة، إلا أن يكونوا ~~بمنزلته فيكون لهم منها بقدر حظوظهم. وعلى هذا تأول ابن لبابة رواية ابن ~~القاسم عن مالك في أنه لا يجوز أن يبيع الرجل شفعة قد وجبت له ولا يهبها، ~~فقال معناه من غير المبتاع، واستدل على صحة تأويله برواية جلبها من كتاب ~~الدعوى والصلح قال: يجوز أن يبيع شفعته من المبتاع بعد وجوب الصفقة قبل أن ~~يستشفع ولا يجوز له بيع ذلك من غيره. ومثل هذا حكي أيضا عن مالك من رواية ~~أشهب عنه أنه قال: ولا يجوز له أن يبيعها من غير المبتاع قبل أن يأخذ ~~بشفعته، واختار هو من رأيه ألا يبيع الشفعة ولا يهبها لا من المبتاع ولا من ~~غيره، وهو الصواب. والروايات التي جلب ليست بجلية لاحتمال أن يتأول على أنه ~~إنما أراد بها أن أخذ العرض من المبتاع على تسليم الشفعة له يجوز بعد وجوب ~~الصفقة، وسمي ذلك بيعا لما فيه من معنى البيع. وقول أصبغ شاذ بعيد عن ~~النظر. # وحكى ابن لبابة أيضا أنه رأى ابن الحباب يعقد لنفسه وثيقة شراء نصيب رجل ~~من مال وما وجب له من الاستشفاع في نصيب كان بيع من ذلك المال قبل ذلك. قال ~~فلما تمت الوثيقة قال لي هذه من غرائب المنتجات التي لا ms1034 يعرفها والله ~~غيرنا، يريدني ونفسه. فالذي يتحصل في هذا أنه لا يجوز للشفيع أن يهب ما وجب ~~له من الاستشفاع لغير المبتاع ولا يبيعه منه. واختلف هل له أن يهب ذلك ~~للمبتاع ويبيعه منه أم لا على قولين: # أحدهما: أن ذلك جائز ويخلص المشتري بما اشترى، ولا يكون لغير البائع # PageV03P069 # والواهب من الشفعاء عليه شفعة إلا أن يكونوا بمنزلته فيكون لهم منها بقدر ~~حقوقهم. # والثاني: أن ذلك لا يجوز، وينفسخ البيع فيكون الشفيع على شفعته، ويفسخ ~~حكم الهبة فيمضي على حكم التسليم. وأما بيع الشفيع نصيبه للذي يستشفع قبل ~~أن يأخذ بالشفعة أو هبته فلا يجوز باتفاق. وأما تسليم الشفعة بمال بعد ~~وجوبها له فجائز باتفاق، وبالله التوفيق. # فصل وليس للشفيع أن يأخذ بالشفعة لغيره، ولا له أن يأخذ للبيع. . وقد ~~استحسن أشهب ألا يكون ذلك له. وأما المريض فإنه يأخذ بالشفعة ولا اعتراض في ~~ذلك، وإن كان أخذه في هذه الحال لورثته لأنه إن لم يأخذ في مرضه كان لهم أن ~~يأخذوا لأنفسهم بعد وفاته. # فصل وقد اختلف في الحد الذي تنقطع فيه شفعة الحاضر العالم إذا سكت ولم ~~يقم بطلب شفعته، فقال أشهب ورواه عن مالك إن حد ذلك السنة، وقال ابن القاسم ~~في المدونة ورواه عن مالك إن السنة قليل ولا تنقطع إلا فيما فوق السنة. ~~وحكى ابن حبيب في الواضحة عن مطرف وابن الماجشون أنه على شفعته ما لم يوقفه ~~السلطان على الأخذ أو الترك فيترك أو يتركها طوعا منه ويشهد بذلك على نفسه ~~أو يمضي من طول المدة ما يدل على أنه كان تاركا لها. والخمس سنين قليل إلا ~~أن يحدث المشتري فيها بيتا أو غرسا فتنقطع شفعته في أقل من ذلك، فكأنه يرى ~~على هذه الرواية أن حد ما تنقطع فيه الشفعة هو ما يكون فيه الحيازة. وهو نص ~~قول ابن الماجشون في المبسوطة أنه لا تنقطع شفعة الحاضر إلا بعد مضي # PageV03P070 # عشرة أعوام للحديث الذي جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «من ms1035 حاز ~~شيئا عشر سنين فهو له» . # قال ابن المعدل وكان ابن الماجشون يقول بإيجاب الشفعة للحاضر إلى أربعين ~~سنة، ثم رجع إلى عشر سنين. وقد روي عن مالك أنه على شفعته وإن طال ما لم ~~يصرح بتركها، وهو مذهب الشافعي. وقال أبو حنيفة بضد ذلك إن الشفعة إنما هي ~~على الدروب فإن لم يقم بشفعته ساعة علم بالبيع فلا شفعة له. وأما الغائب ~~فهو على شفعته وإن طالت غيبته وكذلك إن كان الشفيع حاضرا والمشتري غائبا ~~فاشتراها له وكيل. # فصل فإن سكت الشفيع ولم يقم حتى أحدث المشتري فيما اشتراه غرسا أو بناء ~~أو حتى طالت المدة وخرجت عن الحد الموقت في الشفعة بطل حقه وسقط قيامه ولم ~~يعذر في ذلك بجهل. وهذه إحدى المسائل التي لا يعذر فيها الجاهل بجهله، وهي ~~سبع مسائل على ما روي عن أبي عمر الإشبيلي - رحمه الله -. حكى ابن عتاب عن ~~ابن بشر القاضي أنه قال كان أبو عمر الإشبيلي - رحمه الله - يقول: سبع ~~مسائل لا يعذر فيها الجاهل بجهله ولا يشرحها، وإذا سألناه عن تفسيرها لنا. ~~قال فتتبعتها إلى يومي هذا فلم أجد منها إلا بعضها. فذكر خمس مسائل مختلفة ~~المعاني يقتضي بعضها الجهل بما يوجبه الحكم من أن السكوت يبطل حق الساكت، ~~وبعضها الجهل بمقدار الشيء المتعدى فيه. قال: وأخرج إلينا كتابه فكتبناها ~~وهي هذه المسألة، ومسألة الأمة تعتق تحت العبد فيطأها وهي عالمة بالعتق ثم ~~تريد الخيار وتدعي الجهل؛ ومسألة المملكة تقضي بالثلث بالمجلس فلا يناكرها ~~الزوج ثم يريد أن يناكرها بعد ذلك # PageV03P071 # ويدعي الجهل؛ ومسألة السارق يسرق الثوب الذي يسترفع فيه الدراهم وهو لا ~~يساوي ثلاثة دراهم وفيه دراهم مربوطة لم يعلم بها ومسألة المرتهن يطأ ~~الجارية المرهونة عنده ويدعي الجهل، قال ابن عتاب توجد منها مسائل كثيرة ~~فذكر أيضا مسائل مختلفة المعاني وقعت في المدونة والمستخرجة غيرها من ~~الدواوين نص فيها على أن الجاهل لا يعذر بجهله بعضها متفق عليها وبعضها ~~مختلف فيها. منها حديث مرعوس في المقرة جهلا ms1036 بالزنا؛ ومسألة سماع ابن ~~القاسم في الذي يخير امرأته فتقضي بواحدة فيقال لها ليس ذلك لك فتريد أن ~~تقضي مرة أخرى بالثلث وتدعي الجهل فيما قضت به؛ ومنها رواية أصبغ عن ابن ~~القاسم في من استحلف أباه في حق له أن شهادته ساقطة وإن جهل أنه عقوق. ~~وكذلك قاطع الدنانير جاهلا بكراهيته. ومن الدمياطية في الرجل يرد الرهن إلى ~~الراهن أن ذلك خروج من الرهن ولا يعذر بالجهل. ومن الواضحة فيمن باع جارية ~~وقال كان لها زوج فطلقها أو مات عنها وقالت ذلك الجارية لم يجز للمشتري أن ~~يطأها ولا يزوج حتى تشهد البينة على الصدق أو الوفاة، وإن أراد ردها وادعى ~~أنه ظن أن قول البائع والجارية في ذلك مقبول لم يكن له ذلك، وإن كان ممن ~~يجهل معرفة ذلك. ومنها قول أشهب في ديوانه فيمن أعتق أم ولده ثم وطئها في ~~العدة وادعى الجهالة إنه يحد ولا يعذر كما لو زنى رجل وادعى أنه لم يعلم ~~بتحريم الزنى. وفرق أشهب بين المعتق والمطلق ثلاثا فيطأ في العدة أو واحدة ~~قبل الدخول فيطأ، فقال في هاتين إن الولد يلحقه ولا يحد لأنها شبهة لأهل ~~الجهل. وما حكى ابن حبيب عن أصبغ في المتظاهر يطأ قبل الكفارة أنه يؤدب ولا ~~يعذر بالجهل، وفي الوصي يشتري النصرانية فيعتقها أنه يضمن وإن أخطأ ولا ~~يعذر بالجهل والخطأ، وذكر حديث ابن أبي حبيبة الجرو والفناء من الموطأ. ومن ~~قذف عبدا فظهر أنه حر قد كان أعتق قبل ذلك ولم يعلم القاذف بعتقه، وكذلك إن ~~شرب هو أو قذف أو زنى ولم يعلم بعتقه أن الحد يجب على قاذفه في قذفه إياه، ~~وعليه فيما واقع من الحدود. ومن اشترى من يعتق عليه ولم يعلم أنه يعتق ~~عليه. وذكر أيضا # PageV03P072 # مسائل عنده كثيرة غير هذه، قال: والبيوع الفاسدة حكم الجاهل فيها والعامد ~~سواء إلا في الإثم. قال: وكذلك الوضوء والصلاة يستوي فيهما الجاهل والعامد، ~~وكذلك الحج يستوي الجاهل والعامد في كثير من أحكامه. فأحسن الفقيه ms1037 ابن عتاب ~~- رحمه الله - فيما جمع من هذه المسائل إلا أنه إنما ذهب إلى ذكر كل مسألة ~~وجد فيها النص من قول قائل إن الجاهل لا يعذر بجهله وإن خالفه في ذلك غيره ~~ولم يستوعبها وإن كان جمع كثيرا منها وترك مسائل كثيرة لا يعذر فيها الجاهل ~~بجهله باتفاق وعلى اختلاف لم يذكرها إذ لم يجد النص فيها بأن الجاهل غير ~~معذور فيها بجهله، منها مسألة من رأى حمل امرأته فلم ينكره ثم أراد أن ~~ينفيه بعد ذلك، ومنها الشاهد يرى الفرج يستحل أو العبد يستخدم فلا يقوم ~~بشهادته ولا ينكر ذلك، وغيرها من المسائل، كأكل مال اليتيم والغاصب ~~والمحارب والمتصدر لفتوى بغير علم، والطبيب يقتل بمعاناته وهو جاهل بالطب، ~~والشاهد يخطئ في شهادته في الأموال والحدود، ولم يذكر من هذا كله شيئا. ~~فهذه المسائل على افتراق معانيها أكثر من أن تحصى أو تحصر بعدد. فأما ~~القاضي ابن بشر - رحمه الله - فلم يأت في هذه المسألة بشيء، وأما الفقيه ~~ابن عتاب - رحمه الله -. فجمع المسائل التي ذكر ليبين بذلك أن الفقيه أبا ~~عمر الإشبيلي - رحمه الله - أخطأ في حصرها إلى سبع مسائل فقصر في النظر ~~وأخطأ في التأويل. ولم يكن الفقيه أبو عمر الإشبيلي - رحمه الله - على كثرة ~~حفظه وجلالة قدره ممن يجهل هذه المسائل ولا تخفى عليه مواضعها ولا ممن يغلط ~~هذا الغلط البين. فلما علمت هذا أعملت نظري في معرفة الوجه الذي ذهب إليه ~~فرأيت أنه يحتمل أن يكون أراد نوعا ما تنحصر مسائله إلى سبع مسائل، واحتمل ~~عندي أن يكون ذلك النوع هو ما يكون مجرد السكوت فيه على فعل الغير يسقط حق ~~الساكت ويبطل قيامه باتفاق، لأني وجدت في هذا النوع سبع مسائل لا ثامنة ~~لها: # إحداها: مسألة الشفعة هذه وما كان في معناها كالغريم يعتق بحضرة غرمائه ~~فيسكتون ولا ينكرون ثم يريدون القيام عليه، وكالرجل يبيع العبد على أنه ~~بالخيار فيتركه بيد المبتاع حتى يطول الأمر بعد انقضاء أيام الخيار ثم يريد ~~استرجاعه بما # PageV03P073 # اشترط ms1038 من الخيار ويدعي الجهل في سكوته على بقائه بيد المبتاع بعد انقضاء ~~أيام الخيار وما أشبه ذلك. # والثانية: مسألة الحيازة، من حال مال رجل في وجهه مدة تكون الحيازة فيه ~~عامله فادعى أنه ابتاعه منه صدق مع يمينه ولم يعذر صاحب المال إن ادعى ~~الجهل فإن سكوته يبطل قيامه. # الثالثة: مسألة المملكة تقضي بالثلاث فيسكت الزوج ولا ينكر ثم يريد ~~المناكرة بعد ذلك ويدعي الجهل في سكوته، أو لا تقضي بشيء وتسكت حتى توطأ أو ~~ينقضي المجلس على اختلاف في ذلك ثم تريد أن تقضي وتدعي الجهل، وما أشبه ذلك ~~كالأمة تعتق تحت العبد فلا تختار حتى يطأها الزوج ثم تريد أن تختار نفسها ~~وتدعي الجهل في سكوتها حتى وطئها. # والرابعة: مسألة الشاهد يرى الفرج يستحل أو الحر يستخدم أو ما أشبه ذلك ~~من الحقوق الواجبة لله فيسكت ولا يقوم بشهادته ثم يقوم بها بعد حين ويدعي ~~الجهل في سكوته. # والخامسة: مسألة المرأة المطلقة يراجعها زوجها فتسكت حتى يطأها ثم تدعي ~~أن عدتها قد كانت انقضت وتدعي الجهل في سكوتها. # والسادسة: مسألة المرأة تزوج وهي حاضرة فتسكت ولا تنكر حتى يدخل بها ~~الزوج ثم تنكر النكاح وتقول لم أرض به وتدعي الجهل في سكوتها حتى دخل بها. # والسابعة: مسألة الرجل يباع عليه ماله ويقبضه المشتري وهو حاضر لا يغير ~~فيه ويدعي أنه لم يرض البيع ويدعي الجهل. # ويحتمل أن يكون أراد سبع مسائل في نوع واحد من معنى الطلاق: # إحداها: مسألة رجل يوصي لمكاتبه - من سماع عيسى من كتاب التخيير والتمليك ~~- في الذي يملك امرأته أمرها فتقول قد قبلت ثم تصالحه بعد ذلك قبل أن يسأل ~~ما قبلت ثم تقول كنت أردت ثلاثا لترجع فيما صالحت به أنها لا ترجع على # PageV03P074 # الزوج بشيء لأنها حين صالحت علمنا أنها لم تطلق ثلاثا ولا تعذر في ذلك إن ~~ادعت الجهالة. # والثانية: الذي يسمع امرأته تقضي بالثلاث فيسكت ثم يريد أن يناكرها بعد ~~ذلك ويدعي الجهل. # والثالثة: المرأة تختار في التخيير واحدة ثم ms1039 تريد أن تختار بعد ذلك ثلاثا ~~وتقول جهلت وظننت أن لي أن أختار واحدة. # والرابعة: المملكة أو المخيرة يملكها زوجها أو يخيرها فلا تقضي حتى ينقضي ~~المجلس على قول مالك الأول، ثم تريد أن تقضي بعد ذلك وتقول جهلت وظننت أن ~~ذلك بيدي متى شئت. # والخامسة: التي يقول لها زوجها إن غبت عنك أكثر من سنة فأمرك بيدك فيغيب ~~عنها ويقيم بعد السنة المدة الطويلة من غير أن تشهد أنها على حقها ثم تريد ~~أن تقضي وتقول: جهلت وظننت أن الأمر بيدي متى شئت. # والسادسة: الأمة تعتق تحت العبد فتتركه يطؤها ثم تريد أن تختار وتزعم ~~أنها جهلت أن الخيار كان لها. # والسابعة: الرجل يجعل أمر امرأته بيد غيرها فلا يقضي المملك حتى يطأها ~~زوجها ثم يريد أن يقضي ويقول جهلت وظننت أن ذلك لا يقطع ما كان لي من ~~القضاء فيما ملكت، وبالله تعالى التوفيق. # فصل واختلف قول مالك - رحمه الله - فيما كان متشبثا بالأصول ومتصلا به ~~كالثمرة والزرع والكراء ورقيق الحائط إذا بيعوا مع الحائط، والرحى إذا بيعت ~~مع الأصل، والماء والنقض إذا بيعا دون الأصل، فمرة قال في ذلك كله الشفعة ~~لتعلقه بأصل ما فيه الشفعة، ومرة قال إن ذلك كالعروض المنفصلة من الأرض فلا ~~شفعة فيها. وبالله تعالى التوفيق لا شريك له ولا ند. # PageV03P075 # فصل فأما التمرة فلا فرق في وجوب الشفعة فيها عند من أوجبها، وهو قول ~~مالك في المدونة استحسانا، قال وما علمت أنه قال أحد من أهل العلم قبلي إن ~~فيها الشفعة، بين أن تباع دون الأصل بعد زهوها أو مع الأصل بعد الزهو أو ~~قبله بعد الإبار على مذهب ابن القاسم. وأما إن بيعت قبل الإبار فلا شفعة ~~فيها إذ لم يقع عليها حصة من الثمن، وإنما يأخذها على مذهب ابن القاسم ما ~~لم تجذ أو تيبس إذا كان البيع وقع فيها قبل الإبار من جهة الاستحقاق لا من ~~جهة الاستشفاع. وقد فرعتها في تفسير هذه المسألة وما يتعلق بها من كتاب ms1040 ~~العيوب فلا وجه لإعادة ذكرها، وبالله التوفيق لا شريك له. # فصل وكذلك الزرع أيضا لا فرق عند من رأى الشفعة فيه بين أن يباع دون ~~الأصل إذا حل بيعه أو مع الأصل بعد أن ينبت أو قبل أن ينبت وقد قيل إنه ما ~~لم ينبت فلا شفعة فيه أصلا إذ لم يقع عليه حصة من الثمن كالثمرة التي لم ~~تؤبر. والصواب أنه قد وقع عليه حصة من الثمن وأن الشفعة فيه واجبة بخلاف ~~الثمرة التي لم تؤبر، وبالله التوفيق. # فصل والخلاف في وجوب الشفعة فيه قائم من المدونة لأنه على إسقاط الشفعة ~~فيه بأن بيعه لا يجوز حتى ييبس، فيلزم على هذا التعليل أن تجب الشفعة فيه ~~إذا بيع قبل أن ييبس على مذهب من يجيز ذلك من أهل العلم، أو يرى العقد فيه ~~فوتا إذا وقع من أصحابنا وإذا بيع مع الأصل خلاف ما نص عليه في المدونة، ~~ومثل ظاهر ما في سماع أشهب من قول مالك إن الشفعة في الأرض وفي كل ما أنبتت ~~الأرض. وبالله تعالى التوفيق. # PageV03P076 # فصل وعلى هذا الاختلاف يتركب طرو الشفيع على الرجل في أرضه المبذورة قبل ~~طلوع البذر فيها أو بعد طلوعه، وبالله التوفيق. # فصل فإذا طرأ الشفيع على الرجل في أرضه المبذورة قبل أن يطلع البذر فيها ~~مثل أن تكون الأرض بين الشريكين فيبيع أحدهما نصيبه منها فيريد الشريك ~~الأخذ بالشفعة وهي مبذورة قبل طلوع البذر فيها فلا يخلو الأمر في ذلك من ~~ثلاثة أحوال: # أحدها: أن يكون المبتاع هو الباذر لها. # والثاني: أن يكون البائع هو الذي بذرها أو باعها مبذورة. # والثالث: أن يكون البذر لغيرهما مثل مكتر أو ممنوح أو ما أشبه ذلك. فأما ~~إن كان المبتاع هو الذي بذرها فيأخذها الشفيع ويبقى البذر للمبتاع الذي ~~بذره على مذهب من يحمل محمل البيع فلا يصح له الأخذ بالشفعة إلا بعد طلوع ~~البذر. . وقيل إنه يأخذه مع الأصل بقيمة البذر والعمل، وقيل بقيمته على ~~الرجاء والخوف بمنزلة السقي والعلاج في الثمرة. ms1041 وأما إن كان البائع هو ~~الباذر لها فيأخذها الشفيع مبذورة بجميع الثمن على القول الذي يرى في الزرع ~~الشفعة. وعلى القول الذي لا يرى في الزرع الشفعة يأخذها بما ينوبها من ~~الثمن على القول الذي يحمل الأخذ بالشفعة محمل الاستحقاق، وأما على القول ~~الذي يحمل الأخذ بالشفعة محمل البيع فلا يأخذها حتى يبرز الزرع. وأما إن ~~كان غيرهما هو الباذر لها فيأخذ الأرض بالشفعة دون البذر بجميع الثمن، ولا ~~كلام في هذا الوجه. # PageV03P077 # فصل وكذلك إن طرأ على الأرض والبذر قد نبت فلا يخلو من الثلاثة الأحوال ~~المذكورة، غير أن الوجهين يستوفي الحكم فيهما. وهو أن يكون البذر للمبتاع ~~أو يكون لأجنبي فيأخذ الشفيع فيهما الأرض دون الزرع بجميع الثمن. وأما إن ~~كان البذر قد بذره البائع فيأخذ الشفيع الأرض والزرع بجميع الثمن على القول ~~الذي يرى الشفعة في الزرع، ويأخذ الأرض دون الزرع بما ينوبها من الثمن على ~~القول الذي لا يرى في الزرع شفعة وأما إن طرأ الشفيع بعد يبس الزرع فلا ~~شفعة فيه ويأخذ الأرض بجميع الثمن إن كان البذر للمبتاع أو لأجنبي، وإن كان ~~البذر للبائع أخذ الأرض بما ينوبها من الثمن. # فصل وأما طرو المستحق على الأرض فلا يخلو من وجهين: # أحدهما: أن يستحق الأرض والزرع. # والثاني: أن يستحق الأرض دون الزرع. # فأما إذا استحق الأرض والزرع مثل أن يزرع الرجل أرضه فيتعدى عليه فيها ~~رجل فيبيعها فهو بالخيار بين أن يجيز البيع ويأخذ الثمن وبين أن يأخذ أرضه ~~بزرعها ولا كلام في هذا الوجه. # وأما إذا استحق الأرض دون الزرع فلا يخلو الأمر من ثلاثة أحوال أيضا: # أحدها: أن يكون الزرع بذره المستحق منه. # والثاني: أن يكون بذره البائع. # والثالث: أن يكون لأجنبي. # فأما إن كان بذره المستحق منه وهو غاصب فحكمه حكم الغاصب وهو معلوم، وإن ~~لم يكن غاصبا فلا شيء للمستحق في الزرع ولا له قلعه وإنما له الكراء إن لم ~~يكن الإبان قد فات. # PageV03P078 # وأما إن كان البذر لأجنبي بوجه صحيح ms1042 فهو له ويأخذ المستحق أرضه وله على ~~الزارع الكراء إن كان أكرى منه هو، وإن كأن الغاصب هو الذي أكراها منه فله ~~الكراء أيضا إن كان الإبان لم يفت، وإن كان الإبان قد فات جرى ذلك على ~~الاختلاف في غلة الأرض المغصوبة، وقد تقدم القول فيها. # وأما إن كان بذر الزرع البائع فباع الأرض مبذورة من المستحق منه فيأخذ ~~المستحق أرضه وينفسخ البيع في الزرع ويرجع المبتاع بجميع الثمن على البائع. ~~وفي كتاب ابن المواز أن الزرع يبقى للمبتاع، وهو بعيد. فهذا وجه القول في ~~طرو كل واحد منهما على انفراد، وهو يغني على القول في طروهما معا وبالله ~~التوفيق. # فصل وأما الكراء فإنما الاختلاف في وجوب الشفعة فيه إذا انفرد عن بيع ~~الأصل، ولا يتصور فيه غير ذلك وبالله التوفيق. # فصل وأما رقيق الحائط والرحى فإنما الاختلاف في وجوب الشفعة فيهما إذا ~~بيعا مع الأصل، فإن انفرد البيع فيهما على الأصل لم يكن فيهما شفعة باتفاق. # فصل وأما الماء فلا اختلاف في وجوب الشفعة فيه إذا بيع شقص منه مع الأصل ~~أو دونه ولم تقسم الأرض. واختلف في وجوب الشفعة فيه إذا قسمت الأرض، فقال ~~في المدونة إنه لا شفعة فيه. وروى يحيى عن ابن القاسم في العتبية أن فيه ~~الشفعة. فذهب سحنون وابن لبابة إلى أن ذلك ليس باختلاف من القول، إلا أنهما ~~اختلفا في تأويل الجمع بينهما، فقال سحنون معنى مسألة المدونة أنها بئر ~~واحدة فلا شفعة فيها إذ لا تنقسم. . # PageV03P079 # والشفعة تكون فيما ينقسم دون ما لا ينقسم. وقال ابن لبابة معنى مسألة ~~المدونة أنها بئر لا فناء لها ولا أرض ومعنى رواية يحيى أن لها فناء وأرضا ~~مشتركة تكون فيها القلد. وذهب القاضي أبو الوليد إلى أن ذلك اختلاف من ~~القول، وأن الاختلاف في ذلك جار على الاختلاف فيما لا ينقسم كالنخلة ~~والشجرة تكون بين النفر، إذ لا تنقسم العين والبئر كما لا تنقسم النخلة ~~والشجرة. وكان من أدركت من الشيوخ يقول إن ذلك اختلاف ms1043 من القول وإن ~~الاختلاف في ذلك جار على اختلاف قول مالك فيما هو متعلق بالأرض ومتشبث به ~~كالنقض والنخل دون الأرض والكراء وما أشبه ذلك. وبالله التوفيق. # فصل وأما النقض فلا خلاف في وجوب الشفعة فيه إذا بيع مع الأصل لأنه تبع ~~له. واختلف في وجوب الشفعة فيه إذا بيع ثم طرأ عليه من الاستحقاق ما يوجب ~~للمستحق فيه الشركة أو باع أحد الشريكين حظه من النقض دون الأصل وهو من ~~التساوي على صفة يجوز فيه البيع لوجوب قسمه مع الأصل على قولين قائمين من ~~المدونة. وكذلك إن كان النقض القائم بين الشريكين والعرصة لغيرهما فباع ~~أحدهما حظه من النقض لشريكه فيه الشفعة على الاختلاف المذكور إن أبلى صاحب ~~العرصة أن يأخذه لأنه مبدأ عليه ليس من أجل أنه شفيع، ولكن من أجل قول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا ضرر ولا ضرار» . وقد اختلف هاهنا ممن ~~يأخذ رب العرصة النقض وبما يأخذه. فقيل إنه يأخذه من المبتاع بالقيمة ~~مقلوعا، وقيل بالثمن الذي ابتاعه به، وقيل بالأقل من القيمة أو الثمن. وقيل ~~إنه إنما يأخذه من البائع بقيمته مقلوعا أو بالأقل من القيمة أو الثمن ~~وينفسخ البيع فيه بينه وبين المبتاع، فيرجع على البائع بالثمن الذي دفع ~~إليه. وكل ذلك قد تؤول على ما في المدونة. والأظهر منها أنه إنما يأخذه من ~~البائع بالأقل من القيمة أو الثمن، والأظهر # PageV03P080 # في القياس أن يأخذ من المبتاع بالقيمة مقلوعا. وهذا كله على القول بجواز ~~بيع الأنقاض قائمة على القلع، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة خلاف قول ~~أشهب وسحنون، وبالله التوفيق. # فصل وفي شراء النقض على الهدم أو النخل على القلع والشفعة في ذلك مسائل ~~لم تستوعبها المدونة، وأنا أذكر منها ست مسائل مشروحة بعللها هي أصلها ~~وعليها مدارها، فمن فهمها ووقف على معانيها استدل بها على سائرها إن شاء ~~الله.. # إحداها: أن يشتري النخل على القلع ثم تستحق الأرض أو بعضها. # والثانية: أن يشتري النخل على القلع ثم يشتري الأرض بعد ms1044 ذلك فتستحق الأرض ~~أو بعضها. # والثالثة: أن يشتري الأرض أولا ثم يشتري النخل فيستحق الأرض أو بعضها. # والرابعة: أن يشتري النخل على القلع ثم يشتري الأرض فيستحق رجل نصف الأرض ~~ونصف النخل. # الخامسة: أن يشتري الأرض أولا ثم يشتري النخل بعد ذلك، فيستحق رجل نصف ~~الأرض ونصف النخل. # والسادسة: أن يشتري النخل على القلع فيستحق رجل نصف الأرض ونصف النخل. # فصل فأما المسألة الأولى وهي أن يشتري النخل على القلع ثم يستحق رجل # PageV03P081 # الأرض فقال فيها في المدونة إن لمستحق الأرض أن يأخذ من المبتاع النخل ~~بقيمتها مقلوعة وليس من وجه أنه شفيع، إذ لا شركة له معه فيها، ولكن من وجه ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا ضرر ولا ضرار» وإن شاء خلى ~~بينه وبين قلعها، وهذا صحيح على مذهب ابن القاسم في أن شراء الأنقاض على ~~القلع جائز وإن كان من حق صاحب العرصة أن يأخذها بقيمتها مقلوعة. وأما على ~~القول بأن ذلك لا يجوز فيفسخ البيع فيها وترجع إلى بائعها ولا يكون لمستحق ~~الأرض عليها سبيل. وقال سحنون ينظر في ذلك فإنه لا يخلو أن يكون البائع ~~للنقض غاصبا للأرض أو مشتريا لها. فإن كان غاصبا فإن المستحق يدفع إليه ~~أعني البائع وهو الغاصب قيمة النخل مقلوعة ويأخذها إن شاء وينتقض شراء ~~المشتري لها، وإن شاء أسلمها إليها فقلعها. وإن لم يكن غاصبا فالمستحق، ~~وإنما له أن يأخذ منه الثمن الذي دفع إليه في النخل على القلع لأنها قد ~~استحقت منه، كمن باع سلعة بمائة ثم باعها من آخر بتسعين فأخذها المبتاع ~~الأول فليس الثاني أن يأخذ من البائع الثمن الذي أخذه من المبتاع الأول، ~~وإنما له أن يرجع عليه بالثمن الذي دفع إليه لأن السلعة استحقت من يده. فإن ~~قال مستحق الأرض لا أعطيه قيمة البناء، قيل للبائع أعطه قيمة الأرض براحا ~~ويتم البيع للمبتاع في النخل ويقلعها على ما اشتراها عليه، فإن أبى من ذلك ~~أيضا كانا شريكين في الأرض والنخل هذا ms1045 بقيمة النخل قائمة والمستحق بقيمة ~~الأرض بيضاء، وينتقض شراء المشتري فيما صار لمستحق الأرض من الأنقاض ويمضي ~~شراؤه فيما صار منها للبائع إن كان الذي صار له منها جلها ويرجع عليه من ~~الثمن بقدر ما صار منها للمستحق. وإن كان الذي صار منها للبائع غير الجل ~~مما يكون للمشتري أن يرد فليس له أن يمسك وإن كان الجزء معلوما لأن ما يصير ~~له بالقسمة منه مجهول، إذ لا يقسم إلا مع الأرض على اختلاف في هذا الأصل في ~~غير ما كتاب من المدونة. # فصل فإن استحق نصف الأرض فإن المستحق يأخذ نصف الأنقاض وهو ما قابل النصف ~~المستحق بقيمتها مقلوعة على مذهب ابن القاسم. وأما النصف الثاني # PageV03P082 # فحكى عبد الحق عن بعض شيوخه أنه يأخذه بالشفعة بالثمن، وليس ذلك بصحيح، ~~إذ لم تجب الشركة بينهما فيه إلا بعد البيع فلا وجه للشفعة فيه. وإنما ~~الصحيح أن يأخذ بقيمته مقلوعا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا ضرر ~~ولا ضرار» وينظر في النصف المستحق على مذهب سحنون المتقدم إن كان البائع ~~غاصبا أو مشتريا بمثل ما تقدم، وبالله التوفيق. # فصل وأما المسألة الثانية وهي أن يشتري النخل على أن يقلعها ثم يشتري ~~الأرض فيستحقها رجل فإن المبتاع يرجع على البائع بثمن الأرض التي استحقت من ~~يده ثم يكون الحكم بين مبتاع النخل وبين المستحق في الأنقاض على ما تقدم في ~~المسألة الأولى من قول ابن القاسم وسحنون، وبالله تعالى التوفيق. # فصل وأما المسألة الثالثة وهي أن يشتري الأرض أولا ثم يشتري الأنقاض ~~فيستحق الأرض رجل فإن المستحق للأرض هاهنا لا يأخذ الأنقاض على مذهب ابن ~~القاسم إلا بقيمتها قائمة، لأنه زاد في ثمن الأنقاض ليبقيها في أرضه، فليس ~~هو بمنزلة من اشتراها للقلع. كذا حكى عبد الحق في كتابه وهو صحيح. وينبغي ~~على هذا إن أبى أن يدفع إليه قيمتها قائمة أن يقال للمشتري أعطه قيمة أرضه ~~براحا، فإن أبى من ذلك أيضا حملا على الشركة على ما تقدم. وينبغي على ms1046 مذهب ~~سحنون أن ينظر، فإن كان البائع غاصبا كان للمستحق أن يدفع إليه قيمة النقض ~~منقوضا وينقض البيع فيه بينه وبين المشتري فيرجع عليه بالثمن الذي دفع ~~إليه، فإن أبى من ذلك مضى النقض للمشتري بشرائه وبقي فيه على حقه والمستحق ~~على حقه فيها. فإن لم يتفقا في ذلك على شيء يجوز بينهما بيعت الدار وقسم ~~الثمن بينهما على قدر قيمة الأنقاض قائمة وقيمة العرصة براحا. وإن # PageV03P083 # كان البائع للأنقاض مشتريا قيل للمستحق ادفع إليه قيمة الأنقاض قائمة، ~~فإن فعل انتقض البيع فيها، وإن أبى من ذلك قيل للبائع ادفع إليه قيمة ~~البقعة براحا. فإن فعل كانت له البقعة وللمبتاع النقض، فإن اتفقا فيهما على ~~شيء يجوز بينهما وإلا بيع الجميع فاقتسما الثمن على القيم، فإن أبى من ذلك ~~أيضا حملا من الشركة على ما تقدم، وانتقض البيع فيما صار من النقض للمستحق ~~ومضى فيما صار منه للبائع على ما تقدم من التفسير أيضا. # فصل وأما المسألة الرابعة وهي أن يشتري النخل على القلع أولا ثم يشتري ~~الأرض فيستحق رجل نصف الأرض والنخل؛ والخامسة وهي أن يشتري الأرض أولا ثم ~~يشتري النقض في صفقة أخرى فيستحق رجل نصف الأرض والنخل، ففيهما ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أنه لا شفعة في النخل، وهو قول أشهب وأحد قولي ابن القاسم في ~~المدونة. # والثاني: أن الشفعة فيها، وهو أحد قولي ابن القاسم في المدونة. # والثالث: أن الشفعة فيها إن كان اشتراها قبل الأرض، ولا شفعة فيها إن كان ~~اشترى الأرض قبلها، وهو اختيار محمد بن المواز. # فأما على القول بوجوب الشفعة في النخل فيأخذ المستحق نصف الأرض ونصف ~~النخل بالشفعة بنصف الثمنين، وإن شاء أخذ نصف الأرض بالشفعة وترك نصف النخل ~~فقلعها المبتاع في المسألة الرابعة، وبقي على حقه فيها في المسألة الخامسة، ~~إذ لم يشترها على القلع. وإن شاء أخذ النخل بالشفعة وترك الأرض. # وأما على القول بألا شفعة في النخل، فاختلف هل يكون له أن يأخذها بالقيمة ~~من أجل قول النبي - صلى الله ms1047 عليه وسلم -: «لا ضرر ولا ضرار» على قولين: # أحدهما: أن ذلك ليس له. # PageV03P084 # والثاني: أن ذلك له. # فإذا قلنا إن ذلك له فيأخذ بالقيمة قائما في المسألتين على ما في بعض ~~روايات المدونة. وعلى قياس ما حكى عبد الحق لا يأخذه بالقيمة قائما إلا في ~~المسألة الخامسة وهي إذا تقدم شراء الأرض قبل النخل، وبالله تعالى التوفيق ~~لا شريك له ولا ند. # فصل وأما المسألة السادسة وهي أن يشتري النخل خاصة على أن يقلعها فيستحق ~~رجل نصف الأرض ونصف النخل، فإن البيع ينتقض فيما بقي في يد المشتري من ~~النخل مما لم يستحق على البائع، ويرجع بجميع الثمن على البائع، إذ لا يقدر ~~على الوصول إلى نصف ما اشترى إلا أن يقاسم البائع للمستحق الأرض مع النخل، ~~وهو إذا قاسمه قد يقل ما يصير له في نصيبه لجودة الأرض أو يكثر لرداءتها، ~~فلا يجوز له أن يتمسك بما بقي في يد البائع منها لأن ذلك مجهول فينتقض ~~البيع، كما قال ابن القاسم فيمن اشترى نصيب رجل في نخل وشريكه غائب على ~~القلع إن ذلك لا يجوز، لأنه لا يستطاع قسمة النخل وحدها دون الأرض فيؤول ~~ذلك إلى الجهل إذا قسم مع غيره. على أن ابن القاسم - رحمه الله - قد قال في ~~المدونة إذا اشترى نقض دار على أن يقلعه ثم أتى رجل فاستحق نصف الدار إنه ~~يكون له أن يرد ما بقي في يديه من النقض مما لم يستحق على البائع. وظاهر ~~قوله له أن يرد التخيير وأن له أن يمسك، وهو كلام فيه نظر، إلا أن يكون ~~معنى ما تكلم عليه ابن القاسم أن الأرض والنقض متساو لا يختلف في القسمة ~~وإنما يصير له فيه النصف حقيقة، وهو معنى قول سحنون في هذه المسألة إنها ~~تجوز في حال ولا تجوز في حال. وجواب ابن القاسم فيها في المدونة على القول ~~بأنه لا شفعة في النقض، ولذلك قال يخير المبتاع. ولو تكلم فيها على القول ~~بوجوب الشفعة في النقض لبدأ ms1048 بتخيير الشفيع قبل تخيير المبتاع على المعلوم ~~من مذهبه في ذلك، خلاف قول أشهب وسحنون، وبالله التوفيق لا شريك له. # PageV03P085 # فصل وقد اختلف عي الشركة التي يوجبها الحكم هل تجب الشفعة بها قبل تقررها ~~أم لا على قولين. # أحدهما. أن لا شفعة في ذلك، وهي رواية أشهب عن مالك في أصل سماعه. # والثاني. أن الشفعة في ذلك واجبة، وهو قول أشهب من رأيه، ونصب الرواية ~~قال: وسئل مالك فقيل له: إني أعطيته في خيف في وادي خمسين ومائة قفيز بين ~~كل قفيزين عشرة أذرع، ثم إن بعض أهل ذلك الخيف من أهل الأرض باعوا ذلك ~~الخيف، فهل لي شفعة فيما باعوا؟ فقال له لا أظن أن لك شفعة. فقال إنهم لم ~~يحدوه ولم يقسموه ولم يسموا لي في أعلى الحائط ولا في أسفله. فقال ما أرى ~~لك شفعة، أراهم قد سموا لك أذرعا مسماة، فقال لمالك إنهم لم يسموها في موضع ~~من الخيف بعينه، فأين أجد ذلك في أعلى الخيف أم في أسفله؟ فقال له لا أدري ~~اذهب إلى القاضي. قال أشهب: أوهم مالك - رحمه الله - فيما أفتى به الرجل. ~~أرى له في ذلك الشفعة، لأنه أعطاه خمسين ومائة قفيز بأذرع مسماة لم يعطها ~~له في موضع بعينه حتى تكون معروفة بأعيانها فلا تكون له شفعة، ولكنه إنما ~~أعطاه أذرعا ليس ذلك له في موضع محدود بعينه حتى يكون بعرف الذي له من ~~الخيف، وإنما إعطاء من الخيف عدد أذرع يكون له شريكا في الخيف أعلاه وأسفله ~~بقدرها من عدد الأذرع كلها، بمنزلة الذي يكون له في حائط مائة نخلة فيهب ~~منها لرجل محشر بخلاف لا يسميها بأعيانها فيكون شريكا له في الحوائط ~~بالعشر. فإن باع الواهب أو الموهوب له قبل القسم كان في ذلك الشفعة. وفي ~~المجموعة لأشهب وابن نافع مثل قول مالك - رحمه الله - إنه لا شفعة في ذلك، ~~إلا أن أشهب تأول أنه إنما وهب القفز دون الأرض، فلذلك لم ير له شفعة. # وقد نزلت هذه المسألة ms1049 بصاحبنا الفقيه أبي القاسم أصبغ بن محمد - رحمه ~~الله - في قرية نسان، وذلك أن صاحبها توفي فابتاع من بعض ورثته حظوظهم، ~~وكان صاحبها قد باع قبل موته فيها من غيره مبذر زوجين على الإشاعة، فطلبه # PageV03P086 # بالشفعة، فأفتينا فيها من غير ذكر رواية على ما يوجبه القياس والنظر ألا ~~شفعة له في ذلك عليه، وكان المبتاع للزوجين قد أعلم القاضي يومئذ بمسألته، ~~فقال له لك الشفعة ووعده أن يقضي له بذلك. فلما اتصل به ما قلنا أنكر ~~الفتوى وظن أنها خطأ، فأخذ معي فيها فحاججته على رد قوله وتصحيح ما ذهبنا ~~إليه. فلما لزمته الحجة ولم يقدر على القضاء مع مخالفة الفتوى رجع عن قوله ~~بوجوب الشفعة وقال إن الذي يبطلها فساد البيع في الزوجين على الوجه ~~المذكور، فطالبه الفقيه ابن القاسم بالحكم له بإبطال الشفعة عنه للقائم بها ~~عليه على مذهبه الذي رآه، فقضى له بذلك وأشهدنا على قضائه به وحكمه، وزعم ~~أن العلة عنده في فساد البيع الجهل بمبلغ أرض القرية لأنه اشترى على الشركة ~~إذ لم يشترط الخيار فكأنه اشترى جزءا مجهولا يعرف مبلغه إن كان ثلثا أو ~~ربعا إلا بعد تكسير أرض القرية. وهذا غير صحيح، لأن ما اشترى لا يزيد ~~بزيادة أرض القرية ولا ينقص بنقصانها، لأنه إنما اشترى زوجين على الشركة في ~~أرض القرية، فإن وجد تكسيرها عشرة أزواج كان له منها الخمس وإن وجد ثمانية ~~كان له منها الربع، وربع الثمانية وخمس العشرة سواء، فلا غرر في ذلك ولا ~~جهل، والبيع صحيح إذا كان قد وقف على أرض القرية وعرف كريمها من لئيمها. # ومن أهل العلم من زماننا من ذهب إلى أن البيع لا يجوز في ذلك على مذهب ~~ابن القاسم في المدونة إذا كانت الأرض مختلفة في الطيب، ولا على قول غيره ~~فيها وإن كانت مستوية قياسا على قولهما في كتاب كراء الأرضين في اكتراء ~~الأرض مزارعة، وقال إن العلة في المنع من ذلك عند ابن القاسم إذا كانت ~~الأرض مختلفة، وعند غيره ms1050 إن كانت مستوية أن الحكم يوجب القسمة، فكأنه اشترى ~~ما يخرج له فيها بالقسمة. وهذا ظاهر البطلان، إذ لو صحت هذه العلة لما أجاز ~~ابن القاسم الكراء إذا استوت الأرض ولا أجاز اشتراء جزء على الإشاعة من دار ~~ولا أرض لأن الحكم يوجب القسمة فيأخذ فيها ما يخرج له السهمة. وقد أجمع أهل ~~العلم على جواز ذلك. وإنما معنى مسألة المدونة أن الكراء إنما وقع على أن ~~يختار المكتري فيأخذ من أي موضع شاء من الأرض، فأجازه ابن القاسم إذا استوت ~~الأرض وإن أمكن أن تختلف الأغراض في نواحيها قياسا على قولهم في إجازة # PageV03P087 # شراء ثوب يختاره المشتري من ثياب صنفها واحد وإن اختلفت صفاتها، ولم ~~يجزها إذا اختلفت الأرض كما لم يجز شراء ثوب على أن يختاره من أصناف. ولم ~~يجز ذلك عند غير ابن القاسم وإن استوت الأرض لاختلاف الأغراض في نواحيها ~~على مذهب من لا يجيز البيع في الثياب على الاختيار حتى تكون صنفا واحدا ~~وصفة واحدة. والدليل على صحة تأويلنا هذا في هذه المسألة أنها تنقسم في ~~الاحتمال إلى أربعة أقسام: # أحدها: أن يكون الكراء وقع على أن يعطيه المكري من أي موضع شاء. # والثاني: أن يكون وقع على أن يضربا على الأرض بالسهام فيأخذ من الموضع ~~الذي وقع السهم عليه. # والثالث: أن يكون وقع الأمر مسكوتا عليه. # والرابع: أن يكون وقع على أن يختار المكتري فيأخذ من أي موضع شاء فأما ~~على أن يعطيه المكري من أي موضع شاء أو على أن يأخذ من الموضع الذي وقع ~~عليه السهم بالقرعة فلا يصح أن يكونا تكلما على ذلك لأن ذلك لا يجوز عند ~~أحد من العلماء. وكذلك لا يصح أن يكونا تكلما على أن البيع وقع مسكونا عليه ~~على حكم الشركة لأن البيع لو كان وقع على ذلك لوجب أن يكون صحيحا عندهما ~~جميعا، اختلفت الأرض في الطيب والكرم أو استوت في ذلك على ما بيناه فلم يبق ~~إلا ما تأولناه وهو أن البيع إنما انعقد ms1051 بينهما على أن يأخذ المكتري الأذرع ~~التي اكترى حيث شاء من الأرض على ما بيناه. وإنما يفسد البيع في هذه ~~المسألة إن كان مبذر الزوجين غير معلوم القدر، وقد نص على ذلك ابن القاسم ~~في رواية عيسى عنه في المدونة. ### || فصل فتوى ابن رشد بإبطال حكم قاضي قرطبة في قضية شفعة # فصل وقول مالك - رحمه الله - في أنه لا شفعة في ذلك أصح من مذهب أشهب # PageV03P088 # على ما أفتينا به، وقد أتيت في جوابي حينئذ من الحجة بعد جواب الفقيه ابن ~~عتاب - رحمه الله - بما يقتضي توجيه الرواية وتصحيحها، ونصه: تصفحت- رحمنا ~~الله وإياك- سؤالك ووقفت عليه وما جاوب به الفقيه أبو محمد - أكرمه الله- ~~من أنه لا شفعة لمبتاع مبذر الزوجين من القرية على إشاعة فيما بيع منها بعد ~~ذلك صحيح وبه أقول، لأن مذهب مالك - رحمه الله - وجميع أصحابه ألا شفعة في ~~الأصول إلا فيما بين الشركاء على ما ثبت من «قضاء رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بالشفعة فيما بين الشركاء ما لم تقع الحدود» . والشريك بإجماع ~~أهل العلم إنما هو الذي يشارك الرجل في رقبة المال بجزء معلوم على الإشاعة، ~~ولا يختص أحدهما دون صاحبه بضمان ما يطرأ عليه من هلاك أو غصب أو استحقاق. ~~هو مبتاع مبذر الزوجين من القرية على الوجه الذي ذكرت في سؤالك ليس بشريك ~~في القرية للبائع منه ولا لمن انتقلت إليه بالابتياع منه أو من ورثته، لأنه ~~إنما ابتاع منه مساحة معلومة من أرضها. فهي بمنزلة من اشترى ثوبا من ثياب ~~ولم يعينه ولا اشترط الخيار، وإن كان الحكم يوجب في ابتياع مبذر الزوجين ~~عند التشاح أن تكسر جميع أرض القرية فيعرف ما يقع مبذر الزوجين منها فيأخذه ~~حيثما وقع له بالقرعة على حكم الشركة إذا لم يعينا في تبايعهما الموضع الذي ~~يأخذ منه مبذر الزوجين، قالا في تبايعهما على الإشاعة أو سكتا عنه، الحكم ~~في ذلك سواء، لأنه إن طرأ على شيء من أرض القرية استحقاق أو غصب أو هلاك لم ~~يلزم ms1052 مبتاع الزوجين من ذلك شيء ما لم تكسر أرض القرية فيشهدا على أنفسهما ~~بالرضى بالتشارك فيها على ما يقع تكسير الزوجين من تكسير جميع القرية، وهذا ~~ما لا اختلاف فيه أعلمه بين أحد من أهل العلم. فإذا صح هذا على ما بيناه ~~وجب ألا شفعة له على المبتاع لمبذر الزوجين. ومعنى قول أهل العلم في مثل ~~هذا البيع إنه جائز وهما شريكان إنما هو أن الحكم يوجب القسمة بينهما عند ~~التشاح على حكم الشركة لا أنهما شريكان من الآن بعقد البيع، هذا ما لا يصح ~~أن يتأول عليهم بوجه. ولو وقع البيع بينهما في مبذر الزوجين على هذا بشرط ~~أن يكون المبتاع لمبذر الزوجين شريكا للبائع في القرية بما يبلغ تكسيرها من ~~تكسير جميع أرض القرية إذا كسراهما حتى تكون المصيبة منهما جميعا على حسب ~~ذلك فيما يطرأ على القرية بعد البيع من غصب أو # PageV03P089 # استحقاق كان بيعا فاسدا لمآل الأمر بالشرط إلى ابتياع جزء مجهول لا يعلم ~~إلا بعد التكسير، وبالله التوفيق. # فصل ولو باع منه مبذر الزوجين من القرية على أن فيها عشرة أزواج قبل أن ~~يتحقق تكسيرها لما وجب أن يكونا شريكين فيها بعقد البيع إلا على مذهب من لا ~~يرى على البائع في مثل هذا البيع حق توفية، ويجعل اشتراط المبتاع على ~~البائع عشرة أزواج كصفقة اشترى عليها، فإن وجد تكسير القرية عشرة أزواج ~~فأكثر لزمهما البيع ولم يكن لواحد منهما خيار، وإن وجد تكسير القرية أقل من ~~عشرة أزواج فإن المبتاع مخير بين أن يتمسك ببيعه بجميع الثمن أو يرد ويرى ~~الضمان من المبتاع إن غرقت الأرض أو غصبت لا على من يرى على البائع فيه حق ~~توفية ويجعل الضمان منه إن غصبت أو غرقت قبل التكسير، ويرى أن ما وجد فيها ~~من زيادة على العشرة الأزواج التي اشترط عليه فلا حق للمبتاع فيها وأنه ~~يكون شريكا بالزوجين اللذين ابتاع، فلا يكون له من القرية إلا سدسها إن وجد ~~تكسيرها اثني عشر زوجا. وإن وجد ms1053 تكسيرها أقل من عشرة أزواج سقط عنه من ~~الثمن بحساب ذلك. فانظر هذا الأصل والاختلاف فيه في سماع أشهب وعيسى وأبي ~~زيد من كتاب جامع البيوع، وفي نوازل سحنون من الكتاب المذكور ومن كتاب ~~العيوب، وفي سماع عيسى أيضا من كتاب النكاح. وإنما يكون المبتاع شريكا ~~للبائع بالزوجين إذا اشتراهما على الإشاعة من القرية بعد تكسير القرية ~~والوقوف على حقيقة ذلك، فهذا تحقيق القول في هذه المسألة وبالله تعالى ~~التوفيق لا شريك له. # فصل ويجب إذا اشترى زوجين من القرية على الإشاعة ولم يسميا عدد أزواج ~~القرية فاستحق من القرية شيء أو غصب قبل التكسير فقلنا إن المبتاع يكون له ~~الزوجان مما بقي ويشارك البائع بقدر ذلك ألا يجبرا على ذلك إن أبى أحدهما ~~وأراد رد البيع، لأن من حجة المبتاع أن يقول الذي استحق أو ذهب أفضل وأطيب ~~فلا أرضى أن أخذ من الباقي، ومن حجة البائع أن يقول الذي بقي أفضل وأطيب ~~فلا أرضى أن تأخذ منه،. وبالله تعالى التوفيق. # PageV03P090 ### | كتاب القسمة # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد ... وبالله أستعين وعليه ~~أتوكل كتاب القسمة قال الله عز وجل: {وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى ~~والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا} [النساء: 8] . وقال تعالى: ~~{مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا} [النساء: 7] . وقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «أيما دار قسمت في الجاهلية فهي على قسم الجاهلية، وأيما دار ~~أدركها الإسلام ولم تقسم فهي على قسم الإسلام» . وقال - صلى الله عليه وسلم ~~- في غزوة حنين لما سأله الناس أن يقسم بينهم مغانمهم وألحوا عليه في ذلك: ~~«أتخافون ألا أقسم بينكم ما أفاء الله عليكم، والذي نفسي بيده لو أفاء الله ~~عليكم مثل سمر تهامة نعما لقسمته بينكم ثم لا تجدونني بخيلا ولا جبانا ولا ~~كذابا» . # فصل فالحكم بقسمة ما ينقسم إذا دعا إلى ذلك بعض الأشراك واجب، ويبيع ما ~~لا ينقسم وقسمة ثمنه بينهم إذا دعا إلى الانفصال في ذلك بعضهم لازم، لا # PageV03P091 # اختلاف بين ms1054 أهل العلم في هذه الجملة. وإنما اختلفوا عند تفصيلها في تعيين ~~ما ينقسم وفي صفة القسم فيما ينقسم على ما سنبينه إن شاء الله تعالى. # فصل فيما تكون فيه القسمة # فصل فالقسمة تكون في شيئين: # أحدهما: رقاب الأموال. # والثاني: منافعها. # فأما قسمة الرقاب فإنها تكون على ثلاثة أوجه: # قسمة قرعة بعد تقويم وتعديل. # وقسمة مراضاة بعد تعديل وتقويم. # وقسمة مراضاة بغير تقويم ولا تعديل. ولكل وجه من هذه الوجوه الثلاثة ~~أحكام اختصت بها دون ما سواها. # فأما قسمة القرعة بعد التعديل والتقويم فهي القسمة التي يوجبها الحكم ~~ويجبر عليها من أباها فيما ينقسم، ولا يصح إلا فيما تماثل أو تجانس من ~~الأصول والحيوان والعروض، لا فيما اختلف وتباين من ذلك، ولا في شيء من ~~المكيل والموزون، ولا يجمع فيها حظ اثنين في القسم. ويجب القيام فيها ~~بالغبن إذا ثبت لأن كل واحد منهما دخل على قيمة مقدرة وذرع معلوم، فإذا وجد ~~نقصا من ذلك وجب له الرجوع به. # وأما قسمة المراضاة بعد التقويم والتعديل فتصح في الجنس الواحد وفي ~~الأجناس المختلفة المتباينة وفي المكيل والموزون إلا فيما كان منه صنفا ~~واحدا مدخرا لا يجوز فيه التفاضل. وهذه القسمة أيضا متى ظهر فيها غبن في ~~ذرع أو قيمة كان للمغبون الرجوع بذلك للعلة التي قدمناها. وكذلك قسمة ~~المراضاة والمهايأة # PageV03P092 # بغير تعديل ولا تقويم تجوز في الجنس الواحد وفي المختلف من الأجناس أيضا، ~~وفي المكيل والموزون إلا فيما لا يجوز فيه التفاضل من الطعام إلا أنه لا ~~قيام فيها لواحد منهم على صاحبه بالغبن، لأنه لم يأخذها أحد على قيمة مقدرة ~~ولا على ذرع معلوم ولا على أنه مماثل لما خرج عنه، وإنما أخذه بعينه على أن ~~يخرج فيما سواه من جميع حقه سواء كان أقل منه أو أكثر كبيع المكايسة سواء. # فصل وهذه القسمة لا يختلف فيها أنها بيع من البيوع، وإنما يحكم فيها بحكم ~~البيع فيما يطرأ من الاستحقاق والرد بالعيوب وسائر الأحكام المتعلقة ~~بالبيوع. وأما القسمة على الوجهين الأولين ms1055 فاختلف هل هي تمييز حق أو بيع من ~~البيوع، فنص مالك - رحمه الله - في المدونة على أنها بيع من البيوع. وذهب ~~سحنون إلى أنها تمييز حق. ويوجد من قوله ما يدل على خلاف مذهبه. واضطرب قول ~~ابن القاسم في ذلك على ما تقتضيه مسائله في المدونة وغيرها. ووجه قول من ~~قال إنها بيع من البيوع هو أن كل واحد من المتقاسمين عاوض صاحبه في حصته ~~بحصته فملك حصة صاحبه من الجزء الذي صار إليه بحصته من الجزء الذي خرج عنه، ~~وهذه معاوضة محضة، والمعاوضة مبايعة. ووجه قول من قال إنها تمييز حق أنها ~~غير موقوفة على اختيار المتقاسمين بل قد تجوز فيها المخاطرة بالقرعة، وذلك ~~ينافي البيع، فثبت أنها لتمييز الحق. والأظهر في قسمة القرعة أنها تمييز ~~حق، وفي قسمة المراضاة بعد التعديل والتقويم أنها بيع من البيوع. # وأما قسمة المراضاة بعد تعديل ولا تقويم فلا اختلاف أنها بيع من البيوع ~~في جميع الأحكام كما ذكرنا. # فصل والقرعة إنما جعلت في القسمة تطييبا لأنفس المتقاسمين، وأصلها قائم ~~من كتاب الله عز وجل وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -. فأما الكتاب فقوله ~~تعالى في قصة يونس عليه # PageV03P093 # السلام: {فساهم فكان من المدحضين} [الصافات: 141] . وفي قصة مريم: {وما ~~كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون} [آل ~~عمران: 44] . وأما السنة فهي ما روي «أن رجلا أعتق أعبدا له ستة عند موته ~~فأسهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهم فأعتق ثلث ذلك الرقيق» . ~~وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم ~~لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا» . وإنما أسهم رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بين العبيد في العتق ليقاسم الميت للورثة فيأخذ له الثلث ويعطي ~~الورثة الثلثين، فهذا أصل صحيح في القضاء بالسهمة في القسمة فيما كان ~~مماثلا من العروض والأصول أو متجانسا، وما يوجبه الحكم فجائز أن يتراضى ~~عليه من غير حكم، وبالله التوفيق. # فصل ورقاب الأموال تنقسم ms1056 في القسمة على ثلاثة أقسام: مكيل وموزون، وحيوان ~~وعروض، ورباع وأصول. # فصل فأما المكيل والموزون فلا يخلو من أن يكون صنفا واحدا أو صنفين ~~فزائدا. # فإن كان صنفا واحدا فلا يخلو أيضا من أن يكون صبرة واحدة أو صبرتين ~~فزائدا. فأما إن كان صبرة واحدة فلا خلاف في وجوب قسمه على الاعتدال في ~~الكيل والوزن إذا دعا إلى ذلك أحد الشركاء، ولا في جواز قسمته على الاعتدال ~~في الكيل والوزن وعلى التفضيل البين، كان ذلك مما يجوز فيه التفاضل أو من ~~الطعام المدخر الذي لا يجوز فيه التفاضل. ويجوز ذلك كله بالمكيال المعلوم ~~والمجهول، وبالصنجة المعلومة والمجهولة. ولا خلاف أيضا في أن قسمته جزافا # PageV03P094 # بغير كيل ولا وزن ولا تحر لا تجوز، لأن ذلك غرر ومخاطرة وإن كان من ~~الطعام المدخر دخله أيضا عدم المماثلة. # وأما قسمته تحريا فلا تجوز في المكيل، وتجوز في الموزون. ويدخل في جواز ~~ذلك من الاختلاف ما يدخل في جواز بيعه تحريا. # فصل وأما إن لم يكن من صبرة واحدة فلا يخلو من أن يكون مما يجوز فيه ~~التفاضل مثل: محمولة وسمراء وقمح وشعير ونقي ومغلوت فلا تجوز قسمته إلا على ~~الاعتدال في الوزن بالصنجة المعروفة فيما يوزن، لأنهما إذا اقتسما القمح ~~والشعير بالمكيال المجهول فأخذ أحدهما القمح والثاني الشعير وإن اعتدلا في ~~الكيل واقتسما الزائد من القمح على الشعير أو الشعير على القمح بينهما ~~بنصفين إن وجدا في أحدهما زيادة على الآخر، لأن ما كان من القمح مساويا ~~للشعير وبالشعير في الكيل فقد بادل كل واحد منهما صاحبه في نصفه بالمكيال ~~المجهول، ولا تجوز مبادلة القمح بالشعير بالمكيال المجهول، كما لا يجوز بيع ~~أحدهما بالمكيال المجهول، لأن ذلك غرر، إذ لا يدري ما يقع المكيال المجهول ~~من المعلوم، لأن الذي يأخذ الشعير يقول لو علمت أنه يبلغ هذا العدد لم أرض ~~أن آخذ الشعير فأعطيه القمح. ولو اقتسما القمح على حدة والشعير على حدة ~~لجاز بالمكيال المجهول على ما تقدم في الصبرة الواحدة. وأما ms1057 إن كان مما ~~يجوز فيه التفاضل مثل ما لا يدخر من الأطعمة ومثل الحناء والعصفر وشبه ذلك ~~فيجوز قسمه على الاعتدال والتفاضل البين بالمكيال المعلوم والصنجة ~~المعروفة. ولا يجوز بالمكيال المجهول # PageV03P095 # ولا بالصنجة المجهولة لأن ذلك غرر على ما بيناه في الصبرتين من جنس واحد ~~لا يجوز فيه التفاضل مثل قمح وشعير. # وأما في واجب الحكم فلا تقسم كل صبرة إلا على حدة. # وإذا قسمت كل صبرة على حدة جازت قسمتها بالمكيال المجهول كما تجوز ~~بالمكيال المعلوم، لأن قسمة الصبرة الواحدة على الكيل تمييز حق وليس ببيع. ~~وكذلك إن كان صنفين تجوز قسمته على الاعتدال في الكيل والوزن، وعلى غير ~~الاعتدال. ولا يجوز ذلك إلا بالمكيال المعلوم والصنجة المعلومة. وأما في ~~واجب الحكم فلا يقسم كل صنف إلا على حدة. وإذا قسم كل صنف على حدة جاز ذلك ~~بالمكيال المعلوم والمجهول حسب ما مضى بيانه وبالله تعالى التوفيق. # فصل ولا تجوز القرعة في قسم شيء مما يكال أو يوزن. # فصل أما الحيوان والعروض فقسمتهما على التراضي من غير سهمة جائزة باتفاق، ~~ولا اختلاف بين أهل العلم في ذلك. # وأما قسمتهما بالتعديل والسهمة فمنع من ذلك عبد العزيز بن أبي سلمة ~~الماجشون في سماع يحيى من كتاب القسمة، وقال إنها تباع ويقسم الثمن، وأجازه ~~مالك وأصحابه في الصنف الواحد ومنعوا منه في الصنفين. # فصل وفي تمييز الصنف الواحد من الصنفين في ذلك اختلاف بين أصحاب مالك - ~~رحمه الله -. أما أشهب فأجرى القسمة في ذلك مجرى البيع وحملها عليه فقال: ~~إن ما جاز سلم بعضه في بعض فلا يجوز جمعه في القسمة بالسهمة وأما ابن ~~القاسم فلم # PageV03P096 # يجر قوله على قياس، لأنه جعل القسمة في بعض المواضع أخف من البيع فأجاز ~~القسمة بالسهمة فيما يجوز سلم بعضه في بعض،، وجعلها في بعض المواضع أشد من ~~البيع فمنع من القسمة بالسهمة فيما هو عنده في البيع صنف واحد لا يجوز أن ~~يسلم بعضه في بعض، وذلك قوله في المدونة إنه تقسم الخيل على ms1058 حدة والبراذين ~~على حدة والبغال على حدة والحمير على حدة، إلا أن يتأول عليه أنه أراد أن ~~يقسم الخيل على حدة والبراذين على حدة والبغال على حدة والحمير على حدة إذا ~~كان في كل صنف منها ما يحمل القسمة، فيكون ذلك مثل ظاهر قوله في البز في ~~أحد الموضعين من المدونة، ومثل قول عيسى بن دينار من رأيه في سماعه من كتاب ~~القسمة في قسمة الأرض الدنية والكريمة. وهذا أولى ما حمل عليه قوله والله ~~أعلم. فيتحصل من مذهبه على هذا التأويل ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه يجمع الخيل والبراذين والبغال والحمير في القسمة إن كان كل ~~صنف منها يحتمل أن يقسم على حدة. # والثاني: أنه لا يجمع في القسمة إلا أن يكون كل صنف منها لا يحتمل أن ~~يقسم على حدة. # والثالث: أنه لا يجمع في القسم بحال وإن لم يحتمل أن يقسم كل صنف على ~~حدة. وكذلك البز والثياب على هذا القياس يكون فيه ثلاثة أقوال: وذهب ابن ~~حبيب إلى أنه يجمع في القسمة ما تقارب من الصنفين، فجعل الخز والبز والحرير ~~صنفا واحدا، والقطن والكتان صنفا، والصوف والمرعزى صنفا، والفراء وإن ~~اختلفت أجناسها صنفا. # فصل وأجاز أشهب جمع صنفين في القسمة بالسهمة إذا رضي الشريكان بذلك، ~~ومثله موجود لابن القاسم في المدونة في مسألة الشجرة والزيتونة، وذلك معترض ~~لأنه إن كان غررا فلا يصح الرضا به، وإن لم يكن غررا فيلزم الحكم به. # PageV03P097 # فصل وأما الثوب الواحد والبعير الواحد وما أشبه ذلك فلا يقسم بين ~~الشريكين إلا أن يتراضيا بذلك لأن في قسمه فسادا له. وكذلك الحكم في كل ما ~~هو زوج لصاحبه لا يستغني أحدهما عن صاحبه مثل النعلين والخفين والبابين وما ~~أشبه ذلك. # فصل وأما الرباع والأصول فيجوز أن تقسم بالتراضي وبالسهمة إذا عدلت ~~بالقيمة، اتفق أهل العلم على ذلك اتفاقا مجملا، ولم يقل ابن أبي سلمة في ~~ذلك ما قال في الحيوان والعروض إنها لا تقسم بالسهمة. # فصل ولا يجمع في القسمة الدور مع الحوائط ms1059 ولا مع الأرضين، ولا الحوائط مع ~~الأرضين، وإنما يقسم كل شيء من ذلك على حدته. واختلف إذا اختلفت الدور في ~~النفاق أو تباعدت مواضعها هل تجمع في القسمة أم لا على ثلاثة أقوال. وكذلك ~~اختلف إذا اختلفت الأرضون في الكرم والنفاق أو في السقي على ما سيأتي كل في ~~موضعه إن شاء الله تعالى. # فصل واختلف في قسمة الدار الواحدة أو الأرض بين النفر فقال مالك: إنها ~~تقسم بينهم إذا دعا إلى ذلك أحدهم وإن لم يصر في نصيب كل واحد منهم إلا قدر ~~قدم وما لا منفعة له فيه، ولم يتابعه على ذلك من أصحابه إلا ابن كنانة. ~~وقال ابن الماجشون لا تقسم إلا أن يصير في حظ كل واحد منهم ما ينتفع به في ~~وجه من وجوه المنافع، وإن قل نصيب أحدهم حتى كان لا يصير له بالقسمة إلا ما ~~لا منفعة # PageV03P098 # فيه في وجه من الوجوه فلا تقسم. وقال ابن القاسم لا تقسم إلا أن تنقسم من ~~غير ضرر ويصير لكل واحد منهم في حظه موضع ينفرد به وينتفع بسكناه، ولا ~~يراعي في ذلك نقصان الثمن على مذهبه، وإنما يراعي ذلك في العروض. وقال مطرف ~~إن لم يصر في حظ واحد منهم ما ينتفع به لم يقسم، وإن صار في حظ واحد منهم ~~ما ينتفع به قسم دعا إلى ذلك صاحب النصيب القليل الذي لا يصير له في نصيبه ~~ما ينتفع به أو صاحب النصيب الكبير الذي يصير له في حظه ما ينتفع به. هذا ~~ظاهر قوله. وقد قيل إنها لا تقسم إلا أن يدعو إلى ذلك صاحب النصيب القليل، ~~وقيل إنما تقسم إذا دعا إلى ذلك صاحب النصيب الكبير. # فصل وإذا احتملت ساحة الدار وبيوتها القسمة قسمت كلها قسما واحدا، فجعل ~~لكل نصيب من البيوت ما يقابله من الساحة وعدل ذلك بالقسمة ثم استهم عليها. ~~وإن لم تحتمل الساحة القسمة واحتملتها البيوت قسمت البيوت وأقرت الساحة ~~بينهم يشتركون في الارتفاق فيها كالفناء إلا أن يتفقوا على ms1060 قسمتها. وأما إن ~~لم تحمل البيوت القسمة واحتملتها الساحة فالذي يأتي على مذهب ابن القاسم ~~أنها لا تقسم إلا بالتراضي، لأنها إن جمعت في القسمة السهام خرج سهام بعضهم ~~في البيوت وبعضهم في الساحة فلم يجز الاستهام على ذلك كالصنفين اللذين لا ~~يجمعان في القسمة. وذهب ابن حبيب إلى أنه يضم البنيان في القسمة إلى الساحة ~~حتى كأنه منها ثم يقسم كله قسما واحدا وإن لم تقع السهام كلها في البنيان، ~~وذلك بعيد، لأن فيه إجازة جمع صنفين في القسمة بالسهام، وذلك ما لا يجوز، ~~إلا أن يريد مع تراضيهم على ذلك، فيخرج قوله على مذهب أشهب وعلى قول ابن ~~القاسم في مسألة الشجرة والزيتونة. # فصل والذي جرى به العمل عندنا أن الدار لا تقسم حتى يصير لكل واحد من ~~الشركاء من الساحة والبيوت ما ينتفع به ويستتر فيه عن صاحبه. # PageV03P099 # فصل وقد قيل إن الساحة لا تقسم بين الورثة وإن صار في نصيب كل واحد منهم ~~ما ينتفع به. وإنما تقسم البيوت خاصة. وهو قول مطرف وتأويله عن مالك في ~~قوله: لا تقسم الساحة بين الورثة وإن حملت القسم. والأول أصح. ويتأول قول ~~مالك على ساحة الفناء أو على ساحة الدار إذا أبقوها وقسموها البيوت، وهي ~~تحتمل أن تقسم معها قسما واحدا أو على أنهم ورثوا الساحة وقد قسمت البيوت. ~~وذهب سحنون إلى أنه إن كان على البيوت حجر لم تقسم الساحة، وإن لم يكن لها ~~حجر قسمت. جعل الساحة إذا كان للبيوت حجر كالفناء لا تقسم إلا بالتراضي. ~~وبالله تعالى التوفيق. # فصل والأفنية تنقسم على قسمين: # فناء يكون أمام محور القوم إلى جانب الطريق، فهذا لا يقسم وإن اجتمعوا ~~على قسمه، لأن لعامة الناس فيه حقا ومرفقا عند تضايق الناس في الزحام. فإن ~~اقتسموا ردت القسمة وصرف الفناء على حاله. وذهب أصبغ إلى أن ذلك لا يجوز ~~ابتداء، وإذا وقعت القسمة لم تنقض لما للناس في ذلك من المرفق في بعض ~~الأحيان. والأول أصح وأولى. # وفناء يكون بين ms1061 دور القوم ليس إلى جانب الطريق ولا لأحد من المارة فيه ~~مرفق. فهذا الفناء إن اجتمع أهله على اقتسامه اقتسموه. قال ابن القاسم على ~~ما تراضوا عليه. وروى ابن وهب وابن نافع عن مالك أنهم يقتسمونه على حال ~~منازلهم، فإن أبى بعضهم القسمة لم يحكم بها بينهم. # فصل وقد اختلف في الأنادر والمسارح هل تقسم أم لا على قولين. ولا فرق # PageV03P100 # بين هذا وبين الفناء الذي يكون وسط دور القوم على غير الطريق، فهذا ~~الاختلاف داخل فيه بالمعنى، وبالله التوفيق. # فصل وإذا اقتسم الشريكان الدار ولم يشترطا أن يقيما بينهما حاجزا فلا ~~يحكم بذلك عليهم، ويقال لمن دعا إلى ذلك استر على نفسك في حظك إن شئت. وإن ~~اشترطوا ذلك ولم يحدوه أخذ من نصيب كل واحد منهما نصف فناء الجدار وإن كان ~~أحدهما أقل نصيبا من صاحبه. وكذلك تكون النفقة بينهما بالسواء إلى أن يبلغ ~~مبلغ الستر إذا لم يحدوا في ذلك حدا. ولا اختلاف في هذا أعلمه، وإنما ~~اختلفوا في أجرة القسام فقيل إنها على عدد الرؤوس. وقيل إنها على قدر ~~الأنصباء. والقولان موجودان لابن القاسم. # فصل ولا يقضي القاضي بقسمة الأصل بين الورثة حتى يثبتوا عنده الموت وعدة ~~الورثة وأنه كان ملكه وماله لم يفوته إلى أن توفي في علم الشهود بذلك. ~~وكذلك لا يقضي بالقسمة بين الشركاء حتى يثبتوا عنده ملكهم، وبالله التوفيق. # فصل وأما قسمة المنافع فإنها لا تجوز بالسهمة على مذهب ابن القاسم، ولا ~~يجبر عليها من أباها ولا تكون إلا على المراضاة والمهايأة. وهي على وجهين: # أحدهما: أن يتهايأ بالأزمان. # والثاني: أن يتهايأ بالأعيان. # فصل فأما التهايؤ بالأزمان، وهو أن يتفقا على أن يستغل أحدهما العبد أو ~~الدابة أو يستخدم العبد أو يركب الدابة أو يسكن الدار أو يحرث الأرض مدة من ~~الزمان، # PageV03P101 # والآخر مثلهما أو أقل أو أكثر. فهذا يفترق فيه الاستغلال والاستخدام في ~~العبد والركوب في الدابة والسكنى في الدار والازدراع في الأرض. # فصل فأما التهايؤ على الاغتلال فلا يجوز في ms1062 المدة الكثيرة باتفاق. واختلف ~~في المدة اليسيرة كاليوم ونحوه، ففي كتاب محمد لا يجوز ذلك في الدابة ~~والعبد وإن كان ذلك يوما واحدا. قال محمد: وقد سهل مالك في اليوم الواحد. # فصل وأما التهايؤ في الاستخدام فاتفقوا على أن ذلك لا يجوز في المدة ~~الكثيرة، واتفقوا على تجويزها في الأيام اليسيرة إلا أنهم اختلفوا في حدها ~~قال ابن المواز: يجوز في مثل خمسة أيام فأقل ولا يجوز في أكثر. وفي ~~المجموعة من رواية ابن القاسم عن مالك يجوز في الشهر. قال ابن القاسم: ~~وأكثر من الشهر قليلا. # فصل وأما التهايؤ في الدور والأرضين فتجوز فيها السنين المعلومة والأجل ~~البعيد ككرائها، قاله ابن القاسم في المجموعة. ووجه ذلك أنها مأمونة إلا أن ~~التهايؤ إذا كان في أرض المزارعة فلا يجوز إلا أن تكون مأمونة مما يجوز ~~فيها النقد، وبالله التوفيق. # فصل وأما التهايؤ في الأعيان بأن يستخدم هذا عبدا وهذا عبدا، أو يغتل هذا ~~عبدا وهذا عبدا، أو يسكن هذا دارا وهذا دارا، أو يزرع هذا أرضا وهذا أرضا، ~~ففي المجموعة عن ابن القاسم أن هذا يجوز في سكنى الدار وزراعة الأرض، ولا ~~يجوز في الغلة والكراء، وذلك على قياس التهايؤ بالأزمان، فيسهل في اليوم ~~الواحد على أحد قولي مالك فيه، ولا يجوز في أكثر من ذلك باتفاق لأنه غرر ~~ومخاطرة. وكذلك استخدام العبيد والدواب يجري على الاختلاف المتقدم في ~~التهايؤ بالأزمان والله # PageV03P102 # أعلم. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه يجبر على قسمة المنافع في سكنى ~~الدار ولباس الثوب واستخدام العبد من أباه من الشركاء إذا دعا إلى ذلك ~~أحدهم، كان مما ينقسم أو مما لا ينقسم. فإن كان مما لا ينقسم قسم بينهم على ~~التهايؤ بالأزمان، وإن كان مما ينقسم قسم بينهم على قدر حظوظهم فانتفع كل ~~واحد بما صار له في حظه لتلك المدة. واحتج له الطحاوي بما روي في حديث ~~«المرأة التي وهبت نفسها للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له رجل زوجنيها ~~إن لم تكن لك بها ms1063 حاجة من قوله فيه لا أجد إلا إزاري هذا فلها نصفه، فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: وما تصنع بإزارك إن لبسته لم يكن عليها ~~منه شيء وإن لبسته لم يكن عليك منه شيء» ، فدل ذلك من قوله على أن الأمر لو ~~تم بينهما على ذلك لكان لكل واحد منهما لبسه بكماله في حال ما يحق ملكه ~~لنصفه، والله أعلم. # فصل ومن هذا الباب قسمة الحبس للاغتلال، فقيل إنه يقسم ويجبر على القسم ~~من أباه وينفذ بينهم إلى أن يحدث عن الموت أو الولادة ما يغيره بزيادة أو ~~نقصان. واحتج من ذهب إلى ذلك بقولهم فيمن حبس في مرضه على ولده وولد ولده ~~إن الحبس يقسم على عدد الولد وولد الولد، وبغير ذلك من الظواهر الموجودة في ~~مسائلهم. وقيل إنه لا يقسم بحال. واحتج من ذهب إلى ذلك بقول مالك في ~~المدونة: إن الحبس مما لا يقسم ولا يجزأ. وقيل إنه لا يقسم إلا أن يتراضى ~~المحبس عليهم على قسمته قسمة اغتلال فيجوز ذلك لهم. # فصل والقسمة من العقود اللازمة، فإذا وقعت بين الشركاء فيما تجوز فيه ~~القسمة على التراضي أو على القرعة بوجه صحيح جائز لزمت ولم يكن لأحدهم ~~نقضها ولا الرجوع عنها، ولا تنتقض إلا بما يطرأ عليها مما لم يعلم به كطروء ~~الغريم # PageV03P103 # والموصى له أو الوارث على التركة بعد اقتسامها، ففيه إحدى عشرة مسألة: # إحداها: طروء الغريم على الغرماء. # والثانية: طروء الوارث على الورثة. # والثالثة: طروء الموصى له على الموصى لهم. # والرابعة: طروء الغريم على الورثة. # والخامسة: طروء الغريم على الموصى له بالثلث وعلى الورثة. # والسادسة: طروء الموصى له بعدد على الورثة. # والسابعة: طروء الغريم على الغرماء والورثة. # والثامنة: طروء الموصى له بعدد على الموصى لهم وعلى الورثة. # والتاسعة: طروء الموصى له بجزء على الورثة. . # والحادية عشر: طروء الغريم على الموصى لهم بأقل من الثلث وعلى الورثة. # فصل فأما المسألة الأولى والثانية والثالثة وهي طروء الغريم على الغرماء، ~~وطروء الوارث على الورثة، وطروء الموصى له ms1064 على الموصى لهم، فحكمها سواء، ~~وهو أن يتبع الطارئ كل واحد منهم بما ينوبه ولا يأخذ الملي منهم بالمعدم. ~~وإن وجد بأيديهم ما قبضوا قائما لم يفت أخذ من كل واحد منهم ما يجب له ولم ~~تنتقض # PageV03P104 # القسمة إن كان ذلك مكيلا أو موزنا. وإن كان حيوانا أو عروضا انتقضت ~~القسمة لما يدخل عليه من الضرر في تبعيض حقه. واختلف هل يضمن كل واحد منهم ~~للطارئ ما ينوبه مما قبض إن قامت له بينة على تلفه من غير سببه أم لا على ~~قولين: # أحدهما: أنه ضامن لذلك. # والثاني: أنه لا ضمان عليه فيه. # فإذا قلنا إنه ضامن مع قيام البينة فتلزمه القيمة يوم القبض بالتفويت ~~بالبيع والهبة والصدقة والعتق وما أشبه ذلك. وإذا قلنا إنه لا ضمان عليه مع ~~قيام البينة فلا يضمن بالتفويت بالعتق والصدقة والهبة والبيع، ولا يلزمه في ~~البيع إلا الثمن الذي قبض، ويصدق في دعوى التلف إن لم تكن له بينة فيما لا ~~يغاب عليه دون ما يغاب عليه. ويأتي على ما لأصبغ في سماعه من كتاب النكاح ~~أنه في العين ضامن دون ما سواه وإن قامت على تلفه بينه. فيتحصل في هذا ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه ضامن في العين وغيره وإن قامت البينة على تلفه من غير سبب. # والثاني: أنه لا ضمان عليه في العين ولا في غيره إذا قامت البينة على ~~تلفه من غير سبب. # والثالث: تفرقة أصبغ بين العين وغيره. وعلى القول بأنه لا ضمان عليه إذا ~~قامت البينة على تلفه يصدق فيما لا يخاف عليه في دعوى التلف مع يمينه. # فصل وأما المسألة الرابعة والخامسة والسادسة، وهي طروء الغريم على ~~الورثة، وطروءه على الموصى لهم بالثلث وعلى الورثة، وطروء الموصى لهم بعدد ~~على الورثة فحكمها أيضا سواء. والاختلاف فيها واحد في انتقاض القسمة وفيما ~~يضمن به كل واحد منهم حظه الذي صار إليه بها. فأما القسمة فتنتقض على رواية ~~أشهب عن مالك لحق الله تعالى، ولا تنتقض عند أشهب وسحنون. واضطرب قول ms1065 ابن # PageV03P105 # القاسم في انتقاضها فمرة قال إنها تنتقض من جميعهم، فيخرج الدين الطارئ ~~من جملة المال ثم يقسم ما بقي، فتكون المصيبة فيما مات أو جني عليه أو نقض ~~بحوالة سوق أو غيره من جميعهم، إلا أن يشاؤوا أن يخرجوا الدين من عندهم ~~ويقروا قسمتهم بحالها، أو يتطوع أحدهم بإخراج جملة الدين الطارئ من عنده ~~لاغتباطه بحظه فيكون ذلك له ولا تنتقض القسمة، بمنزلة أن لو وهبه صاحبه. ~~وليس لأحدهم أن يخرج ما ينوبه من الدين ويتمسك بحظه الذي صار إليه بالقسمة ~~إلا أن يكون الدين ثبت بشهادة أحدهم مع يمين الطالب فيريد سائر الورثة أن ~~يخرجوا الدين من عندهم ويقرروا القسمة بينهم ويأبى الشاهد من ذلك فلا يكون ~~ذلك له، لأنه يتهم على أنه إنما أراد نقض القسمة ليزداد حظه إما لغبن جرى ~~عليه فيها أو لتلف حظه أو بعض حظه بأمر من السماء أو ما أشبه ذلك. وفي ذلك ~~نظر، لأنه إذا اتهم وجب ألا تجوز شهادته، وهو قول أشهب. ومرة قال إن القسمة ~~إنما تنتقض بين من بقي حظه بيده أو شيء منه أو استهلكه أو شيئا منه. وأما ~~من تلف جميع حظه بأمر من السماء فلا يرجع عليه بشيء من الدين، ولا يرجع هو ~~مع سائر الورثة فيما بقي من التركة بعد تأدية الدين. وقع هذا له في بعض ~~روايات المدونة. وذهب ابن حبيب إلى أن القسمة تنتقض بين جميعهم مثل قول ابن ~~القاسم الأول، إلا أن لمن شاء منهم عنده أن يفك نصيبه بما ينوبه من الدين ~~إلا أن يكون ما بأيدي سائر الورثة قد تلف شيء منه بموت أو جائحة فليس ذلك ~~له إلا أن يشركهم في ضمان ما مات من ذلك أو أجيح بأن يحمل نوبه منه. وأما ~~أشهب وسحنون فاتفقا على أن القسمة لا تنتقض واختلفا في فض الدين على ما ~~بأيديهم، فقال سحنون إنه يفض على قيمة ما بيد كل واحد منهم يوم الحكم، وقال ~~أشهب في أحد قوليه يفض على ms1066 الأجزاء التي اقتسموا عليها زادت قيمتها أو نقصت ~~ما كانت قائمة لم تفت. فعلى قول سحنون وأشهب سواء ثبت الدين بشاهدين أو ~~بشهادة أحد الورثة مع يمين الطالب، إذ لا للشاهد بشهادته على مذهبهما. # فصل ولا اختلاف بين جميعهم في أن الورثة لا يضمنون بالقسمة التلف بأمر من # PageV03P106 # السماء إذا لحق الدين فيلزمهم أن يؤدوا ذلك. واختلفوا هل يضمنون بالإحداث ~~كالبيع والهبة والصدقة والعتق، فذهب ابن حبيب إلى أنهم يضمنون بذلك، ~~فيلزمهم أن يؤدوا ولا يرجعوا على الموهوب له بشيء. وذهب أشهب وسحنون إلى ~~أنهم لا يضمنون بذلك يريد فيرجع صاحب الدين على الموهوب له ولا يكون له في ~~البيع على المشتري شيء، إلا أن تكون فيه محاباة فيكون حكمها حكم الهبة. وفي ~~المدونة دليل على القولين جميعا. وما ادعوا تلفه من الحيوان الذي لا يغاب ~~عليه صدقوا في ذلك مع أيمانهم، بخلاف العروض التي يغاب عليها. وأما العين ~~والمكيل والموزون من الطعام وغيره فاختلف فيه إن قامت البينة على تلفه على ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنهم يبرؤون من ضمانها، وهو القياس على القول بوجوب الفسخ. # والثاني: أنهم لا يبرؤون من ضمانها، وهو ظاهر قول ابن القاسم في سماع ~~يحيى من كتاب القسمة. # والثالث: الفرق بين العين وما سواه من المكيل والموزون. # فصل والاختلاف في انتقاض القسمة مبني على اختلافهم في الدين الطارئ على ~~الميت هل هو متعين في عين التركة أو واجب في ذمة الميت؟ فمن علل بأنه متعين ~~في عين التركة نقض القسمة. ومن علل أنه إنما يجب في ذمة الميت ولا يتعين في ~~عين التركة لم ينقض القسمة. وعلى هذا الاختلاف يأتي اختلاف قول مالك فيمن ~~يبدأ باليمين مع الشاهد في دين المتوفى إن كان الورثة أو الغرماء في مسائل ~~شتى، منها مسألة النكاح الثاني في الوصي ينفق مال اليتيم على يتاماه ثم ~~يطرأ عليه دين. # فصل وأما المسألة السابعة وهي طروء الغريم على الغرماء والورثة فالحكم ~~فيها أن # PageV03P107 # ينظر، فإن كان فيما أخذه الورثة كفاف دين الغريم ms1067 الطارئ رجع عليهم على ما ~~تقدم من وجه العمل في طروء الغريم على الورثة ولم يكن له رجوع على الغرماء، ~~وإن لم يكن فيه كفاف دينه رجع على الغرماء ببقية حقه على ما تقدم من وصف ~~العمل أيضا في رجوع الغريم على الغرماء. # فصل وكذلك الحكم في المسألة الثامنة وهي طروء الموصى له بعدد على الموصى ~~لهم وعلى الورثة، أن ينظر فإن كان ما أخذه الورثة زيادة على الثلثين هو ~~كفاف وصية الموصى له الطارئ فلا رجوع له على الموصى لهم، وإن لم يكن في ذلك ~~كفاف وصيته رجع بتمام وصيته على الموصى لهم على ما تقدم في رجوع الوارث على ~~الورثة والغريم على الغرماء والموصى له على الموصى لهم. # فصل وأما المسألة التاسعة وهي طروء الموصى له بجزء على الورثة فذهب ابن ~~حبيب إلى أن ذلك بمنزلة طروء الغريم على الورثة. وذهب ابن القاسم إلى أن ~~ذلك بمنزلة طروء الوارث على الورثة. # فصل وأما المسألة العاشرة وهي طروء الموصى له بجزء على الموصى لهم بجزء ~~وعلى الورثة، فالحكم في ذلك أن ينظر فيما أخذه الورثة من الثلث زائدا على ~~الثلثين، فإن كان فيه كفاف الجزء الطارئ لم يكن له الرجوع إلا على الورثة، ~~ويرجع عليهم على الاختلاف المتقدم بين ابن القاسم وابن حبيب في صفة رجوع ~~طروء الموصى له بجزء على الورثة، وإن لم يكن في ذلك كفاف الجزء الطارئ رجع ~~بالباقي على الموصى لهم على ما تقدم في طروء الموصى له على الموصى لهم. # PageV03P108 # فصل وأما المسألة الحادية عشر وهي طروء الغريم على الموصى له بأقل من ~~الثلث وعلى الورثة، فالحكم في ذلك أن ينظر، فإن كان ما قبض الموصى له يخرج ~~من ثلث ما بقي بعد دين الغريم الطارئ فلا رجوع للغريم عليه إلا في عدم ~~الورثة، وإن كان لا يخرج من ثلث ذلك فيرجع بالزيادة على الثلث على من وجد ~~منهم مليا. وأما قدر الثلث فلا يرجع به على الموصى له إلا في عدم الورثة ~~على ms1068 ما تقدم. مثال ذلك أن يترك المتوفى ثلاثين دينارا فيقبض منها الموصى له ~~خمسة ويقبض الورثة خمسة وعشرين ثم يطرأ غريم له على المتوفى ثمانية عشر ~~دينارا، إذ الثلث على هذا بعد الدين الطارئ أربعة دنانير وقد قبض الموصى له ~~خمسة دنانير، فإن وجدهم جميعا أملياء رجع على الموصى له بالدينار الزائد، ~~وعلى الورثة بسبعة عشر دينارا تمام حقه. وإن وجد الورثة أملياء والموصى له ~~عديم رجع على الورثة بجميع دينه ثمانية عشر دينارا، واتبع الورثة الموصى له ~~الدينار الزائد على قدر حقوقهم. وإن وجد الموصى له مليا والورثة عدماء رجع ~~بجميع الخمسة الموصى له واتبع الورثة بثلاثة عشر تتمة دينه، ورجع الموصى له ~~على الورثة بالأربعة دنانير التي غرمها عنهم لعدمهم، وبالله التوفيق لا ~~شريك له. # فصل وأما طروء الاستحقاق على أحد الأنصباء بعد القسمة أو وجود العيب به، ~~فإن كانت القسمة بالقرعة ففي ذلك ثلاثة أقوال: # أحدها: أن القسمة تنتقض كان الاستحقاق قليلا أو كثيرا والأنصباء قائمة أو ~~فائتة، وتكون وصية ما تلف من جميعهم كلحوق الدين، وهو قول ابن الماجشون ~~وابنه عبد العزيز على اختلاف الرواية في ذلك في سماع يحيى من كتاب القسمة. # والثاني: أنها لا تنتقض إلا أن يستحق الجل من النصيب أو ما فيه الضرر على ~~الاختلاف المعلوم في حد ذلك، ويرجع المستحق منه على أشراكه على حكم البيع ~~في القيام والفوات، كان الفوات باستهلاك أو استنفاق أو إحداث أو أمر # PageV03P109 # من السماء، الحكم في ذلك سواء، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة. # والثالث: وهو مذهب أشهب وسحنون أن القسمة لا يضمن بها في الاستحقاق لهلاك ~~بأمر من السماء على رواية أشهب عن مالك في الإخوة الثلاثة الذين اقتسموا ~~الثلاثة الأعبد فأخذ كل واحد منهم عبدا فمات عبد أحدهم واستحق عبد الثاني، ~~أن المستحق منه يرجع على الذي بقي عبده بيده بثلثه فيشاركه فيه، ولا رجوع ~~له على الذي مات عبده بيده لأن القسمة إنما تنتقض فيما بينهما خاصة، وتصح ~~فيما بينهما وبين الذي ms1069 مات عبده. ثم إن أشهب وسحنون بعد اجتماعهما على أن ~~الذي مات عبده لا يضمن في الموت ولا يجب للمستحق منه الرجوع عليه بشيء، ~~اختلفا هل يضمن بالإحداث كالهبة والصدقة والعتق والبيع وما أشبه ذلك. فذهب ~~سحنون إلى أنه لا يضمن بشيء من ذلك فيكون للمستحق منه الرجوع عليه في البيع ~~بما ينوب المستحق من الثمن الذي قبض، ويرجع في عين العبد الموهوب فيشارك ~~الموهوب له فيه بما ينوبه، وفي عين العبد المعتق، فيقوم ذلك الحظ على ~~المعتق إن كان موسرا. وذهب أشهب إلى أنه يضمن بجميع ذلك فيكون للمستحق منه ~~أن يرجع على الذي باع أو وهب أو تصدق أو أعتق بما ينوب المستحق من قيمة ما ~~فوت بشيء من ذلك يوم صار إليه بالقسمة، وبالله تعالى التوفيق لا شريك له ~~ولا ند. # PageV03P110 ### | كتاب الوصايا # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد، وبالله أستعين وعليه أتوكل ~~كتاب الوصايا أذن الله تبارك وتعالى لعباده في الوصية وذكرها في غير ما آية ~~من كتابه فقال: # {من بعد وصية يوصين بها أو دين} [النساء: 12] . وقال عز من قائل: {من بعد ~~وصية يوصي بها أو دين} [النساء: 11] وقال {فلا يستطيعون توصية ولا إلى ~~أهلهم يرجعون} [يس: 50] . وحض عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ~~«ما حق امرئ مسلم له شيء يوصى فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته عنده مكتوبة» ، ~~مخافة أن يفجأه الموت وتخترمه المنية فتفوته الوصية. وكذلك قال بعض الرواة ~~في هذا الحديث: «لا ينبغي لأحد عنده مال يوصى فيه تأتي عليه ليلتان إلا ~~ووصيته عنده مكتوبة» . قال بعض شيوخ صقلية: معناه وهو موعوك. وأما الصحيح ~~فليس بمفرط في ترك كتاب وصيته. والصواب حمل الحديث على ظاهره من العموم في ~~الموعوك والصحيح. لأن الصحيح لا يأمن أن تفجأه المنية فلا يمكنه ما يريد من ~~الوصية، # PageV03P111 # فليس من الحزم ولا صواب الرأي ترك كتاب الوصية في الصحة ولا في المرض، ~~وإن كان الأمر في المرض آكد عليه منه في الصحيحة، لأن المرض سبب ms1070 من أسباب ~~الموت، وإلى هذا ذهب أبو عمران الفاسي. # فصل ومعنى قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ووصيته عنده مكتوبة» " ~~يريد مكتوبة قد أشهد عليها، وأما إن كتبها ولم يشهد عليها ووجدت عنده بعد ~~موته فلا ينفذ ما فيها وإن كانت بخط يده لاحتمال أن يكون إنما كتبها ليؤامر ~~نفسه ولم يعزم بعد على تنفيذها، والروايات بذلك منصوصة عن مالك وغيره. # فصل وإن كتب وصيته وأشهد عليها فلا يخلو من أن تكون مطلقة غير مقيدة أو ~~مقيدة بمرض بعينه أو سفر بعينه أو بلد يعين، أو وقت يعين، أو ما أشبه ذلك. ~~فإن كانت مطلقة لم يقيدها بشيء وإنما قال إن مت أو إذا مت أو متى ما مت أو ~~ما أشبه ذلك من الألفاظ المطلقة العامة فإنه ينفد ما فيها باتفاق، سواء ~~أقرها على يده أو وضعها عند غيره. وكذلك إن أشهد على وصيته ولم يكتب بذلك ~~كتابا، فإن كان وضعها عند غيره ثم أخذها منه فوجدت عنده بطلت باتفاق، سواء ~~أخذها منه في صحته أو في مرضه. وأما إن كانت مقيدة بسفر بعينه، أو بمرض ~~بعينه أو ما أشبه ذلك، فمات من غير ذلك المرض أو في غير ذلك السفر فلا يخلو ~~من أن يكون كتب بذلك كتابا أو لم يكتبه فأما إن لم يكتب بذلك كتابا وإنما ~~أشهد به خاصة فلم يختلف قول مالك أن الوصية لا تنفذ. وأما إن كتب بذلك ~~كتابا فلا يخلو أيضا من أن يكون أقره عنده أو وضعه عند غيره. # فأما إن كان أقره عنده ولم يجعله على يدي غيره فاختلف قول مالك في ذلك، ~~فمرة أجازها ومرة أبطلها، والقولان قائمان في المدونة. وأما إن كان وضعها # PageV03P112 # على يدي غيره، فلم يختلف قول مالك أنها تنفد. ولأشهب في هذه المسألة ~~تفصيل هو مذكور في موضعه. # فصل وتجوز وصية السفيه والمولى عليه لأنه إنما حجر عليه في ماله مخافة ~~الفقر، والوصية إنما تنفد بعد الموت في حال يؤمن عليه فيه الفقر. وتجوز ms1071 ~~وصية المجنون في حال إفاقته، ووصية الصغير الذي يعرف وجوه القرب عند مالك ~~وأصحابه، خلافا لأبي حنيفة، والشافعي في أحد قوليه. # فصل وقد تعلق من أوجب الوصية بظاهر هذا الحديث وقال إن لفظة الحق تقتضي ~~الوجوب، وهذا غير صحيح، لأن لفظ الحق إذا قيل فيه عليه فهو محتمل للوجوب ~~والندب. وأما إذا أضيف إليه وجعل له فقيل فيه من حقه أن يفعل كذلك أو كذا ~~وكذا، فالأظهر فيه الندب لا الوجوب. # فصل ومما يدل أيضا على أن المراد بالحديث الحض والندب لا الوجوب أن بعض ~~رواته يقول فيه: له مال يريد أن يوصي فيه، وتعليق الوصية بإرادة الموصي نص ~~في سقوط وجوبها. # فصل ولو حمل الحديث على الوجوب لكان معناه في الأمور الواجبة عليه من ~~قضاء الدين ورد الأمانات وأداء ما فرط فيه من الزكوات وما أشبه ذلك من ~~الأمور المعينات، فإن ما يلزم الرجل في حياته يجب عليه أن يوصي به عند ~~وفاته، بخلاف الوصية بشيء من ماله في وجه من وجوه البر. # PageV03P113 # فصل فالوصية بما يتقرب به إلى الله تعالى مما لا يجب عليه في حياته على ~~مذهب مالك وجمهور أهل العلم، مرغب فيها ومندوب إليها وليست بواجبة، وهي ~~تجوز للقرابة والأجنبيين إلا أن الوصية للقرابة أفضل منها للأجنبيين، ~~فينبغي للموصي أن يبدأ به لأن الله بدأ بهم في غير ما آية من كتابه، فقال ~~تعالى: {وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه} ~~[النساء: 8] وقال {وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين} ~~[البقرة: 177] وقال {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام} [النساء: 1] أي ~~الأرحام أن تصلوها ولا تقطعوها. «وقال - صلى الله عليه وسلم - لميمونة ~~زوجته وقد أعتقت وليدة لها: " لو وصلت بها بعض أخوالك كان أعظم لأجرك» . ~~«وقال - عليه السلام - لأبي طلحة في الحائط الذي تصدق به: " إني أرى أن ~~تجعله في الأقربين» فقسمه أبو طلحة في أقاربه وبني عمه. # فصل وأما الوصية للوارث فلا تجوز إلا أن يجيزها الورثة. وقد حمل جماعة من ~~أهل العلم ms1072 قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا وصية لوارث» على عمومه ~~فلم يجيزوا له الوصية وإن أجازها له الورثة، معناه إلا على سبيل الهبة منهم ~~له التي تفتقر إلى الحيازة. والصحيح ما ذهب إليه مالك - رحمه الله - لأن ~~المنع إنما تعلق بحق الورثة كالزائد على ثلث المال، فإذا أجازوه جاز، ~~كالرضى بالعيب، وتسليم الشفعة وما أشبه ذلك. وقد روي أيضا في بعض الآثار ~~«لا وصية لوارث إلا أن يجيزها الورثة» . # PageV03P114 # فصل فيما تنقسم إليه الوصايا # فصل والوصايا تنقسم على خمسة أقسام: فمنها ما يجب تنفيذه، ومنها ما لا ~~يلزم تنفيذه، ومنها ما يختلف في وجوب تنفذه، ومنها ما لا ينبغي تنفيده. ~~فأما ما يجب تنفيذه فثلاثة أنواع: # أحدها: أن يوصي بما في فعله قربة وفي تركه حرج من الأمور الواجبة كالزكاة ~~وعتق الظهار وما أشبه ذلك. # والثائي: أن يوصي بما في فعله قربة ولا حرج في تركه كالوصية للمساكين وما ~~أشبه ذلك. # والثالث: أن يوصي بما يختلف فيه هل فيه قربة أو لا قربة فيه على مذهب من ~~يرى فيه قربة. # وأما ما لا يجب تنفيذه فنوع واحد وهو ما في فعله حرج من الأمور ~~المحظورات، كالوصية بإقامة مناحة ميت وما أشبه ذلك. # وأما ما يختلف في وجوب تنفيذه فنوعان: # أحدهما: أن يوصي بما يختلف هل فيه قربة أو لا قربة فيه على مذهب من يرى ~~أنه لا قربة فيه، كالوصية بالحج على مذهب مالك - رحمه الله -. أوجب مالك ~~وأكثر أصحابه تنفيذ الوصية بذلك، ولم يوجب ذلك ابن كنانة. والاختلاف في هذا ~~جار على الاختلاف في تصويب المجتهدين. # والثاني: أن يوصي بما لا قربة في فعله ولا في تركه من الأمور الجائزة، ~~كالوصية ببيع ملك من أملاكه أو ببيع عبد من عبيده وهو لا يرغب في ذلك، أو ~~شراء عبد آخر من الثلث للورثة وما أشبه ذلك. وانظر هل يأتي على هذا المعنى ~~اختلافهم فيمن أوصى بسرف في أكفانه وحنوطه، إذ قد قيل إن الزائد على قدر ما ~~يجب أن ms1073 يكفن فيه يكون من الثلث وهو قول سحنون. وقيل إنه يبطل، حكاه ابن ~~شعبان عن مالك وابن القاسم. # PageV03P115 # وأما ما لا يلزم تنفيذه فنوعان: # أحدهما: الوصية للوارث. # والثاني: الوصية بما زاد على الثلث. # وأما ما لا ينبغي تنفيذه فنوع واحد وهو المكروه الذي القربة في تركه دون ~~فعله، كالوصية بإقامة لهو عرس مما استخف وجوز وما أشبه ذلك، فهذا يندب ~~الورثة إلى ألا ينفذوه، فإن أبوا إلا تنفيذه لم يمنعوا من ذلك. # فصل والوصية بثلث المال فما دونه تجوز في القليل والكثير من المال إلا أن ~~الموصي يؤمر بحسن النظر للورثة إذا كان المال يسيرا. فقد روي عن علي بن أبي ~~طالب - رضي الله عنه - أنه قال: إذا كان المال يسيرا فليدعه لوارثه فهو ~~أفضل. وهذا والله أعلم أخذه من قول النبي - عليه السلام - «إنك أن تذر ~~ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس» . # فصل وقد اختلف أهل العلم في مقدار المال الذي تستحب فيه الوصية أو تجب ~~عند من أوجبها. فروي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال: ستمائة ~~درهم أو سبعمائة درهم ليس بمال فيه وصية. وقال في ألف درهم فما دونه، إنه ~~مال فيه وصية. وروي عن ابن عباس أنه قال: لا وصية في ثمانمائة درهم. وروي ~~عن علي بن أبي طالب أنه قال ألف درهم فما دونها نفقة. وعن عائشة أنها قالت ~~في امرأة لها ثلاثة آلاف درهم وأربعة من الأولاد لا وصية في مالها. # فصل ولا يجوز لأحد وصية بأكثر من ثلث ماله وإن لم يكن له وارث خلافا لأبي # PageV03P116 # حنيفة في قوله إنه يجوز له أن يوصي بجميع ماله إن لم يكن له وارث. فإذا ~~أوصى الرجل بأكثر من ثلث ماله لم يجز إلا أن يجيز ذلك الورثة، وإجازتهم لا ~~يخلو من أن تكون في صحته أو في مرضه الذي مات منه. أو بعد موته. # فأما إذا كان إذنهم له في صحته فلا يلزمهم ذلك باتفاق. # وأما إن أذنوا ms1074 له في مرضه الذي مات منه فيلزمهم عند مالك إن كانوا مالكين ~~لأمرهم بائنين عنه بأنفسهم، خلافا لأبي حنيفة والشافعي ولما يدل عليه بعض ~~أقاويل مالك. قيل إذا استأذنهم بدليل ما في المدونة. # وأما إذا لم يستأذنهم فيلزمهم وإن لم يكونوا بائنين عنه إذا كانوا مالكين ~~لأمر أنفسهم. وقيل سواء استأذنهم أو لم يستأذنهم لأنهم يقولون بادرنا إلى ~~الإجازة لتطيب نفسه، لأنا خشينا إن لم نبادر بها أن يحقد بذلك علينا ~~فيمنعنا رفده. # وأما إن أجازوا بعد موته فذلك لازم لهم باتفاق. واختلف هل يكون ذلك ~~كالهبة التي تفتقر إلى حيازة أم لا على قولين في المذهب. # وإنما قلنا إن الوصية بأكثر من الثلث لا تجوز لقول رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - لسعد بن أبي وقاص: «الثلث، والثلث كثير إنك أن تذر ورثتك ~~أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس» . وقد استحب جماعة من العلماء ~~أن لا يوصي الرجل إلا بأقل من الثلث لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «والثلث كثير» . وروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: لو غض ~~الناس من الثلث إلى الربع لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«والثلث كثير» وأوصى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بربع ماله، وأبو بكر ~~الصديق بخمس ماله وقال: رضيت لنفسي في وصيتي بما رضي الله لنفسه من ~~الغنيمة، وتلا: # PageV03P117 # {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} [الأنفال: 41] . وقال إبراهيم ~~النخعي: كان الخمس أحب إليهم من الربع، والربع أحب إليهم من الثلث. وقد ~~استحب جماعة من العلماء الثلث في الوصية لقول رسول الله- صلى الله عليه ~~وسلم -: «إن الله أعطاكم ثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في أعمالكم» . وهذا ~~إنما ينبغي أن يفعل فيه بالاجتهاد في قلة المال وكثرته. فإذا كان قليلا ~~فإبقاؤه على الورثة أفضل والله أعلم، لأن الله تعالى أعطاه ثلث ماله عند ~~وفاته يجعله حيث يراه من وجوه البر، فإذا أبقاه على الوارث نظرا له لقول ~~رسول الله- صلى الله عليه وسلم - «إنك ms1075 أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم ~~عالة يتكففون الناس» ، فهو أفضل له من صدقته على الأجنبيين والله أعلم. # فصل إنما أوجب الوصية من أوجبها لقول الله عز وجل: {كتب عليكم إذا حضر ~~أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين} [البقرة: 180] الآية ~~(21) وقد اختلف أهل العلم في تأويلها اختلافا كثيرا، فالمشهور أنها منسوخة، ~~واختلف الذين رأوا أنها منسوخة في الناسخ لها ما هو. فقال مالك - رحمه الله ~~- في موطئه نسخها ما نزل من قسمة الفرائض. وهذا قول من لم ير نسخ القران ~~بالسنة، وهو أولى ما قيل فيها، لأنه لا اختلاف أن آية المواريث نزلت بعد ~~آية الوصية. وقد روي أن الناس في أول الإسلام كانوا يتوارثون الله تعالى ~~لما ذكر فرض الوالدين قال: {من بعد وصية يوصي بها أو دين} [النساء: 11] ~~فكان يحتمل أن يكون لهما ولا يمكن أن يعلم ذلك إلا بتوقيف من النبي- صلى ~~الله عليه وسلم - على ذلك، أو دليل من قوله - عليه السلام - ذلك. وقد دل ~~على ذلك من قوله- صلى الله عليه وسلم -: «إن الله فرض لكل ذي حق حقه في آية ~~المواريث» فبين بذلك أنها ناسخة لآية الوصية. وأما نسخها بقول رسول الله- ~~صلى الله عليه وسلم -: «لا وصية # PageV03P118 # لوارث» ، على مذهب من يجيز نسخ القرآن بالسنة، فلا إشكال فيه، وهي رواية ~~أبي الفرج عن مالك حكى عنه في كتابه أنه قال: نسخت الوصية للوالدين ما ~~تواتر عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: «لا وصية لوارث» ، ونسخت الوصية ~~للأقربين آية المواريث. وقيل نسخت الوصية للوالدين بقوله: {ولأبويه لكل ~~واحد منهما السدس} [النساء: 11] ، والوصية للأقربين بقوله: {وإذا حضر ~~القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا ~~معروفا} [النساء: 8] فحض على إعطائهم ورغب فيه من غير إيجاب. وقالت طائفة ~~من أهل العلم: نسخ من الآية فرض الوصية للوالدين وبقي فرض الوصية للأقربين ~~الذي لا يرثون محكما غير منسوخ. فواجب على الرجل أن يوصي لقرابته الذين لا ~~يرثون، فإن لم يفعل فقد أثم وأجرم. وإن ms1076 أوصى بالثلث لغير ذوي قرابته وله ~~قرابة محتاجون صرف ثلث الميت إليهم في قول بعضهم، وفي قول بعضهم يصرف إليهم ~~ثلث الثلث. وقالت طائفة: الآية كلها محكمة لم ينسخ منها شيء، وظاهرها ~~العموم فيمن يرث ومن لا يرث من الوالدين والأقربين، والمراد بها من لا يرث ~~منهم دون من يرث بدليل آية المواريث وقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: ~~«لا وصية لوارث» . فآية المواريث والسنة الواردة عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - على مذهب ليست بناسخة لآية الوصية وإنما هي مخصصة لها ومبينة ~~لمعناها. وقالت طائفة: الآية محكمة فيمن لا يرث دون من يرث من الوالدين ~~والأقربين، إلا أن المراد بها الحض والندب لا الوجوب بدليل قوله: {متاع ~~بالمعروف حقا على المتقين} [البقرة: 241] لأن الواجب لا يقال فيه إنه معروف ~~ويستوي فيه المتقي وغير المتقي. # فصل والوصية بالعتق وغيره عدة، للموصي أن يرجع عنها إن شاء في صحته أو # PageV03P119 # مرضه، سواء كانت وصيته في الصحة أو في المرض، بخلاف التدبير ليس للمدبر ~~أن يرجع عما دبر في صحته ولا في مرضه. وقد اختلف إذا قال: إذا مت فعبدي حر ~~هل هو محمول على التدبير حتى يعلم أنه أراد الوصية بسبب يدل عليها، أو على ~~الوصية حتى يعلم أن أراد التدبير بسبب يدل عليه. فحمله ابن القاسم على ~~الوصية حتى يعلم أنه أراد التدبير، وحمله أشهب على التدبير حتى يعلم أنه ~~أراد الوصية. # فصل واختلف بماذا تجب الوصية للموصى له على قولين: # أحدهما: أنها تجب له بموت الموصي مع قبول الموصى له بعد الموت. واختلف ~~على هذا القول إن مات الموصى له بعد موت الموصي قبل أن يقبل، فقيل إن ورثته ~~ينزلون في القبول أو الرد منزلته، وهو قول مالك في المدونة، وقيل إن الورثة ~~لا ينزلون منزلته في ذلك وتبطل الوصية وترجع ميراثا لورثة الموصي، وإلى هذا ~~ذهب أبو بكر الأبهري حكاه عنه عبد الوهاب في المدونة. # والقول الثاني: أنها تجب له بنفس موت الموصي دون القبول، وهو أحد قولي ms1077 ~~الشافعي. فعلى قوله إن مات الموصى له بعد موت الموصي وجبت الوصية لورثته، ~~ولم يكن لهم أن يردوها إلا على وجه الهبة لورثة الموصي إن قبلوا، والله ~~أعلم. # فصل والوصايا خارجة من الثلث فيما علم الموصي من المال، ولا تدخل في ما ~~لم يعلم به، بخلاف المدبر في الصحة فإنه يدخل فيما علم وفيما لم يعلم. ~~واختلف في التدبير في المرض والعتق البتل في المرض، فقيل إنهما لا يدخلان ~~فيما لم يعلم به من المال، وهو ظاهر ما في المدونة، وقيل إنهما يدخلان فيما ~~علم به وفيما لم يعلم، وهو الذي يأتي على ما في سماع عيسى من كتاب الديات ~~من العتبية، لأنه نص فيه أن التدبير في المرض يدخل فيما لم يعلم. وإذا دخل ~~فيه المدبر في المرض فأحرى أن يدخل فيه المبتل في المرض. وقد قيل إنه