######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0006350 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو محمد عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي (المتوفى: 521هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 521 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الإنصاف في التنبيه على المعاني والأسباب التي أوجبت الاختلاف #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: أصول الفقه والقواعد الفقهية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0006350 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-6350 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/6350 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: د. محمد رضوان الداية #META# 041.EdNUMBER :: الثانية، 1403 #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الفكر - بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 # بسم الله الرحمن الرحيم # صلى الله على محمد وعلى آله وسلم تسليما عونك اللهم قال أبو محمد عبد ~~الله بن محمد بن السيد البطليوسي رحمه الله # الحمد لله مسبغ النعم ومسوغ القسم والمنفرد بالقدم وبارئ النسم وموجدنا ~~بعد العدم وباعث العظام الهامدة والرمم والمخالف بين الهيئات والشيم حكمة ~~تاهت في فهمها عقول ذوي الحكم خلق الأجسام من أضداد متنافرة ابتدعها بقدرته ~~وألف نقائضها بحكمته حتى أبرزها للعيان متغايرة الصور والألوان متقنة ~~الأشكال مخترعة على غير مثال وخالف بين الآراء والاعتقادات كما خالف بين ~~الصور والهيئات وأخبرنا بما في ذلك من واضح فقال تعالى {ومن آياته خلق ~~السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين} # PageV01P025 # وقال جل جلاله {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} # وبين لنا أنه قدير على غير ما أجرى العادة به فقال {ولو شاء الله لجمعهم ~~على الهدى فلا تكونن من الجاهلين} # ونبهنا ألطف تنبيه على ما في هذا الخلاف الموجود في البشر المركوز في ~~الفطر من الحكمة البالغة وأنه جعله احدى الدلائل على صحة البعث الذي أنكره ~~من ألحد في أسمائه وكفر بسوابغ نعمائه فقال وقوله الحق ووعده الصدق ~~{وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم ~~كانوا كاذبين} # PageV01P026 # وهذه الآية أحد ما تضمنه القرآن العزيز من الأدلة البرهانية على صحة ~~البعث ووجه البرهان المنفك من هذه الأية التي لا يقدرها حق قدرها الا ~~العالمون ولا ينتبه لغامض سرها الا المستبصرون أن اختلاف الناس في الحق لا ~~يوجب احتلاف الحق في نفسه وانما تحتلف الطرق الموصلة اليه والقياسات ~~المركبة عليه والحق في نفسه واحد # فلما ثبت أن ههنا حقيقة موجودة لا محالة وكان لا سبيل لنا في حياتنا هذه ~~الى الوقوف عليها وقوفا يوجب لنا الائتلاف ويرفع عنا الاختلاف اذ كان ~~الاختلاف مركوزا 2 ب في فطرنا مطبوعا في خلقنا وكان لا يمكن ms01 ارتقاعه وزواله ~~الا بارتفاع هذه الخلقة ونقلنا الى جبلة غير هذه الجبلة صح ضرورة أن لنا ~~خياة أخرى غير هذه الحياة فيها يرتفع الخلاف والعناد وتزول من صدورنا ~~الضغائن الكامنة والأحقاد وهذه هي الحال التي وعدنا الله تعالى بالمصير ~~اليها فقال تعالى {ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين} # PageV01P027 # ولا بد من كون ذلك باضطرار اذ كان وجود الاختلاف يقتضي وجود الائتلاف ~~لأنه ضرب ونوع من المضاف # وكان لا بد من حقيقة وان لم نقل ذلك صرنا الى مذهب السوفسطائية في نفي ~~الحقائق فقد صار الخلاف الموجود في العالم كما ترى أوضح الدلائل على كون ~~البعث الذي ينكره المنكرون وينازع فيه الملحدون الكافرون # فسبحان من أودع كتابه العزيز تصريحا وتلويحا كل لطيفة لمن قدره حق قدره ~~ووفق لفهم غوامض سره # وصلى الله على من هدانا به من الضلالة وعلمنا بعد الجهالة واياه يسأل أن ~~يوفقنا لاقتفاء آثاره ختى يحلنا دار المقامة في جواره # واني لما رأيت الناس قد أفرطوا في التأليف وأملوا الناظرين بأنواع ~~التصنيف في أشياء معروفة وأساليب مألوفة يغني بعضها # PageV01P028 # عن بعض صرفت خاطري الى وضع كتاب في أسباب الخلاف الواقع بين الأمة قليل ~~النظير نافع للجمهور عجيب المنزع غريب المقطع يشبه المخترع وان كان غير ~~مخترع ينتمي الى الدين بأدنى نسب ويتعلق من اللسان العربي بأقوى سبب ويخبر ~~من تأمل غرضه ومقصده بأن الطريقة الفقهية مفتقرة الى علم الأدب مؤسسة على ~~أصول كلام العرب وأن مثلها ومثله قول أبي الأسود الدؤلي ... فالا يكنها أو ~~تكنه فانه ... أخوها غذته أمه بلبانها ... وليس غرضي من كتابي هذا أن أتكلم ~~في الأسباب التي أوجبت الخلاف الأعظم بين من سلف وخلف من الأمم وانما غرضي ~~أن أذكر الأسباب التي أوجبت الخلاف بين أهل ملتنا الحنيفية التي جعلنا الله ~~تعالى من أهلها وهدانا الى واضح سبلها حتى صار من فقهائهم المالكي والشافعي ~~والحنفي والأوزاعي ومن ذوي مقالاتهم # PageV01P029 # الجبري والقدري والمشبه والجهمي ومن شيعهم # PageV01P030 # الزيدي والرافضي والسبئي والغرابي والمخمس والمحمدي ms02 وغير هؤلاء من الفرق ~~الثلاث والسبعين التي نص عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV01P031 # ولا غرضي أيضا أن أحصر أصناف المذاهب والآراء واناقض ذوي البدع المضللة ~~والأهواء لأن هذا الفن من العلم قد سبق اليه ونبه في مواضع كثيرة عليه ~~وانما غرضي أن أنبه على المواضع التي منها نشأ الخلاف بين العلماء حتى ~~تباينوا في المذاهب والآراء # وأنا أسترشد الله تعالى الى سبيل الحق وأستهديه وأسأله العون على ما ~~أحاوله وأنويه وأرغب اليه أن يعصمني من الزلل فيما أقوله وأحكيه ونه ولي ~~الطول ومسديه لا رب سواه ولا معبود حاشاه # PageV01P032 # ذكر الأسباب الموجبة للخلاف كم هي # أقول وبالله أعتصم واليه أفوض في جميع أمري وأسلم ان الخلاف عرض لأهل ~~ملتنا من ثمانية أوجه كل ضرب من الخلاف متولد منها متفرع عنها # الأول منها اشتراك الألفاظ والمعاني # والثاني الحقيقة والمجاز # والثالث الافراد والتركيب # والرابع الخصوص والعموم # والخامس الرواية والنقل # والسادس الإجتهاد فيما لا نص فيه # والسابع الناسخ والمنسوخ # والثامن الأباحة والتوسع # ونحن نذكر من كل نوع من هذه الأنواع أمثلة تنبه قارئ كتابنا هذا على ~~بقيتها اذ كان استيفاء جميع ذلك من المتعذر على من حاوله وبالله التوفيق لا ~~رب غيره # PageV01P033 ### | الباب الأول في الخلاف العارض من جهة اشتراك الألفاظ واحتمالها للتأويلات الكثيرة # PageV01P035 # هذا الباب ينقسم ثلاثة أقسام # أحدها اشتراك في موضوع اللفظة المفردة # والثاني اشتراك في احوالها التي تعرض لها من اعراب وغيره # والثالث اشتراك يوجبه تركيب الألفاظ وبناء بعضها على بعض # فأما الاشتراك العارض في موضوع اللفظة المفردة فنوعان # اشتراك يجمع معاني مختلفة متضادة واشتراك يجمع معاني مختلفة غير متضادة # فالأول كالقرء ذهب الحجازيون من الفقهاء الى أنه الطهر وذهب العراقيون ~~الى أنه الحيض ولكل واحد من القولين 3 ب شاهد من الحديث ومن اللغة # PageV01P037 # أما حجة الحجازيين من الحديث فما روي عن عمر وعثمان وعائشة وزيد بن ثابت ~~رضي الله عنهم أنهم قالوا الأقراء الأطهار # وأما حجتهم من اللغة فقول الأعشى ... وفي كل عام انت جاشم غزوة ms03 ... تشد ~~لأقصاها عزيم عزائكا ... مورثة مالا وفي الحي رفعة ... لما ضاع فيها من ~~قروء نسائكا ... # PageV01P038 # وأما حجة العراقيين من الحديث فقول النبي صلى الله عليه وسلم للمستحاضة ~~اقعدي عن الصلاة أيام أقرائك # واما حجتهم من اللغة فقول الراجز ... يا رب ذي ضغن علي فارض ... له قروء ~~كقرء الحائض ... وقد حكى يعقوب بن السكيت وغيره من اللغويين أن العرب تقول # PageV01P039 # أقرأت المرأة اذا طهرت وأقرأت اذا حاضت وذلك أن القرء في كلام العرب ~~معناه الوقت فلذلك صلح للطهر والحيض معا # ويدل على ذلك قول الشاعر ... شنئت العقر عقر بني شليل ... اذا هبت ~~لقارئها الرياح ... # وقد احتج بعض الحجازيين لقولهم بقوله تبارك وتعالى {ثلاثة قروء} فأثبت ~~الهاء في ثلاثة فدل ذلك على أنه أراد الأطهار ولو أراد الحيض لقال ثلاث ~~قروء لأن الحيض مؤنثة # PageV01P040 # وهذا لا حجة فيه عند أهل النظر وانما الحجة ما قدمناه وانما لم تكن فيه ~~حجة لأنه لا ينكر أن يكون القرء لفظا مذكرا يعنى به المؤنث ويكون تذكير ~~ثلاثة حملا على اللفظ دون المعنى كما تقول العرب جاءني ثلاثة أشخص وهم ~~يعنون نساء # والعرب تحمل الكلام تارة على اللفظ وتارة على المعنى ألا ترى الى قراءة ~~القراء {بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت} بكسر الكاف والتاء وفتحهما # ووقوع الأسماء على المسميات في كلام العرب ينقسم أربعة أقسام # أحدها أن يكون المسمى مذكرا واسمه مذكر كرجل يسمى بزيد أو عمرو # والآخر أن يكون المسمى مؤنثا وأسمه مؤنث كإمرأه تسمى فاطمة # PageV01P041 # والثالث أن يكون المسمى مؤنثا واسمه مذكر كإمرأة تسمى جعفر وزيد قال ~~الشاعر # يا جعفر يا جعفر يا جعفر # ان أك دحداحا فأنت أقصر ... أو أك ذا شيب فأنت اكبر # غرك سربال عليك أحمر ... ومقنع من الحرير أصفر وتحت ذاك سؤاة لو تذكر # والرابع أن يكون المسمى مذكرا واسمه مؤنث كرجل يسمى طلحة وحمزة # وهذا لا يخص الأسماء الأعلام دون الأجناس والأنواع # وهكذا مذهب العرب في الصفة والموصوف فربما كان الموصوف مطابقا لصفته في ~~التذكير والتأنيث كقولهم ms04 هذا رجل قائم وهذه امرأة قائمة # وربما كان مخالفا لصفته في التذكير والتأنيث كقولهم رجل ربعة وعلامة ~~ونسابة # وفي المؤنث امرأة حاسر وعاشق # PageV01P042 # قال ذو الرمة ... ولو أن لقمان الحكيم تعرضت ... لعينيه مي حاسرا كاد ~~يبرق ... فقد تبين أنه لا حجة في دخول الهاء في ثلاثة # ومن الألفاظ المشتركة الواقعة على الشيء وضده قوله تعالى {فأصبحت ~~كالصريم} # قال بعض المفسرين معناه كأنهار المضيء بيضاء لا شيء فيها # وقال آخرون كالليل المظلم سوداء لا شيء فيها # وكلا القولين موجود في اللغة أما من قال كالنهار المضيء فحجته قول زهير # PageV01P043 # . بكرت عليه غدوة فرأيته ... قعودا لديه بالصريم عواذله ... يعني الصباح # وأما من قال كالليل فحجته قول الراجز تهوي هوي أنجم الصريم # وقال آخر ... كأنا والرحال على صوار ... برمل خزاق أسلمه الصريم ... وقال ~~بعضهم معناه انحسر عنه الرمل وقال قوم معناه خرج من الليل وانجلى عنه كما ~~قال النابغة ... حتى غدا في بياض الصبح منصلتا ... يقرو الأماعز من لبنان ~~والأكما ... # PageV01P044 # وانما سمي كل واحد منهما صريما لأنه ينصرم اذا وافى الآخر # والمعنى أيضا يشهد لكل واحد من القولين لأن العرب تقول لك بياض الأرض ~~وسوادها يعنون بالبياض ما لا عمارة فيه وبالسواد ما فيه العمارة فهذا ما ~~يحتج به لمن ذهب الى معنى البياض # ومن ذهب الى معنى السواد فانما أراد أنها احترقت بريح صر أو نار كقوله ~~تعالى {فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت} # ومن هذا النوع قول أبي بكر رضي الله عنه طوبى لمن مات في النأنأة فانه ~~يحتمل أن يريد أول الاسلام عند قوة البصائر قبل وقوع الخلاف ويحتمل أنه ~~يريد به آخر الإسلام اذا ضعفت البصائر وكثرت البدع والخلاف # PageV01P045 # ويدل على صحة المعنيين جميعا قوله صلى الله عليه وسلم ان الأسلام بدأ ~~غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء # والنأنأة عند العرب الضعف لا يخص الصغر دون الكبر # قال امرؤ القيس في ذلك ... لعمرك ما سعد بخلة آثم ... ولا نأنأ يوم ~~الحفاظ ولا حصر ... # وتأوله أبو عبيد على أنه أراد ms05 به أول الأسلام وليس في لفظ الحديث ما ~~يقتضي ذلك على أن بعض الرواة قد روى في النأنأة الأولى فان كان هذا محفوظا ~~فالقول ما قال أبو عبيد # ومن هذا النوع قوله صلى الله عليه وسلم قصوا الشوارب وأعفوا اللحى # PageV01P046 # قال قوم معناه وفروا وكثروا وقال آخرون قصروا وانقصوا وكلا القولين له ~~شاهد من اللغة # أما من ذهب الى التكثير فحجته قوله تعالى {حتى عفوا} وقول جرير ... ولكنا ~~نعض السيف منها ... بأسوق عافيات اللحم كوم ... طزك ... # وأما من ذهب الى الحذف والتقصير فحجته قول زهير ... تحمل أهلها منها ~~فبانوا ... على آثار من ذهب العفاء ... فهذه جملة من اللفظ المشترك الواقع ~~على معان مختلفة متضادة # PageV01P047 # وأما اللفظ المشترك الواقع على معان مختلفة غير متضادة فنحو قوله تعالى ~~{إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو ~~يصلبوا} الى آخر الآية ذهب قوم الى أن أو ههنا للتخيير كالتي من قولك جالس ~~زيدا أو عمرأ فقالوا السلطان مخير في هذه العقوبات يفعل بقاطع السبيل أيها ~~شاء وهو قول الحسن البصري وعطاء وبه قال مالك رحمه الله # وذهب آخرون الى أن أو ههنا للتفصيل والتبعيض فمن حارب وقتل وأخذ المال ~~صلب ومن قتل ولم يأخذ المال قتل ومن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من ~~خلاف وهو قول أبي مجلز وحجاج بن أرطاة عن ابن عباس وبه قال الشافعي وأبو ~~حنيفة رحمهما الله تعالى واحتجوا بحديث رواه عثمان وعائشة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال لا يحل دم امرئ مسلم الا باحدى ثلاث زنا بعد احصان # PageV01P048 # او كفر بعد ايمان أو قتل نفس بغير حق # واحتجوا من اللغة بأن العرب تستعمل أو للافراد والتفصيل فيقولون اجتمع ~~القوم فقالوا حاربوا أو صالحوا أي قال بعضهم كذا وقال بعضهم كذا ومنه قوله ~~تعالى {وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا} 5 أوليس بين الفرق فرقة تخير ~~بين اليهودية والنصرانية وانما المعنى أن بعضهم وهم اليهود قالوا كونوا ~~هودا وبعضهم ms06 وهم النصارى قالوا كونوا نصارى فهذا تفصيل لا شك فيه # والعرب تلف الكلامين المختلفين وترمي بتفسيرهما جملة ثقة بأن السامع يرد ~~الى كل مخبر عنه ما يليق به # PageV01P049 # قال الله تعالى {ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا ~~من فضله} # ونحوه قول امرئ القيس ... كأن قلوب الطير ويابسا ... لدى وكرها العناب ~~والحشف البالي ... ولو جاء هذا الكلام مفصلا لقال كأن قلوب الطير رطبا ~~العناب ويابسا الحشف البالي # وكذلك الآية لو جاءت مفصلة لقال جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار ~~لتبتغوا من فضله # واختلفوا في النفي من الأرض ما هو فقال الحجازيون ينفى من موضع الى موضع ~~وقال العراقيون يسجن ويحبس # PageV01P050 # والعرب تستعمل النفي بمعنى السجن # قال بعض المسجونين # خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها # فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا ... اذا جاءنا السجان يوما لحاجة # عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا # ومن هذا النوع قوله صلى الله عليه وسلم أسرعكن لحاقا بي أطولكن يدا قاله ~~لنسائه فحسبنه من الطول الذي هو ضد القصر فظنت عائشة أنها المرادة فلما ~~ماتت زينب قبلها علمن حينئذ أنه انما # PageV01P051 # أراد الطول الذي هو الفضل والكرم وكانت زينب أكثرهن صدقة والعرب تقول ~~فلان أطول يدا من فلان اذا كان أكرم منه وأكثر