######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_001097 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: البطليوسي #META# 010.AuthorNAME :: أبو محمد عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي الأندلسي #META# 011.AuthorBORN :: 444هـ #META# 011.AuthorDIED :: 521 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الحدائق في المطالب العالية الفلسفية العويصة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب العقائد والملل :: مواضيع عقدية :: مواضيع عقدية محددة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: الحدائق في المطالب العالية الفلسفية العويصة #META# 030.LibURI :: JK_001097 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد رضوان الداية #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الفكر - دمشق #META# 044.EdPLACE :: سورية #META# 045.EdYEAR :: 1408هـ - 1988م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # الحدائق في المطالب العالية الفلسفية العويصة PageV01P001 # | بسم الله الرحمن الرحيم # # | وهو حسبي # قال عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي رحمة الله عليه سألتني أبان ~~الله لك الخفيات وعصمك من الشبهات وأمدك بنور من العقل يجلو عن عين بصيرتك ~~ظلم الجهل حتى ترى بعين لبك مراتب المعقولات كما رأيت بعين جسمك مراتب ~~المحسوسات عن معنى قول الحكماء إن ترتيب الموجودات عن السبب الأول يحكي ~~دائرة وهمية تبدأ من نقطة وترجع إليها ومرجعها في صورة الإنسان # وعن قولهم إن الإنسان تبلغ ذاته بعد مماته إلى حيث يبلغ علمه في حياته ~~وإن علمه يحكي أيضا دائرة وهمية # وعن قولهم إن في قوة العقل الجزئي أن يتصور بصورة العقل الكلي # وعن قولهم إن العدد دائرة وهمية كدائرة الآحاد والعشرات ودائرة المئات ~~ودائرة الألوف PageV01P033 # وعن قولهم إن صفات الباري تعالى لا يصح أن يوصف بها إلا عن طريق السلب # وعن قولهم إن البارئ تعالى لا يعرف إلا نفسه # وما البرهان على بقاء النفس الناطقة بعد الموت # وهذه أعزك الله مطالب ضيقة المسالك وكثيرا ما تفضي بسالكها إلى المهالك ~~وسأقول فيها بما انتهى اليه علمي وأحاط به فهمي # وبالله أعتصم من الخطأ والزلل وإياه أسأل التوفيق إلى الصواب من القول ~~والعمل لا رب غيره PageV01P034 & الباب الأول في شرح قولهم إن ترتيب ~~الموجودات عن السبب الأول يحكي دائرة وهمية مرجعها إلى مبدئها في صورة ~~الإنسان & # أقول وبالله أعتصم مخبرا عن أغراضهم ومقاصدهم وإن كنت استعملت على جهة ~~التقريب ألفاظا غير ألفاظهم إن البارئ تعالى وهو الذي يسمونه السبب الأول ~~والعلة الأولى وعلة العلل لما كان هو الذي أفاض الموجودات و أعطى كل موجود ~~منها قسطه من الوجود ولم 0 يجز في الحكمة أن تكون كلها في مرتبة واحدة صار ~~بعضها أرفع من بعض وبعضها أحط من بعض وصار وجود أقربها مرتبة منه وساطة ~~لوجود أبعدها فلا يوجد أبعدها منه إلا بوجود أقربها منه وتوسطه # ولست أريد بذكر القرب والبعد إثبات مكان لأن البارئ PageV01P035 عز وجل ~~لا ms01 يوصف بالمكان ولا بالزمان وكذلك كل معقول لا مادة له وإنما أريد بذكر ~~القرب والبعد مراتبها في الوجود # وأقرب ما يمثل به وجود الموجودات عنه تعالى وجود الأعداد عن الواحد وإن ~~كان البارئ تعالى لا يجوز أن يشبه بشيء وكذلك صفاته وأفعاله ولكنه على جهة ~~التقريب فكما أن الثلاثة لا توجد عن الواحد إلا بتوسط وجود الاثنين كذلك ~~الأربعة لا توجد إلا بتوسط وجود الثلاثة والاثنين ولا توجد الخمسة إلا ~~بتوسط وجود الأربعة والثلاثة والاثنين وكذلك سائر الأعداد # ولهذا صار وجود كل واحد علة لوجود ما بعده مع كون الواحد علة لوجود ~~جميعها إذ كان لا يصح وجود الأبعد إلا بوساطة وجود الأقرب فكذلك يمثل ~~بالتقريب وجود الموجودات عن البارئ تعالى لا على الحقيقة # ومعلوم أن الشيء لا يشبه بغيره من جميع جهاته إنما يشبه به في بعض معانيه ~~وصفاته فلما كان وجود الموجودات عنه تعالى على هذه PageV01P036 الصفة كان ~~كمال كل موجود على قدر مرتبته منه في الوجود فكان أكملها وجودا وأقلها نقصا ~~الموجود الذي هو في مرتبة الاثنين تمثيلا وتقريبا لما قدمناه من العدد في ~~ذلك ثم الثالث أنقص من الثاني ثم الرابع أنقص من الثالث وهكذا لم تزل ~~الموجودات تنقص مرتبة مرتبة على قدر بعدها من المرتبة الأولى حتى انتهت إلى ~~أنقصها مرتبة الذي لا أنقص منه إذ كانت مراتب الموجودات متناهية وكان إثبات ~~مالا نهاية له بالفعل من المحال وإنما يصح إثباته بالقوة والإمكان ثم تنعكس ~~الموجودات متصاعدة من أدناها مرتبة إلى أعلاها إلى أن تنتهي إلى أكمل ~~المراتب التي جعل لها بالطبع أن تبلغها وتسلك في تصاعدها المسلك الذي سلكته ~~في تسافلها أعني أنها لا تصعد إلى المرتبة الثانية إلى بعد الأولى ولا ~~الرابعة إلا بعد الثالثة # وبيان ذلك أن البارئ تعالى له المرتبة الأولى من الوجود وهو متوحد بوجوده ~~لا يشركه في وجوده شيء كما لا يشركه في شيء من صفاته PageV01P037 # وأول موجود أوجده وأبدعه تعالى الموجودات التي يسمونها الثواني ويسمونها ~~العقول المجردة عن ms02 المادة وهي تسعة على عدد الآحاد التسعة ترتبت في الوجود ~~عنه كمراتب الأعداد أول وثان وثالث إلى التاسع الذي هو نهايتها كما صار ~~التاسع من العدد نهاية الآحاد # وأول هذه الثواني بالنسبة إلى الله تعالى في مرتبة الاثنين على وجه ~~التقريب وبالنسبة إلى الموجودات المبدعات في مرتبة الواحد لأن البارئ تعالى ~~بائن عن الموجودات غير موصوف بشيء من صفاتها وكل واحد من هذه التسعة موجود ~~عن البارئ تعالى بتوسط وجود كل واحد من هذه التسعة # ثم تلي مرتبة هذه الثواني التسعة في الوجود مرتبة العقل الموكل بعالم ~~العناصر وهو الذي يسمونه العقل الفعال وهو يوافق الموجودات الثواني التسعة ~~في أنه عقل مجرد من المادة مثلها وإنما فصلوه منها وجعلوه لها مرتبة عاشرة ~~على حدة لوجهين PageV01P038 # أحدهما أن الثواني التسعة موكلة بالأفلاك التسعة والعقل الفعال موكل ~~بعالم العناصر # والوجه الثاني أن هذا العقل الفعال تسري قوته في الأجرام الناطقة التي ~~دون فلك القمر كما يسري نور الشمس وعنه يحصل النطق في كل مكون مستعد لقبول ~~القوة الناطقة وكل ما تجوهر من الموجودات الطبيعية فهو به ملحق وهذا المعنى ~~ليس بموجود في الثواني # وذكروا أن فيض العقول المجردة انقطع عند العقل الفعال فليس بعد مرتبته ~~إلا مرتبة النفس الناطقة وإنما وجب أن ينقطع فيض العقول المجردة عنده لأنه ~~اجتمعت فيه قوى العقول التسعة كلها فصار مبدأ لما دونه من الموجودات كما ~~اجتمعت قوى الآحاد التسعة من العدد في العشرة فصارت بذلك مبدأ لما عداها من ~~العشرات ولذلك جعلوا هذا العقل المجرد عن المادة في مرتبة العشرة من العدد ~~ألا ترى أن العشرة في مرتبة الواحد والعشرين في مرتبة الاثنين والثلاثين في ~~مرتبة الثلاثة حتى تصير التسعون في مرتبة التسعة فينتهي وجود العشرات في ~~التسعين وتصير المئة في مرتبة الواحد PageV01P039 وسنزيد هذا بيانا عند ~~ذكرنا دوائر العدد الوهمية إن شاء الله تعالى # ثم تلي مرتبة العقل الفعال في الوجود مرتبة النفس وهي موافقة للعقول ~~المجردة من المادة في أنها ليست بجسم كما أن ms03 تلك ليست أجساما وهي مخالفة ~~لها في أنها توجد مع الجسم وتقترن به فأكسبها ذلك كدرا وظلمة ولذلك صارت ~~نفس الإنسان تجهل ذاتها ولا تراها حتى تستضئ بنور العقل # وهي في ذلك بمنزلة رجل حصل في ظلمة فهو لا يرى جسمه ولا غيره فإذا أضاء ~~له الجو وسرى في عينيه نور الشمس رأى حينئذ جسده وما حوله من الجسمان كذلك ~~النفس تمنعها ظلمة الجهل من رؤية ذاتها ورؤية الصور العقلية المجردة فإذا ~~أفاض العقل نوره رأت ذاتها وغيرها من المعقولات # ولها مراتب كثيرة كما كان للعقول المجردة المذكورة مراتب فمن الحكماء من ~~رأى أن مراتبها اثنتا عشرة تسع للأفلاك وثلاث لما تحت فلك القمر وهي ~~PageV01P040 # النفس النباتية # والنفس الحيوانية # والنفس الناطقة # ومنهم من جعلها خمس عشرة مرتبة تسع للأفلاك وخمس لما تحت فلك القمر وهي # النفس النباتية وهي أدناها مرتبة # وفوقها النفس الحيوانية # وفوقها النفس الناطقة # وفوقها النفس الفلسفية # وفوقها النفس النبوية # فهذه أربع عشرة مرتبة والخامسة عشرة مرتبة النفس الكلية ونحن نذكر خواص ~~كل واحدة من هذه النفوس وفصولها ليتبين صحة هذا التقسيم إذا فرغنا من هذا ~~الباب إن شاء الله تعالى # ونرجع إلى ما كنا فيه من مراتب الموجودات فنقول إن الذي يلي مرتبة النفس ~~في الوجود مرتبة الصورة ثم يلي مرتبة الصورة مرتبة PageV01P041 الجوهر ~~الحامل للصورة وإنما جعلت مرتبة الصورة قبل مرتبة الجوهر الحامل للصورة ~~بوجهين # أحدهما أنا بدأنا من أعلى مراتب الموجودات منحدرين إلى أدناها فكانت ~~الصورة على هذا الترتيب قبل الجوهر الحامل لها ولو بدأنا من أدنى مراتب ~~الموجودات متصاعدين إلى أعلاها لكان الجوهر الحامل للصورة قبل الصورة في ~~الرتبة # وهذا الجوهر الحامل للصورة صنفان # أرفعهما الجوهر الذي يحمل صورة الأفلاك وما فيها وأدناها الجوهر الذي ~~يحمل الصورة التي تحت فلك القمر وهذا الجوهر الحامل لصورة الموجودات التي ~~دون فلك القمر يسمونه الهيولى وإنما فصل هذا الجوهر من الجوهر الحامل لصورة ~~الأفلاك وما فيها من PageV01P042 الكواكب وإن كانا قد اتفقا في أن كل واحد ~~منهما ms04 جوهر حامل للصور لأن صور الأفلاك والكواكب