يدخل ~~المدبر في # PageV03P120 # المرض ولا يدخل المبتل في المرض، وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم في بعض ~~روايات العتبية، ومثله لابن القاسم في المدونة، وهو بعيد، لأن المبتل في ~~المرض آكد من المدبر فيه. ألا ترى أن ابن الماجشون يبدئه عليه عند ضيق ~~الثلث. وإنما يقول ابن القاسم إنهما يتحاصان لقرب ما بينهما عنده في ~~التأكيد. فلو قيل إن المبتل في المرض يدخل فيما لم يعلم ولا يدخل فيه ~~المدبر في المرض بعكس رواية أصبغ وما لابن القاسم في المدنية لكان الأظهر، ~~والله أعلم. # فصل وإن ضاق الثلث عن الوصايا بدئ الآكد فالآكد لا الأقدم فالأقدم، وما ~~كان بمنزلة واحدة في التأكيد تحاصوا في الثلث وإن كان بعضها أقدم من بعض، ~~إلا أن ينص الموصي على تبدئة بعضها على بعض فيبدأ بالذي نص على تبدئته ~~اتباعا لوصيته وإن كان غيرها من الوصايا آكد، ما لم يكن مما لا يجوز له ~~الرجوع عنه كالمبتل في المرض، والمدبر فيه أو في الصحة. # فصل وما يجب إخراجه من رأس المال يبدأ على ما يجب إخراجه من الثلث. # فصل فالذي يجب إخراجه من التركة قبل ms1078 وقوع المواريث فيها ينقسم على قسمين: # أحدهما: ما يجب إخراجه من رأس المال. # والثاني: ما يجب إخراجه من الثلث. # فأما ما يجب إخراجه من رأس المال فإنه ينقسم أيضا على وجهين: # أحدهما: الحقوق المعينات. # والثاني: الحقوق التي ليست بمعينات. # فأما الحقوق المعينات فتخرج كلها وإن أتت على جميع التركة، وذلك مثل # PageV03P121 # أم الولد، وزكاة تمر الحائط الذي يموت عنه صاحبه وقد أزهت، وزكاة الماشية ~~إذا مات عند حلولها عليه وفيها السن التي تجب فيها الزكاة، وما أقر به ~~المتوفى من الأصول والعروض بأعيانها لرجل أو قامت على ذلك بينة. # فصل وأما الحقوق التي ليست بمعينات فإن كان في التركة وفاء بها أخرجت ~~كلها، وإن لم يكن فيها وفاء بها بدئ الآكد فالآكد منها، وما كان بمنزلة ~~واحدة تحاصوا في ذلك، وبالله التوفيق. # فصل فآكد الحقوق وأولاها بالتبدئة من رأس المال عند ضيقه عنها الكفن ~~وتجهيز الميت إلى قبره. وقد روي عن سعيد بن المسيب في أحد قوليه إن الكفن ~~من الثلث. والصحيح ما عليه الجماعة أنه من رأس المال. والدليل على ذلك ما ~~ثبت أن «مصعب بن عمير قتل يوم أحد فلم يترك إلا شملة كانوا إذا غطوا بها ~~رأسه بدت رجلاه، وإذا غطوا بها رجليه بدا رأسه، فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " غطوا رأسه واجعلوا على رجليه من الإدخر» . وما ثبت أيضا «أن ~~رسول الله- صلى الله عليه وسلم -. أمر بدفن قتلى أحد بدمائهم وثيابهم» من ~~غير أن يعتبر ما يبقي لورثتهم أو لدين إن كان عليهم، وهذا بين. ثم حقوق ~~الآدميين من الديون الثابتة على المتوفى بالبينة العدلة أو بإقراره بها في ~~صحته أو في مرضه لمن لا يتهم عليه، ثم حقوق الله تعالى المفترضات من ~~الزكوات على مراتبها والكفارات والنذور إذا اشهد على نفسه في صحته بوجوب ~~ذلك عليه في ذمته، فيبدأ من ذلك كله في رأس ماله الآكد فالآكد، كما يبدأ من ~~ذلك الآكد فالآكد في ثلثه إذا فرط فيه في حياته فأوصى به أن ms1079 يؤدي عنه بعد ~~وفاته. وزكاة الماشية إذا مات عند حلولها عليه وليس فيها السن التي تجب # PageV03P122 # فيها الزكاة، تجري في التبدئة مجرى ما لم يخرجه عند حلوله وأشهد به على ~~نفسه في صحته. # فصل وأما ما يجب إخراجه من الثلث فيخرج كله على وجهه إن كان فيه وفاء به، ~~فإن لم يكن فيه وفاء به فيبدأ الآكد فالآكد. وما استوى من ذلك أو تقارب لم ~~يبدأ بعضه على بعض ووقع في ذلك التحاص. وبالله التوفيق. # فصل فأول ما يخرج من الثلث المدبر في الصحة. وصداق المريض إذا دخل في ~~مرضه. وقد اختلف فيهما فقيل إنهما سواء يتحاصان. وقيل يبدأ المدبر في ~~الصحة. وقيل يبدأ صداق المريض، والثلاثة الأقوال لابن القاسم. ثم بعد ذلك ~~ما فرط فيه من زكاة الحرث والعين والماشية، ثم ما فرط فيه من زكاة الفطر ~~عند ابن القاسم خلاف ما ذهب إليه ابن الماجشون وغيره. ثم العتق في الظهار ~~وقتل النفس في الخطأ. وقد اختلف فيهما فقيل إنهما سواء يتحاصان، وقيل يقرع ~~بينهما، وقيل ذلك إلى الورثة يعتقون على أي الكفارتين شاءوا، يريد إن ~~اتفقوا، فإن اختلفوا رجع ذلك إلى القرعة وقيل تبدأ كفارة قتل النفس، وذلك ~~إذا لم يكن في الثلث إلا رقبة واحدة. وأما إن كان في الثلث رقبة وإطعام ~~ستين مسكينا فتعتق الرقبة في القتل ويطعم على الظهار باتفاق. وقد قيل إنه ~~إذا لم يكن في الثلث إلا رقبة واحدة وفضل لا يبلغ الإطعام إنه يبدأ بالظهار ~~ويشترك فيما بقي من كفارة قتل النفس. ثم كفارة اليمين، ثم كفارة الفطر في ~~رمضان متعمدا، ثم كفارة التفريط في قضاء رمضان. وهذا دليل ما في كتاب ~~الصيام من المدونة. وقد قيل إن الطعام لقضاء رمضان يبدأ على كفارة اليمين ~~عند ابن القاسم، والأول أظهر. ثم النذر قاله ابن أبي زيد يريد إذا أوصى به. ~~ثم العتق المبتل في المرض. والمدبر في المرض. وقد اختلف فيهما فقيل إنهما ~~سواء يتحاصان وقيل يبدأ المبتل في المرض، وقيل يبدأ ms1080 المدبر في المرض، وهذا ~~إذا كانا في فور واحد. # PageV03P123 # وأما إن كان أحدهما قبل صاحبه فيبدأ الأول منهما. والنذر الذي يوجبه على ~~نفسه في المرض ينبغي أن يكون بمنزلتهما. ثم بعد هذا الموصى بعتقه بعينه، ~~والموصى أن يشترى فيعتق، والموصى بعتقه على مال إذا عجل المال، والموصى ~~بكتابته إذا عجل الكتابة، والموصى بعتقه إلى شهر وما أشبهه لا يبدأ أحد ~~منهم على صاحبه ويتحاصون. وقد قيل إن الذي أوصى بعتقه أو بشرائه للعتق يبدأ ~~على المعتق إلى أجل قريب، وعلى الموصى بعتقه على مال وإن عجل المال. وعلى ~~الموصى بكتابته وإن عجل الكتابة. وقد قيل إن الموصى بعتقه بعينه يبدأ على ~~الموصى بشرائه للعتق. ثم بعد هذه الخمسة الموصى بعتقه إلى سنة. ثم الموصى ~~بعتقه سنتين. والموصى بكتابته لا يبدأ أحدهما على صاحبه. وقيل إن الموصى ~~بعتقه إلى سنة كالموصى بعتقه إلى سنين. قال غير ابن أبي زيد: ثم النذر، وهو ~~بعيد، لتبدية الموصى بعتقه عليه، لأن الوصية بالعتق يصح الرجوع فيها والنذر ~~لازم لا رجوع فيه، فهو إذا أوصى به أوكد منه وقول ابن أبي زيد أصح. ثم ~~الوصية بالعتق بغير عينه وبالمال وبالحج. وقد اختلف في ذلك فقيل إنها كلها ~~سواء في التحاص، وهو أحد قولي مالك في المدونة. وقيل يبدأ الحج على العتق، ~~وقيل يبدأ العتق على الحج ويتحاص مع المال، وهو قوله الثاني فيها. ووجه هذا ~~القول أن العتق عنده آكدها، ثم يليه المال، ثم يليه الحج، فيتحاص العتق مع ~~المال ولا يبدأ أحدهما على صاحبه لقرب ما بينهما في التأكيد. ويتحاص أيضا ~~المال مع الحج ولا يبدأ أحدهما على صاحبه لقرب ما بينهما في التأكيد، ويبدأ ~~العتق على الحج لبعد ما بينهما على ما رتبناه. # ووجه العمل فيه أن يتحاص العتق والمال والحج، فما ناب العتق والحج بدئ ~~فيه العتق على الحج، ولم يكن للحج من ذاك إلا ما فضل عن العتق. وقد قيل ~~يبدأ الحج ثم يتحاص في المال والعتق. وقيل يبدأ العتق ويتحاص ms1081 في المال ~~والحج. وسواء كانت الوصية بالمال جزءا أو عددا فإن اجتمعا جميعا الوصية ~~بالعدد والجزء فقيل إنهما سواء يتحاصان، وقيل يبدأ الجزء. وقيل يبدأ العدد. ~~وهذا الاختلاف موجود لمالك وابن القاسم، ومعناه في الصرورة. وأما في حجة ~~التطوع فلم يختلف قولهما في أن العتق مبدأ عليهما، ولا في أن الحج لا يبدأ ~~على المال. # PageV03P124 # واختلف قول ابن القاسم هل يبدأ المال على الحج أو يتحاصان. فله في سماع ~~عيسى أنهما يتحاصان. وفي المدنية لأن الوصية بالمال تبدأ. وقال ابن وهب: ~~يبدأ الحج على العتق ولم يفرق بين الصرورة وغيره، والقياس على مذهب مالك أن ~~الوصية بالعتق بغير عينه وبالمال يبدآن على الوصية بحجة الإسلام، لأنه لا ~~يرى أن يحج أحد عن أحد. فلا قربة في ذلك عنده على أصل قوله. # فصل وذهب ابن الماجشون إلى خلاف هذا الأصل فقال إن التدبير في الصحة يبدأ ~~على العتق المبتل في المرض، والعتق المبتل في المرض يبدأ على العطية ~~المبتلة في المرض، والعطية المبتلة في المرض تبدأ على التدبير في المرض، ~~والتدبير في المرض يبدأ على الزكاة التي فرط فيها. والزكاة التي فرط فيها ~~تبدأ على كفارة قتل الخطأ، وعتق كفارة قتل الخطأ يبدأ على عتق كفارة ~~الظهار. قال: وكل ما نوعت لك من هذا فسواء كان في فور واحد أو فور بعد فور، ~~إنما يبدأ الأوجب فالأوجب والأثبت فالأثبت على ما فسرت لك. والذي ذهب إليه ~~ابن الماجشون أقوى في الحجة مما ذهب إليه ابن القاسم. وذلك أن للموصي أن ~~يرجع فيما أوصى به من الزكاة ولا يجوز له أن يرجع عما بتله أو دبره في ~~المرض. وما لا يجوز له الرجوع فيه. وأيضا فإنه يتهم على أنه أراد أن يرجع ~~فيما بتله أو دبره فأوصى بزكاة ليست عليه. وحكى عبد الوهاب في المعونة أن ~~الوصية بالعتق المعين تبدأ على الزكاة، وهو بعيد في القياس، ووجهه اتباع ~~ظاهر الحديث. روي أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - «أمر أن تبدأ العتاقة ~~على ms1082 الوصايا، فعم ولم يخص» . وحكى ابن زرب أن الشيوخ أجمعوا على أن الوصية ~~بالحج تبدأ على كل شيء المدبر وغيره. وكان أبو عمر الإشبيلي - رحمه الله - ~~يرى تبدئة ما أوصى به في فك أسير على جميع الوصايا المدبر في الصحة وغيره. ~~ويحتج لذلك برواية أشهب عن مالك في كتاب الجهاد، حكى ذلك عنه ابن عتاب وقال ~~إن الشيوخ أجمعوا على ذلك، وهو صحيح. # PageV03P125 # فصل وهبات المريض وصدقاته وأعطياته موقوفة، فإن مات في مرضه ذلك كانت من ~~الثلث، وإن صح فمن رأس المال. وكذلك العتق إلا أن تكون له أموال مأمونة ~~فينفذ عتقه معجلا، ويكون للموهوب له أو المتصدق عليه قبض ما وهب له أو تصدق ~~به عليه في مرض الواهب أو المتصدق قبل موته على أحد قولي مالك في مراعاة ~~المال المأمون في ذلك. وهذا مذهب فقهاء الأمصار أن هبات المريض وصدقاته من ~~الثلث. وقال داود: هي من رأس المال، وتصرفه كله كتصرف الصحيح. والدليل على ~~صحة قول مالك ومن تابعه ما ثبت أن «رجلا أعتق ستة أعبد له عند موته فأسهم ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأعتق ثلثهم» . ولا فرق بين العتق وغيره ~~من الهبة والصدقة في هذا. وما روي أيضا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: «إن الله أعطاكم ثلث أموالكم عند موتكم زيادة في أعمالكم» فأخبر أن ~~الرجل ليس له عند الموت إلا الثلث فدل على منع ما زاد عليه، ولأن الأصول ~~دالة على أن حضور سبب الموت بمنزلة حضور الموت بعينه، بدليل أنه لو أعتق ~~لكان من الثلث، ولو وهب لوارثه شيئا لم يجز ذلك، إذ لا يجوز أن يوصي له. ~~وإذا كان كذلك ثم لم يجز أن يوصي بعد الموت بأكثر من الثلث، كذلك لا يجوز ~~له أن يهب في المرض أكثر من الثلث. . # PageV03P126 ### | كتاب الولاء والمواريث # ] [ ### || فصل في ترتيب الولايات وتقسيمها ووجه الحكم فيها # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم كتاب الولاء ~~والمواريث فصل في ترتيب ms1083 الولايات وتقسيمها ووجه الحكم فيها # الولاية تنقسم على خمسة أقسام: # أحدها: ولاية الإسلام والإيمان. # والثاني: ولاية الحلف والأيمان. # والثالث: ولاية الهجرة. # والرابع: ولاية النسب. # والخامس: ولاية العتق. # فأما ولاية الإسلام والإيمان فإن الله قد نص عليها في محكم القرآن فقال ~~تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} [التوبة: 71] إلا أن هذه ~~الولاية ولاية عامة فلا يتوارث بها إلا عند عدم النسب والولاء، لكنها شرط ~~في صحة الميراث بهما، أعني بالنسب والولاء، لقول رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «لا يرث المسلم الكافر ولا # PageV03P127 # الكافر المسلم ولا يتوارث أهل ملتين شيئا» ويوجب في الموضع الذي لا يوجب ~~الموارثة بها المناصحة والتناصر في دين الله والتعاون في ذاته. قال الله ~~تبارك وتعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} ~~[المائدة: 2] وقال {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} [الحجرات: 10] ~~وقال النبي - عليه السلام -: «من حق المسلم على أخيه المسلم أن يسلم عليه ~~إذا لقيه ويعوده إذا مرض ويشهد جنازته إذا مات» . وقال: «المؤمن للمؤمن ~~كالبنيان يشد بعضه بعضا» . # وأما ولاية الحلف والأيمان فقيل إن الناس كانوا يتوارثون بها في أول ~~الإسلام بدليل قول الله عز وجل: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} ~~[النساء: 33] ثم نسخ الله ذلك بقوله: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في ~~كتاب الله} [الأنفال: 75] وقيل إن ذلك كان في الجاهلية، فلما جاء الإسلام ~~أمروا أن يؤتوهم نصيبهم من النصر والنصيحة والمعونة والمشورة ولا ميراث. ~~واحتج من ذهب إلى هذا بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا حلف في ~~الإسلام وكل حلف كان في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة» . وبقوله - صلى ~~الله عليه وسلم - «ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به ولا حلف في # PageV03P128 # الإسلام» . فالآية على هذا التأويل محكمة فيما عدا الميراث من النصر ~~والمعونة. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن الآية محكمة على ظاهرها في ~~الميراث وغيره، وأن الرجلين إذا لم يكن بينهما نسب معروف فوالى أحدهما ~~الآخر على أن يتوارثا ويتعاقلا فإن ذلك يصح ويتوارثان ms1084 ويتعاقلان. قالوا ~~ولكل واحد منهما أن يرجع على الموالاة ويفسخها ويوالي غيره ما لم يعقل ~~أحدهما عن صاحبه، فإن عقل عنه لزمته الموالاة. وهذا يرده قول رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «لا حلف في الإسلام» معناه لا حكم له في الموارثة ~~على ما كان يفعل في الجاهلية. وأيضا فإن الآية التي احتجوا بها يخالفونها ~~ولا يقولون بها، وذلك أن الله تعالى علق فيها استحقاق النصيب بعقد اليمين ~~فقال: {والذين عقدت أيمانكم} [النساء: 33] وهم لا يرون أن اليمين تؤثر في ~~استحقاق الميراث شيئا. وقد رويت عن النبي - عليه السلام - في هذا المعنى ~~آثار تدل على ما ذهب إليه أبو حنيفة من أن للمولى بالموالاة أن يرجع ~~بولايته إلى من شاء بغير إذن مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس ~~أجمعين. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من تولى مولى بغير إذنه فعليه لعنة الله» ~~. وقوله: «لا يتولى مولى قوم إلا بإذنهم» . وذهب الطحاوي إلى استعمال هذه ~~الآثار على ظواهرها وما تدل عليه من معانيها فقال: إن للمولى # PageV03P129 # بالموالاة أن ينتقل بولايته إلى من شاء بإذن من ينتقل إليه. فالانتقال ~~الولاء عنده أربع شرائط، وهي أن يكون ذلك بإذن المولى، وبإذن من ينتقل عنه، ~~وبإذن من ينتقل إليه، والرابع أن يكون الولاء المنتقل عنه بالموالاة لا ~~بالعتق، لأن الولاء بالعتق لا يصح الانتقال عنه «لنهي رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عن بيع الولاء وعن هبته» . قال وليس في قوله- صلى الله عليه ~~وسلم -: «إنما الولاء لمن أعتق» ما ينبغي أن يكون ثم ولاء سوى ولاية ~~العتاقة، لأن الحديث إنما قصد به إلى الولاء بالعتاقة لا إلى الولاء بما ~~سواه، فإنما ينفي أن يكون ولاء المعتق بالعتاقة لغير الذي أعتقه. وقد ~~تكلمنا على لفظه إنما وما يوجب في كتاب كراء الأرضين. وبالله التوفيق. # وأما ولاية الهجرة فإن الناس كانوا يتوارثون بها في أول الإسلام، لا ~~اختلاف بين أهل العلم في ذلك. قال الله عز وجل: {إن الذين آمنوا وهاجروا ~~وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل ms1085 الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم ~~أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا ~~وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله ~~بما تعملون بصير} [الأنفال: 72] . فكان المهاجرون والأنصار يتوارثون ~~بالهجرة وبالمؤاخاة التي آخى رسول الله- صلى الله عليه وسلم - بها بينهم ~~دون ذوي الأرحام حتى أنزل الله: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب ~~الله} [الأنفال: 75] يريد بقوله في كتاب الله على ما قال أهل التأويل أي في ~~آية المواريث. فالمراد بأولي الأرحام في هذه الآية من سمى الله في آية ~~المواريث أو دخل فيها بالمعنى وإن لم يسم. # PageV03P130 # فصل وورث أهل العراق بهذه الآية العمة والخالة وسائر ذوي الأرحام وجعلوهم ~~أحق بالميراث من الموالي. وهذا ليس بصحيح لأن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قد بين مراد الله في كتابه في هذه الآية. فقال: «فما أبقت الفرائض ~~فلأولى عصبة ذكر» . # وأما ولاية النسب فموجودة أيضا في القرآن. قال الله عز وجل: {ولكل جعلنا ~~موالي مما ترك الوالدان والأقربون} [النساء: 33] وقال تعالى حاكيا عن ~~زكرياء - عليه السلام -: {وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا} ~~[مريم: 5]- يقول وإني خفت بني عمي وعصبتي من بعدي أن يرثوني- {فهب لي من ~~لدنك وليا} [مريم: 5] {يرثني ويرث من آل يعقوب} [مريم: 6] أي ولدا وارثا ~~معينا يرث مالي ويرث من آل يعقوب النبوة. وذلك أن زكرياء كان من ولد يعقوب ~~فوهب الله له يحيى. روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قرأ ~~هذه الآية قال: يرحم الله أخي زكرياء وما كان عليه من ورث ماله، ويرحم الله ~~أخي لوطا إن كان ليأوي إلى ركن شديد» . # وأما ولاية العتق فإنها توجب الميراث عند انقطاع النسب بحق الإفعام ~~بالعتق والمن به عند جماعة العلماء. قال الله عز وجل: {فإما منا بعد وإما ~~فداء حتى تضع الحرب أوزارها} [محمد: 4] والمن العتاقة. وقال تبارك وتعالى: ~~{وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك ms1086 زوجك} [الأحزاب: 37] ~~يريد أنعم الله عليه بالإسلام # PageV03P131 # وأنعمت عليه بالعتق. فولاية العتاقة كالنسب سواء في وجوب الميراث بها عند ~~عدم الأقربين والعصبة. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الولاء نسب» ~~. وقال: «الولاء لحمة كلحمة النسب» . # فصل «ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الولاء وعن هبته» ~~وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الولاء لمن أعتق» . فقوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «الولاء لمن أعتق» فعل الإعتاق وإن لم يكن ذلك حقيقة اللفظ، ~~لأن الثواب حاصل عن العتق والولاء حاصل عنه فوجب ألا يفترقا. وقد أجمعوا أن ~~من وكل رجلا على عتق عبده فالولاء للموكل لا للوكيل الذي تولى فعل الإعتاق. ~~ولهذا قلنا: إن من أعتق عبده عن غيره بإذنه أو بغير إذنه إن الولاء للمعتق ~~عنه؛ لأن ثواب العتق له، وكأنه إذا أعتقه عنه فقد ملكه إياه بشرط إعتاقه ~~عنه. وليس ذلك من هبة الولاء المنهي عنه في الحديث، لأن النهي إنما يقتضي ~~نقل الولاء بعد ثبوته وتقرره لمن حصل له ثواب العتق على ما بيناه. # فصل ومن هذا المعنى اختلفوا في عتق السايبة فكرهه ابن القاسم ابتداء من ~~ناحية هبة الولاء المنهي عنه، فإذا وقع كان الولاء للمسلمين، وأجاز ذلك ~~أصبغ ابتداء ومنع منه ابن الماجشون ورأى أن ذلك هبة الولاء حقيقة، فقال: إن ~~وقع كان # PageV03P132 # الولاء لملأ المسلمين. ففهم أصبغ ومن أجاز عتق السايبة من قول الرجل ~~لعبده: أنت سايبة؛ أن مراده بذلك إعتاقه عن المسلمين وجعل ثواب العتق لهم ~~لا لنفسه. وفهم ابن الماجشون ومن لم يجز أن مراده بذلك أن يجعل ثواب العتق ~~لنفسه وولاءه للمسلمين. ولم يتحقق عند ابن القاسم مراده بذلك فلذلك كرهه ~~ابتداء. فهذا توجيه الاختلاف في عتق السايبة عندي. ألا ترى أن الرجل لو قال ~~لعبده: أنت حر عني وولاؤك للمسلمين لم يختلف أن ذلك جائز وأن الولاء يكون ~~للمسلمين أعني في المذهب. وأما في غير المذهب فالشافعي وأبو حنيفة يقولان ~~إن الرجل إذا قال لعبده أنت حر عن المسلمين ms1087 إن الولاء له لا للمسلمين على ~~أصلهما فيمن أعتق عبده عن غيره بغير إذنه أن الولاء له دون المعتق عنه. ~~واستدلوا على ذلك بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الولاء لمن ~~أعتق» . وإذا استدلوا على ذلك بهذا الظاهر فيلزمهم عليه عتق الوكيل، والعتق ~~عن الغير بإذنه، وهذا بين لا خروج لهما عنه. # فصل وإذا قلنا إن المفهوم من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الولاء ~~لمن أعتق» أي لمن حصل له ثواب العتق، فمن أسلم على يديه رجل فلا ولاء له ~~عليه. هذا قولنا وقول فقهاء الأمصار. وقال إسحاق بن راهويه: له ولاؤه، ~~واحتج بما روي «عن تميم الداري أنه قال للنبي - عليه السلام -: يا رسول ~~الله، ما السنة فيمن أسلم على يديه رجل فقال: هو أحق به في محياه ومماته» . ~~وهذا محمول عندنا على أنه أحق به في نصرته والقيام بأموره وتولي دفنه إذا ~~مات. بدليل قول النبي - عليه السلام -: «إنما الولاء لمن أعتق» . ولأن ~~الولاء إنما يكون بالإنعام، ولا إنعام لمن أسلم على يديه، وبالله التوفيق. # PageV03P133 # فصل وكذلك من التقط لقيطا فهو حر ولا ولاء له عليه وقد قال قوم: إن ولاءه ~~لمن التقطه. واحتجوا بقول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - هو حر ولك ولاؤه ~~وعلينا نفقته. وهذا محمول أيضا عندنا على أن عمر إنما أراد أن له ولايته ~~والقيام بأموره والثواب على تربيته، وعلى بيت المال نفقته بدليل قول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «إنما الولاء لمن أعتق» . # فصل ومن الناس من قال إن اللقيط عبد لمن التقطه، وهذا لا وجه له، لأنه لا ~~يخلو من أن يكون ابن أمة مملوكة فهو لسيدها لا يحل لملتقطه أن يتملك، أو ~~يكون ابن حرة فهو حر. # فصل وما روي عن عائشة وابن عمر - رضي الله عنهما - أنهما قالا في أولاد ~~الزنى: أعتقوهم وأحسنوا إليهم. فإن مخرج ذلك في أمر الحرية على الإعلام لهم ~~بأنهم أحرار، وهذا جائز في الكلام، كقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا ms1088 ~~يجزي ولد والده إلا أن يجده عبدا مملوكا فيشتريه فيعتقه» وليس يجوز بقاء] ~~ملك الولد على والده ولا ملك الوالد على ولده لأنه يتنافى أن يكون ابنا ~~عبدا أو أبا عبدا، بدليل قول الله عز وجل: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه ~~بل عباد مكرمون} [الأنبياء: 26] . وقال تعالى: {وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ~~ولدا} [مريم: 92] {إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا} ~~[مريم: 93] # PageV03P134 # فنفى الله تعالى أن يكون الولد عبدا. فإذا كان هذا في الولد فهو في الأب ~~أولى لحرمة الأب وما أوجب الله له من الحق. ألا ترى أنه قرن شكره بشكره ~~فقال تعالى: {أن اشكر لي ولوالديك} [لقمان: 14] . وقول عمر هو حر؛ مفهومه ~~الإخبار بحريته لا إعتاقه، ولو كان حرا بإعتاقه لكان الولاء له؛ لأن هبة ~~الولاء لا تجوز. # فصل والموالي أربعة: # موالي لا يتوارثون وهم المسلمون الذين لا يتناسبون. # وموالي يتوارثون وهم المسلمون المتناسبون. # وموالي يرثون ولا يورثون وهم الموالي المسلمون المعتقون. # وموالي يورثون ولا يرثون وهم الموالي المعتقون. # فصل الموالي الذين يرثون ولا يورثون ثلاثة: مولى الرجل الذي أعتقه، ومولى ~~أبيه، ومولى أمه. # فإن كان الرجل حرا معتقا فولاؤه لمولاه الذي أعتقه، فإن لم يكن مولى وكان ~~حرا لم يعتق كان ولاؤه لمولى أبيه الذي أعتقه، فإن كان الأب حرا لم يعتق ~~كان ولاؤه لمولى جده الذي أعتقه. هكذا أبدا ما ارتفع وعلا. # فإن لم يكن في آبائه حر معتق وكانوا كلهم أحرارا غير معتقين ورثه ~~المسلمون، ولم يكن لموالي الأم من ولائه شيء. وكذلك إن كان في آبائه حر # PageV03P135 # معتق فانقرض المعتق وعصبته ورثه المسلمون دون موالي الأم. فإن كان الميت ~~منقطع النسب ولد زنى أو منفيا بلعان أو كان آباؤه كفارا أو عبيدا كان ولاؤه ~~لموالي الأم إن كانت معتقة، فإن كانت الأم حرة لم تعتق كان الولاء لموالي ~~الجدات للأم. وإن كانت منقطعة النسب ابنة زنى أو منفية بلعان أو كان أبوها ~~عبدا أو كافرا كان الولاء لموالي الجدة أم الأم، ms1089 وهكذا على هذا الترتيب ~~ينزل الأمر. # فصل والولاء في جميع ما ذكرنا من موالي الرجل وموالي ابنه وموالي أمه ~~يورث به ولا يرث. ومعنى ذلك أن الميراث يكون لأقرب الناس بالمعتق يوم مات ~~المولى الموروث، لا لمن ورث المولى المعتق. # فصل وهو ينتقل إلى الأقرب فالأقرب من العصبة لقول رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «الولاء للكبر» . يريد الأقرب إلى المولى المعتق فالأقرب من ~~العصبة، وبالله التوفيق. # فصل فأولى الناس بميراث الرجل المعتق إذا لم يكن له ورثة ولا عصبة مولاه ~~الذي أعتقه، فإن لم يكن حيا فولده ثم ولد ولده وإن سفلوا الأقرب فالأقرب. ~~فإن لم يكن له ولد ولا ولد ولد أو كانوا فانقرضوا فأبوه ثم ولد الأب وهم ~~الإخوة. فإن كانوا لأب وأم أو لأب فالميراث بينهم، وإن كان بعضهم لأب وأم ~~وبعضهم لأب، فالذي لأب وأم أقعد من الذي لأب وأحق بالميراث. فإن لم يكن له ~~إخوة فولد الإخوة، فإن كان بعضهم ابن أخيه لأب وأم وبعضهم ابن أخيه لأب ~~فابن الأخ للأب والأم أقعد # PageV03P136 # وأحق بالميراث. فإن لم يكن له ولد الإخوة فأولادهم، فإن لم يكن أولادهم ~~فأولاد أولادهم أبدا ما سفلوا على هذا الترتيب الذي وصفنا ومتى استووا في ~~القعدد وكان أحدهم أقرب إلى المعتق بأم كان أحق بالميراث، وإن استووا كانوا ~~في الميراث شرعا سواء. فإن لم يكن للأب ولد ولا ولد ولد أو كانوا فانقرضوا ~~كان أبوه وهو الجد أحق الناس بالولاء، فإن لم يكن الجد فولده وهم الأعمام، ~~فإن كان بعضهم أقرب إلى المعتق بأم كان أقعد بالميراث. فإن استووا كانوا في ~~الميراث شرعا سواء. فإن لم يكن الأعمام فولد الأعمام، فإن لم يكن ولد ~~الأعمام فولد ولدهم وإن سفلوا أبدا على الترتيب الذي وصفناه في بني الإخوة، ~~متى استووا في القعدد وكان أحدهم أقرب إلى المعتق كان أحق بالميراث، وإن ~~استووا في ذلك كانوا في الميراث شرعا سواء. فإن لم يكن للجد ولد ولا ولد ~~ولد، أو كانوا فانقرضوا فأبو ms1090 الجد أحق بالميراث، فإن لم يكن أبو الجد ~~فولده، فإن لم يكن ولده فولد ولده على الترتيب الذي وصفناه في الإخوة ~~وبنيهم، والأعمام وبنيهم، فإن لم يكن له ولد فولد ولده على الترتيب الذي ~~وصفاه. فإن لم يكن لجد الجد ولد ولا ولد ولد فوالد الجد هكذا أبدا ما تباعد ~~نسبهم وامتد فرعهم. فإن انقطعوا ولم يبق منهم أحد كان الميراث لجماعة ~~المسلمين بولاية الإسلام، إلا أن يكون مولاه الذي أعتقه معتقا فيكون الولاء ~~لمولى مولاه ثم لمن يجب ذلك له بسببه على ما بيناه في انتقال الولاء عن ~~المولى المعتق ثم لمولى مولى مولاه ثم لمن يجب ذلك له بسببه على ما بيناه. ~~فإن لم يكن مولاه الذي أعتقه معتقا وكان حرا لم يعتق بولادته فمولى أبيه ثم ~~لمن يجب له ذلك بسببه على ما بيناه. وإن كان مولاه الذي أعتقه منقطع النسب ~~ولد زنى أو منفيا بلعان أو كان أبوه عبدا أو كان عبدا أو كافرا فولاؤه ~~لمولى أمه ثم لمن يجب ذلك له بسببه على ما بيناه. فإن كانت أمه حرة لم تعتق ~~فولاؤه لمولى أبيها، فإن كان أبوها عبدا أو كافرا أو كانت منقطعة النسب ~~ابنة زنى أو منفية بلعان فولاؤه # PageV03P137 # لموالي أم أم مولاه، فإن لم يكن له موالي من قبل أم مولاه فميراثه لجماعة ~~المسلمين بولاية الإسلام. # فصل فإن كان الرجل المتوفى حرا لم يعتق كان الولاء للمولى الثاني وهو ~~مولى أبيه الذي أعتقه، ثم لمن يجب ذلك له بسببه على ما أحكمته السنة في ~~ميراث الولاء على ما وصفناه. فإن كان أبوه حرا أيضا لم يعتق كان الولاء ~~لمولى أبي أبيه. فإن كان أبو أبيه حرا لم يعتق كان ولاؤه لموالي أبي أبي ~~الأب فإن كان أبو أبي الأب عبدا أو كافرا أو كان قد نفى ابنه أبا الأب ~~بلعان أو كان ابنه من زنى كان الولاء لموالي أم أبي الأب. وإن كان أبو الأب ~~عبدا أو كافرا أو كان قد نفى ابنه ms1091 وهو الأب بلعان أو كان ولده من زنى كان ~~الولاء لموالي أم الأب. فإن كانت أم الأب حرة لم تعتق كان الولاء لموالي ~~أبي أم الأب، فإن كان أبو أم الأب عبدا أو كافرا أو كان قد نفى ابنته وهي ~~أم الأب بلعان أو كانت ابنته من زنى كان الولاء لموالي أم أم الأب، وهكذا ~~ترتيب الولاء أبدا في موالي الأب فمن فوقه من الآباء والأمهات. # فصل وإن كان الرجل المتوفى حرا غير معتق منقطع النسب إما ولد زنى أو ~~منفيا بلعان أو لم يكن في آبائه حر مسلم كان ولاؤه للمولى الثالث، وهو مولى ~~أمه، ثم لمن يجب له ذلك بسببه على ما أحكمته السنة في ميراث الولاء. وقد ~~بينا ذلك. فإن كانت أمه حرة لم تعتق كان الولاء لموالي أبي أمه ثم لمن يجب ~~ذلك له بسببهم. فإن كان أبو الأم عبدا أو كافرا أو قد كان نفى ابنته بلعان ~~أو كانت ابنته من زنى كان الولاء لموالي أم الأم ثم لمن يجب ذلك له بسببهم. ~~فإن كانت الأم حرة لم تعتق كان الولاء لموالي أبي أم الأم ثم لمن يجب ذلك ~~له بسببهم. فإن كان أبو # PageV03P138 # أم الأم عبدا أو كافرا أو كان قد نفى ابنته أم الأم بلعان أو كانت ابنته ~~من زنى كان الولاء لموالي أم أم الأم ثم لمن يجب ذلك له بسببهم. وهكذا ~~يترتب الولاء أبدا في موالي الأم فمن فوقه من الآباء والأمهات. # فصل ومتى ما أعتق الأب أو أسلم إن كان كافرا رجع الولاء إليه وجره إلى ~~مواليه إن كان مولى، أو إلى عصبته وجماعة المسلمين إن كان لا ولاء عليه ~~لأحد. وكذلك إن استلحق الملاعن ابنه رجع الولاء إليه وجره عن موالي الأم ~~إلى مواليه إن كان مولى أو إلى عصبته وجماعة المسلمين إن لم يكن عليه ولاء ~~لأحد. وبالله التوفيق. # فصل والأصل في هذا أن كل ولد يولد للحر من حرة فولاؤه لموالي أبيه إن كان ~~مولى أو لجماعة ms1092 المسلمين إن كان حرا لم يعتق بعتق، ولا يرجع ولاؤه إلى ~~موالي أمه أبدا إلا أن تعتق وهي حامل به فيكون ولاء ولدها لمعتقها ولمن يجب ~~ذلك له بسببه، لأن الرق قد مسه في بطن أمه. وكذلك إذا كوتبت وهو في بطنها ~~أو دبرت أو أعتقت إلى أجل فولاء ما في بطنها لسيد أمهم، ولدته في الكتابة ~~أو بعد أدائها أو ولدته المدبرة في حياة سيدها أو بعد وفاته، أو ولدته ~~المعتقة إلى أجل قبل الأجل أو بعده. وبالله التوفيق. # فصل والولاء ينتقل عن الرجل والمرأة إلى بنيهما وعصبتهما من الرجال دون ~~النساء، فلا ترث المرأة من الولاء إلا ما أعتقت أو أعتق من أعتقت أو أعتق ~~من أعتق من أعتقت، أو ولد من أعتقت من الذكور إن كان حرا لم يعتق، أو ولد ~~من # PageV03P139 # أعتقت من الإناث إن كان ولد زنى أو منفيا بلعان أو كان أبوه عبدا أو ~~كافرا على ما بيناه قبل من أن الموالي ثلاثة: مولى الرجل الذي أعتقه، ومولى ~~أبيه، ومولى أمه. # فصل وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الولاء لمن أعتق» يهوديا أو ~~نصرانيا لأن عتق الكافر جائز وفيه أجر. قال الله عز وجل: {فإما منا بعد ~~وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها} [محمد: 4] والمن العتاقة ففي هذا إجازة ~~عتق الكافر قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أفضل الرقاب أنفسها ~~ثمنا وأغلاها عند أهلها» . فلم يخص كافرا من مسلم إلا أنه لا يرثه إلا أن ~~يسلم لاختلاف الدينين. وكذلك إن أعتق الذمي عبده الذمي فإن الولاء يثبت له ~~بعتقه إياه ويرثه إن أسلما جميعا. فإن قال قائل: كيف يصح له الولاء، وقد ~~قلت فيما تقدم: إن الولاء لمن حصل له ثواب العتق، والنصراني لا يثاب على ~~عتقه؟ # فالجواب على ذلك أن هذا إجماع، والإجماع أصل في نفسه، فلا يعترض عليه ~~بالقياس. وأيضا فإن النصراني له ثواب العتق إن أسلم على ما روي «أن عمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنه - قال للنبي - عليه السلام ms1093 -: يا رسول الله، أرأيت ~~أشياء كنا نتخلق بها في الجاهلية؟ فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: أسلمت على ما سلف لك من خير. # فصل وأما إن أعتق النصراني مسلما فلا يثبت له ولاؤه؛ لأنه أعتق من لا يصح ~~له # PageV03P140 # حبسه ولا يستقر عليه ملكه، لقول الله عز وجل: {ولن يجعل الله للكافرين ~~على المؤمنين سبيلا} [النساء: 141] . هذا مذهب مالك وأصحابه، ورواية ابن ~~القاسم عنه في كتاب ابن المواز أن الولاء يثبت لهم، وهو أظهر، لأن إسلامه ~~لا يسقط ملك سيده عنه وهو عبده وعلى ملكه حتى يباع عليه، وبالله التوفيق. # فصل وقد مضى القول في الولاء موعبا، ويحسن أن يوصل بذلك القول في فرائض ~~المواريث إذ لم يقع منها في المدونة إلا فريضة واحدة ناقصة، فأنا أذكر ~~هاهنا منها جملة مختصرة ملخصة كافية على مذهب مالك وما روي عن زيد بن ثابت ~~- رضي الله عنه -. # فصل فيما يجب الميراث به # الميراث يكون بين الأحرار المسلمين بأحد ثلاثة أشياء: # إما نسب ثابت. # أو نكاح منعقد. # وإما ولاء عتاقة. # فإن لم يكن للمتوفى وارث بوجه من هذه الوجوه ورثه جميع المسلمين بولاية ~~الإسلام. لأن المؤمنين بعضهم أولياء بعض. قال الله عز وجل: {والمؤمنون ~~والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} [التوبة: 71] وقد يجتمع الثلاثة الأشياء فيكون ~~الرجل زوج المرأة ومولاها وابن عمها. وقد يجتمع منها شيئان لا أكثر مثل أن ~~يكون زوجها ومولاها، أو زوجها وابن عمها، فيرث بوجهين ويكون له جميع المال ~~إذا انفرد، نصفه بالزوجية ونصفه بالنسب أو الولاء. ومثل أن تكون المرأة ~~ابنة الرجل # PageV03P141 # ومولاته فيكون لها أيضا جميع المال إذا انفردت، نصفه بالنسب ونصفه ~~بالولاء وكذلك ما أشبهه، وبالله التوفيق لا شريك له. # فصل ولا ميراث إلا بعد الدين والوصية. فإذا مات المتوفى أخرج من تركته ~~الحقوق المعينات، ثم ما يلزمه في تكفينه وإقباره، ثم الديون على مراتبها، ~~ثم يخرج من الثلث الوصايا وما كان في معناها على مراتبها، ويكون الباقي ~~ميراثا بين الورثة، وبالله التوفيق. ### || فصل في تسمية ms1094 من يرث من الرجال # وهم خمسة عشر: الأب، والجد للأب وإن علا، والابن، وابن الابن وإن سفل، ~~والأخ الشقيق، والأخ للأب، والأخ للأم، وابن الأخ الشقيق، وابن الأخ للأب، ~~والعم الشقيق، والعم للأب، وابن العم الشقيق، وابن العم للأب، والزوج، ~~والمولى بولاء العتاقة. ### || فصل في تسمية من يرث من النساء # وهن: عشرة: الأم، والجدة للأب، والجدة للأم، والبنت، وبنت الابن، والأخت ~~الشقيقة، والأخت للأب، والأخت للأم، والزوجة، والمولاة المعتقة. # فصل ولا يرث من ذوي الأرحام سوى من له فرض مسمى بأرحامهم شيئا، وهم ~~الأجداد من قبل الأم، والأعمام للأم، وبنوهم، وبنو الأخ للأم، والأخوال، ~~والخالات، وبنوهم، وبنو البنات، وبنو الأخوات؛ ولا جميع العصبة من النساء ~~بأنسابهن شيئا، وهن العمات، وبنات الإخوة، وبنات الأعمام، فهؤلاء وأولادهم # PageV03P142 # ومن علا من أشباههم، مثل عمة الأب، وخالة الجد، لا يرثن ولا يحجبن وارثا؛ ~~لأن كل من لا يرث بحال فلا يحجب. ### || فصل في الحجب # فصل # في الحجب # الأب يحجب من فوقه من الآباء. ومن كان بسببه من الجدات، ويحجب الإخوة ~~وبنيهم والأعمام وبنيهم.، والابن يحجب من تحته من بني البنين، ويحجب الإخوة ~~كلهم ذكورهم وإناثهم، ويحجب الأعمام وبنيهم، ويحجب الأم عن الثلث إلى ~~السدس، والزوجة عن الربع إلى الثمن، والزوج عن النصف إلى الربع. والأخ ~~الشقيق يحجب الأخ للأب، والأخ للأب يحجب ابن الأخ الشقيق. وابن الأخ الشقيق ~~يحجب ابن الأخ للأب، الأقرب يحجب الأبعد أبدا. فإذا استويا في القعدد ~~فالشقيق أحق. وابن الأخ وإن سفل يحجب العم الشقيق. والعم الشقيق يحجب العم ~~للأب، والعم للأب يحجب ابن العم الشقيق. وابن العم الشقيق يحجب ابن العم ~~للأب، الأقرب يحجب الأبعد أيضا على ما تقدم في الإخوة. والأم تحجب جميع ~~الجدات اللواتي من قبلها واللواتي من قبل الأب. وكل واحدة من الجدتين تحجب ~~من فوقها من الجدات. والبنت وبنت الابن وإن سفلت تحجب الإخوة للأم، والزوجة ~~من الربع إلى الثمن. ### || باب ميراث البنين # الابن إذا انفرد كان له جميع المال، فإن كانوا أكثر من واحد ms1095 كان المال ~~بينهم بالسواء. والبنت الواحدة إذا انفردت كان لها النصف، وللاثنين فصاعدا ~~الثلثان. فإن اجتمع البنون والبنات فلا فريضة للبنات واحدة كانت أو أكثر ~~معهم، والمال بين جميعهم للذكر مثل حظ الأنثيين. فإن كان مع البنين من له ~~فرض مسمى بدئ به وكان ما فضل بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين إن كانوا ذكورا ~~وإناثا، أو بينهم بالسواء # PageV03P143 # إن كانوا ذكورا، وان كن إناثا فلهن مع أهل الفرائض فرائضهم كاملة إلا أن ~~ينقصها العول. وبنو الأبناء كالأبناء في عدم الأبناء ذكرهم كذكرهم وأنثاهم ~~كأنثاهم، يرثون كما يرثون ويحجبون كما يحجبون، ولا شيء لبني الابن ذكورا ~~كانوا أو إناثا مع الابن الذكر، ولهم مع البنت أو البنات ما فضل عن فرائضهم ~~على السواء إن كانوا ذكورا، وللذكر مثل حظ الأنثيين إن كانوا ذكورا وإناثا، ~~فإن كانوا إناثا فلا شيء لهن مع البنتين فصاعدا إلا أن يكون معهن ابن ابن ~~أو بإزائهن فيرد عليهن ويكون الفاضل بينهن وبينه للذكر مثل حظ الأنثيين. ~~ولهن مع البنت الواحدة السدس تكملة الثلثين، ولا شيء لمن تحتها من بنات ~~الأبناء إلا أن يكون معهن ابن ابن بإزائهن أو أبعد منهن فيرد عليهن ويكون ~~الفاضل بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين. ### || باب ميراث الأبوين # الأب إذا انفرد كان له المال كله، وله مع البنين السدس فريضة، وله مع أهل ~~الفرائض ما فضل عن فرائضهم إن فضل السدس أو أكثر منه، فإن فضل أقل منه لم ~~ينقص منه إلا ما نقصه العول. وللأم إذا لم يكن ولد أو اثنان من الإخوة أو ~~الأخوات فصاعدا كانوا أشقاء أو لأب أو لأم الثلث فريضة لا يزاد عليه ولا ~~ينقص منه إلا أن ينقصها العول. فإن كان للمتوفى ولد أو ولد ابن ذكرا كان أو ~~أنثى أو اثنان من الإخوة أو الأخوات فصاعدا ورثا أو حجبا، فلها السدس فريضة ~~لا تزاد عليه ولا تنقص منه إلا أن ينقصها العول. فهذه حال الأم إلا في ~~الغراوين، وهما زوجة وأبوان، أو زوج وأبوان، فلها ms1096 فيهما ثلث ما بقي بعد ~~فريضة الزوج أو الزوجة. ### || باب ميراث الجدات # وللجدة الواحدة من قبل أب كانت أو من قبل أم السدس إذا انفردت، فإن ~~اجتمعتا فالسدس بينهما بنصفين. فإن كانت التي من قبل الأم أقرب فالسدس لها # PageV03P144 # دون التي للأب، وإن كانت التي من قبل الأب أقرب فالسدس بينهما بنصفين. ~~ولا يرث من الجدات إلا جدتان: أم الأم وأمهاتها، وأم الأب وأمهاتها. وأما ~~أم أبي الأب، وأم أبي الأم فإنهما لا ترثان. ### || باب ميراث الزوجين # وللزوج من امرأته النصف إن لم يكن لها ولد، فإن كان لها ولد ذكرا أو أنثى ~~منه أو من غيره أو ولد ولد ذكر له الربع. وللزوجة من زوجها الربع إن لم يكن ~~له ولد ولا ولد ولد، فإن كان له ولد ذكرا كان أو أنثى منها أو من غيرها أو ~~ولد ولد ذكر فلها منه الثمن. فإن كان للرجل زوجات فالثمن أو الربع بينهن ~~بالسواء لا يزدن على ذلك شيئا. والمدخول بهن وغير المدخول بهن في الميراث ~~سواء. ### || باب ميراث الجد # ميراث الجد للأب وإن علا كميراث الأب إذا لم يكن دونه أب ولا ترك المتوفى ~~إخوة أشقاء أو لأب إلا في الغراوين فإن للأم معه ومع الزوجة أو الزوج الثلث ~~بخلاف ما لها مع الأب. فيرث الجد المال كله إذا انفرد، فإن كان معه أهل ~~فرائض فرض له السدس ولم ينقص منه إلا أن ينقصه العول. ### || باب ميراث الإخوة الشقائق ولأب # باب ميراث الإخوة الشقائق وللأب الأخ الشقيق إذا انفرد كان له المال كله، ~~فإن كانوا أكثر من واحد فالمال بينهم على عددهم. وهو مع أهل الفرائض عاصب ~~فيما بقي لهم، فإن استكملوا المال لم يكن له أولهم إن كانوا عددا شيء إلا ~~أن يكون في الذين استكملوا المال إخوة لأم ورثوا الثلث فيشاركنهم فيه على ~~أنهم إخوة لأم. وتسمى هذه الفريضة المشتركة، وتعرف بالحمارية. ولو فضل ~~للإخوة الشقائق شيء لم يكن لهم إلا ما فضل وإن كان أقل مما صار ms1097 للإخوة ~~للأم. # PageV03P145 # وللأخت الواحدة الشقيقة النصف، وللأختين فصاعدا الثلثان لا ينقص من ذلك ~~إلا أن ينقصهن العول. فإن كان معهن أخ أو إخوة أشقاء فلا فريضة لهن معه ولا ~~معهم، والمال بينهم إذا انفردوا، أو ما فضل عمن له فرض مسمى إن كان معهم من ~~له فرض مسمى، للذكر مثل حظ الأنثيين. # والإخوة للأب كالإخوة الشقاق عند عدم الشقائق ذكرانهم كذكرانهم، وإناثهم ~~كإناثهم إلا في المشتركة فإنهم لا يشتركون مع الإخوة للأم لخروجهم عن ~~ولادتها. فلا شيء للإخوة للأب مع الأخ الشقيق، ولهم مع الأخت الشقيقة أو مع ~~الأختين ما فضل من المال على السواء إن كانوا ذكورا، وللذكر مثل حظ ~~الأنثيين إن كانوا ذكورا وإناثا. فإن كانوا إناثا فلا شيء لهن مع الأختين ~~فصاعدا، ولهن مع الواحدة السدس تكملة الثلثين فريضة. والأخوات الشقائق أو ~~اللواتي لأب مع الابنة أو البنات، فلا شيء للواتي لأب مع الشقائق وإن كانت ~~شقيقة واحدة. ### || باب ميراث الإخوة لأم # باب ميراث الإخوة للأم وأما الإخوة للأم فإن كان واحدا فله السدس، وإن ~~كانوا أكثر فهم شركاء في الثلث على السواء ذكورا كانوا أو إناثا. وليس في ~~الفرائض موضع يكون فيه الذكر والأنثى فيه سواء إلا في ميراث الإخوة للأم. ~~ولا يرثون إلا في الكلالة، وهي ألا يورث المتوفى بابن وإن سفل ولا بأب وإن ~~علا. ### || باب ميراث الإخوة مع الجد # وينزل الجد مع الإخوة الشقائق أو الذين لأب منزلة أخ فيقاسمهم المال ~~للذكر مثل حظ الأنثيين، إلا أن يكون الثلث أفضل له.. فلا ينقص منه شيء. فإن ~~كان مع الإخوة الشقائق إخوة لأب عادوا الجد بهم فمنعوه كثرة الميراث ورد ما ~~صار لهم في المقاسمة على الإخوة الشقائق، ولم يكن للإخوة للأب معهم شيء، ~~إلا أن يكون الشقائق أختا واحدة ويفضل من المال بعد ما صار للجد أكثر من ~~النصف فيكون الفاضل عن الأخت للإخوة للأب للذكر مثل حظ الأنثيين. وإن كان ~~مع # PageV03P146 # الجد والإخوة من له فرض مسمى بدئ به، ثم قاسم الإخوة ms1098 فيما بقي إلا أن ~~يكون ثلث ما بقي أو السدس من رأس المال أفضل له من المقاسمة فيكون له ~~الأفضل من الثلاثة الأشياء، فما صار للإخوة الشقائق أو الذين لأب مع الجدود ~~وفي الفرائض كان بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين. فإن اجتمعوا رجع الشقائق عن ~~الذين لأب فيما صار لهم في المقاسمة، ولم يكن للإخوة للأب معهم شيء، إلا أن ~~يكون الشقائق أختا واحدة ويفضل من المال بعد ما صار للجد ولأهل الفرائض ~~أكثر من النصف فيكون الزائد على النصف للإخوة للأب. فإن استكمل أهل الفرائض ~~المال بسدس الجد لم يكن للإخوة شيء ذكورا كانوا أو إناثا إلا في الأكذوبة، ~~وهي امرأة توفيت عن زوج وأم وجد وأخت شقيقة أو لأب، فللزوج النصف، وللأم ~~الثلث، وللجد السدس، ويرتى للأخت بالنصف، ثم يجمع سدس الجد ونصف الأخت بما ~~دخل ذلك من العول فيقسم بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، فيقسم من سبعة ~~وعشرين، للزوج تسعة، وللأم ستة، وللجد ثمانية، وللأخت أربعة. # فصل وإنما لم ينقص الجد مع الإخوة الشقائق والذين لأب من الثلث شيئا إذا ~~لم يكن معهم من له فرض مسمى، أو من ثلث ما بقي إن كان معهم من له فرض مسمى، ~~لأن الإخوة للأم يفرض لهم مع عدم الإخوة الشقائق أو الذين لأب الثلث فريضة ~~لا ينقصون منه إلا أن ينقصهم العول. فلما كان الجد يحجبهم عن الثلث وجب ألا ~~ينقص منه شيئا، إذ لو كان إخوة لأم لكان لهم ذلك الثلث. وقد روي عن مالك - ~~رحمه الله - في زوج وأم وجد وإخوة لأب وإخوة لأم أن للزوج النصف، وللأم ~~السدس، وللجد الثلث الذي حجب عنه الإخوة للأم، ولا شيء للإخوة للأب معه، إذ ~~لو لم يكن الجد لم يكن لهم مع الإخوة للأم شيء، فكان أحق منهم بجميع الثلث ~~الذي حجب عنه الإخوة للأم. وهذه الفريضة تنسب إلى مالك فتسمى المالكية ~~لقوله بها وصحة اعتباره فيها، وبالله التوفيق. # فصل ولا ميراث بين المسلم والكافر، فميراث الكافر لأهل دينه ms1099 إلا أن يكون ~~عبدا # PageV03P147 # فيرثه سيده بالملك الذي له فيه. وميراث المسلم لورثته من المسلمين إلا أن ~~يسلم عبد الكافر فيموت قبل أن يباع عليه فيرثه بالملك الذي لنفسه؟ ولا بين ~~الحر والعبد ومن فيه بقية رق من مكاتب أو مدبر أو معتق إلى أجل أو أم ولد. ~~وميراث هؤلاء لساداتهم دون قرابتهم إلا أن يعتقوا أو يموت سيد أم الولد، ~~فإن مات سيد أم الولد عتق لها وولد أم الولد من سيدها وولد ابنتها من غير ~~سيدها أيضا يعتقون بموت السيد، فلا ميراث بينهم وبين قراباتهم إلا أن يموت ~~السيد أو يعجل عتقهم. وولد من فيه بقية رق من أمته بمنزلته. ولا يرث ~~المولود حتى يستهل صارخا ولا يورث. ولا يرث قاتل العمد من المال ولا من ~~الدية شيئا. ويرث قاتل الخطأ من المال ولا يرث من الدية، ومما يرثان الولاء ~~جميعا. ولا يرث ولد الزنى ولا المنفي بلعان من أبيه شيئا ولا يرثانه، فإن ~~استلحق الملاعن ابنه جلد الحد ولحق به وورثه. وإن استلحق الزاني ولده من ~~الزنى لم يلحق به إذا كان الزنى في الإسلام. ولا يتوارث من جهل موته مثل ~~أهل البيت يموتون جميعا بغرق أو هدم أو غير ذلك فلا يعلم أيهم مات قبل ~~صاحبه، فيرث كل واحد منهم ورثته من الأحياء ولا يورث بعضهم من بعض. ولا ~~يتوارث من ولد في أرض الشرك مثل المسبيين والمستأمنين إلا أن يثبت نسبهم ~~ببينة أو يكونوا جماعة كثيرة تحملوا فيشهد بعضهم لبعض. ويتوارث توءما ~~المسبية أو المستأمنة بالأب والأم، ولا يتوارث توءما الزانية إلا بالأم. ~~واختلف في توءمي المغتصبة والملاعنة، فالمشهور في توءمي الملاعنة أنهما ~~يتوارثان بالأب والأم، والمشهور في توءمي المغتصبة أنهما لا يتوارثان إلا ~~بالأم. وبالله تعالى التوفيق. ### || فصل في ميراث الخنثى # فصل # في ميراث الخنثى # والخنثى المشكل يورث نصف ميراث ذكر ونصف ميراث أنثى على ما ذهب إليه أهل ~~الفرائض، وفي ذلك اختلاف. ولا يكون الخنثى المشكل زوجا ولا زوجة # PageV03P148 # ولا أبا ولا أما. ms1100 وقد قيل إنه وجد من ولد له من بطنه ومن ظهره، فإن صح ~~ذلك ورث من ابنه لصلبه ميراث الأب كاملا، ومن ابنه لبطنه ميراث الأم كاملا، ~~وهو بعيد. والله أعلم. ### || فصل في فرائض المواريث # فصل # في فرائض المواريث والفرائض التي فرضها الله عز وجل في المواريث ست: ~~ثلثان، ونصف، وثلث، وربع، وسدس، وثمن. فإن كان في الفريضة نصف فأصلها من ~~اثنين. وإن كان فيها ثلث وثلثان فأصلها من ثلاثة. وإن كان فيها ربع أو ربع ~~وثلث ما بقي فأصلها من أربعة.، وإن كان فيها ثمن أو ثمن ونصف فأصلها من ~~ثمانية. وإن كان فيها ربع وثلث أو سدس وربع فأصلها من اثني عشر. وإن كان ~~فيها ثمن وسدس أو ثمن وثلث فأصلها من أربعة وعشرين وإن كان فيها سدس وثلث ~~ما بقي فأصلها من ثمانية وعشرين. وإن كان فيها سدس وربع وثلث ما بقي. ~~فأصلها من ستة وثلاثين. # فأصول الفرائض تسعة على ما ذكرناه منها، ستة لا تعول، وثلاثة قد تعول. # إحداها: فريضة ستة فإنها تعول بالسدس إلى سبعة، وبالثلث إلى ثمانية ~~وبالنصف إلى تسعة وبالثلثين إلى عشرة، وهو أكثر ما تعول به الفرائض. # والثانية: فريضة اثني عشر فإنها تعول بنصف السدس إلى ثلاثة عشر، وبالربع ~~إلى خمسة عشر، وبالسدس ونصف السدس إلى سبعة عشر. # والثالثة: فريضة أربعة وعشرين فإنها تعول بالثمن إلى سبعة وعشرين. # وما كان من الفرائض ليس فيه من له فرض مسمى فأصلها من حيث تنقسم، وذلك ما ~~يجتمع من عدد البنات وضعف عدد البنين إن كان الورثة بنين وبنات، # PageV03P149 # وكذلك الإخوة مع الأخوات، أو ما يجتمع من عدد العصبة الوارثين أو الإخوة ~~الذكور أو البنين. # فصل والورثة ينقسمون على أربعة أقسام: فمنهم من له فرض مسمى وليس بعاصب، ~~فلا يزاد على فريضته ولا ينقص منها إلا أن يدخل الفريضة عول، وهم الأزواج ~~والزوجات، والأم والجدات، والبنت والبنات، والإخوة والأخوات للأم. ومنهم من ~~له فرض مسمى وهو عاصب، فيرث المال كله إن انفرد، ولا ينقص من ms1101 فريضته إذا لم ~~ينفرد إلا أن يدخل الفريضة عول، وهو الأب والجد للأب وإن علا. # ومنهم من هو عاصب في حال، وهن الأخوات الشقائق واللواتي للأب لأنهن عصبة ~~مع البنات. # ومنهم من هو عاصب في كل حال، فيرث المال كله إذا انفرد وما فضل عمن له ~~فرض مسمى إن فضل عن شيء وهم الأبناء وبنوهم، والإخوة وبنوهم، والأعمام ~~وبنوهم، والموالي والمواليات بولاء العتاقة. ### || باب ميراث الولاء # الولاء كالنسب يجب الميراث به عند عدم النسب كما يجب بالنسب، فللمولى ~~المعتق المال كله إذا انفرد، وهو مع من له فرض مسمى عاصب فيما بقي. ~~والموالي ثلاثة: # مولى الرجل الذي أعتقه. # ومولى أبيه. # ومولى أمه. # PageV03P150 # فإن كان الرجل حرا معتقا فولاؤه لمولاه الذي أعتقه ثم لمن يجب له ذلك ~~بسببه وهم الأقرب فالأقرب من العصبة الرجال. فأحق الناس بولاء ما أعتق ~~الرجل والمرأة من رجل أو امرأة ابنه ثم ابن ابنه وإن سفل الأقرب فالأقرب، ~~ثم أبوه، ثم بنو أبيه وهم الإخوة، ثم بنوهم وإن سفلوا الأقرب فالأقرب، فإن ~~كانوا في درجة واحدة في القرب فالمال بينهم بالسواء إلا أن يكون فيهم شقيق ~~فيكون أحق من الذين لأب. ثم الجد، ثم بنوه وهم الأعمام، ثم بنوهم وإن سفلوا ~~الأقرب فالأقرب أيضا، فإن كانوا في درجة واحدة وبعضهم شقيق فالشقيق أحق من ~~الذين لأب. ثم أبو الجد ثم بنوه على الترتيب الذي ذكرنا. ثم جد الجد ثم ~~بنوه على الترتيب الذي ذكرنا. ثم أبو جد الجد ثم بنوه وهكذا أبدا إلى ما ~~يمكن أن يعلم ويحصى. # وإن كان الرجل حرا لم يعتق وكان أبوه حرا معتقا فولاؤه لمولى أبيه ثم لمن ~~يجب ذلك له بسببه على الترتيب الذي وصفناه في مولاه. وإن كان أبوه حرا أيضا ~~لم يعتق فولاؤه لمولى جده إن كان حرا معتقا ثم لمن يجب له ذلك بسببه أيضا ~~على ما بيناه. فإن كان ولد زنى أو منفيا بلعان أو كان أبوه عبدا أو كافرا ~~فولاؤه لمولى أمه إن كانت حرة ms1102 معتقة ثم لمن يجب ذلك له بسببه على ما بيناه. ~~فإن كانت حرة لم تعتق فولاؤه لموالي أبيها. وإن كانت ابنة زنى أو منفية ~~بلعان أو أمة أو كافرة فولاؤه لموالي أمها. ومتى استلحق الملاعن ابنه أو ~~أسلم الكافر أو أعتق العبد جر الولاء عن موالي الأم إلى مواليه أو موالي ~~أبيه لأن كل ولد يولد للحر المسلم من الحرة فليس لموالي أمه من ولائه شيء، ~~وولاؤه لمولاه إن كان حرا معتقا أو لمولى من كان من آبائه حرا معتقا، فإن ~~لم يكن فيهم معتق فميراثه لجماعة المسلمين. فإن لم يكن لأحد الموالي ~~الثلاثة عصبة أو كان فانقرضوا رجع الولاء إلى مولى مولاه إن كان مولاه حرا ~~معتقا ثم لمن يجب ذلك له بسببه على الترتيب الذي وصفناه. ولا يرث النساء من ~~الولاء إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن أو ولد من أعتقن من الرجال إن كان ~~حرا لم يعتق، أو من النساء إن كان منقطع النسب أو مات أبوه عبدا أو كافرا. # PageV03P151 ### | كتاب العتق # ] [ ### || ما جاء في العتق # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وبالله أستعين وعليه أتوكل # كتاب العتق ما جاء في العتق # قال الله عز وجل: {فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها} [محمد: ~~4] والمن العتاقة. وقال تعالى: {فلا اقتحم العقبة} [البلد: 11] {وما أدراك ~~ما العقبة} [البلد: 12] {فك رقبة} [البلد: 13] {أو إطعام في يوم ذي مسغبة} ~~[البلد: 14] {يتيما ذا مقربة} [البلد: 15] {أو مسكينا ذا متربة} [البلد: ~~16] . معنى الكلام فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة لا بفك رقبة ولا ~~بإطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة، لأن "لا" لا ~~تأتي أبدا إلا مكررة، "مثل قوله عز وجل: {فلا صدق ولا صلى} [القيامة: 31] ~~ومثل قوله: {فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [البقرة: 38] فجاءت في هذه الآية ~~مفردة لأن المعنى فيها هو ما ذكرناه من تكريرها في الجواب. فتفسير الآية: ~~فلم يقتحم هذا الإنسان الذي ظن أن لن يقدر ms1103 عليه أحد والله يقدر عليه، وظن ~~أن لم يره أحد والله يراه، وقال إنه أهلك مالا لبدا أي كثيرا، يريد في ~~عداوة النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد هداه الله النجدين، أي أراه طريق ~~الخير والشر وأنعم عليه أن جعل له عينين يبصر بهما حجج الله، ولسانا وشفتين ~~يعبر بهما عن نفسه العقبة ولا ركبها ولا اقتحمها ولا جازها لا بفك رقبة ولا ~~بإطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة. # PageV03P153 # والعقبة قيل فيها إنها الصراط، وقيل إنها عقبة فيما بين الجنة والنار، ~~وقيل: إنها عقبة في جهنم، وقيل: إنها عقبة على جسر جهنم. وأظهر الأقوال ~~أنها الصراط والله أعلم. # والإنسان قيل فيه إنه رجل من بني جمح ذو جلد وقوة يكنى أبا الأشدين. # وأعتق أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - سبعة كلهم يعذب في الله، فقال له ~~أبوه أبو قحافة: يا بني إني أراك تعتق رقابا ضعافا، فلو أنك إذ فعلت ما ~~فعلت أعتقت رقابا جلدا يمنعونك ويقومون دونك، فقال أبو بكر: يا أبت إنما ~~أريد ما أريد، فأنزل الله تبارك وتعالى في ذلك: {وما لأحد عنده من نعمة ~~تجزى} [الليل: 19] {إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى} [الليل: 20] {ولسوف يرضى} ~~[الليل: 21] . يقول الله تبارك وتعالى: لم يكن لأحد ممن أعتق عنده يد ~~يكافئه عليها ولا نعمة يجازيه بها، لكن فعل ذلك ابتغاء وجه ربه الأعلى، ~~ولسوف يرضى في الآخرة بجزيل ثواب الله عز وجل على ذلك ومجازاته عليه. وفي ~~الصحيح من الحديث أن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال: «أيما رجل أعتق امرأ ~~مسلما استنقذ الله بكل عضو منه عضوا منه من النار» ". وروي عنه أنه قال: ~~«أيما امرئ مسلم أعتق امرأ مسلما جعل الله وجاء كل عظم من عظامه عظما من ~~عظامه محرما من النار. وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة جعل الله وقاء ~~كل عظم من عظامها عظما من عظام محررها من النار» . وأنه قال: «من أعتق ~~أمتين كانتا له حجابا من النار» . ومن أعتق ms1104 ذكرا فكذلك. فالرجل يفك رقبته ~~من النار على ما جاءت به الآثار بعتق عبد مسلم أو أمتين مسلمتين. والمرأة ~~تفك رقبتها من النار بعتق أمة مسلمة. «وسئل النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~أي الرقاب أفضل؟ فقال: أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها» . # فصل وقد اختلف في هذا التفضيل هل هو على عمومه في جميع الرقاب مسلمين # PageV03P154 # كانوا أو كفارا، أو هل إنما ذلك عند استوائهما في الكفر والإسلام؟ فروى ~~زياد عن مالك أنه قال: أفضل الرقاب أعلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها ولا ~~أبالي أيهوديا كان أو نصرانيا أو ولد زنى وفي كل أجر، والأجر في ذلك على ~~قدر ما يجترح من ثمنه ومنفعته لله. وقال أصبغ: عتق المسلم أفضل من عتق ~~الكافر وإن كان أقل ثمنا منه، وإنما يكون الأعلى ثمنا أفضل عند استوائهما ~~في الكفر والإسلام. وإذا كانت الرقبتان مسلمتين فالأعلى ثمنا أفضل وإن كانت ~~الأخرى أفضل حالا، وهذا التطوع. أما في الرقبة الواجبة فلا يجوز فيها على ~~مذهب مالك - رحمه الله - إلا مؤمنة وفي سماع أصبغ من كتاب الوصايا فيمن قال ~~بعتق خيار رقيقي أنه يعتق أعلاهم ثمنا حتى يستوعب الثلث، ورواه أبو زيد عن ~~ابن القاسم وقال أصبغ: إلا أن يستدل أنه أراد الخيار في الدين فيعتق الأفضل ~~دينا. ### || فصل في أقسام العتق # فصل والعتق ينقسم على وجهين: تطوع وواجب. # فالتطوع ما يوقعه المعتق ابتداء بلفظ يوجب العتق دون سبب يقدمه. # وأما الواجب فهو ما يوقعه أو يقع لسبب أوجبه. وهو ينقسم على وجهين: مضمون ~~ومعين. # فأما المضمون فإنه يجب عند مالك وأصحابه بثلاثة أشياء: # أحدها: النذر، وهو أن يقول: لله علي أن أعتق عبدا أو كذا وكذا عبدا أو كل ~~عبد أملكه في بلد كذا أو إلى أجل كذا أو من صنف كذا شكرا على ما أولاه أو ~~على شيء يتمناه. # والثاني: اليمين وهو أن يقول: إن فعلت كذا أو كذا أو إن لم أفعله فعلي ~~عتق رقبة أو كذا وكذا رقبة أو كل لما أملكه في ms1105 بلد كذا أو إلى أجل كذا أو ~~من صنف كذا. # والثالث: الفعل الذي أوجب الله تعالى به العتق وهو قتل الخطأ ووطء # PageV03P155 # المظاهر منها بعد الظهار. وليس العتق في كفارة اليمين بواجب لأنه مخير ~~بينه وبين الإطعام والكسوة، ثم الصيام لمن لم يجد. # وأما المعين فإنه ينقسم إلى قسمين: # أحدهما: أن يكون في ملكه. # والثاني: ألا يكون في ملكه. # فأما ما كان في ملكه من العبيد فإن العتق يجب فيه بخمسة أشياء، وهي ~~النذر، واليمين، والإيلاء، وعتق البعض منه، والتمثيل. # فأما النذر وهو أن يقول: لله علي عتق رقبة عبدي هذا إن فعل الله كذا وكذا ~~وما أشبه ذلك، فيؤمر فيه بالعتق ولا يجبر عليه عند ابن القاسم. وقال أشهب: ~~إن لج وأبى أن يعتقه أعتق عليه. فوجه قول ابن القاسم أن عتقه بغير نية لا ~~وفاء فيه لنذره في إجباره على عتقه تفويت عليه للوفاء بنذره. # وأما اليمين فيجبر على العتق متى ما عثر عليه لوجوبه عليه بالحنث، إن كان ~~في الصحة فمن رأس المال، وإن كان في الفرض أو كانت يمينه على حنث فلم يفعل ~~حتى مات فمن الثلث. # وأما الإيلاء فيوجب للأمة العتق من رأس المال بعد الموت سواء كان في ~~الصحة أو المرض. # وأما عتق البعض من العبد فيوجب على سيده عتق سائره بالحكم ما لم يفلس أو ~~يموت، فإن أفلس أو مات قبل أن يحكم عليه بالعتق لم يعتق. واختلف إن مرض ~~فعثر على ذلك في المرض، فقيل: يعتق عليه في الثلث في مرضه، وقيل: لا يعتق ~~عليه فيه إلا بعد الموت. وقيل: إن كان له مال مأمون أعتق عليه في مرضه، وإن ~~لم يكن له مال مأمون لم يعتق عليه حتى يموت. وقيل: لا يعتق عليه حتى يصح، ~~فهي أربعة أقوال قائمة كلها من المدونة. # PageV03P156 # فصل واختلف إن أعتق بعض عبده في مرضه فقيل: يعتق عليه جميعه في مرضه من ~~الثلث. وقيل: يوقف ولا يعتق إلا بعد الموت من الثلث، كانت له أموال مأمونة ms1106 ~~أو لم تكن. وقيل: إنما هذا إذا لم تكن له أموال مأمونة، فإن كانت له أموال ~~مأمونة عجل عتقه من رأس ماله، وهذا الاختلاف كله في المدونة. # فصل وهكذا حكم من مثل بعبده في الصحة أو المرض فلم يعثر عليه حتى مرض أو ~~مات أو أفلس، لأن العبد لا يكون حرا بنفس المثلة حتى يحكم عليه بالعتق. # فصل وأما ما لم يكن في ملكه من العبيد فإن العتق يجب عليه فيه إذا ملكه ~~بخمسة أشياء، وهي: النذر، واليمين، وأن يكون ممن لا يحل له ملكه من أقاربه، ~~وأن يمثل بعبد يملك بعضه فيوجب ذلك عليه عتق جميعه حظه وحظ شريكه بالحكم لا ~~بنفس المثلة، وأن يعتق حظه من عبد بينه وبين شريكه فيوجب ذلك عليه عتق حظ ~~شريكه إذا اشتراه أو تقويمه عليه إن لم يشتره على ما ثبت في الحديث المأثور ~~في ذلك عن النبي - عليه السلام -. # فصل واختلف إن لم يعثر عليه حتى مرض أو مات، فقيل إنه لا يقوم عليه بعد ~~الموت ولا في المرض، قاله بعض رواة مالك في المدونة. وقيل: إنه يقوم في ~~المرض ويعتق عليه فيه. وقيل إنه إنما يقوم عليه بعد الموت في الثلث. وقيل: ~~إنه إن كان له مال مأمون قوم عليه في مرضه، وإن لم يكن له مال مأمون لم ~~يقوم عليه إلا بعد موته. وقيل: إنه يقوم عليه في مرضه ولا يعتق عليه فيه ~~حتى يموت، فإذا مات عتق في ثلثه إن حمله الثلث، وإن لم يحمله كان ما بقي ~~لورثته. وقيل: إنه لا يقوم عليه في مرضه وتعرف قيمته، فإن مات من مرضه ذلك ~~ولم يصح منه كانت تلك # PageV03P157 # القيمة بعد الموت في الثلث. وقيل إنه إن مات بحدثان ذلك ولم يطل قوم عليه ~~وأعتق من رأس ماله، وهي رواية أشهب عن مالك في العتبية، ورواية مطرف وابن ~~الماجشون عنه في الواضحة. # فصل وأما إن أعتق حظه من عبد بينه وبين شريكه في المرض ففي ذلك أربعة ~~أقوال: # أحدها: ms1107 أنه يعجل عليه التقويم في المرض من الثلث. # والثاني: أنه لا يعجل ذلك عليه حتى يموت. # والثالث: الفرق بين أن يكون له مال مأمون أو لا يكون له مال مأمون؛ فإن ~~كان له مال مأمون قوم عليه في المرض، وإن لم يكن له مال مأمون لم يقوم عليه ~~حتى يموت، وهذا الاختلاف كله في المدونة. # والرابع: أنه لا يقوم عليه نصيب شريكه إلا من رأس ماله إن صح، وإن لم يصح ~~لم يقوم في الثلث على حال وعتق عليه فيه حظه وحده، وهو قول ابن الماجشون في ~~الواضحة. # فصل وتحصيل هذه المسألة بتلخيص أن تقول فيها: اختلف في الرجل يعتق شقصا ~~من عبده أو شقصه من عبد بينه وبين شريكه في صحته ثم يمرض قبل أن يعتق عليه ~~بقية عبده أو قبل أن يقوم عليه حظ شريكه فيعثر على ذلك في مرضه على ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: قول ابن القاسم في المدونة: إنه يعتق عليه بقية عبده، ويقوم عليه ~~حظ شريكه في الثلث. قيل: في المرض، وقيل: بعد الموت لا في المرض، وقيل: إن ~~كانت له أموال مأمونة أعتق عليه بقية عبده في المرض وقوم عليه حظ شريكه في ~~الثلث. وإن لم تكن له أموال مأمونة لم يعتق عليه بقية عبده، ولا يقوم حظ ~~شريكه # PageV03P158 # إلا بعد موته. وقيل: إنه إذا أعتق شقصه من عبد بينه وبين شريكه يحكم عليه ~~بالتقويم في المرض ولا يعتق حتى يموت، فإن مات أعتق في ثلثه حظ شريكه الذي ~~قوم عليه أو ما حمل الثلث منه ويبقى شريكه عليه في المرض إلا برضاه، إذ لا ~~يدري هل يخرج من الثلث أم لا. فمن حجته ألا يقوم نصيبه سائره رقيقا لورثته، ~~وهو قول أصبغ. والنظر يوجب ألا يعجل تقويم نصيب إلا إلى عتق متيقن. وقد ~~قيل: إنه تعرف قيمته في المرض ولا يقوم عليه حتى يموت، فإن مات جعلت تلك ~~القيمة في ثلثه، فإن لم يحملها الثلث نفذ من ذلك ما حمل الثلث وما لم يحمل ms1108 ~~الثلث بقي رقيقا للشريك الذي لم يعتق. # والثاني: قول بعض الرواة في المدونة: إنه لا يعتق عليه في الثلث بقية ~~عبده ولا يقوم عليه فيه حظ شريكه. # والثالث: قول ابن الماجشون في الواضحة إنه يقوم عليه في الثلث حظ شريكه ~~على ما ذكرناه من الاختلاف في تعجيل التقويم أو تأخيره ولا يعتق عليه فيه ~~بقية عبده. واتفقوا فيما علمت أنه إن لم يعثر على ذلك حتى مات أنه لا يعتق ~~عليه بعد الموت بقية عبده ولا يقوم عليه حظ شريكه لا من رأس المال ولا من ~~الثلث، وهذا إذا طال، واختلف إذا لم يطل على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه لا يعتق عليه بعد الموت بقيته ولا يقوم عليه حظ شريكه لا من ~~رأس المال ولا من الثلث، وهو ظاهر ما في المدونة. # والثاني: أنه يقوم عليه بعد الموت حظ شريكه إن كان موته بحدثان عتق ~~نصيبه؛ لأن ذلك حق قد وجب لشريكه، ولا يعتق عليه بقية عبده إن كان العبد ~~كله له، وهو قول مالك في رواية أشهب عنه في العتبية، وفي رواية مطرف وابن ~~الماجشون عنه في الواضحة. # والثالث: أنه يعتق عليه بعد الموت بقية عبده إن كان العبد كله له ويقوم ~~عليه نصيب شريكه إن غافلة الموت. حكى هذا القول ابن حبيب عن مالك وأصحابه # PageV03P159 # ولم يذكر فيه اختلافا. وظاهر ما في المدونة يخالفه وأما التفليس فلا ~~اختلاف في أنه يسقط التقويم والتتميم. # وأما إن أعتق الرجل شقصا من عبده أو شقصه من عبد بينه وبين شريكه في ~~المرض فلا خلاف بينهم في أن ذلك كله يكون من الثلث ما أعتق منه وما بقي إن ~~مات من ذلك المرض ولم يصح منه. واختلف هل ينظر في ذلك في حال المرض أو يؤخر ~~النظر فيه حتى يموت على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه ينظر في ذلك في حال المرض فيعتق جميع العبد في الثلث إن كان ~~له، ويقوم عليه كحظ شريكه فيه إن كان له فيه شريك. # والثاني: أنه لا ms1109 ينظر في ذلك إلا بعد الموت. # والثالث: الفرق بين أن يكون له مال مأمون أو لا يكون له مال مأمون، فإن ~~كان له مال مأمون عتق عليه في المرض جميعه إن كان له، وقوم عليه فيه حظ ~~شريكه إن كان له فيه شريك. وإن لم يكن له مال مأمون لم ينظر في ذلك إلا بعد ~~الموت وهو أحد قولي مالك في المدونة. وذهب ابن الماجشون إلى أنه إذا أعتق ~~شقصا له من عبد في مرضه لم يقوم عليه حظ شريكه في المرض ولا بعد الموت إن ~~مات من مرضه ذلك ولم يصح، بخلاف إذا كان العبد كله له فأعتق بعضه، وبالله ~~التوفيق. وهو المستعان. # فصل وحال إيقاع العتق ينقسم على ثلاثة أقسام: أحدها: العتق في الصحة. # والثاني: العتق في المرض. # والثالث: العتق بعد الموت. # PageV03P160 # فصل فأما العتق في الصحة فإنه يكون على وجوه، مبتلا، أو مؤجلا بغير يمين، ~~وبيمين. فأما المبتل بغير يمين فهو أن يقول: عبدي حر. ولا يزيد على ذلك، أو ~~يقول: هو حر لله، أو: هو حر لوجه الله؛ أو يقول: هو لله، أو: لوجه الله. ~~ولا يقول: حر. وكذلك إن قال ذلك في عضو من أعضائه فإن الحرية تلزمه بذلك في ~~جميعه كالطلاق سواء. فإن قال: كلامه حر أو شعره حر أو ما أشبه ذلك مما يبين ~~منه وينفصل عنه جرى ذلك على الاختلاف في الطلاق، فيلزمه العتق على مذهب ~~أصبغ، ولا يلزمه ذلك على مذهب سحنون. # فصل وإن قال: أنت سائبة فمذهب ابن القاسم أنه حر إن أراد بذلك الحرية ~~وولاؤه لجميع المسلمين، وذلك مكروه عنده لنهي رسول الله عه عن بيع الولاء ~~وهبته. وقال أصبغ: ذلك جائز ولا كراهية فيه كالذي يعتق عبده عن غيره فيكون ~~الولاء للمعتق عنه ولا يكره ذلك له، وهو حر أراد الحرية أو لم يردها. وقال ~~ابن الماجشون: لا يجوز عتق السائبة، فإن فعل فالولاء له إن عرف، وإن جهل ~~فولاؤه لجميع المسلمين. وبالله التوفيق. # فصل وأما المؤجل بغير ms1110 يمين فإنه على وجهين: # أحدهما: أن يكون الأجل مجهولا. # والثماني: أن يكون معلوما. # فأما المجهول فإنه ينقسم على ثلاثة أقسام: # أحدها: أن يجهل إتيانه فلا يدرى إن كان يأتي أو لا يأتي لجواز الوجهين ~~جميعا من غير أن يغلب أحدهما على صاحبه، أو يكون الأغلب منهما أنه لا يأتي. ~~والثاني: أن يجهل إتيانه فلا يدرى إن كان يأتي أو لا يأتي والأغلب أنه ~~يأتي. # PageV03P161 # والثالث: أن يجهل وقت إتيانه ويعلم أنه يأتي. # فأما القسم وهو أن يجهل إتيانه لاحتمال أن يأتي وألا يأتي من غير أن يغلب ~~أحد الأمرين على صاحبه، أو يكون الأغلب منها أنه لا يأتي، مثل أن يقول: إذا ~~قدم فلان فأنت حر وما أشبه ذلك فإن العتق في ذلك ليس بواجب للعبد إلا أن ~~يأتي الأجل وسيده حي لم يمت ولا خرج عن ملكه. وقد اختلف إذا أراد السيد أن ~~يبيعه هل له ذلك أم لا على قولين: # أحدهما: أن ذلك ليس له، وهو قول مالك في المدونة. # والثاني: أن ذلك له، وهو قول ابن القاسم فيها. # وأما القسم الثاني وهو أن يجهل إتيانه فلا يدرى إن كان يأتي أو لا يأتي ~~وإلا غلب أنه يأتي، مثل أن يقول: عبدي حر إذا وضعت فلانة وهي حامل. وإذا ~~حاضت الغير يائسة من المحيض. أو إذا خسفت الشمس أو القمر وما أشبه ذلك، ~~فحكمه عند أشهب حكم القسم الأول على أصله في مساواته بينهما في الطلاق. ~~فإذا حاضت فلانة أو وضعت أو خسفت الشمس والقمر على مذهبه في صحته كان حرا ~~من رأس المال، وإن حاضت في مرضه كان حرا من الثلث، وإن لم تحض إلا بعد موته ~~فلا حرية له، وذلك له منصوص عليه في سماع أبي زيد من كتاب الولاء. وروى ~~مثله ابن وهب عن مالك. وأما على مذهب ابن القاسم فالعبد معتق إلى وضع فلانة ~~وما أشبه ذلك من رأس المال وضعت في حياة المعتق أو بعد وفاته، على أصله ~~فيمن طلق زوجته إلى مثل ms1111 ذلك الأجل أن الطلاق يعجل عليه كالأجل الآتي لا ~~محالة. # وأما القسم الثالث وهو أن يجهل وقت إتيانه ويعلم أنه يأتي مثل قوله إذا ~~مات فلان أو إذا أمطرت السماء أو ما أشبه ذلك فأنت حر؛ فإن هذا يكون العبد ~~حرا إلى ذلك الأجل من رأس المال، أتى الأجل قبل موت السيد أو بعده، وليس له ~~أن يبيع # PageV03P162 # ولا يطأ إن كانت أمته، وما ولد له من أمته من ولد أو لها إن كانت أمة دخل ~~في اليمين، ولا خلاف في هذا القسم بينهم. وبالله التوفيق. # فصل وأما الأجل المعلوم وهو مثل أن يقول: أنت حر إلى شهر أو إلى سنة أو ~~إلى سنتين أو ما أشبه ذلك فإنه لا يخلو من ثلاثة أوجه: # أحدها: أن لا يبلغه عمر واحد منهما أو لا يبلغه عمر العبد. # والثاني: أن يبلغه عمرهما جميعا. # والثالث: أن يبلغه عمر العبد ولا يبلغه عمر السيد. # فأما إذا لم يبلغه عمر واحد منهما أو لم يبلغه عمر العبد فلا حرية له، ~~لأنه بمنزلة من قال لعبده: أنت حر بعد موتك. وأما إذا بلغه عمرهما جميعا ~~فهو معتق إلى ذلك الأجل من رأس المال، وليس له بيعه، ولا وطؤها إن كانت ~~أمة. # وأما إن بلغه عمر العبد ولم يبلغه عمر السيد فإنه بمنزلة المدبر يعتق إلى ~~ذلك الأجل من الثلث ولا يرده الدين المستحدث إلا بعد الموت. # فصل فإن كان العتق المبتل أو المؤجل بيمين فإن الحالف يلزمه إذا حنث من ~~بتل أو عتق إلى أجل بغير يمين إلا في وجه واحد فإن قول مالك اختلف فيه، ~~وذلك إذا حلف الرجل على عبده بحريته ألا يفعل فعلا فحنثه وفعل ذلك الفعل. ~~واختلف في ذلك قول عمر بن عبد العزيز، رويت عنه في ذلك قضيتان، قضى أولا ~~بعتق العبد، ثم قضى بإرقاقه وقال: أخاف أن يكون ذلك ذريعة للعبيد إلى عصيان ~~سادتهم، وقال به بعض الناس في الطلاق، ووقع مثله في المبسوطة لأشهب، وفي ~~مواضع أخر منها، منها ms1112 قول مالك وأصحابه إن الطلاق يلزم. # PageV03P163 # فصل وإنما لزم العتق باليمين لأن الله عز وجل يقول: {يا أيها الذين آمنوا ~~أوفوا بالعقود} [المائدة: 1] واليمين بالعتق من العقود، فوجب الوفاء به. ~~وهذا صحيح على أصل مالك - رحمه الله - لأن أصل مذهبه أن كل من حلف بما لله ~~فيه طاعة يلزمه في اليمين كما يلزمه في النذر، ومن حلف بما ليس لله فيه ~~طاعة أو له فيه معصية فلا يلزمه في اليمين كما لا يلزمه في النذر، لقول ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن ~~يعصي الله فلا يعصه» . # فصل ولا يخرج على هذا الأصل إلا الطلاق، فإن الطلاق يلزم باليمين ولا ~~يلزم بالنذر. وإنما كان ذلك لأن القائل لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار قد ~~أوجب الطلاق على نفسه بشرط دخول الدار، فهو بمنزلة أن يوجبه على نفسه ~~ابتداء بغير شرط. والطلاق ليس مما ينذر لله ولا يتقرب به إليه فلذلك لم ~~يلزم بالنذر. # فصل ولزوم الطلاق باليمين مما أجمع عليه أهل العلم واتفقوا عليه ولم ~~يختلفوا فيه. وأما العتق وسائر أفعال البر بيمين فإن أهل العلم اختلفوا في ~~لزوم ذلك اختلافا كثيرا. فمنهم من لم يلزم شيئا من ذلك باليمين وأوجب على ~~الحالف به كفارة يمين. ومنهم من لم يلزمه شيئا من ذلك باليمين ولا أوجب ~~عليه كفارة يمين. وعلة من لم يلزم شيئا من ذلك باليمين أن الحالف بها لم ~~يرد النذر بذلك ولا القربة به، وإنما قصد إلى منع نفسه مما حلف عليه. فلا ~~يلزمه أن يخرج لله مما لم يرد به القربة إليه، لقول رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «الأعمال بالنيات» . وقوله: «من كانت هجرته إلى الله # PageV03P164 # ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله. ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ~~يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه» . # فصل ولو خرجت يمينه بشيء من هذه الأشياء مخرج النذر لله والشكر له للزمته ~~باتفاق وإجماع. وذلك مثل أن يحب الولد أو ms1113 قدوم أبيه أو دخول مكة وما أشبه ~~ذلك فيقول: إن رزقني الله ولدا، أو قدم أبي، أو وصلت إلى مكة فعلي كذا وكذا ~~لشيء يذكره من صيام أو صدقة أو مشي أو عتق أو ما أشبه ذلك. ومنهم من ألزم ~~العتق باليمين قياسا على الطلاق ولم يلزم سائر الطاعات به. وليس بقياس ~~صحيح، لأن الطلاق ليس مما ينذر لله ويوفى له به ويتقرب إليه. ومنهم من ألزم ~~العتق وسائر الطاعات التي يتقرب بها إلى الله باليمين قياسا على النذر، وهو ~~قول مالك وأصل مذهبه. وقد شذت له مسائل عن هذا الأصل يجب ردها بالقياس ~~عليه: من ذلك قوله: إن من حلف بصدقة شيء من ماله على رجل بعينه إنه يؤمر ~~بذلك ولا يجبر عليه بالحكم، ولا فرق في القياس بين ذلك وبين أن يحلف بعتق ~~عبد بعينه، وإنما فرق بينهما مراعاة لقول من لا يوجب عليه الصدقة باليمين ~~وقوة الاختلاف في ذلك. ### || فصل في اليمين بالعتق # فصل واليمين بالعتق على وجهين: # أحدهما: أن يحلف على فعل نفسه. # والثاني: أن يحلف على فعل غيره. # فأما الوجه الأول وهو أن يحلف على فعل نفسه فلا يخلو من وجهين: أحدهما: ~~أن يحلف ألا يفعل فعلا. # والثاني: أن يحلف أن يفعله. # PageV03P165 # فأما الوجه الأول وهو أن يحلف بعتق عبده ألا يفعل فعلا فإنه على بر، وله ~~أن يبيع العبد ويطأ الأمة إن كانت أمة. فإن لم يخرج العبد أو الأمة من ملكه ~~حتى فعل الفعل الذي حلف عليه ألا يفعله لزمه الحنث وعتق عليه العبد أو ~~الأمة. واختلف قول مالك - رحمه الله - فيما ولد للعبد من أمته أو للأمة من ~~ولد بعد اليمين هل يدخل في العتق أم لا على قولين واختار ابن القاسم وأصبغ ~~ألا يدخل الولد في اليمين لأنه على بر. # وأما الوجه الثاني وهو أن يحلف أن يفعل فعلا فإنه لا يخلو من وجهين: # أحدهما: أن يضرب أجلا. # والثاني: ألا يضرب أجلا. # فأما إن ضرب أجلا فليس له أن يبيع حتى ms1114 يحل الأجل لأنه مرتهن باليمين. ~~واختلف قول ابن القاسم هل له أن يطأ إن كانت أمة على قولين: # فله في المدونة أن له أن يطأ لأنه على بر. وروى عنه عيسى أنه ليس له أن ~~يطأ وهو قول بعض الرواة في المدونة لأنه لا يجوز له أن يطأ إلا ما له أن ~~يبيع. # وأما إذا لم يضرب أجلا فليس له أن يطأ ولا يبيع لأنه على حنث، وما ولد ~~لها من ولد، أو له من أمته إن كان عبدا فإنهم يدخلون في اليمين. هذا هو ~~المشهور في المذهب من قول مالك وأصحابه. وقال المغيرة: إنهم لا يدخلون في ~~اليمين. وقد وقع في المبسوطة أن قول مالك اختلف في ذلك، وهو وهم في الرواية ~~والله أعلم. وإنما اختلف قول مالك في الذي يكون الحالف به على بر على ما ~~قدمناه، وبالله التوفيق. # فصل فإذا باع العبد أو الأمة قبل أن يبر فيهما بما حلف عليه رد البيع ~~ووقفت حتى يبر أو يموت فيعتق في ثلثه، إلا أن يفوت عند المشتري بعتق أو ~~اتخاذ أم ولد. ففي سماع عيسى أنها لا ترده وفي سماع أصبغ أنها ترد إلى ~~البائع ويرد الثمن على المشتري. # PageV03P166 # فصل وأما الحالف على فعل غيره فلا يخلو أيضا من وجهين: # أحدهما: أن يحلف عليه بعتق عبده ألا يفعل فعلا. # والثاني: أن يحلف عليه بعتق عبده أن يفعل فعلا. # فأما إذا حلف عليه ألا يفعل فعلا مثل أن يقول: عبدي حر إن دخل فلان الدار ~~أو إن قدم أبي وما أشبه ذلك، فهو كالحالف على نفسه ألا يفعل فعلا بعتق ~~عبده. وأما إذا حلف عليه بعتق عبده أن يفعل فعلا، مثل أن يقول عبدي حر إن ~~لم يحج أبي أو إن لم يقدم فلان أو إن لم يهب لي دينارا وما أشبه ذلك. فإن ~~سمى أجلا كان ذلك كالحالف على فعل نفسه في جميع الوجوه، وإن لم يسم أجلا ~~فإن قول ابن القاسم اختلف في ذلك، فمرة قال: إنه ms1115 كالحالف على نفسه في ~~الوجوه كلها، ومرة جعله بخلاف الحالف على نفسه فقال: إنه يتلوم له على قدر ~~ما يرى أنه أراد بيمينه. واختلف هل له أن يطأ إن كانت أمة في أيام التلوم، ~~فقال ابن القاسم: لا يطأ، وإن مات عتقت في ثلثه؛ لأنه مات على حنث وقال ~~أشهب في كتاب ابن المواز: إنه يطأ في أيام التلوم، وهو على قياس قوله في ~~المدونة: إنه لا يعتق إذا مات في التلوم. ومرة فرق بين قوله: عبدي حر إن لم ~~يحج فلان، وعبدي حر إن لم يهب لي فلان دينارا، فيتلوم له في قوله: عبدي حر ~~إن لم يهب لي فلان دينارا، ولا يتلوم له في قوله: عبدي حر إن لم يحج فلان، ~~ولكن يمنع من بيعه ومن الوطء إن كانت أمة، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم في ~~كتاب الأيمان بالطلاق من العتبية. # فصل وإذا أنذر الرجل العتق فقال: لله علي أن أعتق عبدي هذا، أو: لله علي ~~نذر عتق عبدي هذا، أو قال: لله علي عتق رقبة أو نذر عتق رقبة، فإن ذلك لازم ~~لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن ~~نذر أن يعصي الله فلا يعصه» . إلا أنه لا يحكم عليه بعتقه على مذهب مالك. ~~وإنما لم يحكم عليه # PageV03P167 # بعتقه على مذهبه لأن العتق لم يقع عليه بعد. وإنما نذر أن يعتقه فوجب ~~عليه الوفاء لله بنذره، والوفاء لا يحصل إلا بنية التقرب بعتقه والوفاء لله ~~بنذره. فلو أعتق عليه بغير اختياره لم يكن ذلك وفاء لنذره لعدم نيته التقرب ~~بعتقه، وكان قد حيل بينه وبين الوفاء بالنذر، إذ لا يستطيع أن يعتقه مرة ~~أخرى إن كانت الرقبة بعينها، فهذه علة مالك في منعه من الحكم عليه بالمعتق. ~~والله أعلم. وقال أشهب: يؤمر أن يعتقه، فإن وعد بذلك ترك وتلوم له، وإن أبى ~~من عتقه وقال: لا أعتقه ولا أفي لله بنذري فيه؛ عتق عليه. وقول مالك هو ~~القياس، ومذهب ms1116 أشهب استحسان. وكذلك لو نذر أن يعتق رقبة معينة لم يحكم عليه ~~بعتق رقبة لأنه لو حكم عليه بها لم تجزه عن الرقبة الواجبة عليه وكان عليه ~~أن يعتق رقبة ثانية بنية التقرب لله والوفاء بالنذر. # فصل وأما العتق في المرض فيكون في الثلث بإجماع من أهل العلم، ويوقف حتى ~~يموت ولا ينفد عتقه في حال المرض إلا أن تكون له أموال مأمونة على الاختلاف ~~في مراعاة المال المأمون. والأصل في ذلك ما ثبت «أن رجلا أعتق ستة أعبد له ~~عند موته فأسهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهم فأعتق ثلث تلك ~~الرقيق» . وإنما اختلف الناس في هبات المريض وصدقاته، فالذي ذهب إليه مالك ~~وفقهاء الأمصار وجمهور أهل العلم أن ذلك من الثلث. وذهب أهل الظاهر إلى أن ~~هباته وأعطياته جائزة، وأن تصرفه صحيح في ماله. ودليلنا العتق أنه من ~~الثلث، وهبة المريض لوارثه أنها لا تجوز. وإنما لم تجز له الهبة في المرض ~~لأن الوصية لا تجوز له، فكذلك الأجنبي لا يكون له أكثر من الثلث، لأن ~~الزائد على الثلث لا يجوز له بعد الوصية. فإن عارض معارض في هبة المريض ~~لوارثه دليلنا عليه بإجماع الصحابة في قول أبي بكر لعائشة: لو حددته أو ~~حزته لكان لك، وإنما هو اليوم مال الوارث. # فصل وأما العتق بعد الموت فإنه من الثلث بإجماع، وهو يكون على أربعة ~~أوجه: # PageV03P168 # وجهان لا يصح الرجوع فيهما، وهو المدبر في الصحة والمدبر في المرض. # ووجهان يصح الرجوع فيهما، وهما الوصية بالعتق، واليمين التي يكون فيها ~~على حنث بالعتق، لأن الرجوع عنه بأن يبر بفعل ما حلف عليه ليفعلنه. وبالله ~~تعالى التوفيق. # PageV03P169 ### | كتاب المكاتب # ] [ ### || فصل في اشتقاق المكاتب # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وعلى آله وبالله أستعين وعليه ~~أتوكل # كتاب المكاتب فصل # في اشتقاق المكاتب # الكتابة عتق الرجل عبده أو أمته على مال يؤديه إليه. وأخذت تسمية ذلك ~~كتابة من كتب السيد لعبده بذلك كتابا. وكانت الكتابة متعارفة بين الناس في ~~الجاهلية ms1117 قبل الإسلام، فأقرها الله تعالى في شرع نبيه محمد - عليه السلام ~~-. فالأصل في جواز الكتابة كتاب الله وسنة نبيه- صلى الله عليه وسلم - ~~وإجماع الأمة. فأما الكتاب فقوله تعالى: {والذين يبتغون الكتاب مما ملكت ~~أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} ~~[النور: 33] . وأما السنة فمنها ما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: «المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته درهم» . وما روي عنه أنه قال: ~~«من كان مكاتبا على مائة درهم فقضاها كلها إلا عشرة دراهم فهو عبد أو قال: ~~على مائة أوقية فقضاها كلها إلا أوقية واحدة فهو عبد» . وهذا كالنص منه - ~~صلى الله عليه وسلم - في # PageV03P171 # جواز المكاتبة لأن تعليق الأحكام بها يفيد جوازها. وأما الإجماع فلا خلاف ~~بين الأمة أن الكتابة جائزة بين العبد وسيده إذا كانت على شروطها الجائزة. ~~وإنما اختلفوا في شروطها وفي أحكامها، وفي وجوبها على السيد إذا دعا إليها ~~العبد، وفي لزومها للعبد إذا أباها ورد ذلك السيد على ما سنورده إن شاء ~~الله تعالى. # فصل وأول مكاتب كان في الإسلام «سلمان الفارسي، كاتبه أهله على مائتي ~~ودية يحييها لهم، فقال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: إذا غرستها ~~فأذنني، فلما غرسها أذنه فدعا له فيها فلم تمت منها ودية واحدة» . وقيل: إن ~~أول مكاتب كان في الإسلام مكاتب يكنى أبا مؤمل قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «أعينوا أبا مؤمل فأعتق فقضى كتابته وفضلت عنده فضلة فاستفتى ~~رسول الله - عليه السلام - فقال: أنفقها في سبيل الله» . وقد كان يقال: ~~المكاتب مهيأ له الخير. وقيل: إن أول مكاتب كان في الإسلام مكاتب لعمر بن ~~الخطاب يكنى أبا أمية، فلما أتاه بأول نجم من نجومه قال له عمر بن الخطاب: ~~خذه فاستعن به في سائر نجومك، فقال له: أخر ذلك إلى آخر نجم، فقال له: أخشى ~~ألا أدرك ذلك. # فصل فأما قول الله عز وجل: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} [النور: 33] ~~فإنه أمر والمراد به الندب ms1118 والإرشاد لا الوجوب والإلزام على مذهب مالك - ~~رحمه الله - وجمهور أهل العلم. ومن مذهب مالك - رحمه الله - أن الأوامر ~~محمولة على الوجوب لأنه الأظهر # PageV03P172 # من محتملاتها إلا أن يدل الدليل على أن المراد غير الوجوب من ندب أو ~~إباحة أو نهي أو تعجب أو دعاء، لأن هذه المعاني كلها قد ترد بلفظ الأمر. ~~قال الله عز وجل: {وإذا حللتم فاصطادوا} [المائدة: 2] . وقال تعالى: {فإذا ~~قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض} [الجمعة: 10] فهذا أمر والمراد به الإباحة. ~~وقال: {وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه} ~~[النساء: 8] فهذا أمر والمراد به الندب والإرشاد وقال: {فاعبدوا ما شئتم من ~~دونه} [الزمر: 15] هذا أمر والمراد به النهي. وقوله تعالى لإبليس: {وأجلب ~~عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم} [الإسراء: 64] . ~~وقال تعالى: {أسمع بهم وأبصر} [مريم: 38] فهذا أمر والمراد به التعجب. وقال ~~تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] فهذا أمر والمراد به الرغبة ~~والطلبة، لأن أمر أحد لا يتوجه إلا لمن دونه. # فصل والدليل على أن مراد الله تعالى بقوله: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم ~~خيرا} [النور: 33] الندب لا الوجوب إجماع للأمة على أنه غير واجب على أحد ~~أن يعتق عبده ولا أن يبيعه. والكتابة لا تخلو من أن تكون عتقا أو بيعا منه ~~لعبده، وهي إلى العتق أقرب، لا ينتزع ماله ويعتقه، وقد كان له أن ينتزعه ~~ولا يعتقه، مع الإجماع أيضا على أنه ليس على من ملك العبد أن يأذن له في ~~التجارة، والكتابة إذن له منه فيها. ومما دل # PageV03P173 # على ذلك رده عز وجل أمر العبيد إلى السادة بقوله عز وجل: {إن علمتم فيهم ~~خيرا} [النور: 33] ، فلم يجعل للحكام في ذلك مدخلا، وما ليس للحكام فيه ~~مدخل فيما تنازع الناس فيه ليس بواجب، وإذا لم يجب ارتفع التنازع. # فصل فإذا سقط الوجوب ثبت أنه على الندب لأنه يفضي إلى العتق، والعتق فيه ~~أجر وثواب. ولم يصح أن يقال إنه على الإباحة لأن الإباحة إنما تكون فيما لا ~~أجر فيه ولا ثواب. وإن ms1119 كان مالك - رحمه الله - قد احتج بقوله عز وجل: {وإذا ~~حللتم فاصطادوا} [المائدة: 2] ، {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض} ~~[الجمعة: 10] وإنما احتج بذلك لإسقاط الوجوب وهو الذي أراد، وبالله ~~التوفيق. # فصل وقد اختلف في الخير الذي عنى الله في هذه الآية ما هو؟ فقالت طائفة: ~~المال، وقالت طائفة: القوة على الأداء، وقالت طائفة: الأمانة والدين، وقالت ~~طائفة: الصدق والوفاء. وهذان القولان متقاربان في المعنى لأن الأمانة ~~والصدق والوفاء من الدين. فيتحصل في الخير الذي عناه الله عز وجل بقوله: ~~{فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} [النور: 33] ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الخير في الدين من الصلاح والعفاف وإن لم يكن له مال ولا قدرة ~~على الاحتراف والكسب وكان إنما يؤدي كتابته مما يسأل ويتصدق به عليه، وهذا ~~هو أظهر الأقوال وأولاها بالصواب. # والثاني: أنه القوة على الأداء بالتحرف والكسب وإن لم يكن له مال. وأما ~~إن # PageV03P174 # لم تكن له قدرة على التحرف والكسب وكان إنما يؤدي كتابته إن كوتب مما ~~يتصدق به عليه فيكره لسيده أن يكاتبه إذا سأله ذلك. وهذا مذهب عبد الله بن ~~عمر قال: يعطني أوساخ الناس. # والثالث: أنه يكون له مال، روي ذلك عن ابن عباس، وهذا أضعف الأقوال لأن ~~الله عز وجل قال: {إن علمتم فيهم خيرا} [النور: 33] ولم يقل: إن علمتم لهم ~~خيرا. # فصل وكذلك قوله عز وجل: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} [النور: 33] هو ~~على الندب لا على الوجوب. ومعناه عند مالك - رحمه الله - أن يضع عنه من أجر ~~كتابته شيئا يتعجل به عتقه. والذي يدل عليه أنه غير واجب أن الله لم يحد ~~فيه حدا في كتابه ولا على لسان نبيه- عليه السلام - ولو كان فرضا لكان ~~محدودا؛ لأن الفرض لا يكون غير محدود بكتاب أو سنة. فلما لم يوجد ذلك في ~~الكتاب ولا ثبت فيه خبر مرفوع عن النبي - عليه السلام - دل على أن الناس ~~يؤمرون به ولا يجبرون عليه بالحكم، كالمتعة التي أمر الله بها فقال: ~~{وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين} ms1120 [البقرة: 241] وقال {لا جناح ~~عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على ~~الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين} [البقرة: ~~236] وقال {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن ~~تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا} ~~[الأحزاب: 49] فاستدل بهذه الآيات على أنها غير واجبة لكونها مطلقة غير ~~محدودة في الكتاب ولا في السنة. # PageV03P175 # وقد قال بعض الناس: يوضع عنه الربع من كتابته، وقائل هذا القول لم ير ذلك ~~واجبا. واختار بعض الناس أن يوضع عنه آخر نجم من نجومه. ومنهم رأى أن يعطيه ~~من عنده من غير مال الكتابة. وقد قيل: إن الخطاب في ذلك إنما هو للولاة أن ~~يعطوهم من الزكاة لا للسادة لقول الله تعالى: {وفي الرقاب} [التوبة: 60] . ~~وقد روي أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - قال: «من أعان مكاتبا في رقبته ~~أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» . # فصل فليس على السيد أن يكاتب عبده إذا ابتغى ذلك منه بقليل ولا بكثير وإن ~~علم فيه خيرا، ولا أن يضع عنه إن كاتبه شيئا إلا أن يشاء. هذا قول مالك ~~وجميع أصحابه وجمهور أهل العلم. ومن أهل العلم من حمل أمر الله تعالى ~~بالكتابة على الوجوب، وهم أهل الظاهر فقالوا: يلزم الرجل أن يكاتب عبده إذا ~~ابتغى منه الكتابة بقيمته فأكثر، وروي ذلك عن ابن عباس. # والصحيح ما ذهب إليه مالك - رحمه الله - وجمهور أهل العلم على ما بيناه. ~~وذهب الشافعي إلى أنه لا يجب على السيد أن يكاتب عبده إذا سأله ذلك، وأنه ~~إذا كاتبه وجب أن يجبر على أن يضع عنه مما عقد عليه الكتابة شيئا ما كان. ~~قال: وهذا والله أعلم عندي مثل قوله عز وجل: {وللمطلقات متاع بالمعروف} ~~[البقرة: 241] لأن من مذهبه إيجاب المتعة. قال: فإن مات السيد قبل أن يضع ~~جبر ورثته على ذلك، وإن كانوا صغارا وضع عنهم الحاكم أقل ما يقع عليه اسم ms1121 ~~الشيء في كتابته فجعل الشافعي الفرع أوجب من الأصل وليس اسم الشيء من ~~كتابته، فجعل الشافعي # PageV03P176 # الفرع أوجب من الأصل. وليس يكاد شيء من كلام العرب يعطف بعضه على بعض ~~يكون أوله غير واجب وآخره واجبا، هذا لا يكاد يعرف. وإنما المعروف من ~~كلامهم أن يكون أوله واجبا وآخره غير واجب. قال الله عز وجل: {إن الله يأمر ~~بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى} [النحل: 90] فبدأ بالعدل وهو واجب، ثم ~~ذكر الإحسان بعده وهو غير واجب. وقال تعالى: {وإن طلقتموهن من قبل أن ~~تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده ~~عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم} [البقرة: 237] ~~فيبدأ بالواجب ثم ذكر التفضل بعده. # فصل ومما يدل على فساد قول الشافعي أن الشيء المعلوم إذا أسقط منه شيء ~~مجهول عاد مجهولا غير معلوم، فكيف يصح أن يكتب على العبد أربعة آلاف درهم ~~في التمثيل ويشهد بها عليه وهي أقل من أربعة آلاف قد حلموا على ذلك وحكم ~~الكتاب أن يكون عدلا بين المتعاملين وإن كان الذي كتب السيد على عبده وأشهد ~~به عليه حقا فليس يجب أن يسقط عن العبد شيء منه، وإن كان باطلا فالكتابة ~~منفسخة، وما أشهدا به على أنفسهما كذب. وأيضا فإن الشافعي يزعم أن المكاتب ~~عبد ما بقي عليه من كتابته درهم فإن كان يعني من جميع ما كاتبه عليه فقد ~~ترك قوله، وإن كان يعني مما تبقى عليه من الكتابة بعد وضع ما يجب وضعه، ~~فالواجب أن يكون ما يوضع عنه معلوما في أصل الكتابة حتى يعلم الحال التي ~~يعتق فيها من الحال التي لا يعتق فيها، لأنها حال معلومة تتعلق بها أحكام ~~كثيرة، فلا بد أن تكون معلومة كما كانت الكتابة معلومة، والشافعي يجعلها ~~مجهولة. # PageV03P177 # فصل وإذا قال: إن الذي يجب أن يسقط عنه من آخر كتابته أقل ما يقع عليه ~~اسم شيء فقد يجوز أن يجعله دانق فضة من عشرة آلاف درهم أو ms1122 حبة. وتأويل أمر ~~الله على هذا بعيد لا يجوز في عقل عاقل، ولو أنعم النظر قائل هذا القول لما ~~قاله، والله أعلم. # فصل ومن مذهب الشافعي أن المكاتب لا يعتق بأداء جميع الكتابة إلا أن ~~يشترط جميع ذلك لنفسه في عقد الكتابة. وعند مالك وأبي حنيفة وأصحابهما ~~وجمهور أهل العلم أن المكاتبة يعتق إذا أدى جميع الكتابة وإن لم يشترط ذلك، ~~ولا يضره عندهم ألا يقول له مولاه في حين كتابته إذا أديت إلي جميع كتابتك ~~فأنت حر لأن ذلك مفهوم من فعلهما وقصدهما وإن لم يذكراه. # فصل وفقهاء الأمصار متفقون على أن المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته شيء ~~على ما ورد في السنة الثابتة عن النبي- صلى الله عليه وسلم -. وأما السلف ~~قبلهم فقد روي عنهم في ذلك اختلاف كثير. منه أن المكاتب إذا عقدت له ~~الكتابة فهو غريم من الغرماء لا يرجع إلى الرق أبدا لأنه قد ابتاع نفسه من ~~سيده بثمن معلوم إلى أجل معلوم، وهذا قول شاذ ترده السنة الثابتة عن النبي ~~- عليه السلام - في قصة بريرة من حديث عائشة وغيرها، رواه مالك عن هشام بن ~~عروة عن أبيه «عن عائشة أنها قالت: جاءتني بريرة فقالت: إني كاتبت أهلي على ~~تسع أواق في كل عام أوقية، فأعينيني فقالت عائشة: إن أحب أهلك [أن أعدها ~~لهم ويكون ولاؤك لي فعلت. وفي حديث يحيى ابن سعيد # PageV03P178 # عن عمرة عن عائشة إن أحب أهلك] أن أصب لهم ثمنك صبة واحدة وأعتقك فعلت» . ~~فهذا يدل أن المكاتب عبد ما لم يؤد كتابته، وأنه لو كان بعقد كتابته حرا ~~غريما من الغرماء لم يجز بيعه عند أحد من العلماء. وقول ثان أنه إذا عجز ~~يعتق منه بقدر ما أدى ويورث ويرث، ويؤدي إن قتل بقدر ما أدى. وفي هذا حديث ~~يرويه ابن أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «يؤدي المكاتب بقدر ما أدى دية حر وبقدر ما رق منه دية عبد» ms1123 . ~~وهو قول علي بن أبي طالب. وقول ثالث: أنه إذا شطر كتابته فهو غريم من ~~الغرماء لا يرجع إلى الرق أبدا. وروي هذا القول عن عمر بن الخطاب - رضي ~~الله عنه -. وقول رابع: أنه إذا أدى الثلث فهو غريم من الغرماء، روي ذلك عن ~~ابن مسعود وشريح، وقول خامس: أنه إذا أدى الثلاثة الأرباع فهو غريم، روي ~~ذلك عن عطاء. وقول سادس: أن المكاتب إذا أدى قيمته فهو غريم، روي هذا أيضا ~~عن ابن مسعود وشريح. # فصل واختلف هل للسيد أن يجبر عبده على الكتابة أم لا على قولين، فروي عن ~~مالك أن له أن يكاتبه كرها، حكاه عنه إسماعيل القاضي في كتاب الأحكام له، ~~وهو الذي يأتي على مذهبه في المدونة، لأنه إذا كان له أن يعتقه بتلا على ~~مال يجعله- عليه بعد العتق دينا ويلزمه ذلك فأحرى أن تلزمه الكتابة، وهو ~~ظاهر رواية أشهب عن مالك في سماعه من العتبية. واختلف قول ابن القاسم في ~~ذلك، فله في المكاتب من المدونة في الذي يكاتب عبده على نفسه وعلى عبد ~~للسيد غائب إن الكتابة تلزمه ويتبع بها شاء أو أبى. وقال في العتق الثاني ~~منها في الذي يقول لعبده # PageV03P179 # أنت حر على أن تدفع إلي كذا وكذا إلى أجل كذا وكذا أو لم يسم الأجل: إنه ~~لا يكون حرا إذا لم يقبل ذلك العبد. وذلك خلاف لقوله في إجازة الكتابة على ~~الغائب. وحكى ابن حبيب الاختلاف في ذلك أيضا وبالله التوفيق. # فصل والذي اختار ابن بكير وإسماعيل القاضي أن للسيد أن يجبر عبده على ~~الكتابة، لأنه إذا كان للسيد أن يؤاجر عبده السنة أو السنتين ويأخذ الأجرة ~~وهو باق على رقه، فمكاتبته مدة معلومة على مقدار ما يعلم أنه يطيق أداءه في ~~تلك المدة من عمله واكتسابه لازم له ليس له أن يمتنع منه، لأن ذلك يفضي به ~~إلى الحرية من غير ضرر يلحقه فيه. # وتعلق من منع من ذلك بظاهر قول الله عز وجل: {فضله والذين يبتغون الكتاب ~~مما ms1124 ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} [النور: 33] فقال: في هذا ~~دليل على أنه لا يكاتب إذا لم يبتغ الكتابة، وهذا بعيد، لأن السيد إذا كان ~~مرغبا في كتابة عبده إذا سأله ذلك مأجورا عليه فهو في مكاتبته إياه من غير ~~أن يسأله الكتابة أعظم أجرا وأكثر ثوابا، وليس للعبد أن يمتنع من ذلك للعلة ~~التي قدمناها. واعتل أيضا من منع ذلك بأن السيد يتهم على إسقاط نفقته التي ~~كانت تلزمه عن نفسه، وهي علة ضعيفة، لأنه وإن سقطت عنه نفقته فقد منع نفسه ~~من استخدامه وأخذ خراجه، لأنا لا نقول: إن له أن يجبر على الكتابة إلا من ~~يقوى عليها ولا يضعف عنها. # PageV03P180 # فصل فإن قال الرجل لعبده: أنت حر بتلا وعليك كذا وكذا؛ لزمه المال في قول ~~مالك - رحمه الله - قبل العبد أو لم يقبل، ويسقط عنه في قول ابن القاسم. ~~ولابن القاسم في آخر العتق الثاني مثل قول مالك هذا. وقال ابن نافع: لا ~~يكون حرا ويكون المال دينا عليه إلا أن يقبل ذلك ويرضى به. وأما إن قال: ~~أنت حر على أن عليك كذا وكذا؛ ففي ذلك ثلاثة أقوال: # أحدها: قول مالك في كتاب المكاتب من المدونة أنه العبد حر والمال عليه ~~بمنزلة قوله: أنت حر بتلا وعليك كذا وكذا. # والثاني: رواية يحيى عن ابن القاسم في كتاب المكاتب أن العبد بالخيار إن ~~شاء أن يعجل له الحرية ويكون غريما بما سمي من المال فذلك له، وإن كره أن ~~يكون غريما بها فلا عتاقة له. # والثالث: قول ابن القاسم في العتق الثاني من المدونة: إن قبل كان حرا إذا ~~أدى المال كالكتابة، وإن لم يقبل فلا حرية له، إلا أن يفرق على مذهبه بين ~~قوله: أنت حر على أن عليك كذا وكذا، وأنت حر على أن تدفع إلي كذا وكذا، ~~وفرق بين ذلك. ولا تفرقة بينهما وجه وهو أنه إذا قال: على أن تدفع فقد جعل ~~الدفع إليه وإذا قال: على أن عليكم فقد ألزمه ذلك ms1125 ولم يجعله إليه. وقد قيل: ~~إن هذين اللفظين سواء بخلاف قوله: على أن تؤدي إلي كذا وكذا. والصواب ألا ~~فرق بين أن يقول على أن تدفع أو على أن تؤدي. ويتخرج في المسألة قول رابع ~~وهو أن يكون حرا إذا أدى المال شاء أو أبى على مذهب من يؤاجر العبد على ~~الكتابة، وقد بينا ذلك. # فصل والكتابة جائزة على ما تراضى عليه العبد وسيده من قليل أو كثير، ~~وتجوز # PageV03P181 # على مذهب مالك حالة ومؤجله. فإن وقعت مسكوتا عليها نجمت، لأن العرف في ~~الكتابة أن تكون مؤجلة منجمة. هذا قول متأخري أصحابنا. وقال ابن أبي زيد في ~~رسالته: والكتابة جائزة على ما رضيه العبد وسيده من المال منجما. فظاهر ~~قوله أن الكتابة لا تكون إلا منجمة، وليس ذلك بصحيح على مذهب مالك. وإنما ~~صنع من الكتابة الحالة ولم يجزها أبو حنيفة وأصحابه، وأجازها بعضهم على نجم ~~واحد، ومنهم من قال: لا تجوز على أقل من نجمين. والذي يدل على صحة مذهب ~~مالك في ذلك قول الله عز وجل: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} [النور: 33] ~~فأطلق ولم يقيد مكاتبة من مكاتبة، فظاهره يفيد إباحة الكتابة الحالة ~~والمؤجلة. # فصل في الكتابة بالغرر والمجهول # فصل ولا تجوز الكتابة بالغرر والمجهول، إلا أنه يستخف فيها ما لا يستخف ~~في البيوع، فتجوز الكتابة على وصفين غير موصوفين، وعلى عبد فلان وما أشبه ~~ذلك وإن كان لا يجوز في البيوع. # فصل وهذا فيه تفصيل: أما الكتابة إلى أجل مجهول أو بغرر أو مجهول إلا ما ~~يستخف من الغرر اليسير الذي ذكرناه فإن كان الغرر في حقهما أو في حق السيد ~~منها، مثل أن يقول: أكاتبك إلى موت فلان بكذا وكذا لشيء معلوم أو إلى أجل ~~معلوم بعبد آبق أو بعير شارد أو جنين في بطن أمه لفلان إن قدرت على شيء من ~~ذلك كله في الأجل بهبة أو ميراث، أو بلؤلؤ غير موصوف وما أشبه ذلك فلا يجوز ~~قولا واحدا. وأما إن كان الغرر في حق المكاتب ms1126 منها مثل أن يكاتبه إلى أجل ~~معلوم على عبد فلان أو على أن يأتيه بعبده الآبق أو يقول له كاتبتك على أن ~~تقوم لي على هذه البقرات فإن بلغت كذا وكذا إلى أجل كذا فأنت حر، فيتخرج ~~ذلك كله على # PageV03P182 # قولين لدخول الخلاف من بعضهم في بعض؛ لم يجز ابن القاسم في سماع يحيى ~~الكتابة في مسألة البقرات حسبما يأتي القول عليه في موضعه من شرح كتاب ~~المكاتب من العتبية. وأجاز في سماع أبي زيد منه الكتابة على طلب العبد ~~الآبق وأجاز في المدونة الكتابة على عبد فلان، ولم يجز ذلك أشهب. وأما إن ~~كان للعبد عبد أبق فكاتبه سيده عليه فإن برئ منه إليه الآن فهو حر والعبد ~~الآبق للسيد وجده أو لم يجده، لأن مقتضى الأمر إنما هو أعتق عبده وانتزع ~~منه عبده الآبق. وأما إن لم يبرأ إليه منه وإنما كاتبه على أن يطلبه فيجيئه ~~به، فإن وجده وجاء به في الأجل خرج حرا، وإن حل الأجل ولم يجده رجع رقيقا ~~على حكم الكتابة إذا عجز المكاتب، فهو بمنزلة إذا كاتبه على أن يجيئه بعبده ~~الآبق يجري ذلك على الاختلاف الذي ذكرناه، وبالله التوفيق. # فصل وإذا كاتب الرجل عبده فقد أحرز ماله عن سيده، فليس له أن ينتزعه منه، ~~وهو كالمأذون له في التجارة فيجوز بيعه وشراؤه ومقاسمته شركاءه وإقراره ~~بالدين لمن لا يتهم عليه، وليس له أن يهب ولا أن يتصدق ولا أن يعتق إلا ~~بإذن سيده. وقد قيل: إنه لا يجوز لسيده أن يأذن له في ذلك لأنه داعية إلى ~~أن يرق نفسه. وليس له أن ينكح ولا أن يسافر إلا بإذن سيده. وهذا قول مالك ~~في موطئه. قال في المدونة: إلا أن يكون سفرا قريبا. # فصل والكتابة من العقود اللازمة، فإذا عقد السيد لعبده الكتابة لزمهما ~~العقد ولم يكن لأحدهما خيار في حله، ليس للسيد أن يفسخ كتابة عبده باختياره ~~إذا أبى العبد # PageV03P183 # ولا للعبد أن يعجز نفسه باختياره إذا أبى السيد وله مال ms1127 ظاهر. فإن رضي ~~العبد وسيده بفسخ الكتابة وله مال ظاهر فلا يخلو من أن يكون للمكاتب ولد في ~~الكتابة أو لا يكون له ولد. فأما إن كان له ولد فليس لهما ذلك لتعلق حق ~~الولد في العقد، وأما إن لم يكن له ولد فذلك على قولين: # أحدهما: أن ذلك ليس لهم أو، وهو قول مالك في المدونة. ووجه ذلك أن ~~الكتابة تتعلق بها ثلاثة حقوق: حق لكل واحد من المتعاقدين، وحق لله تعالى ~~وهو حرمة العتق. فإن رضي المتعاقدان بإسقاط حقهما لم يسقط لذلك حق الله ~~تعالى، كالعبد بين الرجلين يعتق أحدهما نصيبه وهو موسر فيرضى شريكه والعبد ~~بترك التقويم؛ فلا يجوز ذلك لأن فيه إسقاط حق الله تعالى في إكمال الحرية. # الثاني: أن ذلك لهما، وهو قول ابن كنانة وابن نافع. ووجهه أن الحق في عقد ~~الكتابة للمتعاقدين لا يتعداهما، فإذا رضيا بإسقاطه جاز، كتقابل المتابعين. ~~وذهب الشافعي إلى أنه للعبد أن يعجز نفسه أي وقت شاء، شاء سيده أو أبى وإن ~~كان له مال ظاهر. وحجته أن حق المكاتب لما كان في الكتابة أغلب من حق سيده ~~لم تكن الكتابة لازمة في حقه، كالنكاح لما كان حق الزوج مغلبا فيه لم يكن ~~العقد لازما في حقه. وهذا كله غير صحيح، لأن في الكتابة حق لله وحق للسيد، ~~فلا نسلم أن حق المكاتب أغلب. ولو سلمنا ذلك لم يجب إذا غاب أحد الحقين أن ~~يسقط من غير عذر. ألا ترى أن الزوج وإن ملك الطلاق فإنه لا يملك به إسقاط ~~حق الزوجة من المهر إن سمي، وإنما أسقط به حق نفسه. وفي تعجيز العبد نفسه ~~إسقاط حق السيد من العوض الذي تراضيا عليه. # فصل وأما التعجيز إذا لم يكن له مال ظاهر فلا يخلو من ثلاثة أحوال: # PageV03P184 # أحدها: أن يتراضيا على ذلك العبد وسيده. # والثاني: أن يدعو إلى ذلك العبد ويأبى السيد. # والثالث: أن يدعو إلى ذلك السيد ويأبى العبد. # أما إذا تراضيا على ذلك العبد وسيده فذلك جائز ms1128 لأن حق الله قد ارتفع ~~بالعذر وهو ظهور العجز، ولا يحتاج في ذلك إلى الرفع إلى السلطان على ما في ~~المدونة. # وقد قيل إنه لا يعجز إلا بالسلطان، لأن حق الله تعالى لا يصدقان على ~~إسقاطه ولا يسقط إلا بعد نظر السلطان واجتهاده. # وأما إن دعا إلى ذلك العبد وأبى السيد فله أن يعجز نفسه دون السلطان لأنه ~~موضع لا مدخل فيه للاجتهاد ولا يفتقر فيه إلى حكم. # وأما إن دعا إلى ذلك السيد وأبى العبد فليس له أن يعجزه إلا بالسلطان بعد ~~التلوم والاجتهاد، وبالله التوفيق. # PageV03P185 ### | كتاب التدبير # ] [ ### || القول في التدبير # بسم الله الرحمن الرحيم وبه أستعين وعليه أتوكل كتاب التدبير # القول في التدبير # التدبير عقد من عقود الحرية يلزم من التزمه ويجب على من أوجبه على نفسه ~~لقول الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} [المائدة: 1] . ~~ولما روي من قول النبي - عليه السلام -: «المدبر لا يباع ولا يوهب» . وهذا ~~إذا كان التدبير مطلقا غير مقيد. فأما إن كان مقيدا بسفر بعينه أو بمرض ~~بعينه أو ما أشبه ذلك فاختلف فيه على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. # فصل وصفة التدبير المطلق اللازم أن يقول الرجل في عبده: هو مدبر أو حر عن ~~دبر مني، أو حر بعد موتي بالتدبير، أو حر بعد موتي لا يغير عن حاله وما ~~أشبه ذلك. # فصل واختلف إذا قال الرجل لعبده: أنت حر بعد موتي أو إذا مت ولم يزد على ~~هذا القول، هل هو محمول على الوصية حتى يتبين أنه أراد التدبير، أو محمول ~~على # PageV03P187 # التدبير حتى يتبين أنه أراد الوصية؟ فحمله ابن القاسم على الوصية حتى ~~يعلم أنه أراد التدبير، وحمله أشهب على التدبير حتى يعلم أنه أراد الوصية. ~~ولكلا القولين وجه من النظر. ولو قال: إن فعلت كذا وكذا فعبدي حر بعد موتي ~~ففعله لكان مدبرا لا رجوع فيه على قولهما جميعا لوجوب العتق عليه بعد الموت ~~بالحنث، وذلك منصوص عليه لابن القاسم في المدونة وغيرها. فإذا دبر ms1129 الرجل ~~عبده تدبيرا مطلقا فقد لزمه ووجب عليه وليس له أن يرجع عنه بقول ولا فعل ~~على مذهب مالك - رحمه الله - وجميع أصحابه، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه. ~~وقال الشافعي وأبو ثور وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه: هي وصية وله أن ~~يرجع فيها. واحتجوا بحديث جابر «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - باع ~~مدبرا» وبأن عائشة دبرت جارية لها ثم باعتها. إلا أنهم اختلفوا بماذا يكون ~~له الرجوع فيه، فقال الشافعي: إنما يكون له أن يرجع فيه بأن يخرجه عن ملكه ~~ببيع أو هبة أو صدقة. وأما إن قال: قد رجعت في تدبيره ولم يخرجه عن ملكه ~~حتى مات فليس برجوع منه ويعتق في ثلثه. وقال أبو ثور: إذا قال: قد رجعت فيه ~~فقد بطل تدبيره وإن مات وهو في ملكه لم يعتق. والصحيح ما ذهب إليه مالك - ~~رحمه الله - أن التدبير لازم له وواجب عليه ليس له أن يرجع عنه بقول ولا ~~يفعل لما قدمناه من ظاهر القرآن. وما روي في ذلك عن النبي - عليه السلام - ~~بخلاف الوصية وبالله التوفيق. # فصل والفرق بين التدبير والوصية أن التدبير عتق قد أوجبه لعبده على نفسه ~~في حياته إلى أجل آت لا محالة، أن لا يكون له الرجوع فيه بقول ولا فعل ~~كالمعتق إلى أجل، لأن العتق يقع عليه عند الموت واحتمال الثلث له بعقد ~~السيد المعتق له، كما يقع على المعتق إلى أجل عند حلول الأجل بعقد السيد ~~المعتق له. والموصى بعتقه لم يعقد السيد له عقد عتق في حياته، وإنما أمر أن ~~يعتق عنه بعد وفاته، فالعتق إنما يقع عليه بعد الموت من الموصي إليه، فهو ~~كمن وكل رجلا أن يبيع # PageV03P188 # عبده من فلان أو يهبن له أن له أن يرجع عن ذلك بما شاء من قول أو فعل ما ~~لم ينفذ الوكيل أمره. # فصل ولا حجة للشافعي ومن ذهب مذهبه في إبطال التدبير وإجازة بيع المدبر ~~فيما رواه جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه باع مدبرا» ms1130 لأنه إنما ~~هو حكاية فعل، فيحتمل أن يكون تدبيره مقيدا، ويحتمل أن يكون كان عليه دين ~~قبل التدبير فباعه عليه في الدين. وإذا احتمل الحديث هذه الاحتمالات لم يكن ~~لهم أن يحملوه على موضع الخلاف وإلا ولنا حمله على موضع الوفاق. # فصل فإن قالوا: الأحاديث إنما تنقل للفائدة فلو حمل الحديث على الوفاق لم ~~تكن فيه فائدة لأن موضع الوفاق مستفاد بالإجماع ففي حمله على موضع الخلاف ~~فائدة مجردة قيل لهم: هذا تحكم، لأنه قد ينقل ما يفيد كما ينقل ما يؤكد ما ~~قد استفيد، ولعل هذا الحديث هو الشرع الذي صدر عنه الإجماع الذي قد استفدنا ~~معرفته. وإذا كان الأمر على ذلك فلا يصح أن يحمل على ما يستفاد منه فائدة ~~مجردة دون ما استفدناه بالإجماع مع احتماله للموضعين بغير دلالة. # وإنما كان يصح لهم التعلق بالحديث لو كان لفظا عاما مثل أن يقول: بيع ~~المدبر جائز لحق حمله على عمومه في جميع المواضع حتى يأتي ما يخصه. وأما ~~وليس بلفظ عام وإنما هو حكاية فعل فلا. # فصل ومما يدل على صحة ما ذهبنا إليه من حمل هذا الحديث الذي ورد مجملا ~~على موضع يجوز فيه بيع المدبر عندنا وعندهم أنه قد روي هذا الحديث مفسرا، ~~فرواه الأعمش عن سلمة بن كهيل «عن جابر قال: أعتق رجل من الأنصار عبدا له ~~عن دبر يسمى مذكورا قبطيا وكان محتاجا وعليه دين فباعه رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بمائة # PageV03P189 # درهم وقال: اقض دينك» . ونحن نجيز بيع المدبر إذا صادف عقد تدبيره دينا ~~على سيده. وقد روي أيضا من طريق جابر بن عبد الله «أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - باع مدبرا في دين» . واختلفت تأويلات أصحابنا، فمنهم من قال إن ~~الحديث الأول يفسره لأنه هو بعينه، ومنهم من قال: هو حديث آخر، ومعناه أنه ~~باعه بعد الموت في دين، إذ لم يذكر في الحديث أنه باعه عليه في حياته. ~~وولاية النبي - عليه السلام - بيعه من أدل دليل على أنه ms1131 إنما باعه عليه في ~~حق لازم، لأن الإمام لا يلي بيع مال أحد إلا في موضع الحكم. فإن كان بيعه ~~عليه في حياته فلدين سبق التدبير والله أعلم. وقد روي أيضا من رواية جابر ~~بن عبد الله عن «النبي - عليه السلام - أنه باع خدمة المدبر» فيحتمل أن ~~يكون هذا معنى الحديث وإنما تجوز الراوي في اللفظ إذ الإجارة بيع من ~~البيوع. وكذلك حديث عائشة الذي احتجوا به في إجازة بيع المدبر لا حجة لهم ~~فيه لأن السحر الذي فعلته يوجب القتل فكيف بالبيع. ويحتمل أن يكون العتق ~~يبطل بقصدها إلى استعجاله قبل وقته بما لا يجوز لها كالنكاح في العدة يمنع ~~من النكاح بعدها، وكالقاتل عمدا يمنع الميراث، لأنه أراد استعجاله قبل أن ~~يجب له. وأيضا فقد روي أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - رد بيع هذه ~~المدبرة وطلبها فلما لم يجدها جعل ثمنها في مدبرة. وحكمه- رضي الله عنه - ~~بذلك في ملأ خير القرون وهم حضور متوافرون دليل على إجماعهم على أن بيع ~~المدبرة لا يجوز، والإجماع أصل يجب المصير إليه والعمل به. # فصل ومما احتج به أصحابنا في وجوب التدبير والمنع من بيعه أن المدبر لما ~~انتقل اسمه بعقد الحرية الذي عقد له سيده وجب أن ينتقل حكمه وألا يجوز بيعه ~~كالمكاتب لما انتقل اسمه انتقل حكمه ولم يجز بيعه. # PageV03P190 # فصل وقد استدل بعض أهل العلم على الفرق بين الوصية والتدبير بالإجماع على ~~أن المدبر لا يرجع فيه بالقول وأن الوصية يرجع فيها بالقول، وليس ذلك ~~بصحيح، لأن أبا ثور يجيز الرجوع في التدبير بالقول على ما حكيناه. # فصل ومما يدل على صحة ما ذهب إليه مالك من أن المدبر لا يجوز بيعه أن ~~عقود العتق على ضربين: ضرب منها علق العتق فيه بصفة آتية لا محالة كمجيء ~~الشهر وموت زيد وما أشبه ذلك، فهذا الضرب لا يجوز فيه بيع العبد. وضرب علق ~~فيه بصفة يجوز أن يقع ويجوز أن لا يقع، كقدوم زيد وما أشبه ذلك. فهذا ms1132 يجوز ~~البيع فيه على الأشهر من الأقاويل ما لم يحصل الصفة والمدبر من الضرب الأول ~~لأن العتق معلق فيه بصفة آتية لا محالة وهي موت السيد، فوجب ألا يجوز بيعه، ~~وأشبه أم الولد أيضا التي لا يجوز بيعها لتعلق عتقها بموت سيدها. فإن قال ~~قائل: إذا جاز بيع المدبر فكان بخلاف المعتق إلى أجل، لأن التدبير يعتق من ~~الثلث والمعتق إلى أجل من رأس المال. ولما كان المدبر يعتق من الثلث وجب أن ~~يجوز بيعه كالموصى بعتقه. قيل له: ليس هذا بصحيح لأن كون الموصى بعتقه من ~~الثلث ليس هو العلة في جواز بيعه. والدليل على ذلك أن من أعتق عبده إلى أجل ~~يعلم أنه لا يبلغه عمر السيد وقد يبلغه عمر العبد يعتق من الثلث ولا يجوز ~~بيعه، ووجود العلة مع عدم الحكم مفسر لها لا محالة، وهذا بين. # فصل وإنما كان المدبر من الثلث لأن السيد يتهم على أن يستخدم عبده طول ~~حياته ثم يعتقه من رأس ماله بعد وفاته فيبطل الميراث الذي أوجبه الله ~~للورثة. ومن أهل العلم من لا يراعي هذه التهمة فيراه من رأس المال وهو قول ~~داود. ويرده ما روى أبو قلابة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«المدبر من الثلث» . وقد احتج ابن القصار للزوم عقد # PageV03P191 # التدبير للمدبرة بسراية التدبير إلى ولدها وكونه مدبرا معها، وحكم أن ذلك ~~إجماع بخلاف الوصية. واحتجاجه بذلك لا يلزم، إذ ليس بإجماع، فقد حكى أبو ~~بكر بن المنذر في كتاب الأشراف له عن عمر بن عبد العزيز وعطاء وجابر بن زيد ~~أنهم مملوكون، واحتج جابر بن زيد بأن ذلك بمنزلة الحائط يتصدق به الرجل إذا ~~مات، فله ثمرته ما عاش، فحكم لولد المدبرة بحكم الغلة. وكان الشافعي يقول: ~~فيها قولان. # أحدهما: أنهم بمنزلة أمهم. # والقول الثاني: كما قال جابر بن زيد. ومال المزني إلى قول جابر بن زيد. # قال: هو أشبههما بقول الشافعي. # قلت: وكذلك اختلف أيضا في ولد المدبر من أمته، فقال مالك على أصله: ms1133 إنهم ~~بمنزلته مدبرون معه. وروي عن عبد الله بن عمر أنهم بمنزلة أمهم، وبه قال ~~عطاء والزهري والأوزاعي والليث بن سعد. وإذا حكموا لهم بحكم أمهم فهم ~~مملوكون بمنزلة مال المدبر، لسيده انتزاعهم منه ما لم يمرض أو يموت. وفي ~~المدونة ليحيى بن سعيد قول ثالث: أن المدبر لا يباع وسيده أولى بماله ما ~~كان حيا، فإذا توفي سيده فمال المدبر له وولده من أمته لورثة سيده، لأن ~~ولده ليس من ماله. هذا نص قوله، فلم يحكم لولده من أمته بحكمه فيكون مدبرا ~~معه كقول مالك - رحمه الله -، ولا حكم له بحكم أمه، إذ لو حكم له بحكم أمه ~~كما قال ابن عمر وعطاء والزهري والأوزاعي لوجب إذا لم ينتزعه السيد حتى مرض ~~أو مات أن يكون تبعا للمدبر كماله، إن حمله الثلث أعتقوا عليه، وإن لم ~~يحمله الثلث أعتق منه ما حمل الثلث وأقد ولده بيده. ويحتمل أن يريد يحيى بن ~~سعيد أن ولده من أمته ولد له قبل التدبير فلا يكون قوله على هذا التأويل ~~مخالفا لقول مالك - رحمه الله -. # فصل قد مضى الكلام في التدبير المطلق. وأما التدبير المقيد وهو أن يقيد ~~تدبيره # PageV03P192 # بمرض أو سفر أو ما أشبهه ذلك مما قد يكون ولا يكون، مثل أن يقول: أنت ~~مدبر إن مت من مرضي هذا أو في سفري هذا أو في هذا البلد، أو أنت مدبر إذا ~~قدم فلان وما أشبه ذلك، فاختلف فيه. روى أصبغ عن ابن القاسم في كتاب المدبر ~~من العتبية أنها وصية وليس بتدبير إلا أن يرى أنه أراد بذلك التدبير وقصده، ~~فله على هذه الرواية أن يرجع عنه في مرضه ذلك ويبيعه إن شاء. وفي كتاب محمد ~~بن المواز لابن القاسم، وكتاب محمد بن سحنون لابن القاسم وابن كنانة أنه ~~تدبير لازم لا رجوع فيه، معناه عندي إن مات من مرضه ذلك. # وهذا الاختلاف يقوم من المدونة من اختلاف ابن القاسم ومالك في الرجل يقول ~~لعبده: أنت حر إذا قدم فلان، فقال ms1134 مالك: ليس له أن يبيعه حتى ينظر هل يقدم ~~فلان أم لا. وقال ابن القاسم: لا أرى ببيعه بأسا. فكذلك لو قال لعبده: أنت ~~مدبر إذا قدم فلان يلزمه التدبير على قول مالك من ساعته بشرط قدوم فلان، ~~ولا يكون له أن يبيعه ولا أن يرجع فيه بقول حتى ييأس من قدوم فلان. وعلى ~~قول ابن القاسم لا يكون تدبيرا وإنما هي وصية، فكأنه قال إذا قال: إذا قدم ~~فلان أو إن قدم فلان فيعتق عني عبدي فلان بعد موتي، فيكون له أن يبيعه وأن ~~يرجع فيه بالقول إن شاء، فيقول قبل قدوم فلان وبعد قدومه: قد رجعت عن عتق ~~فلان، بخلاف قوله: أنت حر إذا قدم فلان، هذا لا يكون له- على مذهب ابن ~~القاسم - أن يرجع فيه بالقول، وإنما له أن يبيعه لأنه يشبه اليمين، فإذا ~~بقي في ملكه حتى قدم فلان لزمه العتق. # فصل ومما يبين ما ذهبنا إليه من إقامة الاختلاف من المدونة في مسألة ~~التدبير المقيد بشيء قد يكون ولا يكون، أنه لو قيد تدبير عبده بصفة آتية لا ~~محالة مثل أن يقول له: إذا مات فلان فأنت مدبر عني أو إذا انقضى العام فأنت ~~مدبر عني للزمه التدبير ولم يكن له فيه رجوع باتفاق، كما يلزمه العتق إلى ~~أجل آت لا محالة باتفاق. وبالله تعالى التوفيق. # PageV03P193 # فصل والمدبر على وجهين: # مدبر في الصحة. # ومدبر في المرض. وهما جميعا- على مذهب مالك - من الثلث، إلا أنه يبدئ ~~مدبر الصحة على مدبر المرض إذا ضاق الثلث عنهما، ويدخل المدبر في الصحة ~~فيما علم وفيما لم يعلم من المال. واختلف في مدبر المرض فقيل: إنه يدخل ~~فيما علم وفيما لم يعلم، وقيل: إنه لا يدخل إلا فيما علم. وإذا مات سيد ~~المدبر ولم يحمل ثلثه المدبر عتق منه ما حمل الثلث وكان باقيه للورثة ولم ~~يجب عليه السعي في افتكاك رقبته كما يقوله أبو حنيفة في ذلك. وإن لم يكن له ~~مال غيره عتق ثلثه، وإن كان عليه دين ms1135 بيع فيه إن أحاط الدين به، وإن لم يحط ~~به بيع منه قدر الدين وأعتق منه ثلث باقيه. وقال أبو حنيفة: إنه لا يباع في ~~الدين ويسعى فيه للغرماء فإذا أدى ما لهم خرج حرا، ذكر ذلك عبد الوهاب في ~~المعونة. # فصل وللرجل أن يطأ مدبرته لأن ذلك لا ينقص تدبيرها بل يؤكده، لأنها قد ~~تحمل فتكون أم ولد وهو أقوى من التدبير، بخلاف المكاتبة لأنها تستعجل العتق ~~بالأداء فليس له أن ينقض ذلك عليها. وله أن يستخدم مدبرته ويؤاجرها بخلاف ~~أم الولد إذ ليس له فيها إلا الاستمتاع بالوطء طول حياته، وقد ثبتت لها ~~حرية بالإيلاد لا يبطلها دين ولا غيره. # وبالله التوفيق ولا شريك له. # PageV03P194 ### | كتاب أمهات الأولاد # ] [ ### || فصل في وجوب العتق لأم الولد بعد موت سيدها بالولادة # فصل # في وجوب العتق لأم الولد بعد موت سيدها بالولادة قال الله عز وجل: ~~{والذين هم لفروجهم حافظون} [المؤمنون: 5] {إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم فإنهم غير ملومين} [المؤمنون: 6] ، فأباح تعالى وطء ما ملكت ~~اليمين. والوطء يكون عند الحمل. قال الله تعالى: {فلما تغشاها حملت حملا ~~خفيفا فمرت به} [الأعراف: 189] . واشترى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~مارية القبطية فولدت له ابنه إبراهيم، فقال - صلى الله عليه وسلم - فيما ~~روي عنه عند ولادتها: «أعتقها ولدها» ، يريد- صلى الله عليه وسلم - أنه ثبت ~~لها حرمة بسبب ولدها فلا تعود إلى الرق أبدا، ولا يجوز بيعها ولا هبتها ~~لأنها ثبتت حريتها فلا يبقى له فيها إلا الاستمتاع طول حياته بدليل ما روي ~~عنه من حديث ابن عباس أنه قال: «أيما امرأة ولدت من سيدها فهي حرة بعده» . ~~وإذ قد انعقد الإجماع على أن أم الولد لا تعتق قبل موت سيدها وأن أحكامها ~~أحكام أمة في جميع أحوالها # PageV03P195 # من الموارثة والشهادة ودلتها وأرش جراحاتها. «وروي عن مسلم بن يسار أنه ~~قال: قلت لسعيد بن المسيب: إن عمر بن الخطاب أعتق أمهات الأولاد، فقال: أو ~~عمر أعتقهن؟ أعتقهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms1136 - في غزوة بني المصطلق ~~- فأصبنا سبيا من سبي العرب فاشتهينا النساء واشتدت علينا العزبة وأحببنا ~~الفداء فأردنا أن نعزل، فقلت: نعزل ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين ~~أظهرنا قبل أن نسأله، فسألناه عن ذلك فقال: ما عليكم ألا تفعلوا ما من نسمة ~~كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة» دليل على أن حمل الإيماء من ساداتهن ~~مبطل لأثمانهن ومحرم لبيعهن، إذ لو لم يكن حمل الأمة مبطل لثمنها لما أقرهم ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على هذا الخطأ واستعمال الحيلة فيما لا ~~حاجة بهم إليهم ولقال لهم: وأي حاجة بكم إلى العزل، وما الذي تخافون من ~~الحمل، وهذا ظاهر. ومن أهل العلم من ضعف هذا الدليل فقال: يحتمل أن يكونوا ~~إنما أرادوا العزل مخافة أن يحملن من وطئهم فلا يقدرون على الفداء بهن حتى ~~يضعن، وتحرجوا من العزل فلم يقدموا عليه لما كانوا يسمعون من اليهود الذين ~~كانوا بين أظهرهم وهم أهل كتاب أن العزل هو الموءودة الصغرى حتى سألوا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فأباحه لهم وأخبرهم أن كل نسمة تسبق في ~~علم الله أن تكون لا بد أن تكون. والأول أظهر أنهم إنما أرادوا العزل مخافة ~~أن يفوتهم الفداء جملة لا مخافة أن يفوتهم تعجيل الفداء ولا يمكنهم إلا ~~تأخيره إلى حين الوضع، لأن في الحديث: وأحببنا الفداء. فلو كان إنما خافوا ~~أن يفوتهم تعجيل الفداء لقالوا: وأحببنا تعجيل الفداء، والله أعلم. # فصل وإذا ولدت الأمة من سيدها الحر فقد حرم عليه بيعها وهبتها ورهنها # PageV03P196 # والمعاوضة على رقبتها أو على خدمتها أو إسلامها في الجناية وعتقها في ~~الواجب، وليس له منها إلا الاستمتاع بالوطء فما دونه طول حياته، وهي حرة من ~~رأس ماله بعد وفاته. هذا قول مالك - رحمه الله - وكافة فقهاء الأمصار. وقد ~~كان بين الصحابة - رضي الله عنهم - في ذلك اختلاف، فذهبت طائفة إلى إجازة ~~بيعهن أبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن ~~الزبير، ms1137 وعبد الله بن قيس، وأبو موسى الأشعري، وإليه ذهب أيضا «جابر بن عبد ~~الله وأبو سعيد الخدري، روي عنهما أنهما قالا: كنا نبيع أمهات الأولاد على ~~عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا نرى بذلك بأسا» . وقال عبد الله ~~بن مسعود: تعتق من نصيب ولدها. وقد روي ذلك عن ابن عباس وابن الزبير إلى أن ~~أبا حفص عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن أمرهن وكشفه. فاجتمع هو بعد أن ~~كان يقول فيما روي عنه بجواز بيعهن ومن حضره من بقية العشرة ومن المهاجرين ~~والأنصار على أنهن متعة لساداتهن ما عاشوا، ثم هن بعد موتهم أحرار من رءوس ~~أموالهم، فانعقد الإجماع على هذا من حينئذ واستقر الأمر عليه إلى أيام عبد ~~الملك بن مروان، إلا ما يذكر من رجوع علي بن أبي طالب أيام خلافته إلى ~~إجازة بيعهن في الدين، ثم اضطرب في أمرهم ففحص عبد الملك عن ذلك فأخبره ~~الزهري عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب أمضى ما وصفت عنه. وروي أنه ~~أخبره أن المسور قال: إن النبي - عليه السلام - قال: «لا يبعن في دين ولا ~~يعتقن من ثلث فأقر ذلك وكتب به إلى البلدان» . ومن الفقهاء من يدعي الإجماع ~~في هذه المسألة. ولا يصح ما روي من رجوع علي بن أبي طالب، وهذا على ما ذهب ~~إليه ابن القصار وغيره ممن تابعه على أن الإجماع لا ينعقد إلا بانقراض أهل ~~العصر، فلا ينخرم الإجماع المنعقد أيام خلافة عمر بن الخطاب برجوع علي أيام ~~خلافته. وفيما روي من رجوعه ما يدل على أنه رجع إلى ما كان انعقد عليه ~~الإجماع، فتجدد بذلك الإجماع في زمانه، وذلك قول عبيدة السلماني في حديثه: ~~فقبل مني وصدقني. روى الشعبي عن # PageV03P197 # عبيدة السلماني أنه قال: خطبنا علي بن أبي طالب فقال: رأى أبو بكر رأيا ~~ورأى عمر رأيا عتق أمهات الأولاد حتى مضيا لسبيلهما، ثم رأى عثمان ذلك، ثم ~~رأيت أنا بعد بيعهن في الدين. قال عبيدة: فقلت لعلي: رأيك ms1138 ورأي عمر وعثمان ~~في الجماعة أحب إلينا من رأيك بانفرادك في الفرقة، فقبل مني وصدقني. وهذا ~~من علي - رضي الله عنه - إجماع منه مع سائر الصحابة على المنع من بيعهن في ~~غير الدين، ثم رجع عما انفرد به من جواز بيعهن في الدين إلى ما أجمع عليه ~~الصحابة بقبوله لقول عبيدة وتصديقه له. وإلى جواز بيعهن في الدين وغيره ذهب ~~أبو داود القياسي والرافصة وأهل الظاهر، واحتج من نصر مذهبهم بقول الله عز ~~وجل: {وأحل الله البيع وحرم الربا} [البقرة: 275] وبما روي «عن جابر بن عبد ~~الله أنه قال: كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد رسول الله وعهد أبي بكر وصدر ~~من خلافة عمر بن الخطاب، ثم نهانا عمر عن بيعهن» . وهذا كله لا حجة لهم ~~فيه. أما الآية التي احتجوا بظاهرها من القرآن وهي قوله عز وجل: {وأحل الله ~~البيع وحرم الربا} [البقرة: 275] فإنه عموم تخصص بما ذكرناه من الأدلة. ~~وأما حديث جابر فإنه ضعيف عند أهل النقل. وقد روي عنه من طريقه ما عارضه ~~وهو أنه قال: «كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ثم زجرنا عن بيعهن» . ذكره أبو الفرج في الحاوي وزجره - عليه السلام ~~- عن بيعهن فسخ لما كانوا عليه من استجازة ذلك وفعله. وقد يكون أيضا في عهد ~~الإمام من الأفعال ما لا يعلمها فلا حجة فيه على حال. # فصل فهذا هو المانع من بيع أمهات الأولاد من جهة الأثر. وأما المانع من ~~طريق النظر فهو أنه لما حملت بولده وحصلت له الحرية من قبل أبيه اتصل بها ~~وخالطها حتى صار كعضو منها فسرت الحرية في جميعها وصارت في معنى المعتقة ~~منه، وهذا من أصح الاعتلال وأقواه، لأنه مروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله ~~عنه - حين قال: خالطت دماؤنا دماءهن ولحومنا لحومهن. ويتحرى من هذا قياس ~~بأن # PageV03P198 # يقال: إن هذه أمة حملت في ملك واطئها بولد حر على أبيه فحرم بيعها ~~اعتبارا بحال حملها. وإنما قلنا في ملك واطئها ms1139 تحرزا من حمل الأمة الزوجة، ~~وقلنا بولد حر على أبيه تحرزا من إعتاق سيد الأمة إياه لأنه يكون حرا لا من ~~جهة أبيه. وهذا القياس مبني على صحة الاستدلال باستصحاب حال الإجماع، وهو ~~استدلال صحيح، وبه احتج أبو سعيد البراذعي على داود القياسي حين ناظره في ~~هذه المسألة، فانقطع ولم يحر جوابا. وذلك أن داود القياسي استدل عليه ~~باستصحاب الحال فقال: قد اتفقنا على جواز بيعها قبل العلوق فمن زعم أن ~~بيعها بعد الولادة لا يجوز فعليه إقامة الدليل. فقال أبو سعيد: ما أنكرت أن ~~هذا مقابل بما هو أولى منه وهو أنا قد اتفقنا على منع بيعها حاملا، فمن زعم ~~أنها إذا وضعت جاز بيعها فعليه إقامة الدليل قال: فسكت ولم يقل شيئا. فلأهل ~~العلم في بيع أمهات الأولاد ثلاثة أقوال: # أحدها: قول مالك وكافة العلماء: إنها لا تباع أصلا في الدين ولا غيره ~~وتعتق من رأس المال. # والثاني: قول أهل الظاهر: إنها تباع في الدين وغيره ولا تعتق من رأس ~~المال ولا من الثلث. وللشافعي مثله في مواضع من كتبه، ثم قطع في أربعة عشر ~~موضعا من كتبه أنهن لا يبعن في دين وغيره مثل قول مالك وجمهور العلماء. # والثالث: أنها لا تباع إلا في الدين، وهو القول الذي روي أن عليا - رضي ~~الله عنه - رجع إليه ثم رجع عنه على ما بيناه. وما روي عن ابن مسعود وابن ~~عباس وابن الزبير أنها تعتق من نصيب الذي في بطنها قول رابع في المسألة. # فصل وأجاز الشافعي استئجار أم الولد في الخدمة واستخدامها خلاف ما ذهب ~~إليه مالك من أنه لا يجوز أن تؤاجر ولا تستخدم إلا فيما خف ولا تعب فيه وإن ~~كانت دنية. وتبتذل الدنية في الحوائج الخفيفة فيما لا تبتذل فيه الرفيعة. ~~والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك - رحمه الله - أن كل حرمة منعت من بيع ~~الرقبة منعت من # PageV03P199 # بيع المنافع، لأن هذه الحرمة لم تحصل للرقبة دون المنافع وقد كانت مقصية ~~لتبتيل العتق في ms1140 الحال لكن منع من ذلك أن الحرمة لما حصلت لها بسبب الوطء ~~لم يجز أن تكون مانعة منه وهو أصلها الذي عنه حصلت. فإن كان الأمر على هذا ~~صح ما ذهب إليه مالك - رحمه الله - ولم يجز استخدامها إلا في الشيء اليسير ~~الخفيف. # فصل وإنما وجب أن تعتق أم الولد من رأس المال بعد وفاة سيدها لأن الحرمة ~~أوجبت لها الحرية إلا أنا أخرناها لئلا تفيته حقه من الوطء وكذلك روي في ~~الحديث. فإذا مات فهي حرة، وذلك يقتضي رأس المال دون الثلث، فلا تباع أم ~~الولد في الدين في حياة سيدها ولا بعد وفاته. وإن أولدها وعليه دين يحيط ~~بماله فلا سبيل للغرماء عليها بخلاف العتق. والفرق بين العتق والإيلاد أن ~~العتق فعل المعتق وكسبه، ونفس العتق الذي هو كسب المعتق يخرج العبد عن ~~ملكه، وليس لمن عليه دين يستغرق ماله أن يخرج ماله عن ملكه على غير عوض لأن ~~ذلك إتلاف لأموال غرمائه. وأما الإيلاد فليس فعل الواطئ ولا كسبه ولا يقع ~~بمشيئته وإرادته. وقد أباح الله تبارك وتعالى لعباده وطء ما ملكت أيمانهم ~~كما أباح لهم وطء نسائهم فقال تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون} ~~[المؤمنون: 5] {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} ~~[المؤمنون: 6] فالغرماء إذا عاملوا الرجل فقد علموا أنه يستبيح ما أباح ~~الله تعالى له من الوطء بملك يمينه وعلى ذلك عاملوه، فإن حمل نساؤه من وطئه ~~فهي مصيبة دخلت عليهم من الله ليست من فعل الواطئ ولا كسبه كالموت الذي هو ~~فعل الله لا كسب لمخلوق فيه. # فصل وهو مصدق في حمل أمته أنه منه وإن كان مستغرق الذمة بالديون. وأما إن ~~قال: إنها ولدت منه ولا أولاد معها أو أنها أسقطت منه فلا يصدق، وتباع ~~للغرماء إلا # PageV03P200 # أن يكون قد سمع ذلك من قوله قبل أن يداين، أو كان ذلك أمرا قد سمع وفشا ~~عند النساء والجيران فيصدق. # فصل ولا اختلاف في ولد الأمة من سيدها الحر أنه حر. وأما ولد ms1141 أم الولد من ~~غير سيدها فهم على مذهب مالك وجميع أصحابه وكافة فقهاء الأمصار بمنزلة أمهم ~~في العتق بعد وفاة السيد من رأس ماله، وبخلافها في الاستخدام والاستئجار ~~والوطء، فله أن يستخدمهم ويؤاجرهم، وليس له أن يطأ إن كانت أمة لأنها محرمة ~~له كالربيبة المحرمة بنص القرآن. فإذا وطئ الرجل المرأة بالملك فبناتها ~~عليه حرام كما لو وطئها بنكاح، وهذا ما لا خلاف فيه. وإنما جاز له أن ~~يؤاجرهم ويستخدمهم لأن حرمتهم أضعف من حرمة أمهم فجاز له فيهم ما لم يجز في ~~الأم. وأيضا فإن الأم له وطؤها والابنة ليس له وطؤها، فلو منعناه من ~~استخدامها وإجارتها لم يبق له عليها حق من حقوق الملك ووجب أن تعتق عليه. ~~وإلى هذا ذهب ربيعة فقال: يعجل عليه عتق ولد أم الولد من غيره. وفي المسألة ~~قول ثالث أنهم مملوكون، وممن روي ذلك عنه الزهري. وقيل إنه هو المشهور من ~~قوله وبالله التوفيق. # فصل وكل ما أسقطته الأمة مما يعلم أنه ولد فإنها تكون به أم ولد، كان ~~مضغة أو علقة أو دما في مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك. وقال أشهب: لا ~~تكون أم ولد بالدم المجتمع. وقال حماد بن أبي سليمان والأوزاعي إذا كانت ~~مضغة عتقت به. وذهب الشافعي إلى أنها لا تكون أم ولد حتى يتم شيء من خلقه ~~عين أو ظفر وما أشبه ذلك، وهو قول أبي حنيفة إنها لا تعتق إلا بما لا يشك ~~فيه وهو أن تسقط سقطا مخلقا أو فيه خلق من يد وما أشبه ذلك. فوجه هذا القول ~~أنه رأى أنه لا يوقن أنه ولد إلا أن يتم شيء من خلقه. ووجه قول حماد بن أبي ~~سليمان والأوزاعي أنه قد يتقن أنه ولد وإن لم يتم شيء من خلقه إذا كان ~~مضغة. ووجه قول أشهب أنه قد # PageV03P201 # يتيقن أنه ولد وإن لم يكن مضغة إذا كان علقة. ووجه قول ابن القاسم ~~وروايته عن مالك أنه قد يتيقن أنه ولد بكونه دما وإن لم ms1142 يكن بعد علقة ولا ~~مضغة. # فصل واختلف قول مالك إذا توفي سيدها وهي حامل، فمرة قال: إنها تكون حرة ~~إذا تبين الحمل بتحرك الولد، يقتل من قتلها وترث وتورث، وهذا قول ابن ~~القاسم وروايته عن مالك. ومرة قال: إنها لا تكون حرة حتى تضع حملها لاحتمال ~~أن ينفش الحمل فلا يتحقق أنه كان حملا، وهو مذهب ابن الماجشون وسحنون. وعلى ~~هذا اختلفوا في اللعان على الحمل، وفي وجوب النفقة للمطلقة البائن، وفي ~~مسائل كثيرة من هذا المعنى. # فصل فعلى هذا القول بأنها لا تكون حرة حتى تضع تكون لها النفقة، ويختلف ~~على القول بأنها تكون حرة بتبين الحمل هل لها نفقة على الاختلاف في أم ~~الولد الحامل هل لها نفقة في مال سيدها أم لا، اختلف في ذلك قول مالك، ولم ~~يختلف في أن الحرة الحامل لا نفقة لها من مال زوجها وإن حبسها ميراثها. # فصل واختلف قول مالك فيمن تزوج أمة ثم اشتراها وهي حامل هل تكون بذلك ~~الحمل أم ولد أم لا على قولين: # فمرة قال: إنها تكون أم ولد لأنه عتق عليه وهو في بطنها، وهو مذهب ابن ~~القاسم وأكثر أصحاب مالك. # ومرة قال: إنها لا تكون به أم ولد لأن الرق قد مسه في بطن أمه، وهو مذهب ~~أشهب ورواية ابن عبد الحكم عن مالك، إلا أن تكون الأمة لأبيه أو لمن يعتق ~~عليه # PageV03P202 # في بطنها فإنها لا تكون له أم ولد عند جميعهم لأنه قد عتق ما في بطنها ~~على من اشتراها. وإنما تكون له أم ولد عند ابن القاسم وروايته عن مالك إذا ~~اشتراها فأعتق عليه الولد وفي شرائها من أبيه اختلاف أجازه ابن القاسم ولم ~~يره بمنزلة من اشترى أمة واستثنى عليه جنينها،. وأما ما ولدت منه بعقد ~~النكاح قبل أن يشتريها فإنها لا تكون له أم ولد عند مالك وجميع أصحابه ~~خلافا لأبي حنيفة في قوله إنها تكون بذلك أم ولد. # فصل ولا تكون أمة العبد أم ولد له بما ولدت له ms1143 في حال العبودية، ولا وإن ~~أعتق وأمته حامل منه على مذهب ابن القاسم، سواء حملت منه وهي له أو كانت له ~~زوجة فحملت منه ثم اشتراها حاملا، إلا أن يملك ذلك الحمل بهبة أو صدقة وما ~~أشبه ذلك. ويتخرج إجازة شرائه إياها على قولين في المذهب: # أحدهما: أن ذلك لا يجوز لأن شراء الجنين في بطن أمه غرر لا يجوز. # والثاني: أن ذلك جائز لأنه إنما اشتراه ليرتفع عنه التحجير في الأمة ~~ويملك بذلك التصرف فيها قياسا على ما قالوه في الذي يهب لرجل سكنى داره أو ~~غلة جنانه إنه يجوز له أن يشتري منه السكنى والغلة ليرتفع عنه بذلك التحجير ~~في الأصل ويملك التصرف فيه بما شاء من بيع أو غيره. واختلف إن وقع البيع في ~~الحمل على القول بأن ذلك لا يجوز، فقيل: يفسخ البيع فيه ما لم يفت بالوضع، ~~وقيل: العقد فيه فوت لأنه يكون به حرا وتكون عليه فيه القيمة على الرجاء ~~والخوف. وعلى مذهب أشهب ورواية ابن عبد الحكم فلا تكون به أم ولد وإن ملك ~~ذلك الحمل. # PageV03P203 # فصل واختلف في المكاتب والمدبر والمعتق إلى أجل يولدون إماءهم هل يكن لهم ~~أمهات أولاد إذا أفضوا إلى الحرية أم لا على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه لا يكن لهم لذلك أمهات أولاد. # والثاني: أنه يكن لهم بذلك أمهات أولاد. # والثالث: الفرق في ذلك بين المكاتب والمدبر والمعتق إلى أجل. وتحصيل ~~الخلاف في هذا أنه اختلف في الأمة هل لها حرمة بإيلاد سيدها المكاتب أو ~~المدبر أو المعتق إلى أجل أم لا على قولين: # أحدهما: أن لها بذلك حرمة. # والثاني: أنه لا حرمة لها بذلك. # فإذا قلنا إن لها بذلك حرمة فإنها تكون له أم ولد بما حملت به بعد عقد ~~الكتابة أو التدبير أو العتق إلى أجل إذا أفضى إلى الحرية وإن وضعت قبل ~~إفضائه إليها فلا خلاف. وأما ما حملت به قبل ذلك فوضعته بعده مثل أن تكون ~~له زوجة فتحمل منه قبل الكتابة أو التدبير ms1144 أو عقد العتق المؤجل فيشتريها من ~~سيدها وهي حامل بعد عقد الكتابة أو عقد التدبير أو عقد العتق المؤجل فلا ~~تكون به أم ولد إلا على قول من يرى في الحر إذا اشترى زوجته وهي حامل منه ~~تكون له أم ولد بذلك الحمل، وقد مضى ذكر الاختلاف في ذلك. # وأما إذا قلنا إنه لا حرمة لها بذلك فحالها فيما حملت به من سيدها أو ~~وضعته في هذه الحال حال أمة العبد تلد من سيدها أو تحمل منه لا تكون بذلك ~~أم ولد إلا أن يقضي إلى الحرية بأداء الكتابة أو انقضاء أجل الحرية أو موت ~~سيده في التدبير وخروجه من ثلثه وأمته حامل منه فيملك ذلك الحمل على مذهب ~~ابن القاسم وروايته عن مالك، خلاف قول أشهب ورواية ابن عبد الحكم عن مالك، ~~وبالله التوفيق. # PageV03P204 # فصل فإذا أقر الرجل بوطء أمته فجاءت بولد فإنه يلحقه إلى ما تلحق فيه ~~الأنساب، سواء قال: كنت أنزل فيها أو أعتزل عنها إلا أن يدعي الاستبراء. ~~قال في المدونة: بحيضة، وقيل: بثلاثة حيض. وهو قول ابن الماجشون، فيصدق في ~~ذلك قيل: بيمين وهو قول ابن الماجشون، وقيل: بغير يمين وهو قول سحنون، ~~وينفي الولد عن نفسه بغير لعان. وقيل: إنه لا يصدق في دعوى الاستبراء ويلحق ~~به الولد على كل حال إلى ما يلحق به الأنساب، وهو قول المغيرة من أصحابنا. ~~ومعناه إذا كان ينزل فيها ولا يعزل عنها والله أعلم. ومن أهل العلم خارج ~~مذهب من يرى أن الولد لا يلحقه إذا قال: كنت أعزل عنها، وإن لم يدع ~~الاستبراء. وإذا لم يدع الاستبراء لم ينتفع بإنكار الولد وإن كان يعزل عنها ~~على مذهب مالك وجميع أصحابه وكانت الأمة مصدقة في إلحاق الولد به سواء أنكر ~~أن تكون ولدت أصلا أو قال: إنها ولدت وليس هو هذا الولد الذي تريد أن تلحقه ~~به. # فصل وأما إن لم تأت بولد فادعت أنها ولدت منه فلا تصدق في ذلك ولا تكون ~~له أما حتى تقيم ms1145 امرأتين على الولادة، فإن أقامت امرأة واحدة على الولادة ~~حلف السيد أنها ما ولدت منه. وإن لم يشهد لها بالولادة أحد لم يجب على ~~السيد يمين وإن كان مقرا بالوطء. # فصل وأما إن أنكر الوطء فأقامت به عليه شاهدين وأتت بولد فالصواب أن ذلك ~~بمنزلة إقراره بالوطء تصدق في إلحاق الولد وتكون به أم ولد. وإن لم تقم ~~بينة على الولادة فإن ادعى الاستبراء أجري الأمر في تصديقه فيه على ~~الاختلاف فيمن أراد أن يناكر زوجته فيما قضت به في التمليك بعد أن أنكره، ~~وفيمن ادعى رد الوديعة بعد الإنكار. والقولان قائمان في المدونة. ومن الناس ~~من يفرق بين أن يقر بالوطء أو ينكر وتقوم به عليه البينة، فيقول إنه إذا ~~أنكره وقامت به عليه البينة لم تصدق # PageV03P205 # الأمة في الولادة وإن كان الولد قائما حتى تقيم امرأتين على الولادة على ~~ظاهر ما وقع في كتاب الشهادات وفي هذا الكتاب من قوله، فهذا إذا أقامته ~~كانت أم ولد وثبت نسب ولدها إن كان معها ولد، وهذا ليس بصحيح لأنه ليس في ~~قوله إن نسب الولد يثبت إذا أقامت امرأتين على الولادة وما ينبغي أن تصدق ~~في ذلك إذا لم يكن لها بينة على الولادة، وبالله التوفيق. # فصل وأما إن ادعت الولادة ولم تأت بولد فلا تكون أم ولد حتى تقيم شاهدين ~~على إقرار السيد بالوطء وامرأتين على الولادة. فإن أقامت شاهدين على إقراره ~~بالوطء وامرأة واحدة على الولادة، أو شاهدا واحدا على إقراره بالوطء ~~وامرأتين على الولادة لزمته اليمين. وأما إن لم تقم إلا امرأة واحدة على ~~الولادة وشاهدا واحدا على إقراره بالوطء فقيل إنه يحلف، وقيل إنه لا يمين ~~عليه على اختلاف الروايات في المدونة وبالله تعالى التوفيق لا شريك له ولا ~~ند. # PageV03P206 ### | كتاب السرقة # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وآله، وبالله أستعين وعلى ~~الله أتوكل # كتاب السرقة الأصل في وجوب السرقة كتاب الله تبارك وتعالى وسنة نبيه- صلى ~~الله عليه وسلم - وإجماع الأمة. فأما الكتاب فقوله ms1146 تعالى: {والسارق ~~والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم} ~~[المائدة: 38] وأما السنة فكثير، منها قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«القطع في ربع دينار» . وقوله: «تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا» . ~~وقوله «لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا» «وقول عائشة - رضي الله ~~عنها -: لم يقطع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا في ربع دينار» . ~~وقولها: ما طال علي وما نسيت القطع في ربع دينار فصاعدا. ومن ذلك ما ثبت ~~«أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم» «وأنه ~~قطع يد سارق رداء صفوان» . وأنه قال: «لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل ~~فإذا أواه المراح أو الجرين فالقطع فيما يبلغ # PageV03P207 # ثمن المجن» . وأما الإجماع فمعلوم من دين الأمة ضرورة أن يد السارق تقطع ~~إذا كانت سرقته على الشروط والأوصاف التي لا يصح القطع إلا بها، فيستغنى في ~~هذا عن إيراد نص العلماء عليه. ### || فصل فيما تعتبر فيه الأوصاف المشترطة في قطع يد السارق # والأوصاف المشترطة في قطع يد السارق تعتبر في السارق، وفي الشيء المسروق، ~~وفي الموضع المسروق منه، وفي صفة السرقة. فأما ما يعتبر منها في السارق ~~فخمسة أوصاف وهي: البلوغ، والعقل، وأن يكون غير مالك للمسروق منه، وألا ~~يكون له عليه ولادة على الاختلاف بين أصحابنا في هذا الوصف، لأن أشهب يرى ~~على الجد القطع إذا سرق من مال حفيده، وألا يضطر إلى السرقة من جوع يصيبه. # وأما من يعتبر منها في الشيء المسروق فأربعة أوصاف وهي: النصاب، وأن يكون ~~مما يتمول ويحل بيعه، فإن كان مما لا يتمول ولا يحل بيعه فلا قطع فيه ~~باتفاق، حاشى الحر الصغير على قول ابن القاسم وروايته عن مالك خلاف مذهب ~~ابن الماجشون. وإن كان مما يجوز ملكه ولا يحل بيعه كالكلب المأذون في ~~اتخاذه ولحوم الأضاحي ففي ذلك اختلاف بين ابن القاسم وأشهب، وأن لا يكون ~~للسارق فيه ملك ولا شبهة ملك على ms1147 اختلاف بين أصحابنا في مراعاة شبهة الملك، ~~كالذي يسرق من المغنم وشبهه وأن يكون مما تصح سرقته لأن ما لا تصح سرقته ~~كالعبد لا قطع فيه. # وأما ما يعتبر منها في الموضع المسروق منه فوصف واحد وهو أن يكون الموضع ~~حرزا للمال أو للشيء المسروق. # وأما ما يعتبر منها في صفة السرقة فوصفان: أحدهما أن يخرج الشيء # PageV03P208 # المسروق من حرزه على صفة تسمى إخراجا على الحقيقة وإن لم يباشر ذلك لنفسه ~~على ما يأتي في مسائلهم. والثاني أن تكون قيمته يومئذ ما يجب فيه القطع. # فصل فجميع الأوصاف المشترطة في وجوب القطع اثنا عشر وصفا، منها ما يتفق ~~عليها ومنها ما يختلف فيه. # منها الحرز والنصاب. # فأما الحرز فاعتبره مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم وعامة الفقهاء ~~خلافا لأهل الظاهر في قولهم: إن من سرق ربع دينار أو قيمته فعليه القطع ~~سرقه من حرز أو من غير حرز إذا أخذه من ملك مالك لم يأتمنه عليه، لأن الله ~~أمر بقطع يد السارق عموما، فبين النبي- عليه السلام - المقدار الذي يقطع ~~فيه ولم يبين الحرز. وليس ذلك بصحيح بل قد نص النبي- صلى الله عليه وسلم - ~~على اعتبار الحرز فقال: «لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل فإذا أواه ~~المراح أو الجرين فالقطع فيما يبلغ ثمن المجن» . # فصل والدليل قائم من كتاب الله عز وجل أيضا على اعتبار الحرز في وجوب قطع ~~يد السارق، وذلك أن الله تعالى إنما أمر بقطع يد السارق فقال: {والسارق ~~والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم} ~~[المائدة: 38] . والسرقة مأخوذة من المسارقة، فلا يكون الرجل سارقا إلا ~~فيما أخذ مما أخفي عنه وأحرز دونه مسارقة عن العيون وعن أهله. وأما ما أهمل ~~بغير حرز أو اؤتمن عليه فليس أخذه مسارقا له وإنما هو مختلس له أو خائن ~~لصاحبه فيه. # PageV03P209 # فصل فإذا اعتللنا بهذا في سقوط القطع عمن سرق من غير حرز فالعلة فيه أنه ~~ليس بسارق، فأمر الله تعالى بقطع يد السارق. ms1148 وإن قلنا: إنه سارق فإنما ~~أسقطنا القطع عنه بالسنة الثابتة، لأن السنة مفسرة للقران ومخصصة لعمومه ~~ومبينة لمجمله، قال الله عز وجل: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل ~~إليهم} [النحل: 44] . وقول الله عز وجل: {والسارق والسارقة} [المائدة: 38] ~~لفظان عامان متناولان لجمع السراق، فخصصت السنة من ذلك من سرق من غير حرز، ~~كما خصصت من ذلك من سرق أقل من النصاب الذي يجب فيه القطع. ولا اختلاف بين ~~الأمة أن عموم القرآن يخصص بأخبار الآحاد العدول. وإنما اختلفوا هل يجوز ~~نسخ القرآن بالسنة المتواترة أم لا؟ على قولين، وأما بأخبار الآحاد فلا ~~يجوز ذلك عند أحد بعد موت النبي - عليه السلام -، وإنما كان ذلك جائزا في ~~حياته، مثل ما جاء في رجوع أهل قباء في صلاتهم عن قبلتهم التي كانوا على ~~يقين منها بخبر الواحد، وإنما جاز ذلك لهم لأن الطريق المؤدي إلى العلم ~~يقوم مقام العلم. # وذهب بعض الأصوليين إلى أن قول الله تعالى: {والسارق والسارقة} [المائدة: ~~38] من المجمل الذي يفتقر إلى البيان لا من العموم، قال: لأنه لما ورد بلفظ ~~العموم فخصصت السنة منه صفات وشروطا من حرز ونصاب عاد مجملا. وهذا ليس ~~بصحيح، إذ لا فرق بين تخصيص بعض الأعيان الذي يقتضيه اللفظ العام أو يقيده ~~بصفات وشروط، لأنه إذا قيد اللفظ العام بشرط أو صفة فقد خصص ما يتناوله ما ~~لم يحصل على ذلك الشرط ولا كان بتلك الصفة، وهذا بين. # PageV03P210 ### || فصل في صفة الحرز الذي يجب القطع على من سرق منه # فإذا صح اعتبار الحرز فليس من شرطه الأبواب ولا الأقفال ولا الأغلاق، ~~وإنما الحرز على ما جرت به العادة من أن الناس يحرزون متاعهم فيه ويحفظونه ~~به، وما هو حرز مما ليس بحرز تأتي عليه مسائل الكتاب وغيره إن شاء الله ~~تعالى. من ذلك اختلافهم في السرقة من الدار المشتركة أو المأذون فيها. ~~وتحصيل القول في ذلك أن الدور تنقسم في السرقة منها على ستة أقسام: # دار حجرها ساكنها أو مالكها عن الناس. # ودار ms1149 ينفرد الرجل بسكنها مع زوجته عن الناس. # ودار أذن فيها ساكنها أو مالكها إذنا عاما للناس. # ودار مشتركة بين ساكنيها مباحة للناس. # ودار المشتركة بين سكانها محجورة عن سائر الناس. # فأما الدار التي حجرها ساكنها أو مالكها عن الناس فالقطع على من سرق منها ~~ما يجب فيه القطع إذا خرج به من الدار. وإن سرق من بعض بيوتها وأخذ في ~~الدار قبل أن يخرج منها لم يقطع ولا خلاف في هذا. # وأما الدار التي أذن فيها ساكنها أو مالكها الخاص من الناس كالرجل يضيف ~~الضيف فيدخله داره، أو يبعث الرجل إلى داره ليأتيه من بعض بيوته بمتاعه أو ~~ما أشبه ذلك، فاختلف إذا سرق الضيف أو الرجل المبعوث من بيت معلق قد حجر ~~عليه دخوله على قولين: # أحدهما: قوله في المدونة في كتاب ابن المواز أنه لا يقطع وإن خرج بما سرق ~~من جميع الدار لأنه خائن وليس بسارق. # والثاني: قول سحنون إنه يقطع وإن لم يخرج به من الدار إذا خرج به إلى ~~الموضع الذي أذن له بدخوله لأنه أشبه عنده الشركاء في ساحة الدار إذا سرق # PageV03P211 # أحدهم من بيت صاحبه فخرج بما سرق إلى ساحة الدار وحكى عبد الحق في ~~المسألة قولا ثالثا تأوله على ما في المدونة وحكى أنه قول مالك في كتاب ابن ~~المواز وهو أنه لا يقطع حتى يخرج به من جميع الدار، وليس ذلك بصحيح لأنه قد ~~نص في المدونة وكتاب ابن المواز أنه خائن وليس بسارق، ولا يقطع الخائن على ~~حال. # وأما الدار التي ينفرد الرجل بسكناها مع زوجته عن الناس فاختلف إن سرقت ~~الزوجة أو أمتها من مال الزوج من بيت قد حجره عليهما أو أغلقه دونهما؟ أو ~~سرق الزوج أو عبده من مال الزوجة من بيت قد حجرته عليهما على قولين: # أحدهما: أنه يقطع من سرق منهم وخرج بما سرق من البيت الذي حجر عليه وأغلق ~~دونه وإن لم يخرج عن جميع الدار، وهو ظاهر ما في المدونة ونص قول سحنون ms1150 ~~قياسا على المتحايزين بالسكنى في الدار الواحدة لأنه إذن محكوم به في ~~الموضعين. # والثاني: أنه لا يقطع وإن خرج به من الدار، وهو قول مالك في كتاب ابن ~~المواز. وحكى عبد الحق أن الذي لمالك في كتاب ابن المواز أنه يقطع إن خرج ~~به من الدار، وليس ذلك بصحيح، لأنه قد نص في أول المسألة على ما حكيناه ~~عنه، فيتأول ما وقع له في آخرها على أنه إنما أراد بذلك الأجنبي لئلا ~~يتناقض قوله ويضطرب كلامه في مسألة واحدة. # وأما الدار التي أذن فيها ساكنها أو مالكها إذنا عاما للناس كالعالم ~~والطبيب يأذن للناس في دخولهم إليه في داره، أو كالرجل يحجر على نفسه في ~~ناحية من داره ويترك بابها مفتوحا يدخل بغير إذن، فهذه يجب القطع على من ~~سرق من بيوتها المحجورة إذا خرج بسرقته من جميع الدار، ولا يجب القطع على ~~من سرق من قاعة الدار وما لم يحجر من بيوتها وإن خرج من الدار. ولا اختلاف ~~في هذا. وإنما # PageV03P212 # لم يجب عليه القطع حتى يخرج من جميع الدار لأن بقية الدار من تمام الحرز، ~~ففارقت المحجرة بأنها لا تدخل إلا بإباحة صاحبها وإنما لم يسقط عنه القطع ~~إذا خرج من جميع الدار كالضيف على مذهب ابن القاسم لأن الضيف خصه بالإذن ~~فصار مؤتمنا وكان له فيما أخذ- على مذهبه- حكم الخائن لا حكم السارق. # وأما الدار المشتركة بين ساكنيها المباحة للناس كالفنادق التي يسكن كل ~~رجل بيته على حدة وقاعتها مباحة للبيع والشراء فيها فحكم قاعتها حكم ~~المحجرة، فمن سرق من بيوتها شيئا كان من الساكنين فيها أو من غيرهم وأخذ في ~~قاعة الدار فقد وجب عليه القطع، ولا خلاف في هذا أيضا. # وأما الدار االمشتركة بين سكانها المحجورة عن سائر الناس فلا اختلاف في ~~أن السكان يقطع من سرق منهم من بيت صاحبه إذا أخذ وقد خرج بسرقته إلى قاعة ~~الدار وإن لم يخرج بها من الدار ولا أدخلها. ولا خلاف في أنه لا قطع على من ~~سرق ms1151 منهم من قاعة الدار شيئا وإن أدخله بيته أو خرج به عن الدار، إلا أن ~~يكون الذي سرق من قاعتها دابة من مربطها المعروف لها وما أشبه ذلك من ~~المتاع الثقيل الذي يجعل بعضه فوق بعض فيكون ذلك الموضع حرزا كمربط الدابة، ~~فيكون حكم من سرق شيئا من ذلك منهم حكم من سرق من بيت من البيوت. وإن كان ~~لأحد من ساكني هذه الدار زوجة فسرق أحد الزوجين أو عبده من مال صاحبه من ~~بيت من الدار قد حجره عليهما أو أغلقه دونهما فعليهما القطع قولا واحدا ~~أيضا. واختلف إن سرق الأجنبي من بيت من يموت الدار شيئا وأخذ في قاعتها قبل ~~أن يخرج به من الدار، أو سرق مما وضع بعض الأشراك في قاعتها مثل الثوب ~~ينشره فيها فأخرجه من الدار، فقيل: إنه يقطع به في الوجهين # PageV03P213 # جميعا، وهو نص ما في كتاب ابن المواز، وظاهر ما في المدونة لابن القاسم ~~في الوجه الأول ونص ما له فيها في الوجه الثاني. والقياس إذا قطع في الوجه ~~الثاني ألا يقطع في الوجه الأول. وعلى هذا حمل عبد الحق ما في المدونة. ~~وإذا قطع في الوجه الأول ألا يقطع في الوجه الثاني، وعلى هذا حمل أبو إسحاق ~~التونسي ما في كتاب ابن المواز، وهو بعيد، لأنه قد نص على أنه يقطع في ~~الوجهين. فإذا حمل عليه أنه لا يقطع في الوجه الثاني من أجل أنه نص على أنه ~~يقطع في الوجه الأول، فيجب أن يحمل عليه أيضا أنه لا يقمع في الوجه الأول ~~من أجل أنه نص على أنه يقطع في الوجه الثاني، فيكون ذلك اختلافا من قوله، ~~ويتحصل في المسألة أربعة أقوال: # أحدها: أنه يقطع في الوجهين جميعا. # والثاني: أنه لا يقطع في الوجهين جميعا. # والثالث: أنه يقطع في الأول ولا يقطع في الثاني. # والرابع: أنه يقطع في الثاني ولا يقطع في الأول. # واختلف أيضا إذا سرق الأجنبي ما نسي بعض الأشراك في قاعة الدار مما لم ~~يقصد إلى وضعه ms1152 فيها، فروى سحنون عن ابن القاسم أنه يقطع. وذهب ابن المواز ~~إلى أنه لا يقطع إذا كان مما لا يشبه أن يكون ذلك موضعه. وأما ما كان موضعا ~~له كمربط الدابة وشبه ذلك فلا اختلاف أنه يقطع إذا أخرجه من الدار، وإن أخذ ~~قبل أن يخرجه منها وقد بان به ونحاه عن موضعه جرى ذلك على الاختلاف المذكور ~~إذا أخرجه من البيت إلى قاعة الدار. # فصل وأما النصاب فإنه معتبر عند مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم وأكثر ~~أهل العلم. وشذت طائفة منهم فأوجبت القطع في القليل والكثير تعلقا بظاهر ~~قول # PageV03P214 # الله عز وجل وقوله الحق {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما ~~كسبا} [المائدة: 38] فلم يخص قليلا من كثير. واحتجوا لذلك بقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «لعن الله السارق يسرق البيضة ويقطع يده» فهذا منه - صلى ~~الله عليه وسلم - تنبيه على أنه يقطع في القليل والكثير إلى أشياء ذكروها. ~~واحتجوا بها وتعلقوا بظاهرها لا حجة لهم بها، لأن الحد إذا ثبت عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وجب المصير إليه والعمل به لأن المفسر يقضي على ~~المجمل، والخاص يقضي على العام. وقول النبي - عليه السلام -: «لعن الله ~~السارق يسرق البيضة فتقطع يده؛» ليس على وجه التنبيه على إيجاب القطع في ~~القليل والكثير، وهو يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يراد بها بيضة الحديد. # والثاني: أن يكون - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك على وجه التقليل كما ~~قيل في العقيقة إنها تستجب ولو بعصفور، والعصفور لا يعق به ولا يجوز في ~~العقيقة. وكما أمر - صلى الله عليه وسلم - في الأمة أن تباع إذا زنت ثلاثا ~~أو أربعا ولو بضفير، ومثل هذا كثير. فيكون معنى قوله الزجر عن السرقة ~~وتحقير ما تقطع فيه يد السارق في جنب قطع يده، وهذا بين وبالله التوفيق. ### || فصل في معرفة حد النصاب عند من اعتبره # اختلف الذين اعتبروا النصاب في حده اختلافا كثيرا. فمنهم من قال: لا تقطع ~~يد السارق في أقل من درهم. ومنهم من قال: لا ms1153 تقطع في أقل من درهمين. ومنهم ~~من قال: لا تقطع في أقل من ثلاثة دراهم. ومنهم من قال: لا تقطع في أقل من ~~ربع دينار، ومنهم من قال: لا تقطع في أقل من ربع دينار أو ثلاثة دراهم. ~~ومنهم من # PageV03P215 # قال: لا تقطع في أقل من أربعة دراهم. ومنهم من قال: لا تقطع في أقل من ~~خمسة دراهم. ومنهم من قال: لا تقطع في أقل من عشرة دراهم. ومنهم من قال: لا ~~تقطع في أقل من دينار، ومنهم من قال: لا تقطع في أقل من دينار أو عشرة ~~دراهم. فهذه عشرة أقوال أصحها قول مالك ومن تابعه أنه لا تقطع يد السارق ~~ثلاثة دراهم كيلا، وإن كان ذلك أكثر من ربع دينار. ومن سرق ما سوى الفضة ~~والذهب لم يقطع إلا أن تكون قيمته ثلاثة دراهم. ولا تقوم السرقة بالذهب لأن ~~الآثار تعضد قوله وتؤيده وتشهد بصحته. ثبت «أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم» وأنه قال: «لا قطع في ثمر معلق ولا في ~~حريسة جبل فإذا آواه المراج والجرين فالقطع فيما يبلغ ثمن المجن» . فدل ذلك ~~من قوله- عليه السلام - على أن المسروق إنما يقوم بالدراهم لا بالدنانير، ~~كما فعل عثمان - رضي الله عنه - في الأترجة التي قومها بالدراهم فبلغت ~~ثلاثة دراهم من صرف اثني عشر درهما بدينار فقطع سارقها. وقالت عائشة: ما ~~طال علي وما نسيت القطع في ربع دينار فصاعدا، معناه فيمن سرق الذهب بعينه ~~لا فيمن سرق ما قيمته ربع دينار، لأن من سرق ما يقوم من العروض فالسنة فيه ~~أن يقوم بالدراهم على ما ثبت من قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فالقطع فيما ~~يبلغ ثمن المجن» . # فصل وأيضا فالدراهم والدنانير كل واحد منها أصل في نفسه لا يرد إليه ~~صاحبه لأنهما جميعا أثمان للأشياء وقيم للمتلفات، واختصت السرقة بالتقويم ~~بالدراهم دون الدنانير من سائر المتلفات للسنة المذكورة. # PageV03P216 # فصل فلا تقوم السرقة إلا بالدراهم كان البلد تجري فيه الدنانير والدراهم ~~أو ms1154 لا يجري فيه أحدهما، وإنما يتعامل الناس فيه بالعروض. هذا مذهب مالك - ~~رحمه الله - وهو ظاهر قوله في المدونة ونص ما في كتاب ابن المواز خلاف قول ~~أبي بكر الأبهري، وقال عبد الوهاب: إنما تقوم بالأغلب في البلد من الصنفين. ~~وأما ما حكى عبد الحق عن بعض شيوخ صقلية أن من سرق عرضا في بلد لا يتعامل ~~الناس فيه إلا بالعروض فإنه يقوم في أقرب البلدان إليه التي يتعامل فيها ~~الناس بالدراهم؛ فخطأ صراح لا يصح، إذ قد تكون السلعة بالبلد الذي سرقها ~~فيه كاسدة مرغوبا عنها لا قيمة لها به وفي البلد الذي تجري فيه الدراهم لها ~~قيمة كثيرة لقلتها فيه ونفاقها عندهم، فيؤول إلى قطع اليد في أقل من ~~النصاب. والاعتبار بقيمة السرقة يوم سرقت وأخرجت من الحرز في قول مالك ~~والشافعي خلافا لقول أبي حنيفة إنه تعتبر قيمتها يوم سرقها إلى يوم الحكم ~~وبالله التوفيق. # فصل فيما يقطع فيه السارق من الذهب المغشوشة أو الناقصة # وسواء كان الذهب والفضة طيبين أو دنيئين إلا أن يكونا مغشوشين بالنحاس ~~فلا يقطع في النصاب منهما إلا أن يكون النحاس الذي فيهما تافها يسيرا جدا ~~لا قدر له. # فصل وأما إن نقصت الذهب والفضة في الوزن، فإن كان نقصها نقصا بينا تتفق ~~عليه الموازين فلا يقطع، وإن كان نقصانا يسيرا لا تتفق عليه الموازين قطع. # فصل فأما إن كانت الدراهم تجوز عددا بأعيانها فنقصت في الوزن فقال في ~~الرواية: إنها إن نقصت ثلاث حبات من كل درهم فلا يقطع، ظاهره وإن كانت تجوز ~~بجواز # PageV03P217 # الوازنة خلاف الزكاة. والفرق بينهما أن الزكاة الاحتياط فيها إيجابها، ~~والسرقة الاحتياط فيها ترك القطع. وأما إن كان النقص فيها نحو الحبتين من ~~كل درهم فقد قال أصبغ: إن ذلك يسير يقطع، معناه عندي إن كانت تجوز بجواز ~~الوازنة. وقال أبو إسحاق التونسي قول أصبغ وإن كانت لا تجوز بجواز الوازنة. ~~وإن كان هذا ظاهره فيقال: إن معناه خلاف ظاهره، والله تعالى أعلم. # فصل ومذهب الشافعي في ms1155 هذا قريب من مذهب مالك، لأن النصاب عنده في القطع ~~ربع دينار فلا يقطع على مذهبه إلا من سرق ربع دينار ذهبا أو قيمته من ~~العروض أو الدراهم، وهو قول محمد بن عبد الحكم من أصحاب مالك، حكاه عنه ابن ~~حارث. # فصل وأما أهل العراق فلا يرون أن تقطع يد السارق في أقل من مثقال أو عشرة ~~دراهم. ومنهم من يراعي المثقال دون العشرة دراهم فلا يوجب القطع على من سرق ~~عشرة دراهم أو أكثر إذا كانت قيمتها أقل من مثقال. ومنهم من يراعي العشرة ~~دراهم دون المثقال فلا يوجب القطع على من سرق مثقالا أو أكثر منه إذا كانت ~~قيمته أقل من عشرة دراهم، وهو مذهب أبي حنيفة. وأصلهم في هذا ما «رواه ابن ~~عباس وعمرو بن العاص أن ثمن الذي قطع فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~كان عشرة دراهم.» قالوا: فهذان صاحبان قد خالفهما ابن عمر في قيمة المجن، ~~فالأولى ألا تستباح يد أحد إلا بيقين. وهذا لا يلزم، لأنه يحتمل أن يكون ~~قضية أخرى في مجن آخر فلا تتعارض الآثار، لأنه إذا وجب القطع في ثلاثة ~~دراهم فلا شك أنه يجب في عشرة دراهم، وهذا بين، وبالله تعالى التوفيق. # PageV03P218 ### || فصل في السراق يجتمعون على سرقة النصاب # فصل # في السراق يجتمعون على # سرقة النصاب # القطع بإخراجه من الحرز، سرقه واحد من واحد، أو جماعة من جماعة، أو جماعة ~~من واحد، أو واحد من جماعة إذا تعاونوا في إخراجه لحاجتهم على التعاون في ~~ذلك، كما يقتل الواحد بالواحد والجماعة بالجماعة والواحد بالجماعة والجماعة ~~بالواحد، وكما تقطع اليد باليد والأيدي بالأيدي والأيدي باليد واليد ~~بالأيدي. وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا تقطع الجماعة بالسرقة وإن تعاونوا ~~عليها حتى يكون في حظ كل واحد منهما ما يجب فيه القطع، كل على مذهبه في ~~النصاب، وتقتل الجماعة بالواحد، فناقضوا، والمناقضة للشافعي ألزم لأنه ~~يقول: إن الجماعة تقتل بالواحد وإن الأيدي تقطع باليد. لأن النفس لا تتبعض ~~واليد تتبعض فإنما قطع كل ms1156 واحد منهم بعضها. وكذلك النصاب يتبعض عنده فإنما ~~سرق كل واحد منهم بعضه. ونقض الشافعي في هذه المسألة أيضا أصله في قوله: إن ~~عشرين رجلا إذا ملكوا عشرين مثقالا وكانوا شركاء فيها إن الزكاة واجبة ~~عليهم لاشتراكهم في النصاب، وهذا بين في التناقض، ومن أصل أصلا فاسدا يبني ~~عليه انهدم بنيانه. ولا اختلاف أحفظه في سرقة الواحد ما يجب فيه القطع من ~~الجماعة المشتركين أنه يقطع، كما لم يختلفوا أن العبد يقتل بالعبد وإن يده ~~تقطع بيده وإن كان العبد المقتول أو المقطوع يده لجماعة. واتفاقهم على هذا ~~يقضي بصحة مذهب مالك في أن الجماعة تقطع إذا تعاونت في سرقة النصاب، لأن ~~القطع إنما وجب لحرمة النصاب المسروق على الوجه الموصوف، كما وجب القصاص من ~~النفس أو اليد لحرمتها، فوجب أن يتساوى ذلك كله في الواحد من الواحد ~~والجماعة من الجماعة والواحد من الجماعة والجماعة من الواحد. فرحم الله ~~مالك بن أنس فإنه كان أمير المؤمنين في الرأي والآثار، وأعرف الناس ~~بالقياس، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. # PageV03P219 ### || فصل في بيان من يجب عليه القطع في السرقة # فصل # في بيان من يجب عليه القطع في السرقة والقطع يجب على الأحرار والعبيد ~~والذميين الحربيين المعاهدين من الرجال والنساء البالغين. هذا قول مالك ~~والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم وعامة العلماء في جميع الأمصار. وإنما وقع ~~الخلاف قديما في العبد الآبق، ثم انعقد الإجماع لعموم قول الله عز وجل: ~~{والسارق والسارقة} [المائدة: 38] . ### || فصل في معرفة ما يجب به القطع في السرقة # فصل # في معرفة ما يجب به القطع في السرقة # ولا يجب القطع إلا ببينة عادلة أو اعتراف. فأما البينة فشاهدا عدل، ولا ~~يقطع بشاهد ويمين ولا بشاهد وامرأتين. وأما الاعتراف فإنه ينقسم على ثلاثة ~~أقسام: # أحدها: أن يأتي مستهلا على نفسه بالسرقة من غير أن يؤخذ ويتهم بها. # والثاني: أن يقر على نفسه بها بعد أن يتهم بها فيؤخذ دون خوف ولا وعيد ~~ولا تهديد. # والثالث: أن يقر على نفسه بها بعد الضرب ms1157 والوعيد أو التهديد. # والثالث: أن يقر على نفسه بها بعد الضرب والوعيد أو التهديد. # فأما إذا استهل بذلك على نفسه من قبل أن يؤخذ فيقطع من غير تعيين قولا ~~واحدا، وله أن يرجح عن إقراره إذا كان لرجوعه وجه. واختلف إذا جحد الإقرار ~~أصلا أو لم يأت لرجوعه بوجه. # وأما إن كان إقراره بعد أن يؤخذ فاختلف فيه، قيل إنه يقطع بمجرد إقراره ~~دون أن يعين السرقة التي أقر بها، وهو ظاهر ما في كتاب السرقة من المدونة. ~~وقيل: # PageV03P220 # إنه لا يقطع حتى يعينها وهو قول ابن القاسم في رسم العتق من سماع أشهب من ~~الكتاب المذكور. فإذا قلنا: إنه يقطع بمجرد إقراره دون تعيين على ظاهر ما ~~في كتاب السرقة من المدونة فله أن يرجع عن إقراره وإن لم يأت بوجه، وهو ~~ظاهر ما في المدونة ولا خلاف عندي في هذا الوجه. وإذا قلنا: إنه لا يقطع ~~إلا أن يعين فاختلف هل له أن يرجع عن إقراره بعد التعيين أم لا على قولين ~~مرويين عن مالك - رحمه الله - وقعا له في سماع عيسي من كتاب السرقة. ~~والقولان هاهنا عندي إنما هما إذا قال إنما أقررت لوجه كذا، وأما إن جحد ~~الإقرار أصلا بعد التعيين فلا يقال قولا واحدا. # وأما إذا ضرب أو هدد فأقر فلا يقطع بمجرد إقرار، فإن عين فاختلف هل يقطع ~~أم لا على قولين قائمين من المدونة وغيرها. فإذا قلنا إنه يقطع على أحد ~~القولين فإنما يقطع ما لم يرجع عن إقراره، وإن رجع عن إقراره أقيل بلا ~~خلاف. وإذا قلنا: إنه لا يقطع على القول الثاني فإن تمادى على إقراره بعد ~~أمن ففي المدونة أنه يقطع. وقال ابن الماجشون: إنه لا يقطع. # فصل فلرجوع السارق عن إقراره بالسرق ثلاثة أحوال: # حال يقبل رجوعه فيها إن أتى وبه شبهة، ويحلف إذا جحد الإقرار أصلا وهي ~~الحال التي يتفق على وجوب القطع فيها وعلى قبول رجوعه، وذلك إذا أتى تائبا ~~مستهلا ثم رجع. # وحال يقبل رجوعه فيها ms1158 وإن جحد الإقرار أصلا قولا واحدا وهي الحال التي لا ~~يتفق على وجوب القطع عليه فيها، وذلك إذا أقر بعد أن يؤخذ ولم يعين ثم رجع، ~~وإذا أقر بعد الضرب أو التهديد وعين ثم رجع. # وحال لا يقبل رجوعه إذا جحد الإقرار أصلا قولا واحدا، ويختلف إذا قال: ~~أقررت لوجه كذا وكذا، وهي الحال التي يتفق على وجوب القطع عليه فيها، ~~ويختلف في قبول رجوعه، وذلك إذا أقر بعد أن يؤخذ وعين ثم رجع. وبالله ~~التوفيق. # PageV03P221 ### || فصل في بيان ما يجب فيه القطع من الأموال # فصل # في بيان ما يجب فيه القطع من الأموال. ويجب القطع في مذهب مالك في كل ما ~~يتمول ويجوز بيعه، سواء كان مباح الأصل أو غير مباح الأصل، سواء كان مما ~~يبقى أو مما يسرع إليه الفساد، خلاف قول أبي حنيفة فيما يسرع إليه الفساد، ~~وخلاف قوله وقول الشافعي فيما كان مباح الأصل كالماء والحطب والكلأ وشبهه. ~~وتعلق أبو حنيفة في ألا قطع في الطعام الذي لا يبقى ويسرع إليه الفساد، ~~لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا قطع في ثمر ولا كثر» لأنه تأول ~~أن القطع إنما يسقط في ذلك لأنه مما لا يبقى واعتل ذلك أيضا من طريق النظر ~~بأن ما لم يحرز بغيره لا قطع فيه وإن كان محرزا بنفسه، فما يحرز بغيره وليس ~~بمحرز بنفسه أولى ألا يقطع فيه، وليس هذا بشيء، والصحيح قول مالك، والدليل ~~قول الله تبارك وتعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] ~~لأنه عموم فلا يخص منه شيء إلا بدليل، ولا دليل لأبي حنيفة يصح به التخصيص ~~في سرقة بعض الأموال إلا تأويله على الحديث، وتأويله عليه يعارض بما هو ~~أولى منه، وذلك أن الحرز لم يأوه فلذلك لم يجب فيه القطع. ### || فصل في ترتيب القطع في السرقة # فصل # في ترتيب القطع في السرقة وإذا سرق السارق قطعت يده اليمنى، ثم إن سرق ~~قطعت رجله اليسرى، ثم إن سرق قطعت يده اليسرى، ثم إن سرق قطعت رجله ms1159 اليمنى، ~~ثم إن سرق ضرب وحبس. هذا قول مالك - رحمه الله - ومذهب أهل الحجاز. ولم ير ~~أن يقتل بعد الرابعة على ما روي «عن النبي- صلى الله عليه وسلم - من رواية ~~جابر بن عبد الله أنه أتي بعبد قد سرق فقطع يده اليمنى، ثم أتي به بعد ذلك ~~قد سرق فقطع رجله اليسرى، ثم أتى به بعد ذلك قد سرق فقطع يده اليسرى، ثم ~~أتي به بعد قد سرق فقطع رجله اليمنى، ثم أتي به بعد قد سرق فقتله» لأنه ~~حديث غير صحيح. وفي حديث # PageV03P222 # مصعب بن ثابت: قتل السارق بالحجارة في الخامسة ولم يقل به أحد من أهل ~~العلم إلا ما ذكره أبو المصعب في مختصره عن أهل المدينة مالك وغيره، وهذا ~~غير صحيح لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا ~~بإحدى ثلاث أن يكفر بعد إسلامه أو يزني بعد إحصانه أو يقتل نفسا بغير حق» . ~~ولو صح الخبر لوجب أن يحمل على أنه خرج على وجه التغليظ كقوله في شارب ~~الخمر: اقتلوه. تغليظا وزجرا، والله أعلم. # فصل وذهب أهل العراق إلى أنه تقطع يده اليمنى ثم رجله اليمنى ولا يقطع ~~منه شيء بعد ذلك. واتفق جمهور السلف والخلف من أهل الحجاز والعراق على قطع ~~الرجل بعد اليد وإن كان الله عز وجل لم يذكر في كتابه إلا الأيدي للسنة ~~الثابتة في ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وشذت طائفة من التابعين ~~وبعض أهل الظاهر فلم يروا أن تقطع من السارق إلا الأيدي لا أكثر، وهو مذهب ~~الخوارج. ### || فصل في حد القطع في السرقة # فصل # في حد القطع في السرقة وتقطع يد السارق من الكوع لا خلاف بين أهل العلم ~~في ذلك. واختلفوا في الرجل، فالذي عليه مالك - رحمه الله - وجل أهل العلم ~~أنه يقطع من المفصل الذي في أصل السارق. وقال في المدونة: تحت الكعبين ~~ويبقى الكعبان في الساقين. وقال في كتاب ابن شعبان: بين الكعبين، وقيل إنه ~~يقطع من المفصل الذي ms1160 في وسط القدم ويترك له العقب حكاه ابن شعبان عن علي ~~وابن عباس وعطاء وابن جعفر. وقال إنه موضع يحتمل الاختلاف لأن المفصل الذي ~~في وسط القدم هو أول المفاصل الذي يأتي على جميع أصابع الرجل، كما أن الرسغ ~~هو أول المفاصل الذي يأتي على أصابع اليد، فشبهوا هذا بهذا. هذا معنى قوله ~~دون لفظه. والله أعلم. # PageV03P223 ### || فصل في السارق يقطع وقد استهلك في السرقة # فصل # في السارق يقطع وقد استهلك السرقة وأجمع أهل العلم على أن السلعة ~~المسروقة إذا وجدت قائمة بيد السارق فإنها ترد إلى صاحبها. واختلفوا إذا ~~تلفت عنده وأقيم عليه الحد هل يتبع بها أم لا على أربعة أقوال: # أحدها: أنه يتبع بها في اليسر والعدم وهو قول الشافعي. # والثاني: أنه لا يتبع بها في اليسر ولا في العدم، حكى هذا القول إسماعيل ~~القاضي عن أهل الشرق. # والثالث: أن المسروق منه مخير إن شاء اتبع السارق بقيمة سرقته ولم تقطع ~~يده، وإن شاء بذل له القيمة وترك اتباعه بها وقطعت يده. هذا قول أبي حنيفة، ~~حكاه عنه عبد الوهاب في شرح الرسالة، فلا يجب للإمام على مذهبه إذا تلفت ~~السرقة أن يقطع يد السارق إلا بعد تخيير المسروق منه. وذهب مالك - رحمه ~~الله - إلى أنه إن كان متصل اليسر من يوم سرق إلى يوم أقيم عليه الحد ضمن ~~قيمة السرقة، وإن كان عديما أو أعدم في بعض المدة سقط عنه الغرم، وهذا هو ~~الصحيح، لأنه إذا كان موسرا متصل اليسار فكأن سرقة قائمة العين لأنه وإن ~~أتلفها فقد وفى بها ماله. وهذا التعليل إنما يصح إذا أتلفها بالاستيفاء ~~وأما إذا أتلفها بالجناية عليها أو تلفت بأمر من السماء فلم يف بتلافها ~~ماله فيلزم عليه ألا يؤخذ من ماله وإن اتصل يسره إذا تلفت بأمر من السماء ~~أو بجنايته عليها، وهذا ما لم يقولوه. فالعلة الصحيحة في هذا على مذهب مالك ~~أنه إنما وجب ألا يتبع بقيمة السرقة في العدم إذا قطعت يده لئلا تجتمع عليه ~~عقوبتان: ms1161 قطع يده واتباع ذمته ولم يوجب الله عليه إلا عقوبة واحدة جزاء بما ~~كسب فقال: فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسب. وأما في الملأ فيرد على المسروق ~~منه قيمة سرقته وإن قطعت يده، كما يرد عليه عين سرقته بالإجماع إذا ألفيت ~~قائمة بيده وليس ذلك عقوبة ثانية. ولا يلزم على # PageV03P224 # هذا أن يؤخذ منه إذا أيسر بعد أن أعدم لأن العدم قد أسقطها عنه، إذ لا ~~يصح أن تتبع ذمته بها فيكون ذلك عقوبة أخرى، وإذا سقطت عن ذمته لم يصح أن ~~تعود عليه والله أعلم. ### || فصل في حكم توبة السارق # فصل # في حكم توبة السارق # توبة السارق غير مقبولة منه في إسقاط الحد عنه بخلاف توبة المحارب، لأن ~~الله فرق بينهما في كتابه، فأمر بإقامة الحد عليهم ثم عقب بذكر التوبة من ~~غير استثناء فجعلها مستقلة بعد القطع، فدل ذلك على أن توبته لا تسقط عنه ~~الحد وإن أسقطت عنه الإثم إذا صحت توبته ورد السرقة على صاحبها وتحلله من ~~إمساكها عنه. وذكر تعالى إقامة الحد على المحاربين ثم استثنى منهم من تاب ~~ألا يقام عليه الحد فقال تعالى: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ~~فاعلموا أن الله غفور رحيم} [المائدة: 34] . وهاتان الآيتان أصل في أن تقبل ~~توبة المرتد وكل معلن بما كان عليه، وألا تقبل توبة الزنديق ولا الساحر ولا ~~الزاني ولا الشارب للخمر ومن أشبههم من المستترين بما كانوا عليه إذا ~~أسرتهم البينة لأنهم يتمنون أن يكون ذلك منهم تحيلا لإسقاط الحدود منهم. ~~قال الله عز وجل: {فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا ~~به مشركين - فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله} [غافر: 84 - ~~85] إلى قوله: الكافرون وقال تعالى: {حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا ~~إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين} [يونس: 90] {آلآن وقد ~~عصيت قبل وكنت من المفسدين} [يونس: 91] . وبالله سبحانه التوفيق لا رب ~~غيره. # تم كتاب السرقة بحمد الله وعونه # يتلوه كتاب ms1162 الحرابة # PageV03P225 ### | كتاب المحاربين والمرتدين # ] [ ### || القول في ماهية الحرابة وما الواجب فيها # القول في ماهية الحرابة وما الواجب فيها # قال الله عز وجل: {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا ~~بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا} [المائدة: 32] . فجعل ~~الفساد في الأرض بمنزلة القتل في وجوب القتل به. فمعنى الآية من قتل نفسا ~~بغير نفس أو بغير فساد في الأرض فأسقط غير وعطف الكلام على ما قبله ثم بين ~~الله تبارك وتعالى الفساد في الأرض المذكور في هذه الآية ما هو فقال: {إنما ~~جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا ~~أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ~~ولهم في الآخرة عذاب عظيم} [المائدة: 33] . # فصل فمحاربة الله ورسوله عصيانهما بإخافة السبيل، وإخافة السبيل هو السعي ~~في الأرض فسادا أو السعي في الأرض فسادا هو الحرابة نفسها لا غيرها. وقوله ~~تعالى: {ويسعون في الأرض فسادا} [المائدة: 33] تكرير لذكر الحرابة بغير اسم ~~الحرابة على سبيل التأكيد، وهو كثير موجود في القرآن ولسان العرب. قال الله ~~عز وجل: {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله} [يوسف: 86] ، والبث والحزن شيء ~~واحد. وقال: {ثم عبس وبسر} [المدثر: 22] # PageV03P227 # وهما شيء واحد. وقال: {من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال} ~~[البقرة: 98] فأعاد ذكر جبريل وميكائيل وإن كانا من الملائكة تأكيدا لهما. ~~وقال: {فيهما فاكهة ونخل ورمان} [الرحمن: 68] والنخل والرمان من الفاكهة، ~~وهذا كثير، وبالله التوفيق. # فصل فمن أخاف السبيل فقد استحق اسم الحرابة بإجماع، ولهذا قال مالك - ~~رحمه الله -: إن الإمام مخير في المحارب، وإن لم يقتل ولا أخذ مالا إن شاء ~~قتله وإن شاء صلبه وإن شاء قطعه من خلاف وإن شاء ضربه ونفاه، لأن الله خير ~~في عقوبة المحارب بأحد هذه الأربعة الأشياء فقال: {أن يقتلوا أو يصلبوا أو ~~تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض} [المائدة: 33] ، لأن كل ما ~~قال الله فيه افعل ms1163 كذا أو كذا فصاحبه بالخيار في فعل أي ذلك شاء، مثل قوله ~~تعالى: {ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} [البقرة: 196] . ومثل قوله في كفارة ~~الأيمان: {فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم ~~أو تحرير رقبة} [المائدة: 89] . # فصل وقد اختلف فيمن نزلت هذه الآية فقيل: إنها نزلت في المشركين ~~الحربيين، فالإمام مخير بهذه الآية في أسرى المشركين إن شاء قتلهم وإن شاء ~~صلبهم وإن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف. وقد قيل: إنها نزلت في قوم من ~~أهل الكتاب كان بينهم وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - عهد وميثاق فنقضوا ~~العهد وأفسدوا في الأرض فخير الله رسوله إن شاء أن يقتل وإن شاء أن يصلب ~~وإن شاء أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن شاء أن ينفي. وروي هذا عن ابن ~~عباس - رضي الله عنه -. وقيل: إنها # PageV03P228 # نزلت في «الرهط من عرينة أو عكل الذين أتوا النبي - عليه السلام - ~~فقالوا: يا رسول الله إنا كنا أهل ريف وإنا استوخضنا المدينة، فأنزلهم بذود ~~وراع وأمرهم أن يخرجوا فيها فيشربوا من ألبانها وأبوالها ففعلوا، فلما صحوا ~~قتلوا الراعي واستاقوا الذود وكفروا بعد إسلامهم فأتي بهم إلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم في الحرة ~~يستطعمون فلا يطعمون ويستسقون فلا يسقون حتى ماتوا» . روي هذا عن أنس بن ~~مالك وجاء عنه أنه أحرقهم بالنار بعد قتلهم. # فصل ولم يعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل بأحد غير هؤلاء ~~قبل ولا بعد. وثبت عنه أنه نهى عن المثلة. واختلف في حكم النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في هؤلاء الرهط، فقيل: إنه منسوخ، نسخه نهيه - صلى الله عليه ~~وسلم - عن المثلة، وقيل: إنه نسخ بهذه الآية وإنها إنما نزلت عتابا لما فعل ~~بهم، وقيل: إنه حكم ثابت في نظرائهم أبدا غير منسوخ لأنهم ارتدوا وقتلوا ~~وحاربوا وسرقوا، فحكمهم غير حكم من حارب وسعى في الأرض فسادا من أهل ~~الإسلام وأهل الذمة الذين ثبت ms1164 الحكم فيهم بالآية. وقيل: إنهم سملوا أعين ~~الرعاء فلذلك سمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعينهم. وقيل: إن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - لم يسمل أعينهم لكنه أراد أن يفعل ذلك فأنزل ~~الله الآية فعرفه بالحكم فيهم ونهاه عن سمل أعينهم. # فصل فأما قول من قال إن الآية نزلت في المشركين الحربيين فإنه بعيد جدا ~~لقوله تعالى فيها: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} [المائدة: 34] ~~. ولا اختلاف أن توبة الحربي تسقط عنه بالرمة من الأحكام في حال كفره سواء ~~أسلم قبل القدرة عليه أو # PageV03P229 # بعد ذلك وكذلك قول من قال: إن الآية نزلت في الذين حكم فيهم رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بما حكم من قطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم بعيد أيضا ~~لمخالفة حكمه فيهم ما تضمنته الآية من العقوبات مع تظاهر الآثار بأن الآية ~~إنما وردت بعد الذي كان من حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هؤلاء ~~الرهط المذكورين. # فصل وأولى ما قيل في الآية أن الله أنزلها على رسوله إعلاما منه له ~~بالحكم فيمن حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا من أهل الإسلام وأهل ~~الذمة، وأن سبب نزولها كان نقض ناقض من أهل الذمة من بني إسرائيل عهده ~~وسعيه في الأرض بالفساد. وإنما قلنا إن ذلك أولى ما قيل في الآية لأن القصص ~~التي قصها الله قبل هذه الآية وبعدها من قصص بني إسرائيل وأنبيائهم وأن ~~تكون هذه الآية المتوسطة بين ذلك تقتضي تعريف الحكم فيهم وفي نظائرهم أولى ~~ما قيل في ذلك مع ما روي عن ابن عباس أنها نزلت في قوم من أهل الكتاب نقضوا ~~العهد وأفسدوا في الأرض، فيحتمل أن يكونوا من بني إسرائيل والله أعلم ~~وأحكم. # فصل وليس معنى قول مالك ومن قال بقوله في تخيير الإمام في عقوبة المحارب ~~إنه يفعل فيه بالهوى، ولكن معناه أنه يتخير من العقوبات التي جعلها الله ~~جزاءه ما يرى أنه أقرب إلى الله وأولى بالصواب بالاجتهاد فكم من محارب ms1165 لم ~~يقتل هو أضر على المسلمين ممن قتل في تدبيره وتأليبه على قطع طرق المسلمين. # فصل فإن كان المحارب ممن له الرأي والتدبير فوجه الاجتهاد فيه قتله أو ~~صلبه لأن القطع لا يرفع ضرره عن المسلمين. وإن لم يكن على هذه الصفة وأخذ ~~بحضرة خروجه أخذ فيه بأيسر ذلك وهو الضرب والنفي. # PageV03P230 # فصل وأما إن قتل فلا بد من قتله ولا يخير الإمام في قطعه ولا في نفيه، ~~وإنما له التخيير في قتله أو صلبه. وأما إن أخذ المال ولم يقتل فلا تخيير ~~للإمام في نفيه وإنما له التخيير في قتله أو صلبه أو قطعه من خلاف. هذا ~~تحصيل مذهب مالك - رحمه الله -. وقد وقع في بعض روايات المدونة أنه من نصب ~~نصبا شديدا أو علا أمره وطال زمانه فإن الإمام يقتله ولا خيار له فيه. ~~معناه أنه لا ينبغي للإمام أن يأخذ في مثل هذا إلا بالقتل لأنها العقوبة ~~المختارة في مثله بالاجتهاد، فلا تكون هذه الرواية على هذا التأويل خلافا ~~لأصله الذي حكيناه عنه. # فصل وذهب الشافعي وأبو حنيفة وجماعة من العلماء إلى أن أو في هذه الآية ~~ليست للتخيير وإنما هي للترتيب والتعقيب. وأن العقوبات التي أنزلها الله في ~~المحارب تختلف باختلاف إجرامه. قالوا لأن كل موضع ذكر الله فيه عقوبات ~~مختلفة وقصد الترتيب بدأ بالأغلظ فالأغلظ، وإن قصد التخيير بدأ بالأخف ~~فالأخف. # مثال الأول: كفارة الظهار والقتل. # ومثال الثاني: كفارة اليمين وفدية الأذى. # فلما بدأ الله في المحارب بالقتل ثم الصلب ثم القطع ثم النفي علمنا أنه ~~قصد الترتيب لا التخيير. وهذه دعوى لا دليل عليها. بل الدليل قائم على ~~بطلانها، من ذلك قول الله عز وجل: {أن يقتلوا أو يصلبوا} [المائدة: 33] ~~فبدأ بالقتل وهو أخف من الصلب فذلك يوجب التخيير على مذهبهم بين القتل ~~والصلب وهم لا يقولونه. وأيضا فإن الله قال في جزاء الصيد: {هديا بالغ ~~الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما} [المائدة: 95] ، فبدأ ~~بالهدي وهو أغلظ من الإطعام والصيام فكان ms1166 ذلك # PageV03P231 # على التخيير ولم يكن على الترتيب وأيضا فلو كان اللسان العربي يوجب ~~الترتيب إذا بدأ في العقوبات بالأغلظ فالأغلظ على ما قالوه دون التخيير لما ~~احتاج تعالى أن يقول في كفارة القتل وكفارة الظهار: {فمن لم يجد فصيام ~~شهرين متتابعين} [النساء: 92] ، ولقال أو صيام شهرين متتابعين لأن أو أخف ~~على اللسان وأوجز في الكلام، لأن البلاغة إنما هي في بيان المعاني مع ~~اختصار اللفظ مع أنا لا نقول إن عتق رقبة أغلظ من صيام شهرين متتابعين بل ~~صيام شهرين متتبابعين أشد وأغلظ من عتق رقبة لا سيما على من هو كثير ~~اليسار، وفي بعض هذا كفاية. # فصل واستندوا فيما ذهبوا إليه من ذلك إلى ما روي عن ابن عباس أن المحارب ~~إذا حارب وقتل قتل وإن حارب وقتل وأخذ المال صلب. وإن حارب وأخذ المال ولم ~~يقتل قطع من خلاف، وإن حارب السبيل ولم يقتل ولا أخذ مالا نفي إلا أن يتوب ~~في ذلك كله قبل أن يقدر عليه. # فصل فأما الشافعي فقال بقول ابن عباس هذا. وقد اختلفت الروايات عنه ~~اختلافا كثيرا أعني ابن عباس. وأما أبو حنيفة وأصحابه فقالوا: إن أخاف ~~السبي ولم يقتل وظفر به قبل أن يتوب حبس لقول الله عزوجل: {أو ينفوا من ~~الأرض} [المائدة: 33] ، وتأولوا أن النفي الحبس. وإن أخذ مالا فكان ما أخذ ~~عشرة دراهم فصاعدا قطعت يده ورجله من خلاف. فإن قتل وأخذ المال فإن أبا ~~حنيفة قال: الإمام بالخيار إن شاء قطع يده ورجله من خلاف أو صلبه وقتله على ~~الخشبة، وإن شاء لم يصلبه وقطع يده ورجله من خلاف ثم قتله، وإن شاء قتله ~~بغير صلب أو قطع. قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن وغيرهما: إذا وجب عليه القتل ~~لم يقطع لأن القتل يأتي على كل شيء، ولكن أحب إليهم أن يقتل على الخشبة ~~مصلوبا. فإن خرج # PageV03P232 # ولم يفعل غير ذلك كان أمره إلى المخروج ولم يحكم عليه بحكم المحارب ~~وبالله التوفيق. # فصل واختلف في معنى قول الله عز ms1167 وجل: {أو يصلبوا} [المائدة: 33] ، فقيل: ~~إنه يقتل ثم يصلب ليرتدع أهل الفساد، وهو قول أشهب. وقيل: إنه يصلب حيا ~~ويقتل في الخشبة وهو قول ابن القاسم وابن الماجشون وهو اختيار ابن بكير، ~~لأن الصلب أن يقتل مصلوبا فيسيل دمه وهو مربوط في الخشبة من قولهم: تمر ~~مصلب إذا كان ذا صفر سائل، ولأن الله إنما خير في صفة قتله ولو كان إنما ~~خير في صلبه بعد قتله لقال أن يقتلوا، أو يقتلوا ثم يصلبوا، وهذا بين. # فصل فعلى مذهب من رأى أنه يقتل ثم يصلب يصلي عليه قبل الصلب. واختلف في ~~الصلاة عليه على مذهب من يرى أنه يقتل في الخشبة فقال ابن الماجشون في ~~الواضحة: ينزل من الخشبة حتى تأكله الكلاب والسباع، ولا يترك أحد من أهله ~~ولا من غيرهم أن ينزله ليدفنه ولا ليصلي عليه. قال في الثمانية: ويصف خلف ~~الخشبة ويصلى عليه وهو مصلوب، خلاف ظاهر قوله في الواضحة. وقال سحنون: إذا ~~قتل في الخشبة أنزل منها وصلي عليه. واختلف قوله: هل يعاد فيها ليذعر بذلك ~~أهل الفساد أم لا على قولين. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه لا يبقى في ~~الخشبة أكثر من ثلاثة أيام ثم ينزل لأن إبقاءه عليها أكثر من ثلاثة أيام ~~مثلة. وهذا التحديد تحكم بغير دليل ولا برهان. # فصل وأما قوله: {أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف} [المائدة: 33] فمعناه ~~أن تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، ثم إن عاد قطعت يده اليسرى ورجله اليمنى. ~~واختلف إذا # PageV03P233 # كان أشل اليد اليمنى أو مقطوعها في قصاص أو جناية وشبهه. فقال ابن ~~القاسم: تقطع يده اليسرى ورجله اليمنى حتى يكون القطع من خلاف كما قال الله ~~عز وجل. وقال أشهب: تقطع يده اليسرى ورجله اليسرى، وقول ابن القاسم أظهر. # فصل وأما قوله: {أو ينفوا من الأرض} [المائدة: 33] فاختلف في تأويله روى ~~مطرف عن مالك أن النفي السجن، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه. وقال ابن القاسم ~~ورواه عن مالك إن النفي أن ينفى من بلده إلى بلد ms1168 آخر أقله ما تقصر فيه ~~الصلاة فيسجن فيه إلى أن تظهر توبته. وقال ابن الماجشون معنى ذلك أن يطلبهم ~~الإمام لإقامة الحد عليهم فيكون هروبهم إقامة الحد عليهم هو النفي، فأما أن ~~ينفى بعد أن يقدر عليه فلا. وقال السدي وغيره: هو أن يطلبهم الإمام بالخيل ~~حتى يأخذهم فيقيم فيهم الحكم أو ينفوا من أرض الإسلام إلى أرض الحرب، وهو ~~نحو قول ابن الماجشون. فعلى قول هؤلاء تكون العقوبات التي ذكر الله في ~~المحارب بعضها لمن قدر عليه، وبعضها لمن لم يقدر عليه - والأشبه أن تكون ~~كلها فيمن قدر عليه. وقيل: إن الإمام إذا قدر عليه نفاه من بلده إلى بلد ~~آخر، وهو قول سعيد بن جبير وغيره، وهو بعيد، لأن نفي المحارب عن بلده إلى ~~بلد آخر ليس بعقوبة له، إذ هو في حرابته وخروجه غائب عن بلده، فإنما نفيه ~~إلى بلد آخر دون أن يسجن إحمال له وتسليط وبعث على التزيد في العبث ~~والفساد. # فصل وأما قوله: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله ~~غفور رحيم} [المائدة: 34] فإن أهل العلم اختلفوا في هذا المعنى في أربعة ~~مواضع: # أحدها: قبول توبة المحارب من أهل الإسلام وأهل الذمة. # والثاني: في صفة المحارب التي تقبل منه التوبة. # والثالث: في صفة التوبة التي تقبل منه. # PageV03P234 # والرابع: فيما تسقط عنه التوبة من الأحكام. فأما الموضع الأول وهو قبول ~~التوبة منه فإن الأصل في ذلك قولين: # أحدها: أن توبته لا تقبل منه ولا تسقط حقا من الحقوق ولا حكما من ~~الأحكام. قال ذلك من ذهب إلى أن الآية نزلت في المشركين من أهل الحرب، وهو ~~قول الحسن، وقد بينا ضعف هذا القول. # والثاني: أن توبته تقبل منه، وهو قول جل أهل العلم. ثم اختلف هؤلاء في ~~صفة المحارب الذي تقبل منه التوبة على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه لا تقبل منه إلا أن يخرج في حرابته من دار الإسلام ويلحق بدار ~~الحرب. # والثاني: أنها لا تقبل منه إلا أن يكون قد ms1169 لحق بدار الحرب أو كانت له فئة ~~في بلد الإسلام وإن لم يلحق بدار الحرب. # والثالث: أنها تقبل منه في جميع الأحوال كان وحده لا فئة له أو كانت له ~~فئة ولم يلحق بدار الحرب أو كان قد لحق في حرابته بدار الحرب. واختلفوا ~~أيضا في صفة توبته التي تقبل منه على أقوال: # أحدها: أن توبته تكون بوجهين: أحدهما: أن يترك ما هو عليه وإن لم يأت ~~الإمام. # والثاني: أن يلقي سلاحه ثم يأتي الإمام طائعا وهو مذهب ابن القاسم. # والقول الثاني: أن توبته إنما تكون بأن يترك ما هو عليه ويجلس في موضعه ~~ويظهر لجيرانه. وأما إن ألقى سلاحه وأتى الإمام طائعا فإنه يقيم عليه حد ~~الحرابة إلا أن يكون قد ترك قبل أن يأتيه ما هو عليه وجلس في موضعه حتى لو ~~علم الإمام حاله لم يقم عليه حد الحرابة، وهذا قول ابن الماجشون. # والقول الثالث: أن توبته إنما تكون بالمجيء إلى الإمام، وإن ترك ما هو ~~عليه لم يسقط ذلك عنه حكما من الأحكام إن أخذ قبل أن يأتي الإمام. واختلفوا ~~أيضا فيما تسقط عنه التوبة من الأحكام على أربعة أقوال: # PageV03P235 # أحدها: أن التوبة لا تسقط عنه إلا حد الحرابة ويؤخذ بما سوى ذلك من حقوق ~~الله وحقوق الناس. # والثاني: أن التوبة تسقط عنه حد الحرابه وجميع حقوق الله من الزنى والقطع ~~في السرقة وشرب الخمر وما أشبه ذلك. ويتبع بحقوق الناس من الأموال في ذمته، ~~وإن كان قتل فإن أولياء القتيل فيه بالخيار بين أن يقتلوا أو يعفوا. ~~والثالث: أن التوبة تسقط عنه حق الحرابة وجميع حقوق الله وما أخذ من ~~الأموال، إلا أن يوجد من ذلك شيء قائم بعينه لم يتلفه أو يكون قد قتل فيكون ~~للأولياء أن يستقيدوا منه إن شاءوا، وهذه رواية الوليد بن مسلم عن مالك. # والرابع: أن التوبة تسقط جميع ما فعله من حق الله أو لأحد من الناس في دم ~~أو مال إلا أن يوجد من ذلك شيء قائم بيده ms1170 بعينه. # فصل وقد اختلف في المحارب إذا امتنع فأمنه الإمام على أن ينزل، فقيل: إن ~~له الأمان ويسقط عنه به حد الحرابة. وقيل: لا أمان له ويقام عليه حد ~~الحرابة، لأنه إنما يؤمن المشرك على أن يؤدي الجزية ويكون على الذمة، ~~وتأمين المحارب إنما هو على أن يعطل إقامة الحدود فيهم وذلك ما لا يصح، وهو ~~قول ابن الماجشون. ### || فصل فيمن حارب على تأويل كأهل الأهواء # فهذا كله في المحارب، الذي يخرج ~~فسقا وخلوعا على غير تأويل. وأما من حارب على تأويل فقتل وأخذ المال مثل ~~الحرورية والإباضية والقدرية وأهل الأهواء كلهم ثم أخذ ولم يتب فإنه لا ~~يقام عليه حد الحرابة ولا يؤخذ منه ما أخذ من المال وإن كان موسرا إلا أن ~~يوجد بيده شيء بعينه فيرد إلى ربه. واختلفوا هل يقتل بمن قتل قصاصا. إذا ~~تاب أو أخذ قبل أن يتوب. فقال عطاء وأصبغ: يقتل به قودا. وقال مطرف وابن ~~الماجشون عن مالك: لا يقتل به ولا يقاد منه. ومثله في الأثر من # PageV03P236 # كتاب الجهاد من المدونة من قول ابن شهاب: هاجت الفتنة الأولى فأدركت ~~رجالا ذوي عدد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا يرون أن ~~يهدم أمر الفتنة فلا يقام على أحد قصاص فيمن قتل ولا حد في سبي امرأة مست، ~~ولا يرى بينهما وبين زوجها ملاعنة، يريد إن نفى ولدها، ولا يرى أن يقذفها ~~أحد إلا جلد الحد. ومن أسر منهم في الحرب وهي قائمة لم يظهر بعد على أهل ~~رأيه فللإمام أن يقتله إن رأى ذلك لما يخاف من أن يعين مع أصحابه على ~~المسلمين. وإن كان ذلك بعد انقطاع الحرب والظهور على أهل رأيه فإنه لا ~~يقتل، وحكمه حكم البدعي في جماعة المسلمين الذي لا يدعو إلى بدعته يستتاب ~~في قول ذلك فإن تاب وإلا قتل. وهو قول مطرف وابن عبد الحكم وأصبغ. وفي قول ~~ابن الماجشون وسحنون ينهى عن بدعته ويؤدب ويستتاب ويقبل منه ما أظهر من ~~قليل التوبة ms1171 أو كثيرها وهو قول عطاء وبالله التوفيق. # فصل وأما المحارب إذا ارتد فحارب في ردته فقتل وأخذ المال ثم ظهر عليه ~~فإنه يقتل بالحرابة ولا يستتاب كما يستتاب المرتد إذا لم يحارب، ولا يجوز ~~لأولياء المقتول العفو عنه كانت حرابته في بلد الإسلام أو بعد أن لحق بدار ~~الحرب. وأما إن أسلم المرتد المحارب في ارتداده بعد أن أخذ أو قبل أن يؤخذ ~~فإن كانت حرابته في بلد الحرب فهو كالحربي يسلم لاتباعة عليه في شيء مما ~~فعل في بلد الحرب في حال ارتداده. وأما إن كانت حرابته في بلد الإسلام ~~فإنما يسقط إسلامه عنه حكم الحرابة خاصة ويغرم ما أخذ من المال إن كان له ~~مال ويتبع به في ذمته إن لم يكن له مال بمنزلة ما استهلك من الأموال بغير ~~حرابة. وكذلك ما أصاب من الدماء والجراح يحكم عليه في ذلك بما يحكم على ~~المرتد إذا قتل أو جرح في حال ارتداده ثم أسلم. وهذا أصل اختلف فيه قول ابن ~~القاسم، فمرة نظر إلى حال المرتد في القود والدية يوم الفعل، ومرة نظر إلى ~~حاله يوم الحكم، ومرة فرق بين الدية والقود فنظر إلى القول يوم الفعل وإلى ~~الدية يوم الحكم. # PageV03P237 # فصل فعلى قوله الذي نظر إلى حالة المرتد يوم الفعل في الجناية والدية إن ~~كان قتل مسلما أو نصرانيا عمدا أقيد منه بهما لأنه كان كافرا يوم العقل، ~~والكافر يقتل بالكافر والمسلم. وإن كان قتلهما خطأ كانت الدية على المسلمين ~~لأنهم ورثته يوم الجناية ولا عاقلة له حينئذ. وعلى قوله الذي نظر إلى حاله ~~يوم الحكم في الجناية والدية إن كان قتل مسلما أقيد منه به، وإن كان قتل ~~نصرانيا لم يقد منه لأن المسلم لا يقتل بالنصراني وكانت ديته في ماله، وإن ~~كان قتلهما خطأ كانت الدية على العاقلة لأنه يوم الحكم مسلم له عاقلة فعقل ~~عنه جناياته. وعلى هذا القياس يجري حكم جناياته على القول الثالث الذي فرق ~~فيه بين الجناية والدية، وبالله التوفيق لا ms1172 شريك له. # PageV03P238 ### | كتاب الرجم # ] [ ### || فصل في التشديد في الزنا # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد # كتاب الرجم فصل في # التشديد في الزنى حرم الله تبارك وتعالى الزنى على عباده وحظره في غير ما ~~آية من كتابه. فقال تعالى: {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا} ~~[الإسراء: 32] وقال تعالى: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون ~~النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما} ~~[الفرقان: 68] {يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا} [الفرقان: ~~69] وقال عز وجل: {يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا ~~يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان ~~يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله} ~~[الممتحنة: 12] وقال {قد أفلح المؤمنون} [المؤمنون: 1] {الذين هم في صلاتهم ~~خاشعون} [المؤمنون: 2] {والذين هم عن اللغو معرضون} [المؤمنون: 3] {والذين ~~هم للزكاة فاعلون} [المؤمنون: 4] {والذين هم لفروجهم حافظون} [المؤمنون: 5] ~~{إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} [المؤمنون: 6] {فمن ~~ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} [المؤمنون: 7] وقال عز # PageV03P239 # وجل: {والحافظين فروجهم والحافظات} [الأحزاب: 35] . وقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «من وقاه الله شر اثنين ولج الجنة: ما بين لحييه وما بين ~~رجليه» . # فصل فالزنى من أعظم الذنوب وأجل الخطايا، ليس بعد الشرك بالله وقتل النفس ~~التي حرم الله ذنب أعظم منه. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن من ~~أعظم الذنوب أن تجعل لله ندا وهو خلقك ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك ثم ~~أن تزني بحليلة جارك» . # فصل وفرض الله تبارك وتعالى الحدود في الزنى على المحصنين من عباده على ~~قدر مراتبهم في الإحصان. والإحصان هو التعفف عن الفواحش والامتناع منها. ~~وهو مأخوذ من قولهم حصن منيع ودرع حصينة. وله ثلاثة أسباب: وهي الإسلام، ~~والحرية، والتزويج. فهو على مراتب ثلاث، أولها الإسلام. # فالإسلام إحصان لأنه يردع عن الفواحش ويكف عن القاذورات. # ثم الحرية ms1173 لأنها تكف أيضا عن الفواحش والدنايات. فمن حصلت له الحرية ~~ينبغي له أن ينزه نفسه عن أن يلم بفاحشة أو يقرب دناءة. # ثم التزويج لأن من حقه أيضا أن يردع عن الفواحش ويكف عن القاذورات. # PageV03P240 # فصل فإذا زنى الكافر بكافرة مثلة فلا حد على واحد منهما عندنا، حرين كانا ~~أو عبدين، بكرين كانا أو ثيبين، ويؤدبان عليه إن أعلناه لأنه ليس بمحصن ~~بسبب من أسباب الإحصان. وإنما حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ~~اليهوديين بالرجم على حكم التوراة لا على حكم الإسلام، لأنهم لم تكن لهم ~~ذمة يومئذ، وإنما أنزلت آية الجزية سنة تسع من الهجرة منصرف النبي - عليه ~~السلام - من حنين. ولو كانت لهم حينئذ ذمة لما رجمهم لأن الرجم لا يجب في ~~شريعتنا إلا بعد الإحصان بالإسلام والحرية والتزويج. وهذا قول مالك - رحمه ~~الله - وجميع أصحابه لا خلاف بينهم في هذا، خلافا للشافعي وأبي حنيفة في ~~قولهما إن اليهوديين والنصرانيين إذا زنيا حكم عليهما بالرجم إن كانا ~~محصنين أو بالجلد إن كانا بكرين. قال الشافعي في أحد قوليه إذا رضيا بحكم ~~المسلمين وبالله التوفيق. # فصل فإذا أسلم الكافر ثم زنى وهو عبد كان حده خمسين جلدة لإلمامه ~~بالفاحشة المحرمة عليه بعد التحصن بالإسلام. فإن أعتق ثم زنى كان حده مائة ~~جلدة لإلمامه بالفاحشة المحرمة عليه بعد التحصن بالإسلام والحرية. ~~والتزويج، وهي أرفع مراتب الإسلام في التحصين. # فصل ولا يكون الوطء بالتزويج إحصانا حتى يقع بعد الإسلام والحرية، فإن ~~وقع قبلهما أو قبل أحدهما لم يوجب حكما ولا اعتبر به في انتقال الحد. وأما ~~الحرية والإسلام فمتى اجتمعا جميعا اعتبر بهما تقدم الإسلام الحرية أو ~~الحرية الإسلام. # PageV03P241 # وإن انفرد الإسلام دون الحرية كان إحصانا يعتبر به. وإن انفردت الحرية ~~دون الإسلام لم يكن إحصانا يعتبر به. # فصل فعلى هذا الترتيب الذي وصفناه تتأول آي القرآن الواردة في ذلك. فأما ~~قول الله عز وجل: {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة ~~منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت ms1174 حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن ~~سبيلا} [النساء: 15] وقوله عز وجل من قائل: {واللذان يأتيانها منكم فآذوهما ~~فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما} [النساء: 16] ~~فإنهما آيتان منسوختان لم يختلف أهل العلم أنهما منسوختان، وإنما اختلفوا ~~في ترتيب نسخهما وفي الناسخ لهما ما هو. وإن كانتا في الزانيين المحصنين أو ~~في الزانيين البكرين أو عامة في الصنفين فقيل إن الآيتين جميعا في ~~المحصنين. وقيل إنهما في البكرين. وقيل إنهما عامتان فيهما جميعا. وقيل إن ~~الآية الأولى في المحصنين والآية الثانية في البكرين، فلا يصح أن تكون ~~إحداهما ناسخة للأخرى لاختلاف الحكمين والمحكوم فيهم، وتكون الأولى منسوخة ~~بالرجم المتواتر فعله الباقي حكمه المنسوخ خطه على قول من ذهب إلى أن ما ~~روي عن عمر بن الخطاب بقول الله عز وجل: {ويدرأ عنها العذاب} [النور: 8] ~~لأن العذاب المذكور في هذه الآية هو الرجم في الثيب على ما بينه رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -، والثانية بقوله: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد ~~منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} [النور: 2] . وأما من ~~قال إن الآيتين في الزانيين البكرين أو في # PageV03P242 # الزانيين المحصنين أو عامة في الصنفين فلا بد أن تكون إحداهما ناسخة ~~لصاحبتها، إما الأولى بالثانية، وإما الثانية بالأولى. ثم الناسخة منهما ~~لصاحبتها منسوخة إما بقوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما ~~مائة جلدة} [النور: 2] على مذهب من رأى أنهما في الزانيين المحصنين، أو ~~بآية الجلد وما أنزل الله من الحكم بالرجم على مذهب من رأى أن الآيتين ~~عامتان في الصنفين، فقيل: إن الثانية هي الناسخة للأولى. وقال إسماعيل ~~القاضي: إن الأولى في التلاوة هي الناسخة للثانية، وذلك أن الزانيين في صدر ~~الإسلام كانا يحنصان ويحبسان ويشهدان فنسخت بقوله: {فأمسكوهن في البيوت حتى ~~يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا} [النساء: 15] وهذا بعيد لأن من حق ~~الناسخ أن يكون واردا بعد المنسوخ، والتلاوة تدل أن الثانية وردت بعد ~~الأولى، لأن الهاء من قوله فيها: {واللذان ms1175 يأتيانها منكم} [النساء: 16] ~~عائدة على الفاحشة المذكورة في الآية الأولى. ولا يصح أن تكون هاء الكناية ~~عائدة على ما لم يذكر بعد إلا أنه يؤيده ما روي «أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال لما نزلت آية الجلد قوله: {الزانية والزاني فاجلدوا كل ~~واحد منهما مائة جلدة} [النور: 2] خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا، البكر ~~بالبكر جلد مائة وتغريب عام. والثيب بالثيب جلد مائة والرجم» . # فصل فكان الرجم من عند الله عز وجل بأحد وجهين: # إما بنص أوحي به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو قوله: الشيخ ~~والشيخة فارجموهما البتة فكان يتلى على أنه وحي ولم يكن قرآنا، إذ لو كان ~~قرآنا لم يخل أن يكون محكما أو منسوخا، ولا يصح أن يكون محكما إذ لو كان ~~محكما لثبت بين اللوحين ولما صح سقوطه، لأن الله تعالى قد حفظ القرآن فقال: ~~{إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر: 9] . # PageV03P243 # ولا يصح أن يكون منسوخا إذ لو كان منسوخا لما جاز أن يريد عمر بن الخطاب ~~أن يكتبه في القرآن وهو ليس منه إذ قد نسخ. فلما بطل أن يكون محكما وبطل أن ~~يكون منسوخا بطل أن يكون قرآنا. وإنما أراد عمر والله أعلم أن يكتب ذلك على ~~أنه وحي لا على أنه قرآن. فلما خشي أن يظنه قرآنا إذا رآه في المصحف مكتوبا ~~توقف عن كتابته فيه. وقد قيل إنه كان يقرأ وحيا فظنه عمر قرآنا، قاله ~~إسماعيل القاضي، وهو بعيد، لأن عمر لا يصح عليه أن يظن قرآنا ما ليس بقرآن، ~~لأن من علامات القرآن أنه محفوظ معلوم لا يصح الشك فيه ولا الارتياب في شيء ~~منه. وكيف يصح أن يظن عمر قرآنا: {ويدرأ عنها العذاب} [النور: 8] أو بدليل ~~قوله: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} [النور: 4] لأن في ~~الكلام دليلا على أنهم لو أتوا بأربعة شهداء لتعلق عليهم بذلك حكم، وذلك ~~الحكم هو ما بينه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الرجم ms1176 في الثيب. # فصل سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع الرجم الجلد كما سن مع الجلد ~~التغريب على ما روى عنه عبادة بن الصامت أنه قال: «خذوا عني قد جعل الله ~~لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة ~~والرجم» . ثم نسخ - صلى الله عليه وسلم - ما سن من الجلد مع الرجم في الثيب ~~بما رواه أبو هريرة وغيره «أنه رجم ماعزا ولم يجلده» وبما روى أبو هريرة ~~وزيد بن خالد الجهني وسئل ابن معبد من رواية ابن # PageV03P244 # عيينة في «قصة العسيف: اغد على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها، فاعترفت ~~فرجمها» فصار هذان الحدان مانعين للجلد مع الرجم، ونفي الرجم دون جلده ونفي ~~التغريب على البكر مع الجلد على ما أحكمته السنة. # فصل ولا اختلاف في هذا بين فقهاء الأمصار، وإنما تعلق بحديث عبادة فأوجب ~~على الزاني المحصن الجلد مع الرجم من شذ من أهل الظاهر. ومما يؤيد أن حديث ~~عبادة منسوخ بحديث أبي هريرة وصاحبيه أن إسلام أبي هريرة متأخر في سنة سبع ~~من الهجرة بعد افتتاح خيبر، وكذلك صاحباه. وعبادة بن الصامت من النقباء ~~الاثني عشر ليلة العقبة، فروايته وقت نزول آية النور، وأمر العسيف بعد ذلك ~~بسنين. # فصل وأما قول الله عز وجل: {فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على ~~المحصنات من العذاب} [النساء: 25] قرئ أحصن وأحصن. فمن قرأ أحصن وهي رواية ~~أهل المدينة فمعناه تزوجن، وإلى هذا ذهب إسماعيل القاضي وابن بكير أن ~~المراد بالإحصان في هذه الآية التزويج، واستدلا على ذلك بأن نعتهن بالإيمان ~~قد تقدم في قوله: {من فتياتكم المؤمنات} [النساء: 25] . # فصل والمراد بالآية على هذا التأويل الإعلام بأن التزويج في حال العبودية ~~لا يقع به الإحصان ولا يوجب الرجم ولا جلد مائة ولا دليل فيها على أنها إن ~~لم تتزوج # PageV03P245 # فلا حد عليها «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الأمة إذا زنت ~~ولم تحصن فقال: "إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن ms1177 زنت فاجلدوها ثم ~~بيعوها ولو بضفير» . قال ابن شهاب لا أدري بعد الثالثة أو الرابعة فبين - ~~صلى الله عليه وسلم - وجوب الحد عليها قبل التزويج، لأن المراد بالجلد في ~~هذا الحديث الحد لا التعزير، لأن الأمر يقتضي الوجوب حتما، والتعزير ليس ~~بواجب، قد يكون وقد لا يكون. وفي بعض الروايات في هذا الحديث فليجلدها، ~~وذلك مبين رواية مالك فيه. وقد ذكر بعض أصحاب الخلاف عن ابن عباس أنه لا حد ~~على من زنى من العبيد قبل أن يتزوج، وهذا شديد أن يكون في الشرع زنى لا ~~يوجب حدا، وما أظن الحكاية عنه في ذلك إلا وهما والله أعلم. # فصل فمن ذهب إلى هذا قال: حد الأمة إذا زنت قبل التزويج بالسنة، وإذا زنت ~~بعد التزويج بالكتاب. وقوله: {فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} ~~[النساء: 25] يريد بالمحصنات هاهنا الحرائر المسلمات لا الحرائر المتزوجات ~~لأن حد الحرائر المتزوجات الرجم وهو لا يتبعض. # فصل العبد يجلد في الزنى خمسين تزوج أو لم يتزوج قياسا على الأمة، فالأمة ~~مخصوصة من عموم قوله: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} ~~[النور: 2] بالآية، والعبد مخصوص من عمومها بالقياس على الأمة. ونفاة ~~القياس يقولون بجلد العبد في الزنى مائة جلدة. # PageV03P246 # فصل وقد قيل إن المراد بقوله فإذا أحصن أسلمن على قراءة من قرأ أحصن، لأن ~~العبودية أوجبها الكفر فملكناهن كفارا فقال فإذا أسلمن فعليهن نصف ما على ~~المحصنات، أي الحرائر، من العذاب. وهذا محتمل أيضا، إذ قد يصح في اللغة أن ~~يقول الله عز وجل: من فتياتكم المؤمنات فإذا أحصن بالإسلام كما قال: يا ~~أيها الذين آمنوا. فعلى هذا يكون حد الأمة إذا زنت قبل التزويج وبعد ~~التزويج بالقرآن والحديث، فجلدها قبل التزويج مؤيد للآية ومبين لمعناها. ~~والأول أظهر لوجهين: أحدهما: تقدم نعتهن بالإيمان، فالظاهر أن الإحصان شيء ~~آخر حتى يقوم الدليل على أنه هو. # والثاني: سؤال الصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الأمة إذا ~~زنت ولم تحصن، لأن في تخصيصهم بالسؤال عما ms1178 يجب عليها في زناها قبل التزويج ~~دليلا على أنهم علموا الواجب عليها فيه بعد التزويج بقول الله عز وجل فإذا ~~أحصن، وفهم ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من تخصيصهم بالسؤال. ولو ~~كان معنى قوله فإذا أحصن فإذا أسلمن لقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: لا معنى لتخصيصكم بالسؤال، حدها سواء قبل التزويج وبعده، لأنه لو أقرهم ~~على التخصيص وأجابهم عليه دون أن يعلموا حدها بعد التزويج لدل ذلك أن حدها ~~بعد التزويج جلد مائه أو الرجم وذلك ما لا يقوله أحد. # فصل وقول الله عز وجل: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة ~~جلدة} [النور: 2] ظاهره العموم في كل زان وزانية، إلا أنا علمنا أن المراد ~~بها المسلمون دون المشركين بدليل أنها نزلت ناسخة للآية الواردة في ~~المسلمين وهي قوله تعالى: {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا ~~عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل ~~الله لهن سبيلا} [النساء: 15] فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند ~~ورودها: «خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا» . وعلمنا أن المراد بها # PageV03P247 # الأحرار دون العبيد وقول الله عز وجل: {فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن ~~نصف ما على المحصنات من العذاب} [النساء: 25] . وعلمنا أن المراد بها ~~الأبكار دون المحصنين بالنكاح بما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قولا وعملا من أن حد الزاني المحصن الرجم دون الجلد، فبقيت الآية محكمة في ~~الزانين الحرين البكرين. والشافعي يحمل الآية على عمومها في الكفار ~~والمسلمين ولا يخص منها العبيد والمحصنين. وأهل الظاهر نفاة القياس لا ~~يخصصون منها الإناث دون ذكرانهم فيوجبون في الزنى على العبد جلد مائة وعلى ~~الأمة جلد خمسين. وهذا ترده الأصول، وتدفعه العقول. وذلك أن جميع الحدود في ~~السرقة والقتل والحرابة والقذف والزنى في الأحرار يستوي فيها الذكر ~~والأنثى، فكذلك العبد والأمة في حد الزنى لمساواة العبد لها في المعنى الذي ~~من أجله خص حدها وهو الرق، بدليل أنها لو عتقت لكمل حدها. وهذا ms1179 بين لا ~~إشكال فيه. # فصل الرجم يجب على الزاني بخمسة أوصاف، وهي: أن يكون بالغا، عاقلا، حرا، ~~مسلما، واطئا وطئا مباحا بنكاح صحيح منبرم لا خيار فيه لأحد بعد حصول ~~الأربعة الأوصاف. # وأما البلوغ والعقل فلا خلاف في صحة اشتراطهما في وجوب الرجم والجلد، ~~لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «رفع القلم عن ثلاث: المجنون حتى ~~يفيق، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ» . وكذلك الحرية أيضا لا ~~أعلم في صحة اشتراطها في وجوب الرجم خاصة اختلافا بين أحد من فقهاء ~~الأمصار. وكذلك الوطء بالنكاح الصحيح. وأما تقيدنا إياه بالمباح دون ~~المحظور فالاختلاف فيه من قول مالك وأصحابه معلوم. ذهب ابن الماجشون إلى أن ~~الوطء المحظور بالنكاح الصحيح يحل ويحصن. وروي عن مالك أنه يحصن ولا يحل، ~~فلا يصح # PageV03P248 # على قولهما تقييد الوطء بالمباح دون المحظور، وإنما يصح تقييده على قول ~~ابن القاسم وروايته عن مالك في أن الوطء المحظور لا يقع به تحليل ولا يكون ~~به إحصان. وأما الإسلام فالمخالف في صحة اشتراطه في وجوب الرجم الشافعي ~~وأبو حنيفة. وحجتهما ظاهر قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان فيما ~~أنزل الثيب والثيبة فارجموهما البتة، ورجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- اليهوديين. وهذا ما لا حجة فيه. أما قول عمر بن الخطاب ففيه إضمار ~~الإحصان. وإن اختلفا فيه فهما يقولان إنه الحرية ونحن نقول إنه الإسلام ~~والحرية جميعا. وأما رجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اليهوديين فإنما ~~رجمهما بحكم التوراة لا بشرع الإسلام. وكذلك قال ابن عمر رضي الله عنه: ~~«رجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اليهوديين وحد المسلمين يومئذ الجلد ~~ولم يكن لهم حينئذ ذمة» على ما بيناه فيما تقدم، فلا تعلق لهما بالحديث. # والدليل على صحة قول مالك - رحمه الله - ما روي أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «من أشرك بالله فليس بمحصن» . وهذا نص في موضع الخلاف إن ~~كان ثابتا. ومن طريق القياس أن نقص الكفر أكثر من نقص ms1180 الرق، لأن الكفر هو ~~سبب الرق. فإذا كان نقص الرق يمنع الإحصان فنقص الكفر أولى بأن يمنعه. ~~ومعنى آخر وهو أنه قد قيل إن الكفار غير مخاطبين بشيء من شرائع الإسلام، ~~لقول الله عز وجل: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها ~~إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين} [النور: 3] فإذا كان الزنى بدليل ~~هذه الآية غير محرم على الكافرين فكيف يصح أن يرجموا على ما لم يحرم عليهم ~~ولا خوطبوا باجتنابه. # فصل ولا اختلاف بين أحد من أهل العلم في وجوب الرجم على الزاني باجتماع ~~هذه الأوصاف، وإنما يخالف في ذلك الخوارج المارقة، وهم غير معتد بخلافهم. # PageV03P249 # فصل فإذا رجم لم يجلد مع الرجم في قول كافة الفقهاء خلافا لأهل الظاهر في ~~قولهم إنه يجلد ثم يرجم بظاهر قول الله عز وجل: {الزانية والزاني فاجلدوا ~~كل واحد منهما مائة جلدة} [النور: 2] قالوا فعم كل زان محصن أو غير محصن، ~~ثم قامت دلالة الرجم فأضفناها إلى الجلد مع ما روى عبادة بن الصامت عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «خذوا عني فقد جعل الله لهن سبيلا ~~الثيب بالثيب جلد مائة والرجم» . واحتجوا بما روي أن علي بن أبي طالب - رضي ~~الله عنه - جلد الهمدانية ثم رجمها وقال: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وهذا كله لا حجة فيه لأن حديث عبادة بن ~~الصامت منسوخ بما ثبت من حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالرجم دون ~~الجلد، وبهذا الحديث يخصص الظاهر الذي احتجوا به من القرآن، وحديث علي ~~يحتمل أن تكون كتمته الإحصان فلم يعلم به حتى جلدها. # فصل فإذا تزوج الرجل المرأة وخلا بها فأقرا بالوطء قبل الزنى أو بعد ~~الزنى فقد لزمهما الإحصان. وأما إن أنكراه بعد الزنى ولم يعلم منهما إقرار ~~به قبله فاختلف هل يصدقان في إنكاره أم لا على ثلاثة أقوال: # أحدها قول ابن وهب إنهما لا يصدقان في إنكارهما وإن كان ذلك بقرب ms1181 البناء. # والثاني ما ذهب إليه جمهور أصحاب مالك أنهما يصدقان في إنكار الوطء إلا ~~أن يطول الزمان جدا، وهو ظاهر ما في كتاب النكاح الثالث من المدونة. ~~والثالث أنهما يصدقان وإن طالت إقامتهما بعد الدخول، وهو ظاهر ما في كتاب ~~الرجم من المدونة. # وإن كان إنكارهما قبل الزنى فلا اختلاف في أنهما يصدقان ولا يرجمان. # وقد ذهب بعض الناس إلى أن مسألة كتاب الرجم ليست بخلاف لمسألة كتاب # PageV03P250 # النكاح وفرق بينهما بتفاريق لا تصح، ذكرها عبد الحق وغيره من المتكلمين ~~على مسائل المدونة. وأما إن ادعاه أحدهما على صاحبه وأنكره الآخر قبل الزنى ~~فلا يلزم المنكر الإحصان باتفاق ولا المقر به على سبيل الدعوى باتفاق أيضا، ~~وله أن يرجع عن إقراره قبل أن يؤخذ في الزنى أو بعد أن يؤخذ فيه، كان الرجل ~~أو المرأة. # وأما إن أقر أحدهما بالوطء على سبيل الدعوى والآخر منكر، فأما المنكر فلا ~~يكون محصنا باتفاق، وأما المقر فقال ابن القاسم يكون محصنا، وقال ابن عبد ~~الحكم لا يكون محصنا. حكى هذين القولين عبد الوهاب في شرح الرسالة ولم ~~يلخصه هذا التلخيص. ووجه قول ابن عبد الحكم بأن الحدود تدرأ بالشبهات، ~~وإنكار أحدهما شبهة للآخر، لأنه يمكن أن يقر بذلك لغرض يكون له فيه. ووجه ~~قول ابن القاسم بأنه مقر على نفسه، والله يقول: {ولا تكسب كل نفس إلا ~~عليها} [الأنعام: 164] فيجب إعمال قوله عليه وإن أنكر صاحبه. أصله إذا أقر ~~بالزنى أحدهما وأنكره الآخر. وأما إن كان اختلافهما في الوطء بعد الزنى، ~~فأما المقر فيلزمه الإحصان بإقراره بالوطء ويجب عليه الرجم باتفاق. وأما ~~المنكر فاختلف فيه هل يصدق أم لا على الثلاثة الأقوال التي تقدمت في ~~إنكارهما جميعا الوطء بعد الزنى. وذهب بعض الناس إلى أن هذا الاختلاف غير ~~داخل في هذه المسألة وأنه يحد ولا يصدق في إنكاره الوطء بعد الزنى لإقرار ~~صاحبه به عليه. وليس هذا بشيء لأن إقرار أحدهما على صاحبه شهادة منه عليه ~~بالإحصان، ولا تجوز شهادة شاهد واحد بالإحصان. ms1182 # فصل فأما من لم يحصن بالتزويج من الأحرار فحده جلد مائة وتغريب عام لقول ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام» . ~~وقوله في حديث مالك وجلد # PageV03P251 # ابنه مائة وغربه عاما. ولا تغريب على النساء ولا على العبيد. هذا قول ~~مالك وجميع أصحابه خلافا لأبي حنيفة في قوله لا تغريب على الزاني إلا أن ~~يرى ذلك الإمام فيفعله على سبيل التعزير لا على سبيل الحد. قالوا لأن الله ~~قال: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} [النور: 2] ولم ~~يذكر التغريب، فكان إثباته زيادة في النص، والزيادة في النص نسخ، ولا يصح ~~نسخ القران بأخبار الآحاد. ولا يسلم أن الزيادة في النص نسخ على الإطلاق، ~~بل هو حكم آخر إذا لم تغير الزيادة فيه الحكم الأول، والتغريب ثابت بالسنة، ~~والجلد ثابت بالقران. وقال الشافعي تغرب المرأة الحرة لقول رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام» . وله في الأمة ~~والعبد قولان: أحدهما أنهما لا يغربان. والثاني أنهما يغربان لقوله تعالى: ~~فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب! فعم، ولأنه حد ~~يتبعض فكان للعبد فيه مدخل. ودليلنا على سقوط التغريب عن النساء قوله: «لا ~~تسافر امرأة مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم منها» ، وفي سقوطه عن العبد ~~قول الله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} ~~[النور: 2] وقال {فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من ~~العذاب} [النساء: 25] فلم يذكر تغريبا فلا نثبته إلا حيث يقوم الدليل، مع ~~ظاهر «قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأمة إذا زنت فاجلدوها ثم إذا ~~زنت فاجلدوها» فكرر الجلد ولم يكرر التغريب. ومعلوم أن الجلد من حدود الزنى ~~فكان التغريب أولى بالذكر لو كان واجبا. وأيضا فإن خدمة العبد مستحقة لسيده ~~فلا تسبقه إلا بدليل. والتغريب هو أن يحبس في غير بلده عاما على مذهب ابن ~~القاسم وروايته عن مالك، وعلى قول مطرف وروايته عن مالك أيضا ms1183 المحبس دون ~~النفي. # فصل وسواء زنى حر بحرة أو عبد بأمة أو حر بأمة أو عبد بحرة يكون على من ~~كان رقيقا منهما حد العبيد وعلى من كان حرا منهما حد الأحرار، إلا ما يحكى ~~عن الأوزاعي أن العبد إذا زنى بحرة رجم وإذا زنى بأمة جلد. وهذا فاسد لأن ~~الزاني لا # PageV03P252 # يختلف حده إلا باختلاف أحواله في نفسه لا باختلاف أحوال المزني بها. # فصل والزنى الذي يوجب الحد على الزاني البالغ العاقل المسلم بإجماع هو أن ~~يزني بآدمية يوطأ مثلها لا شبهة له في ملكها حية غير حربية في بلد الحرب ~~طائعا غير مكره عالما بحرام ذلك. وإنما قلنا بآدمية لأنه إن زنى ببهيمة من ~~البهائم لم يجب عليه حد إلا ما وقع في كتاب ابن شعبان من أن الحد في ذلك ~~واجب عليه وهو بعيد. وإنما قلنا غير حربية في بلد الحرب لأن أشهب يقول من ~~زنى بحربية في بلاد الحرب فلا حد عليه. وإنما قلنا لا شبهة له في ملكها لأن ~~من زنى بأمة ولده أو بأمة له فيها شرك فلا حد عليه. وإنما قلنا حية لأن ابن ~~شعبان يقول من زنى بميتة فلا حد عليه، وهو قول محمد بن عبد الحكم حكاه ابن ~~حارث. وإنما قلنا يوطأ مثلها لأنه قد روي عن مالك أنه من زنى بصغيرة لا ~~يوطأ مثلها فلا حد عليه. وإنما قلنا طائعا غير مكره لأنه قد اختلف فيمن ~~أكره على الزنى هل عليه حد أم لا، فقيل إنه لا حد عليه لأن الإكراه يرفع ~~الحرج عمن أكره فيما بينه وبين الله تعالى. فإن كانت المرأة هي المكرهة له ~~على أن يزني بها ارتفع عنه الحرج في الزنى جملة. وإن كان غيرها هو المكره ~~له على الزنى لم يكن عليه إثم إلا من قبلها ووجب عليه الأدب من أجل ذلك كما ~~وجب على المكره له على ذلك. وقيل إنه يحد لأنه لا ينعظ ويطأ إلا باختياره ~~وإرادته، وليس ذلك بصحيح، لأنه لم يختره ms1184 راضيا بفعله وإنما اختاره على ~~القتل مضطرا إليه كارها له غير راض به. وإنما قلنا عالما بحرام ذلك لأن ~~أصبغ من أصحابنا يرى الجهل بتحريم الزنى شبهة تسقط الحد. وقد روي ذلك عن ~~عمر بن الخطاب وجماعة من السلف، وهو الصواب إذا صحت الجهالة وبالله ~~التوفيق. # فصل في شروط الحد في الزنا # فصل ولا يحد الزاني إلا باعتراف أو حمل ظاهر أو بأربعة شهود عدول يشهدون ~~على معاينة الفعل كالمرود في المكحلة. # PageV03P253 # فصل فأما وجوب الحد بالاعتراف فلا خلاف فيه إذا كان المعترف على نفسه ~~بالغا عاقلا يصح منه الاعتراف ليس بصبي ولا مجنون. والأصل في ذلك كتاب الله ~~تعالى وسنة نبيه - عليه السلام -. فأما الكتاب فقوله تعالى: {ولا تكسب كل ~~نفس إلا عليها} [الأنعام: 164] فوجب أن يلزمه ويؤخذ به. وقوله تبارك ~~وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على ~~أنفسكم} [النساء: 135] الآية. وأما السنة «فرجم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ماعزا بإقراره على نفسه» «ورجمه المرأة التي أقرت بالزنى على نفسها ~~إذ جاءت وهي حامل فقال لها: اذهبي حتى تضعي فلما وضعت قال: اذهبي حتى ~~ترضعيه» الحديث. وقوله «يا أنيس اغد على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها» في ~~حديث العسيف. وإنما اختلفوا هل يقام الحد بإقراره على نفسه مرة واحدة أو لا ~~يقام عليه حتى يقر على نفسه أربع مرات. فقال مالك والشافعي إنه يقام عليه ~~بإقراره مرة واحدة إذا ثبت عليه ولم يرجع عنه. وقال أبو حنيفة لا يقام عليه ~~الحد حتى يقر على نفسه أربع مرات في أربع مجالس، وهو مذهب ابن شهاب على ما ~~روي «أن رجلا اعترف على نفسه بالزنى عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وشهد على نفسه أربع مرات فأمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرجم» . ~~وهذا لا حجة لهم فيه لأنه إنما أقر على نفسه أربع مرات لأن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أعرض عنه استثباتا في أمره، لأنه خشي أن يكون به ms1185 جنة فلما ~~سأل عنه وأخبر أنه صحيح أمر به فرجم. وقد قال في حديث العسيف «واغد يا أنيس ~~على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها» ولم يقل أربع مرات، ولو كان ذلك واجبا ~~لقاله. # PageV03P254 # واختلفوا أيضا في رجوعه عن الإقرار، فالذي عليه فقهاء الأمصار أنه يقال ~~ويقبل رجوعه. وقال ابن أبي ليلى وعثمان التيمي لا يقبل رجوعه. وقال ابن ~~الماجشون من أصحابنا يقال إذا قال إنما أقررت لوجه كذا وكذا بما يشبه. وهو ~~دليل أحد قولي مالك في المدونة. وقال الأوزاعي إذا رجع عن إقراره على نفسه ~~أربع مرات قبل إقامة الحد عليه حد حد القذف لأنه قد قذف نفسه، وهذا بعيد. ~~والصحيح أنه يقال وإن جحد الإقرار أصلا. والأصل في ذلك «أن ماعز بن مالك ~~لما رجم ومسته الحجارة هرب فاتبعوه فقال: ردوني إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فلم يردوه وقتلوه رجما، فلما علم بذلك رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "فهلا تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه» . # واختلفوا في هذا المعنى في إقرار الأخرس على نفسه بالإشارة، فقال الشافعي ~~ومالك إنه يقام عليه الحد بإقراره إذا فهم عنه. وقال أبو حنيفة لا يقام ~~عليه الحد بإقراره بالإشارة لأنه لا يمكنه أن يفرق بها بين الوطء الحلال ~~ووطء الزنى، وهذا غير صحيح، لأن ذلك يمكن أن يعبر عنه بالإشارة تعبيرا يفهم ~~عنه ويقطع عليه منه. # فصل وأما ظهور الحمل ممن لم يعلم لها في الظاهر زوج. فاختلف فيه مذهب ~~مالك وأصحابه إلى أن ذلك يوجب عليها الحد إلا أن تكون لها بينة على أنها ~~تزوجت أو استكرهت. وقال الشافعي وأبو حنيفة لا يقام عليها الحد لأنها يشبه ~~ألا تكون زنت. والغالب من حال الناس عدم الزنى فلا يجب أن يحمل عليها الزنى ~~إلا بيقين، وأشد ما في هذا أن تكون شبهة تذهب عنها الحد. وهذا ليس بصحيح، ~~لأن هذا لو كانت شبهة لوجب أن يكون قوله إذا شهد عليها بالزنا إنها امرأتي ~~شبهة تسقط عنه الحد. ولو كان ms1186 ذلك لم يكن سبيل إلى إقامة الحد في الزنى ~~أبدا. وأيضا فإن إقامة الحد عليها إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - لأن عمر ~~بن الخطاب خطب الناس فقال: الرجم في كتاب الله حق على من زنى من الرجال ~~والنساء إذا أحصن # PageV03P255 # إذا قامت البينة أو كان الحمل والاعتراف، فلم ينكر ذلك عليه أحد من ~~الصحابة فدل على إجماعهم على ذلك وقولهم به. # فصل وأما وجوب حد الزنى بالبينة فلا اختلاف بين أحد من أهل العلم أن الحد ~~لا يقام بأقل من أربعة شهداء رجال عدول على معاينة الفعل كالمرود في ~~المكحلة. والأصل في ذلك قول الله عز وجل: {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ~~فاستشهدوا عليهن أربعة منكم} [النساء: 15] وقوله: {والذين يرمون المحصنات ~~ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} [النور: 4] . وقد حكي عن قوم أنهم أجازوا في ~~الزنى شهادة ثلاثة رجال وامرأتين وذلك خلاف للقرآن. وقد قيل في اختصاص ~~الشهادة في الزنى بأربعة شهداء من بين سائر الأشياء غير ما وجه، منه أن ~~القاذف لا ضرورة به إلى القذف فغلظ عليه في ذلك بزيادة عدد الشهود ليتعذر ~~عليه غالبا فيحد فيكون ذلك ردعا له عن معاودة القذف ودفعا للمضرة عن ~~المقذوف. ومنه أن الإنسان مأمور بالستر على نفسه وعلى غيره، فلما لم يكن ~~على الشهود بالزنى القيام بشهادتهم فقاموا بذلك من غير أن تجب عليهم وتركوا ~~ما أمروا به من الستر غلظ عليهم في ذلك سترا من الله على عباده. وهذا أحسن ~~ما قيل في هذا. وقد قيل إنما احتج في الزنى إلى أربعة شهداء لأنه بمنزلة ~~فعلين لأن الزنى منه ومنها، منه الفعل ومنها التمكين، فاحتاج كل فعل إلى ~~شاهدين وهذا فيه نظر، وبالله التوفيق. # فصل فإن شهد على معاينة الزنى أقل من أربعة شهود حدوا ولم يعذروا بأنهم ~~جاءوا على وجه الشهادة لا على وجه القذف، ولا اختلاف في هذا. واختلف إذا ~~شهد أقل من أربعة على شهادة أربعة بمعاينة الزنى، فقيل إنهم قذفة يحدون، ~~وهو # PageV03P256 # ظاهر ما في المدونة. وقيل ms1187 إنه لا حد عليهم إلا أن يقولوا هو زان أشهدنا ~~فلان وفلان وفلان بذلك، بخلاف إذا قالوا أشهدنا فلان وفلان وفلان أنه زان، ~~وهو قول ابن المواز، فلم يرهم قذفة إلا أن يبدؤوا في شهادتهم بذكر الزنا. # فصل وإذا قلنا إنهم قذفة على ما في المدونة فلا يسقط الحد عنهم إلا ما ~~يوجب على المشهود عليه بالزنا، وذلك أن يأتوا بأربعة شهداء سواهم يشهدون ~~على شهادة أربعة أو على معاينة الزنى على مذهب ابن القاسم في المدونة ~~ورواية عيسى عنه في الشهادات من العتبية، أو يأتوا إن كانوا ثلاثة بشاهد ~~واحد يشهد معهم على شهادة الأربعة أو على شهادة نفسه على رواية يحيى عن ابن ~~القاسم التي لا يشترط فيها في صحة الشهادة على الزنى أن يأتي الشهود معا. # فصل وإذا قلنا أيضا إنهم قذفة فهل يحد الشهود على شهادتهم إن أنكروا ~~الشهادة أو أنكرها واحد منهم أو كانوا أقل من أربعة؟ يجري ذلك على الاختلاف ~~في سقوط شهادة القاذف إن كانت تسقط بنفس القذف أو بإقامة الحد عليه وهو ~~مذهب ابن القاسم خلاف قول أصبغ وأحد قولي ابن الماجشون وقول الشافعي. # فصل وإذا قلنا إن الشاهدين على شهادة غيرهم إذا كانوا أقل من أربعة ليسوا ~~بقذفة إلا أن يقولوا هو زان على ما ذهب إليه محمد ابن المواز، فيجب ~~بشهادتهم على المشهود على شهادتهم الحد إن كانوا أقل من أربعة أو أنكروا ~~الشهادة أو أنكرها # PageV03P257 # واحد منهم، إلا أن يكون الشاهد على شهادتهم واحدا فلا تجوز شهادته ويحد ~~هو لانفراده. وقد قيل إنه لا يحد. # فيتحصل في النقلة عن غيرهم إذا كانوا أقل من أربعة أو نقلوا عن أقل من ~~أربعة ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه لا حد عليهم كانوا أكثر من واحد أو واحدا. # والثاني: أن عليهم الحد كانوا أكثر من واحد أو واحدا. # والثالث: أنه يحد إن كان واحدا ولا يحدون إن كانوا جماعة أكثر من واحد. # فصل وأما إن قال الشاهد سمعت فلانا يقول إن فلانا زان ms1188 ولم يشهد على ~~شهادته فليس بقاذف إلا أن يعجز عن أن يثبت ذلك بشاهدين، ولا اختلاف في هذا. ~~وكذلك إذا قال الرجل عند الإمام أو عند غير الإمام إن فلانا يقول إنك زان ~~وإن لم يشهد على شهادته، فتدبر ذلك تجده صحيحا إن شاء الله تعالى، وبه ~~التوفيق. # PageV03P258 ### | كتاب القذف # ] [ ### || فصل في بيان تحريم القذف # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد # كتاب القذف فصل في بيان تحريم القذف حرم الله تبارك وتعالى أعراض ~~المسلمين كما حرم دماءهم وأموالهم في كتابه وعلى لسان رسوله - عليه السلام ~~-، فقال تعالى: {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد ~~احتملوا بهتانا وإثما مبينا} [الأحزاب: 58] وقال تبارك وتعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند ~~الله وجيها} [الأحزاب: 69] . وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم ~~النحر في حجة الوداع: «ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة ~~يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. ألا هل بلغت ألا هل بلغت ألا هل ~~بلغت» . # فصل فإذاية المسلمين في أعراضهم تنقسم على قسمين: # أحدهما: أن يذكر الرجل أخاه المسلم بما فيه مما يكره سماعه. # PageV03P259 # والثاني: أن ينسب إليه ما ليس فيه. # فأما إذا ذكره بما فيه مما يكره سماعه فإن قال ذلك في مغيبه فهي الغيبة ~~التي حرمها الله عز وجل على عباده حيث يقول: {ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب ~~أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم} ~~[الحجرات: 12] وليس فيها إلا الندم والاستغفار والتحلل من المغتاب. وأما إن ~~قال ذلك في حضوره مواجهة له على سبيل التنقص والغض منه فهو البهتان، وفيه ~~الأدب على حال القائل والمقول له بالاجتهاد. # فصل وأما الوجه الثاني: وهو أن ينسب إليه ما ليس فيه فإنه ينقسم على ~~قسمين: # أحدهما: أن ينسب إليه الفاحشة الموجبة على فاعلها الحد حد الزنى، أو أنه ~~كان عن فاحشة توجب حد الزنى وذلك بنفيه عن أبيه. # والثاني: أن ms1189 ينسب إليه ما لا يجب على فاعله حد الزنى أوجب ذلك حدا أو ~~أزيد. # فأما إذا نسب إليه ما لا يوجب على فاعله حد الزنى فإن حكم ذلك حكم السب، ~~فعلى فاعل ذلك الأدب بالاجتهاد على حال القائل والمقول له فيه، سواء كان ~~ذلك في مغيبه أو في حضوره مواجهة له. # وأما إن نسب إليه ما يجب على فاعله حد الزنى فهو القذف الذي حرمه الله ~~على عباده ولعن فاعله في الدنيا والآخرة وتوعد عليه بالعذاب العظيم حيث ~~يقول تعالى: {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات} [النور: 23] ، ~~يريد بالمحصنات # PageV03P260 # العفائف وبالغافلات الغافلات عن الفواحش والفجور لم يفطن لها ولا عرفن ~~بها، {لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم} [النور: 23] . # فصل إلا أن أهل العلم بالتأويل قد اختلفوا في المحصنات اللائي حكمهن هذا. ~~فقالت طائفة: إن الآية نزلت في شأن عائشة وما كان من قول أهل الإفك فيها، ~~فهذا الحكم لها خاصة دون سائر النساء المؤمنات المحصنات. وقالت جماعة: بل ~~ذلك لأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - دون سائر نساء المؤمنين. وروي عن ~~ابن عباس أنه قال: نزلت هذه الآية في شأن عائشة وسائر أزواج النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وعليهن، فهي مبهمة لم يجعل الله لهم توبة. والآية الأخرى ~~قوله: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} [النور: 4] ، قال ~~في آخرها: {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم} ~~[النور: 5] فجعل لهم توبة. فلا توبة لمن قذف أزواج النبي - عليه السلام -. ~~قال: فهم بعض القوم أن يقوم إليه فيقبل رأسه استحسانا لتفسيره. وقد روي عن ~~ابن عباس أن الآية نزلت في شأن عائشة وعني بها كل من كان في الصفة التي وصف ~~الله فيها فهي عامة في كل محصنة لم تقارف سوءا. وقال بذلك جماعة: إن الآية ~~نزلت في أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - فكان ذلك كذلك حتى نزلت الآية ~~التي في أول النور فأوجب الجلد وقبل التوبة. وهذا الأظهر إن شاء الله لأن ~~الآية ms1190 عامة فتحمل على عمومها في وجوب العذاب العظيم واللعنة في الدنيا ~~والآخرة لكل من قذف محصنة عفيفة لم يعلم أنها قارفت سوءا ولا ألمت بفاحشة، ~~إلا أن يتوب فإن الله تعالى إن شاء قبل توبته على ما ورد في الآية الأولى. ~~وكما لم تقتصر الآية الأولى في وجوب الجلد على أصحاب الإفك وكان الحكم فيمن ~~قذف كل محصنة ومحصن إلى يوم القيامة أن يجلد الحد كما فعل رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بأصحاب الإفك عبد الله بن أبي سلول وحسان # PageV03P261 # بن ثابت وحمنة بنت جحش ومسطح بن أثاءة كذلك لا تقتصر الآية الثانية فيما ~~تضمنت من الوعيد على من قذف عائشة أو سائر أزواج النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. ولو وجب أن يقصر على عائشة - رضي الله عنها - من أجل أن سبب نزولها ~~كان من شأنها وقول أهل الإفك فيها لوجب أن تقصر آية اللعان على هلال بن ~~أمية، وآية السارق على سارق رداء صفوان بن أمية، وآية الظهار على أوس بن ~~الصامت، لأن ما جرى من شأنهم كان سببا لنزول هذه الآيات، فإذا لم يجب هذا ~~لم يجب هذا. # فصل وأما ما روي عن ابن عباس من إنفاذ الوعيد على من قذف أزواج النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فليس بصحيح، لأن الله قد قبل توبة من تاب من أصحاب ~~الإفك. والدليل على ذلك أن الله عاتب أبا بكر الصديق قطعه الإنفاق على مسطح ~~ابن خالته وغيره من ذوي قرابته فقال: {ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله ~~غفور رحيم} [النور: 22] . فقال أبو بكر: بلى يا رب إني أحب أن يغفر الله ~~لي، فأعاد إليهم النفقة. وقد كان حسان ابن ثابت يدخل على عائشة فتكرمه. ~~وروي عن مسروق أنه قال: كنت عند عائشة فدخل عليها حسان بن ثابت مرة فأمرت ~~فألقي له وسادة فشبب بأبيات له حيث يقول: # حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل # فقالت عائشة: أما إنك لست كذلك. قال مسروق: فقلت لها تدعين ms1191 هذا الرجل ~~يدخل عليك وقد قال ما قال وقد أنزل الله فيه: {والذي تولى كبره منهم له ~~عذاب عظيم} [النور: 11] فقالت: وأي عذاب أشد من العمى، قالت إنه كان يدفع ~~عن النبي - عليه السلام -. والصحيح أن الذي تولى كبره عبد الله بن أبي ابن ~~سلول وكان من المنافقين. وأما حسان بن ثابت فقد أنكر قوم أن يكون ممن خاض ~~في الإفك أو جلد فيه، # PageV03P262 # ورووا أن عائشة برأته من ذلك. وروي أنها كانت تطوف فسمعت امرأتين تذكران ~~حسان بن ثابت فابتدرتاه بالسب فأنكرت عائشة ذلك عليهما وقالت: ابن الفريعة ~~تسبان، والله إني لأرجو أن يدخله الله الجنة بذبه عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بلسانه، أليس القائل: # فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء # فقالتا لها: أليس ممن لعنه الله في الدنيا والآخرة بما قال فيك؟ فقالت: ~~لم يقل شيئا ولكنه الذي يقول: # حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل # فإن كان ما قد قيل عني قلته ... فلا رفعت سوطي إلي أناملي # والله أعلم. # فصل وكيف ما كان فلا يختلف أهل العلم أن قذف المحصنات من الكبائر ~~الموبقات. روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «قذف المحصنات ~~يحبط عمل مائة سنة» وهذا عند غير واحد من المدنيين ما لم يتب أو يحد فإذا ~~أخذ منه الحد أو تاب كفر ذلك عنه اللعنة وهي الإبعاد وعاد إليه ثواب العمل. # فصل وأصل الحد قول الله عز وجل: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم ~~الفاسقون} [النور: 4] {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور ~~رحيم} [النور: 5] . # PageV03P263 # فصل والمراد بالمحصنات في هذه الآية الحرائر العفيفات. والإحصان الذي ~~يوجب الحد في القذف هو الإحصان بالحرية والإسلام الذي يوجب جلد مائة في ~~الزنى ويدخل تحت قوله تعالى: {المحصنات} [النور: 4] الرجال والنساء، لأنه ~~لما كانت لا تزني امرأة إلا برجل اكتفى الله عز وجل بذكر المحصنات عن ms1192 ~~المحصنين، وهو أمر متفق عليه، لا اختلاف عند أحد من المسلمين أن قذف المحصن ~~كقذف المحصنة في وجوب الحد ولحوق الإثم. # فصل وهذا المعنى يدل على أن قاذف الجماعة حدا واحدا، لأن قاذف المحصنة ~~قاذف للذي زنى بها ولم يوجب الله تعالى عليه إلا حدا واحدا مع قوله أيضا: ~~{والذين يرمون المحصنات} [النور: 4] وهن جماعة. وهذا موضع اختلف أهل العلم ~~فيه على ثلاثة أقوال: # أحدها: قول مالك ومن قال بقوله إن عليه حدا واحدا، قذفهم في كلمة واحدة ~~أو مفترقين في مجالس شتى، وهو مذهب أبي حنيفة. والدليل على ذلك ما قلناه، ~~ولا اختلاف في هذا بين أحد من أصحاب مالك. فإذا قذف الرجل جماعة فحد لأحدهم ~~فذلك الحد لكل قذف تقدم قام طالبوه أو لم يقوموا عند مالك وأصحابه، حاشى ~~المغيرة فإنه يقول إن طالبوه مفترقين حد لكل واحد منهم. وحكى ابن شعبان عن ~~بعض أصحابنا لصاحب يا بن الزانيين وأمه حرة مسلمة حد حدين لحرمة الصحابي. # والثاني: قول الشافعي إن عليه الحد لكل واحد منهم، قذفهم في كلمة واحدة ~~أو مفترقين في مجالس شتى. [والثالث قول ابن أبي ليلى التفرقة بين أن يقذفهم ~~في كلمة واحدة أو في # PageV03P264 # مجالس شتى] # وقال عثمان البثي: إن قذف جماعة حد لكل واحد منهم، وإن قال لرجل زنيت ~~بفلانة حد حدا واحدا. قال لأن عمر جلد أبا بكرة وأصحابه حدا واحدا ولم ~~يحدهم للمرأة. وهذا قول لا يعضده قياس ولا نظر، إذ لا فرق بين أن يقول فلان ~~وفلانة زانيان أو يقول زنى فلان بفلانة. # فصل وحد العبيد في القذف على النصف من حد الأحرار قياسا على حد الزنى ~~لقول الله عز وجل: {فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات ~~من العذاب} [النساء: 25] هذا قول مالك - رحمه الله - وفقهاء الأمصار وأكثر ~~العلماء، وروي ذلك عن جماعة الخلفاء أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان ~~بن عفان وعلي بن أبي طالب - رضي الله عنهم -. وروي عن ابن مسعود أن العبد ms1193 ~~يجلد في القذف ثمانين لأن العلة في ذلك عندهم أن القذف حق للمقذوف، فلزم ~~فيه النصراني ما يلزم المسلم، فوجب أن يلزم فيه العبد ما يلزم الحر، لأن ~~النصراني أدنى مرتبة من العبد. فإذا لم ينقص النصراني من الثمانين في القذف ~~لنقص مرتبته على مرتبة المسلم فأحرى ألا ينقص العبد، كما لو غصبت المرأة ~~نفسها لكان لها صداق مثلها، حرا كان غاصبها أو عبدا أو كافرا، لأنه حق لها ~~كحد القذف. وليس كذلك الزنى لأنه حق لله تعالى، لا حق فيه لمخلوق، فلذلك ~~كان الحد فيه على المراتب: العبد خمسين، والحر مائة، والمحصن الرجم، ~~والنصراني لا شيء عليه إلا أن يعلنه فيؤدب لإعلانه، أو يكون ذميا فيرد إلى ~~دينه. فلعمري إن من أوجب على العبد في القذف ثمانين جلدة كما يجب على الحر ~~لهو أسعد بالقياس إلا أن جل أهل العلم على أن على العبد في القذف أربعين ~~قياسا على حد الزنى، وهو في الخلفاء الراشدين المهديين. وقد قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا ~~عليها بالنواجد» . # PageV03P265 # فصل وقد ظن أهل الظاهر أن قول ابن مسعود وعمر بن عبد العزيز ومن قال ~~بقولهما يجلد العبد في الفرية ثمانين نفي للقياس وفرار عن قياس العبد على ~~الأمة، وليس ذلك نفيا للقياس ولكنه نفس. القياس ومحضه وحقيقته على ما ~~بيناه. # فصل ولا خلاف أن القذف حق للمقذوف، وإنما اختلف أهل العلم هل يتعلق به حق ~~الله أم لا على ثلاثة أقوال: أحدها أنه يتعلق به حق لله تعالى فلا يجوز فيه ~~العفو، بلغ الإمام أو لم يبلغ. # وهو مذهب أبي حنيفة، وعليه تدل رواية أشهب عن مالك في العتبية. ويأتي على ~~قياس هذا القول أن حد القذف يقيمه الإمام إذا انتهى إليه، رفعه إليه صاحبه ~~أو أجنبي من الناس. # والثاني: أنه لا يتعلق به حق لله تعالى، ولصاحبه أن يعفو عنه بلغ الإمام ~~أو لم يبلغ. وهو أحد قولي مالك في كتاب السرقة والرجم من ms1194 المدونة. # والثالث: أنه حق لصاحبه ما لم يبلغ الإمام، فإذا بلغ الإمام صار حقا لله ~~ولم يجز لصاحبه أن يعفو عنه إلا أن يريد سترا. وهو أحد قولي مالك ومذهب ~~الشافعي. وقد وقع في المدونة في الذي يقذف الرجل عند الإمام وهو غائب أنه ~~يقيم عليه الحد إذا كان معه شهود. فتأول محمد بن المواز أن معنى ذلك إذا ~~جاء المقذوف وقام بحقه على أحد قولي مالك. وحكى ابن حبيب في الواضحة عن ابن ~~القاسم وغيره أنه يقيمه عليه وإن كان المقذوف غائبا، وهذا يأتي على قول ~~مالك الآخر، وبالله التوفيق. # فصل والحد يجب في التصريح بالقذف والتعريض البين الذي يرى أن صاحبه أراد # PageV03P266 # به قذفا. هذا قول مالك وأصحابه خلافا للشافعي وأبي حنيفة وأصحابهما في ~~قولهما إن التعريض لا يجب فيه الحد وإنما فيه الأدب. وقال أصحاب الشافعي ~~إلا أن يقول أردت به القذف فيحده والصحيح ما ذهب إليه مالك - رحمه الله - ~~لأنا إنما تعبدنا بالمعاني لا بالألفاظ، لأن الألفاظ قد ترد وظاهرها خلاف ~~المراد بها. فإذا فهم مراد المتكلم بها وقصده منها كان الحكم له لا للفظ. ~~قال الله عز وجل: {فاعبدوا ما شئتم من دونه} [الزمر: 15] فهذا لفظ ظاهره ~~الأمر والمراد به المفهوم منه النهي الذي هو ضد الأمر، فقام المفهوم من ~~اللفظ عند سامعه مقام التصريح له به. وهذا كثير موجود في القرآن ولسان ~~العرب. وقال الله عز وجل: {قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد ~~آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد} [هود: 87] ~~أرادوا إنك لأنت الأحمق السفيه، فالكلام ظاهره المدح والمفهوم منه السب ~~والاستهزاء فهو أبلغ من التصريح بالسب. وكذلك قد يكون من التعريض ما هو ~~أبلغ من التصريح بالقذف، مثل أن يتساب الرجلان فيقول أحدهما لصاحبه يا بن ~~الفاعلة يا بن الصانعة يا بن العفيفة التي لم تزن قط ولا ألمت بفاحشة. فهل ~~يشك أحد أو يمتري أن هذا أبلغ وأشد من قوله يا بن الزانية. ms1195 # فصل وقد احتج الشافعي في إسقاط الحد في التعريض بالقذف بقول الله عز وجل ~~وقوله الحق: {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء} [البقرة: 235] ~~قالوا فقد منع الله من المواعدة في العدة وأباح التعريض بذلك، وهو احتجاج ~~فاسد يلزمه عليه أن يبيح التعريض بالقذف لأن الله أباح التعريض في النكاح ~~في الحال الممنوع منه. وهذا قول من لم يفهم معنى الآية. إنما منع الله من ~~المواعدة، والمواعدة مفاعلة من اثنين فلا تكون مواعدة إلا منهما جميعا أو ~~منه ومن وليهما، وذلك يشبه العقد، # PageV03P267 # لما جاء من النهي عن الإخلاف بالوعد وكره لأحدهما أن يعد صاحبه بالنكاح ~~لئلا يبدو له فيخلف بالوعد. وكره لأحدهما أن يعد صاحبه بالنكاح ليلا يبدو ~~له فيخلف بالوعد. فإذا عرض بالوعد ولم يصرح به لم يكن فيه موضع للكراهة. # فصل ومما يقطعهم ويبطل مذهبهم جملة أن يقال لهم: لا بد لكم من أحد وجهين: # إما أن تقولوا إن التعريض لا يفهم منه القذف أصلا. أو تقولوا إنه يفهم ~~منه القذف ولا يجب فيه الحد. فإن قالوا لا يفهم منه القذف قيل لهم ما ~~تقولون في رجلين تسابا فقال أحدهما لصاحبه يا بن الزانية فقال مجاوبا له: ~~ومثلك يقول لأحد يا بن الزانية وأمك العفيفة المشهورة بالعفاف التي لم تزن ~~قط ولا مرة واحدة من عمرها. فإن قال قائل: إن مثل هذا لا يفهم منه القذف ~~إلا أنه لا يجب فيه الحد قيل لهم: فما الفرق بين ذلك وبين أن يقول أردت به ~~القذف؟ ولا خلاف بيننا وبينهم أنه إذا أقر على نفسه أنه أراد به القذف أنه ~~يحد، وهذا ما لا انفصال لهم عنه. # فصل فحد القذف يجب بسبعة أوصاف، خمسة في المقذوف وهي: الإسلام، والحرية، ~~والبلوغ، والعفاف، وأن يكون معه متاع الزنا ليس بحصور ولا مجبوب قد جب قبل ~~بلوغه، واثنان في القاذف وهي البلوغ، والعقل. ومن الناس من قال بثمانية ~~أوصاف فزاد في المقذوف العقل، وليس ذلك بصحيح لأنه داخل تحت العفاف. ms1196 فإن ~~انخرم وصف من هذه الأوصاف سقط الحد، وإن اجتمعت وجب # PageV03P268 # الحد. فلا يخلو القاذف من أن يكون حرا أو عبدا. فإن كان حرا فحده ثمانون، ~~وإن كان عبدا فحده أربعون على مذهب مالك ومن قال بقوله. وقد تقدم ذكر ~~اختلاف في ذلك وتوجيه كل قول. فإذا ثبت هذا فالبلوغ في القاذف بلوغ الحلم ~~في الرجال أو الحيض في النساء، وفي المقذوف الحلم في الرجال وإمكان الوطء ~~في النساء على مذهب مالك في رواية ابن القاسم عنه، وفي ذلك اختلاف. قال ~~محمد بن الجهم ومحمد بن عبد الحكم: لا حد على من قذف صبية لم تبلغ المحيض. # فصل ويجب حد القذف على مذهب مالك في وجهين: أحدهما: أن يرميه بالزنا، ~~والثاني: أن ينفيه من نسبه وإن كانت أمه أمة أو كافرة إما بتصريح وإما ~~بتعريض بين يقوم مقام التصريح في الوجهين على ما بيناه. وقال إبراهيم ~~النخعي: لا حد عليه إذا نفاه من نسبه وأمه أمة أو نصرانية، وهو قياس قول ~~الشافعي وأبي حنيفة. # فصل ويجب بوجهين: أحدهما: إقرار القاذف على نفسه بالقذف. والثاني: أن ~~يقوم به جمليه شاهدا عدل من الرجال. # فصل وفي إجازة شهادة النساء فيه وثبوته باليمين مع الشاهد، أو إيجاب ~~اليمين على القاذف بالشاهد الواحد أو بالدعوى إذا لم يكن شاهد اختلاف بين ~~أصحابنا. يجري الاختلاف في ذلك على الاختلاف في إجازة شهادة النساء في جراح ~~العمد وفي القصاص باليمين مع الشاهد. # PageV03P269 # فصل فإن اتفق الشاهدان على اللفظ في الشهادة واختلفا في المواطن جازت ~~الشهادة، وهذا ما لا اختلاف فيه من قول ابن القاسم إن الأقوال تلفق إذا ~~اتفق اللفظ أو اختلف واتفق المعنى وإن تفرقت المجالس والأوطان. # وأما إن اختلف اللفظ والمعنى واتفق ما يوجب الحكم من الشهادة، مثل أن ~~يشهد أحدهما أنه قال له يا زان ويشهد الآخر أنه قال له ليس أبوك فلان، ~~فالمشهور أن الشهادة لا تجوز، مثل أن يشهد أحد الشاهدين على الرجل أنه صالح ~~امرأته ويشهد الآخر أنه طلقها ثلاثا ms1197 على أنها بائنة منه فيفرق بينهما ~~بشهادتهما. فيأتي على هذا القول أن يحد المشهود عليه بشهادة الشاهدين ~~لأنهما قد اجتمعا على إيجاب الحد عليه. وذلك أيضا مثل أن يشهد أحد الشاهدين ~~أنه قال إن ركبت الدابة فامرأتي طالق ويشهد الآخر أنه قال إن دخلت الدار ~~فامرأتي طالق، فركب الدابة ودخل الدار. اختلف في ذلك أيضا، والمشهور أن ~~الشهادة لا تلفق ولا تجوز. # وأما إن اختلف اللفظ في الشهادة واختلف ما يوجبه من الحكم فلا تلفق ~~الشهادة باتفاق. وأما الأفعال فإنها لا تلفق وإن اتفقت المواطن على مذهب ~~ابن القاسم، إلا فيما يستند إلى القول كشرب الخمر، لأن الحد فيه مبني على ~~القذف، لأنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى. وكالرجل يحلف ~~بالطلاق لا يدخل الدار فيشهد عليه رجل أنه دخلها يوم السبت ويشهد عليه آخر ~~أنه دخلها يوم الجمعة أو يوم الأحد وما أشبه ذلك. وقال محمد بن مسلمة وابن ~~نافع: لا تلفق الأفعال في موضع من المواضع، وابن الماجشون يلفق الأفعال إذا ~~اتفقت الشهادة في الزنا وإن اختلفت المواطن. وأما إن اختلفت الأفعال فلا ~~تجوز الشهادة وإن اتفق ما توجب من الحكم. # فصل واختلف أهل العلم هل تسقط شهادة القاذف بنفس القذف أو لا تبطل حتى # PageV03P270 # يقام الحد عليه على قولين. فذهب مالك وأكثر أصحابه وأبو حنيفة وأصحابه ~~إلى أن شهادته جائزة حتى يقام الحد عليه، وقال الشافعي: لا تجوز شهادته قبل ~~الحد ولا بعده وقال: هو قبل الحد شر منه بعد الحد، لأن الحدود كفارات ~~لأهلها، فكيف تقبل شهادته في شر حاليه، وهو مذهب ابن الماجشون وأصبغ. ~~والصحيح ما ذهب إليه مالك لأن الله تعالى قال: {والذين يرمون المحصنات ثم ~~لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا} ~~[النور: 4] فإنما نهى الله عن قبول شهادتهم إذا لم يأتوا بأربعة شهداء، ~~وللقاذف الإتيان بالشهادة ما لم يحد، فهذا يبين أن شهادته لا تسقط إلا ~~بإقامة الحد عليه، وما لم يقم عليه الحد ms1198 فلم يتبين فسوقه لاحتمال أن يأتي ~~بالشهداء أو يعفو عنه المقذوف أو يقر بما رماه به من الزنا. وهذا كله بين ~~لا إشكال فيه. # واختلف أهل العلم في قبول شهادة القاذف إذا تاب، فمنهم من قال إنها ~~مقبولة وهو مذهب مالك والشافعي وأصحابهما، ومنهم من قال إنها لا تقبل وهو ~~مذهب أبي حنيفة وأصحابه. قالوا لأن الله تعالى قال: {ولا تقبلوا لهم شهادة ~~أبدا} [النور: 4] فالاستثناء إنما يعود على التفسيق دون قبول الشهادة. وهذا ~~غير صحيح لأن المعنى الذي من أجله لم تقبل شهادته هو التفسيق. فإذا ارتفع ~~التفسيق وجب قبول الشهادة. ومعنى قوله في الآية أبدا ما لم يتب، كما يقال ~~لا تقبل شهادة الكافر أبدا ويكون معناه ما لم يسلم. هذا أولى ما يحتج به ~~لمالك - رحمه الله -. وقد قيل إن مالكا إنما رأى شهادة القاذف مقبولة إذا ~~تاب، لأن من مذهبه أن الاستثناء الوارد عقب الجملة المعطوف بعضها على بعض ~~بالواو راجع إلى جميعها لا إلى أقرب مذكور منها، وهو معنى حسن أيضا. # واختلف في صفة توبة القاذف التي إذا تاب منها قبلت شهادته على قولين: ~~أحدهما: أن توبته أن يكذب نفسه ويعترف أنه قال البهتان وتاب إلى الله من ~~ذلك. # PageV03P271 # والثاني: أن توبته من ذلك صلاح حاله وندمه على ما فرط من ذلك والاستغفار ~~منه وتركه العود في مثل ذلك من الجرح، وهو قول مالك وهو أصح، لأن توبة كل ~~ذي ذنب من أهل الإيمان تركه العود والندم والاستغفار منه. فإن كان فاسقا ~~عرفت توبته بانتقاله من حال الفسق إلى حال الصلاح، وإن كان صالحا فتعرف ~~توبته بتزيده في الخير وارتفاع درجته فيه، وبالله سبحانه التوفيق. # PageV03P272 ### | كتاب الديات # ] [ ### || فصل في تحريم القتل وما جاء في ذلك # بسم الله الرحمن الرحيم وبه أستعين # وصلى الله على محمد # كتاب الديات # فصل في تحريم القتل وما جاء في ذلك حرم الله تبارك وتعالى على عباده قتل ~~النفس بغير حق وأوعد على ذلك بالنار الأليم والعذاب العظيم، منذ أهبط آدم ms1199 ~~إلى الأرض، لم تختلف في ذلك الشرائع والملل. قال الله عز وجل: {واتل عليهم ~~نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال ~~لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين} [المائدة: 27] {لئن بسطت إلي يدك ~~لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين} ~~[المائدة: 28] {إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك ~~جزاء الظالمين} [المائدة: 29] فلولا أن الله حرم ذلك على آدم وولده ~~وتواعدهم على ذلك لما قال المقتول من ابني آدم لأخيه القاتل: {إني أريد أن ~~تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين} [المائدة: 29] ~~. وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما من نفس قتل ظلما إلا كان على ~~ابن آدم الأول كفل منها» . # PageV03P273 # فصل وضرب الله لعباده المؤمنين مثلا فيما قص عليهم من نبإ ابني آدم ~~المذكورين ليتأسوا بفعل المتقي منهما، وأعلم تبارك وتعالى عباده أن قتل ~~النفس بغير حق كقتل جميع الخلق في عظم الإثم إعذارا إليهم لتقوم الحجة بذلك ~~عليهم، فقال عز وجل: {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا ~~بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا} [المائدة: 32] الآية. ~~وروي عن مجاهد قال: جعل الله جزاء من قتل نفسا مؤمنة بغير حق جهنم وغضب ~~عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما، فلو قتل جميع الخلق لم يزد من العذاب على ~~ذلك، وما سماه الله عظيما فلا يعلم قدره إلا هو عز وجل. # فصل فالقتل ذنب عظيم من أعظم الذنوب وأجل الخطايا وأكبر الكبائر ليس بعد ~~الشرك ذنب أعظم منه عند الله. وروي عن النبي - عليه السلام - أنه قال: «من ~~أعظم الذنوب أن تجعل لله ندا وهو خلقك ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، ~~ثم أن تزني بحليلة جارك» . وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«من شارك في دم امرئ مسلم بشطر كلمة جاء يوم القيامة وبين عينيه مكتوب آيس ms1200 ~~من رحمة الله» أو كما قال - صلى الله عليه وسلم -. وروي عنه أنه قال: «من ~~لقي الله ولم يشرك ولم يقتل لقي الله خفيف الظهر» والأخبار الواردة في ~~القتل كثيرة، وكفى من ذلك ما جاء في القرآن. # PageV03P274 # فصل وجميع الذنوب تمحوها التوبة إن تاب منها قبل المعاينة بإجماع لقوله ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر ~~عنكم سيئاتكم} [التحريم: 8] وعسى من الله واجبة. وقوله عز وجل: {وهو الذي ~~يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات} [الشورى: 25] وقول النبي- عليه ~~الصلاة والسلام -: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» . فإن مات ولم يتب منها ~~كان في المشيئة لقول الله عز وجل: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما ~~دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48] . وقوله: {يا عبادي الذين أسرفوا على ~~أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا} [الزمر: 53] ~~معناه لمن شاء. إلا القتل عمدا فإنهم اختلفوا في قبول توبته وإنفاذ الوعيد ~~عليه على قولين: # ذهب جماعة من السلف والخلف إلى أنه لا توبة له، وأن الوعيد لاحق له، ممن ~~روي ذلك عنهم ابن عمر وابن عباس وأبو هريرة وزيد بن ثابت. روي أن سائلا سأل ~~ابن عمر وابن عباس وأبا هريرة عمن قتل رجلا مؤمنا متعمدا هل له من توبة ~~فكلهم قال: هل تستطيع أن تحييه؟ هل تستطيع أن تبتغي في الأرض نفقا أو سلما ~~في السماء؟ وروي أن ابن عمر سئل عن ذلك فقال: ليستكثر من شرب الماء البارد، ~~يعني أنه لا توبة له. وروي أيضا عن ابن عباس أنه سئل عن ذلك فقال للسائل ~~كالمتعجب من مسألته: ماذا تقول؟ فأعاد عليه، فقال ماذا تقول؟ مرتين أو ~~ثلاثا ثم قال: ويحك! وأنى له بالتوبة؟ وإلى هذا ذهب مالك - رحمه الله - ~~لأنه روي عنه أن إمامة القاتل لا تجوز وإن تاب. ويؤيد هذا المذهب ما روي أن ~~رسول # PageV03P275 # الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «كل ذنب عسى الله أن يعفو ms1201 عنه إلا من ~~مات كافرا أو قتل مؤمنا متعمدا» . # فصل وذلك- والله أعلم- لأن القتل يجتمع فيه حق الله وحق للمقتول المظلوم. # ومن شرط صحة التوبة من مظالم العباد تحللهم ورد التباعات إليهم وهذا ما ~~لا سبيل للقاتل إليه إلا بأن يدرك المقتول قبل موته فيعفو عنه ويحلله من ~~قتله إياه طيبة بذلك نفسه. # فصل واختلف الذاهبون إلى هذا المذهب في حكم الآيتين الواردتين في قتل ~~النفس التي حرم الله: آية النساء قوله تعالى: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا ~~فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} ~~[النساء: 93] وآية الفرقان قوله: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا ~~يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما} ~~[الفرقان: 68] {يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا} [الفرقان: ~~69] {إلا من تاب} [الفرقان: 70] . ومنهم من ذهب إلى أن الآيتين محكمتان، ~~وأن آية الفرقان نزلت في المشركين، وآية النساء نزلت في المسلمين، وتأول أن ~~الخلود المذكور فيها غير مؤيد لأنه لا يخلد في النار على التأبيد إلا ~~الكفار. # PageV03P276 # فصل وأما من قال: إن القاتل مخلد في النار فقد أخطأ وخالف أهل السنة، لأن ~~القتل لا يحبط ما تقدم من إيمانه ولا ما كسب من صالح أعماله، لأن السيئات ~~لا تبطل الحسنات، ومن عمل حسنة ومات على الإسلام فلا بد أن يجازيه الله على ~~حسنته فإنه يقول تعالى وقوله الحق: {ولن يتركم أعمالكم} [محمد: 35] وقال ~~تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} [الزلزلة: 7] {ومن يعمل مثقال ذرة ~~شرا يره} [الزلزلة: 8] وقال تعالى: {فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا ~~كفران لسعيه} [الأنبياء: 94] وقال عز من قائل: {فلا تظلم نفس شيئا وإن كان ~~مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين} [الأنبياء: 47] . # فصل وذهب جماعة من الصحابة ومن بعدهم إلى أن القاتل في المشيئة وأن توبته ~~مقبولة. فممن روي ذلك عنه ابن عباس وأبو هريرة وعلي بن أبي طالب ومجاهد ~~وغيرهم. واختلف من صار إلى هذا المذهب ms1202 أيضا في حكم الآيتين المذكورتين. ~~فمنهم من قال إلى أن اللينة نسخت الشديدة، ومنهم من قال إنهما محكمتان ~~واردتان في الكفار واستدل على ذلك بما فيهما من ذكر الخلود في النار الذي ~~هو من صفة عذاب الكافرين، لأن من أدخل النار من الموحدين فلا بد أن يخرج ~~منها بالشفاعة. ومنهم من قال إن آية الفرقان وردت في الكفار، وآية النساء ~~في المسلمين، إلا أن معناها أن ذلك جزاؤه إن جازاه ولم يغفر له، بدليل قوله ~~تعالى: # PageV03P277 # {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48] ~~وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من رواية أبي هريرة أنه قال: «هو ~~جزاؤه إن جازاه» . ومنهم من قال في آية النساء إن المراد بها من قتل مؤمنا ~~متعمدا مستحلا لقتله. # فصل والصواب إن شاء الله أن الآيتين محكمتان غير منسوختين، لأنهما وردتا ~~بلفظ الخبر، والأخبار لا يدخلها النسخ. وأما المذهبان فلكليهما وجوه من ~~النظر، وكفى باختلاف الصحابة- رضي الله عنهم - في ذلك، فقلما تجدهم يختلفون ~~إلا فيما تتعارض فيه الحجج وتتكافأ فيه الأدلة. فينبغي لمن لم يواقع هذا ~~الذنب العظيم أن ينتهي عنه ويستعيذ بالله منه مخافة ألا يصح له منه متاب، ~~فيحق عليه سوء العذاب، ويناله شديد العقاب، ولمن واقعه أن يتوب إلى الله ~~ويستغفره ولا ييأس من رحمة الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم ~~الكافرون. وقد كان ابن شهاب إذا سئل هل للقاتل توبة؟ يتعرف من السائل هل ~~قتل أم لا ويطاوله في ذلك، فإن تبين منه أنه لم يقتل قال لا توبة له، وإن ~~تبين له منه أنه قتل قال له توبة. وإن هذا تحسن من الفتوى. # فصل ومن توبة القاتل أن يعرض نفسه على أولياء المقتول فإن قادوا منه وإلا ~~بذل لهم الدية وصام شهرين متتابعين أو أعتق رقبة إن كان واجدا، أو أكثر من ~~الاستغفار. ويستحب أن يلازم الجهاد ويبذل نفسه لله، روي هذا كله عن مالك - ~~رحمه الله -، وفيه دليل ms1203 على الرجاء في قبول توبته. # PageV03P278 # فصل واختلف أيضا في القاتل إذا أقيد منه هل يكون القصاص كفارة له أم لا ~~على قولين: فمن أهل العلم من ذهب إلى أن القصاص كفارة له. واحتج بما روي في ~~ذلك عن النبي - عليه السلام - من رواية عبادة بن الصامت أنه قال: «الحدود ~~كفارات لأهلها» . ومنهم من ذهب إلى أن القصاص لا تكون له كفارة، لأن ~~المقتول المظلوم لا منفعة له في القصاص وإنما هو منفعة للأحياء ليتناهى ~~الناس عن القتل، وهو معنى قول الله عز وجل: {ولكم في القصاص حياة يا أولي ~~الألباب} [البقرة: 179] فيكون القصاص في القتل على هذا القول مخصصا من حديث ~~عبادة بن الصامت بهذا الدليل ويبقى الحديث مستعملا فيما هو حق لله لا يتعلق ~~فيه حق لمخلوق والله أعلم وأحكم. ومن الدليل أيضا على أن القصاص من القاتل ~~لا يكون كفارة له قول الله تبارك وتعالى في المحاربين: {ذلك لهم خزي في ~~الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم} [المائدة: 33] فظاهره أن الحدود لا تكون ~~كفارة لهم، وذلك والله أعلم لما تعلق بهم من حقوق المخلوقين. # فصل وهذه المعاني كلها من أحكام الآخرة مردودة إلى الباري سبحانه وله أن ~~يفعل ما يشاء عدل منه {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} [الأنبياء: 23] . # فصل وأما أحكام القاتل عمدا في الدنيا فأن يقتص منه على الشرائط التي ~~أحكمتها # PageV03P279 # السنة، وسنذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى. قال الله عز وجل: {ومن قتل ~~مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا} ~~[الإسراء: 33] وقال تعالى: {ولكم في القصاص حياة} [البقرة: 179] ، معناه أن ~~القاتل إذا علم أنه يقتص منه إن قتل أمسك عن القتل فحييا جميعا. وقيل إن ~~معناه أن القاتل إذا اقتص منه تناهى الناس عن القتل فكان سببا لحياتهم. # فصل في شرائط صحة القصاص # فصل فمن شرائط صحة القصاص على مذهب مالك - رحمه الله - ألا يكون المقتول ~~ناقصا عن مرتبة القاتل بعدم حرية أو إسلام، فيقتل الحر بالحر والحرة بالحرة ms1204 ~~والحرة بالحر والحر بالحرة، والعبد بالعبد والأمة بالأمة والعبد بالأمة ~~والأمة بالعبد، والكافر بالكافر والكافرة بالكافرة والكافر بالكافرة ~~والكافرة بالكافر، والعبد الكافر بالعبد الكافر والأمة الكافرة بالأمة ~~الكافرة والعبد الكافر بالأمة الكافرة والأمة الكافرة بالعبد الكافر. # فصل ويقتل العبد بالحر لأن الحر إذا كان يقتل بالحر لاستوائهما في الحرية ~~فالعبد أولى أن يقتل به لمزية الحرية. ويقتل الكافر بالمسلم لأن المسلم إذا ~~كان يقتل بالمسلم لاستوائهما في مرتبة الإسلام فالكافر أولى أن يقتل به ~~لمزية الإسلام. # فصل ولا يقتل الحر ولا الحرة بالعبد ولا بالأمة لقول الله عز وجل: {يا ~~أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد} ~~[البقرة: 178] # PageV03P280 # والعلة في ذلك نقصان مرتبة الحرية. # فصل ولا يقتل المسلم ولا المسلمة بالكافر ولا بالكافرة لقول رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «المسلمون تتكافأ دماؤهم» فدل ذلك على أن دم الكافر ~~لا يكافئ دم المؤمن وإذا لم يكافيه فالقصاص مرتفع. # فصل وإنما وجب القصاص بين الرجال والنساء إذا لم تكن مرتبة المقتول ناقصة ~~عن مرتبة القاتل بعدم حرية أو إسلام، وأن يقتل الحر بالحرة والحرة بالحر، ~~والعبد بالأمة والأمة بالعبد، وإن كان ذلك خلاف ما يدل عليه قول الله عز ~~وجل: {الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} [البقرة: 178] لأنه دليل ~~يعارضه عموم قول الله عز وجل: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} ~~[المائدة: 45] فوجب أن يحمل هذا اللفظ على عمومه في قتل الحر بالحرة والحرة ~~بالحر، ووجب بالقياس مثل ذلك في العبد بالأمة والأمة بالعبد، والكافر ~~بالكافرة والكافرة بالكافر، والعبد النصراني بالأمة النصرانية والأمة ~~النصرانية بالعبد النصراني. ولم يجب أن يحمل هذا اللفظ على عمومه في قتل ~~الحر بالعبد والحرة بالأمة والمسلم بالكافر والمسلمة بالكافرة لأن الآية ~~إنما أريد بها الأحرار المسلمون. والدليل على ذلك أن الله لم يخاطبنا بها ~~في شرعنا وإنما أخبر تعالى أنه كتبها في التوراة على موسى بن عمران صلى ~~الله على # PageV03P281 # نبينا وعليه، وهم أهل ملة واحدة ولم تكن لهم ذمة ولا ms1205 عبيد لأن الاستعباد ~~إنما أبيح للنبي - صلى الله عليه وسلم - وخص به وأمته من بين سائر الأمم. ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي. ~~أحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي. وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا. ونصرت ~~بالرعب مسيرة شهر. وأعطيت جوامع الكلام، وبعثت إلى الناس كافة» لقول الله ~~عز وجل: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا} [الأعراف: 158] . # فصل وقوله في الآية: {فمن تصدق به فهو كفارة له} [المائدة: 45] يدل أيضا ~~على ما قلناه من أن الآية إنما أريد بها المسلمون الأحرار، لأن العبد لا ~~يتصدق بدمه لأن الحق في ذلك لسيده، والكافر لا تكفر عنه صدقته. # فصل ولو كنا المخاطبين بالآية في شرعنا لوجب أن يخص من عمومها قتل الحر ~~بالعبد والحرة بالأمة بقول الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم ~~القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد} [البقرة: 178] ويخص من ذلك قتل ~~المسلم بالكافر بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقتل مسلم ~~بكافر» . # فصل ومما يبطل أن يكون في قوله الحر بالحر والعبد بالعبد دليل على أنه لا # PageV03P282 # تقتل الأنثى بالذكر ولا الذكر بالأنثى ما روي من أنها إنما وردت ناسخة ~~لما كانت عليه القبائل في الجاهلية من التعالي والتعزز بعضها على بعض فكان ~~إذا عزت القبيلة القبيلة بكثرة العدد والمنعة وعلت عليها بذلك فقتل حر من ~~القبيلة العزيزة لحر من القبيلة المعزوزة لم يسلموه للقصاص وبذلوا موضعه ~~عبدا أو امرأة. وإذا قتل عبد من المعزوزة لعبد من العزيزة أو حرة لحرة لم ~~يرضوا بالقصاص منهما وطلبوا موضع العبد حرا وموضع المرأة رجلا، فأمر الله ~~عباده المؤمنين ألا يمتثلوا ذلك وأن يقتلوا الحر القاتل بالحر المقتول ~~والعبد القاتل بالعبد المقتول، والأنثى القاتلة بالأنثى المقتولة. ولا جائز ~~أن يكون معنى الآية غير هذا لأن الله تعالى يقول: {وكتبنا عليهم فيها أن ~~النفس بالنفس} [المائدة: 45] وأجمع المسلمون على أن الرجل يقتل بالمرأة ~~والمرأة بالرجل على الشرط الذي ms1206 ذكرناه، وهو ألا يكون المقتول ناقصا عن ~~مرتبة القاتل بعدم حرية أو إسلام، إلا أن من أهل العلم من قال إن الرجل إذا ~~قتل بالمرأة قضي له بنصف الدية، وهو عثمان البتي، وهو قول مرغوب عنه ترده ~~الأصول. # فصل وقد روي عن مالك - رحمه الله - في هذه الآية تأويل جيد ظاهر رواه عنه ~~أبو المصعب وهو أنه قال أحسن ما سمعت في تأويل هذه الآية: الحر بالحر أن ~~معنى ذلك الجنس، الذكر والأنثى فيه سواء. وكذلك العبد بالعبد معناه الجنس ~~الذكر والأنثى سواء. وأعاد تعالى ذكر الأنثى بالأنثى إنكارا لما كان من أمر ~~الجاهلية. ألا ترى أن {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} [المائدة: 45] ~~إلى قوله {والجروح قصاص} [المائدة: 45] بالمساواة في ذلك الحرية في جنسها ~~والعبودية في جنسها. وهذا جيد لأن الألف واللام إنما يدخلان على الواحدة ~~للتعريف إما بالعهد وإما باستغراق الجنس، فإذا لم يكن عهد فلا بد أن يحمل ~~على استغراق الجنس وإلا كان نكرة فكأنه قال تعالى على هذا التأويل الأحرار ~~بالأحرار والعبيد بالعبيد. # PageV03P283 # فصل وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن المسلم الحر يقتل بالذمي المعاهد ~~وبالعبد تعلقا بظاهر قول الله عز وجل: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} ~~[المائدة: 45] وبظاهر قول الله تعالى: {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه ~~سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا} [الإسراء: 33] فقالوا هذا عام في ~~قتل كل نفس محرمة القتل. وتأولوا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا ~~يقتل مسلم بكافر على أنه الكافر الحربي» وهذا كله خطأ فاحش. أما تعلقهم ~~بقول الله عز وجل: أن النفس بالنفس فلا يصح لما قدمناه من أن الآية إنما ~~كتبت على أهل التوراة وهم ملة واحدة لا ذمة لهم ولا عبيد كما للمسلمين، لأن ~~الجزية فيء وغنيمة خص الله بها النبي - صلى الله عليه وسلم - وعباده ~~المؤمنين. وكذلك تعلقهم بقوله تعالى: {ومن قتل مظلوما} [الإسراء: 33] لا ~~حجة لهم فيه لأنه ليس على عمومه في كل من قتل مظلوما، لأن الحربي المستأمن ~~محرم ms1207 القتل وقاتله ظالم له، وهو مخصوص عندهم من عموم الآية لا يقتل به ~~المسلم فيلزمهم مثل ذلك في الذمي المعاهد وهم لا يقولونه فقد ناقضوا أيضا ~~بالسيد يقتل عبده فقالوا إنه لا يقتل به وخصصوه من عموم الآية وإن كان ~~مظلوما بقتل سيده إياه. وناقضوا أيضا بالجراح لأنهم قالوا إنه يقتل الحر ~~المسلم بالعبد والكافر، ولا يفقؤون عينه بعينه، وكذلك سائر الجراح وذلك في ~~نسق الآية، فزعموا أن النفس تساوي النفس وأن اليد لا تساوي اليد. فإن كانوا ~~أرادوا الجسم فالمساواة ظاهرة وإن كانوا أرادوا الجنس فالجنسان مختلفان. # فصل وتأويلهم قول النبي - عليه السلام -: «لا يقتل مسلم بكافر» على أنه ~~أراد به الكافر الحربي من أبعد التأويلات وأبينها في الخطأ، لأن الحربيين ~~قد أمر الله بقتلهم وجعل ذلك من أفضل الأعمال وأحبها إليه. فهل يجوز أن ~~يتوهم متوهم أن من قتل من أمر الله بقتله ووعده على ذلك جزيل الثواب يجب ~~عليه القتل حتى يحتاج النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبين لنا أنه لا قود ~~بيننا وبين أهل الحرب، هذا ما لا يشكل على أحد ولا يحتاج النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - إلى بيانه. # PageV03P284 ### || فصل في تقاسيم القتل # فصل في # تقاسيم القتل والقتل يكون على ثلاثة أوجه: # أحدها: ألا يعمد للضرب ولا للقتل. # والثاني: أن يعمد للضرب ولا يعمد للقتل. # والثالث: أن يعمد للقتل. # فأما إذا لم يعمد للقتل ولا للضرب مثل أن يرمي الشيء فيصيب به إنسانا ~~فيقتله، أو يقتل المسلم في حرب العدو وهو يرى أنه كافر وما أشبه ذلك، فهذا ~~هو قتل الخطأ بإجماع، لا يجب فيه القصاص، وإنما تجب فيه الدية على العاقلة ~~والكفارة في ماله. قال الله عز وجل: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ~~ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا} ~~[النساء: 92] . وقوله تعالى: {إلا خطأ} [النساء: 92] معناه لكن خطأ، فهو ~~مستثنى منفصل عن المستثنى منه ومن غير جنسه، لأن الخطأ لا يقال فيه ms1208 إن له ~~أن يفعله ولا ليس له أن يفعله. # فصل وأما الوجه الثاني: وهو أن يعمد للضرب ولا يعمد للقتل فإن ذلك لا ~~يخلو من ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون عمده للضرب على وجه اللعب. # والثاني: أن يكون على وجه الأدب ممن يجوز له الأدب. # والثالث: أن يكون على وجه النائرة والغضب. # فأما الوجه الأول: وهو أن يكون على وجه اللعب ففي ذلك ثلاثة أقوال: # أحدها: أن ذلك من الخطأ وفيه الدية على العاقلة، وهو مذهب ابن القاسم ~~وروايته عن مالك في المدونة. # PageV03P285 # والثاني: أن ذلك عمد وفيه القصاص إلا أن يعفو أولياء القتيل، وهو قول ~~مطرف وابن الماجشون وروايتهما عن مالك. وقد تؤول أن معنى قول ابن الماجشون ~~وروايته عن مالك إن ضربه على وجه اللعب دون أن يلاعبه صاحبه أو لا يلاعبه ~~إذا علم أنه لم يضربه إلا على وجه اللعب. # والثالث: أن ذلك شبه العمد وفيه الدية مغلظة في مال الجاني ثلاثون حقة ~~وثلاثون جذعة وأربعون خلفة في بطونها أولادها، وهو قول ابن وهب من أصحاب ~~مالك، وقول ربيعة وابن شهاب وأبي الزناد. وقد قيل إن التفرقة بين أن يلاعبه ~~أو لا يلاعبه قول رابع في المسألة. # وأما الوجه الثاني: وهو أن يعمد للضرب على وجه الأدب وهو ممن يجوز له ~~الأدب كالمؤدب والصانع فهو يجري عندي على الاختلاف في الذي يعمد للضرب على ~~وجه اللعب ويدخل فيه الثلاثة الأقوال المذكورة في ذلك الوجه. ورأيت لأبي ~~الوليد الباحي أن الاختلاف في هذا الوجه إنما هو راجع إلى تغليظ الدية ولا ~~قصاص بحال. # فصل هذا إذا علم أن ضربه كان على وجه الأدب، وأما إن لم يعلم إلا بقوله ~~ودعواه ففي تصديقه على ذلك قولان: # أحدهما: أنه لا يصدق ويقتص منه لأن العداء قد ظهر والقصاص قد وجب وهو ~~يدعي ما يسقطه عنه. # والقول الثاني: أنه يصدق في ذلك وإذا صدق فيه فهو بمنزلة إذا علم بالبينة ~~ودخل الاختلاف المذكور في ذلك. # PageV03P286 # وأما الوجه الثالث: وهو أن يكون ms1209 الضرب على وجه النائرة والغضب ففيه ~~قولان: # أحدهما: وهو المشهور عن مالك المعروف من قوله أن ذلك عمد وفيه القصاص إلا ~~من الأب في ابنه والأم والجد فإنه لا يقتص منه وتغلظ الدية عليه في ماله. ~~وهذا قول مالك في المدونة لأنه أنكر شبه العمد وقال إنه باطل إنما هو عمد ~~أو خطأ لا ثالث لهما، لأن الله لم يذكر في كتابه غيرهما. # والقول الثاني: أن ذلك شبه العمد ولا يقاد منه وتغلظ الدية عليه، وهو ~~مروي عن مالك - رحمه الله -، حكاه العراقيون عنه، وعليه أكثر أهل العلم، ~~إلا أنهم اختلفوا في صفة تغليظ الدية. فمنهم من يرى أنها مربعة وهو مذهب ~~أبي حنيفة. ومنهم من يرى أنها مثلثة وهو مذهب الشافعي. واختلفوا أيضا في ~~الجراح كاختلافهم في القتل هل فيه شبهة عمد أم لا؟. وذهب أبو حنيفة وأبو ~~يوسف ومحمد إلى أن شبه العمد إنما هو في النفس لا في الجراح. واختلفوا أيضا ~~في صفة شبه العمد فمنهم من يقول إنه لا يقتص إلا ممن قتل بحديدة. وقال أبو ~~حنيفة: لا يقتص إلا ممن قتل بحديدة أو ليطة القصبة أو النار. # فصل وأما الوجه الثالث: وهو أن يعمد للقتل فلا يخلو من وجهين: # أحدهما: أن يكون ذلك على وجه الغيلة. # والثاني: أن يكون على وجه النايرة والعداوة. # فأما إن كان على وجه الغيلة فإنه يقتل على كل حال. ولا يجوز للأولياء ~~العفو عنه. # وأما إن كان على وجه النايرة والعداوة فالأولياء بالخيار، إن شاءوا أن ~~يعفوا، # PageV03P287 # وإن شاءوا أن يقتصوا فذلك لهم إلا أن يقتل بعد أن يأخذوا الدية فقد قيل ~~إن الوالي يقتله ولا يجوز لأولياء المقتول العفو عنه تأويلا على قول الله ~~عز وجل: {فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم} [البقرة: 178] وقد شد هذا ~~التأويل ما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا أعافي رجلا ~~قتل بعد أخذ الدية» ، وقع في تفسير ابن سلام. # فصل واختلفوا إن أرادوا أن يعفوا عن الدية هل ms1210 يلزم ذلك القاتل أم لا على ~~قولين: # أحدهما: أن ذلك لا يلزمه، وهو مذهب ابن القاسم والمعلوم من قول مالك. # والثاني: أن ذلك يلزمه وهو قول أشهب. والأصل في الاختلاف مبني على ~~الاختلاف في تأويل قول الله عز وجل: {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع ~~بالمعروف وأداء إليه بإحسان} [البقرة: 178] . فالذي ذهب إليه المحققون ~~وتأولوه على مذهب مالك أن العافي هو القاتل. ومعنى الكلام من أعطي من أخيه ~~القاتل شيئا من العقل فرضي به فليتبعه بمعروف وليؤد إليه بإحسان {ذلك تخفيف ~~من ربكم ورحمة} [البقرة: 178] يعني مما كان كتب على من قبلكم لأن فيما كان ~~قبل لم تكن دية وإنما كان الواجب القصاص. # فصل وما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من قتل له قتيل ~~فهو بخير النظرين بين أن يقتل أو يعفو أو يأخذ الدية» معناه إن بذلت له ~~وطاع بها القاتل على هذا التأويل. ومن أهل العلم من حمل الحديث على ظاهره ~~فقال: إن لولي المقتول أن # PageV03P288 # يأخذ الدية من القاتل شاء أو أبى، وتأول أن العافي في الآية ولي المقتول ~~يعفو عن الدم فيتبع القاتل بالدية فيلزمه أن يؤديها بإحسان، وهو تأويل ~~بعيد، لأن شيئا نكرة، ولا يصح أن يراد به القصاص لأنه معرفة بنص الله تعالى ~~عليه في قوله: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب} [البقرة: 179] وإنما ~~عني به ما يتراضيان عليه من قليل المال وكثيره إذ لا حد لدية العمد. # فصل فإن اتفقا على الدية مبهمة من غير أن يسميا شيئا حكم فيه بدية مربعة ~~على مذهب مالك وأصحابه خلافا للشافعي في قوله إنها مثلثة. فجعل مالك العافي ~~في هذه الآية الدافع لا التارك، وجعل العافي في آية الطلاق في قوله: {وإن ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون ~~أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} [البقرة: 237] وهو الزوج. فالمعنى عنده في ~~الآية: إلا أن يعفو الزوجات فيتركن النصف أو يعفو الزوج فيدفع ms1211 الجميع والله ~~أعلم بما أراد من ذلك لا إله إلا هو. ### || فصل فيما يجب به القصاص # فصل # فيما يجب به القصاص والقصاص يكون بأحد ثلاثة أشياء: # إما ببينة تقوم على القتل. # وإما باعتراف القاتل على نفسه. # وإما بقسامة أولياء المقتول بما تصح به القسامة على ما سنذكره في موضعه ~~إن شاء الله. # فإذا قامت البينة على القتل أو اعترف به القاتل على نفسه اقتص منه بمثل # PageV03P289 # القتلة التي قتله بها إلا أن يكون قتله بالنار أو بالسم فاختلف في ذلك. ~~قال ابن حبيب في الواضحة: إنه لا يقتل بالنار ولا بالسم لأن ذلك من المثل. ~~وظاهر ما في المدونة أنه يقتص منه بمثل القتلة التي قتله بها وإن كان قتله ~~بالنار إذ لم يفرق فيها بين النار وغيره، وهو ظاهر قوله في السم أنه يقاد ~~منه به. ومن أهل العلم من يرى أنه لا يكون القود إلا بالسيف. وأما إن لم ~~يثبت القتل بالبينة وإنما استحق دمه بالقسامة فلا يقتل إلا بالسيف. ### || فصل في تقاسيم الديات # فصل في # تقاسيم الديات والديات على مذهب مالك - رحمه الله - وأصحابه ثلاث: # دية الخطأ، ودية العمد إذا قبلت، ودية التغليظ في مثل ما فعل المدلجي ~~بابنه، وهي دية شبه العمد على مذهب من يراه ويقول به. وقد ذكرنا أنه قول ~~أكثر أهل العلم ورواية العراقيين عن مالك. وأبو حنيفة يرى الدية في ذلك ~~مربعة حسب ما ذكرناه عنه. ### || فصل في دية الخطأ # فصل في # دية الخطأ فأما دية الخطأ فإنها على أهل الإبل مائة من الإبل على عاقلة ~~القاتل، سنة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا اختلاف بين أحد من أهل ~~العلم في ذلك. وتؤخذ في ثلاث سنين، وقيل في أربع سنين. والأول أكثر وهو ~~مذهب مالك. # فصل وهذا أمر كان في الجاهلية فأقره النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~الإسلام، ولا يحمله القياس، لأن الأصل كان ألا يحمل أحد جناية أحد لقول ~~الله عز وجل: {ولا تكسب كل نفس إلا عليها ms1212 ولا تزر وازرة وزر أخرى} ~~[الأنعام: 164] # PageV03P290 # «وقول النبي - عليه السلام - لأبي رمثه في ابنه: لا تجني عليه ولا يجني ~~عليك» . وقوله - عليه السلام -: «تجاوز الله لأمتي عن الخطأ والنسيان وعما ~~استكرهوا عليه» ولكنها خصمت من هذه الظواهر كلها الواردة في القرآن والسنن ~~والآثار بالسنة والإجماع. # فصل وهي مخمسة: عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون ذكر، ~~وعشرون حقة، وعشرون جذعة. هذا مذهب مالك - رحمه الله - وجميع أصحابه ومذهب ~~الشافعي وأبي حنيفة وأصحابهما، إلا أن أبا حنيفة جعل مكان ابن لبون ابن ~~مخاض، وذهب جماعة من السلف منهم علي بن أبي طالب إلى أن دية الخطأ مربعة، ~~واختلفوا في أسنانها اختلافا كثيرا ليس هذا موضع إيراده، إذ لم أقصد إلى ~~ذكر الاختلاف وإنما قصدت إلى تلخيص المذهب. وهذا كله لا مدخل للرأي والقياس ~~في شيء منه، وكل يدعي التوقيف فيما ذهب إليه من ذلك أصلا لا قياسا. # فصل وأما على أهل الذهب والورق فهي ما قومها به عمر بن الخطاب - رضي الله ~~عنه -: ألف دينار أنه قومها على أهل الورق عشرة آلاف درهم. وذهب إلى ذلك ~~أبو حنيفة وأصحابه ولم يختلف عن عمر بن الخطاب # PageV03P291 # أنه قوم الدية على أهل الذهب ألف دينار، وذلك مروي عن النبي - عليه ~~السلام - في كتابه لعمرو بن حزم. وبعض الرواة يقول في تقويم الدية على أهل ~~الذهب والورق قوم عمر الدية، وبعضهم يقول: جعل، وبعضهم يقول قضى. واختلف ~~قول الشافعي في ذلك، فكان قوله في القديم كقول مالك. وقال في الحديث: إن ~~الدية على أهل الذهب والورق قيمة الإبل في الوقت الذي يقضى بالدية، وقال: ~~قوم عمر الدية على أهل الذهب والورق فاتباعه أن تقوم في كل وقت. وما ذهب ~~إليه مالك أصح وأولى لأن فيه أثرا مرفوعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~من رواية ابن عباس أنه «قضى لرجل من الأنصار قتله مولى لبني عدي بالدية ~~اثنا عشر ألف درهم» . ونميهم نزلت هذه الآية: {وما نقموا إلا أن أغناهم ~~الله ورسوله ms1213 من فضله} [التوبة: 74] وأما أبو حنيفة فلا حجة له فيما ذهب ~~إليه إلا ما رواه أهل العراق عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في تقويم ~~الدية بعشرة آلاف درهم على أهل الورق. # فصل ولا تؤخذ في الدية عند مالك، وجل أهل العلم إلا الإبل والدنانير ~~والدراهم. وقد روي «عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه وضع الدية على ~~الناس في أموالهم ما كانت على أهل الإبل مائة بعير، وعلى أهل الشياة ألف ~~شاة، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل البرود مائتي حلة» وهو قول عطاء ~~وقتادة. وروي ذلك أيضا عن عمر بن الخطاب أنه وضع الديات على أهل الذهب ألف ~~دينار وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم، وعلى أهل الإبل مائة من الإبل، وعلى ~~أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشياة ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي ~~حلة. # فصل ودية الخطأ كسائر مال المقتول يقضى منها دينه وتجوز فيها وصيته ~~ويرثها جميع ورثته إلا أن يكون القاتل من ورثته فإنه لا يرث منها شيئا ~~للإجماع أن قاتل # PageV03P292 # الخطأ لا يرث من الدية. وقد «كان عمر بن الخطاب لا يورث المرأة من الدية ~~شيئا حتى أخبره الضحاك بن سفيان الكلابي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها» وكان قتل خطأ، فقضى ~~بذلك هو والناس بعده ولم يختلفوا في ذلك إلا ما روي عن بعض أهل الظاهر من ~~الخلاف في ذلك وبالله التوفيق. ### || فصل في دية العمد # فصل في # دية العمد وأما دية العمد فليست بمؤقتة ولا معلومة. والدليل على ذلك قول ~~الله تعالى: {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف} [البقرة: 178] وشيء ~~نكرة يقع على القليل والكثير. # فصل فإن اصطلحوا على الدية مبهمة فإن الدية تكون في ماله حالة مائة من ~~الإبل على أهل الإبل مربعة، خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، ~~وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة. وعلى أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل ~~الورق ms1214 اثنا عشر ألف درهم. ولا تغلظ الدية على أهل الذهب والورق بفضل ما بين ~~أسنان دية الخطأ ودية العمد كما يفعل في دية التغليظ المثلثة في مذهب ابن ~~القاسم وروايته عن مالك. وروى يحيى عن أشهب أنها تغلظ بفضل ما بين أسنان ~~دية الخطأ ودية العمد. وعن ابن نافع مثل قول ابن القاسم وروايته عن مالك، ~~وهو ظاهر ما في المدونة. وقد روي عن مالك أن دية العمد إذا قبلت مبهمة تكون ~~في ثلاث سنين، والأول هو المشهور في المذهب. # PageV03P293 # فصل وهى أيضا موروثة عن المقتول يرثها ورثته ويقضي منها دينه إلا أنه لا ~~تدخل فيها الوصايا لأنه مال لم يعلم به. وإن عفا عن دمه جاز ذلك من رأس ~~ماله ولم يكن من ثلثه. وذهب الشافعي إلى أن دية العمد إن قبلت كدية شبه ~~العمد مثلثة ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة. فالديات عنده ديتان دية ~~الخطأ مخمسة، ودية شبه العمد ودية العمد إن قبلت مثلثة وبالله التوفيق. ### || فصل في الدية المغلظة # فصل في # الدية المغلظة وأما الدية المغلظة في مثل ما صنع المدلحي بابنه وفي شبه ~~العمد على رواية العراقيين عن مالك فإن على أهل الإبل مثلثة: ثلاثون حقة، ~~وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها، حالة في مال القاتل غير ~~مؤجلة. وقال ابن الماجشون وأشهب وسحنون: إنها على العاقلة لأنها نزلت منزلة ~~الخطأ، واحتجوا بقول عمر بن الخطاب لسراقة بن جعشم أعدد لي على ماء قديد ~~عشرين ومائة من الإبل، وسراقة لم يكن أبا القاتل وإنما كان سيد القوم. فدل ~~ذلك على أنه إنما أمره أن يعدها له من أموال قوم القاتل. وحكى ابن حبيب عن ~~مطرف أنها في ماله إن كان له مال، وعلى العاقلة إن لم يكن له مال. # فصل فإن كان من أهل الذهب والورق ففي ذلك روايتان: # إحداهما: أنها لا تغلظ ولا يزاد فيها بفضل ما بين الأسنان. # PageV03P294 # والثانية: أنها تغلظ. فإذا قلنا إنها تغلظ ففي صفة تغليظها ثلاثة أقوال: # أحدها: أن يقوم ms1215 الثلاثون حقة والثلاثون جذعة والأربعون خلفة قيمتها بالغة ~~ما بلغت فيكون ذلك عليه إلا أن تكون أقل من الألف مثقال ومن الاثني عشر ألف ~~درهم فلا ينقص من ذلك شيء. # والثاني: وهو مذهب ابن القاسم في المدونة أن تقوم أسنان الخطأ الخمسة ~~وأسنان المغلظة الثلاثة فينظر كم بينهما فيسمى ذلك من دية الخطأ، فإن كان ~~الثلث أو الربع زيد على الألف دينار أو الاثني عشر ألف درهم ثلثها أو ~~ربعها. # والثالث: أن يعرف كم بين القيمتين فيزاد ذلك على الذهب أو الورق. ودية ~~شبه العمد عند أبي حنيفة مربعة ولا تغليظ فيها عند أهل الذهب والورق، وعند ~~أبي ثور مخمسة ولا تغليظ فيها بحال. ### || فصل في دية المكاتبين # فصل في # دية الكتابيين وأما دية اليهودي والنصراني فإنها مثل نصف دية الحر ~~المسلم. هذا الذي ذهب إليه مالك - رحمه الله تعالى - ورواه في موطأه عن عمر ~~بن عبد العزيز وتابعه عليه جميع أصحابه. وقال الشافعي: ديتهما مثل دية ~~المسلم وهو قول جماعة من السلف. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن دية اليهودي ~~والنصراني والمجوسي مثل دية الحر المسلم، واحتج بظاهر قول الله عز وجل: ~~{وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة ~~مؤمنة} [النساء: 92] فتأول أن المراد به الكافر وقال: أوجب الله في قتله ~~خطأ الدية والكفارة كما أوجب في المؤمن، فوجب أن تكون ديتهما سواء كما أن ~~الكفارة عنهما سواء، وهذا لا حجة فيه لأن الله لم يذكر فيه أنه كافر، ~~فيحتمل أن يكون المراد به أنه مؤمن. ولو صح أن المراد به الكافر لما أوجب ~~استواء الديتين لاستواء الكفارتين. لأن هذا أمر لا مدخل للقياس # PageV03P295 # فيه وإنما يرجع فيه إلى التوقيف. وإذا كان ذلك فما ذهب إليه مالك - رحمه ~~الله - أولى ما قيل في ذلك، لأنه مروي عن النبي - عليه السلام - من رواية ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال: «لما دخل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - مكة عام الفتح قال ms1216 في خطبته: دية الكافر مثل نصف دية المسلم» وأما ~~دية المجوسي فإنها ثمانمائة درهم عند مالك والشافعي. وقد تقدم مذهب أبي ~~حنيفة أن ديته مثل دية الحر المسلم، وعلى أهل المذهب ستة وستون دينارا ~~وثلثا دينار، وعلى أهل الإبل ستة أبعرة وثلثا بعير، وجراحه على حساب ديته ~~هذه. ### || فصل في دية المرتد # فصل في # دية المرتد واختلف في دية المرتد إذا قتل قبل أن يستتاب، فقيل لا دية على ~~قاتلته. وقيل ديته دية مجوسي. وقيل ديته دية دينه الذي ارتد إليه. ### || فصل في دية العبد # فصل في # دية العبد وأما العبد فلا دية له على مذهب مالك - رحمه الله - وإنما هو ~~كسلعة من السلع فعلى قاتله خطأ كان أو عمدا قيمته بالغة ما بلغت في ماله، ~~ولا تحمل العاقلة من ذلك شيئا. وروي عن الشافعي مثل قول مالك - رحمه الله - ~~هذا. والمشهور عنه الظاهر من مذهبه أن العبد إذا قتل خطأ فقيمته على عاقلة ~~القاتل في ثلاث سنين وهو مذهب أبي حنيفة، إلا أنه يرى ألا يزاد على الدية ~~إن كانت قيمته أكثر من # PageV03P296 # الدية. وقالت طائفة من أهل الكوفة لا يبلغ به دية الحر وينقص منها شيء، ~~قال بعضهم الدرهم وقال بعضهم العشرة دراهم. وقال الحسن: إذا قتل الحر العبد ~~خطأ فعليه الدية والكفارة ولم يبين إن كانت في ماله أو على العاقلة. وإذ ~~أجمل فيه فينبغي أن يكون حكمها حكم الدية في الخطأ والعمد. # فصل وأما جراح العبد فقد اختلف فيها على ثلاثة أقوال: # أحدها: أن على جارحه ما نقصه من غير تفصيل قياسا على العروض والحيوان. ~~والثاني: أن جراحاته في قيمته كجراحات الحر في ديته قياسا على الحر. وقال ~~الشافعي: قياس العبد على الحر أولى من قياسه على الحيوان والسلع، لأنه ~~حيوان عاقل مكلف ليس كالحيوان والسلع. والثالث: أن على جارحه ما نقصه إلا ~~أن في ما مومته وجائفته وموضحته فإن ذلك يكون من قيمته كحسابها من دية ~~الحر. وسيأتي حكم الجراحات في موضعها وإنما ذكرناها هنا ms1217 لما تعلق بها. ### || فصل في دية الجنين # فصل في # دية الجنين بقي من حكم الديات التكلم على دية الجنين. ثبت أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - «قضى في الجنين يطرح من بطن أمه بغرة عبد أو وليدة» . ~~وأجمع أهل العلم على الحكم في ذلك وأن في جنين الحرة المسلمة أو النصرانية ~~من المسلم والأمة من سيدها الحر غرة عبد أو وليدة إذا خرج من بطن أمه ميتا ~~وهي حية ذكرا كان أو أنثى تم خلقه أو لم يتم إذا تيقن أنه جنين. كل ما تكون ~~به الأمة أم ولد إذا أسقطته من سيدها يكون على الجاني فيه غرة عبد أو ~~وليدة، كل على مذهبه في ذلك. هذا كله لا اختلاف بين أحد من أهل العلم فيه. ~~واختلفوا في قيمة الغرة وعلى من تجب في الخطأ وممن تجب. # PageV03P297 # فصل فأما اختلافهم في قيمتها فقال مالك: خمسون دينارا أو ستمائة درهم، ~~وذلك استحسان عنده ليس كالسنة الثابتة. وقال أبو حنيفة: خمسون دينارا أو ~~خمسمائة درهم على أصله أن الدية على أهل الورق عشرة آلاف درهم. وأما ~~الشافعي الذي يرى الدية على أهل الذهب والورق قيمة الإبل بالغة ما بلغت ~~فيقول في الغرة إنها تكون بنت سبع سنين أو ثماني سنين سالمة من العيوب ~~لأنها لا تستغني بنفسها فيما دون هذا السن، ولا يفرق بينها وبين أمها دونه. ~~قال: فإن لم توجد الغرة فقيمتها، وهذا ما لا يختلف فيه إلا ما استحسنه مالك ~~- رحمه الله - من أن تكون قيمتها خمسين دينارا أو ستمائة درهم. وقال داود ~~وأهل الظاهر: إن كل ما وقع عليه اسم غرة أجزأ إلا أن يتفق الجميع على سن ~~أنه لا يجزئ. # فصل وأما اختلافهم على تجب في الخطأ فقال مالك: إنها في مال الجاني لأنها ~~أقل من الثلث. وقال الشافعي وأبو حنيفة: إنها على العاقلة. # فصل وأما اختلافهم لمن تجب ففي ذلك ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها للأم كجرح من جراحها وهو قول ربيعة. # والثاني: أنها للأبوين على الثلث ms1218 والثلثين، وأيهما خلا بها فهي له كلها، ~~وهذا قول عبد العزيز بن أبي سلمة والمغيرة وابن دينار وقول مالك الأول. # والثالث: أنها موروثة عن الجنين على الفرائض، وإلى هذا رجع مالك وعليه ~~أكثر أصحابه وبالله التوفيق. # فصل وأما جنين النصرانية من النصراني فقال مالك: فيه عشر دية أمه ونصف ~~عشر # PageV03P298 # دية أبيه، وهما سواء. ويأتي على مذهب الشافعي مثل ذلك إلا أن دية ~~النصراني واليهودي والمجوسي عنده كدية المسلم سواء. # فصل وأما جنين الأمة من غير سيدها فإن خرج حيا ثم مات ففيه قيمته بالغة ~~ما بلغت لا اختلاف بين أهل العلم في ذلك. وأما إن خرج ميتا ففيه اختلاف ~~كثير. ذهب مالك والشافعي إلى أن فيه عشر ثمن أمه. وقال أبو حنيفة: إن كان ~~ذكرا ففيه نصف عشر قيمته لو كان حيا، وإن كان أنثى ففيها عشر قيمتها لو ~~كانت حية. وذكر أصحاب الإملاء عن أبي يوسف أن فيه ما نقص من أمه كما يكون ~~في أجنة البهائم. وقال حماد: فيه حكومة وهو نحو قول أبي يوسف. وقال سعيد بن ~~المسيب: فيه عشرة دنانير. # فصل واختلفوا في الجنين يخرج من بطن أمه ميتا وقد ماتت أمه من ضرب بطنها، ~~فقال مالك والشافعي وأصحابهما: لا شيء فيه من غرة ولا غيرها إذا ألقته بعد ~~موتها ميتا. وقال ربيعة والليث بن سعد فيه الغرة، وروي ذلك عن ابن شهاب، ~~وهو قول أشهب من أصحابنا. وقد أجمعوا على أنه لو ضرب بطن ميتة فألقت جنينها ~~ميتا أنه لا شيء فيه. وكذلك أجمعوا أنها لو ماتت من الضرب ولم تلق الجنين ~~أنه لا شيء فيه. واختلفوا على القول بأن الغرة لا تجب فيه إلا بأن يسقط من ~~الضرب ميتا وهي حية إذا ماتت وقد خرج بعض الجنين، فحكى ابن شعبان في ذلك ~~قولين: أحدهما: أن الغرة تجب فيه. والثاني: أن الغرة لا تجب إلا أن يخرج ~~جميع الجنين قبل موتها. والصواب أنه إذا خرج الجنين ميتا بعد موت أمه أنه ~~لا شيء فيه ms1219 على ما ذهب إليه مالك - رحمه الله -. وبالله التوفيق. # PageV03P299 ### | كتاب القسامة # ] [ ### || فصل في وجوب القود في القسامة # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد # كتاب القسامة فصل في # وجوب القود بالقسامة قد قلنا فيما تقدم إن القصاص يكون بأحد ثلاثة أشياء: # إما ببينة عادلة على القتل ومعاينته، وإما باعتراف القاتل على نفسه ~~بالقتل، وإما بقسامة. # فأما وجوب القصاص بالبينة والاعتراف فلا خلاف في ذلك بين أحد من أهل ~~العلم. وقد ذكرنا قبل ما في صفته بين أهل العلم من الاختلاف وأما القسامة ~~فأوجب القصاص بها مالك والشافعي في أحد قوليه وجماعة من العلماء. والأصل في ~~وجوب القصاص بها قول الله عز وجل: {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا} ~~[الإسراء: 33] ، أي حجة توجب له القصاص، فلا يتعد فيه، لأن السلطان الحجة. ~~فأجمل الله تبارك وتعالى المعنى الذي يصح به القصاص ويوجبه بلفظ السلطان. ~~وثبت «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بالقسامة في الأنصاري الذي ~~قتل بخيبر فقال لولاته: أتحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم أو قاتلكم؟ ~~قالوا لم نشهد ولم نحضر، قال فتبرئكم يهود بخمسين يمينا، فقالوا: يا رسول ~~الله كيف نقبل أيمان قوم كفار. فوداه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ~~عنده» . وهو حديث صحيح لا # PageV03P301 # اختلاف بين أحد من أهل العلم في صحته. وقوله فيه أتحلفون وتستحقون دم ~~صاحبكم أو قاتلكم يبين أن القسامة يقتل بها القاتل. ولو كانت القسامة لا ~~توجب القتل وإنما توجب الدية على ما ذهب إليه الشافعي في أحد قوليه لقال - ~~صلى الله عليه وسلم -: أتحلفون وتستحقون دية صاحبكم. وهذا بين مع ما روي في ~~الحديث من غير رواية مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لولاته: ~~«تسمون قاتلكم ثم تحلفون عليه خمسين يمينا فيسلم إليكم» . فكان هذا من قوله ~~- صلى الله عليه وسلم - وما روي عنه في غير هذا الحديث من رواية عمرو بن ~~شعيب عن أبيه عن جده أنه قتل رجلا بالقسامة من بني نصر ببحرة ms1220 الرغاء على شط ~~لية البحرة. وما روي أيضا عنه - صلى الله عليه وسلم - من أنه قضى بالقسامة ~~في عامر بن الأضبط يوم قتله يحلم بن حمامة الليثي فأقسم ولاته ثم دعاهم ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الدية فأجابوه إليها ففداه بمائة من ~~الإبل الحديث واقعا موقع البيان لمحمل قول الله عز وجل في القرآن {ومن قتل ~~مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا} [الإسراء: 33] حكى هذين الأثرين ابن حبيب ~~في الواضحة. وتعلق الشافعي فيما ذهب إليه في أحد قوليه أن القسامة لا يستحق ~~بها الدم وإنما يستحق بها الدية بقوله في حديث مالك إما أن تدوا صاحبكم ~~وإما أن تأذنوا بحرب. ولا حجة له فيه لاحتمال أن يكون معناه إن رضيتم بأخذ ~~الدية وترك القصاص بعد القسامة. وإذا حمل قوله على هذا لم تتعارض ألفاظ ~~الحديث. # فصل وقد روي في هذا الحديث من غير رواية مالك أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بدأ اليهود باليمين، فتعلق بذلك أبو حنيفة وأصحابه فقالوا: إذا ~~وجد قتيل في محلة وبه أثر وادعى الولي على أهل المحلة أنهم قتلوه أو على ~~أحد منهم بعينه استحلف من المحلة خمسون رجلا يختارهم الولي. بالله ما ~~قتلناه ولا علمنا له قاتلا. وإن لم # PageV03P302 # يبلغوا خمسين رجلا كررت عليه الأيمان ثم غرموا الدية. وإن نكلوا عن ~~اليمين حبسوا حتى يحلفوا أو يقروا. وقال عثمان الليثي: خلافا لما روي أن ~~عمر بن الخطاب قضى له من رواية الكوفيين أنه أحلف الذين وجد عندهم القتيل ~~وأغرمهم الدية، فقال له الحارث ابن الأزمع: أتحلفون وتغرمون، قال: نعم. # فصل والحجة في السنة لا فيما خالفها، والصحيح منها تبدئة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أولياء القتيل بالأيمان على ما رواه مالك - رحمه الله -. ~~وقول من قال إن الحكم بالقسامة وتبدية المدعين بها خلاف الأصول وخلاف ما ~~ثبت من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «البينة على من ادعى واليمين ~~على من أنكر» ، وقوله «لو يعطى الناس بأيمانهم لادعى ناس دماء ms1221 قوم ~~وأموالهم» غير صحيح، لأنا لا نبدي أولياء القتيل بالقسامة بمجرد دعواهم، ~~وإنما يحكم لهم بها إذا كان لهم دليل يغلب على الظن به صدق قولهم، فليس هذا ~~خلافا للأصول، بل هو مطابق لها ولا يقول إنه خلاف لها إلا من لم يفهم ~~المعاني ولا وقف على حقيقة الأصول، إذ ليس العلة في تبدئة المدعى عليه ~~باليمين كونه مدعى عليه، ولو كان كذلك لما وجد مدعى عليه إلا والقول قوله ~~مع يمينه، ولا العلة في إيجاب البينة على المدعي كونه مدعيا إذ لو كان كذلك ~~لما وجد مدع إلا عليه إقامة البينة. وإنما العلة في كون المدعى عليه مصدقا ~~مع يمينه أن له سببا يدل على تصديقه وهو كون السلعة بيده. ألا ترى أن ~~السلعة إذا خرجت من يده وحازها الرجل بحضرته مدة طويلة ثم ادعى أنه اشتراها ~~منه فالقول قوله مع يمينه. وإن كان هو المدعي للشراء، لأن له سببا على ~~تصديقه وهو حيازة السلعة بحضرته المدة الطويلة. وإذا كان لكل واحد من ~~المتداعيين سبب يدل على # PageV03P303 # تصديقه بدئ باليمين من قوي سببه على سبب صاحبه، كمن ادعى على رجل أنه ~~اشترى منه سلعة وأقام على ذلك شاهدا واحدا فالقول قوله مع يمينه لأن سببه ~~الدال على صدقه وهو الشاهد أقوى من سبب المدعى عليه وهو اليد. وإن تساوت ~~الأسباب حلفا جميعا ولم يبدأ أحدهما على صاحبه باليمين وذلك كاختلاف ~~المتتابعين. # فصل فالأصل في جميع الأحكام والدعاوي أن يبدأ باليمين من يغلب على الظن ~~صدقه كان مدعيا أو مدعى عليه. ألا ترى أن الرجل إذا دخل بزوجته وأقام معها ~~مدة طويلة فطلقها أو لم يطلقها فطلبته بالصداق وادعت عليه أنه قد مسها ~~وأنكر ذلك أنها مصدقة عليه بيمينها، وقيل بغير يمين وإن كانت هي المدعية ~~وهو المدعى عليه لما يغلب على الظن صدق دعوى ولاة المقتول بسبب يدل على ذلك ~~مثل السبب الذي حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أجله بالقسامة على ~~أولياء المقتول أو ما أشبهه ms1222 وجب الحكم بالقسامة والقود بها. # فإن قيل وما السبب الذي من أجله حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بالقسامة؟ قيل له: # كانت خيبر دار يهود وكانت محضة لا يخالطهم غيرهم وكانت العداوة بينهم ~~وبين الأنصار ظاهرة، وخرج عبد الله بن سهل بعد العصر فوجد قتيلا قبل الليل. ~~فمثل هذا يغلب على ظن من سمعه أنه لم يقتله إلا اليهود. ولو وقع مثل هذا في ~~زماننا لوجب الحكم به ولم يصح أن يتعدى إلى غيره. # فصل وهذا السبب هو الذي يعبر عنه أصحابنا باللوث وقد سئل مالك في رواية # PageV03P304 # أشهب عنه عن اللوث الذي يوجب القسامة ما هو فقال: الأمر الذي ليس بقوي ~~ولا قاطع. قليل له أترى شهادة المرأة من ذلك؟ قال: نعم فقيل له: فشهادة ~~الرجل الذي ليس بعدل من ذلك؟ شهادة العبد ولا شهادة النصراني، ولم ير في ~~رواية ابن القاسم عنه الشاهد الواحد لوثا إلا أن يكون عدلا. ومن اللوث ~~شهادة الشهود غير العدول، وشهادة اللفيف من النساء والصبيان. ومن اللوث أن ~~يوجد القاتل بحداء المقتول بحد يده بيده أو متلطخا بدمه أو خارجا من موضعه ~~وهو يشخب في دمه ولا يوجد فيه غيره أو ما أشبه ذلك. وقد رأى ربيعة شهادة ~~النصراني لوثا. # فصل وأما الشاهد العدل على معاينة القتل فلا خلاف فيه عند مالك وأصحابه ~~أنه لوث يوجب القسامة، وهو قول أشهب في كتاب ابن المواز. وقال ابن القاسم ~~في كتاب ابن المواز: لا يقسم مع الشاهد الواحد على إقراره، ظاهره في العمد ~~وهو ظاهر ما في المدونة إذا أسقطت منها زيادة سحنون، وذلك قوله دم الخطأ، ~~إلا أنه بعيد. والصواب وجوب القسامة مع الشاهد الواحد على إقراره بالقتل ~~عمدا، إذ لا فرق بين شهادة الشاهد على معاينة القتل وبين شهادته على إقرار ~~القاتل على نفسه. وكذلك اختلف أيضا في شهادة الشاهد الواحد على إقراره بقتل ~~الخطأ هل يكون لوثا أم لا. وقع اختلاف قوله في ذلك في سماع سحنون من كتاب ~~الديات. والصحيح ms1223 ما في المدونة أنه لا يكون لوثا يوجب القسامة، لأن # PageV03P305 # الاختلاف في قوله قتلت فلانا خطأ معلوم موجود فكيف إذا لم يثبت القول. ~~ووقع الاختلاف في ذلك في الصلح من المدونة، مرة جعل إقراره بالقتل لوثا ~~يوجب الدية على العاقلة بقسامة، مات مكانه أو كانت له حياة. ومعنى ذلك إذا ~~لم يتهم أنه أراد غنى ولده كما قال في كتاب الديات. ومرة قال إن الدية عليه ~~في ماله بقسامة، ومرة قال بغير قسامة، ولم يفرق بين أن تكون له حياة أو لا ~~تكون. والاختلاف في وجوب القسامة إنما يتصور عندي إذا كانت له حياة. وأما ~~إذا كان موته نقضا ولم يكن له حياة فإنما يجب عليه الدية في ماله بغير ~~قسامة. هذا الذي ينبغي أن تحمل عليه الروايات، لأنه إذا جعل الدية عليه في ~~ماله لما جاء من أن العاقلة لا تحمل الاعتراف، فإقراره إنما هو على نفسه، ~~والاختلاف إنما هو في وجوب القسامة مع إقراره إذا كانت له حياة كالاختلاف ~~في إقرار القاتل عمدا على نفسه إذا كانت للمقتول حياة والله أعلم. # فصل وقول الميت دمي عند فلان لم يختلف قول مالك إنه لوث في العمد يوجب ~~القسامة والقود عدلا كان أو مسخوطا، وتابعه على ذلك جميع أصحابه والليث بن ~~سعد، وخالفهم في ذلك جمهور أهل العلم، واستدلوا لمذهبهم بقول رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «لو يعطى الناس بدعاويهم» الخبر ". وقالوا حرمة ~~المال أخفض من حرمة النفس، فإذا لم يقبل إقراره عليه بالمال فإقراره عليه ~~بالدم أولى ألا يقبل، وهذا كله لا يلزم. أما الذي استدلوا به فلا دليل لهم ~~فيه لأن المدعي للدم الطالب له هو ولي المقتول فلم نعطه بدعواه، وإنما ~~أعطيناه بما انضاف إليه من قول المقتول. وأما قولهم إن قوله إذا لم يقبل في ~~المال فأحرى ألا يقبل في النفس فليس بصحيح، لأن أصل موضوع القسامة إنما هي ~~لحراسة الأنفس وإنما يطلب فيها الشبهة، واللطخ لإيجاب القصاص الذي هو حياة ~~الأنفس. قال الله عز ms1224 وجل: {ولكم في القصاص حياة} [البقرة: 179] والدليل على ~~صحة قول مالك قول الله عز وجل: # PageV03P306 # {وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون} [البقرة: 72] ~~{فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى} [البقرة: 73] . والقصة مشهورة ~~في شأن الرجل الذي قتله ابن أخيه ليرثه وادعى قتله على أهل قرية فأمرهم ~~الله تعالى أن يذبحوا بقرة ويضرب ببعضها، ففعل ذلك فقال قتلني ابن أخي، ~~فصار هذا أصلا في قبول دعوى المقتول وتأثيرها في دعوى القتل. وقد قال جماعة ~~منهم الفقيه أبو عمر بن عبد البر وغيره إن الاحتجاج بهذه الآية غفلة شديدة ~~أو شعوذة لأن الذي ذبحت البقرة من أجله وضرب ببعضها كانت فيه آية لا سبيل ~~إليها اليوم ولا تصح إلا لنبي أو بحضرة نبي، ولم يقسم على قتيل بني إسرائيل ~~بل علم صدقة بالآية. وهذا غير صحيح، بل الدليل منها قائم وذلك أن الآية ~~إنما كانت في الإحياء وأما في قوله تعالى ابن أخي فلان قتلني فليس فيه آية ~~لأن كل حي عاقل لا آفة فيه من بني آدم يتكلم ويخبر بما في علمه. وقد كان ~~الله قادرا على أن يحيي غيره من الأموات فيقول فلان قتل فلان فيكون فيه ~~آيتان آية في إحيائه وآية في إخباره بالغيب. فلما خصه الله بالإحياء من بين ~~سائر الأموات دل ذلك على أن الشرع كان عندهم أن من قتل فأدرك حيا فأخبر ~~بقاتله صدق قوله، فلما فات بالموت ولم تدرك حياته أحياه الله لنبيه - عليه ~~السلام - ليستدرك بإحيائه ما كان فاته من الحكم، فهذا كان سبب تخصيصه ~~بالإحياء والله أعلم، كما كان سبب تخصيص البقرة بالذبح ما أراد الله مجازاة ~~الذي امتنع من تجارته خوفا من إيقاظ أبيه بأن يعوضه أضعاف ما فاته من الربح ~~بسبب ترك إيقاظ أبيه. روي عن ابن عباس في سبب هذه البقرة أنه قال: كان في ~~بني إسرائيل رجل من أبر الناس لأبيه، وأن رجلا مر به ومعه لؤلؤ يبيعه، وكان ~~أبوه نائما تحت رأسه المفتاح فقال ms1225 له الرجل تشتري مني هذا اللؤلؤ بسبعين ~~ألفا قال: إبق كما أنت حتى يستيقظ أبي فآخذه منك بثمانين ألفا، فقال الآخر ~~أيقظ أباك وهو لك بستين ألفا فجعل التاجر يحط له حتى بلغ ثلاثين ألفا وزاد ~~الآخر على أن ينتظر أباه حتى يستيقظ حتى بلغ مائة ألف. فلما أكثر عليه قال: ~~لا والله لا أشتريه منك بشيء أبدا وأبى أن يوقظ أباه برورا به، فعوضه الله ~~من ذلك اللؤلؤ أن جعل له تلك البقرة # PageV03P307 # فمرت به بنو إسرائيل يطلبون البقرة فأبصروا البقرة عنده فسألوه أن يبيعها ~~منهم ببقرة فأبى فأعطوه اثنتين فأبى، فزادوه حتى بلغوا عشرا فأبى، فقالوا ~~له والله لا نتركك حتى نأخذها منك، فانطلقوا به إلى موسى - عليه السلام - ~~فقالوا يا موسى إنا وجدنا عند هذا بقرة فأبى أن يعطينا إياها وقد أعطيناه ~~ثمنها. فقال له موسى أعطهم بقرتك، فقال: يا رسول الله أنا أحق بمالي، فقال ~~صدقت. وقال للقوم أرضوا صاحبكم فأعطوه وزنها ذهبا فباعهم إياها وأخذ ثمنها، ~~فذبحوها وفعلوا ما أمروا به من ضرب القتيل ببعضها فأحياه الله فأخبر ~~بقاتله. # فصل ومن الدليل أيضا على صحة قول مالك ما روي أن القسامة كانت في ~~الجاهلية فأقرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الإسلام ليتناهى ~~الناس عن القتل. فظاهر هذا أنها مقرة في الإسلام على ما كانت عليه في ~~الجاهلية، وقد كانت العرب في الجاهلية تقبل دعوى المقتول على قاتله وتحكم ~~به. وأيضا فإنه ليس المبتغى في إيجاب القسامة القطع والبت، وإنما المبتغى ~~شبهة تنضاف إلى دعوى الولاة تقويها وتلطخ المدعى عليه حتى يغلب على الظن ~~صدق دعواهم، ولذلك سمي لطخا ولوثا، كل ذلك حراسة للدماء ومنعا من الاجتراء ~~عليها. والمعلوم من حال الناس عند الموت الإنابة والاستشعار للتوبة ~~والإقلاع عن المعاصي والندم عليها، هذا ما لا يدفع ضرورة، فإذا أخبر في تلك ~~الحال بقاتله غلب على الظن صدق مقاله إذ يبعد أن يتهم من هو في تلك الحال ~~أن يريد أن يبوء بإثم القتل. # فصل ms1226 وأما قوله قتلني فلان خطأ ففي ذلك عن مالك روايتان: # إحداهما: أن قوله يقبل وتكون معه القسامة كالعمد. # PageV03P308 # والثانية: أن قوله لا يقبل لأنه يتهم أن يكون أراد غناء ولده وهو قول ابن ~~أبي حازم. # وجه الرواية الأولى أنه استحقاق دم فوجب أن يستحق بما يستحق به دم العمد. # ووجه الرواية الثانية أن الواجب في دم الخطأ مال على العاقلة، فأشبه قوله ~~عند الموت لي عند فلان كذا وكذا، وهذا أظهر في القياس. والرواية الأولى ~~أشهر، والله أعلم. # فصل فإن جرح الرجل جرحا له عقل مسمى عمدا أو خطأ فمات من ذلك الجرح لم ~~يخل الأمر من ثلاثة أوجه: # أحدها ألا يعلم الجرح إلا بقول الميت فلان دمي عند فلان هو جرحني هذا ~~الجرح الذي ترون بي فمنه أموت فالصحيح فيه ألا سبيل إلى القصاص من الجرح ~~ولا إلى أخذ الدية فيه إن كان خطأ، لأن الجراح لا يستحق بالقسامة القود ~~منها في العمد ولا الدية في الخطأ، وإنما للولاة أن يقسموا فيقتلوا إن كان ~~الجرح عمدا، أو للورثة أن يقسموا ويستحقوا الدية على العاقلة إن كان # PageV03P309 # الجرح خطأ. قاله محمد بن المواز وعاب ما وقع في سماع يحيى من كتاب الديات ~~أن الولاة بالخيار إن شاءوا أقسموا واستحقوا الدم وإن شاءوا اقتصوا من ~~الجرح وأخذوا ديته إن كان خطأ. وعاب ذلك أيضا يحيى بن يحيى وغيره. # وأما الوجه الثاني: وهو أن يثبت الجرح بشاهدين، فهذا يكون الولاة فيه ~~بالخيار بين أن يقسموا فيقتلوا في العمد، أو يقسموا فيستحقوا الدية في ~~الخطأ على العاقلة، وبين ألا يقسموا فيقتصوا من الجرح إن كان عمدا أو ~~يأخذوا ديته إن كان خطأ لثبوته بشهادة شاهدين. وقد وقع في سماع أبي زيد ما ~~يدل على خلاف هذا أن الولاة إذا أبوا أن يقسموا فلا سبيل لهم إلى القصاص من ~~الجرح في العمد ولا إلى أخذ ديته إن كان خطأ، وهو على قياس قول أشهب حسبما ~~ذكرناه هناك. # وأما الوجه الثالث: وهو أن يشهد على ms1227 الجرح شاهد واحد، فينبغي على ما ~~اخترناه وصححناه في الوجهين المتقدمين أن يفترق في هذا الوجه الخطأ من ~~العمد. فأما الخطأ فيكون الورثة فيه مخيرين بين أن يقسموا على الدم ~~فيستحقون الدية على العاقلة، وبين أن يحلفوا على الجرح يمينا واحدا ~~فيستحقون الدية في مال الجاني أو على العاقلة إن بلغ الثلث فصاعدا. وأما ~~العمد فإن نكل الأولياء عن القسامة على الدم لم يكن لهم سبيل إلى الاقتصاص ~~من الجرح، لأن الجرح لا يقتص منه إلا بشهادة شاهدين أو يمين المجروح مع ~~الشاهد الواحد على الاختلاف المعلوم في ذلك. وأما يمين الورثة إذا مات من ~~الجرح وأبى الولاة أن يقسموا أو لم يمكنوا من القسامة على مذهب من لا يرى ~~القسامة بالشاهد الواحد على الجرح فلا، لأن الورثة لا ينزلون منزلته في ~~استحقاق القصاص باليمين مع الشاهد، وإنما ينزلون منزلته في استحقاق دية ~~الجرح في الخطأ لأنه مال من الأموال فيحلفون ويستحقونه بمنزلة الورثة يقوم ~~لهم شاهد واحد على دين لموروثهم قبل رجل فإنهم يحلفون ويستحقونه. # فصل ولا يقسم في قسامة العمد من ولاة المقتول أقل من رجلين. والأصل في # PageV03P310 # ذلك «قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأخي المقتول بخيبر وبني عمه: ~~"أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم» فجمعهم في الأيمان ولم يفرد الأخ بها دون بني ~~عمه. ومن جهة المعنى لما كان لا يقتل بأقل من شاهدين لم يستحق دمه إلا ~~بقسامة رجلين. قال أشهب: وقد جعل الله لكل شهادة رجل في الزنا يمينا من ~~الزوج في لعانه. قال ابن الماجشون: ألا ترى أن النساء لا يقسمن في العمد ~~لما كن لا يشهدن فيه. # فصل فإذا كان ولاة المقتول رجلين حلف كل واحد منهما خمسا وعشرين يمينا، ~~فإن طاع أحدهما أن يحمل منها أكثر من خمس وعشرين يمينا لم يجز ذلك. فإن كان ~~ولاته أكثر من اثنين إلى خمسين رجلا وهم في العدد سواء وتشاجروا في حملها ~~قسمت بينهم على عددهم، فإن وقع فيها كسر مثل أن يكون عددهم عشرين ms1228 فإنه يحلف ~~كل واحد منهم يمينين يمينين ويبقى من الأيمان عشر أيمان، فيقال لهم لا سبيل ~~لكم إلى الدم حتى تأتوا بعشرة منكم فيحلفون العشرة الأيمان فإن حلف منهم ~~عشرة استحقوا الدم، وإن أبى جميعهم من حلفها بطل الدم كنكولهم عن جميع ~~الأيمان. # فصل فإن طاع الاثنان بحمل الخمسين يمينا جاز ذلك عند ابن القاسم ولم يعد ~~من لم يحلف من بقية الأولياء ناكلا، لأن الدم قد قيم فيه. وقال المغيرة ~~وأشهب وابن الماجشون: لا بد أن يحلفوا كلهم ولا يجوز أن يحلف بعضهم وهو ~~كالنكول ممن لم يحلف منهم. # وأما إن كان عددهم أكثر من خمسين فاتفق جميع من سمينا أنه إذا حلف منهم ~~خمسون أجزأهم ولا يعد من بقي ناكلا لتمام القسامة بخمسين يمينا. وقد # PageV03P311 # رأيت لابن الماجشون أن الأولياء إن كان عددهم أكثر من خمسين فلا بد أن ~~يحلف كل واحد منهم يمينا يمينا وإلا لم يستحقوا الدم في كتاب مجهول. # فصل وإن كان ولي الدم الذي له العفو رجلا واحدا فلا يستحقه بقسامة إلا أن ~~يجد من العصبة أو العشيرة من يقسم معه من داناه إلى أب معروف، فإن وجد رجلا ~~واحدا حلف كل واحد منهما خمسا وعشرين يمينا. وإن وجد رجلين أو أكثر قسمت ~~الأيمان بينهم على عددهم. فإن رضوا أن يحملوا عنه منها أكثر مما يجب عليهم ~~لم يجز، وإن رضي هو أن يحمل منها أكثر مما يجب عليه فذلك جائز ما بينه وبين ~~خمس وعشرين يمينا، ولا يجوز له أن يحلف أكثر من ذلك. # فصل وإن كان أولياء الدم رجلين فأرادا أن يستعينا في القسامة بغيرهما من ~~الأولياء الذين دونهم في المرتبة فذلك جائز وتقسم الأيمان بينهم على عددهم] ~~فإن رضي المستعان بهم أن يحلف كل واحد منهم أكثر مما يجب عليه من الأيمان ~~لم يجز. وإن رضي الوليان أن يحلف كل واحد منهما أكثر مما يجب عليه فذلك ~~جائز. ولا يجوز لأحدهما أن يحلف أكثر من خمس وعشرين يمينا. وإذا حلف كل ms1229 ~~واحد من الوليين ما يجب عليه من الأيمان إذا قسمت على عددهم فلا بأس أن ~~يحلف بعض المستعان بهم أكثر من بعض. # فصل وإذا حلف أحدهما خمسا وعشرين يمينا ثم وجد صاحبه من يعينه فإن # PageV03P312 # الأيمان التي حلف المستعان به لا تكون محسوبة للمستعين بل تقسم بين ~~الوليين، فإن لم تقسم بينهما وحسبت كلها للمستعين فحلف ما بقي من الخمس ~~والعشرين يمينا، فيزاد عليه حتى يستكمل نصف ما بقي من الخمسين يمينا بعد ~~الأيمان التي حلف بها المستعان به، قاله عبد الملك، وزاد قال إلا أن يكون ~~الأول حلف على يأس ممن يعينه ورأى أن يحلف بغير معين فلا يزاد شيء من ~~الأيمان على المستعين، ويكون جميع الأيمان التي حلف المستعان به محسوبة له ~~لا يقسم بينه وبين صاحبه. # فصل وإن كان الأولياء إخوة وجدا فإن ابن القاسم قال: الجد كالأخ من ~~الإخوة في العفو، من عفا منهم جاز عفوه، الجد كان أو أخا من الإخوة، وقال: ~~إن الجد يحلف ثلث الأيمان في العمد والخطأ. فأما في الخطأ فصواب، وأما في ~~العمد فكان القياس على مذهبه أن تقسم الأيمان بينهم على عددهم إذا نزل الجد ~~منزلة أخ من الإخوة. وذهب أشهب إلى أنه لا حق للجد مع الإخوة في القيام به ~~ولا في العفو عنه، فالإخوة على مذهبه يقسمون دونه، فإن استعانوا بقسامة ~~الجد قسمت الأيمان بينهم على عددهم. # فصل فإذا نكل ولاة الدم عن اليمين وكانت القسامة وجبت بقول المقتول أو ~~بشاهد على القتل ففي ذلك ثلاثة أقوال: # أحدها: أن الأيمان ترد على المدعى عليهم فيحلف المدعى عليه خمسين يمينا، ~~ويحلف عنه رجلان فأكثر من ولاته خمسين يمينا إن طاعوا بذلك ولا يحلف هو ~~معهم. وهذه رواية سحنون في سماع عيسى عن ابن القاسم في العتبية وقول ابن ~~القاسم في كتاب ابن المواز. # والثاني: أن الأيمان ترد على المدعى عليهم فيحلف منهم رجلان أو أكثر # PageV03P313 # خمسين يمينا تردد الأيمان عليهم ويحلف فيهم المتهم. فإن نكلوا أو لم يوجد ~~غير ms1230 المتهم لم يبرأ حتى يحلف خمسين يمينا وحده. وهو قول ابن القاسم في ~~المجموعة. # والثالث: أن المدعى عليه يحلف وحده ولا يكون له أن يستعين بأحد من ولاته ~~في الأيمان كما يكون ذلك لولاة المقتول. وهذا قول مطرف في الواضحة. # فصل وأما إن كانت القسامة إنما وجبت بشاهدين على الجرح، ففي رد الأيمان ~~على القاتل قولان: أحدهما: أنها ترد على المدعى عليه فيحلف ما مات من ضربي، ~~فإن نكل سجن حتى يحلف. وإن حلف ضرب مائة وسجن سنة، وإن أقر قتل. هذا قول ~~ابن القاسم وابن الماجشون. # قال في كتاب ابن المواز: ويقتص منه من الجرح إن نكل الأولياء عن القسامة، ~~يريد حلف المدعى عليه أو نكل، لأن الجرح قد ثبت بشهادة شاهدين عليه. # فصل وإما إن كانت القسامة بشاهد على القتل فلا يقتص من الجرح، حلف القاتل ~~خمسين يمينا أو نكل عنها، لأنه لا يقتص من الجرح إلا بيمين المجروح. فأما ~~بيمين ورثته فلا. هذا قول ابن المواز وهو صحيح. وقد تأول على ابن القاسم ~~أنه يقتص منه من الجرح إذا كان جرحا معروفا، وهو بعيد لم يقله ابن القاسم ~~إلا في القسامة بشاهدين على الجرح والله أعلم. قال ابن المواز: وقد ذكر ابن ~~القاسم عن مالك قولا لم يصح عند غيره، قال: إذا ردت اليمين على المدعى ~~عليهم في العمد فنكلوا فالعقل عليهم في مال الجارح خاصة ويقتص منه من الجرح ~~سوى العقل. # وروي عنه رواية أخرى أنه إن حلف ضرب مائة وسجن سنة، وإن نكل سجن حتى يحلف ~~ولا دية فيه وهو الصواب. # PageV03P314 # والقول الثاني: أن الأيمان لا ترد عليه ولا يحلف لأن يمينه إن حلف يمين ~~غموس، فعلى هذا القول إن أقر لم يقتل، وهو قول أشهب وابن عبد الحكم وأصبغ. # فصل وأما إن نكل بعض الولاة وهم في العدد سواء عن القسامة أو عفي عن الدم ~~قبلها ففي ذلك ثلاثة أقوال: # أحدها: وهو قول ابن القاسم وابن الماجشون، أن الدم والدية يبطلان ولا ~~يكون لمن ms1231 بقي من الأولياء أن يقسم ويأخذ حظه من الدية. # والثاني: وهو قول أشهب، أن الدم يبطل ويحلف من بقي من الأولياء فيأخذ حظه ~~من الدية. # والثالث: وهو قول ابن نافع، أن نكوله إن كان على وجه العفو والترك لحقه ~~حلف من بقي وكانت له الدية، وإن كان على وجه التحرج والتورع حلف من بقي ~~وقتلوا. # فصل وأما إن عفا أحد الأولياء عن الدم بعد ثبوته بالبينة أو بالقسامة أو ~~أكذب نفسه بعد القسامة ففي ذلك أيضا ثلاثة أقوال: # أحدها: قول ابن الماجشون أن الدم والدية تبطلان ولا يكون لمن بقي شيء من ~~دية ولا قصاص. والثاني: أن لمن بقي من الأولياء لم يعف ولا أكذب نفسه حظه ~~من الدية. والثالث: أنه إن عفا كان كاف لمن بقي حظوظهم، وإن أكذب نفسه لم ~~يكن لمن بقي شيء من الدية وإن كانوا قد قبضوها ردوها. هذا مذهب ابن القاسم ~~في المدونة وغيرها، وبالله التوفيق. # فصل فيأتي على هذا في بطلان الدية بعفو أحد الأولياء عن الدم ثلاثة ~~أقوال: # PageV03P315 # أحدها: أنها تبطل ولا شيء لمن بقي منهم وهو قول ابن الماجشون. # والثاني: أن لمن بقي حظه من الدية بغير قسامة إن كان العفو بعد ثبوت الدم ~~أو بقسامة إن كان العفو قبله. # والثالث: تفرقة ابن القاسم بين أن يكون العفو قبل ثبوت الدم أو بعده. ~~وساوى ابن القاسم بين العفو والنكول عن اليمين قبل القسامة، وفرق بعد ~~القسامة بين أن يعفو أحد الأولياء أو يكذب نفسه، فجعل تكذيب نفسه بعد ~~القسامة كعفوه عن الدم قبل القسامة لا شيء لمن بقي من الدية على ما ذكرناه. # وإذا كان الأولياء رجالا لا نساء معهم، أو كانوا بنين وبنات أو إخوة ~~وأخوات فلا فرق بين أن يثبت الدم ببينة أو بقسامة في حكم العفو عنه. وأما ~~إن كان الأولياء بنات أو إخوة وأخوات أو عصبة ففي ذلك ثلاثة أقوال: # أحدها: أن من قام بالدم فهو أحق به ولا عفو إلا باجتماع منهم، ثبت الدم ~~ببينة أو ms1232 بقسامة. وهذا مذهب ابن القاسم. # والثاني: أن هذا إنما يكون إذا ثبت الدم ببينة، وأما إن ثبت بقسامة فلا ~~حق للنساء فيه مع الرجال في عفو ولا قيام، لأنهم هم الذين استحقوا الدم ~~بقسامتهم. وهذا مذهب ابن القاسم في رواية عيسى عنه. # والثالث: أنه إن ثبت الدم بالبينة فالنساء أحق بالقيام والعفو لأنهن أقرب ~~درجة من الرجال. وإن كان ثبت الدم بقسامة فمن قام بالدم فهو أحق به ولا عفو ~~إلا باجتماعهم. وهذا القول رواه مطرف وابن الماجشون عن مالك. # فصل وأما إذا كان الأولياء بنات وأخوات وعصبة وثبت الدم ببينة فلا حق ~~للعصبة معهم في عفو ولا قيام. وأما إن ثبت بقسامة العصبة ففي ذلك قولان: # PageV03P316 # أحدهما: أن من قام بالدم فهو أولى به كان البنات أو الأخوات أو العصبة، ~~وهو مذهب ابن القاسم في المدونة. # والثاني: أن العصبة أحق بالقيام بالدم والعفو فيه لأنهم استحقوه بأيمانهم ~~وهذه رواية عيسى عن ابن القاسم. هذا الذي كتبته في هذه الوجوه تلخيص ما قد ~~يتعذر استخراجه من الأصول وسائر حكم الأولياء. وما يرد في الدم وترتيبهم في ~~الدماء ومن له فيه حق ممن لا حق له فيه وما اتفقوا عليه من ذلك كله ~~واختلفوا فيه موجود في الأصل ومشروح فيه فلا معنى للاشتغال بذلك. # فصل وأما دم الخطأ فإنه يثبت بالقسامة أيضا على ما بيناه فيما قبل. ويقسم ~~على الورثة على قدر مواريثهم من الدية رجالا كانوا أو نساء. فإن لم تنقسم ~~الأيمان عليهم على قدر مواريثهم إلا بكسر جبرت اليمين المنكسرة على أكثرهم ~~منها حظا، وقيل على أكثرهم حظا من الأيمان. فإن استوى الورثة في الميراث ~~مثل أن يكونوا إخوة كلهم أو بنين ذكورا فانكسرت عليهم يمين أو أيمان تساوت ~~حظوظهم فيها. مثل أن يكون الورثة ثلاثة إخوة فيجب على كل واحد من الأيمان ~~ست عشرة يمينا وثلثا يمين، أو ثلاثين أخا فيجب على كل واحد منهم يمين وثلثا ~~يمين ففي ذلك اختلاف أيضا: ذهب ابن القاسم إلى أنه يجبر ms1233 على كل واحد منهم ~~الكسر الذي صار في حظه من الأيمان المنكسرة، فيحلف الثلاثون أخا يمينين ~~يمينين، ويحلف الثلاثة الإخوة سبع عشرة يمينا سبع عشرة يمينا. وخالفه أشهب ~~فقال: يحلف الثلاثون أخا يمينا يمينا ثم يقال لهم ائتوا بعشرين رجلا منكم ~~فيحلفون يمينا يمينا. # وكذلك إن كان عددهم أكثر من خمسين رجلا حلفوا كلهم على مذهب ابن القاسم، ~~وحلف منهم خمسون على مذهب أشهب. # فصل فإن كان الورثة زوجات وبنات وأخوات وما أشبه ذلك من أهل السهام فلا # PageV03P317 # يختلف ابن القاسم وأشهب في قسم الأيمان بين الزوجات والبنات والأخوات، ~~وإنما يختلفان في قسم ما حصل على كل فريق منهن بينهن. فإذا قسمت الأيمان ~~عليهن صار على الزوجات منها ست أيمان وربع يمين، وعلى البنات ثلاث وثلاثون ~~يمينا وثلث يمين، وعلى الأخوات عشر أيمان وثلاثة أثمان يمين وثلث يمين ~~فتجبر اليمين المنكسرة على الأخوات لأن حظهن منها أكثر، أو على البنات ~~لأنهن أكثر حظا من الأيمان على الاختلاف في ذلك. فيبقى على الزوجات من ~~الأيمان ستة أيمان. فإن كن أربعا حلفن يمينين يمينين على مذهب ابن القاسم، ~~وحلفن على مذهب أشهب يمينا يمينا ثم تحلف اثنتان منهن يمينا يمينا، ويبقى ~~على البنات ثلاث وثلاثون يمينا إن جبرت اليمين المنكسرة على الأخوات فإن كن ~~عشرا على مذهب ابن القاسم يمينين يمينين، وعلى مذهب أشهب يمينا يمينا ثم ~~تحلف واحدة منهن يمينا واحدة. فإن وقع التشاح بينهن فيمن تحلف منهن الأيمان ~~الباقية فرأيت لابن كنانة أن الإمام لا يجبر عليها أحدا ويقال لهم لا تعطون ~~شيئا إلا أن تحلفوا بقية الأيمان، فيشبه أن يقول أشهب مثل ذلك أو يقرع ~~بينهن فيها، وقد قاله بعض أهل النظر إلا أنه ساقه على مذهب ابن القاسم، ولا ~~يصح إلا على مذهب أشهب. # فصل فإن نكلوا عن الأيمان أو نكل واحد منهم ففي ذلك خمسة أقوال في ~~المذهب. # أحدها: أنه ترد الأيمان على العاقلة ويحلفون كلهم ولو كانوا عشرة آلاف ~~والقاتل كرجل منهم، فمن حلف لم يلزمه ms1234 شيء، ومن نكل لزمه ما يجب عليه، وهو ~~أحد قولي ابن القاسم، وهو أبين الأقاويل وأصحها في النظر. # PageV03P318 # والثاني: أنه يحلف من العاقلة خمسون رجلا يمينا يمينا، فإن حلفوا برئوا ~~وبرئت العاقلة من جميع الدية، وإن حلف بعضهم برئ من حلف منهم ولزم بقية ~~العاقلة الدية كاملة حتى يتموا خمسين يمينا. وهذا قول ابن القاسم الثاني. # والثالث: أنهم إن نكلوا فلا حق لهم، أو نكل بعضهم فلا حق لمن نكل، ولا ~~يمين على العاقلة لأن الدية لم تجب عليهم بعد وإنما تجب بالفرض، قاله ابن ~~الماجشون. # والرابع: أن اليمين ترجع على المدعى عليه وحده، فإن حلف برئ، وإن نكل لم ~~يبلغ العاقلة بنكوله شيء، لأن العاقلة لا تحمل الإقرار، والنكول كالإقرار، ~~وإنما هو بنكوله شاهد على العاقلة، روى ابن وهب هذا عن مالك. # والخامس: أن الأيمان ترد على العاقلة، فإن حلفت برئت، وإن نكلت عن اليمين ~~غرمت نصف الدية، قاله ربيعة، وهو على ما روى عن عمر بن الخطاب في قضائه على ~~السعديين وبالله سبحانه التوفيق. لا شريك له ولا ند. # PageV03P319 ### | كتاب الجراحات # ] [ ### || فصل في اشتقاق الجراحات # بسم الله الرحمن الرحيم # وصلى الله على محمد وآله وصحبه # كتاب الجراحات فصل في اشتقاق الجراحات قال الله عز وجل: {وهو الذي ~~يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار} [الأنعام: 60] وقال {أم حسب الذين ~~اجترحوا السيئات} [الجاثية: 21] وقال {وما علمتم من الجوارح مكلبين} ~~[المائدة: 4] فالجراح مأخوذة من الجوارح لأنها لا تفعل إلا بها. فكل من جنى ~~جناية أو جرح جرحا أو أذنب ذنبا أو اكتسب إثما بيده أو بلسانه أو بجارحة من ~~جوارحه فهو جارح في اللغة، إلا أن الجراح قد تعرفت في جراح الحيوان في ~~أبدانها، كما أن دابة اسم لكل ما دب في الأرض من بني آدم وغيره من الحيوان، ~~وقد تعرفت في الخيل والبغال والحمير. فمن قال اشتريت اليوم دابة لا نفهم من ~~قوله إلا أنه اشترى فرسا أو بغلا أو حمارا وإن كانت الدابة تقع على غير هذا ~~من الحيوان. ms1235 وكذلك من قال: حكمت اليوم على الجارح بالغرم أو بالأدب لا يفهم ~~عنه إلا على أنه حكم على من جرح حيوانا لا على من جرح غير ذلك من الأشياء. ~~قال الله عز وجل: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف ~~بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص} [المائدة: 45] . # PageV03P321 # فصل فالجراح تقع على ما كان في الرأس وفي الجسد ويختص ما كان منها في ~~الرأس دون الجسد باسم الشجاج، فكل شجة جرح وليس كل جرح شجة. # فصل فقول الله عز وجل: {والجروح قصاص} [المائدة: 45] عام فيما كان في ~~الرأس وفي سائر البدن، إلا أنه ليس على عمومه في العمد والخطأ، بل المراد ~~بها العمد دون الخطأ، بدليل إجماعهم على أنه لا قصاص في الخطأ لقول الله ~~تبارك وتعالى: {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله ~~إلا أن يصدقوا} [النساء: 92] فأوجب الدية والكفارة دون القصاص. ولا هو على ~~عمومه أيضا في جميع جراح العمد، بل المراد به منها ما أمكن القصاص فيه ولم ~~يخش إتلاف النفس منه. والدليل على أنه لا قود فيما كان مخوفا ما روي «أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رفع القود في المأمومة والمنقلة ~~والجائفة» فكذلك ما في معناها من الجراح التي هي متالف عظام الرقبة والصلب ~~والصدر وكسر الفخذ ورض الأنثيين وما أشبه ذلك. والدليل على أنه لا قصاص ~~فيما لا يمكن القصاص منه مثل ذهاب بعض النظر وبعض السمع وبعض العقل هو أن ~~القصاص مأخوذ من قص الأثر أي اتباعه، فهو أن يتبع الجارح بمثل الجرح الذي ~~جرح فيؤخذ منه دون زيادة عليه ولا نقصان منه، فإذا لم يقدر على ذلك ارتفع ~~التكليف به لقول الله عز وجل: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] ~~فخص من عموم قوله تعالى: {والجروح قصاص} [المائدة: 45] جراح الخطأ كلها ~~وبعض جراح العمد، وبقية الآية محكمة فيما أمكن القصاص فيه من جراح العمد ~~ولم يخش منه ذهاب النفس. # PageV03P322 # فصل وأول الجراح الحارصة وهي ms1236 التي تحرص الجلد أي تقشره قليلا. ثم الدامية ~~وهي التي تدمي من غير أن يسيل منها شيء. وقيل الدامية أولا ثم الحارصة. ~~وقيل إن الدامية هي الحارصة نفسها ثم الدامغة وهي التي يسيل منها دم، وقيل ~~الدامية والدامغة سواء. ثم الباضعة وهي التي تشق اللحم شقا، ثم المتلاحمة ~~وهي التي أخذت من اللحم ثم السمحاق. وقال ابن حبيب السمحاق: هي الحارصة ~~التي تشق الجلد، والأول أعم وأكثر، وهي التي بينها وبين العظم قشرة رقيقة ~~وهي الملطا ويقال الملطاة بالهاء، ثم الموضحة وهي التي توضح عن العظم أي ~~تبدي وضحه. ثم الهاشمة التي تهشم العظم. ثم المنقلة وهي التي تكسر العظم ~~فينقل منها العظام ليلتئم الجرح. ثم المأمومة وتسمى الآمة وهي التي تبلغ أم ~~الرأس وهي الدماغ. # فصل وأما ما دون الموضحة من الجراح فليس فيه عند مالك - رحمه الله - عقل ~~مسمى فسواء كانت في الرأس أو في سائر الجسد الحكم فيها عنده سواء، إنما ~~فيهما على مذهبه القصاص في العمد وحكومة في الخطأ إن برئت على شين. وقد روي ~~عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان من رواية مالك عن يزيد بن قسيط عن سعيد بن ~~المسيب أنهما قضيا في الملطا وهي السمحاق بنصف دية الموضحة، وهو يقول في ~~موطأه ولم تقض الأئمة في القديم ولا في الحديث عندنا فيما دون الموضحة ~~بعقل. فتوجيه هذا أن يحمل قضاء عمر وعثمان في الملطاة على وجه الحكومة ~~بالاجتهاد لا على وجه التوقيت كما قالوا في قضاء زيد بن ثابت في العين ~~القائمة. وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه «قضى في العين ~~القائمة السادة لمكانها بثلث الدية» خرجه أبو داود. وروي عن زيد بن ثابت ~~أنه قال في الدامية بعير، وفي الباضعة بعيران، وفي المتلاحمة ثلاثة أبعرة، ~~وفي السمحاق # PageV03P323 # أربعة أبعرة، وفي الموضحة خمسة أبعرة، يريد إذا كانت في الرأس، وهو قول ~~حسن إلا أن مالكا لم يره ولا أخذ به. وقال الفقهاء السبعة فيما دون الموضحة ~~الخطأ أجر المداوي. ms1237 ومن أهل العراق من ذهب إلى أنه لا قصاص فيما دون ~~الموضحة وهو بعيد، لأن الله يقول: {والجروح قصاص} [المائدة: 45] فوجب ~~القصاص من كل جرح على سبيل العمد إلا أن يمنع من ذلك مانع، ولا مانع يمنع ~~من القصاص فيما دون الموضحة. # فصل وأما الموضحة فلا تكون عند مالك - رحمه الله - إلا في جمجمة الرأس ~~وفيها القصاص في العمد. وخمس من الإبل في الخطأ على ما ثبت «عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في كتابه لعمرو بن حزم إلا أن تكون في الوجه فتشينه فيزاد ~~فيها بقدر شينها» . # وأما الهاشمة وهي التي تهشم العظم فلم يعرفها مالك - رحمه الله - وقال: ~~لا أرى هاشمة تكون في الرأس إلا كانت منقلة. واختلف ابن القاسم وأشهب في ~~القود منها، فلم يره ابن القاسم ورآه أشهب، ويقتص منها على مذهبه موضحة، ~~فإن برئت موضحة ولم يصب العظم هشم فلا شيء للمستقيد، وإن أصابه هشم فذلك ~~القصاص، وإن ترامت إلى منقله أو إلى نفسه فذلك قتيل الله لا دية فيه. # فصل ودية الهاشمة عند من عرفها من العلماء، وهم الجمهور، عشر من الإبل، ~~وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة، وروي ذلك عن زيد بن ثابت ولا مخالف له من ~~الصحابة. وأما المنقلة وهي ما أطار فراش العظم ففيها خمس عشرة فريضة، روي ~~ذلك عن النبي - عليه السلام - في كتابه لعمرو بن حزم من غير رواية مالك. ~~واتفق على ذلك العلماء، والخطأ والعمد فيها سواء، إذ لا قصاص فيها لأنها من ~~المتالف خلاف ما روي عن عبد الله بن الزبير أنه أقاد من المنقلة. وأما ~~المأمومة وهي التي تخرق العظم وتبلغ الدماغ وهو أم الرأس ففيها ثلث الدية ~~في العمد أيضا والخطأ، إذ لا قصاص فيها لأنها من المتالف، ولا خلاف فيها ~~بين أهل العلم. # PageV03P324 # فصل وأما الجائفة فإنها من جراح البدن لا من شجاج الرأس وهي ما وصل إلى ~~الجوف ولو بمدخل إبرة، فلا تكون إلا في الظهر أو البطن، وفيها ثلث الدية ~~عمدا كانت أو ms1238 خطأ إذ لا قود فيها لأنها من المتالف. واختلف قول مالك فيها ~~إذا أنفدت، فقال مرة فيها ثلث الدية، وقال مرة فيها ثلثا الدية. # فصل وليس عند مالك - رحمه الله - في شيء من جراح البدن عقل مسمى ما عدا ~~الجائفة. وذكر في موطأه عن سعيد بن المسيب أنه قال في كل نافذة في عضو من ~~الأعضاء ثلث دية ذلك العضو ولم يأخذ به. وإنما قاله سعيد بن المسيب والله ~~أعلم قياسا على الجائفة لما كانت جراحة تنفذ إلى الجوف، والجوف مقتل، وكان ~~فيها ثلث الدية، جعل في كل جرح ينفذ عضوا من الأعضاء خطأ ثلث دية ذلك ~~العضو. وهذا نحو ما روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال في ~~موضحة الجسد نصف عشر دية ذلك العضو قياسا على موضحة الرأس لما كان مقتلا. # فصل فالجراح في الرأس والجسد تنقسم على قسمين: أحدهما: الخطأ، والثاني: ~~العمد. فأما الخطأ فلا قصاص فيه ولا أدب، وإنما فيه الدية في مال الجاني إن ~~كان أقل من ثلث ديته أو ثلث دية المجني عليه على اختلاف قول مالك في ذلك. ~~فإن كان الثلث فأكثر فعلى العاقلة. هذا مذهب مالك وأصحابه، وهو قول الفقهاء ~~السبعة من أهل المدينة وقول ابن أبي ذئب وعبد العزيز بن أبي سلمة. وقال ~~الشافعي: تحمل العاقلة القليل والكثير من الدية دية الخطأ. ومن حجته أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لما حمل العاقلة الأكثر دل على أنها تحمل ~~الأقل، لأنها إذا حملت الكل فقد حملت كل جزء من أجزائها. وقال أبو حنيفة: ~~تحمل العاقلة من جناية الرجل ما بلغ نصف عشر ديته، ومن جناية المرأة ما بلغ ~~نصف عشر ديتها. # PageV03P325 # وقال ابن شبرمة والثوري: تحمل العاقلة من جناية الرجل والمرأة ما بلغ أرش ~~الموضحة، وهو قول إبراهيم النخعي قال: ما فرضه رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فهو على العاقلة، يريد الموضحة فما فوقها، لأن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - لم يفرض فيما دونها شيئا. والدليل على ms1239 صحة قول مالك أن الأصل ~~كان ألا يحمل أحد جناية غيره من دم ولا مال لقول الله تبارك وتعالى: {ولا ~~تكسب كل نفس إلا عليها} [الأنعام: 164] «وقول رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لأبي رمثة في ابنه: لا تجني عليه ولا يجني عليك» إلا أن يخص ذلك سنة ~~قائمة أو إجماع. وقد أجمعوا أن العاقلة تحمل الثلث فصاعدا، لأن من قال إن ~~العاقلة تحمل القليل والكثير، ومن قال إنها تحمل العشر أو نصف العشر، فقد ~~قال إنها تحمل الثلث، فكان الثلث مخصوصا بالإجماع من الأصل المتفق عليه. # فصل ودية جراح المرأة كدية جراح الرجل فيما بينهما وبين ثلث الدية. فإذا ~~بلغت إلى ثلث الدية لم تستكملهما ورجعت إلى عقل نفسها فكان لها في ذلك ~~وفيما زاد عليه نصف عقل الرجل، وفي هذا اختلاف كثير. قد قيل إنها تعاقله ~~إلى نصف عشر الدية ثم ترجع إلى عقل نفسها] ، وقيل إلى نصف الدية ثم ترجع ~~إلى عقل نفسها. وقيل إن لها النصف من عقل الرجل في القليل والكثير، وإلى ~~هذا ذهب الشافعي وأبو حنيفة. والدليل على صحة قول مالك أن ذلك قد روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - من مراسيل عمرو بن شعيب وعكرمة، وقد أرسله ~~سعيد بن المسيب أيضا، ومراسيله كالمسندة. ذكر مالك - رحمه الله - في موطأه ~~«عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه سأل سعيد بن المسيب كم في أصبع المرأة؟ ~~قال: عشر من الإبل. قلت كم في أصبعين؟ فقال: عشرون من الإبل، فقلت كم في ~~ثلاث؟ فقال: ثلاثون من الإبل: فقلت كم في أربع؟ فقال: # PageV03P326 # عشرون من الإبل. قلت حين عظم جراحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها، فقال: ~~أعراقي أنت؟ قال: فقلت بل عالم متثبت أو جاهل متعلم. فقال: هي السنة يا بن ~~أخي» . فقوله هي السنة دليل على أنه أرسله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~والمرسل عند مالك كالمسند سواء في وجوب الحكم به. والشافعي لا يقول ~~بالمراسيل إلا بمراسيل سعيد بن المسيب فإنها عنده كالمسندة لثقته ms1240 وجلالة ~~قدره. وقد ذهب بعض العلماء إلى أن المرسل أقوى من المسند لأن الثقة لا يرسل ~~إلا ما قد صح عنده، فإذا أرسل فقد تقلد وإذا أسند فقد أحال على السند وتبرأ ~~منه. # ومما يدل على صحة مذهب مالك من طريق الاعتبار أن الله تبارك وتعالى ساوى ~~بين الرجل والمرأة في الأصل والمبدإ إلى الثلث، ثم فصل بينهما فيما بعد ~~الثلث فقال الصادق المصدوق عن ربه عز وجل «إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه ~~أربعين يوما نطفة ثم أربعين يوما علقة ثم أربعين يوما مضغة ثم يأتي الملك ~~فيقول: أي رب ذكر أم أنثى شقي أم سعيد، فينفخ فيه الروح» . فيقع الفصل فيه ~~من الله بالتذكير إن شاء أو التأنيث بعد هذا الأمر المشترك فيه وهو من ~~العام ثلثه. وقال تعالى: {الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما ~~تزداد وكل شيء عنده بمقدار} [الرعد: 8] وبين الاعتبار من قوله تعالى في ~~الآيتين إحداهما: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} [البقرة: 233] . ~~والثانية: قوله عز وجل: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} [الأحقاف: 15] أن أمد ~~الغيض وهو النقصان من أمد المعلوم في العادة وهو تسعة أشهر في الأغلب ~~والأكثر ثلاثة أشهر فإن الولد نسبه لستة أشهر فإذا اعتبرنا الزيادة ~~بالنقصان اعتبارا عدلا حملنا على التسعة الأشهر ثلاثة أشهر كما نقصنا منها ~~ثلاثة أشهر، وفي حملنا ثلاثة أشهر على تسعة تمام العام. وقد تقدم أن ~~الأربعة # PageV03P327 # الأشهر المشترك فيها ثلث العام فكأنما اشتركا من العام وهو منتهى الأمد ~~على الاعتبار الذي ذكرناه في ثلاثة من الخلقة، ثم وقع الفصل بعد الثلاث ~~وانفرد الذكر لتذكيره والأنثى بتأنيثها، فكذلك يشتركان في العاقلة في ~~الثلث، ثم يرجع بعد الثلث كل واحد منهما إلى نفسه كما رجع بعد ثلث العام ~~إلى صورة نفسه، فحسبك بهذا بيانا واضحا ودليلا راشدا إن شاء الله. # فما كان من الجراح جراح الخطأ فيه دية مسماة بأثر عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قضي فيه بالمسمى، وما لم يكن فيه عن النبي ms1241 - صلى الله عليه ~~وسلم - شيء مسمى فلا شيء فيه إلا أن يبرأ على عثل فتكون فيه حكومة ~~بالاجتهاد. # فصل وصفة الاجتهاد في ذلك أن يقوم المجني عليه سالما من العثل ويقوم ~~بالعثل أن لو كان عبدا في الحالتين، فما كان بين القيمتين سمى من قيمته ~~سالما فما كان له من الأجزاء كان له ذلك الجزء من ديته. # فصل وأما العمد فإنه ينقسم على قسمين: عمد لا قصاص فيه، وعمد فيه القصاص. # فأما العمد الذي فيه القصاص فلا دية فيه إلا ما يتراضيان عليه على ~~المشهور في المذهب المعلوم من قول مالك وأصحابه. وابن عبد الحكم من أصحاب ~~مالك يقول: إن المجروح مخير بين أن يقتص أو يأخذ العقل، وهو أحد قولي مالك ~~في الأعور يفقأ عين الصحيح إنه مخير بين أن يفقأ عين الأعور بعينه أو يأخذ ~~الدية ولا خيار فيه للأعور الجاني # PageV03P328 # وهذا شاذ في الجراح، وإنما القولان مشهوران عن مالك في إيجاب الدية على ~~القاتل في القتل شاء أو أبى. # فصل وأما العمد الذي لا قصاص فيه لأنه متلف أو لأنه لا يستطاع القصاص ~~فيه، ففيه الدية المسماة أو حكومة فيما لا دية فيه مسماة، في مال الجاني إن ~~كان أقل من الثلث، وإن كان الثلث فصاعدا ففي ذلك ثلاثة أقوال لمالك - رحمه ~~الله -. # أحدها: أن ذلك في ماله من غير تفصيل لأنه عمد، الخطأ لامتناع القصاص فيه. # والثالث: أن ذلك في ماله إن كان له مال، وعلى العاقلة إن لم يكن له مال. # فصل وكذلك ما كان من قطع الآراب والجوارح وإذهاب الحواس والمنافع ~~بالجنايات عليها ينقسم على قسمين: خطأ- وعمد. # وينقسم العمد على قسمين: قسم فيه القصاص وقسم لا قصاص فيه. فما كان من ~~الخطأ ففيه الدية المسماة إن كان مما له دية مسماة، والحكومة إن لم تكن له ~~دية مسماة في مال الجاني إلا أن يبلغ الثلث فصاعدا. وما كان من العمد الذي ~~لا قصاص فيه ففيه الدية في مال الجاني إن كان أقل من الثلث، ms1242 وإن كان الثلث ~~فصاعدا فعلى الثلاثة الأقوال التي تقدمت في الجراحات. وما كان من العمد ~~الذي فيه القصاص فالقصاص فيه إلا أن يصطلحا على شيء في المشهور من المذهب، # PageV03P329 # خلاف قول ابن عبد الحكم وإحدى الروايتين عن مالك في الأعور يفقأ عين ~~الصحيح، وقد تقدم ذكر ذلك. # فصل وقد مضى الكلام في تسمية ديات الجراح، ونذكر هنا ديات الأعضاء ~~والجوارح والحواس والمنافع إن شاء الله. فأول ذلك العقل وفيه الدية كاملة، ~~وإن نقص بعضه فبحساب ذلك. والسمع فيه الدية كاملة وإن نقص بعضه فبحساب ذلك، ~~والبصر فيه الدية كاملة وإن نقص بعضه فبحساب ذلك. والأنف والأنف فيه الدية ~~كاملة إذا أوعى المارن جدعا، فإن قطع بعضه فبحساب ما قطع منه. والشفتان ~~فيهما الدية كاملة، وفي كل واحدة منهما نصف الدية خلاف قول سعيد ابن المسيب ~~إن في السفلى منهما ثلثي الدية. وفي اللسان الدية كاملة فإن قطع بعضه ~~فبحساب ما ذهب من كلامه على الأحرف، وقيل بالتوخي والاجتهاد. وأما أشفار ~~العينين وجفونهما والحاجبان فليس في شيء من ذلك عند مالك إلا حكومة ~~بالاجتهاد. وأما شعر الرأس واللحية فلا شيء فيه إن نبت الشعر وعاد لهيئته ~~على مذهب مالك. وإن لم ينبت كان فيه حكومة بالاجتهاد، ولا قصاص فيه بالعمد ~~وإنما فيه الأدب بالاجتهاد. ومن أهل العلم من يرى الدية كاملة في أشفار ~~العينين وفي جفونهما وفي الحاجبين وفي شعر الرأس واللحية، ومعنى ذلك إذا لم ~~ينبت الشعر والله أعلم. ومنهم من يرى في شعر الرأس واللحية القصاص في ~~العمد. # فصل وفي السن خمس من الإبل، والأضراس والأسنان سواء، في كل واحد منهما ~~خمس من الإبل على قضاء معاوية. وذكر مالك في موطأه عن سعيد بن المسيب أنه ~~قال. قضى عمر بن الخطاب في الأضراس ببعير بعير، وقضى معاوية في الأضراس ~~بخمسة أبعرة خمسة أبعرة. قال سعيد: فالدية تنقص في قضاء عمر وتزيد في قضاء ~~معاوية، فلو كنت أنا لجعلت فيها بعيرين بعيرين فتلك الدية سواء. وذلك أن ~~الأسنان اثنا عشر ms1243 سنا وهي أربع ثنايا، وأربع رباعيات، وأربعة أنياب، # PageV03P330 # فيجب له ستون بعيرا على خمسة أبعرة في كل سن. والأضراس عشرون: أربع ضواحك ~~وهي التي تلي الأنياب، واثنا عشر رحى ثلاث في كل شق، وأربع نواجد وهي ~~أقصاصا. فيجب لها أربعون بعيرا على قول سعيد بن المسيب، فيأتي في جميع ~~الأسنان مائة بعير وستون بعيرا، وعلى قضاء عمر ثمانون بعيرا. # فصل وفي الصلب الدية كاملة] إذا أقعد لم يقدر على المشي. وفي الذكر الدية ~~كاملة] قطع كله أو الحشفة وحدها، فإن قطع بعضها فبحساب ذلك. وفي الأنثيين ~~الدية كاملة] ، في كل واحدة منهما نصف الدية. وذهب سعيد بن المسيب إلى أن ~~في اليسرى ثلثي الدية وفي اليمنى الثلث لأن الولد يكون من اليسرى. وفي ~~إذهاب الجماع الدية كاملة. وفي اليدين الدية كاملة. وفي كل واحدة منهما نصف ~~الدية. وفي كل أصبع منهما عشر من الإبل. وفي الرجلين الدية كاملة، وفي كل ~~واحدة منهما نصف الدية. وفي كل أصبع منهما عشر من الإبل. وفي إشراف الأذنين ~~عند أشهب الدية كاملة، وليس في ثدي الرجل وأليته عند مالك إلا حكومة. وأما ~~المرأة ففي ثدييها الدية كاملة، وفي أليتيها على مذهب أشهب الدية كاملة. ~~وفي شفري المرأة الدية كاملة. وذكر أبو الفرج عن ابن الماجشون أن في الشوى ~~وهي جلدة الرأس الدية كاملة. وكذلك في الصدر إذا هدم ولم يرجع إلى ما كان ~~عليه، قال فيه الدية. وفي كتاب الأبهري إذا ضرب أنفه فأذهب شمه والأنف قائم ~~ففيه الدية كاملة، وقاله أبو الفرج وروى ابن نافع عن مالك أن فيه حكومة وهو ~~شاذ. وينبني على أصولهم أن يكون في الذوق الدية كاملة، ولا أعلم فيه ~~لأصحابنا نصا. # فصل فيتحصل فيما يجنى به على الرجل من الديات على المذهب ثمان عشر # PageV03P331 # دية، إحدى عشرة في رأسه، وسبع في جسده. فأما التي في الرأس العقل، ~~والسمع، وأشراف الأذنين عند أشهب، والبصر، والشم على اختلاف، والأنف، ~~والذوق، وإن كنت لا أعلم فيه نصا، والكلام، والشفتان، والشوى وهي ms1244 جلدة ~~الرأس، والأضراس والأسنان يجتمع فيها على مذهب مالك أكثر من دية. والتي في ~~الجسد: اليدان، والرجلان، والصلب، والصدر، والذكر، والأنثيان، وإذهاب ~~الجماع. ويجتمع في المرأة ثمان عشرة دية أيضا، لأن فيها ثلاث ديات ليست في ~~الرجل، وهي الشفرتان، والحلمتان، والأليتان عند أشهب، كما أن في الرجل ثلاث ~~ديات ليست في المرأة وهي إذهاب الجماع، والذكر، والأنثيان. # فصل والعمد الذي يجب فيه القصاص في إتلاف الجارحة فيما يظهر من حاله ~~وقصده فإن ذلك لا يخلو من ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يعمد للضرب على وجه العداوة والغضب. # والثاني: أن يعمد له على وجه الأدب ممن يجوز له الأدب. # والثالث: أن يعمد له على وجه اللعب. # فأما إذا عمد له على وجه العداوة والغضب فلا يخلو أن يكون ضربه في غير ~~الجارحة التالفة أو في الجارحة التالفة. فأما إن كانت ضربته في غير الجارحة ~~التالفة مثل أن يضربه في رأسه فتذهب منها عينه فإنه لا يقتص من العين ~~باتفاق، وإنما فيها الدية في ماله أو على العاقلة على اختلاف قول ابن ~~القاسم في ذلك. وأما إن ضربه بلطمة أو بسوط أو ما أشبه ذلك مما الظاهر فيه ~~أنه لم يقصد إلى فقء عينه فأصاب عينه في ذلك ففقأها ففي ذلك قولان: # أحدهما: وهو المشهور في المذهب، أن ذلك عمد وفيه القصاص إلا من الأب في ~~ابنه وما أشبه ذلك. # PageV03P332 # والثاني: أن ذلك شبه العمد فلا قصاص فيه وفيه الدية المغلظة في ماله وهو ~~قول جل أهل العلم ورواية العراقيين عن مالك. وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف ~~ومحمد إلى أن شبه العمد إنما هو في النفس لا في الجراح. والقول الأول أصح، ~~والدليل عليه حديث أنس في شأن أم الربيع. روي في الصحيح «أن ابنة النضر أخت ~~الربيع لطمت جارية فكسرت سنها فاختصموا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فأمر بالقصاص، فقالت أم الربيع: يا رسول الله أتقتص من فلانة والله لا تقتص ~~منها. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: سبحان الله يا ms1245 أم الربيع القصاص ~~في كتاب الله. فقالت والله لا تقتص منها أبدا. قال فما زالت حتى قبلوا ~~الدية، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن من عباد الله من لو أقسم ~~على الله لأبره» كذا وقع في كتاب مسلم أن الجارية أخت الربيع عمة أنس بن ~~مالك راوي الحديث وأن الحالف الذي قال فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره أنس بن النضر» . ووقع في ~~رواية القابسي من كتاب الحدود أن الجارحة أخت الربيع مثل ما في كتاب مسلم. ~~ويجب على الجارح مع القصاص الأدب على مذهب مالك لجرأته. وقال عطاء بن أبي ~~رباح: الجروح قصاص ليس للإمام أن يضربه ولا أن يسجنه إنما هو القصاص وما ~~كان ربك نسيا، ولو شاء لأمر بالضرب والسجن. # وأما إن عمد على وجه اللعب ففي ذلك ثلاثة أقوال: # أحدها: وجوب القصاص على أنه عمد. # والثاني: نفيه وتغليظ الدية على أنه شبه العمد. # والثالث: أنه خطأ ففيه الدية غير مغلظة على العاقلة إن زاد على الثلث على ~~الاختلاف في الضرب إذا كان على وجه اللعب فمات منه. وكذلك إذا عمد على وجه ~~الأدب ممن يجوز له الأدب، فيجري ذلك على ما ذكرته من الاختلاف في النفس فلا ~~معنى لإعادته. # فصل ومن هذه الجوارح ما تختص بمنافع كجارحة العين فإن منفعتها المختصة ~~بها # PageV03P333 # البصر، وجارحة الأذن فإن منفعتها المختصة بها السمع، وكجارحة اليد فإن ~~منفعتها المختصة بها البطش واللمس، وكجارحة اللسان فإن منفعتها المختصة بها ~~الكلام. فما كان من هذه الجوارح التي لها منافع تختص بها فالدية المسماة ~~فيها إنما تجب لذهاب المنفعة المختصة بها، وهي تبع لها إذا ذهبت بذهابها. ~~فإذا ذهبت الجارحة على انفراد دون المنفعة ففيها حكومة أو دية كاملة. مثال ~~هذا الذي ذكرناه أن من أذهب بصر رجل وعينه قائمة فعليه الدية كاملة، وإن ~~أذهب بصره وفقأ عينه ففيه أيضا الدية كاملة وتكون جارحة العين تبعا للبصر. ~~وكذلك الأذن مع ms1246 السمع، فإن قطع أشراف الأذنين وبقي السمع ففيها على مذهب ~~ابن القاسم حكومة. وكذلك إن كان الرجل أصم فقطع رجل أذنيه ففيهما حكومة، أو ~~كان أعمى قائم العينين ففقأ عينيه ففيهما حكومة. # فصل واختلف في محل العقل فذهب مالك - رحمه الله - إلى أن محله القلب، وهو ~~مذهب المتكلمين من أهل السنة. وذهب ابن الماجشون من أصحابنا إلى أن محله ~~الرأس، وهو مذهب أبي حنيفة وأهل الاعتزال. والحجة لمالك - رحمه الله - قول ~~الله تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان ~~يسمعون بها} [الحج: 46] . وقال تعالى: {ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد ~~يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها} [الأعراف: 195] ~~فأضاف تعالى العقل إلى القلب لما كان موجودا به وحالا فيه، كما أضاف البصر ~~إلى العين والسمع إلى الأذن والبطش إلى اليد لما كان كل شيء من ذلك حالا في ~~جارحته المضافة إليه. فمن أصيب بمأمومة فذهب منها عقله فله على مذهب مالك ~~دية العقل ودية المأمومة، لا يدخل بعض ذلك في بعض، إذ ليس الرأس عنده بمحل ~~للعقل ولا يختص به كمن أذهب سمع رجل وفقأ عينه في ضربة واحدة. وعلى مذهب ~~أبي حنيفة وابن الماجشون # PageV03P334 # إنما له دية العقل ولا شيء في المأمومة لاختصاص العقل عنده بموضعها، كمن ~~أذهب بصر رجل وفقأ عينه في ضربة واحدة، أو أذهب سمع رجل وقطع أذنه في ضربة ~~واحدة. # فصل ومن شرط صحة القصاص في الجراح استواء الجارح والمجروح في المرتبة ~~بالإسلام أو الكفر والحرية أو الرق، فإن اختلفا في شيء من ذلك ارتفع ~~القصاص، إلا أن مالكا وقف في رواية أشهب عنه في جراح النصراني للمسلم. وقال ~~ابن نافع: المسلم بالخيار إن شاء استقاد وإن شاء أخذ العقل. وبالله التوفيق ~~لا رب غيره ولا معبود سواه. # PageV03P335 ### | كتاب جنايات العبيد # بسم الله الرحمن الرحيم # وصلى الله على محمد وآله # كتاب الجنايات قد تقدم فيما مضى من الكلام حكم جنايات الأحرار بعضهم على ~~بعض ms1247 في النفس وفيما دون النفس، ورسم سحنون هذا الكتاب بكتاب جنايات العبيد. ~~والعبيد مخاطبون مكلفون بجناياتهم لاحقة بهم متعلقة برقابهم دون ساداتهم. ~~والأصل في ذلك قول الله تبارك وتعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الأنعام: ~~164] . وما روي «أن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - بابنه فقال يا ~~رسول الله هذا ابني فما لي منه. قال: لا تجني عليه ولا يجني عليك» والعبد ~~كذلك فوجب لهذا أن تكون جنايات العبيد متعلقة برقابهم لا يلزم ساداتهم أكثر ~~من إسلامهم بما جنوا، كانت الجناية مما يجب فيها القصاص أو مما لا بجب فيها ~~القصاص. وإن أحب ساداتهم أن يفتكوهم بما جنوا ولا يسلموهم بجناياتهم كان ~~ذلك لهم إلا فيما فيه القصاص في أبدانهم فلا يكون ذلك لهم إلا برضى المجني ~~عليهم. # فصل فمعرفة ما يقتص فيه من العبيد مما لا يقتص منه أصل هذا الكتاب وعليه ~~تنبني مسائله فلا بد من ذكر ذلك وتحصيله. أما القصاص فيما بينهم البين ~~فاختلف أهل العلم فيه على أربعة أقوال: # أحدها: قول مالك - رحمه الله - ومن تابعه إن القصاص بينهم في النفس وفيما # PageV03P337 # دون النفس كما هو بين الأحرار لاستوائهما في المرتبة كانوا لرب واحد أو ~~لأرباب شتى، إلا أن الخيار في العفو والقصاص لسيد العبد المجروح أو المقتول ~~دونه، وهو مذهب الشافعي وأصحابه. والدليل على صحته قول الله عز وجل: {يا ~~أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد} ~~[البقرة: 178] الآية. والثاني: أنه لا قصاص بينهم في النفس ولا فيما دون ~~النفس كالصغير والمجنون. روي هذا القول عن عبد الله بن مسعود وقال به جماعة ~~من التابعين وبعض فقهاء العراقيين، وهو بعيد جدا، لأن القلم مرتفع عن ~~الصغير والمجنون بخلاف العبيد. # والثالث: أن القصاص بينهم في النفس ولا قصاص بينهم في الجراح، وهو مذهب ~~أبي حنيفة وأصحابه، واحتج لهم الطحاوي بحديث قتادة عن أبي نضرة عن عمران بن ~~حصين «أن عبدا لقوم فقراء قطع أذن عبد لقوم أغنياء فأتوا رسول الله ms1248 - صلى ~~الله عليه وسلم - فلم يقتص لهم منه» . وبما روي عنه أيضا «أن عبدا لقوم ~~أغنياء قطع أذن عبد لقوم فقراء فلم يجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بينهما قصاصا» . قال: ولو كان واجبا لاقتص لهم لأن الله عز وجل يقول: {يا ~~أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم} [النساء: ~~135] إلى قوله {إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما} [النساء: 135] قال ~~واستعملنا في النفس بالنفس قوله - صلى الله عليه وسلم -: «المسلمون تتكافأ ~~دماؤهم» . # فصل فأما الحديث فلا حجة لهم فيه لأنه يحتمل أنه لم يقتص للفقراء لأنه ~~أمرهم بالعفو على أخذ الأرش لموضع فقرهم ففعلوا ذلك، وأنه لم يقتص للأغنياء ~~لأنه رغبهم في العفو لئلا تنقص قيمة عبد الفقراء بالقصاص منه. ولذلك والله ~~أعلم نقل في الحديث ذكر فقرهم. وإذا وجب القصاص بينهم في النفس فهو فيما ~~دون النفس أوجب، والله أعلم. # PageV03P338 # والقول الرابع: أن القصاص بين العبيد إلا أن يكونوا لمالك واحد وهذا ~~القول وقع في المدونة لبعض الناس. # فصل وأما العبيد والأحرار فإن القصاص بينهم مرتفع في النفس وفيما دون ~~النفس إلا أن يقتل العبد الحر فيقتل به. وقد قيل إن الجراح كالقتل. # فصل في أقسام جنايات العبيد # فصل فجنايات العبيد تنقسم على ثلاثة أقسام: # أحدها: جناياتهم على العبيد. # والثاني: جناياتهم على الأحرار. # والثالث: جناياتهم على الأموال. فأما جناياتهم على العبيد في مذهب مالك ~~الذي يرى القود بينهم في النفس وفيما دون النفس فإنها تنقسم على وجهين: # أحدهما: أن تكون خطأ في النفس وفيما دون النفس من الجراح، أو عمدا مما لا ~~يستطاع القصاص منه لأنه متلف أو لأنه لا يمكن القصاص منه. # والثاني: أن تكون عمدا في النفس أو فيما دون النفس من الجراح التي يقتص ~~منها وليس بمتالف. # فصل فأما الوجه الأول: وهو أن يقتل أحد العبدين صاحبه خطأ أو يجرحه خطأ ~~أو عمدا لا يجب فيه القصاص فسيد العبد الجاني مخير بين أن يسلمه بجنايته أو ~~يفتكه بقيمة العبد ms1249 المقتول أو بما نقص الجرح منه، وإن لم ينقصه الجرح شيئا ~~فلا شيء عليه إلا في المنقلة والمأمومة والجائفة فإنه يفتكه في المأمومة ~~والجائفة بثلث قيمة العبد المجروح، وفي المنقلة بعشر قيمته ونصف عشر قيمته ~~إن برئت على غير شين وإن برئت على شين فنقص ذلك من قيمته افتكه بما نقص ~~الجرح من قيمته # PageV03P339 # على ما هو عليه من الشين،. وقيل يفتكه بالأكثر من الواجب في ذلك الجرح أو ~~مما نقص الجرح من قيمته على ما هو عليه من الشين، لأن هذه الجراح الثلاث ~~يستوي فيها الخطأ والعمد في العبيد. وتثبت الجناية في هذا الوجه بشاهدين ~~وشاهد وامرأتين وباليمين مع الشاهد وبإقرار العبد على نفسه بالجناية بحضرة ~~الجناية عند ابن القاسم خلاف قول ابن نافع. # فصل وأما الوجه الثاني: وهو أن يقتل أحد العبيدين صاحبه عمدا أو يجرحه ~~عمدا جرحا يجب فيه القصاص فإن سيد العبد المقتول أو بما نقص الجرح منه إن ~~نقص إلا أن تكون موضحة فيفتكه بنصف عشر قيمة العبد المجروح إن برئت الموضحة ~~على غير شين، وإن برئت على شين فعلى ما ذكرنا من الاختلاف. # فصل وهذا إذا ثبت القتل أو الجرح بشهادة شاهدين. وأما إن لم يكن على ذلك ~~إلا شاهد واحد فإن السيد يحلف مع الشاهد عند مالك - رحمه الله - إن أراد ~~القصاص أو العقل، ذكره ابن سحنون. وقال أصبغ في العتبية إن أراد السيد ~~العقل حلف، وإن أراد القصاص حلف العبد، وهو قول المغيرة المخزومي. وإن لم ~~تثبت الجناية إلا بإقرار العبد بها على نفسه اقتص منه بقوله لأنه لا يتهم. ~~وقد حكى بعض الرواة # PageV03P340 # عن كثير من أصحاب مالك أنه لا يجوز إقراره على نفسه بجناية العمد لأنه لا ~~يجوز له أن يتلف نفسه على سيده. # فصل وأما جنايات العبيد على الأحرار فإنها تنقسم على وجهين: # أحدهما: جناياتهم عليهم في النفس. # والثاني: جناياتهم عليهم فيما دون النفس من الجراح. # فأما جناياتهم عليهم في النفس فلا يخلو إذا قتل العبد الحر أن يكون ms1250 ذلك ~~خطأ أو عمدا. فإن كان خطأ خير سيد القاتل بين أن يسلمه أو يفتكه بالدية، ~~فإن اختار افتكاكه بالدية قيل يفتكه بالدية حالة وهو مذهب ابن القاسم في ~~المدونة، قاله في مسألة العبد والحر يصطدمان وقيل يفتكه بالدية مؤجلة في ~~ثلاثة أعوام. وقاله ابن القاسم عن مالك في سماعه من كتاب الديات، وهو ظاهر ~~في سماع أصبغ من الكتاب المذكور في مسألة الحر والعبد يصطدمان. وإن كان ~~عمدا خير أولياء الحر بين أن يقتلوا العبد أو يستحيوه، فإن قتلوه بقي ماله ~~لسيده، وإن أخذوه ليقتلوه فاستحيوه ففي ماله قولان: أحدهما: أن المال يكون ~~للسيد كما لو قتلوه، والثاني: أن المال يكون تبعا له كما لو استحيوه فأسلم ~~إليهم في الجناية. والقولان في سماع أصبغ من كتاب الديات. وأما إن استحيوه ~~فأسلم إليهم فلهم أن يأخذوه في الجناية بماله إلا أن يشاء سيده أن يفتكه ~~بماله منهم بدية الحر المقتول فيكون ذلك له. وقد قيل إن ماله إن كان عينا ~~فيه وفاء بالجناية لم يخير سيده ووديت الجناية من ماله. # فصل وأما جناياتهم عليهم فيما دون النفس من الجراح فسواء كان الجرح عمدا ~~أو خطأ لأن العبد لا يقاد من الحر بالجراح، فيخير سيد العبد الجارح بين أن ~~يسلمه أو يفتكه بدية الجرح حالا إن كان عمدا، أو أقل من الثلث إن كان خطأ. ~~وإن كان الجرح خطأ وأرشه أكثر من الثلث فعلى الاختلاف المذكور. # PageV03P341 # فصل وأما جنايتهم على الأموال فسواء كانت لحر أو لعبد ذلك في رقابهم، ~~يخير سيد العبد الجاني بين أن يسلمه بما استهلك من الأموال أو يفتكه بذلك ~~كان ما استهلك من الأموال أقل من قيمته أو أكثر، أو استهلك ألف مثقال ~~وقيمته عشرة دنانير لم يكن له أن يمسكه إلا بغرم ألف مثقال، إلا أن يرضى ~~منه المجني عليه بدون الألف فيجوز ذلك إن كان المجني عليه حرا مالكا لأمر ~~نفسه أو عبدا مأذونا له في التجارة. وأما إن كان عبدا محجورا عليه أو صبيا ms1251 ~~مولى عليه فلا يجوز ذلك إلا بإذن سيد العبد أو ولي اليتيم. وأما إن رضي ~~المجني عليه بدون قيمة العبد فلا يجوز إلا أن يكون حرا مالكا لأمر نفسه. ~~وإذا أسلم في الجناية فماله تبع له. # فصل وإنما يكون في رقبة العبد ما استهلك من الأموال التي لم يؤتمن عليها. ~~وأما ما استهلك مما أؤتمن عليه بعارية أو كراء أو وديعة أو استعمال أو ما ~~أشبه ذلك فإن ذلك ينقسم على وجهين: # أحدهما: أن يستهلكه بالانتفاع. # والثاني: أن يستهلكه بالإفساد والإهلاك من غير انتفاع به. # فأما إذا استهلكه بالانتفاع مثل أن يكون ثوبا يتعدى عليه فيبيعه ويأكل ~~ثمنه أو طعاما فيأكله بعينه أو ما أشبه ذلك فهذا لا اختلاف فيه أن ذلك في ~~ذمته لا في رقبته. # وأما ما استهلك بالإهلاك والإفساد فقال ابن الماجشون: ذلك في رقبته. وقال ~~ابن القاسم: لا يكون ذلك في رقبته وإنما يكون في ذمته لأنه أؤتمن عليه. # فصل وهذا كله بخلاف ما أفسدت الماشية من الزرع والأموال بالليل، لأن # PageV03P342 # المواشي ليست هي الجانية إذ ليست بمخاطبة ولا بمكلفة، وإنما الجاني ربها ~~إذ لم يمنعها من الإفساد في الليل، فيلزمه غرم ما أفسدت الماشية من الزرع ~~والأموال بالليل من قليل أو كثير، وليس له إسلام الماشية بالفساد. والعبد ~~عاقل مكلف مخاطب فهو الجاني وجناياته في رقبته، فإذا أسلمه سيده فليس عليه ~~أكثر من ذلك، إذ لا يحمل أحد جناية أحد لقول الله عز وجل: {ولا تزر وازرة ~~وزر أخرى} [الأنعام: 164] . ولقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي ~~رمثة في ابنه: «لا تجني عليه ولا يجني عليك» . إلا أن يأمره السيد بالجناية ~~فإن أمره بها اقتص منهما جميعا عند ابن القاسم، كان العبد فصيحا أو أعجميا. ~~وقال ابن وهب: إذا أمر السيد عبده بقتل رجل فإن كان فصيحا اقتص من العبد ~~وضرب السيد مائة وسجن عاما. وإن كان أعجميا اقتص من السيد وضرب العبد مائة ~~وسجن عاما. وأما ما أفسدت الماشية بالنهار فلا شيء على ms1252 صاحبها فيه لقول ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «جرح العجماء جبار» . # فصل وإنما يسقط عنه الضمان فيما أفسدت من الزرع بالنهار إذا أخرجها عن ~~جملة مزارع القرية وتركها بالمسرح. وأما إن أطلقها للرعي قبل أن تخرج من ~~جملة مزارع القرية دون راع يذودها عن الزرع فهو ضامن لما أفسدت، وإن كان ~~معها رعاتها فلا ضمان عليه، وإنما الضمان على الراعي إن فرط أو ضيع حتى ~~أفسدت شيئا. على هذا حمل أهل العلم ما ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قضى على أرباب الزرع بحفظها بالنهار وإن ما أفسدت المواشي بالليل ~~ضامن على أهلها. # فصل والأصل في هذه المسألة قول الله تبارك وتعالى: {وداود وسليمان إذ ~~يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم} [الأنبياء: 78] الآية والنفش لا ~~يكون إلا بالليل، وأما بالنهار فهو الهمل. وشرعنا على هذا في إيجاب الضمان ~~على رب # PageV03P343 # الماشية فيما أفسدت ماشيته بالليل، وأما في صفة التضمين فهو على خلاف ما ~~قضى به سليمان، لأنه قضى لصاحب الزرع أن يستوفي من نسل الماشية ورسلها ما ~~كان يخرج من زرعه على المتعارف. وأما ما قضى به داود - صلى الله عليه وسلم ~~- فيحتمل أن يتأول على شرعنا لأنه قضى بالغنم لصاحب الزرع، فيحتمل أن تكون ~~قيمة الزرع على الرجاء والخوف مثل قيمة الغنم أو أكثر ولا مال لصاحب الغنم ~~غيرها. # وروي عن ابن عباس وابن مسعود أنهما قالا: دخل رجلان على داود صلى الله ~~على نبينا وعليه وسلم، أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الحرث: ~~يا نبي الله إن هذا أرسل غنمه في حرثي ليلا فلم يبق لي منه شيئا. فقال له ~~اذهب فإن الغنم لك كلها، فقضى بذلك داود. فمر صاحب الغنم إلى سليمان فأخبره ~~بالذي قضى به داود فدخل سليمان على داود فقال: يا نبي الله إن القضاء سوى ~~الذي قضيت، فقال وكيف؟ قال سليمان: إن الحرث لا يخفى على صاحبه ما يخرج منه ~~كل عام، فله من صاحب الغنم أن ms1253 يبيع من أولادها وأصوافها وأشعارها حتى ~~يستوفي ثمن الحرث، وإن الغنم لها نسل في كل عام. فقال له داود قد أصبت ~~والقضاء ما قضيت. فهذا معنى قوله: {ففهمناها سليمان} [الأنبياء: 79] . # فصل وليس في قوله تعالى {ففهمناها سليمان} [الأنبياء: 79] دليل على أنه ~~أصاب الحق عند الله في قضائه هذا، وأن داود أخطأه كما يقول من يذهب إلى أن ~~الحق في طرف وأن المجتهد إنما كلف طلب الحق ولم يكلف إدراكه. بل في الآية ~~ما يدل على أن ما حكم به كل واحد منهما حق عند الله في حقه لأنه قال تعالى: ~~{وكلا آتينا حكما وعلما} [الأنبياء: 79] ومن أخطأ في قضية فلا يوصف بأنه ~~أوتي حكما وعلما. وطريق هذه المسألة القطع والعلم لا غلبة الظن، فلا يصح أن ~~يستدل فيها بشيء من الظواهر المحتملة. والذي يقوله المحققون أن كل مجتهد ~~مصيب، وهو الصواب الذي لا يصح خلافه، لأن الله تعالى تعبد المجتهد ~~باجتهاده، فهو مأمور أن يقضي به ويحل # PageV03P344 # به ويحرم به، كما تعبده أن يقضي بشهادة الشاهدين ويحل بهما ويحرم بهما. ~~فإذا لم يجز أن يقال لمن قضى بتحليل أو تحريم في مال أو فرج بشهادة شاهدين ~~عدلين إنه خطأ عند الله إذ لم يتعبد ما خوطب به، كذلك لا يجوز أن يقال لمن ~~أحل أو حرم باجتهاده في موضع الاجتهاد إنه مخطئ عند الله، وليس عن مالك - ~~رحمه الله - في ذلك نص. والذي يدل عليه مذهبه القول بتصويب المجتهدين. ~~والذي يدل على ذلك من مذهبه أن المهدي سأله أن يجمع مذهبه في كتاب ويحمل ~~عليه الناس، فقال له مالك: إن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~تفرقوا في البلاد وأخذ الناس بآرائهم، فدع الناس وما اختاروه. فلولا أن كل ~~مجتهد مصيب عنده لما جاز أن يقر الناس على ما هو الخطأ عنده. ومما يدل على ~~ذلك من مذهبه أيضا قوله في المدونة في الذي يعرف خطه ولا يذكر الشهادة إنها ~~شهادة لا تجوز عنده ولا تصح ولا يحكم بها، ms1254 ولكنه يرفعها ويؤديها كما علم. ~~فلولا أن كل مجتهد عنده مصيب لما أمره أن يؤدي شهادة لا يصح الحكم بها، ~~فلعل القاضي الذي رفعت إليه يحكم بها فيكون قد عرضه للحكم بالخطأ، هذا لا ~~يصح، وهو مذهب الشافعي وجماعة أصحابه. واختلف في ذلك عن أبي حنيفة. وقد ~~تأول بعض الناس على مالك - رحمه الله - أن الحق في طرف واحد من قوله إذ سئل ~~عن اختلاف أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: مخطئ ومصيب. وهذا ~~لا يصح، لأنه لم يقل مخطئ عند الله، وإنما أراد أنه مخطئ عنده فلا يصح له ~~اتباعه والحكم بمذهبه. وإذا احتمل قوله هذا بطل الاستدلال به. واستدل أيضا ~~بعض الناس على ذلك من مذهبه من قوله فيمن خفيت عليهم القبلة إنهم يجتهدون ~~في طلبها ولا يصلي أحد منهم مؤتما بصاحبه إذا خالفه في الاجتهاد. قال: فلو ~~كان كل واحد منهم مصيبا في اجتهاده لجاز أن يأتم كل واحد منهم بصاحبه. وهذا ~~لا يلزم لأن من ائتم بمن صلى إلى جهة ما فهو مصل إلى تلك الجهة، لأن صلاته ~~مرتبطة بصلاة إمامه وهو متعبد باجتهاده لا يجوز له أن يتركه لاجتهاد غيره. ~~فمن هذا الوجه قال مالك: إنه لا يجوز أن يأتم أحد منهم بصاحبه إذا خالفه في ~~الاجتهاد، لا من الوجه الذي ذكر والله أعلم. # PageV03P345 ### | كتاب الجامع # ] [ # باب في ذكر نسب النبي عليه السلام وما يتعلق بشخصه وبيته. # قال محمد بن رشد - رضي الله عنه - بعد حمد الله تعالى وجل حق حمده. ~~والصلاة على نبيه الكريم وعبده: إني لما ضمنت الجزء الأول من كتاب المقدمات ~~بيان ما يجب اعتقاده من المعتقدات التي أوجبها الله عز وجل على المكلفين من ~~عباده، من الإيمان به والإقرار بوحدانيته، والمعرفة به على ما هو عليه من ~~صفات ذاته وأفعاله، بما نصب لهم من الدلالات على ذلك في محكم كتابه، ~~والإيمان برسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - والتصديق لما جاء به من عنده، ~~والمعرفة لصحة رسالته ونبوته بالدلالة الظاهرة، ms1255 والمعجزات الباهرة، التي ~~أظهرها الله تعالى وأحكام الكتاب من ناسخه ومنسوخه، وخاصه وعامه، ومفصله ~~ومجمله، ونصه ومحتمله، وحقيقته ومجازه، وأحكام السنن وتقاسيمها، وحقيقة ~~الإجماع، ووجه القياس ووجوب الحكم به فيما لم يرد به نص في الكتاب ولا في ~~السنة ولا فيما اجتمعت عليه الأمة. وما تنقسم عليه أحكام الشرائع من واجب ~~ومستحب ومباح وحرام ومكروه وتفسير ذلك كله وبيانه. وضمنا سائر الأجزاء ~~أحكام جميع شرائع الدين فرائضها وسننها وفضائلها وشرائط صحتها وفسادها، ~~رأيت أن أختمه بجزء جامع يحتوي على ما تهم معرفته من العلم بنسب النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وأزواجه وأولاده وعيون # PageV03P347 # سيره وأخباره، من حين مولده إلى وقت وفاته، وعلى جمل مما يحق معرفته مما ~~يجب على الإنسان في خاصته أو يحرم عليه أو يستحب له أو يكره له أو يباح له ~~في مطعمه ومشربه وملبسه وجميع شأنه؛ وعلى بيان فضل مكة والمدينة، وفضل مالك ~~إمام دار الهجرة ومقدار مرتبته في العلم والله الموفق للصواب لا رب غيره ~~ولا معبود سواه. ### || باب في ذكر نسب النبي - عليه السلام - ومولده ومبعثه وصفته وأسمائه وأخلاقه وسنه ووفاته وأزواجه وأولاده وهجرته وبعوثه وغزواته # هو - صلى الله عليه وسلم - محمد بن عبد الله بن عبد ~~المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب ~~بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن ~~نزار بن معد بن عدنان. روي هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - واتفق على ~~صحته أهل العلم بالنسب لم يختلفوا في شيء منه. وإنما اختلفوا فيما بين ~~عدنان وإسماعيل بن إبراهيم - عليهما السلام -، وفيما بين إبراهيم وآدم - ~~عليهما السلام - اختلافا كثيرا لا يقطع على صحة شيء منه. روي عن ابن عباس ~~أنه قال: فيما بين معد بن عدنان إلى إسماعيل ثلاثون أبا. ولا اختلاف بينهم ~~في أن نزارا بأسرها وهم ربيعة ومضر هي الصريخ من ولد إسماعيل، وقريش وهم ~~بنو النضر ms1256 بن كنانة. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله اصطفى ~~كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من بني كنانة واصطفى بني هاشم من قريش، ~~واصطفاني من بني هاشم» . # PageV03P348 # واسم هاشم عمرو، وإنما قيل لهاشم لأنه أول من هشم الثريد لقومه. واسم قصي ~~يزيد، وإنما قيل له قصي لأنه تقصى مع أمه أخواله ومكن معهم في باديتهم فبعد ~~عن مكة وكان يدعى مجمعا لأنه لما رجع إلى مكة من عند أخواله جمع قبائل قريش ~~بمكة حين انصرافه. واسم عبد مناف المغيرة ويكنى أبا عبد شمس واختلف في عبد ~~المطلب فقيل اسمه عبد المطلب، وقيل اسمه شيبة، وكان يقال له شيبة الحمد ~~لشيبة كانت في ذؤابته. وقال من قال ذلك إنما قيل له عبد المطلب لأن أباه ~~هاشما قال لأخيه المطلب وهو بمكة حين حضرته الوفاة أدرك عبد المطلب بيثرب ~~فسمي عبد المطلب، والله أعلم. ### || فصل في نسب أمه عليه السلام ووقت ولادتها إياه # فصل في # نسب أمه - عليه السلام - ووقت ولادتها إياه وأم رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب تزوجها عبد الله ابن ~~عبد المطلب وهو ابن ثلاثين سنة وقيل ابن خمس وعشرين سنة، خرج به أبوه عبد ~~المطلب إلى وهب بن عبد مناف فزوجه ابنته. وقيل كانت آمنة في حجر عمها وهيب ~~بن عبد مناف، فخطب إلية ابنته هالة لنفسه، وخطب إليه ابنة أخيه آمنة على ~~ابنه عبد الله، فزوجه وزوج ابنه في مجلس واحد. فولدت هالة لعبد المطلب حمزة ~~وولدت آمنة لعبد الله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. حملت به - صلى ~~الله عليه وسلم - في شعب أبي طالب عند الجمرة الوسطى، وولدته - صلى الله ~~عليه وسلم - بمكة في الدار التي كانت تدعى لحمد بن يوسف أخي الحجاج، عام ~~الفيل إذ ساقته الحبشة إلى مكة في جيشهم لغزو البيت، فردهم الله عز وجل عنه ~~وأرسل عليهم طيرا أبابيل فأهلكتهم، لا اختلاف في ذلك. قيل يوم الاثنين ~~لاثنتي ms1257 عشرة ليلة خلت من # PageV03P349 # رمضان، وقيل يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول. وقيل لثمان خلون ~~منه. وقيل لاثنتي عشرة ليلة خلت منه. وقيل أول اثنين منه. وقد قيل إنه ولد ~~في شعب بني هاشم، ولا خلاف أنه ولد عام الفيل. وقد روي عن ابن عباس أنه ~~قال: ولد يوم الفيل، فيحتمل أن يكون أراد اليوم الذي حبس الله فيه الفيل عن ~~وطء الحرم وأهلك الذين جاءوا به، ويحتمل أن يكون أراد بقوله يوم الفيل عام ~~الفيل. ### || فصل في مرضعات النبي عليه السلام # فصل في # مرضعات النبي - عليه السلام - فأرضعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وحمزة ثويبة جارية أبي لهب، وأرضعت معهما أبا سلمة بن عبد الأسد. فالنبي - ~~عليه السلام - وحمزة وأبو سلمة إخوة من الرضاعة. وروي عن ابن عباس أنه قال: ~~«قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم - ألا تتزوج ابنة حمزة؟ قال: إنها ابنة ~~أخي من الرضاعة» وروي عن عراك بن مالك «أن زينب ابنة أبي سلمة أخبرته أن أم ~~حبيبة قالت: يا رسول الله إنا قد تحدثنا أنك خطبت درة بنت أبي سلمة، فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أعلى أم سلمة لو أني لم أنكح أم سلمة لم ~~تحل لي لأن أباها أخي من الرضاعة» وأعتق أبو لهب ثويبة بعد أن هاجر رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - من مكة إلى المدينة، فكان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يبعث إليها من المدينة بكسوة وصلة حتى ماتت بعد فتح خيبر. # ثم استرضع له - صلى الله عليه وسلم - في بني سعد بن بكر حليمة بنت أبي ~~ذؤيب السعدية. فردته ضئره حليمة إلى أمه آمنة بعد خمس سنين ويومين من ~~مولده، فأخرجته أمه آمنة إلى أخوال أبيه بني النجار تزورهم بعد سبع سنين من ~~مولده، فتوفيت بعد ذلك بالأبواء ومعها النبي، فقدمت به أم أيمن مكة بعد موت ~~أمه بخمسة أيام. # PageV03P350 ### || فصل في سن النبي عليه السلام يوم مات أبوه # فصل في # سن النبي- عليه السلام - يوم مات ms1258 أبوه ومات أبوه عبد الله بن عبد المطلب ~~وأمه حامل به - صلى الله عليه وسلم - وقيل: بل توفي بالمدينة والنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ابن ثمانية وعشرين شهرا. وقبره بالمدينة في دار من دور ~~بني عدي بن النجار. # وكان خرج إلى المدينة ليمتار قمحا، وقيل إنه كان ابن سبعة أشهر، وقيل إنه ~~كان ابن شهرين، ولم يكن له ولد غير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكفله ~~جده وعمه. فتوفي جده عبد المطلب سنة تسع من عام الفيل. وقيل بل توفي وهو - ~~صلى الله عليه وسلم - ابن ثمان سنين. وقيل بل توفي وهو ابن ثلاث سنين. ~~فأوصى به إلى ابنه أبي طالب، فصار في حجره حتى بلغ خمس عشرة سنة، ثم انفرد ~~بنفسه. # وكان أبو طالب يحبه، وكان هو مائلا إليه لوجاهته في بني هاشم وسنه، وكان ~~مع ذلك شقيق أبيه. ### || فصل في سن النبي صلى الله عليه وسلم يوم تزوج خديجة وذكر أولاده منها # فصل في # سن النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم تزوج خديجة # وذكر أولاده منها وتزوج - صلى الله عليه وسلم - خديجة بنت خويلد وهو ابن ~~إحدى وعشرين سنة. قيل وهو ابن ثلاثين سنة. وهي ثيب بعد زوجين كانا لها. قيل ~~إنها كانت يومئذ بنت ثلاث وأربعين سنة. وقيل بنت أربعين سنة، وإنها ولدت ~~قبل الفيل بخمس عشرة سنة. وروي أنه خرج في تجارة، فرآه نسطور قد أظلته ~~غمامة فقال: هذا نبي. وتوفيت - رضي الله عنها - قبل الهجرة إلى المدينة ~~بثلاث سنين، وقيل بأربع سنين، وقيل: بخمس سنين. وكانت حين وفاتها بنت خمس ~~وستين سنة، وهي أول من آمن به - صلى الله عليه وسلم - ولم يجمع معها غيرها، ~~ولا تزوج سواها من أزواجه إلا بعد موتها. # PageV03P351 # وولده - صلى الله عليه وسلم - كلهم منها حاشا إبراهيم فإنه من مارية ~~القبطية، أربع بنات: زينب وفاطمة، ورقية، وأم كلثوم. والأصح أن رقية هي ~~الثانية بعد زينب ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، ولا اختلاف في أن زينب أكبرهن. ~~قيل إنها ولدت ms1259 في سنة ثلاثين من مولد النبي - صلى الله عليه وسلم - وماتت ~~في سنة ثمان للهجرة. أسلمت وهاجرت حين أبى زوجها أبو العاصي أن يسلم، ثم ~~أسلم بعدها وهاجر. # وتزوج عثمان بن عفان رقية بمكة، وهاجرت معه إلى أرض الحبشة، فولدت له ~~هناك ابنا سماه عبد الله فبه كان يكنى. وتوفيت يوم وقعة بدر، وبسبب مرضها ~~تخلف عثمان عن شهود بدر بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فضرب له ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسهمه فهو من أهل بدر. # وتزوج بعدها أم كلثوم، فتوفيت عنده ولم تلد منه، فكان نكاحه لها في ربيع ~~الأول، وبنى بها في جمادى الآخرة من السنة الثالثة من الهجرة. وتوفيت في ~~سنة تسع منها. وصلى عليها أبوها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكانت ~~رقية تحت عتبة بن أبي لهب، وأختها أم كلثوم تحت عتيبة بن أبي لهب. فلما ~~نزلت: {تبت يدا أبي لهب وتب} [المسد: 1] قال لهما: أبوهما لهب وأمهما حمالة ~~الحطب: فارقا ابنتي محمد. وقال أبو لهب: رأسي من رأس أمكما حرام إن لم ~~تفارقا ابنتي محمد، ففارقاهما. # وتزوج علي بن أبي طالب فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيدة ~~نساء العالمين، بعد وقعة أحد. وقيل إنه تزوجها بعد أن ابتنى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بعائشة بأربعة أشهر ونصف، وبنى بها بعد تزوجه إياها ~~بسبعة أشهر ونصف، وكان سنها يوم تزوجها خمس عشرة سنة وخمسة أشهر ونصف، وسن ~~علي - رضي الله عنه - يومئذ إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر. فولدت له الحسن ~~والحسين وأم كلثوم، وزينب، ولم # PageV03P352 # يتزوج عليها غيرها حتى ماتت. وتوفيت- رضي الله عنها - بعد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بيسير. قيل: بثلاثة أشهر، وقيل: بستة أشهر. وقيل: ~~بثمانية أشهر. # واختلف في ولده - صلى الله عليه وسلم - وهم الذكور من خديجة. فقيل: ~~أربعة: القاسم وبه كان يكنى، وعبد الله، والطيب، والطاهر. وقيل ثلاثة: ~~القاسم وعبد الله وهو الطيب. سمي بذلك لأنه ولد في الإسلام، والطاهر. وقيل ~~اثنان: ms1260 القاسم، وعبد الله وهو الطاهر والطيب، فلعبد الله على هذا ثلاثة ~~أسماء. # وقد حكى معمر عن ابن شهاب أن بعض أهل العلم قال: ما نعلمها ولدت له إلا ~~القاسم، وولدت له بناته الأربع. وعاش القاسم فيما روي حتى مشى. ### || فصل في ذكر أزواجه عليه السلام # فصل في # ذكر أزواجه- عليه السلام - وأزواجه - صلى الله عليه وسلم - اللواتي لم ~~يختلف فيهن إحدى عشرة امرأة. # أولهن خديجة بنت خويلد القرشية الأسدية، من بني أسد بن عبد العزى بن قصي، ~~وقد مضى القول فيها. # ثم سودة العامرية من بني عامر بن لؤي. تزوجها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بمكة بعد موت خديجة، وكانت تحت ابن عم لها يقال له السكران بن عروة. ~~بنى بها بمكة في سنة عشر من الهجرة، وكانت امرأة ثقيلة ثبطة، وأسنت عند ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهم بطلاقها، فقالت: لا تطلقني وأنت حل ~~من شأني، فإنما أريد أن أحشر من نسائك، وإني قد وهبت يومي لعائشة وإني لا ~~أريد ما تريد النساء. فأمسكها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى توفي ~~عنها. فتوفيت بعده في آخر زمان عمر بن الخطاب. # PageV03P353 # ثم عائشة بنت أبي بكر الصديق التميمية القرشية، تزوجها رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بمكة بكرا بعد موت خديجة قبل الهجرة، قيل بسنتين، وقيل ~~بثلاث سنين، وهي بنت ست سنين أو سبع سنين، وابتنى بها في المدينة وهي بنت ~~تسع سنين فأقام معها تسع سنين. وتوفي عنها وهي بنت ثمان عشرة سنة. وعاشت ~~بعده - صلى الله عليه وسلم - ثمان وأربعين سنة. وتوفيت سنة سبع وخمسين، وهي ~~بنت ست وستين سنة. ولم يكن من زوجاته - صلى الله عليه وسلم - من تزوج بكرا ~~غيرها. # ثم أم سلمة المخزومية، واسمها هند بنت أبي أمية المعروف بزاد الراكب أحد ~~أجواد قريش المشهورين بالكرم. كانت قبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~تحت أبي سلمة بن عبد الأسد، فولدت له سلمة وبه كانت تكنى، وعمرو، وزينب. # فلما توفي أبو سلمة خطبها ms1261 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتزوجها سنة ~~اثنتين من الهجرة في شوال، وابتنى بها في شوال، وقال لها: «إن شئت سبعت ~~عندك وسبعت عندهن، وإن شئت ثلثت عندك ثم درت. فقالت: ثلث» . وتوفيت سنة ~~ستين في أول خلافة يزيد بن معاوية. وقيل في رمضان من سنة تسع وخمسين، وصلى ~~عليها أبو هريرة لوصيتها بذلك. وكان والي المدينة يومئذ مروان بن الحكم، ~~وقيل الوليد بن عقبة، ودفنت بالبقيع. # ثم حفصة بنت عمر بن الخطاب العدوية القرشية أخت عبد الله بن عمر لأبيه ~~وأمه. أمها زينب بنت مظعون الجمحي. تزوجها - صلى الله عليه وسلم - سنة ثلاث ~~من الهجرة في شعبان. وقيل سنة اثنتين من التاريخ. وكانت قبله تحت: خنيس بن ~~حذافة السهمي. فلما تأيمت منه خطبها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فتزوجها، وطلقها تطليقة ثم ارتجعها، وذلك «أن جبريل - عليه السلام - نزل ~~عليه فقال له: ارتجع حفصة فإنها صوامة قوامة وإنها زوجتك في الجنة» . ~~وتوفيت حين بايع الحسن لمعاوية سنة إحدى وأربعين. وقيل سنة سبع وأربعين. # ثم زينب بنت خزيمة الهلالية العامرية. كانت تدعى في الجاهلية أم # PageV03P354 # المساكين، وذلك- والله أعلم- لرأفتها بهم، وإحسانها إليهم. وكانت تحت عبد ~~الله بن جحش فقتل عنها يوم أحد، فتزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~سنة ثلاث. ولم تلبث إلا يسيرا شهرين أو ثلاثة، وتوفيت في حياته. ولم تمت من ~~زوجاته - صلى الله عليه وسلم - في حياته غيرها وغير خديجة. وقيل إنها كانت ~~أخت ميمونة لأمها. # ثم زينب بنت جحش الأسدية ابنة عمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم. تزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~سنة خمس من الهجرة. وكانت قبله تحت زيد بن حارثة الذي كان تبنى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وهي التي قال الله فيها: {فلما قضى زيد منها وطرا ~~زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن ~~وطرا} [الأحزاب: 37] . وذلك أنه لما تزوجها قال المنافقون تزوج حليلة ms1262 ابنه ~~وقد كان ينهي عن ذلك، فأنزل الله الآية المذكورة وأنزل: {ما كان محمد أبا ~~أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين} [الأحزاب: 40] وقال تعالى: ~~{ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ~~ومواليكم} [الأحزاب: 5] . فدعي من حينئذ زيد بن حارثة، وقد كان يدعى زيد بن ~~محمد. وكانت أول أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - وفاة بعده ولحوقا به، ~~توفيت سنة عشرين في خلافة عمر في السنة التي افتتحت فيها مصر، وقيل سنة ~~إحدى وعشرين في السنة التي افتتحت فيها الإسكندرية. # ثم أم حبيبة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية. اسمها رملة وهو المشهور ~~وقيل هند. كانت تحت عبيد الله بن جحش الأسدي خرج بها مهاجرا من مكة إلى أرض ~~الحبشة مع المهاجرين، فولدت له هناك حبيبة التي كانت تكنى بها، ثم افتتن ~~وتنصر ومات نصرانيا. وأبت أم حبيبة أن تتنصر وأبى الله لها إلا الإسلام ~~والهجرة، فتزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قيل خطبها بعد أن قدمت ~~المدينة فزوجها إياه عثمان وهي بنت عمه، وقيل بل خطبها إلى النجاشي فتزوجها ~~وهي بأرض الحبشة # PageV03P355 # وهو المشهور. فولي عقد نكاحها النجاشي لأنه أسلم فكان وليها هناك، ومهرها ~~أربعة آلاف درهم وبعث بها إلى شرحبيل ابن حسنة وجهزها من عنده، ولم يبعث ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - إليها شيئا وكان مهور سائر أزواج النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أربعمائة درهم. وقيل أيضا لما أرسل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - إلى النجاشي في أمرها خطبها النجاشي عليه وأمهرها عنه أربعة آلاف ~~درهم، وعقد عليها خالد بن سعيد بن العاصي. وكان زواجه لها على ما ذكر في ست ~~من تاريخ الهجرة، وتوفيت- رضي الله عنها - سنة أربع وأربعين. # ثم جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار أحد بني المصطلق، سباها يوم المريسيع ~~وحجبها وقسم لها، قال ذلك ابن شهاب. وقال أبو عبيدة تزوجها رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في سنة خمس من التاريخ، وتوفيت في ربيع ms1263 الأول سنة ست ~~وخمسين وكان اسمها برة فسماها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جويرية. ~~وروي أنها كانت قد وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس أو ابن عم له، فكاتبته ~~على نفسها وكانت امرأة جميلة. # قالت عائشة: «كانت جويرية امرأة عليها حلاوة وملاحة لا يكاد يراها أحد ~~إلا وقعت بنفسه. قالت: فأتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لتستعينه على ~~كتابتها. قالت: فو الله ما هو إلا أن رأيتها على باب الحجرة فكرهتها وعرفت ~~أنه سيرى منها ما رأيت، فقالت يا رسول الله: جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار ~~سيد قومه وقد أصابني من الأمر ما لم يخف عليك فوقعت في سهم لثابت بن قيس أو ~~لابن عم له فكاتبته على نفسي وجئتك أستعينك. فقال لها: هل لك في خير من ~~ذلك؟ قالت وما هو يا رسول الله؟ قال أقضي كتابتك وأتزوجك. قالت نعم. قال: ~~قد فعلت. فخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تزوج ~~جويرية بنت الحارث، فقال الناس: أصهار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فأرسلوا ما بأيديهم من سبايا بني المصطلق. قالت عائشة: فلم نعلم امرأة كانت ~~أعظم بركة على قومها منها» . # ثم صفية بنت حيي بن أخطب اليهودي من سبط هارون - عليه السلام - من سبايا ~~خيبر، صارت في سهمانه - صلى الله عليه وسلم - فأعتقها وتزوجها في سنة سبع ~~من الهجرة، # PageV03P356 # وجعل عتقها صداقها، وقيل إنه اشتراها بأرؤس، وقيل إنه اصطفاها. روي عن ~~أنس «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما جمع سبي خيبر جاءه دحية فقال ~~أعطني جارية من السبي، فقال اذهب فخذ جارية، فذهب فأخذ صفية بنت حيي فقيل: ~~يا رسول إنها سيدة قريظة والنضير ما تصلح إلا لك. فقال له النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: خذ جارية من السبي غيرها» وتوفيت- رضي الله عنها - في زمن ~~معاوية في رمضان من سنة خمسين. وكانت امرأة حسيبة جميلة عاقلة فاضلة. روي ~~«أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها ms1264 وهي تبكي، فقال لها ما ~~يبكيك؟ فقالت بلغني أن حفصة وعائشة تنالان مني وتقولان نحن خير من صفية نحن ~~بنات ابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأزواجه، فقال لها: ألا قلت ~~لهن كيف تكن خيرا مني وأبي هارون وعمي موسى وزوجي محمد - صلى الله عليه ~~وسلم -» . # ثم ميمونة بنت الحارث بن حرن الهلالية خالة عبد الله بن عباس. تزوجها ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سنة سبع في عمرة القضاء، جعلت أمرها إلى ~~أختها أم الفضل وكانت تحت العباس، فولت أم الفضل زوجها العباس فأنكحها إياه ~~العباس، قيل قبل أن يحرم بعمرته، وقيل وهو محرم بها، وقيل بعد أن حل منها. ~~فلما تمت الثلاثة الأيام أوصت إليه قريش أن يخرج مكة ولم يمهلوه أن يبني ~~بها فيها، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبني بها بسرف. وتوفيت- ~~رضي الله عنها - بسرف في الموضع الذي ابتنى بها فيه سنة إحدى وخمسين، وقيل ~~سنة ثلاث وستين، وقيل سنة ست وستين. فهؤلاء أزواجه اللواتي لم يختلف فيهن، ~~فحصل العلم بنقل التواتر بهن، وهن إحدى عشرة امرأة، منهن ست من قريش: ~~خديجة، وسودة، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة، وأم حبيبة، وأربع من العرب: زينب ~~بنت خزيمة، وزينب بنت جحش، وجويرية، وميمونة؛ وواحدة من بني إسرائيل وهي ~~صفية. توفي منهن اثنتان في حياته: خديجة أول نسائه، وزينب بنت خزيمة. وتوفي ~~- صلى الله عليه وسلم - عن التسع الباقيات على ما تقدم من ذكرهن. # PageV03P357 ### || فصل في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللواتي فارقهن # فصل في # وأما اللواتي نقل من طريق الآحاد أنه تزوجهن ثم فارقهن فسبع نسوة، على ما ~~ذكر علي بن المعمر عن أبي عبيدة معمر بن المثنى أنه قال: جملة من تزوج ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ثمان عشرة امرأة، وقيل بل أكثر من سبع. # فمنهن فاطمة بنت الضحاك بن سفيان الكلابي. قيل إن أباها الضحاك عرضها على ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال إنها لم تصدع قط، فقال لا حاجة لي بها. ms1265 ~~وقيل إنه تزوجها بعد وفاة ابنته زينب وخيرها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - حين أنزلت آية التخيير فاختارت الدنيا ففارقها رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فكانت تلقط البعر وتقول أنا الشقية اخترت الدنيا. وليس ذلك ~~بصحيح، إذ قد قيل إنه لم يكن عند النبي - صلى الله عليه وسلم - حين خير ~~أزواجه إلا التسع نسوة وهن اللواتي توفي عنهن. وقد قال جماعة: إن التي كانت ~~تقول أنا الشقية هي التي كانت استعاذت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وقد اختلف في المستعيذة منه اختلافا كثيرا. # ومنهن أسماء بنت النعمان من بني الجون من كندة. لم يختلفوا في أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - تزوجها، واختلفوا في قصة فراقها، فقيل إنه ~~«لما دخلت عليه دعاها فقالت تعال أنت وأبت أن تجيء؛ وقيل إنها قالت أعوذ ~~بالله منك فقال لها: لقد عذت بمعاذ وقد أعاذك الله مني فطلقها؛» وقيل إن ~~التي استعاذت منه إنما كانت امرأة جميلة من بني سليم تزوجها رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فخاف نساؤه أن تغلبهن عليه، فقلن لها إنه يعجبه أن ~~تقولي له أعوذ بالله منك، فقالته لما أدخلت عليه ودعاها فطلقها. وقيل بل ~~إنما قال أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك لأسماء بنت النعمان ~~الكندي لأنها # PageV03P358 # كانت من أجمل النساء فخفن أن تغلبهن على النبي - صلى الله عليه وسلم -. ~~وقيل إن التي استعاذت من النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقيل إن التي ~~استعاذت من النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما كانت امرأة جميلة من سبي بني ~~العنبر كان أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتخذها. وقيل إنه إنما ~~فارق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسماء بنت النعمان الكندية من أجل ~~وضح من بياض كان بها. وقد اختلف في اسمها فقيل أميمة وقيل أمامة. ولما لحقت ~~بأهلها خلف عليها- فيما روي- المهاجر بن أبي أمية المخزومي، ثم قيس بن ~~مكشوح المرادي. # ومنهن العالية بنت ظبيان بن عمرو الكلابية، تزوجها رسول الله - صلى ms1266 الله ~~عليه وسلم - وكانت عنده ما شاء الله ثم طلقها، فقال ابن شهاب: وبلغنا أن ~~العالية بنت ظبيان التي تزوجت قبل أن يحرم نساءه نكحت ابن عم لها من قومها ~~وولدت فيهم. # ومنهن سناء بنت أسماء بنت الصلت السلمية تزوجها رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فماتت قبل أن يدخل بها، وقيل إنه طلقها قبل أن يدخل بها. وقد ~~اختلف فيها وفي اسمها فقيل أسماء بنت الصلت وقيل غير ذلك. # ومنهن قتيلة بنت قيس بن معد يكرب الكندية أخت الأشعث بن قيس. تزوجها رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - في سنة عشر ثم قبض ولم تكن قدمت عليه ولا رآها ~~ولا دخل بها فخلف عليها عكرمة ابن أبي جهل بحضرموت فبلغ ذلك أبا بكر الصديق ~~فقال: لقد هممت أن أحرق عليها بيتها فقال له عمر بن الخطاب ما هي من أمهات ~~المؤمنين ولا دخل بها ولا ضرب عليها الحجاب. وقيل إنها ارتدت حين ارتد ~~أخوها بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم راجعا الإسلام، فاحتج عمر ~~على أبي بكر أنها ليست من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - بارتدادها. # ومنهن أم شريك الأنصارية، تزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم ~~يدخل بها لأنه كره عفرة نساء الأنصار. # PageV03P359 # ومنهن فاطمة بنت شريح ذكرها أبو عبيدة في أزواج النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ولم يذكرها ابن عبد البر في الصحابة. # ومنهن هند بنت يزيد بن العرطا من بني بكر بن كلاب. ذكرها أبو عبيدة في ~~أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقيل هي عمرة بنت يزيد. قال ابن عبد ~~البر: والاختلاف فيها كثير. # ومنهن الشفباء فإنها لما دخلت عليه لم تكن بالبشرة لما دخلت عليه فانتظر ~~بها البشر ومات إبراهيم ولده - صلى الله عليه وسلم - على بغتة ذلك، فقالت ~~لو كان نبيا ما مات أحب الناس إليه وأعزهم عليه، فطلقها وأوجب لها المهر ~~وحرمت على الأزواج. # ومنهن مليكة بنت داود الليثية ذكرها ابن حبيب في أزواجه اللواتي يبن بهن، ~~ولم ms1267 يذكرها ابن عبد البر في الصحابة. # ومنهن شراف بنت خليفة الكلبية، أخت دحية بن خليفة الكلبي. تزوجها رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فهلكت قبل دخوله بها. ذكر ذلك ابن عبد البر في ~~كتاب الصحابة. # ومنهن ليلى بنت الخطيم بن عدي من بني الحارث بن الخزرج. روي «أنها أقبلت ~~إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو مولي ظهره الشمس فضربت على منكبه، ~~فقال: من هذه؟ قالت: أنا ابنة مباري الريح أنا ليلى بنت الخطيم جئتك أعرض ~~عليك نفسي فتزوجني، قال قد فعلت. فرجعت إلى قومها فقالت تزوجني رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فقالوا بئس ما صنعت. أنت امرأة غيراء والنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - صاحب أزواج استقيلي نفسك. فرجعت إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فقالت أقلني، قال قد أقلتك» . # ومنهن خولة بنت الهذيل. روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تزوجها، ~~وقع ذلك في كتاب ابن أبي خيثمة، ولم يذكرها ابن عبد البر في كتاب الصحابة. # ومنهن ليلى بنت حكيم الأنصارية الأوسية التي وهبت نفسها للنبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ذكرها # PageV03P360 # أحمد بن صالح المصري في أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يذكرها ~~غيره فيهن علمت. قاله ابن عبد البر. ### || فصل في سراري النبي صلى الله عليه وسلم # فصل في # سراري النبي - صلى الله عليه وسلم - وتسرى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - مارية القبطية، وهي مارية بنت شمعون، أهداها له المقوقس صاحب ~~الإسكندرية ومصر، فولدت له ابنه إبراهيم في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة، ~~وتوفي في بني مازن عند مرضعته أم بردة سنة عشر وهو ابن ثمانية عشر شهرا. ~~وقيل بل توفي وهو ابن ستة عشر شهرا. وقيل إن وفاته كانت لعشر ليال خلت من ~~ربيع الأول سنة عشر. وتوفيت مارية في خلافة عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما ~~- وذلك في المحرم من سنة ست عشرة وكان عمر يحشر الناس بنفسه لشهادة ~~جنازتها، فصلى عمر عليها ودفنت بالبقيع. # وتسرى أيضا ريحانة بنت شمعون من ms1268 بني قريظة، وقيل من بني النضير، والأكثر ~~أنها قريظة، ثم أعتقها فلحقت بأهلها. وقيل إنه تزوجها ثم فارقها، وقيل بل ~~مات عنها وهي زوجة، وقيل ماتت قبل وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -. ~~ويقال إن وفاتها كانت سنة عشر مرجعه من حجة الوداع. وذكر أبو عبيدة معمر بن ~~المثني أنه كان له - صلى الله عليه وسلم - أربع ولائد: مارية القبطية، ~~وريحانة من بني قريظة، وجارية أخرى جميلة أصابها في السبي فكادها نساءه ~~وخفن أن تغلبهن عليه. وكانت له جارية نفيسة وهبتها له زينب بنت جحش، وكان ~~هجرها في شأن صفية بنت حيي، فلما رضي عنها ودخل عليها وهبتها له، وذلك في ~~الشهر الذي قبض فيه - صلى الله عليه وسلم -. # فيتحصل من جملة ما ذكر من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - الإحدى ~~عشرة امرأة اللواتي لم يختلف فيهن ونقل التواتر أمرهن خمس عشرة امرأة، ~~والله تعالى أعلم. # PageV03P361 ### || فصل في صفة النبي صلى الله عليه وسلم # فصل في # صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - وصفته - صلى الله عليه وسلم - على ما ~~روي وجاءت به الآثار أنه كان ربعة من القوم ليس بالطويل البائن ولا ~~بالقصير، فكان طوله على ما وصف به من هذا طولا وسطا حسنا غير معيب، ضخم ~~الرأس كثير شعره، رجلا غير سبط، وجعدا غير قطط، كأنه زهرة بالمشط قد رجل ~~ومشط، كث اللحية توفي وفي عنفقته شعرات بيض، أزهر اللون أبيض مشوب بحمرة، ~~في وجهه تدوير، أدعج العينين عظيمهما تشوبهما حمرة، أهدب الأشفار، شثن ~~الكفين والقدمين، جليل المشاش وهي رؤوس العظام، ذو مسربة وهي شعرات تتصل ~~بالصدر إلى السرة. إذا مشى تكفأ كأنما يمشي في صبب، وإذا التفت التفت معا. ~~بين كتفيه خاتم النبوءة - صلى الله عليه وسلم -. ### || فصل في أخلاقه عليه السلام # فصل في # أخلاقه - عليه السلام - أما أخلاقه فلا يحصى الحسن منها كثرة. منها أنه ~~أجود الناس كفا، وأوسع الناس صدرا، وأصدق الناس لهجة، وأوفى الناس ذمة، ~~وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن ms1269 خالطه معرفة أحبه، ~~يقول ناعته لم أر قبله ولا بعده مثله - صلى الله عليه وسلم -. ويكفي من ذلك ~~قول الله عز وجل: {وإنك لعلى خلق عظيم} [القلم: 4] . # وقد «سئلت عائشة - رضي الله عنها - عن خلقه - صلى الله عليه وسلم - ~~فقالت: كان خلقه وأمره القرآن واتباعه تريد أنه كان يعفو ويصفح ويحسن ويعرض ~~عن الجاهلين، لقول # PageV03P362 # الله عز وجل: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} [الأعراف: 199] » ~~وقوله: {والعافين عن الناس والله يحب المحسنين} [آل عمران: 134] . وروي ~~عنها أنها قالت: «ما ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده شيئا قط ~~إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا ضرب خادما ولا امرأة قط، ولا خير في أمرين ~~إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما ~~انتقم لنفسه من شيء يؤذى به إلا أن تنتهك لله حرمة فينتقم لله» لقول الله ~~عز وجل: {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون} [الشورى: 39] وقوله في ~~الزناة: {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم ~~الآخر} [النور: 2] وقوله في المحاربين: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ~~ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم ~~من خلاف أو ينفوا من الأرض} [المائدة: 33] الآية إلى قوله تعالى {إلا الذين ~~تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم} [المائدة: 34] ~~ولقد أحسن صاحبنا الفقيه أبو العباس في قوله في قصيدة له حيث قال: # يأيها المتعاطي وصف سؤدده ... لا تعرضن لكيل البحر بالغمر # فإنه كان مفطورا على شيم ... معدومة المثل لم يخلقن في البشر ### || فصل في أسمائه عليه السلام # فصل # في أسمائه - عليه السلام - وأما أسماؤه فكثيرة. ذكر مالك في موطئه عن ابن ~~شهاب عن محمد بن جبير # PageV03P363 # ابن مطعم «أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - قال: لي خمسة أسماء، أنا ~~محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي ~~يحشر الناس على قدمي، يريد يتبعوني، وأنا العاقب» . وليس ms1270 في قوله- صلى الله ~~عليه وسلم - لي خمسة أسماء دليل على أنه لا أسماء له غيرها، إذ لا ينتفي ~~عنه بذكر بعض أسمائه وإن ذكر عددها سائرها. وهذا كما تقول: في فلان ثلاث ~~خصال وهي كذا وكذا، فلا ينتفي أن تكون له خصال سواها؛ لأن أسماءه هذه ~~الخمسة مشتقة عن صفاته، فلا يمتنع أن يكون له أسماء سواها مشتقة من صفاته. ~~بل قد جاء ذلك، فروي هذا الحديث من رواية محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه ~~وزاد فيه: وقد سماه الله رؤوفا رحيما. وروي أيضا في أسمائه المقفي، ونبي ~~التوبة، ونبي الملحمة. وسماه الله عز وجل خاتم النبيئين. وجائز أن ينضاف ~~إلى هذه الأسماء المروية سواها مما هو مشتق من صفاته - صلى الله عليه وسلم ~~-، لأن هذه أيضا مشتقة من صفاته: محمد وأحمد من الحمد، والماحي من أن الله ~~يمحو به الكفر كما قال في الحديث، ويمحو به ذنوب من تبعه. والحاشر من أن ~~أمته تنحشر إليه يوم القيامة وتتبعه فتكون قدامه وخلفه وعن يمينه وشماله. ~~والعاقب من أنه آخر الأنبياء. والمقفي أنه قفا من قبله من الأنبياء. وخاتم ~~النبيين مثله في المعنى. وسمي نبي التوبة لأن الله تعالى تاب به على من تاب ~~من عباده. وسمي نبي الملحمة لأنه بعث بالقتال على الدين. والحمد لله رب ~~العالمين. ### || فصل في سنه عليه السلام يوم نبأه الله عز وجل # فصل في # سنه- عليه السلام - يوم نبأه الله عز وجل ونبأه الله- عز وجل- وهو ابن ~~أربعين سنة، وقيل وهو ابن ثلاث وأربعين سنة، اختلفت الرواية في ذلك عن ابن ~~عباس. # PageV03P364 ### || فصل في مراحل دعوته عليه السلام # فصل # وكان أول ما بعثه الله به الدعاء إلى الإسلام من غير قتال أمره به ولا ~~أذن له فيه، ولا جزية أحلها له، فأقام - صلى الله عليه وسلم - على ذلك عشر ~~سنين، وهي التي أقام بمكة، أو ثلاث عشرة سنة، وحينئذ أنزل الله: {فاصدع بما ~~تؤمر وأعرض عن المشركين} [الحجر: 94] وقوله: {لا إكراه في الدين} [البقرة: ~~256] وقوله: {فاعف ms1271 عنهم واصفح} [المائدة: 13] وما أشبه ذلك من الآيات. فلما ~~هاجر إلى المدينة أذن الله تعالى له وللمؤمنين بقتال من قاتله، وأمرهم ~~بالكف عمن لم يقاتلهم فقال تعالى: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله ~~على نصرهم لقدير} [الحج: 39] وقال تعالى: {فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء ~~الكافرين} [البقرة: 191] وقال تعالى: {فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا ~~إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا} [النساء: 90] . # فكانت هذه سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ هاجر إلى المدينة ~~إلى أن نزلت سورة براءة، وذلك بعد ثمان من الهجرة، فأمر الله تعالى بقتال ~~جميع المشركين من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فقال: ~~{قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} [التوبة: 29] إلى قوله ~~{حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29] وقال - صلى الله عليه ~~وسلم -: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» ، إلا من كان له عهد عند النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - # PageV03P365 # فإن الله أتمه له إلى مدته فقال عز وجل: {إلا الذين عاهدتم من المشركين ~~ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ~~إن الله يحب المتقين} [التوبة: 4] . # فصل فلما بعث - صلى الله عليه وسلم - وهو ابن أربعين سنة أو ابن ثلاث ~~وأربعين سنة على ما ذكر من ذلك، أسر أمره ثلاث سنين أو نحوها لم يعلن فيها ~~بالدعاء إلى الإسلام، ثم أمره الله عز وجل بإظهار دينه والإعلان بالدعاء ~~إلى الإسلام فقال عز وجل: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم ~~تفعل فما بلغت رسالته} [المائدة: 67] فمعنى قوله: وإن لم تفعل أي إن لم ~~تعلن بالدعاء إلى الإسلام فقد بلغت حق التبليغ، ولا تحذر في ذلك أمر الناس ~~فإن الله يعصمك منهم. وقال عز وجل: {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين} ~~[الحجر: 94] {إنا كفيناك المستهزئين} [الحجر: 95] الآية. فلما أعلن بالدعاء ~~إلى الإسلام كما أمره الله عز وجل وسفه أحلام قريش في عبادتهم الأصنام التي ~~لا تبصر ولا تسمع، ms1272 ولا تضر ولا تنفع، نابذوه وأرادوا قتله، وأقبلوا بالعذاب ~~على من آمن منهم والإذاية لهم. فلم يزل - صلى الله عليه وسلم - في جوار عمه ~~أبي طالب إلى أن توفي في شوال من السنة الثامنة من مبعثه - صلى الله عليه ~~وسلم - أو التاسعة منه، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«تفرقوا في الأرض فإن الله سيجمعكم فقالوا إلى أين؟ قال إلى هنا" وأشار إلى ~~أرض الحبشة،» فهاجر إليها ناس ذوو عدد، منهم من هاجر بنفسه، ومنهم من هاجر ~~بأهله حتى قدموا أرض الحبشة، وأقام بمكة من كان له من عشيرته الكفار منعة. # فلما رأت قريش أن الإسلام يفشو وينتشر اجتمعوا فتعاقدوا على بني هاشم، ~~وأدخلوا معهم بني المطلب من بني عبد مناف، ألا يكلموهم ولا يجالسوهم ولا ~~يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فيقتلوه، وكتبوا بذلك صحيفة وعلقوها في الكعبة. فانحاز بنو هاشم وبنو ~~المطلب من بني عبد مناف # PageV03P366 # كلهم كافرهم ومؤمنهم، المؤمن دينا والكافر حمية، فصاروا في شعب أبي طالب ~~محصورين مبعدين مجتنبين حاشى أبي لهب وولده صاروا مع قريش على قومهم، فبقوا ~~كذلك ثلاث سنين إلى أن جمع الله قلوب قوم من قريش على نقض ما كانت قريش ~~تعاقدت فيه على بني هاشم من بني المطلب من بني عبد المناف. وأعلم النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - عمه أبا طالب أن الله عز وجل قد بعث الأرضة على ~~صحيفتهم فلحست كل ما كان فيها من عهد لهم وميثاق واسم الله، ولم تترك فيها ~~إلا ما كان من شرك أو ظلم أو قطيعة. وقيل إنه إنما أعلم عمه أبا طالب بأن ~~الأرضة لحست ما كان في الصحيفة من شركهم وظلمهم ولم تترك فيها إلا اسم الله ~~تعالى. فقال أبو طالب لما أخبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما ~~أطلعه الله عليه من ذلك: لا والثواقيب ما كذبتني، فانطلق في عصابة من بني ~~عبد المطلب حتى أتوا المسجد وهم خائفون من قريش، فلما ms1273 رأتهم قريش في ~~جماعتهم أنكروا ذلك وظنوا أنهم خرجوا من شدة البلاء ليسلموا رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - برمته إلى قريش. فتكلم أبو طالب فقال قد حدثت أمور ~~بيننا وبينكم فأتوا بصحيفتكم التي فيها مواثيقكم، فلعله أن يكون بيننا ~~وبينكم صلح. وإنما قال ذلك أبو طالب خشية أن ينظروا في الصحيفة قبل أن ~~يأتوا بها. فأتوا بها معجبين لا يشكون في أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يدفع إليهم، فوضعوها إليهم وقالوا لأبي طالب: قد آن لكم أن ترجعوا عما ~~أحدثتم علينا وعلى أنفسكم، فقال أبو طالب: إنما أتيتكم في أمر نصف بيننا ~~وبينكم، إن ابن أخي أخبرني ولم يكذبني أن هذه الصحيفة التي في أيديكم قد ~~بعث الله إليها دابة فلحست منها كذا وكذا ولم تترك فيها إلا كذا وكذا، فإن ~~كان الحديث كما يقول فأقيموا فلا والله لا أسلمه حتى نموت عن آخرنا، وإن ~~كان الذي يقول باطلا دفعنا إليكم صاحبنا فقتلتم أو استحييتم. فقالوا قد ~~رضينا بالذي تقول. ففتحوا الصحيفة فوجدوا الصادق المصدوق - صلى الله عليه ~~وسلم - قد أخبر بخبرها قبل أن تفتح. فلما رأت قريش صدق ما جاء به أبو طالب ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قالوا هذا سحر ابن أخيك، وزادهم ذلك بغيا ~~وعدوانا، وتلاوم منهم قوم وقالوا هذا بغي منا على قومنا، ومشوا في نقض ~~الصحيفة حتى نقضوها. # PageV03P367 ### || فصل في بيعة العقبة والهجرة إلى المدينة # فصل في # وأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة مع من بقي معه ممن أسلم ولم ~~يهاجر إلى أرض الحبشة صابرا على أذى قومه إلى أن بايع الأنصار بالعقبة. ~~وذلك أنه لقي منهم ستة نفر عند العقبة بالموسم فدعاهم إلى الإسلام، وكان من ~~صنع الله لهم أنهم كانوا جيران اليهود فكانوا يسمعونهم يذكرون أن الله يبعث ~~نبيا قد أظل زمانه. فقالوا هذا والله الذي تهددنا يهود به فلا يسبقنا أحد، ~~فآمنوا وبايعوا وانصرفوا إلى المدينة ودعوا إلى الإسلام حتى فشا فيهم، ولم ~~تبق دار من دور ms1274 الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ثم قدم في العام المقبل إلى الموسم اثنا عشر رجلا من ساداتهم، وهم النقباء، ~~فبايعوا رسول الله عند العقبة، وبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معهم ~~ابن أم مكتوم ومصعب بن عمير ليعلما من أسلم منهم القرآن وشرائع الإسلام ~~ويدعوا من لم يسلم منهم إلى الإسلام. فلما كان في العام الثالث قدم منهم ~~نفر كثير ممن أسلم، فبايعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند العقبة ~~على أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم ونساءهم وأن يرحل إليهم. فلما تمت ~~بيعة هؤلاء لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكانت سرا من كفار قريش ~~وكفار قومهم، أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من كان معه من المسلمين ~~بالهجرة إلى المدينة، فخرجوا أرسالا. # قيل إن أول من خرج منهم أبو سلمة بن عبد الأسد، وحبست عنه امرأته أم سلمة ~~نحوا من سنة ثم أذن لها باللحاق بزوجها فلحقت به، ولم يبق مع رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بمكة من أصحابه إلا أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب، ~~أقاما مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأمره، وحبس قوم من أصحابه عن ~~الهجرة كرها، منعهم قوم من الكفار فكتب لهم أجر المهاجرين. # فلما رأت قريش أن المسلمين قد صاروا إلى المدينة وقد دخل أهلها في ~~الإسلام قالوا: هذا شيء شاغل لا يطاق، فأجمعوا أمرهم على قتل رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فبيتوه ورصدوه على باب منزله طول ليلتهم ليقتلوه إذا ~~خرج. فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب أن ينام على ~~فراشه، ودعا الله عز وجل أن يعمي عليهم أمره # PageV03P368 # فطمس الله على أبصارهم، فخرج وقد غشيهم النوم، فوضع على رؤوسهم ترابا ~~ونهض. فلما أصبحوا خرج عليهم علي وأخبرهم أن ليس في الدار ديار، فعلموا أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد فات ونجا. «وكان أبو بكر يستأذن رسول ~~الله - صلى الله عليه ms1275 وسلم - في الهجرة فيقول له: "لا تعجل لعل الله أن ~~يجعل لك صاحبا" فرجا أبو بكر أن يكون هو، فابتاع راحلتين فأعدهما لذلك. ~~وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يخطئه أن يأتي بيت أبي بكر أحد ~~طرفي النهار. # فلما كان يوم أذن الله له بالهجرة أتى أبا بكر بالهاجرة، فلما رآه أبو ~~بكر قال ما جاء هذه الساعة إلا من حدث. فلما دخل تأخر له عن سريره فجلس، ~~فأعلمه - عليه السلام - أن الله قد أذن له في الهجرة، فقال أبو بكر: الصحبة ~~يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال الصحبة. فبكى أبو بكر فرحا ~~وأعلمه استعداده الراحلتين لذلك» فبعثهما مع عبد الله بن أرقط يرعاهما، ولم ~~يعلم أحد خبر الهجرة إلا أبو بكر وعلي وآل أبي بكر. وأمر عليا أن يتخلف ~~بعده ليرد الودائع التي كانت عنده، ثم خرج هو وأبو بكر من خويخة في ظهر ~~بيته إلى غار ثور، وهو جبل بأسفل مكة، فدخلاه ليلا، وأمر أبو بكر ابنه عبد ~~الله أن يسمع ما يقول الناس ثم يأتيهما إذا أمسيا بما يكون، وأمر عامر ابن ~~فهيرة مولاه أن يرعى غنمه ثم يريحها إلى الغار إذا أمسى. وكانت أسماء بنت ~~أبي بكر تأتيهما بالطعام إذا أمست. فأقاما في الغار ثلاثة أيام، وجعلت قريش ~~فيه مائة ناقة، حتى إذا سكن الناس عنهما بعد ثلاث أتاهما ذلك الذي استأجراه ~~بالراحلتين، وأتت أسماء بالسفرة ونسيت أن يجعل لها عصاما، فجعلت نطاقها ~~فسميت ذات النطاقين. ويقال شقت نصفه للسفرة وانتطقت بنصفه. وركب رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - أفضل الراحلتين ولم يأخذها إلا بالثمن، وأردف أبو ~~بكر مولاه عامر بن فهيرة ليخدمهما في الطريق، ودليلهما عبد الله بن أرقط. # قال مالك - رحمه الله - دليلهما رقيط وكان كافرا، وقال موسى بن عقبة اسمه ~~أريقط. واتبعهما سراقة بن خشعم على فرس له لما جعل المشركون في رده مائة ~~ناقة. قال فلما بدا لي القوم عثر بي فرسي، فذهبت يداه في الأرض وسقطت عنه، ms1276 ~~ثم انتزع يديه من الأرض وتبعهما دخان كالإعصار، فعلمت حين رأيت ذلك أنه قد # PageV03P369 # منع مني وأنه ظاهر، فناديتهم أنا سراقة فانتظروني أكلمكم والله لا ~~أربيكم. فقال - عليه السلام - لأبي بكر: قل له ما تريد؟ فسألني فقلت: تكتب ~~لي كتابا، فأمر أبا بكر فكتب لي في عظم أو رقعة ثم ألقاه إلي. فلقيته به ~~يوم فتح مكة وهو بالجعرانة. فنزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقباء ~~يوم الاثنين لهلال شهر ربيع الأول في حرة بني عمرو بن عوف من الأنصار على ~~سعد بن خيثمة، ويقال على كلثوم بن الهدم. ولم يختلفوا أنه نزل بالمدينة على ~~أبي أيوب، واسمه خالد بن زيد، فأقام عنده حتى ابتنى مسكنه ومسجده - صلى ~~الله عليه وسلم - قالوا وركب من بني عمرو يوم الجمعة، فنزل على بني سالم ~~وصلى فيهم الجمعة. ويقال إنه أقام في بني عمرو ثلاث ليال. وقال ابن شهاب ~~وغيره: أقام في بني عمرو بضعة عشر يوما ثم ركب. # فصل في ذكر الأحداث والغزوات بعد هجرته عليه السلام للمدينة # فصل والتاريخ محسوب من قدوم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة. ### || # ففي السنة التي بنى - صلى الله عليه وسلم - مسجد قباء. وقيل إنه هو ~~المسجد الذي قال الله فيه إنه أسس على التقوى. وقيل بل هو مسجد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وهو قول مالك في أول رسم من سماع أشهب من كتاب ~~الصلاة، وقد روى ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وفيها بنى بعائشة في شوال على رأس ثمانية أشهر من قدومه المدينة. # وفيها تزوج علي فاطمة، ويقال في السنة الثانية على رأس اثنين وعشرين شهرا ~~من قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة. # PageV03P370 ### || فصل في ذكر أحداث السنة الثانية # ثم كانت السنة الثانية ففيها كانت غزوة الأبواء في صفر منها، وهي غزوة ~~ودان، غزاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المهاجرين خاصة، وهي أول ~~غزواته - صلى الله عليه وسلم - خرج فوادع بني ضمرة بن عبد مناف، ثم ms1277 رجع ولم ~~يلق كيدا. # وفيها كان بعث حمزة بن عبد المطلب، بعثه في ثلاثين راكبا من المهاجرين ~~ليس فيهم من الأنصار أحد إلى سيف البحر من ناحية العيص، فلقي أبا جهل في ~~ثلاثمائة راكب من كفار أهل مكة، فحجر بينهم مجدي بن عمرو الجهني وتوادع ~~الفريقان ولم يكن بينهم قتال. # وفيها كان بعث عبيدة بن الحارث، بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~في ثلاثين راكبا من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد، فنهض حتى بلغ أبنى ~~وهي ماء بأسفل ثنية المرة من الحجاز، فلقي جمعا من قريش عليهم عكرمة بن أبي ~~جهل، فلم يكن بينهم قتال إلا أن سعد بن أبي وقاص كان في ذلك البعث فرمى ~~فيهم بسهم، فكان أول سهم رمي به في سبيل الله. واختلف أهل السير في هذين ~~البعثين أيهما كان قبل صاحبه. # وفيها كانت غزوة بواط، خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى بلع بواط من ~~ناحية رضوى ثم رجع إلى المدينة ولم يلق حربا. # وفيها كانت غزوة العشيرة خرج النبي حتى بلغ العشيرة فوادع فيها بني مدلج، ~~ثم رجع إلى المدينة ولم يلق حربا. # وفيها كانت غزوة بدر الأولى، أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة، # PageV03P371 # فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بلغ سفوان في ناحية بدر وفاته ~~كرز فرجع إلى المدينة ولم يلق حربا. # وفيها كان بعث سعد بن أبي وقاص في ثمانية رهط من المهاجرين، قيل في طلب ~~كرز بن جابر، فبلغ الحرار ثم رجع. # وفيها كان بعث عبد الله بن جحش، بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~في ثمانية من المهاجرين وكتب له كتابا وأمره ألا ينظر فيه إلا بعد يومين. ~~والخبر فيما جرى فيه طويل قد ذكرته في الجزء الرابع من جامع كتاب البيان ~~والتحصيل في شرح العتبية، فاكتفيت بذكره هناك لمن أحب الوقوف عليه. # وفيها كانت غزوة بدر الثانية التي أعز الله بها الدين، وذكرها الله عز ~~وجل في محكم التنزيل. والخبر فيما جرى ms1278 فيها طويل قد ذكرت عيونه في الجزء ~~الرابع من كتاب البيان والتحصيل في شرح العتبية. # وفيها كانت غزوة بني سليم، خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ~~سبعة أيام من منصرفه من بدر يريد بني سليم، فبلغ ماء يقال له الكدر، فأقام ~~عليها ثلاثة أيام ثم انصرف ولم يلق حربا. # وفيها كانت غزوة السويق. وذلك أن أبا سفيان بن حرب لما انصرف قبل بدر ندب ~~إلى غزو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فخرج في مائتي راكب حتى أتى ~~العريض في طرف المدينة فحرق أصولا من النخل وقتل رجلا من الأنصار وحلفا له ~~وجدهما في حرث لهما ثم كر راجعا. فنفر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ونفر المسلمون في أثره، وبلغ - صلى الله عليه وسلم - قرقرة الكدر، وفاته ~~أبو سفيان والمشركون وقد طرحوا سويقا كثيرا من أزوادهم يتخففون بذلك، فأخذه ~~المسلمون فسميت غزوة السويق. # PageV03P372 # وفيها ولد عبد الله بن الزبير، وهو أول مولود ولد بالمدينة من المهاجرين. # وفيها صرفت القبلة قبل بدر بشهرين، قيل يوم الثلاثاء والناس في صلاة ~~الظهر في النصف من شعبان. # وفيها في شعبان فرض صيام شهر رمضان. # وفيها أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بزكاة الفطر. # وفيها ماتت رقية بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتخلف عثمان عن ~~بدر من أجلها، فضرب له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسهمه. ### || فصل في ذكر أحداث السنة الثالثة # ثم كانت السنة الثالثة، ففيها كانت غزوة ذي أمر في صفر منها غزا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - نجدا يريد غطفان، فأقام- عليه السلام - بنجد ~~صفرا كله ثم انصرف ولم يلق حربا. # وفيها كانت غزوة بحران في ربيع الآخر منها. وذلك أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أقام بالمدينة ربيع الأول، ثم غزا قريشا فبلغ بحران معدنا ~~بالحجاز، فأقام هنالك ربيع الآخر وجمادى الأولى ثم انصرف إلى المدينة ولم ~~يلق حربا. # وفيها كانت غزوة بني قينقاع وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لما ms1279 قدم المدينة وادعته اليهود وكتب بينه وبينهم كتابا وألحق كل قوم ~~بحلفائهم، وشرط عليهم فيما اشترط ألا يظاهروا عليه أحدا. فنقض بنو قينقاع ~~من اليهود عهده - صلى الله عليه وسلم - فخرج إليهم وحاصرهم حتى نزلوا على ~~حكمه، فشفع فيهم عبد الله ابن أبي سلول ورغب في حقن دمائهم وألح على رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، فأشفعه فيهم وحقن دماءهم، وهم قوم عبد ~~الله بن سلام. وكان حصاره لهم خمس عشرة ليلة. # وفيها كان «البعث إلى كعب بن الأشرف. وذلك أنه لما اتصل به قتل صناديد ~~قريش ببدر قال: بطن الأرض خير من ظهرها، ونهض إلى مكة يرثي كفار قريش # PageV03P373 # ويحرض على قتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان شاعرا. ثم انصرف ~~إلى موضعه فلم يزل يؤذي النبي - صلى الله عليه وسلم - بالهجو والدعاء إلى ~~خلافه ويسب المسلمين حتى أذاهم. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من ~~لي بكعب بن الأشرف فإنه يؤذي الله ورسوله والمؤمنين فقال محمد بن مسلمة: ~~أنا له يا رسول الله أنا أقتله إن شاء الله. قال: فافعل إن قدرت على ذلك» ~~فكان من خروجه إليه وتلطفه في قتله بما أذن له فيه رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - من القول ما هو مذكور في السير. # وفيها كانت غزوة أحد من المشاهد العظام. والخبر فيها وفي سببها طويل وقد ~~ذكرت ذلك باختصار في الجزء الرابع من شرح جامع العتبية فاكتفيت بذلك عن ~~ذكره هاهنا كراهة التطويل. # وفيها كانت غزوة حمراء الأسد في اليوم الثاني من وقيعة أحد. # وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر باتباع العدو، فخرج الناس ~~إلى موضع يدعى بحمراء الأسد على ثمانية أميال من المدينة، فأقام فيه يوم ~~الاثنين والثلاثاء والأربعاء ثم رجع إلى المدينة. ولما بلغ العدو خروجه في ~~اتباعهم فت ذلك في أعضادهم، وقد كانوا هموا بالرجوع إلى المدينة فكسرهم ~~خروجه - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك وتمادوا إلى مكة. # وفيها في رمضان منها تزوج ms1280 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زينب بنت ~~خزيمة من بني عامر ابن صعصعة، فعاشت عنده شهرين أو ثلاثة. # وفيها في شعبان منها تزوج - صلى الله عليه وسلم - حفصة بنت عمر - رضي ~~الله عنها -. # وفيها تزوج عثمان بن عفان - رضي الله عنه - أم كلثوم ابنة النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -. # وفيها ولد الحسن بن علي بن أبي طالب في النصف من شهر رمضان. # وفيها علقت فاطمة بالحسين، فلم يكن بينه وبين الحسن إلا طهر واحد، وقيل ~~خمسون ليلة، والله تعالى أعلم. # PageV03P374 ### || فصل في ذكر أحداث السنة الرابعة # أثم كانت السنة الرابعة ففيها كان بعث النفر الذين كان النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بعث بهم مع عضل والقارة فغدروا بهم في الرجيع.. وذلك أنه قدم ~~على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صفر منها، وهو آخر السنة الثالثة ~~من الهجرة، نفر من العضل والقارة، فزعموا أنهم قد أسلموا ورغبوا أن يبعث ~~معهم نفرا من المسلمين يعلمونهم القرآن ويفقهونهم في الدين. فبعث - صلى ~~الله عليه وسلم - معهم من أصحابه ستة رجال وأمر عليهم مرثد بن أبي مرثد، ~~فنهضوا مع القوم حتى إذا صاروا بالرجيع وهو ماء لهذيل بناحية الحجاز ~~استصرخوا عليهم هذيلا وغدروا بهم. وقد ذكرت جملة الخبر بذلك مختصرا في ~~الجزء الرابع من شرح جامع العتبية فاختصرت ذكره هنا مخافة التطويل. # وفيها في شهر صفر منها كان بعث بئر معونة. وقد ذكرنا سببه وما جاء فيه في ~~الجزء الرابع من شرح جامع العتبية فاختصرت ذكره هنا مخافة التطويل. # وفيها في شهر ربيع الأول منها كانت غزوة بني النضير، غزاهم النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فتحصنوا منه ست ليال، وأمر بقطع النخل وإحراقها، فألقوا ~~ما بأيديهم وسألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكف عن دمائهم ~~ويجليهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح، فاحتملوا ذلك إلى ~~خيبر، ومنهم من صار إلى الشام. وقد ذكرنا في الجزء الرابع من شرح جامع ~~العتبية سبب هذه الغزوة وبقية خبرها ms1281 فاكتفينا بذلك عن ذكره هنا حرصا على ~~التقريب والاختصار. # وفيها كانت غزوة ذات الرقاع في جمادى الأولى منها خرج رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - لخمس خلون من الشهر يريد بني محارب بن ثعلبة من غطفان حتى ~~نزل نخلة، فلقي بها جمعا من غطفان وتقارب الناس ولم يكن بينهم قتال. وصلى ~~بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف ثم انصرف. # PageV03P375 # وسميت ذات الرقاع لأن أقدامهم تثقبت فكانوا يلفون عليها الخرق، وقيل بل ~~قيل لها ذات الرقاع لأنهم رقعوا راياتهم فيها، وقيل ذات الرقاع شجرة بذلك ~~الموضع تدعى بذات الرقاع، وقيل بل الجبل الذي نزلوا عليه كانت أرضه ذات ~~ألوان من حمرة وصفرة وسواد فسموا غزوتهم بذات الرقاع لذلك والله أعلم. # وفيها كانت غزوة بدر الثالثة في شعبان منها. وذلك أن أبا سفيان كان نادى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد: موعدنا معكم بدر في العام ~~المقبل، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعض أصحابه أن يجيبه بنعم. ~~فخرج للميعاد المذكور ونهض حتى أتى بدرا فأقام هنالك ثماني ليال ينتظر أبا ~~سفيان ابن حرب. وخرج أبو سفيان في أهل مكة حتى بلغ عسفان ثم رجع واعتذر هو ~~وأصحابه بأن العام عام جدب. # وفيها بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا عبيدة بن الجراح إلى ذي ~~القصة من طريق العراق. وفيها بعثه - صلى الله عليه وسلم - إلى سيف البحر ~~فرجع ولم يلق كيدا. ### || فصل في ذكر أحداث السنة الخامسة # ثم كانت السنة الخامسة. ففيها في ربيع الأول منها كانت غزوة دومة الجندل. ~~خرج - صلى الله عليه وسلم - إلى دومة الجندل وانصرف من طريقه قبل أن يبلغ ~~إليها ولم يلق حربا. # وفيها في شوال منها كانت غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب التي ذكرها الله ~~في كتابه في سورة الأحزاب فقال فيها: {ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ~~ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا - وأنزل الذين ~~ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم} [الأحزاب: 25 ms1282 - 26] إلى قوله: {وكان ~~الله على كل شيء قديرا} [الأحزاب: 27] يريد بني قريظة، وقد ذكرنا سببها ~~وجملا مما جرى فيها في الجزء الرابع من شرح جامع العتبية. # PageV03P376 # وفيها كانت غزوة بني قريظة. وذلك «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لما أصبح وقد ذهبت الأحزاب رجع إلى المدينة ووضع الناس سلاحهم عند صلاة ~~الظهر، أتاه جبريل في صفة دحية الكلبي على بغلة عليها قطيفة فقال: إن كنتم ~~وضعتم سلاحكم فإن الملائكة لم تضع سلاحها، والله يأمرك أن تخرج إلى بني ~~قريظة، وإني متقدم إليهم فمزلزل بهم. فنادى منادي رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - من كان سميعا مطيعا فلا يصلي العصر إلا في بني قريظة. فحاصرهم ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمسا وعشرين ليلة حتى نزلوا على حكم سعد ~~بن معاذ، فحكم فيهم أن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى النساء والذراري. ~~فقتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجالهم حيي بن أخطب، وكعب بن سعد في ~~ستمائة أو سبعمائة استنزلهم ثم قتلهم بالمدينة واصطفى من نسائهم ريحانة بنت ~~عمرو بن خنافة ولم يقتل من نسائهم إلا امرأة واحدة وهي بنانة امرأة الحكم ~~القرظي التي طرحت الرحا على خلاد بن سويد فقتلته» . # وروي عن عائشة أنها قالت إن كانت لعندي تضحك وتحدث ورسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقتل رجالهم إذ هتف هاتف أين فلانة؟ قالت: أنا والله وإني ~~لمقتولة. قلت ويلك ولم؟ قالت لحدث أحدثته، فانطلق بها فضرب عنقها. # وفيها كان البعث إلى ابن أبي الحقيق. وذلك أنه لما انقضى شأن الخندق ~~وقريظة تذاكرت الخزرج من في العداوة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~كابن الأشرف الذي قتله محمد بن مسلمة حتى لا ينفرد الأوس دوننا بمثل تلك ~~المنقبة، فذكروا ابن أبي الحقيق واستأذنوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- في قتله فأذن لهم، فخرجوا إليه خمسة نفر من الخزرج كلهم من بني سلمة، ~~وطرقوه في بيته بخيبر ليلا فقتلوه. وقد ذكرنا أسمائهم وبقية خبرهم في قتلهم ~~إياه في الجزء ms1283 الرابع من شرح جامع العتبية. ### || فصل في ذكر أحداث السنة السادسة # ثم كانت السنة السادسة، ففيها في جمادى الأولى منها كانت غزوة بني # PageV03P377 # لحيان. خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مطالبا بثأر عاصم بن ثابت ~~وحبيب بن عدي وأصحابهما المقتولين بالرجيع، فوجدهم قد حذروا وتمنعوا في ~~رؤوس الجبال، فتمادى - صلى الله عليه وسلم - في مائتي راكب حتى نزل عسفان، ~~وبعث فارسين من أصحابه بلغا كراع الغميم ثم كرا، ورجع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إلى المدينة. وفي هذه الغزوة قالت الأنصار: المدينة بائنة عنا ~~وقد بعدنا عنها ولا نأمن عدونا أن يخالفنا إليهم، فأخبرهم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أن على أنقابها ملائكة، على كل نقب منها ملك يحجبها بأمر ~~الله. # وفيها كانت غزوة ذي قرد. «لما رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ~~غزوة بني لحيان لم يقم بالمدينة إلا ليالي وأغار على سرح المدينة عيينة بن ~~حصن في بني عبد الله بن غطفان، فاكتسحوا لقاحا كانت لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بالغابة وناقته العضباء، وكان فيها رجل من بني غفار وامرأة له، ~~فقتلوا الغفاري وحملوا المرأة واللقاح. وكان أول من أنذرهم سلمة بن الأكوع ~~كان ناهضا إلى الغابة، فلما أشرف على ثنية الوداع نظر إلى خيل الكفار فصاح ~~وأنذر المسلمين، ووقعت الصيحة بالمدينة، فخرج رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - على فرس لأبي طلحة وقال: "إن وجدته لبحرا". وانهزم المشركون، وبلغ ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ماء يقال له ذو قرد، فأقام عليه يوما ~~وليلة. ولما نام القوم في ليلة قامت امرأة الغفاري المقتول فجعلت لا تضع ~~يدها على بعير إلا رغا حتى أتت العضباء فإذا هي ناقة ذلول، فركبتها ونذرت ~~إن أنجاها الله عليها لتنحرنها. فلما قدمت المدينة عرفت ناقة النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فأخبر بذلك، فأرسل إليها فجيء بها وبالمرأة، فقالت يا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى الله عليه وسلم -: بئس ما جازيتها لا ~~وفاء لنذر في ms1284 معصية ولا فيما لا يملك ابن آدم؛ وأخذ ناقته - صلى الله عليه ~~وسلم -» . # وفيها كانت غزوة بني المصطلق. غزاهم - صلى الله عليه وسلم - وأغار عليهم ~~وهم غارون على # PageV03P378 # ماء يقال له المريسيع من ناحية قديد مما يلي الساحل، فقتل من قتل وسبى ~~النساء والذرية. وقيل إنهم جمعوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وأرادوه، فلما بلغه ذلك خرج إليهم فلقيهم على ماء يقال له المريسيع ~~فاقتتلوا فهزمهم الله. والقول الأول أصح أنه أغار عليهم وهم غارون. ومن ذلك ~~السبي كانت جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد بني المصطلق، وقعت في سهم ~~ثابت بن قيس بن شماس، فكاتبها فأدى عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وتزوجها. قالت عائشة - رضي الله عنها -: ما رأيت أعظم بركة منها على قومها، ~~ما هو إلا أن علم المسلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تزوجها ~~فأعتقوا ما كان في أيديهم من سبي بني المصطلق وقالوا: أصهار رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، وأسلم سائر بني المصطلق. # وفي هذه الغزوة أنزلت آية التيمم، وفيها قال أهل الإفك في عائشة ما ~~قالوا، فبرأها الله مما قالوا في كتابه. وفيها قال عبد الله بن أبي بن ~~سلول: {لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} [المنافقون: 8] . ~~وقد ذكرنا الحديث في ذلك بكماله، وحديث الوليد بن عقبة حين وجهه رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - إليهم بعد إسلامهم بعامين مصدقا وما كان من شأنه ~~معهم، وأن الله أنزل في ذلك: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ ~~فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة} [الحجرات: 6] وكل ذلك في الجزء الرابع من ~~شرح الجامع من العتبية لمن أحب الوقوف على ذلك. وقد قيل في هذه الغزوة إنها ~~كانت قبل الخندق وقريظة، والصواب أنها كانت بعدهما. # وفيها كانت عمرة الحديبية. والحديث فيما جرى فيها طويل، وقد ذكرته بكماله ~~في الجزء الرابع من شرح جامع العتبية، وبينا في أول سماع ابن القاسم من شرح ~~كتاب التجارة إلى أرض الحرب منها ms1285 معنى ما وقع في المقاضاة بينه وبين كفار ~~قريش من الشرط في أن يرد إليهم من جاء مسلما من عندهم لمن أحب الوقوف على ~~ذلك. # PageV03P379 # وفي هذه الغزاة كانت بيعة الرضوان تحت الشجرة التي قال الله تعالى فيها: ~~{لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل ~~السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا} [الفتح: 18] ، يريد فتح مكة، {ومغانم ~~كثيرة يأخذونها} [الفتح: 19] يريد مغانم خيبر. # وفيها كان بعث بشير بن سعد بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ~~ناحية خيبر فرجع ولم يلق كيدا. # وفيها كان بعث كعب بن عمير إلى ذات الطلاح من أرض الشام، فقتل هو ~~وأصحابه، وقيل قتل أصحابه وسلم هو جريحا، قتلتهم قضاعة. # وفيها استسقى - صلى الله عليه وسلم - لجهد أصاب الناس. # وفيها أوقف - صلى الله عليه وسلم - سبعة حوائط له. # وفيها توفيت أم رومان امرأة أبي بكر ونزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- في قبرها. # وفيها اتخذ - صلى الله عليه وسلم - خاتما، وإنما اتخذه حين بعث الرسل ~~فقيل له إن العجم لا تقرأ إلا كتابا مختوما فاتخذه. وكان نقش فصه محمد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، وقيل لا إله إلا الله محمد رسول الله. ### || فصل في ذكر أحداث السنة السابعة # ثم كانت السنة السابعة. # ففيها كانت غزوة خيبر. وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما ~~انصرف من الحديبية أقام بالمدينة ذا الحجة، وخرج في المحرم إلى خيبر، ~~وافتتحها في صفر، ورجع # PageV03P380 # في غرة ربيع الأول. وكانت حصونا كثيرة فافتتحها حصنا حصنا، فكان أول ~~حصونهم افتتح حصن ناعم، ثم القموص حصن ابن أبي الحقيق، ومن سباياه كانت ~~«صفية أعتقها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتزوجها وجعل عتقها صداقها» ~~. واختلف أهل العلم في ذلك، وهي مسألة قد ذكرنا تحصيل القول فيها في رسم ~~حلف من سماع ابن القاسم من كتاب النكاح من شرح العتبية. وآخر ما افتتح من ~~حصونهم الوطيح والسلالم. حاصرهم بضع عشرة ليلة فسألوا رسول الله ms1286 - صلى الله ~~عليه وسلم - أن يسيرهم ويحقن دمائهم ففعل. فقيل في هذين الحصنين إنهما ~~افتتحا بصلح فلم يكن فيهما خمس ولا كان لأحد فيهما مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - شيء، فقطع لأزواجه منهما. وكذلك الكتبية قيل فيها إنها كانت ~~صلحا صافية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كبني النضير وفدك، وقيل إنها ~~كانت عنوة كلها. وقد ذكرنا الاختلاف في ذلك وفي حكم أرض العنوة في سماع ~~أشهب من كتاب الجهاد من شرح العتبية وذكرنا في الجزء الرابع من شرح الجامع ~~منها جملا مما جرى في افتتاحها. # وفي هذه الغزوة حرم النبي - صلى الله عليه وسلم - الحمر الأهلية. # وفيها «أهدت اليهودية زينب بنت سلام بن مشكم لرسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - الشاة المصلية، وسمت له منها الذراع وكان أحب اللحم إليه. فلما ~~تناول الذراع ولاكها لفظها ورمى بها وقال: هذا العظم يخبرني أنه مسموم ودعا ~~باليهودية فقال ما حملك على هذا فقالت أردت أن أعلم إن كنت نبيا وعلمت أن ~~الله أراد بقاءك أعلمك فلم يقتلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأكل ~~معه بشر بن البراء بن معرور فمات من أكلته تلك» . وكان المسلمون يوم خيبر ~~ألفا وأربعمائة رجل ومائتي فارس. # وفيها كان فتح فدك وذلك أنه لما اتصل بأهلها ما فعل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بأهل خيبر بعثوا إليه ليؤمنهم ويتركوا الأموال، فأجابهم إلى ~~ذلك. فكانت فدك مما لم # PageV03P381 # يوجف عليه بخيل ولا ركاب أفاءها الله عز وجل على رسوله - عليه السلام - ~~بما خصه به من الرعب، فلم يقسمها ووضعها حيث أمره الله تعالى. # وفيها كان فتح وادي القرى. وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~انصرف من خيبر فافتتحها عنوة وقسمها، وأصيب بها غلام أسود يسمى مدعم بسهم ~~غرب فقتله. والحديث بذلك في الموطأ بكماله. # وفيها كانت عمرة القضاء. وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجع ~~من خيبر إلى المدينة فأقام فيها شهري ربيع وشهري جمادى ورجب وشعبان ورمضان ~~وشوال، ms1287 وبعث في خلال ذلك السرايا. من ذلك غزوة عمرو بن العاص ذات السلاسل ~~من مشارف الشام. وقد ذكرنا في الجزء الرابع من شرح جامع العتبية بعض ما جرى ~~في هذه الغزوة. ثم خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذي القعدة ~~قاصدا إلى مكة للعمرة على ما عاقد عليه قريشا في الحديبية. فلما اتصل ذلك ~~بقريش خرج أكابرهم من مكة عداوة لله ولرسوله- عليه السلام - ولم يقدروا على ~~الصبر في رؤيته يطوف بالبيت هو وأصحابه. فدخل - صلى الله عليه وسلم - مكة ~~وأتم الله له عمرته، وقعد بعض المشركين بقعيقعان ينظرون إلى المسلمين وهم ~~يطوفون بالبيت، فأمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالرمل ليرى ~~المشركون أن بهم جلدا وقوة، وكانوا قد قالوا في المهاجرين إن حمى يثرب قد ~~وهنتهم. وتزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عمرته تلك ميمونة بنت ~~الحارث بن حزن الهلالية، وهي خالة عبد الله بن عباس، وأختها أم الفضل عند ~~العباس قيل قبل أن يحرم بعمرته، وقيل وهو محرم بها، وقيل بعد أن حل منها. ~~فلما تمت الثلاثة الأيام أوصت إليه قريش أن يخرج عن مكة ولم يمهلوه أن يبني ~~بها، فخرج - صلى الله عليه وسلم - وبنى بها بسرف. # وفيها «بعث عبد الله بن حذافة إلى كسرى عظيم الفرس بكتاب فمزقه فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: مزق الله ملكه فأجيبت دعوته» . # PageV03P382 # وفيها بعث دحية الكلبي إلى قيصر عظيم الروم بكتابه. # وفيها بعث زيد بن حارثة إلى من عرض لدحية في خمسمائة راكب. # وفيها بعث عبد الله بن حدرد الأسلمي ورجلين معه إلى الغابة على ثمانية ~~أميال من المدينة، لما بلغه أن رفاعة قيس يريد أن يجمع جيشا لحرب رسول الله ~~صلى الله عليه فكمنوا له ورماه عبد الله بن حدرد بسهم فقتله. # وفيها كانت غزوة زيد بن حارثة إلى الطرف من ناحية طريق العراق فرجع ولم ~~يلق كيدا. # وفيها اتخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - المنبر، ويقال في سنة ثمان. قال ~~مالك: عوده من ms1288 طرفاء الغابة عمله له غلام لسعد بن عبادة، وقيل غلام لامرأة ~~من الأنصار. وقيل غلام للعباس بن عبد المطلب، فلعلهم اجتمعوا كلهم على ~~عمله. فلما خطب عليه - صلى الله عليه وسلم - حن الجذع الذي كان يقف عليه ~~حين يخطب حتى ارتج المسجد، فوضع النبي - صلى الله عليه وسلم - يده عليه ~~فسكن. ### || فصل في ذكر أحداث السنة الثامنة # ثم كانت السنة الثامنة. ففيها كانت غزوة مؤتة. بعث - صلى الله عليه وسلم ~~- في جمادى الأولى منها كان بعث الأمراء إلى الشام وأمر على الجيش زيد بن ~~حارثة مولاه، وقال إن قتل أو قال إن أصيب فعلى الناس جعفر بن أبي طالب، فإن ~~قتل فعبد الله بن رواحة، وشيعهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وودعهم ~~ثم انصرف، ونهضوا فلما بلغوا مكانا من أرض الشام أتاهم الخبر بأن هرقل ملك ~~الروم نزل في ناحية البلقاء وهو في مائة ألف من الروم ومائة ألف أخرى من ~~متنصرة العرب أهل البلقاء من لخم وجذام وقبائل قضاعة فصمموا ونهضوا وقالوا ~~إن هي إلا إحدى الحسنيين بعد أن كانوا توقفوا وهموا أن يكتبوا لرسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بما اتصل بهم من جموع الروم. فالتقوا بهم بقرية يقال ~~لها مؤتة، # PageV03P383 # فقتل الأمراء الذين سماهم النبي - صلى الله عليه وسلم - واحدا بعد واحد، ~~ثم اتفق المسلمون على خالد بن الوليد فأخذ الراية وانحاز بالمسلمين قيل بعد ~~أن فتح الله عليه وأنذر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بالمدينة ~~بخبرهم في يوم قتلهم قبل ورود الخبر بأيام. # وفيها كانت غزوة فتح مكة. وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقام ~~بالمدينة بعد بعث مؤتة جمادى ورجب، ثم حدث الأمر الذي أوجب نقض عقد قريش ~~المعقود يوم الحديبية. والخبر بذلك وسائر ما جرى في الغزوة يطول، وقد ذكرنا ~~جملة ذلك باختصار في الجزء الرابع من جامع كتاب البيان في شرح العتبية لمن ~~أحب الوقوف عليه. # وفيها كانت غزوة حنين. والخبر فيها يطول ذكره. وقد ذكرنا أيضا في ms1289 الجزء ~~المذكور من جامع كتاب البيان في شرح العتبية فمن أحب الوقوف عليه تأمله ~~هناك. # وفيها كانت غزوة الطائف. وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انصرف ~~من حنين إلى الطائف، لم ينصرف إلى مكة ولا عرج على شيء إلا على غزو الطائف ~~قبل أن يقسم غنائم حنين وقبل كل شيء. فسلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- في طريقه إلى الطائف على الجعرانة، ثم أخذ على قرن، وابتنى في طريقه ذلك ~~مسجدا وصلى فيه، ووجد في طريقه ذلك حصنا لمالك بن عوف النصري فأمر بهدمه. ~~ثم نزل- عليه السلام - بقرب الطائف بواد يقال له العقيق، فتحصنت ثقيف ~~وحاربهم المسلمون. وحصن ثقيف لا مثل له في حصون العرب. فأصيب من المسلمين ~~رجال بالنبل، فزال النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك المنزل إلى موضع ~~المسجد المعروف فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة، وقيل بضع عشرة ليلة، وقيل عشرين ~~يوما. وأمر - صلى الله عليه وسلم - بنصب المنجنيق على الطائف، وأمر بقطع ~~أعناب أهلها إلا قطعة كانت للأسود بن # PageV03P384 # مسعود ولابنه في ماله، وكانت تبعد عن الطائف، وسأله الكف عنها فكف عنها. ~~ولما انصرف - صلى الله عليه وسلم - من الطائف إلى الجعرانة على مقربة من ~~حنين قسم الغنائم هناك. وقد ذكرنا بقية ما جرى في هذه الغزوة أيضا في الجزء ~~الرابع من كتاب البيان في شرح جامع العتبية، فتركت ذكره هنا اختصارا. # وفيها اعتمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الجعرانة. وذلك أنه لما ~~أتى على قسمة الغنائم بها خرج منها إلى مكة معتمرا، وأمر ببقاء الفيء فخمس ~~بناحية الظهران. فلما فرغ - صلى الله عليه وسلم - من عمرته استخلف على مكة ~~عتاب بن أسيد، ورجع إلى المدينة فدخلها لست بقين من ذي القعدة، وكان خروجه ~~منها لعشر خلون من رمضان فكانت مدة مغيبه - صلى الله عليه وسلم - منذ خرج ~~من المدينة إلى مكة فافتتحها وأوقع بهوازن بحنين وحارب الطائف واعتمر إلى ~~أن رجع إلى المدينة شهرين وأربعة عشر يوما. # وانهزم يوم حنين مالك ms1290 بن عوف رئيس جيش المشركين، فلحق بانهزامه بالطائف ~~كافرا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لو أتاني مسلما لرددت إليه ~~أهله وماله» فبلغه ذلك فلحق برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد خرج من ~~الجعرانة، فأسلم وأعطاه أهله وماله وأعطاه مائة من الإبل كما أعطى سائر ~~المؤلفة قلوبهم، وهو أحدهم ومعدود فيهم، واستعمله على من أسلم من قومه ومن ~~قبائل قيس، وأمره بمغاورة ثقيف، ففعل وضيق عليهم وحسن إسلامه وإسلام ~~المؤلفة قلوبهم حاشا عيينة بن حصن فلم يزل مغمورا عليه وسائر المؤلفة ~~متفاضلين، منهم الفاضل المجمع على فضله كالحارث ابن هشام، وحكيم بن حزام، ~~وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمر، ومنهم دون ذلك. وقد فضل الله النبيين ~~وسائر عباده المؤمنين بعضهم على بعض وهو أعلم بهم. # وأقام الحج للناس عتاب بن أسيد في تلك السنة، وهو أول أمير أقام الحج في ~~الإسلام، وكان خيرا فاضلا ورعا. # PageV03P385 ### || فصل في ذكر أحداث السنة التاسعة # ثم كانت السنة التاسعة. ففيها تسارع الناس إلى الإسلام. # وفيها كانت غزوة تبوك بعد فتح مكة، وهي جيش العسرة. وذلك أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - لما انصرف من عمرته بعد فتح مكة وغزوة حنين وحصار ~~الطائف أقام المدينة ذا الحجة والمحرم وصفر وربيع الأول وربيع الآخر وجمادى ~~الأولى وجمادى الآخرة، وخرج في رجب في سنة تسع بالمسلمين إلى غزو الروم، ~~وهي آخر غزوة غزاها - صلى الله عليه وسلم - لنفسه. وكان خروجه إليها في حر ~~شديد حين طاب أول التمر وفي عام جدب. وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- لا يكاد يخرج غازيا إلى وجه إلا ورى بغيره إلا غزوة تبوك فإنه بينها ~~للناس لبعد المسافة ونفقة المال والمشقة وقوة العدو المقصود إليه. والخبر ~~في ذكرها وما جرى يطول، وقد ذكرنا منه عيونه في الجزء الرابع من شرح جامع ~~العتبية. # وفيها كان إسلام ثقيف. وقد ذكرنا الخبر بذلك أيضا في الجزء المذكور من ~~شرح الجامع. # وفيها كانت حجة أبي بكر الصديق. وذلك أن رسول ms1291 الله - صلى الله عليه وسلم ~~- لما انصرف من تبوك أراد الحج ثم قال: إنه يحضر البيت غدا مشركون يطوفون ~~بالبيت عراة فلا أحب الحج حتى لا يكون ذلك. فأرسل أبا بكر، ثم أردفه عليا ~~لما أنزلت براءة ليقرأها على الناس بالموسم، وينبذ إلى كل ذي عهد عهده، ~~ويعهد إليهم ألا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان إلى سائر ما ~~أمره أن ينادي به في كل موطن من مواطن الحج. فأقام الحج في ذلك العام سنة ~~تسع أبو بكر. ثم حج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عام قابل حجة ~~الوداع، ولم يحج من المدينة غيرها. فوقعت حجة رسول # PageV03P386 # الله - صلى الله عليه وسلم - في العام المقبل في ذي الحجة فقال: «إن ~~الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض» الحديث فثبت الحج ~~في ذي الحجة إلى يوم القيامة، ولم يحج بعد العام مشرك ولا طاف بالبيت ~~عريان. # وفيها وفي سنة عشر بعدها قدمت وفود العرب على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - للدخول في الإسلام. وذلك أنه لما فتح الله على رسوله - عليه السلام ~~- مكة وأظهره يوم حنين وانصرف من تبوك وأسلمت ثقيف، أقبلت إليه وفود العرب ~~من كل جهة يدخلون في دين الله أفواجا، وكل من قدم عليه قدم راغبا في ~~الإسلام إلا عامر بن الطفيل ومرثد بن قيس في وفد بني عامر، ومسيلمة في وفد ~~بني حنيفة. وقد ذكرنا خبرهم في الجزء الرابع من شرح الجامع من العتبية. ### || فصل في ذكر أحداث السنة العاشرة # ثم كانت السنة العاشرة. ففيها كانت حجة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لما دخل عليه ذو القعدة منها تجهز للحج وأمر الناس بالحج، وخرج لخمس بقين ~~من ذي القعدة، واستعمل على المدينة أبا دجانة الساعدي، وقيل: سباع بن عرفطة ~~الغفاري ولم يحج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الإسلام إلا ثلاث ~~حجات، اثنتان بمكة، وواحدة بعد فرض الحج من المدينة. ومن أحسن حديث في صفة ~~حجه - صلى الله ms1292 عليه وسلم - وأتمه حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - ~~خرجه أصحاب الحديث الصحيح مسلم وغيره، وقطعه مالك في موطأه فذكر في كل باب ~~منه ما احتاج إليه، وكذلك فعل البخاري. وقد ذكرنا الحديث بطوله في كتاب ~~الحج من هذا الكتاب كتاب المقدمات. # وفيها قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمال من البحرين مائة ~~ألف درهم وثمانون ألف درهم فقسمه - صلى الله عليه وسلم - بين الناس. # وفيها بعث عليا إلى اليمن، قيل: مفقها في الدين، وقيل: لقبض الصدقات من # PageV03P387 # العمال وليوافي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع، فوافاه ~~فيها ببدنة. وسميت حجة الوداع؛ لأنه ودعهم، وسميت حجة البلاغ؛ لأنه قال في ~~خطبته فيها: «ألا هل بلغت» وسميت حجة الإسلام لأنها الحجة التي كان فيها حج ~~أهل الإسلام ليس فيها مشرك. # وفيها بعث عيينة بن حصن إلى بني العنبر، وبعث عليا إلى اليمن، وبعث أسامة ~~بن زيد إلى الداروم. ### || فصل في ذكر أحداث السنة الحادية عشرة # ثم كانت السنة الحادية عشر. # ففيها توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضحى يوم الاثنين لاثنتي ~~عشرة ليلة مضت من ربيع الأول، في الوقت الذي دخل فيه المدينة في هجرته ~~إليها من مكة. بدأ به وجعه - عليه السلام - في بيت ميمونة بنت الحارث يوم ~~الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر، ثم انتقل إلى عائشة فمرض عندها، وكان موته ~~في يومها وفي بيتها وعلى صدرها حين استوى الضحى. وصلى أبو بكر بالناس في ~~مرضه سبع عشرة صلاة قبل وفاته - عليه السلام -، فكانت وفاته - صلى الله ~~عليه وسلم - على رأس عشر سنين الهجرة لم يختلف في ذلك. واختلف في سنه يوم ~~نبئ على ما ذكرناه في صدر هذا الكتاب، واختلف أيضا في سنه يوم مات. فذكر ~~البخاري من رواية الزبير بن عدي عن أنس بن مالك أنه توفي - صلى الله عليه ~~وسلم - وهو ابن ثلاث وستين سنة. # وروى أيضا حميد عن أنس أنه - صلى الله عليه وسلم - توفي وهو ابن خمس ms1293 ~~وستين سنة. وروى عنه ربيعة في الموطأ أنه توفي وهو ابن ستين سنة. # واختلفت الرواية في ذلك أيضا عن ابن عباس، فروي عنه أنه توفي - صلى الله ~~عليه وسلم - وهو ابن ثلاث وستين سنة. وروي عنه أنه توفي وهو ابن خمس وستين. # واختلف أيضا في مقامه بمكة بعد أن نبئ إلى أن هاجر منها إلى المدينة، ~~فقيل: عشر سنين، وقيل: ثلاث عشرة سنة. فمن قال: إنه نبئ وهو ابن أربعين سنة # PageV03P388 # وأنه أقام بمكة عشر