بذلا # قال الشاعر ... ولم يك أكثر الفتيان مالا ... ولكن كان أطولهم ذراعا ... ~~ويروى أرحبهم # ومن هذا النوع قوله تعالى {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل} قال قوم ~~معناه من سبب ذلك كما يقال فعلت ذلك من أجلك # PageV01P052 # وقال قوم معناه من جناية ذلك وجريرته ويقال أجل عليهم شرا يأجله أجلا اذا ~~جناه واحتجوا بقول خوات بن جبير الأنصاري ... وأهل خباء صلاح ذات بينهم ... ~~قد احتربوا في عاجل أنا آجله ... وهذا النوع كثير جدا # وأما الاشتراك العارض من قبل اختلاف أحوال الكلمة 5 ب دون موضوع لفظها ~~فمثل قوله تعالى {ولا يضار كاتب ولا شهيد} # PageV01P053 # قال قوم مضارة الكاتب أن يكتب ما لم يمل عليه ومضارة الشهيد أن يشهد ~~بخلاف الشهادة ms07 وقال آخرون مضارتهما أن يمنعا من أشغالهما ويكلفا الكتابة ~~والشهادة في وقت يشق ذلك فيه عليهما # وانما أوجب هذا الخلاف أن قوله {ولا يضار} يحتمل أن يكون تقديره ولا ~~يضارر بفتح الراء فيلزم على هذا أن يكون الكاتب والشهيد مفعولا بهما لم يسم ~~فاعلهما وهكذا كان يقرأابن مسعود بإظهار التضعيف وفتح الراء # ويحتمل أن يكون تعديره ولا يضارر بكسر الراء فيلزم على هذا أن يكون ~~الكاتب والشهيد فاعلين وهكذا كان يقرأ ابن عمر باظهار التضعيف وكسر الراء # PageV01P054 # ومثل هذا قوله تعالى {لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده} # وأما الاشتراك العارض من قبل تركيب الكلام وبناء بعض الألفاظ على بعض فان ~~منه ما يدل على معان مختلفة متضادة ومنه ما يدل على معان مختلفة غير متضادة # فمن النوع الأول قوله تعالى {وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء ~~اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن} قال قوم معناه وترغبون ~~في نكاحهن لمالهن وقال آخرون: إنما أراد وترغبون عن نكاحهن لدمامتهن وقلة ~~مالهن # PageV01P055 # وإنما أوجب هذا الاختلاف أن العرب تقول رغبت عن الشىء إذا زهدت فيه ورغبت ~~في الشيء اذا حرصت عليه فلما ركب الكلام تركيبا سقط منه حرف الجر احتمل ~~التأويلين المتضادين فصار كقول القائل ... ويرغب ان يبني المعالي خالد ... ~~ويرغب أن يرضى صنيق الالأئم ... # فهذا البيت يحتمل أن يكون مدحا وأن يكون ذما فان جعلت الرغبة الأولى ~~مقدرة ب في والثانية مقدرة ب عن كان مدحا وان جعلت الرغبة الأولى مقدرة بعن ~~والثانية مقدرة بفي كان ذما # ومن هذا النوع قول علي رضي الله عنه أيها الناس تزعمون أني قتلت عثمان ~~ألا وان الله قتله وأنا معه أراد علي رضي الله عنه أن الله قتله وسيقتلني ~~معه فعطف أنا على الهاء من قتله وجعل الهاء في معه عائدة على عثمان رضي ~~الله عنه # وتأولته الخوارج على أنه عطف أنا على الضمير الفاعل في قتله أو على موضع ~~المنصوت بإن كما تقول 6 أان زيدا قائم ms08 # PageV01P056 # وعمرو فترفع عمرا عطفا على موضع زيد وما عمل فيه وجعلوا الضمير في قوله ~~معه عائدا على الله تعالى فأوجبوا عليه من هذا اللفظ أنه شارك في قتل عثمان ~~رضي الله عنه ولذلك قال كعب بن جعيل # اذا سيل عنه حدا شبهة # وعمى الجواب على السائلينا ... فليس براض ولا ساخط # ولا في النهاة ولا الآمرينا ... ولا هو ساه ولا سره # ولا بد من بعض ذا أن يكونا # وانما قال هذا لأن عليا رضي الله عنه كان يقول اذا ذكر له قتل عثمان رضي ~~الله عنه والله ما أمرت ولا نهيت ولارضيت ولا سخطت ولا ساءني ولا سرني # ونظير هذا الضمير في احتماله التأويلين معا قول خالد بن عبد الله القسري ~~على المنبر ان أمير المؤمنين كتب الي أن ألعن عليا # PageV01P057 # فالعنوه لعنه الله فأوهم أن الضمير راجع الى علي رضي الله عنه وانما هو ~~عائد على الآمر له بلعنته ولذلك أنكر على خالد ما جاء به من اللفظ المشترك ~~فكان بعد ذلك يصرح بلعنه بألفاظ لا اشتراك فيها # وهذا النوع من الضمائر كثير في الكلام فمنه قوله تعالى {إليه يصعد الكلم ~~الطيب والعمل الصالح يرفعه} يجوز أن يكون الضمير الفاعل الذي في يرفعه ~~عائدا على العمل فيكون معناه أن الكلم الطيب وهو التوحيد يرفع العمل الصالح ~~لأنه لا يصح عمل الامع ايمان ويجوز أن يكون الضمير الفاعل عائدا على العمل ~~والضمير المفعول عائدا على الكلم فيكون معناه أن العمل الصالح هو الذي يرفع ~~الكلم الطيب # وكلاهما صحيح لأن الإيمان قول وعقد وعمل لا يصح بعضها الا ببعض ولو جعلت ~~في هذه الآية اسم الفاعل مكان الفعل لاختلف اللفظان لأن اسم الفاعل يستتر ~~فيه ضمير ما هو له ويظهر ضمير ما ليس له فكان يلزم اذا جعلت الرفع للعمل ~~قلت والعمل الصالح رافقه هو فيستتر الضمير الفاعل ولا يظهر كما تقول هند ~~زيد ضاربته هي اذا # PageV01P058 # جعلت الضرب لهند لأنه جرى خبرا على غير من هو له فاذا جعلت الضرب لزيد ms09 ~~قلت هند زيد ضاربها ولم يحتج الى اظهار الضمير لجريانه خبرا على من هو له ### | 6 - # ب ومن هذا النوع من الضمائر قول زهير ... نظرت اليه نظرة فرأيته ... على ~~كل حال مرة هو حامله ... # يجوز أن يكون الحامل هو الغلام والمحمول هو الفرس ويجوز أن يكون الأمر ~~بعكس ذلك # ومن هذا النوع من الضمائر قوله صلى الله عليه وسلم ان الله تعالى خلق آدم ~~على صورته ذهب قوم الى أن الهاء عائدة على الله تعالى وذهب قوم الى ان ~~الهاء عائدة على آدم وسنتكلم على هذا الجواب في موضعه ان شاء الله تعالى # PageV00P000 # ومن الضمائر المشتركة قول حسان بن ثابت ... ظننتم بأن يخفى الذي قد صنعتم ~~... وفينا نبي عنده الوحي واضعه ... ذهب سيبويه الى أن الهاء من واضعه ترجع ~~على الوحي وذهب غيره الى أنها راجعة الى النبي صلى الله عليه وسلم وكلا ~~القولين صحيح المعنى فيكون معنى وضع النبي صلى الله عليه وسلم للوحي على ~~قول سيبويه أنه وضعه للناس بأمر الله تعالى فسن السنن وفرض الفروض ورتب ~~الأشياء مراتبها # ويكون معناه على قول غيره أن الوحي يضع عنده ما تصنعون أي يبين له ما ~~ترومونه وتدبرونه ويظهر له ما تخفونه من مكركم وكيدكم وتزيفونه فتقدير ~~الكلام على هذا وفينا نبي الوحي واضع ما صنعتم عنده وهذا القول عندي أظهر ~~من قول سيبويه # PageV01P060 # ويجوز أن يكون من الوضع الذي هو الاسقاط والاطراح فيكون معناه أن الوحي ~~يسقط الذي تصنعونه ويبطله # ومن هذا النوع المشترك التركيب قول الله تعالى {حرمت عليكم أمهاتكم} فان ~~هذه الآية في بعضها خلاف وفي بعضها وفاق فمن قوله {حرمت عليكم أمهاتكم} الى ~~قوله {وأخواتكم من الرضاعة} تحريم مبهم متفق عليه وقوله تعالى {وربائبكم ~~اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن} تحريم غير مبهم # ووقع قوله تعالى {وأمهات نسائكم} متوسطا بين التحريمين فجعل قوم أمهات ~~النساء من التحريم المبهم وجعله آخرون من التحريم غير المبهم وقالوا اذا ~~تروج المرأة ولم يدخل بها لم تحرم عليه ms10 أمها # وانما أوجب هذا الخلاف أنه تبارك وتعالى أعاد في هذه الآية ذكر النساء ~~مرتين ثم قال على اثر ذلك {اللاتي دخلتم بهن} فمن جعل أمهات النساء من ~~التحريم المبهم ذهب الى أن اللاتي صفة للنساء المتصلات بالربائب خاصة دون ~~النساء المتصلات بالأمهات ومن # PageV01P061 # جعلهن من التحريم غير المبهم ذهب الى 7 أأن {اللاتي دخلتم بهن} صفة ~~للنساء المذكورات في الموضعين معا فصار خلاف الفقهاء في هذه الآية مبنيا ~~على خلاف النحويين في جمع الصفة وتفريق الموصوف وذلك أن هذا الباب منه ما ~~قد أجمع النحويون على جوازه ومنه ما قد أجمعوا على منعه ومنه ما اختلفوا ~~فيه # فالذي اتفقوا على جوازه أن يتفق الموصوفان في الأعراب والعامل معا كقولك ~~مررت بزيد وأخيك العاقلين # والذي اتفقوا على منعه أن يختلف الأعرابان والعاملان معا كقولك مررت بزيد ~~وهذا أبوك لا يجيزون أن يقال العاقلان ولا العاقلين على الصفة لكن على ~~القطع والنصب باضمار أعني أو الرفع بإضمار مبتدأ كأنه قال هما العاقلان # والذي اختلفوا في جوازه أن يتفق الأعرابان ويختلف العاملان كقولك مررت ~~بغلام زيد ونزلت على عمرو العاقلين فقوم يجيزون أن يجعلوا العاقلين صفة ~~لزيد وعمرو وقوم يمنعون من ذلك # ومذهب من منع من ذلك أقيس لأن زيدا انجر بإضافة الغلام اليه وعمرو انجر ب ~~على فإذا جعلت العاقلين صفة لهما أعملت عاملين مختلفين في اسم واحد وذلك لا ~~يجوز وهو جائز على # PageV01P062 # قياس قول أبي الحسن الأخفش لأن العامل في الموصوف لا يعمل عنده في الصفة ~~وانما تنخفض الصفة عنده أو ترتفع للاتباع # فلما كانت النساء الأول من قوله {وأمهات نسائكم} العامل فيهن الإضافة ~~والنساء الأخر العامل فيهن من اختلف العاملان فيه فوجب ألا يكون {اللاتي ~~دخلتم بهن} صفة لهما معا على ما قلناه ولكن من أجازه من الفقهاء يمكنه أن ~~يحتج بشيئين # أحدهما أن يكون على مذهب من أجاز ذلك من النحويين # والآخر أن قوله تعالى {اللاتي} اسم مبني لا يظهر فيه اعراب فيمكن أن يكون ~~منصوبا بإضمار ms11 أعني أو مرفوعا بإضمار مبتدأ ولو ظهر الاعراب فيه أيضا لم ~~يمتنع من أن يحمل على الإضمار لا على الصفة فيكون كنحو ما أنشده سيبويه من ~~قول الشاعر # PageV01P063 # أمن عمل الجراف أمس وظلمه # وعدوانه أعتبتمونا براسم ... أميري عداء ان حبسنا عليهما # بهائم مال أوديا بالبهائم ### | 7 - # ب ألا ترى الى قوله أميري عداء لا يجوز أن يكون بدلا من الجراف وراسم ~~لاختلاف العاملين ولكنه على اضمار أعني ونحوه # وكذلك قول الراجز # ان بها أكتل أو رزاما # خويربين ينقفان الهاما # ف خويربين لا يجوز أن يكون مردودا على أكتل ورزام لأنه انما أوجب أحدهما ~~لدخول أو التي للشك بينهما ألا ترى أنه لا يجوز رأيت زيدا أو عمرا منطلقين # PageV00P000 # فهذا ونحوه من التركيب المشترك الذي يحتمل المعنى وضده ونظيره من الشقر ~~قوله ... قبيلة لا يغدرون بذمة ... ولا يظلمون الناس حبة خردل ... # ألا تراه قد أخرج هذا الكلام مخرج الهجو ولولا أن في غير هذا البيت دليلا ~~على ذلك لكان من الثناء والمدح # وكذلك قول الآخر ... يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن اساءة أهل ~~السوء احسانا ... # PageV01P065 # وأما التركيب الدال على معان مختلفة غير متضادة فكقوله تعالى {وما قتلوه ~~يقينا} فإن قوما يرون الضمير من قتلوه عائدا على المسيح صلى الله عليه وسلم ~~وقوما يرونه عائدا الى العلم المذكور في قوله {ما لهم به من علم إلا اتباع ~~الظن} فيجعلونه من قول العرب قتلت الشيء علما # ومن هذا النوع قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب ~~على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} فإن الناس اختلفوا في هذا التشبيه من أين ~~وقع فذهب قوم الى أن التشبيه انما وقع في عدد الأيام واحتجوا بحديث رووه أن ~~النصارى كان فرض عليهم في الإنجيل صوم ثلاثين يوما كالتي فرضت علينا وأن ~~ملوكهم زادوا فيها تطوعا حتى صيروها خمسين وذهب قوم آخرون الى أن التشبيه ~~انما وقع في الفرض لا في عدد الأيام وهذا هو القول الصحيح وان كان # PageV01P066 # القولان جائزين في ms12 كلام العرب ألا ترى أنك اذا قلت أعطيت زيدا كما أعطيت ~~عمرا احتمل أن تريد تساوي العطيتين واحتمل أن تريد تساوي الإعطاءين وان كنت ~~أعطيت أحدهما خلاف ما أعطيت الآخر # وهذا يكثر ان تتبعناه وقد أوردنا منه جملة تنبه على الغرض الذي قصدناه 8 ~~أوبالله التوفيق # PageV01P067 ### | الباب الثاني في الخلاف العارض من جهة الحقيقة والمجاز - صلى الله عليه وسلم - # PageV01P069 # قد ذهب قوم الى ابطال المجاز وذهب آخرون الى اثباته وانما كلامنا فيه على ~~مذهب من أثبته لأنه الصحيح الذي لا يجوز غيره لقوله تعالى {وما أرسلنا من ~~رسول إلا بلسان قومه} وقوله تعالى {بلسان عربي مبين} # ولا وجه لإطالة القول في الرد على من أنكره لأنا لم نقصد ذلك في كتابنا ~~هذا ولا مناقضة أحد من أهل المقالات وانما قصدنا الكلام في أصول الخلاف ~~فأقول والله الموفق # ان المجاز ثلاثة أنواع # نوع يعرض في موضوع اللفظة المفردة ونوع يعرض في أحوالها المختلفة عليها ~~من اعراب وغيره ونوع يعرض في التركيب وبناء بعض الألفاظ على بتعض # PageV01P071 # فمثال النوع الأول الميزان فإنه قد يكون المقدار الذي قد تعارفه الناس في ~~معاملاتهم ويكون العدل تقول العرب وازنت بين الشيئين اذا عادلت بينهما ورجل ~~وازن اذا كانت له حصافة ومعرفة # قال كثير # رأتني بأشلاء اللجام وعلها # من القوم أبزى بادن متباطن ... فإن أك معروق العظام فإنني # اذا ما وزنت القوم بالقوم وازن # ويقال للعروض ميزان الشعر وللنحو ميزان الكلام # ويروى أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عرض عليه عود غناء وقيل له ما ~~هذا فقال هذا هو الميزان الرومي أراد أنه ميزان الغناء # PageV01P072 # وقال بعض الشعراء يرثي عمر بن عبد العزيز رحمه الله ... قد غيب الدافنون ~~اللحد اذ دفنوا ... بدير سمعان قسطاس الموازين ... فشبه عمر رحمه الله ~~لعدله بالميزان # ومن ذلك السلسلة فان العرب تستعملها حقيقة وتستعملها مجازا على ثلاثة ~~أوجه # الأول أن تريد بها الإجبار على الأمر والاكراه عليه فمن ذلك قوله صلى ~~الله عليه وسلم عجبت لقوم يقادون الى الجنة ms13 بالسلاسل # الثاني أن يريدوا بهذا المنع من الشي والكف عنه كقول أبي خراش # PageV01P073 # . فليس كعهد الدار يا أم مالك ... ولكن أحاطت بالرعاب السلاسل ... يريد ~~بالسلاسل حدود الإسلام وموانعه التي كفت الأيدي الغاشمة عن غشمها ومنعت من ~~سفك الدماء الا بحقها 8 ب # ومن هذا قوله تعالى {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم ~~مقمحون} # والثالث أن يريدوا بها ما تتابع بعضه في اثر بعض واتصل كقولهم تسلسل ~~الحديث وتسلسل الماء ويقال ماء سلسل وسلاسل وسلسال # قال أوس بن حجر ... وأشبرنيه الهالكي كأنه ... غدير جرت في متنه الريح ~~سلسل ... وقالوا سلاسل البرق وسلاسل الرمل # PageV01P074 # قال ذو الرمة ... لأدمانة من وحش بين سويقة ... وبين الجبال العفر ذات ~~السلاسل ... ومن هذا النوع قولهم فلان على الجبل وفلان على الدابة أي فوق ~~كل واحد منهما فهذا حقيقة # ثم يقولون علاه دين وفلان أمير على البصرة يريد بذلك القهر والغلبة وكذلك ~~قولهم فلان في الدار وفي البيت ثم يقولون أنا في حاجتك وانما يريدون أن قد ~~شغلتني فلم تدع في فضلا لغيرها فشبهوا ذلك بالمكان الذي يحيط بالمتمكن من ~~جهاته الست فلا يدع منها فضلا لغيره # وهذا كثير جدا في اللغة يكثر ان تتبعناه ومنه قوله تعالى {فأتى الله ~~بنيانهم من القواعد} ذهب قوم الى أن البنيان ههنا # PageV01P075 # حقيقة وأنه أراد الصرح الذي بناه هامان لفرعون وهو الذي ذكره الله تعالى ~~في قوله {وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب} # وذهب آخرون الى أنه كلام خرج مخرج التمثيل والتشبيه ومعناه أن ما بنوه من ~~مكرهم وراموا اثباته وبأصيله أبطله الله تعالى وصرفه عليهم فكانوا بمنزلة ~~من بنى بنيانا يتحصن به من المهالك فسقط عليه فقتله وشبهوه بقوله تعالى ~~{ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله} # والقولان جميعا جائزان على مذاهب العرب ألا تراهم يقولون بنى فلان شرفا ~~وبنى مجدا وليس هناك بنيان في الحقيقة # PageV01P076 # قال عبدة بن الطبيب ... فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم ~~تهدما ... ويشبه هذا المعنى ms14 الذي ذهبوا اليه قول ابن أحمر ... رماني بأمر ~~كنت منه ووالدي ... بريا ومن جال الطوي رماني ... ويروى ومن جول الطوي ~~رماني والجال والجول ناحية البئر من أسفلها 9 أالى أعلاها يقول رماني بأمر ~~رجع عليه مكروهه فكأنه رماني من قعر البئر فرجعت رميته عليه فأهلكته # هكذا رواه قوم وفسروه والمعروف ومن أجل الطوي وانما كان يخاصمه في بئر ~~يدعيها كل واحد منهما فقال رماني بأمر أنا ووالدي # PageV01P077 # بريئان منه من أجل ما بيني وبينه من الخصام في الطوي وعلى هذا يدل الشعر ~~لأن قبله ... فلما رأى سفيان أن قد عزلته ... عن الماء مرمى الحائم ~~الوحداني ... ومن هذا النوع قوله عز وجل {وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال} # قوم يرون أن {الجبال} ههنا حقيقة وأنه أراد بذلك ما كان من صعود نمرود بن ~~كنعان في التابوت نحو السماء فلما كر منحدرا نحو الأرض ظنته الجبال أمرا من ~~عند الله فكادت تزول من مواضعها # وقوم آخرون يقولون {الجبال} ههنا تمثيل لأمر النبي صلى الله عليه وسلم أي ~~انهم مكروا به ليزيلوا الغز الذي رسخ رسوخ الجبال التي لا يستطاع على ~~ازالتها من مواضعها # والعرب تشبه الشيء الثابت بالجبل الشامخ والصخرة الراسية ألا ترى الى قول ~~زهير الى باذخ يعلو على من يطاوله # PageV01P078 # وقال السموءل بن عادياء # لنا جبل يحتله من نجيره # منيع يرد الطرف وهو كليل ... رسا أصله تحت الثرى وسما به # الى النجم فرع لا ينال طويل # وقال الأعشى # كناطح صخرة يوما ليفلقها # فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل # فهذا كلام العرب # PageV01P079 # ومن هذا الباب قوله تعالى {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري ~~سوآتكم وريشا ولباس التقوى} ومعلوم أن الله تعالى لم ينزل من السماء ملابس ~~تلبس وانما تأويله والله أعلم أنه أنزل المطر فنبت عنه النبات ثم رعته ~~البهائم فصار صوفا وشعرا ووبرا على أبدانها ونبت عنه القطن والكتان فاتخذت ~~من ذلك أصناف الملابس فسمى المطر لباسا اذ كان سببا لذلك على مذهب العرب في ~~تسمية الشيء باسم الشيء ms15 اذا كان منه بسبب وهذا يسمية أصحاب المعاني التدريج # ونحوه قولهم للمطر سماء لأنه ينزل من السماء وللنبت ندى لأنه عن الندى ~~يكون وللشحم ندى لأنه عن النبت يكون # قال ابن أحمر 9 ب ... كثور العداب الفرد يضربه الندى ... تعلى الندى في ~~متنه وتحدرا # PageV01P080 # . فالندى الأول المطر والندى الثاني الشحم # وقال معاوية بن مالك معود الحكماء ... اذا سقط السماء بأرض قوم ... ~~رعيناه وان كانوا غضابا ... # ونحوه قول الراجز ... الحمد لله العزيز المنان ... صار الثريد في رؤوس ~~العيدان ... يريد السنبل # ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم ينزل ربنا كل ليلة الى سماء ~~الدنيا ثلث # PageV01P081 # الليل الأخير فيقول هل من سائل فأعطيه هل من مستغفر فأغفر له هل من تائب ~~فأتوب عليه # جعلته المجسمة نزولا على الحقيقة تعالى الله عما يقول الظالمون علوا ~~كبيرا # وقد أجمع العارفون بالله عز وجل على أنه لا ينتقل لأن الانتقال من صفات ~~المحدثات # ولهذا الحديث تأويلان صحيحان لا يقتضنان شيئا من التشبيه # أحدهما أشار اليه مالك رحمه الله وقد سئل عن هذا الحديث فقال ينزل أمره ~~كل سحر فأما هو عز وجل فإنه دائم لا يزول ولا ينتقل سبحانه لا اله الا هو ~~وسئل عنه الأوزاعي فقال يفعل الله ما يشاء وهذا تلويح يحتاج الى تصريح وخفي ~~اشارة يحتاج الى تبيين عبارة # وحقيقة الذي ذهبا اليه رحمهما الله أن العرب تنسب الفعل الى من أمر به ~~كما بنسبه الى من فعله وباشره بنفسه فيقولون كتب الأمير # PageV01P082 # لفلان كتابا وقطع الأمير يد اللص وضرب السلطان فلانا ولم يباشر شيئا من ~~ذلك بنفسه انما أمر بذلك ولأجل هذا احتيج الى التأكيد الموضوع في الكلام ~~فقيل جاء زيد نفسه ورأيت زيدا نفسه # فمعناه على هذا أن الله تعالى يأمر ملكا بالنزول الى السماء الدنيا ~~فينادي بأمره # وقد تقول العرب جاء فلان اذا جاء كتابه أو وصيته ويقولون للرجل أنت ضربت ~~زيدا وهو لم يضربه اذا كان قد رضي بذلك وشايع عليه قال الله تعالى {فلم ~~تقتلون أنبياء ms16 الله من قبل إن كنتم مؤمنين} المخاطبون بها لم يقتلوا نبيا ~~ولكنهم لما رضوا بذلك وتولوا قتلة الأنبياء وشايعوهم على فعلهم نسب الفعل ~~اليهم وان كانوا لم يباشروه وعلى هذا يتأول قوله تعالى {فأتى الله بنيانهم ~~من القواعد} # فهذا تأويل كما تراه صحيح جار على فصيح كلام العرب في محاوراتها ~~والمتعارف من أساليبها ومخاطباتها وهو شرح 10 أما أراده مالك والأوزاعي ~~رحمهما الله ومما يقوي هذا التأويل ويشهد # PageV01P083 # بصحته أن بعض أهل الحديث رواه ينزل بضم الياء وهذا واضح # والتأويل الثاني أن العرب تستعمل النزول على وجهين أحدهما حقيقة والآخر ~~مجاز واستعارة # فأما الحقيقة فانحدار الشيء من علو الى سفل كقوله تعالى {وينزل من السماء ~~من جبال فيها من برد} # وكقول امرئ القيس ... هو المنزل الألاف من جو ناعط ... بني أسد حزنا من ~~الأرض اوعرا ... # وأما الاستعارة والمجاز فعلى أربعة أوجه # أحدها الإقبال على الشيء بعد الأعراض عنه والمقاربة بعد المباعدة يقال ~~نزل البائع في سلعته اذا قارب المشتري فيها بعد # PageV01P084 # مباعدته وأمكنه منها بعد منعه ويقال نزل فلان عن أهله أي تركها وأقبل على ~~غيرها ومنه قول الشاعر ... أنزلني الدهر على حكمه ... من شاهق عال الى خفض ~~... # أي جعلني أقارب من كنت أباعده وأقبل على من كنت أعرض عنه # فيكون معنى الحديث على هذا أن العبد في هذا الوقت أقرب الى رحمة الله منه ~~في غيره من الأوقاب وأن البارئ سبحانه وتعالى يقبل على عباده بالتحنن ~~والتعطف في هذا الوقت لما يلقيه في قلوبهم من التنبيه والتذكير الباعثين ~~لهم على الطاعة والجد في العمل فهذا تأويل أيضا ممكن صحيح # فأما الأقسام الباقية من معنى النزول فلا مدخل لها في هذا الحديث وانما ~~نذكرها لتوفية معنى النزول ولأنها مما يحتاج اليه في غير هذا الحديث # فمنها ما يراد به ترتيب الأشياء ووضعها مواضعها اللائقة بها كقوله # PageV01P085 # تعالى {ونزلناه تنزيلا} أي رتبناه مراتبه ووضعناه مواضعه ومن ذلك قولهم ~~نزل فلان عند منزلة حسنة أو منزلة قبيحة ومنه قول الشاعر ... أنزلوها بحيث ms17 ~~أنرلها الله بدار الهوان والإتعاس ... # ومنها ما يراد به الأعلام والقول كقوله تعالى {ومن قال سأنزل مثل ما أنزل ~~الله} أي أقول مثل ما قال الله وأعلم بمثل ما أعلم # ومن هذا انزال الوحي انما معناه أن جبريل صلى الله عليه وسلم تلقاه عن ~~الله سبحانه وتعالى وأداه الى محمد صلى الله عليه وسلم وهو راجع الى معنى ~~الإقبال الذي قدمناه # ومنها ما يراد به الإنحطاط من المرتبة والذلة كقولهم نزلت منرلة فلان عند ~~الملك أي انحطت # PageV01P086 # ويجوز أن يكون قوله أنزلني الدهر على حكمه من 10 ب هذا المعنى # وقد تستعمل العرب النزول في النماء والزيادة وهو ضد ما ذكرناه قبل هذا ~~فيقولون طعام له نزل أي بركة ونماء وأرض نزلة اذا كانت كثيرة الكلأ وتركت ~~القوم على نزلاتهم اذا كانوا نفي خصب وحسن حال # وقد يستعملونه أيضا على معنى آخر يقولون نزل القوم اذا أتوا منى ويقال ~~لمنى المنازل قال الشاعر ... أنازلة يا أسم أم غير نازلة ... أبيني لنا يا ~~أسم ما أنت فاعله ... فجميع مواضع هذه الكلمة سبعة فهذه وجوه النزول في ~~كلام العرب # ومما غلطت فيه المجسمة أيضا قوله تعالى {الله نور السماوات والأرض} # PageV01P087 # فتوهموا أن ربهم نور تعالى الله عن قول الجاهلين علوا كبيرا وانما المعنى ~~الله هادي أهل السموات والأرض والعرب تسمي كل ما جلى الشبهات وأزال ~~الالتباس وأوضح الحق نورا قال الله تعالى {وأنزلنا إليكم نورا مبينا} يعني ~~القرآن وعلى هذا المعنى سمى نبيه صلى الله عليه وسلم {وسراجا منيرا} # وقال العباس بن عبد المطلب يمدح النبي صلى الله عليه وسلم ... وأنت لما ~~ظهرت أشرقت الأر ... ض وضاءت بنورك الأفق ... وعلى هذا مجرى كلام العرب # PageV01P088 # قال امرؤ القيس بن حجر الكندي ... أقر حشا امرئ القيس بن حجر ... بنو تيم ~~مصابيح الظلام ... # وقال النابغة الذبياني ... لا يبعد الله جيرانا تركتهم ... مثل المصابيح ~~تجلو ليلة الظلم ... وقال آخر ... من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم ... مثل ~~النجوم التي يسري بها الساري ... # PageV01P089 # وقال النبي صلى الله عليه ms18 وسلم أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم # ولو منحت المجسمة طرفا من التوفيق وتأملت الآية بعين التحقيق لوجدت فيها ~~ما يبطل دعواهم دون تكلف تأويل ومن غير طلب دليل لأنه قال تعالى في عقب ~~الآية {ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم} فأخبرنا أن ما ذكره ~~في الآية العزيرة من النور والمشكاة والمصباح والزجاجة والزيتونة والشجرة ~~أمثال مضروبة عقلها عن الله تعالى من وفق لفهمها وكشفت له الحجب عن مكنون ~~سرها وعلمها كما قال تعالى {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا ~~العالمون} # فان قلت كيف وقع هذا التمثيل وما المراد به # فالجواب أنه شبه صدر المؤمن بالمشكاة وقلبه 11 أبالزجاجة ونور الهدى الذي ~~يضعه في قلبه بالمصباح وشبه مادة الهدى المنبعثة من قبل الرسول صلى الله ~~عليه وسلم التي تزيد في بصائر المؤمنين وتحفظ نور الإيمان عليهم وتمنعه من ~~أن يغلب عليه الشك فيطمسه بمادة الزيت التي تمد # PageV01P090 # المصباح لئلا يطفأ نوره وشبه النبي صلى الله عليه وسلم بالزيتونة اذ كان ~~الهدى انما ينبعث من قبله كانبعاث الزيت من الزيتونة وجعل الزيتونة لا ~~شرقية ولا غربية لأن ظهوره ومبعثه صلى الله عليه وسلم انما كان بمكة ومكة ~~متوسطة بين المشرق والمغرب # فهذا كلام كما ترى قد خرج على أحسن مخارج الكلام وتشبيه جاء على أبدع ~~وجوه التشبيه فهذا ونحوه من الحقيقة والمجاز العارضين في موضوع الكلمة # واما الحقيقة والمجاز العارضان فيها من قبل أحوالها فانهما كثيران أيضا ~~ككثرة النوع الأول فمن ذلك قولهم مات زيد فيرفعونه كما يرفعون قولهم أمات ~~الله زيدا وأحدهما حقيقة والآخر مجاز ومنه قوله تعالى {فإذا عزم الأمر} ~~والأمر لا يعزم انما يعزم عليه # قال النابغة وان الدين قد عزما # PageV01P091 # وتقول أعطي ثوب زيدا وانما الوجه أعطي زيد ثوبا لأن زيدا هو والآخذ للثوب ~~والمتناول له وولد له ستون عاما والمعنى ولد له الأولاد في ستين عاما ونحوه ~~قوله عز وجل {بل مكر الليل والنهار} وانما المراد بل مكرهم في الليل ~~والنهار وأنشد سيبويه ... أما ms19 النهار ففي قيد وسلسلة ... والليل في بطن ~~منحوت من الساج ... وتقول العرب نهارك صائم وليلك قائم وقال آخر ... لقد ~~لمتنا يا أم غيلان في السرى ... ونمت وما ليل المطي بنائم ... # PageV01P092 # وقال حميد بن ثور الهلالي ... ومطوية الأقراب أما نهارها ... فسبت وأما ~~ليلها فذميل ... # وأما المجاز والحقيقة العارضان من طريق التركيب وبناء بعض الألفاظ على ~~بعض فنحو الأمر يرد بصيغة الخبر والخبر يرد بصيغة الأمر والإيجاب يرد بصيغة ~~النفي والنفي يرد بصيغة الإيجاب والواجب يرد بصيغة الممكن والممتنع والممكن ~~والممتنع يردان بصيغة الواجب والمدح يرد بصورة الذم 11 ب والذم يرد بصورة ~~المدح والتقليل يرد بصورة التكثير والتكثير يرد بصورة التقليل ونحو ذلك من ~~أساليب الكلام التي لا يقف عليها الا من تحقق بعلم من اللسان # وكل نوع من هذه يقصد به غرض من أغراض البيان ونحن نذكر من كل نوع من هذه ~~الأنواع أمثلة تشهد بصحة ما قلناه ليحتذى فيما لم نذكره على ما ذكرناه ان ~~شاء الله تعالى # PageV01P093 # أما الأمر الوارد بصيغة الخبر فكقولهم حسبك درهم فان صيغة الكلام كصيغة ~~قولك أخوك منطلق وأبوك زيد ومعناه معنى الأمر لأن تقديره ليكفك درهم أو ~~اكتف بدرهم # قال امرؤ القيس ... وحسبك من غنى شبع وري ... # ومن هذا قولهم في الدعاء غفر الله لزيد ورحمك الله وسلام عليك ومنه قوله ~~تعالى {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} وانما المعنى لترضع الوالدات ~~أولادهن لأنه لم يخبرنا وانما أمرنا # واما الخبر الوارد بصيغة الأمر فكقولهم في التعجب أحسن # PageV01P094 # بزيد فإن صيغته صيغة قولك أحسن الى زيد وأحدهما خبر والآخر أمر لأن معنى ~~أحسن بزيد ما أحسن زيدا فانما أنت مخبر لا آمر ومكان الباء وما عملت فيه ~~رفع ومكان الى وما عملت فيه نصب ومنه قوله تعالى {أسمع بهم وأبصر} أي ما ~~أسمعهم وأبصرهم # وأما ت الإيجاب الوارد بصيغة النفي فكقولهم ما زال زيد عالما فإن صيغته ~~صيغة قولك ما كان زيد عالما والأول ايجاب والثاني يفي فإذا أدخلت على هذه ~~الجملة الا التي للإيجاب ms20 فقلت ما زال زيد الا عالما صارت صيغته صيغة الموجب ~~ومعناه معنى المنفي # والعلة في ذلك أن قولك زال زيد عالما لو كان مما يستعمل لكان معناه النفي ~~لأن معناه زال عن العلم وانتفى منه فإذا أدخلت عليه ما النافية رجع ايجابا ~~لأن النفي الثاني يبطل النفي الأول فإذا أدخلت الا بطل النفي الثاني الذي ~~أوجبته ما وعاد النفي الأول الى حاله فصار قولك ما زال زيد الا عالما ~~بمنزلة قولك زال زيد عالما # فمن النحويين من يرى أن قولك ما زال زيد الا عالما انما امتنع من الجواز ~~لأن دخول ما في صدر المسألة يوجب له العلم ودخول # PageV01P095 # الا في آخرها ينفي عنه العلم فتصير مثبتا نافيا للخبر في حال واحدة # ومنهم من يقول انما استحال لأن دخول الا عليه يبطل ما لأنها مناقضة لها ~~فكأنك قلت 12 أزال زيد عالما وهذا غير جائز لأن العرب لم تستعمل زال ~~الداخلة على الأبتداء والخبر الا مع ما # ومنهم من يقول انما استحال لأن قولك ما زال زيد عالما كلام موجب وان كان ~~بصورة المنفي فلما كان كذلك لم يجز دخول الا عليه لأن الا انما وضعت لتوجب ~~ما كان منفيا قبل دخولها فإذا كان الكلام موجبا بنفسه استغني عنها ومن طريف ~~هذا النوع قول الفرزدق ... بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم ... ولم تكثر ~~القتلى اذا هي سلت ... قال أصحاب المعاني معناه لم يشيموا سيوفهم الا وقد ~~كثرت القتلى بها حين سلت فمعناه كما ترى ايجاب وصيغته وظاهره نفي وانما وجب ~~هذا لأن قوله ولم تكثر القتلى ليس بجملة منقطعة من الجملة التي # PageV01P096 # قبلها معطوفة عليها على حد عطف الجمل على الجمل وانما هي في موضع نصب على ~~الحال من السيوف وتقدير الكلام لم يشيموا سيوفهم غير كثيرة القتلى بها حين ~~سلت فصار بمنزلة قولك لم يجئ زيد ولم يركب فرسه اذا جعلت قولك ولم يركب ~~فرسه في موضع الحال من زيد تقديره لم يجئ زيد غير راكب فرسه فمحصول معناه ~~أنه ms21 جاء راكبا فرسه فظاهره نفي ومعناه ايجاب # وقد يجوز في المسألة أنه لم يجئ ولم يركب فتنفي الفعلين معا وتجعلهما ~~جملتين ليست احداهما متعلقة بالأخرى الا على جهة العطف فقط # وأما النفي الوارد بصورة الايجاب فنحو قولهم لو جاءني زيد لأكرمته فصورته ~~صورة كلام موجب لأنه ليس فيه أداة من أدوات النفي وهو منفي في المعنى لأنه ~~لم يقع المجيء ولا الإكرام فإذا دخل عليه حروف النفي فقيل لو لم يشتمني زيد ~~لم أضربه صارت صورته صورة