ثابتة في موضوعاتها وهذا ~~الجوهر الآخر صورة غير ثابتة لأنه يلبس الصورة تارة ويخلعها تارة فهو ~~مستحيل متغير بجملته وذلك إنما يتغير ويستحيل بالمكان وما فيه من اختلاف ~~النسب # وهذه الهيولى عندهم أحط الموجودات وأنقصها مرتبة ومنها تبدأ الموجودات ~~الطبيعية بالترقي صاعدة نحو أعلى مراتبها بعكس حالها حين انحدرت إلى أدنى ~~مراتبها وإنما يكون ذلك لدوران الأفلاك حولها ولباسها للصور التي كانت فيها ~~بالقوة ثم تخرج بدوران الأفلاك إلى الفعل كما شاء بارئها لا إله إلا هو # فأول صورة لبستها الهيولى صور الأركان الأربعة التي هي PageV01P043 الأرض ~~والماء والهواء والنار فكان ذلك أول كمال لحقها ثم لبست صور المعادن بوساطة ~~صور الأركان ثم صور النبات بوساطة صور المعادن وصور الأركان ثم صورة ~~الحيوان غير الناطق بوساطة صور النبات وصور المعادن وصور الأركان ثم صورة ~~الإنسان الذي هو حيوان ناطق بتوسط صور الحيوان غير الناطق وصور النبات وصور ~~المعادن وصور الأركان # فكانت صورة الإنسان أكمل الصور الطبيعية ولا مرتبة بعدها إلا أن يتجوهر ~~الإنسان بالمعارف فيلحق بمرتبة المعقولات المجردة من الهيولى والمادة ~~الشبيهة بالهيولى أعني موضوع صور الأفلاك وما فيها فإذا حصل بالتجوهر في ~~مرتبة المعقولات حصل في المرتبة التي منها انحطت النفس الناطقة إلى الأجرام ~~وهي مرتبة العقل الفعال فصارت الموجودات بهذا الاعتبار كدائرة استدارت حتى ~~التقى طرفاها وصار الإنسان آخر الدائرة الذي يرجع على أولها إلا أن الإنسان ~~عندهم لا يلحق عند تجوهره بأول الثواني الذي هو أعلاها مرتبة وإنما أقصى ~~كماله أن يلحق بالمرتبة العاشرة وهي مرتبة العقل الفعال PageV01P044 # فهذا مذهب أرسطا طاليس وأفلاطون وسقراط وغيرهم من PageV01P045 مشاهير ~~الفلاسفة وزعمائهم القائلين بالتوحيد # وأما فلاسفة المجوس فزعموا أن العقول المفارقة للمادة يترقى بعضها إلى ~~مرتبة بعض حتى يصير أعلاها في مرتبة البارئ عز وجل تعالى الله عما يقول ~~الجاهلون علوا كبيرا وهذا القول كفر محض عند أرسطاطاليس وجميع من ذكرناه ~~لأنه يوجب استحالة البارئ تعالى عن قولهم # فإن قال قائل فكيف صار ms05 كالدائرة وإنما لحق بمرتبة العقل الفعال على رأي ~~أرسطو وهي المرتبة العاشرة وإنما كان حكمه إذا كان كالدائرة أن يرجع إلى ~~الثاني الذي هو أول موجود بدأ منه الفيض # فالجواب عن هذا من وجهين # أحدهما أن العقل الفعال هو في المرتبة العاشرة عندهم وهو PageV01P046 آخر ~~المعقولات المفارقة عند انحدار الوجود وهو أولها عند تصاعد الأشياء فإذا ~~بلغ العقل الإنساني تلك المرتبة كان بمنزلة رجوع أحد طرفي الدائرة على ~~الآخر # والوجه الثاني # أن العقل الإنساني ليس مبدؤه من الثواني عندهم إنما مبدؤه من العقل ~~الفعال فإذا عاد إليه كان بمنزلة الدائرة # وقد وجب علينا أن نصل بهذا الباب ذكر خواص النفوس الخمس التي قدمنا ذكرها ~~ليتبين الفرق بينها إذ كانت الخاصية قد تقوم مقام الفصل الجوهري فيما يتعذر ~~تحديده # | خواص النفس النباتية وتسمى الشهوانية # خواص هذه النفس النزاع إلى الغذاء وطلبه والالتذاذ بوجوده إذا وجدته ~~والاستضرار بفقده إذا فقدته واستدعاء الموافق من الأغذية ودفع المخالف وحفظ ~~الشيء بشخصه ونوعه PageV01P047 # أما حفظ شخصه فإنه يكون بالغذاء وأما حفظ نوعه فبالتوليد ويسمى هذا الحفظ ~~التقويم الطبيعي ولها الهياكل غير اللحمية والأعضاء المتشابهة الأجزاء ولها ~~سبع قوى # جاذبة # وممسكة # وهاضمة # ومغذية # ودافعة # ومنمية # ومصورة # ولها ، من الشعور والإحساس تمييز الجهات الست وإرسال العروق نحو المواضع ~~الندية وتوجيه الفروع والأغصان نحو المواضع المتسعة والانحراف عن المواضع ~~الضيقة PageV01P048 # | خواص النفس الحيوانية وتسمى الغضبية # خواص هذه النفس شهوة النكاح وشهوة الانتقام وشهوة الرياسة والغلبة ولها ~~الهياكل اللحمية والدموية وقد يوجد من هياكلها ما لا دم له ولها الأعضاء ~~الآلية والحركة الإرادية الاختيارية ولها الحواس الخمس # ومنها ما ينقصه بعض الحواس # ولها اللذة والألم # ويوجد لبعضها التخيل والوهم # | خواص النفس الإنسانية وهي الناطقة # خواص هذه النفس الروية والفكر ومحبة العلم والمعرفة ولها الهياكل ~~المنتصبة والعمل باليدين PageV01P049 # | خواص النفس الحكمية الفلسفية # خواص هذه النفس محبة العلوم النظرية التي لا يراد منها أكثر من الوقوف ~~على حقائقها فقط والحرص على معرفة أسباب الأشياء وعللها والاستدلال بظواهر ~~الأمور على بواطنها ومعرفة ms06 مراتب الموجودات في الوجود وكيف انبعثت عن ~~البارئ عز وجل وكيف انبعث بعضها من بعض بما سرى فيها من وحدانية الله تعالى ~~التي حصلت لكل موجود ذات ينفصل بها من ذات موجود آخر # وبها يكون وجود الصور في الهيولى وفي الموضوع الشبيه بالهيولى وهو الجوهر ~~الحامل لصور الأفلاك والكواكب وهل العالم قديم أو محدث وما الفرق بين ~~الأزلي والمحدث # وما الفرق بين الأزلي المطلق والأزلي المضاف # وما الفرق بين المبدع والمكون # وكيف صار المبدع واسطة بين الأزلي والمكون PageV01P050 # وهل خالق العالم واحد أو أكثر من واحد # وإقامة البراهين على أنه لا يصح أن يكون إلا واحدا لا يشبه شيئا ولا ~~يشبهه شيء # وما الحكمة في وجود الأشياء على ما هي عليه # وما المكون منها وما المبدع # وما الفرق بين الفاعل على الحقيقة والفاعل على المجاز والفاعل المطلق وما ~~الحكمة في دوران الأفلاك حركة مستديرة غير مستقيمة # وما الواجب وما الممكن وما الممتنع # وكيف صار ما فوق الأربعة الأركان من حيز الواجب وما تحت الأركان من حيز ~~الممكن # وما الموجودات التي أوتيت كمالها في جواهرها وأفعالها وما الموجودات التي ~~لم تؤت كمالها لا في جواهرها ولا في أفعالها فهما طرفان PageV01P051 # وما الموجودات التي أوتيت كمالها في جواهرها ولم تؤت كمالها في أفعالها ~~فصارت متوسطة بين الطرفين # ولم سكن الصنف الأول فلم تكن له حركة وتحرك الصنفان الآخران # وما الحكمة في وجود النواميس والنبوات في عالم الكون والفساد # وما الفرق بين النبوة والسحر والكهانة والفلسفة # وكيف تفيض قوة الوحي على الأنبياء # وما الفرق بين الإنسان الذي يوحى إليه والذي لا يوحى إليه # ولم صار الإنسان مأمورا منهيا دون غيره # ومل سمي عالما صغيرا وسمي العالم إنسانا كبيرا # وما السياسة وكم أنواعها # فهذه الأمور كلها من خاصة النفس الفلسفية أن تعرفها PageV01P052 بعضها ~~على جهة التصور وبعضها على جهة التصديق من غير تصور ولكن ليست كل نفس ~~تتعاطى الفلسفة يتهيأ لها أن تعرف ذلك كله ولكن تعرف بعضه # وإنما تتهيأ معرفة هذه الأمور على ms07 كمالها للنفس التي اتفق لها في فطرتها ~~وكونها أن فطرت وفيها استعداد لقبول ذلك وكانت هاجرة للذات مميتة للشهوات ~~زاهدة في الدينار والدرهم محبة للخير وأهله مبغضة للشر وأهله مرتبطة ~~بالنواميس مكتسبة للفضائل مطرحة للرذائل قد اجتمع لها العلم والعمل # فهذا هو الفيلسوف الحق عند ارسطو وأفلاطون وزعماء الفلاسفة # ومن لم يكن عندهم بهذه الصفة فليس بفيلسوف ولذلك قال أرسطو ليس الغرض أن ~~تعلم فقط وإنما الغرض أن تعلم وتعمل وتكونوا أخيارا فضلاء مرتبطين ~~بالنواميس PageV01P053 # وقال اقتلوا من لا دين له # وقال أفلاطون من أراد قراءة الفلسفة فليطهر أخلاقه من الرذائل فإنه لا ~~يتعلم الفلسفة الطاهرة من كان نجسا كما لا يمكن أحد أن يرى وجهه في ماء كدر ~~ومرآة صدئة # | خواص النفس النبوية # خواص هذه النفس الشريفة تلقي الوحي والإلهام والاتصال بالعقل الفعال ~~وتقويم سائر النفوس المنحرفة عن الحق وتسديد الإنسان حتى يفعل ما ينبغي على ~~الوجه الذي ينبغي من الوجه الذي ينبغي من أجل ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي ~~وإكمال الفطر الناقصة بوضع السنن والوعظ والتذكير والترغيب والترهيب ~~والإخبار بالأشياء التي ليست في قوة النفس الفلسفية أن تعلمها لأن النفس ~~الفلسفية إنما تتعاطى النظر في الكليات خاصة ولذلك قال أفلاطون # نحن عاجزون عن فهم ما جاءت به الشرائع وإنما نعلم من ذلك يسيرا ونجهل ~~كثيرا ولذلك كان أرسطو يأمرنا بالتسليم لما جاءت به الشرائع ويأمرنا بتأديب ~~من تعرض لتعليل أوامرها ونواهيها وتعاطي الخوض فيها PageV01P054 # وهذه النفس أشرف النفوس التي في عالم الأركان وأعلاها وهي السائسة ~~المدبرة لسياسة النفوس ولا يتفق أن توجد هذه النفس الشريفة إلا في ذوي ~~الفطر الكاملة # وهذه النفس لا تحتاج إلى اكتساب المعارف والعلوم بالمقاييس والمقدمات كما ~~تحتاج النفس الفلسفية لأن المقاييس العلمية إنما هي قوانين وضعها ذوو الفطر ~~الكاملة تسديدا وتقويما لذوي الفطر الناقصة # فإذا اتفق للإنسان في أصل مولده أن يعطى فطرة كاملة استغنى عن تلك ~~المقاييس ووجد الأمور العقلية كأنها مصورة في نفسه # وكما أنا نجد في الفطر الإنسانية فطرا ms08 في نهاية النقص قريبة من فطر ~~البهائم كذلك لا محالة أن نجد فيها فطرا في نهاية الكمال قريبة من فطر ~~الملائكة فتكون هذه الفكر لا تحتاج إلى تقويم بالمقاييس العلمية كما لا ~~تحتاج الملائكة بل يكفيها أقل إشارة وأيسر عبارة ويكون الله تبارك وتعالى ~~قد أكمل هذه الفطر في أصل خلقتها لتسوس العالم بوساطتها PageV01P055 وهذا ~~يوجب أن تكون النبوة إلهاما لا اكتسابا # | خواص النفس الكلية # مرتبة هذه النفس الكلية عند من أثبتها من الفلاسفة تحت أفق العقل الفعال ~~والعقل محيط بها من جميع جهاتها وهي محيطة بكرة الأفلاك # ولها فيما زعموا دائرتان