######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0095581 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبي نصر الفتح بن محمد بن عبيد الله بن خاقان ابن عبد الله القيسي الإشبيلي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: NOTGIVEN #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: مطمح الأنفس ومسرح التأنس في ملح أهل الأندلس #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0095581 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-95581 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/95581 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد علي شوابكة #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1403 هـ - 1983 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار عمار - مؤسسة الرسالة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | خطبة الكتاب # أما بعد حمدا لله الذي أشعرنا إلهاما، وصير لنا أفهاما، ويسر لنا برود ~~آداب، ونشرنا للانبعاث إلى إثباتها والانتداب، وصلى الله على سيدنا محمد ~~الذي بعثه رحمة، ونبأه منة ونعمة، وسلم تسليما: فإنه كان بالأندلس أعلام، ~~فتنوا بسحر الكلام، ولقوا منه كل تحية وسلام، فشعشعوا البدائع وروقوها، ~~وقلدوها بمحاسنهم وطوقوها ثم هووا في مهاوي المنايا، وانطووا بأيدي الرزايا ~~وبقيت مآثرهم غير مثبتة في ديوان، ولا مجملة في تصنيف أحد # PageV01P147 # من الأعيان، تجتلي فيه العيون وتجتني منه زهر الفنون، إلى أن أراد الله ~~إظهار إعجازها، واتصال صدورها بأعجازها فحللت من الوزير أبي العاص حكم بن ~~الوليد عند من رحب وأهل وأعل بمكارمه وأنهل، وندبني إلى أن أجمعها في كتاب، ~~وأدركني من التنشط إلى إقبال ما ندب إليه، وكتابة ما حث عليه فأجبت رغبته، ~~وحليت بالإسعاف لبته، وذهبت إلى إبدائها، وتخليد عليائها، وأمليت منها في ~~بعض الأيام، ثلاثة أقسام، القسم الأول: يشتمل على سرد غرر الوزراء وتناسق ~~درر الكتاب والبلغاء. القسم الثاني: يشتمل على محاسن أعلام العلماء وأعيان ~~القضاة والفهماء. القسم الثالث: يشتمل على سرد محاسن الأدباء، النوابغ ~~النجباء. وسميتها: مطمح الأنفس ومسرح التأنس في ملح أهل الأندلس، وأبقيتها ~~لذوي # PageV01P148 # الآداب ذكرا، ولأهل الإحسان فخرا، يساجلون بها أهل العراق، ويحاسنون ~~بمحاسنها الشمس عند الإشراق. والله أسأله إلهام المقصد، وانفراج بابه ~~المرصد بمنه وكرمه. # PageV01P149 ### | القسم الأول # الوزراء # PageV01P151 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | الحاجب جعفر بن عثمان المصحفي # تجرد للعليا، وتمرد في طلب الدنيا، حتى بلغ المنى، وتسوغ # PageV01P153 # ذلك الجنى، فسما دون سابقه، وارتقى إلى رتبة لم تكن لبنيته بمطابقة ~~فالتاح في أفياء الخلافة، وارتاح إليها بعطفه كنشوان السلافة، واستوزره ~~المستنصر، وعنه كان يسمع وبه يبصر، فأدرك بذلك ما أدرك، ونصب لأمانيه ~~الحبائل والشرك، واقتنى وادخر، وأزرى بمن سواه وسخر، واستعطفه المنصور بن ~~أبي عامر، ونجمه # PageV01P154 # غائر لم يلح، وسره مكتوم لم يبح، فما عطف، ولا جنى من روضة دنياه ولا ~~قطف، فأقام في تدبير الأندلس ما أقام، والأندلس ms01 متغيرة والأذهان في تكيف ~~سعده متحيرة، فناهيك من ذكر خلد، ومن فخر تقلد، ومن صعب راض وجناح فتنة ~~هاض، ولم يزل بنجاد تلك الخلافة معتقلا، وفي مطالعها منتقلا، إلى أن توفي ~~الحكم، فانتقض عقده المحكم، وانبرت إليه النوائب، وتسددت إليه من الخطوب ~~سهام صوائب، واتصل إلى المنصور ذلك الأمر، واختص به كما مال بالوليد بن ~~يزيد أخوه الغمر، وأناف في تلك الخلافة كما شب قبل اليوم عن طوقه عمرو، ~~وانتدب # PageV01P155 # للمصحفي بصدر قد كان أوغره، وساءه وصغره، فاقتص من تلك الإساءة وأغص حلقه ~~بأي مساءة، فأخمله ونكبه، وأرجله عما كان الدهر أركبه، وألهب جوارحه حزنا ~~ونهب له مدخرا ومختزنا، ودمر عليه ما كان حاط، وأحاط به من مكروهه ما أحاط، ~~وغير سنين في مهوى تلك النكبة، وجوى تلك الكربة، ينقله المنصور معه في ~~غزواته، ويعتقله بين ضيق المطبق ولهواته، إلى أن تكورت # شمسه، وفاضت بين أثناء المحن نفسه، ومن بديع ما حفظ له في نكبته، قوله # يستريح من كربته: # صبرت على الأيام لما تولت ... وألزمت نفسي صبرها فاستمرت # فوا عجبا للقلب كيف اعترافه ... وللنفس بعد العز كيف استذلت # PageV01P156 # وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى ... فإن طمعت تاقت وإلا تسلت # وكانت على الأيام نفسي عزيزة ... فلما رأت صبري على الذل ذلت # فقلت لها: يا نفس موتي كريمة ... فقد كانت الدنيا لنا ثم ولت # وكان له أدب بارع، وخاطر إلى نظم القريض مسارع، فمن محاسن إنشاده، التي ~~بعثها إيناس دهره بإسعاده، قوله: # لعينيك في قلبي علي عيون ... وبين ضلوعي للشجون فنون # لئن كان جسمي مخلقا في يد الهوى ... فحبك عندي في الفؤاد مصون # وله وقد أصبح عاكفا على حمياه، هاتفا بإجابة دنياه، مرتشفا ثغر الأنس ~~متنسما رياه، والملك يغازله بطرف كحيل، والسعد # PageV01P157 # قد عقد عليه منه إكليل، يصف لون مدامه، وما تعرف له منها دون ندامه: # صفراء تطرق في الزجاج فإن سرت ... في الجسم دبت مثل صل لادغ # خفيت على شرابها فكأنما ... يجدون ريا من إناء فارغ # ومن شعره في السفرجل الذي ms02 قاله فيه مشبها، وغدا به لنائم البديع منبها ~~قوله يصف سفرجلة، ويقال: إنه ارتجله: # ومصفرة تختال في ثوب نرجس ... وتعبق عن مسك ذكي التنفس # لها ريح محبوب وقسوة قلبه ... ولون محب حلة السقم مكتسي # فصفرتها من صفرتي مستعارة ... وأنفاسها في الطيب أنفاس مؤنسي # وكان لها ثوب من الزغب أغبر ... على جسم مصفر من التبر أملس # فلما استتمت في القضيب شبابها ... وحاكت لها الأوراق أثواب سندس # مددت يدي باللطف أبغي اجتناءها ... لأجعلها ريحانتي وسط مجلسي # PageV01P158 # فبزت يدي غصبا ثوب جسمها ... وأعريتها باللطف من كل ملبس # ولما تعرت في يدي من برودها ... ولم تبق إلا في غلالة نرجس # ذكرت بها من لا أبوح بذكره ... فأذبلها في الطف حر التنفس # وله وقد أعاده المنصور إلى المطبق، والشجون تسرع إليه وتسبق، معزيا ~~لنفسه، مجتزيا بإسعاد أمسه: # أجازي الزمان على حاله ... مجازاة نفسي لأنفاسها # إذا نفس صاعد شفها ... توارت به دون جلاسها # وإن عكفت نكبة للزمان ... عطفت بنفسي على رأسها # ومما حفظ له في استعاطفه، واستنزاله للمنصور واستلطافه قوله: # عفا الله عنك إلا رحمة ... تجود بعفوك إن أبعدا # لئن جل ذنب ولم اعتمده ... فأنت أجل وأعلى يدا # PageV01P159 # ألم تر عبدا عدا طوره ... ومولى عفا ورشيدا هدى # ومفسد أمر تلافيته ... فعاد فأصلح ما أفسدا # أقلني أقالك من لم يزل ... يقيك ويصرف عنك الردى # قال محمد بن إسماعيل كاتب المنصور: سرت بأمره لتسليم جسد جعفر إلى أهله ~~وولده، والحضور على إنزاله في ملحده، فنظرته ولا أثر فيه، وليس عليه شيء ~~يواريه، غير كساء خلق لبعض البوابين، فدعا له محمد بن مسلمة بغاسل، فغسله - ~~والله - على فردة باب اقتطع من جانب الدار، وأنا أعتبر من تصرف الأقدار، ~~وخرجنا بنعشه إلى قبره، وما معنا سوى إمام مسجده المستدعى للصلاة عليه، وما ~~تجاسر أحد منا للنظر إليه، وإن لي في شأنه لخبرا ما سمع بمثله طالب وعظ، ~~ولا # وقع في سمع ولا تصور في لحظ، وقفت له في طريقه من قصره، أيام نهيه وأمره، ~~أروم أن أناوله قصة، كانت به ms03 مختصة، فوالله ما تمكنت من الدنو منه بحيلة ~~لكثافة موكبه، وكثرة من حف به، وأخذ الناس السكك عليه وأفواه الطرق داعين، ~~وجارين بين يديه وساعين، حتى ناولت قصتي بعض كتابه الذين نصبهم جناحي موكبه ~~لأخذ القصص، فانصرفت وفي نفسي ما فيها من الشرق بحاله والغصص، فلم تطل ~~المدة حتى غضب عليه المنصور واعتقله، ونقله معه في الغزوات وحمله، واتفق # PageV01P160 # أن نزلت بجليقية إلى جانب خبائه في ليلة نهى المنصور فيها عن وقود ~~النيران، ليخفي على العدو وأثره ولا ينكشف إليه خبره، فرأيت والله، عثمان ~~تبنه يسفه دقيقا قد خلطه بماء يقيم به أوده، ويمسك بسببه رمقه، بضعف حال، ~~وعدم زاد، وهو يقول: # تأملت صرف الحادثات فلم أزل ... أراها توفي عند موعدها الحرا # فلله أيام مضت بسبيلها ... فإني لا أنسى لها أبدا ذكرا # تجافت بها عنا الحوادث برهة ... وأبدت لنا منها الطلاقة والبشرا # ليالي لم يدر الزمان مكانها ... ولا نظرت منها حوادثه شزرا # وما هذه الأيام إلا سحائب ... على كل أرض تمطر الخير والشرا # وكان مما أعين به ابن أبي عامر على جعفر المصحفي ميل الوزراء إليه ~~وإيثارهم له عليه، وسعيهم في ترقيه وأخذهم بالعصبية فيه، فإنها لم تكن حمية ~~إعرابية، فقد كانت سلفية سلطانية، يقتضي القوم فيها سبيل سلفهم ويمنعون بها ~~ابتذال شرفهم، غادروها سيرة، # PageV01P161 # وخلفوها عادة أثيرة، تشاح الخلف فيها تشاح أهل الديانة، وصانوا بها ~~مراتبهم أعظم صيانة، ورأوا أن أحدا لا يلحق فيها غاية، ولا يتلقى لها رأية، ~~فلما اصطفى الحكم المستنصر بالله جعفر بن عثمان واصطنعه ووضعه من أثرته حيث ~~وضعه، وهو نزيع بينهم ونابغ فيهم، حسدوه وذموه، وخصوه بالمطالبة # وعموه، وكان أسرع هذه الطائفة من أعالي الوزراء وأعاظم الدولة إلى مهاودة ~~المنصور عليه، والانحراف عنه إليه آل أبي عبدة، وآل شهيد، وآل فطيس من ~~الخلفاء وأصحاب الردافة، وأولي الشرف والإنافة، # PageV01P162 # وكانوا في الوقت أزمة الملك وقوام الخدمة، ومصابيح الأمة، وأغير الخلق ~~على جاه وحرمة، فاحظوا محمد بن أبي عامر مشايعة، ولبعض أسبابه الجامعة ~~متابعة، وشادوا بناءه، ms04 وقادوا إلى عنصره سناءه، حتى بلغ الأمل والتحف يمينه ~~بمناه واشتمل، وعند التئام هذه الأمور لابن أبي عامر، استكان جعفر بن عثمان ~~للحادثة، وأيقن بالنكبة، وزوال الحال وانتقال الرتبة، وكف عن اعتراض محمد ~~وشركته في التدبير، وانقبض الناس من الرواح إليه والتبكير، وانثالوا على ~~ابن أبي عامر، فخف موكبه، وغار من سماء العز كوكبه وتوالى عليه سعي ابن أبي ~~عامر وطلبه، إلى أن صار يغدو إلى قرطبة ويروح، وليس بيده من الحجابة إلا ~~أسمها، وابن أبي عامر مشتمل على رسمها، حتى محاه، وهتك ظله وأصحاه. # قال محمد بن إسماعيل: رأيته يساق إلى مجلس الوزراء للمحاسبة راجلا فأقبل ~~يدرم، وجوارحه باللواعج تضطرم، وواثق الضاغط ينهره، والزمع والبهر قدها ~~ضاه، وقصرا خطاه، فسمعته يقول: رفقا بي فستدرك ما تحبه وتشتهيه، وترى ما ~~كنت ترتجيه، وياليت أن الموت بيع # PageV01P163 # فأغلى الله سومه، حتى يرده من قد أطال عليه حومه، ثم قال: # لا تأمنن من الزمان تقلبا ... إن الزمان بأهله يتقلب # ولقد أراني والليوث تخافني ... وأخافني من بعد ذاك الثعلب # حسب الكريم مذلة ومهانة ... ألا يزال إلى لئيم يطلب # فلما بلغ المجلس جلس في آخره دون أن يسلم على أحد، أو يومئ إليه بعين أو ~~يد، فلما أخذ مجلسه تسرع إليه الوزير محمد بن حفص بن جابر فعنفه واستجفاه، # وأنكر عليه ترك السلام وجفاه، وجعفر معرض عنه، إلى أن كثر القول منه، ~~فقال له: يا هذا، جهلت المبرة، فاستجهلت معلمها، وكفرت اليد فقصدت بالأذى ~~ولم ترهب مقدمها، ولو أتيت نكرا لكان غيرك أدرى، وقد وقعت في أمر ما أظنك ~~تخلص منه، ولا يسعك السكوت عنه، ونسيت الأيادي الجميلة، والمبرات الجليلة، ~~فلما سمع محمد بن حفص ذلك من قوله، قال: هذا البهت بعينه، وأي أياديك الغر ~~التي مننت بها، وعنيت أداء واجبها؟ أيد كذا أم يد كذا؟ وعدد أشياء أنكرها ~~منه أيام إمارته، وتصرف # PageV01P164 # الدهر طوع إشارته، فقال جعفر: هذا ما لا يعرف، والحق الذي لا يرد ولا ~~يصرف، رفعي القطع عن يمناك وتبليغي لك ms05 إلى مناك، فأصر محمد بن حفص على ~~الجحد، فقال جعفر أنشد الله من له علم بما أذكره، إلا اعترف به ولا ينكره، ~~وأنا أحوج إلى السكوت، ولا تحجب دعوتي فيه عن الملكوت، فقال الوزير أحمد بن ~~عباس: قد كان بعض ما ذكرته يا أبا الحسن، وغير هذا أولى بك وأنت فيما أنت ~~فيه من محنتك وطلبك، فقال: أحرجني الرجل فتكلمت، وأحوجني إلى ما به أعلمت، ~~فأقبل الوزير أبو الوليد محمد بن جهور على محمد بن حفص، وقال: أسأت إلى ~~الحاجب، وأوجبت عليه غير الواجب، أو ما علمت أن منكوب السلطان لا يسلم على ~~أوليائه، لأنه إن فعل ألزمهم الرد لقوله تعالى: (وإذا حييتم بتحية فحيوا ~~بأحسن منها أو ردوها). فإن فعلوا أطاف بهم من إنكار السلطان ما يخشى ويخاف، ~~لأنه تأنيس # PageV01P165 # لمن أوحش وتأمين لمن أخاف، وإن تركوا الرد أسخطوا الله فصار الإمساك ~~أحسن، ومثل هذا لا يخفى على أبي الحسن، فانكسر محمد ابن حفص، وخجل مما أتى ~~به من النقص. # وبلغه أن أقواما توجعوا له، وتفجعوا مما وصله، فكتب إليهم: # أحن إلى أنفاسكم فأظنها ... بواعث أنفاس الحياة إلى نفسي # وإن زمانا صرت فيه مقيدا ... لأثقل من رضوى وأضيق من رمس ### | الوزير أبو العباس أحمد بن عبد الملك بن عمر بن # شهيد # مفخر الإمامة، وزهر الكمامة، حاجب الناصر عبد الرحمن، وحامل الوزارتين ~~على سموهما في ذلك الزمان، استقل # PageV01P166 # بالوزارة على ثقلها، وتصرف فيها كيف شاء على حد نظرها، والتفات مقلها، ~~فظهر على أولئك الوزراء، واشتهر مع كثرة النظراء، وكانت إمارة عبد الرحمن ~~أسعد إمارة، بعد عنها كل نفس بالسوء أمارة، فلم يطرقها صرف، ولم يرمقها ~~بمحذور، طرف، ففرع الناس فيها هضاب الأماني ورباها، ورتعت ظباؤها في ظلال ~~ظباها، وهو أسد على براثنه، رابض، وبكل أبدا على قوائم سيفه قابض، يروع ~~الروم طيفه، ويجوس خلال تلك الديار خوفه، ويروى من نجيعهم كل آونة سيفه، ~~وابن شهيد ينتج الآراء ويلقحها، وينتقد تلك الأنحاء وينقحها والدولة مشتملة ~~بفنائه، متجملة بسنائه، وكرمه منتشر على ms06 الآمال، ويكسو الأولياء بذلك ~~الإجمال، وكان له أدب تزخر لججه، (وتبهر حججه)، وشعر رقيق لا ينقد، ويكاد ~~من اللطافة يعقد، فمن ذلك قوله: # ترى البدر منها طالعا وكأنما ... يجول وشاحاها على لؤلؤ رطب # بعيدة مهوى القرط مخطفة الحشا ... ومفعمة الخلخال مفعمة القلب # PageV01P167 # من اللاء لم يرحلن فوق رواحل ... ولا سرن يوما في ركاب ولا ركب # ولا أبرزتهن المدام لنشوة ... فتشدو كما تشدو القيان على الشرب # وكانت بينه وبين الوزير عبد الملك بن جهور متولي الأمر معه، ومشاركة في ~~التدبير إذا حضر موضعه، منافسة، لم تنفصل لهما بها مداخلة ولا ملابسة ~~وكلاهما يتربص بصاحبه دائرة السوء، ويغص به غصص الأفق بالنوء، فاجتاز يوما ~~إلى ربضه، ومال إلى زيارته ولم تكن، من غرضه، فلما استأمر عليه، تأخر # خروج الأذن إليه، فثنى عنانه حنقا من حجابه، وضجرا من حجابه، وكتب إليه ~~معرضا، وكان يلقب بالحمار: # أتيناك لا عن حاجة عرضت لنا ... إليك ولا قلب مشوق # ولكننا زرنا بفضل حلومنا ... حمارا تولى برنا بعقوق # فراجعه ابن جهور يغض منه، بما كان يشيع عنه، بأن جده أبا هشام، كان ~~بيطارا بالشام، بقوله: # PageV01P168 # حجبناك لما زرتنا غير تائق ... بقلب عدو في ثياب صديق # وما كان بيطار الشآم بموضع ... يباشر فيه برنا بخليق # ومن قوله يتغزل: # خلفت بمن رمى فأصاب قلبي ... وقلبه على جمر الصدود # لقد أودى تذكره بمثلي ... ولست أشك أن النفس تودي # فقيد وهو موجود بقلبي ... فوا عجبا لموجود فقيد ### | الوزير أبو القاسم محمد بن عباد # هذه بقية منتماها في لخم، ومرتماها إلى مفخر ضخم، # PageV01P169 # وجدهم المنذر بن ماء السماء، ومطلعهم من جو تلك السماء، وبنو عباد ملوك ~~أنس بهم الدهر، وتنفس منهم عن أعبق الزهر، وعمروا ربع الملك، وأمروا ~~بالحياة والهلك ومعتضدهم أحد من أقام وأقعد، وتبوأ كاهل الإرهاب واقتعد. ~~وافترش من عريسته وافترس من مكائد فريسته، وزاحم بعود. وهز كل طود، وأخمل ~~كل ذي زي وشارة وختل بوحي وإشارة، ومعتمدهم كان أجود الأملاك، وأحد نيرات ~~تلك الأفلاك، وهو القائل، وقد شغل عن منادمة ms07 خواص دولته بمنادمة العقائل: # PageV01P170 # لقد حننت إلى ما اعتدت من كرم ... حنين أرض إلى مستأجر المطر # فهاتها خلعا أرضي السماح بها ... محفوفة في أكف الشرب بالبدر # وهو القائل وقد حن في طريقه، إلى فريقه: # أدار النوى كم طال فيك تلذذي ... وكم عقتني عن دار أهيف أغيد # حلفت به لو قد تعرض دونه ... كماة الأعادي في النسيج المسرد # لجردت للضرب المهند فانقضى ... مرادي، وعز ما مثل حد المهند # والقاضي أبو القاسم هذا جدهم، وبه سفر مجدهم، وهو الذي اقتنص لهم الملك ~~النافر، واختصهم منه بالحظ الوافر فإنه أخذ الرياسة من أيدي جبابر، وأضحى ~~من ظلالها أعيان أكابر، عندما أناخت بها أطماعهم، وأصاخت إليها أسماعهم، ~~وامتدت إليها من مستحقيها (اليد)، وأتلعوا أجيادا زانها الجيد، وفغر عليها ~~فمه حتى هجا بيت العبدى، وتصدى إليها من تحضر وتبدى فاقتعد سنامها وغاربها، ~~وأبعد عنها عجمها وأعاربها، وفاز من الملك بأوفر حصة، وعدت سمته به صفة ~~مختصة، فلم يمح رسم القضاء، ولم يتسم بسمة الملك مع ذلك النفوذ والمضاء، ~~وما زال يحمي حوزته، ويجلو غرته، حتى حوته الرجام وخلت منه تلك الآجام، ~~وانتقل الملك إلى ابنه المعتضد، # PageV01P171 # وحل منه في روض نمق له ونضد، ولم يعمر فيه ولم يدم ولاه، وتسمى بالمعتضد ~~بالله، وارتمى إلى أبعد غايات الجود بما أناله وأولاه، لولا بطش في اقتضاء ~~النفوس كدر ذلك المنهل، وعكر أثناء ذلك صفو العل والنهل، وما زال للأرواح ~~قابضا وللوثوب عليها رابضا، يخطف أعداءه اختطاف الطائر من الوكر، وينتصف ~~منهم بالدهاء والمكر، إلى أن أفضى الملك إلى ابنه المعتمد، فاكتحل منه طرفه ~~الرمد، وأحمد مجده وتقلد منه أي بأس ونجده، وندى به لحق مناه، وأقام في ~~الملك ثلاثا وعشرين سنة، لم تعدم منه فيها حسنة، ولا سيرة مستحسنة، إلى أن ~~غلب على سلطانه وذهب به من أوطانه، فنقل إلى حيث اعتقل، فأقام كذلك إلى أن ~~مات، ووارته برية أغمات، وكان للقاضي جده أدب غض، ومذهب مبيض، ونظم يرتجله ~~كل حين، ويبعثه أعطر من الرياحين، فمن # ذلك ms08 قوله يصف النيلوفر: # يا ناظرين لذا النيلوفر البهج ... وطيب مخبره في الفوح والأرج # PageV01P172 # كأنه جام در في تألقه ... قد أحكموا وسطه فصا من السبج ### | الوزير أبو عبد الله محمد بن عبد العزيز # كاتب المنصور رحمه الله تعالى # وزير المنصور عبد العزيز، ورب السبق في وده والتبريز، ومنقض الأمور ~~ومبرمها، ومخمد الفتن ومضرمها، اعتقل بالدهي، واستقل بالأمر والنهي على ~~انتهاض بين الأكفاء، واعتراض المحو لرسومه والإعفاء فاستمر غير مراقب، وأمر ~~ما شاء غير ممتثل للعواقب، ينتضي عزائمه انتضاء، فإن ألمت من الأيام مظلمة ~~أضاء، إلى أن أودى، وغار منه الكوكب الأهدى، فانتقل الأمر إلى ابنه أبي # PageV01P173 # بكر فناهيك من أبي عرف ونكر، وقد أربى على الدهاة، وما صبا إلى الظبية ~~ولا إلى المهاة، واستقل بالهول يقتحمه، والأمر يسديه ويلحمه، فأي ندى أفاض، ~~وأي أجنحة بمدى هاض، فانقادت إليه الآمال بغير خطام، ووردت من نداه ببحر ~~طام، ولم يزل بالدولة قائما، وموقظا من بهجتها ما كان نائما، إلى أن صار ~~الأمر إلى المأمون بن ذي النون أسد الحروب، ومسد الثغور والدروب، فاعتمد ~~عليه واتكل، ووكل إليه الأمر غير وكل، فما تعدى الوزارة إلى الرياسة، ولا ~~تردى بغير التدبير والسياسة، فتركه مستبدا، ولم يجد من ذلك بدا، وكان أبو ~~بكر # PageV01P174 # هذا ذا رفعة غير متضائلة، وآراء لم تكن آفلة، أدرك بها ما أحب، وقطع غارب ~~كل منافس وجب، إلى أن طلحه العمر وأنضاه، وأغمده الذي انتضاه، فخلى الأمر ~~إلى ابنيه. فتبلدا في التدبير، ولم يفرقا بين القبيل والدبير، فغلب عليهما ~~القادر بن ذي النون وجلب إليهما كل خطب ما خلا المنون، فانجلوا، بعدما ~~ألقوا ما عندهم وتحلوا، وكان لأبي # عبد الله نظم مستبدع، يوضع بين الجوانح ويودع، فمن ذلك ما راجع به ابن ~~عبد العزيز، وكتب إليه يعاتبه بقطعة أولها: # يا أحسن الناس آدابا وأخلاقا ... وأكرم الناس أغصانا وأوراقا # ويا حيا الأرض لم نكبت عن سنني ... وسقت نحوي إرعادا وإبراقا # PageV01P175 # ويا سنا الشمس لم أظلمت في بصري ... وقد وسعت بلاد الله إشراقا # من ms09 أي باب سعت غير الزمان إلى ... رحيب صدرك حتى قيل قد ضاقا # قد كنت أحسبني في حسن رأيك لي ... أني أخذت على الأيام ميثاقا # فالآن لم يبق لي بعد انحرافك ما ... آسى عليه وأبدي منه إشفاقا # فأجابه ابن عبد العزيز بهذه القطعة: # ما زلت أوليك إخلاصا وإشفاقا ... وأنثني عنك مهما غبت مشتاقا # وكان من أملي أن أقتنيك أخا ... فأخفق الأمل المأمول إخفاقا # فقلت غرس من الإخوان أكلؤه ... حتى أرى منه إثمارا وإيراقا # فكان لما زهت أزهاره ودنت ... أثماره حنظلا مرا لمن ذاقا # فلست أول إخوان سقيتهم ... صفوي وأعلقتهم بالقلب إعلاقا # PageV01P176 # فما جزوني بإحساني ولا عرفوا ... قدري ولا حفظوا عهدا وميثاقا ### | الوزير الكاتب أبو مروان عبد الملك بن إدريس # الخولاني # علم من أعلام الزمان، وعين من أعيان البيان، باهر الفصاحة، طاهر الجناب ~~والساحة تولى التحبير أيام المنصور والإنشاء، وأشعر بدولته الأفراح ~~والإنشاء ولبس العزة مدتها، ضافية البرود، وورد بها النعمة صافية الورود ~~وامتطى من جياد التوجيه، أعتق من لاحق والوجيه وتمادى طلقه، ولا أحد يلحقه، ~~إلى أيام # المظفر، فمشى على سننه، وتمادى السعد يترنم على فننه، إلى أن قتل المظفر ~~صهره # PageV01P177 # عيسى بن القطاع، صاحب دولته وأميرها المطاع وكان أبو مروان قديم الاصطناع ~~له والانقطاع إليه، فاتهم معه وكاد أن يذوق الحمام