المنفي ومعناه معنى الموجب ومن أجل هذا قال ~~النحويون في قول امرئ القيس # PageV01P097 # . فلو ان ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال ... ان ~~نصب القليل هنا محال لأنه لو نصبه لأوجب أنه قد طلب قليلا من المال وهذا ~~خلاف ما أراده الشاعر ألا تراه يقول بعد هذا ... ولكنما أسعى لمجد موثل ... ~~وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي ... فأخبر ببعد همته وعلوها وأنه انما يطلب ~~الملك والرياسة ألا ترى النحويين قد جعلوا قوله ولم أطلب قليلا بالنصب ~~ايجابا وظاهره نفي وانما عرض هذا من قبل دخول 12 ب لو في أول البيت وقد ~~أعلمتك أن ايجابها نفي ونفيها ايجاب # ومن هذا قوله تعالى {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} {ولو شاء ربك لآمن من ~~في الأرض كلهم جميعا} # PageV01P098 # وأما ورود الواجب بصورة الممكن فكقوله تعالى {فعسى الله أن يأتي بالفتح ~~أو أمر من عنده} وقوله {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} وهذا واجب ثابت ~~وصورته صورة الممكن المشكوك فيه والعرب تفعل هذا تحريرا للمعاني واحتياطا ~~عليها ومنه قول الشاعر ... لعلي ان مالت بي الريح ميلة ... على ابن أبي ~~زبان أن يتندما ... فأخرج كلامه مخرج الممكن وانما يريد أنه يتندم لا محالة # وأما ورود الممتهع بصورة الممكن فكقول امرئ القيس ... وبدلت قرحا داميا ~~بعد صحة ... لعل منايانا تحولن أبؤسا ... وتحول المنايا أبؤسا من الممتنع ~~الذي لا يمكن وقد جعله كما ترى في # PageV01P099 # صورة الممكن على العلم منه أنه ليس كذلك تعللا بذلك واستراحة ms22 مما كان فيه ~~من عظيم البلاء # ونحوه قول كعب بن سعد الغنوي يرثي أخاه # وداع دعا يا من يجيب الى الندى # فلم يستجبه عند ذاك مجيب ... فقلت ادع أخرى وارفع الصوت دعوة # لعل أبا المغوار منك قريب ... يجيبك كما قد كان يفعل انه # نجيب لأبواب العلاء طلوب # وقال النابغة يرثي النعمان # فان تحي لا أملل حياتي وان تمت # فما في حياة بعد موتك طائل # PageV01P100 # ومن هذا الباب قول الرجل المحرق لبنيه اذا أنا مت فأحرقوني ثم أذروا ~~رمادي في اليم فلعلي أضل الله فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا شديدا ~~ألا ترى أنه أخرج ما قد تحقق انه لا يكون مخرج ما يرجى أن يكون تعللا بذلك ~~واستراحة اليه كما فعل امرؤ القيس حين اشتد به البلاء في قوله لعل منايانا ~~تحولن أبؤسا وهو لا يشك في أن هذا الذي رجاه ممتنع ومن أبين ما في ذلك قول ~~الآخر ... أخادع نفسي بالأماني تعللا ... على العلم مني أنها ليس تنفع ... ~~واما قوله فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا شديدا فمعناه فوالله لئن ~~ضيق 13 أالله علي طرق الخلاص ليعذبني وليس يشك في قدرة الله تعالى ولو شك ~~في قدرة الله لكان كافرا وانما هو # PageV01P101 # كقوله تعالى {فظن أن لن نقدر عليه} وقوله {ومن قدر عليه رزقه} أي ضيق ~~ويجوز أن يكون من القدر الذي هو القضاء فيكون معناه فوالله لئن قدر الله ~~علي العذاب ليعذبني فحذف المفعول اختصارا كما قال النابغة الجعدي ... حتى ~~لحقنا بهم تعدي فوارسنا ... كأننا رعن قف يرفع الآلا ... أراد تعدي فوارسنا ~~الخيل وقد يجوز أن يكون قوله فوالله لئن قدر الله علي من القدرة على الشيء ~~فان قيل كيف يصح هذا ودخول الشرط عليه قد جعله من حيز الممكن الذي يجوز أن ~~يكون ويجوز ألا يكون وهذه خاصة الشرط ألا ترى أنك اذا قلت ان جاءني زيد ~~أكرمته فممكن أن يقع ذلك وممكن ألا يقع وهذا شك محض في قدرة الله تعالى ~~فالجواب أن العرب ms23 قد تستعمل ان التي للشرط بمعنى اذا كما تستعمل اذا بمعنى ~~ان واذا تقع على # PageV01P102 # الشيء الذي لا يشك في كونه كقولك اذا كان الليل فأتني وكون الليل لا بد ~~منه وكقوله تعالى {إذا السماء انفطرت} فمعناه على هذا فوالله اذا قدر الله ~~علي ليعذبني عذابا شديدا # وانما جاز وقوع ان التي للشرط موقع اذا الزمانية لأن كل واحد منهما يحتاج ~~الى جواب # والشيئان اذا تضارعا جاز أن يقع كل واحد منهما موقع صاحبه فمما وقعت فيه ~~ان موقع اذا قوله تعالى {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين} وقول ~~النبي عليه السلام حين وقف على القبور انا ان شاء الله بكم لاحقون يريد اذا ~~شاء الله ومنه قول الشاعر ... فالا يكن جسمي طويلا فإنني ... له بالفعال ~~الصالحات وصول ... # PageV01P103 # معناه فاذا لم يكن جسمي طويلا فإنني أطوله بالأفعال الحسان # ولا يصح الشرط ههنا لأن قصر جسمه شيء قد كان وقع والشرط ههنا محال # ومثله قول الآخر ... فان أك قد فارقت نجدا وأهله ... فما عهد نجد عندنا ~~بذميم ... وأما وقوع اذا بمعنى ان فكقول أوس بن حجر ... اذا أنت لم تعرض عن ~~الجهل والخنا ... أصبت حليما أو أصابك جاهل ... والإعراض عن الخنا ممكن أن ~~يكون وممكن ألا يكون فليس هذا من مواضع اذا وانما هو 13 ب من مواضع ان # وأما ورود المدح في صورة الذم فكقولهم أخزاه الله ما أشعره ولعنه الله ما ~~أفصحه وقول كعب بن سعد الغنوي # PageV01P104 # . هوت أمه ما يبعث الصبح غاديا ... وماذا يرد الليل حين يؤوب ... وذكر ~~ابن جني أن أعرابيا رأى ثوبا فقال ما له محقه الله قال فقلت له لم يقول هذا ~~فقال انا اذا استحسنا شيئا دعونا عليه وأصل هذا أنهم يكرهون أن يمدحوا ~~الشيء فيصيبوه بالعين فيعدلون عن مدحه الى ذمه # وأما ورود الذم في صورة المدح فكقوله تعالى {إنك لأنت الحليم الرشيد} ~~وقول الشاعر ... وقلت لسيدنا يا حليم ... انك لم تأس أسوا رفيقا ... وأما ~~التقليل الوارد بصورة التكثير فنحو قولك كم ms24 بطل قتل زيد وكم ضيف نزل عليه ~~وأنت تريد أنه لم يقتل قط بطلا ولا قرى ضيفا قط ولكنك بقصد الإستهزاء به ~~كما تقول للبخيل يا كريم وللأحمق يا عاقل # وأما التكثير الوارد بصورة التقليل فنحو قولك رب ثوب حسن # PageV01P105 # قد لبست ورب رجل عالم قد لقيت فتقلل ما لبست من الثياب ومن لقيت من ~~العلماء تواضعا ليكون أجل لك في النفوس لأن الرجل اذا حقر نفسه تواضعا ثم ~~اختبر فوجد أعظم مما وصف به نفسه عظم في النفوس واذا تعاظم وأنزل نفسه فوق ~~منزلتها ثم اختبر فوجد أقل مما قال استخف به وهان على من كان يعظمه وقد ~~يستعمل تقليل الشيء وهو كثير في الحقيقة لضروب من الأغراض والمقاصد كالرجل ~~يهدد صاحبه فيقول لا تعادني فربما ندمت وهذا مكان ينبغي أن تكثر فيه ~~الندامة وليس بموضع تقليل وانما تأويله أن الندامة على هذا لو كانت قليلة ~~لوجب أن يتجنب ما يؤدي اليها فكيف وهي كثيرة فصار فيه من معنى المبالغة ما ~~ليس في التكثير لو وقع ههنا # ومن هذا قوله تعالى {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} # وانما تأتي رب بمعنى التكثير في مواضع الافتخار والوجه في ذلك أن المفتخر ~~يريد أن الامر الذي يقل وجوده من غيره يكثر وجوده منه فيستعير لفظ التقليل ~~في موضع لفظ التكثير اشارة الى هذا المعنى وليكون أبلغ في الافتخار # PageV01P106 # وقد توهم قوم أن رب للتكثير حين خفي عليهم ما ذكرناه 14 أمن تداخل ~~المعاني وهذه غفلة شديدة لأنا نجد المدح يخرج مخرج الذم والذم يخرج مخرج ~~المدح ولا يخرجهما ذلك عن موضوعهما الذي وضعا عليه في أصل وضعهما كما أن ~~الاسم العلم الذي وضع في أصل وضعه للخصوص قد يعرض له العموم والنكرة التي ~~وضعت في أصل وضعها للعموم قد يعرض له الخصوص ولا يبطل ذلك وضعهما الذي وضعا ~~عليه اولا وانما ذلك لكثرة المعاني وتداخلها واختلاف الأغراض وتباينها فمتى ~~وجدت شيئا قد خالف أصله فإنما ذلك لسبب وغرض فيجت لك ms25 أن تبحث عليه ولا ~~تتسرع الى بعض الأصول دون تثبت وتأمل # فمن مشكل هذا الباب قول أبي كبير الهذلي ... أزهير ان يشب القذال فإنني ~~... رب هيضل مرس لففت بهيضل ... # زهير ههنا ترخيم زهيرة وهي ابنته فلذلك فتح الراء ورب ههنا مخففة من رب # PageV01P107 # وقول أبي عطاء السندي # فإن تمس مهجور الفناء فربما # أقام به بعد الوفود وفود # والمراد بهذين البيتين التكثير ولكن خرجا مخرج التقليل ليكون أمدح ~~والمعنى أن هذا لو كان قليلا لكان فيه فخر لصاحبه فما ظنك به وهو كثير ~~ويحتمل قول أبي عطاء السندي أن يكون أراد تقليل مدة حياة المرثي التي كثرت ~~فيها عليه الوفود فعلى نحو هذه التأويلات فتأول ما ورد مخالفا للأصول # وملاك هذا الباب معرفة الحقيقة والمجاز وهو باب يدق على من لم يتمهر في ~~هذه الصناعة فلذلك ينكر كثيرا مما هو صحيح ولله در أبي الطيب المتنبي حيث ~~يقول # وكم من عائب قولا صحيحا # وآفته من الفهم السقيم ... ولكن تأخذ الآذان منه # على قدر القرائح والعلوم # ومن طريف المجاز العارض من طريق التركيب ايقاعهم أدوات المعاني على السبب ~~ومرادهم المسبب تارة وتارة يوقعونها على المسبب ومرادهم # PageV01P108 # السبب وانما يفعلون هذا لتعلق أحدهما بالآخر فمثال الأول قوله تعالى {فلا ~~تموتن إلا وأنتم مسلمون} فأوقع النهي على الموت في اللفظ والموت ليس بفعل ~~لهم فيصح نهيهم عنه وانما نهاهم عن مفارقة الإسلام فمعناه لا تفارقوا ~~الإسلام حتى تموتوا عليه فأوقع النهي على الموت لأنه السبب الذي من أجل ~~توقعه وخوفه يلزم الإنسان أن يستعد 14 ب لوروده ويتأهب له بصالح عمله ~~والثاني مثل قوله تعالى {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} وليس المراد اثبات ~~شفاعة غير نافعة لإنه لا شفاعة هناك في الحقيقة بدليل قوله تعالى {فما لنا ~~من شافعين ولا صديق حميم} فأوقع النفي على المنفعة التي هي المسبب ومراده ~~تعالى الشفاعة التي هي السبب فكأنه قال فما تكون شفاعة فتكون منفعة ونحوه ~~قولك ما نفعني كلام زيد فهذا كلام يحتمل معنيين # أحدهما أن تريد ms26 اثبات الكلام ونفي المنفعة وحدها # والثاني أن تريد نفيهما معا أي لم يكن منه كلام فتكون منفعة ومن هذا ~~الباب قول امرئ القيس # PageV01P109 # . على لاحب لا يهتدى بمناره ... ولم يرد اثبات المنار ونفي الهداية به ~~ولو كان ثم منار لكانت ثم هداية وانما المعنى ليس به منار فتكون هداية # ومن هذا قول العرب لا أرينك ههنا أي لا تكونن ههنا فإني أراك فالمراد ~~بالنهي الكون لا الرؤية # ونحوه قوله النابغة ... لا أعرفن ربربا حورا مدامعها ... كأن أبكارها ~~نعاج دوار ... فعلى هذا مخرج هذا الباب والله أعلم # PageV01P110 ### | الباب الثالث في الخلاف العارض من جهة الافراد والتركيب - صلى الله عليه وسلم - # PageV01P111 # هذا باب طريف جدا وقد تولدت منه بين الناس أنواع كثيرة من الخلاف وهو باب ~~يحتاج الى تأمل شديد وحذق بوجوه القياس ومعرفة تركيب الألفاظ وبناء بعضها ~~على بعض وذلك أنك تجد الآية الواحدة ربما استوفت الغرض المقصود بها من ~~التعبد فلم تحوجك الى غيرها كقوله تعالى {يا أيها الناس اتقوا ربكم} و {يا ~~أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله} وقوله تعالى {وأطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول} فان كل واحدة من هذه الآيات قائمة بنفسها مستوفية الغرض المراد ~~منها من التعبد وكذلك الأحاديث الواردة كقوله عليه الصلاة والسلام الزعيم ~~غارم والبينة على المدعي واليمين على المدعى عليه وربما وردت الآية غير ~~مستوفية # PageV01P113 # للغرض المراد من التعبد وورد تمام الغرض في آية أخرى وكذلك الحديث كقوله ~~تعالى {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا ~~نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب} 15 أفظاهر هذه الآية أن من أراد حرث ~~الدنيا أوتي منها ونحن نشاهد كثيرا من الناس يحرصون على الدنيا ولا يؤتون ~~منها شيئا # فهو كلام محتاج الى بيان وايضاح ثم قال في آية أخرى {من كان يريد العاجلة ~~عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد} فإذا أضيفت هذه الآية الى الآية الأولى ~~بان مراد الله تعالى وارتفع الإشكال وكذلك قوله تعالى {وإذا سألك عبادي ms27 عني ~~فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} ونحن نرى الداعي يدعو فلا يستجاب له ~~ثم قال في آية أخرى {بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء} فدل اشتراط ~~المشيئة في هذه الآية الثانية على أنه مراد في الآية الأولى # وربما وردت الأية مجملة ثم يفسرها الحديث كالآيات الواردة مجملة في ~~الصلاة والزكاة والصيام والحج ثم شرحت السنة والآثار جميع # PageV01P114 # ذلك كقوله تعالى {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة ~~منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن ~~سبيلا} ثم قال صلى الله عليه وسلم خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر ~~بالبكر جلد مئة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مئة والرجم ولأجل هذا صار ~~الفقيه مضطرا في استعمال القياس الى الجمع بين الآيات المفترقة والأحاديث ~~المتغايرة وبناء بعضها على بعض # ووجه الخلاف العارض من هذا الموضع أنه ربما أخذ بعض الفقهاء بمفرد الآية ~~وبمفرد الحديث وبنى آخر قياسه على جهة التركيب الذي ذكرنا بأن يأخذ بمجموع ~~آيتين أو بمجموع حديثين أو بمجموع آيات أو بمجموع أحاديث فيفضي بهما الحال ~~الى الاختلاف فيما ينتحلانه وربما أفضت بهما الأمر الى اختلاف العقائد فقط ~~وربما أفضى بهما الى الاختلاف في الأسباب فقط كاختلافهم في سبب تحريم الخمر ~~فإن قوما يستدلون على وجوب تحريمها بمجرد قوله تعالى {وما آتاكم الرسول ~~فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} # PageV01P115 # وقوم يستدلون على وجوب تحريمها بمجرد قوله تعالى {أيها الذين آمنوا إنما ~~الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم ~~تفلحون} الى قوله {فهل أنتم منتهون} وقوم يرون ذلك بطريق التركيب وبناء ~~الألفاظ 15 ب بعضها على بعض وذلك أنه لما قال تبارك وتعالى {يسألونك عن ~~الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس} ثم قال في آية أخرى {قل ~~إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم} تركب من نجموع الآيتين ~~قياس أنتج تحريم الخمر وهو أن يقال كل إثم حرام والخمر إثم فالخمر ms28 إذن حرام ~~والإثم من أسماء الخمر وأنشد اللغويون ... شربت الإثم حتى زال عقلي ... ~~كذاك الإثم يذهب بالعقول ... # PageV01P116 # ومثل هذا قوله تعالى فيما حكاه عن قوم لوط {أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها ~~من أحد من العالمين} ثم قال في هذه الآية التي ذكرناها {قل إنما حرم ربي ~~الفواحش ما ظهر منها وما بطن} فتركب من مجموع الآيتين قياس وهو كل فاحشة ~~حرام وفعل قوم لوط فاحشة ففعل قوم لوط اذا حرام فعلى مثل هذا أنتجت النتائج ~~وركبت القياسات # ووقع بين أصحاب القياس الخلاف بحسب تقدم القياس أو بحسب تأخره # وخالفهم قوم آخرون لم يروا القياس ورأوا الأخذ بظاهر الألفاظ فنشأ من ذلك ~~نوع آخر من الخلاف # ومما اختلفت فيه أقوال الفقهاء لأخذ كل واحد منهم بحديث مفرد اتصل به ولم ~~يتصل به سواه ما روي عن عبد الوارث بن سعيد أنه قال قدمت مكة فألفيت فيها ~~أبا حنيفة فقلت له ما تقول في رجل باع بيعا وشرط شرطا فقال البيع باطل ~~والشرط باطل فأتيت ابن أبي # PageV01P117 # ليلى فسألته عن ذلك فقال البيع جائز والشرط باطل فأتيت ابن شبرمة فسألته ~~عن ذلك فقال البيع جائز والشرط جائز فقلت في