وخط مستقيم # فالدائرة الأولى متصلة بالفلك المحيط وهو طرفها الأعلى # والدائرة الثانية هي الطرف الأدنى ومكانها مركز الأرض وهذا تقريب لأن ~~الجواهر المعقولة لا توصف بالأمكنة ولا بالجهات الست وزعموا أن بين طرفها ~~الأعلى وطرفها الأدنى خطا يصل بين الدائرتين يسمونه سلم المعراج وبه يتصل ~~الوحي بالأنفس PageV01P056 الجزئية الطاهرة وبه تنزل الملائكة وتصعد ~~الأرواح الزكية إلى العالم الأعلى # ولهم فيها كلام طويل اقتصرنا منه على هذه الجملة لأن غرضنا في هذا الكتاب ~~غير ذلك PageV01P057 & الباب الثاني في شرح قولهم إن الإنسان يحكي دائرة ~~وهمية وإن ذاته تبلغ بعد مماته إلى حيث يبلغ علمه في حياته & # قد تأملت أرشدنا الله وإياك إلى صواب القول والعمل وعصمنا من الخطأ ~~والزلل هذا الذي قالوه واعتبرت ما ذكروه فوجدته يحتمل تأويلين # أحدهما أن الإنسان يفتح نظره بشيء لا مادة له وينتهي نظره إلى شيء لا ~~مادة له فيكون مرجع علمه ونظره إلى مثل مبدئه كما أن مبدأ صورة الإنسان من ~~شيء لا مادة له وغايته أن يعود شيئا لا مادة له ولست أعني مبدأ صورة جسمه ~~التي هي شكل هيولاه لأن هذه مبدؤها المادة وإنما المادة وإنما أعني مبدأ ~~صورته الناطقة التي بها PageV01P058 صار الإنسان إنسانا وانفصل عن الحيوان ~~الذي لا نطق له لأن هذه الصورة مبدؤها من العقل الفعال ومرجعها إليه # وشرح هذه الجملة أن مبدأ علم الإنسان الأعداد التي لا ms09 تحتاج في تفهمها ~~إلى مادة ثم يترقى منها إلى النظر في الأعظام التي تحتاج في تفهمها إلى ~~المادة غير أن ما يحتاج إليه في بعضها من المادة أقل مما يحتاج إليه في بعض ~~لأن مبدأ الأعظام النقطة التي هي مبدأ الخط ولا بعد لها ثم الخط الذي هو ~~مبدأ السطح ثم السطح الذي هو مبدأ الجسم وهذه يحتاج في تفهمها إلى مادة ~~يسيرة فإذا انتهى إلى النظر في الجسم استغرق في المادة وحصل بنظره في العلم ~~الطبيعي ثم يبدأ ينسلخ من المادة قليلا قليلا على تدرج كما ترقى إليها ~~قليلا قليلا عند نظره في النقطة والخط والسطح فلا يزال كذلك حتى يفارق ~~المادة قليلا وذلك أنه إذا نظر في العناصر والمعادن فإنما ينظر في أجسام ~~غضة ليس فيها مبدأ غير الطبيعة فإذا صار إلى PageV01P059 النظر في النبات ~~وجد فيه مبدأ من مبادئ النفس وتسمى هذه النفس النباتية فيكون قد ابتدأ ~~بالانسلاخ من المادة قليلا قليلا فإذا صار إلى النظر في الحيوان غير الناطق ~~وجد أمر النفس فيه أقوى وتسمى هذه النفس الحيوانية فيكون قد انسلخ من ~~المادة أكثر فإذا صار إلى النظر في الحيوان الناطق وجد فيه أمر النفس أقوى ~~ووجد فيه مبدأ آخر غير النفس الحيوانية وهو الاستعداد لقبول الأمور ~~المعقولات # ثم يشرع بالنظر في أمور النفس فيصير متوسطا بين الأمور العقلية المجردة ~~من المادة وبين الأمور الجسمانية ذوات المواد فإذا أمعن في النظر في أمر ~~النفس الناطقة لاحت إليه المبادئ العقلية التي ليست بمادة فيكون قد انسلخ ~~من المادة كلها وحصل في أول مراتب العلم الإلهي PageV01P060 # ثم يشرع بالنظر في الأمور العقلية المفارقة للمادة فأول معقول يصادفه ~~باعتباره عند صعوده العقل الفعال # فإذا أكمل النظر فيه وعلم مرتبته من المعقولات المفارقة وأنه في المرتبة ~~العاشرة صعد بالاعتبار إلى النظر في التاسع ثم إلى الثامن ثم إلى السابع ثم ~~إلى السادس حتى يصير بفكره إلى المعقول الأول الذي هو في مرتبة الواحد ~~فيجده نهاية الموجودات الذي أفاد كل شيء ms10 الوجود وكل موجود مفتقر إليه مقتبس ~~الوجود منه فيكون قد انسلخ من النظر في الثواني التسعة والعقل الفعال وهذه ~~هي التي تسمى بالملائكة المقربين والكروبيين ويكون قد انتهى باعتباره وفكره ~~إلى البارئ تعالى فيشرع حينئذ بالنظر في صفاته وما يجوز أن يوصف به وما لا ~~يجوز وكيف انبعثت الموجودات عنه وعلى أي جهة يصح أن يقال إنه فاعلها وعلتها ~~حتى لا يلحقه نقص وكيف دبر عالم الأفلاك بتوسط الثواني والعقل الفعال ~~ودوران الأفلاك حول PageV01P061 الأركان الأربعة فيقع في العلم السياسي ~~والنواميس ولا يزال ينحدر حتى يرجع إلى الأشخاص المحسوسة التي منها بدأ ~~بالنظر عند صعوده بالاعتبار # فشبهت الحكماء رتبة هذا النظر والاعتبار بالدائرة لأنه ينظر في الموجودات ~~عند انحداره غير النظر الذي ينظر فيها في حين صعوده كما يبدأ خط الدائرة من ~~نقطة ثم يعود إليها على غير الجهة التي ذهب منها # ويسمى النظر الأول الإنساني والنظر الثاني الإلهي ويسمون النظر الأول ~~الطريق إلى الله تعالى # فكما أن مبدأ الإنسان من معقول ومنتهاه إلى معقول وهو ما بين الطرفين ~~محسوس فكذلك علمه يبدا من معقول وينتهي إلى معقول بينهما العلم المحسوس ~~فيكون منتهى علم الإنسان هو منتهى PageV01P062 ذاته فيصل إلى عالم العقل في ~~حياته الأولى بعلمه ونظره وفي حياته الثانية بذاته وجوهره # فهذا هو المراد بقول من قال إن ذات الإنسان تصل بعد مماته إلى حيث وصل ~~علمه في حياته إلا أنه لا يتجاوز مرتبة العقل الفعال وهي المرتبة العاشرة ~~من مرتبة السبب الأول # وقال بعضهم إن غايته أن يلحق بمرتبة النفس الكلية ومرتبتها دون مرتبة ~~العقل الفعال كما ذكرنا فيما تقدم # فهذا ما ظهر إلي في شرح كلامهم الذي سألت عنه # وهاهنا وجه آخر وهو أن كل موجود يوصف بالنطق فإن تجوهره لا يكمل إلا بأن ~~يعقل السبب الأول الذي منه انبعثت الموجودات إلا أن كل موجود تبعد مرتبته ~~من مرتبته لا يمكن أن يعقله حتى يعقل ما بينه وبينه من الموجودات السابقة ~~له بالمرتبة # فالموجود الثاني الذي هو ms11 أقرب الموجودات إليه بالمرتبة PageV01P063 لا ~~يحتاج في تكميل تجوهره إلى واسطة # وأما الموجود الثالث فإنه لا يعقل الأول إلا بتوسط الثاني # فكذلك الموجود الرابع لا يمكن أن يعقله إلا بتوسط الثالث والثاني وكذلك ~~ما بعد ذلك # ولا يحتاج موجود من هذه الموجودات غير الناطقة في كمال تجوهره إلى أن ~~يعقل ما دونه في مرتبته إلا الإنسان وحده فإنه يحتاج في كمال تجوهره إلى أن ~~يعقل ما فوقه وما دونه ولذلك احتاج في كمال تجوهره إلى أن يعقل جميع ~~الموجودات والعلة في ذلك أن مرتبته من الوجود الفائض من السبب الأول تعالى ~~آخر المراتب لأنه إنما يكون بعد تقدم الحيوان غير الناطق والنبات والمعادن ~~والأركان والهيولى فصارت هذه الأشياء أسبق منه بمرتبة PageV01P064 الوجود ~~وإن كان هو أفضل منها لأن النفس الناطقة صورة في النفس الحيوانية والنفس ~~الحيوانية صورة في النفس النباتية والنفس النباتية صورة في المعادن ~~والمعادن صورة في الأركان الأربعة والأركان الأربعة صورة في الهيولى # فلما كانت هذه الأشياء كلها قبله في رتبة الوجود وكان لا سبيل له إلى أن ~~يعقل السبب الأول حتى يعقل ما بينه وبينه من الموجودات احتاج إلى أن يعقل ~~ما دونه كما احتاج إلى أن يعقل ما فوقه # ولما كانت الموجودات الفائضة من السبب الأول شكلها شكل دائرة آخرها ~~الإنسان كما ذكرنا في الباب الأول احتاج الإنسان إذا سلك على رتبة وجوده أن ~~يعكس الدائرة عند الاعتبار فينحط من مرتبته في الوجود إلى مرتبة الحيوان ~~غير الناطق التي هي أدنى المراتب إليه ثم إلى النبات ثم إلى المعادن ثم إلى ~~الأركان ثم إلى الهيولى # فإذا بلغ إلى الهيولى كان قد وصل إلى أحط الموجودات مرتبة في PageV01P065 ~~الوجود فيبدأ بالصعود منها نحو المبدأ الأعلى فيكون إلى الصورة أول صعوده ~~ثم إلى النفس ثم إلى العقل الفعال ثم إلى الثواني التسعة ثم إلى البارئ ~~تعالى غير أنه اذا وصل إلى مرتبة العقل الفعال وقف لأن قوته الناطقة منه ~~بدأت وإليه تعود وإنما يحتاج إلى معرفة ما فوق ms12 العقل لتكمل ذاته وجوهره لا ~~لتكمل دائرة علمه ونظره # ونحن نكمل هذا الباب بأن ندير دائرة نمثل بها ما ذكرناه ونقسمها تسعة ~~أقسام على مراتب الآحاد التسعة ونجعل مبدأها العقل الفعال ونتلوه بما يتصل ~~بمرتبته في الوجود ثم ما يلي منحدرا أو صاعدا حتى ينعطف آخر الموجودات عليه # ولا نذكر في هذه الدائرة أشياء مما فوق العقل الفعال لنبين لمن رآها أن ~~الإنسان مرجعه إلى العقل الفعال PageV01P066 # وهذه صورة الدائرة PageV01P067 & الباب الثالث في شرح قولهم إن في قدرة ~~العقل الجزئي أن يتصور بصورة العقل الكلي & # هذا أوضح الله لك الخفيات وأعانك على فهم أسرار الموجودات فرع لطيف تحته ~~معنى شريف ومرادهم بهذا أن الإنسان مهيأ بفطرته إذا فاض عليه نور العقل ~~فخرجت قوته الناطقة إلى الفعل لأن يتصور جميع الموجودات فيتحصل في عقله ~~الجزئي الصور التي في العقل الكلي # وذلك أن البارئ تعالى لما أبدع العقل الكلي أفاض عليه صورة الأشياء التي ~~شاء إيجادها دفعة بلا زمان ولا حركة وأفاضها العقل الكلي على النفس الكلية ~~على دفعه أيضا بلا زمان وإفاضتها النفس PageV01P068 الكلية على الهيولى ~~بالزمان ووساطته حركة الفلك إذ لم تكن في قوة الهيولى أن تقبلها كلها دفعة ~~وإنما تقبلها على المعاقبة # وخلق الله تبارك وتعالى الإنسان آخر المخلوقات وجمع في خلقته جميع ما في ~~العالم فصار مختصرا منه ولذلك سمي العالم الأصغر # وقيل إنه مختصر من اللوح المحفوظ وجعله حدا بين عالم الحس وعالم العقل ~~فهو آخر الموجودات الطبيعية وأول الموجودات العقلية وهو معرض لأن يعلو ~~فيلحق بالعالم الأعلى أو يسفل فيلحق بالعالم الأدنى # وقد قلت في ذلك # أنت وسطى ما بين ضدين يا إنسان ركبت صورة في هيولى PageV01P069 # ( إن عصيت الهوى علوت علوا % أو أطعت الهوى سفلت سفولا ) + من الخفيف + ~~فمن أجل أنه جمع في خلقه جميع ما في العالم