######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_010572 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: أبو بكر الطرطوشي #META# 010.AuthorNAME :: أبو بكر محمد بن محمد ابن الوليد الفهري الطرطوشي المالكي (المتوفى : 520هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 520 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: سراج الملوك #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب التراث السياسي #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: سراج الملوك #META# 030.LibURI :: JK_010572 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي لم يزل ولا يزال. وهو الكبير المتعال. خالق الأعيان ~~والآثار. ومكور النهار على الليل والليل على النهار. العالم بالخفيات. وما ~~تنطوي عليه الأرضون والسماوات. سواء عنده الجهر والأسرار. ومن هو مستخف ~~بالليل وسارب بالنهار. ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير خلق الخلق ~~بقدرته. وأحكمهم بعلمه وخصهم بمشيئته. ودبرهم بحكمته. لم يكن له في خلقهم ~~معين. ولا في تدبيرهم مشير ولا ظهير. وكيف يستعين من لم يزل بمن لم يكن. ~~ويستظهر من تقدس عن الذل بمن دخل تحت ذيل التكوين. ثم كلفهم معرفته. وجعل ~~علم العالمين بعجزهم عن إدراكه إدراكا لهم. كما جعل إقرار المقرين بوقوف ~~عقولهم عن الإحاطة بحقيقته إيمانا لهم. لا تلزمه لم. ولا يجاوره أين. ولا ~~تلاصقه حيث. ولا تحله ما. ولا تعده كم. ولا تحصره متى. ولا تحيط به كيف. ~~ولا يناله أين. ولا تظله فوق. ولا تقله تحت. ولا يقابله جزء. ولا تزاحمه ~~عند. ولا يأخذه خلف. ولا يحده أمام. ولا تظهره قبل. ولم تفته بعد. ولم ~~تجمعه كل. ولم توجده كان. ولم تفقده ليس. وصفه لا صفة له. وكونه لا أمد له. ~~ولا تخالطه الأشكال والصور. ولا تغيره الآثار والغير. ولا تجوز عليه ~~الحماسة والمقارنة. وتستحيل عليه المحاذاة والمقابلة. إن قلت لم كان فقد ~~سبق العلل ذاته. ومن كان معلولا كان له غيره علة تساويه في الوجود. وهو قبل ~~جميع الأعيان. بل لا علة لأفعاله. فقدرة الله في الأشياء بلا مزاج. وصنعه ~~للأشياء بلا علاج. وعلة كل شيء صنعه ولا علة لصنعه. # وإن قلت، أين هو؟ فقد سبق المكان وجوده. فمن أين الأين. لم يفتقر وجوده ~~إلى أين. هو بعد خلق المكان. غني بنفسه كما كان قبل خلق المكان. وكيف يحل ~~في ما منه بدا. أو يعود إليه ما أنشأ. # وإن قلت ما هو؟ فلا ماهية له. ما موضوعة للسؤال عن الجنس، والقديم تعالى ~~لا جنس له. لأن الجنس مخصوص بمعنى داخل تحت الماهية. # وإن قلت كم ms001 هو؟ فهو واحد في ذاته. متفرد بصفاته. # وإن قلت متى كان؟ فقد سبق الوقت كونه. # وإن قلت كيف هو؟ فمن كيف الكيفية لا يقال له كيف. ومن جازت عليه الكيفية ~~جاز عليه التغيير. # وإن قلت هو. فالهاء والواو خلقه. بل ألزم الكل الحدث كما قال بعض الأشياخ ~~لأن القدم له. فالذي بالجسم ظهوره. فالعرض يلزمه. والذي بالأداة اجتماعه. ~~فقواها تمسكه. والذي يؤلفه وقت. يفرقه وقت. والذي يقيمه غيره. فالضرورة ~~تمسه. والذي الوهم يظفر به. فالتصوير يرتقي إليه. ومن آواه محل. أدركه أين. ~~ومن كان له جنس طالبته كيف. وجوده إثباته. ومعرفته توحيده. وتوحيده تمييزه ~~من خلقه. فما تصور في الأوهام فهو بخلافه. ولا تمثله العيون. ولا تخالطه ~~الظنون. ولا تتصوره الأوهام. ولا تحيط به الأفهام. ولا تقدر قدره الأيام. ~~ولا يحويه مكان. ولا يقارنه زمان. ولا يحصره أمد. ولا يشفعه ولد. ولا يجمعه ~~عدد. قربه كرامته. وبعده إهانته علوه من غير توقل. ومجيئه من غير تنقل. وهو ~~الأول والآخر. والظاهر والباطن. القريب البعيد. الذي ليس كمثله شيء وهو ~~السميع البصير. وأشهد له بالربوبية والوحدانية. وبما شهد به لنفسه من ~~الأسماء الحسنى. والصفات العلى. والنعت الأوفى. ألا له الخلق والأمر. تبارك ~~الله رب العالمين. وأومن به وملائكته وكتبه ورسله. لا نفرق بين أحد من رسله ~~ونحن له مسلمون. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى. وأمينه المرتضى. ~~أرسله إلى كافة الورى بشيرا ونذيرا. وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. ~~صلى الله عليه وعلى أهل بيته الطاهرين. وأصحابه المنتخبين. وأزواجه ~~الطاهرات أمهات المؤمنين. وسلم تسليما. # أما بعد. فإنني لما نظرت في سير الأمم الماضية. والملوك الخالية وما ~~وضعوه من السياسات في تدبير الدول. والتزموه من القوانين في حفظ النحل. ~~وجدت ذلك نوعين: أحكاما وسياسات. PageV01P001 فأما الأحكام المشتملة على ما ~~اعتقدوه من الحلال والحرام والبيوع والأنكحة والطلاق والأجارات ونحوها ~~والرسوم الموضوعة لها والحدود القائمة على من خالف شيئا منها. فأمر اصطلحوا ~~عليه بعقولهم ليس على شيء منه برهان ولا أنزل الله به من سلطان. ms002 ولا أخذوه ~~عن تدبير. ولا اتبعوا فيه رسولا. وإنما هي صادرة عن خدمة النيران. وسدنة ~~بيوت الأصنام. وعبدة الأنداد والأوثان. وليس يعجز أحد من خلق الله عز وجل ~~أن يصنع من تلقاء نفسه أشباهها ومثالها. # وأما السياسات التي وضعوا في التزام تلك الأحكام والذب عنها. والحماية ~~لها. وتعظيم من عظمها. وإهانة من استهان بها وخالفها. فقد ساروا في ذلك ~~بسيرة العدل. وحسن السياسة. وجمع القلوب عليها. والتزام النصفة فيما بينهم ~~على ما توجبه تلك الأحكام. # فكذلك في تدبير الحروب وأمن السبيل، وحفظ الأموال، وصون الأعراض والحرم، ~~كل ذلك قد ساروا فيه بسيرة جميلة لا تنافي العقول شيئا منها لو كانت الأصول ~~صحيحة والقواعد واجبة، فكانوا في حسن سيرتهم لحفظ تلك الأصول الفلسفية كمن ~~زخرف كنيفا أو بنى على ميت قصرا منيفا: # ولو لبس الحمار ثياب خز ... لقال الناس يا لك من حمار # فجمعت محاسن ما انطوت عليه سيرتهم خاصة من ملوك الطوائف وحكماء الدول، ~~فوجدت ذلك في ست من الأمم وهم: العرب، والفرس، والروم، والهند، والسند، ~~والسند هند. # فأما ملوك الصين وحكماؤها فلم يبلغ إلى أرض العرب من سياساتهم كبير شيء ~~لبعد الشقة وطول المسافة. # وأما من عدا هؤلاء من الأمم فلم يكونوا أهل حكم بارعة، وقرائح نافذة، ~~وأذهان ثاقبة. وإنما صدر عنهم الشيء اليسير من الحكمة. فنظمت ما ألفيت في ~~كتبهم من الحكمة البالغة، والسير المستحسنة، والكلمة اللطيفة، والطريقة ~~المألوفة، والتوقيع الجميل، والأثر النبيل، إلى ما رويته وجمعته من سير ~~الأنبياء عليهم السلام، وآثار الأولياء، وبراعة العلماء، وحكمة الحكماء، ~~ونوادر الخلفاء، وما انطوى عليه القرآن العزيز الذي هو بحر العلوم، وينبوع ~~الحكم، ومعدن السياسات، ومغاص الجواهر المكنونات. # وقد رأيت أن أختصر لمحة دالة، وإشارة خفيفة. فإن طال فألفاظ بارعة، وآيات ~~معجزة، وهو الهادي من الضلالة والحاوي لمحاسن الدنيا وفضائل الآخرة. ورتبته ~~ترتيبا أنيقا، وترجمته تراجم بارعة، وحاوية لمقاطع ناطقة بحكمها أو ~~مضمونها، تلج الأذن من غير إذن، وتتولج التامور من غير استثمار. ألفاظها ~~قوالب لمعانيها، ليس ألفاظها إلى السمع ms003 بأسرع من معانيها إلى القلب. # فانتظم الكتاب بحمد الله وعونه وأحكمته غاية في بابه، غريبا في فنونه ~~وأسبابه، خفيف المحمل، كثير الفائدة لم تسبق إلى مثله أقلام العلماء، ولا ~~جالت في نظمه أفكار الفضلاء، ولا حوته خزائن الملوك والرؤساء. فلا يسمع به ~~ملك إلا استكتبه ولا وزيرا إلا استصحبه، ولا رئيس إلا استحسنه واستوسده ~~عصمة لمن عمل به من الملوك وأهل الرياسة، وجنة لمن تحصن به من أولى الأمرة ~~والسياسة، وجمال لمن تحلى به من أهل الآداب والمحاضرة، وعنوان لمن فاوض به ~~من أهل المجالسة والمذاكرة. وسميته سراج الملوك، يستغني الحكيم بدراسته عن ~~مصاحبة الحكماء، والملك عن مشاورة الوزراء. # واعلموا، وفقكم الله إن أحق من أهديت إليه الحكم، وأوصلت إليه النصائح، ~~وحملت إليه العلوم، من آتاه الله سلطانا فنفذ في الخلق حكمه وجاز عليهم ~~قوله. ولما رأيت الأجل المأمون تاج الخلافة، عز الإسلام، فخر الأيام، نظام ~~الدين، خالصة أمير المؤمنين، أبا عبد الله محمد الآمري أدام الله لإعزاز ~~الدين نصره، وأنفذ في العالمين بالحق أمره، وأوزع كافة الخلق شكره، وكفاهم ~~محذوره وضره. قد تفضل الله تعالى به على المسلمين فبسط فيهم يده، ونشر في ~~مصالح أحوالهم كلمته، وعرف الخاص والعام يمنه وبركته. وتقلد أمور الرعية، ~~وسار فيهم على أحسن قضية، متحريا للصواب، راغبا في الثواب، طالبا سبل ~~العدل، ومناهج الإنصاف والفضل. رغبت أن أخصه بهذا الكتاب رجاء لطف الله ~~تعالى في يوم تجد كل نفس ما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا، ~~ولتذكر فضائله ومحاسنه ما بقي الدهر: # الناس يهدون على قدرهم ... لكنني أهدي على قدري # يهدون ما يفنى فأهدي الذي ... يبقى على الأيام والدهر PageV01P002 فإن ~~العلم عصمة الملوك والأمراء، ومعقل السلاطين والوزراء لأنه يمنعهم من ~~الظلم، ويردهم إلى الحلم، ويصدهم عن الأذية، ويعطفهم على الرعية. فمن حقهم ~~أن يعرفوا حقه، ويكرموا حملته، ويستنبطوا أهله، وما توفيقنا إلا بالله. # الباب الأول # في مواعظ الملوك # لقد خاب وخسر من كان حظه من الله الدنيا. اعلم أيها الرجل، ms004 وكلنا ذلك ~~الرجل، أن عقول الملوك وإن كانت كبارا إلا أنها مستغرقة بكثرة الأشغال ~~فتستدعي من الموعظة ما يتولج على تلك الأفكار، ويتغلغل في مكامن الأسرار، ~~فيرفع تلك الأستار ويفك تلك الأكنة والأقفال، ويصقل ذلك الصدأ والران؛ قال ~~الله تعالى: " قل متاع الدنيا قليل " النساء77. فوصف الله تعالى جميع متاع ~~الدنيا بأنها متاع قليل. وأنت تعلم أنك ما أوتيت من ذلك القليل إلا قليلا، ~~ثم ذلك القليل إن تمتعت به ولم تعص الله فيه فهو لهو ولعب وزينة. قال الله ~~تعالى: " اعلموا إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة " الحديد: 20. ثم قال: ~~" وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون " العنكبوت: 64. فلا تبتع ~~أيها العاقل لهوا قليلا يفنى بحياة الأبد حياة لا تفنى وشباب لا يبلى، كما ~~قال الفضيل رحمه الله تعالى: لو كانت الدنيا ذهب يفنى، وكانت الآخرة خزفا ~~يبقى، لوجب أن نختار خزفا يبقى على ذهب يفنى، فكيف وقد اخترنا خزفا يفنى ~~على ذهب يبقى؟ تأمل بعقلك هل آتاك الله تعالى من الدنيا ما آتى سليمان بن ~~داود عليهما السلام، حيث آتاه ملك جميع الدنيا والإنس والجن والطير والوحش ~~والريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب، ثم زاده الله تعالى ما هو خير منها فقال ~~له تعالى: " هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب " ص: 39. فوالله ما عدها ~~نعمة كما عددتموها، ولا حسبها كرامة كما حسبتموها، بل قال عند ذلك: هذا من ~~فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر. وهذا فصل الخطاب لمن تدبره أن يقول له ربه ~~في معرض المنة: " هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب " . ثم خاف سليمان ~~عليه السلام أن يكون استدراجا من حيث لا يعلم. هذا وقد قال لك ولسائر أهل ~~الدنيا: " فوربك لنسئلنهم أجمعين عما كانوا يعملون " الحجر: 92و93. وقال: " ~~وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين " الأنبياء:47. # تأمل بعقلك إلى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لو كانت ~~الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى ms005 كافرا منها شربة ماء! وألق سمعك إلى ~~ما نزل به جبريل على محمد عليه السلام، فقال: يا محمد، إن الله تعالى يقول ~~لك عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي ~~به. فانظر إلى ما اشتملت عليه هذه الكلمات من صرعة الموت وفراق الأحبة ~~والجزاء على الأعمال، فلو لم ينزل من السماء غيرها لكانت كافية. # انظر بفهمك إلى ما رواه الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بمنزل قوم ~~قد ارتحلوا عنه، وإذا طلى مطروح فقال: أترون هذا هان على أهله؟ فقالوا: من ~~هوانه عليهم ألقوه. قال: فو الذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذا ~~على أهله. فجعل الدنيا أهون على الله من الجيفة المطروحة. وقال أبو هريرة: ~~قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أريك الدنيا جمعا بما فيها؟ قلت: ~~بلى. قال، فأخذ بيدي وأتى بي إلى واد من أودية المدينة، فإذا مزبلة فيها ~~رؤوس الناس وعذرات وخرق بالية وعظام البهائم، ثم قال: يا أبا هريرة هذه ~~الرؤوس كانت تحرص حرصكم وتأمل آمالكم، ثم هي اليوم تساقط جلدا بلا عظم ثم ~~هي صائرة رمادا رمددا، وهذه العذرات ألوان أطعمتهم اكتسبوها من حيث ~~اكتسبوها وقذفوها في بطونهم فأصبحت والناس يتحامونها، وهذه الخرق البالية ~~رياشهم ولباسهم ثم أصبحت والرياح تصفقها، وهذه العظام عظام دوابهم التي ~~كانوا ينتجعون عليها أطراف البلاد فمن كان باكيا على الدنيا فليبك! فما ~~برحنا حتى أشتد بكاؤنا. # وقال ابن عمر: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض جسدي فقال: يا عبد ~~الله كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل واعدد نفسك في الموتى. أيها ~~الرجل، إن كنت لا تدري متى يفاجئك الأجل فلا تغتر بطول الأمل، فإنه يقسي ~~القلب ويفسد العمل، وقد غير الله أقواما مد لهم في الأجل فقست منهم القلوب، ~~وطال منهم الأمل، فقال: PageV01P003 " ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم ~~لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب ms006 من قبل فطال ~~عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون " الحديد:16. # أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ... ولم تخف سوء ما يأتي به القدر # وسالمتك الليالي فاغتررت بها ... وعند صفو الليالي يحدث الكدر # يا أيها الرجل ألق سمعك وأعرني لبك. # فإن كنت لا تدري متى الموت فاعلمن ... بأنك لا تبقى إلى آخر الدهر # أين آدم أبو الأولين والآخرين؟ أين نوح شيخ المرسلين؟ أين إدريس رفيع رب ~~العالمين؟ أين إبراهيم خليل الرحمن الرحيم؟ أين موسى الكليم من بين سائر ~~النبيين والمرسلين؟ أين عيسى روح الله وكلمته رأس الزاهدين وإمام السائحين؟ ~~أين محمد خاتم النبيين؟ أين أصحابه الأبرار المنتخبون؟ أين الأمم الماضية؟ ~~أين الملوك السالفة؟ أين القرون الخالية؟ أين الذين نصبت على مفارقهم ~~التيجان؟ أين الذين اعتزوا بالأجناد والسلطان؟ أين أصحاب السطوة والولايات؟ ~~أين الذين خفقت على رؤوسهم الألوية والرايات؟ أين الذين قادوا الجيوش ~~والعساكر؟ أين الذين عمروا القصور والدساكر؟ أين الذين أعطوا النصر في ~~مواطن الحروب والمواقف؟ أين الذين اقتحموا المخاطر والمخاوف؟ أين الذين ~~دانت لهم المشارق والمغارب؟ أين الذين تمتعوا في اللذات والمآرب؟ أين الذين ~~تاهوا على الخلائق كبرا وعتيا؟ أين الذين استلانوا الملابس أثاثا ورئيا؟ " ~~وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا؟ " مريم: 74. أين الذين ملأوا ~~ما بين الخافقين عزا؟ أين الذين فرشوا القصور خزا وقزا؟ أين الذين تضعضعت ~~لهم الأرض هيبة وهزا؟ أين الذين استذلوا العباد قهرا ولزا؟ " هل تحس منهم ~~من أحد أو تسمع لهم ركزا؟ " مريم: 98. أفناهم والله مفني الأمم وأبادهم ~~مبيد الرمم، وأخرجهم من سعة القصور وأسكنهم ضنك القبور، تحت الجنادل ~~والصخور، فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم فعاث الدود في أجسامهم، واتخذ مقيلا ~~في أبدانهم، فسالت العيون على الخدود وامتلأت تلك الأفواه بالدود، وتساقطت ~~الأعضاء وتمزقت الجلود، وتناثرت اللحوم وتقطعت البطون، فلم ينفعهم ما جمعوا ~~ولا أغنى عنهم ما كسبوا، أسلمك الأحبة والأولياء وهجرك الأخوان والأصفياء ~~ونسيك القرباء والبعداء. فأنسيت ولو نطقت لأنشدت قولنا عن سكان الثرى ~~ورهائن الترب والبلى: شعر # مقيم بالحجون رهين ms007 رمس ... وأهلي رائحون بكل واد # كأني لم أكن لهم حبيبا ... ولا كانوا الأحبة في السواد # فعوجوا بالسلام فإن أبيتم ... فأوموا بالسلام على بعاد # فإن طال المدى وصفا خليل ... سوانا فاذكروا صفو الوداد # وذاك أقل ما لك من حبيب ... وآخره إلى يوم التناد # فلو أنا بموقفكم وقفنا ... سقينا الترب من مهج الفؤاد # وقال مكرم بن يوسف العابد: أوحى الله تعالى إلى نبي من أنبياء بني ~~إسرائيل: أن قف على المدائن والحصون وأبلغهم عني حرفين: لا يأكلوا إلا طيبا ~~ولا يتكلموا إلا بالحق. ولما دخل يزيد الرقاشي على عمر بن عبد العزيز قال: ~~عظني يا يزيد! فقال: يا أمير المؤمنين، اعلم ما أنت أول خليفة يموت! فبكى ~~عمر وقال: زدني يا يزيد. فقال: يا أمير المؤمنين ليس بينك وبين آدم إلا أب ~~ميت! فبكى وقال: زدني يا يزيد. فقال: يا أمير المؤمنين ليس بينك وبين الموت ~~موعد. فبكى وقال: زدني يا يزيد. فقال: يا أمير المؤمنين ليس بين الجنة ~~والنار منزل! فسقط مغشيا عليه. # يا أيها الرجل لا تغفل عن ذكر ما تتيقنه من وجوب الفناء وتقضي المسار ~~وذهاب اللذات، وانقضاء الشهوات وبقاء التبعات وانقلابها حسرات، وإن الدنيا ~~دار من لا دار له ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له وعليها يعادي ~~من لا علم له، وعليها يحسد من لا فقه له؛ من صح فيها سقم ومن سلم فيها برم، ~~ومن افتقر فيها حزن ومن استغنى فيها فتن؛ حلالها حساب وحرامها عقاب ~~ومتشابهها عتاب، من ساعاها فاتته ومن قعد عنها أتته، ومن نظر إليها أعمته ~~ومن تبصر بها بصرته، لا خيرها يدوم ولا سرورها يبقى ولا فيها المخلوق بقا. ~~PageV01P004 يا أيها الرجل لا تخدعن كما خدع من قبلك، فإن الذي أصبحت فيه ~~من النعم إنما صار إليك بموت من كان قبلك، وهو خارج من يدك مثل ما صار ~~إليك، فلو بقيت الدنيا للعالم لم تصر للجاهل، ولو بقيت للأول لم تنتقل ~~للآخر. يا أيها الرجل لو كانت الدنيا ms008 كلها ذهبا وفضة، ثم سلمت عليك ~~بالخلافة وألقت إليك مقاليدها وأفلاذ كبدها، ثم كنت طريدة للموت ما كان ~~ينبغي لك أن تهنأ بعيش، ولا فخر فيما يزول ولا غنى فيما يفنى، وهل الدنيا ~~إلا كما قال الأول: قدر يغلي وكنيف يملأ؟ وكما قال الشاعر: # ولقد سألت الدار عن أخبارهم ... فتمايلت عجبا ولم تبدي # حتى مررت على الكنيف فقال لي ... أموالهم ونوالهم عندي! # ولقد أصاب ابن السماك لما قال له الرشيد: يا ابن السماك عظني، وبيده شربة ~~من ماء، فقال: يا أمير المؤمنين أرأيت لو حبست عنك هذه الشربة أكنت تفديها ~~بملكك؟ قال: نعم. قال: يا أمير المؤمنين أرأيت لو حبس عنك خروجها أكنت ~~تفديها بملكك؟ قال: نعم. قال: فلا خير في ملك لا يساوي شربة ولا بولة! يا ~~أيها الشاب لا تغتر بشبابك فإن أكثر من يموت الشباب. والدليل عليه أن أقل ~~الناس الشيوخ. يا أيها الشاب كم من جمل في التنور وأبوه يرعى؟ وكم من طفل ~~في التراب وجده يحيا؟ وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لأسقف قد أسلم: ~~عظني. فقال: يا أمير المؤمنين إن كان الله عليك فمن ترجو؟ قال: أحسنت ~~فزدني. قال: إن كان الله معك فمن تخاف؟ قال: أحسنت فزدني. قال: أحسب أن ~~الله قد غفر للمذنبين، أليس قد فاتهم ثواب المحسنين؟ قال: حسبي حسبي وبكى ~~علي أربعين صباحا. وقال الحسن: قدم صعصعة يعني عم الفرزدق على النبي صلى ~~الله عليه وسلم فسمعه يقرأ: " فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ~~ذرة شرا يره " الزلزلة: 7و8. فقال: حسبي حسبي لا أبالي أن لا أسمع آية ~~غيرها. وقال سليمان بن عبد الملك الحميد الطويل: عظني. فقال: إن كنت قد ~~عصيت الله وظننت أنه يراك فلقد اجترأت على رب عظيم، وإن كنت تظن أنه لا ~~يراك فلقد كفرت برب كريم. # وكتب علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى سليمان: إنما مثل الدنيا كمثل ~~الحية لين لمسها ويقتل سمها، فأعرض عنها وعن ما يعجبك ms009 منها لقلة ما يصحبك ~~منها، ودع عنك همومها لما تيقنت من فراقها، وكن أسر ما تكون فيها أحذر ما ~~تكره منها، فإن صاحبها كلما اطمأن فيها إلى سرور أشخص منها إلى مكروه. وقال ~~أبو العتاهية: # هي الدار دار الأذى والقذى ... ودار الغرور ودار الغير # فلو نلتها بحذافيرها ... لمت ولم تقض منها الوطر # أيا من يؤمل طول الحياة ... وطول الحياة عليه خطر # إذا ما كبرت وبان الشباب ... فلا خير في العيش بعد الكبر # ولما بلغ مردك من الدنيا أفضل ما سمت إليه نفسه ورقت إليه همته، رفضها ~~ونبذها وقال: هذا سرور لولا أنه غرور، ونعيم لولا أنه عديم، وملك لولا أنه ~~هلك، وغنى لولا أنه فناء، وجسيم لولا أنه ذميم، ومحمود لولا أنه مفقود، ~~وغناء لولا أنه منا، وارتفاع لولا أنه اتضاع، وعلا لولا أنه بلا، وحسن لولا ~~أنه حزن، وهو يوم لو وثق له بغد. يا أيها الرجل لا تكن كالمنخل يرسل أطيب ~~ما فيه ويمسك الحثالة. واعلم أن من قسا قلبه لا يقبل الحق وإن كثرت دلائله، ~~قال الله تعالى: " فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته ~~لعلكم تعقلون. ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة " . # وذلك أن كثرة الذنوب مانعة من قبول الحق للقلوب وولوج المواعظ فيها. قال ~~الله تعالى: " كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون " المطففين: 14، أي ~~غطاها وغشيها فلا تقبل خيرا ولا تصلح لموعظة. # جاء في التفسير: إذا أذنب العبد ذنبا نكتت في قلبه نكتة سوداء، ثم إذا ~~أذنب نكتت في قلبه نكتة سوداء، ثم كلما أذنب نكتت نكتة سوداء حتى يسود ~~القلب. وقال حذيفة: القلب كالكف فإذا أذنب العبد انقبض وقبض إصبعا، ثم إذا ~~أذنب انقبض وقبض إصبعا أخرى، ثم كذلك في الثالث والرابع حتى ينقبض الكف كله ~~ثم يطبع الله عليه، وذلك هو الران. # وقال بكر بن عبد الله: PageV01P005 إذا أذنب العبد صار في قلبه كوخز ~~الإبرة، ثم كلما أذنب صار فيه كوخز الإبرة، ثم كلما ms010 أذنب صار فيه كوخز ~~الإبرة حتى يعود القلب كالمنخل. وقال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يموت ~~القلب. وقال ابن شبرمة: إذا كان البدن سقيما لم ينفعه الطعام، وإذا كان ~~القلب مغرما بحب الدنيا لم تنفعه الموعظة. وقد قيل: # إذا قسا القلب لم تنفعه موعظة ... كالأرض إن سبحت لم ينفع المطر # ويروي أن أبا العتاهية مر بدكان وراق، فإذا كتاب فيه بيت من الشعر: # لن ترجع الأنفس عن غيها ... ما لم يكن منها لها زاجر # فقال: لمن هذا؟ فقيل: لأبي نواس. فقال: وددت أنه لي بنصف شعري! وقال ~~الأصمعي: إن النعمان بن امرئ القيس الأكبر الذي بنى الخورنق أشرف على ~~الخورنق يوما، فأعجبه ما أوتي من الملك والسعة ونفوذ الأمر وإقبال الوجوه ~~عليه، فقال لأصحابه: هل أوتي أحد مثل ما أوتيت؟ فقال له حكيم من حكماء ~~أصحابه: أهذا الذي أوتيت شيء لم يزل ولا يزول، أم شيء كان لمن قبلك زال عنه ~~وصار إليك؟ قال: بل شيء كان لمن قبلي زال عنه وصار إلي وسيزول عني! قال ~~فسررت بشيء تذهب عنك لذته وتبقى تبعته! قال: فأين المهرب؟ قال: إما إن تقيم ~~وتعمل بطاعة الله، أو تلبس أمساحا وتلحق بجبل تعبد ربك فيه وتفر من الناس ~~حتى يأتيك أجلك. قال: فإذا فعلت ذلك فما لي؟ قال: حياة لا تموت وشباب لا ~~يهرم، وصحة لا تسقم وملك جديد لا يبلى. قال: فأي خير فيما يفنى؟ والله ~~لأطلبن عيشا لا يزول أبدا! فانخلع من ملكه ولبس الأمساح وساح في الأرض، ~~وتبعه الحكيم وجعلا يسيحان ويعبدان الله تعالى حتى ماتا؛ وفيه يقول عدي بن ~~زيد: # سر رب الخورنق إذ أص ... بح يوما وللهدى تذكير # غره ماله وكثرة ما يم ... لك والبحر معرضا والسدير # فارعوى قبله وقال فما غب ... طة حي إلى الممات يصير؟ # أين كسرى كسرى الملوك أنوشر ... وان أم أين قبله سابور؟ # وبنو الأصفر ملوك ال ... روم لم يبق منهم مذكور # لم يهبه ريب المنون فباد ال ... ملك عنه فبابه مهجور # وفيهم أيضا ms011 يقول الأسود بن يعفر: # ولقد علمت سوى الذي نبأتني ... أن السبيل سبيل ذي الأعواد # ماذا أؤمل أل محرق ... تركوا منازلهم وبعد إياد؟ # أرض الخورنق والسدير وبارق ... والقصر ذي الشرفات مع سنداد # نزلوا يسيل عليهم ... ماء الفرات يجيء من أطواد # جرت الرياح على محل ديارهم ... فكأنما كانوا على ميعاد # فأرى النعيم وكل ما يلهى به ... يوما يصير إلى بلى ونفاد # وقال وهب بن منبه: أصبت على غمدان وهو قصر سيف بن ذي يزن بأرض صنعاء ~~اليمن، وكان من الملوك الأجلة مكتوبا بالقلم المسند فترجم العربية، فإذا هي ~~أبيات جليلة وموعظة عظيمة: # باتوا على قلل الأجبال تحرسهم ... غلب الرجال فلم تنفعهم القلل # واستنزلوا من أعالي معقلهم ... فأسكنوا حفرا يا بئس ما نزلوا! # ناداهم صارخ من بعد ما دفنوا: ... أين الأسرة والتيجان والحلل؟ # أين الوجوه التي كانت محجبة ... من دونها تضرب الأستار والكلل؟ # فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم: ... تلك الوجوه عليها الدود يقتتل # قد طالما أكلوا يوما وما شربوا ... فأصبحوا بعد ذاك الأكل قد أكلوا! # قال شيخنا رحمه الله: قرئ على القاضي أبي الوليد الباجي وأنا أسمع لبعض ~~الشعراء: # ويحك يا أسماء ما شاني ... أضللني والله ما ساني! # الموت حق فاعلمي نازل ... فبشري لحدي وأكفاني # قد كنت ذا مال فلا والذي ... أعطاني العيش وأغناني # ما قرت العين به ساعة ... إلا تذكرت فأشجاني # علمي بأني صائر للبلى ... وفاقد أهلي وجيراني # وتارك مالي على حاله ... نهبا لشيطان بن شيطان PageV01P006 لامرأة ابني ~~أو لزوج ابنتي ... يا لك من غي وخسران! # يسعد في مالي وأشقى به ... قوم ذوو غل وشنان # إن أحسنوا كان لهم أجره ... وخف من ذلك ميزاني # وممن استبصر من أبناء الملوك، فرأى عيب الدنيا وفناءها وتقضيها وزوالها، ~~إبراهيم بن أدهم بن منصور من أبناء ملوك خراسان من كورة بلخ، ولما زهد في ~~الدنيا زهد عن ثمانين سريرا. قال إبراهيم بن بشار: سألت إبراهيم بن أدهم ~~كيف كان بدء أمرك حتى صرت إلى هذا؟ قال: غير هذا أولى بك! قلت: يرحمك الله ~~لعل الله ينفعني ms012 به يوما ما. ثم سألته ثانية فقال: ويحك اشتغل بالله ~~سبحانه! ثم سألته ثالثة فقلت: إن رأيت يرحمك الله أن تخبرني به لعل الله أن ~~ينفعني به. فقال: كان أبي من ملوك خراسان وكان من المياسير وكان قد حبب إلي ~~الصيد، فبينما أنا راكب فرسا ومعي كلبي، فأثرت أرنبا أو ثعلبا، فحركت فرسي ~~فسمعت نداء من ورائي: يا إبراهيم ليس لهذا خلقت ولا بهذا أمرت! فوقفت أنظر ~~يمنة ويسرة فلم أر أحدا فقلت في نفسي: لعن الله الشيطان، ثم حركت فرسي ~~فسمعت نداء أقوى من الأول: يا إبراهيم ليس لهذا خلقت ولا بهذا أمرت! فوقفت ~~مقشعرا وجعلت أنظر يمنة ويسرة فلم أر شيئا فقلت: لعن الله إبليس! ثم حركت ~~فرسي فسمعت نداء من قربوس سرجي: يا إبراهيم ليس لهذا خلقت ولا بهذا أمرت! ~~فوقفت وقلت: هيهات قد جاءني النذير من رب العالمين، والله لا عصيت ربي ما ~~عصمني بعد يومي هذا! فتوجهت إلى أهلي وخلفت فرسي، وجئت إلى بعض رعاة أبي ~~فأخذت جبته وكساءه وألقيت إليه ثيابي، فلم تزل أرض تقلني وأرض تضعني، حتى ~~صرت إلى العراق وعملت بها أياما فلم يصف لي شيء من الحلال، فسألت المشايخ ~~عن الحلال، فقال: عليك بالشام. قال: فانصرفت إلى الشام إلى مدينة يقال لها ~~المنصورية وهي المصيصة، فعملت بها أياما فلم يصف لي منها شيء من الحلال، ~~فسألت بعض المشايخ فقال: إن أردت الحلال فعليك بطرطوس، فإن العمل بها ~~والمباحات كثير. قال: فبينما أنا قاعد على باب البحر إذ جاءني رجل فاكتراني ~~أنظر له بستانا، فتوجهت معه فمكثت في البستان أياما كثيرة، فإذا بخادم قد ~~أظلل ومعه أصحاب له، ولو علمت أن البستان لخادم ما نظرته، فقعد في مجلسه ثم ~~قال: يا ناظورنا. فأجبته، قال: اذهب فأتنا بأكبر رمان تقدر عليه وأطيبه. ~~فأتيته برمان فأخذ الخادم رمانة فكسرها فوجدها حامضة، فقال: يا ناظورنا أنت ~~منذ كذا وكذا في بستاننا تأكل من فاكهتنا ورماننا لا تعرف الحلو من الحامض؟ ~~قلت: والله ما أكلت من ms013 فاكهتكم شيئا وما أعرف الحلو من الحامض! قال: فغمز ~~الخادم أصحابه وقال: ألا تعجبون من هذا؟ ثم قال لي: لو كنت إبراهيم بن أدهم ~~ما زاد على هذا! فلما كان من الغد حدث الناس في المسجد بالصفة، فجاء الناس ~~عنقا إلى البستان، فلما رأيت كثرة الناس اختبأت والناس داخلون وأنا هارب ~~منهم. وكان إبراهيم بن أدهم يأكل من عمل يده مثل الحصاد وحفظ البساتين ~~والعمل في الطين. وكان يوما يحفظ كرما فمر به جندي فقال: أعطنا من هذا ~~العنب. فقال: ما أمرني صاحبه. فأخذ يضربه بالسوط فطأطأ رأسه وقال: اضرب ~~رأسا طالما عصى الله. فانحجز الرجل ومضى. وقال سهل بن إبراهيم: صحبت ~~إبراهيم بن أدهم فمرضت فأنفق علي نفقته، فاشتهيت شهوة فباع حماره وأنفق ~~علي، فلما تماثلت قلت: يا إبراهيم أين الحمار؟ فقال: بعته. قلت: فعلام ~~أركب؟ قال: يا أخي على عنقي! قال: فحملني ثلاث منازل رحمه الله. وأنشدوا: # أيها المرء إن دنياك بحر ... طافح موجه فلا تأمننها # وسبيل النجاة فيها منير ... وهو أخذ الكفاف والقوت منها PageV01P007 ~~وبلغني أن بالهند يوما يخرج الناس فيه إلى البرية فلا يبقى في البلد بشر من ~~طين: لا شيخ كبير ولا مولود صغير، وهذا اليوم يكون بعد انقراض مائة سنة من ~~يوم مثله، فإذا اجتمع الخلائق في صعيد واحد نادى منادي الملك، لا تصعدون ~~هذا الحجر الحجر هناك منصوب إلا من حضر في المجمع الأول الذي قد خلا من ~~مائة سنة، فربما جاء الشيخ الهرم الذي قد ذهبت قوته وعمي بصره وفني شبابه، ~~وتجيء العجوز تزحف لم يبق منها إلا رسمها وقد أخنى الدهر عليها، فيصعدان ~~على الحجر الذي هناك، وربما لم يجئ أحد وقد يكون قد فنى القرن بأسره. ويقول ~~الشيخ: قد حضرت المجمع الأول منذ مائة سنة وأنا طفل صغير، وكان الملك ~~فلانا، ويصف الجيوش الماضية والأمم الخالية وكيف طحنهم البلى، وصاروا تحت ~~أطباق الثرى، ويقوم خطيبهم فيعظ الناس ويذكرهم صرعة الموت وحسرة الفوت، ~~فيبكي الناس ويتوبون من المظالم، ويكثرون الصدقات ويخرجون ms014 عن التبعات ~~ويصلحون على ذلك مدة. # وقال وهب بن منبه: صحب رجل بعض الرهبان سبعة أيام ليستفيد منه شيئا، ~~فوجده مشغولا بذكر الله تعالى والفكر لا يفتر، فالتفت إليه في اليوم السابع ~~فقال: يا هذا قد علمت ما تريد، حب الدنيا رأس كل خطيئة والزهد رأس كل خير ~~والتوفيق تاج كل خير، فاحذر رأس كل خطيئة وارغب في رأس كل خير، وتضرع إلى ~~ربك أن يهب لك تاج كل خير. قال: فكيف أعرف ذلك؟ قال: كان جدي رجلا من ~~الحكماء قد شبه الدنيا بسبعة أشياء: فشبهها بالماء الملح يغر ولا يروي ويضر ~~ولا ينفع، وبالبرق الخلب يغر ولا ينفع، وبسحاب الصيف يمر ولا ينفع، وبظل ~~الغمام يغر ولا يخذل، وبزهر الربيع ينضر ثم يصفر فتراه هشيما، وبأحلام ~~النائم يرى السرور في منامه فإذا استيقظ لم يكن في يده إلا الحسرة، وبالعسل ~~المشوب بالسم الزعاف يغر ويقتل. # فتدبرت هذه الأحرف السبعة سبعين سنة، ثم زدت حرفا واحدا فشبهتها بالغول ~~التي تهلك من أجابها وتترك من أعرض عنها، فرأيت جدي في المنام فقال لي: يا ~~بني أشهد أنك مني وأنا منك، وهي والله كالغول التي تهلك من أجابها وتترك من ~~أعرض عنها! قلت: فبأي شيء يكون الزهد في الدنيا؟ قال: باليقين، واليقين ~~بالبصر، والبصر بالعين، والعين بالفكر. ثم وقف الراهب فقال: خذها منا فلا ~~أراك خلفي إلا متجردا بفعل دون قول، فكان ذلك آخر العهد به. قلت: قد وصف ~~الله الدنيا وأهلها بصفة أعم من هذه الصفة، فقال سبحانه وتعالى: " اعلموا ~~أن الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد ~~كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة ~~عذاب شديد " الحديد: 20. # والكفار هاهنا: الزراع، فكما أن الزرع يكون في أول نباته خضرا ناعما ~~اهتزت به الأرض بعد يبسها، فجاءت في العيون كأملح ما يكون، ثم يهيج فتراه ~~مصفرا أي يكبر ويستوي فيجف ويحترق وينتكس أعلاه ويستغل سنبله، ثم يدرس ~~فيكون حطاما أي تبنا ms015 فيكون متكسرا متقطعا. وهذا مثل ضربه الله تعالى لبني ~~آدم إذ كانوا أطفالا أول الولادة وفي حال الشبوبية كأحسن مرئي، يعجبون ~~الآباء ويفتنون ذوي الأحلام والنهى، ثم يكبرون فيصيرون شيوخا منكسة رؤوسهم ~~مقوسة ظهورهم، قد ذهب حسنهم ونعومتهم وفني شبابهم وجمالهم، وذوت غضارتهم ~~ونضارتهم، واستولى عليهم الهرم واليبس، ثم يموتون فيصيرون حطاما في القبور ~~كالتبن في الجرين. هذا بعدما وصفها بخمس صفات مذمومة: لعب ولهو وزينة ~~وتفاخر وتكاثر. # وكان الصدر الأول يسمي الدنيا خنزيرا، ولو وجدوا لها اسما أقبح منه ~~لسموها به. وكانوا يسمونها أم دفر، والدفر: النتن. وقال مالك بن أنس رضي ~~الله عنه: بلغني أن ملكا من ملوك بني إسرائيل ركب يوما في زي عظيم، فتشرف ~~له الناس ينظرون إليه أفواجا، حتى مر برجل يعمل شيئا مكبا عليه لا يلتفت ~~إليه ولا يرفع رأسه، فوقف الملك عليه وقال: كل الناس ينظرون إلي إلا أنت! ~~فقال الرجل: إني رأيت ملكا مثلك وكان على هذه القرية، فمات هو ومسكين فدفن ~~إلى جانبه في يوم واحد، وكنا نعرفهما في الدنيا بأجسادهما ثم كنا نعرفهما ~~بقبريهما، ثم نسفت الريح قبريهما وكشفت عنهما، فاختلطت عظامهما فلم أعرف ~~الملك من المسكين، فلذلك أقبلت على عملي وتركت النظر إليك. وقد قيل في ~~المعنى: PageV01P008 وحقك لو كشفت الترب عنهم ... لما عرف الغني من الفقير # ولا من كان يلبس ثوب شعر ... ولا البدن المنعم بالحرير # وروى أن داود عليه السلام، بينما هو يسيح في الجبال إذ أوفى على غار، ~~فنظر إليه فإذا فيه رجل عظيم من بني آدم، وإذا عند رأسه حجر مكتوب بكتاب ~~محفور فيه: أنا دوسوم الملك ملكت ألف عام، وفتحت ألف مدينة، وهزمت ألف جيش، ~~وافترعت ألف بكر من بنات الملوك، ثم صرت إلى ما ترى فصار التراب فراشي ~~والحجارة وسادي، فمن رآني فلا تغرنه الدنيا كما غرتني. وقال وهب بن منبه ~~رضي الله عنه: خرج عيسى عليه السلام يوما مع جماعة من أصحابه، فلما ارتفع ~~النهار، مروا بزرع قد أمكن من الفرك فقالوا: ms016 يا رسول الله إنا جياع. فأوحى ~~الله تعالى إليه أن ائذن لهم في قوتهم، فأذن لهم فتفرقوا في الزرع يفركون ~~ويأكلون، فبينما هم كذلك إذ جاء صاحب الزرع وهو يقول: زرعي وأرضي ورثته عن ~~آبائي، بإذن من تأكلون يا هؤلاء؟ قال:فدعا عيسى ربه فبعث الله تعالى جميع ~~من ملك تلك الأرض من لدن آدم إلى ساعته، فإذا عند كل سنبلة أو ما شاء الله ~~رجل أو امرأة كل ينادي زرعي وأرضي ورثته عن آبائي! ففزع الرجل منهم، وكان ~~قد بلغه أمر عيسى وهو لا يعرفه، فلما عرفه قال: معذرة إليك يا رسول الله! ~~إني لم أعرفك، زرعي ومالي لك حلال! فبكى عيسى عليه السلام وقال: ويحك هؤلاء ~~كلهم قد ورثوا الأرض وعمروها، ثم ارتحلوا عنها وأنت مرتحل عنها وبهم لاحق، ~~ليس لك أرض ولا مال! وقال أبو العتاهية: # وعظتك أجداث صمت ... ونعتك أزمنة خفت # وتكلمت عن أوجه ... تبلى وعن صور سكت # وأرتك قبرك في القبو ... ر وأنت حي لم تمت # يا شامتا بمنيتي ... إن المنية لم تمت # ولربما انقلب الزما ... ن فحل بالقوم الشمت # وروى أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما رأى فاطمة رضي الله عنها مسجاة ~~بثوبها، بكى حتى رثي له، ثم قال: # لكل اجتماع من خليلين فرقة ... وإن الذي دون الفراق قليل # أرى علل الدنيا علي كثيرة ... وصاحبها حتى الممات عليل # وإن افتقادي واحدا بعد واحد ... دليل على أن لا يدوم خليل # وقال رضي الله عنه: # ألا أيها الموت الذي ليس تاركي ... أرحني فقد أفنيت كل خليل! # أراك بصيرا بالذين أحبهم ... كأنك تنحو نحوهم بدليل! # قيل: ولما نفض يديه من ترابها تمثل بقول بعض بني ضبة: # أقول وقد فاضت دموعي حسرة: ... أرى الأرض تبقى والأخلاء تذهب # أخلاي لو غير الحمام أصابكم ... عتبت ولكن ما على الموت معتب # وقال العتابي: # قلت للفرقدين والليل ملق ... سوداء كنافه على الآفاق: # أبقيا ما بقيتما فسيرمى ... بين شخصيكما بسهم الفراق # غر من الظن أن يفوت المنايا ... وعراها قلائد الأعناق # كم ms017 صفيين متعا باجتماع ... ثم صارا لغربة وافتراق # لا يدوم البقا للخلق طرا ... دام طول البقاء للخلاق! # وأنشدني بعض الأدباء: # أسعداني يا نخلتي حلوان ... وارثيا لي من ريب هذا الزمان # واعلما إن بقيتما أن شخصا ... سوف يأتيكما فتفترقان # فلعمري لو ذقتما ألم الفر ... قة أبكاكما الذي أبكاني # ولما سافر الرشيد إلى طوس وعك في طريقه من حر أصابه فقال له الطبيب: ما ~~يبريك إلا جمار النخل. وكان نزوله قريبا من هاتين النخلتين فأمر بقطع جمار ~~إحدى النخلتين، فلما مثل بين يديه أنشده بعض الجلساء هذه الأبيات لبعض ~~الشعراء في هاتين النخلتين، فقال الرشيد: لو سمعتها ما أمرت بقطعها. ولما ~~مات الإسكندر قال أرسطاطاليس: أيها الملك لقد حركتنا بسكونك. وقال بعض ~~الحكماء من أصحابه: كان الملك أمس أنطق منه اليوم، وهو اليوم أوعظ منه أمس؛ ~~نظمه أبو العتاهية فقال: # كفى حزنا بدفنك ثم إني ... نفضت تراب قبرك من يديا # وكانت في حياتك لي عظات ... فأنت اليوم أوعظ منك حيا PageV01P009 ووجد ~~مكتوبا على قبر: قهرنا من قهرنا فصرنا للناظرين عبرة. وقال عبد الله بن ~~المعتز: # نسير إلى الآجال في كل ساعة ... وأيامنا تطوى وهن مراحل # ولم أر مثل الموت حقا فإنه ... إذا ما تخطته الأماني باطل # وما أقبح التفريط في زمن الصبا! ... فكيف به والشيب في الرأس شاعل؟ # ترحل من الدنيا بزاد من التقى ... فعمرك أيام تعد قلائل # ولما دخل أبو الدرداء الشام قال: يا أهل الشام اسمعوا قول أخ لكم ناصح. ~~فاجتمعوا عليه، فقال: ما لي أراكم تبنون ما لا تسكنون، وتجمعون ما لا ~~تأكلون، وتقولون ما لا تدركون؟ إن الذين كانوا قبلكم بنوا مشيدا وأملوا ~~بعيدا، وجمعوا كثيرا فأصبح أملهم غرورا وجمعهم بورا ومساكنهم قبورا. وروى ~~الجاحظ قال: وجد مكتوبا على حجر: ابن آدم لو رأيت يسير ما بقي من أجلك ~~لزهدت في طول ما ترجو من أملك، ولرغبت في الزيادة من عملك ولقصرت عن حرصك ~~وحيلك، وإنما يلقاك غدا ندمك، وقد زلت بك قدمك، وأسلمك أهلك وحشمك، وتبرأ ~~منك القريب ms018 وانصرف عنك الحبيب، فلا أنت في عملك زائد ولا إلى أهلك عائد. # وقال مالك بن أنس رضي الله عنه: بلغني أن امرأتين أتتا عيسى بن مريم عليه ~~السلام فقالتا: يا روح الله ادع الله أن يخرج أبانا فإنه هلك ونحن غائبتان ~~عنه. قال: هل تعرفان قبره؟ فقالتا: نعم. فذهب معهما فأتتا قبرا فقالتا: هذا ~~هو. فدعا الله فأخرج لهما الذي به فإذا هو ليس به، فدعا فرد، ثم دلتاه على ~~قبر آخر فدعا أن يخرج فخرج فإذا هو به، فلزمتاه وسلمتا عليه ثم قالتا: يا ~~نبي الله يا معلم الخير ادع الله أن يبقيه لنا. فقال: وكيف أدعو له ولم يبق ~~له رزق يعيش به؟ ثم رده وانصرف. وأنشد بعض الأدباء: # واأسفي من فراق قوم ... هم المصابيح والحصون! # والمزن والمدن والرواسي ... والخير والأمن والسكون! # لم تتغير بنا الليالي ... حتى توفتهم المنون! # فكل جمر لنا قلوب ... وكل ماء لنا عيون # وروي أن النعمان بن المنذر خرج متصيدا ومعه عدي بن زيد، فمرا بشجرة، فقال ~~عدي بن زيد: أيها الملك أتدري ما تقول هذه الشجرة؟ قال: لا. قال: فإنها ~~تقول: # من رآنا فليحدث نفسه ... أنه موف على قرب زوال # فصروف الدهر لا تبقى لها ... ولما تأتي به صم الجبال # رب ركب قد أناخوا حولنا ... يشربون الخمر بالماء الزلال # والأباريق عليها فدم ... وجياد الخيل تجري بالجلال # عمروا الدهر بعيش حسن ... آمني دهرهم غير عجال # عصف الدهر بهم فانقرضوا ... وكذاك الدهر حالا بعد حال! # قال: ثم جاوزوا الشجرة فمروا بمقبرة فقال له عدي: أتدري ما تقول هذه ~~المقبرة؟ قال: لا. قال: فإنها تقول: # أيها الركب المخبونا ... على الأرض المجدونا # كما أنتم كذا كنا ... كما نحن تكونونا # فقال النعمان: قد علمت أن الشجرة والمقبرة لا يتكلمان، وقد علمت أنك إنما ~~أردت عظتي فجزاك الله عني خيرا! فما السبيل الذي تدرك به النجاة؟ قال: تدع ~~عبادة الأوثان وتعبد الله وحده. قال: وفي هذا النجاة؟ قال: نعم. قال: فترك ~~عبادة الأوثان وتبصر حينئذ وأخذ في العبادة والاجتهاد. ms019 # وقال عبد الله المعلم: خرجنا من المدينة حجاجا، فلما كنا بالروثية نزلنا ~~فوقف بنا رجل عليه ثياب رثة له منظر وهيئة، فقال: من يبغ حارسا من يبغ ~~ساقيا؟ فقلت: دونك وهذه القربة. فأخذها وانطلق، فلم يلبث إلا يسيرا حتى ~~أقبل وقد امتلأت أثوابه طينا، فوضعها كالمسرور الضاحك ثم قال: ألكم غير ~~هذا؟ قلنا: لا. فأطعمناه قرصا باردا فأخذه وحمد الله تعالى وشكره، ثم اعتزل ~~وقعد فأكله أكل جائع، فأدركتني عليه الرأفة فقمت إليه بطعام كثير طيب فقلت: ~~قد علمت أنه لم يقع منك هذا القرص بموقع، فدونك وهذا الطعام. فنظر في وجهي ~~وتبسم وقال: يا عبد الله إنما هي ثورة جوع فما أبالي بأي شيء رددتها. # فرجعت عنه فقال لي رجل إلى جنبي: أتعرفه؟ قلت: لا. قال: PageV01P010 إنه ~~من بني هاشم من ولد العباس بن عبد المطلب، كان يسكن البصرة فتاب، فخرج منها ~~فتفقد فما عرف له أثر ولا وقف له على خبر. فأعجبني قوله ثم تجمعت معه ~~وآنسته وقلت له: هل لك أن تعادلني فإن معي فضلا من راحلتي؟ فجزاني خيرا ~~وقال: لو أردت هذا المكان لي معدا. ثم أنس إلي فجعل يحدثني فقال: أنا رجل ~~من ولد العباس بن عبد المطلب كنت أسكن البصرة، وكنت ذا كبر شديد وبذخ، وإني ~~أمرت خادمة لي أن تحشو لي فراشا ومخدة من حرير بورد نثير، ففعلت. وإني ~~لنائم وإذا بقمع وردة قد أغفلته الخادمة، فقمت إليها وأوجعتها ضربا ثم عدت ~~إلى مضجعي بعد إخراج القمع من المخدة، فأتاني آت في المنام في صورة فظيعة ~~فهزني وقال: أفق من غشيتك أبصر من حيرتك، ثم أنشأ يقول هذه الأبيات: # يا خد إنك إن توسد لينا ... وسدت بعد الموت صم الجندل # فاعمل لنفسك صالحا تسعد به ... فلتندمن غدا إذا لم تفعل! # فانتبهت فزعا وخرجت من ساعتي هاربا إلى ربي. # وقال عبد الواحد بن زيد: ذكر لي أن في خرائب الأيلة جارية مجنونة تنطق ~~بالحكمة، فلم أزل أطلبها حتى وجدتها في خربة جالسة على حجر ms020 وعليها جبة صوف ~~وهي محلوقة الرأس، فلما نظرت إلي قالت من غير أن أكلمها: مرحبا بك يا عبد ~~الواحد! فقلت لها: رحب الله بك! وعجبت من معرفتها بي ولم ترني قبل ذلك ~~فقالت: ما الذي جاء بك ههنا؟ قلت: جئت لتعظيني. فقالت: واعجبا لواعظ يوعظ! ~~ثم قالت: يا عبد الواحد، اعلم أن العبد إذا كان في كفاية ثم مال إلى ~~الدنيا، سلبه الله حلاوة الطاعة فيظل حيران والها، فإن كان له نصيب عند ~~الله عاتبه وحيا في سره، فقال: عبدي أردت أن أرفع قدرك عند ملائكتي وحملة ~~عرشي، وأجعلك دليلا لأوليائي وأهل طاعتي في أرضي، فملت إلى عرض من أعراض ~~الدنيا وتركتني، فأورثتك بذلك الوحشة بعد الأنس والذل بعد العز والفقر بعد ~~الغنى، عبدي ارجع إلى ما كنت عليه أرجع لك ما كنت تعرفه من نفسك. قال: ثم ~~تركتني وولت عني وانصرفت عنها وفي قلبي حسرة منها. وأنشدوا: # إنك في دار لها مدة ... يقبل فيها عمل العامل # أما ترى الموت محيطا بها ... يقطع فيها أمل الآمل؟ # تعجل الذنب بما تشتهي ... وتأمل التوبة من قابل # والموت يأتي بعد ذا غفلة ... ماذا يفعل الحازم العاقل؟ # ولما نزل سعد بن أبي وقاص الحيرة قيل له: ههنا عجوز من بنات الملوك يقال ~~لها الحرقة بنت النعمان بن المنذر، وكانت من أجل عقائل العرب، وكانت إذا ~~خرجت إلى بيعتها نشرت عليها ألف قطيفة خز وديباج، ومعها ألف وصيف ووصيفة، ~~فأرسل إليها سعد فجاءت كالشن البالي فقالت: يا سعد كنا ملوك هذا المصر ~~قبلك، يجبى إلينا خراجه ويطيعنا أهله مدة من المدد، حتى صاح بنا صائح الدهر ~~فشتت ملأنا، والدهر ذو نوائب وصروف، فلو رأيتنا في أيامنا لأرعدت فرائصك ~~فرقا منا! فقال لها سعد: ما أنعم ما تنعمتم به؟ قالت: سعة الدنيا علينا ~~وكثرة الأصوات إذا دعونا، ثم أنشأت تقول: # وبينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقة ليس ننصف # فتبا لدنيا لا يدوم نعيمها ... تقلب تارات بنا وتصرف! # ثم قالت: يا سعد إنه لم ms021 يكن أهل بيت بخير إلا والدهر يعقبهم حسرة حتى ~~يأتي أمر الله على الفريقين! فأكرمها سعد وأمر بردها، فلما أرادت القيام ~~قالت: يا سعد لا أزال الله عنك نعمة ولا جعل لك إلى لئيم حاجة، ولا أزال عن ~~كريم نعمة ولا نزع عن عبد صالح كرامة إلا جعلك سبيلا إلى ردها عليه! ~~ولبعضهم: # من كان يعلم أن الموت مدركه ... والقبر مسكنه والبعث مخرجه # وأنه بين جنات ستبهجه ... يوم القيامة أو نار ستنضجه # فكل شيء سوى التقوى به سمج ... وما أقام عليه منه أسمجه # ترى الذي اتخذ الدنيا له سكنا ... لم يدر أن المنايا سوف تزعجه # وروي أن عيسى عليه السلام كان مع صاحب له يسيحان، فأصابهما الجوع وقد ~~انتهيا إلى قرية، فقال عيسى لصاحبه: PageV01P011 انطلق فاطلب لنا طعاما من ~~هذه القرية. وقام عيسى عليه السلام يصلي، فجاء الرجل بثلاثة أرغفة فأبطأ ~~عليه انصراف عيسى فأكل رغيفا، فانصرف عيسى فقال: أين الرغيف الثالث؟ فقال: ~~ما كانا إلا رغيفين! قال: فمرا على وجوههما حتى مرا بظباء فدعا عيسى عليه ~~السلام ظبيا منها فذكاه فأكلا منه، ثم قال عيسى عليه السلام للظبي: قم بإذن ~~الله، فإذا هو يشتد. فقال الرجل: سبحان الله! فقال عيسى عليه السلام: بالذي ~~أراك هذه الآية من أكل الرغيف الثالث؟ فقال: ما كانا إلا رغيفين! قال: ~~فمضيا على وجوههما فمرا بنهر عظيم عجاج، فأخذ عيسى عليه السلام بيده فمشيا ~~على الماء حتى جاوزا الماء فقال الرجل: سبحان الله! فقال عيسى عليه السلام: ~~بالذي أراك هذه الآية من أكل الرغيف الثالث؟ فقال: ما كانا إلا رغيفين. # فخرجا حتى أتيا قرية عظيمة خربة، وإذا قريب منها ثلاث لبنات من ذهب، فقال ~~الرجل: هذا مال! فقال عيسى عليه السلام: أجل هذا مال، واحدة لي وواحدة لك ~~وواحدة لصاحب الرغيف. فقال الرجل: أنا صاحب الرغيف! فقال عيسى: هي لك كلها! ~~ففارقه فأقام عندها ليس معه ما يحملها عليه، فمر به ثلاثة نفر فقتلوه ~~وأخذوا الثلاث لبنات، فقال اثنان منهم لواحد: انطلق إلى القرية ms022 فأتنا منها ~~بطعام. فذهب فقال أحد الباقيين للآخر: تعال نقتل هذا إذا جاء ونقتسم هذا ~~بيننا! فقال الآخر: نعم. وقال الذي ذهب: أجعل في الطعام سما فأقتلهما وآخذ ~~اللبن! ففعل، فلما جاء قتلاه وأكلا من الطعام الذي جاء به، فماتا. فمر بهم ~~عيسى وهم حولها مطروحون، فقال: هكذا تفعل الدنيا بأهلها! وقال عبد الملك بن ~~عمير: رأيت في هذا القصر عجبا رأيت رأس الحسين على ثوبين مصبوغين بين يدي ~~ابن زياد، ثم رأيت رأس ابن زياد بين يدي المختار، ثم رأيت رأس المختار بين ~~يدي مصعب بن الزبير، ثم رأيت رأس مصعب بن الزبير بين يدي عبد الملك بن ~~مروان! وقال الأصمعي: لما زخرف الرشيد مجالسه وتحزم فيها وزوقها وصنع فيها ~~صنائع كثيرة، أرسل إلى أبي العتاهية وقال: صف لنا ما نحن فيه من نعيم هذه ~~الدنيا، فقال: # عش ما بدا لك آمنا ... في ظل شاهقة القصور # يسعى إليك بما اشتهي ... ت لدى الرواح وفي البكور # وإذا النفوس تقعقعت ... في ضيق حشرجة الصدور # فهناك تعلم موقنا ... ما كنت إلا في غرور! # فبكى هارون، فقال الفضل بن يحيى: بعث إليك أمير المؤمنين لتسره فأحزنته! ~~فقال هارون: دعه فإنه رآنا في ضلالة وعمى فكره أن يزيدنا عمى! وروي أن ~~سليمان بن عبد الملك لبس أفخر ثيابه، ومس أطيب طيبه ونظر في مرآة فأعجبته ~~نفسه وقال: أنا الملك الشاب! وخرج إلى الجمعة وقال لجاريته: كيف ترين؟ ~~فقالت: # أنت نعم المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان! # ليس فيما بدا لنا منك عيب ... عابه الناس غير أنك فان! # فأعرض بوجهه ثم خرج وصعد المنبر وصوته يسمع آخر المسجد، ثم ركبته الحمى ~~فلم يزل صوته ينقص حتى ما يسمعه من حوله، فصلى ورجع بين اثنين يسحب رجليه، ~~فلما صار على فراشه قال للجارية: ما الذي قلت لي في صحن الدار وأنا خارج؟ ~~قالت: ما رأيتك ولا قلت لك شيئا وأنى لي بالخروج إلى صحن الدار؟ فقال: إنا ~~لله وإنا إليه راجعون نعيت إلى ms023 نفسي. ثم عهد عهده وأوصى وصيته، فلم تدر ~~عليه الجمعة الأخرى إلا وهو في قبره رحمه الله تعالى. ووجد مكتوبا على قصر ~~سيف بن ذي يزن: # من كان لا يطأ التراب برجله ... وطئ التراب بصفحة الخد # من كان بينك في التراب وبينه ... شبران كان كفاية البعد # لو بعثرت للناس أطباق الثرى ... لم يعرف المولى من العبد! # وقال الهيثم بن عدي: PageV01P012 وجدوا غارا في جبل لبنان في زمن الوليد ~~بن عبد الملك، وفيه رجل مسجى على سرير من ذهب وعند رأسه لوح من ذهب مكتوب ~~فيه بالرومية: أنا سبا بن أنوس بن سبأ، خدمت عيصو بن إسحاق بن إبراهيم خليل ~~الرب الديان الأكبر، وعشت بعده عمرا طويلا ورأيت عجبا كثيرا، ولم أر فيما ~~رأيت أعجب من غافل عن الموت وهو يرى مصارع آبائه، ويقف على قبور أحبابه ~~ويعلم أنه صائر إليهم ثم لا يتوب، وقد علمت أن الأجلاف الحفاة سينزلونني عن ~~سريري ويتولونه، وذلك حين يتغير الزمان ويتأمر الصبيان ويكثر الحدثان، فمن ~~أدرك هذا الزمان عاش قليلا ومات ذليلا! وروي أن الإسكندر مر بمدينة قد ~~ملكها سبعة ملوك وبادوا، فقال: هل بقي من نسل الملوك الذين ملكوا هذه ~~المدينة أحد؟ قالوا: رجل يكون في المقابر. فدعا به وقال: ما دعاك إلى لزوم ~~المقابر؟ قال: أردت أن أعزل عظام الملوك عن عظام عبيدهم فوجدت ذلك سواء! ~~قال: فهل لك أن تتبعني فأحيي بك شرف آبائك إن كانت لك همة. قال: إن همتي ~~لعظيمة إن كانت بغيتي عندك. قال: وما بغيتك؟ قال: حياة لا موت فيها وشباب ~~لا هرم معه، وغنى لا يتبعه فقر وسرور لا يغيره مكروه. قال: ما أقدر على ~~هذا. قال: فانفذ لشأنك وخلني أطلب بغيتي ممن هي عنده. قال الإسكندر: وهذا ~~أحكم من رأيت. # وروي في الإسرائيليات أن عيسى بن مريم عليه السلام، بينا هو في بعض ~~سياحته إذ مر بجمجمة نخرة، فأمرها أن تتكلم فقالت: يا روح الله أنا بلوام ~~بن حفص ملك اليمن عشت ألف سنة، وولد ms024 لي ألف ذكر وافتضضت ألف بكر، وهزمت ألف ~~عسكر وقتلت ألف جبار، وافتتحت ألف مدينة، فمن رآني فلا يغتر بالدنيا فما ~~كانت إلا كحلم نائم! فبكى عيسى عليه السلام. ووجد مكتوبا على قصر بعض ~~الملوك، وقد باد أهله وأقفرت ساحته، هذه الأبيات: # هذي منازل أقوام عهدتهم ... يوفون بالعهد مذ كانوا بالذمم # تبكي عليهم ديار كان يطربها ... ترنم المجد بين الحلم والكرم # وقال عبد الله بن أبي سرح: نزل حي من أحياء العرب شعبا من شعاب اليمن، ~~فتشاحوا فيه واختلفوا واستعدوا للقتال، فإذا صائح يصيح: يا هؤلاء على رسلكم ~~علام القتال في؟ فوالله لقد ملكني سبعون أعور كلهم اسمه عمرو! # فصل # يا أيها الرجل، اعتبر بمن مضى من الملوك والأقيال وخلا من الأمم ~~والأجيال، وكيف بسطت لهم الدنيا وأنسئت لهم الآجال وأفسح لهم في المنى ~~والآمال، وأمدوا بالآلات والعدد والأموال، كيف طحنهم بكلكله المنون ~~واختدعهم بزخرفه الدهر الخؤون، وأسكنوا بعد سعة القصور بين الجنادل ~~والصخور، وعاد العين أثرا والملك خبرا؟ فأما اليوم فقد ذهب صفو الزمان وبقي ~~كدره، فالموت تحفة لكل مسلم، كأن الخير أصبح خاملا والشر أصبح ناضرا، وكأن ~~الغي أصبح ضاحكا وأدبر الرشد باكيا، وكأن العدل أصبح غائرا وأصبح الجور ~~عاليا، وكأن العلم أصبح مدفونا والجهل منشورا، وكأن اللؤم أصبح باسقا ~~والكرم ذاويا، وكأن الود أصبح مقطوعا والبغض موصولا، وكأن الكرامة قد سلبت ~~من الصالحين ونوجي بها الأشرار، وكأن الخبث أصبح مستيقظا والوفاء نائما، ~~وكأن الكذب أصبح مثمرا والصدق قاحلا، وكأن الأشرار أصبحوا يسامون السماء ~~وأصبح الأخيار يردون بطن الأرض! أما ترى الدنيا تقبل إقبال الطالب وتدبر ~~إدبار الهارب، وتصل وصال الملول وتفارق فراق العجول، فخيرها يسير وعيشها ~~قصير، وإقبالها خديعة وإدبارها فجيعة، ولذاتها فانية وتبعاتها باقية، ~~فاغتنم غفوة الزمان وانتهز فرصة الإمكان، وخذ من نفسك لنفسك وتزود من يومك ~~لغدك، ولا تنافس أهل الدنيا في خفض عيشهم ولين رياشهم، ولكن انظر إلى سرعة ~~ظعنهم وسوء منقلبهم! قال الشاعر: # رب مغروس يعاش به ... عدمته عين مغترسه # وكذاك الدهر مأتمه ms025 ... أقرب الأشياء من عرسه # وقال التهامي: # تنافس في الدنيا غرورا وإنما ... قصارى غناها أن يؤول إلى الفقر # وإنا لفي الدنيا كركب سفينة ... نظن وقوفا والزمان بنا يجري # ولبعض الشعراء: # تروح لك الدنيا بغير الذي غدت ... ويحدث من بعد الأمور أمور # وتجري الليالي باجتماع وفرقة ... وتطلع فيها أنجم وثغور PageV01P013 فمن ~~ظن أن الدهر باق سروره ... فذاك محال لا يدوم سرور! # عفا الله عمن صير الهم واحدا ... وأيقن أن الدائرات تدور # وقال وهب بن منبه: قرأت في بعض كتب الأنبياء عليهم السلام أن المسيح عليه ~~السلام اجتاز بجمجمة هائلة عظيمة نخرة، فقال له أصحابه: يا روح الله لو ~~سألت الله تعالى أن ينطق هذه الجمجمة، فعسى أن تخبرنا بما رأته من العجائب، ~~ففعل فأنطقها الله تعالى، فقالت: يا روح الله إني عشت ألف سنة واستولدت ألف ~~ذكر، وافتتحت ألف مدينة وهزمت ألف جيش، وقتلت ألف جبار وصبحت الدهر ~~واختبرته، وامتحنت تقلبه وانقلابه فلم أر شيئا أشد من طالح يلي أمر صالح، ~~ولم أجد لهذا الدهر شيئا أنفع من الصبر ومسالمة أهله إلا في الحرص والطمع، ~~ووجدت العز في الرضا بالقسم، وقال محمد بن أبي العتاهية آخر شعر قاله في ~~مرض موته: # إلهي لا تعذبني فإني ... مقر بالذي قد كان مني # فما لي حيلة إلا رجائي ... وعفوك إن عفوت وحسن ظني # وكم من زلة لي في الخطايا ... وأنت علي ذو فضل ومن # إذا فكرت في قدمي عليها ... عضضت أناملي وقرعت سني # أجن لزهرة الدنيا جنونا ... وأقطع طول دهري بالتمني # وبين يدي ميقات عظيم ... كأني قد دعيت له كأني # ولو أني صدقت الزهد فيها ... قلبت لأهلها ظهر المجن # وقال ابن عباس رضي الله عنهما، لما وفد وفد عبد القيس على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، قال: أيكم يعرف قس بن ساعدة! قالوا: كلنا نعرفه يا رسول ~~الله. قال: لست أنساه بسوق عكاظ على جمل أحمر وهو يعظ الناس ويقول: أيها ~~الناس اجتمعوا، فإذا اجتمعتم فاسمعوا، وإذا سمعتم فعوا، وإذا وعيتم فقولوا، ~~وإذا قلتم ms026 فاصدقوا. من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت. إن في ~~السماء لخبرا، وإن في الأرض لعبرا. مهاد موضوع، وسقف مرفوع، ونجوم تمور، ~~وبحر لا يغور. أقسم قس قسما بالله قسم حق لا كذب فيه ولا إثم، لئن كان في ~~الأرض رضى ليكونن سخطا. إن لله دينا هو أحب إليه من دينكم هذا الذي أنتم ~~عليه، ما لي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون، أرضوا بالمقام فأقاموا أم تركوا ~~على حالهم فناموا! أيكم يروي شعره! فأنشدوه: # في الذاهبين الأولين ... من القرون لنا بصائر # لما رأيت مواردا ... للموت ليس لها مصادر # ورأيت قومي نحوها ... تمضي الأصاغر والأكابر # لا يرجع الماضي إلي ... ولا من الباقين غابر # سكنوا البيوت فوطنوا ... إن البيوت هي المقابر # أيقنت أني لا محال ... ة حيث صار القوم صائر # ثم قال رجل: لقد رأيت من أمره عجبا، اقتحمت واديا فإذا أنا بعين خرارة ~~وروضة مدهامة وشجرة عادية، وإذا قس بن ساعدة قاعد في أصل الشجرة وبيده ~~قضيب، وقد ورد على العين سباع كثيرة. فكلما ورد سبع على صاحبه ضربه بالعصا ~~وقال: تنح حتى يشرب الذي ورد قبلك. فلما رأيت ذلك ذعرت ذعرا شديدا، فالتفت ~~إلي وقال: لا تخف. فالتفت فإذا أنا بقبرين بينهما مسجد فقلت: ما هذان ~~القبران؟ فقال: هما قبرا أخوي كانا يعبدان الله تعالى معي في هذا الموضع، ~~وأنا أعبد الله بينهما حتى ألحق بهما، فقلت له: أفلا تلحق بقومك فتكون في ~~جيرتهم؟ فقال: ثكلتك أمك! أوما علمت أن ولد إسماعيل تركت دين أبيها واتبعت ~~الأضداد وعظمت الأنداد؟ ثم تركني وأقبل على القبرين، وقال: # خليلي هبا طالما قد رقدتما ... أجدكما ما تقضيان كراكما # أرى النوم بين العظم والجلد منكما ... كأن الذي يسقي العقار سقاكما # ألم تعلما أني بسمعان مفرد ... وما لي فيه من خليل سواكما # مقيم على قبريكما لست بارحا ... طوال الليالي أو يجيب صداكما # لأبكيكما طول الحياة وما الذي ... يرد على ذي غصة إن بكاكما # كأنكما والموت أقرب غائب ... بروحي في قبريكما قد أتاكما ms027 # فلو جعلت نفس لنفس وقاية ... لجدت بنفسي أن تكون فداكما PageV01P014 سلام ~~وتسليم وروح ورحمة ... ومغفرة المولى على ساكنيكما # وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن قس بن ساعدة يبعث أمة ~~وحده. يعني أن كل أمة آمنت برسولها تبعث أمة وحدها لا يخالطها غيرها، ويبعث ~~قس أيضا وحده أمة لا يخالطه أحد. # وروي أن المهدي نام يوما فأنشد في منامه هذه الأبيات: # كأني بهذا القصر قد باد أهله ... وأوحش منه ركنه ومنازله # فلم يبق إلا ذكره وحديثه ... تنادي بليل معولات ثواكله # فما أتت عليه عاشرة عشرة حتى مات. # وأنشدنا القاضي أبو العباس الجرجاني رحمه الله بالبصرة هذه الأبيات: # بالله ربك كم قصر مررت به ... قد كان يعمر باللذات والطرب # طارت عقاب المنايا في جوانبه ... فصاح من بعده بالويل والحرب # اعمل وكن طالبا للرزق في دعة ... فلا وربك ما الأرزاق بالطلب # وأنشدني أيضا: # أيها الرافع البناء رويدا ... لن تذود المنون عنك المباني! # إن هذا البناء يبقى وتفنى ... كل شيء أبقى من الإنسان! # وقال الحكيم بن عمرو: قال أبو جعفر المنصور عند موته: اللهم إن كنت تعلم ~~أني ارتكبت الأمور العظام جراءة مني عليك، فإنك تعلم أني قد أطعتك في أحب ~~الأشياء إليك: " شهادة أن لا إله إلا الله " ، منا منك لا منا عليك. وكان ~~سبب إحرامه من الخضراء أنه كان ذات يوم نائما فأتاه آت في منامه فقال: # كأني بهذا القصر قد باد أهله ... وأوحش منه أهله ومنازله # وصار عميد القصر من بعد بهجة ... إلى تربة تسقي عليه جنادله # فاستيقظ مرعوبا من نومه، ثم نام، فأنشد أيضا هذه الأبيات: # أبا جعفر حانت وفاتك وانقضت ... سنوك وأمر الله لا بد واقع # فهل كاهن أعددته أو منجم ... أبا جعفر عنك المنية دافع # فقال: يا ربيع ائتني بطهوري. فقام واغتسل ولبى وتجهز للحج ثم قال: يا ~~ربيع ألقني في حرم الله تعالى. # وأنشدني القاضي أبو العباس الجرجاني بالبصرة: # إن كنت تسموا إلى الدنيا وزينتها ... فانظر إلى ملك الأملاك قارون # زم الأمور فأعطته ms028 مقاودها ... وسخر الناس بالتشديد واللين # حتى إذا ظن أن لا شيء غالبه ... ومكنت قدماه أي تمكين # راحت عليه المنايا روحة تركت ... ذا الملك والعز تحت الماء والطين # وأنشدني أبو محمد التميمي ببغداد: # لمن أبني لمن أسم المطايا ... لمن استأنف الشيء الجديد؟ # إذا ما صار إخواني رفاتا ... وصرت لفقدهم فردا وحيدا # أعانق معشرا لهم شكول ... وأشكالي قد اعتنقوا اللحود! # وممن زهد في الدنيا وأبصر عيوبها من أبناء الملوك أبو عقال علوان بن ~~الحسن، من بني الأغلب وهم ملوك المغرب، وكان ذا نعمة وملك وله فتوة ظاهرة، ~~فتاب إلى ربه ورجع عن ذلك رجوعا فاق نظراءه، فرفض المال والأهل وهجر النساء ~~والوطن، وبلغ من العبادة مبلغا أربى فيه على المجتهدين، وعرف بإجابة ~~الدعوة، وكان عالما أديبا قد صحب عدة من أصحاب سحنون وسمع منهم، ثم انقطع ~~إلى بعض السواحل فصحب رجلا يكنى أبا هارون الأندلسي منقطعا متبتلا إلى ~~الله. فلم ير منه كبير اجتهاد في العمل. # فبينا أبو عقال يتهجد في بعض الليالي وأبو هارون نائم إذ غالبه النوم ~~فقال لنفسه: يا نفس هذا عابد جليل القدر ينام الليل كله وأنا أسهر الليل ~~كله، فلو أرحت نفسي! فوضع جنبه فرأى في منامه شخصا فتلا عليه: " أم حسب ~~الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء " إلى ~~آخر الآية الجاثية: 21. فاستيقظ فزعا وعلم أنه المراد فأيقظ أبا هارون وقال ~~له: سألتك بالله هل أتيت كبيرة قط؟ قال: لا يا ابن أخي ولا صغيرة عن تعمد ~~والحمد لله. فقال أبو عقال: لهذا تنام ولا يصلح لمثلي إلا الكد والاجتهاد. ~~ثم رحل إلى مكة ولزم بيت الله الحرام وحج مرارا وأربى على عباد المشرق. ~~PageV01P015 وكان يعمل بالقربة على ظهره لقوته ومات بمكة وهو ساجد في صلاة ~~الفريضة بالمسجد الحرام سنة ست وتسعين ومائتين. وقال له رجل كان يصحبه ~~يوما: لي إليك حاجة. فقال بعد الجهد به: حاجتك مقضية. قال: إن كانت لك شهوة ~~أخبرني بها. قال: نعم أشتهي أن آكل رأسا. فاشتريت له ms029 رأسين ولففتهما في ~~رقاق وجئته بهما، ثم سألته بعد ذلك بأيام: هل طاب لك الرأسان؟ قال: لا، ما ~~هو إلا أن فتحتهما فإذا هما محشوان دودا ليس فيهما لحم البتة إلا الدود! ~~فأتيت الرواس فأخبرته فأطرق متعجبا ثم قال: ما كنت أظن أن في زماننا أحدا ~~يحتمي من الحرام هذه الحماية، تلك الرؤوس كانت من غنم انتهبها بعض العمال. ~~ثم أعطاني رأسين من غير تلك الغنم فأتيت بهما أبا عقال فأكلهما، وأخبرته ~~بما قاله الرواس فبكى ثم قال: يا رب ما كان يستحق عبدك أبو عقال مثل هذه ~~الحماية، ولكنه يا رب فضلك وكرمك فلك علي يا رب أن لا آكل طعاما بشهوة ~~أشتهيها حتى ألقاك إن شاء الله! وكانت له أخت متعبدة، فلما مات لحقت قبره ~~بمكة وكتبت عليه هذه الأبيات: # ليت شعري ما الذي عاينته ... بعد دوم الصوم مع نفي الوسن؟ # مع عزوب النفس عن أوطارها ... والتخلي عن حبيب وسكن # يا شقيقا ليس في وجدي به ... علة تمنعني من أن أجن # وكما تبلى وجوه في الثرى ... فكذا يبلى عليهن الحزن # وروي أن رجلين تنازعا في أرض فأنطق الله لبنة من جدار تلك الأرض فقالت: ~~إني كنت ملكا من ملوك ملكت الدنيا ألف سنة ثم مت وصرت رميما ألف سنة، ~~فأخذني خزاف واتخذني خزفا، ثم أخذني وضربني لبنا وأنا في هذا الجدار منذ ~~كذا وكذا سنة، فلم تتنازعا في هذه الأرض؟ ولبعضهم: # ألا حي من أجل الحبيب المغانيا ... لبسن البلى مما لبسن اللياليا # إذا ما تقاضى المرء يوما وليلة ... تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا # حنتك الليالي بعدما كنت مدة ... سوي العصا لو كن يبقين باقيا # ومن أعجب ما روي في الإسرائيليات أن ابنة من بنات الملوك تزهدت في ~~الدنيا، وتابت وخرجت من ملكها فتفقدت فلم يسمع لها خبر ولا علم لها أثر، ~~وكان هناك دير للمتعبدين فلحق بهم شاب يتعبد، فأبصروا منه الاجتهاد والجد ~~في العمل وملازمة الأوراد ومواصلة الأعمال، مما فاق به جميع من في الدير، ~~وأقام على ms030 ذلك ما شاء الله إلى أن انقضت أيامه ووافاه حمامه، وقضى الفتى ~~نحبه فحزن عليه أهل الدير من الزهاد والعباد والمنقطعين وأذروا عليه ~~الدموع، ثم أخذوا في غسله فإذا هو امرأة ففحصوا عن أمره فإذا هي بنت الملك، ~~فزادهم ذلك إعجابا به وتعظيما، وتشاوروا في أمره ماذا يحدثون له من ~~الكرامة، ثم أجمع رأيهم على أن لا يدفنوه تحت الثرى، وأن يحملوه فوق أكفهم ~~فغسلوه وكفنوه وجهزوه وصلوا عليه، ثم أقبلوا يحملونه على الأكف والسواعد ~~كلما ضجر واحد جاء واحد يحمل مع من يحمل، وكل من انقطع في الدير لعبادة ربه ~~جعل يحمل معهم إلى أن بلي وتقطعت أوصاله مع طول الزمان، فدفن حينئذ رحمه ~~الله. # وكان في بلاد الروم مما يلي أرض الأندلس رجل نصراني قد بلغ من التخلي عن ~~الدنيا مبلغا عظيما، واعتزل الخلق ولزم قلل الجبال والسياحة في الأرض إلى ~~الغاية القصوى، فورد على المستعين بن هود في بعض الأمر فأكرمه ابن هود ثم ~~أخذ بيده وجعل يعرض عليه ذخائر ملكه وخزائن أمواله، وما حوته من البيضاء ~~والصفراء وأحجار الياقوت والجواهر وأمثالها، ونفائس الأعلاق والجواري ~~والحشم والأجناد والكراع والسلاح، فأقام على ذلك أياما، فلما انقضى قال له: ~~كيف رأيت ملكي؟ قال: رأيت ملكك ولكنه تعوزك فيه خصلة إن أنت قدرت عليها تم ~~انتظام ملكك، وإن لم تقدر عليها فهذا الملك شبه لا شيء. قال: وما هي ~~الخصلة؟ قال: تعمد فتصنع غطاءا عظيما حصينا قويا، وتكون مساحته قدر البلد ~~ثم تركبه على البلد حتى لا يجد ملك الموت مدخلا إليك. فقال المستعين: سبحان ~~الله، أويقدر البشر على مثل هذا؟ فقال العلج: يا هذا أفتفتخر بأمر تتركه ~~غدا؟ ومثال من يفتخر بما يفنى كمن يفتخر بما يراه في النوم. # وروي أن ملكا من الملوك بنى قصرا وقال: انظروا من عاب منه شيئا فأصلحوه ~~وأعطوه درهمين، فأتاه رجل فقال: PageV01P016 إن في هذا القصر عيبين. قال: ~~وما هما؟ قال: يموت الملك ويخرب القصر! قال: صدقت! ثم أقبل على نفسه وترك ~~الدنيا. ms031 # ومن عجائب أخبار الخضر عليه السلام، قال: سئل الخضر عليه السلام عن أعجب ~~شيء رأيته في الدنيا في طول سياحتك وكثرة خلواتك وقطعك القفار والفلوات؟ ~~فقال: أعجب ما رأيت أني مررت على مدينة لم أر على وجه الأرض أحسن منها، ~~فسألت بعضهم: متى بنيت هذه المدينة؟ فقال: سبحان الله ما يذكر آباؤنا ~~وأجدادنا متى بنيت وما زالت كذلك من عهد الطوفان. ثم غبت عنها نحوا من ~~خمسمائة عام وعبرت عليها بعد ذلك فإذا هي خاوية على عروشها، لم أر أحدا ~~أسأله عنها، وإذا رعاة غنم فدنوت منهم فقلت: أين المدينة التي كانت ههنا؟ ~~فقالوا: سبحان الله ما يذكر آباؤنا ولا أجدادنا أن ههنا قط كانت مدينة. # فغبت عنها نحوا من خمسمائة عام ثم انتهيت إليها، فإذا موضع تلك المدينة ~~بحر وإذا غواصون يخرجون منه شبه الحلية، فقلت لبعض الغواصين: منذ كم كان ~~هذا البحر ههنا؟ فقالوا: سبحان الله ما يذكر آباؤنا وأجدادنا إلا أن هذا ~~البحر منذ بعث الله الطوفان. # ثم غبت عنها نحوا من خمسمائة عام ثم انتهيت إليها، فإذا ذلك البحر قد غاض ~~ماؤه وإذا مكانه غيضة ملتفة بالقصب والبردى والسباع حولها، وإذا صيادون ~~يصيدون السمك في زوارق صغار فقلت لبعضهم: أين البحر الذي كان ههنا؟ فقال: ~~سبحان الله ما يذكر آباؤنا ولا أجدادنا أنه كان ههنا قط بحر. # فغبت عنها نحوا من خمسمائة عام ثم أتيت إلى ذلك الموضع، فإذا هو مدينة ~~على حالته الأولى، والحصون والقصور والأسواق قائمة. فقلت لبعضهم: أين ~~الغيضة التي كانت ههنا ومتى بنيت هذه المدينة؟ فقال: سبحان الله ما يذكر ~~آباؤنا ولا أجدادنا إلا أن هذه المدينة على حالها منذ بعث الله الطوفان. ~~فغبت عنها نحوا من خمسمائة عام ثم انتهيت إليها، فإذا عاليها سافلها، وهي ~~تدخن بدخان شديد، فلم أر أحدا أسأله، ثم رأيت راعيا فسألته: أين المدينة ~~التي كانت ههنا ومتى حدث هذا الدخان؟ فقال: سبحان الله ما يذكر آباؤنا ولا ~~أجدادنا إلا أن هذا الموضع كان هكذا منذ كان! ms032 فهذا أعجب شيء رأيته في ~~سياحتي في الدنيا، فسبحان مبيد العباد ومفني البلاد، ووارث الأرض ومن عليها ~~إلى يوم التناد! شعر: # قف بالديار فهذه آثارهم ... تبكي الأحبة حسرة وتشوقا # كم قد وقفت بها أسائل مخبرا ... عن أهلها أو ناطقا أو مشفقا # فأجابني داعي الهوى في رسمها: ... فارقت من تهوى فعز الملتقى! # وسمعت بالعراق منشدا ينشد هذه الأبيات: # أيها الربع الذي قد دثرا ... كان عينا ثم أضحى أثرا # أين سكانك ماذا فعلوا ... خبرن عنهم سقيت المطرا! # ولقد نادى مناديهم بنا: ... رحلوا واستودعوني عبرا # ومما استحسن في هذا الباب قول القائل: # رب ورقاء هتوف في الضحى ... ذات شجو صدحت في فنن # ذكرت إلفا ودهرا صالحا ... فبكت حزنا فهاجت حزني # فبكائي ربما أرقها ... وبكاها ربما أرقني # فإذا تسعدني أسعدها ... وإذا أسعدها تسعدني # ولقد تشكو فما أفهمها ... ولقد أشكو فما تفهمني # غير أني بالجوى أعرفها ... وهي أيضا بالجوى تعرفني # ونظر رجل من العباد إلى باب ملك الملوك وقد شيده وأتقنه وزوقه، فقال: باب ~~جديد وموت عتيد ونزع شديد وسفر بعيد! ولما ثقل عبد الملك بن مروان رأى ~~غسالا يلوي بيده ثوبا فقال: وددت أني كنت غسالا لا أعيش إلا بما أكتسبه ~~يوما فيوما! فبلغ ذلك أبا حازم فقال: الحمد لله الذي جعلهم عند الموت ~~يتمنون ما نحن فيه ولا نتمنى عنده ما هم فيه. وقال الرسول عليه الصلاة ~~والسلام: اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ونفس لا تشبع وقلب لا يخشع وعين ~~لا تدمع، هل يتوقع أحدكم من الدنيا إلا غنى مطغيا أو فقرا منسيا أو مرضا ~~مفسدا أو هرما مفندا، أو الدجال فالدجال شر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة ~~أدهى وأمر؟ وقال عيسى بن مريم عليه السلام: PageV01P017 أوحى الله تعالى ~~إلى الدنيا: من خدمني فاخدميه ومن خدمك فاستخدميه، يا دنيا مري على أوليائي ~~ولا تحلي لهم فتفتنيهم. وهذا الحرف يروى بكسر الميم من المرارة. # وقال مورق العجلي: ابن آدم، في كل يوم تؤتى رزقك وأنت تحزن وينقضي عمرك ~~وأنت لا تحزن، ms033 تطلب ما يطغيك وعندك ما يكفيك، فلا بقليل تقنع ولا بكثير ~~تشبع. وقال النبي صلى الله عليه وسلم في بعض خطبه: أيها الناس إن الأيام ~~تطوى والأعمار تفنى والأبدان في الثرى تبلى، وإن الليل والنهار يتراكضان ~~تراكض البريد يقربان كل بعيد ويخلقان كل جديد، وفي ذلك عباد الله ما ألهى ~~عن الشهوات ورغب في الباقيات الصالحات. # وقال بعض الحكماء: الدنيا كالماء المالح، كلما ازداد صاحبه شربا ازداد ~~عطشا، وكالكأس من العسل في أسفله السم، فللذائق منه حلاوة عاجلة، وفي أسفله ~~الموت الزعاف، وكأحلام النائم التي تفرحه في منامه، فإذا استيقظ انقطع ~~الفرح، وكالبرق الذي يضيء قليلا ويذهب وشيكا ويبقى راجيه في الظلام مقيما، ~~وكدودة الإبريسم التي لا يزداد الإبريسم على نفسها لفا إلا ازدادت من ~~الخروج بعدا؛ وفيه قيل: # كدود كدود القز ينسج دائما ... ويهلك غما وسط ما هو ناسجه # ومثال من يستعجل زهرة الدنيا ويعرض عن الدار الأخرى مثال رجلين لقطا من ~~الأرض حبتي عنب، فأما أحدهما فجعل يمص الحبة التذاذا بها ثم بلعها، وأما ~~الآخر فزرع الحبة فلما كان بعد زمان التقيا، فإذا الذي زرع الحبة قد صارت ~~له كرما وكثرت ثمرته، وفكر الآخر في صنعه بالحبة فوجدها قد صارت عذرة ليس ~~عنده منها إلا الحسرة على تفريطه والغبطة لصاحبه. وقال وهب بن منبه رضي ~~الله عنه: أوحى الله تعالى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل: إن أردت أن تسكن ~~معي في حضيرة القدس، فكن في الدنيا وحيدا فريدا مهموما وحشيا، بمنزلة الطير ~~الوحداني الذي يظل في الأرض الفلاة، ويأكل من رؤوس الشجر ويشرب من ماء ~~العيون، فإذا كان الليل آوى وحده ولم يأو مع الطير استئناسا بربه. ولبعضهم: # كم للحوادث من صروف عجائب ... ونوائب موصولة بنوائب # ولقد تقطع من شبابك وانقضى ... ما لست أحسبه إليك بآيب # تبغي من الدنيا الكثير وإنما ... يكفيك منها مثل زاد الراكب # قال مالك بن أنس رضي الله عنه: بلغني أن عيسى بن مريم عليه السلام انتهى ~~إلى قرية قد خربت حصونها وجفت ms034 أنهارها وتشعث شجرها فنادى: يا خرب أين أهلك؟ ~~فلم يجبه أحد. ثم نادى: يا خرب أين أهلك؟ فنودي: عيسى بن مريم، بادوا ~~وتضمنتهم الأرض وعادت أعمالهم قلائد في رقابهم إلى يوم القيامة، عيسى بن ~~مريم فجد. قال مالك: سئلت امرأة من بقية قوم عاد يقال لها هريمة: أي عذاب ~~الله رأيت أشد؟ قالت: كل عذاب الله شديد، وسلام الله أو رحمته على ليلة لا ~~ريح فيها، ولقد رأيت العير تحملها الرياح بين السماء والأرض. وقال مجاهد: ~~كان طعام يحيى بن زكريا عليهما السلام العشب، وإن كان ليبكي من خشية الله ~~ما لو كان القار على عينيه لخرقه، ولقد كان الدمع اتخذ مجرى في خده. # ومر بعض الملوك ببقراط الحكيم وهو نائم فركضه برجله وقال: قم! فقام غير ~~مرتاع منه ولا ملتفت إليه، فقال له الملك: أوما تعرفني؟ فقال: لا، ولكن أرى ~~فيك طبع الدواب فإنها تركض برجلها! فغضب وقال: أتقول لي مثل هذا وأنت عبدي؟ ~~فقال له بقراط: بل أنت عبد عبدي. قال: وكيف ذلك؟ قال: لأن شهواتك قد ملكتك ~~وأنا ملكت الشهوات! قال: فأنا الملك بن الأملاك السادة، أملك من البلاد كذا ~~ومن الأموال كذا، ومن الرجال كذا! فقال: أراك تفتخر علي بما ليس من نفسك، ~~وإنما سبيلك أن تفتخر بنفسك، ولكن تعال نخلع ثيابنا ونلبس جميعا ثوبا مما ~~في هذا النهر ونتكلم فحينئذ يتبين الفاضل من المفضول! فانصرف الملك خجلا. # وها أنا أحكي لك أمرا أصابني طيش عقلي وبلبل حزمي وقطع نياط قلبي، فلا ~~يزال مرآة لي حتى يواريني التراب. وذلك أني كنت يوما بالعراق وأنا أشرب ~~ماء، فقال لي صاحب لي وكان له عقل: PageV01P018 يا فلان لعل هذا الكوز الذي ~~تشرب فيه الماء قد كان إنسانا يوما من الدهر، فمات فصار ترابا فاتفق ~~للفخاري أن أخذ تراب القبر فصيره خزفا وشواه بالنار، فانتظم كوزا كما ترى ~~وصار آنية يمتهن ويستخدم بعدما كان بشرا سويا يأكل ويشرب وينعم ويلذ ويطرب. ~~فإذا الذي قاله من الجائزات، فإن الإنسان إذا ms035 مات عاد ترابا كما كان في ~~النشأة الأولى، ثم قد يتفق أن يحفر لحده ويعجن بالماء ترابه فيتخذ منه آنية ~~تمتهن في البيوت أو لبنة تبنى في الجدار، أو يطين به سطح البيت أو يفرش في ~~الدار فيوطأ بالأقدام، أو يجعل طينا على الجدار. # وقد يجوز أن تغرس عند قبره شجرة فيستحيل تراب الإنسان شجرة وورقا وثمرة، ~~فترعى البهائم أوراقها ويأكل الإنسان ثمرتها، فينبت منها لحمه وينتشر منها ~~عظمه، أو تأكل تلك الثمرات الحشرات والبهائم، فبينما كان يقتات صار قوتا، ~~وبينما كان يأكل صار مأكولا ثم يعود في بطن الأرض رجيعا يقذف به في بيت ~~الرحاضة أو بعرا ينبذ بالعراء، ويجوز إذا حفر قبره أن تسفي الريح ترابه ~~فتفرق أجزاءه في بطون الأودية والتلول والوهاد، أليس في هذا ما أذهب العقول ~~وطيش الحلوم، ومنع اللذات وهان عنده مفارقة الأهلين والأموال واللحوق بقلل ~~الجبال، والأنس بالوحوش حتى يأتي أمر الله على الفريقين؟ أليس في هذا ما ~~صغر الدنيا وما فيها؟ أليس في هذا ما حقر الملك عند من عظمه والمال عند من ~~جمعه؟ أليس في هذا ما زهد في اللذات وسلى عن الشهوات؟ وقال مسعر: كم من ~~مستقبل يوما لا يستكمله ومنتظر غدا وليس من أجله، إنكم لو أبصرتم الأجل ~~ومسيره لأبغضتم الأمل وغروره. ولما بنى المأمون بن ذي النون، وكان من ملوك ~~الأندلس، قصره وأنفق فيه بيوت أمواله، فجاء على أكمل بنيان في الأرض، وكان ~~من عجائبه أنه صنع فيه بركة ماء كأنها بحيرة، وبنى في وسطها قبة وسيق الماء ~~من تحت الأرض حتى علا إلى رأس القبة على تدبير قد أحكمه المهندسون، وكان ~~الماء ينزل من أعلى القبة حواليها محيطا بها متصلا بعضه ببعض، فكانت القبة ~~في غلالة من ماء سكبا لا يفتر والمأمون قاعد فيها، فروي عنه أنه بينما هو ~~نائم إذ سمع منشدا ينشد هذه الأبيات: # أتبني بناء الخالدين وإنما ... مقامك فيها لو عقلت قليل # لقد كان في ظل الأراك كفاية ... لمن كل يوم يقتضيه رحيل # فلم ms036 يلبث بعدها إلا يسيرا حتى قضى نحبه. # ووجد مكتوبا على قصر قد باد أهله وأقفرت منازله: # هذي منازل أقوام عهدتهم ... في خفض عيش نفيس ما له خطر # صاحت بهم نائبات الدهر فانقلبوا ... إلى القبور فلا عين ولا أثر # وللشريف الرضي: # ولقد مررت على ديارهم ... وطلولها بيد البلى نهب # فوقفت حتى عج من تعب ... نضوي وضج بعدني الركب # وتلفتت عيني فمذ خفيت ... عنها الطلول تلفت القلب # ولو قيل للدنيا صفي نفسك ما تعدت هذا البيت وهو: # ومن يأمن الدنيا يكن مثل قابض ... على الماء خانته فروج الأصابع # وروي أن الحجاج قال في خطبته: أيها الناس إن ما بقي من الدنيا أشبه بما ~~بض من الماء، ولو أعطيت ما مضى من الدنيا بعمامتي هذه ما قبلته، فكيف آسى ~~على ما بقي منها! وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب مثلا للدنيا ولابن ~~آدم عند الموت، كمثل رجل له ثلاثة أخلاء، فلما حضره الموت قال لأحدهم: قد ~~كنت لي خلا مكرما مؤثرا وقد حضرني من أمر الله تعالى ما ترى، فماذا عندك؟ ~~فيقول: هذا أمر الله غلبني عليك ولا أستطيع أن أنفس كربك، ولكن ها أنا بين ~~يديك فخذ مني زادا ينفعك. ثم قال للثاني: قد كنت عندي آثر الثلاثة، وقد نزل ~~بي أمر الله تعالى ما ترى، فماذا عندك؟ فيقول: هذا أمر الله تعالى غلبني ~~عليك ولا أستطيع أن أنفس كربك، ولكن ها سأقوم عليك في مرضك، فإذا مت أنقيت ~~غسلك وجودت كسوتك وسترت جسدك وعورتك. ويقول للثالث: قد نزل بي أمر الله ~~تعالى ما ترى، وأنت أهون الثلاثة علي فماذا عندك؟ فيقول: إني قرينك وحليفك ~~في الدنيا والآخرة، أدخل معك قبرك حين تدخله وأخرج منه حين تخرج ولا أفارقك ~~أبدا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: الأول ماله والثاني أهله والثالث ~~عمله. PageV01P019 ولما لقي ميمون بن مهران الحسن البصري قال له: قد كنت ~~أحب لقاءك فعظني. فقرأ الحسن: " أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا ~~يوعدون ما أغنى عنهم ms037 ما كانوا يمتعون " الشعراء: 205 - 207. فقال: عليك ~~السلام أبا سعيد لقد وعظت أحسن موعظة، واعجبا كل العجب للمكذب بالنشأة ~~الأخرى وهو يرى الأولى! واعجبا كل العجب للمكذب بالنشور وهو يموت كل ليلة ~~ويحيا! واعجبا كل العجب للمصدق بدار الخلود وهو يسعى لدار الغرور! واعجبا ~~كل العجب للمختال الفخور وإنما هو خلق من نطفة ثم يعود جيفة، وهو بين ذلك ~~لا يدري ما يفعل به! وروي أن الله تعالى أوحى إلى آدم عليه السلام قال: ~~جماع الخير كله في أربع: واحدة لي وواحدة لك وواحدة بيني وبينك وواحدة بينك ~~وبين الناس. فأما التي لي فأن تعبدني ولا تشرك بي شيئا. وأما التي لك فاعمل ~~ما شئت فإني أجزيك به. وأما التي بيني وبينك فعليك الدعاء وعلي الإجابة. ~~وأما التي بينك وبين الناس فكن لهم كما تحب أن يكونوا لك. وقال سليمان بن ~~داود عليهما السلام: أوتينا ما أوتي الناس وما لم يؤتوا، وعلمنا ما علم ~~الناس وما لم يعلموا، ولم نجد شيئا أفضل من خشية الله تعالى في الغيب ~~والشهادة، وكلمة الحق في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر. # وكتب معاوية إلى عائشة رضي الله عنها أن اكتبي إلي بكتاب توصيني فيه ولا ~~تكثري علي، فكتبت عائشة: سلام عليك. أما بعد. فإني سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: من التمس رضاء الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس، ~~والسلام. ولما ضرب ابن ملجم عليا رضي الله عنه أدخل منزله فاعترته غشية ثم ~~أفاق، ودعا الحسن والحسين فقال: أوصيكما بتقوى الله تعالى والرغبة في ~~الآخرة والزهد في الدنيا. ولا تأسفا على شيء فاتكما منها، اعملا الخير ~~وكونا للظالم خصما وللمظلوم عونا، ثم دعا محمدا وقال له: أما سمعت ما أوصيت ~~به أخويك؟ قال: بلى. قال: فإني أوصيك به وعليك ببر أخويك وتوقيرهما ومعرفة ~~فضلهما ولا تقطع أمرا دونهما. ثم أقبل عليهما وقال: أوصيكما به خيرا فإنه ~~سيفكما وابن أبيكما، وأنتما تعلمان أن أباه كان يحبه فأحباه. # ثم قال له: يا ms038 بني أوصيك بتقوى الله في الغيب والشهادة وكلمة الحق في ~~الرضى، والغضب والقصد في الغنى والفقر، والعدل على الصديق والعدو، والعمل ~~في النشاط والكسل، والرضى عن الله في الشدة والرخاء. يا بني ما شر بعده ~~الجنة بشر ولا خير بعده النار بخير، وكل نعيم دون الجنة محقور وكل بلاء دون ~~النار عافية. يا بني من أبصر عيب نفسه شغل عن عيب غيره، ومن رضي بقسم الله ~~لم يحزن على ما فاته، ومن سل السيف البغي قتل به، ومن حفر لأخيه بئرا وقع ~~فيها، ومن كشف حجاب أخيه انكشفت عورات بيته، ومن نسي خطيئته استعظم خطيئة ~~غيره، ومن أعجب برأيه ضل، ومن استغنى بعقله زل، ومن تكبر على الناس ذل، ومن ~~خالط الأنذال احتقر، ومن دخل مداخل السوء اتهم، ومن جالس العلماء وقر، ومن ~~مزح استخف به، ومن أكثر من شيء عرف به، ومن كثر كلامه كثر خطأه، ومن كثر ~~خطأه قل حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه، ومن مات قلبه ~~دخل النار. # يا بني الأدب خير ميراث وحسن الخلق خير قرين. يا بني العافية عشرة أجزاء، ~~تسعة منها في الصمت إلا عن ذكر الله تعالى، وواحدة في ترك مجالسة السفهاء. ~~يا بني زينة الفقر الصبر وزينة الغنى الشكر. يا بني لا شرف أعلى من الإسلام ~~ولا كرم أعز من التقوى، ولا معقل أحرز من الورع، ولا شفيع أنجح من التوبة، ~~ولا لباس أجمل من العافية. الحرص مفتاح التعب ومطية النصب، والتدبير قبل ~~العمل يؤمنك الندم، بئس الزاد للمعاد العدوان على العباد! طوبى لمن أخلص ~~لله علمه وعمله وحبه وبغضه. وأخذه وتركه وكلامه وصمته وقوله وفعله! وروي أن ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لما طعن دعا بلبن فشرب منه فخرج من طعنته ~~فقال: الله أكبر. فجعل جلساؤه يثنون عليه فقال: وددت أني أخرج منها كفافا ~~كما دخلت فيها، لو أن لي اليوم ما طلعت عليه الشمس وغربت لافتديت به من هول ~~المطلع! قال ابن عمر: ms039 ولما احتضر عمر غشي عليه فأخذت رأسه فوضعته في حجري ~~فقال: ضع رأسي بالأرض لعل الله يرحمني. فمسح خديه من التراب وقال: ويل لعمر ~~وويل لأمه إن لم يغفر له! فقلت: PageV01P020 وهل حجري والأرض إلا سواء يا ~~أبتاه؟ فقال: ضع رأسي بالأرض لا أم لك كما آمرك! فإذا قضيت فأسرعوا بي إلى ~~حفرتي فإنما هو خير تقدمون إليه أو شر تضعونه عن رقابكم! ثم بكى فقيل له: ~~وما يبكيك؟ قال: خبر السماء لا أدري إلى جنة ينطلق بي أو إلى نار. # ولما حضرت عمر بن عبد العزيز الوفاة قال: اللهم إنك أمرتني فقصرت ونهيتني ~~فعصيت وأنعمت علي فأفضلت، فإن عفوت فقد مننت وإن عاقبت فما ظلمت، ألا إني ~~أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، ثم قضى ~~نحبه. ولما حضرت هشام بن عبد الملك الوفاة نظر إلى أهله يبكون حوله فقال: ~~جاد لكم هشام بالدنيا وجدتم له بالبكاء، وترك لكم ما جمع وتركتم عليه ما ~~حمل، ما أعظم منقلب هشام إن لم يغفر الله له! ودخل على المأمون في مرضه ~~الذي مات فيه، فإذا هو قد أمر أن يفرش له جل الدابة ويبسط عليه الرماد، وهو ~~راقد عليه يتضرع ويقول: يا من لا يزول ملكه، ارحم من يزول ملكه. وروي أن ~~أبا بكر الصديق رضي الله عنه مر على طائر واقع على شجرة فقال: طوبى لك يا ~~طائر تطير وتقع على الشجر وتأكل من الثمر وليس عليك حساب ولا عقاب! يا ~~ليتني كنت مثلك والله لوددت أني شجرة إلى جنب الطريق فمر علي بعير، فأخذني ~~فلاكني ثم ازدردني ثم أخرجني بعرا ولم أك بشرا! وقال عاصم بن عبيد الله: ~~أخذ عمر بن الخطاب رضي الله عنه تبنة من الأرض فقال: يا ليتني مثل هذه ~~التبنة! يا ليتني لم تلدني أمي! يا ليتني كنت نسيا منسيا! وقال ابن مسعود: ~~وددت أني طائر في منكبي ريش! وسمع رجلا يقول: يا ليتني كنت من أصحاب اليمن، ms040 ~~فقال ابن مسعود: يا ليتني إذا مت لم أبعث. وقال عمران بن الحصين: وددت أني ~~رماد تسفيني الرياح في يوم عاصف. وقال أبو الدرداء: يا ليتني كنت شجرة تعضد ~~ويؤكل ثمري ولم أك بشرا. # وروي أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما رجع من صفين ~~ودخل أوائل الكوفة فإذا هو بقبر قال: قبر من هذا؟ قالوا: قبر خباب بن ~~الأرت. فوقف عليه وقال: رحم الله خبابا أسلم راغبا وهاجر طائعا وعاش مجاهدا ~~وابتلي في جسمه آخرا، ألا ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا. ثم مضى فإذا ~~قبور فجاء حتى وقف عليها فقال: السلام عليكم أهل الديار الموحشة والمحال ~~المقفرة، أنتم لنا سلف ونحن تبع وبكم عما قليل لاحقون. اللهم اغفر لنا ولهم ~~وتجاوز عنا وعنهم. طوبى لمن ذكر المعاد وعمل للحساب، وقنع بالكفاف ورضي عن ~~الله تعالى. ثم قال: يا أهل القبور، أما الأزواج فقد نكحت، وأما الديار فقد ~~سكنت، وأما الأموال فقد قسمت، فهذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم؟ ثم ~~التفت إلى أصحابه فقال: أما إنهم لو تكلموا لقالوا: وجدنا خير الزاد ~~التقوى. # الباب الثاني # في مقامات العلماء والصالحين عند الأمراء # والوزراء والسلاطين # دخل الأحنف بن قيس على معاوية وعليه شملة ومدرعة صوف. فلما مثل بين يديه ~~اقتحمته عينه فأقبل عليه فقال: مه! فقال الأحنف: يا أمير المؤمنين، أهل ~~البصرة عدد يسير وعظم كسير، مع تتابع من المحول واتصال من الدخول، فالمكثر ~~منها قد أطرق والمقل منها قد أملق. وبلغ به المخنق؛ فإن رأى أمير المؤمنين ~~أن ينعش الفقير ويجبر الكسير ويسهل العسير، ويصفح عن الدخول ويداوي المحول، ~~ويأمر بالعطاء ليكشف البلاء ويزيل اللأواء. ألا وإن السيد من يعم ولا يخص، ~~ويدعو الجفلى ولا يدعو النقرى، إن أحسن إليه شكر وإن أسيء إليه غفر، ثم ~~يكون من وراء الرعية عمادا يدفع عنهم الملمات ويكشف عنهم المعضلات. فقال ~~معاوية: ها هنا يا أبا بحر، ثم قرأ: " ولتعرفنهم في لحن القول " محمد:30. # وقال سفيان ms041 الثوري: لما حج المهدي قال: لا بد لي من سفيان. فوضعوا لي ~~المرصد حول البيت فأخذوني بالليل، فلما مثلت بين يديه أدناني ثم قال: لأي ~~شيء لا تأتينا فنستشيرك في أمورنا، فما أمرتنا من شيء صرنا إليه وما نهيتنا ~~عن شيء انتهينا عنه؟ فقلت له: كم أنفقت في سفرك هذا؟ قال: لا أدري لي أمناء ~~ووكلاء. قلت: فما عذرك غدا إذا وقفت بين يدي الله تعالى فسألك عن ذلك؟ لكن ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما حج قال لغلامه: كم أنفقنا في سفرتنا هذه؟ ~~فقال: يا أمير المؤمنين ثمانية عشر دينارا. فقال: ويحك، أجحفنا بيت مال ~~المسلمين! PageV01P021 وقال الزهري: ما سمعت بأحسن من كلام تكلم به رجل عند ~~سليمان بن عبد الملك، فقال: يا أمير المؤمنين اسمع مني أربع كلمات، فيهن ~~صلاح دينك وملكك وآخرتك ودنياك. قال: ما هن؟ قال: لا تعد أحدا عدة وأنت لا ~~تريد إنجازها، ولا يغرنك مرتقى سهلا إذا كان المنحدر وعرا، واعلم أن ~~للأعمال جزاء فاحذر العواقب، وللدهر ثورات فكن على حذر. # ولما دخل ابن السماك على هارون قال له: عظني. فقال: يا أمير المؤمنين إن ~~الله لم يرض لخلافته في عباده غيرك، فلا ترض من نفسك إلا ما رضي به عنك، ~~فإنك ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولى الناس بذلك. يا أمير ~~المؤمنين من طلب فكاك رقبته في مهلة من أجله كان خليقا أن يعتق نفسه. يا ~~أمير المؤمنين من أذاقته الدنيا حلاوتها بركون منه إليها، أذاقته الآخرة ~~مرارتها بتجافيه عنها. يا أمير المؤمنين ناشدتك الله أن تقدم على جنة عرضها ~~السماوات والأرض، وقد دعيت إليها وليس لك فيها نصيب. يا أمير المؤمنين إنك ~~تموت وحدك وتحاسب وحدك، وإنك لا تقدم إلا على حالة نادم مشغول، ولا تخلف ~~إلا مفتونا مغرورا، وإنك وإيانا لفي دار سفر وجيران ظعن. # ولما حج سليمان بن عبد الملك استحضر أبا حازم فقال له: تكلم يا أبا حازم. ~~فقال: بم أتكلم؟ فقال: في الخروج من ms042 هذا الأمر. قال: يسيران أنت فعلته. ~~قال: وما ذاك؟ قال: لا تأخذ الأشياء إلا من حلها ولا تضعها إلا في أهلها. ~~قال: ومن يقوى على ذاك؟ قال: من قلده الله من الأمر ما قلدك. قال: عظني يا ~~أبا حازم. قال: يا أمير المؤمنين إن هذا الأمر لم يصر إليك إلا بموت من ~~قبلك، وهو خارج عنك بمثل ما صار إليك. ثم قال: يا أمير المؤمنين نزه ربك في ~~عظمته عن أن يراك حيث نهاك، أو يفقدك حيث أمرك. يا أمير المؤمنين إنما أنت ~~سوق فما نفق عندك حمل إليك من خير أو شر، فاختر لنفسك أيهما شئت. # قال: فما لك لا تأتينا؟ قال: وما أصنع بإتيانك؟ إن أدنيتني فتنتني، وإن ~~أقصيتني أحزنتني، وليس عندي ما أخافك عليه ولا عندك ما أرجوك له. قال: ~~فارفع إلي حوائجك. قال: قد رفعتها إلى من هو أقدر منك عليها، فما أعطاني ~~منها قبلت، وما منعني منها رضيت، يقول الله عز وجل: " نحن قسمنا بينهم ~~معيشتهم في الحياة الدنيا " الزخرف: 32. فمن ذا الذي يستطيع أن ينقص من ~~كثير ما قسم الله، أو يزيد في قليل ما قسم الله؟ قال: فبكى سليمان بكاء ~~شديدا فقال رجل من جلسائه: أسأت إلى أمير المؤمنين! فقال له أبو حازم: ~~اسكت! فإن الله تعالى أخذ ميثاق العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه. ثم خرج ~~من عنده فلما وصل إلى منزله بعث إليه بمال فرده وقال للرسول: قل له يا أمير ~~المؤمنين، والله ما أرضاه لك فكيف أرضاه لنفسي؟ وقال الفضل بن الربيع: حج ~~هارون الرشيد، فبينما أنا نائم ليلة إذ سمعت قرع الباب فقلت: من هذا؟ فقال: ~~أجب أمير المؤمنين! فخرجت مسرعا فإذا هو أمير المؤمنين فقلت: يا أمير ~~المؤمنين لو أرسلت إلي أتيتك. فقال: ويحك قد حاك في نفسي شيء لا يخرجه إلا ~~عالم، انظر لي رجلا أسأله. فقلت له: ههنا سفيان بن عيينة. قال امض بنا ~~إليه. فأتيناه فقرعت عليه الباب، فقال: من هذا؟ فقلت: أجب أمير المؤمنين! ~~فخرج ms043 مسرعا فقال: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي أتيتك. فقال: خذ لما جئنا ~~له. فحادثه ساعة ثم قال: عليك دين؟ قال: نعم. فقال: يا عباس اقض دينه، ثم ~~انصرفنا. فقال: ما أغنى عني صاحبك شيئا، فانظر لي رجلا أسأله. # ههنا عبد الرزاق بن همام. فقال امض بنا إليه نسأله. فأتيناه فقرعنا عليه ~~الباب، فقال: من هذا؟ فقلت: أجب أمير المؤمنين! فخرج يصلي في غرفته يتلو ~~آية من كتاب الله تعالى وهو يرددها، فقرعت عليه الباب، فقال: من هذا؟ فقلت: ~~أجب أمير المؤمنين! فقال: ما لي ولأمير المؤمنين؟ فقلت: سبحان الله أوما ~~عليك طاعته؟ أوليس قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ليس للمؤمن ~~أن يذل نفسه؟ فنزل ففتح الباب ثم ارتقى الغرفة فأطفأ السراج ثم التجأ إلى ~~زاوية من زوايا الغرفة، فجعلنا نجول عليه بأيدينا فسبقت كف الرشيد كفي ~~فقال: أواه من كف ما ألينها إن نجت غدا من عذاب الله! فقلت في نفسي: ~~ليكلمنه الليلة بكلام نقي من قلب تقي. فقال: PageV01P022 خذ لما جئنا له ~~يرحمك الله. فقال: وفيم جئت؟ حطبت على نفسك وجميع من معك حطبوا عليك، حتى ~~لو سألتهم عند انكشاف الغطاء عنك وعنهم أن يتحملوا عنك شقصا من ذنب ما ~~فعلوا، ولكان أشدهم حبا لك أشدهم هربا منك. # ثم قال: إن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لما ولي الخلافة، دعا سالم بن ~~عبد الله ومحمد بن كعب القرظي ورجاء بن حيوة فقال لهم: إني قد ابتليت بهذا ~~البلاء فأشيروا علي؛ فعد الخلافة بلاء وعددتها أنت وأصحابك نعمة. فقال هل ~~سالم بن عبد الله: إن أردت النجاة غدا من عذاب الله فصم عن الدنيا وليكن ~~إفطارك فيها الموت. وقال له محمد بن كعب: إن أردت النجاة غدا من عذاب الله ~~فليكن كبير المسلمين عندك أبا، وأوسطهم عندك أخا، وأصغرهم عندك ولدا، فبر ~~أباك وارحم أخاك وتحنن على ولدك. وقال له رجاء بن حيوة: إن أردت النجاة غدا ~~من عذاب الله فأحب للمسلمين ms044 ما تحب لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك، ثم متى ~~شئت مت. وإني لأقول لك هذا وأخاف عليك أشد الخوف يوم تزل فيه الأقدام فهل ~~معك رحمك الله مثل هؤلاء القوم من يأمرك بمثل هذا؟ فبكى هارون بكاء شديدا ~~حتى غشي عليه، فقلت له: ارفق بأمير المؤمنين! فقال: يا ابن الربيع قتلته ~~أنت وأصحابك وأرفق به أنا؟ ثم أفاق فقال: زدني. فقال: يا أمير المؤمنين! ~~بلغني أن عاملا لعمر بن عبد العزيز شكا إليه فكتب إليه عمر: يا أخي اذكر ~~سهر أهل النار في النار وخلود الأبد، فإن ذلك يطرد بك إلى ربك نائما أو ~~يقظانا، وإياك أن تزل قدمك عن هذه السبيل فيكون آخر العهد بك ومنقطع الرجاء ~~منك. فلما قرأ كتابه طوى البلاد حتى قدم إليه، فقال عمر: ما أقدمك؟ فقال ~~له: خلعت قلبي بكتابك، لا وليت لك ولاية أبدا حتى ألقى الله تعالى! فبكى ~~هارون بكاء شديدا ثم قال: زدني. فقال: يا أمير المؤمنين إن العباس عم النبي ~~صلى الله عليه وسلم جاءه فقال: يا رسول الله أمرني على إمارة. فقال له صلى ~~الله عليه وسلم: يا عباس يا عم النبي، نفس تحييها خير من إمارة لا تحصيها، ~~إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة، فإن استطعت أن لا تكون أميرا فافعل. ~~فبكى هارون بكاء شديدا. # ثم قال: زدني يرحمك الله! فقال: يا حسن الوجه! أنت الذي يسألك الله عن ~~هذا الخلق يوم القيامة، فإن استطعت أن تقي هذا الوجه من النار فافعل، وإياك ~~أن تصبح وتمسي وفي قلبك غش لرعيتك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: من ~~أصبح لهم غاشا لم يرح رائحة الجنة. فبكى هارون بكاء شديدا، ثم قال: عليك ~~دين؟ قال: نعم دين لربي لم يحاسبني عليه، فالويل لي إن سألني، والويل لي إن ~~ناقشني، والويل لي إن لم يلهمني حجتي! قال: إنما أعني دين العباد. قال: إن ~~ربي لم يأمرني بهذا، أمرني أن أصدق وعده وأطيع أمره فقال تعالى: " وما خلقت ~~الجن والإنس ms045 إلا ليعبدون " " ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون " " ~~إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين " الذاريات: 56 - 58. فقال له: هذه ألف ~~دينار خذها فأنفقها على عيالك وتقو بها على عبادة ربك. فقال: سبحان الله ! ~~أنا أدلك على سبيل النجاة، وتكافئني بمثل هذا، سلمك الله ووفقك. ثم صمت فلم ~~يكلمنا فخرجنا من عنده، فقال لي هارون: إذا دللتني على رجل فدلني على مثل ~~هذا، هذا سيد المسلمين اليوم! وروي أن امرأة من نسائه دخلت عليه فقالت: يا ~~هذا، أما ترى ما نحن فيه من ضيق الحال؟ فلو قبلت هذا المال لفرجت به عنا. ~~فقال: إنما مثلي ومثلكم كمثل قوم كان لهم بعير يأكلون من كسبه، فلما كبر ~~نحروه فأكلوا لحمه، موتوا يا أهلي جوعا ولا تذبحوا فضيلا. فلما سمع الرشيد ~~ذلك قال: أدخل فعسى أن يقبل المال. قال: فدخلنا عليه، فلما علم بنا الفضيل ~~خرج وجلس على التراب على السطح، فجلس هارون إلى جانبه فجعل يكلمه وهو لا ~~يجيبه، فبينما نحن كذلك إذ خرجت جارية سوداء فقالت: يا هذا قد أذيت الشيخ ~~هذه الليلة، فانصرف يرحمك الله! فانصرفنا. # ووعظ شبيب بن شيبة المنصور فقال: PageV01P023 يا أمير المؤمنين إن الله ~~لم يجعل فوقك أحدا، فلا تجعل فوق شكرك شكرا. ودخل عمرو بن عبيد على المنصور ~~فقرأ: " والفجر وليال عشر " الفجر: 1و2 حتى بلغ " إن ربك لبالمرصاد " ~~الفجر: 14، لمن فعل مثل فعالهم، فاتق الله يا أمير المؤمنين فإن بأبوابك ~~نارا تأجج، لا يعمل فيها بكتاب الله ولا بسنة رسول الله، وأنت مسؤول عما ~~اجترحوا وليسوا مسؤولين عما اجترحت، فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك! أما ~~والله لو علم عمالك أنه لا يرضيك منهم إلا العدل لتقرب به إليك من لا ~~يريده. فقال له سليمان بن مجالد: اسكت! فقد غممت أمير المؤمنين. فقال عمرو: ~~ويحك يا ابن مجالد! أما كفاك أنك خزنت نصيحتك عن أمير المؤمنين حتى أردت أن ~~تحول بينه وبين من ينصحه؟ اتق الله يا أمير المؤمنين فإن هؤلاء قد ms046 اتخذوك ~~سلما إلى شهواتهم، فأنت كالماسك بالقرون وغيرك يحلب، وإن هؤلاء لن يغنوا ~~عنك من الله شيئا! وقال الأوزاعي للمنصور في بعض كلامه: يا أمير المؤمنين، ~~أما علمت أنه كان بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم جريدة يابسة يستاك بها ~~ويردع بها المنافقين، فأتاه جبريل فقال: يا محمد، ما هذه الجريدة بيدك ~~اقذفها لا تملأ قلوبهم رعبا؟ فكيف من سفك دماء المسلمين وشق أبشارهم ونهب ~~أموالهم؟ إن المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، دعا إلى القصاص من نفسه ~~بخدشة خدشها أعرابيا عن غير عمد، فقال له جبريل عليه السلام: إن الله لم ~~يبعثك جبارا تكسر قلوب رعيتك! يا أمير المؤمنين لو أن ثوبا من النار صب على ~~ما في الأرض لأحرقه، فكيف بمن يتقمصه؟ ولو أن ذنوبا من النار صب على ما في ~~الأرض لأحرقه، فكيف بمن يتجرعه؟ ولو أن حلقة من سلاسل جهنم وضعت على جبل ~~لذاب، فكيف بمن يسلك فيها ويرد فضلها على عاتقه؟ ودخل بعض العقلاء على ~~سلطان فقال له: إن أحق الناس بالإحسان من أحسن الله إليه، وأولاهم بالإنصاف ~~من بسطت يداه بالقدرة، فاستدم ما أوتيت من النعم بتأدية ما عليك من الحق. ~~وروي أن أعرابيا قام بين يدي هشام بن عبد الملك فقال له: أيها الأمير أتت ~~على الناس سنون ثلاثة: أما الأولى فأكلت اللحم، وأما الثانية فأذابت الشحم، ~~وأما الثالثة فهاضت العظم، وعندك فضول أموال فإن كانت لله فأقسمها بين عباد ~~الله، وإن كانت لهم فلم تحظر عليهم؟ وإن كانت لكم فتصدقوا إن الله يجزي ~~المتصدقين. فأمر هشام بمال فقسم بين الناس وأمر للأعرابي بمال، فقال: أكل ~~المسلمين له مثل هذا المال؟ قال: لا يقوم بذلك بيت المال. قال: لا حاجة لي ~~فيما يبعث لأئمة الناس على أمير المؤمنين. # وقال رجل لعمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين أذكر بمقامي هذا مقاما لا ~~يشغل الله عنك كثرة من تخاصم من الخلائق يوم تلقاه بلا ثقة من العمل ولا ~~براءة من الذنب. ms047 فبكى عمر بكاء شديدا ثم استرده الكلام، فجعل يردده وعمر ~~يبكي وينتحب، ثم قال: حاجتك؟ فقال: عاملك بأذربيجان أخذ مني اثني عشر ألف ~~درهم. فقال: اكتبوها له حتى ترد عليه. ولما دخل زياد على عمر بن عبد العزيز ~~قال: يا زياد ألا ترى إلى ما ابتليت به من أمر أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم؟ فقال زياد: يا أمير المؤمنين والله لو أن كل شعرة منك قطعت ما بلغت ~~كنه ما أنت فيه، فاعمل لنفسك في الخروج مما أنت فيه يا أمير المؤمنين كيف ~~حال رجل له خصم ألد؟ قال: سيئ الحالة. قال: فإن كان له خصمان ألدان؟ قال: ~~أسوأ الحالة. قال: فإن كانوا ثلاثة؟ قال: لا يهنيه عيش. قال: فو الله ما من ~~أحد من أمة محمد إلا وهو خصمك! فبكى حتى تمنيت أن لا أكون قلت له ذلك. # وقال محمد بن كعب لعمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين إنما الدنيا سوق ~~من الأسواق، فمنها خرج الناس بما ربحوا فيها لآخرتهم وخرجوا بما يضرهم، فكم ~~من قوم غرهم مثل الذي أصبحت فيه حتى أتاهم الموت فخرجوا من الدنيا مرملين، ~~لم يأخذوا من الدنيا للآخرة، فأخذ مالهم من لا يحمدهم وصاروا إلى من لا ~~يعذرهم؟ فانظر إلى الذي تحب أن يكون معك فقدمه بين يديك حتى تخرج إليه، ~~وانظر الذي تكره أن يكون معك إذا قدمت فابتغ به البدل حيث يجوز البدل، ولا ~~تذهبن إلى سلعة قد بارت على غيرك ترجو رواجها عندك، يا أمير المؤمنين افتح ~~الأبواب وسهل الحجاب وانصر المظلوم. وحضر رجل بين يدي بعض الملوك فأغلظ له ~~السلطان، فقال له الرجل: PageV01P024 إنما أنت كالسماء إذا أرعدت وأبرقت ~~فقد قرب خيرها؟ فسكن غضبه وأحسن إليه. # ولما احتاج المنصور بن أبي عامر ملك الأندلس أن يأخذ أرضا محبسة ويعاوض ~~عنها خيرا منها، استحضر بعض الفقهاء إلى قصره فأفتوا بأنه لا يجوز، فغضب ~~السلطان وأرسل إليهم رجلا من الوزراء مشهورا بالحدة والعجلة فقال لهم: يقول ~~لكم أمير المؤمنين يا ms048 مشيخة السوء، يا مستحلي أموال الناس، يا آكلي أموال ~~اليتامى ظلما، يا شهود الزور وآخذي الرشا وملقني الخصوم، وملقحي الشرور ~~وملبسي الأمور، وملتمسي الروايات لدى اتباع الشهوات، تبا لكم ولآرائكم! فهو ~~أعزه الله واقف على فسوقكم قديما وخونكم لأماناتكم مغض عنه صابر عليه، ثم ~~احتاج إلى دقة نظركم في حاجة مرة واحدة في دهره، فلم تشفعوا إرادته، ما كان ~~هذا ظنه بكم، والله ليعارضنكم وليكشفن ستوركم، وليناصحن الإسلام فيكم! ~~وأفحش عليهم بهذا ونحوه فأجابه شيخ منهم ضعيف الهمة فقال: نتوب إلى الله ~~مما قاله أمير المؤمنين ونسأله الإقالة. # فرد عليه زعيم القوم محمد بن إبراهيم بن حيويه وكان جلدا صارما فقال ~~للمتكلم: مم نتوب يا شيخ السوء؟ نحن براء من متابك! ثم أقبل على الوزير ~~فقال: يا وزير بئس المبلغ أنت! وكل ما نسبته إلينا عن أمير المؤمنين فهو ~~صفتكم معاشر خدمته، فأنتم الذين تأكلون أموال اليتامى بالباطل وتستحلون ~~ظلمهم بالإخافة، وتنتجون معايشكم بالرشا والمصانعة، وتبغون في الأرض بغير ~~الحق، وأما نحن فليست هذه صفاتنا ولا كرامة، ولا يقولها لنا إلا متهم ~~بالديانة، فنحن أعلام الهدى وسرج الظلمة، بنا يتحصن الإسلام ويفرق بين ~~الحلال والحرام وتنفذ الأحكام، وبنا تقام الفرائض وتثبت الحقوق وتحقن ~~الدماء وتستحل الفروج، فهلا إذ عتب علينا أمير المؤمنين بشيء لا ذنب فيه ~~لنا، وقال بالغيظ ما قاله، تأنيت بإبلاغنا رسالته بأهون من إفحاشك، وعرضت ~~لنا بإنكاره، ففهمناه منك وأجبناك عنه بما يصلح الجواب له، وكنت تزين على ~~السلطان ولا تفشي سره، ولا تحيينا بما استقبلتنا به، فنحن نعلم أن أمير ~~المؤمنين لا يتمادى على هذا الرأي فينا، ولا يعتقد هذا المعتقد في صفاتنا، ~~وإنه سيراجع بصيرته في إيثارنا وتعزيزنا، ولو كان عنده على هذه الحالة التي ~~وصفتها عنا، والعياذ بالله تعالى من ذلك، لبطل عليه كل ما صنعه وعقده من ~~أول خلافته إلى هذا الوقت، فلا يثبت له كتاب من حرب ولا سلم ولا شراء ولا ~~بيع، ولا صدقة ولا حبس ولا هبة ولا عتق، ولا ms049 غير ذلك إلا بشهادتنا، هذا ما ~~عندنا والسلام. # ثم قاموا منصرفين فلم يكادوا يبلغوا باب القصر إلا والرسل تناديهم، ~~فدخلوا القصر فتلقاهم الوزراء بالإعظام ورفعوا منازلهم واعتذروا إليهم مما ~~كان من صاحبهم، وقالوا لهم: إن أمير المؤمنين يعتذر إليكم من فرط موجدته، ~~ويستجير بالله من الشيطان الرجيم ونزعته التي حملته على الجفاء عليكم، ~~ويعلمكم أنه نادم على ما كان منه إليكم، وهو مستبصر في تعظيمكم وقضاء ~~حقوقكم، وقد أمر لكل واحد منكم بما ترون من صلته وكسوته علامة لرضاه عنكم، ~~فدعوا له وقبضوا ما أمر لهم به وانصرفوا غالبين لم يمسسهم سوء. # ولما نظر مالك بن دينار إلى المهلب بن أبي صفرة يجر أذياله ويتبختر في ~~أثواب خيلائه، ناداه أن ارفع من ثيابك. فقال له المهلب: أوما تعرفني؟ قال ~~له مالك: بلى إني أعرفك، أولك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة، وأنت فيما بين ~~ذلك تحمل العذرة. ويروى أن رجلا قال لعبيد الله العمري: هذا هارون الرشيد ~~في الطواف قد أخلي له المسعى، فقال له: لا جزاك الله عني خيرا كلفتني أمرا ~~كنت عنه غنيا! ثم جاء إليه فقال: يا هارون! فلما نظر إليه قال: لبيك يا عم! ~~قال: كم ترى ههنا من خلق الله تعالى؟ قال: لا يحصيهم إلا الله. قال: اعلم ~~أيها الرجل أن كل واحد منهم يسأل عن خاصة نفسه، وأنت وحدك تسأل عنهم كلهم، ~~فانظر كيف تكون؟ قال: فبكى هارون وجلس فجعلوا يعطونه منديلا منديلا للدموع، ~~ثم قال له: والله إن الرجل ليسرف في مال نفسه فيستحق الحجر عليه، فكيف بمن ~~أسرف في مال المسلمين؟ فيقال إن هارون كان يقول بعد ذلك: إني أحب أن أحج في ~~كل عام، وما يمنعني من ذلك إلا عبيد الله العمري. # ويروى أن الحسن بن محمد بن الحسين دخل على عمر بن عبد العزيز فقال له: ~~PageV01P025 يا عمر، ثلاث من كن فيه فقد استكمل الإيمان. فقال عمر: إيه أهل ~~بيت النبوة ومعدن الرسالة! وجثى على ركبتيه، فقال الحسن: من إذا رضي ms050 لم ~~يدخله رضاه في باطل، ومن إذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق، ومن إذاقدر لم ~~يتناول ما ليس له. ولما ولي عمر بن عبد العزيز وفد عليه الوفود من كل بلد، ~~فوفد عليه الحجازيون فتقدم منهم غلام للكلام، وكان حديث السن، فقال عمر: ~~لينطق من هو أسن منك. فقال الغلام: أصلح الله أمير المؤمنين! إنما المرء ~~بأصغريه: قلبه ولسانه، فإذا منح الله العبد لسانا لافظا وقلبا حافظا، فقد ~~استحق الكلام وعرف فضله من سمع خطابه، ولو أن الأمر يا أمير المؤمنين بالسن ~~لكان في الأمة من هو أحق منك بمجلسك هذا. فقال عمر: صدقت! قل ما بدا لك. # فقال الغلام: أصلح الله أمير المؤمنين! نحن وفد تهنئة لا وفد مرزئة، وقد ~~أتيناك لمن الله الذي من علينا بك، لم تقدمنا إليك رغبة ولا رهبة، أما ~~الرغبة فقد أتتنا منك في بلادنا، وأما الرهبة فقد أمنا جورك بعدلك. فقال له ~~عمر: عظني يا غلام! فقال: أصلح الله أمير المؤمنين! إن ناسا غرهم حلم الله ~~عليهم وطول أملهم، وكثرة ثناء الناس عليهم، فزلت بهم أقدامهم فهووا في ~~النار، فلا يغرنك حلم الله عليك وطول أملك، وكثرة ثناء الناس عليك، فتزل بك ~~قدمك فتلتحق بالقوم، فلا جعلك الله منهم وألحقك بصالحي هذه الأمة! ثم سكت، ~~فسأل الإمام عمر الغلام عن سنه، فإذا هو ابن إحدى عشرة سنة، ثم سأل عن نسبه ~~فإذا هو من ولد الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فتمثل عمر عند ذلك ~~بقول الشاعر: # تعلم فليس المرء يولد عالما ... وليس أخو علم كمن هو جاهل # وإن كبير القوم لا علم عنده ... صغير إذا التفت عليه المحافل # وفي مثل هذا قيل للعتابي، وكان لا يبالي بما لبس: ما لك لا تجيد الملبوس؟ ~~فقال: إنما يرفع المرء أدبه وعقله لا حليته وحلته، لحى الله أمرأ يرضى أن ~~ترفعه هيئته وجماله! لا والله حتى يشرفه أصغراه: لسانه وقلبه، ويعلو به ~~أكبراه: همته ولبه. ولما دخل ضمرة بن ضمرة على ms051 المنذر بن المنذر وهو ملك، ~~وكان ضمرة ذا رأي وعقل، احتقرته عينه لدمامته، فقال: لأن تسمع بالمعيدي خير ~~من أن تراه! ثم قال ضمرة: أبيت اللعن! إن القوم ليسوا بجزر تجزرن، وإنما ~~المرء بأصغريه قلبه ولسانه، فإذا نطق نطق ببيان، وإذا قاتل قاتل بجنان، ~~والرجال لا تكال بالقفزان ولا توزن بالقبان. فأعجب المنذر بكلامه. # وروي أن روح بن زنباع كان في طريق مكة في يوم شديد الحر مع أصحابه، ~~فنزلوا وضربت لهم الخيام والظلال، وقدم إليهم الطعام والشراب المبرد. ~~فبينما هم كذلك وإذا هم براع، فدعاه إلى الطعام فأبى وقال: إني صائم! فقال ~~له روح: في مثل هذا اليوم الحار؟ قال: أفأدع أيامي تذهب باطلا؟ فقال له ~~روح: لقد ضننت بأيامك يا راعي إذ جاد بها روح بن زنباع. وروي أن أعرابيا ~~قام بين يدي سليمان بن عبد الملك وقال: يا أمير المؤمنين، إني مكلمك كلاما ~~فاحتمله إن كرهته، فإن وراءه ما تحب إن قبلته. فقال: هات يا أعرابي. فقال: ~~إني سأطلق لساني بما خرست به الألسن لحق الله ولحق أمانتك! إنه قد اكتنفك ~~رجال أساءوا الاختيار لأنفسهم، وابتاعوا دنياك بدينهم ورضاك بسخط ربهم، ~~خافوك في الله ولم يخافوا الله فيك، فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك، فأعظم ~~الناس غبنا يوم القيامة من باع آخرته بدنيا غيره! فقال له سليمان: أما أنت ~~فقد نصحت، وأرجو أن الله يعين على ما قلدنا وقد جردت لسانك وهو سيفك. فقال: ~~أجل يا أمير المؤمنين، وهو لك لا عليك! وقال بن أبي العروبة: حج الحجاج ~~فنزل بعض المياه بين مكة والمدينة ودعى بالغداء، وقال لحاجبه: انظر من ~~يتغدى معي واسأله عن بعض الأمر. فنظر نحو الجبل فإذا هو براع بين شملتين ~~نائم فضربه برجله وقال له: ائت الأمير! فأتاه، فقال له الحجاج: اغسل يديك ~~وتغد معي. فقال: دعاني من هو خير منك فأجبته. فقال: من هو؟ قال: الله تعالى ~~دعاني إلى الصيام فصمت. قال: في هذا الحر الشديد؟ قال: نعم صمت ليوم هو أشد ~~حرا ms052 منه! قال: فافطر وصم غدا. قال: إن ضمنت لي البقاء إلى غد. قال: ليس ذلك ~~إلي. قال: فكيف تسألني عاجلا بآجل لا تقدر عليه؟ قال: لأنه طعام طيب. قال: ~~PageV01P026 لم تطيبه أنت ولا الطباخ ولكن طيبته العافية! ولما حج هارون ~~الرشيد بعث إلى مالك بن أنس بكيس فيه خمسمائة دينار، فلما قضى نسكه وانصرف ~~ودخل المدينة بعث إلى مالك بن أنس أن أمير المؤمنين يحب أن تنتقل معه إلى ~~مدينة السلام. فقال للرسول: قل له إن الكيس بخاتمه. وقال الرسول عليه ~~السلام: والمدينة خير لهم ولو كانوا يعلمون. # وقال وهب بن منبه رضي الله عنه: إن ملكا كان يفتن الناس ويحملهم على أكل ~~لحم الخنزير، فأتى برجل أفضل أهل زمانه فأعظم الناس مكانه وهالهم أمره، ~~فراوده على أكل لحم الخنزير فرق له صاحب شرطة الملك وقال له: أنا آتيك بجدي ~~تذبحه مما يحل لك أكله، وإذا دعا الملك بلحم الخنزير أتيتك به ففعل، ثم أتى ~~به الملك فدعا بلحم الخنزير فأتى صاحب الشرطة بلحم ذلك الجدي، فأمر به ~~الملك أن يأكله، فأبى أن يأكله، فجعل صاحب الشرطة يغمزه أن يأكله فأبى أن ~~يأكله، فأمر صاحب الشرطة أن يقتله. فلما ذهب به قال: ما منعك أن تأكله وهو ~~اللحم الذي أنت ذبحته؟ أظننت أني جئتك بغيره؟ قال: لا قد علمت أنه هو، ~~ولكنني خفت أن يفتتن الناس بي، فإن أكرهوا على أكل لحم الخنزير قالوا قد ~~أكله فلان، فيستن بي فأكون فتنة لهم. فقتل رحمه الله. # وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لكعب الأحبار: يا كعب خوفنا! ~~قال: أوليس فيكم كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: بلى يا ~~كعب ولكن خوفنا! قال: يا أمير المؤمنين، اعمل عملا وجل لو وافيت يوم ~~القيامة بعمل سبعين نبيا لازدريت عملهم مما ترى. فأطرق عمر مليا ثم أفاق ~~فقال: يا كعب خوفنا! فقال: يا أمير المؤمنين، لو فتح من جهنم قدر منخر ثور ~~بالمشرق ورجل بالمغرب لغلى دماغه ms053 حتى يسيل من حرها! فبكى عمر ثم أفاق فقال: ~~يا كعب زدنا. فقال: يا أمير المؤمنين، إن جهنم لتزفر زفرة يوم القيامة، فما ~~يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا خر على ركبتيه حتى يخر إبراهيم خليل الرحمن ~~على ركبتيه يقول: يا رب إني لا أسألك اليوم إلا نفسي إلا محمد صلى الله ~~عليه وسلم يقول: يا رب أمتي أمتي لا أسألك غيرها! واستأذن ابن دهمان على ~~بعض الأمراء فحجبه ثم أذن له، فلما دخل قال: إن هذا الأمر الذي صار إليك قد ~~كان في يدي غيرك، فأمسوا والله حديثا فإن خيرا فخير وإن شرا فشر، فتحبب إلى ~~عباد الله بحسن البشر ولين الجانب وتسهيل الحجاب، فإن حب عباد الله موصول ~~بحب الله وبغضهم موصول ببغضه، لأنهم شهداء الله على خلقه. # ولما دخل محمد بن واسع سيد العباد في زمانه على بلال بن أبي بردة أمير ~~البصرة، وكان ثوبه إلى نصف ساقه، قال له بلال: ما هذه الشهرة يا ابن واسع؟ ~~فقال له ابن واسع: أنتم شهرتمونا، هكذا كان لباس من مضى وإنما أنتم طولتم ~~ذيولكم فصارت السنة بينكم بدعة وشهرة. # وأما أنا، فلما دخلت على الأفضل بن أمير الجيوش وهو ملك مصر فقلت: سلام ~~عليكم ورحمة الله، فرد السلام على نحو ما سلمت ردا جميلا، وأكرم إكراما ~~جزيلا وأمرني بدخول مجلسه وأمرني بالجلوس فيه. فقلت: أيها الملك، إن الله ~~سبحانه وتعالى قد أحلك محلا عاليا شامخا وأنزلك منزلا شريفا باذخا، وملكك ~~طائفة من ملكه وأشركك في حكمه، ولم يرض أن يكون أمر أحد فوق أمرك، فلا ترض ~~أن يكون أحدا أولى بالشكر منك. وإن الله سبحانه قد ألزم الورى طاعتك فلا ~~يكون أحد أطوع لك منك، وليس الشكر باللسان ولكنه بالفعال والإحسان. قال ~~الله تعالى: " اعملوا آل داود شكرا " سبأ: 13. واعلم أن هذا الذي أصبحت فيه ~~من الملك إنما صار إليك بموت من كان قبلك، وهو خارج عن يديك بمثل ما صار ~~إليك، فاتق الله فيما خولك من هذه ms054 الأمة فإن الله سائلك عن النقير والقطمير ~~والفتيل. # قال الله تعالى: " فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون " الحجر: ~~92و93. وقال الله تعالى: " وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا ~~حاسبين " الأنبياء: 47. واعلم أيها الملك أن الله تعالى قد آتى ملك الدنيا ~~بحذافيرها لسليمان بن داود عليهما السلام، فسخر له الإنس والجن والطير ~~والشياطين والوحوش والبهائم، وسخر له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب، ثم ~~رفع عنه حساب ذلك أجمع فقال له: PageV01P027 " هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك ~~بغير حساب " ص: 39. فوالله ما عدها نعمة كما عددتموها، ولا حسبها كرامة كما ~~حسبتموها، بل خاف أن يكون استدراجا من الله تعالى ومكرا به، فقال: " هذا من ~~فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر " النمل: 40. فافتح الباب وسهل الحجاب وانصر ~~المظلوم، أعانك الله على نصر المظلوم وجعلك كهفا للملهوف وأمانا للخائف. ثم ~~أتممت المجلس بأن قلت: قد دورت البلاد شرقا وغربا، فما اخترت مملكة تزوجت ~~فيها وولد لي فيها غير هذه المملكة، ثم أنشدت: # والناس أكيس من أن يحمدوا رجلا ... حتى يروا عنده آثار إحسان # وكتب حكيم إلى حكيم: إني سائلك عن ثلاثة أشياء إن أجبت عنها صرت لك ~~تلميذا: أي الناس أولى بالرحمة، ومتى تضيع أمور الناس، وبم تتلقى النعمة من ~~الله تعالى؟ فكتب إليه: إن أولى الناس بالرحمة ثلاثة: البر يكون في السلطان ~~الفاجر، فهو الدهر حزين لما يرى ويسمع. والعاقل يكون في تدبير الجاهل، فهو ~~الدهر متعوب مهموم. والكريم يحتاج إلى اللئيم فهو الدهر خاضع له. وتضيع ~~أمور الناس إذا كان الرأي عند من لا يصله، والسلاح عند من لا يستعمله، ~~والمال عند من لا ينفقه. وتتلقى النعمة من الله تعالى بكثرة شكره ولزوم ~~طاعته واجتناب معصيته. فصار تلميذا له إلى أن مات. # وقال يحيى بن سعيد: حج سليمان بن عبد الملك ومعه عمر بن عبد العزيز، فلما ~~أشرفا على عقبة عسفان نظر سليمان إلى السرادقات قد ضربت له، فقال له: يا ~~عمر كيف ترى؟ قال: أرى دنيا عريضة ms055 يأكل بعضها بعضا، وأنت المسؤول عنها ~~المأخوذ بها. فبينما هو كذلك إذ طار غراب من سرادق سليمان في منقاره كسرة ~~فصاح، فقال سليمان: ما يقول هذا الغراب؟ فقال عمر: ما أدري ما يقول، ولكن ~~إن شئت أخبرتك بعلم. قال: أخبرني. قال: هذا غراب طار من سرادقك في منقاره ~~كسرة، أنت بها مأخوذ مسؤول عنها من أين دخلت ومن أين خرجت؟ قال: إنك لتجيء ~~بالعجب! قال: أفلا أخبرك بأعجب من هذا؟ قال: بلى. قال: من عرف الله كيف ~~عصاه، ومن عرف الشيطان كيف أطاعه، ومن أيقن بالموت كيف يهنيه العيش؟ قال: ~~لقد غشيت علينا ما نحن فيه. ثم ضرب فرسه وسار. # ويروى أن بلال بن أبي بردة خرج في جنازة وهو أمير على البصرة، فنظر إلى ~~جماعة وقوفا فقال: ما هذا؟ قالوا: مالك بن دينار يذكر الناس. فقال الوصيف ~~معه: اذهب إلى مالك بن دينار فقل له يرتفع إلينا إلى القبر. فجاء الوصيف ~~فأدى الرسالة إلى مالك فصاح به مالك: لا، ما لي إليه حاجة فأجيبه فيها، فإن ~~تكن له حاجة فليجئ إلى حاجة نفسه. فلما دفنوا ميتهم قام بلال بمن معه إلى ~~حلقة مالك، فلما دنا منها نزل ونزل من معه، ثم جاء يمشي إلى الحلقة حتى ~~جلس، فلما رآه مالك بن دينار سكت فأطال السكوت، فقال له بلال: يا أبا يحيى ~~ذكرنا. قال: نسيت شيئا فأذكركه. قال له: فحدثنا. قال: أما هذا فنعم. قدم ~~علينا أمير من قبلك على البصرة، فمات فدفناه في هذه الجبانة، ثم أتينا ~~بزنجي فدفناه إلى جنبه، فوالله ما أدري أيهما كان أكرم على الله سبحانه ~~وتعالى. فقال بلال: يا أبا يحيى أتدري ما الذي جرأك علينا وما الذي سكتني ~~عنك؟ قال: لا. قال: لأنك لم تأخذ من دراهمنا شيئا، أما والله لو أخذت من ~~دراهمنا شيئا ما اجترأت علي هذه الجرأة! فأفادني هذا الحديث علما ألا ~~فاتقوا دراهمهم. # ودخل ابن شهاب على الوليد بن عبد الملك فقال: يا ابن شهاب ما حديث يحدثنا ~~به ms056 أهل الشام؟ قال: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: حدثونا أن الله تبارك ~~وتعالى إذا استرعى عبدا رعية كتب له الحسنات ولم يكتب عليه السيئات! قال: ~~كذبوا يا أمير المؤمنين! أنبي خليفة أقرب إلى الله أم خليفة ليس بنبي؟ قال: ~~بل نبي خليفة. قال: أنا أحدثك يا أمير المؤمنين بما لا شك فيه، قال الله ~~تعالى لنبيه داود: " يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس ~~بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم ~~عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب " ص: 26. يا أمير المؤمنين، هذا وعيد الله ~~لنبي خليفة فما ظنك بخليفة غير نبي؟ فقال الوليد: إن الناس ليفرونا عن ~~ديننا. # وروى زياد بن مالك بن أنس، قال: PageV01P028 لما بعث أبو جعفر إلى مالك ~~بن أنس وابن طاوس فدخلا عليه، فإذا هو جالس على فرش قد نضدت، وبين يديه ~~أنطاع قد بسطت، وبين يديه جلاوزة بأيديهم السيوف يضربون الأعناق، فأومأ ~~إلينا أن اجلسا فجلسنا، فأطرق عنا طويلا ثم رفع رأسه إلى ابن طاوس فقال: ~~حدثني عن أبيك. قال: نعم سمعت أبي يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~إن أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل أشركه الله في ملكه، فأدخل عليه الجور ~~في حكمه! فأمسك أبو جعفر ساعة حتى اسود ما بيننا وبينه؛ قال مالك: فضممت ~~ثيابي مخافة أن ينتضح علي من دمه، ثم قال: يا ابن طاوس ناولني هذه الدواة، ~~فأمسك عنه. ثم قال: ناولني هذه الدواة، فأمسك عنه. فقال: ما يمنعك أن ~~تناولنيها؟ قال: أخشى أن تكتب بها معصية فأكون شريكك فيها. فلما سمع ذلك ~~قال: قوما عني. قال ابن طاوس: ذلك ما كنا نبغي منذ اليوم. قال مالك: فما ~~زلت أعرف لابن طاوس فضله من ذلك اليوم. # وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت رجلا يحدث عن ابن السماك. قال: بعث إلي ~~هارون، فلما انتهيت إلى باب القصر أخذ حرسيان بضبعي فأعجلا بي في دهليز ~~القصر، فلما انتهيت ms057 إلى باب القاعة لقيني خصيان ضخمان فأخذاني من الحرسيين ~~فأعجلا بي في قاعة القصر، فانتهيت إلى البهو الذي هو فيه، فتلقاني خصيان ~~دونهما فأخذاني فأعجلا بي في البهو، فقال لهما هارون: رفقا بالشيخ. فلما ~~وقفت بين يديه قلت له: يا أمير المؤمنين، ما مر بي يوم منذ ولدتني أمي أتعب ~~من يومي هذا! فاتق الله في خلقه واحفظ محمدا في أمته، وانصح لنفس في رعيتك، ~~فإن لك مقاما بين يدي الله تعالى أنت فيه أذل من مقامي هذا بين يديك، فاتق ~~الله واعلم أن من أخذ الله وسطواته على أهل المعصية كيت وكيت. قال: فاضطرب ~~على فراشه حتى نزل إلى مصلى بين يدي فراشه. فقلت: يا أمير المؤمنين، هذا ذل ~~الصفة فكيف لو رأيت ذل المعاينة؟ قال: فكادت نفسه تخرج فقال يحيى للخصيين: ~~أخرجاه فقد أبكى أمير المؤمنين. # ثم دخل مرة أخرى فقال له: يا أمير المؤمنين إن الذي أكرمك بما أكرمك به ~~لحقيق عليك أن تحب ما أحبه وتبغض ما أبغضه، فوالله لقد أحب الله دارا ~~وأبغضتها وأبغض دارا وأحببتها، فكأنما أردت خلاف ربك أو أردت سواه. واعلم ~~يا أمير المؤمنين أن الذي في يديك لو بقي على من كان قبلك لم يصل إليك، ~~فكذلك لا يبقى لك كما لم يبق لغيرك، فاتق الله في خلافته واحفظ وصية محمد ~~صلى الله عليه وسلم في أمته. ودخل هارون على بعض النساك فسلم عليه فقال: ~~وعليك السلام أيها الملك! ثم قال له: أيها الملك تحب الله؟ قال: نعم. قال: ~~فتعصيه؟ قال: نعم. قال: كذبت والله في حبك إياه! إنك لو أحببته إذا ما ~~عصيته، ثم أنشد يقول: # تعصي الإله وأنت تظهر حبه ... هذا لعمري في الفعال بديع # لو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع # في كل يوم يبتديك بنعمة ... منه وأنت لشكر ذاك مضيع # وروى زيد بن أسلم عن أبيه قال: قلت لجعفر بن سليمان بن عبد الله ابن جعفر ~~بن أبي طالب الهاشمي، والي المدينة: أحذر أن ms058 يأتي رجل غدا ليس له في ~~الإسلام نسب ولا أب ولا جد، فيكون أولى برسول الله صلى الله عليه وسلم منك، ~~كما كانت امرأة فرعون أولى بنوح ولوط من زوجتيهما، وكما كانت زوجة لوط أولى ~~بفرعون من زوجته، من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه، ومن أسرع به عمله لم ~~يبطئ به نسبه. # وقال بشر بن السري: بينما الحجاج جالسا في الحجر إذ دخل رجل من أهل ~~اليمن، فجعل يطوف فوكل به بعض من معه قال: إذا خرج من طوافه فائتني به، ~~فلما فرغ أتاه به فقال: ممن أنت؟ فقال: من أهل اليمن. قال: لقد تركته أبيض ~~بضا سمينا طويلا عريضا! قال: ويلك، ليس عن هذا أسألك! قال: فعمه؟ قال: عن ~~سيرته وطعمته. قال: فأجور السيرة وأخبث الطعم، وأعدى العداة على الله ~~وأحكامه. قال: فغضب الحجاج وقال: ويلك أوما علمت أنه أخي؟ قال: بلى. قال: ~~إذن أفتك بك. قال: أما علمت أن الله ربي والله لهو أمنع لي منك أكثر منك ~~لأخيك. قال: أجل أرسله يا غلام. # وقال الأصمعي: حدثني رجل من أهل المدينة قال: سمعت محمد بن إبراهيم يحدث ~~قال: PageV01P029 شهدت أبا جعفر بالمدينة وهو ينظر فيما بين رجل من قريش ~~وأهل بيت من المهاجرين ليسوا بقريش، فقالوا لأبي جعفر: اجعل بيننا وبينهم ~~ابن أبي ذئب. قال أبو جعفر لابن أبي ذئب: ما تقول في بني فلان؟ قال: أشرار ~~من أهل بيت أشرار. فقالوا: سله يا أمير المؤمنين عن الحسن بن يزيد، وكان ~~عامله على المدينة، فقال: ما تقول في الحسن؟ قال: يأخذ بالأحب ويقضي ~~بالهوى. فقال الحسن: والله يا أمير المؤمنين لو سألته عن نفسك لرماك بداهية ~~ونعتك بشر. # قال: فما تقول في؟ قال: اعفني! قال: لا بد أن تقول. قال: إن كان لا بد ~~فإنك لا تعدل بين الرعية ولا تقسم بالسوية! قال: فتغير وجه أبي جعفر فقام ~~إبراهيم بن محمد بن علي صاحب الموصل فقال: طهرني بدمه يا أمير المؤمنين. ~~فقال له ابن أبي ذئب: ms059 اقعد يا بني فليس في دم رجل يشهد أن لا إله إلا الله ~~طهور. ثم تدارك ابن أبي ذئب الكلام فقال: دعنا يا أمير المؤمنين مما نحن ~~فيه، بلغني أنك رزقت ابنا صالحا في العراق، يعني المهدي. قال: أما إن قلت ~~ذلك إنه لصوام لليوم البعيد ما بين الطرفين. قال: ثم قام ابن أبي ذئب فخرج. ~~فقال أبو جعفر: أما والله ما هو بمستوثق العقل ولقد قال برأي نفسه. ودخل ~~أبو النظر سالم مولى عمر بن عبيد الله على عامل للخليفة فقال له: يا أبا ~~النظر إنه تأتينا كتب من عند الخليفة فيها وفيها لا نجد بدا من إنفاذها، ~~فماذا ترى؟ قال أبو النظر: لقد أتاك كتاب الله قبل كتاب الخليفة، فأيهما ~~اتبعت كنت من أهله. # الباب الثالث # فيما جاء في الولاة والقضاة # وما في ذلك من الغرر والخطر # قال الله تعالى: " يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس ~~بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله " ص: 26. جاء في التفسير: من ~~اتباع الهوى أن تحضر الخصمين بين يديك، فتود أن يكون الحق للذي لك منه ~~خاصة، وبهذه الخصلة سلب سليمان بن داود ملكه؛ قال ابن عباس: كان الذي أصاب ~~سليمان بن داود عليهما السلام أن ناسا من أهل جرادة امرأته، وكانت من أعز ~~نسائه عليه، تحاكموا إليه مع غيرهم فأحب أن يكون الحق لأهل جرادة فيقضي ~~لهم، فعوقب حين لم يكن هواه فيهم واحدا. ومن ذلك آية الملوك التي أنزلها ~~الله تعالى في السلاطين لما اقتضته من السياسة العامة التي فيها بقاء الملك ~~وثبوت الدول. قال الله تعالى: " ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز " ~~الحج: 40. ثم سمى المنصور وأوضح شرائط النصر فقال تعالى: " إن الذين مكناهم ~~في الأرض أقاموا الصلاة وأتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر " ~~الحج: 41. فضمن الله تعالى النصر للمملوك وشرط عليهم أربع شرائط كما ترى، ~~فمتى تضعضعت قواعدهم أو انتقض عليهم شيء من أطراف ممالكهم، أو ظهر عليهم ~~عدو أو ms060 باغي فتنة أو حاسد نعمة، أو اضطربت عليهم الأمور أو رأوا أسباب ~~الغير فليلجئوا إلى الله تعالى، ويستجيروا من سوء أقداره بإصلاح ما بينهم ~~وبينه سبحانه وتعالى، بإقامة الميزان بالقسط الذي شرعه الله تعالى لعباده، ~~وركوب سبيل العدل والحق الذي قامت به السماوات والأرض، وإظهار شرائع الدين ~~ونصر المظلوم والأخذ على يد الظالم، وكف يد القوي عن الضعيف ومراعاة ~~الفقراء والمساكين، وملاحظة ذوي الخاصة والفقراء المستضعفين، وليعلموا أنهم ~~قد أخلوا بشيء من الشروط الأربع التي شرطت في النصر. # وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن ~~رعيته، فالإمام الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل ~~بيته وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي ~~مسؤولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع ~~مكلكم مسؤول عن رعيته، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم كل ناظر في حق غيره ~~راعيا له. واللفظ مأخوذ من الرعاية والمراعاة، فماذا تقدم لرعاية غيره من ~~يأكله فهو الهلاك كما قال الشاعر: # وراعي الشاء يحمي الذئب عنها ... فكيف إذا الذئاب لها رعاء؟ # وروى مسلم في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما من امرئ ~~يلي أمر المسلمين، ثم لم يجتهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة. وقال ~~معقل بن يسار: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: PageV01P030 ما من عبد ~~استرعاه الله تعالى رعية فلم يحطها بنصيحة إلا لم يجد رائحة الجنة. وروى ~~عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عبد ~~الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن ~~أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها. وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم ~~القيامة، فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة! وقال أبو ذر: قلت أمرني رسول الله. ~~قال: ms061 إنها أمانة وإنها حسرة وندامة يوم القيامة، إلا من أخذها بحقها وأدى ~~الذي عليه فيها. # وروى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تجدون من خير الناس أشد ~~الناس كراهة لهذا الأمر حتى يقع فيه. وفي الحديث: من ولي من أمر المسلمين ~~شيئا ثم لم يحطهم بنصحه كما يحوط أهل بيته، فليتبؤ مقعده من النار. وروي أن ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعث إلى عاصم أن يستعمله على الصدقة، فأبى ~~وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا كان يوم القيامة يؤتى ~~بالوالي فيقذف على جسر جهنم، فيأمر الله سبحانه وتعالى الجسر فينتفض به ~~انتفاضة فيزول كل عظم منه عن مكانه، ثم يأمر الله تعالى العظام فترجع إلى ~~أماكنها ثم يسائله، فإن كان لله تعالى مطيعا أخذ بيده وأعطاه كفلين من ~~رحمته، وإن كان لله تعالى عاصيا خرق به الجسر فهوى به في جهنم مقدار سبعين ~~خريفا. فقال عمر: سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم ما لم أسمع؟ قال: نعم. ~~وكان سلمان وأبو ذر حاضرين، فقال سلمان: إي والله يا عمر! ومع السبعين ~~سبعون خريفا في واد يلتهب التهابا. فقال عمر بيده على جبهته: إنا لله وإنا ~~إليه راجعون، ومن يأخذ بما فيها؟ فقال سلمان: من سلب الله أنفه وألصق خده ~~بالأرض. # وروي أن العباس قال: أمرني يا رسول الله فأصيب وأستريش. فقال له: يا عباس ~~يا عم النبي، نفس تحييها خير من إمارة لا تحصيها، ألا أحدثكم عن الإمارة؟ ~~أولها ملامة وأوسطها ندامة وآخرها حسرة يوم القيامة. وروى أبو داود في ~~السنن قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله إن أبي عريف على الماء، وإنه يسألك ~~أن تجعل لي العرافة من بعده. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: العرفاء في ~~النار! وروى الساجي عن أبي سعيد الخدري قال: قال لي النبي صلى الله عليه ~~وسلم: أشد الناس عذابا يوم القيامة الإمام الجائر. # وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: سمعت رسول ms062 الله النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقول: ليس من وال ولا قاض إلا يؤتى به يوم القيامة حتى ~~يوقف بين يدي الله تعالى على الصراط، ثم تنشر الملائكة سيرته فيقرؤنها على ~~رؤوس الخلائق، فإن كان عدلا نجاه الله تعالى بعدله، وإن كان غير ذلك انتفض ~~به الصراط انتفاضة صار بين كل عضو من أعضائه مسيرة سنة، ثم ينخرق به الصراط ~~فما يلقى قعر جهنم إلا بحر وجهه. وروى معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: إن القاضي لينزل في جهنم في مزلقة أبعد من عدن. وقالت عائشة رضي ~~الله عنها: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يؤتى بالقاضي العدل يوم ~~القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يود أنه لم يقض بين اثنين في تمرة. # وروى الحسن البصري أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا عبد الرحمن بن سمرة ~~ليستعمله فقال: يا رسول الله خر لي. قال: اقعد في بيتك! وفي الحديث أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليودن أقوام يوم القيامة لو وقعوا من الثريا ~~ولم يكونوا أمراء على شيء، فكم من متخوض في مال الله ومال رسوله له النار ~~غدا يوم القيامة. وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: صنفان من ~~أمتي لا تنالهما شفاعتي يوم القيامة: إمام ظالم غشوم وغال في الدين مارق ~~منه، وقال أبو هريرة رضي الله عنه: ما من أمير يؤمر على عشرة إلا جيء به ~~يوم القيامة مغلولا نجاه عمله أو أهلكه. وقال طاوس لسليمان بن عبد الملك: ~~هل تدري يا أمير المؤمنين من أشد الناس عذابا يوم القيامة؟ قال سليمان: لا ~~أدري. قال طاوس: أشد الناس عذابا يوم القيامة من أشركه الله في ملكه، فجار ~~في حكمه. فاستلقى سليمان على سريره وهو يبكي، فما زال يبكي حتى قام عنه ~~جلساؤه. # وقال حذيفة بن اليمان: PageV01P031 من اقتراب لساعة أن تكون أمراء فجرة ~~وقراء كذبة وأمناء خونة، وعلماء فسقة وعرفاء ظلمة. وقال عبيد بن عمير: ما ~~ازداد رجل ms063 من السلطان قربا إلا ازداد من الله بعدا، ولا كثرت أتباعه إلا ~~كثرت شياطينه، ولا كثر ماله إلا كثر حسابه. وفي الحديث عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: القضاة ثلاثة، اثنان في النار وواحد في الجنة، رجل قضى بغير علم ~~فهو في النار، ورجل قضى بعلم فجار فهو في النار، ورجل قضى بالحق فهو في ~~الجنة؛ رواه يزيد عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال ابن سيرين: جاء صبيان ~~إلى عبيدة السليماني يتخايرون إليه في ألواحهم فلم ينظر فيها، وقال: هذا ~~حكم ولا أتولى حكما أبدا، وتخاير غلمان إلى ابن عمر فجعل ينظر في كتابتهم ~~فقال: هذا حكم ولا بد من النظر فيه. # والمصنفون يرسلون كتبهم حديثا مرفوعا رواه أبو داود في سننه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: من قدم للقضاء فقد ذبح بغير سكين. وفي أخبار القضاة أن ~~قاضيا قدم إلى بلد، فجاء رجل له عقل ودين فقال له: أيها القاضي أبلغك قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: من قدم للقضاء فقد ذبح بغير سكين؟ قال: نعم. ~~قال: فبلغك أن أمور المسلمين ضائعة في بلدنا فجئت تحيزها؟ قال: لا. قال: ~~أفأكرهك السلطان على ذلك؟ قال: لا. قال: فاشهد أني لا أطأ لك مجلسا ولا ~~أؤدي عندك شهادة أبدا. وروي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال في بعض ~~خطبه: إن الملك إذا ملك زهده الله في ملكه ورغبه فيما في أيدي الناس، وأشرب ~~قلبه الإشفاق فهو يحسد على القليل ويسخط على الكثير، جدل الظاهر حزين ~~الباطن، فإذا وجبت نفسه ونضب عمره وضحا ظله، حاسبه الله فأشد حسابه وأقل ~~عفوه. # وذكر السلطان أعرابي فقال: والله لئن عزوا في الدنيا بالجور لقد ذلوا في ~~الآخرة بالعدل، وبقليل فإن رضوا من كثير باق، وإنما يكون الندم حيث لا ينفع ~~الندم. وقال أبو بكر بن أبي مريم: حج قوم فمات صاحب لهم بأرض فلاة فلم ~~يجدوا ماء. فأتاهم رجل فقالوا: دلنا على الماء، قال: احلفوا لي ثلاثة ~~وثلاثين يمينا أنه ms064 لم يكن صرافا ولا مكاسا ولا عريفا ولا بريدا، ويروى ولا ~~عرافا، وأنا أدلكم على الماء. فحلفوا له ثلاثة وثلاثين يمينا، فدلهم على ~~الماء. ثم قالوا: عاونا على غسله، قال: احلفوا لي ثلاثة وثلاثين يمينا كما ~~تقدم ذكره، فحلفوا له فأعانهم على غسله، ثم قالوا: تقدم فصل عليه. قال: لا ~~حتى تحلفوا لي أربعا وثلاثين يمينا كما تقدم، فحلفوا له فصلى عليه. ثم ~~التفتوا فلم يروا أحدا، فكانوا يرون أنه الخضر عليه السلام. # قال ابن مسعود رضي الله عنه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: أشد الناس ~~عذابا يوم القيامة رجل قتل نبيا أو قتله نبي، وإمام ضلالة وممثل من ~~الممثلين. وقال أبو ذر: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: ستة أيام أعقل يا ~~أبا ذر ما أقول لك. قال: فلما كان في اليوم السابع قال: أوصيك بتقوى الله ~~في أمر سرك وعلانيتك، وإذا أسأت فأحسن ولا تسألن أحدا وإن سقط سقوطك، ولا ~~تأوين أمانة ولا تأوين يتيما ولا تقضين بين اثنين. وقال أبو ذر أيضا: قال ~~لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا ذر أحب لك ما أحب لنفسي وإني أراك ~~ضعيفا فلا تتأمرن على اثنين ولا تلين مال يتيم. # وروى أبو ذر أيضا قال: قلت يا رسول الله ألا تستعملني؟ فضرب بيده على ~~منكبي وقال: يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة، ~~إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها. وروى علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وأنا حديث السن، ~~فقلت: يا رسول الله إنك تبعثني إلى قوم شيوخ ذوي أسنان ولا علم لي بالقضاء. ~~فقال: إن الله سبحانه وتعالى هاد قلبك ولسانك، فإذا جلس الخصمان فلا تقض ~~للأول حتى تسمع كلام الآخر، فإنك إذا سمعت ذلك عرفت كيف تقضي. # فإن قال قائل: كيف نهى أبا ذر عن القضاء وأمر عليا به مع ما فيه من ~~التغرير، وما روي ms065 أن من قدم للقضاء فقد ذبح بغير سكين، وفيه البعد من حضرته ~~وترك التيمن بمشاهدته وتعلم سننه وشرائع دينه والتخلق بأخلاقه وشيمه، ~~وأيهما أفضل: المثول بين يديه والكون بحضرته ومشاهدته والصلاة خلفه أو ~~القضاء في غيبته والبعد عنه؟ قلنا: PageV01P032 إنما نهى أبا ذر عن القضاء ~~لمعنى فيه يقصر به عن رتبة القضاء، مما كان ضده في علي رضي الله عنه من ~~استجماع شرائط القضاء وقوته عليه. ألا تراه قال لأبي ذر: إني أراك ضعيفا، ~~ثم قال في آخره: إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها، فاستدللنا بهذا ~~على أن من استجمعت فيه شرائط القضاء وكان قويا على إنفاذه لم يدخل تحت ~~النهي. ومما يعد ضعفا عن القضاء طلبه إياه إذا لم يدر عواقبه. # وقد وصف الله سبحانه المتسرعين إلى الأمانة بالجهل، فقال تعالى: " إنا ~~عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا " الأحزاب: 72. أي ظلوما لنفسه جهولا ~~بعاقبة أمره، والدليل على صحة هذا التأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم: ~~القضاة ثلاثة، اثنان في النار وواحد في الجنة، رجل عرف الحق فقضى به فهو في ~~الجنة، ورجل عرف الحق فلم يقض به وجار في الحكم فهو في النار،ورجل لم يعرف ~~الحق فقضى للناس على جهل فهو في النار. قلت: فهذان الرجلان ضعيفان عن مرتبة ~~القضاء، أحدهما بفسقه وظلمه، والآخر بجهله. # وقد عابت جهلى بني إسرائيل طالوت فقالوا: أنى يكون له الملك علينا ونحن ~~أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال؟ فعابوه بخصلتين: الفقر وأنه ليس من ~~سبط المملكة، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله اصطفاه عليكم ~~وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء. فبين شروط الولاية ~~والممالك وأنها تفتقر إلى العلم الذي به يحكم، وإلى القوة التي بها تنفذ ~~الأحكام دون ما ظنه بنو إسرائيل. وأما قولك أيهما أفضل: القضاء في غيبته أو ~~الحضور بين يديه والكون في حضرته؟ فالجواب: إن أوامره فرض ms066 لا يعصى بتركه، ~~والكون في حضرته مستحب بعد الهجرة ولا يعصى بتركه، فعلمنا بهذا أنه إنما ~~بعث عليا للقضاء لأنه أفضل من سكناه بحضرته، لأنه مبلغ عنه للخلائق شريعته ~~التي بعثه الله بها، فهو خليفته في ذلك، يدل على هذا أنه أوجب الجنة لمن ~~قضى بالحق. # الباب الرابع # في بيان معرفة ملك سليمان بن داود عليهما السلام # ووجه طلبه الملك وسؤاله أن لا يؤتاه أحد من بعده ونفي البخل عنه # فإن قال لنا قائل: ليس سليمان بن داود عليهما السلام، قال: " وهب لي ملكا ~~لا ينبغي لأحد من بعدي " ص: 35. ثم زاد على ذلك بأن لا يؤتى مثله أحد بعده ~~وكان ظاهره يؤذن بالبخل. والكلام على هذه الآية من وجوه: أحدهما أنه إنما ~~سأل هذا بعد أن سلبه الله تعالى ملكه ثم أعاده إليه، فحين طلب الملك كان ~~ملكا، فكأنه قال: هذا الملك الذي جددته هبه لي على صفات لا أعصيك فيه، ~~فتسلبني إياه وتعاقبني؛ يدل عليه أنه بدأ بالمغفرة فقال: " رب اغفر لي وهب ~~لي ملكا " ص: 35، أي ملكا لا أعصيك فيه فتؤاخذني، والدليل على صحة هذا قوله ~~تعالى: " هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب " ص: 39. فكأنه أجاب دعاءه ~~فقال: تصرف كيف شئت فلا حساب عليك فيه. وقيل: إن أعطيت أجرت، وإن أمسكت فلا ~~تبعة عليك. وهذا تخصيص لسليمان بن داود عليهما السلام لم يخص به أحد من ولد ~~آدم سواه، لأن الله تعالى قال للخلائق: " فوربك لنسئلنهم أجمعين عما كانوا ~~يعملون " الحجر: 92و93. # وأما قوله تعالى: " لا ينبغي لأحد من بعدي " ص: 35، فقال عطاء: معناه لا ~~أسلبه في باقي عمري فيصير لغيري كما سلبته فيما مضى من عمري. وقيل: لا تسلط ~~علي فيه شيطانا كالذي سلطته علي. وقيل: إنما سأل ذلك ليكون علما على ~~المغفرة وقبول التوبة، فأجيب إلى ذلك فعلم أنه قد غفر له. وقيل: إنما سأل ~~ذلك ليكون آية على نبوته وعلما على معجزته. وقال مقاتل: كان سليمان بن داود ~~ملكا ولكنه أراد بقوله: لا ms067 ينبغي لأحد من بعدي تسخير الرياح والطير، يدل ~~عليه ما بعده وهو قوله تعالى: " فسخرنا له الريح " إلى آخر الآية ص: 36. ~~وقيل: إن سليمان كان ملكه في خاتمه، ولهذا ذهب ملكه بذهاب خاتمه، فقال لا ~~ينبغي لأحد من بعدي، يعني اجعل ملكي في نفسي لا في خاتمي حتى لا يملكه أحد ~~غيري، فإن إبليس لعنه الله لما أخذ خاتم سليمان تحول ملك سليمان إلى إبليس ~~لعنه الله، وقعد على كرسيه يحكم فيه حتى أنكرت بنو إسرائيل أحكامه، وكان قد ~~ألقى عليه شبهه. وقال عمرو بن عثمان المكي: PageV01P033 إنما أراد فيه ملك ~~النفس وقهر الهوى، يدل عليه ما روى سليمان الشعباني قال: بلغني أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: أرأيتم سليمان وما آتاه الله من ملكه، فإنه لم ~~يرفع طرفه إلى السماء تخشعا لله تعالى حتى قبضه عز وجل؟ وزاد غيره: إنما ~~أراد ملك النفس وقهرها لئلا يفتتن بالمملكة، ولهذا قدم سؤال المغفرة على ~~طلب المملكة. وقال بعض الوعاظ: إنما أراد حتى أنتقم لآدم من إبليس وذريته ~~حيث كان سببا لإخراجه وذريته من الجنة. # وروى البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن عفريتا من ~~الجن تفلت علي البارحة ليقطع علي الصلاة، فأمكنني الله منه، فأردت أن أربطه ~~إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم، فذكرت قول أخي ~~سليمان: رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي، فرده الله خاسئا. # فإن قيل: فما معنى قول يوسف عليه السلام: " اجعلني على خزائن الأرض إني ~~حفيظ عليم " يوسف: 55. قلت: يستفاد من الآية أن من حصل بين يدي ملك لا يعرف ~~قدره أو أمة لا يعرفون فضله فخاف على نفسه، لو أراد إبراز فضله جاز له أن ~~ينبه على مكانته وما يحسنه، دفعا للشر عن نفسه وإظهارا لفضله فيجعل في ~~مكانه. وفيه فائدة أخرى وهو أنه إذا رأى الأمر في يد الخونة واللصوص ومن لا ~~يؤدي الأمانة، ويعلم من نفسه أداء الأمانة مع الكفاية ms068 جاز له أن ينبه ~~السلطان على أمانته وكفايته، ولهذا قال بعض العلماء من أصحاب الشافعي رضي ~~الله عنه: من كملت فيه آلات الاجتهاد وشروط القضاء، جاز له أن ينبه السلطان ~~على مكانه ويخطب خطبة للقضاء، وقال بعضهم: بل يجب ذلك عليه إذا كان الأمر ~~في يد من لا يقوم به. # الباب الخامس # في فضل الولاة والقضاة إذا عدلوا # قال الله تعالى: " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض " ~~البقرة: 251، يعني لولا أن الله تعالى أقام السلطان في الأرض يدفع القوي عن ~~الضعيف وينصف المظلوم من الظالم، لأهلك القوي الضعيف وتواثب الخلق بعضهم ~~إلى بعض، فلا ينتظم لهم حال ولا يستقر لهم قرار فتفقد الأرض ومن عليها، ثم ~~امتن الله تعالى على الخلق بإقامة السلطان، فقال تعالى: " ولكن الله ذو فضل ~~على العالمين " البقرة: 251، يعني في إقامة السلطان في الأرض فيأمن الناس ~~به، فيكون فضله على الظالم كف يده وفضله على المظلوم أمانة وكف يد الظالم ~~عنه. وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ثلاثة ~~لا ترد دعوتهم: الإمام العادل والصائم حتى يفطر ودعوة المظلوم. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل ~~إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا ~~خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله فاجتمعا على ذلك وافترقا ~~عليه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال ~~فقال: إني أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم ~~شماله ما تنفق يمينه. وروى كثير بن مرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: السلطان ظل الله في أرضه يأوي إليه كل مظلوم من عباده، فإذا عدل كان ~~له الأجر وعلى الرعية الشكر، وإذا جار كان عليه الإصر وعلى الرعية الصبر. # وروى أبو هريرة رضي الله عنه يرفعه قال: لعمل الإمام العادل في رعيته ~~يوما أفضل من عبادة ms069 العابد في أهله مائة سنة أو خمسين سنة. وقال قيس بن ~~سعد: ليوم من إمام عادل خير من عبادة رجل في بيته ستين سنة. وقال مسروق: ~~لأن أقضي بالحق يوما أحب إلي من أن أغزو سنة في سبيل الله. وروي أن سعد بن ~~إبراهيم وأبا سلمة بن عبد الرحمن ومحمد بن مصعب بن شرحبيل ومحمد بن صفوان، ~~قالوا لسعيد بن سليمان بن زيد بن ثابت: لقضاء يوم بالحق أفضل عند الله من ~~صلواتك عمرك. وسيتضح لك صحة هذه الأقوال إذا وقفت على ما نالته الرعية من ~~الصلاح بصلاح السلطان. PageV01P034 واعلم أرشدك الله أن الإنسان أعز جواهر ~~الدنيا وأعلاها قدرا وأشرفها منزلة، وبالسلطان صلاح الدنيا، فهو إذا أعز ~~أعلاق الدنيا وأعمها نفعا وبركة. ولذلك خلق الله تعالى دارين: دار الدنيا ~~ودار الآخرة، ثم كان السلطان صلاح الدارين، فأخلق بشخص يعم نفعه العباد ~~والبلاد ويصلح بصلاحه الدنيا والآخرة، وأن يكون شرفه عند الله عظيما كما ~~كان قدره في العقول جسيما، ومقامه عند الله كريما كما كان نفعه في البلاد ~~عميما، وعلى قدر عموم المنفعة تشرف الأعمال، وعلى قدر النعمة تكون المنة. ~~ألا ترى أن الأنبياء عليهم السلام أعم خلق الله تعالى نفعا، فهم أجل خلق ~~الله قدرا لأنهم تعاطوا إصلاح الخلائق، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، ~~وكذلك سلطان الله في الأرض هو خليفة النبوة في إصلاح الخلائق، ودعائهم إلى ~~فناء الرحمن وإقامة دينهم وتقويم أودهم، وليس فوق السلطان العادل منزلة إلا ~~نبي مرسل أو ملك مقرب. # فاتخذ عظم قدر السلطان عندك حجة لله تعالى على نفسك وناصحه على قدر ما ~~نفعك، وليس نفعه مقصورا على عجالة من حطام الدنيا يحبوك بها، ولكن صيانة ~~جمجمتك وحفظ حريمك وحراسة مالك عن البغاة أعم نفعا لك إن عقلت. وليس لله في ~~الأرض سلطان إلا وقد أخذ عليه شرائط العدل، ومواثيق الإنصاف وشرائع ~~الإحسان، وكما أنه ليس فوق رتبة السلطان العادل رتبة كما أن خيره يعم، كذلك ~~ليس دون رتبة السلطان الشرير الجائر رتبة لشرير لأن ms070 شره يعم. وكما أن ~~بالسلطان العادل تصلح البلاد والعباد، وتنال الزلفى إلى الله تعالى والفوز ~~بجنة المأوى. # كذلك بالسلطان الجائر تفسد البلاد والعباد وتقترف المعاصي والآثام وتورث ~~دار البوار، وذلك أن السلطان إذا عدل انتشر العدل في رعيته وأقاموا الوزن ~~بالقسط، وتعاطوا الحق فيما بينهم، ولزموا قوانين العدل فمات الباطل وذهبت ~~رسوم الجور، وانتعشت قوانين الحق فأرسلت السماء غياثها، وأخرجت الأرض ~~بركاتها، ونمت تجارتهم وزكت زروعهم وتناسلت أنعامهم، ودرت أرزاقهم ورخصت ~~أسعارهم وامتلأت أوعيتهم، فواسى البخيل وأفضل الكريم، وقضيت الحقوق وأعيرت ~~المواعين، وتهادوا فضول الأطعمة والتحف فهان الحطام لكثرته وذل بعد عزته، ~~وتماسكت على الناس مروآتهم وانحفظت عليهم أديانهم. وبهذا تبين لك أن الوالي ~~مأجور على ما يتعاطاه من إقامة العدل، ومأجور على ما يتعاطاه الناس بسببه. # وإذا جار السلطان انتشر الجور في البلاد وعم العباد، فرقت أديانهم ~~واضمحلت مروآتهم وفشت فيهم المعاصي وذهبت أماناتهم، وتضعضعت النفوس وقنطت ~~القلوب، فمنعوا الحقوق وتعاطوا الباطل، وبخسوا المكيال والميزان وجوزوا ~~البهرج، فرفعت منهم البركة وأمسكت السماء غياثها، ولم تخرج الأرض زرعها أو ~~نباتها، وقل في أيديهم الحطام وقنطوا وأمسكوا الفضل الموجود، وتناجزوا على ~~المفقود، فمنعوا الزكوات المفروضة وبخلوا بالمواساة المسنونة، وقبضوا ~~أيديهم عن المكارم وتنازعوا المقدار اللطيف وتجاحدوا القدر الخسيس، ففشت ~~فيهم الأيمان الكاذبة والحيل والبيع والخداع في المعاملة، والمكر والحيلة ~~في القضاء والاقتضاء، ولا يمنعهم من السرقة إلا العار ومن الزنا إلا ~~الحياء، فيظل أحدهم عاريا عن محاسن دينه متجردا عن جلباب مروءته، وأكثر ~~همته قوت دنياه وأعظم مسراته أكله من هذا الحطام، ومن عاش كذلك فبطن الأرض ~~خير له من ظهرها. # قال وهب بن منبه رضي الله عنه: إذا هم الوالي بالجور أو عمل به أدخل الله ~~النقص في أهل مملكته في الأسواق والزرع والضرع وكل شيء، وإذا هم بالخير ~~والعدل أو عمل به أدخل الله البركة في أهل مملكته كذلك. وقال عمر بن عبد ~~العزيز: تهلك العامة بعمل الخاصة، ولا تهلك الخاصة بعمل العامة، والخاصة هم ~~الولاة. وفي هذا المعنى ms071 قال الله تعالى: " واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ~~ظلموا منكم خاصة " الأنفال: 25. قال الوليد بن هشام: إن الرعية لتفسد بفساد ~~الوالي وتصلح بصلاحه. وقال سفيان الثوري لأبي جعفر المنصور: إني لأعلم رجلا ~~إن صلح صلحت الأمة وإن فسد فسدت الأمة، قال: ومن هو؟ قال: أنت! وقال ابن ~~عباس: PageV01P035 إن ملكا من الملوك خرج يسير في مملكته مستخفيا بمكانه، ~~فنزل على رجل له بقرة فراحت البقرة فحلبت له قدر حلاب ثلاثين بقرة، فتعجب ~~الملك لذلك وحدثته نفسه بأخذها، فلما راحت عليه من الغد حلبت على النصف مما ~~حلبت بالأمس، فقال له الملك: ما بال حلابها نقص، أرعت في غير مرعاها ~~بالأمس؟ قال: لا، ولكني أظن أن ملكنا هم بأخذها فنقص لبنها، فإن الملك إذا ~~ظلم أو هم بالظلم ذهبت البركة. فعاهد الملك الله سبحانه وتعالى في نفسه أن ~~لا يأخذها، فراحت من الغد فحلبت حلاب ثلاثين بقرة، فتاب الملك وعاهد ربه: ~~لأعدلن ما بقيت! ومن المشهور في أرض المغرب أن السلطان بلغه أن امرأة لها ~~حديقة فيها القصب الحلو، وأن قصبة منها تعصر قدحا، فعزم على أخذها منها، ثم ~~أتاها وسألها عن ذلك فقالت: نعم! ثم إنها عصرت قصبة فلم تبلغ نصف قدح، فقال ~~لها: أين الذي كان يقال؟ فقالت: هو الذي بلغك إلا أن يكون السلطان قد عزم ~~على أخذها مني فارتفعت بركتها. فتاب السلطان وأخلص نيته لله أن لا يأخذها ~~أبدا، ثم أمرها فعصرت ملء القدح. # وحدثني بعض الشيوخ ممن كان يروي الأخبار بمصر قال: كان بصعيد مصر نخلة ~~تحمل عشرة أرداب تمرا لم يكن في الزمان نخلة تحمل نصف ذلك، فغصبها السلطان ~~فلم تحمل في ذلك العام شيئا ولا ثمرة واحدة. قال شيخنا رحمه الله: قال لي ~~شيخ من أشياخ الصعيد: أعرف هذه النخلة في الناحية الغربية يجنى منها عشرة ~~أرداب ستين ويبة، وكان صاحبها يبيعها في سني الغلاء كل ويبة بدينار. وقال ~~الشيخ رضي الله عنه: وشهدت أنا بالإسكندرية والصيد في الخليج مطلق للرعية ~~والسمك فيه يغلي ms072 كثرة يصيده الأطفال بالخرق، ثم حجره الوالي ومنع الناس من ~~صيده فذهب السمك حتى لا يكاد يرى فيه إلا الواحدة إلى يومنا هذا. وهكذا ~~بتعدي سرائر الملوك وعزائمهم ومكنون ضمائرهم في الرعية، إن خيرا فخير وإن ~~شرا فشر. # وروى أصحاب التواريخ في كتبهم قالوا: كان الناس إذا أصبحوا في زمان ~~الحجاج وتلاقوا يتساءلون: من قتل البارحة ومن صلب ومن جلد ومن قطع؟ وأمثال ~~ذلك. وكان الوليد صاحب ضياع واتخاذ مصانع، فكان الناس يتساءلون في زمانه عن ~~البنيان والمصانع والضياع وشق الأنهار وغرس الأشجار. ولما ولي سليمان بن ~~عبد الملك، وكان صاحب نكاح وطعام، فكان الناس يتحدثون ي الأطعمة الرفيعة ~~ويتوسعون في الأنكحة والسراري، ويغمرون مجالسهم بذكر ذلك. ولما ولي عمر بن ~~عبد العزيز كان الناس يتساءلون: كم تحفظ من القرآن وكم وردك في كل ليلة، ~~وكم يحفظ فلان ومتى يختم وكم يصوم من الشهر؟ وأمثال ذلك. # الباب السادس # في أن السلطان مع رعيته مغبون غير غابن # وخاسر غير رابح # اعلموا أرشدكم الله أن السلطان خطره عظيم وبليته عامة، وقد يطرقه من ~~الآفات ويحتوشه من الأمور المهلكات، ما يجب على كل ذي لب أن يستعيذ بالله ~~مما حمله ويشكره على ما عصمه، لا يهدأ فكره ولا تسكن خواطره، ولا يصفو قلبه ~~ولا يستقر لبه، الخلق في شغل عنه وهو مشغول بهم، والرجل يخاف عدوا واحدا ~~وهو يخاف ألف عدو، والرجل يضيق بتدبير أهل بيته وإيالة ضيعته وتدبير ~~معيشته، وهو مدفوع لسياسة جميع أهل مملكته، وكلما رتق فتقا من حواشي مملكته ~~انفتق آخر، وكلما رم منها شعثا رث آخر، وكلما قمع عدوا أرصد له أعداء إلى ~~سائر ما يعانيه من أخلاق الناس، ويقاسيه من خصوماتهم، ونصب الولاة والقضاة ~~وبعث الجيوش وسد الثغور، واستجباء الأموال ودفع المظالم؛ ثم من العجب ~~العجاب أن له نفسا واحدة وإنما يرزأ من الدنيا قوته مثل ما يرزأ آحاد ~~الرعايا، ثم يسأل غداة غد عن جميعهم ولا يسألون عنه. # فيا، لله ويا للعجب من رجل يرضى أن ينال ms073 رغيفا ويحاسب منها على آلاف ~~آلاف، ويأكل في معاء واحد ويحاسب على آلاف آلاف معاء، ويستمتع بنفس واحدة ~~ويحاسب على آلاف آلاف من الأنفس! وعلى هذا النمط في جميع أحواله يحمل ~~أثقالهم ويريح أسرارهم، ويجاهد عدوهم ويسد ثغورهم، ويدفع مناويهم ومناصيهم، ~~ويعصي ربه فيهم ويخالف أمره ويرتكب نهيه من أجلهم، ويقتحم جراثيم جهنم على ~~بصيرة منهم ثم يجدهم له قالين وعنه غير راضين، ولولا أن الله تعالى يحول ~~بين المرء وقلبه لم يرض عاقل بهذه المنزلة، ولا اختارها لبيب مرتبة، وكل ما ~~ذكرته في هذا الباب أحكمه النبي صلى الله عليه وسلم في كلمة فقال: ~~PageV01P036 ما لكم ولأمرائي لكم صفو أمرهم وعليهم كدره. ومثال السلطان مع ~~الرعية كالطباخ مع الأكلة له العنا ولهم الهنا، وله الحار ولهم القار، طلب ~~القوم الراحة فحصلوا على التعب، طلب القوم الراحة والنعيم فأخطأوا الصراط ~~المستقيم؛ وعن هذا قالوا: سيد القوم أشقاهم. وفي الحديث: ساقي القوم آخرهم ~~شربا. # وكان بعض سلاطين المغرب يسير يوما وبين يديه الوزراء إذ نظر إلى جماعة من ~~التجار فقال لوزيره: أتريد أن أريك ثلاث طوائف: طائفة لهم الدنيا والآخرة، ~~وطائفة لا دنيا ولا آخرة، وطائفة دنيا بلا آخرة؟ فقال: أما الذين لهم ~~الدنيا والآخرة فهؤلاء التجار، يكسبون أقواتهم ويصلون صلاتهم ولا يؤذون ~~أحدا، وأما الذين لا دنيا ولا آخرة فهؤلاء الشرط والخدمة الذين بين أيدينا، ~~وأما الذين لهم الدنيا بلا آخرة فأنا وأنت وسائر السلاطين. فحق على جميع ~~الورى أن يمدوا السلطان بالمنا والمناصحات، ويخصوه بالدعوات ويعينوه في ~~سائر المحاولات، ويكونوا له أعينا ناظرة وأيد باطشة وجننا واقية وألسنة ~~ناطقة، وقوادم تنهضه وقوائم تقله، وهيهات منه السلامة وأنى له بالسلامة؟ ~~وعن هذا قال بعض السلاطين يوما لأصحابه: اعلموا أن الجنة والسلطان لا ~~يجتمعان. # قال شيخنا رحمه الله: حدثني رجل له قدر قال: أرسل إلي السلطان أن طلق ~~زوجتك، وكان قد أرادها لبعض أصحابه، فأبيت ذلك وراجعت الرسل غير مرة، فقال ~~لي ناصح منهم: خذ الأمر مقبلا فإنه لا حيلة لك، ms074 فإن السلطان لا يخشى في ~~الدنيا عارا ولا في الآخرة نارا! ففارقتها. وروي عن عبد الملك بن مروان أنه ~~لما ولي الخلافة أخذ المصحف ووضعه في حجره ثم قال: هذا فراق بيني وبينك. # ولما حج هارون الرشيد لقيه عبيد الله العمري في طوافه فقال له: يا هارون! ~~قال: لبيك يا عم! قال: كم ترى ههنا من الخلق؟ قال: لا يحصيهم إلا الله. ~~قال: اعلم أيها الرجل أن كل واحد منهم يسأل عن خاصة نفسه، وأنت وحدك تسأل ~~عن جميعهم، فانظر كيف تكون. فبكى هارون وجلس، فجعلوا يعطونه منديلا منديلا ~~للدموع، ثم قال له: والله إن الرجل ليسرف في مال نفسه فيستحق الحجر عليه، ~~فكيف بمن أسرف في مال المسلمين؟ ويقال: إن هارون كان يقول: والله إني لأحب ~~أن أحج في كل سنة وما يمنعني إلا رجل من ولد عمر يسمعني ما أكره. # وقال مالك بن دينار: قرأت في بعض الكتب القديمة يقول الله تعالى: من أحمق ~~من السلطان ومن أجهل ممن عصاني ومن أغر ممن اغتر بي؟ يا راعي السوء دفعت لك ~~غنما سماما صحاحا، فأكلت اللحم وشربت اللبن وائتدمت بالسمن ولبست الصوف، ~~وتركتها عظاما تقعقع ولم تأو الضالة ولم تجبر الكسير، اليوم أنتقم لها منك! # الباب السابع # في بيان الحكمة في كون السلطان في الأرض # اعلموا أرشدكم الله أن في وجود السلطان في الأرض حكمة لله تعالى عظيمة ~~ونعمة على العباد جزيلة، لأن الله سبحانه وتعالى جبل الخلائق على حب ~~الانتصاف وعدم الإنصاف، ومثلهم بلا سلطان كمثل الحوت في البحر يزدرد الكبير ~~الصغير، فمتى لم يكن لهم سلطان قاهر لم ينتظم لهم أمر ولم يستقر لهم معاش ~~ولم يتهنوا بالحياة. ولهذا قال بعض القدماء: لو رفع السلطان من الأرض ما ~~كان لله في أهل الأرض من حاجة. ومن الحكم التي في إقامة السلطان: إنه من ~~حجج الله تعالى على وجوده سبحانه وتعالى، ومن علاماته على توحيده، لأنه كما ~~لا يمكن استقامة أمر العالم واعتداله بغير مدبر ينفرد بتدبيره، كذلك ms075 لا ~~يتوهم وجوده وتدبيره وما فيه من الحكمة ودقائق الصنعة بغير خالق خلقه وعالم ~~أتقنه وحكيم دبره، وكما لا يستقيم سلطانان في بلد واحد لا يستقيم إلهان ~~للعالم، والعالم بأسره في سلطان الله تعالى كالبلد الواحد في يد سلطان ~~الأرض. # ولهذا قال علي بن أبي طالب: PageV01P037 أمران جليلان لا يصلح أحدهما إلا ~~بالتفرد، ولا يصلح الآخر إلا بالمشاركة وهما الملك والرأي، فكما لا يستقيم ~~الملك بالشركة لا يستقيم الرأي بالانفراد به. ومثال السلطان القاهر لرعيته ~~ورعية بلا سلطان مثال بيت فيه سراج منير، وحوله قيام من الناس يعالجون ~~صنائعهم، فبينما هم كذلك إذ طفئ السراج فقبضوا أيديهم في الوقت وتعطل جميع ~~ما كانوا فيه، فتحرك الحيوان الشرير وتخشخش الهوام الخسيس، فذبت العقرب من ~~مكمنها وفسقت الفأرة من حجرها وخرجت الحية من معدنها، وجاء اللص بحيلته ~~وهاج البرغوث مع حقارته، فتعطلت المنافع واستطالت فيهم المضار. كذلك ~~السلطان إذا كان قاهرا لرعيته وكانت المنفعة به عامة، وكانت الدماء به في ~~أهبها محقونة والحرم في خدورهن مصونة، والأسواق عامرة والأموال محروسة، ~~والحيوان الفاضل ظاهر والمرافق حاصلة، والحيوان الشرير من أهل الفسوق ~~والدعارة خامل، فإذا اختل أمر السلطان دخل الفساد على الجميع، ولو جعل ظلم ~~السلطان حولا في كفة كان هرج الناس ساعة أرجح وأعظم من ظلم السلطان حولا، ~~وكيف لا وفي زوال السلطان أو ضعف شوكته سوق أهل الشر ومكسب الأجناد، ونفاق ~~أهل العيارة والسوقة واللصوص والمنابهة؟ قال الفضيل: جور ستين سنة خير من ~~هرج ساعة، فلا يتمنى زوال السلطان إلا جاهل مغرور أو فاسق يتمنى كل محذور، ~~فحقيق على كل رعية أن ترغب إلى الله تعالى في إصلاح السلطان، وأن تبذل له ~~نصحها وتخصه بصالح دعائها، فإن في صلاحه صلاح العباد والبلاد، وفي فساده ~~فساد العباد والبلاد. وكان العلماء يقولون: إن استقامت لكم أمور السلطان ~~فأكثر واحمد الله تعالى واشكره، وإن جاءكم منه ما تكرهون وجهوه إلى ما ~~تستوجبونه منه بذنوبكم وتستحقونه بآثامكم، فأقيموا عذر السلطان بانتشار ~~الأمور عليه، وكثرة ما يكابده ms076 من ضبط جوانب المملكة واستئلاف الأعداء ورضاء ~~الأولياء، وقلة الناصح وكثرة المدلس والفاضح. # وفي كتاب التاج: هموم الناس صغار وهموم الملوك كبار، وألباب الملوك ~~مشغولة بكل شيء وألباب السوقة مشغولة بما ليس بشيء، والجاهل منهم يعذر نفسه ~~عندما هو عليه من الوشل، ولا يعذر سلطانه مع شدة ما هو عليه من المؤنة، ومن ~~هناك يعز الله سلطانه ويرشده وينصره. وعن هذا قالت الحكماء من العجم: لا ~~توطنن إلا ببلد فيه سلطان قاهر قاض عادل، وسوق قائمة وطبيب عالم ونهر جار. # الباب الثامن # في منافع السلطان ومضاره # قالت حكماء العرب والعجم: مثل مضار السلطان في جنب منافعه مثل الغيث الذي ~~هو سقيا لله تعالى، وبركات السماء وحياة الأرض ومن عليها، وقد يتأذى به ~~المسافر ويتداعى له البنيان وتكون فيه الصواعق، وتدر سيوله فيهلك الناس ~~والدواب والذخائر، ويموج له البحر فتشتد بليته على أهله، ولا يمنع ذلك ~~الخلق إذا نظروا إلى آثار رحمة الله تعالى في الأرض التي أحيى والنبات الذي ~~أخرج ، والرزق الذي بسط والرحمة التي نشر أن يعظموا نعمة ربهم ويشكروها، ~~وبلغوا ذكر خواص الأذية التي دخلت على خواص الخالق. # ومثاله أيضا مثال الرياح التي يرسلها الله تعالى نشرا بين يدي رحمته، ~~فيسوق بها السحاب ويجعلها إلقاحا للثمرات وأرواحا للعباد، يتنسمون منها ~~ويتقلبون فيها، فتجري بها مياههم وتقد بها نيرانهم وتسير بها في البحر ~~أفلاكهم، وقد تضر بكثير من الناس في برهم وبحرهم وتخلص إلى أنفسهم فيشكر ~~بها الشاكرون، وقد يتأذى بها كثير من الناس فلا يخرجها ذلك عن منزلتها من ~~أقوام عماده وتمام نعمته. # ومثاله أيضا مثال الشتاء والصيف اللذين جعل الله تعالى حرهما وبردهما ~~صلاحا للحرث والنسل، ونتاجا للأنعام والثمر يجمعها البرد بإذن الله تعالى ~~ويخرجها الحر بإذن الله تعالى، فتصبح على اعتدال إلى غير ذلك من منافعهما، ~~وقد يكون الأذى في حرهما وبردهما وشمسهما وزمهريرهما، وهما مع ذلك لا ~~ينسبان إلا إلى الصلاح والخير وقد غمر صلاحهما أذيتهما. PageV01P038 ومثاله ~~أيضا مثل الليل الذي جعله الله تعالى سكنا ms077 ولباسا ونوما وراحة وسباتا، وقد ~~يستوحش له أخو الفقر ويسارع فيه أهل الدعارة والفساد واللصوص، وتعدو فيه ~~السباع وتنشر فيه المهام والحية وذوات السموم القاتلة، ثم لا ينسى العباد ~~نعمة الله عليهم به ولا يزري صغير ضره بكبير نفعه. ومثاله أيضا مثال النهار ~~الذي جعله الله ضياء ونورا ونشورا واكتسابا، وقد تكون فيه الحروب والغارات ~~والتعب والنصب والشخوص والخصومات، فيستريح الخلق منه إلى الليل ثم يتبين ~~للعباد نعمة الله عليهم وهكذا كل جسيم من أمور الدنيا يكون ضرره خاصا ونفعه ~~عاما فهو نعمة عامة، وكل شيء يكن نفعه خاصا فهو بلاء عام، ولو كانت نعم ~~الدنيا صفوا من غير كدر وميسورها من غير عسير، لكانت هي الجنة التي لا تعب ~~فيها ولا نصب. قال الشاعر: # لا ترج شيئا خالصا نفعه ... فالغيث لا يخلو من العيب # الباب التاسع # في بيان معرفة السلطان من الرعية # اعلموا أرشدكم الله أن منزلة الشيطان من الرعية بمنزلة الروح من الجسد، ~~فإذا صفت الروح من الكدر سرت إلى الجوارح سليمة، فقرت في جميع أجزاء الجسد ~~فأمن الجسد من التغيير، فاستقامت الجوارح والحواس وانتظم أمر الجسد. وإن ~~تكدرت الروح وفسد مزاجها فيا ويح الجسد! فيسري إلى الحواس والجوارح فتصير ~~الحواس والجوارح كدرة منحرفة عن الاعتدال، فأخذ كل عضو وحاسة بقسطه من ~~الفساد، فمرضت الجوارح وتعطلت فتعطل نظام الجسد وجر إلى الفساد والهلاك . # ومثال السلطان أيضا مثل النار، ومثال الخلق مثل الخشب، فما كان منها ~~معتدلا لم يحتج إلى النار، وما كان منها متأودا احتاج إلى النار ليقام أوده ~~ويعدل عوجه، فإن أفرط النار احترق الخشب قبل أن يستقيم أوده، وإن قصر النار ~~لم يكن الخشب قابلا للاعتدال فيبقى متأودا، وإذا كانت النار معتدلة اعتدل ~~الخشب، كذلك السلطان في أطواره إن أفرط أهلك الخلق، وإن فرط لم يستقيموا ~~وإن اعتدل اعتدلوا. # ومثاله أيضا مثال عين خرارة في أرض خوارة، فإن حلا مشربه وعذب طعمه وسلمت ~~من الكدر والفساد أوصافه ، تخلج في الأرض فابتلعته صافيا صرفا ثم شربته ~~عروق ms078 الأشجار فاغتذت به كذلك، فغلظ سوقها وفرعت أغصانها وامتدت أفنانها، ثم ~~أخرجت أوراقها وأبرزت أزهارها ثم قذفت ثمارها، فجاءت على أتم طباعها كبرا ~~وطعما ولونا ورائحة،فتقوت بها العباد وأكلت حطامها البهائم والحشرات، وسقط ~~عليها الطير فأحرز كل منها قوته، واستقام النظام.وإن كان في حواشي الأرض ما ~~يدق عن الإنبات والنفع ويكدي عن الزكاة والريع، أو كان فيه من الشجر ما ~~يندر حمله ويقل ريعه، أعطى كل ذلك الغاية من نفسه وأطلع ما في قواه ولم ~~يغادر ممكنا إلا وافاه، وإن كان في العين كدر أو فساد أو ملح شربتها ~~الأشجار كذلك، ففسد مزاجها وأضر الجزء الفاسد بالطيب، فرقت سوقها وضعفت ~~أغصانها وتغيرت أوراقها، وقلت أزهارها وثمارها ودخل الفساد على جميع ذلك، ~~فجاءت الثمرة وهي نزر قدرها ردىء طعمها كاسف لونها، فدخل بذلك من النقص على ~~جميع الحيوان مثل ما دخل عليهم من المنافع في الأولى، ولهذا قال الرسول ~~عليه السلام: إن الضب ليموت في حجره هزالا من ظلم بني آدم، يعني إذا كثرت ~~المعاصي في الأرض حبست في السماء غياثها ومنعت الأرض نباتها، فهلك الهوام ~~والدواب والحشرات. # الباب العاشر # في معرفة خصال ورد الشرع بها فيها نظام الملك والدول # وهي ثلاثة: اللين وترك الفظاظة والمشاورة، وأن لا يستعمل على الأعمال ~~والولايات راغب فيها ولا طالب لها. ولما علم الله تعالى ما فيها من انتظام ~~الملة واستقامة الأمر نص عليها الله سبحانه ورسوله. اعلم أن هذه الخصال من ~~اساس الممالك وقل من يعمل بها من الملوك، اثنتان نزلتا من السماء وواحدة ~~قالها الرسول صلى الله عليه وسلم: أما الإلهية فقال تعالى: " فبما رحمة من ~~الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر ~~لهم وشاورهم في الأمر " آل عمران: 159. PageV01P039 وفي الآية إشارتان: ~~إحداهما أن الفظاظة تنفر الأصحاب والجلساء وتفرق الجموع والحشم، وإنما ~~الملك ملك بجلسائه وأصحابه وأتباعه وحشمه. وأخلق بخصلة تنفر الأولياء وتطمع ~~الأعداء، فقمن بكل سلطان رفضها والاحتراز من سوء مغبتها، ولتكن كما قال ~~الله: ms079 " واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين " الشعراء: 215. وروي أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان جالسا مع أصحابه، فجاء رجل فقال: أيكم ابن عبد ~~المطلب؟ فقالوا: هذا الأبيض المتكئ. فقال الرجل: يا ابن عبد المطلب، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: قد أجبتك! دل الأثر على أنه ما استأثر بشرف ~~المجلس ولا باينهم بزي ولا مقعد. # وقد يبلغ باللين ما يبلغ بالغلظة. ألا ترى أن الرياح تهول أصواتها ~~فيتداخل لها الشجر وتنعطف الأفنان والأغصان، وفي الفرط تنكسر الأغصان، ~~والماء بلينه في أصول الشجر يقلعها من أصلها. وإذا كانت الحية مع صعوبتها ~~وسمها وتغيبها في حجرها ترقى بالكلام حتى تستعطف فتخرج، فالإنسان أحرى أن ~~يستمال بلين القول وحسن المنطق، فإذا أردت أن تنتقم ممن يسيء إليك فكافئه ~~بكل كلمة سوء قالها كلمة جميلة وحسن ثناء عليه. # والإشارة الثانية أنه قال: " وشاورهم في الأمر " آل عمران: 159. فإذا قيل ~~لنا: كيف يشاورهم وهو نبيهم وإمامهم، وواجب عليهم مشاورته وأن لا يفصلوا ~~أمرا دونه؟ قلنا: هذا أدب أدب الله به نبيه عليه السلام، وجعله مأدبة لسائر ~~الملوك والأمراء والسلاطين. لما علم الله تعالى ما في المشاورة من حسن ~~الأدب مع الجليس ومساهمته في الأمور، فإن نفوس الجلساء والنصحاء والوزراء ~~تصلح عليه وتميل إليه وتخضع عنوة بين يديه، شرعه لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~ولذي الإمرة من أهل ملته. ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في ~~غزوة، فأمرهم بالنزول فقال له سعد: يا رسول الله إن كان هذا بأمرك فسمعا ~~وطاعة، وإن يكن غير ذلك فليس بمنزل. فسمع منه النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقال: ارتحلوا! ومن أقبح ما يوصف به الرجال، ملوكا كانوا أو سوقة، ~~الاستبداد بالرأي وترك المشاورة، وسنعقد للمشاورة بابا إن شاء الله تعالى. ~~والخصلة الثالثة ما روى البخاري ومسلم أن رجلا قال: يا رسول الله استعملني. ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنا لا نستعمل على عملنا من أراده. والسر ~~فيه أن الولايات أمانات وتصريف في أرواح الخلائق ms080 وأموالهم، والتسرع إلى ~~الأمانة دليل على الخيانة، وإنما يخطبها من يريد أكلها، فإذا أؤتمن خائن ~~على موضع الأمانات كان كمن استرعى الذئب على الغنم. ومن هذه الخصلة تفسد ~~قلوب الرعايا على ملوكها، لأنه إذا اهتضمت حقوقهم وأكلت أموالهم فسدت ~~نياتهم، وأطلقوا ألسنتهم بالدعاء والتشكي، وذكروا سائر الملوك بالعدل ~~والإحسان فكانوا كالبيت السائر الذي أنشدناه أولا. # وراعي الشاء يحمي الذئب عنها ... فكيف إذا الذئاب لها رعاء؟ # وإذا خان أهل الأمانات وفسد أهل الولايات، كان الأمر كما قال الأول: # بالملح يصلح ما يخشى تغيره ... فكيف بالملح أن حلت به الغير؟ # ولغيره في مثل ذلك: # ذئب تراه مصليا ... فإذا مررت به ركع! # يدعو وجل دعائه: ... ما للفريسة لا تقع؟ # عجل بها يا ذا العلا ... إن الفؤاد قد انقطع! # ومن أشراط الساعة التصدي للأمانة وخطبة الولاية. وروي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: من أشراط الساعة أن تكون الزكاة مغرما والأمانة مغنما، ~~فحينئذ يدعو عليه الضعيف وأهل الصلاح ويقعد له الشرير بالمراصد ويخامر عليه ~~القوي، ويقبح ثناؤه عند الجماعة ويتمنوا الراحة منه، وينتظرون من يصلح لها ~~سواه. # الباب الحادي عشر # في بيان معرفة الخصال التي هي قواعد السلطان # ولا ثبات له دونها # فأول الخصال وأحقها بالرعاية العدل الذي هو قوام الملك، ودوام الدول ورأس ~~كل مملكة سواء كانت نبوية أو إصطلاحية. اعلم أرشدك الله تعالى أن الله ~~تعالى أمر بالعدل، ثم علم سبحانه وتعالى أن كل الناس ليست تصلح على العدل ~~بل تطلب الإحسان وهو فوق العدل، فقال: PageV01P040 " إن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان وإيتاء ذي القربى " النحل: 90. فلو وسع الخلق العدل ما قرن به ~~الإحسان، فمن لا يصلح حتى يزاد على العدل كيف يصلح إذا لم يبلغ به العدل ~~والعدل ميزان الله في الأرض، الذي به يؤخذ للضعيف من القوي وللمحق من ~~المبطل؟ وليس موضع ميزان الله الذي وضعه من القيام بالقسط فقد تعرض لسخط ~~الله. # واعلم أيها الوالي أن الملك بمنزلة رجل: فرأسه أنت وقلبه وزيرك ويداه ~~أعوانك، ورجلاه رعيتك وروحه ms081 عدلك، وما بقي جسد بلا روح. وإذا أردت ذروة ~~العدل فاعلم أن الرعية ثلاثة أنفس: كبير وصغير ووسط، فاجعل كبيرهم أبا ~~ووسطهم أخا وصغيرهم ولدا. فبر أباك وأكرم أخاك وارحم ولدك، فإنك واصل بذلك ~~إلى بر الله وكرامته ورحمته. واعلم أن عدل الملك يوجب الاجتماع عليه، وجوره ~~يوجب الافتراق عنه، عدل الملك حياة رعيته. وفي منثور الحكم: سلطان جائر ~~أربعين سنة خير من رعية مهملة ساعة واحدة من النهار، إذا عدل الملك فيما ~~قرب منه صلح له ما بعد عنه. ففضل الملوك في الإعطاء وشرفها في العفو وعزها ~~في العدل. عدة السلطان ثلاثة: مشاورة النصحاء وثبات نبات الأعوان وإقامة ~~سوق العدل. أفضل الأزمنة أزمنة أئمة العدل. ثم: العدل ينقسم قسمين: قسم ~~إلهي جاءت به الأنبياء والرسل عليهم السلام عن الله تعالى، والثاني ما يشبه ~~العدل والسياسة الإصلاحية التي هرم عليها الكبير ونشأ عليها الصغير، وبعيد ~~أن يبقى سلطان أو تستقيم رعيته في حال إيمان أو كفر بلا عدل قائم ولا ترتيب ~~للأمور ثابت، فذلك مما لا يمكن ولا يجوز. وقد ذكرنا في أول الكتاب أن ~~سليمان بن داود سلب ملكه حين جلي الخصمان بين يديه، وكان لأحدهما خاصة ~~بسليمان فقال في نفسه: وددت أن يكون الحق لخاصتي فأقضي له، فسلبه الله ~~تعالى ملكه وقعد الشيطان على كرسيه. # فاجعل العدل سياستك تسقط عنك جميع الآفات المفسدة للسياسة، وتقوم لك جميع ~~الشرائط التي تقوم بها للمملكة. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إمام ~~عادل خير من مطر وابل، وأسد حطوم خير من سلطان ظلوم، وسلطان ظلوم خير من ~~فتنة تدوم. وقال ابن مسعود: إذا كان الإمام عادلا فله الأجر وعليك الشكر، ~~وإذا كان جائرا فعليه الوزر وعليك الصبر. وقال سليمان بن داود عليهما ~~السلام: الرحمة والعدل يحرزان الملك. واتفق حكماء العرب والعجم على هذه ~~الكلمات فقالوا: الملك بناء والجند أساسه، فإذا قوي الأساس قام البناء، وإن ~~ضعف الأساس انهار البناء، فلا سلطان إلا بجند ولا جند إلا بمال، ولا مال ms082 ~~إلا بجباية ولا جباية إلا بعمارة، ولا عمارة إلا بعدل فصار العدل أساسا لكل ~~الولايات. # وأما العدل النبوي فأن يجمع السلطان إلى نفسه حملة العلم الذين هم حفاظه ~~ورعاته وفقهاؤه، وهم الأدلاء على الله والقائمون بأمر الله، والحافظون ~~لحدود الله والناصحون لعباد الله. وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: إن الدين النصيحة! إن الدين النصيحة! إن الدين ~~النصيحة! قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة ~~المسلمين وعامتهم. فاتخذ أيها الملك العلماء شعارا والصالحين دثارا، فتدور ~~المملكة بين نصائح العلماء ودعوات الصلحاء، وأخلق بملك يدور بين هاتين ~~الخصلتين أن يقوم عموده ويطول أمده! وكيف لا وقد قربهم الله في سلطانه ~~واصطفاهم بخالص معرفته، فقال جل من قائل: " شهد الله أنه لا إله إلا هو ~~والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم " آل ~~عمران: 18. فبدأ بنفسه وثنى بملائكته، وثلث بأولي العلم وهم ورثة الأنبياء ~~عليهم السلام والموقفون عن الله تعالى. # إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا در هما وإنما ورثوا العلم، ففي تعظيمهم ~~وتقريبهم امتثال لأمر الله وتعظيم لمن أثنى عليه، ويجب ترفيع مجالسهم ~~وتتمييز مواضعهم عن من سواهم، قال الله تعالى: PageV01P041 " يرفع الله ~~الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات " المجادلة: 11. وفيه استمالة ~~قلوب الرعية وخلوص نياتهم لسلطانهم واجتماعهم على محبته وتوقيره، فواجب على ~~السلطان أن لا يقع أمرا دونهم ولا يفضل حكما إلا بمشاورتهم، لأنه في ملك ~~الله يحكم وفي شريعته يتصرف، وأقل الواجبات على السلطان أن ينزل نفسه مع ~~الله منزلة ولاته معه، أليس إذا خالف واليه أمره وما رسمه له من الأحكام ~~عزله وعاقبه ولم يأمن سطوته؛ وإذا امتثل أوامره وازدجر عن زواجره حل منه ~~محل الرضى؟ فواعجبا لمن يغضب على واليه إذا خالفه، ثم لا يخاف سطوة ربه ~~عليه إذا خالفه! فهذا طريق إقامة العدل الشرعي، والسياسة الاصطلاحية ~~الجامعة لوجوه المصلحة الآخذة لأزمة التدبير، السالمة من العيوب الممهدة ~~لاستقامة الدنيا والدين. وكما أن ms083 الملك الحازم لا يتم حزمه إلا بمشاورة ~~الوزراء الأخيار كذلك لا يتم عدله إلا باستفتاء العلماء الأبرار. # وقد وقع المأمون في قضية متظلم من عمرو بن مسعدة: يا عمر، واعمر نعمتك ~~بالعدل فإن الجور يهدمها، وفي إشاعة العدل قوة القلوب وطيب النفس ولزوم ~~اليقين وأمان من العدو. ولما استأذن الهرمزان على عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه لم يجد عنده حاجبا ولا بوابا فقيل له: هو في المسجد، فأتى المسجد فوجده ~~مستلقيا متوسدا كوما من الحصى ودرته بين يديه، فقال له الهرمزان: يا عمر ~~عدلت فأمنت فنمت! وقال الحسن بن علي: رأيت عثمان رضي الله عنه وقد جمع ~~الحصى في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم عند رأسه، وقد وضع إحدى جانبي ~~ردائه عليه وهو يومئذ أمير المؤمنين، ما عنده أحد من الناس ودرته بين يديه. # وكتب عامل حمص إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: إن مدينة حمص قد ~~تهدمت واحتاجت إلى الإصلاح فكتب إليه عمر: حصنها بالعدل ونق طرقها من ~~الجور، والسلام. وقالت الحكماء: من حرم العدل فلا خير له ولا للناس في ~~سلطانه. وقال يحيى بن أكثم: ماشيت المأمون في بستان والشمس على يساري ~~والمأمون في الظل، فلما رجعنا وقعت الشمس أيضا علي، فقال لي المأمون: تحول ~~مكاني وأنا أتحول مكانك حتى تكون في الظل كما كنت، وأقيك الشمس كما وقيتني، ~~فإن أول العدل أن يعدل الرجل على بطانته، ثم الذين يلونهم حتى يبلغ العدل ~~الطبقة السفلى. فعزم علي فتحولت. # وكان يقال: ليس شيء أبعد من بقاء ملك الغاصب. وقيل للإسكندر: لو أكثرت من ~~النساء حتى يكثر نسلك ويحيا ذكرك. فقال: إنما يحيي الذكر الأفعال الجميلة ~~والسيرة الحميدة، ولا يحسن بمن يغلب الرجال أن تغلبه النساء. وقال الحكيم: ~~من اتخذ العدل سنة كان له أحصن جنة، ومن استشعر حلة العدل فقد استكمل رتبة ~~الفضل. وقال أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود: إن الإمام العادل ليسكنن ~~الأصوات عن الله تعالى. وقال الحكيم: لا يزال السلطان ms084 ممهلا حتى يتخطى إلى ~~أركان العمارة ومباني الشريعة، فحينئذ يريح الله منه. وقالوا: لا تظلم ~~الضعفاء فتكون من لثام الأقوياء، وقال بعض الحكماء: أمير بلا عدل كغيم بلا ~~مطر، وعالم بلا ورع كأرض بلا نبات، وشاب بلا توبة كشجر بلا ثمر، وغنى بلا ~~سخاء كقفل بلا مفتاح، وفقر بلا صبر كسراج بلا ضوء، وامرأة بلا حياء كطعام ~~بلا ملح. # وقال كسرى: اتفقت ملوك العجم على أربع خصال: أن الطعام لا يؤكل إلا شهوة، ~~والمرأة لا تنظر إلا إلى زوجها، والملك لا يصلحه إلا الطاعة، والرعية لا ~~يصلحها إلا العدل. وأحق الناس بإجبار نفسه على العدل الملوك الذين بعدلهم ~~يعدل من دونهم، والذين إذا قالوا أو فعلوا كان نافذا غير مردود. وقالت ~~الحكماء: رم ما شئت بالإنصاف وأنا زعيم لك بالظفر به. والظلم أدعى شيء إلى ~~تغيير نعمة أو تعجيل نقمة. وقال الحكيم: شر الزاد إلى المعاد الذنب بعد ~~الذنب، وشر من هذا العدوان على العباد، ومتى أراد السلطان حسن الصيت وجميل ~~الذكر فليقم سوق العدل، وإن أحب الزلفى عند الله وشرف المنزلة عنده فليقم ~~سوق العدل، والذي يخلد به ذكر الملوك على غابر الدهور عدل واضح أو جور ~~فاضح، هذا يوجب له الرحمة وهذا يوجب له اللعنة. # فصل PageV01P042 وأما القسم الثاني من العدل وهو السياسة الاصطلاحية، وإن ~~كان أصلها على الجور فيقوم بها أمر الدنيا، وكأنها تشاكل مراتب الإنصاف على ~~نحو ما كانت عليه ملوك الطوائف في أيام الفرس، وكانوا كفارا بالله تعالى ~~يعبدون النيران ويتبعون هواجس الشيطان، فتواضعوا بينهم سننا وأسسوا لهم ~~أحكاما، وأقاموا لهم مراتب في النصفة بين الرعايا واستجباء الخراجات، ~~وتوظيف المكوس على التجار، كل ذلك بعقولهم على وجوه ما أنزل الله بها من ~~سلطان ولا نصب عليها من برهان، بيد أنه لما جاءت الشريعة من عند الله تعالى ~~على لسان نبيه صاحب المعجزة محمد صلى الله عليه وسلم، فمنها ما أقرته في ~~نصابه ومنها نسخته وأبطلت حكمه، فعادت الحكمة البالغة أمر الله تعالى ~~والحكم بما أنزل ms085 الله وبطل ما سواه، وكان ملكهم محفوظا برعايتهم للقوانين ~~المألوفة بينهم، فانقطع بذلك حبل الهمل فكانوا يقيمون بها واجب الحقوق، ~~ويتعاطون بها ما لهم وعليهم. # وعن هذا كان يقال: إن السلطان الكافر الحافظ لشرائط السياسة الاصطلاحية، ~~أبقى وأقوى من السلطان المؤمن العدل في نفسه المضيع للسياسة النبوية ~~العدلية، والجور المرتب أبقى من العدل المهمل، إذ لا شيء أصلح للسلطان من ~~ترتيب الأمور ولا شيء أفسد له من إهمالها. واعلم أن درهما يؤخذ من الرعية ~~على وجه الإهمال والخرق، وإن كان عدلا أفسد لقلوبها من عشرة تؤخذ منها ~~بسياسة على زمام معروف ورسم مألوف، وإن كان جورا، فلا يقوم السلطان لأهل ~~الإيمان ولا لأهل الكفر إلا بإقامة العدل النبوي، أو ما يشبهه من الترتيب ~~الاصطلاحي. وقال ابن المقفع: الملوك ثلاثة: ملك دين وملك حزم وملك هوى، ~~فأما ملك الدين فإنه إذا أقام لأهل المملكة دينهم كانوا راضين وكان الساخط ~~فيهم بمنزلة الراضي، وأما ملك الحزم فيقوم به الأمر ولا يسلم من الطعن ~~والسخط ولن يضر طعن الذليل مع حزم القوي، وأما ملك الهوى فلعب ساعة ودمار ~~دهر. # ولقد بلغنا أن ملكا من ملوك الهند نزل به صمم، فأصبح مسترجعا مهتما بأمور ~~المظلومين وأنه لا يسمع استغاثتهم، فأمر مناديه أن لا يلبس أحد في مملكته ~~ثوبا أحمر إلا مظلوم، وقال: لئن منعت سمعي لم أمنع بصري، فكان كل من ظلم ~~لبس ثوبا أحمر ووقف تحت قصره، فيكشف عن ظلامته. قال شيخنا: وأخبرني أبو ~~العباس الحجازي، وكان ممن دخل الصين بسيرة عجيبة غريبة لملوكها في سياستهم، ~~وذلك أنللبيت الذي يكون فيه الملك ناقوسا موصولا بسلسلة وطرف سلسلة في خارج ~~الطريق، وعليها أمناء للسلطان وحفظة، فيأتي المظلوم فيحرك السلسلة فيسمع ~~الملك صوت الناقوس، فيأمر بإدخال المظلوم، فكل من حرك تلك السلسلة تمسكه ~~تلك الحفظة حتى يدخل على السلطان. # الباب الثاني عشر # في التنصيص على الخصال التي زعم الملوك # أنها هدمت دولتهم وأزالت سلطانهم # أيها الملك احرص كل الحرص أن تكون خبيرا بأمور عمالك، فإن ms086 المسيء يفرق من ~~خبرتك به قبل أن تصيبه عقوبتك، والمحسن يستبشر بعلمك به قبل أن يأتيه ~~ثوابك. وقال أبو جعفر المنصور: ما زال أمر بني أمية مستقيما حتى أفضى أمرهم ~~إلى أبنائهم المترفين، فكانت همتهم من عظيم شأن الملك وجلالة قدره قصدا ~~للشهوات وإيثار اللذات، والدخول في معاصي الله تعالى وأمنا لمكره، فسلبهم ~~الله تعالى العز ونقل عنهم النعمة. # قال عبيد الله بن مروان، ومروان هذا هو المعروف بمروان الحمار، وهو آخر ~~ملوك بني أمية قتل في أرض مصر في كورة بوصير: لما زال ملكنا وهربت إلى أرض ~~النوبة فيمن تبغي من أصحابي، فسمع ملك النوبة بخبري فقعد على الأرض ولم ~~يقعد على فراش افترشته، فقلت له: ألا تقعد على ثيابنا؟ قال: لا. قلت: ولم؟ ~~قال: لأني ملك وحق على كل ملك أن يتواضع لله سبحانه إذ رفعه، ثم قال لي: لم ~~تشربون الخمر وهي محرمة عليكم، ولم تطئون الزرع بدوابكم والفساد محرم ~~عليكم، ولم تستعملون الذهب والفضة وتلبسون الديباج والحرير وهو محرم عليكم؟ ~~فقلت: زال عنا الملك فقل أنصارنا وانتصرنا بقوم من الأعاجم دخلوا ديننا، ~~ولنا عبيد وأتباع فعلوا ذلك على كره منا، فأطرق مليا يقلب كفيه وينكث في ~~الأرض، ثم قال: PageV01P043 ليس كما ذكرت بل أنتم قوم استحللتم ما حرم الله ~~عليكم، وظلمتم في ما ملكتم فسلبكم الله تعالى العز بذنوبكم، ولله فيكم نعمة ~~لم تدرك غايتها، وأخاف أن يحل بكم العذاب وأنتم ببلدي فيصيبني معكم، وإنما ~~الضيافة ثلاثة أيام، فتزودوا ما احتجتم إليه وارتحلوا عن بلدي. # وسئل بزرجمهر: ما بال ملك بني ساسان صار إلى ما صار إليه، بعدما كان فيه ~~من قوة السلطان وشدة الأركان؟ فقال: ذلك لأنهم قلدوا كبار الأعمال صغار ~~الرجال. وعن هذا قالت الحكماء: موت ألف من العلية أقل ضررا من ارتفاع واحد ~~من السفلة. وفي الأمثال: زوال الدول باصطناع السفل. وقال الشافعي رحمه ~~الله: أظلم الناس لنفسه اللئيم، إذا ارتفع جفا أقاربه وأنكر معارفه، واستخف ~~بالأشراف وتكبر على ذوي الفضل. وسئل بعض ms087 الملوك بعد زوال ملكه: ما الذي ~~سلبك ملكك؟ قال: بإعطائنا من بطر وضعف ورفع عمل اليوم إلى الغد. # وسئل بعض الملوك بعد أن سلبوا المملكة: ما الذي سلب عزكم وهدم ملككم؟ ~~فقال: شغلتنا لذاتنا عن التفرغ لمهماتنا ووثقنا بكفاتنا، فآثروا مرافقهم ~~علينا، وظلم عمالنا رعيتنا فانفسدت نياتهم لنا وتمنوا الراحة منا، وحمل على ~~أهل خراجنا فقل دخلنا فقل دخلنا وبطل إعطاؤنا عبيدنا، فزالت الطاعة منهم ~~لنا، وقصدنا عدونا فقل ناصرنا، وكان أعظم ما زال به ملكنا استتار الأخبار ~~عنا. وقالت الحكماء: أسرع الخصال في هدم السلطان وأعظمها في إفساده وتفريق ~~الجمع عنه إظهار المحاباة لقوم دون قوم، والميل إلى قبيلة دون قبيلة، فمتى ~~أعلن بحب قبيلة فقد برئ من قبائل. وقديما قيل: المحاباة مفسدة. وقال مهبوز ~~الموبذان: من زوال السلطان تقريب من ينبغي أن يباعد، ومباعدة من ينبغي أن ~~يقرب وحينئذ حان أوان الغدر. # وقيل لملك بعد زوال ملكه: ما الذي أذهب ملككم؟ قال: ثقتي بدولتي ~~واستبدادي بمعرفتي، وإغفالي استشارتي وإعجابي بشدتي وإضاعتي الحيلة في وقت ~~حاجتي والتأني عند عجلتي. ولما أحيط بمروان الجعدي وهو آخر ملوك بني أمية. ~~قال: والهفاه على دولة ما نصرت وكف ما ظفرت ونعمة ما شكرت! فقال له خادمه ~~بسيل وكان من أشراف أولاد الروم: من أغفل الصغير حتى يكبر والقليل حتى ~~يكثر، والخفي حتى يظهر أصابه مثل هذا. وسئل بعض العلماء: ما الذي ذهب بملك ~~بني مروان؟ قال: تحاسد الأكفاء وانقطاع الأخبار. وذلك أن يزيد بن عمر كان ~~يحب أن يضع من نصر بن سيار وكان لا يمده بالرجال، ولا يرفع إلى السلطان ما ~~يورد عليه من أخيار خراسان، فلما رأى ذلك نصر بن سيار قال: # أرى خلل الرماد رميض نار ... فيوشك أن يكون لها ضرام # وإن النار بالعودين تذكى ... وإن الحرب أولها الكلام # فقلت تجاهلا: يا ليت شعري ... أأيقاظ أمية أم نيام؟ # وكان العباسيون يؤسسون لدولتهم ولا تصل أخبارهم إلى بني أمية، حتى استفحل ~~أمرهم وضعف أمر بني أمية. وسئل مروان بن محمد ms088 الجعدي وهو آخر ملوك بني ~~أمية: ما الذي أضعف ملكك بعد قوة السلطان وثبات الأركان؟ فقال: الاستبداد ~~برأيي، لما كثرت علي كتب نصر بن سيار أن أمده بالأموال والرجال، قلت في ~~نفسي: هذا رجل يريد الاستكثار من الأموال بما يظهر من فساد الدولة قبله، ~~وهيهات أن ينتقض على خراسان فانتفضت دولته من خراسان. # الباب الثالث عشر # في الصفات الذاتية التي زعم الحكماء # أنه لا يدوم معها مملكة # ومن أعجب العجاب دوام الملك مع الكبر والإعجاب! اعلموا أن الكبر والإعجاب ~~يسلبان الفضائل ويكسبان الرذائل، لأن الكبير يكون بالمنزلة والعجب يكون ~~بالفضيلة، والمتكبر يجل نفسه عن رتبة المتعلمين، والمعجب يستكثر فضله عن ~~استزادة المتأدبين، وحسبك من رذيلة تمنع من استماع النصح وقبول التأديب، ~~فالكبر يكسب المقت ويمنع من التألف، وكل كبر ذكره الله تعالى في القرآن ~~فمقرون بالشرك، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم للعباس: أنهاك عن الشرك ~~بالله والكبر كأنه يحتجب في تعصب منهما. وقال أزدشير بن بابك: ما الكبر إلا ~~فضل حمق لم يدر صاحبه أين يذهب به فصرفه إلى الكبر. وقال الأحنف بن قيس: ما ~~تكبر أحد إلا من ذلة يجدها في نفسه، ولم تزل الحكماء تتحامى الكبر وتأنف ~~منه. قال الشاعر: PageV01P044 فتى كان عذب الروح لا من خصاصة ... ولكن كبرا ~~أن يقال به كبر! # ونظر أفلاطون إلى رجل جاهل معجب بنفسه فقال: وددت أني مثلك في ظنك وأن ~~أعدائي مثلك في الحقيقة. وقالت الحكماء: وقد يدوم الملك مع معظم النقائص، ~~فرب فقير ساد قومه ورب أحمق ساد قبيلته. منهم الأقرع بن حابس الذي قال فيه ~~النبي صلى الله عليه وسلم: ذلك الأحمق المطاع وقالوا: لا يدوم الملك مع ~~الكبر، وحسبك من رذيلة تسلب السيادة. وأعظم من ذلك أن الله تعالى حرم الجنة ~~على المتكبرين، فقال سبحانه وتعالى: " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا ~~يريدون علوا في الأرض ولا فسادا " ، فقرن الكبر بالفساد فمنعنا من دخول ~~الجنة. وقال عز وجل: " سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير ms089 الحق " ~~. # وقال بعض الحكماء: ما رأيت متكبرا إلا تحول داؤه في عيني أني أتكبر عليه. ~~واعلم أن الكبر يوجب المقت، ومن مقته رجاله لم يستقم حاله، ومن أبغضته ~~بطانته كان كمن غص بالماء، ومن كرهته الحماة تطاولت إليه الأعداء. وأما ~~الإعجاب فيحمله على الاستبداد بالرأي وترك مشاورات الرجال. ومن الصفات التي ~~لا تقوم معها المملكة: الكذب والغدر والخبث والجور والسخف. وقال حكماء ~~العرب والعجم: ست خصال لا تغتفر من السلطان: الكذب والخلف والحسد والجراءة ~~والبخل والجبن، فإنه إذا كان كذابا لم يوثق بوعده ولا بوعيده، فلم يرج خيره ~~ولم يخف شره، ولا بهاء لسلطان لا يرهب. وقالت الحكماء: خراب البلاد وفساد ~~العباد مقرونان بإبطال الوعد والوعيد من الملوك. # والكذب أسقط الأخلاق وأغلب شيء على صاحبه، وأحرى أن لا ينزع عنه لضراوته. ~~وقيل لأعرابي: لم لا تكذب؟ قال: لو تعززت به ما تركته وهو نوع من الفحش ~~وضرب من الدناءة، وأصله استعذاب المنا وهو أضغاث فكر الحمقى. ومن بليته أنه ~~يحمل على صاحبه ذنب غيره، وإذا سمعت كذبة طائحة نسبت إليه. وقال الشاعر: # حسب الكذوب من المها ... نة بعض ما يحكى عليه # فإذا سمعت بكذبة ... من غيره نسبت إليه # وقال غيره: # لا يكذب المرء إلا من مهانته ... أو عادة السوء أو من قلة الأدب # لبعض جيفة كلب خير رائحة ... من كذبة المرء في جد وفي لعب # ولآخر: # لي حيلة فيمن ينم ... وليس في الكذاب حيلة # من كان يخلق ما يقول ... فحيلتي فيه قليلة # ومما روي أن قيصر ملك الروم كتب إلى كسرى أنوشروان في آخر كتاب: أخبرني ~~بم دام لك الملك؟ فأجابه: دام الملك بست خصال: ما هزلنا في أمر ولا نهي، ~~وما كذبنا في وعد ولا وعيد، وما قابلنا إلا على قدر الذنب لا على قدر ~~غضبنا، واستخدمنا ذوي العقول، وولينا ذوي الأصول، وفضلنا على الشباب ~~الكهول. فلما قرأها قيصر قام وقعد ثلاث مرات وقال: يحق لمن كانت هذه سياسته ~~أن تدوم له رياسته. وقال الله تعالى: " إنما يفتري الكذب ms090 الذين لا يؤمنون ~~بآيات الله " النحل: 105. # وأما الحسد فإنه إذا كان حسودا لم يشرف أحدا، وإذا ضاعت الأشراف هلكت ~~الأتباع ولا تصلح الناس إلا على أشرافهم. وقال الشاعر: # لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا # وأما البخل فإذا كان بخيلا لم يناصحه أحد ولا تصلح الولاية إلا ~~بالمناصحة، وليس للملك أن يبخل لأن بيوت الأموال في يديه. وأما الجبن فإنه ~~إذا كان جبانا اجترأ عليه عدوه وضاعت ثغوره، وإذا كان جريئا غضوبا والقدرة ~~من ورائه هلكت الرعية. وليس للملك أن يغضب لأن القدرة من وراء حاجته. ولما ~~دخل أسقف نجران على مصعب بن الزبير فكلمه بشيء أغضبه، ضرب وجهه بالقضيب ~~فأدماه، فقال الأسقف: إن شاء الأمير أخبرته بما أنزل الله تعالى على عيسى ~~عليه السلام فلا يغضب بعدها. قال: هات! قال: لا ينبغي للإمام أن يكون سفيها ~~ومنه يلتمس الحلم، ولا جائرا ومنه يلتمس العدل. # وقال الأوزاعي: PageV01P045 يهلك السلطان بالإعجاب والاحتجاب. فأما ~~الإعجاب فقد ذكرناه، وأما الاحتجاب فهو أدخل الخلال في هدم السلطان وأسرعها ~~خرابا للدول، فإنه إذا احتجب السلطان فكأنه قد مات، لأن الحجب موت حكمي ~~فتعبث بطانته بأرواح الخلائق وحريمهم وأموالهم، لأن الظالم قد أمن أن لا ~~يصل المظلوم إلى السلطان. ومعظم ما رأينا في أعمارنا وسمعنا من دخول ~~المفاسد على الملوك في حجبهم عن مباشرة الأمور، ولا تزال الرعية ذا سلطان ~~واحد ما وصلوا إلى سلطانهم، فإذا احتجب فهناك سلاطين كثيرة. # يا أيها المغرور المحتجب، احتجبت عن الرعية بالحجاب والأبواب، وجعلت ~~دونهم جبالا مشيدة وحظائر بالحجارة والماء والطين مانعة، وباب الله مفتوح ~~للسائلين ليس هناك حاجب ولا بواب. قال الله تعالى: " إلا من شاء أن يتخذ ~~إلى ربه سبيلا " الفرقان: 57. وقال معاوية: ليس بين أن يملك السلطان رعيته ~~أو تملكه إلا الحزم أو التواني، وكماله أمران: شدة في ير إفراط ولين في غير ~~امتهان. وسئل بزرجمهر: أي الملوك أحزم؟ فقال: من ملك جده هزله وقهر لبه ~~هواه، وأعرب عن ضمير فعله، ولم ms091 يخدعه رضاه عن سخطه ولا غضبه عن كيده. وقال ~~بعض الحكماء: زوال الدول في اصطناع بعض السفل، ومن طال عدوانه زال سلطانه. ~~وقالوا: من لم يستظهر باليقظة لم تنفعه الحفظة. وقال يحيى بن خالد: أحسن ما ~~وجدت في طراز الحكم من البلاغة: البخل والجهل مع التواضع خير من السخاء ~~والعلم مع الكبر. فيا لها حسنة غطت على سيئتين، ويا لها سيئة غطت على ~~حسنتين! # الباب الرابع عشر # في الخصال المحمودة في السلطان # وقد اتفقت العلماء والحكماء عليها فقالوا: أيها الملك إن قصرت قوتك عن ~~عدوك فتخلق بالأخلاق الجميلة التي ليس لعدوك مثلها، فإنها أنكأ فيه من ~~الغارة الشعواء. وقال معاوية لصعصعة بن صوحان: صف لي عمر بن الخطاب. فقال: ~~كان عالما برعيته عادلا في أقضيته، عاريا من الكبر قبولا للعذر، سهل الحجاب ~~مصون الباب متحريا للصواب، رفيقا بالضعيف غير محاب للقوي ولا بجاف للقريب. # قالوا: فالمنفعة توجب المحبة والمضرة توجب البغضة، والمخالفة توجب ~~العداوة والمتابعة توجب الإلفة، والصدق يوجب الثقة والأمانة توجب ~~الطمأنينة، والعدل يوجب اجتماع القلوب والجور يوجب الفرقة، وحسن الخلق يوجب ~~المودة وسوء الخلق يوجب المباعدة، والانبساط يوجب المؤانسة والانقباض يوجب ~~الوحشة، والكبر يوجب المقت والتواضع يوجب الرفعة، والجود يوجب الحمد والبخل ~~يوجب المذمة، والتواني يوجب التضييع والجد يوجب رجاء الأعمال، والهوينا ~~توجب الحسرة والحزم يوجب السرور، والتغرير يوجب الندامة والحذر يوجب العذر، ~~وإصابة التدبير توجب بقاء النعمة. # وبالتأني تسهل المطالب وبلين كنف المعاشرة تدوم المودة، وبخفض الجانب ~~تأنس النفوس وبسعة خلق المرء يطيب عيشه، والاستهانة توجب التباعد وبكثرة ~~الصمت تكون الهيبة، وبعدل المنطق يجبر الخلل وبالنصفة تكثر المواصلة، ~~وبالإفضال يعظم القدر وبصالح الأخلاق تزكو الأعمال، وباحتمال المؤن يجب ~~السودد وبالحلم على السفيه تكثر أنصارك عليه، وبالرفق والتؤدة يستحق اسم ~~الكرم، وبترك ما لا يعنيك يتم لك الفضل. واعلم أن السياسة تكسو أهلها ~~المحبة والفظاظة تخلع صاحبها ثوب القبول، ومن صغر الهمة الحسد للصديق على ~~النعمة. والنظر في العواقب نجاة. # ومن لم يحلم ندم ومن صبر غنم، ومن ms092 سكت سلم ومن خاف حذر، ومن اعتبر أبصر ~~ومن أبصر فهم، ومن فهم علم. ومن أطاع هواه ضل، ومع العجلة الندامة ومع ~~التأني السلامة. زارع البر يحصد السرور، وصاحب العاقل مغبوط، وصديق الجاهل ~~تعب. إذا جهلت فاسأل وإذا زللت فارجع، وإذا أسأت فاندم وإذا ندمت فاقلع، ~~وإذا فضلت فاكتم وإذا منعت فاحمد، وإذا أعطيت فأجزل وإذا غضبت فاحلم. من ~~بدأك ببره فقد شغلك بشكره. المروءات كلها تبع للعقل. الرأي تبع للتجربة. ~~والعقل أصله التثبت وثمرته السلامة. والتوفيق أصله العقل وثمرته النجح، ~~والتوفيق والاجتهاد زوجان، فلاجتهاد سبب والتوفيق ينجح بالاجتهاد. قال الله ~~تعالى: " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا " العنكبوت: 69، والأعمال كلها ~~تبع للمقدور. PageV01P046 واختار العلماء أربع كلمات من أربع كتب، من ~~التوراة: من قنع شبع، ومن الزبور: من سكت سلم، ومن الإنجيل: من اعتزل نجا، ~~ومن القرآن: " ومن يعتصم بالله فقد هدي " آل عمران: 101. الحلم شرف والصبر ~~ظفر، والمعروف كنز والجهل سفه، والأيام دول والدهر غير، والمرء منسوب إلى ~~فعله ومأخوذ بعمله. اصطناع المعروف يكسب الحمد. أكرموا الجليس يعمر ناديكم. ~~أنصفوا من أنفسكم يوثق بكم. إياكم والأخلاق الدنئة فإنها تضيع الشرف وتهدم ~~المجد. نهنهة الجاهل أهون من جريرته. رأس العشيرة يحمل أثقالها. وأجمعت ~~حكماء العرب والعجم على أربع كلمات قالوا: لا تحمل قلبك ما لا يطيق، ولا ~~تعمل عملا لا ينفعك، ولا تغتر بامرأة وإن طالت صحبتها، ولا تثق بمال وإن ~~كثر. # الباب الخامس عشر # في بيان ما يعز به السلطان وهي الطاعة # قال ملك فارس الموبذان: موبذ ما شيء واحد يعز به السلطان؟ قال: الطاعة. ~~قال: فما ملاك الطاعة؟ قال: التودد إلى الخاصة والعدل على العامة. قال: ~~صدقت! الأمانة معقل الطاعة والطاعة زينة الملة. وكان يقال: طاعة السلطان ~~على أربعة أوجه: الرغبة والرهبة والمحبة والديانة. ولما دخل سعد العشيرة ~~على بعض ملوك حمير، قال له: يا سعد ما صلاح الملك؟ قال: معدلة شائعة وهيبة ~~وازعة ورعية طائعة، فإن المعدلة حياة الأنام وفي الهيبة يضيء الظلام، وفي ~~طاعة الرعية التألف والالتئام. ms093 طاعة الأئمة فرض على الرعية. طاعة السلطان ~~مقرونة بطاعة الله. اتقوا الله بحقه والسلطان بطاعته. من إجلال الله إجلال ~~السلطان عادلا كان أو جائرا. # الطاعة تؤلف شمل الدين وتنظم أمور المسلمين. عصيان الأئمة يهدم أركان ~~الملة. أولى الناس بطاعة السلطان ومناصحته أهل الدين والنعم والمروءات، إذ ~~لا يقوم الدين إلا بالسلطان ولا تكون النعم والحرم محفوظة إلا به. الطاعة ~~ملاك الدين. الطاعة معاقد السلامة وأرفع منازل السعادة، والطريقة المثلى ~~والعروة الوثقى وقوام الأمة، وقيام السنة بطاعة الأئمة. الطاعة عصمة من كل ~~فتنة ونجاة من كل شبهة. طاعة الأئمة عصمة لمن لجأ إليها وحرز لمن دخل فيها. ~~ليس للرعية أن تعترض على الأئمة في تدبيرها وإن سولت لها أنفسها، بل عليها ~~الانقياد وعلى الأئمة الاجتهاد. بالطاعة تقوم الحدود تقوم الحدود وتؤدى ~~الفرائض، وتحقن الدماء وتأمن السبل. الإمامة عصمة للعباد وحياة للبلاد، ~~أوجبها الله لمن خصه بفضلها وحمله أعباءها فقرنها بطاعته وطاعة رسوله، فقال ~~تعالى: " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ~~" النساء: 59. طاعة الأئمة هدى لمن استضاء بنورها وموئل لمن حافظ عليها. ~~الخارج عن الطاعة منقطع العصمة بريء من الذمة، مبدل بالكفر النعمة. طاعة ~~الأئمة حبل الله المتين ودينه القويم، وجنته الواقية وكفايته العالية. ~~إياكم والخروج من أنس الطاعة إلى وحشة المعصية، ولا تسروا غش الأئمة وعليكم ~~بالإخلاص والنصيحة. ما مشى قوم إلى سلطان ليذلوه إلا أذلهم الله قبل أن ~~يموتوا. الطاعة مقرونة بالمحبة. طاعة المحبة أفضل من طاعة الهيبة. للرعية ~~على السلطان الاستصلاح لهم، والتعهد لأمورهم وحسن السيرة فيهم والعدل ~~عليهم، والتعديل بينهم. وحق السلطان عليهم الطاعة والاستقامة والشكر ~~والمحبة. بالرعية من الحاجة إلى الراعي ما ليس بالراعي من الحاجة إليهم ~~لولا الرعاة لهلكت الرعية، ولولا المسيم لهلكت السوام. # الباب السادس عشر # في ملاك أمور السلطان # قال سليمان بن داود عليهما السلام: الرحمة والعدل يحرزان الملك0 وقال ~~زياد: ملاك السلطان ثلاثة أشياء: الشدة على المذنب ومجازاة المحسن وصدق ~~القول. ولما غزا سابور ذو الأكتاف ملك الروم ms094 وأخرب بلاده، وقتل جنوده وأفنى ~~بطارقته، قال له ملك الروم: إنك قد قتلت وأخربت فأخبرني ما الأمر الذي تثبت ~~به حتى قويت على ما أرى، وبلغت في السياسة ما لم يبلغه ملك؟ فإن كان مما ~~يضبط الأمر بمثله أديت إليك الخراج وصرت كبعض الرعية في الطاعة لك. فقال له ~~سابور: إني لم أزد في السياسة على ثمان خصال: PageV01P047 لم أهزل في أمر ~~ولا نهي، ولم أخلف في وعد ولا وعيد، ووليت أهل الكفاية، وأثبت أهل النهي لا ~~أهل الهوى، وضربت للأدب لا للغضب، وأودعت قلوب الرعية المحبة من غير جراءة ~~والهيبة من غير ضغينة، وعمت بالقوت ومنعت الفضول. فأذعن له وأدى إليه ~~الخراج. # وكتب الوليد إلى الحجاج أن يكتب إليه بسيرته، فكتب إليه: إني أيقظت رأيي ~~وأنمت هوائي، وأدنيت السيد المطاع في قومه ووليت الحرب الحازم في أمره، ~~وقلدت الخراج الموفي لأمانته، وقسمت لكل خصم من نفسي قسما يعطيه حظا من ~~نظري ولطيف عنايتي، وصرفت السيف إلى البطر والمسيء، فخاف المذنب صولة ~~العقاب، وتمسك المحسن بحظه من الثواب. وقال أبو عبيدة: إذا كان الملك محصنا ~~لسره بعيدا من أن يعرف ما في نفسه، متخيرا للوزراء مهيبا في أنفس العامة، ~~متكافئا بحسن البلاء، لا يخافه البريء ولا يأمنه المجرم، كان خليقا ببقاء ~~ملكه. # الباب السابع عشر # في خير السلطان وشر السلطان # أفضل الملوك من كان شركة بين الرعايا، لكل واحد منهم فيه قسطة، ليس أحد ~~أحق به من أحد، لا يطمع القوي في حيفه ولا ييأس الضعيف من عدله. كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم تأخذ بيده من إماء المدينة، فتطوف به على سكك المدينة ~~حتى يقضي حاجتها. وفي حكم الهند: أفضل السلطان من أمنه البريء وخافه ~~المجرم، وشر السلطان من خافه البريء وأمنه المجرم. وقال عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه للمغيرة لما ولاه الكوفة: يا مغيرة ليأمنك الأبرار وليخفك الفجار. ~~وفي حكم الهند أيضا: شر المال ما لا ينفق منه وشر الإخوان الخاذل، وشر ~~السلطان ما خافه البريء، وشر ms095 البلاد ما ليس فيه خصب ولا أمن ، وخير السلطان ~~من أشبه النسر حوله الجيف لا من أشبه الجيفة حولها النسور؛ وعن هذا المعنى ~~قالوا: سلطان تخافه الرعية خير لهم من سلطان يخافها. # وفي الأمثال العامة: رهبوت خير لك من رحموت. وكان يقال: شر خصال الملوك ~~الجبن عن الأعداء والقسوة على الضعفاء والبخل عند الإعطاء. وقال عمر ابن ~~الخطاب رضي الله عنه: ثلاثة من المقافر: جار ملازم إن رأى حسنة سترها وإن ~~رأى سيئة أذاعها، وامرأة إن دخلت عليها لسنتك وإن غبت عنها لم تأمنها، ~~وسلطان إن أحسنت لم يحمدك وإن أسأت قتلك. وقال رجل لبعض الحكماء: متى أضل ~~وأنا أعلم؟ فقال: إذا ملكتك أمراء، إن أطعتهم أذلوك وإن عصيتهم قتلوك. وقال ~~أبو حازم لسليمان بن عبد الملك: السلطان سوق ما نفق عنده أتى به. وفي كتاب ~~ابن المقفع: الناس على دين الملك إلا القليل، فإن يكن للبر والمروءة عنده ~~نفاق، فسيكسد بذلك الفجور والدناءة في آفاق الأرض. وسمع زياد رجلا يذم ~~الزمان فقال: لو كان يدري ما الزمان لعاقبته،إن الزمان هو السلطان. # وقال معاوية لابن السكوي: صف لي الزمان. فقال: أنت الزمان إن تصلح يصلح، ~~وإن تفسد يفسد. والمثل السائر في كل زمان وعلى كل لسان: الناس على دين ~~الملك. وقال بعض الحكماء: إن أحق الناس من يحذر العدو الفاجر والصديق ~~الغادر والسلطان الجائر. وقال بزرجمهر: أدوم التعب صحبة السلطان السيئ ~~الخلق. وقال بعض الحكماء: إذا ابتلت بصحبة سلطان لا يريد صلاح رعيته، فقد ~~خيرت بين خيرتين ليس بينهما خيارا: إما الميل مع الوالي على الرعية وهو ~~هلاك الدين، وإما الميل مع الرعية على الوالي وهو هلاك الدنيا، فلا حيلة لك ~~إلا الموت أو الهرب منه. وقالوا: الملك العادل كالنهر الصافي، ينتفع به ~~الأخيار والأشرار ولا يضر أحدا، والملك السوء مثل الجيفة، يسرع إليها شرار ~~الحيوان ويتحاماها خيار الناس. # الباب الثامن عشر # في منزلة السلطان من القرآن # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تعالى ليزع بالسلطان ms096 مالا ~~يزع بالقرآن؛ معناه يدفع. وقال كعب: مثل الإسلام والسلطان والناس مثل ~~الفسطاط والعمود والأطناب والأوتاد، فالفسطاط الإسلام والعمود السلطان، ~~والأطناب والأوتاد الناس، لا يصلح بعضها إلا ببعض. قال أزدشير لابنه: ~~PageV01P048 يا بني إن الملك والدين أخوان لا غنى لأحدهما عن الآخر، فالدين ~~أس والملك حارس، ومن لم يكن له أس فمهدوم، ومن لم يكن له حارس فضائع. يا ~~بني اجعل حديثك مع أهل المراتب وعطيتك لأهل الجهاد، وبشرك لأهل الدين وسرك ~~لمن عناه ما عناك، وليكن من أهل العقل. وكان يقال: الدين والسلطان توءمان. # الباب التاسع عشر # في خصال جامعة لأمر السلطان # قالوا: ظفر الملك بعدوه على حسب عدله في رعيته، ونكوبه في حروبه على حسب ~~جوره في عساكره، وإصلاح الرعية أنفع من كثرة الجنود. وقالوا: تاج الملك ~~عفافه وحصنه إنصافه، وسلاحه كفاته وملكه رعيته. وقالت حكماء الهند: لا ظفر ~~مع بغي ولا صحة مع نهيهم، ولا ثناء مع كبر ولا شرف مع سوء أدب، ولا بر مع ~~شح ولا اجتناب محرم مع حرص، ولا ولاية حكم مع عدم فقه ولا سؤدد مع انتقام، ~~ولا ثبات ملك مع تهاون وجهالة وزارة. ولما ولي أبو بكر رضي الله عنه خطب ~~فقال: أيها الناس إنه لا أحد أقوى عندي من المظلوم حتى آخذ له بحقه، ولا ~~أضعف من الظالم حتى آخذ الحق منه. وقيل للإسكندر: بم نلت ما نلت؟ قال: ~~باستمالة الأعداء والإحسان إلى الأصدقاء. # وقال بزرجمهر: سوسوا أحرار الناس بمحض المودة، والعامة بالرغبة والرهبة، ~~والسفلة بالمخافة. وقال الموبذان: السياسة التي فيها صلاح الملك الرفق ~~بالرعية، وأخذ الحق منهم في غير مشقة، وسد الفروج وأمن السبل، وأن ينصف ~~المظلوم من الظالم ولا يحمل القوي على الضعيف. وقالوا: الوالي من الرعية ~~كالروح من الجسد لا حياة له إلا بها، وكالرأس من الجسد لا بقاء له إلا به، ~~وبعد الوالي من إصلاح الرعية مع إفساد نفسه كبعد الجسد من البقاء بعد ذهاب ~~الرأس. والسلطان خليق أن يعود نفسه الصبر على من خالف رأيه ms097 من ذوي النصيحة ~~والتجرع لمرارة قولهم، ولا ينبغي أن يحسد الولاة إلا على حسن التدبير، ولا ~~أن يكذب لأن أحدا لا يقدر على استكراهه، ولا أن يغضب لأن الغضب والقدرة ~~لقاح الشر والندامة، ولا أن يبخل لأنه أقل الناس خوفا من الفقر، ولا أن ~~يحقد لأن قدره جل عن المجازاة، ولا ينبغي للوالي أن يستعمل سيفه فيما يكتفى ~~فيه بالسوط، ولا سوطه فيما يكتفى فيه بالحبس، ولا حبسه فيما يكتفى فيه ~~بالجفا والوعيد. # وقال معاوية: إني لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا سوطي حيث يكفيني ~~لساني، ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، إذا مدوها خليتها وإذا ~~خلوها مددتها. ونحو هذا قول الشعبي: كان معاوية كالجمل الطب، والجمل الطب ~~هو الحاذق بالمشي لا يضع يده إلا حيث تبصر عينه. وينبغي له أن يعلم رعيته ~~أنه لا يصاب خيره إلا بالمعونة له على الخير، ولا ينبغي له أن يدع تفقد ~~لطيف أمور الرعية اتكالا على نظره في جسيمها، فإن للطيف موقعا ينتفع به. ~~وقد آتى الله ملك الدنيا سليمان بن داود عليهما السلام، ثم تفقد الطير ~~فقال: ما لي لا أرى الهدهد؟ لأن التهاون باليسير أساس الوقوع في الكثير. ~~وقد قال الشاعر: # لا تحقرن سبيا ... كم جر شرا سبيب! # وقالوا: أصل الأشياء كلها شيء واحد ولا يدع مباشرة جسيم أمره، فللجسيم ~~موضع إن غفل عنه تفاقم، ولا يلزم نفسه مباشرة الصغير أبدا فيضع الكبير. ~~وقال زياد لحاجبه: وليتك حجابتي وعزلتك عن أربع: المؤذن للصلاة، وصاحب ~~الطعام فإن الطعام إذا أعيد سخنه فسد، وصارخ الليل لشر دهاه، وصاحب البريد ~~فإن التهاون بالبريد ساعة يخرب عمل سنة. وكان أبو العباس السفاح يقول: ~~لأستعملن اللين حتى لا ينفع إلا الشدة، ولأكثرن من الخاصة ما أمنتهم على ~~العامة،، ولأغمدن سيفي حتى يسله الحق، ولأعطين حتى لا أرى للعطية موضعا. ~~وقال أزدشير لما كمل ملكه وأباد أعداءه: إنه لم يحكم حاكم على العقول ~~كالصبر، ولم يحكمها محكم كالتجربة، وليس شيء أجمع للعقل من خوف ms098 وحاجة يتأمل ~~بها صفحات حاله. وكان عمر يقول: إن هذا الأمر لا يصلح له إلا اللين في غير ~~ضعف والقوة في غير عنف. # وقال الأصمعي: قال لي الرشيد: هل تعرف كلمات جامعات لمكارم الأخلاق، يقل ~~لفظها ويسهل حفظها، وتكون لأغراضها لفقا ولمقاصدها وفقا، تشرح المنبهم ~~وتوضح المستعجم؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، دخل أكثم بن صيفي حكيم العرب ~~على بعض الملوك، فقال له: PageV01P049 إني سائلك عن أشياء لا تزال في صدري ~~معتلجة، وما تزال الشكوك عليها والجة، فأنبئني بما عندك فيها. فقال: أبيت ~~اللعن؟ سألت خبيرا واستنبأت بصيرا، والجواب يشفعه الصواب فسل عما بدا لك. ~~قال: ما السؤدد؟ قال: اصطناع المعروف عند العشيرة واحتمال الجريرة. قال: ~~فما الشرف؟ قال: كف الأذى وبذل الندا. قال: فما المجد؟ قال: حمل المغارم ~~وابتناء المكارم. قال: فما الكرم؟ قال: صدق الإخاء في الشدة والرخاء. قال: ~~فما العز؟ قال: شدة العضد وثروة العدد. قال: فما السماحة؟ قال: بذل النائل ~~وحب السائل. قال: فما الغنى؟ قال: الرضا بما يكفي وقلة التمني. قال: فما ~~الرأي؟ قال: لب تعينه تجربة. فقال له الملك: أوريت زناد بصيرتي وأذكيت نار ~~خبرتي، فاحتكم. قال: لكل كلمة هجمة. قال: هي لك؟ قال الأصمعي: قال لي ~~الرشيد: ولك بكل كلمة بدرة. فانصرفت بثمانين ألفا. # وكان قس بن ساعدة يفد على قيصر فيكرمه، فقال له يوما: ما أفضل العقل؟ ~~قال: معرفة الرجل بنفسه. قال: فما أفضل العلم؟ قال: وقوف الرجل عند علمه. ~~قابل: فما أفضل المروءة؟ قال: استبقاء الرجل ماء وجهه. قال: فما أفضل ~~المال؟ قال: ما قضي به الحقوق. # الباب العشرون # في معرفة الخصال التي هي أركان السلطان # قال أبو جعفر المنصور: ما كان أحوجني أن يكون على بابي أربعة لا يكون على ~~بابي أعف منهم. قيل: من هم يا أمير المؤمنين؟ قال: هم أركان الملك لا يصلح ~~الملك إلا بهم، كما أن السرير لا يصلح إلا بأربع قوائم، فإن نقص قائمة ~~واحدة عابه: أحدهم قاض لا تأخذه في الله لومة لائم، والآخر ms099 صاحب شرطة ينصف ~~الضعيف من القوي، والآخر صاحب خراج يستقضي ولا يظلم الرعية فإني غني عن ~~ظلمهم. ثم عض على إصبعه السبابة ثلاث مرات يقول في كل مرة: آه آه؟ قيل: من ~~هو يا أمير المؤمنين؟ قال: صاحب بريد يكتب بخبر هؤلاء على الصحة. وقال عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه: لا يصلح الوالي إلا بأربع خصال، إن نقصت واحدة لم ~~يصلح له أمر: قوة على جمع المال من أبواب حلة، ووضعه في حقه، وشدة لا جبروت ~~فيها، ولين لا وهن فيه. # الباب الحادي والعشرون # في حاجة السلطان إلى العلم # قال ابن المقفع: إذا أكرمك الناس لمال أو سلطان فلا يعجبك ذلك، فإن زوال ~~الكرامة بزوالهما، ولكن يعجبك إن أكرموك لأدب أو علم أو دين. اعلم أرشدك ~~الله أن أكثر الناس حاجة إلى النفقة أكثرهم عيالا وأتباعا وحشما وأصحابا، ~~والخلق مستمدون من السلطان الخلائق السنية والطرائق العلية، مفتقرون إليه ~~في الأحكام وقطع التشاجر وفصل الخصام، فهو أحوج خلق الله إلى معرفة العلوم ~~وجمع الحكم، وشخص بلا علم كبلد بلا أهل. وأفضل ما في السلطان خصوصا في ~~الناس عموما محبة العلم والتحلي به، والشوق إلى استماعه والتعظيم لحملته، ~~فإن ذلك دليل على قوة الإنسانية فيه وبعده من البهيمية، ومضاهاته للعالم ~~العلوي وهو من أأكد ما يتحبب به إلى الرعية، وإذا كان الملك خاليا من ~~العلوم ركب هواه وأضر برعيته، كالدابة بلا رسن تمر في غير طريق، وقد تتلف ~~ما تمر عليه. # واعلم أن زهرة الفضائل وحسن المناقب وبهاء المحاسن، وما ضاد ذلك من قبح ~~المثالب وفحش الرذائل، كل ذلك يظهر عليك ويعظم منك، بقدر ما أوتيته من علو ~~المنزلة وشرف الحظوة، فيكون حسنك أحسن كما يكون قبحك أقبح. وليس أحد من أهل ~~الدرجات السنية والمراتب العلية، أحوج إلى مجالسة العلماء وصحبة الفقهاء، ~~ودراسة كتب العلوم والحكم ومطالعة دواوين العلماء، ومجامع الفقهاء وسير ~~الحكماء من السلطان. PageV01P050 وإنما كان كذلك من وجهين: أحدهما أنه قد ~~نصب نفسه لممارسة أخلاق الناس وفصل خصوماتهم وتعاطي ms100 حكوماتهم، وكل ذلك ~~يحتاج إلى علم بارع وفكر ثاقب، وبصيرة بالعلم قوية ودراسة طويلة، فكيف يكون ~~حاله لو لم يعد لهذه الأمور عدتها ولم يقدم إليها أهبتها؟ والثاني أن من ~~سواه من الناس لا يقدمون من يكثر عليهم ويعارضهم، ويذكر لهم مساويهم ~~ويخالفهم في مذاهبهم، فيكون ذلك مما يعينهم على رياضة أنفسهم ويعلمهم ~~مراشدهم، ومناظرة الأكفاء ومعاشرة النظراء تلقيح للعقول وتهذيب للنفوس ~~وتدريب لمآخذ الأحكام، بخلاف السلطان فإن ارتفاع درجته يقطع عنه جميع ذلك، ~~إذ لا يلقاه ولا يجالسه إلا معظم لقدره ومبجل لشأنه وساتر لمساويه ومادح له ~~بما ليس فيه، وإنما جوابهم له صدق الأمير وعلى قدر الرتبة يكون علو السقطة، ~~كما أن على قدر علو الحائط يكون صوت الوجبة. # فصل # يا أيها الملك ليس أحد فوق أن يأمر بتقوى الله، ولا أحد دون أن يؤمر ~~بتقوى الله، ولا أحد أجل قدرا من أن يقبل أمر الله، ولا أرفع خطرا من أن ~~يتعلم حكم الله، ولا أعلى شأنا من أن يتصف بصفة من صفات الله. ومن صفات ~~الله تعالى: العلم الذي وصف به نفسه وتمدح بسعته، فقال تعالى: " وسع كرسيه ~~السموات والأرض " البقرة: 255. والكرسي هو العلم، والكراسي هم العلماء. ~~وإذا كان العلم فضيلة فرغبة الملوك وذوي الأخطار والأقدار والأشراف والشيوخ ~~فيه أولى، لأن الخطأ فيهم أقبح والابتداء بالفضيلة فضيلة. حكي أن إبراهيم ~~بن المهدي دخل على المأمون وعنده جماعة يتكلمون في الفقه. فقال: يا عم ما ~~عندك فيما يقول هؤلاء؟ فقال: يا أمير المؤمنين، شغلونا في الصغر واشتغلنا ~~في الكبر! فقال المأمون: لم لا تتعلم اليوم؟ قال: أويحسن لمثلي طلب العلم؟ ~~قال: نعم. والله لأن تموت طالبا للعلم خير من أن تعيش قانعا بالجهل! قال: ~~ومتى يحسن طلب العلم؟ قال: ما حسنت بك الحياة. # وروي أن بعض الحكماء رأى شيخا يطلب العلم ويحب النظر فيه ويستحي. فقال: ~~يا هذا، أتستحي أن تكون في آخر عمرك أفضل مما كنت في أوله؟ ولأن الصغر أعذر ~~وإن لم يكن في الجهل عذر. ms101 وفي منثور الحكم: جهل الشاب معذور وعلمه محقور، ~~فأما الكبير فالجهل به أقبح ونقصه عليه أفضح، لأن علو السن إذا لم يكسبه ~~فضلا ولم يفده علما، كان الصغير أفضل منه، لأن الأمل فيه أقوى. وحسبك نقيصة ~~في رجل يكون الصغير المساوي له في الجهل أفضل منه. وكل ما ذكرنا من حاجة ~~الشيخ إلى العلم فحاجة السلطان إليه أكثر، ودواعيه إلى اكتسابه أشد، لأن من ~~عداه إنما يخصه نفسه الواحدة فيفوت عليه تحصيل ما يقومها به، والملك منتصب ~~سياسة أهل مملكته وتعليمهم وتقويم أودهم، فهو إلى العلم أحوج، كما قال ~~الشاعر: # إذا لم يكن مر السنين مترجما ... عن الفضل في الإنسان سميته طفلا # وما تنفع الأعوام حين تعدها ... ولم تستفد فيهن علما ولا عقلا؟ # أرى الدهر من سوء التصرف مائلا ... إلى كل ذي جهل كائن به جهلا! # وما يألف الإنسان إلا شبيهه ... كذاك رأينا العير قد يألف البغلا! # وقال بعض الحكماء: كل عز لا يوطده علم مذلة، وكل علم لا يؤيده عقل مضلة. ~~وكيف يستنكف ملك أو ذو منزلة علية عن طلب العلم؟ وهذا موسى عليه السلام ~~ارتحل من الشام إلى مجمع البحرين في أقصى المغرب على بحر الظلمات، إلى لقاء ~~الخضر ليتعلم منه، فلما ظفر به قال: " هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا ~~" الكهف: 66. هذا وهو نبي الله وكليمه. وهذا محمد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وصفوته من جميع خلقه، قد أوصاه ربه سبحانه وتعالى وعلمه كيف يستنزل ما ~~في خزائنه، فقال: " وقل رب زدني علما " طه: 114. فلو كان في خزائنه أشرف من ~~العلم لنبهه عليه. وهذا آدم عليه السلام لما فخرت الملائكة بتسبيحها ~~وتقديسها لربها وفخر آدم بالعلم: " فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم ~~صادقين " البقرة: 31. فلما عجزوا أمرهم بالسجود له. وأخلق بخصلة تستدعي ~~السجود لحاملها أن يتنافس فيها كل ذي لب! وهذا فصل الخطاب لمن تدبره. ~~PageV01P051 ولا ينصبن لك عذرا بما روي في بعض الأخبار مثل الذي يتعلم ~~العلم في صغره كالنقش على الحجر، مثل ms102 الذي يتعلم العلم في كبره كالذي يكتب ~~على الماء. وسمع الأحنف رجلا يقول: العلم في الصغر كالنقش في الحجر، فقال ~~الأحنف: الكبير أكبر عقلا ولكنه أشغل قلبا؛ ففحص عن المعنى ونبه على العلة. ~~وقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يسلمون شيوخا وكهولا وأحداثا، ~~وكانوا يتعلمون العلم والقرآن والسنن وهم بحور العلم وأطواد الحكم والفقه، ~~غير أن العلم في الصغر أرسخ أصولا وأبسق فروعا، وليس إذا لم يحوه كله يفته ~~كله. قال رجل لأبي هريرة رضي الله عنه: إني أريد أن أتعلم العلم وأخاف أن ~~أضيعه! فقال أبو هريرة: كفى يتركك له تضييعا. وبعض الخير من كل الشر. وإنما ~~مثل الجاهل تحت عبء الجهل مثل الحمال تحت حمل ثقيل، فإن هو كلما أعيى نقصه ~~قليلا فيوشك أن ينقصه كله فيستريح منه، وإن هو لم يطرح القليل حتى يطرح ~~الكثير فما أوشك أن يصرعه حمله، فكذلك الجاهل إذا تعلم قليلا قليلا يوشك أن ~~يأتي على بقيته، وإن لم يتعلم في الكبر ما فاته في الصغر فأوشك به أن يموت ~~تحت عبء الجهل! # الباب الثاني والعشرون # في وصية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب # رضي الله عنه لكميل بن زياد في العلم وأهله # قال كميل بن زياد النخعي: خرجت مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى ~~الجبانة، فلما أصحرنا تنفس الصعداء، ثم قال: يا كميل بن زياد، إن القلوب ~~أوعية فخيرها أوعاها للخير. احفظ عني ما أقول لك: الناس ثلاثة: فعالم ~~رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح، ~~لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجئوا منه إلى ركن وثيق. العلم خير من المال. ~~العلم يحرسك وأنت تحرس المال. والعلم يزكو على الإنفاق والمال تنقصه ~~النفقة. والعلم حاكم والمال محكوم عليه. ومحبة العلم دين يدان الله تعالى ~~به يكسبه الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعد وفاته. مات خزنة الأموال وهم ~~أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أشخاصهم مفقودة وأمثالهم في القلوب ~~موجودة. # إن ههنا، ms103 وأشار بيده إلى صدره، لعلما جما لو أصبت له حملة بل قد أصبت له ~~لقنا غير مأمون عليه، يستعمل الدين للدنيا فيستظهر بحجج الله على كتابه، أو ~~كما قال، وبنعمه على عباده، أو منقادا لأهل الحق لا بصيرة له في أخبائه، ~~ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة، ألا لا ذا ولا ذاك! أو مهموما ~~باللذات سريع الانقياد للشهوات، أو مغرى شأنه جمع المال والادخار ليسا من ~~رعاة الدين أقرب شبها بهما الأنعام السائمة. اللهم فكذلك يموت العلم بموت ~~حامليه، ولكن لن تخلو الأرض من قائم لله تعالى بحججه لئلا تبطل حجج الله ~~وبيناته، ومن أولئك، وأين أولئك، أولئك الأقلون عددا الأكثرون عند الله ~~قدرا، تجول الحكمة في قلوبهم حتى يزرعها في قلوب أشباههم، ويودعوها في صدور ~~نظرائهم. هجم بهم العلم على حقيقة الأمر فباشروا روح اليقين، فاستلانوا ما ~~استوحشه المترفون واستأنسوا بما استوحش الجاهلون. صحبوا الدنيا بأجساد ~~أرواحها متعلقة بالمحل الأعلى، أولئك خلفاء الله في بلاده وأمناؤه على ~~عباده، ودعاته إلى دينه. آه شوقا إلى رؤيتهم! # الباب الثالث والعشرون # في العقل والدهاء والخبث والمكر # قد ذكرت في كتاب الأسرار حقيقة العقل وأقسامه ومحله وأحكامه بما لا مزيد ~~عليه. ونذكرها ها هنا منافعه ومداركه ولباب ما تحرر من القول فيه: إنه ~~الاستشهاد بالشاهد على الغائب، فمن كان في طوقه أن يستدل بما شاهده على ما ~~غاب عنه، كان معه عقل ويسمى عاقلا عند الموحدين، وبه يتوجه التكليف عليه، ~~وذلك كمن نظر إلى قصر قد كمل بنيانه وحصنت أركانه، وجعل فيه من الآلات ما ~~يكتفي به ساكنوه، فأشرف عليه إنسان فرأى بيوتا مقطوعة وأبوابا منصوبة، ~~وفرشا مفروشة وزرابي مبثوثة وموائد موضوعة، وصحافا مصفوفة وأرائك منضودة ~~وحجالا مسدلة، وطشوتا وأباريق وبيوت ماء وميازيب تصب الماء، وتحتها بلاليع ~~لغيض الماء وطيقان للضياء الواقع، ومداخن للدخان الخارج ومنافس للرياح ~~والهواء، إلى سائر ما يستعده العقلاء للإنتفاع. PageV01P052 ثم فكر هل هذا ~~القصر بما حواه صنعة قادر صانع عالم حي، أو اتفق لنفسه وتركب على ms104 صورته بلا ~~صانع؟ فيستقر في عقله بالضرورة استحالة وجوده من غير صانع، وأنه يفتقر إلى ~~صانع صنعه، وهذا علم يهجم على العقول لا يفتقر إلى نظر واستدلال. وإنما ~~كثرت لك هذه الأمثلة لأن ما في الإنسان من الأعضاء ولطيف الصنعة والعجائب ~~أكثر مما في القصر بأضعاف مضاعفة، فإذا نظر إلى ما في نفسه فرأى ما فيها من ~~العجائب والتركيب، ومنفعة كل عضو وتخصيصه إما بجلب نفع أو دفع ضر، فأمعن ~~نظره في عضو واحد مثلا وهو فمه، فيرى في أوله أسنانا تشبه القوس تصلح ~~للقطع، وفي آخره طواحين مضرسة تصلح للطحن، وشدقيه كأنهما ثقال الرحى يمنعان ~~أن ينهرق الطعام إلى خارج، ولسان يرد ما انفلت من الطعام إليه على ~~الطواحين، ثم يلي ذلك بلعوم يصلح لازدراد هذا الطحين، علم بأدنى تأمل أن ~~هذه الخلقة ما انفعلت بنفسها اتفاقا بل هي مفتقرة إلى قصد قاصد وجعل جاعل. ~~وعلى هذا النمط لو ذهبنا نذكر منفعة كل عضو لوقفت على العجب ولكن تركناه ~~كراهية التطويل. # وعلى هذا المعنى نبه الكتاب المهيمن، فقال تعالى: " وفي أنفسكم أفلا ~~تبصرون " الذاريات: 21. وبهذه العبرة تستقل العقول بإثبات الصانع، وتستغني ~~عن النظر في الجواهر والأعراض. فالعلم المفيد لإثبات الصانع في الشاهد مثل ~~البناء والنجار والخياط وأشباههم بعد النظر في صنائعهم على اضطرار، والعلم ~~المثبت للصانع سبحانه عند النظر في حدث العالم على استدلال اعتبارا للغائب ~~بالشاهد، إذ لا فرق في العقول بين صنعة وصنعة في اقتضاء صانع، وإنما كان ~~العلم في الشاهد ضروريا لأن الإنسان لم يزل يرى البناء يبني والخياط يخيط ~~والنجار ينجر الخشب، ولم تر العقلاء القديم سبحانه وتعالى يخلق ويخترع ~~وإنما استفادوه من النظر في الشاهد. # فإن قيل: فأي العلمين أقوى في النفوس وأثبت في العقول عند النظر في ~~السرير واقتضائه النجار أو العلم بالإله عند النظر في السموات والأرضين وما ~~بينهما؟ فالجواب: إن هذا يستدعي تفصيلا وتدقيقا وليس هذا الكتاب موضعا ~~لذلك، فحينئذ يعلم أن معه عقلا غريزيا ونسميه عاقلا ونوجه التكليف عليه، ~~وهو ms105 العقل التكليفي. وإذا ثبت هذا فاعلم أن الله تعالى خلق الخلق على أربعة ~~أنحاء: ملائكة وآدميين وشياطين وبهائم. فأما الملائكة فعقول بلا شهوات ولا ~~هوى، وأما البهائم فشهوات بلا عقول،وأما الشياطين والجن فركب الله فيها ~~العقول والشهوات والهوى، وهكذا ركب في بني آدم العقل والهوى والشهوة، فغلبت ~~شهوات الشياطين وهواهم عقولهم، فقطعوا أوقاتهم بالأخلاق المذمومة بالكبر ~~والعجب والمقت والفخر والدعوى، والحسد والأذية وسائر الأخلاق المهلكة، وأما ~~البهائم فقطعت أوقاتها في شهوات البطن والفرج. # وأما الآدميون فركب فيهم عقول الملائكة وأخلاق الشياطين وشهوات البهائم، ~~فمن غلب عقله هواه منهم فكأنه من عالم الملائكة كالأنبياء والرسل والأولياء ~~والأصفياء وقليل ما هم. وأما من كان عقله مغلوبا بهواه وشهواته، فإن كان ~~ذلك من المباحات من المطاعم والمشارب والملابس والمراكب والنساء، والخيل ~~المسومة والأنعام والحرث، فأكل وتمتع بعد أن كسبه من حله فهذا من عالم ~~البهائم، وإنما ألحقناه بعالم البهائم لأنه لا تكليف على البهائم، وكذلك من ~~هذه المباحات لا حرج في الاستمتاع بها بعد أن يكون كسبها من حله، وإن كان ~~الغالب عليه أخلاق الشياطين من الكبر والعجب والحسد والغش إلى سائر الأخلاق ~~المذمومة، فهذا من عالم الشياطين. وإن اجتمع في الشخص إفراط الشهوات واتباع ~~الهوى والأخلاق المذمومة فيكون آدميا في صورته، شيطانا في خلائقه، بهيمة في ~~شهواته، فلا يصلح للصحبة. وإذا ثبت هذا فاعلم أن هذا العقل الغريزي أطول ~~رقدة من العين وأحوج إلى الشحذ من السيف. # فصل # وأما العقل المكتسب فهو نتيجة العقل الغريزي، وهو ثقابة المعرفة وإصابة ~~الفكرة وليس له حد ينتهي إليه، لأنه ينمو إذا استعمل وينقص إذا أهمل. ونموه ~~يكون بأحد وجهين: إما أن يقارنه من مبدأ النشو ذكاء وحسن فطنة كالذي قال ~~الأصمعي: قلت لغلام حدث من أولاد العرب كان يحادثني، وأمتعني والله بفصاحته ~~وملاحته: أيسرك أن يكون لك مائة ألف درهم وأنك أحمق؟ قال: لا والله! قلت: ~~ولم؟ قال: PageV01P053 أخاف أن يجني علي حمقي جناية تذهب بمالي ويبقى علي ~~حمقي؛ استخرج هذا الصبي بفرط ذكائه ما ms106 يدق على من هو أكبر منه سنا. وقيل ~~لبعض الصبيان: ألك أب؟ قال: فكأني عيسى بن مريم! وقد قالت الحكماء: آية ~~العقل سرعة الفهم وغايته إصابة الوهم، وليس للذكاء غاية ولا لجودة القريحة ~~نهاية. ألا ترى أن أياس بن معاوية الذي يضرب المثل بذكائه قال لأبيه وهو ~~طفل، وكان أبوه يؤثر أخاه عليه: يا أبت، تعلم ما مثلي ومثل أخي معك إلا أنا ~~كفرخ الحمام، أقبح ما يكون أصغر ما يكون، وكلما كبر ازداد ملاحة وحسنا، ~~فتبنى له العلالي وتتخذ له المربعات وتستحسنه الملوك، ومثل أخي مثل الجحش ~~أملح ما يكون أصغر ما يكون وكلما كبر قبح وصار إلى القهقرى، إنما يصلح لحمل ~~الزبل والتراب. # والوجه الثاني ما يصلح لذوي الحنكة وصحة الروية لطول ممارسة والأمور ~~كثيرة التجارب، ومرور العبر على أسماعهم وتقلب الأيام وتصرف الحوادث وتناسخ ~~الدول، قد مرت على عيونهم وجوه الغير وتصدت لأسماعهم أنواع الأخبار وآثار ~~العبر. قال بعض الحكماء: كفى بالتجارب تأديبا وبتقلب الأيام عظة. وقالوا: ~~التجربة مرآة العقل والغرة ثمرة الجهل. ولذلك حمدت آراء الشيوخ حتى قالوا: ~~المشايخ أشجار الوقار وينابيع الأنوار، لا يطيش لهم سهم ولا يسقط لهم وهم، ~~فعليكم بآراء الشيوخ فإنهم إن عدموا ذكاء الطبع فقد أفادتهم الأيام حنكة ~~وتجربة. وقال الشاعر: # ألم تر أن العقل زين لأهله ... ولكن تمام العقل طول التجارب # وقال الآخر: # إذا طال عمر المرء في غير آفة ... أفادت له الأيام في كرها عقلا # غير أن للعقل آفات، كما قال بعض الحكماء: كيف يرجو العاقل النجاة، والهوى ~~والشهوة قد اكتنفاه، والهوى أبعد من أن تنفذ فيه حيلة الحازم المحتال، وهو ~~أغمض مسلكا في الجنان من الروح في الجثمان، وأملك في النفس من النفس ~~والمالك للشيء. ولهذا قيل: كم من عاقل أسير عند هوى أمير؟ فمن أحب أن يكون ~~حرا فلا يهوى وإلا صار عبدا كما قال علي بن الجهم: # أنفس حرة ونحن عبيد ... إن رق الهوى لرق شديد # واختلف الناس في العقل المكتسب إذا تناهى وزاد في الإنسان، ms107 هل يكون فضيلة ~~أم لا؟ فقال معظم العقلاء: إنه فضيلة لأنه أذن كان مجموع آحاد وللآحاد ~~فضائل، ولا شك أن كثرة الفضائل فضيلة. وأما الشيء المحدود فتكون الزيادة ~~فيه نقصا من المحدود كالتهور في الشجاعة، والتبذير في الكرم. وأما الزيادة ~~في العقل المكتسب فزيادة علم بالأمور وحسن إصابة بالظنون، ومعرفة ما لم يكن ~~بما قد كان. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أفضل الناس أعقل الناس. ~~وقال عليه السلام: العقل حيث كان إلف مألوف. وقال القاسم بن محمد: من لم ~~يكن عقله أغلب خصال الخير عليه، كان حتفه في أغلب الخصال عليه. # ولما مات بعض الخلفاء تخشخشت الروم واحتشدت واجتمعت ملوكها وقالوا: الآن ~~يستقل المسلمون بعضهم ببعض فتمكننا الغرة فيهم والوثبة عليهم، وضربوا في ~~ذلك مشاورات وتراجعوا فيه بالمناظرات، واجتمعوا على أنه فرصة الدهر وثغرة ~~النحر. وكان رجل منهم من ذوي الرأي والمعرفة غائبا عنهم فقالوا: من الحزم ~~عرض الرأي عليه. فلما أخبروه بما أجمعوا عليه قال: لا أرى ذلك صوابا. ~~فسألوه عن علة ذلك فقال: غدا أخبركم إن شاء الله. فلما أصبحوا غدوا عليه ~~للوعد وقالوا: لقد وعدتنا. قال: نعم. فأمر بإحضار كلبين عظيمين قد أعدهما، ~~ثم حرش بينهما وألب كل واحد منهما على الآخر فتواثبا وتهارشا حتى سالت ~~دماؤهما، فلما بلغا الغاية فتح باب بيت عنده وأرسل منه على الكلبين ذئبا ~~عنده قد أعده،فلما أبصراه تركا ما كانا عليه وتألفت قلوبهما ووثبا جميعا ~~على الذئب، فنالا منه ما أرادا. ثم أقبل الرجل على أهل الجمع فقال لهم: ~~مثلكم مع المسلمين مثل هذا الذئب مع الكلاب، لا يزال الهرج والقتال بينهم ~~ما لم يظهر لهم عدو من غيرهم، فإذا ظهر لهم عدو من غيرهم تركوا العداوة ~~بينهم وتألفوا على العدو. فاستحسنوا قوله وتفرقوا عن رأيهم. # وأما المذموم في هذا الباب فصرف العقل إلى الدهاء والمكر. قال الشعبي: ~~PageV01P054 دهاة العرب ستة: معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص والمغيرة ~~بن شعبة، وزياد بن أمية وقيس بن سعد بن ms108 عبادة وعبد الله بن بديل بن ورقا. ~~قال الأصمعي: كان معاوية يقول: أنا للأناة وعمرو للبداهة، وزياد للصغار ~~والكبار، والمغيرة للأمر العظيم. قال قبيصة بن جابر: ما رأيت أعطى الجزيل ~~مال من غير سلطان من طلحة بن عبيد الله، ولا رأيت أثقل حلما ولا أطول أناة ~~من معاوية، ولا رأيت أغلب للرجال ولا أبذلهم حين يجتمعون من عمرو بن العاص، ~~ولا أشبه سرا بعلانية من زياد، ولو أن المغيرة كان في مدينة لها ثمانية ~~أبواب لا يخرج من باب منها إلا بالمكر لخرج من أبوابها كلها. وقال أبو ~~الدرداء: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: يا عويمر ازدد عقلا تزدد من ربك ~~قربا. قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ومن لي بالعقل؟ قال: اجتنب محارم ~~الله وأد فرائض الله تكن عاقلا، ثم تنفل صالح الأعمال تزدد في الدنيا عقلا ~~وتزدد من ربك قربا وعليه عزا. وتروى هذه الأبيات لعلي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه: # إن المكارم أخلاق مطهرة ... فالعقل أولها والدين ثانيها # والعلم ثالثها والحلم رابعها ... والجود خامسها والعرف سادسها # والبر سابعها والصبر ثامنها ... والشكر تاسعها واللين عاشيها # والنفس تعلم أني لا أصدقها ... ولست أرشد إلا حين أعصيها # والعين تعلم من عيني محدثها ... إن كان من خربها أو من أعاديها # وقال بعض الحكماء: العاقل من عقله في إرشاد، ومن رأيه في إمداد، فقوله ~~سديد وفعله حميد، والجاهل من جهله في إغواء، فقوله سقيم وفعله ذميم. فأما ~~من صرف فضل عقله إلى الدهاء والمكر والشر والحيل والخديعة، كالحجاج وزياد ~~وأشباههما، فمذموم. وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لست بالخب والخب ~~لا يخدعني. وقال المغيرة: كان والله عمر ابن الخطاب رضي الله عنه أفضل من ~~أن يخدع وأعقل من أن يخدع. # والموصوف بالدهاء والمكر مذموم، وصاحبه محذور تخاف غوائله وتحذر عواقب ~~حبائله. وقد أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبا موسى الأشعري أن يعزل ~~زيادا عن ولايته، فقال زياد: أعن موجده أو جناية يا أمير المؤمنين؟ ms109 قال: لا ~~عن واحدة منهما، ولكن كرهت أن أحمل على الناس فضل عقلك. # وكتب زياد إلى معاوية رضي الله عنه: إن العراق في شمالي ويميني فارغة، ~~فولني الحجاز أكفك أهله. فبلغ ذلك ابن عمر فقال: الهم كفه. فطعن في إصبعه ~~بعد أيام فمات. فنحن وإن كنا نرغب عن الدهاء والمكر فإنا نرغب في الحيلة ~~ونوصي بها. والإتساع في الحيلة مما تواصى به العقلاء قديما وحديثا، وليس ~~شيء من أمور الدنيا لطالب الرفعة وباغي الوسيلة، ومرتاد أي أمر كان، دق أو ~~جل، خير من الحيلة. وأضعف الحيلة أنفع من كثرة الشدة. وقالت الحكماء: ملاك ~~العقل الحيلة والتأني للسبب الضعيف والقوي من الأمور. وروي أن رجلا وقف ~~بكسرى فقال: أنا أصنع ما تعجز الخلائق عنه. قال: ما هو؟ قال: تشد برجلي ~~حبلا طرفه برقبة فيل وبرجلي الأخرى كذلك، ويشد طرفه برقبة فيل ثم تساق ~~الفيلة بالزجر والضرب فلا أتزحزح. ثم تعاطى أن يفعل ذلك بأربعة من الفيلة ~~فمرت بحدتها فقسمته شطرين، فقال كسرى: من لم يكن أكبر ما فيه عقله هلك ~~بأصغر ما فيه؛ فنظمه بعض الشعراء فقال: # من لم يكن أكبره عقله ... أهلكه أصغر ما فيه # وسمعت القاضي أبا الوليد يحكي أن رجلا استأذن هارون الرشيد فقال: إني ~~أصنع ما تعجز الخلائق عنه. فقال الرشيد: هات. فأخرج أنبوبة فصب فيها عدة ~~إبر ثم وضع واحدة في الأرض وقام على قدميه، وجعل يرمي إبرة إبرة من قامته ~~فتقع كل إبرة في عين الإبرة الموضوعة حتى فرغ دسته. فأمر الرشيد بضربة مائة ~~سوط ثم أمر له بمائة سوط ثم أمر له بمائة دينار، فسئل عن جمعه بين الكرامة ~~والهوان فقال: وصلته لجوده ذكائه وأدبته لكي لا يصرف فرط ذكائه في الفضول. ~~ومن زعم أن العقل المكتسب إذا تناهى لا يكون فضيلة، قال لأن الفضائل هبات ~~متوسطة بين الفضيلتين ناقصتين، فما جاوز التوسط خرج عن حد الفضيلة، كالكرم ~~الذي هو متوسط بين البخل والتبذير، والشجاعة وسط بين التهور والجبن. # وقالت الحكماء للإسكندر: PageV01P055 أيها الملك ms110 عليك بالاعتدال في كل ~~الأمور فإن الزيادة عيب والنقصان عجز. وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: خير الأمور أوسطها. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: خير ~~الأمور الأوسط، إليه يرجع العالي ومنه يلحق التالي. قالوا: ولأن زيادة ~~العقل تفضي بصاحبها إلى الدهاء والمكر، وذلك مذموم. قلنا: هذا كله باطل بما ~~قدمناه لنصرة القول الأول، وهو منقوض بالعقل الغريزي وبالعلوم وسائر ~~الفضائل. وأما قولهم بأنه يقضي بصاحبه إلى الدهاء والمكر. قلنا: الدهاء ~~والمكر كسب معان أخر غير العقل ليست من لوازم العقل، فإن شاء تداهى ومكر ~~وإن شاء كف، كما تقول في كل شر يكتسبه العاقل باختياره: ليس عقله أوقعه فيه ~~بل إنما أوقعه فيه قلة عقله. وكان بزرجمهر لما فرغ من كتاب أمثاله، ونسق كل ~~باب على حياله يقول: ليس العجب ممن حفظ هذه الأمثال فصار عالما، إنما العجب ~~ممن حفظها ولم يصر عالما. وأنا أقول: ليس العجب ممن قرأ كتابي هذا وصار ~~مهذبا كاملا إنما العجب ممن قرأه ولم يصر مهذبا كاملا. # الباب الرابع والعشرون # في الوزراء وصفاتهم # قال الله تعالى في قصة موسى عليه السلام: " واجعل لي وزيرا من أهلي " طه: ~~29. فلو كان السلطان يستغني عن الوزراء لكان أحق الناس بذلك كليم الله موسى ~~بن عمران. ثم ذكر حكمة الوزراء فقال: " اشدد به أزري وأشركه في أمري " ~~طه:31و32. دلت هذه الآية على أن موضع الوزير أن يشد قواعد المملكة وأن يفضي ~~إليه السلطان بعجز ونحوه إذا استكملت فيه الخصال المحمودة. ثم قال: " كي ~~نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا " طه: 33و34. دلت هذه الكلمة على أن بصحبة ~~العلماء والصالحين وأهل الخبرة والمعرفة تنتظم أمور الدنيا والآخرة، وكما ~~أن أشجع الناس يحتاج إلى السلاح وأفره الخيل إلى السوط، وأحد الشفار إلى ~~المسن، كذلك يحتاج أجل الملوك وأعظمهم وأعلمهم إلى الوزير. وروى أبو سعيد ~~الخدري رضي الله عنه قال: ما بعث الله نبيا ولا استخلف خليفة إلا كانت له ~~بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره ms111 بالشر وتحضه عليه، ~~والمعصوم من عصمه الله تعالى. # وإنما اشتقت الوزارة من الوزر وهو الثقل. يريد أنه يحمل من أمر المملكة ~~وأعبائها وأثقالها مثل الأوزار. أسعد الملوك من له وزير صدق، إن نسي ذكره ~~وإن ذكر أعانه. قال وهب بن منبه: قال موسى عليه السلام لفرعون: آمن ولك ~~الجنة ولك ملكك. قال: لا حتى أشاور هامان. فشاوره في ذلك فقال: بينما أنت ~~إله تعبد إذ صرت تعبد! فأنف واستكبر وكان من أمره ما كان. وعلى هذا النمط ~~كان وزير الحجاج يزيد بن أبي مسلم لا يألوه خبالا، ولبئس القرناء شر قرين ~~لشر خدين! وأشرف منازل الآدميين النبوة ثم الخلافة ثم الوزارة الوزير عون ~~على الأمور وشريك في التدبير، وظهير على السياسة ومفزع عند النازلة. ~~والوزير مع الملك بمنزلة سمعه وبصره ولسانه وقلبه. وفي الأمثال: نعم الظهير ~~الوزير. # واعلم أن أول ما يستفيد الملك من الوزير أمرين: علم ما كان يجهله، ويقوي ~~عنده علم ما كان يعلمه. وأول ما يظهر نبل السلطان وقوة تمييزه وجودة عقله ~~في استنجاب الوزراء واستنفاد الجلساء ومحادثة العقلاء ، فهذه ثلاث خصال تدل ~~على كماله وبهائه، يجمل في الخلق ذكره ويجل في العقول قدره، وترسخ في ~~النفوس عظمته والمرء موسوم بقرينه. وكان يقال: حلية الملوك وزينتهم ~~وزراؤهم. وفي كتاب كليلة ودمنة: لا يصلح السلطان إلا بالوزراء ولا الأعوان ~~إلا بالمودة والنصيحة، ولا المودة والنصيحة إلا بالرأي والعفاف . وأعظم ~~الأشياء ضررا على الناس عامة، وعلى الولاة خاصة أن يحرموا صالحي الوزراء ~~ولأعوان، فتكون أعوانهم غير ذي جدوى وغنى، ويحذر الملك أن يولي الوزارة غير ~~المتحرين كيلا تضيع الأمور ، كما يحذر أن يتطبب بغير طبيب بصير مأمون. # قال شريح بن أبي عبيد: لم يكن في بني إسرائيل ملك إلا ومعه رجل حكيم، إذا ~~رآه غضبان كتب له صحائف في كل صحيفة: ارحم المسكين واخش الموت واذكر ~~الآخرة. فكلما غضب الملك ناوله صحيفة حتى يسكن غضبه. وقال أزدشير: ~~PageV01P056 يحق على الملك أن يكون ألطف ما يكون نظرا أعظم ما يكون ms112 خطرا، ~~ولا يذهب حسن نظره في الرعية خوفه لها، ولا يستغني بتدبير اليوم عن تدبير ~~غد، وأن يكون حذره للمتملقين أكثر من حذره للمتباعدين، وأن يتقي بطانة ~~السوء أشد من اتقائه العامة، ولا يطمعن في إصلاح العامة إلا بالخاصة. وقال ~~أزدشير: لكل ملك بطانة حتى يجمع ذلك جميع المملكة، فإذا أقام الملك بطانة ~~على حال الصواب أقام كل امرئ منهم بطانته على مثل ذلك، حتى يجتمع على ~~الصلاح عامة الرعية. # ومثال الملك الخير مع الوزير السوء الذي يمنع الناس خيره ولا يمكنهم من ~~الدنو منه كالماء الصافي، فيه التمساح فلا يستطيع المرء دخوله، وإن كان ~~سابحا وكان إلى الماء محتاجا. ومثل السلطان مثل الطبيب ومثل الرعية مثل ~~المرضى، ومثل الوزير مثل السفير بين المرضى والأطباء، فإن كذب السفير بطل ~~التدبير، وكما أن السفير إذا أراد أن يقتل أحدا من المرضى وصف للطبيب نقيض ~~دائه، فإذا سقاه الطبيب على صفة السفير هلك العليل، كذلك الوزير ينقل إلى ~~الملك ما ليس في الرجل فيقتله الملك. فمن ههنا شرطنا أن يكون الوزير صدوقا ~~في لسانه عدلا في دينه، مأمونا في أخلاقه بصيرا بأمور الرعية، ويكون بطانة ~~الوزير من أهل الأمانة والبصيرة، ويحذر الملك أن يولي الوزارة لئيما فإن ~~اللئيم إذا ارتفع جفا أقاربه وأنكر معارفه، واستخف بالأشراف وتكبر على ذوي ~~الفضل. # ولما أراد سليمان بن عبد الملك أن يستكتب كاتب الحجاج يزيد بن مسلم، قال ~~له عمر بن عبد العزيز: أسألك بالله يا أمير المؤمنين أن لا تحيي ذكر الحجاج ~~باستكتابك إياه. فقال: يا أبا حفص إني لم أجد عنده خيانة دينار ولا درهم. ~~قال عمر: أنا أوجدك من هو أعف منه في الدينار والدرهم. قال: ومن هو؟ قال: ~~إبليس ما مس دينارا ولا درهما وقد أهلك هذا الخلق. ودخل رجل له عقل وأدب ~~على بعض الخلفاء، فوجد عنده رجلا ذميا كان الخليفة يميل إليه ويقربه فقال: # يا ملكا طاعته لازمة ... وحبه مفترض واجب # إن الذي شرفت من أجله ... يزعم هذا أنه كاذب ms113 # وأشار إلى الذمي، فاسأله يا أمير المؤمنين عن ذلك، فسأله فلم يجد بدا من ~~أن يقول: هو صادق، فاعترف بالإسلام. لا يعرف وزير الملك ما له أو ما عليه ~~حتى يراعي من صاحبه الواثق به ما يراعيه العاشق الغيور من المعشوقة ~~المتهمة. وكان بعض الملوك قد كتب ثلاث رقاع وقال لوزيره: إذا رأيتني غضبان ~~فادفع إلي رقعة بعد رقعة، وكان في الأولى: إنك لست بإله وإنك ستموت وتعود ~~إلى التراب فيأكل بعضك بعضا. وفي الثانية: ارحم من في الأرض يرحمك من في ~~السماء. وفي الثالثة: اقض بين الناس بحكم الله فإنه لا يصلحهم إلا ذلك. إذا ~~كان الوزير يساوي الملك في الرأي والهيبة والطاعة فليصرعه الملك، فإن لم ~~يفعل فليعلم أنه المصروع. وفي الأمثال: إذا سكنت الدهماء خافت الوزراء. ~~ولما كانت أمور المملكة عائدة إلى الوزارة وأزمة الملوك في أكف الوزراء، ~~سبق فيهم من العقلاء المثل السائر فقالوا: لا تغتر بمودة الأمير إذا غشك ~~الوزير، وإذا أحبك الوزير فلا تخش الأمير. ويقال: الخرق مماراة الأمراء ~~ومعاداة الوزراء، ورب أمر كرهه الأمير فتم بالوزير، وكم من أمر أراده ~~الأمير فنهاه عنه الوزير! وإنما السلطان كالدار والوزير بابها، فمن أتى ~~الدار من بابها ولج، ومن أتاها من غير بابها انزعج. وقال أنوشروان: لا يتم ~~للملك أمره حتى يرفع نفسه عن كل عيب، ويكون له جليس مأمون الغيب وخادم ناصح ~~الجيب. وموقع الوزارة من المملكة كموقع المرآة من النظر، فكما أن من لم ~~ينظر إلى المرآة لم ير محاسن وجهه وعيوبه، كذلك السلطان إذا لم يكن له وزير ~~لا يعرف محاسن دولته وعيوبها. كاتب الملك مستقر أسراره ولسانه الناطق عنه ~~في آفاق مملكته، والمخصوص بقربه ولزومه دون نظرائه. ظهير الأمير وزيره ~~وزينته حاجبه، ولسانه كاتبه ورسوله عينه. الكتابة قوام الخلافة وقرينة ~~الرياسة وعمود المملكة. للكاتب على الملك ثلاثة أشياء: يرفع الحجاب عنه ~~ويتهم الوشاة عليه ويفشي سره إليه. # وقد قالت الحكماء: PageV01P057 لا يطمعن ذو الكبر في الثناء، ولا الخب في ~~كثرة الصديق، ولا ms114 السيئ الأدب في الشرف، ولا الشحيح في البر ولا الحريص في ~~قلة الذنوب، ولا الملك المتهاون الضعيف الوزراء في بقاء الملك، وكما أن ~~المرآة لا تريك وجهك إلا بصفاء جوهرها، وجودة صقلها ونقائها من الصدأ، كذلك ~~الأمير لا يكمل أمره إلا بجودة عقل الوزير وصحة فهمه وصفاء نفسه ونقاء ~~قلبه. ومن شروط الوزير أن يكون مكين الرحمة للخلق رؤوفا بهم، ليأنسوا ~~برحمته ما يخرجه السلطان بغلظته. ومن شروطه أن يكون نقي الجيب ناصح الغيب، ~~لا يقبل دقيقة ولا يكتم نصيحة. قال بعض الملوك لوزيره: لا تكونن إلى ما ~~تسرني به أسرع مبادرة إلى إنذاري فيما تخاف علي منه. وقال بعض الحكماء: أعط ~~من أتاك بما تكره كما تعطي من أتاك بما تحب، فإن من أنذر كمن بشر. # ومن شروطه أن يكون معتدلا كليل تهامة لا حر ولا قر ولا سآمة، وموقع ~~الوزير من الملك موقع الملك من العامة، وكما أن السلطان إذا صلح صلحت ~~الرعية وإذا فسد فسدت الرعية، كذلك الوزراء إذا فسدوا فسد الملك وإذا صلحوا ~~صلح الملك. وكان يقال: آفة العقل الهوى، وآفة الأمير سخافة الوزير. وقال ~~المقتدر بالله لوزيره علي بن عيسى: اتق الله يعطفني عليك ولا تعصه يسلطني ~~عليك. وقال المأمون لمحمد بن يزداد: إياك أن تعصي الله فيما تتقرب به إلي ~~فيسلطني عليك. واعلم أنه ليس للوزير أن يكتم السلطان نصيحة وإن استقلها، ~~وموضع الوزير من المملكة كموضع العين من الإنسان وكاليدين، فإنه إذا صح ~~قبضهما وبسطهما صح التدبير، وإذا سقما دخل النقص على الجسد. ولا تصلح ~~الوزارة أن تكون في غير أهلها، كما لا يصلح الملك أن يكون في غير أهله. وشر ~~الوزراء من كان الأشرار أيضا له وزراء وبطانة ودخلاء. # وأوصت امرأة ابنها وكان ملكا فقالت: يا بني ينبغي للملك أن تكون له ستة ~~أشياء: وزير يثق برأيه ويفضي إليه بأسراره، وحصن يلجأ إليه إذا فزع، وسيف ~~إذا نازل الأقران لم يخف أن يخونه، وذخيرة خفيفة المحمل إذا نابته نائبة ~~كانت معه، وامرأة ms115 إذا دخلت عليه أذهبت همه، وطباخ إذا لم يشته الطعام طبخ ~~له ما يشتهيه. # الباب الخامس والعشرون # في الجلساء وآدابهم # قال الله تعالى: " الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين " الزخرف: ~~67. وقال سبحانه: " يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا لقد أضلني عن الذكر ~~بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا " الفرقان آية 28و29. وينبغي ~~للملك أن يجالس أهل العقل والأدب وذوي الرأي والحسب، وذوي التجارب والعب، ~~فمجالسة العقلاء لقاح العقل ومادته، ولذلك حمدت آراء الشيوخ، فقال القدماء: ~~المشايخ أشجار الوقار وينابيع الأنوار، لا يطيش لهم سهم ولا يسقط لهم وهم. ~~وقالوا: عليكم بآراء الشيوخ، فإنهم إن فقدوا ذكاء الطبع فقد مرت على عيونهم ~~وجوه العبر، وتصدت لأسماعهم آثار الغير. وقالوا: رأي الشيخ خير من مشهد ~~الغلام. وقال عبد الملك لجلسائه: جنبوني ثلاثا: لا تطغوني فإني أعرف بنفسي ~~منكم، ولا تكذبوني فإنه لا رأي لكذوب، ولا تغتابوا عندي أحدا فيفسد قلبي ~~عليكم. وقال بعض الحكماء: كفى بالتجارب تأديبا وبتقلب الأيام عظة. # وقالوا: التجربة مرآة العقل والغرة ثمرة الجهل. وقد قال هرم بن قطبة وهو ~~أحد حكماء العرب، حين تنافر إليه عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة: عليكم ~~بالحديث السن الحديد النظر. وقال كثير من حكماء العرب: عليكم بمشاورة ~~الشباب فإنهم ينتجون رأيا لم يضره طول القدم، ولا استولت عليه رطوبة الهرم، ~~والمذهب الأول أصدق على العقول. وقال عبد العزيز بن زرارة لمعاوية: عليك ~~بمجالسة الألباء، أعداء كانوا أو أصدقاء، فإن العقل يقع على العقل. قال ابن ~~عباس: مجالسة العقلاء تزيد في الشرف. وقال سفيان بن عيينة: إن الرجل ممن ~~كان قبلكم ليلقى الرجل العاقل فيكون بعقله عاقلا أياما. وقال مالك بن أنس ~~رحمة الله عليه. مر سليمان بن داود عليهما السلام بقصر بأرض مصر فوجد فيه ~~مكتوبا: # غدونا من قرى اصطخر ... إلى قصر قفلناه # فمن يسأل عن القصر ... فمبنيا وجدناه # يقاس المرء بالمرء ... إذا ما هو ماشاه # وللشيء على الشيء ... علامات وأشباه PageV01P058 وللمرء على المرء ... ~~دليل حين يلقاه # فلا تصحب ms116 أخا الجهل ... وإياك وإياه # فكم من جاهل أردى ... حكيما حين واخاه # قال: ووجد عليه نسرا واقعا فدعاه، فقال له: من بنى هذا القصر؟ فقال: لا ~~أدري. فقال: كم لك منذ وقعت عليه؟ قال:تسعمائة سنة. وفي الأمثال: يظن ~~بالمرء ما ظن بخليله. ولما حج عبد الله بن جعفر نزل بمكة ليلا، فلما أصبح ~~قال: يا أهل مكة عرفنا خياركم من شراركم في ليلة واحدة. قالوا: كيف ذلك؟ ~~قال: نزلنا ومعنا أخيار وأشرار، فنزل أخيارنا على أخياركم وأشرارنا على ~~أشراركم فعرفناكم. واعلم أنه ليس الدخان على النار بأدل من الصاحب على ~~الصاحب. وقال الأوزاعي: الصاحب كالرقعة في الثوب، إن لم تكن من مثله شانته. ~~وقال مالك بن مسمع للأحنف بن قيس: يا أبا بحر ما أشتاق إلى غائب إذا حضرت، ~~ولا أنتفع بحاضر إذا غبت؛ فأخذه إبراهيم الكاتب فنظمه فقال: # وأنت الهوى من بينهم ... وأنت الحبيب وأنت المطاع # وما بك إن بعدوا وحدة ... وما معهم إن بعدت اجتماع # وقال عبد الله بن طاهر: المال غاد ورائح والسلطان ظل زائل، والإخوان كنوز ~~وافرة. وقال الأصمعي: تناظر رجلان وأعرابي حاضر فقال لأحدهما: مناظرة مثلك ~~في الدين فرض والاستماع منك أدب، ومجالستك زين ومعرفتك عز، ومذاكرتك تلقيح ~~للعقول وشحذ وإخاؤك شرف وفخر. وقال السمناني: غنى مخارق بين يدي المأمون: # وإني لمشتاق إلى ظل صاحب ... يروق ويصفو إن كدرت عليه # عذيري من الإنسان لا إن جفوته ... صفا لي ولا إن صرت طوع يديه # فطرب المأمون وقال: ويحك يا مخارق خذ مني نصف الخلافة وأعطني هذا ~~الإنسان! وقالت الحكماء: النظر في عواقب الأمور تلقيح للعقول. وقالوا: ~~العاقل لا تنقطع صداقته والأحمق لا تدوم مودته، فاتخذ من نصحاء أصحابك مرآة ~~لطبائعك وفعائلك كما تتخذ لوجهك المرآة المجلية، فإنك إلى إصلاح طبائعك ~~أحوج منك إلى تحسين صورتك. وقال المأمون للحسن بن سهل: نظرت في اللذات ~~فوجدتها كلها مملولة خلا سبعة. قال: وما السبع يا أمير المؤمنين؟ قال: خبز ~~الحنطة ولحم الغنم والماء البارد والثوب الناعم، والرائحة الطيبة والفراش ~~الوطيء ms117 والنظر إلى الحسن من كل شيء. قال: فأين أنت يا أمير المؤمنين من ~~محادثة الرجال؟ قال: صدقت وهي أولاهن. وقال هشام بن عبد الملك: قد قضيت ~~الوطر من كل شيء فأكلت الحلو والحامض حتى لا أجد منهما طعما، وشممت الطيب ~~حتى لا أجد له رائحة، وأتيت النساء حتى ما أبالي امرأة أتيت أم حائطا، فما ~~وجدت شيئا ألذ من جليس سقطت بيني وبينه مؤونة التحفظ. # وقال عبد الملك بن مروان: قد قضيت الوطر من كل شيء إلا من مجالسة ~~الأصحاب، ومحادثة الإخوان في الليالي الزهر على التلال العفر. وقال عبد ~~الملك: من قرب السفلة وأدناهم وباعد ذوي العقل وأقصاهم استحق الخذلان، ومن ~~منع المال من الحمد ورثه من لا يحمده. ومن الكلام الشريف قول الحكماء: ما ~~أحوج ذا القدرة إلى دين يحجزه وحياء يكفه وعقل يعدله، وإلى تجربة طويلة ~~وعبر محفوظة، وإلى أعراق تسري إليه وأخلاق تسهل الأمور عليه، وإلى جليس ~~رفيق ورائد شفيق، وإلى عين تنظر العواقب وعقل يخاف الغير. ومن لم يعرف لؤم ~~ظفر الأيام لم يحترس من سطوات الدهر، ومن لم يتحفظ من فلتان الزلل لم ~~يتعاظمه ذنب وإن عظم ولا ثناء وإن سمج، وإذا رأيت من جليسك أمرأ تكرهه أو ~~خلة لا تحبها، أو صدرت منه كلمة عوراء أو هفوة غبراء، فلا تقطع حبله ولا ~~تصرم وده، ولكن داو كلمه واستر عورته فأبقه وابرأ من عمله. قال الله تعالى: ~~" فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون " الشعراء: 216، فلم يأمره بقطعهم ~~وإنما أمره بالبراءة من عملهم السوء. قال الشاعر: # إذا راب مني مفصل فقطعته ... بقيت وما بي للنهوض مفاصل # ولكن أداويه فإن صح سرني ... وإن هو أعيى كان فيه تحامل # وجاء رجل إلى بعض الحكماء فشكى إليه صديقه، وعزم على قطعه والانتقام منه، ~~فقال له الحكيم: أتفهم ما أقول لك فأكلمك، أم بك من ثورة الغضب ما يشغلك ~~عنه؟ فقال: إني لما تقول واع. فقال: أسرورك بمودته كان أطول أم غمك بذنبه؟ ~~فقال: PageV01P059 بل سروري. قال: أفحسناته ms118 عندك أكثر أم سيئاته؟ قال: بل ~~حسناته. قال: فاصفح يصالح أيامك عن ذنبه وهب لسرورك جرمه، واطرح مؤونة ~~الغضب والانتقام منه، ولعلك لا تنال ما أملت فتطول مصاحبة الغضب وأنت صائر ~~إلى ما تحب. # الباب السادس والعشرون # في بيان معرفة الخصال التي هي جمال السلطان # قد ذكرنا الخصال التي تجري من المملكة مجرى الأساس من البنيان، ونذكر ~~الآن الخصال التي تجري من المملكة مجرى التاج والطيلسان وحسن الهيئة ~~والكمال، فأصلها وقاعدتها العفو. قال الله تعالى: " خذ العفو وأمر بالعرف ~~وأعرض عن الجاهلين " الأعراف: 199. فلما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: يا جبريل ما هذا؟ قال: لا أدري حتى أسأل العالم فذهب جبريل ~~ثم عاد فقال: يا محمد إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك، وتعفو عن ~~ظلمك. واعلموا أرشدكم الله أن الله تعالى أمر بالعفو وندب إليه، وذكر ~~فضيلته وحث عليه ووصف به نفسه، فقال تعالى: " والكاظمين الغيظ والعافين عن ~~الناس والله يحب المحسنين " آل عمران: 134. فأوجب الله تعالى محبته للعافين ~~وأثنى عليهم بالإحسان فقال تعالى: " ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور " ~~الشورى: 43، وعزائم الأمور من صفات المصطفين من الرسل عليهم السلام. قال ~~الله تعالى: " فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل " الأحقاف: 35. # وقال سبحانه: " وإذا ما غضبوا هم يغفرون " الشورى: 37. وقال سبحانه: " ~~وليعفوا وليصفحوا، ألا تحبون أن يغفر الله لكم " النور:22. فاستعطف الخلق ~~وندبهم إلى أن يعفو عن الجناة والظالمين والخاطئين كما يحبون أن يفعل الله ~~بهم. وقال فيمن انتصر ولم يعف: " ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من ~~سبيل " الشورى:41. فرفع الحرج عن المنتصر والمنتقم ولم يوجب له فضيلة. ثم ~~كشف الغطاء وأزاح العذر وصرح بتفضيل العافين على المنتصرين، والواهبين ~~حقوقهم على المنتقمين، فقال سبحانه وتعالى: " وإن عاقبتهم فعاقبوا بمثل ما ~~عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين " النحل:126. وهذا نص لا يحتمل ~~التأويل. وتحقيق القول في ذلك أن الانتصار عدل والعفو فضل، وفضل الله أحب ~~إلينا من ms119 عدله، لأنه إن عدل علينا فأخذناه بحقه هلكنا، وإن عفا عنا برحمته ~~تخلصنا، ولو كان العدل يسع الخلائق لما قرنه الله تعالى بالإحسان، ولما علم ~~أن في العدل استقصاء ومناقشة، وذلك مما تضيق عنده النفوس وتحرج له الصدور. ~~نيط الإحسان بالعدل فقال تعالى: " إن الله يأمر بالعدل والإحسان " النحل: ~~90. وأيضا فإن الانتصار سيئة والعفو حسنة. قال الله تعالى: " ولا تستوي ~~الحسنة ولا السيئة " فصلت: 34. والدليل على أن الانتصار سيئة قوله تعالى: " ~~وجزاء سيئة سيئة مثلها " الشورى: 40. غير أنه إنما سميت سيئة لما كانت ~~منتجة سيئة لا أنه لا يجوز الانتصار، وهو كقول عمرو بن كلثوم الثعلبي: # ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا # فسمى الجزاء على الجهل جهلا وإن لم يكن في الحقيقة جهلا. وعن هذا روت ~~عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم منتصرا من ~~مظلمة ظلمها قط، غير أنه إذا انتهك شيء من محارم الله تعالى فلا يقوم لغضبه ~~شيء. وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: ينادي مناد يوم القيامة من كان له ~~على الله أجر فليقم، فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا. فإن عفوت أيها الطالب ~~كان أجرك على الله، وإن لم تعف كان حقك قبل من ظلمك، ولأن يكون أجرك في ~~ضمان الله تعالى أوثق من أن يكون قبل مخلوق. وأيضا فإنك إن لم تعف نلت حقك ~~بلا زيادة عليه، وإن عفوت كانت حسنة أسديتها لأخيك، والله تعالى يقول: " من ~~جاء بالحسنة فله عشر أمثالها " الأنعام:160. وشفع الأحنف ابن قيس إلى ~~السلطان في محبوس فقال له: إن كان مجرما فالعفو يسعه، وإن كان بريئا فالعدل ~~يسعه. # وقيل لبعض الكتاب بين يدي أمير المؤمنين: بلغ أمير المؤمنين عنك أمر. ~~فقال له: لا أبالي! فقيل له: ولم لا تبالي؟ فقال له: إن صدق الناقل وسعني ~~عفوه، وإن كذب وسعني عدله. ولما دخل عيينة بن حصن على عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه فقال: يا ابن الخطاب والله ما تعطينا ms120 الجزل وما تحكم فينا بالعدل! ~~فغضب عمر وهم أن يوقع به، فقال ابن أخيه: PageV01P060 يا أمير المؤمنين إن ~~الله تعالى يقول: " خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين " الأعراف: ~~199. وإن هذا من الجاهلين، فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان عمر ~~وقافا عند كتاب الله تعالى. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ارحموا من في ~~الأرض يرحمكم من في السماء. وقال: ارحم ترحم. وكان يقال: أولى الناس ~~بالسلطان أحقهم بالرأفة والرحمة. وفي الإنجيل أفلح أهل الرحمة لأنهم ~~سيرحمون. # وقال سليمان بن داود عليهما السلام: لقد أبغض الله المتسرعين إلى هرق ~~الدماء، انتهت إليهم القسوة والغلظة والتباعد من الرحمة. ولما تمكن داود من ~~قتل جالوت أبقى عليه وهو يومئذ عدوه وطالبه وقال: رب أعظم دمي في عين ~~أعدائي كما عظمت في عيني دم عدوي، وكذلك خلصني من جميع الهموم. وقالت حكماء ~~الهند: لا سؤدد مع انتقام، ولا رياسة مع عزازة نفس وعجب. وقالت الحكماء: ~~ليس الإفراط في شيء أجود منه في العفو، ولا هو في شيء أقبح منه في العقوبة. ~~وكذلك التقصير مذموم في العفو محمود في العقوبة. واعلم أنك لأن تخطئ في ~~العفو في ألف قضية خير من أن تخطئ في العدل في قضية واحدة. وقال معاوية رضي ~~الله عنه: إني لأرفع نفسي أن يكون ذنب أعظم من عفوي، وجهل أكبر من حلمي، ~~وعورة لا يواريها ستري. # وقال المأمون: ليس علي في الحلم مؤونة، ولوددت أن أهل الجرائم علموا رأيي ~~في الحلم فيذهب الخوف فتخلص لي قلوبهم وقال رجل للمنصور: يا أمير المؤمنين ~~إن الانتقام انتصاف والتجاوز فضل، والمتجاوز قد جاوز حد المنصف، ونحن نعيذ ~~أمير المؤمنين أن يرضى لنفسه بأوكس النصيبين، وأن لا يرتفع إلى أعلى ~~الدرجتين، فاعف عنا يعف الله عنك. فعفا عنهم. وأنشدوا: # وإذا بغى باغ عليك بجهله ... فاقتله بالمعروف لا بالمنكر # وقال بعضهم لمسلم بن قتيبة لما عفا عنه: والله ما أدري أيها الأمير، أي ~~يوميك أشرف: أيوم ظفرت أم يوم عفوت؟ وقال الشاعر: # ما ms121 زلت في العفو للذنوب وإط ... لاقك جان يجرمه علق # حتى تمنى العصاة أنهم ... عندك أمسوا في القيد والحلق # ورفع إلى أنوشروان: إن العامة تؤنب الملك في معاودة الصفح عن المذنبين مع ~~تتابعهم في الذنوب، فوقع المجرمون مرضى ونحن أطباء، وليس معاودة الداء ~~إياهم بمانعنا من معاودة العلاج لهم. وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: ما ~~قرن شيء إلى شيء أفضل من حلم إلى علم ومن عفو إلى قدرة. وقال رجل لعبد ~~الملك بن مروان لما ظفر بالمهلب: ما رأيت أحدا يا أمير المؤمنين ظلم ظلمك، ~~ولا نصر نصرك ولا عفا عفوك. وقال بعض التابعين: المعاقب مستدع لعداوة ~~أولياء المذنب، والعافي مستدع لشكرهم أو مكافأتهم أيام قدرتهم، ولأن يثني ~~عليك باتساع الصدر خير من أن تنسب إلى ضيقه، وإقالة العثرة موجبة إقالة ~~عثرتك من ربك، وعفوك عن الناس موصول يعفو الله عنك، وعقابك لهم موصول بعقاب ~~الله تعالى لك، والله يحب العافين. وقال المنصور: عقوبة الأحرار التعريض ~~وعقوبة الأشرار التصريح. وقال المأمون: # لما رأيت الذنوب جلت ... عن المجازة بالعقاب # جعلت فيها العقاب عفوا ... أمضى من الضرب للرقاب # وقال الأحنف: لا تزال العرب بينة الفضل ما لم تعد العفو ضيما والبذل ~~شرفا. وفي الحكمة: إذا انتقمت فقد انتصفت، وإذا عفوت فقد تفضلت. وقال بعض ~~الحكماء: اقبل العذر وإن كان مصنوعا، وإلا أن يكون مما أوجبت المروءة ~~قطيعته، أو يكون في قبولك عذره تشجيعه على المكروه أو عونه على الشر، فإن ~~قبولك العذر فيه اشتراك في المنكر. ولما دخل الفيل دمشق حشد الناس لرؤيته ~~وصعد معاوية في علية له متطلعا، فبينا هو كذلك إذ نظر في بعض الحجر في قصره ~~رجلا مع بعض حرمه، فأتى الحجرة ودق الباب فلم يكن من فتحه بد، فوقعت عينه ~~على الرجل فقال له: يا هذا أفي قصري وتحت جناحي تهتك حرمي وأنت في قبضتي؟ ~~ما حملك على ذلك؟ فبهت الرجل وقال: حلمك أوقعني! قال له معاوية: فإن عفوت ~~عنك تسترها علي؟ قال: نعم. فخلى سبيله، وهذا ms122 من الدهاء العظيم والحلم ~~الواسع أن يطلب الستر من الجاني، وهو عروض قول الشاعر: # إذا مرضنا أتيناكم نعودكم ... وتذنبون فنأتيكم فنعتذر PageV01P061 وأتى ~~موسى الهادي برجل قد جنى، فجعل يقرعه بذنوبه ويتهدده، فقال الرجل: إن ~~اعتذاري مما تقرعني به رد عليك، وإقراري بما ذكرت ذنب، ولكني أقول: # فإن كنت ترجو في العقوبة راحة ... فلا تزهدن عند المعافاة في الآجر! # فأمر بإطلاقه. وقال المهلب: لا شيء أبقى للملك من العفو، فإن الملك إذا ~~وثقت رعيته منه بحسن العفو لم يوحشها الذنب وإن عظم، وإن خشيت منه العقوبة ~~أوحشها الذنب وإن صغر، حتى يضطره ذلك إلى المعصية. ومن الحكمة البالغة في ~~هذا قول سابور وقد جمع أولاده فقال: يا بني إذا أعجزكم أن تملؤا قلوب ~~الرعية حياء فاملؤوها خوفا، وليس ذلك بأن تحمل العقوبة على من لا يستحقها ~~ولكن تعجيلها لمن يستحقها. وفي هذا المعنى قال الله تعالى: " فشرد بهم من ~~خلفهم " الأنفال:57. وهذا المعنى لا يختل عما أوجبناه، وهذا معنى قول سابور ~~ولا يخالف ما قررنا من حسن العفو، بل هذا المحمول على الواجب المستحق أو ~~على ما في تركه إغراء بركوب أمثاله، فها هنا يكون العفو مفسدة. # فيا أيها المعاقب إذا أقمت على مذنب عقوبة فلا تكن كالمستشفى المتلذذ ~~بعذابه، لأنك وإياه أخوان لأب وأم آدم وحواء، لم تفضله بحولك وقوتك بل بما ~~فضلك الله به تطولا عليك، فاذكر لو كنت في مقامه وكان في مقامك، ولا تأمن ~~من تقلب الدهر فتقوم مقامه بين يدي من لا يرحم ولا ينظر في العواقب، واحذر ~~التفريط والتقصير فأقم نفسك مذنبا أقيم للعقوبة، وليكن عقابك مقدرا كما كان ~~عطاؤك مقدرا، وليكن عقابك للتقويم لا للانتقام وللزجر لا للهوى. وعن هذا ~~قال بزرجمهر: لا ينبغي للملوك أن يكرموا أحدا بهوان من ليس للهوان أهلا، ~~وأن يهينوا أحدا بكرامة من ليس للكرامة أهلا. لا تكن على الإساءة أقوى منك ~~على الإحسان، ولا على البخل أسرع منك إلى البذل. قال الشاعر: # صفوح عن الإجرام حتى كأنه ... من ms123 العفو لم يعرف من الناس مجرما # فليس يبالي أن يكون به الأذى ... إذا ما الأذى بالكره لم يغش مسلما # وقال سليمان بن داود عليهما السلام: التنكيل والعقوبة أمنية الملك الشرير ~~وعلى مثله يبعث الله ملكا غير رحيم. وقال معاوية: لا ينبغي للملك أن يظهر ~~منه غضب أو رضى إلا ثواب أو عقاب. وقال أزدشير: فضل الملك على السوقة إنما ~~هو بقدرته على اقتناء المحامد واستفادة المكارم. فكلما استكثر منها بانت ~~فضيلته واستحقاقه لموضعه من الولاية عليهم، وكلما نقص منها قرب من السوقة. ~~وقال المأمون: إني لأجد لعفوي لذة من لذة الانتقام. واعلم أنه إذا عاقب ~~الملك وأهان على ظن بغير يقين، أدخل على نفسه من قبح الخطأ في الرأي أعظم ~~مما أدخل على صاحبه من العقوبة. # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الغالب بالشر مغلوب وما ظفر من ظفر إلا ~~بالإثم. وقيل لأفلاطون: أي شيء من أفعال الناس يشبه أفعال الله تعالى؟ ~~فقال: الإحسان إلى الناس. وقال حكيم: الحلم قوام السفيه والعفو زكاة العقل. ~~وقال حكيم: السيد الذي لا يشين حسن الظفر بقبح الانتقام، وخير مناقب الملوك ~~العفو. وكان يحيى بن معاذ يقول: سبحان من أذل العبد بالذنب وأذل الذنب ~~بالعفو. إلهي إن عفوت فخير راحم، وإن عذبت فغير ظالم. إلهي إن كنت لا ترضى ~~إلا عن أهل طاعتك، فكيف يصنع الخاطئون؟ وإن كان لا يرجوك أهل وفائك فبمن ~~يستغيث المستغيثون؟ وقال الشاعر: # وإن الله ذو حلم ولكن ... بعز الحلم ينتقم الحليم # وروي أن الحجاج أخذ قطرى بن الفجاءة فقال: لأقتلنك! قال: ولم؟ قال: لخروج ~~أخيك علي. قال: إن معي كتاب أمير المؤمنين أن لا تأخذني بذنب أخي! قال: ~~هاته. قال: فإن معي أوكد منه، قال الله تعالى: " ولا تزر وازرة وزر أخرى " ~~الأنعام: 164. فتعجب من جوابه وخلى سبيله. ولما وفد عقيل بن أبي طالب على ~~معاوية أمر له بمائة ألف درهم، فلما أراد الانصراف رأى في الطريق جارية ~~بأربعين ألف درهم، فرجع إلى معاوية فأخبره. قال: وما تصنع ms124 بها؟ قال: تلد لي ~~غلاما فإن أغضبتني يضرب مفرقك بالسيف. فأمر له بها فابتاعها فولدت له مسلم ~~بن عقيل، ثم قدم مسلم إلى الشام فابتاع منه معاوية ضيعة، فبلغ الحسين بن ~~علي الخبر فكتب إلى معاوية: إني لا أجيز بيع مسلم! فأرسل معاوية إلى مسلم ~~فقال: PageV01P062 هذا كتاب الحسين يأمر برد المال. فقال مسلم: أما دون أن ~~أضرب مفرقك بالسيف فلا! فضحك معاوية وقال: والله لقد تهددني أبوك بذلك قبل ~~أن يشتري أمك، وسوغه المال. فقال الحسين حين بلغه ذلك: غلبنا معاوية جودا ~~وحلما! # الباب السابع والعشرون # في المشاورة والنصيحة # وهذا الباب مما يعده الحكماء من أساس المملكة وقواعد السلطنة، ويفتقر ~~إليه الرئيس والمرؤوس. وقد ذكرنا في باب الخصال الفرقانية ونذكر ههنا ~~فوائدها ومحاسنها. اعلموا أن المستشير وإن كان أفضل رأيا من المشير فإنه ~~يزداد برأيه رأيا، كما تزداد النار بالسليط ضوءا، فلا تقذفن في روعك أنك ~~إذا استشرت الرجال ظهر للناس منك الحاجة إلى رأي غيرك، فيمنعك ذلك عن ~~المشاورة، فإنك لا تريد الرأي للفخر به ولكن للانتفاع به، وإن أردت الذكر ~~كان أفخر لذكرك وأحسن عند ذوي الألباب لسياستك أن يقولوا: لا ينفرد برأيه ~~دون ذوي الرأي من إخوته. ولا يمنعك عزمك على إنفاذ رأيك وظهور صوابه لك عن ~~الاستشارة، ألا ترى أن إبراهيم الخليل عليه السلام أمر بذبح ابنه عزمة لا ~~مشورة فيها، فحمله حسن الأدب وعلمه بموقعه في النفوس على الاستشارة فيه، ~~فقال لابنه: " يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى " ~~الصافات: 102. وهذا من أحسن ما يرسم في هذا الباب. # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الرأي الفرد كالخيط السحيل، والرأيان ~~كالخيطين والثلاثة الآراء كالثلاثة لا تكاد تنقطع. وروي أن روميا وفارسيا ~~تفاخرا. فقال الفارسي: نحن لا نملك علينا من يشاور. وقال الرومي: ونحن لا ~~نملك علينا من لا يشاور. وقال بزرجمهر: إذا أشكل الرأي على الحازم كان ~~بمنزلة من أصل لؤلؤة فجمع ما حول مسقطها فالتمسها فوجدها، كذلك الحازم بجمع ms125 ~~وجوه الرأي في الأمر المشكل ثم يضرب بعضها ببعض حتى يخلص له الصواب. وكان ~~يقال: من كثرت استشارته حمدت إمارته. وفي حكم الهند قال بعض الملوك: إن ~~الملك الحازم يزداد برأي الوزراء الحزامة، وكما يزداد البحر بمواده من ~~الأنهار، وينال بالحزم والرأي ما لا يناله بالقوة والجند، ولم تزل حزمة ~~الرجال يستحلون مرائر قول النصحاء، كما يستحلي الجاهل المساعدة على الهوى. # قال المأمون لطاهر بن الحسين: صف لي أخلاق المخلوع، يعني أخاه الأمين. ~~فقال: كان واسع الصدر ضيق الأدب، يبيح من نفسه ما تأباه همم الأحرار ولا ~~يصغي إلى نصيحة ولا يقبل مشورة، يستبد برأيه فيرى سوء عاقبته ولا يردعه ذلك ~~عما يهم به. قال: فكيف كانت حروبه؟ قال: يجمع الكتائب بالتبذير ويفرقها ~~بسوء التدبير. فقال المأمون: لذلك ما حل محله. أما والله لو ذاق لذاذة ~~النصائح، واختار مشورات الرجال وملك نفسه عند شهوتها ما ظفر به. وقال ~~بعضهم: إنفاذ الملك الأمور بغير روية كالعبادة بغير نية، ولم تزل العقلاء ~~على اختلاف آرائهم يشهدون العيوب، ويستشيرون صواب الرأي من كل أحد حتى ~~الأمة الوكعاء. # هذا وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: رحم الله امرأ أهدى إلي ~~عيوبي. وكان يقال: من أعطي أربعا لم يمنع أربعا: من أعطي الشكر لم يمنع ~~المزيد، ومن أعطي التوبة لم يمنع القبول، ومن أعطي الاستخارة لم يمنع ~~الخيرة، ومن أعطي المشورة لم يمنع الصواب. وقال بعضهم: خمير الرأي خير من ~~فطيره وتقديمه خير من تأخيره. وقال صاحب كتاب التاج: إن بعض ملوك العجم ~~استشار وزراءه، فقال بعضهم: لا ينبغي للملك أن يستشير منا أحدا إلا خاليا، ~~فإنه أموت للسر وأحزم للرأي وأجدر للسلامة، وأعفى لبعضنا من غائلة بعض. ~~وكان بعض ملوك العجم إذا شاور مرازبته فقصروا في الرأي، دعا الموكلين ~~بأرزاقهم فعاقبهم فيقولون: تخطئ مرازبتك وتعاقبنا؟ فيقول: نعم لم يخطئوا ~~إلا لتعلق قلوبهم بأرزاقهم وإذا اهتموا أخطأوا. # وكانوا إذا اهتموا بمشاورة رجل بعثوا إليه بقوته وقوت عياله لسنة ليتفرغ ~~لبه. وكان يقال: النفس ms126 إذا أحرزت قوتها اطمأنت وإذا شاورت فاصدق الخبر ~~تصدقك المشورة، ولا تكتم المستشار فتؤتى من قبل نفسك.وقال بعض ملوك العجم: ~~PageV01P063 لا يمنعك شدة بأسك في باطنك، ولا علو مكانك في نفسك من أن تجمع ~~إلى رأيك رأي غيرك، فإن أصبت حمدت وإن أخطأت عذرت، فإن في ذلك خصالا منها ~~إن وافق رأيك رأي غيرك ازداد رأيك شدة عندك، وإن خالفه عرضته على نظرك، فإن ~~رأيته معتليا لما رأيته قبلته، وإن رأيته متضعا استغنيت عنه. وذلك أنه يجدد ~~لك النصيحة ممن شاورته وإن أخطأ، وتمحض لك مودته وإن قصر، ولو لم يكن من ~~فضيلة المشورة إلا أنك إن أصبت مستبدا سلبت فائدة الإصابة بألسنة الحسدة، ~~وقال قائل: هذا اتفاق ولو فعل كذا لكان أحسن، وإذا شاورت فأصبت حمد الجماعة ~~رأيك لأنهم لنفوسهم يحمدون، وإن أخطأت حمل الجماعة خطأك لأنهم عن أنفسهم ~~يكافحون. # واعلم أن القول الغليظ يستمع لفضل عاقبته كما يتكاره شرب الدواء المر ~~لفضل مغبته. وقال أعرابي: ما عثرت قط حتى عثر قومي. قيل له: وكيف ذلك؟ قال: ~~لا أفعل شيئا حتى أشاورهم. وقيل لرجل من عبس: ما أكثر صوابكم يا بني عبس! ~~فقال: نحن ألف رجل وفينا حازم واحد، ونحن نطيعه فكأنا ألف حازم. وكان ابن ~~أبي هبيرة أمير البصرة يقول: اللهم إني أعوذ بك من صحبة من غايته خاصة ~~نفسه، والانحطاط في هوى مستشيره. وفي حكم الهند: من التمس من الإخوان ~~الرخصة عند المشورة، ومن الأطباء عند المرض، ومن الفقهاء عند الشبهة، أخطأ ~~الرأي وازداد مرضا وحمل الوزر. وقالت الحكماء: لا تشاور معلما ولا راعي غنم ~~ولا كثير القعود مع النساء، ولا صاحب حاجة يريد قضاءها ولا خائفا ولا من ~~يرهقه أحد السبيلين. # وقالوا: لا رأي لحاقب ولا لحازق ولا لحاقن، ولا تشاور من لا توفيق عنده. ~~الحازق: هو الذي ضغطه الخف الضيق والحاقب: هو الذي يجد في بطنه درأ. وقالوا ~~من شكا إلى عاجز أعاره عجزه وأمده من جزعه. ومن لطيف ما جرى في الاستشارة ~~أن زيادا ms127 بن عبيد الله الحارثي استشاره عبد الله بن عمر في أخيه أبي بكر أن ~~يوليه القضاء، فأشار به فبعث إلى أبي بكر فامتنع عليه، فبعث زياد إلى عبيد ~~الله يستعين به على أبي بكر، فقال أبو بكر لعبيد الله: أنشدك الله أترى لي ~~القضاء؟ قال: اللهم لا. قال زياد: سبحان الله استشرتك فأشرت علي به ثم ~~أسمعك تنهاه. فقال: أيها الأمير استشرتني فاجتهدت لك الرأي ونصحتك ونصحت ~~للمسلمين، واستشارني فاجتهدت له رأيي ونصحته. وروي أن الحجاج بعث إلى ~~المهلب يستعجله في حرب الأزارقة، فكتب له المهلب: إن من البلاء أن يكون ~~الراعي لمن يملكه دون من يبصره. # فصل في النصيحة # اعلموا أن النصح لمسلمين وللخلائق أجمعين من سنن المرسلين. قال الله ~~تعالى إخبارا عن نوح عليه السلام: " ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم ~~إن كان الله يريد أن يغويكم " هود: 34. وقال شعيب عليه السلام: ونصحت لكم ~~فكيف آسي على قوم كافرين. وقال صالح عليه السلام: ونصحت لكم ولكن لا تحبون ~~الناصحين. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن العبد إذا نصح لسيده وأحسن ~~عبادة ربه كان له أجره مرتين. وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: الدين النصيحة! الدين النصيحة! الدين النصيحة! قيل: ~~لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين ولعامتهم. ~~فالنصح في الجملة فعل الشيء الذي به الصلاح والأمانة، مأخوذ من النصاحة وهي ~~السلوك التي يخاط بها وتصغيرها نصيحة، تقول العرب: هذا قميص منصوح أي مخيط. ~~ونصحته نصحا إذا خطته. # ويختلف النصح في الأشياء لاختلاف الأشياء. فالنصح لله: هو وصفه بما هو ~~أهله، وتنزيهه عما ليس بأهل له عقدا وقولا، والقيام بتعظيمه والخضوع له ~~ظاهرا وباطنا، والرغبة في محابه والتباعد عن مساخطه، وموالاة من أطاعه ~~ومعاداة من عصاه، والجهاد في رد العصاة إلى طاعته قولا وفعلا، وإرادة بث ~~جميع ما ذكرناه في عباده، والنصيحة لكتابه: إقامته في التلاوة وتحسينه عند ~~القراءة، وتفهم ما فيه واستعماله والذب عنه من ms128 تأويل المحرفين وطعن ~~الطاعنين، وتعليم ما فيه للخلائق أجمعين؛ قال الله تعالى: " كتاب أنزلناه ~~إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب " ص: 29. والنصيحة للرسول ~~صلى الله عليه وسلم: مؤازرته ونصرته، والحماية من دونه حيا وميتا، وإحياء ~~سنته بالطلب وإحياء طريقته ببث الدعوى، وتأليف الكلمة والتخلق يالأخلاق ~~الطاهرة. PageV01P064 والنصيحة للأئمة: معاونتهم على ما تكلفوا القيام به ~~في تنبيههم عند الغفلة وإرشادهم عند الهفوة، وتعليمهم عندما جهلوا وتحذيرهم ~~ممن يريد السوء بهم، وإعلامهم بأخلاق عمالهم وسيرتهم في الرعية، وسد خلتهم ~~عند الحاجة ونصرتهم في جمع الكلمة عليهم، ورد القلوب النافرة إليهم. والنصح ~~لجماعة المسلمين: الشفقة عليهم وتوقير كبيرهم والرحمة لصغيرهم، وتفريج ~~كربهم ودعوتهم إلى ما يسعدهم، وتوقي ما يشغل خواطرهم ويفتح باب الوسواس ~~عليهم. ومن النصيحة للمسلمين: رفع مؤنة نفسه وبدنه وحوائجه عنهم. قال ~~الأصمعي: لقط عمر بن الخطاب رضي الله عنه نواة من الطريق فأمسكها بيده حتى ~~مر بدار قوم فألقاها في الدار وقال: يأكلها داجنهم. # والنصح لجميع الملل أن يحب إسلامهم، ويدعوهم إلى الإيمان بالقول ويحذرهم ~~سوء مغبة الكفر، وبالسيف إن كان ذا سلطان، أو يكفوا عن قتال المسلمين ~~فيكونوا ذمة، وإلا فالقتل نصحا لله لإقامة أمره فيهم. روى معاذ رضي الله ~~عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ثلاث لا يضل عليهن قلب مسلم: العمل ~~لله ومناصحة ولاة الأمر والاعتصام بجماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط بمن ~~وراءهم. وروى جابر بن عبد الله: بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على السمع ~~والطاعة فلقنني وبما استطعت والنصح لكل مسلم. وقال أنس: إن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. وقال أبو ~~الدرداء: العلم يعلمه البر والفاجر والحكمة ينطق بها البر والفاجر، ~~والنصيحة لله لا تثبت إلا في قلوب المنتخبين الذين صحت عقولهم وصدقت ~~نياتهم. # واعلم أن جرعة النصيحة مرة لا يقبلها إلا أولو العزم. وكان عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه يقول: رحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي. وقال ميمون بن مهران: ms129 ~~قال لي عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: قل لي في وجهي ما أكرهه، فإن الرجل ~~لا ينصح أخاه حتى يقول له في وجهه ما يكرهه. وقال مالك: النصيحة لله في ~~أرضه هي التي بعث الله بها أنبياءه، ومن أمر الإسلام القصد والنصيحة لعباد ~~الله في أمورهم، والنفوس مستثقلة للنصح نافرة عن أهله مائلة إلى ما وافق ~~هواها. وفي منثور الحكم: ودك من نصحك وقلاك من مشى في هواك. وكان يقال: ~~أخوك من احتمل ثقل نصيحتك. وقال بعضهم: # عرضت نصيحة مني لمزيد ... فقال: غششتني والنصح مر! # وما لي أن أكون نصحت زيدا ... وزيد طاهر الأثواب بر # ولكن قد أتاني أن زيدا ... يقال عليه في نقعاء شر # فقلت له: تجنب كل شيء ... يقال عليك إن الحر حر # وقال آخر: # وعلى النصوح نصيحتي ... وعلي عصيان النصوح # وقال القطامي: # ومعصية الشفيق عليك مما ... يزيدك مرة منه استماعا # وخير الأمر ما استقلت منه ... وليس بأن تتبعه اتباعا # وقال ورقاء بن نوفل: # لقد نصحت لأقوام وقلت لهم: ... أنا النذير فلا يغرركم أحد! # لا شيء مما ترى تبقى بشاشته ... إلا الإله ويودي المال والولد # لم تغن عن هرمز يومأ خزائنه ... والخلد قد حاولت عادا فما خلدوا # وقال ابن وهب: إنما يحسن الاختيار لغيره من يحسن الاختيار لنفسه، ولا خير ~~لك فيمن لا خير له في نفسه. وقالت العلماء: لن ينصحك امرؤ لا ينصح نفسه. ~~وقال بعضهم: رأيي ورأيك في المعرفة أمثل لنفسك من رأيك لأنه خلو من هواك. ~~وقال أبو الدرداء: إن شئتم لأنصحن لكم: إن أحب عباد الله إلى الله الذين ~~يحببون الله إلى عباده ويعلمون في الأرض نصحا. وروي أن رجلا لطم إبراهيم بن ~~أدهم فرفع رأسه إلى السماء وقال: إلهي إنك تثيبني وتعاقبه فلا تثبني ولا ~~تعاقبه. ومن الخصال التي تجري مجرى الجمال والكمال: الحلم. # الباب الثامن والعشرون # في الحلم # قال الله تعالى: " إن إبراهيم لحليم أواه منيب " هود: 75. وقال تعالى: " ~~فاصفح الصفح الجميل " الحجر: 85. قال علي بن أبي طالب رضي الله ms130 عنه: الصفح ~~الجميل هو الرضى بلا عتاب. وقيل: الصفح الجميل هو الرضى بلا توبيخ فيه ولا ~~حقد معه. وفي الأمثال القديمة: كاد الحليم أن يكون نبيا. وروي أن رجلا قال ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم: PageV01P065 علمني كلمات أعيش بهن ولا تكثر ~~فأنساهم! قال: لا تغضب! واعلم أن الحلم أشرف الأخلاق وأحقها بذوي الألباب، ~~لما فيه من راحة السر واجتلاب الحمد، وأحق الناس به السلطان لأنه منصوب ~~لإقامة أود الخلق وممارسة أخلاقهم، فإن لم يكن معه حلم يرد به بوادرهم وإلا ~~وقع تحت عبء ثقيل. وكان أنوشروان ذا حلم وأناة، وكان يقول: في خصلتان لولا ~~أنهما ظاهرتان عند الرعية لضقت بهما ذرعا: الحلم والأناة. # ويروى أن يحيى بن زكرياء لقي عيسى بن مريم عليهما السلام فقال: يا روح ~~الله أخبرني بأشد الأشياء في الدارين. قال: غضب الله تعالى. قال: يا روح ~~الله وما ينجيني من غضب الله تعالى؟ قال: اترك الغضب. قال: يا روح الله وما ~~بدء الغضب؟ قال: التعزز والتكبر والفخر على الناس. وفي الحديث عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: وجبت محبة الله على من أغضب فحلم. والذي يضرب بحلمه ~~المثل في هذا الباب قصة إسحاق عليه السلام؛ قال له إبراهيم عليه السلام: " ~~يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى، قال يا أبت افعل ما ~~تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين " ثم " تله للجبين " الصافات: ~~102و103، وأمر على حلقه السكين فلم يقل إلا خيرا، قال الله تعالى: " ~~فبشرناه بغلام حليم " الصافات: 101. وفي الأخبار يقول إبليس لعنه الله: إن ~~الحديد من الرجال لم نيأس منه وإن كان تحيا بدعائه لأنه تأتي عليه ساعة ~~يحتد فيها فنصيب منه ما نريد. # وروي أن جعفر بن محمد دخل على الرشيد وقد استخفه الغضب فقال: يا أمير ~~المؤمنين، إنك إنما تغضب لله تعالى فلا تغضب له بأكثر من غضبه لنفسه. واعلم ~~أرشدك الله تعالى أن هذه الكلمة لا قيمة لها، والله أعلم حيث يضع رسالته، ~~فما أفخمها ms131 وأجل قدرها وأعظم شأنها! لأنك إذا كنت أيها السلطان إنما تتصرف ~~في ملك الله بأمر الله، فالله تعالى قد حدد حدودا وشرع شرائع، وأقام فروضا ~~وسننا ونهى عن حدود ورسوم، ثم قدر في كل خصلة عند مخالفته حدا محدودا، ونهى ~~أن يتجاوز ذلك الحد، فلا تقتل من استحق القطع والحبس والأدب والحد، ولا ~~تحبس غير من استحق الحبس. وكانت الخلفاء يؤدبون الناس على قدر منازلهم، فمن ~~عثر من ذوي المروءات أقيلت عثرته ولم يقابل بشيء، لقوله عليه السلام: ~~أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم. ومن سواهم كان يقابل على قدر منزلته وهفوته، ~~فكان يقام قائما في مجلس يقعد فيه نظراؤه فتكون هذه عقوبته، وآخر يشق جيبه ~~وآخر تنزع عمامته من على رأسه، وآخر يكلم بالكلام الذي فيه بعض الغلظة. # قال الشعبي: كانت العصاة في زمن عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم إذ أخذ ~~الرجل منهم نزعت عمامته، وطيف به في المسجد على قومه وقيل: هذا رجل آخر ~~بشعيرة. فلما ولي زياد ضربهم ونزع عمائمهم، فلما ولي مصعب بن الزبير حلق مع ~~الضرب رؤوسهم. فلما ولي بشر بن مروان أقامهم على الكراسي ثم مدت أيديهم ~~وسمرها بمسمار، ثم نزع الكرسي من تحت أرجلهم حتى تحزم أيديهم فمن ميت ومن ~~حي. فلما ولي الرجل المعروف بالحجاج قال: كل هؤلاء يلعب، فمن أخل بشعيرة ~~ضربت عنقه! وقال أرسطاطاليس: النفس الذليلة لا تجد ألم الهوان، والنفس ~~الشريفة يؤثر فيها يسير الكلام؛ وفيه قيل: # من يهن يسهل الهوان عليه ... ما لجرح بميت إيلام # واعلم أن من تجاوز في العقوبة فوق ما حدد الله تعالى فيها، شارك المذنب ~~في الذنب واستوجب ما استوجبه المجرم من العقوبة، وتبين بالآخرة أنه إنما ~~يعاقب للهوى والتشفي إذا فما غضب لله تعالى. وفي كتاب سليمان بن داود ~~عليهما السلام: القاهر لنفسه أشد ممن يفتح المدينة وحده، وصدق نبي الله ~~عليه السلام، فإن السلطان يفتتح المدينة ويقهر أهلها، ويغلب جنودها ~~وحماتها، ويقتل أبطالها ثم تغلبه شهوته ويبقى أسيرا في ذل هواه، قد قهرته ms132 ~~قينة بطنبورها أو قدح خمر يلعب بعقله. وقال أكثم بن صيفي: الصبر على جرع ~~الحلم أعظم من جنا ثمر الندم. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه. سألت ~~كثيرا من كبراء فارس عن أحمد ملوكهم عندهم؟ قال: أزدشير فضل السبق غير أن ~~أحمدهم سيرة أنوشروان. قال: فأي أخلاقه كان أغلب عليه؟ قال: الحلم والأناة. ~~فقال علي رضي الله عنه: PageV01P066 هما توأمان أنتجتهما علو الهمة. ومن ~~محمود السيرة أن تعرف الناس من أخلاقك أنك لا تعجل بالثواب ولا بالعقاب، ~~فإن ذلك أدوم لخوف الخائف ورجاء الراجي؛ قال محمود الوراق: # سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب ... وإن عظمت منه علي الجرائم # فما الناس إلا واحدا من ثلاثة: ... شريف ومشروف ومثل مقاوم # فأما الذي فوقي فأعرف فضله ... وأتبع فيه الحق والحق لازم # وأما الذي دوني فإن قال، صنت عن ... إجابته نفسي، وإن لام لائم # وأما الذي مثلي فإن زل أو هفا ... تفضلت إن الحلم بالفضل حاكم # وقال الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول: أسرع الناس جوابا من لم يغضب، لا توقدن ~~بين جبينك جمرة الغضب واردد إساءته بالحلم، فإن شجرة النار إذا ألحت عليها ~~الرياح تخللت أغصانها، فتشعل نار فتحترق من أصوله. وقال عمر بن عبد العزيز ~~رضي الله عنه: ثلاث من أجتمعن فيه فقد سعد: من إذا غضب لم يخرجه غضبه عن ~~الحق، وإذا رضي لم يدخله رضاه في باطل، وإذا قدر عفا وكف. وسئل جعفر بن ~~محمد رضي الله عنه عن حد الحلم فقال: وكيف يعرف فضل شيء لم نر كماله في ~~أحد؟ وقال الأحنف بن قيس لابنه: يا بني، إذا أردت أن تواخي رجلا، فأغضبه، ~~فإن أنصفك وإلا فاحذره. وكان مسلم بن نوفل سيد بني كنانة قد ضربه رجل من ~~قومه بسيفه فأخذ فأتى به إليه فقال له: ما الذي فعلت أما خشيت انتقامي؟ ~~قال: لا. قال: فلم؟ قال: ما سودناك إلا أن تكظم الغيظ وتعفو عن الجاني، ~~وتحلم على الجاهل وتحتمل المكروه في النفس والمال، فخلى سبيله. فقال ~~قائلهم: # تسود ms133 أقوام وليسوا بسادة ... بل السيد المعروف سلم بن نوفل # وقال رجل من كلب للحكم بن عوانة: إنما أنت عبد فقال: والله لأعطينك عطية ~~ما تعطيها العبيد! فأعطاه مائة رأس من السبي. ومن أمثال العرب: احلم تسد. ~~ويروى أن هشاما غضب على رجل من أشراف الناس، فشتمه فوبخه الرجل وقال له: ~~أما تستحي أن تشتمني وأنت خليفة الله في أرضه؟ فأطرق هشام واستحى وقال له: ~~اقتص! فقال: أنا إذا سفيه مثلك! قال: فخذ عن ذلك عوضا من المال. قال: ما ~~كنت لأفعل! قال: فهبها لله. قال: هي لله ثم لك! فنكس هشام رأسه وقال: والله ~~لا أعود لمثلها. قال الشاعر: # لن يبلغ المجد أقوام وإن شرفوا ... حتى يذلوا وإن عزوا لأقوام # ويشتموا فترى الألوان مسفرة ... لا صفح ذل ولكن صفح إكرام # وقال آخر: # وجهل رددناه بفضل حلومنا ... ولو أننا شئنا رددناه بالجهل # رجحنا وقد خفت حلوم كثيرة ... وعدنا على أهل السفاحة بالفضل # وقال هشام لخالد بن صفوان: صف لي الأحنف بن قيس. قال: يا أمير المؤمنين، ~~إن شئت عنه بثلاث وإن شئت أخبرتك عنه بثلاث وإن شئت باثنين وإن شئت بواحدة، ~~فقال: أخبرني عنه بثلاث. قال: كان لا يحرص ولا يجهل ولا يدفع الحق إذا نزل ~~به. قال: فأخبرني عنه باثنتين. قال: كان يؤثر الخير ويتوقى الشر! قال: ~~فأخبرني عنه بواحدة. قال: كان أعظم الناس سلطانا على نفسه. وقال أكثم بن ~~صيفي: الغلبة والعز للحلم. وقال الأحنف: وجدت الحلم أنصر لي من الرجال. ~~وصدق الأحنف فإن من حلم كان الناس أنصاره. كما روي أن رجلا أسرع في شتم بعض ~~الأدباء وهو ساكت، فحمى له بعض المارين في الطريق وقال له: يرحمك الله ألا ~~أنتصر لك؟ قال: لا. قال: ولم؟ قال: لأني وجدت الحلم أنصر لي من الرجال، وهل ~~حاميت لي إلا لحلمي؟ وقال رجل لعمرو بن العاص رضي الله عنه: والله لأتفرغن ~~لك! فقال له: الآن وقعت في الشغل. وقال عبد الله بن عمر: إن رجلا ممن كان ~~قبلكم استضاف قوما ms134 فأضافوه، ولهم كلبة تنبح، فقالت: والله لا أنبح ضيف أهلي ~~الليلة، فعوى جراؤها في بطنها، فبلغ ذلك نبيا لهم أو قيلا من أقيالهم، ~~فقال: مثل هذا مثل أمة تكون بعدكم تظهر سفهاؤها على حلمائها. وقال الأحنف: ~~إياكم ورأي الأوغاد. قالوا: وما رأي الأوغاد؟ قال: الذين يرون الصفح والعفو ~~عارا. وسئل الأحنف عن الحلم فقال: هو الذي يصبر عليه، ولست بحليم ولكني ~~صبور. PageV01P067 ويروى أن المهلب نازعه رجل من كبراء بني تميم، فأربى على ~~المهلب والمهلب ساكت، فقيل له في ذلك، فقال: كنت إذا سبني استحيت من سخف ~~السباب وتحلية اللئام والسفلة، وكان إذا سبني تهلل وجهه وشمخت نفسه بأن ظفر ~~بفضل الفخر ونبذ المروءة، وخلع ربقة الحياء وقلة الاكتراث بسوء الثناء! ومر ~~المسيح عليه السلام على قوم من اليهود فقالوا شرا فقال لهم خيرا، فقيل له: ~~إنهم يقولون شرا وأنت تقول لهم خيرا! فقال: كل ينفق مما عنده. وقال أكثم بن ~~صيفي: من حلم ساد ومن تفهم ازداد، وكفر النعمة لؤم وصحبة الجاهل شؤم، ولقاء ~~الإخوان غنم والمباشرة يمن، ومن الفساد إضاعة الزاد. # وسب رجل الشعبي بقبائح نسبها إليه، فقال الشعبي: إن كنت كاذبا فغفر الله ~~لك، وإن كنت صادقا فغفر الله لي! وقال رجل لأبي بكر الصديق رضي الله عنه: ~~لأسبنك سبا يدخل معك في قبرك! فقال أبو بكر: معك يدخل لا معي! وقال رجل ~~للأحنف بن قيس: إن قلت لي كلمة لتسمعن عشرة! فقال له الأحنف: لكنك لو قلت ~~لي عشرا لم تسمع مني واحدة. وروي أن رجلا سب الأحنف وهو يماشيه في الطريق، ~~فلما قرب من المنزل وقف الأحنف وقال: يا هذا إن كان بقي معك شيء فقله ههنا، ~~فإني أخاف أن يسمعك فتيان الحي فيؤذوك. وسب رجل بعض الحكماء، فقال له ~~الحكيم: لست أدخل في حرب الغالب فيه شر من المغلوب. وقال لقيط بن زرارة: # فقل لبني سعد فما لي وما لكم ... ترقون مني ما استطعتم وأعتق # أغركم أني بأحسن شيمة ... بصير وأني بالفواحش أخرق # وإن ms135 تك قد ساببتني فقهرتني ... هنيئا مريئا أنت بالفحش أحدق! # وقال رجل لأبي ذر رضي الله عنه: أنت الذي نفاك معاوية من الشام، ولو كان ~~فيك خير ما نفاك! فقال: يا ابن أخي إن ورائي عقبة كؤودا، إن نجوت منها لم ~~يضرني ما قلته، وإن لم أنج منها فأنا شر مما قلت! وقال لقمان لابنه: يا بني ~~ثلاثة لا يعرفون إلا عند ثلاثة: لا يعرف الحليم إلا عند الغضب، ولا الشجاع ~~إلا عند الحرب، ولا أخوك إلا عند الحاجة إليه. وسب رجل بعض الحكماء فأعرض ~~عنه، فقال له: إياك أعني! فقال له الحكيم: وعنك أعرض! وفي ذلك قيل: # قل ما بدا لك من زور ومن كذب ... حلمي أصم وأذني غير صماء # وقيل يوما للأحنف بن قيس: ما أحلمك! فقال: لست بحليم ولكني أتحالم، والله ~~إني لأسمع الكلمة فأحم لها ثلاثا، ما يمنعني من جوابها إلا الخوف من أن ~~أسمع ما هو شر منها! وقال الشاعر: # وليس يتم الحلم للمرء راضيا ... إذا كان عند السخط لا يتحلم # كما لا يتم الجود للمرء موسرا ... إذا كان عند العسر لا يتجشم # ويروى أن رجلا سب جعفر بن محمد رضي الله عنهما، فقال: أما ما قلت مما هو ~~فينا فإنا نستغفر الله منه، وما قلت مما ليس فينا فإنا نكلك فيه إلى الله ~~تعالى. وقال بعض الحكماء: احذروا الغضب، فرب غضب استحق الغضبان به غضب الله ~~تعالى. وقال أكثم بن صيفي: لا يكون الرجل حليما حتى يقول السفيه أنه لضعيف ~~مستذل، ولا يكون مخلصا حتى يقول الأحمق أنه لمفسد. ومن أشعر بيت قيل في ~~الحلم قول كعب بن زهير: # إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنا ... أصبت حليما أو أصابك جاهل # ووصف أعرابي رجلا فقال: أحلم من فرخ طائر. وقال أعرابي: إن الغضب عدو ~~العقل، ولذلك يحول بين صاحبه وبين العقل. وقال صعصعة بن صوحان: الغضب مرقدة ~~العقل، فربما أصلده وربما أربده. وقال أعرابي: إذا جاء الغضب تسلط العطب. ~~وكان ابن عون إذا غضب على ms136 أحد قال: سبحان الله بارك الله فيك! وقال ~~الأصمعي: دفع أزدشير إلى رجل كان يقوم على رأسه كتابا وقال: إذا رأيتني قد ~~اشتد غضبي فادفعه إلي. فكان فيه: اسكن فلست بإله، إنما أنت بشر يوشك أن ~~يأكل بعضك بعضا، وتصير عن قريب للدود والتراب! وهذه السيرة أول من سنها ملك ~~تبع، أمر أن يكتب في كتاب: اسكن فلست بإله! وقال لصاحبه: إذا غضبت فاعرضه ~~علي. فكان إذا غضب عرضه عليه، فإذا قرأه سكن غضبه. وقال معاوية: أفضل ما ~~أعطي الرجل العقل والحلم، فإذا ذكر ذكروا وإذا أعطى شكر، وإذا ابتلي صبر ~~وإذا غضب كظم، وإذا قدر عفا وإذا أساء استعفى وإذا وعد أنجز. # ومن كلام الحكماء: PageV01P068 من أطاع الغضب حرم السلامة، ومن عصى الحق ~~غمره الذل. وقال بعض الحكماء: كظم الغيظ حلم والحلم صبر، والتشفي ضرب من ~~الجزع. وقال آخر: أول الغضب جنون وآخره ندم. وقال بعض الحكماء: إذا غلب على ~~الرجل أربع خصال فقد عطب: الرغبة والرهبة والشهوة والغضب. وقيل لبعض ~~الصالحين: إن فلانا يقع فيك بقول. فقال: لأغيظن من أمره يغفر الله لي وله! ~~قيل له: ومن أمره؟ قال: الشيطان. وقال رجل لأخيه: إني مررت بفلان وهو يقع ~~فيك ويذكرك بأشياء رحمتك منها. قال: فهل سمعتني أذكره بشيء؟ قال: لا. قال: ~~فإياه فارحم، وقال الفضيل: ثلاثة لا يلامون على الغضب: المريض والصائم ~~والمسافر. وقال الأحنف بن قيس: تعلمت الحلم من قيس بن عاصم المنقري. إني ~~لجالس معه في فناء بيته وهو يحدثنا إذ جاءت جماعة يحملون قتيلا، ومعهم رجل ~~مأسور فقيل له: هذا ابنك قتله أخوك! فوالله ما قطع حديثه ولا حل حبوته حتى ~~فرغ من منطقته، ثم أنشد: # أقول لنفسي تصبيرا وتعزية: ... إحدى يدي أصابتني، ولم ترد # كلاهما خلف من فقد صاحبه ... هذا أخي حين أدعوه، وذا ولدي # ثم التفت إلى بعض ولده وقال: قم أطلق عمك ووار أخاك التراب، وسق إلى أمه ~~مائة من الإبل فإنها غريبة. ومن أنبل بيت قالته العرب: # فصح بالخير خرس بالخنا ms137 ... رجح الأحلام ذيال الأزر # وقال آخر: # بأحلام عاد لا يخاف جليسهم ... إذا نطق العوراء عرب لسان # إذا حدثوا لم يخش سوء استماعهم ... وإن حدثوا أدوا بحسن بيان # وقال المسيح عليه السلام: ما حلم من لم يصبر عند الجهل، وما قوة من لم ~~يرد الغضب، وما عبادة من لم يتواضع للرب تعالى؟ وقيل للإسكندر: إن فلانا ~~وفلانا ينقصانك ويثلبانك فلو عاقبتهم! فقال: هم بعد العقوبة أعذر في ثلبي ~~وتنقيصي. ويروى عن جرير بن عبد الله: بينما هو راكب قد أردف ابنه إذ لقيه ~~رجل فنال منه وجرير ساكت، فلما ولي قال له ابنه: يا أبت لم سكت عنه؟ قال ~~له: يا بني إذن أوسع جرحي. وقال بعض الحكماء: متى أشفي غيظي، أحين أقدر ~~فيقال لو عفوت، أم حين أعجل فيقال لو صبرت؟ وسئل بعض أصحاب الأحنف: أكان ~~الأحنف يغضب؟ قال: نعم، لو لم يغضب ما بان حلمه، كان يغضبه الشيء فيتبين في ~~وجهه اليومين والثلاثة وهو يصبر ويحلم. # ومن لم يغضب من الأشياء التي مثلها فقد فقد من الفضائل الشجاعة، والأنفة ~~والحمية والدفاع والأخذ بالثأر والغيرة، فإن هذه الخصال نتائج الغضب، فمن ~~فقد الغضب فقد فقد أس الفضائل على ما سنذكره في باب الشجاعة، إن شاء الله. ~~وقيل: عند فقد الشجاعة تكون المهانة، ومن المهانة يكون سفساف الأخلاق ~~ورذالة الطباع، فلا يبقى لسائر فضائله موقع. وكان يقال: من لم يغضب فليس ~~بحليم، لأن الحليم يعرف عند الغضب. وقال الشعبي: الجاهل خصم والحليم حاكم. ~~قال الشافعي رضي الله عنه: من استغضب ولم يغضب فهو حمار، ومن استرضي ولم ~~يرض فهو جبار. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يغضب، ولكنه إنما كان يغضب ~~لا لنفسه بل عند انتهاك حرمة ربه. واعلم أن الله تعالى ما مدح من لم يغضب، ~~وإنما مدح من كظم الغيظ فقال: " والكاظمين الغيظ " آل عمران: 134. وقد أنشد ~~النابغة بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم: # فلا خير في علم إذا لم يكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا # ولا ms138 خير في جهل إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا # فلم ينكر النبي قوله. وكان عمر رضي الله عنه إذا سافر استتبع سفيها ~~ويقول: أدفع به شر السفهاء عني! واعلموا أرشدكم الله أن أحسن خصال الملوك ~~وأجلها قدرا، وهي حلية الأنبياء ولبسة الأصفياء والأولياء، وأعملها على ~~الرعايا نفعا وأخلدها على ممر الأيام ذكرا، وأجلها في المحافل والمجالس ~~نشرا، وهي الفضيلة التي تعم سائر الفضائل وتكمل بها سائر المحاسن، وهي ~~الحلم. وها أنا أتلو عليك من ذلك ما يقضى فيه بالعجب: هذه دولة آل العباس ~~أولهم أبو العباس السفاح إلى يومنا هذا لم يكن يفهم أحلم من المأمون، بلغ ~~من حلمه أنه كان يقول: PageV01P069 لو يعلم الناس ما لي في لذة العفو ما ~~تقربوا إلي إلا بالجرائم! فعم حلمه سائر خلفاء بني العباس حتى صار يضرب ~~المثل بحلمه. وبهذه الخصلة تهيأ ملكه وقهر أخاه الأمين. ومنها دولة بني ~~أمية، أولهم معاوية بن أبي سفيان وآخرهم مروان الجعدي، لم يكن فيهم أحلم من ~~معاوية لا جرم أن دانت له الدنيا، وملك بها رقاب العرب والعجم وصار حلمه ~~يضرب به المثل، ويقتدي به الخلق ويهتدي به العقلاء، حتى حكي عنه أنه كان ~~يقول: لو كان بيني وبين الناس خيط عنكبوت أو شعرة ما انقطعت، إذا جذبوا ~~أرسلت وإذا أرسلوا جذبت! وهذه دولة الفرس وكانت أعظم دول الأرض وأشدها بأسا ~~وأكثرها علوما وحكما، لم يكن في أكاسرها أحلم من كسرى أنوشروان، وصار يضرب ~~بحلمه المثل وتطرز بسيرته الكتب والمصنفات. فيروى أن أمير المؤمنين علي بن ~~أبي طالب رضوان الله عليه، لقي كبيرا من كبراء الفرس فقال له: ما أحمد خصال ~~ملوككم؟ فقال: السبق لأزدشير وأحمدهم سيرة أنو شروان. فقال له علي: وما كان ~~أغلب خصاله عليه؟ قال: الحلم والأناة. قال علي: هما توأمان نتيجتهما علو ~~الهمة. وبلغ من حلمه أنه كان يضيق صدره بحمله فيقول: في خصلتان لولا أنهما ~~ظاهرتان عند الرعية لضقت بهما ذرعا: الحلم والأناة. فأعظم بخصلة تعم ~~منفعتها ms139 ويبقى على الدهر جمالها، وتخلد في العقلاء والعلماء والملوك والسوق ~~بهجتها! وحسن مصادرها ومواردها أن يتخذها الملوك شعارا ودثارا، وإنما قصدت ~~الحكماء من الملوك خاصة فأما من سواهم من الرعية فالأحنف بن قيس ونظرائه ~~فلا يحصون عددا وكثرة. # الباب التاسع والعشرون # فيما يسكن به الغضب # فأول ذلك أنك إذا نظرت إلى تغيير أشكالك وتبدل صورتك، واحمرار وجهك ~~وانتفاخ أوداجك وذهاب حيائك، وسقط كلامك وفحش ما يخرج من فيك، لأمسكت عن ~~الغضب. وطالما كنت تستحي أن تتكلم بين الجلساء باليسير الجائز فعدت تهدر ~~بالكثير الفاحش، ولو أن من غضب تذكر إذ صحى وسكن غضبه انقلاب صورته وتغيير ~~وجهه، واضطراب شفتيه وارتعاد أطرافه وسقط كلامه وفحوى خطابه، والتفاف لسانه ~~وخفة عقله وطيشه وثوبه من مجلسه كأنه نمر، وسرعة التفاته يمينا وشمالا كأنه ~~قرد، وعدم فهمه لما يسمع كأنه بهيمة،، وقلة التفاته إلى من يعظه وينصحه ~~كأنه أحمق. ومن شؤم الغضب وعظيم بليته أنه قد يقتل النفوس ويسلب الروح. # وكان سبب موت الوليد بن عبد الملك أنه وقع بينه وبين أخيه سليمان كلام، ~~فعجل عليه سليمان بأمر يلحق أمه ففتح فاه ليجيبه، وإذا بجنبه عمر بن عبد ~~العزيز فأمسك على فيه ورد كلمته، وقال: يا ابن عبد الملك، أخوك وابن أمك ~~وله السبق عليك! فقال: يا أبا حفص قتلتني! قال: وما صنعت بك؟ قال: رددت في ~~جوفي أحر من الجمر! ومال لجنبه فمات. # ولعمري إنه قد يزيد على الجفاء. ومنها أن ينتقل عن الحالة التي كان عليها ~~إلى غيرها. كانت الفرس تقول: إذا غضب القائم فليجلس، وإذا كان جالسا فليقم، ~~وهذا المذهب كان يؤخذ المأمون به. ويروى أن رجلا شكى إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم القسوة فقال: اطلع في القبور واعتبر بالنشور. وكان بعض ملوك ~~الطوائف إذا غضب ألقى بين يديه مفاتيح ترب الملوك، فيزول غضبه. وكان عكرمة ~~يقول في قوله تعالى: " واذكر ربك إذا نسيت " الكهف: 24 ، يعني إذا غضبت، ~~فإنه إذا ذكر الله خاف منه فيزول غضبه. # وفي التوراة مكتوب: ms140 يا ابن آدم اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب، ولا ~~أمحقك فيمن أمحق. ومنها أن يذكر نفرة القلوب عنه وسقوط منزلته عند أبناء ~~جنسه، ووصفهم لقبائحه وطيشه وسخفه، فيكون ذلك سببا لزوال غضبه. ومنها أن ~~يتذكر انعطاف القلوب وانطلاق الألسنة بالثناء عليه وميل النفوس إليه، وإن ~~الحلم عز وزين وأن السفه ذل وشين. وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما ازداد رجل بعفو إلا عزا، فاعفوا يعزكم ~~الله. وقال بعض الحكماء: من تذكر قدرة الله لم يستعمل قدرته في ظلم عباده. ~~وكتب بعض ملوك الفرس كتابا ودفعه إلى وزيره وقال له: إذا غضبت فناولنيه. ~~وفيه مكتوب: ما لك والغضب إنما أنت بشر، ارحم من في الأرض يرحمك من في ~~السماء! وكان معاوية كثيرا ينشد: # إنا إذا مالت دواعي الهوى ... وأنصت السامع للقائل PageV01P070 واعتلج ~~الناس بألبابهم ... نقضي بحكم عادل فاضل # نخاف أن تسفه أحلامنا ... فيحمل الدهر على الحامل # وقال بعض الحكماء: إياك وعزة الغضب فإنها تفضي إلى ذلة العذر. وقال ~~الشاعر: # وإذا ما اعترتك في الغضب الع ... زة فاذكر مذلة الاعتذار # وقال آخر: # زررنا على غير الفواحش قمصنا ... ولم نستجز إلا الذي هو أجوز # وقال عبد الله بن مسلم بن محارب لهارون الرشيد: يا أمير المؤمنين، أسألك ~~بالذي أنت بين يديه أذل مني بين يديك، وبالذي هو أقدر على عقابك منك على ~~عقابي إلا عفوت عني! فعفا عنه لما ذكره قدرة الله تعالى عليه. وقال رجاء بن ~~حيوة لعبد الملك بن مروان في أسارى بني الأشعث: إن الله أعطاك ما تحب من ~~الظفر، فأعط الله ما يحب من العفو. وقال المأمون لعمه إبراهيم بن المهدي، ~~وكان مع أخيه عليه: إني شاورت في أمرك فأشاروا علي بقتلك، إلا أني وجدت ~~قدرك فوق ذنبك، فكرهت القتل لألزم حرمتك! فقال: يا أمير المؤمنين، إن ~~المشير أشار بما جرت به العادة في السياسة إلا أنك أبيت أن تطلب النصر إلا ~~من حيث عودته من العفو، فإن عاقبت ms141 فلك نظير وإن عفوت فلا نظير لك! وأنشأ ~~يقول: # البر منك وطي العذر عندك لي ... فيما فعلت فلم تعذل ولم تلم # وقام علمك بي فاحتج عندك لي ... مقام شاهد عدل غير متهم # وقال بعض الحكماء: الغضب على من لا تملك عجز وعلى من تملك لؤم. ومنها أن ~~يتذكر ما يؤول إليه الغضب من الندم ومذلة الانتقام، وشرع القصاص في بدنه ~~بين يدي من لا يرحمه، فإن ذلك مما يزعه عن الغضب. # الباب الثلاثون # في الجود والسخاء # وهذه الخصلة الجليل قدرها العظيم موقعها الشريف موردها ومصدرها، وهي إحدى ~~قواعد المملكة وأساسها وتاجها وجمالها، تعنو لها الوجوه وتذل لها الرقاب، ~~وتخضع لها الجبابرة وتسترق بها الأحرار وتستمال بها الأعداء وتستكثر بها ~~الأولياء، ويحسن بها الثناء ويملك بها القرباء والبعداء، ويسود بها في غير ~~عشائرهم الغرباء. وهذه الخصلة بالعزائم والواجبات أشبه منها بالجمال ~~والمتممات، وكم قد رأينا من كافر ترك دينه والتزم دين الإسلام ابتغاء عرض ~~قليل من الدنيا يناله، وكم قد سمعنا من مسلم ارتد في أرض الشرك افتتانا ~~بيسير من عرض الدنيا! وأخلق بخصلة يترك الإنسان لها دينه الذي يبذل دونه ~~نفسه، أن تكون جليلة القدر عظيمة الخطر! وأحوج خلق الله تعالى إليها أفقرهم ~~إلى عطف القلوب عليه وصرف الوجوه إليه الملوك والولاة. # واعلموا يا معشر من وسع الله عليه دنياه وأسبغ عليه آلاءه ونعماه أنه ليس ~~في الجنة لا، وحسبك بكلمة لا تدخل الجنة سقوطا وضعة، وإنما أسست الجنة على ~~ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين. ولهذا وصف بعض البخلاء رجلا بخيلا فقال: هو ~~جملة من حيث جئته وجدت لا! وقالوا في نحو هذا: فلان حسبه لا. وهذه الخصلة ~~أعني الكرم والجود والسخاء والإيثار بمعنى واحد، يوصف البارئ تعالى بالجود ~~ولا يوصف بالسخاء، كما يوصف بالعلم ولا يوصف بالعقل لعدم التوقيف. وحقيقة ~~الجود أن لا يصعب عليه البذل، ويقال السخاء هو الرتبة الأولى ثم الجود ثم ~~الإيثار. فمن أعطى البعض وأمسك البعض فهو صاحب سخاء، ومن بذل الأكثر فهو ~~صاحب جود، ms142 ومن آثر غيره بالحاضر وبقي هو في مقاساة الضر فهو صاحب إيثار. ~~قال ذو النون: بداءة السخاء أن تسخو نفسك بما في يديك، ونهايته أن تسخو ~~نفسك بما في أيدي الناس وأن لا تبالي من أكل الدنيا. # وتذاكر قوم من الزهاد عند رابعة العدوية، فجعلوا يذمون الدنيا ويكثرون من ~~ذلك، فقالت رابعة: من أحب شيئا أكثر من ذكره. وأصل السخاء هو السماحة وأن ~~يؤتي ما يأتيه عن طيب نفس، وقد يكون المعطي بخيلا إذا صعب عليه البذل، ~~والممسك سخيا إذا كان لا يستصعب العطاء وإن منع. ولهذا قال علماؤنا إن الله ~~تعالى لم يزل جوادا، وإن لم يقع منه عطاء في الأزل، لأن العطاء فعل والفعل ~~في الأزل مستحيل. وقالت الحكماء: أيها الجامع لا تجزعن، فالمأكول للبدن ~~والموهوب للمعاد والمتروك للعدو! قال الله تعالى: " ويؤثرون على أنفسهم ولو ~~كان بهم خصاصة " الحشر: 9. # قال أبو هريرة رضي الله عنه: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~PageV01P071 يا رسول الله إني جائع فأطعمني! فبعث النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلى أزواجه فقلن: والذي بعثك بالحق ما عندنا إلا الماء! فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: ما عند رسول الله ما يطعمك الليلة. ثم قال: من يضيف هذا ~~هذه الليلة يرحمه الله تعالى. فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، ~~فحمله إلى منزله وقال لأهله: هذا ضيف النبي صلى الله عليه وسلم فأكرميه ولا ~~تدخري عنه شيئا. فقالت: ما عندنا إلا قوت الصبية! فقال: قومي فعلليهم عن ~~قوتهم حتى يناموا ثم اسرجي واقعدي، فإذا أخذ الضيف يأكل، قومي تصلحين ~~السراج فأطفئيه، وتعالي نمضغ ألسنتنا لضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ففعلت وجعلا يمضغان ألسنتهما والضيف يظن أنهما يأكلان وباتا طاويين. فلما ~~أصبحا ونظر النبي صلى الله عليه وسلم إليهما تبسم ثم قال: لقد عجب الله من ~~فلان وفلانة هذه الليلة ونزلت: " ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة " ~~الآية الحشر: 9. # وقال أنس: أهدي لبعض الصحابة رأس شاة مشوية ms143 وكان مجهودا، فوجه به إلى جار ~~له، فوجه به الجار إلى أهل بيت آخر، فتداولته سبعة أبيات حتى عاد إلى ~~الأول، فنزلت: " ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة " الآية. وقال حذيفة ~~العدوي: انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي في القتلى، ومعي شيء من الماء ~~وأنا أقول إن كان به رمق سقيته، فإذا أنا به بين القتلى فقلت له: أسقيك؟ ~~فأشار أن نعم. فإذا رجل يقول: آه! فأشار إلي ابن عمي أن أنطلق إليه، فإذا ~~هو هشام بن العاص، فقلت له: أسقيك؟ فسمع آخر يقول: آه! فأشار هشام أن أنطلق ~~إليه، فجئته فإذا هو قد مات، ثم رجعت إلى هشام فوجدته قد مات، ثم رجعت إلى ~~ابن عمي فوجدته قد مات. # وروت عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: السخي ~~قريب من الله قريب من الناس قريب من الجنة بعيد عن النار، والبخيل بعيد من ~~الله بعيد من الناس بعيد من الجنة قريب من النار، والجاهل السخي أحب إلى ~~الله من عابد بخيل. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ابن آدم، إنما ~~لك من مالك ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو أعطيت فأمضيت! واعلموا أن ~~السخاء على وجوه: سخاء في الدين وسخاء في الدنيا، فالسخاء في الدنيا البذل ~~والعطاء والإيثار وسماحة النفس. قال الله: " ومن يوق شح نفسه فأولئك هم ~~المفلحون " الحشر: 9، وعلامته ترك الإدخار وبغض جمع المال، وتعاهد الإخوان ~~مسرورا قلبه بذلك. والسخاء في الدين أن تسخو بنفسك، أن تتلفها لله تعالى ~~وتريق دمك في الله، سماحة من غير كراهة لا تريد بذلك ثوابا عاجلا ولا آجلا، ~~وإن كان غير مستغن عن الثواب لأن الغالب على قلبه حسن كمال السخاء بترك ~~الاختيار على الله تعالى، حتى يفعل الله بك ما تحب أن تختاره لنفسك. # وقيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: من السيد؟ قال: الجواد إذا سئل، ~~الحليم إذا استجهل، الكريم المجالسة لمن جالسه، الحسن الخلق لمن جاوره. ~~وقال النعمان بن ms144 المنذر يوما لجلسائه: من أفضل الناس عيشا وأنعمهم بالا، ~~وأكرمهم طباعا وأجلهم في النفوس قدرا؟ فسكت القوم، فقال فتى: أبيت اللعن! ~~أفضل الناس من عاش الناس في فضله! قال: صدقت! وقال الحسن: باع طلحة بن ~~عثمان أرضا بسبعمائة ألف، فلما جاءه المال قال: إن رجلا يبيت هذا عنده لا ~~يدري ما يطرقه لغرير بالله، ثم جعلها صررا وجعل رسوله يختلف إلى الناس حتى ~~قسمها، وما أصبح عنده منها درهم. وكان أسماء بن خارجة يقول: ما أحب أن أرد ~~أحدا عن حاجة لأنه إن كان كريما أصون عرضه، وإن كان لئيما أصون عنه عرضي. # وكان مورق العجلي يتلطف في إدخال الرفق على إخوانه، فيضع عندهم ألف درهم ~~ويقول: أمسكوها حتى أعود إليكم. ثم يرسل إليهم: أنتم منها في حل! وقال ~~العتبي: أعطى الحكم بن عبد المطلب جميع ما يملك، فلما نفذ ما عنده ركب فرسه ~~وأخذ رمحه يريد الغزو ومات بمنيح، فأخبرني رجل من أهل منيح قال: قدم علينا ~~الحكم وهو مملق لا شيء معه فأغنانا. فقيل: كيف أغناكم وهو مملق؟ قال: ما ~~أغنانا بمال ولكنه علمنا الكرم، فعاد بعضنا على بعض فاستغنينا! وأكرم العرب ~~في الإسلام طلحة بن عبد الله، جاءه رجل فسأله برحم بينه وبينه فقال: ~~PageV01P072 هذا حائطي بمكان كذا وكذا، وقد أعطيت فيه ستمائة ألف درهم يراح ~~إلي بالمال العشية، فإن شئت فالمال وإن شئت فالحائط. ويروى أن رجلا بعث إلى ~~جبلة بجارية فوافته بين أصحابه فقال: قبيح أن آخذها لنفسي وأنتم حضور، ~~وأكره أن أخص بها واحد منكم وكلكم له حق وحرمة، وهذه لا تحتمل القسمة ~~وكانوا ثمانين رجلا، فأمر لكل واحد منهم بجارية أو وصيف! وقيل لقيس بن سعد: ~~هل رأيت قط أسخى منك؟ قال: نعم، نزلنا بالبادية على امرأة، فحضر زوجها ~~فقالت: إنه نزل بك ضيفان، فجاء بناقة فنحرها وقال: شأنكم! فلما جاء الغد ~~جاء بأخرى ونحرها وقال: شأنكم! فقلت: ما أكلنا من التي نحرت البارحة إلا ~~اليسير. فقال: إني لا أطعم أضيافي الغاب! فأقمنا ms145 عنده أياما والسماء تمطر ~~وهو يفعل كذلك، فلما أردنا الرحيل وضعنا في بيته مائة دينار وقلنا للمرأة: ~~اعتذري لنا منه. ومضينا، فلما متع النهار إذا رجل يصيح خلفنا: قفوا أيها ~~الركب اللئام! أعطيتمونا ثمن القرى؟ ثم إنه لحقنا وقال: لتأخذنها وإلا ~~طعنتكم برمحي! فأخذناها وانصرف. قال ميمون بن مهران: من طلب مراضاة الإخوان ~~بلا شيء فليصحب أهل القبور. وقال ابن عباس: لا يتم المعروف إلا بثلاثة: ~~تعجيله وتصغيره وستره، فإذا عجله فقد هناه، وإذا صغره فقد عظمه، وإذا ستره ~~فقد تممه. وقال الحسن: كان أحدهم يشق إزاره لأخيه نصفين. قال المغيرة: في ~~كل شيء سرف إلا في المعروف. وقيل للمحسن بن سهل: لا خير في السرف. فقال: لا ~~سرف في الخير! فقلب اللفظ واستوفى المعنى. ونظمه محمد بن حازم فقال: # لا الفقر عار ولا كسب الغنى شرف ... ولا السخا مفرطا في طاعة سرف # ما لك إلا اقتناء شيء تقدمه ... وكل شيء إذا أخرته تلف # وأما طلحة بن عبيد الله الخزاعي المعروف بطلحة الطلحات، وما سمي هذا ~~الاسم إلا أنه كان عظيم البذل في كل وجهة، وكان يبتاع الرقاب فيعتقها، وكان ~~كل معتق يولد له ولد ذكر سماه طلحة، فبلغ عددهم ألف رجل، كل يسمي طلحة فسمي ~~بذلك طلحة الطلحات، ثم ولي سجستان؛ وفيه يقول الشاعر: # رحم الله أعظما دفنوها ... بسجستان طلحة الطلحات # وبلغه أن معلمه في الكتاب كان في الحجاز قد قعد به الدهر، فأرسل إليه مع ~~غلامه مائة ألف وقال: سلمها إليه، فإن يكن مات وله ولد فادفعها إلى ولده، ~~وإن لم يكن له ولد ففرقها على قومه. فوافاه الرسول فوجده قد مات ولم يعقب ~~ففرقها على قومه. وقال زيد بن أسلم وكان من الخاشعين: يا ابن آدم، أمرك ~~الله أن تكون كريما ويدخلك الجنة، ونهاك أن تكون بخيلا ويدخلك النار. وقال ~~حكيم بن حازم: ما أصبحت قط صباحا لم أر طالب حاجة إلا عددتها مصيبة أرجو ~~ثوابها. وقال أبو علي الثقفي المعروف: كنز لا ينفد من بر ولا ms146 فاجر. وكان ~~الزبير من أجود الناس وأشجعهم، ولما مات وجد عليه مائتا ألف دينار. ووجد ~~مكتوبا على حجر: انتهز الفرص عند إمكانها ولا تحمل على نفسك هم ما لم يأتك، ~~واعلم أن تقتيرك على نفسك توفير لخزانة غيرك، فكم من جامع لبعل حليلته. # وقال علب بن أبي طالب كرم الله وجهه: ما جمعت من المال فوق قوتك فإنما ~~أنت فيه خازن لغيرك. وروى مالك ي الموطأ أن مسكينا سأل عائشة وهي صائمة ~~وليس في بيتها إلا رغيف، فقالت لمولاة لها: أعطيه إياه. فقالت: ليس عندنا ~~ما تفطرين عليه! فقالت: أعطيه إياه! ففعلت، فلما أمست أهدى لها أهل بيت شاة ~~وكفنها يعني ملفوفة برغفان، فقالت لها عائشة: كلي هذا خير من قرصك. وقال ~~عبد الله بن عمر: ما كان أحدنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يحسب ~~أن له في الفضل شيئا. وقال الحسين: كنا نعد البخيل من يقرض أخاه الدرهم. ~~ومن عجائب ما روي في الإيثار ما ذكره أبو محمد الأزدي قال: لما احترق ~~المسجد بمصر قال المسلمون: إن النصارى أحرقوه، فأحرقوا خانا لهم، فقبض ~~السلطان جماعة من الذين أحرقوا الخان، وكتب رقاعا فيها القتل وفيها القطع ~~وفيها الجلد، ونثرها عليهم، فمن وقعت عليه رقعة فعل به ما فيها، فوقعت رقعة ~~فيها القتل بيد رجل فقال: ما كنت أبالي لولا أم لي! وكان بجانبه بعض ~~الفتيان فقال له: في رقعتي الجلد وليست لي أم فادفع لي رقعتك وخذ رقعتي! ~~ففعلا فقتل هذا وتخلص هذا. PageV01P073 وحكي عن أبي العباس الأنطاكي رضي ~~الله عنه أنه اجتمع عنده نيف وثلاثون رجلا بقرية بقرب الري، ولهم أرغفة لا ~~تسع جميعهم فكسروا الرغفان وأطفئوا السراج وجلسوا للطعام إلى أن كفوا، فلما ~~رفع إذا الطعام بحاله لم يأكل واحد منهم إيثارا لصاحبه على نفسه! وروي أنه ~~اجتمع بالرملة جماعة من أرباب القلوب فحضر طبق فيه تين أخضر وقد غسق الليل، ~~فكان الواحد يمد يده فإن ظفر بحبة حصرم أكلها وإن ظفر بطيب دفعه إلى ms147 صاحبه ~~ولم يأكله، فلما رفع الطبق إذا الطيب كله في الطبق لم يأكلوا منه شيئا! ~~وقال بعض الرواة: دخلت على بشر الحافي في يوم شديد البرد وقد تعرى من ~~الثياب، فقلت: يا أبا نصر الناس يزيدون الثياب في مثل هذا اليوم وأنت تنقص؟ ~~فقال: ذكرت الفقراء وما هم فيه ولم يكن لي ما أواسيهم، فأردت أن أوافقهم ~~بنفسي في مقاساة البرد! وقال الأستاذ أبو علي: لما سعى غلام خليل بالصوفية ~~إلى الخليفة بالزندقة أمر بضرب أعناقهم، فأما الجنيد فإنه تستر بالفقه وكان ~~يفتي على مذهب أبي ثور، وأما الشحام والرقام والثوري وجماعة فقبض عليهم ~~وبسط النطع لضرب أعناقهم، فتقدم الثوري، فقال له السياف: أتدري لماذا تقدم ~~وتساق؟ قال: نعم. قال: وماذا يعجلك؟ قال: أوثر أصحابي بحياة ساعة! فتحير ~~السياف وأتى الخبر إلى الخليفة فردهم إلى القاضي ليتعرف حالهم. فألقى ~~القاضي على أبي الحسن الثوري مسائل فقهية فأجاب على الكل، ثم أخذ يقول: إن ~~لله عبادا إذا قاموا قاموا بالله، وإذا نطفوا نطفوا بالله. وسرد ألفاظا حتى ~~أبكى القاضي فأرسل إلى الخليفة وقال: إن كان هؤلاء زنادقة فما على وجه ~~الأرض مسلم! ولما مرض قيس بن ساعدة استبطأ إخوانه في العيادة، فسأل عنهم ~~فقيل له: إنهم يستحيون مما لك عليهم من الدين. فقال: أخزى الله ما لا يمنع ~~الإخوان من الزيارة! ثم أمر من ينادي: من كان لقيس عنده مال فهو منه في حل! ~~فكسرت عتبة بابه بالعشي لكثرة العواد. ويروى أن عبد الله بن جعفر، وكان أحد ~~الجواد، خرج إلى ضيعة له فنزل على نحيل قوم وفيها غلام أسود يقوم عليها، ~~فأتى بقوته ثلاثة أقراص، ودخل كلب فدنا من الغلام فرمى له قرصا فأكله، ثم ~~رمى له الثاني والثالث فأكلهما وعبد الله ينظر، فقال: يا غلام كم قوتك كل ~~يوم؟ قال: ما رأيت! قال: فلم آثرت هذا الكلب؟ قال: ما هي بأرض كلاب وإنه ~~جاء من مسافة بعيدة جائعا فكرهت رده. قال: فما أنت صانع اليوم؟ قال: أطوي ~~يومي هذا! ms148 فقال عبد الله بن جعفر: أألام على السخاء وهذا أسخى مني. فاشترى ~~الحائط والغلام وما فيه من آلات وعتق الغلام ووهب ذلك له. # وقال الثوري: رأيت محمد بن سوقة بالغد وصاحب مائة ألف، وبالعشي سألنا له ~~من أصحابه خبزة. وقال أبو عبد الرحمن: دخل أبو عبد الله الروذباري إلى دار ~~بعض أصحابه فوجده غائبا، وهناك بيت مقفل، فكسر القفل وأمر بجميع ما وجده ~~فيه، فأنفذوه إلى السوق فباعوه وأصلحوا لهم وقتا من الثمن، فجاء صاحب البيت ~~فلم يقل شيئا، فدخلت امرأته بعدهم الدار وعليها كساء فدخلت بيتا ورمت ~~الكساء وقالت: يا صاحبنا هذا أيضا من جملة المتاع بيعوه! فقال زوجها: لم ~~تكلفت هذا باختيارك؟ فقالت: اسكت! مثل الشيخ يباسطنا ويحكم علينا ونبقي ~~شيئا ندخره عنه؟ وأما عبد الملك بن بحر فورث خمسة آلاف درهم، فبعث بها إلى ~~إخوانه صررا وقال: كنت أسأل لإخواني الغنية في صلاتي وأبخل عليهم بحلالي. ~~ويروى أن الأشعث بن قيس أرسل إلى عدي بن حاتم يستعير منه قدورا كانت لأبيه ~~حاتم، فملأها وبعث بها إليه وقال: إنا لا نعيرها فارغة! وقال بزرجمهر: لا ~~عز أثبت أركانا ولا أبذخ بنيانا من بيت الكرم واكتساب الشكر. وذلك أن العز ~~المنتظم بالفعل الجميل باق في قلوب الرجال، فمن تحصن بالجود وتحرز بالمعروف ~~فقد ظفر بما نواه وربح الشكر والثواب. ويروى أن عبد الله بن أبي بكر، وكان ~~أحد الأجواد، عطش يوما في طريقه فاستسقى من منزل امرأة فأخرجت إليه كوزا ~~وقامت خلف الباب وقالت: تنحوا عن الباب وليأخذه بعض غلمانكم، فإني امرأة من ~~العرب مات زوجي منذ أيام. فشرب عبد الله وقال: يا غلام احمل إليها عشرة ~~آلاف درهم. فقالت: سبحان الله تسخر بي؟ فقال: يا غلام احمل إليها عشرين ~~ألفا. فقالت: أسأل الله العافية! فقال: PageV01P074 يا غلام احمل إليها ~~ثلاثين ألفا. فقالت: أف لك! فحمل إليها أربعين ألف درهم. فما أمست حتى كثر ~~خطابها. وقال بعض الرواة: قصد رجل إلى صديق له فدق عليه الباب، فلما خرج ~~قال: ms149 ما حاجتك؟ قال: أربعمائة درهم علي دين. فدخل الدار وأخرجها إليه، ثم ~~دخل الدار باكيا، فقالت له امرأته: هلا تعللت حين شقت عليك الإجابة؟ فقال: ~~إنما أبكي لأني لم أتفقد حاله حتى احتاج إلى مفاتحتي! وقال أكثم بن صيفي: ~~صاحب المعروف لا يقع، فإن وقع وجد متكأ. وقال الفضيل: ما كانوا يعدون القرض ~~معروفا. ويروى عن امرأة من المتعبدات أنها قالت لحبان بن هلال وهو في جماعة ~~من أصحابه: ما السخاء عندكم؟ قال: البذل والإيثار. قالت: فما السخاء في ~~الدين؟ قال: أن تعبدي الله سبحانه سخية بها نفسك غير مكرهة. قالت: أفتريدون ~~على هذا جزاء؟ قالوا: نعم لأن الله تعالى وعد على الحسنة بعشرة أمثالها. ~~قالت: فإذا أعطيتم واحدة وأخذتم عشرة فأي شيء سخيتم به؟ وإنما السخاء أن ~~تعبدوا الله متنعمين وتلذذين بطاعته غير كارهين، لا تريدون بذلك أجرا، ألا ~~تستحيون أن يطلع على قلوبكم فيعلم منها أنها تريد شيئا بشيء؟ وقالت بعض ~~المتعبدات لبعض المتعبدين: أتظن أن السخاء في الدينار والدرهم فقط؟ إنما ~~السخاء في بذل مهج النفوس لله تعالى. وقال أبو بكر الدقاق: ليس السخاء أن ~~يعطي الواجد المعدم، إنما السخاء أن يعطي المعدم الواجد. # وقال الشيخ أبو عبد الرحمن: كان الأستاذ أبو سهل الصعلوكي من الأجواد، لم ~~يكن يناول أحد شيئا بيده، وإنما كان يطرحه على الأرض فيتناوله الآخذ بيده ~~من الأرض، وكان يقول: الدنيا أقل خطرا من أن ترى يدي من أجلها فوق يد أخرى. ~~وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم اليد العليا خير من اليد السفلى. وكان ~~يتوضأ يوما في صحن داره فدخل عليه إنسان، فسأله شيئا فلم يحضره شيء، فقال: ~~اصبر حتى أفرغ. فصبر، فلما فرغ قال: خذ القمقمة واخرج. فلما خرج وعلم أنه ~~قد بعد صاح وقال: دخل إنسان وأخذ القمقمة! فمشوا خلفه فلم يدركوه وإنما فعل ~~ذلك لأنهم كانوا يلومونه على البذل، وفي معناه قال الشاعر: # ملأت يدي من الدنيا مرارا ... فما طمع العواذل في اقتصادي # ولا وجبت علي زكاة مال ms150 ... وهل تجب الزكاة على جواد؟ # وكان أبو مزيد أحد الكرام، فمدحه أحد الشعراء فقال: ما عندي ما أعطيك ~~ولكن قدمني إلى القاضي فادع علي عشرة آلاف درهم حتى أقر لك بها، ثم احبسني ~~فإن أهلي لا يتركوني محبوسا! ففعل ذلك فلم يمسوا حتى دفعوا له عشرة آلاف ~~درهم. وقال زياد بن جرير: رأيت طلحة بن عبيد الله فرق مائة ألف درهم في ~~مجلس وإنه ليخيط إزاره بيده. ولما دخل ابن المنكدر على عائشة رضي الله عنها ~~قال لها: يا أم المؤمنين أصابتني فاقة. فقالت: ما عندي شيء، فلو كانت عندي ~~عشرة آلاف درهم لبعثت بها إليك. فلما خرج من عندها جاءتها عشرة آلاف درهم ~~من عند خالد بن أسيد، فأرسلت بها في أثره فاشترى جارية بألف درهم فولدت له ~~ثلاثة أولاد، فكانوا عباد المدينة، وهم: محمد وأبو بكر وعمر بنو المنكدر. ~~وقال يحيى بن معين: كان جرير بن يزيد في دار المطلب فجاء إنسان يسأله، فقال ~~للغلام: اذهب لجواري فقل لهن من أرادت منهن أن تصبغ ثيابها فلتبعث بها، ~~فجاء الغلام بثياب كثيرة فقال للسائل: خذها! وقال الأصمعي: كانت حرب ~~بالبادية ثم اتصلت بالبصرة فتفاقم الأمر فيها حتى مشى بين الناس بالصلح، ~~فاجتمعوا في المسجد الجامع قال: فبعثت وأنا غلام إلى ضرار بن القعقاع بن ~~حازم، فاستأذن لي، فإذا هو في شملة يخبط نوى لعنز له حلوب، فأخبرته بمجتمع ~~القوم فأمهل حتى أكلت العنز ثم غسل القصعة وقال: يا جارية غدينا. فأتته ~~بزيت وتمر. قال: فدعاني، فعذرته أن آكل معه حتى إذا قضى من أكله وثب إلى ~~طين ملقى في الدار فغسل به يديه، ثم صاح بالجارية فقال: اسقيني ماء. فأتت ~~بماء فشربه ومسح بفاضله على وجهه وقال: الحمد لله! ماء الفرات بتمر البصرة ~~بزيت الشام متى تؤدي شكر هذه النعم؟ ثم قال: علي بردائي. فأتته برداء عدني ~~فارتدى به على تلك الشملة، قال الأصمعي: PageV01P075 فتجافيت عنه استقباحا ~~لزيه، فدخل المسجد وصلى ركعتين ومشى إلى القوم، فلم تبق حبوة إلا ms151 حلت ~~إعظاما له، فتحمل ما كان بين الأحياء من الديات في ماله وانصرف! وكان ~~البهلول بن راشد الفقيه لما سجن يعطي السجان في كل يوم دينارا، فاستكثره ~~أصحابه وكلموه في ذلك فقال لهم حفص بن عمارة: سمعت سفيان الثوري يقول: إذا ~~كمل صدق الصادق لم يملك ما في يده. فخر بهلول على يديه فقبلهما وجعل يقول: ~~سألتك بالله أنت سمعته يقول هذا؟ فحلف بالله! لقد سمعته يقول. وقال الشاعر: # ذريني أكن للمال ربا ولا يكن ... لي المال ربا تحمدي غبه غدا # أريني جوادا مات هزلا لعلني ... أرى ما تريني أو بخيلا مخلدا # وكان عبد الله بن أبي بكر ينفق على أربعين دارا من جيرانه عن يمينه، ~~وأربعين عن يساره وأربعين أمامه وأربعين خلفه، ويبعث لهم الأضاحي والكسوة ~~في الأعياد ويعتق في كل عيد مائة مملوك. واشترى يوما جارية بعشرة آلاف درهم ~~فطلب دابة يحملها عليها، فقال رجل: هذه دابتي. فقال احملوها على دابته إلى ~~داره. وقال عبد الله بن زهير: # تخشى الردى أن يصيبني ... تروح وتغدو بالملامة والقسم # تقول: هلكنا إن هلكت، وإنما ... على الله أرزاق العباد كما قسم! # وإني أحب الخلد لو أستطيعه ... وكالخلد عندي أن أموت ولا ألم # وروي أن عربيا قدم على علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: يا أمير ~~المؤمنين، لي إليك حاجة، الحياء يمنعني من أن أذكرها! قال: فخطها على ~~الأرض، فخط في الأرض: إني فقير! فقال لغلامه: يا قنبر اكسه حلتي. فكساه ~~الحلة فقال: # كسوتني حلة تبلى محاسنها ... فسوف أكسوك من حسن الثنا حللا # إن الثناء ليحيي ذكر صاحبه ... كالغيث يحيي نداه السهل والجبلا # إن نلت حسن ثناء نلت مكرمة ... لا تبغين بما قد نلته بدلا # لا تزهد الدهر في عرف بدأت به ... كل امرئ سوف يجزى بالذي فعلا # فقال علي رضي الله عنه: زده مائة دينار! فأعطاه إياها، فلما ولى الأعرابي ~~قال قنبر: يا أمير المؤمنين، لو فرقتها في المسلمين لأصلحت بها شأنهم؟ ~~فقال: مه يا قنبر! فإني سمعت رسول الله ms152 صلى الله عليه وسلم يقول: اشكروا ~~لمن أثنى عليكم وإذا أتاكم كريم قوم فأكرموه. وقال مطرف بن الشخير: إذا ~~أراد أحدكم مني حاجة فليرفعها في رقعة، فإني أكره أن أرى في وجهه ذل ~~الحاجة! وقرئ على القاضي أبي الوليد وأنا أسمع: # وآمرة بالبخل قلت لها: اقصري ... فليس إليه ما حييت سبيل! # أرى الناس خلان الكرام ولا أرى ... بخيلا له في العالمين خليل! # وإني رأيت البخل يزري بأهله ... فأكرمت نفسي أن يقال بخيل # ومن خير حالات الغنى وأتمها ... إذا نال خيرا أن يكون ينيل # عطائي عطاء المكثرين تكرما ... ومالي كما قد تعلمين قليل # وقال عروة بن ورد العبسي: # وإني امرؤ عاف إنائي شركة ... وأنت امرؤ عاف إنائك واحد # أتضحك مني إن سمنت وأن ترى ... بجسمي شحوب الحق والحق جاهدا؟ # أقسم جسمي في جسوم كثيرة ... وأحسو قراح الماء والماء بارد! # وقال بعض الحكماء: أصل المحاسن كلها الكرم، وأصل الكرم نزاهة النفوس عن ~~الحرام، وسخاؤها بما ملكت من الخاص والعام، وجميع خصال الخير وفروعه. وروي ~~أنه كان عند البهلول بن راشد طعام، فغلا السعر فأمر به فبيع له، ثم أمر أن ~~يشتري له نصف ربع القفير، فقيل له: تبيع وتشتري؟ فقال: نفرح إذا فرح الناس ~~وتحزن إذا حزنوا. ولام رجل حاتم طيء فقال: # لعمري لقد ما عضني الجوع عضة ... فآليت أن لا أمنع الدهر جائعا! # فقولا لهذا اللائم الآن: اعفني ... فإن أنت لم تستطع فعض الأصابعا! # وهل ترون الآن إلا طبيعة ... وكيف بتركي يا ابن آ دم الطبائعا؟ # وقال آخر: # أصون عرضي بمالي لا أدنسه ... لا بارك الله بعد العرض في المال! ~~PageV01P076 أحتال للمال إن أودى فأجمعه ... ولست للعرض إن أودى بمحتال! # ويروى أن رجلا سأل الحسن بن علي رضي الله عنه شيئا، فأعطاه خمسة آلاف ~~درهم وخمسمائة دينار وقال: ائت بحمال يحمله لك! فأتى بحمال فأعطاه طيلسانة ~~وقال: يكون كراء الحمال من قبلي! ويروى أن الليث بن سعد سألته امرأة سكرجة ~~عسل، فأمر لها بزق عسل، فقيل له في ذلك، فقال: إنها ms153 سألت على قدر حاجتها ~~ونحن نعطيها على قدر نعمتنا. ويروى أن رجلا استضاف بعبد الله بن عامر بن ~~كريز، فلما أراد الرجل أن يرتحل لم تعنه غلمانه، فسأل عن ذلك فقال عبد ~~الله: إنهم لا يعينون من يرتحل عنا؛ وفي معناه قال المتنبي: # إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ... أن لا تفارقهم، فالراحلون هم! # الباب الحادي والثلاثون # في بيان الشح والبخل وما يتعلق بهما # الشح في كلام العرب: البخل ومنع الفضل. وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يدعو: اللهم إني أعوذ بك من شح نفسي وإسرافها ووسواسها. وروى جابر أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، وحملهم ~~على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم. وقد فرق بينهما مفرقون فقالوا: الشح ~~أشد من البخل فإن البخل أكثر ما يكون في النفقة وإمساكها. قال الله تعالى: ~~" سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة " آل عمران: 180. وقال: " ومن يبخل ~~فإنما يبخل عن نفسه " محمد: 38. وقال في الشح: أشحة على الخير أولئك لم ~~يؤمنوا. وقال: " ومن يوق شح نفسه وأولئك هم المفلحون " التغابن: 16. فالشح ~~ينبني على الكزازة والامتناع، فهو يكون في المال وفي جميع منافع البدن. # وقال ابن عمر: ليس الشح أن يمنع الرجل ماله وإنما الشح أن يطمع في ما ليس ~~له. ولهذا قال ابن المبارك: سخاء النفس بما في أيدي الناس أفضل من سخاء ~~النفس بالبذل. وقال رجل لابن مسعود: إني أخاف أن أكون قد هلكت، سمعت الله ~~يقول: " ومن يوق شح نفسه وأولئك هم المفلحون " التغابن: 16. وأنا رجل شحيح ~~لا يكاد يخرج من يدي شيء. فقال: ليس بالشح الذي ذكره الله تعالى ولكن الشح ~~أن تأكل مال أخيك ظلما، ولكن ذلك البخل وبئس الشيء البخل! ففرق بينهما كما ~~ترى. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يتبع هواه فلم يقبل الإيمان. وقال ~~طاوس: الشح أن يبخل المرء بما في أيدي الناس، والبخل أن يبخل بما في يديه. ~~وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ms154 برئ من الشح من أدى الزكاة وقرى ~~الضيف وأعطى في النائبة. # وقال ابن زيد: من لم يأخذ شيئا نهاه الله عنه ولم يدعه الشح أن يمنع شيئا ~~أمره الله به، فقد وقاه شح نفسه. وقال أبو التياح الأسدي: رأيت رجلا في ~~الطواف يقول: اللهم قني شح نفسي ولا يزيد على ذلك شيئا. فسألته عن ذلك ~~فقال: إذا وقيت شح نفسي لم أسرق ولم أزن ولم أقتل. وإذا الرجل عبد الرحمن ~~بن عوف. واعلم أن البخل يكون من سوء الظن بالله تعالى أن لا يخلف ولا يثيب، ~~وهذا يوهن التصديق بما تكفل الله به ويطرق الخلل والامتناع إلى جميع ~~الأوامر بين العبد وبين الخالق، وبين العبد والخلق في ترك معاونتهم والنصح ~~لهم. وقال كسرى لأصحابه: أي شيء أضر بابن آدم؟ قالوا: الفقر. فقال كسرى: ~~الشح أضر من الفقر لأن الفقير إذا وجد اتسع والشحيح لا يتسع أبدا. # ولما قدم الشافعي رضي الله عنه من صنعاء إلى مكة كان معه عشرة آلاف ~~دينار، فقالوا له: تشتري بها ضيعة. فضرب خيمته خارج مكة وصب الدنانير، فكل ~~من دخل عليه كان يعطيه قبضة، فلما جاء وقت الظهر قام ونفض الثوب ولم يبق ~~معه شيء. ولما قربت وفاته قال: مروا فلانا يغسلني. وكان الرجل غائبا فلما ~~قدم أخبر بذلك، فدعى بتذكرته فوجد عليه سبعين ألف درهم دينا فقضاها وقال: ~~هذا غسلي إياه. وروي أن رجلا أراد أن يؤذي عبد الله بن عباس فأتى وجوه ~~البلد وقال: يقول لكم ابن عباس تغدوا اليوم عندي. فأتوه فملئوا الدار فقال: ~~ما هذا؟ فأخبر الخبر فأمر أن تشتري الفواكه في الوقت وأمر بالخبز والطبيخ ~~فأصلح القرى، فلما فرغ قال لوكلائه: أموجود لنا هذا كل يوم؟ قالوا له: نعم. ~~قال: فليتغد هؤلاء كل يوم عندنا. ومن الخصال الجارية مجرى الكمال والجمال ~~ولعلها من الأصول الصبر، والله الموفق للصواب. # الباب الثاني والثلاثون PageV01P077 في الصبر # الصبر زمام سائر الخصال وزعيم الغنم والظفر، وملاك كل فضيلة وبه ينال كل ~~خير ومكرمة. قال الله ms155 تعالى: " وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما ~~صبروا " الأعراف: 137. وقال تعالى: " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " ~~الزمر: 10. فمعظم وظائف الدين ذكر الله تعالى ورسوله جزاء معلوما لمن ~~أقامها إلا الصبر فإنه بغير حساب. قال الله تعالى: " وجعلنا منهم أئمة ~~يهدون بأمرنا لما صبروا " السجدة: 24. قيل عن الدنيا. وقال ابن عيينة: لما ~~أخذوا برأس الأمر جعلهم الله رؤساء. وقال تعالى: " ولقد نعلم أنك يضيق صدرك ~~بما يقولون " الحجر: 97. وقال تعالى: " قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون ~~فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " الأنعام: 33. وقال: " ~~ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا " آل ~~عمران: 186. ثم ندبهم إلى الصبر مع وجود الأذى فقال: " وأن تصبروا وتتقوا ~~فإن ذلك من عزم الأمور " آل عمران: 186. # فالصبر حبس النفس عن الأوامر والمكاره وعن النواهي والمعاصي. ألا ترى أن ~~أهل الجنة نودوا فقيل لهم: " سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار " ~~الرعد: 24. فأخبر الله تعالى أنه آتاهم جنته بصبرهم، يعني صبرتم على طاعة ~~الله وصبرتم عن معاصي الله. قال الله تعالى: " واصبر نفسك مع الذين يدعون ~~ربهم بالغداوة والعشي " الكهف: 28، أي احبس نفسك. فمن إمارات حسن التوفيق ~~وعلامات السعادة الصبر في الملمات والرفق عند النوازل. وفيما يروى أن الله ~~تعالى أوحى إلى داود عليه السلام: يا داود من صبر علينا وصل إلينا. وقال ~~سفيان: بلغنا أن لكل شيء ثمرة، وثمرة الصبر الظفر. قال الله تعالى: " يا ~~أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون " آل ~~عمران: 200. فعلق الفلاح على الصبر والتقوى، يعني اصبروا على ما فرض الله ~~عليكم وصابروا عدوكم. ورابطوا فيه قولان: قيل رابطوا على الجهاد، والثاني ~~رابطوا على انتظار الصلوات، بدليل ما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أدلكم على ما يحط الله به الخطايا ويرفع ~~به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: إسباغ الوضوء عند المكاره وكثرة ~~الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة ms156 بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط ~~فذلكم الرباط! وقال الحسن في قوله تعالى: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات ~~فأتمهن " البقرة: 124، ابتلاه بالكواكب فصبر وبالقمر فصبر، وابتلاه بذبح ~~ابنه فصبر. وقال تعالى: " استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين " ~~البقرة: 153. فبدأ بالصبر قبل الصلاة ثم قال قولا عظيما، فجعل نفسه مع ~~الصابرين دون المصلين. وقال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار: ما يكون ~~عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله ~~ومن يصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خير وأوسع من الصبر. وقال ابن ~~مسعود: قسم النبي صلى الله عليه وسلم قسما فقال رجلمن الأنصار: والله إنها ~~لقسمة ما أريد بها وجه الله! فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم، فشق عليه ~~وتغير وجهه وغضب حتى وددت أني لم أكن أخبرته، ثم قال: لقد أوذي موسى بأكثر ~~من هذا فصبر. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على امرأة تبكي على قبر فقال لها: ~~اتق الله واصبري. فقالت: إليك عني فإنك لم تصب بمثل مصيبتي. فلما انصرف قيل ~~لها: هذا رسول الله. فجاءت إليه تعتذر أنها لم تعرفه وقالت: سأصبر. فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: إنما الصبر عند الصدمة الأولى. ويحتمل هذا ~~الحديث وجهان: أما الطنافسي فقال معناه الصبر المحمود عند أول نزول المصيبة ~~وقد فاتك بالجزع، وأما القابسي فقال: معناه أن الصدمة الأولى وقت أمرها ~~النبي عليه السلام بالصبر، وكان هذا تعليما لكل من فاته الصبر بذهول أو ~~نسيان أو غلبة. ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الإيمان فقال: ~~الصبر والسماحة. # وفي منثور الحكم: قالت الصحة أنا لاحقة بأرض المغرب. قال الجوع: وأنا ~~معك. قال الإيمان: أنا لاحق بأرض الحجاز. قال الصبر: وأنا معك. قال الملك: ~~أنا لاحق بأرض العراق. قالت الفتنة: PageV01P078 وأنا معك. واعلم أن العجلة ~~في الأمر خرق ومخرجها من قلة العقل، وأخرق من ذلك التفريط في الأمر بعد ~~القدرة عليه. ومثال ذلك كالقدر على النار إن ms157 كان ماؤها قليلا غلت بيسير من ~~النار، وإن كانت مملوءة لم تغل حتى تكثر نارها وتطول مدتها. وفي كتاب ~~جاويدان جرد، وليس للعجم كتاب مثله قال: يحرم على السامع تكذيب القائل إلا ~~في ثلاث هن غير الحق: صبر الجاهل على مضض المصيبة، وعاقل أبغض من أحسن ~~عليه، وحماة أحبت كنة. # فصل # واعلم أن الصبر على أقسام: صبر على ما هو كسب للعبد، وصبر على ما ليس ~~بكسب. فالصبر على المكتسب على قسمين: صبر على ما أمر الله تعالى به، وصبر ~~على ما نهى الله تعالى عنه. أما الصبر على ما ليس بكسب صبر العبد على ~~مقاساة ما يتصل به من حكم الله تعالى فيما له فيه مشقة. وينقسم من وجه آخر ~~على أربعة أقسام: فأول أقسامه وأولاها الصبر على ما أمر الله سبحانه وتعالى ~~به، والانتهاء عما نهى عنه. والثاني الصبر على ما فات إدراكه من مسرة أو ~~تقضت أوقاته بمصيبة. والثالث الصبر فيما ينتظر وروده من رغبة يرجوها، أو ~~يخشى حدوثه من رهبة يخافها. والرابع الصبر على ما نزل من مكروه أو حل من ~~أمر مخوف. وجميع أقسامه محمودة بكل لسان وفي كل ملة، وعند كل أمة مؤمنة أو ~~كافرة. # قال أكثم بن صيفي: من صبر ظفر. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الصبر ~~مطية لا تكبو، والقناعة سيف لا ينبو. وقال أزدشير: الصبر الدرك. وقال عليه ~~السلام: الصبر ضياء وبالصبر يتوقع الفرج. وقال عليه السلام: الصبر ستر من ~~الكروب وعون على الخطوب. وقال ابن عباس: أفضل العدة الصبر على الشدة. وقال ~~عبد الحميد الكاتب: لم أسمع أعجب من قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لو ~~كان الشكر والصبر مطيتان لما باليت أيهما ركبت. وقال بعض الحكماء: بالصبر ~~على مواقع المكروه تدرك الحظوة. وقال ابن المقفع في كتاب التتمة: الصبر ~~صبران فاللئام أصبر أجساما والكرام أصبر نفوسا، وليس الصبر الممدوح صاحبه ~~أن يكون قوي الجسد على الكد والعمل فإن هذا من صفات الحمير، ولكن أن يكون ms158 ~~للنفس غلوبا وللأمور محتملا، ولجاشه عند الحفظة مرتبطا. # وفي منثور الحكم: من أحب البقاء فليعد للمصائب قلبا صبورا، وقال بزرجمهر: ~~لم أر ظهيرا على تنقل الدول كالصبر، ولا مذلا للحساد كالتجمل ولا مكسبا ~~للإجلال كتوقي المزاح، ولا مجلبة للمقت كالإعجاب ولا متلفة للمروءة ~~كاستعمال الهزل في مواضع الجد. فأما القسم الأول وهو الصبر على امتثال ما ~~أمر الله تعالى والانتهاء عن محارمه، فيه يصح أداء الفرائض واستكمال السنن ~~ويدخل في قوله تعالى: " إنما يوفى الصابرون أجورهم بغير حساب " الزمر:10. ~~ولذلك قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من ~~الجسد. وقال الجنيد: المسير من الدنيا إلى الله سهل هين على المؤمن وهجر ~~الخلق في حب الله شديد، والمسير من النفس إلى الله صعب شديد والصبر مع الله ~~أشد. وسئل عن الصبر فقال: تجرع المرارة من غير تعبيس. وكان حبيب بن أبي ~~حبيب إذا قرأ هذه الآية: " إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب " ص: 44. ~~يبكي ويقول: واعجبا أعطي وأثني عليه! وقال الخواص: الصبر الثابت على أحكام ~~الكتاب والسنة. وقال عبد الواحد بن زيد: من نوى الصبر على طاعة الله تعالى ~~صبره الله تعالى عليها وقواه، ومن عزم على الصبر عن معصية الله تعالى أعانه ~~الله تعالى وعصمه منها. وقال عمر بن عبد العزيز للقاسم بن محمد: أوصني! ~~وقال القاسم: عليك بالصبر في مواضع الصبر. وقال الحسن: الصبر صبران: صبر ~~عند المصيبة وصبر عند ما نهى الله عنه، وهو الأفضل. وإنما يختلف الصبر ~~بالخوف والرجاء، من خاف شيئا صبر على الفرار منه، وصبر عند كراهية ما يحذر ~~من ضرره، ومن رجا شيئا صبر على طلبه ليظفر به. وأما القسم الثاني وهو الصبر ~~على ما فات إدراكه من مسرة أو نقضت أوقاته من مصيبة، فإنه يتعجل به الراحة ~~مع اكتساب المثوبة، فإن صبر طائعا استراح وأحرز الثواب، وإن لم يصبر حمل ~~الهم والوزر. # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه للأشعث بن قيس: PageV01P079 إن تجزع ~~فقد ms159 استحق ذلك منك بالرحم، وإن تصبر ففي ثواب الله تعالى خلف من ابنك، إن ~~صبرت جرى عليك القلم وأنت مأجور، وإن جزعت جرى عليك القلم وأنت مأزور؛ ~~ونظمه أبو تمام فقال: # وقال علي في التعازي لأشعث ... وخاف عليه بعض تلك المآثم: # أتصبر للبلوى عزاء وحسبة ... فتؤجر أم تسلو سلو البهائم؟ # خلقنا رجالا للتجلد والأسى ... وتلك الأيامى للبكا والمآتم! # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لرجل: إن صبرت مضى أمر الله وكنت ~~مأجورا، وإن جزعت مضى أمر الله وكنت مأزورا. وقال الحسن: والله لو كلفنا ~~الجزع ما قمنا به، فالحمد لله الذي آجرنا على ما لو نهانا عنه لصرنا إليه. ~~وعن هذا قالت الحكماء: الجزع أتعب من الصبر، ففي الجزع التعب والوزر وفي ~~الصبر الراحة والأجر. ولو صور الصبر والجزع لكان الصبر أحسن صورة وأكرم ~~طبيعة، وكان الجزع أقبح صورة وأحرد طبيعة، ولكان الصبر أولاهما بالغلبة ~~لحسن الخلقة وكرم الطبيعة. وقال بعض الحكماء: لو وكل الناس بالجزع للجئوا ~~إلى الصبر. وقال شبيب بن شيبة المهدي: إن أحق ما صبرت عليه ما لم تجد سبيلا ~~إلى دفعه. وأنشدوا: # إذا تصبك مصيبة فاصبر لها ... عظمت مصيبة مبتلى لا يصبر # وقال آخر: # وعوضت أجرا من فقيدك لا يكن ... فقيدك لا يأتي وأجرك يذهب # وقال بعض الحكماء: ليس بمجموع له الرشد من تتابع التلهف على فائت أو أكثر ~~الفرح عند مستظرف. وقال حكيم: إن كنت جازعا على ما يفلت من يديك فاجزع على ~~ما لا يصل إليك، ومن أيقن أن كل فائت إلى انقضاء حسن عزاؤه عند نزول ~~القضاء. وقال الشاعر: # إذا طال بالمحزون أيام صبره ... كساه ضيا طول المقام على الصبر # ولا شك أن الصبر يحمد غبه ... ولكن إنفاقي عليه من العمر # وقال بعض القدماء: الصبر على أربع مراتب: الشوق والإشفاق والزهادة ~~والترقب، فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن ~~المحرمات، ومن زهد في الدنيا تهاون بالمصيبات، ومن راقب الموت قصر عن ~~الخطيئات. وأما القسم الثالث فهو ms160 الصبر فيما ينتظر وروده من رغبة يرجوها، ~~أو يخشى حدوثه من رهبة يخافها، فبالصبر والتلطف يدفع عادية ما يخاف وينال ~~نفع ما يرجو. قال النبي صلى الله عليه وسلم: انتظار الفرج بالصبر عبادة. ~~وقال محمد بن بشر: # إن الأمور إذا انسدت مسالكها ... فالصبر يفتح منها كل ما ارتتجا # لا تيأسن وإن طالت مطالبه ... إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا # أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجأ! # وقال بعض الرواة دخلت مدينة يقال لها ذمار، فبينما أنا أطوف في خرابها إذ ~~رأيت مكتوبا على قصر خراب: # يا من ألح عليه الهم والفكر ... وغيرت حاله الأيام والغير # أما سمعت بما قد قيل في مثل ... عند الأياس فأين الله والقدر # وقال غيره: # نم للخطوب إذا أحداثها طرقت ... واصبر فقد فاز أقوام بما صبروا # فكل ضيق سيأتي بعده سعة ... وكل صبر وشيك بعده ظفر # وتحته مكتوب بخط آخر: لو كان كل من صبر أعقب الظفر صبرنا، ولكنا نجد ~~الصبر في العاجل يفني العمر ويدني من القبر، وما كان أصلح الذي العقل موته ~~وهو طفل والسلام. قلت: لو رأيته لكتبت تحته: في الصبر استعجال الراحة ~~وانتظار الفرج وحسن الظن بالله تعالى وأجر بغير حساب، وفي الجزع استعجال ~~الهم ونهك البدن واستشعار الخيبة وسوء الظن بالله وحمل الإثم مع العقوبة، ~~وما أحسن لذي اجتناب هذا والسلام! وقال بعض العارفين: من صبر نال المنا ومن ~~شكر نال النعماء قال الشاعر: # الصبر مفتاح كل خير ... وكل صعب به يهون # اصبروا إن طالت الليالي ... فربما ساعد الحزون # وربما نيل باصطبار ... ما قيل هيهات لا يكون! # وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: PageV01P080 ما أنعم الله على ~~عبد نعمة فانتزعها منه وعوضه صبرا إلا كان ما عوضه أفضل مما انتزعه منه. ~~وقرأ: " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " . الزمر آية: 10. ويروى أن ~~جارية كانت لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه تتصرف في حوائجه فكلما خرجت تصدى ~~لها خياط كان بقرب دار علي رضي الله ms161 عنه ويقول لها: إني لأحبك في الله ~~تعالى. فلما كثر منه ذلك شكته إلى علي رضي الله عنه قال لها علي: إذا قال ~~لك مرة أخرى فقولي له: والله إني لأحبك فيه فما الذي تريد؟ فقال لها ذلك، ~~فقالت له: والله إني أحبك فيه. فقال لها: تصبرين وأصبر حتى يوفي الصابرون ~~أجرهم بغير حساب. فرجعت الجارية وأخبرت مولاها فدعا علي رضي الله عنه ~~الخياط فوجد أمره مستقيما على الصحة، فوهبها له مع نفقة يستعين بها. وقال ~~رضي الله عنه: الصبر كفيل بالنجاح والمتوكل لا يخيب ظنه، والعاقل لا يذل ~~بأول نكبة ولا يفرح بأول رفعة. وكان يقال: الصبر سلامة والطيش ندامة: وأما ~~القسم الرابع وهو الصبر على ما نزل من مكروه أو حل من أمر مخوف، فيه تنفتح ~~وجوه الآراء وتتوقى مكائد الأعداء. قال الله تعالى: " وتمت كلمة ربك الحسنى ~~على بني إسرائيل بما صبروا " . الأعراف: 137. وقال الله تعالى: " واصبر وما ~~صبرك إلا بالله " النحل: 127. وقال تعالى: " واصبر على ما أصابك إن ذلك من ~~عزم الأمور " لقمان: 17. وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~إن استطعت أن تعمل لله تعالى بالرضا في اليقين فافعل، وإن لم تستطع فاصبر ~~فإن في الصبر على ما تفعل خيرا كثيرا. واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج ~~مع الكرب وإن مع العسر يسرا. وقد قال علي رضي الله عنه: الصبر مناضل ~~الحدثان والجزع من أعوان الزمان. وقال الحكيم: بمفتاح عزيمة تفتح مغاليق ~~الأمور. وأنشدوا: # إنما أجزع مما أتقي ... فإذا حل فما لي والجزع؟ # ولما حبس أبو أيوب خمسة عشرة سنة ضاقت حيلته وقل صبره، فبعث إلى بعض ~~إخوانه يشكو طول حبسه وقلة صبره، فرد عليه جواب رقعته: # صبرا أبا أيوب صبر مبرح ... فإذا عجزت عن الخطوب فمن لها؟ # إن الذي عقد الذي انعقدت به ... عقد المكاره فيك يملك حلها! # اصبر فإن الصبر يعقب راحة ... فلعلها أن تنجلي ولعلها # فلما وقف أبو أيوب على ذلك كتب إليه: # صبرتني ووعظتني فأنالها ... وستنجلي بل ms162 لا أقول لعلها # ويحلها من كان صاحب عقدها ... كرما به إذ كان يملك حلها # فما لبث بعد ذلك إلا أياما حتى أطلق مكرما. ولتميم بن المعز: # تماسكت صبرا واحتسابا فإنني ... أرى الصبر سيفا ليس فيه فلول # عذابي أن أشكو إلى الناس أنني ... عليل ومن أشكو إليه عليل # وإن الذي يشكو إلى غير راحم ... ويفشو بما في نفسه لمجهول # وقال بعض الشعراء: # دع الدهر يجري بمقداره ... ويقضي عجائب أوطاره # ونم نومة عن ولاة الأمور ... وخل الزمان بتدواره # فإنك ترحم من قد غبطت ... وتعجب من قبح آثاره # وأنشد بعضهم: # ويمنعني الشكوى إلى الناس أنني ... عليل ومن أشكو إليه عليل # ويمنعني الشكوى إلى الله أنه ... عليم بما أبديه قبل أقول # ولغيره: # إذا ابتليت فثق بالله وارض به ... إن الذي يكشف البلوى هو الله # إذا قضى الله فاستسلم لقدرته ... ما لامرئ حيلة فيما قضى الله # اليأس يقطع أحيانا بصاحبه ... لا تيأسن فإن الصانع الله # وصرف من هذه اللفظة صابر وصبور وصبار ومتصبر: فالمتصبر من صبر في الله ~~على المكاره فتارة يعجزه وتارة يصبر، والصابر من لا يشكو ولا يعجز والصبار ~~الذي لو جمع عليه جميع البلايا والمحن لم تتغير من وجهه الحقيقة وإن تغير ~~من وجهه الرسم والبشرة والخلقة كما قال الشاعر: # صابر الصبر فاستغاث به الصب ... ر فصاح الصبور: يا صبر صبرا! # وهذا أقوى بيت قيل في الصبر وأحسنه؛ وقريب منه قول القائل: # صبرت على الأيام صبرا أصارني ... إلى أن ينادي الصبر: لا صبر لا صبر! ~~PageV01P081 والصبور هو الثابت على هذه المقامات وقيل أوحى الله تعالى إلى ~~داود عليه السلام: تخلق بأخلاقي وإن من أخلاقي أني أنا الصبور. ويقال: ~~الصبر لله فناء والصبر بالله بقاء، والصبر في الله بلاء والصبر من الله ~~وفاء، والصبر عن الله جفاء؛ وأنشدوا في المعنى: # إذا لعب الرجال بكل شيء ... رأيت الحب يلعب بالرجال # وكيف الصبر عمن حل مني ... بمنزلة اليمين من الشمال # وقال المحاسبي: من الصبر والتصبر حالة هي التنعم، وذلك إذا رفع الله ~~تعالى له علما ms163 من أعلام الآخرة يدله على منازل الصابرين عنده، فيتنعم القلب ~~بسرور النعم وقال أبو محمد بن الحارث: الصبر أن لا يفرق بين حال النعمة ~~والمحنة مع سكون الخاطر فيهما، والصبر هو السكون مع البلايا ومع وجدان ~~أثقال المحنة. وأنشدوا: # صبرت ولم أطلع هواك على صبري ... وأخفيت ما بي منك عن موضع الصبر # مخافة أن يشكو ضميري صبابتي ... إلى دمعتي سرا فتجري ولا أدري # وقيل للمحاسبي: بماذا يقوى الصابر على صبره؟ فقال: إذا علمت أن في صبرك ~~رضى مولاك، أما سمعت قول الحكيم: # رضيت وقد أرضى إذا كان مسخطي ... من الأمر ما فيه رضى صاحب الأمر # وقيل في معناه: # سأصبر كي ترضى وأتلف حسرة ... وحسبي أن ترضى ويتلفني صبري! # قال شيخنا: وثكلك لمن تحبه أعظم من ثكلك لنفسك، هذا أيوب عليه السلام لما ~~أصيب بنفسه قال مسني الضر، ويعقوب لما أصيب بحبيبه قال يا أسفي على يوسف! ~~قال أحمد: قال لي أبو سليمان الداراني أتدري بماذا أزال العقلاء الملامة ~~عمن أساء إليهم؟ قلت: لا. قال: لعلمهم أن الله تعالى ابتلاهم بذلك فصبروا، ~~ويروى أن الله تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه: أنزلت بلائي بعبدي فدعاني ~~فماطلته بالإجابة، فشكاني فقلت: عبدي كيف أرحمك من شيء به أرحمك؟ وقيل في ~~قوله تعالى " فاصبر صبرا جميلا " إنه الصبر الذي لا شكوى فيه ولا بث، قال ~~أنس: ما صبر من بث. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا تستغزروا الدموع ~~بالتذكر. قال الشاعر: ولا يبعث الأحزان مثل التذكر ومما يعين على عظم الأسى ~~وشدة الجزع تذكر المسار المنقضية وتصور المضار الذاهبة، وكثرة الشكوى وتردد ~~الأسف. قال الشاعر: # لا تكثر الشكوى إلى الصديق ... وارجع إلى الخالق لا المخلوق # لا تخرج الغريق بالغريق # وفي منثور الحكم: المصيبة بالصبر أعظم المصيبتين. واعلم أنه قل من صبر ~~على شدة إلا نال ما يرجوه من فرج، وينبغي لمن نزلت به مصيبة أو كان في شدة ~~أن يبتغي تسهيلها على نفسه، ولا يغفل عن تذكر ما يتيقنه من وجوب الفناء ~~وتقضي ms164 المسار، وأن الدنيا دار من لا دار له ومال من لا مال له، ولها يجمع ~~من لا عقل له وعليها يعادي من لا علم له، وعليها يحسد من لا فقه له ولها ~~يسعى من لا ثقة له، ومن صح فيها سقم ومن سقم فيها برم، ومن افتقر فيها حزن ~~ومن استغنى فيها فتن، حلالها حساب وحرامها عقاب، ومتشابهها عتاب، لا خير ~~يدوم ولا سرور يبقى، ولا فيها لمخلوق بقاء، فإذا تصور حقيقتها فحينئذ يرى ~~الحوادث سهلة والمصائب هينة. قال الشاعر: # يمثل ذو اللب في نفسه ... يمثل ذو اللب في نفسه # فإن نزلت بغتة لم ترع ... ه لما كان في نفسه مشغلا # رأى الأمر يفضي إلى آخر ... فصير آخره أولا # وقال بعض الحكماء من حاذر لم يخدع ومن راقب لم يهلع، ومن كان متوقعا لم ~~يلق متوجعا ومن لم يشعر نفسه ما ذكرنا من أحوال الدنيا، وتقضي المسار ثم ~~الثواء في اللحود بين أطباق الثرى والجنادل، قد فارقه الأحباء وأسلمه ~~الأولياء، وهجر القرباء والبعداء ألفته الحوادث واثقا فسلبته الصبر وضاعفت ~~عليه الأسى. وقال ابن الرومي: # إن البلاء يطاق غير مضاعف ... فإذا تضاعف فهو غير مطاق # وقال آخر: # تعودت مس الضر حتى ألفته ... وأسلمني حسن العزاء إلى الصبر # ووسع صدري للأذى كثرة الأذى ... وإن كنت أحيانا يضيق به صدري # وحسن لي يأسي من الناس كلهم ... لعلمي بصنع الله من حيث لا أدري # ولبعض الأعراب: # تعز فإن الصبر بالحر أجمل ... وليس على ريب الزمان معول PageV01P082 فلو ~~كان يغني أن يرى المرء جازعا ... لنائبة أو كان يغني التذلل # لكان التعزي عند كل مصيبة ... ونازلة بالحر أولى وأجمل # فكيف وكل ليس يعدو حمامه ... وما لامرئ عما قضى الله مرحل؟ # فإن تكن الأيام فينا تبدلت ... ببؤس ونعمى والحوادث تفعل # فما لينت منا قناة صليبة ... ولا ذللتنا للذي ليس يجمل # ولكن رحلناها نفوسا كريمة ... تحل ما لا يستطاع فتحمل # وقينا بحمد الله منا نفوسنا ... فصحت لنا الأغراض والناس هزل # الباب الثالث والثلاثون # في كتمان السر # قال الله ms165 تعالى حكاية عن يعقوب عليه السلام " يا بني لا تقصص رؤياك على ~~إخوتك فيكيدوا لك كيدا " يوسف: 5 فلما أفشى يوسف عليه السلام رؤياه بمشهد ~~امرأة يعقوب، أخبرت إخوته فحل به ما حل. وفي الحديث: استعينوا على قضاء ~~حوائجكم بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود. واعلم أن كتمان السر من الخصال ~~المحمودة في جميع الخلق ومن اللوازم في حق الملوك، ومن الفرائض الواجبة على ~~الوزراء وجلساء الملوك والأتباع. قال علي رضي الله عنه: سرك أسيرك، فإن ~~تكلمت به صرت أسيره. واعلم أن أمناء الأسرار أشد تعذرا وأقل جودا من أمناء ~~الأموال، وحفظ الأموال أيسر من كتم الأسرار، فإن أحراز الأموال منيعة ~~بالأبواب والأقفال، وأحراز الأسرار بارزة يذيعها لسان ناطق ويشيعها كلام ~~سابق، وعبء الأسرار أثقل من عبء الأموال، وإن الرجل ليستقل بالحمل الثقيل ~~يحمله ويمشي به ويثقله، ولا يستطيع كتم السر. وإن الرجل يكون سره في قلبه ~~فيلحقه من القلق والكرب ما لا يلحقه بحمل الأثقال، فإذا أذاعه استراح قلبه ~~وسكن جأشه، وكأنما ألقى عن نفسه جبلا. # قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: القلوب أوعية والشفاه أقفالها ~~والألسن مفاتحها، فليحفظ كل امرئ مفتاح سره. ومن أعجب الأمور أن الأموال ~~كلما كثرت خزانها كانت أوثق لها إلا السر فإنه كلما كثرت خزانه كان أضيع ~~له، وكم من إظهار سر أراق دم صاحبه ومنع من بلوغ مأربه، ولو كتمه أمن من ~~سطوته، وقال أنوشروان، من حصن سره فله بتحصينه خصلتان: الظفر بحاجته ~~والسلامة من السطوات. وقال بعض الحكماء: سرك من دمك، فلا تجره في غير ~~أوداجك، فإذا تكلمت به فقد أرقته. وكان لعثمان بن عفان رضي الله عنه كاتب ~~اسمه حمران، وهو مولاه، فاشتكى عثمان فقال: اكتب العهد بعدي لعبد الرحمن بن ~~عوف. فقال حمران لعبد الرحمن البشرى! فقال عبد الرحمن: لك البشرى بماذا؟ ~~فأخبره الخبر فانطلق عبد الرحمن فأخبر عثمان الخبر. فقال عثمان: أعاهد الله ~~أن لا يساكنني حمران أبدا! ونفاه إلى البصرة فلم يزل بها حتى قتل عثمان ms166 ابن ~~عفان. # واعلم أن كتمان الأسرار يدل على جواهر الرجال، وكما أنه لا خير في آنية ~~لا تمسك ما فيها فلا خير في إنسان لا يملك سره. ويروى أن رجلا أودع سره عند ~~رجل فقال له: أفهمت؟ قال: بل جهلت. فقال: أحفظت؟ قال: بل نسيت. وقيل ~~لبعضهم: كيف كتمك للسر؟ فقال: أجحد المخبر وأحلف للمستخبر. قال الشاعر: # ولو قدرت على كتمان ما استملت ... مني الضلوع على الأسرار والخبر # لكنت أول من ينسى سرائره ... إذ كنت من نشرها يوما على خطر # قال شيخنا: ومن أحسن شيء سمعته في كتمان السر ما أنشده بعض فقهاء ~~البصريين بالبصرة فقال: # ولها سرائر في الضمير طويتها ... نسي الضمير بأنها في طيه # وفي معناه: # ومستودعي سرا كتمت مكانه ... عن الحس خوفا أن ينم به الحس # وخفت عليه من هوى النفس شهرة ... فأودعته من حيث لا تبلغ النفس # وقال العتبي: أسر معاوية إلى عثمان بن عنبسة حديثا، قال فقلت لأبي: إن ~~أمير المؤمنين أسر إلي حديثا أفما حدثك به؟ قال: لا. من كتم حديثه كان ~~الخيار إليه، ومن أظهره كان الخيار عليه، فلا تجعل نفسك مملوكا بعد أن كنت ~~مالكا! قلت: يا أبت أفيدخل هذا بين الرجل وابنه؟ قال: لا يا بني ولكن أكره ~~أن تعود لسانك إفشاء السر. قال: فحدثت به معاوية قال: أعتقك أخي من ورق ~~الخطا. وقيل لبعض الملوك: ما أصعب الأشياء على الإنسان؟ قال: PageV01P083 ~~أن يعرف نفسه ويكتم سره. وقال قيس بن الحطيم: # أجود بمكنون التلاد وإنني ... بسرك عمن سالني لضنين # إذا جاوز الاثنين سر فإنه ... يبث وتكثير الوشاة ممين # وإن ضيع الأقوام سرا فإنني ... كتوم لأسرار العشير أمين # يكون له عندي إذا ما ضننته ... مكان سويداء الفؤاد مكين # قال شيخنا: قلت الناس يقولون أراد بالاثنين المودع والمودع، ولا يبعد أن ~~يريد به الشفتين. وكان يقال: أصبر الناس من صبر على كتمان سره فلم يبده ~~لصديقه فيوشك أن يصير عدوا. وقد روى في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: إذا ms167 حدث الرجل بحديث ثم التفت فهي أمانة. قلت: وإذا كانت أمانة ~~حرمت فيها الخيانة كالأمانة في الأموال. وقال أبو بكر ابن حزم: إنما يتجالس ~~المتجالسان بأمانة الله، فلا يحل لأحدهما أن يفشي على صاحبه ما يكره، وقال ~~هشام بن عروة: ما من رجل ينتقص من أمانته إلا نقص إيمانه وقال جعفر بن ~~عثمان: # يا ذا الذي أودعني سره ... لا ترج أن تسمعه مني # لم أجره قط على فكرتي ... كأنه لم يجر في أذني # وكان عمرو بن العاص يقول: ما أفشيت من سري إلى رجل فأفشاه علي فلمته إذ ~~كان صدري به أضيق. وقال الأحنف بن قيس: يضيق صدر أحدهم بسره حتى يحدث به ~~غيره ثم يقول اكتمه علي! ومن أمثال الفرس: إذا أفشيت إلي سرك وأوصيتني أن ~~لا أبوح بالسر فهلا أوصيت بهذا نفسك؟ وفي منثور الحكم: انفرد بسرك ولا ~~تودعه حازما فيزل ولا جاهلا فيخون. وأنشدوا: # إذا المرء أفشى سره بلسانه ... ولام عليه غيره فهو أحمق # إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه ... فصدر الذي يستودع السر أضيق # وفي منثور الحكم: من أفشى سره كثر عليه المتآمرون. قال الشاعر: # وسرك ما كان عند امرئ ... وسر الثلاثة غير الخفي # وقال آخر: # ولا تنطق بسرك كل سر ... إذا ما جاوز الاثنين فاشي # وقال غيره: # تبوح بسرك ضيقا به ... وتبغي لسرك من يكتم # وكتمان سرك فيما تخاف ... وفيما تحاذره أخرم # إذا ذاع سرك من مخبر ... فأنت إذا لمته ألوم # وقال آخر: # إذا ما ضاق صدرك عن حديث ... وأفشته الرجال فمن تلوم؟ # وإن عاتبت من أفشى حديثي ... وسري عنده فأنا الملوم # وقال حكيم: ما كتمته عن عدوك فلا تطلعن عليه صديقك، فإن لم يكن لك يد من ~~إذاعته لقرينة تقتضيه من صديق مساهم أو استشارة ناصح مسلم، فمن صفات أمين ~~الأسرار أن يكون ذا عقل ودين ونصح مروءة، فإن هذه الأمور تمنع من الإذاعة ~~وتوجب حفظ الأمانة، ومن كملت فيه فهو عنقاء مغرب، ولا تودع سرك عند من ~~يستدعيه فإن طالب الوديعة خائن. ms168 قال صالح بن عبد القدوس: لا تودع سرك ~~لطالبه منك فالطالب للسر مذيع. وفي الجملة: إذا زال سرك عن عذبة لسانك ~~فالإذاعة مستولية عليه إذا أودعته قلب ناصح محب، فاحتمال مرارة الكتمان على ~~قلبك أسهل عليك من التململ بتمليك سرك لغيرك. # واعلم أن إشاء سر غيرك أقبح من إظهار سر نفسك لأنه يبوح بإحدى وصمتين: ~~إما الخيانة إن كان مؤتمنا أو النميمة إن كان مستخبرا. وقال بعض الحكماء ~~لابنه يا بني كن جوادا بالمال في مواضع الحق، ضنينا بالأسرار عن جميع ~~الخلق، فإن أحمد جود المرء الإنفاق في وجه البر والبخل بمكتوم السر. وكان ~~يقال: صدور الأحرار قبور الأسرار. وقال الشاعر: # ألم تر أن وشاة الرجا ... ل لا يتركون أديما صحيحا # فلا تفش سرك إلا إليك ... فإن لكل نصيح نصيحا # وقال غيره: # ما كل مكتوم يباح به ... احذر لسانك من جوالبه # فمرارة الكتمان أعذب من ... بث تحاذر من عواقبه # ليس الهوى ما كنت تعرفه ... أيام تلعب في جوانبه # هذا هوى لو فضحت به ... ضحك الحسام إلى مضاربه # الباب الرابع والثلاثون # في بيان الخصلة التي يصلح عليها الأمير والمأمور # وهي رهين من سائر الخصال وزعيم بالمزيد من الآلاء والنعماء من ذي الجلال ~~والإكرام وهي الشكر PageV01P084 قال الله تعالى حكاية سليمان بن داود ~~عليهما السلام، وقد آتاه الله تعالى ملك الدنيا والجن والإنس والطير والوحش ~~و " الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب " ص: 36 فلما استمكن ملكه قال صلى الله ~~عليه وسلم: " هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر " النمل: 40 فما عدها ~~نعمة كما عدها ملوك الأرض، ولا حسبها كرامة من الله تعالى عليه كما ظنها ~~ملوك الأرض، بل خاف أن تكون استدراجا من حيث لا يعلم كما قال الله تعالى في ~~أمة أراد هلاكهم " سنستدرجهم من حيث لا يعلمون " " وأملي لهم إن كيدي متين ~~" الأعراف: 182و183 جاء في التفسير: أصب عليهم النعم وأنسيهم الاستغفار، ~~وإنما الفرح بما أوتي من الدنيا والغبطة بزهوتها والاغترار بزبرجها من شعار ~~الكفار، ألا ترى ms169 إلى قول قارون اللعين: إنما أوتيته على علم عندي فكان ~~جزاؤه ما قال الله تعالى " فخسفنا به وبداره الأرض " القصص: 81 ولما خاف ~~سليمان عليه السلام أن يكون استدراجا كان جوابه ما قال الله تعالى " هذا ~~عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب " ص: 39 واعلم أرشدك الله أن الشكر ليس هو ~~حافظ النعم فقط، بل هو مع حفظه لها زعيم بزيادة النعم وأمان من حلول النقم. ~~والشكر على ثلاث مراتب: شكر بالقلب وشكر باللسان وشكر بالجوارح. فأما الشكر ~~الواجب على جميع الخلق فشكر القلب، وهو أن تعلم أن النعمة من الله تعالى ~~وحده، وأن لا نعمة على الخلق من أهل السموات والأرض إلا بداءتها من الله ~~تعالى، حتى يكون الشكر لله تعالى عن نفسك وعن غيرك، بمعرفة إنعام الله ~~تعالى عليك وعلى غيرك. وهذا النوع هو الذي يقال فيه: يجب على العبد أن يشكر ~~الله تعالى على نعم أسديت إلى غيره. والدليل على أن الشكر محله القلب وهو ~~المعرفة قوله تعالى " وما بكم من نعمة فمن الله " النحل: 53 أي أيقنوا أنها ~~من الله تعالى. وإلى هذه الكلمة انتهى جميع ما قاله الخلق في الشكر، ~~والدليل عليه أيضا قوله تعالى " ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا ~~الله لعلكم تشكرون " آل عمران: 123 أي فاتقوني فإنه شكر لنعمتي وخلق الله ~~الحياة نعمة على العبد فقال تعالى " ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون ~~" البقرة: 56 والعبارة عنه أن يقال الشكر اعتراف القلب بإنعام الله تعالى ~~على وجه الخضوع. # ويقال فيه: الشكر اعتكاف على بساط الشهود بإدامة حفظ الحرمة. # وقال أبو عثمان: الشكر معرفة العجز عن الشكر. وروي أن داود عليه السلام ~~قال: إلهي كيف أشكرك وشكري لك نعمة من عندك؟ فأوحى الله تعالى إليه: الآن ~~قد شكرتني. وقال وهب بن منبه: قال داود عليه السلام: إلهي ابن آدم ليس فيه ~~شعرة إلا تحتها منك نعمة وفوقها منك نعمة فمن أين يكافئها؟ فأوحى الله ~~تعالى إليه: يا داود إنني أعطي الكثير ms170 وأرضى باليسير، وإن شكر ذلك أن تعلم ~~أن ما بك من نعمة فمني وفي هذا يقال: الشكر على الشكر أتم الشكر؛ وذلك بأن ~~ترى شكرك بتوفيقه ويكون ذلك التوفيق من أجل النعمة فتشكره على الشكر، ثم ~~تشكره على شكر الشكر إلى ما لا يتناهى، وهذا الشكر أيضا واجب. ونظم محمود ~~الوراق كلاما في المعنى فقال: # إذا كان شكري نعمة الله نعمة ... علي له في مثلها يجب الشكر # فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام واتصل العمر # إذا مس بالسراء عم سرورها ... وإن مس بالضراء أعقبها الأجر # فما منهما إلا له فيه نعمة ... تضيق بها الأوهام والسر والجهر # ومن أقر بنعمة الله وإحسانه فقد أقر بقدر ما كلف، لأن أحدا لا يمكنه أن ~~يوازي شكر نعمة الله تعالى. وفي مناجاة موسى عليه السلام: إلهي خلقت آدم ~~بيدك وفعلت وفعلت فكيف يشكرك؟ قال: أن يعلم أن ذلك مني، فكأن معرفته بذلك ~~شكره لي. # فصل # وأما شكر اللسان فقال تعالى فيه " وأما بنعمة ربك فحدث " الضحى: 11 قيل: ~~يعني النبوة. وقيل: يعني القرآن، وحكم الآية عام في جميع النعم روى النعمان ~~بن بشير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من لم يشكر القليل لم يشكر ~~الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله تعالى، والتحدث بالنعم شكر. وقال ~~الله تعالى حكاية عن أهل الجنة أنهم قالوا " الحمد لله الذي صدقنا وعده " ~~الزمر:74 وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: PageV01P085 تذاكروا النعم فإن ~~ذكرها شكر. وكتب عدي بن أرطاه إلى عمر بن عبد العزيز، لما حفر نهر البصرة ~~الذي يقال له نهر عمراني: حفرت لأهل البصرة نهرا عذب لهم مشربه وجادت عليه ~~أموالهم ولم أر لهم على ذلك شكر، فإن أذنت لي قسمت عليهم ما أنفقت عليه. ~~فكتب إليه عمر بن عبد العزيز إني لا أحسب أهل البصرة خلوا من رجل قال الحمد ~~لله حيث حفرت هذا النهر وأن الله قد رضيها شكرا من جنته، فارض بها شكرا من ~~نهرك والسلام . # وحقيقة ms171 الشكر في هذا القسم الثناء على المحسن بذكر إحسانه. وعلى هذا ~~القول يوصف الرب تعالى بأنه شكور حقيقة، فشكر العبد لله تعالى ثناؤه عليه ~~بذكر إحسانه، وشكر الله للعبد ثناؤه عليه بإحسانه، وإحسان الرب للعبد ~~إنعامه عليه. وهذه اللفظة مأخوذة من قولهم دابة شكور إذا ظهرت من السمن فوق ~~ما تعطى من العلف. ويقال: وجه شكور إذا كان ممتلئ المحاسن ظاهرها. وفي ~~الحديث: يقول الله تعالى: أنا والجن والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري ~~وأرزق ويشكر غيري. وقال بعضهم: إنما أوتي الناس لأنهم في موضع صبرهم يحسبون ~~أنهم في موضع شكر. # فصل # وأما الشكر الذي على الجوارح فقال الله تعالى " اعملوا آل داود شكرا ~~وقليل من عبادي الشكور " سبأ: 13 فجعل العمل شكرا. وقال عطاء: دخلت على ~~عائشة رضي الله عنها مع عبيد بن عمير فقال لها عبيد: يا أم المؤمنين حدثينا ~~بأعجب ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فبكت وقالت: وأي شيء لم ~~يكن عجبا؟ إنه أتاني في ليلة فدخل معي فراشي حتى مس جلده جلدي ثم قال: يا ~~ابنة أبي بكر ذريني أتعبد لربي، فقلت: إني أحب قربك. فأذنت له فقام إلى ~~قربة ماء فتوضأ وأكثر صب الماء، ثم قام يصلي فبكى حتى سالت دموعه على صدره، ~~ثم ركع فبكى ثم سجد فبكى، فلم يزل كذلك حتى جاء بلال فأذنه بالصلاة فقلت ~~له: يا رسول الله ما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: ~~أفلا أكون عبدا شكورا فلملا أفعل وقد نزل علي: إن في خلق السموات والأرض. # فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الشكر بالعمل وبين فيه مراد الكتاب، قال ~~الله تعالى: " وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد ~~شكورا " الفرقان: 62 أي كل واحد منهما يخلف الآخر، فمن فاته العمل في ~~أحدهما عمله في الآخر فجعل الأوراد والأعمال بالجوارح شكرا. وروي أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قام حتى انتفخت قدماه فقيل ms172 له: يا رسول الله تفعل هذا ~~وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا؟ ~~وقال أبو هارون: دخلت على أبي حازم فقلت له: رحمك الله ما شكر العينين؟ ~~قال: إذا رأيت بهما خيرا أذعته، وإذا رأيت بهما شرا سترته. قلت له: ما شكر ~~الأذنين؟ قال: إذا سمعت بهما خيرا حفظته، وإذا سمعت بهما شرا نسيته. قلت: ~~فما شكر اليدين؟ قال: لا تأخذ بهما ما ليس لك ولا تمنع حق الله فيهما. قلت: ~~فما شكر البطن؟ قال: أن يكون أسفله صبرا وأعلاه علما. قلت: فما شكر الفرج؟ ~~قال: كما قال الله تعالى " والذين هم لفروجهم حافظون " " إلا على أزواجهم ~~أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين " المؤمنون: 5و6 فإن أنت فعلت فأنت ~~الشاكر حقا. وفي حكمة إدريس عليه السلام: لن يستطيع أحد أن يشكر الله تعالى ~~على نعمة بمثل الإنعام على خلقه، ليكون صانعا إلى الخلق مثل ما صنع به ~~الخالق تعالى. # وإذا ثبت أن فعل الطاعات شكر فإن فيهما ما هو أشد ملازمة من غيره. ~~فالطاعة في مواساة الفقراء أشكل بالشكر على الغنى من غيرها لأنها من جنس ~~النعمة، فإذا أردت أن تحرس دوام نعم الله تعالى عليك فأدم مواساة الفقراء. ~~والطاعة في رفع ذوي الضعة والخمول والمسكنة بغير معصية أشبه بالشكر على رفع ~~قدرك والتنويه باسمك. والطاعة في تمريض الفقراء وتلطيف أغذيتهم أشبه بالشكر ~~على العافية من سائر الطاعات. والطاعة في الشفاعات عند السلطان وقضاء حوائج ~~الغربان والإخوان أشبه بذوي الحاجة من سائر الطاعات. وعلى هذا المثال ينبغي ~~أن تقابل سائر نعم الله تعالى على العبد. ومن العبارات الجامعة للشكر أن ~~يقال معرفة بالجنان وذكر باللسان وعمل بالجوارح. # فصل في الكلام على الزيادة # قال الله تعالى " لئن شكرتم لأزيدنكم " إبراهيم: 7 قال قوم: PageV01P086 ~~إنما خاطب الله تعالى بهذا وبقوله " ادعوني أستجب لكم " سورة المؤمن آية: ~~60 قوما دون قوم. والدليل عليه أنا نرى من يشكر على الغنى ثم يبتلى بالفقر، ~~ومن يشكر ms173 على العافية ثم يبتلي بالمرض، والله تعالى لا يخلف وعده. وقال ~~قوم: معناه لأزيدنكم نعم الآخرة. فإن قيل: إنما تكون الزيادة من جنس المزيد ~~عليه. فأجابوا: بأن النعم الدنيوية والأخروية وإن تفاضلت واختلفت كلها ~~متجانسة من حيث أنها نعمة. وقال قوم: معناه لأزيدنكم خيرا، والخير والصلاح ~~قد يكون في كثير من الأوقات بالمنع والسقم ونحوهما، فإن من سأل الله تعالى ~~أن يعطيه مالا أو يصح جسمه، وهو يعلم أنه إن وهبه المال أنفقه في المعاصي، ~~أو وهبه الصحة وصرف صحته إلى المشي في الآثام، فالمنع ههنا موهبة من الله ~~جزيلة. ومن ههنا قالت العلماء: منع الله تعالى عطاء. # وقال قوم: يمكن تقدير الاستثناء فيها لئن شكرتم لأزيدنكم إلا أن تعصوا ~~فأعاقبكم بالحرمان فأجعل ذلك كفارة لكم، وهو أصلح من أن أعاقبكم في الآخرة، ~~والناس لا يسلمون من الذنوب، ولو تهيأ أن يسلموا من الذنوب لدرت الزيادات. ~~قال الله تعالى " ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم ~~لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم " المائدة: 66 وقال تعالى: " استغفروا ربكم ~~إنه كان غفارا " " يرسل السماء عليكم مدرارا " " ويمددكم بأموال وبنين " ~~نوح: 10و11و12 وقال قوم: الآية خاصة لا محالة إذ لو كانت على عمومها لوجب ~~أن لا يموت من يشكر الله تعالى على الحياة. # قال الشيخ: قلت إن الله تعالى وعد الزيادة وقوله الحق، وقد جعل العبادة ~~علامة يعرف بها الشاكر، فمن لم يظهر عليه المزيد علمنا أنه لم يشكر، فإذا ~~رأينا الغنى يشكر الله تعالى بلسانه وماله في نقصان، علمنا أنه لم يشكر بل ~~قد أخل بالشكر الذي أخذ عليه، إما لا يزكيه أو يزكي لغير أهله أو يؤخره عن ~~وقته أو يمنع حقا واجبا عليه فيه، من كسوة عريان أو طعام جائع وشبهه، فيدخل ~~في قول النبي صلى الله عليه وسلم: لو صدق السائل ما أفلح من رده. قال الله ~~تعالى: " إن الله لا يغير ما في قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " الرعد: 11. ~~إذا غيروا ما بهم من ms174 الطاعات غير الله تعالى ما منه من الإحسان، وإذا كان ~~قوم في العافية فإن الله تعالى لا يغير ما بهم حتى يغيروا ما بأنفسهم يترك ~~أدب أو إخلال بحق أو إلمام بذنب، كما قال بعضهم: أدنى الشكر أن لا يعصي ~~الله تعالى بنعمه، وإن جوارحك كلها من نعم الله تعالى عليك فلا تعصه بها. # ويحتمل أن يكون معنى الآية لئن شكرتم لأزيدنكم إن شئت ألا ترى أنه قال: ~~من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها، ~~وكثير من الخلق يريدون حرث الدنيا ولا يؤتونه، فيكون التقدير نؤته منها لمن ~~نشاء، بدليل قوله في الآية الأخرى: عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد وهكذا ~~قوله تعالى: ادعوني أستجب لكم " ثم إن كثيرا من الناس يدعون فلا يستجاب لهم ~~ولكن معنى الآية أستجب لكم إن شئت ولمن شئت، بدليل قوله تعالى: " فيكشف ما ~~تدعون إليه إن شاء " الأنعام: 41. وهذا من باب حمل المطلق على المفيد. قال ~~الجنيد: كنت بين يدي السري وأنا ابن تسع سنين، وبين يديه جماعة يتكلمون في ~~الشكر فقال لي: يا غلام ما الشكر؟ فقلت له: أن لا يعصى الله عز وجل بنعمه. ~~قال: يوشك أن يكون حظك من الله لسانك. فلا أزال أبكي على هذه الكلمة. فإن ~~قيل: ما معنى قوله " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها " إبراهيم: 34. وما ~~يحصل من الأفعال في الوجود يمكن احصاؤه؟ قلنا نعم الله على وجهين دفع ومنع، ~~فالمنع يمكن إحصاؤه ودفع البلايا نعم لا يمكن إحصاؤها، وما يدفع الله عنهم ~~مما في مقدوره من ذلك وما يدفع الله تعالى عن العبد لا يحصى. # فصل # ثم عدنا إلى أقوال العلماء والحكماء في الشكر فقال بعض الحكماء: موضع ~~الشكر من النعمة موضع القرى من الضيف، إن وجده لم يذم وإن عدمه لم يقم. ~~وأجمعت حكماء العرب والعجم على هذه اللفظة فقالوا: الشكر قيد النعم. ~~وقالوا: الشكر قيد الموجود وصيد المفقود. وقالوا: مصيبة وجب أجرها خير من ms175 ~~نعمة لا يؤدى شكرها. وقال بعض الحكماء: PageV01P087 من أعطى أربعة لم يمنع ~~أربعة: من أعطى الشكر لم يمنع المزيد، ومن أعطى التوبة لم يمنع القبول، ومن ~~أعطى الاستخارة لم يمنع الخيرة، ومن أعطى المشورة لم يمنع الصواب. وكان ~~يقال: إذا رعيت النعم بالشكر فهي أطواق، وإذا رعيت بالكفر فهي أغلال. قال ~~حبيب: # نعم إذا رعيت بشكر لم تزل ... نعما فإن لم ترع فهي مصائب # وبعث الحجاج إلى الحسن بعشرين ألف درهم فقال: الحمد لله الذي ذكرني. قال ~~علي بن أبي طالب: لا تكن ممن يعجز عن شكر ما أوتي، ويبتغي الزيادة فيما بقي ~~تنهى ولا تنتهي، وتأمر الناس بما لم تأت، تحب الصالحين ولا تعمل بما عملوا ~~وتبغض المسيئين وأنت منهم، تكره الموت لكثرة ذنوبك ولا تدعها طول حياتك. ~~وقال المغيرة بن سعيد: اشكر من أنعم عليك وأنعم على من شكرك. فإنه لا بقاء ~~لنعمة إذا كفرت ولا زوال لها إذا شكرت، وإن الشكر زيادة من النعم وأمان من ~~النقم. وكان الحسن يقول: ابن آدم متى تنفك عن شكر النعم وأنت مرتهن بها؟ ~~كلما شكرت نعمة تجدد لك بالشكر أعظم منها عليك، فأنت ما تنفك بالشكر عن ~~نعمة إلا إلى ما هو أعظم منها. # وقال سفيان: لما جاء البشير إلى يعقوب عليه السلام قال: على أي دين ~~تركته؟ قال: على السلام. قال: الحمد لله الآن تمت النعمة. وروى أن عثمان بن ~~عفان رضي الله عنه: دعا إلى قوم ليأخذهم على ريبة فافترقوا قبل أن يبلغهم، ~~فأعتق عثمان رقبة شكر الله تعالى إذا لم يجر على يديه فضيحة رجل مسلم. ~~ويروى أن الحسن بن علي التزم الركن وقال: إلهي نعمتني فلم تجدني شاكرا ~~وأبليتني فلم تجدني صابرا، فلا أنت سلبت النعمة بترك الشكر ولا أنت أدمت ~~الشدة بترك الصبر! إلهي ما يكون من الكريم إلا الكرم ولا من الجافي إلا ~~الجفا! وقال عون بن عبد الله: الخير الذي لا شر فيه الشكر مع العافية ~~والصبر عند المصيبة. # وروي أن نملة قالت ms176 لسليمان بن داود: يا نبي الله أنا على قدري أشكر لله ~~منك، وكان راكبا على فرس ذلول فخر عنه ساجدا ثم قال: لولا أني أبجلك لسألتك ~~أن تنزع عني ما أعطيتني. وقال صدقة بن يسار: بينما داود عليه السلام في ~~محرابه إذ مرت به دودة فتفكر في خلقها وقال: ما يعبأ الله تعالى بهذه؟ ~~فأنطقها الله تعالى وقالت: يا داود تعجبك نفسك، لأنا على قدر ما آتاني الله ~~أذكر لله وأشكر له منك فيما آتاك. ولمحمود الوراق: # إلهي لك الحمد الذي أنت أهله ... على نعم ما كنت قط لها أهلا! # متى ازددت تقصيرا تزدني تفضلا ... كأني بالتقصير أستوجب الفضلا! # وكان لبعضهم صديق فحبسه السلطان، فأرسل إليه فقال له صاحبه: اشكر الله ~~تعالى. فضرب الرجل فكتب إليه اشكر الله فجيء بمحبوس مجوسي مبطون، وقيد وجعل ~~حلقة في رجله وحلقة في رجل المجوسي، وكان المجوسي يقوم بالليل مرات ويحتاج ~~هذا إلى أن يقوم معه ويقف على رأسه حتى يفرغ، فكتب إلى صاحبه فقال: اشكر ~~الله تعالى فقال: إلى متى تقول وأي بلاء فوق هذا؟ فقال له صاحبه: لو وضع ~~الذي في وسطه في وسطك، كما وضع القيد الذي في رجله في رجلك ما كنت تصنع؟ ~~ولبعضهم: # ومن الرزية أن شكري صامت ... عما فعلت وأن برك ناطق # أأرى الصنيعة منك ثم أسرها ... إني إذن ليد الكريم لسارق! # وقال رجل لسهل بن عبد الله: إن اللص دخل داري وأخذ متاعي. فقال: اشكر ~~الله تعالى، لو دخل اللص إلى قلبك وهو الشيطان وأخذ التوحيد منه فما كنت ~~تصنع؟ ولما بشر إدريس عليه السلام بالمغفرة سأل المغفرة فقيل له فيه فقال ~~لأشكره فإني كنت أعمل قبل المغفرة، فبسط الملك جناحه فرفعه إلى السماء ~~ويروى أن نبيا من الأنبياء عليهم السلام مر بحجر صغير يخرج منه الماء فتعجب ~~منه فأنطقه الله تعالى فقال: منذ سمعت الله تعالى يقول " وقودها الناس ~~والحجارة " التحريم: 6 وأنا أبكي من خوفه، فدعا النبي عليه السلام أن يجيره ~~الله من النار، فأوحى ms177 الله إليه إني أجرته من النار، فمر النبي ثم عاد فوجد ~~الحجر يتفجر منه مثل ما كان، فعجب فأنطق الله تعالى الحجر فقال له: لم ~~تبكي؟ فقال ذلك بكاء الحزن والخوف، وهذا بكاء الشكر والسرور! وروى أن الله ~~تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام: ارحم عبادي المبتلى والمعافى. فقال: إلهي ~~ما بال المعافى؟ قال: PageV01P088 لقلة شكره على عافيتي إياه. وأولى رجل ~~أعرابيا إيلاء حسنا فقال: لا أبلاك الله بلاء يعجز عنه صبرك، ولا أنعم عليك ~~نعمة يعجز عنها شكرك! وأنشدوا: # سأشكر لا إني أجازيك منعما ... بشكري ولكن كي يرى ذلك الشكر # وأذكر أياما لدي اصطنعتها ... وآخر ما يبقى على الشاكر الذكر # ولبعضهم: # أوليتني نعما أبوح بشكرها ... وكفيتني كل الأمور بأسرها # فلأشكرنك ما حييت وإن أمت ... فلتشكرنك أعظمي في قبرها! # ولبعض العرب في المعنى: # إلهي قد أحسنت عودا وبدأة ... إلي فلم ينهض بإحسانك الشكر # فمن كان ذا عذر لديك وحجة ... فعذري إقراري بأن ليس لي عذر # وكان مطرف يقول: إلهي تكون منك النعمة وعليك تمامها، وأنت تعين على شكرها ~~وعليك ثوابها. وهذا باب عظيم من النعم على العباد. قال الله تعالى في ~~الثناء على بعض عباده: " إنه كان عبدا شكورا " . وقال شاكرا لأنعمه اجتباه ~~وكذلك سائر ما أثنى الله على عباده ثم قال تعالى: " ومن يشكر فإنما يشكر ~~لنفسه ومن يكفر فإن الله غني حميد " سورة لقمان: آية 12. " إن أحسنتم ~~أحسنتم لأنفسكم " سورة الإسراء: آية 7. ليس للرب تعالى فيها قليل ولا كثير، ~~فإنه أجل من أن ينال الحظوظ وأجل من أن يلحقه ثناء مثن أو شكر شاكر، فأخبر ~~أن العلو والجلال له دونهم وأنه مقدس عن الناس بثناء مثن أو كفر كافر. قال ~~تعالى: " يدعوكم ليغفر لكم " إبراهيم: 10 فواعجبا أعطى ثم أثنى! وقال علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه: كفر النعمة داعية للمقت، ومن جازاك بالشكر فقد ~~أعطاك أكثر ما أخذ منك، وحقيق بمن أسديت إليه نعمة أو قضيت له حاجة أن ~~يكافي، فإن لم يقدر فليشكر، فإن شكرها ms178 فقد أدى حقها. قال الشاعر: # فلو كان يستغني عن الشكر ماجد ... لرفعة مال أو علو مكان # لما أمر الرحمن بالشكر خلقه ... فقال: اشكروا لي أيها الثقلان # وقال بعضهم: # لئن عجزت عن شكر برك قوتي ... وأقوى الورى عن شكر برك عاجز # فإن ثنائي واعتقادي وطاعتي ... لأفلاك ما أوليتنيه مراكز # وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: وقفت علينا امرأة فقالت: يا قوم تغير ~~علينا الدهر إذ قل منا الشكر وفارقنا الغنى وحالفنا الفقر، فرحم الله امرأ ~~فهم بعقل وأعطى من فضل وواسى من كفاف وأعان على عفاف. شعر: # فلو كان للشكر شخص يبي ... ن إذا ما تأمله الناظر # لمثلته لك حتى ترا ... ه فتعلم أني آمر شاكر # ولكنه ساكن في الضمي ... ر يحركه الكلم السائر # وقيل للسري: ما الشكر؟ فقال: المكافأة على قدر الطاقة. قيل: فما الكفر؟ ~~قال: ترك الجزاء ولو بالثناء. قيل: وهل يكون أحد أبخل ممن يبخل بالثناء؟ ~~قال: نعم من عادى على الصنيعة. # الباب الخامس والثلاثون # في بيان السيرة يصلح عليها الأمير والمأمور # ويستريح لها الرئيس والمرؤوس وتسهل صحبة الخلائق أجمعين مستخرجة من ~~القرآن العظيم # قال الله تعالى: " وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم ~~أمثالكم " الأنعام: 38 فأثبت الله تعالى المماثلة بيننا وبين سائر البهائم، ~~ومعلوم أنهم لا يماثلونا في خلقنا ولا أشكالنا ولا عقولنا، ولا سائر ما ~~تدركه العين منهم ومنا فتبقى المماثلة في الأخلاق، فلا أحد من الخلق إلا ~~وفيه خلق من أخلاق البهائم، ولهذا تجد أخلاق الخلائق مختلفة، فإذا رأيت من ~~الإنسان خلقا خارجا عن الاعتدال، فانظر ما يماثل ذلك الخلق من خلق سائر ~~الحيوان، فألحقه به وعامله كما كنت تعامله، فحينئذ تستريح من منازعتهم ~~ويستريحون منك وتدوم الصحبة فإذا رأيت الرجل الجاهل في خلائقه الغليظ في ~~طباعه القوي في بدنه الذي لا يؤمن طغيانه وإفراطه، فألحقه بعالم النمور. ~~والعرب تقول: أجهل من نمر وأنت إذا رأيت النمر بعدت عنه ولا تخاصمه ولا ~~تشانئه فاسلك بالرجل كذلك. PageV01P089 وإذا رأيت الرجل الغالب على ms179 أخلاقه ~~السرقة خفية والنقب ليلا على وجه الاستتار، فهذا يماثل عالم الجرذ، فدع ~~ملاحاته ومخاصمته كما تدع سباب الجرذ إذا أفسد رحلك بما يصلح له. وإذا رأيت ~~الرجل هجاما على أعراض الناس وثلبهم فقد ماثل عالم الكلاب، فإن دأب الكلب ~~أن يجفو من لا يجفوه ويبتدي بالأذية من لا يؤذيه، فعامله بما كنت تعامل به ~~الكلب إذا نبحك! ألست تذهب في شأنك ولا تخاصمه ولا تسبه؟ فافعل بمن يهتضم ~~عرضك مثل ذلك. وإذا رأيت إنسانا قد جبل على الخلاف إن قلت لا قال نعم، وإن ~~قلت نعم قال لا، فألحقه بعالم الحمير، فإن دأب الحمار إن أدنيته بعد وإن ~~أبعدته قرب، وأنت تستمتع بالحمار ولا تسبه ولا تفارقه، فاستمتع أيضا بهذا ~~الإنسان ولا تسبه ولا تفارقه. # وإذا رأيت رجلا يطلب عثرات الناس وسقطاتهم، فمثله في الآدميين كمثل ~~الذباب في عالم الطير، فإن الذباب يقع على الجسد فيتحامى صحيحه ويطلب ~~المواضع النغلة منه ذوات المدة والدم والنجاسة، فاستر ذلك الموضع ولا ~~تخاصمه، وإذا بليت بسلطان يهجم على الأموال والأرواح فألحقه بعالم الأسود، ~~وخذ حذرك منه كما تأخذ حذرك من الأسد، وليس إلا الهرب منه كما قال النابغة: ~~ولا قرار على زأر من الأسد وإذا بليت بإنسان خبيث كثير الروغان فألحقه ~~بعالم الثعالب. وإذا بليت بمن يمشي بالنمائم ويفرق بين الأحبة فألحقه بعالم ~~الظربان، وهي دابة صغيرة تقول العرب عند تفرق الجماعة: فسا بينهم ظربان ~~فتفرقوا، وخاصة هذه الدويبة إذا جعلت وسط جماعة أن يتفرقوا، وكما أن ~~الجماعة إذا أقبلت نحوهم هذه الدابة طردوها ومنعوها الدخول بينهم، كذلك ~~ينبغي إخراج النمام من بين الجماعة، فإن لم يفعلوا يوشك أن يفرق بينهم ~~ويفسد قلوب بعضهم على بعض. وإذا رأيت إنسانا لا يسمع العلم والحكمة وينفر ~~من مجالس العلماء والحكماء، ويألف سماع أخبار الدنيا والخرافات وما يجري في ~~مجالس العوام، فألحقه بعالم الخنافس فإنه يعجبه أكل العذرات ويألف روائح ~~النجاسات، ولا تراه إلا ملابسا للأخلية والمرحضات وينفر من روائح المسك ~~والورد، وإذا طرح عليك ms180 المسك وماء الورد مات. # وإذا رأيت إنسانا إنما دأبه حفظ الدنيا لا يستحي من الوثوب عليها، فألحقه ~~بعالم الحدآن بأن تكن رحلك عنه. وإذا بليت بالرجل عليه الأناة والسكينة وقد ~~نصب أشراكه لاصطياد الدنيا، وأكل أموال الودائع والأمانات والأرامل ~~واليتامى فألحقه بعالم الذئاب، وهو كما قال فيه القائل: # ذئب تراه مصليا ... فإذا مررت به ركع # يدعو وجل دعائه: ... ما للفريسة لا تقع؟ # عجل بها يا ذا العلا ... إن الفؤاد قد انصدع! # فاحترز منه كما تحترز من الذئب. وإذا بليت بصحبة إنسان كذاب فاعلم أن ~~الإنسان الكذاب كالميت في الحكم، لأنه لا يقبل له خبر كما لا خبر للميت، ~~وكما لا تصحب الموتى لا يصحب الكذاب. وقد قيل في المثل: كل شيء شئ إلا صحبة ~~الكذاب لا شيء ويجوز أن يلحق بعالم النعام فإنه يدفن جميع بيضه تحت الرمل، ~~ثم يترك واحدة على وجه الرمل وأخرى تحت طاقة من الرمل، وسائر بيضه في قعر ~~الحفرة، فإذا رآه الغراب أخذ تلك البيضة ويكشف عن وجه الرمل فيجد الأخرى، ~~فيظن أنه ليس ثم شيء آخر. والخبير بحالة النعام إذا رأى البيضة لا يزال ~~بحفر حتى يصل إلى حاجته ولا يغتر بتلك البيضة، فكذلك الكذاب إذا سمعت منه ~~خبرا لا تصدقه حتى تبلغ الغاية في الكشف عنه. # وإذا رأيت رجلا إنما دأبه أن يصنع نفسه كما تصنع العروس لبعلها، يبيض ~~ثيابه ويعدل عمامته ويأنف أن يمسه شيء غيره وينظر في عطفيه ويطرح القذى عن ~~ثوبه، ليس له همة بين الجلساء إلا نظره إلى نفسه وإصلاح ما انثنى من ثيابه، ~~فألحقه بعالم الطواويس التي هذه صفتها فإنه يتبختر في مشيه، وينظر إلى نفسه ~~ويفرش ذنبه فتتخذه الملوك استحسانا له. وإذا رأيت إنسانا حقودا لا ينسى ~~الهفوات ويجازي بعد المدة على السقطات، فألحقه بعالم الجمال. والعرب تقول: ~~فلان أحقد من جمل. وكما تجتنب قرب الجمل الحقود فاجتنب صحبة الرجل الحقود. ~~PageV01P090 وإذا رأيت إنسانا منافقا يبطن خلاف ما يظهر فألحقه بعالم ~~اليربوع، وهو فأر يكون في البرية ms181 يتخذ حجرا تحت الأرض يقال له النافقاء، ~~وله فوهتان يدخل من إحداهما ويخرج من الأخرى، ومنه اشتق اسم المنافق فإذا ~~هم أحد بأخذه دخل حجره وخرج من الباب الآخر، فيحفر الصياد خلفه فلا يظفر ~~بشيء، كذلك حال المنافق لا يصح منه شيء وعلى هذا النمط كن في صحبة الناس ~~تستريح منهم وتريحهم، فلعمر الله ما استقامت لي صحبة الناس وسكنت نفسي ~~واستراحت من مكابدة أخلاقهم، إلا من حيث سرت معهم بهذا السير! وقال ~~الرباحي: يا بني رباح لا تحقروا صغيرا تأخذون عنه، فإني أخذت من الثعلب ~~روغانه ومن القرد مكائده، ومن السنور صرعه ومن الكلب صولته ومن ابن آوى ~~حذره، وقد تعلمت من القمر مشي الليل ومن الشمس الظهور الحين بعد الحين. # الباب السادس والثلاثون # في بيان الخصلة التي فيها غاية كمال السلطان # وشفاء الصدور وراحة القلوب وطيب النفوس # اعلم أيها الملك أنك إن كملت فيك الخصال المحمودة والأخلاق المشكورة ~~والسيرة المستقيمة، وخالفت نفسك وقهرت هواك ووضعت الأشياء مواضعها، ثم إن ~~الرعية اهتضمت حقك وجهلت قدرك ولم توفك حظك، وبلغك منهم ما يسؤك ورأيت منهم ~~ما لا يعجبك، فاعلم أنك لست بإله فلا تطمع أن يصفو لك منهم ما لا يصفو منهم ~~للإله. وفصل الخطاب في هذا الباب أن تعلم أن الله خلق الخلائق أجمعين وأنعم ~~عليهم بأنواع من النعم، فأكمل حواسهم وخلق فيهم الشهوات ثم أفاض عليهم نعمة ~~فكملت لهم اللذات، وبعد هذا فما قدروا الله حق قدره ولا عظموه حق عظمته، بل ~~قالوا فيه ما لا يليق به ووصفوه بما يستحيل عليه، وأضافوا إليه ما يتقدس ~~عنه وسلبوه ما يجب له من الأسماء الحسنى والصفات العلى، فمنهم من قال هو ~~ثالث ثلاثة، ومنهم من قال له زوجة، ومنهم من قال له ابن، ومنهم من قال له ~~البنات، ومنهم من يجسمه ومنهم من يشبهه، ومنهم من أنكره رأسا وقالوا ما ~~للخلق صانع كما حكاه الخالق عنهم فقال: نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ~~وهو مع ذلك يحييهم ويميتهم ويصح ms182 أجسامهم وحواسهم ويرزقهم وينعمهم ويقضي ~~مآربهم وأوطارهم، ويمتعهم متاعا حسنا ويبلغهم آمالهم في معظم ما يحتاجون ~~إليه، فمعاصيهم إليه صاعدة وبركاته عليهم نازلة، كل يعمل على شاكلته وينفق ~~مما عنده، وكل ذي حال أولى بها. # وفي مناجاة موسى عليه السلام أنه قال: إلهي أسألك أن لا يقال في ما ليس ~~في! فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى ذلك شيء ما فعلته لنفسي فكيف أفعله لك؟ ~~وفي هذه السيرة عبرة لمن اعتبر وذكرى لمن تذكر، مع أنك إن التمست رضاء جميع ~~الناس التمست ما لا يدرك، وكيف يدرك رضاء جميع المخلوقين؟ فيا أيها الملك ~~الذي كتب الله عليه الفناء والعمر القصير والزمان اليسير والأيام المعدودة ~~والأنفاس المحصورة، كيف أردت أن يصفو لك من الرعية ما لم يصف منهم لخالقهم ~~ورازقهم ومحييهم ومميتهم؟ هيهات هيهات بعيد ما طلبت ومستحيل ما أملت! فلك ~~في الله أسوة حسنة أن ترضى منهم ما رضي الله تعالى منهم، وتسير فيهم بسيرة ~~ربهم فيهم، ألم تر كيف أحسن إليك ورضي منك باليسير من العمل، وأكثر لك من ~~النعم والأموال والخول؟ وانظر كيف يستر زلاتك ويغفر هفواتك، ولا يفضحك في ~~خلواتك، ففي هذا ما يمهد النفوس ويهذب ذوي العقول ويهدي إلى الصواب، ويوضح ~~طريق الرشاد. ولله در عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لقد كان راغبا لما تلوته ~~عليك، فإنه روى عنه أنه كتب إلى عمرو بن العاصي: كن لرعيتك كما تحب أن يكون ~~لك أميرك! # الباب السابع والثلاثون # في بيان الخصلة التي فيها ملجأ الملوك عند الشدائد # ومعقل السلاطين عند اضطراب الأمور وتغيير الوجوه والأحوال # أيها الملك إذا اعتجلت الأمور في صدرك واضطربت عليك القواعد، ومرجت في ~~قلبك وجوه الآراء وتنكرت عليك المعارف، واكفهر لك وجه الزمان ورأيت آثار ~~الغير، فلا تغلبنك خصلتان اترك للناس دينهم ودنياهم ولك الزمان من طوارق ~~الحدثان وما يأتي به الملوان؛ فقد ترى أن المأمون قال في آخر موافقته مع ~~أخيه الأمين: قد نفذت الأموال وألحت الأجناد في طلب الأرزاق فقال المأمون: ms183 ~~بقيت لأخي خصلة لو فعلها ملك موضع قدمي هاتين قيل له: وما هي؟ فقال: ~~PageV01P091 والله إني لأضن بها على نفسي فكيف على غيري؟ فلما خلص له الأمر ~~سئل عن تلك الخصلة فقال: لو أن الأمين نادى في جميع بلاده أنه قد حط ~~الخراجات والوظائف السلطانية وسائر الجبايات عشر سنين، ملك علي ولكن الله ~~غالب على أمره. # ولما خشي المأمون انتقاض بيعته مع أهل خراسان في فتنته مع أخيه الأمين، ~~فاستشار الفضل بن سهل وكان وزيره فقال له الفضل: قد قرأت القرآن وحديث ~~النبي صلى الله عليه وسلم، والذي عندي أن تجمع الفقهاء وتدعوهم إلى الحق ~~والعمل به وإحياء السنة، وبسط العدل والقعود على اللبود وتواصل النظر في ~~كشف المظالم، وتكرم القواد والملوك وأبناء الملوك تعدهم بالمواعيد الكريمة ~~والمراتب السنية والولايات المشاكلة، ففعل ذلك وحط عن أهل خراسان ربع ~~الخراج، فمالت وجوه الخلائق إليه وكانوا يقولون: ابن أختنا وابن عم نبينا ~~عليه الصلاة والسلام. وانقاد إليه رافع بن الليث وكان من عظماء الملوك ~~بخراسان. ودخل تحت هذه الترجمة أمر اتفق عليه حكماء العرب والروم والفرس ~~والهند وهو أن يصطنع وجوه كل قبيلة والمقدمين من كل عشيرة، ويحسن إلى حملة ~~القرآن وحفظة الشريعة ويدني مجالسهم، ويقرب الصالحين والمتزهدين وكل مستمسك ~~بعروة الدين. # وكذلك يفعل بالأشراف من كل قبيلة والرؤساء المتبوعين من كل نمط، فهؤلاء ~~هم أزمة الخلق وبهم يملك من سواهم. فمن كمال السياسة والرياسة أن يبقى على ~~كل ذي رياسة رياسته وعلى كل ذي عز عزه وعلى كل ذي منزلة منزلته، فحينئذ ~~تكون لك الرؤساء أعوانا، ومن دانت له الفضلاء من كل قبيلة فأخلق به أن يدوم ~~سلطانه، والعامة والأتباع دون مقدميهم وساداتهم أجساد بلا رؤوس، وأشباح بلا ~~أرواح وأرواح بلا قلوب. ولما قامت العامة على السلطان بقرطبة ولبسوا ~~السلاح، كان شيخ جالس على كير يعالج صنعته فقال: ما بال الناس؟ قالوا: قامت ~~العامة على السلطان. قال: ولهم رأس؟ قالوا: لا. قال: سق الكير يا صبي! ~~فسارت مثلا. # الباب الثامن والثلاثون ms184 # في بيان الخصال الموجبة لذم الرعية للسلطان # قال حكيم الفرس: ذم الرعية للملك على ثلاثة أوجه: إما كريم قصر به على ~~قدره ذلك طعنا، وإما لئيم بلغ به فوق قدره فأورثه ذلك بطرا، وإما رجل منع ~~خصلة من الإنصاف. وفي الأمثال: إحسانك إلى الحر يبعثه على المكافأة، ~~وإحسانك إلى اللئيم الخسيس يبعثه على معاودة المسألة. وقيل للإسكندر: إن ~~فلانا يبغضك ويسيء الثناء عليك! فقال: أنا أعلم أنه ليس بشرير، فينبغي أن ~~نعلم هل أتاه من ناحيتنا أمر دعاه إلى ذلك؟ فبحث عن حاله فوجدها رثة، فأمر ~~له بصلة سنية، فبلغه بعد ذلك أنه بسط لسانه بالثناء عليه فقال: أما ترون أن ~~الأمر إلينا أن يقال فينا خيرا أو شرا؟ وينبغي للسلطان أن لا يتخذ الرعية ~~مالا أو قنية فيكون عليهم بلاء وفتنة، ولكن يتخذهم أهلا وإخوانا فيكون له ~~جندا وأعوانا، وقد سبق المثل: إصلاح الرعية خير من كثرة الجنود. # الباب التاسع والثلاثون # في مثل السلطان العادل والجائر # مثل السلطان العادل مثل الياقوتة النفيسة الرقيعة في وسط العقد، ومثل ~~الرعية مثل سائر الشذر فلا تلحظ العيون إلا الواسطة، وأول ما يبصر المبصرون ~~وينقد الناقدون الواسطة، وإنما يثنى المثنون على الواسطة، وكلما حسنت ~~الواسطة غمرت سائر الشذر فلا يكاد يذكر؛ كما قال ابن صعدة: لقيت بالحجاز ~~بين مكة والمدينة سكينة بنت الحسين رضي الله عنهما، فكشفت عن وجه ابنتها ~~فإذا وجه كأنه فلقة قمر، فقد أثقلتها بالجواهر واليواقيت وأنواع الدرر ~~فالتفتت إلي وقالت: والله ما علقته عليها إلا لتفضحه. وكما أن جمال الملك ~~أن يلي الواسطة الأفضل من الشذر، وإن كان خلاف ذلك كان سيئ النظم، كذلك ~~السلطان ينبغي أن يكون الأقرب فالأقرب إليه أهل العلم والعقل والأدب، ~~والرأي والأصالة والشرف والحصافة وذوي الكمال من كل قبيلة، وإن كان على ~~خلاف ذلك فهو نقص في التدبير وكما أن جمال العقد بواسطته، كذلك جمال الرعية ~~بكمال سلطانهم وفضله وبراعته وعدله. PageV01P092 ومثل السلطان الجائر مثل ~~الشوكة في الرجل، فصاحبها تحت ألم وقلق ويتداعى لها ms185 سائر الجسد، ولا يزال ~~صاحبها يروم قلعها ويستعين وبما في ميسوره من الآلات والمناقيش والإبر على ~~إخراجها، لأنها في غير موضعها الطبيعي ويوشك أن يقلع بالأجرة، فأين غرر ~~الياقوت من شوك القتاد: وروى أبو داود أن خاتم دانيال النبي عليه السلام ~~كان عليه منقوش صورة أسدين، وبينهما صورة دانيال وهما يلحسانه لئلا ينسى ~~نعمة الله عليه. # الباب الأربعون # فيما يجب على الرعية إذا جار السلطان # اعلم أرشدك الله أن الزمان وعاء لأهله، ورأس الوعاء أطيب من أسفله كما أن ~~رأس الجرة أروق وأصفى من أسفلها. فلئن قلت: إن الملوك اليوم ليسوا مثل ~~الملوك الذين مضوا، فالرعية أيضا ليسوا كمن مضى من الرعية. ولست بأن تذم ~~أميرك إذا نظرت آثار من مضى منهم بأولى من أن يذمك أميرك إذا نظر آثار من ~~مضى من الرعية، فإذا جار عليك السلطان فعليك الصبر وعليه الوزر. روى ~~البخاري في صحيحه عن عبادة بن الصامت قال: بايعنا النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ~~ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم ~~فيه من الله برهان. ومنه قال ابن عباس: من كره من أمير شيئا فليصبر عليه، ~~فإنه من خرج عن السلطان شبرا مات ميتة جاهلية وعنه في رواية أخرى: من فارق ~~الجماعة شبرا فمات إلا مات ميتة جاهلية. # قال ابن مسعود: قال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: إنكم سترون بعدي أثرة ~~وأمورا تنكرونها. قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: أدوا إليهم حقوقهم ~~واسألوا الله حقكم. وروى أبو داود في سننه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: سيأتيكم ركب مبغضون يطلبون منكم ما لا يجب عليكم فإذا سألوا ذلك ~~فأعطوهم ولا تسبوهم وليدعوا لكم. وهذا حديث عظيم الموقع في هذا الباب، ~~فندفع إليهم ما طلبوا من الظلم ولا ننازعهم فيه، ونكف ألسنتنا عن سبهم. # يا عبد الله لا تجعل سلاحك على من ظلمك الدعاء عليه ms186 ولكن الثقة بالله فلا ~~محنة فوق محنة إبراهيم عليه السلام لما جعلوه في كفة المنجنيق ليقذف به في ~~النار قال: اللهم إنك تعلم إيماني بك وعداوة قومي فيك فانصرني عليهم واكفني ~~كيدهم. وقال مالك بن دينار: وجدت في بعض الكتب: يقول الله تعالى: إني أنا ~~الله مالك الملك قلوب الملوك بيدي، فمن أطاعني جعلتهم عليهم رحمة، ومن ~~عصاني جعلتهم عليهم نقمة فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك ولكن توبوا إلي ~~أعطفهم عليكم. وفي بعض الكتب: ابن آدم تدعوا على من ظلمك ويعوا عليك من ~~ظلمته، فإن شئت أجبت لك وأجبت عليك، وإن شئت أخرت الأمر إلى يوم القيامة ~~فيسعكم العفو. وقال سليمان بن داود عليه السلام: لا تجعل ملجأك في الأعداء ~~المكافأة ولكن الثقة بالله. وروى أبو داود في السنن قال: سرقت ملحفة لعائشة ~~رضي الله عنها، فجعلت تدعوه على من أخذها فسمعها النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: ألا تستحي؟ يعني ألا تخففي عنه فنهاها عن الدعاء على الظالم كما ترى ~~فإذا قال المظلوم في دعائه: اللهم لا توفقه فقد دعا على نفسه وعلى سائر ~~الرعية، لأنه من قل توفيقه ظلمك ولو كان موفقا ما ظلمك، فإن استجيب دعاؤك ~~فيه زاد ظلمه لك. ومن الألفاظ المروية عن سلف هذه الأمة قولهم: لو كانت ~~عندنا دعوة مستجابة ما جعلناها إلى في السلطان. وقال الفضيل: لو ظفرت ببيت ~~المال لأخذت من حلاله وصنعت منه طيب الطعام، ثم دعوت الصالحين وأهل الفضل ~~من الأبرار والأخيار، فإذا فرغوا قلت لهم: تعالوا ندعوا ربنا أن يوفق ~~ملوكنا وسائر من يلي علينا وجعل إليه أمرنا. # ولما قدم معاوية المدينة دخل دار عثمان فقالت عائشة بنت عثمان: واأبتاه! ~~فقال معاوية: يا ابنة أخي إن الناس أعطونا طاعة وأعطيناهم أمانا، وأظهرنا ~~لهم حلما تحت غضب فأظهروا لنا طاعة تحتها حقد، ومع كل إنسان سيفه وهو يرى ~~مكان انتصاره، فإن نكثنا بهم نكثوا بنا ولا ندري تكون علينا أم لنا، ولأن ~~تكوني ابنة عم أمير المؤمنين خير من أن ms187 تكوني امرأة من عرض المسلمين. وروي ~~أن رجلا من العقلاء غصبه بعض الولاة ضيعة له واعتدى عليه، فذهب إلى المنصور ~~فقال له: أصلحك الله! أأذكر لك حاجتي أم أضرب لك قبلها مثلا؟ فقال له: ~~PageV01P093 بل اضرب لي قبلها مثلا. فقال: أصلحك الله إن الطفل الصغير إذا ~~نابه أمر يكرهه فإنه يفر إلى أمه لنصرته، إذ لا يعرف غيرها ظنا منه أنه لا ~~ناصر له فوقها، فإذا ترعرع واشتد فأوذي كان فراره وشكواه إلى أبيه، لعلمه ~~أن أباه أقوى من أمه على نصرته، فإذا بلغ وصار رجلا وحزبه أمر شكا إلى ~~الوالي، لعلمه بأنه أقوى من أبيه فإن زاد عقله واشتدت شكيمته شكى إلى ~~السلطان لعلمه بأنه أقوى ممن سواه، فإن لم ينصفه السلطان شكا إلى الله ~~تعالى لعلمه بأنه أقوى من السلطان. وقد نزلت بي نازلة وليس فوقك أحد أقوى ~~منك إلا الله تعالى، فإن أنصفتني وإلا رفعت أمرها إلى الله تعالى في ~~الموسم، فإني متوجه إلى بيته وحرمه قال: بل ننصفك. وأمر أن يكتب إلى واليه ~~برد ضيعته إليه. # الباب الحادي والأربعون # في كما تكونوا يولى عليكم # لم أزل أسمع الناس يقولون: أعمالكم عمالكم، كما تكونوا يولى عليكم، إلى ~~أن ظفرت بهذا المعنى في القرآن؛ قال الله تعالى: " وكذلك نولي بعض الظالمين ~~بعضا " الأنعام: 129 وكان يقال: ما أنكرت من زمانك فإنما أفسده عليك عملك. ~~وقال عبد الملك بن مروان: ما أنصفتمونا يا معشر الرعية، تريدون منا سيرة ~~أبي بكر وعمر ولا تسيرون فينا ولا في أنفسكم بسيرتهما، نسأل الله أن يعين ~~كل على كل. وقال قتادة: قالت بنو إسرائيل: إلهنا أنت في السماء ونحن في ~~الأرض فكيف نعرف رضاك من سخطك؟ فأوحى الله تعالى إلى بعض أنبيائهم: إذا ~~استعملت عليكم خياركم فقد رضيت عنكم، وإذا استعملت عليكم شراركم فقد سخطت ~~عليكم. # وقال عبيدة السلماني لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين ما ~~بال أبي بكر وعمر انطاع الناس لهما، والدنيا عليهما أضيق من شبر فاتسعت ms188 ~~عليهما ووليت أنت وعثمان الخلافة ولم ينطاعوا لكما، وقد اتسعت فصارت عليكما ~~أضيق من شبر؟ فقال: لأن رعية أبي بكر وعمر كانوا مثلي ومثل عثمان، ورعيتي ~~أنا اليوم مثلك وشبهك! وكتب أخ لمحمد بن يوسف يشكو إليه جور العمال، فكتب ~~إليه محمد بن يوسف: بلغني كتابك وتذكر ما أنتم فيه، وليس ينبغي لمن يعمل ~~المعصية أن ينكر العقوبة، ولم أر ما أنتم فيه إلا من شؤم الذنوب، والسلام؟ ~~الباب الثاني والأربعون في بيان الخصلة التي تصلح بها الرعية اعلم أن أدعى ~~خصال السلطان إلى إصلاح الرعية وأقواها أثرا في تمسكهم بأديانهم وحفظهم ~~لمرواتهم، إصلاح السلطان نفسه وتنزيهه عن سفساف الأخلاق وبعده عن مواضع ~~الريب، وترفيعه نفسه عن استصحاب أهل البطالة والمجون واللعب واللهو ~~والإعلان بالفسوق؛ وقد كانت صحبة محمد الأمين لذلك الرجل الخليع والماجن ~~الرقيع أبي نؤاس الشاعر وصمة عظيمة عليه، أوهن بها سلطانه ووضع عند الخاص ~~والعام قدره، وأطلق ألسنة الخلق بالشتم والثناء القبيح على نفسه، فحاربه ~~بذلك أخوه المأمون على الولاية ووجه طاهر بن الحسين لمحاربته ببغداد، ~~وحاربه حتى قتله وأنفذ برأسه إلى المأمون، وكان يعمل كتبا تقرأ على المنابر ~~من خراسان فيقف الرجل فيذم أهل العراق فيقول: أهل فسوق وخمور وماخور! ويعيب ~~الأمين بذلك فيقول: استصحب أبا نؤاس رجلا شاعرا ماجنا كافرا، يستصحبه معه ~~لشرب الخمور وارتكاب المآثم ونيل المحارم. وهو القائل: # ألا فاسقني خمرا وقل لي: هي الخمر! ... ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر # وبح باسم من تهوى ودعني من الكنى ... فلا خير في اللذات من دونها ستر! # حتى تغيرت عليه نفوس الخلق وتنكرت له وجوه الورى، فلما بلغ ذلك الأمين ~~حبسه، ثم أطلقه بعد أن أخذ عليه أن لا يشرب خمرا ولا يقول فيه شعرا. فمتى ~~أراد السلطان إصلاح رعيته وهو متماد على سيئ أخلاقه، كان كمن أراد بقاء ~~الجسد مع فقد رأسه، أو أراد استقامة الجسم مع عدم حياته، وكمن أراد تقويم ~~الضلع مع اعوجاج الشخص، وكيف يحيا النون مع فساد الماء؟ ولقد أصاب ms189 الخليل ~~في قوله: أصلح نفسك لنفسك يكون الناس تبعا لك وقديما قيل: من أصلح نفسه ~~أرغم أنف أعاديه، ومن أعمل جده بلغ كنه أمانيه. وسئل بعض الحكماء: بم ينتقم ~~الإنسان من عدوه؟ قال: بإصلاح نفسه. ولأبي الفتح البستي: # إذا غدا ملك باللهو مشتغلا ... فاحكم على ملكه بالويل والحرب! ~~PageV01P094 أما ترى الشمس في الميزان هابطة ... لما غدا وهو برج اللهو ~~والطرب؟ # وصحبة الأشرار تورث البوار وصحبة الأخيار تقتل النار، وصحبة الأخيار تقتل ~~النار، وصحبة الأشرار كالريح إذا مرت على النتن حملت نتنا، وإذا مرت على ~~الطيب حملت طيبا، فمحال إصلاح رعيتك وأنت فاسد وإرشادهم وأنت غاو وهدايتهم ~~وأن تضال. وقد سبق المثل: من العجائب أعمش كحال. وتقول العرب: يا طبيب طبب ~~نفسك. وكيف يقدر الأعمى على أن يهدي والفقير على أن يغني والذليل على أن ~~يعز، فبعدك عن تطهير غيرك من العيوب قبل تطهير نفسك، كبعد الطبيب عن إبراء ~~غيره من داء به مثله. وقال بعض حكماء الهند: لن يبلغ ألف رجل في إصلاح رجل ~~واحد، بحسن القول دون حسن الفعل، ما يبلغ رجل واحد في إصلاح ألف رجل بحسن ~~الفعل دون القول. وفيه قول القائل: # يا أيها الرجل المعلم غيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليم؟ # تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا ... كيما يصح به وأنت سقيم # ما زلت تلقح بالرشاد عقولنا ... صفة وأنت من الرشاد عديم # ابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإن انتهت عنه فأنت حكيم # فهناك يقبل ما تقول ويقتدى ... بالرأي منك وينفع التعليم # لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم! # ولكن أقوى الأسباب في صلاحهم عند قوة صلاحه استعماله عليهم الخاصة منهم، ~~وذوي الأحلام الراجحة والمروآت القائمة والأذيال الطاهرة، فمتى كان رأس ~~العامة سراتهم فهو الطريق إلى حفظ أديانهم ومروآتهم، وتماسكهم عن الانهماك ~~في المحظورات وملابسة المحرمات. قال الشاعر: # لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا # وقال مردك الفارسي: خلتان في السلطان أقرب إلى صلاح الرعية مما سواهما: ~~ثقة ms190 الرأي وشدة الرحمة. وما أحق بالسلطان أن يسلك بالرعية كل سبيل يصلحون ~~عليه ويسودون معه، فحينئذ يكون رئيس الرؤساء وأميرا على السادة والفضلاء، ~~وإن أهملهم في ركوب شهواتهم وتوسط لذاتهم، ذهبت أديانهم وسقطت مروآتهم ~~وبقوا كما جاء في المثل في الجماعة المذمومة تقول العرب في القوم لا رؤساء ~~فيهم ولا سراة بينهم: هم سواسية كأسنان الحمار وتقول سواسية كأسنان المشط؛ ~~وفيهم يقول الشاعر: # سواسية كأسنان الحمار أما ترى ... لذي شيبة منهم على ناشئ فضلا # ولئن تكون أميرا على الفضلاء والرؤساء خير من أن تكون أميرا على الأخساء ~~والدمادية والغوغاء والدناة. وقد قال عبد الملك بن مروان يوما وقد استقام ~~له الأمر: من يعذرني من عبد الله بن عمر، فإنه أبى أن يدخل في سلطاني؟ فقال ~~له بعض جلسائه: تستحضره وتضرب عنقه وتستريح منه! فقال عبد الملك: ويلك! إذا ~~قتلت ابن عمر على من أكون أميرا؟ ولما سار داود إلى الحجاز في الدولة ~~العباسية ليقتل من هناك من بني أمية، قال له عبد الله بن الحسين: يا ابن عم ~~إذا أسرعت في قتل أكفائك فمن تباهي بسلطانك؟ اعف يعف الله عنك! فعفا. # وقال أرسطاطاليس للأسكندر: استصلح الرعية وأذهب شرهم تكن رئيس الأخيار ~~الممدوحين، ولا تكن رئيس الأشرار المذمومين فتكون كراعي البقر. ولما استولى ~~تبع على ملك الهند قال له: قد وهبتك لقومك ووهبتهم لك، فأنزلهم منازلهم ~~وبلغهم مراتبهم، فكا أمة لم تبلغ مراتبها وغلت صدورها وغلت قلوبها فاستحقت ~~فتكها، وهان عليها أعمارها وملك أمورها شرارها، وأنت أعلم بهم، فمن أطناب ~~المملكة وقواعدها أن لا يسلب رئيس رياسته ويبقي على كل ذي عز عزه، ويولي كل ~~ذي منزلة منزلته فحينئذ يأمن من نوائب الأعداء التي هي نتائج الضغائن ~~والأحقاد. # الباب الثالث والأربعون # فيما يملك السلطان من الرعية # كتب أرسطا إلى الإسكندر: PageV01P095 املك الرعية بالإحسان تظفر منهم ~~بالمحبة، فإن طلب ذلك منهم بالإحسان هو أدوم بقاء منهم بالاعتساف. واعلم ~~أنك إنما تملك الأبدان فتتخطاها إلى القلوب بالمعروف، واعلم أنه إذا عدل ~~السلطان ملك ms191 قلوب الرعية، وإذا جار لم يملك منهم إلا التصنع والرياء. وفي ~~سير المتقدمين: قلوب الرعية خزائن ملوكها، فما أودعوها من شيء فليعملوا أنه ~~فيها. واعلم أن الرعية إذا قدرت على أن تقول قدرت على أن تفعل، فاجتهد أن ~~لا تقول تسلم من أن تفعل. وليس هذا خلاف ما روي عن معاوية أن رجلا أغلظ له، ~~فحلم عليه فقيل له: أتحلم على مثل هذا؟ فقال: إني لا أحول بين الناس ~~وألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين سلطاننا، وذلك تفسير قوله فاجتهد أن لا ~~تقول يعني إذا عدلت تكلموا بشيء. # وهذه السيرة أحسن من سيرة أزدشير، لما رفع إليه جماعة من بطانته قد فسدت ~~نياتهم، فوقع: نحن معاشر الملوك إنما نملك للأجساد لا النيات، ونحكم بالعدل ~~لا بالرضى ونفحص عن الأعمال لا عن السرائر. قلت: وإنما تحسن هذه السيرة لمن ~~عجز عن الأولى، لأن ملك الأجساد قد يكون بالعدل، وأين هذا من قوله وقد رفع ~~إليه: إنك ركبت أمس في عدة قليلة وتلك حالة لا يؤمن اغتيال الأعداء فيها! ~~فوقع: من عم إحسانه أمن أعداءه وما أحسن ما قال عبد الملك بن مروان: يا أهل ~~الشام إنما أنا لكم كالظليم الرائح على فراخه ينفي عنها القذر، ويباعد عنهم ~~الحجر ويكنهم من المطر، ويحميهم من الضباب ويحرسهم من الذئاب، يا أهل الشام ~~أنتم الجنة والرداء وأنتم العدة والفداء! وقالت العجم: أسوس الملوك من قاد ~~رعيته إلى طاعته بقلوبها. ولا ينبغي للوالي أن يرغب غي الكرامة التي ينالها ~~من العامة كرها، ولكن في التي يستحقها بحسن الأثر وصواب التدبير. وقال عمر ~~بن عبد العزيز: إني لأجمع أن أخرج للمسلمين أمرا من العدل، فأخاف أن لا ~~تحمله قلوبهم فاخرج معه طمعا من طمع الدنيا، فإن نفرت القلوب من هذا سكنت ~~إلى هذا. وقال معاوية لزياد: من أسوس الناس أنا وأنت؟ فقال: يا أمير ~~المؤمنين ما جعل الله رجلا حفظ الناس بسيفه كمن سمع الناس وأطاعوا له ~~باللين. وروى أن سليم مولى زياد فخر بزياد عند ms192 معاوية فقال معاوية: اسكت! ~~فما أدرك صاحبك بسيفه إلا أدركت أكثر منه بلساني! # الباب الرابع والأربعون # في التحذير من صحبة السلطان # اتفقت حكماء العرب والعجم فيوصاياهم على النعي عن صحبة السلطان. قال في ~~كتاب كليلة ودمنة: ثلاثة لا يسلم عليها إلا القليل: صحبة السلطان وائتمان ~~النساء على الأسرار وشرب السم على التجربة. وكان يقال: قد خاطر بنفسه من ~~ركب البحر، وأعظم منه خطرا صحبة السلطان وقال مردك: أحق الأمور بالتثبت ~~فيها أمر السلطان، فإنه من صحب السلطان بغير عقل فقد لبس شعار الغرور. وفي ~~حكم الهند أيضا: صحبة السلطان على ما فيها من العز والثروة عظيمة الخطر، ~~وإنما تشبه بالجبل الوعر فيه الثمار الطيبة والسباع العادية والثعابين ~~المهلكة، فالارتقاء إليه شديد والمقام فيه أشد، وليس يكافئ خير السلطان ~~شره، لأن خير السلطان لا يعدو مزيد الحال وشر السلطان قد يزيل الحال ويتلف ~~النفس التي لها طلب المزيد، ولا خير في الشيء الذي في سلامته مال وجاه وفي ~~نكبه الجائحة والتلف. # ولهذا لما قيل للعتابي: لم لا تصحب السلطان على ما فيك من الأدب؟ قال: ~~لأني رأيته يعطي عشرة آلاف في غير شيء، ويردي من السور في غير شيء، ولا ~~أدري أي الرجلين أكون. وأخبرني أبو العباس الحجازي، وكان ممن درج أرض الهند ~~والصين وانتهى إلى صين الصين إلى جبل الياقوت بالهند، وأن فيه ثعابين عظيمة ~~ليس في معمور الأرض أعظم منها، وأن الواحد منها ليبلغ الثور صحيحا فلا يصل ~~أحد إلى ذلك الجبل ولا يقربه، فإذا كثرت الأمطار أحدرت السيول منه الحصى ~~وسائر ما فيه من المنافع إلى مستقر المياه على مسيرة أيام من الجبل، فيبحث ~~الناس عن ذلك الحصى فيوجد فيه الواحدة بعد الواحدة من أحجار الياقوت. # وقال معاوية لرجل من قريش: إياك والسلطان فإنه يغضب غضب الصبي ويبطش بطش ~~الأسد! وقال المأمون: لو كنت رجلا من العامة ما صحبت السلطان. وقال الأحنف ~~بن قيس: PageV01P096 ثلاثة لا أقولهن إلا ليقتدى بهن: لا أتكلف الجليسي إلا ~~بما أحضره به ولا ms193 أدخل في أمر لا أدخل فيه، ولا آتي السلطان إلا أن يرسل ~~إلي. وقال ابن المقفع لابنه: إن وجدت من السلطان وصحبته غناء فاغن عنه نفسك ~~واعتز له جهدك، فإنه من يأخذه السلطان بحقه يحل بينه وبين لذات الدنيا، ومن ~~لا يأخذه بحقه يكسبه الفضيحة في الدنيا والوزر في الآخرة. وقال ميمون بن ~~مهران: قال لي عمر بن عبد العزيز: يا ميمون احفظ عني أربعا ل تصحب سلطانا ~~وإن أمرته بالمعروف ونهيته عن المنكر، ولا تخلون بامرأة وإن أقرأتها ~~القرآن، ولا تصل من قطع رحمه فإنه لك أقطع، ولا تتكلم بكلام اليوم تعتذر ~~منه غدا. وفي منثور الحكم: كثرة الأشغال مذهلة عن وجود اللذات بكنهها. وكم ~~قد رأينا وبلغنا ممن صحب السلطان من أهل العقل والفضل والعلم والدين ليصلحه ~~ففسد هو به. فكان كما قال الأول: # عدوى البليد إلى الذكي سريعة ... والجمر يودع في الرماد فيخمد # ومثل من يصحب السلطان ليصلحه مثل من ذهب ليقيم حائطا مائلا، فاعتمد عليه ~~ليقيمه فخر الحائط عليه فأهلكه. وفي كتاب كليلة ودمنة: لا يسعد من ابتلى ~~بصحبة الملوك فإنهم لا عهد لهم ولا وفاء ولا قريب ولا حميم، ولا يكرم عليهم ~~إلا أن يطمعوا فيما عنده فيقربوه عند ذلك، فإذا قضيت حاجتهم تركوه ولا ود ~~ولا إخاء إلا بجر البلاء والذنب لا يغفر. وقال بزرجمهر: لا تصلح صحبة ~~السلطان إلا بالطاعة والبذل، ولا مواخاة الإخوان إلا باللين والمواساة، ~~وقال بعض حكماء الفرس: المال والسلطان مفسدان لكل أحد إلا لرجل له عقل ~~كامل. وقالت الحكماء: صاحب السلطان كراكب الأسد، يخافه الناس وهو لمركبه ~~أخوف. وقالوا: من لزم باب السلطان فصبر صبرا جميلا وكظم الغيظ وطرح الأذى، ~~وصل إلى حاجته الكرم لا يتعلق بأكرم الشجر لكن بأدناه. وكانت العرب تقول: ~~إن لم تكن من قرباء الملك فكن من بعدائه. وفي حكم الهند: إنما مثل السلطان ~~في قلة وفائه في أصحابه وسخاء نفسه عمن فقده منهم، كمثل صبيان المكتب كلما ~~ذهب واحد جاء آخر. والعرب تقول: السلطان ms194 ذو غدوات وذو بدوات وذو نزوات؛ ~~تريد أنه سريع الانصراف كثير البدوات هجام على الأمور. # الباب الخامس والأربعون # في صحبة السلطان # قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال لي أبي: يا بني أرى أمير المؤمنين ~~يستخليك ويستشيرك ويقدمك على الأكابر من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ~~وإني أوصيك بخلال ثلاث: لا تفشين له سرا، ولا تجرين عليه كذبا، ولا تغتابن ~~عنده أحدا. قال الشعبي: قلت لابن عباس: كل واحدة منهن خير من ألف! قال أي ~~والله خير من عشرة آلاف! وقالوا اصحب السلطان بحذر والصديق بالتواضع والعدو ~~بالجهد والعامة بالبشر، ولا تحكم لأحد بحسن رأي الملك إلا بحسن أثره. وقال ~~بعض الحكماء: لا تستطلع السلطان ما كتمك ولا تفش ما أطلعك عليه، ومن دل على ~~السلطان استقله ومن أمتن عليه عادله، ومن أظهر أنه يستشيره أبعده. # وقال نعض الحكماء: إذا زادك السلطان تأنيسا فزده إجلالا، وإذا جعلك أخا ~~فاجعله أبا وإذا زادك إحسانا فزده فعل العبد مع سيده، وإذا ابتليت بالدخول ~~على السلطان مع الناس فأخذوا في الثناء عليه فعليك بالدعاء له، وإن نزلت ~~منه منزلة الثقة فاعزل عنه كلام الملق، ولا تكثر من الدعاء له عند كل كلمة ~~فإن ذلك شبيه بالوحشة والغلبة، إلا أن تكلمه على رؤوس الناس فلا تأل بما ~~عظمته وذكرته وقال ابن المقفع: لتكن حاجتك في سلطانك ثلاث: خلال رضاء ربك ~~ورضاء سلطانك ورضاء من تلى عليه. ولا عليك أن تلهو عن المال والذخر فسيأتيك ~~منهما ما يكفي ويطيب. وقال مسلم بن عمر لمن عدم السلطان: لا تغتر بالسلطان ~~إذا حباك ولا تتغير إذا أقصاك. وروي أن بعض الملوك استصحب حكيما فقال له: ~~أصحبك على ثلاث خصال. قال: وما هن؟ قال: لا تهتك لي سرا ولا تشتم لي عرضا ~~ولا تقبل في قول قائل حتى تستشيرني. قال: هذا لك فما لي عليك؟ قال: لا أفشي ~~لك سرا ولا أدخر عنك نصيحة ولا أوثر عليك أحدا. قال: نعم الصاحب للمستصحب ~~أنت! وقيل لعبد الله بن ms195 جعفر: ما الخرق؟ قال: الدلالة على السلطان والوثبة ~~قبل الإمكان. وقال ابن المقفع: أولى الناس بالهلكة الفاحشة المقدم على ~~السلطان بالدالة. وقال يحيى بن خالد: PageV01P097 الدالة تفسد الحرمة ~~القديمة وتضر بالمحبة المتأكدة. وقال بزرجمهر: إذا خدمت ملكا من الملوك فلا ~~تطعه في معصية خالقك، فإن إحسانه إليك فوق إحسان الملك، وإيقاعه بك أغلظ من ~~إيقاعه. اصحب الملوك بالهيبة لهم والوقار لأنهم إنما احتجبوا عن الناس ~~لقيام الهيبة، فلا تترك الهيبة وإن طال أنسك بهم، فهو حسبهم منك. ولا تعط ~~السلطان مجهودك في أول صحبتك له فلا تجد بعد للمزيد موضعا. علم السلطان ~~وكأنك تتعلم منه وأشر عليه وكأنك تستشيره. إذا أحلك السلطان من نفسه بحيث ~~يسمع منك ويثق بك، فإياك والدخول بينه وبين بطانته، فإنك لا تدري متى يتغير ~~لك فيكونون عونا عليك، وإياك أن تعادي من إذا شاء يطرح ثيابه ويدخل مع ~~الملك في ثيابه فعل. وفي الأمثال القديمة: احذر زمارة المخدة. وقد قيل: # ليس الشفيع الذي يأتيك متزرا ... مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا # وفي الأمثال: لا تدل فتمل ولا توجف فتعجف. وقال الرشيد لإسماعيل بن صبيح: ~~إياك والدالة فإنها تفسد الحرمة. وقال سليمان بن داود عليهما السلام: لا ~~تغش السلطان ولا تقعد عنه. وقالت الحكماء: شدة الانقباض عن السلطان تورث ~~التهمة، وشدة الانبساط تفتح باب الملالة. واعلم أن من طلب العز بالذل كانت ~~ثمرة سعيه الذل. أحرز منزلتك عند السلطان بمثل ما اكتسبتها من الجد ~~والمناصحة، واحذر أن يحطك التهاون عما رقاك إليه التحفظ. أشقى الناس ~~بالسلطان صاحبه كما أن أقرب الأشياء إلى النار أسرعها احتراقا. من لزم باب ~~السلطان بصبر جميل وكظم الغيظ وأطراح الأذى وصل إلى حاجته. وقال الأحنف بن ~~قيس: لا تقبضوا على السلطان ولا تهالكوا عليه، فإن من أسرف على السلطان ~~أوده ومن تضرع له تخطاه. # وقال ابن عباس: ثلاثة من عاداهم عادت عزته ذلة: السلطان والولد والغريم. ~~واعلم أنه إنما يستطيع صحبة السلطان أحد رجلين: إما فاجر مصانع ينال حاجته ~~بفجوره ويسلم بمصانعته، ms196 وإما مغفل مهين لا يحسده أحد. فأما من أراد أن يصحب ~~السلطان بالصدق والنصيحة والعفاف فقلما تستقيم له صحبة، لأنه يجتمع عليه ~~عدو السلطان وصديقه بالعداوة والحسد. فأما الصديق فينافسه في منزلته فيطعن ~~عليه في نصيحته له، فأما إذا اجتمع عليه هذان الصنفان كان معرضا للهلاك. ~~وقال بعض الحكماء: من شارك السلطان في عز الدنيا شاركه في ذل الآخرة. وقيل: ~~لا يوحشك من السلطان إكرام الأشرار، فإن ذلك للضرورة إليهم كما يضطر الملك ~~إلى الحجام فيشرط قفاه ويخرج دمه ويقلع ضرسه. وفي الأمثال: لا حلم لمن لا ~~سفيه له. # وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا سافر إلى مكة استصحب رجلا فيه ما فيه، ~~يستدفع به شر السفهاء وأهل الوغادة والدعارة. وقال المعتصم: إن للسلطان ~~لسكرات، فمنها الرضى عمن استوجب السخط، والسخط عمن استوجب الرضى. ومنه قول ~~الحكماء: خاطر من لج البحر، وأعظم منه خطرا من صحب السلطان. وقال ابن ~~المقفع لابنه: لا تعدن شتم السلطان شتما ولا إغلاظه إغلاظا، فإن ريح العزة ~~تبسطه في غير بأس ولا سخط. وقال ساميد أحد حكماء الفرس: أربعة أشياء ينبغي ~~أن تفسر للفهم كما تفسر للبليد ولا يتكل فيها على ذكاء أحد: تأويل الدين ~~وأخلاط الأدوية، وصفة الطريق المخوف والرأي والسلطان. واعلم أن السلطان إذا ~~انقطع منك الآخر نسي الأول، فأرحامهم مقطوعة وحبالهم مصرومة، إلا من رضوا ~~عنه في وقتهم وساعتهم. وإذا رأيت من الوالي خلالا لا تنبغي فلا تكابره على ~~ردها، فإنها رياضة صعبة لكن أحسن مساعدته على أحسن رأيه، فإذا استحكمت منه ~~ناحية الصواب كان ذلك الصواب هو الذي يبصر الخطايا اللطيفة أكثر من تبصرك ~~والعدل من حكمتك، فإن العدل يدعو بعضه إلى بعض، فإذا تمكن اقتلع الخطأ. ولا ~~تطلب ما قبل الوالي بالمسئلة ولا تستبطئه إن أبطأ، ولكن اطلب ما قبله من ~~الاستحقاق والاستناء فإنك إذا استحققته أتاك من غير طلب، وإذا لم تستبطئه ~~كان أعجل له. وقال يحيى بن خالد: إذا صبحت السلطان فداره مداراة المرأة ~~العاقلة القبيحة للزوج ms197 الأحمق المبغض. وقال ابن خالد لبعض إخوانه: تنكر لي ~~هارون الرشيد. فقال: ارض بقليله من كثيره، وإياك أن تسخط فيكون السخط منك. # الباب السادس والأربعون # في سيرة السلطان مع الجند PageV01P098 اعلم أن الجند عدد الملك وحصونه ~~ومعاقله وأوتاده، وهم حماة البيضة والذابون عن الحرمة، والدافعون عن العورة ~~وهم جفن الثغور وحراس الأبواب، والعدة للحوادث وإمداد المسلمين، والجند ~~الذي يلقى العدو والسهم الذي يرمى به، والسلاح المدفوع في نحره، فبهم يذب ~~عن الحريم ويؤمن السبيل وتسد الثغور، وهم عز الأرض وحماة الثغور والرادة عن ~~الحريم والشوكة على العدو، وعلى الجند الحد عند اللقاء والصبر عند البلاء، ~~فإن كانت لهم الغلبة فليمضوا في الطلب، وإن كانت عليهم فلينكسوا الأعنة ~~وليجمعوا الأسنة وليذكروا أخبار غد. # وينبغي للملك أن يتفقد جنوده كما يتفقد صاحب البستان بستانه، فيقلع العشب ~~الذي لا ينفعه، فمن العشب ما لا ينفع ومع ذلك يضر بالنبات النافع وهو ~~بالقلع أجدر. ولا يصلح الجند إلا بإدرار أرزاقهم وسد حاجاتهم، والمكافأة ~~لهم على قدر عنائهم وبلائهم. وجنود الملك وعددها وقف على سعود الأئمة ~~ونحوسها. وقال أبرويز لابنه شيرويه: لا توسعن على جندك فيستغنوا عنك ولا ~~تضيق عليهم فيضجوا منك، وأعطهم عطاء قصدا وامنعهم منعا جميلا، ووسع عليهم ~~في الرجاء ولا توسع عليهم في العطاء. # ولما أفضى الأمر إلى أبي جعفر المنصور أنفذ جيشا وقال لقواده سيروا بمثل ~~هذه السيرة. ثم قال: صدق الأعرابي أجع كلبك يتبعك! فقام أبو العباس الطوسي ~~فقال: يا أمير لمؤمنين أخشى أن يلوح له غيرك برغيف فيتبعه ويدعك. ويروى أن ~~كسرى وضع طعاما في سماط، فلما فرغوا ورفعت الآلات وقعت عينه على رجل من ~~أصحابه وقد أخذ جاما له قيمة كثيرة، فسكت عنه وجعل الخدم يرفعون الآلات فلم ~~يجدوا الجام، فسمعهم كسرى يتكلمون فقال: ما لكم؟ قالوا: فقدنا جاما من ~~الجامات. فقال: لا عليكم أخذه من لا يرده ورآه من لا يفضحه. فلما كان بعد ~~أيام دخل الرجل على كسرى وعليه حلة جميلة وحال مستجدة فقال له كسرى: ms198 هذا من ~~ذاك! قال: نعم! ولم يقل له شيئا. # وسئل عمرو بن معاذ وكان على الطوائف: بم قدرت على جيوش الطوائف؟ وكان ~~يغزو في كل سنة ويجهز الجيوش إلى بلاد الروم فقال: بسمانة الطيور والقديد ~~والكعك. وروى أن بعض الملوك كان ظالما لرعيته شديد الأذى لهم في أموالهم، ~~فعوتب في ذلك فقال: أجع كلبك يتبعك! فوثبوا عليه فقتلوه فمر به بعض الحكماء ~~فقال: ربما أكل الكلب صاحبه إذا لم يشبعه. وفي نقيض هذا المعنى قالوا: سمن ~~كلبك يأكلك. وذلك أن رجلا كان له كلب يسقيه اللبن ويطعمه اللحم، ويرجو أن ~~يصيب به خيرا ويحرسه ويصيد به، فأتاه ذات يوم وهو جائع فوثب عليه الكلب ~~فأكله فقيل: سمن كلبك يأكلك. وأنشدوا: # وقد سمنوا كلبا ليأكل بعضهم ... ولو أخذوا بالحزم ما سمن الكلب! # الباب السابع والأربعون # في سيرة السلطان في استجباء الخراج # أيها الملك من طال عدوانه زال سلطانه. واعلم أن المال قوة السلطان وعمارة ~~المملكة ولقاحة الأمن ونتاجه العدل، وهو حسن السلطان ومادة الملك، والمال ~~أقوى العدد على العدو وهو ذخيرة الملك وحياة الأرض، فمن حقه أن يؤخذ من حقه ~~ويوضع في حقه ويمنع من السرف، ولا يؤخذ من الرعية إلا ما فضل عن معاشها ~~ومصالحها ثم ينفق ذلك في الوجوه التي يعود نفعها عليها. فيا أيها الملك ~~احرص كل الحرص على عمارة الأرضين والسلام. ويا أيها الملك مر جباة الأموال ~~بالرفق ومجانبة الخرق، فإن العلقة تنال من الدم بغير أذى ولا سماع صوت ما ~~لا تناله البعوضة بلسعتها وهول صوتها. ولما عزل عثمان رضي الله عنه عمرو بن ~~العاص رضي الله عنه عن مصر استعمل عليها ابن أبي السرح، فحمل من المال أكثر ~~ما كان يحمل عمرو بن العاص، فقال عثمان: يا عمرو أشعرت أن اللقاح درت بعدك؟ ~~فقال عمرو: ذلك لأنكم أعجفتم أولادها. # وقال زياد: أحسنوا إلى المزارعين فإنكم لن تزالوا سمانا ما سمنوا، وفي ~~منثور الحكم من جاوز في الحلب حلب الدم. وفي الأمثال: إذا استقصى العجل مص ms199 ~~أمه رفسته. وقال جعفر بن يحيى: PageV01P099 الخراج عمود الملك وما استعزز ~~بمثل العدل وما استذلل بمثل الظلم، وأسرع الأمور في خراب البلاد وتعطيل ~~الأرضين وهلاك الرعية وانكسار الخراج الجور والتحامل. ومثل السلطان إذا حمل ~~على أهل الخراج حتى ضعفوا عن عمارة الأرضين مثل من يقطع لحمه ويأكله من ~~الجوع، فهو وإن قوي من ناحية فقد ضعف من ناحية، وما أدخل على نفسه من الوجع ~~والضعف أعظم مما دفع عن نفسه من ألم الجوع. ومثل من كلف الرعية من الخراج ~~فوق طاقتها كالذي يطين سطحه بتراب أساس بيته، ومن يدمن هز العمود يوشك أن ~~يضعف وتقع الخيمة، وإذا ضعف المزارعون عجزوا عن عمارة الأرض فيتركونها ~~فتخرب الأرض ويهرب الزارع، فتضعف العمارة ويضعف الخراج وينتج ذلك ضعف ~~الأجناد، وإذا ضعف الجند طمعت الأعداء في السلطان. # أيها الملك، كن بما يبقى في يد رعيتك أفرح منك بما تأخذ منها. لا يقل مع ~~الصلاح شيء ولا يبقى مع الفساد شيء. وصيانة القليل تربية للجليل، ولا مال ~~لأخرق ولا عيلة لمصلح. وروي أن المأمون أرق ذات ليلة، فاستدعى سميرا فحدثه ~~بحديث فقال: يا أمير المؤمنين كان بالبصرة بومة وبالموصل بومة، فخطبت بومة ~~الموصل إلى بومة البصرة بنتها لابنها فقالت بومة البصرة: لا أنكحك ابنتي ~~إلا أن تجعلي في صداقها مائة ضيعة خرابا. فقالت بومة الموصل: لا أقدر عليها ~~الآن ولكن إن دام والينا سلمه الله علينا سنة واحدة فعلت لك ذلك! قال: ~~فاستيقظ لها المأمون وجلس للمظالم، وأنصف الناس بعضهم من بعض وتفقد أمور ~~الولاة. # وسمعت بعض شيوخ بلاد الأندلس من الجند وغيرهم يقولون: ما زال أهل الإسلام ~~ظاهرين على عدوهم وأمر العدو في ضعف وانتقاص، لما كانت الأرض مقتطعة في ~~أيدي الأجناد فكانوا يستغلونها ويرفقون بالفلاحين، ويربونهم كما يربي ~~التاجر تجارته، فكانت الأرض عامرة والأموال وافرة والأجناد متوفرين، ~~والكراع والسلاح فوق ما يحتاجون إليه، إلى أن كان الأمر في آخر أيام ابن ~~أبي عامر، فرد عطايا الجند مشاهرة وأخذ الأموال على النطع وقدم على ms200 الأرض ~~جباة يجبونها، فأكلوا الرعايا واحتجبوا أموالهم واستضعفوهم، فهربت الرعايا ~~وضعفوا عن العمارة، فقلت الجبايات المرتفعة إلى السلطان وضعفت الأجناد، ~~وقوي العدو على بلاد المسلمين حتى أخذ الكثير منها، ولم يزل أمر المسلمين ~~في نقص وأمر العدو في ظهور إلى أن دخلها المأمون، فرد الإقطاعات كما كانت ~~في الزمان القديم، ولا أدري ما يكون وراء ذلك. # الباب الثامن والأربعون # في سيرة السلطان في بيت المال # وهذا باب سلكت فيه ملوك الطوائف والهند والصين والسند، وبعض ملوك الروم ~~خلاف سيرة الأنبياء والمرسلين عليهم السلام والخلفاء الراشدين، فكانت ~~الملوك تدخر الأموال وتحجبها عن الرعية وتعدها اليوم كريهة، على ما بينا في ~~الباب قبله. وكانت الرسل والخلفاء من بعدهم تبذل الأموال ولا تدخرها وتصطنع ~~الرعية وتوسع عليها، فكانت الرعية هم الأجناد والحماة. وهذه سيرة نبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم، وقد علمتم أن جوعه كان أكثر من شبعه، وأنه مات ~~ودرعه مرهون في صاع من شعير عند يهودي، وكذلك الخلفاء الراشدون بعده أبو ~~بكر وعمر وعثمان وعلي وابنه الحسن وعمر بن عبد العزيز. وكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما فتح الله عليه بلاد اليمن، كانت تجبى إليه الأموال فيفرقها ~~ليومها، وقد توضع في المسجد وتفرش الأنطاع عليها ويفرقها من الغد ولم يكن ~~له بيت مال. # وروى أبو داود في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى العشاء الآخر، ~~ثم دخل حجرته وخرج مسرعا وبيده خريقة فيها ذهب فقسمه، ثم قال: ما ظن آل ~~محمد لو أدركه الموت وهذا عنده؟ ولم يكن للنبي بيت مال ولا للخلفاء ~~الراشدين بعده، وإنما كانت الخلفاء تقسم الأموال التي جبيت من حلها بين ~~المسلمين، وربما كان يفضل منها فضلات فتجعل في بيت، أو يكون بالناس عنها ~~غنى في ذلك الوقت فتجعل في بيت، فمن حضر من غائب أو احتاج من حاضر قسم له ~~حظه، ثم يفرق حتى لا يبقى في البيت منه درهم، كما روي أن أمير المؤمنين علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه أشرف ms201 على بيت فيه مال فقال: يا بيضاء يا حمراء ~~ابيضي واحمري وغري غيري! ثم أمر فقسم ما فيه بين المسلمين، وأمر قنبرا أن ~~يكنسه ويرشه، ثم دخل فصلى فيه. PageV01P100 ثم إن كثيرا من الملوك ساروا في ~~الأموال على هذه السيرة من ملوك الإسلام وملوك الروم، ومعظم ما أهلك بلاد ~~الأندلس وسلط عليها الروم أن الروم التي كانت تجاورها لم يكن لهم بيوت ~~أموال، وكانوا يأخذون الجزية من سلاطين الأندلس ثم يدخلون الكنيسة، فيقسمها ~~سلطانهم على رجاله بالطاس ويأخذ مثل ما يأخذون، وقد لا يأخذ منها شيئا، ~~وإنما كانوا يصطنعون بها الرجال، وكانت سلاطيننا تحجب الأموال وتضيع ~~الرجال، فكان للروم بيوت رجال وللمسلمين بيوت أموال، فبهذه الخلة قهرونا ~~وظهروا علينا. وكان من يذهب هذا المذهب ولا يدخر الأموال تضرب فيه الأمثال. ~~ويقال: عدو الملك بيت المال وصديقه جنده، فإذا ضعف أحدهما قوي الآخر، فإذا ~~ضعف بيت المال ببذله للحماة قوي الناصر واشتد بأس الجند فيقوى الملك، وإذا ~~قوي بيت المال وامتلأ بالأموال قل الناصر وضعفت الحماة، فضعف الملك فوثب ~~عليه الأعداء. # وقد شاهدنا ذلك في بلاد الأندلس مشاهدة، وإذن كان الدفاع في الرجال لا في ~~الأموال، وإنما يدافع بالأموال بواسطة الرجال فلا شك أن بيت رجال خير من ~~بيت مال. وقد قال بعض الملوك لابنه: يا بني لا تجمع الأموال لتقوى بها على ~~الأعداء، فإن في جمعها تقوية للأعداء. يعني إذا جمعت المال أضعفت الرجال، ~~فيطمع فيك الصديق ويثب عليك العدو وإنما مثل الملك في مملكته مثل رجل له ~~بستان فيه عين معينة، فإن هو قام على البستان فأحسن تدبيره وهندس أرضه وغرس ~~أشجاره وحظر على جوانبه، ثم أرسل الماء فاخضر عوده وقويت أشجاره وأينعت ~~ثماره وزكت بركاته، فكانوا جميعا في أمان من الضيعة لا يخافون فقرا ولا ~~شتاتا، وإن هو رغب في غلته وجبايته ولم ينفق فيه ما يكفيه ولا ساق إليه من ~~الماء ما يرويه رغبة في الغلة وضنا بالمال، ضعفت عمارته ورقت أشجاره وقلت ~~ثماره وذهبت غلته، ومحق ms202 الدهر ما جنى من غلته فافتقر القوم وهلكوا وتشتتوا. # ومثال الملك في جمع المال ليتقوى به على الأعداء مثال طائر ينتف ريشه ~~ويمص أصوله، ويأكل ما نعم منها فلذ له طيبها وأعجبه خصب جسمه على ذلك، فلم ~~يزل كذلك حتى خف ريشه فسقط إلى الأرض فأكلته الهوام والحشرات. ورأيت في ~~أخبار بعض الملوك أن وزيره أشار عليه بجمع الأموال واقتناء الكنوز وقال: إن ~~الرجال وإن تفرقوا عنك اليوم فمتى احتجتهم عرضت عليهم فتهافتوا عليك، فقال ~~الملك: هل لذلك من دليل؟ قال: نعم هل بحضرتنا الساعة ذباب؟ قال: لا. فأمر ~~بإحضار جفنة فيها عسل فحضرت، فتساقط عليها الذباب لوقتها فاستشار السلطان ~~بعض أصحابه في ذلك فنهاه عن ذلك وقال: لا تغير قلوب الرجال فليس في كل وقت ~~أردتهم حضروا قال: هل لذلك من دليل؟ قال: نعم إذا أمسينا سأخبرك. فلما أظلم ~~الليل قال للملك: هات الجفنة بالعسل. فحضرت ولم تحضر ذبابة واحدة. # وقد روينا عن سيرة بعض السلاطين في أرض مصر، وكان قد ملكها وكان اسمه بلد ~~قوزانه، كان يجمع الأموال ولا يحفل بالرجال، فقيل له: إن أمير الجيوش ~~بالشام يتواعدك وكائنه قادم عليك، فاستعد الرجال وأنفق فيهم الأموال، فأوما ~~إلى صناديق موضوعة عنده وقال: الرجال في الصناديق، فغزا أمير الجيوش ذلك ~~الملك في مصر وقتله وتسلم الصناديق والملك، فكان رأيه رأيا فاسدا لأن رجالا ~~يقيمهم لوقته ويصطنعهم لحاجته، إنما يكونون أجنادا مجمعين وشرذمة ملفقين، ~~ليس فيهم غنى ولا عندهم دفاع ولا ممارسة للحروب. # ومن السير المروية في هذا الباب أنه لما فتحت العراق جيء بالمال إلى عمر. ~~فقال صاحب بيت المال: أأدخله بيت المال؟ قال: لا ورب الكعبة لا يؤوى تحت ~~سقف بيت حتى نقسمه! فغطى في المسجد بالأنطاع وحرسه رجال من المهاجرين ~~والأنصار. فلما أصبح نظر إلى الفضة والذهب والياقوت والزبرجد والدر يتلألأ ~~فبكى، فقال له العباس أبو عبد الرحمن بن عوف: يا أمير المؤمنين والله ما ~~هذا يوم بكاء ولكنه يوم شكر وسرور! فقال: إني والله ما ذهبت ms203 حيث ذهبت ولكنه ~~والله ما كثر هذا في قوم إلا وقع بأسهم بينهم. ثم أقبل على القبلة ورفع ~~يديه وقال: اللهم إني أعوذ بك أن أكون مستدرجا، فإني أسمعك تقول: " ~~سنستدرجهم من حيث لا يعلمون " الأعراف: ثم قال: أين سراقة بن مالك بن جعشم؟ ~~فأتي به وكان أشعر الذراعين دقيقهما فأعطاه سواري كسرى وقال: البسهما. ففعل ~~ذلك فقال: PageV01P101 قل الله أكبر. قال: الله أكبر. ثم قال: قل الحمد لله ~~الذي سلبهما كسرى وألبسهما سراقة رجلا أعرابيا من بني مدلج، ثم قلبهما ~~وقال: إن الذي أدى هذا الأمين! فقال له رجل: أنا أخبرك أنت أمين الله تعالى ~~وهو يؤدون إليك ما أديت إلى الله، فإذا رتعت رتعوا قال: صدقت وإنما ألبسهما ~~سراقة لأن النبي صلى الله عليه وسلمقال لسراقة ونظر إلى ذراعيه: كيف بك إذا ~~لبست سواري كسرى؟ ولم يجعل له إلا السوارين. # ولما ولي أبو بكر الصديق جاءه مال من العمال، فصب في المسجد وأمر فنادى: ~~من كان له عند النبي صلى الله عليه وسلم دين فليحضر. قال أبو أيوب ~~الأنصاري: فقلت حينئذ: يا خليفة رسول الله إن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~لي: لو جاءني مال أعطيتك هكذا وهكذا، وأشار بكفيه فسكت أبو بكر فانصرفت ثم ~~عاودته فقلت: إما أن تعطيني وإما أن تبخل عني. فقال: ما أبخل عنك اذهب فخذ! ~~فذهبت فحفنت حفنة قال: عدها فعددتها فوجدتها خمسمائة دينار. قال: عد مثليها ~~فعددت مثليها فانصرفت بألف وخمسمائة دينار. وأبو أيوب من أغنياء الأنصار ~~وهو نزيل النبي صلى الله عليه وسلم. دل الحديث على أن بيت المال للغني ~~والفقير. ودل أيضا على أنه لا يجب أن يساوى فيه بين جميع المسلمين بل ذلك ~~موكول إلى اجتهاد الإمام. والدليل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ~~العباس: أعطني من هذا المال الذي عندك. قال: اذهب فخذ. فبسط ثوبه وحثى فيه ~~فلما جاء ليحمله عجز عنه فقال: يا رسول الله احمله علي. قال: لا! قال: مر ~~من يحمله ms204 علي. قال: لا! فنثر منه ثم جاء ليحمله فعجز عنه فقال: يا رسول ~~الله احمله علي. قال: لا! قال: مر من يحمله علي. قال: لا! فنثر منه ثم حمله ~~على عاتقه فأتبعه النبي صلى الله عليه وسلم بصره حتى غاب عنه. # فصل # قال الحسن بن علي الأسدي: أخبرني أبي قال: وجدت في كتاب قبطي باللغة ~~الصعيدية مما نقل بالعربية أن مبلغ ما كان يستخرج لفرعون يوسف عليه السلام ~~من أموال مصر بحق الخراج، مما يؤخذ من وجوه الجبايات لسنة واحدة على العدل ~~والإنصاف والرسوم الجارية من غير اضطهاد ولا مناقشة، وبعد وضع ما يجب وضعه ~~لحوادث الزمان نظرا للمعاملين وتقوية لحالهم من الذهب العين، أربعة وعشرون ~~ألف ألف وأربعمائة ألف دينار. من ذلك ما ينصرف في عمارة البلاد كحفر ~~الخلجان والإنفاق على الجسور وسد الترع وإصلاح السبل، وفي تقوية من يحتاج ~~إلى التقوية من غير رجوع عليه بها لإقامة العوامل والتوسعة في البدار، وغير ~~ذلك من الآلات وأجرة من يستعان به لحمل البذر، وسائر نفقات تطريق الأرض ~~ثمانمائة ألف دينار. # ولما ينصرف في أرزاق الأولياء المرسومين بالسلاح وحملته من الشاكرية ~~والغلمان وأشياعهم، وعدة جميعهم مع ألف كاتب مرسومين بالدواوين سوى أتباعهم ~~من الخزان، ومن يجري مجراهم وعدتهم مائة ألف وإحدى عشر ألف رجل من العين، ~~ثمانية آلاف دينار. ولما يصرف للأرامل والأيتام فرضا لهم من بيت المال، وإن ~~كانوا غير محتاجين حتى لا يخلو أمثالهم من بر فرعون، أربعمائة ألف دينار. ~~ولما يصرف في كهنة برايهم وسائر بيوت صلواتهم مائتا ألف دينار. # ولما يصرف في الصدقات وينادي منادي برئت الذمة من رجل كشف وجهه لفاقة إلا ~~حضر، فيحضر لذلك من يحضر فلا يرد واحدا والأمناء جلوس، فإذا رأوا إنسانا لم ~~يجر رسمه أفرد بعد قبض ما يقبضه حتى إذا فرق المال واجتمع من هذه الطائفة ~~عدد، دخل أمناء فرعون إليه وهنوه بتفرقة المال ودعوا له بطول البقاء ودوام ~~العز والسلامة، وأنهوا إليه حال تلك الطائفة فيأمر بتغيير شعثها بالحمام ~~واللباس، ms205 ثم يمد السماط فيأكلون بين يديه ويشربون ويستعلم من كل واحد سبب ~~فاقته، فإن كان ذلك من آفة الزمان رد عليه مثل ما كان له وأكثر، وإن كان عن ~~دعوة سوء رأي وتدبير غير مستقيم ضمه إلى من يصرف عليه ويأخذه بالأدب ~~والمعرفة، إلى أن يصلح من العين مائتي ألف دينار. # ولما يصرف في نفقات فرعون الراتبة لسنته مائتا ألف دينار، تكون النفقات ~~على ما تقدم تفصيلها تسعة آلاف ألف وثمانمائة ألف دينار، ويحصل بعد ذلك ما ~~يتسلمه يوسف الصديق عليه السلام ويحصله لفرعون في بيت المال لنوائب الزمان ~~أربعة عشر ألف ألف دينار وستمائة ألف دينار. # وقال أبو رهم: PageV01P102 كانت أرض مصر أرض مدبرة حتى إن الماء ليجري من ~~تحت منازلها وأفنيتها فيحبسوه كيف شاءوا ويرسلوه كيف شاءوا، وذلك قول ~~فرعون: " أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون " الزخرف: ~~51 وكان ملك مصر عظيما لم يكن في الأرض ملك أعظم منه وكانت الجنات بحافتي ~~النيل لا ينقطع منها شيء عن شيء، والزروع كذلك من أسوان إلى رشيد. # وكانت أرض مصر كلها تروى من ستة عشر ذراعا لما دبروا في جسورها وحافاتها، ~~والزرع من بين الجبلين من أولها إلى آخرها وذلك قوله تعالى: " كم ترون من ~~جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين " الدخان: 25و26و27 ~~والمقام الكريم المنابر، وكان بها ألف منبر. وقال عبد الله بن عمر: استعمل ~~فرعون هامان على حفر خليج سردوس، فأخذ في حفره وتدبيره فجعل أهل القرى ~~يسألونه أن يجري الخليج تحت قريتهم ويعطوه مالا، وكان يذهب به من قرية إلى ~~قرية من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى القبلة، ويسوقه كيف أراد وإلى حيث ~~قصد، فليس بمصر خليج أكثر عطوفا منه، فاجتمع له من ذلك أموال عظيمة جزيلة، ~~فحملها إلى فرعون وأخبره الخبر فقال له فرعون: إنه ينبغي للسيد أن يعطف على ~~عبيده ويفيض عليهم من خزائنه وذخائره ولا يرغب فيما في أيديهم، رد على أهل ~~القرى ما أخذت ms206 منهم، فرد عليهم أموالهم. فهذه سيرة من لا يعرف الله ولا ~~يرجو لقاءه ولا يخاف عذابه ولا يؤمن بيوم الحساب، فكيف تكون سيرة من يقول ~~لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويوقن بالحساب والثواب والعقاب؟ وقال ابن ~~عباس في قوله تعالى: " اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم " يوسف: 55 ~~قال: هي خزائن مصر، وكانت أربعين فرسخا في مثلها، ولم يطع يوسف فرعون ~~ويخلفه وينوب عنه إلا بعد أن دعاه إلى الإسلام فأسلم، فحينئذ قال: اجعلني ~~على خزائن الأرض. ولما استوثق أمر مصر ليوسف الصديق عليه السلام وكمل، ~~وصارت الأشياء إليه وأراد ربك أن يغوضه على صبره لما لم يرتكب محارمه، ~~وجاءت سنو الغلاء والجوع مات العزيز وذهبت الذخائر، وافتقرت زليخا وعمي ~~بصرها وجعلت تتكفف الناس فقيل لها: لو تعرضت للملك لعله يرحمك ويغنيك، ~~فطالما حفظتيه وأكرمتيه! ثم قيل لها: لا تفعلي لأنه ربما يتذكر منك ما كان ~~منك إليه من المراودة والحبس، فيسيئ إليك ويكافئك على ما كان منك إليه. ~~فقالت: أنا أعلم بحمله وكرمه وجلست له على رابية في طريقه يوم خروجه، وكان ~~يركب في زهاء مائة ألف من عظماء قومه وأهل مملكته. # فلما أحست به قامت ونادت: سبحان من جعل الملوك عبيدا بمعصيتهم وجعل ~~العبيد ملوكا بطاعتهم! فقال يوسف: ومن أنت؟ قالت: أنا التي كنت أخدمك على ~~صدور قدمي وأرجل جمتك بيدي واكرم مثواك بجهدي، وكان مني ما كان وذقت وبال ~~أمري وذهبت قوتي وتلف مالي، وفني عمري وعمي بصري وصرت أسأل وأتكفف، فمنهم ~~من يرحمني ومنهم من لا يرحمني، بعد أن كنت مغبوطة أهل مصر كلها صرت ~~مرحومتهم بل محرومتهم، هذا جزاء المفسدين! فبكى يوسف عليه السلام بكاء ~~شديدا وقال لها: هل بقي في قلبك من حب شيء؟ فقالت: والذي اتخذ إبراهيم ~~خليلا لنظرة إليك أحب إلي من ملء الأرض ذهبا وفضة! فمضى يوسف وأرسل إليها ~~رسولا وقال لها: إن كنت أيما تزوجناك وإن كنت ذات بعل أغنيناك فقالت لرسول ~~الملك: أنا أعرف أنه يستهزئ ms207 بي، هو لم يردني أيام شبابي وجمالي فكيف يقبلني ~~وأنا عجوز عمياء فقيرة؟ فأمر بها يوسف عليه السلام فجهزت فتزوجها، وأدخلت ~~عليه فصف يوسف قدميه وقام يصلي ودعا الله باسمه الأعظم، فرد الله تعالى ~~عليها شبابها وجمالها وبصرها كهيئتها يوم راودته، فواقعها فإذا هي بكر ~~فولدت له إفراثيم بن يوسف وميشا بن يوسف، وطاب في الإسلام عيشهما حتى فرق ~~الدهر بينهما. فيجب للقوي أن ينسى الضعيف وللغني أن لا ينسى الفقير، فرب ~~مطلوب يصير طالبا ومرغوب يصير راغبا، ومسؤول يصير سائلا وراحم يصير مرحوما ~~فهذا يوسف الصديق عليه السلام انظر إلى ضعفه في يدي أخوته يوم الجب ثم ~~ضعفهم بين يديه يوم الصواع. وهذه زليخا ملكة مصر وسيدة أهلها عادت تتكفف في ~~الطرقات. # قال الله تعالى: " وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ~~ومغاربها " الأعراف: 137 وكان يوسف بعد هذا يجوع ويأكل خبز الشعير ولا يشبع ~~فقيل له: أتجوع وبيدك خزائن الأرض؟ فقال: PageV01P103 أخاف أن أشبع فأنسى ~~الجائعين. وقد رأيت أن أتحفك بمنقبة في مثلها يتنافس العقلاء ويرغب فيها ~~الملوك والوزراء، وذلك أني لما كنت بالعراق وكان الوزير نظام الملك الغالب ~~على ألقابه خوجه بزرك رحمه الله، قد وزر لأبي الفتح ملك الترك ملك شاه بن ~~البارسلان، وكان قد وزر لأبيه من قبله فقام بدولتهما أحسن قيام، فشد ~~أركانهما وشيد بنيانهما واستمال الأعداء ووالى الأولياء، واستعمل الكفاة ~~وعم إحسانه العدو والصديق والمبغض والحبيب والبعيد والقريب، حتى ألقى الملك ~~بجرانه وذل الخلق لسلطانه. # وكان الذي مهد له ذلك بإذن الله تعالى وتوفيقه أنه أقبل بكليته على ~~مراعاة حملة الدين، فبنى دور العلم للفقهاء وأنشأ المدارس للعلماء، وأسس ~~الرباطات للعباد والزهاد وأهل الصلاح والفقراء، ثم أجرى لهم الجرايات ~~والكسى والنفقات، وأجرى الخبز والورق لمن كان من أهل العلم مضافا إلى ~~أرزاقهم، وعم بذلك سائر أقطار مملكته، فلم يكن من أوائل الشام وهي بيت ~~المقدس إلى سائر الشام الأعلى وديار بكر والعراقين، وخراسان بأقطارها إلى ~~سمرقند من وراء نهر جيحون مسيرة زهاء مائة ms208 يوم، حامل علم أو طالبه أو زاهد ~~أو متعبد في زاويته إلا وكرامته شاملة له سابغة عليه. فكان الذي يخرج من ~~بيوت أموله في هذه الأبواب ستمائة ألف دينار في كل سنة، فوشى به الوشاة إلى ~~أبي الفتح الملك وأوغلوا صدره عليه وقالوا: إن هذا المال المخرج من بيوت ~~الأموال يقام به جيش يركز رايته في سور قسطنطينية. # فخامر ذلك قلب أبي الفتح الملك فلما دخل عليه قال: يا أبت بلغني أنك تخرج ~~من بيوت الأموال كل سنة ستمائة ألف دينار إلى من لا ينفعنا ولا يغني عنا. ~~فبكى نظام الملك وقال: يا بني أنا شيخ أعجمي لو نودي علي فيمن يزيد لم أحفظ ~~خمسة دنانير، وأنت غلام تركي لو نودي عليك عساك تحفظ ثلاثين دينارا وأنت ~~مشتغل بلذاتك ومنهمك في شهواتك، وأكثر ما يصعد إلى الله معاصيك دون طاعتك، ~~وجيوشك الذين تعدهم للنوائب إذا احتشدوا كافحوا عنك بسيوف طولها ذراعان ~~وقوس لا ينتهي مدى مرماه ثلثمائة ذراع، وهم مع ذلك مستغرقون في المعاصي ~~والخمور والملاهي والمزمار والطنبور. # وأنا أقمت لك جيشا يسمى جيش الليل إذا نامت جيوشك ليلا قامت جيوش الليل ~~على أقدامهم صفوفا بين يدي ربهم، فأرسلوا دموعهم وأطلقوا بالدعاء ألسنتهم، ~~ومدوا إلى الله أكفهم بالدعاء لك ولجيوشك فأنت وجيوشك في خفارتهم تعيشون ~~وبدعائهم تثبتون وببركتهم تمطرون وترزقون، تخرق سهامهم إلى السماء السابعة ~~بالدعاء والتضرع. فبكى أبو الفتح الملك بكاء شديدا ثم قال يا أبت شاباش يا ~~أبت شاباش أكثر لي من هذا الجيش! ومن مناقب هذا الرجل وفضائله أن رجلا قصده ~~يقال له أبو سعيد الصوفي فقال له: يا خوجه أنا أبني لك مدرسة ببغداد مدينة ~~الإسلام لا يكون في معمور الأرض مثلها، يخلد بها ذكرك إلى أن تقوم الساعة،. ~~قال: فافعل. فكتب إلى وكلائه ببغداد أن يمكنوه من الأموال، فابتاع بقعة على ~~شاطئ دجلة وخط المدرسة النظامية وبناها أحسن بنيان، وكتب عليها اسم نظام ~~الملك وبني حولها أسواقا تكون محبسة عليها، وابتاع ضياعا وخانات وحمامات ~~ووقفت ms209 عليها، فكملت لنظام الملك بذلك رياسة وسؤدد وذكر جميل طبق الأرض ~~خبره، وعم المشارق والمغارب أثره، وكان ذلك في سني عشر الخمسين وأربعمائة ~~من الهجرة. # ثم رفع حساب النفقات إلى نظام الملك فبلغ ما يقارب ستين ألف دينار، ثم ~~نمى الخبر إلى نظام الملك من الكتاب وأهل الحساب أن جميع ما أنفق نحو تسعة ~~آلاف دينار، وأن سائر الأموال احتجها إلى نفسه وخانك فيها فدعاه نظام الملك ~~إلى إصبهان للحساب. فلما أحس أبو سعيد بذلك أرسل إلى الخليفة أبي العباس ~~يقول له: هل لك في أن أطبق الأرض بذكرك وأنشر لك فخرا لا تمحوه الأيام؟ ~~قال: وما هو؟ قال: أن تمحو اسم نظام الملك عن هذه المدرسة وتكتب اسمك عليها ~~وتزن له ستين ألف دينار فأرسل إليه الخليفة يقول: أنفذ من يقبض المال. فلما ~~استوثق منه مضى إلى إصبهان فقال له نظام الملك إنك رفعت لنا نحوا من ستين ~~ألف دينار وأحب أن تخرج الحساب. فقال له أبو سعيد: لا تطل الخطاب، إن رضيت ~~فبها وإلا محوت اسمك المكتوب عليها وكتبت عليها اسم غيرك فأرسل معي من يقبض ~~المال. # فلما أحس نظام الملك بذلك قال: PageV01P104 يا شيخ قد سوغنا لك جميع ذلك ~~ولا تمح اسمنا. ثم إن أبا سعيد بنى بتلك الأموال الرباطات للصوفية واشترى ~~الضياع والخانات والبساتين والدور، ووقف جميع ذلك على الصوفية فالصوفية إلى ~~يومنا هذا في رباط أبي سعيد الصوفي وأوقافه يتقلبون ببغداد. ففي مثل هذه ~~المناقب فليتنافس المتنافسون ولمثلها فليعمل العاملون، فإن فيها عز الدنيا ~~وشرف الآخرة وحسن الصيت وخلود جميل الذكر، فإنا لم نجد شيئا يبقى على الدهر ~~إلا الذكر حسنا كان أو قبيحا. وقد قال الشاعر: # ولا شيء يدوم فكن حديثا ... جميل الذكر فالدنيا حديث # فانتهز فرصة العمر ومساعدة الدنيا ونفوذ الأمر، وقدم لنفسك كما قدموا ~~وتذكر بالصالحات كما ذكروا وادخر لنفسك كما ادخروا. واعلم أن المأكول للبدن ~~والموهوب للمعاد والمتروك للعدو، فاختر أي الثلاثة شئت والسلام. وفي مثله ~~يقول أبو القاسم الحريري صاحب ms210 المقامات: # مالك من مالك إلا الذي ... قدمت فابذل طائعا مالكا # تقول أعمال ولو فتشوا ... رأيت أعمالك أعمى لكا # وكان ابن أبي داود الوزير واسع النفس مبسوط اليدين، يعطي الجزيل ويستقل ~~الكثير ولا يرد سؤالا ويبتدي بالنوال، فقال له الواثق أمير المؤمنين يوما: ~~قد بلغني بسط يدك بالعطاء وهذا يتلف بيوت الأموال. فأطرق ساعة ثم رفع رأسه ~~فقال: يا أمير المؤمنين ذخائر أجرها واصل إليك ومفاتيح شكرها موصول بك، ~~وإنما لي من ذلك محبتي في إيصال الثناء إليك! فقال الواثق بالله: أنت جد ~~بالعطاء وأكثر الشكر والثناء والله أعلم. # الباب التاسع والأربعون # في سيرة السلطان في الإنفاق # من بيت المال وفي سيرة العمال # أعلم أن يوسف الصديق عليه السلام لما ملك خزائن الأرض كان يجوع ويأكل ~~الشعير فقيل له: تجوع وبيدك خزائن الأرض! فقال أخاف أن أشبع فأنسى ~~الجائعين. وروى البهيقي قال: لما استخلف أبو بكر الصديق غدا إلى السوق فقال ~~له عمر بن الخطاب: أين تريد؟ قال: السوق. قال: قد جاءك ما شغلك عن السوق. ~~قال: سبحان الله يشغلني عن عيالي؟ قال: يفرض لك بالمعروف. قال: فأنفق في ~~سنتين وبعض أخرى ثمانية آلاف درهم ووصى أن ترد من ماله في بيت المال. وروى ~~هذه القصة الحسن البصرى قال: لما حضرت أبا بكر الوفاة قال: انظروا كم أنفقت ~~من مال الله فوجدوه قد أنفق في سنتين ونصف ثمانية آلاف درهم. قال: أقضوها ~~عني. فقضوها عنه ثم قال: يا معشر المسلمين، إنه قد حضر من قضاء الله ما ~~ترون ولا بد لكم من رجل يلي أمركم ويصلي بكم ويقاتل عدوكم، فإن شئتم ~~اجتمعتم وائتمرتم وإن شئتم اجتهدت لكم، فوالله الذي لا إله إلا هو ما آلوكم ~~ونفسي خيرا! فبكوا وقالوا: أنت خيرنا وأعلمنا فاختر لنا. فقال: إني قد ~~اخترت لكم عمر. # ويروي مالك هذه القصة على غير هذا الوجه قال: بلغني أن أبا بكر لما ولي ~~لم ينفق من مال الله تعالى شيئا قال: وغدا يوما إلى بني عمرو بن عوف، وكانت ms211 ~~له هناك امرأة من الأنصار في جمال يريد بيعها، فلقيه بعض المسلمين فقال له: ~~ما تصنع هذا يشغلك عن المسلمين وعن النظر في أمورهم؟ قال: فكيف أصنع؟ قال: ~~تتفرغ للنظر في أمورهم وتنفق من هذا المال. قال: فباع تلك الإبل وغيرها من ~~ماله إلا الأرض، ثم طرحه في بيت المال وكان ينفق من المال على نفسه وعلى ~~عياله، ثم كان عمر على مثل ذلك ثم ولي عمر بن عبد العزيز فلم ينفق منه، ~~فقيل له: قد صنع أبو بكر وعمر ما قد علمت. قال: أجل ولكني أخذت من هذا ~~المال فإن يكن لي فيه حق فقد استوفيت وزدت، ولولا ذلك لفعلت. قال ابن ~~القاسم: قلت لما لك: فأين قولهم عن عمر أنه رد ثمانين ألفا؟ قال: كذبوا! ~~إنما يقول ذلك أعداء الله، هم لم يجز لولده سلف أبي موسى الأشعري إياه حتى ~~أخذ منه نصفه، فكيف يأخذ من مال الله ثمانين ألفا؟ ولما توفي أبو بكر ~~استرجع علي بن أبي طالب، وجاء مسرعا باكيا وقال: PageV01P105 رحمك الله يا ~~أبا بكر! كنت والله أول القوم إسلاما وأكملهم إمانا، وأشدهم يقينا وأخوفهم ~~لله تعالى، وأحفظهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشبههم به هديا وخلقا ~~وسمتا وفضلا، وأكرمهم عليه وأرفعهم عنده فجزاك الله عن الإسلام خيرا! صدقت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كذبه الناس، فسماك الله في كتابه صديقا ~~فقال الله تعالى: " والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون " الزمر: 33 ~~وآنسته حين تخلفوا وقمت معه حين قعدوا، وصحبته في الشدة حين تفرقوا أكرم ~~الصحبة ثاني اثنين وصاحبه في الغار، ورفيقه في الهجرة والمنزل عليه السكينة ~~وخليفته في أمته بأحسن الخلافة، فقويت حين ضعف أصحابك وبرزت حين استكانوا، ~~وقمت بالأمر حين فشلوا ومضيت بقوة إذ وقفوا، كنت أطولهم صمتا وأبلغهم قولا ~~وأشجعهم قلبا، وأشدهم يقينا وأحسنهم عملا، كنت كما قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ضعيفا في بدنك قويا في أمر دينك، متواضعا في نفسك عظيما عند ~~ربك، ms212 محبوبا إلى أهل السماوات والأرض، فجزاك الله عنا وعن الإسلام خيرا. # وقال عمر بن الخطاب: رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده تعبا شديدا! وروى ~~البيهقي عن عمر بن الخطاب أنه قال: إني أنزلت نفسي من مال الله سبحانه ~~بمنزلة ولي اليتيم، إن استغنيت إستعففت وإن افترقت أكلت بالمعروف. وفي ~~رواية أخرى: إن احتجت أخذت منه، فإذا أيسرت رددته. وفي رواية أخرى: أخبركم ~~بما أستحل من مال الله، وما قال يحل لي، أستحل منه حلتين حلة الشتاء وحلة ~~للقيظ، وما أحج عليه واعتمر وقوتي وقوت عيالي كقوت رجل من قريش لا من ~~أغنيائهم ولا من فقرائهم، ثم أنا بعد ذلك رجل من المسلمين يصيبني ما ~~أصابهم. وقال أنس بن مالك: غلا الطعام على عهد عمر بن الخطاب فأكل عمر خبز ~~الشعير، وكان قبل ذلك لا يأكله فاستنكره بطنه فصوت فضربه بيده وقال: هو ~~والله كما ترى يوسع الله على المسلمين! وقال أبو عثمان النهدي: رأيت عمر بن ~~الخطاب يطوف بالبيت وعليه جبة صوف فيها اثنتا عشرة رقعة إحداها أديم أحمر. ~~وقال عطاء بن السائب: استعمل عمر بن الخطاب السائب بن الأقرع على المدائن، ~~فدخل إيوانا من إيوان كسرى، فإذا صنم يشير بإصبعه إلى الأرض وقد عقد أربعين ~~فقال: والله ما يشير هذا إلى الأرض إلا وثم شيء، فاحتفروا فاستخرجوا سفطا ~~فيه جوهر، فكتب إلى عمر: أما بعد فإني دخلت إيوانا من إيوان كسرى فرأيت كذا ~~وكذا، فاحتفرت فوجدت سفطا فيه جوهر فلم أجد أحق به منك يا أمير المؤمنين، ~~لم يكن من فيء المسلمين فأقسمه بينهم إنما أصبنا شيئا تحت الأرض. فلما قدم ~~السفط على عمر وعليه خاتم السائب، فرأى عمر فيما يرى النائم كأن نارا أججت ~~وهو يراد أن يلقى فيها، فكتب إلى السائب أن أقدم علي. # قال: فقدمت عليه وهو يطوف في إبل الصدقة، فطفت معه نصف النهار ثم دعا ~~بماء فاغتسل ودعا لي بماء فاغتسلت، ثم ذهب إلى منزله فأتى بلحم غليظ وخبز ~~متحمش ثم قال: ms213 انظر من على الباب فإذا أسودان من أهل الصفة، فأذن لهم فجعل ~~يأكل معهم، فإذا لحم غليظ لا أستطيع أن أسيغه، وقد كنت تعودت درمك أصبهان ~~إذا وضعته في فمي نزل بطني، ثم دعا بالسفط فقال: أتعرف خاتمك؟ قلت: نعم. ~~قال: كتبت ترفق بي تزعم أني أحق به، من أين أصبته؟ فأخبرته قال: اذهب ~~فاجعله في بيت مال المسلمين حتى أقسمه بينهم. # وقال قتادة: قدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه الشام، فصنع له طعام لم ير ~~قبله مثله فقال: هذا لنا فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا وهو لا يشبعون من ~~خبز الشعير؟ قال خالد بن الوليد: لهم الجنة فاغرورقت عينا عمر وقال: لئن ~~كان حظنا في هذا الطعام وذهبوا بالجنة، لقد باينونا بونا بعيدا. وقال عبد ~~الله بن عمر العمري: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قدم الشام قال لأبي ~~عبيدة: اذهب بنا إلى منزلك. قال: ما تريد إلا أن تعصر عينيك علي! قال: فدخل ~~منزله فلم ير شيئا. فقال عمر: أين متاعك لا أرى إلا لبدا وشنا وصحفة وأنت ~~أمير أعندك طعام؟ فقام أبو عبيدة إلى جرابه فأخرج منه كسيرات، فبكى عمر ~~فقال أبو عبيدة: قد قلت إنك تعصر عينيك علي يا أمير المؤمنين يكفيك من ~~الدنيا ما بلغك المقيل! فقال عمر: غرتنا الدنيا بعدك يا أبا عبيدة! وقال ~~النخعي: PageV01P106 بعث عمر بن الخطاب مصدقين فأبطئوا عليه وبالناس حاجة ~~شديدة، فجاءوا بالصدقات فقام فيها متزرا بعباء يختلف في أولها وآخرها يقول: ~~هذه لآل فلان حتى انتصف النهار وجاع، فدخل بيته حتى إذا أمكن أكله أكل ثم ~~قال: من أدخله بطنه النار أبعده الله! وقال طاوس: أجدب الناس على عهد عمر ~~بن الخطاب، فما أكل سمنا ولا سمينا حتى أكل الناس. وقال سعيد ابن جبير: إن ~~عليا رضي الله عنه قدم الكوفة وهو خليفة، وعليه إزاران قطريان قد رقع إزاره ~~بخرقة ليست بقطرية من وراءه، فجاء أعرابي فنظر إلى تلك الخرقة فقال: أمير ~~المؤمنين، كل من هذا ms214 الطعام والبس واركب فإنك ميت أو مقتول! قال: إن هذا ~~خير لي في صلاتي وأصلح لقلبي، وأشبه بسنة الصالحين قبلي وأجدر أن يقتدى بي ~~من أتى بعدي. # وقال الحسن: إن عمر بن الخطاب بينما هو يعس في المدينة بالليل، إذ أتى ~~امرأة من الأنصار تحمل قربة، فسألها فذكرت أن لها عيالا وأن ليس لها خادم، ~~وأنها تخرج بالليل فتسقيهم الماء وتكره أن تخرج بالنهار، فحمل عمر عنها ~~القربة حتى بلغ منزلها وقال: اغدي على عمر غدوة يخدمك خادما. قالت: لا أصل ~~إليه. قال: إنك ستجدينه إن شاء الله تعالى. فغدت عليه فإذا هي به فعرفت أنه ~~الذي حمل قربتها، فذهبت تولي فأرسل في إثرها وأمر لها بخادم ونفقة. ولما حج ~~عمر قال: كم بلغت نفقتنا يا برقا؟ قال: ثمانية عشر دينارا يا أمير ~~المؤمنين. قال: ويحك أجحفنا ببيت مال المسلمين! وقال شهر بن حوشب: لما قدم ~~عمر بن الخطاب الشام طاف بكورها حتى نزل حمصا فقال: اكتبوا لي فقراءكم. ~~فرفعوا إليه الرقعة فإذا فيها سعيد بن عامر فقال: من سعيد بن عامر؟ قالوا: ~~أميرنا! فعجب عمر وقال: كيف يكون أميركم فقيرا؟ قالوا: إنه لا يمسك شيئا. ~~فبكى عمر وبعث إليه ألف دينار يستعين بها في حاجته، فجعل يسترجع، فجعل ~~يسترجع فقالت له امرأته: مالك أصابك أمير المؤمنين بشيء؟ قال: أعظم من ذلك ~~أتتني الدنيا دخلت علي الدنيا، وإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ~~إن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين عاما، فوالله ما ~~يسرني أني حبست عن الرعيل الأول وأن لي ما طلعت عليه الشمس! قالت: فاصنع به ~~ما شئت. قال: هل عندك معونة؟ قالت: نعم. فأتته بخمارها فصر الدنانير فيه ~~صررا ثم جعلها في مخلاة وبات يصلي ويبكي حتى أصبح، فاعترض جيشا من جيوش ~~المسلمين فأمضاها كلها. فقالت له امرأته: رحمك الله لو حبست منها شيئا ~~نستعين به! قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لو اطلعت امرأة من ~~نساء أهل الجنة إلى الأرض لملأت ms215 الأرض من ريح المسك، وإني والله ما أختارك ~~عليهن! فسكتت. # وروي أن عمر بن الخطاب استعمل على حمص رجلا يقال له عمير بن سعد، فلما ~~مضت السنة كتب إليه أن يقدم، عليه فلم يشعر به عمر أن قدم ماشيا حافيا معه ~~عكازته بيده وأداوته ومزوده وقصعته على ظهره، فلما نظر إليه عمر قال: يا ~~عمير أجبتنا أم البلاد بلاد سوء؟ فقال: يا أمير المؤمنين أما نهاك الله أن ~~تجهر بالسوء من القول وعن سوء الظن؟ وما ترى من سوء الحال وقد جئتك بالدنيا ~~أجرها بقرابها؟ قال: وما معك من الدنيا؟ قال: عكازتي أتوكأ عليها وأدفع بها ~~عدوا إن لقيت، ومزودي أحمل فيه طعامي، وأداوتي هذه أحمل فيها ماء لشربي ~~وصلاتي، وقصعتي هذه أتوضأ فيها وأغسل فيها رأسي وآكل فيها طعامي، فوالله يا ~~أمير المؤمنين ما الدنيا بعد إلا تبع لما معي! قال: فقام عمر من مجلسه إلى ~~قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وبكى ثم قال: اللهم ألحقني ~~بصاحبي غير مفتضح ولا مبدل. # ثم عاد إلى مجلسه فقال: ما صنعت في عملك يا عمير؟ قال: أخذت الرقة من أهل ~~الرقة، والإبل من أهل الإبل، وأخذت الجزية من أهل الذمة عن يد وهم صاغرون، ~~ثم قسمتها بين الفقراء والمساكين وأبناء السبيل، فوالله يا أمير المؤمنين ~~لو بقي عندي منها شيء لأتيتك به! فقال عمر: عد إلى عملك. فقال عمير: أنشدك ~~الله يا أمير المؤمنين أن لا تردني إلى عملي ولم أسلم منه حتى قلت لذمي: ~~أخزاك الله! فهذا ما عرضني له. ولقد خشيت أن يخاصمني له محمد صلى الله عليه ~~وسلم ولقد سمعته يقول: PageV01P107 أنا حجيج المظلوم ومن حاججته حججته، ~~ولكن أتأذن لي آتي أهلي؟ فأذن له فأتى أهله فبعث إليه عمر رجلا يقال له ~~حبيب بمائة دينار فقال له: إذا أتيت عميرا فانزل عليه ثلاثا، فإن يكن خائنا ~~لم يخف عليك في عيشه وحال أهل بيته، وإن لم يكن خائنا لم يخف عليك فادفع ~~إليه المائة دينار. ms216 # فأتاه حبيب فنزل عليه ثلاثا فلم ير له عيشا إلا الشعير والزيت، فلما مضت ~~الثلاث قال: يا حبيب إن رأيت أن تتحول عنا إلى جيراننا، فلعلهم أن يكونوا ~~أوسع عيشا منا، فأما نحن والله لو كان عندنا غير هذا لآثرناك به! قال: فدفع ~~إليه المائة دينار وقال: قد بعث بها إليك أمير المؤمنين. فدعا بفر وخلق ~~لامرأته فصرها الخمسة والستة والسبعة فقسمها، فقدم حبيب على عمر فقال: يا ~~أمير المؤمنين جئتك من عند أزهد الناس، وما عنده من الدنيا لا قليل ولا ~~كثير. فبعث إليه عمر وقال: ما صنعت بالمائة يا عمير؟ فقال: لا تسألني عنها. ~~قال: لتخبرني. قال: قسمتها بيني وبين إخواني من المهاجرين والأنصار. قال: ~~فأمر له بوسقين من طعام وثوبين. قال: يا أمير المؤمنين أما الثوبان فأقبل، ~~وأما الوسقان فلا حاجة لي بهما عند أهلي صاع من بر، هو كافيهم حتى أرجع ~~إليهم! وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه صر أربعمائة دينار وقال للغلام: ~~اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح. ثم تلكأ ساعة في البيت حتى ترى ما يصنع، ~~فذهب بها الغلام إليه وقال: يقول لك أمير المؤمنين اجعل هذه في بعض حاجتك. ~~قال: وصله الله ورحمه. ثم قال: يا جارية اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وهذه ~~الخمسة إلى فلان حتى أنفذها. فرجع الغلام إلى عمر فأخبره، ووجده قد أعد ~~مثلها لمعاذ بن جبل وقال: اذهب بها إلى معاذ بن جبل وتلكأ بالبيت حتى تنظر ~~ما يصنع فيها. فذهب بها إليه وقال: إن أمير المؤمنين يقول لك اجعل هذه في ~~بعض حاجتك. فقال: رحمه الله ووصله. ثم قال: يا جارية اذهبي إلى فلان بكذا ~~وإلى فلان بكذا. فقالت امرأة معاذ: ونحن والله مساكين فأعطنا ولم يبق في ~~الخرقة إلا ديناران فرمى بهما إليها، فرجع الغلام فأخبر عمر فقال عمر: إنهم ~~إخوة بعضهم من بعض. # الباب الخمسون # في سيرة السلطان في تدوين الدواوين # وفرض الأرزاق وسيرة العمال # اعلموا أرشدكم الله أن أول من اتخذ الدواوين ms217 وأجرى الأعطية على ما روي ~~عمر بن الخطاب، فكان يفضل أهل السابقة ثم الذين يلونهم حتى أجرى على العامة ~~شيئا واحدا ثلاثمائة وأربعمائة، وفرض للعيال مائة درهم في كل سنة. وكان أبو ~~بكر يسوي بين الناس في العطاء ولا يفضل أهل السابقة ويقول: إنما عملوا لله ~~فأجورهم على الله، وإنما هذا المال عرض حاضر يأكله البر والفاجر، وليس ثمنا ~~لأعمالهم. وكان عمر يقول: لا أجعل من قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كمن قاتل معه. ولم يقدر عمر الأرزاق إلا في ولاية عمار، فأجرى على عمار ~~ستمائة درهم مع عطائه لولاته وكتابه ومؤذنه ومن كان يلي معه في كل شهر لما ~~بعثه، وبعث معه عثمان بن حنيف وابن مسعود إلى العراق. وأجرى عليه في كل يوم ~~نصف شاة ورأسها وجلدها وأكارعها ونصف جريب كل يوم. وأجرى على عثمان بن حنيف ~~ربع شاة وخمسة دراهم كل يوم، مع عطائه وكان عطاؤه خمسة آلاف درهم. وأجرى ~~على عبد الله بن مسعود مائة درهم في كل شهر وربع شاة في كل يوم وأجرى على ~~شريح القاضي مائة درهم في كل شهر وعشرة أجربة. # وإنما فضل عمارا عليهم لأنه كان على الصلاة. قال مالك: وكان عمر لايفرض ~~لصغير ورضيع وإذا فطم فرض له، فمر من الليل وصي يبكي يبغي الرضاع وأمه لا ~~ترضعه، فقال لها عمر: أرضعيه! قالت: إذا لا يفرض له عمر. قال: بلى هو يفرض ~~له! ثم فرض عمر بعد ذلك للمولود مائة درهم في كل سنة؛ قال ابن حبيب: وفرض ~~عمر للعيال كل عيل من ذكر وأنثى جريبين من بر في كل شهر، وقسطين من زيت ~~وقسطا من خل ومائة درهم في كل سنة. قال: والجريب قفيز بالقرطبي، والقسط قدر ~~ثمن ربع الزيت بالقرطبي. قال الحسن: وكان عطاء سليمان خمسة آلاف، وكان على ~~زهاء ثلاثين ألفا من الناس، وكان يخطب الناس في عباءة يلبس نصفها ويفرش ~~نصفها، وإذا خرج عطاؤه أمضاه وكان يسف الخوص ويأكل من عمل يديه. # وقال الحسن: ms218 قدم على عمر بن الخطاب وفد من أهل البصرة مع أبي موسى ~~الأشعري، قال: PageV01P108 فكنا ندخل عليه وله في كل يوم خبز يلث، فربما ~~وافقناها مأدومة بسمن وأحيانا بزيت وأحيانا باللبن، وربما وافقنا القديد ~~اليابس قد دق ثم أغلي عليه بماء، وربما وافقنا اللحم العريض وهو قليل. فقال ~~لهم يوما: إني والله أرى تقذيركم وكراهيتكم لطعامي، وإني لو شئت لكنت ~~أطيبكم طعاما وأرفهكم عيشا، وأما والله ما أجهل كراكر وأسمنة وصنابا ~~وصلائق، قال: والصلاء الشواء والصناب الخردل والصلائق الخبز الرقائق، ولكني ~~سمعت الله عير قوما بأمر فعلوه فقال: " أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ~~فاستمتعتم بها " الأحقاف: 20. # فكلمنا أبو موسى فقال: لو كلمتم أمير المؤمنين لفرض لكم من بيت المال ~~طعاما تأكلونه. فكلمناه فقال: يا معشر الأمراء، هل ترضون لأنفسكم ما أرضاه ~~لنفسي؟ فقلنا: يا أمير المؤمنين، إن المدينة أرض العيش بها شديد، ولا نرى ~~طعامك يغنينا ولا يؤكل طعامك، وأنا بأرض ذات ريف وإن أميرنا يغنينا وإن ~~طعامه يؤكل! قال: فنظر ساعة ثم رفع رأسه فقال: قد فرضت لكم من بيت المال ~~شاتين وجريبين. فإذا كان بالغداة فضع إحدى الشاتين على أحد الجريبين، فكل ~~أنت وأصحابك ثم ادع بشراب واسق الذي عن يمينك ثم اسق الذي عن شمالك ثم قم ~~لحاجتك، فإذا كان العشاء فضع الشاة الغابرة على الجريب الآخر فكل أنت ~~وأصحابك، ألا وأشبعوا الناس في بيوتهم وأطعموا عيالهم، والله ما أرى رستاقا ~~يؤخذ منه كل يوم شاتان وجريبان إلا يسرعان في خرابه! وكان عمر قد أطعم ~~جريبين بالخل والزيت لثلاثين رجلا فكفاهم،فأجراه على كل رجل في كل شهر ممن ~~كان في الدواوين، مكان ما كانت فارس تجريه على خيولهم وأساورتهم. وقال سعيد ~~بن المسيب وأبو سلمة: كان عمر بن الخطاب أبا العيال يسلم على أبوابهن ~~ويقول: ألكن حاجة وأيتكن تريد أن تشتري شيئا؟ فيرسلن معه بحوائجهن، ومن ليس ~~عندها شيء اشترى لها من عنده. وإذا قدم الرسول من بعض الثغور يتبعهن بنفسه ~~في منازلهن بكتب أزواجهن ويقول: أزواجكن ms219 في سبيل الله وأنتن في بلدة رسول ~~الله، إن كان عندكن من يقرأ وإلا فاقربن من الأبواب حتى أقرأ لكن. ثم يقول: ~~الرسول يخرج يوم كذا وكذا فاكتبن حتى نبعث بكتبكن. ثم يدور عليهن بالقراطيس ~~والدواة ويقول: هذه دواة وقرطاس فادنين من الأبواب حتى أكتب لكن. ويمر ~~بالمغيبات فيأخذ كتبهن فيبعث بها إلى أزواجهن. # وقال الربيع بن زياد الحارثي: كنت عاملا لأبي موسى الأشعري على البحرين، ~~فكتب إليه عمر بن الخطاب يأمره بالقدوم عليه هو وعماله، وأن يستخلفوا ~~جميعا. فلما قدمت المدينة أتيت برقا فقلت: يا برقا مسترشد وابن سبيل! أي ~~الهيئات أحب إلى أمير المؤمنين أن يرى فيها عماله؟ فأومأ إلى الخشونة، ~~فعمدت إلى خفين مطارفين ولبست جبة صوف ولبست عمامتي على رأسي، فدخلنا على ~~عمر بن الخطاب فصففنا بين يديه فصعد فينا وصوب فلم تأخذ عينه غيري، فدعاني ~~فقال: من أنت؟ قلت: الربيع بن زياد الحارثي. قال: وما تتولى من أعمالنا؟ ~~قلت: البحرين. قال: وما ترتزق؟ قلت: ألفا. قال: كثير فما تصنع بها؟ قلت: ~~أتقوت منها بشيء وأعود على أقارب لي، فما فضل عنهم فعلى فقراء المسلمين. ~~قال: فلا بأس عليك ارجع إلى موضعك. فرجعت إلى موضعي من الصف فصعد فينا وصوب ~~فلم تقع عينه إلا علي فدعاني فقال لي: كم سنك؟ قلت: خمسة وأربعون سنة. قال: ~~الآن استحكمت. # ثم دعا بالطعام وأصحابي حديثو عهد بلين العيش وقد تجوعنا له، فأتى بخبز ~~وأعضاء بعير فجعل أصحابي يعافون ذلك، فجعلت آكل وجعلت أنظر إليه يلحظني من ~~بينهم، ثم سبقت مني كلمة تمنيت أني سحت في الأرض ولم أقلها فقلت: يا أمير ~~المؤمنين إن الناس محتاجون إلى سلامك، فلو عمدت إلى طعام ألين من هذا ~~فزجرني وقال: كيف قلت؟ فقلت: أقول يا أمير المؤمنين لو تنظر إلى قوتك من ~~الطحين أن يخبز لك قبل إرادتك إياه بيوم ويطبخ لك اللحم كذا، فيؤتى بالخبز ~~لينا وباللحم غريضا. فسكن غيظه ثم قال: ههنا زغت. قلت: نعم. قال: يا ربيع ~~إنا لو شئنا ms220 لملأنا هذه الرحاب من صلائق وسنابك، يعني الخبز الحواري ولكني ~~رأيت الله تعالى عاب على قوم شهواتهم فقال: " أذهبتم طيباتكم في حياتكم ~~الدنيا " الأحقاف: 20 ثم أمر أبا موسى بإقراري على عملي وأن يستبدل ~~بأصحابي. # وقال قبيصة بن ذؤيب: PageV01P109 دعا عمر بن الخطاب رضي الله عنه عمير بن ~~سعد، وكان على أهل حمص، فقال: علام يحبك أهل الشام؟ فقال: إني أحبهم ~~فأحبوني. قال: مالك اليوم؟ قلت: عبدي وفرسي وبغلي وخادمي! قال: فما تلبس في ~~الشتاء؟ قال: عصابة أشد بها رأسي وجبة وكساء. قال: فما تلبس في الصيف؟ قال: ~~قميصا وريطة. قال: فأعطاني عمر ألف دينار وقال خذها وأنفق منها وأعط منها. ~~قلت: لا أرب لي فيها وستجد من هو أحوج إليها مني! قال: خذها فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم دفع إلي مالا وهو دون ما أعطيتك، فقلت له كما قلت لي فقال: ~~يا عمر ما آتاك الله من هذا المال عطاء من غير أن تعرض له أو تشرف له نفسك ~~فاقبله فأخذه فانطلق به إلى امرأته فقال: أترين رجلا له هذا من فقراء ~~المهاجرين هو أم من الأغنياء؟ فقالت: بل من الأغنياء. فقسمها حتى بقيت منها ~~صرت أظن فيها ثلاثين أو نحو ذلك فقالت له امرأته: أليس لي أنا حق؟ فأعطاها ~~إياها. # قال رجاء بن حيوة: رأيت امرأة تسأل عن دار عمر بن عبد العزيز رضي الله ~~عنه، فأرشدناها إلى الدار فرأت دارا متهشمة فقالت لخياط هناك: استأذن لي ~~على فاطمة امرأة عمر بن عبد العزيز. فقال: ادخلي وصوتي لها فإنها تأذن لك. ~~فدخلت فلما أبصرت ما هنالك قالت: جئت أرم فقري من بيت الفقراء وإذا رجل ~~يعمل في الطين وهناك امرأة فسألتها عن أمير المؤمنين فقالت: هو ذاك يعمل في ~~الطين. فقالت له: يا أمير المؤمنين، مات زوجي وترك لي ثماني بنات! فبكى عمر ~~بكاء شديدا ثم قال لها: ما تريدين؟ قالت: تفرض لهن. فقال: نفرض للكبرى ما ~~اسمها؟ قالت: فلانة. فكتبها فقالت: الحمد لله. قال: وما اسم ms221 الثانية؟ قالت: ~~فلانة. فكتبها فقالت: الحمد لله حتى متب السابعة، فقالت: جزاك الله خيرا يا ~~أمير المؤمنين! فطرح القلم من يده وقال لها: لو أنك وليت الحمد أهله ~~لأتممناهن لك مري السبع فليواسين الثامنة. # الباب الحادي والخمسون # في أحكام أهل الذمة # روى عبد الرحمن بن غنم قال: كتبنا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين ~~صالح نصارى أهل الشام: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب لعبد الله عمر أمير ~~المؤمنين من نصارى مدينة كذا، إنكم لما قدمتم علينا سألناكم الأمان لأنفسنا ~~وذرارينا وأموالنا وأهل ملتنا، وشرطنا لكم على أنفسنا أن لا نحدث في ~~مدائننا ولا فيما حولها ديرا ولا كنيسة ولا قلية ولا صومعة راهب، ولا نجدد ~~ما خرب منها ولا ما كان مختطا منها في خطط المسلمين في ليل ولا نهار، وأن ~~نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل، وأن ننزل من مر بنا من المسلمين ثلاث ~~ليال نطعمهم، ولا نأوي في كنائسنا ولا في منازلنا جاسوسا ولا نكتمه عن ~~المسلمين، ولا نعلم أولادنا القرآن ولا نظهر شرعنا ولا ندعو إليه أحدا، ولا ~~نمنع أحدا من ذوي قراباتنا الدخول في الإسلام إن أراده، وأن نوقر المسلمين ~~ونقوم لهم من مجالسنا إذا أرادوا الجلوس، ولا نتشبه بهم في شيء من لباسهم ~~في قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر، ولا نتكلم بكلامهم ولا نتكنى ~~بكناهم ولا نركب بالسروج، ولا نتقلد بالسيوف ولا نتخذ شيئا من السلاح ولا ~~نحمله معنا، ولا ننقش على خواتمنا بالعربية ولا نبيع الخمور، وأن نجز مقادم ~~رؤوسنا ونلزم زينا حيثما كنا، وأن نشد الزنانير على أوساطنا ولا نظهر ~~صلباننا، وكتبنا في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم، ولا نضرب نواقيسنا في ~~كنائسنا إلا ضربا خفيفا ولا نرفع أصواتنا بالقراءة في كنائسنا في حضرة ~~المسلمين، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا ولا نظهر النيران في شيء من طرق ~~المسلمين ولا أسواقهم، ولا نجاوزهم بموتانا ولا نتخذ من الرقيق ما جرى عليه ~~سهام المسلمين ولا نطلع على منازلهم. PageV01P110 فلما ms222 أتيت عمر رضي الله ~~عنه بالكتاب زاد فيه: ولا نضرب أحدا من المسلمين، شرطنا ذلك على أنفسنا ~~وأهل ملتنا وقبلنا عليه الأمان، فإن نحن خالفنا في شيء مما شرطنا لكم ~~وضمناه على أنفسنا فلا ذمة لنا، وقد حل منا ما يحل من أهل المعاندة ~~والشقاق. فكتب عمر رضي الله عنه أن أمض ما سألوه، وألحق فيه حرفين ~~واشترطهما عليهم مع ما شرطوه على أنفسهم أن لا يشتروا شيئا من سبايا ~~المسلمين، ومن ضرب مسلما عمدا فقد خلع عهده. وروى نافع عن أسلم مولى عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى أهل الشام في ~~النصارى: أن يقطع ركابهم وأن يركبوا على الأكف وأن يركبوا في شق، وأن ~~يلبسوا خلاف زي لباس المسلمين ليعرفوا. # وروي أن بني ثعلبة دخلوا على عمر بن عبد العزيز فقالوا: يا أمير المؤمنين ~~إنا قوم من العرب افرض لنا. قال: نصارى؟ قالوا: نصارى. قال: ادعوا إلي ~~حجاما ففعلوا فجز من نواصيهم وشق من أرديتهم حزما يحتزمونها، وأمرهم أن لا ~~يركبوا بالسروج ويركبون الأكف من شق واحد. وروي أن أمير المؤمنين المتوكل ~~أقصى اليهود والنصارى ولم يستعملهم وأذلهم وأقصاهم، وخالف بين زيهم وزي ~~المسلمين وجعل على أبوابهم مثالا للشياطين لأنهم أقرب لذلك وهم أهله، وقرب ~~منه أهل الحق وباعد عنه أهل الباطل والأهواء، فاحي الله به الحق وأمات به ~~الباطل، فهو يذكر بذلك فيترحم عليه ما دامت الدنيا. وكان عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه يقول: لا تستعملوا اليهود ولا النصارى، فإنهم أهل رشا في دينهم ~~ولا يحل الرشا. # ولما استقدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبا موسى الأشعري من البصرة وكان ~~عاملا عليها للحساب، دخل على عمر وهو في المسجد فاستأذن لكاتبه وكان ~~نصرانيا فقال له عمر رضي الله عنه: قاتلك الله! وضرب بيده على فخذه، وليت ~~ذميا على المسلمين أما سمعت الله تعالى يقول: " يا أيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن ms223 يتولهم منكم فإنه ~~منهم؟ " المائدة: 51 ألا اتخذت حنيفا؟ قال: يا أمير المؤمنين لي كتابته وله ~~دينه. فقال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله ولا أعزهم إذ أذلهم الله ولا أدنيهم ~~إذ أقصاهم الله. وكتب بعض العمال إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن العدد ~~قد كثر وإن الجزية قد كثرت، أفنستعين بالأعاجم؟ فكتب إليه عمر: إنهم أعداء ~~الله وإنهم لنا غششة فأنزلوهم حيث أنزلهم الله ولا تؤدوا إليهم شيئا. # وقال عمر بن أسد: أتانا كتاب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إلى محمد بن ~~المنتشر: أما بعد فإنه بلغني أن في عملك رجلا يقال له حسان بن بردا على غير ~~دين الإسلام، والله تعالى يقول: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين ~~اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء ~~واتقوا الله إن كنتم مؤمنين " المائدة: 57 فإذا أتاك كتابي هذا فادع حسان ~~إلى الإسلام فإن أسلم فهو منا ونحن منه وإن أبى فلا تستعن به ولا تأخذ من ~~غير أهل الإسلام على شيء من أعمال المسلمين، فقرأ الكتاب عليه فأسلم. # ولما خرج النبي إلى بدر تبعه رجل من المشركين فلحقه عند الحرة فقال: إني ~~أريد أن أتبعك وأصيب معك. قال: أتؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا. قال: فارجع ~~فلن نستعين بمشرك. ثم لحقه عند الشجرة ففرح به أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وكانت له قوة وجلادة، قال: جئتك لأتبعك وأصيب معك. قال: أتؤمن بالله ~~ورسوله؟ قال: لا قال: ارجع فلن أستعين بمشرك. ثم لحقه على ظهر البيداء فقال ~~له مثل ذلك قال: أتؤمن بالله ورسوله؟ قال: نعم. قال: ففرح به. وهذا أصل ~~عظيم في أن لا يستعان بكافر. هذا وقد خرج ليقاتل بين يدي النبي صلى الله ~~عليه وسلم ويراق دمه، فكيف استعمالهم على رقاب المسلمين؟ وكتب عمر بن عبد ~~العزيز رضي الله عنه إلى عماله: أن لا تولوا على أعمالنا إلا أهل القرآن. ~~فكتبوا إليه: إنا وجدنا فيهم خيانة. فكتب إليهم: إن ms224 لم يكن في أهل القرآن ~~خير، فأجدر أن لا يكون في غيرهم خير. # فصل # ومتى نقض الذمي العهد بمخالفته لشيء من الشروط المأخوذة عليه، لا يرد إلى ~~مأمنه والإمام فيه بالخيار بين القتل والإسترقاق. وقال أصحاب الشافعي رضي ~~الله عنه: PageV01P111 ويلزمهم أن يتميزوا عن المسلمين في اللباس، وإن ~~لبسوا قلانس ميزوها عن قلانس المسلمين بالخرق، ويشدون الزنانير في أوساطهم ~~ويكون في رقابهم خاتم من رصاص أو نحاس أو جرس يدخلون به الحمام، وليس لهم ~~أن يلبسوا العمائم والطيلسان. وأما المرأة فإنها تشد الزنار تحت الإزار ~~وقيل فوقه، وهو أولى، ويكون في عنقها خاتم تدخل به الحمام ويكون أحد خفيها ~~أسود والآخر أبيض، ولا يركبون الخيل ويركبون البغال والحمير بالأكف عرضا، ~~ولا يركبون بالسروج. # ولا يصدرون في المجالس ولا يبدءون بالسلام ويلجئون إلى أضيق الطرق ~~ويمنعون أن يعلوا على المسلمين في البناء، وتجوز المساواة وقيل لا تجوز بل ~~يمنعون، وإن تملكوا دارا عالية أقروا عليها، ويمنعون من إظهار المنكر ~~والخمر والخنزير والناقوس والجهر بالتوراة والإنجيل، ويمنعون من المقام في ~~الحجاز وهو مكة والمدينة واليمامة. ويجعل الإمام على كل طائفة منهم رجلا ~~يكتب أسماءهم وحلاهم ويستوفي جميع ما يؤخذون به جميع الشروط، وإن امتنعوا ~~من إداء الجزية والتزام أحكام الملة انتقض عهدهم. وإن زنا أحدهم بمسلمة أو ~~أصابها بنكاح أو آوى عينا للكفار ودل على عورة المسلمين، أو فتن مسلما عن ~~دينه أو قتله أو قطع عليه الطريق أو ذكر الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه ~~وسلم بما لا يجوز قيل: ينتقض العهد وإن فعل ما يمنع منه مما لا ضرورة فيه ~~كترك الغيار وإظهار الخمر وما أشبهما عزر عليه، ومتى فعل ما لا يوجب نقض ~~العهد رد إلى مأمنه في أحد القولين وقتل في الحين في القول الآخر. # فصل # وفي تقدير الجزية اختلاف بين العلماء فقيل: إنها مقدرة الأقل والأكثر على ~~ما كتب به عمر رضي الله عنه إلى عثمان بن حنيف بالكوفة، فوضع على الغني ~~ثمانية وأربعين درهما وعلى ms225 من دونه أربعة وعشرين درهما، وعلى من دونه اثنا ~~عشر درهما، وذلك بمحضر من الصحابة رصي الله عنهم، ولم يخالفه أحد وكان ~~الصرف اثني عشر درهما بدينار. وهذا مذهب أبي حنيفة وابن حنبل رضي الله ~~عنهما، وأحد قولي الشافعي رضي الله عنه وجعلوه كأنه حكم إمام فلا ينقض ~~وقيل: إنها مردودة إلى الأمام في الزيادة والنقصان وهو الأقيس، وقيل: إنها ~~مقدرة الأقل دون الأكثر. فيجوز للإمام أن يزيد على ما قدره عمر رضي الله ~~عنه، ولا يجوز أن ينقص عنه. # وقال بعضهم: يجوز أن يساوي بينهم فيأخذ من كل واحد دينارا وقال مالك رضي ~~الله عنه: يؤخذ من الموسر أربعون درهما، ومن الفقير دينار أو عشرة دراهم. ~~ويتخرج على مذهب مالك رضي الله عنه في وجوب تقدير طرفيها قولان، بناء على ~~العشرة المأخوذة منهم هل هو تقدير شرعي لا تجوز فيه الزيادة والنقصان، وعن ~~مالك فيه روايتان. ولا جزية على النساء والمماليك والصبيان والمجانين. # وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن: سلام عليك. أما ~~بعد فإن أهل الكوفة قد أصابهم بلاء وشدة وجور من العمال واستسنت سنة سنها ~~عليهم عمال السوء فأحرز عليهم أرضهم ولا تحمل خرابا على عامر ولا عامرا على ~~خراب، ولا تأخذ من الخراب ما لا يطيقون ولا من العامر إلا وظيفة الخراج، ~~ولا وزن سبعة ليس لها أس، ولا أجور الضرابين ولا أداة فضة ولا هدية النوروز ~~والمهرجان، ولا ثمن المصحف ولا أجور البيوت، ولا دراهم النكاح ولا خراج على ~~من أسلم من أهل الأرض والواجب أن يؤخذ ما ضربه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ~~وهو من كل جريب كرم عشرة دراهم، ومن كل جريب نخل ثمانية دراهم، ومن كل جريب ~~رطبة أو شجر ستة دراهم، ومن كل جريب حنطة أربعة دراهم، ومن كل جريب شعير ~~درهمان. # فصل # وأما الكنائس فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر بهدم كل كنيسة لم تكن ~~قبل الإسلام، ومنع أن تحدث كنيسة وأمر أن ms226 لا يظهر علية خارجة من كنيسة ولا ~~يظهر صليب خارج من كنية إلا كسر على رأس صاحبه، وكان عروة بن محمد يهدمها ~~بصنعاء، وهذا مذهب علماء المسلمين أجمعين، وشدد في ذلك عمر بن عبد العزيز ~~رضي الله عنه فأمر أن لا يترك في دار الإسلام بيعة ولا كنيسة بحال قديمة ~~ولا حديثة، وهكذا قال الحسن البصري قال: من السنة أن تهدم الكنائس التي في ~~الأمصار القديمة والحديثة، ويمنع أهل الذمة من بناء ما خرب، وقال الأصطخري: ~~PageV01P112 إن طينوا ظاهر الحائط منعوا، وإن طينوا باطنه الذي يليهم لم ~~يمنعوا، ويمنعون أن يعلوا على المسلمين في البناء، وتجوز المساواة وقيل لا ~~تجوز. # الباب الثاني والخمسون # في بيان الصفات المعتبرة في الولاة # اعلم أرشدك الله أن منزلة العمال من الوالي بمنزلة السلاح من المقاتل، ~~فاجهد جهدك في ابتغاء صلاح العمال، فإذا فقد الوالي عمال الصدق كان كفقد ~~المقاتل السلاح يوم الحرب. ويحتاج إلى طبقات الرجال كما يحتاج الحرب إلى ~~أصناف العدة فنها الدرق للاستجنان والسيف للمناجزة، والرمح للمطاعنة والسهم ~~للمباعدة والدرع للتحصين، ولكل منهم موضع ليس للآخر، والرجال للملك كالأداة ~~للصانع لا يسد بعضها مسد بعض، كذلك طبقات الرجال للملك منهم للرأي والمشورة ~~ومنهم لإدارة الحرب، ومنهم لجمع الأموال ومنهم لحفظها، ومنهم للحماية ومنهم ~~للكتابة، ومنهم للجمال والفخر ومنهم للمباهاة والذكر، ومنهم للدعاء والوقار ~~ومنهم للعلم والفتيا وحفظ أساس الملة، فلا يكمل للملك ملك ما لم يجمع هذه ~~الطبقات. # وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: لما مات كسرى بلغ موته النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: من استخلفوا بعده؟ قالوا: ابنته بوران. قال: لن يفلح قوم ~~ولو أمرهم امرأة! وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لما كانت فتنة الحرة من ~~استعمل القوم؟ قالوا: عبيد الله بن مطيع على قريش، وعبد الله بن حنظلة ~~الراهب على الأنصار قال: أميران؟ هلك والله القوم! وليس يشترط النسب إلا في ~~الإمامة العظمى دون سائر الولايات. ولما استحضر هشام بن عبد الملك زيد بن ~~علي بن الحسين ms227 رضي الله عنهما، وكان من الخطباء قال له هشام: بلغني أنك ~~تخطب الخلافة ولا تصلح لها لأنك ابن أمة: قال زيد: فقد كان إسماعيل بن ~~إبراهيم عليه السلام ابن أمة، وإسحاق صلى الله عليه وسلم ابن حرة، ومحمد ~~صلى الله عليه وسلم من ولد إسماعيل. ثم اتهمه في أمر فقال زيد: أنا أحلف ~~لك. قال له هشام: ومن يصدقك؟ قال له زيد: إنه ليس أحد فوق أن يأمر بتقوى ~~الله ولا أحد دون أن يؤمر بتقوى الله تعالى منك. # وقال بعض الخلفاء: دلوني على رجل أستعمله على أمر قد أهمني. قالوا: وكيف ~~تريده؟ قال: إذا كان في القوم وليس أميرهم كان كأنه أميرهم، وإذا كان ~~أميرهم كان كأنه رجل منهم. قالوا: ما نعمله إلا الربيع بن زياد الحارثي. ~~قال: صدقتم هو لها! ويروى أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه استشار في قوم ~~ليستعملهم فقال له بعض أصحابه: عليك بأهل العدل. قال: ومن هم؟ قال: الذين ~~إذا عدلوا فهو ما رجوت، وإن قصروا قال الناس: اجتهد عمر! ولما قدم يزيد بن ~~بشر بن مروان سأله عن بشر قال: يا أمير المؤمنين هو الشديد في غير عنف ~~اللين في غير ضعف، فقال عبد الملك بن مروان: ذاك الأعمر الأجود الذي كان ~~يأمن عنده البريء ويخاف لديه السقيم، ويعاقب على قدر الذنب ويعرف موضع ~~العفو، الشديد في غير عنف اللين في غير ضعف عمر بن الخطاب رضي الله عنه. # وقال الحكيم: اعتبروا الرجال بأفعالهم لا بعظم أجسامهم، فإن النسر مع ~~عظمه لا يأكل إلا نتنا، وطير الماء مع ضعفه يتحامى ميت السمك ويأكل الحي ~~منه. وفي حكم الهند: السلطان الحازم ربما أحب الرجل فأقصاه وأطرحه مخافة ~~ضره، كالملسوع يقطع إصبعه مخافة أن ينتشر السم في جسمه، ربما أبغض الرجل ~~وأكره نفسه على توليته وتقريبه لغنى يجده عنده كتكاره المرء على الدواء ~~البشع لنفعه، إلا أن للإسلام شروطا قد لا تستقيم هذه السيرة عليها، ألا ترى ~~أن علي بن أبي طالب رضي ms228 الله عنه، لما أفضت إليه الخلافة كان معاوية واليا ~~على الشام من قبل عمر ثم عثمان رضي الله عنهما، فاستشار في أمره فقال له ~~بعضهم: أقره على إمرته وأرسل إليه بعهده، فإن دخل في بيعتك فاعزله، فقال ~~له: رحمك الله أتأمرني أن أطلب العدل بالجور؟ ثم عزله فكان سبب عصيانه. # وهكذا أشاروا عليه فقالوا: يا أمير المؤمنين لو فضلت هؤلاء الأشراف ومن ~~يتخوف منهم، وإنما الناس أصحاب دنيا حتى إذا استوثق الأمر عدت إلى التسوية. ~~فقال: PageV01P113 أتأمروني أن أطلب العدل بالجور فيمن وليت عليه؟ والله لو ~~كان مالي لسويت بينهم ولم أفضل بعضهم على بعض، فكيف والمال لهم وإعطاء ~~المال في غير حقه تبذير وسرف، وهو يرفع ذكر صاحبه في الدنيا ويضعه عند الله ~~تعالى في الآخرة؟ ولن يضع امرؤ ماله في غير حقه وعند غير أهله إلا حرمه ~~الله تعالى شكرهم، وصير لغيره ودهم، فإن بقي معه منهم من يظهر له الود ~~والشكر فذلك ملقى وخديعة لينال منه فإن زلت به النعل يوما فاحتاج إلى ~~معونته ومكافأة ما سلف من ميرته فشر خليل وألأم خدين، وإياك أيها الوالي ~~وحب المدح فإن من أحب المدح فهو كمن مدح نفسه. وإذا علم منك ذلك جعلك الناس ~~سلما لقضاء حوائجهم منك فحينئذ يكون قضاء الحوائج لنفسك لا لهم. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: أحث التراب في وجوه المداحين. وسمع ~~المقداد رجلا يمدح عثمان بن عفان رضي الله عنه، فأخذ كفا من تراب فألقاه في ~~وجهه. وسمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يمدح رجلا فقال: قطعت ظهر أخيك! ~~لو سمعها ما أفلح بعدها. وفي الحديث خمس تأويلات: أحدها حمله على ظاهره كما ~~فعل المقداد مع المداح لعثمان، والثاني أن يرفع شيئا من التراب فينثره بين ~~يديه كالمتذلل أي من خلق هذا ويعود إليه لا يستحق هذا الثناء، والثالث لا ~~تقض حاجة المداحين، والعرب تقول لمن رجع خائبا من حاجاته: رجع بكفه مملوءة ~~ترابا، والرابع نقيض هذا قاله لي شيخنا أبا العباس ms229 الجرماني قال: معناه اقض ~~حاجته وأعطه ما سأل فإن الذي تعطيه سيصير ترابا كأنك أعطيته ترابا، والخامس ~~أن المعنى الدعاء لأن العرب تقول إذا دعت: بفيه الحجر وبفيه التراب أي يقول ~~للمداحين كذلك. # ووصف أعرابي أميرا فقال: كان إذا ولى لم يطابق بين جفونه وأرسل العيون ~~على عيونه، فهو غائب عنهم شاهد معهم فالمحسن راج والمسيء خائف. وقال عبد ~~الله بن الزبير: لا يعبدن ابن هند، يعني معاوية، إن كانت فيه لمخارج لم ~~أجدها في أحد بعده أبدا والله إن كنا لنعرفه وما الليث الجري على برامته ~~بأجرأ منه فيتفارق لنا، وإن كنا لنخدعه وما ابن آوى من الأرض بأدهى منه، ~~والله لوددت أنا متعنا به ما دام في هذا حجر، وأشار إلى أبي قبيس، لا يتخون ~~له عقل ولا تنقض له قوة، وقال الصنابجي: كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~إلى أبي عبيدة رضي الله عنه كتابا في مثل أذن الفأرة: أما بعد فإنه لا يقيم ~~أمر الله تعالى في الناس إلا حصيف العقدة بعيد الغرة، لا يطلع الناس منه ~~على عورة ولا يحنق في الحق على الجراءة ولا يخاف في الله لومة لائم. # وقال مالك رضي الله عنه: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وسأله ~~أن يكتب له كتابا في أمر، فقال: اذهب إلى منزلنا فأتنا بدواة وقرطاس، فذهب ~~فلم يجد فقال اطلب عندهم شيئا، فذهب فلم يجد عندهم إلا أذن مزود فكتب له في ~~تلك الأذن. لما ولى المأمون يحيى بن أكثم قضاء البصرة، بعد أن استمحن عمله ~~وعقله، امتحنه بمسائل فوجده فوق ما يريد، فتلقاه وجوه أهل البصرة فرأوا ~~شابا صبيا ما بقلت لحيته، فتعجبوا ونظر بعضهم إلى بعض يقلبون الأكف ويغمزون ~~الحواجب. فقال له بعضهم: كم سن القاضي أصلحه الله تعالى؟ قال: نحو سن عتاب ~~بن أسيد لما ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فهابوه لحدة جوابه ~~وعرفوا فضله، وكان لعتاب بن أسيد إحدى وعشرون سنة لما ولي مكة ms230 شرفها الله ~~تعالى. # وكان عمر رضي الله عنه يقول: لا يصلح أن يلي أمور الناس إلا حصيف العقل ~~وافر العلم قليل الغرة بعيد الهمة، شديد في غير عنف لين في غير ضعف، جواد ~~في غير سرف لا يخاف في الله لومة لائم. وقال أيضا: ينبغي أن يكون في الوالي ~~من الشدة ما يكون ضرب الرقاب عنده في الحق كقتل عصفور، ويكون فيه من الرقة ~~والحنو والرأفة والرحمة ما يجزع من قتل عصفور بغير حق. ويروى أن الرشيد ~~أحضر رجلا ليوليه القضاء فقال له: إني لا أحسن القضاء ولا أنا فقيه. فقال ~~له الرشيد: فيك ثلاث خصال: لك شرف والشرف يمنع صاحبه من الدناءة، ولك حلم ~~والحلم يمنعك من العجلة ومن لم يعجل قل خطأه، وأنت رجل تشاور في أمرك ومن ~~شاور في أمره كثر صوابه. وأما الفقيه فتضم إليك من تفقه به. فولي فما وجد ~~فيه مطعن. # وقال أياس بن معاوية: استحضرني عمر بن هبيرة فحضرت فسألني فسكت، فلما ~~أطلت قال: ايه! قلت: PageV01P114 سل عما بدا لك. قال: أتقرأ القرآن؟ قلت: ~~نعم. قال: هل تعرف الفرائض؟ قلت: نعم. قال: هل تعرف من أيام العرب شيئا؟ ~~قلت: أنا بها أعلم. قال: هل تعرف من أيام العجم شيئا؟ قلت: أنا بها أعلم. ~~قال: إني أريد أن أستعين بك. قال: إن في ثلاثا لا أصلح معهن للعمل. قال: ما ~~هن؟ قلت: أنا دميم كما ترى وأنا حدد وأنا عي. قال: أما الدمامة فأريد أن ~~أحاسد بك، وأما العي فإني أراك تعرب عن نفسك، وأما سوء الخلق فيقومك السوط! ~~فولاني وأعطاني ألف درهم فهو أول ما تمولته. وقال سليمان بن داود عليهما ~~الصلاة والسلام: ما ملاقاة لبوة سلبت أشبالها بأصعب من ملاقاة جاهل راض عن ~~نفسه. # الباب الثالث والخمسون # في بيان الشروط والعهود التي تؤخذ على العمال # اعلم أرشدك الله تعالى أنه تولى الأعمال أهل الحزم والكفاية والصدق ~~والأمانة، وتكون التولية للغنى لا للهوى، وملاك الولايات كلها وأساسها إن ~~لا تولى الأعمال طالبا لها ms231 ولا راغبا فيها. وروى البخاري في صحيحه عن أبي ~~موسى الأشعري رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ومعي رجل، ~~فلما سلمنا عليه قال صاحبي: يا رسول الله استعملني. فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: إنا لا نستعمل على عملنا من أراده. فقلت: يا رسول الله والذي ~~بعثك بالحق ما علمت ما في نفسه. وقد روى عن بزرجمهر أنه قيل له: ما بال ملك ~~آل ساسان صار أمره إلى ما صار إليه؟ قال: لأنهم قلدوا كبار الأعمال صغار ~~الرجال. والله در عمرو بن العاص حيث قال: موت ألف من العلية أقل ضررا من ~~ارتفاع واحد من السفلة. وقال رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لرجل ~~قد أذاه: أدركتك دولة إمرة الصبيان! وقال المعلى بن أيوب: غضب المأمون على ~~بعض أصحابه غضبا شديدا فقال له: لا أماتك الله أو يبلغك دولة السفلة! وقال ~~المستوعر الأكبر وقد كان عمر في الجاهلية ثلثمائة سنة: # وما سقطت يوما من الدهر أمة ... من النذل إلا أن يسود دميمها # إذا ساد فيها الفساد بعد ذل لئيمها ... تصدى لها ذل وقد أديمها # وما قادها للخير إلا مجرب ... عليم بإقبال الأمور كريمها # وما كل ذي لب يعاش بفضله ... ولكن لتدبير الأمور حكيمها # اعلموا أن معظم ما يدخل على الدول من الفساد هو من تقليد الأعمال أهل ~~الحرص عليها. لأنه لا يخطبه إلا لص في ثوب ناسك وذئب في مسلاخ عابد، أو ~~حريص على جمع الدنيا نابذ لدينه ومروته، فيبتغي عرض الحياة الدنيا وقد سبق ~~المثل: الحرص على الأمانة دليل على الخيانة، يتخذون عباد الله خولا ~~وأموالهم دولا، وإذا اهتضمت حقوق المسلمين وأكلت أموالهم فسدت نياتهم وقلت ~~طاعتهم، فانتقضت الأمور ودب الفساد إلى الممالك، وقد ذكرنا في أول الكتاب ~~الآثار في كراهية الولايات، وقال المأمون ما فتق علي قط فتق في مملكتي إلا ~~وجدت سببه جور العمال. # ولما قدم رسول ملك غزنة على عضد الدولة بويه الديلي، وقضى الرسالة وأراد ~~الانصراف قال لعضد الدولة: ms232 ما أقول لأخيك؟ قال: قل له جئتك من عند سلطان ~~يظلم وحده. فإن قيل: فما معنى قول يوسف عليه السلام: " اجعلني على خزائن ~~الأرض إني حفيظ عليم؟ " يوسف: 55.قلنا: يوسف عليه الصلاة والسلام كان نبيا ~~من أنبياء الله تعالى، واثقا بنفسه بالأمانة والكفاية بين يدي من لا يتحقق ~~بواطن أسرار ولا يعلم خصائصه وفضائله، ويرى الأمور والأعمال والولايات ~~ضائعة في أيدي من ليس لها أهلا، ويجوز مثل هذا اليوم لمن حصل بين يدي جبار ~~لا يعلم منزلته ولا ما عنده من الخصال والفضائل أن يذكر له بعض ما يعلم من ~~نفسه ليعلم قدره فيسلم بذلك من شره. وعن هذا قال بعض أصحاب الشافعي رضي ~~الله عنه إذا كان القضاء في يد من لا يصلح له وجب أن يخطبه من يصلح له وكان ~~ذلك فرضا عليه. وفقهاء الأمصار على خلاف ذلك الرأي، ويحتمل أن يكون يوسف ~~عليه السلام قد أوحى الله إليه بما يصير أمره إليه من الملك والعدل ونشر ~~كلمة الإسلام، فلهذا نبه على نفسه. PageV01P115 ومن عجيب ما يروى في هذا ~~الباب أن لقمان الحكيم كان عبدا أسود نوبيا غليظ الشفتين مصفح القدمين ~~لامرأة من بني الحسحاس ، وكان جليسا لداود عليه السلام، فأتاه جبريل عليه ~~السلام بالنبوة من عند الله تعالى الذي يصطفي لنبوته من يشاء فقال لقمان: ~~يا جبريل إن أجبرني ربي فسمعا وطاعة، وإن خيرني الحكمة، فرضي الله تعالى ~~قوله وأعطاه الحكمة، وصرفت الرسالة إلى داود عليه السلام، وكان داود يقول: ~~طوبى لك يا لقمان! أوتيت الحكمة وأوتي داود البلية! وروى أنه جالس داود ~~عليه السلام، وداود يعمل الدروع، فأقام حولا ينظر صنعة الدروع ولا يعرف ما ~~تصلح له ولا يسأله عن ذلك، فلما تم حول لبس داود الدرع وقال: درع حصينة ~~ليوم حرب! فقال لقمان: الصمت حكمة وقليل فاعله. # وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا بعث عاملا اشترط عليه خمسا: لا يركب ~~البراذين ولا يلبس الرقيق ولا يأكل النقى ولا يتخذ حاجبا، ولا يغلق بابا ms233 عن ~~حوائج الناس وما يصلحهم ويقول له: إني لا أستعملك على أنشازهم ولا أعراضهم، ~~وإنما أستعملك لتصلح بهم وتقضي بينهم بالعدل. وروى عباية بن رفاعة قال: بلغ ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن سعد بن أبي وقاص اتخذ قصرا وجعل عليه بابا ~~وقال: انقطع الصوت فأرسل عمر بن الخطاب رضي الله عنه محمد بن مسلمة وكان ~~عمر رضي الله عنه إذا أحب أن يؤتى بالأمر كما هو بعثه، فقال له: أنت سعد ~~فأحرق عليه بابه! فقدم الكوفة فلما أتى الباب أخرج زنده واستورى نارا ثم ~~أحرق الباب، فأتى سعد الخبر ووصف له بصفته وعرفه، فخرج إليه سعد فقال له ~~محمد: إنه قد بلغ أمير المؤمنين أنك قلت انقطع الصوت. فحلف سعد بالله تعالى ~~ما قال ذلك فقال له محمد: نفعل الذي أمرنا به ونؤدي عنك ما تقول. # ثم ركب راحلته، فلما كان ببطن البرية أصابه من الخمص والجوع ما الله به ~~أعلم، فأبصر غنما فأرسل غلامه بعمامته فقال: اذهب فابتع شاة. فجاء الغلام ~~بالشاة وهو يصلي فأراد ذبحها فأشار إليه أن يكف. فلما قضى صلاته قال: انظر ~~فإن كنت مسميتها مملوكة فاردد الشاة وخذ العمامة، وإن كنت حرة فاردد الشاة ~~فذهب فإذا هي مملوكة، فرد الشاة وأخذ العمامة فأخذ بخطام ناقته وجعل لا يمر ~~ببقلة إلا خطفها حتى آواه الليل إلى قوم، فأتوه بخبز ولبن وقالوا: لو كان ~~عندنا شيء خلاف هذا أتيناك به، قال: بسم الله كل حلال أذهب السغب خير من ~~مأكل السوء، حتى قدم المدينة ونزل بأهله فابترد من الماء ثم راح، فلما أبصر ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال له: لولا حسن الظن بك ما رأينا أنك أديت. ~~وذكروا أنه أسرع السيرة فقال قد فعلت وهو يعتذر إليك ويحلف بالله ما قال. ~~فقال له عمر رضي الله عنه: هل آمر لك بشيء؟ قال: قد رأيت مكانا إن تأمر لي ~~فقال عمر رضي الله عنه: إن أرض العراق أرض رقيقة، وإن أهل المدينة يموتون ~~حولي ms234 من الجوع، فخشيت أن آمر لك بشيء يكون لك بارده ولي الحار. # وروى زيد بن أسلم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعمل مولى له يدعى ~~هنيا على الحما فقال له: يا هنى اضمم جناحك عن المسلمين واتق دعوة المظلوم ~~فإن دعوة المظلوم مستجابة، وأدخل رب الصريمة والغنيمة وإياك ونعم ابن عوف ~~ونعم ابن عفان، فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى زرع ونخل، ورب الصريمة ~~والغنيمة إن تهلك ماشيتهما يأتيني ببينة فيقول: يا أمير المؤمنين أفتكارهم ~~أنا لا أبالك في الماء؟ يأتيني ببينة فيقول: يا أمير المؤمنين فأنا تارك لك ~~الماء والكلأ فالماء والكلأ أيسر علي من الذهب والفضة. وأيم الله إنهم ~~ليرون أني ظلمتهم، إنها لبلادهم قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في ~~الإسلام، والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت ~~عنهم من بلادهم شبرا! ومر عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوما ببناء يبني ~~بحجارة وجص فقال: لمن هذا فذكروا له أنه لعامل من عماله على البحرين فقال: ~~أبت الدراهم إلا أن تخرج أعناقها! وقاسمه ماله. وكان يقول: لي على كل خائن ~~أمينان الماء والطين. وكان أنوشروان يكتب في عهد العمال: سس خيار الناس ~~بالمحبة، وامزج للعامة الرغبة بالربة، وسس سفلة الناس بالإخافة وقال سليمان ~~بن داود عليه السلام: PageV01P116 كما يصلح الهمز للفرس والرسن للحمار، ~~كذلك يصلح القضيب لظهر الجهال. وفي الأمثال القديمة من لم يصلح باللين ~~أصلحه التليين، ومن يعتدل عدل. وقال هلال بن أساف: استعمل النبي صلى الله ~~عليه وسلم المقداد على سرية، فلما رجع قال له النبي صلى الله عليه: كيف ~~رأيت الإمارة أبا معبد؟ قال: خرجت يا رسول الله ولا أرى أن لي فضلا على أحد ~~من القوم، فأرجعت إلا وكأنهم عبيد لي. قال: كذلك الإمارة أبا معبد، إلا من ~~وقاه الله شرها قال: والذي بعثك بالحق نبيا لا أعمل على عمل أبدا. # وقيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما يمنعك أن تفشي العمل في الأفاضل ms235 من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: هم أجل من أن أدنسهم بالعمل. وقال ~~إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه: كان عمر إذا قدم عليه الوفد سألهم عن حالهم ~~وأسفارهم، وعن من يعرف من أهل البلاد وعن أميرهم، وهل يدخل عليه الضعيف وهل ~~يعود المريض؟ فإن قالوا نعم حمد الله تعالى، وإن قالوا لا كتب إليه أن ~~أقبل. ومثل السلطان إذا ولى العمال الظالمين مثل من يسترعى غنمه الذئاب، ~~ومثل من يربط الكلب العقور ببابه. وإن العامة لتشتم الحجاج بن يوسف والخاصة ~~تلوم عبد الملك بن مروان لأنه هو الذي استرعاه الرعية؟ وفيه قيل: # ومن يربط الكلب العقور ببابه ... فعقر جميع الناس من رابط الكلب. # وكان العلاء بن أيوب لما ولى فارس من قبل المأمون يكتب عهد العامل، ~~فيقرأه على من يحضره من أهل ذلك العمل ويقول: أنتم عيوني عليه فاستوفوه ~~منه، ومن تظلم إلي منه فعلي إنصافه ونفقته جاثيا ورائحا، ويأمر العامل أن ~~يقرأ عهده على أهل عمله في كل جمعة، وأن يقول لهم هل استوفيتم؟ # الباب الرابع والخمسون # في هدايا العمال والرشا على الشفاعات # روى أبو داود في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من شفع لأخيه ~~شفاعة فأهدى له هدية عليها فقبلها فقد أتى بابا عظيما من أبواب الربا والسر ~~فيه أنك إذا قدرت على قضاء حاجته من عند السلطان الظالم أو السيد القاهر، ~~صار ذلك واجبا عليك وروى البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~استعمل رجلا يقال له ابن اللتبية، فلما جاء قال: يا رسول الله هذا لكم وهذا ~~لي. فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ما بال الرجل نستعمله على عمل من ~~أعمالنا فيقول هذا لكم وهذا أهدي لنا، أفلا قعد أحدكم في بيت أبيه وأمه ~~فينظر هل يهدى له؟ قال مالك: وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يشاطر العمال ~~فيأخذ نصف أموالهم. وشاطر أبا هريرة رضي الله عنه وقال له: من أين لك هذا ~~المال؟ فقال ms236 له أبو هريرة: دواب تناتجت وتجارات تداولت. فقال: إذن الشطر. ~~وإنما شاطرهم حين ظهرت لهم أموال بعد الولاية لم تكن تعرف لهم. وروى مالك ~~عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه اشترى هو وأخوه عبيد الله إبلا، فبعثا بها ~~إلى الحما فرعت فقال عمر: رعيتما في الحما فشاطرهما وشاطر، سعد بن أبي وقاص ~~حين قدم من الكوفة كأنه رأى أن ما أصاب العامل من غير رشوة فإن كان حلالا ~~فلا يستحق ذلك لأن لمن له الإمرة قوة على أن ينال من الحلال ما لا يناله ~~غيره، فجعله كالمضارب للمسلمين. # ولما رفع أبو موسى الأشعري رضي الله عنه مالا من بيت المال لعبد الله ~~وعبيد الله ابني عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالبصرة، فاشتريا به بضاعة ~~فربحت بالمدينة، فأراد عمر أن يأخذ جميع الربح، وأخذ عمر رضي الله عنه ~~النصف لبيت المال. وكتب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إلى عماله: أما بعد ~~فإنما هلك من كان قبلكم بمنعهم الحق حتى يشتري، وبسطهم الباطل حتى يفتدي ~~الملك بالدين يقوى، والدين بالملك يبقى. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~إذا قدم عليه العمال يأمرهم أن يدخلوا نهارا ولا يدخلوا ليلا، كيلا يحجبوا ~~شيئا من الأموال. # وقال عتاب بن أسيد: والله ما أصبت في عملي الذي ولاني النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلا ثوبين معدين كسوتهما مولاي كيسان. وروى أن علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه وكرم وجهه استعمل أبا مسعود الأنصاري على السواد، فما رجع إلا ~~وقد امتلأت داره فقال: ما هؤلاء قالوا: كذلك يصنعون بالرجل إذا استعمل قال: ~~كل هؤلاء يريدون أن يأكلوا في أمانتي، ويروى في إمارتي، ورجع إلى علي رضي ~~الله عنه وقال: PageV01P117 لا حاجة لي في العمل. وقد ذكرنا أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم دعا عبد الرحمن بن سمرة ليستعمله فقال: يا رسول الله اختر ~~لي، فقال: اقعد في بيتك وفي الأمثال: إن الهدية نعمي وتصم. وقال بعض ~~الحكماء: الرشوة رشاء الحاجة. وأنشد ms237 بعضهم: # إذا أتت الهدية دار قوم ... تطايرت الأمانة من كواها # ولبعضهم: # إن الهدية حلوة ... كالسحر يجتلب القلوبا # تدني البعيد من الهوى ... حتى تصيره قريبا # وترد مضطغن العداوة ... بعد جفوته حبيبا # ومما قلته في الرشوة: # وأكرم من يدق الباب شخص ... ثقيل الحمل مشغول اليدين # ينوء إذا مشى نفسا ونفخا ... وينطح بابه بالركبتين # وأكرم شافع يمشي إليها ... أبو المنقوش فوق الصفحتين # ولبعضهم: # إذا كنت في حاجة مرسلا ... وأنت بإنجازها مغرم # فأرسل بأكمه جلابة ... به صمم أغطش أبكم # ودع عنك كل رسول سوى ... رسول يقال له الدراهم # وكتب عبد الملك إلى قاضيه الحارث بن عامر، وقد ارتشى بمكرمة: # إذا رشوة في باب قوم تقحمت ... لتسكن فيه والأمانة فيه # سعت هربا منه وولت كأنها ... حليم تولى عن جواب سفيه # الباب الخامس والخمسون # في معرفة حسن الخلق # اعلموا أرشدكم الله تعالى أن هذا الباب مما غلط الخلق فيه وقبلوا القوس ~~ركوة، فعمدوا إلى أخلاق العامة وخلائق الغوغاء والدناة، وما يجري بينهم إذا ~~تلاقوا وتعاشروا من الإفراط في مدح بعضهم بعضا، وتعاطيهم الكذب والتصنع ~~والملق والمراآة، والمعاريض عن الأمور المكنونة التي يفحش إظهارها، ~~والانخراط في سلك المزاح والمهاترة. فهذا وما أشبهه عندهم من أحسن الخلق. ~~وهذا عندنا نقيض ما نص الله تعالى عليه ورسوله من حسن الخلق. فأول ذلك أن ~~يعلم أنه لم تحتو الأرض على بشر أحسن خلقا من محمد صلى الله عليه وسلم، فكل ~~من تخلق، بأخلاق رسول الله أو قاربها كان أحسن الناس خلقا وكل خلق ليس يعد ~~من أخلاقه فليس من حسن الخلق. # وهذا فصل الخطاب في هذا الباب لمن عقل، وإنما أتى الناس لأنهم استحسنوا ~~الأخلاق العامية واستخشنوا الأخلاق النبوية لجهلهم بأخلاق الرسول صلى الله ~~عليه وسلم. وها أنا أتلو عليك من أخلاق الأنبياء والمرسلين صلوات الله ~~عليهم والأولياء والأصفياء والعلماء والصالحين، نرجو ما نرجو أن ينفعنا ~~الله وإياك به. قال الله تعالى لنبيه وصفيه محمد صلى الله عليه وسلم: " ~~وإنك لعلى خلق عظيم " القلم: آيه:4. فخص الله تعالى نبيه محمد ms238 صلى الله ~~عليه وسلم من كريم الطباع ومحاسن الأخلاق من الحياء والكرم والصفح وحسن ~~العهد بما لم يؤته غيره، ثم ما أثنى الله عليه من فضائله بمثل ما أثنى عليه ~~بحسن الخلق فقال: وإنك لعلى خلق عظيم. وعن هذا قالت الشيوخ أن الله تعالى ~~دعا الخلق إلى حسن الخلق، ودعا نبيه صلى الله عليه وسلم إلى حسن الخلق. # قال عبيد بن عمير: قلت لعائشة رضي الله عنها: يا أمير المؤمنين صفي لي ~~خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت لي: أما تقرأ القرآن؟ كان خلقه ~~القرآن. وحسبك بهذا القول منقبة للرسول صلى الله عليه وسلم وتعريفا لك بحسن ~~الخلق، وإذا كان خلق النبي صلى الله عليه وسلم القرآن فالقرآن يجمع كل ~~فضيلة ويحث عليها، وينهي عن كل نقيصة ورذيلة ويوضحها ويبينها، ولذلك لما ~~أنزل الله تعالى: " خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين " قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: ما هذا يا جبريل؟ فقال: إن الله تعالى يأمرك أن تصل من ~~قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك، فهذا من حسن الخلق كما ترى. فانظر أين ~~أخلاق العامة من هذا النمط، إن أحدهم ليقطع من وصله ويحرم من أعطاه، ويظلم ~~من سأله ويغضب على من اتهمه. PageV01P118 وإنما اقتصر على هذه الكلمات ~~لأنها أصول الفضائل وينبوع المناقب، لأن في أخذ العفو صلة القاطع والصفح عن ~~الظالم وإعطاء المانع، وفي الأمر بالمعروف تقوى الله عز وجل تدخل جميع آداب ~~الشرع فرضها ونفاها، وفي الإعراض عن الجاهلين الصفح والحلم وتنزيه النفس عن ~~مماراة السفيه ومجازاة اللجوج، فهذه الأصول الثلاثة تتضمن محاسن الشرع نصا ~~وتنبيها وسمتا واعتبارا. وروى عن أنس أنه قال: يا رسول الله أي المؤمنين ~~أكمل إيمانا قال: أحسنكم خلقا. وروى أبو داود في السنن أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: بعثت لأتمم محاسن الأخلاق. # اقتضى الحديث أن كل نبي مبعوث إلى أمته إنما بعث ليعلم الخلق الحسن، وأن ~~نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم بعث ليتمم محاسن الأخلاق. إذن ms239 فحسن الخلق ~~امتثال الشرائع بأسرها. روى البخاري ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يكن فاحشا ولا متفحشا، قال: وإن من أحبكم إلي أحسنكم ~~أخلاقا، وقال عليه السلام: إن الله استخلص هذا الدين لنفسه، ولا يصلح ~~لدينكم إلا السخاء وحسن الخلق، ألا فزينوا دينكم بهما. وكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم في بعض أسفاره وعليه رداء نجراني غليظ الحاشية، فجبذه أعرابي ~~جبذة شديدة حتى أثرت حاشية الرداء في عنقه وقال: يا محمد مر لي بشيء من مال ~~الله الذي آتاك، فلست تأمر لي من مالك ولا من مال أبيك! فالتفت النبي صلى ~~الله عليه وسلم وقال: مروا له ولم يكلمه بكلمة. وقال أنس: نظرت إلى عنق ~~النبي صلى الله عليه وسلم قد أثرت فيه حاشية الرداء من شدة جبذه، فالتفت ~~إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك ثم أمر له بعطاء. # وروى أن أعرابيا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: يا محمد املأ لي ~~هذه تمرا وسويقا فإنك لست تعطي من مالك ولا من مال أبيك فقال له النبي صلى ~~الله عليه وسلم: أعد علي ما قلت، قال فأعاد كلامه فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: صدقت املئوا له تمرا وسويقا لست أعطي من مالي، إنما هو من مال الله ~~عز وجل. وروى معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: حسن خلقك ~~للناس يا معاذ بن جبل. واعلموا أن الخلق الحسن أفضل مناقب العبد، وبه تظهر ~~جواهر الرجال والإنسان مستور بخلقه. ألا ترى أن الله تعالى خص نبيه صلى ~~الله عليه وسلم بما خصه به من الفضائل، ثم لم يثن عليه بشيء من خصائله بمثل ~~ما أثنى عليه بخلقه. وقال بعض المفسرين في قوله تعالى " وإنك لعلى خلق عظيم ~~" قال: لا يخاصم ولا يخاصم من شدة معرفته بالله عز وجل. وقيل: لا يؤثر فيك ~~جفاء الخلق بعد معرفتك بالله تعالى. # قال المحاسبي: حسن الخلق كظم الغيظ وإظهار ms240 الطلاقة والبشر إلا لمبتدع أو ~~فاجر، إلا أن يكون فاجرا إذا انبسطت إليه استحق وأقلع، والعفو عن الزالين ~~إلا في أدب وإقامة حسد، وكف الأذى عن كل مسلم ومعاهد إلا لتغيير منكر أو ~~أخذ مظلمة لمظلوم؛ فهذا من حسن الخلق. وقيل: حسن الخلق أن لا تغير ممن يقف ~~في الصف بجنبك. وقيل للأحنف بن قيس: ممن تعلمت حسن الخلق؟ فقال: من قيس بن ~~عاصم المنقري، قال بينما هو ذات يوم جالس في داره إذ جاءته خادم له بسفود ~~عليه شواء حار، فسقط من يدها فوقع على ابن له فمات فدهشت الجارية فقال: لا ~~روع عليك، أنت حرة لوجه الله تعالى! وقيل: جاءت جارية لأبي عبد الله جعفر ~~بن محمد بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه بقصعة من ثريد تقدمها إليه، وعنده ~~قوم فأسرعت بها فسقطت من يدها فانكسرت فأصابه وأصحابه مما كان فيها فارتاعت ~~الجارية عند ذلك فقال لها: أنت حرة لوجه الله تعالى، لعله أن يكون كفارة ~~للروع الذي أصابك! وكان ابن عمر رضي الله عنه إذا رأى أحدا من عبيده يحسن ~~الصلاة يعتقه، فعرفوا ذلك من حسن خلقه فكانوا يحسنون الصلاة مراآة وكان ~~يعتقهم فقيل له في ذلك فقال: من خدعنا في الله انخدعنا له! وقال الفضيل: لو ~~أن رجلا أحسن الإحسان كله وكانت له دجاجة فأساء إليها لم يكن من المحسنين. ~~وكان المحاسبي يقول: فقدنا ثلاثة أشياء: حسن الوجه مع الصيانة، وحسن القول ~~مع الأمانة، وحسن الإخاء مع الوفاء. وقال الجنيد: أربع ترفع العبد إلى أرفع ~~الدرجات: الحلم والتواضع والسخاء وحسن الخلق، وهو كمال الإيمان وقال ~~الكتاني الصوفي: PageV01P119 حلق ما زاد عليك في الخلق يزيد عليك في ~~التصوف، وقيل حسن الخلق تحمل أثقال الخلق. وقال الحسن بن علي رضي الله ~~عنهما: عنوان الشرف حسن الخلق. # وكان عبد الله بن محمد الرازي يقول: حسن الخلق استصغار ما منك واستعظام ~~ما إليك. وقال سهل بن عبد الله: حسن الخلق أن لا تطمع فيما ليس لك، وليس ~~بهذه ms241 الصفة أحد إلا الله عز وجل. وقال شاه الكرماني: علامة حسن الخلق كف ~~الأذى واحتمال المؤن، وقيل: حسن الخلق أن تكون من الناس قريبا وفيما بينهم ~~غريبا. وقيل: حسن الخلق احتمال المكروه بحسن المداراة. وقال عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه: خالطوا الناس بالأخلاق وزايلوهم بالأعمال وقال يحيى بن معاذ ~~الرازي: سوء الخلق سيئة لا تنفع معها كثرة الحسنات، وحسن الخلق حسنة لا تضر ~~معها كثرة السيئات. وقالت امرأة لمالك بن دينار: يا مرائي فقال: يا هذه ~~أصبت اسمي الذي أضله أهل البصرة. # وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن ~~تسعوهم ببسط الوجه وحسن الخلق. وروى أن أبا عثمان اجتاز بسكة وقت الهاجرة، ~~فألقي عليه من فوق سطح بيت طست رماد، فتغير أصحابه وبسطوا ألسنتهم في ~~الملقي، فقال أبو عثمان: لا تقولوا شيئا، من يستحق أن يصب عليه النار فصولح ~~على الرماد لم يجز له أن يغضب. وقيل لإبراهيم بن أدهم: هل فرحت في الدنيا ~~قط؟ قال: نعم مرتين إحداهما كنت جالسا ذات يوم فجاء إنسان فصفعني، والثانية ~~كنت قاعدا ذات يوم فجاء إنسان فبال علي. وكان أويس القرني إذا رأوه الصبيان ~~يرمونه بالحجارة وهو يقول: إن كان فلا بد فارموني بالحجارة الصغار كي لا ~~تدموا ساقي فتمنعوني الصلاة. وسئل سهل بن عبد الله عن حسن الخلق فقال: ~~أدناه الاحتمال للأذى وترك المكافأة، والرحمة للظالم والاستغفار له والشفقة ~~عليه. # وروي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه دعا غلاما له فلم يجبه، فدعاه ~~ثانيا وثالثا فلم يجبه، فقام إليه فرآه مضطجعا فقال: أما تسمع يا غلام؟ ~~قال: فما حملك على ترك جوابي؟ قال: أمنت عقوبتك فتكاسلت! فقال: امض فأنت حر ~~لوجه الله تعالى. وهذا ترى قوة إلهية يفرغها الله تعالى على المصطفين من ~~عباده وأهل الصفوة من أوليائه. ألا ترى إلى قوله تعالى: " فبما رحمة من ~~الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك " آل عمران: 159 جرده ~~عن حقائق ms242 البشرية وألبسه من نعت الربوبية حتى قواه على صحبتهم، وصبر على ~~تبليغ الرسالة إليهم مع الذي كان يقاسيه مع كونه مستغرقا باستيلاء الحق ~~تعالى عليه يختص برحمته من يشاء. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: المؤمن ~~إلف مألوف ولا خير في من لا يألف ولا يؤلف. وإنما سمي آدم لأنه تألف من ~~الجواهر والألوان. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لرجلين متغاضبين: آدم ~~الله بينكما أي ألف بينكما. ومنه سمي الأدم المأكول لأنه يؤلف الطعام ~~ويحسنه. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لرجل أراد أن يتزوج امرأة: انظر ~~إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما أي يؤلف بينكما. # وروي أن معروف الكرخي نزل االدجلة يتوضأ فوضع مصحفه وملحفته، فجاءت امرأة ~~فأخذتهما فتبعها معروف وقال: يا أختي أنا معروف لا بأس عليك ألك ابن يقرأ؟ ~~قالت: لا. قال: فزوج؟ قالت: لا قال: فهاتي المصحف وخذي الثوب. وروي أن أبا ~~ذر رضي الله عنه كان على حوض يسقي إبله فأسرع بعض الناس إليه فانكسر الحوض ~~فجلس ثم اضطجع، فقيل له في ذلك فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا ~~إذا غضبنا أن نجلس، فإن ذهب عنا وإلا فنضطجع. وقال علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه: إنا لنصافح أكفا ترى قطعها وقال أبو ذر: إنا لنبش في وجوه قوم ~~وإن قلوبنا لتلعنهم. وقال الحارث بن قيس: يعجبني من الورى كل طلق الوجه ~~مضحاك، فأما الذي تلقاه ببشر ويلقاك بعبوس يمن عليك بعمله فلا أكثر الله في ~~المسلمين مثله! وقال عروة بن الزبير رضي الله عنه: مكتوب في الحكمة: يا بني ~~لتكن كلمتك طيبة وليكن وجهك طلقا، تكن أحب إلى الناس ممن يعطيهم العطاء، ~~ومن يصحب صاحب السوء لا يسلم، ومن يسلم صاحبا صالحا يغنم. وروي أن إبراهيم ~~بن أدهم رحمة الله عليه خرج إلى بعض البراري فاستقبله جندي فقال: أين ~~العمران؟ فأشار إلى المقبرة فضرب رأسه فأوضحه، فلما جاوزه قيل له: ~~PageV01P120 هذا إبراهيم بن أدهم زاهد خراسان. فجاء يعتذر إليه فقال: ms243 إنك ~~لما ضربتني سألت الله لك الجنة، فقال: لم؟ قال: قد علمت أني أوجر على ذلك ~~فلم أرد أن يكون نصيبي منك الخير ونصيبك مني الشر! وحكي أن أبا عثمان ~~الجيزي دعاه إنسان إلى ضيافة، فلما وافى باب الدار قال: يا أستاذ ليس لي ~~رغبة في دخولك وقد ندمت فانصرف يرحمك الله! فرجع أبو عثمان فلما وافى منزله ~~عاد إليه الرجل وقال: يا أستاذ ندمت وأخذ يعتذر وقال احضر الساعة. فقام أبو ~~عثمان ومضى معه فلما وافى داره قال مثل ما قال في الأولى وأخذ كذلك يعتذر، ~~ثم كذلك في الثالثة والرابعة وأبو عثمان ينصرف ويحضر، ثم قال له: يا أستاذ ~~إنما أردت اختبارك والوقوف على أخلاقك، وجعل يعتذر إليه ويمدحه فقال أبو ~~عثمان لا تمدحني على خلق تجد مثله في الكلاب، والكلب إذا دعي حضر وإذا زجر ~~انزجر! وروي أن بعض الفقراء نزل على جعفر بن حنظلة، وكان جعفر يخدمه ~~والفقير يقول: نعم الرجل أنت لو لم تكن يهوديا! فقال أبو جعفر: إن عقيدتي ~~لا تقدح فيما يحتاج إليه من الخدمة، فسل لنفسك الشفاء ولي الهداية. وروي أن ~~أبا جعفر العمودي المتعبد لقيه بعض الأجناد ومعه كلب الصيد فقال له: خذ هذا ~~الكلب وقده خلفي. فأبى فضربرأسه بالسوط حتى أوجعه فقال بعض المارين: ويحك ~~هذا أبو جعفر العمودي العابد! فنزل عن فرسه وجعل يقبل يديه ويعتذر إليه ~~فقال له: أنت في حل! قال إبراهيم بن الحسين: سمعت أبا جعفر العمودي ليالي ~~عدة إذا فرغ من خربه في جوف الليل يدعو ويقول: اللهم اغفر لصاحب الكلب ~~وارحمه. وقيل مكتوب في الإنجيل: عبدي اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب، فلا ~~أمحقك فيمن أمحق. وقال بعض المفسرين في قوله تعالى: " وقولوا للناس حسنا " ~~البقرة: 83 أي كل من لقيته فقل له حسنا من القول. # وقال لقمان لأبنه: ثلاثة لا يعرفون إلا في ثلاثة: الحليم عند الغضب، ~~والشجاع في الحرب، والأخ عند الحاجة إليه. وروي أن عبد الله الخياط كان له ~~مجوسي يخيط ms244 عنده الثياب ويدفع له دراهم ذيوفا، وكان عبد الله يأخذها فجاء ~~المجوسي يوما بدراهم رديئة فلم يجده، فأعطاه لتلميذه فلم يقبلها فدفع له ~~صحاحا فلما رجع عبد الله قال له تلميذه: هذه دراهم المجوسي، وذكر قصته فقال ~~له عبد الله: بئس ما فعلت! إنه يعاملني هذه المعاملة منذ أعوام وأنا أصبر ~~عليها وألقها في البئر لئلا يغر بها غيري! وروي أن معاوية نظر إلى يزيد ~~يضرب ابنه فقال له: أتضرب من لا يمتنع منك؟ لقد حالت القدرة بيني وبين أولي ~~التراث. وقال بعضهم: أصل سوء الخلق ضيق القلب، وضيقه على قسمين أدناه ~~وأهونه أن لا يتسع لمراد الخلق، وأقصاه وشره أن لا يتسع لمراد الخالق. وقال ~~المحاسبي: أصل السوء الخلق الإعجاب، وهل يسوء خلق الرجل إلا من عجبه ~~وتكبره، ولا يرى فوقه أحد، ولا يعرف قدر نفسه فتداخله العزة؟ وقال الحسن ~~البصري في قوله تعالى: " وثيابك فطهر " المدثر:4 أي وخلقك فحسن وكان لبعض ~~النساك شاة وكان بها معجبا، فرآها على ثلاث قوائم فقال: من فعل هذا بها ~~فقال غلامه: أنا. وقال: ولم؟ قال: لأغمك بها! قال: لأغمن من أمرك اذهب فأنت ~~حر! وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: رأى عيسى بن مريم عليه السلام رجلا يسرق فقال له أتسرق؟ فقال: لا ~~والذي لا إله إلا هو. فقال عيسى عليه السلام: آمنت بالله وكذبت عيني. وقال ~~علي ابن أبي طالب رضي الله عنه: فساد الأخلاق بمعاشرة السفهاء. وقيل الخلق ~~السيء يضيق قلب صاحبه لأنه لا يسع فيه غير مراده، كالمكان الضيق لا يسع فيه ~~غير صاحبه. ويقال: من سوء خلقك أن يقع بصرك على سوء خلق غيرك. وسئل النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن الشؤم فقال: سوء الخلق! وروى أبو هريرة رضي الله عنه ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: ادع الله تعالى على المشركين. فقال: ~~إنما بعثت رحمة ولم أبعث عذابا! ولما وصى يعقوب عليه الصلاة والسلام أولاده ~~قال ms245 لهم: احفظوا عني خصلتين ما انتصفت من ظالم قط قولا ولا فعلا، وما رأيت ~~حسنة إلا أفشيتها ولا رأيت سيئة إلا سترتها، كذلك فافعلوا. وقال ابن عمر ~~رضي الله عنهما: إذا سمعتموني أقول لمملوك أخزاك الله فاشهدوا أنه حر. ~~ويقال: PageV01P121 سيئ الخلق هو الذي لا يملك نفسه عند الغضب. وقيل: أصل ~~سوء الخلق أن يوافقك دون أن تطلب نفسك بموافقة غيرك، وعلامة حسن الخلق ~~احتمال معاملة سيئ الخلق لتستر به سوء الخلق. وقيل: العارف يعاتب نفسه ولا ~~يعاتب خلقه، وعلامة من بينه وبين نفسه عتاب أن لا يكون بينه وبين خلقه ~~عتاب. وروي أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان في حجره يتم سيئ الخلق، ~~فمات فحزن عليه فقيل له: إنك تجد غيره. قال: فمن لي بمثل سوء خلقه؟ وكان ~~ليحيى بن زياد الحارثي غلام سوء فقيل له: لم تمسك هذا الغلام؟ فقال: لأتعلم ~~عليه الحلم. # وقيل في قوله تعالى: " وأسبغ عليكم نعمة ظاهرة وباطنة " لقمان: 20 ~~الظاهرة تسوية الخلق والباطنة حسن الخلق. وقال الفضيل: لأن يصحبني فاجر حسن ~~الخلق أحب إلي من أن يصحبني عابد سيئ الخلق. فإن قيل: أليس قد روى أن عيسى ~~ويحيى بن زكريا عليهما السلام التقيا فقال يحيى لعيسى: تلقاني ضاحكا كأنك ~~آمن؟ فقال عيسى: وأنت تلقاني عابسا كأنك آيس؟ فأوحى الله تعالى إليهما إن ~~أحبكما إلي أبشكما لصاحبه. قلنا: كذلك يستحب أن يكون المؤمن وليست طلاقة ~~الوجه والتبسم في وجه أخيك منهيا عنه، وإنما المكر ومما ذكرناه في أول ~~الباب من التملق والتصنع. وفصل الخطاب في هذا الباب ما روى هند بن أبي هالة ~~في صفة مجلس النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كان أصحابه كأنما على رؤوسهم ~~الطير. ومعلوم أن من كان على رأسه الطير لا يبرح ولا يتحرك ولا يتكلم، ولا ~~يطرف بعينه حذرا من أن ينفر الطائر. # وقال ابن المقفع: كان لي صديق من أعظم الناس في عيني، وكان رأس ما عظمه ~~في عيني صغر الدنيا في عينيه. وكان ms246 خارجا عن سلطان بطنه فلا يشتهي ما لا ~~يجد ولا يكثر إذا وجد. وكان خارجا عن سلطان فرجه فلا يدعو إليه مؤنة ولا ~~يستخف له رأسا ولا بدنا. وكان خارجا عن سلطان الجهالة فلا يقدم أبدا إلا ~~على ثقة لنفعه. وكان أكثر دهره صامتا فإذا قال بد القائلين. وكان متضاعفا ~~مستضعفا، فإذا جاء الجد فهو الليث عاديا. وكان لا يدخل في دعوى ولا يشرك في ~~مراء ولا يدلي بحجة حتى يرى قاضيا عادلا وشهودا عدولا. وكان لا يلوم أحدا ~~على ما يكون العذر في مثله حتى يعلم ما اعتذاره. وكان لا يشكو وجعا إلا إلى ~~من يرجو عنه البرء ولا يستشير إلا من يرجو عنده النصيحة. وكان لا يتبرم ولا ~~يسخط ولا يشتكي ولا ينتقم من العدو، ولا يغفل عن الوالي ولا يخص نفسه دون ~~إخوانه بشيء من اهتمامه وحيلته وقوته. فاقف هذه الأخلاق، فإن لم تطق فأخذ ~~القليل خير من ترك الجميع. # وروي أن حكيما سمع رجلا يذم الزمان وأهله، وأنه قد فسد الناس ولم يبق أحد ~~يصحب فقال له: يا هذا أأنت تطلب صاحبا تؤذيه فلا ينتصر وتنال منه فلا ~~ينتصف، وتأكل رحله فلا يرزؤك بشيء وتجفو عليه فيحلم فلا ينتصف في الطلب، ~~ولم تجد حاجتك ولكن إن أردت صاحبا يؤذيك فلا تنتصر فلا تنتقم، ويأكل رحلك ~~ولا تنال منه شيئا وجدت أصحابا وإخوانا وخلانا، وأنا أول من يصحبك. # فصل في الفرق بين المداهنة والمداراة # من دارى سلم ومن داهن أثم. وهذا باب اختلط على معظم الخلق فداهنوا وهم ~~يحسبون أنهم يحسنون وأنهم يدارون. فالمداهنة منهي عنها والمداراة مأمور ~~بها. قال الله تعالى في المداهنة: " ودوا لو تدهن فيدهنون " القلم: 9 قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم في المداراة: رأس العقل بعد الإيمان بالله تعالى ~~التودد إلى الناس، وأمرت بمداراة الناس كما أمرت بأداء الفرائض. واعلم أنه ~~إذا سقمت المداراة صارت مداهنة. فالمداراة أن تداري الناس على وجه يسلم لك ~~دينك، وذلك أن هذه الآية نزلت على النبي ms247 صلى الله عليه وسلم وقد قالت قريش: ~~يا محمد اعبد آلهتنا سنة ونؤمن بك! فأبى. قالوا: فشهرا! فأبى. قالوا: ~~فيوما! فأبى. قالوا: فساعة! فأبى. قالوا: فاستعملها بيدك وتؤمن بك. فوقف ~~النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك وطمع إن فعل أن يؤمنوا فأنزل الله تعالى: ~~ودوا لو تدهن فيدهنون. # وقيل له صلى الله عليه وسلم: ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا ~~قليلا إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات، ومثاله أن يقول للظالم: ~~PageV01P122 أبقاك الله تعالى. ومن دعا للظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصي ~~الله تعالى. وهذا باب ينبغي لذوي الدين حفظه. وقد رأى بعض الفقهاء الخروج ~~من هذه العهدة بالتعريض. وكان الفقيه ابن الحصار بقرطبة له جار نصراني يقضي ~~حوائجه وينفعه، فكان الفقيه يكثر أن يقول له: أبقاك الله وتولاك، أقرا الله ~~عينك! يسرني والله ما يسرك! جعل الله يومي قبل يومك. لا يزيده قط على هذه ~~الكلمات، فيبتهج النصراني ويسره. فعوتب الفقيه في ذلك فقال: إنما أدعو ~~بمعاريض وقد علم الله ذلك من نيتي. أما قولي أبقاك الله وتولاك فأريد به أن ~~يبقيه الله تعالى لغرم الجزية ويتولاه بالعذاب، وأما قولي أقر الله عينك ~~فأريد أن يقر حركتها بستر يعرض لها فلا تتحرك جفونها، وأما قولي يسرني ~~والله ما يسرك فإن العافية تسرني كما تسره، وأما قولي جعل الله يومي قبل ~~يومك فأريد يومك أن يجعل الله اليوم الذي أدخله فيه الجنة برحمته قبل اليوم ~~الذي يدخل فيه النار على كفره. # الباب السادس والخمسون # في الظلم وشؤمه وسوء عاقبته # قال الله تعالى: " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " ~~المائدة:44 وقال: " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون " ~~المائدة:45 وقال: # الباب السادس والخمسون # في الظلم وشؤمه وسوء عاقبته # قال الله تعالى: " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " ~~المائدة:44 وقال: " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون " ~~المائدة:47 وردت هذه الآيات الثلاث في بني إسرائيل فكل من لم يحكم ms248 بما جاء ~~من عند الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم كملت فيه هذه الأوصاف ~~الثلاثة: الكفر والظلم والفسق، والكفر موقوف على خلاف العقيدة. وقال الله ~~تعالى: " ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون " إبراهيم:42. وقال أحمد ~~بن حضرويه: لو أذن لي في الشفاعة ما بدأت إلا بالظالمين لأني نلت منه تعزية ~~الله تعالى في قوله ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون. وقال: ولا ~~أغتنم سفرا لا يكون فيه من لا يؤذيني ولا يظلمني شوقا مني لتعزية الله ~~تعالى للمظلومين. وقال ميمون بن مهران: كفى بهذه الآية وعيدا للظالم وتعزية ~~للمظلوم. # وقال كعب الأحبار لأبي هريرة رضي الله عنه: في التوراة من يظلم يخرب ~~بيته. قال أبو هريرة: وذلك في كتاب الله تعالى " فتلك بيوتهم خاوية بما ~~ظلموا " النمل:52 فالظلم أدعى شيء إلى سلب النعم وحلول النقم. وروى مسلم في ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه سبحانه أنه قال: يا ~~عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا. يا عبادي ~~كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم. يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته ~~فاستطعموني أطعمكم. يا عبادي كلكم عار. إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم يا ~~عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر ~~لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا ~~عبادي لو أن أولكم وآخركم وأنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ~~ما زاد ذلك في ملكي شيئا. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكموجنكم كانوا ~~على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا. يا عبادي لو أن أولكم ~~وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته، ~~ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر. يا عبادي إنما هي ~~أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد ~~غير ذلك فلا يلومن إلا ms249 نفسه، يرويه أبو إدريس الخولاني عن أبي ذر مسند إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أبو إدريس إذا حدث به جثا على ركبتيه. وروى ~~عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الظلم ~~ظلمات يوم القيامة. وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اتقوا ~~دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب. وروى أبو هريرة رضي الله عنه ~~قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: من كانت عنده لأخيه مظلمة من عرض أو ~~شيء فليتحلله منه، قبل أن لا يكون درهم ولا دينار إن كان له عمل صالح أخذ ~~منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه. وروى ~~سعيد بن زيد رضي الله عنه قال: PageV01P123 سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول: من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين. قال أبو جعفر الطحاوي: ~~معناه يقلب شجاعا أقرع فيطوقه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في مانع ~~الزكاة: يجيء ما له يوم القيامة شجاعا أقرع يتبعه يقول أنا مالك أنا كنزك! ~~وكان هذا داخلا في قوله تعالى " سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة " آل ~~عمران: 180. # وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مطل الغنى ~~ظلم وروى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، وقرأ: " وكذلك أخذ ربك إذا ~~أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد " هود:102 وروى أنس رضي الله عنه أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: انصر أخاك ظالما أو مظلوما! قالوا: يا رسول ~~الله هذا أنصره مظلوما فكيف أنصره ظالما؟ قال: تأخذون فوق يده. وروى أبو ~~هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: صنفان من أهل النار ~~لم أرهما بعد: ناس معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات ~~عاريات مائلات ms250 مميلات على رؤوسهن كأسنمة البخت، لا يرين الجنة ولا يجدن ~~ريحها. وقال تعالى: " وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها ~~فحق عليها القول فدمرناها تدميرا " الإسراء: 16. وفي الآية تأويلان: أحدهما ~~أنا أمرناهم بالطاعة ففسقوا أي خرجوا عن الطاعة، والثاني على قراءة المدني ~~كثرنا عددهم وأسبغنا النعم عليهم فعصوا وبغوا. # ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: خير المال سكة مأبورة أو مهرة مأمورة ~~أي كثيرة النتاج. # واعلموا أن حشرات الأرض وهوامها تلهن العصاة، وقال مجاهد: إذا أشعثت ~~الأرض تقول البهائم هذا من أجل عصاة بني آدم لعن الله عصاة بني آدم! وذلك ~~قوله تعالى: " أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون " البقرة: 159. وفي ~~الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الحسل ليموت هزلا بذنب ابن ~~آدم يعني أن بذنوب الخلق يمتنع القطر فلا تنبت الأرض، فتهلك الدواب ~~والحشرات، وسمع أبو هريرة رضي الله عنه رجلا يقول: إن الظالم لا يضر إلا ~~بنفسه فقال: بلى والله إن الحبارى لتموت هزلا في وكرها بظلم الظالم. وقال ~~ابن مسعود: خطيئة ابن آدم قتلت الحسل. وروى مسلم في صحيحه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه أوجب الله له النار وحرم ~~عليه الجنة. فقال رجل: يا رسول الله وإن كان شيئا يسيرا؟ قال: وإن كان ~~قضيبا من أراك. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما ظهر الغلول في قوم قط إلا فشا في قلوبهم ~~الرعب، ولا فشا الزنا في قوم قط إلا فشا فيهم الموت، ولا أنقص قوم المكيال ~~والميزان إلا قطع عنهم الرزق، ولا حكم قوم بغير حق إلا فشا فيهم الدم، ولا ~~خفر قوم العهد إلا سلط عليهم العدو. وقال بعض الحكماء: اذكر عند الظلم عدل ~~الله فيك، وعند المقدرة قدرة الله عليك، ولا يعجبك امرؤ رحب الذراعين سفاك ~~الدماء فإن له قاتلا لا يموت. وروي أن بعض الملوك رقم على بساطه هذه ~~الأبيات: # لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا ... فالظلم مصدره يفضي ms251 إلى الندم # تنام عيناك والمظلوم منتبه ... يدعو عليك وعين الله لم تنم # لا شك دعوة مظلوم يحل بها ... دار الهوان ودار الذل والنقم # وأنشدنا أبو عبد الله الدامغاني قاضي القضاة ببغداد: # إذا ما هممت بظلم العباد ... فكن ذاكرا هول يوم المعاد # فإن المظالم يوم القصاص ... لمن قد تزودها شر زاد # وقال سحنون بن سعيد: كان يزيد بن حاتم يقول: ما هبت شيئا قط هيبتي رجلا ~~ظلمته وأنا أعلم أن لا ناصر له إلا الله، فيقول حسبك الله الله بيني وبينك. ~~وقال بلال بن مسعود: اتقوا الله فيمن لا ناصر له إلا الله. وقال أبو سليمان ~~الداراني: لما دخل إخوة يوسف عليه السلام عليه عرفهم ولم يعرفوه. وكان على ~~وجهه برقع فخلى كبيرهم وكان ابن خالته وقال له: بم أوصاك أبوك؟ قال: بأربع. ~~قال: وما هن؟ قال: PageV01P124 يا بني لا تتبع هواك فتفارق إيمانك، فإن ~~الإيمان يدعو إلى الجنة والهوى يدعو إلى النار، ولا تكثر منطقك في ما لا ~~يعنيك فتسقط من عين الله، ولا تسيء بربك الظن فلا يستجيب لك، ولا تكن ظالما ~~فإن الجنة لم تخلق للظالمين. وبكى علي بن الفضل يوما فقيل له: ما يبكيك؟ ~~قال: أبكي على من ظلمني إذا وقف غدا بين يدي الله تعالى ولم تكن له حجة. ~~ولمحمود الوراق: # إني وهبت لظالمي ظلمي ... وتركت ذاك له على علمي # فرأيته أسدى إلي يدا ... لما أبان بجهله حلمي # رجعت إساءته عليه أسى ... حقا فآب مضاعف الجرم # وغدوت ذا أجر ومحمدة ... وغدا بكسب الذنب والإثم # ما زال يظلمني وأرحمه ... حتى رثيت له من الظلم # فكأنما الإحسان كان له ... وأنا المسيء إليه في الحكم # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تعالى: اشتد غضبي على ~~من ظلم من لا يجد له ناصرا غيري. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: لما كشف ~~الله تعالى العذاب عن قوم يونس عليه السلام ترادوا المظالم، حتى كان الرجل ~~ليقلع الحجر من أساسه ويرده إلى صاحبه. وقال أبو ثور بن ms252 يزيد: الحجر في ~~البنيان من غير حله عربون على خرابه. وقال غيره: لو أن الجنة وهي دار ~~البقاء أسست على حجر من الظلم لأوشك أن تخرب، وقال الحكيم: العدل مرمة ~~والظلم ظلمة. بالعدل تجر إليك الجوانح وبالجور تهجم عليك الجوانح. فاحذر من ~~لا جنة له إلا الثقة بمنزل الغير ولا سلاح له إلا الابتهال إلى مقلب الدول ~~وقال مالك بن دينار: قرأت في بعض الكتب: يا معشر الظلمة لا تجالسوا أهل ~~الذكر فإنهم إذا ذكروني ذكرتهم برحمتي، وإذا ذكرتموني ذكرتكم بلعنتي. # وقال أبو أمامة رضي الله عنه: يجيء الظالم يوم القيامة حتى إذا كان على ~~جسر جهنم لقيه المظلوم وعرف ما ظلمه به، فما يبرح الذين ظلموا بالذين ظلموا ~~حتى ينزعوا ما بأيديهم من الحسنات، فإن لم يجدوا حسنات حمل عليهم من ~~سيئاتهم مثل ما ظلموا حتى يردوا الدرك الأسفل من النار. وفي صحيح مسلم: إن ~~هشام بن حكيم مر بالشام على أناس وقد أقيموا في الشمس وصب على رؤوسهم ~~الزيت، قال: ما هذا؟ قالوا: يعذبون في الخراج. قال: أما إني سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا. ~~وأخبرني رجل ممن كان يقرأ العلم بالإسكندرية قال: كان ههنا شيخ عينا ~~للمساكين يدور حولهم، فرأيته في النوم بعد وفاته فقلت: من أين تجيء؟ فقال ~~لي: لا تسأل! فأعدت عليه فقال: لا تسأل! فسألته فقال: لا تسأل من الجحيم! ~~فقلت له: قل لي إلى أين تذهب؟ قال: إلى مثل الدار التي خرجت منها. قلت: كيف ~~لقيت؟ قال: وماذا لقيت كأن لحمي جعل في هاون ودق حتى صار مثل المخ! وأخبرني ~~رجل من أهل الدين والعلم قال: رأيت فلانا البياع في النوم بعد وفاته فقلت: ~~ما فعل الله بك؟ قال: أنا محبوس عن الجنة. قلت: بماذا؟ قال: كنت أبيع في ~~الدكان فيزدحم الناس علي فآخذ دراهمهم فأجعلها في فمي، وكلما تفرغت وزنتها ~~وأعطيت كل إنسان حقه، فاختلطت في فمي الفضتان فدفعت لأحدهما فضة الآخر، ms253 ~~وكانت أنقص من فضته بحبة، ثم حوسبت فبقي علي حبة فقلت له: فادفع له الحبة ~~فتخلص، فجعل يقلب كفيه ويقول: من أين أدفع له؟ يكررها مرات؟ وروى أن يونس ~~عليه الصلاة والسلام لما نبذ بالعراء وأنبت الله عليه شجرة من يقطين كان ~~يأوي إلى ظلها، فيبست فبكى فأوحى الله تعالى إليه: أتبكي على شجرة فقدتها ~~ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون أردت أن تهلكهم؟ وقيل لابن السماك الأسدي ~~أيام معاوية رضي الله عنه: كيف تركت الناس؟ قال: بين مظلوم لا ينتصف وظالم ~~لا ينتهي. # وقال بعض الحكماء: أفقر الناس أكثرهم كسبا من حرام، لأنه استدان بالظلم ~~ما لا بد من رده. وقال رجل: كنت جالسا عند عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، ~~فذكر الحجاج فشتمته ووقعت فيه، فقال عمر رضي الله عنه: إن الرجل ليظلم ~~بالمظلمة فلا يزال المظلوم يشتم الظالم ويسبه حتى يستوفي حقه، فيكون للظالم ~~الفضل عليه. وقال عمرو بن دينار: نادى رجل في بني إسرائيل: من رآني فلا ~~يظلمن أحدا فإذا رجل قد ذهب ذراعه من عضده وهو يبكي ويقول: PageV01P125 من ~~رآني فلا يظلمن أحدا. فسئل عن حاله فقال: بينما أنا أسير على شاطئ البحر في ~~بعض سواحل الشام إذ مررت بنبطي قد اصطاد سبعة أنوان، فأخذت منه نونا وهو ~~كاره بعد أن ضربت رأسه، فعض النون إبهامي عضة شديدة ثم أكلناه فوقعت الأكلة ~~في إبهامي، فاتفقت الأطباء على قطعها فقطعتها فوقعت في كفي ثم ساعدي ثم ~~عضدي، فمن رآني لا يظلمن أحدا. # فخرجت أسيح في البلاد وأنا أريد قطع عضدي إذ رفعت لي شجرة فأويت إلى ظلها ~~فنعست، فقيل لي في المنام: لأي شيء تقطع عضدك؟ رد الحق إلى أهله. فجئت إلى ~~الصياد فقلت له: يا عبد الله أنا مملوك فأعتقني! فقال: ما أعرفك. فأخبرته ~~فبكى وتضرع وقال: أنت في حل! فلما قالها تناثر الدود من عضدي وسكن الوجع ~~فقلت له: بماذا دعوت علي. فقال: لما ضربت رأسي وأخذت السمكة نظرت إلى ~~السماء وبكيت ms254 وقلت: يا رب اشهد أنك عدل تحب العدل وهذا عدل منك، وإنك الحق ~~تحب الحق وخلقتني وخلقته وجعلته قويا وجعلتني ضعيفا، فأسألك بالذي خلقتني ~~وخلقته أنتجعله عبرة لخلقك. وقال معاوية: إن أولى الناس بالعفو أقدرهم على ~~الانتقام، وإن أنقص الناس عقلا من ظلم من دونه. # وقال بعض الحكماء: الظلم على ثلاثة أوجه: ظلم لا يغفره الله عز وجل، وظلم ~~لا يتركه الله تعالى، وظلم لا يعبأ الله سبحانه وتعالى به شيئا فأما الظلم ~~الذي لا يغفره الله تعالى فهو الشرك به، وأما الظلم الذي لا يتركه الله ~~تعالى فمظالم العباد بعضهم بعضا، وأما الظلم الذي لا يعبأ به فظلم العبد ~~بينه وبين الله تعالى. وقال ميمون بن مهران: من ظلم رجلا مظلمة ففاته أن ~~يخرج منها فاستغفر الله دبر كل صلاة له رجوت أن يخرج من مظلمته. وقال يوسف ~~بن أسباط: توفي رجل من الحواريين فوجدوا عليه وجدا شديدا وشكوا ذلك إلى ~~المسيح عليه السلام، فوقف على قبره ودعا فأحياه الله تعالى وفي رجليه نعلان ~~من نار، فسأله عيسى عليه السلام عن ذلك فقال: والله ما عصيت قط إلا أني ~~مررت بمظلوم فلم أنصره فتنعلت هاتين النعلين! وأنا أوصيك إذا فعلت بأحد ~~مكروها فادع الله تعالى له واستغفر له كما فعل موسى عليه السلام لما آذى ~~هارون عليه السلام وأخذ برأسه ولحيته، ثم تبين له براءته وأن بني إسرائيل ~~غلبوه عليه وعلى عبادة العجل، فقال: " رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك ~~وأنت أرحم الراحمين " الأعراف: 151. وروي أن قوم لوط عليه السلام كانت فيهم ~~عشر خصال فأهلكهم الله عز وجل بها: كانوا يتغوطون في الطرقات وتحت الأشجار ~~المثمرة وفي المياه الجارية وفي شواطئ الأنهار، وكانوا يحذفون الناس بالحصى ~~فيعورونهم، وإذا اجتمعوا في المجالس أظهروا المنكر بإخراج الريح منهم، ~~وكانوا يرفعون ثيابهم قبل أن يتغوطون، ويأتون بالطامة الكبرى وهي اللواط؛ ~~قال الله تعالى: " أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم ~~المنكر " العنكبوت: 29 والنادي المجلس، ويلعبون بالحمام ويرمون بالجلاهق ~~وضرب ms255 الدف وشرب الخمور، وقص اللحية وتطويل الشارب والتصفيق ولبس الحمرة، ~~وتزيد عليهم هذه الأمة بإتيان النساء بعضهن لبعض وإنما حملهم على إتيان ~~الرجال أنهم كانت لهم ثمار كثيرة في منازلهم وحوائطهم، فأصابهم قحط وقلة من ~~الثمار فقالوا: بأي شيء نمنع ثمارنا حتى لا يطرقها أحد من الناس؟ فاصطلحوا ~~على أن من وجدوه فيها نكحوه وغرموه أربعة دراهم، ففعلوا وما سبقهم بها أحد ~~من العالمين، قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان بدو الفاحشة فيهم أنهم هموا ~~بذلك فجاءهم إبليس اللعين في هيئة صبي أجمل ما يكون وأكمل شيء، فراوده ~~الناس ونكحوه واجترءوا على ذلك وقال أبو العتاهية في الظلم: # أما والله إن الظلم لؤم ... وإن الظلم مرتعه وخيم # تنام ولم تنم عنك المنايا ... تنبه للمنية يا نؤوم # تروم الخلد في دار المنايا ... وكم قد رام غيرك ما تروم # إلى ديان يوم الدين تمضي ... وعند الله تجتمع الخصوم # سل الأيام عن أمم تقضت ... فتخبرك المعالم والرسوم # وروي أن أنوشروان كان له معلم حسن التأديب فعلمه حتى فاق في العلوم، ~~فضربه المعلم يوما من غير ذنب فأوجعه فحقد أنوشروان عليه، فلما ولي الملك ~~قال له: ما حملك على ما صنعت من ضربي يوم كذا وكذا ظلما؟ قال له: ~~PageV01P126 لما رأيتك ترغب في العلم رجوت لك الملك بعد أبيك، فأحببت أن ~~أذيقك طعم الظلم لئلا تظلم إذا وليت. فقال له أنوشروان: زه زه! وقال عبد ~~الرحمن: جمع زياد بن أمية الناس بالكوفة في إمارته عليهم، ليحرضهم على لعن ~~أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه والبراءة منه، فملئ ~~منهم المسجد والرحبة والقصر وكان على الناس يوما عظيما، قال: وكنت في القوم ~~فأغفيت إغفاءة ومعي أناس من أصحابي من الأنصار، فرأيت في منامي شيئا قد ~~أقبل طويل العنق أهدب، فأفزعني منظره فقلت له: من أنت؟ قال: أنا النقار ذو ~~الرقبة بعثت إلى صاحب هذا القصر! فاستيقظت فزعا فأخبرت أصحابي بالذي رأيته ~~فوالله ما كان ريث حلب ناقة، وأنا في الحديث، ms256 إذ خرج علينا صاحب زياد فقال: ~~أيها الناس انصرفوا فإن الأمير عنكم مشغول، فإذا هو قد ضربه الله سبحانه ~~بالفالج في تلك الساعة. # وروي أن عبد الله بن مصعب الزبيري سعى إلى الرشيد يحيى بن عبد الله بن ~~حبيب الحسن بن الحسن السبط الطالبي عليه السلام، فجمع الرشيد بينهما فقال ~~يحيى: والله يا أمير المؤمنين لقد قال في باطلا وأنا استحلفه. قال عبد الله ~~أنا أحلف. فقال له: قل نقلت الحول والقوة دون حول الله وقوته إلى حولي ~~وقوتي إن لم أكن صادقا فيما أدعيته عليك، فتلجلج وامتنع عن اليمين، فغضب ~~الرشيد وقال له: إن كنت صادقا فاحلف! فحلف بهذه اليمين فقال يحيى: الله ~~أكبر لا يحلف بها أحد كاذبا إلا عوجل. فأخذ في يومه وضربه الله بالجذام ~~وسود وجهه وبدنه. قال سليمان بن جعفر: لقد دخلت عليه في اليوم الثالث من ~~بليته قبل وفاته بيوم، فوالله ما عرفته وجدته كالزنجي وقد تقطع جذاما! وروي ~~أن مالك بن دينار دخل على بلال بن أبي بردة فقال له بلال: ادع الله لي يا ~~أبا يحيى. قال: وما ينفعك دعائي وبالباب مائتان يدعون عليك؟ ومثل ذلك قول ~~سليمان بن عبد الملك لأبي حازم: ادع لي. فقال: أنا أدعو الله لك ههنا، ~~ومظلوم بالباب يدعو الله عليك فأي الدعوتين أحق بالإجابة؟ وكان سديف مولى ~~بني هاشم يقول في دعائه: اللهم قد صار فيئنا دولة بعد القسمة وإمارتنا غلبة ~~بعد المشورة، وعهدنا ميراثا بعد الاختيار للامة، واشتريت الملاهي والمعازف ~~بسهم اليتيم والأرملة، وحكم في أبشار المسلمين أهل الذمة، وتولى القيام ~~بأمورهم فاسق كل محلة. اللهم قد استحصد زرع الباطل وبلغ نهيته واستجمع ~~طريده، فأتح له من الحق يدا حاصدة تبدد شمله وتفرق أمره، ليظهر الحق في ~~أحسن صورة وأتم نور. # وقال شوذب: قال عمر بن عبد العزيز: يذكر الظلمة الوليد بالشأم والحجاج ~~بالعراق وقرة بن شريك بمصر، وعثمان بن حبان بالحجاز ومحمد بن يوسف باليمن، ~~امتلأت والله الأرض جورا! فأما ظلم الوليد فقال عبد ms257 الرحمن بن محمد ~~الأنصاري: رأيت أبيات النبي صلى الله عليه وسلم وعليها المسوح السود، فلما ~~قدم الوليد المدينة نظر إلى أبيات النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما بالها ~~يدخلها الجنب والحائض؟ اهدموها، فهدموها، وقال حبيب بن عبد الله بن الزبير ~~عمد إلى آية من كتاب الله كنا ننظر إليها فمحاها، فبلغت كلمته الوليد فكتب ~~إلى خليفته: أقم حبيبا على باب المسجد فاضربه مائة سوط، ثم أقمه على البئر ~~ينزع بالبكرة وكان في يوم شديد البرد فمات، وقال الشعبي: دخلت على يزيد بن ~~هبيرة فوالله لقد أردت كلمة أرضي بها أمير المؤمنين ولا أسخط بها خالقي، ~~فما قدرت عليها. # ونظر الرجل إلى أبي يوسف القاضي وعليه خلعة الرشيد فقال: جئتك لآخذ عنك ~~ديني فإذا أنت في زي قارون! وقال وهب بن منبه: أوحى الله تعالى إلى داود ~~عليه السلام: إذا لم تكن ظالما فلا تصحب الظالمين فتهون في عيني. وقال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: يكون في آخر الزمان قوم ينهون عن إتيان الولاة ولا ~~ينتهون، يباعدون الفقراء ويقربون الأغنياء وينقبضون عند الحقراء، وينبسطون ~~عند الكبراء، أولئك الجبارون أعداء الرحمن! وقال علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه: يوم العدل على الظالم أشد من يوم الجور على المظلوم. PageV01P127 وروي ~~أن عيسى عليه السلام بينما هو في سياحته إذا بفارس قد نزل على شاطئ نهر، ~~فأكل وشرب ثم ركب وانصرف ونسي كيسا كان معه، فأقبل صبي فأخذ الكيس ومضى، ثم ~~أقبل شيخ فتوضأ وصلى ونام، فذكر الفارس الكيس فرجع فأيقظ الشيخ من نومه ~~وسأله عن الكيس، فأنكر أن يكون وجد شيئا فانتزع سيفه فقتله. فقال عيسى عليه ~~السلام: يا أكرم الأكرمين الصبي أخذ الكيس وقتل الشيخ. فأوحى الله إليه: إن ~~أبا الفارس ظلم أبا الصبي على الكيس والشيخ قتل أبا الفارس. وأنشدوا: # يا ذا الذي ليس له زاجر ... عن ظلم أمثاله ولا ناهي # إني لمن قوم إذا أوعدوا ... توعدوا للوعد بالله! # الباب السابع والخمسون # في تحريم السعاية والنميمة وقبحهما # وما يؤول ms258 إليه أمرهما من الأفعال الرديئة والعواقب الذميمة # قال الله تعالى: " ولا تطع كل حلاف مهين " " هماز مشاء بنميم " " مناع ~~للخير معتد أثيم " " عتل بعد ذلك زنيم " سورة القلم آية: 10 - 13. فذكر ~~الله عز وجل في القرآن العزيز أصناف أهل الكفر والإلحاد وأهل اللمز والفسق ~~والظلم وأشباههم، ولم يسب سبحانه أحدا منهم إلا النمام في هذه الآية، وحسبك ~~بها خسة ورذيلة وسقوطا وضعة. وهذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة في أصح ~~الأقوال، والهماز: المغتاب الذي يأكل لحوم الناس الطاعن فيهم، وقال الحسن ~~البصري: هو الذي يغمز بأخيه في المجلس وهو الهمزة اللمزة. والعتل في اللغة: ~~الغليظ الجافي، وأصله من المعتل وهو الدفع بقوة وعنف. وقال أمير المؤمنين ~~علي ابن أبي طالب والحسن البصري رضي الله عنهما: العتل الفاحش السيء الخلق. ~~وقال ابن عباس رضي الله عنهما: العتل الغليظ الشديد المنافق. وقال عبيد بن ~~عمير: العتل الأكول الشروب القوي الشديد يوضع في الميزان فلا يزن شعيرة. ~~وقال بنان: هو الجافي القاسي اللئيم العسر. وقال مقاتل: العتل الضخم: وقال ~~الكلبي هو الشديد في كفره وكل شديد عند العرب عتل. وقيل: العتل الشديد ~~الخصومة بالباطل. والزنيم: وهو الدعي الذي لا يعرف من أبوه؛ قال حسان بن ~~ثابت رضي الله عنه: # وذاك زنيم نيط من آل هاشم ... كما نيط خلف الراكب القدح القرد # وقال غيره: # زنيم ليس يعرف من أبوه ... بغي الأم ذو حسب لئيم # وقال أكثر النقلة: هذا رجل إنما ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة وعن هذا ~~قول القدماء: لا يكون نماما إلا وفي نسبه شيء. وسعى رجل إلى بلال بن أبي ~~بردة برجل، وكان أميرا على البصرة فقال: انصرف حتى أكشف عن أمرك. فكشف عنه ~~فإذا هو ابن بغي يعني ولد زنا. وقال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: لا ~~يبغي على الناس إلا ولد بغي. وقيل: الزنيم الذي له زنمة في عنقه يعرف بها ~~كما تعرف الشاة. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لما وصفه الله عز وجل بتلك الخلال ms259 ~~المذمومة لم يعرف حتى قيل زنيم، فعرف لأنه كانت له زنمة في عنقه يعرف بها ~~كما تعرف الشاة بزنمتها، ومن ذلك قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا إن ~~جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم ~~نادمين " " الحجرات: 6 " نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، بعثه النبي ~~صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق بعد الوقعة، وكان بينه وبينهم عداوة في ~~الجاهلية، فخرجوا يتلقونه تعظيما لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، ففزع ورجع ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: منعوني صدقاتهم وأرادوا قتلي، فغضب ~~النبي صلى الله عليه وسلم عليهم ثم كشف عن أمرهم فوجد ما قاله كذبا، فنزلت ~~هذه الآية وسماه الله تعالى فاسقا. # ومن ذلك قوله تعالى: " سماعون للكذب أكالون للسحت " المائدة:42. فشرك ~~الله تعالى بين السامع والقائل في القبح وساوى بينهما في الذم، فكان فيه ~~تنبيه على أن السامع نمام في الحكم. وأما ما روي فيه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم فروى مسلم في الصحيح عن هشام قال: كنا مع حذيفة فقيل له إن ههنا ~~رجلا يرفع الحديث إلى عثمان ابن عفان رضي الله عنه. فقال حذيفة: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يدخل الجنة قتات، وفي لفظ آخر نمام. وروي ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ألا أخبركم بشراركم؟ قالوا: بلى يا رسول ~~الله. قال: PageV01P128 شراركم المشاؤون بالنميمة المفسدون بين الأحبة ~~الباغون العيوب. وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: ملعون ذو الوجهين، ملعون ذو اللسانين، ملعون كل شغاز ملعون كل قتات، ~~ملعون كل منان. والشغاز: المحرش بين الناس يلقي بينهم العداوة والقتات: ~~النمام والمنان الذي يعمل الخير ويمن به. # وروى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين ~~فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير: أما أحدهما فكان لا يستبري من ~~البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة، ثم أخذ جريدة رطبة فشقها ms260 نصفين وغرز ~~في كل قبر واحدة فقالوا: يا رسول الله لم فعلت هذا فقال: لعله يخفف عنهما ~~ما لم ييبسا وذلك لبركة يده صلى الله عليه وسلم. وأما السعاية إلى السلطان ~~أو إلى كل ذي قدرة ومكنة، فهي المهلكة والحالقة لأنها تجمع إلى مذمة الغيبة ~~ولؤم النميمة التغرير بالنفوس والأموال، والقدح في المنازل والأحوال وتسلب ~~العزيز عزه وتحط المكين عن مكانته والسيد عن مرتبته، فكم من دم أراقه سعي ~~ساع وكم حريم استبيح بنميمة نمام، وكم من صفيين تقاطعا ومن متواصلين ~~تباعدا، ومن محبين تباغضا ومن إلفين تهاجرا ومن زوجين افتراقا، فليتق الله ~~ربه رجل ساعدته الأيام وتراخت عنه الأقدار أن يصغي لساع أو يستمتع لنمام. # روى ابن قتيبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الجنة لا يدخلها ديوث ~~ولا قلاع. فالديوث الذي يجمع بين الرجال والنساء، سمي بذلك لأنه يدث بينهم. ~~والقلاع الساعي الذي يقع في الناس عند الأمراء لأنه يقصد الرجل المكين عند ~~السلطان فلا يزال يقع فيه حتى يقلعه. وقال كعب: أصاب الناس قحط شديد على ~~عهد موسى عليه الصلاة والسلام، فخرج موسى ليستسقي ببني إسرائيل فلم يسقوا ~~ثم خرج الثانية فلم يسقوا ثم خرج الثالثة فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى ~~إني لا أستجيب لك ولا لمن معك، فإن فيكم نماما، فقال موسى: يا رب من هو حتى ~~نخرجه من بيتنا؟ فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى أنهاكم عن النميمة وآيتها ~~فأكون نماما فتابوا فأرسل الله تعالى عليهم الغيث. ولما لقي أسقف نجران عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه قال: يا أمير المؤمنين احذر قاتل الثلاثة. قال: ومن ~~قاتل الثلاثة؟ قال: الرجل يأتي الإمام بالحديث الكذب فيقبله الإمام، فيكون ~~قد قتل نفسه وصاحبه وإمامه، فقال عمر رضي الله عنه: ما أراك أبعدت. # ووجدنا في حكم القدماء أبغض الناس إلى الله عز وجل المثلث. قال الأصمعي: ~~هو الرجل يسعى بالنميمة في أخيه إلى الإمام فيهلك نفسه وأخاه وإمامه. وذكر ~~الرجل السعاة عند المأمون فقال: لو لم ms261 يكن من عيبهم إلا أنهم أصدق ما يكون ~~أبغض ما يكون عند الله عز وجل. وقال حكيم الفرس: الصدق زين على كل أحد إلا ~~السعاية، فإن الساعي أذم وآثم ما يكون إذا صدق. ولله در الإسكندر حين وشى ~~إليه واش برجل فقال له الإسكندر: إن شئت قبلناك على صاحبك بشرط أن نقبله ~~عليك، وإن شئت أقلناك. قال: أقلني. قال: قد أقلناك، كف عن الشر يكف عنك ~~الشر. وروي أن رجلا سعى بجار له عند الوليد بن عبد الملك فقال له الوليد: ~~أما أنت فتخبرنا أنك جار سوء فإن شئت أرسلنا معك، فإن كنت صادقا أبغضناك ~~وإن كنت كاذبا عاقبناك، وإن شئت تركناك. قال: فاتركني يا أمير المؤمنين. ~~فقال: قد تركناك! ومن أعجب العجب أن الرجل يشهد عندك في تافه بقل فلا تقبله ~~حتى تسأل عنه: هل هو من أهل الثقة والعدالة والصيانة أم لا؟ ثم ينم عندك ~~بحديث فيه الهلاك وفساد الأحوال فتقبله. وقال يحيى بن زيد: قلت للحسن بن ~~علي رضي الله عنهما لما سقي السم: أخبرني من سقاك. فدمعت عيناه وقال: أنا ~~في آخر قدم من الدنيا وأول قدم من الآخرة، أتأمرني أن أغمز؟ وقال رجل ~~للمهدي: عندي نصيحة يا أمير المؤمنين. قال: لمن نصيحتك هذه ألنا أم لعامة ~~المسلمين أم لنفسك؟ قال: لك يا أمير المؤمنين. قال مهدي: ليس الساعي ~~بأعظمهم عورة ولا بأقبح حالا ممن قبل سعايته، ولا يخلوا من أن تكون حاسد ~~نعمة فلا يشفى لك غيظك، أو عدوا فلا يعاقب لك عدوك. ثم أقبل على الناس ~~وقال: يا أيها الناس لا ينصح لنا ناصح إلا بما لله فيه رضى وللمسلمين فيه ~~صلاح. # وروي أن رجلا سعى برجل إلى الفضل بن سهل فوقع على ظهر كتابه: PageV01P129 ~~نحن نرى قبول السعاية أسوأ من السعاية لأن السعاية دلالة والقبول إجازة، ~~وليس من دل على شيء كمن قبل وجاز لأن من فعل أشر ممن قال. وروي أن رجلا رفع ~~إلى المنصور نصيحة فوقع على ظهرها: هذه النصيحة لم ms262 يرد بها وجه الله تعالى، ~~ولا جواب عندنا لمن آثرنا على الله تعالى. وروي أن رجلا قال للمأمون يا ~~أمير المؤمنين الله الله في أصحاب الأخبار فإنهم قوم إذا أعطوا مدحوا، وإن ~~حرموا ذموا وهم كاذبون! فقال المأمون: لله درها من كلمة ما أصدقها وأبين ~~فضلها! وأمر أن يثبت في ديوان أصحاب الأخبار. # قال مروان ابن زنباع العبسي: يا بني عبس احفظوا عني ثلاثا: من نقل إليكم ~~نقل عنكم، وإياكم والتزويج في البيوت السوء، واستكثروا من الصديق ما ~~استطعتم، واستقلوا من العدو ما استطعتم فإن استكثاره ممكن. وقال بعض ~~الحكماء: احذروا أعداء العقول ولصوص المودات، وهم السعاة والنمامون إذا سرق ~~اللصوص المتاع سرقوا هم المودات. وقال حكيم العرب: إياك والسعاة فإنهم ~~أعداء عقلك ولصوص عدلك فيفرقون بين قولك وفعلك وفي المثل السائر: من أطاع ~~الواشي ضيع الصديق، وقد تقطع الشجرة بالفؤوس فتنبت ويقطع اللحم بالسيف ~~فيندمل واللسان لا يندمل جرحه، وأحق الناس برعاية ما رسمته من هذه الخلال، ~~ونقلته من هذه الحكم واستودعته من هذه السيرة من آتاه الله عز وجل سلطانا ~~ومكن له في الأرض، فذو القدرة إذا أطاع الواشي أهلك العالم. # وكان بعض الحكماء يقول: من أراد أن يسلم من الإثم وتبقى له الإخوان فيجعل ~~نفسه بينه وبينهم قاضيا عدلا ويحكم بالحق، ولا يقبل أحدا في أحد ولا في ~~نفسه إلا بشهود وتعديل، فإنا قد أحببنا بقول أقوام وأبغضنا بقول آخرين، ~~فأصبحنا على ما فعلنا نادمين. ومن لطيف حكمة الله تعالى في النميمة: لما ~~علم عز وجل شؤمها واستطارة شرها وعموم مضرتها في الورى، حكم بفسق النمام ~~حتى لا يقبل له قول فيستريح الخلق من شره وقال ابن عمر رضي الله عنهما: وفد ~~الحاج وفد الله ووفد الشيطان قوم يرسلهم السلطان إلى الناس ويسألهم عن ~~حالهم، فيخبرونه أنهم راضون وليسوا براضين. # واعلموا أن الله تعالى خلق الإنسان على أنحاء شتى لسنا نذكرها الآن ~~لكثرتها وطول تتبعها، فخلق الله تعالى له الحواس الشريفة والأعضاء النافعة ~~الرئيسة، فمن أفضل ما ms263 ركب في اللسان الذي هو آلة النطق والبيان، وبه فصل ~~بينه وبين البهائم ثم فضله على سائر الحيوان وامتن به عليه في أول سورة ~~الرحمن فقال تعالى: " الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان " الرحمن: ~~1 - 4. وخلق فيه أيضا أعضاء تذل وتستهان وجعلها مجرى لفضول الطعام والشراب، ~~فمن تتبع سقطات الكلام وتروى عثرات الأنام التي هي كالعورات الواجب سترها ~~ودفنها، كان قد استعمل أشرف الآلات في أخس المستعملات، فصار كمن يلحس ~~بلسانه سؤة أخيه إذ جعل أكرم جوارحه لاحسا لأدناس المستعرضين، ورضي أن يقع ~~من الناس موقع الذباب من الطير يتتبع نغل الجسد ويتحامى صحيحه، وقد كان له ~~في نشر المحاسن شغل، ولكن أهل كل ذي حال أولى بها. # وفي هذا سبق المثل: إن لم تكن ملحا تصلح فلا تكن ذبابا تفسد، ومن لم يقدر ~~على جمع الفضائل فلتكن همته ترك الرذائل، وإذا تتبع الإمام عورات الناس ~~أفسدهم. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم هم بالخروج يوما فشعر بأناس من ~~أصحابه يضحكون فامتنع من الخروج إليهم حذرا أن لا يفسد قلبه عليهم. ولو علم ~~الذي يستمع أخبار الناس ماذا جنى على نفسه لعلم أن الصمم كان أهنأ لعيشه ~~وأنعم لباله من سماع الأخبار، فإذا علم نقلة الأخبار نفاقها عنده حملوا ~~إليه الصدق والكذب، فيكون في سماع الكذب ممن قال الله تعالى فيهم: " سماعون ~~للكذب أكالون للسحت " المائدة: 42. PageV01P130 ويكون في سماع الصدق حمالا ~~للهم حرج الصدر على الخلق، معاديا لهم متتبعا لعثرات الخلق وخزانا ~~لسقطاتهم، وقد وعى منهم ما يجب ستره وحفظ ما يجب نسيانه، ثم لا يستطيع ~~الانتصاف من كل قائل لأنه إن كان ذا قدرة أهلك الرعية، ولا يستطيع أن يهلك ~~جميع الرعية وإن كان سوقه لم يشف غيظه، ثم أفسد أحواله وأبغض من يجب أن يحب ~~وأحب من يجب أن يبغض، فلا يزال يتحمل الحائف وتزيد الأحقاد والضغائن ويرصد ~~لكل قائل يوما يشفى صدره فيه، فما أغنى العاقل عن سماع هذه البلية. ولله در ~~عمرو بن العاص ms264 رضي الله عنه إذ لا جاه رجل يوما وقال له: أما والله إن عشت ~~لأتفرغن لك! فقال له عمرو: والآن وقعت في الشغل يا ابن أخي والسلام. # الباب الثامن والخمسون # في القصاص وحكمه # قال الله تعالى: " ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب " البقرة:179. ~~يغني إذا علم القاتل والفاتك أنه يقتص منه أحجم ولم يقدم على الفعل، فيكون ~~في ذلك سبب حياته وحياة الذي هم به وروى ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء. ~~وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كانت ~~عنده لأخيه مظلمة فليتحلله منها، فإنه ليس ثم دينار ولا درهم من قبل أن ~~يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه؛ ~~وهذا حديث صحيح رواه البخاري: فإن قيل: يعارضه قوله تعالى: " ولا تزر وازرة ~~وزر أخرى " الأنعام: 164. فكيف يؤخذ الظالم بذنب ركبه المظلوم؟ قلنا: معنى ~~الآية أنه لا يعاقب أحد بذنب أحد ابتداء، وأما في مسألتنا فمظلمة بقيت عنده ~~وليس له وفاء بها فهو الذي اكتسب هذا الوزر وهو المعنى بقوله تعالى: " ~~وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم " العنكبوت: 13. # وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم ~~من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول ~~الجنة فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى لمنزله في الجنة منه لمنزله في ~~الدنيا. وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال قبل موته: من كانت له عندي ~~مظلمة فليأت حتى أقصه من نفسي. فقام سواد بن غزية فقال: يا رسول الله إنك ~~ضربتني على بطني ليلة العقبة فأوجعتني! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~دونك فاقتص. فقال يا رسول الله إنك ضربتني وأنا مكشوف البطن، فكشف النبي ~~صلى الله ms265 عليه وسلم بطنه، فإذا هي كالقباطي يعني ثياب مصر، فأكب عليه يقبله ~~فقال: يا سواد ما حملك على هذا؟ فقال: يا رسول الله دنا لقاء هؤلاء ~~المشركين فأردت أن يكون آخر العهد بك أن أقبل بطنك. فهذا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقص من نفسه، مع أن الله تعالى قد غفر له ما تقدم من ذنبه ~~وما تأخر، لعلمه أن الله تعالى لا يدع القصاص في المظالم بين العباد، لأن ~~الله تعالى أعدل من أن يدع مظلمة لأحد عند نبي ولا غيره. # وفي الحديث: يقول الله تعالى يوم القيامة: أنا ظالم إن فاتني ظلم ظالم. ~~ويروى أن داود عليه السلم يقدمه خصمه إلى الله تعالى يوم القيامة فيقضي له ~~عليه، فيدفعه إلى أوريا ثم يستوهبه الله تعالى من أوريا، ثم يعوض أوريا على ~~ذلك الجنة. وقال حبيب: دخل عثمان بن عفان رضي الله عنه فوجد غلامه يعلف ~~ناقة له، وإذا في علفها شيء فأخذ بأذنه فعركها ثم ندم فقال للغلام: قم ~~فاقتص مني! فأبى الغلام فلم يزل به حتى قام فأخذ بأذنه ثم قال له: اعرك ~~اعرك، وهو يقول شد شد حتى عرف عثمان أنه بلغ منه ثم قال: واها لقصاص الدنيا ~~قبل قصاص الآخرة! وروى عوف بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا ~~خادما فلم يجيه أو كان نائما، فقال النبي صلى الله لولا القصاص لأوجعتك ~~ضربا. وروى ابن وهب في موطاه عن ابن شهاب قال: وقد أقاد النبي صلى الله ~~عليه وسلم والخليفتان بعده رضي الله عنهما من أنفسهم ليستن بهم، ولم ~~يتعمدوا حيفا وكانوا سلاطين. # وفي صحيح مسلم: روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: أتدرون من المفلس؟ قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: ~~PageV01P131 إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ~~فيأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا، وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا ~~من حسناته ms266 وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه من خطاياهم ~~فطرحت عليه ثم ألقي في النار، قال مالك رحمه الله: وبلغني أن أبا بكر ~~الصديق رضي الله عنه لما ولي الخلافة ضرب رجلا ثم ندم وقال: مالي ولهذا ألا ~~رددتها عليهم؟ فسمعته عائشة رضي الله عنها فأرسلت إلى عمر رضي الله عنه، ~~فجاءه عمر فقال له: إني قد ضربت رجلا وقد كنت معافى من هذا أن أضرب أحدا، ~~فقال له عمر رضي الله عنه كذلك الإمام. قال: فما المخرج؟ قال: أن نأتي ~~الرجل فنسأله أن يجعلك في حل. فأتياه فاستحلاه. # دلت الآثار على أن الأمير والمأمور في القصاص سواء، إذا جنى أحدهما على ~~الآخر، وإن الأمير إذا ظلم المأمور زال تأمره عليه في ذلك المعنى، وكان ~~الأمير في ذلك المعنى كبعض المؤمر عليهم حتى يتحاكموا إلى السلطان الأعظم. ~~وكان عمر رضي الله عنه يقول: إنما بعثت أمرائي ليعلموا الناس دينهم ويقسموا ~~بينهم فيئهم ويعدلوا فيهم، ولم أبعثهم ليضربوا أبشارهم ويحلقوا أشعارهم، ~~فمن ظلمه أميره فلا إمرة له عليه، ذروني حتى آخذ له بحقه. فقال عمرو بن ~~العاص: الله الله يا أمير المؤمنين! إن أدب رجل رجلا من رعيته يقتص له منه؟ ~~فقال عمر: أنا أقتص منه. وقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقص من نفسه. # فأما القصاص بين البهائم فاختلف الناس في جشرها وفي جريان القصص بينها. ~~فكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول حشرها موتها قال: وحشر كل شيء الموت إلا ~~الجن والإنس فإنهما يوفيان يوم القيامة. وقال معظم المفسرين: إنها تحشر ~~ويقتص منها. وقال أبي بن كعب: تحشر البهائم. وقال قتادة: يحشر كل شيء حتى ~~الذباب. وقال أبو هريرة رضي الله عنه: ما من دابة في الأرض إلا ستحشر يوم ~~القيامة، ثم يقتص لبعضها من بعض ثم يقال لها: كوني ترابا واقرؤوا إن شئتم: ~~" وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم " إلى قوله ~~" ثم إلى ربهم يحشرون " الأنعام: 38. وقال ms267 أبو الحسن الأشعري: لا يقطع ~~بإعادة البهائم والمجانين ومن لم تبلغه الدعوة، ويجوز أن يعادوا ويدخلون ~~الجنة، ويجوز أن لا يعادوا. # والدليل على ثبوت الإعادة في الجملة قوله تعالى: " وإذا الوحوش حشرت " ~~التكوير: 5. وقوله تعالى: " وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه ~~إلا أمم أمثالكم " إلى قوله: " ثم إلى ربهم يحشرون " الأنعام: 38. وروى ~~مسلم في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى إن الشاة الجلحاء لتقاد من ~~الشاة القرناء. وقال أبو ذر رضي الله عنه: انتطحتا شاتان عند النبي صلى ~~الله علي وسلم فقال: أتدري فيم انتطحتا؟ قلت: لا أدري، قال: لكن الله يدري ~~وسيقضي بينهما، فقال أبو ذر رضي الله عنه: لقد تركنا النبي صلى الله عليه ~~وسلم وما يقلب طائر جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما. وقال أبو ذر: ~~إن الحجر ليسأل عن نكبة إصبع الرجل. # وفي الحديث الصحيح في مسلم والبخاري وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: ليأتي أحدكم على رقبته بعير لها رغاء، على رقبته بقرة لها خوار، على ~~رقبته شاة تيعر ثم يبسط لها بقاع قرقر فتطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها، كلما ~~مرت عليه أولاها عادت أخراها والحديث وارد في مانع الزكاة. قال أبو الحسن: ~~لا تجري المقاصصة بين البهائم لأنها غير مكلفة ولا يجري عليها القلم. قال: ~~وما ورد في ذلك من الأخبار نحو قول النبي صلى الله عليه وسلم " يقتص للجماء ~~من القرناء ويسأل العود لم خدش العود " فعلى سبيل المثل والإخبار عن شدة ~~التقصي في الحساب وأنه لا بد أن يقتص للمظلوم من الظالم. وأبى ذلك الأستاذ ~~أبو إسحاق الإسفرائيني. قال في الجامع الجلي: يجري القصاص بينها، قال: ~~ويحتمل أنها كانت تعقل هذا القدر في دار الدنيا فلهذا جرى فيه القصاص. قلت: ~~PageV01P132 وكلام الأستاذ له وجه في الصحة لأن البهيمة تعرف النفع والضر، ~~فتنفر من العصا وتقبل العلف، وينزجر الكلب إذا زجر ويستأسد ms268 إذا شلي، والطير ~~والوحش يفر من الجوارح استدفاعا لشرها، ثم إنهم لم يجر عليهم القلم في ~~الدنيا وإنما يرفع القلم عنها في الأحكام. # فإن قيل: القصاص انتقام وهو جزاء على جناية وقعت مخالفة للأمر، والبهائم ~~ليست بمكلفة ولا لها عقول ولا جاءها رسول، والعقول عندكم لا يجب بها شيء ~~على العقلاء فضلا عن البهائم وفي هذا انفصال عن قول الأستاذ أبي إسحاق إنها ~~كانت تعقل هذا القدر إذ لا يجب بالعقل شيء ويشهد له قوله تعالى: " وما كنا ~~معذبين حتى نبعث رسولا: الإسراء: 15. فالجواب: إنها ليست مكلفة لأنه من ~~ضرورة التكليف أن يعلم الرسول والمرسل، وذلك من خصائص العقلاء وهم الثقلان، ~~فإذا لم يكونوا مكلفين كانوا في المشيئة يفعل الله بهم ما أراد، كما سلط ~~عليهم في الدنيا الإستسخار والذبح فلا اعتراض عليه، ولله تعالى أن يفعل في ~~ملكه ما أراد من تنعيم وتعذيب، وإذا جاز أن يؤلم البهيمة ابتداء جاز أن ~~يؤلمها بعد جنايتها. والآية محمولة على من يعلم الرسول والمرسل، ويجوز أن ~~الله تعالى خلق لها العلم الضروري بالعلم من ذلك، ثم إن لم يجر عليها القلم ~~في الدنيا فإنما رفع عنها في الأحكام ولكن فيما بينهم يؤاخذون به. # وقد روى البخاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اقتلوا ~~الوزغ فإنه كان ينفخ على إبراهيم عليه السلام. فهذه عجماه عوقبت على سوء ~~صنيع جنسها. وفيه دليل على أن الله تعالى يعذب بملكه لا بالمعصية. وقد ضرب ~~موسى عليه السلام الحجر الذي فر بثوبه وبنوا إسرائيل ينظرون عورته؛ رواه ~~البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فضربه بعصاء والحجر يفر وموسى ~~يقول ثوبي حجر ثوبي حجر! قال أبو هريرة: فوالذي نفسي بيده إنه ندب الحجر ~~ستة أو سبعة. وروى في تفسير قوله تعالى: " وقودها الناس والحجارة " البقرة: ~~24. إنها الحجارة التي نكبت الناس في الدنيا وروي أن المسيح عليه السلام مر ~~بجبل فسمع أنينه فسأله عن ذلك، فقال: سمعت الله تعالى يقول: " وقدها الناس ~~والحجارة ms269 " فلا أدري أكون من تلك الحجارة أم لا. وقد تأول بعضهم قول ابن ~~عباس رضي الله عنهما " حشرها موتها " تحشر لضرب من القصاص بينها ثم تصير ~~ترابا. قلت: وتأويل ابن عباس رضي الله عنهما بعيد، لأن الحشر وليس في موتها ~~جمعها بل فيه تفرقتها وتفرقة أجزائها ثم قال إلى ربهم يحشرون، وإنما يكون ~~الحشر إلى الرب تعالى بإعادة الحياة إليها وجمعها إلى ربها جل وعلا. # الباب التاسع والخمسون # في الفرج بعد الشدة # قال الله تعالى: وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا " الشورى: 28 وقال ~~سبحانه: " أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء " النمل:62 وقال تعالى: " ~~إن مع العسر يسرا " الإنشراح: 6. وقال الحسن: لما نزلت هذه الآية قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: أبشروا فقد جاءكم اليسر، لن يغلب عسر يسرين! وقال ~~ابن مسعود رضي الله عنه: والذي نفسي بيده لو كان العسر في حجر لطلبه اليسر، ~~لن يغلب عسر يسرين، ومعنى الآية أنه لما عرف العسر ونكر اليسر، ومن عادة ~~العرب إذا ذكرت اسما معرفا ثم أعادته فهو هو، وإذا نكرته ثم كررته فهو ~~اثنان. وقال بعضهم: # إن يكن نالك الزمان ببلوى ... عظمت عندها الخطوب وجلت # وتلتها قوارع ناكبات ... سئمت دونها الحياة وملت # فاصطبر وانتظر بلوغ مداها ... فا لرزايا إذا توالت تولت # وإذا أوهنت قواك وحلت ... كشفت عنك حمله فتجلت # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم ~~إسماعيل عليه السلام، اتخذت منطقا لتخفي أثرها عن سارة ثم جاء بها إبراهيم ~~وابنها إسماعيل وهي ترضعه، حتى وضعها عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلاء ~~المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء، فوضعها هناك ووضع عندها جرابا ~~فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفل إبراهيم صلى الله عليه وسلم منطلقا فتبعته ~~أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا في هذا الوادي الذي ليس فيه ~~أنيس ولا شيء؟ فقالت ذلك مرارا وجعل لا يلتفت إليها فقالت له: الله أمرك ~~بهذا؟ ms270 قال: نعم. قالت: PageV01P133 إذا لا يضيعنا. ثم رجعت فانطلق إبراهيم ~~صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان عند الثنية بحيث لا يرونه استقبل البيت ~~بوجهه، ثم رفع يديه ودعا بهذه الدعوات فقال: ربنا " إني أسكنت من ذريتي ~~بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم " حتى بلغ: " يشكرون " إبراهيم: 37. # وجعلت أم إسماعيل عليه السلام ترضعه وتشرب من ذلك الماء حتى نفد ما في ~~السقاء، فعطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوى، فانطلقت كراهية أن تنظر ~~إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه ثم استقبلت الوادي ~~تنظر هل ترى أحدا فلم تر أحدا، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت ~~الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى أحدا فلم تر أحدا، ففعلت ~~ذلك سبع مرات. قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~فلذلك سعى الناس بينهما فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت: صه! تريد ~~نفسها فسمعت أيضا فقالت: قد سمعت إن كان عندك غياث، فإذا هي بالملك عند ~~موضع زمزم فبحث بعقبه أو يقال بجناحه حتى ظهر الماء، فجعلت تحوطه وتقول ~~بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعدما تغرف. قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم أو قال لو لم تغرف ~~لكانت عينا معينا. قال: فشربت وأرضعت ولدها. فقال لها الملك: لا تخافي ~~الضيعة فإن ههنا بيت الله عز وجل، يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله عز وجل ~~لا يضيع أهله. # ومنه قصة الثلاثة الذين خلفوا، وذلك أن كعب ابن مالك ومرارة بن الربيع ~~وهلال بن أمية تخلفوا عن غزوة تبوك، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كلام ~~الثلاثة قال: فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت لنا الأرض بما رحبت فما ~~نعرفها، وكنت أطوف في الأسواق وأشهد الصلاة مع المسلمين ولا يكلمني أحد، ~~وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وأقول في نفسي: هل حرك شفتيه ~~برد السلام ms271 أم لا؟ حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسورت جدار ~~حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه فوالله ما رد علي ~~السلام، فلما تمت خمسون ليلة من يوم نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~كلامنا، صليت صلاة الفجر وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على ~~الحال التي ذكرها الله عز وجل قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت، ~~وما كان شيء أهم علي من أن أموت على تلك الحال، فلا يصلي علي النبي صلى ~~الله عليه وسلم أو يموت النبي صلى الله عليه وسلم، فأكون بين الناس بتلك ~~المنزلة لا يكلمني أحد ولا يصلي علي. # فأنزل الله تعالى توبتنا فسمعت صوت صارخ من أعلى الجبل: يا كعب بن مالك ~~أبشر! فخررت ساجدا لله تعالى وعرفت أن قد جاء الفرج، فخلعت ثوبي على الصارخ ~~ببشراه، ووالله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما ثم أتيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه وهو يبرق وجهه من السرور، وقال: أبشر ~~بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك! فقلت: يا رسول الله إن من توبتي أن انخلع ~~من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أمسك ~~عليك بعض مالك فهو خير لك. # وروي أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما شب ودرج في موضع ربي فيه، فلما ~~جن عليه الليل رأى كوكبا يقال أنه رأى الزهرة قال: " هذا ربي فلما أفل قال ~~لا أحب الآفلين " " فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل " بعد طلوع ~~الفجر " قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين " " فلما " أصبح و " ~~رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال: يا قوم إني بريء مما ~~تشركون " " إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من ~~المشركين " " وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان " يعني إلى الإسلام ~~" ولا أخاف ما تشركون به ms272 إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا ~~تتذكرون " الأنعام: 76 - 80. قالوا: يا إبراهيم أما تخاف من آلهتنا أن ~~تصيبك بسوء لا تقوم به إن أنت سببتها وعبتها؟ قال: وكيف أخاف ما أشركتم ولا ~~تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق ~~بالأمن إن كنتم تعلمون. PageV01P134 وكان آزر يصنع أصناما يعبدها قومه ثم ~~يعطيها إبراهيم يبيعها، فيكسرها ويذهب بها إلى نهر لهم فيلقيها فيه على ~~رؤوسها ويقول لها اشربي استهزاء بها وإظهارا لقومه فساد ما هم عليه، ففشا ~~ذلك عندهم من غير أن يبلغ ذلك إلى نمرود. فأول ما نادى في قومه أن نظر نظرة ~~في النجوم فقال إني سقيم، يعني من الغيظ عليهم وعلى أصنامهم، فظنوا أنه ~~مطعون وكانوا يفرون من الطاعون إذا سمعوا به، فتولوا عنه مدبرين فراغ إلى ~~آلهتهم، فدخل عليها وقد وضعوا لها طعاما وشرابا، فقال ألا تأكلون ما لكم لا ~~تنطقون فراغ عليهم ضربا باليمين، وكسرها وقطع أيديها وأرجلها حتى جعلها ~~جذاذا وأراق طعامها وشرابها، وعمد إلى الفأس فعلقها في يد إلههم الكبير ثم ~~خرج عنها وتركها جذاذا، فلما رجع قومه من عيدهم دخلوا بيت أصنامهم، فلما ~~رأوا ما صنع بها راعهم ذلك وأعظموه وقالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن ~~الظالمين؟ قال بعضهم لبعض: سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم أي سمعناه ~~يسبها ويستهزئ بها. فقال نمرود: فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون. ~~فلما أتى إبراهيم صلى الله عليه وسلم قالوا: أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا ~~إبراهيم؟ قال: بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون. فرجعوا إلى ~~أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون. إنا قد ظلمناه بما نسبنا إليه ثم قالوا ~~قد علموا أنها لا تضر ولا تنفع: لقد علمت ما هؤلاء ينطقون. قال: أفتعبدون ~~من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله ~~أفلا تعقلون! فقال له نمرود لما سمع ذلك منه: صف لي إلهك الذي تعبد ms273 وتدعو ~~إلى عبادته. قال إبراهيم: إن ربي الذي يحيى ويميت. قال نمرود: أنا أحيي ~~وأميت. قال: كيف ذلك؟ قال: آخذ رجلين استوجبا القتل في حكمتي فأقتل أحدهما ~~فأكون قد أمته وأعفو عن الآخر فأكون أحييته. # فقال إبراهيم عليه الصلاة والسلام: إن كنت صادقا فأحي الذي قتلت بزعمك ~~وأخرج روحا من جسده من غير أن تقتله إن كنت صادقا. وإن الله يأتي بالشمس من ~~المشرق فأت بها من المغرب. فبهت عند ذلك نمرود ولم يرد إلى إبراهيم شيئا ~~وأمر به إلى السجن، فلبث فيه سبع سنين وجعل يدعو أهل السجن إلى الله تعالى ~~وإلى الإسلام، حتى ظهر أمره وفشا وتبعه قوم كثير على دينه، فلما أرادوا أن ~~يحرقوا إبراهيم وأجمع أمرهم على ذلك بنوا له جسرا طول جداره ستون ذراعا ~~ووضعوه إلى سفح جبل منيف لا يرام ولا يرقى، وبلطوا الجدار فلا يمشي فيه شيء ~~إلا زلق عنه وأذن مؤذن نمرود: أيها الناس احتطبوا لنار إبراهيم ولا يتخلفن ~~عنها ذكر ولا أنثى ولا حر ولا عبد ولا شريف ولا وضيع، ومن تخلف عن ذلك ألقي ~~في تلك النار. فعملوا في ذلك أربعين ليلة حتى إن المرأة منهم تنذر على ~~نفسها نذرا إن رجع غائبها أو أفاق عليلها لتحتطبن لنار إبراهيم، حتى إذا ~~كمل ذلك قذفوا به إلى النار حتى إنه كان يسمع وهج النار على المسافة ~~البعيدة، فلما بلغ ذلك وضع إبراهيم في كفة المنجنيق. # قال وهب بن منبه رضي الله عنه: بلغني أن السماء والأرض والبحار وما فيها ~~ضجوا إلى الله تعالى ضجة واحدة وقالوا: يا ربنا ليس في أرضك أحد يعبدك غيره ~~فأذن لنا في نصرته. فأوحى الله تعالى إليهم: إن استغاث بكم فانصروه ~~وأعينوه، وإن دعاني فأنا وليه وناصره. فلما وضع في كفة المنجنيق وقذفوه في ~~النار قال: حسبي الله ونعم الوكيل، اللهم إنك تعلم إيماني بك وعداوة قومي ~~فيك فانصرني عليهم ونجني من النار فأوحى الله تعالى إلى النار أن كوني بردا ~~وسلاما على إبراهيم. فأطاعت النار ms274 ربها عز وجل، ولو لم يقل وسلاما لمات من ~~شدة البرد. ولبث إبراهيم عليه السلام في النار سبعة أيام فظن قومه أنه قد ~~أحرق. # ثم قال نمرود: انظروا ماذا فعل إبراهيم فإني رأيت الليلة في نومي أن جدار ~~هذا الجسر قد انهدم، وخرج إبراهيم يمشي وذاب النحاس الذي سد به باب الجسر ~~واحترق الجدار فصار رمادا، فاطلعوا على إبراهيم صلى الله عليه وسلم فوجدوه ~~صحيحا سليما، وخرج الناس ينظرون إليه على تلك الحالة. فلما رآهم خرج يمشي ~~حتى قعد إلى أمه وهي في الجمع، وأقبلت سارة وكانت أول من آمن به حتى جلست ~~إليه وقالت: يا إبراهيم إني آمنت بالذي جعل النار عليك بردا وسلاما، فقالت ~~لها أم إبراهيم: احذري القتل على نفسك. فقالت: PageV01P135 إليك عني فإني ~~لا أخاف شيئا وقد آمنت برب إبراهيم. وحول إبراهيم جمع من الناس لا يحصى ~~عددهم يأتمرون به ليجددوا له عذابا، فأرسل الله ريحا عاصفا فنسفت رماد تلك ~~النار في وجوههم وعيونهم ففروا عنه، وقام إبراهيم صلى الله عليه وسلم داعيا ~~إلى الله تعالى ومذكرا به. # وقال مجاهد وقتادة وغيرهما: إن نبي الله سليمان عليه السلام انطلق إلى ~~الحمام ومعه جني يقال له صخر، ولم يكن سليمان عليه السلام يدخل الخلاء ~~بخاتمه، فدخل الحمام وأعطى الشيطان خاتمه فألقاه في البحر، فالتقمته سمكة ~~ونزع ملك سليمان عليه السلام منه، وألقي على الشيطان شبه سليمان فجاء فجلس ~~على كرسيه وتسلط على جميع ملك سليمان غير نسائه، فجعل يقضي بين الناس ~~والناس ينكرون قضاياه حتى قالوا: لقد فتن نبي الله سليمان. ومكث سليمان على ~~ذلك أربعين يوما، ثم أقبل سليمان على حالته تلك وهو جائع تائع حتى انتهى ~~إلى شاطئ البحر فوجد صيادين فاستطعم أحدهم من صيده وقال له: أنا سليمان. ~~فقام إليه بعضهم فضربه بعصا فشج وجهه. قال فجعل يغسل وجهه على شاطئ البحر، ~~فلام الصيادون صاحبهم على ضربه إياه، ثم أعطوا سليمان سمكتين مما قد تغير ~~عندهم ونتن، ولم يشغله ما كان فيه من الضرب ms275 عن أن يقوم إلى الشاطئ البحر ~~فشق بطونهما وغسلهما فوجد خاتمه في بطن أحدهما، فأخذه فلبسه فرد الله تعالى ~~عليه ملكه وبهاءه، وجاءت الطير فحامت عليه فعرف القوم أي الصيادون أنه ~~سليمان عليه الصلاة والسلام، فجاءوا يعتذرون إليه. # وروى وهب بن منبه رضي الله عنه أن الله تعالى وهب لإبراهيم إسحاق، فلما ~~كان ابن سبع سنين أوحى الله إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام أن يذبحه وأن ~~يجعله قربانا، فكتم إبراهيم ذلك عن ابنه وأمه وجميع الناس، وأسره إلى خليل ~~له يقال له العازر، وكان أول من آمن به من قومه يوم رمي في النار، فقال له: ~~إن الله تعالى قد رفع اسمك في الملأ الأعلى على جميع أهل البلاد حتى كنت ~~أرفعهم بلية، ليرفعك الله بقدر ذلك في أعلى المنازل والفضائل، وقد علمت أن ~~الله تعالى لم يبتهلك بذلك ليفتنك ولا ليضلك، فلا يسوءن ظنك بالله وأعوذ ~~بالله أن يكون ذلك حتما مني على الله تعالى أو تسخطا لحكمه الذي حكم على ~~عباده، ولكن هذا أحسن الظن بالله تعالى. فإن عزم ربك على ذلك فكن عند أحسن ~~علمه بك، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # فتعزى إبراهيم عليه الصلاة والسلام بقوله واشتد له رأيه بصيرته وانطلق ~~بإسحاق فلما صعد الجبل ومعه السكين والحبل وأداة القربان فقال له إسحاق: يا ~~أبت أرى معك أداة القربان ولا أرى معك قربانا. قال إبراهيم: القربان يا بني ~~بعين ربك ينظر إليه فإن شاء رحم أباك، فلم يفطن إسحاق. فلما ولفى رأس الجبل ~~قال إبراهيم: يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك وأجعلك قربانا يرفعك إليه ~~ويتقبلك فانظر ماذا ترى. فتهلل وجه إسحاق واستبشر فقال له والده: والله لقد ~~فجعتك يا بني بأمر ما فجع به والد ولده، وإني لأرى من سرورك بذلك وشكرك ~~لربك أمرا أرجو به العافية والفرج. فقال له: يا أبت لم يكن شيء من الدنيا ~~أحب إلي من البر بك وبأمي وقد حرمنيه ربي فإذا أردت ذبحي فاشدد ms276 وثاقي فإني ~~أخاف حين يفارقني عقلي، وأجد ألم الحديد أن يتحرك مني عضو فيؤذيك، وأنا ~~أكره أن أختم بذلك عملي، فإذا فرغت من شأني فأقرئ أمي السلام وقل لها لا ~~تجزعي فقد أكرم الله لك ابنك في حياتك! فلما فرغ من وصيته عمد إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام إليه فعصبه بعمامته ما بين منكبيه إلى الكعبين، ثم كبه ~~لوجهه وكره أن يستقبل وجهه كي لا تدركه له رحمة إذا هو تشحط في دمه، ثم ~~أدخل يده تحت حلقه فلما أراد أن يمرها على حلقه انقلبت السكين، فأوجس ~~إبراهيم في نفسه ثم أعاد ثانية فلما أراد أن يجر السكين انقلبت السكين، " ~~وناديناه أن يا إبراهيم " " قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين " " إن ~~هذا لهو البلاء المبين " " وفديناه بذبح عظيم " الصافات:104 - 107 هذا فداء ~~ابنك قد فداه الله تعالى لك به، فنظر إبراهيم خلفه فإذا بكبش قد لوى قرنه ~~الأيمن على ساق شجرة، فأخذه ووجهه إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى مكة، ~~وكانت قبلته يومئذ فذبحه إبراهيم وقصه إسحاق، فلما فرغا منه قرباه قربانا ~~فرفعه الله تعالى إليه وتقبله. # وقال أبو هريرة رضي الله عنه: PageV01P136 لما صار يوسف عليه السلام إلى ~~مصر واسترق بعد الحرية جزع جزعا شديدا، وجعل يبكي الليل والنهار على أبويه ~~وإخوته ووطنه وما ابتلى به من الرق، فأحيى ليلة من الليالي يدعو ربه تعالى، ~~وكان من دعائه أن قال: رب أخرجتني من أحب البلاد إلي وفرقت بيني وبين إخوتي ~~وأبوي ووطني، فاجعل لي في ذلك خيرا وفرجا ومخرجا من حيث أحتسب ومن حيث لا ~~أحتسب، وحبب إلي البلاد التي أنا فيها وحببها إلى كل من يدخلها وحببني إلى ~~أهلها وحببهم إلي، ولا تمتني حتى تجمع بيني وبين أبوي وإخوتي في يسر منك ~~ونعمة وسرور، تجمع لنا به بين خيري الدنيا والآخرة إنك سميع الدعاء. # فأتى يوسف عليه السلام في نومه فقيل له: إن الله تعالى قد استجاب لك ~~دعاءك وأعطاك مناك، وورثك هذه البلاد وسلطانها، وجمع إليك أبويك وإخوتك ms277 ~~وأهل بيتك، فطب نفسا واعلم أن الله تعالى لا يخلف وعده. وبدعاء يوسف عليه ~~السلام صارت مصر محبوبة لكل من دخلها فلا يكاد يخرج منها. قال قتادة: ما ~~سكنها نبي قبله. ولما جمع الله تعالى شمله وتكاملت النعم عليه، اشتاق إلى ~~لقاء ربه فقال: رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر ~~السموات والأرض أنت ولي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين. # ولما وجه سليمان بن عبد الملك محمد بن يزيد إلى العراق ليطلق أهل السجون ~~ويقسم الأموال، ضيق على يزيد بن أبي مسلم، فلما ولي يزيد بن عبد الملك ~~الخلافة ولى يزيد بن أبي مسلم إفريقية، وكان محمد بن يزيد واليا عليها، ~~فاستخفى محمد بن يزيد فطلبه يزيد بن أبي مسلم وشدد في طلبه، فأتي به في شهر ~~رمضان عند المغرب، وكان في يد يزيد بن أبي مسلم عنقود عنب، فقال له يزيد ~~حين دنا منه: يا محمد بن يزيد! قال: نعم. قال: أما والله لطالما سألت الله ~~أن يمكنني منك بغير عهد ولا عقد. فقال محمد: وأنا والله طالما سألت الله أن ~~يجيرني منك وأن يعيذني. قال يزيد: فوالله ما أجارك ولا أعاذك، وإن سابقني ~~ملك الموت إلى قبض روحك سبقته، والله لا آكل هذه الحبة حتى أقتلك! فأقام ~~المؤذن الصلاة فوضع يزيد العنقود وتقدم يصلي، وكان أهل إفريقية قد أجمعوا ~~على قتله، فلما ركع ضربه رجل بعمود على رأسه فقتله وقيل لمحمد بن يزيد: ~~اذهب حيث شئت! فسبحان من قتل الأمير وأحيا الأسير سنة الله التي قد دخلت في ~~عباده، طلوع الحياة من شفار الموت وحضور الموت من معدن الحياة. # وروي أن سلطان صقلية أرق ذات ليلة ومنع النوم فأرسل إلى قائد البحر وقال: ~~أنفذ الآن مركبا إلى إفريقية يأتوني بأخبارها. فعمر القائد المركب وأرسله ~~لحينه، فلما أصبحوا إذا بالمركب في موضعه لم يبرح فقال له الملك: أليس قد ~~فعلت ما أمرتك به؟ قال: نعم امتثلت أمرك وأنفذت المركب ورجع بعد ساعة، ~~وسيحدثك مقدم ms278 المركب فجاء مقدم المركب ومعه رجل فقال الملك: ما منعك أن ~~تذهب حيث أمرت؟ قال: ذهبت في المركب فبينما أنا في جوف الليل والبحارون ~~يجذفون، فإذا أنا بصوت يقول: يا الله يا الله يا غياث المستغيثين! يكررها ~~مرارا فلما استقر صوته في أسماعنا ناديناه مرارا: لبيك لبيك! وهو ينادي: يا ~~الله يا الله يا غياث المستغيثين! ونحن نجيبه لبيك لبيك! وتوجهنا نحو الصوت ~~فألفينا هذا الرجل غريقا في آخر رمق من الحياة، فأخرجناه من البحر وسألناه ~~عن حاله فقال: كنا مقلعين من إفريقية فغرقت سفينتنا منذ أيام، وما زلت أسبح ~~حتى وجدت الموت فلم أشعر إلا بالغوث من ناحيتكم، فسبحان من أسهر سلطانا ~~وأرق جبارا في قصره لغريق في البحر وظلمة الوحشة حتى استخرجه من تلك ~~الظلمات الثلاث: ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة الوحشة، لا إله إلا أنت ~~سبحانك يا أرحم الراحمين! وأخبرني رجل كان إمام المسجد الجامع بالإسكندرية ~~قال: كنت بصقلية أيام فتنة العدو، فزحفت إلينا في البحر سفن تقارب ثلثمائة ~~سفينة وأرست في الساحل، فرأينا أمرا مهولا وفينا الشيخ الصالح الزاهد ~~العابد ابن السميطار، فلجأ الناس إليه واستجمعوا حوله يتبركون به وينتظرون ~~الفرج على يديه، قال فنظر إلى السماء حينا ثم سجد وعفر خديه بالأرض يقلبهما ~~يمينا وشمالا، قال فوالله ما برحنا حتى هبت ريح مزقتها كل ممزق فلم يجتمع ~~منها اثنان. # وأخبرني أبو القاسم بن هائل رحمه الله تعالى قال: PageV01P137 كنت في ~~طريق الحجاز فعطش الناس في مفازة تبوك، فنفذ الماء ولم يوجد إلا عند صاحب ~~لي جمال، فجعل يبيعه بالدنانير بأرفع الأثمان فجاء رجل كان موسوما بالصلاح ~~عليه قطعة نطع يحمل ركوة، ومعه شيء من دقيق فتشفع بي إلى الجمال أن يبيعه ~~الماء بذلك الدقيق، فكلمته فأبى علي ثم عاودته فأبى. قال: فبسط الرجل النطع ~~ونثر عليه الدقيق ثم رمق السماء بطرفه وقال: إلهي أنا عبدك وهذا دقيقك ولا ~~أملك غيره، وقد أبى أن يقبله. ثم ضرب بيده النطع وقال: وعزتك وجلالك لا ~~برحت حتى أشرب! ms279 فوالله ما تفرقنا حتى نشأ السحاب وأمطر في الحين فشرب الماء ~~ولم يبرح. فكان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: رب ذي طمرين لا يؤبه له ~~مطروح بالأبواب لو أقسم على الله لأبره. # وأخبرني شيخ ممن كان يصحب العلماء بالقيروان يقال له جرير قال: أخبرني ~~عبد الكافي الديباجي قال: رأيت بالقيروان آية عظيمة، وذلك أن رجلا جاء بصبي ~~له قد أسكت منذ أيام لا يتكلم، فدخل به إلى الفقيه أبي بكر بن عبد الرحمن ~~وقال له: إن ابني هذا قد أسكت منذ أيام ولم يتكلم، فادع الله أن يفرج ما ~~نزل به، قال فدعا الشيخ ساعة ثم مسح على وجه الصبي فاستفاق الصبي فقال له: ~~قل لا إله إلا الله. فقال الصبي: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا ~~رسول الله! ثم التفت إلى الرجل وقال: اكتم هذا علي إلى الموت، ثم التفت إلى ~~جاريته وقال: اكتمي هذه علي إلى الموت وأنت حرة لوجه الله تعالى. فلما كان ~~يوم توفى الشيخ أبو بكر واجتمع الناس لجنازته وتكاثرت الأمم قام الرجل ~~فاستنصت الناس فسكتوا فقال: يا أهل القيروان اسمعوا قصتي مع هذا الشيخ وساق ~~الحديث كما ذكر. # وحدثني هذا الشيخ قال: نزلت عندنا بالقيروان قصة لم يسمع بمثلها في ~~السالفين، وذلك أن بعض الجزارين أضجع كبشا ليذبحه، فتخبط بين يديه وأفلت ~~منه وذهب، فقام الجزار يطلبه وجعل يمشي إلى أن دخل إلى خربة، فإذا فيها رجل ~~مذبوح يتشحط في دمه ففزع وخرج هاربا. وإذا صاحب الشرطة والرجالة عندهم خبر ~~القتيل، وجعلوا يطلبون خبر القاتل والمقتول، فأصابوا الجزار وبيده السكين ~~وهو ملوث بالدم والرجل مقتول في الخربة، فقبضوه وحملوه إلى السلطان فقال له ~~السلطان: أنت قتلت الرجل؟ قال: نعم! فما زالوا يستنطقونه وهو يعترف اعترافا ~~لا إشكال فيه، فأمر به السلطان ليقتل فاخرج للقتل، واجتمعت الأمم ليبصروا ~~قتله، فلما هموا بقتله اندفع رجل من الحلقة المجتمعين وقال: يا قوم لا ~~تقتلوه فأنا قاتل القتيل! فقبض وحمل إلى السلطان فاعترف ms280 وقال: أنا قتلته! ~~فقال السلطان قد كنت معافى من هذا فما حملك على الاعتراف؟ فقال: رأيت هذا ~~الرجل يقتل ظلما فكرهت أن ألقى الله بدم رجلين، فأمر به السلطان فقتل ثم ~~قال للرجل الأول: يا أيها الرجل ما دعاك إلى الاعتراف بالقتل وأنت بريء؟ ~~فقال الرجل: فما حيلتي رجل مقتول في الخربة وأخذوني وأنا خارج من الخربة ~~وبيدي سكين ملطخة بالدم، فإن أنكرت فمن يقبلني وإن اعتذرت فمن يعذرني؟ فخلى ~~سبيله وانصرف مكرما. # ولما وزر فخر الملك بن نظام الملك لسنجار الملك، وكان لفخر الملك ابن عم ~~يقال له شهاب الملك، وكان يخاف منه على منزلته فقال فخر الملك لسنجار: لا ~~حياة لي معك إلا أن تقتل ابن عمي شهاب الملك! فأبى سنجار فما زال يراجعه ~~إلى أن أمر به فحبس في بلد يقال لها بيهوا، وكان والي ذلك البلد يكرمه ~~لجلالته وجلالة أهل بيته، وأخلى له دارا في القلعة مشرفة. ثم جعل فخر الملك ~~يفسد قلب سنجار ويحمله على قتل شهاب الملك إلى أن أرسل سنجار إلى واليه ~~بقتل شهاب الملك فاستعظم الوالي قتله وأخره أياما، ثم لم يجد بدا من قتله ~~فعزم على قتله في يوم الجمعة، فبينا شهاب الملك يتطلع من طاقات الدار إذا ~~بفارس يركض، فأوجس في نفسه خيفة منه وقال: هذا يريد يقتلني! فوصل الفارس ~~وقال: مات فخر الملك. فخلى سبيل شهاب الملك، وزرا سنجار مكان فخر الملك، ~~فسبحان الفعال لما يريد. # وأخبرني أبو الفضل المعتز بمصر قال: PageV01P138 كان بمصر ملوك آل حمدان ~~وكان الرئيس ناصر الدولة، وكان يشكوا وجع القولنج فأعي الأطباء ولم يوجد له ~~شفاء. ثم إن السلطان دس على قتله فأرصد له رجلا معه خنجر، فلما جاء في بعض ~~دهاليز القصر وثب عليه الرجل وضربه بالخنجر، فجاءت الضربة أسفل من خاصرته ~~فأصاب طرف الخنجر المعاء الذي فيه القولنج، فخرج ما فيه من الخلط ثم عافاه ~~الله تعالى وصح وبرئ كأحسن ما كان. # ولقد كنت بالإسكندرية ونزلت سفن العدو وبساحل مدينة برقة، فأخذوا ms281 مركبا ~~للمسلمين وقتلوا بعضهم وأسروا بعضهم، فأخذ رجل منهم وشد كتافه من خلفه فلما ~~انتهبوا السفينة عمد إليه بعض الأعلاج فرفسه فألقاه في البحر وطعنه برمح ~~كان معه، فلم يخط نصل الرمح حبل الكتاف فقطعه، وانحلت يد الرجل فسبح حتى ~~لحق بالساحل سليما ووصل للإسكندرية في عافية. # وحدثني بعض الشاميين أن رجلا خبازا بينما هو يخبز في تنوره بمدينة دمشق، ~~إذا عبر رجل يبيع المشمش قال فاشترى منه وجعل يأكله بالخبز الحار، فلما فرغ ~~سقط مغشيا عليه فنظروه فإذا هو ميت ، فجعلوا يتربصون به ويحملون إليه ~~الأطباء فيلتمسون دلائله ومواضع الحياة منه، فقضوا بأنه ميت فغسل وكفن وحمل ~~إلى الجبانة. فلما خرجوا به من باب المدينة استقبلهم رجل طبيب يقال له ~~البيرودي، وكان طبيبا ماهرا حاذقا بالطب، فسمع الناس يلهجون بقصته فقال ~~لهم: حطوه حتى أبصره قال: فحطوه وجعل يقلبه وينظر في أمارات الحياة التي ~~يعرفها، ثم فتح فمه وسقاه شيئا وقال: حقنة حقنة. فاندفع ما هنالك يسيل وإذا ~~الرجل قد فتح عينيه وتكلم وعاد كما كان إلى دكانه. # وكان الرجل يمشي ببغداد فبينما هو يمشي في الطريق وإذا بدار قد وقعت عليه ~~فخرت كالجبل العظيم، وإذا في الحائط طاقة فما أخطأت رأسه، وصارت الدار كوما ~~وخرج الرجل من الطاقة سالما. وحدثني أبو القاسم الحضرمي قال: كنت باليمن في ~~أرض آل الصليحي، فوشى بي واش إلى السلطان فأمر بقتلي، فأخرجت وقدمت للقتل ~~وبركني السياف ثم قال: مد لي رقبتك! فمددت عنقي لقضاء الله عز وجل. فقال لي ~~السياف: اشتد! قلت: دونك يا هذا فبينما نحن كذلك إذا بصائح من داخل القصر: ~~لا تقتلوه. فخلوا سبيلي. # وجرت بقرطبة قصة غريبة في أيام المنصور ابن أبي عامر، وذلك أن رجلا يعرف ~~بقاسم بن محمد الشبليشي شهد عليه بالزندقة، فحبسه المنصور مدة مع جماعة من ~~الأدباء وكلهم معروفون بالإنهماك والزندقة، وكانوا من وجوه قرطبة، وكان ~~ينادي عليهم في كل جمعة يوقفون في أثر الصلاة بباب الجامع الأعظم، من كانت ~~عنده شهادة فيهم فليؤدها، ms282 فثبت على قاسم عند القاضي سجل بشهادات الشهود ~~بأنواع منكرة، تتضمن الزندقة والكفر، فطلعوا إلى القصر وعقد مجلس عظيم ~~واستفتى الفقهاء فيه فأوجبوا قتله. فأشخص قاسم فحضر وحضر أبوه واستحضر ~~ابنان صغيران لقاسم، ولبسوا ثياب الحداد وحمل أبوه معه نعشا وحمالين، وجعل ~~أبوه والصبيان يبكون على باب القصر، وأحضر لضرب رقبته سياف يعرف بابن ~~الحبشي، ودفعت له أسياف من القصر فجعل يروزها ويلمس شفارها وأبوه وابناه ~~ينظرون إليه. # فاتفق حضور أبي الفقيه عمرو الإشبيلي على كره منه وكان يأبى الحضور ~~فاستفتوه فقال: يا هؤلاء إن الدماء لا تسفك إلا بالحق الواضح دون الشبه، ~~احسبوا بن الشبليشي فروجا بماذا تذبحوه؟ فقال القاضي ابن السري: بما ثبت ~~عندي وأمعنت النظر فيه، فقال الفقيه: أوقفني عليه فأوقفه عليه فقال: أخبرني ~~بمن تقتله من هؤلاء الشهود؟ فقال: بهذا وهذا حتى عد خمسة. فقال الفقيه: ~~فبجميعهم تقتله؟ قال: نعم. قال: فلو شهد منهم اثنان خاصة أكنت تقتله؟ قال: ~~لا إنما قوى بعضهم بعضا وزكى أكثرهم عندي. فالتفت الفقيه إلى الفقهاء ~~المشاورين فقال: يا هؤلاء بالدعائم تقتل المسلمون عندكم وتسفك دماؤهم، فلست ~~أرى قتله ولا أشير به! فرجع الفقهاء إلى قوله ولم يردوا عليه شيئا بعدما ~~أفتوا بقتله منذ ستة أشهر، فأنفض الجمع وشيم السيف فذهب البشير إلى ابن أبي ~~عامر فأخبره بالمجلس، فقال ابن أبي عامر: مضيتم تقتلون ابن الشبليشي فدفنتم ~~القاضي، قد استشهدنا للدين ولا قاتل لمؤجل، فحبس أياما ثم أطلق فكان ابن ~~ذكوان الفقيه يقول للقاضي في مثل هذا قال القائل: إذا سئلت بماذا عرفت الله ~~تعالى؟ قال: PageV01P139 بنقضه عزائمي. ومعنى الدعائم على لسان الفقيه هم ~~الشهود الذين لو انفرد منهم اثنان لم يثبت الحكم بهما ولا يقبلا فيه. فإذا ~~كثروا قوى بعضهم بعضا فلا يثبت الحكم بهم. # وفي نقيض هذا حدثنا القاضي أبو مروان الداني بطرطوشة، وقد ولي قضاءها ~~فتذكرنا يوما فقال: نزلت قافلة بقرية خربة من أعمال دانية، فأووا إلى دار ~~خربة هناك ليستكنوا فيها من الرياح والأمطار، فاستوقدوا نارهم وسووا ms283 عيشهم ~~وقرب تلك الدار حائط مائل قد أشرف على الوقوع، فقال رجل منهم لأهل القافلة: ~~يا هؤلاء لا تقعدوا تحت هذا الحائط ولا تدخلوا هذه البقعة. فأبوا إلا ~~دخلوها وبات الناهي متبرئا خارجا عنهم لم يقرب ذلك المكان، ثم أصبحوا في ~~عافية وحملوا دوابهم، فبينما هم كذلك إذ دخل الرجل المحذر الدار ليصطلي ~~ببقية النار فخر الحائط عليه فمات مكانه. # وبلغني عن بعض الفقهاء أن جيشا من الجيوش كان بجزيرة صقلية ناهضا من مكان ~~إلى مكان فقعدوا ساعة لبعض شأنهم، فإذا عقرب تدب فضربها بعض الأجناد بمقرعة ~~كانت معه ثم رفع المقرعة إلى نحو عنقه، فإذا بالعقرب قد تشبثت بأهداب ~~المقرعة وهو لا يشعر فلدغته في عنقه فقضى مكانه. # وأخبرني القاضي أبو الوليد الباجي عن أبي ذر قال: كنت أقرأ على الشيخ أبي ~~حفص عمر بن أحمد بن شاهين ببغداد جزءا من الحديث في حانوت رجل يبيع العطر، ~~فبينا أنا جالس معه في الحانوت إذ جاءه رجل من الطوافين ممن يبيع العطر في ~~طبق يحمله على يده، فأعطاه عشرة دراهم وقال له: ادفع إلي أشياء سماها من ~~العطر، فأخذها في طبقه ومضى فسقط الطبق من يده فتفرق جميع ما كان فيه. فبكى ~~الطواف وجزع حتى رحمناه فقال أبو حفص لصاحب الحانوت: لعلك تجبر له بعض هذه ~~الأشياء. فقال: نعم، ونزل فجمع ما يجتمع منها وجبر له بعض ذلك، فأقبل الشيخ ~~على الطواف يصبره ويقول له: لا تجزع فأمر الدنيا أيسر من ذلك. # فقال الطواف: لا تظن أيها الشيخ أن جزعي لما ضاع، لقد علم الله تعالى مني ~~أني كنت في القافلة الفلانية، فضاع لي هميان فيه أربعمائة دينار أو أربعة ~~آلاف درهم، الشك من أبي ذر، ومعها فصوص قيمتها مثل ذلك فما جزعت لضياعها ~~ولكن طلع لي الليلة مولود فاحتجت في البيت إلى ما تحتاج إليه النفساء، ولم ~~يكن عندي غير هذه العشرة الدراهم فأشفقت أن أشتري بها حوائج النفساء، فأبقى ~~بغير رأس مال ولا أقدر على التكسب، فقلت أشتري ms284 بها شيئا وأطوف به صدر ~~نهاري، فعسى أستفضل شيئا أسد به رمق أهلي ويبقى رأس المال، أتصرف فيه فلما ~~قدر الله عز وجل بضياعه جزعت فقلت: لا عندي ما أرجع به إليهم ولا ما أكتسب ~~به، وعلمت أنه لم يبق لي إلا الفرار منهم، وإن تركتهم على هذه الحالة ~~يهلكون بعدي، فهذا الذي أوجب جزعي. # قال الشيخ أبو ذر: وكان رجل من شيوخ الجند جالسا على باب دار يستوعب ~~الحديث، فقال للشيخ أبي حفص: أنا أرغب إذا أتممتم أمره أن تدخل معه عندي، ~~وقام فظننا أنه يريد أن يعطيه شيئا. قال: فدخلنا عليه فأذن لنا فقال الجندي ~~للطواف: لقد عجبت من جزعك فأعد علي قصتك، فأعاد عليه فقال الجندي: وكنت في ~~تلك القافلة؟ قال: نعم وكان بها من أعيان الناس فلان وفلان، فعلم الجندي ~~صحة قوله فقال له: وما علامة الهميان وفي أي موضع سقط منك؟ فوصف له المكان ~~والعلامة. فقال له الجندي: لو رأيته كنت تعرفه؟ قال: نعم. فأخرج الجندي ~~هميانا ووضعه بين يديه فقال: هذا همياني وعلامة صحة قولي أن فيه من الأحجار ~~ما صفته كذا وكذا، ففتح الهميان فوجد الأحجار على ما ذكر فقال الجندي: خذ ~~مالك بارك الله لك فيه! فقال الطواف: هذه الأحجار قيمتها مثل الدنانير ~~وأكثر، فخذ أنت الدنانير فنفسي طيبة بذلك! فقال الجندي: ما كنت لآخذ على ~~أمانتي شيئا فدخل الطواف وهو من الفقراء وخرج وهو من الأغنياء، ثم بكى ~~الجندي بكاء شديدا وانتحب فقال له أبو حفص: على علام تبكي، وقد أدى الله ~~تعالى أمانتك وقد بذل لك مالا كثيرا، وإن شئت عرضنا عليه أن يعيده عليك؟ ~~فقال ما أبكي لذلك وإنما أبكي لأني أعلم أنه قد حان أجلي وأنه ما بقي لي ~~أمل أؤمله ولا أمنية أتمناها إلا أن يأتيني الله بصاحب هذا الهميان فيأخذ ~~ماله، فلما قضى الله عز وجل ذلك بفضله ولم يبق لي أمل علمت أنه قد حان ~~أجلي. قال الشيخ أبو ذر: PageV01P140 فما انقضى شهر حتى توفي ms285 الرجل وصلينا ~~عليه. # قال القاضي: وحدثني أبو القاسم بن حبيش بالموصل قال: لقد جرت هاهنا في ~~هذه الدار وهذا الحانوت، وأشار إليهما قصة عجيبة. كان يسكن هذه الدار رجل ~~من التجار ممن يسافر إلى الكوفة في تجارة الخز، فبينما هو يحمل الخز في ~~خرجه على حماره وفيه جميع ماله إذ نزلت القافلة، فأراد إنزاله عن الحمار ~~فثقل عليه فأمر إنسانا هناك فأعانه على إنزاله ثم جلس ليأكل، فاستدعى ذلك ~~الرجل ليأكل معه فأجابه وأكل معه، ثم سأله عن حاله فأخبره أنه رجل خرج من ~~الكوفة لأمر أزعجه دون زاد، فقال له الرجل: كن رفيقي وتعينني على سفري ~~ويكون طعامك عندي. فقال الرجل: أني حريص على خدمتك محتاج إلى طعامك. فسار ~~معه في طريقه فخدمه على أحسن حال حتى وصلا تكريت، فنزلت الرفقة خارج ~~المدينة ودخلت الناس لقضاء حوائجهم. # فقال الرجل للخادم: أحفظ رحلنا حتى أدخل فأقضي حاجتنا ثم دخل وقضى حوائجه ~~فأبطأ هناك ثم خرج فلم يجد الرفقة ولا وجد صاحبه، فظن أنه لما رحلت الرفقة ~~رحل معهم فلم يزل يسعى حتى وصل الرفقة بعد الجهد، فسألهم عن حماره وصاحبه ~~فقالوا: ما جاء معنا ولا رأيناه ولكنه وضع الأسباب على الحمار ودخل المدينة ~~على أثرك وظنناك أمرته بذلك. فكر الرجل راجعا إلى تكريت فلم يجد له أثرا ~~ولا وقع له على خبر، فيئس منه وسار إلى الموصل مسلوب المال فوافاها نهارا ~~جائعا عريانا فقيرا مجهودا، فاستحى أن يدخل نهارا فيشمت العدو ويحزن ~~الصديق، فبقي حتى أمسى ثم دخل فدق باب داره فقيل له: من هذا؟ فقال: فلان، ~~يعني نفسه. فأظهروا سرورا عظيما لحاجتهم إليه وقالوا: الحمد لله الذي جاء ~~بك في هذا الوقت على ما نحن فيه من الضرورة والحاجة والفاقة، حملت جميع ~~مالك وطال سفرك واحتاج أهلك وهي نفساء قد ولدت لك في هذا اليوم ولدا، والله ~~وجدنا ما نشتري به شيئا للنفساء، ولقد كانت هذه الليلة طاوية على حالها، ~~فتحيل لنا على دقيق ودهن وتسرج به علينا فلا ms286 سراج عندنا فزاده ذلك غما وكره ~~أن يخبرهم بحاله فيحزنهم وأخذ وعاء للدهن وجرابا للدقيق وخرج إلى هذا ~~الحانوت، وكان فيه رجل يبيع الدقيق والزيت والعسل ونحوه، وقد أغلق دكانه ~~وأطفأ مصباحه ونام، فناداه فأجابه وعرفه وشكر الله على سلامته. # فقال التاجر لصاحب الحانوت: اقدح زنادا أزن لك الدراهم في دقيق وزيت وعسل ~~احتجت إليه الساعة، وكره أن يخبره بتأخير الثمن فيمتنع منه، فقدح البياع ~~للزناد واستصبح فقال له التاجر: زن لي من الدقيق كذا ومن الزيت كذا، ومن ~~العسل كذا ومن السمن كذا ومن الملح كذا ومن الحطب كذا، ما يرمق به الحال ~~تلك الليلة. # فبينما هو كذلك إذ حانت منه التفاتة إلى قعر الحانوت فرأى فيه خرجه الذي ~~هرب به صاحبه، فلم يملك أن وثب إليه والتزمه وألقى يده في أطواق صاحب ~~الحانوت وجذبه إلى نفسه وقال له: يا عدو الله أين مالي؟ فقال له صاحب ~~الحانوت: يا فلان؟ فوالله ما علمتك متعديا ولا أعلم أني جنيت عليك ولا على ~~سواك فما هذا؟ قال: خرجي فر لي به خادم خدمني بجميع مالي وبحماري! فقال له: ~~ما لي علم غير أن رجلا ورد علي بعد العشاء واشترى مني عشاؤه وأعطاني هذا ~~الخرج، فجعلته في حانوتي وديعة وهذا الحمار في دار جارنا الرجل والرجل في ~~المسجد نائم. # فقال له: احمل معي الخرج وامض معي إلى الرجل، فرفع الخرج معه وألقاه على ~~عاتقه ومشى معه إلى المسجد، وإذا الرجل نائم في المسجد فرفسه برجله فقام ~~الرجل مذعورا فقال له: ما لك؟ فقال: أين مالي يا خائن؟ فقال: هو ذا على ~~عاتقك والله ما تغادر منه ذرة! قال: فأين الحمار؟ قال هو عند ذا الجائي ~~معك. فنهض إلى داره فوجد متاعه سليما واستخرج الحمار من الموضع الذي كان ~~فيه، ووسع على أهله وأخبرهم بقصته فازدادوا فرحا وسرورا وتبركا بذلك ~~المولود. PageV01P141 ولما وفى موسى عليه الصلاة والسلام، لصهره شعيب عليه ~~الصلاة والسلام، الأجل الذي أجلاه لرعي موسى غنم شعيب عليه الصلاة والسلام ~~عوضا ms287 عن مهر ابنته، أخذ موسى عليه الصلاة والسلام زوجته وكر راجعا من مدين، ~~فلما وافى موسى الوادي المقدس عند جانب الطور أحبنهم الليل بظلمته فأمسوا ~~نائمين، فبينما هم كذلك إذ ضرب زوجته الطلق وكانت حاملا، وليس عندهم ما ~~تحتاج إليه النفساء من الغداء والدواء، وما يصلح به شأنهم فبقوا في ضيق من ~~الحال وقلة من الحيلة، فخرج موسى عليه الصلاة والسلام يلتفت وينظر يمينا ~~وشمالا يلتمس فرجا لما أمسوا فيه من الضرر، " إذ رأى نارا فقال لأهله ~~امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى " طه: 10. ~~فلما أتاها أضيق ما يكون ذرعا وأحرجه قلبا وأيئسه من رفق نودي من شاطئ ~~الوادي الأيمن: " أن يا موسى إني أنا الله " القصص: 30. # وهكذا لطائف الحق سبحانه وتعالى مع من سلم لأمره ورجا فضله وتكلم بالهدى ~~والبشرى، يفسح الله تعالى له أمله ويعطيه فوق ما سأله: هذا موسى خرج يقتبس ~~نارا فنودي بالنبؤة. وعن هذا قال علماؤنا ليس في خصال الخير وإن جلت ولا في ~~أنواع الأعمال وإن عظمت أعلى من حسن الظن بالله تعالى؛ ونظمه بعض الشعراء ~~فقال: # أيها العبد كن لما لست ترجو ... من نجاح أرجى لما أنت راجي # إن موسى مضى ليقبس نارا ... من شعاع قد لاح والليل داجي # فأتى أهله وقد كلم الل ... ه وناجاه وهو خير مناجي # وروي أن العدو نزل بساحل إفريقية في عدد كثير من المراكب ففني ماؤهم ~~وعطشوا وأيقنوا بالهلاك، فنفر المسلمون إليهم في عدد كثير من تلك الحصون ~~والسواحل، فمنعوهم النزول لاستقاء الماء، فأرسلوا إلى المسلمين أن يخلوهم ~~لاستقاء الماء فأبوا، فتضاعف عطشهم حتى كادوا يهلكون، ففتحوا أناجيلهم ~~ونشروا صلبانهم وأخذوا في الدعاء والاستسقاء والتضرع إلى الله تعالى، فلم ~~يلبثوا أن أرعدت والتفت السماء بأرزاقها ثم انجلت وأرخت ماء كثيرا، فبسط ~~القوم أنطاعهم وجفانهم وآلتهم فشربوا وملئوا أوانيهم، فضج المسلمون عند ذلك ~~وقالوا: هؤلاء كفار أعداء الله ورسوله قد أخلصوا إلى ربهم وأنابوا إليه ~~وسألوه ما يحيون به رمقهم، فأغاثهم ms288 فنحن أحق بالدعاء والتضرع إلى الله ~~سبحانه وتعالى وأولى بالإجابة منهم. فأخذ المسلمون في الدعاء والابتهال ~~والصلاة إلى الله عز وجل في أن يريهم آية تقوى بها قلوب الضعفاء، ويزيد شكر ~~أهل المعرفة والأولياء، فبينما هم كذلك إذ أرسل الله تعالى عليهم ريحا ~~فبددتهم ومزقتهم كل ممزق، وكسرت مراكبهم ولم يجتمع منهم اثنان. # ومن عجائب صنع الله تعالى في هذا الباب أن رجلا من ديار بكر جاء إلى بيت ~~المقدس، وزار قبر الخليل عليه السلام وأكل من ضيافته، فطارت حبة عدسة من ~~الطعام في خيشومه ورام خروجها بكل حيلة، فأعجزته حتى تركته مضنى ثم رجع إلى ~~بلاده، فبينما هو جالس إذ عطس فطارت العدسة في الأرض، فإذا طائر قد التقطها ~~لوقتها وبرئ الرجل، فسبحان من جعل أنف هذا الرجل حرزا لقوت هذا الطائر على ~~بعد الشقة وطول المدة، وكان ذلك سببا لبرئه. # وأما أنا فلما هممت بالرحيل من بلدي إلى المشرق في طلب العلم، وكنت لا ~~أعرف التجارة ولا لي حرفة أرجع إليها، فجزعت من الخروج وكنت أقول: إني إن ~~ذهبت نفقتي ماذا أفعل؟ وكان أقوى الآمال في نفسي أن أحفظ البساتين بالأجرة ~~وأدرس العلم بالليل، ثم استخرت الله تعالى فرحلت وكانت معي نفقة وافرة في ~~همياني على وسطي، وكنت أسمع المسافرين يقولون: من نام بالليل في الفيافي ~~ومعه نفقته على وسطه فليحلها، فإن اللصوص إذا كاثرت الخلق يبتدرون أوساطهم. ~~فخرجت من بلاد السويدية إلى أنطاكية وهي إذ ذاك حرم للروم، فسرينا ليلتنا ~~وأصبحنا على باب أنطاكية، فأخذتني عيني فحللت الهميان ونمت، ولم أستيقظ إلى ~~ضحوة نهار، فاستيقظت ومددت يدي إلى الهميان فلم أجده. # فجعلت ألتفت إلى القافلة وأنظر إلى وجوه الناس، وقد أسقط في يدي ولم تبق ~~لي حيلة، فاسترجعت ورفعت أمري إلى الله سبحانه وتعالى، وإذا رجل من أهل ~~القافلة التفت إلي، فوقع وجهي في وجهه فإذا هو يضحك لما رأى ما بي فقال: ما ~~لك أيها الفقيه؟ فقلت: خيرا فراجعني فقلت خيرا فقام إلي وقال: PageV01P142 ~~خذ هميانك ms289 عافاك الله تعالى: فسألته: كيف ظفرت به؟ فقال: رأيتك قد تدحرجت ~~ذراعين أو ثلاثة، فالتفت فرأيت سوادا في الموضع الذي كنت فيه نائما فثرت ~~إليه وأخذته، فإذا هو الهميان، فرحمة الله عليه ورضوانه. # الباب الستون # في بيان الخصلة التي هي أساس الخصال وعماد الفضائل # ومن فقدها لم تكمل فيه خصلة وهي الشجاعة، ويعبر عنها بالصبر ويعبر عنها ~~بقوة النفس # قالت الحكماء: أصل الخيرات كلها في ثبات القلب، ومنها تستمد جميع الفضائل ~~وهي الثبات والقوة على ما يوجبه العدل والعلم. والجبن غريزة يجمعها سوء ~~الظن بالله تعالى، والشجاعة حالة متوسطة بين الجبن والتهور. وسئل الأحنف بن ~~قيس عن الشجاعة فقال: صبر ساعة. وسئل أبو جهل عن الشجاعة فقال: تصبرون على ~~حد السيوف فواق ناقة وهو ما بين الحلبتين. واعلم أن الفر من القتل طريدة من ~~طرائد الموت، واستقبال الموت خير من استدباره. وقد قال الأول: رب حياة ~~سببها التعرض للوفاة ووفاة سببها طلب الحياة. ومن حرص على الموت في الجهاد ~~وهبت له الحياة. وقالوا: الهزيمة شفرة من شفار الموت والفار يمكن من نفسه ~~والمقاتل يدفع عن نفسه. وقالوا: ثمرة الشجاعة الأمن من العدو. # واعلم أن من قتل في الحرب مدبرا أكثر ممن قتل مقبلا. وقالوا: تأخير الأجل ~~حصن المحارب. وفيل لبعضهم: في أي جنة تحب أن تلقى عدوك؟ قال: في أجل متأخر. ~~وقيل لآخر: في أي سلاح تشتهي أن تقاتل عدوك؟ قال: بأدبار دولته وانقضاء ~~صولته. واعلموا أن الشجاعة لمن كانت له مدة، وإذا انقضت المدة لم تغن كثرة ~~العدة. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه: إذا انقضت المدة كانت ~~الهلكة في الحيلة، وذلك أن كل كريهة تدفع أو مكرمة تكتسب لا تتحقق إلا ~~بالشجاعة. ألا ترى أنك إذا هممت بأن تمنح شيئا من مالك خار طبعك، ووهن قلبك ~~وعجزت نفسك وشححت به؟ وإذا حققت عزمك وقويت نفسك وقهرت ذلك العجز، أخرجت ~~المال المضنون به. وعلى قدر قوة القلب وضعفه يكون طيب النفس بإخراجه ~~وكراهية النفس لإخراجه. ms290 وعلى هذا النمط تكون جميع الفضائل، فمهما تقارنها ~~قوة النفس لم تتحقق وكانت مخدوجة. # وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الشجاعة والجبن غرائز يضعها ~~الله تعالى فيمن يشاء من عباده، فالجبان يفر من أبيه وأمه، والشجاع يقاتل ~~عمن لا يؤب به إلى رحله، فبقوة القلب يصابر امتثال الأوامر والانتهاء عن ~~الرواجز، وبقوة القلب يصابر اكتساب الفضائل وبقوة القلب ينتهي عن اتباع ~~الهوى والتضمخ بالرذائل، وقال الشاعر: # جمع الشجاعة والخضوع لربه ... ما أحسن المحراب في المحراب! # وبقوة القلب يصير الجليس على أذى الجليس وجفاء الصاحب، وبقوة القلب تتلقى ~~الكلمة العوراء والفعلة الرديئة ممن جاءت، وبقوة القلب تكتم الأسرار ويدفع ~~العار، وبقوة القلب تقتحم الأمور الصعاب، وبقوة القلب تتحمل أثقال المكاره، ~~وبقوة القلب يصبر على أخلاق الرجال، وبقوة القلب تنفذ كل عزيمة وروية ~~أوجبها الحزم والعدل والعقل، وبقوة القلب يضحك الرجال في وجوه الرجال ~~وقلوبها مشحونة بالضغائن والأحقاد كما قال أبو ذر: إنا لنبش في وجوه أقوام ~~وإن قلوبنا لتلعنهم! وقال علي رضي الله عنه: أنا لنصافح أكفا نرى قطعها! ~~وليس الصبر والشجاعة وقوة النفس أن تكون مصرا على المحال لجوجا في الباطل، ~~ولا أن تكون جلدا عند الضرب صبورا على التعب مصمما على التغرير والتهور، ~~فإنما هذه من صفات الحمير والخنازير، ولكن تكون صبورا على أداء الحقوق، ~~صبورا على أداء الحقوق، صبورا على سماعها وإلقائها إليك غالبا لهواك مالكا ~~لشهواتك، ملتزما للفضائل بجهدك عاملا في ذلك على الحقيقة التي لا تحيدك ~~عنها حياة ولا موت، حتى تكون عند موتك على الخبر الذي أشار به العلم وأوجبه ~~العدل خير من البقاء على ما أوجب رفض العلم والعدل، كما قال علي للحسن رضي ~~الله عنهما: يا بني وما يبالي أبوك لو أن الخلق خالفوه إذا كان على الحق، ~~وهل الخير كله للحق إلا بعد الموت؟ وعن هذا قالت حكماء الهند: إذا لم يكن ~~للملك من نفسه معين كان في جميع أموره ضعيفا مخذولا. PageV01P143 واعلم أن ~~الجبن مغلبة والحرص محرمة والعجز ms291 ذل والجبن ضعف، والجبان يعين على نفسه يفر ~~من أمه وأبيه وصاحبته وبنيه، والشجاع يحمي من لا يناسبه ويقي مال الجار ~~والرفيق بمهجته، والجبان يخاف من لا يحس به والجبان حتفه من فرقه، واعلم أن ~~الشجاعة عند اللقاء على ثلاثة أوجه: رجل إذا التقى الجمعان وتزاحف العسكران ~~وتكالحت الأحداق بالأحداق، برز من الصف إلى وسط المعترك يحمل ويكر وينادي ~~هل من مبارز؟ والثاني إذا تناشب القوم واختلطوا ولم يدر أحد من أين يأتيه ~~الموت، يكون رابط الجأش ساكن القلب حاضر اللب، لم يخامره ولا خالطته الحيرة ~~فيتقلب تقلب المالك لأمره القائم على نفسه. والثالث إذا انهزم أصحابه يلزم ~~الساقة ويضرب في وجوه القوم، ويحول بينهم وبين عدوهم فيقوي قلوب أصحابه ~~ويرجي الضعف، ويمدهم بالكلام الجميل ويشجع نفوسهم، فمن وقع أقامه ومن وقف ~~حمله ومن كردس عن فرسه كشف عنه حتى ييئس العدو منهم، وهذا أحمدهم شجاعة. # وعن هذا قالوا: المقاتل من قاتل وراء الفارين كالمستغفر من وراء ~~الغافلين. ومن أكرم الكرم الدفاع عن الحريم وقالوا: لكل أحد يومان لا بد ~~منهما أحدهما لا يعجل عليه، والثاني لا يغفل عنه فمال الجبان والفرار. وكان ~~شيوخ الجند يحكون لنا في بلادنا قالوا: دارت حرب بين المسلمين والكفار ثم ~~افترقوا فوجدوا في المعترك قطعة من بيضة الحديد، قدر ثلثها بما حوته مع ~~الرأس، فيقال إنه لم ير قط ضربة أقوى منها. وكان شيوخ الجند في بلدنا ~~طرطوشة يحكون لنا أنهم خرجوا في أيام سيف الملة في سرية إلى بلاد العدو، ~~فبينما هم يسيرون إذا لقيتهم سرية للروم يريدون منا ما نريد منهم، قالوا ~~وعرف بعضنا بعضا، وكان في القوم صناديد الروم وكان فينا صناديد المسلمين، ~~فتوافينا ساعة ثم شددنا وشدوا فالتقينا وتجالدنا ساعة، ثم منحها الله عز ~~وجل أكتافهم فجعلناهم حصيدا كأنهم جزر في الأوضام، وكان هناك بقربهم قرية ~~فيها شيء من الخمر فشربناه وسكرنا ثم اشتهينا شرائح اللحم فقمنا نقطع لنا ~~من لحومهم ونجعل على النار وأكلنا منها، ففزع من كان أسرناه ms292 منهم وبلغ ~~الحديث إلى الروم، فانقلبت النصرانية تعجبا منا وقذف الرعب في قلوبهم. # وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لقي عمرو بن معدي كرب فقال له: يا ~~عمرو أي السلاح أفضل في الحرب؟ فقال: فعن أيها تسأل؟ قال: ما تقول في ~~السهام؟ قال منها ما يخطئ ويصيب. قال: فما تقول في الرمح؟ قال: أخوك وربما ~~خانك! قال: فما تقول في الترس؟ قال: هو الدائرة وعليه تدور الدوائر قال: ~~فما تقول في السيف؟ قال: ذاك لأعدائك. وكان عمرو هذا من شجعان العرب ~~وأبطالها، نزل يوم القادسية على النهر فقال لأصحابه: إني عابر على الجسر ~~فإن أسرعتم مقدار جزر الجزور، وجدتموني وسيفي بيدي أقاتل به تلقاء وجهي، ~~وقد عقرني القوم وأنا قائم بينهم. وإن أبطأتم وجدتموني قتيلا بينهم. ثم حمل ~~على القوم فانغمس فقال بعضهم لبعض: يا بني زبيد علام تدعون صاحبكم؟ والله ~~ما نظن أن تدركوه حيا فحملوا فانتهوا إليه وقد سرع عن فرسه وقد أخذ برجل ~~فرس رجل من العجم فأمسكها، وإن الفارس ليضربه وما يقدر الفرس أن يتحرك، ~~فلما غشيناه رمى الرجل بنفسه وخلى فرسه فركبه عمرو وقال: أنا أبو ثور كدتم ~~والله تفقدونني! قالوا: أين فرسك؟ قال: رمي بنشابة فغار وشب فصرعني. # ويروى أن عمرا حمل يوم القادسية على رستم، وهو الذي كان قدمه يزدجرد ملك ~~الفرس يوم القادسية على قتال المسلمين فاستقبله عمرو وكان رستم على فيل ~~فجذب عرقوبه فسقط رستم وسقط الفيل عليه، مع خرج كان فيه أربعون ألف دينار، ~~فقتل رستم وانهزمت العجم. ويروى أن قاتل رستم زنيم بن عمرو. وأما الضربة ~~التي حكيناها التي جاوزت ثلث البيضة بما حوته من الرأس، فلم يسمع بمثلها في ~~جاهلية ولا إسلام، فحملتها الروم وعلقتها في كنيسة لهم، وكانوا إذا عيروا ~~بانهزام يقولون: لقينا أقواما هذا ضربهم! فترحل أبطال الروم ليروها، وإنما ~~كانت العرب تفخر في هذا الباب بقول النمر بن تولب يصف ضربة بسيف: # أبقى الحوادث والأيام من نمر ... إسناد سيف قديم إثره بادي # يظل ms293 يحفر عنه إن ضربت به ... بعد الذراعين والقيدين والهادي # وينشد قول النابغة في السيف أيضا: PageV01P144 بعد السلوقي المضاعف نسجه ~~... وتوقد بالصفاح نار الحباحب # وأين هذا ممن قد بيض الحديد بما حواه من الرأس؟ وأين الثريا من الثرى ~~وأين الحسام من المنجل؟ ولولا كراهية التطويل لذكرنا من أمثال هذا الباب ما ~~فيه العجب. وقد قالوا: السيف ظل الموت. والسيف لعب المنية. والرمح رشاء ~~المنية. والسهام رسل لا تستأمر من أرسلها. والرمح أخوك وربما خانك. والدرع ~~مشغلة للرجل متبعة للفارس، وإنها لحصن حصين. والترس مجن وعليه تدور ~~الدوائر. # الباب الحادي والستون # في ذكر الحروب وحيلها وتدبيرها وأحكامها # ومن حزم الملك أن لا يحتقر عدوه وإن كان صغيرا، ولا يغفل عنه وإن كان ~~حقيرا، فكم من برغوث أسهر فيلا ومنع الرقاد ملكا جليلا قال الشاعر: # ولا تحقرن عدوا رماك ... وإن كان في ساعديه قصر # فإن السيوف تحز الرقاب ... وتعجز عما تنال الإبر # وفي الأمثال: لا تحرقن الذليل فربما شرق بالذباب العزيز، ومثل العدو مثل ~~النار إن تداركت أولها سهل إطفاؤها، وإن تركت حتى استحكم ضرامها صعب مرامها ~~وتضاعفت بليتها. ومثاله أيضا مثال الجرح الرديء، إن تداركته سهل برؤه، وإن ~~أغفلته حتى نغل عظمت بليته وأعجز الأطباء برؤه. واعلموا أن الناس قد وضعوا ~~تدبير الحروب كتبا ورتبوا فيها ترتيبا ولا يسع سائر أهل الأقاليم، إن لكل ~~أمة نوعا من التدبير وصنفا من الحيلة، وضربا من المكيدة وجنسا من اللقاء ~~والكر والكفر، وتعبية المواكب وحمل بعضهم على بعض، ولكن نصف منها أشياء ~~تجري مجرى المعاقد ولا يكاد يختلف في أنها أزمة الحروب. # ونبدأ أولا بما ذكره الله تعالى في القرآن قال الله تعالى: " وأعدوا لهم ~~ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم " الأنفال: 60 ~~وقوله تعالى: " ما استطعتم " مشتمل على كل ما هو في مقدور البشر من العدة ~~والآلة والحيلة. وفسر النبي صلى الله عليه وسلم القوة حين مر على أناس ~~يرمون فقال: ألا إن القوة الرمي. وكان بعض أصحابه ms294 إذا أراد الغزو ولا يقص ~~أظفاره، ويتركها عدة ويراها قوة. فأول ذلك أن يقدم بين يدي اللقاء عملا ~~صالحا من صدقة وصيام ورد مظلمة، وصلة رحم ودعاء مخلص وأمر بمعروف ونهي عن ~~منكر وأمثال ذلك. فقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأمر بذلك ويقول: ~~إنما تقاتلون بأعمالكم. # ويروى أن بريدا ورد عليه بفتح المسلمين فقال عمر: أي وقت لقيتم العدو؟ ~~قال: غدوة. قال: ومتى انهزم؟ قال: عند الزوال. فقال عمر رضي الله عنه: إنا ~~لله وإنا إليه راجعون، قاوم الشرك الإيمان من غدوة إلى الزوال لق أحدثتم ~~بعدي حدثا أو أحدثت بعدكم حدثا. والشان كل الشان في استجادة القواد وانتخاب ~~الأمراء وأصحاب الألوية. فقد قالت حكماء العجم: أسد يقود ألف ثعلب خير من ~~ثعلب يقود ألف أسد. فلا ينبغي أن يقدم على الجيش إلا الرجل ذو البسالة ~~والنجدة والشجاعة والجراءة ثبت الجنان صارم القلب جريئه، رابط الجأش صادق ~~اليأس، ممن قد توسط الحروب ومارس الرجال ومارسوه، ونازل الأقران وقارع ~~الأبطال، عارفا بمواضع الفرص خبيرا بمواقع القلب والميمنة والميسرة من ~~الحروب، وما الذي يجب سده بالحماة والأبطال من ذلك، بصيرا بصفوف العدو ~~ومواقع الغرة منه، ومواضع الشدة منه، فإذا كان كذلك وصدر الكل عن رأيه كان ~~جميعهم كأنهم مثله، فإن رأى لقراع الكتائب وجها وإلا رد الغنم إلى الزريبة. # واعلم أن الحرب خدعة عند جميع العقلاء، وآخر ما يجب ركوبه قرع الكتائب ~~وحمل الجيوش بعضها على بعض فليبدأ بصرف الحيلة في نيل الظفر. قال نصر بن ~~سيار: كنت أمير خراسان من قبل مروان الجعدي، آخر ملوك بني أمية، قال: كان ~~عظماء الترك يقولون ينبغي للقائد العظيم القياد أن تكون فيه عشرة أخلاق من ~~أخلاق البهائم: شجاعة الديك وبحث الدجاجة وقلب الأسد وحملة الخنزير وروغان ~~الثعلب وصبر الكلب على الجراح وحراسة الكركي وغارة الذئب وسمن نغير، وهي ~~دويبة تكون بخراسان تسمن على التعب والشقاء. وكان يقال أشد خلق الله تعالى ~~عشرة الجبال، والحديد ينحت الجبال والنار تأكل الحديد والماء يطفئ ms295 النار ~~والسحاب يحمل الماء، والريح تصرف السحاب والإنسان يتقي الريح بجناحيه، ~~والسكر يصرع الإنسان والنوم يذهب السكر، والهم يمنع النوم فأشد خلق ربكم ~~الهم. PageV01P145 فأول ذلك أن يبث جواسيسه في عسكر عدوه ليستعلم أخباره مع ~~الساعات، ويستميل قلوب رؤسائهم وقوادهم وذوي الشجاعة منهم فيدس إليهم ~~ويعدهم وعدا جميلا ويوجه إليهم بضروب الخدعة، ويقوي أطماعمهم في نيل ما ~~عنده من الهبات الفخيمة والولايات السنية. وإن رأى وجها عاجلهم بالهدايا ~~والتحف وسامهم إما الغدر بصاحبهم وإما الاعتزال وقت اللقاء، وينشئ على ~~ألسنتهم كتبا مدلسة إليهم ويبثها في عسكره، ويكتب على السهام أخبارا مزورة ~~ويرمي بها في جيوشهم، ويضرب بينهم بما في الميسور من ذلك فإن جميع ما ~~ذكرناه تنفق فيه الأموال والخيل، واللقاء تنفق فيه الأرواح والرؤوس، ووجوه ~~الخداع فيه لا تحصى والحاضر فيه أبصر من الغائب. ولله در المهلب لما كتب ~~إليه الحجاج يستعجله في حرب الأزارقة، رد الجواب فقال: إن من البلاء أن ~~يكون الرأي عند ابن زياد: امض إلى عدوك برأي غير مستند وحزم غير متكل، ولا ~~تركن إلى الدولة فربما انقلبت وانتشر من لا يطمع في عملك ولا يسر بقتلك، ~~واستخر، الله تعالى قبل إقدامك توفق. وأوصت أم الديال العبسية ابنها القتال ~~وهو من أشد العرب: يا بني لا تنشب في حرب إذا وثقت بشدتك حتى تعرف وجه ~~المهرب منها، فإن النفس أقوى شيء إذا وجدت سبيل الحيلة وأضعف شيء إذا يئست ~~منها، وأحمد الشدة ما كانت الحيلة مدبرة لها إذا لم يكن النصر من الله ~~تعالى قائدا لها، واخلس من تحارب خلسة الذئب، وطر منها طيران الغراب فإن ~~الحذر زمام الشجاعة والتهور عدو الشدة. وقال أبو السرايا وكان أحد الفتاك ~~لابنه: يا بني كن بحليتك أوثق منك بشدتك، وبحذرك أوثق منك بشجاعتك فإن ~~الحرب حرب المتهور وغنيمة الحذر. # واعلم أن الدول إذا زالت صارت حيلها وبالا عليها، وإذا أذن الله تعالى في ~~حلول البلاء، كانت الآفة في الحيلة. وقالت الحكماء: إذا نزل القضاء كان ~~العطب في الحيلة، ms296 وإذا نقضت مدة الدول أدبرت سنة الغفلة من سنة الحذر، ~~ويغلب الضعيف بإقبال دولته كما يغلب القوي ببقاء عدته، وقالوا: سعود الدول ~~ونحوسها مقرونة بسعود الملك ونحوسه. وقالوا: بناء كل امرئ دولته فإذا انقضت ~~بدت عورته. وقال بعض الحكماء: إذا ولت دولة ولت أمة، وإذا أتت دولة نتجت ~~أمة. وقالوا: رب حيلة أهلكت المحتال، ومن الحزم المألوف عند سواس الحروب أن ~~تكون حماة الرجال وكماة الأبطال في القلب فإنه مهما انكسر الجناحان فالعيون ~~ناظرة إلى القلب، فإذا كانت راياته تخفق وطبوله تضرب، كانت حصنا للجناحين ~~يأوي إليه كل منهزم، وإذا انكسر القلب تمزق الجناحان. # مثال ذلك أن الطائر إذا انكسر أحد جناحيه ترجى عودته، ولو بعد حين وإذا ~~انكسر الرأس ذهب الجناحان، ولا تحصى كثرة انكسار جناح العسكر وثبات القلب، ~~ثم يرجع الفارون إلى القلب ويكون الظفر لهم. وقل عسكر انكسر قلبه فأفلح ~~اللهم إلا أن تكون مكيدة من صاحب الجيش، فيخلي القلب قصدا وتعمدا ولا يغادر ~~به كبير أمر حتى إذا توسطه العدو واشتغل بنهبه انطبق عليه الجناحان. # ومن أعظم المكائد في الحروب الكمين، ولا يحصى كثرة كم من عسكر استبيحت ~~بيضته وقل عربه بالكمناء، وذلك أن الفارس لا يزال على حمية في الدفاع وحمي ~~الذمار، حتى يلتفت فيرى وراءه بندا منشورا ويسمع صوت الطبل، فحينئذ يكون ~~همه خلاص نفسه ولتكن همتك وراء ذلك وعليه مدار الحروب، وعليك بانتخاب ~~الشجعان واختيار الأبطال فاصطنع ذوي البسالة والإقدام والجراءة، ولا عليك ~~أن لا يكثروا وبعيد عليك أن يكسروا، فهم في الجيش وإن كالإنفحة في اللبن. ~~ولا تنس بيت الشاعر: # والناس ألف منهم كواحد ... وواحد كالألف إن أمر عنا # بل قد جرب ذلك فوجد الواحد خيرا من عشرة آلاف. وسأحكي لك من ذلك ما ترى ~~فيه العجب: فمن ذلك لما التقى المستعين بن هود مع الطاغية ابن روميل ~~النصراني، على مدينة وشقة من ثغور بلاد الأندلس، وكان العسكران كالمتكافئين ~~كل واحد منهما يراهق عشرين ألف مقاتل بين خيل ورجل، فحدثني رجل ممن ms297 حضر ~~الوقعة من الأجناد قال: لما دنا اللقاء قال الطاغية بن روميل لمن يثق بعقله ~~وممارسته للحروب من رجاله: استعلم لي من في عسكر المسلمين من الشجعان الذين ~~نعرفهم كما يعرفونا ومن غاب منهم ومن حضر. فذهب ثم رجع فقال: فيهم فلان ~~وفلان حتى عد سبعة رجال. فقال له: PageV01P146 انظر الآن من في عسكري من ~~الرجال المعروفين بالشجاعة ومن غاب منهم، فعدهم فوجدهم ثمانية رجال لا ~~يزيدون. # فقام الطاغية ضاحكا مسرورا وهو يقول ما أبيضك من يوم! ثم نشبت الحرب ~~بينهم فلم تزل المضاربة بين الفريقين لم يول أحدهم دبرة ولا تزحزح عن ~~مقامه، حتى فنى أكثر العسكرين ولم يفر أحد منهم، قال: فلما كان وقت العصر ~~نظروا إلينا ساعة ثم حملوا علينا حملة وداخلونا مداخلة، ففرقوا بيننا وصرنا ~~شطرين وحالوا بيننا وبين أصحابنا وصاروا بيننا، فكان ذلك سبب وهننا وضعفنا، ~~ولم تقم الحرب إلا ساعة ونحن في خسارة معهم، فأشار مقدم العسكر على السلطان ~~أن ينجو بنفسه وانكسر عسكر المسلمين، وتفرق جمعهم وملك العدو مدينة وشقة. ~~فليعتبر ذو الحزم والبصيرة من جمع يحتوي على أربعين ألف مقاتل ولا يحضره من ~~الشجعان المعدودين إلا خمسة عشر رجلا، وليعتبر بضمان العلج الظفر واستشاره ~~بالغنيمة لما زاد في أبطاله رجل واحد. # وسمعت أستاذنا القاضي أبا الوليد الباجي رحمه الله تعالى يحكي قال: بينما ~~المنصور بن أبي عامر في بعض غزواته إذ وقف على نشز من الأرض مرتفع، فرأى ~~جيوش المسلمين بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن يساره قد ملؤا السهل ~~والجبل، فالتفت إلى مقدم العسكر وهو رجل يعرف بابن المضجعي فقال: كيف ترى ~~هذا العسكر أيها الوزير؟ فقال ابن المضجعي: أرى جمعا كثيرا وجيشا واسعا. ~~فقال له المنصور: لا يعجزنا أن يكون في هذا الجيش ألف مقاتل من أهل الشجاعة ~~والبسالة. فسكت ابن المضجعي فقال المنصور: وما سكوتك؟ أليس في هذا الجيش ~~ألف مقاتل؟ قال: لا! قال: فتعجب المنصور ثم انعطف عليه فقال: أفيهم خمسمائة ~~رجل من الأبطال المعدودين؟ قال: لا! ms298 فحنق المنصور ثم انعطف عليه فقال: ~~أفيهم مائة رجل من الأبطال؟ قال: لا! قال: أفيهم خمسون رجلا من الأبطال؟ ~~قال: لا! فسبه المنصور واستخف به وأمر به فأخرج على أقبح وجه. فلما توسطوا ~~بلاد المشركين اجتمعت الروم وتصاف الجمعان. فبرز علج من الروم بين الصفين ~~شاك في سلاحه يكر ويفر وهو ينادي: هل من مبارز؟ فبرز له رجل من المسلمين ~~فتجاولا ساعة فقتله العلج، ففرح المشركون وصاحوا واضطرب لها المسلمون، ثم ~~جعل العلج يمرح بين الصفين وينادي: هل من مبارز اثنان لواحد؟ فبرز إليه رجل ~~من المسلمين فتجاولا ساعة فقتله العلج، وجعل يكر ويحمل وينادي هل من مبارز ~~ثلاثة لواحد؟ فبرز إليه رجل من المسلمين فقتله العلج. فصاح المشركون وذل ~~المسلمون وكادت تكون كسرة. # فقيل للمنصور: ما لها إلا ابن المضجعي! فبعث إليه فحضر فقال له المنصور: ~~أما ترى ما يصنع هذا العلج الكلب منذ اليوم؟ قال: بلغني جميع ما جرى. قال: ~~فما الحيلة فيه؟ قال: وما الذي تريد؟ قال: أن تكفي المسلمين شره. قال: نعم ~~الآن! ثم قصد إلى رجال يعرفهم فاستقبله رجل من أهل الثغور على فرس قد نشرت ~~أوراكها هزالا، وهو يحمل قربة ماء بين يديه على الفرس، والرجل في نفسه ~~وحليته غير متصنع، فقال له ابن المضجعي: ألا ترى ما يصنع هذا العلج منذ ~~اليوم؟ فقال: قد رأيته فماذا ترى فيه؟ قال له: أريد رأسه الآن! قال: نعم. ~~فحمل القربة إلى رحله ولبس لامة حربه وبرز إليه. فتجاولا ساعة فلم ير الناس ~~إلا والمسلم خارج إليهم يركض ولا يدرون ما هناك، فإذا الرجل يحمل رأس العلج ~~فألقى الرأس بين يدي المنصور فقال له ابن المضجعي: عن هؤلاء أخبرتك أنه ليس ~~في عسكرك ألف ولا خمسمائة ولا مائة ولا خمسون ولا عشرون ولا عشرة! فرد ابن ~~المضجعي إلى منزلته وأكرمه. # واعلم أن أول الحرب شكوى وأوسطها نجوى وأخرها بلوى. الحرب شعثاء عابسة ~~شوهاء كالحة، حزوز في حياض الموت شموس في الوطيس، تتغذى بالنفوس. الحرب ~~أولها الكلام وآخرها ms299 الحمام. الحرب مرة المذاق إذا قلصت عن ساق، من صبر ~~فيها عرف ومن ضعف عنها تلف. جسم الحرب الشجاعة وقلبها التدبير، وعينها ~~الحذر وجناحها الطاعة ولسانها المكيدة، وقائدها الرفق وسائقها النصر. وقال ~~الرسول صلى الله عليه وسلم: الحرب خدعة. وقالوا: الحرب غشوم؛ سميت بذلك ~~لأنها تتخطى إلى غير الجاني كما قال الشاعر: # لم أكن من جناتها علم الل ... ه وإني لحربها اليوم صالي # وقال آخر: # رأيت الحرب يجنيها أناس ... ويصلي حرها قوم براء PageV01P147 وقال آخر: # الحرب أول ما تكون فتية ... تسعى بزينتها لكل جهول # حتى إذا اضطرمت وشب ضرامها ... عادت عجوزا غير ذات خليل # شمطا تنكر لونها وتغيرت ... مكروهة للشم والتقبيل # وقال بعض الحكماء: قد جمع الله لنا آداب الحرب في قوله تعالى: " يا أيها ~~الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فأثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون " " ~~وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع ~~الصابرين " الأنفال: 45 - 46. واستوصى قوم أكثم بن صيفي في حرب أرادوها ~~فقال: أقلوا الخلاف على أمرائكم، واعلموا أن كثرة الصياح فشل ولا جماعة لمن ~~اختلف، وتثبتوا فإن أحزم الفريقين الزكين. وقال عتبة بن ربيعة يوم بدر ~~لأصحابه: ألا ترون أصحاب محمد جثيا على الركب خرسا يتلمظون تلمظ الحباب؟ ~~ورأيت غير واحد ممن ألف في الحروب يكره رفع الصوت بالتكبير ويقول يذكر الله ~~تعالى في نفسه. # واعلم أرشدك الله تعالى أن الله تعالى قد وضح لنا في كتابه العزيز علة ~~النصر وعلة الهزيمة والفرار فقال: " يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ~~ينصركم ويثبت أقدامكم " محمد: 7 يعني إن تنصروا رسوله ودينه، وأما الفرار ~~فعلته المعاصي. قال الله تعالى: " إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان ~~إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا " سورة آل عمران آية: 155. أي بشؤم ~~ذنوبهم وتركهم المركز الذي رسمه لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذلك ~~أنه صلى الله عليه وسلم رتب الرماة يوم أحد على ثلمة الجبل، ليمنعوا قريشا ~~أن يخرجوا عليهم كمينا من ذلك الموضع، ثم ms300 التقى المسلمون بالكفار فانهزم ~~الكفار فقال الرماة لا تفوتنا الغنائم! فأقبلوا على الغنائم وتركوا المركز ~~الأول، فخرجت خيل المشركين من هناك وأقبلوا على المسلمين فكانت مقتلة أحمد. # وليخف قائد الجيش العلامة التي هو مشهور بها، فإن عدوه قد استعلم حليته ~~وألوان خيله ورايته، ولا يلزم خيمته ليلا ولا نهارا وليبدل زيه ويغير خيمته ~~ويعمي مكانه، حتى لا يلتمس عدوه غرته، وإذا سكنت الحرب فلا يمش في النفر ~~اليسير من قومه خارج عسكره، فإن عيون عدوه قد أدليت عليه. وعلى هذا الوجه ~~كسر المسلمون جيوش أفريقية عند فتحها، وذلك أن الحرب سكنت في وسط النهار ~~فخرج مقدم العدو، يمشي خارج العسكر ويتميز عساكر المسلمين، فجاء الخبر إلى ~~عبد الله بن أبي السرح وهو نائم في قبته، فخرج فيمن وثق به من رجاله وحمل ~~على العدو، فقتل الملك وانهزم جميع أصحابه وكان الفتح. # ولما عبر طارق مولى موسى بن نصير إلى بلاد الأندلس ليفتحها، وموسى إذ ذاك ~~بإفريقية، خرجوا في الجزيرة الخضراء وتحصنوا في الجبل الذي يسمى اليوم جبل ~~طارق، وهم في ألف وتسعمائة رجل، فطمعت الروم فيهم فاقتتلوا ثلاثة أيام، ~~وكان على الروم أمير استخلفه لدريق ملك الروم، وكان قد كتب إلى لدريق يعلمه ~~أن قوما لا ندري أمن الأرض هم أم من السماء قد وصلوا إلى بلادنا، وقد ~~لقيتهم فانهض إلي بنفسك، فأتاه لدريق في تسعين ألف عنان، فلقيهم طارق وعلى ~~خيله مغيث الرومي مولى الوليد بن عبد الملك، فاقتتلوا ثلاثة أيام أشد قتال، ~~فرأى طارق ما الناس فيه من الشدة، فقام فحثهم على الصبر ورغبهم في الشهادة، ~~وبسط في آمالهم. # ثم قال: أين المفر؟ البحر من ورائكم والعدو أمامكم، فليس إلا الصبر منكم ~~والنصر من ربكم تعالى. وأنا فاعل شيئا فافعلوا كفعلي، فوالله لأقصدن ~~طاغيتهم فإما أن أقتله وإما أن أقتل دونه! فاستوثق طارق من خيله وعرف حلية ~~لدريق وعلامته وخيمته، ثم حمل مع أصحابه عليه حملة رجل واحد فقتل الله ~~تعالى لدريق بعد قتل ذريع، وحمى الله المسلمين ms301 فلم يقتل منهم شيء، وانهزم ~~الروم فأقام المسلمون ثلاثة أيام يقتلون فيهم، واحتز طارق رأس لدريق وبعث ~~بها إلى موسى، وبعث بها موسى إلى الوليد بن عبد الملك، وسار المغيث إلى ~~قرطبة وسار طارق إلى طليطلة، ولم تكن لهم همة غير المائدة التي يذكر أهل ~~الكتاب أنها مائدة سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام، فدفع إليه ابن ~~أخت لدريق المائدة والتاج فقومت المائدة بمائتي ألف دينار لما فيها من ~~الجواهر التي لم ير مثلها. PageV01P148 وبهذه الحيلة قهر البارسلان ملك ~~الترك ملك الروم وقبضه، وقتل رجاله وأباد جمعه، وكانت الروم قد جمعت جيوشا ~~قل أن يجتمع لمن بعدهم مثلها، وكان مبلغ عددهم ستمائة ألف مقاتل من كتائب ~~متواصلة وعساكر مترادفة، وكراديس يتلو بعضها بعضا كالجبال الشامخة، يدرك ~~بعضهم بعضا لا يدركهم الطرف ولا يحصيهم العدد، وقد استعدوا من الكراع ~~والسلاح والمجانيق والآلات المعدة لفتح الحصون في الحرب، وكانوا قد اقتسموا ~~بلاد المسلمين الشام ومصر والعراق وخراسان وديار بكر، ولم يشكوا أن الدولة ~~قد دانت لهم وأن نجوم السعد قد خدمتهم، ثم استقبلوا بلاد المسلمين فتوارت ~~أخبارهم إلى بلاد المسلمين واضطربت لها الممالك من الإسلام، فاحتشد للقائهم ~~البارسلان التركي وهو الذي يسمى الملك العادل، وجمع جموعه بمدينة إصبهان، ~~واستعد بما قدر عليه ثم خرج يؤمهم فلم يزل العسكران يتدانيان إلى أن عادت ~~طلائع المسلمين إلى المسلمين وقالوا للبارسلان: غدا يتراءى الجمعان. فبات ~~المسلمون ليلة الجمعة والقوم في عدد لا يحصيهم إلا الذي خلقهم، وما ~~المسلمون فيهم إلا أكلة جائع. # فبقي المسلمون أجمعين لما دهاهم، فلما أصبحوا صباح يوم الجمعة نظر بعضهم ~~إلى بعض، فهال المسلمين ما رأوا من كثرة العدد وقوتهم وآلاتهم. فأمر ~~البارسلان أن يعد المسلمون فبلغوا اثني عشر ألف تركي، فإذا هم كالرقمة في ~~ذراع الحمار، فجمع ذوي الرأي من أهل الحرب والتدبير والشفقة على المسلمين ~~والنظر في العواقب، فاستشارهم في استخلاص صواب الرأي فتشاوروا برهة ثم أجمع ~~رأيهم على اللقاء، فتوادع القوم وتحاللوا وناصحوا الإسلام وأهله، ثم تأهبوا ~~أهبة ms302 اللقاء وقالوا للبارسلان: نسمي الله تعالى ونحمل على القوم. فقال ~~البارسلان: يا معشر أهل الإسلام أمهلوا فإن هذا يوم الجمعة والمسلمون ~~يخطبون على المنابر ويدعون لنا في شرق البلاد وغربها، فإذا زالت الشمس ~~وفاءت الأفياء وعلمنا أن المسلمين قد صلوا ودعوا وصلينا نحن، عملنا أمرنا. ~~فصبروا إلى أن زالت الشمس ثم صلوا ودعوا الله تعالى أن ينصر دينهم ويربط ~~على قلوبهم بالصبر، وأن يوهن عدوهم وأن يلقي في قلوبهم الرعب. # وكان البارسلان قد استوثق من خيمته ملك الروم وعلامته وفرسه وزيه ثم قال ~~لرجاله: لا يتخلف أحد منكم حتى يفعل كفعلي، ويضرب بسيفه ويرمي بسهمه حيث ~~أضرب بسيفي وأرمي بسهمي. ثم حمل برجاله حملة رجل واحد إلى خيمة ملك الروم، ~~فقتلوا من كان دونها وخلصوا إليه وقتلوا من حوله، وأسر ملك الروم وجعلوا ~~ينادون بلسان الروم: قتل الملك! فسمعت الروم أن ملكهم قد قتل فتبددوا ~~وتمزقوا كل ممزق، وعمل السيف فيهم أياما وأخذ المسلمون أمولهم وغنائمهم. ~~واستحضر ملك الروم بين يدي البارسلان بحبل في عنقه فقال له البارسلان: ما ~~كنت تصنع بي لو أخذتني؟ قال: فهل تشك أني كنت أقتلك؟ فقال له البارسلان: ~~أنت أقل في عيني أن أقتلك! اذهبوا به وبيعوه لمن يريده، فكان يقاد بالحبل ~~في عنقه وينادي عليه: من يشتري ملك الروم؟ وما زالوا يطوفون على الخيام ~~ومنازل المسلمين وينادى عليه بالدراهم والفلوس، فلم يدفع أحد فيه شيئا حتى ~~باعوه من إنسان بكلب، فأخذ الذي كان يتولى ذلك من أمره الكلب والملك، ~~فحملها إلى البارسلان وقال: قد طفت جميع العسكر وناديت عليه فلم يبذل أحد ~~فيه شيئا إلا رجل واحد دفع لي فيه كلبا! قال: قد أنصف لأن الكلب خير منه، ~~فاقبض الكلب وادفع إليه هذا الكلب! ثم إنه أمر بعد ذلك بإطلاقه فذهب إلى ~~قسطنطينية فعزلته الروم وكحلته بالنار. فانظر ماذا يأتي على الملوك إذا ~~عرفوا في الحرب من الحيلة والقصد والمكيدة. # واعلم أن القدماء قالوا: الكثرة للرعب والقلة للنصر. وقد قال الله تعالى: ~~" ويوم حنين ms303 إذا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما ~~رحبت ثم وليتم مدبرين " التوبة:25 فالكثرة أبدا يصحبها الإعجاب، ومع ~~الإعجاب الهلاك. وخير الأصحاب أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش ~~أربعة آلاف، ولن يغلب جيش يبلغ اثني عشر ألفا من قلة إذا اجتمعت كلمتهم. ~~PageV01P149 وأما صفة اللقاء وهو أحسن ترتيب رأيناه في بلادنا، وهو أرجى ~~تدبير نفعله في لقاء عدونا، أن نقدم الرجالة بالدرق الكاملة والرماح الطوال ~~والمزاريق المسنونة النافذة، فيصفوا صفوفهم ويركزوا مراكزهم ورماحهم خلف ~~ظهورهم في الأرض، وصدورها شارعة إلى عدوهم جثيا في الأرض، وكل رجل منهم قد ~~ألقم الأرض ركبته اليسرى وترسه قائم بين يديه، وخلفهم الرماة المختارون ~~التي تمزق سهامهم الدروع، والخيل خلف الرماة فإذا حملت الروم على المسلمين ~~لم تتزحزح الرجالة عن هيئاتها ولا يقم رجل منهم على قدميه، فإذا قرب العدو ~~رشقتهم الرماة بالنشاب والرجالة بالمزاريق وصدور الرماح تتلقاهم، فاخذوا ~~يمنة ويسرة فتخرج خيل المسلمين بين الرماة والرجالة، فتنال منهم ما شاء ~~الله تعالى. # ولقد حدثني من حضر مثل هذه الوقعة ببلدي طرطوشة قال: صاففنا الروم على ~~هذا الترتيب فحملوا علينا، فبينا رجل منا كان في آخر الصف فقام على قدميه، ~~فحمل عليه علج من العدو فأصاب غرته فقتله. ولما برز المقتدر بالله بن هود ~~ملك الأندلس من سرقسطة في ثغور بلاد الأندلس للقاء الطاغية روميل، عظيم ~~الروم، وكان كل واحد منهما قد احتشد منهما بما في ميسوره، فالتقى المسلمون ~~والكفار ثم تنازلوا للقتال وتصاففوا، ودام القتال بينهم صدرا كثيرا وكان ~~المسلمون في خسران، فأفزع المقتدر ذلك وفرق المسلمون من شر ذلك اليوم، فدعا ~~المقتدر رجلا من المسلمين لم يكن في الثغور أعرف منه في الحرب يسمى سعدادة ~~فقال له المقتدر: كيف ترى هذا اليوم؟ فقال سعدادة: هذا يوم أسود، ولكن بقيت ~~لي حيلة. فذهب سعدادة وكان زيه زي الروم وكلامه كلامهم لمجاورتهم وكثرة ~~مخالطتهم، فانغمس في عسكر الكفار ثم قصد إلى الطاغية روميل، فألفاه شاكا في ~~السلاح مكفتا في الحديد، لا يظهر ms304 منه إلا عيناه فجعل يتحيله ويرتصد غرته ~~إلى أن أمكنته الفرصة، فحمل عليه وطعنه في عينه فخر صريعا لليدين والفم، ثم ~~جعل ينادي بلسان الروم: قتل السلطان يا معشر الروم! فشاع قتله في العسكر ~~فتجادلوا وولوا منهزمين، وكان الفتح بإذن الله تعالى. # ولما استضعف الروم صقلية ووضعوا عليهم الخراج، فكانوا يحملون إليهم ~~الخراج ويحملون الأموال إلى العرب بإفريقية، ويستنجدون بهم على الروم فقال ~~لهم ملك الروم: إنما مثلي ومثلكم يا أهل صقلية مثل رجل له زوجتان عجوز ~~وصبية، فكان إذا بات عند الصبية تلقط الشيب من لحيته لتصبيه فيزهد في ~~العجوز، وإذا بات عند العجوز تلقط الشعر الأسود من لحيته لتشيخه فتزهد ~~الصبية فيه، فيوشك إن دام هذا به أن يصبح أطلس، كذلك حالكم معي ومع العرب، ~~إذا أديتم المال لي ولهم يوشك أن تفقد أموالكم فتبقوا فقراء فأسلمكم وأسلم ~~البلاد. # ويروى أنه لما هم بحصار صقلية أمر أن يبسطوا بساطا في الأرض، ثم جعل في ~~وسطه دينارا ثم قال لوجوه رجاله: من أخذ منكم هذا الدينار ولم يطأ البساط، ~~علمنا أنه يصلح للملك، فوقفوا حوله ولم يصل أحد إليه، فلما أعياهم ذلك طوى ~~ناحية من البساط من عنده، وأمر أن يطوي كل واحد مما يليه حتى طوى البساط، ~~فمدوا أيديهم فلحقوا الدينار، فحينئذ قال لهم: إن أردتم مدينة صقلية خذوا ~~ما حولها من الحصون والمدن الصغار والضياع والقرى، حتى إذا ضعفت أخذتموها. ~~وكان بسرقسطة فارس يقال له ابن فتحون، وكان يناسبني من جهة أمي فيقع ابن ~~خال والدتي، وكان أشجع العرب والعجم، وكان المستعين أبو المقتدر يرى له ذلك ~~ويعظمه، وكان يجري له في كل عطية خمسمائة دينار، وكانت النصرانية بأسرها قد ~~عرفت مكانه وهابت لقاءه. # فيحكى أن الرومي إذا سقى فرسه فلم يشرب يقول له: ويلك! لم لا تشرب هل ~~رأيت ابن فتحون في الماء؟ فحسده نظراؤه على كثرة العطاء ومنزلته من السلطان ~~وأغروا به صدر المستعين، فمنعه إياه. ثم إن المستعين أنشأ غزوة إلى بلاد ~~الروم فتواقف ms305 المسلمون والمشركون صفوفا، ثم برز علج إلى وسط الميدان ينادي: ~~هل من مبارز؟ فخرج إليه فارس من المسلمين فتجاولا ساعة فقتله الرومي، فصاح ~~الكفار سرورا وانكسرت نفوس المسلمين، ثم جعل الرومي يكر على فرسه ويقول: ~~اثنان لواحد! فخرج إليه فارس من المسلمين فتجاولا ساعة فقتله الرومي، فصاح ~~الكفار سرورا وانكسرت نفوس المسلمين، وجعل الرومي يكر ويفر بين الصفين ~~وينادي: PageV01P150 ثلاثة لواحد! فلم يستجرأ أحد من المسلمين أن يخرج إليه ~~وبقي الناس في حيرة. # فقيل للسلطان: ما لها إلا الوليد بن فتحون. فدعاه وتلطف به وقال له: أما ~~ترى ما يصنع هذا العلج؟ فقال: هو بعيني! قال: فما الحيلة فيه؟ فقال أبو ~~الوليد: فماذا تريد؟ فقال: اكف المسلمين شره! قال: الساعة يكون ذلك إن شاء ~~الله تعالى. فلبس قميص كتان واستوى على سرجه بلا سلاح، وأخذ بيده سوطا طويل ~~الطرف وفي طرفه عقدة معقودة، ثم برز إلى النصراني فعجب منه ثم حمل كل واحد ~~منهما على صاحبه فلم تخط طعنة النصراني سرج ابن فتحون، فإذا ابن فتحون ~~متعلق برقبة الفرس ونزل إلى الأرض لا شيء منه في السرج، ثم ظهر على سرجه ~~وحمل عليه وضربه بالسوط في عنقه، فالتوى على عنقه فأخذه بيده من السرج ~~واقتلعه وجاء به يجره، فألقاه بين يدي المستعين، فعلم المستعين أنه قد أخطأ ~~في صنعه معه فأكرمه ورده إلى أحسن أحواله. # أيها الأجناد أقلوا الخلاف على الأمراء فلا ظفر مع الخلاف ولا جماعة لمن ~~اختلف عليه. قال الله تعالى: " ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم " الأنفال: ~~46 فأول الظفر الاجتماع وأول الخذلان الافتراق، وعماد الجماعة السمع ~~والطاعة، وإنما أتي علي رضي الله عنه يوم صفين وكان قد ظهر أهل العراق على ~~أهل الشام، وتضعضعت صفوف معاوية فأحس بالشر وأنه مغلوب، فقال لعمر بن ~~العاص: اذهب فخذ لنا الأمان من ابن عمك! يعني عليا رضي الله عنه، فأدار ~~عمرو الحيلة وأمرهم أن يرفعوا المصاحف في أطراف الرماح وينادون: ندعوكم إلى ~~كتاب الله تعالى. فلما رأى ذلك أصحاب علي ms306 رضي الله عنه كفوا عن الحرب فقال ~~لهم علي رضي الله عنه: يا قوم هذه مكيدة منهم ولم يبق في القوم دفاع! فعصوه ~~وتركوا القتال وكان ذلك سبب الحكمين. # واعلموا أن من أحزم مكائد الحرب إدكاء العيون واستطلاع الأخبار وإفشاء ~~الغلبة، وإظهار السرور وإبانة الحذر والإحتراس من العدو، وأن لا تخرج هاربا ~~إلى قتال ولا تضيق أمانا على مستأمن. وقال بعض المصنفين: كثرة التكبير عند ~~اللقاء فشل. غضوا الأصوات وتجلببوا السكينة، وأقلوا اللوم واحتملوا الجبين. ~~وادرعوا الليل، فإنه أخفى للويل. الليل يكفيك الجبان ويصف الشجاع، الليل ~~المدد الأعظم. الحازم يحذر عدوه على كل حال، المواثبة إن قرب والغارة إن ~~بعد، والكمين إن انكشف والاستطراد إذا ولى، الجهل قوة الجراءة. من اغتر ~~بقوته فقد وهن، ليس من القوة التورط في القوة. لكن أشد ما كنت أحذر ما كنت ~~عند نفسك أكثر قوة وعددا. من استضعف عدوه اغتر. ومن اغتر ظفر به عدوه. ~~أشعروا قلوبكم في الحرب الجراءة فإنها سبب الظفر، واذكروا الظعائن فإنها ~~تبعث على الإقدام، والتزموا الطاعة فإنها حصن المحارب. إذا وقع اللقاء برز ~~القضاء، إذا لقي السيف السيف ذهب الخيار. رب مكيدة أبلغ من نجدة. رب كلمة ~~هزمت عسكرا. الصبر سبب النصر. الظفر مع الصبر. اجعل قتال عدوك آخر حيلك. ~~النصر مع التدبير. لا ظفر مع بغي. لا تغتر بالأقوياء لفضل قوتك على الضعفاء ~~لا تجبنوا عند اللقاء ولا تقتلوا عند القدرة، ولا تسرفوا عند الظهور ولا ~~تغلوا عند الغنائم، ونزهوا الجهاد عن غرض الدنيا. # الباب الثاني والستون # في القضاء والقدر والتوكل والطلب # اعلم وفقك الله تعالى أن مذاهب أهل الحق في القضاء والقدر وخلق الأفعال ~~وإرادة الكاينات متيسرة لله، لا يخرج عن عمله وقضائه وقدره وحكمه حادث، فمن ~~خالفنا في القضاء والقدر وافقنا في العلم، وقد تباين الخلق فيه وتشتتت ~~مذاهبهم وتقاطعوا فيه وتدابروا، وكل حزب بما لديهم فرحون. ولم نضع هذه ~~الترجمة لاستيفاء ما قالوا والاحتجاج لكل فريق، لأن ذلك يستدعي مجلدات ~~وأسفار، وإنما نذكر في هذا ms307 الكتاب أحكاما ظاهرة قريبة من العقول لتقريب ~~الفائدة على الناظر فيه. PageV01P151 فاعلم أولا أن كل ما يجري في العالم ~~من حركة وسكون وخير وشر، ونفع وضر وإيمان وكفر وطاعة ومعصية بقضاء الله ~~وقدره، كذلك لا يطير طائر بجناحيه ولا يدب حيوان على بطنه ورجليه، ولا تطن ~~بعوضة ولا تسقط ورقة إلا بقضائه وقدره وإرادته ومشيئته، كما لا يجري شيء من ~~ذلك إلا وقد سبق علمه به. ثم اعلم أن القدر والطلب لا يتنافيان والتوكل ~~والكسب لا يتضادان، وذلك أن تعلم أن كل ما قضى الله تعالى وقدره فهو كائن ~~لا محالة، كما أن ما عمله الله تعالى أن يكون فهو كائن، ومن خالفنا في ~~القضاء والقدر وافقنا في العلم، فرب أمر قدر الله تعالى وصوله إليك بغير ~~طلب فهو واصل، ورب أمر قدر وصوله إليك بعد الطلب فلا يصل إلا بالطلب، ~~والطلب أيضا من القدر ولا فرق بين الأمر المطلوب وبين القدر في أنهما ~~مقدوران. # فمن ههنا قلنا إنهما لا يتنافيان. وكذلك التوكل مع الكسب لأن التوكل محله ~~القلب والكسب محله الجوارح، ولا يتضاد شيئان في محلين بعدما يتحقق العبد أن ~~المقدور من الله تعالى، فإن تعسر شيء فبتقديره وإن أتفق فبتيسيره. قال أنس ~~رضي الله عنه: جاء رجل على ناقة له فقال: يا رسول الله أدعها وأتوكل؟ قال: ~~اعقلها وتوكل. والتوكل والاعتصام بالقدر يستمدان من العقل، والطلب والكسب ~~يستمدان من الأمر، فالتوكل على الله تعالى هو الثقة بما ضمنه والقطع بكون ~~ما حكم به، فمن رام أمرا من الأمور ليس من الطريق في تحصيله أن يغلق بابه ~~عليه، ويفوض أمره إلى ربه وينتظر حصول ذلك الأمر، بل الطريق أن يشرع في ~~طلبه على الوجه الذي شرعه الله تعالى فيه. وقد ظاهر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بين درعين، واتخذ خندقا حول المدينة ليستظهر به ويحترس به من العدو، ~~وأقام الرماة يوم أحد ليحفظوه من خالد بن الوليد، وكان يلبس لامة الحرب ~~ويعبئ، الجيوش، ويأمرهم وينهاهم بما فيه مصالحهم، واسترقى ms308 وأمر بالاسترقاء ~~وتداوى وأمر بالمداواة وقال: أنزل الداء الذي أنزل الدواء. # فإن قيل: قد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من اكتوى أو استرقى ~~فقد برئ من التوكل؟ قلنا: أليس أنه قد قال اعقلها وتوكل، وظاهر بين درعين ~~وسائر ما ذكرناه آنفا. فإن قيل: فما الجمع بين ذلك؟ قلنا: معناه من اكتوى ~~أو استرقى متكلا على الرقية والكي، وأن البرء من قبلهما خاصة فهذا يخرجه من ~~التوكل، وإنما يفعله كافر يضيف الحوادث إلى غير الله تعالى. فأما من باشر ~~الأسباب والأدوية وتعاطى تدبير الأمور بنفسه وأعوانه وماله، على ما جرت به ~~سيرة الله في أرضه وعادته في خلقه، غير معتمد على شيء من ذلك بل هو واثق ~~القلب أن ما حصل فبتقديره وما تعسر فبتقديره، معتمدا في ذلك على المسبب لا ~~على الأسباب، فهذا هو التوكل لكن شرطه أن يمشي في ذلك كله مع الأمر، ولا ~~يسلك طريقا فيه معصية فليس يستدرك ما عند الله بمعاصيه. # قال علي رضي الله عنه: من ابتغى أمرا بمعصية الله تعالى كان أبعد لما رجي ~~وأقرب لمجيء ما أتقن. ومن ظن أن الطلب والاكتساب يناقض التوكل، فقعد في ~~بيته وأغلق بابه متكلا على اله عز وجل في زعمه، كان عن العقل خارجا وفي تيه ~~الجهل والجا، ويقال له: فيجب من هذا إذا جعت وحضر الطعام لا تمد يدك إليه ~~ولا تفتح فاك له، فإن تمادى على ذلك كان إلى العقل أحوج منه إلى المعرفة، ~~وينبغي لأهله أن يداووه. ألا ترى أن الله تعالى قال لمريم عليها الصلاة ~~والسلام: " وهزي إليك بجذع النخلة تساقط " سورة مريم آية: 25 فهلا أمرها ~~بالسكوت ثم حمل الرطب إلى فيها؟ وهكذا القول فيمن له دابة أو بستان يؤمر ~~بسقي البستان وحفره وإصلاح شأنه، ويؤمر بأن يعلف الدابة ويسقيها. وأنشدوا: # ألم تر أن الله قال لمريم ... إليك فهزي الجذع يساقط الرطب # ولو شاء أحنى الجذع من غير هزها ... إليها ولكن كل شيء له سبب # وهكذا قال رسول الله ms309 صلى الله عليه وسلم: لو توكلتم على الله حق توكله ~~لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو أخماصا وتروح بطانا فلم يحمل أرزاقها إليها في ~~أوكارها بل ألهمها طلبه في الغدو والرواح. وقد كان جهبل بن رئيس القندهارس ~~برئ من تصديق القدر وتكذيب الطلب، دون أهل زمانه من الملوك ما حجزه عن ~~الطلب والتدبير، فأخرجه إخوته من سلطانه وقهروه على مملكته. فقال له بعض ~~الحكماء: PageV01P152 إن ترك الطلب يضعف الهمة ويذل النفس، وصاحبه سائر إلى ~~أخلاق دواب الحجرة من الحيوان كالضب وسائر الحشرات تنشأ في حجرتها وفيها ~~يكون موتها. ثم جمعوا بين الطلب والقدر وقالوا: إنهما كالعدلين على ظهر ~~الدابة إن حمل في واحد منهما رجح على الآخر وسقط حمله وتعب ظهره وثقل عليه ~~سفره، وإن عادل بينهما سلم ظهره ونجح سفره وتمت بغيته. # وضربوا له مثالا عجيبا فقالوا: إن أعمى ومقعدا كانا في قرية بفقر وضر، لا ~~قائد للأعمى ولا حامل للمقعد. وكان في القرية رجل يطعمهما في كل يوم ~~احتسابا قوتهما من الطعام والشراب، فلم يزالا في عافية إلى أن هلك المحتسب، ~~فأقاما بعده أياما فاشتد جوعهما وبلغ الضرر منهما جهده، فأجمعا رأيهما على ~~أن يحمل الأعمى المقعد فيدله المقعد على الطريق ببصره، ويستقل الأعمى بحمل ~~المقعد ويدوران في القرية يستطعمان أهلها ففعلا فنجح أمرهما ولو لم يفعلا ~~هلكا. وكذلك القدر سببه الطلب، والطلب سببه القدر، وكل واحد منهما معين ~~لصاحبه. فأخذ جهبل في الطلب فظفر بأعدائه ورجع إلى ملكه. فكان جهبل يقول: ~~لا تدع الطلب اتكالا على القدر، ولا تجهدن نفسك في الطلب متكلا عليه ~~مستهينا بالقدر، فإنك إذا جهدت نفسك في الطلب بوجوه التدبير المحمودة مصدقا ~~بالقدر، نلت ما تحاول ولم تلتو عليك الأمور. فإن علمت بذلك والتوى عليك أمر ~~من مطلوبك فذلك من إعاقة القدر، وأنك قد أتيت ذنبا فتفقد جوارحك واستكشف ~~ظاهرك وباطنك، وتب إلى الله تعالى من كل ذنب أتيته بجارحة من جوارحك، واخرج ~~من كل مظلمة ظلمتها، فإذا فعلت ذلك قابلك الحظ وساعدك القدر ms310 إن شاء الله ~~تعالى. # واعلم أن على هذا الأصل الذي قررناه يخرج كل ما ورد في القرآن العزيز.وفي ~~حديث الرسول صلى الله عليه وسلم من الأمر بالتوكل على الله عز وجل والتسليم ~~إليه والتفويض له. ومن ذلك أن سليمان الخواص رحمة الله عليه تلى يوما قوله ~~تعالى: " وتوكل على الحي الذي لا يموت " الفرقان: 58 فقال: ما ينبغي لعبد ~~بعد هذه الآية أن يلجأ إلى أحد غير الله تعالى. قلنا: معناه لا يلجأ إلى ~~الأسباب اعتمادا عليها، ولكن يلجأ إليها واثقا بأن الله تعالى يفعل ما ~~يشاء، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بعقل الناقة ولبس درعين. ألا ترى ~~أن من يطلب الزرع والولد ثم قعد في بيته لم يطأ زوجته ولا بذر أرضه معتمدا ~~في ذلك على الله تعالى واثقا به أن تلد امرأته من غير وقاع، وتنبت أرضه ~~الزرع من غير بذر، كان عن المعقول خارجا ولأمر الله تاركا. # وللأئمة والحكماء في القدر ألفاظ بارعة سليمة على السير والامتحان. منها ~~ما روي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه سئل عن القدر، فأعرض عن السائل ~~فأبى إلا الجواب، فقال علي رضي الله عنه: أخبرني أخلقك الله تعالى كما يشاء ~~أو كما تشاء؟ فأمسك الرجل فقال علي رضي الله عنه للحاضرين أترونه يقول كما ~~أشاء؟ إذا والله أضرب عنقه. فقال الرجل: كما يشاء. فقال علي: يحييك على ما ~~يشاء أو كما تشاء. قال: كما يشاء. قال: أيميتك كما يشاء أو كما تشاء؟ قال: ~~كما يشاء. قال: أفيحشرك كما يشاء أو كما تشاء؟ قال: كما يشاء. قال: أفيدخلك ~~حيث يشاء أو حيث تشاء؟ قال: حيث يشاء. فقال: قم فليس لك من الأمر شيء! وروى ~~أن رجلين قدريا ومجوسيا تناظرا فقال القدري للمجوسي: ما لك لا تسلم؟ فقال ~~المجوسي: لو أراد الله تعالى لأسلمت. فقال القدري: قد أراد الله تعالى أن ~~تسلم ولكن الشيطان يمنعك! فقال المجوسي: فأنا مع أقواهما. # وروي في الإسرائيليات أن نبيا من أنبياء الله تعالى ms311 مر بفخ منصوب، وإذا ~~بطائر قريب منه فقال الطائر: يا نبي الله تعالى هل رأيت أقل عقلا من هذا؟ ~~نصب هذا الفخ ليصيدني فيه وأنا أنظر إليه. فقال: فذهب عنه ثم رجع فإذا ~~الطائر في الفخ. فقال له : عجبا لك! أولست القائل آنفا كذا وكذا؟ فقال: يا ~~نبي الله إذا جاء الحين لم تنفع أذن ولا عين. وقال رجل من الخوارج لعلي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه: أرأيت من جنبني سبيل الهدى وسلك بي سبيل الردى أحسن ~~إلي أم أساء؟ فقال له علي رضي الله عنه: إذا كنت استوجبت عليه حقا فقد أساء ~~وإذا كنت لم تستوجب عليه حقا فهو يفعل ما يشاء. وقال مأمون بن مهران لغيلان ~~القدري: سل فأقوى ما تكونون إذا سألتم. فقال غيلان: PageV01P153 أشاء الله ~~أن يعصى؟ فقال ميمون: أيعصى كارها؟ فانقطع غيلان. وروي أن رجلا قال ~~لبزرجمهر: تعال نتناظر في القدر. فقال: وما نصنع بالمناظرة في القدر؟ رأيت ~~ظاهرا استدللت به على الباطن، ورأيت أحمق مرزوقا وعاقلا محروما، فعلمت أن ~~التدبير ليس للعباد. وقال بعضهم: # يخيب الفتى من حيث يرزق صاحبه ... ويعطى المنا من حيث يحرم طالبه # ولما قدم موسى بن نصير بعد فتح الأندلس على سليمان بن عبد الملك، فقال له ~~يزيد بن المهلب: أنت أدهى الناس وأعلمهم فكيف طرحت نفسك في يد سليمان؟ فقال ~~موسى: إن الهدهد يهندس الماء في الأرض الفيفاء، ويبصر القريب منه من البعيد ~~على بعده في التخوم، ثم ينصب له الصبي الفخ بالدودة والحية فلا يبصره حتى ~~يقع فيه. وفي الإسرائيليات: أن الهدهد كان رائد سليمان بن داود عليهما ~~السلام إلى الماء فيتقدم عسكره ثم ينظر إلى الأرض فيقول: الماء هنا على ألف ~~قامة أو أقل أو أكثر. فتبادره الجن تحفره فلا يلحق سليمان عليه السلام إلا ~~وقد استعد الماء. واعلموا أن الهارب مما هو مقضي مقدر كالمتقلب في كف ~~الطالب. وأنشد بعضهم: # وإذا خشيت من الأمور مقدرا ... وفررت منه فنحوه تتوجه # وقال بشار: # طبعت على ما في ms312 غير مخبر ... هوائي ولو خيرت كنت مهذبا # أريد فلا أعطى وأعطى فلم أرد ... وقصار علي أن ينال المغيبا # وأصرف عن قصدي وعلمي مقصرا ... وأمسي وما أعطيت إلا التعجبا # ولما وقع الطاعون في الكوفة فر بن أبي ليلى على حمار له يطلب النجاة فسمع ~~منشدا ينشد: # لن يسبق الله على حمار ... ولا على ذي منعة طيار # ويأتي الحتف على مقدار ... قد يصبح الله أمام الساري # فكر راجعا إلى الكوفة وقال: إذا كان الله أمام الساري فلات حين مهرب. ~~وأنشد بعضهم: # أقام على المسير وقد أنيخت ... مطاياه وغرد حادياها # وقال: أخاف عادية الليالي ... على نفسي أن ألقى رداها # ومن كتبت منيته بأرض ... فليس يموت في أرض سواها # ولما قتل كسرى بزرجمهر وجد في منطقته كتابا فيه: إذا كان القدر حقا ~~فالحرص باطل، وإذا كان الغدر في الناس طباعا فالثقة بكل أحد عجز، وإذا كان ~~الموت بكل أحد نازلا فالطمأنينة إلى الدنيا حمق. وقال ابن عباس وجعفر بن ~~محمد وحسن البصري رحمهم الله تعالى في قوله تعالى: " وكان تحته كنز لهما " ~~الكهف: 82 إنما كان الكنز لوحا من ذهب مكتوب فيه بسم الله الرحمن الرحيم، ~~عجبت لمن يوقن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يوقن بالرزق كيف يتعب، وعجبت لمن ~~يوقن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يوقن بيوم الحساب كيف يغفل، وعجبت لمن ~~يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها؟ لا إله إلا الله محمد رسول ~~الله. وقال يحيى بن معاذ: عجبت من ثلاث: رجل يريد أن يتناول رزقه بتدبيره ~~وهو يرى تناقض تدبيره، ورجل شغله هم غده، وعالم مفتون يعيب على زاهد مغبوط. # ومن أعجب ما نزل بالإسكندرية أن رجلا من خدمة السلطان غاب عن خدمته ~~أياما، وقبضه الشرط وحملوه إلى دار السلطان، فانساب منهم في بعض الطريق ~~وترامى في بئر، والمدينة مسربة تحت الأرض بأسراب يمشي الماشي فيها قائما ~~يخترقها ويدورها، لأن في دورها آبارا على تلك السروب، فما زال الرجل يمشي ~~إلى أن لاح له بئر مضيئة فطلع منها. وإذا البئر ms313 في دار السلطان فطلع الرجل ~~في دار السلطان، فأدبه السلطان فكان فيه المثل السائر: الفار من القضاء ~~الغالب كالمتقلب في يد الطالب. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: إن الرجل ~~ليشرف على الأمر من الإمارة والتجارة أو غيرها، ذكره الله فوق سماواته ~~فيقول للملك: اصرف عن عبدي هذا الأمر فإني إن أيسره له أدخله به جهنم، فيظل ~~متغيظا على جيرانه فيقول: سبقني فلان وحسدني فلان وما صرفه عنه إلا الله ~~تعالى. وأنشد بعضهم: # قالوا تقيم وقد أحا ... ط بك العدو ولا تفر # فأجبتهم والشيخ ما ... لم ينتفع بالعلم غمر: # لا نلت خيرا ما بقي ... ت ولا عداني الدهر شر # إن كنت أعلم أن غ ... ير الله ينفع أو يضر # استأذن العقل على الجد فقال: PageV01P154 اذهب فلا حاجة لي بك. فقال ~~العقل: ولم؟ فقال: لأنك تحتاج إلي وأنا لا أحتاج إليك. وأوصى حكيم ابنه ~~فقال: يا بني رزقك الله جدا يخدمك به ذوو العقول ولا رزقك عقلا تخدم به ذوو ~~الجدود. وكان يقال: إفراط العقل مضر بالجد. وروي أن رجلا خير في أمر فأبى ~~أن يختار وقال: أنا بجدي أوثق مني لعقلي فافرغوا. وفي الأمثال: اسع بجد لا ~~بكد. واسع بجد ودع جدك لك ذلك الجد لا الجد. الجد أغنى من الكد. واعلم أن ~~زمام الأمور التوفيق، ولم ينزل من السماء إلى الأرض أجل من التوفيق وهو ~~مقرون بالاجتهاد. قال الله تعالى: " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا " ~~العنكبوت:69. وقد كنت جمعت فيه كتابا من جملة كتابي في الأسرار. هل التوفيق ~~مكتسب أو موهوب بلا مزيد عليه؟ ومن لطيف ما وقفت عليه في مجال القضاء ~~والقدر، وأن الهارب من القدر كالمتقلب في يد الطالب، ما نزل بنا في ~~الإسكندرية في قضية الرجل الذي تقدم ذكرة. # الباب الثالث والستون # وهو جامع من أخبار ملوك العجم وغيرهم وحكاياتهم # وهو مشتمل على خمس فصول: الأول يشتمل على أخبار وقعت إلينا بعد فراغنا من ~~الكتاب فألحقناها. والثاني يشتمل على حكم لحكيم الفرس خاصة. والثالث يشتمل ~~على ms314 حكم الحكيم الهند خاصة. والرابع يشتمل على حكم لحكيم العرب خاصة. ~~والخامس يشتمل على حكم محمودة مجموعة منتخبة، رسمنا ذلك لننظر في عقول ~~القوم وأغراضهم ومنتهى مرامهم، من كتاب جاويدان جرد الفارسي: ثلاث لا يصلح ~~فسادهن بشيء من الحيل: العداوة بين الأقارب، وتحاسد الأكفاء، والركاكة في ~~العقول. وثلاث لا يستفسد صلاحهن بنوع من المكر والحيل: العبادة في العلماء، ~~والعقول في المستبصرين، والسخاء في ذوي الأخطار، وثلاث لا يشبع منهن: ~~الحياة والعافية والمال. # وقال ابن لقمان لأبيه: يا أبت ما الداء العياء؟ قال: رعونة مولودة. قال: ~~فما الجرح الدوي؟ قال: المرأة السوء! قال: فما الحمل الثقيل؟ قال: الغضب. ~~ولما قرأ هذه الحكاية أبو عباد الكاتب، وكان ظريفا في أحباره قال: لكن ~~والله الغضب أخف علي من ريشة، وكان أسرع الناس غضبا فقيل له: إنما عنى ~~لقمان أن احتمال الغضب ثقيل. فقال: لا والله لا يقوى أحد احتمال الغضب إلا ~~الجمل. وغضب يوما على بعض أصحابه فرماه بدواة فشجه، فجعل الدم يسيل فقال ~~أبو عباد: صدق الله عز وجل حيث قال: " والذين وإذا ما غضبوا هم يغفرون " ~~الشورى: 37 فبلغ ذلك المأمون فاستدعاه وقال له ويلك! ألا تحسن أن تقرأ آية ~~من كتاب الله عز وجل؟ فقال: بلى يا أمير المؤمنين، إني لأقرأ من كل سورة ~~ألف آية فضحك المأمون وأمر بإخراجه. وقيل لأنوشروان: ما العقل؟ قال: القصد ~~في كل الأمور. قيل: فالمروة؟ قال: ترك الربية. قيل: فما السخاء؟ قال: أتنصف ~~من نفسك. قيل: فما الحمق؟ قال: الإغراق في الذم والحمد. # وقيل لبعض الحكماء: ما الحزم؟ قال: سوء الظن. فقال بعضهم في قوله الحزم ~~سوء الظن قال: إنما أراد سوء الظن بنفسه لا بغيره. قيل: فما الصواب؟ قال: ~~المشورة. قيل: فما الذي يجمع القلوب على المودة؟ قال: كف بذول وبشر جميل. ~~قيل: فما الاحتياط؟ قال: الاقتصاد في الحب والبغض. وقال معاوية لزياد حين ~~ولاه العراق: يا زياد ليكن حبك وبغضك قصدا فإن الغيرة كامنة، واجعل للرجوع ~~والنزوع بقية من قلبك، واحذر صولة ms315 الإنهماك فإنها تؤدي إلى المهالك. وهو ~~مثل قول علي بأبي طالب رضي الله عنه: أحبب حبيبك هونا ما، عسى أن يكون ~~بغيضك يوما ما. وابغض بغيضك هونا ما، عسى أن يكون حبيبك يوما ما. ومن ذلك ~~قول الأول: # وأحبب حبيبك حبا رويدا ... فليس يفوتك أن يصرما # وقال آخر: # ولا تيئسن الدهر من حب كاشح ... ولا تأمنن الدهر صرم حبيب # وسئل بزر جمهر عن العقل فقال: ترك ما لا يعني. فسئل: فما الحزم؟ قال: ~~انتهاز الفرصة. قيل: فما الحلم؟ قال: العفو عند المقدرة. قيل: فما الشدة؟ ~~قال: ملك الغضب. قيل: فما الخرق؟ قال: حب مغرق وبغض مفرط. وقيل لبعض ~~الملوك، وقد بلغ في المنزلة والقدرة ما لم يبلغه أحد من ملوك زمانه: ما ~~الذي بلغ بك هذه المنزلة؟ قال: PageV01P155 عفوي عند قدرتي وليني عند شدتي، ~~وبذلي الإنصاف ولومي نفسي وإبقائي في الحب والبغض مكانا لموضع الاستبدال. ~~وقال الإسكندر لبعض الحكماء وقد أراد سفرا أرشدني لأحزم أمري. قال: لا ~~تملكن قلبك محبة الشيء ولا يستولين عليك بغضه، واجعلها قصدا فإن القلب ~~كاسمه يتقلب وله خاصية تنزع وترجع، واجعل وزيرك التثبت وسميرك التيقظ، ولا ~~تقدم إلا بعد المشورة فإنها نعم الدليل، وإذا فعلت ذلك ملكت قلوب رعيتك ملك ~~استعباد، قال الشاعر: # وما سمي الإنسان إلا لنسيه ... ولا القلب إلا أنه يتقلب # وقيل لبعض الحكماء: ما الدليل الناصح؟ قال: غريزة العقل مع الطبع. قيل: ~~فما القائد المشفق؟ قال: حسن المنطق. قيل: فما العياء المعي؟ قال: تطييعك ~~من لا طبع له. وقال الفضل بن مروان: سألت رسول ملك الروم عن سيرة ملكهم ~~فقال: بذل عرفه وجرد سيفه، فاجتمعت عليه القلوب رغبة ورهبة، لا يهضم جنده ~~ولا يحرج رعيته سهل النوال حزن النكال، الرجاء والخوف معقودان في يده. قلت: ~~فكيف حكمه؟ قال: يرج الظلم ويردع الظالم ويعطي كل ذي حق حقه، فالرعية اثنان ~~راض ومغتبط. قلت: فكيف هيبتهم له، قال يتصور في القلوب فتغضي له العيون. # قال: فنظر رسول ملك الحبشة إلى إصغائي إليه وإقبالي عليه، ms316 وكانت الرسل ~~تنزل عندي فقال لترجمانه: ما الذي يقول الرومي؟ قال: يصف له ملكهم ويذكر ~~سيرته. فكلم الترجمان بشيء فقال لي الترجمان: أنه يقول أن ملكهم ذو أناة ~~عند المقدرة وذو حلم عند الغضب، وذو سطوة عند المغالبة وذو عقوبة عند ~~الاحترام، قد كسا رعيته جميل نعمته وقصرهم بعنيف عقوبته، فهم يتراءونه ~~ترائي الهلال خيالا ويخافونه مخافة الموت نكالا، وقد وسعهم عدله وردعتهم ~~سطوته وبأسه، فلا يمتهنه مرحه ولا يوثقه عقله. إذا أعطى أوسع وإذا عاقب ~~أوجع، فالناس اثنان راج وخائف، فلا الراجي خائب الأمل ولا الخائف بعيد ~~الأجل. # قلت: فكيف رهبتم له؟ قال: لا ترفع إليه العيون أجفانها ولم تتبعه الأبصار ~~إنسانها، كأن رعيته قطا فرقت عليها صقور صوائد. فحدث المأمون بهذين ~~الحديثين فقال لي: كم قيمتها عندك؟ قلت: ألفا درهم. قال: يا فضل إن قيمتها ~~أكثر من الخلافة، أما علمت حديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال: قيمة ~~كل امرئ ما يحسن أفتعرف أحدا من الخطباء البلغاء أن يصف أحدا من الخلفاء ~~الراشدين المهديين بمثل هذه الصفة؟ قلت: لا. قال: فقد أمرت لهما بعشرين ألف ~~دينار معجلة، واجعل العدة مادة بيني وبينهما على العود، فلولا حقوق الإسلام ~~وأهله لرأيت إعطاءهما ما في بيوت المال الخاصة والعامة دون ما يستحقانه. # وقال الفضل بن سهل: كان عندي رسول ملك الروم، وكان يحدثني عن أخت الملك ~~يقال لها خاتون قال: أصابتنا سنة احتدم شواظها علينا بحرارة المصائب وصنوف ~~الآفات، ففزع الناس إلى الملك فلم يدر ما يجيبهم به. فقالت له خاتون: يا ~~أيها الملك إن الحزم علق لا يخلق جديده ولا يمتهن عزيزه، وهو دليل الملك ~~على استصلاح رعيته وزاجر له عن استفسادها، وقد فزعت رعيتك إليك لفضل العجز ~~عن الالتجاء إلى من لا تزيده الإساءة إلى خلقه عزاء، ولا ينقصه العود ~~بالإحسان إليهم ملكا، وما أحد أولى بحفظ الوصية من الموصى ولا بركوب ~~الدلالة من الدال، ولا بحسن الرعاية من الراعي ولم تزل في نعمته لم تغيرها ~~نقمة، وفي ms317 رضى لم يكدره سخط إلى أن جرى القدر بما عمي البصر وذهل عنه ~~الحذر، فسلب الموهوب والسالب هو الواهب، فعد إليه بشكر النعم وعذبه من فظيع ~~النقم، فمتى تنسه ينسك، ولا تجعلن الحياء من التذلل للمعز المدل شركا بينك ~~وبين رعيتك، فتستحق مذموم العاقبة، ولكن مرهم ن ونفسك بصرف القلوب إلى ~~الإقرار بالله بكنه القدرة، وبتذلل الألسن في الدعاء بمحض الشكر له تعالى، ~~فإن الملك ربما عاقب عبده ليرجعه عن سيئ فعل إلى صالح عمل، وليبعثه على دؤب ~~شكر يحوز به أفضل أجر. PageV01P156 فأمرها الملك أن تقوم فيهم وتنذرهم بهذا ~~الكلام ففعلت، فرجع القوم عن بابه. وقد علم الله تعالى منهم قبول الوعظ في ~~الأمر والنهي فحال الحول عليهم وما بينهم مفتقد نعمة كان قد سلبها، وتوارت ~~عليهم الزيادات بجميل الصنيع، فاعترف الملك لها بالفضل فقلدها الملك بعده ~~وجمع الرعية على الطاعة لها في المحبوب والمكروه. فهذا فعل الله تعالى ~~بأعدائه وضرائر نعمه، لما شكروه أعاد لهم من نعمه ما كان قد استرجع وزادهم ~~من فضله ما تمنوه، فكيف بمن يوحدونه ويؤمنون به لو صدقت نياتنا وضمائرنا؟ ~~وقال الواقدي: توفي رسول بعض الملوك بدمشق في خلافة هشام بن عبد الملك فوجد ~~في جيبه لوح من ذهب مكتوب فيه: إذا ذهب الوفاء نزل البلاء، وإذا مات ~~الاعتصام عاش الإنتقام، وإذا ظهرت الخيانات امتحقت البركات. # وقال الوضاحي: وجه أنوشروان رسولا إلى الملك قد أجمع على محاربته وأمره ~~أن يتعرف سيرته في نفسه ورعيته، فرجع إليه فقال: وجدت عنده الهزل أقوى من ~~الجد والكذب أكثر من الصدق والجور أرفع من العدل. فقال أنوشروان: رزقت ~~الظفر به سر إليه وليكن عملك في محاربته بما هو عنده أضعف وأقل وأوضع، فإنك ~~منصور وهو مخذول. فسار إليه فقتله واستولى على مملكته. وقال بزرجمهر: المزح ~~آفة الجد والكذب عدو الصدق والجور مفسدة، فإذا استعمل الملك الهزل ذهبت ~~هيبته، وإذا استصحب الكذب استخف به، وإذا بسط الجور فسد سلطانه. وكان نقش ~~خاتم رستم وهو أحد ملوك الفرس: الهزل ms318 مبغضة والكذب منقصة والجور مفسدة. ~~وقتل لبعض أصحاب اسفنديار رجل من الترك، فأصيب في عنقه لوح من ذهب مكتوب ~~فيه: آفة الشدة التهيب وآفة المنطق الحياء وآفة كل شيء الكذب. # وقيل لبعض الحكماء: ما قيمة الصدق؟ قال: الخلد في الدنيا. قيل: فما قيمة ~~الكذب؟ قال: موت عاجل. قيل: فما قيمة العدل؟ قال: ملك الأبد. قيل: فما قيمة ~~الجور؟ قال: ذل الحياة قال: وسأل ملك الهند الإسكندر وقد دخل بلاده: ما ~~علامة الملك ودولته؟ قال له: الجد في كل الأمور. قال: فما علامة زواله؟ ~~قال: الهزل فيه. قال: فما سرور الدنيا؟ قال: الرضاء بما رزقت. قال: فما ~~غمها قال: الحرص على ما لعلك لا تناله. وقال بزرجمهر: ثلاث هن سرور الدنيا ~~وثلاث هن غمها: فأما السرور فالرضاء بالقسم والعمل بالطاعة في النعم ونفي ~~الاهتمام بالرزق لغد، وأما الغم فحرص مسرف وسؤال مجحف، وتمنى ما يلهف. # ومر بعض الملوك بغلام يسوق حمارا غير منبعث، وقد عنف عليه في السوق فقال: ~~يا غلام ارفق به. فقال الغلام: أيها الملك في الرفق به مضرة عليه. قال: وما ~~مضرته؟ قال: يطول طريقه ويشتد جوعه، وفي العنف به إحسان إليه. قال: وما ~~الإحسان إليه؟ قال: يخف حمله ويطول أكله. قال فأعجب الملك بكلامه وقال له: ~~قد أمرت لك بألف درهم. فقال: رزق مقدور وواهب مأجور. قال: وقد أمرت بإثبات ~~اسمك في جيشي. فقال: كيف مؤونة ورزقت بها معونة. قال: لولا أنك حديث السن ~~لاستوزرتك. قال: لن يعدم الفضل من رزق العقل. قال: فهل تصلح لذلك؟ قال: ~~إنما يكون المدح والذم بعد التجربة ولا يعرف الإنسان نفسه حتى يبلوها. قال ~~فاستوزره فوجده ذا رأي صائب وفهم رحيب ومشورة تقع مواقع التوفيق. # قال: وكتب الإسكندر إلى أرسطاطاليس، وقد نفذت يده في المشرق والمغرب وبلغ ~~منهما ما لم يبلغه أحد قبله: اكتب إلي لفظا موجزا ينفع ويردع. فكتب إليه: ~~إذا استولت بك السلامة فجدد ذكر العطب، وإذا هنتك العافية فحدث نفسك ~~بالبلاء، وإذا اطمأن بك الأمن فاستشعر الخوف، وإذا ms319 بلغت نهاية الأمل فاذكر ~~الموت، وإذا أحببت نفسك فلا تجعلن لها في الإساءة إليها نصيبا. قال ووعظ ~~بعض الحكماء ملكا فقال له: أيها الملك إن الدنيا دار عمل والآخرة دار ثواب، ~~ومن لا يقدم لا يجد فأذق نفسك حلاوة عيشها بترك الإساءة إليها. واعلم أن ~~زمام العافية بيد البلاء وأمن السلامة تحت جناح العطب، وباب الأمن مستور ~~بالخوف فلا تكونن في حال من هذه الثلاثة غير متوقع لأضدادها ولا تجعل نفسك ~~غرضا لسهام الهلكة، فإن الدهر عدو بن آدم فاحترز من عدوك بغاية الاستعداد، ~~وإن فكرت في نفسك وعدوها استغنيت عن الوعظ. PageV01P157 قال وكتب الإسكندر ~~على باب الإسكندرية أجل قريب في يد غيرك وسوق حثيث من الليل والنهار، وإذا ~~انتهت المدة حيل بينك وبين المدة فاحتل قبل المنع واكرم أجلك بحسن صحبة ~~السابقين، وإذا آنستك السلامة فاستوحش العطب فإنه الغاية، وإذا فرحت ~~بالعافية فاحزن للبلاء فإليه تكون الرجعة، وإذا بسطك الأمل فاقبض نفسك عنه ~~بذكر الأجل فهو الموعد وإليه المورد. وقال ابن الأعرابي: حدثني من رأى بين ~~إصبهان وفارس حجرا مكتوبا عليه: العافية مقرونة بالبلاء والسلامة مقرونة ~~بالعطب والأمن مقرون بالخوف. ولما ضرب أنوشروان عنق بزرجمهر لما رغب عن دين ~~المجوسية وانتقل إلى دين المسيح عليه السلام، وجد في منطقته كتابا فيه ثلاث ~~كلمات: إذا كان المقدر حقا فالحرص باطل، وإذا كان الغدر في الناس طباعا ~~فالثقة بكل أحد عجز، وإذا كان الموت بكل أحد نازلا فالطمأنينة إلى الدنيا ~~حمق. # ولما تاب الله تعالى على سلمان بن داود عليه الصلاة والسلام ورد عليه ~~ملكه: كتب على كرسيه: إذا صحت العافية نزل البلاء، وإذا تمت السلامة نجم ~~العطب، وإذا تم الأمن علق الخوف. وحفر حفير بفارس فوجد فيه لوح رخام فيه ~~أربعة أسطر محفورة: أولها أيها المعافي ابشر بالبلاء، والثاني أيها السالم ~~توقع العطب، والثالث أيها الآمن خذ أهبة الخوف، والرابع أيها الموسر لن ~~يبعد عنك العسر. ولما نزل أبو مسلم مدينة سمرقند أتاه اسبهندها فقال: أيها ~~الملك إن بالقندهارس حجرا ms320 مدفونا فيه ثلاثة أسطر وجدت في الكتب، وإن سليمان ~~بن داود عليه السلام بعث به ودفن في هذا الموضع ووجد أنك أنت الذي تستخرجه ~~وتعمل بما فيه. فأمر به فأخرج فإذا أول سطر فيه: الحزم انتهاز الفرصة وترك ~~الونى فيما يخاف عليه الفوت. والسطر الثاني: الرياسة لا تتم إلا بحسن ~~السياسة. والسطر الثالث: لم يقتل الآباء من ترك الأبناء ولم يصب من لم يحب. # فكان أبو مسلم يقول: علم جليل به تتم هذه الدولة إن لم ينزل القدر ربما ~~يحول بيننا وبين الحذر، فلم يزل يستعمل هذا الكلام إلى أن قدم العراق ~~فأعماه القدر عن الاستعانة بالحذر، فقتله أبو جعفر المنصور. ولما حج أبو ~~مسلم قيل له: إن بالحيرة نصرانيا قد أتت له مائتا سنة وعنده علم من العلم ~~الأول، فوجه إليه فأتي به. فلما نظر الشيخ إلى أبي مسلم قال: قدمت بالكفاية ~~ولم تأل في العناية وقد بلغت النهاية، أسلمت نفسك لمن سيسكت حسك وكأن قد ~~عاينت رمسك. فبكى أبو مسلم فقال: لا تبك لأنك لم تؤت من حزم وثيق ولا من ~~رأي دقيق ولا من تدبير نافع ولا من سيف قاطع، ولكن ما استجمع لا حد في أمله ~~إلا أسرع في تقريب أجله. قال: فمتى تراه يكون؟ قال: إذا توطأ الخليفتان على ~~أمر كان والتقدير في يد من يبطل معه التدبير، وإن رجعت إلى خراسان سلمت ~~وهيهات، فأراد الرجوع فكتب إليه السلطان بالمضي ووجه إليه من يحثه، فلولا ~~أن البصير يعمى إذا نزل القدر لكانت هذه دلالة تقع موقع العيان، وتبعث على ~~التيقظ بالحذر والاحتيال في الهرب، على أن لكل نفس غاية ولكل أمر نهاية. # وقيل لجالينوس وهو حكيم الطب وفيلسوفه وفد نهكته العلة: ألا تتعالج؟ ~~فقال: إذا كان الداء من السماء بطل الدواء، وإذا قدر الرب بطل حذر المربوب، ~~ونعم الدواء الأجل وبئس الداء الأمل! وقال بعض الغزاة فتحنا حصنا من بلاد ~~الروم فرأينا فيه صورة أسد من حجر مكتوب عليه: الحيلة خير من الشدة والتأني ~~أفضل ms321 من العجلة، والجهل في الحرب أحزم من العقل والتفكر في العاقبة مادة ~~الجزع. وقال أحمد بن سهل: وجه ملك الروم إلى هارون الرشيد بثلاثة أسياف مع ~~هدايا كثيرة، وعلى سيف منها مكتوب: أيها المقاتل احمل تغنم ولا تفتكر في ~~العاقبة فتهزم. وعلى الثاني مكتوب: إذا لم تصل ضربة سيفك فصلها بإلقاء ~~خوفك. وعلى الثالث مكتوب: التأني فيما لا تخاف عليه الفوت أفضل من العجلة ~~إلى أدراك الأمل. وقال الحسن ابن سهل: قرأت في كتاب جاويدان جرد: ثلاثة ~~تبطل مع ثلاثة: الشدة مع الحيلة والعجلة مع التأني والإسراف مع القصد. # وقال الخضر بن علي: رأيت بعدن حجرا مكتوب بالحميرية: أيها الشديد احذر ~~الحيلة، أيها العجول احذر التأني، أيها المحارب لا تأنس بالتفكر في ~~العاقبة، أيها الطالب موجودا لا تقطع أملك من بلوغه. وكتب قيصر إلى كسرى: ~~PageV01P158 أخبرني بأربعة أشياء لم أجد من يعرفها وأخالها عندك، أخبرني ما ~~عدو الشدة ومدرك للأمل وصديق الظفر ومفتاح الفقر؟ فكتب إليه كسرى: الحيلة ~~عدو الشدة والصبر صديق الظفر والتأني مدرك الأمل والجود مفتاح الفقر. وقال ~~بعض الملوك لحكيم وقد أراد سفرا: أوقفني على أشياء من حكمتك اعمل بها في ~~سفري. فقال له: اجعل تأنيك زمام عجلتك وحيلتك رسول شدتك وعفوك ملك قدرتك، ~~وأنا ضامن لك قلوب رعيتك إن لم تحرجهم بالشدة عليهم أو تبطرهم بالإحسان ~~إليهم. # وقال الخضر بن علي: قرأت في كتاب جاويدان جرد وهو أجل كتاب الفرس: الحيلة ~~أنفع من أقوى الشدة وأقل التأني أحد من أكثر العجلة، والدولة رسول القضاء ~~المبرم. وإذا استبد الإنسان برأيه عميت عليه المراشد وكان الجنكان أبو ~~بزرجمهر خامل القدر وضيع الحال مفهه المنطق، فلما أتت على بزرجمهر خمس عشرة ~~سنة حضر مجلس الملك، وقد جلست الوزراء على كراسيها والمرازبة في مجالسها ~~وقف فحي الملك ثم قال: الحمد لله المأمول نعمه المرهوب نقمة، الدال عليه ~~بالرغبة إليه المؤيد الملك بسعود الفلك، حتى رفع شأنه وعظم سلطانه وأنار به ~~البلاد فعاش به العباد، وقسم له في التقدير وجوه التدبير، ms322 فرعى رعيته بفضل ~~نعمته وحماها الموبلات وأوردها المعيشات، وزادها عن الآكلين وألفها بالرفق ~~واللين، إنعاما من الله تعالى عليه وتثبيتا لما في يديه، وأسأله أن يبارك ~~له فيما آتاه ويختار له فيما استرعاه، ويرفع قدره في السماء وينشر ذكره تحت ~~الماء، حتى لا يبقى له بينهما مناوي ولا يجد له فيهما مداني، واستوهب له ~~حياة لا تنغيص فيها وقدرة لا يشاد عنها، وملكا لا بؤس فيه وعافية تديم له ~~البقاء وتكثر له النعماء، وعزا يؤمنه من انقلاب رعية وهجوم بلية، فإنه مولى ~~الخير ودافع الشر. # فأمر الملك فحشى فمه بثمين الجواهر ورفيعه، ولم تدفع حداثة سنه مع نبل ~~كلامه أن استوزره وقلده خيره وشره، فكان أول داخل وآخر خارج. وقال عمر بن ~~عبد العزيز رضي الله عنه: ما لله على تعالى على العاقل نعمة بعد الإسلام ~~أفضل من مباينة هذه السفلة بالفهم والعقل، ولو لم يكن هذا ما عرف الله ~~تعالى إلا بالجهل. ألا ترى أن الله تعالى خاطب أولي النهي والألباب وذوي ~~البصائر فيجب على العلية أن يحمدوا الله تعالى على مباينة هذه السفلة ~~بالعقول والأفهام كما يحمدونه على جميع النعم. وقيل لمروان ابن محمد وهو ~~آخر ملوك بني أمية: ما الذي صار بك إلى هذا قال: الاستبداد برأيي لما كثرت ~~علي كتب نصر بن سيار أن أمده بالأموال والرجال. قلت في نفسي: هذا رجل يريد ~~الاستكثار من الأموال والجند بما يظهر لي من فساد الدولة قبله، وهيهات أن ~~ينتقض على خراسان فانتقضت دولته من خراسان. # وقال الواقدي: قال الفضل بن سهل: لما دعي المأمون في كورة خراسان ~~بالخلافة فجاءتنا هدايا الملوك سرورا بمكانة من الخلافة، ووجه ملك كالبستان ~~شيخا يقال له ذوبان، وكتب يذكر أنه قد توجه بهدية ليس في الأرض أسنى ولا ~~أرفع ولا أفخر ولا أنبل منها. فتعجب المأمون وقال: سل الشيخ ما معه. فسألته ~~فقال الشيخ: ما معي شيء أكثر من علمي. قلت: وأي شيء علمك؟ قال: رأي ينفع ~~وتدبير يقطع ودلالة تجمع. قال: فسر ms323 المأمون بذلك وأمر بإنزاله وإكرامه ~~وكتمان أمره. # فلما أجمع على التوجه إلى العراق لقتال أخيه قال لذوبان: ما ترى في ~~التوجه إلى العراق؟ قال: رأي وثيق وحزم مصيب وملك قريب، والسير ماض فاقض ما ~~أنت قاض. قال له: فمن نوجه؟ قال: الفتى الأعور الطاهر الأطهر يسير ولا ~~يعثر، قوي مرهوب مقاتل غير مغلوب. قال: وكم نوجه معه من الجند؟ قال: أربعة ~~آلاف صوارم الأسياف، لا ينقصون فخر العدد ولا يحتاجون إلى المدد، فسر ~~المأمون ووجه بطاهر بن الحسين قال: وفي أي وقت يخرج؟ قال: مع طلوع الفجر لك ~~الأمر ويصير إلى النصر ، نصر سريع وقتل ذريع وتفريق تلك الجموع والنصر له ~~لا عليه ثم يرجع الأمر إليك وإليه، فظفر طاهر وكان له النصر وقتل علي بن ~~عيسى وزير الأمين واستولى على عسكره وحاز أمواله. فأمر الملك لذوبان بمائة ~~ألف درهم فلم يقبلها وقال: أيها الملك إن ملكي لم يوجهني إليك لأنقصك مالك ~~فلا تجعلن ردي نعمتك تسخطا وسوف أقبل ما يفي بهذا المال ويزيد عليه. # قال المأمون: وما هو؟ قال: PageV01P159 كتاب يوجد بالعراق فيه مكارم ~~الأخلاق وعلوم الآفاق، من كتب عظيم الفرس فيه شفاء النفس من صنوف الآداب ما ~~ليس في كتاب، عند عاقل لبيب وفطن أريب، يوجد تحت إيوان كسرى بالمدائن، يقاس ~~بالذراعين في وسط الإيوان لا زيادة ولا نقصان، فأحفر المدر واقلع الحجر، ~~فإذا وصلت إلى الساحة فاقتلعها تجد الحاجة ولا تلزم لغيرها، فيلزمك غب ~~ضرها. فأرسل المأمون إلى إيوان كسرى فحفروا في وسطه فوجدوا صندوقا صغيرا من ~~زجاج أسود عليه قفل منه فحمل إلى المأمون. فقال لذوبان: هذه بغيتك؟ قال: ~~نعم أيها الملك. قال خذها وانصرف. فتكلم بلسانه ونفخ في القفل فانفتح فأخرج ~~منه خرقة ديباج، فنشرها فسقط منها أوراق فمدها مائة ورقة ولم يكن في ~~الصندوق شيء غيرها فأخذ الأوراق وانصرف إلى منزله. قال الفضل بن سهل: فجئته ~~فسألته فقال: هذا كتاب جاويدان جرد تأليف بنحور وزير الملك ابرازشهر، فطلبت ~~منه شيئا فدفع إلي منه ورقات ms324 وترجمها لي الخضر بن علي، ثم أخبرت المأمون ~~فقال: احمل إلي الورقات. فحملتها إليه فقرأها فقال: هذا والله الكلام لا ما ~~نحن فيه من لي ألسنتنا في فجوات أشداقنا، ولولا أن العهد حبل طرفه بيد الله ~~تعالى وطرفه بأيدينا لأخذته منه. # فصل # من نوادر بزرجمهر حكيم الفرس قال: نصحني النصحاء ووعظني الوعاظ شفقة ~~ونصيحة وتأديبا، فلم يعظني أحد مثل شيبي ولا نصحني مثل فكري، ولقد استضأت ~~بنور الشمس وضوء القمر فلم استضئ بضياء أضوء من نور قلبي، وملكت الأحرار ~~والعبيد فلم يملكني أحد ولا قهرني غير هوائي، وعاداني الأعداء فلم أر أعدى ~~إلي من نفسي، إذا جهلت واحترزت لنفسي بنفسي من الخلق كلهم حذرا عليها وشفقة ~~فوجدتها أشر الأنفس لنفسها، ورأيت أنه لا يأتيها الفساد إلا من قبلها، ~~وزاحمتني المضائق فلم يزحمني مثل الخلق والسوء. ووقعت من أبعد البعد وأطول ~~الطول فلم أقع في شيء أضر علي من لساني. ومشيت على الأجمر ووطئت على ~~الرمضاء فلم أر نارا أحر علي من غضبي إذا تمكن مني. # وطالبتني الطلاب فلم يدركني مدرك مثل إساءتي. ونظرت ما الداء القاتل ومن ~~أين يأتيني فوجدته من معصية ربي سبحانه. والتمست الراحة لنفسي فلم أجد شيئا ~~أروح لها من تركها ما لا يعنيها. وركبت البحار ورأيت الأهوال فلم أر هولا ~~مثل الوقوف على باب سلطان جائر. وتوحشت في البرية والجبال فلم أر أوحش من ~~قرين السوء. وعالجت السباع والضباع والذئاب وعاشرتها وعاشرتني وغلبتها ~~فغلبتني صاحب الخلق السوء. وأكلت الطيب وشربت المسكر وعانقت الحسان، فلم ~~أجد شيئا ألذ من العافية والأمن، وتوسطت الشياطين والجبال فلم أجزع إلا من ~~الإنسان السوء. وأكلت الصبر وشربت المر فلم أر شيئا أمر من الفقر. وشهدت ~~الحروب ولقيت الجيوش وباشرت السيوف وصارعت الأقران، فلم أر قرنا أغلب من ~~المرأة السوء. وعالجت الحديد ونقلت الصخر فلم أر حملا أثقل من الدين. # ونظرت فيما يذل العزيز ويكسر القوي ويضع الشريف فلم أر أذل من ذي فاقة ~~وحاجة، ورشقت بالنشاب ورجمت بالحجارة فلم أر أنفذ ms325 من الكلام السوء يخرج من ~~فم مطالب بحق. وعبرت السجن وشددت في الوثاق وضربت بعمد الحديد، فلم يهدمني ~~شيء مثل ما هدمني الغم والهم والحزن. واصطنعت الإخوان وانتخبت الأقوام ~~للعدة والشدة والنائبة، فلم أر شيئا أخير من الكرم عندهم، وطلبت الغنى من ~~وجوهه فلم أر أغنى من القنوع، وتصدقت بالذخائر فلم أر صدقة أنفع من رد ذي ~~ضلالة إلى هدى. ورأيت الوحدة والغربة والمذلة فلم أر أذل من مقاساة الجار ~~السوء. وشيدت البنيان لأعز به وأذكر فلم أر شرفا أرفع من اصطناع المعروف. ~~ولبست الكسى الفاخرة فلم ألبس شيئا مثل الصلاح. وطلبت أحسن الأشياء عند ~~الناس فلم أر شيئا أحسن من حسن الخلق. وسررت بعطايا الملوك حباهم فلم أسر ~~بشيء أكثر من الخلاص منهم. # فصل PageV01P160 من حكم شاتاق الهندي من كتابه الذي سماه منتحل الجواهر ~~للملك ابن قمابص الهندي: يا أيها الوالي أتق عثرات الزمان واخش تسلط الأيام ~~ولؤم غلبة الدهر، واعلم أن للأعمال جزاء فاتق العواقب وللأيام غدرات فكن ~~على حذر وللأقدار بغتات فاستعد لها. والزمان منقلب متولى فاحذر تقلبه، لئيم ~~الكرة فخف سطوته، سريع الغيرة فلا تأمن دولته، واعلم أن من لم يداو نفسه من ~~سقام الآثام في أيام حياته، فما أبعده من الشفاء في دار لا دواء له فيها! ~~ومن أذل حواسه واستعبدها فيما يقدم من خير لنفسه بان فضله وظهر نبله. ومن ~~لم يضبط نفسه وهي واحدة لم يضبط حواسه وهي خمس، وإذا لم يضبط حواسه مع ~~قلتها وذلتها صعب عليه ضبط الأعوان مع كثرتهم وخشونة جانبهم، فكانت عامة ~~الرعية في نواحي البلاد وأطراف المملكة أبعد من الضبط، فليبدأ الملك ~~بسلطانه على نفسه، فليس من عدو أحق من أن يبدأ بالقهر من نفسه، ثم يشرع في ~~قهر حواسه الخمس لأن قوته الواحدة منهن دون صويحباتها قد تأتي على النفس ~~القوية الحذرة، فكيف إذا اجتمعت خمسة أنفس على واحدة؟ واعلم أن لكل واحدة ~~منهن شرا ليس للأخرى فاقهرها تسلم من شرها، وإنما يهلك الحيوان بالشهوات، ~~ألا ترى ms326 أن الفراش يكره الشمس فيستكن من حرها ويعجبه ضياء النار فيدنو منها ~~فتحرقه؟ والظبى على نفار قلبه وشدة حرصه ينصت لسماع الملاهي فيمكن القانص ~~من نفسه، وذباب الورد المتتبع لطيب الروائح يطلب ما يقطر من أذن الفيل لطيب ~~رائحته، فإنه في طيب رائحته المسك فيلهيه طيب الرائحة عن الاحتراس من تحريك ~~الفيل أذنه، فيتولج في أصل أذنه فتقع عليه ضربة الأذن فتقتله. والسمك في ~~البحر تحمله لذة الطعم أن يبتلعه فتحصل السنارة في جوفه فيكون في حتفه. ~~وذكر هذا الحكيم أن خصالا معروفة قتلت بالإفراط فيها ملوكا معروفين فالصيد ~~مات منه قيدة الملك، والإفراط في القمار مات منه قيشوب الملك، والإفراط في ~~السكر مات منه مخارق الملك، وشدة الحرص مات منها مهريق الملك، والغضب أحر ~~سبحى الملك، والطمع وائل، والفرح واطاب، والأنفة بوليس، والتواني زمير نهر. ~~وأخلق بخصال أهلكت ملوكا أن يتجنبها الملوك. واعلم أن الرعية تستمطر الملك ~~العادل استمطار أهل الجدب للغيث، وينتعشون بطلعته عليهم كانتعاش النبات بما ~~يناله من القطر، بل الرعية بالملك العادل أتم نفعا منها بالغيث، لأن لمنفعة ~~الغيث وقتا معلوما وعدل الملك لا يتعين له وقت. ويحسن بالملك أن يشبه ~~تصاريف تدبيره بطباع ثمانية أشياء: الغيث والشمس والقمر والريح والنار ~~والأرض والماء والموت. فأما شبه الغيث فتواتره في أربعة أشهر من السنة ~~ومنفعته لجميع السنة، وكذلك ينبغي للملك أن يعطي جنده وأعوانه أربعة أشهر ~~تقدير التتمة السنة، فيجعل رفيعهم ووضيعهم في الحق الي يستوجبونه بمنزلة ~~واحدة كما يسري المطر بين كل أكمة وشرف وغائط مستفعل ويغمر كلا من مائه ~~بقدر حاجته، ثم يستجبي الملك في الثمانية أشهر حقوقه من غلاتهم وخراجهم كما ~~تجبى الشمس بحرها وحدة فعلها نداوة الغيث في أربعة أشهر الأمطار. # وأما شبه الريح فإن الريح لطيفة المداخل تسرح في جميع المنافذ حتى لا ~~يفوتها مكان، كذلك الملك ينبغي أن يتولج في قلوب الناس بجواسيسه وعيونه لا ~~يخفون عنه شيئا حتى يعرف ما يأتمرون به في بيوتهم وأسواقهم. وكالقمر إذا ~~استهل تمامه فأضاء ms327 واعتدل نوره على الخلق وسر الناس بضوئه، وينبغي أن يكون ~~الملك ببهجته وزينته وإشراقه في مجلسه وإيناسه رعيته ببشره، فلا يخص شريفا ~~دون وضيع بعدله. وكالنار على أهل الدعارة والفساد. وكالأرض على كتمان السر ~~والاحتمال والصبر والأمانة. وكعاقبة الموت في الثواب والعقاب يكون ثوابه لا ~~يقصر عن إقامة حد ولا يتجاوزه. وكالماء في لينه لمن لا ينه، وهدمه واقتلاعه ~~عظيم الشجر لمن جاذبه. PageV01P161 واعلم أنه قد يكتنف السلطان من شرار ~~الناس والأعوان على الحاجة إليهم من يستبشع ويستكره، كالحيات تكتنف بالصندل ~~فيقتلها الصندل بطيب رائحته وبرده، وينتفع الصندل بها إذ لا يقرب منه من ~~يريد قطعه. وليكن فيك مع تلطفك تشديد لئلا يجترأ عليك، فإن القمر يستضاء ~~بضوئه ويظهر له، والشمس يستظل من حرها ويستكن لها. وقد قالت العرب في مثل ~~هذا لا تكن حلوا فتسترط ولا مرا فتلتفظ. اجعل لكل طبقة من أعدائك أشباههم ~~من أعوانك يسوسونهم، فإنهم كالماء في الأذن لا حيلة في إخراجه بأرفق من ~~الماء الذي هو من جنسه، وإذا عاديت رجلا فلا تعاد كل جنسه، واستبق من جنسه ~~أحدا عسى تنتفع به، فإن السيف القاتل من جنس الدرع الواقي، ولا تطمعن في ~~الكذوب والمطبوع على الشر أن تعطفهما بالإحسان فإنهما كالقرد كلما سمن ~~بالطعام والحلاوة والدسم ازداد وجهه قبحا. # وقد يرد الواحد كيد الجميع إذا كان عاقلا، كما يرد حر شعاع الشمس إذا كان ~~واقيا غاية أرمى الناس أن يقتل بسهمه واحدا، لكن رمية عاقل زكين يقتل الجيش ~~بأسره. والملك الشريف العاقل لا ينفذ فيه قدح أهل البغي، فمن انقطع إليه ~~ولزمه كالجوهر المضيء بنوره لا يطفئه عصوف الرياح. من كان قابلا لما يرد ~~عليه في بقائه وكل قول يسمعه، كان كالسراج تميل به كل ريح لينة ثم لا يلبث ~~إن عصفت الريح أن يطفأ. تدبير الملك الحازم في سلطانه كتعاهد صاحب البستان ~~بستانه، يخرج قاحل عيدانه وشوك شجره، فيحيط به على ثمره وزرعه ليقيه عن ~~الشر والفساد، كما ينتخب الملك أهل الشكيمة والشوكة فيجعلهم ms328 في أقاصيه ~~وحدوده ردا للمملكة. وليكن الملك أحذر ما يكون آمن ما يكون. قلت وقد صدق ~~الشاعر: # أأمنتم ريب الزمان فنمتم ... رب خوف مكمن في أمان # قال: ألا ترى أن بهرسان الملك أنامت المرأة على فراشه رجلا فلما رام ~~فراشه وثب عليه فقتله. وباسراج الملك قتلته امرأته بخلخال مسموم. ودروق ~~الملك قتلته امرأته بمدية خبأتها في عقاصها، واعلم أن العدو قد علم منك ~~مواضع الحذر وحالات الأمن، وإنما ترصده لك في حالات الأمن والمواضع التي ~~تظن أن العدو لا يكمن فيها، فكن احذر ما تكون فيها. وسائر حكم هذا الباب قد ~~قدمتها في تراجم كتابنا. # فصل # قال غيره: لا ينبغي للملك أن تكون له أيام معلومة يظهر فيها فإن في ذلك ~~خصالا مذمومة. منها أنه قد يعوق في ذلك اليوم ممسك مهم أو بعض الكسل أو لذة ~~مغتنمة، فيلزمه الخروج على كره. ومنها أنه إذا تخلف عن الظهور لأمر ما ~~تطاولت الأعناق من الرعية وكثر كلامها وقالوا: مرض أو مات أو أصابته آفة، ~~فيكسب العدو جراءة وسرورا ويكسب الولي حزنا وجبنا. ومنها أنه قد واعد عدوه ~~ليوم يلتقيان فيه، ولا ينبغي أن يكون الملك كثير التصرف عند فساد الزمان ~~وخبث الرعية، وعن هذا قالت الحكماء: إذا كان الجمل كثير النفر كان نصيب ~~الذئب. # فصل من نوادر كلام العرب # من حكم أكثم بن صيفي، وهذا رجل كان له عقل وحلم ومعرفة وتجربة، وقد علق ~~الناس عنه حكما لطيفة وألفوا فيها تصانيف. فمن حكمه قال: من فسدت بطانته ~~كان كمن غص بالماء، أفضل من السؤال ركوب الأهوال من حسد الناس بدأ بمضرة ~~نفسه، والعديم من احتاج إلى لئيم. من لم يعتبر فقد خسر. ما كل عثرة تقال ~~ولا كل فرصة تنال. لا وفاء لمن ليس له حياء. قد يشهر السلاح في بعض المزاح. ~~من وفى بالعهد فاز بالحمد. الموت يدنو والمرء يلهو. طول الغضب يورث الوصب. ~~رب عتق شر من رق. من اصطنع قوما ما احتاج إليهم يوما ما الكذب بهت والخلف ms329 ~~مقت. من لم يكف أذاه لقي ما ساءه. الحر يتقاضى لك من نفسه واللئيم يستحسن ~~تسويفه وحبسه. # ليس بإنسان من ليس له أخوان. أنت مزر بنفسك إن صحبت من هو دونك. عليك ~~بالمجاملة لمن لا تدوم له مواصلة. في الأسفار يبدو الاختيار. أفسد كل حسب ~~من ليس له أدب. أفضل الفعال صيانة العرض بالمال. ليس من خادن الجهول بذي ~~معقول. ليس للملحف مثل الرد. من جالس الجهال فليستعد لقيل وقال. وقال: ~~PageV01P162 ما جلا عنك النسيان مثل البيان، ولا نفي عنك البهتان مثل ~~البرهان. لم ينج من الموت غني لماله ولا فقير لإقلاله. إذا ما أردت طرد ~~الحر فسمه الهوان. كثرة العلل آية النحل. كفر النعمة لؤم وصحبة الأحمق شؤم. ~~إن من الكرم لين الشيم. إياك والخديعة فإنها خلق اللئيم. امحض أخاك ~~النصيحة، حسنة كانت أو قبيحة. رب سباب قد أهاجه العتاب. الصدود آفة المقت. ~~سبب الحرمان التواني. من سأل فوق قدره استحق الحرمان. # ليس كل طالب يصيب، ولا كل غائب يؤوب. وإن من الفساد إضاعة الزاد. من حلم ~~ساد، ومن تفهم ازداد. لا ترغب فيمن يزهد فيك. رب بعيد أقرب من قريب. المزاح ~~يورث الضغائن. سل عن الرفيق قبل الطريق، وعن الجار قبل الدار، غثك خير من ~~سمين غيرك. من جد المسير أدرك المقيل. استر عورة أخيك لما تعلم فيك. ولا ~~تكثر من المزاح فتذهب هيبتك، ولا من الضحك فيستخف بك. من أكثر من شيء عرف ~~به. كفى بالحلم ناصرا. المنة تهدم الصنيعة. نعم الشيء الهدية بين يدي ~~الحاجة. ربما نصح غير الناصح، وربما غش المنتصح. الكلام فيما ينفعك خير من ~~السكوت، والسكوت عما يضرك خير من الكلام. لا يغرنك من جاهل قرابة ولا جوار ~~ولا إلف، فإن أقرب ما يكون من النار تربا أقرب ما يكون منها لهبا. أرفض أهل ~~الدناءة تلزمك المهابة. # دع مجالسة أهل الريب على كل حال، فإنك إن يسلم دينك لم تسلم من سوء ~~المقال. الكرم شكر البلاء واللؤم كفر النعمة. أكرم الصنائع سلامة الصدور. ms330 ~~لن تسلم من الناس حتى يسلموا منك، من عدم الإيمان لم تزده الرواية فقها. ~~الحزن مفسدة العقل ومقطعة الحيلة. كثرة النوم إماتة القلب. شدة الحذر تدل ~~على ضعف اليقين. محادثة الحمقى والسفهاء تورث سوء الخلق. الدليل على الحمق ~~إعجاب المرء بعقله. من لم يسمع الحديث فارفع عنه مؤنته. من حدث من لا يفقه ~~كمن قدم مائدة لأهل القبور. من قطع عليك الحديث فلا تحدثه فليس بصاحب أدب. ~~ومن عرف بالصدق جاز كذبه، ومن عرف بالكذب لم يقبل صدقه، من وصل من يحسده ~~قوى عدوه وقصر بنفسه. اغفر زلة صديقك. من غضب من غير شيء رضي من لا شيء. من ~~غضب على من لا يقدر عليه طال حزنه. الرجل عبد هواه. # لولا جهل الجاهل ما عرف عقل العاقل. من خاف ربه كف ظلمه. كسل الفقير ~~هلاكه. شح الغني فضيحته. من لم يتورع في كلامه ظهر فجوره. كل شيء لا يوافق ~~الأحمق فاعلم أنه الصواب. إذا غلبتك امرأتك فجاهدها فإنها عدوك. من لم يعرف ~~الخير من الشر فألحقه بالبهائم، من طلب ما عند البخيل مات جوعا. جار الرجل ~~الجواد كمجاور البحر لا يخاف العطش، وجار البخيل في المفازة هالك. إذا لم ~~تنتفع بمصادقة الأحياء فأت أهل القبور. من عادى من فوقه أبغضه من تحته. ~~الرزق مقسوم والحريص محروم. من كثر كلامه على المائدة غش بطنه، وأبغضه ~~أصحابه. العلم زين ومنفعة والجهل شين ومضرة، الجاهل يستعظم الشر والعاقل ~~يمنع نفسه من الشر. من لم يرتخ للثناء فليس له نصيب في المودة. # إذا كان لك جار أو صديق لا تنتفع به فصور مثاله في الحائط فإنه أزين ~~للحائط وأخف للمؤنة. العاقل يرغب في الأدب والجاهل يهرب منه. العاقل إذا ~~فاته الأدب لزم الصمت. لا تستنطق من تكذبه. العاقل يتهم رأيه في نفسه ~~والجاهل يقيم على جهله. من لم يملك عقله لم يملك نفسه. من أظهر محاسنه ودفن ~~مساويه كمل عقله. من غلب هواه عقله له افتضح. من استشار عدوه في صديقه أمره ~~بقطيعته. مصادقة ms331 الكرام غنيمة ومصادقة اللئام ندامة. لا تدخل على صديقك ~~التهمة فيرجع لك عن النصيحة. إذا انقطع رجاؤك من صديقك فألحقه بعدوك. ~~PageV01P163 من طلب مراضاة الإخوان من غير شيء فليصادق أهل القبور. العاقل ~~ليس في مصادقته مخادعة. رأس مال الأحمق المخادعة وفائدته الغضب، والحليم ~~رأس ماله الصمت وفائدته الحلم. إذا جهل عليك الأحمق فالبس له سلاح الرفق ~~واللطف. صديق كل امرئ عقله وعدو كل امرئ حمقه. من أنزل نفسه عاقلا أنزله ~~الناس جاهلا. من قنع بكذب الثناء عليه ظهر للناس رقاعته. السكوت عن الأحمق ~~جوابه. السكوت يزين الأحمق والكلام يشينه. من استطال عليك بملبسه وتحلى ~~بفضله، فلا أكثر الله في الناس مثله. الجواد محبب والبخيل مبغض. إذا حملت ~~للبخيل مؤنة أبدى لك الحرمان والعداوة. البخيل يمنع ما عنده ويبخل على ~~الجواد بجوده. من طلب حاجة فهو شر منه. من بذل للبخيل صلته ورفع عنه مؤنته ~~دامت له مودته. ضيف البخيل آمن من التخمة. من طلب من اللئيم حاجة كان كمن ~~طلب السمك في المفازة. عدة الكريم نقد وعدة اللئيم تسويف الكريم يواسي ~~إخوانه في دولته واللئيم يقطعهم. لا تخضع للئيم فإنه لا يعطيك شيئا. # إنما الصديق الذي يبذل لك ماله عند الحاجة ونفسه عند البلية، ويحفظك عند ~~المغيب وينفعك عند الرجاء. إذا صادقت الوزير فلا تخشى الأمير. من لم ينصحك ~~في المصادقة فعاده. من غشك في العداوة فلا تلمه. من كان الناس عنده سواء لم ~~يكن له أصدقاء. من صادق الإخوان بالمكر كافؤه بالغدر. من لم يواس الإخوان ~~في دولته خذل عند مأمنه. إياك أن تبغي مودة من يحسدك فأنه لا يقبل إخاءك. ~~من حسدك على علمك لم يستمع حديثك. الحاسد يفرح بزلتك ويعيب صوابك. إذا رأيت ~~من يحسدك ويسرك أن تسلم منه فعم عليه أمورك. من صبر على مودة الكاذب فهو ~~مثله. كل شيء شيء ومودة الكاذب لا شيء. من بدأك بجهله فكافئه بحلمك تغمه. ~~أول المرؤة طلاقة الوجه، والثانية التودد، والثالثة الفصاحة. # الفاجر لا يبالي بما قال والورع يتعاهد ms332 كلامه من شغل مشغولا فقد أظهر ~~ثقله. من صبر على شغل سوء فقد نظر إلى سجنه بعينه. من لم يغلب الحزن بالصبر ~~طال غمه. من استطال على الناس بلسانه بغير سلطان فليصبر على الذل والهوان. ~~لا تحتقر الفقير الثري ولا ترغب في الغني الدني. من تشبه بالسراة وغلبت ~~عليه الدناءة فلا تكرمه. من أغضبته أنكرته. من أغنيته أعطفته. من تعرض ~~لصاحب الدولة انقلب بهزيمة من صانع بماله لم يحتشم من طلب حاجته. من صاحب ~~الكتاب ملوه ومن عاداهم أنكروه. من شمخ عليك بأنفه وطمح ببصره، ولم يدخل ~~عليك فضله فلتهن عليك سلبته. السفيه يقطع مودة لم تزل ويكتسب عداوة لم تكن. ~~حمل المروءة ثقيل. من سالم الناس غنم. خذلان الجار لؤم. رجال البلاء قليل ~~احفظ إخوانك تذل أعداؤك. ما أجمل الصبر على ما لا بد لك منه. المحروم من ~~طال نصبه، وكان لغيره نشبه لا قوي أقوى ممن قوي على نفسه، ولا عاجز أعجز ~~ممن عجز عنها. الخير في غير أهله غريب. ما أضعف قوة من يغالب من لا يغلب. # الباب الرابع والستون # يشتمل على حكم وأحاديث منثورة # اعلم أيها المريد أن الله تعالى يمتحن أنبياءه وأصفياءه بأعدائه، ويضطر ~~أولياءه وأحباءه إلى أعدائه، رفعة وتقريبا لأنبيائه وتمحيصا لهفوات ~~أوليائه، وذخرا لهم عنده وزلفى لديه تعظيما لأقدارهم، وتشريفا لمنازلهم ~~وترفيعا لدرجاتهم. قال الله تعالى تعزية لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ~~لعظيم ما كان يلقي من سطوات أعدائه " وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين ~~الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا " الأنعام:112. وقال ~~تعالى " وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين " الفرقان: 31. يا محمد لا ~~تستوحش منا ولا تتهمنا في سيرتنا فهذه سيرتنا فيمن نحبه ويحبنا. # فالبلاء على وجهين: أحدهما كفارة لذنب والآخر رفع درجات وتوفير أجر. ~~ولذلك كان أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل؛ فالبلاء ~~بلآن: بلاء رحمة لتضعيف درجة وتمحيص سيئة وبلوغ فضيلة وعلو منزلة، وبلاء ~~عقوبة لانتهاك حرمة واقتراف معصية. لن تخلو المكارة ms333 أن تكون لحادث رحمة أو ~~بلاء رغبة عما أنعم الله به منهما، أو لسيئة عند إضاعة فلا غنى عن زاجر ~~عنها، فلأجل ذلك كان حلولها عظمت به المنة، ووجبت لله به النعمة، وكان جعفر ~~بن محمد رضي الله عنه إذا وقع مني شيء يكرهه يقول: اللهم اجعله أدبا ولا ~~تجعله غضبا. PageV01P164 وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: لو كان ~~المؤمن في رأس جبل لقيض الله له من يؤذيه يا من ضاق صدره وحرج قلبه وساء ~~خلقه، من عدو أقلقه وحاسد حسده، طب نفسا وقر عينا وانعم عيشا، بشهادة النبي ~~صلى الله عليه وسلم لك بالإيمان، ولعدوك بالنفاق. بخ بخ إن عقلتها! أما لك ~~في الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أسوة؟ أما لك في الصالحين قدوة؟ فلو ~~لم نلق الله عز وجل من الحسنات إلا بما اقترفناه اختيارا للقينا الله تعالى ~~فقراء من الحسنات ثقالا من السيئات. قال الشاعر: # قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ... ويبتلي الله بعض الناس بالنعم # وقال بعض الحكماء: الذي رأينا مما نحب فيما نكره أكثر مما رأينا مما نكره ~~فيما نحب. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ما أهمني ذنب أمهلت بعده حتى ~~أصلي ركعتين. السجون قبور الأحياء وشماتة الأعداء وتجربة الأصدقاء، وأسعد ~~الناس من كان القضاء له مساعدا وكان لمساعدته أهلا. غلب على الكريم من بدر ~~إليه. الشماتة لؤم. عوام الناس عدة لخواصهم. مجيء القدر يسبق الحذر. من سخر ~~من شيء حاق به. من عير بشيء عير به. الخلق نهب المصائب. مذاكرة الرجال ~~تلقيح لألبابها. أقل ما في الحيلة الخروج من الاستكانة. # جاني العقوبة على نفسه أعظم جرما عليها من المعاقب له عليها. قرابة بغير ~~منفعة بلية عظيمة. والنعمة منعة. كفاك أدبا لنفسك ما كرهته من غيرك. الحمية ~~ثوب الجهل. الأنفة قوام السفيه. قل آنف لم يعقب ذلا. العادة كمين لا يأمن ~~ازدحام الكلام مضلة الصواب. عجلوا القرا قبل سوء الظن وإلحاق السيئة. أعجب ~~ما في هذا الإنسان قلبه وله مؤاد ms334 من الحكمة وأضداد من خلافها، فإن سخ له ~~الرخاء أذله الطمع، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه الأياس قتله ~~الأسف، وإن عرض له الغضب اشتد بالغيظ، وإن استعد بالرضاء نسي التحفظ، وإن ~~ناله الخوف شغله الحذر، وإن اتسع له الأمر أسلمته الغرة، وإن حدثت له نعمة ~~أخذته العزة، وإن امتحن بمصيبة فضحه الجزع، وإن أفاد مالا أطغاه الغنى، وإن ~~عضته فاقة أشغله البلاء، وإن أجهده الجوع قعد به الضعف، وإن أفرط في الشبع ~~كظته البطنة، فكل تقصير به مضر وكل إفراط له مفسد. # أفضل القول بديهة آمنة وردت في مقام خوف. أشد الناس غما الذي يرى غيره في ~~الموضع الذي هو به أولى. ما أخذ الله طاقة أحد إلا رفع عنه طاعته. من العجب ~~أن لا ترضى عمن ابتغى رضاك، وأعجب من ذلك أن تسخط عليه. زئير الأسد يشبه ~~صولته. علامة العلم العلم بالعراض عند المناوهة. لا تغاروا حتى تروا. لا ~~تفخروا حتى تفعلوا. لا تأنفوا حتى تظلموا. أوجب الشفعاء براءة الساحة. من ~~لزم الصحة والاستقامة لزمته الغبطة والسلامة. قصص الأولين مواعظ الآخرين. ~~البحث يوضح الحق كما يورى النار القدح. ليس من الحسد سرور ولا مع الحرص ~~راحة ولا مع السخط غنى. # قال جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنه: عجبت لمن بلى بخمس كيف يغفل عن ~~خمس عجبت لمن ابتلى بالضر كيف يذهب عنه أن نقول " مسني الضر وأنت أرحم ~~الراحمين " الأنبياء: 83. والله تعالى يقول " فاستجبنا له فكشفنا ما به من ~~ضر " الأنبياء: 84 وعجبت لمن بلي بالغم كيف يذهب عنه أن يقول " لا إله إلا ~~أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " الأنبياء: 87 والله تعالى يقول " ~~فاستجبنا ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين " الأنبياء:88 وعجبت لمن خاف ~~شيئا كيف يذهب عنه أن يقول " حسبنا الله ونعم الوكيل " آل عمران: 173 والله ~~تعالى يقول فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء " آل عمران:174 ~~وعجبت لمن مكر به كيف يذهب عنه أن يقول " وأفوض أمري إلى الله ms335 إن الله بصير ~~بالعباد " المؤمن:44والله تعالى يقول " فوقاه الله سيئات ما مكروا " ~~المؤمن: 45 وعجبت لمن أنعم الله عليه بنعمة خاف زوالها كيف يذهب عنه أن ~~يقول " ما شاء الله لا قوة إلا بالله " الكهف: 39 والله تعالى يقول " ولولا ~~إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله " الكهف: 39 كذا سنة الله ~~تبارك وتعالى فيمن صدق في التجائه إليه، ولم يتوكل في مهماته إلا عليه. ~~PageV01P165 اليمين مأثمة أو مندمة. ألذ الموارد منجاة من متلفة أو قدوم ~~غائب بعد أن جاءت باليأس منه الركائب. وشر المصادر ظفر على قنوط. وشر ~~الطبيعة مخالفة المروءة. فاصبر لحق وجب عليك وإن خالف هواك. بهاء المجلس ~~الشريف بالرجل الفاضل. اليقين راحة. وروح العمل النافذ بالرجل المدبر كأنها ~~الياقوت واللؤلؤ في تيجان الملوك. ما أنور الهدى! ما أظلم العمى! ما أكرم ~~التقوى! ما أخدع الهوى! ما أتعب المنى! ما أسرع البلاء! ما أجهل الصبا! ~~الجود أن تهضم الروح حظ الجسد، والإسراف أن يهضم الجسد حظ الروح، والعدل أن ~~يعطي كل واحد منهما حظه، والشح أن تكف حظوظهما عنهما. عدو يخاف الله تعالى ~~فيما يكره، خير من صديق لا يخافه فيما يحب. من العجب أن نطلب في صحة كل علم ~~ما يقنعنا، ونكل العلم إلى الله تعالى من غير بحث عن صحته. # لا يرعك الباطل مما ترمى به، ولكن احذر أن يصدع عليك بالحق فتشهد عليك ~~عيناك ووجهك. من بطل رشاؤه بطل منحه. الراغب فقير بقدر رغبته. الحق يعطى ~~ويمنع. تجاوز عن ذنوب الناس تحتج عليهم، واجتنب الذنوب تقل صحبتهم عليك. ~~الفراغ الفاضل عن الحمية أحد العلتين. الفرق ينسي الحجة. جاف العلية في ~~كلامك وسو بينهم وبين السفلة في أحكامك. موت عز خير من حياة ذل. الأكفاء من ~~كل نمط يتباغون. ما ضاع امرؤ عرف قدر نفسه. الدعة الهينة تكون بعد انقضاء ~~العمل. لن يفارق الخير صاحبه حتى يفارقه. خير الناس من تواضع عن رفعة وعفا ~~عن قدرة. # الحاسد يظهر وده في كلامه ms336 وبغضه في أفعاله باسم الصديق ومعنى العدو. ~~الرياء يفسد العلانية. والعجب يفسد عمل السريرة. إذا كثرت القدرة قلت ~~الشهرة. من عرف قدره كفاك نفسه. كفى بالظفر شفيعا بالمذنب إلى الحليم. لسان ~~الجاهل دليل حتفه. لا ظفر مع بغي ولا صحة مع نهم، ولا ثناء مع كبر ولا ~~صداقة مع خب، من لم يعرف قدره فاكفه نفسك. أحق ما رد ما خالف شهادة العقل. ~~قطع الظهر وأفسد الدين رجلان: جاهل ناسك وعالم فاجر، هذا يدعو الناس إلى ~~جهله بنكسه وهذا ينفر الناس عن عمله بفسقه. من قوي هواه ضعف حزمه. من ظهر ~~غيظه قل كيده. كفى بالظلم طاردا للنعمة وداعيا للنقمة. من قبل صلتك فقد ~~باعك مروءته. # الهدية تفقأ عين الحكيم. صفو الرأي خير من استكدار الفكر. ما استنبط ~~الصواب بمثل المشورة ولا حصنت النعمة بمثل المواساة. من لم يؤمن بالقدر فقد ~~كفر، ومن حمد الله تعالى فقد فخر. ما اكتسبت البغضاء بمثل الكبر. من استغنى ~~بالله عز وجل افتقر الناس إليه. التقصير يخلخلك عن الصواب، والإفراط يقحمك ~~في الخطأ. ثلاث خصال ما اجتمعن إلا في كريم: حسن المحضر واحتمال الزلة وقلة ~~الملالة. كفى مخبرا عما بقي مما مضى وكفى عبرا لذوي الألباب ما جربوا. ~~التهاون بالمطلوب أول أسباب حرمانه. الشبهة ظلمة. لن يضيع امرؤ صواب القول ~~حتى يضيع صواب العمل. خير الأمور ما سر عاجله وحسنت عاقبته. # لا شرف مع سوء أدب ولا بر مع شح، ولا اجتناب محرم مع حرص ولا محبة مع ~~زهو. بإحالة الفكر يستخرج الرأي المصيب وبحسن التأني تدرك المطالب، ~~وبالنصفة يكثر المتواصلون. الفاحشة عار الأبد وعقوبة غد. الشماتة تعقب ~~الندامة. من سخر ابتلى. قال الله تعالى: إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما ~~تسخرون. إذا فقد المتفضلون هلك المتجملون. رب صبابة غرست من لحظة وحرب جنيت ~~من لفظة. ما شاهد على غائب بأدل من طرف على قلب. شر المال ما لا ينفق منه. ~~أفضل المال ما صين به العرض. وبالأفضال تشرف الأقدار. الذي يكون سببا ms337 لفساد ~~نفسه أذل ممن يفسده عدوه أو دهره. لا تعدن وديعة مالا. الشهوة رق. الحرص ~~كلب. يعبر عن الإنسان اللسان وعن المودة العينان. PageV01P166 لا شرف أعلى ~~من الإسلام ولا كرم أعلى من التقوى ولا شفيع أغنى من التوبة. أولى الناس ~~بالأمر من حافظ عليه. الخير موضوع لمن أراده موفور لمن عمل به. الرغبة ~~مفتاح الطلب ومطية الخطوة. الحرص داع إلى الحرمان. التنفل بالحسنة ينفي ~~السيئة. المكافأة بالسيئة دخول فيها. البغي سائق إلى الحين. إصلاح الرعية ~~أنفع من كثرة الجنود. حق المذموم التأنيب وحق المحروم المعونة. من الجهل ~~والجفاء إظهار الفرح عند المحزون. المحزون يحقد على الفرح ويشكر المكتئب في ~~ظل السلامة تدب أفاعي الآفات. أعظم الناس قدرا من لم يجعل الدنيا لنفسه ~~قدرا. ما أحدث محدث بدعة إلا ترك بها سنة. عزائم الأمور خيارها ومحدثاتها ~~أشرارها. الملك يكتسب من اتفاقه والعامة تنفق من تكسبها. من أفنى عمره بجمع ~~المال مخافة العدم فقد أسلم نفسه للعدم. قال الشاعر: # ومن ينفق الساعات في جمع ماله ... مخافة فقر فالذي فعل الفقر! # من لم يقدر على جمع الفضائل فلتكن فضائله ترك الرذائل. إذا لم تكن ملحا ~~تصلح فلا تكن ذبابا تفسد. إصلاح بعض العدو أفضل من هلاكه. من سعادة المرء ~~أن يطول عمره ويرى في عدوه ما يسره. خير الكتب ما إذا أعاد قاريه فيه النظر ~~زاد حسنه ووقف على خيره. أثقل الأحمال من اتسعت مروءته وقلت مقدرته. استح ~~من الله تعالى بقدر قربه من عقلك وأطعمه بقدر حاجتك إليه، وخفه بقدر قدرته ~~عليك واعصه بقدر صبرك على النار، واعمل للدنيا بقدر بقائك فيها واعمل ~~للآخرة بقدر بقائك فيها. الملك ينفق ليكتسب والعامة تكتسب لتنفق. الطاعة ~~بقدر الفاقة. # يفحش زوال النعم إذا زال معها التجمل. أولى الأمور بك واجبها عليك. ~~الدنيا العافية والشباب الصحة. إذا أقبل الأمر تشبه وإذا أدبر صرح. إذا عدل ~~السلطان ملك قلوب الرعية، وإذا جار لم يملك منهم إلا الرياء والتصنع. ~~الصدقة من سعة، وابدأ بمن تعول. إذا أضرت النوافل ms338 بالفرائض تركت النوافل ~~وقدمت الفرائض. قدر الرجل على قدر همته وصدقته على قدر مروءته، وشجاعته على ~~قدر أنفته وعفته على قدر غيرته. من أطاع الواشي ضيع الصديق. ومن جعل لنفسه ~~حظا من حسن الظن يروح عن قلبه. شر مالك ما لزمك إثم مكتسبه، وحرمت منفعة ~~انفاقه. رب مغبوط بليلة قامت بواكيه في آخرها. لا ترج خير من لا يرجو خيرك ~~ولا تأمن جانب من لا يأمن جانبك. # تارك الطلب ضجرا أرجى للعودة من تاركه جورا. ثمرات الشهوات المخازي. ~~الخصومة تمرض القلب. أعم الأشياء نفعا ترك الأشرار. من استكفى الكفاة كفى ~~الأعداء. خير مالك ما أغناك وخير منه ما وقاك، صولة الكريم صلم. ذنب أسد ~~خير من رأس كلب. بجبهة العير يعدو وحافر الفرس. من استبد برأيه خفت وطأته ~~على أعدائه. إنما لك من دنياك ما أصلحت به مثواك. من أمن الزمان خانه ومن ~~تعزز عليه أهانه. كما يجب أن تكون المرآة ضوء من الناظر فكذلك يجب أن يكون ~~المؤدب أفضل ممن يؤدب. من ترك العمل بما ينبغي عمل ما لا ينبغي. ليس في ~~الشر أسوة ولا في الحظ قدوة. # لم تكن لله ناصحا حتى تحب عدوك إذا أطاع الله في عداوتك على عداوته وتقلع ~~عما عاداك عليه، وتبغض وليك إذا عصى الله تعالى في موالاتك وتنزع عما والاك ~~عليه. لا تكن على الإساءة أقوى منك على الإحسان. الشقي كل الشقاء من جمع ~~لغيره وضن على نفسه بخيره. شر أخلاق الكريم أن يمنع خيره. من كانت الآخرة ~~رأس ماله كانت الدنيا ربحه، ومن كانت الدنيا رأس ماله كانت الآخرة خسارته. ~~أفضل العلم وقوف الرجل عند علمه. أفضل المال ما قضيت به الحقوق. البدع فخاخ ~~محبوبة قد علقت عليها ألفاظ ظاهرة. رجاء العامة أمنية على ضلالة ورجاء ~~الخاصة يقين على ثقة. القليل من الملك كالكثير من غيره. عطاء الملك زينة ~~وسؤاله شرف. PageV01P167 وفي الأمثال: جاور بحرا أو ملكا. إذا كذب السفير ~~بطل التدبير. أخبث الأزمنة زمان لا يتميز فيه الخطأ من الصواب. ms339 لا تعطوا ~~إلى الفضول ما خفتم العجز عن الحقوق. الآذان أقماع تؤدي والقلوب قوابل تعي. ~~من أحب أن يسمى داهيا لم يظهر دهاه. لا دليل أهدى من التوفيق. الحلاء ~~البلاء. من عرض نفسه للتهم فلا يلومن من أساء به الظن. الحفظ قيد للعلم. ~~المدارسة إذكاء للفهم المقابسة إحياء للفطن. استزد النعمة بالشكر والقدرة ~~بالعفو، والطاعة بالتألف والنصر بالتواصل ولله الرحمة للخلق. استقلال ~~الكثير تعرض للتغيير. ثلاثة أشياء تدل على عقول أربابها: الكتاب يدل على ~~عقل كاتبه، والرسول يدل على عقل مرسله، والهدية تدل على عقل مهديها. # لم يحكم على العقول حاكم كالغير ولم يحكمها محكم كالتجربة. من عاب سفلا ~~فقد رفعه ومن عاب سيدا فقد وضع نفسه. من استنقص من قد أجمع الناس على فضله ~~فقد سلط الناس على عرضه. أحق الناس أن يؤتمن على الدنيا أهل الآخرة. صح من ~~صحت سرائره وسقم من سقمت ظواهره. بالكلام يعرف فضل العقل كما بالرسول يعرف ~~قدر المرسل. ملاك أموركم الدين وعصمتكم التقوى وزينتكم الأدب وحصن أعراضكم ~~الحلم. إذا أعطيت ما لا ترضى فارض بما أعطيت. كلما ازداد الخير كثرة كان ~~الخارج منه أشد حسرة. بقدر السمو في الرفعة تكون وجبة الوقعة. الإبقاء على ~~العمل أشد من العمل. من التوقي ترك الإفراط في التوقي. توريث الحرمة ~~والذمام سنة في المروءة كما أن وراثة التركة فريضة في الديانة. لا تمدحن ~~امرأ بأكثر من قدره فتكون مهينا لنفسك، كذابا على غيرك. # لا تفرحن بسقطة عدوك فإنك لا تدري متى يحدثها الزمان بك. من الجفاء ~~الكلام في الأمر الجسيم من غير مشاورة. أكثر الناس مخادعة لنفسه في أمر ~~جسده عند الحمية. وفي أمر مروءته عند الشهوة، وفي أمر دينه عند الشبهة، ~~المصائب بغتات، العاقل المدبر أرجى من الأحمق المقبل، أشرف الصنائع ما لم ~~يكن مكافأة لماض ولا رجاء لباق. ارض النظير ثم كافئه وأيسر الملهى ثم استمع ~~منه، لم تكن غواية ولا هداية إلا وإليهما سائق وعنهما ناكص. إحسانك إلى ~~الحر يحرضه على المكافأة، وإحسانك إلى ms340 الخسيس يبعثه على معاودة المسئلة. ~~ليس يمتحن الأديب بأن يكون فاعلا للخير، إنما يمتحن بأن يكون تاركا للشر. # من صنع معك خيرا فضاعفه له وإلا فلا تعجز أن تكون مثله. الأشرار يتبعون ~~مساوي الناس ويغفلون عن محاسنهم، كما يتبع الذباب المواضع النغلة من الجسد ~~ويدع صحيحه. الظرف فطنة مازجتها عبادة مع حذر وتوقي، فإذا خلت الفطنة من ~~التوقي فصاحبها لا يستمتع به أهل المروءة، وإذا خلت الفطنة من العبادة ~~وقارنتها ملاحة فصاحبها طيب الظرف فطنة معها بعض إرسال الألفاظ يرتفع عنها ~~أهل الجلالة من المخلصين في باطن الدنيا والتمييز في باطن الحال. # وسمعت القاضي أبا العباس الجرجاني رحمة الله تعالى يقول بالبصرة: أول من ~~نطق بهذه الكلمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذلك أنه أتى بسارق فقال له: ~~أسرقت قل أم لا؟ فقال الرجل: لا. فقال عمر رضي الله عنه: إنك لظريف. جهد ~~البلاء الإقلال والعيال. ينبغي للعالم أن يتطامن للجاهل بقدر ما رفعه الله ~~تعالى عليه. العقل أفقر إلى الحكمة والأدب من الجسد إلى الطعام والشراب. ~~أعظم الناس غما من زالت نعمته وبقيت شهوته وضاقت مقدرته. قلة العيال أحد ~~اليسارين معالجة الموجود خير من انتظار المفقود. من عدم الحياء عند الفضيحة ~~والصبر عند النصيحة سهلت عليه المعاصي كلها. العالم مثل السراج من مر به ~~اقتبس منه. من تقدم بحسن النية نصره التوفيق. # لم تكن لله ناصحا حتى تحب أن يكون له عدوك مطيعا. من آذى الناس بغير ~~سلطان كان مصيره إلى الهوان. مادحك بما ليس فيك مخاطب لغيرك، فجوابه وثوابه ~~ساقطان عنك. المكر والخديعة في النار. الأحداث تأتي عليما منه يأتي الحذر. ~~المأكول للبدن والموهوب للمعاد والمحفوظ للعدو. من غضب على من لا يقدر على ~~غمه فقد عذب نفسه واشتد غيظه. أطلب ما يعنيك ودع ما لا يعنيك، فإن في ترك ~~ما لا يعنيك درك ما يعنيك. من أنكى الأشياء لعدوك أن تريه أنك لا تعاديه. ~~كل آت قريب. الاستغناء عن الشيء خير من الاستغناء به. ومن خير ms341 خبر أن تسمع ~~بالمطر. لا فخر فيما يزول ولا غنى فيما لا يبقى. PageV01P168 شر العيوب ما ~~كان مضمنا للعيوب. شر الذنوب ما كان علة للذنوب. أبلغ الرسل الكتب. حاول ~~الأمور بالنصفة وأنا زعيم لك بالظفر، من أراد جمالا لا تهدمه الأيام فليصحب ~~المروءة والصيانة فهما ذروة الشرف. رب أمر له ما بعده. من سبق إليك كان له ~~صفوه. من شروط المروءة التغابن للضعيف. المروءة ترك الريبة. يكاد استقصاء ~~القوى من الضعيف أن يكون ظلما. يكاد استيفاء الغني من الضعيف أن يكون جورا. ~~القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق، أوله حكم وآخره علم، المحادثة على الطعام ~~تزيد في الشهوة وتذهب الحشمة وتزيل الانقباض. لن تنال ما تحب حتى تصبر على ~~كثير مما تكره، ولن تنجو مما تكره حتى تصبر عن كثير مما تحب. ذهاب البصر ~~خير من كثير من النظر. # لا تعد العزم عزما إذا ساق غما. مع الرأي الأول وهم. النظرة بعد النظرة ~~تعقب لما قبلها وتزيد لما بعدها. ليس مدح الرجل بما فيه تزكية. أنعم الناس ~~من كفي أمر دنياه ولم يهمه أمر دينه. الغريب من فقد إخوانه ونظراءه وإن كان ~~في وطنه. الغريب من لا صديق له. الغريب الفقير. الغريب الأحمق. الغريب من ~~لا ناصر له. شيئان لا يستحي العاقل منهما: المرض وذو القرابة الفقير، من ~~كانت الدنيا سبب صلته فإنها سبب قطيعته، فاحذر أن تجعلها وسطا بينك وبين ~~أحد. علامة الأشرار أن من خالطهم لم يسلم منهم، ومن تركهم لا يصرفوا شرهم ~~عنه. وأما الأخيار فمن خالطهم ربح عليهم ومن غالظهم ترك رشده. # البر ثلاثة: الصدق في الغضب، والجود في العسر، والعفو عند المقدرة. من ~~عتب على الزمان طالت معتبته. ستساق إلى كل ما أنت لاق. إذا صحب الارتياد ~~الرشاد وجد المراد. ما عتق من الذم من ملكه الجهل. ولا ظفر بالعز من احتمل ~~ما في المعصية من الذل، ولا خرج من الدناءة من صرف عقله إلى الدنيا. آخر ~~الظلمة هريب. المسئلة آخر المكسبة. ما عد من أهل ms342 الحجا من كان من أهل ~~الهوى، ولا كان من أهل التقى من حاد عن سبيل الهدى. من ذم أدنى الإحسان ~~لامتناع أقصاه لم يحمد شيئا منه. من دواعي الهلكة إضاعة المعرفة. واعجبا ~~لمن يبني داره وجسمه يهدم، ولمن يبرم أمور الدنيا وأموره في نفسه تحل! قال ~~علي رضي الله عنه: من لم يكن معنا كان علينا. الساكت أخو الراضي الكاتم ~~للعلوم كمن لا علم له، أو غير واثق فيه الصواب. المرء مخبو تحت طي لسانه لا ~~تحت طيلسانه. قيمة كل امرئ ما يحسن. العلم بما في المصيبة من الثواب ينسي ~~المصيبة. شر من المعصية سوء الخلق. فقهاء الحكمة ربيع القلوب. الخصومة تكشف ~~العورة وتورث المعرة. بلاء المؤمن من عافيته كالنار حريقها من نورها. قد ~~يكون الناس إدراكا إذا كان الطمع هلاكا. من لم يرفع نفسه عن قدر الجاهل رفع ~~الجاهل قدره عليه. الذلة مع القلة تجوع الحرة ولا تأكل بثديها. موت عاجل ~~خير من ضنا آجل. الغضب عند المناظرة منساة للحجة. الاختصار أثبت للمتكلم ~~وأفهم للسامع. الكلب في الحاضرة ينبح الضيف ويدفع الزائر ويرد السائل، ~~والكلب في البادية يعين الصاحب وينذر بالضيف ويدفع السارق. # لا تغتر بقول الجاهل الملك في يدك لؤلؤة وأنت تعلم أنها بعرة. مثل الصلاة ~~في سائر العبادات مثل السفينة مع جميع من فيها، إن سلمت سلم الكل وإن أصيبت ~~أصيب الكل. الحب والبغض فتنة. من طلب المطمع حرم، ومن طلب المؤنس عجز. قد ~~ينصر المنطق من يعنى به. إذا فسد الزمان كسدت الفضائل وضرت الرذائل ونفعت، ~~وصار خوف الموسر أكثر من خوف المعسر لقاء أهل الخير عمارة القلوب. لا يصد ~~الكثير من لا يصد نفسه الواحدة، بالعمل يحسن المنطق وبالقوة يتم العمل. ~~الفكرة مرآة. من أعظم الناس محنة من قل ماله وكثر مجده. الأدب مع العقل ~~كالشجرة المثمرة والعقل بلا أدب كالرجل العقيم. # الماء ألين من القول والقلب أقسى من الحجر، وقد يثلم الماء الحجر إذا كثر ~~انحداره عليه. أشد الأشياء إخفاء الفاقة. أولى الناس بالرحمة ms343 عالم يجري ~~عليه حكم جاهل، لم يغب من شهد رأيه ولم يفن من بقي أثره ولم يمت من خلد ~~عمله. # وقد سبق المثل: ليس بها لك من ترك مالك. كما أنه قبيح إذا ركبنا الخيل أن ~~تجري بنا حيث أرادت دون أن ندبرها، كذلك قبيح أن تجري البدن والنفس بالعقل ~~حيث أراد من الشهوات. أشق الأمور معرفة المرء بنفسه عائب المجمع عليه ~~محجوج. ليس شيء من البر إلا ودونه عقبة من الصبر. ضرب الإنسان عار باق ووتر ~~مطلوب. PageV01P169 قيل لحكيم: هل للغضب مادة تحسمه؟ قال: نعم أن يعلم ~~الإنسان أنه ليس يجب أن يكون مطاعا أبدا ولا يجب أن يخدم أبدا ولا يجب أن ~~يتحمل خطاؤه أبدا، بل قد يطيع ويخدم ويتحمل الخطأ ويصبر على النوائب، فإذا ~~فعل ذلك لم يغضب، وإذا غضب فقليل. السعيد من وعظ بغيره. لا ينفع كثرة العلم ~~من لا يعمل كما لا يغني ضوء الشمس عن من لا يبصر. رضي بالذل من كشف ضره ~~بترك الورع، وأزرى بنفسه من استشعر الطمع. البدع فخوخ يسترها زخرفة الكلام ~~وخدع المقال. الناس في الدنيا بالإخوان وفي الآخرة بالأعمال. صديق الرجل ~~عقله وعدوه حمقه. من اجتمعت عليه النعمة أديمت له الرغبة. # يتحفظ الأحمق من كل شيء إلا من نفسه. لا وجود إلا بمال ولا صداقة إلا ~~بوفاء ولا فقه إلا بورع. العليل الذي يشتهي أرجى من الصحيح الذي لا يشتهي. ~~قلوب الرجال وحشية فمن تألفها أقبلت عليه. اجعلوا بينكم وبين الحرام سترة ~~من الحلال لقاء الرجل أخلاءه مسلاة للهم. من لم يصلح على تدبير الله تعالى ~~لم يصلح على تدبير نفسه. الأحلام فرح ووهم كاذب، والعامل بها كالمعتمد على ~~الظل الزائل. الدنيا دول فما كان لك منها أتاك عن ضعف، وما كان عليك لم تقو ~~على دفعه بقوتك. العافية خير من الواقية. الكريم لا يستحي من إعطاء القليل. ~~العفاف زينة الفقير. # الكرم حسن الفطنة. واللؤم سوء التغافل، اختلاف كلام المرء دليل على ميل ~~الهوى به. من حق النعمة أن ms344 يرى أثرها. من كان شبعه في الطعام لم يزل جائعا، ~~ومن كان غناه في المال لم يزل فقيرا، ومن كان قصده بحوائجه الخلق لم يزل ~~محروما، ومن استعان في أمره بغير الله تعالى لم يزل مخذولا. من خاف من فوقه ~~خافه من تحته، ومن لم يخف من فوقه لم يخفه من دونه. ما تحسنه ولا تعمل به ~~لغيرك نوره وعليك بوره. واعجبا لمن يختار المذلة في طلب ما يفنى، عين العز ~~في طلب ما يبقى. من حذرك كمن بشرك. الشفيع جناح الطالب. إذا أقبلت الدنيا ~~عليك فأنفق منها فإنها لا تفنى، وإذا أدبرت عنك فأنفق منها فإنها لا تبقى. ~~قال الشاعر: # فأنفق إذا أيسرت غير مقتر ... وأنفق إذا ما أدبرت حين تعسر # فلا الجود يفني المال والحظ مقبل ... ولا البخل يبقي المال والحظ مدبر # ولغيره: # لا تبخلن بدنيا وهي مقبلة ... فلن يضر بها التبذير والسرف # وإن تولت فأحرى أن تجود بها ... فالشكر منها إذا ما أدبرت خلف # الغريب: في كل مكان مظلوم. من سلك الجلد أمن من الغبار. لم يتجاوز الحد ~~من ركب القصد. عجبا للئيم يستعجل الفقر الذي منه هرب، ويفوته الكرم الذي ~~إياه طلب، فيعيش في الدنيا عيش الفقراء ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء! من ~~يطل ذيله يكثر ويله. وقال علي رضي الله عنه: من يبطل فعل أبيه تمنطق به . ~~غثك خير من سمين غيرك. إذا أحببت أن لا يفوتك ما تشتهي فاشته ما يمكنك. من ~~قصد أسهل ومن أسرف أوعر. القصد أخذ الحمام. شر السير الحقحقة: يؤنسك في ~~المجالس مجلس لا يقصر بك ولا تقام عنه. أقلع الشر من صدر غيرك بقلعه من ~~صدرك.وازجر المسيء بإثابة المحسن لكي يرغب في الإحسان. لن يهلك من مالك ما ~~وعظك. الخلاف يهدم الرأي. خير الناس لغيره خيرهم لنفسه. # إحسان الله تعالى مكفور عند من أصبح مصرا على ذنب مستور. يصير التخلق ~~خلقا بالاجتهاد والاعتياد. الحجر الغصب في البنيان رهن على الخراب. ربما ~~يشرق شارب الماء به. رب رأي أنفع من ms345 مال وحزم أوفى من رجال. من استوعب ~~الحلال تاقت نفسه إلى الحرام. من ذم الزمان لم يحمد الأخوان. بتقلب الأحوال ~~تعلم جواهر الرجال. من عرف الزمان لم يحتج إلى ترجمان، ومن عرف الأيام لم ~~يغفل عن الاستعداد. رسولك ترجمان عقلك. الطاعة غنيمة الأكياس عند تفريط ~~العجزة. كلما اشتد الظلام قوي ضوء السراج. الثناء بأكثر من الاستحقاق ملق، ~~والتقصير عن الاستحقاق عي أو حسد. أولى الناس بالرحمة من احتاج إليها ~~فحرمها. PageV01P170 من لم يدر قدر البلية لم يرحم أهلها. كفاك أدبا لنفسك ~~ما كرهته لغيرها. مجالسة الأحمق غرر والقيام عنه ظفر. لا تسأل عما لم يكن ~~فإن في الذي قد كان شغلا. البخل جامع لمساوي العيوب وهو زمام يقاد به إلى ~~كل سوء. إذا صلح القلب وصح العمل كان التوفيق. إحراز العواقب بالاجتهاد، ~~والاجتهاد أربح بضاعة. التوفيق خير قائد كمال العمل التوفيق من ترفق في ~~استتمام الحظ من النعمة أدرك وبلغ، مقاربة الناس في أخلاقهم آمن من ~~غوائلهم، لا تنظر إلى أحد بالموضع الذي رتبه فيه زمانه، ولكن انظر إليه ~~بقيمته في الحقيقة فإنها مكانه الطبيعي. أبعد الناس سفرا من سافر في طلب أخ ~~صالح. ليست البركة من الكثرة ولكن الكثرة من البركة. # وقال داود عليه الصلاة والسلام: إذا كان ما ترى من الجهل يغيظك إذن يكثر ~~الجهل ويطول غمك. قيل لبزرجمهر: ما لكم لا تعاتبون الجهلة؟ قال: لأننا ما ~~نريد من العميان أن يبصروا. العشق مرض نفس فارغة لا همة لها. إجالة الفكر ~~واستخراج الفطنة تتبع الإساءة بالندم وتتبع الندم بالإقلاع. الأمن بالبراءة ~~وكثرة الصديق بالتواضع. وأعم الأشياء نفعا فقد الأشرار. من بذر عداوة حصد ~~ندامة. السمنة للنساء غلمة وللرجال غفلة. قال المسيح عليه الصلاة والسلام: ~~ما حلم لمن لم يصبر عندالجهل وما قوة لمن يرد الغضب، وما عبادة لمن يتواضع ~~للرب سبحانه. عبادة النوء كالمجيء في غير وقت والجلوس فوق القدر. إذا وقعت ~~الضرورة ارتفعت المشورة. # قيل لحكيم: أخرج الهم من قلبك. قال: ليس بإذني دخل. من اغتر بحاله ms346 قصر في ~~احتياله. إياكم وطلب الأمور من غير وجوهها فيعييكم طلبها ولا تدركوا حظا ~~منها. هيئة الزلل تورث الحصر. وقيل لحكيم: لأي شيء تزوجت امرأة دميمة وأنت ~~وسيم؟ قال: اخترت من الشر أقله. وقيل لحكيم: ما تقول في الزواج؟ قال: لذة ~~شهر وهم دهر ووزن مهر ودق ظهر. فتنة عالم إلى إبليس خير من غواية ألف رجل ~~جاهل. تمني المعاتب ولا تمني المعاذير. الموالاة في الإسلام بمنزلة الحلف ~~في الجاهلية. سب الجاهل للحكماء تشريف لهم عند أهل الفضل، لأن الجاهل منسوب ~~إلى فعله، وكما أن الحكيم يتألم بحديث الجاهل كذلك الجاهل يتألم لسماع ~~الحكمة. أغنى الناس عن الحقد من عظم قدره عن المجازاة. الكبير الهمة من ~~الرجال من كان عنف الناصح عنده ألطف موقعا من ملق الكاشح. إن كانت الجدود ~~من الحظوظ فما بال الحرص، وإن كانت الأمور ليست دائمة فما بال السرور، وإن ~~كانت الدار الدنيا غدارة فما بال الطمأنينة؟ وقال الشعبي: ما رأيت الله ~~سبحانه وتعالى أعطى عباده من أجل الحلم. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ~~خمس من لم تكن فيه فلا ترجه لشيء من أمر الدنيا والآخرة: من لم يعرف ~~الوثيقة في أرومته والدماثة في خلقه والكرم في طبعه، والنبل في نفسه ~~والتحاقر عند ربه. وقال أبو عبد الله بن حمدون: كنت مع المتوكل لما خرج إلى ~~دمشق، فركب يوما إلى رصافة هشام بن عبد الملك، فنظر إلى قصورها ثم خرج فرأى ~~ديرا قديما هناك حسن البناء بين مزارع وأشجار وأنهار، فدخله فبينا هو يطوف ~~إذ بصر برقعة قد التصقت في صدره، فأمر بقلعها فإذا فيها هذه الأبيات: # أيا منزلا بالدير أصبح خاليا ... تلاعب فيه شمال ودبور # كأنك لم يسكنك بيض أو أنس ... ولم يتبختر في فنائك حور # وأبناء أملاك غواشم سادة ... صغيرهم عند الأنام كبير # إذا لبسوا أدارعهم فعوابس ... وإن لبسوا تيجانهم فبدور # على أنهم يوم اللقاء ضراغم ... وأنهم يوم النوال بحور # ليالي هشام بالرصافة قاطن ... وفيك ابنه يا دير وهو أمير # إذا العيش ms347 غض والخلافة لدنة ... وأنت طروب والزمان غدير # وروضك مرتاد ونورك مزهر ... وعيش بني مروان فيك نضير # بل فسقاك الغيث صوب سحائب ... عليك لها بعد الرواح بكور! # وعزيت نفسي وهي نفس إذا جرى ... لها ذكر قومي أنة وزفير # لعل زماني جار يوما عليهم ... لهم بالذي تهوى النفوس يدور # فيفرح محزون وينعم بائس ... ويطلق من ضيق الوثاق أسير PageV01P171 رويدك ~~إن اليوم يتبعه غد ... وإن صروف الدائرات تدور! # فلما قرأها المتوكل ارتاع وتطير وقال: أعوذ بالله من شر أقداره. ثم دعا ~~صاحب الدير فسأله عمن كتبها فقال: لا علم لي به. وأما الكتب وصفاتها فتجل ~~عن بلوغ الوصف ولقد أحسن ابن الجهم في قوله: # سمير إذا جالسته كان مسليا ... فؤادك عما فيه من ألم الوجد # يفيدك علما أو يزيدك حكمة ... وغير حسود أو مصر على الحقد # ويحفظ ما استودعته غير غافل ... ولا خائن عهدا على قدم العهد # زمان ربيع في الزمان بأسره ... يبيحك روضا غير ذاو ولا جعد # تنور آدابا بورد بدائع ... أخص وأولى بالنفوس من الورد # وأنشد بعض الأعاجم: # إذا ما خلا الناس في دورهم ... بخمر سلاف وخود كعاب # وآنستهم لحساب الليال ... صفاء الندامى وزهو السحاب # خلوت وصبحي كتب العلوم ... وبيت عروسي بيت الكتاب # ودرس العلوم شراب العقول ... فدوروا علي بذاك الشراب # وما يجمع المرء في دهره ... سوى العلم يجمعه للثواب # ومن أحسن ما ينشد في الكتب: # إذا ما خلوت من المؤنسين ... جعلت المؤانس لي دفتري # فلم أخل من شاعر محسن ... ومن عالم صالح منذر # ومن حكم بين أبياتها ... فوائد للناظر المفكر # وإن ضاق صدري بأسراره ... وأودعته السر لم يظهر # وإن صرح الشعر باسم الحبيب ... فلم أحتشمه ولم أحصر # وإن عدت من ضجر بالهجا ... وسب الخليقة لم أحذر # ونادمت فيه كريم المغب ... لندمانه طيب المخبر # فلست أرى مؤنسا ما حييت ... عليه نديما إلى المحشر # وأنشد ابن حزم وبعض الأدباء: # إن سصبنا الملوك تاهوا علينا ... واستبدوا بالرأي دون الجليس # أو صحبنا التجار عدنا إلى الفقر ... وصرنا إلى حساب الفلوس # فلزمنا البيوت نتخذ الح ms348 ... بر ونملأ به وجوه الطروس # لو تركنا وذاك كنا ظفرنا ... من أمانينا بعلق نفيس # غير أن الزمان أعمى بنيه ... حسدونا على حياة النفوس # وقال غيره: # أنست إلى التفرد طول عمري ... فما لي في البرية من أنيس # جعلت محادثي ونديم نفسي ... وأنسي دفتري بدل العروس # قد أستغنيت عن فرسي برجلي ... إذا سافرت أو بغل أنوس # ولي عرس جديد كل يوم ... بطرح الهم في أمر العروس # فبطني سفرتي والخرج جسمي ... وهمياني فمي أبدا وكيسي # وبيتي حيث يدركني مسائي ... وأهلي كل ذي عقل نفيس # ولئن كان الناظمون قد وصفوا فجودوا وقالوا فأبلغوا فقد قصروا، وأجل ممدوح ~~من أستقصى في مدحه المنتهى، واستمد في تقريظه المحتفل، وكيف لا والكتاب نعم ~~الأنيس في ساعة الوحدة، ونعم المعرفة ببلاد الغربة، ونعم القرين والدخيل، ~~ونعم الوزير والنزيل! وعالم مليء علما وظرف حشي ظرفا وإناء مليء راحا وحبذا ~~بستان يحمل في أكمامه جوهرا أو دررا! وروضة نقلت في حجر. هل سمعت بشجرة ~~تؤتي أكلها كل حين وساعة بألوان مختلفة وطعوم متباينة؟ هل سمعت بشجرة لا ~~تذوي وزهر لا يتوى وثمر لا يفنى؟ PageV01P172 ومن لك بجليس يفيدك الشيء ~~وخلافه والجنس وضده؟ ينطق عن الموتى ويترجم عن الأحياء. إن غضبت عليه لم ~~يغضب وإن سخطت عليه لم يجب. أكتم من الأرض وأنم من الريح، وألهى من الهوى ~~وأخدع من المنى وأمتع من الضحى، وأنطق من سبحان وائل وأعيي من باقل. هل ~~سمعت بمعلم واحد تحلى بحلل كثيرة وجمع أوصافا غزيرة عربي فارسي هندي رومي ~~يوناني؟ إن وعظ أسمع وإن ألهى أمتع، وإن أبكى أدمع وإن ضرب أوجع. يفيدك ~~ويستفيد منك ويزيدك ويستزيد منك. إن حدث فسر وإن مدح فنزهة. قبر الأسرار ~~وحرز الودائع وقيد العلوم، وينبوع الحكم ومعدن المكارم ومؤنس لا ينام. ~~يفيدك علم الأولين ويخبرك عن كثير من أنباء الآخرين. هل سمعت في الأولين أو ~~بلغك عن أحد من السافلين، من جميع هذه الأوصاف مع قلة مؤنته وخفة محمله؟ لا ~~يرزءك شيئا من دنياك. نعم الذخر والعقدة والشغل والحرفة، ms349 جليس لا يضرك ~~ورفيق لا يملك. يطيعك بالليل طاعته بالنهار، ويطيعك في السفر طاعته في ~~الحضر إن أدمت النظر إليه أطال إمتاعك وشحذ طباعك، وبسط لسانك وجود بنانك ~~وفخم ألفاظك. إن ألفته خلد على الأيام ذكرك وإن درسته رفع في الخلق قدرك، ~~وإن جملته نوه عندهم باسمك. يقعد العبيد مقاعد السادة ويجلس السوقة مجالس ~~الملوك فأكرم به من صاحب وأعزز به من مرافق! وقد قال فيه الأول: # لنا جلساء لا نمل حديثهم ... ألباء مأمونون غيبا مشهدا # يفيدوننا من علمهم علم ما مضى ... ورأيا وتأديبا وعقلا مسددا # فلا فتنة نخشى ولا سوء عشرة ... ولا نتقي منهم لسانا ولا يدا # فإن قلت أموات فما أنت كاذب ... وإن قلت أحياء فلست مفندا! # فهذا ما أردنا أن نمليه في هذا الكتاب. شعر: # فاكتبوا إن شئتم أنقاشه PageV01P173 ms350