نفسي يا سبحان الله ثلاثة من ~~فقهاء العراق لا يتفقون على مسألة فعدت الى أبي حنيفة فأخبرته بما قال ~~صاحباه فقال ما أدري ما قالا لك حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال نهى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع وشرط فالبيع باطل والشرط باطل فعدت ~~الى ابن أبي ليلى فأخبرته بما قال صاحباه فقال ما أدري ما قالا لك حدثني ~~هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت أمرني رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن أشتري بريرة فأعتقها البيع جائز والشرط باطل قال فعدت ~~الى ابن شبرمة فأخبرته بما قال 16 أصاحباه فقال ما أدري ما قالا لك حدثني ~~مسعر بن كدام عن محارب بن دثار عن جابر قال بعت النبي صلى الله عليه ms29 وسلم ~~بعيرا وشرط لي حملانه الى المدينة البيع جائز والشرط جائز # PageV01P118 # وقد ترد الآية والحديث بلفظ مشترك يحتمل تأويلات كثيرة ثم ترد آية اخرى ~~أو حديث آخر بتخصيص ذلك اللفظ المشترك وقصره على بعض تلك المعاني دون بعض ~~كقوله عز من قائل {ووجدك ضالا فهدى} فإن لفظة الضلال لما كانت مشتركة تقع ~~على معان كثيرة توهم قوم ممن لم يكن له فهم صحيح بالقرآن ولا معرفة ثاقبة ~~باللسان أنه أراد الضلال الذي هو ضد الهدى فزعموا أنه كان على مذهب قوله ~~أربعين سنة وهذا خطأ فاحش نعوذ بالله من اعتقاده فيمن طهره الله تعالى ~~لنبوته وارتضاه لرسالته ولو لم يكن في القرآن العزيز ما يرد قولهم لكان ~~فيما ورد من الأخبار المتواترة ما يرد عليهم ذلك لأنه قد روي أنهم كانوا ~~يسمونه في الجاهلية الأمين وكانوا يرتضونه حكما لهم وعليهم وكانت عندهم ~~أخبار كثيرة يروونها وانذارات من أهل الكتاب والكهان بأنه يكون نبيا ولولا ~~أن كتابنا هذا ليس موضوعا لها لاقتصصناها فيكف والقرآن العزيز قد كفانا هذا ~~كله بقوله عز وجل في سورة يوسف عليه السلام {نحن نقص عليك أحسن القصص بما ~~أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين} فهذا نص جلي في شرح ~~ما وقع في تلك الآية من الإبهام وبين أيضا أنه تعالى انما أراد الضلال # PageV01P119 # الذي هو الغفلة كما قال في موضع آخر {لا يضل ربي ولا ينسى} أي لا يغفل ~~وقال تعالى {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} أي تغفل وتنسى وقالت ~~الصوفية معناه ووجدك محبا في الهدى فهداك فتأولوا الضلال هنا بمعنى المحبة ~~وهذا قول حسن جدا وله شاهد من القرآن واللغة # أما شاهده من القرآن فقوله تعالى فيما حكاه من قول اخوة يوسف لأبيهم ~~تالله انك لفي ضلالك القديم انما أرادوا بالضلال هنا افراط محبته في يوسف ~~عليه السلام وعلى جميعهم وأما شاهده من اللغة فانه جائز في مذاهب العرب أن ~~تسمى المحبة ضلالا لأن افراط المحبة يشغل المحب عن كل ms30 غرض ويحمله على ~~النسيان والإغفال لكل واجب مفترض ولذلك قيل الهوى يعمي ويصم فسميت # PageV01P120 # المحبة ضلالا اذ كانت 16 ب سبب الضلال على مذاهبهم في تسمية الشيء باسم ~~الشيء اذا كان منه بسبب # ومن هذا الباب قوله سبحانه وتعالى في سورة نوح عليه السلام {أن اعبدوا ~~الله واتقوه وأطيعون يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى} والأجل قد ~~علمنا أنه لا تأخير فيه وقد بين ذلك بقوله في عقب الآية {إن أجل الله إذا ~~جاء لا يؤخر} وقال في موضع آخر {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون} فوجب أن ينظر في معنى هذا التأخير ما هو ثم وجدنا هذه الآية ~~المبهمة المجملة قد شرحتها آية واضحة مفصلة كفتنا التأويل ولم تحوجنا الى ~~طلب الدليل وهي قوله تعالى في أول سورة هود عليه السلام {وأن استغفروا ربكم ~~ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى} فدلت هذه الآية على أنه ~~انما أراد بتأخير الأجل التمتيع الحسن لأن التمتيع الحسن يجتمع فيه الغنى ~~والسلامة # PageV01P121 # من الآفات والعز والذكر الحسن والعرب تسمي هذه الأشياء كلها زيادة في ~~العمر وتسمي أضدادها وخلافها نقصانا من العمر وقد جاء في بعض الحديث أن ~~موسى عليه السلام شكا الى الله تعالى بعدو له فأوحى الله تعالى اليه أني ~~سأميته فلما كان بعد زمن رآه فقيرا ينسج الحصير فقال يا رب ألم تعدني أن ~~تميته فقال أو ليس قد أفقرته # وقد تعين علينا في هذا الموضع أن نذكر على كم معنى يتصرف الحياة والموت ~~في اللسان العربي ليتبين ما ذكرناه بشواهده حتى لا يبقى فيه لطاعن مطعن ~~بحول الله تعالى # اعلم أن الحياة والموت لفظتان مشتركتان مستعملتان في اللغة العربية على ~~ثلاثة عشر وجها أحدها الوجود والعدم والثاني مقارنة النفس الحيوانية ~~الأجسام ومفارقتها اياها والثالث العز والذل والرابع الغنى والفقر والخامس ~~الهدى والضلال والسادس الجهل والعلم والسابع الحركة والسكون والثامن الخصب ~~والجدب والتاسع اليقظة والنوم والعاشر اشتعال النار وخمودها والحادي عشر ~~المحبة والبغضاء والثاني ms31 عشر الرطوبة اليبس والثالث عشر الرجاء والخوف 17 ~~أونحن نورد على كل وجه من هذه الوجوه أمثلة تشهد بصحة ما قلناه ان شاء الله ~~تعالى # PageV01P122 # أما الحياة والموت المراد بهما مقارنة النفوس للأجسام ومفارقتها اياها ~~فشهرتهما تغني عن ايراد مثال لهما # أما الوجود والعدم فكقولهم للشمس ما دامت موجودة حية فاذا عدمت سموها ~~ميتة قال ذو الرمة # فلما رأين الليل والشمس حية # حياة الذي يقضي حشاشة نازع # شبه الشمس عند غروبها بالحي الذي يجود بنفسه عند الموت وهو من التشبيه ~~البديع # وقال آخر # اذا شئت أداني صروم مشيع # معي وعقام تتقي الفحل مقلت ... يطوف بها من جانبيها ويتقي # بها الشمس حي في الأكارع ميت # يريد ظلها في نصف النهار أراد أنه موجود في الأكارع معدوم من سائر الجسم # وأما العز والذل والغنى والفقر فنحو ما قدمناه من حديث # PageV01P123 # موسى عليه السلام ونحو ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله ~~من سره النسأ في الأجل والسعة في الرزق فليصل رحمه ومنه قول الشاعر # ليس من مات فاستراح بميت # انما الميت ميت الأحياء ... انما الميت من يعيش كئيبا # كاسفا باله قليل الرجاء # وقال آخر # فأثنوا علينا لا أبا لأبيكم # بأفعالنا ان الثناء هو الخلد # وقال آخر # وكان أبو عمرو معارا حياته # بعمرو فلما مات مات أبو عمرو # يقول كان ابنه عمرو يحيي ذكره فكأنه حي فلما مات انقطع ذكره فكأنه انما ~~مات حينئذ # PageV01P124 # وأما ما يراد به الهدى والضلال والعلم والجهل فكقوله تعالى {يا أيها ~~الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} وقوله عز وجل {أو ~~من كان ميتا فأحييناه} المعنى أو من كان صالا فهديناه وجاهلا فعلمناه # وتقول العرب للذكي النبيه حي وللبليد الغبي ميت # وقال لقمان لابنه يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك فإن الله يحيي ~~القلب الميت بالكلمة من الحكمة يسمعها كما يحيي الأرض بالمطر # واما 17 ب الحياة والموت المراد بهما الحركة والسكون فنحو قول الراجز ... ~~قد كنت أرجو أن تموت الريح ms32 ... فأرقد اليوم وأستريح ... # فجعل هبوب كالريح حياة وسكونها موتا # PageV01P125 # وقال المجنون ... يموت الهوى مني اذا لقيتها ... ويحيا اذا فارقتها فيعود ~~... # وقال آخر ... ومجلودة بالسوط فيه حياتها ... فان زال عنها الجلد بالسوط ~~ماتت ... يعني الدوامة # وأما ما يراد به الخصب والجدب فإن العرب تقول أتيت الأرص فأحييتها اذا ~~وجدتها مخصبة ويقال أرض حية أي بالهاء وأرض ميت أي بغير هاء قال الله تعالى ~~{وأحيينا به بلدة ميتا} وقال الراجز ... أقبل سيل جاء من أمر الله ... يحرد ~~الحية المغله ... # قال بعض أصحاب المعاني أراد بالحية الأرض المخصبة والمغلة ذات الغلة ~~ويشهد لهذا التأويل رواية من روى الجنة بالجيم والنون وقال آخرون انما أراد ~~الحية نفسها والمغلة ذات الغل والحقد # PageV01P126 # وشبه تلوي السيل وانعطافه في جريه بتلوي الحية وانعطافها اذا مشت وهذا ~~نحو قول ابن الرومي ... بين حفافي جدول مسحور ... كالسيف أو كالحية المذعور ~~... الحفافان الناحيتان # وأما اليقظة والنوم فكقول الله تعالى {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي ~~لم تمت في منامها} فسمي النوم وفاة وسأل رجل ابن سيرين عن رجل غاب عن مجلسه ~~فقال له أما علمت أنه توفي البارحة فلما رأى جزع السائل قرأ {الله يتوفى ~~الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها} # وقال الشاعر ... نموت ونحيا كل يوم وليلة ... ولا بد نوما أن نموت ولا ~~نحيا ... # PageV01P127 # وأما اشتعال النار وخمودها فمشهور متعارف أيضا # فمنه قول ذي الرمة ... فقلت له ارفعها اليك وأحيها ... بروحك واقتته لها ~~قيتة قدرا ... يصف نارا اقتدحها # وقال آخر في مثله ... وزهراء ان كفنتها فهو عيشها ... وان لم أكفنها فموت ~~معجل ... # يعني بالزهراء الشررة الساقطة من الزند عند الاقتداح يقول ان بادرت اليها ~~تعند سقولها من الزند فلففتها في خرقة حييت وان تركتها ماتت وطفئت # وأما الحياة والموت المستعملان بمعنى المحبة والبغضاء فكقول الشاعر 18 أ ~~... أبلغ أبا مالك عني مغلغلة ... وفي العتاب حياة بين أقوام ... # PageV01P128 # أي اذا تعاتبوا حييت المودة بينهم واذا تركوا العتاب ماتت المودة # أي ذهبت وانقطعت وصاروا الى البغضاء والتهاجر # وأما الرطوبة ms33 واليبس فكنحو ما ذهب اليه السدي في قوله تعالى {يخرج الحي ~~من الميت ويخرج الميت من الحي} قال معناه يخرج السنبلة الخضراء من الحبة ~~اليابسة ويخرج الحبة اليابسة من السنبلة الخضراء وهذا راجع الى معنى الخصب ~~والجدب من بعض وجوهه وكقول ابن ميادة # سحائب لا من صيف ذي صواعق # ولا مخرفات ماؤهن حميم ... اذا ما هبطن الأرض قد مات عودها # بكين بها حتى يعيش هشيم # وأمات الرجاء والخوف فلا أذكر عليهما شاهدا غير قول أبي الطيب # PageV01P129 # تركتني اليوم في خجلة ... أموت مرارا وأحيا مرارا ... # فهذه الحياة والموت في كلام العرب قد استوفينا أقسامها لما جرى من ذكر ~~الآية المتقدمة # ثم نرجع الى ما كنا فيه فنقول ان من طريف هذا الباب أنه قد تتولد منه ~~مقالتان متضادتان كلاهما غلط وخطأ ويكون الصواب والحق في مقالة ثالثة ~~متوسطة بينهما ترتفع عن حد التقصير وتنحط عن حد الغلو والإقراط # واذا تأملت المقالات التي شجرت بين أهل ملتنا في الاعتقادات رأيت أكثرها ~~على هذا الصفة وقد نبهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك بقوله دين ~~الله بين الغالي والمقصر فهذا تصريح منه بهذا الذي ذكرنا وتحذير منه وقال ~~أيضا خير الأمور أوساطها وقال رجل # PageV01P130 # للحسن البصري رحمه الله علمني دينا وسوطا لا ساقطا سقوطا ولا ذاهبا فروطا ~~فقال أحسنت خير الأمور أوساطها # وهذا نوع يطول فيه الكلام ان ذهبنا الى تتبعه ولكنا نذكر منه شيئا يستدل ~~به على غيره # فمن ذلك أن قوما لما خطر ببالهم أمر القدر والقضاء وأحبوا الوقوف على ~~حقيقة ما ينبغي أن يعتقد من ذلك تأملوا القرآن العزيز والحديث المأثور ~~فوجدوا فيهما أشياء ظاهرها الإجبار 18 ب والإكراه كقوله تعالى {ولو شاء ~~الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين} وقوله {ختم الله على قلوبهم ~~وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة} وقوله {بل طبع الله عليها بكفرهم} في آيات ~~كثيرة غير هذه ووجدوا في الحديث المأثور أيضا نحو ذلك كقوله صلى الله عليه ~~وسلم السعيد من سعد في ms34 بكن أمه والشقي من شقي في بطن أمه # PageV01P131 # فبنوا من هذا النوع من الآيات والأحاديث مقالة أصلوها على أن العبد مجبر ~~ليس له شيء من الاستطاعة وصرحوا بأن من اعتقد غير هذا فقد كفر # وخطر ببال آخرين مثل ذلك ورأوا مذهب هؤلاء فلم يرتضوه معتقدا لأنفسهم ~~فتصفحوا القرآن والحديث فوجدوا فيهما آيات أخر وأحاديث ظاهرها يوهم أن ~~العبد مستطيع مفوض اليه أمره يفعل ما يشاء كقوله تعالى {ولا يرضى لعباده ~~الكفر} وقوله {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} وقوله {إنا ~~هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا} وقوله عليه السلام كل مولود يولد على ~~الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه وقوله ~~يقول الله تعالى # PageV01P132 # خلقت عبادي حنفاء كلهم فأجالتهم الشياطين عن دينهم فبنوا من هذا النوع من ~~الآيات والأحاديث مقالة ثانية مناقضة للمقالة الأولى أصلوها على أن العبد ~~مخير مفوض اليه أمره يفعل ما يشاء ويستطيع على ما لا يريد ربه تعالى الله ~~عما يقوله الجاهلون علوا كبيرا # ثم عمدت كل فرقة من هاتين الفرقتين الى ما خالف مذهبها من الآيات ~~والأحاديث فطلبت له التأويل البعيد وردوا ما أمكنهم رده من الأحاديث ~~المناقضة لمذهبهم وان كان صحيحا كمن يروم ستر ضوء النهار ويؤسس بنيانه على ~~شفا جرف هار # ولما تأملت طائفة ثالثة مقالتي الفريقين معا لم يرتضوا بواحدة منهما ~~معتقدا لأنفسهم ورأوا أنهما جميعا خطأ لأن المقالة الأولى تجوير للباري ~~تعالى وإبطال للتكليف والتكليف والمق الة الثانية تجهيل للباري تعالى بأمر ~~خلقو وتعجيز له عن تمام مشيئته فيهم وكلا الصفتين 19 ألا يليق بمن قد وصف ~~نفسه بأنه أحكم الحاكمين وأقدر القادرين ووصف نفسه جل جلاله بقوله {وما ~~تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في ~~كتاب مبين} # PageV01P133 # ورأوا أن الأخذ بالآيات والأحاديث ليس بأولى من الأخذ بالأيات والأحاديث ~~الأخر وأن الحق انما هو في واسطة تنتظم الطرفين وتسلم من شياعة المذهبين ~~واعتبروا القرآن والحديث ببصائر أصح ms35 من بصائر الفريقين فوجدوا آيات وأحاديث ~~تجمع شتيت المقالتين وتخبر بغلط الفريقين كقوله تعالى {ولولا أن ثبتناك لقد ~~كدت تركن إليهم شيئا قليلا} وقوله في سورة يوسف عليه السلام {ولقد همت به ~~وهم بها لولا أن رأى برهان ربه} وقوله {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله} فأثبت ~~للعبد مشيئة لا تتم له الا بمشيئة ربه عز وجل ووجدوا الأمة مجمعة على قولهم ~~لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم وفي هذا اثبات حول وقوة للعبد لا ~~يتمان الا بمعونة الله سبحانه اياه ووجدوا الأمة مجمعة على الرغبة الى الله ~~في العصمة والاستعاذة به من الخذلان بقولهم اللهم لا تكلنا الى أنفسنا ~~فنعجز ولا الى الناس فنضيع # ورأوا الله تعالى قد أثبت لنفسه في محكم وحيه علم غيب وعلم شهادة # PageV01P134 # بقوله {عالم الغيب والشهادة} فعلمه الغيب علمه الأشياء قبل كونها وعلمه ~~الشهادة علمه بالأشياء وقت كونها واعتبروا أحوال الانسان التي وقع فيها ~~التكليف وأحواله التي لم يقع فيها تكليف فوجدوا الله تعالى لم يأمره بألا ~~يسمع ولا يبصر ولا يأكل ولا يشرب على الاطلاق انما أمره بأن يستعمل الآلة ~~التي يسمع بها ويبصر بها ويأكل ويشرب في بعض الأشياء ولا يستعملها في بعض ~~فوجب أن يكون بين الأمرين فرق ولا فرق ههنا الا أنه مكن من أحد الأمرين ~~وجعلت له استطاعة علية ولم يمكن من ألآخر وكذلك رأوا حركة يدالمفلوج تخالف ~~حركة يد الصحيح فثبت أن بينهما فرقا ولا فرق الا وجود الاستطاعة في احداها ~~دون الأخرى ووجدوا مع هذا أحاديث تؤيد بطلان قول الفريقين معا وتدل على أن ~~الحق متوسط بين غلو