الأكبر صار مهيأ بفطرته الفاضلة ~~مستعدا بقوته العاقلة لأن يتصور جميع ما في العالم الأكبر # وبيان ذلك أن مدركات الإنسان صنفان # محسوسات # ومعقولات # فالأشخاص هن محسوساته # وأنواعها ms13 وأجناسها ومباديها هن معقولات # وله إدراكان # إدراك بالحس للأشياء المحسوسات # وإدراك بالعقل للأشياء المعقولات لأن كل شيء إنما يدرك بشكله PageV01P702 ~~فإدراكه المحسوسات يسمى كماله الأول وحياته الأولى وإدراكه المعقولات يسمى ~~كماله الثاني وحياته الأخرى # فإذا كان العالم كله صنفين محسوس ومعقول وكان كمال تجوهر الإنسان ~~بإدراكهما معا وكان مهيأ بفطرته لذلك صار الإنسان إذا أدرك المحسوسات ~~والمعقولات فقد تصور بصورة العالم الأكبر فالإنسان إذن يستحق أن يسمى عالما ~~صغيرا من جهتين # إحداهما خلقة لا عمل له فيها # والثانية اكتساب يكتسبه إلا أن سعادته إنما هي بالاكتساب وحصول العقل ~~المستفاد # وأما الخلقية فإنما هي هيئة واستعداد جعل معرضا بهما لنيل السعادة إن فهم ~~ذاته وعلم مرتبته من العالم أي مرتبة تحصيل هي نجا وسعد وإن جهل ذاته ولم ~~يعرف ما الغرض PageV01P071 بكونه آخر الموجودات هلك وطال شقاؤه ولذلك قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم ( الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا وقال ( أعلمكم ~~بنفسه أعلمكم بربه ) # وقال لعلي رضي الله عنه ( تقرب إلى الله بعقلك إذا تقرب الناس إليه ~~بأعمالهم ) # ولهذا الذي قدمناه صار العالم خمسة أصناف من الوجود سوى وجوده في علم ~~البارئ تعالى # وجود في العقل الفعال # ووجود في النفس الكلية # ووجود في الهيولى # ووجود في قوة الإنسان المتخيلة PageV01P072 # ووجود في قوته الناطقة إذا حصل له العقل المستفاد # فيصير بهذا الاعتبار كالدائرة التي تبدأ من نقطة وتعود إليها لأن مبدأه ~~أن يكون صورة مجردة في العقل ونهايته أن يصير صورة مجردة في العقل وعند ذلك ~~يتصور العقل الجزئي بصورة العقل الكلي ويصير الإنسان موضوعا بصورة العالم ~~يحمل صورة في ذاته كما تحمل الهيولى الصور # فالإنسان إذا اعتبر به المعتبر أغرب المخلوقات صنعة وأكثرها أعجوبة ولهذا ~~قالت الحكماء إن الغرض في وجوده كمال الحكمة لأنه انتظم بفطرته طرفي العالم ~~وصار واسطة بينهما وكمال الطرفين بالواسطة التي تنظمهما # أرادوا بذلك أن البارئ جل جلاله لما خلق جوهرا معقولا وجوهرا محسوسا كان ~~كمال الخلقة في أن خلق جوهرا ثالثا يصل بين الجوهرين وينظم الطبيعتين ms14 فصار ~~الإنسان حدا بين عالم العقل وعالم الحس وصار من جهة صورته الطبيعية في أعلى ~~مراتب الصور الطبيعية ومن جهة صورته العقلية في أدنى مراتب الصور العقليات ~~PageV01P073 # وفي كتب بني إسرائيل أن الإنسان خلق على التخوم بين الطبيعة المائية ~~والطبيعة التي ليست بمائية ويدل أيضا على أنه واسطة بطبعه أنه من قسم ~~الممكن والممكن بطبيعته واسطة بين الواجب والممتنع # وقد قلت في ذلك على سبيل الوعظ # ( تتيه وقد أيقنت أنك ممكن % فكيف لو استيقنت أنك واجب ) + من الطويل + # ( وهل لك من عدن إذا مت أو لظى % محيص يرجى أو عن الله حاجب ) # ومعنى كون الإنسان من الممكن أنه صورة من الصور التي موضوعها الهيولى ~~وبالهيولى قامت طبيعة الممكن لأنها تلبس الصورة تارة وتخلعها تارة وتكون ~~فيها الصور تارة بالقوة وتارة بالفعل ولولا الهيولى لبطلت طبيعة الممكن ولم ~~يوجد للأشياء إلا عنصران واجب وممتنع PageV01P074 & الباب الرابع في شرح ~~قولهم إن العدد دوائر وهمية & # اعلم أن الواحد أصل العدد ومبدؤه وهو غاية لوجود العدد وليس بعدد وكل عدد ~~منسوب إليه ومنعطف عليه انعطاف آخر الدائرة على أولها # وللأعداد إليه نسبتان # إحداهما نسبة تضعيف وتكثير # والثانية نسبة تجزئة وتقليل # فأما نسبة التكثير فكقولك واحد واثنان وثلاثة وأربعة وخمسة فما زاد وأما ~~نسبة التقليل فهي نسبة الكسور كقولك نصف وربع وخمس وثلث ونحو ذلك ~~PageV01P075 # والنصف أو مراتب التجزئة والتقليل كما أن الاثنين أول مراتب التضعيف ~~والتكثير وهو يذهب في كلتا الجهتين إلى غير نهاية غير أن التكثير يبتدئ من ~~أقل الكمية ويذهب في تزيد إلى غير نهاية و التقليل يبتدئ من أكثر الكمية ~~وهو النصف ويذهب في التجزؤ إلى غير نهاية # وإذا اعتبرت بفكرك الأعداد كلها والواحد وجدتها ناشئة منه وراجعة إليه ~~أما نشوؤها منه فإن قوة الواحد تسري إلى الأعداد فتصوغها بواسطة وبغير ~~واسطة والعدد الذي يتولد منه بغير واسطة هو الاثنان وأما الثلاثة فلا توجد ~~من الواحد إلا بتوسط الاثنين وكذلك الأربعة لا توجد منه الا بتوسط الثلاثة ~~والاثنين وكذلك الخمسة لا ms15 توجد إلا بتوسط الأربعة والثلاثة والاثنين وهكذا ~~كل PageV01P076 عدد لا يوجد من الواحد إلا بتوسط ما بينه وبين ذاك من ~~الأعداد فيكون العدد الذي بينهما هو الذي يؤدي إليه قوة الوحدانية فيصير ~~موجودا بما يسري إليه من تلك القوة فالاثنان يؤديان قوة الواحد إلى الثلاثة ~~والاثنان والثلاثة يؤديان قوته إلى الأربعة والاثنان والثلاثة والأربعة ~~تؤدي قوته إلى الخمسة وهكذا ما زاد بالغا ما بلغ # فهذه كيفية تنشؤ العدد وتولده من الواحد # وأما كيفية انعطافه عليه كانعطاف أحد طرفي الدائرة على الطرف الآخر فإن ~~ذلك لا يكون إلا بعد تولد الأعداد منه واستيفائها مراتب الآحاد التسعة التي ~~عليها تدور مراتب الأعداد وليست للعدد بعد التسعة مرتبة ولكن كلما بلغ عدد ~~إلى مرتبة التسعة انعطف إلى مرتبة الواحد فصار دائرة وهمية # بيان ذلك أن الواحد ينشأ منه الاثنان وتؤدي الاثنان قوته إلى الثلاثة ~~فيكون الثلاثة من الواحد بواسطة الاثنين وكلاهما علة لوجود الثلاثة غير أن ~~الاثنين علة قريبة والواحد علة بعيدة ثم تؤدي PageV01P077 الثلاثة ما سرى ~~إليها من قوة الاثنين وقوة والواحد إلى الأربعة فتكون الأربعة من الواحد ~~بوساطة الثلاثة والاثنين فيكون لوجود الأربعة ثلاث علل ثم يستمر الأمر كذلك ~~إلى أن تكون التسعة بما يسري إليها من قوة الواحد بوساطة الثمانية # ومنتهى مراتب العدد التسع عند وجود التسعة فإذا تجاوزت قوة الواحد التسعة ~~كونت العشرة بتجاوز قوة الواحد إليها مع قوة التسعة واستدار العدد دوائر ~~وهمية إلى مرتبة الواحد لكمال المراتب فكانت عشرة كواحد وعشرون كاثنين ~~وثلاثون كثلاثة إلى أن تكون تسعون كتسعة وتسمى هذه دوائر العشرات ثم تزيد ~~على التسعين تسعة لتقوم طبيعة العشرة التي بها يصح وجود المئة فيصير العدد ~~تسعة وتسعين # فإذا تجاوزت قوة الواحد السارية في الأعداد التسعة والتسعين قامت طبيعة ~~المئة بما انتهى إليها من قوة الواحد وقوى التسعة والتسعين واستدار العدد ~~استدارة وهمية إلى مرتبة الواحد فتكون مئة كواحد PageV01P078 ومئتان كاثنين ~~وثلاث مئة كثلاثة وأربع مئة كأربعة إلى أن تصير تسع مئة كتسعة # وتسمى هذه ms16 دوائر المئين فإذا بلغ العدد تسع مئة كملت مراتب الآحاد التسعة ~~فتزيد عليها تسعة وتسعين لتقوم بها طبيعة المئة فيجتمع لذلك تسع مئة وتسعة ~~وتسعون # فإذا تجاوزت قوة الواحد السارية في الأعداد هذا العدد يكون الألف بما سرى ~~إليه من قوة الواحد وقوى الأعداد التي بينه وبينه واستدار العدد استدارة ~~وهمية فرجع إلى مرتبة الواحد فيكون ألف كواحد وألفان كاثنين وثلاثة آلاف ~~كثلاثة إلى أن تصير تسعة آلاف كتسعة وتسمى هذه دوائر الآلاف # وهكذا أبدا تنمي الأعداد بما يسري إليها من قوة الواحد بوساطة ~~PageV01P079 الأعداد التي قبلها ويكون كل عدد سبق وجوده علة علية لما تأخر ~~وجوده فيكون لما بعدت مرتبته عن مرتبة الواحد علل كثيرة كل واحد منها علة ~~لوجوده ويصير الواحد علة العلل وسبب الأسباب # وكلما كملت مراتب الآحاد التسعة استدار العدد إلى مرتبة الواحد فصارت منه ~~دوائر وهمية # وعلى مقدار بعد ذلك العدد من الواحد يكون عظم دائرته وصغرها فاعتبر ذلك ~~تجده على ما قلناه # ولأهل الهند وغيرهم في هذه الدوائر العددية رموز وألغاز طوي عن الناس ~~علمها إذ كانت إذهان الجمهور تنبو عن فهمها وعقولهم تقصر عن علمها ويرون أن ~~في معرفة تنشؤ العدد من الواحد ونسبته إليه وانعطافه عليه وكمال مراتب ~~الأعداد التسعة عليه معرفة العالم وكيف وجد عن البارئ تعالى PageV01P080 # قالوا وليس يمكن الإنسان أن يعلم حدوث الموجودات وانبعاثها عن البارئ ~~تعالى بطريق أقرب من طريق العدد # وقد علم البارئ جل جلاله أن العقلاء المستعدين بفطرهم الشريفة لقبول ~~الحكمة سيفكرون في حدوث الموجودات عنه فلا يقدرون على تصور ذلك لأن الإنسان ~~لا يمكنه أن يتصور حدوث شيء إلا من هيولى وفي زمان وفي مكان وبحركة وآلات ~~وأدوات ووجود الموجودات عن البارئ تعالى ليس هكذا لأن الأشياء كلها محدثة ~~مبدعة حدثت كلها معا فجعل البارئ عز وجل لمعرفة ذلك طريقا أسهل من هذه ~~الطريق وهو الاعتبار بنشء العدد من الواحد PageV01P081 # فكما أن الواحد علة لوجود العدد وليس من العدد فكذلك البارئ جل جلاله علة ~~لوجود ms17 العالم وليس من العالم # وكما أن الواحد لو توهم ارتفاعه وعدمه لارتفعت الأعداد كلها وعدمت فكذلك ~~البارئ تعالى لو ارتفع وعدم لم يكن شيء موجودا # وكما أن الأعداد كلها لو ارتفعت لم يوجب ارتفاعها عدم الواحد كذلك ~~الموجودات كلها لو ارتفعت لم يوجب ذلك ارتفاع البارئ تعالى # فثبت بهذا أن البارئ عز وجل غني عن العالم والعالم مفتقر إليه # وكما أن وجود الواحد وجود مطلق أعني أنه لا يحتاج في وجوده إلى غيره ~~ووجود الأعداد كلها وجود مضاف أعني أنها غير مستقلة بأنفسها في وجودها لأن ~~وجودها