######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0036506 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: إسماعيل بن محمد بن الفضل بن علي القرشي الطليحي التيمي الأصبهاني، أبو القاسم، الملقب بقوام السنة (المتوفى: 535هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 535 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: إعراب القرآن للأصبهاني #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: علوم القرآن #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0036506 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-36506 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/36506 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1415 هـ - 1995 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: غير معروف (فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية - الرياض) #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم ### | (فاتحة الكتاب) # مدنية، والبقرة مدنية، وآل عمران مدنية، والنساء مدنية، والمائدة مدنية، ~~والأنعام مكية نزلت جملة ما خلا ثلاث آيات فإنها نزلت بالمدينة وهي قوله: ~~(قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم) إلى تمام الثلاث. والأعراف مكية، ~~والأنفال مدنية، وهي أول ما أنزل بالمدينة، وقيل (البقرة هي أول ما نزل ~~بالمدينة)، وبراءة مدنية: هي آخر ما أنزل بالمدينة، قال ابن عباس: قلت ~~لعثمان ما حملكم على أن قرنتم بين الأنفال وبراءة، والأنفال من الثاني، ~~وبراءة من المئين، فلم تكتبوا بينهما سطر (بسم الله الرحمن الرحيم)؟ - فقال ~~عثمان: إن السورة والقصة والآية كن إذا نزلن على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال لبعض من يكتب الوحي: " ضعوها إلى موضع كذا. وإلى جنب كذا "، وإن ~~براءة نزلت والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يتقدم فيها إلينا بشيء، ~~وقصتها تشبه قصة الأنفال، فخفنا أن تكون منها وخفنا أن لا تكون منها. فمن ~~ثم قرنا بينهما. ولم نكتب سطر (بسم الله الرحمن الرحيم)، يونس مكية وهود ~~مكية، ويوسف مكية، والرعد مكية، وإبراهيم مكية ما خلا آيتين منها، فإنهما ~~نزلتا بالمدينة في قتلى بدر من المشركين، وهما (ألم تر إلى الذين بدلوا ~~نعمت الله كفرا) إلى تمام الآيتين، الحجر مكية، والنحل مكية، ما خلا ثلاث ~~آيات من آخرها فإنها نزلت بين مكة والمدينة في منصرف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وقد قتل حمزة رضي الله عنه، ومثل المشركون به، قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " لئن أظفرنا الله بهم لنمثلن بهم مثلا لم تمثل بأحد من ~~العرب)، فأنزل الله تعالى بين مكة والمدينة (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما ~~عوقبتم به) إلى آخر السورة، وما نزل بين مكة والمدينة فهو مدني، وسورة بني ~~إسرائيل مكية، والكهف مكية، ومريم مكية، وطه مكية، والأنبياء مكية. والحج ~~مكية، # PageV01P001 # ما خلا ثلاث آيات منها فإنها نزلت بالمدينة في ستة نفر، ثلاثة منهم ~~مؤمنون وثلاثة كافرون؛ فأما المؤمنون فعبيد بن الحارث بن عبد المطلب وحمزة ~~بن ms001 عبد المطلب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وأما الكافرون فعتبة وشيبة ~~ابنا ربيعة والوليد بن عتبة، فأنزل الله عز وجل بالمدينة (هذان خصمان ~~اختصموا في ربهم) إلى تمام ثلاث الآيات، سورة المؤمنين مكية، النور مدنية، ~~والفرقان مكية. والشعراء مكية، ما خلا خمس آيات من آخرها فإنها نزلت ~~بالمدينة وهي قوله عز وجل: (والشعراء يتبعهم الغاوون (224) ألم تر أنهم في ~~كل واد يهيمون (225) وأنهم يقولون ما لا يفعلون (226) إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات) يعني حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة، ~~هؤلاء شعراء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى آخر السورة. والنمل مكية، ~~والقصص مكية، والعنكبوت مكية. والروم مكية، ولقمان مكية، ما خلا ثلاث آيات ~~منها، فإنها نزلت بالمدينة، وذلك أنه لا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المدينة أتته أحبار اليهود فقالوا: يا محمد بلغنا أنك تقول: (وما أوتيتم من ~~العلم إلا قليلا) أفعنيتنا أو عنيت قومك؛ - فقال صلى الله عليه وسلم: عنيت ~~الجميع. فقالوا: يا محمد أما تعلم أن الله جل وعز أنزل التوراة على موسى بن ~~عمران عليه السلام، والتوراة فيها أنباء كل شيء، وخلفها موسى فينا ومعنا؛ - ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم لليهود: التوراة وما فيها من الأنباء قليل في ~~علم الله عز وجل، فأنزل الله تعالى في المدينة: (ولو أنما في الأرض من شجرة ~~أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله) إلى تمام الآيات ~~الثلاث، و (الم السجدة) مكية، ما خلا ثلاث آيات منها، فإنها نزلت بالدنية ~~في علي بن أبي طالب رضي الله عنه والوليد بن عقبة بن أبي معيط، وذلك أنه ~~شجر بينهما كلام قال الوليد لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنا أذرب منك ~~لسانا، وأحذ سنانا، وأرد للكتيبة. فقال له علي رضي الله عنه: اسكت. فإنك ~~فاسق. فأنزل الله تعالى بالمدينة: (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا ~~يستوون) إلى تمام الآيات. الأحزاب مدنية، سبا مكية فاطر مكية، يس ms002 مكية، ~~الصافات مكية، (ص) مكية، الزمر مكية، ما خلا ثلاث آيات منها. # PageV01P002 # فإنها نزلت بالمدينة في وحشي قاتل حمزة رضي الله عنه، وذلك أنه أسلم ودخل ~~المدينة، فكان يثقل على رسول الله صلى الله عليه وسلم النظر إليه ... ظن ~~وحشي وتوهم أن الله عز وجل لم يقبل إسلامه. فأنزل الله عز وجل بالمدينة (قل ~~يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله) إلى تمام ثلاث ~~الآيات، والحواميم السبع كلهن مكيات، وسورة محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~مدنية، وسورة الفتح مدنية، والحجرات مدنية، وق مكية، والذاريات مكية، ~~والطور مكية. والنجم مكية، والقمر مكية، والرحمن مكية، والواقعة مكية، ~~وسورة الحديد مدنية، وسورة المجادلة مدنية، وسورة الحشر مدنية، وسورة ~~الممتحنة مدنية، وسورة الصف مدنية، والجمعة مدنية. المنافقون مدنية، ~~التغابن مكية ما خلا ثلاث آيات من آخرها فإنها نزلت في عارف بن مالك ~~الأشجعي. وذلك أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جفاء أهله وولده ~~به، فأنزل الله عز وجل بالمدينة: (يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم ~~وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم) إلى آخر السورة، والطلاق مدنية، والتحريم ~~مدنية، الملك مكية، ون والقلم مكية، الحاقة مكية، سأل سائل مكية، نوح مكية، ~~سورة الجن مكية، المزمل مكية، ما خلا آيتين منها فإنهما نزلتا بالمدينة (إن ~~ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل) إلى تمام الآية، ثم الفرقان بعد ذلك ~~كله مكي إلى أن يبلغ (إنا أنزلناه في ليلة القدر) فإنها مدنية. لم يكن ~~مدنية. إذا زلزلت مكية، والعاديات مكية، القارعة مكية، والتكاثر مكية، ~~والعصر مكية، الهمزة مكية، الفيل مكية، لإيلاف قريش مكية، وقال هما سورة ~~واحدة، أرأيت مكية، الكوثر مكية، الكافرون مكية، النصر مدنية. تبت يدا أبي ~~لهب مكية، الإخلاص مكية، الفلق مدنية، الناس مدنية. # PageV01P003 ### | البسملة # روى السدي عن أبي مالك عن ابن عباس في قوله عز وجل: # (بسم الله الرحمن الرحيم) # الباء: بهاء الله، والسين: سناء الله، والميم: ملك الله. # و (الله): الذي يأله إليه خلقه. # و (الرحمن): ms003 قال المترحم على خلقه، الرحيم بعباده فيما ابتدأهم به من ~~كرامته، ويروى عنه أيضا أنه قال: الرحمن الرحيم اسمان رقيقان أحدهما أرق من ~~الآخر، وقيل في الجمع بينهما: إن (الرحمن) أشد مبالغة، و (الرحيم) أخص منه؛ ~~فالرحمن لجميع الخلق، والرحيم للمؤمنين خاصة، قال محمد بن يزيد هو تفضل بعد ~~تفضل، وإنعام بعد إنعام، ووعد لا يخيب آمله. # وأصل الرحمة رقة في القلب، والله تعالى لا يوصف بذلك إلا أن معنى الرقة ~~يؤول إلى الرضا؛ لأن من رحمته فقد رضيت عنه، وإذا احتملت الكلمة معنيين ~~أحدهما يجوز على الله والآخر لا يجوز عليه، عدل إلى ما يجوز عليه، ومثل ذلك ~~همزة الاستفهام تأتي في غالب الأمر على جهل من المستفهم، فإذا جاءت من الله ~~عز وجل كانت تقريرا وتوبيخا، نحو قول الله تعالى: (آلله أذن لكم أم على ~~الله تفترون)، قال مقاتل بن سليمان في الاستفتاح من حساب الجمل سبعمانة ~~وسبع وثمانون سنة من مدة هذه الأمة. قال الخليل: (بسم الله) افتتاح إيمان ~~ويمن وحمد عاقبة ورحمة وبركة وثناء وتقرب إلى الله عز وجل ورغبة فيما عنده ~~واستعانة ومحبة له علم الله عز وجل نبينا عليه السلام فقال: (اقرأ باسم ربك ~~الذي خلق) وقال (فسبح باسم ربك العظيم) وقال لنوح عليه السلام: # PageV01P004 # (بسم الله مجراها ومرساها) ليجعلها سنة لأمته في افتتاح الذبائح والطعام ~~والشراب والكلام، وأن يذكروه عتد كل حركة وسكون وإذا قاله العبد يسر الله ~~تعالى له ما بين يديه من السماء إلى الأرض وثبته وحرسه من وسواس الشيطان ~~واعتراض المعترضين وفساد المفسدين وكيد الحاسدين، وهو تحية من الله عز وجل ~~خص بها نبيه وجعله باللسان العربي، ما لم يكن لسائر الأمم إلا ما كان من ~~سليمان، فلما وردت على العرب اضطروا إلى قبولها وتدوينها والإقرار بفضلها ~~ولفظوا بها عند وجوب الشكر وطلب الصبر. قال غير الخليل هو أدب من آداب ~~الدين: مدح لله تعالى وتعظيم، وشعار للمسلمين، وتبرك للمستأنف، وإقرار ~~بالإلاهية، واعتراف بالنعمة. واستعانة بالله عز وجل، وعبادة له ms004 مع ما فيه ~~من حسن العبارة ووضوح الدلالة والإفصاح والبيان لما يستحقه الله من ~~الأوصاف، وفيه من البلاغة والاختصار في موضعه بالحذف على شرائطه إذ موضوع ~~هذه الكلمة على كثرة التكرير وطول الترديد، وفيه الاستغناء بالحال الدالة ~~على العبادة عن ذكر أبدا؛ لأن الحال بمنزلة الناطقة بذلك، وفيه من البلاغة ~~تقديم الوصف بالرحمن تشبيها بالأسماء الأعلام. # * * * ### | مسألة: # ومما يسأل عنه من الإعراب أن يقال ما موضع الباء من (بسم الله)؟ # والجواب: أن العلماء اختلفوا في ذلك، فذهب عامة البصريين إلى أن موضع ~~الباء رفع على تقدير مبتدأ محذوف تمثيله: ابتدائي بسم الله، فالباء على هذا ~~متعلقة بالخبر المحذوف الذي قامت مقامه تقديره: ابتداني كائن أو ثابت أو ما ~~أشبه ذلك باسم الله، ثم حذفت هذا الخبر وكان فيه ضمير فأفضى إلى موضع الباء ~~وهذا بمنزلة قولك: زيد في الدار، ولا يجوز أن يتعلق الباء بابتداني المضمر؛ ~~لأنه مصدر، وإذا تعلقت به صار من صلته، وبقي المبتدأ بلا خبر. وذهب عامة ~~الكوفيين وبعض البصريين إلى أن موضع الباء نصب على إضمار فعل، واختلفوا في ~~تقديره. # PageV01P005 # فذهب الجمهور منهم إلى أنه يضمر فعلا يشبه الفعل الذي يريد أن يأخذ فيه؛ ~~كأنه إذا أراد الكتابة أضمر: أكتب، وإذا أراد القراءة أضمر: أقرأ، وإذا ~~أراد الأكل والشرب أضمر: آكل وأشرب. # ومما يسأل عنه أن يقال لم جرت الباء؟ # والجواب: أنها لا معنى لها إلا في الأسماء، فعملت الإعراب الذي لا يكون ~~إلا في الأسماء؛ وهو الجر. # ويقال: لم حركت وأصلها السكون؟ # والجواب: أن يقال حركت للابتداء بها ... . بساكن؛ لأن اللسان يجفو عنه. # ويقال: فلم اختير لها الكسر؟ # والجواب: أن أبا عمر الجرمي قال كسرت تشبيها بعملها؛ وذلك أن عملها الجر ~~وعلامة الجر الكسرة، فاعترض عليه بعد موته بأن قيل: الكاف تجر وهي مع ذلك ~~مفتوحة، فانفك أصحابه من هذا الاعتراض بأن قالوا: أرادوا أن يفرقوا بين ما ~~يجر ولا يكون إلا حرفا نحو الباء واللام، ويين ما يجر وقد يكون اسما نحو: ~~الكاف. وأما ms005 أبو علي فحكى عنه الربعي أنهم لو فتحوا أو ضموا لكان جائزا لأن ~~الغرض التوصل إلى الابتداء، فبأي حركة توصل إليه جاز، وبعض العرب يفتح هذه ~~الباء وهي لفة ضعيفة. # * * * # مسألة: # ومما يسأل عنه أن يقال: ما وزن (اسم) وما اشتقاقه؟ # والجواب: أنه قد اختلف فيه، فذهب البصريون إلى أنه من السمو؛ لأنه سما ~~بمسماه فبينه وأوضح معناه. # PageV01P006 # وذهب الكوفيون إلى أنه من السمة؛ لأن صاحبه يعرف به وقول البصريين أقوى ~~في التصريف. وقول الكوفيين أقوى في المعنى، فمما يدل على صحة قول البصريين ~~قولهم في التصغير (سمي) وفي الجمع (أسماء) وجمع الجمع (أسام)، ولو كان على ~~ما ذهب إليه الكوفيون لقيل في تصغيره (وسيم) وفي جمعه (أوسم)، وفي امتناع ~~العرب من ذلك دلالة على فساد ما ذهبوا إليه، وأيضا فإنا لم نر ما حذفت فاؤه ~~دخلت فيه همزة الوصل، وإنما تدخل فيه تاء التأنيث نحو: عدد وزنة. وقد قيل: ~~هو مقلوب جعلت الفاء في مكان اللام؛ كأن الأصل (وسم) ثم أخرت الواو وأعلت: ~~كما قالوا (طاد) والأص (واطد)، قال القطامي: # ما اعتاد حب سليمى حين مغتاد ... ولا تقضى بواقي دينها الطادي # فوزنه على هذا (عالف) وكذا قيل في حادي عشر أنه مقلوب من واحد، ووزن اسم ~~(اعل) أو (أفع) والأصل (سمو) أو (سمو) بإسكان الميم فأعل على غير قياس، ~~وكان الواجب أن لا يعل؛ لأن الواو والياء إذا سكن ما قبلهما صحتا نحو: صنو ~~وقنو ونحي وظبي وما أشبه ذلك، وقيل وزنه (فعل) بضم الفاء، وقيل (فعل) ~~بكسرها، لقولهم (سم) و (سم) ولم يسمع (سم) بفتح السين، أنشد أبو زيد: # باسم الذي في كل سورة سمه .. قد أخذت على طريق تعلمه # يروى بضم السين وكسرها، ثم حذفت الواو على غير قياس، وكان يجب أن تقلب ~~ألفا كما فعل في نحو: ربا وعصا وعرا وما أشبه ذلك؛ لأن الواو والياء إذا ~~تحركتا وانفتح ما قبلهما قلبتا ألفا على كل حال، إلا أنهم أرادوا أن يفرقوا ~~بين المتشبث وغير المتشبث؛ فالمتشبث ms006 نحو: أخ وأب، لأنك إذا ذكرت كل واحد ~~منهما دل على نفسه وعلى معنى آخر ألا ترى أنك إذا ذكرت أبا دلل على ابن، ~~وإذا ذكرت ابنا دلل عدى أب، وإذا ذكرت أخا دلل على أخ أو أخت؛ إلا أن هذا ~~المحذوف أتى على ضربين: أحدهما لم يقع فيه عوض من المحذوف نحو: أب وأخ، ~~والثاني عوض فيه من المحذوف همزة نحو: اسم وابن، وهذه الأسماء التي دخلتها ~~همزة الوصل مضارعة للفعل، لأنها مفتقرة إلى غيرها فصارت بمنزلة الفعل ~~المفتقر إلى فاعله # PageV01P007 # وأصل هذه الهمزة أن يكون في الأفعال، فلما ضارعت هذه الأسماء الأفعال ~~اسكنوا أوائلها وأدخلوا فيها همزات الوصل. وفي اسم خمس لغات يقال (إسم) ~~بكسر الهمزة و (أسم) بضمها في الابتداء و (سم) و (سم) و (سمى) بمنزلة هدى، ~~هذه اللغة حكاها ابن الأعرابي، فأما ما أنشد أبو زيد من قول الشاعر: # لأحسنها وجها وأكرمها أبا ... وأسمحها نفسا وأعلنها سما # فيجوز أن يكون (فعلا) مثل: هدى، أو تكون الألف منقلبة عن لام الفعل، ~~ويجوز أن تكون الألف ألف النصب التي تدخل في نحو قولك: رأيت زيدا، وهذا ~~الاحتمال على مذهب من ضم السين، فأما من كسرها فالألف ألف النصب على كل ~~حال. # * * * # مسألة: # ومما يسأل عنه أن يقال: مما اشتق قوله (الله) وما أصله؟ # والجواب: أن فيه خلافا؛ ذهب بعضهم إلى أنه من (الولهان) قال: لأن القلوب ~~تله إلى معرفته، وقيل اشتقاقه من (أله يأله) إذا تحير، كأن العقول تتحير ~~فيه عند الفكرة فيه، قال الشاعر وهو زهير: # وبيداء قفرتأله العين وسطها ... مخفقه غبراء صرماء سملق # وقال الفراء: هو من لاه يليه ليها، إذا استتر كأنه قد استتر عن خلقه ~~ويروى عن علي رضي الله عنه أنه قال: معناه المستور عن درك الأبصار، المحتجب ~~عن الأوهام والأخطار، أنشدوا في ذلك: # تاه العباد ولاه الله في حجب ... فالله محتجب سبحانه الله. # PageV01P008 # وذهب الخليل وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن إلى أنه اسم علم غير مشتق من شيء، ~~والذي يذهب إليه ms007 المحققون أنه من التأله وهو التعبد والتنسك قال رؤبه: # لله در الغانيات المدة ... سبحن واسترجعن من تألهي # أي: من تعبدي وتنسكي، حكى أبو زيد: تأله الرجل يتأله، وهذا يحتمل عندنا ~~أن يكون اشتق من اسم الله عز وجل على حد قولك: استحجر الطين، واستنوق ~~الجمل، فيكون المعنى: أنه يفعل الأفعال المقربة إلى الله تعالى التي يستحق ~~بها الثواب. ويحتمل أن يكون الاسم مشتقا من هذا الفعل نحو: تعبد. وتسمى ~~الشمس (الاهة) و (الإلاهة) روي لنا ذلك عن قطرب، وأنشد: # تروحنا من اللعباء عصرا ... وأعجلن الإلهة أن تغيبا # وكأنهم سموها إلاهة على نحو تعظيمهم لها وعبادتهم إياها، ولذلك نهاهم ~~الله عن ذلك، وأمرهم بالتوجه في العبادة إليه دون خلقه فقال: (ومن آياته ~~الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي ~~خلقهن) ويدل على هذا ما حكاه أحمد بن يحيى أنهم يسمونها إلاهة غير مصروفة. ~~فدل ذلك على أن هذا الاسم منقول إذ كان مخصوصا، وأكثر الأسماء المختصة ~~الأعلام منقول نحو: زيد وعمرو، وقرأ ابن عباس (ويذرك وإلاهتك) أي: وعبادتك ~~وكان يقول: كان فرعون يعبد ولا يعبد. وأما قراءة الجماعة (ويذرك وآلهتك) ~~فهو جمع (إله) كإزار وآزرة، وإناء وآنية. والمعنى على هذا: أنه كان لفرعون ~~أصنام يعبدها شيعته وأتباعه، فلما دعاهم موسى عليه السلام إلى التوحيد حضوا ~~فرعون عليه وعلى قومه، وأغروه بهم، ويقوي هذه القراءة قوله تعالى: (وجاوزنا ~~ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم) وأما الأصل في ~~قولنا (الله) فقد اختلف قول سيبويه في ذلك؛ فقال مرة الأصل (إله) ففاء ~~الكلمة على هذا همزة وعينها لام والألف الف فعال زائدة واللام هاء، وقال ~~مرة الأصل (لاه) فوزنه على هذا، (فعل). ولكل من هذين القولين وجه، وإذا ~~قدرته على الوجه الأول فالأصل (إله) ثم حذفت الهمزة حذفا # PageV01P009 # لا على طريق التخفيف القياسي في قولك: الخب في الخبء، وضو في ضوء، فإن ~~قال قائل: فلم قدرتموه هذا التقدير؛ وهلا حملتموه على التخفيف القياسي؛ إذ ~~كان ms008 تقدير ذلك فيه سائغا غير ممتنع، والحمل على القياس أولى من الحمل على ~~الحذف الذي ليس بقياس؟ - قيل له: إن ذلك لا يخلو من أن يكون على الحذف الذي ~~ذكرناه وهو مذهب سيبويه، أو على الحذف القياسي وهو مذهب الفراء وذلك أن ~~الهمزة (1). PageV01P010 ### | سورة البقرة # فصل # (إذا) في الكلام على ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون ظرفا زمانيا، وفيها معنى الشرط،: لا يعمل فيها إلا جوابها ~~نحو ما في هذه الآية من ### | قوله تعالى (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا) # فالعامل في إذا (قالوا)؛ لأنه الجواب، ولا يجوز أن يعمل فيها (لقوا) ~~لأنها في التقدير مضافة إلى لقوا، ولا يعمل المضاف إليه في المضاف، وكذا ~~(إذا خلوا إلى شياطينهم) العامل فيها (قالوا إنا معكم). # والثاني: أن يكون ظرفا مكانيا نحو قولك: خرجت فإذا الناس وقوف ويجوز أن ~~تنصب (وقوفا) على الحال؛ لأن (إذا) ظرف مكان، وظروف المكان تكون أخبارا عن ~~الجثث، وهذه المسألة التي وقع الخلاف فيها بين سيبويه والكسائي لما اجتمعا ~~عند يحيى بن خالد بن برمك. حدثنا أبو الحسن الحوفي بمصر عن أبي بكر بن ~~الأدفوني عن أبي جعفر أحمد بن محمد النحاس عن علي بن سليمان حدثنا أحمد بن ~~يحيى ومحمد بن يزيد قالا: لما ورد سيبويه بغداد شق أمره على الكسائي، فأتى ~~جعفر بن يحيى والفضل بن يحيى فقال: أنا وليكما وصاحبكما وهذا الرجل قد قدم ~~ليذهب بمحلي، فقالا له: فاحتل لنفسك فإنا سنجمع بينكما، فجمعا بينهما عند ~~أبيهما، وحضر سيبويه وحده، وحضر الكسائي ومعه الفراء وعلي الأحمر، وغيرهما ~~من أصحابه، فسألوه: كيف تقول (أظن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو هي ~~أو فإذا هو إياها)؟ - قال: أقول فإذا هو هي، فأقبل عليه الجميع فقالوا: ~~أخطأت ولحنت، فقال يحيى: هذا موضع مشكل، أنتما إماما مصريكما. فمن يحكم ~~بينكما؟ - فقال الكسائي وأصحابه: الأعراب الذين على الباب، فأدخل أبو ~~الجراح ومن وجد معه ممن كان الكسائي وأصحابه يحملون عنهم. فقالوا: نقول ~~(فإذا هو إياها)، وانصرف المجلس على أن ms009 سيبويه قد أخطأ، وحكموا عليه بذلك. ~~فأعطاه # PageV01P011 # البرامكة، وأخذوا له من الرشيد وبعثوا به إلى بلده فما لبث بعد هذا إلا ~~يسيرا حتى مات، ويقال إنه مات كمدا. قال علي بن سليمان. وأصحاب سيبويه إلى ~~هذه الغاية لا اختلاف بينهم يقولون: إن الجواب على ما قال سيبويه: فإذا هو ~~هي، وهذا موضع الرفع، وهو كما قال علي بن سليمان؛ وذلك أن النصب إنما يكون ~~على الحال نحو قولك: خرجت فإذا الناس وقوفا، وجاز النصب هاهنا لأن (وقوفا) ~~نكرة، والحال لا تكون إلا نكرة، فإذا أضمرت بطل أمر الحال؛ لأن المضمر ~~معرفة. والمعرفة لا تكون حالا، فوجب العدول عن النصب إلى الرفع نحو ما أفتى ~~به سيبويه من أنه يقول: فإذا هو هي، كما تقول: فإذا الناس وقوف. # والوجه الثالث: أن يكون جوابا للشرط نحو قوله تعالى (وإن تصبهم سيئة بما ~~قدمت أيديهم إذا هم يقنطون) (36). # ونحن: مبتدأ، و (مستهزئون): الخبر، وموضع. الجملة نصب لقالوا؛ كما تقول: ~~قلت حقا أو باطلا. و (نحن) مبنية لمشابهتها الحروف، وفي بنائها على الضمة ~~أوجه: # أحدها: أنها من ضمائر الرفع، والضمة علامة الرفع. # والثاني: أنها ضمير الجمع. والضمة بعض الواو، والواو تكون علامة للجمع ~~نحو: قاموا ويقومون. # وقال الكسائي: الأصل (نحن) بضم الحاء فنقلت الضمة إلى النون، وهذا القول ~~ليس عليه دلالة تعضده. # وقال الفراء بنيت (نحن) على الضم؛ لأنها تقع على الاثنين والجماعة، ~~فقووها بالضمة لدلالتها على معنيين. # ويعمهون: في موضع نصب على الحال والعامل فيه نمدهم. # PageV01P012 ### | قوله تعالى: (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم) # المثل والمثل والمثيل بمعنى واحد. كما يقال: شبه وشبه وشبيه. # والاستيقاد: استفعال من الوقود، والوقود بالضم: مصدر وقدت النار وقودا، ~~والوقود بالفتح: الحطب. # والنار معروفة، وألفها منقلبة عن واو. وأصل منافع النار خمسة: # الاستضاءة بها. والانضاج، والاصطلاء، والتحليل، والزجر. # والإضاءة: أصله الوضوح يقال ضاءت النار وأضاءت لغتان. # ويقال: جلسوا حوله وحوليه تثنية حول، وحواليه تثنية حوال وأحواله وهو ~~جمع، قال امرؤ القيس: # ألسنت ms010 ترى السمار والناس أحوالي # والذهاب بالشيء كالمرور به. والظلمة معروفة، ونقيضها الضياء، والمعنى في ~~الآية: أن مثل المنافقين مثل قوم كانوا في ظلمة، فأوقدوا نارا فلما أضاءت ~~النار ما حولها أطفأها الله وتركهم في ظلمات لا يبصرون، فالظلمة الأولى ~~التي كانوا فيها الكفر. واستيقادهم النار قولهم "لا إله إلا الله محمد رسول ~~الله" فلما أضاءت لهم ما حولهم، واهتدوا، خلوا إلى شياطينهم فنافقوا وقالوا ~~(إنما نحن مستهزئون) فسلبهم الله نور الإيمان وتركهم في ظلمات الكفر لا ~~يبصرون. # ثم ضرب لهم مثلا آخر شبيها بهذا فقال: ### | (أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق) # والصيب: المطر. والظلمة: ظلمة الليل وظلمة السحاب، والرعد دليل على شدة ~~ظلمة الصيب وهوله، أراد: أو مثل قوم في ظلمات ليل ومطر، فضرب الظلمات ~~لكفرهم مثلا. والبرق لتوحيدهم مثلا. # و (أو) هاهنا للإباحة، أي إن شبهتهم بالمثل الأول كنت مصيبا، وإن شبهتهم ~~بالمثلين فكذلك أيضا. # PageV01P013 # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: كيف شبه المنافقين وهم جماعة بالذي استوقد نارا ~~وهو واحد؟ # وفي هذا ثلاثة أجوية: # أحدها: أن يكون (الذي) في معنى الجميع كما قال تعالى (والذي جاء بالصدق ~~وصدق به أولئك هم المتقون) (33) # وكما قال الشاعر: # وإن الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد # والثاني: أن تجعل النون محذوفة من الذي، والأصل عنده (الذين) كما حذفها ~~الأخطل في التئنية وذلك قوله: # أبني كليب إن عمي اللذا ... قتلا الملوك وفككا الأغلال # ومنهم من أنكر ذلك في الآية وحمله على أن (الذي) اسم مبهم ك (من) يصلح أن ~~يقع للجميع ويصلح أن يقع للواحد كما قال (ومنهم من يستمع إليك) وقال فى ~~موضع آخر (ومنهم من يستمعون إليك) وأخرج الأول على اللفظ، والثاني على ~~المعنى وهذا وجه حسن. وقد ذكر أن (الذي) يأتي في معنى (الذين) الأخفش ~~وغيره، فهذان وجهان: الأول منهما على حذف النون، والثاني على أنه اسم مبهم ~~يقع للواحد والجمع. # والثالث: أن يكون الكلام على حذف كأنه قال: مثلهم كمثل أتباع الذي ms011 استوقد ~~نارا ثم حذف # PageV01P014 # المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، قال الجعدي: # فكيف تواصل من أصبحت ... خلالته كأبي مرحب # يريد: كخلالة أبي مرحب. # * * * # فصل: # قوله (مثلهم) مبتدأ، و (كمثل الذي) الخبر، والكاف زائدة، والتقدير: مثلهم ~~مثل الذي استوقد نارا، ومثل زيادة الكاف هاهنا قوله تعالى: (ليس كمثله شيء) ~~والمعنى ليس مثله شيء، ولا يجوز أن تكون الكاف غير زائدة؛ لأنه يصير شركا، ~~وذلك أنك كنت تثبت لله مثلا، ثم تنفي الشبه عن ذلك المثل، ويصير التقدير: ~~ليس مثل مثله شيء، وهذا كما تراه، فأما قول محمد بن جرير أن (مثلا) # بمعنى: ذات الشيء، كأنه قال: ليس كهو شيء، فليس بشيء؛ لأنه يرجع إلى ما ~~منعنا منه أولا من إثبات المثل، ومثل زيادة الكاف ما أنشده سيبويه لخطام ~~المجاشعي: # وصاليات ككما يؤثفين # وهذا قبيح لإدخال الكاف على الكاف، والآية إنما فيها إدخال الكاف على ~~مثل، وهذا حسن، وقد أدخلوا (مثلا) على الكاف، قال الراجز: # فأصبحوا مثل كعصف مأكول # و (استوقد نارا) وما اتصل به من صلة (الذي)، والعائد على (الذي) المضمر ~~الذي في (استوقد). وتقريبه على المبتدئ أن يقال له: كأنك قلت: الذي استوقد ~~هو نارا. # PageV01P015 # و (لما) في الكلام على ثلاثة أوجه: # أحدها: أن تدل على وقوع الشيء لوقوع غيره، وهذه محتاجة إلى جواب نحو ~~قولك: لما قام زيد قمت معه، والتي في الآية من هذا الباب، فإن قيل: فأين ~~الجواب؟ - قيل: محذوف تقديره: فلما أضاءت ما حوله طفئت، ومثله قوله تعالى ~~(فلما أسلما وتله للجبين (103) وناديناه أن يا إبراهيم (104) قد صدقت ~~الرؤيا)) كأنه قال: فاز أو ظفر، والعرب تحذف للإيجاز قال أبو ذؤيب: # عصاني إليها القلب إني لأمره ... مطيع فما أدري أرشد طلابها. # يريد: أرشد أم غي، ثم حذف. # والوجه الثاني: أن تكون بمعنى (إلا) حكى سيبويه: نشدتك الله، فعلت، أي: ~~إلا فعلت، وعليه تأولوا قوله تعالى: (إن كل نفس لما عليها حافظ) في قراءة ~~من شدد الميم. # والثالث: أن تكون جازمة نحو قوله تعالى (ولما يعلم الله الذين جاهدوا ms012 ~~منكم) وهي (لم) قلدت عليها (ما) وهي جواب من قال: قد فعل، فتقول أنت: لا ~~يفعل، فإن قال: فعل، قلت: لم يفعل. # و (ما) في موضع نصب؛ لأنها مفعول (أضاءت). و (ذهب) فعل ماض مستأنف، ~~والباء من (بنورهم) يتعلق بذهب، وأما (في) نتعلق ب (تركهم)، وقوله (لا ~~يبصرون) في موضع نصب # PageV01P016 # على الحال والعامل فيه (تركهم) أي: تركهم غير مبصرين. ### | قوله تعالى: (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها) # الاستحياء: من الحياء ونقيضه القحة. وفي الحديث (من كلام النبوة: إذا لم ~~تستح فاصنع ما شئت) قال المازني: الناس يغلطون في هذا: يظنونه أمرا بالقحة، ~~وليس كذلك، وإنما معناه: إذا فعلت فعلا لا يستحيا من مثله فاصنع منه ما ~~شئت. # قال الخليل: الضرب يقع على جميع الأعمال إلا قليلا؛ تقول: ضرب في ~~التجارة، وضرب في الأرض. وضرب في سبيل الله. وضرب بيده إلى كذا، وضرب فلان ~~على يد فلان إذا أفسد عليه أمرا أخذ فيه وأراده. وضرب الأمثال إنما هو ~~جعلها لتسير في البلاد، يقال: ضرلت القول مثلا، وأرسلته مثلا وما أشبه ذلك. # والبعوض: القرقس، وهو هذا الذي يسميه العامة (البق) واحده بعوضة، قال ~~العجاج: # وصرت عبدا للبعوض أخصفا # وفوق: ظرف، وهو نقيض تحت. # * * * # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: قوله تعالى ((إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما ~~بعوضة) إنه جواب ماذا؟ # الجواب للعلماء فيه قولان: # PageV01P017 # أحدهما: ما ذكر عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما أن الله تعالى لما ~~ضرب المثلين قيل هذه للمنافقين يعني قوله (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا) ~~وقوله (أو كصيب من السماء) قال المنافقون: الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه ~~الأمثال. فأنزل الله تعالى ((إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما ~~فوقها)) إلى قوله (أولئك هم الخاسرون)، والمعنى على هذا: إن الله لا يستحيي ~~أن يضرب مثلا بالصغير والكبير إذا كان في ضريه بالصغير من الحكمة ما في ~~ضربه بالكبير. ويروى عن الربيع بن أنس ms013 أن البعوضة تحيا ما جاعت فإذا شبعت ~~وسمنت ماتت، فكذلك القوم الذين ضرب الله لهم هذا المثل في القرآن إذا ~~امتلأوا من الدنيا أخذهم الله عند ذلك ثم تلا (حتى إذا فرحوا بما أوتوا ~~أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون). # والقول الثاني: يروى عن الحسن وقتادة وغيرهما من أهل العلم أنه لما ضرب ~~الله المثل بالذباب والعنكبوت تكلم قوم من المشركين في ذلك وعابوا ذكره، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وذهب بعض أهل العلم إلى أن الاختيار التأويل الأول من قبل أنه متصل بذكر ~~المثلين اللذين ضربهما الله للمنافقين في سورة البقرة، فكان لذلك أولى من ~~أن يكون جوابا لما ذكر في سورة غيرها؛ إذ كان ذكر الذباب في سورة الحج وذكر ~~العنكبوت في سورة العنكبوت. والأظهر في هذا أن يكون جوابا لما قيل في ~~الذباب والعنكبوت لما فيهما من الاحتقار والضآلة، فأخبر الله تعالى أنه لا ~~عيب في ذلك. # * * * # فصل: # للعرب في يستحيي لغتان: منهم من يقول (يستحي) بياء واحدة، وبذلك قرأ ابن ~~كثير في # PageV01P018 # رواية شبل، ومنهم من يقول (يستحيي) بياءين. وبه قرأ الباقون، فوجه هذه ~~القراءة: أنه الأصل. ووجه القراءة الأخرى: أنه حذف استثقالا لاجتماع ~~الياءين؛ كما قالوا: لم أك، ولم أدر وما أشبه ذلك والاختيار في القراءة ~~إثبات الياءين؛ لأنه إذا اعتل لام الفعل فلا ينبغي أن يعل العين لئلا يجتمع ~~في الكلمة اعتلالان؛ لأن ذلك إخلال، ولأن أكثر القراء عليها، ولأنها لغة ~~أهل الحجاز، والأخرى لغة بني تميم، وقال أبو النجم: # أليس يستحيي من الفرار # وقال رؤبة في الياء الواحدة: # لا أستحي الفراء أن أميسا # وفي (ما) ثلاثة أوجه: # أحدها: أن تكون صلة. كأنه قال: إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا بعوضة. # والثاني: أن تكون نكرة مفسرة بالبعوضة كما تكون نكرة موصوفة في قولك: ~~مررت بما معجب لك، أي: بشيء معجب لك. # والثالث: أن تكون نكرة، وتكون بعوضة بدلا منها. # فأما (بعوضة) ففي نصبها ثلاثة أوجه: # أحدها: أن تكون مفعولا ثانيا ليضرب. # والثاني: أن تكون ms014 معربة بتعريب (ما) كما قال حسان: # فكفى بنا فضلا على من غيرنا ... حب النبي محمد إيانا # وحقيقته البدل. # PageV01P019 # والثالث: يحكى عن الكوفيين زعموا أن النصب على إسقاط حرف الخفض؛ كأنه ~~قيل: ما بين بعوضة فما فوقها، وحكوا أن العرب تقول: مطرنا ما زبالة ~~فالثعلبية، وله عشرون ما ناقة فجملا، وأنكر المبرد هذين الوجهين. # وأجود هذه الأوجه الوجه الأول؛ وذلك أن (يضرب) لما صارت لضرب الأمثال ~~صارت في معنى (جعل) فجاز أن تتعدى إلى مفعولين، وإذا كانت كذلك كانت من ~~جملة ما يدخل على المبتدأ والخبر، هذا أقيس ما يحمل عليه، وإنما اخترته ~~لأنني وجدت في الكتاب العزيز ما يدل عليه؛ وذلك بأنني وجدت فيه قوله تعالى: ~~(إنما مثل الحياة الدنيا كماء)، فمثل الحياة الدنيا: مبتدأ، وكماء: الخبر، ~~كما تقول: إنما زيد كعمرو، ووجدت فيه (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء) ~~فأنت ترى كيف دخلت (اضرب) على المبتدأ والخبر فصار هذا بمنزلة قولك: ظننت ~~زيدا كعمرو. # ويجوز الرفع في بعوضة من وجهين: # أحدهما: أن تكون خبرا، لمبتدأ محذوف يكون في صلة (ما) على أن تكون (ما) ~~بمنزلة (الذي)، فيكون التقدير: إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما هو ~~بعوضة. أي: الذي هو بعوضة. # والوجه الثاني: أن يكون على إضمار مبتدأ، لا يكون صلة في (ما) ولا تكون ~~(ما) بمعنى (الذي) كأنه قال: إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما. قيل: ما ~~هو؟ # قيل: بعوضة، أي: هو بعوضة، كما تقول: مررت برجل زيد. # وقد قيل: إن (ما) هاهنا يجوز أن تكون كافة للفعل. فيستأنف الكلام بعدها، ~~وهو على معنى المفعول، قال الشاعر # أعلاقة أم الوليد بعدما ... أفنان رأسك كالثغام المخلس. # PageV01P020 # واختلف في معنى (فوق) هاهنا فقيل: فما فوقها في الكبر، وقيل: فما فوقها ~~في الصغر، وروي عن قتادة وابن جريج أن البعوضة أضعف خلق، يعني من الحيوان ~~ولذلك اختار بعض أهل العلم (فما فوقها) فما هو أكبر منها. واختار. قوم فما ~~فوقها في الصغر؛ لأن الغرض المطلوب هاهنا الصغر. ### | قوله ms015 تعالى: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء) # أصل الخلق: التقدير. # والأرض في الكلام على ثلاثة أوجه: # الأرض المعروفة، والأرض قوائم الدابة، ومنه قول الشاعر: # وأحمر كالديباج أما سماؤه ... فريا وأما أرضه فمحول # والأرض الرعدة، وفي كلام ابن عباس: أزلزلت الأرض أم بي أرض؟. # وأصل الجمع: الضم ونقيضه الفرق. # والسماء: السحاب يسمى بذلك كل ما علاك فأظلك، وهي في الكلام على خمسة ~~أوجه: # السماء التي تظل الأرض، والسماء السقف، والسماء السحاب، سمي بذلك لعلوه، ~~والسماء المطر؛ لأنه نزل من السماء، والسماء المرعى؛ لأن بالمطر يكون، قال ~~الشاعر: # PageV01P021 # إذا سقط السماء بأرض قوم ... وهيناه وإن كانوا غضابا # والسبع: عدد المؤنث، السبعة عدد المذكر، والسبع مشتق من ذلك؛ لأنه مضاعف ~~القوى، كأنه قد ضوعف سبع مرات، ومن شأن العرب أن تبالغ بالسبعة والسبعين من ~~العدد، نحو قوله تعالى (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين ~~مرة)، والسبعة: تصرف في جلائل الأمور: فالأيام سبعة والسماوات سبع والأرض ~~سبع وأعلام النجوم سبعة: زحل والمشتري وعطارد والمريخ والزهرة والشمس ~~والقمر، والبحار سبعة، وأبواب جهنم سبعة في أشباه لذلك. # ولفظة (كل) تستعمل للعموم مرة نحو قوله تعالى (كل من عليها فان) وقد يكون ~~غير عموم نحو (تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم). و (شيء) ~~عبارة عن كل موجود هذا مذهب الجماعة، وذهب قوم إلى أنه يقع على الوجود ~~والمعدوم. # والعليم: في معنى العالم، قال سيبويه: إذا أرادوا المبالغة عدلوا إلى ~~(فعيل) نحو: عليم ورحيم. # وجاء في التفسير عن ابن عباس أن معنى استوى إلى السماء صعد أمره، وقيل ~~معناه: تحول فعله؛ كما تقول: كان الأمير يدبر أمر أهل الشام ثم استوى إلى ~~أهل الحجاز أي تحول فعله وتدبيره. # PageV01P022 # وروي عن الربيع بن أنس: أن استوى بمعنى ارتفع على جهة علو ملك وسلطان. لا ~~علو انتقال وزوال، وفي هذا بعد؛ لأن الله تعالى لم يزل عاليا على كل شيء ~~بمعنى الاقتدار عليه، وأكثر أهل العلم ms016 على أن المعنى عهد وقصد. # * * * # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: لم جاء (ثم استوى إلى السماء فسواهن) على لفظ ~~الجمع؟ # وفي هذا جوابان: # أحدهما: أن معنى السماء معنى الجمع وإن كان مخرجها مخرج الواحد، لأنها ~~على طريقة الجنس كما يقال: أهلك الناس الدينار والدرهم. # والجواب الثاني: أن السماء جمع. واحدها (سماوة) و (سماءة) وذكر قطرب ما ~~لفظه لفظ الواحد ومعناه معنى الجمع فقال منه (والملائكة بعد ذلك ظهير) ~~وقوله (فإنهم عدو لي) وقوله (إنا رسول رب العالمين) قال الشاعر: # ألا إن جيراني العشية رائح ... دعتهم دواع من هوى ومنادح # وإذا كان سماء جمع سماوة وسماءة كان بمنزلة حمام وحمامة ودجاج ودجاجة. # PageV01P023 # فصل: # ومما يسأل عنه: كيف اتصل قوله تعالى (وهو بكل شيء عليم) بقوله (ثم استوى ~~إلى السماء)؟ # والجواب: أنه يتصل كما يتصل تفصيل الجملة بعضه ببعض؛ لأنه لما وصف نفسه ~~تعالى بما يدل به على القدرة والاستيلاء وصل ذلك بوصفه بالعلم؛ إذ بهما يصح ~~الفعل على جهة الإحكام والإتقان. # ووجه آخر: وهو أنه دل على أنه عالم بجميع ما فعله وبما يؤول إليه حاله. # * * * # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: هل يوجب (ثم) في قوله تعالى (ثم استوى إلى ~~السماء) أن يكون خلق السماء بعد الأرض؟ # قيل: لا يوجب من قبل أن قوله (ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات) ~~إنما يدل على أنه جعلها سبعا بعد ما خلق الأرض، وقد كانت السماء مخلوقة كما ~~قال أهل التفسير إنها كانت قبل دخانا، وقال الأخفش: هو كما تقول للصانع. ~~اعمل هذا الثوب، وإنما معك غزل، وقد اعترض قوم من الجهال في هذا فقالوا: ~~إذا كان قوله (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له ~~أندادا ذلك رب العالمين) (وجعل فيها رواسي) إلى قوله (ثم استوى إلى السماء ~~وهي دخان) إلى قوله (طائعين) موافقا لقوله تعالى: (هو الذي خلق لكم ما في ~~الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء) في أنه يوجب أن خلق السماء بعد الأرض، ثم ~~قال ms017 في موضع آخر: (أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها) ثم قال (والأرض بعد ذلك ~~دحاها)، فأوجب هذا أن يكون خلق الأرض بعد السماء، فظنوا لجهلهم أن # PageV01P024 # هذا متناقض، وهذا معناه بين، لأنه قال دحاها أي بسطها. ولم يقل خلقها، ~~وكانت قبل دحوها ربوة مجتمعة، ثم بسطها وأرساها بالجبال وأنبت فيها النبات، ~~وأما علام يدل عليه قول ابن عباس ومجاهد في (بعد ذلك) فإنها تكون بمعنى ~~(مع). # كأنه قال: والأرض مع ذلك دحاها. # * * * ### | قوله تعالى: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة) # القول: موضوع في كلام العرب للحكاية، نحو قولك: قال زيد كذا وكذا، وقلت: ~~خرج عمرو وما أشبه ذلك. # والرب: السيد يقال رب الدار ورب الفرس. ولا يقال الرب بالألف واللام إلا ~~لله تعالى، وأصله من رييته إذا قمت بأمره، ومنه قيل للعالم رباني؛ لأنه ~~يقوم بأمر الأمة. # والملائكة: جمع ملك، واختلف في اشتقاقه: فذهب الجمهور من العلماء إلى أنه ~~من الألوكة وهي الرسالة، قال صاحب المعنى: الألوك الرسالة، وهى المالكة على ~~(مفعله) والمالكه على (مفعلة)، قال غيره إنما سميت الرسالة ألوكا؛ لأنها ~~قولك في الفم. مشتقا من قول العرب: الفرس يالك اللجام، أي: يمضغ الحديدة، ~~قال عدي بن زيد: # أبلغ النعمان عني مألكا ... إنني قد طال حبسي وانتظار # ويروى مالكا. قل لبيد: # وغلام أرسلته أمه ... بألوك فبذلنا ما سأل # PageV01P025 # وقال عبد بني الحسحاس: # ألكني إليها عمرك الله يا فتى ... بآية ما جاءت إلينا تهاديا # وقال الهذلي: # ألكني إليها وخير الرسو ... ل أعلمهم بنواحي الخبر # فالملائكة على هذا (معافلة)، لأنه مقلوب جمع ملاك. قال الشاعر: # فلست لإنسي ولكن لملأك ... تنزل من جو السماء يصوب # ووزن ملاك (معفل) محول من مألك على وزن (مفعل)، فمن العرب من يستعمله ~~مهموزا والجمهور منهم على إلقاء حركة الهمزة على اللام وحذفها، فيقال ملك، ~~ويهذه اللغة جاء القرآن. وقال أبو عبيدة: أصله من لاك إذا أرسل، فملأك على ~~هذا القول (مفعل)، وملائكة (مفاعلة). ولا قلب في الكلام، و (الميم) في هذين ~~الوجهين زائدة، ms018 وذهب ابن كيسان إلى أنه من الملك وأن وزن ملاك (فعال) مثل: ~~شمال. وملائكة (فعائلة)، ف (الميم) على هذا القول أصلية، والهمزة زائدة. # والجعل في الكلام على أربعة أوجه: # أحدها: أن يكون بمعنى الخلق، نحو قوله تعالى: (وجعل الظلمات والنور). # والثاني: أن يكون بمعنى التسمية نحو قوله تعالى: (وجعلوا لله أندادا) أي ~~سموا له. # PageV01P026 # والثالث: أن يكون بمعنى عملت، نحو قولك: جعلت المتاع بعضه فوق بعض. # والرابع: أن يكون بمعنى طفق، نحو قولك: جعل يقول كذا وكذا. # والخليفة: الإمام، والخليفة من استخلف في أمر، وجمعه (خلائف)، فأما ~~الخلفاء فجمع (خليف)، مثل: كريم وكرماء. # والإفساد: ضد الإصلاح. # وأصل السفك: صب الدم، كذا قال صاحب العين، وقد يقال: سفك الكلام أي نثره، ~~ورجل سفاك الدماء سفاك الكلام، قال الشاعر: # إذا ذكرت يوما من الدهر شجوها ... على قرع ساق أذرت الدمع سافكا # واختلف في وزن (دم)؛ فقال بعضهم: دمي على وزن (فعل) واحتج بقول الشاعر: # فلو أنا على حجر ذبحنا ... جرى الدميان بالخبر اليقين # وقيل: وزنه (فعل)، والأصل فيه (دمي) وإنما الشاعر لما رد الياء في ~~التثنية؛ لقلة الاسم حركه؛ ليعلم أنه كان متحركا قبل ذلك، ويقال للقطعة من ~~الدم (دمة)، ذكره صاحب العين # والتسبيح: التنزيه لله تعالى من السوء، يقال: سبح يسبح تسبيحا، # PageV01P027 # والسبوح: المستحق للتنزيه والتعظيم. # والقدوس: المستحق للتطهير، والتقديس: التطهير، وحكى سيبويه أن منهم من ~~يقول: سبوح قدوس بالفتح. والضم أكثر في الكلام، والفتح أقيس، لأنه ليس في ~~الكلام (فعول) إلا سبوحا وقدوسا وذروحا لواحد الذرائح، ويقال ذرحرح حكاه ~~سيبويه. # و (سبحان) اسم للمصدر، ومعناه التنزيه. قال الأعشى: # أقول لما جاءني فجره ... سبحان من علقمة الفاجر # قال أبو العباس: أي براءة منه، قال وهو معرفة علم خاص لا ينصرف للتعريف ~~والزيادة، وقد اضطر الشاعر فنونه، قال أمية: # سبحانه ثم سبحانا يعود له ... وقبلنا سبح الجودي والجمد # * * * # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال ما (إذ)؟ # والجواب: أنها ظرف يدل على الزمان الماضي، فإن قيل: ما العامل فيها؟ # PageV01P028 # قيل: فعل مضمر تقديره: ms019 اذكر إذ قال ربك للملائكة. فأما قول أبي عبيدة: ~~إنها زائدة. # واحتجاجه على ذلك بقول الأسود بن يعفر: # فإذا وذلك لا مهاه لذكره ... والدهر يعقب صالحا بفساد # فغلط من قبل أن معنى الأصل منه مفهوم. فلا يحكم بالزيادة وعنها مندوحة، ~~وتأويل وإذا وذلك: فإذا ما نحن فيه وذلك ... فكأنه قال: فإذا هذا وذلك، ~~فأشار إلى الحاضر والغائب. ولا يجب أن يقدم على القول بالزيادة في القرآن ~~ما وجد عنها مندوحة. # فإن قيل: فما الذي يدل على أن العامل في (إذ) اذكر. وأنه محذوف؟ # والجواب: أن فيه قولين: # أحدهما: أن الآية التي قبلها تذكر بالنعمة والعبرة في قوله (كيف تكفرون ~~بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون) فكأنه قيل ~~اذكر النعمة في ذلك، واذكر إذ قال ربك للملائكة. # والقول الثاني: أنه لما جرى خلق السماوات والأرض، دل على ابتداء الخلق ~~كأنه قال: وابتداء خلقكم إذ قال ربك للملائكة. # وعلى الأول جمهور العلماء، والعرب تحذف إذا كان فيما بقي دليل على ما ~~ألقي، قال النمر بن تولب: # فإن المنية من يخشها ... فسوف تصادفه أينما # يريد: أينما كان وأينما ذهب. # PageV01P029 # فصل: # مما يسأل عنه أن يقال: ما المراد بالخليفة؟ # وفي هذا جوابان: # أحدهما: أن المراد به آدم وذريته؛ جعلوا خلائف من الجن الذين كانوا ~~يسكنون الأرض. # والقول الثاني: أن المراد بالخليفة أمم يخلف بعضهم بعضا؛ كلما هلكت أمة ~~خلفتها أخرى. # ويروى عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما أن آدم عليه السلام يكون ~~خليفة لله تعالى؛ يحكم بالحق في أرضه، إلا أن الله تعالى أعلم الملائكة أن ~~يكون من ذريته من يسفك الدماء ويفسد في الأرض. # ويسأل عن الألف من قوله: (أتجعل فيها من يفسد فيها)؟ # وقد اختلف فيها، فقال أبو عبيدة والزجاج: هي ألف إيجاب كما قال جرير: # ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح # هذا إيجاب وليس باستفهام، وهذا القول غير مرضي، وإنما غلط من قال هذا من ~~قبل أن الله تعالى قال: (إني ms020 جاعل في الأرض خليفة) فلا يجوز أن يشكو فيما ~~أخبرهم الله تعالى، فيستفهموا عنه، فلهذا منعوا أن يكون استفهاما. وليس ~~يوجب الاستفهام الشك في أنه سيجعل. وإنما يوجب الشك في أن حالهم يكون مع ~~الجعل، وترك الجعل في الاستقامة والصلاح سواء. # وأصل الألف للاستفهام، قال علي بن عيسى قال بعض أهل العلم: هو استفهام. ~~كأنهم # PageV01P030 # قالوا أتجعل فيها من يفسد، وهذه حالنا في التسبيح والتقديس، أم الأمر ~~بخلاف ذلك، فجاء الجواب على طريق التعريض من غير تصريح في قوله: (إني أعلم ~~ما لا تعلمون)، قال: وهذا الاختيار؛ لأن أصل الألف للاستفهام، فلا يعدل بها ~~عنه إلا أن لا يصح التأويل عليه، وسمع أبا محمد مكي بن أبي طالب بعض شيوخنا ~~يقول: الاستفهام فيه معنى الإنكار، ولا يجب أن تحمل الألف عليه، وكان ~~يسميها ألف التعجب كأن الملائكة تعجبت من ذلك. # وأما أنا فأرى أنها ألف استرشاد، كأن الملائكة استرشدت الله تعالى ~~وسألته: ما وجه المصلحة في ذلك. # ... # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: من أين علمت الملائكة أنهم يفسدون في الأرض؟ # ففي هذا جوابان: # أحدهما: أن الله تعالى أعلمهم أنه يكون من ذرية هذا الخليفة من يفسد في ~~الأرض ويسفك الدماء، فاقتضى ذلك أن سألوا هذا السؤال، وهذا معنى قول ابن ~~عباس وابن مسعود رضي الله عنهما. # والجواب الثاني: أن الجن كانوا في الأرض، فكفروا وأفسدوا وسفكوا الدماء ~~فلما أخبرهم الله تعالى أنه جاعل في الأرض خليفة. أحبوا أن يعلموا هل سبيله ~~في ذلك سبيل من كان فيها من الجن. # وإلى القول الأول يذهب أهل النظر. فإن قيل: فليس في القرآن إخبار بذلك ~~قيل: هو محذوف، اكتفى منه بدلالة الكلام؛ إذ كانت الملائكة لا تعلم الغيب. # وقيل في قوله (إني أعلم ما لا تعلمون) أنه ناب عن الجواب الذي هو (نعم). ~~وقيل معناه: إني أعلم من المصلحة والتدبير ما لا تعلمون. وقيل معناه: إني ~~أعلم ما لا تعلمون من أن ذلك الخليفة يكون من ذريته أهل طاعة وولاية، وفيهم ~~الأنبياء. ms021 # PageV01P031 # وقيل: إني أعلم ما لا تعلمون من إضمار إبليس المعصية وانطوائه عليها. # * * * # فصل: # قد تقدم أن موضع (إذ) نصب على إضمار فعل و (الواو) عاطفة جملة على جملة و ~~(إني جاعل في الأرض خليفة) جملة في موضع نصب ب (قال)، وقوله: (أتجعل فيها ~~من يفسد فيها ويسفك الدماء) إلى قوله (ونقدس لك) في موضع نصب ب (قالوا)، و ~~(الواو) في قوله (ونحن) واو الحال، وتسمى: واو القطع وواو الاستئناف وواو ~~الابتداء وواو (إذ) كذا كان يمثلها سيبويه، ومثلها الواو في قوله تعالى ~~(يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم) أي إذ طائفة، وكذا هاهنا، إذ ~~نحن نسبح، والعامل في الحال هاهنا (أتجعل) كأنه قال: أتجعل فيها من يفسد ~~فيها ويسفك الدماء وهذه حالنا من التسبيح. # و (الباء) من (بحمدك) يتعلق ب (نسبح). و (اللام) من (لك) يتعلق ب (نقدس)، ~~وقوله (إني أعلم ما لا تعلمون) في موضع نصب ب (قال) الذي قبله. # و (إن) تكسر في أربعة مواضع: بعد القول نحو ما في الآية، وبعد القسم وبعض ~~العرب يفتحها بعد القسم والكسر أكثر، وفي الابتداء، وإذا كان في خبرها ~~اللام. ### | قوله تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا) # PageV01P032 # أصل السجود: الخضوع، يقال سجد وأسجد إذا ذل وخضع. قال الأعشى: # من يلق هوذة يسجد غير متئب ... إذا تعمم فوق التاج أو وضعا # وقال آخر: # فكلتاهما خرت وأسجد رأسها ... كما أسجدت نصرانة لم تحنف # ويقال في الجمع (سجد)، قال الشاعر: # تضل البلق في حجراته ... ترى الأكم فيها سجدا للحوافر # أي مذللة، ويقال: نساء سجد، إذا كن فاترات الأعين، قال: # والهوى إلى حور المدامع سجد. # والإسجاد: الإطراق وإدامة النظر في فتور وسكون، قال الشاعر: # أغرك مني أن دلك عندنا ... وإسجاد عينيك الصيودين رابح # و (آدم): أفعل من الأدمة وهي السمرة، وقيل أخذ من أدمة الأرض. # ومعنى أبى وامتنع واحد، والاستكبار والتكبر والتعظم والتجبر واحد ونقيضه ~~التواضع. # * * * # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: أكان إبليس من الملائكة حتى استثني منهم أم لا؟ # PageV01P033 # والجواب أن ms022 العلماء اختلفوا في ذلك: # فذهب قوم إلى أنه لم يكن من الملائكة، وجعل الاستثناء هاهنا منقطعا، ~~كقوله تعالى (ما لهم به من علم إلا اتباع الظن)، وأنشد سيبويه: # والحرب لا يبقى لجا ... حمها التخيل والمراح # إلا الفتى الصبار في المنج ... دات والفرس والوقاح # وأحتج على صحة هذا القول بقوله تعالى (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما ~~يؤمرون) فنفى المعصية عنهم نفيا عاما، واحتج أيضا بقوله تعالى (إلا إبليس ~~كان من الجن)، ومتى أطلق لفظ (الجن) لم يجز أن يعنى به إلا الجنس المعروف، ~~واحتج أيضا بأن إبليس مخلوق من النار، والملائكة روحانيون خلقوا من الريح، ~~وقال الله تعالى في إبليس وولده (أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم ~~عدو) واحتج أيضا بقوله تعالى (جاعل الملائكة رسلا)، فعمها بالوصف بالرسالة، ~~ولا يجوز على رسل الله أن تكفر، ولا أن تفسق. كما لا يجوز على رسله من ~~البشر من قبل أنهم حجة لله على خلقه فالملائكة بهذه المنزلة، ولو جاز عليهم ~~الفسق لجاز عليهم الكذب، فكان يكون لا سبيل إلى الفرق بين الصدق والكذب ~~فيما أخبروا به عن الله. # وذهب الجمهور من العلماء إلى أنه من الملائكة، واحتجوا بأنه لو كان من ~~غير الملائكة لما كان ملوما في ترك السجود؛ لأن الأمر إنما يتناول الملائكة ~~دون غيرهم. قال: وأما ما احتج به من أنهم (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ~~ما يؤمرون) وأنه نفى نفيا عاما، فإن العموم قد يختص # PageV01P034 # من الشيء، نحو قوله تعالى (وأوتيت من كل شيء)، وقد علم أن المعنى: وأوتيت ~~من كل شيء يؤتاه الملوك، ولم يرد جمع الأشياء، قال: وأما احتجاجه بقوله ~~تعالى (إلا إبليس كان من الجن) فإن الجن جنس من الملائكة، وقيل يقع الجن ~~على جميع الملائكة؛ لاجتنانها عن العيون، قال أعشى قيس بن ثعلبة: # لو كان شيء خالدا أو معمرا ... لكان سليمان البري من الدهر # براه إلهي واصطفاه عباده ... ملكه ما بين نوبا إلى مصر # وسخر من جن الملائك تسعة ... قياما لديه يعملون ms023 بلا أجر # وقال الله تعالى: (وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا)، وقال: (ولقد علمت الجنة ~~إنهم لمحضرون)، فالجنة هاهنا الملائكة بلا خلاف؛ لأن قريشا قالت: الملائكة ~~بنات الله، فرد الله عليهم، وأما قوله: إن لإبليس نسلا وذرية، والملائكة ~~ليست كذلك، فلا دليل فيه؛ لأن الله تعالى لما أهبطه إلى الأرض ولعنه تغيرت ~~حاله عن حال الملائكة، فإذا كان كذلك لم تصح الدلالة بذلك، وأما قوله: إنه ~~مخلوق من النار والملائكة خلقوا من الريح. فقال الحسن: الملائكة خلقوا من ~~النور، والنار والنور سواء، وقوله: الملائكة لا يطعمون ولا يشربون، والجن ~~يطعمون ويشربون. فقد جاء عن العرب ما يدل على أنهم لا يطعمون ولا يشربون، ~~أنشد أبو القاسم الزجاجي قال أنشدنا ابن دريد قال أنشدنا أبو حاتم: # ونار قد خضأت بعيد وهن ... بدار ما أريد بها مقاما # سوى ترحيل راحلة وعين ... أكالئها مخافة أن تناما # أتوا ناري فقلت: منون أنتم ... فقالوا: الجن قلت عموا ظلاما # فقلت إلى الطعام، فقال منهم ... زعيم يحسد الإنس الطعاما # لقد فضلتم بالأكل فينا ... ولكن ذلك يعقبكم سقاما # PageV01P035 # فهذا يدل على أنهم لا يأكلون ولا يشربون؛ لأنهم روحانيون، وجاء في بعض ~~الأخبار النهي عن التمسح بالعظم والروث، قال: لأن ذلك طعام الجن وطعام ~~دوابهم، فإن صح ذلك، فلأنهم لما سكنوا الأرض خالفوا حكم الملائكة؛ لأنهم ~~خرجوا من جملتهم بمعصية إبليس، وقد قيل في تأويل الحديث: إنهم يتشممون ذلك ~~ولا يأكلونه. # والقول الأول قول الحسن، والثاني قول الجمهور من العلماء، روي عن ابن ~~عباس القولان جميعا، وروي عن ابن مسعود قال: كانت الملائكة تقاتل الجن، ~~فسبي إبليس وكان صغيرا، وكان مع الملائكة، فتعبد معها بالأمر بالسجود، ~~فلذلك قال الله تعالى (إلا إبليس كان من الجن). # ويسأل عن سجود الملائكة لآدم على أي وجه كان؟ # وفيه جوابان: # أحدهما: أنه كان على وجه التحية لآدم والتكرمة. والعبادة لله تعالى لا ~~لآدم وهو قول قتادة. # والثاني: أنه كان على معنى القبلة، كما أمروا بالسجود إلى القبلة والوجه ~~الأول أبين. # * * * # فصل: # ويسأل عن قوله ms024 (وكان من الكافرين) ما معنى (كان)؟ # الجواب: أن بعضهم قال المعنى: وصار من الكافرين، وقيل: كان في علم الله ~~من الكافرين، وقال بعضهم: كان كافرا في الأصل. # * * * # فصل: # قوله (وإذ قلنا) في موضع نصب؛ لأنها معطوفة على (إذ) الأولى، كأنه قال: ~~واذكر إذ قال # PageV01P036 # ربك للملائكة. وقال أبو عبيدة: لا موضع لها، وقد نبهنا على فساد هذا فيما ~~تقدم. # و (إبليس): اسم أعجمي لا ينصرف في المعرفة للتعريف والعجمة: قال الزجاج ~~وغيره من النحويين: هو اسم أعجمي معرب، واستدلوا على ذلك بامتناع صرفه، ~~وذهب قوم إلى أنه عربي مشتق من (الإبلاس)، وأنشدوا للعجاج: # يا صاح هل تعرف رسما مكرسا ... قال نعم أعرفه وأبلسا # وقال رؤبة: # وحضرت يوم خميس الأخماس ... وفي الوجوه صفرة وإبلاس # أي اكتئاب وكسوف، وزعموا أنه لم ينصرف استثقالا له، لأنه اسم لا نظير له ~~من أسماء العرب، فشبهته العرب بأسماء العجم التي لا تنصرف، وزعموا أن ~~(إسحاق) الذي لا ينصرف من: أسحقه الله إسحاقا، وأن (أيوب) من آب يؤوب، وأن ~~(إدريس) من الدرس. . في أشباه ذلك. # PageV01P037 # وغلطوا في ذلك؛ لأن هذه ألفاظ معربة وافقت ألفاظ العربية. وكان أبو بكر ~~بن السراج يمثل ذلك على جهة التبعيد بمن يقول: إن الطير ولد الحوت، وغلطوا ~~أيضا في أنه لا نظير له في أسماء العرب: العرب تقول (إزميل) اسما للشفرة، ~~قال الشاعر: # هم منعوا الشيخ المافي بعدما ... رأى حمة الإزميل فوق البراجم # وقالوا: إغريض للطلع: وإخريط لصبغ بعينه أحمر، ويقال: هو العصفر قال ~~الراجز: # ملتهب تلهب الإحريض # وقالوا سيف إصليت ماض كثير الماء، وقال الراجز: # كأنني سيف بها إصليت # وقالوا ثوب إضريج أي: مشبع الصبغ، وقالوا من الصفرة خاصة. قال النابغة: # تحييهم بيض الولائد بينهم ... وأكسية الإضريج فوق المشاجب # وهذا كثير، وإنما أوردنا هذه الأشياء لزعمهم أنه لا نظير له. # و (إبليس) نصب على الاستثناء المتصل في مذهب من جعله من الملائكة، وعلى ~~الاستثناء المنقطع في مذهب من جعله من غير الملائكة. # PageV01P038 ### | قوله تعالى: (ولا تكونوا أول كافر به) # يسأل ms025 ما معنى قوله تعالى (ولا تكونوا أول كافر به)؟ # والجواب: أن المعنى ولا تكونوا أول كافر بالقرآن من أهل الكتاب، وقد كانت ~~قريش كفرت به بمكة وقيل المعنى: ولا تكونوا السابقين إلى الكفر فيتبعكم ~~الناس، أي لا تكونوا أئمة في الكفر به. # وقيل المعنى: ولا تكونوا أول جاحد أن صفة النبي في كتابكم. والهاء في ~~(به) على هذا القول تعود على النبي عليه السلام. وفي القول الأول تعود على ~~القرآن. # وقيل المعنى: ولا تكونوا أول كافر بما معكم من كتابكم، لأنكم إذا جحدتم ~~ما فيه من صفة النبي صلى الله عليه وسلم فقد كفرتم به. والأول قول أبي ~~العالية. والقول الثاني قول ابن جريج، والقول الثالث حكاه الزجاج. # * * * # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: لم وحد (كافر) في قوله تعالى (أول كافر به) وقبله ~~جمع؟ # وفي هذا أجوبة: # قال الفراء، لأنه في مذهب الفعل؛ معناه أول من كفر به، ولو أريد الاسم لم ~~يجز إلا بالجمع مثل قولك للجماعة، لا تكونوا أول رجال يفعلون ذلك، لا يجوز ~~أن تقول: لا تكونوا أول رجل يفعل ذلك. # وقال أبو العباس: هذا الذي قاله الفراء خارج من المعنى المفهوم؛ لأن ~~الفعل هاهنا والاسم سواء، إذا قال القائل: زيد أول رجل جاء فمعناه: أول ~~الرجال الذين جاءوا رجلا رجلا وكذلك إذا قال: # PageV01P039 # أول كافر به، وأول مؤمن، فمعناه: أول الكافرين، وأول المؤمنين لا فصل ~~بينهما في لغة ولا قياس، ولا فيما يتقبله الناس. قال ومجازه: لا تكونوا أول ~~قبيل كافر به، وأول حزب كافر به، وهو مما يسوغ به النعت؛ لأنا نقول: جاءني ~~قبيل صالح وحي كريم، ونظير ما ذكره أبو العباس قول الشاعر: # وإذا هم طعموا فالأم طاعم ... وإذا هم جاعوا فشر جياع # وقال الزجاج في هذه المسألة: إذا قلت الجيش رجل فإنما يكره في هذا أن ~~يتوهم أنك تقلله، فأما إذا عرف معناه فهو سائغ جيد، تقول: جيشهم إنما هو ~~رجل وفرس أي ليس بكثير الأتباع، فيدل المعنى على أنك تريد: الجيش ms026 خيل ~~ورجال، وهو في فاعل ومفعول أبين؛ كقولك: الجند مقبل، والجيش مهزوم، قال ~~غيره لا يجوز: نحن أول رجل قام، ويجوز: نحن أول قائم. # قال علي بن عيسى: إن جعل الواحد بإزاء الجماعة إذا لم يكن فيه معنى الفعل ~~كان قبيحا، ألا ترى أنه يقبح: إخوتك أول رجل، وإنما يحسن: أخوك أول رجل؛ ~~لأنك ذكرت واحدا فقابلت به واحدا على معنى الجميع، ولا يجيء على ذلك القياس ~~إذا ذكرت جميعا إلا أن تقابل به الجميع، وقد علمنا أنهم جعلوا لفظ الواحد ~~في موضع الجمع للإيجاز. # وأبين هذه الأقوال قول أبي العباس. # * * * # فصل: # ويقال: إذا كانوا أو كافر به، ما في ذلك من تعظيم الأمر عليهم في أن لا ~~يكونوا ثاني كافر؟ فالجواب: لأنهم إذا كانوا أئمة في الضلالة كانت ضلالتهم ~~أعظم على نحو ما جاء من قولهم: (من سن سنة خير كان له أجرها وأجر من يعمل ~~بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من يعمل بها إلى ~~يوم القيامة. # ونصب (أول كافر) لأنه خبر كان، وأما نصب قوله (مصدقا) فلأنه حال من الهاء ~~المحذوفة، # PageV01P040 # كأنه قال: وآمنوا بما أنزلته مصدقا لما معكم، ويصلح أن ينتصب بآمنوا. ~~كأنه قال: آمنوا بالقرآن مصدقا. و (معكم) ظرف والعامل فيه الاستقرار؛ كأنه ~~قال: وآمنوا بما أنزلت مصدقا للذي استقر معكم. وهذا الاستقرار مع الظرف ~~الذي يتعلق به من صلة الذي. ### | قوله تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة) # استعينوا: استفعلوا من العون، وأصله (استعونوا) فاستثقلت الكسرة على ~~الواو، فنقلت إلى العين، فانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها؛ لأنه ليس في ~~كلام العرب واو ساكنة قبلها كسرة. # والصبر: نقيض الجزع. # وأصل الصلاة: عند أكثر أهل اللغة الدعاء ومنه قول الأعشى: # عليك مثل الذي صليت فاغتمضي ... يوما فإن لجنب المرء مضطجعا # أي دعوت، ومثله: # وقابلها الريح في دنها ... وصلى على دنها وارتسم # وقيل أصلها اللزوم، من قول الشاعر: # لم أكن من جناتها علم الله ... وأني بحرها اليوم صال # أي ملازم لحرها. فكأن معنى ms027 الصلاة: ملازمة العبادة على الحد الذي أمر ~~الله تعالى به. # PageV01P041 # وقيل أصلها من الصلا وهو عظم العجز؛ لرفعه في الركوع والسجود. ومن هذا ~~قول النابغة: # فآب مصلوه بعين جلية ... وغودر بالجولان حزم ونائل # أي: الذي جاءوا في صلا السابق. وعلى القول الأول أكثر العلماء، ومنه قوله ~~تعالى (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية) أي: دعاؤهم. والأصل على ~~ما قلنا: الدعاء، وهو اسم لغوي. فأضيف إلى ذلك الدعاء عمل بالجوارح، فقيل: ~~صلا، وصار اسما شرعيا، ومثل هذا (الصوم) أصله الإمساك في اللغة. وجاء في ~~الشرع: الإمساك عن الطعام، فصار اسما شرعيا بهذه الزيادة. # والكبيرة: نقيض الصغيرة، يقال: كبر الشيء فهو كبير. وكبر الأمر: أي عظم. # وأصل الخشوع: التذلل، قال جرير: # لما أتى خبر الزبير تواضعت ... سور المدينة والجبال الخشع # ومنه خشعت الأصوات، أي سكنت وزلت. # * * * # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: ما وجه الاستعانة بالصلاة؟ # والجواب: أنه لما كان في الصلاة تلاوة القرآن، وفيها الدعاء والخضوع لله ~~عز وجل، كان ذلك معونة على ما يتنازع إليه النفس من حب الرئاسة، والأنفة من ~~الانقياد إلى الطاعة. وهذا الخطاب وإن كان لأهل الكتاب فهو أدب لجميع ~~العباد. # PageV01P042 # ويقال: ما معنى الاستعانة بالصبر؟ # قيل المعنى: استعينوا بالاستشعار للصبر. وقيل: استعينوا بالصبر، أي: ~~بالصوم. # ويسأل عن معنى كبيرة هاهنا؟ # والجواب: أن الحسن والضحاك قالا: ثقيلة، والأصل في ذلك أن ما يكبر يثقل ~~على الإنسان حمله كالأجسام الجافية. # ويسأل عن (الهاء) في قوله: (وإنها لكبيرة) علام يعود؟ # والجواب: أنها تعود على الإجابة للنبي صلى الله عليه وسلم، فهذا قول وإن ~~لم يجر للإجابة ذكر؛ لأن الحال تدل عليها، وقال قوم: تعود على الاستعانة. ~~لأن (استعينوا) تدل على الاستعانة، ومثله قول الشاعر: # إذا نهي السفيه جرى إليه ... وخالف، والسفيه إلى خلاف # أى جرى إلى السفيه، ودل السفيه على السفه. ومثل الأول (إنا أنزلناه في ~~ليلة القدر)، يعني القرآن، ولم يجر له ذكر. # وقيل: تعود على الصلاة، وهو القول المختار، وجاز أن يرد عليها لقربها ~~منه. ms028 # وقيل: يعود إليهما جميعا، وإن كان الضمير واحدا وهما اثنان، # PageV01P043 # كما قال الله تعالى: (والله ورسوله أحق أن يرضوه)، فرد الضمير إلى واحد، ~~وقال الشاعر: # أما الوسامة أو حسن النساء فقد ... أوتيت منه أوان العقل محتنك # وهذا كثير في كلامهم. # * * * # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: لم خص الخاشع بأنها لا تكبر عليه دون غيره؟ # والجواب: أن الخاشع قد توطأ له ذلك بالاعتياد له. والمعرفة بما له فيه ~~فقد صار لذلك بمنزلة من لا يشق فعله عليه ولا يثقل تناوله. # ويقال: لمن هذا الخطاب؟ # والجواب: أنه لأهل الكتاب على هذا أكثر العلم، وقال بعضهم: هو لجميع ~~المسلمين. ### | قوله تعالى: (ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم) # يسأل عن قوله تعالى (ثم أنتم هؤلاء) ما معنى (هؤلاء) هنا، وكيف يتصل به ~~(تقتلون)، وما موضعه من الإعراب؟ # فالجواب: أن فيه ثلاثة أقوال: # PageV01P044 # أحدهما: أن معناه النداء. كأنه قال: ثم أنتم يا هؤلاء تقتلون أنفسكم. # والثاني: أن معناه التوكيد ل (أنتم)، والخبر (تقتلون) أعني خبر (أنتم)؛ ~~لأنه مبتدأ. # والثالث: أنه بمعنى (الذي)، وصلته (تقتلون). # وموضع (تقتلون) رفع إذا كان خبرا. وإذا كان (هؤلاء) بمعنى (الذين) فلا ~~موضع ل تقتلون؛ لأنه صلة. قال الزجاج: ومثله في الصلة (وما تلك بيمينك يا ~~موسى) أي: وما التي بيمينك، وأنشد النحويون: # عدس ما لعباد عليك إمارة ... نجوت وهذا تحملين طليق # وهذا القول الأخير على مذهب الكوفيين، ولا يجيزه أكثر البصريين، وقد ذهب ~~إليه جماعة من المتأخرين ممن يري رأي البصريين. # * * * ### | قوله تعالى: (وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر) # الزحزحة: التنحية. والعذاب: اسم للتعذيب، وهو بمنزلة الكلام من التكليم. # والتعمير: طول العمر، وعمر الشيء ومدته سواء. # وقوله: (وما هو بمزحزحه) فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه كناية عن أحدهم الذي جرى ذكره # PageV01P045 # في قوله تعالى: (يود أحدهم). والثاني: أنه كناية عن التعمير. والثالث: ~~أنه عماد، ومنع الزجاج هذا القول الأخير قال: إذا جاءت (الباء) في خبر (ما) ~~لم يصلح العماد عند البصريين، ولا يجوز عندهم: ما هو بقائم، ولا: ما ms029 هو ~~قائما زيد. قال غيره: إذا كانت (ما) غير عاملة في (الباء) جاز؛ كقولك: ما ~~بهذا بأس. # * * * # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: ما موضع (أن يعمر)؟ # والجواب: رفع، فإن قيل: من أي وجه؟ - قيل: من وجهين: # أحدهما: إبتداء وخبره (بمزحزحه). أو يكون على تقدير الجواب لما كني عنه؛ ~~كأنه قيل: وما هو الذي بمزحزحه، فقيل: هو التعمير. # والوجه الآخر: أن يرتفع (بمزحزحه) ارتفاع الفاعل بفعله؛ كما تقول: مررت ~~برجل معجب قيامه وقيل في معنى (بمزحزحه) بمبعده، وقال ابن عباس: بمنحيه. ~~وهو قول أبي العالية أيضا. # * * * ### | قوله تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها) # قال ابن دريد: النسخ نسخك كتابا عن كتاب. قال صاحب العين: النسخ أن تزيل ~~أمرا كان من قبل يعمل به ينسخه بحادث غيره، كالآية ينزل فيها أمر ثم يخفف ~~عن العباد، فينسخ تلك الآية آية أخرى، فالأولى منسوخة والأخرى ناسخة. # PageV01P046 # والنسأ: التأخير. والآية: القطعة من القرآن، قال ابن عباس: " ما ننسخ من ~~آية " ما نبدل من آية: # * * * # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: ما معنى (ننسأها) بالهمز؟ # قبل: نؤخرها. قيل: فما معنى التأخير هاهنا؟ # ففي هذا جوابان: # أحدهما: أن يكون المعنى نؤخرها فلا ننزلها، وننزل بدلا منها ما يقوم ~~مقامها في المصلحة، أو تكون أصلح للعباد منها. # والثاني: أن يكون المعنى نؤخرها إلى وقت ثان، ونأتي بدلا منها في الوقت ~~المتقدم ما يقوم مقامها. # فأما من تأول ذلك على معنى يرجع إلى النسخ فلا يحسن. إذ كان محصوله فى ~~التقدير: ما ننسخ من آية أو ننسخها، وهذا لا يصح. # ويقال: هل يجوز نسخ القرآن بالسنة؟ # فالجواب: أن بعض أهل العلم أجازه، وبعضهم منعه. # واختلف في القراءة: فقرأ ابن عامر (ما ننسخ من آية) بضم النون وكسر ~~السين، وقرأ الباقون (ما ننسخ) بفتحها. # PageV01P047 # فأما (ننسخ) فمن نسخت فأنا ناسخ، والشيء منسوخ. # وأما (ننسخ) ففيه وجهان: # أحدهما: أن يكون بمعنى ما ننسخك يا محمد، هو قول أبي عبدة، يقال نسخت ~~الكتاب، وأنسخته غيري. # والثاني: أن يكون ننسخ جعلته ms030 ذا نسخ، كما يقال: أقبرته جعلته ذا قبر ~~ويروى أن الحجاج قتل رجلا فقال له قومه: أقبرنا فلانا، أي اجعله ذا قبر. ~~واختلف في (ننسأها): فقرأ ابن كثير وأبو عمرو (ننسأها) بالهمزة، وهو جزم ~~بالشرط، ولا يجوز حذفها عندهما؛ لأن سكونها علامة الجزم، وقرأ الباقون ~~(ننسها) بضم النون وكسر السين، على أن يكون من (النسيان) أو يكون من الترك، ~~والأول قول قتادة والثاني قول ابن عباس. # قال الزجاج: هذا خطأ، وإنما يقال: نسيت بمعنى تركت، ولا يقال: أنسيت ~~بمعنى تركت، وإنما معنى ننسها: نتركها أي نأمر من يتركها. # * * * # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: كيف يجوز على الجماعة الكثيرة أن تنسى شيئا كانت ~~حافظة له، حتى لا يذكره ذاكر منها؟ # والجواب: أن فيه قولين: # أحدهما: أنه إذا أمر الناس بترك تلاوته نسي على مرور الأيام. # والثاني: أن يكون معجزة للنبي عليه السلام، وقد جاءت أحاديث متظاهرة في ~~أنها نزلت أشياء من القرآن ثم نسخت تلاوتها. فمنها ما ذكر أبو موسى الأشعري ~~أنهم كانوا يقرؤون: (لو أن لابن آدم واديين من ذهب لا بتغى لهما ثالثا، ولا ~~يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب). # PageV01P048 # ثم رفع. ومنها عن قتادة عن أنس أن السبعين من الأنصار الذين قتلوا ببئر ~~معونه كانوا يقرون فيهم كتابا (بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا ورضي عنا ~~وأرضانا) ثم إن في ذلك رفع. ومنها (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ~~ألبتة). ومنها ما روي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال كنا نقرأ (لا ترغبوا ~~عن آبائكم فإنه كفر بكم). ومنها ما حكي أن سورة الأحزاب كانت تعادل سورة ~~البقرة في الطول. # * * * # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: على كم وجه يصح النسخ؟ # والجواب على ثلاثة أوجه: # نسخ الحكم دون اللفظ، ونسخ اللفظ دون الحكم، ونسخهما جميعا، فالأول: ~~كقوله (يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون) ~~إلى قوله (يغلبوا ألفين بإذن الله). # والثاني: كآية الرجم كانت منزلة فرفع ms031 لفظها وبقي حكمها. # والثالث: يجوز وإن لم يقطع بأنه كان، كالذي قيل إنه كان على المؤمنين ~~فرضا قيام الليل، ثم نسخ. # ولا يجوز النسخ إلا في الأمر والنهي. ولا يجوز في الخبر والقصص؛ لأن ذلك ~~يؤدي إلى الكذب، والقرآن منزه عن ذلك. # ويقال: ما معنى (نأت بخير منها أو مثلها)؟ # وفيه جوابان: # أحدهما: أن يكون المعنى: بخير منها لكم في التسهيل والتيسير، كالأمر ~~بالقتال الذي سهل على المسلمين في قوله: (الآن خفف الله عنكم)، (أو مثلها): ~~كالعبادة بالتوجه إلى الكعبة بعد # PageV01P049 # ما كان إلى بيت المقدس. # والثاني: أن يكون المعنى بخير منها في الوقت الثاني، أي هي لكم في الوقت ~~الثاني خير من الأولى لكم في الوقت الأول، أو مثلها في ذلك، وهو معنى قول ~~الحسن، كأن الآية في الوقت الثاني في الدعاء إلى الطاعة، والزجر في المعصية ~~مثل الآية الأولى في وقتها، فيكون اللطف بالثانية. كاللطف بالأولى، إلا أنه ~~في الوقت الثاني يستقيم بها دون الأول، والجواب الأول معنى قول ابن عباس. # * * * ### | قوله تعالى: (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه) # يقال: رغبت في الشيء أحببته، ورغبت عنه كرهته. # والملة: الدين. # وفي (إبراهيم) أربع لغات: إبراهيم، وإبراهام. وإبراهم، وإبراهم. # والاصطفاء: افتعال من الصفوة، والطاء مبدلة من تاء الافتعال؛ لأن الطاء ~~تشبه الصاد في الاستعلاء والإطباق، وهي من مخرج التاء، فاختاروها ليكون ~~العمل من جهة واحدة. # والسفه: الخفة، والمعنى ومن يمل عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه، واختلف ~~في (سفه نفسه) فقال الأخفش: أهل التأويل يزعمون أن المعنى: سفه نفسه. وقال ~~يونس أراها لغة، قال الزجاج: ذهب يونس إلى أن (فعل) للمبالغة. كما أن (فعل) ~~لذلك، قال ويجوز على هذا سفهت زيدا بمعنى: سفهت. وقال أبو عبيدة: معناه ~~أهلك نفسه، وأوبق نفسه، قال ابن زيد: إلا من أخطأ خطيئة، فهذا كله وجه واحد ~~في التأويل، وقال آخرون: هو على التفسير. كقوله تعالى (فإن طبن لكم عن شيء ~~منه نفسا). # PageV01P050 # وهو قول الفراء قال: العرب توقع سفه على ms032 نفسه وهي معرفة وكذا (بطرت ~~معيشتها)، وأنكر هذا الزجاج، وقال: معنى التمييز لا يحتمل التعريف؛ لأن ~~التمييز إنما هو واحد يدل على جنسه فإذا عرفته صار مقصودا، وقيل: هو تمييز ~~على تقدير الانفصال كما تقول: مررت برجل مثله. أي: مثل له، وقيل: هو على ~~حذف حرف الجر كما قال تعالى (ولا تعزموا عقدة النكاح)، أي: على عقدة النكاح ~~قال الشاعر: # نغالي اللحم للأضياف نيا ... ونبذله إذا نضج القدور # كأن قال: نغالي باللحم، قال الزجاج: وهذا مذهب صحيح، والاختيار عنده أن ~~يكون سفه في معنى جهل، وهو موافق لما قال ابن السراج في (بطرت معيشتها)؛ ~~لأن البطر مستقل للنعمة غير راض بها. # ويقال: لما قال (وإنه في الآخرة لمن الصالحين). فخص الآخرة بالذكر، وهو ~~في الدنيا كذلك؟ # والجواب: أن الحسن قال: المعنى أنه من الذين يستوجبون على الله الكرامة ~~وحسن الثواب، فلما كان خلوص الثواب في الآخرة دون الدنيا وصفه بما ينبئ عن ~~ذلك. # في هذه الآية دلالة على أن ملة نبينا صلى الله عليه وسلم هي ملة إبراهيم ~~عليه السلام مع زيادات في ملة نبينا. فبين أن الذين يرغبون من الكفار عن ~~هذه الملة وهي تلك الملة قد سفهوا أنفسهم. وهذا قول قتادة والربيع. # PageV01P051 ### | قوله تعالى: (ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين) # وصى وأوصى وأمر وعهد بمعنى. # ومما يسأل عنه أن يقال: علام تعود الهاء من (بها)؟ # والجواب فيه قولان: # أحدهما: أنها تعود على الملة وقد تقدم ذكرها، وهو قول الزجاج. # والثاني: أنها تعود على الكلمة التي هي (أسلمت لرب العالمين) قاله بعض ~~أهل اللغة. # وسأل بما ارتفع (يعقوب)؟ # والجواب أن فيه قولين: # أحدهما: أنه معطوف على إبراهيم، والتقدير: ووصى بها يعقوب، وهذا معنى قول ~~ابن عباس وقتادة والثاني: أنه على الاستئناف. أي: ووصى يعقوب أن يا بني. # والفرق بين التقديرين: أن الأول لا أضمار فيه؛ لأنه معطوف، والثاني فيه ~~إضمار. # * * * # فصل: # ويسأل عن قوله (فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) كيف نهاهم عن الموت، ms033 وليس ~~الموت إليهم، فيصح أن ينهاهم عنه؟ # والجواب: أن أبا بكر السراج قال: لم ينهوا عن الموت وإن كان اللفظ على ~~ذلك، وإنما نهوا في الحقيقة عن ترك الإسلام لئلا يصادفهم الموت عليه، فإنه ~~لابد منه، والتقدير: أثبتوا على الإسلام لئلا يصادفكم الموت وأنتم على ~~غيره، ومثله من الكلام: لا أرينك هاهنا. فالنهي في اللفظ للمتكلم وهو # PageV01P052 # في المعنى للمخاطب كأنه قال: لا تتعرض للكون هاهنا. فإن من كان هاهنا، ~~أراه. # * * * ### | قوله تعالى: (ولكم في القصاص حياة) # القصاص: القود، والحياة: نقض الموت، والألباب: العقول واحدها لب. # وهذا من الكلام الموجز، ونظيره من كلام العرب (القتل أنفى للقتل) إلا أن ~~ما في القرآن أوجه وأفصح وأكثر معاني، والفرق بينهما في البلاغة من أربعة ~~أوجه وهي أنه: # أكثر في الفائدة، وأوجز في العبارة، وأبعد من الكلفة بتكرير الجملة، ~~وأحسن تأليفا بالحروف المتلائمة. # أما الكثرة في الفائدة: ففيه كل ما في (القتل أنفى للقتل) وزيادة معاني ~~حسنة منها: إبانة العدل لذكره القصاص؛ لأنه ليس في قولهم (القتل أنفى ~~للقتل) بيان أنه قصاص. ومنها: إبانة الغرض المرغوب فيه وهو الحياة. ومنها: ~~الاستدعاء بالرغبة والرهبة وحكم الله به. # وأما الإيجاز في العبارة: فإن الذي هو نظير (القتل أنفى للقتل) قوله ~~تعالى (القصاص حياة)، وهذا عشرة أحرف، والأول أربعة عشر حرفا. # وأما بعده من الكلفة بالتكرير الذي فيه على النفس مشقة، فإن قولهم (القتل ~~أنفى للقتل) فيه تكرير غيره أبلغ منه، ومتى كان التكرير كذلك، فهو مقصر في ~~باب البلاغة. # وأما الحسن بتأليف الحروف المتلائمة: فإنه يدرك بالحس، ويوجد في اللفظ؛ ~~لأن الخروج من الفاء إلى اللام أعدل من الخروج من اللام إلى الهمزة؛ لبعد ~~الهمزة من اللام، وكذا الخروج من الصاد إلى الحاء أعدل من الخروج من الألف ~~إلى اللام. # PageV01P053 # فباجتماع هذه الأمور التي ذكرنا صار أبلغ منه وأحسن. وإن كان الأول حسنا ~~بليغا، وقد أخذه الشاعر فقال: # أبلغ أبا مالك عني مغلغلة، ... وفي العتاب حياة بين أقوام # * * * # فصل: # ويسأل عن معنى (لعل) هاهنا؟ # والجواب ms034 أن فيها ثلاثة أقوال: # أحدها: أن يكون بمعنى (اللام) كأنه قال: لتتقوا. # والثاني: أن يكون للرجاء والطمع، كأنه قال: على رجائكم وطمعكم في التقوى. # والثالث: على معنى التعرض، كأنه قال: على تعرضكم للتقوى. # وقيل في (تتقون) قولان: # أحدهما: لعلكم تتقون القتل؛ للخوف من القصاص وهو قول ابن زيد. # والثاني: لعلكم تتقون ربكم باجتناب معاصيه. # * * * ### | قوله تعالى: (أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه) # الأصل في أيام: أيوام؛ لأن الواحد يوم، ولكن الواو والياء إذا اجتمعتا ~~وسبقت الأولى منهما # PageV01P054 # بالسكون قلبت الواو ياء، وأدغمت في الياء التي بعدها. # ويسأل عن قوله (أياما معدودات) ما هي؟ # والجواب: أن عطاء وابن عباس قالا: ثلاثة أيام من كل شهر ثم نسخ ذلك، وقال ~~ابن أبي ليلى: المعني به شهر رمضان، وإنما كان صيام ثلاثة أيام من كل شهر ~~تطوعا. # * * * # فصل: # ويسأل عن الذين يطيقونه؟ # وفيه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أن المعني به سائر الناس، ومن شاء صام ومن شاء أفطر وافتدى لكل ~~يوم بإطعام مسكين، ثم نسخ ذلك، وهو قول ابن عباس والشعبي. # والثاني: أنه نزل فيمن كان يطيقه. ثم صار إلى حال العجز عنه، وهو قول ~~السدي. # ويسأل عن الهاء في (يطيقونه) علام يعود؟ # وفيه جوابان: # أحدهما: أن يعود على الصيام. # والثاني: أن يعود على الفداء؛ لأنه معلوم وإن لم يجر له ذكر. # وعلى القول الأول أكثر العلماء. # PageV01P055 # فصل: # ويسأل عن الناصب لقوله (أياما)؟ # والجواب: أنه يجوز أن يكون ظرفا، والعامل فيه فعل مضمر يدل عليه (كتب ~~عليكم الصيام) كأنه قال: الصيام في أيام معدودات، ولا يجوز أن يعمل فيه ~~(كتب عليكم)؛ لأن فيه التفرقة بين الصلة والموصول؛ لأن (كما كتب) في موضع ~~المصدر، وكذلك لا يجوز أن يعمل فيه الصيام الذي في الآية لهذه العلة. # ويجوز أن يكون مفعولا على السعة، كقولك: اليوم صمته، وكأنه قال: صوموا ~~أياما معدودات. # وقال الفراء: هو مفعول لما لم يسم فاعله، وخالفه الزجاج في ذلك، ومثله ~~الفراء بقولك: ms035 أعطي زيد المال، قال الزجاج: لأنه لا يجوز عنده رفع الأيام ~~كما يجوز رفع المال، وإذا كان المفروض في الحقيقة هو الصيام دون الأيام، ~~فلا يجوز ما قاله الفراء إلا على السعة. # * * * ### | قوله تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان) # الشهر معروف، وجمعه في القلة (أشهر) وفي الكثرة (شهور)، وأصله من ~~الاشتهار. # وأصل (رمضان) من الرمض وهو شدة وقع الشمس على الرمل وغيره، كذلك قال ابن ~~دريد، واشتقاق رمضان من هذا؛ لأنهم سموا الشهور بالأزمنة التي وقعت فيها، ~~فوافق رمضان. أيام رمض # الحر. وقالوا في جمعه (رمضانات)، وأنشد صاحب العين: # إن شهرا مباركا قد أتانا ... مثل ما بعد قيله رمضان # PageV01P056 # وروي عن مجاهد أنه قال: لا تقل (رمضان) ولكن قل كما قال الله تعالى (شهر ~~رمضان) فإئك لا تدري ما رمضان، حدثنا أبو الحسن الحوفي عن أبي بكر بن ~~الأدفوني حدثنا أبو جعفر أحمد بن محمد النحاس قال قرئ على أحمد بن محمد بن ~~الحجاج عن يحيى بن سليمان قال حدثني عبيد الله بن موسى حدثنا عثمان بن ~~الأسود عن مجاهد قال: لا تقل رمضان، ولكن قل كما قال الله تعالى (شهر ~~رمضان) فإنك لا تدري ما رمضان؟ قال يحيى بن سليمان وحدثنا يعلى بن عبيد ~~حدثنا طلحة بن عمرو عن مجاهد وعطاء أنهما كانا يكرهان أن يقولا (رمضان) ~~ويقولان نقول كما قال الله تعالى. (شهر رمضان) لعل رمضان اسم من أسماء الله ~~تعالى. # وليس العمل على ما قالا؛ لأن الأخبار جاءت بخلاف ذلك. # وقد روى مالك في الموطأ يرفعه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صام ~~رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه). # وحدثنا أبو الحسن عن أبي بكر حدثنا أبو جعفر قال قرئ على أحمد بن شعيب عن ~~إسحاق بن إبراهيم أخبرنا يحيى بن سعيد قال حدثنا المهلب بن أبي حبيبة، قال ~~أحمد وأخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا يحيى عن المهلب بن أبي حبيبة، قال ~~حدثني الحسن ms036 عن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقولن أحدكم ~~صمت رمضان ولا قمته كله) فلا أدري أكره التركيبة أم قال: لابد من غفلة ~~ورقدة، واللفظ لعبيد الله. # وحدثنا أبو الحسن عن أبي بكر عن أبي جعفر أخبرنا عمران بن خالد أخبرنا ~~شعيب أخبرنا ابن جريج قال أخبرني عطاء قال سمعت ابن عباس رضي الله عنه ~~يقول، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لامرأة من الأنصار (إذا كان رمضان ~~فاعتمري فيه، فإن عمرة فيه تعدل حجة). # PageV01P057 # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: ما معنى (أنزل فيه القرآن)؟ # والجواب أن فيه قولين: # أحدهما: أنه أنزل كله في ليلة القدر إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم ~~أنزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك نجوما، وهو قول ابن عباس ~~وسعيد بن جبير والحسن. # والثاني: أن معناه أنزل في فضله قرآن، كما نقول: أنزل في عائشة قرآن. # وقد قيل إن المعنى: ابتدئ إنزاله في ليلة القدر من شهر رمضان. # * * * # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: ما معنى (فمن شهد منكم الشهر فليصمه)؟ # وفيه جوابان: # أحدهما: أن المعنى فمن شهد منكم المصر، وحضر ولم يغب؛ لأنه يقال: شاهد ~~بمعنى حاضر. # والجواب الثاني: أن يكون التقدير: فمن شهد منكم الشهر مقيما. # * * * # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: بم ارتفع (شهر رمضان)؟ # والجواب أنه يرتفع من ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون خبر مبتدأ محذوف يدل عليه قوله (أياما) كأنه قال: هي شهر ~~رمضان. # والثاني: أن يكون بدلا من الصيام؛ كأنه قال: كتب عليكم شهر رمضان. # والثالث: يرتفع بالابتداء، ويكون الخبر (الذي أنزل فيه القرآن). # PageV01P058 # وإن شئت جعلت (الذي أنزل فيه القرآن) وصفا، وأضمرت الخبر حتى كأنه قال: ~~وفيما كتب عليكم شهر رمضان. أي: صيام شهر رمضان. # * * * # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: لم لم يكن عن (الشهر)؛ لأنه قد جرى ذكره، كقولك: ~~شهر رمضان المبارك من شهده فليصمه؟ # قيل: هذا كقوله (الحاقة (1) ما الحاقة (2)) و (القارعة (1) ما القارعة ~~(2))، وما أشبه ms037 ذلك مما أعيد بلفظ التعظيم والتفخيم. # وأما دخول الفاء في قوله (فمن شهد منكم الشهر)، فإن شئت جعلتها زائدة كما ~~قال الشاعر: # لا تجزعي إن منفسا أهلكته ... وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي # لابد أن تكون إحدى الفائين هاهنا زائدة؛ لأن (إذا) إنما يقتضي جوابا ~~واحدا وإن شئت أن تقول دخلت الفاء؛ لأن فيه معنى الجزاء؛ لأن شهر رمضان وإن ~~كان معرفة فليس بمعرفة معينة، ألا ترى أنه شائع في جميع هذا القبيل لا يراد ~~به واحد بعينه. # ويجوز فيه النصب من وجهين: # أحدهما: على الأمر، كأنه قال: صوموا شهر رمضان. # PageV01P059 # والثاني: أن يكون على البدل من (أيام). # وقد قرأ بذلك مجاهد. و (هدى للناس) في موضع نصب على الحال. # * * * # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: كيف جاز أن يعطف الظرف على الاسم في قوله (ومن ~~كان مريضا أو على سفر)؟ # فالجواب: أنه بمعنى الاسم، كأنه قال: أو مسافرا، ومثله (دعانا لجنبه أو ~~قاعدا أو قائما) أي: دعانا مضطجعا. # ويسأل عن اللام في قوله: (ولتكملوا العدة) علام عطفت؟ # وفيه جوابان: # أحدهما: أنها معطوفة على الجملة؛ لأن المعنى شرع لكم ذلك، فأريد منكم ~~ولتكملوا العده، ومثله: (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون ~~من الموقنين) أي: وليكون من الموقنين أريناه ذلك. # والوجه الثاني: أن يكون على تأويل محذوف دل عليه ما تقدم؛ كأنه قال: يريد ~~الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، قال: فعل الله ذلك ليسهل عليكم، ~~ولتكملوا العدة، قال الشاعر: # بادت وغير آيهن مع البلى ... إلا رواكد جمرهن هباء # ومشجج أما سواء قذاله ... فبدا وغير ساره المعزاء # فعطف على تأويل الكلام الأول كأنه قال: بها رواكد ومشجج، وهذا قول الزجاج # PageV01P060 # والأول قول الفراء. # ورفع قوله (فعدة من أيام أخر) بالابتداء، والخبر محذوف، كأنه قال: فعله ~~عدة من أيام أخر، ويجوز النصب في العربية على تقدير: فليعد عدة أيام أخر لا ~~مما أفطر. # ولم ينصرف (أخر) لأنها صفه معدولة عما يجب في نظائرها من الألف واللام، ~~ونظائرها نحو: الصغر والكبر، فأما ms038 من قال: لم ينصرف لأنها صفة، فيلزمه أن ~~لا يصرف (لبدا) و (حطما)، ومن قال: لم ينصرف لأن الواحد غير مصروف، يلزمه ~~أن لا يصرف (غضابا) و (عطاشا)؛ لأن الواحد غير مصروف. # * * * ### | قوله تعالى: (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه) # يسألون: من السؤال، والصد: المنع. # وهذه الآية نزلت في سرية للنبي صلى الله عليه وسلم التقت مع عمرو بن ~~الحضرمي في آخر يوم من جمادى الآخرة فخافوا أن يخلوهم ذلك اليوم فيدخل ~~الشهر الحرام، فلقوهم وقتل عمرو بن الحضرمي، فقال المشركون: محمد يحل ~~القتال في الشهر الحرام. وجاءوا فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. ~~فأنزل الله هذه الآية، وهذا قول الحسن. # وقال غيره: السائلون المسلمون. # واختلف في أمر القتال في الشهر الحرام: فذهب الجمهور من العلماء إلى أنه ~~منسوخ. # PageV01P061 # وذهب عطاء إلى أنه على التحريم، والوجه الأول أظهر، لقوله تعالى (اقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم). # * * * # فصل: # ويسأل عن جر (قتال)؟ # والجواب: أنه بدل من الشهر، وهو بدل الاشتمال، ومثله قوله تعالى: (قتل ~~أصحاب الأخدود (4) النار ذات الوقود (5))، وقال الأعشى: # لقد كان في حول ثواء ثويته ... تقضي لبانات ويسأم سائم # وقال الكوفيون: هو جر على إضمار (عن). وقال بعضهم: هو على التكرير، وهذه ~~ألفاظ متقاربة في المعنى، وإن اختلفت العبارة. # * * * # فصل: # ويسأل عن جر (المسجد الحرام)؟ # وفيه جوابان: # أحدهما: أن يكون معطوفا على (سبيل الله) كأنه قال: وصد عن سبيل الله وعن ~~المسجد الحرام، وهو قول أبي العباس. # PageV01P062 # والثاني: أنه معطوف على (الشهر الحرام) كأنه قال: يسألونك عن القتال في ~~الشهر الحرام والمسجد الحرام، وهذا قول الحسن والفراء. # وأنكر بعضهم هذا لأنه فيما زعم لم يسألوا عن المسجد؛ لأنهم لا يشكون فيه، ~~وليس كما ذهب إليه من قبل أن القوم لما استعظموا القتال في الشهر الحرام. ~~وكان القتال عند المسجد الحرام يجري مجراه في الاستعظام، جمع بينهما في ~~السؤال، وإن كان القتال إنما وقع في الشهر الحرام خاصة، كأنهم قالوا: هل ~~استحللت الشهر الحرام والمسجد الحرام، ولا يجوز حمله على ms039 (الباء) في قوله ~~(وكفر به)؛ لأنه لا يعطف على المضمر المجرور إلا بإعادة الجار إلا في ضرورة ~~شعر، وسأشرحه في سورة النساء. # * * * # فصل: # ومما يسأل عنه قوله: (والفتنة أكبر من القتل)؟ # والجواب: أن الفتنة في الدين وهي الكفر أعظم من القتل في الشهر الحرام. # ويسأل بما ارتفع (وصد عن سبيل الله)؟ # والجواب: أنه مرفوع بالابتداء، وما بعده معطوف عليه، وخبره (أكبر عند ~~الله)، وهذا قول الزجاج، وأجاز الفراء رفعه من وجهين فقال: إن شئت جعلته ~~مردودا على (كبير) يعني: قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به. وإن ~~شئت جعلت الصد كبيرا، يريد القتال فيه كبير وكبير الصد عن سبيل الله وكفر ~~به. # وخطأه علماؤنا في ذلك، قالوا لأنه يصير المعنى في التقدير الأول: قل ~~القتال في الشهر الحرام كفر بالله، وهذا خطأ بإجماع، ويصير التقدير في ~~الثاني: وإخراج أهله منه أكبر عند الله من الكفر وهذا # PageV01P063 # خطأ بإجماع. # وللفراء أن يقول في هذا المعنى: وإخراج أهله منه أكبر من القتل فيه لا من ~~الكفر به؛ لأن المعنى في إخراج أهله منه: إخراج النبي صلى الله عليه رسلم ~~والمؤمنين معه. فأما الوجه الأول فليس له منه تخلص. # * * * ### | قوله تعالى: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور) # الولي: النصير والمعين، وجمعه أولياء، وأصله من الولي وهو القرب، قال ~~علقمة: # تكلفني ليلى وقد شط وليها ... وعادت عواد بيننا وخطوب # واختلف في (الطاغوت): فقال قوم هو كاهن، وقال آخرون هو صنم. وقال آخرون ~~هو الشيطان، وقيل: هو كل ما عبد من دون الله، وأصله من الطغيان يقال طغى ~~يطغى، وطغا يطغو، وهو (فلعوت)؛ لأنه مقلوب، وأصله: طغيوت أو طغووت، على ~~إحدى اللغتين، ثم قدمت اللام وأخرت العين، فصار طيغوتا أو طوغوتا، فقلب ~~لتحرك حرف العلة وانفتاح ما قبله، والطاغوت يقع على الواحد والجمع بلفظه، ~~ويذكر ويؤنث، قال الله تعالي: (اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها)، وقال في هذه ~~الآية (أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم)، وقد قيل: هو واحد وضع موضع الجمع في ~~هذا ms040 الموضع، كما قال العباس بن مرداس: # فقلنا أسلموا إنا أخوكم ... فقد برئت من الإحن الصدر # وجمع (طاغوت): طواغيت وطواغت وطواغ على حذف الزيادة وطواغي على العوض من ~~الحذف. # PageV01P064 # فصل: # ويسأل عن معنى قوله (يخرجهم من الظلمات إلى النور)؟ # والجواب: أن الظلمات هاهنا الكفر، والنور الإيمان. وقال قتادة: من ظلمات ~~الضلالة إلى نور الهدى. # ويسأل عن قوله (والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى ~~الظلمات)، فيقال: كيف يخرجونهم من النور وهم لم يدخلوا فيه؟ # وفي هذا أربعة أجوبة: # أحدها: أنه كقول القائل: أخرجني أبي من ميراثه، وهو لم يدخل فيه، وإنما ~~ذلك لأنه لو لم يعمل ما عمل لدخل فيه فصار لذلك بمنزلة الداخل فيه الذي ~~أخرج عنه، قال الشاعر: # فإن تكن الأيام أحسن مرة ... إلي فقد عادت لهن ذبوب # ولم يكن لها ذبوب قبل ذلك. # والجواب الثاني: يروى عن مجاهد قال: نزلت في قوم ارتدوا عن الإسلام، ~~فكأنهم خرجوا من نور الإسلام بعد ما دخلوا فيه. # والجواب الثالث: أنها نزلت في المنافقين، كأنهم كانوا في نور بما أظهروه ~~من الإسلام وخرجوا منه بما أبطنوه من الكفر. # والجواب الرابع: أنهم كانوا في نور ولدوا فيه. فلما كبروا وكفروا خرجوا ~~منه، ويدل على صحة هذا القول قول النبي صلى الله عليه وسلم (كل مولود يولد ~~على الفطرة، حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه). # PageV01P065 ### | قوله تعالى: (وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي) # الاطمننان: السكون والتوطؤ، والجزء: النصيب. والصور: الإمالة، والصور ~~أيضا القطع. # ومما يسأل عنه أن يقال: ما سبب سؤاله أن يريه كيف الإحياء؟ # وفي هذا جوابان: # أحدهما: أنه رأى جيفة يمزقها السباع. فأراد أن يعرف كيف الإحياء. وهذا ~~قول الحسن وقتادة والضحاك. # والجواب الثاني: أن نمرود لما نازعه في الإحياء، أراد أن يعرف ذلك علم ~~بيان بعد علم الاستدلال، وهذا قول أبي إسحاق. # وزعم قوم أنه شك، وهذا غلط ممن قاله؛ لأن الشك في قدرة الله تعالى ms041 على ~~إحياء الموتى كفر لا يجوز على أحد من الأنبياء عليهم السلام. # * * * # فصل: # ويسأل عن قوله (ليطمئن قلبي)؟ # والجواب: أنه أراد ليزداد قلبي يقينا إلى يقينه، وهذا قول الحسن وسعيد بن ~~جبير والربيع ومجاهد. # ولا يجوز أن يريد: ليطمئن قلبي بالعلم بعد الشك لما قدمناه. # PageV01P066 # ويقال: ما كانت الطير؟ # والجواب: أن مجاهدا وابن جريج وابن زيد وابن إسحاق قالوا: الديك والطاووس ~~والغراب والحمام. أمر أن يقطعها ويخلط ريشها بدمها، ثم يفرقها على كل جبل ~~جزءا جزءا. # وقرأ حمزة (فصرهن إليك)، وقرأ الباقون (فصرهن إليك) بالضم. # وقد قلنا إن معنى (صر) اقطع، وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ~~ومجاهد، وقال توبة ابن الحمير: # فأدنت لي الأسباب حتى بلغتها ... بنهضي وقد كاد ارتقائي يصورها. # أي: يقطعها. # وقال عطاء وابن زيد المعنى: اضممهن إليك، وهذا من صاره يصوره إذا أماله، ~~قال الشاعر: # ووجاءت خلعة دهس صفايا ... يصور عنوقها أحوى زنيم # يصف غنما وتيسا يعطف عنوقها. # فأما من قرأ بالكسر. فيحتمل الوجهين المتقدمين، قال بعض بني سليم: # وفرع يصير الجيد وحف كأنه ... على الليث قنوان الكروم الدولح # يريد: يميل الجيد. # PageV01P067 # فصل: # قوله تعالى: (إذ قال)، موضع (إذ) نصب من وجهين: # أحدهما: أن يكون على إضمار (اذكر) كأنه قال: اذكر إذ قال إبراهيم، وهذا ~~قول الزجاج. # والثاني: أن يكون معطوفا على قوله (ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه)، ~~كأنه قال: ألم تر إذ قال إبراهيم. وإذا كان معنى فصرهن إليك: قطعهن، ف ~~(إليك) من صلة (خذ). كأنه قال: خذ إليك أربعة من الطير فصرهن. # وإذا كان معناها: أملهن واعطفهن، ف (إليك) متعلقة يه. # وهذه الألف التي في قوله (أولم تؤمن) ألف تحقيق وإيجاب، كما قال جرير: # ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح # والطير: جمع طائر. مثل راكب وركب وصاحب وصحب، والطير مؤنثة. # ونصب (سعيا) على الحال، والعامل فيها (يأتينك). # وقوله (أن الله عزيز حكيم) في موضع نصب ب (اعلم). # * * * # PageV01P068 ### | من سورة (آل عمران) ### | قوله تعالى: (نزل عليك الكتاب ms042 بالحق مصدقا لما بين يديه) # قيل في قوله (مصدقا لما بين يديه) يعني من كتاب ورسول، وهو قول مجاهد ~~وقتادة والربيع وسائر أهل العلم. # فإن قيل: لم قال (بين يديه)؟ # قيل: لأنه ظاهر له كظهور ما بين يديه. # وقيل في معنى (مصدقا) قولان: # أحدهما: أنه مصدق لما بين يديه لموافقته إياه في الخبر. # والثاني: أنه مصدق، أي: يخبر بصدق الأنبياء. # وفي قوله (نزل عليك الكتاب بالحق) قولان: # أحدهما: بالصدق في إخباره. # والثاني: بالحق أي، بما توجبه الحكمة من الإنزال، كما توجبه الحكمة من ~~الإرسال وهو حق من الوجهين. # * * * # فصل: # ويسأل ما وزن التوراة؟ # والجواب: أن فيها ثلاثة أقوال: # PageV01P069 # أحدها: أنها (تفعلة) وأصلها (تورية) تحركت الياء، وانفتح ما قبلها، ~~فانقلبت ألفا، و (تفعلة) في الكلام قيل جدا، قالوا: تتفلة في تتفلة. # والقول الثاني: أنها (تفعلة) والأصل (تورية) مثل: توقية وتوفية، فانقلبت ~~إلى (تفعلة) وقلبت ياؤها. # هذان القولان رديئان: وهما للكوفيين. # وأما البصريون فالتوراة عندهم (فوعلة) وأصلها (وورية) مثل: حوقلة ودوخلة، ~~فأبدلوا من الواو الأولى تاء كما فعلوا في (تولج) والأصل: وولج، لأنه من ~~الولوج، وقلبوا الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها. # وهذا القول المختار؛ لأن (توقية) لا يجوز فيها (توقاة) و (تفعلة) قيل في ~~الكلام، واشتقاق (تورية) من قولهم: وريت بك زنادي، كأنها ضياء في الدين، ~~كما أن ما يخرج من الزناد ضياء. # وأما (إنجيل) فهو (إفعيل) من النجل. # واختلف في معناه: # فقال علي بن عيسى: النجل الأصل، لأن الإنجيل أصل من أصول العلم. # قال غيره: النجل الفرع، ومنه قيل للولد نجل، فكأن الإنجيل فرع على ~~التوراة، يستخرج منها. # وعندي: أنه من النجل وهو السعة، يقال: عين نجلاء، أي: واسعة. وطعنة ~~نجلاء، ومنه قول الشاعر: # وأطعن الطعنة النجلاء عن عرض ... وأكتم السر فيه ضربة العنق # فكأنه قد وسع عليهم في الإنجيل ما ضيق فيه على أهل التوراة، وكل محتمل. # PageV01P070 ### | قوله تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات) # الحكم: مأخوذ من قولك: أحكمت الشيء إذا ثقفته وأتقنته. # وأم الكتاب: أصل ms043 الكتاب. # والمتشابه: الذي يشبه بعضه بعضا فيغمض. # والزيغ: الميل، والابتغاء: التطلب. # والفتنة: أصلها الاختبار، ومن قولهم: فتنت الذهب بالنار أي اختبرته وقيل ~~معناه: خلصته. # والتأويل: المرجع، يقال آل الأمر إلى كذا أي: رجع، وأكثر العلماء يعبر ~~عنه بالتفسير، والأول الأصل، قال الأعشى: # على أنها كانت تأول حبها ... تأول ربعي السقاب فأصحبا # أي كان حبها صغير فآل إلى العظم كما آل السقب وهو الصغير من أولاد النوق ~~إلى الكبر. # والراسخون: الثابتون، والإيمان: التصديق. # * * * # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: ما المحكم، وما المتشابه هاهنا؟ # والجواب فيه خلاف: # قيل المحكم الناسخ والمتشابه المنسوخ. وهذا قول ابن عباس وقتادة. # PageV01P071 # وقال مجاهد: المحكم ما لم تشتبه معانيه، والمتشابه ما اشتبهت معانيه، نحو ~~(وما يضل به إلا الفاسقين) (والذين اهتدوا زادهم هدى). # وقال محمد بن جعفر بن الزبير: الحكم ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها ~~واحدا، والمتشابه ما يحتمل أوجها. # وقال ابن زيد: المحكم الذي لم يتكرر لفظه، والمتشابه ما تكرر لفظه. # قال جابر بن عبد الله: المحكم ما يعلم تعيين تأويله، والمتشابه ما لا ~~يعلم تعيين تأويله نحو (يسألونك عن الساعة أيان مرساها). # فهذه خمسة أقوال للعلماء. # ويقال: ما معنى (فيتبعون ما تشابه منه)؟ # والجواب: أنهم يحتجون به على باطلهم. # فإن قيل: ففيمن نزلت؟ # والجواب: نزلت في وفد نجران لما حاجوا النبي صلى الله عليه وسلم في عيسى ~~بن مريم عليه السلام، فقالوا: أليس هو كلمة الله وروحا منه؟ - فقال: بلى، ~~فقالوا: حسبنا. فأنزل الله تعالى (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما ~~تشابه منه) ثم أنزل (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم). # وقيل: بل كل من احتج بالمتشابه لباطله، فالآية فيه عامة، كالحرورية ~~والسبابية، وهو قول قتادة. # ومما يسأل عنه الملحدون هذه الآية، وذلك أنهم يقولون: لم أنزل في القرآن ~~المتشابه، والغرض به هداية الخلق؟ # والجواب: أنه أنزل للاستدعاء إلى النظر الذي يوجب العلم دون الإنكار على ~~الخبر من غير نظر، وذلك أنه لو لم يعلم بالنظر أن جميع ما أتى ms044 به النبي ~~عليه السلام حق، لجوز أن يكون الخبر كذبا. # PageV01P072 # وبطل دلالة السمع. # * * * # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: ففي أي شيء يقع المتشابه؟ # قيل: في أمور الدين كالتوحيد، ونفي التشبيه، ألا ترى أن قوله تعالى: (ثم ~~استوى على العرش)، يحتمل في اللغة أن يكون كاستواء الجالس على سريره، ~~ويحتمل أن يكون بمعنى القهر والاستيلاء، كما قال الشاعر: # قد استوى بشر على العراق، ... من غير سيف ودم مهراق # واستواء الجالس لا يجوز على الله عز وجل. # ونحو قوله تعالى (يوم يكشف عن ساق)، يحتمل في اللغة أن يكون ساق الإنسان، ~~وساق الشجرة، والشدة من قولهم: قامت الحرب على ساق، والوجهان الأولان لا ~~يجوزان على الله، وأشباه لذلك. # ومما يسأل عنه أن يقال: لم أفرد (أم الكتاب)؟ # وفي هذا جوابان: # أحدهما: أنه أراد: هن أم الكتاب، كما يقال: من نظير زيد؛ فيقول مجيبا: ~~نحن نظيره. # والثاني:، أنه استغنى فيه بالإفراد عن الجمع، كما قال: (وجعلنا ابن مريم ~~وأمه آية)، ولم يقل آيتين. # PageV01P073 # وسأل: هل يعرف الراسخون في العلم تأويل المتشابه؟ # وفي هذا جوابان: # أحدهما: أن تأويل المتشابه لا يعلمه إلا الله تعالى، والوقف على هذا عند ~~قوله تعالى: (وما يعلم تأويله إلا الله) ثم يبتدأ (والراسخون في العلم ~~يقولون آمنا به)، فعلى هذا ليس للراسخين من المزية إلا قولهم (آمنا به)، ~~وذلك نحو قيام الساعة وما بيننا وبينها من المدة وهذا قول عائشة والحسن ~~ومالك رضي الله عنهم، ومن حجتهم: (هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله). # والجواب الثاني: أن الله تعالى يعلمه والراسخون يعلمونه قائلين: آمنا به، ~~وهذا قول ابن عباس ومجاهد والربيع. # وقرأ ابن عباس فيما حدثني أبو محمد مكي بن أبي طالب المقرئ: (وما يعلم ~~تأويله إلا الله [ويقول] والراسخون في العلم يقولون آمنا به)، وهذه القراءة ~~بعيدة من وجهين: # أحدهما: مخالفة المصحف. # والثاني: تكرار اللفظ؛ لأن اللفظ الثاني يغني عن الأول. # وموضع (يقولون آمنا به) على هذا القول نصب على الحال، ومثله قول الشاعر: # الريح تبكي شجهو ms045 ... والبرق يلمع غمامه # وعلى الوجه الأول يكون موضع (يقولون آمنا به) رفعا لأنه خبر المبتدأ. # وقوله (منه آيات محكمات) في موضع نصب على الحال من الكتاب، أي: أنزله ~~وهذه حاله. # PageV01P074 ### | قوله تعالى: (تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي) # الإيلاج: الإدخال. والولوج: الدخول. # ومما يسأل عنه هاهنا أن يقال: ما معنى (تولج الليل في النهار وتولج ~~النهار في الليل)؟ # فالجواب: أن المعنى: يجعل ما نقص من أحدهما زيادة في الآخر، وهذا قول ابن ~~عباس والحسن ومجاهد وقتادة والسدي والضحاك وابن زيد. # وقيل معناه: يدخل أحدهما في الآخر لمجيئه بدلا منه في مكانه. وإلى هذا ~~ذهب الجبائي من المعتزلة. # * * * # فصل: # ويسأل عن قوله (تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي)؟ # وفيه جوابان: # أحدهما: يخرج الحي من النطفة وهي ميتة، والنطفة من الحي. وكذلك الدجاجة ~~من البيضة، والبيضة من الدجاجة. وهذا قول عبد الله ومجاهد وابن الضحاك ~~والسدي وقتادة. # والجواب الثاني: يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، وهو قول ~~الحسن. # PageV01P075 # واختلف في الميت والميت: فقيل الميت بالتخفيف الذي قد مات. والميت ~~بالتشديد الذي لم يمت، وقال أبو العباس: لا فرق بينهما عند البصريين، ~~وأنشد: # ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء # إنما الميت من يعيش دليلا ... كاسفا باله قليل الرجاء # فجمع بين اللغتين. # * * * ### | قوله تعالى: (ذرية بعضها من بعض) # يسأل عن معنى قوله تعالى (بعضها من بعض)؟. # وفيه جوابان: # أحدهما: أنهم في التناصر للدين بعضهم من بعض، أي في الاجتماع، كما قال ~~تعالى: (المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض)، أي في الاجتماع على الضلالة، ~~والمؤمنون بعضهم من بعض، أي: بعضهم أولياء بعض في الاجتماع على الهدى، وهذا ~~قول الحسن وقتادة. # والجواب الثاني: أن المعنى بعضها من بعض في التناسل، أي جميعهم زرية آدم، ~~ثم ذرية نوح، ثم ذرية إبراهيم عليهم السلام. # * * * # فصل: # ويسأل ما وزن (ذرية)؟ # PageV01P076 # وفيه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أن وزنها (فعلية) من الذر، مثل: قمرية. # والثاني: أن وزنها ms046 (فعولة)، والأصل فيها: ذرورة. إلا أنه كره التضعيف، ~~فقلبت الراء الأخيرة ياء، فصارت ذروية، ثم قلبت الواو ياء. لاجتماع الواو ~~والياء، وسبق الأولى منهما بالسكون، وكسر ما قبل الياء الساكنة؛ ليصح فقيل: ~~ذرية. # والثالث: أن أصلها: ذرؤة من ذرأ الله الخلق. فاستثقلت الهمزة. فأبدلت ~~ياء. وفعل بها ما فعل بالوجه الذي ذكرناه آنفا، واجتمع على تخفيفها كما ~~اجتمع على تخفيف (برية). # ويسأل عن نصب (ذرية)؟ # وفي النصب جوابان: # أحدهما: أن يكون بدلا من آدم وما بعده، وإن كان آدم غير ذرية لأحد. وذلك ~~إذا أخذتها من: ذرأ الله الخلق # والثاني: أن يكون نصبا على الحال ويجوز رفعها على إضمار مبتدأ محذوف، ~~كأنه قال: تلك ذرية. # * * * ### | قوله تعالى: (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين) # المكر: أصله الالتفاف، ومنه قولهم لضرب من الشجر: مكر، لالتفافه. وامرأة ~~ممكورة: ملتفة. # ومما يسأل عنه أن يقال ما معنى: (ومكروا ومكر الله)؟ # وفي هذا جوابان: # أحدهما: مكروا بالمسيح بالحيلة عليه لقتله، ومكر الله بردهم بالخيبة؛ ~~لإلقائه شبه المسيح على غيره. # هذا قول السدي. # PageV01P077 # والجواب الثاني: أن المعنى: ومكروا بإضمار الكفر. ومكر الله بمجازاتهم ~~بالعقوبة على المكر. # فإن قيل: المكر لا يحسن من الحكيم. # قبل: إنما جاز هذا على مزاوجة الكلام، نحو قوله (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا ~~عليه بمثل ما اعتدى عليكم). فهذا أحد وجوه البلاغة، وهي على أربعة أضرب: # إحدها: المزاوجة نحو: (ومكروا ومكر الله). # والمجانسة: نحو قوله: (يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار). # والمطابقة: نحو: (ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا) بالنصب على مطابقة السؤال. # والمقابلة: نحو قوله: (وجوه يومئذ ناضرة (22) إلى ربها ناظرة (23) ووجوه ~~يومئذ باسرة (24) تظن أن يفعل بها فاقرة (25)). # * * * ### | قوله تعالي: (إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي) # التوفي: القبض، يقال: توفيت حقي واستوفيت بمعنى واحد. # ومما يسأل عنه هاهنا أن يقال ما معنى (متوفيك) هاهنا؟. # وفيه أجوبة: # PageV01P078 # أحدها: أن المعنى قابضك برفعك من الأرض إلى السماء من غير وفاة موت. وهذا ~~قول الحسن وابن جريج وابن زيد. # والجواب الثاني: إني ms047 متوفيك وفاة النوم لأرفعك إلى السماء، وهو قول ~~الربيع، قال رفعه نائما. # والجواب الثالث: إني متوفيك وفاة موت، وهو قول ابن عباس. # ووهب بن منبه. قال أماته ثلاث ساعات. # فأما النحويون فيقولون: هو على التقديم والتأخير، أي: إني رافعك ومتوفيك. ~~لأن الواو لا يقتضي الترتيب، بدلالة قوله تعالى: (فكيف كان عذابي ونذر) ~~والنذر قبل العذاب، بدلالة قوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا). # وموضع (إذ) نصب على أحد وجهين: # إما على قوله: ومكروا ومكر الله إذ قال الله # وإما على إضمار (اذكر). # ويجوز أن يكون موضعها رفعا على تقدير: ذلك إذ قال الله، وتمثيله: ذلك ~~واقع إذ قال الله، ثم حذفت (واقعا) وهو العامل في " إذ " وأقمت " إذ " ~~مقامه. # و" إذ " مبنية على السكون؛ لافتقارها إلى ما يوضحها، فأشبهت بعض الكلمة، ~~وبعض الكلمة لا يعرب، نحو: الزاي من " زيد" والجيم من "جعفر". # PageV01P079 ### | قوله تعالى: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون (59)) # في هذه الآية حجة على من أنكر القياس، لأن الله تعالى احتج بذلك على ~~المشركين، ولا يجوز أن يحتج عليهم إلا بما فيه طريق القياس؛ لأن قياس خلق ~~عيسى من غير ذكر كقياس آدم، وهو في عيسى أوجب، لأن آدم عليه السلام من غير ~~أنثى ولا ذكر. # وهذه الآية نزلت في السيد والعاقب من وفد نجران، وذلك أنهما قالا للنبي ~~صلى الله عليه وسلم: هل رأيت ولدا من غير ذكر. فأنزل الله تعالى هذه الآية، ~~وهذا قول ابن عباس والحسن وقتادة. # * * * # فصل: # ويسأل عن رفع قوله (فيكون)، ولم لم يجز نصبه على جواب الأمر الذي هو ~~(كن)؟ # فالجواب: أن جواب الأمر يجب أن يكون غيره في نفسه أو معناه، نحو: ائتني ~~فأكرمك، وائتني فتحسن إلي، ولا يجوز: قم فتقوم، لأن المعنى يصير: قم فإن ~~تقم فقم، وهذا لا معنى له، فلذلك لم يجز في الآية. فإن قيل: فقد جاء (إنما ~~قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون (40)) # قيل: ms048 هذا معطوف على قوله (أن نقول)، وقوله تعالى (فيكون) معناه (فكان) ~~إلا أنه أوقع الفعل المستقبل في موضع الماضي، ومثله قول الشاعر: # وانضح جوانب قبره بدمائها ... ولقد يكون أخا دم وذبائح # * * * ### | قوله تعالى: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا) # PageV01P080 # يسأل من المخاطب هاهنا من أهل الكتاب؟ # وفيه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أن المخاطب نصارى نجران. وهذا قول الحسن ومحمد بن جعفر بن الزبير ~~والسدي وابن زيد. # والثاني: أن المخاطب يهود المدينة. وهو قول قتادة، والربيع وابن جريج، ~~ومعنى هذا أنهم أطاعوا أحبارهم طاعة الأرباب. # والثالث: أن المخاطب الفريقان. وهذا على ظاهر التلاوة. # وسأل عن (سواء) ما معناه هاهنا؟. # قيل معناه: مستو. فوضع اسم المصدر موضع اسم الفاعل، كأنه قال: تعالوا إلى ~~كلمة مستوية. # وقرأ الحسن (سواء) بالنصب على المصدر. # ويسأل عن موضع (أن) من قوله (أن لا نعبد)؟ # والجواب أنها تحتمل وجهين: # أحدهما: أن تكون في موضع جر على البدل من (كلمة)، كأنه قال: تعالوا إلى ~~أن لا نعبد إلا الله. # والوجه الثاني: أن تكون في موضع رفع، كأنه قال: هي أن لا نعبد إلا الله. # ومن رفع فقرأ (أن لا نعبد)، فأن مخففة من الثقيلة. كأنه قال: أنه لا نعبد ~~إلا الله، ومثله (أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا)، وإذا كانت مخففة من ~~الثقيلة كانت من عوامل # PageV01P081 # الأسماء، وثبتت النون في الخط، وعلى والوجه الأول تكون من عوامل الأفعال ~~ولا تثبت النون في الخط ومن قرأ (أن لا نعبد إلا الله) بالإسكان ف (أن) ~~مفسرة كالتي في قوله تعالى: (أن امشوا واصبروا)، فالمعنى: أي لا نعبد إلا ~~الله. و (لا) على هذا جازمة، لأنه نهي. # * * * ### | قوله تعالى: (وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير) # يقال: كأين وكأين وكاء بمعنى، قال الشاعر: # كأين في المعاشر من أناس ... أخوهم فوقهم وهم كرام # فشدد، وقال جرير: # وكائن بالأباطح من صديق ... يراني لو أصبت هو المصابا # فخفف. # وفي هذا لغات أخر، وتعليله ms049 من طريق التصريف يطول شرحه، وجملتها أنها (أي) ~~دخلت عليها (كاف) التشبيه، كما دخلت على (ذا) في قولك: كذا. وغيرت في اللفظ ~~كما غيرت في المعنى؛ لأنها نقلت إلى معنى (كم) في التكثير، والأصل التشديد، ~~وإنما وقع التخفيف لكراهة التضعيف، كما قالوا: لا سيما، والأصل لا سيما. # PageV01P082 # وقرأ ابن كثير (قتل معه ربيون كثير) وكذلك نافع وأبو عمرو، وقرأ الباقون ~~(قاتل). # * * * # فصل: # ويسأل بم ارتفع (ربيون)؟ # وفيه جوابان: # أحدهما: أنه مفعول لم يسم فاعله ل (قتل)، وهذا يجيء على مذهب الحسن؛ لأنه ~~قال: لم يقتل نبي قط في معركة. # والثاني: أنه مبتدأ و (معه) الخبر. كأنه قال: قتل ومعه ربيون. # وموضع قوله (معه ربيون) نصب على الحال من المضمر فى (قتل) أي: قتل ذلك ~~النبي ومعه ربيون، وهذا يجيء على معنى قول أبي إسحاق وقتادة والربيع ~~والسدي. ويجوز أن يرتفع (ربيون) بالظرف الذي هو (معه) وهو مذهب أبي الحسن. # ويجيء أيضا على مذهب سيبويه؛ لأن الظرف إذا اعتمد على ما قبله جاز أن ~~يرفع. والربيون: العلماء هذا قول ابن عباس والحسن، وقال مجاهد وقتادة ~~الجموع الكثيرة. # * * * ### | قوله تعالى: (ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم) # قرأ حمزة (ولا تحسبن) بالتاء وفتح السين، وقرأ الباقون بالياء. # فمن قرأ بالتاء فالفاعل المخاطب وهو النبي صلى الله عليه وسلم و (الذين ~~يبخلون بما آتاهم الله من فضله) مفعول أول ل تحسبن و (خيرا لهم) المفعول ~~الثاني # PageV01P083 # و (هو) فصل # ، وأهل الكوفة يسمونه عمادا، وفي الكلام حذف تقديره: ولا تحسبن يا محمد ~~بخل الذين يبخلون خيرا لهم. وإنما احتجت إلى هذا المحذوف ليكون المفعول ~~الثاني هو الأول في المعنى؛ لأن هذه الأفعال تدخل على المبتدأ والخبر، ~~والخبر هو المبتدأ في المعنى إذا كان الخبر مفردا. # وأما من قرأ بالياء ف (الذين يبخلون) فاعلون، والمفعول الأول ل يحسبن ~~محذوف لدلالة (يبخلون) عليه تقديره: ولا يحسبن الذين يبخلون البخل هو خيرا ~~لهم، وهذا كما تقول العرب: من ms050 كذب كان شرا له، أي: كان الكذب، فحذف (الكذب) ~~لدلالة (كذب) عليه. ومثله: # إذا نهي السفيه جرى إليه ... وخالف والسفيه إلى خلاف. # أي: خالف إلى السفه. # فأما فتح السين وكسرها فلغتان ويروى أن الفتح لغة النبي صلى الله عليه ~~وسلم. # * * * # PageV01P084 ### | ومن سورة (النساء) ### | قوله تعالى: (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام) # يسأل عن معنى قوله (تساءلون به والأرحام)؟. # وفيه - جوابان: # أحدهما: أن المعنى يسأل بعضكم بعضا بالله وبالرحم، وهذا قول الحسن ~~ومجاهد. # والثاني: أن المعنى واتقوا الأرحام أن تقطعوها، وهذا قول ابن عباس وقتادة ~~والسدي والضحاك والربيع وابن زيد. # * * * # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال ما وجه النصب في الأرحام؟ # قيل: على الوجه الأول يكون معطوفا على موضع (به) كأنه قال: وتذكرون في ~~الأرحام في التساؤل. وعلى الوجه الثاني يكون معطوفا على اسم الله تعالى ~~وقرأ حمزة (والأرحام) بالجر، والنحويون لا يجيزون هذا لأنه لا يجوز عطف ~~الظاهر على المضمر المجرور إلا بإعادة الجار، قال سيبويه: لأنه لا ينفصل ~~فصار كبعض الحرف. ومثله بعضهم بالتنوين؛ وذلك أنه يعاقبه # PageV01P085 # ويحذف في الموضع الذي يحذف فيه التنوين، وذلك قولك: يا غلام، تحذف الياء ~~تخفيفا، كما تحذف التنوين من قولك: يا زيد. # وقال المازني: المعطوف والمعطوف عليه شريكان، لا يجوز في أحدهما ما لا ~~يجوز في الآخر، فكما لا تقول: مررت بزيدوك، كذلك لا تقول: مررت بك وزيد. ~~فإن احتج محتج بقول الشاعر: # فاليوم قرذضيت تهجونا وتشتمنا ... فاذهب فما بك والأيام من عجب # وبقول الآخر: # نعلق في مثل السواري سيوفنا ... وما بينها والكعب غوط نفانف. # قيل هذا من ضرورات الشعر، ولا يحمل القرآن عليه، وقد احتج له بعضهم بأنه ~~على إضمار (الباء) لتقدم ذكرها في قوله (به)، واستشهدوا بقول الشاعر: # أكل امرئ تحسبين امرأ ... ونار توقد بالليل نارا # أراد: وكل نار، فحذف (كلا) لدلالة ما في صدر البيت. # * * * ### | قوله تعالى: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) # خفتم: من الخوف، والخوف والخشية بمعنى. والإقساط والعدل. ms051 # ويسأل عن اتصال هذا الكلام بعضه ببعض كيف يصح؟ # PageV01P086 # وفي هذا جوابان: # أحدهما أن المعنى: فإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى، فكذا خافوا في ~~النساء، وذلك أنهم كانوا يتحرجون في يتامى النساء، ولا يتحرجون في النساء، ~~وهذا قول سعيد بن جبير وقتادة والسدي والضحاك والربيع. # والجواب الثاني أن المعنى: إن خفتم ألا تقسطوا في نكاح اليتامى فانكحوا ~~ما طاب لكم من النساء من غيرهن، وهذا قول عائشة والحسن وله قال أبو العباس. # * * * # فصل: # ومما يسأل عن قوله (ما طاب لكم) كيف جاءت (ما) هاهنا، والموضع موضع (من)؛ ~~لأن (ما) لما لا يعقل. و (من) لمن يعقل؟ والجواب أن (ما) هاهنا مصدرية. ~~كأنه قال: فانكحوا من النساء الطيب، أي: الحلال، وهذا قول مجاهد، وبه أخذ ~~الفراء. ويروى عن مجاهد أيضا: فانكحوا النساء نكاحا طيبا. # قال أبو العباس: (ما) هاهنا للجنس. كقولك: ما عندك؟ - فالجواب رجل أو ~~امرأة. # وقيل: لما كان المكان مكان إبهام جاءت (ما) لما فيها من الإبهام، كما ~~تقول العرب: خذ من عبيدي ما شئت. # وأما (مثنى وثلاث ورباع) فمعناه: اثنين اثنين، وثلاثا ثلاثا وأربعا ~~أربعا، فعدل عن هذا ليدل على هذا المعنى، وهو نكرة، وامتنع من الصرف للعدل ~~والوصف. # PageV01P087 # وقال قوم: هو معرفة، لأنه لا يدخله الألف واللام. والوجه ما قدمناه، لأن ~~النكرة توصف به، قال صخر الغي: # منيت بأن تلاقيني المنايا ... أحاد أحاد في شهر حلال # وقال تميم بن أبي مقبل: # ترى النعرات الزرق تحت لبانه ... أحاد ومثنى أضعفتها صواهله # وقيل: لم ينصرف للعدل والتأنيث؛ لأن العدد كله مؤنث. # وقيل: لم ينصرف لأنه عدل على غير ما يجب في العدل، لأن أصل العدل أن يكون ~~في المعارف. # * * * # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: لم جاءت (الواو) هاهنا، ولم تأت (أو) لأنه لا ~~يجوز أن يجمع بين تسع؟ والجواب: أنه على طريق البدل، كأنه قال: وثلاث بدلا ~~من مثنى، ورباع بدلا من ثلاث، ولو جاء ب (أو) لجاز أن لا يكون لصاحب المثنى ~~ثلاث، ولا لصاحب الثلاث رباع. ms052 # ويوضح هذا: أن مثنى بمعنى اثنتين، وثلاث بمعنى ثلاث. فأما من أجاز تزويج ~~تسع بهذه الآية فمخطئ، لأنه لو كان كذلك لما جاز أن يتزوج دون تسع، وأيضا ~~فلو أراد الله تعالى ذلك لقال: فانكحوا تسعا؛ لأن هذا التكرار غي، وتسع ~~أخصر منه، وهذا على طريق التخيير لا للإيجاب. # * * * ### | قوله تعالى: (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم) # PageV01P088 # يسأل عن دخول (اللام) فى قوله (ليبين لكم)؟ # وفيها ثلاثة أجوبة: # أحدها: أن معناها (أن) و (أن) تأتي مع (أردت: أمرت)؛ لأنها تطلب ~~الاستقبال (لذا) استوثقوا لها باللام، وربما جمعوا بين (اللام) و (كي) ~~لتأكيد الاستقبال، قال الشاعر: # أردت لكيما لا ترى لي عثرة، ... ومن ذا الذي يعطى الكمال فيكمل # ولا يجوز أن تقع (اللام) بمعنى (أن) مع الظن؛ لأن الظن يصلح معه الماضي ~~والمستقبل، نحو: ظننت أن قمت، وطننت أن تقوم، وهذا قول الكسائي والفراء، ~~وأنكره الزجاج، وأنشد: # أردت لكيما يعلم الناس أنها ... سراويل قيس والوفود شهود # قال: ولو كانت (اللام) بمعنى (أن) لم تدخل على (كي) كما لا تدخل (أن) على ~~(كي)، قال: ومذهب سيبويه وأصحابه أن (اللام) دخلت هاهنا على تقدير المصدر، ~~أي: الإرادة للبيان. نحو قوله تعالى: (إن كنتم للرؤيا تعبرون) و (ردف لكم)، ~~وقال كثير: # أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل # أي: إرادتي لهذا، وهذا الجواب الثاني. # والجواب الثالث: أن بعض النحويين ضعف هذين الوجهين بأن جعل اللام بمعنى ~~(أن) لم يقم به حجة قاطعة، وحمله على المصدر يقتضي جواز: ضربت لزيد، بمعنى: ~~ضربت زيدا، وهذا لا يجوز، ولكن يجوز في التقديم والتأخير، نحو: لزيد ضربت. ~~وللرؤيا تعبرون؛ لأن عمل الفعل فى التقديم يضعف كعمل المصدر فى التأخير، ~~ولذلك لم يجز إلا فى المتصرف، فأما (ردف لكم) فعلى تأويل: ردف ما ردف لكم، ~~وعلى ذلك: يريد ما يريد لكم. # PageV01P089 # وهذه الأقوال كلها مضطرية، وقد قيل إن مفعول (يريد) محذوف تقديره: يريد ~~الله تبصيركم ليبين لكم. # * * * ### | قوله تعالى: ms053 (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها) # القتل: معروف، وقتل العمد: ما قصد به اتلاف النفس كائنا ما كان بحجر أو ~~عصى أو حديد أو غير ذلك، وهذا قول عبيد بن عمير وإبراهيم وروى أنس أن ~~يهوديا قتل جارية بين حجرين، فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم فقتله بين ~~(حجرين)، فكل شيء خطأ إلا السيف، ولكل خطأ إرش. # والجزاء والمجازاة واحد، واللعنة: الإبعاد والطرد. # * * * # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: هل القاتل يخلد في النار، أم له توبة؟ # والجواب: أن العلماء اختلفوا في ذلك: # فقال الضحاك وجماعة من التابعين: نزلت هذه الآية في رجل قتل رجلا من ~~المسلمين، فارتد عن الإسلام، وصار إلى المشركين، ونزلت هذه الآية فيه، ~~والتغليظ فيها لارتداده عن الإسلام. # وقال جماعة من التابعين: الآية اللينة وهي: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) نزلت بعد الشديدة وهي: (ومن يقتل مؤمنا ~~متعمدا)،: ذهبوا إلى أن للقاتل توبة. # وقال عمر وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم: كنا نبت الشهادة فيمن عمل ~~الموجبات حتى نزلت (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء). # وقال أبو مجلز: هي جزاؤه إن جازاه أدخله جهنم خالدا فيها، ويروى هذا أيضا ~~عن أبي صالح. # وروي عن مجاهد أنه قال: المعنى إلا من تاب وندم على ما فعل. وروي عن ابن ~~عباس وزيد بن # PageV01P090 # ثابت. وجماعة من التابعين رضي الله عنهم أنهم قالوا: الآية ثابتة في ~~الوعيد، لأن الله تعالى غلظ فيه. # وكرر الوصف بقوله: (وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما). # وقال عكرمة وابن جريج وبعض المتكلمين: المعنى ومن يقتل مؤمنا متعمدا، أي: ~~مستحلا لذلك؛ لأن المستحل لما حرم الله تعالى كافر، لأنه أحل ما حرم الله، ~~فالخلود إذا إنما هو من هذه الطريقة. # والعرب تتمدح بإنجاز الوعد وخلف الوعيد. ويروى عن أبي عمرو أنه سمع عمرو ~~بن عبيد ينكر هذا فعابه عليه، وأنشد: # وإني إن أوعدته أو وعدته ms054 ... لأخلف إيعادي وأنجز موعدي # وجاء في الحديث (من وعده الله على عمل ثوابا فهو منجز له، ومن أوعده على ~~عمل عقابا فهو بالخيار. إن شاء عذبه وإن شاء غفر له). # * * * ### | قوله تعالى: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله) # قرأ نافع وابن عامر والكسائي (غير أولي الضرر) بالنصب، وقرأ الباقون ~~بالرفع، وقرئ في غير السبعة (غير) بالجر فوجه النصب: أنه حال، وإن شئت كان ~~استثناء. # وأما الرفع: فعلى أنه نعت لقوله (القاعدون). # PageV01P091 # وأما الجر: فعلى أنه نعت للمؤمنين. # وأجود هذه القراءات: الرفع؛ لأن الوصف على (غير) أغلب من الاستثناء. # وقد زعم بعضهم أن النصب على معنى الاستثناء أجود؛ لتظاهر الأخبار بأنه ~~نزل لما سأل ابن أم مكتوم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حاله في الجهاد ~~وهو ضرير فنزل (غير أولي الضرر). # وهذا ليس بشيء؛ لأن (غيرا) وإن كانت صفة فهي تدل على معنى الاستثناء؛ ~~لأنها في كلا الحالين قد خصصت القاعدين عن الجهاد بانتفاء الضرر. # * * * ### | قوله تعالى: (واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا) # اختلف في الحنيف: # فقيل معناه: المائل إلى الحق بكليته. # وقيل الحنيف: هو المستقيم، وإنما قيل للرجل الأعرج حنيف تفاؤلا، يقال: ~~حنف في الطريق إذا استقام عليه، فكل من سلك طريق الاستقامة فهو حنيف. # ويسأل: ما في اتباع ملة إبراهيم من الحسن، دون اتباع ملة موسى وعيسى ~~وغيرهما من النبيين؟ والجواب: أن إبراهيم عليه السلام قد رضي به جميع ~~الأمم، وكان يدعو إلى الحنيفية لا اليهودية ولا النصرانية ولا الوثنية، فهو ~~محق في دعائه إليها، وكل من استجاب له بإذن الله فيها نقد جمع من المعنى ~~المرغربة ما ليس لغيره. # PageV01P092 # واختلف في معنى الخليل: # فقيل: هو المصطفى بالمودة المختص بها. # وقيل: هو من الخلة وهي الحاجة، فخليل الله على هذا المحتاج إليه، قال ~~زهير: # وإن أتاه خليل يوم مسأبة ... يقول: لا غائب مالي ولا حرم # ويسأل عن نصب (حنيفا)؟ # وفيه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أن يكون حالا من (ملة إيراهيم)، ms055 وكان حقه أن تكون فيه الهاء؛ لأن ~~" فعيلا " إذا كان بمعنى " فاعل " للمؤنث ثبتت فيه الهاء نحو: رحيمة وكريمة ~~وما أشبه ذلك، إلا أنه جاء مجيء " ناقة سديس وريح خريق ". # والجواب الثاني: أنه حال من المضمر في (واتبع)، والمضمر هو النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # والثالث: أنه يجوز أن يكون حالا من إبراهيم، والحال من المضاف إليه ~~عزيزة، وقد جاء ذلك في الشعر قال النابغة: # قالت بنو عامر خالوا بني أسد ... يا بؤس للجهل ضرارا لأقوام # أي: يا بؤس الجهل ضرارا. واللام مقحمة لتوكيد الإضافة. # * * * ### | قوله تعالى: (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا (159)) # يسأل عن الضمير في قوله: (قبل موته) على ما يعود؟ # PageV01P093 # وفيه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أنه يعود على الكتابي، والمعنى: ليؤمنن الكتابي بالمسيح قبل موت ~~الكتابي، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وابن سيرين وجويبر. # والثاني: قبل موت المسيح أي: ليؤمنن الكتابي بالمسيح قبل موت المسيح عليه ~~السلام إذا خرج في آخر الزمان، وهذا يروى عن أبي مالك وقتادة وابن زيد عن ~~ابن عباس والحسن بخلاف. # والثالث: أن يكون المعنى ليؤمنن لمحمد صلى الله عليه وسلم قبل موت ~~الكتابي وهذا يروى عن عكرمة بخلاف. # واختلف النحويون فى المضمر المحذوف ما هو؟ # فذهب البصريون إلى أن المعنى: وإن من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به قبل ~~موته. # وذهب الكوفيون إلى أن المعنى: وإن من أهل الكتاب إلا من ليؤمنن به. # وأهل البصرة لا يجيزون حذف الموصول وتبقية الصلة ومثله: (وإن منكم إلا ~~واردها) (وما منا إلا له مقام معلوم)، يجيء على مذهب البصريين " وإن منكم ~~أحد "، وعلى مذهب الكوفيين " وإن منكم إلا من هو واردها "، " وما منا أحد ~~إلا له مقام معلوم "، قال الشاعر: # لو قلت ما في قومها لم تيثم ... يفضلها في حسب وميسم # تقديره: لو قلت ما في قومها أحد يفضلها في حسب وميسم لم تيثم. # PageV01P094 # و (إن) في قوله (وإن منكم) نافية، كالتي في قوله تعالى: (إن ms056 الكافرون إلا ~~في غرور) وأكثر ما تأتي (إن نافية مع غير (إلا) نحو قوله تعالى: (ولقد ~~مكناهم فيما إن مكناكم فيه)، أي: في الذي ما مكناكم، وهو قليل. # * * * ### | قوله تعالى: (لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة) # اختلف في نصب (المقيمين الصلاة): # فذهب البصريون إلى أنه نصب على المدح، وهو قول سيبويه وأنشد لخرنق بنت ~~هفان: # لا يبعدن قومي الذين هم ... سم العداة وآفة الجزر # النازلين بكل معترك ... والطيبون معا قد الأزر # على تقدير: أعني النازلين، وهذا: أعني المقيمين الصلاة. # واختلف في تأويل (المقيمين الصلاة): # فذهب قوم إلى أن المراد بهم الأنبياء. # وذهب آخرون إلى أن المراد بهم الملائكة. وهذا الوجه عندي أظهر؛ لقطع قوله ~~(والمؤتون الزكاة)، لأن الملائكة لا توصف بإيتاء الزكاة، والأنبياء يوصفون ~~به. # وذهب قوم إلى أنه معطوف على (قبلك). أي يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من ~~قبلك ومن قبل المقيمين الصلاة، ثم حذف (قبل) لدلالة (قبل) عليه. # PageV01P095 # وقيل هو معطوف على الكاف من (إليك) أو الكاف من (قبلك)، وهذا لا يجوز عند ~~البصريين؛ لأنه لا يعطف على الضمير المجرور بغير إعادة الجار وقد شرحناه ~~عند قوله تعالى (والأرحام). وكذا قول من قال هو معطوف على الهاء والميم من ~~قوله (منهم). وأما من زعم أنه غلط من الكاتب فلا تجب أن يلتفت إلى قوله، ~~وإن كان قد روي عن عائشة رضي الله عنها وإبان بن عثمان، لأنه لو كان كذلك ~~لم تكن الصحابة لتعلمه الناس على الغلط وهم الأئمة. # وأجود ما قيل في هذا القولان الأولان. # * * * ### | قوله تعالى: (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة) # الاستفتاء: استدعاء الفتيا. والفتيا: الإخبار بالحكم ولا يقال للإخبار ~~بالحكم عن علة الحكم فتيا إلا أن تذهب به مذهب الحكم بالمعنى على البناء له ~~على حكم غيره ليصحح به. # والكلالة: ما عدا الوالد والولد، هذا قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ~~ويروى عن عمر رضي الله عنه أنه قال: ما ms057 عدا الولد - على تشكك منه - وقال ~~الحسن: الإخوة والأخوات. # وعلى القول الأول جمهور العلماء، وهو الوجه لأنه من تكلل النسب غير ~~اللاصق به، وإنما اللاصق الوالد والولد. # وفي الكلام حذف، والتقدير فيه: إن امرؤ هلك ليس له ولد وقد ورث كلالة وله ~~أخت. # وقال العلماء: أصول الفرائض ثمانية عشر: اثنا عشر في أول السورة، وأربعة ~~في آخرها، واثنان سماهما رسول الله صلى الله عليه وسلم العصبة وفريضة الجد. # PageV01P096 # وقيل هي تسعة عشر، لقوله: (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض)، وفي قوله ~~تعالى: (فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك) دلالة على أن للبنتين ~~الثلثين. لأن الله تعالى سوى بين البنت والأخت في النصف، فقيست البنتان على ~~الأختين. # * * * # فصل: # ويسأل عن أي الفعلين أعمل من قوله تعالى (يستفتونك قل الله يفتيكم في ~~الكلالة)؟ والجواب: أن المعمل الثاني وهو (يفتيكم)، والتقدير: يستفتونك في ~~الكلالة قل الله يفتيكم في الكلالة. فحذف الأول لدلالة الثاني، ولو أعمل ~~الأول لقال: يستفتونك قل الله يفتيكم فيها في الكلالة وإعمال الفعل الثاني ~~عند البصريين أجود وعليه جاء القرآن نحو قوله تعالى: (وإذا قيل لهم تعالوا ~~يستغفر لكم رسول الله)، فأعمل (يستغفر)، ولو أعمل (تعالوا) لقال: تعالوا ~~يستغفر لكم إلى رسول الله. # فأما في الشعر فقد جاء إعمال الأول كما جاء إعمال الثاني، فمن إعمال ~~الأول قول امرئ القيس: # فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال # يريد: كفاني قليل من المال ولم أطلب، ولو أعمل الثاني لا نفسد المعنى. # ومن إعمال الثاني قول طفيل: # وكمتا مدماة كأن متونها ... جرى فوقها، واستشعرت لون مذهب # فأعمل (استشعرت) ولو أعمل (جرى) لقال: جرى فوقها واستشعرت لون مذهب، ومثل ~~ذلك قول كثير: # قضى كل ذي دين فوفى غريمه ... وعزة ممطول معنى غريمها # فأعمل (وفى) ولو أعمل (قضى) لقال: قضى كل ذي دين فوفاه غريمه. وهو كثير ~~في الشعر والكلام # PageV01P097 # وقوله (إن امرؤ هلك) ارتفع (امرؤ) بإضمار فعل يفسره ما بعده تقديره: إن ~~هلك امرؤ هلك، ولا يجوز إظهاره، ms058 لأن الثاني يغني عنه. وقال الأخفش هو مبتدأ ~~و (هلك) خبره. # والأول أولى؛ لأن الشرط بالفعل أولى. # وقوله (يبين الله لكم أن تضلوا)، في (أن) ثلاثة أقوال: # أحدها: أن المعنى كراهة أن تضلوا، فهي على هذا في موضع نصب مفعول له. # والثاني: أنه على إضمار حرف النفي. كأنه قال: أن لا تضلوا، وتلخيصه: لئلا ~~تضلوا. # والأول مذهب البصريين والثاني مذهب الكسائي. # ومثل الأول قوله تعالى: (واسأل القرية)، أي: أهل القرية. # ومثل الثاني قول القطامي يصف ناقته: # رأينا ما يرى البصراء فيها ... فآلينا عليها أن تباعا # يريد: أن لا تباعا. ومثل الأول قول عمرو بن كلثوم: # فأعجلنا القرى أن لا تشتمونا # PageV01P098 # أي: كراهة أن تشتمونا. # والثالث: قاله الأخفش وهو أن (أن) مع الفعل بتأويل المصدر، وموضع (أن) ~~نصب ب (يبين)، وتقديره: يبين الله لكم الضلال لتجتنبوه. # * * * # PageV01P099 ### | ومن سورة (المائدة) ### | قوله تعالى: (قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين (25)) # يسأل عن موضع (أخي) من الإعراب؟ # وفيه أربعة أوجه: # أحدها: الرفع على موضع (إني). # والثاني: العطف على المضمر في (لا أملك) وحسن العطف عليه وإن كان غير ~~مؤكد؛ لأن الحشو الذي هو (إلا نفسي) قام مقام التوكيد. # والثالث: أن يكون موضعه نصبا بالعطف على الياء في (إني). # والرابع: أن يكون معطوفا على (نفسي). # * * * ### | قوله تعالى: (فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض) # يسأل عن انتصاب (أربعين سنة)؟ # وفيه جوابان: # أحدهما: أن ينتصب ب (محرمة). وهو معنى قول الربيع، وهذا القول يجوز ~~دخولهم إياها. # والثاني: أنه منتصب ب (يتيهون)، وهو معنى قول الحسن وقتادة؛ لأنهما ذكرا ~~أنه ما دخلها أحد منهم، وقيل إن يوشع بن نون وكالب بن يوقنا دخلاها. # PageV01P100 # وجاء عن الربيع أن مقدار التيه كان مقدار ستة فراسخ، وقال مجاهد: كانوا ~~يصبحون حيث أمسوا، ويمسون حيث أصبحوا: روي عن ابن عباس أن موسى عليه السلام ~~مات في التيه بخلاف عنه. وكان الحسن يقول لم يمت فيه. وكذا في دخول مدينة ~~الجبارين خلاف عنه وعن ابن ms059 عباس أيضا. # * * * ### | قوله تعالى: (وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به) # يسأل عن معنى (وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به)؟ # وفيه جوابان: # أحدهما: أنهم دخلوا به على النبي صلى الله عليه وسلم وخرجوا به إلى أحوال ~~أخر، كقولك: هو يتقلب في الكفر ويتصرف فيه. # و (قد) تدخل في الكلام على وجهين: # إذا كانت مع الماضي قربته من الحال، وإذا كانت مع المستقبل دلت على ~~التقليل. # وموضع (الباء) من قوله: (وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به) نصب على ~~الحال؛ لأن المعنى: دخلوا كافرين وخرجوا كافرين، لأنه لا يريد أنهم دخلوا ~~يحملون شيئا، وهو كقولك: خرج بثيابه، يريد: خرج لابسا ثيابه، ومثله قول ~~الشاعر: # ومستنة كاستنان الخرو ... ف قد قطع الحبل بالمرود # أي: وفيه المرود، يعني هذه صفته. # PageV01P101 ### | قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (69)) # يسأل عن قوله: (إن الذين آمنوا) ثم قال (من آمن بالله)؟ # وفيه جوابان: # أحدهما: أن المعنى آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، وهم المنافقون، وهذا ~~قول الزجاج والثاني: أن المعنى من دام على الإيمان والإخلاص، ولم يرتد عن ~~الإسلام # ويسأل عن قوله (الصابئون)؟ # وفيه أجوية: # أحدها: أنه ارتفع لضعف عمل (إن). وهذا قول الكسائي، وقال أيضا يجوز أنه ~~ارتفع لأنه معطوف على المضمر في (هادوا)، كأنه قال: هادوا هم والصابئون. # وفي هذا بعد، لأن الصابئ وهو الخارج عن كل دين عليه أمة عظيمة من الناس ~~إلى ما عليه فرقة قليلة لا يشارك اليهودي في اليهودية، ومع ذلك فالعطف على ~~المضمر المرفوع من غير توكيد قبيح، وإنما يأتي في ضرورة الشعر كما قال عمر ~~بن أبي ربيعة: # قلت إذا أقبلت وزهر تهادى ... كنعاج الفلا تعسفن رملا # والثاني: أنه عطف على ما لا يتبين معه فيه الإعراب مع ضعف (إن)، وهذا قول ~~الفراء. # والثالث: أنه على التقديم والتأخير، كأنه قال: إن الذين آمنوا والذين ~~هادوا والنصارى من آمن منهم ms060 بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون والصابئون كذلك، وهذا قول سيبويه. # PageV01P102 # : قال الشاعر: # وإلا فاعلموا أنا وأنتم ... بغاة ما بقينا في شقاق # * * * ### | وقوله تعالى: (وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا) # قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي (ألا تكون فتنة)، وقرأ الباقون (ألا تكون) ~~بالنصب. # ولم يختلفوا في رفع (فتنة) ويجوز نصبها. # فمن قرأ (ألا تكون فتنة) بالرفع جعل (أن) مخففة من الثقيلة، وأضمر الهاء، ~~وجعل (حسبوا) بمعنى " علموا ". وعلى هذا تثبت النون في الخط. # وأما النصب: فعلى أنه جعل (أن) الناصبة للفعل، ولم يجعل (حسبوا) بمعنى لا ~~(العلم)، وعلى هذا الوجه تسقط النون من الخط. # وأما رفع (فتنة) فعلى أن تكون (تكون) بمعنى الحضور والوقوع، فلا تحتاج ~~إلى خبر. # ويجوز أن تكون ناقصة، فتنتصب (فتنة) على الخبر، ويضمر الاسم. # وأما قوله (كثير منهم)، فيرتفع من ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون بدلا من الواو في (صموا). # والثاني: أي يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: هم كثير منهم # PageV01P103 # والثالث: أن يكون على لغة من قال (أكلوني البراغيث)، وعليه قول الشاعر: # يلومونني في اشتراء النخي ... ل أهلي فكلهم يعذل # وقال الفرزدق: # ألفيتا عيناك عند القفا ... أولى فأولى لك ذا واقيه # ويجوز في الكلام النصب على الحال من المضمر في (صموا)، إلا أنه لا يجوز ~~أن يقرأ به إلا أن تثبت رواية بذلك. ### | قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) # قيل في قوله تعالى (وأنتم حرم) قولان: # أحدهما: وأنتم محرمون بالحج. # وقيل: وأنتم قد دخلتم الحرم. # وقرأ عاصم وحمزة والكسائي (فجزاء مثل ما قتل) بالرفع وترك الإضافة، وقرأ ~~الباقون بالإضافة فمن قرأ (فجزاء مثل ما قتل) بالرفع، فجزاء: مبتدأ. ومثل ~~ما قتل: الخبر، ويكون المعنى على هذا: أنه يلزمه أشبه الأشياء بالمقتول من ~~النعم، من قتل نعامة فعليه بدنه. وقد حكم بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ~~عن الحسن: إن قتل أروى فعليه بقرة، وإن قتل غزالا أو أرنبا فعليه شاة، وهذا ~~قول ابن عباس والسدي ms061 ومجاهد وعطاء والضحاك. # PageV01P104 # وأما من قرأ بالإضافة فإن بعض النحويين أنكر عليه ذلك؛ لأنه من إضافة ~~الشيء إلى نفسه. وليس كذلك؛ لأن (الجزاء) هاهنا مصدر، وهو غير (المثل) ~~وإنما هو فصل المجازي. و (مثل) هاهنا بمعنى ذات الشىء كما تقول: مثلك لا ~~يفعل كذا، وأنت تريد: أنت لا تفعل كذا، وكذلك (مثل) نحو قوله تعالى: (كمن ~~مثله في الظلمات). إنما يريد كمن هو في الظلمات. # وعلى هذا حمل محمد بن جرير قوله تعالى (ليس كمثله شيء)، أي: ليس كذاته ~~شيء. والواجب على القائل على هذه القراءة أن يقوم الصيد بقيمة عادلة ثم ~~يشتري بثمنه مثله من النعم يهدي إلى الكعبة. # * * * ### | قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم) # قال ابن عباس وأنس وأبو هريرة والحسن وطاووس وقتادة والسدي: نزلت في رجل ~~يقال له " عبد الله " وكان يطعن في نسبه، فقال: يا رسول الله من أبي؟ - ~~فقال: حذافة، وهو غير الذي ينسب إليه، فساءه ذلك، فنزلت هذه الآية. # وقيل: نزلت لأنهم سألوا عن أمر الحج لما نزل (ولله على الناس حج البيت)، ~~فقالوا: أفي كل عام؟ قال: لا، ولو قلت نعم لوجبت. # ويروى عن مجاهد وأبي أمامة وعن ابن عباس وأبي هريرة بخلاف، ويذكر أن ~~السؤال الأول والثاني كانا في مجلس واحد. # * * * # فصل: # PageV01P105 # ويسأل عن قوله (أشياء) لم لم ينصرف؟ # وفيه بين العلماء خلاف: # قال الخليل وسيبويه: أصله (شيئاء) على وزن (طرفاء)، ثم قدمت الهمزة التي ~~هي لام الفعل إلى موضع الفاء وأسكنت الشين، فقيل (أشياء) والهمزة في آخره ~~للتأنيث فلم ينصرف لذلك. # وقال الأخفش والفراء: أصله (أشيئاء) على وزن (أفعلاء)، ثم خفف وشبهاه ب ~~(هين وأهوناء) و (صديق وأصدقاء)، واختلفا في الواحد: فجعله أحدهما كهين ~~وجعله الآخر كصديق. # قال المازني: قلت للأخفش كيف تصغر (أشياء)؟ - فقال: أشيئاء، فقلت: خالفت ~~أصلك، وإنما يجب أن تصغر الواحد ثم تجمعه بالألف والتاء. فانقطع. # وقال الكسائي: هو (أفعال) إلا أنه لم ينصرف، لأنهم شبهوه بحمراء؛ لأنهم ~~يقولون: أشياوات ms062 كما يقولون حمروات. فألزمه الزجاج أن لا ينصرف " أبناء " و ~~" أسماء "؛ لأنهم يقولون: أبناوات وأسماوات. وقال أبو حاتم هو أفعال كبيت ~~وأبيات إلا أنه شذ فجاء غير مصروف. وقال محمد بن الحسن الزبيدي: توهمت ~~العرب أن همزته للتأنيث فلم تصرفه. # * * * ### | قوله تعالى: (إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك) # PageV01P106 # يسأل كيف معنى هذا السؤال؟ # والجواب: أن فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أن المعنى: هل يقدر، وكان هذا في ابتداء أمرهم، قبل أن تستحكم ~~معرفتهم بالله تعالى، وبما يجوز عليه من الصفات، ولذلك أنكر عليهم عيسى ~~عليه السلام بقوله (اتقوا الله). # والثاني: أن المعنى: هل يفعل، وهو قول الحسن، وهو على طريق المجاز، كما ~~تقول: هل تستطيع أن تقوم معنا، أي: هل تفعل. # والثالث: أن المعنى: هل يستجيب لك ربك. قال السدي: هل يطيعك ربك إن ~~سألته؟ - فهذا على أن " استطاع " بمعنى، (أطاع) كما تقول استجاب بمعنى ~~أجاب، وأنشد الأخفش: # وداع دعا: يا من يجيب إلى الندى، ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب # وإنما حكى سيبويه (أسطاع) في معنى (أطاع) بقطع الهمزة وزيادة السين. # وقرأ الكسائي (هل تستطيع ربك) بالتاء ونصب (ربك) والمعنى في هذه القراءة: ~~هل تستدعي إجابة ربك، وأصله: هل تستدعي طاعته فيما تسأل من هذا، وهذا قول ~~الزجاج. # وقيل معناه: هل تقدر أن تسأل ربك. # وموضع (إذ) من الإعراب نصب. والعامل فيها (أوحيت) ويجوز أن يكون العامل: ~~اذكر إذ قال الحواريون. # PageV01P107 ### | قوله تعالى: (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك) # يسأل عن معنى سؤاله تعالى لعيسى عليه السلام؟ # وفيه جوابان: # أحدهما: التوبيخ لمن أدعى ذلك عليه. كما يقرر الرجل البريء بحضرة المدعى ~~عليه ليبكت المدعي بذلك، وهذا قول الزجاج. # والثاني: أن الله تعالى أراد أن يعرفه أن قومه آل أمرهم إلى هذا الأمر ~~العجيب المنكر، وهذا على تأويل قول السدي: أنه قيل له هذا في الدنيا. # * * * # فصل: # ويسأل: هل قيل له هذا في الدنيا. أو سيقال ms063 له؟ # وفي هذا جوابان: # أحدهما: أنه سيقال له يوم القيامة، وهو قول ابن جريج وقتادة والزجاج ~~لقوله (هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم). # والثاني: أنه قيل له ذلك حين رفعه الله تعالى إليه في الدنيا، وهو قول ~~السدي، لأن الفعل بلفظ الماضي، ولا ينكر أن يأتي الفعل الماضي ومعناه ~~الاستقبال في مثل هذا، وقد جاء في القرآن منه مواضع كثيرة، نحو قوله تعالى: ~~(ولو ترى إذ وقفوا على النار) وقال (إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا) ~~وقال (أتى أمر الله) وقال (ونادى أصحاب النار)، وهذا # PageV01P108 # إنما يأتي لصدق المخبر فيما يخبر؛ لأنه يصير في الثبات والصحة بمنزلة ما ~~قد وقع. # قال أبو النجم: # ثم جزاه الله عنا إذ جزى ... جنات عدن في العلالي العلى # يريد: إذا جزى. # * * * # فصل: # ويسأل عن قوله تعالى: (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك) قال الزجاج ~~المعنى: تعلم ما عندي ولا أعلم ما عندك. # قال غيره: تعلم حقيقتي ولا أعلم حقيقتك مشاهدة. # وقيل: تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك التي هي نفسي. يعني التي ~~تملكها، وحقيقة ذلك: تعلم ما أخفي ولا أعلم ما تخفي، إلا أنه ذكر النفس على ~~مزاوجة الكلام؛ لأن ما تخفيه كأنه إخفاء في النفس. وموضع (إذ) نصب؛ لأنها ~~معطوفة على (إذ) الأولى، فالعامل فيهما واحد، ويجوز أن يكون عطف جملة على ~~جملة. # والألف في (أأنت) تسمى ألف التوييخ، وجوز فيها ثلاثة أوجه: # التحقيق في الهمزتين، وتحقيق الأولى وتليين الثانية، وتحقيقهما جميعا ~~وإدخال ألف بينهما، وقد شرحنا ذلك في سورة البقرة. ### | قوله تعالى: (ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا) # PageV01P109 # الرقيب: الحفيظ. هذا قول السدي وابن جريج وقتادة. والمراقبة: في الأصل ~~المراعاة. والشهيد هاهنا العليم وقيل الشاهد. # وسأل عن موضع (أن) من الإعراب؟ # وفيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون موضعها جرا على البدل من المضمر في (به). # والثاني: أن يكون موضعها نصبا على البدل من (ما). # والثالث: أن لا ms064 يكون لها موضع من الإعراب، ولكن تكون مفسرة بمنزلة " أي " ~~كالتي في قوله تعالى (أن امشوا). # ويسأل على الوجهين الأولين: كيف جاز أن توصل (أن) بفعل الأمر، ولم يجز أن ~~يوصل (الذي) به والجواب: أن (الذي) اسم ناقص يقتضي أن تكون صلته مبنية عنه ~~كإبانة الصفة للموصوف، وفعل الأمر لا يصح فيه هذا؛ لأنه إنما يتبين بما ~~علمه عند المخاطب. # فأما (أن) فحرف لا يجب فيه ذلك كما لا يجب أن يكون في صلته عائد. # * * * # فصل: # وسأل عن قوله تعالى: (فلما توفيتني)؟ # وفيه جوابان: # PageV01P110 # أحدهما: أنه أراد وفاة الرفع إلى السماء: هذا قول الحسن. # وقال غيره: يعني وفاة الموت. # والأول أولى، لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لينزلن ابن مريم حكما عدلا، ~~فليقتلن الدجال). # ونصب (كنت أنت الرقيب)؛ لأنه خبر " كان " و " أنت " فصل، وقرأ الأعمش: ~~(كنت أنت الرقيب) بالرفع. جعل " أنت " مبتدأ و " الرقيب " الخبر والجملة ~~خبر " كان ". ومثله قول قيس بن ذريح: # تبكي على لبنى وأنت تركتها ... وكنت عليها بالملا أنت أقدر # فإن تكن الدنيا بلبنى تغيرت ... فللدهر والدنيا بطون وأظهر # ولا يدخل الفصل إلا بين معرفتين، أو بين معرفة ونكرة تقارب المعرفة، نحو: ~~كنت أنت القائم، وكنت أنت خيرا منه. # * * * # PageV01P111 ### | ومن سورة (الأنعام) ### | قوله تعالى: (وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون (3)) # يسأل عن العامل في الظرف من قوله (في السماوات وفي الأرض)؟. # وفي هذا جوابان: # أحدهما: أن (في) متعلقة بما دل عليه اسم الله عز وجل. لأنه وقع موقع ~~(المدبر) كأنه قال: وهو المدبر في السماوات وفي الأرض. # والجواب الثاني: أن تكون (في) متعلقة بمحذوف. كأنه قال: وهو الله مدبر في ~~السماوات وفي الأرض. # وقوله (في الأرض) معطوف على (في السماوات). # ويجوز فيه وجه آخر وهو أن يكون المعنى: وهو الله ملكه في السماوات وفي ~~الأرض يعلم سركم وجهركم، أي: ويعلم سركم وجهركم في الأرض، ولا يجوز أن ~~يتعلق بالاستقرار؛ لأن ذلك يؤدي إلى احتواء الأمكنة عليه والله تعالى لا ~~تحتويه ms065 الأمكنة ولا الأزمنة. # * * * ### | قوله تعالى: (ثم لم تكن فتنتهم) # يقال كيف كذبوا مع علمهم بأن الكذب في الآخرة لا ينفعهم. وأن الله تعالى ~~يعلم ذلك منهم؟. والجواب: أن الآخرة مواقف. فموقف لا يعلمون فيه ذلك. وموقف ~~يعلمون فيه، وهو استقرارهم في النار، وقال الحسن: جروا على عادتهم في ~~الدنيا لأنهم منافقون # PageV01P112 # ويجوز في (فتنتهم) الرفع والنصب: # فالرفع على أنه اسم " تكن " و (إلا أن قالوا) الخبر. # والنصب على أن يكون خبرا و (إلا أن قالوا) الاسم. وهو الوجه؛ لأمرين: # أحدهما: أن الخبر أولى بالنفي، والاسم أولى بالإثبات. # والثاني: أن قوله (إلا أن قالوا) يشبه المضمر من قبل أنه لا يوصف ولا ~~يوصف به، والمضمرات أعرف المعارف، وإذا اجتمع في كان اسمان أحدهما أعرف من ~~الآخر كان الأعرف اسما لها والآخر خبرا لها وكذا المعرفة والنكرة تكون ~~المعرفة اسما والنكرة خبرا، قال الشاعر: # وقد علم الأقوام ما كان داءها ... بشهلان إلا الخزي ممن يقودها # * * * # فصل: # ومم يسأل عنه أن يقال: لم أنث (تكن) والاسم مذكر؟ # والجواب: لأنه وقع على مؤنث وهو (الفتنة)، وهى أقرب إلى الفعل مثل قول ~~لبيد: # فمضى وقدمها وكانت عادة ... منه إذا هي عردت إقدامها # قال الزجاج: يجوز أن يكون التقدير في قوله إلا أن قالوا: إلا مقالتهم. ~~فتؤنث لذلك، وهذا وجه جيد صحيح. # * * * ### | قوله تعالى (ولو ترى إذ وقفوا على النار) # PageV01P113 # يقال: وقف يقف وقوفا. ووقف غيره يقفه وقفا، وحكي عن أبي عمرو أنه أجاز ~~(ما أوقفك هاهنا) مع إخباره أنه لم يسمعه من العرب، وهو غير جائز عند ~~علمائنا. # ومما يسأل عنه أن يقال: لم جاز (ولو ترى) و " لو " إنما هي للماضي؟ # والجواب: لأن الخبر لصحته وصدق المخبر به صار بمنزلة ما وقع، وقد ذكرنا ~~له نظائر. # ويقال: " لو " فيها معنى الشرط فلم لم تجزم؟ # قيل: لمخالفتها حروف الشرط، وذلك أن حروف الشرط ترد الماضي مستقبلا، نحو ~~قولك: إن قمت قمت معك، كما تقول: إن تقم أقم معك، و " لو " لا تفعل ذلك ~~الفعل، فلم ms066 تجزم لذلك. # ويسأل عن جواب " لو "؟ # والجواب: أنه محذوف، وتقديره: لرأيت أمرا هائلا، وهذه الأجوبة تحذف ~~لتعظيم الأمر وتفخيمه، نحو قوله تعالى (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو ~~قطعت به الأرض أو كلم به الموتى)، يريد: لكان هذا القرآن، ومثله قول امرئ ~~القيس: # وجدك لو شيء أتانا رسوله ... سواك ولكن لم نجد لك مدفعا # يريد: لو أتانا رسوله سواك لما جئنا. # وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية حفص وحمزة (ولا نكذب، ونكون) نصب فيهما ~~جميعا، وقرأ الباقون بالرفع. # PageV01P114 # وفي النصب أوجه: # أحدها: أن يكون على إضمار (أن)، وهو الذي يسميه الكوفيون نصبا على الصرف، ~~تقديره: وأن لا نكذب وأن نكون، وإنما احتجت إلى إضمار (أن) ليكون مع الفعل ~~مصدرا، فتعطف مصدرا على مصدر، كأنه في التقدير: يا ليتنا اجتمع لنا الرد ~~وترك التكذيب مع الإيمان. ويجوز أن يكونوا قالوا على الوجهين جميعا، ~~فاكذبوا على الوجه الأول. # وأجاز الزجاج أن تكون (الواو) بمنزلة (الفاء) في الجواب، فيصير كقولك: لو ~~رددنا لم نكذب بآيات ربنا ولكنا من المؤمنين فاكذبوا في هذا. وهو مذهب ~~الكوفيين؛ لأن أكثر البصريين لا يجيز أن يكون الجواب إلا بالفاء. # وأما الرفع فعلى القطع والاستئناف، أي: ونحن لا نكذب بآيات ربنا رددنا أو ~~لم نرد. # قال سيبويه: دعني ولا أعود، أي: وأنا لا أعود على كل حال تركتني أو لم ~~تتركني، ويدل عليه (وإنهم لكاذبون). # ويجوز أن يكون على إضمار مبتدأ أي ونحن لا نكذب. # * * * ### | قوله تعالى: (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء) # الدابة: كل ما دب من الحيوان. # ومما يسأل عنه أن يقال: لم قال (ولا طائر يطير بجناحيه) وقد علم أن ~~الطائر لا يطير إلا بجناحيه؟ # PageV01P115 # والجواب: أن هذا إنما جاء للتوكيد ورفع اللبس، لأنه قد يقول القائل: طر ~~في حاجتي، أي: أسرع فيها، فجاء هذا التوكيد لإزالة اللبس. وهو كما نقول مشى ~~برجليه. # ومعنى قوله: (إلا أمم أمثالكم)، أي: في الحاجة وشدة ms067 الفاقة إلى مدبر ~~يدبرهم في أغذيتهم وكسبهم ونومهم ويقظتهم وما أشبه ذلك. # ويسأل عن قوله (ما فرطنا في الكتاب من شيء)؟ # وفيه جوابان: # أحدهما: أنه قد أتى فيه بكل ما يحتاج إليه العباد في أمور دينهم مجملا ~~ومفصلا. # والثاني: أنه ذكر فيه جميع الاحتجاجات على مخالفيه. # * * * ### | قوله تعالى: (وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين) # يسأل: ما الشبه وما الشبه به في قوله (وكذلك نفصل الآيات)؟ # وفيه جوابان: # أحدهما: التفصيل الذي تقدم في صفة المهتدين وصفة الضالين شبه بتفصيل ~~الدلالة على الحق من الباطل في صفة غيرهم من كل مخالف للحق. # PageV01P116 # والثاني: أن المعنى كما فصلنا ما تقدم من الآيات لكم نفصله لغيركم. # وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم (وليستبين سبيل المجرمين) بالياء ~~ورفع اللام. وقرأ نافع بالتاء ونصب اللام، وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو ~~عمرو وحفص عن عاصم بالتاء ورفع اللام. # فمن قرأ بالياء وضم اللام جعل (السبيل) فاعلا وذكره وهي لغة بني تميم. ~~ومن قرأ بالتاء ونصب اللام جعل المخاطب فاعلا ونصب (السبيل) لأنه مفعول ~~تقديره: ولتستبين أنت يا محمد سبيل المجرمين. ومن قرأ بالتاء ورفع اللام ~~جعل (السبيل) فاعلة وأنثها وهي لغة أهل الحجاز وقد روي في الشاذ. (وليستبين ~~سبيل) بالياء وفتح اللام على تقدير: وليستبين السائل سبيل. # * * * ### | قوله تعالى: (وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين (74)) # الأصنام: جمع صنم، والصنم ماكان مصورا، والوثن ما كان غير مصور. # والآلهة: جمع إله، كإزار، وآزره. # PageV01P117 # وفي (آزر) ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه اسم أب إبراهيم، وهو قول الحسن والسدي وسعيد بن جبير وابن ~~إسحاق. # والثاني: أنه اسم صنم، وهو قول مجاهد. # والثالث: أنه صفة عيب قال الفراء معناه: معوج عن الدين. # وقيل: هو لقب له واسمه تارج. # وهو في هذه الأقوال مجرور الموضع على البدل من (أبيه) ولا ينصرف لأنه ~~أعجمي معرفة. # وأما على قول مجاهد فقال الزجاج يكون منصوبا على إضمار فعل دل عليه ~~الكلام، كأنه قال: أتتخذ آزر إلها أتتخذ ms068 أصناما آلهة. # وقرئ في الشواذ (آزر)، وتقديره: وإذ قال إبراهيم لأبيه يا آزر أتتخذ ~~أصناما آلهة. # والعامل في (إذ) فعل مضمر تقديره (اذكر). ### | قوله تعالى: (فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت) # PageV01P118 # البزوغ: البروز والطلوع. يقال: بزغ يبزغ بزوغا. والأفول: الغيبوبة. # ومما يسأل عنه أن يقال: ما في أفولها من الدلالة على أنه لا يجوز ~~عبادتها، وقد عبدها كثير من الناس مع العلم بذلك؟ # والجواب: أن الأفول بعد الطلوع تغير والتغير صفة نقص ودلالة على أن ~~للمغير مدبرا يدبره، وأنه مسخر محدث، وما كان بهذه الصفة وجب أن لا يعبد. # * * * # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: لم لم يقل: هذه ربي، كما قال (بازغة)؟ # والجواب: أن التقدير هذا النور الطالع ربي. ليكون الخبر والمخبر عنه ~~جميعا على التذكير، كما كانا جميعا على التأنيث في (الشمس بازغة)، هذا الذي ~~قاله العلماء، وعندي أن قوله تعالى: (فلما رأى الشمس بازغة) إخبار من الله ~~تعالى، وقوله (هذا ربي) من كلام إبراهيم عليه السلام. والشمس مؤنثة في كلام ~~العرب، فأما في كلام سواهم فيجوز أنها ليست كذلك، وإبراهيم عليه السلام لم ~~يكن عربيا فحكى لنا الله تعالى على ما كان في لغته. # * * * # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: لم أنثت الشمس وذكر القمر؟ # والجواب: أن تأنيثها تفخيم لها لكثرة ضيائها، على حد قولهم: نسابة ~~وعلامة، وليس القمر كذلك، لأنه دونها في الضياء. # ويقال: لم دخل الألف واللام فيها وهي واحدة، ولم يدخل في زيد وعمرو؟ # قيل: لأن شعاع الشمس يقع عليه اسم الشمس. فاحتيج إلى التعريف إذا قصد إلى ~~جرم الشمس أو إلى الشعاع، على طريق الجنس أو الواحد من الجنس. وليس زيد ~~ونحوه كذلك. # PageV01P119 ### | قوله تعالى: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية) # يقال لم أقسموا، وما الآية التي طلبوا؟ # والجواب: أنهم أرادوا أن يتحكموا على النبي صلى الله عليه بأقسامهم، ~~وسألوا أن يحول الصفا ذهبا. # وقيل: سألوا ما ذكره الله تعالى في الآية الأخرى من قوله: (لن نؤمن ms069 لك ~~حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا) الآيات. # ومعنى قوله: (وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون) التنبيه على موضع ~~الحجة عليهم في أنه ليس لهم ما لا سبيل لهم إلى علمه، وقيل المخاطب بهذا ~~المشركون، وهو قول مجاهد وابن زيد، وقيل المؤمنون، وهو قول الفراء وغيره. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (إنها) بالكسر، وقرأ عاصم في رواية حفص وحمزة ~~والكسائي بالفتح، قال ابن مجاهد وأحسب ابن عامر. وقرأ حمزة وابن عامر ~~(تؤمنون) بالتاء، وقرأ الباقون بالياء. # فوجه الكسر: أن (إن) جواب هاهنا، لأنه استئناف على القطع بأنهم لا ~~يؤمنون، ولو فتحت وأعمل فيها (يشعركم) لكان عذرا لهم. # وأما الفتح فعلى أن تكون (أن) بمعنى (لعل)، حكى الخليل: ائت السوق أنك ~~تشتري لنا شيئا، وقال عدي بن زيد: # PageV01P120 # أعاذل ما يدريك أن منيتي ... إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد # والتقدير على هذا: لعلها إذا جاءت لا يؤمنون. # وقال الفراء تكون (لا) صلة. نحو قوله تعالى: (ما منعك ألا تسجد إذ ~~أمرتك)، # وكقوله تعالى: (وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون). وقال الأخفش ~~التقدير: # وما يشعركم بأنها إذا جاءت يؤمنون، فجعل (لا) زأندة، وجعل (أن) في موضع ~~نصب على حذف الجر. # * * * ### | قوله تعالى: (إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (117)) # يقال: لم جاز في صفة القديم تعالى (أعلم) مع أنه لا يخلو أن يكون (أعلم) ~~بالمعنى ممن يعلمه أو ممن لا يعلمه وكلاهما لا يصح فيه (أفعل)؟ # والجواب أن المعنى: هو أعلم به ممن يعلمه. لأنه يعلمه من وجوه تخفى على ~~غيره، وذلك أنه يعلم ما يكون منه وما كان وما هو كائن من وجوه لا تحصى. # وأما موضع (من) من الإعراب: # فقال بعض البصريين: موضعها نصب على حذف (الباء) حتى يكون مقابلا لقوله ~~(وهو أعلم بالمهتدين). # PageV01P121 # وقال الفراء والزجاج: موضعها رفع؛ لأنها بمعنى (أي) كقوله تعالى: (أي ~~الحزبين أحصى) وهذه المسألة فيها خلاف. وسأشرحها في موضعها إن شاء الله. # قال أبو علي: (من) في ms070 موضع نصب بفعل مضمر يدل عليه (أعلم)، كأنه قال: إن ~~ربك أعلم يعلم من يضل عن سبيله. # وزعم قوم أن (أعلم) بمعنى (يعلم)، وهذا فاسد ولا يجوز أن يكون (من) في ~~موضع جر بإضافة (أعلم)؛ لأن (أفعل) لا يضاف إلا إلى ما هو بعضه، وليس ربنا ~~تعالى بعض الضالين، ولا بعض المضلين فامتنع ذلك لذلك. ### | قوله تعالى: (النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم) # المثوى: موضع الثواء، والثواء الإقامة، قال الله تعالى: (وما كنت ثاويا ~~في أهل مدين)، قال الأعشى # لقد كان في حول ثواء ثويته ... تقضي لبانات ويسأم سائم # والخلود: البقاء. يقال: خلد يخلد خلدا وخلودا، والرجل خالد. والخلد اسم ~~من أسماء الجنة، ويقال: أخلد الرجل إذا أبطأ عنه الشيب، وخلد أيضا، وكذلك ~~أخلد إلى الأرض وخلد، ويقال: أصاب فلان خلد الأرض إذا وجد كنزا. # ومما يسأل عنه أي يقال: ما معنى الاستثناء في قوله تعالى: (خالدين فيها ~~إلا ما شاء الله)؟ # PageV01P122 # وللعلماء في ذلك عشرة أجوبة: # أحدها: قاله ابن عباس وهو أنه قال: لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله تعالى ~~في خلقه بأن لهم جنة ولا نارا، وهذا الاستثناء لأهل التوحيد دون أهل الكفر، ~~وهو منقطع على هذا القول. # والجواب الثاني: عنه أيضا وهو أنه لأهل الإيمان، قال: الخلود البقاء ~~فيها. ثم استثنى أهل التوحيد أنهم لا يخلدون فيها كما يخلد أهل الكفر، ~~وإنما يدخلونها فيقيمون فيها بقدر ذنوبهم ثم يخرجون. # والجواب الثالث: وهو له أيضا قال: قد جعل الله أمد هؤلاء القوم في مبلغ ~~عذابهم إلى مشيئته، والاستثناء على هذا لأهل الكفر. وهو متصل. # والجواب الرابع: للفراء وهو أن العزيمة قد تقدمت بالخلود وهو لا يشاء ~~تركه. # والجواب الخامس: لمحمد بن جرير وهو أنه استثنى الزمان الذي هو مدة قيامهم ~~من قبورهم إلى أن يصلوا إلى المحشر، لأنهم حينئذ ليسوا في جنة ولا نار. # والجواب السادس: للزجاج قال: أوجب لهم النار بقولها (النار مثواكم خالدين ~~فيها) ومقامهم في الحشر والوقوف للمحاسبة ms071 ليس هم في نار. وهو كالجواب الذي ~~قبله. # والجواب السابع: أنه على الزمان الذي هم فيه من قيام في المحشر إلى أن ~~يدخلوا النار، وهو استثناء من الخلود فيها وهو متصل. # والجواب الثامن: للزجاج أيضا وجماعة معه قالوا: الاستثناء في الزيادة من ~~العذاب لهم، أي: إلا ما شاء الله من الزيادة في عذابهم، والاستثناء على هذا ~~القول منقطع، والنحويون مختلفون في تقديره: سيبويه يقدره ب (لكن) وكذلك ~~جميع أصحابه، والفراء يقدره ب (سوى) وكذا من تابعه. # PageV01P123 # والجواب التاسع: قاله بعض أصحاب المعاني وهو أن (ما) في الآية بمعنى (من) ~~والاستثناء منقطع، والمعنى: إلا من شاء الله إخراجه من النار، يعني ~~الموحدين الذين يخرجون بالشفاعة. # وقيل: بل هو متصل و (ما) بمعنى (من) والتقدير: إلا من شاء الله أن يعذبه ~~بأصناف العذاب، يعني الكفار. والاستثناء في هذين الجوابين من الأعيان، وعلى ~~ما تقدم قبلها من الأزمان. # و (ما) قد يقع في معنى (من) قال الله تعالى: (إني نذرت لك ما في بطني ~~محررا) أي: من، وقال: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) وكذلك (يسبح لله ما ~~في السماوات وما في الأرض) وهو كثير. وحكى أبو زيد أن أهل الحجاز كانوا إذا ~~سمعوا الرعد يقولون: سبحان ما سبحت له. # والجواب العاشر: ذهب إليه بعض المتكلمين قال المعنى: إلا ما شاء الله من ~~الفائت قبل ذلك من الاستحقاق، كأنه قال: خالدين فيها على مقدار مقادير ~~الاستحقاق إلا ما شاء الله من الفائت قبل ذلك، والفائت من العقاب يجوز تركه ~~بالعفو عنه، والاستثناء على هذا متصل. # قال بعض شيوخنا المعنى: إلا ما شاء الله من تجديد الجلود بعد إحراقها ~~وتصريفهم في أنواع العذاب معها، أي خالدين فيها على صفة واحدة إلا ما شاء ~~الله من هذه الأحوال والأمور التي ذكرت، و (ما) على بابها على هذا القول. # * * * ### | قوله تعالى: (وكذلك زين لكثير من المشركين) # PageV01P124 # الشركاء هاهنا الشياطين، زينوا للمشركين وأد البنات وهو دفنهن وهن في ~~الحياة خوفا من الفقر والعار، هذا قول الحسن ومجاهد ms072 والسدي، وقيل: هم ~~الغواة من الناس. وقيل: شركاؤهم في نعمتهم وأموالهم، وقيل: شركاؤهم في ~~الإشراك والكفر وما يعتقدونه وينالون عنه، وقيل: هم قوم كانوا يخدمون ~~الأوثان ويقومون بأمرها وإصلاح شأنها وما تحتاج إليه، وهذا قول الفراء ~~والزجاج. # وفي هذه الآية أربع قراءات: # قراءة الجماعة (زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم)، ووجه هذه ~~القراءة ظاهر. إلا ابن عامر فإنه قرأ (زين لكثير من المشركين قتل أولادهم ~~شركائهم)، بضم " الزاي " ونصب " الأولاد " وجر " الشركاء "، فهذه الرواية ~~المشهورة عنه. # ورويت عنه رواية أخرى وهي جر " الأولاد " و " الشركاء " جميعا. فهذه ثلاث ~~قراءات. # والقراءة الرابعة (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم)، ~~بضم " الزاي " ورفع " قتل " وجر " الأولاد " ورفع " الشركاء " وأظنها قراءة ~~أبي عبد الرحمن السلمي. # ووجه قراءة ابن عامر أنه فرق بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول، كأنه ~~قال: قتل شركائهم أولادهم، والشركاء في المعنى فاعلون، وهذا ضعيف في ~~العربية، وإنما يجوز في ضرورة الشعر نحو قول الشاعر: # فزججتها. . . . . متمكنا. . . زج القلوص أبي مزاده # وأما القراءة الثانية: فوجهها أنه جعل " الشركاء " بدلا من " الأولاد " ~~لمشاركتهم إياهم في النسب والميراث، ويقال إن الذي حمله على هذه القراءة ~~أنه وجد (شركائهم) في مصاحف أهل الشام بالياء. # PageV01P125 # وأما القراءة الرابعة: وهى شاذة، فعلى أنه لما قال: (وكذلك زين لكثير من ~~المشركين قتل أولادهم)، قيل: من زينه، قيل: شركاؤهم. أي: زينه شركاؤهم، ~~ومثله قوله تعالى: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها ~~بالغدو والآصال (36) رجال)، على مذهب من قرأ (يسبح) على ما لم يسم فاعله. ~~وأنشد سيبويه: # ليبك يزيد ضارع لخصومة ... ومختبط مما تطيح الطوائح # كأنه قال: ليبك يزيد. قيل: من يبكيه؟ قال: ضارع لخصومة. # * * * # PageV01P126 ### | ومن سورة (الأعراف) ### | قوله تعالى: (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة) # الخلق: التقدير، والتصوير: جعل الشيء على صورة من الصور. والصورة: بنية ~~على هينة ظاهرة. # ومما يسأل عنه أن يقال: كيف جاء (ثم قلنا للملائكة اسجدوا)، والقول كان ~~قبل خلقنا وتصويرنا؟ # وعن هذا ثلاثة أجوبة: ms073 # الأول: أن المعنى خلقنا آبائكم، ثم صورنا آبائكم. وهذا يروى عن الحسن من ~~كلام العرب: نحن فعلنا بكم كذا وكذا، وهم يعنون أسلافهم، وفي التنزيل: (وإذ ~~أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور) أي ميثاق أسلافكم الذين كانوا على زمن ~~موسى عليه السلام. # والثاني: أن المعنى خلقنا آدم ثم صورناكم في ظهره، وهو قول مجاهد. # والثالث: أن الترتيب وقع في الإخبار. كأنه قال ثم إنا نخبركم أنا قلنا ~~للملائكة، كما تقول: أنا راجل ثم أنا مسرع، وهذا قول جماعة من النحويين ~~منهم: علي بن عيسى والسيرافي وغيرهما، وقال الأخفش: (ثم) هاهنا بمعنى ~~(الواو)، وأنكره الزجاج. وقال الشاعر: # سألت ربيعة من خيرها ... أبا ثم أما فقالت لمه # أي ليجيب أولا عن الأب ثم الأم. # PageV01P127 ### | قوله تعالى: (وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال) # الأعراف: المواضع المرتفعة؛ أخذ من عرف الفرس، وكل مرتفع من الأرض عرف، ~~قال الشماخ: # فظلت بأعراف تعادى كأنها ... رماح نحاها وجهة الريح راكز # والحجاب: الحاجز المانع من الإدراك، ومنه قيل حاجب الأمير، وقيل للضرير " ~~محجوب ". # * * * # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: من أصحاب الأعراف؟ # وفي هذا أجوية: # أحدها: أنهم فضلاء المؤمنين، وهو قول الحسن ومجاهد. # وقيل: هم الشهداء، وهم عدول الآخرة. # وقيل: هم ملائكة يرون في صورة الرجال، وهو قول أبي مجلز. # وقيل: هم قوم أبطأت بهم صغائرهم إلى آخر الناس، وهو قول حذيفة # وقيل: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، وقوله: (لم يدخلوها وهم يطمعون) ~~قيل هم أصحاب الأعراف، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود والحسن وقتادة. # وقيل: هم أهل الجنة قبل أن يدخلوها، وهو قول أبي مجلز. # PageV01P128 ### | قوله تعالى: (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة) # واعد: فاعل من الوعد. وموسى: اسم أعجمي لا ينصرف للتعريف والعجمة. # قال السدي: أصله (موشا) ف (مو): الماء، و (شا): الشجر، قال: وذلك أن ~~جواري امرأة فرعون وجدنه بين ماء وشجر، فسمي باسم المكان الذي وجد فيه. # وقال غيره: معناه من الماء رفعتك. # وجمع (موسى) (موسون) في الرفع و (موسين) وفي الجر والنصب، تحذف الألف ~~لالتقاء الساكنين، وترك ms074 الفتحة تدل عليها، هذا مذهب البصريين. وقال ~~الكوفيون: يقال في جمعه (موسون) مثل قولك قاضون. # فأما موسى الحديد فيقال في جمعه (مواس)، قال الشاعر: # عذبوني بعذاب قلعوا جوهر راسي # ثم زادوني عذابا نزعوا عني طساس # بالمدى قطع لحمي وبأطراف المواسي # وهي مؤنثة، قال الشاعر: # فإن تكن الموسى جرت فوق بظرها ... فما وضعت إلا ومصان قاعد # واختلف في اشتقاقها: # فقال البصريون: هي (مفعل) من أحد شيئين إما من أوسيت الشعر إذا حلقته، أو ~~من أسوت الشيء إذا أصلحته، فعلى القول الأول تكون الواو أصلية، والألف في ~~آخره منقلبة عن ياء، وعلى القول الثاني تكون الواو منقلبة عن همزة، والألف ~~منقلبة عن واو. # PageV01P129 # وقال الكوفيون: هي (فعلى) من ماس يميس، فعلى هذا القول تكون الواو منقلبة ~~عن ياء، لسكونها، وانضمام ما قبلها، والألف زائدة للتأنيث. والإتمام: ~~التكميل، والميقات: الموقت. # * * * # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: كيف كانت المواعدة هاهنا، والمواعدة إنما تكون من ~~اثنين؟ # وفي هذا جوابان: # أحدهما: أن (فاعل) قد يكون من واحد. نحو: عافاه الله، وعاقبت اللص. ~~وطارقت النعل، فكذلك هاهنا. # والجواب الثاني: أن القول كان من الله تعالى، والقبول من موسى فصارت ~~مواعدة. # * * * # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: لم قال (ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر)، ولم يقل: ~~أربعين ليلة؟ # وفي هذا أجوبة: # قال مجاهد وابن جريج ومسروق كانت العدة ذا القعدة وعشر ذي الحجة. # وقال غيرهم: واعده ثلاثين ليلة يصوم فيها ويتقرب بالعبادة، ثم أتمت بعشر ~~إلى وقت المناجاة. # وقيل: واعده ثلاثين ليلة، فلم يصمها موسى عليه السلام، فأمره الله تعالى ~~بعشر زيادة عليها؛ ليصوم فيها لتكون مناجاته بعقب صوم؛ لأن خلوف فم الصائم ~~عند الله كرائحة المسك. # ويقال: لم قال (فتم ميقات ربه أربعين ليلة)، وقد دل ما تقدم على هذه ~~العدة؟ # قيل: للبيان الذي يجوز معه توهم أتممنا الثلاثين بعشر منها كأنه كان ~~عشرين ثم أتم بعشر فتم ثلاثون. # * * * ### | قوله تعالى: (واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار) # PageV01P130 # الاتخاذ: افتعال من الأخذ. والحلي: ms075 ما كان للزينة من الذهب والفضة. وقيل: ~~إن العجل عمل من الذهب والفضة. # والعجل: ولد البقرة القريب العهد بالولادة. واشتقاقه من التعجيل لصغره. ~~وهو " العجول " أيضا. # والجسد: كالجسم، والخوار: الصوت. # ويقال: كيف خار العجل، وهو مصوغ من ذهب؟ # وعن هذا أجوبة: # قال الحسن: قبض السامري قبضة من تراب من أثر فرس جبريل عليه السلام يوم ~~قطع البحر، فقذف ذلك التراب في العجل، فتحول لحما ودما. # وقال غيره: احتال السامري بإدخال الريح فيه حتى سمع له صوت كالخوار. # وقيل: بل لما جمع الحلي أتى بها إلى هارون عليه السلام، فقال له: إني ~~أريد أن أصنع بهذا الحلي شيئا ينتفع به بنو إسرائيل، فادع الله أن ييسره ~~علي، فدعا الله له، فأجرى الله تعالى في العجل ريحا حتى خار. # * * * ### | قوله تعالى: (ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا) # ساء: فعل ماض لا يتصرف إذا أريد به معنى " بئس ". # ونصب (مثلا) لأنه تفسير للمضمر في ساء وبيان، وتقديره: ساء المثل مثلا. ~~وفي الكلام حذف آخر تقديره: ساء المثل مثلا مثل القوم، ثم حذف المثل الأول ~~لدلالة المنصوب عليه، وحذف الثاني وأقام المضاف إليه مقامه للإيجاز ولأن ~~المعنى مفهوم. # PageV01P131 ### | قوله تعالى: (فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما) # الإيتاء: الإعطاء. # وقرأ نافع وعاصم من طريق أبي بكر (جعلا له شركا)، وقرأ الباقون (شركاء)، ~~وأنكر بعضهم القراءة الأولى، وقال لو كان (شركا) لقال: جعلا لغيره شركا؛ ~~لأنه بمعنى " النصيب ". # والجواب عن هذا أن الزجاج قال المعنى: ذا شرك، كما قال (ولكن البر من آمن ~~بالله). وقيل: هو على التفحيش، أي: كان له شركا. والشرك: مصدر، والشركاء: ~~جمع شريك، ككريم وكرماء. # ويسأل: إلى من يرجع الضمير في (جعلا)؟ # وفيه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أنه يرجع إلى النفس وزوجها من ولد آدم لا إلى آدم وحواء، وهو قول ~~الحسن وقتادة. # والثاني: أنه يرجع إلى الولد الصالح، بمعنى المعافاة في بدنه، فذلك صلاح ~~في خلقه لا في دينه، وثنى لأن حواء كانت تلد في كل بطن ذكرا وأنثى. # والثالث: ms076 أنه يرجع إلى آدم: حواء، فإنهما جعلا له شريكا في التسمية، وذلك ~~أنهما أقاما زمانا لا يولد لهما، فمر بهما الشيطان، ولم يعرفاه، فشكوا ~~إليه، فقال لهما: إن أصلحت حالكما حتى يولد لكما أتسماينه باسمي؟ - فقالا: ~~نعم، وما اسمك؟ قال: الحارث، فولد لهما، فسمياه (عبد الحارث). وهذا القول ~~بعيد ولا يجوز مثل هذا على نبي من أنبياء الله تعالى، والقول الأول أوضح ~~الأقاويل. # PageV01P132 ### | قوله تعالى: (وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم) # الهمزة في قوله: (أدعوتموهم) همزة تسوية كالذي في قوله: (سواء عليهم ~~أأنذرتهم أم لم تنذرهم)، و (أم) معادلة لها. # وسأل على من يعود الضمير في قوله (أدعوتموهم)؟. # وفيه جوابان: # أحدهما: أنه يعود إلى قوم من المشركين قد صبئوا بالكفر. وهو قول الحسن. # والثاني: أنه يعود إلى الأصنام، وهو قول أهل المعاني. # ويقال: لم قال (أدعوتموهم أم أنتم صامتون)، ولم يقل: أم صمتم؟ # والجواب: أنه أتى بذلك لإفادة الماضي والحال؛ لأن المقابلة قد دلت على ~~الماضي، واللفظ دل على معنى الحال. قال الشاعر: # سواء عليك الفقر أم بت ليلة ... بأهل القباب من غير بن عامر # فقابل الفعل الماضي بالاسم المبتدأ، كما قوبل في الآية المبتدأ بالفعل ~~الماضي، وساغ هذا فيه لأنه جملة من مبتدأ وخبر قابلت جملة من الفعل ~~والفاعل. # * * * # PageV01P133 ### | ومن سورة (الأنفال) ### | قوله تعالى: (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق) # يسأل عن الكاف هاهنا، ما شبه بها؟ # عن ذلك ثلاثة أجوبة: # أحدها: أن المعنى: قل الأنفال لله والرسول مع مشقته عليهم، لأنه أصلح لهم ~~كما أخرجك ربك من بيتك بالحق مع كرامتهم، لأنه أصلح لهم. # والثاني: أن المعنى: هذا الحق كما أخرجك ربك من بيتك بالحق. # والثالث: أن المعنى: يجادلونك في الحق متكرهين كما تكرهوا إخراجك من بيتك ~~بالحق. وهذه الأقوال كلها عن أصحاب المعاني. # وزعم بعضهم: أن " الكاف " بمعنى " الباء "، أي: بما أخرجك ربك، وهذا لا ~~يعرف. # * * * # فصل: # ويسأل: بم تتعلق " الكاف "؟ # والجواب: أنها تتعلق بما دل عليه (قل الأنفال لله والرسول)؛ لأن في هذا ms077 ~~معنى بنزعها من أيديهم بالحق كما أخرجك ربك من بيتك. # وجواب ثان: وهو أن يكون التقدير: يجادلونك في الحق كما كرهوا إخراجك في ~~الحق، لأن فيه هذا المعنى وإن قدم ذكر الإخراج. # وجواب ثالث: وهو أن يعمل فيه معنى الحق بتقدير: هذا الذكر الحق كما أخرجك ~~ربك من بيتك بالحق. # ويقال: لم جاز أن يكره المؤمنون ما أمر الله تعالى به من الإخراج؟ # وفيه جوابان: # PageV01P134 # أحدهما: أنه تكره الطباع من طريق المشقة التي تلحق. # والثاني: أنهم كرهوا قبل أن يعلموا أن الله تعالى - عز اسمه - أمر به، أو ~~أن النبي عليه السلام عزم عليه. فلما علموا أرادوه. # والقول الأول أبين، وقوله تعالى: (كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون). # * * * ### | قوله تعالى: (فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت) # يقال: بم قتلهم الله تعالى؟ # والجواب: بإعانته للمؤمنين، وإلقاء الرعب في قلوب المشركين، وجاء في ~~التفسير عن ابن عباس والسدي وعروة: أن النبي صلى الله علبه وسلم قبض قبضة ~~من التراب فرماها في وجوههم وقال: (شاهت الوجوه) فبثها الله على أبصارهم ~~حتى شغلهم بأنفسهم. # ويقال: كيف جاز نفي الفعل عنه، وقد فعل؟ # وفي هذا جوابان: # أحدهما: أنه أثبته تعالى لنفسه لقوة السبب المؤدي إلى المسبب. # والثاني: أنه أثبته للنبي عليه السلام بالاكتساب. ونفاه عنه لأنه الفاعل ~~في الحقيقة فأثبته لنفسه تعالى. # * * * ### | قوله تعالى: (وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك) # PageV01P135 # جاء في التفسير أن القائل هو "النضر بن الحارث بن كلدة" ويروى ذلك عن ~~سعيد بن جبير ومجاهد، وذلك أنه قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك ~~فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، وأهلكنا ومحمدا ومن معه. ~~فأنزل الله تعالى: (وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) أي: وفيهم قوم ~~يستغفرون، يعني المسلمين، يدل على ذلك قوله تعالى: (وما كان الله ليعذبهم ~~وأنت فيهم)، ثم قال: (وما لهم ألا يعذبهم الله) خاصة (وهم يصدون عن المسجد ~~الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون)، ms078 يعني المسلمين. فعذبهم ~~الله بالسيف بعد خروج النبي عليه السلام. وفي ذلك نزلت: (سأل سائل بعذاب ~~واقع). وهذا معنى قول ابن عباس، وقال مجاهد في قوله: (وهم يستغفرون) علم ~~الله أن في أصلابهم من يستغفر. # * * * # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: لم طلبوا العذاب من الله تعالى بالحق، وإنما يطلب ~~بالحق الخير والثواب والأجر؟ # والجواب: أنهم كانوا يعتقدون أن ما جاء به النبي عليه السلام ليس بحق من ~~الله، وإذا لم يكن كذلك لم يصبهم شيء. # ويقال: لم قال (أمطر علينا حجارة من السماء)، والإمطار لا يكون إلا من ~~السماء؟. # وفي هذا جوابان: # أحدهما: أنه يجوز أن يكون إمطار الحجارة من مكان عال دون السماء. # والثاني: أنه على طريق البيان ب (من). # PageV01P136 # وقرئ: (وإن كان هذا هو الحق) بالنصب على أنه خبر كان، و (هو) فصل. # وقرئ: (إن كان هذا هو الحق) بالرفع على أن (هو) مبتدأ، و (الحق) خبره، ~~والجملة خبر كان، ومثل ذلك (ولكن كانوا هم الظالمين)، وقرئ (ولكن كانوا هم ~~الظالمون)، وكذلك قوله: (فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم) و (كنت أنت ~~الرقيب) على ما فسرنا. # * * * # PageV01P137 ### | ومن سورة (التوبة) # يقال: لم لم تستفتح " براءة " ب (بسم الله الرحمن الرحيم)؟ # وفي هذا جوابان: # أحدهما: أنها ضمت إلى " الأنفال " بالمقاربة، فصارتا كسورة واحدة، إذ ~~الأولى في ذكر العهود، والثانية في رفع العهود، وهذا يروى عن أبي بن كعب، ~~ويروى عن ابن عباس أنه قال: قلت لعثمان بن عفان: ما حملكم على أن عمدتم إلى ~~" براءة " وهي من المئين وإلى " الأنفال " وهي من الثاني فجعلتموها في ~~السبع الطول، ولم تكتبوا بينهما سطر " بسم الله الرحمن الرحيم "؟ - فقال ~~عثمان: كان النبي صلى الله عليه تنزل عليه الآيات، فيدعو بعض من يكتب له، ~~فيقول (ضع هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا) وتنزل الآيات ~~فيقول مثل ذلك، وكانت " الأنفال " من أول ما نزل من القرآن بالمدينة، وكانت ~~" براءة " من آخر ما أنزل من القرآن، وكانت قصتها شبيهة بقصتها فظننا أنها ms079 ~~منها، فمن هنا وضعناها في السبع الطول، ولم نكتب بينهما سطر " بسم الله ~~الرحمن الرحيم ". # والجواب الثاني: أن " بسم الله الرحمن الرحيم " أمان، " وبراءة " نزلت ~~برفع الأمان، وهذا قول أبي العباس، فلم تكتب في أولها، وروى ابن عباس ذلك ~~عن علي رضي الله عنهما. # ويسأل عن الرافع ل " براءة "؟ # وفيه جوابان: # أحدهما: إضمار المبتدأ، أي: هذه براءة. # والثاني: أن يرتفع بالابتداء، وإن كان نكرة؛ لأنه موصوف، والخبر في قوله ~~(إلى الناس). # * * * ### | قوله تعالى: (وأذان من الله ورسوله إلى الناس) # PageV01P138 # الأذان: الإعلام. هذا قول ابن زيد. # والحج الأكبر: الوقوف بعرفة. هذا قول عطاء ومجاهد. # والحج الأصغر: العمرة. # وأركان الحج: الإحرام بعد الاغتسال، ثم التلبية، ثم طواف القدوم، ثم ~~السعي بين الصفا والمروة، ثم الميت بممنى، ثم الصلاة بمسجد إبراهيم عليه ~~السلام. ثم الوقوف بعرفة، ثم المصير إلى مزدلفة والبيت بها، ثم الوقوف ~~بالمشعر الحرام، ثم المصير إلى جمرة العقبة ورميها، ثم حلق الرأس، ثم ~~النحر، ثم طواف الزيارة، ثم الإحلال، ثم الرجوع إلى منى والمقام بها ثلاثة ~~أيام، ثم العمرة لمن شاءها. # وقد قيل: يوم الحج الأكبر يوم النحر، يروى هذا عن النبي صلى الله عليه، ~~وعن علي رضى الله عنه، وعن ابن عباس رضي الله عنه. وسعيد بن جبير وعبد الله ~~بن أوفي وإبراهيم، واختلف عن مجاهد: فقال مرة بالقولين جميعا، وقال مرة: ~~أيامها كلها، ويروى مثل ذلك عن سفيان، وبالقول الأول أخذ أبو حنيفة، ويروى ~~مثله عن ابن الزبير. # * * * # فصل: # ويسأل عن قوله تعالى: (وأذان من الله ورسوله)، بم ارتفع؟ # وفيه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أنه معطوف على " براءة ". وهو قول الفراء والزجاج. # PageV01P139 # والجواب الثاني: أنه مبتدأ والخبر محذوف، أي: عليكم أذان من الله، وفيه ~~معنى الأمر، وهذا قول علي بن عيسى. # والثالث: أنه مبتدأ والخبر قوله (أن الله بريء من المشركين)، على حذف ~~الباء. كأنه قال: بأن الله. # وعلى الوجهين الأولين يكون موضع (أن) نصبا على أنه مفعول له. # وقرأت القراء (ورسوله) بالرفع، وقرأ عيسى بن عمر (ورسوله) بالنصب، ms080 وقرأ ~~بعض أهل البدو (ورسوله) بالجر. # فأما الرفع فمن وجهين: # أحدهما: أن يكون معطوفا على المضمر في " بريء " وحسن العطف عليه وإن كان ~~غير مؤكد لأن قوله تعالى (من المشركين) قام مقام التوكيد. # والثاني: أن يكون مبتدأ، والخبر محذوف تقديره: ورسوله برىء أيضا، ثم حذف ~~الخبر لدلالة " أن " عليه. # وذكر سيبويه وجها ثالثا: وهو أن يكون معطوفا على موضع " أن ". وهذا وهم ~~منه، لأن " أن " المفتوحة مع ما بعدها في تأويل المصدر، فقد تغيرت عن حكم ~~المبتدأ وصارت في حكم " ليت " و " لعل " فكأن في إحداثها معنى يفارق ~~المبتدأ، فكما لا يجوز العطف على مواضعهن فكذلك موضع " أن " لا يجوز العطف ~~عليه، وإنما يجوز العطف على موضع " إن " المكسورة، كما قال الشاعر: # فمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيارا بها لغريب # PageV01P140 # ولعل سيبويه توهم أنها مكسورة فحمل على موضعها، وقد قرئ في الشواذ (إن ~~الله) بالكسر؛ ولعله تأول على هذه القراءة. # فأما النصب: فعلى العطف على اللفظ، ومثله قول الراجز: # إن الربيع الجود والخريفا ... يدا أبي العباس والضيوفا # وأما الجر: فحمله قوم على القسم. وهي قراءة بعيدة شاذة. # * * * ### | قوله تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة) # يسأل عن موضع " الذين يكنزون " من الإعراب؟ # وفيه جوابان: # أحدهما: أن موضعه نصب؛ لأنه معطوف على اسم " إن "، ولكون المعنى: وإن ~~الذين يكنزون الذهب والفضة يأكلونها. # والثاني: أن يكون رفعا على الاستئناف. # ويقل: لم قال (ينفقونها) ولم يقل (ينفقونهما)؟ # وفي هذا أجوبة: # أحدها: أنه يرجع إلى ما دل عليه الكلام، كأنه قال: ولا ينفقون الكنوز. # والثاني: أنه لما ذكر الذهب والفضة دل على " الأموال "، فكأنه قال: ولا ~~ينفقون الأموال # PageV01P141 # والثالث: أن الذهب مؤنث، وهو جمع واحده " ذهبة "، وهذا الجمع ليس بينه ~~وبين واحده إلا " الهاء " يذكر ويؤنث. قال الله تعالى: (كأنهم أعجاز نخل ~~خاوية) وقال: (كأنهم أعجاز نخل منقعر) فذكر. ثم لما اجتمعا في التأنيث، ~~وكان كل واحد منهما يؤخذ عن صاحبه في الزكاة على قول جمهور أهل العلم ~~جعلهما كالشيء الواحد، ورد الضمير إليهما بلفظ ms081 التأنيث. # والرابع: أنه اكتفى بأحدهما عن الآخر للإيجاز. ورد الضمير إلى الففة لأنه ~~أقرب إليه، وإن شئت إلى الذهب، على مذهب من يؤنثه. والعرب تكتفي بأحد ~~الشيئين عن الآخر للإيجاز والاختصار، قال الشاعر: # رماني بأمر كنت منه ووالدي ... بريا ومن أجل الطوي رماني # ولم يقل: بريئين، وكذا قول الآخر: # نحن بما عندنا وأنت بما عن ... دك راض والرأي مختلف # ومثله قوله تعالى: (والله ورسوله أحق أن يرضوه)، وتقدير هذا عند سيبويه: ~~أن الخبر الأول محذوف لدلالة الثاني عليه، كأنه قال: والله أحق أن يرضوه ~~ورسوله أحق أن يرضوه، ثم حذف، وقال أبو العباس: هو على التقديم والتأخير. ~~كأنه قال: والله أحق أن يرضوه ورسوله. وقد قيل: إنه اقتصر على أحدهما لأن ~~رضا الرسول عليه السلام رضا الله تعالى، فترك ذكره لأنه دل عليه مع ~~الإيجاز، وقيل: أنه لم يذكر تعظيما له بإفراد الذكر. # PageV01P142 ### | قوله تعالى: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم) # هذه الآية نزلت في قوم أيأس الله تعالى نبيه من إسلامهم، وروى الحسن ~~وقتادة أن النبي عليه السلام قال: لأزيدن على السبعين، فأنزل الله تعالى: ~~(سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم)، وكان النبي عليه السلام يدعو ~~لهم بالمغفرة رجاء أن يكون لله تعالى بهم لطف فيستجيب له، فلما أيأسه كف عن ~~ذلك. # ويسأل عن صيغة الأمر في قوله (استغفر لهم)؟ # والجواب: أنه للمبالغة عن اليأس من المغفرة، وخصص عدد السبعين للمبالغة. ~~وذلك أن العرب تبالغ بالسبعة والسبعين، ولهذا قيل للأسد سبع؛ لأنهم تأولوا ~~فيه لقوته أنها ضوعفت له سبع مرات. # * * * ### | قوله تعالى: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت) # هذا معطوف على قوله تعالى: (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين ~~والأنصار). # وسأل عن هؤلاء الثلاثة؟ # والجواب: أنهم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرار بن ربيعة، وقال ابن عباس ~~ومجاهد وقتادة وجابر: هؤلاء الثلاثة من الأنصار. # PageV01P143 # ويسأل عن قوله (خلفوا) عن ماذا خلفوا؟ # الجواب: ms082 أن مجاهدا قال: خلفوا عن التوية، وقال قتادة: خلفوا عن غزوة ~~تبوك. # والظن هاهنا بمعنى اليقين، ومثله قول دريد بن الصمة: # فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج ... سراتهم كالفارسي المسرد # * * * # PageV01P144 ### | ومن سورة (يونس) ### | قوله تعالى: (والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها) # الكسب: اجتلاب النفع، والجزاء المكافأة، والسيئة: نقيض الحسنة. # وسأل عن ارتفاع (جزاء)؟ # وفيه وجهان: # أحدهما: أن يكون مبتدأ والخبر (بمثلها) على زيادة الباء، وهذا قول أبي ~~الحسن. لأنه وجد في مكان آخر (وجزاء سيئة سيئة مثلها)، ويجوز أن تكون الباء ~~متعلقة بخبر محذوف تقديره: وجزاء سيئة كائن بمثلها، ثم حذفت كما تقول: إنما ~~أنا بك وأمري بيدك وما أشبه ذلك. # والثاني: أن يكون فاعلا بإضمار فعل تقديره: استقر لهم جزاء سيئة بمثلها ~~ثم حذفت " استقر " فبقي " لهم جزاء سيئة بمثلها " ثم حذفت " لهم " لدلالة ~~الكلام على أن هذا مستقر لهم. # ويجوز أن يكون (جزاء سيئة) مبتدأ والخبر محذوف تقديره: لهم جزاء سيئة ~~بمثلها، وإن شئت قدرته: جزاء سيئة بمثلها كائن، وهذه إجازة أبي الفتح. # * * * ### | قوله تعالى: (لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة) # يسأل عن " البشرى في الحياة الدنيا " ما هي: # PageV01P145 # وفيه أجوبة: # أحدها: أنها بشرى الملائكة عليهم السلام للمؤمنين عند الموت. # والثاني: الرؤيا الصالحة يراها الرجل. أو ترى له، وهذا في خبر مرفوع، ~~والأول قول قتادة والزهري والضحاك. # والثالث: أن البشرى القرآن. # والرابع: أن المؤمن يفتح له باب إلى الجنة في قبره فيشاهد ما أعد له في ~~الجنة قبل دخولها. # * * * ### | قوله تعالى (ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم (65)) # العزة: القدرة. # ويسأل عن صيغة النهي في قوله (ولا يحزنك)؟ # والجواب: أن هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم. # ويسأل: لم كسرت (إن) هاهنا؟ # والجواب: أنها كسرت للاستئناف بالتذكير لا ينفي الحزن. ولا يجوز أن تكون ~~كسرت لأنها وقعت بعد القول؛ لأنه يصير حكاية عنهم، وأن النبي عليه السلام ~~يحزن لذلك وهذا كفر. # ويجوز فتحها على تقدير " اللام " كأنه قال: ولا يحزنك قولهم لأن العزة ~~لله جميعا. ms083 # PageV01P146 # وقد غلط القتبي في هذا وزعم أن فتحها يكون كفرا، وليس كما ظن، وسواء فتحت ~~أو كسرت إذا كانت معمولة للقول إلا إذا تعلقت بغير القول، ولا خلل في ~~القراءة، ومثل الفتح قول ذي الرمة: # فما هجرتك النفس يا مي أنها ... قلتك ولكن قل منك نصيبها # ولكنهم يا أملح الناس أولعوا ... بقول إذا ما جئت هذا حبيبها # وقال القتبي عند ذكر هذه المسألة: إذا قلت هذا قاتل أخي -بالتنوين- دل ~~على أنه لم يقتل، وإذا قلت هذا قاتل أخي -بحذف التنوين- دل على أنه قتل، ~~وهذا غلط بإجماع من النحويين، لأن التنوين قد يحذف وأنت تريد الحال ~~والاستقبال، قال الله تعالى (هديا بالغ الكعبة)، يريد: بالغا الكعبة، وقال: ~~(كل نفس ذائقة الموت)، أي: ستذوق. # * * * ### | قوله تعالى: (فأجمعوا أمركم وشركاءكم) # يقال: أجمعت على الأمر، وأجمعت الأمر، أي: عزمت عليه. # واختلف في انتصاب قوله (وشركاءكم): # فقال الفراء: هو نصب بإضمار فعل. كأنه قال: وادعوا شركاءكم، وقال: كذا هو ~~في مصحف أبي وقال غيره: أضمر (واجمعوا شركاءكم)؛ لأن (أجمعوا) يدل عليه. # وروى الأصمعي: أنه سمع نافعا يقرأ (فاجمعوا أمركم وشركاءكم)، فهذا يدل ~~على هذا الإضمار، ويقال: أجمعت الأمر وجمعت الأمر وأجمعت عليه. # PageV01P147 # وذهب المحققون من أصحابنا إلى أنه مفعول معه تقديره: مع شركائكم. كما ~~أنشد سيبويه: # فكونوا أنتم وبني أبيكم ... مكان الكليتين من الطحال # ويدل على صحة هذا القول قراءة الحسن (فأجمعوا أمركم وشركاءكم) فعطف على ~~المضمر في (اجمعوا). وحسن العطف عليه لأن الفصل قام مقام التوكيد. # * * * ### | قوله تعالى: (فاليوم ننجيك ببدنك) # اختلف في قوله (ننجيك): # فقال أكثر المفسرين: معنى ننجيك نخلصك ببدنك أي بجسمك؛ لأنه لو سلط عليه ~~دواب البحر فأكلته لادعى قومه أنه لم يمت، فالمعنى على هذا: نخرجك ببدنك ~~بعد موتك. # وقال أبو العباس المبرد: الناس يغلطون في هذا. إنما المعنى في (ننجيك) ~~نلقيك بنجوة من الأرض، والنجوة ما ارتفع من الأرض، قال الشاعر: # فمن بنجوته كمن بعقوته ... والمستكن كمن يمشي بقرواح # وقوله (ببدنك) أي بدرعك. والدرع يسمى بدنا. # قال غيره: المعنى ms084 ببدنك دون روحك. # PageV01P148 ### | قوله تعالى: (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس) # القرية مأخوذ من قريت الماء إذا جمعته، والخزي: الهوان والوضع من القدر ~~وأصله العيب. # ويسأل عن (لولا)؟ # وفيها جوابان: # أحدهما: أنه بمعنى (هلا) يكون تحضيضا، نحو قول الشاعر: # تعدون عقر النيب أفضل مجدكم ... بني ضوطرى لولا الكمي المقنعا # ويكون تأنيبا، نحو قولك: لولا امتنعت من الفساد، كما تقول: هلا، والمعنى ~~على هذا: هلا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس. والأصل: فلولا ~~كان أهل قرية، فحذف. # والجواب الثاني: أن " لولا " بمعنى " ما " النفي، وهذا قول ذكره ابن ~~النحاس، ولم أسمعه عن غيره. والتقدير على هذا: ما كانت قرية آمنت فنفعها ~~إيمانها إلا قوم يونس. # ويسأل عن هذا الاستثناء ما هو؟ # والجواب: أنه استثناء منقطع في اللفظ؛ لأنه بعد (قرية)، متصل في المعنى ~~إذ المعنى: فلولا كان أهل قرية. # PageV01P149 # ويونس اسم أعجمي لا ينصرف للعجمة والتعريف، وليس من الأنس والاستنناس وإن ~~وافق اللفظ اللفظ. # * * * ### | قوله تعالى: (قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني) # الشك: التوقف بين الحق والباطل، والدين هاهنا: الملة. # ومما يسأل عنه أن يقال: لم قال (إن كنتم في شك من ديني) وهم يعتقدون ~~بطلان هذا الدين؟ # وعن هذا ثلاثة أجوبة: # أحدها: أن يكون التقدير: من كان شاكا في أمري وهو مصمم على أمره فهذا ~~حكمه. # والثاني: أن يكون المعنى أنهم في حكم الشاك لاضطراب أنفسهم عند ورود ~~الآيات. # والثالث: أن يكون فيهم الشاك وغير الشاك، فجرى على التغليب. # وهذه الأقوال كلها عن أصحاب المعاني. # ويقال: لم جعل جواب (إن كنتم في شك) (لا أعبد)، وهو لا يعبد غير الله ~~شكوا أو لم يشكوا؟ # والجواب: أن المعنى لا تطمعوا أن تشككوني بشككم حتى أعبد غير الله ~~كعبادتكم، كأنه قال: إن نتم في شك من ديني فلا أعبد الذين يعبدون من دون ~~الله بشككم. # * * * # PageV01P150 ### | ومن سورة (هود) # عليه السلام ### | قوله تعالى (قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء) # معنى آوي: أنضم، والعصمة: ms085 المنع. # ومما يسأل عنه أن يقال: لم دعاه إلى الركوب معه وقد نهي أن يركب معه ~~كافر؟ # والجواب: أن الحسن قال: كان منافقا يظاهر بالإيمان، وقال غيره: دعاه على ~~شريطة الإيمان. # ويسأل عن قوله تعالى: (إلا من رحم)؟ # وفيه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أن يكون استثناء منقطعا، كأنه قال: لكن من رحم معصوم. # والثاني: أن يكون المعنى: لا عاصم إلا من رحمنا، كأنه في التقدير: لا ~~عاصم إلا الله. # والثالث: أن يكون المعنى: لا عاصم إلا من رحمه الله فنجاه. وهو نوح عليه ~~السلام. # وقيل " عاصم " هاهنا بمعنى معصوم، والتقدير على هذا: لا معصوم من أمر ~~الله إلا من رحمه الله، و " فاعل " قد يأتي في معنى " مفعول "، وعلى هذا ~~قوله تعالى: (فهو في عيشة راضية)، وقال الحطيئة: # دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي # PageV01P151 # و" عاصم " مع " لا " بمنزلة اسم واحد مبني على الفتح لتضمنه معنى " من "، ~~لأن هذا جواب " هل من عاصم " وحق الجواب أن يكون وفق السؤال، فكان يجب أن ~~يكون " لا من عاصم " إلا أن " من "، حذفت، وضمن الكلام معناها، فبني الاسم، ~~وخبر " لا "، اليوم "، والعامل في " اليوم " الخبر المحذوف، كأنه في ~~التقدير: لا عاصم كائن اليوم، ولا يجوز أن يعمل عاصم في " اليوم " لأنه ~~يصير فى صلته، ويبقى بلا خبر. # * * * ### | قوله تعالى: (قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح) # يسأل عن قوله: (إنه ليس من أهلك)؟ # وفيه جوابان: # أحدهما: أنه ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك، وكان ابنه لصلبه، عن ~~ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك، واحتجوابقوله: (ونادى نوح ابنه). # وقدره بعضهم: ليس من أهل دينك. # والثاني: أنه لم يكن ابنه لصلبه، ولكن كان ابن امرأته، وروي عن الحسن ~~ومجاهد أنهما قالا كان لغير رشده. # وقال أصحاب المعارف اسمه (يام). # PageV01P152 # وقرأ الكسائي (إنه عمل غير صالح)، جعله فعلا ماضيا، وقرأ الباقون (إنه ~~عمل غير صالح)، وفي هذه القراءة وجهان: # أحدهما: أن يكون المعنى: إنه ذو عمل غير ms086 صالح، ثم حذف المضاف وأقام ~~المضاف إليه مقامه. # والثاني: أنه لما كثر منه ذلك أقام المصدر مقام اسم الفاعل، كما قالت ~~الخنساء (3): # ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار # ومن كلام العرب: إنما أنت أكل وشرب. # وقد روي عن ابن عباس ومجاهد وإبراهيم أن المعنى: إن سؤالك هذا عمل غير ~~صالح، فعلى هذا الوجه لا يكون في الكلام حذف. # * * * ### | قوله تعالى: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك) # يقال: أقلع السحاب إذا ارتفع، وغاض الماء إذا غاب في الأرض، والجودى: جبل ~~بناحية آمد، قال أمية: # سبحانه ثم سبحانا يعود له ... وقبلنا سبح الجودي والجمد # ومعنى (وقضي الأمر) وقع إهلاك قوم نوح. # PageV01P153 # ونصب (بعدا) على المصدر وفيه معنى الدعاء، ويجوز أن يكون من قول الله ~~تعالى، ويجوز أن يكون من قول المؤمنين. # وقد جمعت هذه الآية من عجيب البلاغة أشياء: # منها - أن الكلام خرج مخرج الأمر على جهة التعظيم لفاعله من نحو: كن ~~فيكون، من غير معاناة ولا لغوب. # ومنها - حسن البيان في تقدير الحال. # ومنها - الإيجاز من غير إخلال. # ومنها - تقبل الفهم على أتم الكمال. # إلى غير ذلك من المعاني اللطيفة، وقد رأيت في معنى هذه الآية في نصف سفر ~~من أسفار التوراة. وأنت تراها هاهنا في غاية الإيجاز والاختصار والبيان؛ ~~ويروى أن كفار قريش لما تعاطوا معارضة القرآن عكفوا على لباب البر ولحوم ~~الضأن وسلاف الخمر أربعين يوما، لتصفوا أذهانهم، وكانوا من فصحاء العرب، ~~وأخذوا فيما أرادوا، فلما سمعوا هذه الآية قال بعضهم لبعض: هذا كلام لا ~~يشبه كلام المخلوقين وتركوا ما أخذوا فيه وافترقوا. # * * * ### | قوله تعالى: (ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى) # السلام في الكلام على أربعة أوجه: # السلام التحية، والسلام اسم من أسماء الله عز وجل، ومنه قوله تعالى: (لهم ~~دار السلام عند ربهم)، والسلام جمع سلامة مثل حمام وحمامة، وقد قيل في قوله ~~تعالى: (لهم دار السلام)، أي: دار السلامة؛ لأن من صار إليها يسلم من آفات ~~الدنيا وعذاب النار، والسلام ضرب من الشجر وهو من ms087 العضاه سمي بذلك لأنه ~~لعظمه يسلم من العوارض الداخلة عليه. # PageV01P154 # والحنيذ: المشوي، وهو " فعيل " بمعنى " مفعول " أي: محنوذ، كما يقال: ~~طبيخ ومطبوخ. # قال العجاج: # وهربا من حنذه أن يهرجا # وقيل: حنيذ نضيج # ومما يسأل عنه أن يقال: لم قدم إلى الملائكة الطعام وهو يعلم أنهم لا ~~يأكلون؟ # والجواب: أنهم لما أتوه في غير صورهم توهم أنهم أضياف، قال الحسن أتوه في ~~صورة الآدميين فاستضافوه. # ويسأل عن البشرى التي أتوا بها؟ # والجواب: أنها كانت بإسحاق، هذا قول الحسن. وقال غيره: كانت بهلاك قوم ~~لوط. # وقرأ حمزة والكسائي (سلم)، وقرأ الباقون (سلام). # وقيل فى " سلم " أن معناه " المسالمة ". # وقيل " سلم " و " سلام " بمعنى، كما يقال: حل وحلال، وحرم وحرام، وإثم ~~وآثام. # قال الشاعر: # وققنا فقلنا إيه سلم فسلمت ... كما انكل بالبرق الغمام اللوائح # PageV01P155 # ويسأل: لم نصب (قالوا سلاما). ورفع (قال سلام)؟ # والجواب: أن الأول على معنى: سلمنا سلاما، كأنه دعاء له. والثاني على ~~معنى: عليكم سلام. # إلا أنه خولف بينهما لئلا يتوهم الحكاية، ولأن المرفوع أبلغ، لأنه حاصل. ~~والمنصوب مجتلب. # فالأول على هذا مصدر لفعل مضمر، والثاني مبتدأ وخبره محذوف، وأجاز بعضهم ~~أن يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: أمرنا سلام. # * * * ### | قوله تعالى: (وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق) # يسأل عن معنى (ضحكت)؟ # والجواب: أنها ضحكت سرورا بالسلامة. # وجاء في التفسير: أنها كانت قائمة بحيث ترى الملائكة. # وفيل: كانت من وراء الستر تسمع كلامهم. # وقيل: كانت قائمة تخدم الأضياف، وإبراهيم عليه السلام جالس. # وقيل: ضحكت تعجبا من حال الأضياف في امتناعهم من أكل الطعام. # وقيل: ضحكت تعجبا من حال قوم لوط إذ أتاهم العذاب وهم في غفلة، وهذا قول ~~قتادة. # وقيل: ضحكت تعجبا من أن يكون له ولد، وهي عجوز قد هرمت، وهذا قول وهب بن ~~منبه. # وقال مجاهد: ضحكت بمعنى حاضت، قال الفراء لم أسمعه من ثقة، ووجهه أنه على ~~طريق الكناية، قال الكميت: # وأضحكت السباع سيوف سعد ... لقتلى ما دفن ولا ودينا. # PageV01P156 # و (يعقوب) مرتفع بالاستئناف، وفيه معنى البشارة، وهو ولد ms088 إسحاق. بشرت ~~بنبي بين نبيين، وهو (إسحاق) أبوه نبي. وابنه نبي. # فأما من قرأ (ومن وراء إسحاق يعقوب)، فإنه نصب بإضمار فعل يدل عليه ~~(بشرنا) كأنه قال: ومن وراء إسحاق وهبنا لها يعقوب. وأجاز بعضهم أن يكون ~~معطوفا على (إسحاق)، كأنه قال: فبشرناها بإسحاق ويعقوب من وراء إسحاق. ~~قالوا: والوراء بمعنى الولد، والظاهر في الكلام أن وراء بمعنى خلف. # ومنع أكثر النحويين العطف هاهنا؛ لأنه لا يجوز العطف على عاملين مع تأخره ~~عن حرف العطف، فلا يجوز: مررت بزيد فى الدار والبيت عمرو، وكذلك إن قلت: ~~مررت بزيد فى الدار وفي البيت عمرو وإنما لم يجز العطف على عاملين؛ لأنه ~~أضعف من العامل الذي قام مقامه، وهو لا يجر ولا ينصب، أعني: حرف العطف. ~~وأجازه الأخفش، وأنشد: # سألت الفتى المكي ذا العلم ما الذي ... يحل من التقبيل في رمضان # فقال لي المكي أما لزوجة ... فسبع وأما خلة فثمان # قرأ حمزة وابن عامر وحفص عن عاصم (ومن وراء إسحاق يعقوب)، نصبا على ما ~~ذكرناه من إضمار فعل، أو على أنه في موضع جر، وهو مذهب الأخفش. # PageV01P157 # وقرأ الباقون رفعا على الابتداء و (ومن وراء إسحاق) الخبر، ويجوز أن ~~ترفعه بالظرف الذي هو (وراء) وهو قياس قول أبي الحسن الأخفش. # * * * ### | قوله تعالى: (أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب (72)) # البعل: الزوج، وأصله القائم بالأمر، ومن هذا قيل للنخل بعل. وهو الذي ~~استغنى عن سقي الأنهار والعيون وماء السماء؛ لأنه قائم بأمره في استغنائه ~~عن تكلف السقي. # وبعل اسم صنم، ومنها قوله تعالى (أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين). # والعجيب والعجاب بمعنى واحد، قال ابن إسحاق: كان لإبراهيم عليه السلام ~~حين بشر بإسحاق ويعقوب مائة وعشرون سنة ولسارة تسعون سنة. # ويسأل عن النصب في قوله (شيخا)؟ # والجواب: أنه منصوب على الحال، والعامل فيه معنى التنبيه الذي في (ها)، ~~كأنه قال: انتبه وانظر. وإن شئت جعلت العامل فيه معنى الإشارة، أي: أشرت ~~إليه شيخا. وإن شئت أعملت فيه مجموعهما. وكذا ما جرى ms089 مجراه، تقول: هذا زيد ~~مقبلا، ولا يجوز: مقبلا هذا زيد؛ لأن العامل غير متصرف، فإن قلت: ها مقبلا ~~ذا زيد، وجعلت العامل معنى الإشارة لم يجز، وإن جعلت العامل معنى التنبيه ~~جاز. # PageV01P158 # ويجوز الرفع في (شيخ) من خمسة أوجه: # أحدها: أن تجعل " شيخا " بدلا من " بعلي ". كأنك قلت: هذا شيخ. # والثاني: أن يكون (بعلي)، بدلا من " هذا ": " شيخ " خبر المبتدأ. # والثالث: أن يكون " بعلي " و " شيخ " جميعا خبرا عن " هذا "، كما تقول: ~~هذا حلو حامض، أي: جمع الطعمين. # والرابع: أن يكون " بعلي " عطف بيان على هذا و" شيخ " خبر المبتدأ. # والخامس: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنك قلت: هو شيخ. # * * * ### | قوله تعالى: (قالوا يا لوط إنا رسل ربك) # يقال: سرى وأسرى، والسرى: سير الليل، قال الله تعالى: (والليل إذا يسر)، ~~فهذا من سرى. وقال (سبحان الذي أسرى بعبده)، وقال امرؤ القيس: # سريت بهم حتى تكل مطيهم ... وحتى الجياد ما يقدن بأرسان # وقال النابغة: # سرت عليه من الجوزاء سارية ... تزجي الشمال عليه سالف البرد # فقال أسرت. وقال: سارية أخذه من (سرى) فجمع بين اللغتين. # و (القطع) القطعة العظيمة تمضي من الليل. # PageV01P159 # قال ابن عباس: طائفة من الليل. # وقيل: نصف الليل. كأنه قطع نصفين # وقرأ ابن كثير ونافع (فاسر) من سريت، وقرأ الباقون (فأسر). # وقرأ أبن كثير وأبو عمرو (إلا امرأتك) بالرفع على البدل من (أحد)، كأنه ~~قال: ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك. وقرأ الباقون (إلا امرأتك) بالنصب على ~~الأصل في الاستثناء من أحد شيئين: إما من الأهل، وإما من أحد، فالتقدير ~~الأول: فاسر بأهلك إلا امرأتك فهذا استثناء من موجب، والتقدير الثاني: ولا ~~يلتفت منكم أحد إلا امرأتك، وهذا استثناء من منفي به. # * * * ### | قوله تعالى: (فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق (106)) # الشقاء والشقاوة والشقوة بمعنى. والماء في شقي منقلبة عن واو. # والزفير: ترديد الصوت من الحزن، وأصله: الشدة، من قولهم مزفور للشديد ~~الخلق، وزفرت النار إذا سمع لها صوت من شدة توقدها. # والشهيق: صوت فظيع يخرج من ms090 الجوف بمد النفس، ويقال: الزفير أول نهاق ~~الحمار والشهيق آخره. # والخلود -: البقاء في أمد ما، والفرق بين الخلود والدوام: أن الدائم ~~الباقي أبدا، والخالد الباقي في أمد ما، ولذلك يوصف القديم تعالى بأنه دائم ~~ولا يوصف بأنه خالد. # PageV01P160 # السعادة ضد الشقاوة. والجذ: القطع، قال النابغة: # تجد السلوقي المضاعف نسجه ... وتوقد بالصفاح نار الحباحب # واختلف في تأويل هاتين الآيتين. وهما من أشد ما في القرآن إشكالا، ~~والكلام فيهما يأتي على ضربين: # أحدهما: على معنى الاستثناء. # والثاني: على معنى تحديد الخلود بدوام السماوات والأرض. # قال ابن زيد بن أسلم: (إلا ما شاء ربك) استثناء في الزيادة من العذاب ~~لأهل النار، والزيادة من النعيم لأهل الجنة، وقد بينه بقوله تعالى: (عطاء ~~غير مجذوذ)، و (إلا) على هذا بمعنى (سوى). # قال قتادة: الله أعلم بثنياه، ذكر لنا ناسا يصيبهم سفع من النار بذنوبهم، ~~ثم يدخلهم الجنة برحمته، يسمون (الجهنميين)، والاستثناء على هذا متصل من ~~الموحدين الذين هم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. العاصين. قال: وهم ~~الذين أنفذ فيهم الوعيد ثم أخرجوا بالشفاعة و (ما) على هذا القول بمعنى ~~(من) كما قال تعالى: (يسبح لله ما في السماوات)، وكما تقول العرب إذا سمعت ~~الرعد: سبحان ما سبحت له. # قال الفراء والزجاج وغيرهما: هو استثناء من الزيادة في الخلود لأهل النار ~~ولأهل الجنة، و (إلا) بمعنى (سوى)، حكى سيبويه: لو كان معنا رجل إلا زيد ~~لهلكنا؛ أي: سوى. # وقيل: المعنى إلا من شاء ربك أن يتجاوز عنه، وهو استثناء من الجنس، وهذا ~~كقول قتادة. # PageV01P161 # وقيل: إن (ما) بمعنى (من) والاستثناء من الأعيان. والتقدير: إلا من شاء ~~ربك أن يخرجه بتوحيده من النار ويدخله الجنة. وإلا من شاء ربك من أهل الجنة ~~ممن يدخله النار بذنوبه وإصراره ثم يخرجه منها. وهو أيضا كقول قتادة. # وروي عن السدي أنه قال: الاستثناء لأهل الشقاء هو لأهل التوحيد الذين ~~يدخلون النار فلا يدومون فيها مع أهلها بل يخرجون منها إلى الجنة، وفي أهل ~~السعادة استثناء مما يقضى لأهل ms091 التوحيد المخرجين من النار، فالاستثناء لأهل ~~الشقاء على هذا من الأعيان، و (ما) بمعنى (من) ولأهل السعادة من الزمان، و ~~(ما) على بابها، وقد روي مثل هذا عن الضحاك، وهو قريب من قول قتادة. # وقال يحيى بن سلام البصري: (إلا ما شاء ربك) يعني ما سبقهم به الذين ~~دخلوا قبلهم من الفريقين، واحتج بقوله تعالى: (وسيق الذين كفروا إلى جهنم ~~زمرا) (وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا) قال: والزمرة تدخل بعد ~~الزمرة، فلابد أن يقع بينهما تفاوت في الدخول، والاستثناءان على هذا من ~~الزمان. # وقال الفراء والزجاج وغيرهما: هو استثناء تستثنيه العرب وتفعله. كقولك: ~~والله لأضربن زيدا إلا أن أرى غير ذلك، وأنت عازم على ضربه، والضمير عائد ~~على المؤمنين والكافرين الذين تقدم ذكرهم. # وقال المازني: هو استثناء من الزمان الذي هم فيه، في قبورهم إلى أن ~~يبعثوا. وقال الزجاج أيضا مثل هذا. # وقال جماعة من المفسرين: الاستثناء واقع على مقامهم في الحشر والحساب؛ ~~لأنهم حيننذ ليسوا في جنة ولا نار. # وقال جماعة من أصحاب المعاني: هو استثناء واقع على الزيادة في الخلود على ~~مقدار دوام السماوات والأرض في الدنيا، ثم قال (إلا ما شاء ربك) من الزيادة ~~في مدة الخلود على دوام السماوات والأرض في الدنبا. # قال أبو عبيدة: عزيمة المشيئة تقدمت بخلود الفريقين، فوقع الاستثناء، ~~والعزيمة قد تقدمت بالحتم في الخلود، وهو كقول الفراء والزجاج في بعض ما ~~روي عنهما. # PageV01P162 # وروي عن الزجاج أيضا أنه استثناء يجوز أن يكون وقع على قوله: (لهم فيها ~~زفير وشهيق) (إلا ما شاء ربك) من أنواع العذاب التي لم تذكر. وفي أهل الجنة ~~استثناء مما دل عليه الكلام، كأنه قال: لهم نعيم ما ذكر وما لم يذكر مما ~~شاء الله. # قال بعض الكوفيين: " إلا " بمعنى " الواو " أي: خالدين فيها ما دامت ~~السماوات والأرض وما شاء ربك من الزيادة على دوامهن في الدنيا. # وقال بعضهم: هو استثناء في أهل الشقاء على تقدير: إلا ما شاء ربك من ~~الوقت الذي يسعدهم فيه بدخول ms092 الجنة. وفي أهل السعادة إلا ما شاء ربك من ~~الوقت الذي أشقاهم فيه بدخول النار، و " ما " للزمان الذي يكونون فيه، وهو ~~في الموضعين للموحدين العصاة. # وقال جماعة: الاستثناء لأهل التوحيد، والمعنى: إلا ما شاء ربك أن يتجاوز ~~عنهم، ولا يدخلهم النار. قال أبو مجلز: جزاؤه إن شاء تجاوز عنهم والاستثناء ~~من الأعيان وهو العصاة من الموحدين، و (ما) بمعنى (من)، وكان الحسن يقول: ~~استثنى ثم عزم (إن ربك فعال لما يريد)، وإنه أراد أن يخلدهم بقوله (فعال ~~لما يريد). # وقال بعضهم المعنى: خالدين فيها بعد إعادة السماوات والأرض، لأنه تعالى ~~يفنيهما حتى تكونا آخرا كما كانتا أولا، ثم يعيدهما. فاستثنى (إلا ما شاء ~~ربك)، فوقع الاستثناء على موقفهم فى الحساب حتى يفرغ منه. # وقيل: الاستثناء واقع على الموقوفين على النار من المؤمنين، فإذا أخرجوا ~~من النار بالشفاعة، وأدخدوا الجنة سقط الاستثناء عنهم وعن أهل النار، وبقي ~~كل فريق فيها بعد مخلدا أبد الآبدين، وهو كقول قتادة والضحاك. # فهذه أقوال العلماء، وفيها تداخل إلا أني أوردتها على ما سمعتها من ~~شيوخنا رضي الله عنهم وأما تجديد الخلود بدوام السماوات والأرض فقال قتادة: ~~ما دامت السماوات والأرض مبدلتين. # وقال عبد الرحمن بن زيد: ما دامت السماء سماء والأرض أرضا، وقيل: ما دامت ~~سماوات أهل الآخرة وأرضهم، وقيل: العرب تستعمل دوام السماوات والأرض في ~~معنى الأبد؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن ذلك لا يتغير فخاطبهم الله تعالى على ~~قدر عقولهم وما يعرفون. # PageV01P163 # قال زهير: # ألا لا أرى على الحوادث باقيا ... ولا خالدا إلا الجبال الرواسيا # وإلا السماء والبلاد وربنا ... وأيامنا معدودة واللياليا # لأنه توهم أن هذه الأشياء تخلد ولا تتغير. # وقال عمرو بن معدي كرب: # وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان # لأنه توهم أن الفرقدين لا يفترقان. # قال يحيى بن سلام: الجنة في السماء والنار في الأرض، وذلك ما لا انقطاع ~~له. # قال عمرو بن عبيد قال بعض أهل العلم: إنما عنى بقوله (خالدين فيها) بعدما ~~يعيدهما، وذلك أنه يفنيهما، فكأنه ms093 قال: خالدين فيها بعد ما يعيد السماوات ~~والأرض. # وقال أحمد بن سالم: المعنى في أهل النار خالدين فيها ما دامت سماوات أهل ~~النار وأرضهم، وكذلك في أهل الجنة ما دامت سماواتهم وأرضهم، قال: وسماء ~~الجنة العرش والكرسي. # وقد أشبعت القول على هاتين الآيتين في كتاب " متخير الفريد ". # وقرأ الكسائي وحمزة وحفص عن عاصم (وأما الذين سعدوا) بضم السين، وقرأ ~~الباقون (سعدوا) بفتحها، وفي ضم السين بعد، ومجازه: أنه استعمل على حذف ~~الزيادة، وعلى هذا قالوا " مسعود " وإنما هو من أسعده الله، وقالوا " محبوب ~~" وحقه أن يقال " محب " # قال عنترة: # ولقد نزلت فلا تظني غيره ... مني بمنزلة المحب المكرم # وهذا وإن كان الأصل فمحبوب أكثر في الاستعمال، وزعم بعضهم: أن " سعد " ~~يتعدى ولذلك بناه لما لم يسم فاعله؛ لأن اللازم لا يجوز رده إلى ما لم يسم ~~فاعله. # PageV01P164 ### | قوله تعالى: (وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم) # قرأ ابن كثير ونافع (وإن كلا) بالتخفيف على أنهما أعملا (إن) مخففة ~~كعملها مثقلة. وقرأ ابن عامر بتشديد (إن) على الأصل. وكذلك حمزة وحفص عن ~~عاصم، وقرأ أبو عمرو والكسائي كذلك إلا أنهما خففا الميم، وقرأ عاصم في ~~رواية أبي بكر بتخفيف (إن) وتشديد الميم. # وهذه اللام لام القسم دخلت على (ما) التي للتوكيد. وقيل: هي لام الابتداء ~~دخلت على معنى (ما)، وحكي عن العرب: إني لبحمد الله لصالح. # فأما من شددها ففيها خمسة أوجه: # أحدها: أن المعنى: لمما، فاجتمعت ثلاث ميمات فحذفت واحدة ووقع الإدغام، ~~قال الشاعر: # وإني لمما أصدر الأمر وجهه ... إذا هو أعيا بالنبيل مصادره. # والثاني: أنها بمعنى، (إلا) كقول العرب، سألتك لما فعلت. # والثالث: أنها مخففة شددت للتأكيد، وهو قول المازني. # والرابع: أنها من " لممت الشيء " إذا جمعته، إلا أنها بنيت على (فعلى) ~~فلم تصرف مثل تترى والخامس: أن الزهري قرأ (لما) بالتنوين بمعنى شديد. و، ~~(كل) معرفة؛ لأنها في نية الإضافة. # * * * # PageV01P165 ### | ومن سورة (يوسف) # عليه السلام ### | قوله تعالى: (إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون (2)) # يسأل عن قوله (قرآنا) بم انتصب؟ ms094 # وفيه وجهان: # أحدهما: أنه بدل من الهاء في (أنزلناه)، كأنه قال: (إنا أنزلنا قرآنا ~~عربيا). # والثاني: أنه توطئة للحال؛ لأن " عربيا " حال، وهذا كما تقول: مررت بزيد ~~رجلا صالحا، تنصب " صالحا " على الحال، وتجعل " رجلا " توطئة للحال. # وقوله تعالى (تعقلون)، يعني: كي تعقلون معاني القرآن؛ لأنه أنزل على ~~معاني كلام العرب. # * * * ### | قوله تعالى: (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن) # القصص والخبر سواء. # وقوله تعالى: (وإن كنت من قبله لمن الغافلين)، قيل معناه: من الغافلين عن ~~الحكم التي في القرآن. # وأجمع القراء على النصب في (القرآن)؛ لأنه وصف لمعمول (أوحينا) وهو ~~(هذا)، أو بدل عطف بيان. # PageV01P166 # ويجوز الجر على البدل من (ما). # ويجوز الرفع على تقدير (هو) كأنه قال: بما أوحينا إليك هذا، قيل: ما هو؟ ~~- قال: القرآن، أي: هو القرآن. # ولا يجوز أن يقرأ بهذين الوجهين إلا أن يصح بهما رواية؛ لأن القراءة سنة. # * * * ### | قوله تعالى: (إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا) # قال الحسن: الأحد عشر إخوته، والشمس والقمر أبواه. # ويقال: لم أعيد ذكر (رأيتهم)؟ # وفيه جوابان: # أحدهما: أنه أعيد للتوكيد لما طال الكلام. # والثاني: ليدل أنه رآهم ورأى سجودهم له. # وقيل في معنى السجود هاهنا: أنه سجود التكرمة، وقيل سجود الخضوع. # ويسأل عن العامل في (إذ)؟ # والجواب: أنه فعل مضمر، كأنه قال: اذكر إذ قال يوسف. وقال الزجاج: العامل ~~فيه (نقص) أي: نقص عليك إذ قال يوسف، وهذا وهم؛ لأن الله تعالى لم يقص على ~~نبيه عليه السلام هذا القصص وقت قول يوسف. # PageV01P167 # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: لم قال (ساجدين) بالياء والنون، وهذا الجمع لمن ~~يعقل، ولا يكون لما لا يعقل؟ # والجواب: أنه لما أخبر عنهم بالسجود الذي لا يكون إلا لمن يعقل أجراهم ~~مجرى من يعقل. كما قال: (يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم)، أمروا كما أمر من ~~يعقل. # وقرأ ابن عامر (يا أبت) بالفتح، وقرأ الباقون بالكسر، ووقف ابن كثير (يا ~~أبه) بالهاء، ووقف الباقون على التاء. ms095 # فوجه قراءة ابن عامر أنه أراد " الألف " فحذف واكتفى منها بالفتحة، وهذه ~~الألف بدل من ياء. # وأما الكسر فعلى أنه أراد الإضافة إلى النفس. فحذف الياء واكتفى منها ~~بالكسر. # وأجاز الفراء (يا أبت) والتاء عوض من ياء المتكلم المحذوفة. # * * * ### | قوله تعالى: (ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه) # الهم: مقاربة الشيء من غير دخول فيه. # PageV01P168 # واختلف في معناه هاهنا: # فقال بعضهم: همت المرأة بالعزيمة على ذلك، وهم يوسف لشدة المحبة من جهة ~~الشهوة، وهو قول الحسن. # وقال غيره: هما بالشهوة. # وقال بعض المفسرين: همت به أي عزمت. وهم بها أي بضربها. # * * * # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: ما البرهان الذي رآه؟ # والجواب: أن ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير ومجاهدا قالوا: رأى صورة ~~يعقوب عليه السلام عاضا على أنامله. # وقال قتادة: نودي يا يوسف، أنت مكتوب في الأنبياء وتعمل عمل السفهاء، ~~وروي عن ابن عباس أنه قال: رأى ملكا (1). # * * * ### | قوله تعالى: (قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها) # المراودة والإرادة من أصل واحد. # واختلف في الشاهد: # فقيل: كان صبيا في المهد، وهو قول ابن عباس. وأبي هريرة وسعيد بن جبير، ~~وهو أحد من تكلم في المهد. # وقال ابن عباس مرة أخرى: كان رجلا حكيما. وكذلك قال عكرمة ومجاهد، وروي ~~مثل ذلك عن سعيد بن جبير والحسن وقتادة، وروي عن مجاهد أيضا أن الشاهد قد ~~القميص (2). PageV01P169 # و (من) في قوله (من قبل) لابتداء الغاية، أي كان القد من هنالك. # و (من) في قوله (من الكاذيين) للتبعيض. # * * * ### | قوله تعالى: (ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين (35)) # بدا: ظهر. وفاعله مضمر، تقديره: ثم بدا لهم بداء ليسجننه. # ودل (ليسجننه) عليه. # * * * ### | قوله تعالى: (جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين (75)) # الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، ومن كلامهم (من شابه أباه فما ظلم)، أي: ~~ما وضع الشبه في غير مكانه، ومن هذا يقال: سقاء مظلوم، إذا لم يرب، ومنه ~~سمي النقص ظلما ms096 قال الله تعالى: (ولم تظلم منه شيئا). # ويسأل عن معنى قوله: (جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه)؟ # والجواب: أن معناه: جزاء من وجد في رحله أخذه رقا فهو جزاؤه عندنا. # كجزائه عندكم، وذلك أنه كان من عادتهم أن يسترقوا السارق، وهو قول الحسن ~~ومعمر وابن إسحاق # PageV01P170 # والسدي. فهذا تقدير المعنى. # فأما الإعراب فيحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون المعنى: جزاؤه استرقاق من وجد في رحله. فهذا الجزاء ~~جزاؤه، كما تقول: حد السارق القطع. # والثاني: أن يكون المعنى: جزاؤه من وجد في رحله فالسارق جزاؤه. فيكون ~~مبتدأ ثانيا والفاء جواب الجزاء والجملة خبر (من). # ويجوز في (من) وجهان: # أحدهما: أن يكون خبرا بمعنى (الذي)، كأنه قال: جزاؤه الذي وجد في رحله ~~مسترقا، وينصب " مسترقا " على الحال. # والثاني: أن يكون شرطا، كأنه قال: جزاء السرق إن وجد في رحل رجل منا ~~فالموجود في رحله جزاؤه استرقاقا. # * * * ### | قوله تعالى: (قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل) # يسأل عن قوله تعالى: (فقد سرق أخ له من قبل) كيف نسبوا السرق إلى يوسف ~~عليه السلام؟ # والجواب: أن سعيد بن جبير وقتادة وابن جريج قالوا: سرق يوسف صنما كان ~~لجده أبى أمه، فكسره وألقاه على الطريق. # وقيل: أنه كان يسرق من طعام المائدة ويعطيه للمساكين. # وقال ابن إسحاق: إن جدته خبأت في ثيابه " منطقة " إسحاق لتملكه بالسرقة؛ ~~محبة لمقامه عندها. # PageV01P171 # ويسأل عن " الهاء " في قوله (فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم)؟. # والجواب: أنه أسر قوله (أنتم شر مكانا)، أي: ممن قلتم له هذا، وهو قول ~~ابن عباس والحسن وقتادة. # وأنث لأنه أراد الكلمة. # وقال الحسن: لم يكونو أنبياء في ذلك الوقت، وإنما أعطوا النبوة بعد ذلك. # * * * ### | قوله تعالى: (واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها) # العير: جماعة القافلة إذا كان فيها حمير، وقيل: إن قافلة الإبل سميت عيرا ~~على التشبيه بذلك، والعير - بفتح العين - الحمار. # والقرية هاهنا مصر، وهو قول ابن عباس والحسن وقتادة. # وكان الأصل: واسأل أهل القرية وأهل العير، ms097 ثم حذف المضاف وأقام المضاف ~~إليه مقامه للإيجاز؛ لأن المعنى مفهوم. # وقيل: ليس في الكلام حذف؛ لأن يعقوب عليه السلام نبي يجوز أن تخرق له ~~العادة وتكلمه القرية والعير. # * * * ### | قوله تعالى: (سوف أستغفر لكم ربي) # PageV01P172 # الاستغفار: طلب المغفرة. # ومما يسأل عنه أن يقال: لم أخر يعقوب عليه السلام الدعاء لولده مع محبته ~~إصلاح حالهم؟ # وعن هذا أجوبة: # أحدها: أنه أخرهم إلى السحر؛ لأنه أقرب إلى الإجابة، وهو قول ابن مسعود ~~وإبراهيم التيمي وابن جريج وعمرو بن قيس. # وقيل: أخرهم إلى يوم الجمعة، وهو قول ابن عباس رواه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم. # وقيل: سألوه أن يستغفر لهم دائما، فلذلك قال " سوف ". # وقيل: أخر ذلك لحنكته واجتماع رأيه؛ لينبههم على عظيم ما فعلوه، ويردعهم، ~~ألا ترى أن يوسف لحداثة سنه كيف لم يؤخر بل قال اليوم يغفر الله لكم. # * * * ### | قوله تعالى: (حتى إذا استيأس الرسل) # الاستيئاس: استفعال من اليأس وهو انقطاع الطمع. # والظن: قوة أحد النقيضين. # قرأ عاصم وحمزة والكسائي (كذبوا) بالتخفيف. وقرأ الباقون (كذبوا)، وقرئ ~~في الشواذ (كذبوا). # PageV01P173 # فمعنى قراءة من خفف: أن الأمم ظنت أن الرسل كذبوهم فيما أخبروهم به من ~~نصر الله لهم وإهلاك أعدائهم، وهو قول ابن عباس وابن مسعود وابن جبير ~~ومجاهد وابن زيد والضحاك. # وأما من شدد فالمعنى: أن الرسل أيقنوا أن الأمم قد كذبوهم تكذيبا عمهم ~~حتى لا يفلح فيهم أحد، وهو قول الحسن وقتادة وعائشة. والظن على القول الأول ~~بمعنى الشك. وعلى القول الثاني بمعنى اليقين. # وأما من قرأ (وظنوا أنهم قد كذبوا) فالضمير في (ظنوا) عائد على الكفار ~~وفي (كذبوا) عائد على الرسل عليهم السلام. وهو قول عائشة وهذه القراءة تروى ~~عنها. # PageV01P174 ### | ومن سورة (الرعد) ### | قوله تعالى: (الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها) # والعمد والعمد جميعا بمعنى. واحدها " عمود ". إلا أن " عمدا " جمع " عمود ~~" و " عمد " اسم للجمع. ومثله: أديم وأدم، وإهاب وأهب. # ويسأل عن قوله تعالى (بغير عمد ترونها)؟ # وعنه جوابان: # أحدهما: أنها بغير عمد ونحن نراها كذلك، وهو ms098 قول قتادة وإياس بن معاوية. # والثاني: أنها بعمد لا نراها، وهو قول ابن عباس ومجاهد. # وأنكر بعض المعتزلة هذا القول، قال: لأنه لو كان لها عمد لكانت أجساما ~~غلاظا. وكانت ترى والله عز وجل إنما دل بهذا على وحدانيته من حيث لا يمكن ~~أحد أن يقيم جسما بغير عمد إلا هو فلذلك كان هذا التأويل خطأ. # والجواب عن هذا أنه إذا رفع السماوات بعمد وتلك العمد لا ترى، فيه أعظم ~~قدرة، كما لو كانت بغير عمد. # وقال النابغة في العمد: # وخيس الجن إني قد أذنت لهم ... يبنون تدمر بالصفاح والعمد # * * * ### | قوله تعالى: (وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا) # PageV01P175 # العجب والتعجب: هجوم ما لا يعرف سببه على النفس. # قرأ نافع والكسائي (أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد) على الاستفهام في ~~الأول والخبر فى الثاني، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم بالاستفهام ~~في الموضعين جميعا. إلا أن حمزة وعاصما يهمزان همزتين، وقرأ ابن عامر على ~~الخبر في الأول والاستفهام في الثاني، وعنه في ذلك خلاف. # ومما يسأل عنه أن يقال: ما العامل في (إذا)؟ # والجواب أن العامل محذوف تقديره: أإذا كنا ترابا نبعث. ودل عليه (لفي خلق ~~جديد). # فإن قيل: فهل يجوز أن يعمل فيه " خلق " أو " جديد "؟ # قيل: لا يجوز ذلك؛ لأن اللام لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. # فإن قيل: فهل يجوز أن يعمل فيها (كنا)؟ # قيل: لا يجوز. لأنها مضافة إليه، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف. # * * * ### | قوله تعالى: (له معقبات من بين يديه ومن خلفه) # المعقبات: المتناوبات، وقيل المعقبات هاهنا ملائكة الليل تعقب ملائكة ~~النهار وهو قول الحسن وقتادة ومجاهد، وروي عن ابن عباس: أنها الولاة ~~والأمراء، وقال الحسن: هي أربعة من الملائكة يجتمعون عند صلاة الفجر، وصلاة ~~العصر. # ويسأل عن قوله (من أمر الله)؟ # وفيه أجوبة: # PageV01P176 # قال الحسن: يحفظونه بأمر الله، وهو قول قتادة أيضا. # وقال ابن عباس: الملائكة من أمر الله. # وقال مجاهد وإبراهيم: يحفظونه من أمر الله من الجن والهوام. # وقيل المعنى: ms099 عن أمر الله، كما تقول: أطعمته عن جوع وكسوته عن عري. # وأصح هذه الأقوال أن يكون المعنى: له معقبات من أمر الله يحفظونه من بين ~~يديه ومن خلفه. # واختلف في الضمير الذي فى (له): # فقال بعضهم: يعود على (من) في قوله: (من أسر القول ومن جهر به). # وقيل: يعود على اسم الله جل ثناؤه، وهو عالم الغيب والشهادة. # وقيل: على النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (إنما أنت منذر ولكل قوم ~~هاد)، وهو قول عبد الرحمن بن زيد. # * * * ### | قوله تعالى: (ويسبح الرعد بحمده) # PageV01P177 # الرعد: ملك يزجر السحاب. هذا قول ابن عباس. وقال علي بن عيسى: هو اصطكاك ~~أجرام السحاب بقدرة الله سبحانه. # والخيفة والخوف بمعنى واحد. # والصواعق جمع صاعقة. وتميم تقول: صاقعة. # والجدال: الخصومة. # والمحال: الأخذ بالعقاب هاهنا، يقال: ما حلته مما حلة ومحالا، ومحلت به ~~محلا، قال الأعشى: # فرع نبع يهتز في غصن المج ... د غزير الندى شديد المحال # وهذه الآية نزلت في رجل جاء إلى النبي صلى الله عليه مجادلة، فقال: يا ~~محمد، مم ربك، أمن لؤلؤ أم ياقوت أم ذهب أم فضة؟، فأرسل الله عليه صاعقة ~~ذهبت بقحفه، وهو قول أنس بن مالك ومجاهد. # وقيل: نزلت في أربد أخي لبيد بن ربيعة لما أراد هو وعامر بن الطفيل قتل ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أربد لعامر: أنا أشغله بالحديث فاضربه أنت، ~~فأقبل أربد يسأل النبي صلى الله عليه؛ ليشغله وهم عامر بضربه عليه السلام. ~~فجفت يده على قائم السيف، فرجعا خائبين، وأصابت أربد في طريقه صاعقة ~~فأحرقته، وأما عامر فابتلي بغدة كغدة البعير، فكان يقول: أغدة كغدة البعير، ~~حتى قتلته. وقال لبيد يرثي أخاه أربد: # أخشى على أربد الحتوف ولا ... أرهب نوء السماك والأسد # فجعني الرعد والصواعق بال ... فارس يوم الكريهة النجد # وكان اسم أربد (قيسا) ولم يكن من أبي ربيعة، وكان عامر قد قال للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: إن # PageV01P178 # جعلت لي نصف ثمار المدينة، وجعلت لي الأمر بعدك أسلمت، فقال النبي عليه ~~السلام: ms100 (اللهم اكفني عامرا واهد بني عامر)، فانصرف وهو يقول: والله ~~لأملأنها عليك خيلا جردا أو رجالا مردا ولأربطن بكل نخلة فرسا. فأصابته غدة ~~في طريقه ذلك. فكان يقول: أغدة كغد البعير وموتا في بيت سلولية. # * * * # فصل: # ويسأل عن معنى قوله (ويسبح الرعد بحمده)؟ # ففيه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أنه ملك يسبح ويزجر السحاب بذلك التسبيح، وهو قول ابن عباس. # والثاني: أنه يسبح بما فيه من الدلالة على تعظيم الله تعالى ووجوب حمده. # والثالث: أنه يسبح بما فيه من الآية التي تدعو إلى تسيبح الله جل وعز. # * * * ### | قوله تعالى: (ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها) # الطاعة والطوع: الانقياد. والكره والكره والكراهة بمعنى. والظلال جمع ظل ~~وهو ستر الشخص ما بإزائه. # والغدو والغداة وغدوة بمعنى. والآصال جمع أصل والأصل جمع أصيل وهو العشي ~~وقد يقال فى جمعه أصائل. قال أبو ذؤيب: # لعمري لأنت البيت أكرم أهله ... وأقعد في أفيائه بالأصائل # ويسأل عن معنى قوله (ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها)؟ # PageV01P179 # والجواب: أن الحسن وقتادة وعبد الرحمن بن زيد قالوا: المؤمن يسجد طوعا ~~والكافر يسجد كرها، والمعنى على هذا أن السجود واجب لله تعالى، فالمؤمن ~~يفعله طوعا والكافر يؤخذ بالسجود كرها، أي هذا الحكم في وجوب السجود لله. # وقيل: المؤمن يسجد طوعا والكافر في حكم الساجد كرها لما فيه من الحاجة ~~والذلة التي تدعو إلى الخضوع لله تعالى. # وأما سجود الظلال فبما فيها من أثر الصنعة، وقيل: إن الكافر إذا سجد لغير ~~الله سجد ظله لله تعالى. ### | قوله تعالي: (مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار) # الأنهار: جمع نهر كجمل وأجمال، ويجوز أن يكون جمع نهر، كفرد وأفراد، ~~والنهر المجرى الواسع من مجاري الماء على وجه الأرض، وأصله الاتساع، ومنه ~~النهار لاتساع الضياء، وأنهرت الدم إذا وسعت مجراه، قال الشاعر: # ملكت بها كفي فأنهرت فتقها ... يرى قائم من دونها ما وراءها # أي وسعت فتقها. # والأكل: مصدر. والأكل بضم الهمزة المأكول. # PageV01P180 # ومما يسأل عنه أن يقال: ما معنى (أكلها ms101 دائم)؟ # وفيه جوابان: # أحدهما: أن ثمارها لا تنقطع كانقطاعها في الدنيا في غير أزمنتها، وهو قول ~~الحسن. # والثاني: أن التنعم به لا ينقطع. # ويسأل عن معنى (مثل الجنة)؟ # وفيه أجوبة: # أحدها: أن المعنى صفة الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار، ~~فتجري من تحتها الأنهار وما بعده خبر المبتدأ الذي هو (مثل الجنة). # والجواب الثاني: أن (مثلا) هاهنا بمعنى (الشبه) والخبر محذوف تقديره: مثل ~~الجنة التي هي كذا وكذا أجل مثل. # والجواب الثالث: أن التقدير: وفيما يتلى عليكم مثل الجنة وهو قول سيبويه. # * * * # PageV01P181 ### | ومن سورة (إبراهيم) ### | قوله تعالى: (قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة) # يسأل عن قوله (يقيموا الصلاة) ما موضعه من الإعراب؟ # والجواب جزم من ثلاثة أوجه: # أحدها: جواب الأمر الذي هو (قل). لأن المعنى في (قل): إن تقل لهم يقيموا ~~الصلاة. # والثانى: أنه جواب أمر محذوف تقديره: قل لعبادي أقيموا الصلاة يقيموا ~~الصلاة. # والثالث: أنه على حذف لام الأمر. كأنه قال: قل لعبادي ليقيموا الصلاة، ~~وإنما جاز حذف " اللام " هاهنا، لأن في الكلام عليها دليلا، فعلى هذا يجوز: ~~قل له يضرب زيدا، ولا يجوز: يضرب زيدا، لأنه لا دليل على اللام، ولا عوض ~~منها. وهذا قول الزجاج. # * * * ### | قوله تعالى: (وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم) # قرأ الكسائي (وإن كان مكرهم لتزول) بضم اللام الأخيرة وفتح الأولى. وقرأ ~~الباقون: بكسر الأولى وفتح الثانية. # ومعنى قراءة الجماعة: وما كان مكرهم لتزول منه الجبال. أي: ليبطل الحق ~~والإسلام، لأنهما ثابتان بالدلبل والبرهان. فهما كالجبال. # وأما قراءة الكسائي فمعناها: الاستعظام لمكرهم، كأنها تزول منه الجبال ~~لعظمه. # و (إن) في القراءة الأولى بمعنى (ما) وهو قول ابن عباس والحسن، وعلى ~~القراءة الثانية (إن) مخففة من الثقيلة. # PageV01P182 # وقد قيل في معنى القراءة الأولى: إن هذا نزل في نمرود بن كوش بن كنعان ~~حين اتخذ التابوت وأخذ أربعة من النسور فأجاعها أياما وعلق فوقها لحما وربط ~~التابوت إليها فطارت النسور بالتابوت وهو ووزيره فيه إلى أن بلغت حيث شاء ~~الله تعالى، فظن أنه بلغ ms102 السماء. ففتح باب التابوت من أعلاه فرأى بعد ~~السماء منه كبعدها حين كان في الأرض، وفتح بابا من أسفل التابوت فرأى الأرض ~~قد غابت عنه فهاله الأمر. فصوب النسور وسقط التابوت، وكانت له وجبة فظنت ~~الجبال أنه أمر نزل من السماء فزالت عن مواضعها لهول ذلك. # فالمعنى على هذا: وإنه كان مكرهم لتزول منه الجبال. أي: قد زالت. وفي ~~التأويل الأول: همت بالزوال، ويروى أن عمر وعليا رضي الله عنهما قرأا (وإن ~~كاد مكرهم لتزول منه الجبال)، فهذا يدل على التأويل الأول ويدل عليه أيضا ~~قوله (تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا). أي: إعظاما ~~لما جاءوا به. # * * * # PageV01P183 ### | ومن سورة (الحجر) ### | قوله تعالى: (الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين (1) # جر (قرآنا) لأنه معطوف على (الكتاب) تقديره: تلك آيات الكتاب: آيات قرآن ~~مبين. # وأجاز الفراء الرفع على تقدير: وهو قرآن مبين، أو يكون معطوفا على آيات، ~~وأجاز النصب على المدح وأنشد: # إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم # وذا الرأي حين تغم الأمور ... بذات الصليل وذات اللجم # وزعم أن المدح تنصب نكرته ومعرفته، أما قوله (معرفته) فصحيح، وأما ~~(نكرته) فإن أصحابنا لا يجيزون ذلك. لأنه لا يمدح الشيء الذي لا يعرف. ~~وإنما يمدح ما يعرف، والنكرة مجهولة فلذلك امتنع. # * * * ### | قوله تعالى: (ربما يود الذين كفروا) # يقال (رب) بالتشديد، و (رب) بالتخفيف، قال أبو كبير: # أزهير إن يشب القذال فإنني ... رب هيضل مرس لففت بهيضل # زعم بعضهم أنها لغة، وليست بلغة عندنا. وإنما اضطر الشاعر فخففها، ~~والدليل على ذلك: أن كل ما كان من الحروف على حرفين فإنه ساكن الثاني نحو: ~~هل ومن وقد وما أشبه ذلك، ويقال: ربما وربما وربتما وربتما، و (التاء) ~~لتأنيث الكلمة، و (ما) كافة وهي تبع للتخفيف عوض من التضعيف، وحكى أبو حاتم ~~هذه الوجوه كلها بفتح الراء لغة. # PageV01P184 # فصل: # ومما يسأل عنه هاهنا أن يقال: لم جاء (ربما يود الذين كفروا)، ورب ~~للتقليل؟ # وعن هذا جوابان: # أحدهما: لأنه أبلغ في التهديد، كما ms103 تقول: ربما ندمت على هذا، وأنت تعلم ~~أنه يندم ندما طويلا، أي يكفيك قليل الندم فكيف كثيره. # والثاني: أنه يشغلهم العذاب عن تمني ذلك إلا في أوقات قليلة. # وقرأ ابن نافع وعاصم (ربما) بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد على الأصل. # وساغ التخفيف هاهنا وإن لم يكن من الضرورات؛ لأنها لما وصلت ب (ما) كثرت ~~وثقلت فخففت. # * * * ### | قوله تعالى: (قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين (71) لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون (72) # قال ابن عباس: لعمرك، أي: وحياتك. # قال لي بعض شيوخنا: أقسم الله تعالى بحياة نبيه إجلالا له ومحبة. # والسكرة هاهنا: الجهل. # والعمه: التحير. قال رؤبة: # ومهمه أطرافه في مهمه ... أعمى الهدى بالجاهلين العمه # PageV01P185 # ومما يسأل عنه أن يقال: كيف قال (هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين)؟ # وعنه جوابان: # أحدهما: أنه أراد هؤلاء بناتي فتزوجوهن إن كنتم فاعلين، وهذا قول الحسن ~~وقتادة، وقوله (إن كنتم فاعلين) كناية عن طلب الجماع. # والثاني: أنه أراد نساءهم لأنهم أمته ونساؤهم في الحكم كبناته. وهو قول ~~الزجاج. # ويعترض في الجواب الأول: كيف يجوز أن يتزوج الكافر بالمؤمنة؟ # والجواب: أنه كان ذلك في شريعتهم جائزا، وقد كان في أول الإسلام، وهو قول ~~الحسن. # وقيل: قال ذلك لرؤساء الكفار لأنهم يكفون أتباعهم. # * * * ### | قوله تعالى: (وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل (74) # يسأل عن (سجيل)؟. # وفيه للعلماء ثمانية أقوال: # أحدها: أنها حجارة صلبة وليست كحجارة الثلج والبرد. # والثاني: أنه فارسي معرب (سنك) و (كل) عن ابن عباس وقتادة. # والثالث: أن معناه شديد عن أبي عبيدة، وأنشد: # ضربا تواصى به الأبطال سجينا # إلا أنه أبدل النون لاما. # PageV01P186 # والرابع: أنه مثل السجل في الإرسال، وهو الدلو. قال بعض بني أبي لهب: # من يساجلني يساجل ماجدا ... يملأ الدلو إلى عقد الكرب # الخامس: أنه من استجلته أي: أرسلته. # السادس: أنه من استجلته أي: أعطيته. # السابع: أنه من السجل وهو الكتاب، قيل: كان على هذه الحجارة كتابة. # الثامن: أنه من أسماء سماء الدنيا، وهي تسمى سجيلا، وهذا قول ابن زيد. # وقيل: أصله (سجين) وهو اسم من أسماء جهنم ms104 ثم أبدلت النون لاما. وهذا كقول ~~أبي عبيدة، قال الشاعر في إبدال النون لاما: # وقفت فيها أصيلا لا أسائلها ... عيت جوابا وما بالربع من أحد # يريد أصيلانا. # * * * ### | قوله تعالى: (ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم (87)) # قال ابن عباس وابن مسعود وسعيد بن جبير ومجاهد: هي سبع سور من أول ~~القرآن، وروى عن الحسن وعطاء: أنها فاتحة الكتاب. وقال ابن عباس وابن مسعود ~~من طريقة أخرى بهذا القول. # ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أن السبع المثاني أم القرآن. # وسميت السبع الطوال مثاني لأنها تثنى فيها الأخبار والأمثال والعبر، وقد ~~روي أيضا عن ابن عباس أن المثاني جميع القرآن. # PageV01P187 ### | قوله تعالى: (الذين جعلوا القرآن عضين (91)) # قال الكسائي: هو من العضيهة وهي الكذب. أي: جعلوا القرآن كذبا. # وقيل معنى (عضين): أنهم جعلوه فرقا: قالوا فيه هو سحر، وقالوا كهانة، ~~وقالوا شعر وقالوا أساطير الأولين، وهو قول قتادة. # ولام الفعل من عضين على القول الأول هاء، وعلى القول الثاني واو، لأنه من ~~العضو، كأنهم عضوه أعضاء، إلا أن اللام حذفت وعوض منها هذا الجمع، أعني جمع ~~السلامة وهو مختص بمن يعقل إلا أنه جاز هاهنا، لأنه عوض من المحذوف. ومثله: ~~عزون وثبون وما أشبه ذلك. # * * * ### | قوله تعالى: (فاصدع بما تؤمر) # أي: افرق، قال أبو ذؤيب: # وكأنهن ربابة وكأنه يسر ... يفيض على القداح ويصدع # ومما يسأل عنه أن يقال: ما (ما) هناهنا؟ # والجواب: أنها تحتمل أن تكون مصدرية، فيكون التقدير: فاصدع بالأمر، ~~وتحتمل أن تكون بمعنى (الذي) فهذا الوجه محتاج إلى عمل، وذلك أن الأصل: ~~فاصدع بما تؤمر بالصدع به فحذفت الباء واجتمعت الإضافة والألف واللام، وهما ~~لا يجتمعان، فحذفت الألف واللام فصار: فاصدع بما تؤمر بصدعه، ثم حذفت ~~المضاف وأتمت المضاف إليه مقامه، على حد (واسأل القرية)، فصار: فاصدع بما ~~تؤمر به، ثم حذفت الباء على حد حذفها من قول الشاعر: # PageV01P188 # أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... فقد تركتك ذا مال وذا نشب # فصار: فاصدع بما تؤمره، ثم حذفت الهاء لطول ms105 الاسم بالصلة على حد قولك: ما ~~أكلت الخبز، أي: الذي أكلته الخبز، فبقي (فاصدع بما تؤمر). # * * * # PageV01P189 ### | ومن سورة (النحل) ### | قوله تعالى: (أتى أمر الله) # قال الحسن وابن جريج، عقابه لمن أقام على الكفر. # وقال الضحاك: فرائضه وأحكامه. # وقيل أمره: القيامة، فعلى هذا الوجه يكون (أتى) بمعنى (يأتي)، وجاز وقوع ~~الماضي هاهنا لصدق الخبر بما أخبر، فصار بمنزلة ما قد مضى، وقد شرحناه فيما ~~تقدم. # * * * ### | قوله تعالى: (فخر عليهم السقف من فوقهم) # يقال: لم قال (من فوقهم)، وقد علم أن السقف يخر من فوقهم؟ # وعنه جوابان: # أحدهما: أنه للتوكيد، كما تقول لمن تخاطبه: قلت أنت كذا وكذا. # والثاني: أنه جاء كذلك ليدل أنهم كانوا تحته، لأنه يجوز أن يقول الرجل: # خر علي السقف وتهدم علي المنزل، ولم يكن تحتها. # وقال ابن عباس وعبد الرحمن بن زيد: نزل هذا في نمرود. # وقيل: في بختنصر. # PageV01P190 ### | قوله تعالى: (نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا) # يقال: سقيته إذا ناولته ليشرب. وأسقيته إذا جعلت له ماء ليشربه دائما، من ~~نهر أو غيره، وقد يقال: سقى وأسقى بمعنى، قال لبيد: # سقى قومي بني مجد وأسقى ... نميرا والقبائل من هلال # ومما يسأل عنه أن يقال: على ما يعود الضمير في (بطونه)؟ # والجواب: أن العلماء اختلفوا في ذلك: # فذهب بعضهم: إلى أن (الأنعام) جمع، والجمع يذكر ويؤنث، فجاء هاهنا على ~~لغة من يذكر، وجاء في سورة " المؤمنين " على لغة من يؤنث. # وذهب آخرون: إلى أنه رد على واحد الأنعام، وأنشد: # وطاب ألبان اللقاح فبرد # رده إلى اللبن. # وقيل: الأنعام، والمنعم سواء، فحصل على المعنى، وأنشدوا للأعشى: # فإن تعهديني ولي لمة ... فإن الحوادث أودى بها # PageV01P191 # حمله على الحدثان. # وقل: المعنى نسقيكم مما في بطون الذكور. # وقيل: " من " تدل على التبعيض، فكأنه قال: نسقيكم من بطون بعض الأنعام؛ ~~لأنه ليس لجميعها لبن. # وقال إسماعيل القاضي: رد إلى الفحل، واستدل بذلك على أن اللبن للرجل في ~~الأصل. # * * * ### | قوله تعالى: (ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا) # السكر: ما ms106 يسكر، والرزق الحسن: الخل، وقال ابن عباس وسعيد بن جبير ~~والشعبي وإبراهيم وعبد الرحمن بن زيد والحسن ومجاهد وقتادة: السكر: ما حرم ~~من الشراب، والرزق الحسن: ما أحل منه، وقيل: هو ما حلا طعمه من شراب أو ~~غيره، وهو من قول الشعبي. # ويسأل عن " الهاء " في " منه " علام يعود؟ # وفيها جوابان: # أحدهما: أنها تعود على المذكور. # والثاني: أنها تعود على معنى الثمرات؛ لأن الثمرات والثمر سواء، فكذا " ~~الهاء " في قوله: (فيه شفاء للناس). قيل: يعود على الشراب، وهو العسل، هذا ~~قول الحسن وقتادة. # PageV01P192 # وقال مجاهد: يعود على القرآن. # * * * ### | قوله تعالى: (ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا) # يسأل: بما نصب (شيئا)؟ # وفيه جوابان: # أحدهما: أنه بدل من (رزقا)، وهو قول البصريين. # والثاني: أنه مفعول ب (رزقا)، وهو قول الكوفيين وبعض البصريين. # وفيه بعد؛ لأن (الرزق) اسم، والأسماء لا تعمل، والمصدر (الرزق) هذا قول ~~المبرد. # * * * ### | قوله تعالى: (لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين (103) # يقال: ألحد ولحد بمعنى واحد، وذلك إذا مال، ومنه اللحد لأنه في جانب ~~القبر. # PageV01P193 # ويسأل: من الذي ألحدوا إليه؟ # والجواب: أن ابن عباس قال: كان المشركون يقولون إنما يعلم محمدا - صلى ~~الله عليه وسلم - " بلعام ". # وقال الضحاك: كانوا يقولون يعلمه " سلمان ". # وقوله (لسان عربي مبين) يعني به القرآن، كما تقول العرب للقصيدة: هذه ~~لسان فلان، قال الشاعر: # لسان السوء تهديها إلينا ... أجبت وما حسبتك أن تجيبا. # وقرأ حمزة والكسائي (يلحدون) بالفتح، وقرأ الباقون بالضم وهما لغتان. # * * * ### | قوله تعالى: (وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا) # قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: القرية: مكة. # وقيل: كل قرية كانت على هذه الصفة. فهي التي ضرب بها المثل. # والأنعم: جمع نعمة، كشدة وأشد، وقيل: واحدها (نعم) كغصن وأغصن، وقيل: ~~واحدها (نعماء) كبأساء وأبؤس. # PageV01P194 # ومما يسأل عنه أن يقال: لم قال (لباس الجوع والخوف)، والجوع لا يلبس؟ # والجواب: لما يظهر عليهم من الهزال وشحوب اللون، فصار كاللباس. # وقيل: إن القحط بلغ بهم إلى أن أكلوا ms107 القد والوبر مخلوطين بالدم والقراد. # ويسأل عن قوله تعالى: (فأذاقها الله)؟ # والجواب: أنه استعارة، والعرب تقول: اركب هذا الفرس وذقه، أي: اختبره، ~~وكذا يقولون: ذق هذا الأمر، قال الشماخ: # فذاق فأعطته من اللين جانبا ... كفى ولها أن يغرق السهم حاجز # يصف قوسا. # * * * ### | قوله تعالى: (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب) # نصب (الكذب) ب (تصف)، و (ما) مصدرية. # وقرئ في الشاذ (لما تصف ألسنتكم الكذب)، جمع كذوب، وهو وصف للألسنة. # وقرئ أيضا (الكذب) بالجر على أنه بدل من (ما). # PageV01P195 # والألسنة: جمع لسان على مذهب من يذكر، ومن أنث قال في جمعه (ألسن) # قال العجاج: # وتلحج الألسن فينا ملحجا # وهذه الآية نزلت في تحريمهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي. # * * * # PageV01P196 ### | ومن سورة (بني إسرائيل) ### | قوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا) # المسجد الحرام بمكة، والمسجد الأقصى ببيت القدس، وهو مسجد سليمان عليه ~~السلام، عن الحسن، وقيل: الأقصى لبعد المسافة بينهما. # قال الحسن: صلى النبي صلى الله عليه المغرب في المسجد الحرام، ثم أسرى به ~~إلى بيت القدس في ليلته، ثم رجع فصلى الصبح في المسجد الحرام، فلما أخبر ~~المشركين بذلك كذبوه وقالوا: يسير مسيرة شهر في ليلة واحدة، وسألوه عن ييت ~~المقدس، فطوى الله تعالى له الأرض حتى أبصرها، فكان ينظر إليها ويصف لهم. # وقيل: كان تلك الليلة في المسجد الحرام، كما قال الحسن وقتادة. # وقيل: كان في بيت أم هانئ، وقال: من المسجد الحرام، لأن الحرم كله مسجد. # ومعنى قوله (باركنا حوله): يعني بالعمار والأنهار، وقيل: باركنا حوله لما ~~حوله من الأنبياء عليهم السلام، ولهذا جعل مقدسا. # ومعنى (سبحان): براءة وتنزيه، قال الأعشى: # أقول لما جاءني فجره ... سبحان من علقمة الفاجر # ويسأل عن نصب (سبحان)؟ # والجواب: أنه نصب على المصدر إلا أنه لا ينصرف؛ لأنه جعل اسما للتسبيح ~~فهو معرفة، وفي آخره زائدتان، فجرى مجرى (عثمان) ونظيره من المصادر (برة) ~~في أنه لا ينصرف، قال النابغة: # PageV01P197 # إنا اقتسمنا خطتينا بيننا ... فحملت برة واحتملت فجار # وقال أبو عبيدة: هو منادى، كأنه قال: يا سبحان ms108 الذي، ولا يجيز هذا حذاق ~~أصحابنا؛ لأنه لا معنى له. # وقوله: (الذي باركنا حوله)، تقديره عند البصريين: باركنا ما حوله، فحذف ~~(ما) وهي موصوفة، ولقيت الصفة التي هي (حوله) تدل على المحذوف. # وقال الكوفيون: هي موصولة. ولا يجيز البصريون حذف الموصول. # * * * ### | قوله تعالى: (وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل) # آتينا: أي أعطينا. # ويسأل عن نصب قوله (ذرية)؟ # وفي نصبها وجهان: # أحدهما: أن يكون بدلا من (وكيل). كأنه في التقدير: ألا تتخذوا من دوني ~~وكيلا ذرية من حملنا مع نوح. # والثاني: أن يكون منادى، كأنه قال: يا ذرية من حملنا مع نوح. # هذا على قراءة من قرأ (ألا تتخذوا) بالتاء، وأما من قرأ (ألا يتخذوا) ~~بالياء، ف (ذرية) في قوله بدل من (وكيل) كما كان فى أحد الوجهين الأولين. # PageV01P198 ### | قوله تعالى: (وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه) # الإنسان يقع على المذكر والمؤنث، فإن أردت الفصل قلت للمذكر (رجل) ~~وللمؤنث (امرأة)، ومثل ذلك: فرس، هذا مشترك، فإن أردت الفصل قلت (حصان) و ~~(حجر) وفي الهماليج (برذون) و (زمكة)، وكذلك: بعير، يقع على المذكر ~~والمؤنث، فإن فصلت قلت (جمل) و (ناقة). # واشتقاق الإنسان: من الإنس والأنس. وهو (فعلان) من ذلك، هذا مذهب ~~البصريين. # وقال الكوفيون: هو من النسيان، وأصله (إنسيان) حذفت الياء منه استخفافا، ~~واحتجوا على ذلك بقول العرب (أنيسيان)، وهذه الياء عند البصريين زائدة، ~~وهذا التصغير شاذ، ومثله عندهم عشيشية ومغيرلان الشمس ولييلية في أشباه ~~ذلك. # والطانر هاهنا: عمل الإنسان، شبه بالطائر الذي يسنح ويتبرك به. والطائر ~~الذي يبرح فيتشاءم به. والسانح: الذي يجعل ميامنه إلى مياسرك، والبارح الذي ~~يجعل مياسره إلى ميامنك، والأصل في هذا إنه إذا كان سانحا أمكن الرأي. وإذا ~~كان بارحا لم يمكنه. وإنما خاطب الله تعالى العرب على عادتهم وما يعرفونه. # قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: طائره عمله. # ويقال: لم قال (ألزمناه طائره في عنقه)، ولم يقل في يده؟ # والجواب: لأنه في العنق ألزم؛ لأنه يصير بمنزلة الطوق. ولأن محل ما يزين ~~من طوق أو غيره ms109 العنق وكذا موضع الغل. # PageV01P199 # ونصب (حسيبا) على الحال، والعامل فيها (كفى)، وقيل: هو نصب على التمييز، ~~والأول أقيس. # وموضع (بنفسك) رفع، لأنه فاعل (كفى) والباء زائدة، وقال أبو بكر بن ~~السراج المعنى: كفى الاكتفاء بنفسك، فالفاعل على هذا محذوف. # وقرأ ابن عامر (يلقاه) بضم الباء وتشديد القاف، وقرأ الباقون (يلقاه) ~~بالتخفيف وفتح الياء. # وقرئ (ويخرج له يوم القيامة كتابا) وقرئ (ونخرج له يوم القيامة كتابا). # فمن قرأ (نخرج له يوم القيامة كتابا) فمعناه: يظهر له كتابا. فتنصب " ~~كتابا " على هذا الوجه لأنه مفعول. # ومن قرأ (ويخرج له يوم القيامة كتابا) نصب " كتابا " على الحال. أي: ~~ويخرج له طائره كتابا. # ولو قرئ: ويخرج له كتاب، لجاز على أنه الفاعل، وكذا لو قرئ: ويخرج له ~~كتاب له، على ما لم يسم فاعله لجاز، إلا أن القراءة سنة. # ونصب (منشورا) على الحال من (يلقاه) في القراءتين جميعا. # * * * ### | قوله تعالى: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها) # الأمر: ضد النهي، والإتراف: التنعم. والفسق: الخروج عن الطاعة. # PageV01P200 # والمعنى: أمرناهم بالطاعة ففسقوا، وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير. # وهذه قراءة السبعة، ومثله: أمرتك فعصيتني. # وقرئ (أمرنا) ومعناه: كثرنا، وقيل جعلناهم أمراء. والأول أجود؛ لأن ~~القرية الواحدة لا يكون فيها عدة أمراء في وقت واحد. # وقرئ (آمرنا) بالمد أي: كثرنا. # وذكر ابن خالويه: أن بعضهم قرأ (أمرنا) بكسر الميم بغير مد، وذكر أن ~~معناها: كثرنا، وأن (أمر) يأتي لازما ومتعديا. # ويسأل: لم خص المترفون؟ # والجواب: لأنهم الرؤساء، ومن سواهم تبع لهم، كما أمر فرعون وكان من عداه ~~من القبط تبعا له. # * * * ### | قوله تعالى: (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم) # الإملاق: الفقر هذا قول ابن عباس ومجاهد، وذلك أنهم كانو يئدون البنات ~~خوفا من الفقر، فنهاهم الله عن ذلك. # والزنا يمد ويقصر، قال الشاعر: # أبا حاضر من يزن يعرف زناؤه ... ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكرا # PageV01P201 # والخرطوم: الخمر، إلا أن القرآن جاء بالقصر، والإسراف، مجاوزة الحد، ~~والسلطان هاهنا: القود والدية، وهو قول ابن عباس ms110 والضحاك، وقال قتادة: هو ~~القود. # ومما يسأل عنه أن يقال: كيف قال (خشية إملاق)، أفيجوز قتلهم لغير إملاق؟ # قيل: لا، وإنما نهى تعالى عن قتلهم ألبتة، ثم أشعرهم بمكان الخوف، ومثله ~~قوله تعالى: (ولا تكونوا أول كافر به)، لم يأمرهم أن يكونوا ثانيا ولا ~~ثالثا. # ويقال: ما معنى (كان فاحشة) أتراه الآن ليس بفاحشة؟ # والجواب: أنه كان عندهم في الجاهلية فاحشة. وهو كذلك الآن، ومثل هذا في ~~القرآن كثير. # ويقال: ما موضع (ولا تقتلوا النفس)؟ # والجواب: أنه يحتمل النصب والجزم، فأما النصب: فعلى قوله: (وقضى ربك ألا ~~تعبدوا إلا إياه) وأن لا تقتلوا. وأما الجزم: فعلى النهي. # ويسأل عن الضمير في قوله: (إنه كان منصورا) علام يعود؟ # وفيه جوابان: # أحدهما: أنه يعود على الولي، وهو قول قتادة. # والثاني: أنه يعود على المقتول، وهو قول مجاهد. والقول الأول أبين. # وقرأ ابن كثير (كان خطاء) مكسور الخاء ممدردة مهموزة، وقرأ ابن عامر ~~(خطأ) بالفتح والهمز من غير مد، وقرأ الباقون (خطأ) مكسورة الخاء ساكنة ~~الطاء مهموزة من غير مد، وهذه لغات. # PageV01P202 # وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي: (فلا تسرف في القتل) بالتاء جزما، وقرأ ~~الباقون بالياء. # فالتاء على أنه خطاب للنبي صلى الله عليه. وقيل: هو لولي المقتول. # والولي: الوارث من الرجال. # * * * ### | قوله تعالى: (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس) # قال ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير وقتادة وإبراهيم وابن جريج وابن زيد ~~والضحاك ومجاهد: الرؤيا ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء، ~~فلما أخبر المشركين بما رأى كذبوا به. # وقيل: هي رؤيا نوم، وهي رؤياه التي رأى أنه سيدخل مكة، روي هذا عن ابن ~~عباس من جهة أخرى. # والشجرة الملعونة: الزقوم، وقد ذكرها الله تعالى في مكان آخر، فقال: (إن ~~شجرت الزقوم (43) طعام الأثيم)، هذا قول ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير ~~وابن مالك وقتادة وإبراهيم ومجاهد والضحاك وابن زيد، وكانت فتنتهم بها أن ~~أبا جهل قال: النار تأكل الشجر، فكيف تنبت فيها، وارتد قوم، وزاد الله في ms111 ~~بصائر آخرين. # وقال أصحاب المعاني: يجوز أن تكون شجرة الزقوم نبتا من النار أو من جوهر ~~لا تأكله النار، وكذلك سلاسل النار وأغلالها وعقاربها وحياتها، وكذلك ~~الضريع وما أشبه ذلك. # PageV01P203 # والفتنة هاهنا: الاختبار. ### | قوله تعالى: (يوم ندعو كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه) # الفتيل: ما يكون في شق النواه. # واختلف في الإمام هاهنا: # فقيل: إمامهم نبيهم، وهو قول مجاهد وقتادة. # وقال ابن عباس والحسن والضحاك: إمامهم كتاب عملهم. # وقيل: كتابهم الذي أنزل الله تعالى فيه الحلال والحرام والفرائض، وهو قول ~~ابن زيد. # وقيل: من كانوا يأتمون به في الدنيا. وهو قول أبي عبيدة. # ويسأل عن قوله (ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى)؟ # والجواب: أن ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد قالوا: من كان في هذه ~~الدنيا وهي شاهدة له من تدبيرها وتصريفها أعمى عن اعتقاد الصواب فهو في ~~الآخرة التي هي غائبة عنه أعمى. # وقرأ أبو عمرو (ومن كان في هذه أعمى) بالإمالة، وفخم (فهو في الآخرة ~~أعمى)، واستشهد بقوله (وأضل سبيلا)، أي: أشد عمى، وهو من عمى القلب، وقرأ ~~ابن كثير وابن عامر ونافع وحفص عن عاصم بالتفخيم فيه جميعا، وقرأ الكسائي ~~وحمزة وأبو بكر عن عاصم بالإمالة فيهما جميعا. # وقيل: فهو في الآخرة أعمى عن طريق الجنة. # PageV01P204 # واحتج قوم لقراءة # أبي عمرو بأن الأول رأس آية فجاز إمالته، وليس الثاني كذلك ففخم. # وقد ذكرنا أنه من عمى القلب. ولا يجوز أن يكون من عمى البصر؛ لأنه لا ~~يقال: هذا أعمى من هذا، كما لا يقال: هذا أحمر من هذا. وكذا جميع الألوان ~~والعاهات والخلق. # ونصب (يوم) بفعل مضمر تقديره: اذكر يوم ندعو. # وقيل: هو منصوب ب (يعيدهم) يوم ندعو. وهو قول الزجاج. # * * * ### | قوله تعالى: (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي) # اختلف في الروح هاهنا: # فقيل: هو جبريل عليه السلام، هذا قول ابن عباس. # وقال علي رضي الله عنه: هو ملك له سبعون ألف وجه لكل وجه سبعون ألف فم ~~لكل فم سبعون ms112 ألف لسان يسبح الله تعالى بجميع ذلك. # - وقيل: الروح ما تكون به الحياة # - وقيل: الروح ملك يقوم يوم القيامة صفا، وتقوم الملائكة صفا، واستدلوا ~~على ذلك بقوله (يوم يقوم الروح والملائكة صفا)، قال قتادة: سأل عن ذلك قوم ~~من اليهود، وقيل سأل عنه اليهود. # وقيل: في قوله (قل الروح من أمر ربي) أي: من الأمر الذي يعلمه ربي. # ومما يسأل عنه أن يقال: لم لم يجابوا عن الروح؟ # والجواب: لما في ذلك من المصلحة، ليوكلوا إلى علم ما فى عقولهم من ~~الدلالة، مع ما في ذلك من الرياضة. # PageV01P205 # وقيل: إنهم وجدوا في كتابهم: أنه إن أجابهم عن الروح فليس بنبي. # * * * ### | قوله تعالى: (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن) # (أو) هاهنا للإباحة. أي: إن دعوت بأحدهما كان جائزا، وإن دعوت بهما جميعا ~~كان جائزا. وهذان الاسمان ممنوعان. أي: لم يتسم أحد بهما غير الله تعالى. # و (ما) في (أياما)، صلة، كقوله تعالى: (عما قليل ليصبحن نادمين). # وقيل: هي بمعنى (أي شيء) كررت مع اختلاف اللفظين للتوكيد، كقولك: # ما رأيت كالليلة ليلة. # و (أيا) نصب بتدعو. # وقرئ (قل ادعوا)، (أو ادعوا الرحمن)، بكسر اللام والواو على أصل التقاء ~~الساكنين، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع والكسائي بضم الواو واللام، وهو ~~أجود، والعلة في ذلك أن بعدهما ضمة العين فكرهوا الخروج من كسر إلى ضم وليس ~~بينهما إلا حاجز ضعيف، وهو الساكن، ومن زعم من النحويين أن ضمة الهمزة من ~~(ادعو) ألقيت على اللام والواو، فقد أخطأ؛ لأن هذه الهمزة لا حظ لها في ~~الحركة، وإنما تحرك عند الابتداء، فإذا اتصل الكلام سقطت الحركة، وقد كسر ~~بعضهم اللام، وضم الواو جمع بين اللغتين، ولو ضم اللام وكسر الواو لكان ~~جائزا في العربية، إلا أنه لا يقرأ إلا بما صح عن السلف رضي الله عنهم. # * * * # PageV01P206 ### | ومن سورة (الكهف) ### | قوله تعالى: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب) # القيم: المستقيم. والعوج: العدول عن الحق إلى الباطل، يقال: ليس في الدين ~~عوج، وكذلك ليس في الأرض ms113 عوج، ويقال: في العصا عوج بالفتح. # وأجمع العلماء على أنه على التقديم والتأخير. أي: أنزل على عبده الكتاب ~~قيما ولم يجعل له عوجا. # قال ابن عباس والضحاك: أنزله مستقيما معتدلا. # وقيل: ولم يجعل له عوجا أي: لم يجعله مخلوقا، ويروى هذا عن ابن عباس ~~أيضا. # ووزن (قيم) فيعل، وأصله (قيوم) فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء فيها، وهذا ~~حكم كل (واو) و (ياء) اجتمعتا وسبقت الأولى منهما بالسكون، نحو: سيد وميت ~~وطي ولي، والأصل: سيود وميوت وطوي ولوي، ففعل بهذه الأشياء ما ذكرناه. وقرأ ~~الأعمش (الم (1) الله لا إله إلا هو الحي القيوم)، وروي أن عمر قرأ (الحي ~~القيام)، والأصل فيه القيوام، ففعل به ما قد ذكرناه، وكذلك: القيوم، أصله: ~~قيووم. # ونصب (قيما) على الحال من الكتاب. والعامل فيه " أنزل ". # PageV01P207 ### | قوله تعالى: (كبرت كلمة تخرج من أفواههم) # الكلمة هاهنا: قولهم (اتخذ الله ولدا)، واختلف في نصبها: # فقال قوم: انتصب على تفسير المضمر، على حد قولك: نعم رجلا زيد، والتقدير ~~على هذا: كبرت الكلمة كلمة، ثم حذفت الأول، لدلالة الثاني عليه. ومثله: كرم ~~رجلا زيد، ولؤم صاحبا عمرو. وقال قوم: انتصب على التمييز المنقول عن ~~الفاعل. على حد قولك: تصببت عرقا، وتفقأت شحما، قال الشاعر: # ولقد علمت إذا الرياح تناوحت ... هدج الرئال تكبهن شمالا. # وهذا البيت إذا حذف منه (تكبهن شمالا) بقي موزونا، وكان من مرفل الكامل ~~إذا حركت اللام، فإن أسكنتها كان من الذال، وهو على تمامه من الكامل، ويحكى ~~أن أول من نبه على هذا أبو عمرو بن العلاء. # وقيل: نصب (كلمة) على الحال من المضمر في (كبرت). # وقرأ ابن كثير (كبرت كلمة) بالرفع، جعل كبرت بمعنى عظمت. # وأما قوله تعالى: (تخرج من أفواههم)، فهو نعت لمحذوف تقديره: كبرت كلمة ~~كلمة تخرج من أفواههم، ترفع (كلمة) المضمرة، كما ترفع (زيد) من قولك: نعم ~~رجلا زيد، ورفعه من وجهين: # أحدهما: أن يكون مبتدأ وما قبله الخبر. # والثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، والتفسير في الآية على هذا: هي كلمة ~~تخرج، ولا ms114 يجوز أن يكون (تخرج) وصفا ل (كلمة) الظاهرة؛ لأن الوصف يقرب ~~النكرة من المعرفة، والتمييز والتفسير # PageV01P208 # والحال لا تكون معرفة ألبتة، ولا يجوز أن يكون حالا من (كلمة) المنصوبة ~~لأمرين: # أحدهما: أن الحال يقوم مقام الوصف. # والثاني: أن الحال لا يكون من نكرة في غالب الأمر. # ولكن يجوز أن يكون (تخرج) وصفا ل (كلمة) على مذهب من رفع كلمة. # * * * ### | قوله تعالى: (أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا (9) # الكهف: الغار، والرقيم: قيل: هو لوح أو حجر أو صحيفة كتب فيه أسماء أصحاب ~~الكهف وخبرهم حين أووا إلى الكهف؛ لأنه من عجائب الأمور، وجعل في خزائن ~~الملوك، وقيل: جعل على باب كهفهم، ورقيم على هذا بمعنى مرقوم، مثل: جريح ~~ومجروح وصريع ومصروع، يقال: رقمت الكتاب أرقمه، وفي القرآن (كتاب مرقوم)، ~~ومن هذا قيل: في الثوب رقم، وقيل للحية: أرقم، لما فيها من الخطوط، وهذا ~~الذي ذكرناه من أنه كتاب كتب فيه حديثهم قول مجاهد وسعيد بن جبير، وفي بعض ~~الروايات عن ابن عباس: أنه الوادي الذي كانوا فيه، وروي مثل ذلك عن الضحاك، ~~وقيل: الرقيم الجبل الذي كانوا فيه، وهو قول الحسن، وقيل: الرقيم اسم ~~كلبهم، وجاء في التفسير عن الحسن: أنهم قوم هربوا بدينهم من قومهم إلى كهف ~~وكان من حديثهم ما قصه الله تعالى في كتابه. # وقيل في قوله (أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا)، أن ~~معناه: أكانوا أعجب من خلق السماوات والأرض وما فيهن. # و (أم) هاهنا بمعنى: بل أحسبت، وفيها معنى التعجب. # PageV01P209 # وحدثني أبي عن عمه إبراهيم بن غالب حدثنا القاضي منذر بن سعيد حدثنا أبو ~~النجم عصام بن منصور المرادي القزويني حدثنا أبو بكر أحمد بن عبد الله بن ~~عبد الرحيم الرقي حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام حدثنا زياد بن عبد الله ~~بن البكائي عن محمد بن إسحاق المطلبي قال حدثني بعض أهل العلم عن سعيد بن ~~جبير وعكرمة عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه ms115 في خبر طويل: # أن النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط أنفذتهما قريش إلى أحبار اليهود ~~بالمدينة، وقالوا لهما: اسألاهم عن (محمد). وصفا لهم صفته، وأخبراهم بقوله ~~فإنهم أهل الكتاب الأول؛ وعندهم علم ليس عندنا من علم الأنبياء. فخرجا حتى ~~قدما المدينة. فسألا أحبار اليهود عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقالا لهم ~~ما قالت قريش وقالا: أخبرونا عن صاحبنا. فقالت لهما أحبار اليهود: سلوه عن ~~ثلاث، نأمركم بهن. فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل فهو رجل متقول ~~فارؤوا فيه رأيكم، سلوه عن فتية ذهبوا فى الدهر الأول، ما كان أمرهم؟ فإنه ~~قد كان لهم حديث عجب، وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما ~~كان نبأه؟ وسلوه عن الروح، ما هو؟ -فإذا أخبركم بذلك فاتبعوه فإنه نبي، وإن ~~لم يفعل، فاصنعوا في أمره ما بدا لكم، فأقبل النضر وعقبة حتى قدما مكة على ~~قريش فقالا: يا معشر قريش قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين " محمد "، وقصا ~~عليهم القصة، فجاءوا النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه عن ذلك، فقال عليه ~~السلام، أخبركم بما سألتم عنه غدا، ولم يستثن، فانصرفوا عنه، فمكث عليه ~~السلام خمس عشرة ليلة لا يحدث الله إليه في ذلك وحيا، ولا يأتيه جبريل، حتى ~~أرجف أهل مكة وقالوا: وعدنا محمد غدا، واليوم خمس عشرة ليلة قد أصبحنا منها ~~لا يخبرنا بشيء مما سألناه، وأحزن النبي صلى الله عليه مكث الوحي عنه، وشق ~~ما يتكلم به أهل مكة عليه، ثم جاءه جبريل عليه السلام عن الله تعالى بسورة ~~الكهف، فيه معاتبة على حزنه عليهم، وخبر ما سألوا عنه من أمر الفتية، ~~والرجل الطواف، والروح. # قال ابن إسحاق: فذكر لي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل عليه ~~السلام حين جاءه: لقد أحبست عني يا جبريل حتى سؤت ظنا، فقال له جبريل: (وما ~~نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك ~~نسيا)، فافتتح السورة ms116 تعالى: بحمده، وذكر نبوة رسول الله لما أنكروا عليه ~~من ذلك فقال: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب) يعني: محمدا، إنك رسول ~~مني. أي: تحقيق لما سألوا عنه من نبوتك، (ولم يجعل له عوجا قيما) أي: ~~معتدلا لا اختلاف فيه (لينذر بأسا شديدا من لدنه)، أي: عاجل عقوبته في ~~الدنيا، ثم مر في السورة. # PageV01P210 ### | قوله تعالى: (لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا (12)) # اختلف العلماء في قوله: (أي الحزبين): # فقال الخليل: (لنعلم) ملغي. و (أي الحزبين أحصى) مبتدأ وخبر، والتقدير: ~~لنعلم الذي نقول فيه: أي الحزبين أحصى، قال يونس: (أي الحزبين) حكاية. # وقال الفراء: الكلام فيه معنى الاستفهام، فلذلك لم يعمل فيه (لنعلم). # قال سيبويه: (أي) هاهنا مبنية، وذلك لحذف العائد عليها، كأن الأصل: لنعلم ~~أي الحزيين هو أحصى، فلما حذف (هو) رجعت (أي) إلى أصلها وهو البناء؛ لأنها ~~بمنزلة (الذي) و (من) و (ما). # قال الكسائي: المعنى لنعلم ما يقولون، ثم ابتدأ: أي الحزبين أحصى، ومثل ~~هذه الآية قوله (فلينظر أيها أزكى طعاما) وقوله (ثم لننزعن من كل شيعة أيهم ~~أشد على الرحمن عتيا)، وأنشد سيبويه: # ولقد أبيت من الفتاة بمنزل ... فأبيت لا حرج ولا محروم # استشهادا لقول الخليل، وتأوله هو على تقدير: لا حرج ولا محروم في مكان، ~~على الابتداء والخبر، وجعل الجملة خبر ل (بات)، وقدره الخليل: فأبيت بمنزلة ~~الذي يقال له لا حرج ولا محروم. # وأما النصب في (أمدا): # PageV01P211 # فقال الزجاج: إنه تمييز، وهذا وهم؛ لأن (أحصى) فعل وليس باسم، قال الله ~~تعالى (أحصاه الله ونسوه). # وقال مرة أخرى: هو منصوب ب (لبثوا) على الظرف، وهذا القول أصح من الأول. ~~وأي الحزبين هاهنا يراد به: الفتية من حصرهم من أهل زمانهم. # * * * ### | قوله تعالى: (سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم) # الرجم: القذف، عن قتادة، وروي عن ابن عباس أنه قال: أنا والله من ذلك ~~القليل الذي استثنى الله تعالى، كانوا سبعة وثامنهم كلبهم. # * * * # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: لم دخلت " الواو " في قوله (وثامنهم)، وحذفت فيما ~~سوى ms117 ذلك؟ # والجواب: أنها دخلت لتدل على تمام القصة، وموضعها مع ما بعدها نصب على ~~الحال. # وقيل: دخلت لتعطف جملة على جملة. # وقال بعضهم: خصت بعدد السبعة؛ لأن السبعة أصل للمبالغة في العدة، لأن ~~جلائل الأمور سبعة سبعة. # PageV01P212 # وأما من يقول هي واو الثمانية، ويستدل بذلك على أن للجنة ثمانية أبواب. ~~لقوله تعالى (حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها). فشيء لا يعرفه النحويون وإنما ~~هو من قول بعض المفسرين. # ولو حذفت هذه الواو لكان جائزا؛ لأن الضمير في قوله (وثامنهم) يربط ~~الجملتين، وذلك نحو قولك: رأيت زيدا وأبوه قائم، ولو قلت: رأيت زيدا أبوه ~~قائم لكان جائزا، وتقول: رأيت زيدا وعمرو قائم، فلا يجوز حذف الواو؛ لأنه ~~لا ضمير هاهنا يربط الجملتين. # ولو دخلت الواو في قوله تعالى: (سيقولون ثلاثة ورابعهم كلبهم) (ويقولون ~~خمسة وسادسهم كلبهم) لكان جائزا عند النحويين. # * * * ### | قوله تعالى: (ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا (25) # اختلف العلماء في هذا: # فقال قوم: هذا إخبار من الله تعالى بمقدار لبثهم، ثم قال لنبيه عليه ~~السلام: إن حاجك المشركون فيهم قل: الله أعلم بما لبثوا، هذا قول مجاهد ~~والضحاك وعبيد بن عمير. # وقال قتادة: هو حكاية عن قول اليهود لأجل قوله تعالى (قل الله أعلم بما ~~لبثوا)، فكأنه في التقدير: سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم، ويقولون كذا وكذا، ~~ويقولون ولبثوا في كهفهم، وقد ذكرنا عن ابن عباس أنه قال: أنا من ذلك ~~القليل الذي استثناه الله تعالى. # * * * # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: كيف جاء قوله تعالى: (ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة ~~سنين)، وإنما يقال: ثلاثمائة سنة؟ # PageV01P213 # وعن هذا جوابان: # أحدهما: أن التقدير: ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنة، على المستعمل، إلا ~~أنه وضع الجميع موضع الواحد على الأصل، لأن الأصل أن تكون الإضافة إلى ~~الجميع. كما قال الشاعر: # ثلاث مئين قد مضين كواملا ... وها أنا ذا أرتجي مر أربع. # فجاء به على الأصل. # والثاني: أن العرب تستغني عن الواحد بالجمع. وعن الجمع بالواحد، فمما ~~استغني فيه عن الواحد بالجمع قولهم: قدر ms118 أعشار، وثوب أخلاق، ومما استغنوا ~~فيه بالواحد عن الجمع قوله: # بها جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيض وأما جلدها فصليب # وقال آخر: # كلوا في نصف بطنكم تعيشوا ... فإن زمانكم زمن خميص. # وقال الله تعالى في الاستغناء بالجمع عن الواحد: (فإلم يستجيبوا لكم) ~~الخطاب: للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال للكفار: (فاعلموا أنما أنزل بعلم ~~الله)، يدل على ذلك قوله: (فهل أنتم مسلمون)، ومما جاء من قوله تعالى على ~~الاستغناء بالواحد عن الجمع قوله تعالى: (ثم نخرجكم طفلا)، وهو كثير. # وهذا كله على قراءة حمزة والكسائي، فأما الباقون فإنهم نونوا (ثلاثمائة). # وفي نصب (سنين) قولان: # أحدهما: أنه بدل من ثلاثمائة. # PageV01P214 # والثاني: أنه تمييز، كما تقول: عندي عشرة أرطال زيتا، قال الربيع بن صبع ~~الفزاري: # إذا عاش الفتى مئتين عاما ... فقذ ذهب البشاشة والفتاء. # وزعم بعضهم: أنه على التقديم والتأخير. تقديره: ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة ~~وازدادوا تسع سنين. # * * * ### | قوله تعالى: (لكنا هو الله ربي) # الأصل: لكن أنا هو الله ربي، فألقيت حركة الهمزة على النون فصار: (لكننا) ~~فأسكنت النون الأولى كراهة لاجتماع المثلين، ثم أدغمت في الثانية فصار: ~~لكنا هو الله ربي؛ ويجوز فيها خمسة أوجه: # أحدها: لكن هو الله ربي، لأن ألف (أنا) محذوف في الوصل، قال الشاعر: # وترمينن بالطرف أي أنت مذنب ... وتقلينني لكن إياك لا أقلي # والثاني: لكنا هو الله ربي. وهذان الوجهان قرئ بهما. # والثالث: لكننا هو الله ربي. بطرح الهمزة وإظهار التنوين. # والرابع: لكن هو الله ربي، بالتخفيف. # والخامس: لكن أنا هو الله ربي، على الأصل. # * * * ### | قوله تعالى: (وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره) # PageV01P215 # قال المفسرون: شغل قلبي بوسوسته حتى نسيت الحوت. # ويسأل عن موضع (أن)؟ # والجواب: أن موضعها نصب على البدل من الهاء، كأنه في التقدير: وما أنساني ~~أن أذكره إلا الشيطان. # * * * ### | قوله تعالى: (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها) # يقال: سفينة وسفائن وسفن وسفين. # واختلف في المساكين والفقراء: # فذهب بعضهم إلى أنهما بمعنى، وليس كذلك، لأن الله تعالى فرق بينهما في ms119 ~~آية الصدقة فقال: # (إنما الصدقات للفقراء والمساكين). # وفرق بينهما أكثر أهل العلم، واختلفوا في أيهما أشد حاجة: # فذهب جمهور الفقهاء إلى أن المسكين الذي له بلغة، واحتجوا بهذه الآية، ~~لأن الله تعالى جعل لهم سفينة. # وذهب جمهور أهل اللغة إلى أن المسكين الذي لا شيء له، وأن الفقير هو الذي ~~له بلغة وأنشدوا: # أما الفقير الذي كانت حلو بته ... وفق العيال فلم يترك له سبد # واختلف في (وراء): # فقال قوم: هو نقيض قدام # PageV01P216 # وقال قتادة: هو بمعنى أمام، ومثله: (من ورائهم جهنم)، وهو محتمل، لأنه من ~~المواراة، قال الشاعر: # أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي ... وقومي تميم والفلاة ورائيا # أي أمامي. # * * * ### | قوله تعالى: (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي) # قال أصحاب المعاني المعنى: قل لو كان البحر مدادا لكتابة معاني كلمات ربي ~~لنفد البحر قبل أن تنفد كتابة معاني كلمات ربي، فحذف لأن المعنى مفهوم. ~~والنفاد: الفراغ. # ومما يسأل عنه أن يقال: الكلمات لأقل العدد، وأقل العدد العشرة فما ~~دونها، فكيف جاء هاهنا أقل العدد؟ # والجواب: أن العرب تستغني بالجمع القليل عن الكثير، وبالكثير عن القليل، ~~قال الله تعالى: (وهم في الغرفات آمنون)، وغرف الجنة أكثر من أن تحصى، ~~وقال: (هم درجات)، وقال حسان: # لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما # وكان أبو علي الفارسي ينكر الحكاية التي تروى عن النابغة، وأنه قال له: ~~قللت جفناتكم وأسيافكم. فقال: لا يمح هذا عن النابغة. # * * * # PageV01P217 ### | ومن سورة (مريم) ### | قوله تعالى: (كهيعص (1) ذكر رحمت ربك عبده زكريا (2) # قد فسرنا فواتح السور فيما تقدم. # ومما يسأل عنه هاهنا أن يقال: بم ارتفع (ذكر رحمت ربك)؟ # وفيه وجهان: # أحدهما: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: هو ذكر. # والثاني: أن يكون مبتدأ والخبر محذوف تقديره: فيما يتلى عليكم ذكر رحمت ~~ربك. # ونصب (عبده) برحمة. # * * * ### | قوله تعالى: (يرثني ويرث من آل يعقوب) # قال أبو صالح: يرثني النبوة، وقال الحسن ومجاهد: يرثني العلم والنبوة، ~~وقال السدي: يرث نبوته ونبوة آل يعقوب. # ويجوز فى (يرثني) ms120 الرفع والجزم، فالرفع على النعت لولي، وهي قراءة السبعة ~~إلا أبا عمرو والكسائي فإنهما قرأا بالجزم، والجزم على أنه جواب الدعاء. # PageV01P218 ### | قوله تعالى: (فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا (24) وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا (25)) # السري: الجدول في قول البراء بن عازب، وقال ابن عباس ومجاهد وابن جبير: ~~هو النهر، وقال الضحاك وقتادة وإبراهيم: هو النهر الصغير، وقال الحسن وابن ~~زيد السري: النهر معروف في كلام العرب. قال لبيد: # فتوسطا عرض السري فغادرا ... مسجورة متجاورا ملامها # * * * # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: لم أمرت بهز الجذع، والله قادر أن يسقط عليها ~~الرطب من غير هز منها؟ # والجواب: أن الله تعالى جعل معائش الدنيا بتصرف أهلها وتطلبهم لها. # ويسأل: بم انتصب (رطبا جنيا)؟ # وفيه جوابان: # أحدهما: أنه مفعول ل (هزي)، أي: هزي رطبا جنيا يتساقط عليك، هذا قول ~~المبرد. # وقال غيره: هو نصب على التمييز. والعامل فيه (تساقط). # وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي وابن عامر وأبو بكر عن عاصم ~~(تساقط) بالتاء ورد الضمير إلى النخلة، والباء في قوله (بجذع النخلة) ~~زائدة. # PageV01P219 # وقرأ حمزة (تساقط) أراد: تتساقط، فحذف التاء الثانية لأنها زائدة كراهة ~~لاجتماع التاءين. # وقرأ حفص عن عاصم (تساقط) بضم التاء وكسر القاف مخففة السين، جعله مثل: ~~يطارق النعل، ويعاقب اللص. # وقرئ في غير السبعة (يساقط) على أن الضمير للجذع. # وقرأ نافع والكسائي وحمزة وعاصم في رواية حفص (فناداها من تحتها). وقرأ ~~الباقون (من تحتها) بفتح الميم على معنى " الذي ". # واختلف فيمن ناداها: # فقال ابن عباس والضحاك وقتادة والسدي: ناداها جبريل عليه السلام. وقال ~~مجاهد ووهب بن منبه وسعيد بن جبير وابن زيد: ناداها عيسى. # فعلى التأويل الأول يكون (تحت) بمعنى المحاذاة، والمعنى: فناداها جبريل ~~من البستان الذي تحتها؛ لأنه يقال: داري تحت دارك، بمعنى: محاذية لها. # وعلى التأويل الثاني يكون المعنى: فناداها من تحت ثيابها. # وكل الوجهين محتمل. # * * * ### | قوله تعالى: (قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا (27)) # الفري: العمل العجيب، قال الراجز: ms121 # قد أطعمتني ذقلا حوليا ... مسوسا مدودا حجريا. # قد كنت تفرين به الفريا # وقال قتادة وكعب وابن زيد والمغيرة بن شعبة يرفعه إلى النبي صلى الله ~~عليه: هارون رجل صالح في بني إسرائيل ينسب إليه من عرف بالصلاح. # PageV01P220 # وقيل: هو هارون أخو موسى، نسبت إليه لأنها من ولده، كما يقال: يا أخا بني ~~فلان، وهو قول السدي. # وقيل: كان رجلا فاسقا معلنا بالفسق فنسبت إليه. # وقال الكلبي: هارون أخوها من أبيها. # ومعنى (فأشارت إليه): قالت كلموه. # * * * # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: لم قال (بغيا) وهو صفة مؤنث؟ # والجواب: أن ما كان على (فعول) ووصف به المؤنث كان بغير (هاء)، نحو: ~~امرأة شكور وصبور إذا كان بمعنى (فاعل)، فإن كان بمعنى (مفعول) ثبتت فيه " ~~الهاء " نحو: حلوبة وقتوبة. # والأصل في (بغيا): بغوي، فاجتمعت الواو والياء وسبقت الأولى بالسكون فوجب ~~القلب والإدغام، وكسرت الغين لتصح الياء الساكنة. # * * * # فصل: # ويسأل عن قوله تعالى (كيف نكلم من كان في المهد صبيا)، بم نصب (صبيا)؟ # والجواب: أنه منصوب على الحال، و (كان) بمعنى الحدوث. وهي العاملة في ~~الحال، ومثل # كان هاهنا قوله تعالى (وإن كان ذو عسرة) أي: حضر ووقع، ومثله قول الربيع: # إذا كان الشتاء فأدفئوني ... فإن الشيخ يهدمه الشتاء # ويجوز أن تكون زائدة، نحو قول الشاعر: # جياد بني أبي بكر تسامى ... علي كان المسومة العراب # PageV01P221 # والعامل في الحال على هذا الوجه (نكلم). # * * * ### | قوله تعالى: (ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا (62)) # يسأل: كيف جاز (ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا)، وليس في الجنة ليل ولا شمس ~~ولا قمر؟ # والجواب: أن العرب خوطبت على قدر ما تعرف، فذكر البكرة والعشي ليدل على ~~المقدار، وكانت العرب تكره (الوجبة) وهي أكلة واحدة، وتستحب الغداء ~~والعشاء، فأعلمهم الله تعالى: أن لهم في الجنة مثل ما كانوا يحبون في ~~الدنيا. # * * * ### | قوله تعالى: (أفرأيت الذي كفر بآياتنا) # هذه الآية نزلت في العاص بن وائل السهمي، وذلك أن خباب بن الأرت صاحب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان قينا بمكة يعمل السيوف ms122 فباع من العاص ~~سيوفا، فأعملها له حتى إذا صار له عليه مال جاء يتقاضاه، فقال له: يا خباب، ~~أليس يزعم محمد هذا الذي أنت على دينه، أن في الجنة ما ابتغى أهلها من ذهب ~~أو فضة أو ثياب أو خدم؛ قال خباب: بلى، قال: فأنظرني إلى يوم القيامة حتى ~~أرجع إلي تلك الدار، فأقضيك هنالك حقك، فوالله لا تكون أنت ولا أصحابك يا ~~خباب آثر عند الله مني وأعظم حظا. فأنزل الله تعالى فيه (أفرأيت الذي كفر ~~بآياتنا) إلى آخر الآية. # PageV01P222 # قرأ حمزة والكسائي (ولدا) بضم الواو وإسكان اللام، وقرأ الباقون بفتح ~~الواو، فأما الفتح فهي اللغة المشهورة. وأما الضم وإسكان اللام. فيجوز فيه ~~وجهان: # أحدهما: أن يكون، (ولد) و (ولد) بمعنى، كما يقال: رشد ورشد، وعدم وعدم، ~~قال الشاعر: # فليت فلانا كان في بطن أمه ... وليت فلانا كانت ولد حمار # وقال الحارث بن حلزة: # ولقد رأيت معاشرا ... قد أثمروا مالا وولدا # وقال رؤبة: # الحمد لله العزيز فردا ... لم يتخذ من ولد شيء ولدا # والثاني: أن يكون الولد جمع الولد، كقولهم: أسد وأسد، ووثن ووثن، وهي لغة ~~قريش. # * * * # PageV01P223 ### | ومن سورة (طه) ### | قوله تعالى: (طه (1) ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى (2)) # اختلف في معنى (طه): # فقيل: هو اسم للسورة. وقيل: هو اختصار من كلام يعلمه النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وقيل: هو بالسريانية ومعناه: يا رجلا. وهو قول ابن عباس ومجاهد ~~والحسن وسعيد بن جبير. # ويجوز في (طه) أربعة أوجه: # أحدها: (طه) بفتح الطاء والهاء والتفخيم. # والثاني: (طه) بإمالتهما جميعا. # والثالث: (طاهي) بتفخيم الأول وإمالة الثاني. # والرابع: (طه) بتسكين الهاء، وفيه وجهان: # أحدهما: أن يكون المعنى (طأ) ثم أبدل من الهمزة هاء، كما يقال: هرقت ~~الماء، وهنرت الثوب وهرحت الدابة، في معنى: أرقت وأثرت وأرحت. # والثاني: أن يكون على تخفيف الهمز كأنه (ط يا رجل) كما تقول: ر يا رجل، ~~ثم أدخلت الهاء للوقف. # وقد قرئ بهذه الوجوه كلها: # فالوجه الأول: قراءة ابن كثير وابن عامر ونافع في إحدى الروايتين. # والثاني: قراءة ms123 حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر وعباس عن أبي عمرو. # والثالث: عن أبي عمرو. وروي عن نافع بين الإمالة والتفخيم في إحدى ~~الروايتين. # ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع رجله في الصلاة، فأنزل الله ~~تعالى عليه (طه) أي: طء الأرض برجلك، فهذا يقوي إسكان الهاء. # PageV01P224 ### | قوله تعالى: (واجعل لي وزيرا من أهلي (29) هارون أخي (30) اشدد به أزري (31) وأشركه في أمري (32) كي نسبحك كثيرا (33) # ونذكرك كثيرا (34)) # الأزر: الظهر، يقال: آزرني فلان على كذا، أي: كان لي ظهرا، ومنه المنزر ~~لأنه يشد على الظهر # قرأ ابن عامر (أشدد به أزري) بقطع الألف (وأشركه في أمري) بضم الألف، ~~وقرأ الباقون بوصل الألف الأولى وفتح الثانية، فمن قرأ (أشدد به أزري) بقطع ~~الألف (وأشركه) بضم الألف، فالألف ألف المتكلم، وجزم لأنه جواب الدعاء الذي ~~هو (واجعل لي)، ومن وصل الألف وفتح الثانية جعله بدلا من قوله (واجعل لى). # ويسأل عن قوله تعالى: (واجعل لي وزيرا من أهلي (29) هارون أخي (30))، أين ~~مفعولا (واجعل)؟ # وفي هذا جوابان: # أحدهما: أن يكون الكلام على التقديم والتأخير. حتى كأنه قال: واجعل لي من ~~أهلي هارون أخي وزيرا، ف (هارون) مفعول أول، و (وزيرا) مفعول ثاني. # وإن شئت جعلت (وزيرا) مفعولا أولا، و (لي) مفعولا ثانيا، وهذا الوجه ~~الثاني. # ويجوز في هارون وجهان: # أحدهما: أن يكون نصبا بإضمار فعل، كأنه قال: أعني هارون أخي. أو: استوزر ~~لي هارون أخي، لأن (وزيرا) يدل عليه. # PageV01P225 # والثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنه لما قال: واجعل لي وزيرا من ~~أهلي، قيل له: من هذا الوزير؟ - قال: هارون أخي، فهذا وجه في الرفع، إلا أن ~~القراءة بالنصب، فإن رفع رافع من القراء فهذا وجه. # ويجوز في النصب أن تضمر (أريد) كأنه قيل له: من تريد؟ - قال: أريد هارون ~~أخي. # ويسأل عن قوله: (نسبحك كثيرا (33) ونذكرك كثيرا (34))؟ # وفيه وجهان: # أحدهما: أن يكون نعتا لمصدر محذوف، كأنه في التقدير: نسبحك تسبيحا كثيرا ~~ونذكرك ذكرا كثيرا. # والوجه الثاني: أن يكون نعتا لظرف محذوف ms124 تقديره: نسبحك وقتا كثيرا، ~~ونذكرك وقتا كثيرا. # * * * ### | قوله تعالى: (فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى (58) قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى (59)) # قوله (مكانا سوى)، قال السدي وقتادة: عدل، وقال ابن زيد: مستو. # وقرأ ابن عامر وحمزة وعاصم (سوى) بضم السين، وقرأ الباقون بكسرها، والضم ~~أكثر وأفصح؛ لأن (فعل) في الصفات أكثر من (فعل) وذلك نحو: حطم ولبد، فهذا ~~أكثر من باب عدى، وقد قرئ (بالوادي المقدس طوى)، و (طوى)، والضم أفصح لما ~~ذكرناه، ومثل ذلك: ثنى وثنى وعدى وعدى. # قال أبو عبيدة: السوى النصف والوسط، قال الشاعر: # PageV01P226 # وإن أبان كان حل ببلدة ... سوى بين قيس قيس عيلان والغرز # و (يوم الزينة): يوم عيد لهم. كذا قال السدي وابن إسحاق وقتادة وابن جريج ~~وابن زيد، وقيل يوم الزينة: يوم سوق لهم يتزينون فيه، وهو قول الفراء. # ويسأل عن قوله (موعدكم يوم الزينة) كيف رفع (يوم الزينة)، وجعله الموعد، ~~وإنما الموعد مصدر؟ # وفي هذا جوابان: # أحدهما: أن يكون على الحذف، كأنه في التقدير: يوم موعدكم يوم الزينة ثم ~~حذف على حد قوله (واسأل القرية) وإن شئت قدرته: قال موعدكم موعد يوم ~~الزينة. ثم حذفت على ما قدمناه، ومثله قوله تعالى: (الحج أشهر معلومات)، ~~تقديره: مواقيت الحج أشهر معلومات، وكذلك قوله تعالى: (وحمله وفصاله ثلاثون ~~شهرا)، أي: مدة حمله وفصاله ثلاثون شهرا. # والثاني: أن تجعل (موعد) ظرف زمان، فتخبر بالظرف عن الظرف، وهذا كقولهم: ~~أتت الناقة على مضربها، أي: على زمان ضرابها، ومثله قولك: كان ذلك مغار ابن ~~همام، وأمارة الحجاج، وخلافة عبد الملك، ومقتل الحسين وما أشبه ذلك. ويقال: ~~جئته خفوق النجم وطلوع الشمس، فجعلوا هذه المصادر ظروفا. # وقد قرأ الحسن (موعدكم يوم الزينة) بالنصب، وهو أيضا على حذف، كأنه في ~~التقدير: # PageV01P227 # محل موعدكم كائن يوم الزينة، أو واقع، لأنه لم يعدهم في يوم الزينة، ~~ولكنه وعدهم الاجتماع معه في يوم الزينة. # وقوله (وأن يحشر الناس ضحى) في موضع رفع على تقدير: موعدكم يوم الزينة. ms125 ~~ويوم حشر الناس ضحى، وتكون (أن مع الفعل) مصدرا، ثم حذفت (يوم) لدلالة ما ~~تقدم عليه. # ويجوز أن يكون في موضع جر، تعطفه على (الزينة) حتى كأنه في التقدير: ~~موعدكم يوم الرينة ويوم حشر الناس ضحى. # * * * ### | قوله تعالى: (قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم) # قال مجاهد (بطريقتكم المثلى) بأولي العقل والشرف والأنساب. وقال أبو ~~صالح: بسراة الناس، وقال قتادة: ببني إسرائيل، وكانوا أولي عدد ويسار، وقال ~~ابن زيد: طريقتكم التي أنتم عليها في السيرة. # وقرأ ابن كثير (إن هذان لساحران) بتشديد النون من (هذان) وتخفيف (إن)، ~~وقرأ عاصم من طريقة حفص (إن هذان) بتخفيف النون وتخفيف (إن)، وقرأ أبو عمرو ~~بتشديد (إن) ونصب (هذين)، وقرأ الباقون (إن هذان) بتشديد (إن) ورفع (هذان). # فوجه قراءة ابن كثير: أنه جعل (إن) مخففة من الثقيلة، وأضمر فيها اسمها. ~~ورفع ما بعدها على الابتداء والخبر، وجعل الجملة خبر (إن)، هذا قول ~~البصريين، وفيه نظر، لأن (اللام) لا تدخل على خبر المبتدأ إلا فى ضرورة ~~شعر، نحو قوله: # PageV01P228 # أم الحليس لعجوز شهربه ... ترضى من الشاة بعظم الرقبه # وقال الكوفيون: " إن " بمعنى " ما " و " اللام " بمعنى " إلا "، ~~والتقدير: ما هذان إلا ساحران، وهذا قول جيد. إلا أن البصريين ينكرون مجيء ~~" اللام " بمعنى " إلا ". # والقول على قراءة عاصم من طريق حفص كالقول على قراءة ابن كثير. # فأما تشديد النون في قراءة ابن كثير ففيها وجهان: # أحدهما: أن يكون تشديدها عوضا من ألف (هذا) التي سقطت من أجل حرف ~~التثنية. # والثاني: أن يكون للفرق بين النون التي تدخل على المبهم والتي تدخل على ~~المتمكن، وذلك أن هذه النون إنما هي وجدت مشددة مع المبهم. # وقد قيل: إنما شددت للفرق بين النون التي لا تسقط في الإضافة، والنون ~~التي تسقط في الإضافة. # وأما قراءة أبي عمرو: فوجهها بين؛ لأن (إن) تنصب الاسم وترفع الخبر، إلا ~~أنها مخالفة للمصحف، وقد قرأ بذلك عيسى بن عمر، واحتجا بأنه غلط من الكاتب، ~~وقد روي مثل ذلك عن عائشة رضي الله عنها، ms126 رواه أبو معاوية عن هشام بن عروة ~~عن أبيه عن عائشة، وكان عاصم الجحدري يقرأ كذلك، فإذا كتب كتب (إن هذان)، ~~واحتجوا له بقول عثمان رضي الله عنه: # (أرى في المصحف لحنا ستقيمه العرب بألسنتها)، وهذان الخبران لا يصححهما ~~أهل النظر، ولعل أبا عمرو وعيسى بن عمر وعاصما الجحدري ما قرأوا إلا ما ~~أخذوه عن الثقات من السلف. # PageV01P229 # وأما قراءة الجماعة (إن هذان لساحران): فذهب قوم إلى أن (إن) بمنزلة ~~(نعم)، وأنشدوا: # ولا أقيم بدار الهون إن ولا ... آتي إلى الغدر أخشى دونه الحمجا # وأنشدوا أيضا: # بكر العواذل في الصبو ... ح يلمنني وألومهنه # ويقلن شيب قد علا ... ك وقد كبرت فقلت إنه # وهذا القول لا يصح عندنا لأمرين: # أحدهما: أنها إذا كانت بمعنى (نعم) ارتفع ما بعدها بالابتداء والخبر، وقد ~~تقدم أن (اللام) لا تدخل على خبر مبتدأ جاء على أصله. # والثاني: أن أبا علي الفارسي قال: ما قبل (إن) لا يقتضي أن يكون جوابه ~~(نعم)؛ لأنك إن جعلته جوابا لقوله (تنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى) - ~~قالوا: نعم هذا لساحران كان محالا أيضا. # وقيل: الهاء مضمرة بعد (إن)، وفيه أيضا نظر من أجل دخول اللام في الخبر ~~ولأن إضمار الهاء بعد (إن) المشددة إنما يأتي في ضرورة الشعر، نحو قوله: # إن من يدخل الكنيسة يوما ... يلق فيها جآذرا وظباء # وقيل: لما كانت (إن) مشبهة بالفعل. وليست بأصل في العمل ألغيت هاهنا، كما ~~تلغى إذا خففت، وهذا قول علي بن عيسى الرماني، وهو غير صحيح، لأنها لم تلغ ~~مشددة فى غير هذا الموضع، وأيضا فإنها قد أعملت مخففة نحو قوله تعالى: (وإن ~~كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم) # PageV01P230 # في قراءة من قرأ كذلك، لأنها إنما عملت لشبهها بالفعل كما ذكره والفعل قد ~~يعمل وهو محذوف، نحو: لم يك زيد قائما، ولم يخش عبد الله أحدا وما أشبه ~~بذلك، وقد أعمل اسم الفاعل والمصدر لشبههما بالفعل، ولا يجوز إلغاؤهما. ~~وأيضا فإن (اللام) تمنع من هذا التأويل؛ لأن (إن) إذا ألغيت ارتفع ما بعدها ms127 ~~بالابتداء و (اللام) لا تدخل على خبر المبتدأ كما قدمناه. # وقيل: (هذان) في موضع نصب إلا أنه مبني لأنه حمل على الواحد والجمع وهما ~~مبنيان، نحو: هذا: هؤلاء. وهذا أيضا غير صحيح؛ لأنه لا يعرف في غير هذا ~~المكان. ولأن التثنية لا تختلف ولا تأتي إلا على طريقة واحدة. والواحد ~~والجمع يختلفان. فجاز منهما البناء ولم يجز في التثنية لأن فيها دليل ~~الإعراب وهو (الألف) ومحال أن تكون الكلمة مبنية معربة في حال. # وقيل: هذه الألف ليست بألف تثنية، وإنما هي ألف (هذا) زيدت عليها النون، ~~وهذا قول الفراء، وهو أيضا غير صحيح؛ لأنه لا تكون تثنية ولا علم للتثنية ~~فيها، فإن قيل: النون علم التثنية، قيل: النون لا يصح أن تكون علم التثنية ~~لأنها لم تأت في غير هذا الموضع كذلك، ألا ترى أنها تسقط في نحو قولك: ~~غلاما زيد، فلو كانت علم التثنية لم يجز حذفها، وإنما النون في قولك (هذان) ~~عوض من الألف المحذوفة هذا قول السيرافي، وقال أبو الفتح: هذه النون دخلت ~~في المبهم لشبهه بالمتمكن وذلك أنه يوصف ويوصف به ويصغر، فأشبه المتمكن من ~~هذه الطريقة، ألا ترى أن المضمر لما بعد من المتمكن لم يوصف ولم يوصف به ~~ولم يصغر. # وقال الزجاج: في الكلام حذف، والتقدير: إنه هذان لهما ساحران. فحذف ~~(الهاء) فصار: إن هذان لهما ساحران، ثم حذف المبتدأ الذي هو (هما) فاتصلت ~~اللام بقوله (ساحران) فصار: إن هذان لساحران، ف (لساحران) على هذا القول ~~خبر مبتدأ محذوف وذلك المبتدأ مع خبره خبر عن (هذان) و (هذان) مع خبره خبر ~~(إن)، وقد ذكرنا ما في حذف (الهاء) من القبح. وأنه من ضرورة الشعر، وأما ما ~~ذكره من إضمار المبتدأ تخيلا للام فتعسف لا يعرف له نظير. # PageV01P231 # وأجود ما قيل في هذا أنها لغة بالحارث بن كعب؛ لأنهم يجرون التثنية في ~~الرفع والنصب والجر مجرى واحدا، فيقولون: رأيت الزيدان ومررت بالزيدان، قال ~~بعض شعرائهم: # فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى ... مسانما لناباه الشجاع لصمما # وقال ms128 آخر: # تزود منا بين أذنيه طعنة ... دعته إلى هابي التراب عقيم # وقال آخر: # واها لريا ثم واها واها ... يا ليت عيناها لنا وفاها # هي المنى لو أننا نلناها ... بثمن نرضي به أباها # إن أباها وأبا أباها ... قد بلغا في المجد غايتاها # وقال آخر: # أي قلوص راكب تراها ... طاروا علاهن فطر علاها # يريد: طاروا عليهن فطر عليها فأبدل الياء ألفا. # وزعم بعض المتأخرين أن هذه الألف مشبهة بألف (يفعلان) فلما لم تنقلب هذه ~~لم تنقلب تلك، وهذا فاسد؛ لأن هذه ضمير في حيز الأسماء وتلك علامة للتثنية ~~وهي حرف، والألف في (يفعلان) لا يصح أن تنقلب؛ لأنه لا يتعاقب عليها ما ~~يغير معناها، لأنها لا تكون إلا فاعلة أو ما يقوم مقام الفاعل وهو ما لم ~~يسم فاعله. والألف في (هذان) حرف إعراب وفيه دليل الإعراب والعوامل تغير ~~أواخر الكلم. # PageV01P232 ### | قوله تعالى: (ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي) # اليبس: المكان اليابس وجمعه أيباس. # قال المفسرون المعنى اجعل لهم طريقا يابسا في البحر يعبرون فيه لا تخاف ~~لحوقا من عدوك ولا # تخشى من هول البحر الذي انفرج لك. # ومعنى قوله: (فغشيهم من اليم ما غشيهم)، أي: ما سمعتم به، وجاءتكم به ~~الأخبار، ومثله قول أبي النجم: # أنا أبو النجم وشعري شعري # أي: شعري الذي سمعت به وعلمت. # قرأ حمزة (لا تخف دركا)، وقرأ الباقون (لا تخاف دركا)، وأجمعوا على (ولا ~~تخشى) بالألف. # فتحتمل قراءة حمزة وجهين: # أحدهما: أن يكون جزاء والثاني: أن يكون نهيا. # وأما قراءة الجماعة فإنه يكون حالا، كأنه في التقدير، وأسر بعبادي غير ~~خائف ولا خاش، ومثله قراءة حمزة (يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون). # PageV01P233 # أي: ثم هم لا ينصرون، وكذلك في الآية الأخرى: لا تخف وأنت لا تخشى. # وقد ذهب بعضهم إلى أن (تخشى) في موضع جزم بالعطف على (لا تخف)، وأن الألف ~~تثبت في موضع الجزم على حد قول الراجز: # إذا العجوز غضبت فطلق ... ولا ترضاها ولا تملق # وهذا وجه ضعيف لا يحمل القرآن عليه. # * * * ### | قوله تعالى: ms129 (يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى (117)) # يقال: زوج وزوجة، وعلى اللغة الأولى جاء القرآن، ومن اللغة الثانية قول ~~الشاعر: # وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي ... كساع إلى أسد الشرى يستبيلها # والظمأ: العطش، ويضحى: ينكشف إلى الشمس، قال عمر بن أبي رييعة: # رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت ... فيضحى وأما بالعشي فيخصر # يقال: ضحي الرجل يضحي إذا برز للشمس، قال ابن عباس وقتادة وسعيد بن جبير: ~~لا تعطش ولا يصيبك حر الشمس. # PageV01P234 # فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: لم قال (فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى)، ولم ~~يقل: فتشقيا؟ # والجواب: أن المعنى على ذلك، لأنه خطاب له ولزوجه. إلا أنه اكتفى بذكره ~~عن ذكرها، لأن أمرهما في السبب واحد فاستوى حكمهما في استواء العلة. # ومما يسأل عنه أن يقال: كيف جمع بين الجوع والعري. وبين الظمأ والضحو. ~~والظمأ من جنس الجوع، والضحو من جنس العري؟ # وعن هذا جوابان: # أحدهما: أن الضحو الانكشاف إلى الشمس على ما تقدم. والحر عنه يكون، ~~والظمأ أكثر ما يكون من شدة الحر، فجمع بينهما في اللفظ لاجتماعهما في ~~المعنى. وكذلك الجوع والعري يتشابهان من قبل أن الجوع عرى في الباطن من ~~الغذاء، والعري ظاهر للجسم. # والجواب الثاني: أن العرب تلف الكلامين بعضهما ببعض اتكالا على علم ~~المخاطب، وأنه يرد كل واحد منهما إلى ما يشاكله، قال امرؤ القيس: # كأني لم أركب جوادا للذة ... ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال # ولم أسبأ الزق الروي ولم أقل ... لخيلي كري كرة بعد إجفال # وكان حقه أن يقول: كأني لم أركب جوادا للذة، ولم أقل لخيلي كري، ولم ولم ~~أسبأ الزق الروي، ولم أتبطن كاعبا. # وقد تؤول قول امرئ القيس على الجواب الأول، وذلك أنه جمع في البيت الأول ~~بين ركوبين: ركوب لجواد وركوب الكاعب، وجمع في الثاني بين سباء الخمر ~~والإغارة لأنهما يتجانسان # * * * # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: لم جاز أن تعمل (إن) في (أن) بفصل، ولم يجز من ~~غير فصل؟ # والجواب: أنهم امتنعوا عن ms130 ذلك كراهة للتعقيد بمداخلة المعاني المتقاربة، ~~فأما المتباعدة فلا يقع فيها تعقيد بالاتصال، لأنها مباينة مع الاتصال ~~لألفاظها، فلذلك جاز (إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى (118) وأنك لا تظمأ ~~فيها ولا تضحى (119)) ولم يجز: إن إنك لا تظمأ فيها؛ لأنه بغير فصل. وقرأ ~~نافع وعاصم من طريقة أبي بكر (وإنك لا تظمأ فيها) بالكسر، وقرأ الباقون ~~بالفتح. # PageV01P235 # فمن كسر عطف على (أن لك ألا تجوع)، ومن فتح فيجوز فيه وجهان: # أحدهما: أن يكون في موضع نصب عطفا على اسم (إن). # والثاني: أن يكون في موضع رفع على تقدير: ولك أنك لا تظمأ فيها. # * * * # PageV01P236 ### | ومن سورة (الأنبياء) ### | قوله تعالى: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون (2)) # يسأل عن معنى (محدث)؟ # وفيه وجهان: # أحدهما: أن المعنى محدث إنزاله، فحذف لدلالة الكلام عليه. # والثاني: أن الذكر هاهنا الموعظة، والمعنى: ما يأتيهم ذكر، أي: موعظة ~~محدثة إلا استمعوها وهم يلعبون. # ويجوز في (محدث) الرفع والجر والنصب: # فالجر: بالرد على ذكر، والرفع: على موضع ذكر. والنصب على الحال. # ويسأل عن موضع (الذين) فى قوله: (وأسروا النجوى الذين ظلموا)؟ # وفيه ستة أجوبة: # أحدها: أن موضعه رفع على البدل من الواو في (أسروا) # والثاني: أن موضعه رفع بإضمار فعل تقديره: يقول الذين ظلموا. # والثالث: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هم الذين ظلموا. # والرابع: أن يكون رفعا ب (أسروا) على لغة من قال: أكلوني البراغيث. # فهذه أربعة أوجه في الرفع. # والخامس: أن يكون في موضع نصب بإضمار (أعني). # PageV01P237 # والسادس: أن يكون في موضع جر بدلا من " الناس " في قوله تعالى: (اقترب ~~للناس). # وقد ذهب بعضهم إلى أنه نعت للناس. # فهذه سبعة أوجه. # * * * ### | قوله تعالى (أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها) # النقص: نقيض الزيادة، واختلف العلماء في معنى (ننقصها): # فقال بعضهم: ننقصها بخرابها، وقيل: بموت أهلها، وقيل: ننقصها من أطرافها ~~بما يفتح الله جل وعز على نبيه، وما ينقص من الشرك بإهلاك وقيل: ننقصها ~~بموت العلماء؛ لأنه من أشراط الساعة، وقد ms131 جاء في الحديث: (إن الله لا ينتزع ~~العلم انتزاعا ولكن ينتزعه بموت العلماء فيتخذ الناس رؤوسا جهالا فيضلون ~~ويضلون)، وكان يقال: الأطراف مكان الأشراف. # * * * # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: ما الأصل فى قوله (أنا)؟ # والجواب: أن الأصل فيها: أننا فحذفت إحدى النونات كراهة لاجتماع ثلاث ~~نونات، والوجه أن تكون المحذوفة الوسطى لأن الثالثة اسم مع الألف ولا يجوز ~~حذفها. والأولى ساكنة ولو حذفتها لالتقى مثلان فيجب إسكان الأولى وإدغامها ~~في الثاني، فيجتمع إعلالان، والعرب تفر من مثل هذا. # وقيل في قوله: (أفهم الغالبون) أن معناه: أفهم الغالبون على رسول الله ~~صلى الله عليه توبيخا لهم، وهو قول قتادة، وقيل: من يحفظهم مما يريد الله ~~إنزاله بهم من عقوبات الدنيا والآخرة. # PageV01P238 ### | قوله تعالى: (وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم) # النفش: الرعي ليلا. هذا قول شريح، وقال الزهري: النفش: العمل بالنهار ~~أيضا. # ومما يسأل عنه أن يقال: كيف أضاف الحكم إليهما. وإنما المتسبب فى الحكم ~~أحدهما؟ # والجواب أن المعنى: إذ أسرعا في الحكم من غير قطع به. ويجوز أن يكون ~~المعنى: إذ طلبا الحكم في الحرث، ولم يبتدأا به بعد، ويجوز أن يكون داود ~~عليه السلام حكم حكما معلقا بشرط يفعله معه. كل ذلك قد قيل. # * * * # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: ما الحرث الذي حكما فيه؟ # والجواب أن قتادة قال: كان زرعا وقعت فيه الغنم ليلا ورعته، وقال ابن ~~مسعود وشريح: كان كرما قد نبتت عناقيده. قال ابن مسعود: كان داود عليه ~~السلام حكم لصاحب الكرم بالغنم. فقال له سليمان عليه السلام: غير هذا يا ~~نبي الله، قال: وماذاك؟ قال: تدفع الكرم إلى صاحب الغنم فيقوم عليه حتى ~~يعود كما كان. وتدفع الغنم إلى صاحب الكرم فيصيب منها حتى إذا عاد الكرم ~~كما كان دفع كل واحد منهما إلى صاحبه. وفي هذه الآية دلالة على النظر ~~والاجتهاد. # * * * # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: كيف قال (وكنا لحكمهم) وهما اثنان؟ # وعن هذا جوابان: # أحدهما: أنه وضع ms132 الجمع موضع التثنية. والعرب تفعل ذلك وعليه قوله تعالي: ~~(فإن كان له إخوة فلأمه السدس). قال ابن عباس: أخوان فصاعدا. # PageV01P239 # وقال تعالى: (وألقى الألواح)، جاء في التفسير أنهما لوحان. # والثاني: أن يكون أدخل معهما المحكوم لهم. # والأول أولى؛ لأن المحكوم لهم، لم يحكموا وإنما حكم لهم. # وداود وسليمان عطف على قوله تعالى: (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا)، وكذلك ~~قوله: (ولوطا آتيناه) (ونوحا إذ نادى من قبل). # * * * ### | قوله تعالى: (وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات) # النون: الحوت، وجمعه نينان قياسا لا سماعا. # وذو النون: يونس بن متى عليه السلام، قال ابن عباس والضحاك: غضب على ~~قومه، وقيل: خرج قبل الأمر بالخروج على عادة الأنبياء عليهم السلام. # ومعنى (فظن أن لن نقدر عليه) أي: لن نضيق عليه، ومنه قوله تعالى: (ومن ~~قدر عليه رزقه). # PageV01P240 # أي: ضيق، وهو قول ابن عباس ومجاهد والضحاك، وقال تعالى: (يبسط الرزق لمن ~~يشاء ويقدر). والمعنى على هذا: فظن أن لن نضيق عليه فنادى في الظلمات أن لا ~~إله إلا أنت سبحانك. والظلمات هاهنا: ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن ~~الحوت. هذا قول ابن عباس وقتادة، وقال سالم بن أبي الجعد: كان حوت في بطن ~~حوت. # وقدر بعض السلف حذف حرف الاستفهام، كأنه قال: أفظن أن لن نقدر عليه، ~~وأنكره علي بن عيسى، وقال لا يجوز حذف حرف الاستفهام من غير دليل عليه، ~~وقال الأصمعي: ما حذفت ألف الاستفهام إلا وعليها دليل، وقد جاء حذفها على ~~خلاف ما قال، أنشد النحويون لعمر بن أبي ربيعة: # ثم قالو تحبها قلت بهرا ... عدد النجم والحصى والتراب # أي: أتحبها؟ # وروي عن الشعبي وسعيد بن جبير أنهما قالا: خرج مغاضبا لربه، وهذا القول ~~مرغوب عنه، لا يجوز مثل هذا على نبى من أنبياء الله تعالى، وقال بعضهم: غضب ~~لما عفا الله عنهم إذ آمنوا، وهذا القول أيضا لا يصح، لأنه يؤدي إلى ~~الاعتراض على الله تعالى فيما فعله، وأشد من هذا ما رواه بعضهم من أن ms133 ~~المعنى في قوله: (فظن أن لن نقدر عليه) ظن أننا نعجز عنه، وهذا كفر، فمن ظن ~~أن الله تعالى لا يقدر عليه، لا يجوز هذا كله على أنبياء الله تعالى. # وفى هذه الآية دلالة على أن الصغائر تجوز على الأنبياء علهم السلام، وهم ~~معصومون عن الكبائر، ومعصومون عن الكبائر والصغائر في حال الرسالة. # وكان بقاء يونس عليه السلام في بطن الحوت حيا معجزة له. # PageV01P241 # وقيل في قوله (إني كنت من الظالمين) معناه: من الظالمين لنفسي في خروجي ~~عن قومي قبل الإذن. # ومغاضب: اسم الفاعل من غاضب، و (فاعل) في غالب الأمر إنما يكون من اثنين. ~~نحو: قاتلته وصارمته، إلا أن (مغاضبا) هاهنا من باب: عاقبت اللص وعافاه ~~الله وطارقت النعل. وما أشبه ذلك في أنه من واحد. # * * * ### | قوله تعالى: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون (98)) # قال ابن عباس: حصب جهنم وقودها، وقال مجاهد: حطبها. وقال الضحاك: يرمون ~~فيها كما يرمى بالحصباء، وقيل: الحصب كل ما ألقي في النار. # حدثني أبي عن عمه إبراهيم بن غالب عن القاضي منذر بن سعيد عن أبي النجم ~~عصام بن منصور عن أبي بكر عبد الله بن عبد الرحيم حدثنا أبو محمد عبد الملك ~~بن هشام حدثنا زياد بن عبد الله البكاي عن محمد بن إسحاق قال: جلس رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مع الوليد بن المغيرة في المسجد، فجاء النضر بن ~~الحارث حتى جلس معه، وفي الجلس غير واحد من رجال قريش، فتكلم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فعرض له النضر بن الحارث، فكلمه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى أفحمه ثم تلا عليه وعليهم: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ~~أنتم لها واردون) الآية، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل عبد ~~الله بن الزبعرى حتى جلس، فقال له الوليد بن المغيرة: والله ما قام النضر ~~بن الحارث لابن عبد المطلب آنفا ولا قعد، وقد زعم محمد أنا وما نعبد من ms134 ~~آلهتنا هذه حصب جهنم، فقال عبد الله بن الزبعرى: والله لو وجدته لخصمته، ~~فاسألوا محمدا: أكل ما نعبد من دون الله في جهنم مع من عبده. فنحن نعبد ~~الملائكة واليهود تعبد عزيرا والنصارى تعبد عيسى ابن مريم عليه السلام، ~~فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول عبد الله بن الزبعرى، ورأوا أنه ~~قد احتج وخاصم، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عليه السلام ~~(من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده في النار، إنما يعبدون ~~الشياطين ومن أمرتهم بعبادته). # PageV01P242 # فأنزل الله تعالى عليه (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ~~(101) لا يسمعون حسيسها) الآية. أي: عيسى وعزير ومن عبدوا من الأحبار ~~والرهبان الذين مضوا على طاعة الله فاتخذهم من يعبدهم من أهل الضلالة ~~أربابا من دون الله، فنزل فيما ذكروا أنهم يعبدون الملائكة وأنها بنات ~~الله: (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون) إلى قوله (ومن يقل ~~منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين (29))، ونزل فيما ~~ذكر من أمر عيسى عليه السلام. وأنه يعبد من دون الله. وعجب الوليد ومن حضر ~~من حجة عبد الله الزبعرى وخصومته (ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه ~~يصدون)، أي: يصدون عن أمرك. ثم ذكر عيسى، فقال: (إن هو إلا عبد أنعمنا ~~عليه)، إلى آخر القصة، قال أبو ذؤيب في الحصب: # فأطفء ولا توقد ولا تك محصبا ... لنار العداة أن تطير شكاتها # * * * ### | قوله تعالى: (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب) # الطي: نقيض النشر. واختلف في السجل: # فقيل: الصحيفة تطوى على ما فيها من الكتابة، وهو قول ابن عباس ومجاهد. # وقال ابن عمرو والسدي: السجل ملك يكتب أعمال العباد. # وروي عن ابن عباس من جهة أخرى أن السجل كاتب كان للنبي صلى الله عليه ~~وسلم. # قرأ عاصم وحمزة من طريق حفص والكسائي (للكتب)، وقرأ الباقون (للكتاب). # PageV01P243 # ويختلف حكم " اللام " في قوله: (للكتاب) و (للكتب) بقدر اختلاف العلماء ~~في معنى ms135 (السجل): # فعلى مذهب من جعل (السجل) ملكا وكاتبا ف (اللام) يتعلق بنفس (طي)، لأن ~~الكتب مفعولة في المعنى، وذلك أن التقدير: كما يطوي السجل الكتاب أو الكتب، ~~وهذا كقولك: كضرب زيد لعمرو وأما على مذهب من جعل (السجل) الصحيفة فتحتمل ~~(اللام) وجهين: # أحدهما: أن يكون الكتاب بمعنى الكتابة، والتقدير: يوم نطوي السماء كطي ~~السجل للكتابة التي فيه، أي: من أجلها؛ ليصونها الطي، وهذا كما تقول: فعلت ~~ذلك لعيون الناس، أي: من أجل عيون الناس. # والثاني: أن تعلقها ب (نطوي) فيكون التقدير: يوم نطوي السماء للكتاب ~~السابق بأنها تطوى كطي السجل. أي: كطي الصحيفة على ما فيها. # * * * # PageV01P244 ### | ومن سورة (الحج) ### | قوله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم (1) # الزلزلة: شدة حركة الأرض. وزعم بعضهم: أن الأصل في (زلزل): زل، فضوعف ~~للمبالغة، وأهل البصرة يمنعون من ذلك يقولون (زل) ثلاثي. و (زلزل) رباعي، ~~وإن اتفق بعض الحروف في الكلمتين، لأنه لا يمتنع مثل هذا، ألا ترى أنهم ~~يقولون: دمث ودمثر، وسبط. وسبطر، وليس أحدهما مأخوذا من الآخر، وإن كان ~~معناهما واحدا، لأن الزاي ليست من حروف الزيادة. # والساعة: كناية عن القيامة. # والعظيم: نقيض الحقير. # والذهول: الذهاب عن الشيء دهشا وحيرة، قال الشاعر: # صحا قلبه يا عز أو كاد يذهل # والحمل: بفتح الحاء، ما كان في البطن، والحمل: بالكسر ما كان على ظهر أو ~~رأس، أما ما كان على الشجرة فقد جاء فيه الفتح والكسر: فمن فتح فلظهوره عن ~~الشجرة بالماء الذي يصيبها كظهور الولد عن المرأة بماء الرجل، ومن كسر ~~فلأنه شيء ظاهر عليها كظهور ما يكون على الظهر أو الرأس. # قال الشعبي وعلقمة: الزلزلة من أشراط الساعة في الدنيا، وروى الحسن في ~~حديث يرفعه: أن زلزلة الساعة يوم القيامة. # قال الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام. وتضع ما في بطنها لغير ~~تمام، وتراهم سكارى من الفزع وما هم بسكارى من شرب الخمر. # والفرق بين المرضع والمرضعة: أن المرضع التي أرضعت وانقطع رضاعها. ~~والمرضعة هي التي ترضع ms136 ولم ينقطع رضاعها. # PageV01P245 # قال امرؤ القيس في المرضع: # فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع ... فألهيتها عن ذي تمائم محول # إنما خصت التي في حال رضاعها بظهور التأنيث فيها؛ لأنه جار على الفعل، ~~نحو: أرضعت فهي مرضعة، والثاني إنما هو على طريق النسب. أي: ذات رضاع، ~~ويقال: رضاع ورضاع ورضاعة ورضاعة. ويقال: رضع بكسر الضاد وهي الفصحى، ~~ويقال: رضع بالفتح، وينشد هذا البيت على اللغتين: # وذموا لنا الدنيا وهم يرضعونها ... أفاويق حتى ما يدر لها ثعل # ويقال: سكارى وسكارى وهو الباب. # وقرأ بعضهم (سكرى) شبهه بصريع وصرعى، ذلك أن السكران مشرف على الهلكة، ~~وباب (فعلى) مرضوع لهذا نحو: قتلى وصرعى وزمنى وهلكى. # وقوله: (يا أيها الناس): # يا: حرف نداء، وهو نائب عن الفعل الذي هو (أدعو) و (أنادي)، واختلف قول ~~أبي علي فيه: فمرة جعل فيه الضمير الذي كان في (أدعو وأنادي)، ومرة قال لا ~~ضمير فيه، وهو الوجه؛ لأن الحروف لا يضمر فيها. # وأي: منادى مفرد مبني على الضم، وكذا حكم كل منادى مفرد معرفة. # PageV01P246 # وإنما بني لأنه أشبه المضمر من ثلاث جهات: # أحدها: أنه مخاطب، والمخاطب لا يكون إلا مضمرا " كافا " أو " تاء ". # والثانية: أنه معرفة كما أن المضمر لا يكون إلا معرفة. # والثالثة: أنه مفرد أي غير مضاف، كما أن المضمر لا يضاف. # فمتى سقطت واحدة من هذه الخصال أعرب المنادى. # و (ها): عوض من قطع الإضافة عن (أي)؛ لأنها لا تكون أبدا في غير هذا ~~المرضع إلا مضافة لفظا أو معنى، لأنها تدل على بعض الشيء، وبعض الشيء مضاف ~~إلى جميعه. # واشتقاقها من (أوي)، ففعلوا بها ما فعلوا ب (طي) و (لي)، وأصلها (طوي) و ~~(لوي)، وكذا الأصل فى (أي) (أوي). والاشتقاق في الأسماء المبهمة عزيز لا ~~يكاد يوجد منه إلا حروف يسيرة لإيغالها في شبه الحرف، والحرف غير مشتق نحو: ~~من وإلى وهل وما أشبه ذلك. # و (الناس) نعت ل (أي) لا يستغني عنه؛ لأنه المنادى في المعنى، وإنما ~~جاءوا ب (أي) ليتوصلوا بها إلى نداء ما ms137 فيه الألف واللام، وكان أبو الحسن ~~الأخفش يقول في (الناس) وما يجري مجراه: هو صلة ل (أي). # وأجمع النحويون على الرفع في (الناس) إلا المازني، فإنه أجاز النصب وشبهه ~~بقولك: يا زيد الظريف، حمله على (أي)، وهذا غير مرض منه؛ لأن (الظريف) نعت ~~يستغنى عنه. وليس كذلك (الناس). # و (الألف واللام) في (الناس) للعهد، وقيل للجنس، وتأول على قول سيبويه: ~~أنهما بدل من الهمزة؛ لأن الأصل (أناس) فحذفت الهمزة، وجعلت " الألف واللام ~~" عوضا منها، وقال الفراء: الأصل (الأناس) فألقيت حركة الهمزة على " اللام ~~" وحذفت، فصار (الناس) فاجتمع المتقاربان فأسكن الأول وأدغم في الثاني، ~~وقال الكسائي: يقال يا ناس وأناس، فالألف واللام دخلتا على " ناس ". # PageV01P247 # فمن قال: " أناس " أخذه من الأنس أو الإنس، وهو (فعال). ومن قال: (ناس) ~~أخذه من ناس ينوس إذا ذهب وجاء، ومنه قيل: ذو نواس لذؤابة كانت عليه، ويجوز ~~أن يكون من ناس في المكان إذا أقام فيه، وإن كان (الناووس) عربيا كان مشتقا ~~من هذا. وقال ابن الأنباري هو من (نسيت) والأصل فيه (نسي) ثم قلب فصار ~~(نيسا) فقلبت الياء ألفا، لتحركها وانفتاح ما قبلها، فقيل (ناس). ويبطل هذا ~~بقول العرب في تصغيره (نويس) ولم يقولوا (نييس) ولا (نسي). # والعامل في (يوم ترونها) " تذهل " أي: تذهل كل مرضعة عما أرضعت وفي يوم ~~ترونها. # * * * ### | قوله تعالى: (كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله) # الهاء في (عليه) تعود إلى الشيطان. # ويسأل عن قوله: (فأنه يضله)، لم فتحت (أن)؟ # وفيه جوابان: # أحدهما: أنه عطف على الأولى للتوكيد، والمعنى: كتب عليه أنه من تولاه ~~يضله، وهذا قول الزجاج، وفيه نظر لأن الأكثر في التوكيد إسقاط حرف العطف، ~~إلا أنه يجوز كما يجوز (زيد) فأفهم في الدار. # والثاني: أن يكون المعنى: فلأنه يضله. # * * * ### | قوله تعالى: (ومن الناس من يعبد الله على حرف) # PageV01P248 # الحرف: الطرف، والاطمئنان: التمكن، والفتنة: هاهنا: المحنة. والانقلاب: ~~الرجوع، والخسران: ضد الربح. # والمولى في الكلام على تسعة أوجه: # المولى: السيد، والمولى: العبد، والمولى: المنعم، والمولى: المنعم عليه، ~~والمولى: ابن ms138 العم، والمولى: واحد الموالي وهم العصبة، والمولى: الولي، ~~والمولى: الصهر، والمولى: الأولى، من قوله تعالى: # (هي مولاهم) أي: أولى بهم، والمولى: الخليف. # وقيل المولى هاهنا: الولي والناصر، والعشير: الصاحب المعاشر. # قال أبو عبيدة في قوله تعالى: (ومن الناس من يعبد الله على حرف)، أي: ~~شاكا، وأصل الحرف: الطرف، ومن كان متطرفا لم يطمئن ولم يثبت وكذلك هذا إنما ~~عبد الله على ضعف في العبادة كضعف القائم على حرف، لأنه لم يتمكن في الدين. # * * * # فصل: # ويسأل عن قوله تعالى: (يدعو لمن ضره أقرب من نفعه)، لم دخلت هذه (اللام) ~~هاهنا، وأنتم لا تجيزون: ضربت لزيدا؟ # وفي هذا للعلماء ثلاثة أجوبة: # PageV01P249 # أحدها: أن في الكلام حذفا، تقديره: يدعو والله لمن ضره أقرب من نفعه، ~~فاللام على هذا جواب القسم المحذوف. # وجواب ثان: هو أن اللام فى موضعها، وفي الكلام تقديم وتأخير، والأصل: ~~يدعو من لضره أقرب من نفعه، وهذا أن (يدعو) معلقة؛ لأنها الذي ضره أقرب من ~~نفعه يدعو، ثم حذفت (يدعو) الأخيرة للاجتزاء بالأولى منهما، ولو قلت: يضرب ~~لمن خيره أكثر من شره يضرب، فحذفت الأخير لجاز، والعرب تقول: عندي لما غيره ~~خير منه، كأنه قال: للذي غيره خير منه عندي. ثم حذف الخبر في الثاني ~~والابتداء من الأول. كأنه قال عندي شيء غيره خير منه، وعلى هذا قالوا: ~~أعطيتك لما غيره خير منه، على حذف الخبر. # وقيل: المعنى لمن ضره أقرب من نفعه لا يجب أن يدعى، و (من) على هذا القول ~~والقول الذي قبله مبتدأ، والخبر محذوف، وعلى قول المبرد يكون موضعها نصبا ب ~~(يدعو). # وقد قيل: واللام زائدة. # * * * ### | قوله تعالى: (هذان خصمان اختصموا في ربهم) # يسأل عن قوله: (خصمان اختصموا)، كيف ثنى ثم جمع؟ # والجواب: أنه يراد بالخصمين هاهنا الفريقان من المؤمنين والكافرين ~~اختصموا في يوم بدر، وهذا قول # أبي ذر، وقال ابن عباس: الخصمان أهل الكتاب وأهل القرآن، وقال الحسن ~~ومجاهد وعطاء: المؤمنون # والكافرون. وهذا كقول أبي ذر إلا أن هؤلاء لم يذكروا يوم بدر. # ويجوز في ms139 الكلام: هذان خصم اختصموا، وهؤلاء خصم اختصموا، قال الله تعالى: ~~(وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب) وذلك أن الخصم مصدر يقع على الواحد ~~والاثنين والجماعة من المذكر والمؤنث، وهكذا حكم المصادر إذا وصف بها أو ~~أخبر بها، نحو: عدل ورضا وصوم وفطر وزود ودنف وحري وقمن وما أشبه ذلك. # وقيل: كان أحد الخصمين " حمزة " مع قوم من المؤمنين خاصموا قوما من أهل ~~بدر من المشركين. # PageV01P250 ### | قوله تعالى: (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق (27)) # الأذان: الإعلام، وأصل الحج: القصد، والضامر: المهزول، والفج: الثنية، ~~والعميق: البعيد. # والأيام المعلومات: عشر ذي الحجة، فأما المعدودات: فأيام التشريق، هذا ~~قول الحسن وقتادة، وسميت هذه معدودات لقلتها، وسميت تلك معلومات للحرص على ~~علمها بحسابها من أجل وقت الحج في آخرها. # والبهيمة: أصلها من الإبهام؛ وذلك أنها لا تفصح كما يفصح الحيوان الناطق. # والأنعام: الإبل خاصة، واشتقاقها من النعمة، وهي (اللين) سميت بذلك للين ~~أخفافها؛ لأنها ليست كذوات الحافر. وقد يجتمع معها البقر والغنم، ويسمى ~~الجميع أنعاما اتساعا، فإن انفردا لم يسميا أنعاما. # والبائس: الذي به ضر الجوع. والفقير: الذي لا شيء له، كأن الحاجة فقرت ~~ظهره. أي: كسرت فقاره، وفقار الظهر: الخرز التي تكون فيه، يقال: فقارة ~~وفقار وفقرة وفقر. # والتفث: مناسك الحج كلها، وهذا قول ابن عباس وابن عمر، وقيل: التفث: كشف ~~الإحرام وقضاؤه كحلق الرأس والاغتسال. # PageV01P251 # وقيل للبيت " عتيق "؛ لأنه أعتق من أن يملكه الجبابرة، وهو قول مجاهد. ~~وقيل: لأنه قديم، وهو أول بيت وضع للناس بناه آدم عليه السلام، وجدده ~~إبراهيم عليه السلام، وهو قول ابن زيد، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ~~هو أول بيت وضعت فيه البركة. # والطواف هاهنا طواف الإفاضة بعد التعريف إما يوم النحر وإما بعده وهو ~~طواف الزيارة. # ويسأل عن قوله تعالى: (وأذن في الناس بالحج)، علام يعود الضمير؟ # وفيه جوابان: # أحدهما: أنه يعود على " إبراهيم " قال ابن عباس: قام في المقام فقال: يا ~~أيها الناس إن ms140 الله دعاكم إلى الحج، فأجابوا بلبيك اللهم لبيك. # وقال الحسن: الضمير يعود على النبي عليه السلام. أي: وأذن يا محمد في ~~الناس بالحج، فأذن في حجة الوداع. # وقوله؛ (يأتوك رجالا)، أي: مشاة على أرجلهم، وهو جمع "راجل"، كصاحب ~~وصحاب، يدل على ذلك قراءة من قرأ (يأتوك رجالا). # (وعلى كل ضامر): أي على جمل ضامر، أي مهزول من السفر، وقال (يأتين)، لأن ~~كل ضامر في معنى الجمع، والجمع مؤنث، ويجوز أن يعني بالضامر هاهنا الناقة، ~~لأنه يقال: ناقة ضامر وضامرة وقد قرأ بعضهم (يأتون من كل فج عميق)، حمل على ~~المعنى، أي: يأتي ركاب كل ضامر من كل فج عميق. # PageV01P252 # قرأ الكسائي (ثم ليقضوا) بإسكان اللام، وهذه القراءة فيها بعد عند ~~البصريين من جهة إسكان " اللام ". لأن هذه " اللام " أصلها الكسر، وإنما ~~تسكن إذا وقع قبلها حرف يتصل بها كالواو والفاء كما يفعل ب، " هو " إذا ~~اتصلتا به. نحو: فهو وهو وما أشبه ذلك، فهذا مشبه بعضد في عضد، و (اللام) ~~معهما في نحو: فليقم وليخرج مشبهة بفخذ في فخذ وليست " ثم " كالفاء والواو؛ ~~لأنها حرف قائم بنفسه يجوز الوقوف عليه. ولا يجوز الوقوف على الواو والفاء، ~~إلا أن أبا علي اعتذر له بأن قال: " ثم " على ثلاثة أحرف ساكنة الأوسط ~~فكأنه وقف على الميم الساكنة المدغمة ثم ابتدأ (مليقضوا). # فأما في قوله (وليطوفوا) (وليوفوا) وما أشبه ذلك فإسكان اللام حسن جميل. ~~وكسرها جائز على الأصل. وكسر اللام في قوله (ثم ليقضوا) أقيس. والإسكان ~~يجوز على الوجه الذي ذكره أبو علي. # * * * ### | قوله تعالى: (فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها) # خاوية: خالية، وعروشها: سقوفها، هذا قول الضحاك، والمشيد: المجصص وهو ~~المبني بالشيد وهو الحجارة والجيار، قال قتادة: مشيد رفيع. قال عدي بن زيد: # شاده مرمرا وجلله كلسا ... فللطير في ذراه وكور # PageV01P253 # وقال آخر: # كحية الماء بين الطي والشيد # وقد عاب قوم من الملحدة قوله تعالى، (وبئر معطلة وقصر مشيد) وقالوا: ما ~~الفائدة في ذكر: بئر معطلة وقصر مشيد، ms141 وأبدوا فيه وأعادوا، وهذا لجهلهم ~~بجوهر الكلام وغامض المعاني وإشارة البلاغة، لأن الله تعالى ذكر هذا وما ~~أشبهه على طريق العظة ليعتبر بذلك، ألا تراه تعالى قال: (أفلم يسيروا في ~~الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها)، يريد: لو صاروا ~~لرأوا آثار قوم أهلكهم وأبادهم، وما زالت العرب تصف ذلك في خطبها ~~ومقاماتها، يروى عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه كان يقول في خطبته: ~~(أين بانو المدائن ومحصنوها بالحوائط، أين مشيدو القصور وعامروها، أين ~~جاعلو العجيب فيها لمن بعدهم. تلك منازلهم خاوية، وهذه منازلهم في القبور ~~خالية (هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا (98)). # وكان سلمان إذا مر بخراب قال: يا خرب الخربين أين أهلك الأولون؟ - قال ~~الأسود بن يعفر: # ماذا أؤمل بعد آل محرق ... تركوا منازلهم وبعد إياد # هل الخورنق والسدير وبارق ... والقصر ذي الشرفات من سنداد # أرضا تخيرها لدار أبيهم ... كعب بن مامة وابن أم دؤاد # جرت الرياح على مكان ديارهم ... فكأنما كانوا على ميعاد # نزلوا بأنقرة يسيل عليهم ... ماء الفرات يجيء من أطواد # فإذا النعيم وكل ما يلهى به ... يوما يصير إلى بلى ونفاد # ويروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه سمع رجلا ينشد هذه الأبيات ~~فتلا (كم تركوا من جنات وعيون (25) وزروع ومقام كريم (26) ونعمة كانوا فيها ~~فاكهين (27) كذلك وأورثناها قوما آخرين (28)). # PageV01P254 # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: علام عطف (وبئر معطلة وقصر مشيد)؟ # وفيه جوابان: # أحدهما: أن يكون معطوفا على قرية، فيكون المعنى: إهلاك القرية والبئر ~~المعطلة والقصر المشيد. # والثاني: أن يكون معطوفا على عروشها. فيكون المعنى: وكم من قرية أهلكناها ~~وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وعلى بئر معطلة وقصر مشيد. # قال المفسرون: تهدمت الحيطان على السقوف وتعطلت بئرها وقصرها المشيد. # والبئر: مؤنثة، وجمعها: آبار وأبؤر فى القلة، وفى الكثرة: بئار. # * * * ### | قوله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته) # التمني في الكلام على ثلاثة أضرب: ms142 # أحدها: التلاوة وشاهده الآية، وقال الشاعر: # تمنى كتاب الله أول ليله ... وآخره لاقى حمام المقادر # والثاني: ما يتمناه الإنسان من الأماني. # والثالث: الكذب ومنه قول عثمان: (والله ما تمنيت منذ أسلمت). ومر أعرابي ~~بابن داب وهو يحدث، فقال له: أهذا شيء سمعته أم تمنيته. # PageV01P255 # والأمنية في الآية: التلاوة. قال ابن عباس والضحاك وسعيد بن جبير ومحمد ~~بن كعب ومحمد بن قيس: نزلت هذه الآية لما تلا النبي صلى الله عليه وسلم: ~~(أفرأيتم اللات والعزى (19) ومناة الثالثة الأخرى (20)) " تلك الغرانيق ~~العلى وإن شفاعتهم لترتجى)، وكان هذا من إلقاء الشيطان (1). # ومما يسأل عنه أن يقال: كيف جاز عليه الغلط في تلاوته؟ # وفيه جوابان: # أحدهما: أنه كان على سبيل السهو الذي لا يعرى منه بشر، فنبهه الله تعالى ~~على ذلك. # والثاني: أنه إنما قاله في تلاوة بعض المنافقين عن إغواء الشيطان، فأوهم ~~أنه من القرآن. # وقوله: (من رسول ولا نبي) في موضع نصب، والمعنى: ما أرسلنا من قبلك رسولا ~~ولا نبيا، و (من) زائدة، ومثله: (فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب)، أي: ~~خيلا ولا ركابا. # * * * ### | قوله تعالى: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير (63)) # اللطيف: المحيط بتدبير دقائق الأمور، الذي لا يخفى عليه شيء يتعذر على ~~غيره، فهو لطيف لاستخراج النبات من الأرض بالماء، وابتداع ما يشاء، وقيل: ~~اللطيف الذي يلطف بعباده من حيث لا يحتسبون. # * * * # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: بم ارتفع (فتصبح الأرض مخضرة) وقبله استفهام، ~~وهلا انتصب على حد قولك: أفتأتني فأكرمك؟ PageV01P256 # والجواب: أنه خبر في المعنى، وإن خرج مخرج الاستفهام، كأنه قال: قد رأيت ~~أن الله تعالى ينزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة، وهو تنبيه على ما قد ~~كان رآه ليتأمل ما فيه. قال الشاعر: # ألم تسأل الربع القواء فينطق ... وهل تخبرنك اليوم بيداء سملق # ومعناه: سألته فنطق، وإن شئت قلت معناه: فهو ينطق، وكذا في الآية: فهي ~~تصبح. # * * * # PageV01P257 ### | ومن سورة (المؤمنون) ### | قوله تعالى: (وشجرة تخرج من طور ms143 سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين (20)) # طور سيناء: جبل بالشام، وهو الذي نودي منه موسى عليه السلام. وقال ابن ~~عباس ومجاهد: معناه جبل البركة، وقال الضحاك وقتادة: معناه الحسن، وقال ابن ~~الرماني: يجوز أن يكون رفيعا من (السناء)، وفي هذا القول نظرت لأنه جعله ~~(فيعالا). نحو: ديماس، وهذا الوزن منصرف، وسيناء غير منصرف، إلا أن للمحتج ~~له أن يقول: جعل اسما للبقعة وهو معرفة؛ فلم ينصرف لذلك، ولا يجوز أن تكون ~~همزته للتأنيث؛ لأن همزة التأنيث لا تدخل فيما كان على هذه البنية: مما ~~أوله مكسور، وإنما يكون هذا البناء ملحقا نحو: علباء وزيزاء وما أشبه ذلك. ~~ولا يوجد في الكلام مثل: حمراء بكسر الحاء، وهذا على قراءة نافع وأبي عمر ~~وابن كثير، لأنهم قرأوا بكسر السين، وقرأ الباقون بفتح السين، فعلى هذا ~~يجوز أن تكون همزته للتأنيث فيكون (سيناء) مثل (بيضاء)، وفيه لغة أخرى وهي: ~~طور سنين، وجاء القرآن باللغتين. # والأطوار: جبال بالشام طور سيناء وطور زيتاء وهما بأرض بيت المقدس. # وقرأ أبو عمرو وابن كثير (تنبت) بضم التاء. وقرأ الباقون بفتحها. # واختلف في هذه (الباء): # فقال قوم: يقال " نبت " و" أنبت " بمعنى، وأنشد الأصمعي لزهير: # رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم ... قطينا لهم حتى إذا أنبت البقل # PageV01P258 # فالباء على هذا لتعدي الفعل. # وقيل: الباء زائدة. والمعنى: تنبت الدهن كما قال الشاعر: # نحن بنو جعدة أصحاب الفلج ... نضرب بالسيف ونرجو بالفرج # أي: نرجو الفرج. # وقيل: " الباء " ليست بزائدة، والمفعول محذوف و" الباء " في موضع نصب على ~~الحال تقديره: # تنبت ثمرها بالدهن. أي: وفيه الدهن. كما قال الشاعر: # ومستنة كاستنان الخرو ... ف قد قطع الحبل بالمرود # أي: وفيه المرود. # فهذا على مذهب من ضم (التاء)، فأما من فتحها فيجوز فيه وجهان: # أحدهما: أن تكون للتعدي على حد قولك: ذهبت بزيد، وأنت تريد: أذهبت زيدا ~~فكأنه في التقدير: تنبت الدهن، ومثله: (ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة)، أي: ~~تنيء العصبة، وليس قول أبي عبيدة إنه مقلوب، وإن المعنى فيه: ما إن مفاتحه ~~لتنوء العصبة ms144 بها بشيء لأن هذا القلب إنما يقع من الضرورة نحو قول الشاعر: # كانت فريضة ما تقول كما ... كان الزناء فريضة الرجم # وكذا قول امرئ القيس: # PageV01P259 # يضيء الفراش وجهها لضجيعها ... كمصباح زيت في قناديل ذبال # أي: في ذبال قناديل. # والثاني: أن تكون " الباء " في موضع نصب على الحال، والتقدير: # تنبت وفيها الدهن، أي: تنبت دهنة. ومثله: خرج بثيابه، والمعنى: خرج لابسا ~~ثياب، وهو فى الكلام كثير. # * * * ### | قوله تعالى: (هيهات هيهات لما توعدون (36)) # معنى هيهات: بعد. والتقدير: بعدا لما توعدون. وهو صوت مثل: صه ومه، وهذه ~~الأصوات إنما تأتي في الأغلب في الأمر والنهي، إلا أن هذا جاء في الخبر، ~~ونظيره (شتان ماهما) أي: بعد بعضهما من بعض جدا. # وهذه الأصوات كلها مبنية لإيغالها في شبه الأفعال، وإنما جعلت هكذا ~~للإفهام بها كما تفهم البهيمة بالزجر. # قال ابن عباس: المعنى في (هيهات) - بعد بعيد، والعرب تقول: هيهات لا تبغي ~~وهيهات منزلك، قال جرير: # فأيهات أيهات العقيق ومن به ... وأيهات وصل بالعقيق نواصله # ويقال: هيهات وأيهات. وفي (هيهات) لغات: منهم من يقول: هيهات هيهات على ~~أنه واحد، واختلف في الوقف عليها، فاختار الكسائي الوقف بالهاء؛ لأن التاء ~~زائدة، واختار الفراء الوقف بالتاء. لأن قبلها ساكنا فصارت كتاء (بنت) و ~~(أخت). # والثانى: أن من العرب من يقول: هيهات هيهات بالضم. # PageV01P260 # والثالث: أن منهم من يقول: هيهات هيهات بالكسر. # والوقف على هذين الوجهين بالتاء؛ لأنها بمنزلة التاء في مسلمات، وهي " ~~تاء " جمع، وليس " هيهات " على هذه اللغة واحدا. # ومن العرب من ينون فيقول: هيهاتا. وهيهات، وهيهات، وكذلك قال الزجاج ~~وغيره. والفرق بين التنوين وحذفه: أن من نون جعل هذه الأسماء نكرة، ومن لم ~~ينون جعلها معرفة، والتنوين يدخل في الأصوات للفرق بين المعرفة والنكرة، ~~نحو: إيه وإيه،: غاق وغاق في حكاية صوت الغراب، وكذلك: ماء ماء في حكاية ~~صوت الشاء. # ومن العرب من يقول: هيهاه هيهاه. بالهاء. # وموضع (لما توعدون) رفع؛ لأن المعنى: بعد ما توعدون. # * * * ### | قوله تعالى: (ثم أرسلنا رسلنا تترا) # معنى تترى: يتبع ms145 بعضهم بعضا، كذا قال ابن عباس ومجاهد وابن زيد. # وأصلها من " المواترة ". وكان قبل القلب (وترى) فأبدل من الواو تاء؛ لأن ~~التاء أجلد من الواو وأقوى، كما فعلوا في: تخمة وتهمة لأنهما من الوخامة ~~والوهم، وكذلك تجاه وتراث وتولج وما أشبه ذلك. # والعرب تختلف في (تترى): # فمنهم من ينونها فيقول (تترا) وهي قراءة أبي عمرو وابن كثير، والألف على ~~هذا للإلحاق بمنزلة (علقى) الملحق بجعفر. و (أرطا) في أحد القولين. والأصل ~~" تتري " فقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ومن كانت هذه لغته لم ~~يمل. # PageV01P261 # ومنهم من يقول: (تترى) بغير تنوين، يجعل الألف للتأنيث، وبذلك قرأ ~~الباقون. ومنهم من يميل، لأنها ألف تأنيث بمنزلة الألف التي في غضبى وسكرى، ~~ومنهم لا يميل على الأصل. # * * * ### | قوله تعالى: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا) # الطيبات هاهنا: الحلال. وقيل: الطيبات ما يستلذ. فعلى الوجه الأول يكون ~~أمرا واجبا، وعلى الثاني يكون أمرا على طريق الإباحة. # والأصل في (كلوا) (أؤكلوا)، فكره اجتماع همزتين، فحذفت الثانية ~~استثقالالها؛ لأن الثقل بها وقع، فوليت همزة الوصل متحركا فحذفت للاستغناء ~~عنها. # واختلف في قوله: (يا أيها الرسل): # فقيل: هو خطاب لعيسى عليه السلام، وهو خطاب لواحد، كما تخاطب الواحد ~~مخاطبة الجمع: # نحو قولك للواحد: يا أيها القوم كفوا عنا أذاكم. # وقيل هو للحكاية لما قيل لجميع الرسل. # * * * # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: ما موضع (أن) من قوله (وأن هذه أمتكم أمة)؟ # وفيها جوابان: # PageV01P262 # أحدهما: أن موضعها نصب، والتقدير: ولأن هذه أمتكم، فهي مفعول له. # والثاني: أن موضعها جر على العطف على قوله (بما تعملون). # وفي قوله (وأنا ربكم) تقوية لقول سيبويه في قوله: (أن الله بريء من ~~المشركين ورسوله): عطفه على موضع (أن)، وموضع الدليل من هذه الآية: أن ~~(أنا) من ضمانر الرفع، وقد عطفه على (أن) على مذهب من جعلها في موضع نصب. # ونصب (أمة واحدة) على الحال، والكوفيون يسمون الحال " قطعا "، وربما ~~قالوا: نصب على الاستغناء. # واختلف في الأمة هاهنا: # فقيل: الأمة الملة. ms146 وهو قول الحسن وابن جريج، أي: دينكم دين واحد، والأمة ~~قد تقع على الدين، نحو قوله (وجدنا آباءنا على أمة) أي: على دين، قال ~~النابغة: # حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع # وقيل: الأمة هاهنا الجماعة، والمعنى: جماعتكم جماعة واحدة في الشريعة، ~~والجماعة تسمى أمة. # نحو قوله تعالى (وجد عليه أمة من الناس يسقون). # PageV01P263 # والأمة في غير هذا المكان: الحين، ومنه (وادكر بعد أمة). # والأمة: الرجل العالم المنفرد، نحو قوله: (إن إبراهيم كان أمة). # والأمة: القرن من الناس وغيرهم، نحو قوله تعالى: (أمم أمثالكم). # والأمة: القامة، نحو قول الشاعر: # وإن معاوية الأكرمي ... ن حسان الوجوه طوال الأمم # * * * ### | قوله تعالى: (ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون (76)) # اختلف في (استكانوا): # فقيل: هو " استفعل " من الكون. والمعنى: ما طلبوا الكون على صفة الخضوع. # وقيل: هو من " السكون "، إلا أن الفتحة أشبعت فنشأت منها ألف، فصار " ~~استكانوا "، وهو # على هذا القول " افتعلوا ". أي: استكنوا، قال الشاعر في إشباع الفتحة: # وأنت من الغوائل حين ترمى ... ومن ذم الرجال بمنتزاح # أي: بمنتزح، وقال عنترة: # ينباع من ذفرى غضوب جسرة ... زيافة مثل الفنيق المكرم # يريد: ينبع، فأشبع الفتحة على ما قدمنا. # * * * ### | قوله تعالى: (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون (99)) # PageV01P264 # يسأل: لم جاز (ارجعون) بلفظ الجمع؟ # وفيه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أنه استغاث أولا بالله تعالى واستعان به. ثم رجع إلى مسألة ~~الملائكة في الرجوع إلى الدنيا. # هذا القول رواه ابن جريج. # والثاني: أن العظماء يخبرون عن أنفسهم كما تخبر الجماعة، فخوطبوا كما ~~تخاطب الجماعة. # والثالث: أنه جمع الضمير ليدل على التكرار، فكأنه قال: رب ارجعن ارجعن ~~ارجعن، وهذا قول المازني. # * * * # PageV01P265 ### | ومن سورة (النور) ### | قوله تعالى: (سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات) # في " السورة " للعلماء أقوال: # أحدها: أنها مأخوذة من سور البناء، وهي ارتفاعه، وقيل هو ساف من أسوافه. ~~فعلى القول الأول تكون تسميتها بذلك لارتفاعها في النفوس، وعلى القول ~~الثاني تكون تسميتها بذلك لأنها قطعة من القرآن. # وقيل: السورة ms147 الشرف والجلالة، قال النابغة # ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب # فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب # وقيل: أصلها الهمزة واشتقاقها من (أسأرت) إذا أبقيت في الإناء بقية، ومنه ~~الحديث: (إذا شربتم فأسئروا)، إلا أنه اجتمع على تخفيفها كما اجتمع على ~~تخفيف " برية " و " روية "، وهما من: برأ الله الخلق وروأت في الأمر. # وأصل الفرض: الحز، ثم اتسع فيه فجعل في موضع الإيجاب. # والرأفة: التحتن والتعطف، يقال: رأفة ورآفة. # والطائفة هاهنا: رجلان فصاعدا. وهو قول عكرمة. وقيل: ثلاثة فصاعدا، وهو ~~قول قتادة والزهري، وقيل: أقله أربعة، وهو قول ابن زيد. # واختلف فى قوله (فرضناها): # فقيل: معناه فصلنا فيها فرائض مختلفة، كما تقول: فرضت له كذا، أي جعلت له ~~نصيبا منه. # PageV01P266 # وقيل: أوحيناها عليكم وعلى من بعدكم إلى يوم القيامة. # * * * # فصل: # ومما يسأل عنه قوله: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ~~ينكحها إلا زان أو مشرك)؟ # وفي هذا أجوبة: # أحدها: أنها نزلت على سبب، وهو أن رجلا من المسلمين استأذن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في أن يتزوج " أم مهزول "، وهي امرأة كانت تسافح ولها راية ~~على بابها تعرف بها، فنزلت هذه الآية، وهذا قول عبد الله بن عباس وابن عمر، ~~قال مجاهد والزهري وشعبة وقتادة والشعبي: حرم الله تزويج أصحاب الرايات. # والثاني: أن النكاح هاهنا الجماع، والمعنى: أنهما اشتركا في الزنا فهي ~~مثله، وهذا قول الضحاك وابن زيد وسعيد بن جبير، وروي مثل ذلك عن ابن عباس ~~في أحد قوليه. # والثالث: أن هذا الحكم كان في كل زان وزانية ثم نسخ بقوله: (وأنكحوا ~~الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم)، وهو قول سعيد بن جبير، ووجه ~~هذا: أن يكون قوله (الزاني لا ينكح إلا زانية) خبرا وفيه معنى التحذير، ~~فكأنه نهي في المعنى، ثم نسخ، وإنما احتيج إلى هذا التأويل من قبل أن النسخ ~~لا يصح في الأخبار. وإنما يصح في الأوامر والنواهي. # وسأل عن قوله تعالي: (سورة) بم ارتفع؟ ms148 # والجواب: أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذه سورة، ولا يجوز أن يكون مبتدأ، ~~لأنها نكرة ولا يبتدأ بالنكرة حتى توصف، وإن جعلت (أنزلناها وفرضناها) صفة ~~لها بقي المبتدأ بلا خبر، هذا قول أكثر العلماء. # PageV01P267 # ويجوز عندي أن تكون مبتدأة على إضمار الخبر، والتقدير: فيما يتلى عليكم ~~سورة أنزلناها، ولا يجوز أن نقدر هذا الخبر متأخرا، لأن خبر النكرة يتقدم ~~عليها، نحو قولك: في الدار رجل، وله مال، ولا يحسن: رجل في الدار، ومال له، ~~وإنما قبح ذلك لقلة الفائدة. # وقرأ عيسى بن عمر (سورة أنزلناها) على إضمار فعل يفسره (أنزلناها)، ~~والتقدير: أنزلنا سورة أنزلناها، إلا أن هذا الفعل لا يظهر، لأن الظاهر ~~يكفي منه. # وقوله (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما) مبتدأ. والخبر محذوف، ~~والتقدير: فيما عليكم الزاني والزانية فاجلدوا كل واحد منهما، هذا قول ~~سيبويه، وتلخيصه: أن المعنى: فيما يتلى عليكم حكم الزانية والزاني فاجلدوا؛ ~~وإنما احتيج إلى هذا التقدير لأن المتلو إنما هو حكمهما لا أنفسهما. # والفاء دخلت في قوله (فاجلدوا) جوابا لما في الكلام من الإبهام؛ إذ لا ~~يقصد بها زانية بعينها ولا زان بعينه ولذلك رفعا. # ويجوز النصب على وجهين: # أحدهما: إضمار فعل يدل عليه (فاجلدوا). # والثاني: أن يكون منصوبا ب (اجلدوا) على تقدير زيادة الفاء، كما تقول: ~~زيدا فاضرب. # قرأ ابن كثير (فرضناها) بالتشديد و (رأفة) بفتح الهمزة. وقرأ الباقون ~~بالتخفيف وإسكان الهمزة، التشديد للمبالغة. وأما فتح الهمزة وإسكانها ~~فلغتان. # * * * ### | قوله تعالى: (الخبيثات للخبيثين) # PageV01P268 # الخبيث: نقيض الطيب. # واختلف في معنى قوله (الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات ~~للطيبين): فقال ابن عباس والضحاك ومجاهد والحسن: الخبيثات من الكلم ~~للخبيثين من الرجال. والخبيثون من الرجال للخبيثات من الكلم، والطيبات من ~~الكلم للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من الكلم. # وقال ابن زيد: الخبيثات من السيئات للخبيثين من الرجال، والخبيثون من ~~الرجال للخبيثات من السيئات، والطيبات من الحسنات للطيبين من الرجال، ~~والطيبون من الرجال، للطيبات من الحسنات. وقيل: الخبيثات من النساء ~~للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات ms149 من النساء والطيبات من ~~النساء للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء. # ثم جمع ذلك في قوله (أولئك مبرءون مما يقولون) فرد الضمير على الطيبات ~~والطيبين. # وقال الفراء (أولئك مبرءون مما يقولون) يعني به عائشة رضي الله عنها ~~وصفوان بن المعطل، وهو بمنزلة قوله تعالى: (فإن كان له إخوة) والأم تحجب ~~بالأخوين، فجاء على تغليب لفظ الجمع. # * * * ### | قوله تعالى: (الله نور السماوات والأرض) # النور: الضياء، ونقيضه الظلمة، والمشكاة الكوة في الحائط يوضع عليها ~~زجاجة ثم يكون المصباح خلف تلك الزجاجة، ويكون للكوة باب آخر يوضع المصباح ~~فيه. # ويقال: زجاجة وزجاجة وزجاجة. # PageV01P269 # والمصباح: مفعال من الصبح. ويقال: مصبح كمفتاح ومفتح. # واختلف في معنى قوله تعالى: (الله نور السماوات والأرض): فقيل: منورهما ~~بالشمس # والقمر والنجوم، وهذا قول ابن عباس وأبي العالية والحسن. # وقيل: هادي أهل السماوات والأرض، وهذا أيضا يروى عن ابن عباس. # وفي تقدير قوله: (نور السماوات والأرض) من جهة الإعراب وجهان: # أحدهما: أن يكون على حد المضاف، تقديره: ذو نور السماوات والأرض. ثم حذف ~~على حد قوله (ولكن البر) وقوله (إنه عمل غير صالح). # والثاني: أن يكون مصدرا وضع موضع اسم الفاعل. كما قال تعالى: (قل أرأيتم ~~إن أصبح ماؤكم غورا) أي: غائرا. وكما قالت الخنساء: # ترتع ما غفلت حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار # ويسأل عن الضمير في قوله: (مثل نوره) علام يعود؟ # وفيه أجوبة: # أحدها: أنه يعود على اسم الله عز وجل، وهو قول ابن عباس، وفي هذا ~~تقديران: # أحدهما: أن يكون على معنى: مثل نوره الذي جعله في قلب المؤمن كمشكاة ~~صفتها كذا وكذا، فأضاف النور إلى نفسه، كما يقال بيت الله، وناقة الله، ~~للتعظيم لهما. # PageV01P270 # والثاني: أن يكون نور المصباح أعظم نور يعرفه الناس، فضرب الله تعالى ~~المثل به، وشبه نوره بأعظم نور يعرفه الناس؛ لأنه تعالى خاطب العرب على قدر ~~ما يفهمون. # وقال الحسن المعنى: مثل نور القرآن في القلب كمشكاة؟. # ويروى عن ابن عباس أيضا: أن النور هاهنا (الطاعة) أي: مثل ms150 طاعة الله في ~~قلب المؤمن. # وقيل: يعود الضمير على النبي صلى الله عليه، أي: مثل نور النبي في ~~المؤمنين. # واختلف في قوله: (لا شرقية ولا غربية): # فقال ابن عباس: لا شرقية تشرق عليها الشمس فقط، ولا غربية تغرب عليها ~~الشمس فقط، بل هي شرقية غربية؛ لأنها أخذت بحظها من الأمرين. وروي عنه أيضا ~~أنه قال: هي وسط الشجر. # وروي عن قتادة: أنها ضاحية للشمس. # وقال الحسن: ليس من شجر الدنيا، فتكون شرقية أو غربية. # وقوله تعالى: (نور على نور)، أي: نور هدى التوحيد على نور الهدى بالقرآن، ~~وقيل: نور على نور يضيء بعضه بعضا. وهو قول زيد بن أسلم. # قرأ نافع وابن عامر وابن كثير وعاصم من طريق حفص (دري) بضم الدال، نسبوه ~~إلى (الدر) في صفائه وبياضه. وقرأ أبو عمرو والكسائي (دريء) بكسر الدال ~~والهمز، أخذه من (الدرء) وهو الدفع. كأنه يدفع الظاهر بنوره، وقرأ حمزة ~~وعاصم من طريق أبي بكر (دريء) بضم الدال والهمزة، وفى هذه القراءة نظر؛ لأن ~~(فعيلا) في الكلام لم يأت منه سوى (مريق) وهو بناء شاذ. # PageV01P271 # وقرأ عاصم وحمزة من طريق أبي بكر (توقد) بضم التاء والقاف مخففة. أعاد ~~الضمير على الزجاجة، وقرأ أبو عمرو وابن كثير (توقد) بفتح التاء والقاف ~~والدال، أعاد الضمير على المصباح، وجعلا الفعل ماضيا، وقرأ نافع وابن عامر ~~وحفص عن عاصم (يوقد) بالياء مخففا، أعادوا الضمير على المصباح أيضا، وجعلوا ~~الفعل مستقبلا لما يسم فاعله. # واختلف في المشكاة: # فقيل: هي رومية معربة. # قال الزجاج: يجوز أن تكون عربية؛ لأن في الكلام مثل لفظها (شكوة) وهي ~~قرية صغيرة، فعلى هذا تكون (مشكاة) (مفعلة) منها، وأصلها: مشكوة. فقلبت ~~الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها. # * * * ### | قوله تعالى: (أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج) # اللجة: معظم البحر الذي لا يرى له ساحل. # ومعنى الآية: أن أعمال الذين كفروا كسراب بقيعة في أنه يظن شيئا وليس ~~بشيء، وهذا من التشبيه المعجز؛ لأنه تشبيه ما له حقيقة بما ليس له حقيقة، ~~لما كان عاقبة ms151 ما له حقيقة إلى لا شيء. # (أو كظلمات) في أن أعمالهم مظلمة، وبالغ الله تعالى في صفة هذه الظلمات ~~لكثرة حيرة الذين كفروا في أعمالهم وجهلهم. # واختلف العلماء في قوله (إذا أخرج يده لم يكد يراها): # فقال الجمهور من العلماء المعنى: لا يراها ولا يقارب رؤيتها؛ لأن دون هذه ~~الظلمة لا يرى فيها # PageV01P272 # وقال بعضهم: يراها بعد جهد ومشقة رؤية تخيل لصورتها؛ لأن حكم (كاد) إذا ~~لم يدخل عليها حرف نفي أن تكون نافية. وإن دخلها حرف نفي دلت على أن الأمر ~~وقع بعد بطء؛ فالأول كقوله تعالي: (يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار)، فهذا نفي ~~إلا أنه قارب ذلك، وقال: (فذبحوها وما كادوا يفعلون)، والمعنى فعلوا بعد ~~بطء. # وقيل: " كاد " هاهنا دخلت للنفي كما يدخل الظن بمعنى اليقين. قال الحسن: ~~لم يرها ولم يقارب الرؤية. قال الشاعر: # ما كدت تعرف إلا بعد إنكار # وقال ذو الرمة: # إذا غير النأي المحبين لم يكد ... على كل حال حب مية يبرح # ويروى: رسيس الهوى من حب مية يبرح. # والظلمات: ظلمة البحر وظلمة السحاب وظلمة الليل، وكذا حال الكافرين ظلمة ~~واعتقادهم ظلمة ومصيرهم إلى ظلمة؛ وهي نار يوم القيامة. # * * * ### | قوله تعالى: (وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار (43) # البرد: حجارة تنعقد من الثلج، والسنا: النور. # PageV01P273 # قيل: في السماء جبال برد مخلوقة، وقيل: بل المعنى قدر جبال يجعل منها ~~بردا. # واختلف النحويون في (من) الثانية والثالثة: # فجعل بعضهم الثانية زائدة. فعلى هذا المعنى يكون التقدير: ينزل من السماء ~~جبالا فيها من برد، و (من) في قوله (من برد)؛ لبيان الجنس، كما قال تعالى: ~~(فاجتنبوا الرجس من الأوثان). وقال بعضهم: الثالثة زائدة، والمعنى على هذا: ~~وينزل من السماء من جبال فيها بردا، أي: وينزل من السماء بردا من جبال ~~فيها، فهذا يدل على أن في السماء جبال برد. و (من) الثانية على هذا القول ~~لابتداء الغاية. وهي مع (جبال) بدل من قوله ms152 (من السماء) بإعادة الجار، كما ~~قال تعالى: (قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن ~~منهم)، وهو بدل الاشتمال، لأن السماء تشتمل على الجبال. كما تقول: يعجبني ~~شعبان الصوم فيه، أي: يعجبني الصوم في شعبان. # * * * ### | قوله تعالى: (لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم النار ولبئس المصير (57)) # الحسبان والظن سواء، يقال: حسب يحسب بكسر السين وفتحها. يروى أن الفتح ~~لغة النبي صلى الله عليه وسلم. وقرأ حمزة وابن عامر: (لا يحسبن) بالياء ~~وفتح السين، ف (الذين كفروا) على هذا فاعلون، والمفعول الأول ل (يحسبن) ~~محذوف، والتقدير: ولا يحسبن الذين كفروا أنفسهم معجزين أو إياهم معجزين، ~~وحذف المفعول الأول لأنه هو الذي كان مبتدأ، وحذف المبتدأ جائز لدلالة ~~الخبر عليه، نحو قوله تعالى: # PageV01P274 # (وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة) أي: أمرنا حطة أو طلبتنا حطة، وكذلك ~~(طاعة وقول معروف) أي: طلبتنا طاعة. # وقرأ الباقون بالتاء وكسر السين. فلا حذف على هذه القراءة، لأن الفاعل ~~مضمر. وهو النبي صلى الله عليه. والذين كفروا مفعول أول، ومعجزين مفعول ~~ثان. # * * * # PageV01P275 ### | ومن سورة (الفرقان) ### $ قوله تعالى: (ويوم يعض الظالم على يديه ... (27)) # هذه الآية نزلت في أبي بن خلف وعقبة بن أبي معيط، قال ابن عباس: صنع عقبة ~~طعاما ودعا أشراف مكة، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم، فامتنع أن ~~يطعم أو يشهد عقبة بشهادة الحق. ففعل ذلك، فأتاه أبي بن خلف وكان خليله ~~فقال: أصبوت؟ - فقال: لا، ولكن دخل علي رجل من قريش فاستحييت أن يخرج من ~~منزلي ولم يطعم، فقال: ما كنت لأرضى حتى تبصق في وجهه،. وتفعل به كذا، ففعل ~~ذلك. فأنزل الله عز وجل هذه الآية فيهما. # والظالم هاهنا: عقبة، والمكنى عنه: أبي، ولم يسميا؛ لتكون الآية عامة في ~~كل من فعل فعلهما، ثم إن أبي بن خلف قتل يوم أحد قتله النبي صلى الله عليه ~~وسلم بيده كذا روى قتادة، وقتل عقبة يوم بدر صبرا. # * * * ### | قوله تعالى: (ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا (59)) # قال بعض ms153 النحويون (الباء) في قوله (فاسأل به) بمعنى: عن، والمعنى: فاسأل ~~عنه خبيرا، و (الباء) تبدل من (عن) مع (سل) و (سألت)، قال علقمة: # فإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب # والخبير هاهنا: الله تعالى، هذا قول ابن جريج. # PageV01P276 # وقال بعضهم: (الباء) على أصلها، والمعنى: فاسأل بسؤالك خبيرا أيها ~~الإنسان يخبرك بالحق في صفته، ودل (فاسأل) على السؤال، كما قالت العرب: من ~~كذب كان شرا له. أي: كان الكذب، ودل عليه كذب، وكما قال الشاعر: # إذا نهي السفيه جرى إليه ... وخالف والسفيه إلى خلاف # * * * ### | قوله تعالى: (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما (63)) # نصب (سلاما) لأنه ليس بحكاية، ولو كان حكاية لرفع، كما قال في آية أخرى: ~~(قالوا سلاما قال سلام)، أي: سلام عليكم، وإنما المعنى أنهم قالوا قولا ~~يسلمون به. # قال سيبويه المعنى: قالوا سدادا من القول، أي: سلمنا منكم، قال سيبويه: ~~ولم يؤمر المسلمون ذلك الوقت بالقتال، فأنزل، وهي منسوخة بآية القتال، ولم ~~يتكلم سيبويه في شيء من الناسخ والمنسوخ إلا في هذه الآية. # * * * ### | قوله عز وجل: (ومن يفعل ذلك يلق أثاما (68) يضاعف له العذاب) # قيل معناه: يلقى جزاء الآثام، كما قال تعالى: (وجزاء سيئة سيئة مثلها). # أي: جزاء السيئة سيئة مثلها، وكذلك (وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون)، أي: ~~عقاب ما كانوا به يستهزئون؛ لأن ما كانوا به يستهزئون لا يحيق بهم يوم ~~القيامة. # PageV01P277 # قرأ عاصم من طريقة أبي بكر (يضاعف) و (يخلد) بالرفع على الاستئناف ~~والقطع، و " يلق " جواب الشرط الذي هو (ومن يفعل ذلك). # وقرأ الباقون بالجزم، إلا أن ابن عامر يقرأ (يضاعف) بالرفع على ~~الاستنئاف. وابن كثير (يضعف) بالتشديد والجزم. # ووجه الجزم أنه بدل من (يلق). ومثله قول الشاعر: # متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا ... تجد حطبا جزلا ونارا تأججا # فأبدل " تلمم " من " تأتنا "، وبدل الفعل من الفعل لا يكاد يوجد إلا في ~~الشرط والجزاء. # * * * ### | قوله تعالى: (واجعلنا للمتقين إماما (74)) # يسأل عن توحيد (إمام) هاهنا، وهو يرجع إلى جماعة؟ # وفيه خلاف: # قال بعضهم: وحد لأنه مصدر ms154 من: أم فلان فلانا إماما، كما تقول: قام قياما ~~وصام صياما، ومن جمعه فقال (أئمة) فلأنه قد كثر في معنى الصفة. # وقيل: جاء على الجواب، كقول القائل: من أميركم؟ فيقول المجيب: هؤلاء ~~أميرنا، قال الشاعر: # يا عاذلاتي لا تردن ملامتي ... إن العواذل ليس لي بأمير # وقيل المعنى واجعل كل واحد منا إماما، فأجمل والمعنى معنى التفصيل. # * * * # PageV01P278 ### | ومن سورة (الشعراء) ### | قوله تعالى: (فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين (16)) # يسأل عن قوله تعالى (رسول رب العالمين) لم أفرد وهما اثنان؟ # وفيه خلاف: # قال بعضهم المعنى: كل واحد منا رسول رب العالمين. # وقيل: الرسول في معنى الرسالة، فالتقدير على هذا: ذوا رسول رب العالمين، ~~وهذا كقولهم: رجل عدل، ورضا. ورجلان عدل ورضا، ورجال عدل ورضا، قال كثير: # كذب الواشون ما بحت عندهم ... بسر ولا أرسلتهم برسول # أي: برسالة. # وقيل: الرسول يقع على الاثنين والجميع، كما يقع على الواحد، قال الهذلي: # ألكني إليها وخير الرسو ... ل أعلمهم بنواحي الخبر # * * * ### | قوله تعالى: (وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل (22)) # قيل: في قوله تعالى: (وتلك نعمة تمنها علي) ثلاثة أقوال: # PageV01P279 # أحدها: أن المعنى: اتخاذك بني إسرائيل عبيدا أحبط ذلك. # والثاني: أن المعنى أنك لما ظلمت بني إسرائيل ولم تظلمني اعتدت بها نعمة ~~علي. # والثالث: أن المعنى: لا يوثق بهذه النعمة منك مع ظلمك بني إسرائيل في ~~تعبيدك إياهم. # وكل ذلك حجة على فرعون وتقريع له. # ويجوز في موضع (أن) وجهان: # أحدهما: أن تكون في موضع نصب مفعولا له، أي: لأن عبدت. # والثانى: أن تكون في موضع رفع على البدل من نعمة. # * * * ### | قوله تعالى: (أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل (197)) # (أن يعلمه) في موضع نصب، لأنه خبر (أولم يكن)، ويجوز أن تنصب (آية) ~~وتجعلها الخبر، وتجعل (أن يعلمه) الاسم، ويجوز أن يكون قوله (أن يعلمه)، ~~مبتدأ والخبر (آية) والجملة خبر (أولم يكن) واسمها مضمر فيها، كأنه في ~~التقدير: أولم تكن القصة لهم أن يعلمه علماء بني إسرائيل آية. # هذا على قراءة من ms155 قرأ بالتاء وأما من قرأ بالياء فإنه يضمر الأمر أو ~~الشأن، ونحو من ذلك قول الشاعر: # إذا مت كان الناس صنفان شامت ... وآخر مثن بالذي كنت أصنع # PageV01P280 # أي: كان الأمر، وأنشد سيبويه لهشام أخي ذي الرمة: # هي الشفاء لدائي لو ظفرت بها ... وليس منها شفاء الداء مبذول # أي: ليس الأمر. # وعلماء بني إسرائيل يعني بهم: عبد الله بن سلام، هذا قول ابن عباس ومجاهد ~~وقتادة. # * * * ### | قوله تعالى: (والشعراء يتبعهم الغاوون (224)) # الشعراء هاهنا: الذين تعاطوا معارضة القرآن. والغاوون: أتباعهم كانوا ~~يتبعونهم ليسمعوا ما يقولون ليشيعوه. # وقوله: (إلا الذين آمنوا) يعني به: حسان بن ثابت. وقيل يعني به: شعراء ~~النبي عليه السلام كلهم، وقيل يعني به: شعراء المسلمين. # وعلى القول الأول جمهور العلماء. # وارتفع قوله: (والشعراء) بالابتداء، و (يتبعهم الغاوون) الخبر، ويجوز ~~النصب على إضمار فعل، كأنه في التقدير: و (يتبعهم الغاوون) الشعراء (يتبعهم ~~الغاوون)، ثم يحذف الأول لدلالة الثاني عليه، ومثله قولك: زيد ضربته. زيدا ~~ضربته، إلا أن الرفع أجود، ومن هنالك أجمع عليه القراء المشهورون. # PageV01P281 # وانتصب قوله: (أي منقلب)؛ لأنه نعت مصدر محذوف تقديره: وسيعلم الذين ~~ظلموا منقلبا أي منقلب ينقلبون. # والعامل في " أي " " منقلب "، ولا يجوز أن يعمل فيها " سيعلم "، لأن ~~الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، وإنما يعمل فيه ما بعده، والعلة في ذلك: أن ~~الاستخبار قبل الخبر، ورتبة الاستخبار التقديم. فلم يجز أن يعمل فيه الخبر، ~~لأن الخبر بعده، وذلك أنه موضوع على أنه جواب مستخبر. # * * * # PageV01P282 ### | ومن سورة (النمل) ### | قوله تعالى: (وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم (6)) # الإيناس: الإبصار. والقبس: قطعة من النار، قال الشاعر: # في كفه صعدة مثقفة ... فيها سنان كشعلة القبس # والاصطلاء: التسخن إلى النار. # وفي (لدن) أربع لغات: لدن، ولدن، ولدى، ولد، والعرب مجمعة على جر ما ~~بعدها إلا مع " غدوة " فإنهم قد ينصبونها بعد " لدن "، وإنما نصبت بها لأن ~~هذه النون شبهت بالنون في " عشرين " فنصب ما بعدها على التشبيه بالتمييز، ~~هذا قول سيبويه. # * * * # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: ما معنى ms156 قوله: (أن بورك من في النار)؟ # وعنه جوابان: # أحدهما: أنه يعني به "الملائكة". # PageV01P283 # والثاني: أنه يعني ب " القديم تعالى " وحسن ذلك لكلامه لموسى عليه السلام ~~من النار، وإظهاره الآيات، وهو قول ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير وقتادة. # ومما يسأل عنه أن يقال: لم قال لامرأته (سآتيكم) وهي واحدة؟ # وعن هذا جوابان: # أحدهما: أنه أقامها مقام الجماعة في الأنس بها والسكون إليها في الأمكنة ~~الموحشة. # والثاني: أنه على طريق الكناية، والعرب قد تستعمل مثل ذلك. # والبركة: ثبوت الخير، قال الفراء يقال: بارك الله لك وباركك وبارك فيك ~~وبورك في زيد وبورك عليه. # قرأ الكسائي وعاصم وحمزة (بشهاب قبس) على البدل من (شهاب)، وقرأ الباقون ~~(بشهاب قبس) على الإضافة. # قال الفراء: هو بمنزلة قوله (ولدار الآخرة خير)، مما يضاف إلى نفسه إذا ~~اختلف اسماه ولفظاه. # وهذا عند البصريين غلط، لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه، وإنما يضاف إلى غيره ~~ليخصصه أو # يعرفه، فأما قوله تعالى (ولدار الآخرة) فتقديره عندهم: ولدار الساعة ~~الآخرة، ثم حذف الموصوف # وأقيمت صفته مقامه. ومثله قوله تعالى: (حب الحصيد)، إنما معناه: حب النبت ~~الحصيد، # PageV01P284 # ومن كلام العرب: صلاة الأولى ومسجد الجامع، والتقدير فيهما: صلاة الفريضة ~~الأولى، ومسجد اليوم الجامع، وكذا قراءة من قرأ (بشهاب قبس) إنما معناه: ~~بشهاب نار، لأن الشهاب قد يقع على غير النار. فصار هذا من باب: ثوب خز، ~~وخاتم فضة، والمعنى: من خز، ومن فضة، ومن قبس. # * * * # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: ما موضع (إذ)؟ # والجواب: أن موضعها نصب بإضمار فعل، كأنه قال: اذكر إذ قال، وهذا قول ~~الزجاج، وقال غيره: هو منصوب ب (عليم) أي: عليم إذ قال. # ويسأل عن موضع قوله: (أن بورك)؟ # قال الفراء: (أن) في موضع نصب إذا أضمرت اسم " موسى " في " نودي "، وإن ~~لم تضمر اسمه في نودي " فهي في موضع رفع، أي: نودي ذلك. قال. وفي حرف أبي ~~بن كعب (أن بوركت النار). # وتلخيص الوجه الأول: أن يكون المعنى: ونودي موسى بأن بورك، ثم حذف " ~~الباء ms157 " فوصل الفعل إلى " أن ". # وتلخيص الوجه الثاني: أن يكون المعنى: ونودي البركة و (من حولها) في موضع ~~رفع؛ لأنه معطوف على موضع " من " الأولى. # PageV01P285 ### $ قوله تعالى: (وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل ... (24)) # الخبأ: أصله من خبأت الشيء أي سترته وأخفيته، وخبء السماوات: الأمطار ~~والرياح، وخبء الأرض: الأشجار والنبات. # ومما يسأل عنه أن يقال: ما موضع (أن) من (ألا يسجدواا)؟ # والجواب أن التقدير مختلف: # أما من خفف (ألا يسجدوا) فإن المعنى عنده: ألا يا قوم اسجدوا، فاسجدوا ~~على هذه القراءة مبني؛ لأنه أمر، والعرب تحذف المنادى وتدع حرف النداء ليدل ~~عليه، قال الشاعر: # يا لعنة الله والأقوام كلهم ... والصالحين على سمعان من جار # والمعنى: يا قوم لعنة الله، وقيل: " يا " هاهنا للتنبيه، وليس بحرف نداء، ~~قال ذو الرمة: # ألا يا اسلمي يا دارمي على البلا ... ولازال منهلا بجرعائك القطر # روى الفراء عن الكسائي عن عيسى الهمداني قال: # لم أسمع المشيخة يقرؤنها إلا بالتخفيف على نية الأمر، قال: وهي في حرف ~~عبد الله بن مسعود (هلا تسجدون) بالتاء، فهذا تقولة لقوله (ألا يا)؛ لأن ~~قولك (ألا) تقوم بمنزلة قولك: قم، وفي حرف أبي (ألا تسجدون)، قال: وهو وجه ~~الكلام، لأنها سجدة. # PageV01P286 # ومن قرأ (ألا يسجدوا) فشدد، فلا ينبغي لها أن تكون سجدة؛ لأن المعنى: ~~وزين لهم الشيطان ألا يسجدوا. فعلى هذا القول يكون موضع " أن " نصبا على ~~البدل من (أعمالهم). # وقال علي بن عيسى المعنى: وزين لهم الشيطان أعمالهم لئلا يسجدوا. # وقيل موضع (أن) جر على البدل من (السبيل)، كأنه قال: فصدهم عن أن يسجدوا، ~~و (لا) على هذا الوجه زائدة. # * * * ### | قوله تعالى: (قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم (29)) # يسأل عن معنى قوله: (كريم)؟ # وفيه أجوبة: # أحدها: أنه مختوم وذلك لكرمه. # والثاني: أنه جعلته كريما لكرم صاحبه، فإنه من عند ملك. # والثالث: أنه حقيق بأن يؤمل الخير العظيم من جهته. # والرابع: أن الطير حملته وذلك لكرمه. # والخامس: أنه جعلته كريما من قبل أن صاحبه يطيعه الجن والإنس. # وقيل: ms158 أنها قالت كريم قبل أن تعلم أنه من سليمان، قال الفراء: ولا يعجبني ~~ذلك، لأنهم زعموا أنها كانت قارئة قد قرأت الكتاب قبل أن تخرج إلى ملئها. # والملأ: الأشراف لأنهم ملاء بما يراد منهم. # PageV01P287 # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: كيف قال (وإنه بسم الله الرحمن الرحيم) ولم تكن ~~تلك اللغة عربية، وقال علي بن عيسى: هو حكاية للمعنى، وقيل: بل كان ~~بالعربية؛ لأن المكتوب إليها كانت من العرب. وهي بلقيس بنت شراحيل، وقيل: ~~هي بنت الهدهاد الحميري. # ومما يسأل عنه أن يقال: لم قدم (إنه من سليمان) على قوله (وإنه بسم الله ~~الرحمن الرحيم)؟ # وفيه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أن قوله (إنه من سليمان) كان عنوانا. # والثاني: أن (الواو) لا ترتب. فالكلام على التقديم والتأخير، قال حسان ~~(2): # بهاليل منهم جعفر وابن أمة ... علي ومنهم أحمد المتخير # والثالث: أن الكتاب إلى كافرة فخشي سليمان أن يكون منها مكروه في اسم ~~الله تعالى فقدم اسمه قبله. # والقراءة (إنه من سليمان) بالكسر، قال الفراء: ولو فتحت (إن) والتي قبلها ~~لكان جائزا على قولك: ألقي إلي أنه من سليمان وأنه اسم الله، وقع التكرير ~~على الكتاب، فعلى هذا يكون موضعها رفعا على البدل من الكتاب، قال: ويجوز ~~نصبها على سقوط الجار منهما، قال: وهي في قراءة أبي: (وأن بسم الله الرحمن ~~الرحيم)، وفي ذلك حجة لمن فتحهما؛ لأن (أن) إذا كانت مخففة مفتوحة مع ~~الفعل، أو ما يحكى لم تكن إلا مخففة النون. ### | قوله تعالى: (ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين (31) قالت يا أيها الملأ) # PageV01P288 # يسأل عن موضع (أن) من قوله (ألا تعلوا)؟ # والجواب: أنها تحتمل أن تكون في موضع رفع على البدل من كتاب، كأنه قال: ~~ألقي إلي ألا تعلوا علي. # ويجوز أن تكون في موضع نصب على تقدير: بأن لا تعلو علي. # قال الزجاج: كان الكتاب (بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله سليمان إلى ~~بلقيس بنت شراحيل: لا تعلوا علي وأتوني مسلمين). # * * * ### | قوله تعالى: (قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر ms159 إليك) # قال الزجاج: يروى أنه كان معها ألف " قيل "، مع كل " قيل " مائة ألف رجل، ~~ولذلك قالوا: (قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد)، قال: وقيل كان مع كل " ~~قيل " ألف رجل. وهذا أشبه. # وجاء أنهم عرضوا عليها القتال بقولهم: نحن أولو قوة، عن ابن زيد. # ومعنى قوله: (أفسدوها) خربوها. # وقوله: (وجعلوا أعزة أهلها أذلة) استعبدوهم، قال ابن عباس: وذلك إذا ~~دخلوا عنوة. # وقيل في قوله (وكذلك يفعلون) أنه من قول الله تعالى، وأن كلامها ينقضي ~~عند قوله (أذلة)، فقال الله تعالى: (وكذلك يفعلون). # PageV01P289 # وقيل: هو من كلامها. # قال الزجاج: أنفذت إليه لبنة من الذهب مع امرأة في حريرة، فأمر سليمان أن ~~يطرح لبن من ذهب ولبن من فضة تحت أرجل الدواب، ليريها هوان ما بعثت به. # قال الفراء: ذكروا أن رسولها مع الهدية كانت امرأة واحدة. # قال علي بن عيسى: قيل أرسلت إليه بوصائف وغلمانا على زي واحد، وقالت: إن ~~ميز بينهما ورد الهدية، وأبى إلا المتابعة على دينه فهو نبي. وإن قبل ~~الهدية فإنما هو من الملوك، وعندنا ما نرضيه به، وهو قول ابن عباس. # قال الفراء: (فلما جاء سليمان) إنما يريد: فلما جاء الرسول سليمان، قال: ~~وهى في قراءة # عبد الله (فلما جاءوا سليمان) على الجمع، لما قال المرسلون صلح جاءوا، ~~وصلح (جاء) لأن # المرسل كان واحدا يدل على ذلك قول سليمان: (ارجع إليهم)، فعلى هذا القول ~~يكون الضمير في (جاء) عائدا إلى الرسول. # قال غير الفراء: الضمير يعود على المال أي: فلما جاء المال سليمان، لأن ~~قوله: (أتمدونن بمال) يدل على ذلك. # وقيل: يعود على الرسل؛ لأن قولها (إني مرسلة) يدل عليه. # وقيل: يعود على المهدى، لأن المهدى والهدية سواء. # وقيل في قوله: (فناظرة بم يرجع المرسلون)، إنه جمع في موضع الواحد. وقد ~~تقدم شرح هذا فيما مضى من الكتاب. # PageV01P290 ### $ قوله تعالى: (وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم ... (82)) # قال ابن عمر: إذا لم يأمر الناس بمعروف ولم ينهوا عن منكر خرجت الدابة. ms160 # وجاء في خبر مرفوع أنها تخرج من شعب بني مخزوم. # واختلف في معنى قوله (تكلمهم): # فيه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أن المعنى تكلمهم بما يسوؤهم من أنهم صائرون إلى النار، وأنها ~~تكلمهم كلاما صحيحا يفهومونه. # وقيل: إنها تكتب على جبين الكافر " كافر " وعلى جبين المؤمن " مؤمن ". # والثاني: أن معنى " تكلمهم " تجرحهم من الكلم، وشدد لتوكيد الفعل ~~والمبالغة فيه. # والثالث: أن كلامها: (أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون). # وقيل: أنها تخرج من بين الصفا والمروة. # وموضع (أن) في مذهب من فتحها نصب. والمعنى: بأن الناس. # قال الفراء: وفي قراءة عبد الله (بأن الناس)، وهذا يؤكد النصب، وفي قراءة ~~أبي (تبينهم أن الناس)، وهذا حجة لمن فتح (أن) إلا أن أهل المدينة يكسرونها ~~على الاستئناف. # * * * # PageV01P291 ### | ومن سورة (القصص) ### | قوله تعالى: (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا) # اللام في (ليكون) لام كي، أي: لكي يكون لهم، إلا أنه أخبر بعاقبة الأمر، ~~ولهذا يسميها بعض النحويين " لام العاقبة ". ويسميها قوم " لام الصيرورة "، ~~أي: فصار لهم عدوا، ومثل هذه اللام قولهم: تلد للموت، ويبني للخراب، أي: ~~هذا عاقبة ما تلد وما يبني، وهذه اللام " لام الجر " دخلت على الفعل فأضمر ~~بعدها (أن) ليكون (أن مع الفعل) بتأويل المصدر، والمصدر اسم، وتكون اللام ~~داخله على اسم؛ لأنها من عوامل الأسماء، ويجوز إظهار (أن) مع هذه اللام، ~~تقول: جئتك لأن تكرمني وما أشبه ذلك. # قال ابن إسحاق: التقطوه ليكون لهم ولدا فكان عاقبة أمره أن كان لهم عدوا ~~وحزنا. # قال قتادة في قوله (وهم لا يشعرون) أن المعنى فيه: أنهم لا يشعرون أن ~~هلاكهم على يديه. # * * * ### | قوله تعالى: (قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون (33)) # جاء في التفسير أن موسى عليه السلام أخذ بلحية فرعون وهو صغير. فقال ~~فرعون لامرأته: هذا الذي نخافه أن يذهب بملكنا، ألا تري ما فعل؟ فقالت: إنه ~~صغير لا يعقل ما يفعل، ولكن ألق بين يديه # PageV01P292 # ذهبا وجمرة من النار، فإن أخذ الذهب كان كما قلت، وإن أخذ الجمرة علمت ms161 ~~أنه يفعل ما يفعله بغير عقل. ففعل فرعون ذلك، فأراد موسى أن يأخذ الذهب ~~فصرفه عنه جبريل عليه السلام، فأخذ الجمرة فأحرقت يده فجعلها في فيه فلذلك ~~صار لا يفصح. وهو معنى قوله تعالى (واحلل عقدة من لساني)، لأن تلك العقدة ~~حدثت من الجمرة. # وقرأ حمزة وعاصم (ردءا يصدقني) بضم القاف على النعت، وقرأ الباقون بالجزم ~~على أنه جواب الدعاء. ومثله قوله تعالى (فهب لي من لدنك وليا (5) يرثني ~~ويرث من آل يعقوب)، قرئ رفعا وجزما. # وأهل المدينة يخففون الهمزة فيقولون (ردا يصدقني). # * * * ### | قوله تعالى: (وربك يخلق ما يشاء ويختار) # جاء في التفسير أن المعنى: ويختار للنبوة من شاء. # (ما كان لهم الخيرة) أن يتخيروا غير ما اختار الله تعالى، لأنهم لا ~~يعلمون وجه المصلحة. # قال الحسن: ما كان لهم أن يختاروا الأنبياء فيبعثوهم. # PageV01P293 # قال الفراء: يقال " الخيرة والخيرة " و"الطيرة والطيرة". # و" ما " في قوله (ما كان لهم الخيرة) نفي، والوقف المختار: قوله (وربك ~~يخلق ما يشاء ويختار) ويبتدأ (ما كان لهم الخيرة). فلا يجوز أن تكون (ما) ~~غير نافية، فقد ذهب إليه بعض القدرية؛ لأن من أصل مذهبهم أن الخير من الله ~~دون الشر، والأول هو المذهب. # * * * ### | قوله تعالى: (إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز) # قال ابن جريج: كان قارون ابن عم موسى لأبيه وأمه. وقال ابن إسحاق: كان ~~ابن خالته، وقال قتادة: إنما بغى عليه بكثرة ماله. # قال علي بن عيسى: " الكنز " جمع المال بعضه إلى بعض، إلا أنه قد كثر لما ~~يخبأ تحت الأرض، ولا يطلق اسم " كنز " في أسماء الشريعة إلا على ما لا تخرج ~~زكاته، والوعيد الذي جاء فيه. # والمفاتح: جمع مفتح جاء على حذف الزيادة، وقيل: يقال، "مفتح ومفتاح" فمن ~~قال " مفتح " قال في الجمع " مفاتح "، ومن قال " مفتاح " قال في الجمع " ~~مفاتيح ". # ومعنى " تنوء " تثقل، يقال: ناء بحمله ينوء إذا نهض نهوضا يثقل، ومنه ~~أخذت (الأنواء) لأن الطالع إذا غاب الغارب ينوء، وقيل: لأن الغارب إذا غاب ~~ناء ms162 الطالع، أي: نهض متثاقلا. # PageV01P294 # وقيل: لأن النجوم تنهض من الشرق نهوضا بثقل. # قال قتادة: (العصبة) ما بين العشرة إلى الأربعين، قال ابن عباس: يجوز أن ~~يكون ثلاثة، وقيل: مفاتحه خزائنه، وقيل: المفاتح على بابها، وكان يحملها ~~سبعون بغلا، وكانت من جلود قدر كل مفتاح منها إصبع، وقيل: كان يحملها ~~أربعون بغلا، وقيل: مفاتحه أمواله، وقيل: كان أربع مائة ألف، وقيل: إنه قال ~~إذا كان لموسى النبوة، وكان الذبح والقربان الذي يقرب في يد هارون، فما في ~~يدي، أو مالي؟ فهذا كان بغيه. # * * * # فصل: # ويسأل عن قوله: (لتنوء بالعصبة)، وإنما العصبة هي التي تنوء بها؟ # والجواب: أنه يقال: نؤت بالحمل، وأنأت غيري، ونؤت بغيري، كما تقول ذهبت ~~وأذهبت غيري وذهبت به فالباء والهمزة تتعاقبان في تعدي الفعل، ولهذا لا ~~يجوز أن يجمع بينهما لا تقول: أدخل بزيد الدار، ولكن: أدخل زيدا الدار. ~~ودخل بزيد الدار و (دخلت) إن شئت، ومثل ذلك قوله تعالى (فأجاءها المخاض)، ~~وإنما معناه: فجاء بها، وقيل: إنما جاز ذلك لأنه # PageV01P295 # (دخل) فيها معنى (تميل)، أي: تميل بالعصبة. فأما قول أبي عبيدة: أنه ~~مقلوب وأن المعنى لتنوء العصبة بها، كما قال: # إن سراجا لكريم مفخره ... تحلا به العين إذا ما تجهره # أي: يحلا بالعين، فقلب. وقال آخر: # كانت عقوبة ما جنيت كما ... كان الزناء عقوبة الرجم # وقال امرؤ القيس: # يضيء الظلام وجهها لضجيعها ... كمصباح زيت في قناديل ذبال # أي: في ذبال قناديل، والذبال في القناديل. # وهذا ليس بشيء، ولا يجب أن يحمل القرآن عليه؛ لأن هذه تجري مجرى الغلط من ~~العرب، ومثل هذا # في شعرهم كثير، قال الآخر: # مثل القنافذ هداجون قد بلغت ... نجران أو بلغت سوآتهم هجر # وكان حقه أن يقول (هجر سوءاتهم) لأن السوءات هي التي تبلغ هجر، وقال: # غداة أحلت لابن أصرم طعنة ... حصين عبيطات السدائف والخمر # والعبيطات: مفعولة، والطعنة: فاعلة فقلب، ومن أغلاطهم. قول الراجز: # برية لم تعرف المرققا ... ولم تذق من البقول الفستقا. # PageV01P296 # ظن " الفستق " من البقول، فأما قول خداش بن زهير: # وتركب ms163 خيلا لا هوادة بينها ... وتشقى الرماح بالضياطرة الحمر # فذهب جمهور العلماء إلى أن المعنى: وتشقى الضياطرة الحمر بالرماح. فقلب، ~~وليس الأمر عندي كذلك، وإنما يريد أن رماحهم تشرف عن هؤلاء الضياطرة، فإذا ~~طعنوا بها فقد شقيت الرماح؛ لأن منزلتها أرفع من أن يطعنوا بها، وكذا قول ~~زهير: # فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم ... كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم # قالوا: إنما هو أحمر ثمود فغلط فنسبه إلى عاد، وليس هذا عندي غلطا؛ لأن ~~ثمودا تسمى عاد الآخرة، ألا ترى إلى قوله تعالى: (وأنه أهلك عادا الأولى). # وإنما سموا ثمود لأن الله تعالى لما أهلك عاد، بقيت منهم بقية تناسلوا ~~فهم ثمود، فاشتق لهم من الثمد وهو الماء القليل؛ لأنهم قلوا عن عدد عاد ~~الأولى، وهذا كثير في الشعر يجري مجرى الغلط ولا يجب أن يحمل القرآن عليه. # * * * # قوله تعالى: (وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس) # أختلف العلماء في (ويكأنه): # فذهب الفراء إلى أن أصلها (ويلك) فحذفت اللام وجعلت (أن) مفتوحة في موضع ~~نصب بفعل مضمر، كأنه قال: ويلك اعلم أنه، وأنشد لعنترة: # ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... قيل الفوارس ويك عنترة أقدم # قال: وحدثني شيخ من أهل البصرة قال سمعت أعرابية تقول لزوجها: أين ابنك ~~ويلك؟ - فقال # PageV01P297 # لها: ويكأنه وراء البيت، قال معناه: أما ترينه وراء البيت، قال الشاعر: # سألتاني الطلاق أن رأتا ما ... لي قليلا قد جئتماني بنكر # ويكأن من يكن له نشب يح ... بب ومن يفتقر يعش عيش ضر # وقال البصريون: (وي) كلمة ينبه بها على أمر من الأمور. وهي حرف مفصول من ~~كأن، وذلك أنهم لما رأوا الخسف نبهوا من تكلم على قدر علمه. # وقيل: هي كلمة يستعملها الرجل إذا فاجأه أمر مفظع. # وقيل: معناها: ألا كأنه، وأما كأنه. # وقيل: المعنى: وي بأن الله تعالى، كأنه قال: تنبيهك بهذا، إلا أنه حذف. # وقيل: المعنى: ألم ترى أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، لا لكرامة " ~~قارون " بسط الرزق له. # فعلى مذهب البصريين تكتب (وي كأنه) منفصلة. # وعلى مذهب الفراء تكتب ms164 (ويكأنه) متصلة، وقد حكى الفراء الوجه الأول، ولم ~~ينكره إلا أنه قال: لم تكتبها العرب متصلة، ثم قال: ويجوز أن يكون كثر بها ~~الكلام فوصلت بما ليس منها، كما اجتمعت العرب على كتابة (يابنم) فوصلوها ~~لكثرتها، فأجاز ما ذهب إليه البصريون. ولم يجز البصريون قوله، فصار قول ~~البصريين إجماعا. # PageV01P298 # وقرأ الفراء (لخسف بنا) بضم الخاء على ما لم يسم فاعله. # وقرأ الحسين (لخسف بنا) أضمر في خسف اسم الله تعالى، ويسوغ هذه القراءة ~~قراءة عبد الله (لا تخسف بنا). # * * * # PageV01P299 ### | ومن سورة (العنكبوت) ### | قوله تعالى: (وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء) # يسأل عن قوله: (ولا في السماء) كيف وصفهم بذلك، وليسوا من أهل السماء؟ # وعن هذا جوابان: # الأول: أن المعنى: لستم بمعجزين هربا في الأرض ولا في السماء. # والثاني: أن المعنى: ولا من في السماء معجز، فحذف (من) لدلالة (من) ~~الأولى، قال حسان: # أمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء # كأنه قال: ومن يمدحه وينصره. # قال الفراء ومثله: إضرب من أتاك وأتى أباك، وأكرم من أتاك ولم يأت زيدا، ~~أي: ومن أتى أباك، ومن لم يأت زيدا. # * * * ### | قوله تعالى: (وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا # ومأواكم النار وما لكم من ناصرين (25) # قرئ (مودة بينكم) بالرفع والإضافة. وقرئ (مودة بينكم) منونا رفعا و ~~(بينكم) نصبا. # PageV01P300 # وقرئ (مودة بينكم) بالنصب والتنوين وقرئ (مودة بينكم) بالنصب والإضافة. # فأما من قرأ (مودة بينكم) بالرفع. فيجوز فيه وجهان: # أحدهما: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هي مودة بينكم. وكذا من رفع ونون. # والوجه الثاني: أن يكون خبر (إن) وتكون (ما) بمعنى الذي، والمعنى: إن ~~الذي اتخذتم بينكم أوثانا مودة. # وقال الفراء: (مودة بينكم) رفع بالصفة، وينقطع الكلام عند قوله: (إنما ~~اتخذتم من دون الله أوثانا) ثم قال: ليس مودتكم تلك الأوثان، ولا عبادتكم ~~إياها بشيء إنما مودة ما بينكم في الحياة الدنيا، ثم ينقطع الكلام. # ف (ما) على ms165 هذا الوجه صلة في (إنما) كافة، وتفسير هذا أنه يجعل (مودة ~~بينكم) مبتدأ، و (في الحياة الدنبا) الخبر. # وأما من نصب فيجوز في قراءته وجهان: # أحدهما: أن يكون مفعولا له. أي: للمودة بينكم. # والثاني: أن يكون بدلا من الأوثان. # ويجوز في (الأوثان) الرفع على أن تكون (ما) بمعنى (الذي) كأنه قال: إن ~~الذي اتخذتم بينكم أوثان، أي: ليست آلهة. # * * * # PageV01P301 ### | ومن سورة (الروم) ### | قوله تعالى: (الم (1) غلبت الروم (2) في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون (3)) # البضع: ما بين الثلاثة إلى العشرة، وقيل: ما بين الثلاثة إلى نصف العقد، ~~وقيل: ما بين الثلاثة إلى السبعة، وقيل: ما بين الثلاثة إلى التسعة، والقول ~~الأول جاء في خبر مرفوع، وما سوى ذلك أقوال أهل اللغة. # أجمع القراء على ضم " الغين " من (غلبت الروم)، وروي عن أبي عمر أنه قرأ ~~(الم *غلبت الروم) جعلهم فاعلين، فقيل له: علام غلبوا؟ - فقال: على أدنى ~~ريف الشام. # وجاء في التفسير: أن فارس ظفرت بالروم، فحزن لذلك المسلمون، وفرح به ~~مشركو أهل مكة؛ لأن أهل فارس ليسوا أهل كتاب، وكانوا يعبدون الأوثان، ففرح ~~المشركون بغلبتهم. ومال المسلمون إلى الروم؛ لأنهم أهل كتاب، وكان لهم نبي، ~~قالوا: ويدل على ذلك قوله: (وهم من بعد غلبهم سيغلبون) ثم قال (ويومئذ) أي: ~~يوم يغلبون، يعني: الروم (يفرح المؤمنون) إذا غلبوا، وقد كان ذلك كله، ~~ويروى أن فارس غلبت على أطراف الشام من بلاد الروم، ثم بعد سنتين وأشهر ~~غلبت الروم فارس، واستنقذت ما أخذت فارس من بلاد الشام، ففرح المسلمون بذلك ~~لأمرين: # أحدهما: ميلهم إلى الروم. # والثاني: ظهور ما أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقع في ذلك الوقت. # ومما يسأل عنه أن يقال: لم بنيت (قبل، بعد)؟ # PageV01P302 # والجواب: أنهما قطعتا من الإضافة. وتضمنتا معناها، فصارتا كبعض الاسم ~~وبعض الاسم لا يعرب، فوجب البناء لأنه ليس بعد الإعراب إلا البناء، وحركتا ~~لالتقاء الساكنين. # فأما الضم ففيه أربعة أقوال: # أحدها: أنهما لما قطعتا من الإضافة جعلتا غايتين فأعطيتا غاية الحركات ~~وهي ms166 الضمة. # والثاني: أنه لما كان لهما. في الأصل تمكن بنيا على الضم إشعارا بذلك، ~~كما فعلوا بالمنادى. # ألا ترى أنهما يعرسان إذا أضيفتا أو نكرتا كما يفعل بالمنادى. # والثالث: أن الضم لا يدخلهما في حال الإعراب، وإنما يدخلهما الفتح والكسر ~~في النصب والجر، فلما بنوهما أعطوهما حركة لا تكون لهما في حال تمكنهما. # والرابع: أنهما لما قطعتا من الإضافة ضعفتا فقويتا بالضمة. # فهذه أربعة أقوال للبصريين. فأما الكوفيون فلهم قولان: # أحدهما: أنهما لما تضمنتا معناهما في أنفسهما ومعنى المضاف إليه قويتا ~~بالضمة، وهذا قول الفراء، وقد طرده في أشياء: من ذلك أنه قال ضم أول فعل ما ~~لم يسم فاعله، لأنه يدل على نفسه وعلى الفاعل، وضم (منذ) لأنه يدل على معنى ~~" من وإلى " لأنك إذا قلت: ما رأيته منذ يومين. فمعناه: ما رأيته من أول ~~اليومين إلى آخرها. وكذلك (نحن) ضم لأنه يقع على التثنية والجمع. # والقول الثاني: أنهما لو فتحتا لأشبهتا حالهما متمكنتين، ولو كسرتا ~~لأشبهت المضاف إلى المتكلم، فأما السكون فلا سبيل إليه؛ لأن ما قبلهما ~~ساكن. فلم يبق إلا الضم فأعطيتاه، وهذا قول هشام. # PageV01P303 # وأجاز الفراء تنوينهما والمراد بهما مع ذلك الإضافة، وأنشد: # كأن محطا في يدي حارثية ... صناع علت مني به الجلد من عل # وأنشد: # ونحن قتلنا الأزد أزد شنوءة ... فما شربوا بعد على لذة خمرا # قال ولو نصب ونون كان وجها، وكان كما قال: # فساغ لي الشراب وكنت قبلا ... أكاد أغص بالماء المعين # وأجاز أيضا: جئت من قبل ومن بعد بالجر والتنوين. # وهذا يجوز إذا كانتا نكرتين. فأما ما أنشد من الضم والتنوين والنصب فهو ~~من ضرورات الشعر. # وللبصريين فيه مذهبان: # أحدهما: أن يترك على ضمه وينون ويقدر أن التنوين لحقه بعد البناء وهذا ~~مذهب الخليل. # والثاني: أنه إذا لحقه التنوين ضرورة رد إلى النصب؛ لأنه الأصل، كما يرد ~~ما لا ينصرف إلى أصله إذا نون، ومثل ذلك " المنادى المفرد " إذا نون يبقى ~~على ضمه عند الخليل، ويرد إلى النصب عند أبي عمرو، قال ms167 الشاعر: # سلام الله يا مطر عليها ... وليس عليك يا مطر السلام # هذا قول الخليل وأصحابه، وأبو عمرو ينشد: # ضربت صدرها إلي وقالت ... يا عديا لقد وقتك الأواقي # بالنصب. # PageV01P304 # وأجاز الفراء (من قبل ومن بعد) بلا تنوين على نية الإضافة، وأنشد: # إلا علالة أو بداهة ... سابح نهد الجزاره # ومثله: # يا من رأى عارضا أكفكفه ... بين ذراعي وجبهة الأسد # قال: وسمعت أبا ثروان العلكي يقول: قطع الله الغداة يد ورجل من قاله. # قال المبرد: إنما تحذف هذا وما أشبهه إكتفاء بالثاني من الأول، لأن ~~المعنى مفهوم وليس في (قبل وبعد) ما يدل على المضاف إليه، وفي هذين البيتين ~~ما يدل على الإضافة. # وقيل: المعنى إلا علالة سانح وبداهته، ثم حذف، ومثله قوله تعالى: ~~(والحافظين فروجهم والحافظات)، يريد والحافظاتها فحذف. وأجاز هشام: جئت قبل ~~وبعد، بالنصب على نية الإضافة، وكل هذا ينكره البصريون. # * * * ### | قوله تعالى: (ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا) # PageV01P305 # قيل:: خوفا من المطر في السفر. وطمعا فيه في الحضر. # وفي قوله (ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا) ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه حذف (أن) والتقدير: ومن آياته أن يريكم. فلما حذف (أن) ارتفع ~~الفعل، قال طرفة: # ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي # يريد: أن أحضر. فحذف ألا تراه أظهرها في قوله (وأن أشهد). # والثاني: أن المعنى ومن آياته آية يريكم، ثم حذف لدلالة (من) عليها، قال ~~الشاعر: # وما الدهر إلا تارتان فمنهما ... أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح # يريد: فمنهما تارة أموت فيها وأخرى أبتغي العيش فيها، فحذف لدلالة (من) ~~على المعنى. # والثالث: أنه على التقديم والتأخير، والمعنى: ويريكم البرق من آياته، ~~فهذا على غير حذف. # * * * ### | قوله تعالى: (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه) # يقال ما معنى: (وهو أهون عليه)، وهل يهون عليه شيء دون شيء؟ # وفي هذا ثلاثة أجوبة: # أحدها: أن المعنى: وهو أهون عليه عندكم، ثم حذف، وهذا قول المفسرين. # PageV01P306 # والثاني: أن (أهون) بمعنى (هين). كما قال: # لعمرك ما أدري وإني لأوجل ... على ms168 أينا تعدو المنية أول # وقال آخر: # تمنى رجال أن أموت وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد # أي: بواحد، وهذا قول أهل اللغة. # والقول الثالث: أن الهاء في عليه تعود على (الخلق)، أي: والإعادة على ~~الخلق أهون من النشأة الأولى؛ لأنه إنما يقال له كن فيكون، وفي النشأة ~~الأولى: كان نطفة ثم علقة ثم مضغة، ثم عظاما ثم كسيت العظام لحما ثم نفخ ~~فيه الروح، فهذا على المخلوق صعب والإنشاء يكون أهون عليه، وهذا قول ~~النحويين، ويروى مثله عن ابن عباس. # قال الفراء: حدثني حبان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: (وهو ~~أهون عليه) يقول على المخلوق، لأنه يقول له يوم القيامة " كن فيكون ". # فأما ما يروى عن مجاهد من أنه قال: الإنشاء عليه أهون من الابتداء. فقول ~~مرغوب عنه، لأنه لا يهون عليه شيء دون شيء تبارك وتعالى. # * * * # قوله تعالى: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم ~~(41)) # قيل: البر: أهل البادية، والبحر: القرى التي على الأنهار العظيمة، هذا ~~قول قتادة. # قال مجاهد: البر: ظهر الأرض، والبحر: البحر المعروف " تؤخذ كل سفينة غصبا ~~". # وقيل: البر: الأرض القفر. والبحر: المجرى الواسع للماء عذبا كان أو ~~مالحا. # PageV01P307 # وقيل: البر: البرية. والبحر: الريف، والمواضع الخصبة. # وأصل (البر) من البر، لأنه يبر بصلاح المقام فيه، وأصل (البحر) الشق، ~~ومنه " البحيرة ". ومنه قيل " بحر " لأنه شق في الأرض. ثم كثر فسمي الماء ~~الملح بحرا، وأنشد ثعلب: # وقد عاد ماء الأرض بحرا فزادني ... إلى مرضي أن أبحر المشرب العذب # والفساد: ضد الصلاح، وقيل الفساد هاهنا: المعاصي، وقيل: هو على الحذف، ~~والتقدير: ظهر عقاب الفساد في البر والبحر. # قال الفراء: أجدب البر، وانقطعت مادة البحر بذنوبهم، كان ذلك ليذاقوا ~~الشدة في العاجل. # * * * # قوله تعالى: (ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا (51)) # قال الخليل: الفعل الماضي هاهنا في موضع المستقبل، والمعنى: ليظلن. # ومما يسأل عنه أن يقال: أين جواب الشرط في قوله: (ولئن)؟ # والجواب: [ ... ]. بجواب القسم وكان [ ... ] (1). لتقدمه على الشرط، ولو ~~تقدم الشرط لكان ms169 الجواب لها كقولك: إن أرسلنا ريحا لظلوا والله يكفرون. ~~PageV01P308 # وهذه (اللام) يسميها البصريون لام التوطئة، ويسميها الكوفيون لام إنذار ~~القسم. # ويسأل عن (الهاء) في قوله (فرأوه مصفرا)؟ # وفيها ثلاثة أجوبة: # أحدها: أنها تعود على السحاب، والمعنى: ولئن رأوا السحاب مصفرا؛ لأنه إذا ~~كان كذلك لم يكن فيه مطر. # والثاني: أنها تعود على الزرع؛ لأن قوله (إلى آثار رحمت الله) يدل عليه، ~~فأما من قرأ (إلى أثر) على الإفراد، فيجوز أن تعود الهاء على (أثر)؛ لأنه ~~يدل على الزرع. # والثالث: أنها تعود على الريح، أي: فرأوا الريح مصفرا، وهو قول الحسن، ~~ومجازه: أن الريح تأنيثها غير حقيقي، والمؤنث الحقيقي إنما يكون في ~~الحيوان، فذكر الوصف، كما قال تعالى: (فمن جاءه موعظة من ربه)، والموعظة ~~مؤنثة. # * * * # PageV01P309 ### | ومن سورة (لقمان) ### | قوله تعالى: (ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم (27) # يقال: مد النهر ومده نهر آخر، قال الفراء: تقول العرب: دجلة تمد بنارنا ~~وأنهارنا، والله يمدنا بها، ونقول: قد أمددتك بألف فمدوك. # قرأ أبو عمرو (والبحر يمده) بالنصب، ورفع الباقون، فالنصب: على العطف على ~~(ما) من قوله: (ولو أنما في الأرض ... والبحر)، والرفع: على القطع مما ~~قبله، ويكون رفعا بالابتداء، و (يمده) في موضع نصب على الحال، والخبر ~~محذوف، كأنه قال: والبحر يمده من بعده سبعة أبحر مداد، ثم حذف، لأن المعنى ~~مفهوم، أو يضمر (يكون مدادا) وإلى هذا ذهب الفراء، ولا يجوز أن تعطفه على ~~المضمر في قوله: (في الأرض) كأنه في التقدير: ولو أن ما استقر في الأرض من ~~شجرة أقلام هو والبحر، لأن البحر لا يكون أقلاما. # وموضع (أن) رفع بإضمار فعل، كأنه في التقدير: ولو وقع أن ما في الأرض؛ ~~لأن (لو) بالفعل أولى، لما فيها من معنى الشرط، ولا يجوز أن تعطف البحر على ~~موضعها؛ لأنها مفتوحة، وقد ذهب عنها معنى الابتداء. # * * * # PageV01P310 ### | ومن سورة (السجدة) # قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية ms170 من لقائه (23)) # يسأل علام تعود (الهاء) في قوله (من لقائه)؟ # وفي هذا أجوبة: # أحدها: أن المعنى: فلا تكن في مرية من لقاء موسى الكتاب، فهو يعود على ~~الكتاب، هذا قول الزجاج. # والثاني: أنها تعود على الأذى، والمعنى: فلا تكن في مرية من لقاء الأذى، ~~كما لقي موسى، وهو قول الحسن. # والثالث: أنها تعود على موسى. والتقدير: فلا تكن يا محمد في مرية من لقاء ~~موسى. # وقيل: يعود على الابتداء، والمعنى: فلا تكن في مرية من لقاء إيتائك ~~الكتاب كما أوتي موسى. # * * * # PageV01P311 ### | ومن سورة (الأحزاب) ### | قوله تعالى: (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى) # قرأ نافع وعاصم (وقرن) بفتح القاف، وقرأ الباقون (وقرن) بالكسر، فأما من ~~قرأ (وقرن) فهي قراءة فيها نظر، وذلك أنه لا يخلو أن يكون من " الوقار " أو ~~من " القرار " فلا يجوز أن يكون من " الوقار " لأنه إنما يقال: وقر يقر، ~~مثل: وعد يعد. فإذا أمرت قلت (قرن) كما قرأت الجماعة، وهذا على ميزان قولك: ~~عدن، ولا يجوز أن يكون من " القرار " لأنه إنما يقال: قر في المكان يقر ~~بكسر القاف، وقرت عينه تقر، فلو كان من " القرار " لقيل: اقررن، ثم يستثقل ~~تكرير (الراء) فتنقل حركتها إلى القاف، ثم تحذف إحدى الرائين لالتقاء ~~الساكنين، وتحذف همزة الوصل للاستغناء عنها فيبقى (قرن) كما قرأت الجماعة. ~~فهذان الوجهان يجوزان في قراءة من كسر، وأما الفتح فبعيد إلا أنه قد حكي: ~~قررت في المكان أقر، وهي لغة حكاها الكسائي. فيجوز على هذا أن يكون الأصل ~~(اقررن) ثم فعل به ما فعل ب اقررن، ثم ألقيت فتحة الراء على القاف، وحذفت ~~لالتقاء الساكنين، وحذفت الهمزة للاستغناء عنها. كما فعل فيما تقدم، وأكثر ~~ما يجيء هذا في (فعلت) نحو: ظلت وظلت ومست ومست وأحسست وأحست، وأنشد أبو ~~زيد: # سوى أن العتاق من المطايا ... أحسن به فهن إليه شوس # إلا أن الفراء حكى: هق ينحطن من الجبل، في معنى: ينحططن. # وقيل في التبرج: التبختر، وقيل: التكسر. وهو قول قتادة. وقيل الظهور. # PageV01P312 ### $ قوله تعالى: ms171 (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ... (40)) # قرأ عاصم (وخاتم النبيين) بفتح التاء وهي قراءة الحسن، وقرأ الباقون ~~بالكسر. # كأن المعنى عنده: هو آخر النبيين. ويروى عن علقمة أنه قرأ (خاتمه مسك) ~~أي: آخره مسك. قال المبرد: (خاتم) فعل ماض على وزن (فاعل) وهو في معنى: ختم ~~النبييين، فنصب في هذا الوجه على أنه مفعول، وفي حرف عبد الله (ولكن نبيا ~~ختم النبيين)، وقراءة من كسر يدل على هذا المعنى؛ لأنه اسم فاعل من ختم. ~~كضارب من ضرب. # والنبييين: في مذهب من كسر في موضع جر بالإضافة، وكذا في مذهب من فتح، ~~إلا عند المبرد فإنه في موضع نصب على ما قدمناه. # ويجوز في (رسول الله) وجهان: النصب والرفع. # فالنصب: على أنه خبر (كان) أي: ولكن كان محمد رسول الله. # والرفع: على معنى: ولكن هو رسول الله. # وهذه الآية نزلت في زيد بن حارثة وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم تبناه ~~فكان يقال زيد ابن رسول الله. وكان النبي عليه السلام خطب زينب بنت جحش ~~امرأة زيد بعد أن طلقها زيد فامتنعت، # PageV01P313 # فأنزل الله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ... ) إلى آخر القصة، وأنزل ~~(ادعوهم لآبائهم ... )، فلما نزلت هذه الآية قال زيد: أنا ابن حارثة، وأذن ~~الله تعالى لنبيه في تزويج زينب. # قال قتادة: أولاد النبي عليه السلام: القاسم، وبه كان يكنى، وإبراهيم. ~~والطيب، والطاهر، قال غيره: وعبد الله، قيل: الطيب والطاهر وعبد الله أسماء ~~كانت لواحد. # * * * # قوله تعالى: (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي) # نصب " امرأة " بإضمار فعل تقديره: وأحللنا لك امرأة مؤمنة إن وهبت. # ومما يسأل عنه أن يقال: لم قال (إن وهبت نفسها للنبي)، ولم يقل: إن وهبت ~~نفسها لك؟ # والجواب: أنه لو قال ذلك لتوهم أنه يجوز لغيره، فذكر النبي صلى الله عليه ~~ليزول اللبس. # قال علي بن الحسين: هذه امرأة من الأزد يقال لها، (أم شريك)، وقال ~~الشعبي: هي امرأة من الأنصار، وقيل: هي زينب بنت جحش، وقال ابن ms172 عباس: لم ~~يكن عند النبي عليه السلام امرأة وهبت نفسها له. # * * * ### | قوله تعالى: (ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن) # (كلهن): توكيد للمضمر في (يرضين)، أي: يرضين كلهن، ولا يجوز نصبه على ~~توكيد المضمر في (آتيتهن)، لأن المعنى ليس عليه، لا يريد: آتيتهن كلهن، ~~وإنما يريد: يرضين كلهن. # PageV01P314 ### | ومن سورة (سبإ) # قوله تعالى: (ولقد آتينا داوود منا فضلا يا جبال أوبي معه (10)) # التأويب: سير النهار، والأساد: سير الليل. # وقيل في (أوبي معه) سبحي. وهو قول ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة. # وتأويله عند أهل اللغة: سبحي معه مؤوبة، أي: سبحي معه في النهار، وسيري ~~معه. # وقيل تأويله: رجعي معه التسبيح، لأن أصله من آب يؤوب، أي: ارجع. # وقيل معناه: سيري معه حيث شاء. # وجاء في التفسير: أن الحديد لان في يده حتى صار كالشمع، قال: وأسيل له ~~الحديد حتى صار كالطين، فكان يعمل به ما يشاء. # فأما النصب في قوله (والطير) ففيه أربعة أوجه: # أحدها: أنه معطوف على قوله: (فضلا)، والتقدير: آتينا داود منا فضلا ~~والطير يا جبال أوبي معه، وهذا قول الكسائي. # والثاني: أنه نصب بإضمار فعل، كأنه قال: وسخرنا له الطير، وهو قول أبي ~~عمرو. # والثالث: أنه مفعول معه، كأنه قال: يا جبال أوبي معه مع الطير، قال ~~الشاعر: # فكونوا أنتم وبنى أبيكم ... مكان الكليتين من الطحال # PageV01P315 # أي: مع بني أبيكم. # والرابع: أن يكون معطوفا على موضع الجبال؛ لأن موضعها نصب بالنداء، كما ~~تقول: يا زيد والضحاك، قال الشاعر: # ألا يا زيد والضحاك سيرا ... فقد جاوزتما خمر الطريق # وروي أن الأعمش أو غيره قرأ (والطير) بالرفع، وكذلك قرأ يعقوب، وأجازه ~~الفراء، ورفعه من وجهين: # أحدهما: أن يكون معطوفا على لفظ (الجبال)، كما تقول: يا زيد والضحاك، وهو ~~اختيار الخليل، وأبو عمرو يختار: يا زيد والضحاك. # والثاني: أن يكون معطوفا على المضمر في (أوبي) وهو قول الفراء. وحسن ~~العطف على المضمر المرفوع وإن لم يؤكد؛ لأن قوله (معه) قام مقام التوكيد، ~~كما قال في آية أخرى ms173 (ما أشركنا ولا آباؤنا)، فقامت (لا) مقام التوكيد. وقد ~~جاء العطف من غير توكيد ولا فصل في نحو قول عمر بن أبي ربيعة: # قلت إذا أقبلت وزهر تهادى ... كنعاج الملا تعسفن رملا # وهو قبيح، وكان حقه أن يقول: هي وزهر. ### | قوله تعالى: (لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال) # PageV01P316 # قال الزجاج: " سبأ " مدينة بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام. # قال غيره: هي قبيلة، وقيل: " سبا " رجل، وهو أبو اليمن، وللعرب فيها ~~مذهبان: # منهم من يصرفها. يجعلها اسما للحي. أو اسما للمكان. أو لأب، قال جرير: # تدعوك تيم في قرى سبأ ... فدعض أعناقهم جلد الجواميس # ومنهم من لا يصرفها، يجعلها اسما لقبيلة أو لمدينة أو لبقعة أو لأم. قال ~~الشاعر: # من سبأ الحاضرين مأرب إذ ... يبنون من دون سيله العرما # والعرم: المسناة، واحدها " عرمة " وكأنه مأخوذ من (عرامة) الماء، ويقال ~~له أيضا " محبس الماء "، قال الأعشى في العرم: # ففي ذاك للمؤتسي أسوة ... ومأرب عفى عليه العرم # رخام بنته لهم حمير ... إذا جاءه ماؤهم لم يرم # والخمط: كل نبت قد أخذ طعما من المرارة، هذا قول الزجاج، وقال أبو عبيدة: ~~الخمط: كل شجرة ذات شوك، وقيل: الخمط: شجر الأراك، وهو قول ابن عباس والحسن ~~وقتادة والضحاك. # PageV01P317 # وأكله: ثمره، يقال: أكل وأكل. بضم الهمزة، فأما الأكل بالفتح فمصدر أكل. # والأثل: الطرفاء. وقيل: خشب وهو قول الحسن. والمعروف أن الأثل شجر يشبه ~~الطرفاء. # والسدر: شجر النبق، وقيل: السدر هاهنا السمر، وهو شجر أم غيلان. # وقرئ (ذواتي أكل خمط) بالإضافة، وهي قراءة أبي عمرو، وقرأ الباقون (ذواتي ~~أكل خمط) بتنوين (أكل)، جعلوا (خمط) بدلا من (أكل) وهو بدل بعض من كل. # حدثني أبي عن عمه إبراهيم بن غالب عن القاضي منذر بن سعيد قال: حدثنا أبو ~~النجم عصام بن منصور المرادي عن أبي بكر أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم ~~البرقي حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام قال كان عمرو بن عامر فيما حدثني ~~أبو زيد الأنصاري: رأى جرذا في ms174 سد مأرب الذي كان يحبس عليهم الماء فيصرفونه ~~حيث شاءوا من أرضهم فلما رأى ذلك علم أنه لا بقاء للسد على ذلك، فاعتزم على ~~النقلة عن اليمن، وكاد قومه، فأمر أصغر ولده إذا أغلظ له أن يقوم إليه ~~فيلطمه، ففعل ابنه ما أمره به، فقال عمرو: لا أقيم ببلد لطم وجهي فيه أصغر ~~ولدي، وعرض أمواله. فقال أشراف من أشراف اليمن: اغتنموا غضبة عمرو، واشتروا ~~أمواله، ففعلوا. وانتقل في ولده وولد ولده، وقالت الأزد: لا نتخلف عن عمرو ~~بن عامر، فباعوا أموالهم وخرجوا معه، فساروا حتى نزلوا بلاد (عك) فحاربتهم ~~عك. فكانت حربهم سجلا ففي ذلك يقول عباس بن مرداس: # وعك بن عدنان الذين تلعبوا ... بغسان حتى طردوا كل مطرد. # وغسان: ماء يسد مأرب، كان شربا لولد مازن من بني الأزد بن الغوث، فسموا ~~به، ويقال: غسان: ما، بالمشلل قريب من الجحفة. قال حسان بن ثابت: # PageV01P318 # إما سألت فإنا معشر نجب ... الأزد نسبتنا والماء غسان # قال: ثم ارتحلوا وتفرقوا في البلاد فنزل آل جفنة بن عمر بن عامر الشام. ~~ونزلت الأوس والخزرج # يثرب. ونزلت خزاعة بطن مر، ونزلت أزد السراة السراة، ونزلت أزد عمان ~~عمان، ثم أرسل الله على # السد السيل فهلك به. ففيه أنزل الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ~~(لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا ~~له بلدة طيبة ورب غفور (15)). # قال ويقال: من ولد عمر بن عامر (ربيعة بن نفر بن أبي حارثة بن عمرو) ومن ~~ولد ربيعة (النعمان بن المنذر) فيما يقال، وقالت العرب: " تفرقوا أيدي سبأ ~~"، فأجري هذا مثلا، أنشد الفراء: # عينا ترى الناس إليها نسبا ... من صادر ووارد أيدي سبأ # * * * ### | قوله تعالى: (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين (20)) # قرأ الكسائي وعاصم وحمزة (صدق) بالتشديد، وقرأ الباقون (صدق) بالتخفيف. ~~فمن شدد نصب (الظن) لأنه مفعول ب (صدق). وذلك أنه قال (ولأضلنهم) ~~(ولأغوينهم)، فقال ذلك بالظن فصدق ظنه. # وأما من خفف فذهب ms175 الفراء إلى أن المعنى: ولقد صدق عليهم إبليس ظنه ~~بالرفع، على أن قوله (ظنه) بدل من (إبليس)، قال: ولو قرأ قارئ " ولقد صدق ~~عليهم إبليس ظنه " لجاز كما تقول: صدقك ظنك وكذلك ظنك؛ لأن (الظن) يخطئ ~~ويصيب. # PageV01P319 ### | قوله تعالى: (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين (24)) # قال المفسرون معناه: وأنا لعلى هدى وأنتم في ضلال مبين. # ومعنى (أو) هاهنا معنى (الواو)، قال الفراء: وكذلك هو في المعنى، غير أن ~~العربية على غير ذلك لا تكون (أو) بمنزلة (الواو) ولكنها تكون في الأمر ~~المفوض، كما تقول: إن شئت فخذ درهما أو اثنين، فله أن يأخذ واحدا أو اثنين، ~~وليس له أن يأخذ ثلاثة. قال والمعنى في قوله (وإنا أو إياكم) إنا لضالون أو ~~لمهتدون، وإنكم أيضا لضالون أو مهتدون، وهو يعلم أن رسوله المهتدي وأن غيره ~~الضال، قال: وأنت تقول في الكلام للرجل يكذبك: والله إن أحدنا لكاذب، ~~فكذبته تكذيبا غير مكشوف، وهو في القرآن وفي كلام العرب كثير يوجه الكلام ~~إلى أحسن مذاهبه إذا عرف، كقول القائل: والله لقد قام زيد، وهو كاذب، فيقول ~~العالم بأن الأمر على خلاف ذلك: قل " إن شاء الله " أو قل " فيما أظن " ~~فيكذبه بأحسن من تصريح التكذيب. # قال علي بن عيسى: هذا على الإنصاف في الحجاج، كما يقول القائل: أحدنا ~~كاذب، وحقيقة (أو) هاهنا أنها لأحد الأمرين. # * * * ### | قوله تعالى: (بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب) # قال الحسن وابن زيد المعنى: بل مكركم في الليل والنهار، وكذلك هو في ~~العربية يتسع فى الكلام فتضاف الأحداث إلى الزمان، ويخبر عن الزمان بما يقع ~~فيه، فيقال: صيام النهار وقيام الليل، والمعنى: الصيام في النهار، والقيام ~~في الليل، ويقولون: ليل قائم ونهار صائم، والليل والنهار غير # PageV01P320 # صائمين، قال الشاعر: # لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ... ونمت وما ليل المطي بنائم # وأضاف الليل إلى المطي على الاتساع، ووصف الليل بالنوم، وهذا على حد ~~قولك: ليلي ms176 نائم، فيقول السامع: ليس ليلك بنائم. # * * * ### | قوله تعالى: (قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب (48)) # يجوز في (علام) وجهان: النصب والرفع # فالنصب من وجهين: # أحدهما: أن يكون نعتا ل (ربي)، كأنه قال: قل إن ربي علام الغيوب يقذف ~~بالحق. # والثاني: أن يكون نصبا على المدح، كأنك قلت: أعني علام الغيوب. # وأما الرفع فيجوز من وجهين أيضا: # أحدهما: أن يكون بدلا من المضمر في " يقذف "؛ لأن في " يقذف " ضميرا ~~تقديره: يقذف هو. # والثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف. كأنه قال: هو علام الغيوب. # PageV01P321 # وقد قيل: هو مرفوع على موضع (إن) قبل دخولها، كما تعطف على موضعها ~~بالرفع، وليس بوجه. # * * * # PageV01P322 ### | ومن سورة (فاطر) ### | قوله تعالى: (من كان يريد العزة فلله العزة جميعا) # العزة: المنعة، ويقال: عز الشيء إذا امتنع. ومنه قيل: شاة عزوز إذا كانت ~~عسرة الحلب، وقيل: أصله من عز إذا غلب، ومنه يقال: من عز بز، أي: من غلب ~~سلب، قالت الخنساء: # وكنا القديم سراة الأديم ... والناس إذ ذاك من عز بزا # والعزان: أطراف الأرض؛ لأنها ممتنعة لعسر المشي فيها، ومن كلام الزهري ~~لرجل كان يأخذ عنه، ويقوم إذا رآه حتى إذا ظن أنه قد استنفد ما عنده ترك ~~القيام، فقال له: إنك في العزان بعد فعد إلى القيام، أي: أنت في الطرف. # والصعود: ضد الهبوط، وهما المصدران. فأما (الصعود) و (الهبوط) بفتح الأول ~~فاسمان؛ يقال: صعد يصعد صعودا، إذا ارتفع، وأصعد في الأرض يصعد إصعادا، قال ~~الشاعر: # هواي مع الركب اليمانين مصعد ... جنيب وجثماني بمكة موثق # والكلم: يذكر ويؤنث، تقول: هذه كلم وهذا كلم، وكذلك كل جمع ليس بينه وبين ~~واحده إلا " الهاء " يجوز فيه التذكير والتأنيث. نحو: هذه نخل وهذا نخل، ~~قال الله تعالى: (كأنهم أعجاز نخل خاوية). # PageV01P323 # وقال: (كأنهم أعجاز نخل منقعر). # وقرأ أبو عبد الرحمن (الكلام الطيب). # والفرق بين الكلام والكلم: أن (الكلام) يقع على الجملة القائمة بنفسها. ~~نحو قولك: زيد قائم، # و (الكلم) إنما هو جمع كلمة، كلبنة ولبن وخلفة وخلف، أنشد الفراء: # ما لك ms177 ترغين ولا ترغو الخلف ... وتضجرين والمطي معترف # ومما يسأل عنه أن يقال: علام يعود الضمير الذي في قوله (يرفعه)؟ # وفيه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أن المعنى: والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب. # والثاني: أن المعنى: والله يرفعه. # والثالث: أن الكلام يرفع العمل الصالح، ويجوز فى (العمل) على هذا الوجه ~~النصب بإضمار فعل تقديره: ويرفع الكلم الطيب العمل الصالح يرفعه، ثم حذفت؛ ~~لأن الثاني يفسره، ومثله: قام زيد وعمرا ضربته، وأجاز الفراء أن تنصب على ~~تقدير: يرفع الله العمل الصالح يرفع، فيكون " الله " فاعلا. # * * * ### | قوله تعالى: (وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج) # الأجاج: الشديد المرارة. وأصله من أجت النار، كأنه يحرق من شدة المرارة، ~~ويقال: ماء ملح، ولا يقال: مالح، وماء ملح أجاج، إذا كان فيه مرارة. # PageV01P324 # والفلك: السفن، وهو يقع على الواحد والجمع بلفظ واحد والتقدير مختلف: ~~فإذا كان واحدا كان بمنزلة " قفل " و " برد " قال الله تعالى: (في الفلك ~~المشحون) فجعله واحدا. وإذا كان جمعا كان بمنزلة " أسد " و " وثن " وعليه ~~قوله: (وترى الفلك فيه مواخر) وإنما كان كذلك لأنهم جمعوا (فعلا) على (فعل) ~~وجاز أن يجمع (فعل) على (فعل) وليس بابه من قبل أن (فعلا) و (فعلا) ~~يشتركان؛ نحو: رشد ورشد، وسقم وسقم، وعدم وعدم، وحزن وحزن، وعرب وعرب، وعجم ~~وعجم في أشباه. لذلك، و (فعل) يجمع على (فعل) نحو: أسد وأسد، ووثن ووثن، ~~فجمعوا (فعلا) كجمع (فعل) وهذا مذهب سيبويه وإن لم يصرح به. # ويقال: مخرت السفينة، إذا شقت الماء تمخر مخرا فهي ماخرة والجمع مواخر. # ومما يسأل عنه أن يقال: الحلية إنما تخرج من الملح دون العذب، فكيف قال ~~(يخرج منهما)؟ # وعن هذا جوابان: # أحدهما: أنه كذلك إلا أنه جمع بينهما في ذلك لاصطحابهما؛ لأن المعنى قد ~~عرف، ومثل ذلك قوله تعالى: (ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا (15) ~~وجعل القمر فيهن نورا)، والقمر إنما هو في سماء الدنيا، غير أنه وإن كان قد ~~اختص بمكان من السماوات فهو فيها، وكذلك البحران ms178 وإن كان اللؤلؤ والمرجان ~~يخرجان من أحدهما فهو يخرج منهما وإن اختص خروجهما من أحدهما. # والقول الثاني: أن في البحر عيونا عذبة واللؤلؤ والمرجان يخرجان من ~~بينهما، ذكر أنهما يتكونان في الماء العذب الذي في تلك العيون. فقد اشترك ~~العذب والملح فيهما. # PageV01P325 # قوله تعالى: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ~~ألوانها (27)) # الجدد: جمع " جدة " وهي الطريقة، وجدد: طرائق، قال الشاعر: # كأن سراته وجدة ظهره ... كنائن يجري بينهن دليص # يعني بالجدة: الخطة السوداء التي في متن الحمار، والدليص: البراق. # والغرابيب: حجارة سود واحدها " غربيب "، وقال (سود) والغرابيب لا تكون ~~إلا سودا للتوكيد، كما تقول: رأيت زيدا زيدا؟. إذا أردت التوكيد، وقيل: هو ~~على التقديم والتأخير، كأنه قال: وجدد سود غربيب، لأنه يقال: أسود غربيب، ~~وأسود حالك، وأسود حلكوك، وأسود حانك بمعنى واحد. # وقوله: (فأخرجنا به) أضاف الفعل إلى نفسه، وكان الأول بلفظ الغائب، لقوله ~~(ألم تر أن الله أنزل) لأن الضمير هو الظهر في المعنى فقام أحدهما مقام ~~الآخر. # ونصب (مختلفا ألوانها) على الحال، وهي حال مقدرة؛ لأن الثمرة أول ما تخرج ~~لا تختلف ألوانها، وإنما تختلف عند البلاغ، والحال على أربعة أوجه: # هذا أحدها، وهو الحال المقدرة. # PageV01P326 # والثاني: حال مؤكدة، نحو قوله تعالى: (وأن هذا صراطي مستقيما)، فهذه حال ~~مؤكدة؛ لأن صراط الله لا يكون إلا مستقيما. ومثله (وهو الحق مصدقا)، لأن ~~الحق لا يكون إلا مصدقا. # والثالث: حال منقلبة، نحو قولك: قام زيد ضاحكا؛ لأنه يجوز أن يقوم عابسا، ~~ففرقت بين المعنيين. # والرابع: حال منفية، نحو قولك: ما لزيد غير ملتفت ولا مقبل علينا. # وأجمع القراء على رفع (العلماء) ونصب (اسم الله تعالى)، وهو الصواب الذي ~~لا معدل عنه، إلا أن طلحة بن مصرف قرأ كذلك: (إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء) فرفع (اسم الله تعالى) ونصب (العلماء)، ويروى مثل ذلك عن أبي ~~حنيفة، وأكثر أهل العلم يذهب إلى أنه لحن، وقد اعتذر بعضهم لهذا بأن قال: ~~هو على القلب. كما تقول: تهيبني ms179 الفلاة، في معنى تهيبت الفلاة، وكما قال ~~الشاعر: # غداة أحلت لابن أصرم طعنة ... حصين عبيطات السدائف والخمر # فنصب (الطعنة) وهي فاعلة، ورفع (العبيطات) وهي مفعولة، والمعنى: أن ~~الطعنة التي طعنها أحلت له العبيطات، لأنه نذر أن لا يأكل عبيطا من اللحم ~~ولا يشرب خمرا حتى يقتل فلانا ويأخذ بثأره، فلما قتله أحل له ذلك القتل ما ~~كان حرم، ومثله قول امرئ القيس: # حلت لي الخمر وكنت امرءا ... عن شربها في شغل شاغل # وقال قوم: (يخشى) هاهنا بمعنى يراعي، والتقدير: إنما يراعي الله من عباده ~~العلماء، لأنهم هم المخاطبون الذين يفهمون. ما يخاطبهم به، ومن سواهم تبع ~~لهم. ومثل ذلك قولهم: ما تركت ذلك إلا خشيتك، أي: مراعاة لك. # وقيل: (يخشى) بمعنى: يعلم، والمعنى: كذلك يعلم الله من عباده العلماء، ~~وهذه التأويلات بعيدة. # * * * # PageV01P327 ### | ومن سورة (يس) ### | قوله تعالى: (لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون (6) # الإنذار: التخويف. و " اللام " في (لتنذر) لام كي، قال قتادة المعنى ~~لتنذر قوما لم ينذر آباؤهم، على جحد؛ لأن عرب الجاهلية لم يكن فيهم نبي قبل ~~محمد عليه السلام. وهذا التأويل إنما يصح إذا كان (القوم) هاهنا يعنى بهم ~~العرب المضرية والعدنانية، فأما القحطانية فقد كان فيهم هود وصالح وشعيب ~~عليه السلام، ومبعد أيضا من قبل أن قيسا بعث فيهم خالد بن سنان، وهو الذي ~~أطفأ نار الجمرة التي كانت ببلاد قيس، وروي أن بنته وفدت على النبي صلى ~~الله عليه وسلم فأكرمها، وقال: (هذه بنت نبي ضيعه قومه)، وقال عكرمة ~~المعنى: لتنذر قوما كالذي أنذر آباؤهم، فعلى هذا يكون الإنذار لجميع الناس، ~~وتحتمل (ما) على هذا الوجه أن تكون بمعنى (الذي)، فيكون التقدير: لتنذر ~~قوما كالذي أنذر آباؤهم، وتحتمل أن تكون مصدرية والتقدير: لتنذر قوما ~~كإنذار آبائهم. # * * * # قوله تعالى: (إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم (12)) # قال قتادة ومجاهد في قوله: (ونكتب ما قدموا) أي: أعمالهم، وقال مجاهد ~~(وآثارهم) خطاهم إلى المساجد قال غيره (وآثارهم) ما أثروا من الآثار ~~الصالحة أو غير الصالحة، فعمل ms180 بها، فلهم أجر من عمل بها بعدهم، أو وزره وهو ~~قول الفراء. # PageV01P328 # و (الإمام) هاهنا الكتاب الذي تثبته الملائكة عليهم السلام، وتكتب فيه ~~أعمال العباد. # وأجمع القراء على النصب في قوله (وكل شيء أحصيناه) على إضمار فعل، ~~والمعنى: وأحصينا كل شيء أحصيناه. قال الفراء: والرفع وجه جيد، قد سمعت ذلك ~~من العرب. # * * * # قوله تعالى: (والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم (38) ~~والقمر قدرناه منازل (39)) # العرجون: الكباسة، وهو القنو أيضا، والقنا والعنكول والعثكال، والقديم: ~~البالي. # ويسأل عن قوله (لمستقر لها)؟ # وفيه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أنها تجري لانتهاء أمرها عند انقضاء الدنيا. # والثاني: أنها تجري لوقت واحد لا تعدوه، وهو قول قتادة. # والثالث: أنها تجري إلى أبعد منازلها في الغروب. # * * * ### | وقوله (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر) # قيل معناه: حتى يكون نقصان ضوئها كنقصانه، وقال أبو صالح: لا يدرك أحدهما ~~ضوء الآخر، وقيل: الشمس لا تدرك القمر في سرعة سيره، ولا الليل سابق النهار ~~وكل على مقادير قدرها الله تعالى. # PageV01P329 # والفلك: موضع النجوم من الهواء. وأصله: الاستدارة، ومنه قيل: فلكة ~~المغزل، ويروى أن بعضهم قرأ (والشمس تجري [لا مستقر لها]) أي لا نهاية. # وقرأ نافع وأبو عمرو وابن كثير (والقمر قدرناه) بالرفع، وقرأ الباقون ~~بالنصب، فمن رفع جعله مبتدأ، والخبر في قوله (قدرناه) وهذا كما تقول: زيد ~~قام وعبد الله أكرمته، وأما النصب فعلى إضمار فعل يدل عليه (قدرناه)، كأنه ~~قال: وقدرنا القمر قدرناه منازل، ثم حذف الفعل الأول لدلالة الثاني عليه، ~~كما تقول: زيد قام وعمرا أكرمته، والنصب أجود من الرفع، لأنك تعطف فعلا على ~~فعل. قال الربيع بن ضبع الفراري: # أصبحت لا أحمل السلاح ولا ... أملك رأس البعير إن نفرا # والذئب أخشاه إن مررت به ... وحدي وأخشى الرياح والمطرا # يريد: وأخشى الذئب أخشاه، وأما الرفع فهو عطف جملة على جملة وفي الكلام ~~حذف، والتقدير: والقمر قدرناه ذا منازل، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه ~~مقامه، ولا يجوز أن يكون بلا حذف؛ لأن القمر غير المنازل وإنما يجري في ms181 ~~المنازل. ولا يجوز أن تنصب (منازل) على الظرف؛ لأنه محدود والفعل لا يصل ~~إلى المحدود إلا بحرف جر نحو: جلست في المسجد، ولا يجوز: جلست المسجد، ~~وإنما يصل الفعل بغير حرف إلى الظرف المبهم نحو: أمام ووراء وفوق وتحت ~~ويمنة ويسرة وما كان في معناها. # PageV01P330 ### | قوله تعالى: (ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون (51)) # الصور: قرن من نور ينفخ فيه يوم القيامة. واشتقاقه من: صرت الشيء أصوره، ~~أي: أملته وعطفته، كأنه قال: يمل الناس إلى الحشر ويعطفهم. # وقيل: الصور جمع صورة بمعنى الصور. والمعنى: ينفخ في صور بني آدم، وأصل ~~الصورة أيضا من الميل، لأنها تمال إلدى هيأة من الهيئات. # والأجداث: القبور، واحدها: جدث، هذه لغة أهل العالية، وأهل السافلة ~~يقولون " جدف "، والويل: بمعنى القبوح، هذا قول الأصمعي، وقال المفسرون: هو ~~واد في جهنم. # وموضع قوله (في الصور) رفع، لأنه مفعول لم يسم فاعله ل (نفخ)، كما تقول: ~~جلس في المكان. # ويحتمل قوله (من مرقدنا) هذا وجهين: # أحدهما: أن يكون " هذا " نعتا للمرقد، فتبتدئ حينئذ (ما وعد الرحمن). # والثاني: أن يكون الوقف على قوله (من بعثنا من مرقدنا)، وانقطع الكلام، ~~ثم قالت الملائكة (هذا ما وعد الرحمن)، وفي حرف عبد الله (من أهبنا من ~~مرقدنا هذا)، وهو بمعنى البعث، والبعث: بمعنى الإيقاظ هاهنا. يقال: بعثت ~~ناقتي فانبعثت، أي: أثرتها فثارت، وهب من منامه وأهبه غيره. وانبعث من ~~منامه وبعثه غيره. # PageV01P331 # والنسول: الإسراع في الخروج، يقال: نسل ينسل نسولا. قال الشاعر: # عسلان الذئب أمسى قاربا ... برد الليل عليه فنسل # قال امرؤ القيس: # وإنه تك قد ساءتك مني خليقة ... فسلي ثيابي من ثيابك تنسل # وقال قتادة في قوله (من بعثنا من مرقدنا هذا) يعني بين النفختين. # وقال ابن زيد: قوله (هذا ما وعد الرحمن) من قول الكافرين. # وقال قتادة: هو من قول المؤمنين، والأول أعني: أنه من قول الملائكة، قول ~~الفراء. # * * * ### | قوله تعالى: (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون (82)) # يقال: من المخاطب في قوله (كن)؟ ms182 # وفيه ثلاثة أجوبة عن الزجاج: # أحدها: أنه لم يقع قول، وإنما هو إخبار لحدوث ما يريد، كأنه في التقدير: ~~إنما أمره إذا أراد شيئا أن يكونه فيكون، فعبر عن هذا المعنى ب (كن) لأنه ~~أبلغ فيما يراد. # PageV01P332 # والثاني: أن المعنى: إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول من أجله (كن ~~فيكون)، فالمخاطب في هذين الوجهين معدوم، وجاز أمر المعدوم لأن الآمر هو ~~الموجد له. # والثالث: أن هذا إنما هو في التحويلات نحو قوله: (كونوا قردة خاسئين) و ~~(كونوا حجارة أو حديدا) وما أشبه ذلك. # ولفظ الأمر في الكلام على عشرة أوجه: # أحدها: الأمر لمن دونك، نحو قولك لغلامك: قم # والثاني: الندب، نحو قوله تعالى: (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا). # والثالث: الإباحة، نحو قوله: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض). # والرابع: الدعاء، نحو قوله: (آتنا في الدنيا حسنة)، ونحو قوله: (واعف عنا ~~واغفر لنا). # والخامس: الرغبة، نحو قوله: ارفق بنفسك، أحسن إلى نفسك. # والسادس: الشفاعة، نحو قولك: هب لي ذنبه، شفعني فيه. # والسابع: التحويل، نحو قوله: (كونوا قردة خاسئين) و (كونوا حجارة) # والثامن: التهديد، نحو: (اعملوا ما شئتم) (قل فانتظروا إني معكم من ~~المنتظرين). # PageV01P333 # والتاسع: الاختراع والإحداث، نحو: (كن فيكون). # والعاشر: التعجب. نحو: (أسمع بهم وأبصر). # ومن قرأ (فيكون) عطف على قوله (أن نقول له) ولا يجوز أن يكون جوابا ل ~~(كن)؛ لأن حق الجواب أن يكون مخالفا لما هو جواب له: إما باختلاف اللفظ، أو ~~باختلاف الفاعل، فاختلاف اللفظ نحو قولك: قم تكرم، واخرج فيحسن إليك، وأما ~~اختلاف الفاعل فنحو قولك: قم أقم معك، واخرج أخرج معك، وقوله (كن فيكون) قد ~~اتفق فيه الأمران: اتفاق اللفظ، واتفاق الفاعل، فصار بمنزلة قولك: قم تقم، ~~وهذا لا فائدة فيه. # فأما من رفع فعلى القطع، كأنه قال: فهو يكون، والرفع أجود من النصب، قال ~~علي بن عيسى: الأمر هاهنا أفخم من الفعل فجاء للتعظيم والتفخيم، قال: ويجوز ~~أن يكون بمنزلة التسهيل والتهوين وأنشد: # قالت له العينان سمعا وطاعة ... وحدرتا كالدر لما يثقب # والملكوت ms183 والملك بمعنى واحد إلا أن الملكوت أكثر مبالغة. # * * * # PageV01P334 ### | ومن سورة (الصافات) ### | قوله تعالى: (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب (6) # التزيين: التحسين، وحفظ الشيء: صونه، والمارد: الخارج إلى الفساد العاتي. # واختلف القراء: فقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وابن كثير (بزينة الكواكب) ~~وقرأ عاصم من طريق أبي بكر (بزينة الكواكب) ينون (زينة) وينصب (الكواكب)، ~~وقرأ حمزة وحفص عن عاصم (بزينة الكواكب) بالتنوبن وجر الكواكب. # فمن أضاف ولم ينون جعل المصدر الذي هو (زينة) مضافا إلى الكواكب، وأما من ~~نون ونصب (الكواكب) فإنه نصبها (بزينة)، كأنه قال: ولقد زينا السماء الدنيا ~~بأن زينا الكواكب، لأن تزيين الكواكب تزيين للسماء. ومن نون وجر جعل ~~الكواكب بدلا من (زينة)، كأنه قال: ولقد زينا السماء الدنيا بالكواكب، وهذا ~~من بدل الشيء من الشيء الذي هو هو؛ لأن الكواكب هي الزينة، ومثله (وإنك ~~لتهدي إلى صراط مستقيم (52) صراط الله)، وأجاز الفراء الرفع في (الكواكب) ~~مع تنوين (زينة) على أن تكون (الكواكب) هي (الرينة) للسماء، قال: يريد ~~زيناها بتزيينها الكواكب. # PageV01P335 ### | قوله تعالى: (قال قائل منهم إني كان لي قرين (51) # القرين والمقارن، والصاحب والصاحب ألفاظ متقاربة المعنى، والمدينون ~~المجاوزون، والسواء: الوسط، سمي سواء لاستواء المسافة منه إلى جميع جوانبه، ~~قال ابن عباس: كان القرين رجلا من الناس، وقال مجاهد: كان شيطانا. # وروي عن أبي عمرو (هل أنتم مطلعون) بكسر النون، رواه حسين (فأطلع) بقطع ~~الألف، والنحويون لا يجيزون ذلك؛ لأن الأسماء إذا أضيفت حذفت منها النون، ~~فكان يجب أن يقال: هل أنتم مطلعي وإنما يقال (يطلعون) في (يطلعونني) بحذف ~~إحدى النونين، كما قرأ نافع (فبم تبشرون)، فهذا يجوز في الفعل ولا يجوز في ~~الاسم، وأنشد الفراء: # وما أدري وظني كل ظن ... أمسلمني إلى قوم شراح # PageV01P336 # يعني: شراحيل، والمبرد يروي هذا البيت (يسلمني). # قال القراء في قوله (هل أنتم مطلعون) هذا الرجل من أهل الجنة كان له أخ ~~من أهل الكفر وأحب أن يرى مكانه، فيأذن الله له، فيطلع إليه في النار ~~ويخاطبه. فإذا رآه قال (والله إن كدت ms184 لتردين) قال: وفي حرف عبد الله ~~(لتغوين) ولولا رحمة ربي (لكنت من المحضرين) معك في النار. # والعامل في قوله: (أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما) مضمر، كأنه قال: ندان ~~ونجازى إنا لمدينون. ولا يجوز أن يعمل فيه (مدينون)، لأن الاستفهام لا يعمل ~~ما بعده فيما قبله. # ويقال: مت ومت، وكان القياس أن يقول من يقول (مت) (أمات) إلا أنه جاء ~~(فعل يفعل) ومثله: دمت أدوم وفضل يفضل، وقد حكى الكسائي: مت تمات ودمت تدام ~~على القياس، كما تقول: خفت أخاف ونمت أنام. # * * * ### | قوله تعالى: (أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم (62)) # الألف في قوله (أذلك خير): ألف تبكيب وتقريع، وشجرة الزقوم: هي الشجرة ~~الملعونة في القرآن، وكانت فتنتهم بها أن أبا جهل قال: النار تأكل الشجر، ~~فكيف ينبت فيها الشجر؟ - وللعلماء عن هذا جوابان: # أحدهما: أنها شجرة من النار. # والثاني: أنها من جوهر لا تأكله النار، وقد استقصيت شرح هذا فى سورة بني ~~إسرائيل. وذكر ابن إسحاق أن أبا جهل لما سمع " شجرة الزقوم " قال: أتعلمون ~~ما شجرة الزقوم؟ - قالوا: لا، قال؛ عجوة يثرب، بسمن الحجاز، والله لنتزقمها ~~تزقما، # PageV01P337 # فأنزل الله تعالى: (إن شجرت الزقوم (43) طعام الأثيم (44) كالمهل يغلي في ~~البطون (45). # * * * # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: إنما يشبه الشيء بما يعرف. ورؤوس الشياطين لا ~~تعرف. فكيف شبه طلع هذه الشجرة برؤوس الشياطين وهي لا تعرف؟ # وعن هذا ثلاثة أجوبة: # أحدها: أن رؤوس الشياطين ثمرة شجرة يقال لها الأستن، وإياه عنى النابغة: # تحيد عن أستن سود أسافلها ... مشي الإماء الغوادي تحمل الحزما # وهذه الشجرة تشبه بني آدم، قال الأصمعي: ويقال له " الصوم "، وأنشد: # موكل بشدوف الصوم يرقبه ... من المغارب مهضوم الحشانة # يصف وعلا يظن هذا الشجر قناصين فهو يرقبه. # والجواب الثاني: أن الشيطان جنس من الحيات، أنشد الفراء: # عنجرد تحلف حين أحلف ... كمثل شيطان الحماط أعرف # وأنشد المبرد: # وفي البقل إن لم يدفع الله شره ... شياطين ينزو بعضهن إلى بعض # والثالث: أن الله تعالى شنع صور الشياطين عند الناس، فاستقر في قلوبهم ms185 ~~أنها شنعة، فشبه طلع هذه الشجرة بما استقرت شناعته في القلوب، قال الراجز: # PageV01P338 # أبصرتها تلتهم الثعبانا ... شيطانة تزوجت شيطانا # وقال أبو النجم: # الرأس قمل كله وصئبان ... وليس في الرجلين إلا خيطان # فهي التي يفزع منها الشيطان # وقال امرؤ القيس: # أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال # فشبه أسنته بأنياب الأغوال، ولا يقول أحد أنه رأى الغول، ومن قاله من ~~العرب فكاذب، نحو # ما يحكى عن تأبط شرا. هذا قول المحققين من أصحابنا. # * * * ### | قوله تعالى: (فما ظنكم برب العالمين (87) فنظر نظرة في النجوم (88)) # قيل في قوله: (فما ظنكم برب العالمين) قولان: # أحدهما: أن المعنى: أي شيء ظنكم به أسوأ ظن. # والثاني: فما ظنكم برب العالمين أنه يصنع بكم. # وقيل في قوله: (فنظر نظرة في النجوم) أقوال: # أحدها: أن المعنى نظر في علم النجوم ليعلمهم أنه يعلم من علمهم مثل ما ~~يعلمون، فيكون # PageV01P339 # إنكاره لعبادتهم الأصنام وقولهم بعلم النجوم على بصيرة، لئلا يحتجوا عليه ~~بأنه لا يحسنها، وكان يقال " من جهل شيئا عاداه "، فقال: إني سقيم، أي: ~~سأسقم. # والثاني: أنه نظر في نجوم الأرض، وهو جمع نجم وهو ما لم يقم على ساق ~~فرآها تجف وتذوي، فقال: إني سقيم، أي: سأسقم وأذهب كما تذهب هذه النجوم. # وقيل: فنظر نظرة في النجوم، أي: فيم ينجم له من الرأي، أي: يظهر، يقال ~~نجم النبت إذا ظهر، فقال: إني سقيم. # قال الفراء في قوله (إني سقيم) أي: مطعون، ويقال: إنها كلمة فيها معراض، ~~أي: كل من كان في عنقه الموت فهو سقيم وإن لم يكن به حين قالها سقم ظاهر، ~~قال: وهو وجه حسن. # وروي عن يحيى بن المهلب عن الحسن بن عمارة عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب في قوله تعالى: (لا تؤاخذني بما نسيت)، ~~قال: لم ينس ولكنها من معاريض الكلام، وقد جاء عن عمر رضي الله عنه: (إن في ~~المعاريض لما يغنيك عن الكذب). # وقيل: كذب إبراهيم عليه السلام ثلاث كذبات: قوله (إني ms186 سقيم) وقوله (بل ~~فعله كبيرهم هذا)، وقوله في " سارة " هي أختي، وهذا على ما ذهب إليه الفراء ~~من المعاريض: (إني سقيم) سأسقم، و (فعله كبيرهم هذا) على طريق التبكيت لهم، ~~وكأنه فعله لتعظيمهم إياه، وسارة أخته في الدين. # وقيل: الكذب يجوز في المكيدة والتقية ومسرة الأهل بما لا يضر. # PageV01P340 # قوله تعالى: (فبشرناه بغلام حليم (101) فلما بلغ معه السعي (102)) # قوله: (ماذا ترى) من الرأي، أي: ما رأيك في ذلك. وقال الفراء المعنى: ~~ماذا تريني من رأيك أو ضميرك، و (رأى) في الكلام على خمسة أوجه: # - بمعنى أبصر، نحو: رأيت # - وبمعنى علم، نحو: رأيت زيدا عالما # - وبمعنى ظن، نحو قوله (إنهم يرونه بعيدا (6) ونراه قريبا (7)، فالأول ~~بمعنى الظن، والثاني بمعنى العلم. # - وبمعنى أعتقد، نحو قوله: # وإنا لقوم لا نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول # - وبمعنى الرأي، نحو قولك رأيت هذا الرأي. # فأما " رأيت في المنام " فمن رؤية البصر، فلا يجوز أن تكون " ترى " هاهنا ~~بمعنى تبصر؛ لأنه لم يشر إلى شيء يبصر بالعين. ولا يجوز أن تكون بمعنى " ~~علم " أو " ظن " أو " اعتقد "؛ لأن هذه الأشياء تتعدى إلى مفعولين، وليس ~~هاهنا إلا مفعول واحد، مع استحالة المعنى، فلم يبق إلا أن يكون من " الرأي ~~" والمعنى: ماذا تراه. # PageV01P341 # واختلف في جواب (لما): # فقيل: هو محذوف، والمعنى: (فلما أسلما وتله للجبين (103) وناديناه). فازا ~~أو ظفرا بما أرادا. # وقيل: " الواو " زائدة: والمعنى: فلما أسلما تله للجبين. # والتل: الصرع. # وقيل في معنى قوله: (بلغ معه السعي): أطاق أن يسعى معه، وهو قول مجاهد، ~~وقال عبد الرحمن بن زيد: هو السعي في العبادة. # وقيل: إنه أمر أن يقعد مقعد الذابح، وينتظر الأمر بإمضاء الذبح على ما ~~رآه في منامه، ففعل، وقيل: إنه أمر على شرط التخلية والتمكين، فكان كما روي ~~أنه كلما اعتمد بالشفرة انقلبت، وجعل على حلقه صفيحة من نحاس، وقيل: بل ~~ذبح، ووصل الله تعالى ما فراه بلا فصل. # واختلف في الذبيح: # فقيل: هو إسماعيل، وقيل: هو إسحاق، روى محمد بن خالد عن ms187 سلمة بن قتيبة عن ~~مبارك عن الحسن عن الأحنف عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أنه قال: ~~الذبيح إسحاق، وروى أبو الخطاب حدثنا أبو داودد عن زيد بن عطاء عن سماك بن ~~حرب عن محمد بن المنتشر عن مسروق أنه كان يقول: الذبيح إسحاق، وروى إسحاق ~~بن إبراهيم الشهيدي عن يحيى بن اليمان عن إسرائيل عن نور عن مجاهد عن ابن ~~عمر قال: الذبيح إسماعيل، وروى محمد بن عبيد حدثنا مسلم بن إبراهيم عن ~~الحجاج بن الحجاج عن الفرزدق هيثم بن غالب قال: سمعت أبا هريرة على منبر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: الذبيح إسماعيل، والأول قول علي وابن ~~مسعود والحسن وكعب الأحبار، والثاني قول محمد بن كعب وسعيد بن المسيب وابن ~~عباس والحسن بخلاف. # PageV01P342 # وقيل: كان الذبيح يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة. # وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (أنا ابن الذبيحين)، فهذا يدل ~~على أن الذبيح (إسماعيل)، لأن النبي عليه السلام من ولد إسماعيل، والذبيح ~~الثاني (عبد الله) أب النبي صلى الله عليه وسلم. # حدثني أبي عن عمه حدثنا القاضي منذر بن سعيد حدثنا أبو النجم عصام بن ~~منصور عن أبي بكر أحمد بن عبد الله البرقي عن أبي محمد عبد الملك بن هشام ~~عن زياد بن عبد الله البكاي عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب ~~المصري عن يزيد بن عبد الله عن عبد الله بن دريد الغافقي قال: سمعت علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه يحدث، قال: كان عبد المطلب نائما في الحجر، فأتاه ~~آت، فقال: احفر طيبة، قال عبد المطلب: وما طيبة؟ - قال: فذهب عني، قال عبد ~~المطلب: فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني فقال: احفر برة، ~~قلت،: وما برة؟ قال: فذهب عني، فلما كان من الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، ~~فجاءني فقال: احفر المضنونة، قلت: وما المضنونة؟ - قال: فذهب عني. فلما كان ~~الغد رجعت إلى مضجعي فنمت، فجاءني فقال احفر زمزم، ms188 قلت وما زمزم؟ - قال: لا ~~ينزف أبدا ولا يندم، وهي بين الفرث والدم عند نقرة الغراب الأعصم عند قرية ~~النمل، قال: فلما بين له شأنها. وعرف موضعها، وعرف أنه قد صدق، غدا بمعوله ~~ومعه ابنه الحارث، وليس له يومئذ ولد غيره، فحفر فلما بدا له الفيء كبر، ~~فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته، فقاموا إليه، فقالوا له: يا عبد المطلب، ~~إنها بئر أبينا إسماعيل. وإن لنا فيها حقا فأشركنا معك فيها، فقال: ما أنا ~~بفاعل، إن هذا الأمر قد خصصت به دونكم وأعطيته من بينكم. قالوا له: ~~فأنصفنا، فإنا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها. قال: فاجعلوا بيني وبينكم من ~~شئتم أحاكمكم إليه، قالوا كاهنة بني سعد بن هذيم، قال: نعم، وكانت بأطراف ~~الشام، فركب عبد المطلب ومعه نفر من بني أبيه من بني عبد مناف، وركب من كل ~~قبيلة من قريش نفر والأرض إذ ذاك مفاوز، فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض تلك ~~المفاوز بين الحجاز والشام فني ماء عبد المطلب وأصحابه، فظمئوا حتى أيقنوا ~~بالهلكة، فاستسقوا من معهم من قبائل قريش فأبوا عليهم، فقالوا إنا بمفاوز، ~~ونحن نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم، فلما رأى عبد المطلب ذلك قال لأصحابه ~~ماذا ترون؟ - قالوا: ما رأينا إلا تبع رأيك. فمرنا بما شئت، قال: فإني أرى ~~أن يحفر كل رجل منكم حفرته لنفسه بما بكم الآن في القرة، فكلما مات رجل ~~دفنه أصحابه في حفرته، ثم واروه حتى يكون آخركم رجلا، فضيعة رجل واحد أيسر ~~من ضيعة ركب، قالوا: نعم ما أمرت به، ففعلوا ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشا، ~~ثم إن عبد المطلب قال لأصحابه: # PageV01P343 # والله إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت لا نبتغي لأنفسنا فرجا لعجز، فعسى ~~الله أن يرزقنا ماء ببعض البلاد ارتحلوا، فارتحلوا حتى إذا فرغوا، وقبائل ~~قريش ينظرون إليهم ماهم فاعلون، تقدم عبد المطلب إلى راحلته فركبها، فلما ~~انبعثت به انفجرت من تحت خفها عين ماء عذب فكبر عبد المطلب وكبر أصحابه، ثم ~~نزل فشرب وشربوا، واستقوا حتى ملأوا ms189 أسقيتهم ودعا عبد المطلب قبائل قريش ~~فقال: هلم إلى الماء، فقد سقانا الله فاشربوا واستقوا. فشربوا واستقوا، ثم ~~قالوا له: والله لقد قضي لك علينا يا عبد المطلب، والله لا نخاصمك في زمزم ~~أبدا، إن الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو سقاك زمزم فارجع إلى سقايتك ~~راشدا، فرجع ورجعوا، ولم يصلوا إلى الكاهنة، قال: وكان قد نذر حين لقي من ~~قريش ما لقي (لئن ولد له عشرة نفر ثم بلغوا معه حتى يمنعوه لينحرن أحدهم ~~عند الكعبة) فلما ولد له عشرة، وعلم أنهم سيمنعونه، أحب أن يفي بنذره، فجمع ~~بنيه وأخبرهم بذلك، ودعاهم إلى الوفاء لله تعالى. فأطاعوه، قالوا: كيف ~~نصنع؟ - قال: ليأخذ كل رجل منكم قدحا ثم يكتب عليه اسمه، ثم ائتوني، ~~ففعلوا، وأتوه فدخل بهم على " هبل " في جوف الكعبة، وكان (عبد الله) أحب ~~ولده إليه، فكان يرى أن السهم إذا أخطأه فقد أشوى، فلما أخذ صاحب القداح ~~القداح ليضرب بها، قام عبد المطلب يدعو الله عند هبل، فضرب صاحب القداح، ~~فخرج القدح على عبد الله. فأخذ عبد المطلب بيده وأخذ الشفرة، ثم أقبل إلى ~~إساف ونائله ليذبحه، فقامت إليه قريش من أنديتها، فقالوا ما تريد يا عبد ~~المطلب؟ - قال: أذبحه، قالوا له: والله لا ندعك تذبحه، لئن فعلت لا يزال ~~الرجل يأتي بابنه حتى يذبحه، فما بقاء للناس على هذا، وساعدهم بنوه، فقال ~~له المغيرة بن عبد الله المخزومي: لا ندعك تذبحه حتى تعذر فيه، فإن كان ~~فداء فديناه بأموالنا، وقالت له قريش: اذهب إلى عرافة بالحجاز لها تابع، ~~فسلها وأنت على رأس أمرك. فذهب وذهبوا معه إلى خيبر، فسألوا العرافة عن ~~ذلك، فقالت: ارجعوا عني اليوم حتى يأتي تابعي فأسأله، فرجعوا، فلما كان من ~~الغد، عادوا إليها. فقالت لهم: قد جاءني الخبر، كم الدية فيكم؟ - قالوا ~~عشرة من الإبل، وكانت كذلك، قالت: فارجعوا إلى بلادكم ثم قربوا صاحبكم ~~وقربوا عشرا من الإبل، ثم اضربرا عليه وعليها بالقداح فإن خرجت على صاحبكم ~~فزيدوا من الإبل حتى ms190 يرضى ربكم. فإن خرجت على الإبل فانحروها عنه، فقد رضي ~~ربكم ونجا صاحبكم، فرجعوا إلى مكة فلما أجمعوا على ذلك قام عبد المطلب يدعو ~~الله، ثم قربوا عبد الله وعشرا من الإبل، وعبد المطلب يدعو، فخرج القدح على ~~عبد الله، فزاودوا عشرا، وضربوا فخرج على عبد الله، فزاودوا عشرا فخرج على ~~عبد الله، فزادوا عشرا فخرج على عبد الله. إلى أن بلغت مائة فخرجت على ~~الإبل، فقالت قريش ومن حضر: قد انتهى، رضي ربك يا عبد المطلب فقال: لا ~~والله، حتى أضرب عليها ثلاث مرات ففعل، تخرج في جميع ذلك على الإبل، فنحرت ~~وتركت لا يصد عنها إنسان ولا سبع، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - # PageV01P344 # يقول (أنا ابن الذبيحين) فهذا يدل على أن الذبيح إسماعيل عليه السلام؛ ~~لأن النبي من ولده. # * * * ### | قوله تعالى: (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون (147)) # (أو) هاهنا لأحد الأمرين على طريق الإبهام من المخبر، قال سيبويه: هي ~~تخيير. كأن الرائي خير في أن يقول: هم مائة ألف أو يزيدون. # وقال بعض الكوفيين: (أو) بمعنى (الواو) كأنه قال: ويزيدون. # وقال بعضهم: هي بمعنى (بل)، وهذان القولان عند العلماء غير مرضيين قال ~~ابن جني: هي شك من الرائي. # وأجود هذه الأقوال الأول والثاني. # * * * # PageV01P345 ### | ومن سورة (ص) ### | قوله تعالى: (ص والقرآن ذي الذكر (1)) # الذكر هاهنا: الشرف،: هو قول ابن عباس، كأنه قال:: القرآن ذي الشرف، وقال ~~الضحاك وقتادة: ذي الذكر: ذي التذكير. # قال قتادة في قوله (في عزة وشقاق) أي: في حمية وفراق، وقال عبد الرحمن بن ~~زيد: الشقاق: الخلاف، وأصله من المشاقة وهو أن يصير كل واحد من الفريقين في ~~شق، أي: في جانب، ومنه يقال: شق فلان العصا، إذا خالف. # قال الفراء: أجمع القراء على إسكان (صاد) إلا الحسن فإنه جرها بلا تنوين ~~لاجتماع الساكنين، وشبهه بقولهم: خاز باز، وتركته في حيص بيص. وأنشد: # لم يلتحصني حيص بيص الحاصي # قال و (صاد) في معنى: وجب والله، نزل والله، حق والله، فهي جواب لقوله ~~(والقرآن) كما تقول: ms191 نزل والله. # قال ابن عباس: هو اسم من أسماء الله تعالى. وقال السدي: هو من حروف ~~المعجم، وقال الضحاك # PageV01P346 # معناه: صدق الله، وقال قتادة: هو اسم من أسماء القرآن. # واختلف في كسر (الصاد): فقال الفراء: هو لالتقاء الساكنين، وقال غيره: هو ~~أمر من المصاداة، كأنه قال: صاد القرآن. أي: عارف بعملك وقابله، وهذا قول ~~الحسن. # وقرأ بعضهم (صاد) بالفتح، جعله اسما للسورة. ولم يصرفه للتعريف والتأنيث، ~~ويجوز أن يكون موضع (صاد) في هذا الوجه نصبا، كأنه قال: اتل صاد، ولو رفع ~~لجاز علي تقدير: هذه صاد، فأما من أسكن فيجوز أن يكون في موضع نصب على ~~تقدير: اتل، وعلى تقدير حذف حرف القسم في مذهب من جعلها قسما، ويجوز أن ~~يكون في موضع رفع على تقدير: هذه (ص)، في مذهب من جعلها اسما للسورة. # واختلف في جواب القسم: فقال الفراء: جواب قوله (والقرآن) (صاد)، وقد تقدم ~~ذكره، وقيل: جوابه محذوف. كأنه قال: والقرآن ذي الذكر لقد جاء الحق وظهر ~~الأمر، وقيل: الجواب ما كفى منه قوله (بل الذين كفروا) كأنه قال: والقرآن ~~ذي الذكر ما الأمر كما قالوا، وهو قول قتادة، وقيل: الجواب ما كفى منه قوله ~~(كم أهلكنا) وهذا مروي عن الفراء مع قوله الأول، وقيل: الجواب في آخر ~~السورة، وهو قوله (إن ذلك لحق تخاصم أهل النار (64))، إلا أنه بعد عن أول ~~الكلام. # PageV01P347 ### | قوله تعالى: (إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد (31)) # العرض: إظهار الشيء، يقال: عرضت عليه كذا وكذا. # والعشي: آخر النهار، وهو الأصيل أيضا: العصر والقصر. # والصافنات: من الخيل. يقال: فرس صافن إذا قام على ثلاث وثنى سنبله، وهو ~~جمع " صافنة "، وإنما يفعل ذلك الفرس؛ لأنه يراوح، قال مجاهد الصفون: رفع ~~إحدى يدي الفرس حتى تكون على طرف الحافر، وقال عبد الرحمن بن زيد: هو قيامه ~~على ثلاث، قال الشاعر: # ألف الصفون فما يزال كأنه ... مما يقوم على الثلاث كسيرا # قال الفراء في حرف عبد الله (إذ عرض عليه بالعشي الصوافن) وهو بمنزلة ~~الصافنات. # وقرئ (إذ عرض ms192 عليه بالعشي الصافيات) أي: المتخيرة. # والجياد: جمع جواد، وياؤها منقلبة عن واو، وأصلها (جواد). # والخير هاهنا: الخيل، وكان النبي عليه السلام يسمي " زيد الخيل " " زيد ~~الخير "، قال قتادة # PageV01P348 # والسدي: الخير الخيل ها هنا. # ويقال: طفق يفعل كذا وكذا، وجعل يقول كذا وكذا، وأخذ يفعل. . كل ذلك ~~بمعنى. # والكرسي: أصله من التكرس، وهو الاجتماع. ومنه قيل للجر " كراسة " لأنها ~~مجتمعة. # والجسد هاهنا: شيطان، قال ابن عباس: اسمه (صخر)، وقال مجاهد: اسمه (آصف)، # وقال السدي: اسمه (حبقيق). # واختلف في قوله: (فطفق مسحا بالسوق والأعناق): # فقيل: كشف عراقيبها وضرب أعناقها، وقال: لا تشغلني عن عبادة ربي مرة ~~أخرى، وهو قول الحسن. # وقال ابن عباس: مسح أعرافها وعراقيبها حبالها. # قال الزجاج: هذا لا يوجب ذنبا، واستعظم ضرب أعناقها وكشف عراقيبها، وقال: ~~لعله أوحي إليه بذلك، وأبيح له، لأن ضرب أعناق الخيل لا يوجبه تأخره عن ~~الصلاة. # قال الفراء في قوله (وألقينا على كرسيه جسدا) أي: صنما. # وقيل: كان سليمان عليه السلام يحب بعض ولده فجعله في السحاب خوفا عليه، ~~فعوقب بذلك وألقي جسد ولده ميتا على كرسيه (1). PageV01P349 # قوله تعالى: (ولقد فتنا سليمان (34)) # أي: ابتليناه، وقيل: سلب ملكه أربعين يوما. وكان ملكه في خاتمه. فلما ~~أخذه الشيطان رماه في البحر، فوجده سليمان بعد أربعين يوما في بطن سمكة. # وقيل: كان ذنبه أنه وطئ في ليلة عددا كثيرة من جواريه حرصا على كثرة ~~الولد. # وقيل: كان ذنبه أنه وطئ امرأته في الحيض. # وقيل: كانت له امرأة سباها من المغرب، وقتل أباها، فاتخذت صنما على صورة ~~أبيها، فكانت تسجد له، وكان اتخاذها له بعلم سليمان، فعوقب على تمكينها من ~~ذلك (1). # قال الفراء في قوله: (حتى توارت بالحجاب) يعني: الشمس، كان قد عرض هذا ~~الخيل، وكان غنمها من جيش قاتله، فظفر به، فلما صلى الظهر دعا بها فلم يزل ~~يعرضها حتى غابت الشمس، ولم يصل العصر، وكان مهيبا لا يبتدأ بشيء حتى يأمر ~~به، فلم يذكر العصر، ولم يكن ذلك عن تخير منه، فلما ذكرها قال: (إني أحببت ms193 ~~حب الخير)؛ يقول: آثرت حب الخير: يعني الخيل، والعرب تقول للخيل خير. # يروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله (عن ذكر ربي) أنه قال: ~~يعني صلاة العصر، وهو قول قتادة والسدي، قال الزجاج: أراها صلاة كانت ~~مفروضة عليه في ذلك الوقت؛ لأن صلاة العصر لم تفرض على غير نبينا عليه ~~السلام. # وأضمر (الشمس) في قوله (حتى توارت بالحجاب) أي سترت، ولم يجر لها ذكر؛ ~~لأنه PageV01P350 # شيء قد عرف، كما قال تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر) يعني: القرآن، ~~ولم يجر له ذكر، وقال: (كل من عليها فان) يعني: الأرض، ولم يجر لها ذكر. ~~هذا قول جميع النحويين. # قال الزجاج: وما أراهم أعملوا الفكر في هذا؛ لأن في الكلام ما يقوم مقام ~~ذكر الشمس، وهو قوله: (إذ عرض عليه بالعشي الصافنات) فالعثي يدل على معنى ~~الشمس. # * * * ### | قوله تعالى: (قال فالحق والحق أقول (84)) # قرأ حمزة وعاصم برفع الأول ونصب الثاني، وقرأ الباقون بنصبهما جميعا، وهي ~~قراءة الحسن، والأولى قراءة الأعمش وابن عباس ومجاهد. # فمن رفع الأول جعله خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: أنا الحق، أي: ذو الحق ~~والحق أقول. قال الفراء: هو مبتدأ والخبر محذوف، كأنه قال: فالحق مني، وذكر ~~أن مجاهدا قرأ (فالحق مني والحق أقول). والأول معنى قول ابن عباس قال ~~الفراء: وقد يكون رفعه على تأويل: الحق لأقومن، كما تقول: عزمة صادقة ~~لآتينك، لأن فيه تأويل: عزمة صادقة أن آتيك، قال: ومثله (ثم بدا لهم من بعد ~~ما رأوا الآيات ليسجننه). # PageV01P351 # ومن نصب فعلى تقدير: فالحق لأملأن، فينصب على المصدر، وإن كان فيه الألف ~~واللام، لأنه يؤدي عن قولك: حقا لأملأن، ويكون قوله (والحق أقول) اعتراضا ~~بين الكلامين. # ونصب (الحق) الثاني ب (أقول) ويجوز رفعه على الابتداء. و (أقول) الخبر، و ~~(الهاء) محذوفة؛ كأنه قال: والحق أقوله، كما قال امرؤ القيس: # فلما دنوت تسديتها ... فثوب نسيت وثوبا أجر # يروى: فثوب وثوبا بالرفع والنصب، فالرفع على ما ذكر لك، والنصب على أنه ~~مفعول مقدم. # * * * # PageV01P352 ### | ومن سورة ms194 (الزمر) ### | قوله تعالى: (وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج) # الأزواج: الأصناف. ويعني بالأنعام هاهنا: الإبل والبقر والضأن والمعز، من ~~كل صنف اثنين، وهو قول قتادة والضحاك ومجاهد. # قال الحسن: أنزل لكم من الأنعام: جعل لكم. # وقيل: أنزلها بعد أن خلقها في الجنة. # وقيل: الظلمات الثلاث هاهنا: ظلمة ظهر الرجل، وظلمة البطن، وظلمة الرحم، ~~وقيل: بل # ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، وهذا قول ابن عباس ومجاهد ~~وقتادة والضحاك والسدي وعبد الرحمن بن زيد. # * * * ### | قوله تعالى: (قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون (64)) # الألف هاهنا: ألف إنكار. # ويسأل عن نصب قوله (أفغير الله تأمروني)؟ # PageV01P353 # وفيه جوابان: # أحدهما: أن يكون منصوبا ب (أعبد)، كأنه قال: أفغير الله أعبد، فيكون ~~(تأمروني) اعتراضا. وحقيقته: أفغير الله أعبد فيما تأمرونني أيها الجاهلون. # والثاني: أن يكون التقدير: أتأمروني أعبد غير الله أيها الجاهلون، فلا ~~يكون (تأمروني) اعتراضا،: لكن على التقديم: التأخير. # ويسأل عن موضع (أعبد) من الإعراب؟ # وفيه جوابان: # أحدهما: أنه لا موضع لها من الإعراب؛ وذلك إذا جعلت التقدير: أعبد غير ~~الله فيما تأمروني أيها الجاهلون. # والثاني: أن يكون موضعه نصبا على الحال. وذلك إذا لم تجعل (تأمروني) ~~اعتراضا، فيكون التقدير: أتأمرونني عابدا غير الله. فخرجه مخرج الحال، ~~ومعناه: أن أعبد، على تقدير المصدر، والمصدر قد يأتي في موضع الحال، نحو ~~قولك: جئته ركضا ومشيا وكلمته مشافهة وشفاها. # وارتفع (أعبد) لأنك لما حذفت (أن) رجع الفعل إلى أصله، قال طرفة: # ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي # يريد: أن أحضر، فلما حذف (أن) ارتفع الفعل، ورواه بعضهم بالنصب على إضمار ~~(أن)؛ لأن الثانية تدل عليها. # PageV01P354 ### | قوله تعالى: (. . حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها) # يسأل عن دخول هذه (الواو) هاهنا. وعن جواب (إذا) من قوله (حتى إذا)؟ # فذهب المبرد إلى أن (الواو) زائدة، والمعنى: حتى إذا جاءوها فتحت ~~أبوابها. وكان ينكر قول من يقول هي (واو الثمانية)، قال: لأن هذا غير معروف ~~في كلام العرب. وأنشد: # فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى ... بنا بطن ms195 حقف ذي قفاف عقنقل # قال: المعنى: فلما أجزنا ساحة الحي انتحى. # قال ابن الرماني: جاءت (الواو) هاهنا للتصرف في الكلام. وقال أيضا: جاءت ~~لتدل على # أبواب الجنة الثمانية. وهو قول أكثر المفسرين. # وأكثر النحويين يمنع ذلك. # والجواب على هذا محذوف، والتقدير: حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وكان كيت ~~وكيت فازوا ونالوا المنى وما أشبه ذلك، وهذا معنى قول الخليل؛ لأنه قال في ~~بيت امرئ القيس الذي تقدم ذكره: # الجواب محذوف، والتقدير: فلما أجزنا ساحة الحي خلونا ونعمنا، قال بعض ~~الهذليين: # حتى إذا أسلكوهم في قتائدة، ... شلا كما تطرد الجمالة الشردا # فحذف جواب (إذا)؛ لأن هذا البيت آخر القصيدة. # PageV01P355 # وقيل: (الواو) واو الحال، دخلت لتدل على أنهم إذا جاءوها وجدوا أبوابها ~~مفتحة، فلم يعقهم عائق عن الدخول، وحذفت من الأول، كأن جهنم قد أغلقت، ~~وأقيموا على أبوابها؛ لأنه أشد لخوفهم وفزعهم؛ لأن البلاء توقعه أشد من ~~وقوعه. # * * * # PageV01P356 ### | ومن سورة المؤمن (غافر) # قوله تعالى: (قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين (11)) # يسأل: عن الإماتة الأولى، والإماتة الثانية، والإحياء الأول: الإحياء ~~الثاني؟ # وفيه جوابان: # أحدهما: أن الإماتة الأولى إماتتهم عند خروجهم من الدنيا، والإحياء الأول ~~إحياؤهم بمسألة منكر ونكير. والإماتة الثانية إماتتهم بعد المساءلة، ~~والإحياء الثاني إحياؤهم للبعث يوم القيامة، هذا قول السدي. # والثاني: أن الإماتة الأولى كونهم نطفة، والإحياء الأول إحياؤهم في ~~الدنيا، والإماتة الثانية إماتتهم عند خروجهم من الدنيا، والإحياء الثاني ~~إحياؤهم يوم القيامة. # * * * # قوله تعالى: (وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه (28)) # قيل: هذا المؤمن كان إسرائيليا يكتم إيمانه من آل فرعون، وقيل: كان قبطيا ~~من آل فرعون. # ويسأل عن قوله: (أن يقول ربي الله) ما علة دخول (أن) هاهنا، وما موضعها ~~من الإعراب؟ # والجواب: أنها دخلت لتدل على أن القتل إنما كان من أجل الإيمان، ولو حذفت ~~لم يدل على هذا، وإنما يدل على قتل رجل مؤمن لا من أجل إيمانه، والتقدير: ~~أتقتلون رجلا من أجل أن يقول، أي: لأن يقول، وتلخيصه من أجل قوله، ولو حذفت ~~(أن) كان ms196 التقدير: أتقتلون رجلا قائلا ربي الله؛ لأن (يقول) حينئذ نعت ~~لرجل، كما تقول: مررت برجل يأكل، أي: رجل آكل. # PageV01P357 # وموضع (أن) نصب على المفعول له. # وقوله: (يصبكم بعض الذي يعدكم) روي عن الخليل أن (بعضا) هاهنا زائدة، ~~والمعنى: يصيبكم الذي يعدكم. # قال بعض المفسرين: (بعض) هاهنا بمعنى: كل، وبه قال ابن قتيبة. وهذان ~~القولان غير مرضيين عند العلماء؛ لأن (بعضا) اسم ولا يصح زيادة الأسماء، ~~وإنما يزاد الحرف في بعض المواضع، و (بعض) ضد كل، فلا يدل على ضدها؛ لأن ~~المعاني إن فعل ذلك بها تشكل، قال ابن الرماني: إنما قال (يصبكم بعض الذي ~~يعدكم) على المظاهرة بالحجاج، أي: إنه يكفي بعضه فكيف جميعه، وقيل: بعضه في ~~الدنيا، وقيل: كان يتوعدهم بأمور مختلفة، فخوفهم ببعض تلك الأمور. # * * * # PageV01P358 ### | ومن سورة حم السجدة (فصلت) # قوله تعالى: (ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها (11)) # قد تقدم في سورة البقرة أن السماء قد تقع في معنى الجمع، وهي هاهنا كذلك؛ ~~لقوله تعالى: (فقضاهن سبع سماوات) فرد الضمير على الجمع. # جاء في التفسير: أنه تعالى خلقها أولا دخانا، ثم نقلها إلى حال السماء من ~~الكثافة والالتئام. # وقوله: (ثم استوى) معناه: قصد، وروي عن الحسن أنه قال: ثم استوى أمره ~~ولطفه إلى السماء. حدثنا أبو الحسن الحوفي عن أبي بكر الأدفوني حدثنا أبو ~~جعفر أحمد بن محمد النحاس قال: قرئ على إسحاق بن إبراهيم عن هناد بن السري ~~حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي سعيد بن المرزبان عن عكرمة عن ابن عباس قال ~~هناد وقرأته أنا على أبي بكر: أن اليهود أتت النبي صلى الله عليه وسلم ~~فسألته عن خلق السماوات والأرض؟ - فقال: خلق الله تعالى الأرض يوم الأحد ~~ويوم الإثنين وخلق الجبال وما فيهن يوم الثلاثاء وخلق الشجر والماء ~~والمدائن والعمارات يوم الأربعاء فهذه أربعة أيام، فقال تعالى (قل أئنكم ~~لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين)، ثم ~~قال (في أربعة أيام سواء للسائلين) ويقول: لمن سأل. وخلق ms197 يوم الخميس السماء ~~وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة صلوات الله عليهم، إلى ~~ثلاث ساعات بقيت منه، فخلق في أول ساعة من هذه الثلاث الآجال. وفي الثانية ~~ألقى الآفة على كل شيء مما ينفع الناس، وفي الثالثة خلق آدم عليه السلام، ~~وأسكنه الجنة وأمر الملائكة بالسجود له. وأخرجه منها في آخر ساعة. # قالت اليهود: ثم ماذا يا محمد؟ قال: ثم استوى على العرش، قالوا: قد أصبت ~~لو تممت ثم # PageV01P359 # استراح يوم السبت. فغضب النبي - صلى الله عليه وسلم - غضبا شديدا، فنزلت ~~(ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب (38) ~~فاصبر على ما يقولون). # قال أبو جعفر روي عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنه: أن الله تعالى خلق ~~يوما واحدا فسماه (الأحد)، ثم خلق ثانيا فسماه (الإثنين) ثم خلق ثالثا ~~فسماه (الثلاثاء) ثم خلق رابعا فسماه (الأربعاء) ثم خلق خامسا فسماه ~~(الخميس) ثم جمع الخلق فسماه (يوم الجمعة). # وروى عبد الله بن أبي رافع مولى أم سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه ~~قال: أخذ النبي صلى الله عليه بيدي فقال: (خلق الله التربة يوم السبت، وخلق ~~الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الإثنين، وخلق المكروه فيها ~~يوم الثلاثاء، وخلق النور فيها يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، ~~وخلق آدم عليه السلام بعد العصر في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين ~~العصر إلى الليل). # قال أبو جعفر: الحديثان ليسا بمتناقضين؛ لأنا إن عملنا على الحديث الأول ~~فالخلق في ستة أيام، وليس في التنزيل أنه لا يخلق بعدها شيئا. فيكون هذا ~~متناقضا، وإن عملنا على الثاني فليس في التنزيل أنه لم يخلق قبلها شيئا. # قال ابن عباس فيما روى عنه أبو مالك وأبو صالح: (ثم استوى إلى السماء وهي ~~دخان) كان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس فجعله سماء واحدة ثم فتقها ~~فجعلها سبع سماوات في يومين الخميس والجمعة. # قال غيره: قد صح أن الله تعالى خلق السماوات ms198 والأرض في ستة أيام مقدار كل ~~يوم ألف سنة من أيام الدنيا، فكان بين ابتدائه في خلق ذلك وخلق القلم الذي ~~أمره بكتابة ما هو كائن إلى قيام الساعة يوم وهو ألف سنة، فصار ابتداء ~~الخلق إلى الفراغ منه سبعة آلاف سنة. # قال ابن عباس: إقامة الخلق في الأرض سبعة أيام، كما كان الخلق في سبعة ~~أيام، ومدة الدنيا سبعة آلاف سنة. # PageV01P360 # قال العلماء: نظير خلق الأرض في يومين. ثم لما فيها من تتمة أربعة أيام، ~~قول القائل: خرجت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام ثم إلى الكوفة في خمسة ~~عشر يوما. أي في تتمة هذا العدد، ولا يريد أنه سار من بغداد إلى الكوفة في ~~خمسة عشر يوما، وقد فسرنا هذا فيما تقدم بأشبع من هذا. # * * * # قوله تعالى: (ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر (37)) # يسأل عن الضمير في قوله تعالى (الذى خلقهن) علام يعود، وكيف جمع، وإنما ~~تقدم ذكر الشمس والقمر؟ # والجواب: أن الضمير يعود على الآيات، والمعنى: واسجدوا لله الذي خلقهن، ~~أي: خلق الآيات، وليس يعود الضمير على الشمس والقمر فتجب تثنيته. # * * * # PageV01P361 ### | ومن سورة حم عسق (الشورى) ### | قوله تعالى: (ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام (32) # الجواري: السفن، واحدها جارية. # قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو (الجواري) بالياء في الوصل، ووقف ابن كثير ~~وحده على الياء، وقرأ الباقون بحذف الياء في الوصل والوقف. # فإثبات الياء هو الأصل في الوقف، وحذفها على التشبيه بحذفها مع التنوين؛ ~~لأن التنوين وحرف التعريف يتعاقبان على الكلمة، فأعطي أحدهما حكم الآخر، ~~فمن أثبتها في الوقف فعلى الأصل. ومن حذفها فعلى التشبيه بما وقف عليه من ~~المنون. # والأعلام: الجبال، واحدها علم، قالت الخنساء. # وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار # ومعنى يظلن: يدمن ويقمن، يقال: ظل يفعل كذا وكذا. إذا فعله نهارا، وبات ~~يفعل كذا وكذا، إذا فعله ليلا. # والرواكد: الثوابت، والإيباق: الإهلاك والإتلاف هذا قول ابن عباس ومجاهد ~~والسدي. # PageV01P362 # وقرأ نافع وابن عامر (ويعلم الذين يجادلون في آياتنا) # بالرفع على ms199 القطع. وقرأ الباقون (ويعلم) بالنصب على إضمار (أن). ~~والكوفيون يقولون: نصب على الصرف، وإنما أضمرت (أن) ليكون مع الفعل مصدرا ~~فيعطف على مصدر ما قبله، ومثله قول الشاعر: # للبس عباءة وتقر عيني ... أحب إلي من لبس الشفوف # أي: وأن تقر عيني، أضمر (أن) لأن في صدر الكلام مصدر: هو (لبس). # * * * # قوله تعالى: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو ~~يرسل رسولا (51)) # قال الفراء: هذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يرى في منامه، ~~ويلهمه يعني " الوحي " قال: (من وراء حجاب)، كما كلم موسى عليه السلام، (أو ~~يرسل رسولا) مثل ما كان من الملائكة التي تكلم الأنبياء عليهم السلام. # قال غيره: إرسال الرسول أحد أقسام الكلام، كما يقال: عتابك السيف، كأنه ~~قيل: إلا وحيا أو إرسالا. # وقيل المعنى؛ إلا أن، كما تقول: لألازمنك أو تقضيني حقي، فلا يكون ~~الإرسال على هذا الوجه كلاما. # PageV01P363 # قرأ نافع وابن عامر (أو يرسل) بالرفع، وهو الوجه على تقدير: أو هو يرسل ~~رسولا. وقرأ الباقون بالنصب على إضمار (أن) كأنه في التقدير: أو أن يرسل ~~رسولا، ولا يجوز أن يكون معطوفا على (يكلمه)؛ لأن المعنى يصير: وما كان ~~لبشر أن يكلمه الله ولا كان أن يرسل رسولا، وهذا إبطال النبوة. # * * * # PageV01P364 ### | ومن سورة (الزخرف) ### | قوله تعالى: (وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم (31) # القريتان هاهنا: مكة والطائف، ويعني بالرجل هاهنا: الوليد بن المغيرة ~~القرشي أو حبيب بن عمرو الثقفي. وهو قول ابن عباس، وقال مجاهد يعني ~~بالرجلين عتبة بن ربيعة من أهل مكة وابن عبد ياليل من أهل الطائف، وقال ~~قتادة: يعني من أهل مكة " الوليد بن المغيرة " ومن أهل الطائف " عروة بن ~~مسعود الثقفي " وقيل: يعني بالذي من الطائف " كنانة بن عمرو "، وهو قول ~~السدي. # وفي الكلام حذف، والتقدير: لولا أنزل هذا القرآن على أحد رجلين من ~~القريتين عظيم، ولا يجوز أن يكون على غير حذف؛ لأن رجلا لا يكون من قريتين، ~~وقيل التقدير: لولا ms200 أنزل هذا القرآن على رجل من رجلين من القرية، ثم حذف؛ ~~لأن المعنى مفهوم. # * * * ### | قوله تعالى: (واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون (45) # الأصل في " سل ": " اسأل " فألقيت حركة الهمزة على السين، وانفتحت السين، ~~فاستغني عن همزة الوصل فبقي " سل "، ومن العرب من يقول " اسأل " على الأصل، ~~ومنهم من ينقل الحركة إلى السين وشرك همزة الوصل على حالها فيقول " اسال " ~~ومثله في أن همزة الوصل دخلت على متحرك " الحمر " وليس لهما نظير إلا إذا ~~سميت رجلا بالباء من قولك " اضرب " فإنك تقول هذا " إب " وهو مذهب الخليل، ~~وقال غيره " رب ". # ومما يسأل عنه أن يقال: من الذي أمر أن يسألهم؟ # PageV01P365 # وفيه جوابان: # أحدهما: قال الضحاك وقتادة يعني به: أهل الكتابين. # والثاني: أنه يعني به: الأنبياء عليهم السلام حين جمعوا له ليلة الإسراء، ~~وهو قول عبد الرحمن بن زيد. # وفي الكلام على الوجه الأول حذف، والتقدير: وسل أمم من أرسلنا من قبلك، ~~وهو كقوله " وسل القرية "، وقيل: سلهم وإن كانوا كفارا فإن تواتر خبرهم ~~تقوم به الحجة. # والآلهة: جمع إله، مثل: إزار وآزرة، وكان المشركون يعظمون الأصنام تعظيم ~~ملوك بني آدم، وكان ذلك التعظيم كالعبادة لها، والمشركون مع ذلك مقرون أن ~~الله تعالى هو خالقهم ورازقهم، ويدل عليه قوله تعالى: (لئن سألتهم من خلق ~~السماوات والأرض ليقولن الله). # * * * ### | قوله تعالى: (قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين (81) # في (إن) هاهنا وجهان: # أحدهما: أن يكون نفيا، كأنه قال: ما كان للرحمن ولد. ومثله قوله: (ولقد ~~مكناهم فيما إن مكناكم فيه) أي: في الذي ما مكناكم. # والوجه الثاني: أنها شرط، والتقدير: (قل إن كان للرحمن ولد) على زعمكم ~~فأنا أول العابدين. # وقيل في العابدين ثلاثة أقوال: # PageV01P366 # أحدها: أنه من العبادة كأنه قال: فأنا أول من يعبده على أن لا ولد له؛ ~~لأن من جعل له ولدا لم يعبده حق العبادة، هذا قول المبرد. # والثاني: أن " عابدين " هاهنا بمعنى " جاحدين "، والمعنى: أنه لا ولد له ~~على الحقيقة، ms201 وإذا كان كذلك وجب أن يجحد ادعاء من ادعاه وينكر ولا يعتقد. # والثالث: أن معنى عابدين هاهنا بمعنى الآنفين، يقال عبدت من كذا أعبد ~~عبدا، قال الشاعر: # ألا هزئت أم الوليد وأصبحت ... لما أبصرت في الرأس مني تعبد # وقال الفرزدق: # أولئك قومي إن هجوني هجوتهم ... وأعبد أن يهجا كليب بدارم # قال مجاهد المعنى: قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين لله في ~~تكذيبكم، وقال عبد الرحمن ابن زيد وقتادة المعنى: قل ما كان للرحمن ولد، ~~وروي عن ابن عباس فيما روى السدي أن المعنى: قل لو كان للرحمن ولد لكنت أول ~~من عبده بأن له ولدا. ولكن لا ولد له. # والرحمن: اسم ممنوع، ومعنى ممنوع: أنه لا يسمى به غير الله تعالى، وقيل: ~~إن الجاهلية لم تكن تعرفه. فلما نزل قالوا: لا نعرف هذا الاسم، وقيل: إنه ~~لما نزل قالوا: لا نعرف (الرحمن) إلا هذا الذي باليمامة، وقد جاء في الشعر ~~الجاهلي، قال الشاعر وهو " سلامة بن جندل ": # عجلتم علينا حجتين عليكم ... وما يشأ الرحمن يعقد ويطلق # PageV01P367 ### | قوله تعالى: (وعنده علم الساعة وإليه ترجعون (85) ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون (86) # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون (87) وقيله يا رب إن هؤلاء ~~قوم لا يؤمنون (88)) # الساعة هاهنا: القيامة. # ومعنى (إلا من شهد بالحق) أي: إلا من شهد بأنه أهل العفو عنه. # ومعنى قوله (الذين يدعون من دونه) أي: يدعون إلها، إلا أنه حذف. # قرأ عاصم (وقيله يا رب) وكذلك قرأ حمزة، وهي قراءة السلمي وبعض أصحاب عبد ~~الله بن مسعود، وقرأ أهل المدينة (وقيله) بالنصب، وهي قراءة الحسن أيضا، ~~وروي عن الأعمش أو غيره (وقيله) بالرفع. # فمن جر عطفه على " الساعة " كأنه قال: وعنده علم الساعة وعلم قيله يا رب، ~~وقيل: ويجوز أن يكون معطوفا على " الحق " من قوله: (إلا من شهد بالحق) ~~(وقيله). # ومن نصب أضمر فعلا تقديره: ويعلم قيله يا رب. وهو اختيار أبي إسحاق، وقال ~~الفراء: كأنه قال: ms202 وشكى شكواه إلى ربه، قال: وهي فى إحدى القراءتين، قال: ~~ويجوز نصبه على قوله: (نسمع سرهم) (وقيله)، وقال الرماني التقدير: إلا من ~~شهد بالحق وقال قيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون، على جهة الإنكار عليهم، ~~ويجوز أن يكون معطوفا على موضع الساعة؛ لأن معنى قوله (وعنده علم الساعة)، ~~ويعلم الساعة، والساعة مفعولة وليست ظرفا؛ لأن الله تعالى لا يعلم في ساعة ~~دون ساعة تعالى عن ذلك. # PageV01P368 # وأما الرفع فعلى أنه معطوف على (علم الساعة) والمعنى: وعنده علم الساعة ~~وقيله، أي: وعنده قيله. # قال مجاهد: ولا تشفع الملائكة وعيسى وعزير عليهم السلام إلا من شهد ~~بالحق، وهو يعلم الحق، وقال قتادة: إلا من شهد بالحق الملائكة وعيسى وعزير ~~عند الله شهادة بالحق. # * * * # PageV01P369 ### | ومن سورة (الدخان) ### | قوله تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين (3) فيها يفرق كل أمر حكيم (4) # أي: أنزلنا القرآن، والليلة المباركة: ليلة القدر، وهو قول قتادة وعبد ~~الرحمن بن زيد، قالوا: أنزل القرآن جملة واحدة إلى بيت العزة في السماء ~~الدنيا، ثم نزل على النبي صلى الله عليه وسلم نجوما في نيف وعشرين سنة، ~~وقال عكرمة: الليلة المباركة: ليلة النصف من شعبان، وقيل: الليلة المباركة: ~~في جميع شهر رمضان؛ تقسم فيها الآجال والأرزاق وغيرهما من الألطاف، وهو قول ~~الحسن. # وسميت " مباركة " لأنها يقسم فيها أرزاق العباد من السنة إلى السنة. وقيل ~~في (أنزلناه) أي: ابتدأنا إنزاله. # ويسأل عن نصب قوله (أمرا من عندنا)؟ # وفيه وجهان: # أحدهما: أن يكون مصدرا، أي: أمرنا أمرا؛ لأن معنى (فيها يفرق) كمعنى ~~(فيها يؤمر) فدل يفرق على يؤمر. # والقول الثاني: أنه منصوب على الحال على أحد وجهين: إما أن يكون على ~~تقدير: ذا أمر، ثم حذف، كما قال (ولكن البر). أو يكون وضع المصدر موضع ~~الحال كما يقال: جاء مشيا وركضا، # PageV01P370 # أي: ماشيا وراكضا. # * * * ### | قوله تعالى: (فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين (29)) # يقال ما معنى (فما بكت عليهم)؟ # وفيه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أن المعنى: أهل السماء والأرض؛ لأنهم ms203 يسخط الله تعالى عليهم في ~~مكان خزي. # والثاني: أن المعنى: لو كانت السماء والأرض ممن يبكي على أحد لم تبك على ~~هؤلاء؛ لأنهم عصاة مجرمون. # والثالث: أن المعنى: أنه لم تبك عليهم كما تبكي على المؤمن إذا مات مصلاه ~~ومصعد عمله، وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير، والأول قول الحسن. # * * * ### | قوله تعالى: (ذق إنك أنت العزيز الكريم (49)) # يسأل عن معنى (العزيز الكريم) هاهنا؟ # وفيه جوابان: # أحدهما: أن يكون على طريق النقيض، المعنى: ذق إنك أنت الذليل المهين، إلا ~~أنه جاء على جهة الاستخفاف، وهذا في الكلام مستعمل يقول الرجل للرجل ~~يستجهله ويستحمقه: ما أنت إلا عاقل. # PageV01P371 # والثاني: ذق العذاب إنك أنت العزيز في قومك الكريم عليهم، وما أغنى عنك ~~ذلك شيئا. # قال قتادة: نزلت في أبي جهل، وذلك أنه كان يقول: أنا أعز من بها وأكرم، ~~فقيل له: أأنت الذي كنت تقول ذلك في قومك وتطلب العز والكرم بمعصية الله، ~~ذق هذا العذاب. # ومما جاء على طريق النقيض قوله تعالى: (إنك لأنت الحليم الرشيد) قيل ~~معناه: أنت السفيه الغوي؛ لأنهم إنما قالوا ذلك على طريق الاستخفاف به. قال ~~الحسن المعنى: ذق إنك أنت العزيز الكريم عند نفسك، والمعني به أبو جهل. # ويجوز في قوله (أنت) وجهان: # أحدهما: أن يكون توكيدا للكاف. و (العزيز) خبر (إن). # والثاني: أن يكون (أنت) مبتدأ، و (العزيز) خبره، والجملة خبر (إن). # * * * ### | قوله تعالى: (لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم (56)) # يقال: لم استثنى هاهنا الموتة الأولى، وهي قد انقضت؟ # والجواب: أنه استثنى من غير الجنس، والتقدير على مذهب سيبويه: لكن الموتة ~~الأولى، ومثله: ما زاد إلا ما نقص، أي: لكن نقص. # قال الفراء: " إلا " هاهنا بمعنى " سوى " والتقدير: سوى الموتة الأولى، ~~ومثله: # PageV01P372 # (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف). # وقال غيره: " إلا " بمعنى " بعد " والتقدير: بعد الموتة الأولى، وإنما ~~جاز أن تقع " إلا " موقع " بعد "؛ لأن " إلا " لإخراج بعض من كل، و " بعد " ~~لإخراج الثاني عن الوقت ms204 الأول. # والموتة: المرة الواحدة من الموت، والميتة الموت. والميتة - بفتح الميم - ~~الميتة، وكثير من المحدثين يغلط في مثل هذا فيقول في (البحر): هو الطهور ~~ماؤه والحل ميتته - بكسر الميم - والصواب فتحها. # * * * # PageV01P373 ### | ومن سورة (الجاثية) ### | قوله تعالى: (إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين (3) وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون (4) # واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض ~~بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون (5) # يقال: ما الآيات في السماء والأرض؟ # والجواب: الدلائل، وهي من وجوه كثيرة: # منها - أنه يدل خلقها على خالق لها؛ لأنه لا يكون بناء بغير بان. # ومنها - أنها أعظم الخلق. # ومنها - أنها محكمة على اتساق ونظام، وهذا يدل على أن صانعها واحد، وعلى ~~أنه قديم؛ لأنه صانع غير مصنوع. # ومنها - أنها ممسكة مع عظمها وثقل جرمها بغير عمد. . . إلى أشباه ذلك # ويسأل: عن الآيات في خلق الإنسان؟ # والجواب: أنها من وجوه: # منها - خلق الإنسان على ما هو به من وضع كل شيء في موضعه لا يصلح له، ~~وذلك يقتضي أن الصانع عالم بموضع المصلحة. # ومنها - جعل الحواس الخمس على الهيئة التي تصلح لها. # ومنها - آلة مطعمه ومشربه، ومآل ذلك، كل هذا في تدبير محكم. # PageV01P374 # قرأ الكسائي وحمزة (آيات) بالكسر، وقرأ الباقون بالرفع في الثانية ~~والثالثة، # فمن كسر # (التاء) جعل (الآيات) في موضع نصب على التكرير للتوكيد، والعرب تؤكد ~~بتكرير اللفظ (، نحو قولك: رأيت زيدا زيدا، ومثله قول الراجز: # لقائل يا نصر نصرا نصرا # هذا مذهب حذاق النحويين، وقال الأخفش: هو عطف على عاملين. كأنه قال: إن ~~في السماوات والأرض لآيات وفى خلقكم آيات، فعطف على (إن) و (في) وأنشد: # سألت الفتى المكي ذا العلم ... ما الذي يحل من التقبيل في رمضان # فقال لي المكي أما لزوجة ... فسبع وأما خلة فثمان # فعطف (خلة) على زوجة، و (ثمانيا) على سبع. وأنشد سيبويه: # أكل امرئ تحسبين امرأ ... ونار توقد بالليل نارا # فعطف (نارا) الأولى على (امرئ) الأول، وعطف (نارا) الثانية على (امرئ) ~~الثاني، ms205 ومثل ذلك: # هون عليك فإن الأمور ... بكف الإله مقاديرها # فليس بآتيك منهيها ... ولا قاصر عنك مأمورها # PageV01P375 # والعطف على عاملين عند البصريين لا يجوز؛ لا تقول: في الدار زيد، والسوق ~~عمرو، وأنت تريد: وفي السوق عمرو؛ لأن حرف الجر ضعيف، فلا يعمل بعد الفصل ~~بالأجنبي. # وأما من رفع فإنه جعل (الآيات) الثانية رفعا بالابتداء والخبر المجرور ~~الذي هو (وفي خلقكم)، وجعل (الآيات) الثالثة تكريرا للثانية، قال الفراء: ~~العرب تقول: إن لي عليك مالا وعلى أخيك مال كثير، فينصبون الثاني ويرفعونها ~~وأجاز الفراء رفع (الآيات) وفيها " اللام " وأنشد قال: أنشدنا الكسائي: # إن الخلافة بعدهم لذميمة ... وخلائف طرف لما أحقر # وذكر أن أبيا قرأ (وفي خلقكم وما يبث من دابة لآيات)، وكذلك في الثالثة. ~~وأجاز الكسائي: في الدار لزيد، والبصريون لا يجيزون ذلك. # * * * # PageV01P376 ### | ومن سورة (الأحقاف) # قوله تعالى: (فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا ~~(24)) # العارض: الدفعة من المطر هاهنا، وأصل العارض: الماء ولا يلبث. ومنه قيل: ~~الدنيا عرض، ولذلك قالوا لخلاف الجوهر عرض؛ لقلة بقائه. وقيل: سمي السحاب ~~عارضا لأخذه في عرض السماء قال الأعشى: # يا من يرى عارضا قد بت أرقبه ... كأنما البرق في حافاته الشعل # والضمير يعود على العذاب، أي: فلما رأوا العذاب الذي تقدم ذكره معترضا ~~مستقبل أوديتهم ظنوه مطرا. # وقوله: (مستقبل أوديتهم) نكرة، وإن كان بلفظ المعرفة؛ لأن الانفصال مقدر ~~فيه، والمعنى: فلما رأوه مستقبلا أوديتهم. وكذلك، (ممطرنا) إنما معناه: ~~ممطر لنا، واسم الفاعل إذا كان بمعنى الحال والاستقبال كان الانفصال مقدرا ~~فيه، نحو قولك: هذا ضارب زيد غدا، وشاتم عمر الساعة، والمعنى سيضربه وهو ~~يشتمه، وعليه قوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت)، وقوله: (هديا بالغ ~~الكعبة)، قال جرير: # PageV01P377 # يا رب غابطنا لو كان يطلبكم ... لاقى مباعدة منكم وحرمانا # يريد: يا رب غابط لنا؛ لأن (رب) لا تدخل على معرفة، وإنما تدخل على ~~النكرة وكذلك (كل). # * * * ### | قوله تعالى: (وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين ms206 (29)) # يسأل: عن معنى (وإذ صرفنا إليك نفرا)؟ # وفيه جوابان: # أحدهما: أن المعنى: صرفناهم بالرجم بالشهب، فقالوا إن هذا لأمر كبير، هذا ~~قول ابن عباس وسعيد بن جبير. # والثاني: أن المعنى عدلنا بهم إليك. # وقيل: صرفوا بالتوفيق. # قال ابن عباس: كانوا سبعة نفر، وقال ذر بن حبيش: كانوا تسعة نفر. # قال ابن عباس: كانوا من أهل نصيبين، وقال قتادة: صرفوا إليه من (نينوى) ~~وهي مدينة يونس عليه السلام. # * * * # PageV01P378 ### | ومن سورة (محمد) صلى الله عليه وسلم ### | قوله تعالى: (ويدخلهم الجنة عرفها لهم (6)) # يسأل عن معنى (عرفها لهم)؟ # وفيه جوابان: # أحدهما: أنه تعالى عرفها لهم. فوصفها على ما يشوق إليهات ليعلموا ما ~~يستوجبون بأعمالهم من الثواب، وما يحرمون بارتكاب المعاصي. # والثاني: أن المعنى: طيبها لهم بضروب الملاذ من (العرف) والعرف: الرائحة ~~الطيبة التي تتقبلها النفس تقبل ما تعرفه ولا تنكره. # وقيل: طبقات الجنة أربع: طبقة نعيم وهي أعلاها، وهي طبقة النبيين، ثم ~~طبقة نعيم للمؤمنين المجاوزين بأعمالهم، ثم طبقة نعيم للمعوضين من غيرهم، ~~ثم طبقة نعيم للمنتدين بالتفضل عليهم. وللطبقات تفاوت، والمراتب لا تتفاوت. ~~كما قال تعالى: (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل)، وقال: (أولئك ~~أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى). # * * * ### | قوله تعالى: (فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم (18)) # يسأل عن موضع (ذكراهم) من الإعراب؟ # PageV01P379 # والجواب: أن موضعها رفع، والتقدير: فأنى لهم ذكراهم إذا جاءتهم الساعة. # وأنى: بمعنى " من أين لهم " ومثل (فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم) قوله ~~تعالى: (يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى)، أي: ليس ينفعه ذكره ولا ~~ندامته. # * * * ### | قوله تعالى: (طاعة وقول معروف) # يسأل عن معنى قوله: (طاعة وقول معروف)، وبم ارتفع؟ # وفيه وجهان: # أحدهما: أن يكون المعنى: قولوا أمرنا طاعة وقول معروف، قال مجاهد: أمر ~~الله تعالى بذلك المنافقين، وقال غيره: هو حكاية عنهم يقولون: طاعة وقول ~~معروف قبل فرض الجهاد؛ لأن نقيضه قوله (فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم). # والثاني: ms207 أن المعنى طاعة وقول معروف أمثل وأليق من أحوال هؤلاء ~~المنافقين. # وقيل: المعنى: طاعة وقول معروف خير لهم من جزعهم عند نزول فرض الجهاد وهو ~~قول الحسن. # و (طاعة) على القول الأول خبر مبتدأ محذوف. وعلى القول الثاني مبتدأ ~~محذوف الخبر. # * * * # PageV01P380 ### | ومن سورة (الفتح) ### | قوله تعالى: (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم) # قال قتادة: لولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات بمكة. # قال ابن زيد: المعرة: الإثم، وقال: ابن إسحاق: غرم الدية وكفارة قتل ~~الخطأ عتق رقبة مؤمنة، ومن لم يطق فصيام شهرين، قال: وهي كفارة الخطأ في ~~الحرب، قال الفراء: كان بمكة مسلمون من الرجال والنساء فقال الله تعالى: ~~لولا أن تقتلوهم وأنتم لا تعرفونهم فتصييكم منهم معرة، يعني: الدية، ثم قال ~~(لو تزيلوا) أي: لو خلص الكفار من المؤمنين لأنزل الله بهم القتل والعذاب. # ومما يسأل عنه أن يقال: ما موضع قوله تعالى: (أن تطئوهم)؟ # وفيه جوابان: # أحدهما: أن موضع (أن) رفع على البدل من رجال في قوله (ولولا رجال) ~~والتقدير: ولولا وطئ رجال ونساء، أي: قتلهم، وهو بدل الاشتمال، ومثله: ~~نفعني عبد الله علمه، وأعجبتني الجارية حسنها، ومثله (يسألونك عن الشهر ~~الحرام قتال فيه)، ومثل ذلك قول الأعشى: # PageV01P381 # لقد كان في حول ثواء ثويته ... تقضي لبانات ويسأم سائم # أي: في ثواء حول. # والثاني: أن يكون موضعها نصبا على البدل من (الهاء والميم) في (تعلموهم)، ~~والتقدير: ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموا أن تطؤوهم، أي: لم ~~تعلموا وطأهم، وهو بدل الاشتمال أيضا. # * * * ### | قوله تعالى: (لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين) # يسأل عن الاستثناء في قوله (إن شاء الله آمنين) كذا يسميه المفسرون ~~والفقهاء، وهو في الحقيقة شرط؟ # وفيه أجوبة: # أحدها: أنه تأديب من الله تعالى ليتأدب الخلق بذلك، فيقولوا: سأفعل ذلك ~~إن شاء الله. # والثاني: أنه تقييد لدخول الجميع أو البعض، وهو قول علي بن عيسى. # والثالث: أنه على التقديم والتأخير، والمعنى: لتدخلن المسجد الحرام آمنين ~~إن شاء الله، والاستثناء ms208 واقع على دخولهم آمنين. # فهذه ثلاثة أقوال للبصريين، وقال بعض الكوفيين (إن) بمعنى (إذ) والمعنى: ~~إذ شاء الله، # PageV01P382 # ولا يجوز هذا عند أهل البصرة. # * * * ### | قوله تعالى (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا # سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل ~~كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى (29)) # الشطأ: فراخ الزرع التي تخرج من جوانبه، ومنه شاطئ النهر، أي جانبه، ~~وأشطأ الزرع فهو مشطئ. # وآزره: عاونه، واستغلظ: طلب الغلظ، والسوق: جمع ساق، وساق الشجرة ~~حاملتها. # وقيل (سيماهم في وجوههم من أثر السجود): علامة نور تجعل في وجوههم يوم ~~القيامة، وهو قول ابن عباس والحسن وعطية. وقال مجاهد: علامتهم في الدنيا من ~~أثر الخشوع. # * * * # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال ما معنى قوله: (ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في ~~الإنجيل)؟ # وفيه جوابان: # أحدهما: أن هذه الصفات التي تقدمت مثلهم في التوراة، تم الكلام، ثم قال: ~~ومثلهم في الإنجيل كزرع من صفته كيت وكيت. # PageV01P383 # والثاني: أن المعنى: أن صفته في التوراة: الإنجيل الصفة التي تقدمت. # فعلى القول الأول يكون الوقف على (التوراة)، وعلى القول الثاني يكون ~~الوقف على (الإنجيل)، والإشارة بذلك إلى الوصف المتقدم ذكره. # * * * # PageV01P384 ### | ومن سورة (الحجرات) ### | قوله تعالى: (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون (4)) # جاء في التفسير: أن أعرابا جفاة جاءوا، فجعلوا ينادون من وراء الحجرات: ~~يا محمد، اخرج إلينا، وهو قول قتادة ومجاهد وكانوا من بني تميم. # قال الفراء: أتاه وفد بني تميم، وهو نائم في الظهيرة، فجعلوا ينادون: ~~اخرج إلينا يا محمد، فاستيقظ، فخرج إليهم، ونزل: (إن الذين ينادونك من وراء ~~الحجرات)، ثم أذن لهم بعد ذلك، وقام شاعرهم وشاعر المسلمين وخطيبهم وخطيب ~~المسلمين فعلت أصواتهم بالتفاخر، فنزلت: (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت ~~النبي). # وقيل: نزلت في قوم كانوا يسبقون النبي صلى الله عليه وسلم بالقول إذا سئل ~~عن شيء. # والحجرات: جمع حجرة، وفيها ثلاث لغات: حجرات - بضمتين - وحجرات - بفتح ms209 ~~الجيم - وحجرات - بإسكانها، والأولى أفصح، قال الشاعر: # أما كان عباد كفيا لدارهم ... بلى ولأبيات بها الحجرات # * * * # قوله تعالى: (واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر ~~لعنتم (7)) # يسأل عن قوله (لو يطيعكم) في صفة النبي صلى الله عليه وسلم؟ # والجواب: أنه على طريق المجاز. لأن حقيقة الطاعة: موافقة الداعي الأجل ~~فيما دعا إليه من الأدون، ولا يجوز أن يقال: إن الله تعالى يطيع العبد، كما ~~لا يجوز أن يقال: إن العبد أمر ربه ونهاه، ولكن # PageV01P385 # دعاه فأجابه، فكأن الطاعة هاهنا: الإجابة لما سألوا منه. # والعنت: المعاندة. # ويسأل عن خبر (أن)؟ # والجواب: أن النحويين يجعلونه في الظرف الذي هو (فيكم)، وهذا القول فيه ~~نظر؛ لأن حق الخبر أن يكون مفيدا، ولا يجوز: النار حارة؛ لأنه لا فائدة في ~~الكلام، ومجاز هذا القول أنه على طريق التنبيه # لهم على مكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كما يقول القائل للرجل ~~يريد أن ينبهه على شيء: فلان حاضر، والمخاطب يعلم ذلك، فهذا وجه. # والوجه عندي: أن يكون الخبر في قوله (لعنتم)؛ لأن الفائدة واقعة به، ~~والمعنى: واعلموا أن رسول الله لو يطيعكم لعنتنم، كما تقول: إن زيدا لو ~~أكرمته لقصدك، وما أشبه ذلك. # * * * # PageV01P386 ### | ومن سورة (ق) ### | قوله تعالى: (ق والقرآن المجيد (1) بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب (2) أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد (3)) # قد تقدم في صدر الكتاب ما قيل في فواتح السور، ومما لم نذكره هنالك بعض ~~ما قيل في (ق): # قيل: (ق) جبل محيط بالدنيا، وقد ذكرنا قول الحسن: أنه اسم للسورة، وقيل ~~معناه: قضي الأمر؛ وكذا قيل في (حم): حم الأمر، أي: دنا، قال الفراء: هو ~~قسم أقسم به. # والمجيد: العظيم الكريم، يقال: مجد الرجل، ومجد، إذا عظم وكرم، وقيل: إذا ~~عظم كرمه، والأصل من مجدت الإبل مجودا إذا عظمت بطونها لكثرة أكلها من ~~الربيع. # * * * # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: أين جواب القسم؟ # والجواب عن ذلك: أنه محذوف. والتقدير فيه: ms210 قاف والقرآن المجيد ليبعثن، ~~ويدل عليه قوله: (أإذا متنا وكنا ترابا). # وكذا جواب (إذا) محذوف، وتقديره: أإذا متنا وكنا ترابا بعثنا أو رجعنا، ~~ويدل عليه قوله: (ذلك رجع بعيد)، أي: أمر لا ينال، وهو جحد منهم، كما تقول ~~للرجل يخطئ في المسألة: لقد ذهبت مذهبا بعيدا من الصواب، أي: أخطأت. # PageV01P387 # ويقال: عجيب وعجاب وعجاب، وهذه أبنية للمبالغة، ومثله كبير وكبار وكثار، ~~وله نظائر. # * * * ### | قوله تعالى: (إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد (17)) # يسأل عن توحيد (قعيد)؟ # وعنه جوابان: # أحدهما: أنه واحد يراد به الجمع، قال الفراء: حدثني حبان عن الكلبي عن ~~أبي صالح عن ابن عباس في قوله (قعيد قال: يريد قعودا عن اليمين وعن الشمال. ~~وهذا كما تقول: أنتم صديق لي، وكما قالوا (رسول) في معنى (رسل)، قال ~~الهذلي: # ألكني إليها وخير الرسول ... أعلمهم بنواحي الخبر # فجعل (الرسول) في معنى (الرسل)، والعلة في هذا: أن (فعيلا) و (فعولا) من ~~أبنية المصادر نحو: الزئير والدوي والقبول والولوع، والمصدر يقع بلفظ ~~الواحد، ويراد به التثنية والجمع؛ لأنه جنس، والجنس يدل واحده على ما هو ~~أكثر منه. # والجواب الثاني: أن يكون المعنى: عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد، ثم حذف ~~اكتفاء بأحد الاسمين عن الثاني؛ لأن المعنى مفهوم، قال الشاعر: # نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف # PageV01P388 # والمعنى: نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راض. فحذف، وقال الفرزدق: # إني ضمنت لمن أتاني راجيا ... وأبي، وكان وكنت غير غدور # يريد: وكان أبي غير غدور، فحذف، ولم يقل: وكنا غير غدوين، ومثله: # رماني بأمر كنت منه ووالدي ... بريا ومن أجل الطوي رماني # ولم يقل: بريئين، ومثله: (والله ورسوله أحق أن يرضوه). وقوله (وجعلناها ~~وابنها آية)، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم. # قال مجاهد: القعيد: الرصد، وقال أيضا: عن اليمين ملك يكتب الحسنات وعن ~~الشمال ملك يكتب السيئات، وهو قول الحسن. وزاد الحسن: حتى إذا مات طويت ~~صحيفة عمله، وقيل له يوم القيامة (اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا)، ~~ثم قال: ms211 عدل والله من جعله حسيب نفسه. # * * * ### | قوله تعالى: (ألقيا في جهنم كل كفار عنيد (24)) # جهنم: اسم أعجمي لا ينصرف للتعريف والعجمة، وقيل: هو عربي، وأصله من ~~قولهم: بئر جهنام إذا كانت بعيدة القعر، فلم ينصرف في هذا الوجه للتعريف ~~والتأنيث. # وسأل عن التثنية في قوله (ألقيا)؟ # وفيها خمسة أجوبة: # PageV01P389 # أحدها: أن العرب تأمر القوم والواحد بما يؤمر به الاثنان؛ يقولون للرجل ~~الواحد: قوما، واخرجا، ويحكى أن الحجاج قال: يا حرسي اضربا عنقه. يريد: ~~اضرب، قال الفراء: سمعت من العرب من يقول " ويلك ارحلاها ويلك ارحلاها "، ~~وأنشد قال أنشدني بعضهم: # فقلت لصاحبي لا تحبسانا ... بنزع أصوله واجتز شيما # ولم يقل: لا تحبسنا، قال:: أنشدني أبو ثروان: # وإن تزجراني يا ابن عفان أنزجر ... وإن تدعاني أحم عرضا ممنعا # قال: ونرى أن ذلك منهم أن أدنى أعوان الرجل في إبله وغنمه اثنان، وكذلك ~~الرفقة أدنى ما تكون ثلاثة، فجرى كلام الواحد على صاحبيه، ألا ترى أن ~~الشعراء أكثر شيء قيلا: يا صاحبي ولا خليلي، قال امرؤ القيس: # خليلي مرا بي على أم جندب ... نقض لبنات الفؤاد المعذب # ثم قال: # ألم ترياني كلما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيب # فرجع إلى الواحد؛ لأن أقل الكلام واحد في لفظ الاثنين، وأنشد أيضا: # PageV01P390 # خليلي قوما في عطالة فانظرا ... أثارا ترى من ذي أبانين أو برقا؟ # ولم يقل: تريا، فهذا وجه. # والجواب الثاني: أنه ثنى ليدل على التكرير،كأنه قال: الق الق، فثنى ~~الضمير ليدل على تكرير الفعل، وهذا لشدة ارتباط الفاعل بالفعل، حتى صار إذا ~~كرر أحدهما فكأن الثاني كرر، وهذا قول المازني، ومثله عندد: (قال رب ~~ارجعون)، جمع ليدل على التكرير، كأنه قال: ارجعن ارجعن ارجعن وقد شرحناه. # والثالث: أن الأمر تناول السائق والشهيد، كأنه قال: يا أيها السائق هلا ~~أيها الشهيد ألقيا في جهنم. # والجواب الرابع: أنه ثنى لأن إلقاءه في النار لشدته بمنزلة إلقاء اثنين ~~للواحد. # والجواب الخامس: أنه يريد (النون الخفيفة) كأنه قال: ألقين. فأجرى الوصل ~~مجرى الوقف، فأبدل من النون ms212 ألفا، كما قال: # وذا النصب المنصوب لا تنسكنه ... ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا # وعليه تأول بعضهم قول امرئ القيس: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل # PageV01P391 # من قال: أراد " قفن " لأنه يخاطب واحدا بدلالة قوله في آخر القصيدة: # أجار ترى برقا أريك وميضه ... كلمع اليدين في حبي مكلل # وهذا الجواب أضعف الأجوبة؛ لأنه محال أن يوصل الكلام والنية فيه الوقف. # * * * ### | قوله تعالى: (يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد (30)) # قال أنس: طلبت الزيادة، وقال مجاهد: المعنى معنى الكفاية، أي: لم يبق ~~مزيد لامتلائها، ويدل على هذا القول (لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين)، ~~ولا يمتنع القول الأول لوجهين: # أحدهما: أن هذا القول كان منها قبل دخول جميع أهل النار فيها. # والآخر: أن تكون طلبت الزيادة على أن يزاد في سعتها، ومثله حمل بعضهم قول ~~النبي صلى الله عليه يوم فتح مكة ألا تترك دارك فقال: (وهل ترك لنا عقيل من ~~دار)؛ لأنه كان قد باع دور بني هاشم لما خرجوا إلى المدينة. فعلى هذا يكون ~~على المعنى الأول أي: وهل بقي زيادة، وجاء في التفسير: أن الله تعالى يخلق ~~لجهنم آلة الكلام فتتكلم، وقال بعضهم: هو على التمثيل، وأنشد: # إمتلا الحوض وقال قطني ... مهلا رويدا قد ملأت بطني # وكذا قول عنترة: # وشكا إلي بعبرة وتحمحم # والأول هو المذهب؛ لأنه لا يمتنع أن يخلق الله لها آلة الكلام فتتكلم؛ ~~لأن من أنطق الأيدي والأرجل # PageV01P392 # والجلود قادر على أن ينطق جهنم، وكذا قوله: (قالتا أتينا طائعين)، هو ~~قول، وليس على طريق التمثيل. # وقيل في هذا الجمع إنه إنما أتى كذلك؛ لأنه لما أخبر عنها بفعل من يعقل ~~جمعها جمع من يعقل فهذا يؤكده ما قلناه. # وقال الكسائي المعنى: أتينا نحن ومن فينا طائعين، وفيها من يعقل فغلب على ~~ما لا يعقل، وكل حسن جميل. # * * * # PageV01P393 ### | ومن سورة (الذاريات) ### | قوله تعالى: (كانوا قليلا من الليل ما يهجعون (17) وبالأسحار هم يستغفرون (18)) # يسأل عن نصب (قليلا)؟ # وفيه وجهان: # أحدهما: أنه نعت لمصدر محذوف تقديره: هجوعا ms213 قليلا من الليل ما يهجعون # ، فعلى هذا الوجه تكون (ما) زائدة، و (يهجعون) خبر (كانوا)، والتقدير: ~~كانوا يهجعون هجوعا قليلا. # والوجه الثاني: أن يكون (قليلا) خبرا لكانوا. والمعنى: كان هؤلاء قليلا، ~~ثم قال: من الليل ما يهجعون، أي: ما يهجعون شيئا من الليل. # فعلى الوجه الأول يهجعون هجوعا قليلا، وعلى القول الثاني لا يهجعون ~~ألبتة. # والهجوع: النوم. وهو قول ابن عباس وإبراهيم والضحاك، والأول قول الحسن ~~والزهري. # و (ما) في القول الأول صلة. وفي القول الثاني نافية، وقيل (ما) مصدرية، ~~والتقدير: كانوا قليلا هجوعهم، وقدر بعضهم (قليلا) نعتا لظرف محذوف، أي: ~~كانوا وقتا قليلا يهجعون، وكل محتمل. قال قتادة: لا ينامون عن العتمة ~~ينتظرونها لوقتها؛ كأنه عد هجوعهم قليلا في جانب يقظتهم للصلاة، ولا يجوز ~~أن تجعل (ما) نفيا وينصب بها (قليلا)؛ لأن ما بعد النفي لا يعمل فيما قبله. # PageV01P394 ### | قوله تعالى: (وفي السماء رزقكم وما توعدون (22) فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون (23)) # قال الضحاك (وفي السماء رزقكم) أي: المطر؛ لأنه سبب الخير، قال مجاهد ~~(وما توعدون) من خير أو شر. وقيل: ما توعدون: الجنة، لأنها في السماء، قال ~~الفراء: أقسم بنفسه إن الذي قال لكم حق مثل ما إنكم تنطقون، قال: وقد يقول ~~القائل كيف اجتمع (ما) و (أن) وقد يكتفى بإحداهما من الأخرى؟ وفي هذا ~~وجهان: # أحدهما: أن العرب تجمع بين الشيئين من الأسماء والأدوات إذا اختلف ~~لفظهما، في الأسماء قال الشاعر: # من النفر اللائي الذين إذا هم ... يهاب اللئام حلقة الباب قعقعوا # فجمع بين (اللائي) و (الذين) وأحدهما مجزئ من الآخر، وأما في الأدوات ~~فقول الشاعر: # ما إن رأيت ولا سمعت به ... كاليوم طالي أينق جرب # فجمع بين (ما) و (أن) وهما جحدان أحدهما يجري مجرى الآخر. # وأما الوجه الآخر: فإن المعنى لو أفرد ب (ما) لكان المنطق في نفسه حقا لا ~~كذبا، ولم يرد به ذلك، وإنما أراد به أنه لحق كما أن الآدمي ناطق، ألا ترى ~~أن قولك: أحق منطقك؟ معناه: أحق ms214 هو أم كذب؟ وأن قولك: أحق أنك تنطق؛ معناه: ~~ألك النطق حقا؟ والنطق له لا لغيره، وأدخلت (أن) ليفرق بين المعنيين، قال: ~~وهذا أعجب الوجهين إلي، # PageV01P395 # وهو كما قال؛ لأن الوجه الأول ضعيف. أما البيت الأول فالرواية المشهورة ~~فيه: # من النفر البيض الذين إذا هم ... يهاب اللئام حلقة الباب قعقعوا # وأما البيت الثاني فلأن (لا) فيه زائدة، والعرب تزيد (إن) مع (ما) نحو ~~قول النابغة: # فما إن كان من نسب بعيد ... ولكن أدركوك وهم غضاب # وكذا قول الأخر: # فما إن طبنا جبن ولكن ... منايانا ودولة آخرينا # وهذا إن شاع في الحروف فإنه في الأسماء بعيد و (ما) و (أن) اسمان في ~~تأهيل المصدر، إلا أنه يجوز أن تكون (ما) حرفا فيسوغ زيادتها، ولا يسوغ إذا ~~كانت مصدرية؛ لأنها في حيز الأسماء ولا يستحسن زيادة الأسماء. وأما الحروف ~~فيستحسن زيادتها لاسيما (ما) نحو قوله تعالى: (فبما رحمة من الله)، و (فبما ~~نقضهم ميثاقهم) ونحو قوله (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة) ف ~~(ما) في أحد القولين زائدة، وقد زادت العرب (ما) زيادة لازمة نحو قولهم: ~~افعل ذلك آثرا ما. # قرأ الكسائي وحمزة وعاصم من طريقة أبي بكر (مثل) بالرفع، وهي قراءة ~~الأعمش، وقرأ الباقون بالنصب، وهي قراءة الحسن. فالرفع على أنه نعت للحق، ~~وأما النصب ففيه ثلاثة أوجه: # PageV01P396 # أحدها: أن يكون في موضع رفع؛ لأنه مبني لإضافته إلى غير متمكن وهو الاسم ~~الناقص، قال الشاعر: # لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت ... حمامة في غصون ذات أوقال # فبنى (غير) لأنها مبهمة أضافها إلى مبني وهو (أن)، وموضع (غير أن نطقت) ~~رفعا وكذلك (مثل) مبهم أضيف إلى مبني، فهذا وجه. # والوجه الثاني: أنه منصوب على الحال. وهو قول الجرمي، وفيه بعد؛ لأن ~~(حقا) نكرة، والحال لا تكون من النكرة، إنما شرطها أن تكون نكرة بعد معرفة ~~قد تم الكلام دونها، نحو قولك: جاء زيد راكبا، تنصب (راكبا) لأنه نكرة جاء ~~بعد (زيد) وهو معرفة يجوز أن يوقف دونه؛ لأنك ms215 لو قلت: جاء زيد، لكان كلاما ~~تاما، وهذه الحال منتقلة، إلا أنه قد جاء عن العرب حرف شاذ، وهو قولهم: وقع ~~أمر فجأة، نصبوا (فجأة) على الحال من (أمر) وأمر نكرة، ولو حصله حامل على ~~أنه منصوب على المصدر لكان وجها؛ لأن المعنى: وقع أمر وفاجأ أمر سواء. # وقيل: إن (مثل ما) حال من مضمر في (حق) لأنه وإن كان مصدرا نهو في موضع ~~اسم الفاعل، واسم الفاعل يتضمن الضمير، نحو قولك: هذا زيد قائم، ففي (قائم) ~~ضمير، ألا ترى أنك لو أجريت (قائما) على غير من هو له لأظهرت الضمير؛ فقلت: ~~هذا زيد قائما أبوه، وقائم أبوه، إن شئت، ف (الهاء) في (أبوه) هو الضمير ~~الذي كان في (قائم)، ولم يبق في (قائم) ضمير. # والوجه الثالث: أنه منصوب على المصدر، كأنه قيل: إنه لحق حقا كنطقكم، وهو ~~قول الفراء، وزعم أن العرب تنصبها إذا رفع بها اسم، فيقولون: مثل من عبد ~~الله، ويقولون: عبد الله مثلك، وأنت مثله، وعلة النصب فيها: أن الكاف قد ~~تكون داخلة عليها فتنصب إذا ألقيت الكاف، قال: فإن قال قائل: أفيجوز أن ~~نقول: زيد الأسد شدة، فتنصب (الأسد) إذا ألقيت الكاف؛ - قلت: لا، وذلك أن ~~(مثل) تؤدي عن الكاف والأسد، ولا يؤدي عنها، ألا ترى قول الشاعر: # PageV01P397 # وزعت بكالهراوة أعوجي ... إذا ونت الركاب جرى وثابا # أن الكاف قد أجزأت عن (مثل)، وأن العرب تجمع بينهما، فيقولون زيد كمثلك، ~~وقال الله تعالى: (ليس كمثله شيء). قال: واجتماعهما دليل على أن معناهما ~~واحد. # وهذا لا يجوز عند البصريين. و (الكاف) هاهنا زائدة. وإنما لم يجز عندهم؛ ~~لأنه لا ناصب هنالك وإنما ينصب الاسم إذا حذف منه حرف الجر إذا كان قبله ~~فعل ينصبه، نحو قولك: أمرتك الخير، أنت تريد: أمرتك بالخير. وأنت إذا قلت: ~~إنه لحق كمثل ما أنكم تنطقون، فحذفت الكاف لم يبق ما ينصب (مثل) لأنه لا ~~فعل هنالك، وإنما قبله (حق) وهو مصدر. والمصدر لا يعمل في المصدر إلا أن ~~يضمر له فعل ms216 تقديره: إنه لحق يحق حقا مثل نطقكم، ثم حذفت الفعل والمصدر ~~جميعا وأقمت نعت المصدر مقامه، فهذا يجوز على هذا التقدير. # * * * # PageV01P398 ### | ومن سورة (الطور) ### | قوله تعالى: (يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ولا تأثيم (23)) # الكأس: القدح بما فيه، ولا يسمى كأسا إذا لم يكن فيه شيء، قال الشاعر: # صددت الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا # وقد تسمى الخمر نفسها كأسا. قال علقمة: # كأس عزيز من الأعناب عتقها ... لبعض أربابها حانية حرم # ومعنى (يتنازعون) يتعاطفون كأس الخمر، قال الأخطل: # نازعته طيب الراح الشمول وقد ... صاح الدجاج وحانت وقعة الساري # واللغو واللغا: كل ما لا خير فيه من الكلام، قال الراجز: # عن اللغا ورفث التكلم # والتأثيم والإثم والآثام واحد. # PageV01P399 # وقرأ ابن كثير (لا لغو فيها ولا تأثيم) بالنصب، وقرأ الباقون بالرفع ~~والتنوين. # فمن نصب أعمل (لا) في الموضعين وهي تنصب النكرة بلا تنوين؛ لأنها مشبهة ب ~~(إن)، وذلك أن (إن) موجبة و (لا) نافية. والعرب تحمل النقيض على النقيض. ~~كما تحمل النظير على النظير، فلما كانت (إن) تنصب الاسم وترفع الخبر، ~~أعملوا (لا) ذلك العمل، وحكى يونس: لا رجل أفضل منك، تنصب (رجل) وترفع ~~(أفضل) لأنه خبر (لا) إلا أنها نقصت عن حكم (إن) فلم تعمل إلا في النكرة، ~~وذلك أن (إن) مشبهة بالفعل، و (لا) مشبهة ب (إن) فلما كانت مشبهة بالشبه ~~قصرت على شيء واحد، ولهذا نظير، وذلك أنك تقول: تالله ووالله وبربك ووربك، ~~وتقول: تالله، ولا يجوز: تريك؛ وذلك أن (التاء) بدل من (الواو) و (الواو) ~~بدل من (الباء) فلما كانت (التاء) مبدلة من مبدل قصرت على شيء واحد، وكذلك: ~~فلان من آل فلان. ولا يجوز: فلان من آل المدينة؛ لأن (الألف) من الآل بدل ~~من (الهمزة) و (الهمزة) بدل من (أهل) فصارت بدلا من بدل فقصرت على شيء ~~واحد، وكذلك: أسنى القوم، اذا دخلوا في السنة، وسواء كانت مخصبة أو مجدبة، ~~فإذا قالوا: استنوا، لم يقع إلا على المجدبة؛ لأن (التاء) بدل من (الياء) و ~~(الياء) ms217 بدل من (الواو) و (الهاء) على الخلاف في ذلك؛ لأنه يقال؛ سانهت ~~وسانيت، وقالوا: سنوات وسنة سنهاء، وهذا كله مذهب سيبويه، وذهب غيره من ~~النحويين إلى أن (لا) مبنية مع ما بعدها على الفتح، وليس ما بعدها معربا ~~ولكنه مبني لتضمنه معنى الحرف؛ لأن حق الجواب أن يكون وفق السؤال و (لا) ~~جواب لمن قال، هل من رجل عندك؟ فجوابه: لا رجل عندي، وكان يجب أن يقول: لا ~~من رجل، إلا أن (من) حذفت. وضمن الكلام معناها، ووجب البناء؛ لأن كل ما ~~تضمن معنى الحرف يبنى. فإن قال: هل رجل عندك؟ - قلت: لا رجل عندي ترفع لا ~~غير؛ لأن الكلام لم يتضمن معنى (من) والنصب أبلغ في المعنى لتضمنه معنى ~~(من) لأن (من) يدخل في " النفي " لاستفراق الجنس، نحو قولك: ما # PageV01P400 # ما جاءني من رجل. فقد نفيت جميع الرجال. ولو قلت: ما جاءني رجل، لجاز أنك ~~تريد: جاءني اثنان فصاعدا، ومن هذا الوجه كان النصب في قوله (لا لغو فيها ~~ولا تأثيم) أجود؛ لأنه أشد في المبالغة. # ومن رفع جعل (لا) جوابا ل (هل) من غير (من) وهذا يقتضي الرفع، والرفع على ~~الابتداء، و (فيها) الخبر. و (تأثيم) عطف على (لغو)، وإذا نصبت جعلت (فيها) ~~خبرا ل (لا) ويجوز هاهنا خمسة أوجه: # أحدها: نصب الاثنين. # والثاني: رفع الاثنين. وقد قرئ بهما، قال الشاعر في الرفع: # وما هجرتك حتى قلت معلنة ... لا ناقة لي في هذا ولا جمل # ويجوز نصب الأول بلا تنوين ونصب الثاني بتنوين قال الشاعر: # لا نسب اليوم ولا خلة ... اتسع الخرق على الراقع # ويجوز رفع الأول منونا ونصب الثاني بلا تنوين، قال الشاعر: # فلا لغو ولا تأثيم فيها ... وما فاهوا به أبدا مقيم # ويجوز نصب الأول بلا تنوين ورفع الثاني بتنوين، قال الشاعر: # وإذا تكون كريهة أدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندب # هذا وجدكم الصغار بعينه ... لا أم لي إن كان ذاك ولا أب # وحق قوله (ولا أب) أن يكون منونا إلا أنه قافية. والقوافي لا ms218 تنون في ~~الوصل. # فهذه خمسة أوجه. فإن حذفت (لا) الثانية لم يجز فيما بعد الواو إلا ~~التنوين رفعا أو نصبا، نحو # PageV01P401 # قولك: لا غلام وجارية. ولا غلام وجارية، قال الشاعر: # لا أب وابنا مثل مروان وابنه ... إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا # وهذه الوجوه كلها تجوز في قولنا (لا حول ولا قوة إلا بالله). # * * * # PageV01P402 ### | ومن سورة (النجم) ### | قوله تعالى: (والنجم إذا هوى (1) ما ضل صاحبكم وما غوى (2) وما ينطق عن الهوى (3)) # النجم هاهنا فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه الثريا إذا سقطت مع الفجر، وهذا قول مجاهد. # والثاني: أن النجم هاهنا أحد نجوم القرآن، وهو أيضا عن مجاهد، كأنه قال: ~~والنجم إذا نزل، أي: والقرآن إذا نزل، فهو قسم به. # والقول الثالث: أن النجم واحد ويراد به الجماعة، أي: والنجوم إذا سقطت ~~يوم القيامة، كقوله تعالى: (وإذا الكواكب انتثرت)، وهذا قول الحسن، والنجم ~~في كلام العرب يأتي ويراد به الجمع على طريق الجنس؛ قال الرعي: # وباتت تعد النجم في مستحيرة ... سريع بأيدي الآكلين جمودها # والمستحيرة هاهنا: شحمة مذابة صافية؛ لأنها من شحم سمين. # PageV01P403 # و (غوى) من الغي، يقال: غوى يغوي غيا، قال الشاعر: # فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغي لائما # والهوى: ميل الطباع إلى ما فيه الاستمتاع، وهو مقصور، وجمعه: أهواء، فأما ~~(الهواء) الممدود: فكل منحرق. قال الله تعالى: (وأفئدتهم هواء)، أي: خاوية ~~منخرقة لا تعي شيئا، قال زهير: # كأن الرحل منها فوق صعل ... من الظلمان جؤجؤه هواء # أي: خاو ومنخرق. و (عن) في قوله (وما ينطق عن الهوى) بمنزلة (الباء) كأنه ~~قال: وما ينطق بالهوى، أى: برأيه وهواه. # واختلف في قوله: (والنجم) وما جرى مجراه من الأقسام التى أقسم الله بها: # فقيل: أقسم تفضيلا لها وتنويها بها، وقيل: بل القسم به محذوف، والتقدير: ~~ورب النجم ورب الطور ورب التين والزيتون وما أشبه ذلك. # PageV01P404 ### | قوله تعالى: (علمه شديد القوى (5) ذو مرة فاستوى (6) وهو بالأفق الأعلى (7) ثم دنا فتدلى (8) فكان قاب قوسين أو أدنى (9) # فأوحى إلى عبده ms219 ما أوحى (10)) # قال ابن عباس وقتادة والربيع: شديد القوى هاهنا: جبريل. # وأصل المرة: شدة الفتل، يقال فى الحبل: هو شديد المرة، أي: أمررت فتله ~~وشددته، والمرة والقوة والشده سواء، قال الشاعر: # ألا قل لتيا قبل مرتها اسلمي ... تحية مشتاق إليها متيم # أي: قبل شدة عزيمتها في السير. # والأفق: واحد الآفاق، وهي نواحي السماء، وقد تسمى نواحي الأرض آفاقا على ~~التشبيه، قال الشاعر في المعنى الأول: # أخذنا بآفاق السماء عليكم ... لنا قمراها والنجوم الطوالع # وقال امرؤ القيس فى المعنى الثانى: # وقد طوفت في الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب # والتدلي: الامتداد إلى جهة السفل. # والقاب والقاد والقيد سواء، والمعنى: فكان قدر قوسين أو أدنى # PageV01P405 # وقيل إنما مثل بالقوس؛ لأن مقدارها في الأغلب واحد لا يزيد ولا ينقص. # وقيل: فاستوى جبريل ومحمد عليهما السلام بالأفق الأعلى، وقيل: الأفق ~~الأعلى: مطلع الشمس. # واختلف في (هو): # فقيل: (هو) مبتدأ، وخبره (بالأفق)، والجملة في موضع نصب على الحال. # والثاني: أنه معطوف على المضمر في (استوى) أي: استوى هو وهو، وحسن ذلك ~~كراهة أن يتكرر (هو)؛ لأن الوجه أن لا يعطف على المضمر المرفوع إلا بعد ~~التوكيد، نحو قولك: قمت أنا. # وزيد، ونحو قوله (اسكن أنت وزوجك الجنة)، إلا أنه حسن هاهنا لا ذكرناه، ~~وهذا قول الفراء، وأنشد: # ألم تر أن النبع يخلق عوده ... ولا يستوي والخروع المتقصف # وكان حقه أن يقول: ولا يستوي هو والجزوع، إلا أنه لم يقل، وهو في الآية ~~أحسن منه هاهنا، ومثل ذلك قول الشاعر: # قلت إذا أقبلت وزهر تهادى ... كنعاج الملا تعسفن رملا # قال الربيع: فاستوى جبريل عليه السلام، وهو بالأفق الأعلى، ف (هو) على ~~هذا كناية عن جبريل عليه السلام، وهذا هو القول الأول، و (هو) كناية عن ~~محمد عليه السلام في القول الثاني. # PageV01P406 # قال القتبي: الكلام على التقديم والتأخير في قوله (ثم دنا فتدلى) ~~والمعنى: ثم تدلى فدنا، وهذا لا يجوز في (الفاء)؛ لأنها مرتبة. وليست ~~كالواو، ولا يحتاج هاهنا إلى هذا التقدير؛ لأن المعنى بين. والتقدير: ثم ms220 ~~دنا وامتد في دنوه. # * * * ### | قوله تعالى: (ما كذب الفؤاد ما رأى (11) أفتمارونه على ما يرى (12) ولقد رآه نزلة أخرى (13) عند سدرة المنتهى (14) عندها جنة المأوى (15)) # الفؤاد هاهنا: القلب، والمراء: الجدال بالباطل، والسدرة: واحدة السدر، ~~وهو شجر النبق، وقيل: سدرة المنتهى في السماء السادسة إليها ينتهي من يعرج ~~إلى السماء، هذا قول ابن مسعود والضحاك، وقال غيرهما: إليها تنتهي أرواح ~~الشهداء. # وجنة المأوى: جنة الخلد، وقيل هي في السماء السابعة، وقال الحسن: جنة ~~المأوى: هي التى يصير إليها أهل الجنة. # قال إبراهيم في قوله (أفتمارونه) أي: أفتجحدونه، وقال غيره: المعنى: ~~أفتجادلونه، وجاء في التفسير عن عبد الله بن مسعود وعائشة ومجاهد والربيع: ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى # PageV01P407 # جبريل في صورته التي خلقه الله عليها مرتين، قال ابن مسعود: رآه وله ~~ستمائة جناح، وقال ابن عباس: رأى ربه بقلبه، وروي مثل ذلك عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # وأجمع العلماء على أن النبي صلى الله عليه عرج به، إلا أنه روي عن الحسن ~~أنه قال: عرج بروحه، يذهب إلى أنها رؤية النوم، وهذا القول مرغوب عنه؛ لأنه ~~لا فضيلة له في ذلك؛ لأن الإنسان يرى في منامه مثل ذلك ولا تكون معجزة. # * * * ### | قوله تعالى: (أفرأيتم اللات والعزى (19) ومناة الثالثة الأخرى (20)) # اللات والعزى: صنمان، واشتقاق (اللات) من لويت إذا تحبست ووقفت، يقال: ~~لويت عليه، وما لويت عليه، ومما يدل على ذلك قوله تعالى (فأتوا على قوم ~~يعكفون على أصنام لهم)، والعكوف واللي سواء؛ وذلك أنهم كانوا يلزمونها ~~بالعبادة، ويعكفون عليها ولا يلوون على سواها والأصل فيها: لوية، فحذفت ~~الياء كما حذفت من " يد " و " دم " طلبا للاستخفاف، ثم فتحت (الواو) لوقوع ~~علامة التأنيث بعدها. ثم قلبت (ألفا) لتحركها وانفتاح ما قبلها. فقيل: لات، ~~والألف واللام في (اللات) زائدتان وليستا للتعريف وكذلك في (العزى)؛ لأن ~~هذه الأصنام معارف عندهم كالأعلام نحو: زيد وعمرو، يدل على ذلك قوله تعالى: ~~(لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا) ألا ترى ms221 ~~كلها بغير ألف ولام. وكذلك قول الشاعر: # PageV01P408 # أما ودماء ما تزال كأنها ... على قنة العزى وبالنسر عندما # الألف واللام في (النسر) زائدتان، هذا قول الأخفش، وتابعه عليه أبو علي ~~الفارسي، فأما من قرأ (أفرأيتم اللات) بالتشديد فإنه من (لتت السويق) ذكروا ~~أن رجلا كان يلت السويق هنالك عند هذا الصنم فسمي الصنم باسمه. # * * * # PageV01P409 ### | ومن سورة (القمر) ### | قوله تعالى: (اقتربت الساعة وانشق القمر (1) وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر (2)) # جاء في التفسير: أن القمر انشق على زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~قال الزجاج: وقد عاند قوم وارتكبوا العناد، فقالوا: لم ينشق وإنما المعنى: ~~سينشق، وقد روى ذلك عن جماعة، حدثنا الشيخ الفقيه أبو محمد عبد الله بن ~~الوليد عن التميمي قال حدثنا ابن مقسم قال حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن ~~السري الزجاج قال حدثنا القاضي إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا مسرد قال حدثنا ~~يحيى عن شعبة وسفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر عن عبد الله بن ~~مسعود رضي الله عنه قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~فرقتين: فرقة فوق الجبل وفرقة دونه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~(اشهدوا)، قال مسرد وحدثنا يحيى عن شعبة عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر ~~مثله، قال القاضي إسماعيل وحدثنا علي بن عبد الله قال حدثنا سفيان قال ~~أخبرنا ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أبي معمر عن عبد الله قال: انشق القمر على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (اشهدوا اشهدوا)، وبهذا الإسناد ~~عن ابن مسعود أنه قال: انشق القمر، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه: ~~(اشهدوا)، قال إسماعيل وحدثنا محمد بن أبي بكر عن محمد بن كثير عن سليمان ~~عن حصين عن محمد بن جبير عن أبيه قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه حتى صار فرقتين على هذا الجبل وعلى هذا الجبل، فقال ناس: سحر ~~محمد القمر، فقال رجل: إن كان سحره وسحركم فلم لم يسحر ms222 الناس كلهم، قال ~~محمد بن أبي بكر أخبرني زهير بن إسحاق عن داود عن علي بن أبي طلحة عن ابن ~~عباس قال: ثلاث ذكرهن الله قد مضين: اقتربت الساعة وانشق القمر، فقد انشق ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه والدخان والروم. # قال إسماعيل وحدثنا حجاج بن منهال عن حماد بن سلمة وعطاء بن السائب عن ~~عبد الله بن حبيب قال: كنا بالمدائن، فجئنا إلى الجمعة، فخطبنا حذيفة، فحمد ~~الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد - فإن الله تعالى يقول: (اقتربت الساعة ~~وانشق القمر)، ألا إن اليوم المضمار وغدا السباق، ألا وإن الغاية النار، ~~قال: فلما كانت الجمعة الأخرى، قال مثل ذلك، ثم قال: والسابق من سبق إلى ~~الجنة. # PageV01P410 # وروى مسروق عن عبد الله قال: مضى اللزام ومضت البطشة ومضى الدخان ومضى ~~القمر ومضى الروم، والأخبار في هذا كثيرة. وسمي القمر قمرا لبياضه، ~~والأقمر: الأبيض، وهو يسمى قمرا من الليلة الثالثة، وقيل: إذا حجر، أي: بان ~~السواد حوله، وقيل: إذا بهر، وذلك يكون في السابعة، فإذا انتهى واستوى قيل ~~له بدر، وذلك ليلة أربع عشرة سمي بذلك لتمامه، ومنه اشتقاق البدرة، وقيل: ~~سمي بذلك لمبادرته الشمس بالطلوع، والعرب تقول للهلال أول ليلة: ليلة عتمة ~~سخيلة حل أهلها برميلة، وابن ليلتين: حديث أمتين كذب ومين، وابن ثلاث: قليل ~~اللباث، وابن اربع: عتمة ربع لا جائع ولا مرضع، وابن خمس: عشاء خلفات قعس، ~~ويقال: حديث وأنس، وابن ست: سر وبت، وابن سبع: دلجة الضبع، وابن ثمان: قمر ~~إضحيان، وابن تسع: يلتقط فيه الجزع، وربما قالوا: مقطع الشسع، وابن عشر: ~~مخنق الفجر، وربما قالوا: ثلث الشهر، وليس له اسم بعد ذلك لقربه من الصباح. # وسمي الهلال هلالا لإهلال الناس عند رؤيته، والإهلال: الصياح، ومنه: ~~استهل الصبي، إذا صرخ عند الولادة. # * * * ### | قوله تعالى: (فكيف كان عذابي ونذر (16)) # العذاب: اسم للتعذيب، بمنزلة: الكلام من التكليم والسلام من التسليم. في ~~أنهما اسمان لمصدرين، وليس بمصدرين. # والنذر: قيل هو جمع (نذير) بمنزلة: رغيف ورغف، وقيل: هو واحد، ms223 وفي هذه ~~الآية دلالة على أن (الواو) لا ترتب؛ لأن النذر قبل العذاب، بدليل قوله ~~تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا). # PageV01P411 # قوله تعالى: (فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه (24)) # نصب (بشرا) بفعل مضمر يدل عليه (نتبعه)، والتقدير: أنتبع بشرا منا واحدا ~~نتبعه، إلا أنه حذف اكتفاء بالظاهر الذي هو (نتبعه) ولا يجوز إظهاره، ولا ~~يجوز أن يكون منصوبا ب (نتبعه)؛ لأنه عامل في (الهاء)، ولا ينصب أكثر من ~~مفعول واحد، ويجوز في الكلام الرفع على الابتداء و (نتبعه) الخبر، إلا أن ~~النصب أجود؛ لأن الاستفهام بالفعل أولى؛ لأنه يقتضي الفائدة، والفائدة ~~أصلها أن تكون بالفعل. # * * * ### | قوله تعالى: (إنا كل شيء خلقناه بقدر (49)) # يسأل عن نصب (كل)؟ # وفيه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أنه منصوب بإضمار فعل يدل عليه (خلقناه) كأنه في التقدير: إنا ~~خلقنا كل شيء خلقناه، ثم حذف على ما تقدم في قوله: (أبشرا منا واحدا)، ~~ومثله: زيدا ضربته، إلا أنه مع الاستفهام أجود. # والثاني: أنه جاء على ما هو بالفعل أولى؛ لأن (إنا) يطلب الخبر في ~~(خلقناه) فهو على قياس: # PageV01P412 # أزيدا ضربته. وهذا الوجه في القوة مثل قوله: (أبشرا منا). # والثالث: أنه على البدل الذي المعنى يشتمل عليه، كأنه قال: إن كلا خلقناه ~~بقدر، وكان سيبويه يقول: الرفع أجود هاهنا، إلا أن العامة أبوا إلا النصب. # والرفع على الابتداء والخبر والجملة خبر (إنا). # * * * # PageV01P413 ### | ومن سورة (الرحمن) ### | قوله تعالى: (الشمس والقمر بحسبان (5)) # يسأل عن معنى (بحسبان)؟ # والجواب: أن المعنى: بحساب يقال: حسبت الشيء حسبا وحسبانا، بمنزلة: ~~الشران والكفران، وقيل: هو جمع حساب، كشهاب وشهبان، قال ابن عباس وقتادة ~~وابن زيد: بحسبان، أي: بحساب ومنازل يجريان فيهما. # وفي تقدير الخبر وجهان: # أحدهما: أن يكون (بحسبان) الخبر. # والثاني: أن يكون الخبر محذوفا لدلالة المجرور عليه. والتقدير: والشمس ~~والقمر يجريان بحسبان، والتقدير في الوجه الأول: وجري الشمس والقمر بحسبان، ~~والمعنيان يتقاريان، إلا أنك تقدر في الوجه الأول حذف مضاف وحذف الخبر، ~~وتقدر على الوجه الثانى حذف الخبر فقط، وحذف شيء واحد أولى من حذف ms224 شيئين. # * * * ### | قوله تعالى: (والنجم والشجر يسجدان (6)) # النجم من النبات: ما لم يقم على ساق، نحو: العشب والنقل، والشجر: ما قام ~~على ساق. # ويسأل عن معنى (يسجدان)؟ # PageV01P414 # وفيه جوابان: # أحدهما: أن ظلهما يسجد لله بكرة وعشيا. هذا قول مجاهد وسعيد بن جبير، وكل ~~جسم له ظل فهو يقتضي الخضوع بما فيه من الصنعة. # والثاني: وهو قول الفراء: أنهما يستقبلان الشمس إذا أشرقت ثم يميلان حين ~~ينكسر الفيء، فذلك سجودهما. # وقيل: سجودها: الخضوع لله بالأقوات المجعولة فيهما للناس وغيرهم من ~~الحيوان، والاستمتاع بأصناف الرياحين وما في الأشجار من الثمار الشهية، ~~وصنوف الفواكه اللذيذة، فلا شيء أدعى إلى الخضوع والعبادة لمن أنعم بهذه ~~النعمة الجليلة مما فيه مثل الذي ذكرنا في النجم والشجر. # * * * ### | قوله تعالى: (سنفرغ لكم أيه الثقلان (31) فبأي آلاء ربكما تكذبان (32)) # يسأل ما معنى (سنفرغ)؟ # والجواب: أن معناه: سنعمل عمل من يتفرغ للعمل لتجويده من غير تصحيح فيه، ~~وهذا من أبلغ الوعيد وأشده؛ لأنه يقتضي أن يجازى العبد بجميع ذنوبه، وليس ~~من الفراغ الذي هو نقيض المشتغل؛ لأن الله تعالى لا يشغله شيء عن شيء. # والثقلان: الإنس والجن، سميا بذلك لعظم شأنهما إلى ما في الأرض من ~~غيرهما، فهما أثقل وزنا # PageV01P415 # لعظم الشأن بالعقل والتمكين والتكيف لأداء الواجب في الحقوق. # ومما يسأل عنه أن يقال: لم كرر في هذه السورة (فبأي آلاء ربكما تكذبان) ~~في عدة مواضع؟ # والجواب: أنه ذكر آلاء، كثيرة، فكرر التقرير. ليكون كل تقرير لنعمة، ~~والعرب تكرر مثل هذه الأشياء للتوكيد، نحو قولك: اعجل اعجل، وتقول للرامي: ~~ارم ارم، قال الشاعر: # كم نعمة كانت لكم كم كم وكم # وقال آخر: # هلا سألت جموع كندة ... يوم ولوا أين أينا # وقال الفرزدق: # ألفينا عيناك عند القفا ... أولى فأولى لك ذا واقيه # وقال عوف بن الخرع: # فكادت فزارة تصلى بنا ... فأولى فزارة أولى فزارة # وقرىء (سنفرغ) و (سنفرغ)، فمن قرأ (سنفرغ) فهو على بابه، مثل: دخل يدخل ~~وخرج يخرج، ومن قرأ (سنفرغ)، فتح (الراء) من أجل حرف الحلق. لأن حرف الحلق ms225 ~~إذا كان عينا أو لاما جاء في غالب الأمر على (يفعل) بالفتح، إذا كان من ~~(فعل) وحروف الحلق ستة وهي: # PageV01P416 # الهمزة، نحو: قرأ وسأل، والهاء، نحو: ذهب ووهب، والعين. نحو: جعل وصنع، ~~والحاء، نحو: سمح ولحج. والغين، نحو: فغر وولغ. والخاء، نحو: صلخ وبخع وما ~~أشبه ذلك. # * * * # PageV01P417 ### | ومن سورة (الواقعة) ### | قوله تعالى: (إذا وقعت الواقعة (1) ليس لوقعتها كاذبة (2) خافضة رافعة (3) إذا رجت الأرض رجا (4) وبست الجبال بسا (5)) # الواقعة هاهنا: اسم من أسماء القيامة. # ويسأل عن معنى: (ليس لوقعتها كاذبة)؟ # والجواب أن المعنى: ليس لوقعتها قضية كاذبة فيها، لإخبار الله تعالى بها، ~~ودلالة العقل عليها. وقيل: ليس لها نفس كاذبة في الخبر بها، وقيل: الكاذبة ~~هاهنا: مصدر مثل العاقبة والعافية. # وقيل: (خافضة رافعة) تخفض قوما بالمعصية، وترفع قوما بالطاعة؛ لأنها إنما ~~وقعت للمجازاة، فالله تعالى يرفع أهل الثواب ويخفض أهل العقاب، وأضاف ذلك ~~إلى الواقعة؛ لأنه فيها يكون، وقيل: إن القيامة تقع بصيحة عند النفخة ~~الثانية وهو قول الضحاك. # وقوله: (إذا رجت الأرض رجا)، أي: زلزلت زلزالا شديدا، هذا قول ابن عباس ~~ومجاهد وقتادة، ومنه يقال: ارتج السهم، عند خروجه عن القوس. # PageV01P418 # (وبست الجبال): فتت فتا، هكذا قال ابن عباس ومجاهد وابن صالح والسدي، ~~والعرب تقول: بس السويق، أي: لته، والبسيسة: السويق أو الدقيق يلت ويتخذ ~~زادا قال بعض لصوص غطفان: # لا تخبزا خبزا وبسا بسا # ورفع قوله: (خافضة رافعة) على الاستئناف، أي: هي خافضة رافعة، وأجاز ~~الفراء النصب، والنصب على الحال، وهذه حال مؤكدة؛ لأن القيامة إذا قعت ~~فلابد أن تكون خافضة رافعة. # ويسأل عن موضع قوله: (إذا رجت الأرض رجا)؟ # والجواب: أنه بدل من قوله: (إذا وقعت الواقعة). وهذا كما تقول: سآتيك إذا ~~قام زيد إذا خرج، والمعنى: سآتيك إذا خرج زيد، وهكذا المعنى: إذا رجت الأرض ~~رجا عند وقوع الواقعة. # * * * ### | قوله تعالى: (فلا أقسم بمواقع النجوم (75) وإنه لقسم لو تعلمون عظيم (76)) # المواقع: جمع موقع، وأصله: من وقع يقع. والأصل في يقع: يوقع؛ لأن كل ~~(فعل) على (فعل) وفاؤه ms226 " واو " فإنه يلزم (يفعل) نحو: وعد يعد ووزن يزن، ~~والأصل: يوعد ويوزن، فسقطت " الواو " # PageV01P419 # لوقوعها بين " ياء " و " كسرة "، والعرب تستثقل ذلك إلا أن تقع فتحة حرف ~~الحلق وهو " العين "، و (مفعل) يلزم هذا القبيل في المصدر. والمكان نحو ~~قولك: وعدته موعدا، وهذا موعد القوم، قال سعيد بن جبير المعنى: أقسم، ف ~~(لا) على هذا القول صلة، وقال الفراء: هي نفي، أي: ليس الأمر كما يقولون، ~~ثم استؤنف: أقسم، وقيل: في (مواقع النجوم) قولان: # أحدهما: أنه يعني بها القرآن؛ لأنه نزل نجوما على النبي صلى الله عليه، ~~وهذا قول ابن عباس ومجاهد. # والثاني: أنه يراد بها مساقط نجوم السماء ومطالعها، وهو قول قتادة وروي ~~مثله عن مجاهد في بعض الروايات عنه، وقال الحسن: مواقعها: انكدارها ~~وانتشارها يوم القيامة. # * * * ### | قوله تعالى: (لا يمسه إلا المطهرون (79)) # يقال: مسست الشيء أمسه مسا، ويقال: لا مساس ولا مساس. # واختلف في قوله (إلا المطهرون): # فقال: ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير وجابر بن زيد وأبو نهيك ومجاهد: ~~المعنى: لا يمس الكتاب الذي في السماء إلا المطهرون من الذنوب وهم ~~الملائكة، وقيل: إلا المطهرون في حكم الله عز وجل، # PageV01P420 # وقيل: لا يمس القرآن إلا المطهرون، أي: من كان على وضوء، وهو قول مالك. # واختلف في (لا): # فقيل: هي نافية، و (يمس) فعل مستقبل، والمعنى: ليس يمسه، على طريق الخبر، ~~وليس بنهي. # وقيل: هو نهي، وجاء على لغة من يقول: مد يا فتى، ومس يا فتى؛ لأن في هذا ~~الفعل لغات: # منها - أن تفتح آخره فتقول: مس ومد. وهذا أفصح اللغات. # ومنها - أن تضمه فتقول: مس ومد. # ومنها - أن تكسره فتقول: مس ومد، قال الراجز: # قال أبو ليلى لحبل مده ... حتى إذا مددته فشده # إن أبا ليلى نسيج وحده # ومنها - أن يفتح ما كان على (فعل) (يفعل) نحو: مس وسف؛ لأنه من مسست ~~وسففت، ويضم ما كان على (فعل) (يفعل) نحو: مد وعد. ويكسر ما كان على (فعل) ~~(يفعل) نحو: مر وفر، وهذه لغات أهل نجد، فأما ms227 أهل الحجاز فإنهم يظهرون ~~التضعيف، فيقولون: امسس وامدد وافرر، وعليه قوله تعالى: (ومن يرتدد منكم)، ~~فإذا ثنوا أو جمعوا لم يجز إظهار التضعيف، ورجعوا إلى اللغة الأولى كراهة ~~لاجتماع المثلين. # وقال الفراء في قوله: (لا يمسه) أي: لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن به، ~~يعني: القرآن # PageV01P421 ### | قوله تعالى: (أفبهذا الحديث أنتم مدهنون (81) وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون (82)) # المدهن: المظهر خلاف ما يبطن. ومنه قوله تعالى: (ودوا لو تدهن فيدهنون) ~~ويعني به هاهنا: المنافقون، وقال الفراء: يعني به: الكافرون، يقال: أدهن، ~~أي: كفر، وأصله: من الدهن، كأنه يذهب في خلاف ما يظهر، كالدهن في سهولة ذلك ~~عليه وإسراعه إليه. # وقوله (أنكم تكذبون) فيه قولان: # أحدهما: أن المعنى: وتجعلون حظكم من الخير الذي هو كالرزق لكم أنكم ~~تكذبون به. # والثاني: أن المعنى: وتجعلون شكر رزقكم أنكم تكذبون. # قال الفراء: جاء في الأثر أن معنى (رزقكم) شكركم، قال: وهو حسن في ~~العربية، لأنك تقول: جعلت زيارتي إياك أنك استخففت بي، فيكون المعنى: جعلت ~~ثواب الزيارة ذلك، ومثله: قوله قعالى: (فبشرهم بعذاب أليم) أي: ما يقوم لهم ~~مقام البشارة عذاب أليم؛ لأن البشارة لا تكون إلا في معنى الخير. # * * * ### | قوله تعالى: (وأما إن كان من أصحاب اليمين (90) فسلام لك من أصحاب اليمين (91)) # PageV01P422 # قال علي بن عيسى: دخل كاف الخطاب كما دخل في: ناهيك به شرفا وحسبك به ~~كرما، أي: لا تطلب زيادة على حلالة حاله، فكذلك سلام لك منهم، أي: لا تطلب ~~زيادة على سلامتهم جلالة وعظم منزلة. # ومما يسأل عنه أن يقال: لم كان التبرك باليمين؟ # والجواب: أن العمل يتيسر بها؛ لأن الشمال يتعسر العمل بها من نحو: ~~الكتابة والتجارة والأعمال الدقيقة. # قال الفراء: المعنى في قوله (فسلام لك من أصحاب اليمين): # فسلام لك أنك من أصحاب اليمين. فألقيت (أن) وهو معناها، كما تقول: أنت ~~مصدق ومسافر عن قليل، إذا كان قد قال: إني مسافر عن قليل. وكذلك تجده في ~~قولك: إنك مسافر عن قليل، قال: والمعنى: فسلام لك أنت من أصحاب اليمين، ms228 ~~ويكون كالدعاء له، كقولك: سقيا لك من الرجال، وإن رفعت (السلام) فهو دعاء. ~~وقال قتادة المعنى: فسلام لك أيها الإنسان الذي هو لك من أصحاب اليمين من ~~عذاب الله. وسلمت عليه الملائكة، وقيل المعنى: سلمت مما تكره لأنك من أصحاب ~~اليمين. # قال أبو الفتح بن جني: في الكلام تقديم وتأخير والتقدير: مهما يكن من شيء ~~فسلام لك إن كان من أصحاب اليمين، ولا ينبغي أن يكون موضع (إن كان) إلا هذا ~~الموضع؛ لأنه لو كان موضعه بعد (الفاء) يليها لكان قوله: (فسلام لك) جوابا ~~له في اللفظ لا في المعنى، ولو كان جوابا له في اللفظ لوجب إدخال (الفاء) ~~عليه لأنه لا يجوز في سعة الكلام: إن كان من أصحاب اليمين سلام له. فلما ~~وجد (الفاء) فيه ثبت أنه ليس بجواب لقوله (إن كان) في اللفظ، وإذا ثبت أنه ~~ليس # PageV01P423 # بجواب له في اللفظ ثبت أن موقع (إن كان) بعده لا قبله. قال: فإن قيل: ~~إنما يدل (الفاء) التي تكون جوابا لقوله (إن كان) لأجل الفاء التي تدخل ~~جوابا ل (أما) لأنه لا يدخل حرف معنى على مثله، قيل: إنما يدخل (الفاء) ~~التي ل (أما) عليه؛ لأنه ليس بجواب لقوله (إن كان)، فلو كان جوابا له لما ~~دخلت هذه (الفاء) في قوله: (وأما إن كان من أصحاب اليمين (90) فسلام لك) ~~على أن (فاء) (أما) قد تكون موقعة بعد (الفاء) لا تليها، فأما ما استدل به ~~أبو علي على قوله: أن ما بعد (أما) لا يكون موقعه إلا بعد (الفاء) تليها، ~~فإنه غير دال على صحة قوله؛ لأنه قال: امتناع (أما زيدا فإنك تضرب)، يدل ~~على أن ما بعد (أما) لا يجوز أن يقع إلا بعد (الفاء) يليها، قال: ولأنه لو ~~جاز أن يقع بعد (أما) بعد (الفاء) لا يليها، لما امتنع: (أما زيدا فإنك ~~تضرب)؛ لأنه كان يكون التقدير: مهما يكن من شيء فإنك تضرب زيدا، قال: فلما ~~امتنع هذا علمت أنه إنما امتنع؛ لأن التقدير: مهما يكن من شيء ms229 فزيدا أنك ~~تضرب، ولما لم يجز هذا لم يجز: أما زيد، فإنك تضرب؛ لأن التقدير به هذا، ~~ولو كان التقدير به: فإنك تضرب زيدا، لجاز كما يجوز: مهما يكن من شيء فإنك ~~تضرب زيدا، فيقال: هذا لا يدل؛ لأن قولك: مهما يكن من شىء زيدا فإنك تضرب، ~~لم يجز؛ لأن (إن) لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، ولذلك لم يجز: أما زيد، ~~فأنك تضرب؛ لأن (إن) لا يعمل ما بعدها فيما قبلها؛ لأن زيدا الآن مقدم في ~~اللفظ على (أن). ولم يمتنع لأن التقدير به يكون مقدما على (إن) لأنه إن قدر ~~به أن يكون موضعه قبل (إن) أو بعد (إن) لم يجز؛ لأنه مقدم في اللفظ على ~~(إن) وإنما كان يكون ذلك دليلا لو كان ما بعد (إن) يعمل فيما قبلها إذا وصل ~~بها، ولا يعمل فيها، فأما إذا كان ما بعد (إن) لا يعمل فيما قبلها أوليه أو ~~لم يله فإن هذا لا يدل؛ لأنه إنما امتنع أن تنصب (زيدا) إذا ولي (إن) بما ~~بعد (إن) لأن ما بعدها لا يعمل فيما قبلها، وهذه العلة موجودة فيما تقدم ~~(إن) ولم يلها. # و (أما) لها في الكلام موضعان: # أحدهما: أن تكون لتفصيل الجمل، نحو قولك: جاءني القوم فأما زيد فأكرمته ~~وأما عمرو فأهنته، ومن هذا الباب قوله: (وأما إن كان من أصحاب اليمين) ~~الآية. # والثاني: أن تكون مركبة من (أن) و (ما) وتكون (ما) عوضا من (كان) وذلك ~~قوله: أما أنت منطلقا انطلقت معك، والمعنى: إن كنت منطلقا انطلقت، فموضع ~~(أن) نصب؛ لأنه مفعول له، # PageV01P424 # وأنشد سيبويه: # أبا خراشة أما أنت ذا نفر ... فإن قومي لم تأكلهم الضبع # أي: إن كنت، والضبع: السنة الشديدة. # * * * # PageV01P425 ### | ومن سورة (الحديد) # قوله تعالى: (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له (11)) # القرض: أخذ الشيء من ماله بإذن مالكه على أنه يضمن رده له. # والمضاعفة: الزيادة على مقدار مثله أو أمثاله، وقد وعد الله سبحانه على ~~الحسنة عشر أمثالها، قال الحسن: القرض هنا: ms230 التطوع من جميع الدين. # وقرأ ابن كثير (فيضعفه) بغير ألف مشددا و (الفاء) مضمومة، وقرأ مثله ابن ~~عامر إلا أنه فتح (الفاء)، وقراءة الباقون (فيضاعفه) بألف وضم، إلا عاصما ~~فإنه فتح. # فالضم على القطع، أي: فهو يضاعفه له. كما قال: # ألم تسأل الربع القواء فينطق ... وهل تخبرنك اليوم بيداء سملق # وقال الفراء: هو معطوف على (يقرض) وليست بجواب. كقولك: من ذا الذي يحسن ~~ويجمل؟ # ومن نصب فبإضمار (أن)، كأنه قال: فأن يضاعفه له، وقال الفراء: هو جواب ~~الاستفهام، ومنع # PageV01P426 # ذلك البصريون؛ لأن الاستفهام لم يتناول القرض وإنما يتناول المقرض. ~~وأجازه بعضهم؛ لأن المعنى يؤول إلى القرض؛ لأن الاستفهام عن المقرض استفهام ~~عن قرضه وقيل في (من ذا) قولان: أحدهما: أنه صلة ل (من)، وهو قول الفراء، ~~قال: ورأيتها في مصحف عبد الله (منذا الذي) والنون موصولة بالذال. # والقول الثاني: أن المعنى من هذا الذي. و (من) في موضع رفع بالابتداء، و ~~(الذي) خبره، على القول الأول، وعلى القول الثاني يكون (ذا) مبتدأ و (الذي) ~~خبره والجملة خبر (من). # * * * # قوله تعالى: (سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض) # العرض: انبساط الشيء في الجهة المقابلة لجهة الطول، وضد العرض الطول، ~~وإذا اختلف مقدار العرض والطول فمقدار الطول أعظم. # ويقال: لم ذكر العرض دون الطول؟ # الجواب: أن العرض أقل من الطول، وإذا كان العرض كعرض السماء والأرض كان ~~الطول في النهاية # PageV01P427 # التي لا يحيط بها إلا الله تعالى، وقد قال في آية أخرى: (عرضها السماوات ~~والأرض)، المعنى: كعرض السماوات. فحذف (الكاف)؛ لأن المعنى مفهوم. والدليل ~~على أن (الكاف) مرادة وجودها في قوله (كعرض السماء والأرض). # * * * ### | قوله تعالى: (وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها) # الرهبانية: أصلها من الرهبة، وهو الخوف، إلا أنها عبادة مختصة بالنصارى ~~لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا رهبانية في الإسلام). # والابتداع: ابتداء أمر لم يحتذ على مثل، ومنه قول: البدعة خلاف السنة. # ويسأل عن قوله: (ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم)؟ # والجواب: أن قتادة ms231 قال: ابتدعوا رفض النساء واتخاذ الصوامع. # وقيل: ما كتبناها عليهم إلا أنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله، فما رعوها ~~حق رعايتها، وهذا قول عبد الرحمن بن زيد، قال ابن عباس: ابتدعوا لحاقهم ~~بالبراري والجبال، فما رعاها الذين بعدهم حق رعايتها. وذلك لتكذيبهم بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم، وقيل: ما كتبناها عليهم: ما فرضناها عليهم، وقيل: ما ~~كتبناها عليهم ألبتة. # PageV01P428 # ونصب (رهبانية) على هذا الوجه بإضمار فعل تقديره: ابتدعوا رهبانية ~~ابتدعوها، ونصب (رضوان الله) على البدل من (الهاء) في (ما كتبناها)، وهو ~~قول الزجاج، وعلى القول الآخر يكون معطوفا على ما قبله. # * * * # PageV01P429 ### | ومن سورة (المجادلة) ### | قوله تعالى: (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم) # النجوى هاهنا: المتناجون، فأما قوله (إنما النجوى من الشيطان)، فمعناه: # التناجي، وأصله السر، قال قتادة: كان المنافقون يتناجون بينهم فيغيظ ذلك ~~المؤمنين، وقيل: كانوا يوهمون أنه حديث على المسلمين من حرب أو نحوها، وهو ~~قول عبد الرحمن بن زيد، وقيل: نهى النبي صلى الله عليه اليهود عن النجوى؛ ~~لأنهم كانوا لا يتناجون إلا بما يسوء المؤمنين. # ويجوز في (ثلاثة) و (خمسة) الجر والرفع: # فالجر: على أنه نعت على اللفظ. # والرفع: نعت على الموضع؛ لأن (من) زائدة، والمعنى: ما يكون نجوى ثلاثة، ~~ومثله: (ما لكم من إله غيره) و (غيره). # ويجوز أن تكون النجوى بمعنى التناجي، فتكون (ثلاثة) مجرورة بالإضافة. ~~وفيه بعد من قبل حذف الموصوف؛ لأن التقدير: ما يكون من نجوى نفر ثلاثة. ولا ~~يجوز الرفع على هذا الوجه. # PageV01P430 ### | قوله تعالى: (استحوذ عليهم الشيطان) # الاستحواذ: الاستيلاء على الشيء بالاقتطاع له، وأصله من: حاذه يحوذه ~~حوذا، مثل: حاز يحوزه حوزا، وهو أحد ما جاء على أصله ولم يعل، وكان قياسه: ~~استحاذ، مثل: استقام واستعان، إلا أنه جاء على أصله. كما يقال: حوكة وقومة ~~وأغيلت المرأة وأغيمت السماء، وقالوا: استنوق الجمل، واستتيست الشاة ~~والقياس في هذه الأشياء: حاكة وقامة وأغالت المرأة وأغامت السماء واستناق ~~الجمل ms232 واستتاست الشاة. # * * * # PageV01P431 ### | ومن سورة (الحشر) ### | قوله تعالى: (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين (5) # اللينة: كل نخلة سوى العجوة، هذا قول ابن عباس وقتادة، وقال مجاهد وعمرو ~~بن ميمون وعبد الرحمن بن زيد: كل نخلة لينة، وقال سفيان: اللينة: الكريمة ~~من النخل. # قال الفراء: حدثني حبان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: أمر ~~النبي صلى الله عليه بقطع النخل كله إلا " العجوة " وهو " البرني " في قول ~~الفراء، والمستعمل في الكلام أن (البرني) غير (العجوة) فيما يستعمله الآن ~~أهل الحجاز، وذكر ابن إسحاق: أن النبي صلى الله عليه أمر بقطع نخل بني ~~قريظة والنضير إلا (العجوة) فقالوا: محمد يزعم أنه أرسل مصلحا وهو يقطع ~~النخل وهذا إفساد. فأنزل الله تعالى: (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة ~~على أصولها فبإذن الله)، أي: بأمر الله، وجمع لينة: ليان. قال امرؤ القيس: # وسالفة كسحوق الليا ... ن أضرم فيها الغوي السعر # ويقال: لين، بمنزلة: سدرة وسدر. ويقال -: لين، مثل: سدرة وسدر. وكسرة ~~وكسر قال: ذو الرمة: # طراق الخوافي واقع فوق ريعة ... ندى ليله في ريشه يترقرق # PageV01P432 # ويحتمل اشتقاق (لينة) وجهين: # أحدهما: أن يكون من اللين، سميت بذلك للين ثمرتها. # والثاني: أن يكون من اللون ف (الياء) على هذا القول بدل من (واو) لأنه ~~لون من التمر. # * * * ### | قوله تعالى: (كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين (16)) # جاء في التفسير أن الإنسان هاهنا: إنسان بعينه كان من الرهبان وقع في ~~بلية فأغواه الشيطان بأن قال له: إن خلصتك أتسجد لي سجدة واحدة، فأجابه إلى ~~ذلك وسجد له فلما سجد واستراح إليه [ ... ]، حتى قتل، وكان يسمى (برصيصا)، ~~هذا قول ابن عباس وابن مسعود، قال مجاهد: هو عام في جميع الكفار من الناس. # * * * ### | قوله تعالى: (هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى) # أجمع القراء المشهورون على كسر (الواو) وضم (الراء) من (المصور)، وروي عن ~~علي بن أبي طالب ms233 رضي الله عنه أنه قرأ (المصور) بكسر الواو وفتح الراء، ~~وروي (المصور) بفتح الواو والراء جميعا، وروي عن الأعمش (المصور). # فمن نصب (المصور). وفتح (الواو)، وجعل (المصور) مفعولا ب (البارئ) وهو ~~نعت لمحذوف تقديره: البارئ الإنسان المصور، أو آدم المصور. # PageV01P433 # ومن كسر فهو يريد هذا المعنى إلا أنه شبه هذا بالحسن الوجه على تقدير قول ~~من قال: هذا الضارب الرجل، كما تقول: هذا الحسن الوجه، فيجر (الرجل) على ~~التشبيه بالوجه. ويشبه (الضارب) بالحسن؛ لأنهما وصفان، ولأنهما يجتمعان في ~~الجمع المسلم، ولأن كل واحد منهما يأتي تأنيثه على حد تأنيث الآخر، نحو حسن ~~وحسنة، كما تقول: ضارب وضاربة، وقد نصبوا (الوجه) في قولهم: هذا الحسن ~~الوجه على التشبيه، كقولك: هذا الضارب الرجل. # فأما الرفع في (المصور) فإنه بعيد. ويروى عن الأعمش، ووجهه فيما ذكروا أن ~~المعنى: المصور في القلوب بآياته وعلامات ربوبيته، ولا يستحسن العلماء هذه ~~القراءة لبعدها. # * * * # PageV01P434 ### | ومن سورة (الممتحنة) ### | قوله تعالى: (وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم) # يسأل عن موضع (أن تؤمنوا)؟ # والجواب: أن موضعها نصب، والمعنى: يخرجون الرسول ويخرجونكم لأن تؤمنوا ~~بالله، أي: من أجل ذلك، ف (أن) مفعول له. # و (إياكم) معطوف على الرسول، إلا أنه ضمير منفصل. والكاف والميم في موضع ~~جر بالإضافة عند الخليل وحكي: إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب، ~~وأنكر ذلك أكثر العلماء؛ لأن (إيا) مضمر والمضمر لا يضاف، وقال المبرد: ~~(إيا) اسم مبهم أضيف إلى الكاف والميم، ولا يعرف اسم مبهم غيره، وهذا أيضا ~~قد أنكر عليه؛ لأن المبهم لا يضاف، وأنه ليس بمبهم وإنما هو مضمر بمنزلة ~~(الكاف) من (رأيتك) ويدل على أنه مضمر كونه على صفة واحدة لضرب واحد من ~~الإعراب، وهذا شرط المضمر، وقال ابن كيسان: إنما جيء بها ليعتمد عليها ~~(الكاف) لأنها لا تقوم بنفسها، وقال الكوفيون: (إياك) اسم بكماله، وقال ~~الأخفش: الكاف للخطاب لا موضع لها بمنزلة الكاف في (ذلك) وكذا الهاء والياء ~~في إياه وإياي، وهذا القول هو ms234 المختار عند أبي علي وأصحابه. # * * * ### | قوله تعالى: (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) # قيل في (الكوافر) قولان: # PageV01P435 # أحدهما: أن المعنى: ولا تمسكوا بعصم النساء الكوافر، وهو الظاهر. # والثاني: أن المعنى: ولا تمسكوا بعصم الفرق الكوافر، ذكره أبو الفتح ابن ~~جني، والآية تدل على القول الأول. # * * * ### | قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور (13) # اختلفوا في (الكفار) هاهنا: # فقيل: الكفار هاهنا يريد به: الذين يكفرون الموتى، أي: يدفنونهم؛ لأنهم ~~إذا دفنوهم يئسوا منهم، فكذلك هؤلاء الذين غضب الله عليهم قد يئسوا من ~~البعث كما يئس هؤلاء الذين دفنوا الموتى منهم. # وقيل: الكفار هاهنا يريد به: الكفار بالله، والمعنى: أنهم قد يئسوا من ~~البعث كما يئس الكفار الذين هم في القبور من ثواب الله ورحمته؛ لأنهم إذا ~~صاروا إلى القبور عاينوا ما أعد الله لهم من العذاب؛ لأنه جاء في الحديث ~~أنه يفتح لهم أبواب من النار فيشاهدون مواضعهم فيها. # وقيل المعنى: كما يئس كفار العرب أن يحيى أهل القبور. # وقيل، هم أعداء المؤمنين من قريش، قد يئسوا من خير الآخرة كما يئس كفار ~~العرب من النشأة الثانية. # * * * # PageV01P436 ### | ومن سورة (الصف) ### | قوله تعالى: (هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم (10) تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم # ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (11) يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم (12)) # التجارة: طلب الربح في شراء السلعة، فاستعيرها هنا لطلب الربح في عمل ~~الطاعة. # والجهاد: مقاتلة العدو. # ومما يسأل عنه أن يقال: لم جاز (تؤمنون بالله) فيما يقتضي الحمل على ~~التجارة، ولا يصلح: التجارة تؤمنون، وإنما: التجارة أن تؤمنوا بالله؟ # والجواب: أنه جاء على طريق ما يدل على خبر التجارة لا على نفس الخبر إذ ~~(فعل) يدل على مصدره وانعقاده بالتجارة في المعنى لا في اللفظ، وفي ذلك ~~تؤطئة لا يبنى على المعنى في الإيجاز. # ويسأل عن جزم ms235 (يغفر لكم) (ويدخلكم)؟ # وفيه جوابان: # أحدهما: أنه جواب (هل) لأنها استفهام وجواب الاستفهام مجزوم هذا القول ~~أصحابنا. وقالوا: الدلالة على التجارة لا توجب المغفرة. # PageV01P437 # والقول الثاني: أنه محمول على المعنى؛ لأن قوله (تؤمنون بالله) معناه: ~~آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا في سبيل الله، فهو أمر جاء في لفظ الخبر، ويدل ~~على ذلك أن عبد الله بن مسعود قرأ (آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا في سبيل ~~الله) ولا يمتنع أن يأتي الأمر بلفظ الخبر كما أتى الخبر بلفظ الأمر في ~~قوله تعالى: (فليمدد له الرحمن مدا). والمعنى: يمد له الرحمن مدا؛ لأن ~~القديم تعالى لا يأمر نفسه، ومثل ذلك (أسمع بهم وأبصر)، فلفظه لفظ الأمر، ~~ومعناه الخبر أي: ما أسمعهم وأبصرهم. أي: هؤلاء ممن يجب أن يقال لهم ذلك. # * * * # PageV01P438 ### | ومن سورة (الجمعة) ### | قوله تعالى: (يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم (1)) # التسبيح: التنزيه لله تعالى، والقدوس: المطهر من العيوب، والتقديس: ~~التطهير، ومنه يقال: القدس حظيرة الجنة، ويقال: للسطل قدس؛ لأنه يتطهر به، ~~والعزيز: الممتنع. وقيل: الغالب، ومنه قوله تعالى: (وعزني في الخطاب)، ~~والحكيم: المحكم للأشياء، وأصل أحكم: منع. قال الأصمعي: قرأت في كتاب بعض ~~الخلفاء: (أحكموا بني فلان عن كذا)، قال الشاعر: # أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم ... إني أخاف عليكم أن أغضبا # ومن هذا أخذت حكمة الدابة للحديدة. # ومما يسأل عنه أن يقال: لم جاز (يسبح لله ما في السماوات)، و (ما) إنما ~~يقع على ما لا يعقل، والتسبيح إنما هو لمن يعقل؟ # وعن هذا جوابان: # أحدهما: أن (ما) هاهنا بمعنى (من) كما حكى أبو زيد عن أهل الحجاز أنهم ~~كانوا إذا سمعوا الرعد قالوا: سبحان ما سبحت له. # PageV01P439 # والثاني: أن (ما) أعم من (من) وذلك أنها تقع على ما لا يعقل وعلى صفات من ~~يعقل، فقد شاركت (من) في من يعقل وزادت عليها بكونها لما لا يعقل فصارت أعم ~~منه، فجاءت لتدل على أن التسبيح من جميع الخلق عاقلهم وغير عاقلهم عام، ~~ويدل على هذا قوله تعالى (وإن ms236 من شيء إلا يسبح بحمده). # * * * ### | قوله تعالى: (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين (11) # جاء في التفسير: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب يوم الجمعة فقدم ~~دحية الكلبي بتجارة من الشام وفيه كل ما يحتاج إليه الناس. فضرب الطبل ~~ليؤذن الناس بقدومه، فخرج جميع الناس إلا ثمانية نفر، فأنزل الله سبحانه: ~~(وإذا رأوا تجارة)، يعني التي قدم بها، (أو لهوا)، يعني الضرب بالطبل. # ويسأل عن قوله: (انفضوا إليها)، ولم يقل (إليهما)؟ # وفى حرف عبد الله (انفضوا إليه)، ففي القراءة الأولى عاد الضمير إلى ~~التجارة وفي القراءة الثانية على اللهو، وجاز أن يعود الضمير على أحدهما ~~اكتفاء به، وكأنه على حذف، والمعنى: وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها وإذا ~~رأوا لهوا انفضوا إليه، فحذف (إليه) لأن (إليها) يدل عليه. # قال الفراء: إنما قال (إليها) لأنها كانت أهم إليهم، وهم بها أسر من ~~الطبل؛ لأن الطبل إنما دل على التجارة، والمعنى كله له. # PageV01P440 # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: لم قدم التجارة على اللهو هاهنا، وأخرها في قوله: ~~(قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة)؟ # والجواب: أن التجارة هي المطلوبة، والفائدة فيها واللهو لا فائدة فيه، ~~فأعلمهم أنهم إذا رأوا تجارة وهي المرغوب فيها عندهم أو لهوا ولا فائدة فيه ~~فينفضون، وعجزهم بذلك وبكتهم لأنهم يعذرون في بعض الأحوال على التجارة ولا ~~يعذرون على اللهو لأنه ليس مما يرغب فيه العقلاء كما يرغبون في التجارة، ثم ~~قال لنبيه عليه السلام: (قل ما عند الله خير من اللهو) الذي لا فائدة فيه ~~(ومن التجارة) التي فيها الفائدة، فأخر الأول هاهنا ليعلمهم أن ما عند الله ~~خير مما لا فائدة فيه ومن الذي فيه فائدة، والعرب تبتدئ بالأدنى ثم تتبعه ~~بالأعلى، نحو قولهم: فلان يعطي العشرات والمئين والآلاف. # * * * # PageV01P441 ### | ومن سورة (المنافقين) ### $ قوله تعالى: (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة ... (4)) # الخشب: جمع خشبة. ms237 مثل: بدن وبدنة، والخشب: جمع خشبة أيضا، مثل: شجرة ~~وشجر. وقيل: خشب جمع خشاب وخشاب جمع خشبة كما يقال: ثمار وثمر، فعلى هذا ~~يكون (خشب) جمع الجمع، وكذلك (ثمر) من قوله تعالى: (وأحيط بثمره)، فخشبه ~~وخشب بمنزلة شجرة وشجر، وخشب وخشاب بمنزلة جبل وجبال، وخشاب وخشب بمنزلة ~~كتاب وكتب. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي (خشب) بإسكان الشين، وقرأ الباقون ~~(خشب) بالضم. وخشب مخففة من خشب كما يقال: رسل في رسل وكتب وكتب. # * * * ### | قوله تعالى: (يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) # جاء في التفسير: أن النبي صلى الله عليه كان في غزوة من غزواته، فالتقى ~~رجل من المسلمين يقال له " جعال " وآخر من المنافقين على الماء فازدحما ~~عليه فلطمه " جعال " وأبصره " عبد الله بن أبي " فغضب، وقال: ما أدخلنا ~~هؤلاء القوم ديارنا إلا لتلطم مالهم قاتلهم الله، يعني جعالا وقومه، ثم ~~قال: إنكم لو منعتم أصحاب هذا الرجل القوت، يعني: النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لتفرقوا # PageV01P442 # عنه وانفضوا، فأنزل الله تعالى: (هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند ~~رسول الله). ثم قال عبد الله بن أبي: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز ~~منها الأذل، وسمعها " زيد بن أرقم " فأخبر بها النبي صلى الله عليه فأنزل ~~الله تعالى: (ولله العزة ولرسوله). # نصب (الأذل) لأنه مفعول و (الأعز) فاعل، وأجاز الفراء: (ليخرجن الأعز ~~منها الأذل) على أن (ليخرجن) غير متعد لأنه من خرج يخرج، قال: كأنك قلت: ~~ليخرجن العزيز منها ذليلا، وفي هذا بعد؛ لأن (الأذل) معرفة، ولا يجوز أن ~~تكون الحال معرفة، إلا أنه ربما قدرت الألف واللام كأنهما زائدتان، وقد حكى ~~سيبويه: ادخلوا الأول فالأول، أي: ادخلوا متتابعين، فهذا على تقدير طرح ~~الألف واللام، قال: وقرأ بعضهم: (لنخرجن الأعز منها الأذل) بنون مضمومة، ~~وهذا يدل على هذه الإجازة، ونصب (الأعز) لأنه مفعول، قال: ومعناها: ليخرجن ~~الأعز في نفسه ذليلا. # * * * ### | قوله تعالى: (فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين ms238 (10)) # يسأل عن نصب (فأصدق)؟ # والجواب: أنه منصوب لأنه جواب التمني بالفاء، وكل جواب بالفاء نصب إلا ~~جواب الجزاء فإنه رفع على الاستئناف. لأن الفاء في الجزاء وصلة إلى الجواب ~~بالجملة من المبتدأ والخبر، وإنما نصب الجواب للإيذان بأن الثاني يجب أن ~~يكون بالأول، ودلت الفاء على ذلك، ولا يحتاج إلى ذلك في الجزاء؛ لأن حروف ~~الجزاء تربط الكلام. # وقرأ أبو عمرو وحده (وأكون) بالنصب والواو. وقرأ الباقون (وأكن) وقيل ~~لأبي عمرو: # PageV01P443 # لم سقطت من المصحف؟ - فقال: كما كتبوا (كلمن)، يعني: أنها كذا يجب أن ~~تكون، وإنما حذفت من المصحف استخفافا، وهي قراءة عبد الله، وأجاز الفراء: ~~النصب مع حذف الواو، والنصب على العطف. # وأما من قرأ (وأكن) فإنه عطف على (الفاء) قبل دخولها؛ لأنها لو لم تدخل ~~لكان الفعل مجزوما، وكل جواب يكون منصوبا بالفاء فهو مجزوم بغير (الفاء) ~~إلا الجحد فإنه لا يكون إلا ب (الفاء)، والفاء تدخل جوابا لسبعة أشياء وهي: ~~الأمر والنهي والتمني والجحد والاستفهام والعرض والشرط. # * * * # PageV01P444 ### | ومن سورة (التغابن) ### | قوله تعالى: (ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد (6) # قال علي بن عيسى: أنفوا من اتباع بشر؛ لأنه من جنسهم، فهو كما قال في ~~موضع آخر (أبشرا منا واحدا نتبعه)، وكل متكبر في العباد مذموم؛ لأن كبره ~~طريق إلى ترك تعلم ما ينبغي أن يتعلم، والاتباع لمن ينبغي أن يتبع. # ويقال: ما معنى (بشر) هاهنا؟ # والجواب: أن البشر والإنسان سواء، وقيل: إنه مأخوذ من البشرة وهو ظاهر ~~الجلد. # وفي رفع (بشر) وجهان: # أحدهما أنه فاعل بإضمار فعل يدل عليه (يهدوننا)، كأنه قال: أيهدوننا بشر ~~يهدوننا، وإنما احتجت إلى إضمار فعل لأن الاستفهام بالفعل أولى. # والقول الثاني؛ أنه مبتدأ و (يهدوننا) خبره، وهو قول أبي الحسن الأخفش. # * * * # PageV01P445 ### | ومن سورة (الطلاق) ### | قوله تعالى: (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن # (4)) # المحيض: بمعنى الحيض، والمحيض أيضا: موضع الحيض ms239 وزمانه. # والارتياب: الشك، وجاء في التفسير في قوله (إن ارتبتم) أن المعنى: إذا لم ~~تدروا للكبر أو لدم الاستحاضة، فالعدة ثلاثة أشهر. وهو قول الزهري وعكرمة ~~وقتادة، وقيل: إن ارتبتم فلم تدروا الحكم في ذلك فعدتهن ثلاثة أشهر. # ويسأل عن خبر قوله: (واللائي لم يحضن)؟ # والجواب: أنه محذوف وهو جملة تقديرها: واللائي لم يحضن عدتهن ثلاثة أشهر، ~~ودل عليه ما قبله. # و (وأولات الأحمال) مقطوع مما قبله؛ لأن أجلهن مؤقت، وهو وضع حملهن. # * * * ### | قوله تعالى: (قد أنزل الله إليكم ذكرا (10) رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات) # PageV01P446 # يسأل عن نصب (رسولا)؟ # وفيه ثلاثة أوجه: # أحدهما: أن يكون بدلا من (ذكرا)، والذكر على وجهين: # أحدهما - أن يكون القرآن، فيكون (رسولا) بدلا منه؛ لأن المعنى يشتمل ~~عليه. ويكون الذكر هو الرسول. فكأنه في التقدير: قد أنزل الله إليكم ذكرا ~~ذا رسول. # والوجه الثاني - أن يكون الذكر الشرف. فيكون الرسول هو الذكر في المعنى، ~~كما قال: (وإنه لذكر لك ولقومك). # والوجه الثاني: أن يكون منصوبا ب (جعل)؛ لأن (أنزل) يدل عليه؛ لما قال: ~~أنزل ذكرا، دل على أنه جعل رسول، ومثله قول الشاعر: # بادت وغير آيهن مع البلى ... إلا رواكد جمرهن هباء # ومشجج أما سواء قذاله ... فبدا وغيب ساره المعزاء # لأنه لما قال: إلا رواكد، دل على أن بها رواكد، فحمل قوله: ومشجج على ~~المعنى. # والثالث: أن يكون منصوبا بإضمار (أعني). # وأجاز الفراء: الرفع في (رسول)؛ لأن (الذكر) رأس آية والاستئناف بعد ~~الآيات حسن. # * * * # PageV01P447 ### | ومن سورة (التحريم) ### | قوله تعالى: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم (1) # قال الفراء: نزلت فى لا مارية القبطية، كان النبي صلى الله عليه يجعل لكل ~~امرأة من نسائه يوما، فلما كان يوم عائشة رضي الله عنها زارتها حفصة فخلا ~~بيتها، فبعث رسول الله صلى الله عليه إلى مارية وكانت مع النبي صلى الله ~~عليه في بيت حفصة، وجاءت حفصة إلى منزلها فإذا الستر مرخي، وخرج النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فقال: ms240 أتكتمين علي؟ - قالت: نعم، قال: فإنها علي حرام، ~~يعني " مارية " وأخبرك أن أباك وأبا بكر سيملكان من بعدي، فأخبرت حفصة ~~عائشة الخبر، ونزل الوحي على النبي صلى الله عليه بذلك، فقال: ما حملك على ~~ما فعلت؟ - قالت: ومن أخبرك أني قلت ذلك لعائشة؟ - قال: (نبأني العليم ~~الخبير)، ثم طلق حفصة تطليقة واحدة، واعتزل نساءه تسعة وعشرين يوما، ونزل ~~عليه: (لم تحرم ما أحل الله لك) من نكاح مارية، ثم قال: (قد فرض الله لكم ~~تحلة أيمانكم) فكفر النبي صلى الله عليه عن يمينه، والتحلة: الكفارة، فأعتق ~~رقبة، وعاد إلى مارية، ثم قال: عرف حفصة بعض الحديث، وترك بعض الحديث، وهذا ~~الذي قال الفراء قول زيد بن أسلم ومسروق وقتادة والشعبي وعبد الرحمن بن زيد ~~والضحاك. # وفي (النبي) لغتان: الهمز، وترك الهمز # فمن همز أخذه من أنبأ، وهو (فعيل) بمعنى (مفعل) أي: منبئ والمنبئ: ~~المخبر؛ لأنه يخبر عن الله تعالى، ويقال: سميع بمعنى مسمع، قال عمرو بن ~~معدي كرب: # PageV01P448 # أمن ريحانة الداعي السميع ... يؤرقني وأصحابي هجوع # يريد: المسمع. # وجمع (نبيء) بالهمز: نبآء، قيل: كريم وكرماء. قال عباس بن مرداس: # يا خاتم النبآء إنك مرسل ... بالخير كل هدى السبيل هداكا # ويقال: نبي بغير همز، ويحتصل وجهين: # أحدهما: أن يكون من (أنبأ) إلا أنه خفف بترك الهمز، كما قالوا: برية ~~وروية، وأصلها الهمز. # والوجه الثاني: أنه يحتمل أن يكون من (النباوة) وهي المرتفع من الأرض، ~~فلارتفاع ذكره سمي بذلك، وجمعه على هذا: أنبياء، بمنزلة: غني وأغنياء، وترك ~~الهمز أفصح. ويروى أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه: يا نبيء الله - بالهمز ~~- فقال: لست بنبيء الله ولكنني نبي الله، فهذا يدل على ترك الهمز، وكأنه ~~كره التقعير. # * * * ### | قوله تعالى: (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما) # يقال: لم جمعت القلوب؟ # وعن هذا أجوبة # أحدها: أن التثنية جمع في المعنى، فوضع الجمع موضع التثنية، كما قال ~~تعالى: (وكنا لحكمهم شاهدين)، وإنما هو داود وسليمان عليهما السلام. # PageV01P449 # والثاني: أن أكثر ما في الإنسان اثنان اثنان نحو: ms241 اليدين والرجلين ~~والعينين والخدين، وما أشبه ذلك، وإذا جمع اثنان إلى اثنين صار جمعا، ~~فيقال: أيديهما وأرجلهما، ثم حمل ما كان في الإنسان منه واحد على ذلك لئلا ~~يختلف حكم لفظ أعضاء الإنسان. # والثالث: أن المضاف إليه مثنى فكرهوا أن يجمعوا بين تثنيتين فصرفوا الأول ~~منهما إلى لفظ الجمع؛ لأن لفظ الجمع أخف؛ لأنه أشبه بالواحد؛ لأنه يعرب ~~بإعرابه ويستأنف كما يستأنف الواحد، وليست التثنية كذلك؛ لأنها لا تكون إلا ~~على حد واحد، ولا تختلف، ومن العرب من يثني فيقول: قلباهما، قال الراجز ~~فجمع بين اللغتين: # ومهمهين قذفين مرتين ... ظهراهما مثل ظهور الترسين # وقال الفرزدق: # بما فى فؤادينا من الشوق والهوى ... فيجبر منهاض الفؤاد المشغف # ومن العرب من يفرد، ويروى أن بعضهم قرأ (فبدت لهما سواتهما). # قال الفراء في قوله: (صغت قلوبكما) يعني: عائشة وحفصة قد صغت قلوبهما، ~~وذلك أن عائشة قالت: يا رسول الله: أما يوم غيري فتتمه وأما يومي فتفعل فيه ~~ما فعلت، فنزلت: (إن تتوبا إلى الله). # PageV01P450 # ومعنى صغت: زالت ومالت إلى ما كان من تحريم، وقيل: زاغت إلى الإثم، وهو ~~قول ابن عباس ومجاهد والضحاك. # قوله تعالى: (فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ~~ظهير (4)) # المولي في الكلام على تسعة أوجه: # المولي: السيد، والولي: العبد، والولي: المنعم، والولي: المنعم عليه، ~~والمولى: الولي، والمولى: ابن العم، والمولى: واحد الموالي وهم العصبة من ~~قوله تعالى: (وإني خفت الموالي من ورائي). والمولى أولى من قوله تعالى (وهو ~~وليهم) أي: أولى بهم، قال لبيد: # فغدت كلا الفرجين تحسب أنه ... مولى المخافة خلفها وأمامها # أي: أولى. # وفي (جبريل) أربع لغات: # جبريل - بكسر الجيم -، وجبريل - بفتحها - وجبرائيل - بفتح الجيم وكسر ~~الهمزة -، وجبرائيل، وقد قرئ بذلك كله، فقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص ~~عن عاصم (جبريل) بكسر الجيم دون همز، وقرأ الكسائي وحمزة (جبرائيل) مفتوح ~~الجيم مهموز بين الراء والياء، وقرأ أبو بكر عن عاصم (جبرئيل) على وزن ~~(فبرعيل). وقرأ ابن كثير (جبريل) بفتح الجيم وكسر الراء من غير ms242 همز، ومن ~~العرب من يقول: جبريل بتشديد اللام، ومنهم من يبدل من اللام نونا. # PageV01P451 # وقيل في (صالح المؤمنين) ثلاثة أقوال: # أحدها: خيار المؤمنين، وهو قول الضحاك. # والثاني: الأنبياء، وهو قول قتادة، و (ظهير) في هذين القولين في معنى ~~ظهراء، والظهير: العين، وقع الواحد موقع الجمع وكذا: (صالح المؤمنين) واحد ~~في معنى الجمع، كما قال: (فقطع دابر القوم الذين ظلموا)، ومثله: (سامرا ~~تهجرون). # والقول الثالث: أنه عنى " أبا بكر " وقيل " عمر " وقيل: " علي " رضي الله ~~عنهم. # وقوله: (فإن الله هو مولاه) يجوز في قوله (هو) وجهان: # أحدهما: أن يكون فصلا دخل ليفصل بين المبتدأ والخبر، والكوفيون يسمونه ~~(عمادا). # والثاني: أن يكون مبتدأ و (مولاه) الخبر، والجملة خبر (إن). # ومن جعل (مولاه) بمعنى السيد والخالق كان الوقف على قوله (مولاه) وكان ~~(جبريل) مبتدأ و (ظهير) خبره. # ومن جعل (مولاه) بمعنى ولي وناصر جاز أن يكون الوقف على قوله: (وجبريل). ~~وجاز أن يكون على قوله (وصالح المؤمنين) ويبتدأ (والملائكة بعد ذلك ظهير)، ~~فيكون (ظهير) عائدا على (الملائكة). # * * * ### | قوله تعالى: (وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين (12)) # PageV01P452 # قرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم وخارجه عن نافع (وكتبه) وقرأ الباقون ~~(وكتابه)، والمعنى واحد، إلا أن من قرأ بالإفراد جعل الواحد في موضع الجمع، ~~ومن جمع قرأ على الأصل؛ لأن الله تعالى قد أنزل كتبا قبل مريم عليها ~~السلام، وقد آمنت بجميعها، ويجوز أن يعود قوله (وكتابه) على التوراة؛ لأنها ~~كانت أظهر عندهم، وإذا حمل على الجمع أراد التوراة وصحف إبراهيم وإدريس ~~وآدم عليهم السلام وغيرها من الصحف التي أنزل الله تعالى. # ويسأل عن قوله (من القانتين)، كيف قال: من القانتين، ولم يقل من ~~القانتات؟. # والجواب: أن القنوت يقع من المذكر والمؤنث، وإذا اجتمعا غلب المذكر على ~~المؤنث، فكأنه في التقدير: كانت من العباد القانتين، فعم في القانتين، ~~ولأنها كانت في قنوتها وخدمتها لبيت المقدس مقام رجل أو رجال. # * * * # PageV01P453 ### | ومن سورة (الملك) ### | قوله تعالى: (تبارك الذي بيده الملك) # قال علي بن عيسى: معنى (تبارك) تعالى؛ لأنه ms243 الثابت الدائم الذي لم يزل ~~ولا يزال، وذلك أن أصل الصفة: الثبوت، من البروك وهو ثبوت الطير على الماء، ~~ومنه البركة لثبوت الخير بها، قال: ويجوز في معنى (تبارك) تعالى من جميع ~~البركات منه، إلا أن هذا المعنى مضمن في الصفة غير مصرح به، وإنما المصرح ~~به: تعالى باستحقاق التعظيم والملك: القدرة والسلطان، وأصله من أصل الملك، ~~وأصل الملك من الشد، يقال: ملكت العجين إذا شددته، وقد شرح في الفاتحة. # * * * ### | قوله تعالى: (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) # الابتلاء: الاختبار، يقال: بلوت هذا الأمر وابتليته أي: اختبرته، قال ~~زهير: # فأبلاهم خير البلاء الذي يبلو # ويقال: لم يبل من يخبر، أي: يعلم، والجواب لتقوم الحجة، لئلا يبقى للخلق ~~على الله حجة، # PageV01P454 # ويكون الثواب والعقاب بعد العلم بوقوع الأمر دون العلم بأنه سيكون كذلك. # وقوله (أيكم أحسن عملا) مبتدأ وخبر، ولا يعمل فيه (ليبلوكم) لأن البلوى ~~لم تقع على قوله (أيكم)، وفي الكلام إضمار فعل، والتقدير ليبلوكم لينظر ~~(أيكم) أطوع له، وكذلك قوله تعالى (سلهم أيهم بذلك زعيم)، وإنما يأتي هذا ~~ونحوه في أفعال العلم، ولو قلت: اضرب أيهم ذهب أو يذهب، لم يكن إلا نصبا؛ ~~لأن الضرب ليس من هذا القبيل، ومن هذا القبيل قوله: (لنعلم أي الحزبين ~~أحصى) وقوله: (لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا) وقوله: (فلينظر ~~أيها أزكى طعاما)، وقد شرحنا ذلك. # * * * ### | قوله تعالى: (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير (14)) # يسأل عن موضع (من) من الإعراب؟ # والجواب: أنها في موضع رفع. لأنها فاعل (يعلم) والتقدير: يعلم الذي خلق ~~ما في الصدور، ولا يجوز أن تكون مفعولة؛ لأن المعنى لا يصح على ذلك، وذلك ~~أن (من) لمن يعقل دون ما لا يعقل فلو # PageV01P455 # جعلت (من) مفعولة لصار المعنى أنه يعلم العقلاء خاصة ولا يعلم سواهم وهذا ~~لا يصح على القديم. # * * * ### | قوله تعالى: (أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن) # يقال ما معنى (ما يمسكهن إلا الرحمن)؟ # والجواب: أنه تعالى وطأ لهن الهواء، ولولا ذلك ms244 لسقطن، وفي ذلك أكبر آية، ~~قال مجاهد وقتادة: الطير تصف أجنحتها تارة وتقبضها أخرى. # ومما يسأل عنه أن يقال: كيف عطف (يقبضن) وهو فعل على (صافات) وهو اسم، ~~ومن الأصل المقرر أن الفعل لا يعطف على الاسم، وكذلك الاسم لا يعطف على ~~الفعل؟ # والجواب: أن (يقبضن) وإن كان فعلا فهو في موضع الحال وتقديره تقدير اسم ~~فاعل، و (صافات) حال، فجاز أن يعطف عليه، فكأنه قال: أولم يرو أن الطير ~~فوقهم صافات وقابضات، وقد جاء مثل هذا في الشعر، قال الراجز: # بات يغشيها بعضب باتر ... يقصد في أسوقها وجائر # * * * ### | قوله تعالى: (أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم (22)) # يقال: ما معنى الاستفهام هاهنا، وقد علم أن من يمشي على صراط مستقيم أهدى ~~ممن يمشي مكبا؟ # والجواب: أنه إنكار وتبكيت وليس باستفهام في الحقيقة؛ لأن الاستفهام إنما ~~يكون عن جهل من # PageV01P456 # المستفهم بما يستفهم عنه، وهذا لا يجوز على القديم تعالى، ومثل هذا ~~الإنكار قوله تعالى: (آلله أذن لكم أم على الله تفترون) وكذلك قوله: ~~(آلذكرين حرم أم الأنثيين) فأما قوله: (آلله خير أما يشركون) فإنما جاز هذا ~~وقد علم أنه تعالى خير مما يشركون من قبل أنهم كانوا يعتقدون أن فيما ~~يشركون خيرا، فخاطبهم على قدر اعتقادهم من جهة التبكيت لهم والإنكار عليهم، ~~وفيه حذف والتقدير: أعبادة الله خير أم عبادة ما يشركون، ومثله (يا صاحبي ~~السجن أأرباب متفرقون خير أم الله). # ويقال: أكب الرجل على وجهه فهو مكب، وكببته أنا، وهذا من نوادر الفعل، ~~وذلك أن (أفعل) لازم و (فعل) متعد. والأصول المقررة بخلاف ذلك، نحو قولك: ~~قام وأقمته وخرج وأخرجته، فيكون (فعل) لازما في مثل هذا، و (أفعل) متعديا، ~~ومثل (أكب) قولهم: أنزفت البئر، إذا ذهب ماؤها، وأمرت الناقة، إذا در ~~لبنها، ومريتها أنا إذا استدررتها بالمسح، وأشنق البعير إذا رفع رأسه. ~~وشنقته أنا إذا مددته بالزمام، وقال الله تعالى في (كب) متعديا: (فكبت ~~وجوههم في النار)، وكذلك: (فكبكبوا فيها هم والغاوون). # * * * ### | قوله ms245 تعالى: (قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين (30)) # PageV01P457 # يقال: غار الماء يغور غورا، إذا غاص في الأرض. # والمعين: الذي تراه العيون، وقيل المعين: الجاري، وهو قول قتادة والضحاك، ~~فعلى القول الأول يكون (مفعولا) من العين، كمبيع من البيع ومكيل من الكيل، ~~وعلى القول الثاني يكون في تقدير (الفاعل) وتكون (ميمه) أصلية. ويكون من ~~الإمعان في الجري، ويجوز أن يكون في معنى (مفعول) فتكون (الميم) زائدة، ~~كأنه قد أجري عيونا، قال الفراء: العرب تقول، (أصبح ماؤكم غورا ومياهكم ~~غورا، ويقال: هذا ماء غور وبئر غور وماءان غور ومياه غور، فلا يجمعون ولا ~~يثنون، ولا يقولون: غوران ولا أغوار، وهو بمنزلة: الزور، يقال: هؤلاء زور ~~لفلان، وكذلك: الضيف والصوم والفطر، وفي تقديره وجهان: # أحدهما: أن يكون في تقدير: ذا غور. # والثاني: أن يكون المصدر وضع موضع اسم الفاعل، كما قالوا: جاء ركضا ~~ومشيا، أي: راكضا وماشيا. # * * * # PageV01P458 ### | ومن سورة (القلم) ### | قوله تعالى: (ن والقلم وما يسطرون (1) # النون: في قول ابن عباس ومجاهد: الحوت الذي عليه الأرضون وجمعه (نينان) ~~سماعا لا قياسا، وروي عن ابن عباس من طريقة أخرى: أن (النون) الدواة. وهو ~~قول الحسن وقتادة، وقيل: (النون) لوح من نور ذكر في خبر مرفوع، وقيل: هو ~~اسم للسورة، وحكمه في الإعراب إذا كان اسما للسورة حكم (الم). # وقرأ الكسائي وعاصم في طريقة أبي بكر (ن والقلم) بالإخفاء، وقرأ الباقون ~~بالإظهار، وقال الفراء: وإظهارها أعجب إلي؛ لأنها هجاء، والهجاء كالموقوف ~~عليه وإن اتصل، ومن أخفاها بنى على الاتصال. # * * * ### | قوله تعالى: (بأيكم المفتون (6)) # يسأل عن (الباء) هاهنا؟ # وفيها ثلاثة أجوبة: # أحدها: أنها زائدة، والتقدير: أيكم المفتون. # PageV01P459 # والثاني: أنها بمعنى (في) والتقدير: في أي فرقكم المفتون، أي: المجنون. ~~وهذا قول الفراء. # والقول الثالث: أن (المفتون) بمعنى: الفتون، كما يقال: ماله معقول، وليس ~~له محصول، وهذا قول ابن عباس. # قال مجاهد: المفتون: المجنون. وقال قتادة المعنى في (بأيكم المفتون) أيكم ~~أولى بالشيطان، جعل (الباء) زائدة. # قال الراجز: # نحن بني جعدة أصحاب الفلج ... نضرب بالسيف ms246 ونرجو بالفرج # أى: نرجو الفرج. # * * * ### | قوله تعالى: (سنسمه على الخرطوم (16) إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين (17) ولا يستثنون (18) # فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون (19) فأصبحت كالصريم (20)) # السمة: العلامة، يقال: وسمه يسمه وسما وسما. # والخرطوم ما نتأ من الأنف، وهو الذي يقع به الشم، ومنه قيل: خرطوم الفيل، ~~وخرطمه: إذا قطع أنفه، وجمعه: خراطيم. # قال قتادة المعنى: سنسمه على أنفه، وروي عن ابن عباس في (سنسمه على ~~الخرطوم) سنحطمه بالسيف في يوم بدر، قال الفراء: أي سنكويه ونسمه سمة أهل ~~النار، ومعناه: سنسود وجهه، وهو وإن كان الخرطوم قد خص بالسمة فإنه كأنه في ~~مذهب الوجه؛ لأن بعض الوجه يؤدي عن # PageV01P460 # البعض. والعرب تقول: والله لأسمنك وسما لا يفارقك. # وقيل: الخرطوم: الخمر، والمعنى: سنسمه على شرب الخمر، قال الشاعر: # أبا حاضر من يزن يعرف زناؤه ... ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكرا # والجنة: البستان، والصرام: الجداد في النخيل بمنزلة: الحصاد والقطاف في ~~الزرع والكرم، يقال: صرمت النخل وجددتها، وأصرمت هي وأجدت إذا حان ذلك ~~منها. # ومصبحين: داجلين وقت الصبح. # ولا يستثنون: لا يقولون (إن شاء الله). # والطائف: الطارق بالليل، فإذا قيل: (أطاف به) صلح في الليل والنهار. # وأنشد الفراء: # أطفت بها نهارا غير ليل ... وألهى ربها طلب الرخال # والرخال: الإناث من أولاد الضأن، والصريم: الليل الأسود، قاله ابن عباس، ~~وأنشد أبو عمرو: # ألا بكرت وعاذلتي تلوم ... تهجدني وما انكشف الصريم # PageV01P461 # وقال آخر: # تطاول ليلك الجون البهيم ... فما ينجاب عن صبح صريم # إذا ما قلت أقشع أو تناهى ... جرت من كل ناحية غيوم # ويسمى النهار صريما، وهو من الأضداد؛ لأن الليل ينصرم عند مجيء النهار، ~~والنهار ينصرم عند مجيء الليل، وقيل: الصريم: المصروم، أي: صرم جميع ~~ثمارها، والمعنى: فأصبحت كالشيء المصروم، وقيل: الصريم: الصحيفة، أي: أصبحت ~~بيضاء لا شيء فيها، وقيل: الصريم: منقطع الرمل الذي لا نبات فيه، قال ~~الفراء المعنى: بلونا أهل مكة كما بلونا أصحاب الجنة، وهم قوم من أهل اليمن ~~كان لرجل منهم زرع وكرم ونخل، ms247 وكان يترك للمساكين من زرعه ما أخطأه المنجل، ~~ومن النخل ما سقط عن البسط، ومن الكرم ما أخطأه القطاف، فكان ذلك يرتفع إلى ~~شيء كثير، ويعيش به اليتامى والأرامل والمساكين. فمات الرجل وله بنون ~~ثلاثة، فقالوا: كان أبونا يفعل ذلك والمال كثير والعيال قليل، فأما إذ كثر ~~العيال وقل المال فإنا لا نفعل ذلك، ثم تآمروا أن يصرموا في سدف، أي: في ~~ظلمة باقية من الليل؛ لئلا يبقى للمساكين شيء، فسلط الله على مالهم نارا ~~فأحرقته ليلا. # (وغدوا على حرد) أي: على منع، من قولهم: حاردت السنة إذا منعت قطرها. ~~وقال الفراء: # على قصد، وقال أيضا: على قدرة وجد في أنفسهم، وأنشد في الحرد بمعنى ~~القصد: # أقبل سيل جاء من عند الله ... يحرد حرد الجنة المغله # في كل شهر دائم الأهلة # PageV01P462 # وقيل: (على حرد) على جد من أمرهم، وهو قول مجاهد وقتادة وعبد الرحمن بن ~~زيد، وقال الحسن: على جهد من الفاقة، وقال سفيان: على حنق، قال الأشهب بن ~~رميلة: # أسود شرى لاقت أسود خفية ... تساقوا على لوح دماء الأساود # وقيل: (على حرد) على غضب. # قال: فلما جاءوا إليها ليصرموها لم يروا شيئا إلا سوادا، فقالوا: إنا ~~لضالون ما هذا بمالنا الذي نعرف. أي: ضللنا عن جنتنا، وقيل: ضالون عن طريق ~~الرشاد في إدراك جنتنا قال قتادة: أخطأنا الطريق، وقيل: ضالون عن الحق في ~~أمرنا، ولذلك عوقبنا بذهاب ثمرتنا، ثم قال بعضهم: هو مالنا، وحرمنا بما ~~صنعنا بالأرامل والمساكين (قال أوسطهم) أي: أعدلهم طريقة، وكانوا قد أقسموا ~~ليصرمنها في أول الصباح، ولم يقولوا " إن شاء الله " فقال لهم أوسطهم، وهو ~~أخ لهم: ألم أقل لكم لولا تسبحون. أي: تستثنون، والتسبيح هاهنا: الاستثناء، ~~وهو أن يقول " إن شاء الله ". # وموضع (الكاف) نصب، لأنها نعت لمصدر محذوف، والتقدير: إنا بلوناهم بلاء ~~كما بلونا أصحاب الجنة. # * * * # PageV01P463 ### | ومن سورة (الحاقة) ### | قوله تعالى: (الحاقة (1) ما الحاقة (2) وما أدراك ما الحاقة (3) كذبت ثمود وعاد بالقارعة (4) فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية (5)) # الحاقة: اسم من أسماء القيامة، لأنها يحق ms248 فيها الجزاء، وكذلك القارعة؛ ~~لأنها تقرع قلوب العباد. # وثمود وعاد: قبيلتان من الجبلة الأولى، وهي ستة: عاد وثمود وطسم وجديس ~~وأميم وأرم. # والطاغية: قيل معناه: الخصلة الطاغية، وقيل معناها: الطغيان، بمنزلة ~~العاقبة والعافية، قال ابن عباس: القارعة: يوم القيامة، وقال قتادة: ~~الطاغية: الصيحة المتجاوزة في العظم، وقال ابن عباس والضحاك وقتادة وابن ~~زيد. الحاقة: القيامة. # * * * # فصل: # ومما يسأل عنه أن يقال: لم كرر لفظها، ولم يضمر لتقدم ذكرها؟ # والجواب: أنها كررت، ولم تضمر للتعظيم والتفخيم لشأنها، ومثله: (القارعة ~~(1) ما القارعة (2))، ومثله قوله: (قل هو الله أحد (1) الله الصمد (2). # PageV01P464 # ويسأل عن موضع (الحاقة) من الإعراب؟ # وفيها جوابان: # أحدهما: أن تكون مبتدأة، وقوله (ما الحاقة) خبرها، كأنه قال: الحاقة أي ~~شيء هي. # والثاني: أن تكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هذه الحاقة، ثم قيل: أي شيء ~~الحاقة. تفخيما لشأنها. وتلخيص المعنى: هذه السورة الحاقة. # وقوله: (وما أدراك ما الحاقة)، (ما) في موضع رفع بالابتداء، وهي استفهام، ~~و (الحاقة) الخبر. والجملة في موضع نصب على المفعول الثاني ل (أدراك) من ~~قوله (وما أدراك). # * * * ### | قوله تعالى: (والملك على أرجائها) # الأرجاء: الجوانب، واحدها " رجا "، وهو يكتب بالألف؛ لأن تثنيته بالواو، ~~قال الشاعر: # فلا يرمى بي الرجوان أني ... أقل القوم من يغني مكاني # والملك: واحد ويراد به الجماعة؛ لأنه جنس، ولا يجوز أن يكون واحدا بعينه؛ ~~لأنه لا يصح أن يكون ملك واحد على أرجائها، أي: جوانبها فى وقت واحد. ومثل ~~ذلك قوله تعالى: # PageV01P465 # (والعصر (1) إن الإنسان لفي خسر (2))، أي: إن الناس؛ لأنه قال: (إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات)، ولا يستثنى من الواحد، ومثله: (والله يعلم ~~المفسد من المصلح) أي: المفسدين من المصلحين، وكذا قول العرب: # أهلك الناس الدينار والدرهم، أي: الدنانير والدراهم. # * * * ### | قوله تعالى: (وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون (41) ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون (42)) # قول الشاعر: ما ألفه بوزن، وجعله مقفى، وله معنى. وقول الكاهن: السجع، ~~وهو كلام متكلف يضم على معنى يشاكله. # ومما يسأل عنه: لم منع الرسول عليه السلام من الشعر؟ ms249 # وعن هذا جوابان: # أحدهما: أن الغالب من حال الشعراء أنه يبعث على الشهوة، ويدعو إلى الهوى، ~~والرسول عليه السلام إنما يأتي بالحكم التي يدعو إليها العقل للحاجة إلى ~~العمل عليها، والاهتداء بها. # والثانى: أن في منعه من قول الشعر دلالة على أن القرآن ليس من صفة الكلام ~~المعتاد بين الناس، وأنه ليس بشعر؛ لأن الذي يتحدى به غير شعر، ولو كان ~~شعرا لنسب إلى من تحدى به وأنه من قوله. # ويسأل عن نصب قوله: (قليلا ما تؤمنون) و (قليلا ما تذكرون)؟ # وفيه وجهان: # PageV01P466 # أحدهما: أن يكون نعتا لمصدر محذوف، أي: إيمانا قليلا ما تؤمنون. وادكارا، ~~قليلا تذكرون. # والثاني: أن يكون نعتا لظرف محذوف، أي: وقتا قليلا تؤمنون ووقتا قليلا ~~تذكرون، و (ما) على هذا التقدير صلة، وإن شئت جعلت (ما) مصدرية. فيكون ~~التقدير: قليلا إيمانكم وقليلا ادكاركم. وتكون في موضع رفع ب (قليلا). # * * * # PageV01P467 ### | ومن سورة (المعارج) ### | قوله تعالى: (سأل سائل بعذاب واقع (1) للكافرين ليس له دافع (2)) # قال مجاهد: هذا السائل هو الذي قال: (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك ~~فأمطر علينا حجارة من السماء)، وهو النضر بن الحارث، وقال الحسن: سأل ~~المشركون فقالوا: لمن هذا العذاب الذي تذكر يا محمد؟ - فجاء جوابهم بأنه ~~(للكافرين ليس له دافع)، وقيل: " اللام " في قوله: (للكافرين) بمعنى " على ~~" أي: واقع على الكافرين، وقال الفراء: هي بمعنى " الباء " أي: بالكافرين ~~واقع، وهو قول الضحاك. # وقرأ نافع وابن عامر (سال سائل) بغير همز في (سأل) وهمز الباقون. # فمن همز جاز في (الباء) على قوله وجهان: # أحدهما: أن تكون بمعنى (عن) وعلى هذا تأويل قول الحسن لأنهم سألوا عن ~~العذاب: لمن هو. # والقول الثاني: أن (الباء) على بابها للتعدي، والتقدير: سأل سائل بإنزال ~~عذاب واقع، وهذا على تأويل قول مجاهد أنه يعني به " النضر بن الحارث ". # ومن ترك الهمز جاز في قراءته ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه خفف الهمزة استثقالا لها. # والثاني: أنها لغة، حكى سيبويه: سلت أسال على وزن: خفت أخاف، قال حسان: # سالت هذيل ms250 رسول الله فاحشة ... ضلت هذيل بها سالت ولم تصب # PageV01P468 # والثالث: أنه من " السيل " يقال: سال يسيل سيلا. والتقدير: سال سيل سائل ~~بعذاب واقع، و (الباء) على هذا القول للتعدي وفي القولين الأولين يجوز أن ~~تكون للتعدية على قول مجاهد، وبمعنى (عن) على قول الحسن. # * * * ### | قوله تعالى: (كلا إنها لظى (15) نزاعة للشوى (16)) # لظى: اسم من أسماء جهنم، والنزع: الاقتلاع. وقيل (نزاعة) للتكثير، والشوى ~~هاهنا: جلدة الرأس، والشوى في غير هذا الموضع: الأطراف، كاليدين والرجلين، ~~والشوى أيضا: كل ما يعدو القتل، يقال: رماه فأشواه. # ويسأل عن الرفع في قوله: (لظى نزاعة) ما موضعها من الإعراب؟ # والجواب: أن فيها ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها مبتدأة. و (نزاعة) خبره، والجملة خبر (إن) و (الهاء) ضمير ~~القصة. وهو الذي يسميه الكوفيون " المجهول " ويسمونه أيضا " عمادا ". # والثاني: أن تكون (لظى) خبر (إن) و (نزاعة) خبر ثان. كما تقول هذا حلو ~~حامض. # PageV01P469 # والثالث: أن تكون بدلا من (الهاء) على شريطة التفسير، كأنه قال: إن لظى ~~نزاعة للشوى. # ويجوز أن تجعل (نزاعة) خبر مبتدأ محذوف. أي: هي نزاعة. # وقد قرأ بعضهم (نزاعة) بالنصب. والنصب على الحال. وتكون لظى في معنى: ~~متلظية، فتعمل في الحال، وهي قراءة بعيدة. # * * * ### | قوله تعالى: (فمال الذين كفروا قبلك مهطعين (36) عن اليمين وعن الشمال عزين (37)) # المهطع: المسرع، هذا قول أبي عبيدة، وقال الحسن: مهطعين: متطلعين، وقال ~~عبد الرحمن بن زيد: لا يطرفون أي: شاخصين. # وواحد (العزين) عزة، والعزة: الجماعة، ومعنى (عزين) جماعات في تفرقة. # واختلف فى المحذوف من (عزة): # فقيل فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه (واو) والأصل: عزوة؛ لأنه من: عزوته، أي: نسبته، والعزة ~~منتسبة إلى غيرها من الجماعات. # PageV01P470 # والثاني: أن المحذوف (ياء) وهي من: عزيت؛ لأنه يقال: عزوت وعزيت بمعنى ~~واحد. # والثالث: أن المحذوف (هاء) والأصل: عزهة. وهو من: العزهاة، وهو المنقبض ~~عن النساء، المجتمع عن اللهو معهن، قال الأحوص: # إذا كنت عزهاة عن اللهو والصبا ... فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا # وهذا الجمع في الأسماء المحذوفة عوض من الحرف المحذوف، ومن هذا الباب: ms251 ~~ثبون وعضون وسنون كل هذا محذوف اللام، وهذا الجمع له عوض من المحذوف. # * * * # PageV01P471 ### | ومن سورة (نوح) عليه السلام ### | قوله تعالى: (يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى) # يسأل عن (من) هاهنا؟ # وفيها وجهان: # أحدهما: أنها بمعنى (عن) أي: يصفح لكم عن ذنوبكم. # والثاني: أن المعنى: يغفر لكم ذنوبكم السالفة، وهي بعض الذنوب التي يصار ~~إليهم، فلما كانت ذنولهم التي يستأنفونها لا يجوز الوعد بغفرانها على ~~الإطلاق؛ إذ يجري ذلك مجرى الإباحة لها، فقيدت بهذا التقييد. # وقد قيل: إن المعنى: يغفر لكم من ذنوبكم بحسب ما يكون من الإقلاع عنها، ~~فهذا على احتمال بعض إن لم يقلعوا عن بعض. # وأجاز الأخفش أن تزاد (من) في الواجب، فالتقدير على هذا: يغفر لكم ~~ذنوبكم. # * * * ### | قوله تعالى: (ما لكم لا ترجون لله وقارا (13)) # قال ابن عباس ومجاهد والضحاك المعنى: ما لكم لا ترجون لله عظمة، وقيل ~~معنى ترجون: # تخافون، قال أبو ذؤيب: # إذا لسعته النحل لم يرج لسعها ... وخالفها في بيت نوب عوامل # أي: لم يخف، والنوب: النحل. # PageV01P472 # و (اللام) على هذا متعلقة بما دل عليه الكلام، والتقدير: ما لكم لا ترجرن ~~عظمة الله. # * * * ### | قوله تعالى: (ومكروا مكرا كبارا (22)) # الكبار والكبار والكبير بمعنى واحد، إلا أن بينها تفاوتا في المبالغة. ~~فالكبار أشدها مبالغة، والكبار دون ذلك، ويروى أن أعرابيا سمع النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقرأ (ومكروا مكرا كبارا) فقال: ما أفصح ربك يا محمد، وهذا ~~من جفاء الأعراب؛ لأن الله تعالى لا يوصف بالفصاحة. # * * * # PageV01P473 ### | ومن سورة (الجن) ### | قوله تعالى: (وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا (3)) # الجد هاهنا: العظمة؛ لانقطاع كل عظمة عنها، لعلوها عليها. ومن هذا قيل ~~لأب الأب " جد "، لانقطاعه. لعلو أبوته. وكل من فوقه لهذا الولد " أجداد ". # والجد: الحظ، لانقطاعه بعلو شأنه، والجد: ضرب من السير لانقطاعه عما هو ~~دونه. وأصل الجد: القطع، والجد: - بالكسر - ضد الهزل؛ لانقطاعه عن السخف. ~~وكذا الجد: الانكماش في الشيء لانقطاعه عن التواني. والجد - بالضم - البئر ~~القديمة. لانقطاع من يعرف حالها في ms252 وقت حفرها، والجد: ساحل البحر، ومنه ~~(جدة) سمي بذلك لأنه آخر الأرض ومنقطعها. قال الحسن ومجاهد وقتادة (جد ~~ربنا) جلاله وعظمته، وروي عن الحسن: غنى ربنا. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (قل أوحي إلي أنه)، (وألو استقاموا)، (وأن ~~المساجد لله)، (وأنه لما قام عبد الله) بالفتح في الأحرف الأربعة، وقرأ ~~نافع وأبو بكر عن عاصم كذلك، إلا قوله: (وأنه لما قام عبد الله) فإنهما ~~قرأا بكسر الهمزة، وقرأ الباقون ذلك كله بالفتح إلا ما جاء بعد قول أو فاء ~~جزاء. # فمن فتح حمل على قوله: (قل أوحي إلي أنه)، ومن كسر (إن المساجد لله)، ~~فزعم الفراء: أن حبان حدثه عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: أوحي ~~إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - # PageV01P474 # بعد اقتصاص أمر الجن وأن المساجد لله، قال: وكان عاصم يكسر ما كان من قول ~~الجن. # ويفتح ما كان من الوحي. لأن ما بعد القول لا يكون إلا مكسورا. # * * * ### | قوله تعالى: (وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا (18) وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا (19)) # قال الفراء والزجاج: المساجد: مواضع السجود من الإنسان: الجبهة واليدان ~~والركبتان والرجلان، وقال الحسن: هي المساجد المعروفة، والمعنى: فلا تدع مع ~~الله أحدا كما تدعوا النصارى فى بيعها، والمشركون في بيت أصنامها، وكان ~~يقول: من السنة أن تقول إذا دخلت المسجد: (لا إله إلا الله لا أدعو مع الله ~~أحدا). # وقوله: (لما قام عبد الله يدعوه) يراد به: النبي صلى الله عليه. كان إذا ~~قال (لا إله إلا الله) كادوا يكونون عليه جماعة متكاثفة بعضهم فوق بعض ~~ليزيلوه بذلك عن دعوته بإخلاص الإلهية. # وقال ابن عباس: كاد الجن يركبونه حرصا على سماع القرآن فيه، وهو قول ~~الضحاك. ويروى عن الحسن وقتادة أنهما قالا: تلبدت الإنس والجن على هذا ~~الأمر ليطفئوه، فيأبي الله إلا أن يظهره على من ناوأه، كما قال تعالى: ~~(يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم). # * * * # PageV01P475 ### | ومن سورة (المزمل) ### | قوله تعالى: (يا أيها المزمل (1) قم الليل ms253 إلا قليلا (2) نصفه أو انقص منه قليلا (3)) # المزمل: المتلفف في ثيابه، وكان النبي صلى الله عليه إذا أنزل عليه الوحي ~~أخذته شدة وكرب، فيقول: زملوني زملوني، وكذلك (المدثر) لأنه كان يقول مرة: ~~دثروني دثروني. # قال الفراء: المزمل: الذي تزمل في ثيابه وتهيأ للصلاة في هذا الموضع. وهو ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وأصل المزمل: المتزمل، فأبدلت من التاء زايا ~~وأسكنت وأدغمت في التي بعدها، وقيل: المزمل، ويقال: تزمل الرجل في ثيابه ~~أي: تلفف. قال امرؤ القيس: # كأن أبانا في أفانين وذقه كبير أناسبي بجاد مزمل # كأن أبانا في أفانين ودقه ... كبير أناس في بجاد مزمل # ويسأل عن نصب قوله: (نصفه)؟ # والجواب: أنه يدل من الليل، وهو بدل بعض من كل، كأنه في التقدير: قم نصف ~~الليل إلا قليلا، وهو بمنزلة قولك: قطعت اللص يده، وأكلت الرغيف ثلثيه. # * * * ### | قوله تعالى: (وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا (11)) # PageV01P476 # قوله (والمكذبين) مفعول معه. أي: مع المكذبين، كما تقول: تركته والأسد، ~~أي: مع الأسد، والمعنى: ارضى بعتاب المكذبين، أي: لست تحتاج إلى أكثر من ~~ذلك. كما تقول: دعني وإياه فإنه يكفيك ما ينزل به مني. وهو تهديد. # * * * ### | قوله تعالى: (علم أن سيكون منكم مرضى) # (أن) هاهنا مخففة من المثقلة. و (الهاء) مضمرة معها، والتقدير: أنه سيكون ~~منكم مرضى، و (مرضى) اسم (يكون) و (منكم) الخبر، والجملة خبر (أن)، ولا يلي ~~الفعل (أن) المخففة إلا مع العوض، والعوض نحو: السين هاهنا، ونحو (لا) من ~~قوله: (أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا). # * * * ### | قوله تعالى: (وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا) # (هو) فصل، وهو الذي يسميه الكوفيون عمادا، ونصب (خيرا) لأنه مفعول ثان ل ~~(تجدوه)، والفصل يدخل بين كل معرفتين لا يستغني أحدهما عن الآخر، أو بين ~~معرفة ونكرة تقارب # PageV01P477 # المعرفة، نحو قولك: زيد هو خير منك، وكان عمرو هو أفضل من بكر، والمواضع ~~التي يدخل فيها الفصل أربعة: # يدخل بين المبتدأ والخبر، وبين اسم كان وخبرها. وبين اسم (إن) وخبرها، ~~وبين ms254 مفعولي الظن. # * * * # PageV01P478 ### | ومن سورة (المدثر) ### | قوله تعالى: (وثيابك فطهر (4)) # قال ابن سيرين وعبد الرحمن بن زيد: اغسلها بالماء. وقيل: لا تلبسها على ~~معصية، وقيل: قصرها ولا تطلها، فإن ذلك يكون سببا لطهارتها، وقيل: (وثيابك ~~فطهر)، أي: لا تغدر فتدنس ثيابك، فإن الغادر دنس الثياب، وقيل: (وثيابك ~~فطهر)، يقول: وعملك فأصلح، وهذه الأقوال الثلاثة عن الفراء، وقيل: المعنى: ~~قلبك فطهر، وكنى بالثياب عن القلب واستشهدوا بقول امرئ القيس: # وإنه تك قد ساءتك مني خليقة ... فسلي ثيابي من ثيابك تنسل # أي: قلبك من قلبي. # * * * ### | قوله تعالى: (ولا تمنن تستكثر (6)) # قال الفراء: المعنى: لا تعط في الدنيا شيئا ليصب أكثر منه. # ورفع (تستكثر)؛ لأنه في موضع الحال، والمعنى: لا تمتن مستكثرا. # وقرأ عبد الله بن مسعود: (ولا تمنن أن تستكثر)، فهذا شاهد على الرفع؛ لأن ~~(أن) # PageV01P479 # إذا حذفت رفع الفعل، ومنه قول طرفة: # ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي # * * * ### | قوله تعالى: (كلا إنه كان لآياتنا عنيدا (16) سأرهقه صعودا (17) إنه فكر وقدر (18) فقتل كيف قدر (19) ثم قتل كيف قدر (20)) # (كلا) زجر وردع، والمعنى: ليرتدع ولينزجر عن هذا، كما أن (صه) بمعنى: ~~اسكت، و (مه) بمعنى: اكفف، وكأنه قيل: لينزجر فإن الأمر ليس على ما توهم. # والعنيد والمعاند سواء، وهو الذاهب عن الشيء على طريق العداوة له، ~~والإرهاق: الإعجال بالعنف، والصعود: العقبة الصعبة المرتقى، وهو الكؤود ~~أيضا، والتفكير: من الفكرة، وهو تطلب الرأي والتقدير والتخمين. # وهذه الآية نزلت في " الوليد بن المغيرة " حدثني أبي عن عمه قال: حدثنا ~~القاضي منذر بن سعيد قال: حدثنا أبو النجم عصام بن منصور قال: حدثنا أبو ~~بكر عبد الله بن عبد الرحيم البرقي قال: حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام ~~قال: حدثنا زياد بن عبد الله البكاي عن محمد بن إسحاق المطلبي قال: اجتمع ~~نفر من قريش إلى الوليد بن المغيرة، وكان ذا سن فيهم، وكان أيام الموسم، ~~فقال لهم: # PageV01P480 # يا معشر قريش إنه قد حضر هذا الموسم وإن وفود العرب ستقدم عليكم ms255 فيه، وقد ~~سمعوا بأمر صحابكم هذا، فأجمعوا فيه رأيا واحدا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم ~~بعضا، ويرد قولكم بعضه بعضا، قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس أقم لنا رأيا نقول ~~به، قال: بل أنتم فقولوا أسمع. قالوا: نقول (كاهن)، قال: لا والله ما هو ~~بكاهن، قد رأينا الكهان، فما هو بزمزمة الكاهن ولا مسجعه، قالوا: فنقول ~~(إنه مجنون)، قال: لا والله ما هو بمجنون. لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما ~~هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته، قالوا: فنقول (شاعر)، قال: لا والله ما هو ~~بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله، رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه فما هو ~~بالشعر، قالوا: فنقول (ساحر)، قال: ما هو بساحر. قد رأينا السحار وسحرهم، ~~فما هو بنفثه ولا عقده، قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إن ~~لقوله لحلاوة وإن أصله لعذق وإن فرعه لجناه، وما أنتم بقائلين من هذا شيئا ~~إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول منه أن تقولوا: ساحر جاء بقول هو سحر ~~يفرق بين المرء وابنه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء ~~وعشيرته، فتفرقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون بسبيل الناس حين قدموا الموسم لا ~~يمر بهم أحد إلا ذكروا له أمره، فأنزل إلله في الوليد فيما كان منه: (ذرني ~~ومن خلقت وحيدا (11) وجعلت له مالا ممدودا (12) وبنين شهودا (13) ومهدت له ~~تمهيدا (14) ثم يطمع أن أزيد (15) كلا إنه كان لآياتنا عنيدا (16) سأرهقه ~~صعودا (17) إنه فكر وقدر (18) فقتل كيف قدر (19) ثم قتل كيف قدر (20))، إلى ~~آخر هذه القصة. # قال الفراء: قال الكلبي: يعني بالمال الممدود: العروض والذهب، قال: ~~وحدثني قيس عن إبراهيم بن المهاجر عن مجاهد قال: ألف دينار، وكان له عشرة ~~من البنين لا يغيبون عن عينيه في تجارة ولا عمل. # وقوله (قتل) أي: لعن. # PageV01P481 ### | قوله تعالى: (إنها لإحدى الكبر (35) نذيرا للبشر (36)) # اختلف في (نذيرا): # فقيل: هو مصدر بمعنى: الإنذار. وقيل: هو اسم فاعل بمعنى: منذر. # ويسأل عن نصبه؟ # وفيه ستة أقوال: # أحدها: أنها حال من (إحدى الكبر)، لأنها معرفة. وهو ms256 قول الفراء، قال: ~~والنذير: جهنم، قال وتقديره تقدير إنذار. # والثاني: أنه بدل من (الهاء) في قوله (إنها). # والثالث: أنه نصب بإضمار (أعني)، كأنه قال: أعني نذيرا للبشر. # والرابع: أنه على تقدير: جعلها نذيرا للبشر. # والخامس: أنه مصدر، أي: إنذارا للبشر؛ لأنه لما قال: (إنها لإحدى الكبر) ~~دل على أنه أنذرهم بها إنذارا. # والسادس: أنه حال من المضمر في (قم) في أول السورة، كأنه قال: يا أيها ~~المدثر قم نذيرا للبشر، فأنذر، ونذير على هذا الوجه بمعنى المنذر، وهو قول ~~الكسائي. # * * * # PageV01P482 ### | ومن سورة (القيامة) ### | قوله تعالى: (لا أقسم بيوم القيامة (1) ولا أقسم بالنفس اللوامة (2)) # يسأل عن دخول (لا) هاهنا؟ # وفيها ثلاثة أجوبة: # أحدها: أنها صلة، نحو قوله تعالى: (لئلا يعلم أهل الكتاب)، والمعنى: ~~ليعلم. # والثاني: أنها بمعنى (ألا) التي يستفتح بها الكلام، كأنه قال: ألا أقسم ~~بيوم القيامة، ثم أخبر أنه لا يقسم بالنفس اللوامة. # والثالث: أنه جواب لما تكرر في القرآن من إنكارهم البعث؛ لأن القرآن كله ~~كالسورة الواحدة، وهو قول الفراء، واختيار أبي علي. # وقرأ قنبل: (لأقسم) بجعلها جواب قسم، قالوا: وحذف النون؛ لأنه أراد ~~الحال، ولولا ذلك لقال (لأقسمن)، والنون لا تدخل في فعل الحال، وأكثر ما ~~يستعمل اللام في القسم ومعها النون، إلا أن بعضهم أجاز حذفها كما حذفت ~~(اللام) وتركت النون، قال الشاعر: # PageV01P483 # وقتيل مرة أثارن فإنه ... فرغ وإن أخاكم لم يثأر # يريد: لا ثارن، فحذف اللام. # والقول على قوله (لا أقسم بهذا البلد) كالقول على (لا أقسم بيوم ~~القيامة). # * * * ### | قوله تعالى: (بلى قادرين على أن نسوي بنانه (4)) # يسأل عن نصب (قادرين)؟ # والجواب: أنه نصب على الحال، والعامل فيه أحد شيئين: # إما نجمعها قادرين، وإما على تقدير: بلى نقدر قادرين. إلا أنه لم يظهر ~~(نقدر) استغناء عنه ب (قادرين). وهو كقولك: قاعدا وقد سار الركب، أي: تقعد ~~وقد ساروا. # * * * ### | قوله تعالى: (بل الإنسان على نفسه بصيرة (14)) # يسأل عن (الهاء) في (بصيرة)؟ # وفيها ثلاثة أجوبة: # أحدها: أن المعنى: بل الإنسان على نفسه عين بصيرة. # والثاني: أن المعنى: ms257 بل الإنسان على نفسه حجة بصيرة، أي: بينة. # والثالث: أنها للمبالغة، كما تقول: رجل علامة ونسابة. # PageV01P484 # وقال الرماني: التقدير: بل الإنسان على نفسه من نفسه بصيرة جوارحه شاهدة ~~عليه يوم القيامة. # * * * ### | قوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة (22) إلى ربها ناظرة (23)) # الناضرة: الناعمة الحسنة البهجة، وهو قول الحسن، وقال مجاهد: مسرورة. # وناظرة: مبصرة، ودخول (إلى) يدل على أن (ناظرة) بمعنى: مبصرة لأنه لا ~~يقال: نظرت إليه، بمعنى: انتظرته، وأما من زعم أن المعنى: ثواب ربها ~~منتظرة، فليس بشيء. لأن الله تعالى أخبر أنهم في النعيم والنضرة بقوله: ~~(وجوه يومئذ ناضرة)، ولا يقال لمن كان في النعيم: هو منتظر للثواب؛ لأن ~~النعيم هو الثواب. # وقد حمل قوما تعصبهم أن زعموا أن (إلى) واحد (الآلاء)، وليست بحرف، وكأن ~~التقدير: نعمة ربها ناظرة؛ لأن الآلاء: النعم، وهذا لا يجوز لما قدمنا ذكره ~~من أنه من كان فى النعيم فلا يقال: هو منتظر النعم. # وقد تناصرت الأخبار بأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، وهي مشهورة في ~~أيدي الناس. مع دلالة قوله تعالى: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون)؛ لأنه ~~لو كان غيرهم محجوبا لما كان في ذلك طردا لهم ولا تعنيفا؛ لأن المساواة قد ~~وقعت. فإذا كان أعداء الله محجوبين عنه، فأولياؤه غير محجوبين. # PageV01P485 ### | قوله تعالى: (والتفت الساق بالساق (29)) # الساق: الشدة، يقال: قامت الحرب على ساقها، أي: على شدة. وأصله: أن ~~الإنسان إذا عانى أمرا شديدا كشف عن ساقه. ومنه قوله تعالى: (يوم يكشف عن ~~ساق)، أي: عن شدة. قال الراجز: # قد كشفت عن ساق فشدوا # والمعنى: والتفت شدة آخر الدنيا بشدة أول يوم الآخرة، وقيل: المعنى: اشتد ~~الأمر عند نزع النفس حتى يتقلب ساق على ساق، ويلتف بها عند تلك الحال. # * * * ### | قوله تعالى: (فلا صدق ولا صلى (31) ولكن كذب وتولى (32) ثم ذهب إلى أهله يتمطى (33)) # (لا) بمعنى (لم)، أي: لم يصدق ولم يصل، ولا يجوز أن تدخل (لا) على الفعل ~~الماضي إلا على معنى التكرير، لئلا يشبه الدعاء. # والأصل في (تمطى): تمطط، أي: تمدد، ومنه: ms258 مططت في الكتابة، فأبدلوا من ~~إحدى الطائين (تاء) كراهية التضعيف، كما قال الراجز: # تقضي البازي إذا البازي كسر # يريد: تقضض، ثم أبدلت (الياء) من (تمطى) ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها. # * * * # PageV01P486 ### | ومن سورة (الإنسان) ### | قوله تعالى: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا (1)) # الإنسان هاهنا: آدم عليه السلام، قال الفراء: كان شيئا، ولم يكن مذكورا، ~~وذلك من حين خلقه الله من طين إلى أن نفخ فيه الروح. # و (هل) بمعنى (قد)، هذا المشهور عن العلماء، وقال ابن الرماني: قد قيل إن ~~معناها: أأتى على الإنسان، والأغلب عليها الاستفهام والأصل فيها (قد). # * * * ### | قوله تعالى: (عينا يشرب بها عباد الله) # يسأل عن نصب قوله (عينا) وفيه أجوبة: # أحدها: أنه منصوب على البدل من (كافورا). # والثاني: أنه على تقدير: ويشربون عينا. # والثالث: أنه على الحال من (مزاجها)، وهو قول الفراء. وقيل: يمزج ~~بالكافور ويختم بالمسك، قال الفراء: إن شئت نصبتها على القطع من قولك ~~(مزاجها) من (الهاء) في المزاج. # PageV01P487 # والرابع: أن المعنى: يعطون عينا. # ومعنى (بها) كمعنى (فيها)، وقيل: المعنى (منها). # * * * ### | قوله تعالى: (ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا (14)) # يسأل عن نصب (دانية)؟ # وفيها ثلاثة أجوبة: # أحدها: أنها معطوفة على (جنة)، والمعنى: وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا ~~ودانية عليهم، أي: وجنة دانية ثم حذف الموصوف. # والثاني: أنها معطوفة على (متكئين)، فهو حال على هذا القول. # والثالث: أنه نصب على المدح. كقولك: عند فلان جارية جميلة وشابة بعد ~~طرية. # وأجاز الرماني أن يكون معطوفا على موضع (لا يرون فيها شمسا). # PageV01P488 ### | قوله تعالى: (ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا (15) قوارير) # الأكواب: جمع كوب، والكوب: إبريق له عروة واحدة، قيل: هو من فضة إلا أنه ~~في صفاء القوارير لا يمنع الرؤية. # واختلف القراء في قوله (قواريرا قوارير). فنونهما جميعا أهل المدينة، ~~ونون أبو عمرو الأول، والباقون قرأوا بلا تنوين، وهو الأصل؛ لأنه لا ينصرف، ~~فأما من نون فقد عللت قراءته بأشياء: منها: أنه وقع في المصحف بألف فتوهم ~~أنها ألف التنوين ms259 فنون. # ومنها: أنها لغة لبعض العرب، ذكر الكسائي أنه سمع من العرب من يصرف جميع ~~ما لا ينصرف إلا (أفضل منك). # ومنها: أن هذا الجمع إنما امتنع من الصرف؛ لأنه لا نظير له في الآحاد، ~~وأنه غاية الجموع. وأنه لا يجمع، ثم إن العرب قد تجمعه، حكى الأخفش: هن ~~مواليات فلان، جمع موالي، وموالي جمع مولاة. وفي الحديث -: (أنتن صواحبات ~~يوسف)، جمع صواحب، وصواحب جمع صاحبة، وقال الفرزدق: # وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم ... خضع الرقاب نواكسي الأبصار # PageV01P489 # يريد: نواكسين، وهو جمع نواكس، ونواكس جمع ناكس، فلما جمع هذا الجمع أشبه ~~الواحد، فنون كما ينون الواحد. # والقول على قوله (سلاسل) كالقول على قوله (قواريرا قوارير). # ومن نون الأول ولم ينون الثاني فلأن الأول رأس آية، والفواصل تشبه ~~بالقوافي فتنون، ولم ينون الثاني لأنه ليس برأس آية، وقد قال الزجاج: إن من ~~نونهما جميعا اتبع الثاني الأول؛ لأنه نون الأول؛ لأنه فاصلة ونون الثاني ~~اتباعا له كما قالوا (جحر ضب خرب)، فجر (خربا) لمجاورته (ضبا) وهو نعت ~~لجحر. # * * * ### | قوله تعالى: (عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة) # السندس: الديباج الرقيق الفاخر الحسن، والإستبرق: الديباج الغليظ وهو ~~معرب. # وقرأ محيصن بترك الصرف، وقرأ نافع وحمزة وعاصم في رواية أبان والمفضل ~~(عاليهم) بتسكين (الياء)، ونصب الباقون. # وقرأ نافع وحفص عن عاصم (خضر وإستبرق) بالرفع، وقرأ حمزة والكسائي بالجر، ~~وقرأ ابن كثير وعاصم من رواية أبي بكر بجر (خضر) ورفع (إستبرق)، وقرأ أبو ~~عمرو وابن عامر برفع (خضر) وجر (إستبرق). # فمن أسكن (الياء) جعل (عاليهم) مبتدأ و (ثياب) الخبر. # ومن نصب جعله ظرفا، كقولك: فوقهم، وهو قول الفراء، وأنكره الزجاج، وقال: ~~هو نصب على الحال من المضمر في (عاليهم)، ويجوز أن يكون من المضمر في ~~رأيتهم. وإنما أنكره الزجاج لأنه # PageV01P490 # ليس باسم مكان، كخارج الدار وداخلها، وهو مذهب سيبويه. # ومن رفع (خضرا) و (إستبرقا) ردهما على (ثياب)، ف (خضر) وصف، و (إستبرق) ~~عطف. # ومن كسرهما ردهما على (سندس). # ومن جر (خضرا) ورفع (إستبرقا) ms260 رد (خضرا) إلى سندس و (إستبرقا) إلى ~~(ثياب). # ومن رفع (خضرا) وجر (إستبرقا) رد (خضرا) ل (ثياب) و (إستبرقا) إلى ~~(سندس). وهذه القراءة أجود القراءات. # * * * ### | قوله تعالى: (والظالمين أعد لهم عذابا أليما) # نصب (الظالمين) بفعل مضمر تقديره: ويعذب الظالمين أعد لهم، ولا يجوز نصبه ~~بإضمار (أعد) لأنه لا يتعدى إلا بحرف جر، إلا على قراءة ابن مسعود؛ لأنه ~~قرأ (وللظالمين أعد لهم)، وأجاز الفراء الرفع في (الظالمين) وجعله مثل ~~قوله: (والشعراء يتبعهم الغاوون)، والوجه: النصب بإضمار فعل؛ لأن في صدر ~~الكلام فعلا، وهو قوله: (يدخل من يشاء في رحمته). فأضمر فيه فعلا ليعتدل ~~الكلام بعطف فعل على فعل. كما قال: # PageV01P491 # أصبحت لا أحمل السلاح ولا ... أملك رأس البعير إن نفرا # والذئب أخشاه إن مررت به ... وحدي وأخشى الرياح والمطرا # * * * # PageV01P492 ### | ومن سورة (المرسلات) ### | قوله تعالى: (والمرسلات عرفا (1) # قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وقتادة وأبو صالح: المرسلات: الرياح، ~~وروي عن ابن مسعود وأبي صالح أيضا: أنها الملائكة، وقيل: (عرفا) أي: ~~بالمعروف. فعلى هذا يكون مفعولا له، وقيل: (عرفا) أي: متتابعين، من قولهم: ~~جاءوا إليه عرفا واحدا، فعلى هذا يكون نصبا على الحال. # * * * ### | قوله تعالى: (وإذا الرسل أقتت (11)) # قال مجاهد: أقتت بالاجتماع لوقتها يوم القيامة، كما قال تعالى: (يوم يجمع ~~الله الرسل)، وقيل: أقتت: أجلت لوقت ثوابها، وقيل: أقتت: جعل لها وقت يفصل ~~فيها القضاء بين الأمة. # وقرأ أبو عمرو (وقتت) بالواو، وهو الأصل؛ لأنه من الوقت، وقرأ الباقون ~~(أقتت) بإبدال الهمزة من الواو، وهو مطرد في كلام العرب، نحو: وجوه وأجوه، ~~ووعد وأعد. وأدور وأدر وما أشبه ذلك. # PageV01P493 ### | قوله تعالى: (ولا يؤذن لهم فيعتذرون (36)) # يسأل عن هذا فيقال: قد قال تعالى: (يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها). # وقال هاهنا: (هذا يوم لا ينطقون)؟ # الجواب: أن ابن عباس قال: هذه مواقف يؤذن لهم مرة في الكلام ومرة لا يؤذن ~~لهم في الكلام، وقال الزجاج: أي لا ينطقون بحجة وهذا كقول القائل يتكلم ~~بغير حجة هذا ليس بكلام. # * * * # PageV01P494 ### | ومن سورة (يتساءلون) النبإ ms261 ### | قوله تعالى: (إن جهنم كانت مرصادا (21) للطاغين مآبا (22) لابثين فيها أحقابا (23) لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا (24)) # المرصاد: المراقب، وهو مفعال من الرصد، والأحقاب: جمع حقب وهو ثمانون ~~سنة، والبرد: النوم، والعرب تقول: منع البرد البرد، أي: منع البرد النوم، ~~وقال الشاعر: # بردت مراشفها علي فصدني ... عنها وعن قبلاتها البرد # ومما يسأل عنه أن يقال: قد ذكر الله تعالى أنهم خالدون فيها أبدا، وقد ~~حدد خلودهم هاهنا بقوله: (لابثين فيها أحقابا)؟ # وللعلماء في هذا عشرة أقوال: # أحدها: أن المعنى: أحقابا لا انقطاع لها، كلما مضى حقب جاء بعده حقب، ~~والحقب ثمانون سنة من سني الآخرة، وهذا قول قتادة. # والقول الثاني للربيع، وهو أنه قال: هذه أحقاب لا يعلم عددها إلا الله ~~تعالى. # والثالث للحسين: وهو أنها أحقاب ليس لها عدة إلا الخلود في النار، ولكن ~~قد ذكروا أن الحقب الواحد سبعون ألف سنة، كل يوم من تلك السنين ألف سنة ~~لقوله تعالى: (كألف سنة مما تعدون). # PageV01P495 # والرابع للمبرد قال المعنى: أنهم لابثون فيها أحقابا، هذه صفتها. # والخامس: لخالد بن معدان، قال: يعني به: أهل التوحيد. # والسادس لمقاتل، قال: هي منسوخة بقوله: (فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا)، ~~وفيه نظر؛ لأنه خبر، والنسخ لا يكون في الخبر. # والسابع عن ابن مسعود، وهو أنه قال: ليأتين على جهنم زمان تخفق أبوابها ~~ليس فيها أحد. # والثامن يروى عن أبي هريرة قال: ليأتين على جهنم يوم لا يبقى فيها أحد، ~~وقرأ: (لهم فيها زفير وشهيق) إلى قوله: (ما دامت السماوات والأرض). # والتاسع عن الحسن، قال: لو لبثوا في النار كعدد رمل عالج لكان لهم يوم ~~يستريحون فيه، وهذا قول ثان له. # والعاشر: أن قوله (لابثين فيها أحقابا) يعود إلى ذكر الأرض، كأنه لما ~~قال: (ألم نجعل الأرض مهادا) قال: (لابثين فيها أحقابا)، ولا يمتنع مثل هذا ~~وإن تقدم في صدر الآية ذكر الطاغين، وجاء بعد ذلك (لا يذوقون فيها)؛ لأن ~~العرب تفعل مثل ذلك، قال الله تعالى (وتعزروه وتوقروه وتسبحوه). والتسبيح ~~لله تعالى، والتعزير والتوقير ms262 للنبي صلى الله عليه، ويروى أن ابن كيسان أو ~~غيره من العلماء سئل عن قوله: (لابثين فيها أحقابا) فلم يجاوب إلا بعد ~~عشرين سنة، فقال في الجواب: (لابثين فيها أحقابا (23) لا يذوقون فيها بردا ~~ولا شرابا (24)) فإذا انقضت هذه الأحقاب التي عذبوا فيها بمنع البرد ~~والشراب بدلوا بأحقاب أخر فيها صنوف من العذاب، وهي أحقاب بعد أحقاب لا ~~انقضاء لها، وهذا أحسن ما قيل فيه. # * * * # PageV01P496 ### | ومن سورة (النازعات) ### | قوله تعالى: (إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى (16)) # قرأ الحسن (طوى) بكسر الطاء. وقال: طوى بالبركة والتقديس مرتين، قال ~~طرفة: # أعاذل إن اللوم في غير كنهه ... علي طوى من غيك المتردد # أي: لومك مكرر، قال الفراء: (طوى) واد بين المدينة ومصر، ومن أجرى (طوى) ~~قال هو موضع يسمى (مذكر)، ومن لم يجره جعله معدولا عن جهته، كما تقول: عمر ~~وزفر، قال: ولم نجد اسما من الواو والياء عدل عن جهته غير (طوى)، فالإجراء ~~فيه أحب إلي؛ إذ لم أجد له في المعدول نظيرا. # وقيل: لم ينصرف (طوى) لأنه معرفة، وهو اسم للبقعة، فاجتمع فيه التعريف ~~والتأنيث. # * * * ### | قوله تعالى: (فأخذه الله نكال الآخرة والأولى (25)) # قال ابن عباس ومجاهد والشعبي " الأولى " قوله: (ما علمت لكم من إله ~~غيري)، "والآخرة" قوله: (أنا ربكم الأعلى)، وقال الحسن وقتادة: عذاب الدنيا ~~وعذاب الآخرة، وقال # PageV01P497 # مجاهد: أول عمله وآخره. ### | قوله تعالى: (فأما من طغى (37) وآثر الحياة الدنيا (38) فإن الجحيم هي المأوى (39) # وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى (40) فإن الجنة هي المأوى ~~(41)) # قال البصريون: المعنى: فهي المأوى له، فحذف العائد؛ لأن المعنى مفهوم، ~~ومثله قوله تعالى (مفتحة لهم الأبواب)، أي: الأبواب منها. # وقال الكوفيون: الألف واللام عقيب الإضافة. والمعنى: فهي مأواه، ومثله: ~~زيد أما المال فكثير، وأما الخلق فحسن. تقديره عند البصريين: أما المال ~~عنده وأما الخلق منه، وتقديره عند الكوفيين أما ماله وأما خلقه. # * * * # PageV01P498 ### | ومن سورة (عبس) ### | قوله تعالى: (عبس وتولى (1) أن جاءه الأعمى (2)) # هذه الآية وما بعدها نزلت في عبد الله بن أم مكتوم، ms263 وهو قول ابن عباس ~~وقتادة والضحاك. وابن زيد # وابن إسحاق، قال ابن إسحاق: كان النبي صلى الله عليه قد وقف مع الوليد بن ~~المغيرة يكلمه وقد طمع في إسلامه، فمر به عبد الله بن أم مكتوم فوقف يسأله ~~عن شيء، أو قال: يستقريه القرآن. فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه حتى ~~أضجره؛ لأنه يشغله عما كان فيه من أمر الوليد، وما طمع فيه من إسلامه، فلما ~~أكثر عليه انصرف عنه عابسا وتركه فعاتبه الله تعالى على ذلك. # وموضع (أن) نصب على أنه مفعول له، أي: من أجل أن جاءه الأعمى، ولأن جاءه، ~~وزعم بعض الكوفيين أنها بمعنى (إذ)، وليس بشيء. # * * * ### | قوله تعالى: (فلينظر الإنسان إلى طعامه (24) أنا صببنا الماء صبا (25)) # قرأ حمزة والكسائي وعاصم (أنا) بفتح الهمزة وقرأ الباقون بالكسر، والكسر ~~على الاستئناف. والفتح على البدل من (طعامه). فموضعها على هذا جر، كأنه ~~قال: فلينظر الإنسان إلى أنا صببنا الماء. وهذا بدل الاشتمال. ويجوز أن ~~يكون خبر مبتدأ محذوف. أي: هو أنا صببنا الماء. # * * * # PageV01P499 ### | ومن سورة (كورت) التكوير ### | قوله تعالى: (إذا الشمس كورت (1) وإذا النجوم انكدرت (2)) # ارتفعت (الشمس) بفعل مضمر تقديره: إذا كورت الشمس كورت. ولا يجوز إظهاره؛ ~~لأن ما بعده يفسره. وإنما احتيج إلى إضمار فعل؛ لأن (إذا) فيها معنى الشرط، ~~والشرط بالفعل أولى، وقال الأخفش والكوفيون: هو مبتدأ. و (كورت) الخبر، ~~وجواب (إذا)، علمت،، وهو الناصب ل (إذا). # * * * ### | قوله تعالى: (وما هو على الغيب بضنين (24)) # قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي (بظنين) بالظاء، وقرأ الباقون بالضاد، ~~وكذلك هو في المصحف. # فمن قرأ بالظاء فمعناه: متهم، ومن قرأ بالضاد فمعناه: بخيل، والقراءة ~~بالضاد أجود، لا يقال: اتهمته على كذا. وإنما يقال اتهمته بكذا، ومجاز ~~القراءة بالظاء أنه وضع (على) موضع الباء. # * * * ### | قوله تعالى: (فأين تذهبون (26) إن هو إلا ذكر للعالمين (27)) # قال الفراء: العرب تقول: إلى أين تذهب، وأين تذهب. ويقولون: ذهبت الشام، ~~وخرجت الشام، وذهبت السوق، وانطلقت السوق، سمعناه في هذه الثلاثة الأحرف ~~(خرجت - وذهبت وانطلقت)، وقال ms264 الكسائي: سمعت العرب تقول " انطلق بنا الغور ~~" بالنصب، وأنشد الفراء: # تصيح بنا حنيفة إذ رأتنا ### | .... # وأي الأرض تذهب للصياح # PageV01P500 # يريد: إلى أي الأرض. # ولم يحك سيبويه من هذا إلا: ذهبت الشام، وعلى هذا جاء قوله: (فأين ~~تذهبون)، ومعناه: فإلى أين تذهبون، وقيل المعنى: فأين تذهبون عن الحق الذي ~~قد ظهر أمره إلا إلى الضلال. # * * * # PageV01P501 ### | ومن سورة (انفطرت) الانفطار ### | قوله تعالى: (وما أدراك ما يوم الدين (17) ثم ما أدراك ما يوم الدين (18) يوم لا تملك نفس لنفس شيئا) # قرأ ابن كثير وأبو عمرو (يوم لا تملك) بالرفع جعلاه بدلا من قوله: (وما ~~أدراك ما يوم الدين)، كأنه في التقدير: وما أدراك ما يوم لا تملك. # وقرأ الباقون بالنصب على البدل # من قوله تعالى: (يصلونها يوم الدين)، هذا قول البصريين، وقال الكوفيون: ~~هو في موضع رفع، إلا أنه مبني لأنه مضاف إلى الفعل، والبصريون يقولون: إذا ~~أضيف إلى فعل معرب لم يبن، وإنما يبنى إذا أضيف إلى فعل مبني كالماضي. # * * * # PageV01P502 ### | ومن سورة (المطففين) ### | قوله تعالى: (ويل للمطففين (1) الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون (2) وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون (3)) # التطفيف: التنقيص، ويروى عن ابن مسعود أنه قال: الصلاة مكيال، فمن وفى ~~وفي له، ومن طفف فقد سمعتم ما قال الله تعالى في المطففين. # والرفع في المصدر الذي ليس له فعل الوجه، نحو قوله: (ويل للمطففين)، فإن ~~كان له فعل كان الوجه النصب، نحو: حمدا وشكرا، فلذلك أجمع القراء على ~~الرفع، والنصب جائز. # قال الفراء: نزلت هذه السورة أول ما قدم النبي صلى الله عليه المدينة، ~~وكان أهلها إذا تبايعوا كيلا أو وزنا استوفوا وأفرطوا، وإذا باعوا نقصوا. ~~فنزلت (ويل للمطففين)، فآمنوا فهم أوفى الناس كيلا إلى يومهم هذا. # وقوله: (على الناس) أي: من الناس، (على) بمعنى (من). # وقوله: (كالوهم أو وزنوهم) أي: كالوا لهم ووزنوا لهم، ف (هم) في موضع ~~نصب، # PageV01P503 # ويجوز أن يكون (هم) في موضع رفع على التوكيد للضمير، والوجه الأول أولى؛ ~~لأنها في المصحف بغير ألف. ولو كانت توكيدا لثبتت ms265 الألف التي هي للفصل. # * * * ### | قوله تعالى: (إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين (13)) # نزلت في النضر بن الحارث؛ لأنه كان يقول: هذه أساطير الأولين فيما يسمع ~~من القرآن. # واختلف في واحد (الأساطير): # فقيل: واحدها (اسطورة)، وقيل: (إسطارة)، وقيل: هو جمع (أسطار)، و (أسطار) ~~جمع سطر، ك فرخ وأفراخ، وقيل: هو جمع (أسطر) إلا أن كسرته أشبعت فتنشأت ~~عنها ياء. # * * * ### | قوله تعالى: (ومزاجه من تسنيم (27) عينا يشرب بها المقربون (28)) # قيل: (تسنيم) عين ماء تجري من علو الجنة، ويقال: تسنمتهم العين. إذا ~~أجريت عليهم من فوق. # ويسأل عن نصب (عينا)؟ # وفيه أوجه: # أحدها: أن (تسنيما) معرفة ف (عينا) قطع منها، أي حال. # PageV01P504 # والثاني: أن يكون (تسنيم) مصدرا، فيجري مجرى قوله: (أو إطعام في يوم ذي ~~مسغبة (14) يتيما)، فيكون مفعولا به. # والثالث: أنه على المدح، أي: أعني عينا. # والرابع: أن المعنى: يسقون عينا. # وأجاز الفراء: أن يكون على تقدير: شم عينا، أي: رفع عينا، وهذا أيضا يكون ~~على الحال، فهذه خمسة أوجه. # * * * # PageV01P505 ### | ومن سورة (انشقت) الانشقاق ### | قوله تعالى: (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه (6)) # الكدح: السعي. يقال: كدح في أمره يكدح كدحا. # ويسأل عن " الهاء " في قوله (فملاقيه)؟ # وفيها جوابان: # أحدهما: أن المعنى: فملاقي ربك # والثاني: أن المعنى: فملاقي كدحك، أي: عملك وسعيك. # * * * ### | قوله تعالى: (لتركبن طبقا عن طبق (19) فما لهم لا يؤمنون (20)) # قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: (لتركبن) بفتح " الباء " على معنى: لتركبن ~~يا محمد، وقرأ الباقون: (لتركبن) بالضم، على تقدير: تركبن أيها الناس، ~~والأصل: لتركبون، فدخلت النون الثقيلة للتوكيد، فسقطت نون الإعراب؛ لأنهما ~~لا يجتمعان، فصار: لتركبون، فالتقى ساكنان (الواو) و (أول المشدد) فحذفت ~~(الواو) لالتقاء الساكنين. وتركت الضمة. # وقيل في قوله: (لتركبن طبقا عن طبق) أقوال: # أحدها: أن المعنى: لتركبن منزلة عن منزلة، وطبقا عن طبق، وذلك أن من كان ~~على صلاح دعاه إلى # صلاح قومه، ومن كان على فساد دعاه إلى فساد قومه. إن كل شيء يصير إلى ~~شكله. # PageV01P506 # والثاني: أن المعنى: جزاء عن عمل. # والثالث: ms266 لتصيرن من الدنيا إلى الآخرة. # والرابع: لتركبن حالا عن حال من إحياء وإماتة. # قال الفراء: وقد فسر: لتصيرن الأمور حالا بعد حال؛ لشدة هول يوم القيامة، ~~قال: والعرب تقول: وقع في بنات طبق، إذا وقع في أمر شديد. # و (عن) بمعنى (بعد). كما قال: (عما قليل ليصبحن نادمين). أي: بعد قليل، ~~قال الشاعر: # قربا مربط النعامة مني ... لقحت حرب وائل عن حيال # أي: بعد حيال. # * * * # PageV01P507 ### | ومن سورة (البروج) ### | قوله تعالى: (والسماء ذات البروج (1) واليوم الموعود (2) وشاهد ومشهود (3) قتل أصحاب الأخدود (4)) # البروج: المنازل العالية، واحدها: برج، وهي هاهنا منازل الشمس والقمر ~~الثمانية والعشرين، تقطع الشمس كل برج منها في شهر، ويقطعه القمر في يومين ~~وثلث، فيكون مسيره فيها ثمانية وعشرين يوما، ويستسر ليلة أو ليلتين. # وقال الفراء: هي النجوم المعروفة، وقيل: هي قصور في السماء. # واليوم الموعود: يوم القيامة، وهو يوم الجزاء وفصل القضاء، وقد روي في ~~خبر مرفوع، وهو قول الحسن أيضا وقتادة وعبد الرحمن بن زيد. # والشاهد: النبي صلى الله عليه، والمشهود: يوم القيامة، وهو قول الحسن بن ~~علي رضي الله عنهما، وتلا: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على ~~هؤلاء شهيدا)، (ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود)، وهو قول ابن عباس ~~وسعيد بن المسيب، # PageV01P508 # وروي عن ابن عباس أيضا: أن الشاهد هو الله تعالى والمشهود يوم القيامة، ~~وجاء في خبر مرفوع: أن الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، وهو قول ~~قتادة، وقيل: الشاهد يوم النحر، والمشهود يوم عرفة، وهو قول إبراهيم. # والأخدود: شق في الأرض، قال ذو الرمة: # من العراقية اللاتي تحيل لها ... بين الفلاة وبين النخل أخدود # يصف جدولا. # ويسأل عن معنى (ذات الوقود)، يسأل: لم خصت بذات الوقود، وكل نار لها ~~وقود؟ # وعن هذا جوابان: # أحدهما: أنه قد تكون نارا ليست ذات وقود كنار الحجر، ونار الليل، فقيدت ~~هاهنا للفرق. # والثاني: أنه معرف، فصار مخصوصا كأنه وقود بعينه. # واختلف في (أصحاب الأخدود): # فقيل: هم قوم مؤمنون أحرقهم قوم من المجوس، وهذا ms267 مروي عن علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه. # وقيل: كانوا من بنى إسرائيل، وهو قول الضحاك. # وقيل: (قتل) بمعنى: لعن، أي: لعنوا بتحريقهم في الدنيا. # وقيل: إن الكفار الذين كانوا قعودا على النار، خرج إليهم منها إنسان ~~فأحرقهم عن آخرهم. # وقيل: كانوا نصارى من أهل نجران، حدثني أبي عن عمه عن منذر بن سعيد عن ~~أبي النجم عصام بن منصور عن أبي بكر أحمد بن عبد الله البرقي، قال: حدثنا ~~أبو محمد عبد الملك بن هشام، قال: حدثنا زياد بن عبد الله قال: حدثنا محمد ~~بن إسحاق قال: كان أهل نجران جاهلية يعبدون نخلة، فوقع إليهم رجل من أهل ~~ملة عيسى يقال له (فيميمون)، وكان أهل نجران يبعثون أولادهم إلى ساحر هنالك ~~يتعلمون منه، فأنفذ رجل يقال له (الثامر) ابنا له يسمى (عبد الله) ليتعلم ~~السحر، وكان (فيميمون) على طريقه، فعدل إليه (عبد الله) وأعجبه ما رأى منه، ~~فاتبعه على دينه، وسأله أن يعلمه اسم الله الأعظم، وكان (فيميمون) إذا أتى ~~بعليل دعا له بذلك الاسم فيشفى، فقال لعبد الله: يا ابن أخي إنك # PageV01P509 # لن تقدر أن تحمله وأخشى ضعفك عنه، فلما رأى (عبد الله) أن صاحبه قد ضن ~~عليه بالاسم، عمد إلى قداح فجمعها، فلم يدع اسما لله تعالى إلا كتبه في قدح ~~منها ثم أوقد نارا وأقبل يقذف فيها قدحا قدحا حتى إذا مر بالاسم الأعظم ~~قذفه فيها، فوثب القدح حتى خرج منها لم يضره شيئا، فأخذه ثم أتى صاحبه ~~فأخبره فقال له: ما هو؟ فقال: كذا وكذا، قال: وكيف علمت؟ فأخبره بما صنع، ~~فقال: يا ابن أخي قد أصبته، فأمسك على نفسك، وما أظنك أن تفعل، فجعل (عبد ~~الله) إذا دخل نجران لا يلقى أحدا به ضر إلا قال له: أتوحد الله، وتدخل في ~~ديني، وأدعو لك أن تعافى من هذا البلاء؟ -فيقول له: نعم، فيوحد ويسلم، ~~ويدعو له، فيشفى، حتى لم يبق بنجران أحد به ضر إلا أتاه فاتبعه على أمره. ~~ودعا له، فعوفي. # ورفع ms268 شأنه إلى ملك نجران، ودعاه، وقال له: أفسدت علي أهل قريتي، وخالفت ~~ديني ودين آبائي، لأمثلن بك. فقال له: إنك لا تقدر على ذلك، فجعل الملك ~~يرسل به إلى الجبل الطويل فيطرح على رأسه فيقع إلى الأرض ليس به بأس، ويبعث ~~به إلى مياه بنجران كالبحور لا يقع فيها شيء إلا هلك، فيلقى فيها فيخرج ليس ~~به بأس، فلما غلبه، قال له (عبد الله): إنك لا تقدر علي حتى توحد الله ~~وتؤمن بما آمنت به، فإنك إن فعلت سلطت علي فقتلتني. قال: فوحد الله ذلك ~~الملك وشهد شهادة عبد الله ثم ضربه بعصا في يده فشجه شجة غير كبيرة فقتله، ~~وهلك الملك مكانه، واستجمع أهل نجران على دين (عبد الله)، وكان على ما جاء ~~به عيسى من الإنجيل وحكمه، ثم أصابهم ما أصاب أهل دينهم من الأحداث من بعد. # قال: ثم إن ذا نواس الحميري سار إليهم بجنوده فدعاهم إلى اليهودية، وكان ~~قد تهود اتباعا لجده (تبع الأوسط) الذي يقال له: (اسعرتبان) فامتنعوا، ~~فخيرهم بين ذلك وبين القتل، فاختاروا القتل، فخد لهم أخدودا، وأوقد فيه ~~نارا، وألقاهم فيها، فيقال إن آخر من ألقى منهم امرأة معها طفل، فتوقفت، ~~فقال لها ابنها -وهو أحد من تكلم في المهد- يا أم إنما هي ساعة ثم الجنة، ~~فألقت بنفسها، وأفلت منهم رجل يقال له " دوس ذو ثعلبان " على فرس له، فسلك ~~الرمل، فأعجزهم، فمضى على وجهه ذلك حتى أتى قيصر صاحب الروم، فاستنصره، ~~فقال له: بعدت بلادك عنا، ولكني سأكتب لك إلى ملك الحبشة، فإنه على هذا ~~الدين، وهو أقرب إلى بلادك، فكتب له، فبعث معه النجاشي ملك الحبشة سبعين ~~ألفا من الحبشة، وأمر عليهم رجلا منهم يقال له " أرباط " وهو كان سبب دخول ~~الحبشة اليمن. # PageV01P510 # قال ابن إسحاق ويقال: كان فيمن قبل " ذو نواس " " عبد الله بن التامر "، ~~قال وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه حدث: أن رجلا ~~من أهل نجران حفر خربة له في زمان ms269 عمر رضي الله عنه، فوجد " عبد الله بن ~~التامر " تحتها دفن فيها قاعدا واضعا يده على ضربة في رأسه ممسكا عليها ~~بيده، فإذا أخرت يده عنها تثعب دما وإذا أرسلت يده ردها عليها. فأمسك دمها، ~~في يده خاتم فيه مكتوب (ربي الله)، فكتب إلى عمر رضي الله عنه في ذلك، ~~فكتب: أن أقروه على حاله. وردوا علحه الدفن الذي كان. ففعلوا. # والوقود: بالفتح - الحطب - وبالضم - المصدر. # قال الفراء: (قتل أصحاب الأخدود) جواب القسم، كما كان جواب (والشمس ~~وضحاها) (قد أفلح من زكاها). # و (النار) جر على البدل من الأخدود، قال بعض الكوفيين: الألف واللام ~~تعاقب الإضافة، والمعنى: قتل أصحاب الأخدود ناره، وهو على تقدير مذهب ~~البصريين: النار منه، وقال أبو عبيدة: النار جر على الجوار، كما قالوا: جحر ~~ضب خرب. # * * * ### | قوله تعالى: (وهو الغفور الودود (14) ذو العرش المجيد (15)) # قرأ حمزة والكسائي (المجيد) جرا، ورفع الباقون. # فمن جر فعلى النعت للعرش، وأضاف المجد إلى العرش؛ لأنه يدل على مجد ~~صاحبه. # PageV01P511 # ومن رفع جعله مردودا إلى قوله (ذو). # * * * ### | قوله تعالى: (هل أتاك حديث الجنود (17) فرعون وثمود (18)) # قيل المعنى: قد أتاك حديثهم، والمعنى: تذكر حديثهم تذكر معتبر، فإنك ~~تنتفع به، وهذا من الإيجاز الحسن. والتفخيم الذي لا يقوم مقامه التصريح لا ~~يذهب الوهم في أمرهم كل مذهب. # و (فرعون وثمود) بدل من الجنود في موضع جر، وأجاز بعضهم: أن يكون في موضع ~~نصب بإضمار فعل، كأنه قال: أعني فرعون وثمود. # * * * ### | قوله تعالى: (بل هو قرآن مجيد (21) في لوح محفوظ (22)) # قرأ نافع (في لوح محفوظ) بالرفع، رده على (قرآن)، وجر الباقون، ردوه على ~~اللوح، واللوح المحفوظ: أم الكتاب عن مجاهدا وقيل معناه: أنه حفظه الله بما ~~ضمنه. # * * * # PageV01P512 ### | ومن سورة (الطارق) ### | قوله تعالى: (والسماء والطارق (1) وما أدراك ما الطارق (2) النجم الثاقب (3)) # الطارق: الآتي ليلا، وهو هاهنا النجم؛ لأنه يطرق ليلا، قالت هند بنت ~~عتبة: نحن بنات طارق نمشي على النمارق. # والثاقب: المنير المضيء. والعرب تقول: اثقب نارك، أي: أشعلها. # وقوله (وما أدراك ما الطارق)، ما: ms270 استفهام، وهي في موضع رفع بالابتداء، ~~والطارق، خبره، والجملة في موضع نصب؛ لأنه مفعول ثان ل (أدراك). # وقيل: (الطارق) هو الثاقب، وهو زحل، هكذا قال الفراء. # * * * ### | وقوله: (إن كل نفس لما عليها حافظ)، # قرأ عاصم وحمزة وابن عامر (لما) بالتشديد، وقرأ الباقون بالتخفيف. # فمن شدد جعل (لما) بمعنى (إلا) حكى سيبويه: نشدتك الله لما فعلت، في ~~معنى: إلا فعلت، و (حافظ) خبر (إن)، وقيل الأصل: (لمن ما) فأدغمت النون في ~~الميم. # ومن خفف ف (ما) عنده صلة، و (اللام) جواب القسم، والمعنى: لعليها حافظ. # PageV01P513 # وقال بعضهم: (اللام) بمعنى (إلا) و (إن) بمعنى (ما)، والمعنى: ما كل نفس ~~إلا عليها حافظ. # وأنكر الكسائي تشديد الميم، وهو جائز عند البصريين. ### | قوله تعالى: (خلق من ماء دافق (6) يخرج من بين الصلب والترائب (7) إنه على رجعه لقادر (8) يوم تبلى السرائر (9)) # قال الفراء: دافق: بمعنى مدفوق، كما قال: (في عيشة راضية)، قال الفراء: ~~وأهل الحجاز لذلك أفعل من غيرهم، يعني: وضع الفاعل في معنى المفعول. # والترائب: موضع القلادة من المرأة، هذا قول ابن عباس، وكذلك هو في اللغة، ~~واحدها (تريبة) قال الشاعر: # كالزعفران على ترائبها ... شرقا به اللبات والصدر # وقد يقال في جمع تريبة: تريب، قال المثقب: # PageV01P514 # ومن ذهب يشن على تريب ... لكون العاج ليس به غضون # والمعنى: من بين صلب الرجل وترائب المرأة. # والابتلاء: الاختبار. # واختلف في معنى قوله (على رجعه): # فقال الضحاك: على رجع الإنسان ماء، كما كان. وقال عكرمة ومجاهد: على رجع ~~الماء في صلبه، أو في إحليله. وقال الحسن وقتادة: على رجع الإنسان بالإحياء ~~بعد الموت. # ويسأل عن الناصب لقوله: (يوم تبلى السرائر)؟ # وفيه اختلاف على قدر اختلاف العلماء في معنى (الرجع): # فقال الزجاج: العامل فيه فعل مضمر يدل عليه (على رجعه) تقديره: يرجعه يوم ~~تبلى السرائر،: لا يجوز أن يعمل فيه (على رجعه) لأنه مصدر ولا يجوز أن يفرق ~~بينه وبين صلته. # وقيل: العامل فيه (قادر) وهذا على مذهب من قال: إن معنى (على رجعه) على ~~بعثه وإحيائه بعد الموت، ms271 ويكون جوابا لقولهم: (أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما ~~أإنا لمبعوثون)، وما أشبه ذلك مما فيه إنكارهم للبعث، وقيل: هو نصب على ~~إضمار (أعني). # * * * # PageV01P515 ### | ومن سورة (الأعلى) ### | قوله تعالى: (والذي أخرج المرعى (4) فجعله غثاء أحوى (5)) # الغثاء: ما حمله السيل، وهو الهشيم اليابس. # وأحوى: الأسود، وفي تقدير (أحوى) قولان: # أحدهما: أنه على التقديم والتأخير، والمعنى: نجعله أحوى غثاء. أي: أسود، ~~والعرب تكني عن الأخضر بالأسود والأدهم، قال الله تعالى في صفة الجنتين: ~~(مدهامتان)، أي: خضراوان من الري، و (أحوى) على هذا حال من (الهاء) في ~~(جعله). # والثاني: أن يكون غير مقدم، ويكون التقدير: فجعله غثاء أسود، و (أحوى) ~~على هذا المذهب نعت ل (غثاء). # * * * ### | قوله تعالى: (سنقرئك فلا تنسى (6) إلا ما شاء الله) # قال الحسن: المعنى: فلا تنس إلا ما شاء الله أن تنساه، برفع حكمه ~~وتلاوته. وهو قول قتادة، وقيل: إلا ما شاء الله كالاستثناء في الأيمان وإن ~~لم تقع مشيئة إلا النسيان، وقيل؛ إلا ما شاء الله نسيانه مما لا يكلفك ~~القيام بأدائه، وذلك أن التغليف مضمن بالذكر. # وقوله (فلا تنسى) خبر على تقدير: سنقرئك فليس تنسى، وقيل: هو نهي، و ~~(تنسى) # PageV01P516 # بمعنى تترك وتثبت فيه الألف، وهو مجزوم. كما قال الشاعر: # إذا العجوز غضبت فطلق ... ولا ترضاها ولا تملق # وهذا من الضرورات لا يجب أن يحمل القرآن عليه. # * * * ### | قوله تعالى: (إن هذا لفي الصحف الأولى (18) صحف إبراهيم وموسى (19)) # قال قتادة: ما قصه الله تعالى في هذه السورة في الصحف الأولى، وقيل: من ~~قوله: (قد أفلح من تزكى) إلى آخر السورة في الصحف الأولى، وقيل: كتب الله ~~تعالى كلها أنزلت في شهر رمضان، وأنزل القرآن لأربع عشرة ليلة منه، وقيل: ~~القرآن في الصحف الأولى، والتقدير على هذه الوجوه: معاني القرآن أو معنى ما ~~تقدم ذكره في الصحف الأولى. # وواحد الصحف: صحيفة، كما يقال: سفينة وسفن، وقد يقال: صحائف، كما يقال: ~~سفائن. # * * * # PageV01P517 ### | ومن سورة (الغاشية) ### | قوله تعالى: (هل أتاك حديث الغاشية (1) وجوه يومئذ خاشعة (2) عاملة ناصبة (3) تصلى نارا حامية (4) تسقى من ms272 عين آنية (5) # ليس لهم طعام إلا من ضريع (6) لا يسمن ولا يغني من جوع (7)) # (هل) بمعنى (قد)، والغاشية: القيامة؛ لأنها تغشى العباد، ومعنى (خاشعة ~~عاملة ناصبة) أي: في الدنيا، قيل: يعنى بذلك: الرهبان. وقال الحسن وقتادة: ~~عاملة لم تعملها لله في الدنيا، فأعملها في النار. # والآنية: المنتهية في الحرارة. وهو قول ابن عباس وقتادة، وهو على وزن ~~(فاعلة) من أنى يأني إذا انتهى، فأما على قوله: (يطاف عليهم بآنية)، فهو ~~(أفعلة) جمع إناء، مثل: إزار وآزرة. # والضريع: الشبرق، وهو سم، عن ابن عباس، وقيل: (من ضريع) أي: يضرع آكله في ~~الإعفاء عنه لصعوبته. # PageV01P518 ### | قوله تعالى: (لست عليهم بمصيطر (22) إلا من تولى وكفر (23)) # المسيطر: المتسلط على غيره بالقهر، وقال ابن عباس (بمسيطر) بجبار، وهو ~~قول مجاهد أيضا، وقال ابن زيد: بجبار بالإكراه على الإيمان، وهذا قبل فرض ~~الجهاد. # وقوله: (إلا من تولى وكفر) قال الفراء: يكون مستثنى من الكلام الذي كان ~~التذكير يقع عليه، وإن لم يذكر، يريد أنه استثناء منقطع، وسيبويه يقدر ~~الاستنثناء ب (لكن). والفراء ب (سوى) و (لكن) فيه أظهر. # * * * ### | قوله تعالى: (إن إلينا إيابهم (25) ثم إن علينا حسابهم (26)) # الإياب: الرجوع. يقال: آب يؤوب أوبا إذا رجع. # وقرأ بعضهم (إيابهم) بالتشديد، وأصله: إيوابهم، على (فيعال) فاجتمعت ~~الواو والياء وسبقت الأولى منهما بالسكون، فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء ~~فيها. # * * * # PageV01P519 ### | ومن سورة (الفجر) ### | قوله تعالى: (والفجر (1) وليال عشر (2) والشفع والوتر (3) والليل إذا يسر (4) هل في ذلك قسم لذي حجر (5)) # الفجر: انشثقاق عمود الصبح. # والليالي العشر: عشر ذي الحجة. والشفع: الخلق بما له من الشكل. والوتر: ~~الخالق الفرد؛ لأنه لا مثل له، هذا قول ابن عباس وأكثر أهل العلم، وقال ~~الحسن: الشفع: الزوج، والوتر: الفرد، وروي عن ابن عباس أيضا: أن الشفع: يوم ~~النحر، والوتر: يوم عرفة، وهو قول عكرمة والضحاك. وقيل: الشفع والوتر: ~~كلاهما من الخلق، وهو قول عبد الرحمن بن زيد، وقال عمران بن حصين: الشفع ~~والوتر: الصلاة المكتوبة منها شفع ومنها وتر، وروي عن أبي الزبير: أن ~~الشفع: ms273 اليومان الأولان من أيام النحر، والوتر: اليوم الثالث. # وقيل: العشر: عشر ليال من أول المحرم. # والحجر: العقل؛ لأنه يمنع صاحبه. # و (إرم): مدينة، قيل: هي الإسكندرية، هذا قول القرطبي، وقال المقبري: هي ~~دمشق، وقيل: هي مدينة مبنية من الذهب والفضة في البرية غيبت عن الناس، ~~وقيل: هي قبيلة، فعلى الأقوال الأول تكون (عاد) منسوبة إلى (ارم)، وعلى ~~القول الآخر يكون (عاد) هي (إرم)، وقيل: إرم: سام بن نوح، ولم ينصرف (إرم) ~~في الأقوال الأول؛ لأنها معرفة مؤنثة، وإذا جعل اسم رجل فزعم # PageV01P520 # الفراء: أنه يترك إجراؤه؛ لأنه كالأعجمي. # وقيل: (ذات العماد) ذات الطول، هذا قول ابن عباس ومجاهد. وقال ابن زيد: ~~ذات العماد في أحكام البنيان. # * * * # قوله تعالي: (كلا إذا دكت الأرض دكا دكا (21) وجاء ربك والملك صفا صفا ~~(22)) # الدك: تسوية الأرض وبسطها، ومنه الدكان لاستوائه. # قال الحسن: المعنى: وجاء أمر ربك وقضاء ربك، وقال المتكلمون: يفعل الله ~~فعلا يسميه مجيئا، ومثل هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ينزل ربنا في ~~كل ليلة إلى السماء الدنيا) أي: أمره، وهذا كما تقول: ضرب الأمير فلانا. ~~أي: ضربه صاحبه بأمره. ولا يجوز أن يكون المجيء انتقالا؛ لأن (لأن الانتقال ~~لا يصح على القديم تعالى. # * * * # PageV01P521 ### | ومن سورة (البلد) ### | قوله تعالى: (لا أقسم بهذا البلد (1) وأنت حل بهذا البلد (2)) # البلد: مكة، قال الفراء أي: هو حلال لك، وذلك يوم فتح مكة، لم تحل قبله، ~~ولا تحل بعده، أي: تقتل من رأيت قتله، فقيل له (ابن خطل) متعلق بأستار ~~الكعبة، فأمر بقتله، وقيل: لم تحل إلا لنبينا صلى الله عليه ساعة من ~~النهار. وهو قول عطاء. # * * * ### | قوله تعالى: (وهديناه النجدين (10)) # قيل: النجدان: الطريقان؛ طريق الخير وطريق الشر، وقيل: هدى الطفل إلى ثدي ~~أمه. # وأصل النجد: المرتفع من الأرض، ونقيضه: تهامة؛ لأنها لما انخفضت تهمت ~~ريحها، يقال: تهمت ريحه وتمهت إذا تغيرت. # * * * ### | قوله تعالى: (فلا اقتحم العقبة (11) وما أدراك ما العقبة (12) فك رقبة (13) أو إطعام في يوم ذي مسغبة (14) يتيما ذا مقربة (15)) # الاقتحام: الدخول على ms274 مشقة، والعقبة: الطريقة الصعبة المرتقى. والفك: ~~التفرقة، يقال: # PageV01P522 # فككته أي:، فرقته، نحو: فك القيد والغل، وتعنى (فك رقبة) أي: فرق بينها ~~وبين الرق، والمسغبة: المجاعة، والمقربة: القربى، والمتربة: الفقر، من ~~قولهم: تربت يداه. # قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي (فك رقبة أو أطعم) على الفعل الماضي. ~~وقرأ الباقون (فك رقبة أو إطعام) رد الفعل على الفعل فالمعنى على القراءة ~~الأولى: فلا اقتحم العقبة فك رقبة أو أطعم، والمعنى على القراءة الثانية: ~~وما أدراك ما العقبة؟ أي: هي فك رقبة، جعله جواب لقوله (وما أدراك). # ونصب (يتيما) ب (إطعام)، كما تقول: أعجبني ضرب زيد عمرا؛ لأنه مصدر. ~~والمصدر يعمل عمل فعله، والفاعل محذوف، قيل تقديره: أو إطعام أنت، وقيل ~~تقديره: أو إطعام إنسان. # * * * # PageV01P523 ### | ومن سورة (الشمس) ### | قوله تعالى: (والسماء وما بناها (5) والأرض وما طحاها (6) ونفس وما سواها (7) فألهمها فجورها وتقواها (8)) # اختلف في (ما) هاهنا: # فقيل: بمعنى (من) أي: من بناها ومن طحاها ومن سواها. # وقيل: هي مصدرية، وتقديره: والسماء وبنائها، والأرض وطحوها ونفس ~~وتسويتها. # و (طحاها) بسطها، ودساها: أخفاها. وقيل: هو نقيض (زكاها) أي: زكاها ~~بالعمل الصالح، ودساها بالعمل الفاسد. # [ ... ] كما يقال: زكا يزكو. # وقوله: (قد أفلح) جواب القسم، وهو على حذف (اللام). وتقديره: لقد أفلح، # PageV01P524 # وقيل (دساها) # فأبدلت السين، كما قيل: تظني والفلاح: البقاء والخلود، وقيل: الفلاح: ~~الفوز، وقيل: الفلاح: الملك. # * * * ### | قوله تعالى: (فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها (13) فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها (14) ولا يخاف عقباها (15)) # نصب (ناقة الله) بإضمار فعل، أي: اتركوا ناقة الله وسقياها، أي: احذروا ~~ناقة الله وسقياها، وربما قال بعض النحويين: نصب على التحذير، وأجاز ~~الفراء: الرفع، على أن معنى التحذير باق. # وعاقر الناقة أحمر ثمود واسمه (قدار)، قال الشاعر: # ولكن أهلكت لواء كثيرا ... وقبل اليوم عالجها قدار # والدمدمة: ترديد الحال المستنكرة، وقيل: أصله (دم) فضغف، وقيل: دم عقر. # قال الضحاك في قوله: (ولا يخاف عقباها) لم يخف الذي عقرها عقباها، وقيل ~~المعنى: ولا يخاف الله عقبي ما فعل من الدمدمة. # وقيل ms275 (فسواها) أي: سوى العقوبة لهم، وقيل: سوى أرضهم عليهم. # PageV01P525 # وقرأ أبو عمرو وابن كثير وحمزة والكسائي وعاصم (ولا يخاف) بالواو لأنها ~~في [ ... ]، وقرأ نافع وابن عامر (فلا يخاف) لأنها في مصاحف أهل المدينة ~~والشام كذلك. # فمن قرأ بالفاء جاز أن يقف على قوله: (فسواها) ومن قرأ بالواو لم يجز له ~~أن يقف؛ لأنها واو حال، ولا يجوز الوقف دون الحال. # * * * # PageV01P526 ### | ومن سورة (الليل) ### | قوله تعالى: (وما خلق الذكر والأنثى (3) # (ما) بمعنى (من) وقيل: بمعنى (الذي)، وقيل: جاءت على لغة من يقول سبحان ~~ما سبحت له. # وأجاز الفراء: الجر في (الذكر والأنثى) على البدل من (ما)، وفي القراءة ~~الأولى يكون (الذكر والأنثى) نصبا ب (خلق)، والفاعل مضمر، أي: خلق هو، وإن ~~شئت جعلت (ما) مصدرية، والتقدير: وخلقه الذكر والأنثي. # * * * ### | قوله تعالى: (وما لأحد عنده من نعمة تجزى (19) إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى (20)) # يسأل عن نصب (ابتغاء)؟ # الجواب: أنه استثناء منقطع، والمعنى لكن ابتغاء وجه ربك، قال الفراء: نصب ~~الابتغاء في جهتين: # إحداهما: أن تجعل فيها نية إنفاقه. # والأخرى: على اختلاف ما قبل (إلا) وما بعدها، والمعنى: ما ينفق إلا ~~ابتغاء وجه ربه، قال: والعرب تقول: ما في الدار أحد إلا كلبا. وهذا هو ~~الاستثناء المنقطع، قال: وهذا مذهب أهل الحجاز، فأما بنو تميم فإنهم يجعلون ~~الثاني بدلا من الأول، وأنشد: # PageV01P527 # وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس # قال: ولو رفع رافع (ابتغاء) لم يكن خطأ؛ لأنك لو ألقيت (من) من (نعمة) ~~لصار: وما لأحد عنده نعمة إلا ابتغاء، فهذا يكون على البدل، كما تقول: ما ~~أتاني من أحد إلا أبوك. # * * * # PageV01P528 ### | ومن سورة (الضحى) ### | قوله تعالى: (والضحى (1) والليل إذا سجى (2) ما ودعك ربك وما قلى (3)) # الضحى: صدر النهار، وقيل: الضحى [ ... ] الضحاء ممدود مفتوح الأول، وهو ~~قريب من نصف النهار. وسجا: سكن، وقال الحسن: غشى بظلامه. والأول قول قتادة ~~والضحاك. وودعك: تركك. وقلى: أبغض، والقلى البغض إذا كسرت (القاف) وقصرت، ~~وإذا فتحت مددت "، قال الشاعر: # عليك سلام لا مللت قريبة ... وما لك ms276 عندي، إن نأيت قلاء # والتقدير: ما ودعك ربك وما قلاك، إلا أن (الكاف) حذفت اكتفاء بالأولى، ~~ولتتفق رؤوس لآي، ومثله: أعطيتك وأحسنت، والمعنى إليك. # قال الفراء: الضحى النهار كله، وسجى أظلم وذلك في طوله. # * * * ### | قوله تعالى: (ألم يجدك يتيما فآوى (6) ووجدك ضالا فهدى (7) ووجدك عائلا فأغنى (8)) # PageV01P529 # آوى: ضم، وقيل في (ضال) ثلاثة أقوال: # أحدها: وجدك لا تعرف الحق. فهداك إليه. # والثاني: وجدك ضالا عما أنت عليه الآن من النبوة والشريعة فهداك إليه. # والثالث: وجدك في قوم ضلال، أي: فكأنك منهم. # * * * # PageV01P530 ### | ومن سورة (ألم نشرح) ### | قوله تعالى: (فإن مع العسر يسرا (5) إن مع العسر يسرا (6)) # العسر الأول هو العسر الثاني، واليسر الأول غير اليسر الثانى، وقد جاء في ~~الحديث: (لن يغلب عسر يسرين)، ووجه ذلك: أن العسر معروف، فهو واحد؛ لأنه ~~ذلك المعرف بعينه، واليسر منكر، ولو كان اليسر الثاني هو الأول لتكرر وفيه ~~الألف واللام ليعرف ذكره، كما تقول: رأيت الرجل، إذا كررت (الرجل)، قال ~~الله تعالى: (إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون ~~رسولا (15) فعصى فرعون الرسول) عرف الثاني لما كان هو الأول، وقال: (مثل ~~نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري)، ومثل ~~تكرير (العسر) وفيه الألف واللام والثاني هو الأول قول الشاعر: # لا أرى الموت يسبق الموت شيء ... نغص الموت ذا الغنى والفقيرا # والموت في ذلك كله شيء واحد. # * * * # PageV01P531 ### | ومن سورة (والتين) ### | قوله تعالى: (والتين والزيتون (1) وطور سينين (2)) # التين والزيتون: نوعان من الشجر نبه الله [ ... ]؛ بهما ونوه بهما، فأقسم ~~بهما، وقيل: التين والزيتون: جبلان. فالتين بدمشق والزيتون ببيت المقدس. ~~وقال عبد الرحمن بن زيد: التين مسجد دمشق، والزيتون بيت المقدس، وقال الحسن ~~ومجاهد وعكرمة وقتادة: التين هو الذي يؤكل، والزيتون هو الذي يعصر. # وطور سينين: جبل بين الحجاز والشام، وهو الذي كلم الله موسى بن عمران ~~عليه، وهذا قول الحسن، يقال: طور سينين وطور سيناء بمعنى واحد، وقيل: سينين ~~بمعنى: حسن؛ لأنه كثير النبات والشجر. وهو قول عكرمة، وقال مجاهد وقتادة: ms277 ~~الطور الجبل. وسينين بمعنى: مبارك، وكأنه قيل: جبل الخير. # * * * ### | قوله تعالى: (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون (6) فما يكذبك بعد بالدين (7) أليس الله بأحكم الحاكمين (8)) # قيل في قوله (غير ممنون) ثلاثة أقوال: # أحدها: أن المعنى غير منقوص. # والثانى: أن المعنى غير مقطوع. # PageV01P532 # والثالث: أن المعنى غير محسوب، من قولك: مننت عليه بكذا. أي حسبته عليه، ~~وهو قول مجاهد. # والهمزة في (أليس الله) همزة تقرير. مثل الذي في قول جرير: # ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح # ودخلت (الباء) في خبر (أليس) وإن كان قد انتقض معنى النفي؛ لأن الهمزة ~~وإن نقلت النفي إلى الإيجاب. فإنها لم تنقل (ليس) عن حكمها. وقيل: المعنى: ~~أليس الله بأحكم الحاكمين صنعا وتقديرا؛ لأنه لا خلل فيه ولا اضطراب ولا ما ~~يخرج به عما تقتضيه الحكمة. # * * * # PageV01P533 ### | ومن سورة (العلق) ### | قوله تعالى: (أن رآه استغنى (7) # (أن) في موضع نصب. لأنه مفعول له، والمعنى إن الإنسان ليطغى لأن رآه ~~استغنى، ومن أجل أن رآه استغنى. # و (رأى) هاهنا بمعنى: علم؛ لأنه لا يقال: زيد رآه، من رؤية العين، وإنما ~~يقال: زيد رأى نفسه، ولكن من رؤية القلب يجوز، نحو: زيد رآه عالما، ورآه ~~استغنى. وكذا الأفعال المؤثرة، ولا يجوز أن يعمل في ضمائر ما يكون خبرا ~~عنه، فأما قولهم: عدمتني وفقدتني، فلأنه جرى على المجاز، ألا ترى أنه لا ~~يصح أن يعدم نفسه ولا يفقدها، وإنما يعدمه غيره. # * * * ### | قوله تعالى: (لنسفعا بالناصية (15) ناصية كاذبة خاطئة (16) فليدع ناديه (17) سندع الزبانية (18)) # السفع: أصله من سفعته النار إذا غيرته عن حاله. # والناصية: شعر مقدم الرأس، وهو من ناصى يناصي مناصاة إذا واصل. # والنادي: المجلس، يقال: نادي وندي، والجمع: أندية، قال سلامة بن جندل: # PageV01P534 # يومان يوم مقامات وأندية ... ويوم سير إلى الأعداء تاوب # والزبانية: الأعوان، واحدها: زبينة، هذا قول أبي عبيدة، وقال الكسائي: ~~زبني، وقيل: # هو جمع لا واحد له، واشتقاق الزبانية من الزبن: وهو الدفع، ومنه يقال: ~~حرب زبون، قال الشاعر: # فوارس لا يملون المنايا ms278 ... إذا دارت رحا الحرب الزبون # والزبانية هاهنا: الملائكة. هذا قول ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك. # و (النون) في (لنسفعن): نون التوكيد الخفيفة، والاختيار عند البصريين أن ~~تكتب بالألف؛ لأن الوقف عليها بالألف، واختار الكوفيون: أن تكتب بالنون، ~~لأنها نون في الحقيقة. # وخفض (ناصية) بدل من (الناصية) الأولى، وحكى الفراء: أن بعضهم قرأ ~~(ناصية) بالنصب على تقدير: لنسفعا بها ناصية. ينصبها على القطع. # PageV01P535 ### | ومن سورة (القدر) ### | قوله تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر (1) # (الهاء) للقرآن، وإن لم يجر له ذكر؛ لأنه قد عرف المعنى. # وليلة القدر: ليلة يغفر الله تعالى فيها السيئات، وقيل: ليلة الحكم بما ~~يقضي الله تعالى في السنة من كل أمر، وهو قول الحسن ومجاهد، وقيل: هي في ~~العشر الأواخر من شهر رمضان، لم يطلع عليها بعينها الناس، وقيل: إنما ~~أخفاها الله تعالى عن العباد ليستكثروا من العبادة في سائر أيام العشر طلبا ~~لموافقتها، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أريتها وأنسيتها). وروي ~~عنه: (التمسوها لثلاث أو لخمس أو لسبع) قال مالك: أراه أراد: لثلاث بقين ~~وخمس بقين وسبع بقين، وقيل: هي في الأفراد من العشر الأواخر، وقال بعضهم: ~~التمسوها في الشهر كله، وقال آخر: التمسوها في السنة، وهذا كله تحريض على ~~كثرة العمل طلبا للموافقة، وقيل: قد فسرت ليلة القدر بقوله (فيها يفرق كل ~~أمر حكيم). وقيل: ليلة القدر ليلة عظيمة الشأن، من قولك: رجل له قدره. # * * * ### | قوله تعالى: (تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر (4) سلام هي حتى مطلع الفجر (5)) # PageV01P536 # قيل الأصل في (تنزل): تتنزل، فحذفت (التاء) الثانية استثقالا لاجتماع ~~التاءين، وكانت الثانية أولى بالحذف؛ لأن الأولى دخلت لتدل على الاستقبال، ~~وقيل: تنزل الملائكة بكل أمر في ليلة القدر [ ... ] حتى يعلمه أهل السماء ~~الدنيا، وحتى يتصور العباد تنزل أمر الله تعالى إليها، فتنصرف آمالهم إلى ~~ما يكون منها [ ... ] بما يتجدد من تفضل الله تعالى فيها. # والروح: جبريل عليه السلام. وقيل: ملك عظيم تقوم الملائكة يوم القيامة ~~صفا، ويقوم وحده صفا. # وقيل (السلام) ms279 في ليلة القدر سلام الملائكة بعضهم على بعض، وقيل: نزولهم ~~بالسلامة والخير والبركة، وقيل: سلام هي من الشر. # وهو قول قتادة. # وقرأ الكسائي (مطلع) بكسر اللام، وفتح الباقون. # فمن كسر جعله للوقت، وأكثر ما يأتي ما كان على (فعل يفعل) نحو: القتل ~~والمنظر والمدخل والمخرج. إلا أنه قد شذت أحرف فجاء الزمان والمكان فيها ~~على (مفعل) وهي: المطلع والمشرق والمغرب والمنبت: المجزر والمسكن والمسجد، ~~وحكى الفراء: طلعت الشمس مطلعا على المصدر، فعلى هذا تستوي القراءتان، ~~وكأنه اجتزأ بالاسم عن المصدر، كما قالوا: أعطيته عطاء وأكرمته كرامة، فأما ~~قوله: (والله أنبتكم من الأرض نباتا) فقيل: أتى على حذف الزيادة. وقيل: ~~المعنى: أنبتكم فنبتم نباتا، فنبات من غير (أنبت) على هذا القول. # PageV01P537 # و (حتى) بمعنى (إلى) والتقدير: إلى مطلع الفجر. # يجوز في (هي) وجهان: # أحدهما: أن تكون هي مبتدأة و (سلام) الخبر. # والثاني: أن يكون (سلام) مبتدأ و (هي) الخبر. # * * * # PageV01P538 ### | ومن سورة (لم يكن) البينة ### | قوله تعالى: (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة (1) رسول من الله) # حركت (النون) من (لم يكن) لالتقاء الساكنين، فإن قيل: لم لم ترجع (الواو) ~~وهي إنما حذفت لسكون (النون) و (النون) قد تحركت؟ - قيل: حركة (النون) ~~عارضة لا يعتد بها، فكأن السكون باق. # وعطف (المشركين) على (أهل الكتاب)، والتقدير: لم يكن الذين كفروا من أهل ~~الكتاب ومن المشركين، وقيل: لا يجوز ذلك؛ لأن المشركين كفار. وأهل الكتاب ~~قد لا يكونون كفارا، ولكنه مفعول معه. أي: مع المشركين، ويدل على صحة هذا ~~التأويل: أن عبد الله بن مسعود قرأ: (لم يكن المشركون وأهل الكتاب منفكين)، ~~وقل: بل يجوز أن يعطف (المشركين) على (أهل الكتاب)؛ لأن (من) لإبانة الجنس، ~~كما تقول هذا ثوب من خز؛ لأن الكفار قد يكونون من غير أهل الكتاب ومن غير ~~المشركين، وهو كقوله: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان)؛ لأن الرجس قد يكون غير ~~الأوثان. # قال الفراء: يريد بقوله:. (منفكين) أي: لم يكونوا منتهين حتى تأتيهم ~~البينة، وهي بعث محمد ms280 صلى الله عليه، قال: وقال آخرون: لم يكونوا تاركين ~~صفته في كتابهم أنه نبي حتى ظهر، فلما ظهر تفرقوا واختلفوا، ويصدق ذلك (وما ~~تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة). # PageV01P539 # والانفكاك هاهنا: التفرق. ومنفكين هاهنا: من قولهم: ما انفك زيد قائما، ~~وأجاز ذلك الفراء، وإذا كانت كذلك وجب أن يكون لها خبر، ولا خبر هاهنا، ~~فلما كان كذلك وجب الوجه الأول. # و (رسول) بدل من (البينة)، وقال الفراء: هو مستأنف، والتقدير: هو رسول من ~~الله، أو: هي. وفي قراءة أبي (رسولا من الله) بالنصب. على القطع، أي: ~~الحال، والبينة: الحجة. # * * * ### | قوله تعالى: (وذلك دين القيمة) # فيه قولان: # أحدهما: أن المعنى: ذلك دين الملة القائمة أو الشريعة. # والثاني: أن المعنى: ذلك دين الأمة القائمة أو الفرقة القائمة، والقائمة ~~والقيمة بمعنى واحد. # * * * ### | قوله تعالى: (إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم) # PageV01P540 # يجوز في (المشركين) أن يكون معطوفا على (الذين كفروا) وذلك على مذهب من ~~جعله هنالك مفعولا معه. ويجوز أن يكون معطوفا على (الذين كفروا) كما كان ~~فيما قبل. # * * * # PageV01P541 ### | ومن سورة (إذا زلزلت) ### | قوله تعالى: (إذا زلزلت الأرض زلزالها (1) وأخرجت الأرض أثقالها (2) وقال الإنسان ما لها (3)) # الزلزلة: الحركة الشديدة، وهذه الزلزلة تكون يوم القيامة، والزلزال ~~بالكسر: المصدر، والزلزال بالفتح؛ الاسم، ومثله: القلقال والقلقال، ~~والوسواس والوسواس. # قرأ أبو جعفر (إذا زلزلت الأرض زلزالها) بالفتح. # وأثقالها: كنوزها من الذهب والفضة، وقيل: أقواتها. # (وقال الإنسان ما لها) أي: الكافر، يقول: أي شيء لها وما شأنها تغيرت عما ~~كانت عليه. # وقيل: إن الأرض تتكلم يوم القيامة، قال علي بن عيسى: يكون ذلك على ثلاثة ~~أوجه: # أحدها: أن يقلبها الله حيوانا قادرا على الكلام. # والثاني: أن يحدث الله تعالى الكلام فيها. # والثالث: أن كلامها ببيان يقوم مقام الكلام. # وجواب (إذا) محذوف، والتقدير: إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض ~~أثقالها وقال الإنسان ما لها رأيت أمرا هائلا، أو حشر الناس، # PageV01P542 # وهذا الجواب هو العامل في (إذا)، ولا يجوز أن يعمل فيها (زلزلت)؛ ms281 لأنها ~~مضافة إليه والمضاف إليه لا يعمل في المضاف. # * * * # PageV01P543 ### | ومن سورة (العاديات) ### | قوله تعالى: (والعاديات ضبحا (1) فالموريات قدحا (2) فالمغيرات صبحا (3) فأثرن به نقعا (4) فوسطن به جمعا (5)) # العاديات: الخيل، والضبح: لهث يتردد من أنفاسها، وقيل: إن الضبح: حمحمة ~~الخيل عند العدو، وقيل: شدة النفس عند العدو، قال ابن مسعود: العاديات هي: ~~الإبل، والقول الأول أظهر، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وعطاء. # قيل: أقسم بالعاديات لعظم شأنها في الغارة [ ... ] الله من المشركين، ~~وقيل التقدير: ورت العاديات، والموريات: التي توري النار، أي: تظهرها ~~بسنابلها، تقول: أورى القادح النار، وتسمى النار التي تظهر تحت السنابك ~~(نار الحباحب) لضعفها قال النابغة في صفة السيوف: # تقد السلوقي المضاعف نسجه ... وتوقد بالصفاح نار الحباحب # والمغيرات: جمع مغيرة، من قولك: أغرت على العدو. # والنقع: الغبار، و (الهاء) في قوله: (فأثرن به نقعا (4) فوسطن به جمعا) ~~يعود على # PageV01P544 # المكان الذي أغيرت عليه أو الوادي، وقيل: يعود على فرس المقداد بن ~~الأسود؛ لأنه كان أشد الخيل ذلك اليوم، وقيل لم يكن في تلك المغيرة إلا ~~ثلاث من الخيل فرس المقداد أحدها، وهو ضمير لم يجر له ذكر ولكنه قد عرف. # * * * # PageV01P545 ### | ومن سورة (القارعة) ### | قوله تعالى: (فأما من ثقلت موازينه (6) فهو في عيشة راضية (7) وأما من خفت موازينه (8) فأمه هاوية (9) # وما أدراك ما هيه (10) نار حامية (11)) # قال الحسن: في الآخرة ميزان له كفتان توزن فيه أعمال العباد. وقال مجاهد: ~~(ثقلت موازينه) على جهة المثل، ويروى عن عيسى عليه السلام أنه سئل فقيل له: ~~ما بال الحسنة تثقل علينا والسيئة تخف علينا؟ فقال: لأن الحسنة حضرت ~~مرارتها وغابت حلاوتها، فلذلك ثقلت عليكم وعادت في مكروهكم، فلا يحملكم ~~ثقلها على تركها، فإن بذلك ثقلت الموازين يوم القيامة، والسيئة حضرت ~~حلاوتها، وغابت مرارتها فلذلك خفت عليكم وعادت في محبوبكم، ولا يحملكم ~~عليها خفتها فإن بذلك خفت الموازين يوم القيامة. # وراضية: في معنى مرضية. # وقيل في قوله: (فأمه هاوية) قولان: # أحدهما: أنه يهوي على أم رأسه في النار، وهو قول قتادة وأبي صالح # وقيل: ms282 أمه هاوية أي: ضامته وكافلته هاوية، أي: النار شبهت له بالأم؛ لأن ~~الأم تضمه إليها وتكفله، فصارت النار له كالأم. # * * * # PageV01P546 ### | ومن سورة (التكاثر) ### | قوله تعالى: (كلا لو تعلمون علم اليقين (5) لترون الجحيم (6) ثم لترونها عين اليقين (7)) # (كلا) زجر. و (علم اليقين): العلم الذي [ ... ] بعد اضطراب الشك فيه، ~~وتقديره في الإعراب: علم الخبر اليقين، فحذف المضاف. ومثله (حب الحصيد)، ~~وأهل الكوفة يقولون: هو إضافة الشيء إلى نفسه. وهذا لا يجوز عند البصريين. # وقوله: (لترون الجحيم) قيل: ترونها في الوقف، وهو قول الحسن. # وقرأ ابن عامر والكسائي (لترون) بالضم على ما لم يسم فاعله، وقرأ الباقون ~~بالفتح على ما سمي فاعله، إلا أن الكسائي وابن عامر [ ... ] في لترونها. # ولا يجوز همز هذه الواو على قياس: أثؤب في أثوب وأعد في وعد؛ لأن الضمة ~~هاهنا عارضة لالتقاء الساكنين. # PageV01P547 ### | ومن سورة (العصر) ### | قوله تعالى: (والعصر (1) إن الإنسان لفي خسر (2) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) # العصر: الدهر، عن ابن عباس والكلبي، وقال الحسن وقتادة: هو صلاة العصر. # والإنسان: في موضع (الناس)، ولذلك جاز الاستثناء فيه. # والخسر: أصله إهلاك رأس المال، فالإنسان في هلاك نفسه وهو أكثر رأس ماله ~~بمنزلة ذلك. # إلا المؤمن العامل بطاعة ربه الصابر على ذلك والمتواصي بالحق، وقيل: ~~المراد بذلك (أبو بكر) و (عمر) رضي الله عنهما. # * * * # PageV01P548 ### | ومن سورة (الهمزة) ### | قوله تعالى. (ويل لكل همزة لمزة (1)) # قال محمد بن إسحاق: نزلت في أمية بن خلف، وذلك أنه رأى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فهمزه ولمزه. فأنزل الله تعالى: (ويل لكل همزة لمزة). # والهمزة: الذي يشتم الرجل علانية، قال حسان: # همزتك فاختضعت لها بذل نفس ... بقافية تأجج كالشواظ # واللمزة: الذي يصيب الناس سرا ويؤذيهم. قال رؤبة: # في ظل عصري باطلي ولمزي # وقيل: الهمزة: الكثير الطعن على غيره بغير حق، العائب لمن ليس فيه عيب، ~~يقال: رجل همزة، كما يقال: ضحكة وهزأة، قال ابن عباس اللمزة: المغتاب ~~العياب. # * * * ### | قوله تعالى: (الذي جمع مالا وعدده (2) يحسب أن ماله أخلده (3)) # PageV01P549 # (الذي) في موضع جر على البدل ms283 من (همزة)، ولا يجوز أن يكون نعتا؛ لأنه ~~معرفة، و (همزة) نكرة، ويجوز أن يكون في موضع نصب على إضمار (أعني)، قد جوز ~~أن يكون في موضع رفع على إضمار (هو). # وفي حرف عبد الله (ويل للهمزة اللمزة) فعلى هذا الوجه يكون نعتا. # والويل: القبوح، كذا قال الأصمعي. وقال المفسرون: هو واد في جهنم. # وقرئ (جمع مالا) و (جمع) والتشديد للمبالغة. # وقرأ الحسن (لينبذان في الحطمة) أي: الجامع والمال، وروى: (لينبذن) يعني: ~~الجامع والمال والعدد؛ لأنه قد قرئ (جمع مالا وعدده). # * * * ### | قوله تعالى: (وما أدراك ما الحطمة (5) نار الله الموقدة (6)) # الحطمة: الحاطمة. قال الراجز: # قد لفها الليل بسواق حطم # PageV01P550 # ويقال: رحل حطم. أي: أكول. وأصل الحطم: الكسر. # وارتفع (نار الله) بإضمار مبتدأ تقديره: هي نار الله. # * * * # PageV01P551 ### | ومن سورة (الفيل) ### | قوله تعالى: (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل (1) # (تر) هاهنا بمعنى: تعلم، وليس من رؤية العين؛ لأن النبي صلى الله عليه ما ~~رأى أصحاب الفيل، وفي ذلك العام ولد النبي صلى الله عليه. وأصحاب الفيل: ~~الحبشة الذين قصدوا الكعبة ليهدموها، وزعيمهم " أبرهة الأشرم ". # والأبابيل: الجماعات، قال الفراء: لا واحد لها بمنزلة: شماطيط وعباديد، ~~قال: وحكى عن الرؤاسي أنه سمع: إبالة، في الواحد، قال الفراء: وسمعت من ~~العرب من يقول: (ضغث على إبالة)، وقيل: واحدها (أبول) كعجول وعجاجيل، وقيل: ~~واحدها (إبيل) كسكين وسكاكين، وقيل: واحدها (إيبال) كدينار ودنانير، وقيل: ~~هو اسم للجمع. # والعصف: الزرع المتحطم، وقيل: العصف: العجين، قال الراجز: # فأصبحوا مثل كعصف مأكول # وسجيل: قيل: هو معرب، وقيل: طين مطبوخ كالآجر، وقيل: كان كل طائر يأتي ~~ومعه # PageV01P552 # حجران في رجليه وواحد في منقاره، مثل الحمص وأكبر من العدس، فلا يصيب ~~أحدا إلا قتلته، وأصابت " أبرهة " فرجع وقد أمدت عليه جراحاته فلما بلغ ~~صنعاء هلك. # * * * # PageV01P553 ### | ومن سورة (قريش) ### | قوله تعالى: (لإيلاف قريش (1)) # الإيلاف: التألف. واختلف في (اللام): # فقيل: يتعلق بقوله: (فجعلهم كعصف مأكول) (لإيلاف قريش). # وقال الخليل وسيبويه المعنى: (فليعبدوا رب هذا) (لإيلاف قريش) وقال ~~الفراء: (ألم تر كيف فعل ربك) ms284 (لإيلاف قريش)؛ لأنه ذكر أهل مكة النعمة ~~عليهم بما صنع بالحبشة، وقال أيضا تقديره: أعجب يا محمد لإيلاف قريش. يعجبه ~~من نعمه عليهم في إيلافهم. # * * * # PageV01P554 ### | ومن سورة (الماعون) ### | قوله تعالى: (أرأيت الذي يكذب بالدين (1) فذلك الذي يدع اليتيم (2)) # يدع: يدفعه عنفا به؛ لأنه لا يؤمن بالجزاء عنه، فليس له وازع، يقال: دعه ~~يدعه دعا، قال ابن عباس ومجاهد: قتادة: يدع اليتيم عن حقه، أي يدفعه. # * * * ### | قوله تعالى: (فويل للمصلين (4) الذين هم عن صلاتهم ساهون (5) الذين هم يراءون (6) ويمنعون الماعون (7)) # يجوز في قوله: (الذين هم يراءون) أن يكون في موضع جر على النعت للمصلين. ~~ويجوز أن يكون في موضع نصب على إضمار (أعني)، وفي موضع رفع على إضمار (هم). # والماعون: ماعون البيت مثل: الدلو والقصعة والفاس والقداحة، وقيل: ~~الزكاة، وقال أبو عبيدة: كل ما فيه منفعة، وأنشد: # بأجود منه بما عنده ... إذا ما سماؤهم لم تغم # PageV01P555 # وأصله: القلة، يقال: ما له سعن ولا معن. # * * * # PageV01P556 ### | ومن سورة (الكوثر) ### | قوله تعالى: (إنا أعطيناك الكوثر (1) فصل لربك وانحر (2) إن شانئك هو الأبتر (3)) # الكوثر: الخير الكثير، وهو (فوعل) من الكثرة: قيل: هو نهر في الجنة، ~~ويروى عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: من أراد أن يسمع خرير الكوثر ~~فليضع إصبيعه في أذنيه، وروي عنها أنها قالت: في حافتي الكوثر قباب الدر ~~والياقوت، وروي عن ابن عمر أنه قال: يجري على الدر والياقوت، وروى عن ~~الحسن: أن الكوثر: القرآن. ### | وقوله: (فصل لربك وانحر) # ضع يديك حذو منكبيك، وقيل: ضع اليمنى على اليسرى حذاء النحر في الصلاة، ~~وهو قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه. # وقيل: انحر [النون] (1) في الأضحية والهدي. ### | وقوله: (إن شانئك هو الأبتر (3)) # أي: مبغضك، والأبتر: المنقطع عن الخير، وقيل: الذي لا عقب له، وهو قول ~~مجاهد، ونزل في العاص بن وائل، قال: محمد لا عقب له. # * * * PageV01P557 ### | ومن سورة (الكافرين) ### | قوله تعالى: (قل يا أيها الكافرون (1) لا أعبد ما تعبدون (2)) # قال الزجاج المعنى: (لا أعبد ما تعبدون) في الحال، (ولا أنتم عابدون ms285 ما ~~أعبد (3) ولا أنا عابد ما عبدتم (4))، في المستقبل إذا لم تؤمنوا (ولا أنتم ~~عابدون ما أعبد (5))، في المستقبل؛ لأنه قد أيس من إيمانهم. # قال أبو إسحاق: [ ... ] النبي صلى الله عليه وسلم أن يعبدوا إلهه يوما، ~~ويعبد آلهتهم يوما، أو جمعة وجمعة، أو شهرا وشهرا، أو سنة وسنة، فأنزل الله ~~تعالى: (قل يا أيها الكافرون (1) لا أعبد ما تعبدون (2) ولا أنتم عابدون ما ~~أعبد (3))، مجامعة (ولا أنا عابد ما عبدتم (4)، مشاهدة، (ولا أنتم عابدون ~~ما أعبد (5)، مشافهة (لكم دينكم ولي دين (6)). # * * * # PageV01P558 # ومن سورة (النصر) ### | قوله تعالى: (فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا (3)) # (الفاء) جواب (إذا) # و (توابا): خبر (كان) # ويروى: أنه نعيت له نفسه - صلى الله عليه وسلم-. # * * * # PageV01P559 ### | ومن سورة (أبي لهب) ### | قوله تعالى: (تبت يدا أبي لهب وتب (1) ما أغنى عنه ماله وما كسب (2)) # تبت: خسرت، وأبو لهب: عم النبي صلى الله عليه، وذكر بكنيته دون اسمه؛ ~~لأنها كانت أغلب عليه، وقيل: كان اسمه عبد العزى، فكره الله تعالى أن ينسبه ~~إلى العزى [ ... ] إنما هو عبد الله. # وقوله: (ما أغنى عنه ماله) يجوز في (ما) وجهان: # أحدهما: أن تكون نافية، والمعنى: ما أغنى عنه ماله. # والثاني: أن تكون استفهاما، وموضعها نصب، والتقدير: أي شيء أغنى عنه ~~ماله. # * * * ### | قوله تعالى: (سيصلى نارا ذات لهب (3)) # جاء في التفسير: أن (أم جميل) حمالة الحطب، كانت تحمل الشوك وتلقيه في ~~طريق النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقيل: حمالة الحطب (ثمامة)، والأول قول ~~ابن عباس والضحاك وابن زيد، والثاني قول عكرمة ومجاهد وقتادة. # PageV01P560 # والجيد: العنق، والمسد: الليف. # قال الفراء: يرتفع (وامرأته حمالة الحطب) من جهتين: # أي: يصلى وامرأته نار جهنم، و (حمالة) صفة لها هذا وجه. # والوجه الآخر: يقول: ما أغنى عنه ماله وامرأته في النار. فيكون (في ~~جيدها) الرافع بها يعني: أن (امرأته) مبتدأ، و (في جيدها) الخبر. وإن شئت ~~جعلت (حمالة الحطب) رافعة لها، أي: خبرا. كأنك قلت: ما أغنى ماله وامرأته ~~هكذا. # ومن نصب (حمالة) فعلى القطع، لأنها نكرة؛ لأن ms286 الانفصال مقدر فيها، أو على ~~الشتم والذم، والوجه الأول لا يجوز عند البصريين. # * * * # PageV01P561 # ومن سورة (الإخلاص) ### | قوله تعالى: (قل هو الله أحد (1) الله الصمد (2)) # قال الفراء: سأل الكفار النبي صلى الله عليه، فقالوا: ما ربك؟ أمن ذهب أم ~~من فضة؟ أيأكل أم يشرب؟ فأنزل الله تعالى: (قل هو الله أحد الله الصمد)، ~~والتقدير على هذا: قل الحديث الذي سألتم عنه (الله أحد) ف (هو) مبتدأ و ~~(الله) مبتدأ ثان و (أحد) خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر عن الأول، هذا ~~مذهب البصريين. # وقال الكسائي: (هو) عماد حكى ذلك الفراء وخطأه فيه؛ لأنه ليس قبله ما ~~يعتمد عليه. وهو كما قال؛ لأن العماد إنما يكون بين معرفتين لا تستغني ~~إحداهما عن الأخرى، أو بين معرفة ونكرة تقارب المعرفة، وذلك في باب ~~الابتداء، وباب كان، وباب (إن)، وباب الظن. # * * * ### | وقوله: (الله الصمد (2)) # (الله) مبتدأ، و (الصمد) خبره، ويجوز أن يكون (الصمد) نعتا لله تعالى، و ~~(الله) خبر مبتدأ محذوف، أي: هو الله الصمد، وقيل: (الله) بدل من (أحد) ~~كأنه في التقدير: قل هو الله الصمد. # واختلف في (الصمد): # فقيل: هو السيد، وأنشد النحويون: # لقد بكر الناعي بخير بني أسد ... بعمر بن مسعود وبالسيد الصمد # PageV01P562 # وقيل: (الصمد) الذي لا جوف له. وقيل: (الصمد) الفرد، وقيل (الصمد) الذي ~~لا يطعم.: قل (الصمد) الذي لا كفء له. # والأصل في (أحد): وحد. فأبدلوا من (الواو) (همزة) كما قالوا: امرأة أناة، ~~والأصل: وناة. وقيل: أحد بمعنى أول، ولا بدل في الكلام، ومنه يقال: يوم ~~الأحد. # وقرأ أبو عمرو (أحد الله الصمد) بغير تنوين، حذفه لالتقاء الساكنين رواه ~~عنه هارون، وروي نصر عن أبيه عن أحمد بن موسى: (أحد الله الصمد). وقيل: إنه ~~نوى الوقف؛ لأنه رأس آية فلذلك حذف التنوين، والوجه الأول أولى، قال ~~الشاعر: # فألفيته غير مستعتب ... ولا ذاكر الله إلا قليلا # * * * ### | قوله تعالى: (ولم يكن له كفوا أحد (4)) # PageV01P563 # [ ... ] ويجوز في (كفوا) وجهان: # أحدهما: أن يكون خبرا ل (يكن). # والثاني: أن يكون حالا من (أحد) [ ... ] في الأصل ms287 وصفا فلما [ ... ] على ~~الحال [ ... ]. # لمية موحشا طلل ... يلوح كأنه خلل # ويكون (له) الخبر. وهو قياس قول [ ... ] أن تخبر النكرة عن النكرة؛ لأن ~~فيها فائدة، والفائدة في قوله (له). # * * * # PageV01P564 ### | ومن سورة (الفلق) ### | قوله تعالى: (قل أعوذ برب الفلق (1) من شر ما خلق (2) ومن شر غاسق إذا وقب (3)) # (ما) في موضع جر بإضافة (شر) إليها. وفي هذا دلالة على أن الله تعالى قد ~~خلق الشر. # وقرأ عمرو بن عبيد (من شر ما خلق) بالتنوين؛ لأنه كان [ ... ] أن الله لم ~~يخلق الشر [ ... ]، من وجهين: # أحدهما: أنه كان يبطل معني الاستعاذة. # والثاني: أنه يعمل ما بعد النفي فيما قبله، وهذا لا يجوز. # * * * ### | قوله تعالى (ومن شر غاسق إذا وقب (3)) # الغاسق: الليل، ووقب: دخل في كل شيء، وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها ~~قالت: الغاسق: [ ... ] # سمي الليل غاسقا لأنه أبرد من النار، وأصل الغسق: البرد، ومنه قوله تعالى ~~(إلا حميما وغساقا). # * * * # PageV01P565 ### | ومن سورة (الناس) ### | قوله تعالى: (من شر الوسواس الخناس (4) الذي يوسوس في صدور الناس # (5) من الجنة والناس (6)) # الوسواس: الصوت الخفي، والوسواس: صوت الحلي [ ... ] فإذا استغفر العبد ~~خنس، وقيل في الوسواس ثلاثة أقوال. # أحدها: أن المعنى من شر الوسوسة التي [ ... ] # والثاني: أن المعنى من شر ذي الوسواس وهو الشيطان. # والثالث: أن يكون (من الجنة) بيانا أن منهم [ ... ] # وقوله: (والناس) معطوفا على (الوسواس). وقال الفراء (في صدور الناس (5) ~~من الجنة والناس) (الناس) وقعت هاهنا على الجن والإنس، كقولك: يوسوس في ~~صدور الناس جهنم وأنسهم. وحكى عن بعض العرب قال: جاء قوم من الجن فقيل: من ~~أنتم؟ فقالوا: أناس من الجن. والقول الأول أوجه. # قيل: أمر أن يستعاذ من شر الإنس والجن. # * * * # تم بحمد الله ومنه. PageV01P566 ms288