أحد الفريقين وتقصير الآخر كنحو ما نروي عن جعفر الصادق ~~رضي الله عنه أن رجلا قال له هل العباد مجبرون فقال الله أعدل من أن يجبر ~~عبده 19 ب على معصيته ثم يعذبه عليها فقال له السائل فهل أمرهم مفوض اليهم ~~فقال الله أعز من أن يجوز في ملكه ما لا يريد فقال له السائل فكيف ذلك ms36 اذا ~~قال أمر بين الأمرين لا جبر ولا تفويض # PageV01P135 # وكنحو ما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه لما انصرف من صفين قام ~~اليه شيخ فقال يا أمير المؤمنين أرأيت مسيرنا الى صفين أبقضاء وقدر فقال ~~علي رضي الله عنه والله ما علونا جبلا ولا هبطنا واديا ولا خطونا خطوة الا ~~بقضاء وقدر فقال الشيخ فعند الله أحتسب عنائي اذن ما لي من أجر فقال له علي ~~رحمه الله مه يا شيخ فإن هذا قول أولياء الشيطان وخصماء الرحمن قدرية هذه ~~الأمة ان الله أمر تخييرا ونهى تحذيرا لم يعص مغلوبا ولم يطع مكرها فضحك ~~الشيخ ونهض مسرورا ثم قال # أنت الامام الذي نرجو بطاعته # يوم القيامة من ذي العرش رضوانا ... أوضحت من ديننا ما كان ملتبسا # جزاك ربك عنا فيه احسانا # وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه نحو مقالة جعفر # فلما وجدوا جميع هذا الذي ذكرناه جمعوا الآيات والأحاديث وبنوا بعضها على ~~بعض فأنتج لهم من مجموعها مقالة ثالثة سليمة من شناعة المقالتين منتظمة لكل ~~واحد من الطرفين ارتفعت عن تقصير الجبرية وانحطت عن غلو القدرية فوافقت ~~قوله صلى الله عليه وسلم دين الله بين الغالي والمقصر بنوا تفريعها على أصل ~~وجملة الغرض منه أن لله تعالى علم غيب سبق بكل ما هو كائن قبل كونه ثم خلق ~~الإنسان فجعل له عقلا # PageV01P136 # يرشده واستطاعة يصح بها تكليفه ثم طوى علمه السابق عن خلقه وأمرهم ونهاهم ~~وأوجب عليهم الحجة من جهة الأمر والنهي الواقعين عليهم لا من جهة علمه ~~السابق فيهم فهم يتصرفون بين مطيع وعاص وكلهم لا يعدو علم الله السابق فيه # فمن علم الله تعالى منه أنه يختار الطاعة فلا يجوز أن يختار المعصية ومن ~~علم أنه يختار المعصية فلا يجوز أن يختار الطاعة ولو جاز ذلك لم يكن علم ~~الله تعالى موصوفا بالكمال ولكان كعلم المخلوق الذي يمكن أن يقع الأمر كما ~~علم ويمكن أن يقع بخلاف ما علم وليس في علم ms37 الله الأمور قبل وقوعها اجبار ~~على ما توهمه 20 أالمجبرون ولا تتم لأحد استطاعة على ما يهم به من الأمور ~~الا بأن يعينه الله تعالى عليه أو يكله الى حوله ويسلمه اليه فان عصمه الله ~~مما يهم به من المعصية كان فضلا وان وكله الى نفسه كان عدلا # فاذا اعتبرت حال العبد من جهة الأضافة الى علم الله السابق فيه الذي لا ~~يعدوه وجد في صورة المجبر واذا اعتبرت حاله من جهة الاضافة الى الاستطاعة ~~المخلوقة له والأمر والنهي الواقعين عليه وجد في صورة المفوض اليه # PageV01P137 # وليس هناك اجبار مطلق ولا تفويض مطلق انما هو أمر بين أمرين يدق عن أفكار ~~المعتبرين ويحير أذهان المتأملين # وهذا هو معنى ما أشار اليه حذاق أهل السنة رحمهم الله بقولهم ان العبد لا ~~مطلق ولا موثق # فما ورد من الآيات والأحاديث التي ظاهرها الاجبار فهو مصروف الى أحد ~~ثلاثة أشياء # اما الى العلم السابق الذي لا مخرج للعبد منه ولا يمكنه أن يتخير غيره # واما الى فعل فعله الله تعالى به على جهة العقاب كقوله {بل طبع الله ~~عليها بكفرهم} واما الى الإخبار عن قدرته تعالى على ما يشاء كقوله تعالى ~~{ولو شاء الله لجمعهم على الهدى} # وما ورد من الآيات والأحاديث ظاهره التفويض فهو مصروف الى الأمر والنهي ~~الواقعين عليه وانما غلطت القدرية في هذا لأنهم لا يثبتون لله تعالى علما ~~سابقا بالأمور قبل وقوعها وعلم الله عندهم محدث تعالى الله عما يقوله ~~الجاهلون علوا كبيرا فاعتبروا حال العبد من جهة الأمر والنهي والإستطاعة ~~المركبة فيه لا من جهة العلم السابق # PageV01P138 # وغلطت الجبرية لأنهم اعتبروا حال العبد من جهة علم الله السابق فيه لا من ~~جهة الأمر والنهي الواقعين عليه وظنوا أن علم الله تعالى بجميع ما يفعله ~~العبد قبل فعله اياه اجبار منه له على الفعل وكلا القولين غلط لأنهم أخذوا ~~بالطرف الواحد وتركوا الطرف الآخر فكان المذهب أحسن المذاهب لمن آثر الخلاص ~~والسلامة # ورأى المشيخة وجلة العلماء الوقف عن الكلام ms38 في ذلك والخوض فيه لقوله صلى ~~الله عليه وسلم اذا ذكر القضاء فأمسكوا ولم يكن نهيه صلى الله عليه وسلم ~~ونهي العلماء عن الكلام في ذلك من أجل أن هذا أمر لا تمكن معرفة الحقيقة ~~منه وانما كان من أجل دقته وخفائه وأنه أمر الخطأ فيه أكثر من الاصابة فأنت ~~ترى القدرية والجبرية الى يومنا هذا يختصمون فيه وناقض بعضهم بعضا ولا ~~يصلون منه الى شفاء نفس وكل فرقة من الفريقين يفضي مذهبها الى شناعة اذا ~~ألزمتها فرت عنها # وكلا الطائفتين قد أخطأت في التأويل وضلت عن نهج السبيل ووصفت الله تعالى ~~بصفات لا تليق به عند ذوي العقول # وهذه أعزك الله جملة قليلة تفصيلها كثير وهو باب ضيق المجال جدا والخائض ~~فيه تسبق اليه الظنة بغير ما يقتقده فلذلك نتحامى الكلام فيه بأكثر مما ~~نبهنا عليه مع أنا لم نضع كتابنا هذا للخوض في المقالات انما وضعناه 20 ب ~~لنبين المواضع التي نشأ منها الخلاف # لكنا نقول ينبغي لمن طلب هذا الشأن ولم يقنعه ما رآه العلماء # PageV01P139 # وأمروا به من ترك الخوض فيه أن يراعي أصلين فان صحا له من معتقده فليعلم ~~أنه قد أصاب فص الحق وان أخطأهما أو واحدا منهما فليعلم أنه قد غلط فليراجع ~~النظر # أحدهما أنه لا فاعل على الحقيقة الا الله تعالى وان كل فاعل غيره انما ~~يفعل بمعونة من عنده ومادة يمده بها من فيضه وحوله ولو وكله الى نفسه لما ~~كان له فعل البتة # والثاني أن أفعال الباري عز وجل كلها حكمة محضة لا عبث فيها وعدل محض لا ~~جور فيه وحسن محض لا قبح فيه وخير محض لا شر فيه وأن هذه الأشياء انما تعرض ~~في أفعالنا اما لوقوع الأمر والنهي علينا واما لما ركز في خلقتنا من القوة ~~العقلية التي ترينا بعض الأشياء حسنا وبعضها قبيحا وكلا الصفتين لا يوصف ~~بهما الباري سبحانه وتعالى لأنه لا آمر فوقه ولا ناهي وهو خالق العقل ~~وموجده # وجملة ذلك أنه لا يشبه شيئا ms39 من المخلوقات في جهة من الجهات فكل قول أداك ~~الى تشبيهه بخلقه في ذات أو فعل فارفضه رفض النواة وانبذه نبذ القذاة واعلم ~~أن الحق في غيره فابحث عليه حتى تظفر به وان لم يتفق لك فهم الغرض منه ~~والمراد فاشدد يدك بعروة هذا الإعتقاد ولا تتهم بارئك في حكمته ولا تنازعه ~~في قدرته واعلم بأنه غني عنك وأنت # PageV01P140 # مفتقر اليه ووارد بما تزودت من عملك عليه تبارك المنفرد بأقضيته وأحكامه ~~الذي لا ينازع في نقضه وابرامه ولا يمتري العاقلون في عدله ولا ييأس ~~المذنبون من عفوه وفضله لا رب سواه ولا معبود حاشاه # PageV01P141 ### | الباب الرابع في الخلاف العارض من جهة العموم والخصوص - صلى الله عليه وسلم - # PageV01P143 # هذا الباب نوعان # أحدهما يعرض في موضوع اللفظة المفردة # والثاني يعرض في التركيب # فأما الذي يعرض في موضوع اللفظة المفردة فنحو الإنسان فإنه يستعمل عموما ~~وخصوصا # أما العموم فكقوله تعالى {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم} 21 أوقوله ~~{إن الإنسان لفي خسر} ويدل على أنه لفظ عام لا يخص واحدا دون آخر قوله {إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات} فاستثنى منه ولا يستثنى الا من جملة ونحو هذا ~~قول العرب أهلك الناس الدينار والدرهم وقولهم الملك أفضل من الإنسان ~~والانسان متعبد دون سائر الحيوان # والخصوص نحو قولهم جاءني الانسان الذي تعلم ولقيت الرجل الذي كلمك وقوله ~~شربت الماء وأكلت الخبز ولم يشرب جميع # PageV01P145 # الماء ولا أكل جميع الخبز وهذا كثير مشهور تغني شهرته عن الإكثار منه # وقد يأتي من هذا الباب في القرآن العظيم والحديث أشياء يتفق الجميع على ~~عمومها أو على خصوصها وأشياء يقع فيها الخلاف # فمن العموم الذي لم يختلف فيه قوله تعالى {يا أيها الناس اتقوا ربكم} و ~~{يا أيها الناس إن وعد الله حق} وقول النبي صلى الله عليه وسلم الزعيم عارم ~~والبينة على المدعي واليمين على المدعى عليه ونحو ذلك كثير # ومن الخصوص الذي لم يختلف فيه قوله تعالى {الذين قال لهم الناس إن الناس ~~قد جمعوا لكم ms40 فاخشوهم} وهذا القول لم يقله جميع الناس وانما قاله رجل واحد ~~وهو نعيم بن مسعود ولا جمع لهم جميع الناس وانما جمع لهم جزء منهم # PageV01P146 # ومما وقع فيه الخلاف فاحتاج الى فضل نظر قوله تعالى {وإن تبدوا ما في ~~أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} # قال قوم ان هذه الآية نزلت عموما ثم خصصت بقوله صلى الله عليه وسلم صفح ~~لأمتي عما حدثت به نفوسها ما لم تكلم به أو تعمل وروي عن عائشة رضي الله ~~عنها أنها قالت هي خصوص في الكافر يحاسبه الله بما أسر وأعلن والقول الأول ~~أصح وأوضح لقوله تعالى باثر ذلك {فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} ولا خلاف ~~في أن الكافر معذب غير مغفور له فدل على أن الخطاب وقع عموما لا خصوصا ثم ~~خصص بما ذكرناه # ومن ذلك قوله تعالى {كل له قانتون} قال قوم هذا خصوص في أهل الطاعة ~~واحتجوا بأن كلا وان كانت في غالب امرها للعموم فإنها قد تأتي للخصوص كقوله ~~تعالى {إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء} # PageV01P147 ### | 21 - # ب وقوله {ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شيء بأمر ربها} ثم قال {فأصبحوا لا ~~يرى إلا مساكنهم} وقال آخرون هي عموم واختلف القائلون بالعموم فقال قوم ~~أراد أنهم مطيعون له يوم القيامة وهذا يروى عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~وقال آخرون مطيعون في الدنيا واختلف القائلون بالطاعة في الدنيا فقال بعضهم ~~طاعة الكافر سجود ظله لله عز وجل واحتجوا بقوله تعالى {ولله يسجد من في ~~السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال} وقال آخرون معناه أن ~~كل ما خلق الله تعالى ففيه أثر الصنعة قائم وميسم العبودية شاهد أن له ~~خالقا حكيما لأن أصل القنوت في اللغة القيام ويدل عليه قوله صلى الله عليه ~~وسلم وقد سئل أي الصلاة أفضل فقال طول القنوت فالخلق كلهم مؤمنهم وكافرهم ~~قائمون بالعبودية اما اقرارا بألسنتهم واما بأثر الصنعة البينة فيهم # PageV00P000 # ومن هذا الباب قوله تعالى {لا إكراه في الدين} قال ms41 قوم هذا خصوص في أهل ~~الكتاب لا يكرهون على الإسلام اذا أدواالجزية وهو قول الشعبي # وكان ابن عباس رضي الله عنهما يراه أيضا خصوصا وفسره فقال معناه أن ~~المرأة من الأنصار كانت لا يعيش لها ولد فتنذر على نفسها لئن عاش لتهودنه ~~فلما أجلي بنو النضير اذا فيهم ناس من أبناء الأنصار فقالت الأنصار يا رسول ~~الله أبناؤنا فأنزل الله تعالى هذه الآية # وقال قوم هي عموم ثم نسخت بقوله عز وجل {جاهد الكفار والمنافقين} # ومن هذا الباب قوله تعالى {علم الإنسان ما لم يعلم} # PageV01P149 # فذهب قوم الى أنه خصوص واختلفوا في حقيقة ذلك فقال بعضهم أراد آدم عليه ~~السلام واحتجوا بقوله تعالى {وعلم آدم الأسماء كلها} # وقال بعضهم أراد محمدا صلى الله عليه وسلم واحتجوا بقوله تعالى {وعلمك ما ~~لم تكن تعلم} # وقال آخرون هي عموم في جميع الناس وهذا هو الصحيح وما تقدم لا يقوم عليه ~~دليل # ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم المؤمن يأكل في معى واحد والكافر يأكل ~~في سبعة أمعاء قال قوم هذا خصوص في جهجاه الغفاري وردعلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم يريد الاسلام فحلبت له سبع شياه فشرب لبنها ثم أسلم فحلبت له شاة ~~واحدة فكفته فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال هذه المقالة # فقال 22 أقوم أنه عموم في كل كافر واختلفوا في حقيقة معناه # PageV01P150 # فقال قوم معناه أن المؤمن يسمي الله تعالى على طعامه فتكون فيه البركة ~~والكافر بخلاف ذلك # وقال آخرون انما ضرب هذا مثلا للزهادة في الدنيا والحرص عليها فجعل ~~المؤمن لقناعته باليسير من الدنيا كالآكل في معى واحد والكافر لشدة رغبته ~~في الدنيا كالآكل في سبعة أمعاء # وهذا القول أصح الأقوال ويشهد لصحته ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله ~~عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج ~~الله لكم من بركات الأرض فقال له رجل يا رسول الله هل يأتي الخير بالشر ~~فسكت رسول الله صلى ms42 الله عليه وسلم حتى ظننا أنه يوحى اليه ثم مسح العرق عن ~~جبينه وقال أين السائل فقال ها أنا ذا يا رسول الله فقال ان الخير لا يأتي ~~الا بالخير ثلاثا ولكن هذا المال خضرة حلوة وان مما ينبت الربيع ما يقتل ~~حبطا أو يلم الا آكلة الخضر تأكل حتى اذا امتلأت خاصرتاها استقبلت الشمس ~~فبالت وثلطت ثم عادت فأكلت ان هذا المال خضرة حلوة من أخذه بحقه ووضعه في ~~حقه فنعم المعونة هو ومن أخذه بغير حقه ووضعه في غير حقه كان كالذي يأكل ~~ولا يشبع # PageV01P151 # ونحو من هذا أيضا قول أبي ذر رحمه الله تخضمون ونقضم والموعد الله # والخضم الأكل بالفم كله فضربه مثلا للرغبة في الدنيا والقضم الأكل بأطراف ~~الأسنان فضربه مثلا للقناعة ونيل البلغة من العيش # وقيل الخضم أكل الرطب والقضم أكل اليابس وهو نحو المعنى الأول # وقد يأتي من هذا الباب ما موضوعه في اللغة على العموم ثم تخصصه الشريعة ~~كالمتعة فإنها عند العرب اسم لكل شيء استمتع به لا يخص به شيء دون آخر ثم ~~نقلت عن ذلك واستعملت في الشريعة على ضربين # أحدهما في المتعة التي كانت مباحة في أول الأسلام ثم نهي عنها ونسخت ~~بالنكاح والولي # والثاني ما تمتع به المرأة من مهرها كقوله تعالى {ومتعوهن على الموسع ~~قدره وعلى المقتر قدره} ولأجل هذا الذي ذكرناه وقع الخلاف في قوله تعالى ~~{فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة} # PageV01P152 # فكان ابن عباس يذهب بمعناه الى المتعة الأولى وذهب جماعة الفقهاء الى أن ~~المتعة الأولى منسوخة وأن هذه الآية كالتي من البقرة وأن معنى قوله 22 ب ~~{فآتوهن أجورهن} انما أراد المهر # والدليل على صحة قول الجماعة قوله {فانكحوهن بإذن أهلهن} فهذا المهر ~~بإجماع # PageV01P153 ### | الباب الخامس في الخلاف العارض من جهة الرواية - صلى الله عليه وسلم - # PageV01P155 # هذا الباب لا تتم الفائدة التي قصدناها منه الا بمعرفة العلل التي تعرض ~~للحديث فتحيل معناه فربما أوهمت فيه معارضة بعضه لبعض وربما ولدت فيه ~~اشكالا يحوج العلماء ms43 الى طلب التأويل البعيد # ونحن نذكر العلل كم هي ونذكر من كل نوع منها مثالا أو أمثلة يستدل بها ~~على غيرها ان شان الله تعالى # اعلم أن الحديث المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه ~~والتابعين لهم بإحسان رضي الله عنهم تعرض له ثماني علل # أولاها فساد الإسناد # والثانية من جهة نقل الحديث على معناه دون لفظة # والثالثة من جهة الجهل بالإعراب # والرابعة من جهة التصحيف # والخامسة من جهة اسقاط شيء من الحديث لا يتم المعنى الا به # والسادسة أن ينقل المحدث الحديث ويغفل نقل السبب الموجب له أو بساط الأمر ~~الذي جر ذكره # والسابعة أن يسمع المحدث بعض الحديث ويفوته سماع بعضه # والثامنة نقل