بوجود الواحد وكذلك البارئ تعالى وجود مطلق لأنه لا يحتاج في وجوده ~~إلى غيره ووجود الموجودات كلها وجود مضاف لأن وجودها مقتبس من وجوده فائض ~~عنه # وكما أن الأعداد كلها اقتبست الوجود من الواحد من غير حركة ولا زمان ولا ~~مكان ولم يحتج الواحد في إيجادها إلى شيء آخر غير ذاته PageV01P082 # فكذلك حدوث الموجودات عن البارئ تعالى بغير حركة وبغير زمان وبغير مكان ~~وبغير أدوات ومن غير أن يحتاج في إيجادها إلى شيء غيره # وكما أن الواحد يوصف بأنه تقدم الأعداد بالزمان ولا يبطل ذلك بأن تكون ~~الأعداد محدثة عنه كذلك لا يوصف البارئ بأنه تقدم العالم بالزمان ولا يبطل ~~ذلك أن يكون العالم محدثا عنه # وكما أن الواحد لم يتغير عن وحدانيته بكثرة ما حدث من الأعداد عنه ولم ~~يوجب ذلك تكثرا في ذاته ولا استحالة في جوهره فكذلك حدوث العالم على كثرته ~~لم يوجب تغير الباري تعالى عن وحدانيته ولا تكثرا في ذاته تعالى الله عن ~~صفات النقص # وكما أن الأعداد توجد عن الواحد بتوسط الآحاد التسعة وما يجتمع في العشرة ~~من قواها كذلك وجدت الموجودات عن البارئ تعالى بوساطة الثواني التسعة وما ~~اجتمع في الموجود العاشر من القوى PageV01P083 السارية إليه من الثواني وما ~~فاض عليه من قوة الوحدانية بوساطتها # وكذلك إذا اعتبر المعتبر وفكر المفكر وجد كل شيء من الموجودات إنما حصل ~~موجودا بأن صارت له ذات يوجد بها وانفصل ms18 من غيره # وتلك الوحدة التي تهوى بها وتوحد إنما سرت إليه من البارئ تعالى بوساطة ~~ما بينه وبينه من الموجودات وتلك الوحدة هي هويته وصورته التي بها قوامه ~~وتميزه عن سواه فمتى فارقته تلك الوحدة عدم # فسريان الوحدة من البارئ تعالى إلى الأشياء هو الذي كونها واقتضى وجودها ~~على مراتبها وصير بعضها عللا لبعض وهو تعالى علة وجود الجميع ولذلك سموه ~~علة العلل والفاعل المطلق والفاعل بالحقيقة لأن فعل غيره إنما هو فعل ~~بالمجاز وبالإضافة لأنه PageV01P084 # يقبل الفعل عما هو أسبق منه وجودا ويؤديه إلى ما بعده فهو منفعل لما فوقه ~~وفاعل لما دونه وهو منفعل بالحقيقة فاعل بالمجاز والإضافة فيكون مبدأ ~~الأفعال من فاعل لا ينفعل كغيره البتة ومنتهاها إلى منفعل لا يفعل البتة ~~وما بينهما فاعل فيما دونه منفعل لما فوقه # ولما ذكرناه في هذا الباب قالت الحكماء إن البارئ تعالى مع كل شيء # وإنما أرادوا بذلك وجود آثار صنعته في الموجودات وسريان الوحدة منه التي ~~بها تكونت المحدثات ولم يريدوا بذلك أنه يحل الأمكنة ويقع تحت الأزمنة ~~المحدثات أو يلتبس بشيء من العالم تقدس عن ذلك وعلا علوا كبيرا # وقد غلط قوم من الفلاسفة في هذا الموضع غلطا فاحشا فزعموا أن البارئ ~~تعالى عن قولهم سيالة في العالم ولهذا قال ثالس PageV01P085 إن الله ناشب ~~في الأشياء # وقال زينون إن كره العالم هو الله تعالى وأن المعلول هو العلة # وإنما حملهم على هذه الآراء الفاسدة ما رأوه من سريان الوحدة في ~~الموجودات وأن وجود كل شيء متعلق بوجود البارئ تعالى وسمعوا مع PageV01P086 ~~هذا قول القدماء من الحكماء إن الله تعالى مع كل شيء فتنتج لهم من ذلك هذا ~~التوهم الخبيث ولم يفكروا في أن ذلك يقودهم إلى المحال لأنه لو كان كذلك ~~لكان البارئ تعالى محمولا في غيره لأن كل صورة مفتقرة إلى موضوع يحملها ~~ويلزم من ذلك أن يكون العالم قديما وتبطل دلائل الحدوث ويلزم منه أن يكون ~~البارئ تعالى واقعا تحت الأزمنة محلا في الأمكنة في ms19 استحالة دائمة لأن من ~~شأن الهيولى أن يلبس الصورة تارة ويخلعها تارة وأن يكون البارئ تعالى شخصا ~~تارة وتارة نوعا وتارة جنسا وتارة فصلا وتارة فاعلا وتارة منفعلا # وشبه هذا من المحال نعوذ بالله من الخذلان # ومثل هؤلاء إنما يعدون في سخفاء الفلاسفة لا في عقلائهم وفي PageV01P087 ~~جهالهم لا في علمائهم # وقد أجمع العارفون بالله عز وجل أن الله تعالى مباين للعالم من جميع ~~الجهات لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء مباينة لا تقتضي تحيزا بمكان وانفصالا ~~وأنه موجود مع كل شيء وجودا لا يقتضي ممازجة واتصالا بل صفة مباينة وصفته ~~صفة لا تحيط بها العقول وإنما يعلم ذلك بما يدل عليه الدليل من غير تصوير ~~ولا تمثيل كسائر صفاته التي تثبت ولا تكيف # وقد رد أرسطاطاليس كل قول من هذه الأقوال وأنكره وضلل قائله وكفره # فإن قال قائل كيف أنكر هذه الأقوال وكفر من قالها وهو قد قال في كتابه ~~المرسوم ب ( ما بعد الطبيعة ) إن البارئ تعالى علة PageV01P088 للعالم على ~~معنى أنه فاعل له وأنه غاية له وأنه صورة له # فالجواب أنه لم يرد ما توهمته وكيف يصح أن ينكر شيئا ويقول بمثله وقد صرح ~~بأن البارئ سبحانه لا يوصف بالصورة الشخصية ولا بالصورة النوعية ولا بصفة ~~يلحقه بها نقص تعالى عن ذلك وأنه مباين للأشياء غير موصوف بصفاتها فثبت ~~بهذا أنه إنما وصفه بأنه صورة للعالم بمعنى لا يلحقه به نقص ولا شبه كما ~~يسمى حيا وعالما وقادرا ونحو ذلك على معان لا توجب شبها ولا تقتضي نقصا ~~وذلك على ثلاثة معان # | أحدها # أنه لما لم يكن وجود على الحقيقة إلا البارئ تعالى ومصنوعاته ولم يكن له ~~ضد ولا ند وكان هو الموجود على الإطلاق فوجود مصنوعاته مقتبس من وجوده حتى ~~إنه لو توهم ارتفاعه تعالى لارتفع كل موجود وصار وجود العالم كلا وجود إذ ~~لم يكن له قوام بذاته وصار PageV01P089 كأنه موجود واحد وصار كأنه صورة له ~~إذ كان وجوده به كما يوجد المصور بصورته وإن ms20 كان تعالى لا يوصف بالصورة # وقد قال أفلاطون نحو هذا في كتاب طيماوس وذلك أنه قال # ما الشيء الذي هو موجود الدهر وليس له تكون البتة # وما الشيء الذي يتكون الدهر وليس له البتة وجود # فالأول الأنواع والأجناس والثاني الأشخاص # فجعل الأشخاص التي هي موجودة عندنا كأنها غير موجودة لأنها في سيلان متصل ~~واستحالة دائمة وأثبت الوجود لأنواعها وأجناسها وإن كانت غير موجودة ~~بالحواس عندنا لثباتها على حال PageV01P090 واحدة لا تتغير عن طبعها فهكذا ~~جعل ارسطاطاليس العالم حين كان لا قوام له بنفسه كأنه غير موجود وجعل ~~الوجود إنما هو البارئ عز وجل وحده وجعله كالصورة التي لا يوجد المصور إلا ~~بها تقريبا لا حقيقة حين كان وجوده سببا لوجودها كما تكون الصورة سببا ~~لوجود مصورها # وتسمي الصوفية هذا الفناء في التوحيد ويرونه أرفع مراتبه فهذا أحد ~~المعاني التي بها سمي البارئ تعالى صورة للأشياء # | والمعنى الثاني # أنه تعالى أفاض من وحدته على كل موجود ما صارت له به هوية يتصور بها فكل ~~موجود إنما يوجد بتلك الوحدة التي سرت منه إليه بصورته PageV01P091 # | والمعنى الثالث # أن الصورة هي غاية المصور وكماله لأن الشيء إذا كان بالقوة فهو على كماله ~~الأول فإذا خرج إلى الفعل كان على كماله الآخر وخروجه من القوة إلى الفعل ~~إنما هو بالصورة # فلما كان البارئ تعالى هو الذي أخرج العالم من القوة إلى الفعل أعني من ~~العدم إلى الوجود صار من هذا الوجه كأنه صورة للعالم وإن كان غير صورة على ~~الحقيقة # وسترى كلامنا فيما بعد هذا بما يزيد هذا المعاني وضوحا إن شاء الله تعالى ~~PageV01P092 & الباب الخامس في شرح قولهم إن صفات البارئ تعالى لا يصح أن ~~يوصف بها إلا على وجه السلب & # اعلم أن الصفات نوعان # نوع يوصف به الموصوف لإزالة اشتراك يكون بينه وبين موصوف آخر كقولك جاءني ~~زيد والمخاطب يعرف رجلين كل واحد منهما يسمى بهذا الاسم أو رجالا كل واحد ~~منهم له هذا الاسم فيحتاج المخبر أن يصفه بصفة يمتاز بها ms21 عند المخاطب ممن ~~يشاركه في اسمه # والنوع الآخر لا يراد به إزالة اشتراك ولكن يراد به مدح الموصوف أو ذمه ~~والمخاطب غني عن أن يوصف له المذكور كقول القائل رأيت ابنك النجيب وليس لمن ~~تخاطبه إلا ابن واحد ونحو ذلك # وصفات البارئ جل جلاله كلها من هذا النوع الثاني إنما هي صفات يمجده بها ~~الواصفون ويثني عليه بها المثنون PageV01P093 # ولما كان البارئ جل جلاله بائنا عن جميع الموجودات غير مشبه بشيء من ~~المخلوقات صار المثني عليه مقصرا في ثنائه وإن اجتهد غير بالغ ما يستوجبه ~~وإن عظم ومجد # وبيان ذلك أن المدح ثلاثة أنواع # إفراط # واقتصاد # وتقصير # فالإفراط أن يرفع المادح الممدوح إلى مرتبة أرفع من مرتبته ومنزلة أعلى ~~من منزلته # والاقتصاد أن لا يتجاوز به مرتبته ولا يتخطى منزلته # والتقصير أن يحطه عن مرتبته ولا يوفيه حق منزلته # فالوجهان الأولان محال في وصف البارئ تعالى لأنه لا يمكن المادح أن يمدحه ~~بما يستحقه ويستوجبه لأن مرتبته مجهولة الكنه لا تحيط بها العقول وليس فوق ~~مرتبته مرتبة أعلى منها فيرفع PageV01P094 إليها لأنه نهاية الأشياء ~~وغايتها فليس في مدح المادح له إفراط ولا اقتصاد وكل مادح له مقصر في مدحه ~~غير واصف له بالواجب من حقه لأنه يصفه بصفات المعقول منها معان مخالفة لما ~~هو عليه فإذا قال إنه حي وإنه عالم وإنه سميع وإنه بصير فإنما يصفه بصفات ~~إن حملت على تعلقه بجزء منها لم تلق به عز وجل وأوجبت شبهه بالمخلوقات ~~تعالى عن ذلك # فلهذه العلة افترق الناس في وصفه جل جلاله فرقتين فقالت فرقة لا تثبت له ~~صفة على طريق الإيجاب لأن ذلك يوجب شبهة بخلقه ولكن تسلب عنه أضداد هذه ~~الصفات فلا نقول عنه عالم ولكن نقول ليس بجاهل ولا نقول هو قادر ولكن ليس ~~بعاجز ولا نقول هو موجود ولكن ليس بمعدوم # وقالت فرقة ثانية نوجب له الصفات ونتبعها حرف السلب لنزيل ما توهم فيه من ~~التشبيه بالمخلوقين فنقول هو حي لا كالأحياء وعالم لا كالعلماء ms22 وموجود لا ~~كالموجودات PageV01P095 # قالوا وإذا قلنا هو حي وموجود وعالم وقادر ولم نذكر حرف السلب فإنما نترك ~~ذاك اختصارا ولا بد من أن يكون مضمنا في الصفة وإن لم يكن مضمنا فيها لم ~~تصح # فإن قال قائل من أين كرهت الفرقة الأولى إيجاب الصفة وأبوا أن يصفوه إلا ~~على وجه السلب وقد علمنا أن قول القائل زيد ليس بجاهل يفيد ما يفيده قولنا ~~زيد عالم # فالجواب أن القول المنفي لا يوجب حكما غير حكم النفي وليس يحصل منه تشبيه ~~ولا تمثيل يقع بهما قياس كما يحصل من الإيجاب ألا ترى أنك إذا قلت زيد غير ~~قائم وعمرو غير قائم فقد نفيت عنهما جميعا القيام ولم توجب لهما اجتماعا في ~~معنى آخر لأنه قد يجوز أن يكون أحدهما قاعدا والآخر نائما أو مضطجعا ~~وكلاهما غير قائم PageV01P096 # وكذلك أنا إذا نفينا عن نفسين البياض لم نوجب لهما اجتماعا في لون آخر من ~~حمرة أو صفرة أو سواد أو غير ذلك # وكذلك لو شهد شاهدان عند حكم بأن زيدا لم يبع ضيعته من عمر ولم يكن موجبا ~~أن عمرا لا يملكها لأن للملك وجوها كثيرة غير البيع فليس في شهادتهما أكثر ~~من نفي البيع وهذا أمر متفق عليه في الأضداد التي بينهما وسائط فأما ~~الأضداد التي ليس بينهما وسائط ففيها خلاف # فقوم يرون أن القائل إذا قال في الدار رجلان أحدهما ليس بحي فقد أوجب أن ~~الآخر حي # وقوم يرون أنه لم يوجب أكثر من موت الذي نفى عنه الحياة فقط # وكذلك إذا قال أحدهما حي فقد أوجب الموت للآخر عند من رأى الرأي الأول ~~وليس فيه إيجاب موت الآخر على رأي من رأى الرأي الثاني # ولا حاجة بنا إلى ذكر ما احتج به كل واحد من الفريقين في هذا PageV01P097 ~~الموضع لأن ذلك ليس مما قصدناه وإنما قصدنا ها هنا شرح معنى قولهم إن صفات ~~البارئ جل جلاله لا تصح حتى يقرن بها حرف السلب & باب ذكر الشبه التي اغتر ~~بها من زعم ms23 أن صفات الله محدثة جل عن ذلك & # اعلم عصمنا الله وإياك من الضلالة وأرانا سبل العلم والجهالة أن ما دعا ~~هؤلاء القوم إلى هذا الإعتقاد الخبيث أنهم رأوا إن إثبات الصفات لا يصح إلا ~~على وجهين # أحدهما العقل والنظر # والآخر السمع والبصر PageV01P098 # ولا طريق إلى إثباتها إلا من هذين الوجهين وإنما يصح كل واحد من هذين ~~الوجهين بوجود المحدثات فلما كان البارئ تعالى في القدم قبل حدوث الأشياء ~~منفردا بالوجود ولم يكن هناك موجود يستدل عليه بآثار مصنوعاته ويخاطبه هو ~~تعالى بمشروعاته لم يكن حينئذ موصوفا بصفة لعدم المخاطبين والمعتبرين فلما ~~أحدث المودجودات وقع حينئذ الاستدلال عليه ومخاطبته للبشر بأنه حي وبأنه ~~عالم وبأنه قادر ونحو ذلك فوصف حينئذ بالصفات ووصف نفسه هو بها فصارت ~~الصفات محدثة بحدوث الموجودات # ومن لا يقر بالنبوات ولا يعترف بأن الله بعث بشرا فالصفات على رأيه أمور ~~أحدثها المخلوقون ثم استدلوا عليه بآثار مصنوعاته واشتقوا له من أفعاله وما ~~تقرر في نفوسهم من معرفة صفات وصفوه بها # فيقال لمن قال بهذا القول الفاسد هذا الذي قلتموه لا يبطل PageV01P099 أن ~~يكون موصوفا بالصفات النفسانية في الأزل فيكون عالما قادرا مريدا موجودا ~~وإن لم يكن هناك مخلوق يستدل أو يخاطب وليس من جهة الشرط في الصفات ~~النفسانية ألا تثبت لموصوفها حتى يوجد من يصفه بها ويخاطب بصحتها # وإنما حدث العلم للعلماء من الخلق باعتبارهم وبمخاطبة الله إياهم بعد أن ~~كانوا جهالا بالصفات # وأما الصفات أنفسها فثابتة له تعالى لا يبطلها جهل من جهلها كما لا ~~يثبتها علم من علمها # ويدل على صحة قولنا وبطلان قولهم أن الكاتب لا يبطل كتابته عدم المكتوب ~~وكذلك الباني لا يبطل صفته بالبنيان عدم المبني ولا يلزم إذا علمنا الشيء ~~أن يكون المعلوم والعلم معا بالزمان ولكن العالم قد يعلم الشيء الموجود في ~~وقت علمه وقد يعلمه بعد مضيه ويعلم أنه سيكون في الوقت الذي يجب أن يكون ~~فيه PageV01P100 ومن الدليل على فساد ما قالوه أن من صفاته عز وجل ما ms24 يتعلق ~~بالذات كقولنا إنه شيء وإنه موجود وإنه حي فيجب على هذا الرأي الفاسد أن ~~يكون البارئ تعالى كان في الأزل قبل خلق الأشياء غير شيء وغير موجود وغير ~~حي وهذا يوجب أنه كان معدوما ويلزمهم إن كانت الصفات محدثة مع الأشياء أن ~~يخبرونا من أحدثها له فإن كان هو الذي أحدثها لنفسه فكيف يجعل نفسه موجودا ~~من هو معدوم وشيئا من ليس بشيء وحيا من ليس بحي وحقا من ليس بحق # وإن كان غيره أحدثها له لم يخل ذلك الغير أن يكون إلها آخر غيره # أو يكون البشر هم الذين أحدثوها له # فإن كان أحدثها له إله آخر فهو أحق بالعبادة منه # وإن كان أحدثها البشر فكيف يحدثونها له وهو الذي أحدثهم # وإن جاز للمعدوم أن يحدث موجودا فما الذي ينكر من أن يكون العالم هو الذي ~~أحدث نفسه PageV01P101 # وكيف يحدث غيره من هو محتاج إلى أن يحدث نفسه # وكيف يصح أن يوصف بالأزل من ذاته وصفاته محدثات # فإن قال قائل فإذا أثبتم له تعالى الصفات فهل تقولون إنها راجعة إلى ~~الذات بنفسها أم إلى معان غير الذات # ففي هذه المسألة ثلاثة أقوال # أحدها # أنها ترجع إلى معان غير الذات وهو قول المجسمة وهذا كفر بحت نعوذ بالله ~~منهم لأنهم جعلوا البارئ تعالى حاملا ومحمولا وجوهرا تتعلق به الصفات ~~والأعراض تعالى الله عن قولهم # والوجه الثاني # أنها على اختلافها ترجع إلى الذات لا إلى معنى غيرها زائد عليها بأنه ~~عالم وأنه علم وأنه حي وأنه حياة ذات واحدة لا تغاير فيها PageV01P102 # وكذلك سائر صفات الذات # وهذا قول كبراء الفلاسفة وزعمائهم وإليه ذهب الشافعي وداوود وجماعة من ~~علماء المسلمين # وقال قوم # لا نقول إنها هو ولا إنها غيره # فاعترض عليهم من قال إنها غير زائدة على الذات بأن قالوا ليس يعقل شيئان ~~ليس أحدهما الآخر ولا هو غيره فاعترض عليهم أصحاب هذا القول وقالوا من أين ~~استحال إثبات شيئين ليس أحدهما الآخر ولا هو غيره فإن قلتم لأن هذا خلاف ms25 ~~المعهود قلنا لكم فكيف جاز لكم أن يكون العالم هو العلم والحياة هو الحي ~~والقادر هو القدرة وهذا كله خلاف المعهود فإن جاز لكم هذا جاز لنا إثبات ~~شيئين لا يقال إن أحدهما هو الآخر ولا هو غيره وإن كان خلاف المعهود ~~PageV01P103 # قالوا ونسألكم هل يجب إذا قام الدليل على صحة شيء أن يبطل إذا لم يوجد له ~~نظير من المعهود أم لا فإن أوجبتم أنه لا يصح إثبات شيء حتى يكون له نظير ~~من المعهود لزمكم أن يبطل قولكم إن العلم هو العالم والحياة هو الحي على ما ~~قدمنا ولزمكم ألا تثبتوا شيئا ليس في زمان ولا مكان ولا يشبه شيئا ولا ~~يشبهه شيء لأنه كله خلاف المعهود # وإن وجب أن يثبت الشيء إذا دل عليه الدليل من غير أن يوجد له نظير صح ~~قولنا إن صفات البارئ تعالى وجل لا يقال إنها هو ولا إنها غيره كما صح وصفه ~~بأشياء يخالف جميعها المعهود # قالوا فإن قال لنا قائل فمن أين صححتم قولكم وأبطلتم قول خصومكم من ~~المعتزلة إن الله عالم بلا علم قادر بلا قدرة ونحو ذلك وقد استوى قولكم ~~وقولهم في أنه خلاف المعهود # فالجواب أنا إنما قلنا إن قولنا هو الصحيح لأن قولنا مبني على أصل صحيح ~~يجوز أن يوصف الله تعالى به PageV01P104 # وقولهم مبني على أصل فاسد وهو أن صفات الله محدثه وهو أمر يبطله الشرع ~~والعقل وأيضا فإن نصوص الشرع تصحح قولنا وتبطل قولهم لأن الله تعالى قد ~~أثبت لنفسه علما في نص القرآن # وتواترت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم بأن له القدرة وإرادة ونحو ~~ذلك مما لا تقدر المعتزلة على دفعه # وإنما في قولنا شبهة عرضت وقفنا عندها فإذا صح الأصل لم يترك لشبهة تعرض ~~في التفريع وأما قولهم ففاسد الأصل والتفريع معا # وأما صفات الأفعال كخالق ورازق فالقول فيها أن البارئ تعالى لم يزل ~~موصوفا بها لأنه يستحيل أن يكون البارئ تعالى في الأزل غير خالق وغير رازق ~~ثم صار ms26 كذلك وإنما المحدثات الخلق والرزق والمخلوق والمرزوق # فإن قيل هذا يوجب عليكم تقدم العالم وأنه لم يزل موجودا معه قلنا لا يوجب ~~ذلك لأن الصفات في اللغة يوصف بها من PageV01P105 فعل فيما مضى ومن يفعل في ~~الحال من هو يريد أن يفعل في المستقبل فيقال إنه ضارب عمرو أمس وضارب عمرا ~~الآن وضارب عمرا غدا وهذا أشهر في اللغة العربية من أن يحتاج إلى شاهد ~~PageV01P106 & الباب السادس في شرح قولهم إن البارئ تعالى لا يعلم إلا نفسه ~~& # هذا القول عصمنا الله وإياك من الزلل قد أوهم كثيرا من الناس أنهم أرادوا ~~به أنه غير عالم بغيره # واستعظم قوم منهم أن يصفوه بهذه الصفة فزعموا أنه عالم بالكليات غير عالم ~~بالجزيئات # وزعم آخرون أنه عالم بعلم الكليات والجزيئات بعلم كلي # وهذا القول الثالث أقرب أقوالهم إلى الحق وإن كان فيه موضع للتعقب وأما ~~القولان الآخران فقد اجتمع فيهما الخطأ الفاحش والجهل بصفات البارئ جل ~~جلاله وسوء التأول لكلام القدماء من الفلاسفة # ويجب علينا أولا أن نبين معنى قول الفلاسفة المتقدمين إن البارئ ~~PageV01P107 تعالى لا يعلم إلا نفسه وأنهم لم يريدوا بذلك أنه جاهل بغيره ~~ونورد من كلامهم ما يدل على براءتهم مما توهمه هؤلاء عليهم ثم نناقضهم بعد ~~ذلك فيما احتجوا به وبالله التوفيق # | فصل # أما قولهم إن البارئ تعالى لا يعلم إلا نفسه فيحتمل أربعة معان يقرب ~~بعضها من بعض # أحدها أن الوجود نوعان وجود مطلق ووجود مضاف فالوجود المطلق هو الذي لا ~~يفتقر إلى موجد ولا هو معلول لعلة هي أقدم منه والوجود المضاف هو الذي ~~يفتقر إلى موجد كان علة له # فالوجود المطلق هو الذي يوصف به البارئ جل جلاله لأنه الموجود المطلق ~~الذي لا علة لوجوده # والوجود المضاف هو الذي يوصف