ويجرعه، إلا أن إحسانه ~~شفع، وبيانه منع ودفع، فحط عن تلك الرتب، وحمل إلى طرطوشة على القتب، فبقي ~~هنالك معتقلا في برج من أبراجها نائي المنتهى، كأنما يناجي السها، قد بعد ~~ساكنه عن الأنيس فعد من النجم بمنزلة الجليس، تمر الطيور دونه ولا تجوزه، ~~ويرى منه الثرى، ولا يكاد يحوزه، فبقي فيه دهرا لا يرتقي إليه راق، # PageV01P178 # ولا يرجى لبثه راق، إلى أن أخرج منه إلى ثراه واستراح مما عراه، فمن بديع ~~ما قاله، قوله يصف المعقل، الذي فيه اعتقل: # يأوي إليه كل أعور ناعق ... وتهب فيه كل ريح صرصر # ويكاد من يرقى إليه مرة ... من عمره يشكو انقطاع الأبهر # ودخل ليلة على المنصور، والمنصور قد اتكأ وارتفق، وحكى ms10 بمجلسه ذلك الأفق، ~~والدنيا بمجلسه ذلك مسوقه، وأحاديث الأماني به منسوقة، فأمره بالنزول في ~~جملة الأصحاب، والقمر يظهر ويحتجب في السحاب، والأفق يبدو به أغر ثم يعود ~~مبهما، والليل يتراءى منه أشقر ثم يعود أدهما، وأبو مروان قد انتشى، وجال ~~في ميدان الأنس ومشى، وبرد خاطره قد دبجه السرور ووشى، فأقلقه ذلك المغيب ~~والالتياح، وأنطقه ذلك السرور والارتياح فقال: # أرى بدر السماء يلوح حينا ... فيبدو ثم يلتحف السحابا # وذلك أنه لما تبدى ... وأبصر وجهك استحيا فغابا # PageV01P179 # مقال لو نمى عندي إليه ... لراجعني بذا حقا جوابا # وله في مدة اعتقاله، وتردده في قيده وعقاله: # شحط المزار فلا مزار ونافرت ... عيني الهجوع فلا خيال يعتري # أزرى بصبري وهو مشدود القوى ... وألان عودي وهو صلب المكسر # وطوى سروري كله وتلذذي ... بالعيش طي صحيفة لم تنشر # ها إنما ألقى الحبيب توهما ... بضمير تذكاري وعين تذكري # عجبا لقلبي، يوم راعتني النوى ... زدنا وداع كيف لم يتفطر ### | الوزير الأجل أبو الحزم جهور بن محمد بن جهور # PageV01P180 # وبنو جهور أهل بيت وزارة، اشتهروا كاشتهار ابن هبيرة في فزارة وأبو الحزم ~~أمجدهم في المكرمات، وأنجدهم في الملمات، ركب متون الفتون فراضها، ووقع في ~~بحور المحن فخاضها، منبسط غير منكمش، لا طائش اللسان ولا رعش، وقد كان وزر ~~في الدولة العامرية فشرفت بجلاله، واعترفت باستقلاله فلما انقرضت، وعاقت ~~الفتن واعترضت، تخلى عن التدبير مدتها، وخلى لخلافه تدبير الخلافة وشدتها، ~~وجعل يقبل مع أولئك الوزراء ويدبر، # PageV01P181 # وينهل الأمر معهم ويدبر، غير مظهر للانفراد ولا مقصر في ميدان ذلك ~~الطراد، إلى أن بلغت الفتنة مداها، وسوغت ما شاءت رداها، وذهب من كان يخد ~~في الرياسة ويخب، ويسعى في الفتنة ويدب، ولما ارتفع ذلك الوبال وأدبر ذلك ~~الإقبال راسل أهل التقوى مستمدا بهم، ومعتمدا على بعضهم، تحيلا منه ~~وتمويها، وتداهيا على أهل الخلافة وذويها، وعرض عليهم تقديم المعتد هشام، ~~وأومض منه لأهل قرطبة برق خلب يشام بعد سرعة التياثها، وتعجيل انتكاثها، ~~فأنابوا إلى الإجابة، وأجابوا إلى استرعائه الوزارة # PageV01P182 # والحجابة وتوجهوا مع ذلك ms11 الإمام، وألموا بقرطبة أحسن إلمام، فدخلوها بعد ~~فتن كثرة، واضطرابات مستثيرة، والبلد مقفر، والجلد مسفر، فلم يبق غير يسير ~~حتى جبذ واضطرب أمره فخلع، واختطف من الملك وانتزع، وانقضت الدولة الأموية، ~~وارتفعت الدولة العلوية، واستولى على قرطبة عند ذلك أبو الحزم، ودبرها ~~بالجد والعزم، وضبطها ضبطا أمن خائفها، ورفع طارق تلك الفتنة # وطائفها، وخلا له الجز فطار، واقتضى اللبانات والأوطار، فعادت له قرطبة ~~إلى أكمل حالاتها، وانجلى به نوء استجلالاتها، ولم تزل به مشرقة وغصون ~~الأمل فيها مورقة، إلى أن توفي سنة خمس وثلاثين وأربعمائة، فانتقل الأمر ~~إلى ابنه أبي الوليد، واشتمل منه على # PageV01P183 # طارف وتليد، وكان لأبي الحزم أدب ووقار وحلم سارت بها الأمثال وعدم فيها ~~المثال، وقد اثبت من شعره ما هو لائق، وفي سماء الحسن رائق، وذلك قوله في ~~تفضيل الورد: # PageV01P184 # الورد أحسن ما رأت عيني وأذ ... كي ما سقى ماء السحاب الجائد # خضعت نواوير الرياض لحسنه ... فتذللت تنقاد وهي شوارد # وإذا تبدى الورد في أغصانه ... يزهو فذا ميت وهذا حاسد # PageV01P185 # وإذا أتى وفد الربيع مبشرا ... بطلوع صفحته فنعم الوافد # ليس المبشر كالمبشر باسمه ... خبر عليه من النبوة شاهد # وإذا تعرى الورد من أوراقه ... بقيت عوارفه فهن خوالد # وله وقد وقف على قصور الأمويين وقد تقوضت أبنيتها، وعوضت من أنيسها ~~بالوحوش أفنيتها: # قلت يوما لدار قوم تفانوا: ... أين سكانك العزاز علينا؟ # فأجابت: هنا أقاموا قليلا، ... ثم ساروا، ولست أعلم إينا ### | الوزير ذو الوزارتين أبو عامر بن الفرج # من ثنية رياسة، وعترة نفاسة، ما منهم الأمن # PageV01P186 # حدى بالإمارة وتردى بالوزارة، وأضاء في آفاق الدول، ونهض بين الخيل ~~والخول، وأبو عامر هذا أحد أمجادهم، ومتقلد نجادهم، فاتهم أدبا ونبلا، ~~وباراهم كرما تخاله وبلا، إلا أنه بقي وذهبوا، ولقي من الأيام ما رهبوا، ~~فعاين نكرها، وشرب عكرها وجال في الآفاق، واستدر أخلاف الأرزاق، وأجال ~~للرجاء قداحا متواليات الإخفاق فأخمل قدره، وتوالى # عليه جور الزمان وغدره، فاندفنت آثاره، وعفت أخباره وقد أثبت له بعض ما ~~قاله، وحاله قد أدبرت، والخطوب إليه ms12 قد انبرت، أخبرني الوزير الحكيم أبو ~~محمد المصري وهو الذي آواه، وعنده استقرت نواه، وعليه كان قادما، وله كان ~~منادما أنه رغب إليه في أحد الأيام أن يكون من جملة ندمائه، وأن لا يحجب ~~عنه # PageV01P187 # وتكون منة من أعظم نعمائه، فأجابه بالإسعاف، واستساغ منه، ما كان يعاف، ~~لعلمه بقلته وإفراط خلته، فلما كان ظهر ذلك اليوم كتب إليه: # ها قد أهبت بكم وكلكم هوى ... وأحقكم بالشكر مني السابق # فالشمس أنت وقد أظل طلوعها ... فاطلع وبين يديك فجر صادق # وكان له ابن مكبود قد أعياه علاجه، وتهيأ للفساد مزاجه، فدل على خمر ~~قديمة فلم يعلم بها إلا عند حكم، وكان وسيما، وللحسن قسيما فكتب إليه: # أرسل بها مثل ودك ... أرق من ماء خدك # شقيقة النفس فانضح ... بها جوى ابني وعبدك # وكتب معتذرا، عما جناه منذرا: # PageV01P188 # ما تغيبت عنك إلا لعذر ... ودليلي في ذاك حرصي عليكا # هبك أن الفرار من عظم ذنب ... أتراه يكون إلا إليكا؟ ### | الوزير أبو عامر أحمد بن عبد الملك بن شهيد # الأشجعي # عالم بأقسام البلاغة ومعانيها، حائز قصب السبق فيها، لا يشبهه أحد من أهل ~~زمانه، ولا ينسق ما نسق من در البيان وجمانه، توغل في شعاب البلاغة وطرقها، ~~وأخذ على متعاطيها ما بين مغربها ومشرقها، لا يقاومه عمرو بن بحر، ولا تراه ~~يغترف إلا من بحر، مع انطباع، مشى في طريقه بأمد باع، وله الحسب # المشهور والمكان الذي لم يعده للظهور، وهو من ولد الوضاح، المتقلد تلك ~~المفاخر # PageV01P189 # والأوضاح صاحب الضحاك يوم المرج، وراكب ذلك الهرج، وأبو عامر حفيده هذا ~~من ذلك النسب، ونبع لا يراش إلا مع ذلك الغرب، وقد أثبت له مما هو بالسحر ~~لاحق، ولنور المحاسن ماحق، فمن ذلك قوله: # إن الكريم إذا نابته مخمصة ... أبدى إلى الناس ريا وهو ظمآن # يحني الضلوع على مثل اللظى حرقا ... والوجه غمر بماء البشر ملآن # وهو مأخوذ من قول الرضي: # ما إن رأيت كمعشر صبروا ... عزا على الأزلات والأزم # PageV01P190 # بسطوا الوجوه وبين أضلعهم ... حر الجوى ومآلم الكلم ms13 # وله أيضا: # كلفت بالحب حتى لو دنا أجلي ... لما وجدت لطعم الموت من ألم # كلا الندى والهوى قدما ولعت به ... ويلي من الحب أو ويلي من الكرم # وأخبرني الوزير أبو الحسين بن سراج، وهو بمنزل الوزير أبي عامر بن شهيد ~~وكان من البلاغة في مدى غاية البيان، ومن الفصاحة في أعلى مراتب التبيان، ~~وكنا نحضر مجلس شرابه، ولا نغيب عن بابه، وكان له بباب الصومعة من الجامع ~~موضع لا يفارقه أكثر نهاره، # PageV01P191 # ولا يخليه من نثر درره وأزهاره، فقعد فيه ليلة سبع وعشرين من رمضان في ~~لمة من إخوانه، وأئمة سلوانه وقد حفوا به، ليقطفوا نخب أدبه، وهو بخلط لهم ~~الجد بهزل، ولا يفرط في انبساط مشتهر ولا انقباض جزل، وإذا، بجارية من ~~أعيان أهل قرطبة معها من جواريها، من يسترها ويواريها، وهي ترتاد موضعا ~~لمناجاة ربها، وتبتغي منزلا لاستغفار ذنبها وهي متنقبة، خائفة ممن يرقبها ~~مترقبة، وأمامها طفل لها كأنه غصن آس، أو ظبي يمرح في كناس فلما وقعت عينها ~~على أبي عامر ولت سريعة وتولت مروعة، # خيفة أن يشبب بها، أو يشهرها باسمها، فلما نظرها، قال قولا فضحها به ~~وشهرها: # وناظرة تحت طي القناع ... دعاها إلى الله والخير داع # سعت خفية تبغي منزلا ... لوصل التبتل والانقطاع # وجالت بموضعنا جولة ... فحل الربيع بتلك البقاع # PageV01P192 # أتتنا تبختر في مشيها ... فحلت بواد كثر السباع # وريعت حذارا على طفلها ... فناديت يا هذه لا تراعي # غزالك تفرق منه الليوث ... وتنصاع منه كماة المصاع # فولت وللمسك من ذيلها ... على الأرض خط كظهر الشجاع # وله يتغزل: # أصباح شيم لأم برق بدا ... أم سنا المحبوب أورى زندا # هب من مرقده منكسرا ... مسبلا للكم مرخ للردا # يمسح النعسة من عيني رشا ... صائد في كل يوم أسدا # أوردته لطفا آياته ... صفوة العيش وأرعته ددا # فهو من دل عراه زبدة ... من مريج لم يخالط زبدا # قلت هب لي يا حبيبي قبلة ... تشف من غمك تبريح الصدى # فانثنى يهتز من منكبه ... مائلا لطفا وأعطاني اليدا # كلما كلمني قبلته ... فهو إما ms14 قال قولا رددا # PageV01P193 # كاد أن يرجع من لثمي له ... وارتشاف الثغر منه أدردا # وإذا استنجزت يوما وعده ... أمطل الوعد وقال: اصبر غدا # شربت أعطافه ماء الصبا ... وسقاه الحسن حتى عربدا # فإذا بت به في روضة ... أغيد يقرو نباتا أغيدا # قلم في الليل بجيد أتلع ... ينفض اللمة من دمع الندى # ومكان عازب عن جيرة ... أصدقاء وهم عين العدا # ذي نبات طيب أعرافه ... كعذار الشعر في خد بدا # تحسب الهضبة منه جبلا ... وحدور الماء منه أبردا # وبات ليلة بإحدى كنائس قرطبة وقد فرشت بأضغاث آس، وعرشت بسرور واستئناس، ~~وقرع النواقيس يبهج سمعه، وبرق الحميا يسرج لمعه، والقس قد برز في عبدة ~~المسيح، متوشحا # PageV01P194 # بالزنانير أبدع توشيح، قد هجروا الأفراح واطرحوا النعم كل اطراح: # لا يعمدون إلى ماء بآنية ... إلا اغترافا من الغدران بالراح # وأقام بينهم يعملها حميا، كأنما يرشف من كأسها شفة لميا، وهي تنفح له ~~بأطيب عرف، كلما رشفها أعذب رشف، ثم ارتجل بعدما ارتحل فقال: # ولرب حان قد شممت بديره ... خمر الصبا مزجت بصرف عصيره # في فتية جعلوا السرور شعارهم ... متصاغرين تخشعا لكبيره # والقس مما شاء طول مقامنا ... يدعو بعود حولنا بزبوره # يهدي لنا بالراح كل مصفر ... كالخشف خفره التماح خفيره # يتناول الظرفاء فيه وشربهم ... لسلافه والأكل من خنزيره # PageV01P195 # وقال يرثي القاضي ابن ذكوان، نجيب ذلك الأوان، في الفتنة وقد افتن في ~~الآداب، وسن فيها سنة ابن دأب، وما فارق ربع الشباب (شرخه)، ولا استمجد في ~~الكهولة عفاره ولا مرخه، وكان لأبي عامر هذا قسيم نفسه، ونسيم أنسه: # ظننا الذي نادى محقا بموته ... لعظم الذي أنجى من الرزء كاذبا # وخلنا الصباح الطلق ليلا وإنما ... هبطنا خداريا من الحزن كاربا # ثكلنا الدجى لما استقل وإننا ... فقدناك يا خير البرية ناعبا # وما ذهبت إن حصل المرء نفسه ... ولكنما الإسلام أدبر ذاهبا # ولما أبى إلا التحمل رائحا ... منحناه أعناق الكرام ركائبا # PageV01P196 # يسير به النعش الأعز وحوله ... أباعد راحوا للمصاب أقاربا # عليه حفيف للملائك أقبلت ... تصافح شيخا ذاكر الله تائبا # تخال لفيف الناس حول ms15 ضريحه ... خليط قطا وافى الشريعة هاربا # إذا ما امتروا سحب الدموع تفرعت ... فروع البكا عن بارق الحزن لاهبا # فمن ذا لفضل القول يسطع نوره ... إذا نحن ناوينا الألد المناوبا # ومن ذا ربيع المسلمين يقوتهم ... إذا الناس شاموها بروقا كواذبا # فيا لهف قلبي آه ذابت حشاشتي ... مضى شيخنا الدفاع عنا النوائبا # ومات الذي غاب السرور لموته ... فليس وأن طال السرى منه آيبا # وكان عظيما يطرق الجمع عنده ... ويعنو له رب الكتيبة هائبا # وذا مقول عضب الغرارين صارم ... يروح به عن حومة الدين ضاربا # أبا حاتم صبر الأديب فإنني ... رأيت جميل الصبر أحلى عواقبا # PageV01P197 # وما زلت قدما ترهب الدهر سطوة ... وصعبا يعيي الخطوب المصاعبا # سأستعتب الأيام فيك لعلها ... لصحة ذاك الجسم تطلب طالبا # لئن أفلت شمس المكارم عنكم ... لقد أسأرت بدرا لها وكواكبا # ودبت إليه أيام العلويين عقارب، برئت بها من أباعد وأقارب، واجهه بها صرف ~~قطوف، وانبرت إليه منها خطوب، نبا لها جنبه عن المضجع، وبقي بها يأرق ولا ~~يهجع، إلى أن علقته من الاعتقال حباله، وعقلته في عقال أذهب ماله، فأقام ~~مرتهنا، ولقي وهنا، وقال: # قريب بمحتل الهوان مجيد ... يجود ويشكو حزنه فيجيد # نعى صبره عند الإمام فيا له ... عدو لأبناء الكرام حسود # وما ضره إلا مزاح ورقة ... ثنته سفيه الذكر وهو رشيد # جنى ما جنى في قبة الملك غيره ... وطوق منه بالعظيمة جيد # وما في إلا الشعر أثبته الهوى ... فسار به في العالمين فريد # PageV01P198 # أفوه بما لم آته متعرضا ... لحسن المعاني تارة فأزيد # فإن طال ذكري بالمجون فإنني ... شقي بمنظوم الكلام سعيد # وهل كنت في العشاق أول عاقل ... هوت بحجاه أعين وخدود # وإن طال ذكري بالمجون فإنها ... عظائم لم يصبر لهن جليد # فراق وسجن واشتياق وذلة ... وجبار حفاظ علي عتيد # فمن مبلغ الفتيان إني بعدهم ... مقيم بدار الظالمين وحيد # مقيم بدار ساكنوها من الأذى ... قيام على جمر الحمام قعود # ويسمع للجنان في جنبتها ... بسيط كترجيع الصدى ونشيد # ولست بذي قيد يرن وإنما ... على اللحظ من سخط الإمام قيود # وقلت ms16 لصداح الحمام وقد بكى ... على القصر إلفا والدموع تجود # ألا أيها الباكي على من تحبه ... كلانا معنى بالخلاء فريد # وهل أنت دان من محب نأى به ... عن الإلف سلطان عليه شديد # فصفق عن ريش الجناحين واقفا ... على القرب حتى ما عليه مزيد # وما زال يبكيني وأبكيه جاهدا ... وللشوق من دون الضلوع وقود # إلى أن بكى الجدران من طول شجون ... وأجهش باب جانباه حديد # أطاعت أمير المؤمنين كتائب ... تصرف في الأموال كيف تريد # PageV01P199 # فللشمس عنها بالنهار تأخر ... وللبدر شحنا بالظلام صدود # ألا إنها الأيام تلعب بالفتى ... نحوس تهادى تارة وسعود # وما كنت ذا أيد فأذعن ذا قوى ... من الدهر مبد صرفه ومعيد # وراضت صعابي سطوة علوية ... لها بارق نحو الندى ورعود # تقول التي من بيتها كف مركبي ... أقربك دان أم نواك بعيد # فقلت لها: أمري إلى من سمت به ... إلى المجد أباء له وجدود # ولزمته آخر عمره علة دامت به سنين، ولم تفارقه حتى تركت (أعضاءه قد) ~~حنين، وأحسب أن الله أراد بها تمحيصه، وإطلاقه من ذنب كان قنيصه فطهره ~~تطهيرا، وجعل ذلك على العفو له ظهيرا، فإنها أقعدته حتى حمل في المحفة، ~~وعادته حتى غدت لرونقه مشتفة، وعلى ذلك فلم يعطل لسانه، ولم يبطل إحسانه ~~وما زال يستريح إلى القول، ويزيح ما كان يجده من الغول، وآخر شعر # PageV01P200 # قاله، قوله: # ولما رأيت العيش لوى برأسه ... وأيقنت أن الموت لا شك لاحقي # تمنيت أني ساكن في عباءة ... بأعلى مهب الريح في رأس شاهق # أرد سقيط الظل في فضل عيشتي ... وحيدا وأحسو الماء ثني المعالق # خليلي من رام المنية مرة ... فقد رمتها خمسين قولة صادق # كأني وقد حان ارتحالي لم أفز ... قديما من الدنيا بلمحة بارق # فمن مبلغ عني ابن حزم وكان لي ... يدا في ملماتي وعند مضايقي # عليك سلام الله إني مفارق ... وحسبك زادا من حبيب مفارق # فلا تنس تأبيني إذا ما ذكرتني ... وتذكار أيامي وفضل خلائقي # وحرك له بالله مهما ذكرتني ... إذا غيبوني كل سهم غرانق # عسى هامتي في القبر ms17 تسمع بعضه ... بترجيع شاد أو بتطريب طارق # فلي في ادكاري بعد موتي راحة ... فلا تمنعوها لي علالة راهق # وإني لأرجو الله فيما تقدمت ... ذنوبي به مما درى من حقائق # PageV01P201 ### | الوزير الكاتب أبو المغيرة عبد الوهاب بن حزم # وبنو حزم فتية علم وأدب، وثنية مجد وحسب، وأبو المغيرة هذا في الكتابة ~~أوحد، لا ينعت ولا يحد، وهو فارس المضمار، حامي ذلك الذمار، وبطل الرعيل، ~~وأسد ذلك الغيل، نسق المعجزات، وسبق في المعضلات الموجزات، إذا كتب وشى ~~المهارق ودبج، وركب من بحر البلاغة الثبج، وكان هو وأبو عامر بن شهيد، ~~خليلي صفاء، وحليفي وفاء، لا ينفصلان في رواح ولا مقيل، ولا يفترقان كمالك ~~وعقيل، فكانا بقرطبة رافعي ألوية الصبوة، وعامري أندية السلوة، إلى أن اتخذ ~~أبو عامر في حبالة الردى وعلق، وغدا رهنه فيها قد غلق، فانفرد أبو المغيرة ~~بذلك الميدان، واسترد من سبقه ما فاته منذ زمان، فلم تذكر له مع أبي عامر ~~حسنة، ولا سرت له فقرة وإن كانت مستحسنة، لتعذر ذلك وامتناعه، بشفوف أبي ~~عامر # PageV01P202 # وامتداد باعه، وأما شعر أبي المغيرة فمرتبط بنثره، ومختلط زهره بدره، وقد ~~أثبت له منها فنونا تجن بها الأفهام جنونا، فمن ذلك قوله: # ظعنت وفي أحداجها من شكلها ... عين فضحن بحسنهن العينا # ما أنصفت في جنب توضح إذ قرت ... ضيف الوداد بلابلا وشجونا # أضحى الغرام ربع فؤاده ... إذ لم يجد بالرقمتين قطينا # وله أيضا: # لما رأيت الهلال منطويا ... في غرة الفجر قارن الزهرة # شبهيه والعيان يشهد لي ... بصولجان انثنى لضرب كرة ### | الوزير أبو عامر محمد بن عبد الله بن محمد بن # مسلمة # PageV01P203 # بيت شرف باذخ، ومفخر على ذوائب الجوزاء شامخ، وزروا للخلفاء، وانتجعتهم ~~الأدباء، واتبعتهم العظماء، وانتسبت لهم النعماء وتنفست عن نور بهجتهم ~~الظلماء # وأبو عامر هذا هو جوهرهم المنتخل، وجوادهم الذي لا يبخل، زعيمهم المعظم، ~~وسلك مفخرهم المنظم، وكان فتى المدام، ومستفتى الندام، وأكثر من النعت ~~للراح والوصف، وآثر الأفراح والقصف وأرى قينات السرور مجلوة، وآيات الحسن ~~متلوة، وله كتاب سماه بحديقة الارتياح، ms18 في وصف حقيقة الراح واختص بالمعتضد ~~اختصاصا جرعه رداه، وصرعه في مداه، فقد كان في المعتضد من عدم تحفظه ~~بالأرواح وتهاونه باللوام في ذلك واللواح، فاطمأن إليه أبو عامر واغتر، ~~وأنس إلى ما بسم من مؤانسته وافتر، حتى أمكنته في اغتياله فرصة، ولم يعلق ~~فيها حصة، ولم يطلق عليه إلا أنه زلت به قدمه فسقط في البحيرة وانكفا، ولم ~~يعلم به إلا بعدما طفا، فأخرج وقد قضى، وأدرج منه # PageV01P204 # في الكفن حسام المجد منتضى، فمن محاسنه قوله يصف السوسن، وهو مما أبدع ~~فيه وأحسن: # وسوسن راق مرآه ومخبره ... وجل في أعين النظار منظره # كأنه أكؤس البلور قد صنعت ... مسندسات تعالى الله مظهره # وبينها ألسن قد طوقت ذهبا ... من بينها قائم بالملك يؤثره # وله أيضا: # حج الحجيج منى ففازوا بالمنى ... وتفرقت عن خيفه الأشهاد # ولنا بوجهك حجة مبرورة ... في كل يوم تقتضي وتعاد # واجتمع بجنة بخارج إشبيلية مع إخوان له علية، فبينا هم يديرون الراح، ~~ويشربون من كأسها الأفراح، والجو صاح، إذا بالأفق قد غيم، وأرسل الديم، ~~بعدما كسا الجو بمطارف اللاذ، وأشعر الغصون زهر قباذ، والشمس منتقبة ~~بالسحاب، والرعد يبكيها # PageV01P205 # بزمزمة كالانتحاب، فقال: # يوم كأنه سحابه ... لبست عمامات الصوامت # حجبت به شمس الضحى ... بمثال أجنحة الفواخت # والغيث يبكي فقدها ... والبرق يضحك ضحك شامت # والرعد يخطب مفصحا ... والجو كالمحزون ساكت # وخرج إلى تلك الخميلة والربيع قد نشر رداه، ونثر على معاطف الغصون نداه، ~~فأقام بها وقال: # وخميلة رقم الزمان أديمها ... بمفضض ومقسم ومشوب # رشفت قبيل الصبح ريق غمامة ... رشف المحب مراشف المحبوب # وطردت في أكنافها ملك الصبا ... وقعدت واستوزرت كل أديب # وأدرت فيها اللهو حق مداره ... مع كل وضاح الجبين مهوب # PageV01P206 ### | الوزير الكاتب أبو حفص أحمد بن برد # هذه ثنية غذيت بالأدب، وربت في أسمى الرتب، ما منهم إلا شاعر كاتب ولازم ~~لباب السلطان راتب، لم يزل في الدول العامرية بسبق يذكر وحق لا ينكر، وأبو ~~حفص هذا بديع الإحسان، بليغ القلم واللسان، مليح الكتابة فصيح الخطابة، وله ~~رسالة السيف والقلم ms19 وهو أول من قال بالفرق بينهما، وشعره مثقف المباني، ~~مرهف كالحسام اليماني، وقد لأثبت منه ما يلهيك سماعا، ويريك الإحسان لماعا، ~~فمن ذلك قوله يصف البهار: # تأمل فقد شق البهار كمائما ... وأبرز عن نواره الخضل الندي # PageV01P207 # مداهن تبر في أنامل فضة ... على أذرع مخروطة من زبرجد # وله يصف معشوقا، أهيف القد ممشوقا، أبدى صفحة ورد، وبدا في ثوب لازورد: # لما بدا في لازور ... دي الحرير وقد بهر # كبرت من فرط الجمال ... ل وقلت: ما هذا بشر # فأجابني لا تنكرن ... ثوب السماء على القمر # وله أيضا عفا الله عنه: # قلبي وقلبك لا محالة واحد ... شهدت بذلك بيننا الألحاظ # فتعال فلنغظ الحسود بوصلنا ... إن الحسود بمثل ذاك يغاظ # وله أيضا إلى من ودعه، وأودع فؤاده من الهوى ما أودعه: # يا من حرمت لذاذتي بمسيره ... هذي النوى قد صعرت لي خدها # PageV01P208 # زود جفوني من جمالك نظرة ... والله يعلم إن رأيتك بعدها ### | الوزير الكاتب أبو جعفر اللمائي # إمام من أئمة الكتابة ومفجر ينبوعها، والظاهر على مصنوعها، بمطبوعها، إذا ~~كتب نثر الدرر في المهارق، ونمت فيها أنفاسه كالمسك في المهارق، وانطوى ~~ذكره على انتشار إحسانه، وقصر أمره مع امتداد لسانه، فلم تطل لدوحته فروع، ~~ولا اتصل لها في نهر الإحسان كروع، فاندفنت محاسنه من الإهمال في قبر، ~~وانكسرت الآمال بعدم بدائعه كسرا بعد جبر، وكان كاتب علي بن حمود العلوي ~~وذكر أنه كان