الحديث من الصحف دون لقاء الشيوخ # PageV01P157 # العلة الأولى وهي فساد الاسناد وهذه العلة أشهر العلل عند الناس حتى ان ~~كثيرا منهم يتوهم أنه اذا صح الإسناد صح الحديث وليس كذلك فانه قد يتفق أن ~~يكون رواة الحديث مشهورين بالعدالة معروفين بصحة الدين والأمانة غير مطعون ~~عليهم ولا مستراب بنقلهم وتعرض مع ذلك لأحاديثهم أعراض على وجوه شتى من غير ~~قصد منهم الى ذلك على ما تراه في بقية هذا الباب ان شاء الله سبحانه وتعالى # والإسناد يعرض له الفساد من أوجه # منها الإرسال وعدم الإتصال # ومنهاأن يكون بعض رواته صاحب بدعة أو متهما بكذب وقلة ثقة أو مشهورا ببله ~~وغفلة أو يكون متعصبا لبعض الصحابة منحرفا عن بعضهم فإن من كان مشهورا ~~بالتعصب ثم روى حديثا في تفضيل من يتعصب له ولم يرد من غير طريقه لزم أن ~~يستراب به وذلك أن افراط عصبية الانسان لمن يتعصب له وشدة محبته 23 أيحمله ~~على افتعال الحديث وان لم يفتعله بدله وغير بعض حروفه كنحو ما # PageV01P158 # فعلت الشيعة فإنهم رووا أحاديث كثيرة في تفضيل على رضي الله عنه ووجوب ~~الخلافة له ينكرها أهل السنة مثل روايتهم أن نجما سقط على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال انظروا ففي منزل من وقع فهو ms44 الخليفة بعدي فنظروا ~~فإذا هو قد سقط في دار علي فأكثر الناس في ذلك الكلام فأنزل الله تعالى ~~{والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى} فهذا حديث لا يشك ذو لب في أنه ~~مصنوع مركب على الآية # وكالذي فعلت المعتزلة فانهم تجاوزوا تغيير الحديث الى أن راموا تغيير ~~القرآن فلم يصح لهم ذلك في القرآن لإجماع الأمة عليه وصح في كثير من الحديث ~~فغيروا في المصحف مواضع كثيرة كقراءتهم من {شر ما} # PageV01P159 # خلق بالتنوين وقراءتهم قال عذابي أصيب به من أساء بسين غير معجمة وفتح ~~الهمزة وقالوا في قوله تعالى {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس} ان ~~معناه دفعنا وأنشدوا قول المثقب # PageV01P160 # تقول اذا ذرأت لها وضيني # أهذا دينه أبدا وديني # وليس كما زعموا انما يقال في الدفع درأت بدال غير معجمة وكذلك روي بيت ~~المثقب بدال غير معجمة وانما ذرأنا بالذال معجمة بمعنى خلقنا # وقد روي عن بعضهم أنه قرأ ولقد درأنا بالدال غير معجمة # ومما يبعث على الإسترابة بنقل الناقل أن يعلم منه حرص على الدنيا وتهافت ~~على الإتصال بالملوك ونيل المكانة والحظوة عندهم عندهم فان من كان بهذه ~~الصفة لم يؤمن عليه التغيير والتبديل والإفتعال للحديث والكذب حرصا على ~~مكسب يحصل عليه ألا ترى الى قول القائل # ولست وان قربت يوما ببائع # خلاقي ولا ديني ابتغاء التحبب ... ويعتده قوم كثير تجارة # ويمنعني من ذال ديني ومنصبي # وقد نبه رسول الله صلى الله عليه وسلم على نحو هذا الذي ذكرناه بقوله ان ~~الأحاديث ستكثر بعدي كما كثرت عن الأنبياء قبلي فما جاءكم عني # PageV01P161 # فأعرضوه على كتاب الله تعالى فما وافق كتاب الله فهو عني قلته أو لم لم ~~أقله 23 ب # وقد روي أن قوما من الفرس واليهود وغيرهم لما رأوأ الإسلام قد ظهر وعم ~~ودوخ وأذل جميع الامم ورأوا أنه لا سبيل الى مناصبته رجعوا الى الحيلة ~~والمكيدة فأظهروا الإسلام عن غير رغبة فيه وأخذوا أنفسهم بالتعبد والتقشف ~~فلما حمد الناس طريقتهم ولدوا الأحاديث والمقالات ms45 وفرقوا الناس فرقا وأكثر ~~ذلك في الشيعة كما يحكى عن عبد الله بن سبأ اليهودي أنه أسلم واتصل بعلي ~~رضي الله عنه وصار من شيعته فلما أخبر بقتله وموته قال كذبتم والله لو ~~جئتموني بدماغه مصرورا في سبعين صرة ما صدقت بموته ولا يموت حتى يملأ الأرض ~~عدلا كما ملئت جورا نجد ذلك في كتاب الله فصارت مقالة يعرف أهلها # PageV01P162 # بالسبئية وانه قال ان عليا هو الإله وأنه يحيي الموتى وأنه غاب ولم يمت # وإذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتشدد في الحديث ويتوعد عليه ~~والزمان زمان والصحابة متوافرون والبدع لم تظهر والناس في القرن الذي اثنى ~~عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فما ظنك بالحال في الأزمنه التي ذمها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كثرت البدع وقلت الأمانة # وللبخاري رحمه الله في هذا الباب غناء مشكور وسعي مبرور وكذلك لمسلم وابن ~~معين فإنهم انتقدوا الحديث وحرروه ونبهوا على ضعفاء المحدثين والمتهمين ~~بالكذب حتى ضج من ذلك من كان في عصرهم وكان ذلك أحد الأسباب التي أوغرت ~~صدور الفقهاء على البخاري فلم يزالوا يرصدون له المكاره حتى أمكنتهم فيه ~~فرصة بكلمة قالها فكفروه بها وامتحنوه وطردوه من موضع الى موضع وحتى حمل # PageV01P163 # بعض الناس قلقه من ذلك على أن قال # ولابن معين في الرجال مقالة # سيسأل عنها والمليك شهيد ... فإن يك حقا قوله فهو غيبة # وان يك زورا فالعقاب شديد # وما أخلق قائل هذا الشعر بأن يكون دفع مغرما وأسر حسوا في ارتغاء لأن ابن ~~معين فيما فعل أجدر بأن يكون مأجورا من أن يكون موزورا وألا يكون في ذلك 24 ~~أملوما بل مشكورا # العلة الثانية وهي نقل الحديث على المعنى دون لفظ الحديث بعينه وهذا ~~الباب يعظم الغلط فيه جدا وقد نشأت منه بين الناس شغوب شنيعة وذاك أن أكثر ~~المحدثين لا يراعون ألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم التي نطق بها وانما ~~ينقلون الى من بعدهم معنى ما أراده بألفاظ أخر ولذلك تجد ms46 الحديث الواحد في ~~المعنى الواحد يرد بألفاظ شتى ولغات مختلفة يزيد بعض الفاظها على بعض وينقص ~~بعضها عن بعض على أن اختلاف ألفاظ الحديث قد # PageV01P164 # يعرض من أجل تكرير النبي صلى الله عليه وسلم في مجالس عدة مختلفة وما كان ~~من الحديث بهذه الصفة فليس كلامنا فيه وانما كلامنا في اختلاف الألفاظ التي ~~تعرض من أجل نقل الحديث على المعنى # ووجه الغلط الواقع من هذه الجهة أن الناس يتفاضلون في قرائحهم وأفهامهم ~~كما يتفاضلون في صورهم وألوانهم وغير ذلك من أمورهم وأحوالهم فربما اتفق أن ~~يسمع الراوي الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم أو من غيره فيتصور معناه ~~في نفسه على غير الجهة التي أرادها فإذا عبر عن ذلك المعنى الذي تصور في ~~نفسه على غير الجهة التي أرادها فاذا عبر عن ذلك المعنى الذي تصور في نفسه ~~بألفاظ أخر كان قد حدث بخلاف ما سمع عن غير قصد منه الى ذلك وذلك أن الكلام ~~الواحد قد يحتمل معنيين وثلاثة وقد تكون فيه اللفظة المشتركة التي تقع على ~~الشيء وضده كقوله صلى الله عليه وسلم قصوا الشوارب وأعفوا اللحا فقوله ~~أعفوا يحتمل أن يريد وفروا وكثروا ويحتمل أن يريد به قللوا وخففوا فلا يفهم ~~مراده من ذلك الا بدليل من لفظ آخر والمعنيان جميعا موجودان في كلام العرب ~~يقال عفا وبر الناقة اذا كثر وكذلك عفا لحمها قال الله # PageV01P165 # عز وجل {حتى عفوا} أي كثروا قال جرير ... ولكنا نعض السيف منها ... بأسؤق ~~عافيات اللحم كوم ... # ويقال عفا المنزل اذا درس قال زهير ... عفا من آل فاطمة الجواء ... فيمن ~~فالقوادم فالحساء ... # ففي مثل هذا يجوز أن يذهب النبي صلى الله عليه وسلم الى المعنى الواحد 24 ~~ب ويذهب الراوي عنه الى المعنى الآخر فإذا أدى معنى ما سمع دون لفظه بعينه ~~كان قد روى عنه ضد ما أراده غير عامد # ولو أدى لفظه بعينه لأوشك أن يفهم منه الآخر ما لم يفهم الأول # وقد علم صلى الله عليه وسلم أن ms47 هذا سيعرض بعده فقال محذرا من ذلك نضر # PageV01P166 # الله امرءا سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من مبلغ # ومن نحو هذا ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أن رجلا جاءه فقال أيجوز ~~اتيان المرأة في دبرها فقال نعم فلما أدبر الرجل قال ردوه علي فلما رجع قال ~~في أي الخرطتين أردت اما من دبرها في قبلها فنعم وأما من دبرها في دبرها ~~فلا # وقد غلط قوم في حديث عائشة رضي الله عنها في هذا المعنى اذا حاضت المرأة ~~حرم الجحران فتوهموا أن هذا الكلام ينفك منه جواز الإتيان في الدبر وهذا ~~غلط شديد ممن تأوله # وقد رواه بعضهم الجحران بضم النون وزعم أن الجحران الفرج ذكر ذلك ابن ~~قتيبة # والرواية الأولى هي المشهورة وليس في الحديث شيء مما توهموه وانما كان ~~يلزم ما قالوه لو كانت الطهارة من المحيض شرطا في جواز اتيان المرأة في ~~جحريها معا فكان يلزم عند ذلك أن يكون ارتفاع الطهارة # PageV01P167 # سببا لتحريمهما معا كما كان شرطا في تحليلهما معا فإذا لم يجدوا سبيلا ~~الى تصحيح هذه الدعوى لم يلزم ما قالوه # وانما المعنى في قول عائشة رضي الله عنها أن فرج المرأة يخالف دبرها في ~~اباحة أحدهما وتحريم الآخر والإباحة التي خالفت بينهما معلقة بشرط الطهارة ~~من الحيض فإذا ارتفع شرط الطهارة ارتفعت الإباحة التي كانت معلقة به ~~فاستويا معا في التحريم لارتفاع السبب الذي فرق بينهما وهذا كقول قائل لو ~~قالحرم الشرابان يريد الخمر والنبيذ أي استويا في التحريم لأن النبيذ اذا ~~أسكر النبيذ انما خالف الخمر بشرط عدم الإسكار فلما ذهب السبب والشرط الذي ~~فرق بينهما تساويا معا في التحريم فكما أن هذا القول لا يلزم منه اباحة ~~الخمر قبل وجود الإسكار في النبيذ فكذلك قول عائشة رضي الله تعالى عنها لا ~~يلزم منه اباحة نكاح الدبر قبل وجود الحيض في الفرج # ونظير هذا أيضا 25 أأن رجلا لو كان معه ثوبان أحدهما فيه نجاسة تحرم عليه ~~الصلاة به ms48 والآخر طاهر يجوز له الصلاة به ثم أصابت الثاني نجاسة فقال له ~~قائل قد حرمت الصلاة عليك بالثوبين انما أراد أن الثوب الثاني قد صار مثل ~~الأول في التحريم لعدم الشرط المفرق بينهما # وقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم ما ينحو نحو هذا وان لم يكن ~~مثله # PageV01P168 # من جميع الوجوه وذلك ما روي عنه من قوله عليه السلام من سره أن يذهب كثير ~~من وحر صدره فليصم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر يريد بشهر الصبر شهر ~~رمضان وليس المراد أن شهر الصبر مباح الأكل فيه لمن لم يسره ذهاب وحر صدره ~~وانما معناه فليضف الى شهر الصبر الواجب صومه على كل حال ثلاثة أيام يصومها ~~من كل شهر # ومن طريف الغلط الواقع في اشتراك الألفاظ ما روي من أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهب لعلي رضي الله عنه عمامة تسمى السحاب فاجتاز علي رحمه الله ~~متعمما بها فقال النبي عليه السلام لمن كان معه أما رأيتم عليا في السحاب ~~أو نحو هذا من اللفظ فسمعه بعض المتشيعين لعلي رضي الله عنه فظن أنه يريد ~~السحاب المعروف فكان ذلك سببا لاعتقاد الشيعة أن عليا في السحاب ولذلك قال ~~اسحاق بن سويد الفقيه # PageV01P169 # برئت من الخوارج لست منهم # من الغزال منهم وابن باب ... ومن قوم اذا ذكروا عليا # يردون السلام على السحاب ... ولكني أحب بكل قلبي # وأعلم أن ذال من الصواب ... رسول الله والصديق حبا # به أرجو غدا حسن الثواب # وقد جعل بعض العلماء من هذا الباب الحديث المروي في خلق آدم على صورة ~~الرحمن قالوا وانما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خلق الله آدم على ~~صورته والهاء راجعة الى آدم فتوهم بعض السامعين أنها عائدة على الله سبحانه ~~وتعالى فنقله على المعنى دون اللفظ وهذا الذي قالوه لا يلزم وسنتكلم على ~~هذا الحديث اذا انتهينا الى موضعه من هذا الباب ان شاء الله تعالى # فهذه أمثلة من هذا النوع تنبه على بقيته ان ms49 شاء الله تعالى # العلة الثالثة وهي الجهل بالإعراب ومعاني كلام العرب 25 ب ومجازاتها وذلك ~~أن كثيرا من رواة الحديث قوم جهال بلسان العرب لا يفرقون بين # PageV01P170 # المرفوع والمنصوب والمخفوض ولعمري لو أن العرب وضعت لكل معنى لفظا يؤدي ~~عنه لا يلتبس بغيره لكان لهم عذر من ترك تعلم الإعراب ولم يكن لهم حاجة ~~اليه في معرفة الخطأ من الصواب # ولكن العرب قد تفرق بين المعنيين المتضادين بالحركات فقط واللفظ واحد ألا ~~ترى أن الفاعل والمفعول ليس بينهما أكثر من الرفع والنصب فربما حدث المحدث ~~بالحديث فرقع لفظة منه ينوي بها أنها فاعلة ونصب أخرى ينوي بها أنها مفعولة ~~فنقل عنه السامع ذلك الحديث فرفع ما نصب ونصب ما رفع جهلا منه بما بين ~~الأمرين فانعكس المعنى الى ضد ما أراده المحدث الأول # ألا ترى أن قوله صلى الله عليه وسلم لا يقتل قرشي صبرا بعد اليوم اذا ~~جزمت اللام من يقتل كان له معنى واذا رفعت كان له معنى آخر # ولو أن قارئا قرأ {هو الأول والآخر} ففتح الخاء لكان قد كفر وأشرك بالله ~~واذا كسر الخاء آمن ووحد فليس بين الإنمان والكفر غير حركة # PageV01P171 # ولذلك قال صلى الله عليه وسلم رحم الله امرأ أصلح من لسانه وقال عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه تعلموا الفرائض والسنة واللحن كما تتعلمون القرآن # واللحن اللغة قال الشاعر # وما هاج هذا الشوق الا حمامة # تبكت على خضراء سمر قيودها ... صدوح الضحى معروفة اللحن لم تزل # تقود الهوى من مسعد ويقودها # وكذلك قوله تعالى {هو الله الخالق البارئ المصور} ليس بين الإيمان والكفر ~~فيه غير فتح الواو وكسرها وكذلك قوله تعالى {ويل يومئذ للمكذبين} # ولو أن رجلين تقدما الى حكم يدعي أحدهما على صاحبه بثوب فقرره الحكم على ~~ذلك فإنه ان قال ما أخذت له ثوب فرفع أقر # PageV01P172 # بالثوب على نفسه ولزمه احضار ثوب وان قال ما أخذت له ثوبا فنصب لم يقر ~~بشيء ولزمته اليمين ان لم تعم عليه به بينة # وكذلك ms50 لو قال رجل لامرأته أنت طالق ان دخلت الدار فانه ان فتح الهمزة ~~طلقت عليه في ذلك الوقت 26 أدون تأخير وان كسر الهمزة لم تطلق عليه في ذلك ~~الوقت وانما تطلق عليه فيما يستقبل ان كان منها دخول في الدار # ويروى أن الكسائي رحمه الله كتب اليه ما تقول في رجل قال # فان ترفقي يا هند فالرفق أيمن # وان تخرقي يا هند فالخرق أشأم ... فأنت طلاق والطلاق عزيمة # ثلاث ومن يخرق أعق وأظلم # فقال الكسائي رحمه الله إن كان رفع العزيمة ونصب الثلاث فهي ثلاث تطليقات ~~وان كان نصب العزيمة ورفع الثلاث فهي واحدة يريد أنه اذا رفع العزيمة ونصب ~~الثلاث صار التقدير فأنت طالق ثلاثا والطلاق عزيمة على التقديم والتأخير ~~واذا نصب العزيمة ورفع الثلاث لم ينو ثلاث التقديم وصار التقدير فأنت طلاق ~~وتم الكلام ثم قال والطلاق في حال # PageV01P173 # عزيمة المطلق عليه ثلاث فلم يكن في هذا الكلام ما يدل على أن هذا المطلق ~~عزم على الثلاث فيقضى عليه بواحدة # وقد يمكن أيضا أن يرفع الثلاث والعزيمة معا فيكون التقدير فأنت طالق ثلاث ~~والطلاق عزيمة فيلزم من ذلك ثلاث تطليقات والله أعلم العلة الرابعة # وهي التصحيف وهذا أيضا باب عظيم الفساد في الحديث جدا وذلك أن كثيرا من ~~المحدثين لا يضبطون الحروف ولكنهم يرسلونها ارسالا غير مقيدة ولا مثقفة ~~اتكالا على الحفظ فاذا غفل المحدث عما كتب مدة من زمانه ثم احتاج الى قراءة ~~ما كتب أو قرأءه غيره فربما رفع المنصوب ونصب المرفوع كما قلنا فانقلبت ~~المعاني الى أضدادها # وربما تصحف له الحرف بحرف آخر لعدم الضبط فيه فانعكس المعنى الى نقيض ~~المراد به وذلك أن هذا الخط العربي شديدالاشتباه وربما لم يكن بين المعنيين ~~المتضادين غير الحركة أو النقطة كقولهم مكرم بكسر الراء اذا كان فاعلا ~~ومكرم بفتح الراء اذا كان مفعولا ورجل أفرع بالفاء اذا كان تام