سنين، أو إنه نبئ وهو ابن أربعين سنة وأقام بمكة ثلاث ~~عشرة سنة قال: إنه توفي وهو ابن ثلاث وستين سنة. # والرواية بأنه توفي وهو ابن خمس وستين تقتضي أنه نبئ وهو ابن اثنتين ~~وأربعين سنة وأنه أقام بمكة ثلاث عشرة سنة. وذهب الطحاوي إلى أن أصح ما في ~~هذا أنه توفي وهو ابن ستين على ما روى ربيعة عن أنس في الموطأ بدليل ما روي ~~عن عائشة أنها كانت تقول: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لفاطمة ~~في مرضه الذي مات فيه مما أسرها به وأخبرت به عائشة بعد وفاته. «قالت ~~عائشة: أخبرتني أنه أخبرها أنه لم يكن نبي بعد نبي إلا عاش نصف عمر الذي ~~كان قبله، وأخبرني أن عيسى - عليه السلام - عاش عشرين ومائة سنة، ولا أراني ~~إلا ذاهبا على رأس ستين» وعن زيد بن أرقم أنه قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «ما بعث الله نبيا إلا عاش نصف ما عاش الذي قبله» ، قال؛ ~~لأن ما قاله النبي - عليه السلام - في مبلغ سنه يقتضي صحة قول من قال من ~~أصحابه في ذلك كقوله. وليس ما قاله الطحاوي في ذلك ببين، لأن حديث عائشة ~~الذي ذكره وحديث زيد بن أرقم يعارضه ما «روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أن عيسى ابن مريم مات وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة» والله أعلم. # وفيها بعث النبي - عليه السلام - جرير بن عبد الله إلى ذي الكلاع باليمن ~~يدعوه إلى الإسلام فأسلم، ms1294 وقدم جرير وقد قبض رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -. # وفيها بعث أسامة بن زيد إلى مؤتة من أرض الشام وأمره أن يهريق بها دما ~~فلم ينفذ لبعثه حتى قبض - صلى الله عليه وسلم - فأنفذ بعثه أبو بكر. ### || # وفيها بويع أبو بكر الصديق. # وفيها ارتد من ارتد من العرب. # PageV03P389 # وفيها أحرق أبو بكر الفجاءة واسمه إياس بن عبد الله بن ياليل. وذلك أنه ~~سأل أبا بكر أن يعينه على من ارتد من العرب ويحمله ففعل، فجعل يقتل المسلم ~~والمرتد، فكتب فيه فأخذ، فقيل: قتله ثم أحرقه. # وفيها وجه خالد بن الوليد إلى طليحة فهزمه وقتل من قتل من أصحابه، وهرب ~~طليحة ثم أسلم وحسن إسلامه. ثم مضى بأمر أبي بكر إلى مسيلمة باليمامة وقد ~~كانت تنبت امرأة يقال لها: سجاح بنت الحارث من بني تميم فتزوجها مسيلمة، ~~فقتل خالد مسيلمة وافتتح اليمامة بصلح صالحه عليها مجاعة بن مرارة. واستشهد ~~ألف ومائة من المسلمين، وقيل: ألف وأربعمائة منهم سبعون جمعوا القرآن. # وتوفي أبو بكر لثمان بقين من جمادى الآخرة يوم الاثنين سنة ثلاث عشرة، ~~فكانت خلافته سنتين وأربعة أشهر إلا عشر ليال. # واستخلف أبو بكر عمر بن الخطاب، وقتل - رضي الله عنه - في ذي الحجة سنة ~~ثلاث وعشرين. طعنه أبو لؤلؤة غلام نصراني للمغيرة عند صلاة الصبح قبل أن ~~يدخل في الصلاة، فصلى بهم عبد الرحمن بن عوف بأمره، فكانت خلافته فيما قيل: ~~عشر سنين وخمسة أشهر وتسعة وعشرين يوما. ومات عمر وقد جعلها شورى إلى ستة ~~نفر، وهم عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي ~~وقاص. # فاجتمعوا على ولاية عثمان بن عفان. وقتل - رضي الله عنه - سنة خمس ~~وثلاثين وهو ابن تسعين سنة، وقيل: ثمان وثمانين، وقيل: ست وثمانين. ودفن ~~ليلا وصلى عليه جبير بن مطعم فكانت خلافته اثنتي عشرة سنة، ويقال: إلا اثني ~~عشرة ليلة. # وبويع علي - رضي الله عنه - بالخلافة على رأس ستة أشهر من مقتل عثمان، ~~وكانت خلافته فيما يقال: خمس سنين إلا ms1295 ثلاثة أشهر. # PageV03P390 # وأصيب غداة يوم الجمعة لتسع عشرة ليلة مضت من شهر رمضان، ومات - رضي الله ~~عنه - يوم الأحد لتسع بقين من رمضان سنة أربعين، وهو ابن سبع وخمسين سنة، ~~ويقال: ابن ثمان وخمسين سنة. وكانت الجماعة على معاوية سنة أربعين. ### || فصل في مراتب الصحابة # فصل # مراتب الصحابة] فمراتب هؤلاء الخلفاء الأربعة في الفضل كمراتبهم في ~~الولاية. فالذي عليه عامة أهل السنة وكافة علماء الأمة أن أمة نبينا محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - أفضل الأمم، كما أنه أفضل الأنبياء والرسل وخاتم ~~النبيين وسيد المرسلين وأمين رب العالمين المبعوث إلى الخلق أجمعين، وأن ~~أفضل أصحابه الخلفاء الراشدون المهديون أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، ~~ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب. وقد روي هذا عن مالك - رحمه الله - ~~وقيل: إنه الذي رجع إليه بعد أن كان وقف في عثمان وعلي فلم يفضل أحدهما على ~~صاحبه على ظاهر ما وقع في كتاب الديات من المدونة على أنه كلام محتمل ~~للتأويل. وقد ذكرنا وجوه احتماله واختلاف الروايات فيه في الجزء الرابع من ~~شرح جامع العتبية. # ثم تقدم بعد هؤلاء الخلفاء في التفضيل بقية العشرة الذين شهد لهم رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بالجنة ومات وهو راض عنهم، وهم الزبير بن ~~العوام، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبو ~~عبيدة بن الجراح، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل. فهؤلاء العشرة كلهم ~~بدريون. ثم المقدم بعد هؤلاء العشرة في الفضل بقية أهل بدر، ثم أهل بيعة ~~الرضوان وهم أصحاب الشجرة الذين قال الله فيهم: {لقد رضي الله عن المؤمنين ~~إذ يبايعونك تحت الشجرة} [الفتح: 18] إلى قوله: {عزيزا حكيما} [النساء: 56] # PageV03P391 # ومنهم من اتفقت له هذه المواطن كلها، ومنهم من نال بعضها. ثم من أنفق من ~~بعد الفتح وقاتل وكلا وعد الله الحسنى. # ومن أهل العلم من ذهب إلى أن مات في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- من الشهداء مثل حمزة، وجعفر، وسعد بن ms1296 معاذ، ومصعب بن عمير أو مات في ~~حياته وإن لم يكن من الشهداء، كعثمان ابن مظعون الذي قال فيه رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: ذهبت ولم تلبس منها بشيء أفضل ممن بقي بعده، وإياه ~~اختار ابن عبد البر. ومن حجتهم «قوله - صلى الله عليه وسلم - لشهداء أحد: ~~هؤلاء أشهد عليهم فقال أبو بكر الصديق: ألسنا يا رسول الله بإخوانهم أسلمنا ~~كما أسلموا وجاهدنا كما جاهدوا؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~بلى ولكن لا أدري ما تحدثون بعدي» وهذا لا حجة فيه لأن الحديث ليس على ~~عمومه في أبي بكر وغيره، لأن العموم قد يراد به الخصوص، كقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «اللهم اشدد وطأتك على مضر» وإنما أراد الكفار منهم دون ~~المؤمنين. فالقول الأول هو الصحيح، ويؤيده ما روي «عن ابن عمر أنه قال: كنا ~~نفاضل على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنقول: أبو بكر، ثم عمر، ~~ثم عثمان، ثم علي، ثم نسكت» . وبالله التوفيق. ### || فصل في الزهد والورع # فصل في # الزهد والورع الورع هو اجتناب المحرمات والمشتبهات. قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات فمن اتقى ~~الشبهات استبرأ لدينه وعرضه» الحديث. فاجتناب المحرمات واجب، واجتناب ~~الشبهات مستحب، ولا ينطلق اسم الورع إلا على من اجتنب المحرمات والمشتبهات. ~~والزهد هو ما يبعث # PageV03P392 # على اجتناب المحرمات والمشتبهات، وترك التنعم بالمباح من الشهوات. فكل ~~زاهد ورع وليس كل ورع زاهدا، فالورع أعم من الزهد. # فصل فالزهد في الدنيا هو ضد الرغبة فيها، والرغبة هو الاستعظام لها ~~والحرص عليها والميل إليها. فإذا كان الزهد هو ضد الرغبة فهو الاستصغار ~~للدنيا والاحتقار لشأنها الذي يدعو إلى رفض فضولها وأخذ القوام منها عونا ~~على طاعة الله عز وجل فيها، فلا يترك الزاهد منها شيئا إلا لله، ولا يأخذ ~~منها شيئا إلا لله وعونا على طاعة الله. ولا يتركها كلها إذا صغرت عنده ~~وهانت عليه، فيكون عاصيا لله إذ ترك منها واجبا أمر ms1297 بأخذه، أو مقصرا في حظه ~~إذ ترك منها ما ندب إلى أخذه، لكنه لما صغرت عنده وهانت عليه اتبع فيها أمر ~~الله في كتابة وما ندب إليه على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - فأخذ ~~منها ما أعان على القربة إليه، وترك منها مما يجوز له أخذه تركه زهدا فيه ~~ليتقرب بذلك إلى ربه. هذا هو الزهد عند جماعة من العلماء والزهاد، كالحارث ~~بن أسد المحاسبي وغيره. # وقال سفيان الثوري وغيره منهم: إنه قصر الأمل. وليس بصحيح، لأن قصر الأمل ~~ليس هو الزهد وإنما هو المعين على الزهد، لأن من قصر أمله وتوقع نزول ~~المنية زهد في الدنيا ولم يرغب فيها. # وقال الأوزاعي وغيره منهم: إنه بغض المحمدة وبغض المحمدة إنما هو بعض ~~الزهد لا جميعه، لأن الزهد يكون في المحمدة وفيما سواها من شهوات الدنيا. ~~قال الله عز وجل: {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير ~~المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث} [آل عمران: 14] ~~الآية إلا # PageV03P393 # أنه لما كان حب المحمدة على الطاعة والتزين بها في الدنيا غالبا على قلوب ~~العباد قال: إن ذلك هو الزهد، بمعنى أنه إذا زهد فيها فهو فيما سواها أزهد. # وقال سفيان بن عيينة منهم ورواه عن الزهري: الزهد من غلب صبره الحرام ~~وشكره الحلال. وهذا ليس بالزهد وإنما هو صفة الزاهد، لأن من كان بهذه الصفة ~~فهو زاهد، فهي معنى تكون عن الزهد؛ لأنه إذا زهد قوي صبره عن الحرام فلم ~~يركن إليه، وقوي شكره على الحلال فلم تشغله حلاوته عن الشكر. # وقال الفضيل بن عياض وغيره منهم: الزهد الترك للدنيا. وليس الترك للدنيا ~~هو الزهد، ولكنه كائن عنه؛ لأنه إذا زهد في الدنيا تركها. وليس قوله الترك ~~للدنيا على عمومه؛ لأن من أحوال الدنيا ما لا يجوز تركه، فلو قال: الزهد ~~ترك ما لا قربة فيه من أحوال الدنيا؛ لكان في العبارة عما قصد إليه أولى، ~~وقد قارب الحقيقة في الزهد، إذ جعله المعنى الذي يكون عن الزهد، وهو ms1298 فائدته ~~التي تقربه من الله عز وجل. # ومنهم من قال: الزهد أن يكون الرجل بما في يد الله أوثق مما بيده، فجعل ~~الزهد بعض التوكل لما كانت الثقة بما في يد الله دون ما بيده تبعث الواثق ~~بذلك على ألا يدخر ما بيده فيقدمه لآخرته. وليس ذلك بصحيح، إذ قد يكون ~~الرجل بما في يد الله أوثق مما في يده ومع هذا فيدخره ليتنعم به أو يتصدق ~~به للمحمدة والثناء فيكون راغبا فيه. وقد يتصدق به لله لا للمحمدة فيكون ~~زاهدا فيه. وليس التصدق به لله هو الزهد نفسه، ولكنه عن الزهد كان. # ومنهم قال: الزهد بغض للدنيا، وذلك أن الله عز وجل ذم الحب لها فقال: ~~{تحبون العاجلة} [القيامة: 20] والبغض ضد الحب فسمي الزهد به، وذلك إذا ~~أبغضها لاحتقاره لها، وصغر شأنها عنده، إذ قد يبغض الرجل الدنيا لضر نزل به ~~فيها وخطرها عنده عظيم. فليس الزهد في الدنيا ضد الحب لها على الإطلاق، ~~وإنما هو ضد الرغبة فيها، لأن الراغب فيها إنما يرغب فيها لعظم شأنها عنده. ~~والاحتقار لها # PageV03P394 # والبعض فيها المندوب إليه بالشرع لا بالطبع، لأن الله تعالى قد زينها ~~وحذر منها ابتلاء واختبارا. وقد قال بعض الناس: إن الزاهد إنما هو من أبغض ~~الدنيا طبعا بغريزته كما يبغض الأنتان وشبهها، وإن من لم يحل هذا المحل وإن ~~أبغض الدنيا بأجمعها فليس بزاهد وإنما هو صابر. وهو غلط ظاهر، لأن ما طبع ~~عليه الإنسان لا يؤجر عليه إذ لا كسب له فيه، وإنما يؤجر الزاهد على الصبر ~~على الزهد فيما طبع على محبته. قال الله عز وجل: {زين للناس حب الشهوات من ~~النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة} [آل عمران: 14] الآية. ~~وقال: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} [آل عمران: 92] وقال {وآتى ~~المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} [البقرة: 177] ~~وقال {ويطعمون الطعام على حبه} [الإنسان: 8] الآية. # ومنهم من قال: الزهد في الدنيا هو التهاون بالدنيا لهوانها على الله. ~~واحتج بما روي «أن ms1299 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر بسخلة ملقاة على ~~سباطة قوم ومعه أصحابه فقال: أترون أهل هذه ألقوها من كراهتها عليهم أو من ~~هوانها. قالوا: بل من هوانها عليهم، فقال - صلى الله عليه وسلم -: فالدنيا ~~أهون على الله من هذه على أهلها» وندبهم - صلى الله عليه وسلم - إلى أن ~~يهون عليهم ما هان على الله. # وقال الحسن: ويحك يا ابن آدم لا تخالف الله في هواه فإن الله لا يحب ~~الدنيا. # وقال ابن المنكدر: لو لقيت الله وليس لي ذنب إلا حب الدنيا لخشيت أن ~~يقال: هذا أحب ما أبغض الله. فوصف قائل هذا القول الزهد بحقيقة ما يكون عنه ~~ولم يخرج عن معناه. ألا ترى أنك تقول: زهدت في الدنيا فهانت علي، ولا تقول ~~هانت علي فزهدت فيها. وكذلك سائر ما تقدم من الأقوال لم يخرج قائلوها بما ~~قالوه في # PageV03P395 # الزهد عن معناه وإنما أخطؤوا في تسميته، فسماه بعضهم باسم الزاهد، وبعضهم ~~باسم المعين على الزهد، وبعضهم باسم المعنى الذي يورثه الزهد، وبعضهم باسم ~~بعض الزهد، لأن كل واحد منهم يقع المزيد بما سماه لترغيبه إياه فيه. # فصل فالزهد نافلة مستحبة لا فريضة يستوجب الزاهد بها رضى الله تعالى ~~ورفيع الدرجات في جنة المأوى، وإن كانت الواجبات كلها لا تكون إلا بالزهد ~~فلا يسمى شيء منها زاهدا إذ قد اختصت من الأسماء بما هو أليق بها من الزهد. ~~ألا ترى أن الإيمان لا يكون إلا بالزهد في كل معبود سواه، والصلاة لا تكون ~~إلا بالزهد في الاشتغال بما يصد عنها ويمنع منها، وكذلك سائر الفرائض ~~والطاعات. # فصل فالزهد وما يتعلق به من المعاني مختلفة الوجوه، وهي ستة أشياء: ~~الزهد، والزاهد، والمزهود فيه، والمزهد في الدنيا، والمزهود من أجله الباعث ~~على الزهد الذي عنه يكون الزهد، والمزهود له. # فأما الزهد في الدنيا فهو الاستصغار بجملتها والاحتقار لجميع شأنها ~~لتصغير الله تعالى لها وتحقيره إياها وتحذيره من غرورها في غير ما آية من ~~كتابه، من ذلك قوله: {قل متاع الدنيا ms1300 قليل والآخرة خير لمن اتقى} [النساء: ~~77] وقوله: {فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور} [لقمان: ~~33] وقوله: {إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات ~~الأرض مما يأكل الناس والأنعام} [يونس: 24] إلى قوله: {والله يدعو إلى دار ~~السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} [يونس: 25] ؛ لأنه إذا كانت # PageV03P396 # صغيرة حقيرة هانت عليه فترك منها زهدا فيها كل ما لا قربة في أخذه منها ~~من التنعم بنعيمها من المطعم والمشرب والاستمتاع بمتاعها من الملبس والمركب ~~والمسكن والتلذذ بملاذها من المسموعات والمبصرات، والخلود فيها إلى الراحة، ~~فلم يأخذ من ذلك كله إلا قوام عيشه، أو ما كان زائدا على ذلك مما ندب إلى ~~أخذه كاتخاذ ثوبين لجمعته، ولباس ما يغره لباس ما دونه، لأن الله عز وجل ~~يحب أن ترى أثر نعمته على عبده على ما جاء في الحديث. وكالراحة التي يستعين ~~بها على الطاعة على ما جاء عن معاذ بن جبل من قوله لأبي موسى الأشعري: أما ~~أنا فأنام أول الليل وأقوم آخره وأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي، فهذا هو ~~الزهد في الدنيا. وأما ترك ما يجب تركه من المحرمات فلا يسمى زهدا،، ولا ~~اسم طاعة، وإن كان في الحقيقة زهدا وطاعة؛ لأنه إنما زهد في ذلك خوف ~~العقاب، وليس هذا هو الزهد الذي يتطوع به رجاء جزيل الثواب ومرضاة الرحمن. # وأما الزاهد فهو المستصغر للدنيا الذي قد انصرف قلبه عنها لصغر قدرها ~~عنده، فلا يفرح بشيء من الدنيا، ولا يحزن على فقده، ولا يأخذه منها إلا ما ~~أمر بأخذه، أو ما يعينه على طاعة ربه، ويكون مع ذلك قلبه دائم الشغل بذكر ~~الله تعالى، وذكر الآخرة والفكرة فيها، لا ينتقل عما هو فيه من ذلك إلا إلى ~~ما هو في معناه من ذكر الله، أو ذكر الآخرة على قدر الأحوال وطلب القربة لا ~~مالا له، وطلبا للاستراحة منه لما هو أخف عليه مما فيه تسلية لنفسه. وهذا ~~هو أرفع أحوال الزهد، لأن من بلغ إلى هذه المرتبة ms1301 منه فهو في الدنيا بشخصه، ~~وفي الآخرة بروحه وعقله، قد غلب وساوس الشيطان، واستحق الثواب الجزيل من ~~الله تعالى والرضوان. # PageV03P397 # وأما المزهود فيه فهي الدنيا التي هي ما حواه الليل والنهار، وأظلته ~~السماء، وأقلته الأرض. أمر العباد بالزهد فيها بالاستصغار لها والاحتقار ~~لجميعها، وندبوا إلى أن يتركوا منها كل مباح لا عون فيه على طاعة الله، ولم ~~يندبوا إلى أن يتركوها كلها فيخرجوا عنها، بل فرض عليهم أن يأخذوا منها ما ~~لا يتم ما افترض عليهم إلا بأخذه، وندبوا إلى أن يأخذوا منها كل مباح في ~~أخذه عون على الطاعة. # فالمباح منها من أي نوع كان فيه عون على الطاعة كان الزهد في أخذه، وإن ~~لم يكن فيه عون على طاعة كان الزهد في تركه. # وأما المزهد في الدنيا فشيئان منها زهدا فيها بعض من لا يؤمن بالبعث وبعض ~~من يؤمن به: أحدهما: كثرة آفاتها، والثاني: فناؤها وفناء أهلها فيها، ~~وزوالهم عنها قبل فنائها. # وأما المزهود من أجله الباعث على الزهد الذي عنه يكون الزهد فخمسة أشياء: # أحدها: أنها مفتنة مشغلة للقلوب عن التفكر في أمر الله. # والثاني: أنها تنقص عند الله تعالى درجات من ركن إليها. # والثالث أن تركها قربة من الله وعلو مرتبة عنده في درجات الجنة. # والرابع طول الحبس والوقوف في القيامة للحساب والسؤال عن شكر النعم. # والخامس رضوان الله والأمن من سخطه وهو أكبرها. قال الله عز وجل: {ورضوان ~~من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم} [التوبة: 72] . # وأما المزهود له فهو الله عز وجل الذي رفض الزاهد الدنيا المحببة إليه ~~ابتغاء مرضاته، وخوفا من سؤاله، وتقربا إليه وموافقة له في تصغير ما صغر، ~~وبغض ما أبغض، رغبة فيما عنده عز وجل من جزيل الثواب وبالله التوفيق. # فصل وقد قالت طائفة من العلماء: ليس الزهد في شيء من الحلال، وإنما الزهد # PageV03P398 # في الحرام، لأن العباد لم يؤمروا بالزهد فيما أحل لهم، بل هم مأجورون على ~~اكتسابه إذا تورعوا فيه، فلهم من الأجر على ذلك ما ليس لتارك ms1302 الاكتساب. ~~قالوا: ففي التمتع بالحلال خلال لا يجوز الزهد فيها، منها الأجر على ~~التحري، والتورع في اكتسابه، وعلى الشكر لله على ذلك. ومنها أنه يكون له في ~~تمتعه بالحلال عصمة عن الحرام، لأن من أكل الطيب ولبس اللين ثم رأى غيره ~~ينال ذلك لم تدعه نفسه إلى الحسد، ولا إلى طلب ذلك من حرامه. واحتجوا ~~لقولهم بما ترك بعض أصحاب النبي - عليه السلام - من المال إلا أنه لا تورث. ~~قالوا: فلو كان الزهد في الحلال لما أبقى أحد من هؤلاء وراءه شيئا من ~~المال، فلم تفرق هذه الطائفة بين الزهد والورع وجعلوهما شيئا واحدا. # والذي أقول به في هذا: إن الزهد غير الورع، وإن الزهد إنما هو في الحلال ~~لا في الحرام، لأن ترك الحرام فرض فلا يقال فيمن تركه: إنه من أهل الزهد في ~~الدنيا. وإن الزهد هو المعنى الذي يبعث صاحب المال على أن يجود لله عز وجل ~~من ماله بما لا يلزمه من صلة رحم أو عتق أو تحبيس في السبيل، أو بناء مسجد ~~أو هبة أو صدقة أو تحبيس وما أشبه ذلك، وإن لم يستوعب بذلك ماله كله أو ~~أبقى لنفسه منه بعضه لنفقة على نفسه وعياله، وإن أكل من طيب الطعام وشرب من ~~لذيذ الشراب، ولبس لين الثياب من غير إسراف ولا إقتار، إذ قد ندب الله عز ~~وجل إلى ذلك بقوله: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك ~~قواما} [الفرقان: 67] وقد سئل مالك - رحمه الله - عن معنى قوله عز وجل: ~~{ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك} [القصص: 77] فقال: ~~معناه أن يعيش في الدنيا ويأكل ويشرب غير مقتر عليه، ولما عسى أن يراه من ~~وجوه البر، ومخافة أن تطول حياته فيبقى عالة # PageV03P399 # على الناس أو يموت فيترك ورثته عالة يتكففون الناس، فقد قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة ~~يتكففون الناس» ، «وقال لكعب بن مالك حين تاب الله ms1303 عليه فقال يا رسول الله: ~~إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة لله ورسوله، فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك» وما قال فيه رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: إنه خير للعبد فلا شك في أنه خير له من ضده. فمن جاد لله ~~من ماله بما لا يلزمه زهدا فيه ورغبة فيما له عند الله على ذلك من جزيل ~~الثواب فهو من الزهاد بما زهد لله فيه من ماله وخرج عنه لله عز وجل. # فالصحابة المذكورون بالغنا كلهم زهاد في الدنيا بما بذلوه لله تعالى من ~~أموالهم في حياتهم، وبما نووا فيما أنفقوا منه لأنفسهم إلى حين وفاتهم، وإن ~~كان كثيرا فالذي بذلوا منه في حياتهم أكثر مما أنفقوا بعد وفاتهم. لا أنه ~~لا يقع على الزاهد اسم زاهد حتى ينخلع من جميع ماله لله عز وجل ويترك ~~التنعم بشيء منه خوف السؤال عنه كما قالت الطائفة التي بدأنا بذكرها. ~~فالزهاد في الدنيا يتعاطون في الزهد فيها على قدر مبلغهم على الدنيا إلى ~~الدار الآخرة، لأن الدنيا والآخرة ككفتي الميزان، فإذا مال الرجل عن ~~إحداهما إلى الأخرى رجحت به. فإذا رجحت به كفة الأخرى فهو معدود في جملة ~~الزهاد في الدنيا، فتفاضل الزهاد في الدنيا على قدر رجحان الكفة بهم. ~~ونهاية زهد الزاهد في الدنيا ألا يميل إلى شيء منها إلا أن يكون في ذلك ~~قربة لله تعالى، فتكون كفة الدنيا فارغة لا وزن لها. فإن استوت به الكفتان، ~~أو رجحت به كفة الدنيا فليس بمعدود في الزهاد في الدنيا. فالزهد في الدنيا ~~إنما هو بقدر النيات، فلا يعلمه إلا العالم بقدرها المجازي عليها. فقد يكون ~~صاحب المال الكثير أزهد في الدنيا من صاحب المال القليل وممن لا مال له. # فصل وهذا الباب الاختلاف فيه، قد قالت طائفة من العلماء: إن الزهد # PageV03P400 # فراغ القلب من الدنيا للاشتغال بالآخرة، فليس من الزهد ترك ما يشتهيه ~~والقلب به مشغول عن الآخرة، ولكن من ms1304 الزهد أخذه ليتفرغ القلب للآخرة، وليس ~~ذلك من تعظيم الشهوة ولكن ليفرغ قلبه للآخرة، وهو قول بعيد. # وقالت طائفة أخرى: الزهد إخفاء الزهد بلباسه الثياب الحسان، واتخاذه في ~~بيته المتاع واستعماله الطيب من الطعام ليلا ينظر إليه الخلق فيتوهموا عليه ~~الزهد فيحسدونه على ذلك، إذ القلب لا يمتنع إذا ظهر منه التقشف والتقلل أن ~~يرتاح لحب حمد الناس على ذلك وتعظيمهم إياه من أجله. وهذا من الأقوال ~~الظاهرة الخطأ. # وقالت طائفة أخرى عامتهم قدرية: إن الزهد إنما هو الجوع وترك كل لذة، ومن ~~أخذ منها شيئا من لذاتها أو تمتع ليستعين بذلك على طاعة كقيام ليل أو غيره ~~مخدوع، وترك ذلك العمل مع الجوع أفضل، لأن الزهد لا يعدله شيء. وما احتجت ~~به هذه الطائفة والرد عليها يطول. # وقالت طائفة أخرى: الزهد كله فيما حرم وما أحل فهو معونة على الطاعة، وكل ~~ما فعله العبد وليس فيه ثواب فهو معصية وقد وجب عليه الزهد فيه. واحتجوا ~~بما جاء من أن صاحب الشمال يكتب كل ما لا يكتب صاحب اليمين، والله أعلم، ~~وبه التوفيق لا رب غيره ولا معبود سواه. ### || فصل في المفاضلة بين الفقر والغنى # فصل في # المفاضلة بين الفقر والغنى # اختلف الناس في الفقر والغنى على أربعة أقوال، فمنهم من ذهب إلى أن الغنى ~~أفضل، ومنهم من ذهب إلى أن الفقر أفضل، ومنهم من ذهب إلى أن # PageV03P401 # الكفاف أفضل، ومنهم من توقف في ذلك فلم ير المفاضلة فيه. وهذا فيمن كان ~~يؤدي ما لله عليه من حق في حال الفقر لفقره، وفي حال الغنى لغناه؛ لأن من ~~كان يؤدي حق الله الواجب عليه في الفقر، ولا يؤدي حقه الواجب عليه في ~~الغنى، فلا اختلاف في أن الفقر أفضل له من الغنى. ومن كان يؤدي حق الله ~~الواجب في الغنى، ولا يؤدي حقه الواجب عليه في الفقر، فلا اختلاف في أن ~~الغنى أفضل له، لأن الفضل في الفقر والغنى ليس لذاتهما، وإنما هو لما يكتسب ~~بسبب كل واحد منهما مما ms1305 يؤجر عليه، فيكتسب بسبب الفقر الصبر والرضا بما قسم ~~الله له منه، والشكر لله تعالى على ذلك والتصرف والخدمة فيما يلزمه من ~~نفقته وكسوته، ونفقة من يلزمه الإنفاق عليهم وكسوتهم فيؤجر على ذلك. ويكتسب ~~بسبب المال الصبر على إنفاقه في الواجبات، وما يندب إليه من القربات، مع ~~حبه إياه. قال الله عز وجل: {وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب} [البقرة: 177] إلى قوله: ~~{أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} [البقرة: 177] وقال عز وجل: ~~{ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا} [الإنسان: 8] والشكر لله ~~تعالى على ما آتاه من فضله، فيؤجر على ذلك كله كالصحابة - رضي الله عنهم -؛ ~~لأنه كان منهم الفقير والغني ومن أغناه الله من فضله بعد أن كان فقيرا، ~~فكانوا كلهم - رضي الله عنهم - محمودين في حال الفقر وفي حال الغنى، لأنهم ~~صبروا في حال الفقر على ضيق العيش وشكروا الله تعالى على ذلك وقنعوا بما ~~أعطوا، وآثروا على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، فكان لهم من الأجر على ذلك ~~كله ما لم يعلم مقداره إلا الله تعالى، وشكروا الله تعالى في حال الغنى على ~~ما آتاهم من فضله، ووسع عليهم من رزقه، وأدوا ما افترض الله عليهم في ~~أموالهم من الزكوات الواجبات، وقاموا بما يلزمهم القيام به من النوائب ~~اللازمات، وتطوعوا لوجه الله بما لا يلزمهم من القرب والصدقات، فكان لهم من ~~الأجر على ذلك كله ما لا يعلم مقداره إلا الله عز وجل خالق الأرض ~~والسماوات. # PageV03P402 # والذي أقول به في هذا تفضيل الغنى على الفقر، وتفضيل الفقر على الكفاف. ~~وإنما قلت: إن الغنى أفضل من الفقر؛ لقول الله عز وجل: {واسألوا الله من ~~فضله} [النساء: 32] فلو كان الفقر أفضل من الغنى لكان تعالى قد أمرنا أن ~~نسأله تبديل الأفضل بالأدنى، وذلك خلاف المعلوم من المعنى. وقوله عز وجل: ~~{ووجدك عائلا فأغنى} [الضحى: 8] فلو كان الفقر أفضل من الغنى لكان تعالى قد ~~امتن عليه - صلى الله عليه وسلم - بأن نقله من ms1306 الأفضل إلى الأدنى. وقوله ~~تعالى: {وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون} [التوبة: 92] فلو ~~كان ما كانوا فيه أفضل وأولى لم يكن لحزنهم معنى. # وقوله تعالى: {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة ~~منه وفضلا} [البقرة: 268] وشتان في الفضل ما بين ما يعد الله به من الغنى، ~~ويعد به الشيطان من الفقر! وقوله عز وجل: {وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله ~~من فضله} [التوبة: 28] وقوله عز وجل: {وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله ~~من فضله} [التوبة: 74] وقوله: {إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله} ~~[النور: 32] وما أشبه ذلك من الآيات كثير. ولقول «النبي - عليه السلام - ~~حين قيل له: ذهب الأغنياء بالأجور: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء» ولقوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «ما نفعني مالي ما نفعني مال أبي بكر» ، وقوله - ~~عليه السلام -: «من جهز جيش العسرة ضمنت له على الله الجنة» ، وقوله - عليه ~~السلام -: «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس» # PageV03P403 # وأمره - صلى الله عليه وسلم - بقبول ما أتى من غير مسألة، ونهيه عن إضاعة ~~المال وعن الوصية بما زاد على الثلث وما أشبه ذلك من الأحاديث التي يكثر ~~عدها، ولا يمكن حصرها؛ ولأن الفقير يؤجر من وجهين: # أحدهما: الصبر على الفقر والفاقة مع الرضى بذلك، والشكر لله تعالى عليه. # والثاني: تصرفه وعمله فيما يعيد به على نفسه مما لا بد له منه من نفقته ~~ونفقة من تلزمه نفقته. والغني يؤجر من وجوه كثيرة: منها الشكر لله عز وجل ~~على ما آتاه من فضله. ومنها الصبر على ما يعطيه من ماله لوجه الله عز وجل ~~في الواجبات عليه من الزكوات، وفيما سوى ذلك من القربات، ومن الإنفاق على ~~من يجب عليه الإنفاق عليه من الزوجات وصغار البنين والبنات، والآباء ~~والأمهات المعدمين مع حبه له وشحه عليه. قال الله عز وجل: {وآتى المال على ~~حبه} [البقرة: 177] وقال {ويطعمون الطعام على حبه} [الإنسان: 8] ثناء منه ~~عز وجل بذلك عليهم. وقد يتزوج الغني ms1307 الزوجتين والثلاث والأربع ويتسرى ~~الإماء ذوات العدد، فيستمتع من وطئهن ويؤجر بذلك فيهن، والفقير لا يقدر على ~~شيء من ذلك. وما فضل عند الرجل من ماله بعد أن أدى منه الواجب عليه فيه، ~~واستمتاعه به في الرفيع من اللباس، والطيب من الطعام، والحسن من المركوب، ~~والجيد من السكنى من غير إسراف في شيء من ذلك كله؛ لقول الله عز وجل: ~~{والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما} [الفرقان: ~~67] أولى من ترك ذلك وإمساك ماله إذ لا أجر في مجرد إمساك المال، وإنما ~~يؤجر على إمساكه إذا أمسكه لخير ينوي أن يفعله منه، وقد يؤجر على الاستمتاع ~~بماله في لباس الحسن؛ لأن الله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده. «قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صاحب جابر بن عبد الله لما لبس ~~الثوبين الجديدين بأمره له # PageV03P404 # بذلك ونزع الخلقين: ماله ضرب الله عنقه أليس هذا خيرا له» . وقال عمر بن ~~الخطاب: إني لأحب أن أنظر إلى القارئ أبيض الثياب، وقال: إذا أوسع الله ~~عليكم فأوسعوا على أنفسكم. ويوجد في التوسعة على أهله في الإنفاق. وقد قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «حتى ما تجعله في في امرأتك» . ففي هذا ~~كله بيان واضح على أن وجود المال خير من عدمه؛ لأنه إذا عدمه لم ينتفع ~~بعدمه، وإذا وجده انتفع بوجوده، إما باستمتاع مباح غير مكروه لا أجر له ~~فيه، وإما باستمتاع مندوب إليه له فيه أجر، إلى ما يفعل منه من الخير ~~الواجب والتطوع. # وإنما قلت: إن الفقر أفضل فيه عما يحتاج إليه، فأغناه ذلك عن الكدح ~~والتصرف فيما يحتاج إليه. والفقير يؤجر من وجهين حسبما ذكرناه. واستدل من ~~ذهب إلى أن الفقر أفضل من الغنى بقول الله عز وجل: {إنما يوفى الصابرون ~~أجرهم بغير حساب} [الزمر: 10] ولا دليل لهم فيه، لأن الأغنياء يشاركونهم في ~~الصبر، والأجور في الأعمال على قدر النيات فيها. قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «إن الله قد ms1308 أوقع أجر العبد على قدر نيته» ومقدار النيات لا ~~يعلمها إلا المجازي عليها. وبما روي من أن الفقراء يدخلون الجنة قبل ~~الأغنياء. ولا دليل لهم فيه، إذ ليس على عمومه، للعلم الحاصل بأن طائفة من ~~الأغنياء المسلمين كعبد الرحمن بن عوف، # PageV03P405 # وعثمان بن عفان يدخلون الجنة قبل كثير من الفقراء، وأنهم أفضل من أبي ذر ~~وأبي هريرة. ولأن السبق إلى الجنة لا يدل على زيادة الدرجة فيها. وكذلك ما ~~روي من كون الفقراء أكثر أهل الجنة؛ لأن الفقراء في الناس أكثر من ~~الأغنياء، والمحمودون منهم أكثر من المحمودين من الأغنياء. وليس الكلام في ~~أي الطائفتين أكثر، وإنما هو في أيهما أفضل أي أكثر ثوابا. وقد بينا وجه ~~كثرة الثواب في ذلك. # وأقوى ما يحتج به من ذهب إلى أن الفقر أفضل من الغنى هو أن الفقير أيسر ~~حسابا وأقل سؤالا، إذ لا بد من أن يسأل صاحب المال من أين كسبه وهل أدى ~~الحق الواجب عليه فيه أم لا، ويسأل أيضا على تمتعه فيه بالمباح من المطعم ~~والملبس بنص قول الله تعالى: {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} [التكاثر: 8] ~~«وقول النبي - عليه السلام - لأصحابه: "لتسألن عن نعيم هذا اليوم» في طعام ~~صنعه لهم أبو الهيثم بن التيهان خبز شعير ولحم وماء مستعذب. وهذا لا حجة ~~لهم فيه أيضا ولا خفاء في أن من وجب عليه شيء فسئل هل عمله أو لم يعمله ~~فوجد قد عمله أفضل ممن لم يجب عليه ولا يسأل عنه؛ لأنه يؤجر على ما عمل من ~~الواجب كما يؤجر على ما عمل من التطوع. وإنما توقف عن المفاضلة بين الفقر ~~والغنى من لم يفضل أحدهما على صاحبه، والله أعلم، من أن لكل طائفة منهما ~~معنى تؤجر عليه دون الأخرى، والأجور في ذلك # PageV03P406 # على قدر النيات في ذلك المعنى، ولا يعلم قدرها إلا المجازي عليها، فوجب ~~الوقوف على ذلك لاحتمال أن يؤجر الفقير على معنى واحد لقوة نيته فيه أكثر ~~مما يؤجر الغني على معان كثيرة لضعف نيته فيها. ms1309 وهذا صحيح مع التعيين، فلا ~~يصح أن نقول: إن أجر فلان في غناه أكثر لكثرة ما يفعل منه من الخير، أو ~~أكثر من أجر فلان في فقره لصبره ورضاه بما قسم الله له من ذلك، ولا: إن ~~أجره في فقره بصبره ورضاه بما قسم الله له من ذلك أكثر من أجر فلان في غناه ~~على ما يفعل منه من الخير. # وأما في الجملة فالغنى أفضل من الفقر على ما بيناه من كتاب الله عز وجل ~~وسنة نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -. وأما من فضل الكفاف على الفقر أو ~~على الغنى فلا وجه له في النظر والله أعلم. # وأما الفقير الذي لا يقدر أن يقوم بما يحتاج إليه حتى يسأل فالغني أفضل ~~منه قولا واحدا والله أعلم لقول النبي - عليه السلام -: «اليد العليا خير ~~من اليد السفلى» ؛ لأن اليد العليا هي المنفقة والسفلى السائلة. وقد استعاذ ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - من الفقر المنسي كما استعاذ من الغنى المطغي ~~وبالله التوفيق. # PageV03P407 ### || فصل في البغي والحسد # فصل في # البغي والحسد الحسد من الذنوب العظام؛ لأن الله تعالى نهى عنه وحرمه في ~~كتابه على لسان رسوله فقال عز وجل: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على ~~بعض} [النساء: 32] وقال تعالى: {أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من ~~فضله} [النساء: 54] وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تحاسدوا ~~ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا» . والحسد هو أن يكره ~~الرجل أن يرى النعمة في شيء من الأشياء على غيره ويتمنى أن تنتقل عنه إليه. # وأما أن يسأل الله من فضله أن يعطيه مثل ما أعطى لغيره دون أن تزول ~~النعمة عنه فليس ذلك بمحظور ولا حسد، وإنما هو الغبطة، تقول: غبطت الرجل في ~~كذا وحسدته عليه، فالغبطة مباحة والحسد محظور. قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء ~~الليل والنهار، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء ms1310 الليل والنهار» . معناه ~~لا حسد أصلا لكن في هاتين الاثنتين تغابطوا فيهما، فالاستثناء في الحديث ~~استثناء منقطع. ومن أهل العلم من ذهب إلى أن قول النبي - عليه السلام -: ~~«لا تحاسدوا ليس على عمومه» ؛ لأن النبي - عليه السلام - قد أباحه في الخبر ~~فقال: «لا حسد إلا في اثنتين» . والذي ذهب إلى هذا قال: «إن الحسد على ~~وجهين: حسد معه بغي، وحسد لا بغي معه» . روي أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «إذا حسدتم فلا تبغوا» . والبغي، والله أعلم، أن يريد # PageV03P409 # الحاسد الإضرار بالمحسود بزوال النعمة عنه. فالحسد الذي لا بغي معه جائز، ~~والحسد الذي معه البغي محظور. فالحسد على هذا ينقسم على قسمين: حسد في ~~الخير، وحسد في المال. فالحسد في الخير مرغب فيه في غالب الحال، والحسد في ~~المال جائز إن لم يكن معه بغي، ومحظور إن كان معه بغي. وقد قال مالك - رحمه ~~الله -: بلغني أن أول معصية الحسد والكبر والشح حسد إبليس وتكبر على آدم، ~~وشح آدم فقيل له: كل من شجر الجنة كلها إلا التي نهاه الله عنها، فشح فأكل ~~منها. وقد مضى القول في الحسد. # وكذلك التكبر محظور مذموم، لأن الكبرياء إنما هي لله. فمن تكبر قصمه ~~الله، ومن تواضع رفعه الله. # وأما الشح فهو على وجهين: شح بالواجبات، وشح بالمندوبات. فأما الشح ~~بالواجبات فحرام، وأما الشح بالمندوبات فمكروه. فمن وقي الشح في الوجهين ~~فقد أفلح. قال الله عز وجل: {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} [الحشر: ~~9] وقوله في آدم: فشح فأكل منها فلم يأكل منها إبقاء عليها وشحا بها وأكل ~~من التي نهاه الله عنها. وبالله التوفيق. ### || فصل في الصدق والكذب # فصل في # الصدق والكذب الصدق واجب، والكذب محظور. قال الله عز وجل: {يا أيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} [التوبة: 119] وقال عز وجل: ~~{والصادقين والصادقات} [الأحزاب: 35] إلى # PageV03P410 # قوله: {أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما} [الأحزاب: 35] «وسئل رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أيكون المؤمن جبانا وبخيلا؟ قال: نعم. قيل: ms1311 أيكون ~~المؤمن كذابا؟ قال: لا» أي: لا يكون مؤمنا ممدوح الإيمان؛ لأن الكذب فجور، ~~وكان عبد الله بن مسعود يقول: عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، والبر ~~يهدي إلى الجنة، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي ~~إلى النار. ألا ترى أنه يقال: صدق وبر، وكذب وفجر. فنص - صلى الله عليه ~~وسلم - على أن الجبن والبخل أخف من الكذب. وروي عن عبد الله بن مسعود أنه ~~كان يقول: لا يزال العبد يكذب وينكت في قلبه نكتة سوداء حتى يسود قلبه ~~فيكتب عند الله من الكاذبين. وقد جاء عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ~~أنه قال: عليك بالصدق وإن ظننت أنه مهلك. ومعناه إن حسبت ذلك ما لم تتيقنه، ~~لأن الظن قد يكون بمعنى الشك وبمعنى اليقين. وذلك فيما يلزم الرجل أن يصدع ~~فيه بالحق لما يرجو في الصدق من الصلاح والخير، ويخافه في الكذب من الشر ~~والفساد، كالكلام عند السلطان وشبه ذلك. فهذا الذي عليه أن يصدع فيه بالحق، ~~وإن خشي أن يكون في ذلك هلاكه ما لم يتقين الهلاك في الصدق وإن خاف على ~~نفسه ما يلزمه بقوله فيما يجب عليه من الحقوق كالقتل والسرقة والزنا وشبه ~~ذلك. # فصل # والكذب محظور وممنوع في الجملة، وهو ينقسم على خمسة أقسام: # PageV03P411 # أحدها: كذب لا يتعلق فيه حق لمخلوق وهو الكذب في ما لا مضرة فيه على أحد، ~~ولا يقصد به وجه من وجوه الخير، وهو قول الرجل في حديثه كان كذا وكذا وجرى ~~كذا وكذا لما لم يكن ولا جرى، فهذا الكذب محرم في الشريعة بإجماع من ~~العلماء، وهو الذي جاء فيه عن النبي - عليه السلام -: «إن المؤمن لا يكون ~~كذابا» أي لا يكون مؤمنا ممدوح الإيمان، وهو الذي يغلب عليه الكذب حتى يعرف ~~به، وقد يكون مؤمنا ممدوح الإيمان وإن كان جبانا وبخيلا، أي بخيلا بغير ~~الواجبات، لأن البخل بالواجبات فسوق، والتوبة بالإقلاع عنه والاستغفار منه. # والثاني: كذب يتعلق به حق لمخلوق، وهو أن يكذب الرجل ms1312 على الرجل فينسب ~~إليه أنه فعل ما لم يفعل أو قال ما لم يقل مما يؤذيه أو يغض منه، وهو أشد ~~من الأول، لأن التوبة منه لا تصح إلا بأن يتحلل صاحبه فيحله منه طيبة بذلك ~~نفسه، أو يأخذ حقه منه إن تعين له بذلك عليه حق. # والثالث: كذب يقصد به وجه من وجوه الخير للمسلمين لكذب في الحرب للتخذيل ~~بين المشركين وما أشبه ذلك. فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«الحرب خدعة» . وذلك نحو ما جاء من «أن نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعي أتى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزاة الخندق مسلما فقال يا رسول الله: ~~إني قد أسلمت ولم يعلم قومي بإسلامي بإسلامي فمرني بما شئت، فقال له رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: إنما أنت رجل واحد من غطفان، فلو خرجت فخذلت ~~عنا إن استطعت كان أحب إلينا من بقائك معنا، فاخرج فإن الحرب خدعة؛ فخرج ~~نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة، وكان يناديهم في الجاهلية فقال: يا بني ~~قريظة قد عرفتم ودي إياكم وخاصة ما بيني وبينكم، قالوا: قل فلست عندنا ~~بمتهم، فقال لهم: إن قريشا وغطفان قد جاؤوا لحرب محمد وأصحابه، وقد ~~ظاهرتموهم عليه، فإن رأوا نهزة أصابوها، وإن غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا ~~بينكم وبين الرحل ولا طاقة لكم به، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم ~~رهنا. ثم خرج حتى أتى قريشا فقال لهم: قد عرفتم ودي لكم معشر # PageV03P412 # قريش وفراقي محمدا، وقد بلغني أمر أرى من الحق أن أبلغكموه نصحا لكم ~~فاكتموا علي. قالوا: نفعل. قال: أتعلمون أن معشر يهود قد ندموا على ما كان ~~من خذلانهم محمدا، وقد أرسلوا إليه أنا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك ~~أن نأخذ من قريش وغطفان رهنا رجالا ونسلمهم إليكم تضربوا أعناقهم، ثم نكون ~~معك على من بقي منهم حتى نستأصلهم. ثم أتى غطفان وقال مثل ذلك. فلما كانت ~~ليلة السبت، وكان ذلك من صنع الله عز وجل ms1313 لرسوله وللمؤمنين، أرسل أبو سفيان ~~إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان يقول لهم: إنا لسنا ~~بدار مقام، وقد هلك الخف والحافر، فاغدوا صبيحة غد للقتال حتى نناجز محمدا، ~~فأرسلوا إليه أن اليوم السبت وقد علمتم ما نال من تعدى في السبت، ومع ذلك ~~فلا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا. فلما رجع الرسول بذلك قالوا: صدقنا والله ~~نعيم بن مسعود، وخذل الله بينهم واختلفت كلمتهم، وبعث الله عليهم ريحا ~~عاصفا في ليال شديدة البرد قلبت أبنيتهم وكفأت قدورهم فارتحلوا» فهذا الكذب ~~مستحب. # والرابع كذب الرجل فيما يرجو فيه منفعة نفسه ولا ضرر فيه على غيره، ككذب ~~الرجل لامرأته فيما يعدها به ليستصلحها، فهذا الكذب جوزته السنة على ما جاء ~~من «أن رجلا قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أكذب امرأتي، فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا خير في الكذب. فقال الرجل: يا رسول ~~الله أعدها وأقول لها، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا جناح ~~عليك» وقد قيل: إنه لا يباح فيه إلا بتعريض الكلام لا بنص الكذب، والأول ~~أصح أن التصريح بالكذب في ذلك جائز، يدل عليه قول الله عز وجل حكاية عن ~~إبراهيم - عليه السلام -: {بل فعله كبيرهم هذا} [الأنبياء: 63] وقوله في ~~قصة يوسف - عليه السلام -: {فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم ~~أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون} [يوسف: 70] إلى قوله: {كذلك كدنا ليوسف ~~ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله} [يوسف: 76] . وقد قيل: ~~إن معاريض القول جائزة في كل # PageV03P413 # موضع لما جاء عن بعض السلف أن فيها مندوحة عن الكذب. # والذي أقول به أن ذلك مكروه لما فيه من الإلغاز على المخاطب فيظن أنه ~~كذبه فيعرض نفسه بذلك إلى أن ينسب إليه الكذب، فتركه أحسن. # والخامس كذب الرجل في دفع مظلمة عن أحد مثل أن يختفي عنده رجل مظلوم ممن ~~يريد قتله أو ضربه ظلما فيسأله عنه هل هو عنده أو ms1314 يعلم مستقره؟ فيقول: ما ~~هو عندي ولا أعلم له مستقرا، فهذا الكذب واجب لما فيه من حقن دم الرجل ~~والدفع عن شرته. ### || فصل فيما يجوز فيه النظر من أمر النجوم مما لا يجوز # فصل # فيما يجوز فيه النظر # من أمر النجوم مما لا يجوز النظر في أمر النجوم فيما يستدل به على معرفة ~~سمت القبلة فيما بعد عنها من البلاد ومعرفة أجزاء الليل وما مضى منها مما ~~بقي لافتراق أحكامها في العبادات المشروعة، والاهتداء بها في ظلمات البر ~~والبحر بأن يميزها ويعرف مواضعها من الجنوب أو الشمال ووقت طلوعها وغروبها ~~جائز، بل هو مستحب، لأن الله تعالى قد أعلم أنه خلقها لهذا. قال عز وجل: ~~{وعلامات وبالنجم هم يهتدون} [النحل: 16] وقال {وهو الذي جعل لكم النجوم ~~لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر} [الأنعام: 97] وأما النظر من أمرها فيما ~~زاد على ذلك مما يتوصل به إلى معرفة نقصان الشهور من كمالها دون رؤية ~~أهلتها فذلك مكروه؛ لأنه من الاشتغال بما لا يعني. إذ لا يجوز # PageV03P414 # لأحد أن يعمل في صومه وفطره على ذلك فيستغني به عن النظر إلى الأهلة ~~بإجماع من العلماء. فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رمضان: ~~«صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين» . # وإنما اختلف أهل العلم فيمن كان من أهل هذا الشأن إذا أغمي الهلال هل له ~~أن يعمل على معرفته بذلك؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «فإن غم ~~عليكم فاقدروا له أم لا» . فقال مطرف بن عبد الله بن الشخير: إنه يعمل في ~~خاصته على ذلك، وقاله الشافعي أيضا في رواية، والمعلوم من مذهبه ما عليه ~~الجمهور من أنه لا يعمل على ذلك. # واختلف أهل العلم في معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فاقدروا ~~له» فذهب مالك إلى أن قوله - عليه السلام - في الحديث الثاني: «فأكملوا ~~العدد ثلاثين» مفسر له. وذهب الطحاوي إلى أنه ناسخ له وإلى أن معنى التقدير ~~له كان قبل أن ينسخ بأن ينظر ms1315 إذا غم الهلال ليلة الشك إلى سقوط القمر في ~~الليلة الثانية، فإن سقط لمنزلة واحدة وهي ستة أسباع ساعة علم أنه من تلك ~~الليلة، وإن غاب لمنزلتين وهما ساعة وخمسة أسباع ساعة علم أنه من الليلة ~~الماضية فقضوا اليوم. وهذا قول خطأ لا خفاء به، إذ لا يسقط القمر في أول كل ~~ليلة من جميع الشهور، كان الشهر ناقصا أو تاما، لستة أسباع ساعة، هذا يعلم ~~يقينا بمشاهدة بعض الأهلة في أوائل الشهور أرفع وأبطأ مغيبا من بعض. وأيضا ~~فإنه خلاف ظاهر الحديث ومقتضاه في أن التقدير إنما أمر به ابتداء قبل ~~الفوات ليصوم أو ليفطر، لا في الانتهاء بعد الفوات ليقضي أو لا يقضي. # والذي أقول به في معنى التقدير المأمور به في الحديث إذا غم الهلال أن ~~ينظر إلى ما قبل هذا الشهر الذي غم الهلال عند آخره من الشهور، فإن كان ~~توالى منها شهران أو ثلاثة كاملة عمل على أن هذا الشهر ناقص فأصبح الناس ~~صياما، # PageV03P415 # وإن كانت توالت ناقصة عمل على أن هذا الشهر كامل فأصبح الناس مفطرين، إذ ~~لا تتمادى أربعة أشهر ناقصة ولا كاملة على ما علم لما أجرى الله به العادة، ~~ولا ثلاثة أيضا ناقصة ولا كاملة إلا في النادر. وإن لم تتوال قبل الشهر ~~الذي غم الهلال في آخره شهران فأكثر ناقصة ولا كاملة، احتمل أن يكون هذا ~~الشهر ناقصا وأن يكون كاملا احتمالا واحدا، فوجب أن يكمل عدده ثلاثون يوما ~~كما جاء في الحديث الآخر، فيكون على هذا الحديثان جميعا مستعملين كل واحد ~~منهما في موضع غير موضع صاحبه. وهذا في الصوم، وأما في الفطر إذا غم هلال ~~شوال فلا يفطر بالتقدير الذي يغلب على الظن فيه أن رمضان ناقص. # فصل وأما الكسوفات فقد ندرك معرفتها من طريق الحساب، ومعرفة انتقال الشمس ~~والقمر في البروج، واجتماعهما في درجة واحدة من البرج، وبعد أحدهما من ~~الآخر إلى ما يقابله من درجات البروج، لأن الشمس والقمر مسخران لله تعالى ~~في السماء يجريان في ms1316 أفلاكهما من برج إلى برج من غرب إلى شرق على ترتيب ~~وحساب لا يتعديانه. قال الله عز وجل: {والقمر قدرناه منازل حتى عاد ~~كالعرجون القديم} [يس: 39] وقال عز وجل: {الشمس والقمر بحسبان} [الرحمن: 5] ~~وقال {وكل في فلك يسبحون} [يس: 40] فالقمر سريع الذهاب في البروج يقطع ~~جميعها في شهر واحد، ولا تقطعها الشمس إلا في اثني عشر شهرا. فهو يدرك ~~الشمس في آخر كل شهر ويصير بإزائها من البرج الذي هي فيه، ثم يخلفها، فإذا ~~بعد عنها استهل، وكلما زاد بعده منها زاد ضوؤه إلى أن ينتهي في البعد ليلة ~~أربعة عشر # PageV03P416 # فيكمل استدارته وضوؤه لمقابلة الشمس له، ثم يأخذ في القرب منها فلا يزال ~~ضوؤه ينقص إلى أن يدرك الشمس فيصبح بإزائها على ما أحكمه خالق الليل ~~والنهار، لا إله إلا هو. فإذا قدر الله عز وجل على ما أحكمه من أمره وقدره ~~من منازله في سيره أن يكون بإزاء الشمس بالنهار فيما بين الأبصار وبين ~~الشمس يستر جرمه عنا ضوء الشمس كله إن كان مقابلها، أو بعضها إن كان منحرفا ~~عنها، فكان ذلك هو الكسوف للشمس آية من آيات الله عز وجل يخوف بها عباده ~~كما قال عز وجل: {وما نرسل بالآيات إلا تخويفا} [الإسراء: 59] ؛ ولذلك أمر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بالدعاء عند ذلك وسن له صلاة الكسوف. فليس ~~معرفة وقت كون الكسوف بما ذكرناه من جهة النجوم وطريق الحساب ادعاء علم غيب ~~ولا ضلالة وكفر على وجه من الوجوه، ولكنه يكره الاشتغال به؛ لأنه مما لا ~~يعني، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من حسن إسلام المرء تركه ~~ما لا يعنيه» وفي الإخبار به قبل أن يكون ضرر في الدين، لأن من سمعه من ~~الجهال يظن أن ذلك من علم الغيب وأن المنجمين يدركون علم الغيب من ناحية ~~النظر في النجوم، فيجب أن يزجر عن ذلك قائله ويؤدب عليه، كما قال مالك في ~~رواية ابن القاسم عنه من كتاب السلطان من العتبية؛ لأن ذلك من ms1317 حبائل ~~الشيطان. # فصل وأما شيء من المغيبات فلا يدركها أحد من ناحية النظر في النجوم. وقد ~~اختلف في المنجم يقضي بتنجيمه فيقول: إنه يعلم متى يقدم فلان أو وقت نزول ~~المطر أو ما في الأرحام، أو ما يستتر الناس به من الأخبار وما تحدث من ~~الفتن والأهوال وما أشبه ذلك من المغيبات، فقيل: إن ذلك كفر يجب به القتل ~~دون الاستتابة، لقول الله عز وجل: {ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر ~~الناس إلا كفورا} [الفرقان: 50] # PageV03P417 # «ولقول النبي - عليه السلام - قال الله عز وجل: أصبح من عبادي مؤمن بي ~~وكافر بي، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، ~~وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب» وقيل: إنه ~~يستتاب فإن تاب وإلا قتل، روي ذلك عن أشهب، وقيل: إنه يزجر عن ذلك ويؤدب ~~عليه، وهو قول مالك في سماع ابن القاسم من كتاب السلطان من العتبية. # والذي أقول به أن هذا ليس اختلافا من القول في موضع واحد، وإنما هو ~~اختلاف في الأحكام بحسب اختلاف الأحوال. فإذا كان المنجم يزعم أن النجوم ~~واختلافها في الطلوع والغروب هي الفاعلة لذلك كله وكان مستترا بذلك فحضرته ~~البينة قتل بلا استتابة؛ لأنه كافر زنديق. وإن كان معلنا بذلك غير مستتر به ~~يظهره ويحاج عليه استتيب فإن تاب وإلا قتل كالمرتد سواء. # وإن كان مؤمنا بالله عز وجل مقرا بأن النجوم واختلافها في الطلوع والغروب ~~لا تأثير لها في شيء مما يحدث في العالم، وأن الله عز وجل هو الفاعل لذلك ~~كله إلا أنه جعلها أدلة على ما يفعله، فهذا يزجر عن اعتقاده ويؤدب عليه ~~أبدا حتى يكف عنه ويرجع عن اعتقاده ويتوب منه، لأن ذلك بدعة يجرح بها فتسقط ~~إمامته وشهادته على ما قاله سحنون في نوازله في كتاب الشهادات من العتبية. ~~ولا يحل لمسلم أن يصدقه في شيء مما يقول، ولا يصح أن يجتمع في قلب مسلم ~~تصديقه مع قول الله عز وجل: {قل ms1318 لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا ~~الله} [النمل: 65] وقوله: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا} [الجن: 26] ~~{إلا من ارتضى من رسول} [الجن: 27] وقوله: {إن الله عنده علم الساعة وينزل ~~الغيث ويعلم ما في الأرحام} [لقمان: 34] الآية. وروي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «من صدق كاهنا أو منجما فقد كفر بما أنزل على قلب ~~محمد» . ويمكن أن # PageV03P418 # يصادف في بعض الجمل وذلك من حبائل الشيطان، فلا ينبغي أن يغتر بذلك ~~ويجعله دليلا على صدقه فيما يقول، فلا يعلم الأمور الغائبة على وجهها ~~وتفاصيلها إلا علام الغيوب أو من أطلعه عليها علام الغيوب من الأنبياء ~~ليكون ذلك دليلا على صحة نبوءته. قال الله عز وجل في كتابه حاكيا عن عيسى ~~بن مريم - عليهما السلام -: {وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن ~~في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين} [آل عمران: 49] فادعاء معرفة ذلك والإخبار ~~به على الوجه الذي تعرف ذلك الأنبياء وتخبر به تكذيب لدلالتهم. وفي ما دون ~~هذا كفاية لمن شرح الله صدره وهداه ولم يرد إضلاله ولا إغواءه. والذي ينبغي ~~أن يعتقد فيما يخبرون به من الجمل فيصيبون مثل ما روي عن هرقل أنه أخبر أنه ~~نظر في النجوم فرأى ملك الختان قد ظهر إنما هو على التجربة التي قد تصدق في ~~الغالب، من نحو قول النبي - عليه السلام -: «إذا أنشأت بحرية ثم تشأمت فتلك ~~عين غديقة» وبالله التوفيق. ### || فصل في شراء المغنيات وبيعهن # فصل في # شراء المغنيات وبيعهن روي عن أبي أمامة الباهلي عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «لا يحل شراء المغنيات ولا بيعهن ولا التجارة فيهن ~~وثمنهن حرام» ، ثم تلا الآية: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل ~~الله} [لقمان: 6] الآية كلها. وهذا الذي عليه أكثر أهل التفسير أن المراد ~~بقوله عز وجل: ومن الناس من يشتري لهو الحديث الغناء واستماعه. روي عن ابن ~~مسعود أنه سئل عن هذه الآية: ومن # PageV03P419 # الناس من يشتري لهو ms1319 الحديث فقال: الغناء والذي لا إله إلا هو، يرددها ~~ثلاث مرات. وهو قول مجاهد وعطاء. وقال مكحول: من كانت له جارية مغنية فمات ~~لم يصل عليه؛ لقول الله عز وجل: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} [لقمان: ~~6] إلى قوله: {عذاب مهين} [البقرة: 90] معناه لم يصل عليه رغبة في الصلاة ~~عليه. وقد اختلف في معنى قوله عز وجل: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} ~~[لقمان: 6] فقالت طائفة: هو الشراء على الحقيقة بالأثمان، بدليل ما روي أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يحل بيع المغنيات ولا شراؤهن» . ~~فالمعنى على هذا في قوله عز وجل: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} [لقمان: ~~6] أي من يشتري ذات لهو الحديث، أو ذا لهو الحديث، فحذف ذا أو ذات وأقام ~~اللهو مقامه، مثل قوله: {واسأل القرية} [يوسف: 82] أي واسأل أهل القرية. ~~وقالت طائفة: معنى الآية ومن الناس من يختار لهو الحديث ويستحسنه ولعله ألا ~~ينفق فيه مالا ولكن اشتراؤه استحسانه. # وروي عن ابن عباس أنه قال: نزلت الآية في النضر بن الحارث الداري كان ~~يشتري من كتب أحاديث الأعاجم فارس والروم وصنيعهم، ويحدث قريشا فيستحلونها ~~ويعجبهم ما يسمعون فيها فيلهون ويلهيهم بها. وقال جماعة من أهل التفسير: إن ~~الآية نزلت في أهل الكفر بدليل قوله فيها: {وإذا تتلى عليه آياتنا ولى ~~مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا} [لقمان: 7] قالوا: فمعنى لهو ~~الحديث الشرك، وهو كقوله عز وجل: {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} ~~[البقرة: 16] فمن ذهب إلى هذا رأى الغناء مكروها منهيا عنه غير محرم ~~بالقرآن. # واختار أبو جعفر الطبري أن تحمل الآية على عمومها في كل ما كان ملهيا عن ~~سبيل الله مما نهى الله عن استماعه أو رسوله، لأن الله عز وجل عم بقوله: ~~{لهو الحديث} [لقمان: 6] ولم يخص بعضها دون بعض، فوجب أن يحمل على عمومه في ~~الغناء والشرك حتى يأتي ما يدل على خصوصه. # وهذا الذي ذهب إليه أبو جعفر الطبري أولى ما قيل في تأويل الآية، لأنها ms1320 ~~وإن كانت نزلت فيما كان يفعله النضر بن الحارث فهي عامة تحتمل على عمومها، ~~ولا يقتصر على ما كان سبب نزولها مما كان يفعله النضر بن # PageV03P420 # الحارث. وقد دل على حملها على عمومها ما روي من أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «لا يحل بيع المغنيات ولا شراؤهن» . وقد نزل على تصديق ~~ذلك في كتاب الله تعالى يريد ما فهمه - صلى الله عليه وسلم - من عموم قوله ~~عز وجل: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} [لقمان: 6] . # وقوله في الحديث: لا يحل اشتراء المغنيات ولا بيعهن، معناه إذا اشتراهن ~~المشتري لغنائهن أو باعهن البائع بزيادة على قيمتهن من أجل غنائهن. وأما ~~إذا اشتراهن للخدمة وما أشبهها ولم يزد في أثمانهن من أجل غنائهن فذلك جائز ~~للبائع والمبتاع. فإن اشتراهن للخدمة بأكثر من أثمانهن من أجل غنائهن فذلك ~~حرام على البائع، مكروه للمبتاع؛ لأنه أضاع ماله وأعطاه في الباطل فأطعم ~~البائع ما لا يحل له، فهو بذلك معين له على الإثم. وقد قال الله عز وجل: ~~{وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} [المائدة: 2] ~~وإن اشتراهن لغنائهن بقيمتهن دون غناء فذلك حرام على المبتاع جائز للبائع. # وظاهر قوله في الحديث أن الثمن كله محرم على البائع، وهو نص قول أصبغ. ~~والذي يحرم عليه منه إنما هو ما زاد على قيمتها من أجل غنائها، كمن باع ~~خمرا وثوبا صفقة واحدة بدنانير، فلا يحرم عليه من الدنانير التي باعها بهما ~~إلا ما ينوب الخمر منها. فالمعنى في ذلك أن الحرام من ثمن المغنية لما كان ~~مشاعا في جملتها لم يحل له أن يأكل منه قليلا ولا كثيرا حتى يخرج الحرام ~~منه فيخلص له الحلال؛ لأنه إذا أكل منه شيئا فهو عليه حرام من أجل ما خالطه ~~من الحرام وإن كان باقي الثمن عنده وفيه وفاء بجميع الحرام في التمثيل، ~~كرجل سرق دينارا من مال بينه وبين شريكه فأكله فهو عليه حرام من أجل ما ~~خالطه من حق شريكه حتى يتحلله ms1321 منه أو يرده إليه. # وقد اختلف فيمن اشترى أمة فألفاها مغنية والغناء يزيد في قيمتها، هل ذلك ~~عيب فيها يجب له به ردها أم لا على قولين. والذي أقول به اتصال إن كانت ~~جارية رفيعة للاتخاذ كان ذلك عيبا فيها يجب له به ردها لما يخاف المبتاع من ~~أن يلحق # PageV03P421 # عار ذلك بولده، وإن كانت وخشا للخدمة لم يكن ذلك عيبا فيها، وهو قول مالك ~~في رواية زياد عنه. وبالله التوفيق.. ### || فصل في معاملة من خالط ماله الحرام # فصل في # معاملة من خالط ماله الحرام # وقبول هبته وأكل طعامه ووراثته عنه لا يخلو من خالط ماله الحرام بالربا ~~وثمن الخمر والغلول وأثمان السلع المغتصبات وما أشبه ذلك مما لا اختلاف في ~~حرامه، من أن يكون الغالب عليه الحلال، أو يكون الغالب عليه الحرام، أو ~~يكون جميعه حراما: إما بأن يكون لا مال له حلال، وإما أن يكون قد ترتب في ~~ذمته من الحرام ما يستغرق ما بيده من الحلال. # فأما إذا كان الغالب على ماله الحلال فأجاز ابن القاسم معاملته واستقراضه ~~وقبض الدين منه وقبول هبته وأكل طعامه، وأبى من ذلك كله ابن وهب، وحرمه ~~أصبغ على أصله في أن المال الذي خالطه شيء من الحرام حرام كله تلزم الصدقة ~~بجميعه. والقياس قول ابن القاسم، وقول ابن وهب استحسان، وقول أصبغ تشديد ~~على غير قياس. # وأما إذا كان الغالب على ماله الحرام فمنع أصحابنا من معاملته وقبول ~~هبته، قيل: على وجه الكراهة وهو مذهب ابن القاسم، وقيل: على وجه التحريم ~~وهو مذهب أصبغ، إلا أن يبتاع سلعة حلالا فلا بأس أن يبتاع منه وأن يقبل منه ~~هبة إن علم أنه قد بقي بيده ما بقي بما عليه من التباعات على القول بأن ~~معاملته محظورة. # وأما إذا كان ماله كله حراما إما بأن لا يكون له مال حلال، وإما أن يكون # PageV03P422 # قد ترتب في ذمته من الحرام ما يستغرق ما بيده من الحلال، فاختلف في ~~معاملته وقبول هبته وأكل طعامه على ms1322 أربعة أقوال: # أحدها: أن ذلك كله لا يجوز وإن كانت السلعة التي وهب أو الطعام الذي أطعم ~~قد علم أنه اشتراه. وأما إن علم أنه ورثه أو وهب له فيكون حكمه حكم ما ~~اشتراه. # والثاني: أن معاملته ومبايعته تجوز في ذلك المال وفيما ابتاعه من السلع ~~وفيما وهب له أو ورثه وإن كان عليه من التباعات ما يستغرقه إذا عامله ~~بالقيمة ولم يحابه. ولا تجوز هبته في شيء من ذلك ولا محاباته فيه. # والثالث: أن مبايعته لا تجوز في ذلك المال، فإن اشترى سلعة بذلك المال ~~جاز أن يشترى منه وأن تقبل منه هبته. وكذلك ما ورثه أو وهب له وإن كان ما ~~عليه من التباعات قد استغرقه، روي هذا القول عن ابن سحنون وابن حبيب. وكذلك ~~هؤلاء العمال ما اشتروه في الأسواق فأهدوه لرجل طاب للمهدى له. # والرابع: أن مبايعته وقبول هبته وأكل طعامه يجوز في ذلك المال وفيما ~~اشتراه أو وهب له أو ورثه وإن كان عليه من التباعات قد استغرقه. فعلى هذا ~~القول يجوز أن يورث عنه ذلك ويسوغ للوارث بالوراثة. # واختلف على القول بأن مبايعته في ذلك المال وقبول هبته وأكل طعامه لا ~~تجوز هل يسوغ للوارث بالوراثة أم لا على قولين: # أحدهما: أن ذلك يسوغ له بالوراثة ولا يسوغ له بالهبة، وهو الذي ذهب إليه ~~سحنون على ما وقع في نوازله من جامع العتبية. # والثاني: إنه لا يسوغ له بالميراث كما لا يسوغ له بالهبة، ويلزم الوارث ~~من # PageV03P423 # التنحي من هذا المال والصدقة به ما كان يلزم الموروث. وتوجيه الاختلاف في ~~وجوه هذه المسألة يطول، وقد فرغنا من ذلك في مسألة مشخصة في هذا المعنى وما ~~يتعلق به لمن سألني ذلك من المريدين وبالله سبحانه التوفيق. ### || فصل في التحليل من الظلامات والتباعات # فصل في # التحليل من الظلامات والتباعات سئل مالك عن قول سعيد بن المسيب في فعله ~~أنه كان لا يحلل أحدا، فقال: ذلك يختلف، فقلت له: الرجل يسلف الرجل الذهب ~~فيهلك ولا وفاء له، ms1323 قال: إنه يحلله فإنه أفضل عندي فإن الله يقول: {الذين ~~يستمعون القول فيتبعون أحسنه} [الزمر: 18] وليس كل ما قال يتبع عليه وإن ~~كان له فضل. قيل: فالرجل يظلم الرجل، قال: لا أرى ذلك، هو مخالف عندي ~~للأول، يقول الله عز وجل: {إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في ~~الأرض بغير الحق} [الشورى: 42] ويقول {ما على المحسنين من سبيل} [التوبة: ~~91] فلا أرى أن نجعل في حل من ظلم. ومن أهل العلم من رأى التحليل من ~~الظلامات والتباعات أفضل من ترك التحليل منها. فوجه القول الأول أن ~~التباعات والظلامات يستوفيها صاحبها يوم القيامة من حسنات من وجبت له عليه ~~على ما جاء من أن الناس يقتصون من بعضهم يوم القيامة بالحسنات والسيئات، ~~وهو في ذلك الوقت مفتقر إلى الزيادة في حسناته ونقصان سيئاته بما له من ~~التباعات والظلامات التي حلل منها وهو لا يدري هل يوازي أجره في التحليل ما ~~يجب له من الحسنات في الظلامات والتباعات أو يزيد عليها أو ينقص منها. فكان ~~الحظ له ألا يحلل منها. ووجه القول الثاني أن التحليل إحسان للمحلل عظيم، ~~وفضل يسديه إليه جسيم، يبتغي عليه المكافآت من الله عز وجل، وهو # PageV03P424 # تعالى أكرم من أن يكافئه بأقل مما وهب، فإنه تعالى يقول: {إن تقرضوا الله ~~قرضا حسنا يضاعفه لكم} [التغابن: 17] فهذا القول أظهر والله أعلم. ووجه ~~تفرقة مالك بين التباعات والظلاماست ما استدل به من قوله: إنما السبيل على ~~الذين يظلمون الناس فرأى أن ترك تحليل الظالم للظالم عقابا له أمرا هو ~~محمود عليه لما في ذلك من الإخافة والردع من أن يعود إلى مثله. فأما في ~~الدنيا فالعفو والصفح عن الظالم أولى من الانتصار منه بأخذ الحق منه في ~~بدنه أو ماله لقول الله عز وجل: {فمن عفا وأصلح فأجره على الله} [الشورى: ~~40] وقوله: {والعافين عن الناس والله يحب المحسنين} [آل عمران: 134] وقوله: ~~{ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور} [الشورى: 43] ولا يعارض هذا قوله عز ~~وجل: {والذين إذا أصابهم البغي ms1324 هم ينتصرون} [الشورى: 39] لأن المدحة في ذلك ~~وإن كانت متوجهة بهذه الآية لمن انتصر ممن بغى عليه بالحق الواجب ولم يتعد ~~في انتصاره وكان مثابا على ذلك لما فيه من الردع والزجر، فهو في العفو ~~والصفح أعظم ثوابا بدليل قوله بعد ذلك فمن عفا وأصلح فأجره على الله. # وقد قيل: إن الآية نزلت في الباغي المشرك. ويحتمل أن يكون معنى الآية ~~الانتصار مما فيه لله حد لا يجوز العفو عنه والله أعلم. ### || فصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر # فصل في # الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب ~~على كل مسلم بثلاثة شروط: # PageV03P425 # أحدها: أن يكون عالما بالمعروف والمنكر؛ لأنه إن لم يكن عارفا بهما لم ~~يصح له أمر ولا نهي، إذ لا يأمن أن ينهى عن معروف أو يأمر بمنكر. # والثاني: أن يأمن من أن يؤدي إنكاره المنكر إلى منكر أكثر منه، مثل أن ~~ينهى عن شرب الخمر خمر فيؤول نهيه عن ذلك إلى قتل نفس وما أشبه ذلك؛ لأنه ~~إذا لم يأمن من ذلك لم يجز له أمر ولا نهي. # والثالث أن يعلم أو يغلب على ظنه أن إنكاره المنكر مزيل له، وأن أمره ~~بالمعروف مؤثر فيه ونافع؛ لأنه إذا لم يعلم ذلك ولا غلب على ظنه لم يجب ~~عليه أمر ولا نهي. # فالشرطان الأول والثاني مشترطان في الجواز، والشرط الثالث مشترط في ~~الوجوب. فإذا عدم الشرط الأول والثاني لم يجز أن يأمر ولا ينهى، وإذا عدم ~~الشرط الثالث ووجد الشرطان الأول والثاني جاز له أن يأمر وينهى ولم يجب ذلك ~~عليه، إلا أنه مستحب له وإن غلب على ظنه أنه لا يطيعه، إذ لعله سيطيعه، لا ~~سيما إذا رفق به، فإن الله عز وجل يقول: {فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو ~~يخشى} [طه: 44] وقد روي أن رجلا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وقع ~~بالشام وانهمك في الخمر، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فكتب إليه: {حم - تنزيل ~~الكتاب من الله العزيز ms1325 العليم} [غافر: 1 - 2] {غافر الذنب وقابل التوب شديد ~~العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير} [غافر: 3] فترك الرجل الخمر ~~وتاب منها ونزع عنها. وإذا رأى الرجل أحد أبويه على منكر من المناكر ~~فليعظهما برفق وليقل لهما في ذلك قولا كريما كما أمره الله حيث يقول: {إما ~~يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما} [الإسراء: ~~23] إلى قوله: {وقل ربي ارحمهما كما ربياني صغيرا} [الإسراء: 24] . # والدليل على وجوب ذلك بالشرائط المذكورة قول الله عز وجل: # PageV03P426 # {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر} [التوبة: 71] وقوله تعالى: {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر} [الحج: 41] وقول ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «والذي نفس محمد بيده لتأمرن بالمعروف ~~ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد السفيه ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليصرفن ~~الله قلوب بعضكم عن بعض ويلعنكم كما لعن بني إسرائيل كانوا إذا عمل العاقل ~~منهم بالخطيئة نهاهم الناهي تعزيرا فإذا كان من الغد جالسه وواكله وشاربه ~~وكأنه لم يره على خطيئة بالأمس، فلما رأى الله ذلك منهم صرف قلوب بعضهم عن ~~بعض ولعنهم على لسان نبيهم داوود وعيسى ابن مريم - عليهما السلام - {ذلك ~~بما عصوا وكانوا يعتدون} [البقرة: 61] » . # فإذا كثرت المناكير في الطرقات من حمل الخمر فيها ومشي الرجال مع النساء ~~الشواب يحادثونهن وما أشبه ذلك من المناكير الظاهرة وجب على الإمام تغييرها ~~جهده بأن يولي من يجعل إليه تفقد ذلك والقيام به. قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة ولكن إذا عمل المنكر ~~جهارا استحقوا العقوبة كلهم» . # ويستحب لمن دعاه الإمام إلى ذلك أن يجيبه إليه إذا علم أن به قوة عليه ~~لما في ذلك من التعاون على فعل الخير. قال الله عز وجل: {وتعاونوا على البر ~~والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} [المائدة: 2] . ومن مر به شيء من ~~ذلك أو اعترضه في طريقه وجب عليه أن ينكره ms1326 على الشرائط الثلاثة المذكورة، ~~فإن لم يقدر على ذلك بيده ولا بلسانه أنكره بقلبه. # وقول الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا ~~اهتديتم} [المائدة: 105] # PageV03P427 # معناه في الزمان الذي لا ينفع فيه الأمر بالمعروف ولا النهي عن المنكر، ~~ولا يقوى من ينكره على القيام بالواجب في ذلك، فيسقط الفرض عنه فيه ويرجع ~~أمره إلى خاصة نفسه، ولا يكون عليه سوى الإنكار بقلبه ولا يضره مع ذلك من ~~ضل. # روي «عن أبي أمامة قال: سألت أبا ثعلبة الخشني فقلت: كيف تصنع في هذه ~~الآية قال: أية آية؟ قلت: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ~~ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105] فقال لي: أما والله لقد سألت عنها خبيرا، ~~فقال: سألت عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "بل ائتمروا ~~بالمعروف وانهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا ~~مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه ورأيت أمرا لا يد لك به فعليك بنفسك وإياك ~~أمر العوام، فإن من ورائكم أيام الصبر فيهن كالقبض على الجمر، للعامل منهم ~~يومئذ كأجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله» . # وما أشبه زماننا بهذا الزمان! تغمدنا الله بعفو منه وغفران. فإذا كان ~~الزمان زمانا يوجد فيه على الحق معين فلا يسع أحد السكوت على المناكير وترك ~~تغييرها. قال عمر بن الخطاب: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ~~«إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه يوشك أن يعمهم الله بعقاب» ~~وبالله التوفيق. ### || فصل في اللباس للرجال والنساء وما كان في معناه # فصل في # اللباس للرجال والنساء وما كان في معناه اللباس ينقسم على خمسة أقسام: ~~واجب، ومندوب إليه، ومباح، ومحظور، # PageV03P428 # ومكروه. منها عام ومنها خاص، ومنها ما يثبت الحكم له بحق الله عز وجل، ~~ومنها ما يثبت له بحق اللابس. # فالواجب بحق الله تعالى ستر العورة على أبصار المخلوقين من الناس، وهو ~~وهو عام في جميع الناس من الرجال والنساء. والواجب منه بحق اللابس ms1327 ما يقي ~~من الحر والبرد أو يستدفع به الضرر في الحرب، إذ ليس له أن يترك ذلك من أجل ~~الإضرار بنفسه. وهو أيضا عام في جميع الناس من الرجال والنساء. # والمندوب إليه منه بحق الله عز وجل كالرداء للإمام والخروج إلى المسجد ~~للصلاة؛ لقول الله عز وجل: {خذوا زينتكم عند كل مسجد} [الأعراف: 31] ~~والثياب الحسنة للجمعة والعيدين لقول النبي - عليه السلام -: «ما على أحدكم ~~لو اتخذ ثوبين لجمعته سوى ثوبي مهنته» . وما في معنى ذلك. والمندوب إليه ~~بحق اللابس ما يتجملون به فيما بينهم من غير إسراف، «لقول النبي - عليه ~~السلام - للذي نزع الثوبين الخلقين ولبس الجديد: ما له ضرب الله عنقه أليس ~~هذا خيرا له» «وقوله للذي رآه رث الهيئة فسأله هل لك من مال؟ قال: نعم. ~~قال: من أي المال؟ قال: من كل المال. قال: فلير عليك مالك.» وقول عمر بن ~~الخطاب: إني لأحب أن أنظر إلى القارئ أبيض الثياب. وقوله: إذا أوسع الله ~~عليكم فأوسعوا على أنفسكم جمع رجل عليه ثيابه. وذلك عام في الوجهين جميعا. # والمباح أن يلبس ما شاء من ثياب الكتان والقطن والصوف ما لم يكن شيء من ~~ذلك سرفا على قدر حاله، وذلك أيضا عام غير خاص. # والمحظور ثياب الحرير؛ «لقول النبي - عليه السلام - في حلة عطارد: "إنما ~~يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة» ، «وقوله - صلى الله عليه وسلم - في ~~الحرير والذهب: "هذان # PageV03P429 # حل لإناث أمتي محرم على ذكورهم» . فتحريم لباسه خاص للرجال دون النساء. ~~وقد قيل: إنه مباح للرجال في الحرب، قاله ابن الماجشون ورواه عن مالك. فلا ~~اختلاف في أن لباس الرجال له في غير الحرب محظور لا يباح لهم إلا من ضرورة. ~~فقد «أرخص النبي - عليه السلام -: لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام في ~~قميص الحرير لحكة كانت بهما» . # وكره ذلك مالك ولم يرخص فيه إذ لم يبلغه الحديث والله أعلم. وقد روي عنه ~~أنه أرخص فيه للحكة على ما جاء في الحديث. ومثله التختم بالذهب؛ لأنه ms1328 من ~~اللباس الذي يجوز للنساء دون الرجال. # وأما التختم بالفضة فإنه جائز مباح للرجال والنساء لا كراهة فيه عند عامة ~~العلماء من السلف والخلف. وقد شذ من كرهه بكل حال، لرواية ابن شهاب «عن أنس ~~بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اتخذ خاتما من ورق ثم نبذه ~~فنبذ الناس خواتمهم» وهي رواية غلط لأن المحفوظ أنه نبذ خاتم الذهب لا خاتم ~~الورق. # وكذلك شذ أيضا من كرهه إلا لذي سلطان، لما «روي أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - نهى عن الخاتم إلا لذي سلطان» . ومعناه - إن صح - أنه لا يجب ~~أو لا يستحب إلا لذي سلطان. # والاختيار فيه عند الجمهور أن يلبس في الشمال، والوجه في ذلك استحباب ~~التيامن؛ لأنه يتناوله بيمينه فيجعله في شماله. ومن السلف من يختار التختم ~~في اليمين. وقد روي في ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والوجه فيه أنه ~~من اللباس والزينة فيؤثر به اليمين على الشمال، كما يؤثر الرجل اليمنى على ~~اليسرى لما جاء في السنة في الانتعال بأن ينتعل اليمين قبلها ويخلع بعدها ~~لتكون أكثر استمتاعا باللباس منها. وقد يكون فيه اسم الله فلا يحتاج إذا ~~تختم في يمينه أن يخلعه عند الاستنجاء لأن ذلك مما يستحب لمن تختم في ~~شماله. ولا يجوز التختم بالحديد؛ لأنه حلية أهل النار، ولا بالشبه، فقد جاء ~~النهي عن التختم بهما عن النبي - عليه # PageV03P430 # السلام - وقد أجاز ذلك من لم يبلغه النهي عن ذلك، كما أنه أجاز التختم ~~بالذهب للرجال والنساء من لم يبلغه النهي عن ذلك، وهو شذوذ، وبالله ~~التوفيق. ### || فصل في المخيط في الإحرام والجلوس على بسط الحرير # فصل # ومثله المخيط في الإحرام # ومثله الجلوس على بسط الحرير والارتفاق بمرافق الحرير يجوز ذلك للنساء ~~دون الرجال على من رأى ذلك لباسا بدليل حديث مالك الذي رواه عن إسحاق بن ~~أبي طلحة «عن أنس بن مالك أن جدته مليكة دعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لطعام صنعته له فأكل منه ms1329 ثم قال: "قوموا فلأصلي لكم " قال أنس: فقمت ~~إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس فنضحته بماء فصلى عليه رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وصلينا وراءه» . فسمى أنس الجلوس عليه لباسا فوجب أن يكون ~~حكمه حكم اللباس. ومن جهة المعنى أن الحرير إنما جاء النهي عنه من جهة ~~التشبه بالكفار فوجب أن يجتنب الجلوس عليه من جهة التشبيه بهم. وكذلك ~~التنقب به؛ لأنه لباس للمتنقب به بخلاف ستور الحرير المعلقة في البيوت لا ~~بأس بها لأنها إنما هي لباس لما سترتها من الحيطان. # وقد رخص بعض العلماء في الجلوس على بسط الحرير والارتفاق بمرافقه إذ لم ~~ير ذلك لباسا، أو هو قول عبد الملك بن الماجشون في سماع عبد المالك بن غانم ~~من جامع المستخرجة. والذي عليه الأكثر والجمهور أن ذلك بمنزلة اللباس بدليل ~~ما ذكرناه. ومن اللباس ما هو محظور على النساء دون الرجال، وهو الرقيق الذي ~~يصف من الجباب لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «نساء كاسيات ~~عاريات» الحديث "، يريد كاسيات في الحقيقة عاريات في المعنى. # PageV03P431 # واختلف في العلم من الحرير في الثوب فمن أهل العلم من أجازه لما جاء أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الحرير وقال: «لا تلبسوا منه إلا ~~هكذا وهكذا" وأشار بالسبابة والوسطى» . وروي إجازة ذلك عن عمر بن الخطاب - ~~رضي الله عنه - في موضع الأصبع والأصبعين والثلاث والأربع، وكرهه جماعة من ~~السلف. وكذلك اختلف السلف - رضي الله عنهم - في لباس الخز الذي سداه جرير ~~وما كان في معناه اختلافا كثيرا يتحصل فيه أربعة أقوال: # أحدها: أن لباسها جائز من قبل المباح، من لبسها لم يأثم، ومن تركها لم ~~يؤجر على تركها. وهو مذهب ابن عباس وجماعة من السلف. منهم ربيعة على ما وقع ~~من قوله في أول سماع ابن القاسم من كتاب جامع العتبية، لأنهم تأولوا أن ~~النهي والتحريم في لباس الحرير للرجال إنما ورد في الثوب المصمت الخالص من ~~الحرير. # والثاني: أن لباسها غير جائز ms1330 وإن لم يطلق عليه أنه حرام، فمن لبسها أثم ~~ومن تركها نجا، إذ قد قيل في حلة عطارد السيراء التي قال فيها رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة» ، إنها ~~كانت يخالطها الحرير وكانت مضلعة بالقز، وهو مذهب عبد الله بن عمر. والظاهر ~~من مذهب مالك وإن كان قد أطلق القول فيه أنه مكروه، والمكروه ما كان في ~~تركه ثواب ولم يكن في فعله عقاب. إذ قد يطلقه فيما هو عنده غير جائز تجوزا ~~من أن يحرم ما ليس بحرام. والذي يدل على ذلك من مذهبه قوله في المدونة: ~~وأرجو أن يكون الخز للصبيان خفيفا. # والثالث: أن لباسه مكروه على حد المكروه، فمن لبسه لم يأثم ومن تركه أجر ~~على تركه، وهذا هو أظهر الأقوال وأولاها بالصواب، لأن ما اختلف أهل العلم ~~فيه لتكافئ الأدلة في تحليله وتحريمه فهو من المتشبهات التي قال فيها رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنه من اتقاها فقد استبرأ لدينه وعرضه» . ~~وعلى هذا القول يأتي ما حكى مطرف من أنه رأى على مالك بن أنس - رحمه الله - ~~ثوب إبريسم كساه إياه هارون الرشيد، إذ لم يكن ليلبس ما يعتقد أنه يأثم ~~بلبسه. # PageV03P432 # والرابع: الفرق بين ثياب الخز وسائر الثياب المشوبة بالقطن والكتان، ~~فيجوز لباس الخز اتباعا للسلف، ولا يجوز لباس ما سواها من الثياب المشوبة ~~بالقطن والكتان بالقياس عليها، لأن الخز إنما أجيز اتباعا للسلف، فلباسه ~~رخصة، والرخصة لا يقاس عليها. وإلى هذا ذهب ابن حبيب، وهو أضعف الأقوال، إذ ~~لا فرق في القياس بين الخز وغيره من المحررات التي قيامها حرير وطعمها قطن ~~أو كتان، لأن المعنى الذي من أجله استجاز لباس الخز من لبسه من السلف هو ~~أنه ليس بحرير محض موجود في المحررات وشبهها. فلهذا المعنى استجازوا لبسه ~~لا من أجل أنه خز إذ لم يأت أثر بالترخيص لهم في ثياب الخز فيختلف في قياس ~~غيره عليه. # ومن اللباس المحظور أيضا السرف فيه ms1331 الزائد على القدر المأذون فيه الذي ~~يخرج به صاحبه إلى الخيلاء والكبر والبطر، وهو عام في الرجال والنساء ممنوع ~~بحق الله تعالى، لأن البطر والكبر ممنوعان في الشرع. قال الله عز وجل: {إن ~~الله لا يحب كل مختال فخور} [لقمان: 18] وقال {كذلك يطبع الله على كل قلب ~~متكبر جبار} [غافر: 35] وقال {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير ~~الحق} [الأعراف: 146] وقال {فلبئس مثوى المتكبرين} [النحل: 29] وقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «من تواضع لله رفعه الله ومن تكبر وضعه الله» ~~، وقال: «لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا» . # ومن اللباس المحظور اللبستان اللتان نهى عنهما النبي - عليه السلام - وهو ~~اشتمال الصفاء، وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء. # PageV03P433 # واشتمال الصماء هو أن يلتحف في الثوب ثم يرفعه ويلقيه على أحد منكبيه ~~ويخرج يده من تحته. وصفة الاحتباء المنهي عنه أن يجلس الرجل ويضم ركبتيه ~~إلى صدره ويدير ثوبه من وراء ظهره إلى أن يبلغ به ركبتيه ويشده حتى يكون ~~كالمعتمد عليه والمسند إليه. فهذا إذا فعله بدت عورته إلا أن يكون تحته ~~ثوب. وكذلك مشتمل الصماء تنكشف عورته من الناحية التي ألقى الثوب منها على ~~منكبه إلا أن يكون عليه إزار، فإن كان عليه إزار جاز له أن يشتمل الصماء ~~عليه لارتفاع علة النهي وهي انكشاف العورة. وقيل: إن ذلك لا يجوز وإن كان ~~عليه إزار، واختلف في ذلك قول مالك فوجه المنع من ذلك اتباع ظاهر الحديث ~~بحمله على عمومه وكيلا يكون ذلك ذريعة للجاهل الذي لا يعلم العلة في ذلك ~~فيفعله ولا إزار عليه إذا رأى العالم يفعله وعليه إزار. # وأما اللباس المكروه فهو ما خالف زي العرب وأشبه زي العجم، ومنه التعميم ~~بغير التحاء، وقد روي أن ذلك عمة الشيطان. وقيل: إنما صفة عمائم قوم لوط، ~~والله أعلم وبه التوفيق. ### || فصل في دخول الحمام # فصل في # دخول الحمام دخول الحمام إذا كان خاليا جائز لا كراهية فيه، وأما ms1332 دخوله ~~مستترا مع مستترين فقال ابن القاسم في رواية أصبغ عنه من كتاب الجامع من ~~العتبية: لا بأس بذلك أي لا حرج عليه فيه وتركه أحسن. فقد قال مالك في رسم ~~الوضوء والجهاد من سماع أشهب من كتاب الوضوء من العتبية وقد سئل عن الغسل ~~بالماء السخن من الحمام: والله ما دخول الحمام بصواب فكيف يغتسل بذلك ~~الماء. # ووجه الكراهة في ذلك وإن دخله مستترا مع مستترين مخافة أن يطلع على عورة ~~أحد بغير ظن إذ لا يكاد يسلم من ذلك من دخله مع عامة الناس. وأما دخوله غير # PageV03P434 # مستتر أو مع من لا يستتر فلا يحل ولا يجوز، لأن ستر العورة فرض ومن فعل ~~ذلك كان جرحة فيه. # والنساء في هذا بمنزلة الرجال. هذا هو الذي يوجبه النظر، لأن المرأة لا ~~يجوز لها أن تنظر من المرأة إلا ما يجوز أن ينظره الرجل من الرجل، بدليل ما ~~روي عن النبي - عليه السلام - من رواية أبي سعيد الخدري أنه قال: «لا ينظر ~~الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة ولا يفضي الرجل إلى الرجل ~~في ثوب ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب» . وما روي أيضا عن أبي هريرة ~~قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يفضين رجل إلى رجل ولا ~~امرأة إلى امرأة» خرج الحديثين أبو داود. فجعل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - حكم المرأة مع المرأة فيما يجوز لها أن تنظر إليه منها كحكم الرجل ~~فيما يجوز له أن ينظر إليه من الرجل. # وقد أجمع أهل العلم فيما علمت أن النساء يغسلن المرأة الميتة كما يغسل ~~الرجل الرجل الميت، ولم يختلفوا في ذلك كما اختلفوا في غسل النساء ذوي ~~محارمهن من الرجال، وفي غسل الرجل ذوات محارمه من النساء حسبما ذكرناه في ~~رسم الجنائز والصيد والذبائح من سماع أشهب من كتاب الجنائز من العتبية. وقد ~~قال ابن أبي زيد في الرسالة: ولا تدخل المرأة الحمام إلا من علة. # وقال عبد الوهاب في شرحها: ms1333 هذا لما روي من أن الحمام محرم على النساء فلم ~~يجز لهن دخوله إلا من عذر، ولأن المرأة ليست كالرجل لأن جميع بدنها عورة، ~~ولا يجوز لها أن تظهر لرجل ولا امرأة. والحمام يجتمع فيه النساء ولا يمكن ~~الواحدة أن تخليه لنفسها في العادة، فكره لها ذلك إلا من عذر. هذا نص قول ~~عبد الوهاب وفيه نظر. أما ما ذكرناه من أن الحمام محرم على النساء فلا ~~أعلمه نصا عن النبي - عليه السلام -. وقد ذكر عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في كتاب الجامع من المعونة أنه قال: «الحمام بيت لا ستر فيه لا يحل ~~لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يدخله إلا بمئزر، # PageV03P435 # ولا امرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تدخله إلا لعلة» . فإن صح ذلك عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فمعناه في دخولهن إياه على ما جرت به عادتهن ~~من دخولهن إياه غير مستترات. وأما ما قاله من أن بدن المرأة لا يجوز أن ~~يراه رجل ولا امرأة فليس بصحيح، إنما هو عورة على الرجل لا على المرأة، ~~بدليل ما ذكرناه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وما روي من أن عمر بن ~~الخطاب كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح: إنه بلغني أن نساء من نساء المسلمين ~~يدخلن الحمامات مع نساء المشركين فانه عن ذلك أشد النهي، فإنه لا يحل ~~لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن يرى عورتها غير أهل دينها. # وما اجتمع عليه العلماء من أن النساء يغسلن النساء كما يغسل الرجال ~~الرجال. وإنما قال ابن أبي زيد: إن المرأة لا تدخل الحمام إلا من علة لما ~~جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص ~~أنه قال: «ستفتح عليكم أرض العجم وستجدون فيها بيوتا يقال لها: الحمامات ~~فلا يدخلها الرجال إلا بإزار وامنعوا منها النساء إلا مريضة أو نفساء» . ~~وإنما أمر والله أعلم أن يمنع النساء من دخولها إلا مريضة أو نفساء؛ لأن ~~إباحة ذلك لهن ذريعة إلى أن ms1334 يدخلنه غير مئتزرات، لا من أجل أن عليهن إثما ~~في دخولهن إياها مئتزرات. فدخول النساء الحمامات مكروه لهن غير محرم عليهن. # وعلى هذا يتأول ما روي في ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن ~~عائشة، من ذلك حديثها «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن دخول ~~الحمامات ثم رخص للرجال أن يدخلوها بالميازر» . فيتأول أنه إنما يرخص في ~~ذلك للنساء بدليل هذا الحديث حماية للذرائع في دخولهن إياها بغير ميازر. # ومن ذلك ما «روي عنها أنها أتتها نساء من أهل الشام فقالت: لعلكن من أهل ~~الكورة التي يدخل نساؤها الحمامات. قال: قلن نعم. قالت فإني سمعت رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يقول: "أيما امرأة وضعت ثيابها في غير بيتها فقد ~~هتكت ما بينها وبين الله، أو ستر ما بينها وبين الله؛» لأنها إنما تكون قد ~~هتكت سترها إذا وضعت ثيابها حيث لا تأمن أن # PageV03P436 # يطلع أحد من الرجال عليها مكشوفة الرأس والجسم أو تجردت عريانة وإن أمنت ~~أن يطلع عليها أحد من الرجال إذ كان معها النساء في الحمام وشبهه. فقد قال ~~بعض من تكلم على هذا الحديث من العلماء: إن هذا النهي إنما كان في الوقت ~~الذي لم يكن للنساء حمام مفرد، فأما اليوم فقد زال ذلك فيجب أن يجوز. # وقد روي عن أم كلثوم قالت: أمرتني عائشة فطليتها بالنورة ثم طليتها ~~بالحناء ما بين قرنها إلى قدمها في الحمام من حصر كان بها. قالت: فقلت لها ~~ألم تكوني تنهي النساء عن الحمام؟ قالت: إني سقيمة، وأنا أنهى الآن أيضا ~~ألا تدخل امرأة حماما إلا من سقم. فدل ذلك من قولها وفعلها أنها كرهت ~~للنساء دخول الحمامات مستترات من غير تحريم ونهتهن عن ذلك ولم ترخص لهن فيه ~~إلا من مرض. ولو كان عليهن حراما لما جاز في المرض، فهو لهن مع المرض جائز، ~~ومع الصحة مكروه إذ كن مستترات متزرات؛ لأن بدن المرأة إنما عورة على الرجل ~~لا على المرأة. وإنما اختلف في بدن ms1335 الرجل هل هو عورة على المرأة، فقيل: إنه ~~لا يجوز للمرأة أن تنظر من الرجل إلا إلى ما يجوز للرجل أن ينظر إليه من ~~المرأة. والصحيح أنه يجوز للمرأة أن تنظر من الرجل إلى ما يجوز للرجل أن ~~ينظر إليه من ذوات محارمه، بدليل «قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لفاطمة ~~بنت قيس: اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك» فلولا أنها في ~~النظر إليه كحكم الرجل في النظر إلى ذوات محارمه لما أباح لها النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - الاعتداد عنده، وهذا بين والله أعلم وبه التوفيق. # PageV03P437 ### || فصل في السلام والمصافحة والاستئذان # فصل في # السلام والمصافحة والاستئذان الابتداء بالسلام سنة مؤكدة من سنن الإسلام. ~~قال الله عز وجل: {فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله ~~مباركة طيبة} [النور: 61] وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أفشوا ~~السلام» وقال: «من حق المؤمن على المؤمن أن يسلم عليه إذا لقيه ويعوده إذا ~~مرض ويشهد جنازته إذا مات» . والرد أوكد وأوجب لما يتعلق في ذلك من حق ~~المسلم. قال الله عز وجل: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها} ~~[النساء: 86] والاختيار في السلام أن يقول المبتدئ بالسلام: السلام عليكم، ~~ويقول الراد عليه وعليك السلام. ويجوز الابتداء بلفظ الرد والرد بلفظ ~~الابتداء ويتنهى إلى لفظ البركة على ما جاء عن ابن عباس من أنه أنكر ~~الزيادة على ذلك وقال: إن السلام انتهى إلى البركة. وفي قول الله عز وجل: ~~وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها دليل على جواز الزيادة على ~~البركة إذا انتهى المبتدئ بالسلام في سلامه إليها. وقد ذكر مالك في موطئه ~~أن رجلا سلم على عبد الله بن عمر فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته ~~والغاديات والرائحات، فقال عبد الله بن عمر: وعليك ألفا ثم كأنه كره ذلك. # فصل روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «يسلم الكبير على ~~الصغير والراكب على # PageV03P439 # الماشي» ومعنى ذلك إذا التقيا، فإن كان أحدهما ms1336 راكبا والآخر ماشيا بدأ ~~الراكب بالسلام، وإن كانا راكبين أو ماشيين بدأ الصغير بالسلام. وأما المار ~~بغيره أو الداخل عليه فهو الذي يبدأ بالسلام وإن كان ماشيا والذي يمر به ~~راكبا أو صغيرا. وكذلك السائر في الطريق إذا لحق بغيره فتقدمه وجب عليه أن ~~يبدأه بالسلام وإن كان صغيرا أو راكبا وهو ماش. # فصل وإذا سلم واحد من القوم أجزأ عنهم على ما جاء في الحديث، وكذلك في ~~الرد يجزئ رد واحد من المسلم عليهم عن جميعهم على قياس ذلك. وقد قيل في غير ~~المذهب: إنه لا يجزئ ذلك في الرد وهو شذوذ. ويكره السلام على المرأة الشابة ~~ولا بأس به على المتجالة. # فصل والمصافحة جائزة بل هي مستحبة. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «تصافحوا يذهب الغل وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء» وقد كره مالك ~~المصافحة في رواية أشهب من كتاب الجامع من العتبية وقال: هو أخف من ~~المعانقة. والمشهور عن مالك إجازتها واستحبابها، وهو الذي يدل عليه مذهبه ~~في الموطأ بإدخاله فيه حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي تقدم بالأمر ~~بها. والآثار فيها كثيرة، منها حديث البراء قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «ما من مسلمين يتلقيان فيتصافحان إلا غفر الله لهما قبل أن ~~يفترقا» . وإنما المعلوم من مذهب مالك كراهية المعانقة، ومن أهل العلم من ~~أجازها، منهم ابن عيينة، روي أنه دخل على مالك - رحمه الله - فصافحه وقال ~~له: يا أبا محمد لولا أنها بدعة لعانقناك فقال سفيان بن عيينة: عانق من هو ~~خير منك ومني النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال مالك: جعفر؟ قال: نعم، ~~قال: ذلك حديث خاص يا أبا محمد # PageV03P440 # ليس بعام. قال سفيان: ما يعم جعفر يعمنا إذا كنا صالحين، وما يخصه يخصنا، ~~فتأذن لي أن أحدث في مجلسك؟ قال: نعم يا أبا محمد. قال: حدثني عبد الله بن ~~طاووس، عن أبيه عن عبد الله بن عباس قال: «لما قدم جعفر بن أبي طالب من أرض ~~الحبشة اعتنقه النبي - صلى ms1337 الله عليه وسلم - وقبل بين عينيه وقال: جعفر ~~أشبه الناس بي خلقا وخلقا، ما أعجب ما رأيت بأرض الحبشة» الحديث. ولما لم ~~يرو عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه فعلها إلا مع جعفر بن أبي طالب ~~رأى ذلك خصوصا له، وكره ذلك للناس إذ لم يصحبها العمل من الصحابة بعد النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -؛ ولأنها مما تنفر عنها النفوس في كل وقت، إذ لا ~~يمكن في الغالب إلا لوداع من طول اشتياق لغيبة، أو مع الأهل وما أشبه ذلك. ~~وفارقت عنده المصافحة لوجود العمل بها. ووجه إجازتها اعتبارها بالمصافحة. ~~وقد روي من «حديث أبي ذر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصافحه ~~فجاءه قرة فلزمه» وهذا يمكن أن يكون فعله مرة ولم يداوم عليه. # فصل ويكره تقبيل اليد في السلام. وقد سئل مالك عن الرجل يقدم من السفر ~~فيتناول غلامه أو مولاه يده فيقبلها فقال: إن ترك ذلك أحب إلي. وهو كما ~~قال: ينبغي لمولاه أو سيده أن ينهاه عن ذلك؛ لأنه بإسلامه أخوه في الله ~~فلعله أفضل منه عند الله إلا أن لا يكون مسلما فلا ينهاه عن ذلك؛ لما جاء ~~من «أن اليهود أتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فسألوه مختبرين له عن تسع ~~آيات بينات فلما أخبرهم بها قبلوا يديه ورجليه» في حديث طويل. # فصل ولا يبدأ أهل الذمة بالسلام # فصل # ولا يبدأ أهل الذمة بالسلام؛ لأن السلام تحية وإكرام، وقد قال الله عز ~~وجل: {تحية من عند الله مباركة طيبة} [النور: 61] فيجب ألا يكون الكافر ~~أهلا لها. هذا # PageV03P441 # من طريق المعنى. وقد جاء بذلك الأثر أيضا. روي عن أبي عبد الرحمن الجهني ~~قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «أي راكب غدا إلى يهود فلا ~~تبدؤوهم بالسلام، وإذا سلموا عليكم فقولوا وعليكم» . وقد روي أيضا عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - مثله بمعناه من رواية سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن ~~أبي هريرة. وقد روى أشهب عن مالك في الجامع ms1338 من العتبية أنه لا يسلم على أهل ~~الذمة ولا يرد عليهم، ومعناه أنه لا يرد عليهم بمثل ما يرد على المسلمين ~~وأن يقتصر في الرد عليهم بأن يقال: وعليكم على ما جاء في الحديث. وجاء في ~~حديث الموطأ أن اليهود إذا سلم عليكم أحدهم فإنما يقول: السلام عليكم، فقل: ~~عليك بغير واو. والذي ينبغي في هذا أن يقول في الرد: عليك - بغير واو - وإن ~~تحققت أنه قال في سلامه: السام عليك وهو الموت، أو السلام عليك - بكسر ~~السين - وهي الحجارة فقل عليك بغير واو. وإن شئت قلت: وعليك بالواو؛ لأنه ~~يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا، على ما جاء عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. روي عن عائشة «أن اليهود دخلوا على النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فقالوا: السام عليكم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: وعليكم. فقالت ~~عائشة: السام عليكم ولعنة الله وغضبه يا إخوة القردة والخنازير، فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: يا عائشة عليك بالحلم وإياك والجهل، فقالت: ~~يا رسول الله: أما سمعت ما قالوا، فقال لها: أما سمعت ما رددت عليهم ~~فاستجيب لنا فيهم ولم يستجب لهم فينا» وإن لم تتحقق ذلك قلت وعليك. قالوا: ~~ولأنك إن قلت عليك بغير واو وكان هو قد قال: السلام عليك كنت قد نفيت ~~السلام عن نفسك ورددته عليه. ومن أخطأ فابتداء اليهودي بالسلام لم يلزمه أن ~~يقول له: إني إنما بدأتك بالسلام؛ لأني ظننتك مسلما فلا تظن أني قصدتك بذلك ~~وأنا أعلم أنك لست بمسلم، وهذا معنى قول مالك في موطئه: إنه لا يستقيل ~~اليهودي في سلامه من سلم عليه؛ لأنه إن فعل ذلك فقد رجع له في إكرامه له ~~بالسلام وبطلت غبطة الذمي بذلك. وقد قال الداودي معنى ذلك: لا يسأله أن # PageV03P442 # يرد عليه سلامه من أجل أنه لا يلحقه بسلامه عليه بركة وليس ذلك بشيء. وقد ~~قيل: إنه يقول في الرد على الذمي: عليك السلام - بكسر السين - وعلاك ~~السلام: ارتفع عنك. ومن أهل العلم من ms1339 أجاز أن يبدأ أهل الذمة بالسلام، وهو ~~خلاف ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. # فصل ولا يسلم على أهل الأهواء كلهم، قاله ابن القاسم في سماعه من جامع ~~العتبية، وحكى أنه رأى ذلك من مذهب مالك. ومعناه في أهل الأهواء الذين ~~يشبهون القدرية من المعتزلة والروافض والخوارج، إذ من الأهواء ما هو كفر ~~صريح لا يختلف في أن معتقده كافر، فلا يختلف في أنه لا يسلم عليه؛ ومنه ما ~~هو خفيف لا يختلف في أنه ليس بكفر ولا في معتقده أنه ليس بكافر فلا يختلف ~~في أنه يسلم عليه. ويحتمل أنه يريد أنه لا يسلم عليهم على وجه التأديب لهم ~~والتبرؤ منهم والبغضة فيهم لله؛ لأنهم عنده كفار بمثال قولهم ويحمل أن يريد ~~أنه لا يسلم عليهم؛ لأنهم عندهم كفار بآل قولهم، وقد اختلف قوله في ذلك. ~~ولا ينبغي أن يسلم على أهل الباطل في حال تشبثهم بالباطل وعملهم به ~~كالملهيين واللاعبين بالشطرنج وشبه ذلك. # فصل والاستئذان واجب، لا يجوز لأحد أن يدخل على أحد بيته حتى يستأذن ~~عليه، أجنبيا كان أو قريبا. وقد جاء أن «رجلا سأل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال: يا رسول الله أأستأذن على أمي؟ فقال: نعم، فقال الرجل: إني ~~معها في البيت، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: استأذن عليها فقال ~~الرجل يا رسول الله: إني خادمها، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~أتحب أن تراها عريانة؟ قال: لا قال: فاستأذن عليها» . وروى أبو موسى ~~الأشعري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الاستئذان ثلاث فإن أذن ~~لك وإلا فارجع» . وقال الله عز وجل: {لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى ~~تستأنسوا وتسلموا على أهلها} [النور: 27] # PageV03P443 # أي حتى تستأذنوا وتسلموا. وقد قرئ ذلك. فالاستئناس هو الاستئذان في ~~الصحيح من الأقوال؛ لأنه استفعال من الأنس، وهو أن يستأذن أهل البيت في ~~الدخول عليهم مختبرا بذلك من فيه وهل فيه أحد أم لا؟ وليؤذنهم أنه داخل ~~عليهم فيأنس إلى إذنهم له ويأنسوا ms1340 إلى استئذانه إياهم. # وقد اختلف هل يبدأ بالسلام أو بالاستئذان، والصواب أن يقدم الاستئذان، ~~فإن أذن له بالدخول سلم على من في البيت ودخل. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تأذنوا لمن لا ~~يبدأ بالسلام» . وقد استوفينا الكلام على هذا في رسم باع شاة من سماع عيسى ~~من جامع العتبية، وبالله التوفيق. ### || فصل في تشميت العاطس # فصل في # تسميت العاطس # روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا عطس أحدكم فليقل ~~الحمد لله، وإذا قال: الحمد لله فليقل له يرحمك الله. فإذا قيل له ذلك ~~فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم» . وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «إذا عطس أحدكم فليحمد الله، وليقل له من عنده يرحمك الله، وليرد عليك ~~يغفر الله لنا ولكم» . وقال مالك: إن شاء قال العاطس في الرد على من سمته: ~~يغفر الله لنا ولكم، وإن شاء قال: يهديكم الله ويصلح بالكم". وقال الشافعي: ~~أي ذلك قال فحسن. وقال أصحاب أبي حنيفة: يقول: يغفر الله لنا ولكم ولا يقول ~~يهديكم الله ويصلح بالكم. وروي عن إبراهيم النخعي أنه قال: يهديكم الله ~~ويصلح بالكم شيء قالته الخوارج؛ لأنهم لا يستغفرون للناس. والصحيح ما ذهب ~~إليه مالك من أنه يرد عليه بما شاء من ذلك، إذ قد جاء عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - الأمران جميعا. وقد اختار الطحاوي وعبد الوهاب وغيره: يهديكم ~~الله # PageV03P444 # ويصلح بالكم على قوله: يغفر الله لنا ولكم؛ لأن المغفرة لا تكون إلا من ~~ذنب، والهداية قد تعري من الذنوب. # والذي أقول به أن قوله: يغفر الله لنا ولكم أولى، إذ لا يسلم أحد من ~~مواقعة الذنوب، وصاحب الذنب يحتاج إلى الغفران؛ لأنه إن هدي فيما يستقبل ~~ولم يغفر له ما تقدم من ذنوبه بقيت التباعة عليه فيها. وإن جمعها جميعا ~~فقال: يغفر الله لنا ولكم ويهديكم الله ويصلح بالكم كان أحسن وأولى. # والذمي إذا عطس وحمد الله فلا يقال له: يرحمك الله، وإنما يقال: يهديك ms1341 ~~الله ويصلح بالك، لأن اليهودي والنصراني لا تغفر له السيئات حتى يؤمن. ومما ~~يدل على هذا ما روي «أن اليهود والنصارى كانوا يتعاطسون عند النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - رجاء أن يقول: يرحمكم الله، فكان يقول: يهديكم الله ويصلح ~~بالكم» . وتعليق النبي - صلى الله عليه وسلم - التشميت بالحمد بقوله: وإذا ~~قال: الحمد لله فليقل له: يرحمك الله دليل على أن العاطس لا يشمت حتى يحمد ~~الله، وهو قول مالك إنه لا يشمته حتى يسمعه يحمد الله. قيل له: فإنه ربما ~~كانت الحلقة كثيرة الأهل فأسمع القوم يشمتونه، فقال: إذا سمعت الذين ~~يشمتونه فشمته. # وقد اختلف في تشميت العاطس فقيل: هو واجب على كل من سمعه يحمد الله وهو ~~مذهب أهل الظاهر، وقيل: هو واجب على الكفاية كرد السلام، وقيل: هو ندب ~~وإرشاد وليس بواجب. وإنما أمر العاطس أن يحمد الله لما له في العطاس من ~~المنفعة. والدليل على ذلك أنه لا يشمت إذا كان مضنوكا على ما جاء في الحديث ~~من قوله - عليه السلام -: "إن «عطس فشمته، ثم إن عطس فشمته، ثم إن عطس ~~فشمته، ثم إن عطس فقل: إنك مضنوك» . قال عبد الله بن أبي بكر راوي الحديث: ~~لا أدري بعد الثلاثة أو الأربعة. # ويقال: تسميت وتشميت. وقال الخليل: تشميت العاطس لغة في تسميته. # وقال ثعلب: التشميت معناه: أبعد الله عنك الشماتة وجنبك ما يشمت به عليك. ~~وأما التسميت فمعناه جعلك الله على سمت حسن. وبالله التوفيق. # PageV03P445 ### || فصل في المهاجرة # فصل في # المهاجرة ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه المسلم فوق ثلاث لما قد يقع بينه ~~وبينة مما قد تنفر منه الطباع، إلا أن يكون من أهل الأهواء والبدع أو من ~~أهل الفسوق من المسلمين فيهجرهما في ذات الله، لأن الحب في الله والبغض في ~~الله واجب، ولأن في ترك مؤاخاة البدعي حفظا لدينه، إذ قد يسمع من شبهه ما ~~يعلق بنفسه. وفي ترك مؤاخاة الفاسق ردع له عن فسوقه. # والسلام يخرج المهاجر عن هجرانه إذا كان متماديا على ms1342 إذايته والسبب الذي ~~هجره من أجله؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وخيرهما الذي يبدأ ~~بالسلام» . وأما إن كان قد أقلع عن ذلك فلا يخرج عن هجرانه فتجوز شهادته ~~عليه إلا بأن يعود معه إلى ما كان عليه قبل. هذا معنى قول مالك. والآثار في ~~الأمر بالتواخي في الله والنهي عن التقاطع والتدابر كثيرة. والثلاث آخر حد ~~اليسير في أشياء كثيرة من أحكام الشرع، فاستخف في المهاجرة لجري العادة في ~~الطباع بها عند وقوع ما يثيرها. والأصل في تحديدها في الهجرة وغيرها قول ~~الله عز وجل: {فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام} [هود: 65] وبالله التوفيق. ### || فصل في بيان السنن التي في البدن # فصل في # بيان السنن التي في البدن وهي عشر: خمس في الرأس: المضمضة، والاستنشاق، ~~والسواك، وقص الشارب، وإعفاء اللحية؛ وخمس في الجسد وهي: حلق العانة، ونتف ~~الإبط، وتقليم الأظفار، والاستنجاء، والختان. جاء ذلك عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -. # فأما المضمضة والاستنشاق فهما من سنن الوضوء وقد مضى القول فيهما. ~~والسواك تطهير للفم ومرضاة للرب. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء» . والأصبع تجزئ عن ~~السواك ما لم يجد سواكا. # PageV03P446 # وأما قص الشارب فما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأمر به ~~يبين ما جاء عنه من الأمر بإحفائه فيستعمل الأمران جميعا بأن يقص أعلاه ~~ويحفي الإطار منه، ولا يحمل على التعارض. # وهذا الذي ذهب إليه مالك - رحمه الله - لأنه رأى حلقه مثلة، وقال في ذلك ~~إنه بدعة وهو صحيح، لأن اتصال العمل بترك إحفائه دليل على نسخ الأمر بذلك. ~~والأولى أن يجعل حديث الأمر بقصه مبينا لحديث الأمر بإحفائه. وكان ابن ~~القاسم يكره أن يؤخذ من أعلاه وقال: معنى الأمر بإحفائه إحفاء الإطار منه. # وأما اللحية فتعفى على ما جاء في الحديث؛ لأن فيها جمالا. وقد جاء في بعض ~~الأخبار أن الله عز وجل زين بني آدم باللحى، فحلقها مثلة وتشبيه بالأعاجم ~~في ذلك، إلا ms1343 أن تطول فلا بأس بالأخذ منها. # وأما حلق العانة ونتف الإبط وتقليم الأظفار فهو من النظافة المشروعة في ~~الدين. # والاستنجاء من باب زوال النجاسة، ويجزئ فيه الأحجار على ما جاء في ~~الآثار، والماء أطهر وأطيب. ومن قدر على الجمع بينهما فهو أحسن، لأن الله ~~قد أثنى على من فعل ذلك من الأنصار بقباء فقال فيهم: {رجال يحبون أن ~~يتطهروا والله يحب المطهرين} [التوبة: 108] . # وأما الختان فهو طهرة الإسلام ومن سنة إبراهيم - عليه السلام - وملته ~~التي أمر الله بالتزامها حيث يقول: {ملة أبيكم إبراهيم} [الحج: 78] أي ~~التزموها. هو أول من اختتن من الناس حين أمره الله بالختان. قيل: وهو ابن ~~ثمانين سنة، وقيل: وهو ابن مائة وعشرين سنة، ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة. ~~روي الأمران جميعا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من رواية أبي هريرة. # ويستحب ختان الصبي إذا أمر بالصلاة من السبع سنين إلى العشرة، ويكره # PageV03P447 # أن يختن في سابع ولادته كما تفعله اليهود. وروي عن ابن عباس أن الأغلف لا ~~تؤكل ذبيحته ولا تقبل صلاته ولا تجوز شهادته. وعن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه «لا يحج البيت حتى يختتن» . # وقد اختلف هل للكبير رخصة في ترك الختان أم لا؟ فروي عن الحسن أنه كان ~~يرخص في ذلك للشيخ الكبير، وقال ذلك محمد بن عبد الحكم إذا ضعف وخاف على ~~نفسه، ولم يرخص له سحنون في تركه وإن خاف منه على نفسه. # واختلف فيمن ولد مختونا فقيل: قد كفى الله المؤونة فيه، وقيل: يجري ~~الموسى عليه فإن كان فيه ما يقطع قطع، وبالله التوفيق. ### || فصل في التناجي # فصل في # التناجي ولا يتناجى اثنان دون واحد للنهي الوارد عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - من أجل أن ذلك يحزنه ويسوؤه، وكذلك الجماعة دون الواحد؛ لأن ~~ذلك أشد لحزنه وإساءته وقلة التأدب معه. وقد قيل: إن ذلك إنما يكره في ~~السفر وحيث لا يعرف المتناجيان، ولا يوثق بهما، ويخشى الغرر منهما. # وحجة من ذهب إلى هذا ما روي عن ms1344 النبي - صلى الله عليه وسلم - من رواية ~~عبد الله بن عمر أنه قال: «لا يحل لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة أن يتناجى ~~اثنان منهما دون صاحبهما» . وهذا لا حجة فيه، إذ ليس في النهي عن ذلك في ~~السفر ما يدل على إباحته في الحضر، فالصواب أن تحمل الأحاديث التي ليس فيها ~~ذكر السفر على عمومها في السفر والحضر، بدليل قوله فيه: لا يحل. فإذا خشي ~~المتناجيان دون صاحبهما أن يظن بهما أنهما يتناجيان في عورة فلا يحل لهما ~~أن يتناجيا دونه، كان ذلك في سفر أو حضر، وإذا أمن من ذلك فهو مكروه لهما ~~في الحضر والسفر من أجل أن ذلك يحزنه ويسوؤه، وبالله التوفيق لا رب غيره. # PageV03P448 ### || فصل في التيامن في الأشياء # فصل في # التيامن في الأشياء كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب التيامن في ~~أمره كله وقال: «إذا توضأتم فابدؤوا بميامنكم» . وقال: «إذا أكل أحدكم أو ~~شرب فليأكل بيمينه وليشرب بيمينه وليأخذ بيمينه وليعط بيمينه فإن الشيطان ~~يأكل بشماله ويشرب بشماله ويأخذ بشماله ويعطي بشماله» . # وروي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: «كانت يد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - اليمنى لطعامه وطهوره ويده اليسرى لحاجته وما كان من ~~الأذى» . # فما يتصرف به الإنسان منه ما يستحب له فعله بيمينه ومنه ما يستحب له فعله ~~بشماله، فإن فعل ما يستحب له فعله بيمينه بشماله، أو ما يستحب له فعله ~~بشماله بيمينه، أساء ولم يكن عليه شيء، وأجزأه ذلك الفعل إن كان من ~~العبادات التي يستحب له أن يفعله بشماله ما كان فيه أذى. # وقد روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يغسل الرجل باطن ~~قدميه بيمينه» ولا يمتخط بيمينه، ولا ينزع الأذى من أنفه بيمينه. # ومن أهل العلم من ذهب إلى أنه يمتخط بيمينه وينزع الأذى عن أنفه بيمينه ~~على ظاهر ما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: «كانت يمين رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - لوجهه وشماله لما وراء ms1345 ذلك» . # وقد روي أن الحسن بن علي امتخط عند معاوية يمينه فقال له معاوية: شمالك، ~~فقال الحسن: يميني لوجهي وشمالي لحاجتي. ومذهب علي بن أبي طالب - رضي الله ~~عنه - في الامتخاط مثل الذي فعل ابنه الحسن. وبالله التوفيق. # PageV03P449 ### || فصل في المشي في النعل الواحدة # فصل في # المشي في النعل الواحدة يكره على مذهب مالك وأصحابه أن يمشى في نعل ~~واحدة، لنهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى الله عليه وسلم - عن ~~ذلك؛ لأنه عندهم نهي أدب وإرشاد، لما في ذلك من السماحة والشهرة لمخالفة ~~العادة في اللباس، وما ينسب إلى فاعل ذلك من ترك المروءة وقلة التحصيل، لا ~~نهي تحريم خلاف ما ذهب إليه أهل الظاهر من أنه نهي تحريم يأثم عندهم من مشى ~~في نعل واحدة. # واختلف في المذهب هل يباح لمن انقطع قبال نعله وهو يمشي أن يقف في نعل ~~واحدة حتى يصلح نعله الأخرى، فأجاز ذلك ابن القاسم في رواية أصبغ عنه، ولم ~~يجزه أصبغ إلا أن يطول ذلك. وقول ابن القاسم أظهر، إذ ليس ذلك بمشي وإن طال ~~وقوفه. # ولا يجوز له على قولهما جميعا أن يمشي في النعل الواحدة ما دام يصلح ~~الأخرى التي انقطع قبالها. وقد روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ربما انقطع شسع نعله فمشى في نعل واحدة» إلا أنه حديث ضعيف لا يصححه أهل ~~العلم بالحديث. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من رواية جابر بن عبد الله أنه ~~قال: «إذا انقطع شسع نعل أحدكم فلا يمشي في نعل واحدة حتى يصلح شسعه» . ~~والذي أراه في هذا أن تستعمل الآثار كلها ولا يطرح شيء منها فيقال على ~~استعمالها: إن الرجل لا يمشي ابتداء في نعل واحدة إذا انقطع شسع إحداهما، ~~وإنه إذا انقطع شسع إحدى نعليه وهو يمشي مشى في النعل الواحدة ما دام يصلح ~~الأخرى؛ لأن ذلك سير لا يطول، بخلاف ابتداء المشي في النعل الواحدة. # فقد روي عن علي بن أبي طالب أنه رئي يمشي ms1346 في نعل واحدة وهو يصلح شسع ~~الأخرى. وروي مثله أيضا عن عبد الله بن عمر. وقد روي عن عائشة - رضي الله ~~عنها - أنها كانت تجيز المشي في النعل الواحدة وتنكر حديث أبي هريرة في ~~النهي عن ذلك، وروي عنها أنها كانت تمشي في الخف الواحدة وتقول: # PageV03P450 # لأحنثن أبا هريرة. والمعنى في ذلك، والله أعلم، لتبين بفعلها أن نهي ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ليس بنهي تحريم يأثم من فعله، وإنما ~~هو نهي أدب وإرشاد فلا يأثم من فعله ويؤجر من تركه، وبالله التوفيق. ### || فصل في السنة في الشراب والطعام # فصل في # السنة في الشراب والطعام ومن السنة في الأكل والشرب تسمية الآكل الله عز ~~وجل عند ابتدائه، وحمده عند فراغه، لما روي من «أنه - صلى الله عليه وسلم - ~~كان إذا وضع يده في الطعام قال: بسم الله اللهم بارك لنا فيما رزقتنا، وإذا ~~فرغ منه قال: الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه. # » وأن يأكل إذا أكل مع غيره مما يليه؛ «لقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- لربيبه عمرو بن أبي سلمة: قل بسم الله وكل مما يليك» وهذا إذا كان الطعام ~~صنفا واحدا كالثريد واللحم وشبه ذلك. وأما إذا كان أصنافا مختلفة كأنواع ~~الفاكهة في طبق مما تختلف أغراض الآكلين فيه فلا بأس للرجل أن يتناول ما ~~بين يدي غيره. # وذلك منصوص عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث عبد الله بن عكراش ~~بن ذؤيب. وقد ذكرته بكماله في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم من كتاب ~~الجامع. وذلك بين أيضا من «حديث أنس بن مالك: فرأيت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يتبع الدباء من حوالي القصعة» . ولا بأس إذا أكل الرجل مع أهله ~~وبنيه أن يتناول مما بين أيديهم إذ لا يلزمه # PageV03P451 # أن يتأدب معهم ويلزمهم أن يتأدبوا معه في الأكل، فإن لم يفعلوا ذلك أمرهم ~~بذلك كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما قاله لعمرو بن أبي ~~سلمة. # ومن الأدب ms1347 إذا أكل الرجل مع القوم أن يأكل كما يأكلون من تصغير اللقم ~~والترسيل في الأكل وإن خالف ذلك عادته. ومن هذا المعنى نهي النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - عن القران في التمر، وهو أن يأكل تمرتين إذا لم يقرنوا، ~~وإن كان هو الذي أطعمهم. # ويجوز له ذلك إذا أكل مع من لا يلزمه أن يتأدب معهم من أهله وولده. وقد ~~قيل: إنه إنما نهي عن ذلك لئلا يستأثر في الأكل على من يؤاكله بأكثر من ~~حقه. # فعلى هذا يجوز له إذا كان هو الذي أطعمهم أن يقرن وإن كانوا لا يقرنون. ~~والأظهر أن يكون النهي عن ذلك للمعنيين جميعا، فلا يقرن الرجل دون أصحابه ~~المؤاكلين له الذين يلزمه أن يتأدب معهم وإن كان هو الذي أطعمهم] . # ويستحب للرجل أن لا ينهم في الأكل ويكثر منه، فإن ذلك مما يضر به، فيجعل ~~ثلث بطنه للطعام، وثلثه للماء، وثلثه للنفس. ولا يأكل متكئا؛ لقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «أما أنا فلا آكل متكئا» ؛ ولأن ذلك من فعل الأعاجم ~~تجبرا وتكبرا. وأن يغسل يده وفمه من الدسم عند فراغه من الأكل؛ لأمره - صلى ~~الله عليه وسلم - بذلك. # «روي أنه - صلى الله عليه وسلم - شرب لبنا فمضمض وقال: إن له دسما.» وإن ~~لم يكن لطعامه دسم لم يكن عليه غسل يده منه، فقد كان عمر بن الخطاب إذا أكل ~~ما لا دسم له مسح يده بباطن قدمه. # وأما غسل الرجل يده للأكل فليس من السنة، فقد كرهه مالك وقال فيه: إنه ~~ليس من الأمر أي من السنة المأمور بها فيلزم التزامها؛ لأنها من فعل ~~الأعاجم ولم يرو عن السلف، إلا أن يخشى أن يكون قد مس بيده شيئا يكره أن ~~يباشر به الطعام. # PageV03P452 # ولا ينبغي أن ينفخ في طعام ولا شراب، ولا أن يتنفس في إنائه إذا شرب، ~~وإذا ضاق به النفس فلينح القدح عن فيه، فإذا تنفس أعاده إليه؛ لما روي من ~~«أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن النفخ ms1348 في الشراب» . والمعنى ~~في ذلك أنه يخشى أن يطير مع نفسه شيء من ريقه فتعافه نفس من رآه، فإذا رأى ~~قذاة في الإناء أراقها ولم ينفخها، وقد جاء الحديث بذلك. # فصل # ويجوز الشراب قائما؛ لأنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه شرب ~~قائما، وعن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب - رضي الله ~~عنهم - أنهم كانوا يشربون قياما. وقد «روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه نهى عن الشرب قائما» من رواية أنس بن مالك، ومن رواية أبي سعيد الخدري ~~«أنه زجر رجلا رآه يشرب قائما» . وقال إبراهيم النخعي: إنما كره الشرب ~~قائما؛ لما يأخذ في البطن، فيحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~نهى عن الشرب قائما؛ لما ذكر له أن ذلك يضر بمن فعله، فلما تحقق أن ذلك لا ~~يضر به شرب قائما ولم ينه عن ذلك. # فقد كان - صلى الله عليه وسلم - هم أن ينهى عن الغيلة ثم لم ينه عنها؛ ~~لما ذكر من أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم شيئا. ويحتمل أن ~~يكون - صلى الله عليه وسلم - كان يشرب قائما إلى أن وقف على المعنى الذي من ~~أجله كره الشرب قائما فنهى عنه إشفاقا على أمته وطلبا لمصالحهم. وإذا احتمل ~~أن يكون كل واحد من الحديثين ناسخا للآخر وجب أن يسقطا جميعا، فلا يمتنع من ~~الشرب قائما إلا أن يتيقن على ما ذهب إليه مالك وبوب عليه في موطئه باب شرب ~~الرجل وهو قائم. # PageV03P453 # فصل وإذا أتي الرجل بالشراب وهو في جماعة فشرب ناوله من على يمينه؛ لما ~~جاء من استحباب التيامن في الأمور، ولما «روي أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أتي بلبن قد شيب بماء وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر، فشرب ثم ~~أعطى الأعرابي وقال: الأيمن فالأيمن» . # فصل ولا يجوز الأكل ولا الشرب في أواني الذهب والفضة ولا استعمالها؛ ~~لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر ~~في ms1349 بطنه نار جهنم» ولا فرق بين الأكل والشرب في ذلك؛ لأن المعنى فيه واحد ~~وهو التشبه في ذلك بالأعاجم والأكاسرة المتكبرين المتجبرين. وأما الحلقة من ~~الذهب والفضة تكون في القدح والتضبيب في شفتة فقياسه قياس العلم من الحرير ~~في الثوب، كرهه مالك وأجازه جماعة من السلف. # وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه أجازه على قدر الإصبعين والثلاث والأربع، ~~ووقع ذلك في مختصر ما ليس في المختصر. # فصل # ويجب على آكل الثوم نيئا اجتناب المساجد؛ لقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «من أكل هذه الشجرة فلا يقرب مساجدنا يؤذينا بريح الثوم» . وكذلك ~~الكراث والبصل إن كان يؤذي ريحهما قياسا على الثوم. فالعلة التي قد نص ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عليها في الثوم وهي التأذي بريحها. والأسواق ~~في هذا بخلاف المساجد؛ لأن للمساجد حرمة تختص # PageV03P454 # بها ليست للأسواق إلا أن ذلك مكروه في مكارم الأخلاق، وبالله التوفيق. ### || فصل فيما يجب إتيانه من الولائم والدعوات # فصل # فيما يجب إتيانه من الولائم والدعوات والدعوات إلى الأطعمة تنقسم على ~~خمسة أقسام، منها ما يجب على المدعو إليها إجابة الداعي إليها، ولا يجوز ~~التخلف عنها إلا لعذر، وهي دعوة الوليمة التي أمر رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بها وحض عليها وأمر بإجابة الداعي إليها. # ومنها ما تستحب الإجابة إليها وهي المأدبة التي يفعلها الرجل للخاص من ~~إخوانه وجيرانه على حسن العشرة وإرادة التودد والألفة. ومنها ما يجوز إجابة ~~الداعي إليها ولا حرج في التخلف عنها، وهي ما سوى دعوة وليمة العرس من ~~الدعوات التي تصنع على ما جرت به العادة دون مقصد مذموم كدعوة العقيقة ~~والنقيعة والوكيرة والخرس والإعذار وما أشبه ذلك. # ومنها ما يكره إجابة الداعي إليها، وهو ما يقصد به منها قصدا مذموما من ~~تطاول أو امتنان وابتغاء محمدة وشكر وما أشبه ذلك، لا سيما لأهل الفضل ~~والهيئات، لأن إجابتهم إلى مثل هذه الأطعمة إضاعة للتعاون، وإخلاف للهيبة ~~عند دناءة الناس وسبب للإذلال. # فقد قيل: ما وضع أحد يده في قصعة ms1350 أحد إلا ذل له. ومنها ما تحرم الإجابة ~~إليها وهي ما يفعله الرجل لمن يحرم عليه قبول هبته كأحد الخصمين للقاضي، ~~وبالله التوفيق. ### || فصل في العيادة # فصل في # العيادة ويستحب للمسلم عيادة لأخيه المسلم إذا مرض؛ لما في ذلك من الألفة ~~والمواصلة المندوب إليهما في الشريعة. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- صلى الله عليه وسلم -: «حق المسلم على # PageV03P455 # أخيه المسلم أن يسلم عليه إذا لقيه ويعوده إذا مرض، ويشهد جنازته إذا ~~مات» . وجاء أن الرجل إذا عاد المريض خاض في الرحمة حتى إذا جلس عنده قرت ~~فيه أو نحو ذلك. # وشهود جنازته إذا مات آكد عليه في الاستحباب من عيادته إذا مرض؛ لأنه بعد ~~الموت أحوج إلى الدعاء منه في حال الحياة. وقد جاء أن في الصلاة على ~~الجنازة قيراطا من الأجر وفي حضور دفنها قيراطا أيضا، والقيراط مثل جبل أحد ~~ثوابا وبالله التوفيق ### || فصل في الغيبة # فصل في # الغيبة ولا تحل الغيبة؛ لأن الله عز وجل حرمها في كتابه العزيز فقال: ~~{ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا} [الحجرات: 12] ~~فقرن عز وجل تحريم اغتياب المسلم بتحريم أكل لحمه ميتا؛ لما في ذلك من ~~الإذاية التي تدعو إلى المقاطعة والبغضاء، وتولد الأحقاد والعداوات، وذلك ~~ضد المأمور به من الألفة والتواخي في ذات الله. # والغيبة له هي أن يذكر منه ما يكره سماعه وإن كان حقا، وأما إن كان باطلا ~~فذلك البهتان. وقد قال الله عز وجل: {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ~~ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا} [الأحزاب: 58] إلا في ثلاثة لا ~~غيبة فيهم، وهم الإمام الجائر، والفاسق المعلن، وصاحب البدعة؛ لأن الغيبة ~~إنما هي أن تذكر من المرء ما يكره أن يذكر عنه لمن لا يعلم ذلك منه، ~~والإمام الجائر والفاسق المعلن قد اشتهر أمرهما عند الناس، فلا غيبة في أن ~~يذكر # PageV03P456 # من جور الجائر وفسق الفاسق ما هو معلوم من كل واحد منهما، وصاحب البدعة ~~يدين ببدعته ويعتقد أنه على الحق ms1351 فيها، وأن غيره على الخطأ في مخالفته في ~~بدعته، فلا غيبة فيه في ذكره بها؛ لأنه كان معلنا بها فهو يحب أن يذكر بها، ~~وإن كان مستترا بها فواجب أن يذكر بها، ويحفظ الناس من اتباعه عليها. وإنما ~~يكون مغتابا لكل واحد منهم إن ذكر عنهم سوى ما اشتهروا به. # وينبغي لأهل الفضل والدين أن يحفظوا ألسنتهم من الخوض فيما لا يعنيهم ~~ويلتزموا الصمت فلا يتكلموا من أمور الدنيا إلا فيما يحتاجون إليه؛ لأن في ~~الإكثار من الكلام السقط والخطل، والتعرض للزلل. # فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من وقاه الله شر اثنتين ولج ~~الجنة: ما بين لحييه، وما بين رجليه» ودخل عمر بن الخطاب على أبي بكر ~~الصديق - رضي الله عنهما - وهو يجذب لسانه، فقال له: مه، فقال: إن هذا ~~أوردني الموارد. # وقال مالك - رحمه الله - من عد كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه. ~~وقال - عليه السلام -: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» . وبالله ~~التوفيق. ### || فصل في التماثيل # فصل في # التماثيل ولا يجوز عمل التماثيل المصورة على صفة الإنسان أو صفة شيء من ~~الحيوان؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن أصحاب هذه الصور يعذبون ~~يوم القيامة يقال لهم: # PageV03P457 # أحيوا ما خلقتم» . وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الملائكة لا تدخل ~~بيتا فيه تماثيل وتصاوير» . والمحرم من ذلك بإجماع ما كان مخلوقا له ظل ~~قائم على صفة الإنسان، أو ما يحيى من الحيوان، وما سوى ذلك من المرسوم في ~~الحيطان، والمرقوم في الستور التي تنشر، أو البسط التي تفترش أو الوسائد ~~التي يرتفق بها ويتكأ عليها مكروهة وليست بحرام في الصحيح من الأقوال، ~~لتعارض الآثار في ذلك؛ لأن ما تعارضت فيه الآثار فهو من المشتبهات التي قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها: «فمن اتقى المشتبهات استبرأ لدينه ~~وعرضه» . وقد اختلف أهل العلم فيها على أربعة أقوال: # أحدها: تحريم جميعها سواء كانت مرسومة في حائط، أو مرقومة في ثوب ينشر أو ~~يتوسد ms1352 أو يبسط. # والثاني: إباحة جميعها. # والثالث: إباحة ما عدا المرسوم منها في الحيطان والجدر. # وما عدا المرقوم منها في الستور التي تعلق ولا تمتهن بالبسط لها والجلوس ~~عليها. # والذي يباح من ذلك للعب الجواري به ما كان غير تام الخلقة لا يحيى ما كان ~~على صورته في العادة، كالعظام التي يجعل لها وجوه بالرسم وكالترويق في ~~الحائط. وقد قال أصبغ: الذي يباح من ذلك ما يسرع إليه البلى والفساد، وليس ~~ذلك ببين في وجه القياس والنظر، وبالله التوفيق. ### || فصل في وصل الشعر وما كان في معناه وفي الخضاب # فصل في # وصل الشعر وما كان في معناه وفي الخضاب ولا يجوز للمرأة أن تصل شعرها ولا ~~أن تشم وجهها ولا بدنها، ولا أن تنشر # PageV03P458 # أسنانها؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لعن الله الواصلة ~~والمستوصلة، والواشرة والمستوشرة، والواشمة والمستوشمة، والمتنمصات ~~المتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله» . والمعنى في المنع من ذلك أن فيه ~~غرورا وتدليسا. # فالوشم المنهي عنه هو أن المرأة كانت تغرز ظهور كفيها، أو معصمها بإبرة، ~~أو مسلة حتى تؤثر فيه، ثم تحشوه بالكحل فتخضر بذلك. # والوشر هو أن تنشر أسنانها حتى تفلجها وتحددها. # ويجوز لها أن تخضب يديها ورجليها بالحناء. واختلف في تطريف أصابعها، ~~فأجاز ذلك مالك في سماع ابن القاسم من كتاب النكاح، ولم ير به بأسا. # وجاء النهي في ذلك عن عمر بن الخطاب، روي عنه أنه خطب فقال: يا معشر ~~النساء إذا اختضبتن فإياكن والنقش والتطريف، ولتخضب إحداكن يديها إلى هذا ~~وأشار إلى موضع السوار. # وأما الخضاب فهو صبغ شعر الرأس واللحية بما عدا السواد من الحناء والكتم ~~وشبه ذلك، فقيل: إن ذلك جائز، وقيل: إنه مستحب. وأما بالسواد فمن أهل العلم ~~من أجازه، ومنهم من كرهه؛ لما فيه من التدليس والإيهام أنه باق على حاله من ~~الشباب، فقد تغتر المرأة التي تتزوجه بذلك. ولو فعل ذلك الشيخ في الحرب ~~ليوهم العدو أنه شاب جلد لأوجر في ذلك إذا صحت نيته فيه. وبالله التوفيق. ~~لا ms1353 إله إلا هو. ### || فصل في التفرقة بين الصبيان في المضاجع # فصل في # التفرقة بين الصبيان في المضاجع ويفرق بين الصبيان في المضاجع، قيل: لسبع ~~سنين إذا أمروا بالصلاة وقيل: # PageV03P459 # لعشر إذا أدبوا عليها وهو ظاهر الحديث ولا يجتمع رجلان ولا امرأتان ~~متعريين في لحاف واحد؛ للنهي الوارد في ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- وهو نهيه عن مكامعة الرجل الرجل بغير شعار، ومكامعة المرأة المرأة بغير ~~شعار. ويروى معاكمة. والمكامعة هي أن يضاجع الرجل صاحبه في ثوب واحد أخذا ~~من الكمع وهو الضجيع، ومنه قيل لزوج المرأة: كمعها. وأما المعاكمة فهي ~~مأخوذة من ضم الشيء إلى الشيء، ومنه قيل: عكمت الثياب إذا شددت بعضها إلى ~~بعض. ومن هذا ما روى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«لا تباشر المرأة المرأة ولا الرجل الرجل» وبالله التوفيق. ### || فصل فيما يجوز للرجل أن ينظر إليه من النساء # فصل # فيما يجوز للرجل أن ينظر إليه من النساء # ولا يجوز لرجل أن يخلو بامرأة ليست منه بمحرم للنهي عن ذلك، وقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «إن الشيطان ثالثهما» معنى أنه يوسوس إليه مواقعة ~~المعصية بها مع الخلوة حتى تحدثه نفسه بها. . # ويجوز للرجل أن ينظر إلى المرأة المتجالة؛ لقول الله عز وجل: {والقواعد ~~من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير ~~متبرجات بزينة} [النور: 60] . ولا يجوز له أن ينظر إلى الشابة إلا لعذر من ~~شهادة أو علاج، # PageV03P460 # أو عند إرادة نكاحها؛ لإباحة النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك وقوله: ~~«فإنه أحرى أن يؤدم بينهما» . # وإنما اختلف إذا أراد نكاحها هل له أن يغتفلها النظر من الكوة؟ فكره ذلك ~~مالك ولم يبحه له، وأجاز ذلك ابن وهب وغيره للآثار المروية في ذلك. من ذلك ~~حديث جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا خطب أحدكم ~~المرأة فقدر على أن يرى منها ما يعجبه فليفعل؛ قال جابر: فلقد خطبت امرأة ~~من بني سلمة وكنت ms1354 أتخفى لها في أصول النخل حتى رأيت منها بعض ما يعجبني ~~فخطبتها فتزوجتها» . ولم يسمع ذلك مالك ولا صح عنده؛ ولذلك كرهه، والله ~~أعلم، أو لعله إنما كره ذلك مخافة أن يرى منها بعض عريتها. ومن أجاز ذلك ~~للآثار المروية فيه فإنما أجازه إذا أمن من ذلك. # فصل ويجوز للعبد أن يرى من سيدته ما يراه ذو المحرم منها؛ لقوله عز وجل: ~~{أو ما ملكت أيمانكم} [النساء: 3] إلا أن يكون له منطرة فيكره أن يرى منها ~~ما عدا وجهها. ولها أن تؤاكله إذا كان وغدا دنيا، يؤمن منه التلذذ بها، ~~بخلاف الشاب الذي لا يؤمن ذلك منه. # وقد اختلف في غير أولي الإربة من الرجال الذين عناهم الله تعالى، فقيل: ~~هو الأحمق والمعتوه الذي لا يهتدي لشيء من أمور النساء، وقيل: هو الحصور ~~العنين الذي لا ينتشر للنساء، والخصي مثله في المعنى. # والقول الأول هو الذي ذهب إليه مالك، ويؤيده «قول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لأزواجه في المخنث الذي كان عند أم سلمة: "لا يدخل هؤلاء عليكن» ~~الداخلة # PageV03P461 # عليها في استتارها منه. هذا هو القياس إذا لم يكن عبده من غير أولي ~~الإربة. وقد وقع له في موضع إجازة دخوله عليها إذا لم يكن حرا وكان عبدا ~~لها ولزوجها أو لغيره، وذلك استحسان على غير قياس مراعاة للاختلاف وبالله ~~التوفيق. ### || فصل في حضور اللهو # فصل في # حضور اللهو ولا يجوز تعمد حضور شيء من اللهو واللعب، ولا من الملاهي ~~المطربة كالطبل والزمر وما كان في معناه؛ لقول الله عز وجل: {وإذا سمعوا ~~اللغو أعرضوا عنه} [القصص: 55] وقوله: {فماذا بعد الحق إلا الضلال} [يونس: ~~32] وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كل لهو يلهو به المؤمن باطل إلا ~~ثلاث» : والثلاث ملاعبة الرجل امرأته، وتأديبه فرسه، ورميه عن قوسه ". # ورخص من ذلك في النكاح الدف وهو الغربال باتفاق، والكبر والمزهر على ~~ثلاثة أقوال: إباحتها جميعا، وكراهتهما جميعا، وإباحة الكبر دون المزهر، ~~قيل: للنساء دون الرجال، وقيل: للنساء والرجال. واختلف هل هو من ms1355 قبيل ~~المباح الذي يستوي فعله وتركه، أو هو من قبيل المباح الذي تركه أحسن من ~~فعله وبالله التوفيق. # PageV03P462 ### || فصل في قراءة القرآن بالألحان # فصل في # قراءة القرآن بالألحان ولا يجوز قراءة القرآن بالألحان المطربة كالغناء ~~الملهية لسامعها عن الخشوع والاعتبار بآيات القرآن والخشية وتجديد التوبة ~~عند سماع مواعظه. فالواجب أن ينزه القرآن عن ذلك ولا يقرأ إلا على الوجه ~~الذي يخشع القلب، ويزيد في الإيمان، ويشوق إلى ما عند الله؛ لقول الله عز ~~وجل: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته ~~زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون} [الأنفال: 2] وقوله: {أفلا يتدبرون ~~القرآن أم على قلوب أقفالها} [محمد: 24] وقوله: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى ~~الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع} [المائدة: 83] . والألحان تكره في الشعر ~~فكيف في القرآن. # فمن قصد إلى سماع القرآن بالصوت الحسن والقراءة المجودة فهو حسن. وقال ~~عمر بن الخطاب لأبي موسى: ذكرنا ربنا؛ لحسن صوته بالقرآن وتجويده لقراءته. ~~وقد اختلف في تأويل قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ليس منا من لم يتغن ~~بالقرآن» اختلافا كثيرا. وأحسن ما في ذلك عندي أن يكون المعنى فيه ليس منا ~~من لم يلتذ بسماع قراءة القرآن؛ لرقة قلبه، وشوقه إلى ما عند ربه كما يلتذ ~~أهل الغواني بسماع غوانيهم، والله أعلم وبه التوفيق. لا رب غيره ولا معبود ~~سواه. ### || فصل في السفر بالقرآن إلى أرض العدو والتعوذ به # ولا يجوز أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو؛ لما في ذلك من الاستخفاف # PageV03P463 # بحقه وحرمته مخافة أن يناله العدو، وللنهي الوارد في ذلك. ويجوز أن يكتب ~~إليهم منه بالآية والآيتين إذا كان الغرض من ذلك الدعاء إلى الإسلام؛ لما ~~روي من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إليهم بسم الله الرحمن الرحيم: ~~{قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم} [آل عمران: 64] ~~الآيات. # فصل # والتعوذ بالقرآن جائز. قال الله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله ~~من الشيطان الرجيم} [النحل: 98] وقال {قل أعوذ برب الفلق} [الفلق: ms1356 1] {من ~~شر ما خلق} [الفلق: 2] و: {قل أعوذ برب الناس} [الناس: 1] . # «وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه ~~بالمعوذات وينفث. وكان من تعوذه: أعوذ بوجه الله الكريم وبكلماته التامات ~~من شر ما خلق وبرأ وذرأ ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها. # » والرقية به وبأسماء الله تعالى جائزة؛ لقوله جل ذكره: {وننزل من القرآن ~~ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين - وهذا كتاب أنزلناه مبارك} [الأنعام: 82 - 92] ~~«وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في ابني جعفر بن أبي طالب: استرقوا ~~لهما فإنه لو سبق شيء القدر لسبقته العين» ، إذ دخل عليهما فرآهما ضارعين ~~فسأل عن ذلك حاضنتهما فقالت: إنه تسرع إليهما العين، ولم يمنعنا أن نسترقي ~~لهما إلا أنا لا ندري ما يوافقك من ذلك. والآثار في هذا المعنى كثيرة. # PageV03P464 # وتجوز رقية الذمي بكتاب الله؛ لقول أبي بكر الصديق إذ دخل على عائشة وهي ~~تشتكي ويهودية ترقيها: ارقيها بكتاب الله عز وجل. وقد روي ذلك عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - حكاه عبد الوهاب، فلا اختلاف في جواز الاستعاذة ~~بالقرآن والرقية به. # وإنما اختلف أهل العلم في جواز تعليق الأحراز والتمائم على أعناق الصبيان ~~والمرضى والحبالى والخيل والبهائم إذا كانت بكتاب الله عز وجل، وما هو ~~معروف من ذكره وأسمائه؛ للاستشفاء من المرض، أو في حال الصحة؛ لدفع ما ~~يتوقع من المرض والعين، فظاهر قول مالك من رواية أشهب من كتاب الصلاة إجازة ~~ذلك، وروي عنه أنه قال: لا بأس بذلك للمرضى وكرهه للأصحاء مخافة العين وما ~~يتقى من المرض. # وأما التمائم بغير ذكر الله وهي بالكتاب العبراني وما لا يعرف ما هو فلا ~~يجيزه بحال لمريض ولا صحيح؛ لما جاء في الحديث: «من تعلق شيئا وكل إليه ومن ~~علق تميمة فلا أتم الله له ومن علق ودعة فلا ودع الله له» ؛ ولما رواه في ~~موطئه من أن «رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث في بعض أسفاره رسولا ~~والناس في مقيلهم ألا تبقين في رقبة ms1357 قلادة من وتر أو غيره إلا قطعت» . # ومن أهل العلم من كره التمائم، ولم يجز شيئا منها بحال ولا على حال؛ لما ~~جاء من هذه الآثار، ومنهم من أجازها في المرض، ومنعها في الصحة؛ لما يتقى ~~منه، أو من العين على ما روي عن عائشة أنها قالت: ما علق بعد نزول البلاء ~~فليس بتميمة. # وقول مالك في رواية أشهب المذكورة أولى الأقوال بالصواب من جهة النظر، إذ ~~يبعد إجازة تعليق تميمة لا ذكر لله فيها في حال من الأحوال، ولا وجه من ~~طريق النظر للتفرقة فيما كان منها بذكر الله بين الصحة والمرض إلا اتباع ~~قول عائشة في ذلك، إذ لا تقوله رأيا والله أعلم. # وقوله الثاني أتبع للأثر لاستعمال الآثار كلها بحمل النهي على ما ليس فيه ~~ذكر الله، وقول عائشة على ما كان منها بذكر الله. # فصل # ومن عين إنسانا أمر العائن أن يتوضأ له. وصفة ذلك أن يغسل وجهه ويديه # PageV03P465 # ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في إناء، ثم يصب على المريض ~~المعين، لورود الخبر بذلك في «حديث عامر بن ربيعة لما مر بسهل بن حنيف فعين ~~سهلا، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتوضأ له على هذه الصفة بعد ~~أن تغيظ عليه وقال: علام يقتل أحدكم أخاه ألا بركت» وما يصيب المعين بقول ~~العائن إذا لم يبرك أمر أجرى الله العادة به في الغالب مع القدر السائق. # وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ألا بركت إن العين حق» . ~~يريد أن الله أجرى العادة به في أغلب الأحوال، لا أن قول العائن هو المحدث ~~لما أصاب المعين وبالله التوفيق. ### || فصل في التداوي بالكي وقطع العروق والحجامة وشرب الدواء # فصل في # التداوي بالكي وقطع العروق # والحجامة وشرب الدواء # لا اختلاف فيما أعلمه في أن التداوي بما عدا الكي من الحجامة، وقطع ~~العروق، وأخذ الدواء مباح في الشريعة غير محظور، وقد كرهه بعض السلف ورأى ~~تركه اتكالا على الله أفضل. # «واحتجم رسول الله - صلى الله عليه ms1358 وسلم -، حجمه أبو طيبة فأمر له بصاع ~~من طعام وأمر أهله أن يخففوا عنه من خراجه. وقال: "إن كان دواء يبلغ الداء ~~فإن الحجامة تبلغه» . «وتطبب - صلى الله عليه وسلم - لطبيبي بني أنصار: ~~أيكما أطب فقالا: أوفي الطب خير يا رسول الله؟ فقال: أنزل الله الدواء كما ~~أنزل الأدواء» . # وروي أنه «قيل لعائشة: من أين لك العلم بالطب؟ فقالت: إن العلل كانت ~~تعتاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كثيرا وكان يشاور الطبيب فكنت أسمع ~~ما يقول له» . # وروي أن أسامة بن شريك قال: «شهدت الأعارب يسألون رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - هل علينا من حرج أن نتداوى؟ فقال: "تداووا عباد الله، فإن الله ~~لم ينزل داء إلا أنزل معه دواء - أو قال: شفاء - علمه من علمه، وجهله من ~~جهله» . ولا يجوز التداوي بشرب الخمر ولا بشرب شيء من النجاسات. # PageV03P466 # وأما التداوي بالكي فاختلف السلف في إجازته، لما روي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - من النهي عنه. «روى عمران بن حصين قال: سمعت النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ينهى عن الكي فما زال البلاء بنا حتى اكتوينا فما أفلحنا ولا ~~أنجحنا. # قال عمران وكان يسلم علي فلما اكتويت فقدت ذلك ثم راجعته بعد السلام» . ~~وروي «عن جابر بن عبد الله قال: اشتكى منا رجل شكوى شديدة فقال الأطباء: لا ~~يبرأ إلا بالكي فأراد أهله أن يكووه وقال بعضهم: لا حتى نستأمر رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فاستأمروه فقال: لا، فبرئ. فلما رآه رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: هذا صاحب بني فلان؟ قالوا: نعم، فقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: إن هذا لو كوي لقال الناس: إنما أبرأه الكي» # والذي عليه الأكثر إجازته، فقد «كوى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أسعد بن زرارة من الذبحة فمات، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: بئس ~~الميت ليهود يقولون: لم يغن عنه صاحبه» # وجاء عنه - صلى الله عليه وسلم - من رواية ابن عمر وابن عباس أنه قال: ms1359 ~~«إن كان الشعاء ففي ثلاث أو قال: الشفاء في ثلاث: شربة عسل، أو كية نار، أو ~~شرطة محجم» . فقد يحتمل بدليل هذه الآثار أن يكون نهي النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - عن الكي إنما كان في أمر ما أو علة ما أو نهي أدب وإرشاد إلى ~~التوكل على الله والثقة به، فلا شافي سواه ولا مهرب لأحد عما قضاه. # ومن الدليل على ذلك حديث المغيرة بن شعبة عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال: «ما توكل من استرقى أو اكتوى» يريد ما توكل حق التوكل، لأن من ~~لم يسترق ولم يكتو أكثر إخلاصا للتوكل منه. ويعضد هذا قوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «يدخل الجنة سبعون ألفا لا حساب عليهم، وهم الذين لا يسترقون، ولا ~~يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون» . ### || فصل في اللعب بالنرد وبالشطرنج وما كان في معناهما # فصل في # اللعب بالنرد وبالشطرنج # وما كان في معناهما # قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من لعب بالنرد فقد عصى الله ~~ورسوله» ، «ومن لعب بالنرد فكأنما غمس يده في لحم خنزير» . وكذلك الشطرنج ~~له حكمه، وقد قال فيه الليث بن سعد: إنه شر من النرد. ومثله الأربعة عشر، ~~وهي قطع معروفة كان يلعب # PageV03P467 # بها كالنرد. وقد سئل مالك عن لعب الرجل بها مع امرأته في البيت فقال: ما ~~يعجبني ذلك وليس من شأن المؤمن اللعب؛ لقول الله عز وجل: {فماذا بعد الحق ~~إلا الضلال} [يونس: 32] فهذا من الباطل. فاللعب بشيء من ذلك كله على سبيل ~~القمار والخطار لا يحل ولا يجوز بإجماع من العلماء؛ لأنه من الميسر الذي ~~قال الله عز وجل فيه: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل ~~الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون} [المائدة: 90] . وأما اللعب بشيء من ذلك ~~كله على غير وجه القمار فقد وسع فيه بعض العلماء. والصواب أن ذلك لا يجوز؛ ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من لعب بالنرد فقد عصى الله ~~ورسوله» . فعم ولم يخص قمارا من غيره. # ولأن اللعب بالشطرنج وما كان ms1360 في معناه يلهي عن العبادات ويشغل عن ذكر ~~الله والمحافظة على الصلوات، ويؤدي الإدمان على ذلك إلى القمار والأيمان ~~الكاذبة، وذلك كله فسوق. فمن أدمن اللعب به كان ذلك قدحا في إمامته ~~وشهادته، فقد كان عبد الله بن عمر إذا رأى أحدا من أهله يلعب بالنرد ضربه ~~وكسرها. # وبلغ عائشة - رضي الله عنها - أن أهل بيت في دارها كانوا سكانا عندهم نرد ~~فأرسلت إليهم فيها لئن لم تخرجوها لأخرجنكم من داري وأنكرت ذلك عليهم، ~~وبالله التوفيق. ### || فصل في قتل الحيات وما يؤذي من الحيوان # فصل في # قتل الحيات وما يؤذي من الحيوان ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أمر بقتل الحيات في غير حديث، من ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «خمس ~~فواسق يقتلن في الحل والحرم» فذكر فيهن الحية. وروي عنه أنه قال: «ما ~~سالمناهن منذ حاربناهن» وروي «منذ عاديناهن فمن تركهن فليس منا» . قال أحمد ~~ابن صالح: والمعاداة التي أراد في الحديث كانت منذ أخرج آدم - عليه السلام ~~- من # PageV03P468 # الجنة. قال عز وجل: {اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو} [طه: 123] فأمر - ~~صلى الله عليه وسلم - بقتل الحيات عموما. # وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إن بالمدينة جنا قد أسلموا" يريد الحيات، ~~"فإذا رأيتم منها شيئا فأذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه ~~فإنما هو شيطان» . فكان ذلك مخصصا لعموم أمره بقتل الحيات، فلا يجوز أن ~~تقتل الحيات بالمدينة إلا بعد الاستئذان ثلاثا إلا ذي الطفيتين والأبتر على ~~ما جاء في الحديث من أنهما يخطفان البصر ويطرحان ما في بطون النساء. # ونهى - صلى الله عليه وسلم - عن قتل حيات البيوت، فاحتمل أن يريد بيوت ~~المدينة خاصة، وأن يريد جميع البيوت بالمدينة وغيرها، فيستحب لهذا الاحتمال ~~ألا تقتل حيات البيوت في غير المدينة إلا بعد الاستئذان ثلاثا من غير إيجاب ~~بخلاف حيات المدينة. وأما حيات الصحاري والأودية فلا خلاف في أنها تقتل من ~~غير استئذان؛ لأنها باقية على الأمر بقتلها. # وأما الوزغ فيقتل حيثما وجد؛ لأن النبي ms1361 - صلى الله عليه وسلم - أمر بقتله ~~وسماه فوسيقا. وكذلك يقتل سائر ما أمر بقتله - صلى الله عليه وسلم - من ~~العقرب والفأرة والحدأة والكلب العقور. # «ونهى - صلى الله عليه وسلم - عن قتل أربع: النحلة، والنملة، والهدهد، ~~والصرد» فلا تقتل النحلة لأنها ينتفع بها إذا بقيت ولا ينتفع بلحمها إذا ~~قتلت، والنملة؛ لأنها لا ينتفع بلحمها إذا قتلت وهي موصوفة بمعنى محمود من ~~التسبيح على ما جاء من أن الله عز وجل أوحى إلى نبي من الأنبياء؛ لما أحرق ~~قرية النمل إذ لدغته واحدة منهن: لدغته نملة واحدة قرصته أحرقت أمة من ~~الأمم تسبح. # وروي أن نبيا من الأنبياء خرج بالناس يستسقي فإذا هو بنملة رافعة بعض ~~قوائمها فقال: ارجعوا فقد استجيب لكم من أجل هذه النملة. إلا أن تؤذي فيجوز ~~قتلها لإذايتها. وكذلك يجوز قتل ما يؤذي من جميع الدواب كالبرغوث والقملة، ~~ولا يجوز قتل شيء من ذلك بالنار؛ لأنه من التمثيل والتعذيب، وبالله ~~التوفيق. # PageV03P469 ### || فصل في السنة في السفر للرجال والنساء # فصل في # السنة في السفر للرجال والنساء الوحدة في السفر مكروهة؛ لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «الراكب شيطان والراكبان شيطانان والثلاثة ركب» وقوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «الشيطان يهم بالواحد والاثنين فإذا كانوا ثلاثة لم ~~يهم بهم» . وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «خير الصحابة أربعة، ~~وخير الطلائع أربعون، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن ~~تغلب اثنا عشر ألفا من قلة إلا أن تفترق كلمتهم» . # ويستحب للمسافرين الرفق بدوابهم وإنزالها منازلها في الخصب والتجافي ~~عليها بسقيها في الجدب، وأن لا يعرسوا على الطريق، وأن يعجل الرجل الرجوع ~~إلى أهله إذا قضى نهمته من سفره، وأن يدخل في صدر النهار ولا يأتي أهله ~~طروقا على ما جاء في الحديث من ذلك كله. # ولا بأس بالإسراع في المشي وطي المنازل فيه عند الحاجة إلى ذلك، فقد سار ~~ابن عمر وسعيد بن أبي هند وكانا من خيار الناس من مكة إلى المدينة في ثلاثة ~~أيام وهي مسيرة ms1362 عشرة أيام على السير المعتاد. # ولا تسافر المرأة إلا مع زوجها أو ذي محرم منها؛ لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم ~~وليلة إلا مع ذي محرم منها» بدليل قول الله عز وجل: {والقواعد من النساء ~~اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة} ~~[النور: 60] وفيما عدا الهجرة إلى بلد الإسلام من بلد الكفر إذا أسلمت فيه، ~~وفيما عدا السفر إلى حج الفريضة؛ لأن هجرتها إلى بلد الإسلام مخصصة من عموم ~~الحديث بالإجماع، والسفر إلى الحج مخصص منه بالقياس على الإجماع. # PageV03P470 # ويكره في الأسفار تعليق الأجراس في أعناق الإبل والدواب، فقد «روي أن ~~العير التي فيها الأجراس لا تصحبها الملائكة» وتقليدها الأوتار قيل: إذ لا ~~يأمن أن تختنق بها على أخذ التأويلين في الحديث الذي جاء «أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أرسل عبد الله بن أبي بكر في بعض أسفاره والناس في ~~مقيلهم ألا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت» . وقيل ~~معنى ذلك في التمائم المعلقة عليها مخافة العين، قاله مالك في موطئه، ~~وتأويله أظهر، والله أعلم. ### || فصل في تنزيه المساجد عما لم توضع له # فصل في # تنزيه المساجد عما لم توضع له # وينبغي أن تنزه المساجد عن عمل الصناعات وأكل الألوان والمبيت فيها إلا ~~من ضرورة للغرباء، ومن الوضوء فيها واللغط ورفع الصوت فيها وإنشاد الضالة ~~والبيع والشراء؛ لقول الله تعالى: {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها ~~اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال} [النور: 36] {رجال} [النور: 37] إلى آخر ~~الآية؛ لأنه عز وجل أعلم بهذه الآية ما وضعت المساجد له، فوجب أن تنزه عما ~~سوى ذلك مما ذكرناه، ومن تقليم الأظفار، وقص الشعر فيها، والأقذار كلها ~~والنجاسات؛ ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «جنبوا مساجدكم مجانينكم ~~وصبيانكم وسل سيوفكم ورفع أصواتكم واجعلوا مطاهركم على أبوابها» . وقد بنى ~~عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - رحبة بناحية المسجد ms1363 تسمى البطيحاء وقال: من ~~أراد أن يلغط أو ينشد شعرا ويرفع صوته فليخرج إلى هذه الرحبة. # وكان عطاء بن يسار إذا مر به من يبيع في المسجد دعاه فسأله ما معه وما ~~تريد، فإن أخبره أنه يريد أن يبيعه في المسجد قال: عليك بسوق الدنيا فإنما ~~هذا سوق الآخرة. وبالله التوفيق. # PageV03P471 ### || فصل في وسم الأنعام والدواب وخصائصها # فصل في # وسم الأنعام والدواب وخصائصها يجوز خصاء الغنم بخلاف الخيل؛ لما روي من ~~«أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن خصاء الخيل» وضحى بكبشين ~~أملحين موجوءين، ولم ينكر ذلك؛ لأن الغنم تراد للأكل وخصاؤها لا يمنع من ~~ذلك بل هو صلاح للحومها وتطيب لها. والخيل إنما تراد للركوب والجهاد وذلك ~~ينقص قوتها ويضعفها ويقطع نسلها، فهذا فرق ما بينهما. # ويكره أن يوسم شيء من الحيوان في الوجه، ولا بأس بذلك في أجسادها؛ لما ~~يحتاج الناس إليه من علامات يعرفون بها أنعامهم ودوابهم. وأما الغنم فأرخص ~~في أن توسم في آذانها إذ لا يمكن أن توسم في أجسادها لمغيب السمة فيها ~~بأصوافها. # وقد «نهى - صلى الله عليه وسلم - عن السمة في الوجه» وروي عنه «أنه مر به ~~حمار قد كوي في وجهه فعاب ذلك» حكى ذلك عبد الوهاب في المعونة. وفي صحيح ~~مسلم عن ابن عباس أنه قال: «رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حمارا ~~موسوم الوجه فأنكر ذلك» . قال ابن عباس: فوالله لا أسم في شيء من الوجه، ~~فأمر بحمار له فكوي في جاعرتيه، فهو من أول من كوى الجاعرتين، وبالله ~~التوفيق. ### || فصل في الرؤيا والحلم # فصل في # الرؤيا والحلم ينبغي لمن رأى في منامه ما يكره أن يتفل عن يساره ثلاث ~~مرات إذا استيقظ ويستعيذ بالله عز وجل من شر ما رأى ويتحول على جنبه الآخر، ~~فإنه إذا فعل ذلك # PageV03P472 # لم يضره ما رأى إن شاء الله على ما جاء في الحديث الذي ذكره مالك في ~~موطئه عن يحيى بن سعيد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه ms1364 قال: سمعت أبا قتادة ~~بن ربعي يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «الرؤية ~~الصالحة من الله والحلم من الشيطان، فإذا رأى أحدكم الشيء يكرهه فليتفل عن ~~يساره ثلاث مرات إذا استيقظ وليتعوذ بالله من شر ما رأى فإنها لن تضره إن ~~شاء الله» . # قال أبو سلمة: إن كنت لأرى الرؤيا هي أثقل علي من الجبل فلما سمعت هذا ~~الحديث فما كنت أبالي بها. وفي رواية ابن وهب مثل هذا إلا أنه قال:: «أعوذ ~~بما أعاذت به ملائكة الله ورسله من شر ما رأيت أن يصيبني منه شيء أكرهه في ~~الدنيا والآخرة، وليتحول على شقه الآخر» . # والمعنى في ذلك أن الرؤيا الصالحة وهي الحسنة التي تبشر بالخير في الدنيا ~~أو في الآخرة لا مدخل فيها للشيطان وهي من الله عز وجل من ستة وأربعين جزءا ~~من النبوءة إذا رآها الرجل الصالح، وروي من خمسة وأربعين جزءا، وروي من ~~سبعين جزءا " والمعني في هذه التجزئة أن ما يصاب في تأويله من هذه الرؤيا ~~التي على هذه الصفة المذكورة في الحديث فيخرج على ما تعبر به فما يخطأ في ~~تأويله فلا يخرج على ما يعبره بكونه جزءا من خمسة وأربعين، أو من ستة ~~وأربعين، أو من سبعين، إذ لو خرجت كلها على ما تعبر لكانت كالنبوءة في ~~الإخبار بالمغيبات، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لن يبقى ~~بعدي من النبوءة إلا المبشرات "، قالوا: وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: ~~"الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له جزء من ستة وأربعين جزءا من ~~النبوءة» . فالرؤية الصالحة المبشرة من الله جزء من الأجزاء المذكورة في ~~الحديث إن كانت من الرجل الصالح، وإن لم تكن من الرجل الصالح فلا يقال فيها ~~وإن كانت من الله تعالى: إنها جزء من خمسة وأربعين جزءا من النبوءة ولا من ~~ستة وأربعين ولا من سبعين. # PageV03P473 # والرؤية المكروهة تنقسم على قسمين: منها رؤيا من الله عز وجل قد يصاب في ~~تأويلها فيخرج ما يعبر به، ms1365 وقد يخطأ في تعبيرها فلا تخرج على ما تعبر به، ~~ولا يقال فيها أيضا: إنها جزء من خمسة وأربعين ولا من ستة وأربعين ولا من ~~سبعين. ومنها حلم من قبل الشيطان يحزن به الإنسان لا تضر رؤيته شيئا، فأمر ~~الرجل إذا رأى في منامه ما يكرهه أن يستعيذ بالله من شر ما رأى، فإذا فعل ~~ذلك موقنا بما روي في ذلك لم يضره ما رأى. # والمعنى في ذلك أن الله لا يوفقه للاستعاذة مما رأى بيقين صحيح إلا فيما ~~هو من تحزين الشيطان أو فيما هو بخلاف ما تأوله مما كرهه، وقد يصرف الله ~~عنه ما كرهه مما رآه في منامه وإن كان من الله بالاستعاذة منه، كما يصرف ~~عنه سوء القدر بالدعاء الذي قد سبق في علمه أنه يصرفه به على ما قد ذكرناه ~~في رسم سن من الجامع من كتاب البيان وبالله التوفيق. ### || فصل في السباق # فصل في # السباق المسابقة جائزة على مذهب مالك في الخيل والإبل، وبالرمي بالسهام. ~~والأصل في جواز ذلك قول الله عز وجل: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن ~~رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم} [الأنفال: 60] وقال - صلى الله عليه ~~وسلم -: «ألا إن القوة الرمي» وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا سبق إلا ~~في نصل أو خف أو حافر» . ومن أهل العلم من لم يجز المسابقة إلا في الخيل ~~والإبل، لما روي من أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا سبق إلا ~~في خف أو حافر» . وأجاز محمد بن الحسن المسابقة على الأقدام، وأجاز بعض ~~أصحاب الشافعي المسابقة بالحمير والبغال، وهو شذوذ؛ لأن الغرض في السباق ~~التمرن لقتال العدو، ولا يتأتى ذلك في البغال والحمير، إذ لا تصلح للكر # PageV03P474 # والفر. ألا ترى أنه لا يسهم لها، وإنما يصلح لذلك الخيل وحدها وهي التي ~~يسهم لها. وثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سابق بينهما. ~~والمسابقة في ذلك جائزة على الرهان، والرهان الذي يكون فيها على ثلاثة ~~أوجه: وجه جائز ms1366 باتفاق، ووجه غير جائز باتفاق، ووجه مختلف في جوازه. # فأما الوجه الجائز باتفاق فهو أن يخرج أحد المتسابقين إن كانا اثنين أو ~~أحد المتسابقين إن كانوا جماعة جعلا لا يرجع إليه بحال ولا يخرج من سواه ~~شيئا، فإن سبق مخرج الجعل كان الجعل للسابق، وإن سبق هو صاحبه ولم يكن معه ~~غيره كان الجعل طعمة لمن حضر. # وإن كانوا جماعة كان الجعل لمن جاء سابقا بعده منهم. وهذا الوجه في ~~الجواز مثل أن يخرج الإمام الجعل فيجعله لمن سبق من المتسابقين، فهو مما لا ~~اختلاف فيه بين أهل العلم أجمعين. # وأما الوجه الذي لا يجوز باتفاق فهو أن يخرج كل واحد من المتسابقين إن ~~كانا اثنين أو كل واحد من المتسابقين إن كانوا جماعة جعلا، فهذا لا يجوز ~~باتفاق؛ لأنه من الغرر والقمار والميسر والخطار المحرم بالقرآن. # وأما الوجه المختلف فيه فهو أن يخرج أحد المتسابقين إن كانا اثنين أو أحد ~~المتسابقين إن كانوا جماعة جعلا ولا يخرج من سواه شيئا على أنه إن سبق أخذ ~~جعله وإن سبقه غيره كان الجعل للسابق. # فهذا الوجه اختلف فيه قول مالك، وهو على مذهب سعيد بن المسيب جائز. ومن ~~هذا الوجه المختلف فيه أن يخرج كل واحد من المتسابقين جعلا على أن من سبق ~~منهما أحرز جعله وأخذ جعل صاحبه على أن يدخلا بينهما محللا لا يأمنان أن ~~يسبقهما على أنه إن سبقهما أخذ الجعلين جميعا. # فهذا الوجه أجازه سعيد بن المسيب ولم يجزه مالك ولا اختلف فيه قوله كما ~~اختلف في الوجه الأول الذي قبله؛ لأنه أخف في الغرر من الوجه الذي قبله. ~~ويجمع بينهما في المعنى أن حكم مخرج الجعل مع صاحبه من تلك حكم مخرج الجعل ~~مع المحلل في هذه. وسواء كان مع الجماعة المتسابقين محلل واحد أو مع ~~الاثنين المتسابقين جماعة محللون، الخلاف في كل ذلك، إلا أنه كلما كثر ~~المحللون وقل المتسابقون كان الغرر أخف والأمر أجوز. وقد روي عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - # PageV03P475 # أنه قال: ms1367 «من أدخل فرسا بين فرسين وهو يؤمن أن يسبق فذالكم القمار» رواه ~~أبو هريرة، وهو حجة لسعيد بن المسيب، وبالله التوفيق. ### || فصل في الشؤم والعدوى والطيرة # فصل في # الشؤم والعدوى والطيرة روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«الشؤم في الدار والمرأة والفرس» وأنه قال: «إن كان الشؤم ففي الدار ~~والمرأة والفرس» وأنه قال: «لا عدوى ولا طيرة» . فمن أهل العلم من قال: ~~الشؤم في الدار ما يصيب ساكنها من المصائب، وكذلك الفرس والمرأة، وجعل قول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا عدوى ولا طيرة» معارضا له. وضعف حديث ~~الشؤم بما روي أن عائشة أنكرت على أبي هريرة حديثه عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قط وإنما كان أهل الجاهلية يقولونه ثم قرأت: {ما أصاب من مصيبة ~~في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} [الحديد: 22] ومنهم ~~من صحح الحديث وتأوله على أن الشؤم في الدار معناه سوء الجوار، وفي المرأة ~~سوء خلقها، وفي الفرس كذلك. # والذي أقول به أنه لا تعارض بين الحديثين، لأن المعنى الذي أوجبه في ~~أحدهما غير المعنى الذي نفاه في الآخر. نفى في الحديث الواحد أن يكون لشيء ~~من الأشياء عدوى في شيء من الأشياء أو تأثير فيه؛ لقوله لا عدوى ولا طيرة، ~~إذ لا فاعل إلا الله تعالى. # وأعلم في الحديث الآخر أنه قد يوجد الشؤم في الدار والمرأة والفرس، وهو ~~تكرار الأذى على ساكن بعض الدور أو نكاح بعض النسوة أو اتخاذ # PageV03P476 # بعض الخيل بقضاء الله عز وجل وقدره السابق على ما أخبر به حيث قال في ~~كتابه العزيز: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من ~~قبل أن نبرأها} [الحديد: 22] وفي الفرس ركوبه فيما لا ينبغي ركوبه فيه أو ~~مصيبة تحدث عليه بركوبه إياه، لا بعدوى شيء من ذلك على شيء ولا بتأثير له ~~فيه. # فلم ينف النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "لا عدوى وجود ما هو موجود ~~مما يعتدى، ms1368 وإنما نفي أن يكون شيء من الأشياء يعدى على ما يعتقده أهل ~~الجاهلية والجهلة بالله ". ألا ترى ما جاء في الحديث الصحيح من قوله: «لا ~~عدوى ولا هام ولا صفر ولا يحل المريض على المصح وليحل المصح على المريض حيث ~~شاء» . قالوا يا رسول الله: وما ذاك؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: إنه إذا ~~نفي أن يكون لشيء عدوى ونهي أن يحل المريض على المصح؛ لأنه قد يتأذى بذلك، ~~على ما هو موجود من جري العادة في ذلك بقضاء الله وقدره السابق، ويبين هذا ~~الذي ذكرناه حديث أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا ~~عدوى ولا هام ولا صفر فقام أعرابي فقال يا رسول الله: إن الإبل تكون في ~~الرمل كأنها الظباء يرد عليها البعير الجرب فتجرب كلها، فقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: فمن أعدى الأول» . وبالله التوفيق لا شريك له ولا رب ~~غيره ولا معبود سواه. ### || فصل في فضل مكة والمدينة والتفضيل بينهما # فصل في # فضل مكة والمدينة والتفضيل بينهما # لا اختلاف بين أهل العلم في فضل مكة والمدينة وأنهما أفضل البقاع، وإنما ~~اختلفوا في التفضيل بينهما. فذهب جماعة من المالكيين إلى أن المدينة أفضل ~~من مكة، وقال أبو حنيفة والشافعي وغيرهما من أهل العلم: مكة أفضل من ~~المدينة وهو الأظهر؛ لأن الله عز وجل حرم مكة وعظم حرمتها، وجعل بيته فيها ~~قبلة للصلاة فقال: {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول ~~وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن} [البقرة: 144] ~~وقال {والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد} [الحج: ~~25] # PageV03P477 # الآية وقال: {والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله} [البقرة: ~~217] وقد جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمكة مزية على المدينة ~~بتحريم الله إياها فقال: «إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس» ، وأوجب ~~بذلك أهل العلم كلهم الجزاء على من صاد في حرم مكة، ولم يوجبه على من صاد ~~في حرم المدينة إلا ms1369 الشاذ منهم. فيستفاد من هذا الإجماع على أن الذنب في ~~الصيد في حرم مكة أغلظ منه في حرم المدينة. # وقد رأى جماعة من أهل العلم أن تغليط الحدود في حرم مكة لحرمته، ولا تقام ~~فيه؛ لقول الله عز وجل: {ومن دخله كان آمنا} [آل عمران: 97] ولم يقل ذلك ~~أحد من أهل العلم في حرم المدينة. # فإذا كان الذنب في مكة أغلظ منه في المدينة، والصلاة في المسجد الحرام ~~أفضل من الصلاة في مسجد المدينة على ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - نصا من رواية عطاء ابن أبي رباح عن الزبير قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من ~~المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في ذلك أفضل من مائة صلاة في هذا» . وإذا ~~كان الذنب في حرم مكة أغلظ منه في حرم المدينة، والصلاة في مسجد مكة الذي ~~أوجب الله الحج إليه لفضله بقوله: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا} [آل عمران: 97] أفضل من الصلاة في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- صح أن مكة أفضل من المدينة، إذ ليس تفضيل بعض البقاع على بعض بمعنى موجود ~~في ذواتها، وإنما هو لتضعيف الحسنات والسيئات فيها. وقد قال عمر بن الخطاب ~~- رضي الله عنه -: لأن أعمل عشر خطايا بالمدينة أحب إلي أن أعمل واحدة ~~بمكة. والمعنى في هذا أن السيئات تضاعف في مكة كما تضاعف فيها الحسنات. # وقد استدل القاضي أبو محمد عبد الوهاب المالكي على ما ذهب إليه من تفضيل ~~المدينة على مكة بظواهر آثار كثيرة لا حجة في شيء منها. # PageV03P478 # من ذلك ما روت عمرة بنت عبد الرحمن عن رافع بن خديج أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «المدينة خير من مكة» . قال: وهذا نص في تفضيل ~~المدينة على مكة، وليس بنص كما زعم إذ لم يقل: إنها أفضل منها وإنما قال: ~~هي خير منها، فيحمل ذلك لما ذكرناه من الأدلة ms1370 الظاهرة على أن مكة أفضل من ~~المدينة على أنه إنما أراد بقوله: إن المدينة خير من مكة أنها خير منها في ~~سعة الرزق فيها، بكثرة الزرع والثمرات، وتمكن التجارات؛ لأن الله عز وجل ~~أخبر عن مكة أنها بلد غير ذي زرع بقوله تعالى حاكيا عن إبراهيم - عليه ~~السلام -: {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم} ~~[إبراهيم: 37] فمعنى الحديث، والله أعلم، أنه أراد أن ينبه أصحابه ~~المهاجرين على فضل الله عليهم بأن جعل هجرتهم من مكة إلى بلد هو أوسع في ~~الزرع منها ليشكروا الله على ذلك حق شكره. # ومن ذلك دعاؤه - صلى الله عليه وسلم - للمدينة بمثل ما دعا به إبراهيم - ~~عليه السلام - لمكة ومثله معه. وهذا أيضا لا دليل فيه، إذ ليس في دعاء ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبارك لأهل المدينة في مدينتهم وصاعهم ~~ومدهم على ما جاء في الحديث المذكور ما يدل على أنها أفضل من مكة بوجه. # ومن ذلك قوله: «اللهم كما أخرجوني من أحب البقاع إلي فأسكني أحب البقاع ~~إليك» . وهذا الحديث ليس على عمومه، ومعناه فأسكني في أحب البقاع إليك بعد ~~مكة، بدليل ما تقدم من أن مكة أفضل من المدينة بالنص الذي ذكرته على ذلك. # ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد ~~إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة» . وهذا أيضا لا حجة فيه إذ ليس في ~~إعلامه - صلى الله عليه وسلم - بفضل من صبر على لأواء المدينة وشدتها في ~~حياته - صلى الله عليه وسلم - للمقام معه لنصرته، والصلاة في مسجده بعد ~~وفاته؛ لما جاء من الفضل في الصلاة في مسجده على سائر المساجد إلا المسجد ~~الحرام ما يدل على فضل المدينة على مكة، لا سيما وقد جاء النص بأن الصلاة ~~في مسجد مكة أفضل من الصلاة في مسجد المدينة بمائة صلاة. # PageV03P479 # ومن ذلك أيضا قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الإيمان ليأرز إلى ~~المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها» ms1371 وهذا لا حجة فيه أيضا؛ لأن معنى قوله: ~~إن الإيمان ليأرز إلى المدينة أن الناس ينتابونها من كل ناحية للدخول في ~~الإسلام؛ لكون النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها، فهذا لا دليل فيه على ~~أنها أفضل من مكة. # ومن ذلك أيضا قوله - صلى الله عليه وسلم -: «أمرت بقرية تأكل القرى يقال ~~لها: يثرب تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد» . وهذا لا حجة فيه أيضا؛ ~~لأن المعنى أمرت بالهجرة إلى قرية تفتح القرى منها أي المدن، فكان ذلك كما ~~قال - صلى الله عليه وسلم -: في حياته وبعد وفاته، وذلك من علامات نبوته أن ~~أخبر بما كان قبل أن يكون، فلا دليل في ذلك على أنها أفضل من مكة. # ومن ذلك أيضا قوله - صلى الله عليه وسلم -: «على أنقاب المدينة ملائكة لا ~~يدخلها الطاعون ولا الدجال» . وهذا لا دليل فيه أيضا لا سيما وقد جاء عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - من رواية جابر ابن عبد الله «أنه يرد على كل ~~ماء وسهل وجبل إلا المدينة ومكة قد حرمها الله عليه وقامت الملائكة ~~بأبوابها» . # ومن ذلك أيضا قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ما بين قبري ومنبري روضة من ~~رياض الجنة» ، ولا دليل في ذلك؛ لأن المعنى فيه الإعلام بفضل ذلك الموضع ~~فترفع درجات المصلي فيه ويسمع دعاؤه فيه فيصل بذلك إلى روضة من رياض الجنة. ~~فالكلام ليس بحقيقة وإنما هو من المجاز الذي جاء به القرآن ويعرفه العرب، ~~مثل قوله - صلى الله عليه وسلم -: «الجنة تحت ظلال السيوف» ، وليس في ~~إعلامه - صلى الله عليه وسلم - بفضل ذلك الموضع ما يدل على أن المدينة أفضل ~~من مكة. # ومما استدل به أيضا على أن المدينة أفضل من مكة أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - مخلوق منها، فتربته أفضل الترب. وهذا لا حجة فيه أيضا؛ لأنا قد ~~بينا أن البقاع لم يفضل بعضها على بعض بمعنى موجود فيها من خاصية تختص بها، ~~وإنما فضلت عليها لتفضيل الله لها برفع درجات العاملين فيها. # ولما ms1372 أكمل احتجاجه بهذه الأحاديث التي ذكرناها وضعفنا احتجاجه بها قال: ~~فإذا ثبت بما ذكرناه فضيلة المدينة على مكة كانت الصلاة في مسجدها أفضل لا ~~محالة من الصلاة في المسجد الحرام، ويكون استثناء المسجد الحرام من تفضيل # PageV03P480 # الصلاة في مسجد الرسول - عليه السلام - على سائر المساجد إنما هو في ~~مقدار الفضيلة لا في أصلها، فكأنه قال - صلى الله عليه وسلم -: صلاة في ~~مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد الحرام فإنه ~~أفضل منه بدون الألف لفضل مسجد مكة على غيره من المساجد؛ فكانت للمسجد ~~الحرام بذلك مزية على سائر المساجد، كما كان لمسجد الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - مزية على المسجد الحرام، فبان بذلك فضل المدينة على مكة. هذا معنى ~~قوله وليس بصحيح؛ لما ذكرنا من تضعيف الاستدلالات التي استدل بها لفضل ~~المدينة على مكة؛ ولما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نصا من «أن ~~الصلاة في المسجد الحرام بمكة أفضل من الصلاة بمسجد الرسول بالمدينة،» ~~فالاستثناء في هذا الحديث على ظاهره استثناء لجملة التفضيل، فكأنه قال - ~~صلى الله عليه وسلم -: صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من ~~المساجد، إلا المسجد الحرام فإنه لا فضل له عليه، بل له الفضل عليه على ما ~~جاء في الحديث الذي ذكرناه. # وقد استدل بعض من ذهب إلى تفضيل المدينة على مكة بقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «ما على الأرض بقعة أحب إلي أن يكون قبري بها. يعني المدينة» ~~. وهذا لا حجة فيه؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - لما هاجر من مكة فلم يصح ~~له الرجوع إليها وكانت المدينة أحب البقاع إلى الله بعدها استحب ألا ينتقل ~~عنها حتى يموت فيها فيكون قبره بها، وبالله التوفيق. ### || فصل في حكم إجماع أهل المدينة وترجيح مذهب مالك رحمه الله وذكر فضله # فصل في # حكم إجماع أهل المدينة وترجيح مذهب مالك - رحمه الله - # وذكر فضله وعلو مرتبته في العلم # إجماع أهل المدينة على الحكم فيما طريقه النقل ms1373 حجة يجب المصير إليها ~~والوقوف عندها وتقديمها على أخبار الآحاد وعلى القياس، كنحو إجماعهم على ~~جواز الأحباس والأوقاف، وعلى صفة الأذان والإقامة، وعلى مقدار صاع النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ومده، وعلى إسقاط الزكاة من الخضروات وشبه ذلك؛ لأن ~~ذلك كله نقله الخلف # PageV03P481 # منهم عن السلف، فحصل به العلم من جهة نقل التواتر، فوجب أن يقدم على ~~القياس وعلى أخبار الآحاد؛ إذ لا يقع بها العلم وإنما توجب غلبة الظن ~~كشهادة الشاهدين. # وبهذا المعنى احتج مالك على أبي يوسف حين ناظره بحضرة الرشيد لإثبات ~~الأوقاف والصدقات، فقال: هذه صدقات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى ~~الله عليه وسلم - وأحباسه مشهورة عندنا بالمدينة معروفة ينقلها الخلف عن ~~السلف قرنا بعد قرن. فقال حينئذ أبو يوسف: كان أبو حنيفة يقول: إنها غير ~~جائزة وأنا أقول: إنها جائزة، فرجع في الحال عن قول أبي حنيفة إلى إجازتها. ~~وبمثل هذه الحجة رجع إلى القول بأن مقدار الصاع والمد ما يقوله أهل المدينة ~~وترك مذهب أبي حنيفة لما رأى في ذلك من تواتر النقل وتناصره الموجب للعلم. # وكذلك ما اتصل العمل به بالمدينة من جهة القياس والاجتهاد هو حجة أيضا ~~كمثل ما أجمعوا عليه من جهة النقل، يقدم على أخبار الآحاد وعلى ما خالفه من ~~القياس عند مالك؛ لأن ما اتصل العمل به لا يكون إلا عن توقيف. وأما إجماعهم ~~على الحكم في النازلة من جهة الاجتهاد فقيل: إنه حجة يقدم على اجتهاد غيرهم ~~وعلى أخبار الآحاد لأنهم أعرف بوجوه الاجتهاد وأبصر بطريق الاستنباط ~~والاستخراج؛ لما لهم من المزية عليهم في معرفة أسباب خطاب النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ومعاني كلامه ومخارج أقواله، لاستفادتهم ذلك من الجم الغفير ~~الذين شاهدوا خطابه وسمعوا كلامه. # وهذا في القرن الثاني والثالث منهم الذين توجهت إليهم المدحة بقول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين ~~يلونهم» . وقيل: إنه ليس بحجة من أجل أنهم بعض الأمة، والعصمة إنما هي ~~لجميع الأمة؛ لقول النبي ms1374 - صلى الله عليه وسلم -: «لن تجتمع أمتي على ~~ضلالة» . # واختلف على القول بأنه ليس بحجة هل له مزية يقدم بها على ما سواه من ~~الاجتهاد ويرجح بها عليه أم لا على قولين. فعلى القول بأن له مزية يقدم بها ~~على ما سواه من الاجتهاد ويرجح بها عليه يقدم خبر الواحد. وعلى القول # PageV03P482 # بأنه لا مزية له على ما سواه من الاجتهاد يرجح بها أحد الأثرين ~~المتعارضين، ويختلف هل يقدم على خبر الواحد أم لا، فحكى ابن القصار عن مالك ~~أن القياس عنده مقدم على خبر الواحد خلافا لأبي حنيفة في تقديمه على القياس ~~والله أعلم. ### || فصل في اختلاف علماء المدينة وغيرهم بعدهم # فصل في # وإذا اختلف علماء المدينة وغيرهم بعدهم في حكم نازلة فالواجب أن يرجع ~~فيها إلى ما يوجبه الاجتهاد والنظر بالقياس على الأصول، ولا يعتقد أن ~~الصواب في قول واحد منهم دون نظر، وإن كان أعلمهم. ولا اعتراض علينا في هذا ~~بانتحالنا لمذهب مالك - رحمه الله - وتصحيحنا له وترجيحنا إياه على ما سواه ~~من المذاهب؛ لأنا لم ننتحل مذهبه في الجملة إلا وقد بانت لنا صحته وعرفنا ~~الأصول التي بناه عليها واعتمد في اجتهاده على الرجوع إليها مع علمنا ~~بمعرفته بأحكام كتاب الله عز وجل من ناسخه ومنسوخه، ومفصله ومجمله، وخاصه ~~وعامه، وسائر أوصافه ومعانيه، وسنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وتبيين صحيحها من سقيمها، وأنه كان إماما في ذلك كله غير مدافع فيه بشهادة ~~علماء وقته له بذلك وإقرارهم بالتقديم له فيه؛ ولأنا اعتقدنا أيضا أنه هو ~~الذي عناه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «يوشك أن يضرب الناس ~~أكباد الإبل في طلب العلم فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة» لوجهين: # أحدهما: أنه هو المسمى بعالم المدينة لتعرفه به، فإذا قال القائل: هذا ~~قول عالم المدينة، أو فقيه المدينة، أو إمام دار الهجرة، علم أنه هو الذي ~~أراد، كما يعلم إذا قال هذا قول الشافعي أنه أراد بذلك محمد بن إدريس ~~الشافعي دون من ms1375 سواه من أهل نسبه، وكذلك الثوري والأوزاعي. # والثاني: تأويل الأئمة ذلك فيه منهم ابن جريج، وابن عيينة، وعبد الرحمن ~~بن مهدي من غير خلاف عليهم في ذلك؛ لأن من قال: يحتمل أن يكون - صلى الله ~~عليه وسلم - عنى بذلك العمري العابد ليس بصحيح؛ لأن الصفة التي وصفها رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - من أن أكباد # PageV03P483 # الإبل تضرب إليه في طلب العلم إنما هي موجودة في مالك لا في العمري؛ لأن ~~أكباد الإبل لم تضرب إليه في طلب العلم؛ لأنه إنما كان من شأنه أن يخرج إلى ~~البادية التي لا يحضر أهلها الأمصار لطلب العلم ولا يخرج أهل العلم إليهم، ~~فيعلمهم أمر دينهم ويفقههم فيه ويرغبهم فيما يقربهم من ربهم ويحذرهم مما ~~يبعدهم عنه. # وهذا وإن كان فيه من الفضل ما فيه فقد أربى ما وهب الله مالكا - رحمه ~~الله - من الفضل فيما انتشر عنه من العلم وإحيائه من الدين بما لا يعلمه ~~إلا الله الذي يؤتي فضله من يشاء وهو ذو الفضل العظيم. # لأن علمه لم ينقطع بموته؛ لأن العلم أخذه عنه من ضرب آباط الإبل إليه فيه ~~كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «وأخذ عمن أخذه عنه خلف عن سلف، فأجره جار ~~عليه إلى يوم القيامة» كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن عمل ابن آدم ~~ينقطع إلا من ثلاث: علم ينتفع به، وصدقة تجري عليه، وولد صالح يدعو له» . ~~ولولا مالك - رحمه الله - ومثله من العلماء؛ لدرس العلم وذهب الدين. # وعمل العمري العابد انقطع بموته إذ كان من يعلمهم العلم بالبوادي لا ~~تتعداهم منفعته، فلا يلحق فضل العبادة بفضل العلم بإجماع من العلماء. فقد ~~قالوا جميعا: إن الرجلين إذا كان أحدهما أعلم والثاني أفضل إن الأعلم أولى ~~بالإمامة ولم يكن ذلك كذلك إلا بزيادة فضل العلم على فضل العمل. # وقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «فضل العالم على ~~العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب» . وقد روي أن العمري ~~العابد المذكور ms1376 كتب إلى مالك - رحمه الله - يحضه على الانفراد للعبادة وترك ~~مجالسة الناس، فكتب إليه مالك - رحمه الله - يقول: إن الله قسم بين عباده ~~الأعمال كما قسم بينهم الأرزاق، فرب رجل فتح له في كذا، ولم يفتح له في ~~كذا، ورب رجل فتح له في كذا، ولم يفتح له في كذا، فعدد أنواع أعمال البر ثم ~~قال: وما أظن ما أنت فيه بأفضل مما أنا فيه، وكلانا على خير إن شاء الله. ### || فصل في فضائل مالك # فصل في # وفضائله أكثر من أن تحصى. منها ما روي أن عبد الرحمن بن القاسم قال: # PageV03P484 # يا أبا عبد الله، ليس بعد أهل المدينة أحد أعلم بالبيوع من أهل مصر. فقال ~~مالك: من أين علموا ذلك؟ فقال: منك يا أبا عبد الله، فقال مالك: ما أعلمها ~~أنا فكيف يعلمونها مني. # وروي عن أبي بكر أحمد بن زهير قال: كان مالك يجلس إلى ربيعة فكانت حلقته ~~في زمن ربيعة مثل حلقة ربيعة وأكثر. وأفتى معه ربيعة عند السلطان. ومن ورعه ~~وفضله توقفه عن كثير مما كان يسأل عنه. # روي عن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: سأل رجل مالك بن أنس عن مسألة وذكر ~~أنهم أرسلوه يسأله عنها من مسيرة ستة أشهر، قال: فأخبر الذي أرسلك أنه لا ~~علم لي بهذا. قال: ومن يعلمها؟ قال: الذي علمه إياها. قال عبد الرحمن: قالت ~~الملائكة: لا علم لنا إلا ما علمتنا وروي عن أبي الهيثم بن جميل قال: شهدت ~~مالك بن أنس سئل عن ثمان وأربعين مسألة قال في اثنتين وثلاثين منها: لا ~~أدري. # وروي عن خالد بن خداش أنه قال: قدمت على مالك من العراق بأربعين مسألة ~~فسألته عنها، فما أجابني إلا في خمس مسائل منها. وروي عنه أنه قال: جنة ~~العالم لا أدري، فإذا أخطأها أصيبت مقاتله. وروى ابن وهب عن مالك قال: سمعت ~~عبد الله بن يزيد يقول ينبغي للعالم أن يورث جلساءه قول لا أدري حتى يكون ~~ذلك أصلا في أيديهم يفزعون إليه، فإذا ms1377 سئل أحدهم عما لا يدري قال: لا أدري. # وقال أبو عمر بن عبد البر: صح عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - أنه قال: ~~لا أدري نصف العلم. وروي عن محمد بن رمح أنه قال: رأيت النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في المنام منذ أكثر من خمسين سنة، فقلت له: يا رسول الله: إن ~~مالكا والليث يختلفان فبأيهما نأخذ؟ قال مالك. # وروى أشهب عن الدراوردي قال: رأيت في منامي أني دخلت مسجد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فوافيت رسول الله يخطب الناس إذ أقبل مالك فدخل من ~~باب المسجد، فلما أبصره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إلي إلي، ~~فأقبل إليه حتى دنا منه، فسل خاتمه من خنصره ووضعه في خنصر مالك. وروي عن ~~مصعب بن عبد الله الزبيري # PageV03P485 # قال: سمعت أبي يقول: كنت جالسا مع مالك بن أنس في مجلس رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - إذ أتاه رجل فقال: أيكم مالك بن أنس؟ قالوا: هذا. فسلم ~~عليه واعتنقه وضمه إلى صدره وقال: لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- البارحة جالسا في هذا الموضع فقال: هاتوا مالكا فأوتي بك ترعد مفاصلك ~~فقال: ليس بك بأس يا أبا عبد الله وكناك وقال: اجلس، فجلست، فقال: افتح ~~حجرك ففتحته فملأه مسكا منثورا، وقال ضمه إليك وبثه في أمتي. قال فبكى مالك ~~وقال: الرؤيا تسر ولا تغر، لئن صدقت رؤياك فهو العلم الذي أودعني الله. # وروي عن عبد السلام بن عمر بن خالد من أهل الإسكندرية قال: رأى رجل في ~~المنام قوما اجتمعوا في جبانة الإسكندرية يرمون في غرض فكلهم يخطئ الغرض، ~~فإذا برجل يرمي ويصيب القرطاس، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا مالك بن أنس. ~~وبالله تعالى التوفيق لا رب غيره ولا معبود سواه. # خاتمة # [تم الجزء الثاني من الجامع وبتمامه كمل جميع الديوان من المقدمات، ~~والحمد لله كثيرا كما هو أهله، وصلى الله على محمد خاتم أنبيائه ورسله، ~~وعلى آدم وما بينهما من النبيين والمرسلين على يد الفقير ms1378 الراجي رحمة ربه ~~كثير الذنوب والخطايا الاسم مشطب عليه الصنهاجي. وكان تمامه في يوم ~~الثلاثاء ما بين الظهر والعصر في شهر ذي قعدة عام ثمانية عشر وسبعمائة، ~~وموافقة من شهور العجم شهر يناير، وذلك في خمسة عشر منه، وذلك في التاريخ ~~المؤرخ به. وصلى الله على محمد] . PageV03P486 ms1379