يرتجل بين يديه ولا يروي، فيأتي على البديه، مما يتقبله ~~المروي ويبديه، فمن ذلك ما كتب به معتنيا من بعض رسائله: # PageV01P209 # روض العلم في فنائك، مونق، وغصن الأدب بمائك مورق، وقد قذف بحر الهند ~~درره، وبعث روض نجد زهره، فأهدى ذلك على يدي فلان الجاري في حمده على مباني ~~قصده. # ومن شعره قوله: # ألما فديتكما نستلم ... منازل سلمى على ذي سلم # منازل كنت بها نازلا ... زمان الصبا بين جيد وفم # أما يجدن الثرى عاطرا ... إذا ما الرياح تنفسن ثم # وكتب أيضا: غصن أياديك عندي ناضر، وروض شكرك لدي زاهر، (وريح إخلاصي لك ms20 ~~صبا) وزمن أملي فيك صبا، فأنا # PageV01P210 # شارب ماء إخائك، متفيء ظل # وفائك، جان ثمر فرع طاب أكله، وأجناني البر قديما أصله، فسقاني إكراما ~~برقه، ورواني أفضالا ودقه، وأنت الطالع في فجاجه، السالك لمنهاجه، سهم في ~~كنانة المجد صائب، ونجم في سماء العز ثاقب، إن ابتغت العدا نوره أحرق، وإن ~~رميتهم به أصبت الحدق، وفلان اختل ما عهدته من أمره، وطما عليه ما علمته من ~~بحره، فإن سبح فيه غرق، وإن شرب منه شرق، فإن مددت يد اعتناء نجيته، وإن ~~لحظته بعين احتفاء أحييته. ### | الوزير أبو عبدة حسان بن مالك بن أبي عبدة # من بيت جلالة، وعترة أصالة، كانوا مع عبد الرحمن الداخل، وتوغلوا معه في ~~متشعبات تلك المداخل، وسعوا في الخلافة حتى حضر مبايعها، وكثر مشايعها، ~~وجدوا في الهدنة وانعقادها، وأخمدوا نار # PageV01P211 # الفتنة عند اتقادها فأبرمت عراها، وارتبطت أولاها وأخراها، فظهرت البيعة ~~واتضحت، وأعلنت الطاعة وأفصحت، وصاروا تاج مفرقها، ومنهاج طرقها، وأبو عبدة ~~هذا ممن بلغ الوزارة وأدركها، وحل مطلعها وفلكها، مع اشتهار في اللغة ~~والآداب، وانخراط في سلك الشعراء والكتاب، وإبداع لما ألف، وإنتهاض بما ~~تكلف ودخل على المنصور وبين يديه كتاب ابن السري وهو به كلف، وعليه معتكف، ~~فخرج من عنده وعمل على مثاله كتابا سماه بكتاب: ربيعة وعقيل، جرد له من ~~ذهنه أي سيف صقيل، وأتى به منتسخا مصورا في ذلك اليوم من الجمعة الأخرى، ~~وأبرزه والحسن يبتسم عنه ويتعرى، فسر به المنصور وأعجب، ولم يغب عن بصره ~~ساعة ولم يحتجب، وكان لأبي عبدة بعد هذه المدة حين أدجت الفتنة ليلها، ~~وأزجت ابلها وخيلها، اغتراب كاغتراب الحارث بن مضاض، واضطراب بين القوافي ~~والمواضي كالحية النضناض، ثم اشتهر بعد، وافتر له # PageV01P212 # السعد، وفي تلك المدة يقول، يتشوق إلى أهله: # سقى بلد أهلي به وأقاربي ... غواد بأثقال الحيا وروائح # وهبت عليهم بالعشي وبالضحى ... نواسم برد والظلال فوائح # تذكرتهم والنأي قد حال دونهم ... ولم أنس لكن أوقد القلب لافح # ومما شجاني هاتف فوق أيكة ... ينوح ولم يعلم بما هو نائح ms21 # فقلت اتئد يكفيك إني نازح ... وأن الذي أهواه عني نازح # ولي صبية مثل الفراخ بقفر ... مضى حاضناها فاطحتها الطوائح # إذا عصفت ريح أقامت رؤوسها ... فلم يلقها إلا طيور بوارح # فمن لصغار فقد أبيهم ... سوى سانح في الدهر لوعن سانح # واستوزره المستظهر عبد الرحمن بن هشام (المسمى) بالخلافة أيام الفتنة، ~~فلم يرض بالحال، ولم يمض في ذلك الانتحال، وتثاقل عن الحضور في كل وقت، ~~وتغافل في ترك الغرور # PageV01P213 # بذلك المقت، وكان المستظهر يستبد بأكثر الأمور دونه، وينفرد مغيبا عنه ~~شؤونه فكتب إليه: # إذا غبت لم أحضر وإن جئت لم أسل ... فسيان مني مشهد ومغيب # فأصبحت تيميا وما كنت قبلها ... لتيم ولكن الشبيه نسيب # ومن شعره في المهرجان: # أرى المهرجان قد استبشرا ... غداة بكى المزن واستعبرا # وسربلت الأرض أفواهها ... وجللت السندس الأخضرا # وهز الرياح صنابيرها ... فضوعت المسك والعنبرا # تهادى به الناس ألطافه ... وسام المقل به المكثرا # وله أيضا: # رأت طالعا للشيب بين ذوائبي ... فعادت بأسراب الدموع السواكب # وقالت: أشيب؟ قلت صبح تجاربي ... أنار على أعقاب ليل نوائبي # PageV01P214 # ولما مات قال الوزير أبو عامر بن شهيد يرثيه رحمهما الله تعالى: # أفي كل عام مصرع لعظيم ... أصاب المنايا حادثي وقديمي # وكيف اهتدائي في الخطوب إذا دجت ... وقد فقدت عيناي ضوء نجوم # مضى السلف الوضاح إلا بقية ... كغرة مسود القميص بهيم # فإن ركبت مني الليالي هضيمة ... فقبلي ما كان اهتضام تميم # أبا عبدة إنا غدرناك عندما ... رجعنا وغادرناك غير ذميم # أنخذل من كنا نرود بأرضه ... ونكرع منه في إناء علوم # ويجلو العمى عنا بأنوار رأيه ... إذا أظلمت ظلماء ذات غموم # كأنك لم تلقح بريح من الحجى ... عقائم أفكار بغير عقيم # ولم نعتمد مغناك غدوا ولم نزر ... رواحا لفصل الحكم دار حكيم ### | الوزير الفقيه أبو أيوب بن أبي أمية # واحد الأندلس الذي طوقها فخارا، وطبقها بأوانه افتخارا، ما شئت من وقار ~~لا تحيل الحركة سكونه، ومقدار يتمنى مخبر أن يكونه، # PageV01P215 # إذا لاح رأيت المجد مجتمعا، وإن فاه أضحى كل شيء مستمعا، تكتحل منه مقل ~~المجد، وتنتحل ms22 المعالي أفعاله انتحال ذي كلف بها ووجد، لو تفرقت في الخلق ~~سجاياه لحمدت الشيم، واستسقيت بمحياه لما استمسكت الديم، ودعي للقضاء فما ~~رضي وأعفي عنه فكأنه استقضي، لديه تثبت الحقائق، وتنبت العلائق، وبين يديه ~~يسلك عين الجدد ويدع اللدد اللدد، وله أدب إذا حاضر به فلا البحر إذا عصف، ~~ولا أبو عثمان ابنه إذا صنف، مع حلاوة مؤانسة تستهوي الجليس وتهوي حيث شاءت ~~بالنفوس، وأما تحبيره وإنشاؤه، ففيهما للسامع تحييره وانتشاؤه، وقد أثبت له ~~بدعا يثنى إليها الإحسان جيدا وأخدعا، فمن ذلك قوله في منزل حله متنزها: # يا منزل الأنس أهواه وآلفه ... حقا لقد جمعت في صحنك البدع # لله ما اصطنعت نعماك عندي في ... يوم نعمت به والشمل مجتمع # PageV01P216 # وحل منية صهره الوزير أبي مروان بن الدب بعدوة إشبيلية المطلة على النهر، ~~المشتملة على بدائع الزهر، وهو معرس ببنته، فأقام فيها أياما متأنسا، ~~ولجذوة السرور مقتبسا، فأولاه من التحف، وأهدى إليه من الطرف، ما غمر كثرة، ~~وبهر نفاسة وأثرة، فلما ارتحل، وقد اكتحل من حسن ذلك الموضع بما اكتحل، كتب ~~إليه: # قل للوزير وأين الشكر من منن ... جاءت على سنن تترى وتتصل # غشيت مغناك والروض الأنيق به ... يندى وصوب الحيا يهمي وينهمل # وجال طرفي في أرجائه مرحا ... وفق اختياري يستعلي ويستفل # يدعو بلفتته حيث ارتمى زهر ... عليه من منثني أفنانه كلل # محل أنس نعمنا فيه آونة ... من الزمان وواتانا به الأمل # وحل بعد ذلك متنزها بها على عادته، فاحتفل في موالاة ذلك البر وإعادته، ~~فلما رحل كتب إليه: # PageV01P217 # يا دار أمنك الزما ... ن صروفه ونوائبه # وجرت سعودك بالذي ... يهوي نزيلك دائبه # فلنعم مثوى الضيف أن ... ت إذا تحاموا جانبه # خطر سأرت به الديا ... ر وأذعنت لك ناصبه # وله فيه أيضا: # أمسك دارين حياك النسيم به ... أم عنبر الشحر أم هذي البساتين # بشاطئ النهر حيث النور مؤتلق ... والراح تعبق أم تلك الرياحين # وصنع ولد ابن عبد الغفور رسالة، سماها ب الساجعة حذا بها حذو أبي العلاء ~~المعري في الصاهل والشاحج وبعث ms23 بها إليه، فعرضها عليه فأقامت عنده أياما ثم # استدعاها منه فصرفها إليه وكتب معها يول - من النثر -: بكر زففتها - أعزك ~~الله - نحوك، وهززت # PageV01P218 # بمقدمها سناك وسروك، فلم ألفظها عن شبع، ولا جهلت ارتفاعها عما يجتلي من ~~نوعها ويستمع، ولكن لم أنسته من أنسك بانتجاعها، وحرصك على ارتجاعها، دفعت ~~في صدر الولوع، وتركت بينها وبين مجاثمها تلك الربوع، حيث الأدب غض، وماء ~~البلاغة، مرفض، فأسعد أعزك الله بكرتها وسلها عن أفانين معرتها بما تقطفه ~~من ثمارك، وتغرفه من بحارك، وترتاح له ولإخوانه من نتائج أفكارك وأنها ~~لشنشنة أعرفها فيكم من أخزم وموهبة حزتموها وأحرزتم السبق فيها منذ كم، إن ~~شاء الله تعالى. ### | الوزير أبو القاسم بن عبد الغفور # فتى زكا فرعا وأصلا، وأحكم البلاغة معنى وفضلا، وجرد من ذهنه على الأعراض ~~نصلا، قدها به وفراها، وقدح زند المعال # PageV01P219 # ي حتى أوراها، مع صون يرتديه ولا يكاد يبديه، وشبيبة ألحقته بالكهول، ~~وأقفرت منه ربعها المأهول وشرف ارتداه وسلف اقتفى أثره الكريم واقتداه، وله ~~شعر بديع السرد مفوف البرد، وقد أثبت له منه ما ألفيت، وبالدلالة عليه ~~اكتفيت، فمن ذلك قوله: # تركت التصابي للصواب وأهله ... وبيض الطلى للبيض والسمر للسمر # مدامي مدادي والكؤوس محابري ... وندماي أقلامي ومنقلتي سفري # وله أيضا: # لا تنكروا أننا في رحلة أبدا ... نحث في نفنف طورا وفي هدف # فدهرنا سدفة ونحن أنجمها ... وليس ينكر النجم في السدف # لو أسفر الدهر لي اقصرت عن سفر ... وملت عن كلفي بهذه الكلف # وله من قصيدة: # رويدك يا بدر التمام فإنني ... أرى العيس حسرى والكواكب ظلعا # PageV01P220 # كأن أديم الصبح قد قد أنجما ... وغودر درع الليل فيها مرقعا # فإني وإن كان الشباب محببا ... إلي وفي قلبي أجل وأوقعا # لآنف من حسن بشعري مفترى ... وآنف من حسن بشعري قنعا ### | الوزير أبو مروان عبد الملك بن مثنى # كثر القعاقع، قليل البراقع، يذهب إلى التقعير، ويرغب في التوعير كتب إلى ~~ابن عكاشة، وقد مر على قلعة رباح، يعلمه بعدم الراح: # PageV01P221 # يا فريدا دون ثان ... وهلالا في العيان ms24 # عدم الراح فصارت ... مثل دهن البلسان # فبعث إليه منها وكتب إليه: # يا فريدا لا يجارى ... بين أبناء الزمان # جاء من شعرك روض ... جاده صوب البيان # فبعثناها سلافا ... كسجاياك الحسان ### | الوزير أبو يحيى رفيع الدولة بن صمادح # من ثنية إمارة، والى عليها السعد حجة واعتماره، انتجعوا انتجاع الأنواء، ~~واستطعموا في المحل واللأواء، وأبو يحيى، # PageV01P222 # هذا فجر ذلك الصباح، وضوء ذلك المصباح، التحف بالصون وارتدى، وراح على ~~الانقباض واغتدى فنا تلقاه إلا سالكا جددا، ولا تراه إلا لابسا سؤددا، وله ~~أدب كالروض إذا أزهر، والصبح إذا أسفر، وقفه على النسيب، وصرفه إلى ~~المحبوبة والحبيب، فمن ذلك قوله: # يا عابد الرحمن كم ليلة ... أرقتني وجدا ولم تشعر # إذ كنت كالغصن ثنته الصبا ... وصحن ذاك الخد لم يشعر # وقوله أيضا: # ما لي وللبدر لم يسمح بزورته ... لعله ترك الإجمال أو هجرا # إن كان ذاك لذنب ما شعرت به ... فأكرم الناس من يعفو إذا قدرا # وقوله أيضا: # وأهيف لا يلوي على عتب عاتب ... ويقضي علينا بالظنون الكواذب # يحكم فينا أمره فنطيعه ... ونحسب منه الحكم ضربة لازب # PageV01P223 # وقوله أيضا: # وعلقته حلو الشمائل ماجنا ... خنث الكلام مرنح الأعطاف # ما زلت أنصفه وأوجب حقه ... لكنه يأبى عن الإنصاف # وقوله أيضا: # حبيب متى ينأى عن العين شخصه ... يكاد فؤادي أن يطير من البين # ويسكن ما بين الضلوع إذا بدا ... كأن علي قلبي تمائم من عين # وقوله أيضا: # أفدي أبا عمرو وإن كان جانيا ... علي ذنوبا لا تعدد بالبهت # فما كان ذاك الود إلا كبارق ... أضاء لعيني ثم أظلم في الوقت # وكتب إلي يهنئني بقدوم من سفر: # PageV01P224 # قدمت أبا نصر على حال وحشة ... فجاءت بك الآمال واتصل الأنس # وقرت بك العينان واتصل المنى ... وفازت على يأس ببغيتها النفس # فأهلا وسهلا بالوزارة كلها ... ومن رأيه في كل مظلمة شمس ### | الوزير أبو الوليد بن حزم # واحد دونه الجمع وهو للجلالة بصر وسمع، روضة علاه رائقة السنا، ودوحة ~~بهاه طيبة الجنى، لم يتزر بغير الصون، ولم يشتهر بفساد بعد الكون، مع نفس ~~برئت ms25 من الكبر، وخلصت خلوص التبر، مع عفاف التحف به برودا، وما ارتشف به # ثغرا برودا، فعفت مواطنه، وما استرابت ظواهره ولا بواطنه، وأما شعره ففي ~~قالب الإحسان أفرغ، وعلى وجه الاستحسان يلقى ويبلغ، وكتب إليه ابن زهر: # أأبا الوليد وأنت سيد مذحج ... هلا فككت أسير قبضة وعده # وحياة من أمد الحياة ... وذهابها حتما بأيسر صده # لأقاتلنك إن قطعت بمرهف ... من جفنه وبصعدة من قده # PageV01P225 # فراجعه أبو الوليد: # لبيك يا أسد البرية كلها ... من صادق عبث المطال بوعده # يمضي بأمرك ساء أو سر القضا ... ويفل حد النائبات بحده # إيه ووافقت الصبا في معرض ... ذهب المشيب بهزله وبجده # فطفقت أسأله عن الظبي الذي ... راقت لحاظ الأسد زرقة خده # فاستعجمت شحا عليه ورحمة ... لفؤاد مولاه ومهجة عبده # يا قاتل الأبطال دونك مرهفا ... من جفنه أو صعدة من قده # فلألقينك إن رجعت بذمة ... من عهده وشفاعة من عنده # حتى يرد علاك طعمة وصله ... وحشاي إن سامحت نهزة صده # وكتب إليه أيضا، أبو الوليد: # أأبا العلاء وتلك دعوة عابث ... ولعلها سبب إلى أن تعتبا # داويت قلبي من هواك لعلة ... فأبى ولست أسوم قلبي ما أبى # أتصامما عما أقول ووثبة ... عما أريد فمرحبا بك مرحبا # PageV01P226 # وله أيضا: # أتجزع من دمعي وأنت أسلته ... ومن نار أحشائي وأنت لهيبها # وتزعم أن النفس غيرك علقت ... وأنت ولا من عليك حبيبها # إذا طلعت شمس علي بسلوة ... أثار الهوى بين الضلوع غروبها # وله أيضا: # وعلقته من حيث لم يدر ما الهوى ... غريرا فلا وصل لديه ولا هجر # يميل بعطفيه النسيم صبابة ... ويرنو إلى ما فوق لباته البدر # وفي لحظه سحر ولم ير بابلا ... وفي فمه خمر ولم يدر ما الخمر # يرجم في الظن من غير ريبة ... ويوهمه دمعي، فيسأل ما الأمر؟ # ومن شيم العشاق أو خدع الهوى ... قلوب براها الشوق أدمعها حمر # فلما صفا أو كاد إلا تعلة ... تصدى لها الواشي وأحكمها الدهر # ونادته أفلاذي على عادة الهوى ... فصم كأن الصوت في أذنه وقر # فأعرضت صفحا عنه أو شرقا به ... وداريت ms26 حتى شك في سري الجهر # فقالوا سلوا عن أو ملل عرا ... ويا بئس ما ظنوا ولو خذل الصبر # وما عرفت إلا الوفاء سجيتي ... وإن أنكروا ظلما ولو خذل الصبر # وله أيضا: # محمد كم أغالط فيك نفسي ... فلا أدري أأسلو أم أهيم # PageV01P227 # فاخفض عنك طرفي خوف واش ... يعرض بي فيشمت أو يلوم # وكم من سلوة هجمت وكادت ... ولكن الهوى خلق عظيم # وكيف بها وقد وقف الهوى بي ... مواقف يستطير بها الحليم # وكم تأتي تلاطفه الأماني ... فيأبى لا يسير ولا يقيم # وكنت هممت لو لم تصطفيني ... جفون لا يبل بها سقيم # فمن شغف تراقبك الداراري ... ويأخذ من معاطفك النسيم # وله أيضا: # وكم ليلة ظافرت في ظلها المنى ... وقد طرفت من أعين الرقباء # وفي ساعدي حلو الشمائل مترف ... يدين بيأس تارة ورجاء # أطارحه خوف العتاب وربما ... تغاضب فاسترضيته ببكاء # وقد عابثته الراح حتى رمت به ... لقى بين ثنيي بردتي وردائي # وفي لحظة من سورة الكأس فترة ... تمت إلى الحاظه بولاء # على حاجة في الحب لو شئت نلتها ... ولكن حمتني عفتي وسنائي # PageV01P228 # وله أيضا: # إنا إذا رفعت سماء عجاجة ... والحرب تقعد بالردى وتقوم # وتمرد الأبطال في جنباتها ... والموت من فوق النفوس يحوم # برقت لهم منا الحتوف كأنما ... نحن الأهلة والسهام نجوم # وله أيضا: # لله أيام على وادي القرى ... سلفت لنا والدهر ذو ألوان # والراح تأخذ من معاطف أغيد ... أخذ الصبا من عطف غصن البان # حتى إذا ضرب الظلام رواقه ... وخشيت فيه طوارق الحدثان # قمنا نؤمل غير ذلك منزلا ... والراح تقصر خطوه فتدان # ويروم قول أبي الوليد وربما ... أخفت مكانة لامه الواون # والبدر يرمقني بمقلة حاسد ... لو يستطيع لكان حيث يراني # PageV01P229 # وله أيضا: # وهويته حلو الشمائل مترفا ... نشوان يعثر في فضول التيه # أطوي الهوى شحا عليه ورحمة ... والدمع ينشر كل ما أطويه # ولكم صدرت فعارضتني نشوة ... من ورد وجنته وخمرة فيه # وله أيضا: # إليك أبا حفص ومن عن ملالة ... ثنيت عناني والحبيب حبيب # مقالا يطير الجمر عن جنباته ... ومن تحته قلب عليك يذوب # مضت لك ms27 في أفياء ظلي قولة ... لها بين أحناء الضلوع دبيب # ولكن أبى إلا إليك التفاته ... فزاد عليه من هواك رقيب # وكم بيننا لو كنت تحمد روضة ... إذا العيش غض والزمان قشيب # وتحت جناح الغيم أحشاء روضة ... بها لخفوق العاصفات وجيب # وللزهر في ظل الرياض تبسم ... وللطير منها في الغصون نحيب # تم القسم الأول # PageV01P230 ### | القسم الثاني وهو يشتمل على محاسن # أعلام العلماء وأعيان القضاة والفهماء # رحمهم الله وهو مما لم يذكر في قلائد العقيان # PageV01P231 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | الفقيه العالم أبو مروان عبد الملك بن حبيب السلمي # أي شرف لأهل الأندلس ومفخر، وأي مرهف على ملحد أزرى بالإسلام أو سخر، ~~خلدت منه الأندلس فقيها عالما، أعاد مجاهل # PageV01P233 # جهلها معالما، وأقام فيها للعلوم سوقا نافقة، ونشر منها ألوية خافقة، ~~وجلا عن الألباب صدأ الكسل وشحذها شحذ الصوارم والأسل، وتصرف في فنون ~~العلوم وعرف كل معلوم، وسمع بالأندلس وتفقه، حتى صار أعلم من بها وأفقه، ~~ولقي أنجاب مالك، وسلك من مناظراتهم أوعر المسالك، حتى أجمع عليه الاتفاق، ~~ووقع على تفضيله الإصفاق، ويقال إنه لقي مالكا آخر عمره، وروى عنه عن سعيد ~~بن المسيب: أن سليمان بن داود عليهما السلام كان يركب الريح من اصطخر إلى ~~بت المقدس فيتغدى بها ثم يعود فيتعشى باصطخر، وله في الفقه كتاب الواضحة ~~ومن أحاديثه غرائب، قد تحلت بها للزمان نحور وترائب. # وقال محمد بن لبابة: فقيه الأندلس عيسى بن دينار، وعالمها # PageV01P234 # عبد الملك بن حبيب، وراويها يحيى بن يحيى. # وكان عبد الملك قد جمع إلى علم الفقه والحديث علم اللغة والإعراب وتصرف ~~في فنون الآداب، وكان له شعر يتكلم به سحرا، ويرى ينبوعه بذلك منفجرا، ~~وتوفي بالأندلس في رمضان سنة ثمان وثلاثين ومائتين، وهو ابن ثلاث وخمسين ~~سنة، بعدما دوخ الأرض، وقطع طولها والعرض وجال في أكنافها، وانتهى إلى # أطرافها: # ومن شعره قوله: # صلاح أمري والذي أبتغي ... هين على الرحمن في قدرته # ألف من الحمر وأقلل بها ... لعالم أربى على بغيته # PageV01P235 # وكتب إلى محمد بن سعيد الزجالي رسالة ms28 ووصلها بهذه الأبيات: # كيف يطيق الشعر من أصبحت ... حالته اليوم كحال الغرق # والشعر لا يسلس إلا على ... فراغ قلب واتساع الخلق # فاقنع بهذا القول من شاعر ... يرض من الحظ بأدنى العنق # فضلك قد بان عليها كما ... بان لأهل الأرض ضوء الشفق # أما ذمام الود مني لكم ... فهو من المحتوم فيما سبق # ولم يكن له علم بالحديث يعرف به صحيحه من معتله، ولا يفرق بين مستقيمه ~~ومختله، وكان غرضه الإجازة وأكثر رواياته غير مستجازة، قال ابن وضاح: قال ~~إبراهيم بن المنذر: أتى صاحبكم # PageV01P236 # الأندلسي - يعني عبد الملك هذا - بغرارة مملوءة، فقال لي: هذا علمك؟ قلت ~~له: نعم ما قرأ علي منه حرفا، ولا قرأته عليه، وحكي أنه قال في دخوله ~~المشرق، وحضر مجلس بعض الأكابر فازدراه من رآه: # لا تنظرن إلى جسمي وقلته ... وانظر لصدري وما يحوي من السنن # قرب ذي منظر من غير معرفة ... ورب من تزدريه العين ذو فطن # ورب لؤلؤة في عين مزبلة ... لم يلق بال لها إلا إلى زمن ### | الفقيه القاضي أبو الحسن منذر بن سعيد البلوطي # رحمه الله تعالى # آية حركة في سكون، وبركة لم تكن معدة ولا تكون، وآية # PageV01P237 # سفاهة في تحلم، ورع في طي تبسم، إذ جد وجد، وإذا هزل نزل، وفي كلتا ~~الحالتين لم ينزل للورع عن مرقب، ولا اكتسب إثما ولا احتقب، ولي قضاء ~~الجماعة بقرطبة أيام عبد الرحمن، ناهيك من عدل أظهر، ومن فضل أشهر، ومن جور ~~قبض، ومن حق رفع ومن باطل خفض، وكان مهيبا صليبا صارما غير جبان ولا عاجز، ~~ولا مراقب لأحد من خلق الله في استخراج حق ورفع ظلم واستمر في القضاء إلى ~~أن مات الناصر لدين الله، ثم ولي ابنه الحكم فأقره، وفي خلافته توفي، بعد ~~أن استعفى مرارا فما أعفي، لم تحفظ عليه مدة ولا يته قضية جور، ولا عدت ~~عليه في حكومته زلة، وكان غزير العلم كثير الأدب، متكلما بالحق، متبينا ~~بالصدق، وله كتب مؤلفة في السنة والقرآن والورع، والرد على أهل الأهواء ~~والبدع، ms29 وكان خطيبا بليغا، وشاعرا محسنا، ولد سنة ثلاث وسبعين (ومائتين) ~~عند ولاية المنذر بن محمد، وتوفي يوم # PageV01P238 # الخميس لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة خمس وخمسين وثلاثمائة. # ومن شعره في الزهد قوله: # كم تصابى وقد علاك المشيب ... وتعامى عمدا وأنت اللبيب # كيف تلهو وقد أتاك نذير ... أن سيأتي الحمام منك قريب # يا سفيها قد حان منه رحيل ... بعد ذاك الرحيل يوم عصيب # إن للموت سكرة فارتقبها ... لا يداويك إن أتتك طبيب # كم تواني حتى تصير رهينا ... ثم تأتيك دعوة فتجيب # بأمور المعاد أنت عليم ... فاعملن جاهدا لها يا أريب # وتذكر يوما تحاسب فيه ... إن من يذكر فسوف ينيب # ليس من ساعة من الدهر إلا ... للمنايا عليك فيها رقيب # وذكر أن أول سببه في التعلق بالناصر لدين الله، ومعرفته به وزلفاه، أن ~~الناصر لما احتفل لدخول ملك الروم صاحب القسطنطينية بقصر قرطبة الاحتفال ~~الذي اشتهر ذكره، وانبهر أمره، # PageV01P239 # أحب أن يقوم الخطباء والشعراء بين يديه بذكر جلالة مقعده، ووصف ما تهيأ ~~له من توطد الخلافة، ورمى الملوك بآمالها، وتقدم إلى الأمير الحكم ابنه، ~~بإعداد من يقوم لذلك من الخطباء، ويقدمه أمام نشيد الشعراء، فتقدم الحكم ~~إلى أبي علي البغدادي، ضيف الخلافة، وأمير الكلام، وبحر اللغة أن يقام، ~~فقام رحمه الله وأثنى على الله وصلى على النبي (صلى الله عليه وسلم)، ثم ~~انقطع وبهت، فما وصل إلا قطع، ووقف ساكتا متفكرا، وتشوف لا ناسيا ولا ~~متذكرا، فلما رأى ذلك منذر بن سعيد قام من ذاته، بدرجة من مرقاته، فوصل ~~افتتاح أبي علي البغدادي بكلام عجيب، ونادى من الإحسان في ذلك المقام كل ~~مجيب، وقال: أما بعد، فإن لكل حادثة مقاما، ولكل # PageV01P240 # مقام مقال، وليس بعد الحق إلا الضلال، وإني قمت في مقام كريم، بين يدي ~~ملك عظيم، فأصغوا إلي بأسماعكم، وألقنوا علي بأفئدتكم معاشر الملأ: إن من ~~الحق أن يقال للمحق صدقت، وللمبطل كذبت، وإن الجليل تعالى في سمائه وتقدس ~~بصفاته وأسمائه، أمر كليمه موسى صلى الله على نبينا وعليه وعلى جميع ms30 ~~الأنبياء والمرسلين أن يذكر قومه بنعم الله عز وجل عندهم، وأنا أذكركم نعم ~~الله تعالى عليكم وتلافيه لكم بخلافة أمير المؤمنين التي أمنت سربكم، ورفعت ~~خوفكم، وكنتم قليلا فكثركم، ومستضعفين فقواكم، ومستذلين فنصركم، ولاه الله ~~رعايتكم وأسند إليه إمامتكم، أيام ضربت الفتنة سرادقها على الآفاق، وأحاطت ~~بكم تشعل النفاق حتى صرتم في مثل حدقة البعير، مع ضيق الحال ونكد العيش ~~والتغيير فاستبدلتم بخلافته من الشدة بالرخاء، وانتقلتم بيمن سياسته إلى ~~كنف العافية بعد استيطان البلاء، ناشدتكم الله يا معشر الملأ ألم تكن ~~الدماء مسفوكة فأمنها، والأموال منتهبة فأحرزها # وحصنها؟ ألم تكن البلاد خرابا فعمرها، وثغور المسلمين مهتضمة فحماها ~~ونصرها؟ فاذكروا آلاء الله # PageV01P241 # عليكم بخلافته، وتلافيه جمع كلمتكم بعد افتراقها بإمامته، حتى أذهب الله ~~عنكم غيظكم وشفى صدوركم وصرتم يدا على عدوكم بطوية خالصة وبصيرة ثابتة ~~وافرة، فقد فتح الله عليكم أبواب البركات وتواترت عليكم أسباب الفتوحات، ~~وصارت وفود الروم وافدة عليكم، وآمال الأقصين والأدنين إليكم، يأتون من كل ~~فج عميق، وبلد سحيق، لأخذ حبل بينه وبينكم ليقضي الله أمرا كان مفعولا، ولن ~~يخلف الله وعده، ولهذا الأمر ما بعده، وتلك أسباب ظاهرة تدل على أمور ~~باطنة، دليلها قائم، وجفنها غير نائم، (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا ~~الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم ~~دينهم الذي ارتضى، وليبدلنهم من بعد خوفهم # PageV01P242 # أمنا)، وليس في تصديق ما وعد الله عز وجل ارتياب، ولكل نبأ مستقر ولكل ~~أجل كتاب، فاحمدوا الله أيها الناس على آلائه، وسلوه المزيد من نعمائه، فقد ~~أصبحتم بيمن خلافة أمير المؤمنين أيده الله بالعصمة والسداد، وألهمه بخالص ~~التوفيق سبيل الرشاد أحسن الناس حالا، وأعمهم بالا، وأعزهم قرارا، وأمنعهم ~~دارا، وأكثفهم جمعا، وأجملهم صنعا، لا تهاجون ولا تذارون، وأنتم بحمد الله ~~على أعدائكم ظاهرون فاستعينوا على صلاح أحوالكم بالمناصحة لإمامكم والتزام ~~الطاعة لخليفتكم وابن عم نبيكم (صلى الله عليه وسلم) فإن من نزع يده من ~~الطاعة، وسعى في فرقة الجماعة، ومرق من الدين فقد خسر ms31 الدنيا والآخرة إلا ~~ذلك هو الخسران المبين، وقد علمتم ما أحاط بكم في جزيرتكم هذه من ضروب ~~المشركين، وصنوف الملحدين، # PageV01P243 # والساعين في شق عصاكم، وتفريق ملاكم وهتك حرمتكم، وتوهين دعوة نبيكم (صلى ~~الله عليه وسلم) وعلى جميع النبيين والمرسلين، أقول قولي هذا والحمد لله رب ~~العالمين وأنشد يقول: # مقال كحد السيف وسط المحافل ... فرقت به ما بين حق وباطل # بقلب ذكي ترتمي جنباته ... كبارق رعد عند رعش الأنامل # فما دحضت رجلي ولا زل مقولي ... ولا طاش عقلي يوم تلك الزلازل # بخير إمام كان أو هو كائن ... لمقتبل أو في العصور الأوائل # وقد حدقت نحوي عيون أخالها ... كمثل سهام أثبتت في المقاتل # ترى الناس أفواجا يؤمون داره ... وكلهم ما بين راض وآمل # وفود ملوك الروم وسط فنائه ... مخافة بأس أو رجاء لنائل # فعش سالما أقصى حياة معمر ... فأنت غياث كل حاف وناعل # PageV01P244 # فقال العلج: هذا والله كبش الدولة، وخرج الناس يتحدثون عن حسن مقامه، ~~وثبات جنانه، وبلاغة لسانه، وكان الخليفة الناصر لدين الله أشد تعجبا منه، ~~وأقبل على ابنه الحكم ولم يكن يثبت معرفته، فسأله عنه، فقال الحكم: هذا ~~منذر بن سعيد البلوطي، فقال: والله لقد أحسن ما أنشأ، ولئن أبقاني الله ~~تعالى لأرفعن من ذكره، فضع يدك يا حكم عليه واستخلصه، وذكرني بشأنه، فما ~~للصنيعة مذهب عنه، فلما ابتنى الناصر الجامع بالزهراء ولاه الصلاة فيه ~~والخطبة ثم توفي محمد بن أبي عيسى القاضي فولاه الجماعة بقرطبة، وأقره على ~~الصلاة بالزهراء. # وكان الخليفة الناصر كلفا بعمارة الأرض، وإقامة معالمها، وانبساط مياهها ~~واستجلابها من أبعد بقاعها وتخليد الآثار الدالة على قوة ملكه، وعزة سلطانه ~~وعلو همته، فأفضى به الإغراق في ذلك إلى ابتناء مدينة الزهراء (البناء) ~~الشائع ذكره، الذائع خبره، # PageV01P245 # المنتشر في الأرض أثره، واستفرغ وسعه في تنجيدها وإتقان قصورها، وزخرفة ~~مصانعها، فانهمك في ذلك حتى عطل شهود الجمعة بالمسجد الجامع الذي اتخذه، ~~فأراد القاضي منذر بن سعيد رحمه الله، وجه الله في أن يعظه ويقرعه في ~~التأنيب، ويغض منه بما يتناوله ms32 من الموعظة بفضل الخطابة، # والتذكير بالإنابة فابتدأ أول خطبته بقوله تعالى: (أتنبون بكل ريع آية ~~تعبثون، وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون، وإذا بطشتم بطشتم جبارين، فاتقوا الله ~~وأطيعون، واتقوا الذي أمدكم بما تعملون، أمدكم بأنعام وبنين، وجنات وعيون، ~~إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم) ووصل ذلك بكلام جزل، وقول فصل، جاش به صدره ~~وقذف به على لسانه بحره، وأفضى في ذلك إلى ذم المشيد والاستغراق في زخرفته ~~والإسراف في الإنفاق عليه، فجرى في ذلك طلقا، وتلا فيه قوله تعالى: (أفمن ~~أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار ~~فأنهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين، لا يزال بنيانهم الذي ~~بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم) وأتى بما # PageV01P246 # شاكل المعنى من التخويف بالموت والتحذير منه، والدعاء إلى الله عز وجل في ~~الزهد في هذه الدنيا الفانية والحض على اعتزالها والتبيين لظاهر معانيها، ~~والترغيب في الآخرة ومغانيها والتقصير عن طلب اللذات، ونهي النفس عن اتباع ~~الشهوات، وتلا من القرآن العظيم ما يوافقه، وجلب من الحديث والأثر ما ~~يشاكله ويطابقه، حتى بكى الناس وخشعوا وضجوا وتضرعوا وأعلنوا الدعاء إلى ~~الله تعالى (في التوبة والابتهال في المغفرة)، فعلم الخليفة أنه هو المقصود ~~به، والمعتد بسببه، فاستجدى وبكى، وندم على ما سلف منه من فرطه، واستعان ~~بالله من سخطه، واستعصمه برحمته، إلا أنه وجد على منذر بن سعيد لغلظ ما ~~قرعه به، فشكا ذلك إلى ولده الحكم بعد انصرافه، وقال: والله لقد تعمدني ~~منذر بخطبته، # PageV01P247 # وأسرف في ترويعي وأفرط في تقريعي، ولم يحسن السياسة في وعظي وصيانتي عن ~~توبيخه واستشاط غيظا عليه وأقسم أن لا يصلي خلفه الجمعة أبدا، فقال له ~~الحكم: وما الذي يمنعك من عزل منذر ابن سعيد والاستبدال منه بغيره فزجره ~~وانتهره، وقال له أمثل منذر بن سعيد في فضله وورعه وعلمه وحلمه لا أم لك. . ~~. يعزل في # إرضاء نفس ناكبة عن الرشد، سالكة غير القصد؟ هذا ms33 ما لا يكون، وإني ~~لأستحيي من الله تعالى أن أجعل بيني وبينه شفيعا في صلاة الجمعة مذل منذر ~~بن سعيد ولكنه وقد نفسي وكاد أن يذهبها والله لوددت أني أجد سبيلا إلى ~~كفارة يميني بملكي، بل يصلي بالناس حياته وحياتنا فما أظننا نتعاض منه ~~أبدا. وعزله قوم من إخوانه لتكنيته لرجل كان يسبه، فقال: # PageV01P248 # لا تعجبوا من أنني كنيته ... من بعد ما قد سبنا وآذانا # فالله قد كنى أبا لهب وما ... كناه إلا خزية وهوانا # ومن قوله في الزهد: # ثلاث وستون قد جزتها ... فماذا تؤمل أو تنتظر # وحل عليك نذير المشيب ... فما ترعوي أو فما تزدجر # تمر لياليك مرا حثيثا ... وأنت على ما أرى مستمر # فلو كنت تعقل ما ينقضي ... من العمر لاعتضت خيرا بشر # فما لك لا تستعد إذا ... لدار المقام ودار المقر # أترغب عن فجأة للمنون ... وتعلم أن ليس منها مفر # فإما إلى جنة أزلفت ... وإما إلى سقر تستعر # وقحط الناس في بعض السنين آخر مدة الناصر لدين الله أمير المؤمنين فأمر ~~القاضي منذر بن سعيد بالبروز إلى الاستسقاء بالناس فتأهب لذلك وصام بين ~~يديه ثلاثة أيام تنفلا ولإنابة واستجداء ورهبة # PageV01P249 # واجتمع الناس له في مصلى الربض بقرطبة، بارزين إلى الله تعالى في جمع ~~عظيم، وصعد الخليفة الناصر في أعلى مصانع القصر المشرفة ليشارك الناس في ~~الدعاء إلى الله تعالى والضراعة فلما سرح طرفه في ملأ الناس وقد شخصوا إليه ~~بأبصارهم، قال: يا أيها الناس وكررها مشيرا بيده في نواصيهم، ثم قال: (سلام ~~عليكم كتب ربكم على نفسه # الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة، ثم تاب من بعده، واصلح فإنه غفور ~~رحيم)، (أنتم الفقراء إلى الله، والله هو الغني الحميد، إن يشأ يذهبكم ويأت ~~بخلق جديد، وما ذلك على الله بعزيز) فضج الناس بالدعاء وارتفعت الأصوات ~~بالاستغفار والتضرع إلى الله تعالى بالسؤال والرغبة في إرسال الغيث ووصل ~~الحال، ومضى على تمام خطبته، فأفزع النفوس بوعظه، وانبعث الإخلاص # PageV01P250 # بتذكيره، فما أتم خطبته حتى بللهم الغيث. # وذكروا أن رسول ms34 الخليفة الناصر لدين الله جاءه غداة ذلك اليوم فحركه ~~للخروج عزمه عليه، والسابقون متسابقون إلى المصلى، فقال للرسول وكان من ~~خواص حلفاء الصفاء إليه: فياليت شعري ما الذي يصنعه الخليفة سيدنا؟ فقال ~~له: ما رأينا قط أخشع منه في يومنا هذا، إنه لمنتبذ حائر منفرد بنفسه لابس ~~أخشن الثياب، مفترش التراب، قد رمى به على رأسه ولحيته وبكى واعترف بذنوبه ~~وهو يقول: هذه ناصيتي بيدك، أتراك تعذب الرعية وأنت أحكم الحاكمين، لن ~~يفوتك شيء مني، قال: فتهلل وجه القاضي منذر بن سعيد عندما سمع من قوله، ~~وقال: يا غلام أحمل الممطر معك، فقد أذن الله تعالى بالسقيا، إذا خشع جبار ~~الأرض، فقد رحم جبار السماء، وكان كما قال فلم ينصرف الناس إلا عن السقيا. # PageV01P251 # قال: وكان القاضي منذر بن سعيد من ذوي الصلابة في أحكامه والمهابة في ~~أقضيته وقوة القلب في القيام بالحق في جميع ما يجري على يديه، لا يهاب في ~~ذلك الأمير الأعظم فمن دونه، ومن مشهور ما جرى له في ذلك قصته المشهورة في ~~أيتام أخي نجدة حدث بها جماعة من أهل العلم والرواية، وهي أن الخليفة ~~الناصر لدين الله عبد الرحمن بن محمد احتاج إلى شراء دار بقرطبة لحظية من ~~نسائه تكرم عليه فوقع استحسانه على دار كانت لأولاد زكريا أخي نجدة، وكانت ~~بقرب النشارين في الربض الشرقي منفصلة عن دوره، يتصل بها حمام العامة، له # غلة واسعة وكان أولاد زكريا أخي نجدة أيتاما في حجر القاضي، فأرسل ~~الخليفة له من قومها بعدد ما طابت به نفسه، وأرسل أناسا أمرهم بمداخلة وصي ~~الأيتام في بيعها عليهم، فذكر أنه لا يجوز إلا بأمر القاضي، إذ لم يجز بيع ~~الأصل إلا عن رأيه ومشورته، فأرسل الخليفة إلى القاضي منذر في بيع هذه ~~الدار، فقال # PageV01P252 # لرسوله: البيع على الأيتام لا يصح إلا لوجوه، منها الحاجة، ومنها الوهي ~~الشديد، ومن الغبطة، فأما الحاجة، فلا حاجة لهؤلاء الأيتام إلى البيع، وأما ~~الوهي فليس فيها، وأما الغبطة فهذا مكانها، فإن أعطاهم أمير ms35 المؤمنين فيها ~~ما تستبين به الغبطة أمرت وصيهم بالبيع وإلا فلا، فنقل جوابه هذا إلى ~~الخليفة، فأظهر الزهد في شراء الدار طمعا أن يتوخى رغبته فيها، وخاف القاضي ~~أن تنبعث منه عزيمة تلحق الأولاد سورتها، فأمر وصي الأيتام بنقض الدار وبيع ~~أنقاضها، ففعل ذلك وباع الأنقاض، وكانت لها قيمة أكثر مما قومت به للسلطان، ~~فاتصل الخبر به، فعز عليه خرابها، وأمر بتوقيف الوصي على ما أحدثه فيها ~~فأحال الوصي على القاضي أنه أمره بذلك، فأرسل عند ذلك للقاضي منذر بن سعيد، ~~وقال له: أنت أمرت بنقض دار أخي نجدة؟ فقال له: نعم، قال له: وما دعاك إلى ~~ذلك قال: أخذت فيها بقول الله تبارك وتعالى: (أما السفينة فكانت لمساكين ~~يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل # PageV01P253 # سفينة غصبا) مقوموك لم يقدروها إلا بكذا وبذلك تعلق وهمك، فقد نض في ~~أنقاضها أكثر من ذلك، وبقيت القاعة والحمام فضلا، ونظر الله تعالى للأيتام، ~~فصبر الخليفة عبد الرحمن على ما أتى من ذلك، فقال: نحن أول من انقاد إلى ~~الحق، فجزاك الله تعالى عنا وعن أمانتك خيرا. # قال: وكان على متانته وجزالته حسن الخلق كثير الدعابة، فربما ساء ظن من ~~لا يعرفه، حتى إذا رام أن يصيب من دينه شعرة ثار له ثورة الأسد الضاري، فمن # ذلك ما حدث به سعيد ابنه، قال: قعدنا ليلة من ليالي شهر رمضان المعظم مع ~~أبينا للإفطار بداره البرانية، فإذا بسائل يقول: يا أهل هذه الدار الصالح ~~أهلها أطعمونا من عشائكم أطعمكم الله تعالى من ثمار الجنة، هذه الليلة، ~~ويكثر من ذلك، فقال القاضي: أن استجيب لهذا السائل فيكم فليس يصبح منا ~~واحد. # PageV01P254 # وحكى عنه قاسم بن أحمد الجهني أنه ركب يوما لحيازة أرض محبسة، في ركب من ~~وجوه الفقهاء وأهل العدالة، فيهم أبو إبراهيم اللؤلؤي، ونظراؤه قال: فسرنا ~~نقفوه وهو أمامنا، وأمامه أمناؤه يحملون خرائطه، وذووه عليهم السكينة ~~والوقار، وكانت القضاة حينئذ لا تراكب ولا تماشى، فعرض له في بعض الطريق ~~كلاب ms36 مع مستوحمة وهي تلعق هنها وتدور حولها، فوقف وصرف وجهه إلينا وقال: ~~ترون يا أصحابنا ما أبر الكلاب بالهن الذي تلعقه وتكرمه، ونحن لا نفعل ذلك، ~~ثم لوى عنان دابته وقد أضحكنا، وبقينا متعجبين من هزله. # وحضر عند الحكم المستنصر بالله يوما في خلوة له في بستان الزهراء على ~~بركة ماء طافحة، وسط روضة نافحة، في يوم شديد الوهج، وذلك إثر منصرفه من ~~صلاة الجمعة، فشكا إلى الخليفة من وهج الحر الجهد، وبث منه ما تجاوز الحد ~~فأمره بخلع ثيابه والتخفيف عن جسمه، ففعل ولم يطف ذلك ما به، فقال له: # PageV01P255 # الصواب أن تنغمس في وسط الصهريج انغماسة يبرد بها جسمك، وليس مع الخليفة ~~إلا الحاجب جعفر الخادم الصقلبي أمين الخليفة الحكم، لا رابع لهم، فكأنه ~~استحيا من ذلك وانقبض عنه وقارا، وأقصر عنه إقصارا، فأمر الخليفة حاجبه ~~جعفرا بسبقه إلى النزول في الصهريج ليسهل الأمر فيه على القاضي، فبادر جعفر ~~لذلك وألقى بنفسه في الصهريج وكان يحسن السباحة، فجعل يجول يمينا وشمالا، ~~فلم يسع القاضي إلا إنفاذ أمر الخليفة فقام وألقى بنفسه خلف جعفر ولاذ ~~بالقعود في درج الصهريج، وتدرج فيه بعض تدريج ولم ينبسط في السباحة، # وجعفر يمر مصعدا ومصوبا، فدسه الحكم على القاضي وحمله على مساجلته في ~~العوم وهو يعجزه في إخلاده إلى القعود، ويعابثه بإلقاء الماء عليه والإشارة ~~بالجذب إليه، وهو لا ينبعث معه، ولا يفارق موضعه، إلى أن كلمه الحكم وقال ~~له: ما لك لا تساعد الحاجب في فعله، وتقعد معه وتتقبل صنعه؟ فمن أجلك نزل، ~~وبسببك تبذل، فقال له: يا سيدي يا أمير المؤمنين، الحاجب # PageV01P256 # سلمه الله لا هوجل معه، وأنا بهذا الهوجل الذي معي، وأنا بهذا الهوجل ~~الذي معي، يعلقني ويمنعني، من أن أجول معه مجاله فاستفرع الحكم ضحكا من ~~نادرته ولطف تعريضه بجعفر، وخجل جعفر من قوله وسبه سب الأشراف وخرجا من ~~الماء، وأمر لهما الخليفة بخلع، ووصلهما بصلات سنية تشاكل كل واحد منهما. # وذكر أن الخليفة الحكم قال له يوما: لقد ms37 بلغني أنك لا تجتهد للأيتام وأنك ~~تقدم لهم أوصياء سوء يأكلون أموالهم، قال: نعم، وإن أمكنهم نيك أمهاتهم لم ~~يعفوا عنهن، قال: وكيف تقدم مثل هؤلاء؟ قال: لست أجد غيرهم، ولكن أحلني على ~~اللؤلؤي وأبي إبراهيم ومثل هؤلاء فإن أبوا أجبرتهم بالسوط والسجن، ثم لا ~~تسمع إلا خيرا. # ومن أخبار منذر بن سعيد المحفوظة له مع الخليفة عبد الرحمن في إنكاره ~~عليه الإسراف في البناء، أن عبد الرحمن كان قد اتخذ لسطح القبيبة الصغرى ~~التي كانت مائلة على الصرح الممرد المشهور شأنه بقصر الزهراء قراميد ذهب ~~وفضة أنفق عليها مالا جسيما، وجعل سقفها صفراء فاقعة، إلى بيضاء ناصعة، ~~تسلب # PageV01P257 # الأبصار بمطارح أنوارها المشعشعة، وجعل فيها إثر تمامها لأهل مملكته ~~مشهدا فقال لقرابته ومن حضره من الوزراء وأهل الخدمة مفتخرا عليهم بما صنعه ~~من ذلك مع ما يتصل به من البدائع الفتانة: هل رأيتم قبلي أو سمعتم من فعل ~~مثل فعلي هذا أو قدر عليه؟ فقالوا: لا والله يا أمير المؤمنين وأنك لأوحد ~~في شأنك # كله، ولا سبقك في مبتدعاتك هذه ملك رأيناه، ولا انتهى إلينا خبره، فأبهجه ~~قولهم، وبينما هو كذلك سارا ضاحكا إذ دخل عليه القاضي منذر بن سعيد واجما ~~ناكس الرأس فلما أخذ مجلسه، قال له كالذي قال لوزرائه من ذكر السقف، ~~واقتداره على إبداعه، فأقبلت دموع القاضي تنحدر على لحيته، وقال له: والله ~~يا أمير المؤمنين ما ظننت أن الشيطان أخزاه الله يبلغ منك هذا المبلغ ولا ~~أن تمكنه من قيادك هذا التمكين مع ما أتاك الله وفضلك على العالمين، حتى ~~ينزلك منازل الكافرين، قال: فاقشعر عبد الرحمن من قوله، وقال: أنظر ما ~~تقول، وكيف أنزلني منازلهم؟ قال: نعم، أليس الله تبارك وتعالى يقول: (ولولا ~~أن يكون # PageV01P258 # الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج ~~عليها يظهرون، ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون)، قال: فوجم الخليفة عبد ~~الرحمن ونكس رأسه مليا ودموعه تجري على لحيته خشوعا لله تبارك وتعالى وندما ~~ثم أقبل على منذر ms38 وقال له: جزاك الله تعالى يا قاضي خيرا عنا وعن المسلمين ~~والدين، وكثر في الناس أمثالك فالذي قلت، والله الحق، وقام من مجلسه ذلك ~~وهو يستغفر الله تعالى، وأمر بنقض سقف القبة وأعاد قرمدها ترابا. ### | الفقيه الأجل القاضي أبو عبد الله محمد بن أبي عيسى # من بني يحيى بن يحيى الليثي، وهذه ثنية علم وعقل، وصحة ضبط ونقل، كان علم ~~الأندلس، وعالمها الندس، ولي القضاء # PageV01P259 # بقرطبة بعد رحلة رحلها إلى المشرق، وجمع فيها من الروايات والسماع كل ~~مفترق، وجال في آفاق ذلك الأفق، لا يستقر في بلد، ولا يستوطن في جلد ثم كر ~~إلى الأندلس فسمت رتبته، وتحلت بالأماني لبته، وتصرف في ولايات أحمد فيها ~~منابه، واتصلت بسببها بالخليفة أسبابه، وولاه القضاء بقرطبة، فتولاه بسياسة ~~محمودة، ورياسة في الدين مبرمة القوى مجهودة والتزم فيها الصرامة في تنفيذ ~~الحقوق، والحزامة في إقامة الحدود، # والكشف عن البينات في السر، والصدع بالحق في الجهر، لم يستلمه مخادع، ولم ~~يكده مخاتل، ولم يهب ذا حرمة ولا داهن ذا مرتبة، ولا أغضى لأحد من أسباب ~~السلطان وأهله حتى تحاموا جانبه، فلم يجسر أحد منهم عليه، وكان له نصيب ~~وافر من الأدب، وحظ من البلاغة إذا نظم وإذا كتب، ومن ملح شعره ما قاله عند ~~أوبته من غربته: # كان لم يك بين ولم تك فرقة ... إذا كان من بعد الفراق تلاق # كأن لم تؤرق بالعراقين مقلتي ... ولم تمر كف الشوق ماء مآق # ولم أزر الأعراب في جنب أرضهم ... بذات اللوى من رامة وبراق # PageV01P260 # ولم أصطبح بالبيد من قهوة الندى ... وكأس سقاها في الأزاهر ساق # وله أيضا: # ماذا أكابد من ورق مغردة ... على قضيب بذات الجزع مياس # رددن شجوا شجا قلب الخلي فهل ... في عبرة ذرفت في الحب من باس # ذكرنه الزمن الماضي بقرطبة ... بين الأحبة في أمن وإيناس # هم الصبابة لولا همة شرفت ... فصيرت قلبه كالجندل القاسي # وله أخبار تدل رقة العراق، والتغذي بماء تلك الآفاق، فمنها أنه خرج إلى ~~حضور جنازة بمقابر قريش، ورجل من ms39 بني حدير كان يواخيه له منزل، فعزم عليه، ~~في الميل إليه، وعلى أخيه فنزلا عليه، فأحضر لهما طعاما، وأمر جارية له ~~بالغناء، فغنت تقول: # طابت بطيب لثاتك الأقداح ... وزها بحمرة خدك التفاح # PageV01P261 # وإذا الربيع تنسمت أرواحه ... طابت بطيب نسيمك الأرواح # وإذا الحنادس ألبست ظلماؤها ... فضياء وجهك في الدجى مصباح # فكتبها القاضي في ظهر يده وخرج من عنده، قال يونس بن عبد الله: فلقد ~~رأيته # يكبر للصلاة على الجنازة والأبيات مكتوبة على ظهر كفه. # وكان يلقب بالمقربلة، فرفعت إليه امرأة متظلمة كتابا تتظلم فيه من ~~المعروف بالقباحة خال ولي العهد الحكم، تذكر أنه غصبها حقا لها يجاوره في ~~ضيعته ورسمت الكتاب بعيبه وذمه والدعاء عليه، كل ذلك تسميه بلقبه، فلم يفك ~~القاضي كتابها لضعفه واضطرابه، فأخذ القاضي مظلمتها من لسانها، وكرم المشكو ~~به لعظمته بأن أخر الإرسال فيه، وكتب إليه على ظهر كتابها، يحيل عليه # PageV01P262 # فيما تضمنه من الشكوى ويحضه على إنصافها، وأرسلها بالكتاب إليه، فلما ~~قرأه أجابه تحت الفصل الذي كتبه إليه يحيل على وكيله ويتبرأ من إساءته إلى ~~المرأة دون بينة يكلفها ولا يمين، ويعدد على القاضي فيما قابله به، فساء ~~ذلك القاضي، وعز عليه إهماله ذلك من نفسه، فلما ركب إلى الزهراء وخرج من ~~عند الخليفة وقصد إلى القباحة ونزل عليه، واعتذر إليه مما عدده، وأقسم له ~~أنه لم يستوف الكتاب المرفوع إليه، ولا وقف عليه، وقال له: يا سيدي لا ~~تكترث لهذا، فقلما نجا منه أحد، إني أعرفك أن لقبي المقربلة ولقب والدي ~~مرتكش، ولجدي - والله - لقب لست أعرفه، وأخي أبو عيسى يعرفه، وهو غائب، ~~فإذا وصل كتبت به إليك فضحك القباحة من قوله وأثنى عليه، على طيب خلقه. # وجاءه في بعض الأيام من بادية حمل دقيق عليه قفص دجاج، وكان على بابه ~~المعتوه المعروف بابن شمس الضحى، وكان من ولاية القاضي من صغره إلى أن شاخ ~~وبلغ السن الطويل وإلى أن مات أسفه ما يكون، وكان من شأنه، مواظبة دار ~~القضاة في كل وقت شاكيا أوصابه، ms40 فلما رأى الدجاج قال: يا قاضي أعطني دجاجة ~~منهن، لا # PageV01P263 # بد والله أن تعطيني دجاجة منهن وكان لا يقدر على رده، إذا علق بإرادته، ~~وإلا جاء من حمقه بالعجب العجاب، فأمر القاضي، فأعطي دجاجة فأخذها، ومر بها ~~فرحا، يفخر بعطية القاضي فمر بدرب، بني أبي زيد شرقي # المسجد الجامع، فإذا برجل متفقه يلقب بديك البادية جالس على باب داره ~~يطلب فكاهة فقال للمعتوه: من أين لك هذه الدجاجة يا فلان؟ فقال: أعطانيها ~~القاضي والله الساعة، فأخذها من يده وجعل يجسها، فقال: خذها إليك القاضي ~~أعطاكها مقربلة ولا خير لك فيها، فانصرف إليه عاجلا وقل له إنها مقربلة، ~~فيبدلها بسمينة، فالشيء عنده كثير، فرجع إليه المعتوه بها وأصابه في جماعة، ~~وقال له: يا قاضي، هذه الدجاجة مقربلة فأبدلها لي بسمينة، فعرف القاضي هذه ~~الداخلة، وقال له: هاتها حتى أراها، فأخذها وجسها، وقال له: صدقت، فمن أين ~~عرفت أنها مقربلة بعدما مضيت بها؟ فقال له: قالها لي ذلك الفقيه الذي عند ~~درب بني أبي زيد، قال له: وما صفته؟ فوصف له صفة استدل بها على أنه الملقب ~~بديك البادية، فأمر، فأبدلت له بأخرى، وقال له: أرجع إلى ذلك الرجل فأعرضها ~~عليه، وقل له: قد أبدلها القاضي، وسله أن يعطيك الديك الذي سيق له # PageV01P264 # من البادية أمس، فإنه لا يصلح لهذه الدجاجة غيره، فيأتيك منه نسل حسن، ~~فانقلب المعتوه إلى ذلك الرجل وأتاه وهو في جماعة والدجاجة معه، وقال له: ~~قد أبدل القاضي الدجاجة ولكن أعطني أنت ديك البادية الذي أتاك أمس فيكون ~~زوجا لهذه الدجاجة، فانتهره الزيدي وتغير لونه، فازداد المعتوه علوقا (به) ~~وحنقا عليه وجعل يبكي ويلطم وجهه، ويحلف أن لا يزول إلا بالديك، وكان يأتي ~~منه عند المنع ما لا صبر عليه، فاضطر الزيدي إلى أن دخل فاخرج له ديكا من ~~داره افتداء منه، فأخذه وانطلق عنه. # وقال أصحاب القاضي محمد بن (أبي) عيسى: ركبنا لبعض الأمر في موكب حافل من ~~وجوه الناس، إذ عرض لنا فتى متأدب، قد خرج ms41 من بعض الأزقة سكران يتمايل، ~~فلما رأى القاضي هابه، وأراد الانصراف فخانته رجلاه، فاستند إلى الحائط ~~وأطرق، فلما قرب القاضي رفع رأسه ثم أنشأ يقول: # ألا أيها القاضي الذي عم عدله ... فأضحى به في العالمين فريدا # قرأت كتاب الله تسعين مرة ... فلم أر فيه للشراب حدودا # PageV01P265 # فإن شئت أن تجلد فدونك منكبا ... صبورا على ريب الزمان جليدا # وإن شئت أن تعفو تكن لك منة ... تروح بها في العالمين فريدا # وإن أنت تختار الحديد فإن لي ... لسانا على هجو الزمان حديدا # فلما سمع القاضي شعره، وميز أدبه، أعرض عنه وترك الإنكار عليه ومضى ~~لشأنه، والله تعالى أعلم. ### | الفقيه أبو عبد الله بن أبي زمنين # فقيه متبتل، وزاهد لا منحرف إلى الدنيا ولا متنقل، هجرها هجر المنحرف، ~~وحل أوطانه فيها محل المعترف، لعلمه بارتحاله عنها وتقويضه، وإبداله منها ~~وتعويضه فنظر بقلبه لا بعينه، وانتظر # PageV01P266 # يوم فراقه وبينه، ولم يكن له بعد ذلك بها اشتغال، ولا في شعاب تلك ~~المسالك إيغال، وله تواليف في الوعظ والزهد وأخبار الصالحين تدل على تخليته ~~عن الدنيا واتراكه، والتفلت من حبائل الاغترار وإشراكه وشعره يدل على ~~التأهب للارتحال، ويستدل به على ذلك الانتحال، فمن ذلك قوله: # الموت في كل حين ينشر الكفنا ... ونحن في غفلة عما يراد بنا # لا تطمئن إلى الدنيا وبهجتها ... وإن توشحت من أثوابها الحسنا # ابن الأحبة والجيران؟ ما فعلوا؟ ... أين الذين هم كانوا لنا سكنا؟ # سقاهم الدهر كأسا غير صافية ... فصيرتهم لأطباق الثرى رهنا # تبكي المنازل منهم كل منسجم ... بالمكرمات وترثي البر والمننا # حسب الحمام لو أبقاهم وأمهلهم ... ألا يظن على معلوة حسنا # PageV01P267 ### | الفقيه أبو مروان عبد الملك الطبني # من ثنية شرف وحسب، ومن أهل حديث وأدب، إمام في اللغة متقدم، فارع لأعلى ~~رتب الشعر متسنم، له رواية بالأندلس ورحلة إلى المشرق ثم عاد وقد توج ~~بالمعارف المفرق، وأقام بقرطبة علما من أعلامها، ومتسنما لترفعها وإعظامها ~~تؤثره الدول، وتصطفيه أملاكها الأول، وما زال فيها مقيما ولا برح عن طريق ~~أمانيها مستقيما، إلى أن ms42 اغتيل في إحدى الليالي بقضية يطول شرحها، ولا ~~ينقضي برحها فأصبح مقتولا في فراشه، مذهولا كل أحد من انبساط الخطوب إليه ~~على انكماشه، وقد أثبت من محاسنه ما يعجب السامع وتصغي إليه المسامع، فمن ~~ذلك قوله: # وضاعف ما بالقلب يوم رحيلهم ... على ما به منهم حنين الأباعر # PageV01P268 # وأصبر عن أحباب قلب ترحلوا ... ألا إن قلبي سائر غير صابر # ولما رجع إلى قرطبة وجلس ليرى ما احتقبه من العلوم، اجتمع إليه في المجلس ~~خلق عظيم، فلما رأى تلك الكثرة، وما له عندهم من الأثرة، قال: # إني إذا حضرتني ألف محبرة ... يكتبن حدثني طورا وأخبرني # نادت بعقوتي الأقلام معلنة ... هذي المفاخر لا قعبان من لبن # وكتب إلى ذي الوزارتين الكاتب أبي الوليد بن زيدون: # أبا الوليد وما شطت بنا الدار ... وقل منا ومنك اليوم زوار # وبيننا كل ما تدريه من ذمم ... وللصبا ورق خضر وأنوار # وكل عتب وأعتاب جرى فله ... بدائع حلوة عندي وآثار # فاذكر أخاك بخير كلما لعبت ... به الليالي فإن الدهر دوار # PageV01P269 ### | الفقيه العالم أبو عمر أحمد بن عبد ربه # رحمه الله تعالى # عالم ساد بالعلم ورأس، واقتبس به من الحظوة ما اقتبس، وشهر بالأندلس حتى ~~سار إلى المشرق ذكره، واستطار شرر الذكاء فكره، وكانت له عناية بالعلم ~~وثقة، ورواية له متسقة، وأما الأدب فهو - كان - حجته، وبه غمرت الإفهام ~~لجته، مع صيانة وورع، وديانة ورد ماءها فكرع، وله التأليف المشهور الذي ~~سماه ب العقد وحماه عن عثرات الألباب، وتبصر السحر منه في كل باب، وله شعر ~~انتهى منتهاه، وتجاوز سماك الإحسان وسهاه. # أخبرني أبو محمد بن حزم أنه مر بقصر من قصور قرطبة لبعض الرؤساء فسمع منه ~~غناء أذهب لبه، وألهب قلبه، فبينما هو واقف تحت القصر، إذ رش بماء من ~~أعاليه، فاستدعى رقعة، وكتب إلى صاحب القصر بهذه القطعة: # PageV01P270 # يا من يضن بصوت الطائر الغرد ... ما كنت أحسب هذا البخل في أحد # لو أن أسماع أهل الأرض قاطبة ... أصغت إلى الصوت لم ينقص ولم يزد # فلا تضن على ms43 سمعي ومن به ... صوتا يجول مجال الروح في الجسد # أما النبيذ فإني لست أشربه ... ولست آتيك إلا كسوتي بيدي # وعزم فتي كان يتألفه، وخامره كلفه، على الرحيل في غده، فأذهبت عزمته قوى ~~جلده، فلما أصبح عاقته السماء بالأنواء، وساقته مكرها إلى الثواء فاستراح ~~أبو عمر من كمده، وأنفسح له من التواصيل ضائق أمده، فكتب إلى المذكور، ~~العازم على البكور: # هلا ابتكرت لبين أنت مبتكر ... هيهات يأبى عليك الله والقدر # ما زلت أبكي حذار البين ملتهبا ... حتى رثى لي فيك الريح والمطر # PageV01P271 # يا برده من حيامزن على كبد ... نيرانها بغليل الشوق تستعر # آليت أن لا أرى شمسا ولا قمرا ... حتى أراك فأنت الشمس والقمر # ومن شعره الذي صرح به تصريح الصب، وبرح فيه من وقائع اسم الحب، قوله: # الجسم في بلد والروح في بلد ... يا وحشة الروح بل يا غربة الجسد # إن تبك عيناك لي من كلفت به ... من رحمة فهما سهماك في كبدي # ومن قوله: # ودعتني بزفرة واعتناق ... ثم قالت: متى يكون التلاق # وبدت لي فأشرق الصبح منها ... بين تلك الجيوب والأطواق # يا سقيم الجفون من غير سقم ... بين عينيك مصرع العشاق # إن يوم الفراق أفظع يوم ... ليتني مت قبل يوم الفراق # وله أيضا: # يا ذا الذي خط الجمال بخده ... خطين هاجا لوعة وبلابلا # ما صح عندي أن لحظك صارم ... حتى لبست بعارضيك حمائلا # PageV01P272 # أخبرني بعض العلية أن الخطيب أبا الوليد بن عباد حج فلما انصرف تطلع إلى ~~لقاء المتنبي واستشرف، ورأى أن لقياه فائدة يكتسبها، وحلة فخر لا يحتسبها، ~~فصار إليه فوجده في مسجد عمرو بن العاص ففاوضه قليلا، ثم قال: أنشدني لمليح ~~الأندلس، ويعني ابن عيد ربه، فأنشده: # يا لؤلؤا يسبي العقول أنيقا ... ورشا بتقطيع القلوب رفيقا # ما إن رأيت ولا سمعت بمثله ... درا يعود من الحياء عقيقا # وإذا نظرت إلى محاسن وجهه ... أبصرت وجهك في سناه غريقا # يا من تقطع خضره من رقة ... ما بال قلبك لا يكون رقيقا # فلما أكمل إنشاده، استعاده منه، وقال: يا ابن ms44 عبد ربه لقد تأتيك العراق ~~حبوا. # وله أيضا: # ومعذر نقش الجمال بخده ... حسنا له بدم القلوب مضرجا # لما تيقن أن سيف جفونه ... من نرجس جعل النجاد بنفسجا # وله أيضا رحمه الله: # PageV01P273 # وساحبة فضل الذيول كأنها ... قضيب من الريحان فوق كثيب # إذا ما بدت من خدرها قال صاحبي ... أطعني وخذ من وصلها بنصيب # وله أيضا: # هيج الشوق دواعي سقمي ... وكسا الجسم ثياب الألم # أيها البين أقلني مرة ... فإذا عدت فقد حل دمي # يا خلي الذرع نم في غبطة ... إن من فارقته لم ينم # ولقد هاج بقلبي سقما ... حب من لو شاء داوى سقمي # وبلغ سن عوف بن محلم، واعترف بذلك اعتراف متألم، عندما وهت شدته، وبليت ~~جدته، وهو آخر شعر قال، ثم عثر في أذيال الردى وما استقال: # كلاني لما بي عاذلي كفاني ... طويت زماني برهة وطواني # بليت وأبلتني الليالي وكرها ... وصرفان للأيام معتوران # وما لي لا أبلى لسبعين حجة ... وعشر أتت من بعدها سنتان # فلا تسألاني عن تباريح علتي ... ودونكما مني الذي تريان # PageV01P274 # وإني بحول الله راج لفضله ... ولي من ضمان الله خير ضمان # ولست أبالي من تباريح علتي ... إذا كان عقلي باقيا ولساني # وفي أيام إقلاعه عن صبوته، وارتجاعه عن تلك الغفلة وأوبته، وانثنائه عن ~~الصبا والمجون إلى صفاء توبته، محص أشعاره في الغزل بما ينافيها وقص من ~~قوادمها وخوافيها، بأشعار في الزهد على أعاريضها وقوافيها، منها القطعة ~~التي أولها: # هلا ابتكرت لبين أنت مبتكر # محصها بقوله: # يا قادرا ليس يعفو حين يقتدر ... ماذا الذي بعد شيب الرأس تنتظر # عاين بقلبك إن العين غافلة ... عن الحقيقة وأعلم أنها سقر # سوداء تزفر من غيظ إذا سعرت ... للظالمين فلا تبقي ولا تذر # لو لم يكن لك غير الموت موعظة ... لكان فيه عن اللذات مزدجر # أنت المقول له ما قلت مبتدئا ... هلا ابتكرت لبين أنت مبتكر # PageV01P275 ### | الفقيه أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي # إمام اللغة والإعراب، وكعبة الآداب، أوضح منها كل إبهام وفضح دون الجهل ~~بها محل الأوهام، وكان أحد ذوي الإعجاز، ms45 وأسعد أهل الاختصار والإيجاز، نجم ~~والأندلس في إقبالها، والأنفس أول تهممها بالعلم واهتبالها، فنفقت له عندهم ~~البضاعة، واتفقت على تفضيله الجماعة، وأشاد الحكم بذكره، فأورى بذلك زناد ~~فكره، وله اختصار العين للخليل وهو معدوم النظير والمثيل ولحن العامة ~~وطبقات النحويين وكتاب الواضح وسواها من كل تأليف مخجل لمن أتى بعده فاضح، ~~وله شعر مصنوع ومطبوع، كأنما يتفجر من خاطره ينبوع، وقد أثبت له منه ما ~~يقترح، ولا يطرح، فمن ذلك قوله: # PageV01P276 # كيف بالدين القويم ... لك من أم تميم # ولقد كان شفاء ... من جوى القلب السقيم # يشرق الحسن عليها ... في دجى الليل البهيم # وكتب مراجعا: # أغرقتني في بحور فكر ... فكدت منها أموت غما # كلفتني عامضا عويصا ... أرجم فيه الظنون رجما # ما زلت أسرو السجوف عنه ... كأنني كاشف لظلما # أقرب من ليله وأنأى ... مستبصرا تارة وأعمى # حتى بدا مشرق المحيا ... لما اعتلى طالعا وتما # لله من منطق وجيز ... قد جل قدرا ودق فهما # أخلصت لله فيه قولا ... سلمت لله فيه حكما # إذ قلت قول امرئ حكيم ... مراقب للإله علما # الله ربي ولي نفسي ... في كل بؤس وكل نعمى # وكتب إلى أبي مسلم بن فهد، وكان كثير التكبر، عظيم التجبر، متعثرا لسانه، ~~مقفرا من المعالم جنانه: # PageV01P277 # أبا مسلم إن الفتى بفؤاده ... ومقوله لا بالمراكب واللبس # وليس رواء المرء يغني قلامة ... إذا كان مقصورا على قصر النفس # وليس يفيد العلم والحلم والحجى ... أبا مسلم طول القعود على الكرسي # واستدعاه الحكم المستنصر بالله أمير المؤمنين، فعجل إليه وأسرع، وفرع ~~لديه من ربى الآمال ما فرع فلما طالت نواه، واستطالت عليه لوعته وجواه، وحن ~~إلى مستقره بإشبيلية ومثواه، استأذن الحكم في اللحوق بها، فلومه ولواه فكتب ~~إلى من كان يألفه ويهواه: # ويحك يا سلم لا تراعي ... لا بد للبين من مساع # لا تحسبيني صبرت إلا ... كصبر ميت على النزاع # ما خلق الله من عذاب ... أشد من وقفة الوداع # ما بينها والحمام فرق ... لولا المناحات والنواعي # PageV01P278 # إن يفترق شملنا وشيكا ... من بعد ما كان في اجتماع # فكل ms46 شمل إلى افتراق ... وكل شعب إلى انصداع # وكل قرب إلى بعاد ... وكل وصل إلى انقطاع ### | الفقيه أبو محمد علي بن حزم # فقيه مستنبط، ونبيه بقياسه مرتبط، ما تكلم تقليدا، ولا تعدى اختراعا ~~وتوليدا، ما # تمنت به الأندلس أن تكون كالعراق، ولا حنت الأنفس معه إلى تلك الآفاق، ~~أقام بوطنه، وما برح عن عطنه، فلم يشرب ماء الفرات، ولم يقف عيشة الثمرات، ~~ولكنه أربى على من من ذلك غذي، وأزرى على من هنالك قد نعل وحذي، تفرد # PageV01P279 # بالقياس واقتبس نار المعارف أي اقتباس، فناظر بما نطق به وقاس، وصنف وحبر ~~حتى أفنى الأنفاس، ونبذ الدنيا وقد تصدت له بأفتن محيا، وأهدت إليه أعبق ~~عرف وريا، وخلع الوزارة وقد كسته ملاها، وألبسته حلاها، وتجرد للعلم وطلبه، ~~وجد في اقتناء نخبه، وله تآليف كثيرة، وتصانيف أثيرة منها: الإيصال إلى فهم ~~كتاب الخصال وكتاب الإحكام لأصول الأحكام وكتاب الفصل في الملل والأهواء ~~والنحل وكتاب مراتب العلوم وغير ذلك، مما لم يظهر مثله من هنالك مع سرعة ~~الحفظ وعفاف اللسان واللحظ، وفيه تقول خلف بن هارون: # يخوض إلى المجد والمكرمات ... بحار الخطوب وأهوالها # وإن ذكرت للعلا غاية ... ترقى إليها وأهوى لها # وله في الأدب سبق لا ينكر، وبديهة لا يعلم أنه روى فيها ولا فكر، وقد ~~أثبت من شعره ما يعلم أنه أوحد، وما مثله فيه أحد، فمن ذلك قوله: # PageV01P280 # وذي عذل فيمن سباني حسنه ... يطيل ملامي في الهوى ويقول # أمن حسن وجه لاح لم تر غيره ... ولم تدر كيف الجسم أنت قتيل # فقلت له أسرفت في اللوم فاتئد ... فعندي رد - لو شاء - طويل # ألم تر أني ظاهري وأنني ... على ما بدا حتى يقوم دليل # وله أيضا: # هل الدهر إلا ما عرفنا وأنكرنا ... فجائعه تبقى ولذاته تفنى # إذا مكنت فيه مسرة ساعة ... تولت كمر الطرف واستخلفت حزنا # إلى تبعات في المعاد وموقف ... نود إليه أننا لم نكن كنا # حصلنا على هم وإثم وحسرة ... وفات الذي كنا نلذ به عنا # حنين لما ولى وشغل بما أتى ms47 ... وهم بها يغشى فعينك لا تهنا # كأن الذي كنا نسر بكونه ... إذا حققته النفس لفظ بلا معنى # وله أيضا: # ولي نحو أكناف العراق صبابة ... ولا غرو أن يستوحش الكلف الصب # فإن ينزل الرحمن رحلي بينهم ... فحينئذ يبدو التأسف والكرب # PageV01P281 # هنالك تدري أن للعبد قصة ... وأن كساد العلم آفته القرب # وله أيضا: # لا تشمتن حاسدي إن نكبة عرضت ... فالدهر ليس على حال بمترك # ذو الفضل طورا تراه تحت ميقعة ... وتارة قد يرى تاجا على ملك # وله أيضا: # لئن أصبحت مرتحلا بشخصي ... فروحي عندكم أبدا مقيم # ولكن للعيان لطيف معنى ... لذا سأل المعاينة الكليم # PageV01P282 ### | الفقيه أبو عبد الله محمد بن عبد السلام الخشني # كان فصيح اللسان، جزيل البيان، وكان أنوفا منقبضا عن السلطان لم يتشبث ~~بدنيا، ولم ينكث له مبرم عليا، دعاه الأمير محمد إلى القضاء فلم يجب، ولم ~~يظهر رجاءه المحتجب، وقال: أبيت عن أمانة هذه الديانة، كما أبت السموات ~~والأرض عن حمل الأمانة، إباية إشفاق، لا إباية عصيان ونفاق، وكان الأمير قد ~~أمر الوزراء بإجباره، أو حمل السيف إن تمادى على تأبيه وإصراره ن فلما بلغه ~~قوله هذا أعفاه، وكان الغالب عليه علم النسب، واللغة والأدب ورواية الحديث، ~~وكان مأمونا ثقة، وكانت القلوب على محبته متفقة وله رحلة دخل فيها العراق، ~~ثم عاد إلى هذه الآفاق، وعندما اطمأنت داره، # PageV01P283 # وبلغ أقصى مناه مداره، قال: # كأن لم يك بين ولم تك فرقة ... إذا كان من بعد الفراق تلاق # كأن لم تؤرق بالعراقين مقلتي ... ولم تمر كف الشوق ماء مآق # لوم أزر الأعراب في جنب أرضهم ... بجنب اللوى من رامة وبراق # ولم اصطبح في البيد من قهوة النوى ... كؤوسا سقانيها الفراق دهاق ### | الفقيه أبو محمد عبد الله بن محمد المعروف بابن # الفرضي القاضي # كان حافظا عالما كلفا بالرواية، رحل في طلبها، وتبحر في المعارف بسببها ~~مع حظ من الأدب كثير، واختصاص بنظيم منه ونثير، # PageV01P284 # حج وبرع في الزهادة والورع، فتعلق بأستار الكعبة يسأل الله الشهادة، ثم ~~فكر في القتل ومرارته، والسيف وحرارته، ms48 فأراد أن يرجع ويستقبل الله ~~فاستحيا، وآثر نعيم الآخرة على شقاء الدنيا، فأصيب في تلك الفتن (مكلوما)، ~~وقتل مظلوما. # أخبرني من رآه في جملة القتلى وهو بآخر رمق، فسمعه يقول بصوت ضعيف: (لا ~~يكلم أحد سبيل الله - والله أعلم بمن يكلم في سبيله - إلا جاء يوم القيامة ~~وجرحه يثعب، اللون لون دم والريح ريح مسك) كأنه يعيد الحديث على نفسه ثم ~~قضى. # ومما قال في طريقه، يتشوق إلى فريقه: # PageV01P285 # مضت لي شهور منذ غبتم ثلاثة ... وما خلتني أبقى إذا غبتم شهرا # وما لي حياة بعدكم استلذها ... ولو كان هذا لم أكن في الهوى حرا # ولم يسلبني طول التنائي عليكم ... بلى زادني وجدا وجدد لي ذكرا # يمثلكم لي طول شوقي إليكم ... ويدينكم حتى أناجيكم سرا # سأستعتب الدهر المفرق بيننا ... وهل نافعي أن صرت أستعتب الدهرا # أعلل نفسي بالمنى في لقائكم ... وأستسهل البر الذي جبت والبحرا # ويؤنسني طي المراحل عنكم ... أروح على أرض وأغدو على أخرى # وتالله ما فارقتكم عن قلى لكم ... ولكنها الأقدار تجري كما تجرى # رعتكم من الرحمن عين بصيرة ... ولا كشفت أيدي النوى عنكم سترا # وله أيضا: # إن الذي أصبحت طوع يمنيه ... أن لم يكن قمرا فليس بدونه # ذبي له في الحب من سلطانه ... وسقام جسمي من سقام جفونه ### | الفقيه أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن مسرة # كان على طريقة في الزهد والعبادة سبق فيها، وانتسق # PageV01P286 # في سلك محتذيها، وكانت له إشارات غامضة، وعبارات عن منازل الملحدين غير ~~داحضة ووجدت له مقالات ردية، واستنباطات مردية، نسب بها إليه رهق وظهر له ~~فيها مزحل عن الرشد ومزهق، فتتبعت مصنفاته بالحرق واتسع في استباحتها ~~الخرق، وغدت مهجورة، على التالين محجورة، وكان له تنميق في البلاغة وتدقيق ~~لمعانيها، وتزويق لأغراضها، وتشييد لمبانيها. # ومن شعره ما كتب به إلى أبي بكر اللؤلؤي يستدعيه في يوم مطر وطين: # أقبل فإن اليوم يوم دجن ... إلى مكان كالضمير مكني # لعلنا نحكم فيه أشهى فن ... فأنت في ذا اليوم أمشى مني # PageV01P287 ### | الفقيه أبو بكر بن ms49 القوطية # صاحب الأفعال في اللغة والعربية # ممن له سلف، وثنية كلها شرف، وأبو بكر هذا أحد المجتهدين في الطلب ~~والمشتهرين بالعلم والأدب، والمنتدبين للعلم والتصنيف، والمرتبين له بحسن # الترتيب والتأليف، وكان له شعر نبيه، وأكثره أوصاف وتشبيه، فمن ذلك قوله ~~في زمن الربيع: # ضحك الثرى وبدا لك استبشاره ... فاخضر شاربه وطر عذاره # ورنت حدائقه وزرر نبته ... وتعطرت أنواره وثماره # واهتز ذابل كل ماء قراره ... لما أتى متطلعا آذاره # وتعممت صلع الربى بنباته ... وترنمت من عجمة أطياره # PageV01P288 ### | الفقيه القاضي الأجل يونس بن عبد الله بن مغيث # قاضي الجماعة بقرطبة # فاضل ورع، مبرز في النساك والزهاد، دائم الأرق في التخشع والسهاد، مع ~~التحقق بالعلم والتميز بفضله، والتحيز إلى فئة الورع وأهله، وله تصانيف في ~~الزهد والتصوف، منها كتاب المنقطعين إلى الله وكتاب المجتهدين وأشعار في ~~هذا المعنى، منها قوله: # فررت إليك من ظلمي لنفسي ... وأوحشني العباد وأنت أنسي # قصدت إليك منقطعا غريبا ... لتؤنس وحدتي في قعر رمسي # وللعظمى من الحاجات عندي ... قصدت وأنت تعلم سر نفسي # ولما أراد المستنصر بالله غزو الروم سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة تقدم ~~إلى والده أبي محمد بالكون في # PageV01P289 # صحبته، ومسايرته في غزوته فاعتذر بعذر يجده، وألم لا ينجده، فقال له ~~الحكم: إن ضمن لي أن يؤلف في أشعار خلفائنا بالمشرق والأندلس مثل كتاب ~~الصولي في أشعار بني العباس أعفيته من الغزاة، وجازيته أفضل المجازاة، ~~فأجابه إليه على أن يؤلفه بالقصر، فزعم أنه رجل مزور، وأن ذلك الموضع ممتنع ~~على من يلم به ويزور، فألفه بدار الملك المطلة على النهر، وأكمله # فيما دون شهر، وتوفي والمستنصر بعد في غزاته، ومن شعره قوله: # أتوا حسبة إذ قيل جد نحوله ... فلم يبق من لحم عليه ولا عظم # فعادوا قميصا في فراش فلم يروا ... ولا لمسوا شيئا يدل على جسم # طواه الهوى في ثوب سقم من الضنى ... وليس بمحسوس بعين ولا وهم # وله أيضا رحمه الله: # PageV01P290 # ديار عليها من بشاشة لأهلها ... بقايا تسر النفس أنسا ومنظرا # ربوع كساها المزن من خلع ms50 الحيا ... برودا وحلاها من النور جوهرا # تسرك طورا ثم تشجوك تارة ... فترتاح تأنيسا وتشجى تذكرا ### | الفقيه أبو الحسن علي بن أحمد المعروف بابن سيدة # إمام في اللغة العربية، وهمام في الفئة الأدبية وله في ذلك أوضاع، ~~للأفهام من أخلافها استدارا واسترضاع، حررها تحريرا، وأعاد طرف الذكاء بها ~~قريرا، وكان منقطعا إلى الموفق صاحب دانيه، # PageV01P291 # وبها أدرك أمانيه، ووجد تجرده للعلم وفراغه، وتفرد بتلك الإراغة ولا سيما ~~كتابه المسمى بالمحكم فإنه أبدع كتاب وأحكم، ولما مات الموفق رائش جناحه ~~ومثبت غرره وأوضاحه، خاف من أبنه إقبال الدولة، وأطاف به مكروها بعض من كان ~~حوله، فناشته للطلب حيات مساورة، ففر إلى بعض الأعمال المجاورة وكتب إليه ~~منها مستعطفا: # ألا هل إلى تقبيل راحتك اليمنى ... سبيل فإن الأمن في ذاك واليمنا # فتنضى هموم طلحته خطوبها ... ولا غاربا يبقين ولا متنا # غريب نأى أهلوه عنه وشفه ... هواهم فأمسى لا يقر ولا يهنا # فيا ملك الأملاك إني محلأ ... عن الورد لا عنه أذاذ ولا أدنى # تحققت مكروها فأقبلت شاكيا ... لعمري أمأذون لعبدك أن يعنى # PageV01P292 # وإن تتأكد في دمي لك نية ... فإني سيف لا أحب له جفنا # إذا ما غدا من حر سيفك باردا ... فقدما غدا من برد نعماكم سخنا # وهل هي إلا ساعة ثم بعدها ... ستقرع ما عمرت من ندم سنا # وما لي من دهري حياة ألذها ... فتعتدها نعمى علي وتمتنا # إذا ميتة أرضتك عنا فهاتها ... حبيب إلينا ما رضيت به عنا ### | الفقيه أبو محمد غانم بن الوليد المخزومي المالقي # عالم متفرس، وفقيه مدرس وأستاذ مجود، وإمام لأهل الأندلس مجود وأما الأدب ~~فكان جل شرعته، ورأس بغيته، مع فضل وحسن طريقة وجد في جميع أموره وحقيقة، ~~وله شعر: # صير فؤادك للمحبوب منزلة ... سم الخياط مجال للمحبين # PageV01P293 # ولا تسامح بغيضا في معاشرة ... فقلما تسع الدنيا بغيضين # وله أيضا: # الصبر أولى بوقار الفتى ... من قلق يهتك ستر الوقار # من لزم الصبر على حالة ... كان على أيامه بالخيار ### | الفقيه الإمام العالم الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد الله ms51 # بن عبد البر # إمام الأندلس وعالمها، الذي التاحت به معالمها، صحح المتن والسند وميز ~~المرسل، وفرق بين الموصول والقاطع، وكسا الملة منه نور ساطع حصر الرواة، ~~وأحصى الضعفاء منهم الثقات، وجد في تصحيح السقيم، وجدد منه ما كان كالكهف ~~والرقيم، # PageV01P294 # مع معاناة العلل، وإرهاف ذلك العلل، والتثقيف للمؤتلف، والتنبيه على ~~المختلف وشرح المقفل، واستدراك المغفل، وله فنون هي للشريعة رتاج، وفي مفرق ~~الملة تاج، أشهرت للحديث ظبى، وفرعت لمعرفته ربى، وهبت لتفهمه # شمالا وصبا، وكان ثقة، وكانت الأنفس على تفضيله متفقه، وأما أدبه فلا ~~تعبر لجته، ولا تدحض حجته، وله شعر لم أجد منه إلا ما نفث به أنفة، وأوصى ~~فيه من تخلفه، فمن ذلك قوله، وقد دخل إشبيلية فلم يلق فيها مبرة، ولم ير من ~~أهلها تهلل أسرة، فأقام بها حتى أخلقه مقامه، وأطبقه اغتمامه، فارتجل وقال: # تنكر من كنا نسر بقربه ... وصار زعاقا بعدما كان سلسلا # وحق لجار لم يوافقه جاره ... ولا لاءمته الدار أن يتحولا # PageV01P295 # بليت بحمص والمقام ببلدة ... طويلا لعمري يورث البلى # إذا هان حر عند قوم أتاهم ... ولم ينأ عنهم كان أعمى وأجهلا # ولم تضرب الأمثال إلا لعالم ... وما عوقب الإنسان إلا ليعقلا # وله أيضا يوصي أبنه بمقصورة: # تجاف عن الدنيا وهون لقدرها ... ووف سبيل الدين بالعروة الوثقى # وسارع بتقوى الله سرا وجهرة ... فلا ذمة أقوى هديت من التقوى # ولا تنس شكر الله في كل نعمة ... يمن بها فالشكر مستجلب النعمى # فدع عنك ما لا حظ فيه لعاقل ... فإن طريق الحق أبلج لا يخفى # وشح بأيام بقين قلال ... وعمر قصير لا يدوم ولا يبقى # ألم تر أن العمر يمضي موليا فجدته تبلى ومدته تفنى # نخوض ولهو غفلة وجهالة ... وننشر أعمالا وأعمارنا تطوى # تواصلنا فيه الحوادث بالردى ... وتنتابنا فيه النوائب بالبلوى # عجبت لنفس تبصر الحق بينا ... لديها وتأبى أن تفارق ما تهوى # وتسعى لما فيه عليها مضرة ... وقد علمت أن سوف تجزى بما تسعى # ذنوبي أخشاها ولست بآيس ... وربي أهل أن يخاف وأن يرجى # وإن كان ms52 ربي غافرا ذنب من يشا ... فإني لا أدري أأكرم أم أخزى # PageV01P296 ### | الفقيه الأجل الحافظ أبو بكر بن العربي # علم الأعلام الطاهر الأثواب، الباهر الألباب، الذي أنسى ذكاء إياس وترك ~~التقليد للقياس، وأنتج الفرع من الأصل، وغدا في يد الإسلام، أمضى من النصل، ~~سقى الله به الأندلس بعدما أجدبت من المعارف، ومد عليها منه الظل الوارف، ~~وكساها رونق نبله، وسقاها ريق وبله، وكان أبوه بإشبيلية بدرا في فلكها، ~~وصدرا في مجلس ملكها، واصطفاه معتمد بني عباد، اصطفاء المأمون لابن أبي ~~دؤاد # PageV01P297 # وولاه الولايات الشريفة، وبوأه المنيفة، فلما أقفرت حمص من ملكهم وخلت، ~~وألقتهم منها وتخلت، رحل به إلى المشرق، وحل فيه محل الخائف الفرق، فجال في ~~أكنافه، وأجال قداح الرجاء في استقبال العز واستئنافه، فلم يسترد ذاهبا، ~~ولم يجد كمعتمده باذلا له وواهبا، فعاد إلى الرواية والسماع، (وما استفاد) ~~من آمال تلك الأطماع، وأبو بكر إذ ذاك في ثرى الذكاء قضيب ما دوح، وفي روض ~~الشباب زهر ما صوح، فألزمه مجالس العلم رائحا وغاديا، ولازمه سائقا إليها ~~وحاديا، حتى استقرت به مجالسه، واطردت له مقايسه، فجد في طلبه، واستجد به ~~أبوه متمزق أربه فأدركه حمامه، ووارته هناك رجامه، وبقي أبو بكر متفردا، ~~وللطلب متجردا، حتى أصبح في العلم وحيدا، ولم تجد عنه رياسته محيدا، فكر ~~إلى الأندلس فحلها والنفوس إليه متطلعة ولأنبائه متسمعة، فناهيك من # PageV01P298 # حضوة لقي، ومن عزة سقي، ومن رفعة سما إليها ورقي، وحسبك من مفاخر قلدها، ~~ومن محاسن أنس نبتها فيها وخلدها وقد أثبت من بديع نظمه ما يهز أعطافا، ~~وترده الإفهام نطافا، فمن ذلك قوله يتشوق إلى بغداد، ويخاطب فيها أهل ~~الوداد: # أمنك سرى والليل يخدع بالفجر ... خيال حبيب قد حوى قصب الفخر # جلا ظلم الظلماء مشرق نوره ... ولم يخبط الظلماء بالأنجم الزهر # ولم يرض بالأرض البسطة مسحبا ... فصار على الجوزاء إلى فلك يسري # وحث مطايا قد مطاها بعزة ... فأوطأها قسرا على قنة النسر # فصارت ثقالا بالجلالة فوقها ... وسارت عجالا تتقي ألم الزجر # PageV01P299 # وجرت على ذيل المجرة ms53 ذيلها ... فمن ثم يبدو ما هنالك لمن يسري # ومرت على الجوزاء توضع فوقها ... فآثر ما مرت به كلف البدر # وساقت أريج الخلد من جنة العلا ... فدع عنك رملا بالأنيعم يستذري # فما حذرت قيسا ولا خيل عامر ... ولا أضمرت خوفا لقاء بني ضمر # سقى الله مصرا والعراق وأهلها ... وبغداد والشامين منهمل القطر ### | الفقيه أبو بكر بن أبي الدوس رحمه الله # من أبدع الناس خطا، وأصحهم نقلا وضبطا، اشتهر بالإقراء، واقتصر بذلك على ~~الأمراء، ولم ينحط لسواهم، ومطل الناس بذلك # PageV01P300 # ولواهم، وكان كثير التحول، عظيم التجول، لا يستقر في بلد، ولا يستظهر على ~~حرمانه بجلد، فقذفته النوى، وطردته عن كل ثوا، ثم استقر آخر عمره بأغمات، ~~وبها مات، وكان له شعر بديع يصونه أبدا، ولا يمد به يدا. # أخبرني من دخل عليه بالمرية، فرآه في غاية إملاق، وفي ثياب أخلاق وقد ~~توارى في منزله توارى المذنب، وقعد عن الناس قعود مجتنب، فلما علم ما هو ~~فيه وعلم ترفعه عمن يجتديه، عاتبه في ذلك الاعتزال، وآخذه حتى استنزله بفيض ~~الاستنزال، وقال له: هلا كتبت إلى المعتصم فما في ذلك ما يصم، فكتب إليه: # إليك أبا يحيى مددت يد المنى ... وقدما غدت عن جود غيرك تقبض # PageV01P301 # وكانت كنور العين يلمع بالدجى ... فلما دعاه الصبح لباه ينهض ### | الفقيه القاضي أبو الفضل جعفر بن محمد بن يوسف # الأعلم # كهل الطريقة، وفتى الحقيقة، تدرع الصيانة، وبرع في الورع والديانة، ~~وتماسك عن الدنيا عفافا، وما تماسك التماسا بأهلها والتفافا، فاعتقل النهى ~~وتنقل في مراتبها حتى استقر فيها في السها، وعطل أيام الشباب، ومطل فيها ~~سعاد وزينب والرباب، إلا ساعات وقفها على المدام، وعطفها إلى الندام، حتى ~~تخلى عن ذلك واترك، وأدرك من المعلومات ما أدرك، وتعرى من الشبهات وسرى إلى ~~الرشد مستيقظا من تلك السنات، وله تصرف في شتى الفنون، وتقدم في # PageV01P302 # معرفة المفروض والمسنون، وأما الأدب فلم يجاره في ميدانه أحد، ولم يستول ~~على إحسانه فيه حصر ولا حد، وجده أبو الحجاج الأعلم، هو خلد منه ما ms54 خلد، ~~ومنه تقلد ما تقلد، وقد أثبت لأبي الفضل هذا ما يسقيك ماء الإحسان زلالا، ~~ويريك سحر البيان حلالا، فمن ذلك ما كتب به إلي وقد مررت على شنتمرية بعدما ~~رحل عنا وانتقل، واعتقل من نوانا وبيننا ما اعتقل، فشنتمرية هذه داره، وبها ~~كمل هلاله وابداره، وبها تستقضي، وشيم مضاؤه وانتضي، فالتقينا بها على ظهر، ~~وتعاطينا ذكر ذلك الدهر، فجددت من شوقه، ما كان قد شب عن طوقه فرامني على ~~الإقامة، وسامني على ذلك بكل كرامة فأبيت إلا النوى، وانثنيت عن الثوا بذلك ~~المثوى، فودعني ودفع إلي تلك القطعة حين شيعني: # شراي أطلعت السعود على ... آفاق أنسي بدرها كملا # وكسا أديم الأرض منه سنا ... فكست بسائطها له حللا # PageV01P303 # إيه أبا نصر وكم زمن ... قصر ادكارك عندي الأملا # هل تذكرن والعهد يخجلني ... هل تذكرن أيامنا الأولا # أيام نعثر في أعنتنا ... ونجر من أبرادنا حللا # ونحل روض الأنس مؤتنقا ... وتحل شمس مرادنا الحملا # ونرى ليالينا مساعفة ... تدعو إلينا رفقنا الجفلى # زمن نقول على تذكره ... ما تم حتى قيل قد رحلا # عرضت لزورتكم وما عرضت ... إلا لتمحق كل ما فعلا # ووافيته عشية من العشايا أيام ائتلافنا، وعودنا إلى مجلس الطلب ~~واختلافنا، فرأيته مستشرفا متطلعا، يرتاد موضعا يقيم به لثغور الأنس مرتشفا ~~ولثديه مرتضعا، فحين مقلني، تقلدني إليه واعتقلني، وملنا إلى روضة قد سندس ~~الربيع بساطها، ودبج درانك أوساطها، وأشعرت النفوس فيها بسرورها وانبساطها، ~~فأقمنا بها نتعاطى كؤوس أخبار، ونتهادى أحاديث جهابذة وأخبار، إلى أن نثر ~~زعفران العشي، وأذهب الأنس خوف العالم الوحشي، فقمت وقام، وعوج الرعب من ~~ألسنتنا ما كان استقام، وقال: # PageV01P304 # وعشية كالسيف إلا حده ... بسط الربيع بها لنعلي خده # عاطيت كاس الأنس فيها واحدا ... ما ضره أن كان جمعا وحده # وتنزه يوما بحديقة من حدائق الحضرة، قد اطرد نهرها، وتوقد زهرها، والريح ~~يسقطه فيظم بلبة الماء، ويتبسم به فتختاله كصفحة خضرة السماء فقال: # انظر إلى الأزهار كيف تطلعت ... بسماوة الروض المجود نجوما # وتساقطت فكأن مسترقا دنا ... للسمع فانقضت عليه رجوما # وإلى ms55 مسيل الماء قد رقمت به ... صنع الرياح من الحباب رقوما # ترمي الرياح لها نثيرا زهره ... فتمده في شاطئيه رقيما # وله يصف قلم يراعة، وبرع في صفته أعظم براعة: # ومهفهف ذلق صليب المكسر ... سبب لنيل المطلب المتعذر # متألق تنبيك صفرة لونه ... بقديم صحبته لآل الأصفر # ما ضره إن كان كعب يراعة ... وبحكمه اطردت كعوب السمهري # PageV01P305 # وله عندما شارف الكهولة، واستأنف قطع صرة كانت موصولة: # أما أنا فقد أرعويت عن الصبا ... وعضضت من ندم عليه بناني # وأطعت نصاحي ورب نصيحة ... جاءوا بها فلججت في العصيان # أيام أسحب من ذيول شبيبتي ... مرحا وأعثر في فضول عناني # وأجل كأسي أن ترى موضوعة ... فعلى يدي أو في يدي ندماني # أيام أحيا بالغواني والغنا ... وأموت بين الراح والريحان # في فتية فرضوا اتصال هواهم ... فمناهم دن من الأدنان # هزت علاهم أريحيات الصبا ... فهي النسيم وهم غصون البان # من كل مخلوع الأعنة لم يبل ... في غيه بتصارف الأزمان # وله حين أقلع وأناب، وودع ذلك الجناب، وتزهد وتتنسك وتمسك من طاعة الله ~~بما تمسك، وثاب يوما يتجرد من أمله وينفرد فيه بعلمه: # الموت يشغل ذكره ... عن كل معلوم سبواه # فاعمر له ربع ادكا ... رك بالعشية والغداه # PageV01P306 # واكحل به طرف اعتبا ... رك طول أيام الحياه # قبل ارتكاض النفس ما ... بين الترائب واللهاه # فيقال هذا جعفر ... رهن بما كسبت يداه # عصفت به ريح المنو ... ن فصيرته كما تراه # فضعوه في أكفانه ... ودعوه يجني ما جناه # وتمتعوا بمتاعه ال ... مخزون واحووا ما حواه # يا مصرعا مستبشعا ... بلغ الكتاب به مداه # لقيت فيه بشارة ... تشفي فؤادي من جواه # ولقيت بعدك خير من ... نباه ربي واجتباه # في دار خفض ما اشتهت ... نفس المقيم بما أتاه # وله من النثر يصف فرسا: انظر إليه سليم الأديم، كريم القديم، كأنما نشأ ~~بين الغبراء واليحموم، نجم إذا بدا، ووهم إذا عدا، يستقبل بغزال ويستدبر ~~برال، ويتحلى بشيات تقسيمات الجمال. # وله يصف سرجا، من النثر: بزة جياد، ومركب أجواد، جميل # PageV01P307 # الظاهر، رحيب ما بين القادمة والآخر، كأنما قد من ms56 الخدود أديمه، واختص ~~بإتقان الحبك تقويمه. # وله في وصف لجام (من النثر): متناسب الأشلاء، صحيح الانتماء إلى ثريا ~~السماء، فكله نكال، وسائره جمال. # وله في وصف رمح، (من النثر): مطرد الكعوب، صحيح اتصال الغالب والمغلوب، ~~أخ ينوب كلما استنيب ويصيب. # وله في وصف قميص (من النثر): كافوري الأديم، بابلي الرسوم، تباشر منه ~~الجسوم ما يباشر الروض من النسيم. # وله في وصف بغل (من النثر): مقرف النسب، مستخبر الشرف آمن الكبب إن ركب ~~امتنع اعتماله، أو ركب استقل به أخواله. # وله في وصف حمار: وثيق المفاصل، عتيق النهضة إذا ونت المراسل. # تم القسم الثاني من كتاب مطمح الأنفس ومسرح التأنس بحمد الله تعالى وعونه ~~وحسن توفيقه وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه. # PageV01P308 ### | القسم الثالث في # الأعيان من الأدباء # وهو مما لم يذكر في قلائد العقيان # PageV01P309 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | الأديب الشاعر النبيه أبو عمر يوسف بن هارون # المعروف بالرمادي # شاعر مفلق، انفرج له من الصناعة المغلق، وومض له برقها المؤتلق وسال به ~~طبعه كالماء المندفق، فأجمع على تفضيله المختلف والمتفق، فتارة يحزن وأخرى ~~يسهل، وفي كلتيهما بالبديع يعل وينهل، فاشتهر عند العامة والخاصة بانطباعه ~~في الفريقين، وإبداعه في # PageV01P311 # الطريقين، وكان هو وأبو الطيب متعاصرين، وعلى الصناعة متغايرين، وكلاهما ~~من كندة وما منهما إلا من اقتدح في الإحسان زنده، وما قصر عنه في إحسان، ~~ولا جاز بينهما تفضيل إنسان، وتمادى بأبي عمر، طلق العمر، حتى أفرده صاحبه ~~ونديمه، وهريق شبابه واستشن أديمه، ففارق تلك الأيام وبهجتها، وأدرك الفتنة ~~فخاض لجتها، وأقام فرقا من هيجانها، شرقا بأشجانها ولحقته منها فاقه نهكته، ~~وبعدت عنه الإفاقة حتى أهلكته، وقد أثبت من محاسنه ما يعجبك سرده، ولا ~~يمكنك نقده، فمن ذلك قوله: # شطت نواهم بشمس في هوادجهم ... لولا تلألؤها في ليلهن عشوا # شكت محاسنها عيني وقد غدرت ... لأنها بضمير القلب تنجمش # شعر ووج تبارى في افتخارهما ... بحسن هذا وذاك الروم والحبش # شككت في سقمي منها أفي فرشي ... منها نكست وإلا الطيف والفرش # PageV01P312 # وله أيضا: ms57 # في أي جارحة أصون معذبي ... سلمت من التعذيب والتنكيل # إن قلت في عيني فثم مدامعي ... أو قلت في قلبي فثم غليلي # لكن جعلت له المسامع مسكنا ... وحجبته عن عذل كل عذول # وثلاث شيبات نزلن بمفرقي ... فعلمت أن نزولهن رحيلي # طلعت ثلاث في طلوع ثلاثة ... واش ووج مراقب وثقيل # فعذلتني عن صبوتي فلئن ذلل ... ت فقد سمعت بذلة المعذول # إن كنت ودعت التصابي عن قلى ... وبدت برأسي حجة لعذول # فقد اغتدي والصبح في توريسه ... تقضي العيون له بوجه عليل # بأقب لون الآبنوس مفضض ... في غرة منه وفي تحجيل # مستغرق لصفات زيد الخيل وال ... غنوي والمربي والضليل # PageV01P313 # يزهى بتحلية اللجام كما زهى ... ملك محلى الرأس بالإكليل # فله الملاحظ من حبيب هاجر ... للصب أو متكبر لذليل # ومنها: # وكأنما فل الخطوب بحازم ... فل الجياد بحده المفلول # حتى إذا صدنا الوحوش فلم ندع ... منهن غير معالم وطلول # قامت قوائمه لنا بطعامنا ... غضا وقام العرف بالمنديل # ومنها: # ومكبل لم يجترم جرما ولا ... دانت سحائبه بغير كبول # متدرع بالوشي إلا أن مد ... رعه يحاك عليه غير طويل # فكأن بلقيسا عليها وشيها ... في الصرح رافعة لفضل ذيول # PageV01P314 # متقلب كتقلب المرتاع يقسم ... لحظه في الجول بعد الجول # حتى إذا ما السرب عن لطرفه ... أو ما نجا فيتيه خل سبيلي # أر سلته في إثرهن كأنهن ... عصين لي أمرا وكان رسولي # ولت سراعا ثم شد وراءها ... فكأنه بطل وراء رعيل # عجلت فأدركها ردى في إثرها ... إن الردى قيد لكل عجول # فقضى على سبعين ضار خطمه ... هو عقدة التعبير في التمثيل # ومنها: # حتى إذا حمل السحاب بجيده ... لم تحتمله فرائض المحمول # وله أيضا يتغزل: # أومى لتقبيل البساط خنوعا ... فوضعت خدي في التراب خضوعا # ما كان مذهبه الخنوع لعبده ... إلا زيادة قلبه تقطيعا # قولوا لمن أخذ الفؤاد مسلما ... يمنن علي برده مصدوعا # العبد قد يعصى وأحلف أنني ... ما كنت إلا سامعا ومطيعا # مولاي يحيى في حياة كاسمه ... وأنا أموت صبابة وولوعا # PageV01P315 # لا تنكروا غيث الدموع فكل ما ... ينحل من جسمي يكون دموعا # وكان ms58 كلفا بفتى نصراني، استسهل لباس زناره، والخلود معه في ناره، وخلع ~~بروده لمسوحه، وتسوغ الأخذ عن مسيحه، وراح في بيعته، وغدا من شيعته، ولم ~~يشرب نصيبه، حتى حط عليه صليبه، فقال: # أدرها مثل ريقك ثم صلب ... كعادتكم على وهمي وكاسي # فيقضي ما أمرت به اجتلابا ... لمسروري وزاد خنوع راسي # وله أيضا في مثله: # ورأيت فوق النحر در ... عا فاقعا من زعفران # فزجرته لونا سقا ... مي بالنوى والزجر شاني # يا من نأى عني كما ... تنأى العيون الفرقدان # فأرى بعيني الفرقدي ... ن ولا أراه ولا يراني # PageV01P316 # لا قدرت لك أوبة ... حتى يؤوب القارظان # هل ثم إلا الموت فر ... دا لا تكون منيتان # وله أيضا رحمه الله: # أشرب الكأس يا نصير وهات ... إن هذا النهار من حسناتي # بأبي غرة ترى الشخص فيها ... في صفاء أصفى من المرآة # ينزح الناس نحوها بازدحام ... كازدحام الحجيج في عرفات # هاتها يا نصير إنا اجتمعنا ... بقلوب في الدين مختلفات # إنما نحن في مجالس لهو ... نشرب الراح ثم أنت مواتي # فإذا ما انقضت دنانة ذا الله ... واعتمدنا مواضع الصلوات # لو مضى الدهر راح وقصف ... لعددنا هذا من السيئات # وشاعت عنه أشعار في دولة الخلافة وأهلها، سدد إليهم صائبات نبلها، وسقاهم ~~كؤوس نهلها، أوغرت عليه الصدور، ونفرت عليه المنايا ولكن لم يساعدها ~~المقدور، فسجنه الخليفة دهرا، وأسلكه من النكبة وعرا، فاستعطفه أثناء ذلك ~~واستلطفه، وأجناه كل # PageV01P317 # زهر من الإحسان وأقطفه، فما أصغى إليه، ولا ألغى موجدته عليه، وله في ~~السجن أشعار صرح فيها ببثه، وأفصح فيها عن جل الخطب لفقد صبره ونكثه، فمن ~~ذلك قوله: # لك الأمن من شجو ... يزيد تشوقي # ومنها: # فوافوا بنا الزهراء في حال خالع ال ... أئمة لاستيغالهم في التوثق # وحولي من أهل التأدب مأتم ... ولا جؤذر إلا بثوب مشقق # فلو أن في عيني الحمام كروضها ... وإن كان في ألوانه غير مشفق # ونادى حمامي مهجتي لتغافلت ... فهلا أجابت وهو عندي لمحنق # أعيني إن كانت لدمعي فضلة ... تثبت صبري ساعة فتدفقي # فلو ساعدت قالت أمن قلة الأسى ... تنقت ms59 دموعي أم من البحر تستقي # ومنها: # تكلفني أن أعتب الدهر أنها ... لجاهلة من لي بأعتاب محنق # وقالت: تظن الدهر يجمع بيننا ... فقلت لها: من لي بظن محقق # ولكنني فيما زجرت بمقلة ... زجرت اجتماع الشمل بعد التفرق # PageV01P318 # فقد كانت الأشفار في مثل بعدنا ... فلما التقت بالطيف قالت سنلتقي # أباكية يوما ولم يأت وقته ... سينفد قبل اليوم دمعك فارفقي # ومذ لم تريني أنت في ثوب ضائع ... لعمري لقد حفت بعي ممزق # وقال أيضا في السجن: # نسائلها هلا كفاك نحوله ... ونصبته أو دمعه وهموله # تكنفه همان شجو وصبوة ... فبلغ واشيه المنى وعذوله # فإن تستبن في وجهه هم سجنه ... فقد غاب في الأحشاء عنك دخيله # معنى بكتمان الحبيب وحبه ... فإن يقتل الكتمان فهو قتيله # ومنها: # واقبلن من نحو الحبيب كأنما ... تحاشد نحويي جفنه ونصوله # دعوني أشم بالباب برق أحبتي ... قواما فلم يسمع بذاك وكيله # يعم فلا يألوا حصارا لعله ... سيودي فيودي بثه وأليله # فلو كان في هذا الحصار سميه ... لأنساه طول السبع في اليوم طوله # لقد راعني سجني فشط ولو دنا ... من السجن لم يسهل علي دخوله # يعز على الورد النضير حلوله ... ولم يك عند المستهام نزوله # PageV01P319 # وله أيضا: # على كبري تهمي السحاب وتذرف ... ومن جزعي تبكي الحمام وتهتف # كأن السحاب الواكفات غواسلي ... وتلك على فقدي نوائح هتف # إلا ظعنت ليلى وبان قطينها ... ولكنني باق فلوموا وعنفوا # وآنست في وجه الصباح لبينها ... نحولا كأن الصبح مثلي مدنف # وأقرب عهد رشفة بلت الحشا ... فعاد شتاء باردا وهو صيف # وكانت على خوف فولت كأنها ... من الردف في قيد الخلاخل ترسف # وله أيضا: # مقلتي ضرجتك بالتوريد ... فدعي لي قلبي ومنها استفيدي # هذه العين ذنبها ما ذكرنا ... أي ذنب لقلبي المعمود # لو تردت بحجة العين ماذا ... لم تعاقب بالدمع والتسهيد # بلغ الياسمين في القدر أن قد ... لف من خدها بورد نضيد # كل شيء أتوب عنه ولا تو ... بة لي من هوى الحسان الغيد # من لعان منهن غير طليق ... وسقيم منهن غير معود # شهدت أدمعي بوجدي وزور ... ن لشاني ms60 إذ خانه مجلودي # أيها اللائمي على الحب مهلا ... هل تلام الحمام في التغريد # PageV01P320 # وله أيضا: # فقدت دموعي يوسفا في حسنه ... فغدوت يعقوبا بسدة وجده # وعميت مما قد لقيت من البكا ... حتى مسحت على الجفون ببرده # وله أيضا: # قبلته قدام قسيسه ... شربت كاسات بتقديسه # يقرع قلبي عند ذكري له ... من فرط شوقي قرع ناقوسه # وسجن معه غلام من أولاد العبيد فيه مجال، وفي نفس متأملة من لوعته أو ~~جال، فكتب يخاطب الموكل بباب السجن بقطعة منها: # حبيسك ممن أتلف الحب قلبه ... ويلذع قلبي حرقة دونها الجمر # هلال وفي غير السماء طلوعه ... وريم ولكن ليس مسكنه القفر # تأملت عينيه