الشعر واقرع ~~القاف لا شقر في رأسه وفي الحديث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرع ms51 # PageV01P174 # وقد جاءت من هذا الباب أشياء كثيرة طريفة عن المحدثين نحو ما يروى عن ~~يزيد بن 26 ب هارون أنه روى كنا جلوسا حول بشر بن معاوية وانما هو حول سرير ~~معاوية # وكما روى عبد الرزاق يقاتلون خور كرمان وانما هو خوز الزاي معجمة # وكما صحف شعبة التلب العنبري فرواه بثاء مثلثة مكسورة # PageV01P175 # ولام ساكنة وانما هو التلب بالتاء معجمة باثنتين وكسر التاء واللام ~~وتشديد الباء على وزن طمر ويدل عليه قول الشاعر ... ان التلب له عرس يمانية ~~... كأن فسوتها في البيت اعصار ... وروى بعضهم دخلت الجنة فرأيت فيها حبائل ~~اللؤلؤ ولا وجه للحبائل ههنا لأن الحبائل عند العرب الشباك التي يصاد بها ~~الوحوش واحدتها حبالة ومن كلام العرب خش ذؤالة بالحبالة وانما هو جنابذ ~~اللؤلؤ والجنابذ جمع جنبذة وهي القبة # PageV01P176 # وهذا النوع كثير جدا وقد وضع فيه الدارقطني رحمه الله كتابا مشهورا سماه ~~تصحيف الحفاظ # ومن ظريف ما وقع منه في كتاب مسلم ومسنده الصحيح نحن يوم القيامة على كذا ~~انظر وهذا شيء لا يتحصل له معنى وهكذا نجده في أكثر النسخ وانما هو نحن يوم ~~القيامة على كوم والكوم جمع كومة وهو المكان المشرف فصحفه بعض النقلة فكتب ~~نحن يوم القيامة على كذا فقرأ من قرأ فلم يفهم ما هو فكتب في طرة الكتاب ~~انظر يأمر من قرأ الكتاب بالنظر فيه وينبهه علنه فوجده ثالث فظنه أنه من ~~الكتاب فألحقه بمتنه العلة الخامسة # وهي اسقاط شيء من الحديث لا يتم المعنى الا به وهذا النوع أيضا قد # PageV01P177 # وردت منه أشياء كثيرة في الحديث كنحو ما رواه قوم عن ابن مسعود رضي الله ~~عنه أنه سئل عن ليلة الجن فقال ما شهدها منا أحد وروي عنه من طريق آخر أنه ~~رأى قوما من الزط فقال هؤلاء أشبه من رأيت بالجن ليلة الجن فهذا الحديث يدل ~~على أنه شهدها والاول يدل على أنه لم يشهدها فالحديثان كما ترى متعارضان ~~وانما أوجب التعارض بينهما أن الذي روى الحديث الأول أسقط منه ms52 كلمة رواها ~~غيره وانما الحديث ما شهدها منا أحد غيري # العلة السادسة وهي أن ينقل المحدث الحديث ويغفل عن نقل 27 أالسبب الموجبى ~~له فيعرض من ذلك اشكال في الحديث أو معارضة لحديث آخر كنحو ما رواه قوم من ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بالعرنيين الذين ارتدوا عن الإسلام ~~وأغاروا على لقاح النبي فامر بقطع أيديهم وأرجلهم وسمل عيونهم وتركوا ~~بالحرة يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا # PageV01P178 # وقد وردت عنه الروايات من طرق شتى أنه نهى عن المثلة وانما عرض هذا ~~التعارض من أجل أن الذي روى الحديث الأول أغفل نقل سببه الذي أوجبه ورواه ~~غيره فقال انما فعل بهم ذلك لأنهم مثلوا براعيه فجزاهم بمثل فعلهم ومن ~~الفقهاء من يرى أن هذا كان في أول الإسلام قبل أن تنزل الحدود ثم نسخ # وقد ذهب بعض العلماء في قوله صلى الله عليه وسلم ان الله خلق آدم على ~~صورته الى أنه مما أغفل الناقل ذكر السبب الذي قاله من أجله # ورووا أن النبي صلى الله عليه وسلم مر برجل يلطم وجه عبده وهو يقول قبح ~~الله وجهك ووجه من أشبهك فقال النبي صلى الله عليه وسلم اذا ضرب احدكم عبده ~~فليتق الوجه فإن الله خلق آدم على صورته # قالوا فاهاء انما تعود على العبد فلما روى الراوي الحديث وأغفل رواية ~~السبب اوهم ظاهره أنها تعود على الله سبحانه وتعالى تعالى الله عن ذلك علوا ~~كبيرا # PageV01P179 # وهذا الذي قالوه ورووه غير معترض على رواية غيرهم من وجهين # أحدهما أنه قد جاء في حديث آخر خلق آدم على صورة الرحمن وجاء في حديث آخر ~~رأيت ربي في أحسن صورة وهذا لا يسوغ معه شيء من الذي قالوه # والثاني أن الحديث له تأويل صحيح بخلاف ما ظنوه وقد تكلم فيه ابن قتيبة ~~فلم يأت فيه بمقنع بل جاء بما لو سكت عنه لكان أجدى بما عليه # وقد تكلم فيه ابن فورك فأحسن كل الإحسان ونحن نذكر ما قال بأوجز ما يمكن ~~ونزيد ms53 ما يتمم ذلك بحول الله تعالى فنقول ان الضمير في قوله على صورته يجوز ~~أن يكون عائدا على آدم ويجوز أن يكون عائدا على الله تعالى فإذا كان عائدا ~~على آدم فالغرض من الحديث الرد على الدهرية واليهود والقدرية وهذا من جوامع ~~كلمه التي أوتيها صلى الله عليه وسلم # فوجه الرد على الدهرية من وجهين # PageV01P180 # أحدهما ان الدهرية قالت ان العالم لا أول له وأنه لا يجوز أن يتكون حيوان ~~الا من حيوان آخر قبله فأعلمنا 27 ب صلى الله عليه وسلم أن الله خلق آدم ~~على صورته التي شوهد عليها ابتداء من غير أن يتكون في رحم كما يتكون الجنين ~~علقة ثم مضغة حتى يتم خلقه # والثاني أن الدهرية تزعم أن للطبيعة والنفس الكلية فعلا في المحدثات ~~المتكونة غير فعل الله تعالى عن قولهم فأعلمنا أيضا أن الله تعالى خلقه على ~~هيئته التي عليها وانفرد بذلك دون مشاركة من طبيعة ولا نفس # ووجه الرد منه على اليهود لعنهم الله أن اليهود يزعمون أن آدم في الدنيا ~~كان على خلاف صورته في الجنة وأن الله تعالى لما أهبطه من جنته نقص قامته ~~وغير خلقته فأعلمنا بكذبهم فيما يزعمون وأعلمنا أنه خلقه في أول أمره على ~~صورته التي كان عليها عند هبوطه # ووجه الرد منه على القدرية أن القدرية زعمت أن افعال البشر مخلوقة لهم لا ~~لله تعالى عن قولهم وهو نحو ما ذهبت اليه الدهرية من أن للنفس والطبيعة ~~أفعالا غير فعل الله تعالى فأفادنا أيضا بطلان # PageV01P181 # قولهم وأعلمنا أن الله تعالى خلقه وخلق جميع أفعاله فهذا ما في الهاء من ~~القول اذا كانت عائدة على آدم صلى الله عليه وسلم # واذا كانت عائدة على الله تعالى كانت اضافة صورة آدم اليه على وجه ~~التشريف والتنويه والتخصيص لاعلى معنى آخر مما يسبق الى الوهم من معاني ~~الإضافة فيكون كقولهم في الكعبة انها بيت الله وقد علمنا أن البيوت كلها ~~لله عز وجل وكقوله {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا} ms54 وقد علمنا أن ~~جميع البشر من مؤمن وكافر عباده وانما خصصه بالإضافة الى الله تعالى دون ~~غيره لأن الله تعالى شرفه بما لم يشرف به غيره وذلك أنه عز وجل شرف الحيوان ~~على الجماد وشرف الإنسان على جميع الحيوان وشرف الإنبياء عليهم السلام على ~~جميع نوع الإنسان وشرف آدم على جميع بنيه بأن خلقه دفعة من غير ذكر ولا ~~أنثى ودون أن ينتقل من النطفة الى العلقة ومن العلقة الى المضغة وسائر ~~أحوال الإنسان التي يتصرف فيها الى حين كماله ونسب خلقه الى نفسه دون سائر ~~البشر فقال {لما خلقت بيدي} {ونفخت فيه من روحي} # PageV01P182 # وأسجد له ملائكته ولم يأمرهم بالسجود لغيره فنبهنا عليه السلام بإضافة ~~صورته الى الله تعالى على هذه المنزلة التي تفرد بها دون غيره ويدل على صحة ~~هذا التأونل قوله {ونفخت فيه من روحي} وقوله {ولا أعلم ما في نفسك} 28 ~~أوقوله {لما خلقت بيدي} فكما لا تدل اضافة هذا الأشياء اليه على أن له نفسا ~~وروحا ويدين فكذلك اضافة الصورة اليه لا تدل على أن له صورة وقد يجوز في ~~اضافة الصورة الى الله تعالى وجه فيه غموض ودقة وذلك أن العرب تستعمل ~~الصورة على وجهين # أحدهما الصورة التي هي شكل مخطط محدود بالجهات الست كقولك صورة زيد وصورة ~~عمرو # والثاني يريدون به صفة الشيء الذي لا شكل له يحس ولا تخطيط ولا جهات ~~محدوده كقولك ما صورة أمرك وكيف كانت صورة قصتك يريدون بذلك الصفة فقد يجوز ~~أن يكون معنى خلق آدم على صورته أي على صفته فيكون مصروفا الى المعنى ~~الثاني الذي لا تحديد فيه # PageV01P183 # فإن قلت ما معنى هذه الصفة وكيف تلخيص القول فيها فالجواب أن معنى ذلك أن ~~الله تعالى جعله خليفة في أرضه وجعل له عقلا يعلم به ويفكر ويسوس ويدبر ~~ويأمر وينهي وسلط على جميع ما في البر والبحر وسخر له ما في السموات والأرض # وقد قال في نحو هذا بعض المحدثين يمدح بعض خلفاء بني أمية ... أمره من ms55 ~~أمر من ملكه ... فاذا ما شاء عافى وابتلى ... # فيكون معنى قولنا في أدم صلى الله عليه وسلم أنه خلق على صورة الله تعالى ~~كمعنى قولنا فيه انه خليفة الله تعالى وهذه التأويلات كلها لا تقتضي تشبيها ~~ولا تحديدا # فإن قلت كيف تصنع بالحديث المروي عنه صلى الله عليه وسلم رأيت ربي في ~~أحسن صورة وهذا لا يمكنك فيه شيء من التأويل المتقدم ولا يصح لك حمله عليه ~~فالجواب أن هذا الحديث ورد بلفظ مشترك يحتمل معنيين # أحدهما أن يكون قوله في أحسن صورة راجعا الى الرائي لا الى المرئي فيكون ~~معناه رأيت ربي وأنا في أحسن صورة # والثاني أن يكون قوله في أحسن صورة راجعا الى المرئي # PageV01P184 # وهو الله تعالى فيكون معناه رأيت ربي على احسن صفة فتكون الصورة بمعنى ~~الصفة التي لا توجب تحديدا كما ذكرنا وهذا في العربية كقولك رأيت زيدا وأنا ~~في الدار فيجوز أن يكون قولك في الدار لك 28 ب كأنك قلت رأيت زيدا وأنا في ~~الدار ويجوز أن يكون المعنى رأيب زيدا وهو في الدار وعلى هذا تقول رأيت ~~زيدا قاعدا مائما ولقيت زيدا راكبين قال الشاعر ... فإذا لقيتك خاليين ~~لتعلمن ... أيي وأيك فارس الاحزاب ... فإذا كان التقدير رأيت ربي وأنا في ~~أحسن صورة كان معناه أن الله تعالى حسن صورته ونقله الى هيئة يمكنه معها ~~رؤيته اذ كان البشر لا تمكنهم رؤية الله تعالى على الصورة التي هم عليها ~~حتى ينقلوا الى صورة أخرى غير خورهم ألا تري أن المؤمنين يرون الله تعالى ~~على الصورة التي هم عليها في الأخرة ولا يرونه في الدنيا لأن الله # PageV01P185 # تعالى ينقلهم عن صفاتهم الى صفاتهم الى صفات أخرى أعلى وأشرف فعجل الله ~~تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم هذه الكرامة قبل يوم القيامة خصوصا دون ~~البشر حتى رأه وشاهده والله يؤتي فضله من يشاء ويختص بكرامته من يريد لا ~~يسأل عما يفعل وهم يسألون # وذا كان ذلك راجعا الى الله تعالى كان معناه أنه راى ربه ms56 على أحسن ما ~~عوده من انعامه واحسانه واكرامه وامتنانه كما تقول للرجل كيف كانت صورة ~~أمرك عند لقاء الملك فيقول خير صورة أعطاني وأنعم علي وأدناني من محل ~~كرامته وأحسن الي # فهذان تأويلان صحيحان خارجان على أساليب كلام العرب دون تكلف ولا خروج من ~~مستعمل الى تعسف # وقد جاء في بعض الحديث انها كانت رؤية في المنام فإذا كان الأمر كذلك كان ~~التأويل واضحا لأنه لا ينكر رؤية الله تعالى في المنام # ورواه بعضهم رأيت ربي بكسر الباء وقالوا هو غلام كان لعثمان رآه في النوم ~~ورواه آخرون رأيت رئيي والرئي ما يتراءى # PageV01P186 # للإنسان من ملك أو شيطان أرده بذلك أنه رأى جبريل عليهما السلام وبالله ~~التوفيق لا رب غيره العلة السابعة # وهي أن يسمع المحدث بعض الحديث ويفوته سماع بعضه كنحو ما روي من أن عائشة ~~رضي الله عنها أخبرت أن أبا هريرة حدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~ان يكن الشؤم ففي ثلاث الدار والمرأة والفرس وهذا حديث معارض لقوله 29 أصلى ~~الله عليه وسلم لا عدوى ولا هامة ولا صفر ولا غول وقد رويت عنه في أحاديث ~~كثيرة أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن التطير فغضبت عائشة رضي الله عنها ~~وقالت والله ما قال هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قط وانما قال كان أهل ~~الجاهلية يقولون ان يكن الشؤم ففي ثلاث الدار والمرأة والفرس فدخل أبو ~~هريرة فسمع آخر الحديث # PageV01P187 # ولم يسمع أوله وهذا غير منكر أن يعرض لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يذكر في مجالسه الأخبار حكاية ويتكلم بما لا يريد به نهيا ولا أمرا ولا أن ~~يجعله أصلا في دينه وشيئا يستن به وذلكك معلوم من فعله ومشهور من قوله ~~العلة الثامنة # وهي نقل الحديث من الصحف دون لقاء الشيوخ والسماع من الأئمة وهذا باب ~~أيضا عظيم البلية والضرر في الدين فإن كثيرا من الناس يتسامحون فيه جدا ~~وأكثرهم انما يعول على اجازة الشيخ له دون لقائه ms57 والضبط عليه ثم يأخذ بعد ~~ذلك علمه من الصحف المسودة والكتب التي لا يعلم صحيحها من سقيمها وربما ~~كانت مخالفة لرواية شيخه فيصحف الحروف ويبدل الألفاظ وينسب جميع ذلك الى ~~شيخه ظالما له وقد صار علم أكثر الناس في زمننا هذا على هذه الصفة ليس ~~بأيديهم من العلم الا أسماء الكتب # وإنما ذكرت لك هذه العلل العارضة للحديث لأنها أصول لنقاد الحديث ~~المهتبلين بمعرفة صحيحه من سقيمه فإذا ورد عليهم حديث بشع المسموع أو مخالف ~~للمشهور نظروا أولا في سنده فإن وجدوا في نقلته # PageV01P188 # ورواته رجلا متهما ببعض تلك الوجوه التي ذكرتها لك استرابوا به ولم ~~يجعلوه أصلا يعول عليه وان وجدوا رجاله الناقلين له ثقات مشهورين بالعدالة ~~معروفين بالفقه والأمانة رجعوا الى التأويل والنظر فإن وجدوا له تأويلا ~~يحمل عليه قبلوه ولم ينكروه وان لم يجدوا له تأويلا الا على استكراه شديد ~~نسبوه الى غلط وقع فيه من بعض تلك الوجوه المتقدمة الذكر # فهذه جملة القول في هذا الباب وبالله التوفيق والله أعلم # PageV01P189 ### | الباب السادس في الخلاف العارض من قبل الاجتهاد والقياس - صلى الله عليه وسلم - # PageV01P191 ### | 29 - # ب هذا النوع انما يكون فيما يعدم فيه وجود نص من قرآن أو حديث فيفرغ ~~الفقيه عند ذلك الى استعمال القياس والنظر كما قال الشاعر ... اذا أعي ~~الفقيه وجود نص ... تعلق لا محالة بالقياس ... # والخلاف العارض من هذا الباب نوعان # أحدهما الخلاف الواقع بين المنكرين للاجتهاد والقياس والمثبتين له # والنوع الثاني خلاف يعرض بين أصحاب القياس في قياسهم كاختلاف المالكيين ~~والشافعيين والحنفيين فتعرض من ذلك أنواع من الخلاف عظيمة وهذا الباب أشهر ~~من أن نطيل # PageV00P000 ### | الباب السابع في الخلاف العارض من قبل النسخ - صلى الله عليه وسلم - # PageV01P195 # الخلاف العارض من هذا النوع يتنوع أولا نوعين # أحدهما خلاف عارض بين من أنكر النسخ وبين من أثبته واثباته هو الصحيح ~~وجميع أهل السنه مثبتون له وانما خالف في ذلك من لا يلتفت الى خلافه لأنه ~~بمنزلة دفع الضرورات وانكار العيان # والنوع الثاني خلاف عارض ms58 بين القائلين بالنسخ وهذا النوع الثاني ينقسم ~~ثلاثة أقسام أحدهما اختلافهم في الأخبار هل يجوز أن فيها النسخ كما يجوز ~~بالأمر والنهي أم لا # والثاني اختلافهم هل يجوز أن تنسخ السنة القرآن أم لا # والثالث اختلافهم في أشياء من القرآن والحديث فذهب بعضهم الى أنها نسخت ~~وبعضهم الى أنها لم تنسخ # PageV01P197 ### | الباب الثامن في الخلاف العارض من قبل الإباحة # هذا النوع من الخلاف يعرض من قبل أشياء وسع الله تعالى فيها على عباده ~~وأباحها لهم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم كاختلاف الناس في الأذان ~~والتكبير على الجنائز وتكبير التشريق ووجوه القراءات السبع ونحو ذلك # فهذه أسباب الخلاف الواقع بين الأمة قد نبهت عليها وأرشدت قارئي كتابي ~~هذا اليها # وهذا الكتاب وان كان صغير الجرم يسير الحجم فان فيه تنبيها على [30 أ] ~~أشياء جليلة يحسن مسمعها ويحلو من نفس الذكي موقعها وأنا أستغفر الله من ~~زلل ان كان عرض وأسأله عونا على ما به تعبد وفرض # وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم أفضل التسليم كمل بحمد الله وحسن عونه ~~PageV01P199 ms59