به سواه من الموجودات لأن وجود كل موجود ~~مقتبس من وجوده وتابع له ومتعلق به حتى إنه لو توهم ارتفاع وجوده تعالى ~~لارتفع وجود كل شيء PageV01P108 ولأجل هذا شبهوا وجود الأشياء عنه بوجود ~~نور الشمس عن ms27 الشمس لأن الشمس إذا ذهبت ذهب نورها ولم يريدوا بهذا الكلام ~~تشبيهه بالشمس على الحقيقة لأن البارئ يتعالى عن أن يكون له نظير وإنما ~~أرادوا بهذا تمثيل افتقار الموجودات إلى وجوده على جهة التقريب من الأفهام # كما قالوا أيضا إن وجود الموجودات عنه كوجود الكلام من المتكلم لا كوجود ~~الدار من البناء لأن الدار يمكن أن توجد مع عدم البناء ولا يمكن أن يوجد ~~شيء إلا بوجود البارئ تعالى # فلما كان البارئ تعالى هو الموجود الصحيح الوجود كان وجود غيره لاحقا ~~بوجوده وتابعا له ولم يكن في الوجود إلا هو في مصنوعاته صار الوجود من هذه ~~الجهة كأنه موجود واحد والمعلوم كأنه معلوم واحد وصار إذا علم نفسه فقد علم ~~كل وجود تابع لوجوده PageV01P109 # | والمعنى الثاني # أن المعقول تتميم للعاقل وتتميم للجوهر ولولا ذلك ما احتاج إلى أن يعقل ~~غيره وليس في كثرة معقولات العاقل دليل على فضله بل فيها دلالة عل شدة نقصه ~~فعلى قدر كمال الشيء في جوهره تقل معقولاته وعلى قدر نقصه تكثر معقولاته ~~ولأجل هذا صار النقص لازما لكل موجود دون البارئ تعالى لأنها كلها لا تنال ~~الفضيلة والكمال إلا بعقلها البارئ جل جلاله فأقربها إليه أكملها وأقلها ~~نقصا لأنه لا يحتاج في كمال جوهره إلى أكثر من عقله العلة الأولى وكلما ~~انحطت مراتب الموجودات كثر نقصها واحتاج كل واحد منها في كمال جوهره إلى أن ~~يعقل كل موجود قبله مع عقله العلة الأولى إذا لا يمكنه عقل العلة الأولى ~~حتى يعقل الوسائط التي بينه وبينها فلما كان البارئ تعالى هو نهاية الكمال ~~كان غنيا عن أن يعقل غيره وإذا كان عقل نفسه فقد عقل سواه PageV01P110 # | والمعنى الثالث # قد ذكرناه في باب شرح قولهم إن الأعداد دوائر وهمية عند شرح قول أرسطو إن ~~البارئ تعالى علة الأشياء على أنه فاعل لها وعلى أنه غاية لها وعلى أنه ~~صورة لها وذكرنا أنه لم يرد الصورة التي هي شكل وتخطيط ولا الصورة التي هي ~~النوع لأنه لا يوصف ms28 بالصورة وقلنا إن معنى ذلك أن وجود غيره لما كان مقتبسا ~~من وجوده صار من هذه الجهة كأنه صورة للموجودات إذ كانت إنما توجد بوجوده ~~كما يوجد المصور بصورته وصار وجوده كالجنس الذي يجمع الأنواع والأشخاص وإن ~~كان البارئ تعالى يتنزه عن أن يوصف بجنس أو نوع أو شخص ولكنه تمثيل وتقريب ~~لا حقيقة فيصير المعلوم أيضا من هذه الجهة واحدا # | والمعنى الرابع # أن الإنسان لا يعلم الأشياء بذاته وجوهره ولو علمها بذلك لكانت ذاته ~~عالمة أبدا ولم يحتج إلى اكتساب العلم وإنما يعلم الأشياء PageV01P111 ~~بأمور زائدة على ذاته يتخذها آلات يتوصل بها إلى نيل معقولاته وهي # | الحواس الخمس # والمعقولات الأول التي يجدها مركوزة في نفسه ولا يدري من أين حصلت له # فبهذين الصنفين من الآلات يتوصل إلى اكتساب المعارف التي يتجوهر بها ~~ويحصل له عقل مستفاد # والبارئ تعالى لا يوصف بأنه يعلم الأشياء بهذه الصفة جل عن ذلك # وإذا استحال أن يعلم الأشياء على هذا السبيل صح أن علمه ذاتي ليس باكتساب ~~وإذا استحال أن يوصف بأن علمه شيء زائد على ذاته كانت ذاته هي العلم بعينه ~~وإذا لم يصح أن يوصف بأنه مفتقر إلى غيره بل كل شيء مفتقر إليه صح أن ~~العالم والعلم والمعلوم منه شيء واحد بخلاف ما نعقله من أنفسنا # وإذا ثبت هذا بالدلائل التي يضطر إليها صار إذا علم نفسه فقد علم كل شيء ~~PageV01P112 # | فصل # ومما يدل على اعتقاد كبراء الفلاسفة وجلتهم أن البارئ تعالى عالم بكل شيء ~~لا يغيب عنه مقدار الذرة وما هو ألطف منها وأنه عالم بضمائر النفوس ووساوس ~~الصدور مع قولهم إنه لا يعرف إلا نفسه قولهم إن البارئ تعالى موجود مع كل ~~شيء يريدون أن الوحدة السارية منه تعالى بها حصل لكل موجود ذات ينفصل بها ~~عن ذات أخرى وبها تهوى كل متهو فكيف يتوهم على من يعتقد هذا أن يقول إن ~~البارئ تعالى يجهل شيئا أو يغيب عنه شيء وهذا إثبات الشيء ونقيضه معا # ومن ذلك قولهم إن ms29 البارئ تعالى عقل متجرد عن المادة بخلاف ما يوصف من أنه ~~عقل إذ كان لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء PageV01P113 # وإذا كان عندهم عقلا متجردا من المادة لم يخف عنه شيء لأن المانع لنا من ~~إدراك الأشياء إنما هو المادة # ومن ذلك قولهم إن العاقل والعقل والمعقول منه شيء واحد وكذلك العالم ~~والعلم والمعلوم وشيء واحد فذاته عندهم عقل وعلم فكيف يتوهم على من ذاته ~~عقل وعلم أنه يغيب عنه شيء # ومن ذلك قولهم إن الغرض في العلم القرب من الله تعالى في الصفات وقولهم ~~في حد الفلسفة إن معناها التشبه بالله تعالى بمقدار طاقة الإنسان فصح بهذا ~~أنه تعالى العالم على الإطلاق وأن علمه هو العلم على الإطلاق # ومن ذلك قول أفلاطون في كتاب طيماوس حين تكلم في العوالم العالية فذكر ~~فضلها ثم قال وهذا ليس لنا في عالمنا هذا بل لو عسى أنا في العوالم العالية ~~إذا نحن تهذبنا فجزنا الأفلاك التسعة وحركاتها بتطلعنا وجزنا عالم النفس ~~بتهذيبنا حتى نحل في عالم العقل الذي PageV01P114 لا تخفى عليه خافية ولا ~~تحوزه صورة وليس فيه زمان ولا مكان ولا حركة ولا كيفية ولا هيولى بل ~~الأشياء فيه حقائق مجردة مكشوفة ليس فيه قوة بل الصورة فيه ثابتة راجعة على ~~أنفسها وذواتها تعرف أنفسها وغيرها لما فيه من مطالعة البارئ جل وعز لها # وقال في موضع آخر وهو يريد أن ينفي عن نفسه أن يتوهم عليه القول بأزلية ~~العالم وقدمه فقال # إنما نريد بقولنا إن العالم لم يزل أن العوالم قد كانت مصورات عند البارئ ~~عز وجل متمثلات بالقوة قبل كونها وذلك أن البارئ تعالى لم يزل متطلعا إليها ~~ناظرا إلى ذاته عارفا بوحدانيته فترداده على ذاته بالمعرفة هو عالم العقل ~~المطابق له فيه الصور محضة # وهذا الكلام وإن فيه ما يحتاج إلى التعقب فقد صح منه أن PageV01P115 ~~مذهبه أن البارئ جل جلاله عالم بالأشياء قبل كونها بخلاف ما يتوهم عليه # ومما يدل على ذلك أيضا من مذهبه قوله في النواميس ms30 # ما من شيء أعون على صلاح أمر كل واحد من الناس وأمر جماعتهم من أن يعلموا ~~ويعتقدوا ثلاثة آراء ولا أضر من أن يجهلوها ويعتقدوا خلافها # أحدها أن يعلموا أن للأشياء صانعا # والثاني أن يعلموا أنه لا يغفل شيئا ولا يفوته شيء بل كل الأشياء تحت ~~علمه وتحت عنايته وتدبيره # والثالث أنه لا يرضيه ولا يقبل من أحد أن يخطئ خطيئه يتعمدها على أن يقيم ~~بإزائها قربانا إليه فيغفر له بل إنما يقبل قربانه إذا عمل عملا صالحا # ثم قال # وهذه معان إنما معدنها وموضع تعلمها من علم الأمور الإلهية وهو يسمى ~~باليونانية أثولوجيا PageV01P116 ومما يدل على ذلك من مذاهبهم اعتقادهم ~~وتصريحهم بأن العالم إنسان كبير كما أن الإنسان عالم صغير فكما أن ~~المحسوسات تصل إلى النفس الجزئية بتوسط الحواس الجسمانية بلازمان فتنطبع ~~صورها في العقل الجزئي الهيولاني فكذلك في العالم الذي هو الإنسان الكبير ~~أشياء هي بمنزلة الحواس للنفس الكلية التي هي نفس الإنسان الأكبر يتصل بها ~~من قبلها أحوال العالم بلا زمان وإذا اتصلت بالنفس الكلية اتصلت بالعقل ~~الكلي كاتصالها بالعقل الجزئي وإذا اتصلت بالعقل الكلي اتصلت بالبارئ جل ~~وتعالى لأن العقل الكلي لا واسطة بينه وبين الله تعالى # فهذه جمل من كلامهم تدل من تأملها على براءتهم من سوء تأويل من نسب إليهم ~~القول بأن البارئ لا يعلم الأشياء ولا يعلم إلا نفسه PageV01P117 # | فصل # وقد احتج من زعم أن الله تعالى لا يعلم الأشياء بأن قال إنما استحال أن ~~يوصف بأنه يعلم الأشياء لأن العلم بالأشياء يحتاج فيه إلى إدراك الحواس ~~وتقديم المقدمات التي بها يتوصل إلى معرفة الكليات من الجزئيات وفيه كمال ~~العالم ويحتاج فيه إلى تصور وتخيل والبارئ سبحانه يجل عن أن يوصف بأنه ~~يتصور شيئا أو يتخيله أو أنه ذو حواس يتوصل بها إلى معرفة شيء أو يحتاج إلى ~~مقدمات وأن غيره يفيده كمالا في ذاته بل هو المفيد الكمال لكل كامل على ~~مقدار مرتبته وهو غني عن غيره وغيره مفتقر إليه ففي وصفنا ms31 له بأنه يعلم ~~غيره نقص له لا كمال # وجوابنا عن هذا هو أن نقول لهم # هل تزعمون أن البارئ تعالى يشبه البشر في ذاته وصفاته أم هو مخالف لهم ~~فإن زعموا أنه مشبه لهم بالذات والصفات أو في بعض ذلك لزم أن يلحقه من ~~النقص ما يلحق البشر وأن يلزمه من الحدوث ما يلزم سائر الأشياء PageV01P118 # وإن قالوا إنه مخالف للبشر لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء قلنا لهم من أين ~~قستم علمه على علمكم وأوجبتم أنه إن كان عالما لزم أن يعلم باستنباط ~~ومقدمات واحتاج إلى حواس # وما تنكرون من أن يكون يعلم الأشياء بنوع آخر من العلم لا يكيف ولا يشبه ~~علم البشر # وما الذي تبطلون به هذا فإن قالوا لا يعقل علم إلا بهذه الطرق لزمهم ~~تشبيه البارئ تعالى بمخلوقاته وقلنا لهم من أين زعمتم أنه عالم وأنه علم ~~وأنه معلوم شيء واحد لا تغاير فيه وكذلك أنه عاقل وأنه عقل وأنه معقول شيء ~~واحد من صفاته وهذا أمر غير معقول فيما نعهده من أنفسنا # ويقال لهم كذلك لا نعقل موجودا إلا أن يكون جوهرا حاملا للأعراض أو عرضا ~~محمولا في جوهر فاحكموا على البارئ تعالى وجل أنه جوهر من جنس الجواهر ~~المعقولة ولا فرق # ويقال لمن زعم منهم أنه يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات من أين فرقتم بين ~~الأمرين PageV01P119 # فإن قالوا لأن الجزيئات تدخل تحت الزمان وتتغير بتغيره ويحتاج في معرفتها ~~إلى الحواس # وجوابنا عن هذا أن نقول # ألستم تعلمون أن الإنسان إنما يعلم الكليات بمشاهدة الجزئيات الواقعة تحت ~~الزمان والاستدلال عليها بالمقدمات الغريزيات فهل تزعمون أن الله تعالى ~~يدرك الكليات بهذا السبيل # فإن قالوا نعم شبهوه بالبشر وقلنا لهم إذا جاز عندكم أن يشبه البشر في ~~علم الكليات فما الذي يمنعه أن يشبههم في علم الجزيئات # وإن قالوا لا يجوز أن يعلم الكليات على نحو ما يعلمها البشر وإنما يعملها ~~بنوع آخر من العلم لا يكيف ولا يشبه علم البشر قلنا فما المانع أن يعلم ms32 ~~الجزيئات بهذا العلم ولا فرق # وعمدة هذا الباب وغيره من الكلام في صفات الله تعالى أن تجعل اصلك أن ~~البارئ سبحانه لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء وتجتهد في أن تعلم هذه الجملة ~~بالبراهين الواضحة PageV01P120 فإذا تقررت في نفسك سقطت عنك هذه الوساوس ~~كلها لأن الذين غلطوا في هذه المعاني إنما عرض لهم الغلط لأنهم يقيسون الله ~~تعالى بالبشر ويشبهون صفاته بصفاتهم # وقد أثبتت شريعتنا الحنيفية التي شرفنا الله تعالى بها أن الله عالم ~~بكبير الأشياء وصغيرها لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وأنه ~~@QB@ يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور @QE@ @QB@ وما تسقط من ورقة إلا ~~يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين @QE@ # وهذه صفات الكمال التي تليق بالله تعالى لا ما زعمه هؤلاء المبطلون ~~PageV01P121 # وقد ذكرنا من كلام الفلاسفة المتقدمين ما يطابق هذا الذي ورد به شرعنا ~~وقد قلت في ذلك # ( يا واصفا ربه بجهل % لم تقدر الله حق قدره ) + من مخلع البسيط + # ( كيف يفوت الإله علم % بسر مخلوقه وجهره ) # ( وهو محيط بكل شيء % وكلها كائن بأمره ) PageV01P122 & الباب السابع في ~~إقامة البراهين على أن النفس الناطقة حية بعد مفارقة الجسم & # النفوس ثلاثة # نباتية # وحيوانية # وناطقة # فأما النفس النباتية والنفس الحيوانية فلا نعلم خلافا في عدمها بعدم ~~الجسم وإنما وقع الخلاف في النفس الناطقة وهي العاقلة المميزة فزعم قوم ~~أنها تعدم عند فراقها الجسم كعدم النباتية والحيوانية # وقال قوم إنها باقية حية لا عدم لها وهو مذهب سقراط وأرسطو وأفلاطون ~~وسائر زعماء الفلاسفة وعلى ذلك تدل الشرائع كلها PageV01P123 # وأنا أذكر جملة من البراهين الفلسفية على بقائها لأن الشرعية لا تليق ~~بهذا الوضع وبالله التوفيق # | برهان أول # ميل الإنسان إلى الشهوات الطبيعية وانغماره في اللذات الجسدية تمنعه من ~~تصور الحقائق وقبول المعارف وتكسب ذهنه بلادة وإقلاله من ذلك يفيد ذهنه حدة ~~ويعينه على قبول المعارف وتصور الحقائق فدل ذلك على أن المادة الطبيعية آفة ~~للنفس الناطقة وأنها كلما انسلخت منها كانت ms33 أكثر تمييزا وأصح معرفة # وينتج من هذه المقدمات أن تكون عند الموت أصح تمييزا وأبصر للحقائق ~~لانسلاخها من جميع المادة ولا يكون التمييز والتصور إلا لحي فالنفس إذن حية ~~بعد موت الجسم # وقد وافق هذا البرهان الفلسفي من نصوص شرعنا قول الله تعالى PageV01P124 # ( لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ) # وقول نبينا صلى الله عليه وسلم ( الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا ) # | برهان ثان # كل موجود بالفعل من الأشياء الطبيعية فقد كان موجودا بالقوة وكل ما كان ~~موجودا بالقوة ثم وجد بالفعل فمخرجه إلى الوجود شيء آخر هو موجود بالفعل ~~كالماء الذي هو بارد بالقوة ويخرجه إلى الحرارة بالفعل النار التي هي حارة ~~بالفعل وهذا اضطرار إذ لا يصح أن يوجد الشيء نفسه ولا يصح أيضا أن يخرجه من ~~الوجود بالقوة PageV01P125 إلى الوجود بالفعل ما هو موجود بالقوة لأنهما قد ~~تساويا في العدم وكل واحد منهما مفتقر إلى موجد وإذا استحال الأمران صح أن ~~مخرج الشيء من القوة إلى الفعل لا يكون إلا غيره ولا يكون إلا موجودا ~~بالفعل # وإذا ثبت هذا قلنا إن بعض الأجسام حي بالقوة ثم يصير حيا بالفعل فمخرجه ~~إذن إلى الحياة جوهر آخر غيره حي بالفعل والجسم أيضا إنما يصير حيا بمقارنة ~~النفس له فالنفس إذن حية بالفعل وما هو حي بالفعل لا يعدم الحياة فالنفس ~~إذن لا تعدم الحياة # | برهان ثالث # نفوسنا الناطقة إنما تفتقر إلى الحواس الجسدية ما دامت عارية من الصور ~~العقلية فإذا حصلت فيها صورة من الصور العقلية لم تحتج إلى استعمال الحاسة ~~التي كانت تتوصل بها إليها فدل ذلك على أن للنفس PageV01P126 استقلالا ~~بذاتها تستغني به عن الجسم وأن أعضاء الجسم إنما هي آلات تلتقط بها معارفها ~~فانتتج من ذلك أن النفس الناطقة إذا تجوهرت بالمعارف وحصل لها العقل ~~المستفاد لم تحتج إلى التعلق بالجسم # | برهان رابع # نفوسنا تجد الأشياء الهيولانية مصورة في ذاتها عند مغيب الأشياء المصورة ~~عن حواسنا وكذلك نرى الأشياء في حال نومنا ms34 وما تراه نفوسنا من ذلك في حالتي ~~اليقظة والنوم إنما هي صورة مجردة من هيولاتها فثبت بذلك أن الصور لها ~~وجودان # وجود في الهيولى # ووجود خلو من الهيولى PageV01P127 ولولا ذلك لم يمكن نفوسنا أن تجد صورة ~~إلا في هيولاتها # وإذا ثبت ذلك لم يستنكر وجود الإنسان بعد الموت صورة مجردة من الهيولى ~~ولم يمنع من ذلك مانع # | برهان خامس # نجد الإنسان بالمشاهدة يبدأ طفلا لا يعلم شيئا ثم لا يزال كلما نشأ يترقى ~~في المعارف وتكثر المعقولات في نفسه حتى يصير فيلسوفا حكيما # فلا يخلو ما يستفيده من التمييز والمعرفة أن يكون # من قبل جسمه فقط # أو من قبل نفسه فقط # أو من قبلهما معا # فإن كان من قبل جسمه فيجب أن يكون الإنسان كلما ضخم جسمه وكثرت مادته كان ~~أقعد بقبول المعارف وكلما ضؤل وقلت مادته PageV01P128 كان أبعد عن قبول ~~المعارف ونحن نجد الأمر بعكس ذلك لأنا نرى من به السلال والذبول ينقص جسمه ~~كل يوم وذهنه باق على كماله إلى أن تفارقه النفس فبطل بهذا الدليل أن يكون ~~ذلك من قبل جسمه # وبنحو هذا الدليل يبطل أن يكون ذلك من قبل نفسه وجسمه معا فإذن ما ~~يستفيده الإنسان من التمييز والمعارف إنما هو من قبل النفس فقط ولاحظ في ~~ذلك للجسم أكثر من أنه آلة لها بمنزلة الآلات للصناعة ولا يصح وجود التمييز ~~والمعارف من موات وإنما يصح وجودهما من حي # فالنفس إذن حية بالطبع لأن في طبعها قبول العلوم والمعارف # والجسم موات بالطبع إذ ليس في طبعه قبول شيء من ذلك # فبان بالبرهان أن الإنسان مركب من جوهرين PageV01P129 # أحدهما حي بالطبع وهي النفس # والآخر موات بالطبع وهو الجسم # وإنهما لما اقترنا عرض لكل واحد منهما عرض من قبل صاحبه فعرض للجسم ~~الحياة التي هي الحس من قبل النفس وعرض للنفس الموت الذي يراد به الجهل من ~~قبل الجسم # فالنفس إذن حية بالطبع ميتة بالعرض والجسم ميت بالطبع حي بالعرض فإذا ~~انفصل كل واحد منهما من صاحبه خلص ms35 للجسم الموت المحض الذي هو طبعه وفارقته ~~الحياة العرضية التي كان استفادها من النفس وخلص للنفس الحياة المحضة التي ~~هي طبعها وفارقها الموت العرضي الذي كان عرضا لها من قبل استغراقها في ~~الجسم # | برهان سادس # النفس الناطقة تناقض النفس الحيوانية لأنها ترغب في كسب الفضائل واطراح ~~الرذائل وتزهد في اللذات الجسدية وترغب في اللذات العقلية PageV01P130 # والنفس الحيوانية بضد ذلك ولذلك سميت بهيمية # فإن كان لا بقاء للنفس الناطقة بعد فراق الجسد ولا لها حياة أخرى تجني ~~فيها ثمرة ما كانت تسعى فيه وتحض عليه فالنفس الحيوانية إذن أشرف من ~~الناطقة وما تأمر به النفس الحيوانية من استغراقها في الشهوات هو الصواب ~~والعقل وما تأمر به النفس الناطقة هو الخطأ والجهل # وهذا قلب العقول وعكس ما تقتضيه الحكمة # | برهان سابع # كل شيء مركب من بسائط فإنه ينحل إلى بسائط والإنسان مركب من سببين # روحاني # وجسماني PageV01P131 # ونحن نرى الإنسان إذا مات لحق جسمه بجسماني مثله فكذلك روحانيه يجب أن ~~يلحق بروحاني مثله # وقد صح بما قدمناه في البراهين السالفة أن ذلك الروحاني هو الذي يفيد ~~جسمه الحياة وأنه حي بالفعل فهو إذن حي بعد مفارقة الجسم لا يعدم الحياة # | برهان ثامن # معنى الحياة الجسدية عندنا هو مقارنة النفس للجسم واستعمالها إياه ومعنى ~~الموت مفارقة النفس إياه وتركها استعماله # وقال من زعم أن النفس هالكة بهلاك الجسم معنى الحياة أن تكون النفس ذات ~~حس ومعنى الموت أن تعدم الحس # فنسألهم عن الحس الموجود للنفس طول مقارنتها للجسم هل هو ذاتي لها أو ~~عرضي فيها PageV01P132 فإن كان ذاتيا لها بطل أن تعدم الحس بعد مفارقتها ~~الجسم وإن كان عرضيا فيها فلا يخلو من أن يكون استفادته من الجسم أو من ~~جوهر آخر مصاحب له # فإن كان الجسم هو الذي يفيدها الحس وجب ألا يعدم الجسم الحس إذا فارقته ~~النفس وهذا خلاف ما نشاهده من حالها وحال جسمها # وإن كانت النفس إنما تستفيد الحس من جوهر آخر روحاني متصل بها وجب أن ~~نسألهم عن ذلك ms36 الجوهر الآخر هل هو حساس بذاته أم بجوهر آخر أيضا ويستمر ذلك ~~إلى مالا نهاية له وما لا نهاية له بالعقل فمحال فثبت أن النفس حساسة ~~بذاتها وجوهرها وما كان حساسا بذاته وجوهره بطل أن يعدم الحياة # فالنفس إذن حية بعد فراق الجسم PageV01P133 # وقد استدل الحكماء على بقاء النفس الناطقة بأدلة كثيرة غير هذه وفيما ~~ذكرناه منها مقنع # وبالله التوفيق # كملت المسائل الفلسفية والحمد لله كثيرا PageV01P134 ms37