فخامرني السكر ... ولا شك في أن العيون هي الخمر # أناطقه كيما يقول، وإنما ... أناطقه عمدا لينتثر الدر # أنا عبده وهو المليك كما اسمه ... فلي مكنه شطر كامل وله الشطر # PageV01P321 ### | الأديب أبو القاسم محمد بن هانئ # علق خطير، وروض أدب مطير، غاص في طلب الغريب حتى أخرج دره المكنون، وبهرج ~~بافتنانه كل الفنون، وله نظم تتمنى الثريا أن تتوج به وتتقلد، ويود البدر ~~أن يكتب فيه ما اخترع وولد، زهت به الأندلس وتاهت وحاسنت ببدائعه الأشمس ~~وباهت فحسد المغرب فيه المشرق، وغص به من بالعراق وشرق، غير أنه نبت به ~~أكنافها، وشمخت عليه أنافها، وبرئت منه، وزوى الخير فيها عنه، لأنه سلك ~~مسلك المعري، وتجرد من التدين وعري، وأبدى # PageV01P322 # الغلو، وتعدى الحق المجلو، فمجته الأنفس، وأزعجته الأندلس، فخرج على غير ~~اختيار، وما عرج على هذه الديار إلى أن وصل الزاب واتصل بجعفر بن الأندلسية ~~مأوى تلك الجنسية فناهيك من سعد ورد عليه فكرع ومن باب ولج فيه وما قرع، ~~فاسترجع عنده شبابه، وانتجع وبله وربابه، وتلقاه بتأهيل ورحب، وسقاه صوب ~~تلك السحب، وأفرط في مدحه له في الغلو وزاد، وفرغ عنده تلك المزاد، ولم ~~يتورع، ولا ثناه ذو ورع، وعلى هذه الهنة فله بدائع يتحير فيها ويحار ويخال ~~لرقتها أنها أسحار، فإنه اعتمد التهذيب والتحرير، وأتبع فيها الفرزدق مع ~~جرير، # وأما تشبيهاته فخرق فيها ms61 المعتاد، وما شاء منها اقتاد، وقد أثبت له ما ~~تحن له الأسماع، ولا تتمكن منه الأطماع، فمن ذلك قوله: # PageV01P323 # أليلتنا إذ أرسلت واردا وحفا ... وبتنا نرى الجوزاء في أذنها شنفا # وبات لنا ساق يقوم على الدجى ... بشمعة صبح لا تقط ولا تطفا # أغن غضيض خفف اللين قده ... وثقلت الصهباء أجفانه الوطفا # ولم يبق إرعاش المدام له يدا ... ولم يبق إعنات التثني له عطفا # نزيف نضاه السكر إلا ارتجاجة ... إذا كل عنها الخصر حملها الردفا # يقولون حقف فوقه خيزرانة ... أما يعرفون الخيزرانة والحقفا # جعلنا حشايانا ثياب مدامنا ... وقدت لنا الأزهار من جلدها لحفا # فمن كبد توحي إلى كبد هوى ... ومن شفة تومي إلى شفة رشفات # ومنها: # كأن السماكين اللذين تراهما ... على لبدتيه ضامنان له حتفا # فذا رامح يهوي إليه سنانه ... وذا أعزل قد عض أنمله لهفا # كأن سهيلا في مطالع أفقه ... مفارق إلف لم يجد بعده ألفا # كأن بني نعش ونعشا مطافل ... بوجرة قد أضللن في مهمة خشفا # كأن سهاها عاشق بين عود ... فآونة يدو وآونة يخفى # PageV01P324 # كأن قدامى النسر والنسر واقع ... قصصن فلم تسم الخوافي به ضعفا # كأن أخاه حين حوم طائرا ... أتى دون نصف البدر فاختطف النصفا # كأن ظلام الليل إذ مال ميلة ... صريع مدام بات يشربها صرفا # كأن عمود الصبح خاقان معشر ... من الترك نادى بالنجاشي فاستخفى # كأن لواء الشمس غرة جعفر ... رأى القرن فازدادت طلاقته ضعفا # وله أيضا: # فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر ... وأمدكم فلق الصباح المسفر # وجنيتم ثمر الوقائع يانعا ... بالنصر من علق الحديد الأحمر # أبني العوالي السمهرية والسيو ... ف المشرفية والعديد الأكثر # من منكم الملك المطاع كأنه ... تحت السوابغ تبع في حمير # PageV01P325 # جيش تقدمه الليوث وفوقها ... كالغيل من قصب الوشيج الأخضر # وكأنما سلب القشاعم ريشها ... مما يشق من العجاج الأكدر # لحق القبول مع الدبور وسار في ... جمع الهرقل وعزمة الإسكندر # في فتية صدأ الحديد لباسهم ... في عبقري البيد جنة عبقر # وكفاه من حب السماحة أنه ... منه بموضع مقلة من محجر # نعماؤه من رحمة ولباسه ... من ms62 جنة وعطاؤه من كوثر # وله أيضا من قصيدة في جعفر بن علي: # PageV01P326 # ألا أيها الوادي المقدس بالندى ... وأهل الندى قلبي إليك مشوق # ويا أيها القصر المنيف قبابه ... على الزاب لا يسدد إليك طريق # ويا ملك الزاب الرفيع عماده ... بقيت لجمع المجد وهو فريق # فما أنس لا أنس الأمير إذا غدا ... يروع بحورا ملكه ويروق # ولا الجود يجري من صفيحة وجهه ... إذا كان من ذاك الجبين شروق # وهزته للمجد حتى كأنما ... جرت في سجاياه العذاب رحيق # أما وأبي تلك الشمائل إنها ... دليل على أن النجار عتيق # فكيف بصبر النفس عنه ودونه ... من الأرض مغبر الفجاج عميق # فكن كيف شاء الناس أو شئت دائما ... فليس لهذا الملك غيرك فوق # ولا تشكر الدنيا على نيل رتبة ... فما نلتها إلا وأنت حقيق # وله من قصيدة: # خليلي أين الزاب مني وجعفر ... وجنة عدن بنت عنها وكوثر # فقبلي نأى عن جنة الخلد آدم ... فما راقه من جانب الأرض منظر # PageV01P327 # لقد سرني أني أمر بباله ... فيخبرني عنه بذلك مخبر # وقد ساءني أني أراه ببلدة ... بها منسك منه عظيم ومشعر # وقد كان لي منه شفيع مشفع ... به يمحص الله الذنوب ويغفر # أتى الناس أفواجا إليك كأنما ... من الزاب بيت أو من الزاب محشر # فأنت لمن قد مزق الله شمله ... ومعشره والأهل أهل ومعشر # وله أيضا: # إلا طرقتنا والنجوم ركود ... وفي الحي أيقاظ وهن هجود # وقد أعجل الفجر الملمع خطوها ... وفي أخريات الليل منه عمود # سرت عاطلا غضبى على الدر وحده ... ولم يدر نحر ما داهاه وجيد # فما برحت إلا ومن سلك أدمعي ... قلائد في لباتها وعقود # ويا حسنها في يوم نضت سوالفا ... تريع إلى أترابها وتحيد # ألم يأتها أنا كبرنا عن الصبا ... وأنا بلينا والزمان جديد # ولا كالليالي ما لهن مواثق ... ولا كالغواني ما لهن عهود # ومنها: # ولا كالمعز ابن النبي خليفة ... له الله بالفخر المبين شهيد # PageV01P328 # وله أيضا: # قد مررنا على مغانيك تلك ... فرأينا بها مشابه منك # عارضتها المها الخواذل سربا ... عند أجراعها فلم تسل عنك # لا ms63 يرع للمها بذلك سرب ... أشبهتك في الوصف إن لم تكنك # كن عذيري فقد رأيت معاجي ... يوم تبكي بالجزع ولهى وأبكي # بحنين مرجع وتشك ... وأنين موجع كتشكي # وله من قصيدة يمدح بها جعفر بن علي بن رمان: # قفا فلأمر سرينا ولا نسري ... وإلا نرى مشي القطا الوارد الكدر # قفا نتبين أين ذا البرق منهم ... ومن أين تأتي الريح طيبة النشر # لعل ثرى الوادي الذي كنت مرة ... أزورهم فيه تضوع للسفر # وإلا فما واد يسيل بعنبر ... وإلا فما تدري الركاب ولا ندري # PageV01P329 # أكل كناس بالصريم تظنه ... كناس الظباء الدعج والشدن العفر # وهل عجبوا أني أسائل عنهم ... وهم بين أحناء الجوانح والصدر # وهل علموا أني أيمم أرضهم ... ومالي بها غير التعسف من خبر # ولي سكن تأتي الحوادث دونه ... فيبعد عن عيني ويقرب من فكري # إذا ذكرته النفس جاشت بذكره ... كما عثر الساقي بجام من الخمر # فلا تسألاني عن زماني الذي خلا ... فوا لعصر إني بعد يحيى لفي خسر # وآليت لا أعطي الزمان مقادتي ... إلى مثل يحيى ثم أغضي على الوتر # حنيني إليه ظاعنا ومخيما ... وليس حنين الطير إلا إلى الوكر # وله من قصيدة: # فتكات طرفك أم سيوف أبيك ... وكؤوس خمرك أم مراشف فيك # أجلاد مرهفة وفتك محاجر ... لا أنت راحمة ولا أهلوك # يا بنت ذي السيف الطويل نجاده ... أكذا يجوز الحكم في ناديك # عيناك أم مغناك موعدنا وفي ... وادي الكرى ألقاك أم واديك # وقال أيضا: # أحبب بهاتيك القباب قبابا ... لا بالحداة ولا الركاب ركابا # PageV01P330 # فيها قلوب العاشقين تخالها ... عنما بأيدي البيض أو عنابا # والله لولا أن يعنفني الهوى ... ويقول بعض العاذلين تصابى # لكسرت دملجها بضيق عناقها ... ورشفت من فيها البرود رضابا # بنتم فلولا أن أغير لمتي ... عبثا وألقاكم علي غضابا # لخصبت شيبا في مفارق لمتي ... ومحوت محو النقس عنه شبابا # وخضبت مبيض الحداد عليكم ... لو أنني أجد البياض خضابا # وإذا أردت على المشيب وفادة ... فاحثت مطيك دونه الأحقابا # فلتأخذن من الزمان حمامة ... ولتبعثن إلى الزمان غرابا # ومنها: # قد طيب الأقطار طيب ثنائه ... من ms64 أجل ذا تجد الثغور عذابا # لم تدنني أرض إليك وإنما ... جئت السماء ففتحت أبوابا # PageV01P331 # ورأيت حولي وفد كل قبيلة ... حتى توهمت العراق الزابا # أرضا وطئت الدر من رضراضها ... والمسك تربا والرياض جنابا # ورأيت أجبل أرضها منقادة ... فحسبتها مدت إليك رقابا # سد الإمام بها الثغور وقبلها ... هزم النبي بقومك الأحزابا ### | الأديب أبو عمر أحمد بن فرج الجياني # محرز الخصل، مبرز في كل معنى وفصل، متميز بالإحسان متحيز إلى فئة البيان، ~~ذكي الخلد مع قوة العارضة والمنة الناهضة حضر مجلس بعض القضاة، وكان مشتهر ~~الضبط، منتهرا لمن انبسط فيه بعض البسط، حتى إن لأهله لا يتكلمون فيه إلا ~~رمزا، ولا يخاطبون إلا إيماء فلا تسمع لهم ركزا، فكلم فيه خصما له كلاما # PageV01P332 # استطال به عليه لفضل بيانه وطلاقة لسانه، ففارق عادة المجلس في رفض ~~الأنفة، وخفض الحجة المؤتنفة، وهز عطفه، وحسر عن ساعده، وأشار بيده مادا ~~بها لوجه خصمه، خارجا عن حد المجلس ورسمه، فهم الأعوان بتقويمه # وتثقيفه ووزعهم رهبة منه وخشية، حتى تناوله القاضي بنفسه، وقال له: مهلا ~~عافاك الله، اخفض صوتك، واقبض يدك، ولا تفارق مركزك، ولا تعد حقك، وأقصر من ~~أسبابك، وإدلالك بآدابك، فقال له: مهلا يا قاضي، أمن المخدرات أنا فاخفض ~~صوتي واستر يدي، وأغطي معاصمي لديك؟ أم من الأنبياء أنت فلا يجهر بالقول ~~عندك؟ وذلك لم يجعله الله إلا لرسوله (صلى الله عليه وسلم) لقوله تعالى: ~~(يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي، وتجهروا له بالقول ~~كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون) ولست به ولا كرامة، وقد ~~ذكر الله أن النفوس تجادل في القيامة في موقف الهول الذي لا يعد له مقام، ~~ولا يشبه انتقامه انتقام، # PageV01P333 # فقال تعالى: (يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها). . . إلى قوله تعالى: (وهم ~~لا يظلمون)، لقد تعديت طورك، وعلوت في منزلتك، وإنما البيان بعبارة اللسان، ~~وبالنطق يستبين الحق من الباطل، ولابد في الخصام من إفصاح الكلام، وقام ~~وانصرف، فبهت القاضي ولم يحر جوابا. # وكان في ms65 الدولة صدرا من أعيانها، وناسق درر تبيانها، نفق في سوقها وصنف، ~~وقرط محاسنها وشنف، وله الكتاب الرائق المسمى بالحدائق، وأدركه في الدولة ~~سعي، ورفض له فيها الرعي، واعتقله الخليفة وأوثقه في مكان أخيه فلم يومض له ~~عفو، ولم يشب كدر حاله صفو، حتى قضى معتقلا، ونعى للنائبات نعيا مثكلا، وله ~~في السجن أشعار كثيرة، وأقوال ومبدعات منيرة، فمن ذلك ما أنشده أبو محمد بن ~~حزم يصف خيالا طرقه بعدما # PageV01P334 # أسهره الوجد وأرقه: # بأيهما أنا في الشكر بادي ... بشكر الطيف أم شكر الرقاد # سرى وازداد في أملي ولكن ... عففت فلم أجد منه مرادي # وما في النوم من حرج ولكن ... جريت من العفاف على اعتيادي # وله أيضا: # وطائعة الوصال عففت عنها ... وما الشيطان فيها بالمطاع # بدت في الليل سافرة فباتت ... دياجي الليل سافرة القناع # وما من لحظة إلا وفيها ... إلى فتن القلوب لها دواعي # فملكت النهى جمحات شوقي ... لأجري بالعفاف على طباعي # وبت بها مبيت الطفل يظما ... فيمنعه الفطام من الرضاع # PageV01P335 # كذاك الروض ليس به لمثلي ... سوى نظر وشم من متاع # ولست من السوائم مهملات ... فاتخذ الرياض من المراعي # وله أيضا: # للروض حسن فقف عليه ... واصرف عنان الهوى إليه # أما ترى نرجسا نضيرا ... يرنو إليه بمقلتيه # نشر حبيبي على رباه ... وصفرتي فوق وجنتيه # وله أيضا: # بمهلكة يستهلك الحمد عفوها ... ويترك شمل العزم وهو مبدد # ترى عاصف الأرواح فيها كأنه ... من الأين يمشي ظالع أو مقيد ### | الأديب أبو عبد الله محمد بن الحداد # شاعر مادح، وعلى أيك الندى صادح، لم ينطقه إلا معن # PageV01P336 # أو صمادح فلم يرم مثواهما، ولم ينتجع سواهما، واقتصر على المرية، واختصر ~~قطع المهامه وخوض البرية، فعكف فيها ينثر درره في ذلك المنتدى، ويرتشف أبدا ~~ثغور ذلك الندى، مع تميزه بالعلم، وتحيزه إلى فئة الوقار والحلم وانتمائه ~~إلى أية سلف، ومذهبه مذاهب أهل الشرف، وكان له لسن، ورواء (حسن)، يشهدان له ~~بالنباهة، ويقلدان كاهله ما شاء من الوجاهة، وقد أثبت له بعض ما قذفه من ~~درره، وفاه به من محاسن ms66 غرره، فمن ذلك قوله: # إلى الموت رجعي بعد حين فإن أمت ... فقد خلدت خلد الزمان مناقبي # وذكري في الآفاق طار كأنه ... بكل لسان طيب عذراء كاعب # ففي أي علم لم تبرز سوابقي ... وفي أي فن لم تبرز كتائبي # وحضر مجلس المعتصم بحضور ابن اللبانة، فأنشد فيه # PageV01P337 # قصيدا أبرز به من عرى الإحسان ما لم ينفصم واستمر فيها، يستكمل بدائعها ~~وقوافيها، فإذا هو قد أغار على قصيد ابن الحداد الذي أوله: # عج بالحمى حيث الخماص العين # فقال ابن الحداد مرتجلا: # حاشا لعدلك يا ابن معن أن يرى ... في سلك غيري دري المكنون # وإليكها تشكو استلاب مطيها ... عج بالحمى حيث الخماص العين # فاحكم لها واقطع لسانا لا يدا ... فلسان من سرق القريض يمين # وله أيضا: # يا غائبا خطرات القلب محضره ... الصبر بعدك شيء لست أقدره # تركت قلبي وأشواقي تفطره ... ودمع عيني وأحداقي تحدره # لو كنت تبصر في تدمير حالتنا ... إذن لأشفقت مما كنت تبصره # فالعين دونك لا تحلى بلذتها ... والدهر بعدك لا يصفو تكدره # PageV01P338 # أخفي اشتياقي وما أطويه من أسف ... على المرية والأنفاس تظهره # وله أيضا: # إن المدامع والزفير ... قد أعلنا ما في الضمير # فعلام أخفي ظاهرا ... سقمي علي به ظهير # هب لي الرضى من ساخط ... قلبي بساحته الأسير # وله أيضا: # أيها الواصل هجري ... أنا في هجران صبري # ليت شعري أي نفع لك في إدمان ضري # وله أيضا: # يا مشبه الملك الجعدي تسمية ... ومخجل القمر البدري أنوارا # وله أيضا: # تطالبني نفسي بما فيه صونها ... فلأعصي ويسطو شوقها فأطيعها # ووالله ما يخفى علي ضلالها ... ولكنها تهوى فلا أستطعها # PageV01P339 # وله أيضا: # استودع الرحمن مستودعي ... شوقا كمثل النار في أضلعي # أترك من أهوى وأمضي كذا ... والله ما أمضي وقلبي معي # ولا نأى شخصك عن ناظري ... حينا ولا نطقك عن مسمعي # وقال أيضا: # لعلك بالوادي المقدس شاطئ ... فكالعنبر الهندي مات أنا واطئ # وإني في رياك واجد ريحهم ... فروح الهوى بين الجوانح ناشئ # ولي في السرى من نارهم ومنارهم ... هداة حداة والنجوم طوافئ # لذلك ما حنت ركابي ms67 وحمحمت ... عرابي وأوحى سيرها المتباطئ # ويا حبذا من آل لبنى مواطن ... ويا حبذا من أرض لبنى مواطئ # ولا تحسبوا غيدا حوتها مقاصر ... فتلك قلوب ضمنتها جآجئ # وفي الكلل اللاتي لعزة ظبية ... تحف بها زرق العوالي الكوالئ # أفاتكة الألحاظ ناسكة الهوى ... ورعت ولكن لحظ عينيك خاطئ # وآل الهوى جرحي ولكن دماءهم ... دموع هوام والجروح مآقئ # PageV01P340 # وكيف أعاني كلم طرفك في الحشا ... وليس لتمزيق المهند رافئ # ومن أين أرجو برء نفسي من الهوى ... وما كل ذي سقم من السقم بارئ # وله أيضا: # بخافقة القرطين قلبك خافق ... وعن خرس القلبين دمعك ناطق # وفي مشرق الصدغين للبدر مغرب ... وللفكر حالات وللعين شارق # وبين حصى الياقوت ماء وسامة ... محلاة عنه الظباء السوابق # وحشو قباب الرقم أحوى مقرطق ... كما آس روض عطفه والقراطق # غزال ربيب في المقاصر كانس ... وخوط لبيب بالغرائر وارق ### | الأديب الأسعد بن بليطه # سرد البدائع أحسن السرد، وافترس المعالي كالأسد الورد وأبرز # PageV01P341 # درر المحاسن من صدفها، وحاز من بحر الإجادة وشرفها، ومدح ملوكا طوقهم من ~~مدائحه قلائد، وزف إليهم منها خرائد، وجلاها عليهم كواعب، بالألباب لواعب ~~فأسالت العوارف، وما تقلص له من الحظوة ظل وارف، وقد أثبت له ما يعترف ~~بحقه، ويعرف مقدار سبقه، فمن ذلك قوله: # برامة ريم زارني بعد ما شطا ... تقتنصه بالحلم في الشط فاشتطا # رعى من أفانين الهوى ثمر الحشا ... جنيا ولم يرع العهود ولا الشرطا # خيال لمرقوم غرير برامة ... تأوبني بالرقمتين لدى الأرطى # فأكسبني من خدها روضة الجنى ... وألدغني من صدغها حية رقطا # وباتت ذراعاها نجادا لعاتقي ... إذا ما التقاها الحي غنى لها لغطا # وسل اهتصاري غصنها من مخضر ... طواه الضنى طي الطوامير فامتطا # وقد غاب كحل الليل في دمع فجرة ... إلى أن تبدى الصبح في اللمة الشمطا # PageV01P342 # ومنها في وصف الديك: # وقام لها ينعي الدجى ذو شقيقة ... يدير لنا من بين أجفانه سقطا # إذا صاح أصغى سمعه لأذانه ... وباد ضربا من قوادمه الإبطا # كأن أنوشروان أعلاه تاجه ... وناطت عليه كف مارية القرطا # سبى حلة الطاووس حسن لباسها ms68 ... ولم يكفه سبى المشية البطا # ومن غزلها: # غلامية جاءت وقد جعل الدجى ... لخاتم فيها فص غالية خطا # فقلت أحاجيها بما في جفونها ... وما في الشفا اللعس من حسنها المعطى # محيرة العينين من غير سكرة ... متى شربت ألحاظ عينيك اسفنطا # أرى نكهة المسواك في حمرة اللمى ... وشاربك المخضر بالمسك قد خطا # عسى قزح قبلته فإخاله ... على الشفة اللمياء قد جاء مختطا # وله أيضا: # لو كنت شاهدنا عشية أمسنا ... والمزن يبكينا بعيني مذنب # PageV01P343 # والشمس قد مدت أديم شعاعها ... في الأرض تجنح غير أن لم تغرب # وله أيضا: # وتلذ تعذيبي كأنك خلتني ... عودا فليس يطيب ما لم يحرق # وهو مأخوذ من قول ابن زيدون: # تظنوني كالعود حقا وإنما ... تطيب لكم أنفاسه حين يحرق ### | الأديب أبو بكر عبادة بن ماء السماء # من فحول الشعراء، وأئمتهم الكبراء، كان منتجعا بشعره، متوجعا من صروف ~~دهره، وكانت له همة، أطالت همه، وأكثرت كمده وغمه. # PageV01P344 # وله من قصيدة في يحيى بن علي بن حمود أمير المؤمنين: # يؤرقني الليل الذي أنت نائمه ... فتجهل ما ألقى وطرفك عالمه # وفي الهودج المرقوم وجه طوى الحشا ... عن الحسن فيه الحسن قد حار راقمه # إذا شاء وقفا أرسل الحسن فرعه ... يضلهم عن منهج القصد فاحمه # أظلما رأوا تقليده الدر أم زروا ... بتلك اللآلئ أنهن تمائمه ### | الأديب أبو عبد الله محمد بن عائشة # اشتهر صونا وعفافا، ولم يخطب بعقيلة حظوة زفافا فآثر انقباضا # PageV01P345 # وسكونا واعتمد إليها ركونا، إلى أن أنهضه أمير المسلمين إلى بساطه، فهب ~~من مرقد خموله، وشب لبلوغ مأموله، فبدا منه في الحال انزواء في تسنم تلك ~~الرسوم والتواء، وقعود عن مراتب الأعلام، وجمود لا يحمد فيه ولا يلام، إلا ~~أن أمير المسلمين - أيده الله تعالى - ألقى عليه منه محبة، جلبت إليه مسرى ~~الظهور ومهبه، وكان له أدب واسع المدى، يانع كالزهر بلله الندى، ونظم مشرق ~~الصفحة عبق النفحة، إلا أنه قليلا ما كان يحل ربعه ويذيل له طبعه، وقد أثبت ~~له منه ما يدع الألباب حائرة والقلوب إليه طائرة، فمن ذلك ms69 قوله في ليلة ~~سمحت له بفتى كان يهواه، ونفحت له هبة وصل بردت جواه: # لله ليل بات عندي به ... طوع يدي من مهجتي في يديه # وبت أسقيه كؤوس الطلا ... ولم أزل أسهر شوقا إليه # عاطيته حمراء ممزوجة ... كأنها تعصر من وجنتيه # PageV01P346 # وله غيه وقد طرزت غلالة خده، وركب من عارضه سنان على صعدة قده: # إذا كنت تهوى خده وهو روضة ... به الورد غض والأقاح مفلج # فزد كلفا فيه وفرط صبابة ... فقد زيد فيه من عذار بنفسج # وخرج من بلنسية إلى منية الوزير الأجل أبي بكر بن عبد العزيز، وهي من ~~أبدع منازل الدنيا وقد مدت عليها أدواحها الأفيا، وأهدت إليها أزهارها ~~العرف والريا، والنهر قد غص بمائه، والروض قد خص بمثل أنجم سمائه وكانت ~~لبني عبد العزيز فيها أطراب، تهيأ لهم فيها من الأيام آراب، فلبسوا فيها ~~الأنس حتى أبلوه، # ونشروا فيها السرور وطووه، أيام كانوا بذلك الأفق طلوعا، لم تضم عليهم ~~النوائب ضلوعا، فقعد أبو عبد الله مع لمة من الأدباء، تحت دوحة من أدواحها، ~~فهبت ريح أنس من أرواحها، سطت بأعصارها، وأسقطت لؤلؤها على باسم أزهارها، ~~فقال: # ودوحة قد علت سماء ... تطلع أزهارها نجوما # هفا نسيم الصبا عليها ... فأرسلت فوقنا رجوما # كأنما الجو غار لما ... بدت فأغرى بها النسيما # PageV01P347 # وكان في زمن عطلته، ووقت اصفراره وعلته، ومقاساته من العيش أنكده، من ~~التخوف أجهده، كثيرا ما ينشرح بجزيرة شقر ويستريح، ويستطيب تلك الريح، ~~ويجول في أجارع واديها وينتقل من نواديها إلى بواديها، فإنها صحيحة الهواء، ~~قليلة الأدواء خضلة العشب والأزاهر، قد أحاط بها نهرها كما تحيط بالمعاصم ~~الأساور، والأيك قد نشرت ذوائبها على صفيحه، والروض قد عطر جوانبه بريحه، ~~وأبو إسحاق بن خفاجة هو كان منزع نفسه، ومصرع أنسه، به نفح له بالمنى عبق ~~وشذا، ومسح عن عيون مسراته القذى، وغدا على ما كان وراح، وجرى متهافتا في ~~ميدان ذلك المراح، قريب عهد بالفطام، ودهره ينقاد في خطام، فلما اشتعل رأسه ~~شيبا وزرت عليه الكهولة جيبا، أقصر عن تلك ms70 الهنات، واستيقظ من تلك # PageV01P348 # السنات، وشب عن ذلك الطوق، واقتصر على الحنين والشوق وقنع بأدنى تحية، ~~وما يستشعره بوصف تلك العهاد من أريحية، فقال: # ألا خلياني والأسى والقوافيا ... ارددها شجوي وأجهش باكيا # أآمن شخصا للمسرة باديا ... وأندب رسما للشبيبة باليا # تولى الصبا إلا توالي فكرة ... قدحت بها زندا وما زلت واريا # وقد بان حلو العيش إلا تعلة ... تحدثني عنها الأماني خاليا # ويا برد هذا الماء هل منك قطرة ... تهل فيستسقى غمامك صاديا # وهيهات حالت دون حزوى وأهلها ... ليالي وأيام تخال لياليا # فقل في كبير عاده صائد الظبا ... إليهن مهتاجا وقد كان ساليا # فيا راكبا يستعمل الخطو قاصدا ... إلا عج بشقر رائحا أو مغاديا # وقف حيث سال النهر ينساب أرقما ... وهب نسيم الأيك ينفث راقيا # PageV01P349 # وقل لأثيلات هناك وأجرع ... سقيت أثيلات وحييت واديا ### | الأديب أبو عامر بن عقال # كان له ببني قاسم تعلق، وفي سماء دولتهم تألق، فلما خوت نجومهم، وعفت ~~رسومهم، انحط عن ذلك الخصوص، وسقط سقوط الطائر المقصوص، وتصرف بين وجود ~~وعدم، وتحرف قاعدا حينا وحينا على قدم، وفي خلال حاله، وأثناء انتحاله، لم ~~يدع حظه من الحبيب ولا ثني لحظة عن الغزال الربيب، ولم يزل يطير ويقع، ~~والدهر يخفض حاله ويرفع، إلى إن رقاه الأمير إبراهيم بن يوسف بن # PageV01P350 # تاشفين أسمى ربوة وأقعده أبهى حظوة، فأدرك عنده رتبة أعلام التحبير ~~والإنشاء، وترك الدهر قلق الحشا، وتسنم منزلة لا يتسنمها إلا من تطهر من ~~درنه، وجمح إحسانه في ميدان حرنه والحظوظ أقسام (لا تسام)، والدنيا إنارة ~~وإعتام، وصفاء يتلوه قتام، وقد أثبت له بعض ما انتقيته والذي أخذته مباين ~~لما أبقيته، فمن ذلك قوله: # يا ويح أجسام الأنا ... م لما تطيق من الأذى # خلقت لتقوى بالغذا ... ء وسقمها ذاك الغذا # وتنال أيام السلا ... مة بالحياة تلذذا # فإذا انقضى زمن الصبا ... ورمى المشيب فأنفذا # وجد السقام إلى المفا ... صل والجوانح منفذا # PageV01P351 # حذا في هذه القصيدة حذو الصابي حيث يقول: # وجع المفاصل وهو أيسر ما لقيت من الأذى # رد الذي استحسنته ms71 ... والناس من حظي كذا # وله يعتذر من تأخير زيارة اعتمدها، ومواصلة اعتقدها، فعاقته عنها حوادث ~~لوته، وعدته عن ذلك وثنته، وهو قوله: # بينما كنت راجيا للقائه ... والتشفي بالبشر من تلقائه # وترقبت في سماء نزاعي ... قمر الأنس طالعا من سمائه # فتدلهت وانزويت حياء ... منه والعذر لسنائه # وله فصل كتب به عن الأمير إبراهيم يصف إجازة أمير المسلمين البحر سنة خمس ~~عشرة وخمسمائة: وفي الثانية من يوم الجمعة، كان جوازه أيده الله تعالى، من ~~مرسى جزيرة # PageV01P352 # طريف على بحر ساكن، قد ذل بعد استصعابه وسهل بعد أن رأى الشامخ من هضابه ~~وصار حيه ميتا، وهذره صمتا، وجباله لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، وضعف ~~تعاطيه، وعقد السلم بين موجه وشاطيه فعبر آمنا من سطواته متملكا لصهواته، ~~على جواد يقطع الجروف سبحا ويكاد يسبق الريح لمحا، لم يحمل لجاما ولا سرجا، ~~ولا عهد غير اللجة الخضراء مرجا، عنانه في رجله، وهدب العين يحكي بعض شكله، ~~فلله دره من جواد، له جسم وليس له فؤاد، يخرق الهواء ولا يرهبه، ويركض ~~الماء ولا يشربه. ### | الأديب أبو القاسم المنيشي # أحد أبناء الحضرة المتصرفين في أشبه الأعمال، المتعرفين ما # PageV01P353 # يأتيه العمال، لم يفرع ربوة ظهور، ولم يقرع باب ملك مشهور، ونكب عن ~~المقطع الجزل إلى الغرض الفسل، وليس من شرط كتابي هذا، إثبات بذاءه ولا أن ~~يقف حذاءه، وقد أثبت له ما هو عندي نافق، ولغرضي موافق، فمن ذلك قوله: # يا روضة باتت الأنداء تخدمها ... أتى النسيم وهذا أول السحر # إن كان قدك غصنا فالثراء به ... مثل الكمائم قد زرت على الزهر # إربأ ببرديك عن ورد وعن زهر ... واغن بقرطيك عن شمس وعن قمر # يا قاتل الله لحظي كم شقيت به ... من حيث كان نعيم الناس بالنظر # وله يصف زرزورا: # أمنبر ذاك أم قضيب ... يفرعه مصقع خطيب # PageV01P354 # يختال في بردتي شباب ... لم يتوضح بها مشيب # كأنما ضمخت عليه ... أبراده مسكة وطيب # أخرس لكنه فصيح ... أبله لكنه لبيب # جهم على أنه وسيم ... صعب على أنه أريب # وله من ms72 رثاء في والدتي رحمة الله عليها: # يا ناصحي غير مفتات وبي شجن ... على النصائح والنصاح مفتات # لا أستجيب ولو ناديت من كثب ... قد وقرتني تعلات وعلات # إن كان رأيك في بري وتكرمتي ... بحيث قد ظهرت فيه علامات # لا ترض لي غير شجو لا أفارقه ... فذاك أختاره والناس أشتات # يا ذا الوزارة من مثنى وواحدة ... لله ما اصطنعت منك الوزارات # لله منك أبا نصر أخو جلد ... إذا ألمت ملمات مهمات # ومنها: # أستودع الله نورا ضمه كفن ... كما تواري بدور التم هالات # PageV01P355 # قضت وليت شبابي كان موضعها ... هيهات لو قضيت تلك اللبانات # مضت وليس لكم من دونها أحد ... هلا وقد أعذرت فيها المروءات ### | الأديب أبو الحسن البرقي # بلنسي الدار، نفيس المقدار، لم أعلم له بشرف، ولم أسمع له عن سلف، ورد ~~إشبيلية سنة خمس وسبعين وأربعمائة، فاتصل بابن زهر، فناهيك من حظ مسك أذفر، ~~ومن وجه صبح أسفر، أدرك به الرغائب، وتملك بسببه الحاضر والغائب، وكان مجلو ~~المؤانسة حلو المجالسة، وقد أثبت له بعض ما وجدته له في الغلمان # PageV01P356 # وأنشدته في ذلك الزمان: # إن ذكرت العقيق هاجك شوق ... رب شوق يهيجه الإذكار # يا خليلي حدثاني عن الرك ... ب سحيرا أأنجدوا أم أغاروا # شغلونا عن الوداع وولوا ... ما عليهم لو ودعوا ثم ساروا # أنا أهواهم على كل حال ... عدلوا في هواهم أم جاروا # وعلق بإشبيلية فتى يعرف بابن المكر، صار به طريحا بين أيدي الفكر، ومازال ~~يقاسي هواه، ويكابد جواه، حتى اكتسى خده بالعذار، وانمحت عنه بهجة آذار، ~~فقال: # الآن لما صوحت وجناته ... شوكا وأوضحت سلوة العشاق # واستوحشت تلك المحاسن واكتست ... أنوار وجهك واهن الأخلاق # أمسيت تبذل لي الوصال تصنعا ... خلق اللئيم وشيمة المذاق # PageV01P357 # هلا وصلت إذ الشمائل قهوة ... وإذ المحيا روضة الأحداق # فلكم أطلت غرام قلب موجع ... كم قد ألب إليك بالأشواق # ما كنت إلا البدر ليلة تمه ... حتى قضت لك ليلة بمحاق # لاح العذار فقلت وجد نازح ... إن ابن دأية مؤذن بفراق # وله فيه مناقضا لهذا الغرض، معارضا للوعة سلوه الذي ms73 عرض: # أجيل الطرف في خد نضير ... يردد ناظري نظري إليه # إذا رمدت بحمرته جفوني ... شفاها منه أخضر عارضيه ### | الأديب أبو الحسن علي بن جودي # برز في الفهم، وأحرز منه أوفر سهم، وله أدب واسع مداه، يانع كالروض بلله ~~نداه، إلا أنه سها فأسرف، وزها بما لا # PageV01P358 # يعرف، وتصدى إلى الدين بالافتراء، ولم يراقب الله في ذلك الاجتراء، ~~واشتهرت عنه أقوال سدد إلى الملة نصالها، وأيد بها ضلالها، فعظمت به المحنة ~~وتكيفت له في كل نفس إحنة، وما زال يتدرج فيها وينتقل، حتى عثر وما كاد ~~يستقل فمر لا يلوي على تلك النواحي، وفر لا ينثني إلى اللوائم واللواحي، ~~وما زال يركب الأهواء ويخوضها، ويذلل النفوس بها ويروضها، حتى أسمحت بعض ~~الإسماح، وكفت عن ذلك الجماح، فاستقر عند ابن مالك فآواه، ومهد له مثواه، ~~وجعله في جملة من اختص من المبطلين، واستخلص من المعطلين، فكثيرا ما ~~يصطفيهم ولا يدري أيدخرهم أم يقتنيهم، وقد أثبت لأبي الحسن هذا: # سل الركب عن نجد فإن تحية ... لساكن نجد قد تحمها الركب # PageV01P359 # وإلا فما بال المطي على الوجى ... خفافا وما للريح مرجعها رطب # وله أيضا: # أحن إلى ريح الشمال فإنها ... تذكرنا نجدا وما ذكرنا نجدا # تمر على ربع أقام به الهوى ... وبدل من أهليه جاثمة ربدا # وله أيضا: # إذا ارتحلت غربية فاعرضا لها ... فبالغرب من نهوى له البلدا الغربا # لقد ساءني أني بعيد وأننا ... بأرضين شتى لا مزارا ولا قربا # يفجعنا إما بعاد مبرح ... وإما أمور باعثات لنا كربا # وله أيضا: # لقد هيج النيران يا أم مالك ... بتدمير ذكرى ساعدتها المدامع # PageV01P360 # عشية لا أرجو لقاءك عندها ... ولا أنا إن يدنو مع الليل طامع # وله أيضا: # حننت إلى البرق اليماني وإنما ... نعالج شوقا ما هنالك هانيا # فيا راكبا يطوي البلاد تحملن ... تحيتنا إن كنت تلجأ لاقيا # ليالينا بالجزع جزع محجر ... سقى الله يا فيحاء تلك اللياليا # وما ضر صحبي وقفة بمحجر ... أحيي بها تلك الرسوم البواليا # وله أيضا: # خليلي من نجد فإن بنجدهم ... مصيفا لبيت العامري ms74 ومربعا # ألا رجعا عنها الحديث فإنني ... لأغبط من ليلى الحديث المرجعا # عزيز علينا يا ابنة القوم أننا ... غريبان شتى لا نطيق التجمعا # فريق هوى منا يمان ومشئم ... يحاول يأسا أو يحاول مطمعا # كأنا خلقنا للنوى وكأنما ... حرام على الأيام أن تتجمعا # PageV01P361 ### | الأديب أبو جعفر بن البني # رافع راية القريض، وصاحب آية التصريح فيه والتعريض، أثام شرائعه وأظهر ~~بدائعه، إذا نظم أزرى بنظم العقود، وأتى بأحسن من رقم البرود، وكان أليف ~~غلمان، وحليف كفر لا إيمان، ما نطق متشرعا ولا رمق متورعا، ولا اعتقد حشرا، ~~ولا صدق بعثا ولا نشرا، تنسك مجونا وفتكا، وتمسك باسم التقى، وقد هتكه ~~هتكا، لا يبالي كيف ذهب ولا بما تمذهب، وكانت له أهاجي جرع بها صابا، # PageV01P369 # ودرع منها أوصابا، وقد أثبت له ما يرتشف ريقا، ويشرب تحقيقا، فمن ذلك ~~قوله يتغزل: # من لي بغرة فاتن يختال في ... حلل الجمال إذا بدا وحليه # لو شمت في وضح النهار شعاعها ... ما عاد جنح الليل بعد مضيه # شرقت لآلي الحسن حتى خلصت ... ذهبية في الخد من فضيه # في صفحتيه من الجمال أزاهر ... غذيت بوسمي الحيا ووليه # سلت محاسنه لقتل محبه ... من سحر عينيه حسام سميه # وله فيه: # كيف لا يزداد قلبي ... من جوى الشوق خبالا # وإذا قلت علي ... بهر الناس جمالا # PageV01P370 # هو كالغصن وكالبد ... ر قواما واعتدالا # أشرق البدر كمالا ... وانثنى الغصن اختيالا # إن من رام سلوي ... عنه قد رام محالا # لست أسلو عن هواه ... كان رشدا أو ضلالا # قل لمن قصر فيه ... عذل نفسي أو أطالا # دون أن تدرك هذا ... تسلب الأفق الهلالا # وكنت بميورقة وقد حلها متسما بالعبادة، وهو أسرى إلى الفجور من خيال أبي ~~عبادة، وقد لبس أسمالا، وأنس الناس منه أقوالا لا أفعالا سجوده هجود، ~~وإقراره بالله جحود، وكانت له رابطة لم يكن للوازمها مرتبطا، ولا بسكناها ~~مغتبطا، سماها بالعقيق، وسمى فتى كان يعشقه بالحمى، وكان لا يتصرف إلا في ~~صفاته، ولا يقف إلا بعرفاته، ولا يؤرقه إلا جواه، ولا يشوقه إلا هواه ~~(فدخلت ms75 عليه يوما لأزوره وأرى زوره)، فإذا (أنا) بأحد دعاة محبوبه ورواة # PageV01P371 # تشيبيه، قال له: كنت البارحة بحماه، وذكر له خبرا ورى به عني وعماه، ~~فقال: # تنفس بالحمى مطلول أرض ... فأودع نشره نشرا شمالا # فصبحت العيون إلي كسلى ... تجرر فيه أردانا خضالا # أقول وقد شممت الترب مسكا ... بنفحتها يمينا أو شمالا # نسيم جاء يبعث منك طيبا ... ويشكو من محبتك اعتلالا # ولما تقرر عند ناصر الدولة من أمره ما تقرر، وتردد على سمعه انتهاكه ~~وتكرر، أخرجه من بلده ونفاه، وطمس رسم فسوقه وعفاه فأقلع إلى المشرق وهو ~~جار، فلما صار من ميورقة على ثلاث مجار، نشأت له ريح صرفته عن وجهته، إلى ~~فقد مهجته، فلما لحق بميورقة أراد ناصر الدولة استباحته، وإبراء الدين منه ~~وإراحته # PageV01P372 # ثم آثر صفحه، وأخمد ذلك الحنق ولفحه، وأقام أياما ينتظر ريحا علها تزجيه، ~~ويستهديها لتخلصه وتنجيه، وفي أثناء بلوته، لم يتجاسر على إتيانه أحد من ~~إخوته، فقال يخاطبهم: # أحبتنا الألى عتبوا علينا ... فأقصرنا وقد أزف الوداع # لقد كنتم لنا جذلا وأنسا ... فهل في العيش بعدكم انتفاع؟ # أقول وقد صدرنا بعد يوم ... أشوق بالسفينة أم نزاع # إذا طارت بنا حامت عليكم ... كأن قلوبنا فيها شراع # وله يتغزل: # بني العرب الصميم ألا رعيتم ... مآثركم بآثار السماح # رفعتم ناركم فعشا إليها ... بوهن فارس الحي الوقاح # PageV01P373 # فهل في العقب فضل تنضحوه ... به من محض ألبان اللقاح # لعل الرسل شابته الثنايا ... بشهد من ندى نور الأقاح # وله أيضا: # وكأنما رشأ الحمى لما بدا ... لك في مضلعة الحديد المعلم # غصب الغمام قسية فأراكها ... من حسن معطفه قويم الأسهم # وله أيضا: # نظرت إليه فاتقاني بمقلة ... ترد إلى نحري صدور رماح # حميت الجفون النوم يا رشأ الحمى ... وأظلمت أيامي وأنت صباحي # وله أيضا: # قالوا تصيب طيور الجو أسهمه ... إذا رماها فقلنا عندنا الخبر # تعلمت قوسها من قوس حاجبه ... وأيد السهم من ألحاظه الحور # يروح في بردة كالنقس حالكة ... كما أضاء بجنح الليلة القمر # وربما راق في خضراء مورقة ... كما تفتح في أوراقه الزهر # PageV01P374 ### | الأديب أبو ms76 الحسن بن لسان # شاعر سمح، متقلد بالإحسان متشح، أم الملوك والرؤساء، ويمم تلك العزة ~~القعساء، فانتجع مواقع خيرهم، واقتطع ما شاء من ميرهم، وتمادت أيامه إلى ~~هذا الأوان، فجالت به في ميدان الهوان، فكسد نفاقه وارتدت آفاقه، وتوالى ~~عليه حرمانه وإخفاقه، وأدركته وقد حنته سنونه، وانتظرته منونه، ومحاسنه ~~كعهدها في الاتقاد، وبعدها من الانتقاد، وقد أثبت له ما يعذب جنى وقطافا، ~~ويستعذب استنزالا واستلطافا، فمن ذلك قوله يستنجد الأمير الأجل أبا إسحاق ~~ابن أمير المسلمين: # قل للأمير ابن الأمير بل الذي ... أبدا به في المكرمات وفي الندى # والمجتنى بالزرق وهي بنفسج ... ورد الجراح مضعفا ومنضدا # PageV01P375 # جاءتك آمال العفاة ظوامئا ... فاجعل لها من ماء جودك موردا # وانثر على المداح سبيك إنهم ... نثروا المدائح لؤلؤا وزبرجدا # فالناس إن ظلموا فأنت هو الحمى ... والناس إن ضلوا فأنت هو الهدى # أخبرني وزير السلطان أن هذه القطعة لما ارتفعت، اعتنت بجملة الشعراء ~~وشفعت، فأنجز لهم الموعود، وأورق لهم ذلك العود، وكثر اللغط في تعظيمها، ~~واستجادة نظيمها، وحصل له بها ذكر، وانصقل له بسببها فكر. # وله من قطعة يصف بها سيفا: # كل نهر توقدت شفرتاه ... كاتقاد الشهاب في الظلماء # فهو ماء قد ركبت فوق نار ... أو كنار قد ركبت فوق ماء # وكتب إلي معزيا عن والدتي، وإلى الله تعالى عليها الرحمة: # على مثله من مصاب وجب ... على من أضيب به المنتجب # PageV01P376 # وقلب فروق وخلب خفوق ... ونفس تشب وهم نصب # فقد خشعت للتقى هضبة ... ذوائبها في صميم العرب # من الجاعلات محاريبها ... هوادجها أبدا والقتب # من القائمات بظل الدجى ... ولا من تسامر إلا الشهب # فكم ركعة أثرها في الدجى ... تناجي بها ربها من كثب # وكم سكبت في آوان السجود ... مدامع كالغيث لما انسكب # وقد خلفت ولدا باسلا ... فصيحا إذا ما قرا أو كتب # تفل السيوف بأقلامه ... ويكسر صم القنا بالقصب # وكان القائد أبو عمرو عثمان بن يحيى بن إبراهيم - أعزه الله - أجل من جال ~~في خلد، واستطال على جلد، رشأ يحيي الصب باحتشامه، ويسترد البدر بلثامه، ~~ويزري بالغصن ms77 تثنيه، ويثمر الحسن لو دنت قطوفه لمجتنيه مع لوذعية تخالها ~~جريالا، وسجية يختال فيها الفضل اختيالا، وكان قد بعد عن أنسنا بحمص، # PageV01P377 # وانتضى من تلك القمص، وكان بثغر الأشبونة أدام الله حراستها فسده ولم ~~ينفرج لنا من الأنس بعده ما يسد مسده، إلى أن صدر، فأسرع إلينا وابتدر، ~~فالتقينا وبتناها ليلة نام عنها الدهر وغفل، وقام لنا بما شئنا فيها وتكفل، ~~فبينا نحن نفض ختامها وننفض عنا غبار الوحشة وقتامها، إذ أنا بابن لسان هذا ~~وقد دخل أذنه علينا فأمرناه بالنزول والتقيناه بترحيب، وأنزلناه بمكان من ~~المسرة رحيب، وسقيناه صغارا وكبارا، وأريناه إعظاما وإكبارا، فلما شرب طرب، ~~وكلما كرعها، # التحف السلوة وتدرعها، وما زال يشرب أقداحا وينشد فينا أمداحا، ويفدي ~~بنفسه، ويستهدي الاستزداة من أنسه فهتكنا الظلام بما أهداه من البديع، ~~واجتلينا محاسنه كالصريع وانفصلت ليلته عن أتم مسرة، وأعم مبرة، وارتحل ~~عثمان أعزه الله تعالى إلى ثغره، وأقام برهة من دهره، فمشيت بها إليه مجددا ~~عهدا، ومتضلعا من مؤانسته شهدا، فكتب ابن لسان هذه القطعة من قصيدة، يذهب ~~إلى # PageV01P378 # شكره، ويجتهد في تجديد ذكره: # ما شام إنسان إنسان كعثمان ... ولا كبغيته من حسن إحسان # بدر السيادة يبدو في مطالعه ... من المحاسن محفوفا بشهبان # له التمام وما بالأفق من قمر ... متمم دون أن يرمى بنقصان # به الشبيبة تزهى من نضارتها ... كما تساقط طل فوق بستان # مصفر الحسن للأبصار ناصعه ... كأنه فضة شيبت بعقيان # نبئت عنه بأنباء إذا نفحت ... تعطلت نحات المسك والبان # قامت عليه براهين تصدقها ... كالشكل قام عليه كل برهان # قد زادها لأبن عبيد الله من وضح ... ما زادت الشمس نور الفجر للراني # بالله بلغه تسليمي إذا بلغت ... تلك الركاب وعجل غير ليان # وليت أني لو شاهدت أنسكما ... على كؤوس وطاسات وكيزان # فألفظ الكلم المنثور بينكما ... كأنما هو من در ومرجان # لله درك يا ذا الخطتين لقد ... خططت بالمدح فيه كل ديوان # كلاكما البحر في جود وفي كرم ... أو الغمامة تقشيع لظمآن # PageV01P379 # إن كان فارس هيجاء ومعترك ... فأنت فارس ms78 إفصاح وتبيان # فاذكر أبا نصر المعمور منزله ... بالرفد ما شئت من مثنى ووحدان # قصائدا لأخي ود وإن نزحت ... بك الركاب إلى أقصى خراسان ### | الأديب أبو بكر عبد المعطي بن محمد بن المعين # بيت شعر ونباهة، وأبو بكر ممن تنبه خاطره للبدائع أي انتباهة وله أدب ~~باهر ونظم كما سفرت أزاهر، وقد أثبت له جمالا (يبلغ آمالا، فمن ذلك قوله ~~وقد اجتمعنا في ليلة لم يضرب لها وعد، ولم يغرب عنها سعد، وهو قعدي، قد شب ~~عن طوق الأنس في الندي، وما قال خالي عمرو ولا عدي والكهولة قد قبضته، ~~وأقعدته عن ذلك وما أنهضته: # إمام النثر والمنظوم فتح ... جميع الناس ليل وهو صبح # له قلم جليل لا يجارى ... يقر بفضله سيف ورمح # PageV01P380 # يباري المزن ما سحت سماحا ... وإن شحت فليس لديه شح # وكان مرتسما في عسكر قرطبة، وكان ابن سراج يأتي بكل ما يبغي خيفة من ~~لسانه، ومحافظة على إحسانه، فلما خرج إلى أقليش خرج معه، وجعل يساير من ~~شيعه، فلما حصلوا بفحص سرادق، وهو موضع توديع المفارق للمفارق، قرب منه أبو ~~الحسين بن سراج لوداعه، وأنشده في تفرق الشمل وانصداعه: # هم رحلوا عنا لأمر لهم عنا ... فما أحد منهم على أحد حنا # وما رحلوا حتى استقادوا نفوسنا ... كأنهم كانوا أحق بها منا # فيا ساكني نجد لتبعد داركم ... ظننا بكم ظنا فأخلفتم الظنا # غدرتم ولم أغدر وخنتم ولم أخن ... وقلتم ولم أعتب وجرتم وما جرنا # وأقسمتم أن لا تخونون في الهوى ... فقد، وذمام الحب خنتم وما خنا # ترى تجمع الأيام بيني وبينكم ... ويجمعنا دهر نعود كما كنا # فلما استتم إنشاده لحق بالسلطان واعتذر إليه بمريض خلفه وهو يخاف تلفه، ~~فأذن له بالانصراف، وكتب إلى أبي الحسين بن سراج: # PageV01P381 # أما والهدايا ما رحلنا ولا حلنا ... وإن عن من دون الترحل ما عنا # تركنا ثواب الغزو والقصد للعدا ... على مضض منا وعدنا كما كنا # وليس لنا عنكم على البين سلوة ... وإن كان أنتم عندكم سلوة عنا # وجمعتنا عشية بربض الزجالي بقرطبة، ومعنا ms79 لمه من الأخوان، وهو في جملتهم، ~~مناهض لأعيانهم وجلتهم، بفضل أدبه، وكثرة نسبه، فجعل يرتجل ويروي وينثر ~~محاسن الآداب ويطوي، ويمتعنا بتلك الأخبار، ويقطعنا منها جانب اعتبار ~~ويطلعنا على إقبال الأيام وعلى الإدبار، ثم قال: # أيا ابن عبيد الله يا ابن الأكارم ... لقد بخلت يمناك صوب الغمائم # لك القلم الأعلى الذي عطل القنا ... وفل ظبات المرهفات الصوارم # وأخلاقك الزهر الأزاهر بالربى ... ترف بشؤبوب الغيوث السواجم # بقيت لتشييد المكارم والعلى ... تظاهرها بالسالف المتقادم # واجتمع عند أبيه لمة من أهل الأدب، وذوي المنازل والرتب، في عشية غيم ~~أعقب مطرا، وخط فيه البرق أسطرا، والبرد يتساقط # PageV01P382 # كدر من نظام ويتراءى كثنايا غادة ذات ابتسام، وهو غلام ما نضا برد شبابه، ~~ولا انتضى مرهف آدابه، فقال معرضا بهم، ومتعرضا لتحقق أدبهم: # كأن الهواء غدير جمد ... بحيث البروق تذيب البرد # خيوط وقد عقدت في الهواء ... وراحة ريح تحل العقد # وشرب في دار ابن الأعلم في يوم لم ير الدهر فيه إساءه، وليل نسخ نور أنسه ~~مساءه، ومعهم جملة من الشعراء، وجماعة من الوزراء منهم أبناء القبطرنة، ~~فوقع بينهم عتاب وتعذال، وامتهان في ميدان المشاجرة، وابتذال آل به إلى ~~تجريد السيف، وتكدير ما صفا بذلك الخيف فسكنوه بالاستنزال، وثنوه عن ذلك ~~ووالوا الكؤوس في وداده وكفوا بذلك بعض احتداده، حتى مالت به نشوته، وحالت ~~بينه وبين حتفه سلوته، فقال: # قل للوزيرين أني مخلص لهما ... في السر والجهر من عوديهما عودي # وشاهد الصدق لي ما في ضميرهما ... فليس يخلص ود غير مودود # وحضر معهم في مجلس سواه، انتشر به من المحاسن ما كان طواه، فبنيا هم ~~يأخذون بأطراف الأحاديث، ويغدون في تلك الدماثيث، إذ قعد إليهم رجل طويل ~~اللحية، قصير الإدراك، قليل # PageV01P383 # التخلي والأتراك، فكل عاين سخفه، فحاول وصفه، فما وافق أحدهم المعنى، وما ~~كان فيه ممطر ولا مغنى فقال: # ولحية في طولها ميل ... قصر عن إدراكها الطول # وقال تهنئة بنيروز: # هو النيروز أمك للتهاني ... وللبشرى بمقتبل الزمان # فهناك المهيمن ما حباه ... ويحبوه على ناء ودان # فإن ms80 تك سابقا في كل فضل ... كما سبق المبرز في الرهان # سبقت فما تضاهى في سناء ... أشف به الشجاع على الجبان # حللت من العلى أعلى محل ... تقاصر عن علاه الفرقدان # فظاهر بالمكارم والمعالي ... مظاهرة المهند للسنان # لهمت بكل مكرمة وبر ... إذا ما هام غيرك بالغواني # وسدت العالمين نهى وعليا ... مذاعا في الأقاصي والأداني # وحلما راجحا بهضاب رضوى ... وعزما مثل بارقة اليمان # وجودا فائضا في كل حين ... إذا ضن الحيا والمرزمان # PageV01P384 # ونثرا معجزا في كل فن ... ونظما غض من نظم الجمان # فمن عبد الحميد ومن علي ... ومن سالم أو الحسن بن هاني # ومن أوس بن حارثة وقس ... وقيس وأبنه والأحمران # فدمت مهنا في كل حين ... عزيز الجار مألوف المغاني # PageV01P385 # تم القسم الثالث من كتاب مطمح الأنفس ومسرح التأنس في مفاخر أهل الأندلس ~~وبتمامه كمل الكتاب، بعون الله الملك الوهاب في ثالث شهر ربيع الأول سنة ~~ثمان وثلاثين، على يد كاتبه علي بن أحمد الدناصي، اللهم اغفر له ولمن علمه، ~~ولوالديهما ولكل المسلمين. PageV01P386 ms81